######OpenITI# #META# Author: مكي بن أبي طالب #META# Title: تفسير الهدايه إلى بلوغ النهايه #META# Date: ت 437 ه #META# Tafsir_type: تفاسير أهل السنة الصوفية #META# Source: altafsir.com #META#Header#End# ### | [1 - سورة الفاتحة] ### || [1.1] # قال أبو محمد: نذكر في هذا الموضع جملة من علل النحويين في { بسم الله ~~الرحمن الرحيم } ، ونستقصي إن شاء الله ذلك في سورة النمل إذ ~~هي بعض آية هناك بإجماع. # فمن ذلك أن في كسر الباء قولين: # - أحدهما: إنها كسرت لتكون حركتها مشبهة لعملها. # القول الثاني: إنها كسرت ليفرق بين ما لا يكون إلا " [حرفا وبين ما] قد ~~يكون اسما نحو الكاف، وكذلك لام الجر. # وأصل الحروف التي تدخل للمعاني أن تكون مفتوحة لخفة الفتحة نحو حروف ~~العطف وألف الاستفهام وشبهه. # ولكن خرجت الباء واللام عن الأصل للعلة التي ذكرنا. # وقيل: إنما كسرت لام الجر للفرق بينها، وبين لام التأكيد في قولك: " إن ~~هذا لزيد " إذا أردت أن / المشار إليه هو زيد، وإذا أردت أن المشار إليه ~~في / ملك زيد كسرت اللام. # ويدل على أن أصلها الفتح أنها تفتح مع المضمر إذ قد أمن اللبس لأن علامة ~~المجرور خلاف علامة المرفوع. تقول: " هذا له وهذا لك " ، وأيضا فإن ~~الإضمار يرد الأشياء إلى أصولها. هذا أصل مجمع عليه في كلام العرب، وسترى ~~منه أشياء فيما بعد إن شاء الله. # ومن ذلك أن " اسما " فيه أربع لغات: " اسم " بكسر الألف وبضمها، و " سم ~~" بضم السين وبكسرها. فمن ضم الألف في الابتداء جعله من " سما يسمو " ~~إذ ارتفع " كدعا يدعو ". ومن كسرها جعله من [سمي يسمى] " كرضي ~~يرضى ". # قال ابن كيسان: " يقال: " سموت وسميت كعلوت وعليت، وأصله سمو أو ~~سمو على [وزن] فعل أو فعل، ثم حذفت الواو استخفافا لكثرة ~~الاستعمال. # فلما تغير آخره غير أوله بالسكون، فاحتيج إلى ألف وصل ليوصل بها إلى ~~النطق بالساكن وهو السين المغيرة إلى السكون ". # واختلف في كسرة الألف المجتلبة. فقيل: اجتلبت ساكنة وبعدها ساكن فكسرت ~~لالتقاء الساكنين. # وقيل: بل اجتلبت مكسورة، وإنما ضمت إذا كان الثالث من الفعل مضموما ~~لاستثقال الخروج من كسر إلى ضم /، وضمت الألف إذا كان الثالث من الفعل ~~مضموما ليخرج الناطق من ضم إلى ضم، نحو: " أقتل، أخرج ms0001 " ، فذلك أسهل ~~من الخروج من كسر إلى ضم. # وقيل: بل أصلها السكون لكن لا بد من حركتها إذ لا يبدأ بساكن فأتبعت ~~ثالث الفعل، فكسرت إذا كان الثالث مكسورا نحو " إضرب ". وضمت إذا كان ~~الثالث مضموما نحو " أقتل ". ولم تفتح إذا كان الثالث مفتوحا لئلا ~~تشبه ألف المتكلم فكسرت، وكان الكسر أولى بها / والثالث مفتوح لأن الخفض ~~والنصب أخوان، وذلك نحو: " اصنع ". # و " اسم " عند البصريين مشتق من السمو؛ يدل على ذلك قولهم في التصغير " ~~سمي ". فرجعت اللام المحذوفة إلى أصلها، ورجعت السين إلى حركتها لأن ~~التصغير والجمع يردان الأشياء إلى أصولها. # وقال الكوفيون: " هو مشتق من السمة وهي العلامة لأن صاحبه يعرف به، وليس ~~يسمو به، كما ذكر البصريون أن اشتقاقه من السمو وهو العلو ". # قال أبو محمد: وقول الكوفيين قول يساعده المعنى ويبطله التصريف لأنهم ~~يلزمهم أن يقولوا في التصغير " وسيم " ، لأن فاء الفعل واو محذوفة ~~فيجب ردها في التصغير، وذلك لا يقوله أحد. وقد شرحنا هذه المسألة بأشبع ~~من هذا في غير هذا الكتاب. # / والباء من { بسم الله } متعلقة بمحذوف. ذلك المحذوف خبر ابتداء ~~مضمر قامت الباء وما اتصل بها مقامه، فهي وما بعدها في موضع رفع إذ سدت ~~مسد الخبر للابتداء المحذوف، تقديره: " ابتدائي ثابت بسم الله " أو " ~~مستقر بسم الله " ، ثم حذف الخبر وقامت الباء وما بعدها مقامه، وهذا مذهب ~~البصريين. # وقال الكوفيون: " الباء متعلقة بفعل محذوف، وهي وما بعدها في موضع نصب ~~بذلك الفعل " ، تقديره عندهم: " ابتدأت بسم الله ". # والاسم هو المسمى عند أهل السنة. قال أبو / عبيدة: " معنى باسم الله: ~~بالله ". # / وقال: " اسم الشيء هو الشيء ". # ودل على ذلك قوله " # سبح اسم ربك # [الأعلى: 1] أي سبح ربك، أي نزه ربك. # واختلف النحويون في علة حذف الألف من الخط في { بسم الله }؛ فقال ~~الكسائي والفراء: " حذفت لكثرة الاستعمال ". # وقال الأخفش " حذفت لعدمها من اللفظ. ويلزمه ذلك في كل ألف وصل لأنها ~~معدومة أبدا في اللفظ في الوصل، لكنه قال: " مع كثرة الاستعمال بجعل ~~حذفها ms0002 لاجتماع العلتين ". # وقيل [بل] حذفت لأن الباء دخلت على سين مكسورة أو مضمومة. # حكى ابن زيد أنه يقال: " سم " و " سم " ، ثم أسكنت السين إذ ليس في ~~الكلام فعل على مذهب من ضم السين وأسكنت على مذهب من كسر السين ~~استخفافا. # وقيل: حذفت الألف للزوم الباء هذا الاسم في الابتداء، فإن كتبت " بسم ~~الرحمن " أو " بسم الخالق " و # اقرأ باسم ربك # [العلق: 1]، فالأخفش والكسائي يكتبان هذا وما أشبهه بغير ألف " كبسم ~~الله ". والفراء يكتبه بألف إذ لم يكثر استعماله، ككثرة استعمال " بسم ~~الله ". ولا يحسن الحذف للألف من الخط عند جميعهم إلا مع الباء. # لو قلت: " لاسم الله حلاوة " أو قلت: " ليس اسم كاسم الله " ، لم يجز ~~حذف الألف مع غير الباء من حروف الجر، إلا على قول من قال: " سم " أو ~~" سم " فأما من قال " اسم " بألف في الابتداء بكسر الألف أو بضمها فلا ~~يجوز حذف الألف من الخط مع غير الباء عند أحد من النحويين إذ لم يكثر ~~استعماله. # والحمد لله معناه الثناء الكامل. والشكر الشامل لله يكون لأفعاله الحسنة ~~وفضائله الكاملة، والحمد أعم من الشكر وأمدح. ورفعه بالابتداء، " ~~ولله " في موضع الخبر تقديره: " الحمد ثابت لله " أو " مستقر لله ". ~~فاللام متعلقة بهذا المحذوف الذي قامت اللام وما بعدها مقامه. # والنصب جائز في الحمد في الكلام على المصدر، لكن الرفع فيه أعم لأن ~~معناه إذا رفعته جميع " الحمد مني ومن جميع الخلق لله " وإذا نصبت ~~فمعناه: " أحمد الله حمدا " ، فإنما هو حمد منك لله لا غير. فالرفع يدل ~~على أن الحمد منك ومن غيرك لله، فهو أعم وأكمل، فلذلك أجمع القراء على ~~رفعه في جميع ما وقع في القرآن من لفظ { الحمد لله } ، إذ لم يكن ~~/ قبله عامل فإذا كان " الحمد " مبتدأ، و " لله " خبر، وهو في اللفظ ~~بمنزلة قولك: " المال لزيد " في حكم الإعراب، وليس مثله في المعنى لأنك ~~إذا قلت: " الحمد لله " أخبرت بهذا، وأنت معتمد أن تكون حامدا لله ~~داخلا في جملة الحامدين طالبا للأجر ms0003 على قولك، مقرا إذا رفعته أن جميع ~~الحمد منك ومن غيرك لله متقربا بذلك إلى الله، متعرضا لعفوه مظهرا ما ~~في قلبك بلسانك، شاهدا بذلك لله. ولست تخبر أحدا بشيء يجهله، فأنت غير ~~مخبر على الحقيقة بشيء استقر علمه عندك، وليس ذلك العلم عند غيرك. وإذا ~~قلت: " المال لزيد " ، فأنت مخبر بما استقر علمه عندك مما ليس علمه عند ~~غيرك. فاعرف الفرق بينهما. # فأما علة حذف الألف الثانية / من " الله " في الخط ففيها أيضا اختلاف. # قال قطرب: " حذف استخفافا إذ كان طرحها من الخط لا يلبس. # وقيل: إنما حذفت الألف على لغة من يقول قال: " الله / بغير مد، كقول ~~الشاعر: # أقبل سيل جاء من عند الله # وقيل: حذفت الثانية لأن الأولى تكتفي عنها، وتدل عليها. # وقيل: إنما حذفت لئلا يشبه خط " اللات " في قول من وقف عليه بالهاء. # فأما حذف ألف { الرحمن } من الخط فلكثرة الاستعمال والاستخفاف، ~~ولأن المعنى لا يشكل بغيره. # وقدم { الرحمن } على { الرحيم } لأن " الرحمن " اسم شريف ~~مبني للمبالغة لا يتسمى به غير الله جل ذكره، والرحيم قد يوصف به الخلق ~~فأخر لذلك. # وقيل: الرحيم، ولم يقل: الراحم، لأن فعيلا فيه مبالغة أيضا تقارب ~~مبالغة الرحمن، فقرن بالرحمن دون الراحم إذ الراحم لا مبالغة في بنيته ~~لأنه يوصف بالراحم من رحم مرة في عمره، ولا يوصف بالرحيم إلا من تكررت ~~منه الرحمة. # وقيل: إنما قدم الرحمن على الرحيم لأن النبي عليه السلام كان يكتب في ~~كتبه " باسمك اللهم " حتى نزل: # بسم الله مجريها # [هود: 41] فكتب { بسم الله } ، حتى نزل: # قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن # [الإسراء: 110]، فكتب { بسم الله } ، فسبق نزول الرحمن. ثم نزل: # وإنه بسم الله الرحمن الرحيم # [النمل: 30]. فكتب ذلك على ترتيب ما أنزل عليه صلى الله عليه وسلم. # وقال ابن مسعود / " كنا نكتب زمانا باسمك اللهم " حتى نزلت: { أو ~~ادعوا الرحمن } ، فكتبنا " بسم الله الرحمن " / فلما نزلت " ~~التي في النمل كتبناها ". # ومعنى { الرحمن }: الرفيق بخلقه، ومعنى: { الرحيم } العاطف ~~على خلقه بالرزق وغيره. # وقيل: إنما ms0004 جيء بالرحيم ليعلم الخلق أن { الرحمن الرحيم } على ~~اجتماعهما لم يتسم بهما غير الله جل ذكره، لأن الرحمن على انفراده قد ~~تسمى به مسيلمة الكذاب لعنه الله، و { الرحيم } على انفراده قد يوصف ~~به المخلوق. فكرر الرحيم بعد الرحمن، وهما صفتان لله أو اسمان، ليعلم ~~الخلق ما انفرد به الله تعالى ذكره من اجتماعهما له، وما ادعى بعضه بعض ~~خلقه. # وهذا القول هو معنى قول عطاء لأنه قال: " لما اختزل الرحمن من ~~أسمائه - أي تسمى به غيره -، صار لله الرحمن الرحيم ". # والألف واللام في { الرحيم } للتعريف، وإنما اختيرا للتعريف، لأن ~~الهمزة تختل بالتسهيل والحذف والبدل وبإلقاء حركتها على ما قبلها، واللام ~~تدغم في أكثر الحروف وكلاهما من الحروف الزوائد. ### || [1.2] # في وصل { الرحيم } ب { الحمد } ، عند النحويين ثلاثة أوجه: # - أحدها: أن تقول " الرحيم. الحمد لله " فتكسر الميم وتقف عليها ~~وتقطع ألف الحمد. وهذا مستعمل عند القراء حسن، وهو مروي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم روته أم سلمة. # - والثاني: أن تقول: " الرحيم الحمد لله " ، فتصل الألف ~~وتعرب الرحيم بحقه من الإعراب فتكون الكسرة خفضا، وإن شئت / قدرت أنك ~~وقفت على الرحيم بالإسكان، ثم وصلت فكسرت الميم لسكونها وسكون لام الحمد ~~بعدها، ولا يعتد بألف الوصل لسقوطها في درج الكلام. # وهذان الوجهان حسنان مستعملان في القراءة. # - والوجه الثالث: حكاه الكسائي سماعا من العرب، أن تقول: " الرحيم ~~الحمد " فتح الميم ووصل الألف وذلك أنك تقدر أنك أسكنت الميم للوقف ~~عليها وقطعت ألف الحمد للابتداء / بها، ثم ألقيت حركتها على الميم ~~وحذفتها فانفتحت الميم. ولا يقرأ بهذا. # وقد ذكر الفراء هذا التقدير في قوله تعالى: # الم * الله # [آ ل عمران: 1-2] وذكره غيره. وستراه إن شاء الله ومثله قياس وصل " ~~نستعين " ب " اهدنا ". # والألف الأول من اسم " الله " تحذف من الخط مع اللام، تقول: " لله ~~الحجة، ولله الأمر " ، فإن قلت: " بالله أتق " ، و " ليس كالله أحد "؛ لم ~~يجز حذف الألف من الخط، وعلة حذفها من الخط مع اللام، دون سائر حروف ~~الجر، أن ms0005 اللام مع الألف يصيران حرفا واحدا في رأي العين. والألف مع ~~اللام الثانية بمنزلة " قد " لأنهما زيدا معا للتعريف لا يفترقان. فلو ~~أثبتت الألف مع اللام الأولى، كنت قد فصلتها مع اللام الأولى من اللام ~~الثانية. # / وقيل: إنما حذفت الألف من الخط مع اللام، لئلا تصير " لا " فتشبه ~~النفي. فإن كانت الألف مقطوعة لم تحذف الألف مع اللام، ولا مع غيرها من ~~حروف الجر في الخط نحو قولك: " لألواحك حسن، ولألواحك بياض " ، وإنما ~~ذلك، لأن الألف في هذا ليست مع اللام للتعريف إذ اللام أصلية فجاز ~~انفصالها من اللام الثانية مع اللام الأولى. # قوله: { رب العالمين }. # الرب المالك. فمعناه: مالك العالمين. # وقيل: الرب السيد. # وقيل: المصلح، يقال: " ربه يربه ربا " إذا أصلحه. ويقال على ~~التكثير: ربته ورباه ورببه. # / فالذين يقولون: " ربته " بالتاء، أصله عندهم رببه ثم أبدلوا ~~من الباء الثالثة " ياء " ، كما يقال، تقضيت " في " تقضضت " ~~ثم أبدلوا من الياء تاء. كما أبدلوا من الواو تاء في " ترات " ، و " ~~تجاه " و " تولج " وأصله " وولج " على " فوعل، من " ولجت ". وبدل التاء ~~من الياء قليل شاذ، وهو في الواو كثير. # و { العالمين } جمع عالم. والعالم هو جميع الخلق الموجود في كل ~~زمان. وروى عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه في قول الله: # { الحمد لله رب العالمين }. قال: " العالمون ثمانية عشر ~~ألف ملك في نواحي الأرض الأربع، في كل ناحية أربعة آلاف ملك وخمسمائة ملك ~~مع كل ملك منهم عدد الجن والإنس، فبهم يدفع الله العذاب عن أهل الأرض ". ### || [1.3] # قد تقدم الكلام عليه في التسمية. وإنما كرر، وقد تقدم ذكره في التسمية، ~~لأن الأول ليس بآية من الحمد، وهذا آية، فلذلك وقع التكرير في آيتين ~~متجاورتين. وهذا مما يدل على أن { بسم الله الرحمن الرحيم } ~~ليس بآية من الحمد، إذ لو كانت آية كما يقول المخالف لكنا قد أتينا ~~بآيتين متجاورتين متكررتين بمعنى، وهذا لا يوجد في كتاب الله جل ذكره إلا ~~بفصول تفصل بين الأولى والثانية، أو بكلام يعترض بين الأولى ms0006 والثانية. # - فإن قيل: قد فصل في هذا ب { الحمد لله رب العالمين }. # - فالجواب إن " الرحمن الرحيم " في الحمد مؤخر يراد به التقديم، وإنما ~~تقديره: " الحمد لله الرحمن الرحيم رب العالمين " ، فلا فاصل بين " ~~الرحمن الرحيم " الأول والثاني. فإن كان ذلك كذلك، دل على أن التسمية ~~ليست بآية من الحمد إذ لا نظير لها في كتاب الله جل ذكره، وإنما حكمنا ~~على أن المراد " " بالرحمن الرحيم " / في " الحمد " التقديم، لأن قوله: ~~{ ملك يوم الدين } مثل قوله: { رب العالمين } في ~~المعنى، لأن معناه أنه إخبار من الله / أنه يملك / يوم الدين، و { رب ~~العالمين } هو إخبار من الله أنه يملك العالمين فاتصال الملك بالملك ~~أولى في الحكمة ومجاورة صفته بالرحمة صفته بالحمد والثناء أولى. فكل واحد ~~مرتبط إلى نظيره في المعنى فدل على أن { الرحمن الرحيم } في " ~~الحمد لله " متصل به، يراد به التقديم. و { ملك يوم الدين } ~~متصل ب { رب العالمين } إذ هو نظيره في المعنى، وذلك أبلغ في ~~الحكمة. والتقديم والتأخير كثير في القرآن. ### || [1.4] # الدين الجزاء في هذا الموضع. # وقد يكون الدين التوحيد، نحو قوله: # إن الدين عند الله الإسلام # [آل عمران: 19]. # ويكون الدين الحكم، نحو قوله: # رأفة في دين الله # [النور: 2] أي في حكمه. ويكون الدين الإسلام نحو قوله: # ليظهره على الدين كله # [التوبة: 33]، و # إن الدين عند الله الإسلام # [آل عمران: 19]. # وقال مجاهد، " الدين الحساب " ، كما قال: # غير مدينين # [الواقعة: 86]. أي غير محاسبين. # ويكون الدين العادة، ولم يقع في القرآن. # وقد روى الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ (مالك) بألف. وأبو بكر، ~~وعمر، وعثمان، كذلك قرأوها وبذلك قرأ علي، وابن مسعود، وأبي، ومعاذ بن ~~جبل وطلحة، والزبير. # وبذلك قرأ عاصم والكسائي. # وقد بينا كشف وجوه القراءات في كتاب: " الكشف عن وجوه القراءات " ، ~~فأغنانا ذلك عن الكلام فيها في هذا الكتاب. # فأما من قرأ، { ملك يوم الدين } ، فهم الأكثر من القراء ~~وشاهده إجماعهم على # ملك الناس # [الناس: 2] بغير ألف. ### || [1.5] # اختلف النحويون في " إياك وإياه وإياي ms0007 "؛ فللبصريين فيها قولان: # - أحدهما: أن " إيا " اسم مضمر أضيف إلى ما بعده للبيان لا للتعريف. ولا ~~يعرف في كلام العرب اسم مضمر مضاف إلى ما بعده غير هذا. # وحكى الخليل عن العرب: " إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشواب ". ~~فأضاف " إيا " إلى الشواب للبيان. # - والقول الثاني: مروي عن المبرد قال: " إن " إيا " اسم مبهم أضيف ~~للتخصيص لا للتعريف، ولا يعرف في كلام العرب اسم مبهم أضيف إلى ما بعده ~~غير هذا ". # وللكوفيين في هذا أيضا ثلاثة أقوال. # - حكى ابن كيسان وغيره. عنهم أن " إياك " بكماله اسم مضمر، ولا يعرف اسم ~~مضمر يتغير آخره غيره، فتقول: " إياه وإياك وإياي ". # - والقول الثاني: إن الكاف والهاء والياء، هن الاسم المضمر في " إياك ~~وإياه وإياي " ، لكنه اسم لا يقوم بنفسه ولا ينفرد ولا يكون إلا متصلا ~~بما قبله من الأفعال، فلما تقدم على الفعل لم يقم بنفسه فجعل " إيا " ~~عمادا له ليتصل به، ولو أخرت لا تصل المضمر بالفعل واستغنيت عن " إيا " ~~فقلت: " نعبده " و " نعبدك ". وهو اختيار ابن كيسان. # - والقول الثالث: حكاه أيضا ابن كيسان؛ وهو أن " إيا " اسم مبهم يكنى ~~به / عن المنصوب وزيدت إليه الكاف والهاء والياء في: إياك وإياه وإياي ". ~~" ليعلم المخاطب / من الغائب من المخبر عن نفسه ولا موضع للكاف والهاء ~~والياء من الإعراب، فهي كالكاف في " ذلك " وأرأيتك زيدا ما صنع ". ذكر ~~معنى جميع ذلك ابن كيسان في كتابه في تفسير القرآن وإعرابه ومعانيه. # والعبادة في اللغة التذلل بالطاعة والخضوع. # فمعنى { إياك نعبد وإياك نستعين }: نذل لك ونخضع ~~بالعبادة لك ونستعين بك على ذلك. # وإنما قدم { نعبد } على { نستعين } وقد علم أن الاستعانة قبل ~~العبادة، والعمل لا يقوم إلا بعون الله، لأن العبادة لا سبيل إليها إلا ~~بالمعونة، والمعان على العبادة لا يكون إلا عابدا. فكل واحد مرتبط ~~بالآخر: لا عمل إلا بمعونة ولا معونة إلا تتبعها عبادة، فلم يكن أحدهما ~~أولى بالتقديم من الآخر، وأيضا فإن الواو لا توجب ترتيبا عند أكثر ~~النحويين. # وأما علة تكرير { إياك ms0008 } فمن أجل اختلاف الفعلين إذ أحدهما عبادة ~~والآخر استعانة. # / وقيل: كرر للتأكيد كما تقول: " المال بين زيد وعمرو، بين زيد وبين ~~عمرو " ، فتعيد " بين " للتأكيد. # قوله: { نستعين }. # أصله " نستعون " على وزن " نستفعل " من العون. والمصدر منه ~~استعانة، وأصله استعوانا، فقلبت حركة الواو على العين، فلما انفتح ما ~~قبل الواو - وهي في نية حركة - انقلبت ألفا، فالتقى ألفان، فحذفت ~~إحداهما لالتقاء الساكنين. فقيل: المحذوفة الثانية لأنها زائدة، والأولى ~~أصلية. وقيل: بل المحذوفة الأولى لأن الثانية تدل على معنى ولزمته الهاء ~~عوضا من الألف المحذوفة. # والنون الأولى في { نستعين } يجوز فيها الكسر لغة مشهورة وكذلك ~~التاء والهمزة في قولك: " أنت تستعين وأنا أستعين ". وإنما ذلك ~~في كل فعل سمي فاعله فيه زوائد أو مما يأتي من الثلاثي على " فعل، ~~يفعل " بفتح العين في المستقبل، وكسرها في الماضي نحو: " أنت تعلم ~~وأنا أعلم ". ### || [1.6] # معناه ثبتنا، لأنهم كانوا مهتدين، وإنما هو رغبة إلى الله أن يثبتنا على ~~ذلك حتى يأتي الموت ونحن عليه. # وقيل: معناه / ألهمنا الثبات على الصراط المستقيم، وهو دين الإسلام، وهو ~~مروي عن ابن عباس. # و " هدى " يكون بمعنى: " أرشد " ، نحو قوله: # واهدنآ إلى سوآء الصراط # [ص: 22]، أي أرشدنا. # ويكون بمعنى " بين " كقوله: # وأما ثمود فهديناهم # [فصلت: 17]، أي بينا لهم الصواب من الخطأ، فاستحبوا الخطأ. # ويكون بمعنى " ألهم " كقوله: # ثم هدى # [طه: 50]، / أي ألهم الذكر من الحيوان إلى إتيان الأنثى. # وقيل: معناه ألهم المصلحة ويكون هدى بمعنى " وفق " كما قال " # لا يهدي القوم الظالمين # [البقرة: 258] أي لا يوفقهم. # والصراط المستقيم كتاب الله. وهو مروي عن النبي [عليه السلام]. # وقال ابن عباس: " هو الطريق إلى الله عز وجل ". # وعن جماعة من الصحابة أنه الإسلام. # وقال جابر بن عبد الله: " هو الإسلام وهو أوسع مما بين السماء والأرض ". # وعن أبي العالية أنه: " رسول الله صلى الله عليه وسلم / وصاحباه ابو بكر ~~وعمر ". # وهو قول الحسن. # وأصله الطريق الواضح. # وقال ابن الحنفية: " هو دين الله تعالى ". # وسمي مستقيما لأنه لا عوج فيه ولا ms0009 خطأ. # وقيل: سمي بذلك لاستقامته بأهله إلى الجنة. # وأصل { المستقيم }: " المستقوم " ، فألقيت حركة الواو على ~~القاف وبقيت الواو ساكنة فقلبت ياء لسكونها وانكسار ما قبلها. كما قالوا ~~ميزان، وهو من الوزن. وأصله " موزان " ، ثم قلبت الواو ياء لانكسار ما ~~قبلها. وكذلك يقلبون الياء واوا إذا انضم ما قبلها نحو " موقن " و " ~~موسر " لأنه من اليقين واليسار. ### || [1.7] # قوله: { صراط الذين أنعمت عليهم }. # صراط بدل من الأول. # والذين أنعم عليهم هم الأنبياء صلوات الله عليهم والصديقون والصالحون ~~بدلالة قوله: # فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهدآء والصالحين # [النساء: 69]. # وقيل: هم أصحاب النبي [عليه السلام]، قاله الحسن. # وقيل: هم المؤمنون من بني إسرائيل الذين لم يغيروا ولا بدلوا، بدليل ~~قوله: # يبني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت ~~عليكم # [البقرة: 40]. فلذلك قال هنا: { صراط الذين أنعمت ~~عليهم }. # وقيل: هم المسلمون. # وقال أبو العالية: " هم محمد [عليه السلام] وأبو بكر وعمر ". # وقال قتادة: " هم الأنبياء خاصة ". # وقال ابن عباس: " هم أصحاب موسى قبل أن يبدلوا ". # وهذا دعاء أمر الله عز وجل رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أن ~~يدعوا به وألا يكونوا مثل المغضوب / عليهم - وهم اليهود -، ولا مثل ~~الضالين - وهم النصارى -، ولا على صراطهم. # ودخلت " لا " في قوله: { ولا الضآلين } لئلا يتوهم أن { ~~الضآلين } عطف على { الذين } في قوله: { صراط الذين }. ~~فبدخول " لا " امتنع أن يتوهم متوهم ذلك إذ لا تقع " لا " إلا بعد نفي أو ~~ما هو في معنى النفي. # وقيل: " لا " زائدة. # وقيل: هي تأكيد بمعنى: " غير ". # ولم يجمع { المغضوب } ، لأنه في معنى الذين غضب عليهم / فلا ضمير ~~فيه إذ لا يتعدى إلا بحرف جر. فلو قدرت فيه ضميرا، كنت قد عديته إلى ~~مفعولين أحدهما بحرف جر / وهذا ليس يحسن فيه. إنما تقول: " غضبت على زيد ~~" و " غضب على زيد ". فالمخفوض يقوم مقام الفاعل. وكذلك { عليهم } في ~~موضع رفع يقوم مقام المفعول الذي لم يسم فاعله. والهاء والميم يعودان على ~~الألف واللام. # والغضب من الله البعد من رحمته. ms0010 والضلال الحيرة. # " و { غير المغضوب } " خفض على النعت " للذين " من قوله { ~~صراط الذين } ، وحسن ذلك لأنه شائع لا يراد به جمع بعينه فصار ~~كالنكرة، فجاز نعته " بغير " ، و " غير " نكرة وإن أضيفت إلى معرفة. ~~ويجوز أن تخفض " غير " على البدل من [الذين. وقد قرئ] بالنصب على الحال ~~أو على الاستثناء، وقد شرحت هذا في كتاب: " مشكل الإعراب " بأشبع من هذا. # ويقول المأموم إذا سمع { ولا الضآلين }: آمين. ويقولها وحده. ~~واختلف في قول الإمام إياها عن مالك. # و (آمين)، قيل: هو اسم من أسماء الله تعالى. # وقيل: هو دعاء بمعنى: " اللهم استجب ". # وقال ابن عباس والحسن: " معنى " آمين ": كذلك يكون ". وهي تمد وتقصر ~~لغتان. # والمؤمن داع. فقد قال الله لموسى وهارون: # قد أجيبت دعوتكما # [يونس: 89]. وموسى كان هو الداعي، وهارون يؤمن، والمؤمن إذا قال: " ~~اللهم استجب " فهو داع بالإجابة، وهو مبني لوقوعه موقع الدعاء / وبني على ~~حركة لالتقاء الساكنين وكان / الفتح أولى به لأن قبل آخره ياء. # وروى أبو هريرة عن النبي [عليه السلام] قال: # " إذا قال الإمام { غير المغضوب عليهم ولا ~~الضآلين } ، فقولوا: آمين، فإنه من وافق قوله ~~قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه " # ، أي من وافقه في الإجابة. ### | [2 - سورة البقرة] ### || [2.1] # واختلف العلماء في معاني أوائل السور: فعن ابن عباس أقوال، منها: أنه ~~قال: " الم؛ أنا الله أعلم، الر؛ أنا الله أرى ". # فالألف: يؤدي عن " أنا " ، واللام: يؤدي عن اسم الله. والميم: تؤدي عن " ~~أعلم " ، والراء: يؤدي عن " أرى ". # وعنه [أن] أوائل السور مأخوذة من أسماء الله. فيقول في # كهيعص # [مريم: 1]: " إن الكاف: من كاف، والهاء: من هاد ". # وعنه أيضا " أنها أقسام، أقسم الله بها، وهي من أسماء الله جل ذكره ". # وقد قال بكل قول من هذه الأقوال جماعة من العلماء. # وروى عنه عطاء أنه قال في { الم }: " الألف: الله، واللام: جبريل، ~~والميم: محمد صلى الله عليه وسلم " # [وكذلك] روى الضحاك عنه. # وقال قتادة: " الم، اسم من أسماء القرآن ". وروي مثله عن مجاهد. # وعن مجاهد أيضا ms0011 أنه قال: " هي فواتح السور ". # وقال أبو عبيدة والأخفش: " هي افتتاح كلام ". # وقال زيد بن أسلم: " هي أسماء السور ". # وروى ابن جبير عن ابن عباس: " # كهيعص # [مريم: 1]: كبير، هاد، عزيز، صادق ". # وقال محمد بن كعب: { حم * عسق }: الحاء والميم: من الرحمان، ~~والعين: من العليم، والسين: من القدوس، والقاف: من القهار ". # / وقال في { المص }: " الألف واللام: الله، والصاد: من الصمد ". # وقال بعض أهل النظر: " هي تنبيه ". # وقال قطرب في معناها: " كان المشركون ينفرون عند قراءة القرآن. فلما ~~سمعوا " { الم } و { المص } وقفوا ليفهموا ما هو وأنصتوا، فاتصلت ~~تلاوة القرآن بها / فسمعوه، وثبتت عليهم الحجة، وجحدوا بعد سماع ما هو ~~حجة عليهم. وهذه حكمة بالغة من الله، والله أعلم بذلك ". # وعن قطرب أيضا أنه قال: " هي حروف ذكرت لتدل على أن هذا القرآن مؤلف من ~~هذه الحروف المقطعة ". # وقال أبو العالية: " هي الحروف من التسعة وعشرين حرفا دارت بها الألسن ~~كلها، ليس فيها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسمائه، وليس منها حرف إلا وهو ~~في آلائه ونعمائه، وليس منها (حرف) إلا وهو في مدة أقوام وآجالهم. الألف: ~~مفتاح اسمه: الله، واللام مفتاح / اسمه: لطيف، والميم مفتاح اسمه: مجيد. ~~الألف: آلاء الله، واللام: لطفه، والميم: مجده. الألف: سنة، واللام: ~~ثلاثون سنة، والميم: أربعون سنة ". # وقال جماعة: " هي مما لا يعلمه إلا الله، ولله في [كل كتاب] سر، وهذه ~~الحروف سره في كتابه ". # وقيل: هي اسم الله الأعظم. رواه السدي عن ابن عباس. # ويروى أن اليهود لما سمعت / { الم } ، قالوا: " الألف واحد، واللام ~~ثلاثون، والميم أربعون، فهذه إحدى وسبعون سنة، وهي مدة ملك محمد. ~~أفتدخلون في دين، إنما مدة ملكه إحدى وسبعون سنة. فلما سمعوا # المص # [الأعراف: 1] قالوا: هذا أثقل وأطول؛ الألف واحد، واللام ثلاثون، والميم ~~أربعون والصاد ستون فذلك إحدى وثلاثون ومائة سنة، فلما سمعوا # الر # [يونس: 1] و # المر # [الرعد: 1] و # حم * عسق # [الشورى: 1-2]، قالوا: قد لبس علينا الأمر، فما ندري ما يقيم ملكه. ~~فأنزل الله عز وجل: # منه آيات محكمات ms0012 هن أم الكتاب وأخر ~~متشابهات # [آل عمران: 7]. # فهذا الذي اشتبه عليهم في هذا التأويل والله أعلم. # وهذه الحروف تسمى حروف المعجم، وإنما سميت بذلك لأنها مبينة للكلام ~~فاشتق لها هذا الاسم من قولهم: " أعجمت الكتاب " إذا بينته. # وقيل: إنما اشتق لها هذا من قولهم: " عجمت العود " إذا ~~عضضته لتختبره. # فيكون " المعجم " من هذا أتى على توهم زيادة الهمزة، كما أتى " لواقع " ~~على توهم حذف الهمزة من " ألقحت " ، وكان الأصل " ملاقح ". كذلك كان ~~الأصل " المعجوم " ، إذا جعلته من " عجمت ". وقد قالوا: / " مسعود " ، ~~على تقدير حذف الهمزة من " أسعده الله " ، وقرئ: # وأما الذين سعدوا # [هود: 108] - بضم السين - على ذلك التقدير. فكذلك المعجم من " عجمت " ~~على تقدير حذف الهمزة من " أعجمت " ، فيكون معناه حروف الاختبار، وهي ~~موقوفة مبنية على السكون أبدا، إلا أن تخبر عن شيء منها، أو تعطف بعضها ~~على بعض، فتعربها، تقول: هذه جاء وياء ". وهي تؤنث وتذكر. ### || [2.2] # قوله عز وجل: { ذلك الكتاب }. # أكثر أهل التفسير على أن " ذلك " بمعنى " هذا ". # كما تقول للرجل وهو يحدثك: " ذلك، والله الحق " ، أي هذا والله الحق. # قال الله جل ذكره: # وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه ~~تحيد # [ق: 19]. أي هذا ما كنت منه تحيد. وقال: # تلك عشرة كاملة # [البقرة: 196]، أي هذه عشرة كاملة. وقال: # ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام # [البقرة: 196]. أي هذا الحكم لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام. # وقال: # إن ذلك لحق # [ص: 64] أي إن هذا وهو كثير في كلام العرب والقرآن. # وقيل: إن { ذلك } / على بابها للإشارة إلى شيء / معلوم. واختلف في ~~ذلك المشار إليه. ما هو؟ # فقيل: إن { ذلك } إشارة إلى ما نزل من القرآن قبل سورة البقرة. # وقال الكسائي: " { ذلك } إشارة إلى الرسالة والقرآن وعما في السماء ~~". # وقيل: إشارة إلى اللوح المحفوظ. # وحكى الطبري أن بعض المفسرين قال: " { ذلك }: إشارة إلى التوراة ~~والإنجيل ". وقيل: { ذلك }: إشارة إلى ما وعد به النبي صلى الله عليه ~~وسلم من أنه سينزل عليه كتاب فوقعت الإشارة على ms0013 ما تقدم من الوعد. # وجيء باللام في { ذلك } للتأكيد في بعد الإشارة. # وقال الكسائي: " جيء بها لئلا يتوهم أن { ذلك } مضاف إلى الكاف ". # وقيل: جيء بها عوضا عن المحذوف من " ذا " ، لأن أصل " ذا " أن يكون على ~~ثلاثة أحرف، لأن أقل الأسماء ما يأتي على ثلاثة أحرف. # وقال علي بن سليمان: " جيء باللام لتدل على شدة التراخي، وكسرت لئلا ~~تشبه لام الملك. # وقيل: كسرت لأنها بدل من همزة مكسورة لأن أصل " ذا " " ذاء " على ثلاثة ~~أحرف بهمزة مكسورة، ومن العرب من يقول في " ذلك " " ذاءك " بالهمز حكاه ~~الفراء وغيره، قال: " وإنما أبدلوا من الهمزة لاما لأن " ذاء " خرج عن ~~لفظ المضاف، وليس بمضاف، واللام من أدوات المضاف، فأبدلوا من الهمزة ~~لاما وكسرت لأن الهمزة كانت مكسورة لالتقاء الساكنين ". # كان أصل ذا / أن يكون بألفين ليكون على ثلاثة أحرف إذ هي أقل أصول ~~الأسماء فأبدلت الألف الثانية همزة وكسرت لسكونها وسكون الألف قبلها. وقد ~~قال الكسائي: " إنما أبدلوا من الهمزة لاما لئلا تشبه المضاف " # وقيل: إنما كسرت اللام لالتقاء الساكنين لأنها اجتلبت ساكنة، وقبلها ~~الألف من " ذا " ساكنة، وكسرت اللام لالتقاء الساكنين. # والاسم من " ذلك " ، ذا وقيل: الاسم الذال، وزيدت الألف للتقوية. # ولا موضع للكاف من الإعراب، إنما هي للخطاب، ولو كان لها موضع من ~~الإعراب لكانت في موضع خفض بالإضافة على ظاهر اللفظ. # و " ذا " لا يضاف في شيء من كلام العرب، لأنه معرفة، ولأن اللام تفصل ~~بينهما، ولأن المعنى على غير معنى الإضافة. # والكتاب مشتق من الكتيبة وهي الخيل المجتمعة، يقال: " تكتب القوم ~~" إذا اجتمعوا. فسمي المكتوب كتابا لاجتماع بعض الحروف إلى بعض. ومنه ~~قول العرب: " كتبت القربة " إذا جمعت خرزا إلى خرز، ~~وكتبت البغلة " إذا جمعت بين شفريها بحلقة. # قوله عز وجل: { لا ريب فيه }. # / الهاء تعود على (الكتاب) /. وقيل على { ذلك }. # وقيل: على { الم } على أن تكون { الم } إسما من أسماء القرآن. # وقيل: هي راجعة على { هدى } مقدمة عليه، يراد به التقديم. أي ذلك ~~الكتاب هدى لا ms0014 ريب فيه، أي في الهدى. ورجوعها على { الكتاب } أبينها. # والكتاب القرآن هو نفي عام نفى الله جل ذكره / أن يكون فيه شك عند من ~~وفقه الله، وقد ارتاب فيه من خذله الله ولم يوفقه، ولذلك قال: # وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا # [البقرة: 23]. معناه: وإن كنتم على زعمكم في شك من ذلك فأتوا ببرهان على ~~ذلك، فقد أتيناكم بما لا ريب فيه لمن وفق. # والريب مصدر " رابني الأمر ريبا ". # وحكى المبرد: " رابني الشيء تبينت فيه الريبة، وأرابني إذا لم ~~أتبينها فيه ". # وحكى غيره: " أراب الرجل في نفسه، وراب غيره ". # وقوله: { هدى للمتقين }. # الهدى: الرشد والبيان. # والتقى: اسم جامع لكل خصلة محمودة العاقبة، ومن اتقى الشرك فهو من ~~المتقين، وهو أعظم التقى، وأصله من التوقي وهو التستر، فكأن التقي ~~يستر على جميع ما يذم عليه. وقد فسرنا إعراب هذا وما شابهه في كتاب " ~~تفسير مشكل الإعراب " ، فأخلينا هذا الكتاب من بسط الإعراب لئلا يطول إلا ~~أن يقع نادر من الإعراب فنذكره على شرطنا المتقدم. فاعلم ذلك. ### || [2.3] # وقوله: { الذين يؤمنون بالغيب } الآية. # " الذين ": اسم مبهم ناقص لا بد له من صلة وعائد، وهو مبني في الجمع ~~والواحد لمشابهة الحروف، ولأنه بعض اسم، فإن ثنيته أعربته، لأن ~~التثنية تخرجه من مشابهة الحروف إذ الحروف لا تثنى. # فإن قيل: فأعربه في الجمع إذ الحروف لا تجمع. # فالجواب: إن الجمع مشبه بالواحد، لأنه يأتي إعرابه في آخره كالواحد، ~~ولأنه يأتي على صور وأبنية مختلفة كالواحد، فجرى مجرى الواحد في البناء، ~~والتثنية لا تختلف أبنيتها، ولا يقع إعرابها في آخرها، فخالفت الواحد ~~والجمع فأعربت، هذه لغة القرآن وأكثر كلام العرب. # ومن العرب من يعرب الجمع فيقول في الرفع " ألذون " فهؤلاء أعربوا ~~الجمع إذ الحروف لا تجمع، وأصل " الذي " تدغم الياء منه محذوفة للتنوين ~~كما تحذف في " عم " و " قاض " في الرفع والخفض. فلما دخلته الألف واللام ~~رجعت الياء لزوال التنوين، وكتب " الذي " بلام واحدة، وأصلها لامان، ~~تخفيفا ولكثرة الاستعمال. # وجرى " الذين " في الجمع ms0015 على ذلك لقربه من الواحد في المشابهة / ~~المتقدمة الذكر، وكتبت " اللذين " في التثنية بلامين على الأصل، لأن ~~التثنية لا تختلف ولا تأتي في جمع الأسماء إلا على نظام واحد. فلما جرت ~~على أصلها، ولم تختلف كاختلاف الجمع جرت على أصلها في الخط. وأصل ~~الإيمان: التصديق، فالعبد المؤمن يصدق بما أتاه من ربه، والله يصدق ~~عبده بانتظاره ما وعده به من المجازاة على إيمانه، فالله جل ذكره مؤمن، ~~ولا يقال: بكذا، والعبد مؤمن بكذا. # وقد قيل: إن المؤمن مأخوذ من الأمان، وذلك أن العبد يؤمن نفسه من ~~عذاب الله بإيمانه. والله مؤمن: أي: يؤمن مطيعه من عذابه. # والهمز في " يؤمن " الأصل، وبدل الهمزة بواو لانضمام ما قبلها حسن فصيح. # والغيب: كل ما استتر عنك. وهو في هذه الآية البعث، والحساب، والجنة، ~~والنار، وشبهه. قاله سفيان وغيره. # وقيل: معنى { بالغيب }: بالقدر. # وقال عطاء: " { بالغيب }: بالله جل ذكره ". وقيل: بالقرآن. وقال ~~بعض المتصوفة: " الغيب: القلب، أي يؤمنون بقلوبهم، لأن المنافق يؤمن ~~بلسانه لا بقلبه ". # فالإيمان الصحيح / النافع ما اعتقده القلب. # وقال بعض العلماء: { يؤمنون بالغيب } ، أي: يؤمنون إذا غابوا ~~عن الناس، كما يؤمنون إذا حضروا، أي ليسوا كمن يؤمن بالحضرة، ويكفر ~~بالغيب. # وقوله: { ويقيمون الصلوة }. # معناه يديمون أداءها / بفروضها في أوقاتها. # وقال الضحاك: " إقامتها تمام سجودها وركوعها وخشوعها وتلاوتها وسنتها ". # وأصل " يقيمون، " يقومون " على وزن " يفعلون " فألقيت حركة ~~الواو على القاف وأبدل من الواو ياء لسكونها، وانكسار ما قبلها. # / كما قالوا: ميزان وميعاد، وهما من الوعد والوزن. وأصل الصلاة ~~في اللغة: الدعاء، لكن سمي الركوع والسجود صلاة للدعاء المستعمل فيها. ~~والعرب تسمي الشيء باسم [ما لابسه وقاربه]. # والصلاة من الله: الرحمة لعباده، ومن الملائكة. والأنبياء: الدعاء، ~~وكذلك هي من الناس. # وروى أبو هريرة أن النبي [صلى الله عليه وسلم] قال: # " إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب، فإن كان مفطرا ~~فليأكل، وإن كان صائما فليصل " # أي: فليدع. # وقال الأعشى لابنته لما دعت له في قولها: # ............ # " يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا. # عليك مثل / الذي ms0016 صليت فاغتمضي # نوما فإن لجنب المرء مضطجعا. # أي: دعوت. # وقيل: إنما سميت الصلاة صلاة لأنها مشتقة من الصلوين وهما عرقان في ~~الردف، ينحنيان في الصلاة. # / وكتبت الصلاة في المصاحف بالواو لتدل على أصلها، لأن أصل الألف الواو، ~~وأصلها صلوة. فلما تحركت الواو وانفتح ما قبلها، قلبت في اللفظ ألفا؛ ~~دليله قولهم في الجمع: " صلوات ". وقد ذكرنا أن الجمع يرد الأشياء إلى ~~أصولها ولذلك قلنا: إن أصل " ماء ": موه " وإن الألف بدل من الواو، ~~والهمزة بدل من الهاء. ودل على ذلك قولهم في الجمع: أمواء، فرد إلى ~~أصله. # وقيل: إنما كتبت بالواو لأن بعض العرب يفخم اللام والألف حتى تظهر الألف ~~كأن لفظها يشوبه شيء من الواو. # والقول الأول والآخر، به يعلل ما كتبوه من " الزكوة " و " الحيوة " ~~وشبهه بالواو، فأعلمه. وهاتان الآيتان نزلتا في مؤمني العرب دون غيرهم، ~~بدلالة قوله بعد ذلك: { والذين يؤمنون بمآ أنزل إليك ~~ومآ أنزل من قبلك } يريد من آمن من اليهود والنصارى. # وقيل: [بل الأربع] الآيات نزلت في مؤمني أهل الكتاب. # وقيل: بل هي في جميع من آمن بمحمد عليه السلام. إذ لم يؤمن [أحد به] إلا ~~وهو مؤمن بالغيب مما أخبره به النبي صلى الله عليه وسلم والكتاب. # واختار الطبري القول الأول. # وقال مجاهد: " أربع آيات من سورة البقرة في نعت المؤمنين وآيتان بعدها ~~في نعت الكافرين وهم قادة الأحزاب و [ثلاث عشر] آية بعد ذلك في المنافقين ~~". # وقوله: { ومما رزقناهم ينفقون }. # معناه: يتصدقون ويزكون. # وقيل: " هي نفقة الرجل على عياله ". قاله السدي. # وأصل " ما " في قوله: { ومما } أن تكتب منفصلة، لأنها بمعنى " الذي ~~". والهاء محذوفة من { رزقناهم } ، أي وبعض الذي رزقناهم ينفقون ~~منه. فحذفت من صلة " ما " لطول الاسم. فإن كانت " ما " بغير معنى " الذي ~~" ، وإنما هي صلة، كان أصلها أن تكتب متصلة بما قبلها نحو قوله: # إنما الله إله واحد # [النساء: 171]، # إنمآ أنا لكم نذير مبين # [الحج: 49] وشبهه. وقد وقعت " ما " متصلة بما قبلها من الجار في الخط، ~~وهي بمعنى " الذي " ، وأصلها ms0017 الانفصال، وإنما جاز ذلك فيها لأن الجار ~~والمجرور كالشيء الواحد، وذلك نحو " مما " و " عما ". # وأيضا فإنه / لما كان حرف الجر الذي على حرف واحد لا ينفصل مما جرى ما ~~كان على حرفين على ذلك لأنها كلها حروف الجر، فوصلن بما قبلهن من الجار ~~في الخط لارتباط الجار بالمجرور مع كثرة الاستعمال. # وقيل: إنه لما أدغمت النون في الميم فلم يظهر للنون لفظ / لم يثبت في ~~الخط في مواضع وثبت في الخط في مواضع لبقاء الغنة ظاهرة، فمرة حمل على ~~زوال لفظ النون ومرة حمل على بقاء الغنة في اللفظ. # واعلم أن " كل ما " ، إذا كانت بمعنى " إذا " و " متى " ، وصلتها مع " ~~ما " ، فإن كانت على غير ذلك فصلتها من " كل " ، تقول: " كلما جاءني زيد ~~أكرمني. أي " إذا جاءني زيد " ، فتصل " ما " " بكل ". وتقول " يسرني كل ~~ما يسرك " فتفصل " ما " من " كل " لأنها بمعنى " الذي ". وقد كتبت " ~~بئسما " و " نعما " موصولة وأصلها أن تفصل " ما " مما قبلها في ~~الخط لأن " ما " اسم، وليست بصلة / وكذلك وصلت " حينئذ " و " يؤمئذ ~~". # وأصل " إذا " الانفصال مما قبلها، لكن وصلت لكثرة الاستعمال والاختصار ~~والإيجاز. ### || [2.4] # وقوله: { بمآ أنزل إليك } أي: بالقرآن. { ومآ أنزل من ~~قبلك }. أي: بالتوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وبجميع ما أنزله ~~الله على أنبيائه. # وقوله: { وبالآخرة هم يوقنون }. # أي: بالبعث والحشر والجنة والنار يصدقون. وسميت الآخرة آخرة لأنها بعد ~~الأولى وهي الدنيا. وقيل: سميت بذلك لتأخرها عن الناس. # وقوله: { يوقنون } أي: يصدقون بالبعث / والحشر والجنة والنار. ### || [2.5] # وقوله: { أولئك على هدى من ربهم } أي على هداية ~~ورشد وبيان. # قال محمد بن إسحاق: " على نور من ربهم واستقامة على ما جاءهم ". # و " أولاء " جمع " ذا " المبهم من غير لفظه، وهو مبني على الكسر لالتقاء ~~الساكنين. وعلة بنائه مشابهته للحروف، وإنما شابه الحروف لمخالفته لجميع ~~الأسماء إذ لا يستقر على مسمى، فلما خالف جميع الأسماء والحروف أيضا ~~مخالفة لجميع الأسماء إذ لا تفيد معنى في نفسها، إنما تفيده في غيرها، ~~والأسماء تفيد المعاني ms0018 بأنفسها، فاتفقا في مخالفة الأسماء فبنيت هذه ~~الأسماء لذلك. وحق البناء السكون، لكن اجتمع في آخر " أولاء " ألفان ~~فأبدل من الثانية همزة وكسرت لسكونها وسكون ما قبلها والكاف لا موضع لها، ~~إنما هي للمخاطب ككاف " ذلك ". # وقوله: { هم المفلحون }. # { هم }: مبتدأ و { المفلحون }: الخبر، والجملة: خبر عن { ~~أولئك } ويجوز أن تكون { هم }: فاصلة لا موضع لها من الإعراب ~~وهي وأخواتها يدخلن فواصل بين الابتداء والخبر دخل عليه عامل أم لم يدخل، ~~ولا تكون إلا إذا كان الخبر معرفة أو ما قارب المعرفة، فإن كان الخبر ~~نكرة أو فعلا أو جملة لم تكن إلا مبتدأة. # فهذا أصل الفاصلة فاعرفه، وهي تكون فاصلة على أحد ثلاثة أوجه: # - إما أن تكون فصلا بين المعرفة والنكرة، فيكون دخولها يدل على أن ~~الخبر معرفة أو ما قرب من المعرفة. # - والثاني: أن تدخل فصلا بين النعت والخبر، فدخولها فاصلة يدل على أن ~~ما بعدها خبر لما قبلها، وليس بنعت لما / قبلها، فإذا قلت: " إن زيدا هو ~~الظريف " علم بدخول " هو " أن " الظريف " خبر، وليس بنعت لزيد. # - والثالث: أن تدل بدخولها مع " كان " ، على أن " كان " هي الناقصة التي ~~تحتاج إلى خبر، وليست ب " كان " التامة التي لا تحتاج إلى خبر، ولا تكون ~~الفاصلة إلا وهي الأولى. # في المعنى تقول: " كان زيد هو العاقل ". " فهو ": هو / زيد في المعنى، ~~ولو قلت: " كان زيد أنت الضارب إياه " ، لم تكن " أنت " فاصلة، لأنها ~~ليست هي الأولى في المعنى، ولا تكون هنا إلا مبتدأة. # وأصل الفلاح البقاء في الخير، فالمعنى: وأولئك هم الباقون في النعيم ~~المقيم، والمؤمن مفلح لبقائه في الجنة، ثم اتسع فيه، فقيل لكل من قال ~~خيرا: مفلح. ### || [2.6] # قوله: { إن الذين كفروا سوآء عليهم }. # هذه الآية نزلت في قوم سبق في علم الله فيهم أنهم لا يؤمنون، فأعلم الله ~~نبيه صلى الله عليه وسلم أن الإنذار لا ينفعهم لما سبق لهم في علمه، ~~وثم كفار أخر نفعهم الإنذار فآمنوا لما سبق لهم في علم الله سبحانه ~~من ms0019 الإيمان به، فالآية عامة في ظاهر اللفظ يراد به الخصوص، فهي في من ~~تقدم له في علم الله أنه لا يؤمن خاصة، ومثله # ولا أنتم عابدون مآ أعبد # [الكافرون: 3]. # وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان حريصا على إيمان جميع الخلق، ~~فأعلمه الله عز وجل في هذه الآية أن من سبق له في علم الله [سبحانه الكفر ~~والثبات عليه] إلى الموت لا يؤمن ولا ينفعه الإنذار، وأن الإنذار وتركه ~~سواء عليه. وهذا مما يدل على ثبات القدر بخلاف ما تقوله المعتزلة. وقيل: ~~نزل ذلك في قادة الأحزاب، وهم الذين نزل فيهم # ألم تر إلى الذين / بدلوا نعمة الله كفرا # [إبراهيم: 28] الآية. وهم الذين قتلوا يوم بدر، قال ذلك الربيع بن أنس. # وقال ابن عباس: " نزلت في اليهود الذين جحدوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~استكبارا وحسدا مع معرفتهم أنه نبي صلى الله عليه وسلم ". # وروى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال: " حيي بن أخطب، وكعب بن الأشرف مع ~~أصحابهما من رؤساء اليهود الذين دخلوا على النبي [عليه السلام] وسألوه عن ~~{ الم * ذلك الكتاب } ". # وقيل: هي عامة في كل كافر تقدم له في علم الله أنه لا يؤمن. # وأصل الكفر التغطية. ومنه قيل لليل: كافر، لأنه يستر بظلمته ما فيه. # ويقال للزراع: كفار، لأنهم يسترون الحب في الأرض، ومنه قوله # يعجب الزراع # [الفتح: 29]. ومنه قولهم: " كفارة اليمين ". لأنها تستر الإثم عن ~~الحالف، ومنه سمي الكافر لأنه يستر الإيمان بجحوده. # ومعنى لفظ الاستفهام في / { ءأنذرتهم } للتسوية، وهو في المعنى ~~خبر، لكن التسوية تجري في اللفظ مجرى لفظ الاستفهام، والمعنى [على ~~الخبر]، تقول: " سواء علي أقمت أم قعدت. وإنما صار لفظ التسوية مثل لفظ ~~الاستفهام للمضارعة التي بينهما، وذلك أنك إذا قلت: " قد علمت أزيد في ~~الدار أم عمرو " ، فقد سويت علم المخاطب فيهما، فلا يدري أيهما في الدار، ~~وقد استوى علمك في ذلك، وتدري أحدهما في الدار ولا تدريه بعينه. فهذا ~~تسوية. # وتقول في الاستفهام: " أزيد في الدار أم ms0020 عمرو؟ " ، فأنت لا تدري أيهما ~~في الدار، وقد استوى علمك في ذلك وتدري أن أحدهما في الدار، ولا تدري ~~عينه منهما، فقد صار الاستفهام كالتسوية في عواقب الأمور، غير أن التسوية ~~إبهام على المخاطب وعلم يقين عند المتكلم، والاستفهام إبهام على المتكلم. # ويجوز أن يكون المخاطب مثل المتكلم في ذلك، ويجوز أن يكون عنده يقين ما ~~سئل عنه. فاعرف الفرق بينهما. # وقوله: { ءأنذرتهم } ، فيه عشرة أوجه. # - الأول: تحقيق الهمزة الأولى، وتخفيف الثانية بين الهمزة والألف. وهي ~~لغة قريش وكنانة، وهي قراءة ورش عن نافع وابن كثير. # - والثاني تحقيق الأولى وبدل الثانية بألف، وهو مروي عن ورش وفيه ضعف. # - والثالث: تحقيق الهمزيين وهي قراءة أهل الكوفة، وابن ذكوان عن ابن ~~عامر. # - والرابع: حذف الهمزة الأولى وتحقيق الثانية. وهو مروي عن الزهري، وهي ~~قراءة ابن محيصن، وذلك لأن " أم " تدل على الألف المحذوفة. # - والخامس: تحقيقهما جميعا وإدخال ألف بينهما. وبذلك قرأ ابن أبي ~~إسحاق. # - والسادس: تحقيق الأولى، وتخفيف الثانية بين الهمزة والألف، وإدخال ألف ~~بينهما. وبذلك قرأ أبو عمرو، وقالون، وإسماعيل بن جعفر عن نافع، وهشام بن ~~عمار عن ابن عامر. # - والسابع: ذكره أبو حاتم قال: " يجوز أن تدخل بينهما أيضا، وتحذف ~~الثانية " ، فيصير لفظ هذا الوجه كلفظ الوجه الثاني المذكور. # - والثامن: ذكره الأخفش قال: " يجوز أن تخفف الأولى منهما وتحقق الثانية ~~" ، ولم يقرأ بهذا أحد، وهو بعيد ضعيف لأن الاستثقال لا يقع في أول ~~الكلام، ولأن الهمزة المخففة بين بين، لا يبتدأ بها إلا أن تريد أن تصل ~~الهمزة بما قبلها وتلقي حركتها على الميم الساكنة قبلها، فهو قياس، وليس ~~عليه عمل. # - والتاسع: ذكره أبو حاتم أيضا قال: " يجوز أن تخفف الهمزتين ". وهو ~~بعيد، ولم يقرأ به أحد، وله قياس إذا وصلت كلامك، فتلقي / حركة الأولى ~~على الميم الساكنة قبلها، وتخفف الثانية بين بين، وهو بعيد جدا. # - والعاشر: ذكره الأخفش أيضا؛ قال: " يجوز أن تبدل من الأولى هاء، ~~فتقول: " هانذرتهم ". ولم يقرأ به أحد ومخالف للخط، وقياسه في ~~العربية جيد. ويجوز ms0021 مع بدل الأولى " بهاء " أن تحقق الثانية وأن تخففها، ~~وتدخل بين الهمزة والهاء ألفا، وأن تحقق الثانية وتدخل بينهما ألفا، ~~فتبلغ الوجوه إلى أربعة عشر وجها. ### || [2.7] # قوله: { ختم الله على قلوبهم }. # معناه طبع الله عليها مجازاة لهم بكفرهم. # وقيل: معناه: حكم الله عليهم بذلك لما سبق في / علمه من أنهم لا يؤمنون. # وقيل: معناه: أنهم [لما تجاهلوا عن] قبول أمر الله عز وجل وفهمه، ~~وصموا عن أمر الله سبحانه، جعل الله تعالى ذلك منسوبا إليهم عن ~~فعلهم، كما يقال: " أهلكه المال " أي هلك به. # وقيل: معناه: أن الله تعالى جعل ذلك علامة تعرفهم بها الملائكة. # وأصل الختم الطبع. والرين على القلب دون الطبع، والقفل أشد من الختم. # قال مجاهد: " القلب مثل الكف، فإذا أذنب العبد قبض عليه - وأشار بقبض ~~الخنصر تمثيلا - ثم إذا أذنب قبض عليه، ومثل بقبض البنصر هكذا حتى ضم ~~أصابعه كلها. ثم يطبع عليه أي يختم ". # وقال ابن عباس: " إنما سمي القلب قلبا لأنه يتقلب ". # وروى أبو موسى الأشعري أن النبي [عليه السلام] قال: # " القلب مثل ريشة في فلاة يقلبها الريح ". # وعنه في حديث آخر: # " تقلبها الريح بأرض " فضاء ظهر البطن " ". # قوله: { على قلوبهم }. تكتب " على " " وإلى " و " لدى " بالياء ~~دون سائر الحروف مثلها لأنها أخف من الأفعال، وكثر استعمالها، ولأن ألفها ~~يرجع إلى الياء مع المضمر دون سائر الحروف فكتبت مع المظهر بالياء لذلك. # وتقع " على " بمعنى الباء، تقول: " آركب على اسم الله " أي باسم الله. # وتقع بمعنى " مع " نحو قولك: " جئت على زيد " أي معه. وتقع بمعنى " من " ~~نحو قوله: # على الناس / يستوفون # [المطففين: 2] أي من الناس. وتقع أيضا في مواضع حروف أخر قد ذكرناها في ~~كتاب مفرد للحروف. # وقوله: { وعلى سمعهم }. # إنما وحد السمع لأنه مصدر يقع على القليل والكثير. # وقيل: وحد لأنه يؤدي عن الجمع. # وقيل: التقدير: " وعلى مواضع سمعهم " ، ثم حذف المضاف وإنما أعيدت " على ~~" في قوله: " { وعلى سمعهم وعلى أبصرهم } للتأكيد في ~~الوعيد. # وقيل: أعيدت لأجل مخالفة السمع للقلوب في ms0022 أنه أتى / بلفظ التوحيد، وأتت ~~القلوب بالجمع. # وقيل: أعيدت لأن الفعل مضمر مع الحرف تقديره: " وختم على سمعهم ". فأما ~~إعادة الحرف في { وعلى أبصرهم } ، فللعلل التي ذكرنا، ~~ولأنه حرف متصل بفعل مضمر غير الأول فقويت فيه الإعادة، والتقدير: " وجعل ~~على أبصارهم غشاوة ". وهذا، إنما هو على قراءة من نصب غشاوة، وهو مروي عن ~~عاصم. # فأما من رفع، فإنما أعيد الحرف لأنه مخالف للأول، لأنه خبر ابتداء. # ومعنى الغشاوة الغطاء، ومنه: " غاشية السيف والسرج " أي غطاؤه. # وفي { غشاوة } ، لغات قرئ بها، وهي فتح الغين؛ وبه قرأ أبو حيوة، ~~وضم الغين؛ وبه قرأ الحسن. وقرأ الأعمش " غشوة " على فعلة. ### || [2.8] # وقوله: { ومن الناس من يقول } الآية. # أصل نون " من " أن تكسر لالتقاء الساكنين كنون " عن " إذا لقيها ~~ساكن، لكنها فتحت استثقالا لاجتماع كسرتين / في حرف على حرفين. # والهاءات من قوله: { سوآء عليهم } إلى قوله: / { ولهم ~~عذاب عظيم } تعود على الكفار كلهم على من سبق في علم الله منهم أنه ~~لا يؤمن. # وقيل: تعود على كفار اليهود الذين عاندوا النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالمدينة، والسورة مدنية. # وقيل: عني بهذه الآية المنافقون؛ يظهرون الإيمان ويضمرون الكفر. ### || [2.9] # قوله: { يخادعون الله }. # الخداع: إظهار خلاف الاعتقاد. # وقوله: { وما يخدعون إلا أنفسهم }. # أي وباله يرجع عليهم. واختار جماعة من العلماء: (وما يخدعون) - ~~بفتح الياء وسكون الخاء - من غير ألف، وهي قراءة ابن عامر وأهل الكوفة، ~~وإنما اختاروا ذلك لأن الله جل ذكره أخبر عنهم أولا أنهم { يخادعون ~~الله }. # ولفظ قوله: { وما يخدعون إلا أنفسهم } ، نفي ذلك، فيصير ~~في ظاهر اللفظ قد أوجب شيئا ثم نفاه بعينه، فوجب أن يختاروا { وما ~~يخدعون } ليكون المنفي على معنى مخالفا للموجب. # [فأما وجه] قراءة من قرأ الثاني " { وما يخدعون } بألف فهو على ~~معنى: وما يخادعون تلك المخادعة المذكورة عنهم إلا أنفسهم، إذ وبالها ~~راجع عليهم. # و " خادع " في اللغة، يجوز أي يكون معناه / معنى " خدع " من واحد. ومعنى ~~" خدع " بلغ مراده. فلذلك أجمع القراء على { يخادعون } في الأول ~~لأنه ليس ms0023 بواقع، وفي الثاني { يخادعون } بغير ألف لأنه أخبر تعالى ~~أنه واقع بهم وراجع عليهم. # وذكر القتبي أن معنى الأول: يخادعون بالله الذين آمنوا / وهو قولهم إذا ~~لقوا المؤمنين: آمنا ". # وأصل المفاعلة أن تكون من اثنين، لكن قد أتت من واحد، قالوا: " ~~عاقبت اللص " ، " وطارقت النعل " و " جازيت فلانا ~~وحاديته ووادعته وداريته ". # والمخادعة في هذا المعنى إنما هي للنبي / صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ~~أي يخادعون نبي الله وأولياءه. و " خدع " فعل واقع، و " خادع " فعل يجوز ~~أن يقع، ويجوز ألا يقع، فلذلك اختار بعض العلماء، { وما يخدعون } ~~إلا أنفسهم لأنه فعل واقع بهم بلا شك، " فيخدعون " أولى من " ~~يخادعون " الذي يجوز أن يقع، ويجوز ألا يقع. # وقوله: { وما يشعرون }. # أي ليس يشعرون، أي يعلمون أن ضر مخادعتهم راجع عليهم. ### || [2.10] # وقوله: { ولهم عذاب أليم } ، أي مؤلم. # وجمع " أليم " فيه ثلاثة أوجه: # إن شئت: " إلام " ككريم وكرام، وإن شئت: ألماء كظريف ~~وظرفاء وإن شئت " ألام " كشريف وأشراف. # و " فعيل " يأتي على ضربين: اسم وصفة؛ فإذا كان اسما، فجمعه في أقل ~~العدد على " أفعلة " ، وفي أكثره على " فعل " كرغيف وأرغفة ~~ورغف. وقد يأتي في الكثير على " فعلان " ، قالوا: " رغفان ~~وقضبان وكثبان " ، وقد أتى على " أفعلاء " ، نصيب وأنصباء، ~~وخميس وأخمساء ". # فإن كان " فعيل " صفة، فهو على نوعين: سالم ومعتل: # - فالسالم يجمع على " فعلاء " نحو " كرماء " ، و " علماء " وقد ~~قالوا: كرام وشراف. # - والمعتل يجمع على أفعلاء نحو " أولياء " و " أصفياء ". # وكذلك المضاعف نحو " أشداء " و " أشحاء " ، وقد قالوا: أنبياء ~~يجمع على أفعلاء على تقدير لزوم تخفيف الهمزة فيصير " كتقي وأتقياء ~~". ومن همز قال: نبئاء على " فعلاء " ويجوز على مذهب من همز أنبياء ~~[بجعله نادرا] " كخميس وأخمساء ". وقد قالوا: [في جمع] جليل: جلة، وهو ~~نادر استغنوا به عن " أجلاء ". # وقوله: { في قلوبهم مرض }. أي: شك ونفاق. # { فزادهم الله مرضا }. # الزيادة هنا هي نزول القرآن بالفروض فلا يتبعونها، فيزدادون شكا، ~~ويزداد المؤمنون بعمل الفرائض إيمانا كما قال: # فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم ~~يستبشرون * وأما الذين ms0024 في قلوبهم مرض ~~فزادتهم رجسا # [التوبة: 124-125]. # وقوله: { بما كانوا يكذبون }. أي بتكذيبهم الرسل. # وقيل: بتكذيبهم محمدا صلى الله عليه وسلم. وهذا التفسير يدل على صحة ~~قراءة من قرأ { يكذبون } بالتشديد، ويدل على قوة التشديد أن الكذب ~~لا يوجب العذاب الأليم، إنما يوجبه التكذيب. وأيضا فإنه تعالى أخبر عنهم ~~بالشك في أول الكلام، ومن شك في شيء فقد كذب به، فالتكذيب أولى بآخر ~~الآية على هذا القول. # ومما استدل به من قرأه { يكذبون } / بالتخفيف؛ أن الله جل ذكره ~~أخبر أنهم يقولون: { آمنا } وقال: { ما هم بمؤمنين }. فأخبر ~~عنهم بالكذب في قولهم: { آمنا }. وتوعدهم عليه بالعذاب الأليم، وهو ~~من الكذب أولى من أن يكون من التكذيب إذ لم يتقدم في صدر الآية إلا ~~الإخبار عنهم بالكذب، لا بالتكذيب. # والقراءتان قويتان متداخلتان حسنتان لأن المرض الشك ومن شك في شيء فقد ~~كذب به. ### || [2.11-12] # قوله: { وإذا قيل لهم }. # كل النحويين على أن " إذا " ظرف زمان مستقبل. # وقال المبرد: " هي في المفاجأة ظرف مكان إذا قلت: " خرجت فإذا زيد ". ~~واستدل على ذلك بأنها قد تضمنت الجثة، وظروف الزمان لا تتضمن الجثة، لو ~~قلت " اليوم زيد " لم يجز إلا على حذف مضاف تقديره /: اليوم حدوث زيد. # وقال أكثر النحويين: " إذا ": في المفاجأة ظرف زمان على أصلها والتقدير: ~~" خرجت فإذا حدوث زيد وظروف الزمان تتضمن المصادر كظروف المكان. # وأصل " قيل ": " قول " فألقيت حركة الواو على القاف وانقلبت الواو ياء ~~لسكونها / وانكسار ما قبلها. وكذلك " بيع " أصله " بيع " ، فألقيت ~~حركة الياء على الباء، فصارت ذوات / الواو والياء بلفظ واحد، وهي اللغة ~~المشهورة المستعملة. ولك أن تشم القاف والياء بالضم الذي هو أصلها، وقد ~~قرئ به. # ولك في غير القرآن أن تقول: " قول ": فتسكن الواو استثقالا للكسر ~~عليها، وتترك القاف على ضمتها، وكذلك يجوز لك فيما كان عينه ياء، نحو: " ~~بوع المتاع " ، فيصير ذوات الواو والباء بلفظ واحد، كما صار في اللغة ~~الأولى المستعملة بالياء فيهما. # قوله: { لا تفسدوا }. # أي: لا تعبدوا إلا الله، وعبادة غير الله ms0025 من أعظم الفساد. # وحكى الكسائي " اللرض " بتشديد اللام وعوض من الهمزة لاما، وإدغامها ~~في لام التعريف. وقال الفراء في هذه اللغة: " إن لام التعريف لما ألقي ~~عليها حركة الهمزة استكره ذلك فيها إذ أصلها السكون، فزيد بعدها لام أخرى ~~وأسكن الأولى فردها إلى أصلها وأدغمها في اللام المزيدة، فرجعت لام ~~التعريف إلى أصلها وهو السكون ". # قوله: { قالوا إنما نحن مصلحون }. # هذا قولهم على دعواهم وليسوا كذلك، لأن من أبطن الكفر وأظهر الإيمان فهو ~~من أعظم المفسدين. وهذا كله خبر عن المنافقين. # قال مجاهد وغيره: " أربع آيات من أول سورة البقرة / نزلت في نعت ~~المؤمنين وآيتان بعد ذلك في نعت الكافرين، [وثلاث عشرة] آية بعد ذلك في ~~نعت المنافقين. # وقال مقاتل بن سليمان: " الآيتان الأوليان من سورة البقرة اللتان آخرهما ~~{ ينفقون } نزلتا في المؤمنين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم المهاجرين. والآيتان اللتان آخرهما { المفلحون } نزلتا في ~~المؤمنين من أهل التوراة، والآيتان اللتان بعدهما، اللتان آخرهما { ~~ولهم عذاب عظيم } نزلتا في الكفار. [وثلاث عشرة] آية بعدهما ~~نزلن في المنافقين من أهل الكتاب ". # قوله: { نحن }. # هو اسم مضمر يقع للواحد الجليل القدر، وللاثنين وللجماعة. # وحقه البناء على السكون لأنه مضمر، والمضمرات كلها مبنية؛ وإنما بنيت ~~لأنها مشابهة للحروف، إذ لا تخص شيئا بعينه، ولأنها تكون على حرف واحد، ~~وحرف واحد لا يعرب. وإنما حرك " نحن " وحقه السكون لأن قبل آخره ساكن ~~يحرك الآخر لالتقاء الساكنين. واختير لها الضم في قول المبرد لأنها مشبهة ~~ب " قبل " و " بعد " ، وذلك لأنها تتعلق بالإخبار عن اثنين ~~فأكثر. # وقال هشام الكوفي: " أصل " نحن ": نحن، فردت حركة الحاء على النون ~~بعدها ". # وقال أحمد بن يحيى: " ضمت " نحن " لقوتها لأنها تضمنت التثنية [والجمع]، ~~وقد تكون للواحد فأعطيت أقوى الحركات وهي الضم ". # وقيل: إنما ضمت لتضمنها تثنية وجمعا، فصارت مشبهة ب " حيث " لانها ~~تضمنت مكائن. # وقال الزجاج: " لما كانت الواو من علامات الجماعة واحتيج إلى حركة النون ~~من " نحن " لسكونها وسكون ما قبلها، حركت بما يشبه الواو ms0026 وما هو منها، ~~وهي الضمة. ولهذا ضموا واو الجمع إذا احتاجوا إلى حركتها في نحو قوله: # اشتروا الضللة # [البقرة: 16]. # وقال علي بن سليمان: " نحن " من علامات المضمر المرفوع فلما احتيج إلى ~~حركته حركوه بأخت الرفع وهو الضم ". # ومعنى قولهم: { إنما نحن مصلحون } أي هذا الذي تسمونه / ~~فسادا هو صلاح عندنا. # وقيل: إن معناه: [أنهم قالوا]: نريد الإصلاح بين المؤمنين وأهل الكتاب. # وعن سلمان الفارسي أنه قال: " لم يجىء هؤلاء بعد ". # وأكثر المفسرين على أن هذا نزل في المنافقين الذين كانوا على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. # وقيل: معنى قول سلمان: " لم يجئ هؤلاء بعد " أي لا يأتون لأنهم قد ~~انقرضوا. # فإن قيل: ما على من لم يعلم أنه مفسد من الذم، فقد أخبر الله عنهم أنهم ~~لا يعلمون أنهم مفسدون / فالجواب أن القوم كانوا يبطنون الفساد وهم ~~يعلمون به، ويظهرون / الصلاح الذي ادعوا، وهم لا يشعرون أن الله يظهر ما ~~يبطنون، فإنما معنى { ولكن لا يعلمون }: أي لا يعلمون أن ~~الله يظهر ما يبطنون من النفاق والكفر. # والهاءات من: { وإذا قيل لهم } إلى { يشعرون } يعدن على " ~~من " في قوله: { من يقول آمنا } وهم المنافقون. وعلى هذا أكثر ~~الناس. # ودخلت الألف واللام في (المفسدين)، لأنه جواب كلام سبق منهم إذ ~~قالوا: محمد وأصحابه مفسدون في الأرض. # فأخبر الله أنهم هم المفسدون، ولو كان على غير جواب لم يدخله الألف ~~واللام. ألا ترى لو أنك قال لك قائل: " أنت ظالم " ، فأردت أن ترميه بغير ~~الظلم لقلت: " أنت كاذب أنت فاسق " ، ولا تقوله بالألف واللام، لأنه غير ~~جواب قوله. # فإن أردت أن ترميه بمثل ما رماك به، قلت له: " أنت الظالم " ، ولو أضمرت ~~/ لقلت: " أنت هو ". ولو رميته بمثل ما رماك به لم يجز الإضمار في جوابك، ~~إنما تضمر إذا رميته بمثل ما رماك به، لأنه معرفة، فالجواب معرف أبدا ~~إذا كان رد اللفظ / الأول. ### || [2.13] # قوله: { كمآ آمن السفهآء }. # أصل السفه قلة الحلم، فقيل للجاهل سفيه لقلة حلمه يقال: ثوب ms0027 سفيه، أي ~~بال رقيق. # قول: { ألا إنهم هم السفهآء }. # رد الله عليهم قولهم وأعلم المؤمنين أنهم أحق بهذا الاسم، ولا عذر لهم ~~فيما وصفهم الله به من السفه لأنهم إنما لحقهم ذلك إذ عابوا الحق ~~وخالفوه، وسفهوا المؤمنين واستحقوا هذا الاسم لفعلهم، وكانوا به أولى من ~~المؤمنين. # قوله: { ولكن لا يعلمون }. # معناه [أنهم لا يعلمون] أنهم أولى بهذا الاسم وهو السفه، وأن الله يطلع ~~المؤمنين على ما يبطنون. ### || [2.14] # قوله: { وإذا لقوا الذين آمنوا } الآية. # أصل " لقوا ": " لقيوا " ، فألقيت حركة الياء على القاف، وحذفت الياء ~~لسكونها وسكون الواو بعدها. [وهذه] صفة المنافقين يظهرون الإيمان ويبطنون ~~الكفر. # قوله: { وإذا خلوا إلى شياطينهم }. # يعني أصحابهم، وقيل: رؤساؤهم في الكفر قال الله: # شيطين الإنس # [الأنعام: 112] فسمى أهل الفسق من الإنس شياطين. # وقيل: الشياطين هنا الكهان. # وقيل: هم الكفار والمنافقون إذا لقوهم قالوا: { إنا معكم } أي ~~على دينكم. # و " إلى " بمعنى " مع " ، كما قال: # ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم # [النساء: 2]، أي مع أموالكم. # وقيل: إلى على بابها. # [والعرب] تقول: " خلوت به " ، و " خلوت إليه ومعه " ، لكن الباء يجوز أن ~~تدل على أن معنى " خلوت به " من السخرية و " إلى " لا تدل إلا على " خلوت ~~إليه " في أمر ما. والآية ليست / على معنى السخرية، فلذلك لم يأت بالباء ~~لما فيها من الإشكال إذ هي تحتمل معنى " إلى " ، وتحتمل السخرية. وأيضا ~~فإن معنى " إلى " أنه على معنى: [وإذا صرفوا] إلى شياطينهم / قالوا: إنا ~~معكم، أي على دينكم [فالجالب ل إلى " ] الانصراف الذي دل عليه الكلام، ~~والباء لا تدخل مع الانصراف الذي دل عليه الكلام، فلذلك أيضا لم تدخل مع ~~" خلوا ". # وفي اشتقاق " شيطان " قولان: # - قيل: هو فعلان من " شيط " فلا ينصرف إذا سميت به في المعرفة للتعريف ~~والزيادتين كعثمان، وينصرف في النكرة، وذلك المستعمل فيه في الكلام ~~والقرآن. أعني النكرة على أنه واحد من جنسه كسرحان اسم واحد " ~~الذئاب ". # - وقيل: هو (فيعال) من الشطن وهو الحبل، فيكون معناه أنه ممتد في ~~الشر، ومنه " بئر شطون " ، إذا ms0028 كانت بعيدة الاستقاء. وهو عند القتبي ~~فيعال " من شطن " أي بعد من الخير يقال: " شطنت داره " ، أي بعدت. # فهو ينصرف على هذين القولين في المعرفة والنكرة. وتصغيره على القول ~~الأول في المعرفة شيطان، ولا يجمع على شياطين إلا أن تجعله نكرة فيجمع ~~على شياطين. " كسرحان، وسراحين، ووزنه فعالين على مذهب من جعله من " ~~شيط " ووزنه (فياعيل) على مذهب من جعله من " شطن " وتصغيره على ~~القولين الآخرين " شييطين " في المعرفة والنكرة. # قوله: { إنما نحن مستهزئون }. # أي نستهزئ بالمؤمنين في قولنا / لهم: " آمنا ". وهمزة " مستهزئون " يجوز ~~في تخفيفها وجهان: أحدهما: أن تجعلها بين الهمزة المضمومة والواو ~~الساكنة، وهو قول سيبويه. # والوجه الثاني: أن تجعلها بين الهمزة المضمومة والياء الساكنة لأجل ~~انكسار ما قبلها وهو قول الأخفش. وحكى بدلها بياء مضمومة وليس بقياس. ### || [2.15] # قوله: { الله يستهزىء بهم }. # معناه: الله يجازيهم على قولهم. والعرب تسمي جزاء الذنب باسمه. قال الله ~~جل ذكره: # وجزآء سيئة سيئة مثلها # [الشورى: 40]. وقال: # فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما ~~اعتدى عليكم # [البقرة: 194]. # فالأول من هذا استهزاء وسيئة، وعدوان، والثاني: جزاء عليه، فسمي باسمه ~~اتساعا لأن المعنى قد علم. # وقيل: معنى { الله يستهزىء بهم }: أي يقطع عنهم نورهم يوم ~~القيامة إذا أخلوا على الصراط [ويديم نور] المؤمنين وهو قوله: # فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور # [الحديد: 13]، فهو يعطيهم يوم القيامة نورا لا يتم لهم، ولا ينتفعون به ~~/ لانقطاعه عنهم. # وقال الحسن: " إن جهنم تجمد كما تجمد الإهالة في القدر، فيقال لهم: هذا ~~طريق، فيمضون فيه فيخسف بهم إلى الدرك الأسفل من النار. # وروى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال: " يقال لأهل النار يوم القيامة: ~~أخرجوا من النار. وتفتح لهم أبواب النار فإذا رأوا الأبواب قد فتحت ~~أقبلوا إليها، يريدون الخروج منها، والمؤمنون ينظرون إليهم من الجنة - ~~وهم على الأرائك - فإذا انتهى أهل النار إلى أبوابها يريدون الخروج منها ~~غلقت [أبوابها دونهم]، فذلك قوله: { الله يستهزىء بهم } ، ~~قال: ويضحك المؤمنون عند ذلك، وهو قوله: # فاليوم الذين آمنوا من الكفار ms0029 يضحكون # [المطففين: 34]. # وقيل: معنى: { الله يستهزىء بهم } أي يظهر لهم من أحكامه في ~~الدنيا في حقن دمائهم وسلامة أموالهم خلاف ما يظهر لهم من عذابه يوم ~~القيامة جزاء على إظهارهم للمؤمنين في الدنيا خلاف ما يبطنون. # وقيل: معناه: يملي لهم، كما قال: # سنستدرجهم من حيث لا يعلمون # [القلم: 44]. # / قوله: { ويمدهم في طغيانهم يعمهون }. # أي يطيل لهم في الأجل المكتوب لهم، وهم في طغيانهم يتحيرون. والطغيان ~~والعتو والعلو بغير الحق، والعمه التحير. # / وقيل: معنى { يعمهون } يركبون رؤوسهم، فلا يبصرون رشدهم كما قال: # أفمن يمشي مكبا على وجهه # [الملك: 22] وهذا كله من صفات المنافقين عند أكثر المفسرين. # وقال الضحاك: " هو في اليهود ". ### || [2.16] # قوله: { أولئك الذين اشتروا الضللة بالهدى ~~} الآية. # أي هؤلاء الذين تقدمت صفاتهم هم الذين باعوا الهدى بالضلالة لأنهم ~~لما مالوا إلى الضلالة وتركوا الهدى، كانوا بمنزلة من باع شيئا ~~بشيء، فوصفوا بذلك. # وأصل الضلالة الحيرة، ويسمى الهالك التالف ضالا نحو قوله: # أءذا ضللنا في الأرض # [السجدة: 10] أي هلكنا وتلفنا. ومنه قوله: # أضل أعملهم # [محمد: 1]، أي أتلفها وأهلكها وأبطلها. ومنه قوله: # فلن يضل أعمالهم # [محمد: 4] أي لن يبطلها ويتلفها ويهلكها. # فكأن هؤلاء لما أخذوا الضلالة، وتركوا الهدى كانوا بمنزلة من لم يربح في ~~تجارته، وأضاف الربح إلى التجارة لأن المعنى مفهوم وهو من اتساع العرب ~~ومجازه. وهو كثير في القرآن أي في كتاب الله، إذ هو من كلام العرب، ~~والقرآن نزل بكلامهم فلا ينكر أن يأتي القرآن بما هو في كلام العرب معروف ~~مشهور إلا من عدم حسه وفارق فطنته، ومثله قولهم: " نهارك صائم ~~وليلك قائم " ، / ومنه قوله: # بل مكر اليل والنهار # [سبأ: 33]. وهو كثير في الكلام والقرآن. # وحركت الواو في " اشتروا " لسكونها، وسكون لام التعريف بعدها، وكان ~~الضم أولى بها لأنها واو جمع، ولأن الضمة عليها أخف من الكسرة، ولأن لام ~~الفعل المحذوفة قبلها كانت مضمومة. وأصله " اشتريوا " فقلبت / الياء ~~ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وحذفت الألف لسكونها وسكون الواو بعدها. ~~وبقيت الفتحة تدل على الألف، ولم ترد الألف ms0030 عند حركة الواو لأن حركتها ~~عارضة ليست بلازمة. # ويجوز في الواو الكسر والفتح. ويجوز الهمز، وهو بعيد جدا. # وقوله: { وما كانوا مهتدين }. # أي لم يكونوا في علم الله السابق ممن يهتدي فيؤثر الهدى على الضلالة. ### || [2.17] # قوله: { مثلهم كمثل الذي استوقد نارا } الآية. # معناه مثل هؤلاء المنافقين في حقنهم دماءهم بما أظهروا من الإيمان ~~وسترهم على غير ذلك، كمثل الذي استوقد نارا، فلما أضاءت ما حوله، ~~ذهب الله بنورهم. فضياء ما حولهم هو ما حقن إقرارهم من دمائهم ومنع من ~~أموالهم في الدنيا. # وقوله: { ذهب الله بنورهم }. # هو ما يجدون يوم القيامة من عدم نورهم لأنهم لا ينتفعون بما أظهروا من ~~الإيمان إذ كان باطنهم خلاف [ما أظهروا]. # وقوله: { استوقد نارا }. أي استوقدها من غيره. # وقيل: معناه: أوقد، أي أوقدها هو. # واستفعل في كلام العرب يأتي على وجهين: # - يكون بمعنى استدعى الفعل من غيره نحو قوله: # وإذ استسقى موسى لقومه # [البقرة: 60]. أي استدعى أن يسقوا. # - ويكون بمعنى فعل، نحو قوله: # واستغنى الله # [التغابن: 6] فلم يستدع غني من واحد، وبعده: # والله غني # [التغابن: 6] يدل على ذلك. # و " ما " في قوله: { أضآءت ما حوله } في موضع نصب ب " ~~أضاءت ". # وقيل: هي زائدة / لا موضع لها من الإعراب. والمعنى: " فلما أضاءت النار، ~~الموضع الذي بحوله. " فما " غير زائدة. # قال قتادة: " هي لا إله إلا الله، قالوها بأفواههم فسلموا بها من ~~القتل حتى إذا ماتوا ذهب الله بنورهم ". # قال مجاهد: " هو إقبالهم على المؤمنين والهدى. وذهاب النور، هو إقبالهم ~~على الكفار. # وقيل: ذهب الله بنورهم، أي أظهر المؤمنين على ما أبطنوا من الكفر ~~والنفاق. # فبعد أن كان لهم عند المؤمنين نور بما أظهروا من الإيمان صاروا لا نور ~~لهم عندهم، لما أعلمهم به من سوء / ما أبطنوا. # والقول الأول عليه أكثر المفسرين؛ أن ذهاب نورهم إنما يكون يوم القيامة ~~وهو الذي ذكره الله في قوله: # يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا ~~انظرونا نقتبس من نوركم # [الحديد: 13]. # والهاء والميم تعود على " الذي " لأنه بمعنى " الذين ms0031 كما قال: # والذي جآء بالصدق وصدق به أولئك هم ~~المتقون # [الزمر: 33]. وفي هذا اختلاف ستراه في موضعه إن شاء الله. # ومنه قول الشاعر: # إن الذي حانت بفلج دماؤهم # هم القوم كل القوم يا وأم خالد # وقيل: تعود على المنافقين المتقدمي الذكر. # وجواب " لما " محذوف تقديره: فلما أضاءت ما حوله طفئت، ذهب الله بنورهم. # قوله: { وتركهم في ظلمت لا يبصرون }. # هذا تمثيل للكفر الذي هم فيه يسيرون. # وقيل: هو شيء يكون في الآخرة، وهو قوله: # فضرب بينهم بسور # [الحديد: 13]. # فظلمات جمع ظلمة، ويجوز إسكان اللام من " ظلمات " استخفافا، ومن العرب ~~من يبدل من الضمة فتحة، فيقول ظلمات. # وقال الكسائي: " من قال: ظلمات بفتح اللام فهو جمع " ظلم " ، و " ~~ظلم " جمع " ظلمة ". ولا يجوز الفتح في مثل هذا في الحرف الثاني مما ~~لامه واو ونحو خطوات. إنما / يجوز الإسكان لا غير. فإن كان اللام ياء لم ~~يجز فيه إلا الإسكان نحو [كلية وكليات]. ### || [2.18] # قوله: { صم بكم عمي }. # أي هم صم عن الحق وسماعه، وهم بكم عن قول الإيمان وهم عمي عن النظر / ~~إلى الآيات الدالات على الإيمان بالله ورسوله. وإنما وصفوا بذلك، ولم ~~يكونوا صما ولا بكما وعميا، لأنهم لما لم ينتفعوا بهذه الجوارح ~~كانوا بمنزلة من عدمها، / فلم ينتفع بها. # وقوله: { فهم لا يرجعون } أي لا يرجعون عن ضلالتهم. ### || [2.19] # قوله: { أو كصيب من السمآء } الآية. # الصيب: المطر، وأصله " صيوب " عند البصريين من " صاب " يصوب ~~" ، والصوب: نزول المطر. يقال: " صاب المطر " إذا نزل. # وقال الكوفيون: " أصله صويب على فعيل كرغيف، ويلزمهم ألا يعلوه ~~كما لم يعلوا " طويلا ". واعتل عند البصريين لأن الياء إذا أسكنت وأتت ~~بعدها واو، قلب من الواو ياء وأدغمت الأولى في الثانية " كميت " و " ~~هين ". # وقيل: الصيب: السحاب الذي فيه المطر، لا المطر، روي عن ابن عباس. # ومعنى: صاب: نزل وقصد. والمعنى أن الله جل ذكره أباح للمؤمنين أن يمثلوا ~~المنافقين بالذي استوقد نارا أو بالصيب. و " أو " للإباحة. وجمع " صيب ~~": صيائب. # والرعد: مختلف فيه، فقال مجاهد: ms0032 " هو ملك يزجر السحاب بصوته، فالمسموع ~~صوته ". # وقال شهر بن حوشب: " الرعد ملك يتوكل بالسحاب / يسوقه كما يسوق الحادي ~~الإبل يسبح كلما خالفت سحابة صاح بها، فإذا اشتد غضبه، طارت النار من فيه ~~فهي الصواعق ". # وقال ابن عباس: " الرعد ريح " ، قيل: إنها تختنق تحت السحاب، فتتصاعد ~~فيكون منه ذلك الصوت. # وروى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: " الرعد اسم ملك، وصوته هذا تسبيحه، ~~فإذا اشتد زجره بالسحاب، اضطرم السحاب من خوفه فيحتك، فتخرج الصواعق من ~~بينه ". # ومعنى الآية عند ابن عباس أنه مثل ضربه الله في المنافقين، فالظلمات ما ~~هم فيه من الكفر والحذر من القتل على ما أبطنوا. # ومعنى: { يكاد البرق يخطف أبصرهم } أي يكاد الحق الذي ~~دعوا إليه فخالفوه أن يهلكهم. # وقوله: { محيط بالكفرين } أي جامعهم بقوة. ### || [2.20] # قوله: { كلما أضآء لهم مشوا فيه }. # هو مثل لما أظهروا من الإيمان الذي حقن دماءهم ومنع من أموالهم. { ~~وإذآ أظلم عليهم قاموا }: أي ثبتوا على ما أبطنوا من ~~كفرهم. # وقال ابن مسعود: " كان رجلان من المنافقين هربا من النبي صلى الله عليه ~~وسلم إلى المشركين فأصابهما هذا المطر الذي ذكر الله، واشتد عليهم البرق ~~والصواعق وأيقنا بالهلاك، فقالا: ليتنا قد أصبحنا فنأتي محمدا صلى الله ~~عليه وسلم، نضع بأيدينا في يده، فأصبحا فأتياه، وحسن إسلامهما. فضرب ~~الله شأنهما وما نزل بهما مثلا للمنافقين الذين كانوا بالمدينة. وكان ~~المنافقون إذا حضروا مجلس النبي صلى الله عليه وسلم جعلوا أصابعهم في ~~آذانهم فرقا مما ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم فيهم من نفي أو قتل ~~كما فعل الرجلان خوفا من صوت الصواعق ". # ودل على ذلك قوله تعالى: # يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة ~~تنبئهم # [التوبة: 64]. # وعن ابن مسعود أيضا في الآية أن قوله: { كلما أضآء لهم ~~مشوا فيه } معناه: إذا كثرت أموالهم وغنموا ودامت سلامتهم قالوا: ~~إن دين محمد صلى الله عليه وسلم دين صدق وتمادوا على إظهار الإيمان وهو ~~قوله: { كلما أضآء لهم مشوا فيه } أي تمادوا على ~~حالهم، فإذا ms0033 أحربوا وهلكت أموالهم، قالوا: هذا من أجل دين محمد صلى الله ~~عليه وسلم، وهو قوله: { وإذآ أظلم عليهم قاموا } أي رجعوا ~~إلى كفرهم ونفاقهم. # وقال الحسن: " معنى المثل الأول في قوله: { مثلهم كمثل الذي ~~استوقد نارا } أنه تعالى مثل المنافقين كمثل رجل يمشي في ليلة ~~مظلمة وفي يده شعلة من نار فهو يبصر بها موضع قدميه، فبينا هو كذلك أحوج ~~ما كان إلى الضياء طفئت ناره / فلم يبصر كيف يمشي. وإن المنافق تكلم ب ~~" لا إله إلا الله " فناكح بها المسلمين وحقن دمه وأحرز ماله. فلما كان ~~عند الموت والحاجة / إليها سلبه الله إياها إذ لم تكن حقيقة، فبقي لا شيء ~~معه كما بقي ذلك الرجل في ظلمة لا ضوء معه ". # وقيل: هي مثل في اليهود إذ في كتابهم ذكر محمد [عليه السلام] وصفته، ~~فرأوه وعلموه فلم ينفعهم ذلك وكفروا به على علم منهم أنه نبي حق ". # وعلى أن الأمثال ضربها الله في المنافقين أكثر أهل التفسير. # قال الربيع بن أنس: معنى ذلك مثلهم كمثل قوم صاروا في ليلة مظلمة فيها ~~رعد ومطر وبرق على جادة ظلماء، فإذا [أبرق أبصروا] ومشوا، / وإذا أظلم ~~تحيروا وشكوا في الجادة. وكذلك المنافق؛ إذا تكلم بكلمة الإخلاص أضاء له ~~الأمر، وإذا شك تحير وانتكس فصار في ظلمة من أمره ". # قوله: { ولو شآء الله لذهب بسمعهم وأبصرهم } ~~الآية. # / خص الله جل ذكره ذكر السمع والبصر [لتقدم ذكرهما] قبل ذلك، ووحد ~~السمع لأنه مصدر يدل على القليل والكثير من جنسه. # وقيل: معنى الآية: " لو شاء الله لأطلع نبيه صلى الله عليه وسلم على ~~نفاقهم وكفرهم فيستحل دماءهم وأموالهم وأولادهم، وفيه تهديد ووعيد. # واختلف في البرق؛ فروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: " هو مخاريق ~~الملائكة ". # وعنه أنه قال: " يحدث من ضرب الملك السحاب بمخراق من حديد " # وقال " الرعد صوت الملك ". # وعن ابن عباس: " أن البرق سوط من نور يزجي به الملك السحاب " يريد أن ~~البرق نور السوط إذا ضرب به. # وقال مجاهد: " البرق مصع الملك ms0034 " والمصع الضرب، والمصاع عند العرب ~~المجالدة بالسيوف والمخاريق السياط، واحدها مخراق وهو السوط. # وروى مجاهد عن ابن عباس " أن البرق ملك يتراءى ". # وفي يخطف " أوجه وقراءات أفصحها " يخطف " بفتح الطاء مخففا. ولغة ~~أخرى بكسر الطاء مخففا، وبه قرأ علي بن الحسين وابن وثاب، فدل ذلك على ~~أنه يقال: خطف، يخطف، وخطف يخطف لغتان فيه. # - ووجه ثالث: قرأ به الحسين وقتادة وعاصم الجحدري وهو كسر الخاء والطاء ~~والتشديد، وأصله، " يخطف " ، فأدغم التاء في الطاء بعد أن أسكنها ~~وكسر الخاء لالتقاء الساكنين. # - ووجه رابع: وهو فتح الخاء وكسر الطاء مشددا وأصله أيضا " يختطف ~~" ، ثم ألقى حركة التاء [على الخاء]، وأدغم التاء في الطاء، وهو مروي ~~أيضا / عن الحسن. # وحكى الفراء إسكان الخاء، والتشديد عن بعض أهل المدينة. كأنه أدغم التاء ~~في الطاء، وترك الخاء على سكونها في " يختطف " ، وهو بعيد، لأنه جمع بين ~~ساكنين ليس أحدهما حرف لين. # - ووجه سادس: ذكره الأخفش والكسائي والفراء، وهو كسر الياء والخاء ~~والتشديد، وهو كالوجه الثالث إلا أنه كسر الياء للاتباع. # - ووجه سابع: قرأ به أبي، وهو " يتخطف " على " يتفعل " ~~مثل " يتغسل ". # ومعنى يخطف يأخذ بسرعة. # وفي " أضاء " لغتان: ضاء وأضاء بمعنى حكاهما الفراء. ### || [2.21] # قوله: { يأيها الناس اعبدوا ربكم } الآية. # قال ابن مسعود: " كل شيء في القرآن، { يأيها الناس } فهو مكي، ~~وكل شيء في القرآن: { ياأيها الذين آمنوا } فهو مدني ". ~~وقاله عروة بن الزبير والضحاك. # قال أبو محمد: وهذا القول إنما هو على الأكثر وليس بعام، لأن البقرة ~~والنساء مدنيتان وفيهما { يأيها الناس }. وفي كثير من السور ~~المكية # ياأيها الذين آمنوا # [البقرة: 104] ومعنى الآية يا أيها الناس، أخلصوا العبادة لربكم الذي ~~خلقكم، وخلق الذين كانوا من قبلكم، وإنما خاطب الله الكفار بهذا لأنهم ~~كانوا مقرين بأن الله خالقهم، دليل ذلك قوله: # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله # [الزخرف: 87]. فقيل لهم: إذا كنتم مقرين بأن الله خالقكم فاعبدوه، ولا ~~تجعلوا له شركاء، ومعنى الخلق الاختراع. # وقيل: هو التقدير، تقول: " خلقت الأديم " إذا دبرته وقدرته. # / والخلق الذي ms0035 هو الاختراع والابتداع على أربعة أوجه: # - الأول: خلق ما لم يكن كخلق الله العالم من غير شيء. # - والثاني: قلب عين إلى عين، كقلب الله النطفة علقة والعلقة مضغة، ~~والمضغة عظاما / فالثاني غير الأول. # - والخلق الثالث: تغيير العين وهي موجودة كرد الله الصغير كبيرا، ~~والأبيض أصفر، فالعين قائمة والصفة تغيرت. # - والرابع: تغير الحال والعين كما هو، نحو كون القائم قاعدا، والعاجز ~~قادرا، فلم تتغير العين ولا الصفة، إنما تغيرت الحال. # قوله: { لعلكم تتقون }. # أي تتقون ما نهاكم الله عنه. # وقيل: معناه لعلكم تتقون " الذي جعل ". " فالذي " في موضع نصب ب { ~~تتقون }. و " لعل " مردودة إلى المخاطبين. والمعنى اعبدوه واتقوه ~~على رجائكم وطمعكم. # وحكى الزجاج: أن " لعل " بمعنى " كي " في هذا الموضع، وهو بعيد. ### || [2.22] # قوله: { الذي جعل لكم الأرض فرشا }. # أي بساطا، وإنما سميت الأرض أرضا لارتعادها عند الزلازل. يقال: " رجل ~~ما روض " إذا / كانت به رعدة، " وأرض ماروضة " إذا كانت كثيرة الزلازل. # وقوله: (مهادا) هو خصوص مهد الله من الأرض ما بالناس إليه حاجة ومنفعة. ~~وإلا ففيها السهل والوعر والجبال والأودية والهبوط والصعود. # قوله: { والسماء بنآء }. # أي مرتفعة عليكم. والسماء تذكر وتؤنث. # وقال المبرد: " السماء هنا جمع السماوات [كتمرة وتمر]، ودليله قوله: # فسوهن # [البقرة: 29]. ولم يقل " فسواها ". # وتجمع السماء / إذا كانت واحدة على ستة أبنية: # - جمعان مسلمان، تقول: سماوات وسماءات. # - وجمعان مكسران لأقل العدد، تقول: سماء واسم وأسمية. # - وجمعان مكسران لأكثر العدد، تقول سماء وسمايا وسمي، وإن شئت كسرت ~~السين في " سمي ". وقد جاء في الشعر " سماءيا ". وفيه اتساعات ثلاثة. ~~قال: / الشاعر: # سماء الإله فوق سبع سماءيا. # فعلى هذا يجوز أن تجمع سماء على سماء كصحار. فالشاعر شبه سماء برسالة ~~لأن السماء فعال، ورسالة فعالة، وهما أختان في عدد الحروف ~~والحركات. # - والثالث فيها ألف بعدها كسرة، فكان يجب أن تقول " سمايا " ، كما تقول: ~~" رسائل " و " خطايا " ، فأتى به على الأصل، فقال " سمائي " ، ثم ~~لحقته ضرورة أخرى فأجرى المعتل مجرى السالم فقال: سمائي، وكان [حقه إذ] ~~أتى به على الأصل أن ms0036 يقول " سماء " كجوار وقاض لكنه أجراه للضرورة مجرى ~~ما لا ينصرف من السالم ففتح، ثم أطلق الفتحة فصارت ألفا، فقال " سماءيا ~~". ففيه ثلاثة اتساعات. # وفي الوقف على السماء المنصوبة خمسة أوجه: # - [أولها: أن تقف] على همزة ساكنة بعد مدة. # - والثاني: أن تروم حركة الهمزة وتمد. # - والثالث: أن تجعل الهمزة بين بين، وتروم الحركة وتمد. # - والرابع: أن تبدل من الهمزة أيضا ثم تحذفها لسكونها وسكون الألف التي ~~قبلها ولا تمد. # - والخامس: أن تبدل أيضا وتحذف وتمد لتدل المدة على الأصل لأن الحذف ~~عارض. وفي الوقف على بناء المنصوب أوجه: # - " بناء " بهمزة مفتوحة بعدها ألف، وقبلها ألف، فتمد قبل الهمزة مدا ~~مشبعا، وبعدها مدا ممكنا، وعليه أكثر القراء. # - والثاني: أن تجعل الهمزة بين بين، وتمد. وهو مذهب حمزة في الوقف. # - والثالث: أن تحذف الهمزة، وتحذف الألف لالتقاء ألفين، ولا تمد، فيصير ~~بلفظ المقصور لغة للعرب، لم يقرأ به أحد. # - والرابع: أن تحذف الهمزة والألف على ما ذكرنا، وتمد لتدل على أن أصله ~~المد. # - والخامس: أن تبدل من الهمزة ياء، فتقول " بنايا " لغة للعرب لم يقرأ ~~بها أحد / حكى عن العرب: " اشتريت مايا " ، يريدون ماء يشبهونه ب " ~~خطايا ". وقد كان أصل خطاياءا، منقول من خطائي، ثم أبدلوا من الهمزة ياء. # وقد قال ابن كيسان: " لا يكتب هذا المثال إلا بألفين، وإن شئت بثلاث ~~ألفات وهو الأصل فيها. وكتب في المصاحف بألف واحدة اختصارا ". # وقوله: { جعل لكم الأرض فرشا }. # أي مهادا، لا حزنة كلها، ولا جبال كلها. # وقال بعض الصحابة في قوله: { السماء بنآء } ، " بني السماء على ~~الأرض / كهيئة القبة، فهي سقف على الأرض ". # وقوله: { وأنزل من السمآء } الآية. # في الوقف على " السماء " المخفوض و " ماء ". كالذي في الأول. " وبناء " ~~مثل " ماء " في النصب. # وقوله: { فأخرج به من الثمرت }. # " من " للتبعيض. و " السماء " في هذا الموضع يراد بها السحاب، لأن ~~الماء منها ينزل كما قال: # وأنزلنا من المعصرات مآء ثجاجا # [النبأ: 14]. والمعصرات السحائب وكل ما علا فوقك فهو سماء. وسقف البيت ~~سماؤه، وهو سماء ms0037 لمن تحته. # وقوله: { فلا تجعلوا لله أندادا }. # أي أمثالا. وند الشيء مثله، والند خلاف الضد. # وقيل: شركاء. وقيل: أشباها. وقيل: أكفاء. # وروى ابن مسعود # " أنه سأل النبي [عليه السلام] أي الذنب أعظم؟ قال: [أن ~~تجعل] لله ندا وهو خلقك " # الحديث. # وقال عكرمة: " هو قولهم: لولا كلبنا لدخل علينا اللص ". # وقال أبو عبيدة: " الند الضد ". # وقوله: { وأنتم تعلمون }. # أي تعلمون أن الله خلقكم وخلق السماوات والأرض. # وقيل: معناه: وأنتم تعلمون أن الله لا شبيه له في التوراة والإنجيل، ~~فيكون الكلام مخاطبة لأهل الكتاب على هذا التأويل. وعلى القول الأول هو ~~مخاطبة لجميع الكفار. # ومعنى العلم الذي نسبه إليهم أنه علم تقوم به عليهم الحجة، وليس بالعلم ~~الذي هو ضد الجهل؛ دليله قوله # قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها ~~الجاهلون # [الزمر: 64]. فثبت جهلهم لأنهم علموا أن الله خالقهم، وجعلوا له ~~أندادا. فأما قوله تعالى: # إنما يخشى الله من عباده العلماء # [فاطر: 28]. فهذا هو العلم الذي هو ضد الجهل. ### || [2.23] # قوله: { وإن كنتم في ريب } الآية. # أي إن كنتم أيها الناس في شك من القرآن أنه ليس من عند الله فأتوا بسورة ~~من مثل القرآن. # وقيل: من مثل محمد صلى الله عليه وسلم في صدقه وأمانته. وقال ابن كيسان: ~~" معناه أنهم زعموا أن محمدا شاعر وأنه ساحر، فقيل: إيتوا بسورة من ~~مفتر أو من شاعر أو من ساحر. # وقيل: معنى: " من مثله " من مثل التوراة والإنجيل. # والاختيار / عند الطبري أن يكون معناه من مثل القرآن في بيانه، دليله ~~قوله تعالى في موضع آخر: # فأتوا بسورة مثله # [يونس: 38]. ولا يحسن هنا إلا مثل القرآن. فحمل الآيتين على معنى واحد ~~أولى. ولم يعن بقوله: { من مثله } إذا جعلت / الهاء للقرآن في ~~التأليف والمعاني لأنه لا مثل للقرآن إنما عني { من مثله } في ~~البيان لأن الله أنزله بلسان عربي مبين. فقيل لهم: كلامكم فيه البيان، ~~وهذا القرآن فيه البيان فأتوا من كلامكم بسورة مثل القرآن في البيان، ~~فأما التأليف والمعاني والرصف، فهي معان، باين القرآن فيها ms0038 ~~المخلوقات، فلا مثل له في ذلك، يضاف إليه فاعلمه. # وفي اشتقاق السورة أربعة أقاويل: # - قيل: / سميت سورة لأنها يرتفع بها من منزلة إلى منزلة، ويشرف فيها / ~~قارئها وحافظها على ما لم يكن عنده من العلم كإشرافه على سور البناء، فهي ~~[منزلة رفعة]. # كما قال: # ألم تر أن الله أعطاك سورة. # أي منزلة في الشرف. # - والثاني: إنما قيل لها سورة: لتمامها وكمالها. يقال للناقة ~~التامة: السورة. # - والثالث: إنما سميت سورة لشرفها وارتفاعها في القدر، كما يقال لما ~~ارتفع من البناء على هيئة سور. # - والرابع: إنما سميت سورة لأنها بقية من القرآن وقطعة منه: يقال: " ~~أسأرت في الإناء سؤرا، أي أبقيت فيه بقية، " ودخل فلان في سائر ~~الناس " أي في بقاياهم. فيكون أصله على هذا القول الرابع الهمز. # قوله: { وادعوا شهدآءكم }. # أي ادعوا آلهتكم للمعونة على الإتيان بسورة من مثل القرآن. # وقيل: شهداءكم. معناه: أعوانكم على ما أنتم عليه. # وقيل: معناه: ادعوا شهداءكم إذا أتيتم بالسورة يشهدون لكم أنها مثل ~~القرآن. ومعنى ادعوهم: استعينوا بهم. # وقيل: الشهداء / العلماء، أي استعينوا بهم على ذلك، وواحد الشهداء شهيد، ~~وواحد الشهود شاهد، وواحد الأشهاد شهيد وشاهد أيضا، وهو من نوادر ~~الجموع. # فإن قيل لك: قد قال الله تعالى لهم في موضع آخر: # فأتوا بعشر سور مثله # [هود: 13] وهم قد عجزوا عن الإتيان بسورة، وإنما يطالب من عجز عن الشيء ~~بأقل منه لا بأكثر. # - فالجواب عن ذلك أن قوله تعالى: # فأتوا بعشر سور مثله # [هود: 13]، نزل قبل: { فأتوا بسورة } لأن الأول مكي وهذا مدني، ~~فلما عجزوا عن عشر سور، قيل لهم: فأتوا بسورة. # وقيل: إنما طولبوا في البقرة بسورة من مثله غير محدودة / في مدح و [لا] ~~ذم ولا تعظيم ولا غيره، بل تجمع معاني كما تجمع ذلك سور القرآن، وكلفوا ~~في العشر السور أن تكون مفتريات، ومن كلف معنى واحدا أخف ممن كلف معاني ~~لا تحصى ولا تدرك. # فالتكليف في سورة البقرة أثقل وأضعف، وإن كانت سورة واحدة، وهو في هود ~~أخف، وإن كان بعشر ms0039 سور لأنها في معنى واحد وقع بها التكليف في هود، وفي ~~معان كثيرة وقع بها التكليف في البقرة. ### || [2.24] # قوله: { ولن تفعلوا }. # أعلمهم الله أنهم لا يقدرون على ذلك، فهو رد ونفي لما كلفوا، أي إن كنتم ~~صادقين. { ولن تفعلوا } أي لن تطيقوا ذلك أبدا. فعلى هذا التأويل ~~لا يحسن الوقف على " صادقين ". # قوله: { التي وقودها الناس والحجارة }. # و " الوقود " بفتح الواو: الحطب، وبضم الواو: التوقد. # وحكى الأخفش عن بعض العرب أن الفتح والضم معا بمعنى الحطب. # وقال الكسائي: " الفتح هو الحطب، والضم هو الفعل " ، يعني المصدر. # فعلى هذا لا تحسن القراءة إلا بفتح الواو لأنه تعالى أخبر أن الذي تتوقد ~~به النار هو الناس أعاذنا الله منها ووفقنا لما ينجينا منها، وختم لنا ~~بخير يبعدنا منها. { والحجارة }. قيل: يعني حجارة الكبريت. # وقيل: هي حجارة من كبريت خلقها الله يوم خلق السماوات والأرض. # وعن النبي [عليه السلام] أنه قال: # " هي حجارة من كبريت أسود في النار ". # وروى أصبغ بن الفرج " أن عيسى بن مريم عليه السلام بينما هو في سياحته ~~إذ سمع أنينا فمضى إليه يؤمه حتى انتهى إليه، فإذا هو حجر يبكي، فقال له ~~عيسى: ألا أراك تبكي وأنت حجر؟ قال: نعم يا روح الله إني أسمع الله يقول: # نارا وقودها الناس والحجارة # [التحريم: 6] / فادع [لي الله] يا روح الله ألا يجعلني منها ". # وعلى ذلك أكثر أهل اللغة أن " الوقود " بالفتح الحطب، وبالضم التلهب. # وقد روي عن الحسن وطلحة بن مصرف ومجاهد أنهم قرأوا بالضم فيكون ذلك على ~~اللغة التي حكاها الأخفش أن الفتح والضم بمعنى الحطب. ### || [2.25] # قوله: { وبشر الذين آمنوا }. # البشارة والبشرى في اللغة من البشرة؛ فإذا قيل: استبشر فلان، فمعناه ظهر ~~أمر في بشرته. وسميت الجنة جنة لأنها تجن من دخلها، أي تستره أشجارها ~~وثمارها. # والجنة عند العرب البستان ذو النخل والشجر. # وقوله: { من تحتها }. # أي من تحت شجرها ومساكنها، أي من دونها. يقال: داري / تحت دارك، أي ~~دونها، أي بجوارها. # / قوله: { قالوا هذا الذي رزقنا ms0040 من قبل }. # معناه: أنهم لما أتوا بثمار الجنة شبهوها بثمار الدنيا في المنظر، ~~وهي مخالفة لها في الطعم والرائحة، فمعنى { من قبل } أي في الدنيا. # وقيل: المعنى: قالوا: هذا الذي رزقنا وعدنا به في الدنيا. # وقيل: معناه: إنهم أتوا بثمار في الجنة فأكلوا، ثم أتوا بمثلها في ~~المنظر ومخالفا في الطعم، فقالوا عند نظرهم إلى الثانية: هذا الذي أكلنا ~~من قبل، أي من قبل هذا الوقت في الجنة. فيخبرون أن الطعم مختلف. # قوله: { وأتوا به متشبها }. # أي يشبه بعضه بعضا في المنظر ويختلف في الطعم والرائحة، وذلك أجل ~~في الملك والنعيم. وهذا القول مروي عن ابن مسعود وابن عباس. وهو مرفوع ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم. # وقيل: معنى { متشبها } أي أنه خيار حسن لا رذل فيه؛ يشبه بعضه ~~بعضا في الطيب والحسن. وهو قول الحسن. واحتج بأن ثمار الدنيا فيها الحسن ~~والرذل والوسط، وثمار الجنة خيار كله. # وقيل: معنى { متشبها }: أي يشبه اسمه اسم ثمار الدنيا، إلا أنه لا ~~يشبهه في الطعم ولا في اللون ولا في الرائحة، وهو قول مروي عن عبد الرحمن ~~بن زيد وعن ابن عباس. # قوله: { ولهم فيهآ أزوج مطهرة }. # أي مطهرة من أوساخ بني آدم؛ لا يحضن ولا يتمخطن ولا يتغوطن ولا يبلن، ~~فهن سالمات من جميع الأقذار ولا يلدن. ### || [2.26] # قوله: { إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا }. # حكى الطبري أن " يستحيي " بمعنى " يخشى " ، كما وقع " يخشى " بمعنى " ~~يستحيي " في قوله: # وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه # [الأحزاب: 37]. أي وتستحيي من الناس. # و " تستحيي " فعل عينه ولامه حرفا علة صحت عينه واعتلت لامه، فتقول في ~~الاسم: " هو مستحي " بحذف لام الفعل في الرفع والخفض كقاض، وإثبات ~~عينه. وتثبت اللام مع الغين في النصب، وتقول في التثنية: " رأيتهما ~~مستحييين " بثلاث ياءات فإن جمعت قلت: " هؤلاء مستحيون " ~~، بياء واحدة في الرفع. وفي النصب والخفض، " مستحيين " بياءين. ~~فالأولى عين الفعل، والثانية ياء الجمع، ولام الفعل محذوفة في الجمع ~~المنصوب والمرفوع والمخفوض لأن العلة لحقتها، بأن استثقلت ms0041 عليها الحركة ~~وهي كسرة لأن أصلها " مستحيون ". فلما سكنت حذفت لسكونها وسكون ~~الحاء قبلها. وبنو تميم يحذفون لام الفعل، ويعلون العين في الجمع، ~~فيقولون: / هم مستحون ". # ومن العرب من يحذف إحدى الياءين في الفعل / فيقول: " يستحي " ، ~~فيلقي حركة الياء الأولى على الحاء، فيكسرها ويحذف الياء لالتقاء ~~الساكنين. # وقوله: { أن يضرب مثلا ما بعوضة }. # معناه: إن الله جل ذكره لما ضرب المثل بالصيب وبالذي استوقد نارا، ~~قال المنافقون: " الله أعظم من أن يضرب مثلا بهذا " ، فأنزل الله: { ~~إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا } الآية. # قال الربيع: " هو مثل ضربه الله للدنيا، وذلك أن البعوضة تحيا ما ~~جاعت، فإذا شبعت ماتت، فكذلك الكافر إذا امتلأ من الدنيا أخذه الله، كما ~~قال: # فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب ~~كل شيء حتى إذا فرحوا بمآ أوتوا أخذناهم ~~بغتة # [الأنعام: 44]. # وقال قتادة: " معناه إن الله لا يستحيي أن يذكر شيئا من الحق قل أو ~~كثر ". # وقيل: إن هذا المثل مردود على " ما " في غير هذه السورة، وذلك أن الله ~~جل ذكره لما ضرب المثل بالعنكبوت والذباب تكلموا وقالوا: ماذا أراد ~~الله بهذا مثلا، كما حكى الله تعالى عنهم فأنزل الله { إن الله ~~لا يستحى أن يضرب مثلا } الآية. # واختار الطبري أن يكون مردودا على إنكارهم للأمثال في هذه السورة دون ~~غيرها. # وقوله: { ماذآ أراد الله بهذا مثلا }. # " ما " و " ذا " اسم واحد للاستفهام في موضع نصب ب " أراد " تقديره: أي ~~شيء أراد الله. # { مثلا }: نصب على التفسير. # ويجوز أن [تكون " ما " ] استفهاما في موضع رفع بالابتداء. # و " ذا " بمعنى " الذي " ، " وهو " الخبر وصلته ما بعده. وأراد " واقع ~~على هاء محذوفة، أي أراده الله. # ومعنى { فما فوقها } أي دونها في الصغر. # وقيل: معناه: فما أكبر منها، وهو اختيار الطبري، لأن البعوضة متناهية في ~~الصغر، وإن كان ثم ما هو أصغر منها. # قوله: { فيعلمون أنه الحق من ربهم }. # أي يعلمون أن هذا المثل حق. # قوله: { يضل به كثيرا }. # أي يضل بهذا المثل خلقا كثيرا، ms0042 وهذا من قول المنافقين. # وقيل: هو من قول الله جل ذكره، ودل عليه قوله: { ويهدي به ~~كثيرا } ، وهذا لا يكون من قول المنافقين لأنهم لا يقرون أن هذا المثل ~~/ يهدى به أحد، فهو من قول الله بلا اختلاف. وكذلك قوله: { وما يضل ~~به إلا الفسقين } هو من قول الله؛ إذ لا يجوز أن يكون من قول ~~المنافقين، لأنهم قد ضلوا به، ولا يقرون على أنفسهم بالفسق. فكذلك يجب أن ~~يكون الذي قبله. / ويدل على أنه كله من قول الله عز وجل / قوله في موضع ~~آخر: # وليقول الذين في قلوبهم مرض # [المدثر: 31] يعني المنافقين # والكفرون ماذآ أراد الله بهذا مثلا كذلك ~~يضل الله من يشآء # [المدثر: 31]. # فقوله: { كذلك } يعني به مثل ما قالوا في سورة البقرة، كذلك قالوا ~~في هذا. # وقال القتبي: " لما ضرب الله المثل بالعنكبوت والذبابة، قالت اليهود: ما ~~هذه الأمثال التي لا تليق بالله، فأنزل الله تعالى: { إن الله لا ~~يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة } / الآية، فقالت اليهود: ~~ماذا أراد الله بمثل ينكره الناس، فيضل به فريقا، ويهدي به فريقا، فقال ~~الله: { وما يضل به إلا الفسقين }. # فذكر الضلال والهدى في هذا القول من قول اليهود حكاه الله لنا عنهم. ~~وأصل الفسق الخروج عن الشيء؛ يقال: " فسقت الرطبة " إذا خرجت عن ~~قشرها. ### || [2.27] # وقوله: { الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثقه }. # العهد هاهنا، هو ما أخذه الله عليهم إذ أخرجهم من ظهر آدم وبنيه كالذر، ~~ودليله قوله: # وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ~~ذريتهم # [الأعراف: 172]. # / وقيل: العهد هاهنا هو ما أخذه الله على النبيين ومن اتبعهم ألا يكفروا ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم ودليله قوله: # وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لمآ آتيتكم من ~~كتاب وحكمة # [آل عمران: 81]. # قوله: { ويقطعون مآ أمر الله به أن يوصل }. # معناه: يقطعون أمر دينه لئلا يتبع فيوصل الإيمان به. # وقيل: معناه: يقطعون الرحم والقرابة التي بينهم وبين النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه، لأنهم إذا كذبوه فقد قطعوه. ف " أن ms0043 " في موضع خفض ~~على البدل من الهاء في " به " أو في موضع نصب على البدل من " ما " أو على ~~أنه مفعول من أجله. # قوله: { ويفسدون في الأرض }. # الفساد في الأرض في هذا الموضع عبادة غير الله تعالى: [وهي أعظم ~~الفساد]. # وقوله: { أولئك هم الخسرون }. # أصل الخسران النقص. والخاسر الناقص نفسه حظها من رحمة الله [عز وجل] ~~بمعصيته كما يخسر الرجل في تجارته. # وقيل: معنى " الخاسرين " الهالكون. ### || [2.28] # قوله: { كيف تكفرون بالله } الآية. # أي من أين يتجه لكم الكفر بالله مع نعمه عليكم إذ كنتم أمواتا فأحياكم. ~~أي لم تكونوا شيئا فأوجدكم. # وفي " كيف " معنى التعجب من فعلهم وليست باستفهام، ولكنها توبيخ / ~~وتعجب. # والعرب تسمي الشيء الممتنع ميتا؛ يقولون: " هذا أمر ميت " إذا ~~كان ممتنعا. # وقيل: معناه كنتم ترابا، يعني به آدم صلى الله عليه وسلم فجعلكم ذوي ~~حياة. # وقيل: معناه فأحياكم يعني في القبر للمساءلة ثم يميتكم في القبر بعد ~~المساءلة، ثم يحييكم يوم القيامة. ويلزم قائل هذا أن تكون الآية إنما ~~خوطب بها أهل القبور، وذلك بعيد إلا أن يحمل على أنه [خطاب لمن حضر]. ~~والمراد به آباؤهم وأسلافهم. # ويكون " تكفرون " بمعنى في موضع " كفرتم " وفيه بعد. و " قد " مضمرة مع ~~" كنتم " لأنه حال مما قبله. # وقيل: المعنى أنهم كانوا أمواتا في أصلاب الآباء ثم أحياهم في الأرحام، ~~ثم يميتهم في الدنيا عند انقضاء آجالهم، ثم يحييهم يوم القيامة. # وقيل: المعنى أنه أحياهم إذ أخرجهم من ظهر آدم لأخذ الميثاق، وقد كانوا ~~أمواتا لا حياة فيهم. # وقيل: أيضا: الموتة الأولى هي موتة النطفة في وقت خروجها من الرجل إلى ~~الرحم لأن كل ما في الحي فهو حي حتى [يفارقه فيكون] في عداد الأموات، ~~وكذلك الأعضاء إذا فارقت الحي فهي ميتة، فكل ما في الإنسان من أعضائه وما ~~يلزم جسده حي حتى يفارقه فيكون ميتا. # وروى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال: " أماته ثم أحياه في قبره - يعني ~~للمساءلة - ثم أماته، ثم أحياه يوم القيامة ". وهذا قول قد تقدم ms0044 ~~نظيره. # وقال ابن مسعود: " هي مثل قوله: # ربنآ أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين # [غافر: 11] ". # وسترى تفسير هذا في موضعه. # / وقد قيل: إن معنى الآية: وكنتم أموات الذكر، فأحياكم حتى ذكرتم، ~~ثم يميتكم، أي يردكم رفاتا لا تذكرون، ثم يحييكم للحساب والجزاء ~~فتذكرون. # وهو مروي / عن ابن عباس. وهو اختيار الطبري. # والهاء في { إليه ترجعون } تعود على الله عز وجل. # وقيل: تعود على الأحياء للخلود في الجنة، أو في النار، أي ثم إلى ~~الأحياء ترجعون. والأول أحسن. ### || [2.29] # قوله: { ثم استوى إلى السمآء }. # معناه: أقبل عليها. تقول العرب: " فلان مقبل على فلان، ثم استوى إلي ~~يمشي " ، أي أقبل إلي. # وقيل: معناه / تحول أمره وفعله إلى السماء. # وقال القتبي: " استوى، عمد إليها ". # وقال ابن كيسان: " استوى قصد ". # قال غيره: " معناه قصد إلى خلقها بالإرادة لا بالانتقال ". # يقال: " لما استويت إلى موضع كذا، ظهر لي كذا " ، / أي لما قصدت بإرادتي ~~إلى أمر كذا، ظهر لي كذا. # وقيل: استوى: استولى. تقول العرب: " استوى فلان على المملكة ". أي ~~استولى عليها واحتوى عليها. # واختار الطبري وغيره أن يكون " استوى " بمعنى " علا " على المفهوم في ~~لسان العرب. قال أبو محمد: وليس: " علا " في هذا المعنى أنه تعالى علا من ~~سفل كان فيه إلى علو، ولا هو علو انتقال من مكان إلى مكان، ولا علو بحركة ~~تعالى الله ربنا عن ذلك كله، لا يجوز أن يوصف بشيء من ذلك، لأنها صفات ~~توجب الحدوث للموصوف بها، والله جل ذكره أول بلا نهاية / لكن نقول: ~~إنه علو قدرة واقتدار ولم يزل تعالى قادرا له الأسماء الحسنى والصفات ~~العلا. # فإنما دخلت " ثم " في قوله: { ثم استوى } بمعنى القصد لخلق ما ~~أراد أن يخلق على ما تقدم في علمه قبل، بلا أمد. # والهاء في { فسوهن } تعود على السماء لأنها جمع سماوة. # وقيل: السماء تدل على الجمع. # وقيل: لما كانت السماء واسعة الأقطار، يقع على كل قطر منها اسم سماء جمع ~~على هذا المعنى. والمعنى فسوى منهن سبع سماوات. # وقيل: سبع سماوات بدل من ms0045 الهاء والنون، فلا تقدير حرف جر على هذا محذوف ~~منه. وقد روي عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهم في تفسير ذلك: " أن الله ~~جل ذكره كان عرشه على الماء كما أخبرنا به في كتابه. قالوا: ثم أخرج ~~من الماء دخانا، فارتفع الدخان فوق الماء، فسما الدخان على الماء ~~فسماه سماء. ثم إنه تعالى بقدرته أيبس الماء، فجعله أرضا واحدة، ثم ~~فتقها فجعلها سبع أرضين وذلك في يوم الأحد ويوم الاثنين، وجعل الأرض على ~~حوت وهو النون، والحوت في الماء، والماء على ظهر صفا، والصفاة على ظهر ~~ملك، والملك على صخرة، والصخرة على الريح، وهي الصخرة التي ذكر لقمان، ~~فهي ليست في الأرض، ولا في السماء، فتحرك الحوت واضطرب، فتزلزلت الأرض ~~فأرسى عليها الجبال، فذلك قوله: # وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم # [الأنبياء: 31]. وخلق الجبال في الأرض وجعل فيها أقوات أهلها وشجرها ~~ومصالحها في يومين، الثلاثاء والأربعاء، ودل على ذلك قوله: # خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك ~~رب العالمين * وجعل فيها رواسي من فوقها ~~وبارك فيها وقدر فيهآ أقواتها في أربعة ~~أيام # [فصلت: 9-10] - يعني اليومين الأولين والآخرين -، ثم قال: # ثم استوى إلى السمآء وهي دخان # [فصلت: 11]. فجعل / الدخان سماء واحدة، ثم فتقها سبع سماوات، وذلك في ~~يومين الخميس والجمعة، ولذلك سمي يوم الجمعة لأنه اجتمع فيه تمام خلق ~~السماوات والأرضين ". # وقال مجاهد: " خلق الله الأرض قبل السماء، فثار منها دخان، فخلق منه ~~السماوات ". وقد ذكر الله خلق الأرض قبل السماء في سورة السجدة، ثم ذكر ~~في " والنازعات " دحو الأرض بعد السماء، فقال: # والأرض بعد ذلك دحاها # [النازعات: 30]، فقال ابن عباس في معنى ذلك: " إنه تعالى خلق الأرض ~~بأقواتها قبل السماء غير أنه لم يدحها، ثم خلق السماوات، ثم دحا الأرض ~~بعد ذلك ". # وقال ابن سلام: " بدأ الله الخلق يوم الأحد /، فخلق الأرضين يوم الأحد ~~والاثنين، وخلق الأقوات والجبال في الثلاثاء والأربعاء، وخلق السماوات في ~~الخميس والجمعة وخلق آدم صلى الله عليه وسلم في آخر ساعة من يوم ms0046 الجمعة ~~". # قال أبو محمد: ولو شاء تعالى ذكره لخلق ذلك كله في أقل من طرف عين، يفعل ~~ما يشاء لا إله إلا هو، لا معقب لحكمه. # قوله: { وهو بكل شيء عليم } /. # أي عليم بكل شيء قبل خلقه له، وقبل حدوثه، لا أنه علم محدث مع حدوث ~~المعلومات تعالى عن ذلك، قد علم المعلومات كلها قبل حدوثها وكونها. ### || [2.30] # قوله: { وإذ قال ربك للملئكة } الآية. # معناه: واذكر يا محمد إذ قال ربك. # وقيل: معناه: ابتدأ خلقكم { وإذ قال ربك للملئكة } ~~لأنه ذكر معنى ذلك قبل / هذا فقال: # الذي خلقكم والذين من قبلكم # [البقرة: 21] أي خلقكم إذ قال ربك. ودخلت الواو في " إذ " عطفا على ما ~~قبلها لأنه تعالى ذكر خلقه نعمه في إحيائهم بعد الموت، وأنه [خلق لهم] ما ~~في الأرض جميعا، وسوى لهم السماوات وغير ذلك من نعمه فعدد على خلقه ~~نعمه. ثم قال: واذكروا فعلي بأبيكم آدم إذ قلت للملائكة اسجدوا له ~~تفضيلا له وابتلاء للملائكة. وإلى هذا المعنى ذهب الطبري في هذه الواو، ~~[وفي و " إذا " ]. # وقوله: { للملئكة } ، اختلف في اشتقاق " ملك " وتقديره ومعناه. # فقيل: واحدها ملك، وأصله " ملأك " على وزن " مفعل " ، الهمزة بعد ~~اللام وهي عين الفعل فجمع على الأصل على مفاعل، فقيل: " ملائك " وزيدت ~~الهاء للمبالغة. وقيل لتأنيت الصيغة. # وقال ابن كيسان: " هو مشتق من " ملكت " ، والهمزة في " ملأك " زائدة ~~كزيادتها في شمأل، إذ هو من " شملت الريح " أي عمت ". # وقال غيره: هو مشتق من الألوكة، وهي الرسالة بالهمزة بالفعل لكن ~~قلبت همزته وهي فاء، فصارت عينا فأخرت بعد اللام وأصلها " مألك " ~~ثم نقلت الهمزة بعد اللام فصارت " ملكا " ، وجمع على ذلك، ولم يرد إلى ~~أصله وكان حقه / أن يرده الجمع إلى أصله، [فخرج عن الأصل في الجمع]. # وقيل: هو مشتق من الملأكة وهي الرسالة أيضا حكاها أبو عبيد، يقال: ~~" لأك إليه يلأك ملأكة " إذا أرسل إليه رسالة. # ويقال في لغة أخرى: " ألكت إليه أألك مألكة " إذا ~~أرسلت. # فعلى / القول الأول من هذين القولين يكون " ملك ms0047 " مخفف الهمزة، ألقيت ~~حركة الهمزة على اللام وأصله " ملأك " ، وجمعه " ملائكة ". ~~والهمزة عين الفعل ولا قلب فيه، إنما فيه في الواحد تخفيف الهمزة [بنقل ~~حركتها] إلى الساكن قبلها وهو اللام. # وعلى القول الثاني يكون " ملأك " مقلوبا وأصله: " مألك " ، ~~والهمزة فاء الفعل، ثم قلبت الهمزة، فصارت بعد اللام، ثم خففت الهمزة ~~فألقيت حركتها على اللام قبلها كالأول فصار ملكا، فجمع على قلبه، ولم ~~يرده الجمع إلى أصله لقلة استعماله بالهمز في الواحد. ولو جمع على أصله ~~لقال: " مآلكة " ، ولكن لم يسمع جمعه على الأصل. # قوله تعالى: { إني جاعل في الأرض خليفة }. # معناه: إني جاعل في الأرض خلقا يخلف بعضهم بعضا لا بقاء لهم. # وقيل: معناه: إني جاعل في الأرض خلقا يخلفون من كان فيها ممن هلك، وذلك ~~أن أهل التفسير ذكروا أنه روي أن الأرض كان فيها خلق من الجن فأفسدوا ~~فيها فأهلكهم الله. والهاء في " خليفة " للمبالغة. # وقيل: دخلت لأنه بمعنى داهية في المدح والذم، بمعنى بهيمة. قاله الفراء. # وقيل: الهاء / [لتأنيث الصيغة]، وهي بمعنى فاعلة على هذا القول كرحيم ~~بمعنى راحم. وعلى القول الأول يكون خليفة: فعيلة، بمعنى مفعولة أي ~~مخلوقة؛ أي يخلف بعضهم بعضا لا بقاء لهم، فكل واحد مخلوف، لأن من يأتي ~~من بعده يخلفه، فهو كجريح وقتيل، بمعنى مجروح ومقتول. # ومعنى " جاعل " خالق ومستخلف. # قال ابن عباس: " أخرج الله آدم صلى الله عليه وسلم من الجنة قبل أن ~~يخلقه، وقرأ { إني جاعل في الأرض خليفة }. يريد أنه [قدر ~~ذلك وعلمه وشاءه] قبل أن يخلق آدم. # قوله: { قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها } الآية. # روى كثير من المفسرين أن الملائكة علمت بفساد من سكن الأرض من الجن ~~وسفكهم للدماء، فقالوا على طريق الاسترشاد وطلب الفائدة: { أتجعل ~~فيها من يفسد فيها ويسفك }؛ أي أيكونون مثل أولئك الذين ~~أفسدوا؟، فسألوا مسترشدين لا منكرين، إذ لا علم عندهم بما يكون من أمر ~~الخليفة التي أعلمهم الله أنه خالقها. # وقيل: إنهم قالوا ذلك / على طريق التعجب كما تقول العرب " أتحسن إلى ms0048 ~~فلان وهو يسيء إليك! ". # وقيل: إن الله جل ذكره أذن لهم في السؤال عن ذلك. وقيل: إن الله ~~تعالى ذكره / أعلمهم أنه يجعل في الأرض خليفة فسألوا على طريق الاسترشاد: ~~ما يكون ذلك الخليفة؟ فقال: تكون له ذرية يفسدون في الأرض ويسفكون ~~الدماء. فقالوا عند ذلك على طريق الاستعظام والاستثبات لا على طريق ~~الإنكار: { أتجعل فيها من يفسد فيها } الآية. # [قيل: قالوا] ذلك على التعجب مما أعلمهم الله به من إفساد ذرية الخليفة ~~في الأرض وسفكهم للدماء. # والله أعلم بأي ذلك كان. # فالألف في { أتجعل } لفظها لفظ الاستفهام ومعناها الاسترشاد أو ~~التعجب على قول من رأى ذلك على ما ذكرنا. # وعن ابن عباس أنه قال: " كان إبليس من / حي من أحياء الملائكة، يقال لهم ~~الجن وهم من الملائكة. خلق الله ذلك الحي من نار السموم، وخلق سائر ~~الملائكة غير هذا الحي من نور، وخلقت الجن غير هذا الحي الذين ذكروا في ~~القرآن من مارج من نار، والمارج هو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا ~~التهبت. وخلق الإنسان من طين. فأول من سكن الأرض الجن، فأفسدوا فبعث الله ~~إليهم إبليس في جند من الملائكة وهم هذا الحي الذين في الأرض فقتلوا ~~وطردوا حتى لحقوا بالبحار وأطراف الجبال فلما فعل إبليس ذلك اعتد في ~~نفسه وقال: قد صنعت ما لم يصنع غيري، وكان من خزان الجنة. # فاطلع الله على ذلك منه فقال: إني جاعل في الأرض خليفة. فقالت الملائكة ~~غير إبليس وحيه: أتجعل فيها من يفسد فيها كأولئك، على طريق الاسترشاد. أي ~~هل يكونون مثل أولئك المفسدين أو يكونون مصلحين ". # وقيل: " قالوا ذلك على طريق التعجب، فقال الله لهم: { إني أعلم ~~ما لا تعلمون } ، أي إني اطلعت من قلب إبليس على ما لم تطلعوا ~~أنتم عليه. فخلق آدم صلى الله عليه وسلم من طين لازب، واللازب اللزج ~~الملتصق من الحمأ المسنون، والمسنون ذو الرائحة صار حمأ حمأ بعد أن كان ~~طينا لزجا. فلما خلقه تعالى مكث آدم أربعين ليلة جسدا ملقى، ms0049 فكان ~~إبليس اللعين يأتيه فيضربه برجله فيصلصل ويصوت، فهو قول الله عز وجل: # خلق الإنسان من صلصال كالفخار # [الرحمن: 14]. ثم كان إبليس اللعين يدخل في في آدم [عليه السلام] ويخرج ~~من دبره، ثم يقول: لشيء ما خلقت، لئن سلطت عليك لأهلكنك. فلما نفخ فيه ~~الروح، أتت النفخة من قبل رأسه فلا تصل إلى شيء، إلا صار لحما ودما /. ~~فلما انتهت النفخة إلى سرته، نظر إلى جسده فأعجبه ما رأى من حسنه، فذهب ~~لينهض فلم يقدر فهو قوله تعالى: # وكان الإنسان عجولا # [الإسراء: 11] و # خلق الإنسان من عجل # [الأنبياء: 37] /. فلما تمت النفخة في بدنه عطس، فقال: الحمد لله رب ~~العالمين، بإلهام الله له. فقال له الله: يرحمك ربك يا آدم، ثم قال الله ~~تعالى لإبليس وحيه من الملائكة خاصة دون غيرهم: اسجدوا لآدم فسجدوا ~~كلهم إلا إبليس تكبرا وعزة فأبلسه الله، أي أيأسه من الخير كله، وجعله ~~شيطانا رجيما عقوبة له بالمعصية، ثم علم الله آدم الأسماء كلها. # قال المفسرون: علمه اسم كل شيء حتى الضرطة. وقال الله للملائكة - جند ~~إبليس -: أنبئوني بأسماء هؤلاء: فقالوا لا علم لنا. فقال يا آدم: أنبئهم ~~بأسمائهم، فأنبأهم آدم بأسمائهم. # وقيل: إنما عني بقوله تعالى: { وإذ قال ربك للملئكة } ~~الملائكة الذين كانوا في الأرض بعد هلاك من كان فيها دون غيرهم من ملائكة ~~السماوات. والله أعلم بأي ذلك كان، واللفظ على عمومه حتى [يأتي دليل ~~تخصيصه]. # قوله: # وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون # [البقرة: 33]. # معناه: أعلم ما أسر إبليس في نفسه من الكبر والعزة. وهذا التأويل يدل ~~على أن الخطاب الذي تقدم في قوله: { أتجعل فيها من يفسد ~~فيها } إنما كان من هذا / النوع من الملائكة الذين حضروا مع إبليس قتال ~~المفسدين في الأرض دون غيرهم من الملائكة. وهو قول الطبري. # وقد روي عن ابن عباس أنه قال: " إن هذه القبيلة من الملائكة سميت الجن ~~لأنهم كانوا من خزان الجنة ". # وهو من الاستجنان؛ وهو الاستتار. وإنما سميت الجنة جنة لأنها تجن من ~~دخلها؛ أي تستره ms0050 بشجرها وثمارها وعروشها. # وروي عنه أيضا أنه قال: " إن إبليس كان ملك سماء الدنيا، وكان خازنا ~~للجنة مع ذلك. فلما تمكن دخله العجب والكبر، وقال: لم أعط هذا إلا ولي ~~مزية على الملائكة. فاطلع الله على ما في سره فقال: إني جاعل في الأرض ~~خليفة، فسألت الملائكة عن الخليفة فقال: تفسد ذريته في الأرض فتعجبوا ~~وقالوا: { أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء ~~}. فبعث الله جبريل ليأخذ من طين الأرض، فاستعاذت منه فرجع ولم يأخذ ~~شيئا إجلالا لحق من استعاذت به، ثم بعث الله ميكائيل فاستعاذت، فرجع ~~ولم يأخذ شيئا. فبعث الله ملك الموت فاستعاذت منه، فاستعاذ هو منها، ~~وأخذ ما أراد من تربة بيضاء وحمراء وسوداء، فلذلك بنو آدم مختلفو الألوان ~~". # ثم مضى الحديث كالأول أو قريب منه، غير أن فيه: " فكان آدم جسدا من طين ~~أربعين سنة، ففزعت منه الملائكة وكان أشدهم فزعا إبليس / وفيه: أن آدم ~~عليه السلام لما دخل الروح رأسه، قال: الحمد لله. فقالت له الملائكة / ~~رحمك ربك يا آدم. فلما دخل الروح في عينيه نظر إلى الجنة، فلما دخل في ~~جوفه اشتهى الطعام فوثب قبل أن يبلغ الروح رجليه ". # وهذه الرواية تدل على أن المخاطبين المأمورين بالسجود لآدم صلى الله ~~عليه وسلم هم الملائكة كلهم، وهو ظاهر القرآن. # وقد قيل: إن معنى قوله تعالى: { إني أعلم ما لا تعلمون } ~~أي أعلم أنه سيكون من ذرية آدم أنبياء ورسل وصالحون وعباد وأخيار وساكنو ~~الجنة. # قوله: { ونحن نسبح بحمدك }. # معناه: نعظمك بالحمد والشكر. # وقيل: التسبيح الصلاة. # وروي عن النبي [عليه السلام] أنه قال: # " إن لله في السماوات السبع / ملائكة يصلون، ~~وإن عمر بن الخطاب قال له: يا رسول الله: ما ~~صلاتهم؟ فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم ~~شيئا، فأتاه جبريل عليه السلام، فقال له: يا نبي ~~الله: سألك عمر عن صلاة أهل السماء. قال: نعم، ~~فقال له: أقرئ على عمر السلام وأخبره أن أهل ~~السماء الدنيا سجود إلى يوم القيامة، يقولون: ~~سبحان ذي الملك ms0051 والملكوت. وإن أهل السماء ~~الثانية ركوع إلى يوم القيامة يقولون: سبحان ذي ~~العزة والجبروت، وأهل السماء الثالثة قيام إلى ~~يوم القيامة، يقولون: سبحان الحي الذي لا يموت ~~". # وأصل التسبيح لله عند العرب التنزيه والتبرئة له سبحانه من إضافة ما ليس ~~من صفته إليه. # وقوله: { ونقدس لك }. # أصل التقديس التطهير. ومعناه نطهر أنفسنا لك. # وقيل: التقديس الصلاة. # وروي ذلك عن قتادة. وروي عن أبي صالح: " ونقدس لك، نعظمك ونمجدك. # قوله: { إني أعلم ما لا تعلمون }. قد تقدم بيانه. # وقد قيل فيه: إن معناه إني اطلعت من قلب إبليس على ما لم تطلعوا عليه، ~~إني علمت ما أضمر إبليس في نفسه من ترك السجود لآدم صلى الله عليه وسلم ~~[ومن] عداوته له ولذريته. # وقيل: معناه إني عليم من آدم المعصية ثم التوبة عليه / وإهباطه إلى ~~الأرض، وما يكون من ذريته إلى يوم القيامة ومن هو سعيد، ومن هو شقي منهم. # وروي أن إبليس اللعين لما رأى صورة آدم وحسنها قال للملائكة: إني أرى ~~صورة مخلوق يكون له نبأ. أرأيتكم إن فضل عليكم ماذا تفعلون؟ قالوا: نطيع ~~أمر ربنا، ونفعل الذي يأمرنا به. فهذا قوله: { ما تبدون }. # وقال إبليس في نفسه: " لئن فضل علي لا أطيعه، ولئن فضلت عليه ~~لأهلكنه، وهذا قوله: { وما كنتم تكتمون } ، فلما نفخ الله ~~عز وجل / في آدم صلى الله عليه وسلم الروح جلس فعطس، فقال آدم: الحمد لله ~~رب العالمين فكان ذلك أول ما تكلم به آدم / عليه السلام فرد الله عليه: ~~يرحمك الله لهذا خلقتك " ، فهو قوله: # ولذلك خلقهم # [هود: 119]، أي للرحمة خلقهم. # وقال مجاهد: " علم الله من إبليس المعصية وخلقه لها ". ### || [2.31] # قوله: { وعلم ءادم الأسمآء } الآية. # اختلف في اشتقاق آدم؛ فقال فيه ابن عباس: " سمي آدم لأنه خلق من أديم ~~الأرض ". # وقال قطرب: " آدم أفعل من الأدمة ". وقيل هو أفعل من " أدمت بين الشيئين ~~" أي خلطتهما. # وقال الطبري: " هو فعل ماض رباعي سمي به الشخص ". # وقال قطرب: " من قال هو من أديم الأرض، يلزمه صرفه ms0052 لأنه فاعل ". # وذكر النحاس أنه أفعل من أديم الأرض وأدمتها، وهو ظاهر وجهها، ومنه سمي ~~الإدام لأنه وجه الطعام وأعلاه والعرب تسمي الجلد الظاهر أدمة، والباطن ~~بشرة. # وحكي عن الأصمعي أن باطنه الأدمة وظاهره البشرة، وهو أولى من الأولى. ~~ويجمع آدم إذا كان صفة كحمر، وأوادم إذا كان اسما " كأحامد ". # قوله: { الأسمآء }. قيل: " وعلمه أسماء كل شيء حتى القصعة والفسوة ~~". قاله قتادة. # وقيل: " علمه أسماء الملائكة خاصة " قاله الربيع بن خثيم. # قال مجاهد: " علمه الله اسم كل شيء: هذا جبل، هذا بحر، هذا كذا، هذا ~~كذا، لكل الأشياء ". # قال ابن جبير: " علمه اسم كل شيء حتى البعير والبقرة والشاة ". # قال عكرمة: " علمه اسم الغراب والحمامة وكل شيء ". # وقال غيرهم: " علمه أسماء الأجناس والأنواع ". # وقال ابن زيد: " علمه أسماء ذريته كلهم ". # واختار الطبري أن يكون علمه أسماء ذريته والملائكة لقوله: { ثم ~~عرضهم } ولم يقل " عرضها " ولا " عرضهن " / الذي هو لما لا يعقل. # وقيل: علمه اسم كل شيء ومنفعته ولماذا يصلح. # وقال القتبي: " علمه أسماء ما خلق في الأرض ". # وفي قراءة أبي: " ثم عرضها " ، " يريد عرض الأسماء ". # وقوله " عرضها " ولم يقل " عرضهم " يدل على أن الاسم هو المسمى، وهو ~~مذهب أهل السنة. وفي قراءة عبد الله " ثم عرضهن " على التأنيث ~~لما لا يعقل من الموات والأجناس. # / وقال ابن عباس: " إنما عرض الأسماء على الملائكة ". # وعن ابن مسعود: " أنه إنما عرض الخلق ". # فعلى الأول يكون " عرضها ". وعلى الثاني يكون " عرضهم ". # قال مجاهد: " عرض أصحاب الأسماء على الملائكة ". # وقال ابن زيد: " عرض أسماء ذريته كلها، أخذهم من ظهره، ثم عرضهم على ~~الملائكة ". # وقال ابن الأنباري: الهاء في " كلها " تعود على / الأسماء، والهاء في " ~~عرضهم " تعود على الأشخاص. والهاء في " أنبئهم " وفي " بأسمائهم " ، ~~وفي " أنبأهم " وفي " بأسمائهم " كلها تعود على الملائكة على قول من قال: ~~إن الله تعالى علمه أسماء الملائكة، ويعود على الأشخاص على القول الآخر. # قوله: { إن كنتم صدقين }. # جوابه عند المبرد محذوف، معناه: إن كنتم صادقين أن بني آدم يفسدون في ~~الأرض ms0053 ويسفكون الدماء فأنبئوني. ### || [2.33] # قوله: { إني أعلم غيب السموت }. # هو ما غاب عن الملائكة مما سبق في علمه مما ذكره في كتابه: # لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين # [السجدة: 13]. # قوله: { وأعلم ما تبدون }. هو قولهم: { أتجعل فيها من ~~يفسد فيها }. # و { وما كنتم تكتمون }: هو ما أضمر إبليس في نفسه من الكبر ~~والعز. روي ذلك عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من الصحابة والتابعين. # وقال سفيان: " { وما كنتم تكتمون } هو ما أسر إبليس في نفسه ~~من ترك السجود لآدم [والكبر] ". # وقال قتادة: " كتمانهم هو قولهم فيما بينهم: يخلق الله ما يشاء، فلن ~~يخلق خلقا إلا ونحن أكرم منه ". # وقيل: إنهم قالوا ذلك عند رؤيتهم لخلق آدم. # وعن ابن عباس " أنه عام فيما يظهرون وما يكتمون ". # وإبليس إفعيل من " أبلس " إذا يئس كأنه يئس من الرحمة، لم يصرف لقلة. # وقيل: هو أعجمي، ولذلك لم يصرف في المعرفة. # قال أبو عبيد: " لم يصرف لأنه لا نظير له في الأسماء " ، وهو عنده " ~~فعليل " أو " إفعيل ". # قوله: (أبى): أتى مستقبله على " يفعل " على التشبيه ب " قرأ، يقرأ " ~~، لأن الهمزة تبدل منها الألف، وهي من حروف الحلق / مثلها. # وقالوا: " جبى، يجبي " من الجباية بالفتح، " وقلى يقلى " بالفتح على ~~التشبيه أيضا. # وإبليس [في قول] ابن عباس: كان من حي من أحياء يقال لهم الجن، خلقوا / ~~من نار السموم، وكان اسمه الحارث، وكان من خزان الجنة. # وروي عنه أيضا أنه قال: " كان إبليس من الملائكة واسمه عزرائيل، وكان ~~من سكان الأرض وكان شديد العبادة وواسع العلم، فدعاه ذلك إلى الكبر ". # وإنما سمي من الجن لأنه كان خازنا للجنة، فكأنه منسوب إليها، كما تقول: ~~مكي وبصري وشامي. # وقيل: سمي من الجن لأنه لا يرى، كما سمى الله الملائكة جنا، فقال: # وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا # [الصافات: 158]. وأصله كله الاستتار. # وقال شهر بن حوشب: " كان إبليس من الجن الذين طردتهم الملائكة في الأرض ~~/ حين أفسدوا فأسره بعض الملائكة، فذهب به إلى السماء ". وهذا غير معروف. # وقال / سعد بن مسعود: ms0054 " سما إبليس من الأرض وهو صغير، فكان مع الملائكة ~~فتعبد، فلما أمر بالسجود لآدم امتنع فذلك قوله # كان من الجن # [الكهف: 50]. # وقال ابن زيد: " إبليس أبو الجن، كما أن آدم أبو الإنس ". # وروى عكرمة عن ابن عباس أن الله خلق خلقا فقال: " اسجدوا لآدم فأبوا ~~فأحرقهم، ثم [خلق خلقا] آخر فأبوا فأحرقهم ثم خلق هؤلاء فسجدوا إلا ~~إبليس كان من أولئك الذين أبو السجود لآدم ". # والسجود الذي أمروا به إنما هو على جهة التحية، لا على جهة العبادة. # وقيل: أمروا بذلك إكراما له. # وقيل: معناه: اسجدوا إليه كما يسجد إلى الكعبة فجعل قبلة إكراما له. # وروي عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من الصحابة أن آدم صلى الله عليه ~~وسلم استوحش في الجنة قبل أن تخلق حواء بعد لعن إبليس وخروجه من الجنة، ~~فنام نومة فاستيقظ، فوجد امرأة عند رأسه قد خلقها الله من ضلعه من شقه ~~الأيسر فسألها: من أنت؟ قالت: امرأة. قال: ولم خلقت؟ قالت: لتسكن إلي. ~~فقالت له الملائكة - ينظرون مبلغ علمه -: ما اسمها يا آدم؟ قال: حواء، ~~قالوا: ولم سميت حواء؟ قال: لأنها خلقت من شيء حي. فكان أصلها " حياء ~~" ، ثم أبدل من الياء واو ". ### || [2.35-37] # قوله: { رغدا } إلى قوله: { مما كانا فيه }. # قوله: { رغدا } أي واسعا. وقيل: هنيئا. # وقال مجاهد: " رغدا لا حساب عليهما فيه " ، وهو من السعة في المعيشة. # قال ابن عباس في رواية أبي صالح عنه: " الشجرة شجرة العلم، فيها أنواع ~~الثمار كلها ". # وعن ابن جريج أنه قال: " هي التينة ". # وعن ابن عباس أيضا وأبي مالك: " الشجرة السنبلة لكن الحبة منها ككلى ~~البقر ألين من الزبد وأحلى من العسل ". # وروى عن ابن مسعود أنها الكرمة. وذكر ذلك أيضا عن ابن عباس، وعليه أكثر ~~المفسرين، ولذلك حرم الله الخمر في قول بعضهم. # قال / أبو هريرة: " هي العنبة نهي آدم عنها، وجعلت فتنة لولده من بعده ~~". # وتزعم اليهود عليها اللعنة أنها الحنطة. # قوله: { فأزلهما }. # أي استزلهما، ومن قرأ: (فأزالهما) وهو حمزة فمعناه نحاهما. # والهاء في ms0055 " عنها " تعود على الشجرة، يعني حسدهما إبليس اللعين على ما ~~كانا فيه، فاستزلهما وتكبر عن السجود لآدم صلى الله عليه وسلم. # وروى ابن القاسم عن مالك أنه قال: " بلغني أن أول معصية كانت الحسد ~~والكبر والشح: حسد إبليس وتكبر على آدم، وشح آدم، فقيل له: كل من شجر ~~الجنة إلا التي نهى / عنها فشح فأكل منها ". # قال وهب بن منبه: " لما أراد إبليس من آدم عليه السلام ما أراد دخل في ~~جوف الحية، وكان لها أربع قوائم كالبختية، فدخلت الجنة، وخرج إبليس إلى ~~الشجرة وأخذ منها، وجاء إلى حواء فقال لها: انظري ما أطيب هذه الشجرة ~~وأحلاها وأحسن ريحها. فأكلت منها ثم مضت إلى آدم صلى الله عليه وسلم ~~فقالت له مثل ما قال إبليس، فأكل منها، فبدت له سوأته عند ذلك، وقام فدخل ~~في جوف الشجرة. فقال الله تعالى: يا حواء أنت التي غررت عبدي، فإنك لا ~~تحملين حملا إلا حملتيه كرها، ولا تضعين ما في بطنك إلا أشرفت على ~~الموت مرارا. ثم لعن الحية لعنة تحولت قوائمها في بطنها، ولا [رزق لها] ~~إلا التراب، وجعلها عدوة لبني آدم، تهلكهم إذا لدغت أحدهم ويقتلونها إذا ~~ظفروا بها ". # وقال ابن عباس: " أتى إبليس اللعين ليدخل على آدم صلى الله عليه وسلم / ~~فمنعته الخزنة فقال للحية وهي كأحسن الدواب: أدخليني في فقمك، أي في جانب ~~فمك، حتى أدخل الجنة ففعلت ومرت بالملائكة وهم لا يعلمون ما صنعت، فخرج ~~إلى آدم / فقال: # يآدم هل أدلك على شجرة الخلد # [طه: 120]، كما حكى الله جل ذكره. وقال له: هل أدلك على شجرة إن أكلت ~~منها / كنت ملكا مثل الله سبحانه أو تكون من الخالدين، وحلف لهما بالله ~~إني لكما من الناصحين فأبى آدم عليه السلام أن يأكل، فتقدمت حواء فأكلت ~~ثم قالت: يا آدم، كل، فإني قد أكلت فلم تضرني، فلما أكل بدت لهما ~~سوآتهما ". # وروي أنهما لما أكلا من الشجرة سقط عنهما لباسهما وهو النور الذي كان ~~ألبسهما الله إياهما، فهرب آدم من ms0056 ربه عز وجل مستترا بورق الجنة، فناداه ~~ربه: أفرارا مني يا آدم؟ قال: بل حياء منك يا رب. ما ظننت أن أحدا يقسم ~~باسمك كاذبا، فقال له الله جل ذكره: أما خلقتك بيدي؟ أما أسجدت لك ~~ملائكتي؟ أما نفخت فيك من روحي؟ أما أسكنتك في جواري؟ فلم عصيتني؟ ~~أخرج من جواري، فلا يجاورني من عصاني، فقال آدم: سبحانك اللهم وبحمدك، لا ~~إله أنت رب، عملت سوءا وظلمت نفسي فاغفر لي، إنك خير الغافرين. سبحانك ~~اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، عملت سوءا وظلمت نفسي فارحمني، إنك أرحم ~~الراحمين. سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت ربي عملت سوءا، وظلمت ~~نفسي فتب علي / إنك أنت التواب الرحيم ". فهذه الكلمات التي ألهمها الله ~~عز وجل. # قوله: { فتاب عليه }. # وروي عن النبي [عليه السلام] أنه قال: # " لم يحزن حزن آدم أحد قط؛ بكى أربعين عاما، ~~وسجد أربعين عاما تائبا حتى قبل الله منه ". # وقال الحسن: " بكى آدم عليه السلام على الجنة ثلاثمائة ". # وقال ابن زيد: " لو أن بكاء داود وبكاء جميع أهل الأرض عدل ببكاء آدم ~~على الجنة ما عدله ". # وقال ابن إسحاق: " لما دخل إليهما إبليس بكى وناح عليهما كيدا منه، ~~فقالا له: ما يبكيك؟ فقال: أبكي عليكما تموتان، وتفارقان ما أنتما فيه، ~~فوقع ذلك في أنفسهما، ثم وسوس إليهما وحلف لهما فأكلا منها " ، قال: و " ~~ذهب آدم عليه السلام في الجنة هاربا لما أكل، فقال له [ربه: يا آدم] ~~أمني تفر؟ قال: لا يا رب، ولكن حياء منك. قال الله: يا آدم: إنه أوتيت ~~من قبل حواء. قال: أي رب. قال الله: فإن لها علي أن أدميها في كل شهر ~~مرة، وأن أجعلها سفيهة وأن أجعلها تحمل كرها وتضع كرها ". # وكان سعيد بن المسيب يحلف بالله أن آدم ما أكل من الشجرة وهو يعقل، ولكن ~~حواء سقته الخمر، حتى إذا سكر قادته إليها فأكل. # وقال جماعة من أهل التأويل: " لم يدخل إبليس الجنة وإنما وسوس إليه ~~شيطانه الذي جعله الله ليبتلي ms0057 به آدم وذريته ويأتي ابن آدم في يقظته ~~ونومه، وعلى كل حال. وقد قال تعالى: # فوسوس لهما الشيطان # [الأعراف: 20]، وقال: # يابني ءادم لا يفتننكم الشيطان كمآ أخرج ~~أبويكم من الجنة # [الأعراف: 27] فأخبرنا أن الذي أخرج أبانا هو الذي يوسوس في صدورنا ". # وعن النبي [عليه السلام] أنه قال: # " إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ". # قوله: { بعضكم لبعض عدو }. # يعني آدم وحواء / والحية / وإبليس. فنزل إبليس أولا نحو الأبلة في ~~المشرق، ونزل آدم على جبل من جبال الهند ونزلت حواء بجدة، ونزلت الحية ~~بأصبهان. # وروي أنه لما خرج آدم إلى شقاء الدنيا أتاه جبريل عليه السلام فعلمه كيف ~~يحرث فحرث، ثم زرع، ثم حصد، ثم درس، ثم خبز ثم أكل، فلما عرض له الخلاء ~~جاء وذهب وتردد، وهو لا يدري ما حدث به ولا ما يصنع، فقعد وتعصر فخرج منه ~~الحدث منتنا، فقال: يا رب ما هذا النتن؟ فقال: هذه ريح خطيئتك ". # قوله: { ولكم في الأرض مستقر }. # أي قرار إلى حين، وقيل: / القرار في القبور، وروي ذلك عن ابن عباس. # قوله: { ومتاع إلى حين } ، أي إلى الموت. # وقيل: إلى قيام الساعة فتخرجون من القبور. # وقيل { إلى حين }: إلى أجل قد علمه تعالى. # وقال أبو موسى الأشعري: " إن الله حين أهبط آدم من الجنة إلى الأرض، ~~علمه صنعة كل شيء، وزوده من ثمار الجنة، فثمركم هذه من ثمار الجنة، غير ~~أن هذه تتغير، وتلك لا تتغير ". # قوله: { فتلقى ءادم من ربه كلمت }. أي أخذها ~~وقبلها. # وقيل: ألهمها فانتفع بها إذا رفعت، ومن نصب " آدم " فمعناه أن الكلمات ~~رحمة من ربه أدركته قاستنقذته. # فالكلمات فيما روي عن ابن عباس [قول آدم]: أي رب: ألم تخلقني بيدك؟ قال: ~~بلى، ثم قال: أي رب ألم تنفخ في من روحك؟ قال: بلى. ثم قال: أي رب ألم ~~تسكني جنتك؟ / قال: بلى، ثم قال: أي رب. أرأيت إن تبت وأصلحت، أراجعي ~~أنت إلى الجنة؟ قال: بلى. فذلك تلقيه ". # وزاد قتادة أنه قال: " وسبقت رحمتك إلي قبل ms0058 غضبك، قيل له: بلى. قال: رب ~~هل كتبت هذا علي قبل أن تخلقني؟ قيل له: نعم. قال / رب إن تبت وأصلحت ~~أراجعي أنت إلى الجنة؟ قال: نعم ". # وقال الحسن: " هو قولهما: { ربنا ظلمنآ أنفسنا } الآية ". # وقال قتادة: " هي قول آدم عليه السلام: يا رب أرأيت إن أنا تبت وأصلحت؟ ~~قال: إذا أدخلك الجنة ". # وقال عبيد بن عمير: " قال آدم: يا رب خطيئتي التي أخطأتها، أشيء كتبته ~~علي قبل أن تخلقني؟ [أو شيء أنا ابتدعته] من قبل نفسي؟ قال: بل شيء كتبته ~~عليك قبل أن أخلقك. قال: فكما كتبته علي فاغفره لي، فذلك الذي تلقى آدم ~~". # وقال عبد الرحمن بن زيد بن معاوية: " قال آدم: اللهم لا إله إلا أنت ~~سبحانك وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك فتب علي إنك أنت التواب الرحيم، فذلك ~~الذي تلقى ". وروي عن مجاهد أنه قال: " هو قول آدم: اللهم لا إله إلا أنت ~~سبحانك وبحمدك رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت خير الغافرين. اللهم لا ~~إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فارحمني إنك خير الراحمين. ~~اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فتب علي إنك أنت ~~التواب الرحيم ". # وروي عنه أنه قال: " هو قول آدم: { ربنا ظلمنآ أنفسنا } ~~الآية ". # وروى عنه ابن جريج أنه قال: " هي قول آدم: رب أتتوب علي إن تبت؟ ~~قال: نعم. فتاب عليه ربه ". # / روي أن آدم رأى كلما في الجنة مكتوب: لا إله إلا الله محمد عبدي ~~ورسولي، فعلم آدم أن محمدا صلى الله عليه وسلم أكرم الخلق عليه، فقال ~~حين أخطأ: اللهم بحق محمد اغفر لي خطيئتي، فغفر الله له ". # وكانت كنيته أبا محمد، وقيل: أبا البشر. فذلك قوله: { فتلقى ~~ءادم من ربه كلمت }. # قال ابن عباس: / " تاب الله على آدم يوم عاشوراء ". ### || [2.38] # قوله: { قلنا اهبطوا }. # يريد آدم وإبليس وذرية آدم. # وقيل: آدم وإبليس وحواء والحية. # وقيل: آدم وحواء فقط، وجمعا كما يخاطب الواحد بلفظ الجمع لشرفه. # قال مجاهد: " أهبط آدم ms0059 بأرض الهند فحج البيت على قدميه أربعين حجة، فقيل ~~له: ولم تكن معه دابة تحمله؟ فقال: وأي دابة تطيقه؟ كانت خطوته مسيرة ~~ثلاثة أيام، وموضع قدميه كالقرية ". # روى ابن وهب عن مالك أنه قال: " إن آدم لما أهبط إلى الأرض بالسند ~~والهند، قال: يا رب أهذه أحب الأرض إليك أن نعبدك فيها؟ فقال: بل مكة، ~~فسار آدم حتى أتى مكة فوجد عندها ملائكة يطوفون بالبيت، ويعبدون الله، ~~فقالوا: مرحبا بآدم، أبي البشر، إنا منتظروك هنا منذ ألفي عام ". # قوله: { فإما يأتينكم مني هدى }. # أي رسل وأنبياء مخاطبة لذرية آدم. # وقيل: هدى بيان من أمري. # وقيل: الهدى محمد صلى الله عليه وسلم. # { فمن تبع هداي } أي من أطاعه وآمن به فلا خوف عليه في الآخرة. # وبنو إسرائيل هم ولد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن صلى الله ~~عليه وسلم. و " إسرا ": بمعنى عبد. و " إيل ": هو الله [عز وجل] ~~بالعبرانية، وهو مخاطبة لبني قريظة والنضير ثم عام في جميع بني إسرائيل. ### || [2.40] # قوله: { نعمتي التي أنعمت عليكم }. # " هو أن جعلت منكم الرسل / والأنبياء، وأنزلت عليكم الكتاب ". قال ذلك ~~أبو العالية. # وقال مجاهد: " النعمة تفجر الحجر وإنزال المن والسلوى عليهم، وإنجاؤهم ~~من آل فرعون ". # وقال ابن زيد: " نعمته الإسلام، ولا نعمة أعظم منها، وما سواها تبع لها ~~". # قوله: { وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم }. # العهد هنا عن قتادة قوله: # ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرآئيل وبعثنا ~~منهم اثني عشر نقيبا # [المائدة: 12]. من كل سبط شاهد على سبطه، إلى قوله: # الأنهار # [المائدة: 12]. # وعن ابن عباس: " هو ما أخذ عليهم في التوراة والإنجيل من التصديق بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم وطاعته واتباع أمره ". # { أوف بعهدكم }: الجنة والتجاوز عن الصغائر. # / واختيار الطبري أن يكون هو ما أخذ عليهم في التوراة من أن يبينوا ~~للناس أمر النبي صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: # لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه ورآء ~~ظهورهم # [آل عمران: 187]. أي أمر محمد صلى الله عليه وسلم وقال: # يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ms0060 # [الأعراف: 157]. فالمعنى آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وانصروه كما ~~عهدت إليكم في التوراة؛ أوف لكم بما عهدت لكم من دخولكم الجنة. # وروي أن في التوراة: " هو أحمد الضحوك القتول يركب البعير ويلبس الشملة ~~ويجتزي بالكسرة، سيفه على عاتقه ". # ومعنى { فارهبون } أي خافون واخشوني أن أنزل بكم ما أنزلت بمن / ~~كان قبلكم من النقمات. ### || [2.41] # قوله: { مصدقا لما معكم }. # أي هذا القرآن يصدق التوراة والإنجيل لأن فيها الأمر باتباع / محمد صلى ~~الله عليه وسلم، وكذلك في القرآن. فمن لم يتبعه فقد كفر بالجميع؛ لأنهم ~~يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل. وكذلك حكى الله عنهم، فإذا ~~جحدوا به فقد جحدوا ما هو مكتوب عندهم، ومن جحد حرفا واحدا من كتاب ~~الله فهو جاحد للجميع. # قوله: { أول كافر به }. # أي أول من كفر. وقيل: أول فريق كافر. # وقيل: معناه: لا تسبوا الكفر وأنتم علماء فيقتدى بكم. # وقيل: معناه: [ولا تكونوا] أول من كفر به من أهل الكتاب؛ يريد قريظة ~~والنضير خاصة، لأنه قد كفر به المشركون قبل ذلك / بمكة، وليس نهيه أن ~~تكونوا أول كافر يبيح لهم أن يكونوا ثانيا أو ثالثا فما بعده، لأن ~~النهي عن الشيء لا يكون دليلا على إباحة أضداده. وذلك في الأمر جائز، ~~يكون الأمر بالشيء دليلا عن النهي عن أضداده. # والهاء في " به " تعود على محمد صلى الله عليه وسلم. # وقيل: على كتابهم لأنهم إذا كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم، فقد كفروا ~~بكتابهم. # وقيل: الهاء تعود على القرآن لأنه جرى ذكره في أول الآية، ولم يجر ذكر ~~محمد صلى الله عليه وسلم ولا التوراة والإنجيل باللفظ، ولكن جرى ذلك ~~بالمعنى في قوله: { لما معكم }. # وقيل: إن هذا خطاب لقريظة والنضير لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم ~~عليهم فعصوه فكانوا أول من كفر به من اليهود. # قوله: { ولا تشتروا بآيتي ثمنا قليلا }. # كان لأشراف اليهود مأكلة يأكلونها من أموال الناس كل عام على الدين ~~فخشوا أن يؤمنوا فتذهب مأكلتهم. ### || [2.42] # قوله: { ولا تلبسوا الحق ms0061 بالبطل }. # أي: [لا تخلطوا الحق بالباطل، وهو إظهار] المنافق الإيمان بلسانه وجحوده ~~بقلبه. وقيل: هو قول بعض اليهود: " محمد نبي مرسل مبعوث إلا أنه لم يبعث ~~إلينا " ، / فيقرون ثم يجحدون. # وقال مجاهد: " لا تخلطوا اليهودية والنصرانية بالإسلام ". # وقال ابن زيد: " الحق التوراة، والباطل [ما كتبوه وغيروه] بأيديهم ". # قوله: { وتكتموا الحق وأنتم تعلمون }. # أي تكتمون أمر محمد وأنتم تعلمون أنه نبي مبعوث صلى الله عليه وسلم إلى ~~الخلق كافة، تجدونه مكتوبا عندكم كذلك في التوراة والإنجيل. ### || [2.43] # قوله: { وأقيموا الصلوة وآتوا الزكوة }. # إنما أمروا بهذا لأنهم كانوا يأمرون الناس به ولا يفعلونه، دل عليه ~~قوله: { أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم } ~~أي تتركون أنفسكم ". # والزكاة النماء والزيادة. سميت بذلك لأنها تنمي المال وتثمره. # وروى أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " رأيت ليلة أسري بي رجالا تقرض شفاههم ~~بمقاريض من نار، فقلت: يا جبريل من هؤلاء؟ فقال: ~~هؤلاء خطباء يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم ". # وقيل: كانوا ينهون الناس عن الكفر بشيء من التوراة والإنجيل ويقولون: ~~تمسكوا بما فيهما، وهم يكفرون بما يجدونه فيهما من أمر محمد صلى الله ~~عليه وسلم وينقضون ما عهد إليهم في ذلك. # وقيل: إنهم كانوا يخبرون الأنصار بصفة محمد صلى الله عليه وسلم، ~~ويأمرونهم بالإيمان به، وهم يؤمنون به قبل مبعثه، فلما بعث آمنت به ~~الأنصار، وكفرت به اليهود. ### || [2.44] # ثم قال تعالى: { أفلا تعقلون }. # أي أفلا تعقلون / أن وبال ذلك راجع عليكم. # وأصل العقل المنع. يقال: " عقلت نفسي عن كذا " أي منعتها، ~~" وعقلت البعير " إذا ربطته " ، وعقلت عن الرجل " ~~إذا لزمته دية فأعطيتها عنه. فهذا فرق بين عقلته ~~و " عقلت عنه ". ### || [2.45] # قوله: { بالصبر والصلوة }. # الصبر الصيام. وأصل الصيام الحبس. # وقيل: معناه اصبروا على ما تكرهه نفوسكم من الطاعة والعمل. # وفي رواية أبي صالح عن ابن عباس: " معناه بالصبر على أداء الفرائض، ~~وبالصلاة على تمحيص الذنوب ". # وقال مقاتل: " معناه استعينوا بهما على طلب الآخرة ". # وقال مجاهد وغيره: " الصبر الصوم ". # وقيل: معناه: أصبروا أنفسكم عن ms0062 المعاصي، أي أحبسوها. # وذكر الصلاة ها هنا لما فيها من الذكر والخشوع. # " وكان رسول الله [صلى الله عليه وسلم] " إذا حزبه أمر فزع ~~إلى الصلاة " # وقال الله: # إن الصلاة تنهى عن الفحشآء والمنكر # [العنكبوت: 45] فهي مما / يستعان بها على / ترك المعاصي وفعل الخير / ~~كله. # وكان ابن عباس إذا أصيب بمصيبة توضأ، وصلى ركعتين ثم قال: " اللهم قد ~~فعلنا ما أمرتنا فأنجز لنا ما وعدتنا ". # وقال أبو العالية: " معناه واستعينوا بالصبر والصلاة على مرضاة الله، ~~فإنهما من طاعته ". # قوله: { وإنها لكبيرة }. # إنما وحد، وأتى بضمير الصلاة لأن المعنى قد عرف، وكانت الصلاة أولى ~~لقربها و " لجمعها الخير " ، ولأنها أقرب إلى الضمير. # وقيل: المعنى: وإن إجابة محمد صلى الله عليه وسلم لكبيرة، فالهاء تعود ~~على إجابته / لأن الصبر والصلاة مما كان يدعو إليه ويأمر به. # ومعنى " كبيرة " ثقيلة شديدة، إلا على الخاشعين وإلا على الذين هدى ~~الله. # والخاشع الخائف من الله. وأصله التواضع، والتذلل، والاستكانة. # وقيل: الهاء في " إنها " تعود على تولية الكعبة. # وقيل: تعود على الاستعانة ودل عليه " استعينوا ". ### || [2.46-47] # قوله: { على العلمين }. # أي على عالم [أهل ذلك الزمان] وذلك أنه فضلهم بالرسل والكتب. # قوله: { يظنون }. معناه: يوقنون. # والهاء في " إليه " تعود على اللقاء. # وقيل: على الله جل ذكره. ### || [2.48] # قوله: { لا تجزي }. # أي لا تقضي، " جزى عني الشيء " ، قضى، و " أجزأني، كفاني، مهموز. # وقيل: هما بمعنى واحد. وأصل الجزاء القضاء والتعويض. # قوله: { نفس عن نفس }. # أي لا تقضي ولا تغني. وهي خاصة لقول النبي [عليه السلام]: # " شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ". # ولقوله: # " ليس من نبي، إلا وقد أعطي دعوة، وإني اختبأت ~~دعوتي شفاعة لأمتي وهي نائلة منهم من لا يشرك ~~بالله شيئا ". # فألفاظ الآية عامة، ومعناها الخصوص، هي في الكفار خاصة، وفي هذه الآية ~~رد على اليهود لأنهم زعموا أنهم لا يعذبون يوم القيامة لأنهم أبناء ~~الأنبياء، وأن آباءهم يشفعون لهم عند الله، فرد الله ذلك عليهم في هذه ~~الآية. # قوله: { منها عدل }. أي: فداء. # وعن ابن عباس: " عدل: بدل ms0063 ". # وعن النبي صلى الله عليه وسلم: " العدل: الفدية ". # وقولهم: " لا يقبل منه، صرف ولا عدل ". # قيل: العدل: الفدية، والصرف: الحيلة. قاله ابن السكيت. # وقال المازني: " العدل: الفريضة، والصرف: النافلة ". # وقيل: للفدية: عدل، لأنها مثل الشيء، وأصل " عدل الشيء " مثله. والعدل ~~- بكسر العين - ما حمل على الظهر. يقال: " عندي غلام عدل ~~غلامك، وشاة عدل شاتك " ، بكسر العين، إذا كان أحدهما يعدل ~~الآخر. وكذلك يفعل في كل شيء يماثل الشيء من جنسه فإن أردت أن عندك / ~~قيمته من غير جنسه فتحت العين فقلت: " عندي عدل غلامك وعدل ~~شاتك ". أي قيمتها بفتح العين. # وروي في " العدل " الذي بمعنى الفدية كسر العين لغة. # والضمير في " ولاهم " يعود على الكفار لأن النفسين [المذكورتين ~~تدلان] على ذلك. # وقيل: تعود على النفسين لأنهما بمعنى الجمع لم يقصد بهما قصد نفسين ~~بأعيانهما ولأن التثنية أول الجمع، فهي جمع. ### || [2.49] # قوله: { آل فرعون }. # أصله: أهله، وترجع الهاء في التصغير. وجمعه آلون. # وجمع " آل " الذي هو السراب " أأوال " كمال وأموال. # و " آل " المختار فيه ألا يضاف إلا إلى الأسماء المشهورة نحو آل هشام ~~وآل محمد صلى الله عليه وسلم فإن أضفته إلى البلدان والأرضين لم يجز عند ~~جماعة من أهل العربية واللغة / لا يقال: آل المدينة ولا آل مصر، وإنما ~~يقال بالهاء، حكاها الكسائي. # وسمع الأخفش آل المدينة وآل مكة نادران لا يقاس عليهما. # واسم فرعون الوليد بن مصعب. # وقيل: مصعب بن الريان، وهو اسم كانت ملوك العمالقة تتسمى به. وكانت ملوك ~~الروم تتسمى قيصرا وهرقلا، وملوك فارس تتسمى كسرى، وملوك اليمن تبع ~~". # قال مجاهد: " فرعون موسى فارسي من أهل اصطخر قدم مصر فكان بها ". # قوله: { يسومونكم } أي: يوردونكم. وقيل: يذيقونكم. # وقيل: يولونكم. وقيل: يصرفونكم في العذاب مرة كذا، مرة كذا. # والعذاب هنا هو استخدام القبط الرجال من بني إسرائيل وقتل الأبناء؛ روي ~~عن ابن عباس أنه قال: " ذكر فرعون ما وعد الله خليله إبراهيم صلى الله ~~عليه وسلم أنه يجعل من ذريته / أنبياء ملوكا، فأجمع رأيه مع أصحابه على ms0064 ~~أن يذبح / كل مولود ولد في بني إسرائيل ففعل ثم رأى أن الكبار يموتون ~~بآجالهم والصغار يذبحون فخاف أن يضطر إلى أن يتولى الخدمة بنفسه ويغني ~~الناس فأمر أن يقتل الصغار سنة ويدعوهم سنة، فحملت أم موسى بهارون في ~~العام الذي لا ذبح فيه، فولدته علانية، [وحملت] في العام المقبل بموسى ~~صلى الله عليه وسلم. # وذكر عكرمة عن ابن عباس قال: " قالت الكهنة لفرعون: إنه يولد في هذا ~~العام مولود يذهب بملكك. فجعل فرعون على كل ألف امرأة مائة رجل، وعلى كل ~~مائة عشرة وعلى كل عشرة رجلا، وأمرهم بذبح الذكور إذا وضعن. # وقال السدي: " كان ذلك من فرعون لرؤيا رآها، فعبرت له أن يكون من بيت ~~المقدس مولود يكون خراب مصر على يديه. فأمر بذبح الغلمان / واستخدام ~~الآباء تحت أيدي القبط، فأسرع الموت في مشيخة / بني إسرائيل، فدخل كبراء ~~القبط على فرعون فقالوا له: إن هؤلاء القوم يسرع فيهم الموت فيوشك أن ~~تبقى بغير خدمة، فأمر بذبح الذكور سنة وبتركهم سنة ". # قوله: { بلاء من ربكم }. # أي نعمة إذ نجاكم مما كنتم فيه. # وقيل: معناه اختبار لكم من ربكم. ### || [2.50] # قوله: { وإذ فرقنا بكم البحر }. # أي جعلناه اثني عشر طريقا على عدد الأسباط. ولما أتى موسى صلى الله ~~عليه وسلم البحر كناه أبا خالد وضربه، فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، ~~أي كالجبل العظيم. # { وأنتم تنظرون }. قيل: إنهم كانوا ينظرون إلى آل فرعون يغرقون ~~وهم ينجون. # وقيل: أخرجوا لهم حتى رأوهم. # وقيل: كانوا ينظرون انفلاق البحر لهم. # وقال الفراء: " تنظرون: تعلمون " ، واستبعد أن ينظروا إليهم في ذلك ~~الوقت لأنهم كانوا في شغل عن ذلك. # وكان فرعون قد خرج في طلب موسى صلى الله عليه وسلم في سبعين ألفا من ~~دهم الخيل خاصة، وموسى صلى الله عليه وسلم بين يديه حتى قابله البحر، ~~فقال أصحاب موسى: # إنا لمدركون # [الشعراء: 61]. قال موسى صلى الله عليه وسلم: كلا إن معي ربي سهديني ~~للنجاة قد وعدني ذلك، وهو لا يخلف الميعاد. وكان قد أوحى ms0065 الله إلى موسى ~~صلى الله عليه وسلم أن أضرب بعصاك البحر، وأمر البحر أن ينفلق إذا ضربه ~~موسى صلى الله عليه وسلم فبات البحر يضرب بعضه بعضا فرقا من الله تعالى، ~~فضربه موسى صلى الله عليه وسلم بالعصا فانفلق، فسلك موسى صلى الله عليه ~~وسلم / ببني إسرائيل وأتبعه فرعون وجنوده. ولما أتى فرعون في أثر موسى ~~صلى الله عليه وسلم وهو على حصان فأراد الدخول فهرب الحصان من البحر فعرض ~~له جبريل على فرس أنثى فقربها منه فشمها ثم تقدم معها [الحصان عليه فرعون ~~حتى دخل، ثم دخل آل فرعون في أثره، وجبريل صلى الله عليه وسلم أمامه]، ~~وميكائيل من وراء القوم على فرس يستحثهم حتى إذا فصل جبريل من البحر ليس ~~قدامه أحد. وبقي ميكائيل من الناحية الأخرى ليس خلفه أحد طبق عليهم ~~البحر. فلما رأى فرعون ما رأى نادى: # لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل ~~وأنا من المسلمين # [يونس: 90] وكان ذلك يوم عاشوراء. # وروي عن ابن عباس أن موسى صلى الله عليه وسلم سرى ليلا كما قال تعالى: # فأسر بعبادي ليلا # [الدخان: 23]، فأتبعه فرعون في ألف ألف حصان سوى الإناث، وكان موسى صلى ~~الله عليه وسلم في ستمائة ألف فاحتقرهم فرعون، وقال حين اطلع عليهم: # إن هؤلاء لشرذمة قليلون # [الشعراء: 54] [الثلاث الآيات]، ولما دخلوا البحر وتفرق كل سبط على ~~طريق، قال السبط الذين مع موسى صلى الله عليه وسلم لموسى: أين أصحابنا؟ ~~قال: سيروا / فإنهم على طريق مثل طريقكم، قالوا: لا نرضى حتى نراهم. قال ~~موسى صلى الله عليه وسلم: اللهم أعني على أخلاقهم السيئة. فأوحى الله ~~إلى موسى صلى الله عليه وسلم أن يزيد عصاه على البحر في الحيطان فصار فيه ~~كوى ينظر بعضهم إلى بعض. # وموسى اسم أعجمي، أصله فيما ذكر السدي: ماء وشجر، فهو ماء. وسمي بذلك ~~لأن أمه / حين ألقته في اليم بين أشجار عند بيت فرعون فوجده جواري آسية ~~امرأة فرعون، فسمي باسم ذلك المكان الذي أصيب فيه. # فأما موسى فمؤنثة ms0066 عربية، مشتقة من أسوت إذا أصلحت، ويكون أصله الهمز. # وقيل: هي من " أوسوت " إذا حلقت. وهذا أشبه بها، وكلاهما قريب من ~~الآخر. و[الأصل] للواو في الهمز على هذا. ### || [2.51] # قوله: { أربعين ليلة }. أي: تمام أربعين ليلة. وقيل: معناه ~~أربعين ليلة بتمامها. فالأربعون داخلة في الميعاد. # قوله: { اتخذتم العجل من بعده }. # أي إلها، والأصل، اتخذ، يتخذ، وهو " افتعل " من الأخذ، ~~وكثر في كلامهم فجعلوه بمنزلة ذوات الواو والياء التي تكون في موضع الفاء ~~من الفعل. وهي تكون تاء في " افتعل " وما تصرف منه، وتدغم في تاء " افتعل ~~". فأصل التاء الأولى همزة / وقد قيل: أصلها تاء من " تخذت ". # وقال الأخفش: " أصلها همزة حملت على ذوات الواو. لأن الهمزة قد تدخل على ~~الواو فيبدل كل واحدة من الأخرى ". # وقد قيل في لغة: " أخذته وأخذه الله بذلك، وواخذه ". فصارت ~~" اتخذ " مثل " اتعد ". # قال ابن عباس: " لما امتنع فرس فرعون أن يدخل به البحر، تمثل له جبريل ~~عليه السلام على فرس أنثى فتقحم خلفها ودخل بفرعون، وكان السامري قد عرف ~~جبريل لأن أمه خافت عليه الذبح، فخلفته في غار فانطبقت عليه الغار. ~~فكان جبريل عليه السلام يأتيه فيغدوه بأصابعه، فيجد في إحدى أصابعه لبنا ~~وفي الأخرى / عسلا وفي الأخرى سمنا. فلم يزل يغدوه حتى نشأ، فلما رأى ~~جبريل عليه السلام عرفه، / فأخذ من أثر فرسه قبضة من تراب، ورفعها عنده، ~~وكان موسى صلى الله عليه وسلم إذ أمر بني إسرائيل أن يخرجوا من أرض. مصر، ~~أمرهم أن يستعيروا الحلي من القبط ويخرجوا به معهم. فلما تجاوز البحر ~~وغرق آل فرعون استخلف موسى هارون على بني إسرائيل، ومضى لوعد ربه عز ~~وجل، فقال لهم هارون: اجمعوا الحلي وادفنوه حتى يأتي موسى، فإن أحلها ~~لكم أخذتموها. فجمعوا الحلي في حفرة، وألقي [في روع] السامري / أنه لا ~~يلقي تلك القبضة على شيء فيقول: كن كذا إلا كان، فقذفها في الحفرة وقال: ~~كن عجلا جسدا له خوار، فصار الحلي كذلك، تدخل الريح من دبره وتخرج من ~~فيه، يسمع لها ms0067 صوت، فقال لهم السامري: # هذآ إلهكم وإله موسى فنسي # [طه: 88]؛ أي نسي موسى صلى الله عليه وسلم إلهه عندكم، ومضى يطلبه كأنه ~~قد نسي. فعكفوا على العجل يعبدونه فنهاهم هارون صلى الله عليه وسلم وقال: # إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن ~~فاتبعوني # [طه: 90]. فأبوا حتى يرجع موسى [صلى الله عليه وسلم] ". # وقيل: إنه كان يمشي ويخور. # واسم السامري: موسى بن ظفر، واعتزل هارون بمن معه ممن لم يعبد العجل ~~فلذلك قال له موسى: # فرقت بين بني إسرآءيل # [طه: 94]. # قال ابن عباس: " إن موسى صلى الله عليه وسلم لما قطع البحر وأغرق الله ~~آل فرعون، قالت بنو إسرائيل لموسى: إئتنا بكتاب من ربنا كما وعدتنا، ~~وزعمت أنك تأتينا به إلى شهر. فاختار موسى سبعين رجلا لينطلقوا معه، ~~فلما تجهزوا، قال الله لموسى: أخبر قومك أنك لن تأتيهم أربعين ليلة وذلك ~~حين تمت بعشر، وهي عشر من ذي الحجة مع ذي القعدة. # والهاء [في] من " بعده " تعود على موسى صلى الله عليه وسلم. وقيل: تعود ~~على انطلاق موسى إلى الجبل. ### || [2.52] # قوله: { من بعد ذلك }. # " ذلك " إشارة إلى اتخاذهم العجل إلها. # قيل: إنهم عبدوا العجل، فلذلك قال: اتخذتم العجل يعني إلها. وعن قتادة: ~~" إن السامري هو الذي اتخذ العجل إلها، ورضي بذلك بنو إسرائيل، فلذلك ~~نسبه إليهم ". ### || [2.53] # قوله: { الكتاب والفرقان }. # الكتاب: التوراة، والفرقان: انفراق البحر، قاله ابن زيد. و " يوم ~~الفرقان: يوم التقى الجمعان " هو يوم بدر فرق الله بين الأمرين بين الحق ~~والباطل. # وقيل: الفرقان: الفرق بين الحق والباطل / من الكتاب. # وقيل: الفرقان القرآن، والتقدير على هذا: وآتينا محمدا الفرقان. قاله ~~الفراء وقطرب، وهو بعيد في العربية، لا يجوز مثل هذا الإضمار، وقد رده ~~جماعة. # وقال الزجاج: " الفرقان هو الكتاب أعيد ذكره بغير لفظه للتأكيد، وسمي ~~فرقانا لأنه فرق بين الحق والباطل ". # وقيل: الفرقان هو التفريق بينهم وبين قوم فرعون؛ غرق قوم فرعون ونجا قوم ~~موسى. ### || [2.54] # قوله: { فتوبوا إلى بارئكم } الآية. # قال السدي: " لما رجع موسى صلى الله عليه ms0068 وسلم إلى قومه قال: # يقوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا # [طه: 86] إلى قوله: # فكذلك ألقى السامري # [طه: 87]، ثم أخذ العجل فحرقه [فأبرده] بالمبرد فذراه في اليم، ثم أمرهم ~~موسى صلى الله عليه وسلم أن يشربوا من اليم فشربوا. فمن كان في قلبه محبة ~~من العجل خرج على / شاربه الذهب، وهو قوله: # وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم # [البقرة: 93]. فلما / علموا أنهم قد ضلوا ندموا، فلم يقبل الله توبتهم ~~إلا أن يقتل بعضهم بعضا، فذلك قوله: { فاقتلوا أنفسكم } إلى ~~{ التواب الرحيم }. فصفوا صفين، ثم اجتلدوا بالسيوف والخناجر، ~~فكان من قتل شهيدا. # قال علي بن أبي طالب: " كان الرجل يقتل أباه وأخاه حتى قتل منهم سبعون ~~ألفا، فأوحى الله إليه: (مرهم فليرفعوا) القتل فقد رحمت من قتل وتبت ~~على من بقي ". # وروي أنهم قالوا لموسى صلى الله عليه وسلم: كيف يقتل الرجل أخاه ~~وقريبه؟ فقال موسى: إن الله [تعالى يأمر الذين عبدوا] العجل أن يجثوا، ~~ويأخذ الذين لم يعبدوا العجل السيوف. وقال الله جل ذكره لموسى عليه ~~السلام: إني سأنزل سحابة سوداء حتى لا يبصر بعضهم بعضا، ثم أمر الذين لم ~~يعبدوا العجل أن يضربوا بالسيوف ففعلوا فقتلوهم أجمعين /. فلما ارتفعت ~~السحابة اشتد على موسى وعليهم ما صنعوا، فقال الله جل ذكره: يا موسى أما ~~يرضيك أني أدخلت القاتل والمقتول الجنة؟ قال: بلى يا رب ". # وقال ابن شهاب: " لما أمرت بنو إسرائيل بقتل أنفسها برزوا ومعهم موسى ~~فاضطربوا بالسيوف والخناجر، وموسى صلى الله عليه وسلم رافع يديه يدعو، ~~حتى إذا فتر أتاه بعضهم فقال: با نبي الله: ادع الله لنا. وأخذوا بعضديه ~~يسندون يديه، فلم يزل أمرهم على ذلك حتى قبل الله توبتهم وقبض أيديهم / ~~فألقوا السلاح. وأحزن موسى صلى الله عليه وسلم و [بني إسرائيل الذي] كان ~~من القتل منهم، فأوحى الله جل ذكره إلى موسى: ما يحزنك؟ أما من قتل، ~~فحي عندي يرزق، وأما من بقي فقد قبلت توبته، فسر بذلك موسى صلى ~~الله عليه وسلم وبنو إسرائيل. ### || [2.55] # قوله: { وإذ ms0069 قلتم يموسى لن نؤمن لك حتى نرى ~~الله جهرة } الآية. # قوله: { جهرة }: يجوز أن يكون حالا من قولهم، على معنى: أرنا الله ~~علانية. ويجوز أن يكون حالا منهم؛ أي قالوا ذلك مجاهرين به أي: معلنين. # والصاعقة الموت. وقيل: الفزع. # وقيل: [العذاب الذي] يموتون منه. # وأصل الصاعقة كل شيء هائل من عذاب أو زلزلة أو رجفة؛ قال الله تعالى: # وخر موسى صعقا # [الأعراف: 143]، أي مغشيا عليه ولم يمت. والرجفة التي أخذت من معه كانت ~~موتا وأنتم تنظرون إلى الصاعقة. ### || [2.56] # قوله: { ثم بعثنكم }. # أي: أحييناكم. وأصل البعث إثارة الشيء من محله؛ تقول العرب: " بعثت ~~ناقتي " أثرتها. " وبعثت فلانا في كذا " ، أي: أثرته للتوجه فيه. ~~ويوم القيامة يوم البعث لأنه [يثار فيه الناس] للحساب. ومعنى ذلك أن موسى ~~صلى الله عليه وسلم لما أحرق العجل وذراه في اليم اختار من قومه سبعين / ~~رجلا وقال: انطلقوا إلى الله عز وجل، وتوبوا إليه مما صنعتم وتطهروا ~~وطهروا ثيابكم، وكان ذلك عن أمر الله له، فخرجوا معه فقالوا لموسى: اطلب ~~لنا إلى ربك أن نسمع كلامه فقال: أفعل. فلما دنا موسى صلى الله عليه وسلم ~~من الجبل وقع عليه عمود من نور حتى تغشى الجبل كله فدخل فيه. وقال للقوم: ~~ادنوا وكان موسى صلى الله عليه وسلم إذا كلمه ربه عز وجل وقع على جبهته ~~نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه، فضرب دونه الحجاب. ودنا ~~القوم حتى إذا دخلوا / في الغمام، وقعوا سجودا، فسمعوه وهو يكلم موسى / ~~صلى الله عليه وسلم يأمره وينهاه: افعل ولا تفعل، فلما فرغ انكشف عن موسى ~~الغمام فأقبل إليهم فقالوا: يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، ~~فأخذتهم الصاعقة عند ذلك فماتوا أجمعون. فقال موسى: رب لو شئت أهلكتهم من ~~قبل وإياي، قد سفهوا، أفتهلك من ورائي من بني إسرائيل بما فعل السفهاء ~~منا؟ يريد موسى صلى الله عليه وسلم أن مضيي إلى بني إسرائيل بغير من ~~اخترت منهم [هلاك لهم] لأنهم بعد ms0070 ذلك لا يأمنوني على أمر ولا يصدقوني. ~~فلم يزل موسى - يطلب إلى ربه - صلى الله عليه وسلم حتى رد عليهم أرواحهم، ~~وطلب إليه التوبة لهم من عبادتهم العجل، فقال الله تعالى: لا. إلا أن ~~يقتلوا أنفسهم. ذكر جميع ذلك عن السدي، قال: " فالذين أخذتهم الصاعقة هم ~~السبعون الذين اختارهم موسى صلى الله عليه وسلم للميقات ". قال قتادة: " ~~بعثهم الله عز وجل إلى بقية آجالهم ليستوفوها، ولو تمت آجال القوم ما ~~بعثوا ". # وقال ابن زيد: " لما أتاهم موسى صلى الله عليه وسلم بكتاب الله عز وجل، ~~وقال لهم: خذوه، قالوا: لا نأخذه حتى نرى الله جهرة، فيقول: خذوه. ~~فجاءتهم صاعقة بعد التوبة فصعقوا أجمعين، ثم أحياهم الله بعد موتهم. فقال ~~لهم موسى: خذوا كتاب الله عز وجل فأبوا أن يأخذوه. فرفع فوقهم الجبل ~~فأخذوا الكتاب، وأخذ موسى عليهم الميثاق، وهو قوله: # وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل # [البقرة: 83] الآية. ### || [2.57] # قوله: { [و]ظللنا عليكم الغمام }. # قيل: الغمام سحاب. # وقال مجاهد: " هو الغمام الذي يأتي الله فيه يوم القيامة وليس بسحاب ". ~~وروي ذلك عن ابن عباس، وهو الغمام الذي أتت فيه الملائكة يوم بدر، وذلك ~~أنهم كانوا في التيه، [فشكوا حر] الشمس، فظلل الله عليهم الغمام وهو ~~أبرد من السحاب وأطيب. # وسمي الغمام غماما لأنه يعم ما حل به، أي يستره، وسمي السحاب ~~غماما، لأنه يغم السماء، أي يسترها. # وقيل / للسحاب سحاب لأنه ينسحب بمسيره. # والمن عن مجاهد: " صمغة ". # وقال قتادة: " كان ينزل، عليهم مثل الثلج ". # / وقال الربيع. بن أنس: " المن شراب كان ينزل عليهم مثل العسل فيمزجونه ~~بالماء ثم يشربونه ". # وقال ابن زيد: " المن عسل كان ينزل عليهم من السماء ". ورواه ابن وهب ~~عنه. # وقال وهب: " المن خبز رقاق الذرة أو مثل النقي ". # وقال السدي: " المن الزنجبيل ". # وقيل: " هو الترنجبين ". # وعن ابن عباس: " المن هو الذي " يسقط من الشجر، فيأكله الناس ". # وقال قتادة: " كان يسقط عليهم في مجلسهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ~~كسقوط الثلج فيؤخذ منه بقدر ما يكفي ذلك اليوم ms0071 / فإن تعدى إلى أكثر فسد، ~~إلا يوم الجمعة فإنه يؤخذ ما يكفي فيه للجمعة وللسبت، لأن يوم السبت ~~عندهم يوم عبادة ". وقيل: " المن: الترنجبين ". وقيل: " المن أصمغة ". # وقال النبي [عليه السلام]: # " الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين " # قال أهل المعاني: " معنى: " من المن " أي مما من الله به على خلقه ~~بلا زرع ولا تكلف سقي ". # والسلوى: طائر يشبه السمانى كانت الجنوب تحشره عليهم. # والسلوى والسمانى واحده وجمعه بلفظ واحد. والمن: جمع لا واحد له مثل ~~الخير والشر. / وكان من قصة المن والسلوى أن الله عز وجل أمر موسى إلى ~~بيت المقدس فيسكنها ويجاهد فيها من الجبارين، فأبوا القتال معه وقالوا: ~~اذهب أنت وربك فقاتلا، فغضب موسى صلى الله عليه وسلم لذلك فدعا عليهم ~~وقال: # فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين # [المائدة: 25]، فقال الله عز وجل: # قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون ~~في الأرض # [المائدة: 26]. فندم موسى عليه السلام على دعائه عليهم فأوحى الله عز ~~وجل إليه: # فلا تأس على القوم الفاسقين # [المائدة: 26] أي لا تحزن. فقالوا: يا موسى، فكيف لنا بالطعام؟ فأنزل ~~الله عز وجل عليهم المن والسلوى. فكان يأتي أحدهم فينظر إلى الطير فإن ~~وجده سمينا ذبحه، وإلا تركه، فإذا سمن أتاه، فقالوا: هذا الطعام، فأين ~~الشراب؟ فأمر الله عز وجل موسى صلى الله عليه وسلم أن يضرب بعصاه الحجر، ~~فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، لكل سبط عين. فقالوا: فأين الظل؟ فظللهم ~~الله بالغمام فقالوا: فأين اللباس؟ [فجعل الله] ثيابهم تطول معهم كما ~~يطول الصبيان، ولا يتخرق لهم ثوب ولا يتوسخ. # قوله: { من طيبات ما رزقناكم }. # أي من مشتهيات رزقنا وقيل: من حلاله. ### || [2.58] # قوله: { وادخلوا الباب سجدا }. # أي ركعا. والباب باب حطة، معروف في بيت المقدس. # ومعنى حطة عند الحسن وقتادة وأكثر المفسرين: " احطط عنا ذنوبنا / وحط ~~عنا خطايانا ". # وعن ابن عباس وعكرمة قالا: " حطة: لا إله إلا الله. وسميت بذلك لأنها ~~تحط الذنوب ". # وقيل: كلمة أمروا بما تحط بها عنهم ذنوبهم. # وقيل معناه: قولوا قولا تحط به ms0072 عنكم ذنوبكم. # وقيل: حطة بمعنى الاستغفار. وهو مثل الأول. ### || [2.59] # قوله: { فبدل الذين ظلموا }. # روى أبو هريرة عن النبي [عليه السلام] أنه [قال]: # " قال الله تعالى لبني إسرائيل: ادخلوا الباب سجدا، وقولوا ~~حطة يغفر لكم خطاياكم، فبدلوا ودخلوا الباب ~~يزحفون على أستاههم، وقالوا: حبة في شعيرة ". # وقال ابن عباس عن النبي [عليه السلام] إنهم قالوا: " حنطة في شعير ". # وقيل: إنهم تكلموا بكلام بالنبطية على جهة الاستهزاء والخلاف. وقال ابن ~~مسعود: " قالوا حنطة حمراء فيها شعير ". # وعن ابن عباس أنه قال: " إنهم دخلوا الباب من قبل أستاههم، وكان بابا ~~صغيرا ويقولون حنطة ". # قال الفراء: " قال ابن عباس: " أمروا أن [يستغفروا الله فخالفوا] الكلام ~~بالنبطية. # والزجر العذاب، والرجس النتن. # وقال أبو العالية: " الرجز الغضب ". # وذلك أنهم لما بدلوا نعمة الله، نزل عليهم الطاعون فلم يبق أحدا، فهو ~~الرجز. قاله ابن زيد. # وقال الأخفش: " الرجز هو الرجس ". كأن الزاي عنده بدل من السين كما ~~يقال: " السرع والزرع، والزراط والصراط، وليس مثله في ~~القياس. # والرجز - بالضم - صنم كانوا يعبدونه. # وذكر يحيى أن الرجز: الطاعون، نزل بهم حين بدلوا، فمات منهم سبعون ~~ألفا، وقال قوم منهم: لا إله إلا الله، فهم المحسنون الذين ذكرهم الله ~~في قوله: # وسنزيد المحسنين # [البقرة: 58]، فقوم منهم بدلوا وقوم لم يبدلوا. # وروي أن الذين بدلوا إنما قالوا بالعبرانية: " حبة سمراء " ، يعنون ~~الحبة. # وقال ابن عباس: " لما بدلوا، نزل بهم طاعون فمات منهم أربعة وعشرون ~~ألفا ". # قال مقاتل: " هلك منهم / بفعلهم سبعون ألفا ". ### || [2.60] # قوله: { ولا تعثوا }. # أي لا يشتد فسادكم وهو أشد الفساد. يقال: عثا يعثو عثوا. ~~وعثي يعثى عثا. وعاث يعيث عيثا وعياثا. ولغة القرآن ~~عثي يعثى. # قوله: { اضرب بعصاك الحجر }. # لما اشتكوا إلى موسى صلى الله عليه وسلم الظمأ في التيه، / وكانوا ~~يحفرون الآبار حيثما نزلوا، فشق ذلك عليهم، فأتى موسى [بحجر مربع] من ~~الطور، وأمر موسى صلى الله عليه وسلم أن يضربه بعصاه، فكانوا يحملونه ~~معهم، فإذا نزلوا ضربه / موسى صلى الله عليه وسلم فانفجرت منه اثنتا ms0073 عشرة ~~عينا من كل ناحية [ثلاث عيون]، لكل سبط عين معلومة. # قال ابن زيد: " سقوا من حجر مثل رأس الشاة يلقونه في جانب [الجوالق / ~~إذ] ارتحلوا بعد أن يستمسك ماؤه عند رحلتهم فإذا نزلوا قرعه موسى بعصاه، ~~فعادت العيون بحسبها ". # قال مقاتل والكلبي: " انفجرت من الحجر اثنتا عشرة عينا على عدد ~~الأسباط، وكانوا إذا أخذوا حاجتهم زالت العيون وانسدت مواضعها. فإذا ~~احتاجوا إلى الماء انفجرت العيون ". ### || [2.61] # قوله: { من بقلها وقثآئها } الآية. # لما فقدوا أطعماتهم التي كانوا يأكلون بمصر، ولزموا شيئا واحدا [ملوا ~~وقالوا] ذلك. # ومن قال إن المن [خبز الحوارى]، كان قوله " أدنى " بمعنى أقرب. ~~وقال عطاء ومجاهد: " الفوم: الخبز ". # وقال قتادة والحسن: " الفوم: الحب الذي يختبز الناس ". # وعن ابن عباس قال: " الفوم: الحنطة والخبز ". # وروي عن مجاهد قال: " هو الثوم ". وهو اختيار ابن قتيبة، وهو في مصحف ~~ابن مسعود: " وثومها " بالثاء. فهذا يدل على أنها الثوم. وذكر ابن ~~قتيبة: " أن الفوم: الحبوب ". # والعرب تبدل الثاء [من الفاء] يقولون: جدف وجدث، ومغافير ~~ومغاثير. [فهذا] يدل على أنه الثوم. # وروي أن الفوم: القمح والعدس وسائر الحبوب؛ وذلك أنهم لما سلكوا التيه ~~مع موسى شكوا الحر، فظلل الله عليهم الغمام يقيهم الحر، وجعل لهم عمودا ~~من نار بالليل يضيء لهم مكان القمر، وأنزل الله عليهم المن والسلوى، ~~فيأخذون منه قوتهم للغذاء والعشاء، فمن زاد على ذلك فسدت عليه الزيادة. ~~وكانوا يأخذون يوم الجمعة للجمعة والسبت إذ لا يأتيهم يوم السبت، وكانوا ~~يخبزون المن قرصا، فيأكلون طعاما مثل الشهد المعجون بالسمن. # وروي أنهم نزل عليهم المن أولا، فملوه لحلاوته، وسألوا لحما فأنزل ~~الله عليهم طيرا تجلبه عليهم ريح الجنوب، وأمر ألا يدخروا من لحمه ~~فخالفوا فادخروا، فخنز عليهم وفسد. # فيروى أنه لولا ذنوب بني إسرائيل ما فسد الطعام المدخر. # وقيل: كانت السلوى تقع في مجالسهم كهيئة السماني، فملوا ذلك وسألوا ~~القمح والحبوب والبصل، فأمروا أن يهبطوا مصر وهي الشام، لأنهم من مصر ~~خرجوا، فهبطوا إلى الشام بعد انقضاء الأربعين عاما التي عوقبوا ms0074 بها في ~~التيه لتخلفهم عن قتال الجبارين، ولقولهم لموسى صلى الله عليه وسلم: # فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون # [المائدة: 24]. ولم يدخل الشام أحد ممن أمر بقتال الجبارين، بل كلهم مات ~~في التيه، وإنما دخلها أبناؤهم. # قوله: / { قال أتستبدلون }. # هو من قول موسى صلى الله عليه وسلم. و " أدنى " بمعنى أقرب أي أقل قيمة. # وقال علي / بن سليمان: " أدنى من ذوات الهمز من قولهم: " دنيء ~~بين الدناءة " ، أبدل من الهمزة ألفا ". # وقيل: معنى " أدنى ": أقرب لكم في الدنيا مما هو لكم في الآخرة، فيكون ~~من " دنا يدنو ". وقد قرئ بالهمز. # وقال مجاهد: " أدنى بمعنى: " أردأ ". # وقيل: أصله " أدون " من الدون [ثم قلبت] اللام في موضع العين، وانقلب ~~الواو ألفا لتطرفها. # قوله: { اهبطوا مصرا }. # قال مجاهد وقتادة وغيرهما: " مصرا من الأمصار ". # وقال أبو العالية: " مصر هي التي كان بها فرعون ". وقاله الكسائي، وفي ~~قراءة أبي وابن مسعود: " اهبطوا مصر " بغير صرف معرفة. وقيل: هي ~~الشام. # وروى أشهب عن مالك أنه قال له: " هي مصر قريتك في رأيي؛ هي بلاد فرعون ~~". # قوله: { وضربت عليهم الذلة والمسكنة }. # أي فرضت ووضعت من قولهم: " ضربت على عبدي الخراج، وضرب ~~علي الأمير الخراج " أي [فرضه ووضعه] علي. ~~وضرب الذلة عليهم هو إعطاء الجزية عن يد وهم صاغرون. # والمسكنة الخشوع والذلة. وقيل: الحاجة. # وقيل: الفاقة والفقر. فلست ترى يهوديا إلا وعليه الذلة والمسكنة، وإن ~~كان معه قناطير الذهب والفضة. # قوله: { وبآءو بغضب }. أي: رجعوا به. # وقال الضحاك: " استحقوا غضبا ". # قال أبو عبيدة: " يقال بؤت بالذنب أي: احتملته ولزمني، وتبوأت ~~الدار لزمتها، وبؤت بالشي اعترفت به، وبوأت القوم منزلا إذا ~~أنزلتهم إلى سند جبل أو عند نهر. فالاسم المباءة ". # قوله: { بآيات الله }. # الآية طائفة من القرآن وجماعة /، يقال: " جئنا بآيتنا " أي: بجماعتنا. # وقيل: سميت آية لأنها علامة الانفصال مما قبلها. # ووزن آية عند الخليل / وسيبويه: " فعلة " ، وأصلها " أيية، فقلبت ~~الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها وهو نادر، لأن أصله أن تعتل اللام ~~وتسلم العين، فاعتلت العين وسلمت ms0075 اللام. # وقال الكسائي فيما حكى أبو بكر: " أصلها " آيية " مثل " ماضية " ، ~~فكان يلزم الياءين الإدغام فتصير " آية " مثل " دابة " ، فتثقل، ~~فحذفوا الياء الأولى ". # وقال الفراء: " أصلها فعلة، وأصلها " آية " استثقلوا التضعيف فأبدلوا ~~الياء ألفا كما أبدلوا في التضعيف من " دوان " و " قراط " ياء ~~ومثله دنار ". # وقد حكى غير أبي بكر عن بعض الكوفيين أن أصلها فعلة فاستثقل التضعيف ~~فأعلت الأولى لانكسارها، وتحرك ما قبلها فقلبت ألفا. ### || [2.62] # قوله: { إن الذين آمنوا والذين هادوا } الآية. # قال سفيان: " الذين آمنوا / هنا هم المنافقون الذين آمنوا في الظاهر، ~~يدل على ذلك قوله: { من آمن / منهم بالله }؛ أي من صدق منهم ~~بقلبه ووافق ظاهره باطنه ". # وقال غيره: " بل هم المؤمنون، وإنما أراد " بمن آمن " ، من ثبت على ~~الإيمان كما قال: # يأيها الذين آمنوا [آمنوا] # [النساء: 135] أي اثبتوا على تصديقكم. # وقيل: المراد بهم: من كان يؤمن بموسى صلى الله عليه وسلم، وعيسى صلى ~~الله عليه وسلم، والنصارى على هذا القول من خالف عيسى منهم، واليهود من ~~خالف موسى، والصابئون قوم بين اليهود والنصارى، فيهم اختلاف قد ذكرناه. # قوله: { من آمن بالله }. # أي جمع مع إيمانه المتقدم إيمانه / بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء ~~به. روي ذلك عن السدي. # وقال السدي: " نزلت هذه الآية في أصحاب سلمان الفارسي ". وذكر قصة طويلة ~~معناها أن سلمان كان قد تنسك مع قوم من الرهبان قبل مبعث النبي صلى الله ~~عليه وسلم فأخبروه أنه سيبعث نبي، فإذا لحقته فصدق به. فلما بعث النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأتى المدينة أتاه سلمان فنظر إلى الخاتم الذي هو ~~علامة النبوة، وقد كانوا قالوا له: علامته خاتم بين كتفيه وهو لا يقبل ~~الصدقة ويقبل الهدية. فلما رأى سلمان الخاتم مضى واشترى لحما وخبزا، ~~وشوى اللحم وأتى به النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: ما هذا؟ فقال له: ~~صدقة. قال: لا آخذه، أعطه للمسلمين. ثم مضى [فاشترى شيئا آخر فأتى] به ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: ما هذا؟ قال له: ms0076 هدية. فقال له: اجلس ~~فكل، فأكل مع النبي صلى الله عليه وسلم فسأله سلمان عن أولئك الرهبان ما ~~حالهم في الآخرة وقد كانوا يقولون: لو لحقناك لآمنا بك، فأنزل الله: { ~~إن الذين آمنوا } الآية. أي من مات على دين موسى وعيسى صلى ~~الله عليهما وسلم فله أجره عند ربه. # وروي عن ابن عباس، وسعيد بن عبد العزيز أنها منسوخة نسختها: # ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه # [آل عمران: 85]. أي من لحق بمبعث محمد صلى الله عليه وسلم فليس يقبل منه ~~غير الإيمان. # وسميت اليهود يهودا لقولهم: # إنا هدنآ إليك # [الأعراف: 156] أي تبنا ورجعنا. # وقيل: سميت بذلك لانتسابهم إلى يهودا. # والنصارى: جمع نصران ونصرانة. وقيل: سموا نصارى لأنهم نزلوا أرضا يقال ~~لها: ناصرة. # وقيل: سموا نصارى لقوله تعالى: # من أنصاري إلى الله # [آل عمران: 52]. # وقيل: سموا نصارى، لأن قرية عيسى [عليه السلام] كانت تسمى ناصرة، وكان ~~أصحابه يسمون الناصرين، وكان يقال لعيسى صلى الله عليه وسلم الناصري. # وقيل: سموا بذلك لأنهم نزلوا موضعا يسمى ناصرة. # والصابئين: قوم خرجوا من دين إلى دين. وقيل: هم قوم لا دين لهم. # وقيل: الصابئين: قوم بين المجوس واليهود. # وقال الحسن: " هم قوم يعبدون الملائكة، ويصلون للقبلة، ويقرأون الزبور ~~". # ومعنى: { وعمل صالحا }. أي آمن بمحمد [عليه السلام]. ### || [2.63] # قوله: { وإذ أخذنا ميثاقكم } الآية. # / وقال ابن زيد: " لما رجع موسى صلى الله عليه وسلم من عند ربه ~~بالألواح، أمرهم باتباع ما فيها وقبوله والعمل به. فقالوا: ومن يأخذه ~~بقولك أنت، لا والله حتى نرى الله جهرة وحتى يطلع علينا ويقول: هذا كتابي ~~فخذوه. قال: فجاءته غضبة من الله فصعقوا فماتوا جميعا، ثم أحياهم الله ~~من بعد ذلك. فقال لهم موسى صلى الله عليه وسلم: خذوا كتاب الله قالوا: ~~لا. قال: أي شيء أصابكم؟ قالوا: أمتنا ثم حيينا. فقال: خذوا كتاب الله. ~~قالوا: لا. فبعث الله ملائكة فنتقت الجبل فوقهم فهو تأويل. { ورفعنا ~~فوقكم الطور } فلما صار فوقهم، قيل لهم: خذوا، وإلا طرح عليكم. ~~فأخذوه بالميثاق ms0077 /، فهو قوله: # وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا ~~الله # [البقرة: 83] إلى # وما الله بغافل عما يعملون # [البقرة: 144]. ولو أخذوه أول مرة لأخذوه بغير ميثاق، ولكن عسروا فشدد ~~الله عليهم ". والطور: الجبل. # وقيل: هو اسم جبل بعينه معروف كلم الله سبحانه عليه / موسى صلى الله ~~عليه وسلم. # وقيل: هو ما أنبت دون ما لم ينبت من الجبال. # وقال السدي: " لما نظروا إلى الجبل فوقهم خروا سجدا على شق، ونظروا ~~إليه [بالشق الآخر فرحمهم] الله وكشف عنهم فهم يسجدون لذلك على شق ". # / فقوله: # وإذ نتقنا الجبل فوقهم # [الأعراف: 171] وقوله: { ورفعنا فوقكم الطور } واحد. # ومعنى: { بقوة } أي: بجد وعزيمة ورغبة وعمل، وهو التوراة. # وروي أنهم قالوا: لا نقبل التوراة، فرفع الله فوقهم الطور كأنه ظلة، ~~فأيقنوا أنه واقع عليهم، وبعث الله نارا من قبل وجوههم، وأتاهم بالبحر ~~من خلفهم، فقال لهم موسى صلى الله عليه وسلم: " إن أنتم لم تقبلوا ~~التوراة بما فيها أحرقكم الله بهذه النار، وغرقكم في هذا البحر، وأطبق ~~عليكم هذا الجبل ". فأخذوها كارهين، وعاهدوا الله ليعملن بما فيها وسجدوا ~~لله وهم ينظرون إلى الجبل بعين واحد مخافة أن يقع عليهم فصارت سنة فيهم ~~لا يصلون إلا هكذا. ثم عصوا بعد ذلك وخالفوا العهد، فهو قوله: { ثم ~~توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ~~ورحمته } لعاجلهم بالعقوبة، فيخسرون دنياهم وآخراهم. # قوله: { واذكروا ما فيه }. # أي أتلوه. وقيل: معناه: اذكروا ما فيه من أمر الآخرة وهو الثواب والعقاب ~~لعلكم تتقون ما تعاقبون عليه. ### || [2.65] # وقوله: { ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في ~~السبت }. # قال ابن عباس: " لم يبعث الله قط نبيا إلا عرفه فضل الجمعة وعظمها في ~~السماوات وأن الساعة / تقوم فيها، وتشريف الملائكة لها. وبلغت الرسل ~~أممها ذلك، فسمع أكثرهم وأطاع وعرف فضلها. فلما كان موسى أخبر بني ~~إسرائيل بفضلها على الأيام فقالوا: يا موسى، كيف تأمرنا بالجمعة وتفضلها ~~على الأيام، والسبت أفضل لأن كل شيء سبت لله مطيعا يوم السبت، وخلق الله ~~السماوات والأرض في ستة أيام ms0078 أولها الأحد وآخرها الجمعة. ويوم السبت كمل ~~الأمر؟ وقالت النصارى لعيسى صلى الله عليه وسلم إذ أمرهم بالجمعة وأخبرهم ~~بفضلها: كيف تأمرنا بالجمعة وأول الأيام أفضلها وسيدها، والله واحد، ~~والواحد الأول، والأحد أول؟ فأوحى الله عز وجل إلى عيسى صلى الله عليه ~~وسلم أن دعهم والأحد، ولكن ليفعلوا فيه كذا وكذا فلم يفعلوا. وقال ~~لموسى صلى الله عليه وسلم كذلك في السبت. وأمرهم أن لا يصيدوا فيه سمكا ~~ولا غيره، ولا يعملوا فيه عملا. فكان يوم السبت تظهر فيه الحيتان على ~~وجه الماء فهو قوله: # إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا ~~يسبتون لا تأتيهم # [الأعراف: 163] ثم إنهم تناولوها في السبت فلم ينكر بعضهم على بعض، ثم ~~كفوا فلما رأوا العقوبة لا تنزل بهم عادوا وأخذوا. وكان موسى قد حذرهم ~~العقوبة إن تعدوا في السبت، فلما رأوا لا تنزل عليهم عقوبة ظنوا ما قال ~~لهم موسى صلى الله عليه وسلم باطلا، فمسخوا قردة وحيوا ثلاثة أيام ~~وماتوا ". # قال ابن عباس: " لم يعش مسخ قط أكثر من ثلاثة أيام ولا يأكل ولا يشرب ~~ولا ينسل. وكان الله تعالى قد خلق القردة والخنازير وسائر الخلق في الستة ~~[الأيام التي ذكر، فمسخ أولئك في صور] القردة ". # قال الحسن: " كانت الحيتان تأتيهم يوم السبت / فتبطح بأفنيتهم كأنها ~~المخاض ثم تذهب فلا ترى ". # قال ابن عباس: " لما طال عليهم أمر الحيتان وإتيانها يوم السبت ولا تأتي ~~في غيره، عمد رجل منهم فأخذ حوتا يوم السبت فحزمه بخيط وأرسله في الماء ~~وتد له وتدا في الساحل فأوثقه، حتى إذا كان الغد أخذه فأكله، فلما كان ~~السبت الآخر فعل مثل ذلك، فوجد الناس ريح الحيتان، ثم علموا بما فعل ذلك ~~الرجل ففعلوا مثل ما [فعل وأكلوا زمنا طويلا، ولم] يعجل الله عليهم ~~بالعقوبة حتى صادوا علانية وباعوها في الأسواق. فقالت طائفة من أهل ~~التقوى: " ويحكم اتقوا الله " ونهوهم عما يصنعون. وقالت طائفة أخرى لم ~~يصنعوا مثل ما صنع أولئك: / # لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم ms0079 ~~عذابا شديدا # [الأعراف: 164]، فنجى الله الذين ينهون عن السوء ومسخ الفاعلين ". # واختلف في الذين / لم يعملوا ولم ينهوا وقالوا: { لم تعظون } ~~الآية. # قيل: إنهم نجوا مع الناجين. وقيل: مسخوا مع من مسخ. [والسبت أصله] ~~الراحة والهدوء. والسبت ضرب من السير. والسبت [الحلق؛ / يقال سبت ~~رأسه] حلقه. والسبت القطع. وجمعه: " أسبت " و " سبتات " ~~بالتحريك لأنه اسم. وفي الكثير السبوت والسبات. # وقال السدي: / " كان الرجل منهم من شهوة الحوت يحفر الحفرة ويجعل نهرا ~~إلى البحر، فيدخله الماء يوم السبت بالحوت، ثم لا يقدر الحوت أن يرجع إلى ~~البحر لقلة الماء، فيصبح يوم [الأحد ويأخذه]. فنهوهم علماؤهم عن ذلك فلم ~~ينتهوا ". # وروي عن مجاهد أنه قال: " مسخت قلوبهم ولم يمسخوا قردة، وإنما هو مثل ~~ضربه الله كمثل الحمار يحمل أسفارا ". # وجميع أهل التفسير على خلاف ذلك لأنهم مسخوا قردة حقيقة. # وقوله: { فقلنا لهم كونوا قردة }. # هو أمر، وتأويله الخبر. أي: فكوناهم قردة، وهذا هو الأمر الذي يكون به ~~الخلق، فحولهم من خلقة إلى خلقة أخرى، فهو مثل قوله: # إنما قولنا لشيء إذآ أردناه أن نقول له كن ~~فيكون # [النحل: 40]. { خاسئين }. أي: مبعدين، أي مطرودين. هذا قول أهل ~~اللغة. # وقال مجاهد وقتادة: " خاسئين: صاغرين ". # وقال الربيع: " أذلة صاغرين ". # وروي عن ابن عباس: " خاسئا ذليلا ". ### || [2.66] # قوله: { فجعلناها نكالا }. # أي: فجعلنا العقوبة نكالا وهي المسخة، وعليه أكثر أهل التفسير. وقيل: ~~الهاء للقردة. # وقيل: للأمة الذين اعتدوا. # وروي عن ابن عباس أنه قال: # جعلناها # [الحج: 36]. أي: جعلنا الحيتان نكالا لأن العقوبة من أجلها كانت. فدل ~~الكلام عليها نكالا لا عقوبة " عن ابن عباس. # ومعنى " نكلت به " عند أهل اللغة: فعلت به ما ينكل غيره أن يفعل ~~مثله فيصيبه مثل ما أصابه. # قوله: { لما بين يديها } أي: من بعدهم ليحذر ويتقي. # { وما خلفها } لمن بقي منهم عبرة. قاله ابن عباس. # وقال الربيع: " لما خلا من ذنوبهم: أي عوقبوا [من أجل ما] خلا من ~~ذنوبهم، { وما خلفها }: أي: عبرة لمن بقي من الناس ". # وروى عكرمة عن ابن عباس: ms0080 { لما بين يديها وما خلفها }: ~~من / القرى ". # وقال قتادة: { لما بين يديها }: من ذنوبها التي مضت، { وما ~~خلفها }: تعديهم في السبت وأخذهم الحيتان ". وكذلك قال / مجاهد. # وقال السدي: " { لما بين يديها } ما سلف من ذنوبها، { وما ~~خلفها }: للأمم التي بعدها ألا يعصوا فيصنع بهم مثل ذلك ". # قوله: { وموعظة للمتقين }. # أمة محمد صلى الله عليه وسلم أن لا ينتهكوا ما حرم الله عليهم فيصيبهم ~~مثل ذلك. ### || [2.67] # قوله: { إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة }. # قالوا: إنما جاء الجواب بغير فاء لأنه تعالى إنما أذكرهم هذا الذي كان، ~~فجعل " قالوا " كالجواب لقوله على انقطاع الكلام وتمامه. فهو حكاية كانت ~~من كلامين: أحدهما جواب للآخر، وليس أحدها محمولا على الآخر. ولو أتى ~~بالفاء لحسن. ولو قلت: " قمت قام زيد " ، لم يجز إلا بالفاء، لأنه ~~كلام واحد، الثاني محمول على الأول، فلم يتصلا إلا بحرف فاء أو واو، وليس ~~مثل الآية فافهمه. # قوله: { قال أعوذ بالله }. # ذكر السدي أنه كان رجل من بني إسرائيل مكثرا من المال وله ابنة، وله ~~ابن أخ فقير من المال، فخطب إليه، فأبى أن يزوجه، فعمل على قتله، وقال: ~~والله لأقتلن عمي ولآخذن ماله، ولأنكحن ابنته، ولآكلن ديته. فلما قتله ~~ليلا جعله في بعض السكك وأصبح يطلب عمه، فوجد أهل ذلك الموضع قياما ~~عليه فأخذهم وقال: قتلتم عمي فأدوا ديته وجعل يبكي [فرفعهم إلى موسى صلى ~~الله عليه وسلم] فقضى عليهم بالدية، فقالوا: يا نبي الله ادع لنا ربك ~~يبين لنا من صاحبه. فقال: اذبحوا بقرة. فقالوا: نحن نسألك عن القتيل، ~~وأنت تأمرنا بذبح البقرة أتهزأ بنا؟ فقال: أعوذ بالله أن أكون من ~~الجاهلين ". # قال ابن عباس: " فلو اعترضوا بقرة ما، فذبحوها لأجزأت عنهم، ولكنهم ~~شددوا فشدد الله عليهم ". # وقيل: [إنه أخو المقتول كان]. # وقيل: كانوا جماعة ورثة استبطوا موته ليرثوه فقتلوه. # وقال مقاتل: " كان القاتلان اثنين قتلا ابن عم لهما وطرحاه بين قريتين، ~~فطولب أهل القريتين بالدية فحلفوا أنهم ما قتلوه ". ### || [2.68-69] # قوله: { لا فارض }: أي: لا هرمة. ms0081 # { ولا بكر }: أي: لا صغيرة. # { عوان بين ذلك }: أي: هي بين الصغيرة والكبيرة. # { فاقع لونها }: أي: صاف تعجب من ينظر إليها. # و " ذلك " موحد يراد به بين ذلك الوصف الذي / ذكرنا. # والصفراء السوداء عند أبي عبيدة، ومثله: # جملت صفر # [المرسلات: 33] أي: سود. وقال الحسن: " صفر الظلف والقرن ". # وقال ابن زيد: " هي صفراء كلها ". # وقال / القتبي: " لا يقال صفراء بمعنى سوداء في البقر. إنما يقال ذلك في ~~نعوت الإبل ". # قوله: { فاقع } يدل على أنها غير سوداء لأنه لا يقال أسود فاقع ~~ويقال أصفر فاقع. # وقيل: كانت صفراء كلها حتى الظلف والقرن ". # وقرأ يحيى بن وثاب: " إن الباقر " بألف. " يشابه " بالياء والرفع ~~والتشديد؛ جعله فعلا مستقبلا. # قال الأصمعي: " الباقر جمع باقرة " ، قال: " ويجمع بقر على باقورة ". ~~وقيل: كانت صفراء كلها حتى / القرن والظلف. ### || [2.71-74] # { لا ذلول } لم يذللها العمل فتثير الأرض، ولا تعمل في الحرث. # { مسلمة }: أي: من العيوب. # { لا شية فيها }: أي: لا بياض. # ولولا قولهم: { إن شآء الله } ما اهتدوا إليها أبدا، فوجدوا ~~البقرة عند عجوز عندها يتامى فأضعفت عليهم الثمن، فأتوا موسى صلى الله ~~عليه وسلم فأخبروه. فقال لهم: أعطوها / رضاها، ففعلوا وذبحوها. وأمرهم ~~موسى صلى الله عليه وسلم بعضو منها يضربوا به القتيل ففعلوا. فرجع إليه ~~روحه وسمى قاتله ومات فقتل قاتله، وهو الذي أتى إلى موسى صلى الله ~~عليه وسلم يشتكي ويطلب الدية. # وروي أن رجلا صالحا من بني إسرائيل كان له ابن صغير وله عجلة فأتى ~~بالعجلة إلى غيضة وقال " اللهم إني استودعتك هذه العجلة لابني حتى ~~يكبر. فشبت العجلة في الغيضة. وكانت ترعى فيها فلا يقدر عليها أحد؛ تثب ~~على من رامها [فيهرب منها]. فأتى ابن الرجل الصالح بعد موت أبيه ومعه حبل ~~إليها، فخوفه الناس منها، فأقبلت البقرة إليه مذعنة فساقها إلى أمه وكان ~~برا بها. فلم يجد بنو إسرائيل صفة البقرة التي أمروا بذبحها إلا تلك ~~البقرة فاشتروها منه بملء جلدها دنانير. # وعن ابن عباس قال: { لا شية فيها }: لا بياض فيها ولا ms0082 سواد، ولا ~~حمرة " أي: لونها واحد لا لمعة فيها تخالف لونها وهو الصفرة. قيل: كانت ~~صفراء حتى ظلفها وقرنها أصفران. # قال: " وطلبوها فلم يقدروا عليها، وكان رجل من بني إسرائيل من أبر الناس ~~بأبيه، وأن رجلا مر به ومعه لؤلؤ. يبيعه، وكان أبوه نائما تحت رأسه ~~المفتاح. فقال الرجل المار للولد البار: تشتري مني هذا اللؤلؤ بسبعين ~~ألفا؟ قال له الفتى: كما أنت، حتى يستيقظ والدي، وأنا آخذه بثمانين ~~ألفا. # قال له الآخر: أيقظ أباك وهو لك بستين ألفا، فجعل التاجر يحط له حتى ~~بلغ ثلاثين ألفا. وزاد الحدث على أن يصبر حتى يستيقظ أبوه حتى بلغ مائة ~~ألف. فلما أكثر عليه حلف ألا يشتريه منه وأبى أن يوقظ أباه، فعوضه الله ~~عز وجل من ذلك اللؤلؤ أن جعل تلك البقرة عنده. فسألوه بيعها فأبى فرفع في ~~سومها فمضوا به إلى موسى، فقالوا: قد أعطيناه ثمنها وأبى أن يبيع. فقال: ~~يا نبي الله: أنا أحق بمالي؟ قال له: نعم أنصفوه، واشتروا منه. فاشتروها ~~منه بوزنها عشر مرات ذهبا ". # وقيل: ضرب بفخد البقرة الأيمن. # وقيل: ضرب بعظم من عظامها. # وقيل: بذنبها. # وقيل: بلسانها. # وقوله: { كذلك يحيي الله الموتى }. # في الكلام حذف واختصار، والتقدير: فضربوه فحيي فقيل لهم: كذلك يحيي الله ~~الموتى ويريكم آياته فاعتبروا. # واستدل مالك في رواية ابن القاسم وابن وهب عنه على تصحيح الحكم بالقسامة ~~[بهذا القتيل المذكور / ضربوه] ببعضها فحيي وقال: " فلان قتلني " ، ~~فقتل، بقوله. # قال مالك: " فهذا مما يبين القسامة وأن يقبل قول الميت فيقسم عليه ". # وروي أنه قال: " ابن أخي قتلني " ومات، فقتل به ولم يرث عمه. قال ~~عبيدة السلماني: " فسقط ميراث القاتل عمدا ممن قتل [من حينئذ] ". # وهذه الآية عند مالك تدل على القسامة وعلى قبول قول المقتول: " فلان ~~قتلني " ، ويقسم على قوله الأولياء. # قوله: { الآن جئت بالحق }: أي: بينت لنا. # وقيل: إنهم عرفوا عند من البقرة لما وصفها، وعلموا أنه ليس يجدون ما وصف ~~لهم إلا في موضع بعينه، فقالوا: الآن جئت بالحق. ولم ms0083 يريدوا أنك لم تأت ~~بالحق من أول كلامك إلا الساعة، إنما معناه: الآن جئتنا بغاية البيان، ~~لأنهم كانوا مذعنين للذبح ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم. # قوله: { وما كادوا يفعلون }. # أي: كادوا أن يضيعوا فرض الله عز وجل لغلائها وكثرة قيمتها. # وقيل: أرادوا / أن لا يفعلوا خوف الفضيحة وهم قاتلوا المقتول على قول من ~~قال: كانوا ورثة. # وقيل: لعزة وجودها على تلك الصفة. # وروي عن ابن عباس أنه قال: " مكثوا في طلب البقرة أربعين سنة " وقال ~~طلحة بن مصرف: " لم تخلق تلك البقرة من نتاج، إنما نزلت من السماء ". # قوله: { فادارأتم فيها }. أي: اختلفتم وتدافعتم في الحكومة. # وقيل: في النفس. وقيل: في القتلة. ورجوعها على النفس أولى لتقدم ذكرها. # / قوله: { ثم قست قلوبكم من بعد ذلك }. # روي عن ابن عباس أنه قال: " لما أخبر / المقتول بمن قتله مات، فأنكروا ~~أنهم فعلوا بعد إخباره عنهم، فكذبوا ما رأوا. فذلك قساوة قلوبهم ". # قوله: { أو أشد قسوة }. # " أو " [للتخيير أي: شبهوهم بقساوة] الحجارة / أو بأشد منها، لأنهم ~~جحدوا بعدما عاينوا، فأنتم مخيرون في تشبيههم. # وقيل: معنى { أو أشد قسوة } ، أي: هو أقسى من الحجارة لأن ~~الحجارة ليس لها ثواب ولا عليها عقاب، وهي تخاف الله عز وجل. # روي أن عيسى ابن مريم مر بجبل فسمع منه أنينا فقال: " يا رب ائذن لهذا ~~الجبل حتى يكلمني ". فأذن الله للجبل فكلمه، فسأله عيسى [صلى الله عليه ~~وسلم] عن أنينه فقال: سمعت الله يقول: # فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة # [البقرة: 24] فخفت أن أكون من تلك الحجارة ". # وقيل: معناه: فقلوبهم مثل الحجارة أو أشد أي: منها ما هو مثل الحجارة، ~~ومنها ما هو أشد كأنها لا تخرج من هذين القسمين. # وقيل: " أو " بمعنى الواو. وقيل: بمعنى: " بل ". # قوله: { لما يتفجر منه الأنهار }. # هو حجر موسى صلى الله عليه وسلم الذي [انفجرت منه] [اثنتا عشرة] عينا. # قوله: { لما يهبط من خشية الله }. # هو الجبل الذي جعله الله دكا إذ تجلى إليه، خر له. # قوله: { لما يشقق }. # هو العيون ms0084 التي تخرج من سائر الجبال. # قوله: { ويريكم آياته }. # يعني ما أراهم من إحياء الميت ومن العصا والحجر والغمام والمن والسلوى ~~والبحر والطور وغير ذلك. فلم يكونوا قط أعمى قلوبا، ولا أشد قسوة ~~وتكذيبا لنبيهم منهم في ذلك الوقت. ### || [2.75] # قوله: { أفتطمعون أن يؤمنوا لكم }. # يخاطب المؤمنين بمحمد. والذين لا يؤمنون هم اليهود أعداء [الله. وهو ~~استفهام فيه معنى الإنكار فأيأسهم من إيمان] اليهود ثم أخبر عن أسلافهم ~~وما كانوا يفعلون كأنه يقول تعالى: إن كفر هؤلاء فلهم سابقة في ذلك؛ وهو ~~أن فريقا منهم كانوا { يسمعون كلام الله ثم ~~يحرفونه } الآية. يريد به أسلافهم وما فعلوا على عهد موسى صلى ~~الله عليه وسلم. # قال السدي: " هي التوراة حرفوها فيجعلون الحلال حراما، والحرام حلالا ~~برشوة ". # وقال الربيع: " كانوا يسمعون من الوحي ما يسمع النبي صلى الله عليه وسلم ~~ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه ". # وروى محمد بن إسحاق أنهم خرجوا مع موسى صلى الله عليه وسلم يسمعون كلام ~~الله، فلما غشيهم الغمام أمرهم موسى صلى الله عليه وسلم بالسجود فسجدوا، ~~فسمعوا كلامه يأمرهم وينهاهم وعقلوا ما سمعوا، فلما رجعوا حرف فريق منهم ~~ما سمع ". # { وهم يعلمون } أي: يعلمون أنهم مبطلون في تحريفه. # وقال مقاتل: " هم السبعون الذين اختارهم موسى صلى الله عليه وسلم. ### || [2.76] # / قوله: { قالوا آمنا }. # أي: بأن صاحبكم نبي إليكم خاصة. # وروي عن ابن عباس: " أي: إذا لقوا محمدا. قالوا: آمنا، وإذا خلوا ~~كفروا، وهم المنافقون من اليهود ". # قوله: { بما فتح الله عليكم }. # كانوا يستفتحون بمحمد / صلى الله عليه وسلم، فقالوا: لا تقروا بأنه نبي، ~~وقد كنتم تستفتحون به، أي: تنظرون إذ سألتم الله به نصركم على عدوكم فقد ~~علمتم أنه نبي، فإذا أقررتم لهم بنبوته حاجوكم بذلك عند ربكم. # وقال أبو العالية: { بما فتح الله عليكم } يعني ما أنزل ~~عليكم في التوراة من ذكر محمد صلى الله عليه وسلم. # وقال قتادة: " بما من الله عليكم في التوراة من ذكر محمد صلى الله ~~عليه وسلم فيحتجون عليكم بذلك ". # " وروي ms0085 أن النبي [عليه السلام قال لهم: يا إخوة القردة] ~~والخنازير، فقالوا: من أخبر بهذا محمدا؟ ما جرى ~~هذا إلا منكم. أفتحدثونهم بما فتح الله عليكم؟ ~~". # وقال السدي: " كان ناس من اليهود آمنوا ثم نافقوا، وكانوا يحدثون ~~المؤمنين بما مر على أسلافهم من العذاب، فقال بعضهم لبعض: أتحدثونهم بما ~~فتح الله عليكم من العذاب ليحاجوكم به. أي: يقولون لكم: نحن أحب إلى الله ~~منكم وأكرم منكم؟ ". # وعن ابن زيد قال: " كانوا إذا قيل لهم: أتعلمون أن في التوراة كذا وكذا؟ ~~قالوا: نعم. فيقول لهم رؤساؤهم: لا تخبروهم بالذي أنزل عليكم، فيحاجوكم ~~به عند ربكم. وقال النبي [عليه السلام]: # " لا يدخل علينا قصبة المدينة إلا مؤمن ". # فقال رؤساؤهم: اذهبوا فقولوا: آمنا وادخلوا. فإذا رجعتم اكفروا، وهو ~~قوله: # وقالت طآئفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي ~~أنزل على الذين آمنوا وجه النهار # [آل عمران: 72] الآية. فكانوا يؤمنون بالبكرة ويكفرون بالعشي ". ### || [2.78] # قوله: { ومنهم أميون }. # أي: ومن هؤلاء أميون. فهم أبعد من الإيمان من غيرهم. # وقال ابن عباس: " هم قوم لم يصدقوا رسولا ولا آمنوا بكتاب، فكتبوا ~~كتابا وقالوا للعوام: هذا من عند الله ". # وإنما سماهم أميين لجحودهم الكتاب إذ صاروا بمنزلة من لا يحسن شيئا. # وقيل: الأمي هنا الذي لا يكتب كأنه نسب إلى أمه كأنه على طبعها وجبلتها ~~لا يحسن كما لا تحسن. # وقيل: / الأميون / في هذا الموضع نصارى العرب. قاله عكرمة والضحاك. # وقيل: هم قوم من أهل الكتاب، رفع كتابهم لذنوب أحدثوها فصاروا أميين [لا ~~كتاب] لهم. # وهم المجوس فيما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه. # وقيل: هم طائفة من اليهود. # / قوله: { لا يعلمون الكتاب }. # أي: التوراة أي هم مثل البهائم. # قوله: { إلا أماني }. # قال قتادة: " يتمنون على الله ما ليس لهم ". # وعن ابن عباس: [إلا أماني: إلا أحاديث]. # وقال مجاهد: " هم ناس كانوا لا يعلمون شيئا، يقولون على التوراة ما ليس ~~فيها، كأنهم يتمنون أن يكون ما قالوا فيها ". وقال ابن زيد: " يقولون نحن ~~من أهل الكتاب وليسوا ms0086 منهم تمنيا " وقال الفراء وأبو عبيدة: [إلا ~~أماني]: إلا تلاوة ". ومنه قوله: # إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته # [الحج: 52] أي إذا تلا ألقى في تلاوته. فهم لا يعلمون منه إلا التلاوة ~~ولا يفهمونه ولا يعملون به. # وقال جماعة: [إلا أماني]: إلا كذبا ". ومنه قول عثمان رضي الله ~~عنه: " ما تمنيت منذ أسلمت " أي: ما كذبت. # قوله: { وإن هم إلا يظنون }. # أي: يجحدون نبوتك، وما جئتم به ظنا لا يقينا. # وقيل: معناه: لا يعلمون الكتاب إلا تخرصا وإن هم إلا يشكون فيه. ### || [2.79] # قوله: { فويل }. # قال سفيان وأبو عياض: " ويل ماء يسيل من صديد في أسفل جهنم ". # وروى عثمان بن عفان # " عن النبي [عليه السلام أنه قال /: الويل] جبل في النار ". # وروى عنه عليه السلام أبو سعيد الخدري أنه قال: # " ويل واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفا ~~قبل أن يبلغ قعره ". # ومعنى " ويل " عند أهل اللغة: قبوح. وويح ترحم، وويس تصغير. # وهذه مصادر لا أفعال لها. والاختيار فيها الرفع على كل حال بالابتداء. ~~ويجوز فيها النصب على معنى: ألزمه الله ويلا. فإن كانت مضافة [حسن فيها] ~~النصب، قال الله تعالى: # ويلكم لا تفتروا # [طه: 61]. # فأما ما كان من المصادر جاريا على الفعل، فالاختيار / فيه الرفع إذا ~~كان معرفة على الابتداء نحو: الحمد. ويجوز النصب على المصدر. فإن كان ~~نكرة، فالاختيار في النصب على المصدر ويجوز الرفع على الابتداء، أو على ~~معنى ثبت ذلك له. فإن كان مضافا لم يجز إلا النصب كالأول. # قوله: { فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم }. # هم اليهود الذين غيروا التوراة وبدلوا اسم محمد صلى الله عليه وسلم فيها ~~وصفته لئلا يؤمن به العوام، وأخذوا على ذلك الرشا. وقيل: هم قوم من ~~اليهود كتبوا كتبا من عند أنفسهم وقالوا: هذا من عند الله ليعطوا عليها ~~الأجر. # وقال ابن عباس: " بل فعل ذلك قوم أميون لم يصدقوا رسولا، ولا آمنوا ~~بكتاب فكتبوا بأيديهم للجهال كتابا ليشتروا به ثمنا قليلا ". # قال ابن اسحاق: " كانت صفة محمد صلى الله ms0087 عليه وسلم في التوراة أسمر ~~ربعة فبدلوا وكتبوا آدم طويلا ". # / وقوله تعالى: { بأيديهم }. # تأكيد ليعلم أنهم تولوا ذلك بأيديهم ولم يأمروا به غيرهم. ففي الإتيان ~~بلفظ " الأيدي " زوال الاحتمال، إذ لو قال: " يكتبون الكتاب " لجاز أن ~~يأمروا بكتابته وأن يتولوا ذلك بأنفسهم لأن العرب تقول: " كتبت إلى ~~فلان " ، وإنما أمر من كتبه له " وكتب السلطان كتابا إلى عامله " ولم ~~يكتبه بيده، وإنما أمر من كتبه له. # ففي ذكر " الأيدي رفع الاحتمال وبيان أنهم تولوا ذلك بأيديهم عن تعمد ~~منهم. # وقال ابن عباس: " هذا، كما تقول: حملت إلى بلد كذا قمحا، وإنما أمرت ~~من حمله ". # وقال تعالى في التابوت: # تحمله الملائكة # [البقرة: 248] وإنما حمل بأمر الملائكة، ولم تحمله الملائكة [بأنفسها ~~ولا ظهرت] للقوم في ذلك الوقت. ومن هذا قوله تعالى: # يقولون بأفواههم # [آل عمران: 167]. إنما أكد بذكر الأفواه لأن القول قد يترجم به عن ~~الإشارة وعن الكتاب. تقول العرب: " قال الأمير كذا " للفظ سمعه من كتاب ~~أمر بكتابته الأمير. وقريب منه قوله تعالى: # فراغ عليهم ضربا باليمين # [الصافات: 93] لأن اليمين تدل في كلام العرب على الشدة والقوة والبطش، ~~فدل بذكر اليمين على شدة الضرب. ولو لم يذكر اليمين لجاز أن يكون ضربا ~~شديدا أو غير شديد فذكر اليمين يرفع الاحتمال ويدل على الشدة. # ومن ذلك قوله تعالى: # يطير بجناحيه # [الأنعام: 38] ومنه: # ولكن تعمى القلوب التي في الصدور # [الحج: 46]. ### || [2.80] # وقوله: { إلا أياما معدودة }. # أي قالوا: " لن نعذب إلا الأربعين ليلة التي عبدنا فيها العجل ثم لا ~~نعذب ". قاله قتادة. # وقال السدي: " قالوا: نمكث في النار أربعين ليلة حتى إذا أكلت النار ~~خطايانا واستنقينا، نادى / مناد: أخرجوا كل مختون من بني إسرائيل، ولذلك ~~أمرنا أن نختتن ". # وقال أبو العالية: " قالت اليهود: أقسم ربنا ليعذبنا أربعين ليلة ثم ~~يخرجنا، فأكذبهم الله ". # وقال ابن عباس: " قالت اليهود: وجدنا في التوراة أن ما بين طرفي جهنم ~~مسيرة أربعين سنة إلى أن ينتهوا / إلى شجرة الزقوم، فإنما نعذب حتى ننتهي ~~إليها ". # وروى سعيد بن جبير وعكرمة ms0088 عن ابن عباس " أن اليهود قالت: إنما عمر ~~الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما يعذب الناس يوم القيامة سبعة أيام، لكل ألف ~~سنة يوم ". ولم يحدد / الله تعالى الأيام لأنها عندهم معلومة على ~~قولهم، فترك ذكر عددها وبيانه لما تقدم عندهم. # قوله: { قل أتخذتم عند الله عهدا }. # أي: هل تقدم لكم عند الله ميثاق وعهد / بهذا التحديد الذي قد حددتم، فإن ~~الله لا يخلف وعده، فأتوا بما تدعون، أم قلتم ما قلتم تخرصا وكذبا. هذا ~~تأويل أكثر الناس. # وروى الضحاك عن ابن عباس: { قل أتخذتم عند الله عهدا ~~}. أي: هل قلتم لا إله إلا الله لم تشركوا ولم تكفروا ولم تبدلوا ولم ~~تغيروا، فيكون ذلك ذخرا لكم عند الله ولا يخلف الله وعده لمن يفعل ذلك. ~~أو قلتم ذلك تخرصا وإفكا، ولم يتقدم لكم إيمان تدخرونه عند الله فيوفي ~~لكم به ". # وروى ابن أبي فروة # " أن النبي [صلى الله عليه وسلم] قال [لناس من اليهود]: من أصحاب ~~النار غدا؟ قالوا: نحن، سبعة أيام، ثم تخلفوننا ~~فيها، فنزل: { وقالوا لن تمسنا النار } إلى { ~~خالدون } " # ، من حديث ابن وهب. # وقوله: { قل أتخذتم }. # وزنه " افتعلتم " فيجوز / أن يكون من " تخذ يتخذ " ، ويجوز أن يكون من " ~~أخذ " ، وأصله " ايتخذتم " ثم أبدل من الياء تاء وأدغمت في الأخرى، وإنما ~~فعل ذلك لاستثقال الياء بعد كسرة الهمزة. # وقيل: فعل ذلك لما يلزم من تغيير الياء وكونها ألفا في المستقبل في " ~~يأتخذ " وكونها واوا في المفتعل تقول: " موتخذ " فأبدلوا من الياء حرفا ~~جلدا لا يتغير في جميع الأحوال، وكانت التاء أولى بذلك، لأنها قد تبدل ~~من الواو، فالواو أخت التاء. # وقيل: كانت أولى لأن بعدها تاء فأبدلت للتجانس وليصح الإدغام، والمدغم ~~أخف من المظهر. ### || [2.81] # قوله: { بلى من كسب سيئة } الآية. # أي: من عمل بمثل ما عملتم، وكفر بمثل ما كفرتم وقال ما قلتم، { ~~فأولئك أصحاب النار } قاله ابن عباس. # وقال مجاهد وقتادة: " السيئة هنا الشرك ". وهو قول ابن جريج وعطاء ~~والربيع. # وقد قال الله: # ومن جآء بالسيئة ms0089 فكبت وجوههم في النار # [النمل: 90]. وهي الشرك بلا اختلاف في ذلك. # وقال الربيع بن خثيم: (وأحاطت به خطيئاته): مات على كفره ". # وعنه: " مات على معصيته ". # وقال السدي: " هي الذنوب ". أي الكبائر. # والأول أولى لأن الله لم يتوعد في النار بالتخليد إلا أهل الشرك. # وقال النبي [عليه السلام]: # " أهل الإيمان لا يخلدون في النار، ويخلد ~~الكفار ". # و " خطيئاته ": الذنوب، أي مات ولم يتب منها ولا أسلم. # وقال ابن عباس: " أحاطت الخطيئة هو أن يحبط ما له من حسنة بكفره ". # وقال قتادة: " الخطيئة هنا الكبيرة الموجبة للنار ". # وقال عطاء: " الخطيئة الشرك ". # وهذا القول يدل على أن السيئة الذنوب، فيصح أن يتوعد الله من أذنب ~~الكبائر أو الصغائر ثم أضاف إلى ذلك الشرك /، وهي الخطيئة بالتخليد في ~~النار. ومن قرأ { خطيئته } بالجمع فهي الكبائر بلا اختلاف، ~~والسيئة الشرك. وهذا الخطاب لليهود / مرتبط بما قبله. ### || [2.82] # قوله: { والذين آمنوا وعملوا الصالحات } الآية. # أي: آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وعملوا بما جاء به، فهي عامة في ~~جميع أمة محمد صلى الله عليه وسلم. قاله ابن عباس وغيره. # وقال ابن زيد: هي خاصة في محمد عليه السلام وأصحابه. ### || [2.83] # قوله: { وقولوا للناس حسنا }. # من قرأه بالضم، فمعناه عند الزجاج قولا ذا حسن. # وقال الأخفش: " الضم والفتح بمعنى واحد بمنزلة البخل والبخل ~~والسقم والسقم ". # وقيل: إن من قرأ بالفتح فهو نعت لمصدر محذوف. واستقبح المبرد: " ~~مررت بحسن " على إقامة الصفة مقام الموصوف. وقد جاء هذا في ~~القرآن بإجماع، قال الله تعالى: # وجعل فيها رواسي # [فصلت: 10]، ولم يقل: جبالا رواسي. وقال: # أن اعمل سابغات # [سبأ: 11]، ولم يقل: " دروعا سابغات ". # واختار بعض المتعقبين الضم لأن " الحسن " الاسم الذي يحوي ما تحته ~~ويعمه، و " الحسن " إنما هو الشيء الحسن لا يعم غير ما هو نعت له، ~~والعموم أكمل في المعنى هنا، لأنها وصية بالخير. ففعله كله، والأمر به ~~أولى من فعل بعضه، والأمر ببعضه دون بعض. # وحكى / الأخفش: " حسنى " ، بغير تنوين. وهو لحن لا يجوز لأنه لا يقال ~~إلا ms0090 بالألف واللام. # وقوله: { وبالوالدين }. # معطوف على المعنى لأن المعنى: " بأن لا تعبدون " ثم حذفت " أن " مع ~~الحرف، ودل على ذلك إعادة الباء فيما بعده. وهذا الميثاق هو الذي أخذ ~~عليهم إذ أخرجهم كالذر. # واليتم في الناس من قبل الأب، وفي البهائم من قبل الأم، قاله الأصمعي. # { وقولوا للناس }: معطوف على المعنى في { لا تعبدون } ، ~~فلذلك أتى بلفظ الأمر لأن صدر الكلام مبني على النهي. # ومعنى: { وقولوا للناس حسنا }: " مروهم بقول لا إله إلا الله ~~". رواه الضحاك عن ابن عباس. # وقال ابن جريج: " معناه: قولوا صدقا في أمر محمد صلى الله عليه وسلم. # وقال سفيان الثوري: " مروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر ". # وقال قتادة وغيره: " قولوا لهم حسنا من القول ". # وقال أبو عبيدة: " قولوا حسنا من القول للمسلم والكافر ". # وقال قتادة: " هي منسوخة بآية السيف ". # ولا يجوز أن تكون منسوخة إلا على قول من قال: إن المعنى: قولوا للجميع ~~حسنا من القول. وباقي الأقوال لا يمكن أن تكون فيه منسوخة لأن الأمر ~~بالمعروف لا ينسخ /، والأمر بإظهار / الصدق في النبي عليه السلام لا ~~ينسخ. # قوله: { آتوا الزكاة }. # هي زكاة كانت عليهم تأكلها نار من السماء ومن لم تأكل النار زكاته فهو ~~غير مقبول. # قوله: { ثم توليتم إلا قليلا منكم }. # قال ابن عباس: " أعرضوا عما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من الفروض ~~إلا قليلا منهم ". وهو خطاب لمن بحضرة رسول الله [عليه السلام]. # وقيل: هو إخبار عن أسلافهم، فمعناه: ثم تولى أسلافكم إلا قليلا منهم، ~~وأنتم الآن معرضون خطاب لمن بالحضرة أي: وأنتم مثل أولئك الذين تولوا من ~~أسلافكم. ودل على هذا التاويل ما بعده من ذكر سفك الدماء أنه إخبار عن ~~أسلافهم ومخاطبة لمن بالحضرة، ولم يسفك من بالحضرة الدماء، ولا أخرج ~~بعضهم بعضا من ديارهم، إنما ذلك فعل أسلافهم، فكون الكلام كله على سياق ~~واحد أولى وأحسن. ### || [2.84-85] # ومعنى: { تقتلون أنفسكم } / الآية أي يقتل بعضكم بعضا، ~~ويخرج بعضكم بعضا. # { من ديارهم } يريد به أسلافهم. # وقيل: المعنى: لا تقتلوا فيجب ms0091 عليكم القصاص فتقتلوا فتكونوا سببا لقتل ~~أنفسكم. ولا تفسدوا فيجب عليكم النفي فتكونوا سببا لإخراجكم من دياركم. # قوله: { ثم أقررتم }. # أي: اعترفتم أن هذا قد أخذ عليكم. # ومعناه: أقر أوائلكم بذلك. وأنتم يا هؤلاء تشهدون على إقرارهم لأن ~~في [كتابكم أخذي للميثاق] عليهم فأنتم شهود. # وقيل: الخطاب من أوله لهم وهم المقرون، وذلك من بالحضرة من اليهود. # وقوله: { وأنتم تشهدون }. # لأوائلهم، وأوائلكم يشهدون بأخذي للميثاق عليهم ودل على ذلك قوله { ~~ثم أنتم هؤلاء } ، فوبخ من بالحضرة، وأشار إليهم بهاء ~~التشبيه بعد أن مضى ذكر أسلافهم، ورجع إلى ذكرهم. ومخاطبتهم بقوله لهم: { ~~تقتلون أنفسكم } هو أنهم كانوا قد افترقوا فرقتين: فرقة مع ~~الأوس وفرقة مع الخزرج. فإذا جرى بين الأوس والخزرج قتال أعانت كل ~~فرقة منهم أصحابهم، فيقتل بعضهم بعضا، ويجلي بعضهم بعضا في الحمية وهم ~~في أيديهم التوراة يعرفون ما عليهم، وكانت الأوس والخزرج أهل شرك لا كتاب ~~لهم يعبدون الأوثان، فإذا وضعت الحرب فدوا أسراهم تصديقا لما في ~~التوراة، كل ذلك مظاهرة لأهل الشرك، فذلك قوله: # { أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض } ، ~~يستحلون دماء بعضهم بعضا، فذلك كفرهم. ويتحرجون أن يبقى الأسرى في ~~أيديهم فيتفادوا؛ فذلك البعض الذي يؤمنون به، وكان فرض عليهم أن لا ~~يستعبدوا أحدا من بني إسرائيل / وفرض عليهم ألا يقتلوا أحدا، ولا ~~يخرجوا أحدا من ديارهم، فحللوا القتل والإخراج، ولم يحلوا ترك الفداء ~~والإخراج من الديار، ويؤمنون بالفداء وترك الاستعباد. يعني بذلك كله بني ~~[قينقاع وأعدائهم قريظة وبني] النضير وكانت الخزرج حلفاء بني قينقاع، ~~والأوس حلفاء قريظة والنضير. وكان بين الأوس والخزرج عداوات وحروب، وهم ~~مشركون، وبين بني قينقاع وقريظة والنضير عداوات وحروب، فيعاون كل قوم ~~حلفاءهم إذا تحاربوا. # قوله: { وإن يأتوكم أسارى }. # في موضع الحال، والأكثر أن يكون على " أسرى " كقراءة حمزة، كقتيل ~~وقتلى، وجريح وجرحى. # ومن قال: { أسارى } شبهه ب " سكارى " ، كما قالوا " سكرى " على ~~التشبيه " بأسرى " ، فكل واحد مشبه بالآخر في بابه، ولم يجز أبو حاتم " ~~أسارى ". # وإنما يقال " فعلان " فيما كان آفة ms0092 تدخل على العقل كما قال سيبويه. # والفتح في " سكارى " الأصل، والضم داخل عليه كأنه لغة، ويقال ~~أسراء كظرفاء. وفرق أبو عمرو / بين أسرى وأسارى: # فقال: " ما صار في أيديهم فهو أسارى كأنه آفة دخلت عليهم " كسكران " ~~، وما أتى مستأسرا فهم الأسرى. # وواحد " الأسرى " و " الأسارى " أسير؛ بمعنى مأسور، كجريح وقتيل. # / قوله: { وهو محرم }. # هو راجع إلى الإخراج، دل عليه: " تخرجون ". # وقيل: هو مجهول كناية عن الأمر أو الشأن. # وقال بعض الكوفيين: " هو فاصلة " ، وذلك لا يجوز لأن حذفها يخل بالكلام، ~~والفاصلة يجوز / حذفها. # قوله: { أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض }. # كفرهم هو قتل بعضهم بعضا ومعاونة الأوس والخزرج لهم، وهم يعلمون أن ذلك ~~محرم عليهم. وإيمانهم هو أنهم افترض عليهم ألا يستعبدوا أحدا من بني ~~إسرائيل وأن يفدوهم. وكانوا إذا فرغوا من الحرب فدوا من أسر منهم بعضهم ~~[من بعض]. # قوله: { إلا خزي }. # هو أخذ الجزية عن يد. # وقيل: هو أخذ القاتل بمن قتل. # وقيل: هو إجلاء رسول الله [عليه السلام] بني النضير عن ديارهم لأول ~~الحشر إلى الشام. # وقيل: هو قتل مقاتلة قريظة وسبي ذراريهم. # وأصل الخزي الذل والصغار. # وروي أن بني قينقاع من اليهود كانوا أعداء قريظة والنضير من اليهود، ~~وكانت الأوس حلفاء بني قينقاع، والخزرج حلفاء قريظة والنضير. وقريظة / ~~والنضير كانا أخوين من أهل الكتاب، والأوس والخزرج أخوان افترقا، وافترق ~~أيضا قريظة والنضير. فكانت النضير مع الخزرج وقريظة مع الأوس، فإذا ~~اقتتل الأوس والخزرج [أعانت النضير الخزرج / وقريظة الأوس]، فقتل بعضهم ~~بعضا فعيرهم الله بذلك. ### || [2.87] # قوله: { ولقد آتينا موسى الكتاب }. # لام (لقد) حيث وقعت لام تأكيد، وقد تقع جوابا للقسم، وعيسى لا ينصرف ~~لأنه أعجمي معرفة. # وقيل: هو عربي من " عاسه يعوسه " إذا ساسه وقام عليه ولا ينصرف ~~على هذا للتعريف والتأنيث. # (القدس) أصله الطهر. وفيه لغة نادرة وهي فتح القاف والدال. والكتاب ~~هو التوراة. # { وقفينا }: أردفنا وأتبعنا بعضهم بعضا على منهاج واحد، وشريعة ~~واحدة، لأن كل من بعث بعد موسى صلى الله عليه وسلم إلى زمان ms0093 عيسى صلى ~~الله عليه وسلم فإنما يأمر بني إسرائل بلزوم التوراة والعمل بما فيها، ~~فلذلك قال: { من بعده بالرسل }. أي: على منهاجه وطريقته. # ثم قال: { وآتينا عيسى ابن مريم البينات }. # ابتداء كلام آخر. # وأصل " قفوت " من القفا " يقال: " قفوت فلانا " إذا صرت خلف ~~قفاه. " ودبرته " إذا صرت خلف دبره. # والبينات التي أوتيها عيسى عليه السلام هي إحياء الموتى وإبراء الأكمه ~~وخلق الطير. وغيره من الحجج والبينات. # { وأيدناه }: قويناه وأعناه ونصرناه [والأيد والأد] القوة. # وقرأ ابن محيصن: " وأيدناه " بالمد. # و " روح القدس ": جبريل. قاله قتادة والسدي والضحاك والربيع بن أنس. ~~وروي ذلك عن النبي [عليه السلام]. وقاله ابن عباس. # وقال ابن زيد: " هو الإنجيل سمي روحا كما سمي القرآن روحا، فقال ~~تعالى: # أوحينآ إليك روحا من أمرنا # [الشورى: 52]. # ويرد هذا القول قوله تعالى: # إذ أيدتك بروح القدس # [المائدة: 110]، ثم قال تعالى: # وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة ~~والإنجيل # { المائدة: 110]. فدل هذا [على] أن روح القدس غير الإنجيل /. فإن حمل ~~على أنه أعيد للتأكيد كما قال: # فيهما فاكهة ونخل ورمان # [الرحمن: 68]، وقال: # من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل ~~وميكل # [البقرة: 98]، فهو وجه. # وروى الضحاك عن ابن عباس أنه قال: " روح القدس هو الاسم الذي كان يحيي ~~به عيسى صلى الله عليه وسلم الموتى ". # وقال مجاهد: " القدس: الله جل ذكره، وسمي جبريل روحا لأنه كان بتكوين ~~الله له من غير ولادة كما سمي عيسى صلى الله عليه وسلم / روحا، فقال: # وروح منه # [النساء: 171]. # وقال السدي: " القدس هنا البركة ". # وقال الربيع: القدس هو الله، ويدل عليه قوله: # الملك القدوس # [الحشر: 23]. والقدوس والقدس واحد ". ورواه ابن وهب عن مجاهد أيضا. # قوله: { أفكلما }. # معناه: التقرير والخبر، ولفظه لفظ الاستفهام. ### || [2.88] # قوله: { قلوبنا غلف }. # هو جمع أغلف كأنها في غلاف وغطاء. يقال: " سيف أغلف إذا كان في غلافه ~~". # وقال قتادة: " معناه قلوبنا لا تفقه ". # وقال ابن عباس وغيره: " معناه: قلوبنا في غطاء وغلاف فليس نفهم ما تقول ~~كما قال: # قلوبنا في أكنة مما تدعونا # [فصلت: 5]. # ويجوز أن ms0094 يكون " غلف " جمع " غلاف " ، لكن أسكن تخفيفا. ومعناه: ~~قلوبنا أوعية للعلم لا تحتاج إلى / علم محمد صلى الله عليه وسلم. # وعلى ذلك قراءة من قرأ بضم اللام، وهي قراءة الأعرج / وابن محيصن ~~ورويت عن أبي عمرو وابن عباس. # قوله: { بل لعنهم الله }. # أي أبعدهم الله وطردهم وأخزاهم. وأصل اللعن الطرد والإبعاد والإقصاء. # { فقليلا ما يؤمنون } نصبه على أنه نعت لمصدر محذوف أو لظرف ~~محذوف. # وقيل: هو منصوب ب " يؤمنون " ، و " ما " زائدة. # ومعناه أنهم يقرون بالله ويوحدونه، ويكفرون بالنبي [عليه السلام] كما ~~قال # وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون # [يوسف: 106]. # ويجوز أن يكون المعنى أنهم لم يؤمنوا البتة، تقول العرب " قل الشيء ~~" إذا لم يوجد. # ويقال: " قلما رأيت مثل هذا " أي: ما رأيت مثله. # وحكى الكسائي عن العرب: " مررت ببلاد قل ما تنبت إلا ~~الكراث والبصل " أي: ما تنبت سواهما. # وحكى سيبويه: " قل رجل يقول ذلك إلا زيدا ". # وقال أهل التفسير: " معناه: فقليلا منهم من يؤمن، لأن الذين آمنوا من ~~المشركين أكثر كثيرا ممن آمن من اليهود ". وهذا مروي عن قتادة ويلزم منه ~~رفع " قليل ". # وقيل: المعنى: ليس يؤمنون مما في أيديهم إلا بقليل ". # والاختيار عند أكثرهم قول من قال: " إنهم قليلوا الإيمان بما أنزل على ~~النبي [عليه السلام]. ### || [2.89] # قوله: { ولما جآءهم كتاب من عند الله } الآية. # جواب " لما " محذوف، كأنه قال: كفروا، أو نحوه، كما قال: # فإذا جآء وعد الآخرة ليسوءوا # [الإسراء: 7]. أي: خليناكم وإياهم، فحذف، ومثله قوله: # وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما ~~خلفكم # [يس: 45] أي: أعرضوا، ثم حذف جميعه لعلم السامع، وهو كثير في القرآن. # والكتاب هنا؛ القرآن، أي: يصدق التوراة والإنجيل. # قوله: { وكانوا من قبل يستفتحون } الآية. # قال ابن عباس: " كانت العرب في الجاهلية يمرون على اليهود / فيؤذونهم، ~~واليهود يجدون صفة محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة فيسألون الله أن ~~يعجل ببعثه فينصروا به على العرب لما وصل إليهم من أذى العرب /. فلما ~~جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم الذي قد ms0095 عرفوه وسألوا الله في بعثه كفروا ~~به ". # وقال مجاهد: " كانوا يقولون: " اللهم ابعث لنا هذا النبي يفصل بيننا ~~وبين الناس، فلما بعث كفروا به ". # وقيل: إنهم كانوا يرغبون إلى الله في النصر عند حروبهم / بمحمد [عليه ~~السلام] ويستشفعون به فينصرون فلما جاءهم بنفسه كفروا به حسدا وبغيا ~~وهم يعلمون أنه رسول. وبمثل هذا القول قال السدي وعطاء وأبو العالية. # وهذا من أدل ما يكون [على أنهم جحدوا نبوة] محمد صلى الله عليه وسلم على ~~علم به وصحة أنه نبي مبعوث إلى الخلق حسدا وبغيا. ### || [2.90] # قوله: { بئسما اشتروا }. # أي: باعوا أنفسهم بالكفر من أجل ما أنزل الله على عبده محمد [صلى الله ~~عليه سلم] حسدا وبغيا إذ لم يكن من بني إسرائيل. # والعرب تقول: " شريت " و " اشتريت " بمعنى بعت. والأكثر " شريت ~~" بمعنى " بعت " ، و " اشتريت " بمعنى " ابتعت ". وربما استعمل كل واحد ~~في موضع صاحبه. # قوله: { فبآءو بغضب }. # أي: لجحودهم بما قد تيقنوا أمره، وعلموا صحة نبوته فحسدوه وبغوه إذ لم ~~يكن من ولد إسرائيل، وكان من ولد إسماعيل. # { على غضب } متقدم، وهو بعبادتهم العجل [وكفرهم بعيسى عليه ~~السلام]. # وقال ابن عباس: " الغضب الأول [لتضييعهم لما] في التوراة، والثاني ~~بجحودهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ". # وقال عكرمة: " الأول بكفرهم بعيسى، والثاني بكفرهم بمحمد [صلى الله عليه ~~وسلم] ". # وقال مجاهد: " الأول بكفرهم بعيسى [صلى الله عليه وسلم] والإنجيل. ~~والثاني بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن ". # قوله: { وللكافرين عذاب مهين }. # أي وللجاحدين بمحمد صلى الله عليه وسلم عذاب مهين. وسمي مهينا لأنه ~~يذل الكافر فلا يخرج من ذلته أبدا. # فأما العذاب الذي يعذب به أهل الكبائر فليس بمهين لأنه يتخلص منه برحمة ~~الله وشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم. # ووصف الله العذاب بالمهين يدل على أن ثم عذابا غير مهين، وهو ما ذكرنا. ### || [2.91] # قوله: { نؤمن بمآ أنزل علينا ويكفرون بما ~~ورآءه }. # معناه أنهم إذا قيل / لهم: آمنوا بالقرآن، قالوا: نؤمن بالتوراة، ~~ويكفرون بغيرها من جميع الكتب. # [ " ووراء " هنا بمعنى: " سوى " ]. وقيل: ms0096 هي بمعنى " بعد ". # { وهو الحق }. أي والذي بعد التوراة الحق مصدقا للتوراة، وهو ~~القرآن [لأن] كتب الله يصدق بعضها بعضا، وفي كل واحد منها الأمر / ~~بالتصديق بغيره من الكتب. # قوله: { فلم تقتلون أنبيآء الله }. # أي: إن كنتم تؤمنون بالتوراة كما زعمتم، فلم قتلتم الأنبياء؟. # قال كعب: " كانت بنو إسرائيل يقتلون سبعين نبيا في يومهم، وتقوم سوق ~~بقلهم في آخر النهار ". # فقال: فلم تقتلون أنبياء الله، وهو محرم عليكم في التوراة إن كنتم في / ~~ادعائكم أنكم تؤمنون بالتوراة صادقين. # والمراد بهذا آباؤهم، كل ذلك تكذيب لهم وتعيير. # " وتقتلون " بمعنى " قتلتم " ، أي: فلم قتل أسلافكم ودل على ذلك ~~قوله: # من قبل # [البقرة: 25]. # وقال في موضع آخر: # قل قد جآءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي ~~قلتم فلم قتلتموهم / إن كنتم صادقين # [آل عمران: 183]. فأتى بلفظ الماضي على معنى: فلم قتلتم أسلافكم إن كنتم ~~مؤمنين بما أنزل الله كما زعمتم. # وقيل: إن " إن " بمعنى " ما " والمعنى ما كنتم مؤمنين إذ فعلكم هذا ~~ورضاكم به متماد. وإنما جاز أن يخاطبوا بذلك وهم لم يفعلوا لأنهم مقيمون ~~على ما كان عليه أسلافهم من سفك الدماء وتغيير التوراة، فخوطبوا بما ~~يخاطب به الفاعل لأنهم مثلهم وإن لم يفعلوا، إذ كان اعتقادهم لا يختلف ~~فهم مشاركون لهم في الفعل راضون بما صنع أسلافهم. فألزموا ما لزم أسلافهم ~~من التقريع والمخاطبة. ### || [2.92] # قوله: { ولقد جآءكم موسى بالبينات } أي بالآيات ~~الواضحات. # { ثم اتخذتم العجل من بعده } أي إلها. # والهاء في { من بعده } تعود على موسى صلى الله عليه وسلم. وقيل على ~~المجيء. ### || [2.93] # قوله: { وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور ~~} الآية. # أخذ الله ميثاق بني إسرائيل بأن يعملوا بما في التوراة بقوة أي: بجد ~~وعزم ونشاط وكان ذلك إذ رفع فوقهم الطور. # قوله { واسمعوا }: أي: استمعوا ما أمرتم به، وتقبلوه بالطاعة. # { قالوا سمعنا }: أي: سمعنا قولك وعصينا أمرك. # وخرج في هذا من لفظ الخطاب إلى لفظ الغيبة كما قال: # حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم # [يونس: 22]. وقد يخرج من ms0097 الغيبة إلى الخطاب كما قال تعالى: # الحمد لله # [الفاتحة: 2]، ثم قال بعد ذلك: # إياك نعبد # [الفاتحة: 5]. # قوله: { وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم }. أي: ~~حب العجل من أجل كفرهم. # وقيل: المعنى إنهم سقوا من الماء الذي ذري فيه براية العجل. # وقال السدي: " إنهم شربوا من الماء الذي ذري فيه سحالة العجل بأمر موسى ~~صلى الله عليه وسلم / لهم. فمن كان يحبه خرج على شاربه الذهب فذلك قوله: ~~{ وأشربوا في قلوبهم العجل }. # وأولى هذه الأقوال قول من قال: حب العجل. لأن الماء لا يقال فيه: أشربته ~~بمعنى " سقيته ". # وروي أنهم قالوا لموسى صلى الله عليه وسلم: " إن عبادة العجل أسهل علينا ~~من عبادة الرحمن، لأن العجل إن عصيناه لم يعذبنا، والرحمن إن عصيناه / ~~عذبنا ". فأنزل الله: { قل بئسما يأمركم به إيمانكم ~~}. # قوله: { قل بئسما يأمركم به إيمانكم }. # معناه أي: قل يا محمد: بئس الإيمان إيمان يأمركم بالكفر بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم، لأن التوراة تنهى عن الجحود بمحمد صلى الله عليه وسلم، وتنهى ~~عن القتل وعن تبديل ما أنزل الله وأنتم على ذلك مصرون. # { إن كنتم مؤمنين }: أي: في قولكم إن كنتم تؤمنون بما أنزل ~~إليكم. # وقيل: معناه: ما كنتم مؤمنين. ### || [2.94] # قوله: { فتمنوا الموت }. # معناه: إن كانت لكم الجنة على قولكم وأنتم إليها صائرون، فتمنوا الموت ~~فإن ذلك لا يضركم. ففضحهم الله تعالى في كذبهم ودعواهم، وعلم الناس أن ~~تأخرهم عن التمني يدل على كذبهم، وكذلك امتنع النصارى إذ دعاهم النبي ~~[عليه السلام] إلى المباهلة في عيسى صلى الله عليه وسلم فافتضحوا، وعلم ~~أنهم كاذبون في دعواهم. # قال النبي [عليه السلام] # " لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ولرأوأ ~~مقاعدهم من النار. ولو خرج الذين يباهلون ~~لرجعوا / لا يجدون أهلا ولا مالا " # ، رواه ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم. وإنما دعوا إلى تمني ~~الموت لأنهم كانوا يقولون: # نحن أبناء الله وأحباؤه # [المائدة: 18]. ويقولون: # لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى # [البقرة: 111]. فقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: ms0098 قل لهم: إن كنتم ~~صادقين / فيما تقولون، فتمنوا الموت فلم يفعلوا فبان كذبهم. # قال ابن عباس: " [قيل لهم]: ادعوا بالموت على أي: الفريقين أكذب فأبوا ~~". # وقوله: { من دون الناس }. # أي: من دون جميع الناس. وقيل: من دون محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه. ### || [2.95] # قوله: { ولن يتمنوه أبدا }. # أي: لا يتمنونه لما يعلمون من ظلمهم وكذبهم وإنكارهم [لنبوة محمد] عليه ~~السلام. وهو عندهم في التوراة [فلو يتمنوا الموت] لهلكوا، فهم لا يفعلون ~~ذلك أبدا. # قوله: { بما قدمت أيديهم }. # أي: من تكذيبهم للنبي صلى الله عليه وسلم [وتبديلهم للتوراة وعبادتهم ~~للعجل] وغير ذلك مما سلف لهم، فأضيفت الجناية إلى اليد، وإن كانت تكون ~~بغير اليد من لسان واعتقاد لأن معظم الجنايات باليد تكون، فجرت الإضافة ~~في كلام العرب إلى اليد في جميع ذلك من أجل أن بها يكون أعظم الجنايات. # قوله: { عليم بالظالمين }. # أي: عليم بمجازاتهم / على ما فعلوا. ### || [2.96] # قوله تعالى: { ولتجدنهم أحرص الناس على حياة }. # أي لتعلمنهم يا محمد حريصين على الحياة لما يعلمون ما لهم في الآخرة من ~~الخزي، لأنهم يعلمون أنك نبي ويجحدون ذلك. # قوله: { ومن الذين أشركوا } الآية. # أي: وأحرص من الذين / أشركوا وهم المجوس. # وقيل: هم قوم يعبدون النور والظلمة. # { يود أحدهم }: إخبار عن أحد الذين أشركوا لو يعمر ألف سنة، ~~كان قد بلغ من حبهم في الحياة أن جعلوا تحيتهم: " عش ألف ~~سنة " ، حرصا على الحياة، فهؤلاء الذين يقولون أن لهم الجنة خالصة، ~~هم أحب في الحياة من جميع الناس ومن هؤلاء الذين أداهم [حرصهم على ~~الحياة أن جعلوا تحيتهم]: عش ألف سنة " وذلك لما قد علموا من سوء ما ~~قدموا لأنفسهم. # وقيل: " إن [معنى: { يود أحدهم }: أي: أحد اليهود] الذين قيل ~~لهم تمنوا الموت. # والأول أشبه بالآية. # قال قتادة: " حببت إليهم الخطيئة طول العمر ". # قوله: { وما هو بمزحزحه } الآية. # أي: وما أحدهم بمباعده. ومنجيه من العذاب التعمير. # وقيل: المعنى وما التعمير بمباعده من العذاب (وأن يعمر)، بدل من ~~التعمير. # وقيل: " التقدير: وما الحديث، ms0099 أو ما الأمر بمزحزحه من العذاب أن يعمر ". ~~وهو مذهب الكوفيين من النحويين. ولا يجيزه البصريون، لأن الباء لا تدخل ~~على الجملة التي تفسر المجهول وهو الأمر أو الحديث أو الخبر ونحوه. ### || [2.97] # قوله: { قل من كان عدوا لجبريل } الآية. # قال ابن عباس: " جبرائيل وميكائيل مثل عبد الله وعبد الرحمان ". # قال عكرمة: " جبر " و " ميك " و " إسراف " [عبد و " إيل ": الله عز ~~وجل]. # ومعنى الآية فيما قال ابن عباس: # " إن عصابة من اليهود سألوا النبي [عليه السلام] عن مسائل، منها أن ~~قالوا: أي الطعام حرم إسرائيل على نفسه، وعن ماء الرجل وماء المرأة، وعن ~~الذكر والأنثى، وقالوا أخبرنا من هذا النبي الأمي في التوراة؟ ومن وليه ~~من الملائكة؟ فأخذ [عليهم النبي عليه السلام عهودا] أنهم يؤمنون إن ~~أخبرهم وناشدهم الله على ذلك فأخبرهم أن إسرائيل مرض مرضا ~~شديدا فنذر إن عافاه الله من سقمه ليحرمن ~~أحب الطعام والشراب إليه، وكان أحب الطعام ~~إليه لحوم الإبل، وأحب الشراب إليه ألبانها، ~~فقالوا: اللهم نعم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~اللهم اشهد، ثم ناشدهم الله وقال: " هل تعلمون ~~أن ماء الرجل أبيض غليظ، وماء المرأة أصفر ~~رقيق، فأيهما علا كان له الولد والشبه بإذن / ~~الله عز وجل، وإذا علا ماء الرجل كان / الولد ذكرا، ~~وإن علا ماء المرأة / كان أنثى؟ قالوا: اللهم ~~نعم. # قال: اللهم اشهد، ثم ناشدهم الله، وقال: هل ~~تعلمون أن [هذا النبي الأمي تنام عيناه ولا ~~ينام قلبه؟] قالوا: اللهم نعم. # قال: اللهم اشهد: [قالوا: وأنت] الآن، فحدثنا ~~من وليك من الملائكة ونجامعك. / فقال: إن ~~وليي جبريل ولم يبعث الله نبيا قط إلا وهو ~~وليه. قالوا: فعندها نفارقك؛ لو كان وليك ~~سواه من الملائكة تابعناك وصدقناك فأنزل ~~الله: { قل من كان عدوا لجبريل } إلى { كأنهم لا ~~يعلمون } ". # وروى الشعبي أن عمر بن الخطاب جرت بينه وبين اليهود مناظرة طويلة، فأقسم ~~عليهم: هل تعلمون أن محمدا نبي فأقروا به. فقال: ولم أهلكتم أنفسكم، ~~وأنتم تعلمون أنه نبي؟ فقالوا: إنه قرن ms0100 بنبوته عدونا من الملائكة وهو ~~جبريل، ولو قرن بها ميكائيل لآمنا به. فسألهم عمر عن هذه العدواة فقالوا: ~~إن جبريل ينزل بالعذاب والسخط والشدائد والغلظة، وإن ميكائيل ينزل ~~بالرأفة والرحمة والتخفيف. فقال لهم عمر: وما منزلتهما عند الله؟ قالوا: ~~أحدهما على يمينه، والآخر على يساره. فقال عمر: فوالله الذي لا إله إلا ~~هو إنهما - والذي بينهما - لعدو لمن عاداهما، وسلم لمن سالمهما، ~~ما ينبغي لجبريل أن يسالم عدو ميكائيل، ولا لميكائيل أن يسالم عدو جبريل. ~~ثم انصرف [عمر عنهم، فوجد النبي [عليه السلام] خارجا من خوخة [لبني ~~فلان، فقال لعمر]: ألا أقرئك آيات نزلت قبل؟ فقرأ عليه: { قل من كان ~~عدوا لجبريل } إلى { كأنهم لا يعلمون }. # فقال عمر: والذي بعثك بالحق، لقد جئت وأنا أريد أن أخبرك، فأسمع اللطيف ~~الخبير سبقني إليك بالخبر ". # وروي عن عمر هذه القصة بغير هذه الألفاظ إلا أن المعنى يؤول إلى شيء ~~واحد. # ومعنى ما في هذا الحديث من ذكر اليمين واليسار، إنما يراد به القرب في ~~المنزلة من الله عز وجل على التمثيل فلا يحل لأحد أن يتمثل في هذا، وفيما ~~شابهه جارحة إذ ليس كمثله شيء. # قوله: { فإنه نزله على قلبك } الآية. # أي: نزل الفرقان من عند الله على قلب محمد، ولو قال قلبي لكان جيدا، ~~والعرب / تقول: " قل يا زيد للقوم عندي الخبر " " وقل لهم عندك الخبر ". ~~كل ذلك حسن جيد. ولا يقرأ إلا بما في المصحف. # قوله: { لما بين يديه } أي: لما سلف من الكتب والرسل. ### || [2.98] # ثم قال: { من كان عدوا لله وملائكته } الآية. # روي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه قال: " لقي يهوديا عمر رضي الله عنه ~~فقال له اليهودي: إن الذي يذكره صاحبك هو عدو لنا. فقال له عمر: { من ~~كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل } الآية، ~~قال: ونزلت على لسان عمر. وكرر ذكر جبريل وميكائيل على معنى التأكيد. # وقيل: لمعنى التفضيل والتخصيص. # وقيل: كرر لأن من أجلهما نزلت الآيات، فكرر ذكرهما للإفهام، ولئلا ~~يقولوا: إنهما غير ms0101 داخلين في الملائكة المذكورين. # وكرر إظهار اسم " الله " لما في الإضمار من الاحتمال إذ لو قال: (فإنه ~~عدو للكافرين) لجاز لكافر أن يقول: إن المعنى الذي يعادي هؤلاء عدو ~~للكافرين / فينقلب المعنى. ويجوز أن يقال: إن الهاء تعود على أحد ~~المذكورين جبريل أو ميكائيل فيشكل ذلك وظهر الاسم لارتفاع الاحتمال. # وميكائل بالسريانية، وهو بالعربية عبيد الله، وإسرافيل بالسريانية واسمه ~~بالعربية عبد الرحمن، وجبريل بالسريانية واسمه بالعربية عبد الله. هكذا ~~وقع في كثير من التفاسير، والله أعلم بذلك. ### || [2.99] # قوله: { ولقد أنزلنآ إليك آيات بينات }. # روي عن ابن عباس " ان رجلا من اليهود قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا ~~محمد، ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل الله عليك من آية بينة فنتبعك لها. ~~فأنزل الله عز وجل: { ولقد أنزلنآ إليك آيات بينات } ~~أي: علامات واضحات، { وما يكفر بهآ إلا الفاسقون }. ### || [2.100] # ثم قال: { أوكلما عاهدوا عهدا } الآية. # عهدهم هاهنا ما عقدوا على أنفسهم من اتباع التوراة، والعمل بما فيها، ~~وإظهار أمر محمد صلى الله عليه وسلم والإيمان به. ثم نقض ذلك فريق منهم، ~~وهم الأكثر بدلالة قوله: { بل أكثرهم لا يؤمنون }. # وفي قراءة عبد الله: " نقضه فريق منهم ". ### || [2.101] # قوله: { ولمآ جآءهم رسول من عند الله } الآية. # معناه: لما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم يصدق التوراة / وتصدقه. # { نبذ فريق من الذين أوتوا الكتب كتب الله ~~}. # نبذوا التوراة إذ جحدوا ما فيها من صفة النبي والأمر باتباعه، لأن من ~~جحد آية من كتاب الله فقد جحد الجميع. # وقيل: إنهم نبذوه مرة واحدة، واتبعوا ما تتلو الشياطين من السحر. # { كأنهم لا يعلمون }. # أي: لا يعلمون أنه نبي صادق في قوله، فهم / يعلمون ذلك، ولكنهم جحدوا به ~~عن علم وكفروا بذلك عن قصد. ### || [2.102] # قوله: { واتبعوا ما تتلوا الشيطين } الآية. # قوله: { ومآ أنزل على الملكين }. # يجو أن تكون " ما " نافية فيحسن الابتداء بها. وأن تكون بمعنى " الذي " ~~أي: واتبعوا الذي أنزل على الملكين، فلا يبتدأ بها. # وقيل: " ما " في موضع نصب ب ms0102 " يعلمون " ، أي: ويعلمون ما أنزل على ~~الملكين فيتعلمون أي فهم يتعلمون. # وقال الفراء: هو معطوف على { يعلمون الناس / السحر } { ~~فيتعلمون } وأجاز أن يكون مردودا على قوله: { إنما نحن ~~فتنة } على إضمار تقديره. " فيأتون فيتعلمون ". ويجوز أن يكون ~~مردودا على { فلا تكفر } لأن معناه: " فلا تتعلم السحر ". فيكون ~~تقديره: " فلا تتعلم فيأتون فيتعلمون ". # قوله: { على ملك سليمن }. # أي: في حين ملكه، " فعلى " بمعنى " في " كما وقعت " في " بمعنى " على " ~~في قوله: # ولأصلبنكم في جذوع النخل # [طه: 71] أي على: جذوع النخل. # ومعنى " تتلو " تقرأ، وقيل: تروي. # قوله: { لمن اشتراه }. # " من " بمعنى " الذي " ، وأجاز الفراء أن تكون للشرط ولا يجوز ذلك عند ~~البصريين. والضمير في { واتبعوا } يعود على اليهود الذين وصفهم ~~الله قبل، بنبذ الكتاب والكفر والجحود وغير ذلك، وهم اليهود الذين هم ~~بحضرة رسول الله [عليه السلام] لأنهم تركوا كتابهم واتبعوا السحر. # { على ملك سليمن }: أي: على عهده. # قال السدي: " كانت الشياطين تصعد إلى السماء فتسمع ما أخبر به ~~الملائكة مما يحدث في الأرض / من موت أو جدب أو غير ذلك فيخبرون به ~~الكهنة، فتحدث الكهنة الناس ويزيدون فيه مع كل كلمة سبعين كلمة من الكذب. ~~فاكتتب الناس ذلك في الكتب، وفشا في بني إسرائيل أن الجن تعلم الغيب. ~~فجمع سليمان تلك الكتب فجعلها في صندوق ثم دفنها تحت كرسيه، ولم يكن أحد ~~من الشياطين يدنو من كرسيه إلا احترق. وانتهى الناس عن إضافة الغيب إلى ~~الشياطين. فلما مات سليمان صلى الله عليه وسلم وانقرض العلماء، تمثل ~~الشيطان في صورة الإنسان، وأتى نفرا من بني إسرائيل فقال: هل أدلكم على ~~كنز لا تأكلونه أبدا؟ قالوا: نعم. قال: فاحفروا تحت الكرسي. وذهب معهم ~~فأراهم المكان فحفروا، فوجدوا تلك الكتب، فلما أخرجوها قال: إن سليمان ~~إنما كان يملك الجن والإنس والطير بهذا السحر. ثم ذهب عنهم، وفشا في ~~الناس أن سليمان كان ساحرا، فطلب بنو إسرائيل السحر، فلما بعث النبي صلى ~~الله عليه وسلم خاصموه / بها، فأنزل الله عز وجل: { وما كفر ~~سليمن ولكن ms0103 الشيطين كفروا } ". # وقال الربيع في خبر رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم: # " أن اليهود سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن السحر فقال لهم النبي ~~[عليه السلام]: إنما عمدت الشياطين في عهد سليمان ~~إلى السحر والكهانة فوضعته في كتب ودفنته ~~تحت كرسي سليمان، فلما مات سليمان استخرجوا ~~الكتب وخدعوا بها بني إسرائيل فاتبعوها ". # وقال ابن جريج: " عني بذلك اليهود الذين كانوا على عهد سليمان ". # وقال ابن إسحاق: " إنما كتبت الشياطين ما كتبت حين علمت بموت سليمان صلى ~~الله عليه وسلم؛ / كتبت: من كان يحب أن يبلغ كذا وكذا فليفعل كذا وكذا. ~~فكتبوا أصنافا وختموا عليه وعنونوا: هذا ما كتب آصف بن برخيا الصديق ~~للملك سليمان بن داود. ثم دفنوه تحت الكرسي. فاستخرجته بعد ذلك بقايا بني ~~إسرائيل واتبعته، / وقالوا: ما ملك سليمان إلا بهذا. فأفشوا السحر في ~~الناس، فليس السحر في أحد أكثر منه في اليهود. وقد سحروا النبي صلى الله ~~عليه وسلم ". # وبابل: موضع يقال الملكان فيه في سرب من الأرض معلقين في ضوء كضوء ~~النهار. # وقيل: إنما سمي بابلا لأن الألسنة فيه تبلبلت، وافترقت الأمم من ذلك ~~المكان في الآفاق لاختلاف ألسنتها. # وقيل: إن ذلك إنما كان على عهد فرعون إذ جمع الناس لبنيان الصرح، ومن ~~ذلك الوقت لا تدع الريح بنيانا يبلغ ذراعا إلا دمرته. # وقال ابن عباس: " إن سليمان لما ذهب ملكه ارتد فئام من الناس من الجن ~~والإنس وأحدثوا سحرا، واتبعوا الشهوات. فلما رجع سليمان إلى ملكه، أخذ ~~تلك الكتب ودفنها. فلما مات ظهرت الإنس والجن على تلك الكتب، وقالوا: هذا ~~كتاب من عند الله أخفاه عنا سليمان فجعلوه دينا ". # ومعنى { تتلوا }: تحدث وتروي وتتكلم. # وقيل: معناه تتبع. # قوله: { على ملك سليمن }. # أي: في ملكه وعهده. # قال ابن عباس: " كان سبب محنة سليمان صلى الله عليه وسلم أن أهل امرأة ~~له يقال لها جرادة اختصموا إليه مع خصماء لهم / فكان هوى سليمان أن يكون ~~الحق لأهل جرادة فيقضي لهم فعوقب حين لم يكن هواه ms0104 فيهم واحدا. وكان ~~سليمان صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يدخل الخلاء أو يقضي حاجة أعطى ~~خاتمه لجرادة، فلما أراد الله منه ما أراد جاء الشيطان يوما في صورة ~~سليمان إلى جرادة فقال: هاتي الخاتم. فأخذه فلبسه فدانت له الشياطين ~~والجن والإنس. فلما جاءها سليمان يطلب الخاتم، قالت له: كذبت لست سليمان ~~فعرف سليمان أنه ابتلي، فعند ذلك كتبت الشياطين سحرا ودفنوه تحت الكرسي، ~~وأخرجوه بعد موته، فضل الناس به، وتبرأ كثير منهم من سليمان صلى الله ~~عليه وسلم. # قوله: { ومآ أنزل على الملكين }. # " ما " في موضع نصب عطفا على " ما " في قوله: { واتبعوا ما }. # وإن شئت عطفا على السحر أي: { يعلمون الناس السحر ومآ ~~أنزل على الملكين }. # وقيل: ما جحد قاله ابن عباس /. أي لم ينزل على الملكين السحر. # ومعنى { وما يعلمان من أحد } أي يخبرانه بالسحر ليتجنبه ~~ولئلا يقع فيه وهو لا يدري فيقولان: " السحر هو كذا وكذا، فاجتنبه فإنه ~~كفر ". # وتقدير قول من جعل " ما ". [نفيا أن يكون في] الكلام تقديم وتأخير على ~~ترتيب: " واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان، وما كفر سليمان، وما ~~أنزل على الملكين ولكن الشياطين كفروا يعلمان الناس السحر ببابل هاروت ~~وماروت ". # وقيل: يعني بالملكين هنا: جبريل وميكائيل عليهما السلام، لأن سحرة ~~اليهود تزعم أن الله تعالى أنزل السحر على لسان جبريل وميكائيل، فأكذبهم ~~الله بذلك وأخبرهم أن السحر من عمل الشياطين، وأن تعلم الناس ذلك ببابل ~~وأن الذي يعلمه رجلان اسمهما هاروت وماروت. فهو رد على الشياطين. # وقيل: الذي يتعلمه من الناس هاروت وماروت. فهو رد على الناس. # وقال قتادة والزهري عن عبد الله: " كانا ملكين أهبطا إلى الأرض للحكم ~~بين الناس فحاكمت إليهما امرأة فحافا، فأتيا ينهضان إلى السماء فلم ~~[يقدرا، وخيرا] بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا ~~فكانا يعلمان الناس السحر، فأخذ عليهما ألا يعلما أحدا حتى يقولا: { ~~إنما نحن فتنة فلا تكفر }. # وذكر ابن الأعرابي في " الياقوتة " أن معنى " يعلمان ": " ~~يعلمان " مخففا. قال: والعرب تقول: ms0105 " تعلم مني " أي: اعلم. قال: ~~ومعناه: أن الساحر يأتي الملكين فيقول: أخبراني عما نهى الله عنه [فننتهي ~~عنه]، فيقولان: نهى عن الزنا، فيقول: وما الزنا؟ فيصفانه له. ويقولان: ~~نهى عن اللواط ويصفانه. ونهى عن السحر ويصفانه له / لينتهي عنه، فينصرف ~~ويخالف ويكفر. # فالمعنى: وما يعلمان من أحد حتى يقولا: { إنما نحن فتنة ~~[فلا تكفر] } " أي: اختبار من الله فلا تكفر، فتعمل بما ينهاك عن ~~العمل به. # وروي عن ابن عباس في قصة الملكين: " أن الله تعالى أطلع الملائكة على ~~أعمال بني آدم، فقالوا: يا رب هؤلاء بنو آدم الذي خلقته بيدك، و [أسجدت ~~له] ملائكتك، وعلمته أسماء كل شيء يعملون بالخطايا. فقال الرب لهم: أما ~~إنكم لو كنتم مكانهم لعملتم مثل أعمالهم. قالوا: سبحانك، ما كان ينبغي ~~لنا. قال: فأمروا أن يختاروا ملكين ليهبطا إلى الأرض، فاختاروا هاروت ~~وماروت فأهبطا إلى الأرض وأحل لهما كل شيء إلا الشرك والسرقة والزنا وشرب ~~الخمر، وقتل النفس. قال: فما أشهرا حتى عرض لهما بامرأة، قد قسم لها / ~~بنصف الحسن، فلما أبصراها تعرضا لها، قالت: لا، إلا أن تشركا بالله شيئا ~~/، وتشربا الخمر وتقتلا النفس، وتسجدا لهذا الصنم. # قالا: ما كنا لنشرك بالله شيئا. فقال أحدهما للآخر: ارجع إليها. فقالت: ~~لا، إلا أن تشربا الخمر، فشربا حتى ثملا، ودخل عليهما سائل فقتلاه. فلما ~~وقعا فيما وقعا من الشر، أفرج الله لملائكة السماء لينظروا إليهما ~~فقالوا: سبحانك أنت أعلم. فأوحى الله تعالى [إلى سليمان] بن داود أن ~~يخيرهما بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا ". # وروي عن ابن عباس أنه قال: " نزلت الزهرة إليهما في صورة امرأة من أهل ~~فارس، وكانت الملائكة من قبل يستغفرون للذين آمنوا: # ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما # [غافر: 7] فلما وقع الملكان في الخطيئة استغفروا لمن في الأرض ". # وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال: " كانت الزهرة امرأة جميلة من أهل ~~فارس، فلما أراداها قالت: لا، إلا أن تعلماني الكلام الذي إذا تكلم به ~~عرج إلى السماء. فعلماها ms0106 فعرجت إلى السماء، فمسخت كوكبا ". # قال كعب: " والله ما أمسيا في الأرض من يومهما الذي أهبطا فيه حتى ~~استكملا فعل جميع ما نهيا عنه ". # وقال السدي /: " إن هاروت وماروت طعنا في بني آدم وأحكامهم. فقيل لهما: ~~إني أعطيت بني آدم عشرا من الشهوات فيها يعصون. فقالا: لو أعطينا تلك ~~الشهوات ونزلنا لحكمنا بالعدل. فأعطيا ذلك، ونزلا ببابل. فكانا يحكمان ~~إلى المساء، ثم يصعدان، فإذا أصبحا نزلا. فأتتهما امرأة تخاصم زوجها ~~فأعجبهما حسنها [فكلماها في نفسها]، فقالت: لا، حتى تقضيا لي على زوجي، ~~فحكما لها عليه، ووعدتهما قرية خربة فأتياها. فلما أرادا منها الحاجة، ~~قالت: لا، حتى تخبراني بأي كلام تصعدان إلى السماء، وبأي كلام تنزلان، ~~فأخبراها، [فتكلمت فصعدت وأنساها الله] الاسم الذي تنزل به، فبقيت مكانها ~~وجعلها الله تعالى كوكبا وهي الزهرة. فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب ~~الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا ". # وكان ابن عمر يلعن الزهرة. رواه نافع عنه. # وكل هذه الأخبار تدل على أن " ما " في قوله: { ومآ أنزل على ~~الملكين } ليست بنفي. # وروى ابن وهب أن خالد بن أبي عمران ذكر عنده هاروت وماروت أنهما يعلمان ~~السحر، فقال: " ننزههما عن هذا ". فقرأ بعض القوم { ومآ أنزل على ~~الملكين } فقال خالد: لم ينزل / عليهما. وقرأ الحسن " الملكين ~~" بكسر اللام، وقال: " هاروت وماروت علجان من أهل بابل، وكذلك قرأه عبد ~~الرحمن بن أبزى، لكنه قال: " هما داود وسليمان ". # قال السدي: " إذا أتى الملكين أحد يتعلم السحر يقولان له: " لا تكفر ~~إنما نحن فتنة ". فإذا أبى قالا له: " إئت هذا الرماد فبل فيه. # فإذا بال عليه خرج منه نور ساطع فيسطع حتى يدخل السماء، فذلك الإيمان. ~~ثم أقبل شيء أسود كهيئة الدخان حتى يدخل في مسامعه فذلك غضب الله. فإذا ~~أخبرهما بما رأى وبما / فعل علماه ". # / ومعنى { إنما نحن [فتنة] }: أي اختبار وابتلاء. # وروي أن الله جل ذكره أخذ على هاروت وماروت الميثاق ألا [يعلما أحدا] ~~السحر حتى يقولا له: " إنما نحن فتنة فلا تكفر بفعل السحر ". # وهذا يدل على قتل ms0107 الساحر إذا سحر وظفر به من غير استتابة، لأنه شيء ~~يخفيه فلا يعلم بصحة توبته منه لو تاب. # ويقال: إنهم كانا يعلمان من السحر ما يفرق به بين الزوجين خاصة كما ذكر ~~الله. # وقوله: { إلا بإذن الله }. # أي: بعلمه وقضائه لا بأمره لأن الله سبحانه لا يأمر بالفحشاء، فلا تقع ~~الفحشاء من فاعلها، إلا بعلم الله وقضائه وقدره. هذا مذهب أهل السنة ~~والجماعة. وتعليمهم السحر هو فتنة أختبر بها الخلق. # وقيل: هو تعليم إنذار منه وتحذير منه، لا تعليم دعاء له ورغبة في العمل ~~به. # قوله: { إلا بإذن الله }. # أي: بقضائه المتقدم أنهم يفعلونه ويضرون به. # وقيل: معناه بعلم الله. # وقوله: { ولقد علموا }. # قوله: { لمن اشتراه }. # أي: لمن استحبه وقبله وعمل به، ما له في الآخرة من خلاق. # / أي: علمت يهود في التوراة أن من اشترى السحر ما له في الآخرة من خلاق. # أي: من نصيب وحظ. # وقيل: من دين. # وقيل: من قوام. # وقيل: إن (علموا) يراد به الشياطين لأنه لو رد إلى اليهود لكان قوله: { ~~لو كانوا يعلمون } نفى عنهم العلم، وقد أخبر أنهم علموا. # وقيل: علموا هو للملكين لأنهم يقولون: لا تكفر، فقد علموا أنه لا ~~خلاق لمن اشتراه في الآخرة، وثني كما يقال: " الزيدان قاموا ". # وقال الزجاج: " علموا ": هم علماء اليهود ". # وقوله: { لو كانوا يعلمون }. # قيل لهم ذلك لأنهم صاروا في محل من لا علم عنده إذ لم ينتفعوا بعلمهم، ~~فصاروا بمنزلة الجاهل بهذا الأمر، فنفى عنهم العلم بعد أن أخبر أنهم ~~علموا من أجل ذلك. وهذا مشابه لقوله: # صم بكم عمي # [البقرة: 18] لأنهم لما لم ينتفعوا بهذه الأعضاء كانوا بمنزلة من ~~عدمها، فوصفوا بذلك وهم غير صم ولا بكم ولا عمي. # { وشروا } هنا بمعنى باعوا. وتقدير الكلام عند الطبري: وما هم ~~بضارين به من أحد إلا بإذن الله، ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم، ولبئس ما ~~شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون " ، أي: يعلمون أنه يضرهم في الآخرة ~~ولا ينفعهم. يريد به الذين يتعلمون السحر للتفريق بين ms0108 المرء وزوجه. # ثم قال: { ولقد علموا لمن اشتراه }. # يريد به علماء اليهود. # فإيجاب العلم لعلماء اليهود ونفيه هو عن الذين يتعلمونه للتفريق. # وقتل الساحر عند مالك واجب بهذه الآية إذا سحر بنفسه لأنه كفر لقوله ~~تعالى: { فلا تكفر }. والكافر إذا ستر كفره [قتل إلا أن] يأتي قبل ~~أن يعرف به، فيخبر بما كان ستر، فإن توبته تقبل. ومثله الزنديق عند ~~مالك يقتل إذا قدر عليه ولا يستتاب. فإن أظهره قبل أن يظهر عليه ~~استتيب، فإن تاب وإلا قتل. وهو والزنديق سواء. # / والزنديق هو الذي يظهر الإسلام ويسر الكفر، فلا تقبل توبته لأنا لا ~~ندري ما في ضميره، وقد قال تعالى: # فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا # [غافر: 85]. فلا تنفع الساحر، [و] الزنديق توبتهما إذا ظفر بهما، ~~وتنفعهما إذا أتيا قبل أن يقدر عليهما، كما كان هؤلاء تنفعهم توبتهم قبل ~~/ إتيان العذاب، ولا ينفعهم ذلك عند رؤية العذاب. وهو قول عثمان بن عفان، ~~وابن عمر، وحفصة، وجماعة من الصحابة والتابعين. # ولا يقتل ساحر أهل الكتاب عند مالك، ولكن يعاقب إلا أن يقتل بسحره فيقتل ~~أو يحدث حدثا فيؤخذ منه بقدر ذلك. # وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: " لا يقتل ساحر أهل العهد إلا أن يدخل ~~بسحره ضررا لم يعاهد عليه على مسلم ". # وكذلك روى ابن القاسم: قال مالك في المرأة تعقد زوجها عن نفسها أو عن ~~غيرها. قال: " ينكل بها ولا تقتل ". # وقال الشافعي: " لا يقتل الساحر ولكن يسأل عن سحره، فإن كان كفرا / ~~استتيب منه، فإن تاب وإلا قتل، وكان ماله فيئا ". ### || [2.103] # قوله: { ولو أنهم آمنوا واتقوا }. # أي: لو أن الذين [يتعلمون السحر آمنوا أي: بمحمد صلى الله عليه وسلم، ~~وما أنزل الله، { واتقوا } ] أي اتقوا الكفر وعمل السحر - لوجب لهم ~~عند الله الثواب على ذلك. فهو خير لهم لو كانوا يعلمون قدر ذلك. # وقيل: { لو كانوا يعلمون }: أي لو علموا مبلغ ثواب الله / ~~ورضاه ومقدار ذلك. # وقيل: معنى: { لمثوبة }: لرجعة إلى الله خير. # وقيل معنى { لمثوبة ms0109 }: أي: لأثيبوا على ذلك، فاستغني ~~بالمثوبة عن الثواب، لأن المثوبة مصدر يشتمل على الماضي وغيره. " ولو " ~~تحتاج إلى جواب يكون ماضيا، ودلت المثوبة على الماضي. # وقال ابن إسحاق: " معنى { لو كانوا يعلمون } ، أي: يعملون ~~بعلمهم. # وقيل: يعلمون حقيقة الفضل في ذلك. ### || [2.104] # قوله: { لا تقولوا راعنا }. أي: خلافا. # وقيل: معناه أرعنا سمعك، أي: اسمع منا ونسمع منك. # قال الضحاك: " كان الرجل من المشركين يقول: " أرعني سمعك " ". # قال قتادة: " هي كلمة كانت اليهود تقولها على الاستهزاء، فنهى الله ~~المؤمنين أن يقولوا كقولهم ". # وقيل: إنها لغة كانت في الأنصار فنهوا عن قولها تعظيما للنبي صلى الله ~~عليه وسلم وتبجيلا له، لأن معناها: " أرعنا نرعك " ، فكأنهم لا يرعونه ~~حتى يرعاهم، بل يرعى صلى الله عليه وسلم على كل حال. ولا يعرف أهل اللغة: ~~" راعيت " بمعنى " خالفت " كما روى مجاهد. # وقرأ الحسن " راعنا " من " الرعونة " منونا ونصبها على المصدر: كأنه ~~قال: رعونة. وقيل: بالقول انتصبت. # وقرأ الأعمش: " أنظرنا - بقطع الألف وكسر الظاء - أي: أخرنا، وذلك بعيد ~~لأنهم لم يؤمروا بالتأخير /، إنما أمروا بالقرب منه والتلطف في الخطاب. # وقيل: معنى قراءة الأعمش: أمهلنا. # وقوله: { واسمعوا } أي: واستمعوا ما يقال لكم، وعوه. ### || [2.105] # ثم قال: { ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب } ~~الآية. # يعني بها اليهود والنصارى أنهم لا يحبون أن ينزل على المؤمنين خير من ~~الله. # { والله يختص برحمته من يشآء }. # أي: بنبوته ورسالته فيرسلها إلى من يشاء، ويهدي من يشاء. ### || [2.106-107] # قوله: { ما ننسخ من آية }. # أي: من حكم آية، قرأ ابن عامر: ما ننسخ - بضم النون الأولى وكسر ~~السين، بمعنى: " ننسخك ". # قال أبو غانم: " يقال: نسخته وأنسخته مثل قبرته وأقبرته، [فقبرته دفنته، ~~وأقبرته جعلت له] قبرا ". # قوله: { أو ننسها }. # من ضم / النون الأولى وكسر السين، فمعناه: نتركها لا نبدلها. وهو ~~مروي عن ابن عباس على معنى: نأمرك بتركها. # ويلزم على هذا المعنى فتح النون ليصح معنى الترك إذ هو غير معروف في ~~اللغة: أنسيت الشيء تركته، إنما يقال: " نسيت " ، كما قال # نسوا الله ms0110 فنسيهم # [التوبة: 67]، أي: تركوه فتركهم. / وهذا إنما يصح على قراءة من قرأ " ~~ننسها " بالفتح. # والصواب في معنى: " ننسها " بضم النون أن يكون من النسيان على معنى: ~~" ننسكها " يا محمد فتذهب من حفظك ". # وعن ابن عباس أن في الآية: [تقديما وتأخيرا]، والتقدير: ما نبدل من ~~حكم آية نأت بخير منها أي بأنفع منها لكم أو مثلها. # ثم قال: { أو ننسها } أي نؤخرها فلا ننسخها ولا نبدلها. # وقيل: معناه: نأمرك بتركها كأنه: " أو ننسكها " ، أي: نجعلك تتركها. # وقيل: معناه: ننسكها من النسيان أي: نزيل ذكرها من قلبك فلا تذكرها. # والفرق بين إباحة الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم النسخ، وبين ~~إباحته الترك، أن النسخ أن تنسخ آية / بآية أخرى كنسخ قوله: # فمن شهد منكم الشهر فليصمه # [البقرة: 185] لقوله: # وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين # [البقرة: 184]. والترك هو ترك الآية من غير آية تنسخها كإباحة الله / ~~للمؤمنين ترك امتحان من أتاهم بعد أن قال: # فامتحنوهن # [الممتحنة: 10]. # فأما قراءة من قرأ " ننسأها " بالهمز، فمعناه أو نؤخرها فلا ننزلها ~~البتة. # وقيل: معناه نؤخرها بعد إنزالها وتلاوتها فلا تتلى. # وقيل: معناه نؤخر العمل بها [وننسخه ويبقى لفظه متلوا غير معمول] به. ~~ولكل واحد من هذه المعاني أمثلة في كتاب الله عز وجل قد بيناها في كتاب: ~~" الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ". # فالنسخ يكون فيما نزل، والنسء فيما لم ينزل فيؤخر. يقال: " نسأ ~~الله في أجلك وأنسأ " أي: أخر فيه. # وقيل: معنى هذا القول: ما ننسخ من آية من اللوح المحفوظ فننزلها على ~~محمد صلى الله عليه وسلم " أو ننسأها " أي نؤخرها في اللوح فلا ننزلها، ~~فالمنسوخ جميع القرآن، والمنسوء ما أخر، فلم ينزل هذا على هذا التأويل. # وفيها قول ثان: وهو أن يكون معناه: { ما ننسخ من آية } أي: ~~نرفعها، " أو ننسأها ": أي نؤخرها فلا نرفعها. # وفيها قول ثالث: وهو أن يكون " ننسأها " [معناه نؤخرها عن] التلاوة ~~ويبقى الحكم بها نحو آية الرجم. # وفيها قول رابع: وهو أن يكون " ننسأها " معناه نؤخره إلى وقت ما، نحو ms0111 ما ~~روي في قوله، # عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا ~~اهتديتم # [المائدة: 105]. # وقرأ الضحاك بن مزاحم " أو تنسها " - بالتاء مضمومة وفتح السين - على ~~ما لم يسم فاعله، أي: " ينسكها الله أو الشيطان " بدلالة قوله: # وإما ينسينك الشيطن # [الأنعام: 68]. # / وقوله: { نأت بخير منها }. # معناه عند أبي إسحاق وقطرب: / " نأت منها بخير " وهو غلط عند النحويين. ~~لأن من حقها أن تكون بعد " أفعل " لا قبله " وخير " أفعل فإن جعلت " خيرا ~~" فعلا الذي هو ضد الشر، ولم تجعله أفعل، جاز ذلك. # وقيل: المعنى: نأت بخير منها لكم، إما في تخفيف وإما في زيادة أجر في ~~الآخرة. # وقيل: معنى { نأت بخير منها } أي: بأنفع لكم منها في زيادة ~~الأجر إذا صح من الأصل إذا [عملتم بها]. # وقوله: { أو مثلها }. # أي: مثلها في الآخرة، لكنها أحب إليكم من المنسوخة نحو نسخ القبلة إلى ~~بيت المقدس، نسخت بالتوجه إلى الكعبة فهي مثلها، وهو أحب إليهم من بيت ~~المقدس فلذلك قال: # فلنولينك قبلة ترضاها # [البقرة: 144]. فنسخت القبلة بمثلها، والناسخة أحب إليهم من المنسوخة. # وقيل: المعنى نأت بأنفع لكم منها في الوقت الثاني، وأصلح لحالكم في ~~النفع وصلاح الحال. # وقال السدي وغيره: " { نأت بخير منها } أي: من التي نسخنا، { ~~أو مثلها }: أي: مثل التي تركنا فلم ننزلها ". # وقيل: بخير من هذه أو هذه. # ولا يجوز لذي علم ودين أن يتأول بهذا النص تفضيل بعض القرآن على بعض لأن ~~القرآن كلام الله جل ذكره / ليس بمخلوق وإنما يقع التفضيل بين المخلوقات ~~فاعلمه. # قوله: { ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير } ~~{ ألم تعلم أن الله له ملك السموت والأرض ~~}. # معناه أن النبي [عليه السلام] قد كان عالما بذلك فضلا من الله عليه، ~~فخرج هذا الكلام مخرج التقرير على عادة العرب. تقول العرب للرجل: " ألم ~~أكرمك، ألم أفضل عليك " يخبره بذلك، وينبهه عليه، وهو عالم به. ومعناه: ~~قد علمت ذلك، فكذلك هذا. # ومعناه: قد علمت يا محمد أن الله على كل شيء قدير وعلمت أن الله له ملك ~~السماوات ms0112 والأرض. # وقال الطبري: " حرف الاستفهام في هذا داخل لمعنى الاستثبات والتنبيه ~~لأصحاب النبي [عليه السلام] الذين قيل لهم: لا تقولوا راعنا. ويدل على ~~صحة ذلك قوله بعد ذلك: { وما لكم من دون الله } ، فأتى بلفظ ~~/ الجماعة. # وقد قال تعالى: # يأيها النبي # [الطلاق: 1]، ثم قال: # إذا طلقتم النسآء # [الطلاق: 1]. وقال: # يأيها النبي اتق الله # [الأحزاب: 1]. ثم قال: # إن الله كان عليما حكيما # [الأحزاب: 1]. # ومعنى ذلك: " ألم تعلموا أن الله قادر على تعويض ما ينسخ من أحكامه ~~وفرائضه للتخفيف عليكم أو لزيادة أجر لكم ". وهذا كله إنما هو تنبيه ~~لليهود على أن أحكام التوراة جائز أن [تنسخ على يدي] نبي، أو بكتاب آخر ~~لأنهم أنكروا ما أتى به صلى الله عليه وسلم مما ليس في التوراة، فنبهوا ~~على أن التوراة يجوز نسخها على لسان نبي / غير موسى كما كانت التوراة ~~ناسخة لما تقدمها من الكتب. ومعنى " ينسخ بعض كتب الله بعضا ": أنه ~~إنما ينسخ بعضها بعضا في الشرائع لا غير، كما قال: # لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا # [المائدة: 48]. فالدين في الكتب كلها واحد وهو التوحيد، وهو دين ~~الإسلام. والشرائع / مختلفة يتعبد / الله جل ذكره أهل كل كتاب بما شاء ~~وبما أراد لا معقب لحكمه لا إله إلا هو. ### || [2.108] # قوله: { أم تريدون أن تسألوا رسولكم }. # " أم " تقع منقطعة بعد الخبر والاستفهام تقول: " جاءني زيد " ثم تقول: " ~~أم جاءني عمرو " ، وتقول: " هل عندك زيد أم [عندك عمرو]، " و - أزيد عندك ~~أم لا؟ " كأنه في هذا كله أدركه الشك، بعد أن مضى صدر الكلام فاستدرك ب ~~" أم ". # وتكون " أم " عاطفة بعد الاستفهام خاصة، تدل على ثبوت أحد الشيئين غير ~~معين وعن عينه يسأل بها. فهي بمنزلة أيهما عندك " فتسأل عن العين بعد أن ~~يستقر عندك أن ثم شخصا ولا تدري من هو، ولا يكون الجواب إلا بالعين. ~~يقول المجيب: " قلان أو فلان " ولا يجوز أن يقول: " لا، ولا نعم. وإنما ~~لا ونعم جواب. أو إذا قلت: " أذا عندك أو ذا؟ ". وتقول " سواء علي أقمت ms0113 ~~أم قعدت " ، فبالتسوية أجريته مجرى الاستفهام لأنك سويت الأمرين في علمك، ~~كما استوى علمك في قولك: " أزيد عندك أم عمرو؟ ". # فالتسوية تجري هذا على حروف الاستفهام، كما أجرى الاختصاص ما ليس ~~بمنادى على حروف النداء. # قال بعض النحويين في { أم تريدون }: " معناه: أتريدون ". # وقيل: هي منقطعة مما قبلها بمنزلة قول العرب: " إنها لإبل أم شاء ". ~~وهذا القول بعيد لأنه لا يصح في أكثر كلام العرب إلا على حدوث شك دخل ~~المتكلم، وذلك لا يليق بالقرآن. # وقيل: إنها مردودة على الاستفهام الذي قبلها وهو { ألم تعلم ~~أن الله على كل شيء قدير } لأنه بمعنى: " ألم تعلموا " ~~، ثم قال: { أم تريدون }. # قوله: { كما سئل موسى من قبل }. # قال ابن عباس: " [أتى رجلان من] اليهود إلى النبي [عليه السلام] فقالا ~~له: إئتنا بكتاب نقرأه، وفجر لنا أنهارا نتبعك. فأنزل الله عز وجل: { ~~أم تريدون أن تسألوا رسولكم } الآية. # ومعنى { سئل موسى } ، هو قولهم: { أرنا الله جهرة }. # وقال مجاهد: " سألت قريش [النبي عليه السلام] أن يجعل لهم الصفا ذهبا، ~~فقال: نعم، هو لكم كالمائدة لبني إسرائيل. فأبوا ورجعوا، فأنزل الله ~~تعالى: { أم تريدون } الآية ". # وقال أبو العالية: # " جاء رجل إلى النبي / [عليه السلام] فقال: لو كانت كفاراتنا كفارات بني ~~إسرائيل. فقال النبي [ عليه السلام لا نبغيها]: ما أعطاكم الله ~~خير مما أعطى بني إسرائيل؛ كانت بنو إسرائيل ~~إذا أصاب أحدهم الخطيئة وجدها مكتوبة على ~~بابه وكفارتها، فإن كفرها كانت له خزيا في ~~الدنيا. وإن لم يفعل، كانت له خزيا في الآخرة. ~~فقد أعطاكم الله خيرا مما أعطى بني إسرائيل قال: ~~{ ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر ~~الله يجد الله غفورا رحيما } و " الصلوات الخمس ~~والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن ". و " ~~من هم بحسنة ولم يعملها كتبت [له حسنة، ~~فإن] عملها كتبت له عشر أمثالها " # ثم أنزل الله بعقب ذلك: { أم تريدون } / الآية. # قوله: { ومن يتبدل الكفر بالإيمان }. # / قال أبو العالية: " الشدة بالرخاء ". # وقيل: الجحود بالإيمان، وهو أولى. # قوله: { فقد ضل سوآء ms0114 السبيل }. # أي: ذهب عنه وزاغ. # والسواء هنا قصده ومنهجه. وأصل السواء الوسط. ### || [2.109] # قوله: { ود كثير من أهل الكتاب }. # قيل: " كثير " هنا واحد، وهو كعب بن الأشرف /. قاله الزهري. # وقيل: هما ابنا أخطب. قاله ابن عباس. # وقيل: هو عام في أكثرهم. # وفي الآية تقديم وتأخير، معناها: " ود كثير من أهل الكتاب ~~من عند أنفسهم لو يردونكم من بعد إيمانكم ~~كفارا حسدا ". # ومعنى: { من عند أنفسهم } أي: لم يؤمروا به، ولا وجدوه في ~~كتاب إنما اخترقوه واخترعوه من قبل أنفسهم. # { من بعد ما تبين لهم الحق } أي: من بعد ما ظهر لهم ~~أمر محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة [وصفته وعلاماته] فكفروا به ~~وأحبوا أن تكفروا معهم به بعد إيمانكم حسدا وبغيا. # ثم قال: { فاعفوا واصفحوا }. # أمر الله عز وجل المؤمنين بالعفو عنهم إلى وقت يأتي فيه أمر الله تعالى ~~بترك العفو. فالآية منسوخة بالأمر بقتالهم وقتلهم وهو قوله: # فاقتلوا المشركين # [التوبة: 5] وقوله: # قاتلوا الذين لا يؤمنون # [التوبة: 29] الآيتان. # وقوله: # واقتلوهم # [البقرة: 191]. ### || [2.110] # وقوله: { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة }. # إقامة الصلاة هو أداؤها بفروضها لوقتها وهي الخمس الصلوات المفروضة. # قال أنس بن مالك: # " فرضت الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء خمسين، ثم ~~نقصت حتى جعلت خمسا تخفيفا من الله، ثم نودي يا محمد: إنه لا ~~يبدل القول لدي، وإن لك بهذه الخمس خمسين ". # ويجمع أوقاتها قوله: # فسبحان الله حين تمسون # / [الروم: 17]. يريد المغرب والعشاء الآخر / # وحين تصبحون # [الروم: 17] يريد الصبح. # وحين تظهرون # [الروم: 18]. يريد الظهر # وعشيا # [الروم: 18]. العصر. فأما قوله تعالى: # أقم الصلاة لدلوك الشمس # [الإسراء: 78]. فقال علي بن أبي طالب " دلوكها غروبها ". وهو قول ابن ~~مسعود. # وروي عن ابن عباس: " دلوكها زوالها ". وقاله ابن عمر وأبو هريرة. # وقرآن الفجر # [الإسراء: 78] صلاة الصبح. # وقال قتادة: " # وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس # [طه: 130]: هي صلاة الفجر # وقبل غروبها # [طه: 130] صلاة العصر. # ومن آنآء الليل # [طه: 130] صلاة المغرب والعشاء الآخرة. # وأجمع أهل العلم على أن أول وقت الظهر الزوال. # وقال ms0115 مالك: " آخر وقتها أن يصير ظل كل شيء مثله بعد الزوال ". # وبه قال الثوري والشافعي وأبو ثور. # وقال عطاء: " لا تفريط في الظهر حتى تصفر الشمس ". # وقال طاوس: " لا تفوت حتى الليل ". # وقال النعمان: " آخر وقتها ما لم يصر الظل قامتين " وأول وقت العصر إذا ~~صار ظل كل شيء مثله ". هذا قول مالك والثوري والشافعي وإسحاق وأحمد بن ~~حنبل وأبي / ثور. # وقال النعمان: " أول وقت العصر أن يصير الظل قامتين بعد الزوال، ولا ~~تجزئ الصلاة قبل ذلك ". # وآخر وقتها أن يصير ظلك مثليه. # وقال أحمد وأبو ثور: " آخر وقتها ما لم تصفر الشمس على وجه الأرض ". # وقال إسحاق: " آخر وقتها أن يصلي منها ركعة قبل غروب الشمس لقول النبي ~~عليه السلام # " من أدرك من العصر ركعة قبل غروب الشمس، ~~فقد أدركها ". # وهذا عند الشافعي وغيره إنما هو لأهل العذر. # وروي عن ابن عباس: " أن آخر وقتها غروب الشمس ". " ووقت المغرب غروب ~~الشمس وقتا واحدا " ، وهو قول مالك والشافعي والأوزاعي. # وقال الثوري وأحمد وإسحاق: " وقتها إلى أن يغيب الشفق ". # ووقت العشاء مغيب الشفق. وهو الحمرة في قول ابن عمر وابن عباس ومالك ~~وسفيان وابن أبي ليلى والشافعي. # وروي عن أبي هريرة " أنه البياض " ، وهو قول زفر. وآخر وقتها عند النخعي ~~ربع الليل. # وروي عن عمر رضي الله عنه وأبي هريرة، وعمر بن عبد العزيز " إلى ثلث ~~الليل " وهو قول مالك. وقال الثوري وابن المبارك وإسحاق " إلى نصف الليل ~~". وروي ذلك عن عمر أيضا. ووقت صلاة الصبح انصداع الفجر إلى طلوع الشمس، ~~ووقت الجمعة بعد الزوال، ومن صلى الجمعة قبل الزوال لم تجزه عند الجميع ~~إلا أحمد بن حنبل فإنه أجازه قبل الزوال. # ومعنى قولهم في التشهد: " التحيات " ، قال أبو عبيد " التحيات الملك، ~~والصلوات هي الصلوات الخمس لله، والطيبات هي الأعمال الزكيات لله ". ### || [2.111] # قوله: { وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا ~~أو نصارى }. # معناه / قالت اليهود ذلك، وقالت النصارى ذلك، فأخبرنا الله أن ذلك هما ~~يتمنون، فقيل لهم: هاتوا برهانكم ms0116 على ذلك، أي حجتكم وبينتكم إن كنتم ~~صادقين. وقد [أكذب الله تمنيهم وقولهم] ذلك بقوله: # فتمنوا الموت إن كنتم صادقين # [البقرة: 94]، إي إن كنتم من أهل الجنة كما زعمتم، فتمنوا الموت لأنكم ~~تنتقلون إلى ما هو خير لكم. فلما / لم يفعلوا علم أن قولهم / ذلك شيء لا ~~حقيقة له وكذب وبهتان. ### || [2.112] # ثم قال: { بلى من أسلم وجهه لله }. أي: أخلص عمله ونيته ~~بالطاعة والإيمان. وخص الوجه بالذكر دون سائر الأعضاء لأنه أشرف أعضاء ~~بني آدم وأعظمها حرمة. فإذا خضع وجهه الذي هو أكرم الأعضاء كان ما ~~سواه أحرى أن يخضع. ### || [2.113] # قوله: { وقالت اليهود ليست النصارى على شيء }. ~~نزلت في قوم من أهل الكتابين تخاصموا عند النبي [عليه السلام] فكفر بعضهم ~~بعضا، فأخبرنا الله أنه قد فعل هذا من كان قبلهم ممن لا يعلم، وأنهم ~~فعلوا ذلك وهم يجدون في كتبهم كذبهم فيما يقولون لأن كتب الله تعالى يصدق ~~بعضها بعضا، فلذلك قال تعالى: { وهم يتلون الكتاب }. فهؤلاء ~~قالوه وهم يعلمون أنهم كاذبون لأن في كتاب كل واحد منهم الأمر بالإيمان ~~بالآخر وبمن جاء به. و { الذين لا يعلمون } أمم كانت قبلهم. # وقيل: عني بذلك الجاهلية في العرب، قالوا: ليس محمد على شيء. # وقيل: قالوا: ليست اليهود على شيء ولا النصارى على شيء. # وقيل: إنهم قالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان على ديننا. فالذين من قبلهم ~~قالوه وهم غير عالمين، وهؤلاء / قالوا عن علم لأن ما قالوا كذب. # ومعنى قولهم: { ليست النصارى على شيء } ، { ليست ~~اليهود على شيء }: إنما أرادوا أنهم ليسوا على شيء [مذ دانوا]، ~~ولم يريدوا ليسوا على شيء الساعة لأنهم لو أرادوا ذلك لكانوا صادقين في ~~قولهم، إذ كل فريق منهم قد جحد / نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وهو يعلم ~~أنه نبي ويجده في كتابه، فهو في ذلك الوقت ليس على شيء لأن من جحد آية من ~~كتاب الله فقد جحده كله. فإنما أراد: قال كل فريق منهم: ليس هؤلاء على ~~شيء منذ دانوا، ms0117 ومنذ أنزل عليهم الكتاب [لا أنهم] أرادوا في الوقت الذي ~~وقع فيه التنازع خاصة لأن ذلك لو كان لكانوا صادقين فيما قالوا، ولأنهم ~~لو أرادوا ذلك لكفر كل واحد نفسه على لسانه، لأن جميعهم جاحد لنبوة محمد ~~صلى الله عليه وسلم، فإذا قال فريق: ليس هؤلاء على شيء، واعتقادهم / واحد ~~في محمد صلى الله عليه وسلم. فكأنه قال: ليس نحن على شيء. إلى هذا يؤول ~~الكلام لو حمل على أنهم أرادوا الوقت الذي تخاصموا فيه، وإنما أرادوا من ~~تقدم قبل محمد [صلى الله عليه وسلم] فأكذبهم الله عز وجل لأن أوائلهم قد ~~كانوا على شيء. ولو أرادوا الزمان الذي بعث فيه محمد صلى الله عليه وسلم ~~لم يكذبهم الله في ذلك لأنهم كانوا على غير شيء إذ جحدوا ما عرفوا وبدلوا ~~وغيروا وأنكروا ما في كتابهم، وجعل الله تعالى هذه الآية تحذيرا لئلا ~~يختلف في القرآن، لأن اختلافهم أخرجهم إلى الكفر، فحذر المسلمون من ~~ذلك. # قوله: { فالله يحكم بينهم }: أي: يفصل. # وقيل: معناه يريهم من يدخل الجنة عيانا، ومن يدخل النار عيانا. # وسميت الآخرة القيامة لأن فيها يقوم الخلق كلهم من قبورهم. ### || [2.114] # قوله: { ومن أظلم ممن منع مساجد الله } الآية. # عني بذلك النصارى منعوا الناس من بيت المقدس وكانوا يطرحون فيه الأوساخ ~~قاله ابن عباس وغيره. # وقال قتادة: " حمل بغض النصارى لليهود أن أعانوا عدو الله بختنصر ~~المجوسي البابلي على تخريب بيت المقدس ". # وقال السدي: " أعانت الروم بختنصر على خراب بيت المقدس عداوة منهم ~~لليهود إذ قتلوا يحيى بن زكريا ". # وقال ابن زيد " عني بذلك مشركي العرب إذ منعوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من المسجد الحرام يوم الحديبية حتى نحر هديه بذي طوى وهادنهم. ~~وكانوا قد قالوا له: لا تدخل علينا وقد قتلت أباءنا يوم بدر، [ومنا طارف ~~يطرف] وقد كان الرجل يلقى قاتل أبيه وأخيه فلا يصده عن البيت فصد ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن البيت ". # وقوله: { أن يدخلوهآ إلا خآئفين }. # قال قتادة: " هم اليوم ms0118 لا يوجد أحد منهم في بيت المقدس إلا عوقب ". # وقال السدي: " لا يدخل رومي بيت المقدس إلا خائف أن تضرب عنقه مع أنهم / ~~أخيفوا بأداء الجزية ". # وقال ابن زيد: # " معناه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نادى: ألا يحج بعد ~~العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، فخاف المشركون ~~وانتهوا ". # ومعنى { وسعى في خرابهآ } أي: في هدمها ونقضها. # وقيل: هو خلاؤها أي: المنع من ذكر الله فيها من الصلاة وذكر الله فيها. # وقال / ابن زيد: " هو منع المشركين المسلمين من الحج والعمرة ". # والخزي أخذ الجزية منهم وهم صاغرون، أي: من اليهود والنصارى. # وقال السدي: " الخزي هو قتل الروم عند قيام المهدي وفتح القسطنطينية ~~ورومية ". ### || [2.115] # قوله: { ولله المشرق والمغرب }. # معناه: إن له / ما بين مشرقها / كل يوم، ومغربها كل يوم، وإنما خص ~~الله تعالى ذكره ذا أنه له وإن كان كل الأشياء له لأنه نزل في أمر معين، ~~وذلك أن اليهود كانت تصلي نحو بيت المقدس، وصلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~معهم إليها ستة عشر شهرا، ثم رجع إلى الكعبة. فاستعظم اليهود ذلك، ~~وقالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ فقال الله جل ذكره لنبيه ~~صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد، لله المشرق والمغرب يصرف من يشاء إلى ~~أين يشاء، فحيثما تولوا فثم وجه الله. فهذا أول ناسخ في القرآن لأنه نسخ ~~التوجه إلى بيت المقدس. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي إلى بيت ~~المقدس بأمر من الله تعالى، وكان يحب قبلة إبراهيم [عليه السلام]، وكان ~~يدعو أو ينظر إلى السماء فأنزل الله: # قد نرى تقلب وجهك في السمآء فلنولينك ~~قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام # [البقرة: 144] فارتابت اليهود من ذلك فأنزل الله عز وجل: { ولله ~~المشرق والمغرب } الآية. # وقال قتادة: " هذا منسوخ، وذلك أن الله تعالى أباح لهم أولا التوجه حيث ~~شاءوا، وأخبرهم أنه أينما تولوا وجوهكم فثم وجه الله، لأن له المشارق ~~والمغارب، ثم نسخ ذلك بقوله: { فول وجهك شطر المسجد ~~الحرام }. # وقال ms0119 ابن زيد: " لما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم { ولله ~~المشرق والمغرب } وأباح له التوجه أين شاء. قال: هؤلاء يهود ~~يستقبلون بيتا من بيوت الله، فاستقبله النبي صلى الله عليه وسلم معهم ~~فبلغه أنهم قالوا: ما درى محمد ولا أصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم. فكره ~~ذلك النبي / صلى الله عليه وسلم ورفع وجهه إلى السماء فأنزل الله { قد ~~نرى تقلب وجهك في السمآء } الآية، فاستقبل الكعبة ". # وقال ابن عمر: " الآية نزلت في التطوع، وكان يصلي حيثما توجهت به ~~الراحلة ويقول: { فأينما تولوا فثم وجه الله } ". # وقيل: " نزلت في قوم عميت عليهم القبلة، فصلوا إلى جهات مختلفة، فأعلموا ~~أن صلاتهم ماضية ". # وروى عامر بن ربيعة عن أبيه أنه قال: " كنا مع رسول الله [صلى الله عليه ~~وسلم] في سفر فتغيمت السماء وأشكلت علينا القبلة. قال: فصلينا ~~وعلمنا، فلما طلعت الشمس، إذا نحن صلينا لغير القبلة، وذكرنا ذلك ~~لرسول الله [صلى الله عليه وسلم]، فأنزل الله هذه الآية: { فأينما ~~تولوا فثم وجه الله } ". # وقيل: إنها نزلت في أمر النجاشي؛ قال قتادة: قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم لأصحابه: # " إن أخاكم النجاشي قد مات، فصلوا عليه. ~~فقالوا: نصلي على رجل ليس بمسلم. فأنزل الله عز ~~وجل: { وإن من أهل الكتب لمن يؤمن بالله ومآ ~~أنزل إليكم }. فقالوا: وإنه كان لا يصلي إلى القبلة فأنزل الله { ~~ولله المشرق والمغرب } الآية " # /. وقد أفردنا كتابا للناسخ والمنسوخ مبسوطا / بأشبع من هذا. # ومعنى: { وجه الله }. أي جهته التي أمرتم باستقبالها. # وقيل: معناه فثم قبلة الله. # وقيل: معناه: فثم الله جل ذكره. # وقوله: { فأينما تولوا }. أي: تستقبلوا بوجوهكم. # وقيل: معناه: تستدبروا من " وليت عنه ". وهو قول غريب. # وقوله: { واسع } أي واسع الرحمة، { عليم } بكم / وبما في قلب ~~النجاشي من الإيمان. ### || [2.116] # ثم قال: { وقالوا اتخذ الله ولدا }. # أي: وقال الذين منعوا الذكر في مساجد الله وسعوا في خرابها: اتخذ الله ~~ولدا. # { سبحنه }: أي: براءة له من ذلك وتنزيها له. # قال أبو إسحاق: " يريد به النصارى واليهود والمشركين ms0120 من العرب، لأنهم ~~قالوا: الملائكة بنات الله، وقالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: ~~المسيح ابن الله ". # وروي عن ابن عباس # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى: كذبني ~~ابن آدم ولم يكن له ذلك. وشتمني ولم يكن له ~~ذلك. أما تكذيبه إياي فيزعم أني لا أقدر أن ~~أعيده كما كان. وأما شتمه إياي فقوله لي ~~ولد، [فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو] ولدا ". # قوله: { كل له قانتون }. أي: مطيعون. # وقيل: مطيعون يوم القيامة. # وقيل: مقرون بالعبودية. # وقال الفراء: " هو خصوص يراد به أهل الطاعة ". # وأصل القنوت في اللغة الطاعة، والقنوت القيام الطويل. # وقال الحسن: " يعني اليهود والنصارى ومشركي العرب؛ كل [له قائم] ~~بالشهادة بأنه عبد له ". # قال يحيى: " إنما خص الحسن اليهود والنصارى ومشركي العرب، لأنهم هم ~~الذين كانوا بحضرة النبي [عليه السلام] يومئذ ". # وقال في آية أخرى: # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله # [الزخرف: 87]. من تفسير ابن سلام. قوله: # بديع السموت والأرض # [البقرة: 117]. # أنى يكون له ولد # [الأنعام: 101]. # أي: كيف يكون له ولد وهو خلق السماوات والأرض بمن فيهما وابتدعهما من ~~غير مثال. # والمبدع المخترع للشيء، وبديع /: بمعنى مبدع. ### || [2.117] # ثم قال: { وإذا قضى أمرا }. # أي: إذا حتم أمرا، أو أحكم أمرا. ومنه قيل للقاضي: حاكم، لأن أصل كل ~~قضاء الإحكام له، والفراغ منه. # قوله: { فإنما يقول له كن فيكون }. # زعم [قوم أن] هذا مخصوص في إحياء الميت ومسخ الكافر ونحوه لأن الأمر لا ~~يكون إلا لموجود ولا يكون لمعدوم. وهذا قول مرغوب عنه. # ومعنى الآية: أنه تعالى عالم بالأشياء التي ستكون وكانت فقوله لها: " كن ~~" إنما هو قول لموجود في علمه ليخرجه إلى العيان لنا. # وقد قيل: إن المعنى: فإنما يقول من أجله كن. ف " له " بمعنى من أجله. ~~وهذا أيضا قول لا يمتنع وهو عام، لا يقتضي الأمر لموجود، لأن القول من ~~أجله وقع لا له. # وقال الطبري: " أمره للشيء " يكن " ، لا يتقدم الموجود ولا يتأخر عن ~~الموجود، بل هو في حال يكون ذلك، ms0121 فلا يكون الشيء مأمورا بالوجود إلا وهو ~~موجود بالأمر. ولا موجود إلا وهو مأمور بالوجود ". # قال: " ونظير ذلك قيام الأموات من قبورهم لا يتقدم / دعاء الله عز وجل ~~ولا يتأخر عنه، وقد قال تعالى: # ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذآ أنتم ~~تخرجون # [الروم: 25]. فمعنى الآية أن الله مبدع الأشياء ومالكها، قد ابتدع ~~المسيح صلى الله عليه وسلم وأنشأه إذ أراد خلقه من غير ذكر ". # والهاء في " له " تعود على الأمر، و " له " بمعنى من أجله. # وقيل: تعود على القضاء الذي دل عليه " قضى ". # / وقيل تعود على المراد الذي عليه الكلام. ### || [2.118] # قوله: { وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا ~~الله } الآية. # قال مجاهد: " عني بذلك النصارى ". # / وعن ابن عباس قال: " قال رافع [بن حريملة] من اليهود لرسول الله صلى ~~الله عليه سلم: إن كنت رسولا من عند الله، فقل لله يكلمنا حتى نسمع ~~كلامه، فأنزل الله تعالى: { وقال الذين لا يعلمون لولا ~~يكلمنا الله } ، أي: هلا يكلمنا. # وقال السدي والربيع وقتادة: " هم مشركو العرب، قالوا ذلك ". # قال مجاهد: " الذين من قبلهم هم اليهود لأنهم سألوا موسى صلى الله عليه ~~وسلم مثل ذلك من كلام الله ورؤيته سبحانه، فدل على أنهم النصارى ". # وهو اختيار الطبري أن يكون الذين عنوا بالآية هم النصارى. # وقال قتادة: " الذين من قبلهم اليهود والنصارى ". # فعلى هذا يكون الذين عنوا بالآية مشركي العرب، وعلى هذا الاختيار يقع ~~الاختلاف في { تشابهت قلوبهم }. # قيل: هم اليهود والنصارى. # وقيل: هم العرب واليهود والنصارى. # وقيل: { الذين لا يعلمون } و { الذين من قبلهم }: ~~هم قوم نوح وعاد وثمود وفرعون وجميع الأمم الماضية المكذبة الكافرة. ### || [2.119] # قوله: { ولا تسأل عن أصحاب الجحيم }. # معناه التعظيم لما هم فيه كما تقول: " لا تسال عن فلان " أي قد بلغ فوق ~~ما تظن. # وقيل: هو نهي نهى الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم عن ذلك لما روي ~~أن النبي [صلى الله عليه وسلم]. قال: # " ليت شعري ما فعل أبواي " # ، فأنزل الله عز وجل، { ولا تسأل ms0122 عن أصحاب الجحيم } / ~~فما سأل عنهم [صلى الله عليه وسلم] حتى مات. # ومن قرأ بالرفع، فهو في موضع الحال، تقديره: { إنا أرسلناك ~~بالحق بشيرا ونذيرا } وغير مسؤول عن أصحاب الجحيم ". # وقيل: هو نفي، ولا " بمعنى " ليس كأنه قال: " ولست تسأل " كأنه أخبره ~~أنه لا يسأل عن ذلك. # واختار جماعة الرفع لأن الكلام المتقدم يدل عليه، لأنه تعالى قال بعد ~~الذكر اليهود والنصارى وما صنعوا: # { إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا }. # أي: بشيرا لمن اتبعك، ونذيرا لمن كفر بك، " غير مسؤول عمن كفر بك. ولم ~~يجر ما يوجب النهي. فجري الكلام على أوله أولى من جريه على خبر آحاد ~~يقطعه مما قبله لأن أوله قد ثبت نصه وصحته، وخبر الآحاد لا يحكم على / ~~صحة مغيبه. فرده على ما يقطع على صحته في الغيب أولى. ومع ذلك فقراءة ~~أبي وعبد الله تشهدان للرفع، لأن قراءة أبي، " وما تسأل " ، وقراءة ~~عبد الله: " ولن تسأل " وذلك يشهد أن الرفع بمعنى النفي. # وقال المحتج للجزم: إن الجزم إذا حمل على التعظيم لأمر من تقدم كان ~~مردودا على ما قبله فيصير مثل الرفع، ويزيد الجزم مزية، وهو أن يحمل على ~~الخبر. فالجزم محتمل لمعنى الرفع وزيادة. ### || [2.120] # قوله: { ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى } الآية. # دعت كل فرقة منهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما هم عليه فأخبر الله ~~تعالى أنهم لا يرضون عنه إلا أن يتبع ملتهم. # ثم قال له: { قل إن هدى الله هو الهدى ولئن ~~اتبعت أهوآءهم }. # هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم يراد به أمته. # وقيل: / إنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم الهدنة. وطمعوه أن يتبعوه ~~/ إن هادنهم وأمهلهم، فأنزل الله عز وجل: { ولئن اتبعت ~~أهوآءهم } الآية. ### || [2.121] # قوله: { الذين آتيناهم الكتب يتلونه }. # قال ابن مسعود: " ومعنى { حق تلاوته } ، أي: يحل حلاله ويحرم ~~حرامه، ويضعه على مواضعه. فمن قرأ منه شيئا كان له بكل حرف عشر حسنات ". # وعني بذلك من آمن بالنبي [عليه السلام]، فيكون " يتلون " الخبر. وإن شئت ~~" أولئك ms0123 " الخبر، و " يتلون " حال. # وقيل: عني بذلك من آمن بالنبي [عليه السلام] من بني إسرائيل والنصارى، ~~فيكون " يتلون " الخبر، وهو اختيار الطبري. فيكون مردودا على ما قبله من ~~ذكرهم ولم يجر لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ذكر فيرد إليهم، ولآلهم ~~ذكر بعدها، فتجعل الآية مبتدأة فيهم، ولا جاء أثر بأن ذلك فيهم. فردها ~~إلى ما قبلها أولى وهو ذكر بني إسرائيل والنصارى. # وأجاز ابن كيسان أن يكون: { يتلونه حق تلاوته } خبرا عن " ~~الذين " على أن يكون " الذين " يراد بهم المرسلون والأنبياء صلوات الله ~~عليهم. وأجاز أن يراد " بالذين " العاملون بالكتاب خاصة منهم؛ فيكون " ~~يتلون " الخبر أيضا. ويجوز وجوه أخرى أيضا. # وروي أنها مخصصة نزلت في أربعين رجلا من أهل نجران بعضهم، ومن الحبشة ~~بعضهم، ومن الروم منهم ثمانية؛ وهم الملاحون أصحاب السفينة الذين أقبلوا ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم مع جعفر بن أبي طالب أثنى الله تعالى عليهم ~~إذ آمنوا بكتابهم وبالنبي صلى الله عليه وسلم، فأثنى الله عز وجل عليهم ~~في غير موضع من كتابه، فيكون " يتلون " خبرا عنهم.. وإن جعلته عاما كان ~~" يتلون " حالا لا غير، لأنك إن جعلته خبرا أوجبت أن كل من أوتي ~~الكتاب من النصارى ومن بني إسرائيل يتلونه حق تلاوته، وليسوا كذلك. # قوله: { أولئك يؤمنون به }. # أي: بمحمد صلى الله عليه وسلم لأنهم إذا تلوا / التوراة حق تلاوتها ~~وجدوه مكتوبا فيها. فهم يؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم ضرورة / إذا ~~أنصفوا في التلاوة. # ومعنى { يتلونه حق تلاوته } أي: يتبعونه حق اتباعه. كذلك ~~رواه مالك عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله. أي: ~~يتبعون ما فيه حق اتباعه. وقيل: معناه: يقرأونه حق قراءته. # وقد قيل: إن الهاء في " به " عائدة على الكتاب كالهاء في " يتلونه " ~~والهاء في " ومن يكفر به ". # قال ابن زيد: " تعود على محمد صلى الله عليه وسلم ". وقيل تعود على ~~الكتاب. ### || [2.122] # قوله: { وأني فضلتكم على العالمين }. أي: على عالم ~~زمانكم، وقد تقدم / ذكر النعم ms0124 وما فضلوا به، ومن أجل نعمة أنعم بها ~~عليهم أن موسى [عليه السلام] أخبرهم بعيسى وبمحمد صلى الله عليه وسلم ~~وأمرهم باتباعهما، فلم يحتاجوا إلى آية لو كانوا موفقين لأنهم قد سبق ~~عندهم خبر / الصادق بذلك، ففضلوا على سائر الخلق بما عندهم من العلم في ~~أمر عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم ولم يتبعوهما، واتبعهما من لم يكن ~~عنده مقدمة ولا خبر عنهما. كل ذلك بخذلان الله تعالى لهم وتوفيقه لغيرهم. ### || [2.124] # قوله: { وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات ~~فأتمهن }. # قيل: فاعل " أتمهن ": الله عز وجل، أي أكملهن الله له. # وقيل: الفاعل إبراهيم صلى الله عليه وسلم أخبره الله عز وجل بما سبق في ~~علمه فيه ليكون الامتحان موجودا معقولا فتقع عليه المجازاة والثواب، إذ ~~لا يقع جزاء على ما في علم الله تعالى دون ظهوره من العبد. أخبر الله عز ~~وجل أنه أتمهن هنا، وقال في غير هذا الموضع: # وإبراهيم الذي وفى # [النجم: 37]. # واختلف في الكلمات؛ فقال ابن عباس: " هي ثلاثون سهما، عشر منها في ~~براءة # التائبون العابدون # [التوبة: 112]. وعشر في الأحزاب. # إن المسلمين والمسلمات # [الأحزاب: 35]. في (المؤمنين) إلى قوله: # يحافظون # [المؤمنون: 9] وعشر في # سأل سآئل # [المعارج: 1] إلى # حافظون # [المعارج: 29]. أيضا. وقيل: هي عشر خمس في الرأس، وخمس في البدن، فالتي ~~في الرأس قص الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق الشعر. # وروي في موضع الفرق: إعفاء اللحية. # وفي الجسد تقليم الأظافر، وحلق العانة، ونتف الإبط، وغسل المخرجين ~~بالماء، والختان. # وعن ابن عباس أيضا قال: " هي عشرة: ستة في الإنسان وهي: حلق العانة، ~~والختان، ونتف الإبط، وتقليم الأظافر وقص الشارب، والغسل يوم الجمعة. ~~وأربع في المشاعر وهي: الطواف بالبيت، والسعي، ورمي الجمار، والإفاضة ". # وعن مجاهد قال: " هي أن الله تعالى قال لإبراهيم صلى الله عليه وسلم. ~~إني مبتليك بأمر، فما هو؟ قال: / تجعلني للناس إماما؟، قال الله: نعم. ~~قال إبراهيم: ومن ذريتي؟ قال الله [عز وجل] /: لا ينال عهدي الظالمين. ~~قال إبراهيم: تجعل البيت مثابة للناس؟ قال الله: نعم. قال إبراهيم: ~~وأمنا؟ ms0125 قال الله: نعم. قال إبراهيم: [تجعلنا مسلمين لك] ومن ذريتنا أمة ~~مسلمة لك؟ قال الله: نعم. قال إبراهيم: وترينا مناسكنا وتتوب علينا؟ قال ~~الله: نعم. قال إبراهيم: وتجعل هذا البلد آمنا؟ قال الله: نعم. قال ~~إبراهيم: وترزق أهله من الثمرات من آمن؟ قال الله: نعم ". # وقال جماعة: " تلك الكلمات مناسك الحج خاصة ". # وقال الحسن: " الكلمات هي الخلال الست التي ابتلي بها، وهي: الكوكب، ~~والقمر، والشمس، والنار، والهجرة، والختان، ابتلي بهن فصبر عليهن ولم يزغ ~~". # وقيل: من ذلك الذبح. # وقال السدي: " الكلمات: { ربنا تقبل منآ إنك أنت ~~السميع العليم } { ربنا واجعلنا مسلمين لك ~~ومن ذريتنآ أمة مسلمة لك } ، { ربنا وابعث ~~فيهم رسولا }. # وروي عن النبي [صلى الله عليه وسلم] أنه قال: # " { وإبراهيم الذي وفى } " عمل يومه أربع ~~ركعات في النهار ". # وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله { ~~الذي وفى } الآية. قال: كان يقول كلما أصبح، ~~وكلما أمسى: { فسبحان الله حين تمسون وحين ~~تصبحون } ". # وروي أن الله جل ذكره أوحى إليه أن تطهر فتمضمض، ثم أوحى الله / إليه ~~أن تطهر فاستنشق. ثم أوحى الله إليه أن تطهر فاستاك. ثم أوحى الله إليه ~~أن تطهر فأخذ شاربه. ثم أوحى الله إليه أن تطهر ففرق شعره، ثم أوحى الله ~~إليه أن تطهر فاستنجى. ثم أوحى الله إليه أن تطهر فحلق عانته، ثم أوحى ~~الله إليه أن تطهر فنتف إبطه، ثم أوحى الله إليه أن تطهر فقلم أظفاره، ثم ~~أوحى الله إليه أن تطهر فأقبل بوجهه على جسده ينظر ما يصنع، فردد البصر، ~~فاختتن بعد عشرين ومائة سنة، فأوحى الله إليه: إني جاعلك للناس إماما؛ ~~أي: يقتدي بك الصالحون من بعدك. فأعجب ذلك إبراهيم صلى الله عليه سلم ~~فقال: ومن ذريتي، أي: اجعل يا رب منهم أئمة، فقال له الله: لا ينال عهدي ~~الظالمين، أي: من كان من ولدك ظالما فلا يكون إماما. # / قوله: { للناس إماما }. # أي يقتدي بك من في عصرك ومن يأتي بعدك. # قوله: { لا ms0126 ينال عهدي الظالمين }. # قال ابن عباس: " عهدي. نبوتي ". # وقال مجاهد: " العهد هنا: الإمامة، / لا يستحق الظالم الإمامة ". # وقيل: " معناه. لا عهد لظالم عليك أن تطيعه في ظلم، وإن عاهدته فانقضه ~~". # وقيل: " العهد الأمان. أي: لا أؤمن الظالم من الانتقام منه " ، ~~قاله قتادة. # / قال: " ذلك يوم القيامة، فأما في الدنيا فقد ناله الظالم ". # وقيل: عهد الله هنا دينه. أي: لا ينال ديني الظالمين. # وقيل: العهد هنا الطاعة. أي: لا ينال طاعتي ظالم. # والظالم هنا المشرك عن مجاهد. وقد أخبر الله عز وجل بذلك فقال: # ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين # [الصافات: 113] يريد إبراهيم وإسحاق. # وقال الضحاك: " معناه: طاعتي لا ينالها [عدو لي] ولا أنحلها إلا ~~وليا لي يطيعني ". ### || [2.125] # وقوله: { وإذ جعلنا البيت }. # " إذ " في موضع نصب عطف على " إذ " في قوله: { وإذ ابتلى ~~إبراهيم }. و " إذ " في: { وإذ ابتلى } معطوفة على النعمة في ~~قوله { اذكروا نعمتي } أي واذكروا إذ ابتلى، واذكروا إذ جعلنا. # والهاء في " مثابة " دخلت للمبالغة عند الأخفش مثل نسابة وعلامة. # وقال الكوفيون: " أنث " لأنه أريد به البقعة التي يثاب إليها، أي: ~~يرجع إليها، كما قالوا: المقامة على تأنيث البقعة، والمقام على تذكير ~~المكان. # ومعنى: { مثابة }: " لا يقضون منه وطرا ". قاله مجاهد: # وقال السدي: " إذا أتاه مرة لا يدعه حتى يعود إليه ". # وقيل: معناه: لا ينصرف عنه منصرف إلا وهو يرى أنه لم يقض منه وطرا. # قوله: { وأمنا }. هذا كان في الجاهلية لأنهم كانوا إذا لقي أحدهم ~~قاتل أبيه وأخيه في الحرم لم يؤذه حتى يخرج منه، قال تعالى: # أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف ~~الناس من حولهم # [العنكبوت: 67]. # ويروى أن عمر قال: " قلت يا رسول الله، لو اتخذت المقام مصلى، فأنزل ~~الله عز وجل: { واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى }. ~~فهذا على قراءة من كسر الخاء، كأنه أمر من الله عز وجل بذلك. # فأما من فتح فهو خبر معطوف على النعمة عند الأخفش كأنه قال: اذكروا ~~نعمتي، واذكروا إذ اتخذوا ". # وقال غيره: " هو معطوف على { جعلنا } ". # والمقام ms0127 هو الذي يصلى إليه اليوم. وهو الحجر الذي قام عليه إبراهيم صلى ~~الله عليه وسلم حين ارتفع بناؤه / وضعف عن حمل الحجارة، فكان إسماعيل صلى ~~الله عليه وسلم يناوله الحجارة ويقولان: { ربنا تقبل منآ ~~إنك أنت السميع العليم }. قاله ابن / عباس. # وروي عن ابن عباس أيضا أن المقام هو الحج كله. وكذلك قال مجاهد وعلماء. # وقيل: هو عرفة والمزدلفة، والجمار. روي ذلك عن عطاء. # وقيل: مقامه عرفة. # وعن مجاهد أن " مقامه الحرم كله ". # وقال الربيع بن أنس: " المقام هو الحجر الذي وضعت زوجة إسماعيل تحت قدم ~~إبراهيم حين غسلت رأسه، فوضع رجله عليه وهو راكب، فغسلت شقه ثم رفعته من ~~تحته وقد غابت رجله في الحجر، فوضعته تحت الشق الآخر / فغابت رجله ~~أيضا فيه ". # وقال عمر بن الخطاب: " وافقني ربي في ثلاثة، قلت يا رسول الله، لو ~~اتخذت [مقام] إبراهيم مصلى. فأنزل الله تعالى: { واتخذوا من ~~مقام إبراهيم } وأشرت على النبي صلى الله عليه وسلم بالحجاب، ~~فأنزل الله سبحانه آية الحجاب، ووعظت نساء النبي فقلت لهن: لئن لم تنتهين ~~ليبدلنه الله خيرا منكن، فأنزل الله عز وجل: # عسى ربه إن طلقكن # [التحريم: 5]. # ومعنى { مصلى }: " مدعى يدعون عنده ". قاله مجاهد. # وقال قتادة: " مصلى يصلون إليه ". # قوله: { أن طهرا بيتي }. # أي: من الشرك والأوثان. # وقيل له بيت ولم يكن ثم بيت، لأنه كان بيتا في عهد نوح صلى الله ~~عليه وسلم فأمره أن يطهره قبل بنيانه من الأوساخ؛ من الأصنام وغيرها. # وقيل: معناه أنهما أمرا ببنيانه مطهرا من الشرك. و { للطائفين } ~~هم الغرباء. # وقيل: هم كل من يطوف حوله، وهو أبين. # و { والعاكفين }؛ قال عطاء: " هم الجالسون من غير طواف ". # وقال مجاهد: " العاكفون المقيمون به، المجاورون له من الغرباء ". # وقال سعيد بن جبير: " العاكفون هم أهل البلد ". # وقال ابن عباس: " العاكفون المصلون ". # وقوله: { والركع السجود } يمنع من هذا القول. # والاختيار عند جماعة أن يكون العاكف المجاور للبيت بغير / صلاة ولا ~~طواف. وهو قول عطاء وغيره. ### || [2.126] # قوله: { وإذ قال إبراهيم رب اجعل ms0128 هذا بلدا ~~آمنا }. # قيل: إن إبراهيم صلى الله عليه وسلم سأل الله أن يحرم مكة فحرمها، ~~واحتج من قال ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن إبراهيم كان عبد الله وخليله وإني عبد الله ~~ورسوله وإن إبراهيم حرم مكة وإني حرمت ~~المدينة ما بين لابتيها ". # وقال قائلون: " لم تحرم بسؤال إبراهيم صلى الله عليه وسلم، بل ~~كانت حراما، [واحتجوا بقول النبي عليه السلام] يوم افتتح مكة /: # " هذه حرام حرمها الله يوم خلق السماوات ~~والأرض: لم تحل لأحد من قبلي، ولا تحل لأحد ~~بعدي.. أحلت لي ساعة من نهار " # واحتجوا بقول إبراهيم صلى الله عليه وسلم # ربنآ إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع ~~عند بيتك المحرم # [إبراهيم: 37]. # وكان الطبري يجمع بين الخبرين، ويقول: " إن الله عز وجل حرم مكة وقضى ~~ذلك، ولم يتعبد الخلق بذلك حتى سأله إبراهيم / أن يتعبد الخلق بذلك ~~فأجابه. فإبراهيم كان سبب تعبد الخلق بتحريمها والتعبد بذلك، والله تعالى ~~قد حرمها يوم خلق السماوات والأرض ". # وقوله: # عند بيتك المحرم # [إبراهيم: 37]. معناه الذي حرمته عندك، ولم تتعبد الخلق به. وروي أن ~~إبراهيم صلى الله عليه وسلم / لما دعا فقال: { وارزق أهله من ~~الثمرات } أجاب الله عز وجل دعاءه: فبعث جبريل عليه السلام إلى ~~الشام، فاقتلع منها الطائف من موضع الأردن ثم طاف بها حول الكعبة ~~أسبوعا، ولذلك سميت الطائف. ثم أنزلها تهامة ولم يكن يومئذ بمكة غير ~~إسماعيل صلى الله عليه وسلم، ثم نزلت جرهم مع إسماعيل صلى الله عليه وسلم ~~بمكة، فلم يزالوا على الإسلام حتى نشأ عمرو بن [لحي الجرهمي فغير] ~~دين إبراهيم صلى الله عليه وسلم وعبد الأصنام، وسيب السوائب، ~~وبحر البحيرة وحمى الحامي، ووصل الوصيلة، وغلب مكة، وقهر ~~أهلها. وهم ولد إسماعيل صلى الله عليه وسلم - وهو [الذي قال فيه النبي ~~عليه السلام]: # " رأيته في جهنم يجر قصبه في النار " # أي: أمعاءه. # قوله: { قال ومن كفر فأمتعه قليلا }. # ذلك إخبار من الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم قاله أبي ms0129 بن كعب. ~~أي: أنا أرزق البر والفاجر فأمتع الفاجر قليلا. # وقال ابن عباس: " هو من قول إبراهيم صلى الله عليه وسلم سأل ربه عز وجل ~~أن يرزق من كفر فيمتعه قليلا ". # ويجب على هذا التأويل وصل ألف " أضطره " ، وفتح ألف أمتعه ~~". ويجب أيضا بناء الفعلين / على السكون لأن طلب كالأمر، ولأنه؟ سؤال من ~~إبراهيم صلى الله عليه وسلم لله عز وجل. وإن كان الخبر من عند الله ~~سبحانه كانت الألف في " أمتعه " ألف المتكلم، وكذلك هي في " أضطره " ، ~~ويرتفع الفعلان لأنهما إخبار عن الله جل ذكره. # ومعنى: { أضطره } أكرهه وألجئه إلى ذلك. ### || [2.127] # قوله: { وإذ يرفع إبرهيم القواعد من البيت }. # القواعد أساس البيت. # قال عطاء: هي قواعد آدم صلى الله عليه وسلم كانت قد اندرست وخفي أثرها ~~فبوأها الله [إبراهيم. قال عطاء: قال آدم] حين أهبط: ربي إني لأسمع أصوات ~~الملائكة. قال: بخطيئتك، ولكن اهبط إلى الأرض فابن لي بيتا، ثم احفف ~~به كما رأيت الملائكة تحف ببيتي الذي في السماء. فبناه من خمسة أجبل، من ~~حراء، وطور سيناء، وطور زيتا، والجودي، وأبي قبيس ". # وروي عن عبد الله بن عمرو أنه قال: " أهبط الله مع آدم صلى الله عليه ~~وسلم من السماء إلى الأرض بيتا يطاف به كما يطاف بعرشه في السماء. ثم ~~رفعه أيام الطوفان، فرفع إبراهيم صلى الله عليه وسلم قواعد ذلك البيت. ~~فكانت الأنبياء عليهم السلام يحجونه ولا يعلمونه حتى بوأه الله إبراهيم ~~فأعلمه مكانه ". # وقال عطاء: لما أهبط الله آدم من الجنة إلى الأرض، وأهبط طوله أي: ~~نقص، شكا أنه استوحش لفقد أصوات الملائكة، فوجه إلى مكة / فكان ~~موضع قدمه قرية، وما بين / القدمين مفازة، فأنزل الله عز وجل عليه ~~ياقوتة من ياقوت الجنة فكانت في موضع البيت. فلم يزل يطوف به حتى أنزل ~~الطوفان، فرفعت إلى أن بعث الله إبراهيم صلى الله عليه وسلم فبناه ". # / وقال مجاهد: " لما أراد الله خلق الأرض علا الماء زبدة حمراء أو ~~بيضاء كهيئة القبة، ثم دحا الأرض من تحتها، ms0130 وبقيت تلك الزبدة ربوة حتى ~~بوأها الله إبراهيم صلى الله عليه وسلم فبناه على أساسه، وأساسه على ~~أركان أربعة في الأرض السابعة ". # وقال ابن عباس: " وضع البيت على أركان الماء؛ أربعة أركان قبل أن تخلق ~~الدنيا بألفي عام، ثم دحيت الأرض من تحت البيت ". # وفي حرف ابن مسعود: " وإسماعيل يقولان: ربنا " فدل على أنهما ~~جميعا دعوا. وقيل: القائل هو إسماعيل صلى الله عليه وسلم وحده. والمعنى ~~إذ يقول إسماعيل " ربنا ". # قال ابن عباس، " كان إبراهيم يبني، وإسماعيل ينقل الحجارة، فلما انتهى ~~إلى موضع الحجر قال لإسماعيل: جئني بحجر حسن يكون علما للناس. فذهب ~~إسماعيل فأتى بحجر فقال له: جئني بأحسن من هذا. فمضى إسماعيل صلى الله ~~عليه وسلم يطلب فنادى أبو قبيس: " يا إبراهيم، يا خليل الرحمن، إن لك ~~عندي وديعة فخذها، فإذا هو بحجر أبيض من ياقوت الجنة كان قد نزل به آدم ~~عليه السلام من الجنة ". # وروي أن أبا قبيس جبل هاجر من خراسان إلى مكة. وقال النبي [عليه السلام] # " الحجر ياقوتة / من ياقوت الجنة [بيضاء، ولولا ~~ما لامسه] من أجناس المشركين وأرجاسهم ما مسه ~~ذو عاهة إلا شفاه الله عز وجل ". # وقال عليه السلام: # " الحجر يمين الله يصافح به عباده وليأتين ~~يوم القيامة والمقام، ولهما لسانان وشفتان ~~يشهدان لمن وافاهما بالوفاء ". # وذكر السدي أن إبراهيم وإسماعيل صلى الله عليهما وسلم لما أرادا البناء ~~لم يدريا أين البيت. فبعث الله عز وجل ريحا يقال لها الخجوج لها جناحان ~~ورأس في صورة حية، فكنست لهما ما حول الكعبة عن أساس البيت الأول، فوضعا ~~المعاول يحفران حتى وضعا الأساس فذلك قوله: # وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت # [ الحج: 26]، فلما بلغا في البناء إلى الركن قال إبراهيم لإسماعيل: اطلب ~~لي حجرا حسنا أضعه هنا. قال: يا أبت. إني كسلان تعب. قال: على ذلك. ~~فانطلق يطلب [حجرا فجاءه بحجر فلم يرضه، فقال ائتني بحجر أحسن من هذا، ~~فانطلق [يطلب حجرا] وجاء جبريل [عليه السلام] بالحجر الأسود / وكان ~~ياقوتة بيضاء مثل الثغامة وكان آدم ms0131 صلى الله عليه وسلم هبط به من الجنة ~~فاسود من خطايا الناس، فجاءه إسماعيل صلى الله عليه وسلم بحجر فوجده عند ~~الركن، فقال: يا أبت من جاءك بهذا؟ فقال: جاء به من هو أنشط منك فبنياه ~~". # وقال عبيد بن عمير الليثي: أتى إبراهيم، وإسماعيل عليهما السلام / ~~يبرى نبلا قريبا من زمزم، فلما رآه [قام إليه]، فصنعا كما يصنع ~~الوالد بالولد، والولد بالوالد، ثم قال: يا إسماعيل إن الله [جل وعز] ~~أمرني بأمر. قال: فاصنع ما أمرك ربك. قال: وتعينني؟ قال: وأعينك. قال: ~~فإن الله أمرني أن أبني / هاهنا بيتا - وأشار إلى الكعبة مرتفعة على ما ~~حولها - قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فكان إسماعيل صلى الله على ~~محمد [و] عليه وسلم يأتي بالحجارة وإبراهيم صلى الله عليه وسلم يبني، حتى ~~ارتفع البناء، فجاء بهذا الحجر يعني المقام، فقام [عليه إبراهيم] يبني، ~~وهما يقولان: { ربنا تقبل منآ إنك أنت السميع ~~العليم }. # فمعنى الآية: أنها خبر من الله عز وجل عن إبراهيم وإسماعيل صلى الله على ~~محمد و[عليهما وسلم] وما كانا يفعلان في بناء البيت، وما كانا يقولان ~~وهما يبنيان. ### || [2.128-129] # وقوله: { ربنا واجعلنا مسلمين لك }. # أي: خاضعين لأمرك، مستسلمين لك، لا نشرك معك في الطاعة أحدا، فالمسلم ~~الذي قد استسلم لأمر الله [عز وجل]. والمؤمن هو الذي أظهر القبول لأمر ~~الله سبحانه فأضمر مثل ذلك. # فأما قوله: # قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا ~~أسلمنا # [الحجرات: 14]. فمعناه ولكن قولوا: خضعنا وأظهرنا الإسلام. فالمسلم على ~~ضربين: مسلم أظهر مثل ما أضمر / فهذا مؤمن مسلم، ومسلم يظهر غير ما يبطن، ~~فهذا غير مؤمن. إنما هو مستسلم في الظاهر ولذلك قال لهم: # ولما يدخل الإيمان في قلوبكم # [الحجرات: 14] أي: إنما أظهرتم الإسلام خشية القتل، ولم يدخل في قلوبكم ~~منه شيء. # وقوله في الدعاء: { ومن ذريتنآ أمة مسلمة لك }. # دخول " من " يدل على التخصيص لبعض الذرية، لأن الله تعالى قد أعلم ~~إبراهيم صلى الله عليه وسلم أن من ذريته من لا يناله عهده ms0132 لظلمه وفجوره. ~~فخص إبراهيم عليه السلام بدعوته، ولم يعم لما تقدم عنده من الخبر عن الله ~~تعالى. # والأمة هنا عني بها الجماعة. # وتكون الأمة الإمام كقوله في إبراهيم صلى الله عليه وسلم # كان أمة # [النحل: 120]، أي: إماما يقتدى به. # وتكون الأمة السنين كقوله: # ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة # [هود: 8]، أي: إلى سنين. # وتكون الأمة الملة كقوله: # إنا وجدنآ ءابآءنا على أمة # [الزخرف: 22]. أي: على ملة ودين. # وقيل: الأمة هنا محمد وأمته صلى الله عليه وسلم. # [قوله] / { ربنا وابعث فيهم رسولا منهم }. # يعني [محمدا عليه السلام]. # وقول إبراهيم وإسماعيل: { ربنا واجعلنا مسلمين لك ~~ومن ذريتنآ أمة مسلمة لك } يدل على أن الإسلام ~~والإيمان سواء، إذ لم يسألا إلا أعلى الرتب وأشرف المنازل، وهو الإيمان ~~الذي هو الإسلام. # [قال] مالك: " لما وقف إبراهيم على المقام أوحى الله إلى الجبال أن ~~تأخري عنه، فتأخرت حتى أراه موضع المناسك وهو قوله: { وأرنا ~~مناسكنا وتب علينآ } إلى قوله: { لمن الصالحين }. ~~معناه أظهر لأعيننا مكان المناسك ان جعلته من رؤية العين. # وقيل: معناه علمناها وعرفناها. # والمناسك: مناسك الحج ومعالمه. # وقال قتادة: " فأراهما / الله مناسكهما بالطواف بالبيت، والسعي بين ~~الصفا والمروة والإفاضة من عرفات، ومن جمع، ورمي الجمار حتى أكمل لهما ~~الدين ". # / قال السدي: " لما فرغ إبراهيم صلى الله عليه وسلم وعلى محمد من بنيان ~~البيت، أمره الله [أن] ينادي، فقال: # وأذن في الناس بالحج # [الحج: 27]، فنادى بين أخشبي مكة: يا أيها الناس، إن الله يأمركم أن ~~تحجوا بيته. قال: فوقرت في قلب كل مؤمن، فأجابه كل شيء سمعه من جبل أو ~~شجر أو دابة: لبيك، لبيك - أجابوه بالتلبية -: لبيك اللهم لبيك، فأتاه من ~~أتاه. # وأمره الله عز وجل أن يخرج إلى عرفات، ونعتها الله له فخرج. فلما بلغ ~~الشجرة عند العقبة، استقبله الشيطان يرده، فرماه بسبع حصيات يكبر مع كل ~~حصاة، فطار اللعين فوقع على الجمرة الثانية [أيضا فصده]، فرماه وكبر ~~فطار اللعين فوقع على الجمرة الثالثة فرماه وكبر. فلما رأى أنه لا يطيقه ~~انطلق ms0133 حتى أتى ذا المجاز، ولم يدر إبراهيم صلى الله عليه وسلم أين يذهب ~~فلما أتى إبراهيم صلى الله عليه وسلم ذا المجاز لم يعرفه فجازه، فسمي ذا ~~المجاز. ثم انطلق، حتى وقع بعرفات فلما نظر إليها إبراهيم صلى الله عليه ~~وسلم عرف النعت، فقال: قد عرفت، فسمى ذلك المكان عرفات. فوقف إبراهيم صلى ~~الله عليه وسلم بعرفات حتى إذا أمسى ازدلف بجمع، فسميت المزدلفة. فوقف ~~بجمع ثم أقبل حتى أتى الشيطان حيث لقيه أولا فرماه بسبع حصيات، سبع ~~حصيات، ثم أقام بمنى حتى فرغ من الحج ". # وقيل: المناسك المذابح. فالمعنى على هذا: وأرنا كيف ننسك لك يا رب ~~نسائكنا، فنذبحها لك. # قال عطاء: " مناسكنا ذبحنا ". وعنه: " مذابحنا ". وكذلك قال مجاهد. # وقيل: مناسكنا متعبداتنا. ومنه قيل للعابد ناسك. # / قال ابن عباس: " لما قال إبراهيم صلى الله عليه وسلم: " { ربنا ~~وأرنا مناسكنا } ، أتاه [جبريل صلى الله عليه وسلم] وعلى محمد ~~بهذا الحجر من الجنة الذي يقال له المقام - وهو ياقوتة بيضاء - فأقامه ~~عليه. ثم رفعه إلى السماء حتى أشرف به على البلاد كلها. فأراه أعلام ~~الحرم وجميع مناسك الحج كلها / عرفات، والمزدلفة، ومنى، وجميع المناسك. ~~ثم قال له: { وأذن في الناس بالحج }. # وواحد المناسك منسك مثل " مسجد ". # / وقيل: منسك وكان يجب أن يكون على " منسك " بالضم لأنه من " فعل ~~يفعل " إلا أنه ليس في الكلام " مفعل ". # وقيل: المنسك الموضع الذي ينسك فيه لله عز وجل، ويتقرب فيه إليه سبحانه ~~بما يرضيه من الأعمال الصالحة. # وأصله الموضع الذي يعتاده الإنسان يفعل فيه الخير، ولذلك [قيل: مناسك ~~الحج لأنها مواضع] قد اعتادها الناس لفعل الخير. # ثم قال: { وتب علينآ }. # التوبة الرجوع من مكروه إلى محبوب، فتوبة العبد / إلى ربه رجوعه مما هو ~~عليه من المكروه بالندم عليه والإقلاع عنه والعزم على ترك العمود فيه. # وتوبة الرب سبحانه على عبده عوده عليه بالعفو عنه عن جرمه وذنبه. # - فإن قيل: وهل كانت لهما ذنوب فاحتاجا إلى مسألة ربهما التوبة؟. # - فالجواب: أنه ليس أحد من خلق الله ms0134 عز وجل إلا وله من العمل فيما بينه ~~وبين ربه عز وجل ما يجب عليه الإنابة [منه والتوبة، فخصا] الموضع الذي ~~كانا فيه بالدعاء ليستجاب لهما على طريق التبرك به، وليكون دعاؤهما في ~~ذلك المكان سنة لمن بعدهما، وليتخذ الناس بعدهما تلك البقعة موضع تنصل ~~من الذنوب ورجوع عن المكروه. # وقيل: عنيا بقولهما: { وتب علينآ }: وتب على الظلمة من ذريتنا ~~الذين أعلمتنا أن منهم ظالما. # وقوله: { إنك أنت التواب الرحيم }. # معناه إنك أنت العائد في الفضل على عبادك، المتفضل بالغفران لذنوبهم، ~~الرحيم بهم. # ثم قال: { ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا ~~عليهم آيتك ويعلمهم الكتب والحكمة ~~ويزكيهم }. # هذه دعوة إبراهيم وإسماعيل صلى الله عليهما وسلم لنبينا محمد صلى الله ~~عليه وسلم. # وكان النبي [عليه السلام يقول]: # " أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى ". # قال قتادة: " [فأجاب] الله دعوتهما، فبعث الله فيهم رسولا من أنفسهم ~~يعرفون وجهه ونسبه، يخرجهم من الظلمات إلى النور، وهو محمد صلى الله عليه ~~وسلم " قال الربيع: / " فقيل لإبراهيم: قد استجيب لك، وهو في آخر الزمان ~~". # وقوله: { يتلوا عليهم آيتك }. # من نعت الرسول. أي: يقرأ عليهم كتابك، وكذلك { ويعلمهم } { ~~ويزكيهم } ، كله من نعت الرسول صلى الله عليه وسلم. # والكتاب القرآن. # قال قتادة: " الحكمة: السنة ". # وقال ابن وهب: " قلت لمالك: ما الحكمة؟ فقال: المعرفة في الدين والفقه ~~فيه والاتباع له ". # وقال ابن زيد: " الحكمة. العقل في الدين ". # ومعنى { ويزكيهم }: ويطهرهم من الشرك بك ويكثرهم بطاعتهم لك. # ثم قال: { إنك أنت العزيز الحكيم }. # أي: أنت القوي الذي لا يعجزه شيء المنيع الغالب. وأصل العزة المنع ~~والغلبة، والعرب / تقول: " من [عز بز] " ، أي: من غلب استلب. # وقولهم: " أدام الله عزك " ، أي: غلبتك وظفرك. # والحكيم الذي لا يدخل تدبيره خلل ولا زلل. # وقال الطبري: " الحكيم ذو الحكمة ". # وقيل: " الحكيم الحاكم ". # وقيل: " الحكيم: معناه المحكم، أي المحكم ما خلق ". # وقال ابن عباس: " العليم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في ~~حكمته ". ### || [2.130] # ثم قال تعالى: { ومن يرغب عن ملة إبراهيم ms0135 إلا من ~~سفه نفسه }. # أي: ومن يزهد في دين إبراهيم الحنيفية المسلمة إلا من سفه نفسه ورغب عن ~~ملته. واتخاذ اليهودية والنصرانية بدعة ليست من عند الله، هذا معنى قول ~~قتادة والربيع. # وقيل: المعنى: ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا سفيه جاهل بموضع حظ نفسه ~~فيما ينفعها ويضرها في معادها. # قال ابن زيد: " { إلا من سفه نفسه }: معناه من أخطأ حظه ". # ومذهب الفراء أن " نفسه " منصوب على التفسير مثل " ضقت به ذرعا ~~". # قال: وهو من المعرفة كالنكرة، ولا يجوز أن يكون التمييز / معرفة عند ~~البصريين ومثلها عنده: # بطرت معيشتها # [القصص: 58]. ولا يجوز عند الفراء التقديم. # وقال الكسائي وهو أحد قولي الأخفش - / المعنى: إلا من سفه في نفسه، فلما ~~حذف الحرف نصب. ويجيزان التقديم. # ومذهب أهل التأويل أن معناه: سفه نفسه. فهو مفعول به. # وقال يونس: " أراها لغة ". # وقال أبو عبيدة: " معناه: [أهلك نفسه ". # ومذهب] البصريين أنه مثل: " ضرب فلان الظهر والبطن " أي: في الظهر ~~[والبطن] فلا حذف في نصبه. كذلك معناه: سفه في نفسه، ثم نصب لما حذف " في ~~". # " وقال الزجاج ": معناه: جهل نفسه ". فهو مفعول به عنده بجهل " أي: لم ~~يفكر في نفسه. فالسفه والجهل سواء. # وقيل: التقدير إلا من جهل رأي نفسه وقول نفسه، ثم حذف، مثل: / # وسئل القرية # [يوسف: 82]. # وقيل: التقدير، إلا من جهل قوله نفسه، ثم حذف المؤكد وأقام التوكيد ~~مقامه. # ثم قال { ولقد اصطفيناه في الدنيا }. # أي اخترناه للخلة والإمامة. # [ثم قال]. { وإنه في الآخرة لمن الصالحين }. # أي: وإن إبراهيم صلى الله عليه وسلم لمن المؤدين حقوق الله. وتقدير تعلق ~~حرف الجر: " وإنه صالح، في الآخرة، لمن الصالحين " ، ثم حذف. # وقيل: إنه متعلق بالصالحين، والألف واللام ليستا بمعنى " الذي " ، ولكنه ~~اسم على حدته كالرجل والغلام. ### || [2.131-135] # قوله: { إذ قال له ربه أسلم } إلى قوله { وما كان ~~من المشركين }. # أي واذكروا إذ قال له ربه أسلم، أي أخلص لي العبادة والطاعة. # { قال أسلمت لرب العالمين }: أي قال إبراهيم صلى الله ~~عليه وسلم [و] على محمد مجيبا ms0136 لربه عز وجل: خضعت بالطاعة وأخلصت العبادة ~~لمالك جميع الخلق. ومدبرهم. # ويجوز أن يكون العامل في: { ولقد اصطفيناه } أي ولقد اخترناه ~~في الدنيا إذ قال له ربه أسلم، قال أسلمت، وهذا كان منه حين قال: # يقوم إني بريء مما تشركون * إني وجهت ~~وجهي للذي فطر السموت والأرض حنيفا # [الأنعام: 78-79]. # قال الطبري: " وذلك في الوقت الذي قال له ربه فيه: أسلم، من بعد ما ~~امتحنه بالكوكب والقمر والشمس ". # ثم قال تعالى: { ووصى بهآ إبراهيم بنيه ويعقوب }. # أي: وأوصى بقوله: { أسلمت لرب العالمين } إبراهيم - صلى ~~الله عليه وسلم [و] على محمد - بنيه، وأوصى بها يعقوب صلى الله عليه وسلم ~~[و] على محمد [بنيه]. # والهاء في " بها " تعود على كلمة الإسلام وهي قوله: { أسلمت }. # وقيل: تعود على الملة، وكلمة الإسلام أقرب إليها. # [وقيل: بل] أوصاهم باتباع الملة، ف " يعقوب " على هذا معطوف على " ~~إبراهيم ". # وقيل: إن يعقوب مرفوع بإضمار فعل. والتقدير " وقال يعقوب: يا بني إن ~~الله ". # والمعنى في " أوصى " عهد إليهم بذلك، وأمرهم به. # قال ابن عباس: " وصاهم بالإسلام ". # وفي التشديد في " وصى " معنى تكرير الوصية. # وقوله: { إن الله اصطفى لكم الدين }. # معناه: اختاره لكم. ودخلت الألف واللام في " الدين " لتقدم علمهم به ~~وتكرير الوصية عليهم. # ثم قال: { فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون }. # أي: فاتقوا الله أن تموتوا إلا على الإسلام. # والمعنى: لا تفارقن هذا الدين أيام حياتكم لأن أحدا لا يدري متى تأتيه ~~منيته، فلذلك قال لهم: لا تموتن إلا وأنتم مسلمون، لأنكم لا تدرون متى ~~يأتيكم الموت، ولم ينههم عن الموت / لأن ذلك ليس إليهم. # وقيل: المعنى: الزموا الإسلام، فإذا أدرككم الموت صادفكم مسلمين. # وعرف المعنى كما عرف في قول العرب / " لا أرينك ها هنا ". ~~فالنهي في اللفظ للمتكلم، وفي المعنى للمتكلم أي: لا تكن ها هنا، فإنه من ~~يكن ها هنا أراه. # قال الأخفش: " { بنيه } ، قطع، ثم يبتدئ: { ويعقوب يابني } ~~، أي: وقال يعقوب: يا بني ". # وقال أبو حاتم وغيره: " الوقف { ويعقوب } ، ثم يبتدئ { يابني ~~} ". أي: وقال كل واحد ms0137 منهما: { يابني إن الله اصطفى ~~لكم الدين }. # ثم قال: " عز وجل { أم كنتم شهدآء إذ حضر يعقوب ~~الموت }. # { أم } بمعنى الألف، أي: أكنتم حاضرين يا معشر اليهود والنصارى ~~المكذبين بمحمد صلى الله عليه وسلم / إذ نزل بيعقوب الموت حين قال لبنيه: ~~ما تعبدون من بعد موتي؟ قالوا: نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وهو جده - ~~وإسماعيل - وهو عمه - وإسحاق - وهو أبوه - صلوات الله عليهم [و] على ~~محمد. # وقدم إسماعيل لأنه أكبر من إسحاق. # { إلها واحدا }؛ أي: معبودا واحدا، لا نشرك به شيئا. # { ونحن له مسلمون }: أي: خاضعون متذللون بالعبادة له. # وروي أنه لم يقبض الله نبيا قط حتى يخيره بين الموت والحياة، فلما ~~خير يعقوب عليه السلام قال: أنظرني / حتى أسأل ولدي، وأوصيهم ففعل الله ~~ذلك. فجمع يعقوب ولده وهم إثنا عشر - وهم الأسباط -، وجمع أولادهم فقال ~~لهم: إنه قد حضرت وفاتي، وأنا أريد أن أسألكم وأوصيكم: فما تعبدون من ~~بعدي؟ فأجابوه بما حكى الله تعالى عنهم، فدعا لهم ثم قبضه الله صلوات ~~الله عليه وعليهم أجمعين وعلى محمد. # فمعنى الكلام: إنكم يا أهل الكتابين لم تحضروا ذلك - ولا شاهدتموه ~~فكفرتم بغير علم ولا يقين فادعيتم على أنبياء الله الأباطيل ~~ونحلتموهم إلى اليهودية والنصرانية، وإنما بعثهم الله [بالحنيفية ~~المسلمة، وبذلك وصوا بنيهم] فلو حضرتم ذلك وسمعتموه لعلمتم أنهم على غير ~~ما تنحلونهم من الدين. # وهذه الآيات نزلت تكذيبا من الله لليهود والنصارى في دعواهم إبراهيم / ~~ويعقوب أنهما كانا على ملتهم. # وقرأ يحيى بن يعمر والحسن وأبو رجاء والجحذري " وإله أبيك " بلفظ ~~التوحيد. فيحتمل أن يكون جمعا مسلما، فيكون كالقراءة التي عليها ~~الجماعة. ويحتمل أن يكون موحدا وإبراهيم بدل منه وإسماعيل وإسحاق عطف ~~على الأب وهما في القول الأول بدل الجمع الذي قبلهما. # وجمع " إبراهيم " وإسماعيل " عند سيبويه والخليل: " براهيم " و " ~~سماعيل ". # وحكى الكوفيون " براهمة " و " سماعلة " ، فالهاء بدل من الياء ~~كزنادقة وزناديق. # وجمعهما عند المبرد: " أباره " و " أسامع " و " أباريه " و ~~" أساميع ". قال: لأن الهمزة ليس هذا موضوع زيادتها. # وأجاز أحمد ms0138 بن يحيى: " براه " / كما يجوز في التصغير " بريه ". # وجمع إسحاق أساحيق. وحكى الكوفيون أساحقة وأساحيق ~~ويعقوب ويعاقيب، ويعاقبة ويعاقب ". # ولا يجوز عند أحد حذف الهمزة من " إسرائيل " ، ويقال في جمعه: " أساريل ~~". # وحكى الكوفيون " أسارلة " و " أسارل " ، وجمعه كله مسلما ~~أحسن. # وقوله: { إلها واحدا }. # نصب على الحال أو على البدل من " إله " الأول. # فإذا كان حالا كان تقديره: نعبد إلهك في حال انفراده ووحدانيته. # وأجاز يعقوب الوقف على { آبائك } ويبتدئ: { إبراهيم ~~وإسماعيل } ، ينصب ذلك على إضمار فعل. # ومن قرأ (أبيك) بالتوحيد وقف على (إسحاق). # ثم قال تعالى: { تلك أمة قد خلت }. # أي: قد مضت، أي: إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب صلوات الله عليهم وعلى ~~محمد، وولدهم / قد مضوا، فدعوا ذكرهم والكذب عليهم يا معشر اليهود ~~والنصارى، ولا تنحلوهم الكفر واليهودية والنصرانية. والأمة الجماعة ~~هاهنا. # وإنما قيل لمن مضى وانقرض: " قد خلا " لتخليه من الدنيا وانفراده من ~~الإنس والبشر. وأصله: من " خلا الرجل " إذا صار بالمكان الذي لا ~~أنيس به. # ثم قال: { لها ما كسبت } أي: عملت. # { ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا ~~يعملون }. # أي: لا تؤاخذون بذنوبهم ولا يؤاخذون بذنوبكم، فدعوا ما تنحلونهم من ~~الأديان. # قال الأخفش: " { قد خلت } وقف التمام ". # وقال أبو حاتم: " { لها ما كسبت } هذا الوقف الكافي الحسن ". # ثم قال تعالى: { وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا ~~}. # أي: قالت اليهود: كونوا هودا، وقالت النصارى: كونوا نصارى تهتدوا. # وقال بعض العلماء: " أو " هذه [يقال لها المصنفة] ليست التي للتخيير ولا ~~للإباحة ولا للشك ". # والمعنى: " وقال صنف: كونوا هودا، وقال صنف: كونوا نصارى. وروي أن ابن ~~صوريا الأعور قال لرسول الله [عليه السلام] ما الهدى إلا ما نحن عليه ~~فاتبعنا يا محمد تهتدي. وقالت النصارى مثل ذلك. فأنزل الله عز وجل هذه ~~الآية، ثم قال لرسوله عليه السلام: { قل بل ملة إبراهيم ~~حنيفا } ، أي: بل نتبع ملة إبراهيم حنيفا لأن معنى { كونوا هودا ~~}: اتبعوا دين اليهودية]. والتقدير: بل نتبع أهل ملة إبراهيم. # وقال أبو عبيدة: " هو نصب على الإغراء، و ms0139 { حنيفا } نصب على الحال ". # وقيل: على " أعني " ، لأن الحال لا يكون من المضاف إليه. # وقوله: { هودا } جمع هائد كحال وحول. # وقيل: هو مصدر يؤدي عن الجمع كقولك: " قوم صوم " ، و " قوم عدل " ، ~~فيكون / المعنى ذوي هود. # وقيل: الأصل يهود ثم حذفت الياء. # ومعنى { حنيفا } / مائلا عن الكفر إلى الإيمان. # وقيل: الحنيف الحاج. # وقيل: الحنيف المخلص. # ثم قال: { وما كان من المشركين }. # أي: لم يكن ممن يدين بعبادة الأوثان. # قال ابن / مسعود: " سميت اليهود يهودا لقول موسى صلى الله عليه وسلم # إنا هدنآ إليك # [الأعراف: 156]. # وسميت النصارى نصارى لقول عيسى صلى الله عليه وسلم: # من أنصاري إلى الله # [آل عمران: 52]. ### || [2.136-141] # قوله { قولوا آمنا بالله ومآ أنزل إلينا } إلى ~~قوله { عما كانوا يعملون } معناه: قولوا أيها المؤمنون لهؤلاء ~~اليهود والنصارى الذين قالوا لكم كونوا هودا أو نصارى تهتدوا: " آمنا ~~بالله " ، أي: صدقنا به، وصدقنا بما أنزل إلينا وهو القرآن، وبما أنزل ~~إلى إبراهيم وإلى إسماعيل وإلى إسحاق وإلى يعقوب وإلى الأسباط، وهم اثنا ~~عشر ولدا ليعقوب أنبياء كلهم، ولد كل واحد منهم أمة من الناس فسموا ~~الأسباط. # والسبط في اللغة الشجرة. أي: هم في الكثرة مثل الشجر. # قال ابن عباس: " كل الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة: نوح وهود وصالح ~~ولوط وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل ومحمد صلى الله عليه وسلم وعيسى ~~صلى الله عليهم / أجمعين ". # ثم قال: { ومآ أوتي موسى وعيسى }. # أي: وصدقنا بما أوتي موسى وعيسى، يعني: التوراة والإنجيل، وصدقنا بما ~~أوتي النبيون من ربهم يعني: من [الكتب، كل ذلك حق] { لا نفرق ~~بين أحد منهم } أي: لا نفرق بين أحد من النبيين فنؤمن ببعض ~~ونكفر ببعض كما فعلت اليهود والنصارى، بل نؤمن بالكل وبما جاء به الكل. # وقال ابن عباس ووهب بن منبه: " الأنبياء كلهم مائة وأربعة وعشرون ألف / ~~نبي كلهم من بني إسرائيل إلا عشرين نبيا. وإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن ~~إبراهيم الخليل صلوات الله عليهم أجمعين. وعدد الرسل ثلاثمائة وثلاثة عشر ~~كلهم من بني يعقوب إلا ms0140 عشرين رسولا ". # وقال غير ابن عباس مثل قوله وزاد، فقال: " عدد الأنبياء صلوات الله ~~عليهم مائة وأربعة وعشرون ألف نبي، أولهم آدم وآخرهم محمد صلى الله عليه ~~وسلم وعليهم أجمعين. والرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رسولا، ذكر الله ~~منهم في القرآن ستة وعشرين وهم: آدم وإدريس ونوح وهود وصالح وإبراهيم ~~ولوط وشعيب وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف وموسى وهارون والأسباط واليسع ~~وإلياس ويونس / وأيوب وداود وسليمان وزكرياء وعزير ويحيى وعيسى ومحمد صلى ~~الله عليه وسلم وعليهم أجمعين. ومنهم خمسة لم تذكر أسماؤهم وذكروا بغير ~~أسمائهم وهم: # الذي مر على القرية قيل هو أرميا، وصاحب موسى وهو الخضر، وقيل إنه ليس ~~بنبي، وثلاثة ذكرهم الله في سورة " يس " ولم يذكر أسماؤهم، فأما ذو ~~القرنين، فأكثر الناس على أنه ليس بنبي. وكذلك اختلف في ذي الكفل. # ثم قال { ونحن له مسلمون }. # أي: خاضعون بالطاعة لله. # وروى ابن عباس أن النبي [عليه السلام] سأله نفر من اليهود: بمن تؤمن من ~~الرسل؟ فقرأ عليهم الآية. فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته، وقالوا: لا نؤمن ~~بعيسى ولا بمن آمن بعيسى، فأنزل الله جل ذكره: # قل يأهل الكتاب هل تنقمون منآ إلا أن آمنا ~~بالله # [المائدة: 59] إلى # وأن أكثركم فاسقون # [المائدة: 59]. # [ثم قال]: { فإن آمنوا بمثل مآ آمنتم به فقد ~~اهتدوا }. # إي: إن صدقوا بجميع الأنبياء وبجميع الكتب التي أنزلها الله كما آمنتم ~~فقد اهتدوا إلى الحق، يعني به اليهود والنصارى. # { وإن تولوا }: أي: إن لم يؤمنوا بذلك وأعرضوا، { فإنما ~~هم في شقاق }: أي: في مشاقة ومباعدة من الحق وفراق له ومحاربة له. # وقيل: المعنى: قد صاروا في شق غير شق المسلمين. # والمماثلة في الآية إنما وقعت بين التصديقين، أي: إن صدقوا بمثل تصديقكم ~~وأقروا بمثل إقراركم. ولم يقع التمثيل بين المؤمن به وهو الله عز وجل ~~وسبحانه وتعالى؛ هذا كفر لا يجوز. # فإن قيل: وهل للإيمان مثل، هو غير الإيمان فتصح المماثلة به؟ # فالجواب: أنه محمول على المعنى، والتقدير: فإن أتوا بتصديق مثل تصديقكم ~~فقد اهتدوا: أي: ms0141 صاروا مسلمين. وهذا من كلام العرب، يقول الرجل لمن ~~يتلقاه: " بشر استقبل مثلي بهذا ". وقد قال تعالى: # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11]. وتقول: " ليس كربنا شيء " ، " وليس كمثل ربنا شيء ". ~~والمعنى سواء. هذا قول أبي حاتم وغيره. # ثم قال تعالى: { فسيكفيكهم الله } /. # أي: فسيكفيك الله يا محمد هؤلاء المخالفين لك من اليهود والنصارى إما ~~بقتل وإما بجلاء عن جوارك. # { وهو السميع العليم }: أي يسمع ما يقولون بألسنتهم ويعلم ما ~~يبطنون لك ولأصحابك من البغضاء والحسد. فأنجز الله لرسوله وعده في اليهود ~~وفي غيرهم وكفاه إياهم وسلطه عليهم وخذلهم، فقتل بعضا، وأجلى بعضا، ~~وأذل بعضا بالجزية. # ثم قال تعالى: { صبغة الله ومن أحسن من الله }. " ~~صبغة " منصوب على البدل من { ملة إبراهيم } / فيكون المعنى: " ~~بل صبغة الله " ، وذلك / أن النصارى إذا أرادت / أن تنصر أطفالها جعلتهم ~~في ماء لهم يزعمون أن ذلك تقديس " لهم بمنزلة الختانة لأهل الإسلام، ~~ويقولون: إن ذلك صبغة لهم في النصرانية. فلما قالوا للمسلمين: { كونوا ~~هودا أو نصارى تهتدوا } قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: ~~قل لهم: بل نتبع ملة إبراهيم، صبغة الله التي هي أحسن الصبغ وهي الحنيفية ~~المسلمة، لا ما تغمسون فيه أبناءكم. # وأجاز الكسائي نصبه على الإغراء والتقدير: الزموا تطهير الله بالإسلام ~~لا ما تفعله اليهود والنصارى. # وقيل: هو محمول على المعنى لأن معنى: { ونحن له مسلمون } ~~ونحن متبعون صبغة الله. # وقال قتادة: { صبغة الله }: " دين الله ". وكذا قال ابن عباس ~~وغيره. # قال قتادة: " إن اليهود تصبغ أولادها يهودا، والنصارى تصبغ أولادها ~~نصارى، وإن صبغة الله الإسلام، فلا صبغة أحسن من الإسلام / ولا أطهر، وهو ~~دين الله الذي بعث به نوحا والأنبياء بعده صلوات الله عليهم ". # وقال مجاهد: " صبغة الله: فطرة الله؛ وهي فطرة الإسلام التي فطر الناس ~~عليها ". والفطرة ابتداء ما خلق عليه الخلق وهو الإسلام، ثم غيروا دين ~~أنبيائهم بدين آخر. # وأصل الصبغ حدوث شيء فكأنهم أحدثوا دينا غير ما خلقوا عليه. وقوله: { ~~ونحن له عابدون } ، أي: خاضعون في اتباع أمره وتصديق ms0142 كتبه ~~ورسله. # ثم قال تعالى: { قل أتحآجوننا في الله وهو ربنا ~~وربكم } ، أي: قل يا محمد لهؤلاء اليهود والنصارى: أتخاصموننا في ~~دين الله وهو معبودنا ومعبودكم وإلهنا وإلهكم واحد، ونحن له مخلصون ~~العبادة والطاعة، وأنتم قد عبدتم معه غيره، عبدت اليهود العجل، وعبدت ~~النصارى المسيح. فكيف تخاصموننا وتزعمون أنكم أولى به منا وقد عبدتم غيره ~~ونحن أخلصنا العبادة له. # ثم قال: { أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل } إلى ~~قوله: { أو نصارى }. # أي: أتقول اليهود: إن هؤلاء الأنبياء كانوا هودا؟ أو أتقول النصارى: إن ~~هؤلاء الأنبياء كانوا نصارى؟ قل لهم يا محمد: أنتم أعلم أم الله؟ فإن ~~الله قد أعلمنا أنهم على الملة الحنيفية المسلمة. ومن قرأ بالتاء، جعله ~~خطابا لهم. ومن قرأه بالياء أجراه على الإخبار عنهم. # ثم قال: { ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من ~~الله }. # أي: لا أحد أظلم ممن كتم شهادة / عنده من الله. أي: لا أحد أظلم منه. # وقيل: عني بذلك كتمانهم نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وهم يعلمون ذلك ~~ويجدونه في كتبهم. قاله قتادة وغيره. # وقيل: إنما كتموا ما في كتبهم من اتباع ملة إبراهيم صلى الله عليه وسلم ~~ومن ذكر معه، وقد علموا أنهم كانوا حنفاء مسلمين فكتموا ذلك. وادعت ~~اليهود أنهم كانوا يهودا، وادعت النصارى أنهم كانوا نصارى، وهم مع ذلك ~~قد علموا أن اليهودية والنصرانية إنما حدثت بعد موت [هؤلاء] الأنبياء صلى ~~الله عليهم وسلم. # والهاء في { عنده } تعود على الظالم ودل عليه { أظلم }. # والأسباط من ولد يعقوب كالقبائل من ولد إسماعيل صلى الله عليه وسلم وهم ~~اثنا عشر سبطا من اثني عشر ولدا ليعقوب عليه السلام. # ثم قال تعالى: { وما الله بغافل عما تعملون }. # أي: ليس الله بغافل عن فعلكم وكتمانكم / ما قد علمتموه، بل يحصيه عليكم ~~ويجازيكم به. # ثم قال تعالى: { تلك أمة قد خلت لها ما كسبت }. # أي: إبراهيم ومن ذكر معه من الأنبياء صلوات الله عليهم أمة قد مضت ~~بعملها. لها ما عملت، ولكم ما عملتم. # { ولا تسألون ms0143 عما كانوا يعملون }: أي: لا يسأل أحد عن ~~ذنب أحد. ### || [2.142-143] # قوله تعالى: { سيقول السفهآء من الناس } إلى قوله: { ~~لرءوف رحيم }. # أي: سيقول الجهال / من الناس وهم اليهود والمنافقون: ما ولاهم عن ~~قبلتهم التي كانوا عليها، أي: ما حملهم على [ترك التوجه إلى بيت المقدس ~~وما صرفهم] عن ذلك، وذلك حين ترك النبي عليه السلام التوجه نحو بيت ~~المقدس وتوجه إلى الكعبة. # وقيل: هم كفار أهل مكة أعلم الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم ما هم ~~قائلون عند تحويل القبلة إلى الكعبة، وأعلمه ما يقول لهم وما يجاوبهم به، ~~فقال: قل يا محمد [إذا قالوا ذلك]: { لله المشرق والمغرب ~~يهدي من يشآء إلى صراط مستقيم } ، وذلك أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم صلى نحو بيت المقدس سبعة عشر شهرا، وكان يتمنى أن يصرف ~~إلى الكعبة ثم أراد الله جل ذكره صرف قبلته إلى نحو المسجد الحرام فأخبره ~~عما سيقول المنافقون واليهود وأخبره [ما الذي] ينبغي أن يرد عليهم من ~~الجواب. فلما رده الله تعالى إليها، أتاه نفر من اليهود فقالوا: " يا ~~محمد، ما ولاك عن قبلتك التي كنت عليها وأنت تزعم أنك / على ملة ~~إبراهيم ودينه، ارجع إلى قبلتك ونصدقك " يريدون فتنته عن دينه. # وقيل: إنه صلى إلى بيت / المقدس ستة عشر شهرا، ثم صرف إلى الكعبة قبل ~~بدر بشهرين. قاله ابن المسيب. # وكان أول صلاة صرف فيها إلى الكعبة العصر، فلما صلاها إلى الكعبة خرج من ~~عنده رجل، فمر بقوم يصلون فقال: أشهد، لقد صليت مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قبل مكة، فداروا كما هم قبل البيت. # وروى أنس بن مالك " أن النبي [عليه السلام] صلى نحو بيت المقدس تسعة ~~أشهر وعشرة أيام بعد هجرته. قال: فبينما هو قائم يصلي الظهر بالمدينة وقد ~~صلى ركعتين نحو بيت المقدس، انصرف بوجهه إلى الكعبة فقال السفهاء: { ما ~~ولهم عن قبلتهم التي كانوا عليها }. # وقال معاذ بن جبل: " صلى نحو بيت المقدس ثلاثة عشر شهرا ". # وروي / عن الحسن وعكرمة ms0144 أنهما قالا: " صلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~بعد هجرته نحو بيت المقدس اختيارا منه من غير أن يفرض ذلك عليه طمعا من ~~أن يستميل اليهود إذ هي قبلتهم، فأنزل الله عز وجل: # ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم ~~وجه الله # [البقرة: 115]. # وقال أبو العالية: " ان [نبي الله عليه السلام] خير أن يوجه وجهه ~~حيث يشاء، فاختار بيت المقدس لكي يتألف أهل الكتابيين [وهو في ذلك يقلب ~~وجهه في السماء، ثم وجهه الله عز وجل إلى البيت] الحرام ". # وروي أنه صرف في رجب بعد مقدمه المدينة لسبعة عشر شهرا وكان بمكة ~~والمدينة يصلي نحو بيت المقدس. # فلما رجع سأله اليهود أن يرجع إلى قبلتهم يريدون فتنته، وقال كفار مكة: ~~قد برد / أمر محمد وهو راجع إلى دينكم عاجلا. فأنزل الله في الجميع: { ~~سيقول السفهآء } ، الآيات إلى قوله: { وهم يعلمون }. ~~وروي " أن الأنصار صلت قبل قدوم النبي عليه السلام إلى المدينة نحو بيت ~~المقدس حولين. فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة صلى معهم نحو ~~بيت المقدس بضعة عشر شهرا، ثم نقله الله عز وجل إلى الكعبة. # وقال ابن عباس: " لما هاجر [النبي عليه السلام إلى المدينة وكان أكثر ~~أهلها] اليهود، أمره الله عز وجل أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، ~~فاستقبلها بضعة عشر شهرا. وكان صلى الله عليه وسلم يحب قبلة إبراهيم صلى ~~الله عليه وسلم، وكان يدعو وينظر إلى السماء، فأنزل الله جل ذكره: { ~~قد نرى تقلب وجهك في السمآء } الآية. ورجع النبي صلى ~~الله عليه وسلم يصلي إلى الكعبة فارتاب [من ذلك اليهود]. وقالوا: { ما ~~ولهم عن قبلتهم التي كانوا عليها } ، فأنزل الله ~~عز وجل: { قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشآء } ~~الآية. # وقال ابن جريج: / كان النبي عليه السلام يصلي إلى الكعبة، ثم صرف إلى ~~بيت المقدس، وصلت الأنصار نحو بيت المقدس قبل قدومه المدينة بثلاث سنين، ~~وصلى بعد قدومه ستة عشر شهرا، ثم صرف إلى الكعبة. # ثم قال: { وكذلك جعلناكم أمة وسطا }. أي: عدلا. # أي: ms0145 كما هديناكم أيها المؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاءكم به ~~من الحق وفضلناكم بذلك، كذلك خصصناكم فجعلناكم أمة عدلا خيارا. والأمة ~~القرن من الناس. # { لتكونوا شهدآء على الناس }. # أي: تشهدون / للأنبياء الذين أخبر الله بخبرهم محمدا صلى الله عليه ~~وسلم. فهو عام معناه الخصوص، إذ لم يطلع الله عز وجل نبيه صلى الله عليه ~~وسلم على [جميع النبيين وأخبارهم] بدلالة قوله: # منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص ~~عليك # [غافر: 78] فإنما تشهد أمة محمد صلى الله عليه وسلم على الأمم الذين ~~أخبر الله نبيه بهم وبكفرهم وجحودهم دون من لم يطلع الله نبيه على خبرهم ~~من أمم الأنبياء صلوات الله عليهم الذين لم يطلع الله نبيه عنهم، ولا ~~أخبره بهم. فأمة محمد صلى الله عليه وسلم تشهد للأنبياء الذين أخبر الله ~~بهم النبي صلى الله عليه وسلم على أممها أنها قد بلغت ما أرسلت به إلى ~~الأمم. # { ويكون الرسول عليكم شهيدا }. # بإيمانكم وبما جاءكم به من عند الله. # وقيل: " عليكم " بمعنى " لكم " مثل قوله: # وما ذبح على النصب # [المائدة: 3] أي: للنصب. # وروى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يدعى بنوح يوم القيامة فيقال له: هل بلغت ~~ما أرسلت به؟ فيقول: نعم. فيقال لقومه: هل ~~بلغكم؟ فيقولون: ما جاءنا من نذير. فيقال له: ~~من يعلم ذلك؟ فيقول: محمد وأمته، فهو ~~قوله: { لتكونوا شهدآء على الناس } ". # وفي حديث آخر رواه أبو هريرة: # " فيقول قوم نوح صلى الله عليه وسلم: كيف يشهدون ~~علينا ونحن أول الأمم وهم آخر الأمم؟ فيقولون: ~~نشهد أن الله تعالى بعث إلينا رسولا وأنزل ~~علينا كتابا وكان فيما أنزل علينا خبركم ". # وهذا المعنى: أيضا / مروي عن زيد بن أسلم. # وروي أن أمة محمد [عليه السلام] تقول لهم: " كان فيما أنزل علينا: # كذبت قوم نوح / المرسلين # [الشعراء: 105] إلى قوله: # العالمين # [الشعراء: 109]، فكذلك نشهد أنكم كذبتم الرسل. فتشهد للرسل أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم بالتبليغ. # وروي عن النبي [عليه السلام] أنه قال: # " إذا ms0146 جمع الله عباده يوم القيامة، كان أول من ~~يدعى إسرافيل، فيقول له: ما فعلت في عهدي؟، هل ~~بلغت عهدي؟ فيقول: نعم يا رب، قد بلغت ~~جبريل، فيدعى / جبريل فيقول: قد بلغت الرسل. ~~فتدعى الرسل، فيقولون: قد بلغنا الأمم، فتدعى ~~الأمم؛ فمنهم من يكذب الرسل، فيشهد للرسل ~~أمة محمد صلى الله عليه وسلم / بالتبليغ ". # وروى أشهب عن مالك أنه قال: " ينبغي للناس أن يأمروا بطاعة الله عز وجل. ~~فإن عصي كان شهيدا على من عصاه ". # قال الله عز وجل: { لتكونوا شهدآء على الناس ويكون ~~الرسول عليكم شهيدا }. # وروى أبو عامر " أن أول من يسأل يوم القيامة من الرسل عن البلاغ نوح ~~صلى الله عليه وسلم، فيقال له: هل بلغت قومك الرسالة؟ فيقول: نعم. فيقال ~~لقومه: هل بلغكم نوح الرسالة؟ فيجحدون؛ فيقولون: لم يبلغنا الرسالة. ~~فيتنحى نوح من بين يدي الله عز وجل. فيكون بفناء العرش كئيبا حزينا، ~~وأمة محمد صلى الله عليه وسلم غر محجلون من أثر الوضوء، فيأتون نوحا ~~عليه السلام فيقولون: ما لك يا شيخ، من أنت؟ فيقول: أنا نوح. فيقولون: ما ~~لك كئيبا حزينا؟ فيقول: كذبني قومي، فيقولون له: ارجع إلى ربك فنحن ~~نشهد لك بأنك قد بلغت الرسالة، فيقول لهم: ومن أنتم؟ فيقولون: نحن أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم. فيقول: كيف تشهدون لي وأنتم آخر الأمم؟ ~~فيقولون: إن نبينا أتانا بذلك فيقرأون عليه: # إنآ أرسلنا نوحا إلى قومه # [نوح: 1] إلى آخرها، فيرجع نوح إلى الله، فيقول: رب، إن أمة محمد يشهدون ~~لي بالبلاغ. ثم يسأل نبيا نبيا فتجحده أمته فتشهد له أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم بالبلاغ، فماذا سئل محمد عن البلاغ شهدوا بأن محمدا قد بلغ ~~الرسالة ". # ثم قال: { وما جعلنا القبلة التي كنت عليهآ إلا ~~لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه ~~}. # قال ابن عباس: " إلا ليتميز أهل اليقين من أهل الشك والريبة ". ~~والتقدير: وما جعلنا صرفك عن بيت المقدس إلى الكعبة إلا لنعلم علم عيان ~~تجب عليه المجازاة، من يتبع الرسول ms0147 على قبلته ممن يرجع عن إيمانه فيخالف ~~الرسول. # وقيل: المعنى: إلا لنعلم / رسولي وأوليائي ذلك. # ومن شأن العرب إضافة ما فعله أتباع الرئيس وحزبه إليه، يقولون: " جبى ~~الأمير الخراج وهزم العدو، وإنما فعله حزبه وأنصاره. # ومثله في المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل: # " مرضت فلم يعدني عبدي، واستقرضته فلم ~~يقرضني " # يريد به عباده. # وقيل: " علم " هنا بمعنى " رأى " ، فالمعنى: إلا لنرى من يتبع. # وقيل: إنهم خوطبوا على ما كانوا يسرون؛ كان اليهود والمنافقون والكفار ~~ينكرون أن يعلم الله عز وجل الشيء قبل كونه، فيكون المعنى /: إلا لنبين ~~لكم أنا نعلم الأشياء قبل كونها. # وقيل: إنما قال: " لنعلم " على طريق الرفق بعباده، واستمالتهم إلى ~~الطاعة كما قال: # وإنآ أو إياكم لعلى هدى # [سبأ: 24]. وقد علم أن محمدا صلى الله عليه وسلم على هدى /، وأن الكفار ~~على ضلال. # فالمعنى: إلا لتعلموا أنتم إذ أنتم جهال به، فأضاف الفعل إلى نفسه، ~~والمراد خلافه رفقا به. # وقال الضحاك: " قالت اليهود للنبي [عليه السلام]: إن كنت نبيا كما ~~تزعم، فإن الأنبياء والرسل كانت قبلتهم نحو بيت المقدس، فإن صليت إلى ~~بيت المقدس، اتبعناك، فابتلاهم الله بذلك. وأمره أن يصلي إلى بيت المقدس ~~فصلى إليه سبعة عشر شهرا، فلم يتبعوه، ثم صرفه الله عز وجل إلى البيت ~~الحرام فذلك قوله: { وما جعلنا القبلة التي كنت ~~عليهآ } يعني بيت المقدس. { إلا لنعلم من يتبع ~~الرسول }: إلى أي ناحية شاء. { ممن ينقلب على عقبيه ~~}: أي: لنعلم من يؤمن بالرسول من اليهود ومن لا يؤمن. # وقيل: المعنى: وما جعلنا القبلة التي أنت عليها الآن، وهي الكعبة، إلا ~~لنعلم من يتبع الرسول عليها. فكنت " بمعنى " أنت " ، مثل # كنتم خير أمة # [آل عمران: 110] أي: أنتم خير أمة. فروي أنه لما استقبل الكعبة أظهر ~~المنافقون نفاقهم [و] قالوا: ما بال محمد يحولنا مرة إلى ها هنا ومرة ~~إلى ها هنا، وقال المسلمون في أنفسهم وفيمن مضى من إخوانهم المسلمين: ~~بطل أعمالنا وأعمالهم، / فأنزل الله تعالى ذكره: { وما ms0148 كان الله ~~ليضيع إيمانكم } أي: صلاتكم نحو بيت المقدس. وقالت اليهود: { ~~ما ولهم عن قبلتهم التي كانوا عليها } ، وكذلك ~~قال المنافقون، فأنزل الله عز وجل، { قل لله المشرق ~~والمغرب } الآية. # وقيل: إن اليهود قالت للنبي [عليه السلام: إن كنت في القبلة] على هدى، ~~فقد حولت عنه، وإن كنت على ضلالة، فقد مات أصحابك على ذلك. # فأنزل الله عز وجل: { وما كان الله ليضيع إيمانكم } أي: ~~صلاة من مات منكم وهو يصلي إلى بيت المقدس. وقال المشركون من أهل مكة؛ ~~تحير محمد في دينه. فكان ذلك فتنة للناس واختبارا وتمحيصا للمؤمنين. # قال قتادة: " صلت الأنصار حولين نحو بيت المقدس قبل هجرة النبي عليه ~~السلام، ثم هاجر النبي صلى الله عليه وسلم فصلى نحوها ستة عشر شهرا. ثم ~~وجهه الله / نحو الكعبة، فقال قائلون من الناس: { ما ولهم عن ~~قبلتهم التي كانوا عليها } ، وقالوا: لقد اشتاق الرجل ~~إلى مولده. فابتلى الله عز وجل عباده بما شاء من أمره فأنزل الله تعالى ~~في اليهود والمنافقين /: { سيقول السفهآء من الناس ما ~~ولهم عن قبلتهم التي كانوا عليها } إلى قوله: { ~~مستقيم } ، وأنزل في المؤمنين: { وما كان الله ليضيع ~~إيمانكم } إلى { رحيم }. # قال ابن جريج: " بلغني أن ناسا ممن أسلم رجعوا عن الإسلام حين استقبل ~~النبي الكعبة، وقالوا مرة ها هنا ومرة ها هنا. فأظهر الله لخلقه من يرتد ~~فينافق ويخالف الرسول في القبلة ممن اتبعه وآمن بما جاء به " # ثم قال تعالى: { وإن كانت لكبيرة إلا على الذين ~~هدى الله } أي وإن كانت التولية لكبيرة. # وقيل: المعنى: وإن كانت القبلة لكبيرة: وإن كانت التحويلة لكبيرة. # وقيل: المعنى: وإن كانت الصلاة إلى بيت المقدس لكبيرة، أي: لعظيمة في ~~صدور الناس حين قالوا: ما لهم صلوا إلى هاهنا ستة عشر / شهرا ثم ~~انحرفوا، فعظم على قوم ذلك حتى نافقوا وارتدوا وحتى أظهر أهل النفاق ~~نفاقهم. # وقوله: { إلا على الذين هدى الله }. # أي الذين وفق الله إلى الحق، فإنهم ثبتوا على إيمانهم، وقبلوا ما جاءهم ~~به الرسول صلى ms0149 الله عليه وسلم. # وقوله: { وما كان الله ليضيع إيمانكم }. # قال ابن عباس: " لما توجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة قالوا: ~~كيف بمن مات من إخواننا قبل ذلك وهم يصلون نحو بيت المقدس؛ فأنزل الله عز ~~وجل: { وما كان الله ليضيع إيمانكم }. وهذا معنى قول ~~قتادة وغيره. # وإنما أتى الجواب على الخطاب لهم دون الأموات، لأن الأموات غيب ~~والسائلون عن ذلك مخاطبون. والعرب تغلب المخاطب على الغائب، فلذلك قال: { ~~ليضيع إيمانكم }. ولم يقل إيمانهم. # وروى ابن وهب وابن القاسم عن مالك أنه قال في قول الله عز وجل: { وما ~~كان الله ليضيع إيمانكم }: " هي الصلاة إلى بيت المقدس قبل ~~أن تصرف القبلة إلى الكعبة ". # ثم قال: { إن الله بالناس لرءوف رحيم }. # أي: إن الله بجميع عباده لذو رأفة ورحمة، فكيف يضيع أعمالهم التي عملوها ~~فلا يثيبهم عليها وكيف يؤاخذهم على ما لم يفترض عليهم. # والرأفة أعلى معاني الرحمة، وهي عامة لجميع الخلق في الدنيا ولبعضهم في ~~الآخرة. وتسمية الله [جل ذكره الصلاة إيمانا في هذه الآية] رد على ~~المرجئة الذين يقولون إن الصلاة ليست من الإيمان. # وقال أشهب: " وإني لأذكر بهذه الآية الرد على المرجئة وعلى أن الإيمان ~~في هذه الآية يراد به الصلاة نحو بيت المقدس ". وقاله البراء بن عازب، ~~رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو قول قتادة والسدي والربيع بن أنس ~~وابن المسيب وزيد بن أسلم / ومالك وغيرهم. ### || [2.144-146] # / قوله: { قد نرى تقلب وجهك في السمآء }. # إلى قوله: { وهم يعلمون }. # أي: قد نرى يا محمد تصرف نظرك نحو السماء. # روي أنه صلى الله عليه وسلم كان قبل تحويل قبلته من بيت المقدس إلى ~~الكعبة يرفع بصره إلى السماء ينتظر من الله الأمر بالتحويل إلى الكعبة. # قال قتادة: " كان النبي [صلى الله عليه وسلم] يقلب وجهه إلى السماء، ~~يحب أن يصرفه الله تعالى إلى الكعبة حتى صرفه الله عز وجل إليها ". # وهذا يدل على أنه لم يصل إلى بيت المقدس إلا بوحي، فكان ينتظر متى ~~يؤمر ms0150 بترك ما أمر به. ولو كان إنما صلى إلى بيت المقدس باختياره لم ~~ينتظر الأمر فيه، ولرجع إلى الكعبة باختياره أيضا. وقد قال تعالى: # وما ينطق عن الهوى # [النجم: 3]. فكيف يأمرهم بالصلاة إلى بيت المقدس من عند نفسه. هذا بعيد. # وقال بعض العلماء: " إنما أحب النبي [عليه السلام] أن يرد إلى ~~الكعبة لأن اليهود كانوا يقولون: يتبع قبلتنا ويخالفنا في ديننا! / فلما ~~رده الله إلى الكعبة انقطع قول اليهود ". # وقال ابن زيد: # " قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: { فأينما تولوا ~~فثم وجه الله } فقال النبي [عليه السلام] " هؤلاء قوم ~~يهود يستقبلون بيتا من بيوت الله عز وجل، فلو أنا ~~استقبلناها " فاستقبل النبي [عليه السلام] معهم بيت المقدس ~~ستة عشر شهرا، فبلغه أن اليهود تقول: والله / ما درى محمد وأصحابه أين ~~قبلتهم حتى هديناهم. فكره ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، ورفع وجهه إلى ~~السماء. فأنزل الله عليه { فلنولينك قبلة ترضاها ~~فول وجهك شطر المسجد الحرام } الآية ". # فهذا يدل على أنه استقبل بيت المقدس من غير أمر أتاه من عند الله، وأنه ~~إنما أتاه من الله الإباحة باستقبال أي موضع شاء. ثم نسخ الله فعله لأنه ~~كان صلى الله عليه وسلم يتبع آثار الأنبياء صلى الله عليهم وسلم، فلذلك ~~صلى نحو بيت المقدس / مع ما طمع به من استمالة اليهود أن يؤمنوا به. # وقال ابن عباس: " كان النبي عليه السلام لما هاجر إلى المدينة - وكان ~~أكثر أهلها اليهود - أمره الله [جل وعز] أن يستقبل بيت المقدس ففرحت ~~اليهود، فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعة عشر شهرا. فكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب قبلة أبيه إبراهيم وكان يدعو وينظر إلى ~~السماء، فأنزل الله عز وجل: { قد نرى تقلب وجهك في ~~السمآء } إلى { صرط مستقيم }. فهذا يدل على أن الله سبحانه ~~أمره باستقبال بيت المقدس ثم نسخها بالكعبة. # " وروي أن النبي [عليه السلام] كان يصلي بمكة نحو بيت المقدس مع ~~استقباله الكعبة، فلما هاجر إلى المدينة ms0151 صلى نحو بيت المقدس أيضا / سبعة ~~عشر شهرا، ووقع في نفسه الصلاة نحو الكعبة، فأقبل يقلب وجهه إلى السماء ~~كيف يستقبل الكعبة. فأتاه جبريل عليه السلام، فقال له النبي صلى الله ~~عليه وسلم: " لوددت يا جبريل أن الله صرفني عن ~~قبلة اليهود إلى غيرها " ، فقال له جبريل عليه السلام: إنما ~~أنا عبد مثلك، وأنت كريم على الله، فادعه وسله، ثم ارتفع جبريل، وجعل ~~النبي يديم النظر إلى السماء رجاء أن يأتيه جبريل بالذي سأل، فأنزل الله ~~جل ذكره: { قد نرى تقلب وجهك } الآية ". # وقال إبراهيم بن اسحاق: " أول أمر الصلاة أنها فرضت ركعتين بمكة في ~~أول النهار، وركعتين في آخره. فلما كانت ليلة سبع عشرة من شهر ربيع الآخر ~~قبل الهجرة بسنة، أسري به صلى الله عليه وسلم وفرض عليه خمسون صلاة، ثم ~~نقصت إلى خمس صلوات، فأتاه جبريل صلى الله عليه وسلم فأمه عند البيت، ~~فأول ما صلى به الظهر نحو بيت المقدس مع استقبال الكعبة. ثم قدم المدينة ~~في شهر ربيع الأول، فصلى إلى بيت المقدس تمام سنة إحدى عشرة وصلى من سنة ~~اثنتين ستة أشهر ثم حولت القبلة في رجب. # وروى الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن القبلة صرفت ~~في جمادى. # وقال الواقدي: " في النصف من شعبان صرفت ". فوقع الاختلاف على مقدار ~~اختلافهم في عدة الأشهر التي صلى في المدينة إلى بيت المقدس. # وقيل: إنما نسخ الله باستقبال الكعبة قوله: # فأينما تولوا فثم وجه الله # [البقرة: 115]. فأباح له أن يستقبل إلى أي ناحية شاء. ثم نسخ ذلك بقوله: ~~{ فول وجهك شطر المسجد الحرام }. # وقال ابن عباس: " أول ما نسخ من القرآن شأن القبلة ". # قال الله عز وجل لنبيه: { ولله المشرق والمغرب ~~فأينما تولوا فثم وجه الله }. فصلى نبيه عليه السلام ~~نحو بيت المقدس وترك البيت العتيق ثم صرفه الله إلى البيت العتيق فقال: { ~~ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام ~~وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره } /. # ابن وهب عن مالك ms0152 عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أنه قال: " بينا الناس ~~بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال لهم: إن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قد نزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها ~~وكانت وجوههم / إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة ". # وحدث مالك عن ابن المسيب أنه كان يقول: " صلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~بعد أن قدم المدينة / ستة عشر شهرا نحو بيت المقدس، ثم حولت القبلة قبل ~~بدر بشهرين ". # وذكر البراء في ذلك كله نحوه. # وقال أنس: " مر بهم رجل وهم ركوع نحو بيت المقدس، فنادى: " ألا إن ~~القبلة قد صرفت إلى الكعبة ". فمالوا كما هم ركوعا ". # قال الواقدي: " صرفت / يوم الثلاثاء للنصف من شعبان سنة اثنتين ". # وقال ابن شعبان: " صرفت إلى الكعبة في رجب ". # وقال: # سيقول السفهآء من الناس ما ولهم عن قبلتهم ~~التي كانوا عليها # [البقرة: 142]. # يعنون بيت المقدس، فأنزل الله: { قل لله المشرق والمغرب ~~يهدي من يشآء إلى صراط مستقيم }. # وروى ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: " إن الصلاة ~~أول ما فرضت، إنما فرضت ركعتين، ثم أتم الله صلاة الحضر، وأقرت صلاة ~~السفر على حالها ". قال ابن شهاب: فقلت لعروة: فما حمل عائشة على أن تصلي ~~في السفر أربع ركعات؟ فقال عروة: تأولت عائشة في ذلك ما تأول عثمان [بن ~~عفان] في إتمام الصلاة بمنى ". # قال أبو عبيد: تأول عثمان في إتمام الصلاة بمنى ثلاثة أوجه: فيقال: إنه ~~اتخذ أهلا بمكة. ويقال: إنه تأول: إني الخليفة فحيثما كنت فهو عملي. ~~والوجه الثالث: أنه بلغه أن أعرابيا صلى معه ركعتين فظن أن الفريضة ~~ركعتان فانصرف إلى منزله فلم يزل يصلي ركعتين السنة كلها، فلما بلغه ذلك ~~أتم الصلاة. / وأما عائشة رضي الله عنها. فتأولت أنها أم المؤمنين فحيثما ~~كانت فكأنها مع ولدها مقيمة ". # " وروي أن أول من صلى إلى الكعبة من المسلمين بالمدينة البراء بن معرور ~~من بني سلمة، وذلك أنه كان قد بايع النبي [عليه ms0153 السلام] على العقبة وكان ~~نقيبا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " إني رمقتك ~~فأحب أن تعود إلي حتى تهاجر معي فتكون لك ~~مع النصرة هجرة ". فلما توجه إلى المدينة مع السبعين الذين ~~بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار على العقبة، مرض ~~بالمدينة فكان يصلي إلى الكعبة لموعدة النبي صلى الله عليه سلم. فلما ~~حضرته الوفاة، قال: اجعلوا مالي ثلاثة أثلاث: ثلثا لله وثلثا لرسوله ~~وثلثا لوليي، وإذا مت فحولوا وجهي نحو محمد صلى الله عليه وسلم لموعدي ~~معه. فكان أول من صلى إلى الكعبة، وأول من دفن نحوها، وأول من أوصى ~~بثلثه. فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة أخبر بوفاته وبالوصية، ~~فقال: " أما ثلثي فرد على ولده، وأما / [ثلث ~~الله] فأنفقه في سبيل الله عز وجل ". وكان له ابن صالح من خيار ~~النقباء اسمه بشر بن البراء، وفيه قال النبي صلى الله عليه وسلم: " هو ~~سيد بني سلمة " # وهو الذي أكل من الشاة التي سمت للنبي صلى الله عليه وسلم ومن ذلك مات ~~يوم خيبر. # / وقوله: { فلنولينك قبلة ترضاها }: أي: فلنصرفنك إلى ~~قبلة ترضاها وهي الكعبة. ومعنى ترضاها: تهواها وتحبها. # ثم قال: { فول وجهك شطر المسجد الحرام }. # أي: نحوه وقصده وتلقاءه. # قال عبد الله بن عمر: " صرفت قبلته حيال ميزاب الكعبة ". وكان يجلس في ~~المسجد الحرام حيال الميزاب، فإذا سئل عن ذلك تلا هذه الآية. # وقال ابن عباس: ولى وجهه نحن [البيت] كله " ، وهو قول أكثر العلماء. ~~وقد قال أسامة بن زيد: " رأيت النبي [عليه السلام] حين خرج من البيت أقبل ~~بوجهه إلى الباب فقال: # " هذه القبلة هذه القبلة ". # " وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه صلى ركعتين مستقبلا باب الكعبة ~~وقال: " هذه القبلة " ، مرتين. " # ثم قال: { وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره }. # أي: وأينما كنتم أيها المؤمنون فولوا وجوهكم بصلاتكم نحو المسجد ~~الحرام. # فالهاء في " شطره " عائدة على المسجد الحرام. # فأوجب الله بهذه الآية على المؤمنين فرض التوجه نحو المسجد الحرام في ~~صلاتهم ms0154 حيث ما كانوا من الأرض. # ثم قال تعالى: { وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون ~~أنه الحق من ربهم }. # أي: وإن أحبار اليهود وعلماء النصارى ليعلمون أن التوجه نحو المسجد ~~الحرام الحق الذي فرض الله على إبراهيم [عليه السلام] وذريته وسائر عباده ~~بعده، فرض ذلك عليهم. # قال قتادة والضحاك: " يعرفون أن القبلة هي الكعبة ". # قال الضحاك: " كمعرفتهم أبناءهم ". # والهاء في " أنه " تعود على التولية إلى الكعبة، ودل على التولية قوله: ~~{ فول }. # وعن الكسائي أنه قال: " الهاء تعود على الشطر ". # ثم قال: { وما الله بغافل عما يعملون }. # من قرأ بالتاء رده على الخطاب في قوله: { وحيث ما كنتم ~~فولوا وجوهكم شطره }. ومن قرأه بالياء رده على الإخبار / ~~عن الذين أوتوا الكتاب لتقدم ذكرهم. # ثم قال: { ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل ~~آية ما تبعوا قبلتك }. # أي: ولئن جئت يا محمد اليهود والنصارى بكل برهان وحجة بأن الحق ما جئتهم ~~به من فرض التحول إلى المسجد الحرام، ما صدقوا به ولا اتبعوه مع قيام ~~الحجة عليهم. # وقوله: { ومآ أنت بتابع قبلتهم }. # أي: ما لك من سبيل يا محمد إلى / اتباع قبلتهم لأن اليهود تستقبل بيت ~~المقدس بصلاتها، والنصارى تستقبل / المشرق. فمن أين يكون لك يا محمد ~~السبيل إلى اتباع قبلتهم مع اختلاف وجوهها، فالزم ما أمرت به من استقبال ~~المسجد الحرام. # ثم قال: { وما بعضهم بتابع قبلة بعض }. # أي: وما اليهود بتابعين قبلة النصارى، ولا النصارى بتابعين قبلة اليهود. ~~قاله السدي وغيره. # وقيل: معناه: وما الذين اتبعوك من اليهود بتابعين قبلة من لم يتبعك، ولا ~~الذين لم يتبعوك بتابعين قبلة من اتبعك منهم. وقال السدي: " أنزل الله ~~تعالى هذه الآية من أجل أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حول إلى الكعبة ~~قالت اليهود: إن محمدا اشتاق إلى قبلة إبراهيم ومولده، ولو ثبت على ~~قبلتنا لكنا نرجو أن يكون هو / صاحبنا الذي ننتظره، فأنزل الله عز وجل: { ~~وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق ~~من ربهم } إلى قوله: { ليكتمون الحق وهم يعلمون ~~}. وهو قول ms0155 ابن زيد. # ثم قال: { ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جآءك ~~من العلم إنك إذا لمن الظالمين }. # أي: ولئن التمست يا محمد رضا هؤلاء اليهود والنصارى الذين قالوا لك ~~ولأصحابك: { كان / هودا أو نصارى } ، فاتبعت قبلتهم من بعد ما ~~جاءك من العلم أنهم على باطل وعلى عناد للحق، وأنهم يعرفون أن الحق ما ~~أنت عليه إنك إذا لمن الظالمين لنفسك. # وهذا خطاب للنبي [عليه السلام] ولسائر أمته. # وقيل: المراد به أمته. # ثم قال: { الذين آتيناهم الكتاب }. يعني أحبار اليهود ~~وعلماء النصارى. # { يعرفونه كما يعرفون أبناءهم } أي: يعرفون أن البيت ~~الحرام هو قبلة إبراهيم صلى الله عليه وسلم ومن قبله من الأنبياء كما ~~يعرفون أبناءهم. # هذا قول قتادة وهو قول ابن عباس والربيع والسدي وابن زيد وابن جريج. # وعن قتادة أيضا: { يعرفونه } أي: يعرفون محمدا صلى الله عليه ~~وسلم أنه نبي كما يعرفون أبناءهم. وهو قول الزجاج. # والهاء في { يعرفونه } على القول الأول تعود على الشطر أو على ~~التولية. وعلى القول الثاني تعود على محمد صلى الله عليه وسلم ويكون ~~التأويل: " يعرفونك يا محمد ". لكن صرف الكلام من المخاطبة إلى الغيبة ~~على مذهب العرب. # وقال مقاتل: " الهاء في (يعرفونه) تعود على البيت الحرام ". # ثم قال: { وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم ~~يعلمون }. # أي وإن / طائفة من اليهود والنصارى ليكتمون أن القبلة هي المسجد الحرام ~~وهم يعلمون أنها حق. # وقال قتادة وغيره: " يكتمون أمر محمد صلى الله عليه وسلم وهم يعلمون أنه ~~حق يجدونه في التوراة والإنجيل ". ### || [2.147-157] # قوله: { وهم يعلمون * الحق من ربك فلا تكونن ~~من الممترين } إلى قوله: { وأولئك هم المهتدون }. # أي: هذا الحق من ربك. # { فلا تكونن من الممترين } أي: لا تكونن من الشاكين أن ~~القبلة التي وجهت إليها هي الحق وهي قبلة إبراهيم والأنبياء غيره صلوات ~~الله عليهم. # وهذا خطاب للنبي [عليه السلام] والمراد به أمته. # ثم قال تعالى: { ولكل وجهة هو موليها }. # " هو " يرجع إلى " كل ". والهاء في " موليها " ترجع إلى القبلة. ~~وقيل: " هو " يرجع إلى الله ms0156 جل ذكره. # فأما من قرأ " هو مولاها " ، فهو يرجع إلى " كل " لا غير. # قال مجاهد: " معناه: ولكل صاحب ملة قبلة ". يعني لليهود قبلة وللنصارى ~~قبلة. # قال ابن عباس: " يعني بذلك أهل الأديان؛ لكل أهل دين قبلة يرضونها. ~~ووجهة الله عز وجل حيث توجه المؤمنون ". # وقال الضحاك: " معناه ولكل صاحب ملة قبلة، وصاحب القبلة يوليها وجهه ~~". # وقال السدي: " المعنى ولكل قوم قبلة قد ولوها ". # والمعنى عند أهل العربية، هو موليها نفسه / أو وجهه. # فأما من قرأ: " مولاها " فالضمير على هذه القراءة لواحد، أي: ولكل ~~واحد من الناس قبلة، الواحد مولاها، أي: مصروف إليها. # وقال الأخفش: " المعنى: موليها الله إياه على ما يزعمون " / يريد على ~~قراءة موليها. # وقال علي بن سليمان: " المعنى هو متوليها، والوجهة والجهة والوجه واحد ~~". # وعن قتادة في قوله: { هو موليها } ، قال: " هي صلاتهم إلى بيت ~~المقدس وصلاتهم إلى الكعبة ". # فيكون التقدير على هذا: ولكل ناحية وجهك إليها ربك يا محمد قبلة ~~الله موليها عباده ". وهو قول الأخفش الذي تقدم. # ومعنى " موليها " مول وجهه إليها ومستقبلها. # وقال الطبري: " التولية في الآية للكل، ووجدت للفظ " كل " ، قال: " ~~فمعنى الكلام: ولكل أهل ملة وجهة، الكل موليها وجوههم. قال: وأما قراءة ~~ابن عامر فمعناه: هو موجه نحوها، ويكون الكل حينئذ غير مسمى فاعله، ولو ~~سمي فاعله لكان الكلام: ولكل ذي ملة وجهة، الله موليها إياه بمعنى موجهه ~~إليها. # ورويت قراءة شاذة بإضافة " كل " إلى " وجهة " ، وهي قراءة / لا تجوز ~~لأنه لا فائدة في الكلام إذا لم يتم الخبر ". # ولو ثنيت على قراءة الجماعة لقلت: " هما مولياها " ، وفي الجمع ~~[هم مولوها] وعلى قراءة ابن عباس / في التثنية " هما ~~مولياها ". # وفي الجمع [هم مولوها]. فإن جئت بالمفعول الثاني في قراءة ~~الجماعة، قلت في التثنية: " هما [مولياها هما] وفي الجمع: " ~~هم مولوها هم ". # ثم قال تعالى: { فاستبقوا الخيرات }. # أي: بادروا إلى عمل الصالحات واستقبال ما أمركم الله عز وجل باستقباله ~~وهو المسجد الحرام. # ثم قال: { أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا }. # أي: في أي ms0157 مكان تكونون بعد موتكم يأت بكم الله جميعا يوم القيامة. # { إن الله على كل شيء قدير }. أي: على جمعكم بعد ~~مماتكم وغير ذلك قدير. # ثم قال تعالى: { ومن حيث خرجت } الآية. # وقد تقدم شرحه ووقع التكرير للإفهام، ولئلا يصل ذلك إلى بعض دون بعض ~~فكرر الله التأكيد ليصل إلى الجميع. # ثم قال: { لئلا يكون للناس عليكم حجة }. # الناس هنا: مشركو العرب. والمعنى: عرفناكم أن لكل وجهة موليها لئلا يكون ~~لمشركي العرب حجة أي: خصومة / ودعوى باطل [إلا لمشركي] قريش فإن [لهم ~~عليكم] دعوى باطلة وخصومة بغير حق لقولهم لكم: رجع [محمد إلى] قبلتنا، ~~وسيرجع إلى ديننا. هذا معنى قول مجاهد. # وقال قتادة: " هم مشركوا العرب، قالوا لمشركي قريش حين صرفت القبلة إلى ~~الكعبة: قد رجع إلى قبلتكم، فيوشك أن يرجع إلى دينكم ". # قال الله تعالى: { فلا تخشوهم واخشوني }. # وعن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من أصحاب النبي [عليه السلام] أنه لما ~~صرفت القبلة نحو الكعبة قال المشركون من أهل مكة: تحير على محمد دينه ~~فتوجه بقبلته إليكم، وعلم أنكم كنتم أهدى منه سبيلا، ويوشك أن يدخل في ~~دينكم، فأنزل الله فيهم: { لئلا يكون للناس عليكم ~~حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم ~~واخشوني }. # وهو قول عطاء والسدي وغيرهما. فهو على هذا التاويل استثناء صحيح، وهو ~~مذهب الطبري، قال: " نفى الله جل ذكره أن يكون لأحد من الناس حجة على ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في استقباله الكعبة إلا مشركي قريش فإن ~~لهم قبلكم خصومة باطلة بأن يقولوا: إنما توجهتم إلى قبلتنا لأنا كنا ~~أهدى منكم سبيلا وأنكم كنتم على ضلالة في استقبالكم بيت المقدس ". # وقال بعض النحويين: " هو استثناء ليس من الأول، / و " إلا " بمعنى " لكن ~~". # قال أبو عبيدة: / " " إلا " بمعنى الواو ". # وهو قول بعيد من الصواب لأنه يفسد المعاني ويغير ما بني عليه الكلام. و ~~" إلا " إذا كانت بمعنى " لكن " ، فإنما هي إيجاب لشيء بعدما تؤكده. # وقوله: { فلا تخشوهم واخشوني }. # أي: لا تخشوا هؤلاء الذين سفهوا عليكم بالحجج ms0158 الباطلة، واخشوا عقابي إن ~~خالفتم أمري. وهذا تحضيض من الله تعالى للمؤمنين على لزوم الصلاة إلى ~~الكعبة وترك التوجه إلى غيرها. # وقال السدي: " معناه: فلا تخشوا أن أردكم إلى دينهم ". # ثم قال: { ولأتم نعمتي عليكم }. # قال الأخفش: " هو معطوف على { لئلا يكون } أي: لئلا يكون، ولأتم ~~نعمتي عليكم. فالمعنى: / ولوا وجوهكم حيث كنتم من الأرض إلى نحو المسجد ~~الحرام كي لا يكون لأحد من الناس عليكم حجة سوى مشركي قريش، فإن لهم حجة ~~باطلة، وكي أتم نعمتي عليكم بإتمام شرائح الملة الحنيفية. # وقال ابن جبير: " { ولأتم نعمتي عليكم }: " أي: ولأدخلكم ~~الجنة ". قال: " ولن تتم نعمة الله على عبد حتى يدخله الجنة ". # وقال الزجاج: " اللام متعلقة بمحذوف والتقدير: ولأتم نعمتي عليكم عرفتكم ~~قبلتكم، وأنه لا حجة لأحد عليكم إلا الذين ظلموا فإنهم [سيحتجون عليكم] ~~بالباطل ". # وقيل: التقدير: { لئلا يكون للناس عليكم حجة } ، { ~~ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون }. ففي ~~الكلام على هذا القول تقديم وتأخير. وهو قول الأخفش المتقدم الذكر. # ثم قال تعالى: { كمآ أرسلنا فيكم رسولا منكم }. # تقديره: ولعلكم تهتدون اهتداء مثل إرسالنا إليكم رسولا منكم تاليا ~~عليكم الكتاب ومطهرا لكم من الذنوب ومعلما لكم ما لم تكونوا تعلمون. # فكل ما بعد " رسول " نعوت له مكررة. # وقال الزجاج: " الكاف متعلقة بما بعدها، أي: فاذكروني كما أرسلت فيكم ~~رسولا منكم ". # وهذا قول مردود لأن الأمر إذا كان له جواب لم يتعلق به ما قبله لاشتغاله ~~بجوابه؛ تقول: " كما أحسنت إليك فأكرمني ". فتكون الكاف من " كما " ~~متعلقة ب " أكرمني " إذ لا جواب له. فإن قلت: " كما أحسنت إليك فأكرمني ~~أكرمك " ، لم تتعلق الكاف من " كما " ب " أكرمني " بأن له جوابا، ولكن ~~تتعلق بشيء آخر أو بمضمر. فكذلك قوله: { فاذكروني أذكركم } / ~~هو أمر له جواب، فلا [تتعلق " كما " به ولا] يحوز ذلك إلا على التشبيه ~~بالشرط الذي يجاوب بجوابين، نحو قولك: " إذا أتاك فلان فأته ترضه " ، ~~فتكون " كما " و " أذكركم " جوابين [للأمر. والأول أفصح] وأشهر. # وقيل: هي متعلقة بقوله: { ولأتم نعمتي عليكم } أي: " ~~ولأتم ms0159 نعمتي عليكم إتماما كما أرسلنا ". # وقيل: الكاف في موضع / نصب على الحال، أي: ولأتم نعمتي عليكم في هذه ~~الحال. # وقيل: المعنى: ولأتم نعمتي عليكم بإتمام شرائع دين الحنيفية ملة إبراهيم ~~كما أرسلنا فيكم رسولا منكم تاليا عليكم آياتي، ومطهرا لكم ومعلما ~~لكم الكتاب والحكمة وما لم تكونوا تعلمون. وكل ذلك بدعاء إبراهيم صلى ~~الله عليه وسلم [في قوله]: # ومن ذريتنآ أمة مسلمة لك # [البقرة: 128] وقوله: # ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم ~~آيتك ويعلمهم الكتب والحكمة / ويزكيهم ~~إنك أنت العزيز الحكيم # [البقرة: 129]. # فدل هذا المعنى على ان الكاف متعلقة بقوله: { ولأتم نعمتي ~~عليكم } فتلخيص المعنى: ولأتم نعمتي عليكم ببيان ملة أبيكم إبراهيم ~~كما أجبنا دعوته فيكم، فأرسلنا إليكم رسولا منكم. # ومعنى " يزكيكم " / يطهركم من دنس الذنوب. # { ويعلمكم الكتاب } أي: القرآن، والحكمة والسنن والفقه في ~~الدين. { ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون }. # أي أخبار الأنبياء والأمم قبلكم، وما هو كائن من الأمور. # ومعنى { فاذكروني أذكركم }. # قال ابن عباس: " إذا ذكر الله العبد وهو على طاعته ذكره برحمته، وإذا ~~ذكره وهو على معصيته ذكره بلعنته ". # وقال عكرمة: " يقول الرب: يا ابن آدم اذكرني بعد صلاة الصبح ساعة وبعد ~~صلاة العصر ساعة، وأنا أكفيك ما بينهما ". # وقال ابن جبير: " اذكروني بالطاعة أذكركم بالمغفرة ". # وقال الربيع في الآية: " إن الله ذاكر من ذكره، وزائد من شكره، ومعذب من ~~كفره ". # وكان بعضهم يتأوله من الذكر والثناء والمدح. # وقيل: المعنى: اذكروني واذكروا نعمتي عليكم شكرا لها، أذكركم برحمتي ~~والزيادة من النعمة. # وقال السدي: " ليس من عبد يذكر الله إلا ذكره الله جل وعز، لا يذكره ~~مؤمن إلا ذكره برحمته، ولا يذكره كافر إلا ذكره بعذاب ". والذكر فيما روي ~~عن عمر رضي الله عنه ذكران. أحدهما أفضل من الآخر وهما: / ذكر الله عند ~~أوامره ونواهيه، وذكر الله بلسانه بالثناء عليه. فالأول أفضل، وكلاهما ~~فيه فضل وأجر وثواب، إلا أن ذكر الله عند أمره ونهيه - فيفعل ما أمر به ~~وينتهي عما نهى عنه - أفضل من ذكره باللسان مع مخالفة ms0160 أمره ونهيه. والفضل ~~كله والشرف والأجر والثواب في اجتماعهما من الإنسان. وهو ألا ينسى ذكر ~~الله عند أمره فيأتمر، وعند نهيه فينتهي، ولا ينساه من ذكره بلسانه. # وكذلك الصبر صبران. وهما: الصبر على الطاعة وعن المعصية، / والصبر على ~~المصيبة. والأول أفضل. # وقوله: { واشكروا لي ولا تكفرون }. # أي اشكروه على نعمة الإسلام والهدى ولا تجحدوا إحسانه إليكم ونعمه ~~عندكم. # والشكر معناه الثناء على الرجل بأفعاله المحمودة. # ومعنى الكفر التغطية للشي. # ثم قال: { يآأيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر ~~والصلاة }. # هذه الآية حض من الله تعالى للمؤمنين على طاعته، واحتمال المكروه في ~~الله عز وجل. فالمعنى: استعينوا على طاعة الله بالصبر والتسليم لأمره في ~~جميع ما يأمركم به، واستعينوا على ذلك أيضا بالصلاة لأن بها تتقربون إلى ~~الله سبحانه، فيجيب دعاءكم ويقضي حوائجكم. # قال قتادة: " احتجوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في انصرافه إلى ~~الكعبة: [وقالوا: سيرجع محمد] إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا، فأمرهم الله ~~تعالى أن يستعينوا بالصبر والصلاة ". # وقيل: الصبر هنا الصوم، لأنه يقطع عن اللذات. # وقيل: الصبر هنا الصبر عن المعاصي. # { إن الله مع الصابرين }: أي: ناصرهم وراض بفعلهم يظهر ~~دينه على سائر الأديان لأن من كان الله معه فهو الغالب. # ثم قال / تعالى: { ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله ~~أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون }. # هذا يدل على أنه لا يقال للشهيد ميت، إنما يقال: شهيد وقتيل. فالمعنى: ~~هم أحياء عند ربهم يرزقون من ثمر الجنة ويجدون ريحها وليسوا فيها. قاله ~~مجاهد. # قال قتادة: " كنا نحدث أن أرواح الشهداء تعارف في طير [خضر تأكل من ~~ثمار] الجنة، وأن مساكنهم السدرة، وأن للمجاهد في سبيل الله عز وجل ثلاث ~~خصلات: من قتل في سبيل الله عز وجل منهم صار حيا مرزوقا، ومن غلب آتاه ~~الله أجرا عظيما، / ومن مات رزقه الله رزقا حسنا ". # قال الربيع: " هم أحياء في صور طير خضر يطيرون في الجنة حيث شاءوا. منها ~~يأكلون، من حيث شاءوا ". # وقال عكرمة: " أرواح الشهداء في ms0161 طير بيض في الجنة ". # وروى ابن عباس عن النبي [صلى الله عليه وسلم] أنه قال: # " الشهداء على نهر بباب الجنة في قبة خضراء ~~". # ويروى أنهم بباب الجنة في روضة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة ~~وعشيا. [فنهى الله المسلمين أن يسموهم] أمواتا وأمرهم أن يسموهم شهداء. # وعن النبي [صلى الله عليه وسلم] أنه قال / في شهداء أحد: # " هؤلاء الشهداء، وأنا عليهم شهيد، جعل الله ~~أرواحهم في طير خضر ترتع في رياض الجنة ". # وقيل: المعنى: لا تقولوا: " هم أموات في دينهم، بل هم أحياء في دينهم ". ~~والقول الأول عليه أهل العلم. # ثم قال تعالى: { ولنبلونكم بشيء من الخوف ~~والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات }. # أي: لنختبرنكم ولنمتحننكم بشدائد الأمور فيظهر من هو في الصبر والاحتساب ~~على اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم باق، ممن ينقلب على عقبيه كما ~~ابتليتكم بتحويل القبلة. وقد عدهم الله بذلك الامتحان في آية أخرى ~~فقال: # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل ~~الذين / خلوا من قبلكم # [البقرة: 214] الآية إلى # قريب # [البقرة: 214]. قال ابن عباس: " أخبر الله عز وجل المؤمنين أن الدنيا ~~دار بلاء وأنه مبتليهم فيها، وأمرهم بالصبر وبشرهم، فقال: { وبشر ~~الصابرين }. وأخبر في الآية الأخرى أنه هكذا فعل بأوليائه قبلهم ~~لتطيب أنفسهم فقال: # مستهم البأسآء والضرآء وزلزلوا # [البقرة: 214]. # وقوله: { بشيء من الخوف }. يعني خوف العدو. # { والجوع }: يعني القحط. # ثم قال: { وبشر الصابرين }: أي: الصابرين على الامتحان، ثم ~~بينهم فقال: # { الذين إذآ أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله ~~وإنآ إليه راجعون }. # أي نحن وأموالنا له، ونحن إليه راجعون. # وقيل: معناه: ونحن مقرون بأن نبعث ونعطى الثواب على تصديقنا والصبر على ~~ما ابتلينا به. # ثم قال: { أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة ~~}. # أي: مغفرة من ربهم. # وقيل: ترحم من ربهم ورحمة. { وأولئك هم المهتدون }. # قال الليث في قوله: { إنا لله } الآية " معناها: نحن والذي أصبنا ~~به لله ونحن وإياه إلى الله راجعون ". # / قال ابن جبير: " لم يعط هذه الآية أحد من الأمم قبلنا ولا نبي قبل ms0162 ~~نبينا. ولو علمها يعقوب عليه السلام لم يقل: # يأسفى على يوسف # [يوسف: 84]. # وقال عكرمة: # " انطفأ مصباح / النبي [عليه السلام] ليلة فقال: { إنا لله ~~وإنآ إليه راجعون }. فقيل: يا نبي الله: ~~أمصيبة هذه؟ فقال: نعم، كل شيء آذى المؤمن ~~فهو له مصيبة، / وله فيه أجر المصيبة ". # وروي أن النبي [صلى الله عليه وسلم] قال: # " ما من أحد أصيب بمصيبة فاسترجع إلا ~~استوجب من الله ثلاث خصال؛ كل خصلة خير من ~~الدنيا وما فيها ". # قال أبو عبيد: يعني قوله: { أولئك عليهم صلوات من ~~ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون }. ### || [2.158-164] # قوله: { إن الصفا والمروة من شعآئر الله }. # إلى قوله: { لقوم يعقلون }. # الصفا والمروة جبلان متحاذيان بمكة معروفان، ولذلك دخلت الألف واللام ~~فيهما للتعريف. # وجمع الصفا أصفاء كرحا وأرحاء. ويجوز في جمعه: صفي ~~وصفي، كعصا وعصي وعصي. # وجمع مروة مرو [كتمرة وثمر]، وإن شئت مروات ~~كتمرات. # والصفا في اللغة الحجارة الصلبة التي لا تنبت شيئا. # والمروة الحصاة الصغيرة. # وقوله: { من شعآئر الله }. # أي: من معالم الله التي جعلها لعباده مشعرا يعبدونه عندها إما بالدعاء ~~وإما بالصلاة، وإما بأداء ما افترض عليهم من العمل عندهما. # وقيل: شعائر الله من أعلام الله التي تدل على طاعته من موقف ومشعر ~~ومذبح، والواحدة شعيرة من " شعرت به ". # وكان مجاهد يرى أن الشعائر جمع شعيرة من إشعار الله تعالى عباده ما يجب ~~عليهم من طاعته، قال: " أشعرته بكذا " ، أي: أعلمته به. وقال ~~الطبري: " إنما أعلم الله عباده المؤمنين أن السعي بينهما من مشاعر الحج ~~التي سنها الله تعالى لهم، وأمر بها خليله إبراهيم صلى الله عليه وسلم ~~إذ سأله أن يريه مناسك الحج، وهو [خبر يراد به] الأمر لأن الله سبحانه قد ~~أمر نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين باتباع ملة إبراهيم. # ثم قال: { فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح ~~عليه أن يطوف بهما }. # هذه الآية نزلت في سبب أقوام من المؤمنين قالوا في سبب أصنام كانوا ~~يطوفون بها في الجاهلية قبل الإسلام تعظيما لها: كيف [نطوف بها، ms0163 وقد] ~~علمنا أن تعظيم الأصنام وجميع ما كانوا يعبدون من دون الله عز وجل / شرك ~~بالله سبحانه؟ فلا سبيل إلى تعظيم شيء مع الله عز وجل. فأنزل الله تعالى ~~في ذلك { فلا جناح عليه أن يطوف بهما } من أول الآية. # والجناح الإثم، مأخوذ من قولهم: " جنح عليه " إذا مال، و " جنح ~~عن الحق " إذا مال عنه. ومنه سمي جناح الطائر لأنه مائل في ناحية، ~~وقوله # واضمم إليك جناحك # [القصص: 32]: معناه يدك لأنها في موضع الجناح. والهاء في (عليه) ~~تعود على (من). و " من " تصلح للحاج أو المعتمر. # قال السدي: " ليس عليه إثم، ولكن له أجر ". # قال الشعبي: " كان على الصفا في الجاهلية صنم يسمى " إساف " ، وعلى ~~المروة وثن يسمى " نائلة " ، فكانوا في الجاهلية إذا طافوا بالبيت ~~مسحوا الوثنين. فلما جاء الإسلام وكسرت الأصنام امتنع المسلمون من ~~الطواف بالصفا / والمروة لأجل الصنمين، فأنزل الله عز وجل { إن ~~الصفا والمروة } الآية. # وذكر الصفا لأن الصنم / الذي كان عليه مذكر - يعني إسافا - وأنث ~~المروة لأن الوثن التي كانت عليه مؤنثة - يعني نائلة -. # وقال أنس بن مالك: " كنا نكره الطواف بين الصفا والمروة لأنهما من شعائر ~~الجاهلية حتى نزلت هذه الآية ". # وقال عروة: " قلت لعائشة رضي الله عنها - وأنا يومئذ حديث السن -: أرأيت ~~قول الله عز وجل: { إن الصفا والمروة من شعآئر الله ~~فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن ~~يطوف بهما } ، فما أرى على أحد شيئا أن لا يطوف بهما ". قالت ~~عائشة: كلا، لو كانت كما تقول كانت: " فلا جناح عليه ألا يطوف بهما " ~~إنما نزلت هذه الآية في الأنصار؛ كانوا يهلون لمناة، وكانت مناة حذو ~~قديد، وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة. فلما جاء الإسلام، ~~سألوا [رسول الله] صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأنزل الله [جل ذكره]: { ~~إن الصفا والمروة } الآية. وهو قول مجاهد وابن زيد. # وعن ابن عباس أنه قال: " كان في الجاهلية شياطين تعزف الليل أجمع بين ~~الصفا والمروة، وكانت بينهما آلهة. فلما جاء الإسلام قال ms0164 المسلمون: يا ~~رسول الله: لا نطوف بين الصفا والمروة فإنه شرك / كنا نضعه في الجاهلية، ~~فأنزل الله: { فلا جناح عليه أن يطوف بهما }. # وقال قتادة: " كان حي تهامة في الجاهلية لا يسعون بين الصفا والمروة، ~~فأخبرهم الله عز وجل أن الصفا والمروة من شعائر الله ". # والحج في اللغة القصد. يقال: " حججت إليه " بمعنى قصدت / إليه. وقيل: ~~الحج التكرر في الإتيان مرة بعد مرة. فمن أكثر الاختلاف إلى شيء فهو حاج. ~~فعلى هذا إنما قيل للحجاج حاج لإنه يتكرر إلى البيت وقت الدخول ووقت ~~الإفاضة وفي غير ذلك. # وقيل للمعتمر متعمر، لأنه إذا طاف انصرف بعد زيارته. فمعنى الاعتمار ~~الزيارة، وكل من زار إنسانا فهو له معتمر، يقال: " اعتمرت فلانا ~~" ، أي: قصدته. # والطواف بين الصفا والمروة عند مالك والشافعي فرض، فمن نسي ذلك رجع ~~وسعى، وإن بعد، فإن كان قد أصاب النساء، فعليه عمرة وهدي مع تمام سعيه ~~إذا رجع. ومذهب الثوري وأبي حنيفة وأبي يوسف أن يجزيه دم إن نسي السعي ~~بينهما، ولا عودة عليه إلا أن يشاء ذلك. # وقال عطاء: " هو تطوع ولا شيء عليه إذا نسي ذلك ". واحتج بأن في قراءة ~~ابن عباس: { فلا جناح عليه أن يطوف بهما }. وكذلك هي ~~في مصحف ابن مسعود. # وكذلك روي عن أنس بن مالك أنه قال: " هو تطوع ". وروي ذلك عن مجاهد. # والعمل على القول الأول لإجماع المصاحف المعمول عليها، المجتمع على ما ~~فيها من إسقاط " لا " منها كلها. # وإيجابها عن ابن عباس أشهر وأوضح. والإسناد عن أنس ضعيف. # وجميع من قرأ على مجاهد من الأئمة المشهورين لم ينقل عنه إلا بغير " لا ~~". وقد روى جابر عن النبي [صلى الله عليه وسلم] أنه: " لما دنا من ~~الصفا في حجته قال: # " إن الصفا والمروة من شعائر الله، أبدأ بما ~~بدأ الله به " ، فبدأ بالصفا فرقى عليه ". # ثم قال: { ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم }. ~~أي: شاكر له على تطوعه، عليم بما تطوع. # وقال ابن زيد: " معناه: فمن تطوع خيرا فاعتمر، فإن ms0165 الله شاكر عليم، ~~والعمرة / تطوع، والحج فرض ". # ثم قال: { إن الذين يكتمون مآ أنزلنا من ~~البينات والهدى }. # يعني أحبار اليهود وعلماء النصارى كتموا أمر محمد صلى الله عليه وسلم ~~ونبوته وتركوا اتباعه مع كونه مذكورا عندهم في التوراة والإنجيل ~~موصوفا. # وذكر عن ابن عباس أن معاذ بن جبل سأل بعض أحبار اليهود عن ما في التوراة ~~من ذكر النبي عليه السلام فكتموه إياه، فأنزل الله صلى الله عليه وسلم: { ~~إن الذين يكتمون }. إلى: { اللاعنون }. وهو قول مجاهد. # وقال قتادة: " هم أهل الكتاب كتموا الإسلام، وهو دين الله سبحانه وكتموا ~~محمدا وهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ". # / وقوله: { من بعد ما بيناه للناس في الكتاب }. # يعني بالكتاب هنا: التوراة والإنجيل. وهذه الآية وإن كانت خاصة لبعض ~~الناس فإنها عامة لكل من سئل عن علم يعلمه فكتمه. # وقال النبي [صلى الله عليه وسلم] # " من سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجم يوم ~~القيامة بلجام من النار ". # ثم قال: { أولئك يلعنهم الله ويلعنهم ~~اللاعنون }. # أي: أولئك الذين كتموا أمر محمد صلى الله عليه وسلم يلعنهم الله عز وجل ~~بكتمانهم، أي: يبعدهم الله من رحمته ويطردهم. # وقوله: { ويلعنهم اللاعنون }. # قيل: معناه: ويسأل ربهم اللاعنون أن يلعنهم لأن كل لاعن إنما يقول: " ~~اللهم العن هذا ". # وقيل: اللاعنون البهائم؛ إذا أسنتت السنة، قالت البهائم: " هذا ~~من أجل عصاة بني آدم، لعن الله عصاة بني آدم ". # وقال عكرمة: " يلعنهم كل شيء حتى الخنافس والعقارب / يقولون: منعنا ~~القطر بذنوب بني آدم ". # وإنما جمع جمع السلامة على هذا القول، وهو ما لا يعقل لأنه لما ~~أخبر عنهم بمثل ما يخبر عن بني آدم جمعهم كما يجمع بني آدم. # وقال قتادة: " اللاعنون هنا: " الملائكة والمؤمنون ". وقاله الربيع. # قال مقاتل " اللاعنون كل ما على وجه الأرض إلا الثقلين: الجن والإنس، ~~وذلك أن الكافر إذا أدخل قبره ضربته / الملائكة بمقمعة حين تقول له: من ~~ربك؟ فيقول: لا أدري، فيصيح صيحة يسمعها كل ما على وجه الأرض من غير الجن ~~والإنس، فلا تقر ms0166 تلك الصيحة في سمع شيء إلا لعنه ". # قال مجاهد: " اللاعنون البهائم ". # ولما وصفت باللعنة: جاز جمعها بالواو والنون، وإن كانت لا تعقل. وله ~~نظائر كثيرة. # وقيل: / اللاعنون الملائكة الذين يسوقون أهل الكفر إلى النار. والهاء في ~~{ خالدين فيها } تعود على اللعنة. # واللعن أصله الطرد والبعد من الرحمة. # قال مقاتل: " اللعنة النار ". وحسن ذلك عنده لما كانت عاقبة اللعنة ~~المصير إلى النار. # وقال السدي: " اللاعنون ما عدا بني آدم والجن ". # وروي عن البراء بن عازب: " أن الكافر إذا وضع في قبره أتته دابة كأن ~~عينيها قدران من نحاس، معها عمود من حديد، فتضربه ضربة بين كتفيه فيصيح، ~~فلا يسمع أحد صوته إلا لعنه، ولا يبقى شيء إلا سمع صوته إلا الثقلين: ~~الجن والإنس ". / وهو قول الضحاك. # ويروى عن ابن مسعود أنه قال: " اللاعنون: الاثنان إذا تلاعنا ألحقت ~~اللعنة مستحقها منهما، فإن لم يستحقها واحد منهما رجعت على اليهود ". # وقيل: هذه اللعنة إنما تكون يوم / القيامة كما قال تعالى: # ويلعن بعضكم بعضا # [العنكبوت: 25]. # ثم قال تعالى: { إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا ~~}. # أي تابوا من الكفر وأصلحوا أعمالهم فيما بينهم وبين الله عز وجل، ~~وبينوا للناس أمر النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو عندهم في كتابهم ~~موصوف. # وقيل: المعنى: وبينوا التوبة بإخلاص العمل. # ثم قال: { فأولئك أتوب عليهم }: أي: أقبل توبتهم. { ~~وأنا التواب }: أي على من تاب. # { الرحيم } أي رحيم بالخلق أن أعذبهم بعد توبتهم من كفرهم. # ثم قال: { إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك ~~عليهم لعنة الله }. # أي: أبعدهم الله وأسحقهم من رحمته. # { والملائكة }: أي ولعنة الملائكة. # { والناس }: يعني قول الناس: { عليهم لعنة الله }. وعني ~~بالناس أجمعين هنا المؤمنون خاصة. قاله قتادة والربيع. # وعن أبي العالية أن ذلك يكون يوم القيامة، قال: " إن الكافر يوقف يوم ~~القيامة فيلعنه الله، ثم تلعنه الملائكة، ثم يلعنه الناس أجمعون ". وهو ~~اختيار الطبري واحتج بقوله تعالى: # ألا لعنة الله على الظالمين # [هود: 18]. # وقال السدي في قوله: { والناس أجمعين }: " أنه لا يتلاعن إثنان ~~مؤمنان ولا ms0167 كافران فيقول أحدهما: " لعن الله الظالم " إلا وجبت تلك ~~اللعنة على الكافر لأنه ظالم، فكل واحد من الخلق يلعنه ". # ثم قال تعالى: { خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ~~ولا هم ينظرون }. # أي: خالدين في جهنم باللعنة، لا يخفف عنهم العذاب يوم القيامة ولا هم ~~ينظرون لمعتذرة يعتذرون بها كما قال: # هذا يوم لا ينطقون # [المرسلات: 35] # ولا يؤذن لهم فيعتذرون # [المرسلات: 36]. قاله أبو العالية. # [و] إنما جاء لفظ { الناس أجمعين } بلفظ العموم، وقد علم أن أهل ~~دينهم لا يلعنونهم لأنهم وإن كانوا لا يقصدون باللعنة أهل دينهم فلا بد ~~لهم أن يقولوا: " لعن الله الظالم " أو " الظالمين " فيدخل في ذلك كل ~~كافر كائنا من كان. # ثم قال: { وإلهكم إله واحد }. أي: معبودكم أيها الناس ~~واحد، لا معبود غيره يستحق العبادة. # { الرحمن الرحيم } / أي: الرحمن بجميع خلقه، الرحيم ~~بأوليائه. # ومعنى " واحد " في صفته ونعته وأنه لا شبيه له ولا نظير. وليس معناه ~~واحدا في العدد لأن كل مفرد من المخلوقات واحد في العدد، فالمعنى أنه من ~~فرد واحد في الألوهية والقدرة والصفات [لا ثاني] له. # ثم قال: { إن في خلق السموت والأرض واختلاف ~~الليل والنهار } الآية. # هذه الآية فيها تنبيه من الله عز وجل لخلقه على قدرته ونعمه. والآية ~~دالة على توحيده المقدم ذكره في الآية الأولى. # والمعنى: إن في رتبة هذه الأشياء وحدوثها وإحكام صنعتها لعلامات بينة، ~~ودلالة واضحة على توحيد خالقها وإيجاب العبادة له دون غيره لقوم يعقلون. # وروي أن قوله: { وإلهكم إله واحد } الآية، لما نزلت، ~~قال المشركون: " ما البرهان على ذلك ونحن ننكر ذلك، ونزعم أن لنا آلهة ~~كثيرة؟ فأنزل الله: { إن في خلق السموت والأرض } ~~الآية، احتجاجا عليهم فيما ادعوا. هذا قول عطاء. # والمعنى بهذه القدرة والآيات تعلمون أن الإله إله واحد لا تجب العبادة ~~إلا له. # وقال أبو الضحى: " لما نزلت: { وإلهكم إله واحد } ~~الآية، قال المشركون: إن كان هذه هكذا، فليأتنا بآية. فأنزل الله: { ~~إن في خلق السموت والأرض } الآية. # وروى ابن جبير # " أن قريشا ms0168 سألت / اليهود عما جاءهم به موسى / من الآيات / فحدثوهم ~~بالعصا وبيده بيضاء، وسألوا النصارى عما جاءهم به عيسى صلى الله عليه ~~وسلم من الآيات، فحدثوهم أنه كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن ~~الله. فقالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم: " ادع الله أن يجعل لنا ~~الصفا ذهبا، فنزداد يقينا ونتقوى به على / عدونا ". فسأل النبي صلى ~~الله عليه وسلم ربه، فأوحى الله عز وجل إليه: " إني أعطيهم أن أجعل لهم ~~الصفا ذهبا، ولكن إن كذبوا بعد، عذبتهم عذابا لم أعذبه أحدا من ~~العالمين ". فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " دعني وقومي ~~فأدعوهم يوما بيوم فأنزل الله تعالى: { إن في ~~خلق السموت والأرض } " # الآية. أي: إن في ذلك لآية لهم إن كانوا يريدون أن أجعل لهم آية. وقاله ~~السدي وغيره. ### || [2.165-169] # قوله تعالى: { ومن الناس من يتخذ من دون الله ~~أندادا } إلى قوله: { ما لا تعلمون }. # أي: ومن الناس من يعبد آلهة / وأصناما من دون الله، يحبون الأصنام ~~كحبهم لله. أي يسوون بين الله وبين الأصنام في المحبة، والمؤمنون أشد ~~حبا لله من الكفار لآلهتهم. # وجاءت الهاء والميم للأصنام وهي لا تعقل لأنها كانت عندهم ممن يعقل ~~ويفهم، فخوطبوا على ما كان في ظنهم فأجريت مجرى من يعقل بالهاء والميم. # قال ابن مسعود: " قال رسول الله [عليه السلام]: # " من مات يجعل لله ندا، أدخله الله النار " # ، وأنا أقول: " من مات لا يجعل لله ندا، أدخله الله الجنة ". # وقيل: المعنى: يحبون الأصنام كحبكم أنتم الله، وأنتم أشد حبا لله من ~~الكفار لآلهتهم. # وقيل: جاء ضمير الأصنام بالهاء والميم، وهي لا تعقل لأنهم لما عبدوها ~~أنزلوها منزلة من يعقل. # وقال السدي: " الأنداد هنا ساداتهم الذين كانوا يطيعونهم كما يطيعون ~~الله. # ثم قال: { ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب ~~}. # أي: ولو ترى يا محمد الذين كفروا وظلموا أنفسهم حين يرون عذاب الله ~~لرأيت أمرا عظيما، ولعلمت أن القوة لله جميعا. # فجواب " لو " محذوف، وفتح " أن " على تقدير فعل محذوف وهو جواب " لو ms0169 ". # وقيل: إن " أن " فتحت ب " ترى ". وهو قول المبرد والأخفش. # و " ترى " بمعنى تعلم، التقدير: " ولو يعلم الذين ظلموا جميعا لتبينوا ~~ضرر اتخاذهم الآلهة دون الله ". وهذا إنما يكون على قراءة من قرأ بالياء. # وقيل: معنى: " ترى " تنظر، وأن التقدير: ولو تنظر يا محمد الذين ظلموا ~~حين يرون العذاب لأقروا أن القوة لله. # وقيل: فتحت " إن " على تقدير اللام أي: لأن القوة لله، والجواب أيضا ~~محذوف تقديره: لعلموا مبلغ عذاب الله ونحوه. # ومن كسر " إن " كسرها على الابتداء، وجواب " لو " محذوف أيضا. # وقيل: إن كسرها على إضمار القول أي: " يقولون: إن القوة ~~لله ". # ثم قال تعالى: { إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين ~~اتبعوا }. # والمعنى: وإن الله شديد العذاب حين تبرأ الذين اتبعوا - وهم سادات ~~الكفار وأهل الرأي منهم الجبابرة - من الذين اتبعوا - وهم أتباع ~~السادات. # { ورأوا العذاب }: أي: ورأى الجميع / عذاب الله وذلك كله في ~~القيامة. # { وتقطعت بهم الأسباب }. # يعني القرابات التي كانت بينهم في الدنيا والصداقات فلم ينتفعوا. هذا ~~قول قتادة وعطاء والربيع. # والهاء في " بهم " ترجع على التابعين والمتبوعين. # وكذلك الهاء في " يريهم " و " أعمالهم ". # وقال السدي: " الذين اتبعوا هم / الشياطين تبرأوا في القيامة ممن ~~اتبعهم من الإنس ". # وقيل: الآية عامة في كل من اتبع على شرك تبرأوا في الآخرة ممن اتبعهم. # قال مجاهد: " الأسباب: الوصايل والمودة ". وقاله ابن عباس. # قال قتادة: " صارت مواصلتهم في الدنيا عداوة يوم القيامة ". # قال تعالى ذكره: # يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا # [العنكبوت: 25]. # وقال: # الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا ~~المتقين # [الزخرف: 67]. # وعن ابن عباس أيضا: " أن الأسباب هي المنازل التي كانت لهم من أهل ~~الدنيا ". وعنه أيضا: " الأسباب: الأرحام ". # وقال السدي: " الأسباب الأعمال التي كانوا يعملونها في الدنيا ". وقاله ~~ابن زيد. # { تقطعت بهم الأسباب }: أعمال أهل التقوى. # وقيل: أعطوا [أسباب أعمالهم السيئة، وتقطعت بهم أسباب] أعمال أهل ~~التقوى. وأصل " السبب " الحبل يتعلق به إلى الحاجة التي لا يوصل إليها ~~إلا بالتعلق، ثم يقال لكل ما هو سبب إلى حاجة: سبب وإن ms0170 لم يكن حبلا. # ثم قال تعالى: { وقال الذين اتبعوا لو أن لنا ~~كرة فنتبرأ منهم }. # أي: وقال الأتباع: لو أن لنا رجعة إلى الدنيا فنبرأ من هؤلاء القادة ~~الجبابرة الذين اتبعناهم في الدنيا على الشرك كما تبرأوا منا الآن. # ثم قال { كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات ~~عليهم } /. # أي: كما أراهم الله العذاب وتبرأ بعضهم من بعض كذلك يريهم / أعمالهم ~~حسرات عليهم: أي ندامات. # والمعنى: كذلك يريهم الله عذاب أعمالهم السيئة ليتحسروا على عملها. قاله ~~الربيع وابن زيد. وهو اختيار الطبري. # وقيل: المعنى: كذلك يريهم الله ثواب أعمالهم التي افترضها الله عليهم في ~~/ الدنيا فضيعوها، ولم يعملوا بها ليتحسروا على تركها. # قال السدي: " يرفع الله لهم الجنة فينظرون إليها وإلى بيوتهم فيها لو ~~أنهم أطاعوا الله، فيقال لهم: تلك مساكنكم لو أطعتم الله، ثم تقسم بين ~~المؤمنين فيريهم الله ذلك، فذلك حين يندمون ". وقال ابن مسعود: " ليس من ~~نفس إلا وهي تنظر إلى بيت في الجنة وبيت في النار وهو يوم الحسرة؛ فيرى ~~أهل النار البيت الذي في الجنة فيقال لهم: لو عملتم، فتأخذهم الحسرة. ~~ويرى أهل الجنة البيت الذي في النار، فيقال لهم: لولا أن الله من ~~عليكم ". # فالمعنى على هذا: كذلك يريهم الله ثواب أعمالهم التي كانت / تلزمهم في ~~الدنيا فتركوها وضيعوها حسرات عليهم. # والحسرة في اللغة: أشد الندامة. # ثم قال: { وما هم بخارجين من النار }. # أي: ليسوا يخرجون من النار أبدا، يعني به القوم الذين تقدمت صفتهم ~~وتبرأ بعضهم من بعض، وتمنى بعضهم الرجعة إلى الدنيا. # وهذه الآية تدل على فساد قول من زعم أن عذاب الله عز وجل للكفار له ~~نهاية. # وقوله: { يأيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا ~~طيبا }. # أي: كلوا مما أحل الله لكم من الأطعمة على لسان محمد صلى الله عليه ~~وسلم. # قوله: / { ولا تتبعوا خطوات الشيطان }. # قال ابن عباس: " خطواته: عمله ". # وقال مجاهد: " خطاياه ". وهو قول قتادة والضحاك وابن زيد. أي: خطاياه ~~التي يأمر بها ويدعو إليها. # وقال السدي: " خطوات الشيطان: طاعته ". # وقال ms0171 أبو مجلز: " هي النذور في المعاصي ". # قوله: { إنه لكم عدو مبين }. # أي: ظاهر العداوة، فالمعنى: النهي عن اتباع ما يدعو إليه الشيطان مما هو ~~خلاف لطاعة الله عز وجل. # ثم قال تعالى: { إنما يأمركم بالسوء }. # أي بما يسوؤكم، ولا تسركم عاقبته. # { والفحشآء }: أي: ما فحش ذكره مثل الزنا والكفر. # قال السدي: " السوء: المعصية، والفحشاء: الزنا ". # ثم قال تعالى: { وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون }. ~~أي ويأمركم أن تقولوا ذلك، وهو تحريم البحائر والسوائب والوصائل والحوام ~~التي كانت أهل الجاهلية تحرمه، ولم يأمر الله بذلك. ### || [2.170-173] # قوله: { وإذا قيل لهم اتبعوا مآ أنزل الله }. # إلى قوله: { إن الله غفور رحيم }. # الهاء والميم في " لهم " تعودان على " من " في قوله { من يتخذ ~~}. وقيل: تعودان على " الناس " من قوله: { ومن الناس من يتخذ ~~}. وهو اختيار الطبري. # وذكر ابن عباس أن النبي [عليه السلام] دعا نفرا من اليهود إلى الإسلام، ~~ورغبهم وحذرهم عذاب الله. فقالوا: { بل نتبع مآ ألفينا ~~عليه آبآءنآ } أي: وجدنا. # فأنزل الله عز وجل في ذلك: { وإذا قيل لهم اتبعوا } الآية. # والمعنى: وإذا قيل لهؤلاء الكفار اتبعوا ما أنزل الله؛ أي: اتبعوا ما ~~حرم الله عليكم فحرموه وما [أحل الله] لكم فحللوه، ولا تحدثوا تحريم ما ~~أحل الله لكم مثل البحائر والوصايل والسوائب والحوام التي قد حرمتم من ~~عند أنفسكم، قالوا: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا، فأبوا إلا الكفر ~~واتباع الكفر. # قال الله تعالى: / { أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ~~ولا يهتدون }. # أي: لا يعقلون شيئا من الدين، ولا يهتدون إلى شيء من الخير تتبعونهم. ~~فالمعنى: كيف تتركون ما أمركم به الله عز وجل وتتبعون طريق من لا يهتدي ~~للحق ولا يعقل الخير. # ثم قال: { ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق ~~بما لا يسمع }. # أي: مثل الكافر في قلة فهمه لما يتلى عليه من عند الله عز وجل وما يدعى ~~إليه ويوعظ به، مثل البهيمة التي تسمع الصوت إذا نعق بها، ولا تعقل ما ~~يقال لها. # قال عكرمة: " معناه: ms0172 مثلهم كمثل البعير أو الحمار تدعوه فيسمع الصوت، ~~ولا يفقه ما تقول له ". # قال ابن عباس: " معناه: مثل الكافر كمثل البعير أو الحمار أو الشاة، إذا ~~قلت لبعضها: كل، لم تعلم ما تقول، غير أنها تسمع الصوت. كذلك الكافر إن ~~أمرته بخير أو نهيته عن شر أو وعظته لم يعقل ما تقول غير أنه يسمع صوتك ~~". # قال مجاهد: " هذا مثل ضربه الله تعالى للكافر يسمع / ما يقال له، ولا ~~يعقل، كمثل البهيمة تسمع النهيق ولا تعقل ". # وعلى هذا المعنى فسره كل المفسرين. # وقوله: / { إلا دعآء وندآء }. # أي: لا تعقل البهيمة ما يقال لها، إنما تسمع دعاء ونداء، كذلك الكافر. ~~والذي ينعق هو الراعي للغنم، فكما أن الغنم تسمع صوت الراعي إذا دعا بها ~~ولا تفقهه، كذلك الكفار يسمعون ما يقول / لهم محمد صلى الله عليه وسلم ~~وما يدعوهم إليه ولا يفهمونه ولذلك قال تعالى: { صم بكم عمي }. # أي: حالهم حال الأصم الأبكم الأعمى، إذ لا ينتفعون بذلك فيما يدعون ~~إليه. # فالمعنى: صم عن سماع الحق [بكم عن قول الحق، عمي عن النظر إلى الحق]. ~~وإنما قدم " صم " في هذا الموضع وفي أول السورة على ما بعده لأنه أشد ~~بلاء مما بعده لأنه يذهب به السمع والعقل. ألا ترى إلى قوله تعالى: # أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون # [يونس: 42] فذكر ذهاب السمع [مع الصم]، وذكر بعده ذهاب البصر مع العمي ~~لا غير. # وعن ابن عباس أن التقدير: " مثل وعظ الذين كفروا وواعظهم، كمثل الناعق ~~بالغنم، والمنعوق بهم ". # فأضيف المثل إلى الذين كفروا، وترك ذكر الوعظ والواعظ لدلالة الكلام ~~عليه. وقيل: التقدير: ومثل الذين كفروا في تخلف فهمهم عن الله عز وجل ~~ورسوله / كمثل / المنعوق بهم من البهائم. # وقال ابن زيد: " معنى الآية: مثل الذين كفروا في دعائهم الآلهة التي لا ~~تسمع ولا تبصر ولا تضر ولا تنفع، كمثل الصائح في جوف الليل فيجيبه الصدى، ~~فهو يصيح بما لا يسمع ويجيبه بما لا نفع فيه ولا حقيقة ". # وقيل: المعنى: مثل الذين ms0173 كفروا في دعائهم آلهتهم وهي لا تفهم عنهم، كمثل ~~الناعق بالغنم ينعق بما لا يفهم عنه قوله. فكما لا ينتفع الناعق بالغنم ~~بأن تفهم عنه، كذلك الكافر مع آلهته. # قال سيبويه: " تقديره: " مثلكم ومثل [الذين] كفروا، كمثل الناعق ~~والمنعوق به الذي لا يسمع. قال: فلم يشبهوا بما ينعق، إنما شبهوا ~~بالمنعوق به ". وكذا قال أبو عبيدة. # وقال قطرب: " معناها: مثل الذين كفروا في دعائهم ما لا يعقل ولا يسمع، ~~كمثل الراعي إذا [نعق بغنمه، وهو أن يصوت] بها، وهو لا يدري أين هي ". # وهذه الآية عند الطبري نزلت في اليهود. وهو قول عطاء. ومعنى ينعق: يصوت. # ثم قال: { يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما ~~رزقناكم }. # أي من حلال الرزق الذي أحله الله لكم، وذروا ما حرم عليكم. { ~~واشكروا لله }. أي: اثنوا عليه بما هو أهله على نعمه عندكم. # { إن كنتم إياه تعبدون }: أي: إن كنتم منقادين لأمره ~~سامعين له مطيعين. # ثم قال: { إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم ~~الخنزير ومآ أهل به لغير الله }. # أي: لم يحرم عليكم شيئا مما حرمتموه على أنفسكم من البحائر والوصائل ~~والسوائب والحوام التي حرمتموها على أنفسكم، إنما حرم عليكم أكل لحم ~~الميتة ولحم الخنزير وأكل الدم وأكل ما ذبح لغير الله مثل ما يذبح ~~للأصنام والأوثان، وما ترك ذكر اسم الله عليه متعمدا، فإن تركه ~~ناسيا فلا شيء عليه. # وهذا المحرم لفظه عام وفيه تخصيص لأن الميتة من الجراد وصيد البحر والدم ~~المخالط للحم الذي هو غير جار وما نسي عليه التسمية كله حلال أكله. # ومعنى: { ومآ أهل }: ما ذبح لغير الله، يعني للأصنام. # قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم. # ف " ما " للأصنام... وقيل: هي للذبائح، للأصنام. # وقيل: للصياح؛ النداء الذي ينادى به لغير الله على الذبائح. وأصل ~~الإهلال رفع الصوت. # وقيل: المعنى ما ذكر عليه غير اسم الله. # ثم قال: { فمن اضطر غير باغ ولا عاد }. # أي / فمن لحقته ضرورة من جوع وجهد وخوف على نفسه من الهلاك، { غير ~~باغ } على المسلمين، ms0174 ولا متعمد للأكل، { ولا عاد } ، أي متعد على ~~الناس. # وقيل: { ولا عاد } معناه: ولا عائد لأكلة أخرى لغير ضرورة فيكون / ~~من المقلوب، أخرت الياء فصار كقاض. # قوله: { فلا إثم عليه }. أي: لا حرج عليه في أكل ما يرد به ~~روحه. # وقيل: " معناه: من أكره على أكل شيء من هذا المحرم فلا إثم عليه إن ~~أكله مكرها ". قاله مجاهد. # وقال ابن عباس: " من أكل شيئا من هذا وهو مضطر فلا حرج عليه، ومن أكله ~~غير مضطر فقد بغى واعتدى ". # قال ابن جبير في قوله: { غير باغ ولا عاد } ، قال: " هو أن ~~يقطع الطريق فلا رخصة له إذا جاع أن يأكل الميتة، وإذا عطش أن يشرب الخمر ~~". # وهو قول قتادة وعكرمة. # وقال ابن زيد: " لا يأكل ذلك بغيا ولا تعديا من الحلال إلى الحرام ". ~~وقال النخعي: " غير باغ على المسلمين ". # / قال مجاهد: { ولا عاد }: ولا متعد عليهم: من خرج يقطع السبل ويقطع ~~الرحم فلا يحل له شيء من ذلك وإن اضطر ". # فذهب إلى أن الباغي قاطع الطريق. والعادي قاطع الرحم. # قال الحسن: " غير باغ فيها، ولا متعد فيها يأكلها، وهو عنها غني ". # وقيل: المعنى: غير باغ ما حرم الله، ولا عاد. وله في تركها وجه. # وأجاز بكر القاضي لقاطع الطريق أن يأكل منها إذا اضطر، لأن قتله لنفسه ~~معصية أخرى / فلا يأمره بها. # قال مسروق: " ومن اضطر إلى الميتة فأبى أن يأكل حتى مات، دخل النار ". # وقال مالك: " من اضطر، أكل شبعه منها ". # وقال غيره: " إنما يأكل منها ما يقيم به الرمق ". # وقيل: { غير باغ }: غير خارج على المسلمين بسيفه باغيا عليهم ولا ~~عاديا عليهم بحرب ظلما. # { فلا إثم } أي: فلا حرج، إن الله غفور رحيم. ### || [2.174-177] # قوله: { إن الذين يكتمون مآ أنزل الله من ~~الكتاب }. [إلى قوله: { المتقون }. # هذه الآية عند قتادة وغيره نزلت في أهل الكتاب. كتموا ما أنزل الله عز ~~وجل في كتابهم من أمر محمد صلى الله عليه وسلم. # قال ابن عباس: " هم اليهود كتموا اسم محمد صلى ms0175 الله عليه وسلم وأخذوا ~~عليه طمعا قليلا ". وهو قول السدي والربيع. # وقال عكرمة في هذه الآية وفي قوله: # إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا ~~قليلا # [آل عمران: 77]: نزلت جميعا في يهود ". # قال ابن مسعود: / " قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " من حلف على يمين يقطع بها مالا لقي الله، وهو ~~عليه غضبان " # وتصديقه في كتاب الله عز وجل: { إن الذين يشترون بعهد ~~الله وأيمانهم ثمنا قليلا }. # ومعنى { يشترون } يبتاعون به. # والهاء في: " به " تعود على الكتمان، أي: وابتاعوا بكتمانهم ما أنزل ~~الله عز وجل في كتابهم / من ذكر محمد صلى الله عليه وسلم. # { ثمنا قليلا }: أي: أخذوا عليه طمعا قليلا، أي: أخذوا الرشوة ~~وكتموا ما أنزل الله عز وجل وبدلوه وحرفوه. # ثم قال تعالى: { أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا ~~النار }. # أي: ما يأكلون في بطونهم من الرشا إلا ما يؤديهم إلى النار، ومثله: # إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا # [النساء: 10] أي: ما يوردهم النار. فاستغنى في الآيتين بذكر النار لفهم ~~السامعين المعنى لأنه لما كان ما يأكلون من الطيبات بالرشا يوردهم النار ~~كانوا كأنهم يأكلون النار. وإنما قال { في بطونهم } ، وقد علم أن ~~الأكل لا يكون إلا في البطن لأن العرب تقول: " جعت في غير بطني ~~" و " شبعت في غير بطني ". فقيل في الآية: { في بطونهم } ~~/ للفرق والتأكيد. # وقوله: { ولا يكلمهم الله يوم القيامة }. # أي: لا يكلمهم بما يحبون ولا بما يشتهون، ويكلمهم بما يكرهون لأنه قد ~~أخبر بأنه يقول لهم # قال اخسئوا فيها ولا تكلمون # [المؤمنون: 108] وقيل: معنى { ولا يكلمهم }: يغضب عليهم. يقال: ~~" فلان لا يكلم فلانا " إذا غضب عليه. # وقيل: المعنى: لا يسمعهم كلامه لأن الأبرار يسمعون كلامه. # وقيل: معناه: لا يرسل لهم الملائكة بالتحية. # وقوله: { ولا يزكيهم }: أي لا يطهرهم من دنس ذنوبهم وكفرهم. # { ولهم عذاب أليم }: أي موجع. # ثم قال تعالى: { أولئك الذين اشتروا الضلالة ~~بالهدى }. # أي: أولئك الذين أخذوا الضلالة، وتركوا الهدى، وأخذوا ما يوجب لهم عذاب ~~الله يوم القيامة، وتركوا ما ms0176 يوجب لهم عفوه. فاستغنى بذكر العذاب ~~والمغفرة عن ذكر السبب الذي يوجبهما لفهم سامعي ذلك. # ثم قال تعالى: { فمآ أصبرهم على النار }. # قال ابن عباس: " معناه: ما الذي صبرهم على النار ". # وقال أبو عبيدة: " معناه: ما الذي أصبرهم على النار، ودعاهم إليها، وليس ~~بتعجب ". وهو قول السدي. # ف " ما " استفهام في القولين جميعا. # وقال مجاهد والحسن وقتادة: " هو تعجب ". # ومعنى التعجب في هذا أن الله جل ذكره يعجب خلقه منهم، ومن جرأتهم على ~~عمل يوردهم النار. # وقال مجاهد: " معناه: / ما أعملهم بأعمال أهل النار ". أي: ما أشد ~~جرأتهم على عمل يوجب لهم النار. # وقيل: معناه: ما أبقاهم في عذاب الله. # وقيل: معناه: ما أصبرهم على الأعمال التي توجب لهم النار. # ثم قال تعالى: { ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق ~~}. # أي: بالواجب. وحيثما ذكر الحق فمعناه الواجب. أي: ذلك فعلهم، لأن الله ~~نزل الكتاب بالحق. # وقيل: المعنى: ذلك العذاب المذكور لهم، لأن الله نزل الكتاب بالحق. ف ~~" ذلك " في موضع رفع في القولين. # وقيل: المعنى: فعلنا ذلك لأن الله نزل الكتاب بالحق، فكفروا به، ف " ~~ذلك " في موضع نصب في هذا القول. # ثم قال: { وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق ~~بعيد }. # يعني به اليهود والنصارى؛ اختلفوا في الكتاب فكفرت اليهود بما قص الله ~~فيه من قصص عيسى صلى الله عليه وسلم وأمه، وصدقت النصارى ببعض ذلك. [و] ~~كفروا جميعا بما أنزل الله فيه من الأمر بتصديق / محمد صلى الله عليه ~~وسلم. # / والمعنى: [وإنهم لفي] منازعة ومباعدة للحق، بعيدة من الصواب والرشد. # قال السدي: " { لفي شقاق بعيد }: لفي عداوة بعيدة ". # ثم قال تعالى: { ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل ~~المشرق والمغرب }. # أي: ليس البر الصلاة وحدها، ولكن البر الجمع لفعل هذه الخلال المذكورة ~~بعده. # قال ابن عباس: " هذا حين نزلت الفرائض وحدت الحدود ". وقاله الضحاك ~~وغيره. وهو اختيار الطبري، وهو قول الربيع بن أنس. # وقال قتادة: " كانت اليهود / تصلي قبل المغرب، والنصارى تصلي قبل ~~المشرق، فأعلموا أن البر ليس هو كله ms0177 ما يصنعون، ولكن البر عمل هذه الخصال ~~التي بينها بعد ". # وقد قيل: إن هذه الآية خصوص في الأنبياء وحدهم صلوات الله عليهم، لأن ~~هذه الأشياء التي وصفت في الآية لا يؤديها بكليتها على حق الواجب فيها ~~إلا الأنبياء صلوات الله عليهم، ولكن الله قد أمر جميع الخلق بالعمل ~~بجميع ما فيها. # وقوله: { وآتى المال على حبه }. # أي: على محبته إياه وشحه عليه. # فالهاء في " حبه " تعود على المؤمن، أي: على حبه إياه، يعني المال. ~~وقيل: هي راجعة على المال، أي: على حب الرجل المال. فأضيف الحب إلى المال ~~فهو المفعول به. # كما تقول: " أعجبني أكل الخبز وشرب الماء " ، أي: أكل الرجل الخبز ~~وشرب الرجل الماء. # وقيل: الهاء ترجع على الإيتاء، ودل عليه: " وآتى " ، والتقدير: على حب ~~الإيتاء أي: على حب الرجل الإيتاء. # وقيل: / الهاء تعود على المؤمن، وتنصب " ذوي القربى " في هذا ~~الوجه بالحب، أي: على حب المؤمن ذوي القربى. وتنصب " ذوي " في الوجوه ~~المتقدمة ب " آتى ". # وقيل: الهاء ترجع على الله جل ذكره؛ أي: على حب / الله " ، وتنصب ذوي ~~ب " آتى ". # قال ابن مسعود: " هو أن يؤتيه وهو صحيح شحيح يأمل ~~العيش ويخاف الفقر ". ورواه ابن مسعود عن النبي [عليه ~~السلام]. # وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " في المال حق سوى الزكاة " # وتلا هذه الآية. # قوله تعالى: { ذوي القربى }: أي ذوي الأرحام. # وسئل النبي [عليه السلام] عن أفضل الصدقة فقال: # " جهد المقل على ذي القرابة الكاشح ". # وقوله: { وابن السبيل }. قال قتادة: " هو الضيف ". # وقيل: " هو المسلم يمر عليك من بلد إلى بلد ". قاله مجاهد وقتادة. # وقيل للمسافر: " ابن السبيل " ، لملازمته السبيل وهي الطريق، كما يقال ~~لطير الماء: ابن الماء لملازمته الماء. ويقال للرجل الذي أتت عليه ~~الدهور: هو ابن الأيام والليالي. # وعلى هذا يتأول حديث النبي [عليه السلام] في قوله: " لا يدخل ~~الجنة ولد زنا " ، معناه اللازم للزنا، جعل ابن زنا لملازمته له، ~~كما قيل: ابن السبيل، وابن ماء، وابن الأيام. # وقوله: { والسآئلين }. يعني به المعترضين الطالبين ms0178 للصدقة. # وقوله: { وفي الرقاب }. # يعني: يعان به المكاتبون الذين يسعون في فك رقابهم من العبودية. # وقوله: { وأقام الصلاة }. أي: أدام العمل بها بحدودها في ~~أوقاتها. # قوله: { وآتى الزكاة }. أي أعطاها على ما فرضها الله تعالى عليه. # وقوله: { والموفون بعهدهم إذا عاهدوا }. # رفعت { الموفون } على العطف على " من " في قوله: { ولكن ~~البر من آمن } ، أي: " ولكن البار من آمن " على قراءة من خفف ~~أو شدد. # وبعده: { والصابرين } هو نصب على المدح. # وقيل: { الموفون } رفع على إضمار مبتدأ " وهم الموفون " ، تجعله ~~مدحا للمضمرين داخلا في صلة " من ". # وتنصب " الصابرين " على العطف على { ذوي القربى } أو على " أعني ~~". وأجاز الكسائي رفع { الموفون } / على العطف على " من " في قوله: ~~{ ولكن البر من آمن } على ما تقدم. # وتنصب { والصابرين } على العطف على { ذوي القربى }. وهو ~~خطأ لأنه يفرق بين الصلة والموصول، فيعطف على الموصول، ثم / يعطف بعده ~~على ما في الصلة، فيفرق بين الصلة وهي: { والصابرين } والموصول ~~وهو: " من " ، ب " الموفون ": وليس بداخل في الصلة. # إنما هو معطوف على الموصول. # وقيل: إن " الموفون " عطف على المضمر في " آمن " ، و " ~~الصابرين " عطف على " ذوي القربى " أو على " أعني " على ~~المدح. # وقيل: إن " الصابرين " عطف على " السائلين " ، ومعنى الكلام: ~~والذين لا ينقضون عهد [الله] بعد المعاهدة، ولكن يوفون به. # وقوله: { والصابرين في البأسآء والضرآء }. # أصل الصبر الحبس عن الشيء. # فالمعنى: والحابسين أنفسهم عن ما يكرهه الله عز وجل في البأساء وفي ~~الفقر، والضراء وهي السقم. قاله ابن مسعود. # وعنه: " أن البأساء: الجوع، والضراء: المرض ". وعنه: " البأساء: الحاجة ~~". وقال قتادة: " كنا نحدث أن البأساء: البؤس والفقر، والضراء: السقم " / ~~وهو قول الربيع. # وقال قتادة أيضا: " البأساء: البؤس، والضراء: الزمانة في الجسد ". # قال الضحاك: " البأساء: الفقر، والضراء: المرض ". # وقوله: { وحين البأس }. # قال ابن مسعود: " وحين القتال ". # والضراء - بالضم - في اللغة الزمانة والمرض. والضراء بالفتح ضد ~~النفع. و " البأساء " و " الضراء " جاءا على " فعلاء " وليس ~~لهما " أفعل " لأنه اسم وليس بصفة، كما جاء " أفعل " في الكلام ~~وليس له " فعلاء " نحو " أحمد ms0179 ". وقد قالوا في الصفة: " أفعل " ~~، ولم يأت منه " فعلاء "؛ قالوا: " أنت من ذلك أوجل " ، ولم ~~يقولوا: " وجلاء ". # وقد قيل: البأساء والضراء اسمان للفعل بمعنى المصدر، فهما بمعنى البؤس ~~والضر، يقعان " لمؤنث ولمذكر ". # ثم قال: { أولئك الذين صدقوا }. # أي: صدقوا الله في إيمانهم به وحققوا قولهم بفعلهم، لا من ولى وجهه ~~قبل المشرق والمغرب وهو يخالف أمره ويكتم وحيه ويكذب رسله. # ثم قال: { وأولئك هم المتقون }. أي هم الذين اتقوا عقاب ~~الله، فتجنبوا معاصيه، ولم يتعدوا حدوده. ### || [2.178-179] # قوله: { يأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص ~~في القتلى }. إلى قوله: { لعلكم تتقون }. # معناه: فرض عليكم القصاص في قتلاكم. # ف " كتب " بمعنى " فرض " ، ومنه قوله: # فلما كتب عليهم القتال # [النساء: 77] أي: فرضته. # وقيل: كتب ذلك في اللوح المحفوظ. # ويكون " كتب " بمعنى " قضى ". من قوله: # قل لن يصيبنآ إلا ما كتب الله لنا # [التوبة: 51]. / أي: قضى علينا. # ويكون " كتب " بمعنى جعل كقوله: # كتب في قلوبهم الإيمان # [المجادلة: 22]. # وكقوله: # فاكتبنا مع الشهدين # [آل عمران: 53]. و # فسأكتبها للذين يتقون # [الأعراف: 156]. # ويكون " كتب " بمعنى " أمر " كقوله: # ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم # [المائدة: 21]. # والمعنى: فرض عليكم أن تقتصوا ممن قتل أولياءكم إن شئتم ذلك، وليس ~~القصاص بفرض عليهم، إنما هو مباح لهم، وإن شاء الولي عفا وإن شاء أخذ ~~الدية. # قال ابن عباس: " كان في بني إسرائيل القصاص، ولم تكن فيهم الدية، ثم بين ~~تعالى كيف القصاص، فقال: { الحر / بالحر والعبد ~~بالعبد والأنثى بالأنثى } ، أي: يقتل هذا بهذا. # ولا يقتل حر في عبد عند مالك والشافعي. # وهذه الآية عند ابن عباس / منسوخة بقوله: # وكتبنا عليهم فيهآ أن النفس بالنفس # [المادة: 45]، لأن آية البقرة توجب ألا تقتل امرأة قتلت رجلا، ولا رجل ~~قتل امرأة، ولا عبد قتل حرا، وآية المائدة توجب قتل النفس بالنفس، فيلزم ~~منها يقتل الحر بالعبد. لكن فيها تخصيص. # قال ابن عباس: " كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة فأنزل الله { النفس ~~بالنفس } فجعل الله الأحرار في القصاص سواء فيما بينهم في العمد، - ~~رجالهم ونساءهم - في ms0180 النفس وفيما دون النفس ". # وتأول أبو عبيد على ابن عباس أن مذهبه: أن آية المائدة ليست بناسخة لآية ~~البقرة، وكأن آية المائدة مفسرة لآية البقرة، فبينت آية المائدة أن أنفس ~~الأحرار متساوية فيما بينهم دون العبيد ذكورا كانوا أو إناثا، وأن أنفس ~~المماليك متساوية أيضا فيما بينهم وأنه لا قصاص للمماليك على الأحرار، ~~فالآيتان محكمتان عنده إحداهما مبينة للأخرى مفسرة لها. # وقال الشعبي: " نزلت آية البقرة في قوم اقتتلوا فقتل بينهم خلق كثير، ~~فقالت الغالبة العزيزة من القبيلتين المتقاتلتين: " لا نقتل بالعبد منا ~~إلا الحر منهم ولا بالأنثى منا إلا الذكر منهم " فأنزل الله: { الحر ~~بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى }. وقال ~~السدي: " نزلت في فريقين وقعت بينهما قتلى، فأمر النبي [عليه السلام] أن ~~يقاص بينهما، ديات النساء بديات النساء، والرجال بالرجال ". # فالآية على هذا محكمة مخصوصة. # / وقال الحسن: " الآية على التراجع: إذا قتل رجل امرأة، كان أولياء ~~المرأة بالخيار، إن شاؤا قتلوا الرجل وأدوا نصف الدية، وإن شاؤا أخذوا ~~نصف الدية. # وإذا قتلت امرأة رجلا؛ فإن شاء أولياء الرجل قتلوا المرأة وأخذوا نصف ~~الدية، وإن شاؤا أخذوا الدية كاملة. وإذا قتل حر عبدا؛ فإن شاء مولى ~~العبد أن يقتل الرجل ويؤدي بقية الدية بعد قيمة العبد. # وإذا قتل عبد رجلا حرا، فإن شاء أولياء الرجل قتلوا العبد، ويأخذون ~~بقية الدية ". # وقال مالك: " أحسن ما سمعت في هذه الآية يراد بها الجنس: الذكر والأنثى ~~فيه سواء " ، يعني الأحرار وأعاد ذكر الأنثى إنكارا لما كان في ~~الجاهلية. # ولا يقتل الحر بالعبد عنده، ولكن عليه قيمته. # ولا يقتل المسلم بالذمي، وعليه الدية في العمد والخطأ. وبذلك قال عمر بن ~~عبد العزيز والحسن وعطاء وعكرمة وابن دينار والشافعي. ودليل ذلك إجماعهم ~~أنه لا يقتص للعبد من الحر / فيما دون النفس، فكانت النفس كذلك. # / فأما قوله: { النفس بالنفس } فإنما هو إخبار عما فرضه ~~الله على بني إسرائيل. وقد أجمع على القصاص بين الأحرار، فدخل في ذلك قتل ~~الأنثى بالذكر، والذكر بالأنثى من الأحرار. # وقد قال ms0181 ابن المسيب والشعبي والنخعي وقتادة والثوري وأصحاب الرأي: " ~~يقتل الحر بالعبد بدليل قوله: # أن النفس بالنفس # [المائدة: 45]، ولقول النبي [عليه السلام]: # " المؤمنون تتكافأ دماءهم وليسعى بذمتهم ~~أدناهم " # ، والعبد المؤمن كالحر، وقالوا: لما لم يكن قوله: (الأنثى ~~بالأنثى) بمانع من قتل الأنثى بالذكر والذكر بالأنثى، كذلك لا يمنع ~~قوله: (العبد بالعبد) من قتل الحر بالعبد. وهذا باب واسع يستقصى ~~إن شاء الله في كتاب الأحكام. # ثم قال تعالى: { فمن عفي له من أخيه شيء }. # أي فمن ترك له ولي المقتول من الدية شيئا. # { فاتباع بالمعروف } أي فليتبع العافي القاتل بالمعروف. # وقوله: { وأدآء إليه بإحسان }. # أي: وليؤد القاتل إلى الولي ما قبله من الدية بإحسان. وهذا قول مروي ~~عن ابن عباس. # [فالهاء في " له " تعود على هذا القول] للقاتل. # والهاء في " أخيه " للقاتل أيضا. # والهاء في " إليه " لولي المقتول العافي. # و " من " اسم القاتل، و " الأخ " ولي الدم. # / قال ابن عباس: " كان القصاص في بني إسرائيل، ولم تكن الدية، فأباح ~~الله لهذه الأمة أخذ الدية تخفيفا ". # وقيل: المعنى: " فمن قبل منه ولي المقتول في العمد الدية فليتبع ~~الولي أخذ الدية بمعروف، وليؤد القاتل إلى الولي الدية بإحسان إذا قبلها ~~منه في العمد، ولم يطالبه بالقصاص ". # وهو أيضا مروي عن ابن عباس، وعن جابر بن زيد، وهو أبين في نص الآية، ~~والهاءات على حالها. # قال مجاهد: " هو أن يعفو الولي عن الدم ويأخذ الدية ". وهو القول الذي ~~قبله. # وقال الحسن: " على هذا الطالب أن يطلب بمعروف، وعلى المطلوب أن يؤدي ~~بإحسان ". وهو قول الشعبي وقتادة وعطاء وغيرهم، وقالوا كلهم: " العفو أن ~~يأخذ الدية في العمد ". # / وقيل: المعنى: فمن عفي له من الواجب له على أخيه من قصاص وليه شيء، ~~فاتباع من الولي بمعروف وأداء من القاتل إلى الولي بإحسان. وهو قول مالك. # فالهاء في " له " على هذا القول تعود على ولي المقتول، والهاء في " ~~أخيه " للولي. و " من " اسم ولي الدم، و " الأخ " اسم القاتل. # وفي هذه الآية نظر يطول تقصيه. وجملة الاختلاف ms0182 فيها أن المعفو له عند ~~مالك وغيره ولي الدم، والعافي القاتل، وعفى عنده بمعنى يسر، والمعفو له ~~[عند غير مالك القاتل، والعافي ولي] الدم. وعفا بمعنى ترك. # هذا اختصار معنى الاختلاف في الآية فافهمه. # و " الأخ " عند مالك القاتل، وهو عند غيره ولي الدم. # و " من " على قول مالك اسم ولي الدم. وعند غيره اسم القاتل. # قال أبو محمد: انظر كيف سمى القاتل عمدا أخا الولي، ولم يخرجه بالقتل ~~عن أخوة الإسلام. # ثم قال تعالى: { ذلك تخفيف من ربكم ورحمة }. # أي: ذلك الذي حكمنا به في هذه الآية من إباحتي الدية في العمد ولم أبح ~~ذلك لغيركم من الأمم تخفيف من ربكم عليكم، خصصتكم به دون غيركم من ~~الأمم، ورحمة من ربكم لكم. # وذكر ابن بكير أن العافي هو القاتل، وأن أولياء المقتول مخيرون في قبول ~~الدية أو القتل. قال: " ألا تراه قال: { ولكم في القصاص ~~حيوة }. # وقيل: إن هذه الآية ناسخة لما كان عليه بنو إسرائيل من القصاص بغير دية. # ثم قال تعالى: { فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم ~~}. # أي: من قتل بعد أخذ الدية فله / عذاب مؤلم في الآخرة، وحكمه أن يقتل ~~ولا تقبل منه الدية. # وقيل: العذاب الأليم هنا القتل. # / وقيل: هو شيء إلى السلطان يعاقبه بما شاء. # وقال الحسن: " تؤخذ منه الدية التي أخذ، ولا يقتل ". # وروي عن النبي [عليه السلام] أنه قال: # " نقسم ألا يعفى عن رجل عفا عن الدم، وأخذ ~~الدية، ثم عدا فقتل ". # وقيل: أمره إلى الإمام يفعل به ما رأى. # ثم قال: { ولكم في القصاص حيوة يأولي الألباب ~~لعلكم تتقون }. # أي إذا علم من يريد أن يقتل أنه يقاصص فيقتل، أمسك عن القتل ~~فصارت معرفته بالقصاص فيها حياته، وحياة من أراد قتله. # وقوله: { لعلكم تتقون }. أي: تتقون القتل فلا تتعدون إليه ~~لعلمكم بالقصاص. ### || [2.180-182] # قوله { كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت } إلى ~~قوله: { إن الله غفور رحيم }. # معناه: فرض / عليكم الوصية إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا - أي: ~~مالا - / للوالدين ms0183 والأقربين، كان الله عز وجل قد فرض علينا أن نوصي عند ~~الموت للوالدين والأقربين، ثم نسخ ذلك بآيات الميراث في النساء. # وقيل: هي محكمة واجبة لمن لا يرث من الوالدين والأقربين. وهو اختيار ~~الطبري. # وروي عن الضحاك أنه قال: " من مات ولم [يوص لذي] قرابته فقد ختم عمله ~~بمعصية ". # وقال الحسن: " إذا أوصى الرجل لغير ذي قرابته بثلثه فلهم ثلث الثلث ~~وباقي الثلث لقرابته ". وقاله طاوس. # وكونها منسوخة قول ابن عباس وقتادة. # وعن قتادة والحسن أنه " إنما نسخ منها الوالدان، وبقي الأقربون الذين لا ~~يرثون بالوصية لهم فرض ". # وقال ابن زيد: " نسخ الله ذلك كله، وفرض الفرائض ". وهو قول ابن عمر ~~وعكرمة ومجاهد والسدي. # واختلفوا في نسخها فقال أكثرهم: " نسختها آيات النساء في المواريث. # وقال بعضهم: " نسخها قول النبي [عليه السلام]: # " لا وصية لوارث ". # وجواب الشرط عند الأخفش فاء محذوفة، والتقدير: " فالوصية ". فعلى هذا ~~يبتدأ بها لأنها مرفوعة بالابتداء. ويجوز أن تجعل { الوصية ~~للوالدين والأقربين } جواب الشرط، وتقدر به التقديم لأن ~~الشرط إذا كان فعلا ماضيا جاز تقدم الجواب عليه، فيكون التقدير: " ~~الوصية للوالدين والأقربين إن ترك خيرا، فيحسن رفع الوصية / أيضا ~~بالابتداء، ويحسن رفعها على ما لم يسم فاعله. # وكلهم على أن { خيرا } في الآية: المال. # قال قتادة: " الخير: ألف دينار فما فوقه ". # وروى هشام بن عروة عن عروة، أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه دخل على ~~ابن عم له يعوده فقال: إني أريد أن أوصي، فقال: لا توص، فإنك لم تترك ~~خيرا فتوصي. قال: فكان ما ترك من السبعمائة إلى التسعمائة ". # وقالت عائشة رضي الله عنها لرجل معه أربع مائة دينار وله ولد كثير: " لا ~~توص ". # وقال النخعي: " هو ما بين الخمسمائة درهم إلى الألف ". # وقال الزهري: " الوصية حق مما قل أو كثر ". وهو اختيار الطبري. # ويروى عن علي أنه قال: " أربعة آلاف درهم فما دونها نفقة ". # ومعنى { بالمعروف }: أي لا يضار الورثة مما يوصي فيما يوصي، فيوصي ~~بأكثر من الثلث. # وقوله: { حقا على المتقين }: أي: ms0184 على من اتقى الله فاتبع ما ~~أمره. # ثم قال تعالى: { فمن بدله بعد ما سمعه }. # أي: فمن بدل الإيصاء ولمن أوصى به بعدما سمعه من الميت فإنما إثمه / على ~~[من بدله]. # { إن الله سميع عليم }. # أي: يسمع ما يوصي به الموصي / ولمن يوصي وغير ذلك. # عليم بما تعملون وما تبدلون وغير ذلك. # " والهاء " في " بدله " تعود على الإيصاء والموصى له، وإن لم يجر له ~~ذكر. لكن الكلام الأول يدل عليه ويتضمنه لأن الوصية تدل على الإيصاء ~~والإيصاء يتضمن موصيا وموصى له. # والوصية عند أكثر أهل العلم غير واجبة، إنما هي مندوب إليها إلا الزهري ~~فإنه قال: " هي واجبة على من ترك خيرا ". وكلهم أجمعوا على أن من ~~قبله أمانات وودائع وديون ونحو ذلك الوصية فرض. # ثم قال تعالى: { فمن خاف من موص جنفا أو إثما ~~فأصلح بينهم }. # أي: فمن حضر مريضا يوصي بوصية لا تجوز له في الدين، فلا حرج عليه أن ~~يصلح بينه وبين ورثته ويأمره بالعدل في وصيته، وينهاه عن منعه مما أذن ~~الله له فيه وأباحه له. # وقيل: المعنى: فمن خاف جنفا من الموصي فأصلح بين الورثة والموصى لهم ~~فرد الوصية إلى العدل والحق فلا حرج عليه. # قال ابن عباس: " إذا أخطأ الميت في وصيته وخاف فيها فليس على الأولياء ~~حرج أن يردوا خطأه إلى الصواب ". وهو معنى قول قتادة والنخعي. # وقال عطاء: " معناها: من خاف من موص جنفا في عطيته عند موته بعض ورثته ~~/ دون بعض، فلا إثم عليه أن يصلح بين الورثة ". # وقيل: معناه: من خاف من موص جنفا في وصيته لمن لا يرثه بما يرجع نفعه ~~على من يرثه فأصلح بين ورثته، فلا إثم عليه. # وهو معنى قول طاوس، قال: " جنفه توليجه بوصيته لبني ابنه ليكون المال ~~إلى أبيهم، وتوصي المرأة لزوج ابنتها ليكون المال لابنتها، فيصلح بينهم ~~الوصي والأمير، ويوعظ هو في حياته ". # وقال السدي: " نزلت هذه الآية في الوالدين والأقربين ". # فمعناها: فمن خاف من موص لآبائه وأقربائه جنفا على بعضهم لبعض فأصلح ms0185 ~~بين الآباء والأقربين، فلا إثم عليه. # واختيار الطبري أن يكون معناها: من خاف من موص جنفا أن يحيف في وصيته / ~~فيوصي بأكثر مما يجب له في وصيته، فلا حرج على الذي حضر أن يصلح بين ~~الموصي والورثة بأن يأمر الميت / بالمعروف والحق. # والضمير في " بينهم " يعود على الورثة والموصى لهم. أو على الورثة ~~والموصى على الاختلاف المتقدم. # وجاز إضمارهم، ولم يجر لهم ذكر، لأن معناهم في الخطاب وفحوى الكلام ~~مفهوم، لأن الميت وذكره يدل على الورثة، والوصية تدل على الموصى له ~~والموصى والموصي إليه. # قال ابن عباس: " جنفا: خطأ ". وقال عطاء: " ميلا ". # وقال الضحاك: " الجنف: الخطأ، والإثم: العمد " وهو قول النخعي. # ثم قال: { إن الله غفور رحيم }. # أي: " غفور " للموصي فيما حدث به نفسه من الجنف والخطأ والإثم العمد إذا ~~ترك ذلك ورجع إلى الحق، " رحيم " بالمصلح. ### || [2.183-184] # قوله: { يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام ~~كما كتب على الذين من قبلكم } إلى قوله: { إن كنتم ~~تعلمون }. # أي: فرض عليكم أن تصوموا أياما معدودات كما كتب على الذين من قبلكم ~~الصيام، يعني / النصارى. # وقال الشعبي: " فرض على النصارى شهر رمضان كما فرض علينا، فحولوه إلى ~~الفصل، وذلك أنهم ربما صاموه في القيظ فعدوا ثلاثين يوما، ثم أتى قوم ~~من بعدهم، فأخذوا بالشقة لأنفسهم، فصاموا قبل الثلاثين يوما وبعدها ~~يوما. ثم لم يزل الآخر يستن بسنة القرن الذي قبله ويزيد يوما أولا ~~ويوما آخر. حتى صار إلى الخمسين يوما، وقال: لو صمت السنة كلها ~~لأفطرت اليوم الذي يشك فيه، فيقال من شعبان، ويقال من رمضان ". # وقال السدي: " { الذين من قبلكم } هم النصارى كتب عليهم رمضان ~~وكتب عليهم ألا يأكلوا ولا يشربوا بعد النوم، ولا ينكحوا النساء في شهر ~~رمضان، فاشتد عليهم شهر رمضان وجعل يصعب / عليهم في الصيف. فلما رأوا ذلك ~~اجتمعوا على صيام في الفصل بين الشتاء والصيف، وقالوا: " نزيد عشرين ~~يوما. نكفر بها ما صنعنا ". فجعلوا صيامهم خمسين يوما، فلم يزل ~~المسلمون يتركون الأكل بعد النوم وقرب النساء في ليل ms0186 رمضان حتى كان من ~~أمر أبي قيس بن صرمة وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما ما كان، فأحل الله عز ~~وجل لهم الأكل والشرب والجماع إلى طلوع الفجر ". # وقال قتادة: " كان قد كتب الله عز وجل على الناس صوم ثلاثة أيام من كل ~~شهر ثم فرض شهر رمضان ". # وقال جابر بن سمرة: " نسخ صوم رمضان صوم يوم عاشوراء، لأن النبي [عليه ~~السلام] كان أمر بصومه قبل أن يفرض رمضان. فمن شاء الآن صامه ومن شاء ~~أفطره. ". # وروى [أبو] قتادة أن النبي [عليه السلام] قال: # " صوم يوم عاشوراء يكفر سنة مستقبلة ". # قالت عائشة رضي الله عنها: " كان يوم عاشوراء يوما تصومه قريش في ~~الجاهلية. وكان رسول الله يصومه.. فلما قدم المدينة صامه، وأمر بصيامه ~~فنزل صوم رمضان /، فكان رمضان هو الفريضة فمن شاء صام عاشوراء، ومن شاء ~~ترك ". # وقال تعالى: { كما كتب على الذين من قبلكم } قال: " ~~كان كتب عليهم صيام ثلاثة أيام من كل شهر ". # والآية ناسخة لصيام ثلاثة أيام من كل شهر على هذا القول. # وقال أبو العالية والسدي: " هذه الآية منسوخة لأن الله تعالى كتب على من ~~كان قبلنا إذا نام بعد المغرب لم يأكل ولم يقرب النساء، ثم كتب علينا ذلك ~~في هذه الآية " فقال: { كتب عليكم الصيام كما كتب على ~~الذين من قبلكم } ثم نسخه بقوله: # أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسآئكم # [البقرة: 187] الآية ". # وذكر الحسن عن النبي [عليه السلام] أنه قال: # " كان على النصارى صوم شهر، فمرض رجل منهم فقال ~~لئن الله شفاه ليزيدن عشرا، ثم كان آخر فأكل ~~لحما فأوجع فاه، فقال: لئن الله شفاه ليزيدن ~~سبعا، ثم كان ملك آخر فقال: " لتتمن هذه ~~السبعة عشرا، ولأجعلن صومنا في الربيع " ، قال: ~~فصار خمسين يوما " # يعني: ب " الرجال ": ملوكا سنوا سننا وزادوا وبدلوا الأوقات. # واختار الطبري قول من قال: " فرض على من كان قبلنا من أهل الكتاب صوم ~~شهر رمضان ففرضه علينا ". وقال: { كما كتب على الذين من ~~قبلكم }. واستدل على ذلك أن من ms0187 بعد إبراهيم - عليه السلام - من ~~الأنبياء / كانوا مأمورين بالاتباع له؛ وذلك أن الله تعالى جعله ~~[إماما للناس] وأخبرنا أن دينه كان [الحنيفة المسلمة]، وأمر نبينا عليه ~~السلام باتباعه فدل على أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم ومن كان بعده من ~~الأنبياء صلوات الله عليهم فرض / عليهم صوم شهر / رمضان كما فرضه / الله ~~تعالى علينا الآن، فوقع التشبيه على الوقت. # وقيل: إنما فرض الله علينا شهرا، كما فرضه على من كان قبلنا شهرا، ~~وفرض علينا ترك الأكل والوطء بعد النوم، ثم أباحه لنا إلى الفجر. # وقوله: { لعلكم تتقون }. # أي تتقون أكل الطعام وشرب الشراب، وجماع النساء فيه. وهو معنى قول السدي ~~وغيره. # وقيل: معناه: إن الصيام وصلة إلى التقى. فكأنه " صوموا ليقوى رجاؤكم في ~~التقوى ". # ثم قال تعالى: { أياما معدودات }. # قال عطاء: " كان على الناس صوم ثلاثة أيام من كل شهر، ثم فرض الله على ~~المسلمين صوم شهر رمضان ". # فهذا القول يدل على أن أياما منصوبة ب " كتب " ، وهو قول الفراء. ~~قال ابن عباس: " كان عليهم صيام ثلاثة أيام من كل شهر، ثم نسخه الله بصوم ~~شهر رمضان ". وهو قول قتادة. # وقيل: [الأيام المعدودات] هي أيام رمضان بعينها. فيكون نصب: " أيام " ~~بالصيام على هذا القول، وهو قول الأخفش، فتكون ظرفا. ولا يكون نصبها على ~~المفعول لأنك تفرق بين الصلة والموصول بالنعت وهو الكاف. وحسن ذلك في ~~الظرف لأن الظرف تعمل فيها المعاني إلا أن تجعل الكاف مفعولا للصيام، ~~فيحسن أن تنصب " الأيام " على أنها مفعول بها. # والكاف من " كما يجوز أن تكون نعتا لمصدر محذوف أي: [كتبا كما]، ~~ويجوز أن يكون " صوما كما " ، فلا يدخل في الصلة على القول الأول، ~~ويدخل على القول الثاني. # ويجوز أن تكون الكاف نصبا على الحال من الصيام، أي: مشبها لصيام من ~~كان قبلكم. # ويجوز أن يكون في موضع رفع نعتا للصيام. # ثم قال تعالى: { فمن كان منكم مريضا أو على سفر ~~فعدة من أيام أخر }. أي: فمن لم يقدر على الصوم لمرض به ~~أو لسفر ms0188 فليفطر، وعليه أن يصوم مثل ما أفطر من أيام أخر. # فمن الفقهاء من يرى أن الصوم في رمضان في السفر أفضل، ومنهم من يرى ~~الإفطار. # وكان أنس بن مالك يرى الصوم في السفر في رمضان، فقيل له: أين هذه الآية: ~~{ أو على سفر فعدة من أيام أخر } ، فقال: " إنها ~~نزلت يوم نزلت، ونحن نرتحل جياعا، وننزل على غير شبع، واليوم نرتحل ~~شباعا، وننزل على شبع ". # و " أخر " لا تنصرف لأنها معدولة عن الألف واللام عند سيبويه، وذلك ~~أن " فعل " سبيله أن يأتي بالألف واللام نحو " الكبر " و " الفضل ~~". وقال الكسائي: " هي معدولة عن " أخراء " كما تقول " حمراء " و ~~" حمر " / فامتنعت من الصرف لذلك ". # وقيل: منع من الصرف لأنه على وزن " جمع " ، والعرب لا تقول " يوم ~~أخرى " ، إنما تقول: " يوم أخر " ، وإنما جاء " أيام أخر " ~~لأن نعت " الأيام " مؤنث، فلذلك نعت بأخرى. # وقيل: " أخر " جمع " أخرى " ، كأنه قال " أيام أخرى " ، ثم كثرت ~~الأيام فجمع " أخرى " على " أخر ". # ثم قال تعالى: { وعلى الذين يطيقونه فدية طعام ~~مسكين }. قال معاذ بن جبل: " قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، ~~فصام يوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر، ثم إن الله فرض شهر رمضان وقال: ~~{ وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين } ، فكان ~~من شاء صام، ومن شاء أفطر وأطعم مسكينا. ثم إن الله عز وجل أوجب الصيام ~~على الصحيح المقيم، وثبت الإطعام على الكبير إذا أفطر ولم يستطع الصوم، ~~فأنزل الله عز وجل: { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } ~~الآية. / وهو قول عكرمة / والحسن. # وقال علقمة: " نسخها: { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } ~~". # وكذلك روى نافع عن ابن عمر. وهذه الآية في رواية ابن وهب عن مالك محكمة. # قال ابن وهب: " قال لي مالك: " إنما ذلك في الرجل يمرض فيفطر ثم يبرأ ~~فلا يقضي ما أفطر حتى يدركه رمضان آخر من قابل، فعليه أن يبدأ برمضان ~~الذي أدركه فيصومه، ثم يقضي الذي كان أفطر من رمضان الأول، ويطعم عن كل ~~يوم مسكينا / مدا من حنطة. # ولو ms0189 اتصل به المرض إلى أن دخل عليه رمضان آخر، فليس عليه إطعام إذ لم ~~يفرط ". # فالمعنى على هذا القول: وعلى الذين يطيقونه القضاء لما عليهم فلا يقضون ~~حتى يأتي رمضان آخر فدية طعام مساكين مع القضاء. يعني يطعم مدا لمسكين ~~عن كل يوم فرط في قضائه. # وقال ابن أبي ليلى: " دخلت على عطاء وهو يأكل في رمضان فقال: إني شيخ ~~كبير، وإن الصوم نزل فكان من شاء صام، ومن شاء أفطر وأطعم مسكينا حتى ~~نزلت هذه الآية: { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } الآية، ~~قال: فوجب الصوم على كل أحد إلا مريضا أو مسافرا أو شيخا كبيرا مثلي ~~يفتدي ". وهو قول ابن شهاب. # [وقال ابن عباس]: " جعل الله في الصوم الأول فدية طعام مساكين، فمن شاء ~~[من مسافر أو مقيم أن يفطر ويطعم مسكينا] كان ذلك رخصة لهم، ثم أنزل ~~الله في الصوم الأخير: { فعدة من أيام أخر } ، ولم تدخل ~~فيها الفدية، وثبت الصوم الآخر ". # وروى / ابن سيرين عن عبيدة أنه قال في قوله: { وعلى الذين ~~يطيقونه فدية طعام مسكين } ، قال: " نسختها التي تليها: ~~{ فمن شهد منكم الشهر فليصمه } الآية ". # وقال الضحاك: " فرض الله الصوم من العتمة إلى مثلها من القابلة؛ [وإذا ~~صلى الرجل العتمة، حرم عليه] الطعام والشراب والجماع إلى مثلها من ~~القابلة. ثم نزل الصوم الآخر بإحلال الطعام والشراب والجماع في الليل ~~كله، وهو قوله: { وكلوا واشربوا } الآية، وأحل الجماع بقوله: { ~~أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسآئكم } ~~الآية. وكان في الصوم الأول فدية، فمن شاء من مسافر أو مقيم أن يطعم ~~مسكينا عن كل يوم ويفطر فعل ذلك. ولم يذكر الله عز وجل في الصوم الآخر ~~الفدية لكن قال: { فعدة من أيام أخر } فنسخ هذا الصوم ~~الآخر الفدية ". # وقال ابن جبير: " كانت الفدية للشيخ الكبير والعجوز إذا أفطر وهما ~~يطيقان الصوم ثم نسختها الآية التي بعدها قوله: { فمن شهد منكم ~~الشهر فليصمه } ، فنسخت الإطعام عن الكبيرين إذا كانا يطيقان ~~الصوم وأوجب عليهما الصوم، وثبت للشيخ والعجوز الفدية إذا ms0190 كانا لا يطيقان ~~الصوم، وللحبلى والمرضع إذا خافتا. وكذلك قال عكرمة والربيع. # وقال السدي: " الآية محكمة ومعناها: " وعلى الذين كانوا يطيقون الصوم في ~~صحتهم إذا مرضوا أو كبروا أو عرض لهم مانع من المقدرة على الصوم كالحامل ~~والمرضع، الفدية إطعام مسكين لكل يوم، وإن تكلف الصيام على ضره فصام / ~~فهو خير له ". قال ابن عباس: " إذا خافت الحامل والمرضع [أفطرتا وأطعمتا] ~~ولا تقضيان صوما ". # وقرأ ابن جبير وعطاء وعكرمة: " يطوقونه " بواو مشددة، أي: يكلفون ~~صومه ولا يقدرون. يعني الشيخ والعجوز والحامل. # وهي قراءة تروى عن عائشة. وكان إسماعيل القاضي يضعف هذه القراءة ويقول: ~~كيف [يقرأ: " يطوقونه " على معنى " يكلفونه " ]، وهم لا ~~يقدرون على صومه وبعده: { وأن تصوموا خير لكم } ، وكيف يقال ~~لمن لا يقدر على الصوم: { وأن تصوموا خير لكم }؟ هذا معنى ~~كلامه. وقد قرأ مجاهد به، أعني بالتشديد للواو. وروي أيضا عن عكرمة: { ~~على الذين يطيقونه } بالتشديد في الياء والطاء على معنى: " ~~يتطيقونه ". # وعن ابن عباس أنه قرأ: " يطيقونه " بضم الياء الأولى وتشديد ~~الثانية. # قال ابن [الأنباري: في هاتين القراءتين] لحن، لأن الفعل من الواو مأخوذ ~~من الطوق، فلا معنى لقلب الواو ياء بغير علة / ولا أصل ". وروي أيضا عن ~~مجاهد: " يطوقونه " بفتح الياء وتشديد الطاء والواو بمعنى " ~~يتكلفونه ". يعني الشيخ الكبير والعجوز لا يقدران على ذلك، فتكون ~~الآية على هاتين القراءتين محكمة في الشيخ والعجوز والحامل ومن لا يقدر ~~على الصوم لعذر يعرض له، وتكون الآية الثانية لجميع الأصحاء، فهما ~~محكمتان. # قال مالك: " إذا خافت الحامل على نفسها أفطرت ولا إطعام عليها لأنه مرض، ~~وعليها القضاء إذا صحت وقويت ". # وروي عنه أنه قال: " تفطر وتطعم لكل يوم مدا بمد النبي عليه السلام. ~~وذكره عن ابن عمر. # وتفطر المرضع إذا خافت على ولدها ولم تجد من يرضعه لها وتطعم وتقضي. # فمالك يفرق بين الحامل والمرضع، فيلزم المرضع الإطعام ولا يلزمه الحامل، ~~لأنها مريضة. # وروي عن ابن عباس وابن عمر أنهما يفطران ويطعمان ولا قضاء عليهما. وقيل: ~~بل يفطران ويقضيان، ms0191 [ولا إطعام] عليهما، وهو قول الحسن وعطاء / والضحاك ~~والزهري وربيعة والأوزاعي وأهل العراق. وقيل: بل يفطران / ويطعمان ~~ويقضيان. وهو قول مجاهد والشافعي وأحمد بن حنبل. # وأجمع أهل العلم على أن الشيخ الكبير والعجوز يفطران إذا لم يقدرا على ~~الصوم. ولا إطعام عليهما عند مالك. وهو قول ربيعة ومكحول وأبي ثور. # وقال ابن جبير وطاوس والأوزاعي والشافعي وأهل الرأي: " يطعم كل واحد ~~منهما عن كل يوم أفطره مسكينا واحدا ". # والهاء في " يطيقونه " تعود على الصيام. # وقال بعضهم: " تعود على الإطعام " ، وليس بشيء. # ثم قال تعالى: { فمن تطوع خيرا فهو خير له }. # أي: فمن زاد فأطعم عن كل يوم أكثر من مسكين فهو خير وأجر مدخر له. ~~قاله ابن عباس وغيره. # وعن مجاهد أن معناه: " فمن أطعم المسكين أكثر من مد، فهو أجر مدخر له، ~~إنما عليه مد ". # وقال ابن شهاب: " معناه من صام مع الفدية فهو خير له في أخراه ". # ثم قال: { وأن تصوموا خير لكم } أي: والصيام خير لكم من أن ~~تفطروا وتفتدوا. # قال السدي: " معناه: من تكلف الصيام فصام، فهو خير له من الفدية ~~والإفطار ". # وقال من جعل الآية الأولى غير منسوخة: هذا للشيخ الكبير / والعجوز: ~~اعلموا أن التكلف في الصيام خير لهم من الإفطار والفدية ". # ثم قال: { إن كنتم تعلمون }. # أي: إن علمتم أنكم تقدرون / على الصوم، فالصوم خير لكم. # وقيل: معناه: إن كنتم تعلمون أيها المؤمنون خير الأمرين. ### || [2.185] # قوله: { شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن } إلى ~~قوله: { ولعلكم تشكرون }. # أي: المفترض عليكم شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن إلى سماء الدنيا وذلك ~~ليلة أنزل الله جل ذكره القرآن من اللوح المحفوظ جملة إلى سماء الدنيا، ~~ثم نزل بعد ذلك نجوما على ما شاء الله. كذلك أتت الرواية عن النبي [عليه ~~السلام]. # قال ابن عباس: " أنزل الله القرآن جملة من الذكر في ليلة أربع وعشرين من ~~شهر رمضان فجعل في بيت العزة ". # وروى واثلة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " نزلت صحف إبراهيم أول ليلة ms0192 من رمضان، ~~ونزلت التوراة لست مضين من رمضان. [ونزل ~~الإنجيل لثلاث عشرة ليلة خلت منه. ونزل ~~الزبور لثماني عشرة ليلة خلت من رمضان. ~~ونزل القرآن لأربع وعشرين من رمضان]. وكان ~~بين نزول أول القرآن وآخره عشرون سنة ". # وقيل: معناه شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن بفرضه على الناس. فأما ~~إعرابه على هذا المعنى، فيكون فيه معدى إليه الفعل بحرف جر، لا ظرفا. ~~وعلى القول الأول، يكون فيه ظرفا للنزول. # وروى جابر بن عبد الله أن النبي [عليه السلام] قال: # " أنزل الله أول ليلة من رمضان صحف [إبراهيم، ~~وأنزل التوراة على موسى] لست خلون من رمضان، ~~وأنزل الزبور على داود لاثنتي عشرة ليلة خلت ~~من رمضان، وأنزل الإنجيل على عيسى لثماني عشرة ~~ليلة خلت من رمضان، وأنزل القرآن لأربع وعشرين [ليلة خلت من ~~رمضان ". # / وأكثر الناس على أن القرآن أنزل] ليلة القدر من رمضان، والله أعلم أي ~~ليلة كانت، وذلك كله إلى سماء الدنيا، ثم نزل متفرقا على ما ذكرنا. # فأما إعراب { شهر رمضان }؛ فيجوز أن يكون " شهر " رفع ~~بالابتداء، و (الذي أنزل) الخبر. # ويجوز أن يكون التقدير: الأيام التي تصام شهر رمضان وشبهه. # وقرأ مجاهد وشهر بن حوشب: " شهر. " بالنصب. ورويت عن عاصم ونصبه عند ~~البصريين على الإغراء، وعند الكوفيين بالصيام، وهو قبيح للتفرقة بين ~~الصلة والموصول. # وإنما سمي الشهر شهرا لشهرته ودخوله وخروجه، ومنه " شهر فلان ~~سيفه " إذا أخرجه من غمده. # فمن قال: " شهر رمضان " قال في التثنية " شهرا رمضان " / وفي الجمع ~~" أشهر رمضان " ، و " شهرات رمضان ". # ومن قال: " رمضان " بغير شهر قال في الجميع " رمضانات ". # وحكى الكوفيون " رماضين " ، وحكوا " أرمضة " ، وحكي " رماض ". ~~ولم ينصرف لأن فيه ألفا ونونا زائدتان، وهو معرفة. # قال قطرب: " سمي رمضان رمضان لأنهم كانوا يصومونه في الحر. # فهو مشتق من الرمضاء، والرمضاء الرمل الحامي من الشمس ". # وكره مجاهد أن يقال رمضان للشهر، ولا يقال إلا " شهر رمضان " ، كما قال ~~الله. وقال: " لعل رمضان اسم من أسماء الله ". / وقاله عطاء. / وقد أتت ~~الآثار عن النبي ms0193 عليه السلام بذكر رمضان من غير لفظ شهر. # روى مالك أن ابن عباس قال: " إن رسول الله ذكر رمضان، فقال: # " لا تصوموا حتى تروا الهلال ". # وقال أنس بن مالك: " سافرنا مع رسول الله [عليه السلام] في رمضان كثيرا ~~". # وإنما سمي القرآن قرآنا لأنه يجمع السور الكثيرة من قولهم: " قرات ~~الماء في الإناء " ، أي جمعته وضممته. # وقيل: إنما سمي بذلك لأنهم يقولون: " قرأت المرأة " ، و " قرأت ~~" إذا حاضت وإذا ولدت، فكأنها / تظهر شيئا كان مستورا. والقارئ إذا ~~أظهر شيئا وبينه، فهو من إظهار الشي وتبيينه. # وقوله: { هدى للناس }. أي رشاد للناس إلى طريق النجاة. # وقوله: { وبينات من الهدى والفرقان }. # أي: والقرآن أيضا آيات واضحات من الرشاد، والفرق بين الحق والباطل. # ثم قال: { فمن شهد منكم الشهر فليصمه }. # أي فمن شهد منكم الشهر في المصر وهو صحيح فليصمه. و " شهد " بمعنى " ~~حضر ". ومن كان مريضا في المصر أو على سفر، فليفطر إن شاء، وعليه عدة من ~~أيام أخر. # وقيل: المعنى: فمن دخل عليه الشهر وهو مقيم في المصر لزمه الصوم [سافر ~~بعد ذلك أو أقام]. رواه الضحاك عن ابن عباس قال: " إذا شهدت أوله في ~~المصر فصم وإن سافرت ". # وكذلك قال السدي. ورواه أيضا قتادة عن علي رضي الله عنه، وقاله عبيدة. ~~وروي أيضا / عن عائشة رضي الله عنها. # وعلى القول الأول كل العلماء: إن للمسافر الإفطار، وإن أخذه أول الشهر ~~في المصر، ولا يجزي صيام إلا بتبييت قبل الفجر. # ومذهب [مالك أنه إذا بيت الصيام] في أول الشهر أجزأه عن أن يبيته في كل ~~ليلة من بقية الشهر. # وقال الشافعي وأحمد بن حنبل: " لا بد من تبييت الصوم في كل ليلة " وثبت ~~عن / حفصة أنها قالت: # " لا صيام لمن لم يجمع الصيام قبل الفجر " # وأسندته إلى النبي [عليه السلام]. # ثم قال تعالى: { [ومن كان] مريضا }. # أي مريضا بمرض يشق عليه الصوم ويشتد عليه أفطر، وكذلك المسافر، لهما أن ~~يفطرا ويقضيا جميعا، ولا إطعام عليهما. # ومن أكل أو شرب ناسيا في رمضان ms0194 فعليه القضاء ولا كفارة عليه. وهو قول ~~مالك وربيعة بن عبد الرحمن وأهل المدينة. # وعن علي وأبي هريرة وابن عمر أنه: " لا قضاء عليه ". # و [به] قال عطاء وطاوس والنخعي والثوري والأوزاعي وابن أبي ذيب والشافعي ~~وأحمد بن حنبل وأبو ثور وأصحاب الرأي. # ومن وطىء نهارا في رمضان ناسيا فعليه القضاء عند مالك ولا كفارة عليه، ~~وهو قول عطاء والليث بن سعد والأوزاعي. # وقال مجاهد والحسن والثوري والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي: " لا ~~قضاء عليه ولا كفارة ". # وقال أحمد بن حنبل: " عليه القضاء والكفارة ". # وأجمعوا على أن من أكل ناسيا فظن أن ذلك قد فطره فجامع عامدا أن عليه ~~القضاء ولا كفارة عليه. # ومن أكل أو شرب عامدا في نهار رمضان فعليه القضاء والكفارة كالمجامع ~~عامدا. # وهو قول مالك والزهري، وبه قال الحسن وعطاء. وهو قول الثوري والأوزاعي ~~وأبي ثور وإسحاق وأصحاب الرأي. # وقال ابن المسيب: " عليه صوم شهر ". # وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: " عليه صوم اثني عشر يوما على عدة ~~الشهور ". # وعن عطاء أنه " لا قضاء عليه، وعليه تحرير رقبة، فإن لم يجد فبدنة، أو ~~بقرة، أو عشرون صاعا طعاما للمساكين ". # وعن النخعي أن " عليه ثلاثة آلاف يوم ". # وعن ابن عباس / أن " عليه عتق رقبة، أو صوم شهر، أو إطعام ثلاثين ~~مسكينا ". # وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: " من أفطر يوما في رمضان متعمدا ~~لم يقضه أبدا طول الدهر ". وروي ذلك عن ابن مسعود. # وعن الزهري أيضا أنه قال: " إن كان فعل ذلك ابتداعا لدين غير الإسلام، ~~ضربت عنقه، وإن كان فعل ذلك فسقا جلد ". # ومن استقاء فقاء، فعليه القضاء ولا كفارة عليه. # وهو قول علي بن أبي طالب وزيد بن أرقم، وابن عمر وعلقمة، وهو قول الزهري ~~ومالك والشافعي وأحمد وأصحاب الرأي. # وقال عطاء وأبو ثور: " عليه الكفارة مع القضاء ". فإن درعه القيء فقاء ~~فلا شيء عليه عند الجميع. # ثم قال: { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم ~~العسر }. # أي يرخص الله عليكم إرادة ms0195 التيسير، ولا يريد بكم العسر في دينكم. # ثم قال: { ولتكملوا العدة }: أي تكملوا عدة ما أفطرتم / ~~فتقضوه في أيام أخر. # ثم قال: { ولتكبروا الله على ما هداكم }. # قال ابن عباس: " حق على المسلمين أن يكبروا إذا نظروا إلى هلال شوال ". # وقيل: هو التكبير في العيد عند الغدو إلى المصلى. قاله علي بن أبي طالب، ~~وزيد بن أسلم. # وكذلك كان النبي [عليه السلام] يفعل إذا خرج إلى المصلى. فهو سنة عند ~~الزهري وغيره. يقول الرجل: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر. # ثم قال: { ولعلكم تشكرون }. أي [تشكرون على تسهيله عليكم ~~وهدايته] لكم. ### || [2.186-188] # قوله: { وإذا سألك عبادي عني } إلى قوله: { وأنتم ~~تعلمون }. # قال الحسن: " هذه الآية نزلت في سائل سأل النبي [عليه السلام] فقال: أين ~~ربنا؟ فأنزل الله عز وجل: { وإذا سألك عبادي عني } الآية ". # وروي أن / سائلا سأل [النبي عليه السلام] فقال: يا محمد: أقريب ربنا ~~فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله [جل ذكره]: { وإذا سألك ~~عبادي عني }. الآية. # وروي أن المشركين قالوا: كيف يكون الله قريبا وبيننا وبينه سبع سماوات ~~غلاظ، كل سماء مسيرة خمسمائة عام، وبين كل سماءين كذلك؟ فأنزل الله ~~سبحانه: { وإذا سألك عبادي عني }. الآية. # وقال عطاء: " لما نزلت: # وقال ربكم ادعوني أستجب لكم # [غافر: 60]، قالوا: يا رسول الله، في أي ساعة؟ قال: فنزلت: { وإذا ~~سألك عبادي عني }. الآية. # قال السدي: " ليس من عبد مؤمن يدعو الله إلا استجاب له، فإن كان الذي ~~يدعو به رزقه في الدنيا، وإن لم يكن له رزقا في الدنيا، ادخر له إلى ~~يوم القيامة أو دفع [به عنه] مكروه. وكذلك قال ابن عباس. # وعن النبي عليه السلام: أنه قال: # " ما أعطي أحد الدعاء فمنع الإجابة لأن الله ~~يقول: { ادعوني أستجب لكم } ". # والمعنى عند الطبري: " فإني قريب في كل / وقت أجيب دعوة الداعي إذا دعان ~~". # وقال مجاهد: " لما نزلت: { ادعوني أستجب لكم } ، قالوا: إلى ~~أين؟ فنزلت: # فأينما تولوا فثم وجه الله # [البقرة: 115]. ". # وقال قتادة: " لما نزلت: { ادعوني أستجب لكم } ، قال قوم: ms0196 ~~كيف ندعو يا رسول الله؟ فنزلت: { وإذا سألك } " الآية. # وقوله: { أجيب دعوة الداع إذا دعان }. # فمعناه: إذا شئت كما قال: # فيكشف ما تدعون إليه إن شآء # [الأنعام: 41]. # وقوله: { فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي }. # أي فليستجيبوا إلى طاعتي، يقال: " استجبت له واستجبته " بمعنى ~~أجبته. # وقال أبو عبيدة: " معناه: فليجيبوني ". # وتحقيق اللفظ عند / أهل العلم: فليستدعوا الإجابة، / كما يقال: " استنصر ~~" ، إذا استدعى النصر. # وعن أبي رجاء الخراساني أنه قال: " { فليستجيبوا لي } فليدعوني ~~". وقيل: هو التلبية. # وقوله: { وليؤمنوا بي }: أي وليصدقوا بي إذا هم استجابوا لي ~~بالطاعة أني لهم من وراء طاعتهم لي في الثواب عليها، وإجزال الكرامة ~~عليها. # وقال أبو رجاء: { وليؤمنوا بي }: معناه: و " ليصدقوا بي " أني ~~أستجيب لهم. # وقوله: { لعلهم يرشدون }. معناه: لعلهم يهتدون. و " لعل " من ~~الله واجبة. # وقيل: معنى الإجابة هنا، هو الإجابة بالثواب على الأعمال [والطاعات]، ~~فمعنى الدعاء هنا مسألة العبد ربه، إتمام ما وعده إياه من الجزاء على ~~الطاعة. # وروي عن النبي [عليه السلام]. أنه قال: " # " الدعاء هو العبادة ". ثم قرأ { وقال ربكم ادعوني ~~أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي } ". # وقيل: معناه: أجيب دعوة الداعي إن شئت. # وقال الحسن في قوله تعالى: { ادعوني أستجب لكم }: " اعملوا ~~وأبشروا فإنه حق على الله أن يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~ويزيدهم من فضله ". # وقوله: { فإني قريب }. وقف عند يعقوب. وقال نصير: الوقف " دعان ~~" و " يرشدون ". # والفعل من " يرشدون ": رشد يرشد رشدا، ويقال: رشد ~~يرشد رشدا، فيقال: الرشد والرشد، كما يقال: البخل ~~والبخل، والشغل والشغل، والسقم والسقم، والعدم ~~والعدم، والحزن والحزن، والسخط والسخط، والخبر ~~والخبر، والعرب والعرب، والعجم والعجم. # ثم قال: { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى ~~نسآئكم }. # أي أبيح لكم أيها المؤمنون أن تجامعوا نساءكم في ليالي الصيام قبل النوم ~~وبعد النوم ما لم / يطلع الفجر. وحد [الليل من مغيب الشمس] إلى طلوع ~~الفجر الثاني. وحد النهار من طلوع الفجر الثاني إلى مغيب الشمس. # والرفث هنا كناية عن الجماع. # قال ابن عباس: " الرفث الجماع ولكن الله كريم يكني ". وهو ms0197 قول جميع ~~المفسرين. # وقال الزجاج: " الرفث كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من امرأته ". # والرفث في غير هذا الموضع الإفحاش في المنطق، ومنه قوله: # فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج # [البقرة: 197]. # قوله: { فالآن بشروهن }. # المباشرة في هذا الموضع الجماع بدليل قوله: { وابتغوا ما كتب ~~الله لكم } ، يريد الولد بإجماع من المفسرين. # وقد تكون المباشرة في غير هذا الموضع غير الجماع، وذلك المماسة / ويدل ~~[أيضا على ذلك] أن الرفث عند جميع المفسرين كناية عن الجماع. # ثم قال تعالى: { هن لباس لكم وأنتم لباس لهن }. # سمى كل واحد لباسا لصاحبه لتجردهما عند النوم وتضامهما واجتماعهما ~~في ثوب واحد، حتى يصير كل واحد منهما في التصاقه إلى الآخر بمنزلة الثوب ~~الذي يلبسه الإنسان. # وقال الربيع: " معناه: هن لحاف لكم، وأنتم لحاف لهن ". # وقد [سمي الفرش] لباسا والخاتم لباسا، وتقلد السيف لباسا. وهذا يدل ~~على تحريم استعمال الحرير في الوطئ لتحريم النبي [عليه السلام] لباس ~~الحرير. # وقيل: إنما / جعل كل واحد منهما لصاحبه لباسا لأنه يسكن إليه، كما قال ~~تعالى: # جعل لكم / اليل لباسا # [الفرقان: 47]، أي سكنا تسكنون فيه، فكذلك زوجة الرجل سكنه [يسكن إليها ~~كما قال] # وجعل منها زوجها ليسكن إليها # [الأعراف: 189]. فيكون كل واحد منهما لباسا لصاحبه لسكونه إليه. وهو ~~معنى قول مجاهد. # والعرب تقول لما يستر الشيء ويواريه عن أبصار الناظرين: " هو لباسه ~~وغشاؤه " فيكون قد قيل لكل [واحد] من الزوجين لباس للآخر لأنه يستر له ~~فيما يكون بينهم من الجماع عن أبصار الناظرين. # قال مجاهد وقتادة: " معناه: هن سكن لكم، وأنتم سكن لهن ". وقال ابن عباس ~~أيضا. # وقوله: { علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم ~~فتاب عليكم وعفا عنكم }. # أي علم الله أيها المؤمنون أنكم كنتم تريدون أن تجامعوا النساء بعد ~~النوم وتأكلوا وتشربوا بعد النوم، وذلك محرم عليكم فتاب عليكم مما ~~[أضمرتم من مواقعة] الذنب / وعفا عنكم. وذلك أن الله قال: # كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من ~~قبلكم لعلكم تتقون # [البقرة: 183] يعني أهل الكتاب. وكانوا لا ms0198 يجامعون في ليالي الصيام ولا ~~يأكلون ولا يشربون بعد النوم، فصعب ذلك على المسلمين؛ حتى إن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه جاء يريد امرأته فقالت له: قد كنت نمت. فظن أنها ~~تعتل، فوقع بها، وجاء رجل من الأنصار فأراد أن يطعم، فقالت له امرأته: ~~نسخن لك شيئا. فغلبته عينه فنام، فلما انتبه امتنع من الطعام لنومه فجعل ~~يغشى عليه، فنزلت هذه الآية ناسخة لذلك، فأبيح الأكل والشرب والجماع في ~~ليالي الصيام ما لم يطلع الفجر. # وقال معاذ بن جبل: " كانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا، ~~فإذا ناموا لم يحل لهم شيء من / ذلك. فكان رجل من الأنصار يدعى أبا صرمة ~~يعمل في أرض له، فلما كان عند فطره نام فأصبح صائما قد جهد، فلما رآه ~~النبي [صلى الله عليه وسلم] قال: ما لي أرى بك جهدا؟. فأخبره بما كان من ~~أمره. واختان رجل نفسه في شأن النساء، فأنزل الله: { أحل لكم ~~ليلة الصيام الرفث } الآية. # وقال ابن عباس في الآية: " كان المسلمون في شهر رمضان إذا صلوا العشاء، ~~حرم عليهم الطعام والنساء إلى مثلها من القابلة. ثم إن ناسا من المسلمين ~~أصابوا الطعام [والنساء] في رمضان بعد النوم، منهم عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه، فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله: { علم ~~الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم } الآية. # وقال كعب بن مالك: " كان الناس في رمضان إذا صام الرجل منهم فأمسى فنام، ~~/ حرم عليه الطعام والشراب والنساء حتى يفطر من الغد. وإن عمر بن الخطاب ~~رجع من عند النبي [عليه السلام] ذات ليلة وقد سمر عنده، فوجد امرأته قد ~~نامت فأرادها، فقالت: [إني قد نمت، فقال: ما] نمت، فوقع بها. وصنع كعب بن ~~مالك مثل ذلك فغدا عمر إلى النبي [صلى الله عليه وسلم فأخبره فأنزل الله ~~عز وجل: { علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم } ~~الآية. # وعن ابن عباس أيضا أنه قال: " كان الناس أول ما أسلموا يصوم أحدهم ~~يومه، حتى إذا أمسى ms0199 طعم من الطعام، وجامع فيما بينه وبين العتمة، حتى إذا ~~صليت العتمة حرم ذلك عليهم إلى الليلة القابلة وإن عمر بن الخطاب بينما ~~هو نائم إذ سولت له نفسه فأتى أهله ليقضي حاجته، فلما اغتسل أخذ يبكي ~~ويلوم نفسه كأشد ما رأيت من الملامة، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: يا رسول الله، إني أعتذر إلى الله وإليك مع نفسي هذه الخاطئة؛ ~~فإنها زينت لي فواقعت أهلي. # هل تجد لي من رخصة يا رسول الله؟ [قال: لم تكن حقيقا] بذلك يا عمر، ~~فلما بلغ بيته أرسل إليه [فأنبأه الله بعذره] في آية من القرآن، وأمره ~~الله أن يضعها في المائة الوسطى من سورة البقرة وهي قوله: { أحل ~~لكم ليلة الصيام الرفث } الآية ". # وبهذه المعاني فسرها مجاهد وعكرمة وقتادة. # وقال قتادة: " [كان بدء الصيام أنهم] أمروا بصيام ثلاثة أيام من كل شهر ~~وركعتين غدوة، وركعتين عشية، ثم افترض عليهم رمضان وخمس صلوات، وكان ~~الأكل والشرب والجماع [لهم مباحا] ما لم يرقدوا، فإذا رقدوا حرم ذلك ~~عليهم / إلى مثلها من القابلة. وكانت خيانة القوم أنهم يأكلون ويشربون ~~ويغشون نساءهم بعد النوم، ثم أباح الله عز وجل ذلك لهم إلى طلوع الفجر ". # وقال السدي: " كتب الله على النصارى صوم شهر رمضان، وكتب عليهم ألا ~~يأكلوا ولا يشربوا ولا ينكحوا النساء بعد النوم. وكتب على المؤمنين مثل ~~ذلك، فوقع قوم من المؤمنين في الأكل والشرب والجماع بعد النوم فشكوا ذلك ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنسخ الله عز وجل ذلك عنهم فقال: { أحل ~~لكم ليلة الصيام الرفث } الآية. # قال أبو العالية وعطاء: " هذه ناسخة لقوله: { كما كتب على ~~الذين من قبلكم لعلكم تتقون }. # وقوله: { فالآن بشروهن }. # أي جامعوهن في ليل / الصيام ما لم يطلع الفجر إذا شئتم. فباشروهن كناية ~~عن الجماع. # وقوله: { وابتغوا ما كتب الله لكم }. هذا لفظه لفظ أمر، ~~ومعناه التأديب والندب. # قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والحسن والسدي والربيع والضحاك: { ~~وابتغوا ما كتب الله لكم }: هو الولد ms0200 ". وقاله أنس بن ~~مالك. وعن ابن عباس أيضا أن معناه: " وابتغوا ما كتب الله لكم من ليلة ~~القدر ". # وقال قتادة: " معناه: وابتغوا ما رخص الله لكم وأحل لكم، يعني الجماع ". # وقيل معناه: " ابتغوا الذي كتب الله لكم في اللوح المحفوظ أنه يباح / ~~لكم وهو الوطء بعد النوم في ليالي الصيام. والولد هو [مما كتبه الله في ~~اللوح] المحفوظ أيضا. # وقوله: { حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من ~~الخيط الأسود من الفجر }. # أي بياض النهار من سواد الليل بطلوع الفجر. # وقال الحسن: " معناه: حتى يتبين لكم النهار من الليل ". # وقاله ابن عباس أيضا. وهو مروي عن النبي [ عليه السلام]. # ويروى # " أن عدي بن حاتم أخذ / خيطين أسود وأبيض فنظر فيهما عند الفجر فرآهما ~~سواء، فأتى النبي [عليه السلام] فقال له: يا رسول الله: فتلت خيطين من ~~أسود وأبيض فنظرت فيهما من الليل فوجدتهما سواء. فضحك رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حتى رأى نواجذه، ثم قال له: " ألم أقل لك من ~~الفجر، إنما هو ضوء النهار من ظلمة الليل ". # وقال سهل بن سعد. " نزلت هذه الآية: { وكلوا واشربوا حتى ~~يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود } ، ~~ولم ينزل { من الفجر }. قال: فكان رجال إذا أراد أحدهم الصوم ربط ~~في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود، فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له ~~أحدهما من الآخر، / فأنزل الله عز وجل بعد ذلك (من الفجر) فعلموا أنه ~~إنما عني بذلك من الليل والنهار ". # وفي الكلام حذف وتقديم وتأخير / والتقدير: " حتى يتبين لكم الخيط الأبيض ~~من الفجر من الخيط الأسود من الليل ". # وفي هذا دليل بالنص على أن الصائم إذا أصبح جنبا لا يضر ذلك صيامه. لأن ~~له الوطء ما كان له الأكل والشرب، فإذا وطىء إلى الفجر أصبح جنبا ضرورة ~~لا شك فيه، وصيامه تام بهذا النص من القرآن والسنة. # والفجر فجران: فجر [أول وهو الضوء] الساطع في السماء، يقال له الصبح ~~الكاذب، فلا يمنع ذلك أكلا ولا جماعا. والفجر الثاني هو المنتشر الذي ~~يملأ ms0201 ببياضه وضوئه الطرق، فذلك يمنع الأكل والجماع، يسمى الفجر الصادق. # والفجر الأول يذهب في السماء طولا كأنه ذنب السرحان مستدق صاعد في غير ~~اعتراض. # والثاني يضرب إلى حمرة، وينتشر ضوؤه على الجبال، يقال له: المستطير أو ~~المنتشر في الأفق وهو معترض. وكل شيء انتشر فقط استطار، ومنه قوله تعالى: # يوما كان شره مستطيرا # [الإنسان: 7]: أي منتشرا فاشيا. # والفجر في اللغة مصدر، " فجر الماء، يفجر فجرا " إذا بعثه وأجراه ~~فكأنه اسم للمصدر، فقيل للطالع من تباشير ضياء الشمس من مطلعها: " فجر ~~" ، لانبعاث ضوئه ونوره عليهم. والخيط في اللغة: اللون. # وقوله: { من الفجر } معناه الذي هو من الفجر، وليس هو جميع الفجر. ~~وقال التيمي: " هو ضوء الشمس من سواد الليل ". # وحكي عن حذيفة أنه كان يتسحر بعد طلوع الفجر. # وحكى سالم مولى أبي حذيفة عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه كان يتسحر ~~بعد طلوع الفجر. وكذلك ذكره البراء عن ابن مسعود قال: " تسحرت أنا وابن ~~مسعود ثم خرجنا والناس في صلاة الصبح ". # وليس العمل عند جميع الفقهاء على شيء من هذه الأقوال. # وعن التيمي أنه قال: " الوتر بالليل والسحور بالنهار ". # وعنه: " السحور بالليل والوتر بالليل ". # وبهذا العمل عند فقهاء الأمصار. # وقوله: { ثم أتموا الصيام إلى الليل }. # إلى النهاية وليس بحد وإذا كانت نهاية، انتهى العمل إلى ما بعدها، ولا ~~يدخل ما بعدها فيما قبلها، ولا صوم في شيء من الليل. والذي عليه / أهل ~~النظر أن " إلى " إذا كان الذي بعدها من صنف ما قبلها، دخل في حكم ما ~~قبلها كقوله: # إلى المرافق # [المائدة: 6] و # إلى الكعبين # [المائدة: 6]. والمرفقان والكعبان داخلان في الغسل. وإذا كان ما بعدها ~~ليس من جنس ما قبلها، لم يدخل في حكم ما قبلها نحو: { إلى الليل }. ~~وقد بينا هذا / في المائدة بأشرح من هذا. # وقوله: { ولا تبشروهن وأنتم عكفون في المسجد ~~}. # أي لا تجامعوا أو تلامسوا وأنتم معتكفون. فهذا يدل على جواز الاعتكاف. ~~وفيه دليل عند قوم على أن الاعتكاف جائز في كل مسجد تقام فيه ms0202 الصلاة ~~وفي كل وقت، مفطرا كان أو صائما، لأن الخطاب خرج مطلقا. # ولا يعتكف عند مالك وغيره إلا صائم، ولا يعتكف إلا في مسجد تقام فيه ~~الجمعة. # ثم قال: { تلك حدود / الله فلا تقربوها }. أي لا تقربوا ~~ما نهاكم عنه من حدوده. # ثم قال: { كذلك يبين الله ءايته للناس لعلهم ~~يتقون }. أي يبين لهم ما حرم عليهم مما أحل لهم لعلهم يتقون حدوده ~~ويخافون عذابه. # ثم قال: { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } ~~، أي: لا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل. # { وتدلوا بها } أي: وتخاصموا بالأموال إلى الحكام. # { لتأكلوا فريقا من أموال الناس } أي: من طائفة من ~~أموالهم. # { بالإثم } أي: بالحرام. # { وأنتم تعلمون } أي: تعلمون أنكم ظالمون وأنه حرام عليكم. # قال ابن عباس: " هذا في الرجل يكون عليه مال، ولا بينة عليه فيجحد المال ~~ويخاصم صاحبه وهو يعلم أنه إثم ". # ويقال: من مشى مع خصمه وهو ظالم فهو آثم / حتى يرجع إلى الحق. وقال ~~عكرمة: " هو الرجل يشتري السلعة فيردها ويرد معه دراهم ". # يقال: أدلى فلان إلى فلان بمال: خاصم. كأنه جعله كالرسالة. # ويقال: " أدلى فلان بحجته " إذا بينها كأنه يرسلها إرسالا. وأصله من ~~إرسال الرجل الدلو في حبل؛ يقال: " أدليت الدلو " إذا أرسلتها، و " ~~دلوتها " إذا رفعتها وأخرجتها. ### || [2.189] # قوله: { يسألونك / عن الأهلة }. # الهلال مشتق من استهلال الصبي إذا بكى، فقيل له: هلال لأن الناس حين ~~يرونه يرفعون أصواتهم بذكره. # ويقال: أهل الهلال واستهل. وسمي هلالا لليلتين. وقيل: إلى ~~الليلة السابعة. ومعنى الآية أنها سؤال من المشركين للنبي [صلى الله عليه ~~وسلم] سألوه عن نقصان القمر وزيادته ما هو، فقيل له: قل يا محمد: { هي ~~مواقيت للناس والحج }. # معناه عند الطبري: يسألونك يا محمد عن الأهلة واختلافها وتغيرها في ~~محاقها وسرارها وتمامها واستوائها واستسرارها، وما المعنى الذي خالف له ~~حالها حال الشمس التي لا تغير ولا تنتقل من حال إلى حال. # فقل يا محمد: فعل الله ذلك تعالى لتعلم عدة الآجال لمن استوجر وتصرم عدة ~~النساء ووقت الصوم والإفطار وحلول ديونكم ms0203 وأشباه / هذا. # فهذا معنى قوله: { قل هي مواقيت للناس والحج }. # ومعنى: " والحج " أي وهي مواقيت للحج تعرفون بها وقت حجكم ونسككم ~~وإحرامكم وغير ذلك. فمن أجل هذا خالف الله بين القمر والشمس. وكان ذلك ~~لسؤال سائل سأل النبي [عليه السلام] عن الأهلة. قال ابن جريج: " سأل ~~الناس: لم خلقت هذه الأهلة، فأجيبوا بذلك ". وكذلك / قال ابن عباس ~~وقتادة. # وقوله: { وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ~~}. # قال البراء: " كانت الأنصار إذا حجوا فرجعوا لم يدخلوا البيوت إلا من ~~ظهورها. فجاء رجل من الأنصار، فدخل من بابه، فقيل له في ذلك، فنزلت هذه ~~الآية إنذارا لهم أن الدخول من ظهر البيت ليس من البر. فانتهوا عن ذلك ~~". # وقال إبراهيم النخعي: " هم ناس من أهل الحجاز كانوا إذا أحرموا لم ~~يدخلوا من أبواب البيوت، فنهوا عن ذلك ". # وقال مجاهد: " كان المشركون إذا أحرم الرجل منهم ثقب كوة في ظهر بيته ~~وجعل سلما، ولم يدخل إلا من الكوة فنهوا في الإسلام عن ذلك ". # وقال الزهري: # " كان الناس من الأنصار إذا أحرموا لم يحل بينهم وبين السماء شيء، ~~يتحرجون. وكان الرجل تبدو له الحاجة بعد خروجه فيرجع ولا يدخل من باب ~~الحجرة من أجل سقيفة الباب أن تحول بينه وبين السماء، فيفتح في الجدار من ~~وراء الحجرة ثم يدخل من ذلك الفتح. وكان الحمس لا يفعلون ذلك، فدخل النبي ~~[عليه السلام من الباب وهو محرم، ودخل في إثره أنصاري]، فقال له النبي ~~صلى الله عليه وسلم: إني أحمس، فقال [الأنصاري: وأنا] أحمس أي على ~~دينك. فأنزل الله الآية ". # وقال السدي: " كان أولئك الذين يفعلون هذا يسمون الحمس ". # وقال قوم من أهل اللغة: كان قوم من قريش وجماعة من العرب إذا توجه الرجل ~~في حاجة فلم يقضها ولا تيسرت له، تطير بذلك ورجع، فلم يدخل من باب بيته، ~~فنهوا عن ذلك. # وقال جماعة من أهل التفسير: " الحمس هم قريش وبنو عامر بن صعصعة وثقيف، ~~وكان أحدهم إذا [أحرم لم يسأل السمن] ولم يبع الوبر ولم ms0204 يدخل من باب ~~بيته. وسموا حمسا لأنهم تحمسوا في دينهم، أي تشددوا ". # والحملة الشدة في الغضب وغيره. فأعلمهم الله أن ذلك ليس من البر، وأن ~~البر التقوى. # وذكر ابن الأنباري أن بعض الناس فسر البيوت بإتيان النساء في الأدبار ~~منعوا من ذلك، وقيل لهم: إئتوا البيوت من أبوابها، أي ائتوا المرأة من ~~الباب / المحل لكم الذي منه يكون الولد، ولا تأتوها من غير هذا الباب ~~فتجوروا وتعصوا. وهو قول شاذ. # وقال أبو عبيدة: " { وأتوا البيوت من أبوابها }: اطلبوا ~~الخير من بابه ومن أهله ولا تطلبوه من الجهال المشركين ". # وأكثر الناس على القول الأول. ### || [2.190] # وقوله: { وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ~~}. # هذه أول آية نزلت في القتال أمروا أن يقاتلوا من / يقاتلهم { ولا ~~تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين }. # أي لا تقاتلوا من لم يقاتلكم. وقد نسخ الله ذلك في براءة بقوله: # وقاتلوا المشركين كآفة # [التوبة: 36]، وبقوله: # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة: 5] و { وقاتلوا المشركين كآفة }. قاله ابن زيد. # وقال ابن عباس وعمر بن عبد العزيز / وغيرهم: " الآية محكمة غير منسوخة ~~". # وقوله: { ولا تعتدوا } أي: لا تقتلوا الشيخ / الكبير والنساء ~~والذرية، ولا من ألقى إليكم السلم، فإن فعلتم اعتديتم. # ومعنى { الذين يقاتلونكم } على قولهم: أي الذين فيهم مقدرة ~~على قتالكم ومن عادتهم القتال. ولا تقاتلوا من ليس ذلك من شأنه ~~كالرهبان [ومن أدى] / الجزية، ولهذا نهى عن قتل الرهبان. # وقد قال بعض الفقهاء: ولا تؤخذ من الرهبان الجزية، وكذلك لا يحل قتل من ~~أدى الجزية. ### || [2.191-193] # قوله: { واقتلوهم حيث ثقفتموهم } أي: في أي مكان تمكنتم ~~بهم. ومعنى " الثقافة بالأمر ": الحذق به والبصر. ومعنى " التثقيف ": ~~التقويم. # ثم قال: { وأخرجوهم من حيث أخرجوكم }. # هذا خطاب للمهاجرين أمروا أن يخرجوا الكفار من مكة، وهو الموضع الذي ~~هاجروا - هم - منه، وأخرجوا. # { والفتنة أشد من القتل }. # أي الشرك والكفر. هذا قول قتادة؛ أي أن يقتل أحب إليه من أن يكفر. وأصل ~~الفتنة الاختبار والابتلاء. فمعناه الاختبار الذي يؤدي إلى الكفر أشد من ~~القتل. # قوله: { ولا ms0205 تقاتلوهم عند المسجد الحرام } الآية. # وجه قراءة حمزة والكسائي: " ولا تقتلوهم " بغير ألف، من القتل ~~حتى [يقتلوكم مثله، فإن قتلوكم] مثله، أنهم أمروا ألا يقتلوا أحدا عند ~~المسجد الحرام حتى يقتل بعضهم فقال: [ولا تقتلوهم حتى يقتلوكم] أي ~~يقتلوا بعضكم. والعرب تقول: " قد قتل بنو فلان " ولم يقتل إلا الأقل ~~منهم. " ومات الناس " ولم يمت إلا الأقل منهم. فأما معنى قراءة الجماعة ~~بالألف في الثلاثة من القتال، فهو أنهم أمروا ألا يبدأوا بالقتال في ~~المسجد الحرام حتى يبدأوهم، فإن بدأوهم به، قاتلوهم وقتلوهم. # وقال قتادة: " أمروا ألا يقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يبدأوهم / ثم ~~نسخ ذلك بقوله: { وقاتلوهم } { حتى لا تكون فتنة } ~~أي: لا يكون شرك { ويكون الدين لله } أي يقال: " لا إله إلا ~~الله محمد رسول الله ". # وروي عن قتادة أيضا أنها منسوخة بقوله: # فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين # ، [التوبة: 5]. فأمروا بالقتال، # حيث وجدتموهم # [التوبة: 5] عند [انسلاخ الأشهر في الحل و] الحرم حتى يشهدوا [أن لا إله ~~إلا الله وأن] محمدا رسول الله ". # وقال مجاهد: " الآية غير منسوخة، ولا يحل لأحد أن يقاتل في الحرم أحدا ~~إلا أن يبدأه بذلك فيقاتله ". واحتج بحديث النبي صلى الله عليه وسلم ~~يوم فتح مكة: # " إن مكة حرام بحرمة الله لم تحل لأحد قبلي، ~~ولا تحل لأحد بعدي ". # وأكثر الناس على أنها منسوخة، وأن المشركين يقاتلون في كل موضع بقوله: ~~{ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } - وبراءة نزلت ~~بعد البقرة - وبقوله: # وقاتلوا المشركين كآفة # [التوبة: 36]، والحجة بما ثبت نصه وتلاوته أولى من غيره. # قوله: { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة } ، أي: شرك. ~~والدين العبادة والطاعة. # قوله: { فلا عدوان إلا على الظالمين } أي: لا يجازى ~~إلا هم. # وسميت مجازاتهم عدوانا لأنها جزاء للاعتداء، وهو مذهب العرب. ومنه: # فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما ~~اعتدى عليكم # [البقرة: 194]. # ومنه: # الله يستهزىء بهم # [البقرة: 15]، ومنه: # وجزآء سيئة سيئة مثلها # [الشورى: 40]، ومنه: # سخر الله منهم # [التوبة: 79]. # ومعنى: { فلا عدوان } ، أي لا يقاتل إلا من قاتل. # قال الأخفش: " المعنى: فإن ms0206 انتهى بعضهم فلا عدوان إلا على الذي لم ينته، ~~وهو الظالم منهم ". ### || [2.194] # قوله: { الشهر الحرام بالشهر }. # هو ذو القعدة وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم صده المشركون عام ~~الحديبية في ذي القعدة وهو محرم بعمرة، وذلك في سنة ست / من هجرته، فرجع ~~من الحديبية ونحر - ثم - هديه وحلقوا وقصروا ثم، وصالحهم في تلك السنة ~~على أن يعود من العام المقبل، وهو سنة سبع من هجرته. فخرج النبي معتمرا ~~في العام المقبل، وأخلى له المشركون مكة، فأتم عمرته، وأقام ثلاثة أيام، ~~فقال الله له وللمسلمين: هذا الشهر الحرام الذي قضيتم فيه عمرتكم عوض ~~عن ذلك الشهر الذي صدكم فيه المشركون. # { والحرمات قصاص }: بعضها قصاص لبعض؛ شهر حرام بشهر حرام. # وإنما جمع في قوله: { والحرمات } وليس ثم الأشهر بدل من شهر لأنه ~~أراد الشهر الحرام، والبلد الحرام، وحرمة الحرم، فصارت حرمات / قضاء ~~الوقوف بها / في عام سبع عوض من حرمات، صدوا عنها في عام ست. # وقال ابن عباس: " معناه: أن الله أطلق للمسلمين أن يقتصوا ممن اعتدى ~~عليهم ". # فتقديره: والحرمات منكم - إذا تعدي عليكم فيها - قصاص. # وكان الإنسان حراما ضربه وشتمه وجرحه وغير ذلك، فأبيح لهم القصاص. # قال: ثم نسخ ذلك، وصير الحكم إلى السلطان، فليس لأحد أن يقتص دون أن ~~يرفع إلى السطان ". # قوله: { فمن اعتدى عليكم } الآية. # قال ابن عباس: " أمروا / في / أول الإسلام أن ينتقموا ممن آذاهم مثل ما ~~صنع بهم، ثم نسخ ذلك، فرد الأمر إلى السلطان ". # وقال أكثر أهل التفسير: " الآية في القتال: أي: فمن قاتلكم في الشهر ~~الحرام فقاتلوه بدلالة ما قبله من الأمر بالقتال، والنهي عنه في المسجد ~~الحرام، وهو نظير قوله: { وقاتلوا في سبيل الله الذين ~~يقاتلونكم }. والآية منسوخة بالأمر بالقتال في الحرم وإن لم ~~يبدأوا، بقوله: { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } ~~، وبقوله: { وقاتلوا المشركين كآفة }. # وبهذه الآية ونظيرها أجاز الشافعي أن يأخذ الرجل من مال من خانه بقدر ما ~~خانه من غير رأيه. وقاله أصحاب الرأي. ولم يجزه مالك. ### || [2.195] # قوله: { وأنفقوا ms0207 في سبيل الله ولا تلقوا ~~بأيديكم إلى التهلكة }. # قال النبي [عليه السلام]: # " من أنفق نفقة في سبيل الله كتبت له بسبعمائة ~~ضعف ". # و " إلى " متعلقة ب { تلقوا }. والباء متعلقة بالمصدر عند ~~المبرد، وهي زائدة عند الأخفش. # والتهلكة: الهلاك. حض الله المسلمين على النفقة في سبيله والجهاد لئلا ~~يقوى العدو، فتصير عاقبة أمرهم إلى الهلاك. # والتهلكة عند سفيان: ترك النفقة في سبيل الله عز وجل. # وقال ابن عباس: " التهلكة الإمساك عن النفقة في سبيل الله تعالى " وقال ~~ابن زيد وغيره: " معناه: لا تخرجوا إلى الغزو بغير نفقة، أمروا أن ينفقوا ~~في سبيل الله وأن لا يخرجوا بغير نفقة، فيهلكوا أنفسهم ". # وقال زيد بن أسلم: " كان رجال يخرجون إلى البعوث بغير نفقة، فإما أن ~~يقطع بهم، وإما أن يكونوا عالة على الناس، فأمروا ألا يخرجوا على تلك ~~الحال ". # وقال البراء بن عازب: " { ولا تلقوا بأيديكم إلى ~~التهلكة }: هو الرجل يصيب الذنب فيلقي بيده إلى التهلكة، يقول: ~~" لا توبة لي ". فأمروا ألا ييأسوا من رحمة الله عز وجل ". # وقال أبو قلابة: هو الرجل يصيب الذنوب، فيقول: " لا توبة لي " ، فينهمك ~~في المعاصي، [فأمر / ألا ييأس] من رحمة الله سبحانه ". وقال أبو أيوب ~~الأنصاري: " فينا نزلت هذه الآية، وذلك أنا / معشر الأنصار لما أعز الله ~~دينه قلنا سرا: إن أموالنا قد ضاعت، فلو أقمنا فيها نصلحها ". فأنزل ~~الله عز وجل يرد علينا ما قد هممنا به من التخلف عن الجهاد ". # فمعناه: { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } أي: لا ~~تتأخروا عما هو أنفع لكم وهو الغزو. والعرب تقول: " ألقى فلان بيديه " ~~إذا استسلم. # قوله: { وأحسنوا }. # قيل: معناه: أحسنوا الظن بالله عز وجل في المغفرة لمن تاب. هذا على قول ~~من قال: { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة }. معناه ~~في الذنوب، وألا ييأس من رحمة الله عز وجل. # وقيل معناه: أحسنوا الإنفاق. # وقيل: معناه: أداء الفرائض. # وقيل: معناه: أحسنوا الظن بالله تعالى أنه يضاعف الحسنات ويخلف النفقة. ### || [2.196] # قوله: { فما استيسر من الهدي }. # " ما " في موضع رفع، ms0208 أي: فعليه ذلك. # وقيل: فوجب عليه ما استيسر. والمعنى واحد. # وقيل: هي في موضع نصب تقديره: فليهد ما استيسر من الهدي. # قال أبو عمرو: " الهدي جمع. واحده: هدية، كتمرة وتمر ". # وقيل: هو مصدر لا واحد له كرجال صوم. فهو يقع للواحد والجمع والتأنيث ~~كأنه مصدر " هدى إلى البيت هديا " وبنو تميم يثقلون ياء الهدي. # وقال الفراء: " لا واحد له ". # قوله: { ففدية } أي فعليه فدية. # ويجوز النصب على معنى: فليفد فدية، وفليأت فدية. # قوله: { فما استيسر من الهدي }. الثاني يجوز فيه ما جاز في ~~الأول. # قوله: { ذلك لمن لم يكن } أي ذلك الفرض على من هذه حالته. # قوله: { وأتموا الحج والعمرة لله }. # أي: أتموا الحج إلى أقصى مناسكه، والعمرة إلى البيت، وفي قراءة عبد ~~الله: " وأتموا الحج والعمرة إلى البيت لله عز وجل ". # وقرأ الشعبي: " والعمرة لله " بالرفع / وكأنه تأول أن النصب يوجب ~~فرض العمرة، وليس كذلك عند أكثر العلماء، وإنما معنى النصب هو الفرض ~~بإتمام ما قد دخل فيه الرجل. فالعمرة ليست بفرض، وإتمامها إذا دخل فيها ~~الداخل فرض. # فالقراءة بالرفع تخرج وجوب إتمام العمرة عند الدخول فيها أن يكون فرضا ~~بالآية. # ومعنى النصب: " أتموا الفرض والتطوع. والفرض قد بين بقوله: # ولله على الناس حج البيت # [آل عمران: 97]. # قال ابن عباس: " من أحرم بحج أو عمرة فليس له أن يحل حتى يتمهما ". # وقال مجاهد: " إتمامهما أن يقضي مناسكهما ". # وقال علي بن أبي طالب: إتمامهما أن تحرم من دويرة أهلك ". # ويرد هذا فعل النبي [عليه السلام] إذ لم يحرم إلا من الميقات. # وقال طاوس: " إتمامهما أن تفرد / ولا تقرن ". # وقال قتادة: " إتمام العمرة / أن يحرم بها في غير أشهر الحج ". # وإتمام الحج: أن تأتي بمناسكه حتى لا يلزمك دم القران ولا متعة لأن من ~~أحرم من غيرها بعمرة في أشهر الحج، ثم حج عامة فهو متمتع وعليه دم. # وقال سفيان: " إتمامهما أن تخرج من بيتك لا تريد غيرهما، وتهل من ~~الميقات. ليس أن تخرج لتجارة أو لحاجة / حتى إذا صرت قريبا ms0209 من مكة قلت: ~~لو حججت أو اعتمرت ". # وروي عن عثمان أنه قال: " إتمامهما ترك الفسخ وأن تكون النفقة حلالا ". ~~وليست / العمرة بواجبة عند مالك وأبي حنيفة، وهي واجبة عند الشافعي. # وقال عطاء وطاوس ومجاهد: " العمرة فرض كالحج ". # وهو قول ابن جبير وعلي بن الحسين. وروي ذلك عن ابن عباس وعن ابن عمر. # وروى جابر أن النبي [صلى الله عليه وسلم] سئل عن العمرة: أواجبة هي؟ ~~فقال: # " لا، وأن تعتمر خير لك ". # وعنه أنه قال: # " الحج جهاد، والعمرة تطوع ". # وهو قول نافع، والقاسم بن محمد. # وقال ابن مسعود: " الحج فريضة، والعمرة تطوع ". # وليس في هذا دليل على فرض الحج، ولا العمرة، إنما افترض في قوله: # ولله على الناس حج البيت # [آل عمران: 97]. إنما في هذه الآية فرض إتمام ما دخل فيه من حج أو عمرة. ~~وهو داخل تحت قوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود # [المائدة: 1]. فمن عقد عقدا من حج أو عمرة أو غير ذلك من الطاعات فعليه ~~إتمامه فرضا من الله بآية العقود. # فبان من هذا أن العمرة غير فرض إذ لم تأت بذلك آية، كما أتت في الحج. # ومعنى " اعتمر ": قصد، كأنه افتعل من " عمر ". والحج القصد. # وقيل: اعتمر، معناه: زار. # والإحصار عند مجاهد هو الحبس بمرض. وهو عند عطاء الحبس من كل شيء مرض أو ~~خوف أو غيره. # وقال ابن عباس: " هو منع العدو لا غير ". # وإنما أنزل الله الآية في إحصار العدو لرسول الله [عليه السلام] ومنعهم ~~إياه أن يتم عمرته حين رجع، و [أحل في موضعه وعاد] في العام القابل. # وأكثر الناس على أن العلل العارضة المانعة من الحج غير داخلة في ~~الإحصار، وحكمها حكم من فاته الحج، وليس حكم من منعه العدو حكم من فاته ~~الحج. # قوله: { فما استيسر من الهدي }. # " هو شاة " قال ذلك علي وابن عباس. # وقال قتادة: " أعلاه بدنة، وأوسطه بقرة ". # وقال ابن عمر: " هو البقرة دون البقرة في السن، والبعير دون البعير ". ~~وهو قول ابن الزبير وعائشة. # فمعنى ذلك أن ms0210 من حبسه شيء عن إتمام حجه أو عمرته، فعليه إذا أراد أن يحل ~~شاة / أو بقرة أو بعير على ما ذكرنا من الاختلاف. # ومذهب مالك أن الشاة تجزي. ولا هدي عند مالك على من أحصر بعدو، ولا قضاء ~~لحجه ولا لعمرته إلا أن يكون ضرورة فعليه الحج. فإن كان الإحصار بمرض ~~ونحوه فلا يحله إلا البيت، وعليه الهدي، إذا فاته الحج ويفسخ حجه في ~~عمرة، وعليه حج قابل يكون معه الهدي الذي لزمه لفوات الحج. # قوله: { ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي ~~محله }. # أي من أراد أن يحل، فلا [يحلق رأسه حتى يبلغ الهدي] محله لأن حلقه ~~إحلال. # وبلوغ الهدي محله هو نحره أو ذبحه في أي موضع كان، إذا أحصر بخوف أو ~~عدو، لأن النبي [عليه السلام] حل بالحديبية ونحر بها حين صد، وحلقوا ~~رؤوسهم. # والحديبية ليست من الحرم. فالنحر مقدم على حلق الرأس بهذه الآية. # قوله: { فإن أحصرتم } أي بمرض أو نحوه، فمحله بعد الطواف ~~بالبيت، والسعي بين الصفا / والمروة. وليس على من أحصر بعدو أو خوف قضاء ~~ولا هدي، ويحل في موضعه، [وينحر في موضعه من حل] أو حرم إذا فاته الحج ~~بحصر العدو بخلاف حصر المرض ونحوه الذي يلزم / فيه القضاء ولا يحله إلا ~~البيت، ويلزمه الهدي عند قضاء ما فاته من حج أو عمرة؛ هذا مذهب مالك. ~~إنما القضاء على من فاته الحج من غير إحصار عدو بمرض أو فوات. فإن كان ~~الذي أحصر لم يحج فعليه الحج لازم، وإن كان الذي أحصر بمرض لا يقدر على ~~الوصول، ويخاف على الهدي أن يعطب، أرسله ينحر بمكة، ويبقى هو على إحرامه ~~حتى يطوف ويسعى وإن أقام سنين. # قوله: { أو به أذى من رأسه }. أي شقيقة أو وجع أو كثرة ~~قمل. # " وهذه الآية نزلت في كعب بن عجرة إذ شكا إلى النبي [عليه السلام] ~~كثرة قمله وذلك عام الحديبية، فأمره النبي [صلى الله عليه وسلم] بحلقه، ~~وأمره بالهدي، فقال: لا أجد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ms0211 " صم ~~ثلاثة أيام أو [أطعم ستة مساكين]. لكل مسكين نصف صاع ~~" ، ففي ذلك نزلت الآية ". # وقال الحسن: " عليه صوم عشرة أيام، أو إطعام عشرة مساكين ". وقاله عكرمة ~~قياسا على المتمتع. # قوله: { فمن تمتع بالعمرة إلى الحج }. # ومعنى التمتع عند الفقهاء المدنيين والكوفيين أن يعتمر الرجل الذي ليس ~~من أهل مكة، ويحل من عمرته في أشهر الحج ثم يحج من عامه ولم يرجع إلى ~~أفقه، أو أفق مثل أفقه / بين الحج والعمرة. فمن حصل له ذلك فهو متمتع، ~~وعليه شاة. وقيل: بقرة، وقيل: / بدنة. # فإن لم يجد صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى بلده، وهو معنى ~~قوله: { ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد ~~الحرام } أي هذا الحكم يجب على الغرباء إذا حلوا من عمرتهم في أشهر ~~الحج ثم حجوا من عامهم. يعني من ليس بقاطن من الغرباء بمكة / يلزمه ذلك، ~~خاصة على ما فسرنا. # قال ابن عباس: " الثلاثة الأيام ما بين إحرامه إلى عرفة ". # وعن ابن عمر: " هن [يوم قبل] التروية، ويوم التروية ويوم عرفة ". وروي ~~ذلك عن علي. # وروي عن علي أنه قال: " آخرها انقضاء أيام منى ". # وقالت عائشة رضي الله عنها: " يصوم أيام منى ". # وقال مالك: " يصوم ثلاثة أيام قبل النحر، فإن لم يصم صام أيام التشريق و ~~[هي ثلاثة أيام] بعد يوم النحر، فإن لم يصبها صام بعد ذلك ". # ولا اختلاف بين الفقهاء أن يوم النحر ويوم الفطر لا يجوز صومهما لأحد. # وقال ابن عباس: " إذا فاته الصوم في العشر، فعليه دم ". وهو قول سعيد بن ~~جبير. وهو قول أصحاب الرأي. # وقال ابن عباس: " صيامه الثلاثة الأيام ما بين إحرامه إلى يوم عرفة وليس ~~له صوم، قبل إحرامه. # وقال مالك: " يصومهن إذا أهل متى ما أهل ". # وقال مجاهد وطاوس: " له صومهن في أشهر الحج متى صام، وإذا دخل في الصوم ~~ثم وجد هديا، وتمادى على الصوم أجزأ ". # واستحب مالك أن يهدي إذا وجد قبل أن يتم قبل الصوم، إن كان صام يوما أو ~~يومين. ms0212 فإذا صام أكثر من ذلك استحب أن يهدي. فإن لم يفعل فلا شيء عليه. # وروي عنه إيجاب الهدي إذا وجده، وقد صام يوما أو يومين، ويصوم السبعة ~~متى شاء؛ إن شاء أخرها حتى يعود إلى مصره، وإن شاء عجل صيامها. # وقوله: { تلك عشرة كاملة }. # إنما قال تعالى: " عشرة " لجواز أن يظن أن علية ثلاثة أو سبعة فبين ~~إيجاب العددين بقوله: { تلك عشرة كاملة }. # وقال المبرد: " إنما قيل: { تلك عشرة } / لأنه يجوز أن يظن ~~السامع أن ثم شيئا آخر بعد السبعة، فأزال اللبس ". # فأما قوله: { كاملة } ، فقال الحسن: " معناه: كاملة من الهدي ". أي ~~قد كملت في المعنى الذي جعلت بدلا منه. # وقيل: معناه الأمر، كأن معناه: " تلك عشرة فأكملوا صومها ولا تقصروا ~~فيها. # وقيل: معنى " كاملة " التوكيد، كما تقول: " سمعته بأذني، ورأيته بعيني " ~~، وكما قال: / # فخر عليهم السقف من فوقهم # [النحل: 26]. وقيل: معناه: تلك عشرة وافية للهدي. # وقيل: إنه قد كان جائزا أن يقول: " وعليكم عشرة من قابل ونحوها " فلما ~~قال: { كاملة } ، علم أنه لا فرض بعد ذلك، كما تقول في آخر الحساب: " ~~فذلك كذا وكذا " لتدل على أنه لم يبق شيء. # وقيل: لما كانت العشرة / تتركب من عددين عين الثلاثة والسبعة، ولو ~~صامها أحد على غير [ثلاثة وسبعة] لم يكن بمكمل لما أراد الله عز وجل من ~~الترتيب، فقال: { كاملة } ، أي إذا صامها أحدهم على هذا الترتيب كانت ~~كاملة. وإن لم يفعل، فليست بكاملة في الفرض، وهي كاملة في العدد. # ف " كاملة " ليس بتأكيد للعشرة، وإنما هو تأكيد للكيفية في صومها ~~وترتيبها. # وقيل: لما كانت الواو قد تقع بمعنى " أو " ، فتكون مخيرة في صيام سبعة ~~أو ثلاثة. # أتى ب { عشرة كاملة } ليبين أن الواو ليست بمعنى " أو " ، وأن ~~السبعة والثلاثة يلزم صيامها، فبين ب " عشرة " ذلك، وأزال اللبس ~~والاحتمال. # وهذا مبني على مذهب الكوفيين في إجازتهم لوقوع الواو بمعنى " أو " ، ~~وليس هو مذهب البصريين، لا تقع عندهم الواو بمعنى " أو " لاختلاف ~~معنيهما وحكميهما. # قوله: { ذلك لمن لم يكن أهله حاضري ms0213 المسجد ~~الحرام }. # قيل: اللام بمعنى " على " أي ذلك الحكم على من لم يكن أهله حاضري المسجد ~~الحرام، كما قال: # لهم اللعنة # [الرعد: 25] أي [و] عليهم. ومنه قول النبي [عليه السلام لعائشة]: # " اشترطي لهم الولاء " # أي عليهم. # وقيل: اللام على بابها، وأن المعنى: أن التمتع لمن هو من غير أهل مكة ~~ليس بقاطن بها، لأنهم تمتعوا بأحد السفرين إذا اعتمروا وحجوا في سفر واحد ~~وانتقال واحد في أشهر الحج. # وقيل: يراد بذلك أهل الحرم كلهم، لا متعة عليهم. # وقال مالك: " هم أهل مكة وأهل ذي طوى لا متعة عليهم، وليس أهل منى منهم، ~~بل يكونون متمتعين كغيرهم من غير أهل مكة والحرم ". # وقيل: هم من منزله دون الميقات في حرم أو غيره. رواه ابن جريج عن ~~عطاء. # وقال الزهري: " هو الذي بينه وبين مكة اليوم واليومان لا متعة عليه ". ~~وكان الطبري يقول: " هو الذي ليس بينه / وبين مكة ما تقصر فيه الصلاة ". # وقيل: التمتع لبس الثياب وأخذ الطيب فيما بين العمرة والحج. من فعله، ~~فعليه ما استيسر من الهدي، وذلك إذا كانت عمرته في أشهر الحج، فتمتع؛ ~~فلبس الثياب وأخذ الطيب، ثم حج / من عامه، فهو متمتع إذا كان من غير أهل ~~مكة. وهو خلاف قول أهل المدينة. ### || [2.197] # قوله: { فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج }. # فرق أبو عمرو بين الجدال والرفث والفسوق فجعل " لا " مع الجدال للتبرئة، ~~وفتح وجعلها مع الرفث والفسوق، بمعنى " ليس " / فرفع / وذلك لأن الجدال ~~أتى على غير معنى ما قبله، لأن معنى الأول النفي الذي ليس بعام إذ قد يقع ~~فيه الرفث والفسوق من أهل الخطايا، فجعلت " لا " بمعنى " ليس ". # ومعنى الثاني أنه نفي عام إذ قد استقرت معالم الحج وثبت فرضه واستقام ~~أداؤه، فلا جدال في إيجابه لأحد من الناس، ففتحه على ذلك. # وقيل: المعنى: ولا جدال في كون الحج في ذي الحجة لأنهم كانوا يقدمون ~~فيحجون في غير أشهر الحج ويؤخرون مثل ذلك. # وروي عن ابن عباس أنه قال: " الجدال أن تماري ms0214 صاحبك ". # فهذا التفسير يوجب أن تجري الثلاثة مجرى واحدا. # ويجوز في الكلام النصب في الثاني والثالث والتنوين، [تعطفه على موضع لفظ ~~لا]، وما عملت فيه. ويجوز فتح الأول ورفع الثاني والثالث والتنوين؛ تعطفه ~~على موضع " رفث " قبل دخول " لا ". وقرأ أبو جعفر يزيد برفع الثلاثة ~~والتنوين، أجراها مجرى واحدا. # قوله: { الحج أشهر معلومات }. # معناه: أشهر الحج أشهر معلومات ثم حذف، وهي: شوال وذو القعدة وعشر من ذي ~~الحجة. # وقيل: ذو الحجة كامل. وهما مرويان عن مالك. # قوله: { فمن فرض فيهن الحج } أي من أوجبه. # وقيل: من أحرم فيهن. # والرفث هو الإفحاش للمرأة بالكلام في الجماع. # وقال ابن عمر: " الرفث إتيان النساء، والتكلم بذلك للرجال والنساء ". ~~وهو مروي عن ابن عباس. # وقال مالك: " الرفث إصابة النساء " ، قال: " والفسوق: الذبح للأصنام، ~~والجدال هو تخاصمهم في المواقف ". # قوله: { ولا فسوق }. # لا معاصي فيما نهى عنه من قتل صيد أو أخذ شعر أو تقليم ظفر، ونحوه. # وروى مجاهد عن ابن عمر: " { لا فسوق }: لا سباب ". وكذلك روى عن ابن ~~عباس. # وقال ابن زيد: { ولا فسوق } لا ذبح للأصنام، وقرأ: # أو فسقا أهل لغير الله # [الأنعام: 145]. # وقوله: { ولا جدال في الحج }: أي لا يماري المحرم أحدا. # وقيل: لا مراء فيه، أنه في ذي الحجة. # وقيل: معناه: لا يقال: / حجي أتم من حجك. # وقيل: نهوا أن يختلفوا في اليوم الذي يكون فيه الحج. # وقيل: إنهم نهوا أن يتماروا في المناسك، فيقول هؤلاء: هذا موقف [إبراهيم ~~ويقول الآخرون]: بل هذا. # وقيل: بل ذلك إخبار من الله أن الحج / قد استقامت أوقاته لا تتقدم ولا ~~تتأخر وأن [النسيء باطل لا نسء] فيه، قد استقام وثبتت أوقاته. # فهذا على قراءة أبي عمرو حسن لأنه مخالف لما قبله في المعنى فخالف بين ~~إعرابه. والأقاويل الأول تجري على قراءة من فتحها كلها. أو من نونها ~~كلها، لأنها منهاج واحد. # قوله: { وتزودوا فإن خير الزاد التقوى }. # نزلت هذه الآية في قوم كانوا يحجون بغير زاد، وكان بعضهم إذا أحرم رمى ~~بما معه ms0215 من الزاد، فأمروا بالزاد. # قال ابن جبير: " هو الكعك والسويق ". # وقال الشعبي: " هو التمر والسويق ". # وقال ابن جبير: " هو الكعك والزبيب ". # وقال سفيان: " حجوا فسألوا في الطريق، فنهوا عن ذلك وأمروا بالزاد ". # وقال ابن عباس: " كان ناس يخرجون ولا يتزودون، ويقولون: نحج ولا يطعمنا ~~الله كأنهم يمتحنون الأمر، فأمروا بالزاد ". # وقيل: هم قوم كانوا يخرجون بلا زاد، يقولون: نتوكل. فأمروا بالزاد ". # قوله: { يأولي / الألباب }. أي يا أولي العقول. # [يقال: " لببت] ألب، وليس في كلام العرب فعل يفعل في المضاعف ~~غير هذا الحرف. ### || [2.198] # قوله: { ليس عليكم جناح }. أي لا حرج ولا ضيق في الشراء ~~والبيع قبل الإحرام وبعده. ونزلت هذه الآية في قوم كانوا لا يتجرون إذا ~~أحرموا، يرونه من البر، فأعلمهم الله أنه لا حرج فيه وليس من البر. # وقيل: إن قوما كانوا يزعمون أنه ليس لتاجر ولا جمال ولا أجير حج، ~~فأعلمهم الله أن ذلك مباح. # قوله: { فإذآ أفضتم من عرفت }: أي اندفعتم. # وسميت عرفات بهذا الاسم، لأن نعتها كان عند إبراهيم صلى الله عليه وسلم. ~~فلما رآها عرفها، فقال: " قد عرفت " فسميت " عرفات ". # وقال السدي: " لما أذن [إبراهيم في الناس بالحج] أجابوه بالتلبية، ~~فأمره الله عز وجل أن يخرج إلى عرفات، ونعتها له فخرج. فلما بلغ الشجرة ~~عند العقبة، استقبله الشيطان يرده فرماه بسبع حصيات / يكبر مع كل حصاة ~~فطار، فوقع على الجمرة الثانية وهي [عقبة الثنية] فصده فرماه وكبر، فطار، ~~فوقع على الجمرة الثالثة فرماه وكبر، فلما رأى أنه لا يطيقه ذهب، فلم يدر ~~إبراهيم أين يذهب حتى أتى ذا المجاز رآه. فلما نظر إليه، لم يعرفه وهو ~~مكان، فسمي ذلك " المجاز ". ثم انطلق حتى وقف بعرفات، فلما نظر إليها عرف ~~النعت، فقال: قد عرفت فسمي " عرفات " ، فوقف بها حتى إذا أمسى ازدلف إلى ~~" جمع " ، فسمي " المزدلفة " / فوقف " بمجمع ". # وقال ابن عباس: " كان جبريل يعلم إبراهيم المناسك، وإبراهيم صلى ~~الله عليه وسلم يقول: قد عرفت، فلذلك سميت عرفات. وسمي الموسم موسما لأن ~~الناس يسم فيه بعضهم ms0216 بعضا أي يعرف ". # والمشعر هو ما بين جبلي المزدلفة من حد منتهى مأزمي عرفة إلى محسر، وليس ~~مأزما عرفة من المشعر. # وموضع المصلى اليوم في بطن عرفة، فإذا خرج الإنسان منه صار بعرفة. # قوله: { وإن كنتم من قبله لمن الضآلين }. # معناه: وما كنتم من قبل الهدى إلا من الضالين، " فإن " بمعنى " ما " ~~واللام بمعنى " إلا ". # وقد قيل: إن " إن " بمعنى " قد " ذكره الطبري، وليس بجيد في اللغة. ### || [2.199] # قوله: / { ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس }. # أمر الحمس وهم قريش أن يفيضوا من حيث أفاض جميع الناس لأنهم كانوا لا ~~يقفون مع الناس بعرفة افتخارا وتعاليا، ويقولون: نحن أهل الحرم، فلا ~~نخرج منه إلى عرفات. فأمروا أن يقفوا مع الناس. ويفيضوا من حيث أفاض ~~الناس أي من عرفة. # قالت عائشة رضي الله عنها: " كانت قريش ومن دانها يقفون بالمزدلفة، ~~ويقف الناس بعرفة فأمروا أن يقفوا مع الناس ". وقال الضحاك: " معنى ~~الآية: أن الله تعالى أمر جميع الناس أن يفيضوا من حيث أفاض الناس قبلهم ~~". # والناس هم إبراهيم صلى الله عليه وسلم ومن كان معه وذلك / من جمع. # وتقدير { ثم أفيضوا }: ثم أمرهم بذلك على معنى التأكيد لما أمر ~~الله به أولا، لأنه تعالى قد ذكر المشعر والإفاضة من عرفات قبل ذلك ثم ~~قال: { ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس }. فإن كان / ~~عرفات فليس الإفاضة من عرفات بعد الذكر في المشعر الحرام، فالمعنى هو ~~التأكيد لا أنه اتباع حكم لحكم تقدم. # وروي أن قريشا كانت قد ابتدعت أشياء منها أنهم امتنعوا أن يقفوا ~~بعرفات لأجل أنها في الحل، فقالوا: لا ينبغي لنا أن نعظم إلا الحرم، ~~فكانوا وحلفاؤهم يقفون يوم عرفة بمزدلفة، ويقف سائر العرب بعرفات وسموا ~~أنفسهم ومن والاهم على ذلك الحمس، وابتدعوا ألا يأتقطوا الأقط ولا ~~يسألوا السمن وهم محرمون، ولا يدخلوا بيتا من شعر وهم حرم، ولا يستظلوا ~~وهم حرم إلا في بيوت الأدم، ولا يأكلوا وهم حرم من طعام جيء به من ~~الحل، وابتدعوا ألا [يطوف القادم إلى ms0217 البيت إلا في ثياب] الحمس، فإن لم ~~يجد ذلك طاف عريانا. فإذا تم طوافه أخذ ثيابه، فإن طاف أحد بثيابه ~~ألقاها إذا فرغ / من طوافه، فلا يأخذها أبدا هو ولا غيره. وكانت العرب ~~تسمي تلك الثياب اللقى، وسمحوا للمرأة أن تدع عليها درعها. فلم يزل ~~الأمر كذلك حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم فأنزل الله: { ثم ~~أفيضوا من حيث أفاض الناس }. يعني قريشا إذ كانت تفيض من ~~مزدلفة. # وقيل: يعني سائر العرب، إذ كانوا يفيضون من عرفات، فيكون في الكلام على ~~هذا القول تقديم وتأخير، وفي ذلك أنزل: # يابني ءادم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا ~~واشربوا # [الأعراف: 31] فأباح لهم ما حرموا على أنفسهم من لبس الثياب، والطعام ~~والشراب. وقد قيل: إن " ثم " بمعنى الواو في هذا. # فأما المعنى على قول الضحاك: فثم على بابها، لأنه يقول: أمرهم أن يفيضوا ~~من جمع، والإفاضة من جمع لا شك أنها بعد الوقوف بمزدلفة وبعد الإفاضة من ~~عرفات. # وقد قال الطبري: " إن من قال: إنه عرفات، ففي الكلام تقديم وتأخير، ~~وتقدير. ومعناه: # فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا ~~جدال في الحج # [البقرة: 197]، { ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ~~واستغفروا الله إن الله غفور رحيم } ، # وما تفعلوا من خير يعلمه الله # [البقرة: 197]، قال: " ولولا الإجماع من أهل التأويل على أن المراد ~~بقوله { ثم أفيضوا } من عرفات، لكان قول الضحاك هو الوجه البين؛ ~~إن المراد به " جمع " لأنه على ترتيب الكلام وسياقه ولا تقديم فيه ولا ~~تأخير ". # ويدل على أن المراد به " جمع " ، قوله: { واستغفروا الله } ~~وذلك أن النبي [عليه السلام] قال: # " دعوت الله أن يغفر لأمتي ذنوبها، فأجابني: ~~أني قد غفرت إلا ذنوبها / فيما بينها وبين ~~خلقي، فأعدت الدعاء يومئذ، فلم أجب شيئا، ~~فلما كان يوم المزدلفة قلت: يا رب، إنك قادر ~~أن تعوض هذا المظلوم من ظلامته، وتغفر لهذا ~~الظالم، فأجابني أني قد غفرت، فضحك رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فسئل عن ذلك، فقال: ضحكت من ~~عدو ms0218 الله إبليس لما سمع ما سمع، أهوى يدعو ~~بالويل والثبور ويضع التراب على رأسه " # فأمر / المسلمون أن يستغفروا في ذلك الموضع الذي غفر الله [لهم فيه] ~~التبعات فيما بينهم وهي أعظم من التبعات فيما بينهم وبين الله. # ومعنى: { واستغفروا الله }. استدعوا المغفرة. ### || [2.200] # قوله: { فإذا قضيتم مناسككم }. أي إهراقة الدماء. قاله ~~مجاهد. # وقيل: متعبداتكم التي أمرتم بها في الحج / وكان القوم في الجاهلية إذا ~~فرغوا من حجهم وقفوا فيتفاخرون بمآثر آبائهم، فأمروا أن يكون ذلك الثناء ~~على الله أو أشد منه، والخلاق: النصيب. # وقال عطاء: { كذكركم آبآءكم } ، هو قول الصبيان: " أبا، أبا " ~~يلهج بذكر أبيه ". # قوله: { ربنآ آتنا في الدنيا }. # قال مجاهد غيره: " كانوا يسألون الله لأمر دنياهم والظفر على عدوهم، ولا ~~يسألونه إلى الآخرة شيئا ". ### || [2.201] # قوله: { ربنآ آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة ~~حسنة }. # أي عافية في الدنيا، وعافية في الآخرة. قاله قتادة. # وقيل: " الحسنة في الدنيا: العلم والعبادة. وفي الآخرة: الجنة ". قاله ~~الحسن وسفيان. # وقال ابن زيد: " الحسنة في الدنيا: المال، وفي الآخرة: الجنة " ، وقاله ~~السدي. ### || [2.202] # ومعنى: { سريع الحساب }. # أي يحصي ما يحصيه بغير كلفة ولا تكلف، وليس مثل ما يتكلف له بنو آدم من ~~العقد / وغيره. # وقيل: معناه: يحاسبه بغير تذكر ولا كتاب. # وقيل: معناه: مجاز للفريقين على أعمالهم. # وقيل: معنى: " السرعة ": أنه يغفر السيئات ويضعف الحسنات بلا حساب على ~~من فعل به ذلك ولا كلفة. ### || [2.203] # قوله: { واذكروا الله / في أيام معدودات }. # هذه الأيام هي ثلاثة أيام بعد يوم النحر، وهي أيام التشريق، وهي أيام ~~منى عند مالك. # وقال زيد بن أسلم: " المعلومات: يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق، ~~والمعدودات: أيام التشريق ". # وعن مجاهد وابن عباس: " المعلومات: العشر. والمعدودات: أيام التشريق ". # وإنما سميت أيام التشريق لأن الناس يشرحون فيها اللحم ويقددونه، ~~فالتشريق التشريح. فكأنها سميت أيام التشريح، فأمروا بالذكر فيها عند رمي ~~الجمار وغيرها. # وقال النبي [عليه السلام] في أيام منى - وهي أيام التشريق -: # " هي أيام أكل وشرب وذكر ". # والأيام المعلومات هي: يوم النحر، ms0219 ويومان بعده. فيوم النحر معلوم، ~~ويومان بعده معلومان معدودات، واليوم الثالث بعد يوم النحر معدود. # قوله: { فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه }. # أرخص الله تعالى أن ينفر الناس اليوم الثاني من الأيام المعدودات ~~وأعلمهم أن من تأخر إلى اليوم الثالث أنه لا إثم عليه، أي لا حرج ولا ضيق ~~في تركه الرخصة، ومن تعجل فلا إثم عليه في تركه الاتمام إلى اليوم ~~الثالث. # وروي عن ابن مسعود وابن عمر: " لا إثم عليه: أي قد غفر له، ومن تأخر قد ~~غفر له ". # وقال / ابن عباس: " لا إثم عليه: أي رجع مغفورا له " ، وقال: " إن ~~العمرة لتكفر ما معها من الذنوب، فكيف بالحج ". # واستبعد جماعة تأويل من قال: " لا حرج عليه " ، لأن من جلس إلى الثالث ~~فقد أتى بالغاية، فليس يقال لمن أدى فرضه: " لا حرج عليك فيما صنعت ". # وقيل: معناه: لا حرج عليك في تركك الرخصة. # ومن قال: " غفر له " معناه. فهو أبين وأحسن / وعليه [أكثر] الناس. وقال ~~مجاهد: " معناه: لا إثم عليه إلى الحج القابل ". # { ومن تأخر فلا إثم عليه }. # أي لا حرج عليه إلى الحج القابل، أي مغفور له إلى ذلك الوقت. وقال أبو ~~العالية: " معناه: غفر له ما تقدم " ، وفي مصحف عبد الله: " لمن اتقى ~~الله ". # قال ابن عباس: " معناه: لا حرج عليه لمن اتقى المعاصي فيما يستقبل، أي ~~غفر له ". # وقيل: معنى { لمن اتقى } أي: اتقى قتال الصيد في الحرم. # وقال ابن مسعود أيضا: " { إثم عليه } أي: مغفور له إن اتقى ما ~~حرم عليه في الحج ". # وروى أبو حازم عن أبي هريرة أن النبي [عليه السلام] قال: # " من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته ~~أمه ". # وروي أن عمر قال لما سمع الآية: " خرج القوم من ذنوبهم، ورب الكعبة ". # وعن أبي هريرة أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " الحج المبرور ليس له / جزاء إلا الجنة. ~~والعمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما " # ومعنى اللام في { لمن اتقى }: أي: هذا لمن اتقى. # وقيل: المعنى: قلنا ms0220 فلا إثم عليه لمن اتقى. واللام متعلقة بالقول. وقال ~~الأخفش: " ذلك لمن اتقى ". # وقيل: معنى: { فلا إثم عليه } أي: لا يقل المتعجل للمتأخر: أنت ~~آثم، ولا المتأخر للمتعجل: أنت آثم. ### || [2.204-205] # قوله: { ومن الناس من يعجبك قوله في الحيوة ~~الدنيا } الآية. # نزلت هذه الآية في الأخنس بن شريق، واسم الأخنس أبي، وأمه ضبيعة عمة ~~عثمان رضي الله عنه، كان حليفا لبني زهرة، وكان قد أتى مع قومه بني زهرة ~~إلى بدر مع المشركين يريدون قتال النبي صلى الله عليه وسلم فلما أتوا ~~الجحفة، أشار على بني زهرة بترك القتال فأطاعوه، فأخنس بهم من المشركين، ~~ورجع فسمي الأخنس فلما بلغ النبي [عليه السلام] قوله وما أشار به على بني ~~زهرة عجب من ذلك، ففيه نزلت: { ومن الناس من يعجبك قوله ~~} الآية. ثم إنه بعد ذلك قدم على النبي [عليه السلام] فأظهر المحبة ~~للإسلام، وحلف أنه ما قدم إلا لذلك، وأنه صادق في قوله، فأعجب النبي ~~[عليه السلام] منه ذلك وكان يبطن الغش والنفاق، فلما خرج أفسد زرع / ~~الناس بالنار وأهلك مواشيهم، فذلك قوله: { وإذا تولى سعى في ~~الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث } أي: بالنار والنسل. ~~وروي أنه عقر حمرا، وفيه نزلت: # ويل لكل همزة / لمزة # [الهمزة: 1]. وفيه نزلت: # ولا تطع كل حلاف مهين # [القلم: 10] إلى # الخرطوم # [القلم: 16]، لأنه حلف أنه ما قدم إلا رغبة في الإسلام وأنه صادق في ~~يمينه، فقال الله عز وجل: { ويشهد الله على ما في قلبه ~~} أي أنه صادق فيه قوله. # وقوله: { ألد الخصام }. أي شديد الخصومة. # وقيل: معناه أنه كاذب في قوله. # والخصام مصدر " خاصم ". # وقال الزجاج والقتبي: " هو جمع خصم. يقال: خصم، وخصوم وخصام ". # وعن ابن عباس أنه قال: " نزلت في السرية التي أصيبت للنبي عليه السلام ~~تكلم قوم من المنافقين فيها، فأخبر الله عن اختلاف سريرتهم وعلانيتهم ". # وقيل: إن الآية عامة في كل منافق أخبر الله أنه يقول بلسانه ما لا يعتقد ~~بقلبه. وقد قال في موضع آخر، # وإذا / لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا ms0221 # [البقرة: 14]، وقال: # وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا ~~عليكم الأنامل من الغيظ # [آل عمران: 119]. فأخبر الله أنه يشهد على ما في قلبه. يريد أنه يقول ما ~~يقول، ويستشهد بالله أنه صادق في قوله؛ يقول: الله يشهد أني صادق فيما ~~أقول وهو كاذب. فأخبرنا الله تعالى أنه شديد الخصومة، وأنه إذا تولى سعى ~~في الأرض بالفساد الذي هو سبب هلاك زرع الناس لأنه إذا أفسد اشتغل بالحرب ~~والقتال عن الزرع، وإذا لم يكن زرع لم تجد البهائم ما تأكل، فيذهب النسل ~~/ وقوله: { ويشهد الله }. أي يقول: اللهم إنك تشهد أني صادق: " ~~وهو كاذب ". وقرأ ابن محيصن: " ويشهد الله " بفتح الياء، ورفع الاسم ~~على معنى: [والله] يشهد أنه كاذب في قوله. # وقيل: معنى، { وإذا تولى } إذا غضب، فعل ذلك. # وقال مجاهد: " إنه إذا أفسد وتعدى، كان ذلك سبب إمساك الله القطر، ~~وإمساكه هلاك الحرث والبهائم، وقرأ مجاهد: # ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي ~~الناس # [الروم: 41]. # وقرأ الحسن وقتادة: { ويهلك } بالرفع عطفاه على يعجبك. # وقال أبو حاتم: " عطف على { سعى } ، أي يسعى ويهلك، وقال الزجاج: " ~~معناه: وهو يهلك ". # وعن ابن كثير أنه قرأ: " ويهلك " بفتح الياء والنصب، الحرث والنسل ~~بالرفع. ومثل الجماعة أشهر عنه. ### || [2.207] # قوله: { ومن الناس من يشري نفسه } الآية. # أي يبيع نفسه من أجل مرضاة الله، ونزلت في المهاجرين والأنصار المجاهدين ~~منهم. # وقال عكرمة: " نزلت في صهيب بن سنان وأبي ذر الغفاري وهو جندب ابن السكن ~~خرجوا / مهاجرين وطلبهم أهلوهم، فأما أبو ذر فانفلت منهم، وأما صهيب ~~فأخذه أهله، وافتدى بأهله وماله من مولاه وكان مملوكا لزيد بن جدعان. ~~وروي أنه كان يعرف بالرومي وأصله من العرب، وإنما سمي بذلك لأنه سبي وهو ~~صغير، فسار إلى الشام، فتغير لسانه ثم صار مملوكا لزيد بن جدعان، فلما ~~أمر النبي [عليه السلام] بالهجرة آمن وافتدى من مولاه بماله كله، وخلى ~~سبيله /، فخرجت بنو تميم في طلبه، فلما أدركوه أخذ قوسه وخوفهم من قبله، ~~وتواعدهم، فخافوا رميه ونبله وكان راميا ms0222 مجودا فرجعوا وتركوه، فلما وصل ~~المدينة قال له عمر: " ربح بيعك لا تقيل ولا تقال ". وشهد بدرا، ففيه ~~نزلت { ومن الناس من يشري نفسه ابتغآء } الآية. فيشري ~~على هذا القول بمعنى يشتري، وعلى القول الأول بمعنى " يبيع ". # وقال الربيع: " نزلت في رجل منع الخروج إلى النبي [صلى الله عليه وسلم] ~~فافتدى منهم بداره وماله، وخلوه فخرج إلى النبي عليه السلام فلقيه عمر في ~~رجال فقال: ربح بيعك، قال: وبيعك، فلا خسر، فما ذاك؟ قال له: أنزل فيك ~~كذا وكذا ". # وقيل: نزلت الآية في رجل مسلم حمل على المشركين، بسيفه غضبا لله إذ سمع ~~الكفر به من رجل من المشركين، فقاتل حتى قتل. # فيشري على هذا بمعنى / يبيع. # وقيل: نزلت في رجل مسلم قال لمشرك: قل: لا إله إلا الله. فأبى أن ~~يقولها، فقال المسلم: والله لأشرين نفسي من الله " ، أي لأبيعنها، ~~ثم تقدم فقاتل حتى قتل رحمه الله. # وقال ابن المسيب: " أقبل صهيب مهاجرا فاتبعه نفر من المشركين. فنزل ~~عن راحلته وانتثر ما في كنانته، وقال: يا معشر قريش، لقد علمتم أني من ~~أرماكم رجلا وأيم الله، لا تصلون إلي حتى أرمي بما في كنانتي، ثم ~~أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، ثم افعلوا ما شئتم. فعاهدوه على أن ~~يدلهم على بيته وماله بمكة ويدعوه ففعل، وقدم على النبي [عليه السلام] ~~فقال له: أبا يحيى، ربح البيع، فأنزل الله { ومن الناس } الآية. # وقيل: إنه عني بها كل من باع نفسه من الله، روي ذلك عن عمر وغيره. وهو ~~أولى بظاهر الآية عند الطبري وغيره. ### || [2.208] # قوله: { يأيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم }. # / قال ابن عباس: " السلم - بالكسر - الإسلام " , وهو قول أبي عمرو. # والسلم - بالفتح - المسالمة والصلح. فعلى هذا يكون الكسر هنا أقوى ~~وأحسن لأن الخطاب للمؤمنين، فليس للصلح وجه. وأهل اللغة يسوون بينهما، / ~~قاله الكسائي وغيره، ومعنى أمره إياهم بالدخول في الإسلام وهم مؤمنون على ~~قول الضحاك، إنه إنما خاطب من آمن بالأنبياء أن يؤمنوا بمحمد [عليه ~~السلام]. ms0223 # وقال عكرمة: " نزلت في ابن سلام وابني كعب: أسد وأسيد، قالوا بعد ~~إسلامهم لرسول الله [عليه السلام]: إن السبت كان مفروضا فأذن لنا أن ~~نسبت وإن التوراة كتاب الله، فأذن لنا أن نحكم بها فأنزل الله: { ~~يأيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم } ، أي في ~~الإسلام. # { كآفة }: أي في جميعه، فيكون " { كآفة } " على هذا القول حالا ~~من السلم. # وقيل: هي مخاطبة لجميع من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، ومعناها: ~~ادخلوا في جميع شرائع الإسلام وحدوده. # وقيل: نزلت في عبد الله بن سلام كان يقيم شرائع التوراة وشرائع القرآن، ~~فأنكر ذلك [عليه المسلمون]، فقال: أنا أقوى على هذا، فنزلت الآية فترك ما ~~كان عليه ورجع إلى شرائع الإسلام وما في القرآن. # واختار الطبري قراءة الكسر في السلم. # ويختار أن يكون مخاطبة للمؤمنين بمحمد [عليه السلام] وأن الصلح لا معنى ~~له على هذا، واختار # وإن جنحوا للسلم # [الأنفال: 61] لأنهم دعوه إلى الصلح، وليس في القرآن موضع أمر الله فيه ~~المؤمنين بأن يبتدئوا بالصلح، إنما أمرهم بذلك إذا بدأهم به المشركون ~~ورغبوا فيه، فلذلك يختار الكسر في البقرة لأنا لو فتحنا لأوجبنا أن الله ~~أمر المؤمنين أن يبدأوا المشركين بالصلح، ويختار الفتح في " الأنفال " ~~لأنه قال: # وإن جنحوا للسلم # [الأنفال: 61] / أي ابتدأوا وطلبوا ذلك منكم، فافعل ما سألوا وتوكل على ~~الله. # وإذا كان التأويل أن المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم أمروا بذلك أو ~~بعضهم، فيكون { كآفة } حالا من السلم على معنى: " ادخلوا في الشرائع ~~كافة " ، أي في جميعها. وإذا كان التأويل أن المؤمنين بالأنبياء - صلوات ~~الله عليهم - الذين لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، أمروا بالإيمان ~~لمحمد صلى الله عليه وسلم، فيكون " كافة " حالا من المأمورين، أي ادخلوا ~~جميعا. # وقال ابن عباس: " هم أهل الكتاب أمروا بالإيمان بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم بالدخول في شرائعه ". # ومعنى " كافة " الإحاطة والعموم، من " كففت فلانا عن / كذا " ، ~~منعته، ومنه " رجل مكفوف " أي ممنوع من النظر، ومنه " كفة ~~الميزان " لأنها تكف الأخرى، أي تمنعها من ms0224 أن تميل بها. ومنه سمي ~~الكف لأنه يمتنع بها. # فمعناه على هذا إذا جعلت حالا من الضمير: لا يمتنع منكم أحد أن يكف ~~بعضهم بعضا من الامتناع. # ومن جعله حالا من " السلم " ، فمعناه: تمنعكم هذه الشرائع من اتباع ~~غيرها. # قوله /: { خطوات الشيطان }. أي آثاره. # وقال الضحاك: " هي الخطايا التي يأمر بها ". ### || [2.209] # قوله: { فإن زللتم }. أي أخطأتم. وقيل: ضللتم. # وقال ابن عباس: " هو الشرك ". # والبينات محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن. # وقوله: { عزيز } أي ذو عز لا يمنعه من الانتقام منكم مانع { حكيم ~~} فيما يفعله بكم من العقوبة على زللكم بعد إقامة الحجة وظهور البراهين. ### || [2.210] # قوله: { في ظلل من الغمام والملائكة }. # من خفض " الملائكة " عطف على " { ظلل } ". # وقال أبو إسحاق: " هي عطف على الغمام " ، وهي قراءة أبي جعفر، ~~وقراءة الجماعة [بالرفع على العطف] على الاسم المرفوع بعد " يأتيهم ~~". # وقرأ أبو جعفر " في ظلال وقضاء الأمر " بالمد والخفض. # وفي قراءة أبي: " إلا أن يأتيهم الله والغمام في ظلل ~~من الملائكة ". # وهذا الإتيان عند أكثرهم يوم القيامة يكون. # وقال قتادة: " ذلك عند الموت ". وهو قول شاذ. # وقيل: معنى { في ظلل من الغمام } ، " بظلل " ، ففي بمعنى " ~~الباء ". وهذا قول حسن بين. # قال عكرمة: { ظلل من الغمام } " طاقات منه والملائكة حوله ". # وأكثر أهل التفسير على أن في الكلام تقديما وتأخيرا في قراءة من رفع ~~الملائكة، والمعنى: إلا أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام. ~~قالوا: والرب يأتي كيف شاء، و { في ظلل من الغمام } من حال ~~الملائكة. وجماعة منهم على أنه تعالى يأتي في ظلل من الغمام، وتأتي ~~الملائكة / كيف شاء. وهذا اختيار الطبري. # وروى ابن عباس عن النبي [عليه السلام] أنه قال: # " إن الغمامة [طاقات يأتي الله جل وعز] فيها محفوفا ". # قال أبو محمد رضي الله عنه: [ويجب] أن تعتقد أن صفات الله جل ذكره بخلاف ~~صفات المخلوقين، فلا تعتقد إلا أن الإتيان والمجيء من الله تبارك وتعالى ~~صفة وصف بها نفسه لا إتيان انتقال وتغير حال، تعالى الله عن ذلك. ms0225 # وقد قدره قوم على حذف كأنه " إلا أن يأتيهم أمر الله ". # وقيل: معناه: ثواب الله وعقابه. # وهذا كله توعد لمن تقدم ذكره من التاركين للدخول في الإسلام ولسعيهم ~~بالفساد في الأرض. # ومعنى: { وقضي الأمر }: فرغ منه. # قوله: { وإلى الله ترجع الأمور }. # أعلمنا تعالى برد الحساب والعقاب إليه والأمور الآن وفي كل وقت إليه ~~مصيرها، وبيده تصرفها، وعن مراده كونها. وإنما خص ذلك الوقت بالذكر لأنه ~~وقت لا يدعي فيه أحد أمرا ولا نهيا ولا ملكا ولا مقدرة، والدنيا فيها ~~الجبارون والكافرون يدعون ذلك لأنفسهم، والآخرة لا يدعي فيها أحدا ~~شيئا، فلذلك خص الله رد الأمور إليه / في الآخرة مع كونها مردودة إليه ~~في الدنيا. ### || [2.211] # قوله: { سل بني إسرائيل } الآية. # كتبوا في المصحف { نعمة الله } هاهنا بالهاء، وكذلك في سائر ~~القرآن إلا أحد عشر موضعا كتبت بالتاء: # في البقرة: # واذكروا نعمت الله عليكم ومآ أنزل عليكم # [231]. # وفي آل عمران # واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم # [103]. # وفي المائدة: # اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم # [11]. # وفي إبراهيم: # نعمة الله كفرا # [28]. # وفيها: # وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها # [34]. # وفي النحل: # وبنعمت الله هم يكفرون # [72]. # / وفيها: # نعمت الله ثم ينكرونها # [83]. # وفيها # واشكروا نعمت الله # [114]. # وفي لقمان: # تجري في البحر بنعمة الله # [31]. # وفي فاطر: # نعمت الله عليكم هل من خالق # [3]. # وفي: والطور: # فمآ أنت بنعمة ربك # [29]. # والأصل في جميعها التاء، ولكن من وقف بالهاء فإنما ذلك للفرق بين ~~الأفعال والأسماء نحو " قامت " و " شجرة ". # [وقال] سيبويه: فعل ذلك للفرق بين التاء الأصلية والملحقة والزائدة في " ~~العنت " و " ألفت " ، و " عفريت " ، و " ملكوت " و " شجرة ". وهذه هي ~~التاء الزائدة. ولغة طيء الوقف بالتاء. # وقال الفراء: " من وقف بالتاء، أراد الوصل، ومن وقف بالهاء أراد الوقف ~~الصحيح ". وأنكر ذلك ابن كيسان وغيره. # [وكل ما] كتب منه بالتاء، فمذهب المدنيين الوقف بالتاء على ما في ~~المصحف. ومذهب أبي عمرو والكسائي وخلف وابن كيسان الوقف بالهاء على الأصل ~~المشهور وقد قال ابن كيسان: " من وقف بالتاء فإنما نوى أصلها ms0226 لأن أصلها ~~التاء ". # وقوله: { كم آتيناهم من آية بينة }. # يعني العصا وانفجار الحجر وانفلاق البحر ونحوه، ثم كفروا بعد ذلك وبدلوا ~~هذه النعم، فأمر الله نبيه عليه السلام / بالصبر وأخبره بفعل من قبله في ~~سالف الدهر، وقال له: سلهم كم أعطوا من الآيات ثم لم ينفعهم ذلك. # ومعنى { ومن يبدل نعمة الله } أي: من يغير ما عاهد الله ~~عليه من قبول / ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من الإسلام فيكفر، فإن ~~الله يعاقبه. ### || [2.212] # قوله: { زين للذين كفروا الحياة الدنيا ~~ويسخرون من الذين آمنوا } الآية. # أخبرنا الله تعالى أنه زين لهم حب الدنيا واتباعها، وأنهم يسخرون ممن ~~اتبع الآخرة، وذلك أنهم قالوا: " لو كان محمد نبيا لاتبعه أشرافنا، وما ~~نرى اتبعه إلا أهل الحاجة ". # وقال الزجاج: " معنى { زين للذين كفروا } أي زينها لهم ~~إبليس لأن الله تعالى قد زهد فيها ". # وقيل: معناه خلق الأشياء الحسنة المعجبة، فنظر إليها الكفار بأكثر من ~~مقدارها، ومثله: # زين للناس / حب الشهوات # [آل عمران: 14]. # قوله: { بغير حساب }. # قال قطرب: " معناه يعطي العدد، لا من عدد أكثر منه، فيوجب بذلك بقاء ~~الكثير ". # وقيل: معناه أن ثمة أشياء لا يحاسب بها ويغفرها. # وقيل معناه: ليس يرزق المؤمن على قدر إيمانه، والكافر على قدر كفره، أي ~~ليس يرزق في الدنيا على قدر العمل. # وقيل: معناه: بغير محاسبة أي ما يخاف أحدا /، يحاسبه عليه. # وقيل: معناه: بغير حسبان للمعطي. أي يعطيه من حيث لا يحتسب. ### || [2.213] # قوله: { كان الناس أمة وحدة } الآية. # الأمة هنا في قول ابن عباس وعكرمة: من كان بين آدم ونوح، وهم عشرة قرون، ~~وكانوا على دين من الحق، ثم اختلفوا بعد ذلك، فبعث الله النبيين مبشرين ~~ومنذرين. قال ذلك ابن عباس وغيره. وأول من بعث الله نوحا عليه السلام. # والأمة هنا معناها الأمم، ودل الواحد على الجماعة. وأصل الأمة الجماعة ~~[تجتمع على دين] واحد، قال تعالى: # ولو شآء الله لجعلكم أمة واحدة # [المائدة: 48] أي على دين واحد. # وقيل: معناه: كان آدم وحواء عليهما ms0227 السلام أمة واحدة في الطاعة. وسميا ~~بالجماعة لأنهما أصل لها. # وقال أبي بن كعب: " معناه كان جميع الخلق أمة واحدة إذ استخرجهم من [صلب ~~آدم] وقال: # ألست بربكم قالوا بلى # [الأعراف: 172]. فأقروا كلهم فكانوا كلهم أمة واحدة مسلمين، ثم اختلفوا ~~/ إذ ظهروا إلى الدنيا فبعث الله النبيين مبشرين من أقام على عهده ~~بالجنة. ومنذرين من خالف ما عهده إليه بالنار ". # وقال ابن زيد عن أبيه " لم يكن الناس أمة واحدة قط، إلا حين أخرجهم الله ~~من ظهر آدم صلى الله عليه وسلم ". # وقيل: الناس هنا: نوح ومن كان معه في السفينة. # وروي عن ابن عباس أيضا أنه قال: " كانوا على الكفر فبعث الله النبيين ~~". # قوله: { وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه }. # أي لم يختلف في التوراة إلا الذين نزلت عليهم. # { من بعد ما جآءتهم البينت } الآية. # أي الحجج أنه من عند الله، فكان خلافهم تعمدا للبغي بينهم لحب الدنيا ~~وملكها والتنافس فيها فبغى بعضهم على بعض، وقتل بعضهم بعضا على ذلك. # وقال زيد بن أسلم: " اختلفوا في يوم الجمعة؛ فاتخذ اليهود السبت، / ~~والنصارى الأحد، فهدى الله أمة محمد ليوم الجمعة. واختلفوا في القبلة؛ ~~فاستقبلت النصارى المشرق، واليهود بيت المقدس، وهدى الله أمة محمد صلى ~~الله عليه [وسلم] للقبلة. واختلفوا في الصلاة؛ فمنهم من يركع ولا يسجد، ~~ومنه من يسجد ولا يركع ومنهم من يصلي ويتكلم، ومنهم من يصلي وهو يمشي، ~~فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك. واختلفوا في الصيام؛ فمنهم من يصوم بعض ~~النهار، ومنهم من يصوم عن بعض الطعام، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك. ~~واختلفوا في إبراهيم صلى الله عليه وسلم؛ فقالت اليهود: كان يهوديا، ~~وقالت النصارى: كان نصرانيا، وجعله الله حنيفا مسلما، فهدى الله أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم للحق من ذلك، واختلفوا في عيسى صلى الله عليه ~~وسلم؛ فكفرت به اليهود، وقالوا في أمه بهتانا عظيما، وجعلته ~~النصارى إلها وولدا، وجعله الله روحه وكلمته، فهدى الله أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم للحق ms0228 من ذلك ". # والبغي: الاعتداء والطغيان، يقال للبحر إذا فاض وكثر ماؤه: " بغى ~~البحر " أي طغى. وتقدير الكلام: وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه بغيا ~~بينهم من بعد ما جاءتهم البينات. # وقد أنكر هذا قوم لأن المصدر لا يتقدم عليه ما تعلق به، وهذا الاعتراض ~~لا يلزم لأن " من " متعلقة " بأوتوه " لا " بالبغي ". # ومعنى: { وأنزل معهم الكتب } أي الكتب. # قوله: { ليحكم بين الناس }. # أي ليحكم الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه بما فيه. # وقرأ الجحدري. " لنحكم " بالنون. # وقالوا أبو إسحاق: " معنى { وما / اختلف فيه }. أي في النبي ~~محمد صلى الله عليه وسلم { إلا الذين أوتوه } ، أي أعطوا علم ~~نبوته، فعلوا ذلك للبغي. # قوله: { فهدى الله الذين آمنوا }. # أي هداهم الله لمعرفة ما اختلفوا فيه من الحق إذ هداهم للإيمان بما ~~اختلف فيه الأولون من الحق. # قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " نحن الآخرون الأولون / يوم القيامة؛ نحن أول ~~/ الناس دخولا الجنة بيد أنهم أوتو الكتاب من ~~قبلنا وأوتيناه من بعدهم فهدانا الله لما / ~~اختلفوا فيه من الحق بإذنه " فهذا اليوم الذي ~~هدانا الله له والناس لنا فيه تبع، غدا لليهود، وبعد ~~غد للنصارى ". # وهذا الاختلاف الذي هدى الله المؤمنين إليه، ووفقهم لإصابته وهي الجمعة ~~ضلوا عنها، وقد فرضت عليهم كما فرضت علينا فجعلوها السبت، وجعلها النصارى ~~الأحد. # وقال ابن زيد: " اختلفوا في الصلاة؛ فمنهم من صلى إلى المشرق، ومنهم من ~~صلى إلى بيت المقدس، فهدانا الله إلى الكعبة. واختلفوا في الصيام؛ فمنهم ~~من يصوم بعض يوم، ومنهم من / يصوم بعض ليلة، فهدانا الله له. واختلفوا في ~~الجمعة؛ فأخذ اليهود السبت، وأخذ النصارى الأحد، فهدانا الله له. ~~واختلفوا في إبراهيم صلى الله عليه وسلم؛ فقالت اليهود: كان يهوديا، ~~وقالت النصارى: كان نصرانيا، فهدانا الله إلى أنه كان حنيفا مسلما، ~~وكذلك اختلفوا في عيسى صلى الله عليه وسلم؛ فهدانا الله لجميع ذلك على ~~الحق بمحمد صلى الله عليه وسلم ". # وهذا عند أكثر أهل العلم فيه قلب، والمعنى: فهدى الله الذين آمنوا للحق ~~مما اختلفوا ms0229 فيه، كما قال: # كان الزنا فريضة الرجم # فالهداية إنما هي للحق، ولم يهدهم للاختلاف. # وظاهر الآية يعطي الهداية للاختلاف لأنه قال: { فهدى الله ~~الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق }. ولكن ~~الكلام فيه قلب أتى على لغة العرب وعادتها في كلامها. وهذا قول الطبري ~~واختياره. # وقد قيل: إن المعنى: إن الله هداهم للاختلاف أنه باطل، فآمنوا بما كفر ~~به غيرهم. ### || [2.214] # قوله: { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة } الآية. # " أم " للخروج من حديث إلى حديث. # وقال الطبري: " أم " للاستفهام، ومعنى اللام " أحسبتم ". قال: وإنما ~~تكون " أم " للاستفهام إذا تقدمها كلام، فإن لم يتقدمها كلام لم تقع كذلك ~~". # قوله: { حتى يقول الرسول }. # النصب فيه على الغاية كأنك قلت: " وزلزلوا إلى أن يقول الرسول ". فيكون ~~الفعلان قد مضيا. ويجوز النصب في غير القرآن على أن تجعل الثاني من أجله ~~وقع الأول، كأنك قلت: " كي يقول " ، فالأول حدث كي يكون الثاني، ولا يحسن ~~هذا في الآية. # والرفع في الآية على أن يكون ما بعدها جملة لا تعمل " حتى " فيه، أي " ~~وزلزلوا، فقال الرسول " ، ويكون الفعلان أيضا مضيا أي حتى هذه حال ~~الرسول، ويجوز الرفع في الكلام على أن يكون الأول قد مضى، والثاني في ~~الحال؛ تقول: " سرت حتى أدخلها " أي حتى أنا الآن أدخلها، فالسير مضى، ~~والدخول الآن، ولا يجوز هذا في الآية. # وقال أبو عمرو: " لما اختلف الفعلان في الآية، كان الوجه في الثاني ~~النصب ". # قوله: { ألا إن نصر الله قريب }. # يجوز في " قريب " النصب على أنه نعت لظرف محذوف. ولا يثنى قريب ولا يجمع ~~ولا يؤنث إلا أن يكون للنسب والقرابة، فيجوز ذلك فيه. # ومعنى الآية: أحسبتم أيها المؤمنون أن تدخلوا الجنة ولم يصبكم مثل ما ~~أصاب من كان قبلكم من اتباع الأنبياء من الشدائد والخوف حتى قال الرسول ~~والذين معه: { متى نصر الله } ، كأنهم استبطأوا النصر فأخبرهم ~~الله تعالى أن / نصر الله قريب. # وقيل: إن في الآية تقديما وتأخيرا وحذفا للاختصار والتقدير: وزلزلوا ~~حتى يقولوا؟ { متى نصر الله } ، ويقول لهم / الرسول: ms0230 { ألا ~~إن نصر الله قريب } استبطأوا النصر وزاد عليهم الخوف، ~~فقالوا: متى نصر الله؟ فقال لهم الرسول: { ألا إن نصر الله ~~قريب }. # فقوله: { ألا إن نصر الله قريب } من قول الرسول، وقوله: { ~~متى نصر الله } من قول المؤمنين من أمة الرسول. # وهذه الآية في قول السدي وقتادة نزلت يوم الخندق حين اشتد على المؤمنين ~~أمر الأحزاب وآذاهم البرد وضيق العيش، وفيه نزل: # يأيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم ~~إذ جآءتكم جنود # [الأحزاب: 9] إلى # قديرا # [الأحزاب: 27]. # قال السدي: [اشتد على / المؤمنين الأمر] حتى قال قائلهم: # ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا # [الأحزاب: 12]. يريد قاله بعض المنافقين. # والذين في قلوبهم مرض # [الأنفال: 49]. أي شك. قالوا ذلك أيضا / كذلك حكى الله عنهم في سورة ~~الأحزاب. # وقيل: " إنها نزلت في المهاجرين إذ تركوا أموالهم ودورهم بمكة، فحكم ~~فيها المشركون، فضاقت بهم الحال في المدينة فآخى النبي [عليه السلام] ~~بينهم وبين الأنصار فواسوهم فنزلت الآية تعزية لهم وتصبيرا. # وذكر وهب بن منبه: " أن سبعين نبيا دفنوا في مسجد الخيف، كلهم ماتوا من ~~الجوع والقمل ". # وقال النبي [صلى الله عليه وسلم]: # " سأل نبي من الأنبياء سعة الرزق فأوحى الله إليه: (أما يكفيك ~~أني عصمتك من الكفر) ". # فلو رضي الله الدنيا لأحد من أوليائه ما نال منها الكافر جرعة ماء، ~~ولكن الله لم يجعلها ثوابا لمؤمن ولا عقابا لكافر. # قوله: { البأسآء والضرآء } الفقر والمرض. # وقيل: القتل والفقر. # وقال القتبي: " البأساء: الشدة، والضراء: البلاء ". # ومعنى { وزلزلوا } خوفوا وحركوا. # وأصله من " زال الشيء من مكانه ". ومعنى " زلزلته " كررت زلزلته. ### || [2.215] # قوله: { يسألونك ماذا ينفقون }. # سأل / أصحاب النبي [عليه السلام] على من ينبغي أن يفضلوا، فأنزل الله ~~الآية، وهذا قبل أن تفرض الزكاة. # وقيل: هي منسوخة بالزكاة. # وقيل: هي محكمة فيها صفة أين يوضع التطوع، والزكاة مفروضة على بابها. # وهذه الآية تدل على أن النفقة على الوالدين من الصدقة. ### || [2.216] # قوله: { كتب عليكم القتال }. # أكثر العلماء على أن الجهاد فرض يحمله الإمام ومن معه عن الناس، وليس ~~على كل ms0231 رجل ذلك فرض. # ومعنى { كتب عليكم } فرض عليكم، وهو كالصلاة على الموتى ودفنهم، ~~دليله قوله: # فضل الله المجهدين بأمولهم وأنفسهم على ~~القعدين درجة وكلا وعد / الله الحسنى # [النساء: 95]. فأخبر أن الكل له الحسنى وهي الجنة، وأن المجاهدين أفضل ~~له. # وقال ابن جبير: " هو فرض على جميع المسلمين ". # وقد قيل: هي ناسخة واجبة لما أمروا به من العفو والصفح بمكة. # وقيل: هي منسوخة بقوله: # وما كان المؤمنون لينفروا كآفة # [التوبة: 122]. # وقيل: هي على الندب لا على الوجوب. # وقد قال عطاء: " هي فرض على الصحابة خاصة ". وهو قول مطعون فيه. # قوله: { وهو كره لكم }. # الكره بضم الكاف ما كان من نفسك، وبالفتح ما أكرهت عليه فيه. # وقال معاذ بن مسلم: " الكره المشقة، والكره الإجبار ". # وقيل: هما لغتان: كالضعف والضعف. # وقيل: الكره بالضم الاسم، وبالفتح المصدر. # قوله: { وعسى أن / تكرهوا شيئا وهو خير لكم }. # معناه: إن كرهتم القتال فهو خير لكم، لأن فيه الظفر والغنيمة والشهادة. # { وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم }. # أي إنكم إن تحبوا القعود عن الجهاد فهو شر لكم لأنكم تحرمون الظفر ~~والغنيمة و [الأجر. أو] الشهادة. # { والله يعلم }: أي يعلم ما هو خير لكم مما هو شر لكم، فلا ~~تكرهوا ما كتب عليكم من جهاد عدوكم فإنكم لا تعلمون. ### || [2.217] # قوله: { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه } ~~الآية. # قال السدي: " بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية في سبعة نفر فبينما ~~هم سائرون إذا بنفر من المشركين ببطن نخلة فاقتتلوا، فأسر المسلمون منهم ~~وقتلوا وغنموا، وكانت أول غنيمة غنمها أصحاب النبي [عليه السلام. وكان] ~~ذلك في الشهر الحرام فتكلم الناس في القتل في الشهر الحرام. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: # " ما أمرتكم أن تقتلوا في الشهر الحرام " # فسقط في أيدي القوم [وأخذهم الناس باللائمة]، فأنزل الله عز وجل: { ~~يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال ~~فيه [كبير] } " فأخبرهم أنه منكر عظيم. # ثم قال: { وصد عن سبيل الله }. # أي وصدكم أيها المشركون عن ms0232 سبيل الله وعن المسجد الحرام، وكفركم بالله ~~تعالى وإخراجكم أهل المسجد الحرام منه. يريد الله النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه ذلك كله من فعلكم أكبر عند الله من القتل، أي الشرك الذي ~~أنتم عليه أكبر من القتل في الشهر الحرام. / وكذلك قال ابن عباس. # وقال الضحاك: " لما قتل عمرو بن الحضرمي في سرية بعثها رسول الله [عليه ~~السلام] إلى بطن نخلة وأمر عليها عبد الله بن جحش، عير المشركون ~~المسلمين بالقتل في الشهر الحرام فأنزل الله الآية فأخبرهم / أن ذلك ~~كبير، وأن صد المشركين محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن سبيل الله ~~عز وجل وعن المسجد الحرام والكفر بالله تعالى أكبر عند الله سبحانه من ~~القتل الذي أنكروه. والآية عند أكثر العلماء والصحابة منسوخة لأنه تعالى ~~قال: { قتال فيه كبير } أي عظيم فأخبر أنه شيء عظيم منكر في ~~الشهر الحرام وأنه محظور ثم نسخته آية / السيف في براءة: # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة: 5]. فأبيح ذلك في الحرام وغيره، ونسخه أيضا قوله: # وقاتلوا المشركين كآفة # [التوبة: 36]. # والأشهر الحرم المذكورة في براءة ليست المعلومة، إنما هي أشهر كان فيها ~~عهد بينهم وبين النبي [عليه السلام] فأمر بقتلهم حيث وجدوا إذا انسلخت ~~تلك الأشهر وهي أربعة أشهر بعد يوم النحر لمن كان له عهد، ومن لم يكن له ~~عهد فإلى انسلاخ الحرم عهده. # وقال عطاء: " الآية محكمة، والقتال محظور في الأشهر الحرم ". # وروى ابن وهب أن النبي [صلى الله عليه وسلم] رد الغنيمة والأسى وودى ~~القتيل. ### || [2.218] # قوله: { يرجون رحمت الله }. # كتبت " رحمت " بالتاء وذلك في سبعة مواضع؛ هذا، وفي الأعراف: # إن رحمت الله قريب # [56]، وفي هود: # رحمت الله وبركاته # [73]، وفي مريم: # ذكر رحمت ربك # [1]، وفي الروم: # إلى آثار رحمت الله # [50]. وفي الزخرف: # أهم يقسمون رحمت ربك # [32]، وفيها # ورحمت ربك خير # [32] وما عداها كتبت بالهاء. # / قوله: { إن الذين ءامنوا والذين هاجروا ~~وجهدوا } الآية. # نزلت هذه الآية حين قتلت السرية عمرو بن الحضرمي وأنكر عليهم القتل في ~~الشهر الحرم الحرام، وقال بعض ms0233 المسلمين في السرية، قد أصابوا وزرا، ~~فأعلم الله أن من هاجر وجاهد فهو يرجو رحمة الله، وأنه غفور لما وقع منهم ~~من القتل في الشهر الحرام ورحيم بهم. # وروي أن عبد الله بن جحش وأصحابه قالوا: يا رسول الله، أنطمع أن يكون ~~خروجنا [غزوة نعطى] فيها أجر المجاهد، فأنزل الله: / { إن الذين ~~ءامنوا والذين هاجروا } ، الآية. ### || [2.219-220] # قوله: { قل فيهمآ إثم كبير }. # من قرأ بالثاء فقراءته مختارة، لأن الكثرة تشتمل على العظم والكبر، ~~والكبر والعظم لا يشتمل على الكثرة فبالثاء أعم وأولى. وكل ما كثر فقد ~~عظم وليس كل ما عظم بكثير، فوصف الإثم بالكثرة أبلغ من وصفه بالعظم، وقد ~~قال تعالى: # وادعوا ثبورا كثيرا # [الفرقان: 14] وأيضا فإن الإثم الأول بمعنى الآثام لقوله: " ومنافع " ~~ولم يقرأ " ومنفعة ". والآثام فبالكثرة توصف أولى من العظم. وأما الثاني ~~فهو إجماع بالباء لأنه يراد به التوحيد لا الجمع. # ومن قرأ بالباء فحجته إجماعهم على { أكبر من نفعهما } ~~بالباء، أي أعظم. وقوله: # حوبا كبيرا # [النساء: 2]، وقول العرب: " إثم صغير " ، يدل على جواز " كبير " ~~وحسنه وترك استعمالهم " لإثم قليل " ، يدل على بعد " كثير ". وإجماع ~~المسلمين على قولهم: " صغائر وكبائر " ، يدل على حسن " كبير ". ونزلت ~~الآية جوابا لمن سأل النبي [عليه السلام] عن الخمر والميسر. # / والخمر: ما خامر العقل أي ستره، فكل شراب ستر العقل وأحاله فهو خمر، ~~يقال: " دخل في خمار الناس " أي هو مستتر في الناس، ويقال للضبع: ~~" خامري أم عامر " ، أي استتري. وخمار المرأة قناعها لأنه ~~يسترها. وقولهم: " اختمر العجين " ، أي غطى فطورته الاختمار. # والميسر القمار سمي بذلك لما كانوا ييسرون من الجزور وغيرها للقمار ~~عليها. # وقال مجاهد: " كل القمار من الميسر حتى لعب الصبيان بالجوز ". # وقال عطاء: " حتى لعب الصبيان بالكعاب ". # وقال القاسم: " كل ما أنهى عن ذكر الله وعن الصلاة فهو ميسر ". # قال ابن عباس: " كان الرجل في الجاهلية يخاطر عن أهله وماله، فأيهما ~~قامر صاحبه ذهب بأهل الآخر وماله ". # وأشعار العرب: تدل على أن الميسر كان قمارا بينهم في الجزور خاصة. ms0234 # وقيل: سمي ميسرا لأنهم كانوا يجزرون الجزور. وكل / شيء جزرته فقد يسرته ~~والياسر الجازر. فقيل للضاربين بالقداح: ياسرون، لأنه سبب لتجزئة الجزور. # ويقال للضارب بالقداح " يسر وأيسار ". # وقيل: إن " يسرا " جمع " لياسر " ، ثم يجمع " يسر " على " ~~أيسار " وكانت العرب أهل المقدرة منهم يقامرون على الإبل في الشدائد، ~~ويجعلون لحومها للفقراء / منهم لتعدل أحوال الناس، ولذلك قال: " { ~~ومنفع للناس } ". # والقداح التي كانوا يقامرون بها عشرة: منها سبعة ذوات خطوط، على كل واحد ~~علامة يعرف بها، وهي: الفذ، والتوأم، والرقيب، والحلس، والنافس، والمسبل، ~~والمعلى. # ومنها ثلاثة لا خطوط فيها، يقال لها: " الأغفال / والغفل من الدواب الذي ~~لا سمة له؛ وهي: السفيح والمنيح، والوغد وليس لها سهام. والسبعة الأول ~~للفذ منها نصيب، وللتوأم نصيبان، وللرقيب ثلاثة، وللحلس أربعة، وللنافس ~~خمسة، وللمسبل ستة، وللمعلى سبعة، وعلى كل واحد من العلامة على قدر ما له ~~من الأنصباء. # وقوله: { ومنفع للناس }. # هي أثمانها وما كانوا يصيبون من الجزور. # { وإثمهمآ أكبر من نفعهما }. # أي الإثم فيهما بعد التحريم أكبر من النفع قبل التحريم. قال سعيد بن ~~جبير: " لما نزلت: { قل فيهمآ إثم كبير ومنفع للناس ~~} كره الخمر قوم للإثم، وشربها قوم للمنافع وهو الفرح الذي فيها حتى نزلت # لا تقربوا الصلوة وأنتم سكرى # [النساء: 43]، فتركوها عند الصلاة حتى نزلت / # إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس ~~من عمل الشيطان فاجتنبوه # [المائدة: 90] فحرمت ". # فهذا يدل على أنها منسوخة بما في " المائدة ". # وروي أن عمر رضي الله عنه كان يقول: " اللهم بين لنا في الخمر " ، ~~فنزلت: { يسألونك عن الخمر } الآية، فقرئت عليه، فقال: ~~[اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فإنها تذهب العقل والمال]، فنزلت ~~{ لا تقربوا الصلوة وأنتم سكرى } ، فقرئت عليه، ~~فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت: { إنما ~~الخمر والميسر } الآية التي في المائدة فقال عمر: انتهينا، ~~انتهينا ". # فالخمر محرمة بنص القرآن لأن الله جل ذكره أخبرنا في هذه السورة أن فيها ~~إثما كبيرا، وحرم تعالى اكتساب الإثم بقوله تعالى: # قل إنما حرم ربي الفواحش ما ms0235 ظهر منها وما ~~بطن والإثم # [الأعراف: 33] أي واكتساب الإثم. فهذا نص ظاهر في التحريم مع قوله: # فهل أنتم منتهون # [المائدة: 91]. فهذا تهدد ووعيد؛ وذلك لا يكون إلا في المحرمات مع قوله: # لا تقربوا الصلوة وأنتم سكرى # [النساء: 43]، فتحريم المسكر منصوص بين في كتاب الله [جل وعز]، وكل ~~ما أسكر فهو خمر، لأن كل مسكر يخامر العقل، وكل ما خامر العقل فهو خمر ~~وهو مسكر. # وإنما سميت الخمر خمرا لأنها تخامر العقل، أي تخالطه. # وقيل: سميت بذلك لأنها تخمر، أي تغطي من الخمار الذي تغطى به. # وقيل: سميت بذلك لأنها تخمر العقل، أي تستره من الخمار الذي يغطى به ~~الرأس. # قوله: { قل العفو }. أي تتصدق بما فضل عن أهلك. # قال السدي: " كانوا يعملون كل يوم بما فيه، فإن فضل في ذلك اليوم فضل ~~عن العيال قدموه ". # وقال ابن عباس: " العفو ما لا يتبين / خروجه من المال ". # وقال طاوس: " العفو اليسير من كل شيء ". # وقال اليزيدي: العفو هو ما أطقته من غير أن تجهد فيه نفسك ". # وقيل: ما فضل عن أهلك. # وروي أن هذه الآية { ويسألونك ماذا ينفقون } # " نزلت في رجل أتى إلى النبي [صلى الله عليه وسلم] فقال: " إن لي ~~دينارا " ، فقال: أنفقه على نفسك. فقال: إن لي دينارين. ~~فقال: أنفقهما على أهلك، فقال: إن لي ثلاثة، قال أنفقها ~~على خادمك. [قال: إن] لي أربعة، قال: أنفقها على ~~والديك، قال: إن لي خمسة. قال: أنفقها على قرابتك قال: ~~إن لي ستة. قال أنفقها في سبيل الله ". # يريد لي الدينار غير الدينار، ولي اثنان غير الاثنين /، وثلاثة غير ~~الثلاثة، وكذلك ما بعده. # وقيل: العفو ما لا يكون إسرافا ولا إقتارا. قاله عطاء والحسن وقال ~~مجاهد: " العفو الصدقة عن ظهر غنى ". # وروي عن ابن عباس في حد العفو: " أمر النبي صلى الله عليه وسلم [أن ~~يأخذ] ما أتوا به من قليل أو كثير. # وقال الربيع: " العفو / ما طاب من المال ". # / وقال قتادة: " العفو أفضل المال، وأطيبه أفضله ". # قال ابن عباس: " هي منسوخة بالزكاة ms0236 ". # وقيل: إنما هي الزكاة، وليست منسوخة. # وقيل: إنما في التطوع، سألوا عنه فأجيبوا، فهي محكمة وليست بغرض. # قوله { كذلك يبين الله لكم الآيت لعلكم ~~تتفكرون * في الدنيا والآخرة }. # معناه: مثل ما بين لكم الخمر والميسر وما فيهما يبين لكم الآيات لعلكم ~~تتفكرون في نفاذ الدنيا وزوالها وبقاء الآخرة ونعيمها فتعملون للباقية ~~منهما. # وقيل: معناه: لعلكم تتفكرون في فضل ما بينهما. # وقيل: / في الكلام تقديم وتأخير، وتقديره: " يبين الله لكم الآيات في ~~الدنيا والآخرة " ، أي في أمرهما لعلكم تتفكرون. # قوله: { ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم ~~خير }. # كان سبب نزول هذه الآية أنه لما نزل: # إن الذين يأكلون أموال اليتمى ظلما # [النساء: 10]، انطلق من كان معه يتيم فعزل طعامه من طعامه، وشرابه من ~~شرابه، فكان يفضل الشيء من طعام اليتيم فيحبس له حتى يفسد فاشتد عليهم ~~ذلك، فذكروا ذلك للنبي [عليه السلام]، فأنزل الله تعالى: { ~~ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن ~~تخالطوهم فإخوانكم }. قاله ابن عباس وغيره. # وقيل: إنه لما نزل: # ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن # [الأنعام: 152]، اجتنب الناس مخالطتهم فنزلت: { وإن تخالطوهم ~~فإخوانكم } ، فخالطوهم. # { والله يعلم المفسد من المصلح }. أي يعلم حين تخلط ~~مالك بماله، أتريد بذلك إصلاح ماله أو إفساده يريد الجنسين. # قوله: { ولو شآء الله لأعنتكم }. أي: لحرم عليكم مخالطتهم ~~فتتبعون، ويشق ذلك عليكم. # وقيل: معناه: لأوبقكم فأهلككم بما قد أصبتم من أموالهم. # قال أبو إسحاق: " معناه: لكلفكم ما يشتد عليكم، فتعنتون ". # وأصله من: " عنت البعير " إذا حدث في رجله كسر بعد جبر. # قوله: { أن الله عزيز حكيم }. # أي: عزيز في سلطانه، حكيم في فعله وأحكامه وتدبيره. ### || [2.221-223] # قوله: { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن }. # قال ابن عباس: " عم تحريم كل مشركة ثم استثنى منهن أهل الكتاب ~~بقوله: # والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب # [المائدة: 5]. # وقال عكرمة والحسن: " نسخ من ذلك نساء أهل الكتاب ". # وكذلك قال مالك: " هي منسوخة " ، وهو قول سفيان. # وقال ابن جبير: " الآية عامة محكمة مخصومة في مشركات العرب، لم يعن بها ms0237 ~~/ غيرهن ". # وقد قيل: هي ناسخة للتي في النساء والمائدة روي ذلك عن ابن عباس، وابن ~~عمر، وعن عمر رضي الله عنه. والإجماع على خلاف ذلك، وطرق الأسانيد عنهم ~~فيها ضعف. # وروي أن عمر فرق بين طلحة بن عبيد الله ويهودية، وبين حذيفة بن اليمان ~~ونصرانية، وأراد أن يبطش بهما على نكاحهما. # وقال / ابن عمر: " حرم الله المشركات في كتابه على المؤمنين، ولا أعرف ~~شيئا من الإشراك أعظم من أن تقول المرأة: ربها عيسى ". وقد سمى الله ~~اليهود والنصارى مشركين في كتابه في " براءة " وغيرها؛ قال: # اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون ~~الله # [التوبة: 31]. فهذا هو الشرك بعينه. # وأكثر الصحابة والفقهاء على جواز نكاح الكتابيات وهو نص القرآن، ولم ~~يختلف الفقهاء في منع نكاح المسلم إماء أهل الكتاب إلا أبا حنيفة فإنه ~~أجازه. # وأصل النكاح في اللغة الوطء. تقول العرب: " أنكحت الأرض ~~البر " إذا بذرته فيها، ومن هاهنا ثبت أن قوله: # حتى تنكح زوجا غيره # [البقرة: 230] يراد به الوطء دون العقد، وبذلك أتت السنة، وقد كثر حتى ~~استعمل اسما للعقد إذ هو سبب الوطء. # وجاز أن تقول: { ولعبد مؤمن خير من مشرك } ، ~~والمشرك لا خير فيه، كما تقول العرب: " الآباء أحق بالميراث من الخال " ، ~~ولا حق للخال في الميراث. # وحكى نفطويه في كتاب " التوبة " له أن العرب تأتي بأفعل على ضربين: ~~أحدهما تفضيل أحدهما على الآخر وفي الآخر فضل. / والثاني أن يكون إيجابا ~~للأول ونفيا عن الثاني كقوله تعالى: # أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا # [الفرقان: 24] فهو نفي عن أن يكون في النار خير. # وقيل: / المعنى: ولإنكاح عبد مؤمن خير من إنكاح حر مشرك. # وهذه الآية نزلت في رجل نكح أمة فعذل عن ذلك وكان الذين [عذلوه يريدون] ~~تزويج نساء أهل الشرك لحسبهن ومالهن وجمالهن، فأخبر الله تعالى أن " أمة ~~مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم " ، أي ولو أعجبكم حسنها وحسبها. # ثم أخبرنا بمنع نكاح المشرك المسلمة من أهل الكتاب كان أو من غيرهم، ~~فأعلمنا أن عبدا مؤمنا خير من مشرك. # وبهذا ms0238 يحتج من جعل الأول عاما في الكتابية وغيرها. # ثم قال تعالى: { أولئك يدعون إلى النار }. أي يعملون ~~بأعمالهم. { والله يدعوا إلى الجنة والمغفرة ~~بإذنه }. # أي بإعلامه الطريق [التي بها يتوصل] إلى الجنة والمغفرة كل من عنده. # وروي أن هذه الآية نزلت في كناز بن الحصين / [الغنوي أبي] مرثد بعثه / ~~رسول الله [صلى الله عليه وسلم] إلى مكة سرا ليخرج رجلا من أصحابه أسر، ~~وكان له بمكة امرأة يحبها في الجاهلية، يقال لها: عناق. فقال لها: إن ~~الإسلام قد حرم ما كان في الجاهلية. فقالت له: تزوجني. فقال: لا، حتى آتي ~~رسول الله فسأله. فلما قدم بالأسير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~سأله هل يحل له تزويج تلك المرأة، فأنزل الله تعالى: { ولا تنكحوا ~~المشركات } الآية، فهي في غير أهل الكتاب مخصوصة على هذا التأويل. # قوله: { ويسألونك عن المحيض }. # كان أصحاب النبي [عليه السلام] في بدء الإسلام لا يساكنون النساء في ~~المحيض ولا يواكلونهن، فسألوا النبي [عليه السلام] عن ذلك، فعرفهم الله ~~تعالى في الآية أن [الذي يجتنب] من الحائض هو جماعها حتى تطهر، وأن ما ~~سواء ذلك حلال. # ثم قال: { فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم ~~الله }. # أي: في الفرج خاصة. فهذا يدل على منع إتيانهن في الأدبار. # وقيل: معنى { من حيث أمركم الله } طهرا غير حيض. # ومعنى: { قل هو أذى }. # قال السدي: " قل يا محمد: قل هو قذر / " ، وكذلك قال قتادة. # وقال مجاهد: " { قل هو أذى } قل هو دم ". # والآية ناسخة لما كان عليه بنو إسرائيل من شريعتهم لأنهم كانوا لا ~~يجتمعون مع الحائض في بيت ولا يواكلونها، فنسخت الآية ذلك. فقالت اليهود ~~عند نزولها: " ما يدع محمد شيئا من أمرنا إلا خالفنا فيه ". # فللرجل أن يستمتع [من الحائض] بما دون الفرج غير الدبر. وهو قول عائشة ~~وأم سلمة وابن عباس والحسن وعطاء والشعبي والنخعي والثوري وغيرهم. وهو ~~قول الشافعي الصحيح. # ويروى عن ميمونة وسعيد بن المسيب أنها تعتزل فيما بين السرة والركبة، ~~ويستمتع بها فيما دون ms0239 ذلك، وهو قول مالك وأبي حنيفة. # وقال عكرمة والشعبي: " لا بأس بإتيانها دون الفرج " [يريدان الفخذ]. # وقال الثوري: " لا بأس أن يباشرها إذا اتقى موضع الدم ". # فإن أتاها وهي حائض؛ فقال ابن عباس: " يتصدق بدينار أو بنصف ". # وقيل: إن كان في فور الدم وقوته يتصدق بدينار، وإن كان في آخره وضعفه ~~تصدق بنصف. قاله النخعي وغيره. # وقال الأوزاعي: " إن كان وطئها في الدم تصدق بدينار، وإن وطئها بعد ~~انقطاع الدم وقبل الطهر بالماء، تصدق بنصف دينار ". # وقال سعيد بن جبير: " عليه عتق رقبة ". # وقال الحسن: " عليه مثل الذي على من وطئ في رمضان ". وجماعة / الفقهاء ~~التابعين يقولون: لا شيء عليه ويستغفر الله من ذلك ولا يعد، وقد أخطأ. # قاله مالك والشافعي وأبو حنيفة. وهو قول الشعبي والزهري وربيعة وأبي ~~الزناد والليث بن سعد والثوري. # وقال مالك والشافعي وابن حنبل وغيرهم: " لا يطأها حتى تغتسل بالماء، فإن ~~فعل قبل ذلك، وقد انقطع الدم، لم يكن عليه شيء، وقد أخطأ ويستغفر الله ". # وهو قول سالم / بن عبد الله وسليمان بن يسار والزهري وربيعة والثوري. # وقال عطاء وطاوس ومجاهد: " إذا احتاج إلى وطئها قبل أن تغتسل، أمرها أن ~~تتوضأ، ثم أصاب منها ما شاء ". # وهو معنى قراءة من قرأ: " حتى يطهرن " مخففا، أي ينقطع عنهن الدم. # وفي مصحف أبي وابن مسعود: " حتى يتطهرن " بالتاء أي بالماء { فإذا ~~تطهرن } أي اغتسلن. هذا قول الجماعة. # وقال مجاهد وطاوس: " إذا تطهرن للصلاة ". # فليس يجب للقارئ أن يقف على " يطهرن " في قراءة من خففه لئلا يبيح وطء ~~الحائض إذا انقطع عنها الدم ولم تتطهر بالماء. فأما من قرأه بالتشديد، ~~فالوقف عليه حسن لأن معناه: " يتطهرن بالماء " وقربها بعد التطهر بالماء ~~إجماع. # قوله: { من حيث أمركم الله }. أي: من الوجه الذي نهيتهم ~~عنه وهو الفرج. # وقال مجاهد: " { من حيث أمركم الله } أمروا أن يأتوهن من ~~حيث نهوا عنه ". يعني يأتونهن بعد التطهر في الموضع الذي أمروا أن ~~يعتزلوه في الحيض وهو الفرج. # فهذا نص من الله على إتيان ms0240 النساء في طهورهن في / الفرج دون غيره. # وقيل: معناه: من قبل طهرهن، لا من قبل حيضهن. # وقيل: معناه إيتوهن من قبل النكاح الذي أمرتم به، وحل لكم لا من قبل ~~الزنا الذي نهيتم عنه، وحرم عليكم. # قوله: { يحب التوابين }. # أي الراجعين / عن الذنوب، والمتطهرين بالماء للصلاة. وهو / ظاهر اللفظ، ~~وعليه أكثر أهل التأويل. # وقال مجاهد: " { ويحب المتطهرين }: أي الذين لا يأتون ~~النساء في أدبارهن ". # وقيل: معناه: ويحب المتطهرين من الذنوب أن يعودوا بعد التوبة. و { ~~المتطهرين } يعني به النساء والرجال، غلب المذكر على المؤنث، ولم ~~يقل المتطهرات، لأنه يخص النساء خاصة إذ لا يغلب المؤنث على المذكر. # وقيل: عني بالمتطهرين اللواتي يتطهرن من الحيضة بالماء، وهذا يدل على أن ~~الحائض لا توطأ إلا بعد التطهر بالماء / لأن من وطئها قبل التطهر بالماء، ~~فقد وطئ من لا يحبه الله، وذلك ممنوع. # ومن وطئ بعد التطهر بالماء، فقد وطئ من يحب الله. وذلك حسن لأن الله ~~إنما أحبهن على فعلهن وهو التطهر بالماء، ولم يحبهن على غير فعلهن، وهو ~~انقطاع دم الحيض، فشكر الله لهن تطهرهن بالماء. # وأتى " بالمتطهرين " بلفظ التذكير لأنه يكون من الرجال والنساء، فغلب ~~المذكر. # وقوله: { أنى شئتم }. أي مقبلة ومدبرة في الفرج. # ومعنى: { نسآؤكم حرث لكم }. # أي هن مزدرع للولد، بمنزلة الأرض هي مزدرع للحب فتقديره: " نساؤكم ~~موضع حرث لكم ". # وأكثر أهل التفسير على أن الآية نزلت لما كان اليهود يجتنبون، وذلك أنهم ~~يقولون، من أتى امرأته في فرجها من دبرها، خرج ولدها أحول، فأنزل الله: { ~~فأتوا حرثكم أنى شئتم }. أي كيف شئتم مقبلة ومدبرة في ~~الفرج. ورواه مالك عن ابن المنكدر عن جابر. # [وروى] ابن وهب عن ابن المسيب أنه قال في قوله: { أنى شئتم }: ~~هو العزل، إن شئت عزلتم وإن شئت لم تعزل، وإن شئت سقيته، وإن شئت أظميته ~~". # وروي عن ابن عباس أنه قال: " كانت قريش تتلذذ بالنساء مقبلات ومدبرات في ~~الفرج، فلما قدموا المدينة تزوجوا من الأنصار، فامتنعن عليهم من ذلك، ~~وقلن: [لا نعرف] ms0241 هذا، فبلغ ذلك النبي [عليه السلام]. فأنزل الله الآية ~~وأصح الوجوه في العربية أن يكون { أنى شئتم } بمعنى من أي وجه ~~شئتم. # قال أبو محمد مكي: يجب لأهل المروءة والدين والفضل ألا يتعلقوا في جواز ~~إتيان النساء في أدبارهن بشيء من الروايات، فكلها مطعون فيه ضعيف. وإنما ~~ذكرناها لأن غيرنا من أهل العلم ذكرها، وواجب على أهل الدين أن ينزهوا ~~أنفسهم عن فعل ذلك، ويأخذوا في دينهم بالأحوط فإني أخاف من العقوبة على ~~فعله، ولا أخاف من العقوبة على تركه، وقد روي في ذلك أخبار كثيرة، وأضيف ~~جوازه إلى مالك وروي عنه وليس ذلك بخبر صحيح ولا مختار عند أهل الدين ~~والفضل. وقد أضر بنا عما روي فيه لئلا يتعلق به متعلق، وأسقطنا ذكر ما ~~روي فيه من كتابنا لئلا يستن به جاهل أو يميل إليه غافل وأسأل الله ~~التوفيق في القول والعمل بمنه. # وقد قال مسروق: " قلت لعائشة رضي الله عنها: " ما يحل للرجل من امرأته ~~إذا كانت حائضا فقالت: كل شيء إلا / الجماع ". # ويدل على منعه قوله: { فأتوا حرثكم / أنى شئتم } ~~والحرث للولد يكون لأنه كالبذر للزرع، والولد لا يكون / إلا من جهة الفرج ~~والإباحة إنما هي في الفرج لا غير، لذكره الحرث الذي به يكون الولد. فهذا ~~نص ظاهر. # وقد روى يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب أنه قال: " سألت مالك بن أنس ~~فقلت: إنهم قد ذكروا عنك أنك ترى إتيان النساء في أدبارهن. فقال: معاذ ~~الله، أليس أنتم [قوما عربا]. فقلت: بلى. فقال: قال الله عز وجل: { ~~نسآؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } ، ~~وهل يكون الحرث إلا في موضع الزرع أو في موضع المنبت ". # وكذلك روى الدارقطني عن رجاله عن إسرائيل بن روح أنه قال: سألت مالكا، ~~فقلت: " يا أبا عبد الله ما تقول في إتيان النساء في أدبارهن؟ فقال: أما ~~أنتم قوم عرب؟ هل يكون الحرث إلا في موضع الزرع؟. # أتسمعون الله يقول: { نسآؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم ~~أنى شئتم } قائمة فقاعدة وعلى ms0242 جنبها لا تتعدى الفرج. قلت يا أبا ~~عبد الله، إنهم يقولون إنك تقول بذلك، فقال: " يكذبون علي، يكذبون علي، ~~يكذبون علي ". # قال أبو أحمد مكي: " [وهذا] الأشبه بورع مالك، وتحفظه بدينه ". # وروى الدارقطني أيضا عن رجاله عن محمد بن عثمان أنه قال: حضرت / ~~مالكا، وعلي بن زياد يسأله، فقال: عندنا يا أبا عبد الله قوم بمصر ~~يتحدثون عنك أنك تجيز الوطء في الدبر. فقال مالك: " كذبوا علي، عافاك ~~الله ". # وقد روى في منعه آثار كثيرة؛ فمنه ما روي عن عكرمة أنه قال: " أنى شئتم ~~من قبل الفرج ". وقاله ابن جبير ومجاهد. # وعن / ابن عباس أن النبي عليه السلام قال في حديث له طويل: # " يأتي الرجل امرأته مقبلة ومدبرة إذا كان ذلك ~~في الفرج ". # وروى عمارة بن خزامة بن ثابت عن أبيه أن النبي [عليه السلام] قال: # " إن الله لا يستحيي من الحق، فلا تأتوا النساء ~~في أدبارهن ". # وقال أبي بن كعب: " من أتى امرأته في دبرها فليس من التوابين ولا من ~~المتطهرين ". # وقال ابن مسعود: " محاش النساء عليكم حرام ". # وروى عبد الله بن أبي الدرداء عن أبيه أنه قال: " الذي يطأ امرأته في ~~دبرها هو أعظم الفواحش ". # قوله: { فأتوهن من حيث أمركم الله }. # يدل على منع الإتيان في الدبر لأن الله لا يأمر بالفحشاء وقد سمى الله ~~الإتيان في الدبر فاحشة بقوله: # أتأتون الفاحشة # [الأعراف: 80]، فكيف يبيح الفاحشة؟ / وإنما معناه في الفرج الذي أبيح ~~لطلب الولد. # وفي قول الله تعالى لقوم لوط: # أتأتون الذكران من العالمين * وتذرون ما خلق ~~لكم ربكم من أزواجكم # [الشعراء: 165-166] دلالة على أن المباح الإتيان في الفرج دون الدبر وفي ~~الآية دليل على منع الإتيان في الدبر من الرجال والنساء لأن قوله: # { وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم } يراد ~~به الفرج، لأن " ما " بمعنى " الذي ". " والذي " لا يقع إلا على معهود ~~مشار إليه، وهو الفرج الذي خلقه في النساء. ولو قال: " من خلق لكم " ، ~~لكان المراد النساء لأن " من " لمن يعقل فلما جاءت " ما ms0243 " وهي تقع لما لا ~~يعقل علم أنه شيء في: النساء خاصة / خلق للأزواج وهو الفرج. # وقد قال ابن عباس في قوله: { من حيث أمركم الله } " معناه: ~~من حيث أمركم الله أن تعتزلوهن ". # وقد كثرت الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عن ذلك. # وقوله: { وقدموا لأنفسكم }. # قال ابن عباس: " اذكروا الله عند الجماع ". # وقيل: معناه طلب الولد. # وقيل: معناه أنهم أمروا بتقديم الأعمال الصالحة. # وفعل الخير هو المفعول الثاني " لقدموا ". فهو مردود على ما قبله من ~~قوله، # قل مآ أنفقتم من خير فللوالدين # [البقرة: 215] الآية. ### || [2.224] # قوله: { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم }. # معناه: أن يقول الرجل إذا سئل في خير أو صلاح: علي يمين أن لا أفعل. ~~فيجعل اليمين علة لترك فعل الخير. فأمرهم الله بأن يبروا أيمانهم ويتقوه ~~في فعل الخير ويصلحوا بين الناس، قاله طاوس وغيره. # وقال ابن عباس: " هو الرجل يحلف ألا يكلم قرابته، ولا يتصدق عليهم، أو ~~يكون بينه وبين رجل مغاضبة فيحلف ألا يصلح بينه وبين خصمه، فأمر أن ~~يكفر ويفعل ما حلف عليه ". # وقال الضحاك: " هو الرجل يحرم ما أحل الله له على نفسه ويحلف، ~~فأمره الله أن يكفر ويأتي الحلال ". # وقال السدي: " { عرضة لأيمانكم }: هو أن يعرض بينك وبين الرجل ~~أمر فتحلف ألا تكلمه / ولا تصله ". # وقال مالك: " بلغني أنه يحلف بالله في كل شيء. # قال ابن عباس: " معناه لا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن لا تصنعوا ~~الخير، ولكن كفروا أيمانكم واصنعوا الخير ". # وقوله: { أن تبروا } هو الرجل يحلف ألا يبر رحمه. # ثم قال: { وتصلحوا } هو الرجل يحلف ألا يصلح بين اثنين / إذا ~~عصياه، غضبا عليهما في مخالفته، فأمر أن يكفر ويأتي ما حلف عليه. # وجامع القول في هذا ما روي عن ابن عباس أنه قال: " هو الرجل يحلف على ~~شيء من الخير والبر ألا يفعله، فأمر أن يفعل ويكفر ". # وقالت عائشة رضي الله عنها: " لا تحلفوا بالله وإن بررتم ". # وقال ابن جريج: " نزلت الآية في أمر أبي بكر حيث حلف ألا ms0244 يتصدق على مسطح ~~ولا يعطيه شيئا ". # والعرضة في كلام العرب القوة والشدة؛ يقال: " هذا الأمر عرضة لك " أي ~~قوة لك على أسبابك. فمعناه على هذا: لا تجعلوا يمينكم قوة لكم في ترك فعل ~~الخير. # وقال السدي: " نزلت هذه الآية قبل نزول الكفارات ". # وقال غيره: " نزلت بعد نزولها ". ### || [2.225] # قوله: { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم }. # قال ابن عباس: " هو ما سبق به اللسان على عجلة كقولك: " لا والله، بلى ~~والله ". وكذلك قالت عائشة رضي الله عنها. # وقال مجاهد: " هما الرجلان يتبايعان فيقول أحدهما: والله لا أبيعك بكذا. ~~ويقول الآخر: والله لا أشتريه بكذا وكذا، فهو اللغو ". # وقال أبو هريرة: " لغو اليمين أن يحلف الرجل على الشيء يظن أنه هو بيقين ~~منه، ثم يظهر له خلاف ظنه ". وهذا القول أحسن الأقوال في لغو اليمين ~~المعفو / عنها. وروي مثله عن ابن عباس. # وروي عنه أيضا أنه قال: " هو الرجل يحلف على الشيء فيرى الذي هو خير ~~منه فأمره الله أن يكفر عن يمينه ويفعله /، وأعلمه أنه لا يؤاخذه على ذلك ~~". فهذه ثلاثة أقوال عن ابن عباس. # وقال عطاء بن يسار: " هو الخطأ في اليمين ". # وقال الحسن وغيره: " هو الرجل يحلف على الشيء، وهو يظن أنه صادق، ثم ~~يظهر له خلاف ذلك، فلا كفارة عليه ولا إثم " ، وهو قول أبي هريرة ~~المختار. # وقال طاوس: " هو الرجل يحلف في الغضب، فلا كفارة عليه ولا إثم " ، وذكر ~~قول النبي [عليه السلام]: # " لا يمين في غضب ". # وقال / ابن جبير: " هو الرجل يحلف أن يفعل ما نهى الله عنه أو يترك ما ~~أمر الله به، فيمينه لغو، ولا كفارة عليه ". # وقد قال ابن المسيب وابن الزبير: " لا كفارة في معصية ". وكذلك قال ابن ~~عباس. # وقال الشعبي: " كفارة من حلف على المعصية أن يتوب منها ". # وقال: [زيد بن] أسلم: " هو الرجل يقول: أعمى الله بصري إن لم أفعل كذا ~~وكذا، وأخرجني الله من مالي إن لم أصنع كذا، وشبهه مما يدعو به على نفسه. ~~فهو لغو ولا كفارة ms0245 / فيه ". # وقال ابن زيد: " هو قول الرجل: " أنا كافر إن فعلت كذا، وجعلت مع الله ~~إلاها إن صنعت كذا، وشبهه، فلا كفارة فيه ". # وقال الضحاك: " اللغو من الأيمان، هي اليمين المكفرة يحلف ألا يفعل ~~فيكفر ويفعل، ولا يؤاخذه الله بذلك، ولكن يؤاخذه بما يحلف عليه وقلبه ~~يتيقن أن يمينه كذبة. فتلك اليمين لا كفارة فيها، وهي اليمين الغموس، وهي ~~أعظم من أن تكفر ". # وقيل: لغو اليمين الحنث، لا يؤاخذ الله من حنث في يمينه وكفر، لأن ~~التكفير يسقط الإثم ". # وقال إبراهيم: " هو الرجل يحلف ألا يفعل الشيء، ثم ينسى فيفعله، فيمينه ~~لغو ". # واللغو في كلام العرب ما لا يحتاج إليه. # قال نفطويه: " اللغو في نفس اللغة الشيء المطرح يقال: ألغيت هذا، أي ~~طرحته ". واللغة في الأيمان ما لم تكن النية معتقدة له، إنما جرى في عرض ~~الكلام. وهو معنى قول ابن عباس وعائشة. # والسهو داخل في هذه الآية بغير نية، ويدخل فيه أيضا ما ليس بيمين نحو ~~قول الرجل: " لا وحياتك " وشبهه، وهذا يرجع إلى قول أبي هريرة وقول الحسن ~~المتقدمي الذكر. # وكان ابن عباس لا يرى الكفارة إلا في الأيمان التي تكون لغوا. فأما ما ~~كسبت القلوب، وعقدت اليمين فيه وهي تعلم أنها كاذبة، فلا كفارة فيه، ~~والله يؤاخذ على ذلك بما شاء إن شاء. # وتقدير الآية التي في المائدة على هذا القول: " لا يؤاخذكم الله باللغو ~~في أيمانكم فكفارته إطعام عشرة / مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فمن لم ~~يجد فصيام ثلاثة أيام، ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم، ولكن يؤاخذكم بما ~~عقدتم الأيمان ". أي حلفتم وأنتم تعلمون أنكم كاذبون. # [كذلك التقدير] عند ابن عباس وابن جبير والضحاك وغيرهم. # وقال قتادة: " المؤاخذة هنا في الأيمان الفاجرة إنما هي إلزام الرجل ~~الكفارة على يمينه؛ فمن حلف وهو يعلم أنه كاذب وجبت عليه الكفارة، وهي ~~المؤاخذة التي ذكر الله. ومن حلف وهو يظن أنه / صادق، فهو لغو يمين ولا ~~كفارة فيه، ولا إثم ". # وروي عن الربيع مثله. وهو قول عطاء والحكم. ms0246 # وقال السدي مثل ذلك إلا أنه قال: " يؤاخذه في الدنيا بالكفارة على يمينه ~~الفاجرة ويؤاخذه في الآخرة إن شاء الله عليها إذ حلف وهو يعلم أنه كاذب ~~". # والأيمان / عند أكثر الفقهاء ثلاثة: # - اللغو؛ وهو قوله: " لا والله وبلى والله فلا شيء فيها ". # - والثانية: العمد "؛ وهو أن يحلف متعمدا ألا يفعل الشيء، ثم يريد أن ~~يفعله ويرى أن ذلك خير فيكفر ويفعل ولا شيء عليه. وهي التي في قوله: # بما عقدتم الأيمان فكفارته # [المائدة: 89]. # - والثالثة: الغموس؛ وهو أن يحلف على الشيء وهو يعلم أنه كاذب فلا كفارة ~~فيها لعظمها، والله يفعل بفاعلها ما شاء. وهي التي في قوله: { ولكن ~~يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم }. # وقل زيد بن أسلم: { ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ~~}. قال: " هو الشرك بالله والكفر لا اليمين ". يريد قول الرجل: أنا كافر ~~بالله إن فعلت وأنا مشرك إن فعلت، يؤاخذ عليه إن اعتقده بقلبه. فإن لم ~~يعتقده بقلبه، فهو اللغو الذي قال فيه: { لا يؤاخذكم الله ~~باللغو في أيمانكم }. # ومن قال: " أقسمت ألا أفعل " ، فإن أراد بالله وفعل كفر، وإن لم يرد ذلك ~~فلا شيء عليه، وكل / أسماء الله يجب فيها الكفارة، وكذلك صفاته. # وإذا حلف بالقرآن وحنث، فقال ابن مسعود: " عليه لكل آية كفارة " ، وبه ~~قال الحسن البصري. # وأكثر الفقهاء على أن: فيه كفارة يمين، ومنهم من قال: " لا كفارة فيه ~~لعظمه، وجلالة قدره ". # والعهد والميثاق والكفالة إذا أضيف ذلك إلى الله جل ذكره وحلف به، ففيه ~~كفارة يمين عند مالك وغيره. # ومن قال: " حلفت " ولم يحلف، فإن أراد اليمين كفر. وإن أراد الكذب لم ~~يكن عليه شيء. # هذا قول مالك وغيره. # ومن حلف بصدقة ماله أو بهديه أن يجعله في سبيل الله؛ فقال عطاء والشعبي ~~وغيرهم: " لا شيء عليه ". # وروي عن عمر رضي الله عنه، وعائشة أن عليه كفارة يمين وهو قول جماعة من ~~التابعين. # وقال مالك: " يخرج ثلث ماله " وهو قول الزهري وغيره. وروي عن ابن عمر ~~وابن عباس أنه: يتصدق من ماله بمقدار الزكاة. وقد ms0247 قيل: يعني بما جعل على ~~نفسه. روي ذلك عن ابن عمر. وقال قتادة: " يهدي بدنة ". # وقال / جابر بن زيد: " إن كان ماله كثيرا نحو ألفين فعشره، وإن كان ~~وسطا نحو ألف، فسبعه، وإن كان قليلا نحو خمسمائة فخمسه. # ومن حلف بالمشي إلى بيت الله فحنث فلا شيء عليه عند ابن المسيب والقاسم ~~بن محمد. # وقال الحسن وجابر بن زيد وطاوس والنخعي وعطاء وقتادة / وغيرهم / " عليه ~~كفارة يمين " ، وهو قول الشافعي. # وقال الشعبي ومالك وأبو حنيفة: " يمشي كما حلف ". # وقال ابن شبرمة: " يحرم من يومه ". # وقال مالك رضي الله عنه: " إن حنث في غير البلد الذي حلف فيه فعليه أن ~~يأتي إلى ذلك البلد، فيمشي منه ". # ومن حلف بعتق رقبة فحنث، فأكثر الناس [على أن عليه] كفارة يمين، وهو قول ~~ابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وعائشة وأم سلمة، وحفصة وقاله الحسن. # وقال عطاء: " يتصدق بشيء من حنث في العتق ". # وقال مالك والثوري والأوزاعي والشافعي وجماعة من الفقهاء: " يعتق من حلف ~~به إذا حنث ". # وقوله: { والله غفور حليم }. # أي غفور لأهل اللغو في الأيمان، حليم [في تركه]. العقوبة على أهل اعتقاد ~~الأيمان / الكاذبة فلا يعاجلهم بها. ### || [2.226] # وقوله: { للذين يؤلون من نسآئهم } الآية. # الإيلاء عند ابن عباس هو: أن يحلف الرجل في الغضب ألا يجامع امرأته. ~~وكذلك روي عن علي رضي الله عنه، وهو قول النخعي وقتادة والحسن. فإن حلف ~~في غير غضب، فليس بمولي لأنه إصلاح. # وقد قال مالك رضي الله عنه: " من حلف ألا يطأ امرأته حتى تفطم ولدها ~~فليس بمولي ". # وقال ابن مسعود: " يكون موليا إذا حلف في الرضا والغضب ألا يطأ ". # وبه قال الثوري وأهل العراق والشافعي وابن حنبل، وهو قول مالك. كما أن ~~سائر الأيمان من طلاق وغيره سواء في الرضا والغضب. # وروي عن ابن عباس أنه قال: " لا يكون موليا حتى يحلف ألا يطأها أبدا ~~". # وقال مالك رضي الله عنه والشافعي: " إذا حلف ألا يطأ أكثر من أربعة ~~أشهر، وتمت الأربعة أخذ بالوطء أو الطلاق؛ ms0248 يطلق طلقة بائنة تملك بها ~~نفسها، وله مراجعتها إن شاء بعقد مجدد وصداق ". # وقد قال جماعة: " إن الطلاق يقع بمضي الأربعة أشهر ولا يوقف بعدها " ، ~~وهو قول ابن مسعود وابن عباس وجماعة معهما. # وإيجاب توقيفه بعد الأربعة الأشهر هو قول عمر وعثمان وعلي وابن عمر ~~وعائشة وأبي الدرداء وغيرهم من الصحابة، وعليه أكثر الفقهاء: مالك ~~والشافعي وغيرهما. # والإجماع على أن الطلاق بكلام يسمع يدل على تمام الأربعة أشهر لا يكون ~~طلاقا حتى يتكلم به، وهو قول ابن عمر وأبي الدرداء. # وكل يمين عند مالك لا يقدر صاحبها عند الوطء من أجلها فهو مول بها / ولو ~~حلف لغريمه ألا يطأ امرأته حتى يوفيه حقه فهو مول عند مالك. فكل يمين ~~منعت من الوطء فصاحبها مول عند مالك والشافعي والشعبي والنخعي وسفيان ~~وأصحاب الرأي /، وأبي ثور وأبي عبيد، وهو مروي عن ابن عباس. # إلا أن مذهب مالك أنه إذا حلف ألا يطأ فتمضي أربعة أشهر من يوم حلف، ~~يوقف، فإما فاء، و [إما طلق]، سواء رفع إلى السلطان بعد الأربعة أشهر ~~وقبلها، إنما يحسب من يوم حلف، وإذا حلف على أمر يفعله بالطلاق منع من ~~الوطء حتى يفعل ودخل عليه الإيلاء، لكن لا يوقف إلا بمضي الأربعة الأشهر ~~من يوم يرفع إلى السلطان، ولا يحسب له من يوم حلف. # ومن قال لامرأته: " [إن قربتك فأنت] علي كظهر أمي " ، فهو مول عند مالك. ~~فإذا انقضت أربعة أشهر، فإما أن يطلق وإما أن يكفر ويطأ. # وقوله: { يؤلون من نسآئهم }. # قيل / معناه: على وطء نسائهم، " فمن " بمعنى " على " وفيه حذف مضاف ~~معناه: " على وطء نسائهم " ، ثم حذف الوطء كما قال: # ما وعدتنا على رسلك # [آل عمران: 194] أي " على ألسنة رسلك " ، ثم حذف الألسنة. # وقوله: { فإن فآءو }. # أي رجعوا إلى الوطء، وكفروا عن أيمانهم، فإن الله غفور لهم على يمينهم، ~~رحيم بهم أن يعاقبهم بعد كفارتهم. ### || [2.227] # قوله: { وإن عزموا الطلاق }. # أي إن لم يكفروا ولا فاءوا إلى الوطء؛ أي رجعوا إليه وأرادوا الطلاق، ~~فإن الله ms0249 سميع لقولهم، عليم باعتقادهم وعزيمتهم. ### || [2.228] # قوله: { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة ~~قروء }. # ومعناه: المطلقات المدخول بهن ذوات الحيض - غير الحوامل - يتربصن عن ~~التزويج ثلاثة أطهار، وقيل: ثلاثة حيض. # والقرء في اللغة: الوقت، فيصلح للطهر، ويصلح للحيض. والحيض عند أبي ~~حنيفة وغيره أولى به. وهو قول أحد عشر من الصحابة وجماعة من التابعين ~~والفقهاء. # وهو عند مالك الطهر، وهو قول جماعة من الصحابة والتابعين. فإذا طلقها ~~وهي طاهر في طهر لم يمسها فيه فهو قرء تعتد به، وإن لم يبق منه إلا أقله. ~~فإذا رأت الدم من الحيضة الثالثة حلت للأزواج، وهو قول عائشة. وابن عمر ~~وزيد بن ثابت والقاسم وسالم وسليمان بن يسار /. # وبه قال الشافعي وغيره من الفقهاء. ويدل على أن المراد / بالأقراء في ~~هذه الآية الأطهار قوله تعالى: # فطلقوهن لعدتهن # [الطلاق: 1]، فلهن أن يعتدن بما يطلقن فيه وهو الطهر الذي لم تمس فيه. # والطلاق في الحيض عند أهل العلم مكروه، فدل ذلك على أن الطلاق إنما يكون ~~في الطهر لا في الحيض: [وهو قول النبي عليه السلام]: # " فليطلقها طاهرا من غير جماع " # فإذا طلقت / في الطهر اعتدت به قرءا. # ودخول الهاء في ثلاثة يدل على أنه الأطهار، لأن الطهر مذكر والحيض مؤنث، ~~فلو أريد به الحيض لم تدخله الهاء. # قال ابن عباس: " استثنى الله من هذه الآية اللواتي لم يدخل بهن والحوامل ~~". # وقال قتادة: " هو نسخ ". # وقال غيرهما: " هو تبيين، لأن هذه الآية يراد بها الخصوص فبين المراد في ~~" الأحزاب " وسورة الطلاق، فهي مبينة لا منسوخة. # قوله: { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في ~~أرحامهن }. # / أكثر أهل التفسير على أن الذي نهين عنه أن يكتمن هو الحيض والولد وذلك ~~أن تقول: " إني قد حضت الثلاثة، وهي لم تحض لتذهب ما يجب لزوجها من ~~الرجعة، أو تكتم الولد ليذهب حقه من الرجعة حتى تلد وهو لا يعلم، فلا ~~يكون له في الرجعة بعد الولادة حق. # وقيل: هو الحمل خاصة؛ وذلك أنهن كن في الجاهلية يكتمن الولد خوفا ms0250 ألا ~~يراجعهن أزواجهن، فيتزوجن وهن حوامل، فيلحقن الولد بالزوج الثاني، فحرم ~~ذلك عليهن. قال ذلك قتادة وغيره. # وقال السدي: " كان الرجل في الجاهلية إذا أراد الطلاق سأل امرأته هل بها ~~حمل خوف أن يطلقها وهي حامل، فتلحق ولده غيره، فإن كانت تكرهه كتمت حملها ~~ليطلقها، فتلحق الولد غيره، فحرم ذلك. # وهذا القول يدفعه قوله: { ولا يحل لهن } بعد ذكر الطلاق ~~ووقوعه، فإنما ظاهر القرآن يدل على النهي أن يكتمن ذلك في العدة ليذهب حق ~~الرجل من الرجعة؛ إما أن تقول: " قد حضت " ، ولم تحض، وإما أن تقول " لست ~~بحامل " ، وهي حامل، فتجحد حتى تضع فتذهب رجعته. # وهذه الآية تدل على أن المرأة مؤتمنة على عدتها وحملها. # ومعنى: { إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر }. # أي: يحجزهن إيمانهن عن فعل ذلك، وليس ذلك يجوز أن يفعله من لا يؤمن. # قوله: { وبعولتهن أحق / بردهن في ذلك }. # أي: أزواج المطلقات أحق بردهن في العدة إن أرادوا بالرد الإصلاح. فإن ~~أراد المضارة، فلا يحل له ذلك. # قوله: { ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف }. # أي للزوجات على الأزواج من الإحسان والصحبة الجميلة مثل ما للأزواج على ~~الزوجات. # وقيل: معناه: يتزين الرجل للمرأة كما تتزين له. روي ذلك عن ابن عباس. # قوله: { وللرجال عليهن درجة }. # أي في الميراث والجهاد والشهادة ونحو ذلك، وأن فراقهن بيد الأزواج. # وقال الشعبي: " الدرجة هو ما ساق إليها من الصداق، وأنها إذا قذفته ~~حدت، وإذا قذفها لم يحد، ولاعن. # وعن ابن عباس: " (درجة): أداء / حقها إليها ومؤنتها وتركه الواجب له ~~عليها إحسانا ". # وقيل: " الدرجة هو ما زين الله به الرجل من اللحية ". رواه عبيد بن ~~الصباح عن حميد. # وقال ابن إسحاق: " المرأة تنال من اللذة مثل ما ينال الرجل، وله الفضل ~~بنفقته وقيامه، وما ساق من الصداق فهي الدرجة ". ### || [2.229] # قوله: { الطلق مرتان فإمساك بمعروف } أي: فعليكم ~~إمساك، هذه الآية ناسخة لما كانوا عليه؛ وذلك أن الرجل كان يطلق امرأته ~~ما شاء من الطلاق، فإذا كادت تحل راجعها، فنسخ الله ذلك بأنه إذا ms0251 طلق ~~ثلاثا، لم تحل له إلا بعد نكاح زوج آخر. # وقيل: إنها منسوخة بقوله: # فطلقوهن لعدتهن # [الطلاق: 1] وقيل: هي محكمة، وقوله: # فطلقوهن لعدتهن # [الطلاق: 1] تبيين لقوله: { الطلق مرتان }. # ومن قال: إنها محكمة منهم، قال: " لا ينبغي أن يطلق إلا اثنتين، ثم إن ~~شاء طلق الثالثة أو أمسك لقوله: { الطلق مرتان }. قاله عكرمة. # وقال الشافعي: " يطلقها في كل طهر لم يجامعها فيه ما شاء ". # وقال أكثر الناس: " يطلقها في كل طهر طلقة واحدة ". # ومعنى { الطلق مرتان }: أي: الطلاق الذي يجوز معه الرجعة ~~وتملك المرأة بعده مرتان، فهو تبيين للعدد. # / [وقوله]: { أو تسريح بإحسن }. # هي الثالثة التي لا ملك للرجل على المرأة بعدها، روي ذلك عن النبي [عليه ~~السلام]. # وقيل: / معنى { أو تسريح بإحسن }: يتركها فلا يراجعها حتى ~~توفي عدتها. # وعن ابن عباس: { تسريح بإحسن }: " لا يظلمها من حقها شيئا ". # قال ابن عباس: " # وأخذن منكم ميثاقا غليظا # [النساء: 21] هو { فإمساك بمعروف } ، أي صحبة حسنة، أو { ~~تسريح بإحسن } ، لا يظلمها من حقها شيئا ". # قوله: { ولا يحل لكم أن تأخذوا ممآ آتيتموهن ~~شيئا }. # أي مما أعطيتموهن إذا أردتم / فراقهن. # قوله: { إلا أن يخافآ ألا يقيما حدود الله }. # اختار أبو عبيد الضم في { يخافآ } على قراءة حمزة، واحتج بقوله: { ~~فإن خفتم } ، فجعل الخوف لغيرهما، ولم يقل: " فإن خافا ". وفيه ~~حجة لمن جعل الخلع إلى السلطان ". # والخوف هنا عند أبي عبيدة بمعنى اليقين. وهذا النص إنما هو في الخلع ~~الذي يكون بين الزوجين، فيأخذ منها ما اتفقا عليه، ويتركها لقوله: { ~~فلا جناح عليهما فيما افتدت به }. # ولا يحل للزوج أن يأخذ من المرأة شيئا على طلاقها إذا كانت المضارة من ~~قبله، وإنما يأخذ منها على الطلاق إذا كانت هي التي كرهته، وأحبت فراقه ~~من غير مضارة منه لها. # وهذه الآية عند بعضهم منسوخة، ولا يجوز أن يأخذ منها شيئا نسخها قوله: # وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم ~~إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا # [النساء: 20]. # وأكثر الناس على أنها محكمة، وأن له أن يأخذ منها ما ms0252 اتفقا عليه، وتلك ~~الآية في النساء إنما هي لمن أراد الاستبدال، وهذه لمن خيف منهما ألا ~~يقيما حدود الله، فهما محكمتان. # " وروي أن هذه الآية نزلت في جميلة بنت عبد الله بن أبي [بن] سلول وفي ~~زوجها ثابت بن قيس بن شماس، وكانت تبغضه ويحبها، فأتت أباها فردها ولم ~~يشكها، فصارت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: " إن ثابتا [يظلمني ~~ويضربني]. فأحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابتا فقال: " والله يا ~~رسول الله ما على وجه الأرض أحد أحب إلي منها سواك ". فقال للمرأة: " ما ~~تقولين؟. فقالت: " يا رسول الله، ما كنت لأخبرك بخبر ينزل عليك الوحي ~~بإبطاله، هو كما وصف، وفرق بيني وبينه ". فقال ثابت: " فترد إلي الحديقة ~~التي جعلتها لها ". فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم بردها، ثم طلقها " # ، وكان ذلك أول خلع كان في الإسلام. والخلع جائز بغير سلطان، وإنما يكون ~~الخلع والافتداء إذا كان النشوز من قبل المرأة. # قال ابن عباس: " هو أن يظهر من المرأة سوء الخلق والعشرة للرجل، فله أن ~~يأخذ ما أعطته ويفارقها، فإن كانت راضية به، فلا يحل له أن يضارر بها حتى ~~تفتدي منه، فإن فعل كان ما أخذ حراما ". # وإنما الخلع إذا كان الشيء المنكر من قبلها؛ / فتقول: " لا أغتسل لك من ~~جنابة، ولا أبر لك قسما " ثم افتدت منه وخالعها، فذلك جائز حسن. # وقال القاسم بن محمد: " لا يحل الخلع حتى يخافا جميعا ألا يقيما حدود ~~الله في العشرة الواجبة بينهما ". # وقال زيد بن أسلم: " إذا خافت المرأة ألا تؤدي حق زوجها / وخاف الرجل ~~ألا يؤدي حق زوجته، فلا جناح في الفدية ". # قال مالك: " الأمر عندنا أن الرجل إذا لم يضر بالمرأة، ولم تؤت من ~~قبله وأحبت فراقه فحلال ما افتدت به ". # قال: " ولم أر أحدا ممن / يقتدى به، يكره أن يفتدي بأكثر من صداقها ~~". # وقال أبو حنيفة: " لا يكون بأكثر مما ساق إليها ". # والخلع طلقة بائنة عند جماعة من الصحابة والتابعين، وهي قول مالك ~~والشافعي وغيرهما ms0253 من الفقهاء. # وعدتها عدة المطلقة عند مالك والشافعي وغيرهما. # وهو مروي عند جماعة من الصحابة والتابعين. # ولا سبيل لزوج المختلعة إليها إلا بخطبة ونكاح جديد عند مالك والأوزاعي. ~~وهو قول عطاء وطاوس والحسن والنخعي والثوري. # وقال ابن المسيب: " يرد عليها ما أخذ منها، وليشهد على رجعتها ". ~~وكذلك قال الزهري. # قال مالك: " عليها أن تكمل بقية عدتها ". وكذلك قال الحسن وعطاء، ثم بعد ~~ذلك يراجعها بنكاح جديد إن شاء. # وقوله: { فلا جناح عليهما }. # أي لا جناح عليها فيما أعطت إذا كان النشوز من قبلها. ولا جناح عليه ~~فيما أخذ إذا كان الضرر من قبلها. # وقيل: { فلا جناح / عليهما }: هو مخاطبة للزوج وحده فيما أخذ ~~منها ليتركها، وهذا كما قال: # يخرج منهما اللؤلؤ # [الرحمن: 22]، وإنما يخرج من الملح لا من العذب. وكما قال: # فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما # [الكهف: 61]، وإنما الناسي صاحب موسى. وتقول: " عندي دابتان أركبهما ~~وأسقي عليهما " ، وإنما تركب إحداهما. # وقوله: { فيما افتدت به }. # قيل: من صداقها الذي كان أعطاها، لقوله: { ممآ آتيتموهن ~~شيئا }. والذي أعطاها هو الصداق فرجع آخر الآية على أولها وكان ذلك ~~أبين وأليق بالكلام. قال ذلك الأوزاعي. # وكره الشعبي أن يأخذ منها إلا ما ساق أو دونه " (وروي) ذلك عن علي رضي ~~الله عنه. وأكثر الناس على أن له أن يأخذ ما رضيت به من قليل كان أو كثير ~~لعموم الآية. وهو قول ابن عباس ومجاهد والضحاك وعكرمة. # قوله: { تلك حدود الله }. أي هذه حدوده. # " وتلك " إشارة إلى الآيات التي تقدمت / من قوله: { ولا تنكحوا ~~المشركات حتى يؤمن } إلى: { فيما افتدت به }. # فمعنى: { فلا تعتدوها } أي لا [ { تجاوزوها إلى ما لم يأمركم به، ~~ومن تجاوزها } ] فهو ظالم. # وقد قال الضحاك: " معناه: من طلق لغير العدة فقد اعتدى وظلم " ، وأنكر ~~ذلك غيره. ### || [2.230] # قوله: / { فإن طلقها } الآية. # قال ابن عباس: " إن طلقها ثلاثا لم تحل إلا بعد زوج ونكاح جديد ". # وقال الضحاك: " وغيره - كل الفقهاء -: " إن طلقها واحدة بعد اثنتين لم ~~تحل له إلا بعد زواج ms0254 ". # قوله: { حتى تنكح زوجا غيره }. # يريد الوطء بالعقد الصحيح لقوله صلى الله عليه وسلم: # " حتى تذوق العسيلة " # ومعنى: { فلا تحل له من بعد } أي من بعد الثالثة، ولذلك ~~بنيت " بعد " للحذف والذي بعدها. # وعن ابن المسيب: " أنها إذا نكحت نكاحا صحيحا لا يراد به تحليل حلت ~~[به له]، وإن لم يقع وطء ". / وهو شاذ. ### || [2.231] # قوله: { وإذا طلقتم النسآء فبلغن أجلهن } ~~الآية. # هذا مخاطبة للأزواج، ويكون البلوغ المقاربة. # وقيل: هو خطاب للأولياء، ويكون البلوغ التمام. # وكونه خطابا للأزواج أولى لقوله: { فأمسكوهن بمعروف أو ~~سرحوهن بمعروف }. وهذا لا يكون للأزواج. # ومعناه إذا كان للأزواج: وإذا طلقتم النساء فبلغن ميقاتهن من انقضاء ~~العدة، أي قربن منها كما تقول: " إذا بلغت مكة فاغتسل " أي إذا قربت ~~منها. أي إذا قربن منها فأمسكوهن. # ومن قال: هو مخاطبة للأولياء قال: نزلت في أخت معقل بن يسار عضلها معقل ~~عن مراجعة زوجها بعد انقضاء عدتها، وكان قد طلقها طلقة واحدة ". # وقيل: هو خطاب للزوج يطلق امرأته طلقة واحدة. فإذا قرب انقضاء عدتها ~~راجعها ثم يطلقها ليطول عليها، فنهى عن ذلك، وأصل العضل الحبس والمنع. ~~وظاهر الآية يدل على أنه مخاطبة للأزواج. وبلوغ الأجل المقاربة؛ نهى ~~الزوج أن يراجعها إذا قرب تمام عدتها، ثم يطلقها ليضار بها ويطول عليها، ~~وهو ظاهر الخطاب. # وأكثر المفسرين على أنها مخاطبة للأولياء؛ ويكون بلوغ الأجل تمامه. وملك ~~المرأة لنفسها، إذا جعلته خطابا للأولياء. # وإن جعلته خطابا للأزواج فبلوغ الأجل المقاربة. # فالمعنى: فراجعوهن إن أردتم مراجعتهن. # { أو سرحوهن } أي اتركوهن حتى تتم العدة. # { ولا تمسكوهن ضرارا }. أي: لا يحل لكم أن تراجعوهن مضارة ~~لتطول العدة عليها فيضر بها. وقال الضحاك وغيره: { ولا تمسكوهن ~~ضرارا }: " هو أن يطلقها حتى إذا كادت أن تنقضي عدتها راجعها، فإذا ~~كادت أن تنقضي راجعها مضارة، وهو لا يريد / إمساكها، فنهى الله عن ذلك ". ~~وهو قول ابن عباس وقتادة والربيع وغيرهم. # وقال السدي: " نزلت في رجل من الأنصار وهو ثابت بن يسار، طلق امرأته، ~~حتى إذا انقضت عدتها ms0255 إلا يومين أو ثلاثة راجعها ثم طلقها. ففعل ذلك حتى ~~مضت لها تسعة أشهر مضارة، / فأنزل الله الآية ". # قوله: { ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه }. # أي من يضارر برجعته فإنما يضر / نفسه لأنه يأثم. # قوله: { ولا تتخذوا آيات الله هزوا }. # قال الحسن: كانوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم يطلق الرجل أو ~~يعتق، فيقال له: ما صنعت؟ فيقول: " إني كنت لاعبا " ، فأنزل الله: { ~~ولا تتخذوا آيات الله هزوا }. # وروى أبو هريرة عن النبي [عليه السلام]: أنه قال: # " ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: الطلاق ~~والعتاق والرجعة ". # وقالت عائشة رضي الله عنها: " كان الرجل يطلق امرأته ويقول: " والله لا ~~أؤويك ولا أدعك؟ قالت: وكيف ذلك؟ قال: إذا كدت تقضين عدتك ~~راجعتك. فنزلت: { ولا تتخذوا آيات الله هزوا }. # قوله: { واذكروا نعمت الله عليكم }. يعني الإسلام. # { ومآ أنزل عليكم من الكتاب والحكمة }. يعني ~~القرآن. # { يعظكم به }: أي بالقرآن. # { واتقوا الله } أي خافوه فيما أمركم به مما أنزل عليكم ووعظكم ~~به. ### || [2.232] # قوله: / { وإذا طلقتم النسآء فبلغن أجلهن فلا ~~تعضلوهن } الآية. # نزلت في رجل كان له أخت، زوجها من ابن عم له، فطلقها ولم يراجعها حتى ~~انقضت عدتها، فأراد أن يتزوجها المطلق لها وهي فيه راغبة، فمنعها أخوها ~~من ذلك. # ولما نزلت هذه الآية دعا النبي [عليه السلام] معقلا فنهاه عن ذلك ~~وتلاها عليه، فترك الحمية وزوجها من زوجها الأول على التراضي، كما قال: ~~{ إذا تراضوا بينهم بالمعروف }. فقيل: إن أخا المرأة ~~كان جابر بن عبد الله الأنصاري. # وقيل: معقل بن يسار. وقيل: ابن سنان. # وقيل: إن جابر بن عبد الله كان أبا المرأة المطلقة فمنعها من أن ترجع ~~إلى زوجها بعد انقضاء العدة أنفة، فنزلت الآية. # وقال ابن عباس: " نزلت في أولياء المرأة يمنعونها من مراجعة زوجها بعد ~~انقضاء العدة ". # وقوله: { فلا تعضلوهن }. أي لا تحبسوهن. # وقيل: لا تضيقوا عليهن. # وحكى الخليل: دجاجة معضل؛ إذا احتبس بيضها. # وأصل العضل الضيق والمنع، ومنه الداء العضال، وهو الذي لا يطاق لضيقه عن ~~العلاج. # وهذه الآية ms0256 تدل على أنه لا نكاح إلا بولي، إذ لو جاز أن تنكح نفسها لم ~~يخاطب الله الأولياء في المنع لها من الزواج. # قوله: { ذلك يوعظ به من كان }. # أي هذا المذكور في الآية. و " ذلك " محمول على معنى الجمع ولو قال: " ~~ذلكم " لجاز وهو الأصل. # وقيل: إن ذلك / خطاب للنبي [عليه السلام] فلذلك وحد، ثم رجع إلى ~~مخاطبة / المؤمنين فقال { منكم } وقال في آخر الآية: { ذلكم ~~أزكى لكم }. # ومعنى: { وأطهر } ، أي أطهر للقلوب من الريبة لأنه إذا كان في قلوب ~~الزوجين كل واحد من صاحبه شيء، ثم منعا من النكاح الذي هو حلال لهما، لم ~~يؤمن أن يتجاوزا إلى ما لا يحل أو يتهما بذلك. # { والله يعلم }. أي يعلم أسراركم، وما فيه حسن العاقبة لكم، ~~وأنتم لا تعلمون ذلك. # وقوله: { فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن }. # هذا خطاب للأولياء بلا اختلاف، فلا يكون البلوغ في هذا إلا تمام العدة. ~~ولو كان على معنى المقاربة، لم يكن للولي حكم في منعها من المراجعة إلا ~~أن يكون الطلاق بائنا فيحتمل البلوغ الوجهين: المقاربة والتمام. فإنما ~~هو في هذا الخروج من العدة، فعند ذلك يقدر الوالي على منع المراجعة. ~~وبهذا علمنا أنه لا نكاح إلا بولي؛ إذ لو كان لها أن تراجع زوجها بغير ~~إذن وليها لم يخاطب الله الأولياء في ترك المنع، فعلم أن للأولياء المنع ~~من المراجعة والإجازة في الطلاق البائن وبعد إتمام العدة في الطلاق ~~الرجعي بهذه الآية. # [ولو] كان قوله: { فبلغن أجلهن } يريد به المقاربة لكان ~~الحكم للزوج، يردها إذا شاء، وكان الطلاق رجعيا، ولا يسأل عن وليها ~~أجاز، أو لم يجز. فلا بد أن يكون بلوغ الأجل تمام العدة إذا جعلت الخطاب ~~للأولياء. ### || [2.233] # قوله: { والوالدات يرضعن أولادهن } الآية. # قرأ مجاهد وحميد بن قيس، وابن محيصن / " لمن أراد أن تتم ~~الرضاعة " بالرفع بالتاء. # وقرأ أبو رجاء / " الرضاعة " بكسر الراء. وقرأ: " لا تكلف " ~~بفتح التاء أراد تتكلف. # قوله: { لا تضآر }. # من رفع فهو خبر عن الله، معنى الأمر، ومعناه: / لا تضار ms0257 والدة في علم ~~الله، ولا تكلف نفس إلا وسعها. # والفتح أبين على النهي. ويجوز الكسر، لالتقاء الساكنين والفتح أخف. # وروى أبان عن عاصم " لا تضارر " بالجزم والإظهار، وهي لغة أهل ~~الحجاز، وهي قراءة ابن مسعود وابن عباس، غير أن ابن مسعود يفتح الراء ~~الأولى. # وإجماع المسلمين أن تحريم المضارة للطفل من أبويه يدل على الجزم على ~~النهي. كان اليزيدي يقول: " الرفع فيه معنى النهي " كأنه يريد أن الضمة ~~ليست بإعراب، إنما هي لالتقاء الساكنين. وهذا بعيد لأنه يشبه النهي ~~بالنفي. # ومعنى الآية / أن لفظها لفظ الخبر، ومعناها الإلزام، كما تقول: " ~~حسبك درهم ". فلفظه لفظ خبر، ومعناه الأمر، فكذلك: { ~~والوالدات يرضعن } هو على الإلزام ولفظه لفظ الخبر. # وقوله: { حولين كاملين }. # أكد " بكاملين " لجواز أن يكون " حولان " معناه حول وبعض آخر، لأن ~~العرب تقول: " أقام فلان شهرين " ، وإن كان أقام شهرا أو بعض ~~آخر. وهذا كما قال: # فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه # [البقرة: 203]. والمتعجل إنما يتعجل في [يوم ونصف]، وكذلك اليوم الثالث. # والعرب تقول: " لم أرك مذ يومان " ، تقوله في اليوم الثاني، وهو لم يتم ~~يومان. ومعنى ذلك: " لا ينزع الولد من أمه وهي تحب رضاعه وتأخذ كغيرها، ~~فيكون " تضار " فعلا لم يسم فاعله، ويجوز أن يكون فعلا سمي فاعله. # ومعناه: لا تترك رضاع ولدها وأخذ الأجرة، والصبي لا يقبل غيرها فتضارر ~~بالأب والصبي. # قوله: { ولا مولود له بولده }. # معناه: لا يضارر الوالد فيلقى إليه الطفل بعد ما عرف أمه وألفها؛ ~~تفعل ذلك لتقرب عدتها فتتزوج، لأنها إذا كانت ترضع، أبطأ عندها المحيض ~~فتلقي الصبي، وهو لا يقبل غيرها فتضارر بالوالد والولد في ذلك. فنهى الله ~~النساء عن ذلك. # فيجوز أن يكون أيضا " مولود " رفع على ما لم يسم فاعله على هذا ~~التفسير. ويجوز أن يكون فاعلا، ويكون المعنى: ولا يضارر الوالد بولده ~~فيمنعه من أن يرضع أمه، وقد ألفها ولا يقبل غيرها، وهي تأخذ كما يأخذ ~~غيرها فنهى الأب عن ذلك. # قوله: { فإن أرادا فصالا عن تراض منهما }. # أي ms0258 إن أرادا أن يفطما قبل الحولين عن تراض من الأبوين فلا جناح عليهما ~~في ذلك، وليس لأحدهما فعل ذلك حتى يرد الآخر عند الثوري. # قوله: { وعلى المولود له رزقهن }. # أي على الأب رزق المرضعة وكسوتها بالمعروف، ورزق الولد على قدر الجدة، ~~لا يكلف فوق ما يطيق. # { لا تضآر والدة بولدها }. # أي لا [تمتنع من رضاعه]، وتقذفه [إلى أبيه] لتنكي به الأب. # { ولا مولود / له بولده } لا يمنع أمه من أن ترضعه ~~ليحزنها. # قوله: { وعلى الوارث مثل ذلك }. # أي على وارث الصبي مثل الذي على الأب لو كان حيا، أي عليه ألا يضارر ~~بها كما كان على الأب. قال السدي وقتادة. # قال الحسن: " على عصبته نفقته إن لم يكن له أب ولا مال ". # وقال الضحاك: { وعلى الوارث } " هو الصبي المرضع، عليه نفقة أمه ~~من ماله إن لم يكن له أب ". وهو اختيار الطبري وغيره. # وقال ابن عباس: " على وارث / الصبي من أجر الرضاع مثل ما كان على الأب ~~إذا لم يكن له مال ". # وقال الشعبي ومجاهد وسفيان: { وعلى الوارث مثل ذلك }: أي: ~~وعلى وارث الصبي ألا يضار بالأم. وهو مروي عن ابن عباس. فلا يكون { لا ~~تضآر والدة } على هذا القول إلا " تفاعل " بكسر / العين لأن: ~~{ وعلى الوارث } معطوف عليه، وهو فاعل، ولا تكون { والدة } ~~إلا فاعلة. # فأما على القول الآخر، فيحتمل { تضآر والدة } أن يكون: " ~~تفاعل " ، و " تفاعل " ، لأن، { وعلى الوارث } ليس بمعطوف ~~عليها إنما هو معطوف على قوله: { وعلى المولود له رزقهن ~~وكسوتهن بالمعروف } " وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن ~~بالمعروف وعلى الوارث مثل ذلك " ، فهو عطف جملة على جملة كلاهما من ~~ابتداء وخبر، فيحسن على هذا في { تضآر والدة } الوجهان جميعا. ~~ولا يحسن في الآخر إلا أن تكون فاعلة. # وقال مالك: " هو منسوخ لا يلزم عصبة نفقة صبي / ولم يبين الناسخ لها. ~~حكاه ابن القاسم في " الأسدية " عن مالك. # وعن مالك أيضا أن المعنى: " وعلى الوارث ألا يضار " فهو محكم، وهي ~~رواية ابن وهب وأشهب عن مالك. # وقيل: إن ms0259 ورثة الصبي ينفقون عليه على قدر / ميراثهم منه لو مات. قاله ~~قتادة، وهو قول أبي حنيفة. # قوله: { وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم }. # أي إن أبت أمه أن ترضعه أو انقطع لبنها، فأردتم أن ترضعه أجنبية فلا ~~حرج. # قوله: { إذا سلمتم } أي إذا سلمتم للأم ما [فرضتموه] عليه من ~~الأجرة بالحساب. # وقيل: معناه: إذا سلمتم للاسترضاع، عن مشورة من الأب والأم، قاله قتادة. # وقيل: معناه: وإذا سلمتم إلى الأم الذي أعطيتموها على الأجرة بالمعروف. # وقال سفيان: " إذا سلمتم إلى هذه التي تستأجرونها حقها بالمعروف، فليس ~~عليكم جناح فيما صنعتم من الاسترضاع إذا أبت الأم رضاعه أو انقطع لبنها ~~". # وقيل: معناه: إذا سلمت أم الولد، فرضيت برضاعه من غيرها، لتعتد هي ~~وتتزوج ورضي الأب بذلك. ### || [2.234] # قوله: { والذين يتوفون منكم } الآية. # هي ناسخة لقوله: # وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول # [البقرة: 240] قاله عثمان بن عفان وابن الزبير، فنسخ أربعة أشهر وعشر ~~الحول. # وأما الوصية فنسخها آية الميراث. # وروي عن ابن مسعود أنه قال: " نسخ منها الحوامل ". # قيل: ليس هو بنسخ، وإنما هو بيان أن الذي في " البقرة " لغير الحوامل ~~وغير المدخول بهن، وزيدت العشرة / على الأربعة أشهر لأن في ذلك يتبين ~~الحمل. # وقال سعيد: " في العشر ينفخ فيه الروح ". # قوله: { فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم }. # أي إذا تمت العدة فلها أن تتزوج من شاءت. # / { بالمعروف } أي بولي وصداق. ### || [2.235] # قوله: { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من ~~خطبة النسآء }. # هو أن يعرض لها في العدة، فيقول: " إنك لجميلة، وإن النساء من حاجتي، ~~وإني فيك لراغب حريص، ولأحسنن إليك " ونحوه. # قوله: { أو أكننتم في أنفسكم }. # أي أخفيتم الخطبة ولم تبدوها، لا حرج في جميع ذلك. # قال جابر بن زيد: " { لا تواعدوهن سرا }: قال: هو الزنا ". # وقاله الحسن وقتادة والضحاك. وقال ابن جبير: " سرا نكاحا ". # وأصل السر الغشيان من غير وجهه. # وقال ابن عباس: لا تواعدوهن سرا، ألا ينكحن غيركم، ولا تعاهدوهن على ~~ذلك. # وقال مجاهد وعكرمة: " لا تعاهدها على النكاح و [تأخذ ميثاقها ms0260 ألا] ~~[تتزوج غيرك، تفعل ذلك معها] سرا ". # وقال ابن زيد: " { لا تواعدوهن سرا }: لا تنكحوهن وتخفوا ~~النكاح، فإذا خرجت من العدة، أظهرتموه ". # واختار الطبري أن يكون السر الزنا. # قوله: { إلا أن تقولوا قولا معروفا } ، هو التعريض ~~المذكور. # قال ابن زيد: " نسخ هذا كله بقوله: { ولا تعزموا عقدة ~~النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله }. # وأكثر الناس على أنه محكم، وأنه كله نهي عن عقد النكاح في العدة، ثم ~~أرخص في التعريض الذي [ليس هو] بوعد ولا عقد. # ومعنى { يبلغ الكتاب أجله }: تنقضي العدة. # وقال السدي: " حتى تنقضي أربعة أشهر وعشر وهو الكتاب الذي ينقضي ". ~~وقاله قتادة، وهو قول ابن عباس والضحاك. ### || [2.236] # قوله: { لا جناح عليكم إن طلقتم النسآء ما لم ~~تمسوهن } الآية. # رفع الله الحرج عمن طلق المفروض لها الصداق قبل أن يدخل بها. # ومعنى { تمسوهن }: تجامعوهن. قاله ابن عباس وغيره. # ومعنى: { أو تفرضوا لهن }: رفع الجناح أيضا عمن طلق التي لم ~~يفرض لها قبل الفرض، فمعناه: أو توجبوا لهن فريضة. # قوله: { ومتعوهن }. # قال ابن عباس وغيره: " هو واجب للتي لم يفرض لها؛ يمتع الموسر بخادم، ~~والوسط بالورق، ودون ذلك بالكسوة والنفقة ". وقاله قتادة. # وقال أبو حنيفة: " يمتع التي لم يفرض لها، إذا طلق قبل الدخول بنصف ~~مقدار صداقها ". وبه قال الشافعي، ولم يجد / نصفا من غيره. # وأوجب علي بن أبي طالب رضي الله عنه المتعة لكل مطلقة. # وبه قال الحسين فرض لها أو لم يفرض دخل بها أو لم يدخل. # وروى مالك عن نافع عن ابن عمر أنه قال: " لكل مطلقة متعة إلا التي سمى ~~لها صداقا ولم تمس، فحسبها نصف ما فرض لها ". # ومذهب مالك أنه لا يجبر على المتعة أحد من المطلقين إنما هو ندب، وبه ~~قال شريح. # وقال ابن المسيب: / " كانت المتعة واجبة بالآية التي في الأحزاب لقوله: # فمتعوهن وسرحوهن / سراحا جميلا # [الأحزاب: 49]، قال: " ثم نسختها التي في البقرة لقوله: { حقا على ~~المحسنين } ولم يقل: " حقا عليكم " ولا " واجبا عليكم ". # وقد أجمعوا / أن المطلقة قبل الدخول لا ms0261 تضرب بالمتعة مع الغرباء كان قد ~~فرض لها أم لم يفرض، فدل على أنها غير واجبة، فصارت المتعة في البقرة ~~ندبا لمن أحسن واتقى لا فرضا. # وروي عن ابن عباس أنه قال: { على الموسع قدره } أي على قدر ~~يسره، { وعلى المقتر قدره }: أي على قدر عسره للتي لم يسم ~~لها صداقا، ولم يدخل بها خاصة ". # ومعنى: { لا جناح عليكم } ، أي الجناح مرفوع / عنكم في الطلاق ~~قبل المسيس لأنه يجوز أن يقع بعد المسيس الجناح على المطلق، وذلك الذي ~~يتزوج للذوق. قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن الله لا يحب الذواقين ولا الذواقات " # فرفع الجناح في الطلاق قبل المس يدل على أنه قد يقع في الطلاق بعد ~~المس وهو ما ذكرنا. # وقيل: إنما رفع الجناح عن طلاق التي لم يدخل بها، لأن الرجل يطلق متى ~~شاء [حائضا كانت أو طاهرا]، ولا عدة ولا سنة في طلاقهن، وليس ذلك في ~~المدخول بها، لأنه إن طلق وهي حائض وجب عليه مراجعتها، ولحقه ضيق وإثم إن ~~تعمد مخالفة السنة، ولزمت العدة. ### || [2.237] # قوله: { وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد ~~فرضتم لهن فريضة } الآية. # بين الله في الآية التي قبلها حال من لم يفرض لها، وحض على المتعة لها ~~على قول من قال: هو ندب، وفرضها على قول من قال: هو فرض، ثم بين في هذه ~~الآية حال المطلقة قبل الدخول التي قد فرض لها فرضا أن تعطى نصف الطلاق ~~الذي فرض لها. # وهذه الآية تبيين لصدر الآية التي قبلها لأن قوله: { لا جناح ~~عليكم إن طلقتم النسآء ما لم تمسوهن } هي ~~المفروض لها. # وقوله: # أو تفرضوا لهن فريضة # [البقرة: 236]. # أي أو لم تفرضوا لهن فريضة، فهي غير المفروض لها، فكرر هذه الآية في ~~التي قد فرض لها للبيان والتأكيد. # وقال قتادة: هذه الآية / نسخت التي قبلها لأنه لم يفرض لها أولا شيئا، ~~وجعل لها متعة، ثم فرض لها الآن نصف الصداق ولا متعة لها ". # وهو قول الربيع وجماعة معه. # قوله: { إلا أن ms0262 يعفون }. # يريد إلا أن تعفو الثيب أو البكر التي زوجها غير أبيها التي لا ولي لها ~~عن أخذ نصف الصداق. # قال ذلك ابن عباس، وهو قول الجماعة من التابعين والفقهاء. # قوله: { أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح }. # قال ابن عباس: " هو ولي البكر إذ كانت لا يجوز أمرها في مالها فله أن ~~يعفو عن النصف إن شاء، فإن أبت جاز فعل الولي ". # وهو قول الحسن وعطاء وإبراهيم وعكرمة وطاوس وربيعة وزيد بن أسلم ومحمد ~~بن كعب القرظي وشريح وأصحاب ابن مسعود والشعبي وقتادة والسدي وغيرهم. # وقال الزهري وغيره: " هو الأب في ابنته البكر، أو السيد في أمته لهما أن ~~يعفوا، وإن أبت ". وهو قول مالك. # قال مالك: " هو الأب في ابنته البكر، أو السيد في أمته ". # وليس له أن يعفو ولم يقع طلاق، إنما العفو بعد طلاق، وكل ذلك في التي لم ~~يدخل بها. # وقاله علي بن أبي طالب ومجاهد وسعيد بن جبير. # وروي أيضا عن ابن عباس: " أن الذي بيده عقده النكاح هو الزوج المطلق ". # ومعنى: { أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح }: أي ~~يعفو الزوج فيعطي الصداق كله. # والذي يرد هذا أن العفو إنما هو ترك ما يجب للعافي. هذا أصله في اللغة. ~~وليس هو موضوعا على إعطاء الرجل ما لا يلزمه فإضافته إلى الولي أولى به ~~وأبين في الخطاب، لأنه ندب إلى أن يترك ما وجب لوليته. # ومن كلام العرب: " عفا ولي المقتول عن القاتل " ، أي ترك له حقه من ~~الدية. وليس / يقال: " عفا القاتل " ، إذا أعطى أكثر من الدية التي تلزمه ~~ولو كان العافي الزوج يعطي الصداق كله، لكانت الترجمة عن هذا بالهبة أولى ~~منه بالعفو لأنه إذا أعطى الصداق كله فهو واهب، وليس بعاف إنما العافي ~~من يترك حقه، ليس هو من يهب ماله. # وأيضا فإنه قال: { فنصف ما فرضتم } يخاطب الأزواج، ثم قال: { ~~إلا أن يعفون } يريد الزوجات المالكات لأنفسهن، ثم قال: { ~~أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح } ، فهذا ثالث غير ~~الأول والثاني ولا ثالث ms0263 إلا الولي. # وأيضا فإن الله إنما ذكر العفو بعد / وقوع الطلاق، فكيف يقال لمن طلق ~~ولا شيء في يديه / أنه هو الذي بيده عقدة النكاح، وهو الآن [لا] عقدة في ~~يديه إذ قد طلق. # وقيل: إنما هو مخاطبة للأزواج الذين دفعوا الصداق / كله، ثم طلقوا قبل ~~الدخول فندبوا [إلى أن يعفوا] عن نصف الصداق ولا يرجعون به على الزوجات. # وهذا القول يدل على أن الآية خاصة في بعض الأزواج، وليست الآية كذلك، ~~إنما هي عامة اللفظ. # ويدل أيضا على أن المراد به غير الأزواج قوله: { بيده عقدة ~~النكاح } ، والمطلق لا عقدة بيده من إثبات نكاح التي طلق قبل الدخول ~~/ إنما عقدة نكاحها بيد الولي، فهو المراد. وكذلك غير المطلق لا عقدة ~~بيده، إنما عقدة النكاح للولي، وإنما بيد الزوج عقدة نكاح نفسه، وبيد ~~الولي عقدة نكاح المرأة. وأيضا، فإن معنى: { عقدة النكاح } أي ~~نكاحها. # والألف واللام عوض من الهاء كما قال: # فإن الجنة هي المأوى # [النازعات: 41]. أي: مأواه، فكان رد الضمير المحذوف إليهن، لأنهن أقرب ~~ذكر في قوله: { إلا أن يعفون } أولى به. # قوله: { وأن تعفوا أقرب للتقوى }. # هذا مخاطبة للأولياء والمطلقات المالكات أمرهن. # وقيل: خوطب بذلك أزواج المطلقات في أن يتركوا الصداق كله إن كان قد ~~ساقوه قبل الطلاق إلى الزوجة. # قوله: { ولا تنسوا الفضل }. # أي لا تتركوا فعل الخير فيما بينكم؛ يتفضل الزوج على المرأة بإعطاء ~~الصداق كله فإن لم يفعل فتتفضل برد نصف الصداق الذي وصل إليها، أو تترك ~~الكل فذلك فضلها. # قال مجاهد: " هو إتمام الزوج الصداق كله، أو ترك المرأة النصف الذي لها ~~واجب ". # وقال السدي وعكرمة وسفيان وابن زيد مثله. ### || [2.238] # قوله: { حافظوا على الصلوت والصلوة الوسطى }. # قال ابن عباس وأبو هريرة وابن عمر وأبو سعيد الخدري وعائشة وسعيد بن ~~جبير والضحاك ومجاهد وغيرهم: # " الوسطى صلاة العصر " # وروي ذلك عن النبي [صلى الله عليه وسلم]. # وقال زيد بن ثابت وابن أبي ذئب: " هي الظهر ". وروي ذلك عن ابن عمر. # وروي أن النبي عليه السلام ms0264 كان يصلي في الهاجرة والناس في هاجرتهم، فلا ~~يجتمع إليه أحد، فتكلم في ذلك فأنزل الله: { والصلوة الوسطى } ~~، يريد الظهر. # وقال قبيصة بن ذؤيب: " هي المغرب لكونها بين الليل والنهار ". # وقال جابر بن عبد الله وعطاء وعكرمة: " هي الصبح / لكونها أيضا بين ~~الليل والنهار " ، ولقوله: { وقوموا لله قنتين }. والقنوت ~~إنما يكون في الصبح. وهو [أيضا مروي] عن ابن عباس [وعلي بن أبي طالب] / ~~وهو قول الربيع وعبد الله بن شداد بن الهاد، وروي ذلك عن مجاهد، وهو قول ~~مالك. # وهو قول أبي أمامة الباهلي وزيد بن أسلم وعبد الله بن عمر. # وقد تظاهرت الأخبار عن النبي [عليه السلام] أنها العصر. # وروى ابن وهب وابن القاسم عن مالك: أن الصلاة الوسطى صلاة الصبح. # قال مالك: " الظهر والعصر في النهار، والمغرب والعشاء في الليل، والصبح ~~فيما بين ذلك ". # قال مالك: " والصبح لا تجمع إلى غيرها، وقد يجمع بين الظهر والعصر وبين ~~المغرب والعشاء ". # قال مالك: " وهي كثيرا ما تفوت الناس ويتلهون عنها ". # قلت: وصلاة الصبح أفضل الصلوات، ولذلك أكد الله في المحافظة عليها، يدل ~~على ذلك قول النبي عليه السلام: # " من شهد الصبح فكأنما قام ليلة، ومن شهد ~~العشاء فكأنما قام نصف ليلة ". # وقال: # " بيننا وبين المنافقين شهود العتمة والصبح، ~~لا يستطيعونهما ". # وقال: # " لو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ~~ولو حبوا ". # ففضل العتمة والصبح على سائر الصلوات، ثم فضل الصبح على العتمة فدل على ~~أنها أفضل الصلوات، فهي الوسطى. # وقد قال عمر: " لأن أشهد صلاة أحب إلي من أن أقوم ليلة ". # وقد قرأ الرؤاسي: { والصلوة الوسطى } بالنصب، بمعنى: وألزموا ~~الصلاة، وقد روي عن عائشة رضي الله عنها أنها أثبتت في المصحف: " والصلاة ~~الوسطى، وصلاة العصر " ، بالواو. # وكذلك روى نافع أن حفصة أمرت أن يكتب ذلك في مصحفها، وقالت سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقرأها كذلك ". # وليست هذه الزيادة توجب أن تكون الوسطى / غير العصر، لأن سيبويه قد حكى: ~~" مررت بأخيك وصاحبك " والصاحب هو الأخ، فكذلك الوسطى هي العصر، وإن ms0265 عطفت ~~بالواو. # الصلاة الوسطى هي أفضل الصلوات إعادتها بلفظها بعد أن دخلت في جملة ~~الصلوات كما قال: # وملائكته # [البقرة: 98]. ثم قال: # وجبريل وميكل # [البقرة: 98]، وكما قال: # فيهما فاكهة ونخل / ورمان # [الرحمن: 68]. فأعاد " جبريل وميكائيل " وقد دخلا في جملة الملائكة، ~~وأعاد " النخل والرمان " ، وقد دخلا في جملة الفاكهة، وذلك لفضل فيهما، ~~فأعيدا للتنبيه على الفضل، فكذلك الصلاة الوسطى أعيدت لأنها أفضل ~~الصلوات. # وقد بينا أن صلاة الصبح أفضل الصلوات فهي هي بغير شك. # وقرأ ابن عباس: " والصلاة الوسطى صلاة العصر " على التقدير. # وذكر ابن حبيب عن بعضهم أنها صلاة الجمعة، وهو قول شاذ. # وأصل القنوت / الطاعة، وهو أيضا طول القيام. # وقيل: هو هنا السكوت لأنهم كانوا يتكلمون في الصلاة. # قال زيد بن أرقم: " كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت: { وقوموا لله ~~قنتين } ، فأمرنا بالسكوت. # وقيل: القنوت هنا الدعاء. # وقيل: هو الركوع / والخشوع في الصلاة. # وقال مجاهد: " هو غض البصر / في الصلاة وضم الجناح وطول الركوع وأصله ~~كله يرجع إلى الطاعة ". ### || [2.239] # قوله: { فإن خفتم فرجالا أو ركبانا }. # نصبهما على الحال. والمعنى: فصلوا في هذا الحال. والرجال جمع راجل، ~~والمعنى: " فرجالا " أي مشاة على أرجلكم " أو ركبانا " وهو جمع راكب. ~~وذلك في الخوف من العدو، وقال: يصلي كيف قدر ماش وراكب. # فمعناه: وإن خفتم من العدو أن تصلوا قياما في الأرض فصلوا ماشين ~~وركبانا، وكيف قدرتم إيماء وغير إيماء، وذلك على قدر شدة الخوف ~~والمسايفة. # قوله: { فإذآ أمنتم فاذكروا الله }. # أي إذا أمنتم من عدوكم فاشكروا الله كما خفف عنكم وعلمكم ما لم تعلموا ~~من أحكامه. # وقال ابن زيد: " معناه إذا أمنتم من العدو فصلوا كما افترض عليكم. ### || [2.240] # قوله: { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا ~~وصية } الآية. # في هذه الآية نسخان، نسخت آية المواريث الوصية. # وقيل: الوصية منسوخة بقول النبي عليه السلام: # " لا وصية لوارث " # ، ونسخت { أربعة أشهر وعشرا } الحول. # وقد قيل: إن هذا ليس بنسخ، إنما هو تخصيص ونقص؛ وذلك أن المرأة كانت إذا ~~توفي زوجها سكنت، وأنفق عليها حولا إن ms0266 شاءت. فنسخ ذلك آية الميراث. قاله ~~الربيع وغيره. # وقال مجاهد: " الآية محكمة، ولها السكنى والنفقة من مال زوجها إن شاءت ~~". # ومعنى { غير إخراج } أي لا تخرج إلا أن تشاء الخروج، فيبطل حقها ~~بخروجها وهو قوله: { فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما ~~فعلن في أنفسهن } أي ليس لها شيء إذا خرجت، وكان ذلك المقام ~~عليها إباحة وندبا ولم يكن فرضا، فلها الخروج متى أحبت. ### || [2.241-286] # قوله: { وللمطلقات متاع بالمعروف }. # عني بهن اللواتي دخل بهن لأن الآية الأولى عني بها من لم يدخل بهن وهي ~~ندب لا فرض عند أكثر العلماء. وهو مذهب مالك والشافعي. # وقال عطاء: " عني بها كل مطلقة أن لها متاعا حقا على المتقين كالثياب ~~والنفقة والخادم ونحوها على قدر الطاقة ". # وقال ابن زيد: " هذا يوجب المتعة / لكل مطلقة ". هذا معنى قوله. ### || [2.260] # قوله: { وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي ~~الموتى }. # " إذ " في موضع نصب بمعنى: " واذكر ". # وقيل: هو معطوف على ما قبله لأن قوله: { ألم تر إلى الذي ~~حآج }: " ألم تر بقلبك يا محمد، فتذكر الذي حاج، وتذكر إذ قال إبراهيم ~~". قال قتادة: " مر إبراهيم عليه السلام على دابة قد تقسمتها السباع ~~والدواب والطير والرياح، فقال: رب أرني كيف تحيي الموتى؟ ". وكذلك قال ~~الضحاك. # وقال ابن زيد: " مر إبراهيم بحوت نصفه في [البر، ونصفه في البحر]، فما ~~كان في البحر فدواب البحر تأكله، وما كان في البر فدواب البر تأكله. فقال ~~له الخبيث الشيطان / يا إبراهيم: متى يجمع الله هذا من بطون هؤلاء؟ فقال ~~إبراهيم: { رب أرني كيف تحيي الموتى }؟، ليرى ذلك / ~~عيانا ". # ومعنى { ليطمئن قلبي }: أي ليطمئن إلى ما تاق إليه من ~~العيان لا أنه شك دخل عليه. # وقال السدي: " لما اتخذ الله إبراهيم خليلا سأل ملك الموت ربه عز وجل ~~أن يأذن له فيبشر إبراهيم عليه السلام بذلك، فأذن له، فأتى إبراهيم وليس ~~هو في البيت فدخل داره. وكان إبراهيم صلى الله عليه وسلم أغير الناس يغلق ~~بابه إذا خرج، فلما جاء وجد في ms0267 داره رجلا ثانيا، فبادر إليه ليأخذه، / ~~وقال له: من أذن لك أن تدخل داري؟ فقال له ملك الموت: أذن لي رب هذه ~~الدار فقال إبراهيم: صدقت، وعرف أنه ملك، قال له: من أنت؟ قال: ملك ~~الموت، جئت أبشرك أن الله قد اتخذك خليلا، فحمد الله تعالى، وقال: يا ~~ملك الموت، أرني الصورة التي تقبض فيها أنفاس الكفار، فقال: [يا إبراهيم، ~~لا تطيق] ذلك، قال: بلى. فعرض عليه فإذا هو برجل [أسود ينال] رأسه ~~السماء، يخرج من فيه لهب النار، ليس من شعرة في جسده إلا صورة رجل أسود ~~يخرج من فيه ومسامعه لهب النار. فغشي على إبراهيم عليه السلام ثم أفاق، ~~وقد تحول ملك الموت في الصورة الأولى فقال: يا ملك الموت، لو لم يلق ~~الكافر من البلاء والحزن إلا صورتك لكفاه ذلك، فأرني كيف تقبض أنفاس ~~المؤمنين، قال: فأعرض. فأعرض إبراهيم عليه السلام ثم التفت ~~فإذا هو برجل شاب أحسن الناس وجها، وأطيبهم ريحا في ثياب بيض. قال: يا ~~ملك الموت، لو لم يكن للمؤمن عند ربه عز وجل من قرة العين والكرامة إلا ~~صورتك / هذه لكان يكفيه. فانطلق ملك الموت وقام إبراهيم صلى الله " على ~~محمد و " عليه وسلم يدعو ربه، يقول: رب أرني كيف تحيي الموتى حتى أعلم ~~أني خليلك. # قال: أو لم تؤمن بأني خليلك؟ قال: بلى، ولكن ليطمئن قلبي بذلك ". # وقال ابن عباس: " ما في القرآن آية أرجى عندي منها " ، يريد أن إبراهيم ~~دخل قلبه الشك، فنحن آكد أن يعترضنا ذلك. # وقال عطاء بن أبي رباح: " دخل قلب إبراهيم صلى الله عليه وسلم بعض ما ~~يدخل قلوب الناس ". # وروى مالك عن الزهري أن ابن المسيب وأبا عبيدة أخبراه عن أبي هريرة أن ~~النبي عليه السلام قال: # " رحم الله إبراهيم، نحن أحق بالشك منه، إذ ~~قال إبراهيم: { رب أرني كيف تحيي الموتى } ، ~~وقال: { ليطمئن قلبي } ". # واختار الطبري هذا القول لرواية أبي هريرة لهذا الخبر عن النبي [عليه ~~السلام] لأن الشيطان يعرض لجميع الخلق. # وقد قال النبي ms0268 [عليه السلام]: # " ذلك من محض الإيمان ". # وهذا القول من نبي الله صلى الله عليه وسلم إنما هو على التواضع والتذلل ~~لله، ونفى التكبر كما قال: # " لا تفضلوني على يونس " # ويعيذه الله من الشك الذي يدخل في قلوب المذنبين المؤمنين. # ويجوز أن يكون قوله: # " نحن أحق بالشك من إبراهيم " # ، يعني به أمته، كأنه صلى الله عليه وسلم يعذرهم فيما يوسوس [به إليهم ~~الشيطان]. وقد عفا الله عما يوسوس به الشيطان في قلوب المؤمنين إذا لم ~~يبدوه ولم يعتقدوه. # وقد قال سعيد بن جبير: " معنى { ليطمئن قلبي }: ليزداد ~~يقينا ". # وعن ابن عباس: " ليطمئن قلبي " في إجابتك إياي إذا دعوتك بأمر وسألتك ~~فيه ". ولم يرد أن إحياء الموتى يطمئن به. # قال أبو إسحاق: " ولم يكن شاكا، ولكن أراد مشاهدة ذلك عيانا ليزداد ~~يقينا، فليس الخبر كالمعاينة ". # قوله: { فخذ أربعة من الطير }. # قال مجاهد / وابن جريج وابن زيد: " أخذ طاووسا وديكا وغرابا وحمامة ~~". وجعل ابن عباس الكركي في موضع الغراب. # قوله: { فصرهن إليك }. # من ضم فمعناه: أضممهن إليك ووجههن إليك، يقال: / " صر وجهك ~~إلي " أي أقبل به إلي، ووجهه إلي. قال ذلك الكسائي. # وفي الكلام حذف: " وقطعهن بعد الضم ". # وقال مجاهد: " { فصرهن }: انتفهن بريشهن ولحومهن ". # وقال أبو عبيدة: " صرت [بالكسر: قطعت، وصرت] بالضم: جمعت ". # وقيل: الكسر والضم بمعنى واحد، وهو ما ذكرنا. # وقيل: معنى الكسر: قطعهن. # / قال أبو حاتم: يقال: صار، إذا قطع. # ويكون في الكلام تقديم / وتأخير على هذا التفسير. ومعناه: { فخذ ~~أربعة من الطير فصرهن إليك } ، أي فقطعهن. # وقد قال عطاء: " { فصرهن إليك }: / أضممهن إليك ". # وقال ابن زيد: " أجمعهن ". # وقال قتادة: " أمر أن يذبحن ثم يخلط بين لحومهن وريشهن ودمائهن ثم ~~يجزئهن على أربعة أجبل ". # قال ابن جريج: " جعل لحومهن وريشهن على سبعة أجبل وهي الأجبال ~~التي رأى الطير والسباع [ذهبت فيها، وهن] اللواتي أكلن من لحم الجيفة ~~التي كانت سبب سؤاله، وأمسك إبراهيم [صلى الله عليه وسلم] عند نفسه ~~رؤوسهن ثم دعاهن بإذن الله عز وجل، فنظر إلى كل قطرة من ms0269 دم تطير إلى ~~القطرة الأخرى، وكل ريشة تطير إلى الريشة الأخرى، وكل بضعة وكل عظم يطير ~~بعضها إلى بعض. فلما تتامت عليه في الهواء انقضت عليه فوصلت كل جثة إلى ~~الرأس الذي [في يده] ". # قوله: { واعلم أن الله عزيز حكيم }. # أي لا يمتنع [عليه ما أراد، حكيم في تدبيره. ### || [2.261] # قوله: { مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل ~~الله }. # قال الطبري: " هذه الآية مردودة إلى قوله: # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضعفه له ~~أضعافا كثيرة # [البقرة: 245] وإلى الآيات التي بعدها ". # قال السدي: " نزلت في الذي ينفق على نفسه في سبيل الله عز وجل ويخرج ". ~~والمثل في هذه الآية إنما هو للنفقة لا للمنفق، وفي الكلام حذف، ~~والتقدير: " مثل نفقة الذين ينفقون " ، ودل " ينفقون " على النفقة فحسن ~~حذفها. # وروى نافع عن ابن عمر أنه قال: " لما نزلت: { مثل الذين ~~ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة } ~~الآية، قال النبي عليه السلام: # " اللهم زد أمتي " # ، فنزلت: # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضعفه له ~~أضعافا كثيرة # [البقرة: 245]. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " رب زد أمتي " فنزلت: { إنما يوفى الصابرون ~~أجرهم بغير حساب } ". # قال مالك في قوله تعالى: # إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب # [الزمر: 10] " هو الصبر على فجائع الدنيا وأحزانها ". # قال مالك: " وبلغني أن الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد ". # قلت: والصبر على طاعة الله عز وجل وعن محارم الله تعالى أفضل من الصبر ~~على المصائب والفجائع. كذا، قال عمر وغيره. # ثم قال تعالى: { والله يضاعف لمن يشآء }. # أي ممن أنفق في غير سبيل الله، يضاعف أيضا إن شاء. # وقيل: { لمن يشآء }: هو المنفق في سبيل الله عز وجل، يزيد على ~~سبعمائة ضعف إلى ألفي ألف ضعف إن شاء. روي ذلك / عن ابن عباس. # قوله: { والله واسع }. # أي يزيد من يشاء من خلقه على السبعمائة ما شاء. # { عليم }. أي عليم بما ينفق المنفقون في سبيله. # وقيل: عليم بمن يزيده على السبعمائة ضعف ومن لا يزيده. ### || [2.262] # / قوله: { الذين ms0270 ينفقون أموالهم في سبيل الله ~~ثم لا يتبعون مآ أنفقوا منا ولا أذى لهم }. # قال الكلبي وغيره: " أصل نزول هذه الآية في عثمان بن عفان وعبد الرحمن ~~ابن عوف، أتى عبد الرحمن بن عوف إلى النبي عليه السلام بأربعة آلاف ~~دينار. وقال: يا رسول الله، اجتمع عندي ثمانية آلاف فعزلت لنفسي وعيالي ~~نصفها، وجعلت لله نصفها، فجزاه رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا. وقال ~~عثمان بن عفان: يا رسول الله، علي تجهيز كل عاجز عن النهوض معك لفقره ~~إلى تبوك، واشترى رومة يبرأ بوقفها للمسلمين ". ثم " الآيات لكل " من فعل ~~مثل فعلهما. # وهذه الآيات فيما قال ابن زيد: " هي لمن ينفق، وليس يجاهد، ولم يقل ~~للمجاهدين شيئا ". # وقيل: هي عامة، علم الله عز وجل أن قوما يمنون بعطيتهم فقدم لهم في ~~ذلك. # قال زيد بن أسلم: " إن ظننت أنه يثقل عليه سلامك، فكف سلامك عنه ". يعني ~~الذي تصدقت عليه. ### || [2.263] # قوله: { قول معروف ومغفرة خير من صدقة ~~يتبعهآ أذى }. # " قول " مبتدأ، و " معروف " نعته، والخبر محذوف كأنه " أمثل " و " أولى ~~". و " مغفرة ": مبتدأ و " خير من صدقة ": الخبر. # قال الضحاك: " إن تمسك مالك خير من أن تنفقه، ثم تتبعه المن والأذى ~~". # قوله: { والله غني }. # أي غني عن ما يتصدق به بالمن والأذى. # { حليم }. # لا يعجل بالعقوبة على من يتبع صدقته المن والأذى. وقيل: المعنى: قول ~~جميل، ودعاء للسائل خير من أن تعطي صدقة [يتبعها أذى ومن]. ### || [2.264] # قوله: { يأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقتكم } ~~الآية /. # أمروا أن يكفوا عن المن والأذى اللذين يبطلان ثواب الصدقة، كما يبطل ~~الرياء صدقة المتصدق المنافق / الذي يوهم بصدقته أنه مؤمن فيرائي. # والمراد في قوله: { ولا يؤمن بالله }. # هو المنافق، وإنما ذلك لأنه أضاف إليه الرياء. وذلك من فعل المنافق ~~الساتر لكفره. فأما الكافر فليس عنده رياء، لأنه مناصب للدين مجاهر بذلك. # وقيل: المراد به الكافر المجاهر. وذلك أن الكافر قد ينفق ماله، ليقول ~~الناس: " ما أكرمه! ما أفضله " ، ولا يريد بإنفاقه إلا الثناء، ms0271 لا غير. ~~فنهاهم الله أن يكونوا مثله إذا منوا أو آذوا. # وقوله: / { فمثله كمثل صفوان عليه تراب }. # الصفوان: الحجر الأملس. # وقرأ ابن المسيب والزهري: " صفوان " بفتح الفاء. # وحكى قطرب " صفوان " بكسر الصاد. # قال الأخفش: " صفوان، جماعة صفوانة ". # وقال غيره: " هو واحد والصلد هو الذي لا شيء عليه من نباته ولا غيره ". # مثل الله المنافقين وأعمالهم بالحجر الأملس عليه تراب، وأصابه مطر ~~وابل؛ وهو العظيم القطر، فتركه لا شيء عليه. فكذلك صدقات المنافقين ~~للرياء. # ومعنى { لا يقدرون على شيء مما كسبوا }. # أي لا يقدرون يوم القيامة على وجود شيء مما كسبوا، أي من ثواب ما كسبوا ~~في الدنيا لأنه كان لغير الله. # { والله لا يهدي القوم الكافرين }. # أي لا يسددهم لإصابة الهدى في فعلهم وقولهم. وهذا يقوي قول من قال: أراد ~~بما تقدم الكافر لا المنافق. قال معنى ما ذكرنا: قتادة والربيع / ~~وغيرهما. ### || [2.265] # قوله: { ومثل الذين ينفقون [أموالهم] ابتغآء ~~مرضات الله }. # ضرب الله الآية الأولى مثلا لأعمال الكافرين يوم القيامة، وشبه صدقة ~~أهل الرياء والكفر بالصفوان الذي عليه تراب فأصابه مطر شديد، ثم ضرب هذه ~~الآية مثلا لأعمال المؤمنين وصدقاتهم. فمعنى قوله: { وتثبيتا من ~~أنفسهم } ، أي يقينا وثقة. قاله السدي وقتادة وأبو صالح. # وقال مجاهد: " يثبتون: أين يضعون أموالهم ". # قال الحسن: " يعني زكاتهم ". # وروي عن قتادة: " { وتثبيتا }: احتسابا من أنفسهم ". # وعن الحسن أنه قال: " يثبت إذا أراد أن ينفق، فإن كان لله أنفق وإلا ~~أمسك ". # قوله: { كمثل جنة بربوة أصابها وابل }. # شبه فعل هؤلاء في صدقاتهم بجنة بربوة، وهي الترعة أصابها وابل وهو المطر ~~الشديد العظيم القطر، فإن أخطأها الوابل أصابها الطل وهو الندى. # وقال الضحاك: " هو الرذاذ من المطر، يعني اللين منه ". # والهاء في { أصابها } تعود على الجنة أو على الربوة، وكذلك الهاء في ~~" يصبها ". # قوله: { فآتت أكلها ضعفين }. # أي فهي لا تخلف؛ لا بد من إتيان الأكل. فكذلك عمل المؤمن لا خلف لخيره. # وسميت الربوة ربوة لأنها ربت على وجه الأرض. / أي ارتفعت من: " ربا " ~~إذا زاد. # قال ms0272 مجاهد: " الربوة المكان الظاهر المستوي ". وكذلك قال الحسن. وقال ~~الضحاك: " الربوة المكان المرتفع الذي تجري فيه الأنهار ". وقال السدي: " ~~{ بربوة }: برابية من الأرض " يريد المنخفض. # وقال ابن عباس: " الربوة: المكان المرتفع الذي لا تجري فيه الأنهار " / ~~وتقدير الكلام عند المبرد: " فطل يكفيها ". # وعلى ذلك يستحسن الوقف على { فطل }. وقدره غيره. " فهو طل " أو " ~~أصابها طل ". ### || [2.266] # قوله: { أيود أحدكم أن تكون له جنة } الآية. # قوله: { وأصابه الكبر }. # على تقدير: " وقد أصابه الكبر " ، ولذلك عطفه على " أيود " وهو ~~مخالف له. # وقيل: هو محمول على المعنى، تقديره: " أيود أحدكم لو كانت له جنة وأصابه ~~الكبر ". # وهذا مثل ضربه الله لنفقة المنافق والمرائي. ينفقانهما رياء الناس، فهو ~~يحمد على ما ظهر منه في الدنيا ولا حاجة به إلى ذلك في الآخرة كالرجل ~~الذي له جنة من نخيل وأعناب ولا كبر معه ولا ذرية. فلما كبر، وصارت له ~~ذرية ضعفاء. وضعف عن الكسب والتصرف، ولا طاقة لذريته على التكسب لضعفهم ~~وصغرهم، فعند ذلك احترقت جنته، فانقطع في أحوج ما كان إليها، ولم ينتفع ~~بها في شبيبته وقلة عياله إذ كانت سالمة. كذلك المنافق أو المرائي، إذا ~~أتى في الآخرة لم يجد شيئا من عمله، وهو أحوج ما يكون إليه، ولم ينفعه ~~حمد الناس على ما ظهر لهم من عمله. فحاجته إلى العمل الصالح، كحاجة هذا ~~الكبير الذي له ذرية ضعفاء إلى جنته. # قوله { إعصار }. # أي ريح فيها سموم فاحترقت، وهي ريح عاصفة تهب من الأرض إلى السماء كأنها ~~عمود / والجمع أعاصير، وهي التي تسميها الناس: الزوابعة. # وقال الحسن: " { إعصار فيه نار }: ريح فيها برد شديد ". # { كذلك يبين الله لكم }. # أي هكذا البيان المتقدم في الصدقة، والجهاد، وقصة إبراهيم، وجميع ما ~~سلف. # { يبين الله لكم الآيات } أي العلامات. # { لعلكم تتفكرون }. # قال / ابن عباس: " تتفكرون في زوال الدنيا وفنائها وإقبال الآخرة ~~وبقائها ". # وقال مجاهد: { لعلكم تتفكرون }: أي تطيعون ". ### || [2.267] # قوله: { يأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما ~~كسبتم }. # قال علي رضي الله عنه: " من الذهب والفضة، ms0273 الجياد منها ". أي زكوا من ~~ذلك. # وقيل: من الحلال. # وقال مجاهد: " ما كسبتم من التجارة، { وممآ أخرجنا لكم من ~~الأرض }: يعني ما فيه زكاة مما بينته السنة ". # { ولا تيمموا الخبيث }: # أي الرديء، اي لا تعمدوا إلى الرديء تتصدقون به فتجعلوه زكاتكم. ونزلت ~~هذه الآية في رجل من الأنصار، علق قنوا من حشف للصدقة وكانوا يعلقون في ~~أيام الجداد في مسجد النبي [عليه السلام] / بين كل أسطوانتين أقناء يأكل ~~منها المهاجرون والأنصار، فعلق هذا الرجل قنوا من حشف فنهوا عن ذلك، وهو ~~الخبيث يراد به الرديء. وقال علي: " كان الرجل يعزل الرديء من التمر ~~للصدقة، فنزلت الآية ". وهو قول الحسن ومجاهد وعطاء. # وقال ابن زيد: " الخبيث: / الحرام ". # أي لا تتصدقوا من الحرام، وتصدقوا من الحلال. # قوله: { ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا }. # أي لستم بآخذين الرديء من المال من غرمائكم إلا عن إغماض منكم؛ أي ~~كراهية، فتأخذونه كأنكم قد أغمضتم أعينكم، فلا ترونه كراهة فيما أعطيتم. # وقرأ الحسن " أن تغمضوا " بفتح الميم وضم التاء. أي لستم تأخذونه ~~حتى تنقصوا من سعر غيره. وكذلك قرأ قتادة. # قيل: معناه: لستم تأخذونه إلا أن يهضم لكم من ثمنه أي ينقص. وقرأ ~~الزهري: " تغمضوا " بفتح التاء، وكسر الميم. # وعنه أيضا بضم التاء، وتشديد الميم. # وقال علي: " لستم ممن يأخذ الرديء حتى يهضم لكم " ، أي يرخص عليكم من ~~ثمنه، فيقول تعالى: " ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم إلا عن تغمض وترخص في ~~أخذه وكراهة ". # وقال ابن زيد: " لستم ممن يأخذ الحرام حتى يغمض لكم فيه من الإثم ". # قوله: { واعلموا أن الله غني }. # أي غني عن أن تتصدقوا بالرديء والدنيء، وتأخذوا لأنفسكم الجيد. # / { حميد } لمن تصدق بطيب ماله. ### || [2.268] # قوله: { الشيطان يعدكم الفقر }. # أي يخوفكم به ويوسوس إليكم به، فلا تخرجون الزكاة. # { ويأمركم بالفحشآء } أي [بترك الصدقة فتكونون عاصين]. # { والله يعدكم مغفرة } أي يجازيكم على صدقاتكم بالمغفرة. # وقال ابن عباس: " الشيطان يقول: " لا تنفق مالك، أمسكه عليك " ، والله ~~يعدل مغفرة على تركك هذه المعاصي، وفضلا في الرزق ". # وقال ms0274 قتادة: " والله يعدكم مغفرة لفحشائكم، وفضلا لفقركم ". # { والله واسع } يعطيكم من سعته، ما شاء لمن شاء. # { عليم } بمن [يطيعه فيتفضل] عليه، ومن يعصيه فيغفر له أو يعاقبه. # وروي أن في التوراة مكتوبا: " عبدي أنفق من رزقي أبسط عليك من فضلي، ~~فإن يدي مبسوطة على كل يد مبسوطة ". # وفي القرآن نظير / هذا، # ومآ أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير ~~الرازقين # [سبأ: 39]. ### || [2.269] # قوله: { يؤتي الحكمة من يشآء }. # قال ابن عباس: " الحكمة علوم القرآن / مقدمه ومؤخره وناسخه ومنسوخه، ~~ومحكمه ومتشابهه ". # وقال قتادة: " الحكمة: الفقه في القرآن ". # وقال مجاهد: " الحكمة: الإصابة في القول ". # وقال ابن زيد: " الحكمة: العلم بالدين ". # قال مالك: " الحكمة: المعرفة بدين الله، والفقه فيه، والاتباع له ". # وروى عنه ابن القاسم أنه قال في الآية: " الحكمة: التفكر في أمر الله ~~والاتباع له ". # وعنه أيضا أنه قال: " الحكمة: طاعة الله والاتباع له، والفقه في الدين ~~والعمل به ". # وقال مالك: " إنه ليقع في قلبي أن الحكمة هي الفقه في الدين يدخل الله ~~في القلوب من رحمته وفضله ". # وقال الربيع بن أنس: " الحكمة: الخشية ". # وقال السدي: " الحكمة: النبوءة ". # وقال زيد بن أسلم: " الحكمة: الفهم عن الله في أمره ونهيه ". # وقال ابن زيد بن أسلم: " الحكمة: العقل في الدين ". # وقال مجاهد أيضا: " الحكمة: القرآن ". وقاله الضحاك. # قوله: { وما يذكر إلا أولوا الألباب }. # أي لا يتذكر ولا يتعظ بهذه الآيات إلا أولوا العقول وهم المؤمنون. قاله ~~ابن سلام. ### || [2.270] # قوله: { ومآ أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر ~~فإن الله يعلمه }. # الهاء " في { يعلمه } تعود على الإنفاق أو على النذر. أي ما تصدقتم ~~من صدقة لم تعقدوها على أنفسكم أو نذرتم من نذر، فعقدتموه على أنفسكم، ~~فإن الله يعلم ذلك، أي يعلم من تصدق ونذر لوجه الله، ومن فعل ذلك للرياء. # و " ما " لمن ظلم نفسه فتصدق لغير الله، ونذر لغير الله. # قال الحسن: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما أنفق الناس / من نفقة أعظم إلى الله من ~~قول ". # وقال الحسن أيضا عن ms0275 النبي عليه السلام أنه قال: # " ما أنفق الناس من نفقة أحب إلى الله من ~~قول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله ~~والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله، وقراءة ~~القرآن ". # وقال: # " أفضل النفقة ما تنفقه على والديك، ثم بعد ~~ذلك ما تنفقه على ولدك وزوجتك وعيالك، ثم ~~بعد ذلك ما تنفقه على قرابتك، ثم بعد ذلك ~~ما تنفقه في سبيل الله " # هذا معنى الحديث. # قوله: { من أنصار }. أي ما للظالم من نصير ينصره يوم القيامة. ### || [2.271] # قوله: { إن تبدوا الصدقات فنعما هي } الآية. # قال الربيع: " كل مقبول، إذا كانت النية خالصة، والسر أفضل ". # وكذلك قال ابن جبير وغيره. وهذا في التطوع. # قال [ابن عباس: " صدقة التطوع في السر أفضل من العلانية، يقال: بسبعين ~~ضعفا. وصدقة الفريضة في العلانية / أفضل من السر بخمسة وعشرين ضعفا ". # وكذلك جميع الفرائض والنوافل على هذا القياس. ومن قرأ: " يكفر " ~~بالياء، فمعناه: ويكفر الإعطاء. # وقيل: معناه: ويكفر الله، و " من " للتبعيض. # ومعنى { من سيئاتكم } أي يكفر منها ما شاء لمن يشاء، ليكون ~~العباد على وجل من الله، لئلا يتكلوا على الصدقات أنها تكفر الذنوب ~~كلها. # وقيل: " من " زائدة، فتكون الكفارات للسيئات كلها. # قوله: { والله بما تعملون خبير }. # أي خبير بما تصنعون في صدقاتكم من إخفائها وإعلانها. # ومعنى { خبير } / ذو خبر. ### || [2.272] # قوله: { ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من ~~يشآء }. # هذا مثل / # ولا تسأل عن أصحاب الجحيم # [البقرة: 119]، على قراءة من رفع، أي ليس عليك سوى البلاغ المبين، ولست ~~عليهم بمسيطر. { ولكن الله يهدي من يشآء } ، أي يوفقه ~~للهداية. # وهذه الآية نزلت في المشركين لأن المؤمنين كانوا لا يتصدقون عليهم ~~ليدخلوا في الإسلام، فنزلت: { ليس عليك هداهم } إلى { وما ~~تنفقون إلا ابتغآء وجه الله }. # وقيل: " نزلت في أسماء بنت أبي بكر امتنعت من بر جدها [أبي قحافة] إذ ~~لم يسلم / وغيره، فتصدق عليهم ". # قال ذلك ابن عباس وابن جبير، قالا: " كان ناس من الأنصار لهم قرابة ~~ضعفاء مشركون فلا يتصدقون عليهم، فنزلت الآية، ms0276 فتصدقوا عليهم ". # وروى ابن جبير أن النبي صلى الله عليه وسلم " كان لا يتصدق على المشركين ~~حتى نزلت هذه الآية فتصدق عليهم ". # وقال ابن زيد: " لك ثواب نفقتك، وليس عليك من عمله شيء ". # وهذا إنما هو في التطوع، فأما في الواجب فلا يعطى منه إلا المسلمون. # قال مالك: " يتصدق على اليهود والنصارى من التطوع، ولا يعطون من ~~الواجبات لا من الزكاة ولا من صدقة الفطر، ولا مما أشبههما ". # قوله: { وما تنفقوا من خير }. # أي ما تتصدقوا من مال - والخير المال - فإنه لأنفسكم تجزون به. [روى أبو ~~هريرة أن النبي عليه السلام قال: # " إذا تصدق العبد بالصدقة وقعت في يد الله ~~قبل أن تقع في كف السائل فيربيها لأحدكم ~~كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله حتى إن ~~اللقمة لتصير مثل أحد ". # وتصديق ذلك في كتاب الله: # يمحق / الله الربوا ويربي الصدقت # [البقرة: 276]، وقال: # ويأخذ الصدقات # [التوبة: 104]. ### || [2.273] # قوله: { للفقرآء الذين أحصروا في سبيل [الله] }. # اللام متعلقة بقوله: { وما تنفقوا من خير } للفقراء الذين من ~~حالهم وقصتهم - { يوف إليكم }. وعني به فقراء المهاجرين ~~بالمدينة. ومعنى: { أحصروا في سبيل الله }: منعوا أنفسهم من ~~التصرف وحبسوها على جهاد عدوهم. قاله قتادة وغيره. # وقال ابن زيد: " كانت الأرض للعدو، فلا يستطيعون تصرفا فهم محصورون ". # وقال السدي: " معناه: حصرهم المشركون بالمدينة ". # { لا يستطيعون ضربا في الأرض }. # أي تقلبا ولا تصرفا في المعاش والتجارات. # وقال ابن جبير: " نزلت في قوم أصابتهم جراحات في سبيل الله، فصاروا زمنى ~~من أجل عدوهم، أو من أجل حرصهم على الجهاد والغزو. # قوله: { يحسبهم }. بكسر السين وفتحها لغتان، ونظيره " نعم " و ~~" يئس " ، يأتي المستقبل بالفتح والكسر. # وحكى أبو إسحاق أن مثله عهد، يقال: يعهد ويعهد. # ومعنى: { يحسبهم الجاهل }. # أي الجاهل بأمرهم وحالهم، أغنياء من تعففهم عن المسألة والتعرض لها. # تعرفهم يا محمد بعلاماتهم وهي السيماء وهي أثر السجود. # وقيل: هي الخشوع والتواضع. قاله مجاهد. # وقيل: هي أثر الفاقة والحاجة. قاله السدي. # وقال ابن زيد: " هي رثاثة ثيابهم، / لأن الجوع خفي ". # ومن العرب ms0277 من يمد السيماء، ومنهم من يقول سيماء بالمد وزيادة ياء بعد ~~الميم. # قوله: { لا يسألون الناس إلحافا / }. # أي إلحاحا، أي لا يشملون الناس بالسؤال، ومنه اللحاف. # والمعنى: لا يكون منهم سؤال فيكون إلحافا. # وهو كقول امرئ القيس: # " على لا حب لا يهتدي لمناره ". # أي ليس فيه منار فيهتدي به. # ويقال: قد ألحف السائل إذا ألح. # ويقال: " ألحف الرجل " و " ألح " و " أحفى " ، بمعنى واحد. ### || [2.274] # قوله: { الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار ~~سرا وعلانية }. # قال ابن عباس: " نزلت في علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ كانت معه أربعة ~~دراهم فأنفق بالليل درهما. وبالنهار درهما، وسرا درهما، وعلانية ~~درهما ". # وقيل: " إنها نزلت في علف الخيل في سبيل الله ". # ذكر ذلك أيضا عن ابن عباس، وعن أبي ذر الغفاري. # / وقال أبو أمامة: " نزلت في أصحاب الخيل ". # وكذلك قال الأوزاعي: " هي في الذين يربطون الخيل في سبيل الله ينفقون ~~عليها بالليل والنهار " وروي ذلك عن أبي الدرداء. وعلى أنها في الخيل ~~أكثر أهل التفسير. ### || [2.275] # قوله: { الذين يأكلون الربوا لا يقومون } الآية. # معناها: الذين يأكلون الربا في الدنيا لا يقومون في الآخرة إذا بعثوا من ~~قبورهم إلا مثل قيام المجنون. # والمس: الجنون. قاله مجاهد وقتادة وابن جبير وغيرهم؛ قالوا: " يقوم ~~الخلق من قبورهم مسرعين كما قال تعالى: # يخرجون من الأجداث سراعا # [المعارج: 43] إلا أكلة الربا، فإن الربا يربو في بطونهم فيقومون ~~ويسقطون، يريدون الإسراع فلا يقدرون، فهم بمنزلة المتخبط من الجنون ". # قال ابن جبير: / " يبعث أحدهم حين يبعث، وشيطان يخنقه ". # والقصد بالنهي في هذه الآية: كل من أخذ الربا أكله أو لم يأكله. # وكان أهل الجاهلية إذا حل على أحدهم الأجل في دين / عليه، يقول الذي ~~عليه الدين: " زدني في الأجل وأزيدك في دينك " ، فنهى ~~الله عن ذلك، وقال: # اتقوا الله وذروا ما بقي من الربوا إن كنتم ~~مؤمنين * فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من ~~الله ورسوله # [البقرة: 278-279]. # وأصل الربا الزيادة، وهو في التجارة والبيع والشراء جائز إذا كان على ~~وجهه الذي ms0278 قد بينته السنة والكتاب. فأصل الربا المحرم أن يقول الذي عليه ~~الدين: " أخرني وأزيدك في دينك " ، ثم جرى مجراه كل ما شابهه ~~في البيوع والدين، وغير ذلك مما قد أحكمته السنة وفسره العلماء. # وقد روى محمد بن كعب القرظي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " كل قرض جر منفعة فهو ربا ". # قوله: { فله ما سلف }. # أي ما أكل وأخذ قبل مجيء الموعظة فذلك مغفور له. # { وأمره إلى الله }. # أي في المستقبل، إن شاء ثبته وإن شاء رده إلى ما نهاه عنه. # والموعظة: القرآن. # ومن عاد فعمل بالربا حتى يموت فأولئك أصحاب النار. قال ذلك سفيان. وقال ~~غيره: " من عاد فقال: إنما البيع مثل الربا، وتمادى عليه، فهو من أصحاب ~~النار ". ### || [2.276] # قوله: { يمحق الله الربوا ويربي الصدقت }. # معناه: ينقص الله الربا ويذهبه، ويضاعف الصدقات وينميها. ### || [2.277] # قوله: { إن الذين آمنوا وعملوا الصلحت } الآية. # أي إن الذين تابوا من أكل الربا فآمنوا بما أنزل عليهم، وانتهوا عما / ~~نهوا عنه وعملوا الصالحات، فهم أصحاب الجنة. ### || [2.278] # قوله: { يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما ~~بقي من الربوا }. # معناه: / يا أيها الذين صدقوا محمدا: ذروا ما بقي لكم من الربا زيادة ~~على رؤوس أموالكم. # ونزلت هذه الآية في قوم أسلموا، ولهم على قوم أموال من ربا كانوا أربوا ~~عليهم فقبضوا بعضا، وبقي بعض، فعفا لهم عما كانوا قبضوا وحرم عليهم ما ~~بقي مما زاد على رأس المال. # قال ابن المسيب: " لا ربا إلا في ذهب أو ورق أو ما [يكال و] يوزن مما ~~يؤكل ويشرب ". يعني في المبايعة. # وفسره بعض العلماء فقال: " ما كان مما يكال أو يوزن من نوع من الطعام، ~~فلا تأخذ إلا وزنا بوزن، ومثلا بمثل، يدا بيد، وكذلك الذهب بالذهب، ~~والفضة بالفضة، فإن اختلف النوعان فزد واستزد يدا بيد ". # قال عبد الله بن سلام: " أكل الربا يعدل سبعين فجرة، أدنى فجرة منها مثل ~~أن يضطجع الرجل مع أمه ". # وروى الحكم بن عتيبة عن علي رضي الله عنه أنه ms0279 قال: " درهم ربا أشد من / ~~ست وثلاثين زنية ". # وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " الربا سبعون حوبا، أيسرها مثل أن ينكح ~~الرجل أمه ". # قال ابن مسعود: " الربا بضع وسبعون بابا ". ### || [2.279] # قوله: { فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله }. # أي فأيقنوا بحرب. # وقال الأصمعي: " معناه: كونوا على علم ". # ومن قرأ بالمد فمعناه: فأعلموا أصحابكم بالحرب. # { وإن تبتم }. أي تركتم الربا. # { فلكم رؤوس أمولكم }. بلا زيادة. # { لا تظلمون }. فتأخذون ما ليس لكم. # { ولا تظلمون }. فتنقصون من رؤوس أموالكم. # وروى المفضل عن عاصم: " لا تظلمون ولا تظلمون " ، المفعول ~~قبل الفاعل. ### || [2.280-281] # قوله: { وإن كان ذو عسرة }. أي إن وقع ذلك. # ولا خبر ل " كان " ، هي " كان " التامة تستغني باسمها عن الخبر. فليست ~~بالداخلة على الابتداء والخبر، تلك هي الناقصة التي تحتاج إلى خبر. # وقد قيل: إن الخبر محذوف، والتقدير: " وإن كان ذو عسرة في الدين فنظرة ~~إلى ميسرة ". # وفي مصحف عبد الله: " وإن كان ذا " بالألف على تقدير: وإن كان ~~الذي عليه الدين ذا عسرة، فهي " كان " الناقصة على هذا. # وقرأ مجاهد: " فناظره إلى ميسرهي " ، بضم السين، وصلت الهاء ~~بياء. # وهو لحن عتد أهل العربية: ليس في الكلام مفعل بتغيير هاء التأنيث. # قال الأخفش: / " ولو قرأوا بفتح السين لكان حسنا، لأن " مفعلا " في ~~الكلام كثير ". # وقوله: { فنظرة }. هو من التأخير. ورفعها على معنى: " فعليكم نظرة ~~". # / وحكى أبو إسحاق: " فناظرة " من التأخير. # وقيل: [هو من أسماء المصادر كقوله: # ليس لوقعتها كاذبة # [الواقعة: 2]. ورد أبو حاتم ذلك وقال: " إنما يجوز هذا في نظر العين، ~~مثل الذي في النمل قوله: # فناظرة بم يرجع المرسلون # [النمل: 35]. # والمعنى: " إن كان الذين لكم أن ترجعوا عليهم برؤوس أموالكم ذوي عسرة، ~~فعليكم أن تنظروهم إلى مسيرة ". # وفتح السين وضمها لغتان. وأجاز النحاس النصب على المصدر. وهذه الآية ~~ناسخة لما كان في أول الإسلام. كان الرجل إذا اتبع في دين ولم يكن معه ما ~~يقضيه بيع في الدين. # روي عن النبي عليه السلام: " أنه أمر أعرابيا ms0280 ببيع رجل له عليه دين، ~~ولا مال معه ". # وقال قوم: " إنما هذا الإنظار في الربا خاصة، وليس لمن عليه دين لا ~~يؤديه إلا السجن حتى يؤديه كان معه أو لم يكن لقوله: # إن الله / يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى ~~أهلها # [النساء: 58]. # قال ابن عباس: " نزلت في الربا ". # / وأكثر الفقهاء على أن الآية عامة في كل من عليه دين، ولا شيء معه، ~~ينظر إلى يسره إذا صح فقره وثبت. # قوله: { وأن تصدقوا خير لكم }. # أي وصدقة رؤوس أموالكم على المعسر خير لكم إن كنتم تعلمون الفضل. # وقال قتادة: " ندبوا أن يتصدقوا برؤوس أموالهم على الغني والفقير ". # وقال غيره: " ذلك على المعسر خاصة ". # قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: " آخر ما نزل من القرآن آية الربا، وإن ~~نبي الله قبض من قبل أن يفسرها ". # قال ابن عباس: " آخر آية نزلت: { واتقوا يوما ترجعون فيه ~~إلى الله }. # كذلك قال السدي وعطية وابن جريج. # واليوم في هذا يوم القيامة. # وقيل: هو يوم موت الإنسان لأنه وقت قدومه على الله. # ويروى أن النبي عليه السلام قال: # " أتاني جبريل عليه السلام بهذه الآية، فقال: ~~اجعلها على رأس ثمانين ومائتين من البقرة ". # ومعنى الآية: التحذير والتخويف في أخذ الربا وارتكاب ما نهي عنه. # وروي أنها نزلت على النبي عليه السلام قبل موته بثلاث ساعات فقال النبي ~~عليه السلام: # " اجعلوها بين آية الدين وآية الربا ". # وقال مقاتل: " نزلت قبل / وفاته بتسع ليال ". ### || [2.282] # قوله: { يأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين }. # قال ابن عباس: " نزلت في السلم خاصة، في كيل معلوم إلى أجل معلوم ". ~~يريد بثمن نقد معلوم من غير أن يكون طعام في طعام. # وروي عن ابن عمر وأبي موسى الأشعري " أنه واجب أن يكتب إذا باع بدين ". ~~وهو قول ابن سيرين وأبي قلابة والضحاك وجابر بن زيد ومجاهد. # / وقال عطاء: " أشهد إذا بعت، وإذا اشتريت بدرهم أو نصف درهم أو بثلث ~~درهم أو أقل من ذلك، فإن الله يقول: { وأشهدوا إذا ~~تبايعتم }. وهو مذهب الطبري. # وقال ms0281 أبو سعيد الخدري: " كان ذلك فرضا ثم نسخه # فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن ~~أمانته # [البقرة: 283]. # وبه قال الحسن والحكم وعبد الرحمن بن زيد والشعبي. # وأكثر الفقهاء على أنه ندب وإرشاد لا على الحكم. وهو قول مالك والشافعي. # وقال الطبري: " الآية على الأمر حتى يأتي دليل يدل على أنها ندب وإرشاد ~~". وقال: " من جعل الإشهاد فرضا، لا يجوز أن يكون هذا منسوخا لأنه يلزم ~~منه رفع حكم الإشهاد. والإشهاد جائز بإجماع. وفي تركه وقع الاختلاف فلو ~~كانت منسوخة لم يجز الإشهاد لأن حكم المنسوخ ألا يبقى حكمه ولم تأت آية ~~فيها /: " لا تكتبوا ولا تشهدوا ". بل ذلك حسن جائز بإجماع وواجب عندنا. ~~وإنما معنى: { فإن أمن بعضكم بعضا } عند عدم الكاتب والشهود ~~". # قال أبو محمد رضي الله عنه: وهذا الاعتراض لا يلزم لأنه يجب منه ألا ~~يعمل بما نسخ البتة. وقد نسخ فرض صوم عاشوراء وفرض صوم ثلاثة أيام من كل ~~شهر. ونسخ فرض قيام الليل، وفعل ذلك حسن مرغب فيه. كذلك فرض ~~الإشهاد، هو منسوخ، وفعله حسن جائز. وقول الطبري: " الآية على الأمر حتى ~~يأتي دليل يدل على الندب ". # جوابه: أن الدليل على أنه صار ندبا قوله: { فإن أمن بعضكم ~~بعضا }. ولا يحمل على معنى عدم الكاتب والشهود إلا بدليل. # قوله: / { ولا يأب كاتب }. # قيل: هو واجب عليه أن يكتب إذا دعي إلى ذلك. # قال الضحاك: " نسخها: { ولا يضآر كاتب } ". # وقال السدي: " لا يأب كاتب أن يكتب إذا كان فارغا ". # { ولا يبخس منه شيئا }. # أي لا يظلم ولا ينقص من حق الرجل / الذي له الحق شيئا. # قوله: { فإن كان الذي عليه الحق }. أي من عليه الدين. # { سفيها }. أي جاهل بالصواب الذي يمليه على الكاتب. # { أو ضعيفا }. أي أخرق. قاله ابن عباس، وقاله مجاهد وغيره. # وقال السدي: " السفيه الصغير ". # وأصل " السفيه " الخفيف العقل من قولهم: " تسفهت الريح ~~الشيء " إذا استخفته فحركته. # قال السدي: " الضعيف الأحمق ". # { فليملل وليه بالعدل }: أي ولي السفيه والضعيف. قاله ~~الضحاك. # وقال ابن عباس: " ولي الدين ms0282 هو الذي هو عليه " أي فليقر وليه ~~بما عليه وليشهد. # وقيل: ولي الدين هو العيي واليتيم. # فالهاء في { وليه } تعود على الدين أو على صاحب الدين أو على ~~المطلوب. # قوله: { واستشهدوا شهيدين }. # اختير " فعيل " لأنه للتكثير، فمعناه: استشهدوا من عرف بالشهادة ~~والشاهد يقع لغير التكثير، يقال: " فلان شهيدي وشاهدي ". # قوله: { من رجالكم } أي من الأحرار المسلمين. # قوله: { فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان }. # قال ابن بكير: " هذا مخاطبة للحكام " ، أي إن لم يأت صاحب الحق برجلين ~~أتى برجل وامرأتين، فليس معناها أنه لا يشهد الرجل والامرأتان إلا عند ~~عدم الرجلين. لأن فاعلا لو فعله وهو واحد الرجلين لتم إشهاده ". # ومعنى الآية / عند غيره أنها مخاطبة لصاحب الدين، أي فاستشهدوا [من ~~حضر]؛ رجلين، أو رجلا وامرأتين. # ومعنى: { ممن ترضون من الشهدآء }. # أي من العدول المرضيين، وإنما تجوز شهادة النساء عند مالك، ومن قال ~~بقوله في الأموال خاصة؛ لأنه المكان الذي تكون فيه لا يتعدى إلى غيره. # قوله: { فتذكر إحداهما الأخرى }. # أي فتصير إحداهما ذكرا باجتماعهما. تقول العرب " اذكرت المرأة ~~" إذا ولدت ذكرا، قال ذلك ابن عيينة. وليس هو عنده من الذكر بعد ~~النسيان. # وأكثر الناس على أنه من الذكر بعد النسيان لقوله تعالى: { أن تضل ~~إحداهما } أي إن تنسى فتذكرها الأخرى ما نسيت. # قوله: { ولا يأب الشهدآء إذا ما دعوا }. # أي لا يتخلفوا عن أداء الشهادة إذا دعوا ليشهدوا على الكتاب والحقوق. ~~قاله قتادة والحسن. # وقيل: معناه: لا يتأخروا إذا دعوا ليؤدوا ما قد شهدوا عليه، وذلك إذا ~~لم يجد غيره، فإن وجد غيره فهو مخير / فأما إذا دعيت إلى شهادة لم تشهد ~~بعد بها، فأنت مخير في ذلك. # هذا / قول مجاهد وعطاء وغيرهما. وهو قول مالك. # والألف واللام في { الشهدآء } يدلان على أنه لشهادة متقدمة إذا ~~دعوا [ليوصلوها إلى] حكم، فلا يتخلفوا إذا لم يوجد غيرهم. # وعن عطاء أنه إذا دعي ليشهد لزمه ذلك. # قوله: { ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا ~~إلى أجله }. # أي لا تملوا أن تكتبوا صغير ms0283 حقوقكم وكبيرها إلى أجله، فإن الكتاب أحضر ~~للأجل والمال. # { ذلكم أقسط } أي أعدل. # { وأقوم } أي أصوب. # { وأدنى ألا ترتابوا }. # أي أقرب ألا تشكوا في الدين والأجل. ثم أرخص في التجارة الحاضرة التي هي ~~يدا بيد غير أن يكون طعام في طعام متفاضلا ألا تكتبوها. # ثم قال: { وأشهدوا إذا تبايعتم }. # قال الضحاك: " ما كان من بيع حاضر، فإن شاء أشهد وإن شاء ترك. وما كان ~~من بيع إلى أجل فليشهد ". # قال مالك: " هو مخير في الإشهاد، وتركه ". # / ويروى عن ابن عمر أنه قال: " الشهادة واجبة في كل ما يباع من قليل أو ~~كثير بقوله عز وجل: { وأشهدوا إذا تبايعتم }. # وهذا عند جماعة منسوخ بقوله: { فإن أمن بعضكم بعضا ~~فليؤد الذي اؤتمن أمانته } ، وهو نسخ / فرض إلى ندب، ~~كنسخ رمضان ليوم عاشوراء؛ من شاء صامه، ومن شاء تركه. وكالامتحان؛ من شاء ~~امتحن، ومن شاء ترك، بعد قوله: # فامتحنوهن # [الممتحنة: 10]. فكان الإشهاد واجبا ثم صار ندبا بقوله: { فإن ~~أمن بعضكم بعضا }. ففي هذا الحكم ثلاثة أقوال: الأول: أنه محكم ~~يعمل به، والثاني: أنه منسوخ، والثالث: أنه ندب وترغيب. # قوله: { ولا يضآر كاتب ولا شهيد }. # قال الحسن وغيره: " معناه لا يضار كاتب فيزيد ما لم يملل عليه في الكتاب ~~أو يحرف، ولا شهيد فيكتم الشهادة أو يغيرها ". # وقال ابن عباس وغيره: " معناه لا يضارا فيتخلفا عن الكتابة والشهادة ~~ويقولان: علينا شغل ولنا حاجة ". # وقيل: المعنى: لا [يضارا فيما قد شهدا] فيه فيتخلفا عن أدائه إلى ~~الحاكم. # وفي كل هذه الأقوال يرتفع [الكاتب والشهيد / معا بفعلهما]. # وروي عن عمر رضي الله عنه أنه كان يقرأ: " ولا يضارر " براءين ~~ظاهرتين الأولى مفتوحة. # وكذلك روى الضحاك عن ابن مسعود. وكذلك روى ابن كثير عن مجاهد. وتأويله: ~~أن يضارا في أن يدعيا وعنهم غنى، ويشغلا عن أشغالهما، ويعنفا تعمدا. # وقال الضحاك: " هو أن يكونا على حاجة مهمة فيقولان: اطلب غيرنا، فيقول: ~~إن الله أمركما بذلك، ليؤثمهما ". # وكذلك قال السدي وطاوس، وهو اختيار الطبري، لأن الخطاب من أول الآية ms0284 ~~إنما هو للمكتوب له والمشهود له، وليس للكاتب والشاهد خطاب تقدم فيرد هذا ~~عليه، ويبين هذا قوله: { وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم } ، ~~ولم يقل: " وإن تفعلا " ، فيرد على الكاتب والشاهد، إنما رده على أهل ~~الكتابة / والشهادة فالنهي لهم أبين، ألا يضاروا الكاتب والشهيد ~~فيشغلوهما عن شغلهما وهم يجدون غيرهما. # ومعناه: وإن تضاروهما فإنه إثم حال بكم. فيكون الكاتب والشهيد على هذا ~~التأويل مرفوعين على أنهما مفعولان لم يسم فاعلهما. # وكان الزجاج يختار أن يكون النهي للكاتب ألا يزيد في كتابته ولا يحرف، و ~~[للشهيد ألا] يتخلف ولا يغير، ويكون قوله: { وإن تفعلوا فإنه ~~فسوق بكم } ردا إلى الكاتب والشهداء؛ أي إن حرفتم أو زدتم أو ~~تخلفتم من غير عذر فإنه إثم وخروج عن الحق. # والهاء في { فإنه } عائدة على الضرار. # وقيل: على الفعل، أي فإن هذا الفعل فسوق بكم. # وقيل: الفسوق هنا الكذب في الشهادة والكتاب. # قوله: { واتقوا الله }. # أي في ترك المضارة، وفيما تقدم ذكره من حدوده. # قوله: { ويعلمكم الله }. # أي يبين الله لكم الواجب لكم وعليكم لتعملوا به. # { والله بكل شيء عليم }. # أي يعلم جميع ما تعملون ويحصيها عليكم ليجازيكم بها، فاحذروا المخالفة. ### || [2.283] # قوله: { وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا } ~~الآية. # قوله: { فرهن } هو جمع رهن، كبغل وبغال وكبش وكباش. # ومن قرأ: " فرهن " فهو جمع الجمع. هو جمع " رهان ": ك " كتاب ~~": و " كتب " ، / و " حمار " و " حمر ". # وقيل: هو جمع " رهن " ، ك " سقف " و " سقف ". # ومن قرأ " فرهن " بالإسكان / فإنما أسكن الضمة لثقلها. # وقرأ ابن عباس " كتابا " ، وقال: " قد لا توجد الصحيفة " ، وكذلك قرأ ~~أبو العالية وعكرمة والضحاك ومجاهد. وهو واحد الكتب. # وقيل: هو جمع " كاتب " ، كما يقال: " قائم " و " قيام ". # وروي أيضا عن ابن عباس: { ولم تجدوا } " كتابا " ، على وزن ~~" فعال " وهو جمع " كاتب " ، " كضارب " و " ضراب ". # وهذه الآية أرخص الله فيها في قبض الرهان عند عدم الكاتب، والرهن لا ~~يكون رهنا حتى يقبض من مالكه بقوله: { مقبوضة } ، سواء قبضه ~~المرتهن عنده أو جعله على ms0285 يدي عدل عند مالك. # قوله: / { فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي ~~اؤتمن }. # أي إن ترك صاحب الدين، أخذ الرهن، وأمن الذي عليه الدين، فليؤد ما عليه ~~لأنها أمانة، وليتق الله ربه فيما قد اؤتمن به. # وقال الضحاك: " هذه الأمانة التي فسخ فيها إنما في السفر، دون الحضر ". # قوله: { ولا تكتموا الشهدة } الآية. هو نهي للشهداء وتحذير ~~لهم. # { فإنه آثم قلبه }. أي فاجر قلبه. # { والله بما تعملون عليم }. # أي يعلم ما تصنعون في شهاداتكم من إحالتها، والإتيان بها على وجهها ~~فيحصي ذلك عليكم / ويجازيكم به. ### || [2.284-286] # قوله: { لله ما في السموت وما في الأرض }. # قال ابن عباس: " قوله: { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو ~~تخفوه يحاسبكم به الله } ، منسوخة بقوله: { لا يكلف ~~الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما ~~اكتسبت }. # ومعنى قوله: " إنها منسوخة " ، أي نزلت على نسختها لأنها خبر، والأخبار ~~لا تنسخ. # وقد قيل: إن الآية محكمة، وإن المؤمن والكافر يحاسبان بما أبديا وأخفيا، ~~فيغفر للمؤمن، ويعاقب الكافر. # وقيل: إن الآية مخصوصة في كتمان الشهادة خاصة وإظهارها. # روي ذلك عن ابن عباس. # وروي عن عائشة أنها قالت: / " ما هم به العبد من خطيئة عوقب على ذلك ~~بما يلحقه من الهم والحزن في الدنيا ". # قال ابن عباس " إذا جمع الله الخلائق يقول: أنا أخبركم بما أكننتم في ~~أنفسكم. فأما المؤمنون فيغفر لهم، وأما أهل الشك والريب فيخبرهم بما ~~أخفوا من شكهم وتكذيبهم، فذلك قوله: { فيغفر لمن يشآء ~~ويعذب من يشآء }. # قال ابن عباس: # " لما نزلت هذه / الآية وقع في قلوبهم شيء، فقال لهم النبي عليه السلام: ~~" قولوا: سمعنا وأطعنا وسلمنا " ، فألقى الله ~~الإيمان في قلوبهم، وأنزل: { ءامن الرسول بمآ ~~أنزل إليه من ربه والمؤمنون } إلى { أو ~~أخطأنا }. قال: " قد فعلت " { ربنا ولا تحمل ~~علينآ إصرا } ، قال: " قد فعلت " ، { واعف عنا } إلى ~~آخر السورة. قال: قد فعلت ". # وقال السدي: " وقعت عليهم شدة عند نزول: { وإن تبدوا ما في ~~أنفسكم أو تخفوه } حتى نسخها ما بعدها ". # أي أزالت الشدة، من قولهم: ms0286 " نسخت الشمس الظل " أي أزالته. # { والله على كل شيء قدير }. # أي يقدر على العفو لما أخفته نفس المؤمن، وعلى العقاب فيما أخفته نفس ~~الكافر من الكفر والشك في الدين. # وقال حذيفة: # " سمعت النبي عليه السلام يقول: " أعطيت آيات من كنز من ~~تحت العرش، لم يعطها نبي قبلي، ولا يعطاها ~~أحد من بعدي، ثم قرأ: { لله ما في السموت وما في ~~الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم } حتى ختم السورة ". # وروى أبو هريرة أنه: " لما نزلت على النبي عليه السلام هذه الآية: { ~~لله ما في السموت وما في الأرض } ، وسمعوا فيها: { وإن ~~تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به ~~الله } أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فجثوا على الركب فقالوا: " لا ~~نطيق، كلفنا من العمل ما لا نطيق ولا نستطيع، فأنزل الله: { ءامن ~~الرسول } إلى آخرها. # وقال محمد بن كعب القرظي: " ما بعث الله نبيا إلا أمره أن يعرض على ~~قومه، { لله ما في السموت وما في الأرض } إلى قوله: { ~~ويعذب من يشآء } إلا قالوا: لا نطيق أن نؤاخذ بما نوسوس في ~~قلوبنا، فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم أنزلها عليه فآمن بها، ~~وعرضها على قومه، فآمنوا بها، وقالوا: { سمعنا وأطعنا ~~غفرانك ربنا } ، قال: فخفف الله عنهم، فأنزل: { ءامن ~~الرسول }. # وحكى عنهم " أنهم قالوا: { سمعنا وأطعنا } وأنزل الله: { لا ~~يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت ~~وعليها ما اكتسبت } ، فنسخ المؤاخذة بالوسوسة. وقاله ابن ~~مسعود. # وقالت عائشة: هو الرجل يهم بالمعصية، ولا يعملها، فيرسل عليه من الهم ~~والحزن بقدر ما هم به من / المعصية، فذلك محاسبته ". # وروي أنها لما نزلت قال النبي [عليه السلام]: # " ويحق له أن يؤمن " # يعني نفسه. # " وروي أنهم شكوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم شدة ما يلقون من قوله: { ~~وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم ~~به الله } ، / فقال لهم النبي [عليه السلام]: " لعلكم ~~تقولون: سمعنا وعصينا " كما قالت بنو إسرائيل. ~~بل قولوا: سمعنا وأطعنا " فأنزل الله ذلك من قول النبي ms0287 صلى ~~الله عليه وسلم ". # وقرأ ابن عباس وابن مسعود: " لا يفرق " بالياء، رد على (كل) أي ~~" كل لا يفرق ". # وقوله: { غفرانك ربنا } أي سترك علينا. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أنزل عليه: { ءامن الرسول ~~} / إلى { وإليك المصير }. قال له جبريل: " إن الله قد أجل ~~الثناء عليك / وعلى أمتك، فسل تعطه ". فسأل إلى آخر السورة: " ~~ربنا ربنا ". # قوله: { إلا وسعها }: أي طاقتها فيما تعبدها به. # فهذا توسيع ورخصة من الله وهو / مثل قوله: # وما جعل عليكم في الدين من حرج # [الحج: 78]، ومثل: # يريد الله بكم اليسر # [البقرة: 185]، ومثل: # فاتقوا الله ما استطعتم # [التغابن: 16]. # قوله: { إن نسينآ }. أي: نسينا فرضا فرضته علينا، فلم نفعله. # { أو أخطأنا }. # أي: في فعل شيء نهيتنا عنه، ففعلناه على غير قصد إلى معصيتك. # قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " تجاوز الله لهذه الأمة عن نسيانها وما ~~حدثت به أنفسها ". # وكان النحاس يقول: النسيان هنا الترك لأن الله تعالى لا يوصف بأن يعاقب ~~على النسيان فيسأل في العفو عنه، لأنه ليس من تعمد العبد. إنما هي آفة ~~تدخل عليه. وهو قول قطرب. # قوله: { إصرا }. # أي: عهدا. قاله ابن عباس ومجاهد والسدي وغيرهم. # وقال غيره: " لا تحمل علينا ذنوبنا، فتعاقبنا بمسخ أو عذاب كما كان من ~~قبلنا ". # وقال الضحاك: في قوله: { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو ~~تخفوه يحاسبكم به الله } ، قال: " إذا دعي الناس ليوم ~~الحساب أخبرهم الله بما كانوا يسرون في أنفسهم، فيقول: " إنه لم ~~يغب عني شيء وإن كتابي من الملائكة لم ~~يكونوا يطلعون على ما تسرون في أنفسكم، وإني ~~لا أحاسبكم به اليوم ". # قال الضحاك: هذا قول ابن عباس. # وعن ابن عباس أن الله جل ذكره نسخ هذه الآية بقوله: { لا يكلف ~~الله نفسا إلا وسعها } ، قال: لما نزلت: { وإن تبدوا ~~ما في أنفسكم } الآية، وجدوا في أنفسهم منها وجدا شديدا فنسخ ~~الله ذلك وأجارهم. منها، ثم علمهم أن يقولوا إذا عملوا سيئة: { ربنا ~~لا تؤاخذنا إن نسينآ أو أخطأنا } إلى قوله: ms0288 { من ~~قبلنا }. # قال: " وكان الذين من قبلهم، إذا عملوا سيئة حرم الله عليهم طيبات أحلت ~~لهم، وذلك قوله: # فبظلم من الذين هادوا / حرمنا عليهم ~~طيبات أحلت لهم # [النساء: 160]. # وقال للمؤمنين: قولوا: { ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة ~~لنا به } إلى قوله: { الكافرين }. # قال: " فهذا شيء أعطاه الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم لم يعطه ~~أحدا ممن كان قبلهم من الأمم ألا يؤاخذوا بنسيان ولا خطأ غيرهم ". وقال ~~الحسن: " قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " تجاوز الله لابن آدم عما نسي وعما أخطأ ~~وعما أكره عليه وعما غلب عليه ". # وروى عبد الله بن أبي أوفى أن النبي عليه السلام قال: # " إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ~~ما لم تعمل به أو تكلم به ". # وروي أن ابن عمر قرأ هذه الآية وبكى بكاء شديدا، ثم قال: " والله لئن ~~آخذنا الله بهذا لنهلكن " ، فبلغ ذلك ابن عباس، فقال: " يرحم الله أبا ~~عبد الرحمن؛ لقد وجد المسلمون منها مثل ما وجد حتى أنزل الله بعدها: { ~~لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت }. # قال ابن جبير: " لما نزل: { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو ~~تخفوه يحاسبكم به } ، شق ذلك على الناس حتى نزلت بعدها: { ~~لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } ". # قال مجاهد: " معنى: { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو ~~تخفوه }: يعني من الشك واليقين ". # قال ابن جبير: " نسخت { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ~~} قوله: { وإن تبدوا ما في أنفسكم } أو تخفوه الآية ". ~~وقاله إبراهيم / والشعبي. # قال الضحاك: " لما نزلت { ءامن الرسول بمآ أنزل إليه ~~من ربه } ، إلى آخر / السورة، قال الله جل ذكره: " قد فعلت ~~". # وروي عن الحسن والضحاك - أو عن أحدهما - أنه قال في قوله تعالى: { ~~وقالوا سمعنا وأطعنا }: " معناه: سمعنا القرآن أنه جاء من ~~عند الله وأطعنا ". # يقول: " أقروا على أنفسهم بالطاعة لله فيما أمرهم به ونهاهم عنه ". # وروى حذيفة أن النبي عليه السلام قال: # " أوتيت هؤلاء الآيات من [آخر سورة] البقرة من ~~بيت كنز تحت العرش، لم يعط أحد ms0289 منه قبلي، ولا ~~يعطى أحد منه بعدي ". # وروى النعمان بن بشير أن النبي عليه السلام قال: # " إن الله تعالى كتب كتابا قبل أن يخلق ~~السماوات والأرض بألفي عام، فأنزل الله منه ~~آيتين ختم بهما سورة البقرة ولا تقرآن في دار ~~ثلاث ليال فيقربها شيطان ". # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: " إن خواتم سورة البقرة وفواتحها من ~~كنز تحت العرش ". # وروي أنها لما نزلت قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " ويحق له أن يؤمن " # يعني نفسه. # وذكر ابن الأنباري في هذه الآية ثلاثة أقوال: قال: إن الله تعالى يعاقب ~~الذي يحدث / نفسه بالمعصية، ولا يعملها، بهم أو حزن وبشبهه، ثم لا ~~يحاسبه على ذلك يوم القيامة وهو معنى قول عائشة رضي الله عنها. # / والقول الثاني: إن الله يقبل على العبد يوم القيامة فيخبره بما حدث ~~به نفسه من خير وشر، ثم لا يجزيه بما لم يظهر منه من عمل، وهو معنى قول ~~الضحاك. # والقول الثالث: إنه منسوخ بقوله: { لا يكلف الله نفسا ~~إلا وسعها }. فالوسوسة وحديث النفس لا يملك الإنسان صرفه، ولا ~~قدرة له على دفعه. # قوله: { لا تؤاخذنا إن نسينآ أو أخطأنا }. # روى مالك عن نافع عن ابن عمر أنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: / # " أتاني جبريل، فقال لي: يا محمد، الله يقرئك ~~السلام ويقول لك: إني قد تجاوزت لك عن أمتك ~~الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ". # وقال ابن زيد: " { ولا تحمل علينآ إصرا } ، أي ذنبا لا ~~توبة منه ولا كفارة فيه ". # وقال ابن وهب عن مالك: " الإصر: الأمر الغليظ ". # وقال أهل اللغة: " الإصر: الثقل ". # وقيل: معناه: لا تحمل علينا فرضا يصعب علينا أداؤه، كما حملت على بني ~~إسرائيل بعضهم يقتل بعضا، وشبهه. # قوله: { ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به }: أي لا تكلفنا ~~من الأعمال ما لا نطيق. # وقال قتادة: معناه: لا تشدد علينا كما [شددت على] من كان قبلنا. # ومعنى: { ما لا طاقة لنا به } أي: ما لا نستطيعه إلا بمشقة ~~شديدة وكلفة عظيمة. ms0290 فإنما سألوا دفع ما في طاقتهم لو كلفوه، ولكن له مشقة ~~وكلفة. ولم يسألوا دفع ما لا يطيقونه لو كلفوه، لأن ذلك لا يوصف به الله ~~عز وجل فيجوز أن يسألوا في دفعه عنهم. # قوله: { واعف عنا }: أي امح ذنوبنا. والعافي الدارس. # { واغفر لنا }: أي حط عنا ذنوبنا. # { أنت مولنا }: أي ولينا. # وروت أم سلمة أن النبي عليه السلام قال: # " إن الله تجاوز لكم عن ثلاث: عن الخطأ ~~والنسيان والاستكراه ". # وعن أبي هريرة أن النبي عليه السلام قال: # " إن الله تجاوز لأمتي عن كل شيء حدثت به ~~أنفسها ما لم تعمل به ". ### | [3 - سورة آل عمران] ### || [3.1-2] # قوله: { الم * الله لا إله إلا هو }. # قد تقدم ذكر { الم } في أول البقرة، وذكر { لا إله إلا هو ~~الحي القيوم } عند ذكر آية الكرسي. # وأجاز الأخفش كسر الميم في { الم * الله } لالتقاء الساكنين. # ومن أسكن الميم وقطع فعلى نية الوقف، وكذلك إسكان الميم في # الم * ذلك الكتاب # [البقرة: 1-2] و # الم * غلبت الروم # [الروم: 1-2] وشبههما. # ومن فتح فإنه حرك الميم لسكونها وسكون الياء قبلها، ولم يكسر لاستثقال ~~الكسر بعد الياء، وقد قال الفراء: " من فتح ألقى حركة الهمزة على الميم ~~". # وفي " القيوم " من القراءات والمعاني مثلما ذكر في آية الكرسي. # وأحسن ما قيل فيه: إنه القائم على كل شيء، الذي لا يزول، الدائم. ### || [3.3] # قوله: { نزل عليك الكتب بالحق } يعني القرآن. { ~~مصدقا لما بين يديه } أي: يصدق ما تقدمه من كتب الله. # وقوله: { وأنزل التوراة والإنجيل } أي: من قبل نزول ~~القرآن. ### || [3.4] # وقوله { هدى للناس }: يعني اليهود والنصارى، وهذا كله رد على من ~~جحد القرآن. # وكان سبب هذه السورة في نزولها بالتوحيد، وذكر يحيى وعيسى: # " أن طائفة من النصارى قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ~~من نجران فحاجوه في عيسى وألحدوا، فأنزل الله في أمرهم وأمر عيسى من هذه ~~السورة نيفا وثمانين آية من أولها، احتجاجا عليهم، ودعاهم النبي عليه ~~السلام إلى الإسلام فقالوا: قد أسلمنا فقال صلى ms0291 الله عليه وسلم: كذبتم. ~~يمنعكم من الإسلام ادعاؤكم لله ولدا، وعبادتكم الصليب، وأكلكم الخنزير، ~~فأبوا إلا المقام على كفرهم، فدعاهم إلى المباهلة، فأبوا ذلك وسألوه أخذ ~~الجزية فقبلها، وانصرفوا إلى بلادهم ". # وكان من أول ما سألوه أن قالوا: من أبو عيسى عليه السلام؟ فسكت النبي ~~صلى الله عليه وسلم. فأنزل الله صدر السورة بتوحيده وتعظيمه ردا عليهم، ~~ووصف نفسه بالحياة تقريعا لهم، لأنهم يعبدون عيسى وهو عندهم قد مات ~~وقال: # هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشآء # [آل عمران: 6]. وقال: # إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم # [آل عمران: 59]. # وكان ممن قدم عليه ثلاثة رؤساء (لهم) منهم: أحدهم العاقب، وهو عبد ~~المسيح. # والآخر: السيد، وهو الأيهم. # والثالث أبو حارثة بن علقمة، أخو بكر بن وائل. # والإنجيل " الأصل من: نجلته " الشيء: أخرجته، ويقال نجله أبوه أي: جاء ~~به وجمعه أناجيل، وهو إفعيل وجمع التوراة: توار. # قوله: { مصدقا لما بين يديه } ، (أي) لما قبله من كتاب ~~ورسول ". # قوله: { وأنزل الفرقان }. # هو ما يفرق به بين الحق والباطل في أمر عيسى. # وقيل: في أحكام الشرائع، وقيل: فيهما. # قوله: { إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب ~~شديد }. # أي: إن الذين جحدوا بآيات الله وقالوا: إن عيسى ولده واتخذوه إلها { ~~لهم عذاب شديد }. ### || [3.5] # معناه: من كان بهذه الحال يا محمد كيف يخفى عليه ما يضاهي به هؤلاء في ~~عيسى. ### || [3.6] # قوله: { هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشآء }. # أي: يجعل هذا ذكرا وهذا أنثى، وهذا أسود وهذا أحمر فلذلك خلق عيسى لا ~~من رجل كيف شاء، ولو كان إلها ما اشتملت عليه الأرحام، وانتقل من حالة ~~إلى حالة. ### || [3.7] # قوله: { هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات ~~محكمات }. # قال ابن عباس: [هي]: # قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم # [الأنعام: 151] إلى ثلاث آيات، وفي بني إسرائيل # وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ~~وبالوالدين # [الإسراء: 23]، قال: والمتشابه نحو: آلم، والروح وشبهه. # وقال مجاهد وعكرمة، ويحيى بن يعمر: المحكمات: الحلال والحرام والأمر ~~والنهي، وما سوى ذلك ms0292 فمتشابه يصدق بعضه بعضا. # وقال الضحاك: المحكمات الناسخات، والمتشابهات المنسوخات. # وأهل المعاني على (أن) المحكم ما قام بنفسه، وفهم في ظاهر لفظه، ولم ~~يحتمل إلا ذلك، والمتشابه ما احتاج إلى تأويل وتفسير واحتمل المعاني. # وسمى المحكمات أم الكتاب لأنهن معظمه، وأكثره. # وقيل: سماهن أم الكتاب لأن فيهن أمر الدين من: حلال وحرام وأمر ونهي ~~وفرض وغير ذلك، فهذا الأصل الذي تعبدنا به. # وإنما وحد الأم لأن معناه: هن أصل الكتاب. # وقيل: المعنى هن الشيء الذي كل واحدة منهن أم الكتاب. # قوله: { وأخر متشابهات }. قيل معناه: اشتبهت على اليهود إذ ~~سمعوها وهي أوائل السور: حروف التهجي، متشابهات في التلاوة مختلفات في ~~المعاني. # وقال ابن عباس: متشابهات: هو المنسوخ، والمقدم والمؤخر. # وقال قتادة وغيره: المحكمات: الناسخات، والمتشابهات المنسوخات. # وقيل: المحكمات ما حكمت فيه ألفاظ قصص الأنبياء والأمم، والمتشابهات ما ~~حكمت فيه ألفاظ القصص والأخبار، قاله ابن زيد. # [قال:]: نحو # فاسلك فيها # [المؤمنون: 27]، # احمل فيها # هود: 40]، # اسلك يدك # [القصص: 32]....... [ادخل يدك] " ، # حية تسعى # [طه: 20]، # ثعبان مبين # [الشعراء: 32] " ، ونحوه، فهذا المتشابه. # وقيل: المحكم ما علم تأويله العلماء، والمتشابه ما لم يعلم تأويله أحد، ~~وقد أفردنا الكلام على هذه الآية في كتاب مفرد متقصى فيه الاختلاف فيها ~~وموضع الوقف. # قوله: { فأما الذين في قلوبهم زيغ }. # أي: ميل عن الحق وهو الشك { فيتبعون ما تشابه منه } وهو ~~ما احتمل التأويلات " يبتغون بذلك الفتنة " أي: الكفر. # قال ابن عباس: يحملون المحكم على المتشابه، والمتشابه على المحكم يلبسون ~~على الناس. # وقال السدي: يعترضون في الناسخ والمنسوخ فيقولون: ما بال هذه وما بال ~~هذه. وعنى بهذا الوفد من نصارى نجران ومن هو مثلهم. لأنهم خاصموا النبي ~~صلى الله عليه وسلم في عيسى. # وقال قتادة: إن لم يكونوا الحرورية فما أدري من هم؟. # وروت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنوا بقوله: { فيتبعون ~~ما تشابه منه } ". # قال السدي والربيع { ابتغاء الفتنة } أي: الشرك # وقال مجاهد: ابتغاء الشبهات. # قال ابن عباس معنى: ms0293 { ابتغاء تأويله } هو طلب الأجل في مدة ~~محمد وأمته من قبل الحروف التي في أوائل السور وذلك أنهم حسبوها على حروف ~~الجمل بالعدد فقالوا: هذه مدة محمد وأمته. # قال السدي: أرادوا أن يعلموا عواقب القرآن وهو تأويله متى ينسخ منه شيء. # وقيل معناه: وابتغاء تأويل المتشابه على ما يريدون من الزيغ. # قوله: { وما يعلم تأويله إلا الله }. # أي: ليس يعلم متى تقوم الساعة وتنقضي مدة أمة محمد عليه السلام إلا ~~الله. # { والراسخون في العلم يقولون آمنا به }. # أي: يسلمون ويقولون صدقنا، وهو قول ابن عباس وعائشة وابن مسعود، وجماعة ~~من التابعين، وهو قول مالك. # وروى عن نافع ويعقوب والكسائي، إن الوقف { إلا الله } وهو قول ~~الأخفش والفراء وأبي حاتم، وأبي إسحاق، وابن كيسان، وهو اختيار الطبري. # ومعنى التأويل: التفسير وهو عند أكثرهم قيام الساعة لأنه ما تؤول إليه ~~الأمور. # ومعنى: { والراسخون في العلم } الذين قد أتقنوا علمهم، وأصله ~~من: رسخ إذا ثبت. # وروي عن ابن القاسم أن مالكا سئل عن الراسخين في العلم: من هم؟ فقال: ~~العامل بما علم، المتبع له. # (وقال في رواية ابن وهب عنه: العالم العامل بما علم المتبع له). # وعن ابن أسامة أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الراسخين في العلم ~~فقال: # " من برت يمينه، وصدق لسانه، واستقام قلبه، وعف بطنه وفرجه، فذلك من ~~الراسخين في العلم ". # وقيل: الراسخ في العلم من وقف حيث انتهى به علمه. # قوله: { كل من عند ربنا }. # أي: ما نسخ وما لم ينسخ من عند الله. # وقول أكثر العلماء: إن الراسخين في العلم لا يعلمون تأويل المتشابه. # قال عروة بن الزبير: الراسخون في العلم لا يعلمون تأويله ولكن يقولون: { ~~آمنا به كل من عند ربنا }. # قوله: { وما يذكر إلا أولوا الألباب }. # أي ما يتذكر فيعلم الحق فيؤمن به إلا أولو العقول. ### || [3.8] # قوله: { ربنا لا تزغ قلوبنا }. # أي: لا تملها عن إيمانها بالمتشابه والمحكم فأنت هديتنا. ### || [3.9] # قوله: { ربنآ إنك جامع الناس... }. # أي: ويقولون أيضا مع قولهم: { لا تزغ ms0294 قلوبنا } ، ومع قولهم { ~~آمنا به }: { ربنآ إنك جامع الناس ليوم لا ~~ريب فيه }. لا شك فيه. ### || [3.10] # قوله: { إن الذين كفروا.... }. # يعني: من حاج محمدا (صلى الله عليه وسلم) في عيسى لا تغني عنهم ~~الأموال والأولاد يوم القيامة في شيء. ### || [3.11] # قوله: { كدأب آل فرعون }. # أي: كعادتهم، وقيل كصنعهم: وقيل كشأنهم. # وقيل: كسنتهم في التكذيب والكفر، أي: تكذيب هؤلاء (كتكذيب هؤلاء) وصنعهم ~~كصنعهم، وسنتهم كسنتهم والدأب: العادة ### || [3.12] # قوله: { قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون }. # من قرأ بالتاء فعلى الخطاب لهم لقوله: { قد كان لكم آية } كأنه ~~قال: [قل] يا محمد للذين (يتبعون) ما تشابه من القرآن ابتغاء الفتنة: { ~~ستغلبون وتحشرون إلى جهنم } يعني اليهود، فهم ~~المغلوبون. # ومن قرأ بالياء فعلى معنى، قل لليهود سيغلب المشركون. # فمن قرأ بالتاء كان المعنى: إن الله أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يقول لهم هذا القول بعينه. # [ومن قرأ بالياء فالمعنى: إن الله أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول ~~لغيرهم هذا القول وهم اليهود. # واحتج] من قرأ بالتاء أن النبي عليه السلام جمع يهود بعد وقعة بدر، فقال ~~لهم: أسلموا قبل أن يصيبكم مثلما أصاب قريشا يوم بدر، فأبوا، وقالوا: لا ~~تغرنك نفسك أنك قاتلت قريشا وكانوا أغمارا لا يعرفون القتال، إنك لو ~~قاتلتنا لعرفت ما نحن عليه فأنزل الله [تعالى] { قل للذين ~~كفروا ستغلبون وتحشرون } إلى قوله { الأبصار }. # وحجة من قرأ بالياء ما روي أن اليهود تضعضعوا، وخافوا مثل يوم بدر ~~وقالوا: هذا لا تزيح له راية فقال بعضهم لا تعجلوا بتصديقه حتى تكون وقعة ~~أخرى فلما نكب المسلمون يوم أحد كذبت اليهود وفرحت فأنزل الله: قل يا ~~محمد لليهود سيغلب المشركون ويحشرون إلى جهنم ### || [3.13] # قوله: { قد كان لكم آية في فئتين التقتا.... } ~~الآية. # قرأ الحسن { فئة } ، { كافرة } بالخفض فيهما على البدل، من { ~~فئتين }. # ومن رفع فعلى إضمار مبتدأ. # وقال أحمد بن يحيى: يجوز النصب على الحال. # وقال الزجاج: النصب بمعنى أعني. # ومن قرأ { يرونهم } بالتاء فعلى المخاطبة لليهود، ms0295 أي ترون أيها ~~اليهود المشركين مثلي المؤمنين. # ومن قرأ بالياء جعل الرؤية للمسلمين، أي: يرى المؤمنون المشركين مثلي ~~أنفسهم. # وكان المسلمون يوم بدر ثلاثمائة وأربعة عشر رجلا. وقيل ثلاثة عشر، ~~والمشركون تسعمائة وخمسون. # وقيل: كانوا ألفا. # وقيل: كانوا ما بين ألف إلى تسعمائة. # وقد وعد الله المؤمنين بأن الرجل منهم يغلب الرجلين فأراهم الله ~~المشركين مثليهم لتقوى نفوسهم، وكانت تلك آية أن رأوا الكثير قليلا كما ~~قال: # وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ~~ويقللكم في أعينهم # [الأنفال: 44]. # وأنكر أبو عمرو قراءة من قرأ بالتاء وقال لا يلزم أن يقرأ مثليكم، هذا ~~الرد إنما يلزم لو كانت الرؤية تنصرف على المسلمين، ولا يمكن إلا ذلك. # وقراءة التاء تنصرف على اليهود الذين تقدم ذكرهم. # والمعنى: قد كانت لكم أيها اليهود علامة في صدق محمد صلى الله عليه وسلم ~~وصحة ما دعاكم إليه بنصر (الله) تعالى إياه يوم بدر وأعداؤه مثلا من معه. # وقيل: [المعنى] على قراءة التاء في ترونهم أيها المؤمنون مثلي أصحابكم. # وقال ابن كيسان: الضمير في { يرونهم } يعود على { أخرى ~~كافرة }. والهاء والميم في { مثليهم } يعودان على فئة. # وقال الفراء: معنى " مثليهم " ثلاثة أمثالهم. # قال ابن كيسان: كأنه جعل ترونهم يرجع إلى الكل أي: ترون الكل ثلاثة ~~أمثال أصحابكم: هذا على [معنى] من قرأ بالتاء ". # [ومن قرأ بالياء فعلى معنى يرى المؤمنون الكل ثلاثة أمثالهم، # وتكون التاء مخاطبة لليهود فيكون المعنى ترون أيها اليهود الكل ثلاثة ~~أمثال المؤمنين] وهذا كله يوم بدر. # { والله يؤيد } اي: يقوي { بنصره من يشآء }. ### || [3.14] # وقوله: { زين للناس حب الشهوات من النساء } ~~الآية. # هذا توبيخ لليهود إذ آثروا الدنيا على الآخرة، فنبذوا اتباع محمد صلى ~~الله عليه وسلم خوف أن تذهب رياستهم. # وروي عن عمر أنه قال لما نزلت هذه الآية: { زين للناس حب ~~الشهوات }: " الآن يا رب حين زينتها " فنزل { قل أؤنبئكم ~~بخير من ذلكم } الآية. # فالمعنى: زين الله للناس ذلك ابتلاء واختبارا منه كما قال: # إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها ms0296 لنبلوهم ~~أيهم أحسن عملا # [الكهف: 7]، فأخبر بالعلة التي من أجلها جعل ما في الأرض زينة لها. # وروي عن النبي عليه السلام أنه قال: # " القنطار ألف أوقية ومائتا أوقية ". # وقيل عنه: # " القنطار ألف دينار ومائتان ". # وقال ابن عباس: القنطار اثنا عشر ألف درهم. # وقال ابن المسيب: القنطار ثمانون ألفا. # وعن أبي هريرة: أنه اثنا عشر ألف أوقية. # وعن ابن عباس أنه قال: " هو دية أحدكم " وعنه: ثمانون ألف درهم [وعنه ~~سبعون] ألفا. # وقال قتادة: القنطار ثمانون ألف درهم. # وقيل: هو مائة رطل من ذهب، وهو قول قتادة. # وعن مجاهد: القنطار سبعون ألف دينار. # وقيل: هو المال الكثير. # وقيل: [هو] أربعون ألف أوقية من ذهب أو فضة. # وقال القتبي وغيره: هو ملء مسك ثور من ذهب، والمقنطرة المكملة. # وقال الفراء: المقنطرة: المضعفة. # وقال ابن كيسان: لا تكون المقنطرة أقل من تسعة قناطير. # وقال السدي معنى المقنطرة: المضروبة دراهم ودنانير. # وواحد الخيل عند أبي عبيدة: خايل. سمي بذلك لأنه يختال في مشيته وهو ~~كطير وطائر. # وقيل: هو اسم للجمع لا واحد له من لفظه. # والمسومة: الراعية، قاله ابن عباس، وابن جبير، وقتادة ومجاهد. # وعن مجاهد أيضا: هي الحسان المطهمة الحسنة الصورة. # وعن ابن عباس أيضا: المسومة: المعلمة. # وقال الحسن: المسومة: الممرجة، يريد الراعية في المروج. # وقال ابن زيد: المسومة: المعدة للجهاد. # وواحد الأنعام: نعم ونعم، لا واحد [له من] لفظه قوله: { ذلك ~~متاع الحياة الدنيا }: أي: هذا الذي ذكر متاع الحياة الدنيا { ~~والله عنده حسن المآب } أي: حسن المرجع للذين اتقوا ربهم، ~~وهي الجنة والخلود فيها. # والمآب: المفعل، من آب يؤوب، وأصله المأوب، ثم نقلت فتحة الواو على ~~الهمزة، وانقلب [الواو] ألفا كالمقال والمجال. ### || [3.15] # قوله: { قل أؤنبئكم بخير من ذلكم } الآية. # (رفع { جنات } على) الابتداء. # ويجوز الخفض على البدل من { بخير }. # ويجوز النصب على إعادة الفعل # ويكون للذين متعلق ب { أؤنبئكم }. # وقوله: { ورضوان } أي زيادة الرضا بعد دخول الجنة. # وروى ابن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: " إذا دخل أهل الجنة ms0297 الجنة، ~~قال الله: أعطيكم أفضل من هذا؟ فيقولون أي ربنا، أي شيء أفضل من هذا؟ ~~فيقول: أحل لكم رضواني ". # وهذه الآية نزلت تعزية للمهاجرين الذين أخرجوا وتركوا ديارهم وأموالهم ~~[فأعلمهم الله أن خيرا مما تركوا من الدنيا الجنة للذين اتقوا. # قوله: { والله بصير بالعباد } أي: ذو بصر بمن يتقيه ويخافه ~~ممن لا يتقيه ويتبع الشهوات. # وروي أن هذه الآية نزلت تعزية وتصبيرا للمهاجرين إذ فارقوا ديارهم ~~وأموالهم] قدموا بلدا لا مال لهم فيه [ولا] ديار، فأعلموا أن خيرا مما ~~تركوا من الدنيا: الجنة، ثم مدحهم الله فقال: { الذين يقولون ~~ربنآ.... } الآية. ### || [3.16] # قوله: { الذين يقولون ربنآ.... } الآية. # في هذه الآية صفة من يتقيه ويخافه. # ومعنى { فاغفر لنا }: استر علينا ذنوبنا. ### || [3.17] # ثم وصفهم فقال: { الصابرين والقانتين }. الآية. # ومعنى { الصابرين } الذين صبروا في البأساء والضراء وحين البأس أي: ~~في القتال. # وقال قتادة: صبروا عن محارم الله، وصبروا على طاعة الله (عز وجل). # وقيل: الصابرون هم الصائمون، يقال لشهر رمضان شهر الصبر. # وقيل هم الذين يصبرون على طاعة الله عز وجل ويصبرون عن المعاصي وهو قول ~~قتادة. # ومعنى { الصادقين } في قول قتادة: هم قوم صدقت نياتهم. وعنه (هم) ~~قوم صدقت أفواههم واستقامت قلوبهم وألسنتهم. # والقانتون: المطيعون، وقيل: المصلون. # والمنفقون: الذين يزكون كما أمر الله. # ومعنى: { والمستغفرين بالأسحار }. # قال قتادة: هم الذين يصلون بالأسحار. # وروي عن ابن مسعود أنه الاستغفار بعينه. # (و) عنه: أنه سمع رجلا بالسحر يقول: أمرتني فأطعتك وهذا سحرك، فاغفر ~~لي. # قال أنس بن مالك: أمرنا أن نستغفر بالأسحار سبعين استغفارة. # وقال زيد بن أسلم: " والمستغفرون بالأسحار " هم الذين يشهدون صلاة ~~الصبح. # وقيل: هو الاستغفار بعينه. # وروي عن النبي عليه السلام أنه قال: # " إن الله يتنزل في ثلث الليل الأخير إلى السماء الدنيا يقول من يدعوني ~~أستجب له من يستغفرني أغفر له ". ### || [3.18] # قوله تعالى: { شهد الله أنه لا إله إلا هو... } ~~الآية. # نفى الله عز وجل بهذه الآية ما أضافته إليه النصارى الذين حاجوا النبي ~~عليه السلام - في عيسى ms0298 - وغيرهم، أنه إله فأخبرهم أنه { لا إله ~~إلا هو } ، وأن ذلك شهد به هو، وملائكته وأهل العلم من خلقه. # قال أبو عبيدة: معنى شهد الله: قضى الله، أي: علم. وأنكر ذلك جماعة، ~~ومعنى { قآئما بالقسط } أي: بالعدل. # وقرأ أبو المهلب: " شهدآء الله " رده على ما قبله، ونصبه على الحال. # وروى عنه: شهداء الله على الحال أيضا. # وعنه: شهداء الله، رفع بالابتداء. ### || [3.19] # قوله: { إن الدين عند الله الإسلام... } الآية. # { بغيا بينهم } منصوب بفعل دل عليه (اختلف) كأنه: اختلفوا بغيا ~~بينهم، # وقال الأخفش: [نصبه] باختلف، هذا الظاهر تقديره: (وما اختلف الذين أوتوا ~~الكتاب بغيا بينهم). # وهو حال عند الجميع. # وقيل: مفعول من أجله. # ومن كسر إن فعلى الابتداء، ومن فتح رده على شهداء أي: ويشهد بأن الدين. # وقال ابن كيسان: إن الثانية بدل من الأولى، لأن الإسلام تفسير بمعنى ~~[الدين] الذي هو التوحيد. # وعن ابن عباس: شهد الله إنه، بالكسر فجعله خبرا وتفتح أن الدين برفع ~~الشهادة عليها. # وقد ألزم من قرأ بالفتح في أن الدين أن يقرأ: أن الدين عنده الإسلام، ~~لأن الإظهار يستغنى عنه، وقد منع النحويون: شهدت أن زيدا عالم، وأن ~~زيدا بصير، والثاني هو الأول. # وقال المحتج للكسائي: وقع الإظهار هنا للتعظيم والتفخيم كما قال: لا أرى ~~الموت يسبق الموت (شيء). # على التعظيم للموت. # والذي هو أحسن من هذا، أن النحويين إنما منعوا الإظهار [فيما يمكن أن ~~يتوهم أن الثاني غير الأول فيخاف الالتباس عند الإظهار]، والآية لا يمكن ~~ذلك فيها، لأن هذا الاسم ليس هو إلا لواحد لم يتسم به غيره، لا إله إلا ~~هو، فإظهاره مرة بعد مرة لا يوهم أن الثاني غير الأول، وإظهار زيد مرة ~~[بعد مرة] يوهم أن الثاني غير الأول. # فليست الآية تشبه ما يقع في الكلام من الإظهار بعد الإظهار، إذ زيد ~~وغيره يصلح لكل أحد، وأما الموت فإنما ظهر في الثاني لأنه لا لبس فيه، إذ ~~ليس ثم غير موت واحد، فليس يتوهم أن الثاني غير الأول وفي الإظهار ms0299 مع ~~زوال الالتباس معنى التعظيم والتفخيم كما تقدم. # والدين: الطاعة # ومعنى الإسلام: شهادة أن لا إله إلا الله، والإقرار بما جاء من عند ~~الله. # وأصل الإسلام: الخشوع والانقياد. # وروى ابن عمر عن النبي عليه السلام أنه قال: # " بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء ~~الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان ". # وفي هذه الآية دلالة على ضعف قول من يفرق بين الإسلام والإيمان، ويجعل ~~الإيمان أفضل من الإسلام، إذ أخبر الله جل ذكره { إن الدين عند ~~الله الإسلام } فهو الإيمان بعينه، إذ لا يرضى الله من خلقه بما ~~هو أدون، ويدل على ذلك قوله: # ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه # [آل عمران: 85]. # فالإسلام: هو الإيمان إذا استوى الباطن والظاهر، فإن خالف الظاهر الباطن ~~فيهما فليسا بدين يتقبله الله، نحو قوله: # قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا # [الحجرات: 14] ونحو قوله # ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر ~~وما هم بمؤمنين # [البقرة: 8] لم يحصلوا على شيء لما خالف باطنهم ظاهرهم. # وقد قيل: " إن الإسلام أعم من الإيمان، لأن الإيمان ما صدق به الباطن، ~~والإسلام ما صدق به الباطن ونطق به الظاهر. # ومعنى { الذين أوتوا الكتاب } أي: الإنجيل، وهم النصارى ~~الذين اختلفوا في محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: في عيسى للبغي من بعدما ~~جاءهم العلم، فعلوا ذلك طلبا للرياسة والدنيا، قوله: { سريع ~~الحساب } أي: أحصى كل شيء بلا معاناة ولا عدد. # وقال الربيع: { الذين أوتوا الكتاب } هم اليهود، و { ~~الكتاب }: التوراة، وذلك أن موسى على نبينا وعليه السلام، لما حضرته ~~الوفاة دعا سبعين حبرا من أحبار " بني إسرائيل، فاستودعهم التوراة، ~~واستخلف عليهم يوشع بن نون، فلما مضت ثلاثة قرون بعد موسى صلى الله عليه ~~وسلم وقعت الفرقة والاختلاف بين أبناء أولئك السبعين تنافسا في الدنيا، ~~وطلبا للملك والرياسة. ### || [3.20] # قوله: { فإن حآجوك فقل أسلمت وجهي لله... } # (أي): فإن حاجك يا محمد، النفر من نصارى نجران في أمر عيسى، فقل: أخلصت ~~وجهي لله، أي: عبادتي لله، ms0300 { ومن اتبعن } أخلص أيضا، # " من " في موضع رفع عطف على التاء في { أسلمت } أي ": أسلمت أنا ~~ومن تبعني وجوهنا لله. # وقيل: هي موضع خفض عطف على " الله " ومعنى الكلام أخلصت نفسي لله ول: " ~~من اتبعني " # قوله: { وقل للذين أوتوا الكتب } يعني: اليهود ~~والنصارى و { الأميين } يعني: " الذين لا كتاب لهم من مشركي العرب، ~~كأنهم نسبوا إلى الأم لجهلهم بالكتابة كالأم. # وقيل: نسبوا إلى مكة، وهي أم القرى. # أسلمتم أي: أقررتم بالتوحيد، { فإن أسلموا } أي: انقادوا وخضعوا ~~لله ولدينه { فقد اهتدوا } والكلام يراد به الأمر وأخرج مخرج ~~الاستفهام. # والمعنى: قل لهم أسلموا، ولذلك دخلت الفاء في الجواب وهي مثل قوله: # فهل أنتم منتهون # [المائدة: 91] أي: انتهوا. # [قوله: { وإن تولوا فإنما عليك البلغ } هذا ~~منسوخ. # بالأمر بالقتال]. ### || [3.21-22] # قوله: { إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون ~~النبيين بغير حق } الآية. # قال أبو العالية: جاء النبيون إلى ناس من بني إسرائيل يدعونهم إلى الله ~~فقتلوهم، فقام ناس من المؤمنين فأمروهم بالإسلام فقتلوهم. # وعن عبد الله: إن بني إسرائيل كانت تقتل في اليوم سبعين نبيا، ثم تقوم ~~سوق بقلهم في آخر النهار. # وروي أن النبي عليه السلام قال: # " قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من (أول) النهار في ساعة واحدة ~~فقام مائة رجل منهم، واثنا عشر رجلا من عبادهم، فأنكروا عليهم، فقتلوا ~~جميعا في آخر النهار في ذلك اليوم " # ثم تلا الآية. # دخلت الفاء في الخبر من أجل: إن الذي فيه إبهام فدخل به في حيز ~~المجازات، فجاز دخول الفاء في الخبر وحسن مع " إن " لأنها للتأكيد لا ~~تغير معنى الابتداء، ولو دخلت لعل، أو ليت، أو كأن، لم يجز دخول الفاء في ~~الخبر مع الذين لأن الكلام يتغير معناه بهن. # وخوطب من كان بالحضرة بالآية، وهم لم يقتلوا، وإنما ذلك لأنهم على مذهب ~~من فعل ذلك في آبائهم، راضون بفعلهم، مصرون على ذلك إن وجدوا إلى ذلك ~~سبيلا، فلو وجدوا إلى قتل النبي صلى الله عليه وسلم ما تركوه، فخوطبوا ~~بذلك لأنهم وآباؤهم سواء. ms0301 # قوله: { أولئك الذين حبطت أعمالهم } أي: بطلت، فلا ~~ثناء عليهم في الدنيا ولا محمدة، ولا خير لهم في الآخرة ولا رحمة، وما ~~لهم من ينصرهم من عذاب الله، وعقابه. # وقرأ أبو السمال: { حبطت أعمالهم } ، بالفتح وهي لغة شاذة. ### || [3.24] # قوله: { ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا ~~أياما معدودات } [أي إنما أبوا أن يحكم بينهم كتاب الله، لأنهم ~~قالوا: لن تمسنا النار إلا أياما معدودات " ] وهي أربعون يوما، عدد ~~الأيام التي عبدوا فيها العجل. # { وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون } ، أي: غرهم ~~افتراؤهم وهو كذبهم وهو قولهم: # نحن أبناء الله وأحباؤه # [المائدة: 18] وقولهم: { لن تمسنا النار إلا أياما ~~معدودات }. ### || [3.25] # قوله: { فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب... }. # أي: فكيف يكون حالهم في ذلك الوقت، وقد قدموا الافتراء والكذب والكفر، ~~والتبديل واتباع المتشابه، وفضلوا الدنيا وزينتها على الآخرة. # والمعنى: جمعناهم لحساب يوم لا شك فيه. # وقال الكسائي: اللام بمعنى: في، والمعنى عنده: في يوم. ### || [3.26] # قوله: { قل اللهم مالك الملك } الآية. # ذكر أن النبي عليه السلام سأل الله أن يجعل ملك فارس والروم لأمته، ~~فأنزل الله: قل يا محمد: { اللهم مالك الملك } الآية. # وروي أن النبي عليه السلام، بشر أصحابه بفتح الشام وملك قيصر وكسرى، ~~فبلغ ذلك اليهود فقالوا: هيهات، هيهات، فعظموا ما صغر الله من ملك ~~الكفار، فقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد { اللهم ~~مالك الملك } الآية. # فلما سمعوا بذلك ذلوا، (طلبوا الموادعة)، فكانوا في رفاهية من العيش حتى ~~بغوا، فرد الله بغيهم عليهم، فقتلوا، وأجلوا. # قال مجاهد: { تؤتي الملك من تشآء }: النبوة # وقيل: الملك، والمال، والعبيد. # وقيل: هو الغلبة. # { وتعز من تشآء } " أي: بالغلبة، يقال: عزه إذا غلبه. ### || [3.27] # قوله: { تولج الليل في النهار وتولج النهار في ~~الليل... }. # قال ابن عباس: ما ينقص في (ذا) يزيد في ذا # ومعنى تولج: تدخل # قوله: { وتخرج الحي من الميت }. # قال مجاهد: الإنسان الحي من النطفة الميتة (ويخرج الميت من الحي): ~~النطفة الميتة من الإنسان الحي، وكذلك قال: الضحاك ms0302 والسدي: وقتادة ~~وغيرهم. # وقيل المعنى: يخرج النخلة من النواة، والنواة من النخلة والسنبل من الحب ~~والحب من السنبل، والبيض من الدجاج والدجاج من البيض، قال ذلك عكرمة ~~والسدي. # وقال الحسن: معنا: يخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن روي ذلك عن ~~ابن مسعود ورفعه الزهري إلى النبي صلى الله عليه وسلم. # فالمؤمن حي القلب والكافر ميت القلب. # قوله: { بغير حساب } أي: ليس يخاف نقصا فيخرج الأشياء بالحساب ~~والتحصيل. ### || [3.28] # قوله: { لا يتخذ المؤمنون الكافرين أوليآء... }. # قال ابن عباس: نهى الله المؤمنين أن يلاطفوا الكفار يتخذوهم أولياء، إلا ~~أن يكون الكفار لهم القوة والغلبة، فيظهر لهم اللطف بالقول لا غير وهو ~~قوله: { إلا أن تتقوا منهم تقة }. # قال الضحاك: التقية أن يحمل على أمر يتكلم به بلسانه من معصية الله ~~فيفعل وهو مطمئن بالإيمان، فلا إثم عليه. # قال الحسن: ذلك في المشركين يكرهون المؤمنين على الكفر وقلوبهم كارهة. # وقال قتادة: التقاة: أن تصل رحمك من الكفار من غير أن توليهم على ~~المؤمنين فتصله لقرابة منك ولا تواليه في الدين. # ويقال: إنها نزلت في عمار بن ياسر، وحاطب بن أبي بلتعة، أما عمار فخاف ~~أن يقتله المشركون فكلمهم ببعض ما أحبوا، وأما حاطب فكتب إلى المشركين ~~يعلمهم بأخبار النبي عليه السلام ليحفظوه في أهله بمكة وهو مطمئن ~~بالإيمان. # وقرأ مجاهد وجابر بن زيد وحميد والضحاك: تقية # وهي فعلية، وتقاة: فعلة، وهما مصدران. # { ويحذركم الله نفسه } (أي) من نفسه، أي: تركبوا ما ~~نهيتم عنه. ### || [3.29] # قوله: { قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه } ~~الآية. # معناه: قل يا محمد للذين نهوا أن يتخذوا الكافرين أولياء { أوليآء ~~من دون المؤمنين }: إن تخفوا ما في أنفسكم من ولاية الكافرين أو ~~تبدوه فذلك سواء، الله يعلم الجميع فيجازيكم عليه، فيغفر لمن يشاء، ويعذب ~~من يشاء ". ### || [3.30] # قوله: { يوم تجد كل نفس } الآية. # أي: هو على كل شيء قدير ذلك اليوم. # وقيل المعنى: واذكر يوم تجد. # وقيل (المعنى): ويحذركم الله نفسه يوم تجد. # ومعنى { محضرا }: موقرا، { أمدا ms0303 بعيدا } " قال السدي: ~~مكانا بعيدا ". # وقال ابن جريج: أجلا بعيدا. # وقال الحسن: لا يسر أحدكم أن يلقى عمله أبدا. # قوله: { ويحذركم الله نفسه } أي يحذركم ألا تسقطوه. # وقال الزجاج معناه: ويحذركم الله إياه، ثم استغنوا عنه بالنفس. # وقال غيره: المعنى: عقابه، ثم حذفت. ### || [3.31-32] # قوله: { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني } الآية. # قال الحسن: قال قوم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم إنا نحب ربنا ~~فأنزل الله: " قل (يا محمد) { إن كنتم تحبون الله } (كما ~~زعمتم) { فاتبعوني يحببكم الله }. # وقيل إنها نزلت في نصارى نجران، وذلك أنهم ادعوا في عيسى صلى الله عليه ~~وسلم ما اخترقوا، وقالوا: نقوله حبا لله وتعظيما له فقيل لهم: إن كنتم ~~صادقين في قولكم فاتبعوا محمدا صلى الله عليه وسلم فيحببكم الله. # ثم قال: قل [يا] محمد اطيعوا الله في اتباعي، وأطيعوا الرسول فيما ~~يأمركم به، كله مخاطبة للنصارى من وفد نجران. # وعن مالك أنه قال: معناه من أحب طاعة الله أحبه وحببه إلى خلقه. ### || [3.33-34] # " قوله: { إن الله اصطفى ءادم ونوحا } الآية. # نصب { ذرية } عند الأخفش على الحال، وعلى القطع عند الكوفيين. # وأجاز الزجاج نصبها على البدل مما قبلها فيعمل فيها { اصطفى } ~~والذرية هنا الجماعة، ويقع للواحد، قال الله تعالى: # هب لي من لدنك ذرية طيبة # [آل عمران: 38] فهو واحد كما قال: # فهب لي من لدنك وليا # [مريم: 5]. # فذكر الله في هذه الآية رجلين، وأهل بيتين، وفضلهم على العالمين فمحمد ~~صلى الله عليه وسلم من آل إبراهيم، وآل الرجل قد يكون أتباعه. # قال مالك: [آل محمد صلى الله عليه وسلم: أهل الاتباع له. وعنه أنه قال]: ~~آل محمد صلى الله عليه وسلم كل تقي، وهو مروي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم. # ومعنى، بعضها من بعض أي: في الدين والمعاونة على الإسلام والنية ~~والإخلاص. # وقيل معناه: متقاربون في النسب مجتمعون. ### || [3.35-40] # قوله: { إذ قالت امرأت عمران رب إني نذرت } ~~الآية. # المعنى سميع عليم إذ قالت. # وقيل: واذكر إذ قالت. # وقال أبو عبيدة: { إذ ms0304 } زائدة، وأنكر ذلك جماعة النحويين. # وقال الزجاج: المعنى: اصطفى آل عمران إذ قالت. # واسم امرأة عمران حنة، وزكريا هو ابن آذر، وعمران هو ابن ماتان وكلاهما ~~من ولد داود النبي من سبط يهود بن يعقوب صلى الله عليهم وسلم أجمعين. # وذلك أن زكريا وعمران تزوجا اختين، فكانت أم مريم عند عمران، وأم يحيى ~~عند زكريا، فهلك عمران، وأم مريم حامل بها وكانت في حياة عمران قد أمسك ~~عنها الولد حتى يبست، وكانوا أهل بيت [لهم] عند الله مكان، فبينا هي ذات ~~يوم في ظل شجرة نظرت إلى طائر يطعم فرخا، فتحركت له نفسها للولد، فدعت ~~الله أن يهب لها ولدا، فحملت ثم مات عمران، فلما علمت أن في بطنها ~~جنينا حسبته ذكرا فنذرته ليكون حبيسا لخدمة الكنيسة، وقيل: خدمة بيت ~~المقدس. # قال الكلبي: لما وضعتها لفتها في خرقتها ثم أرسلت بها إلى بيت المقدس، ~~فوضعتها فيه، فتنافست الأحبار بنو هارون. # فقال زكرياء: أنا أحقكم بها عندي خالتها، فذروها لي. # فقالت الأحبار: لو تركت لأفقر الناس إليها لتركت لأمها، ولكنا نقترع ~~عليها، فاقترعوا عليها بأقلامهم [التي]. يكتبون بها الوحي، فقرعهم زكريا ~~عليه السلام، واسترضع لها حتى إذا شبت بنى لها محرابا في المسجد على ~~الباب فلا يرقى إليها إلا بسلم. # ومعنى { محررا } عتيقا لعبادتك لا ينتفع به لشيء من أمور الدنيا. # وقال مجاهد " محررا خادما للكنيسة. # ونصب { محررا } على أنه نعت لمفعول محذوف أي: غلاما محررا. # وكانوا إنما يحررون الغلمان، فظنت أنها تلد غلاما فلما وضعت أنثى قالت: ~~{ رب إني وضعتهآ أنثى } تريد أنه إنما يحرر الغلمان ~~للخدمة. # وقيل المعنى إن الأنثى تحيض فلا تصلح لخدمة بيتك. # ثم دعت لها فقالت: { وإني أعيذها بك وذريتها من ~~الشيطان الرجيم } فاستجاب الله لها وأعاذها وذريتها منه. وأصل ~~المعاذ: الملجأ والمفعل، والهاء في " وضعتها لما على المعنى. # وقيل: لمريم ولم يجر لها ذكر ولكن المعنى مفهوم فحسن. ومن قرأ { ~~وضعت } بإسكان التاء ففي الكلام تقديم وتأخير تقديره: { قالت ~~رب إني وضعتهآ أنثى } { وليس الذكر ms0305 كالأنثى ~~} فهذا من كلامها، ثم قال تعالى إخبارا منه { والله أعلم بما ~~وضعت }. # ومن قرأ بضم التاء فليس فيه تقديم ولا تأخير وهذا كله من كلام أم مريم. # وقرأ ابن عباس: " وضعت " بكسر التاء ومعناه إنه خطاب من الله لها. # قال ابن عباس: ما ولد مولود إلا قد استهل سوى عيسى ابن مريم صلى الله ~~عليه وسلم فإنه لم يسلط عليه الشيطان لأن الله أجاب دعاء أم مريم في ~~قولها: { وإني أعيذها بك } الآية. # قال وهب بن منبه: لما ولد عيسى صلى الله عليه وسلم أتت الشياطين إبليس ~~فقالوا: أصبحت الأصنام قد انكسرت رؤوسها! فقال: هذا في حادث حدث، فقال: ~~مكانكم، وطار حتى جاء خافقي الأرض فلم يجد شيئا، ثم جاء البحار فلم يجد ~~شيئا، ثم طار ثانية فوجد عيسى صلى الله عليه وسلم قد ولد عند مدوذ حمار، ~~والملائكة قد حفت به، فرجع إليهم فقال لهم: إن نبيا قد ولد البارحة ما ~~حملت أنثى قط ولا وضعت إلا أنا بحضرتها إلا هذه، فيئسوا أن تعبد الأصنام ~~بعد هذه الليلة، ولكن ائتوا بني آدم من قبل الخفة والعجلة. # وقال النبي عليه السلام # " كل آدمي طعن الشيطان في جلده إلا عيسى ابن مريم وأمه جعل بينها وبينه ~~حجاب فأصابت الطعنة الحجاب ولم ينفذ إليهما شيء ". # وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخا من لمس ~~الشيطان إياه إلا مريم وابنها " # (ثم) يقول أبو هريرة: واقرأوا إن شئتم { وإني أعيذها بك ~~وذريتها من الشيطان الرجيم }. # قوله: { فتقبلها ربها }: أي: رضيها مكان المحرر { ~~وأنبتها نباتا حسنا } من غذائه. # وقرأ مجاهد: وتقبلها بالإسكان، { ربها } بالنصب عن النداء و " ~~أنبتها " بكسر الباء والإسكان، و " كفلها " بالإسكان " زكرياء " ~~بالنصب. # وقوله: { بقبول } أتى مصدرا على غير المصدر، وكان القياس ضم القاف ~~كالجلوس، ولكن أتى بالفتح فلا نظير له عند سيبويه. # وقال غيره، قد أتى منه الولوع والوجود والسعوط كل مصدر على فعول بالفتح. # قوله: ms0306 { وكفلها زكريا } المد في زكرياء لغة، وزكري لغة، ~~وزكر، وحكى أبو حاتم بغير صرف، وهو غلط عند النحويين لأن ما كانت في هذه ~~الياء. والتخفيف في كفلها على أن زكريا الفاعل. ومن شدد فمعناه كفلها ~~الله زكرياء لأنه تعالى أخرج قلمه إذ ساهم مع أحبار بني إسرائيل عليها من ~~يكفلها. # وكان زكريا زوج خالتها. # وقيل زوج أختها كان. # وامرأة زكريا بنت امرأة عمران، فهي أخت مريم. # وروي أن زكرياء كان ابن عم مريم أيضا. # فلما همت بالبلوغ فكانت تخدم في صغرها (مسجد) بيت المقدس، أراد زكريا، ~~أن يكفلها، وقال: هي ابنة عمي، وأختها زوجتي، فلم يتركها له جماعة ~~الأحبار والأنبياء، فتساهموا عليها، وأتوا بسهامهم إلى عين، فطرحوها فيها ~~فغرقت سهامهم كلهم، إلا سهم زكرياء، فضمها زكرياء لنفسه فكانت عنده في ~~غرفة بسلم. # وقوله: { وجد عندها رزقا }. # قال الضحاك: كان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في ~~الصيف. # وقال ابن إسحاق: كفلها زكرياء بعد هلاك أمها [و] ضمها إلى خالتها أم ~~يحيى حتى إذا بلغت أدخلوها الكنيسة لنذر أمها، فأصابت بني إسرائيل شدة، ~~فضعف زكرياء عن حملها فتقارع بنو إسرائيل عليها: من يقوم بها؟ وكلهم ~~يشتكي من الشدة ما يشتكي زكرياء، ولكن لم يكن لهم بد من حملها، فخرج ~~السهم لحملها على رجل نجار من بني إسرائيل يقال له جريج، [فعرفت مريم في ~~وجهه شدة مؤونة ذلك عليه، فقالت: يا جريج]، أحسن بالله الظن، فإن الله ~~سيرزقنا، فجعل جريج يرزق بمكانها عنده فيأتيها كل يوم من كسبه بما ~~يصلحها، فينميه الله ويكثره، فيدخل عليها زكريا، فيرى عندها فضلا من ~~الرزق ليس بقدر ما يأتيها به جريج، فيقول: { يمريم أنى لك ~~هذا } أي: من أي وجه لك هذا؟ فتقول: { هو من عند الله إن ~~الله يرزق من يشآء بغير حساب }. # قد تقدم في البقرة تفسير قوله { بغير حساب } والاختلاف في ذلك. # والمحراب: هو مقدم كل مجلس ومصلاه. # وهو أيضا: المكان العالي. # فلما رأى زكرياء من الله لها ما رأى، طمع ms0307 بالولد مع كبر سنه من المرأة ~~العاقر فدعا الله في الولد من ذلك الوقت، وهو قوله تعالى: { هنالك ~~دعا زكريا ربه } فبشر وهو يصلي بالمحراب. # وقيل: بشر يحيى بعد أربعين سنة من وقت دعائه ولذلك قال عند البشارة: { ~~رب أنى يكون لي غلام } لأنه نسي دعاءه لطول المدة التي ~~كانت بين الدعاء والإجابة. # والمحراب: المسجد، وهو الآن مقام الإمام في المسجد. # وقال الطبري: المحراب: " مقدم كل مجلس ومصلى " وهو سيد المجالس وأشرفها ~~وأكرمها. # والذرية في هذا الوضع: الولد، ويكون في غيره للجميع. # قوله: { من لدنك } أي: من عندك. # ومعنى: { طيبة } زكية مباركة. # { إنك سميع الدعآء } أي: تسمع من دعاك. # قوله: { فنادته الملائكة }. # قال قتادة وغيره: جبريل ناداه. # وأكثر الناس على أن الجماعة من الملائكة نادوه. # ومن أنث فلتأنيث الجماعة ومطابقة اللفظ. # ومن ذكر فعلى المعنى، ولتذكر الجمع. # ومن كسر (إن) أجرى النداء مجرى القول. # [وفي قراءة عبد الله: يا زكريا إن الله، فهذا يدل على إضمار القول]. # ومن فتح: أعمل النداء لأنه فعل. # وسمي يحيى بيحيى لأن الله أحياه بالإيمان. # قوله: { مصدقا بكلمة من الله } ، أي: بعيسى ابن بنت ~~خالته ". # وقيل: بابن خالته هو. # قال الضحاك وغيره، كان أول من صدق بعيسى يحيى. # قال ابن عباس: كانت أم يحيى تقول لمريم: إني أجد الذي في بطني يسجد للذي ~~في بطنك، فذلك تصديقه بعيسى وتقدمه في ذلك، ويحيى أكبر من عيسى. # وقال أبو عبيدة: { بكلمة من الله } ، أي: بكتاب من الله ~~وأكثر المفسرين على أن الكلمة عيسى. # وسمي كلمة لأن الناس يهتدون به. # ويجوز أن يكون سمي كلمة لأنه من غير ذكر بقوله: " كن " أي: فهذه الكلمة. # والسيد: الشريف في العلم والعبادة. # وقال الضحاك: السيد الحليم التقي. # وقال مجاهد السيد: الكريم. # وقال عكرمة، وابن زيد: (السيد) الذي لا يغلبه الغضب { وحصورا } ~~ممتنعا من جماع النساء لا يشتهيهن. # وقيل: الحصور الذي لا يولد له، وليس له ماء. # وقيل: الهيوب. # وقال ابن عباس: هو الذي لا ينزل الماء. # وقال ابن المسيب: كان يحيى ms0308 حصورا معه مثل الهدبة. # وقيل: الحصور هنا هو الذي لا يأتي الذنوب كأنه محصور عنها أي: ممنوعا ~~منها. # قال مالك: بلغني أن يحيى إنما قتل في امرأة، وأن بختنصر لما دخل بيت ~~المقدس بعد زمان طويل، وجد دمه يفور لا يطرح عليه تراب ولا شيء إلا فار ~~فسأل بني إسرائيل عن ذلك فقالوا: لا علم لنا، هكذا وجدناه، وأخبرنا ~~آباؤنا بأنهم هكذا وجدوه، فقال بختنصر: هذا دم مظلوم، ولأقتلن عليه، فقتل ~~عليه سبعين ألفا من المسلمين والكفار، فهدأ بعد ذلك. # وروي أن امرأة كانت طلبته فامتنع، فاشتكت إلى صاحبها أنه طلبها فقتله. # وروي أن جبارا من الجبابرة استفتاه: هل يتزوج بنت أخيه؟ فمنعه من ذلك، ~~فسعت ابنة أخيه في قتله فقتل بها. # قال ابن شهاب: كان يحيى ابن خالة عيسى وكان أكبر من عيسى. قال مجاهد: ~~كان طعام يحيى العشب، وإن كان ليبكي من خشية الله ما لو كان القار على ~~عينيه يحرقه، ولقد كان الدمع اتخذ مجرى في خده. # وقال أبو عبيدة، الكلمة هنا: الكتاب يعني التوراة، ولا يجوز أن يكون ~~عيسى كلمة الله على الحقيقة لأنه مخلوق، وكلمة الله غير مخلوقة. # قوله { قال رب أنى يكون لي غلام } أي: من أي وجه وأنا ~~كبير { وقد بلغني الكبر } أي: بلغته { وامرأتي عاقر ~~}. # والعلة التي من أجلها سأل زكريا فقال: { أنى يكون لي غلام } ~~فإنه روي أنه لما سمع نداء الملائكة بالبشارة أتاه الشيطان فقال: إن ~~الصوت الذي سمعت ليس من الله إنما هو من الشيطان، فسأل عندما لبس عليه ~~ليتثبت لا على طريق الإنكار بقدرة الله ولا لاعتراض لما يورد الله سبحانه ~~وتعالى عن ذلك. # وقال: لما سأل (عن ذلك) ليعلم هل من زوجته العاقر يكون ذلك، أو من ~~غيرها؟. وقيل: إنما سأل عن ذلك عن طريق التواضع والإقرار فكأنه يقول: بأي ~~منزلة أستوجب هذا عندك يا رب...! # وقيل: إنما سأل: هل يرزق ذلك وهو شيخ وامرأته عاقر، أو يرد شابا، ~~وامرأته كذلك سالمة من العقم؟ أم يرزقان ذلك ms0309 على حالتهما؟ فأجابه الله ~~فقال { كذلك الله يفعل ما يشآء } ، أي: يولد العاقر ~~والشيخ فلا يتعذر عليه شيء أراده. # وقيل: إنما سأل لأنه نسي دعاءه بأن يهب له غلاما، وكان بين دعائه ~~والبشارة بيحيى أربعين عاما. ### || [3.41] # قوله: { قال رب اجعل [لي] آية }... الآية. # معناه: قال زكريا: رب إن كان هذا الصوت من عندك فاجعل لي علامة تدل على ~~أن ذلك من عندك، فجعل الله آيته أن منعه من الكلام ثلاثة أيام إلا إيماء ~~أو إشارة. # قال قتادة: عوقب بذلك لسؤاله بعد مشافهة الملائكة بالبشارة فسأل الآية ~~على ذلك. # ويروى أن لسانه ربا في فيه حتى أطلقه الله بعد ثلاث. وأكثر أهل التفسير ~~على أن الله جعل احتباس لسانه عن الكلام علامة يعلم بها الوقت الذي يهب ~~له فيه الغلام، وليس بعقوبة. # والرمز: الإشارة بالعينين والحاجبين. # وقيل: هو تحريك الشفتين من غير صوت. # وقال الضحاك: هو تحريك اليدين. # وقرأ علقمة بن قيس " إلا رمزا " بالضم فيهما. # وقرأ الأعمش " رمزا " بفتحتين، وهما اسمان. # وقراءة الجماعة على المصدر. # وقيل: إنما منعه الكلام وهو يقدر على ذلك، وأباح له الإشارة باليد، أو ~~بالرأس، ثم نسخ الله ذلك بقول النبي " لا صمت يوما إلى الليل " وهذا على ~~قول من أجاز النسخ القرآني بالسنة. # وقيل: إنما منع النبي الصمت عن ذكر الله، فأما عن الهدر، وما لا فائدة ~~فيه، فالصمت عنه حسن. # ودل على هذا القول أمره تعالى [لزكرياء] بالذكر والتسبيح فلو منعه ~~الكلام كافة لم يأمره بالذكر والتسبيح اللذين لا يكونان مع الآفة. # وقد قال: إنها آفة دخلت عليه في الثلاثة الأيام، جماعة من المفسرين. # وقيل: فعل به ذلك عقوبة له إذ سأل فقال: { أنى يكون لي غلام ~~} وهذا قول مرغوب عنه. # ومعنى: " [و] سبح " نزه ربك من السوء بالعشي والإبكار. # وقرىء { بالعشي والإبكار } جمع بكر. # والكسر مصدر أبكر. # وفي زكريا أربع لغات " زكرياء ممدود ومقصور وقد قرئ بهما وزكري مشدد ~~الياء معرب، وزكري مخفف الياء. ### || [3.42-43] # قوله: { وإذ قالت الملائكة يمريم... } الآية (إذ) ms0310 عطف ~~على ما تقدم. # وقيل: المعنى واذكر إذ قالت. { اصطفك } اختارك، { وطهرك } " ~~أي: طهر دينك من الريب والشكوك، وقاله مجاهد وقيل معناه: طهرك من الحيض ~~والنفاس. # { واصطفك على نسآء العلمين } أي اختارك على نساء ~~عالم زمانك. # وقيل { على } جميع العالم وذلك بعيسى إذ ولدته من غير ذكر. وروي عن ~~النبي عليه السلام أنه قال: # " فضلت خديجة على نساء أمتي كما فضلت مريم على نساء العالمين ". # وروي عن أنس بن مالك أنه قال " خير نساء العالمين أربع مريم بنت عمران، ~~وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد (صلى ~~الله عليه وسلم). # ومعنى { اقنتي }: أخلصي الطاعة. # وقيل معناه: أطيعي القيام والركوع. # وقال النبي عليه السلام # " أفضل الصلاة طول القنوت " # أي: القيام. # وقال مجاهد: لما قيل لمريم ذلك قامت حتى ورم قدماها. ### || [3.44] # قوله: { " ذلك " نوحيه إليك } الآية. # أي هذه الأشياء التي أخبرناك بها من الغيب الذي كنت لا تعلمه، وهو أدل ~~ما يكون على نبوتك، إذ لست ممن يقرأ الكتب وتخبر بما فيها، ولا صاحبت أهل ~~الكتاب فتنقل عنهم، إنما ذلك عندك بوحي من عندي. # قوله: { أيهم يكفل مريم }. # معناه ينظرون أيهم كما تقول: اذهب، فانظر أيهم قائم { إذ يلقون ~~أقلامهم } أي: سهامهم على مريم من يكفلها. # وقال ابن عباس: اقترعوا بأقلامهم التي [كانوا] يكتبون [بها] الوحي، ~~فقرعهم زكرياء، فما كنت يا محمد عندهم في جميع ذلك فإخبارك بما لم تشهده ~~دليل على صدقك في النبوة وأنه وحي من عندي. # وقال عكرمة: ألقوا أقلامهم في الماء فذهب [ت] أقلامهم مع الجرية، وأصعد ~~قلم زكرياء يغالب الجرية فذهب [ت] بأقلامهم غير قلم زكرياء، فكفلها. # وقيل: هي أقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة. # وقيل: هي السهام التي يقترع بها. ### || [3.45-46] # قوله: { إذ قالت الملائكة يمريم } الآية معناه: لم تكن ~~يا محمد عندهم إذ يختصمون في أمر مريم من يكفلها حين قالت الملائكة. # وقيل: المعنى وما كنت لديهم إذ قالت الملائكة كذا وكذا إذ يختصمون، فلم ~~تكن يا محمد عندهم وقت ms0311 بشارة الملائكة لمريم، وما قالت وما قيل لها، ~~فإخبارك به يصحح دعواك في نبوتك. # ومعنى { بكلمة منه } هو بشارته التي بشرت بها مريم. # وقيل: { بكلمة [منه] } هو قوله { كن } فسماه كلمة لأنه عن ~~كلمته (كان). وقال ابن عباس: الكلمة هو عيسى اسم له. والهاء في { اسمه ~~} تعود على الكلمة لأنها عيسى في المعنى. وفي الظاهر على قول ابن عباس. ~~والمسيح: فعيل: فنقول في مفعول: أصله ممسوح أي: مسحه الله فطهره من ~~الذنوب. # وقيل: مسحه بالبركة. # وقيل: مسح بدهان كانت الأنبياء تمسح به، فيعلم أنها أنبياء. # وقال النخعي: المسيح الصديق # وقيل: سمي المسيح لأنه كان إذا مسح بيده على أهل العاهة أفاقوا كما ذكر ~~الله فيكون فاعلا غير منقول عن مفعول. # وذكر ابن حبيب عن ابن عباس أنه قال: المسيح تفسيره الملك. وفسره ابن ~~حبيب فقال: سمي ملكا لأنه ملك إبراء الأكمه والأبرص وأحيى الموتى، وغير ~~ذلك من الآيات. ### || [3.47-51] # قوله: { قالت رب أنى يكون لي ولد }. # أي: من أين يكون لي ولد؟ أمن بعل أتزوجه، أم تبتدئ [خلقه] من غير بشر ~~أتزوجه؟، فأعلمها الله أنه يخلق ما يشاء، فيعطي الولد من غير فحل لك، ~~ويحرم ذلك نساء العالمين، وإذا أراد أمرا { فإنما يقول له ~~كن فيكون } ، والهاء في " له " تعود على الأمر. # [وقيل المعنى: فإنما يقول (له) من أجله { كن فيكون } أي: من أجل، ~~الأمر] الذي يقضي به ويريد. # قال ابن عباس: وضعت مريم عيسى عليه السلام لثمانية أشهر فلذلك لا يعيش ~~من (ولد) لثمانية أشهر. # قوله: { ويعلمه الكتب } أي: يكتب بيده، { والحكمة }: ~~السنة التي توحى إليه، { والتوراة }: هي التي أنزلت قبله على موسى ~~عليه السلام و { والإنجيل } أي: الكتاب الذي أنزل عليه، ولم يعطه ~~أحد قبله، وتعليمه إياه إلهام منه إليه بذلك، و { رسولا } أي: ويجعله ~~رسولا، فالابتداء به حسن # وقيل المعنى: ويكلمهم رسولا # وقيل: هو معطوف على وجيه، فالابتداء به على ذلك. # ومن فتح { أني قد جئتكم } فهو متعلق برسول، أي: فإني قد جئتكم ~~بآية تصدقني أني رسول. ms0312 # والآية بمعنى الآيات، وهي إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، وإحداث ~~الطير من الطين. وغير ذلك من: الإنجيل وغيره. # قوله: { أني أخلق } من فتح أني جعلها بدلا من (أن) الأولى، ~~وإن شئت بدلا من (آية)، (و) إن شئت على إضمار هي فتكون أن في موضع رفع. # وقرأ يزيد بن القعقاع (أخلق لكم من الطين كهيأة الطائر) فيكون طائرا. # وقال ابن اسحاق: حبس [عيسى] عليه السلام يوما مع غلمان في الكتاب [فأخذ ~~طينا] ثم قال: أجعل لكم هذا الطين طائرا؟ قالوا: وتستطيع ذلك؟ قال: ~~نعم، بإذن الله ربي، قال: ثم هيأه حتى إذا صار في هيأة الطائر نفخ فيه، ~~ثم قال كن طائرا بإذن الله، فخرج يطير بإذن [الله] بين كفيه فذكر ~~الغلمان ذلك لمعلمهم فأفشوه في الناس، وترعرع، فهمت به بنو إسرائيل، فلما ~~خافت أمه عليه حملته على حمير ثم خرجت به هاربة. # قال ابن جريج وغيره: قال لهم: أي الطير أشد خلقا؟ قالوا: الخفاش، ~~إنما هو لحم، ففعل مثله من الطين، وقال في هذه الصورة { فأنفخ فيه ~~} رده على الطير، وفي المائدة # فتنفخ فيها # [المائدة: 110] رده على الهيأة، ويجوز رد الهاء في هذه السورة] على ~~الهيأة لأنها (بمعنى) المثال والشبه، وتأنيثها غير حقيقي ولا سلطت لا في ~~نسخ. # ولا يجوز في سورة المائدة رجوع الهاء على الطير لأنه اسم جمع. # وقوله: { وأبرىء الأكمه }. # قال مجاهد: هو الذي يبصر بالليل ولا يبصر بالنهار. # وقال الأوزاعي: هو الذي لا يبصر بالليل، وهو الذي به عشى. # وقال قتادة: هو الذي ولد أعمى، وكذلك قال أكثر المفسرين. # وعن ابن عباس وغيره: هو الأعمى حدث به ذلك، أو ولد [به] # وقال عكرمة: هو الأعمش. # وقال وهب: كان عيسى عليه السلام قد هربت [به] أمه إلى أرض مصر من قومها ~~فلما بلغ اثني عشر سنة أوحى الله عز وجل إليها أن انطلقي إلى الشام، ~~ففعلت حتى إذا بلغ ثلاثين سنة، جاءه الوحي على رأس الثلاثين فكانت نبوته ~~ثلاثين سنة، ثم رفعه الله إليه. # وقد روي عن ms0313 النبي عليه الصلاة والسلام: # " أنه نعى نفسه لفاطمة حين بلغ سنه ستين سنة وقال: " ما من نبي إلا ~~يعمر مثل نصف عمر من قبله (و) أن عيسى عمر مائة سنة وقد بلغت ستين سنة ~~وما أراني إلا ميتا في هذا العام " # أو كلام هذا معناه ". # قال وهب: ربما اجتمع على عيسى عليه السلام من المرضى خمسون ألفا من ~~أطاق أن يبلغه بلغه، ومن لم يطق ذلك أتاه عيسى يمشي إليه، فكان عيسى ~~يداويهم بالدعاء وكان يحيي الموتى. # قوله { وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون }. # أصل تدخرون تدتخرون: تفتعلون من ذخرت، فلما اختلف الحرفان، بأن كانت ~~الذال حرفا مجهورا، والتاء حرفا مهموسا أبدل من التاء حرفا مجهورا ~~يشبه الدال في الجهر، ويقرب منها في المخرج وهو الدال، ثم ادغمت الذال في ~~الدال. # قال ابن إسحاق: لما بلغ [عيسى] تسع سنين أو عشرا، أدخلته أمه الكتاب، ~~فلا يذهب المؤدب يعلمه شيئا إلا بادره عيسى صلى الله عليه وسلم قبل أن ~~يعلمه إياه، فيقول المؤدب ألا تعجبون لابن هذه الأرملة، أذهب أعلمه شيئا ~~إلا وجدته أعلم به مني. # قال ابن جبير وغيره: كان يخبر الصبيان بما صنع في بيوتهم وبما صنع ~~آباؤهم، ويقول يا فلان: إن أهلك قد خبأوا لك كذا وكذا من طعام، ويقول ~~للصبي: انطلق فإن أهلك يأكلون كذا وكذا، ويقول: إنطلق فقد خبأ لك أهلك ~~كذا وكذا. فينطلق الصبي يبكي على أهله حتى يعطوه ذلك الشيء، فيقولون له: ~~من أخبرك بهذا؟ فيقول: عيسى. # فلما رأى ذلك بنو إسرائيل قالوا لأولادهم: لا تلعبوا مع هذا الساحر، ~~وحبسوا أولادهم عنه، فجمعوهم في بيت فجاء عيسى عليه السلام (يطلبهم ~~فقالوا: ليس هم هنا، فقال عيسى عليه السلام): وما في هذا البيت؟ فقالوا: ~~خنازير! فقال عيسى عليه السلام: كذلك يكونون، ففتحوا عنهم فإذا هم ~~خنازير، فذلك قوله (تعالى): # لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان ~~داوود وعيسى ابن مريم # [المائدة: 78] # قال قتادة: معنى قوله: { وأنبئكم بما تأكلون وما ~~تدخرون في بيوتكم } ذلك في أمر ms0314 المائدة التي نزلت عليهم كانت ~~خوانا تنزل أين ما كانوا بثمر من ثمار الجنة، وأمروا ألا يخونوا فيه ولا ~~يدخروا لغد، ابتلاهم الله بذلك فكانوا إذا فعلوا من ذلك شيئا، وادخروا ~~لغد أنبأهم عيسى صلى الله عليه وسلم به، فهو قوله: { بما تأكلون ~~وما تدخرون } أي: من المائدة التي نهوا عن ادخار ما ينزل عليهم ~~فيها. # وقرأ مجاهد والزهري تدخرون، بدال مخففة. # { إن في ذلك لآية } ، أي: في جميع ما ذكر آية، أي: في نبوة ~~عيسى. # وقوله { ومصدقا لما بين يدي من التوراة } أي: ما ~~قبلي من التوراة إيمانا بها، وتصديقا بما فيها، وإن كانت شريعته ~~تخالفها فإنه، ونحن مؤمنون بما صح منها، ولم يبدل ولم يغير على أن عيسى ~~صلى الله عليه وسلم كان عاملا بالتوراة لم يخالف فيها شيئا إلا ما خفف ~~الله أشياء كانت حراما فيها وهو قوله { ولأحل لكم بعض الذي ~~حرم عليكم } وذلك أنه حلل لحوم الإبل والثروب وأشياء من الطير ~~والحيتان كانت في التوراة محرمة. # واللام متعلقة بفعل محذوف والمعنى، ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم ~~وجئتكم. # وكان أبو عبيدة يجيز أن يكون البعض هنا بمعنى الكل، وهذا يوجب أن يحل ~~لكم القتل والسرق والزنى وغيره لأن كل ذلك كان محرما عليهم في التوراة، ~~فلا يجوز ما قال، ولا وجه له في العربية ولا في المعنى. # وقد قيل: إنما أحل لهم عيسى صلى الله عليه وسلم أشياء حرمتها عليهم ~~الأحبار لم تكن محرمة في التوراة، فهو غير مخالف للتوراة. # وقيل: إنما أحل لهم أشياء حرمتها عليهم ذنوب اكتسبوها ولم يكن في ~~التوراة تحريمها نحو: أكل الشحوم وكل ذي ظفر. # قوله: { وجئتكم بآية } أي: بعلامة تعلمون بها أني صادق فيما ~~أقول لكم { فاتقوا الله وأطيعون }. ### || [3.52-63] # قوله: { فلمآ أحس عيسى منهم الكفر.. } الآية معناه: ~~فلما (علم) عيسى صلى الله عليه وسلم أنهم يريدون قتله وأحس بمعنى: وجد ~~وعلم برزية أو غيرها. # يقال: أحس الأمر إذا علمه، وحس القوم قتلهم، والحس حس الدابة من الغبار، ~~والحس ms0315 ضد البرد. # وقيل معناه: فلما علم عيسى صلى الله عليه وسلم الجحود به، والتكذيب له. # { من أنصاري إلى الله } أي: من أعواني على هؤلاء (مع الله). ~~وإلى بمعنى: " مع ". # وكان من قصة عيسى صلى الله عليه وسلم ما حكاه السدي في حكاية طويلة نذكر ~~معناها مختصرا، قال: كذبت بنو إسرائيل عيسى صلى الله عليه وسلم، وأخرجته ~~حين دعاهم إلى الإيمان به، فخرج هو وأمه، فنزل على رجل، فأضافهما وأحسن ~~إليهما، وكان على تلك المدينة جبار معتد (فجاء) صاحب البيت يوما وعليه، ~~حزن وهم، فقالت مريم لزوجته: ما شأن زوجك؟ أراه حزينا؟ فأبت أن تخبرها ~~بشيء، فقالت لها مريم: أخبريني لعل الله عز وجل يفرج كربته، قالت المرأة ~~لمريم: إن لنا ملكا جبارا يجعل على كل رجل منا يوما يطعمه هو وجنوده ~~ويسقيهم من الخمر، فإن لم يفعل عاقبه، وقد بلغت نوبته اليوم علينا [وليس ~~معنا سعة، فقالت مريم لها: فقولي له: فلا يهتم فإني آمر ابني [أن] يدعو ~~له، فيكفى]. فقالت مريم لعيسى صلى الله عليه وسلم في ذلك، فقال عيسى ~~صلى الله عليه وسلم: " يا أمه إني إن فعلت كان في ذلك شر، قالت: فلا ~~تبال، فإنه قد أحسن إلينا وأكرمنا، فقال عيسى صلى الله عليه وسلم فقولي ~~له: إذا اقترب ذلك فاملأ قدورك وخوابيك ماء ثم أعلمني، فلما ملأهن أعلمه ~~فدعا عيسى صلى الله عليه وسلم الله عز وجل فحول ما في القدور لحما ~~ومرقا وخبزا وما في الخوابي خمرا لم ير مثله، فلما جاء الملك أكل وشرب ~~فقال: من أين لك هذا؟ وتقصى عليه حتى أخبره فقال: عندي غلام لا يسأل الله ~~تعالى شيئا إلا أعطاه وأنه دعا الله حتى جعل الماء خمرا، وكان قد توفي ~~للملك ابن، فقال: إن رجلا دعا الله حتى رد الماء خمرا ليستجيبن له حتى ~~يحيي ابني، فدعا عيسى صلى الله عليه وسلم، فكلمه وسأله أن يدعو الله ~~فيحيي ابنه - فقال عيسى صلى الله عليه وسلم: " لا تفعل [فإنه إن] عاش كان ms0316 ~~شرا، فقال الملك: لا أبالي أراه فقط، فاشترط عليه عيسى صلى الله عليه ~~وسلم أن يحيي ولده، ويتركه هو وأمه يخرجان فشرط له ذلك فدعا الله تعالى، ~~فقام الغلام، وانصرف عيسى صلى الله عليه وسلم. # فلما رأى أهل المملكة الغلام عاش تنادوا بالسلاح وقالوا: قد أكلنا هذا ~~حتى إذا دنا موته يستخلف علينا ابنه فيأكلنا كما أكلنا أبوه، فاقتلوه. # ومر عيسى صلى الله عليه وسلم وأمه فصحبهما يهودي وكان مع اليهودي ~~رغيفان، ومع عيسى صلى الله عليه وسلم رغيف فقال له عيسى صلى الله عليه ~~وسلم: تشاركنا؟ فقال اليهودي: نعم، فلما رأى اليهودي أن ليس مع عيسى إلا ~~رغيف ندم فلما نام جعل اليهودي يأكل الرغيف، فلما أكل لقمة قال له عيسى ~~صلى الله عليه وسلم: ما تصنع؟ فيقول: لا شيء حتى فرغ [من] الرغيف كله، ~~فلما أصبحا قال له عيسى صلى الله عليه وسلم: طعامك فجاء برغيف، فقال له ~~عيسى صلى الله عليه وسلم: أين الرغيف الآخر؟ قال: ما كان معي إلا واحد. # ثم انطلقوا حتى مروا براعي غنم فقال عيسى صلى الله عليه وسلم: يا صاحب ~~الغنم أجزرنا شاة من غنمك، قال الراعي: نعم، أرسل صاحبك يأخذها: فأرسل ~~عيسى صلى الله عليه وسلم اليهودي فجاءه بالشاة، فذبحوها وشووها ثم قال ~~لليهودي: كل ولا تكسر عظما. فأكلوا حتى شبعوا فرد عيسى صلى الله عليه ~~وسلم العظام في الجلد ثم ضربها بعصاه، وقال: قومي بإذن الله. فقامت ~~الشاة، فقال: يا صاحب الغنم: خذ شاتك فقال له الراعي: من أنت؟ قال: أنا ~~عيسى إبن مريم، قال له: أنت الساحر، وفر منه، فقال عيسى صلى الله عليه ~~وسلم لليهودي: بالذي أحيى هذه الشاة بعدما أكلناها، كم كان معك رغيفا؟ ~~فحلف ما كان معه إلا رغيف واحد. # فمروا بصاحب بقر، فسأله عيسى صلى الله عليه وسلم عجلا فأعطاه عجلا ~~فذبحه، وشواه وأكله، وصاحب البقر ينظر، ثم جمع عيسى صلى الله عليه وسلم ~~العظام في الجلد وقال: قم بإذن الله، فقام وله خوار، فقال: ms0317 يا صاحب ~~البقر، خذ عجلك فقال: ومن أنت؟ قال: أنا عيسى، قال: عيسى الساحر، ثم فر ~~منه، فقال عيسى صلى الله عليه وسلم لليهودي: بالذي أحيى الشاة بعدما ~~أكلناها، والعجل بعدما أكلناه، كم كان معك رغيفا؟ فحلف بالله ما كان معه ~~إلا رغيف واحد. # ثم انطلقا حتى أتيا قرية، فنزل عيسى صلى الله عليه وسلم في أسفلها ~~واليهودي في أعلاها، فأخذ اليهودي عصا مثل عصا عيسى صلى الله عليه وسلم ~~وقال: أنا أحيي الموتى وكان يملك تلك القرية مرض شديد فانطلق اليهودي ~~ينادي من يبتغي طبيبا؟ حتى أتى باب الملك، فأخبر بمرض الملك فقال: ~~أدخلوني عليه فأنا أبرئه، فدخل عليه فأخذ برجله، وضربه بالعصا كما كان ~~عيسى صلى الله عليه وسلم يفعل، فمات الملك من الضربة فأخذ اليهودي ليصلب ~~فبلغ عيسى صلى الله عليه وسلم الخبر، فأتى ووجده قد رفع على الخشبة ~~[فقال]: أرأيتم إن أحييت لكم صاحبكم أتتركو لي صاحبي؟ قالوا: نعم، فأحيى ~~عيسى صلى الله عليه وسلم الملك، وأنزل اليهودي فقال: يا عيسى أنت أعظم ~~الناس علي منة، والله لا أفارقك أبدا، قال له عيسى صلى الله عليه وسلم: ~~أنشدك بالذين أحيى الشاة والعجلة بعدما أكلناها وأحيى هذا بعد [ما] مات، ~~وأنزلك من الجذع بعدما رفعت عليه كم كان معك رغيفا؟ فحلف اليهودي بهذا ~~كله ما كان معه إلا رغيف واحد. # فانطلقا حتى مرا على كنز قد حفرته السباع فقال اليهودي: يا عيسى هذا ~~المال؟ فقال له عيسى صلى الله عليه وسلم: دعه فإن له أهلا يهلكون عليه ~~وجعل اليهودي يتشوق إلى المال، ويكره أن يعصي عيسى صلى الله عليه وسلم، ~~فانطلقا. # ومر بالمال بعدهما أربعة نفر، فلما رأوه اجتمعوا عليه فقال اثنان ~~لصاحبيهما: انطلقا فابتاعا لنا طعاما ودوابا نحمل عليها هذا المال، ~~فانطلق الرجلان فابتاعا ذلك فقال أحدهما لصاحبه: هل لك أن تجعل لصاحبينا ~~في طعامهما سما؟ فإذا أكلا ماتا، فيصير المال بيني وبينك، فقال الآخر: ~~نعم، ففعلا، وقال الآخران الباقيان مع المال: إذا أتى صاحبانا فليقم ms0318 كل ~~واحد منا إلى صاحبه فيقتله فيكون الطعام والمال بيننا، فاتفقا على ذلك. # فلما جاء صاحباهما، قتلاهما، ثم قعدا على الطعام فأكلا منه، فماتا، فرجع ~~عيسى صلى الله عليه وسلم إلى المال فوجد القوم عليه موتى، فقال لليهودي: ~~أخرجه حتى نقسمه، فأخرجه اليهودي فجعل عيسى صلى الله عليه وسلم يقسمه على ~~ثلاثة، فقال اليهودي: اتق الله ولا تظلمني، فإنما هو أنا وأنت، ما هذه ~~الثلاثة؟ فقال له عيسى صلى الله عليه وسلم: هذا لي، وهذا لك، وهذا لصاحب ~~الرغيف، قال اليهودي: وإن أخبرتك بصاحب الرغيف تعطيني هذا المال؟ قال ~~[عيسى] صلى الله عليه وسلم: نعم، قال: أنا هو، فقال له عيسى صلى الله ~~عليه وسلم: خذ حظي وحظك، وحظ صاحب الرغيف، فهو حظك من الدنيا والآخرة، ~~فلما حمله مشى [به] شيئا فخسف به. # وانطلق عيسى صلى الله عليه وسلم فمر بالحواريين وهم يصطادون السمك ~~فأعلمهم بنفسه فآمنوا به وانطلقوا معه فذلك قوله: { من أنصاري ~~إلى الله }. # وقيل: إنما سموا حواريين لبياض ثيابهم وكانوا صيادين. # وقيل: سموا بذلك لأنهم كانوا قصارين يبيضون الثياب. # وقيل: كانوا غسالين يغسلون الثياب. # وقال قتادة: " الحواريون خاصة الأنبياء الذين تصلح لهم الخلافة. # وقال الضحاك: الحواريون الأصفياء الأنبياء صلوات الله عليهم. # وروي أن مريم دفعت عيسى صلى الله عليه وسلم في صغره في أعمال شتى، وكان ~~آخر ما دفعته إلى الحواريين وهم الذين يبيضون الثياب، ويصبغونها فأراهم ~~آيات وصبغ لهم ألوانا شتى من ماء واحد فآمنوا به واتبعوه. # وروي أنه أدخل ثيابا كثيرة بيضاء في خابية واحدة وخرجت مختلفة الألوان ~~كما أرادوا، فعجبوا من ذلك، وأيقنوا أنه ليس بسحر فآمنوا [به] واتبعوه. # قوله: { واشهد بأنا مسلمون } هذا قول الحواريين لعيسى صلى ~~الله عليه وسلم، فدل ذلك أن عيسى صلى الله عليه وسلم كان على ذلك، لا على ~~اليهودية ولا على النصرانية ولكن كان مسلما وكذلك برأ الله إبراهيم صلى ~~الله عليه وسلم من سائر الأديان إلا من الإسلام. # قول: { فاكتبنا مع الشهدين } أي: أثبت أسماءنا مع أسماء ms0319 من ~~يشهدون بالحق، وأقروا بالتوحيد، واجعلنا في عددهم وهذا كله احتجاج على ~~أهل نجران الذين خالفوا النبي صلى الله عليه وسلم في أمر عيسى صلى الله ~~عليه وسلم، فأخبروا أن قول من اتبع عيسى كان خلاف قولهم. # وقال ابن عباس: (اكتبنا مع الشاهدين)، قال مع محمد صلى الله عليه وسلم، ~~وأمته الذين شهدوا له أنه قد بلغ الرسالة، وشهدوا للرسل عليهم السلام ~~أنهم قد بلغوا. # وقوله: { ومكروا ومكر الله }: هذا إخبار عن الذي أحس ~~عيسى منهم الكفر وهو ما اجتمعوا عليه من قتل عيسى صلى الله عليه وسلم، ~~وتكذيبه فيما أتى به، فمكرهم هو ما نووا من قتله، ومكر الله سبحانه ما ~~ألقى من الشبه على بعض أتباع عيسى صلى الله عليه وسلم حتى قتله الماكرون ~~يظنونه عيسى صلى الله عليه وسلم، ثم رفع الله عيسى صلى الله عليه وسلم. # وقيل المكر من الله جل ذكره الاستدراج والإمهال، وذلك أن بني إسرائيل ~~حصروا عيسى صلى الله عليه وسلم، ومعه تسعة عشرة رجلا من الحواريين في ~~بيت، فقال عيسى لأصحابه، من يأخذ صورتي فيقتل وله جنة؟ فأخذها رجل منهم ~~ورفع الله عيسى إلى السماء ثم خرج الحواريون فأخبروا أن عيسى صلى الله ~~عليه وسلم رفع إلى السماء فجعلوا يعدون القوم فيجدونهم ينقصون رجلا من ~~العدة ويرون، صورة عيسى صلى الله عليه وسلم فيهم فشكوا فيه، فقتلوه ~~وصلبوه يرون أنه عيسى صلى الله عليه وسلم، ويروى أن اليهود كفروا بعيسى ~~صلى الله عليه وسلم، وهموا بقتله، وكان مع عيسى رجل من اليهود آمن بعيسى ~~فدل على عيسى فحوله [الله] في صورة عيسى، فأخذه بنو إسرائيل، فقتلوه، ~~وصلبوه وهم يظنون أنه عيسى صلى الله عليه وسلم، فذلك قوله: { ولكن ~~شبه لهم }. # والمكر: الحيلة، المكيدة، والمكر من الله سبحانه عقوبة، وجزاء من حيث لا ~~يعلم العبد. # قوله: { إني متوفيك } قيل هي وفاة نوم. # { ورافعك إلي } في نوم قال ذلك الربيع. # وقيل معناه إني قابضك من الأرض حيا ورافعك إلي، وذلك أن عيسى لما رأى ms0320 ~~كثرة من كذبه، وقلة من اتبعه شكا ذلك إلى الله عز وجل، فأوحى الله إليه { ~~إني متوفيك ورافعك إلي }. # وقال النبي عليه السلام: كيف تهلك أمة أنا في أولها وعيسى في آخرها. # وقال كعب: (يبعث) عيسى صلى الله عليه وسلم على الأعور الدجال فيقتله ثم ~~يعيش بعد ذلك أربعا وعشرين سنة ثم يموت ميتة الحي. # وحكي أن الله تعالى أوحى ذلك إلى عيسى صلى الله عليه وسلم مع قوله: { ~~إني متوفيك ورافعك إلي } # وقال ابن زيد في قوله: { تكلم الناس في المهد وكهلا } ~~أن كلامه وهو كهل حين ينزل بقتل الدجال. # وقيل معنى { متوفيك }: قابل عملك ومتقبله منك. # وقال ابن عباس، معنى { متوفيك } هي وفاة موت (يعني) بعد نزوله من ~~السماء. # وقال وهب بن منبه: توفي عيسى صلى الله عليه وسلم ثلاث ساعات ثم أحيي ~~ورفع. والنصارى يزعمون أنه توفي سبع ساعات من النهار، ثم أحياه ورفعه. ~~وقيل: إن الكلام تقديما وتأخيرا. والمعنى: إني رافعك إلي ومطهرك من ~~الذين كفروا، ومتوفيك بعد ذلك. وذلك إذا نزل لقتل الدجال في الدنيا، ~~والواو يحسن فيها ذلك. # وروى أبو هريرة أن النبي عليه السلام قال: # " الأنبياء أخوات لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد، وأنا أولى الناس بعيسى ~~لأنه لم يكن بيني [وبينه] نبي وأنه خليفتي على أمتي، وأنه نازل، فإذا ~~رأيتموه فاعرفوه، فإنه رجل مربوع الخلق، إلى الحمرة والبياض، سبط الشعر، ~~كأن شعره يقطر وإن لم يصبه بلل، يدق الصليب، ويقتل الخنزير ويقبض المال، ~~ويقاتل الناس على الإسلام حتى يهلك الله الملل كلها، ويهلك الله في زمانه ~~مسيح الضلالة الكذاب، وتقع في الأرض الأمنة حتى ترتع الأسد مع الإبل، ~~والنمور مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الغلمان مع الحيات، لا يضر ~~بعضهم بعضا، يلبث في الأرض [أربعين سنة] ثم يتوفى، ويصلي عليه المسلمون ~~ويدفنونه ". # قوله: { وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا }: ~~هذا خطاب لعيسى صلى الله عليه وسلم وأمته، جعلهم الله تعالى فوق اليهود: ~~في النصر والحجة والإيمان بعيسى والتصديق به وقول الحق فيه. ms0321 # وقيل: هو خطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم. # قوله: { فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا } هو القتل ~~والسبي وأداء الجزية { والآخرة } هو عذاب النار. # قوله: { ذلك نتلوه عليك من الآيات }: الإشارة إلى ما ~~تقدم من ذكر قصص الأنبياء والحجج { والذكر } القرآن { الحكيم } ~~المحكم أي: ذو الحكمة. # قوله { إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه.. ~~} (و) هذا احتجاج على نصارى نجران، الذين خاصموه في عيسى وقالوا للنبي: ~~بلغنا أنك تذكر صاحبنا، وتأول أنه عبد، قالوا له: هل رأيت عيسى؟ فأنزل ~~الله { إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم... } ~~الآية.. أي: خلق هذا من غير ذلك وهذا كذلك. # وقيل: إنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: كل إنسان له أب فما شأن ~~عيسى صلى الله عليه وسلم ليس له أب فأنزل الله عز وجل هذه الآية: وقوله { ~~خلقه من تراب } ابتداء المماثلة، وليس بمتصل بآدم صلى الله عليه ~~وسلم إنما هو تبيين قصة آدم صلى الله عليه وسلم، لأن الماضي لا يكون ~~حالا. # قوله: { ثم قال له كن فيكون } # قال بعض أهل المعاني: إن هذا الكلام أتى على خبرين منفصلين، ولو كان على ~~خبر واحد لكان خلقه له من تراب بغير { كن } ويكون خلقه ب { كن } بعد ~~خلقه له من تراب، وليس الأمر كذلك إنما أخبر تعالى أنه خلق آدم عليه ~~السلام من تراب ثم أخبر آخر أنه قال له: { كن } فكان، أي: قال له: كن ~~خلقا من تراب فكان ما أراد لأنه خلق من تراب بغير كن، فما يصنع بقوله ~~تعالى # لما خلقت [بيدي] # [ص: 75]، ثم قال له { كن } بعد خلقه له من تراب على ما أراد بعد قوله ~~كن، ولهذا نظائر كثيرة. # وأبين هذا أن يكون المعنى: قد قدر خلقه من تراب فلما أراد تعالى ذكره ~~إظهار ما قدر قال: { كن } فكان ما قدر بقوله { كن }. # قوله: { الحق من ربك } أي: هو الحق، أي هذا الذي أنبأتك به هو ~~الحق { فلا تكن من الممترين } أي: الشاكين ومعناه: قل يا ~~محمد ms0322 للشاكين في ذلك (لا تكن من الممترين). # وقيل: هو خطاب لجميع الناس، وظاهر الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ~~والمراد غيره. # قوله: { فمن حآجك فيه } أي: في عيسى وقيل في الحق الذي ذكر، { ~~من بعد ما جآءك من العلم } أي من بعدما بين لك فادعوهم إلى ~~المباهلة، ومعنى نبتهل أي نجتهد في الدعاء باللعنة { فنجعل لعنت ~~الله } على من كذب في أمر عيسى صلى الله عليه وسلم. # قوله: { وأنفسنا وأنفسكم } أي: أهل ديننا ودينكم فرضوا ~~بالجزية وبأشياء شرطها عليهم يؤدونها. # وروي أنهم قالوا: نباهلك فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيد علي وفاطمة ~~والحسن والحسين، فلما رأوا ذلك نكصوا وعلموا أن اللعنة عليهم واقعة، ~~فرضوا بالجزية ولم يباهلوا. وروي أن رئيسهم العاقب قال لهم: قد علمت أنه ~~نبي وما لاعن نبي قوما فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم، فإن فعلتم فهو ~~استئصال، فوادعوا محمدا وانصرفوا إلى بلادكم فرضوا بالجزية، وبعث معهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة بن الجراح ولم يباهلوه. # قال ابن عباس: لو باهلوه لرجعوا لا يجدون أهلا ولا ولدا. # قوله: { إن هذا لهو القصص الحق } أي: إن الذي أنبأتك ~~به في أمر عيسى صلى الله عليه وسلم أنه رسول، وكلمته ألقاها الله عز وجل ~~إلى مريم: هو الحق { وما من إله إلا الله } هذا رد على من ~~جعل عيسى إله من أهل نجران وغيرهم. ### || [3.64] # قوله: { قل يأهل الكتاب تعالوا } # الكلمة { ألا نعبد إلا الله } وما بعده. # وقيل: الكلمة لا إله إلا الله # والسواء: النصفة والعدل والقصد. # ونزلت هذه الآية فيمن كان حول المدينة من اليهود، وهم الذين حاجوه في ~~إبراهيم صلى الله عليه وسلم. # وقيل: نزلت في الوفد من نصارى نجران لأنه دعاهم فأخبرهم بالقصص الحق في ~~أمر عيسى صلى الله عليه وسلم، فأبوا أن يقبلوه، فأمر أن يدعوهم إلى ~~المباهلة فأبوا، فأمر أن يدعوهم إلى ما ذكر آخرا فأبوا، فأمر الله ~~المؤمنين أن يقولوا: اشهدوا بأنا مسلمون. # وإن في موضع خفض على البدل من (كلمة). ms0323 # وقيل: هي في موضع رفع، وذلك على التأويل الأول أي: هي ألا نعبد، ولا ~~نفعل، ولا نصنع. # { ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا }: هو طاعة العوام ~~الرؤساء فيما يأمرونهم به من المعاصي كما قال # اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون ~~الله # [التوبة: 31] يأمرونهم بالمعصية وينهونهم عن الطاعة فيسمعون ويطيعون. # وقيل { أربابا }: هو سجود بعضهم لبعض قاله عكرمة. # وقيل معناه: لا نعبد عيسى من دون الله كما عبدت النصارى، ولا عزيرا كما ~~عبدت اليهود، ولا الملائكة كما عبدت جماعة المشركين، ولا نقبل من الرهبان ~~تحريمهم علينا ما لم يحرمه الله كما فعلت اليهود والنصارى والمشركون. ### || [3.65] # قوله: { يأهل الكتاب لم تحآجون في إبراهيم } هذا ~~خطاب لليهود والنصارى ولأنهم ادعاه كل فريق منهم، وأنه على دينهم فرد ~~الله ذلك عليهم، وأراهم المناقضة فيما يدعون لأن اليهود تدعي أنه على ما ~~في التوراة دينه، والنصارى تدعي أنه على ما في الإنجيل دينه، وفي ~~الكتابين إنما أنزل بعد إبراهيم صلى الله عليه وسلم فهذا تناقض أن يكون ~~دينه على شيء لم يكن بعده. # وذلك أن نصارى نجران وأحبار يهود اجتمعوا على النبي صلى الله عليه وسلم ~~فتنازعوا في أمر إبراهيم صلى الله عليه وسلم، فادعاه كل فريق منهم، فأنزل ~~الله ذلك يعلمهم أن اليهودية والنصرانية إنما حدثت بعد إبراهيم فكيف يكون ~~على دين لم يكن، ولا أوله أن يكون، فذلك جهل عظيم، ولذلك قال تعالى: { ~~أفلا تعقلون }. ### || [3.66] # قوله: { هأنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم... ~~}. # معناه: أنتم القوم الذين خاصمتم فيما لكم به علم من أمر دينكم، وما ~~لحقتم من زمانكم، وجاز ذلك بينكم، فلم تخاصمون فيما لا علم عندكم فيه؟ ~~وهو دين إبراهيم صلى الله عليه وسلم، ولم يكن في زمانكم. { والله ~~يعلم } أي: يعلم ما غاب عنكم فلم تشاهدوه { وأنتم لا ~~تعلمون } ذلك فتخاصموه فيه. ### || [3.67] # قوله: { ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا... }. # ذلك رد لقولهم وادعائهم { ولكن كان حنيفا } أي: حاجا وأصل ~~الحنف: (إقبال صدر الرجل على الأخرى إذا كان ذلك ms0324 خلقة)، فالحنيف: المائل ~~إلى الإسلام. # والمسلم: المتذلل لأمر الله عز وجل. # فأما معنى قوله: # يحكم بها النبيون # [المائدة: 44] # الذين أسلموا # [المائدة: 44] ولا يكون نبي إلا مسلم # فإنه يريد النبيين الذين استسلموا أو سلموا لما في التوراة من أحكام ~~الله عز وجل التاركون التعقب وكثرة السؤال عما فيها. # وروي أن عزيرا أكثر السؤال عن القدر، فمحي من ديوان النبوة. # ومن هذا قول ابراهيم صلى الله عليه وسلم: # واجعلنا مسلمين # [البقرة: 128]. أي: مسلمين لأمرك، منقادين لحكمك بالنية والعمل وكذلك # أسلمت لرب العالمين # [البقرة: 131] أي: [انقدت لأمره]. ### || [3.68] # قوله: { إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه ~~}. # أي أخفهم بولايته ونصرته من اتبع دينه { وهذا النبي } هو محمد ~~صلى الله عليه وسلم { والذين آمنوا } أي: الذين صدقوا محمدا صلى ~~الله عليه وسلم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " لكل نبي ولاة من النبيين وإن وليي منهم أبي وخليلي إبراهيم صلى الله ~~عليه وسلم " ثم قرأ الآية " ". ### || [3.69] # قوله: { ودت طآئفة من أهل الكتاب }. # أي: جماعة من أهل نجران ومن اليهود لو يصدونكم عن الإسلام فتهلكوا، وما ~~يهلكون إلا أنفسهم أي أتباعهم وأنفسهم وكلهم يود ذلك، و [من] ليست ~~للتبعيض، وإنما هي للإبانة والجنس. # ومعنى { وما يشعرون } (ليس هو أنهم يجهلون ما يفعلون فيكون ذلك ~~عذرا لهم وإنما معناه وما يشعرون) أنهم لا يصلون إلى إضلال المؤمنين. ~~وقيل: معناه، وما يشعرون بصحة الإسلام. وقيل: عنى به قريظة، والنضير، ~~وبنو قينقاع. ### || [3.70] # قوله { يأهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله } أي ~~بالتوراة والإنجيل { وأنتم تشهدون } ، هذا توبيخ لهم، لأنهم ~~جحدوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وهم يعلمون أنه نبي مكتوب عندهم في ~~كتابهم في التوراة والإنجيل، فهو قوله { وأنتم تشهدون } أي: ~~تشهدون أنه نبي حق، ثم تكفرون حسدا وبغيا. # وقيل: المعنى: وأنتم تشهدون أن آية الله حق وأن ما جاء به حق. ### || [3.71] # قوله: { يأهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل }. # أي تظهرون من الإقرار بمحمد صلى الله عليه وسلم خلاف ما تعتقدون فتخلطون ~~الحق بالباطل. # وقيل: [لم] ms0325 تخلطون اليهودية والنصرانية بالإسلام وقد علمتم أن الدين ~~الذي لا يقبل غيره: الإسلام. # وقال ابن زيد: الحق: التوراة، والباطل: ما كتبوه بأيديهم { ~~وتكتمون الحق } هو أمر النبي عليه السلام يجدونه في كتبهم ~~ويكتمونه { وأنتم تعلمون } أنه نبي حق، وأن ما جاء به من عند ~~الله حق. ### || [3.72] # قوله: { وقالت طآئفة من أهل الكتاب آمنوا } ~~الآية. # معناها أن اليهود قال بعضهم لبعض: آمنوا بالنبي وما أنزل إليه أول ~~النهار، واكفروا آخره لعلهم يرجعون معكم. # وقال ابن عباس: نظر اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الصبح إلى ~~بيت المقدس، فأعجبهم ذلك، ثم حولت القبلة في صلاة الظهر إلى الكعبة، ~~فقالت اليهود: { آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا ~~وجه النهار } أي بصلاة الصبح إذا صلوها إلى بيت المقدس { ~~واكفروا آخره } أي: بصلاة الظهر لأنهم صلوها إلى الكعبة { ~~لعلهم يرجعون } إلى قبلتكم. # وقال السدي: قالت اليهود لضعفائها: آمنوا بمحمد أول النهار، فإذا كان ~~بالعشي قولوا: قد عرفنا علماؤنا أنكم لستم على شيء لعلهم يرجعون عن دينهم ~~ويشكون فيه. ### || [3.73] # قوله { ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم } الآية. # قال المبرد: فيها تقديم وتأخير، وتقديرها عنده: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع ~~دينكم أن يؤتى مثلما أوتيتم { أو يحآجوكم عند ربكم قل ~~إن الهدى هدى الله } # وقيل تقديرها: ولا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثلما أوتيتم إلا لمن تبع [دينكم] ~~واللام زائدة. # ومعنى ذلك أنهم قالوا لضعفائهم: لا تصدقوا أن يؤتى أحد مثلما أوتيتم من ~~علم ورسالة وشرف، إلا لمن تبع دينكم، فصدقوا أن يؤتى مثلما أوتيتم. # وقيل معناها على هذا التقدير: ولا تصدقوا أن تكون الرسالة إلا فيكم. ~~وقيل: تقديرها قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثلما أوتيتم أي كراهة ~~أن يؤتى كأنه بعد أن يؤتى اليهود مثلما أوتي المؤمنون، فتكون على هذا ~~المخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته. # وقرأ ابن عباس ومجاهد وعيسى بن عمرو، وابن كثير أن يؤتى بالاستفهام ~~معناه أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ولا يؤمنون؟ مثل # أن ms0326 كان ذا مال وبنين * إذا تتلى عليه آياتنا ~~قال أساطير الأولين # [القلم: 14-15] أي: من أجل هذا قال كذا وكذا. # وقرأ الأعمش (إن يؤتي بكسر إن فجعلها بمعنى " ما " على معنى ما يؤتى أحد ~~مثلما أوتيتم. # وقد زعم قوم أنه لحن لحذف النون من يحاجوكم وليس هو لحن عند أهل النظر ~~لأن (أن) تضمر مع أو، فهي مضمرة ناصبة للفعل، ومن جعل في الكلام تقديما ~~وتأخيرا فاللام زائدة، ومن في موضع نصب استثناء ليس من الأول. # ومن قدر الآية على وجهها، ولم يقدر تقديما ولا تأخيرا جعل اللام أيضا ~~زائدة أو متعلقة بمصدر، كأنه: لا تجعل تصديقكم إلا لمن تبع دينكم بأن ~~يؤتى أحد. # وقال الفراء: يجوز أن يكون قد انقطع كلام اليهود عند قوله " دينكم " ثم ~~قال لمحمد صلى الله عليه وسلم: { قل إن الهدى هدى الله } ~~أي: البيان بيان الله { أن يؤتى أحد مثل مآ أوتيتم } ، ~~أو: لا يؤتى أحد، " وإن عنده بمعنى لا، ولذلك دخلت " أحد " في الكلام ~~عنده. # وقوله: { الهدى هدى الله } معناه: الهدى إلى الخير بيد الله ~~يؤتيه من يشاء، فلا تتنكروا أيها اليهود أن يؤتى أحد سواكم مثلما أوتيتم، ~~فإن أنكروا وهو معنى " يحاجوكم عند ربكم " فقل يا محمد: { إن ~~الفضل بيد الله يؤتيه من يشآء }. # وقال الأخفش: { أو يحآجوكم } معطوف على { تؤمنوا } معناه ~~ولا تصدقوا أن يحاجوكم، أي: قالت اليهود لضعفائها: لا تصدقوا بأن يحاجوكم ~~أحد عند ربكم فيما أنكرتم من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. # وقال الفراء: أو بمعنى حتى (و) إلا: أن. # وقال مجاهد: { قل إن الهدى هدى الله } اعتراض في الكلام ~~وسائر الكلام متصل. فالأول خبر عن اليهود ومعناه { ولا تؤمنوا ~~إلا لمن تبع دينكم } ، ولا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثلما أتيتم، ~~ولا تؤمنوا أن يحاجوكم عند ربكم، أي: ليس يحاجوكم أحد عند ربكم ثم قال ~~تعالى بعد ذلك: قل يا محمد: { إن الفضل بيد الله يؤتيه ~~من يشآء } ". # وقوله { أن يؤتى أحد مثل مآ أوتيتم }. # قيل: هو إخبار ms0327 عما قالت اليهود لضعفائها، أي: لا تكون النبوة إلا فيكم. # وقيل معناه: لا يكون العلم والشرف إلا فيكم. # وقيل: هو إخبار من الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم معناه: لا يؤتي ~~أحد من الأمم مثلما أوتيت يا محمد وأمتك من الإسلام والهدى، وهذا قول ~~السدي. # ومعنى: { أو يحآجوكم } إلا أن يحاجوكم، وهذا التأويل لا اعتراض ~~فيه، ولا تقديم ولا تأخير، وأن في موضع رفع خبر عن الهدى، والتأويل الأول ~~يقع فيه التقديم والتأخير وأن في موضع نصب على ما ذكرنا، وذلك حسدا، ~~قالوا لضعفائهم من اليهود: لا يكون نبي مثل نبيكم ولا كتاب مثل كتابكم. # وقال الزجاج: معنى الآية: أن اليهود قالت لا تجعلوا تصديقكم لنبي في شيء ~~مما جاء به إلا اليهود، ولا تقولوه للمشركين، فإن ذلك إن قلتموه لهم كان ~~عونا لهم على تصديقه. # وقال أكثر المفسرين: معناه لا تصدقوا أن يعطى أحد مثلما أوتيتم من علم، ~~ولا تصدقوا أن يحاجوكم أحد: لا يكونوا لأحد حجة عند الله إلا من كان ~~مثلكم. ### || [3.74] # قوله: { يختص برحمته من يشآء }. # بمعنى: النبوة، وقيل: الإسلام والقرآن. ### || [3.75] # قوله: { ومن أهل الكتب من إن تأمنه بقنطار } ~~الآية. # وجه من قرأ بالإسكان في يؤده وشبهه أنها لغة العرب يسكنون الهاء كما ~~يسكنون الميم في أنتم، ورأيتم، وأنشد الفراء: # " فيصلح اليوم ويفسده غدا " # وأنشد الأخفش وغيره: # بيت لدى البيت العتيق أخيله # ومطواي مشتقاقان له ارقان # وبعض النحويين لا يجيزه إلا في الشعر، وبعضهم يمنعهم البتة. وعد المبرد ~~إسكان الهاء لحنا. # وقيل: اسكنت الهاء على التوهم أن الجزم عليها وقع. # وقد روي عن أبي عمرو: الاختلاس، وهو اختيار أهل النظر. # ومعنى الآية أن الله أخبر أن من أهل الكتاب المؤتمن ومنهم الخائن، ~~والناس لا يميزون الخائن منهم، فصارت الفائدة أنها تحذير من الله ~~للمؤمنين أن يأتمنوهم لأن منهم الخائن وغيره، وهم لا يميزون ذلك ~~فاجتنابهم أخلص. # ومعنى { إلا ما دمت عليه قآئما }: إلا أن تلح عليه ~~بالتقاضي والمطالبة. # والباء في بقنطار " و " بدينار بمعنى ms0328 على، وهما يتعاقبان في مثل هذا. # وقيل: معنى { إلا ما دمت عليه قآئما } أي: يقر بالأمانة ~~ما دمت قائما على رأسه في وقت عطائها، فإذا ذهب ثم جئت تطلبها كابرك ~~وجحدك. # وقيل: قائما بمعنى ثابتا لازما له، حكى سيبويه: قام بمعنى ثبت. # قوله [ذلك] لأنهم قالوا: أي: فعلهم ذلك (و) أمرهم ذلك ومعناه، فعلوا ذلك ~~لأنهم يقولون: لا حرج علينا فيما أصبنا من أموال العرب لأنهم على غير حق، ~~قال ذلك قتادة. # وقال ابن جريج: كان لرجل من المسلمين على اليهود ديون داينهم بها قبل أن ~~يسلموا، فلما أسلموا طالبوهم بها فقال اليهود: ليس لكم علينا أمانة، ولا ~~قضاء لأنكم تركتم دينكم الذي (كنتم) عليه، وإنما كان حقوقكم واجبة علينا ~~في الأمانة، وغيرها قبل أن ترجعوا عن دينكم، فلما تركتم دينكم ورجعتم إلى ~~الإسلام لم تلزمنا لكم حقوق ولا أداء أمانة، وادعوا أنهم يجدون ذلك في ~~كتابهم، فرد الله عليه قولهم بقوله عقب الآية: { ويقولون على ~~الله الكذب وهم يعلمون } # وعنوا بالأميين العرب، نسبوا إلى ما عليه الأمة قبل أن يتعلموا الكتابة. # وقيل: نسبوا إلى الأم لأنها لا تعرف تكتب. # وقيل: نسبوا إلى أم القرى، وهي مكة. ### || [3.76] # قوله: { بلى من أوفى بعهده } الآية. # معناها ليس الأمر كما يقول هؤلاء من أنه ليس في أموال الأميين حرج لكن ~~من أوفى بعهد الله وهي وصيته إياهم في التوراة من الإيمان بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم وما جاء به. # فالهاء في { بعهده } تعود على الله جل ذكره. # ومعنى { واتقى } أي: واتقى الشرك قاله ابن عباس وقيل: المعنى، واتقى ~~الله ولم يكذب. ### || [3.77] # قوله: { إن الذين يشترون بعهد الله }... الآية. # معنى الآية: إن الذين يستبدلون بعهد الله الذي عهد إليهم في كتابهم ~~وبإيمانهم الكاذب عوضا قليلا أي: خسيسا من عرض الدنيا، { لا خلاق ~~لهم في الآخرة } أي: لا حظ لهم فيها أي: لا نصيب { ولا ~~يكلمهم الله } معناه: لا يكلمهم بما يسرهم. # وقيل: لا يسمعهم كلامه بلا سفير. # وقيل معناه: غضب عليهم كما ms0329 يقال: فلان لا يكلم فلانا أي: هو غاضب عليه. # { ولا ينظر إليهم } ، أي: لا يعطف عليهم بخير، كما يقال: انظر ~~إلي نظر الله إليك أي: اعطف علي عطف الله عليك. # ما زالت هذه الآية في أحبار اليهود منهم كعب بن الأشرف وحيي بن الأخطب. # وقيل: # " إنها نزلت في الأشعت بن قيس وخصم له اختصما في أرض، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم لليهودي: احلف، فقال الأشعت: إذن يحلف فيذهب حقي " # ، فأنزل الله الآية، وقال النبي عليه السلام بعقب ذلك: # " من حلف بيمين كاذبة ليقطع بها حق أخيه لقي الله عز وجل (وهو عليه ~~غضبان) ". # وروي عن مجاهد أنه قال: نزلت في رجل أقام سلعة في أول النهار، فلما كان ~~آخره جاء رجل يساومه فيها، فحلف لقد منعها أول النهار من كذا وكذا، ولولا ~~المساء ما باعها بهذا العطاء فأنزل الله الآية. # وقال ابن المسيب: اليمين الفاجرة من الكبائر وتلا هذه الآية. # وقال قتادة: من حلف على يمين فاجرة ليقتطع بها حق أخيه فليتبوأ مقعده من ~~النار، ثم تلا هذه الآية. # وقال ابن مسعود: كنا نرى ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن من ~~الذنب الذي لا يغفر: يمين الصبر إذا فجر فيها صاحبها. # وعن مجاهد أنه قال: هو الرجل يقول أعطيت بسلعتي كذا وكذا كذبا. # وقيل: إنها نزلت في قوم من اليهود ضاقت عليهم معاشهم، فخرجوا إلى ~~المدينة، فلما رجعوا رؤساءهم سألوهم عن النبي عليه السلام فقالوا: هو ~~الصادق لا شك فيه، فقال الرؤساء: الآن حرمتم أنفسكم برنا ~~ونفعنا. فانقلب القوم، إلى منازلهم، وأخرجوا كتبهم فحكوا صفة النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأثبتوا صفة غيره، وراحوا إلى رؤسائهم فقالوا: إنا ~~فتحنا كتبنا فرأينا الأمر فيها على ما تصفون في محمد صلى الله عليه وسلم ~~فنفعوهم وأعطوهم، فأنزل الله عز وجل هذه الآية فيهم. # وروى ابن مسعود بأن النبي عليه السلام قال # " من حلف بيمين صبر ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان، ~~فأنزل الله تصديق ms0330 ذلك { إن الذين يشترون } الآية ". ### || [3.78] # قوله: { وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم ~~بالكتاب } الآية. # ومعناها وإن من اليهود الذين جرى ذكرهم لفريقا يحرفون ألسنتهم بالكتاب ~~لتظنوا أنه من الكتاب وما ذلك من الكتاب أي: وما ذلك الذي حرفوا من ~~الكتاب، ويزعمون أن الذي حرفوا من عند الله: أي ما نزل على أنبيائه { ~~وما هو من عند الله } وإنما أحدثوه من عند أنفسهم فيكذبون على ~~الله وهم يعلمون أنهم كاذبون. # يقال: لويته عدلته عن قصده. # وقال القتبي: يلوون: يقلبون ألسنتهم بالتحريف والزيادة ### || [3.79] # قوله: { ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتب ~~والحكم والنبوة } أي: ما ينبغي لبشر أن ينزل الله عليه ~~الكتاب ويعطيه الحكم، وهو الفقه في الدين، ويعطيه النبوءة ثم يدعو الناس ~~إلى عبادته، بل يدعوهم إلى الله وإلى عبادته. # وروي أنها نزلت في النفر من اليهود والنصارى الذين دعاهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلى الإسلام. # " وروي أن اليهود قالت له: تريد يا محمد أن نعبدك كما عبدت النصارى ~~عيسى؟ # وقال الرئيس من نصارى نجران: ذاك تريد منا يا محمد؟ فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: معاذ الله أن أعبد غير الله، أو آمر بعبادة غيره ما بذلك بعثت ~~فأنزل الله جل ذكره { ما كان لبشر } الآية ". # ثم قال: { ولكن كونوا ربنيين } أي... حكماء علماء { ~~بما كنتم تعلمون } من شدة فهو مشتمل على معنى التخفيف لأن من ~~علمنا شيئا فقد علم. # قال الضحاك: لا ينبغي لأحد أن يدع حفظ القرآن جهده، فإن الله تعالى ~~يقول: { ولكن كونوا ربنيين } فقهاء علماء بعلم الكتاب ~~ودرسكم إياه. # هذا على قراءة من خفف. # (ومن شدد فمعناه: بتعليمكم الكتاب وبدرسكم إياه " ) وكل معلم عالم، وليس ~~كل عالم معلما، فالتشديد أعم وأبلغ وأمدح. # " ونزلت هذه الآية حين قالت اليهود من أهل نجران وغيرهم: أتريد يا محمد ~~أن نعبدك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: معاذ الله أن نعبد غير الله أو ~~نأمر بعبادة غير الله ما بذلك بعثني ولا بذلك أمرني " أو كما قال فأنزل ms0331 ~~الله عز وجل { ما كان لبشر } الآية ". # ومعنى { ولكن كونوا ربنيين } أي: ما ينبغي لبشر أن ~~يفعل ذلك مع الناس وأن يقول لهم ذلك، ولكن يقول لهم كونوا ربانيين " # أي حكماء علماء. # وقيل: فقهاء علماء فتركوا القول لدلالة الكلام عليه. # وقال ابن زيد: الربانيون ولاة الأمر، وقرأ { لولا ينهاهم ~~الربانيون } ، وقال: هم ولاة الأمر. # والألف والنون في " ربانيين " دخلت للمبالغة كجماني للعظيم الجمة، وكذلك ~~غضبان للمتلئ غيظا ومعنى الرباني العالم بدين الرب، وكأنه في الأصل ~~الربي منسوب إلى الرب ثم دخلت الألف والنون للمبالغة، وجمع جمع السلامة ~~بالياء والنون والألف والنون. # قال مجاهد: الربانيون، فوق الأحبار. # قال النحاس: الأحبار العلماء، والربانيون الذين جمعوا مع العلم السياسة ~~والصلاح. # من قولهم: رب فلان الأمر إذا أصلحه. # وقد قيل في { وبما كنتم تدرسون } أي: الفقه. # والأحسن أن يكون مردودا على ما قبله فتكون الدراسة للكتاب الذي جرى ~~ذكره، ولم يجر ذكر للفقه. # والكتاب هنا القرآن، قاله عاصم. ### || [3.80] # قوله { ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة ~~والنبيين } الآية من نصب يأمركم عطفه على الأول على { ~~يؤتيه } كأنه وما كان لبشر أن يأمركم. ومن رفع قطعه من الأول وتقديره ~~عند سيبويه: ولا يأمركم الله، وعند الأخفش: وهو لا يأمركم. # والتفسير يدل على النصب لأنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: أتريد أن ~~نعبدك، فأنزل الله { ما كان لبشر } أن يفعل كذا وكذا، ولا أن ~~يأمركم بكذا فنفى عنه ما أسندوا إليه، ثم قال: ولكن له أن يقول ويأمر { ~~كونوا ربنيين }. # ثم قال: { أيأمركم بالكفر } أي أيأمركم نبيكم بالكفر فهذا ~~ظاهر الآية والتفسير، وهو تابع لقراءة النصب في المعنى. # وقيل المعنى أيأمركم الله بالكفر فهذا رد على قراءة من قراء بالرفع. ### || [3.81-85] # قوله: { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لمآ ~~آتيتكم }. # أي: واذكر إذ أخذ الله. واللام في " لما " لام تأكيد " وما " بمعنى الذي ~~في موضع رفع بالابتداء، و (من) لبيان الجنس والهاء محذوفة من آتيناكم و، ~~{ من كتاب وحكمة } الخبر هذا مذهب الخليل وسيبويه. # وأجاز الأخفش أن ms0332 يكون الخبر { لتؤمنن به } وهذا لام قسم كأنه ~~قال: والله لتؤمنن به. # وقال الكسائي: ما للشرط وهي في موضع نصب، واللام لام تأكيد كما تقول ~~والله لئن زيد ضربت لأضربنك به. # ومن كسر اللام في " لما " فهي لام الجر أي: أخذ الميثاق الذي أتاهم من ~~كتاب وحكمة، ويكون { لتؤمنن } من أخذ الميثاق وكأن تقول: أخذت ~~ميثاقك لا تفعلن. # وفي قراءة ابن مسعود { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين } ~~، وكذلك قرأها أبي بن كعب، ودليله قوله: { ثم جآءكم رسول } وهو ~~محمد صلى الله عليه وسلم ولم يأت إلا لأهل الكتاب، وغيرهم دون النبيين، ~~ثم { لتؤمنن به ولتنصرنه } فليس في هذا أمر من نبيين، ~~إنما هو أمر لمن أخذ الله عليه الميثاق، وهم أهل الكتاب، وهذا المعنى ~~مروي عن مجاهد وغيره قالوا: إنما أخذ الله الميثاق على أهل الكتاب في ~~الإيمان بالأنبياء والنصر لهم، ولم يؤخذ على النبيين نصر لقومهم، ولا ~~إيمان بقومهم. # وقال ابن عباس: المعنى وأخذ الله ميثاق النبيين على قومهم. وقال طاووس: ~~أخذ الله ميثاق النبيين أن يصدق بعضهم بعضا. # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: لم يبعث الله نبيا آدم فمن بعده ~~إلا أخذ عليه العهد في محمد صلى الله عليه وسلم لئن بعث وهو حي ليؤمنن به ~~ولينصرنه ويأمره فيأخذ العهد على قومه بذلك. # وقال قتادة: أخذ الله على النبيين أن يصدق بعضهم بعضا وأن يبلغوا كتاب ~~الله عز وجل ورسالته إلى قومهم ففعلوا وأخذوا على القوم أن يؤمنوا بما ~~بلغت إليهم رسلهم، وكان فيما بلغت إليهم الرسل الأمر بالإيمان بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم والتصديق به، والنصر له. # وقال السدي: لم يبعث الله نبيا من لدن نوح صلى الله عليه وسلم إلا أخذ ~~ميثاقه أن يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم وبنصره إن بعث وهو حي وأن يأخذ ~~الميثاق على قومه بذلك إن بعث وهم أحياء. # وقوله: { أأقررتم } أي: بالميثاق على نحو ما تقدم " { ~~وأخذتم على ذلكم إصري } أي: عهدي { قالوا ~~أقررنا }. # قيل: الضمير يعود ms0333 على الأنبياء أي قال الأنبياء: أقررنا بما التزمنا من ~~الإيمان برسلك الذين ترسلهم مصدقين لما معنا من كتب. # { قال فاشهدوا } أي: اشهدوا أيها النبيون بما أخذت به ميثاقكم ~~عليكم، وعلى أممكم { وأنا معكم من الشاهدين } أي: أشهد ~~عليكم وعليهم بذلك. # وقيل: إن الضمير راجع إلى الذين أوتوا الكتاب على تقدير الاختلاف ~~المذكور. # { فمن تولى بعد ذلك }: أي من أعرض بعد العهد الذي أخذ ~~عليه، فهو فاسق أي خارج من دين الله. # وفي هاتين الآيتين تذكير - لمن كان على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من أهل الكتاب - وتخويف. # قوله: { أفغير دين الله يبغون } أي: أفغير طاعة الله يا ~~أهل الكتاب تطلبون، وهو الذي خضع له من في السماوات والأرض، وأسلم ~~طائعا، وهم: الملائكة، والنبيون والمؤمنون { وكرها } وهم الذين ~~آمنوا بالتوحيد، وأشركوا عن علم كما قال: # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله # [الزخرف: 87]. # وقيل: إسلام الكاره هو حين أخذ عليه الميثاق. # وقال مجاهد: إسلام الكاذب سجود ظله. # والطائع: المؤمن. # وقيل: إسلام الكاره تقلبه في مشيئة الله، واستكانته لقضائه. # وقال قتادة: إسلام الكاره هو حين لا ينفعه إسلامه، وذلك في الآخرة، وحين ~~رأى الموت، قال الله تعالى: # فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا # [غافر: 85]. # وقيل المعنى: له خضع الجميع طائعين، وكارهين لأنه جبلهم على ذلك، وخلقهم ~~كذلك. # وفي تفسير الحسن { وله أسلم من في السموت } انقطع ~~الكلام. ثم قال: { والأرض } طوعا أو كرها أي أسلم من في الأرض ~~طوعا وكرها، فالكاره المنافق لا ينفعه إيمانه. # وقيل: إن أهل الأرض أسلموا كلهم حين أخذ الله عليهم الميثاق واستخرجهم ~~من ظهر آدم، فالتأويل: أفغير طاعة الله تريدون وهذه صفته. ثم أمر الله ~~تعالى محمدا عليه السلام وأمته أن يقولوا: { آمنا بالله ومآ ~~أنزل علينا ومآ أنزل على إبراهيم } ومن ذكر بعده ~~[وأن] لا يفرقوا بين أحد منهم، وأعلمهم الله تعالى أنه لا يقبل دينا غير ~~الإسلام، وأن من ابتغى غيره فهو خاسر في الآخرة. أي: يخسر نفسه وذلك ~~الخسران المبين. # ولما نزلت ms0334 { ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل ~~منه } ادعى كل قبيل، وكل أهل ملة انهم هم المسلمون فأنزل الله [عز ~~وجل] # ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه ~~سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العلمين # [آل عمران: 97]، فحج المسلمون وقعد الكافرون، فظهر فساد دعوى كل من ادعى ~~الإسلام إلا المسلمون. ### || [3.86] # قوله { كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم } ~~الآية. قال ابن عباس: كان رجل من الأنصار أسلم، ثم ارتد، وهو الحارث بن ~~سويد فأرسل إلى قومه أن يسألوا النبي صلى الله عليه وسلم: هل لي من توبة؟ ~~فأنزل الله عز وجل { كيف يهدي [الله] قوما كفروا بعد ~~إيمانهم } ثم أنزل الله { إلا الذين تابوا من بعد ~~ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم } فأرسل إليه قومه ~~وأسلم. # وقال مجاهد: نزلت الآيتان بعد ارتداد الحارث بن سويد فحملهما إليه رجل ~~فقرأ عليه الآية الأولى ثم قرأ عليه الآية { إلا الذين تابوا ~~من بعد ذلك } الآية فقال الحارث: إنك - والله ما علمت - لصدوق، ~~وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أصدق منك. وإن الله سبحانه لأصدق ~~الثلاثة ثم رجع فأسلم وحسن إسلامه. # قال السدي: نزلت في الحارث بن سويد حين ارتد ثم نسخها الله بقوله: { ~~إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا }. # وروي أنه كان يظهر الإسلام فلما كان يوم أحد قتل المجذر بن زياد بدم كان ~~له عليه، وقتل قيس بن زيد، وارتد ولحق بمشرك، فأمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عمر أن يقتله إن ظفر به، ففاته، ثم بعث إلى أخيه من مكة يطلب ~~التوبة، فأنزل الله عز وجل { كيف يهدي الله } الآيتين. # وقال كثير من المفسرين: إنما نزلت في اليهود لأنهم وجدوا في التوراة إن ~~الله جل ذكره ناجى موسى عليه السلام وكان في مناجاته " يا أمة محمد قد ~~أجبتكم قبل أن تدعوني وأعطيتكم قبل أن تسألوني، ورحمتكم قبل أن ~~تسترحموني، فقال موسى عليه السلام: جعلت وفادتي لغيري " ، وذلك قوله ~~تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: ms0335 # وما كنت بجانب الطور إذ نادينا # [القصص: 46] " أي: إذ ناجينا موسى بهذا أن: يا أمة محمد قد أجبتكم قبل ~~أن تدعوني إلى آخر القصة. # وقيل: نزلت في قوم ارتدوا. # وقيل: نزلت في أهل الكتاب لأنهم عرفوا محمدا صلى الله عليه وسلم وصفته، ~~ثم كفروا به عن علم بصحة نبوته. # وقال القرظي: [كان] ناس من أهل مكة أتوا النبي صلى الله عليه وسلم ~~فآمنوا، فمكثوا ما شاء الله في المدينة، ثم خرجوا وارتدوا ولحقوا ~~بالمشركين فأنزل الله ذلك فيهم ثم تعطف عليهم فأنزل الله { إلا ~~الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا } الآية. # قوله: { وشهدوا أن الرسول حق }: معطوف على الفعل الذي ~~تضمنه المصدر وهو إيمانهم، تقديره بعد أن آمنوا وشهدوا ولا يجوز عطفه على ~~{ كفروا } لفساد المعنى. وقال الحسن: هم اليهود والنصارى عرفوا صفة ~~محمد صلى الله عليه وسلم عندهم وشهدوا أنه حق قبل مبعثه فلما بعث من ~~غيرهم حسدوا العرب على ذلك وكذبوه وأنكروا حسدا وبغيا، وقلوبهم تشهد ~~أنهم مبطلون في ذلك. ### || [3.87-90] # قوله { أولئك جزآؤهم أن عليهم لعنة الله } ~~الآية. # معناه: جزاء من هذه حاله لعنة الله، أي: يبعده من الرحمة ولعنة الملائكة ~~والناس أي: يلعنهم كل من خالفهم يوم القيامة من المخلوقين كما قال: # ويلعن بعضكم بعضا # [العنكبوت: 25]: # ويجوز أن يكون الناس يراد بهم من كان مؤمنا. ويجوز أن يكون أراد بهم: ~~لعن بعضهم بعضا في الدنيا لاختلاف أديانهم فيها. # { لا يخفف عنهم العذاب } أي: لا ينقص عنهم: { ولا هم ~~ينظرون } أي: لا يؤخرون عن الوقت. وقيل: لا ينظرون لمعذرة يعتذرون ~~بها. # وكل ما في القرآن من اللعنة فالخط فيها في المصحف بالهاء إلا في موضعين ~~كتبت بالتاء: في آل عمران # فنجعل لعنت الله على الكاذبين # [آل عمران: 61] و [في] النور # والخامسة أن لعنت الله عليه إن كان من ~~الكاذبين # [النور: 7] هذان بالتاء لا غير. # قوله { إلا الذين تابوا من بعد ذلك } أي: استثنى من ~~تاب ممن ذكر قبله. # وقيل: هو ناسخ ل { كيف يهدي الله قوما كفروا ms0336 } الآية ~~وقد ذكرناه. # ومعنى: { وأصلحوا } أي: أصلحوا أعمالهم، وقيل: معناه وعملوا ~~الصالحات. # قوله: { إن الذين كفروا بعد إيمانهم } عنى بها من ~~كفر ببعض الأنبياء قبل محمد صلى الله عليه وسلم ثم كفروا بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم فلن تقبل توبتهم عند الموت ومعاينته. # قال قتادة: عنى بها اليهود لأنهم كفروا بالإنجيل - وبعيسى عليه السلام { ~~ثم ازدادوا كفرا } بمحمد صلى الله عليه وسلم - والقرآن. # وقيل: عنى بها اليهود والنصارى كفروا بكتابهم، فبدلوه، { ثم ~~ازدادوا كفرا } بمحمد عليه السلام. وقيل: كفرهم الأول هو جحدهم ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم وازدادوا كفرا [أي: ذنوبا]. # وقيل: هم اليهود والنصارى كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم، [وازدادوا ~~كفرا] لم يتوبوا مما فعلوا في الصحة لم تقبل توبتهم عند الموت. # وقيل: { ثم ازدادوا كفرا } ماتوا على الكفر. # [و] اختار الطبري أن يكون المعنى: ثم ازدادوا كفرا بما أصابوا من ~~الذنوب، لن تقبل توبتهم من ذنوبهم التي أصابوها في كفرهم حتى يتوبوا من ~~كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم والآية عنده عنى بها اليهود. ### || [3.91] # قوله: { إن الذين كفروا وماتوا } الآية. # معناه: لن يقبل ممن كان بهذه الصفة جزاء ولا فدية ولو كانت ملء الأرض ~~ذهبا، روى أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: # " يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبا ~~أكنت مفتديا به؟ فيقول: نعم، فيقال له: قد سئلت ما هو أيسر من ذلك ". # وقال الزجاج معناه: لو عمل من الخير فتصدق بملء الأرض ذهبا - وهو كافر ~~- لم ينفعه ذلك مع كفره. ### || [3.92] # قوله: { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ~~}. # قال ابن مسعود وغيره: البر هنا الجنة. # { لن تنالوا } حتى تتصدقوا { مما تحبون } أي: تهوون، ومثله # ويطعمون الطعام على حبه # [الإنسان: 8] [وقوله] # ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة # [الحشر: 9]. # ولما نزلت هذه الآية # " جاء زيد بن حارثة بفرس له كان يحبها فقال: يا رسول الله، هذه في سبيل ~~الله، فحمل النبي (عليه السلام) [عليها] ms0337 أسامة بن زيد وهو ولده فوجد زيد ~~في نفسه فلما رأى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: أما إن الله قد ~~تقبلها منك ". # وقيل: إن البر العمل الصالح الذي يدعو إلى الجنة. # وفي الحديث # " عليكم بالصدق فإنه يدعوا إلى البر، والبر يدعو إلى الجنة، وإياكم ~~والكذب، فإنه يدعو إلى الفجور والفجور يدعو إلى النار ". # قوله: { وما تنفقوا من شيء } أي: فتصدقوا بشيء فإنه محفوظ ~~لكم. # وقال الحسن: النفقة هنا يعني بها الزكاة الواجبة. ### || [3.93] # قوله: { كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل } ~~الآية. # إسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم صلى الله عليه وسلم أخبرنا الله ~~تعالى أن الأطعمة كلها كانت حلالا لولده يعقوب إلا ما حرم يعقوب على ~~نفسه قبل نزول التوراة، وحرمه ولده على أنفسهم من غير فرض من الله ~~تعالى عليهم، وكان بيعقوب صلى الله عليه وسلم عرق يسمى عرق النساء، ~~فيأخذه بالليل ويتركه بالنهار فحلف: إن الله عافاه منه ألا يأكل عرقا ~~أبدا، فحرم الله عليهم لبغيهم فنزلت التوراة بتحريم ما كانوا حرموه ~~على أنفسهم، فذلك قوله: { فبظلم من الذين هادوا ~~حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم } ثم قال: إن أنكرتم ~~ذلك فاتوا بالتوراة فاتلوها فإنكم تجدون ذلك فهذا قول السدي. # وقيل: إن الذي حرموه على أنفسهم إنما تبعوا فيه يعقوب صلى الله عليه ~~وسلم، ولم تنزل التوراة بشيء منه، ولكنهم ادعوا أنه في التوراة فقال ~~الله: قل يا محمد ايتوا بالتوراة فإنه لا شيء فيها مما يقولون. # وقال ابن عباس: حرم إسرائيل على نفسه وعلى ولده العرق وليس بمكتوب في ~~التوراة. # فمجاهد وقتادة وابن عباس وغيرهم يقولون: الذي حرم إسرائيل على نفسه هو ~~العرق لعرق كان به يؤذيه. # [وقال عطاء] وابن جريج: حرم على نفسه لحوم الإبل وألبانها، وهو قول ~~الحسن. # " ويروى أن عصابة من اليهود حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ~~يا أبا القاسم، أخبرنا أي شيء حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل ~~التوراة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أنشدكم ms0338 بالذي أنزل التوراة هل ~~تعلمون أن إسرائيل - يعقوب - مرض مرضا شديدا، فطال سقمه منه، فنذر لله ~~نذرا لئن عافاه الله منه ليحرمن أحب الطعام والشراب إليه، وكان أحب ~~الطعام إليه لحمان الإبل، وأحب الشراب إليه ألبانها، فقالوا: اللهم نعم ~~". # وروي انه حرم على نفسه أحب الطعام إليه إن برئ، وكان أحب الطعام إليه ~~لحوم الإبل وشحومها، وشحوم الضأن والبقر والمعز، فحرم ذلك على نفسه. ### || [3.94] # قوله: { فمن افترى على الله الكذب } الآية. # أي: فمن ادعى بعد قراءة التوراة - وعدم ما ادعيتم من تحريم العروق ولحوم ~~الإبل وألبانها فيها -: إن ذلك في التوراة، وأن الله أنزل تحريم ذلك فيها ~~فهو ظالم. ### || [3.95] # قوله: { قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم ~~حنيفا } معناه: قل يا محمد صدق الله في جميع ما أخبرنا به وأن إسرائيل ~~حرم لحوم الإبل وألبانها من غير تحريم من الله في كتابه، فإن كنتم أيها ~~اليهود على حق في قولكم { فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا } ~~فإنه لم يكن مشركا. # والوقف على قوله { قل صدق الله } حسن. ### || [3.96] # قوله: { إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة.. } ~~الآية. # أخبر الله تعالى: أن أول بيت وضع للناس مبارك وهدى للعالمين هو الذي ~~ببكة، وكان قبله بيوت إلا أنه ليس لهن هذه الصفة، هذا قول علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه فهو على قوله أول بيت وضعت فيه البركة والهدى مقام ~~إبراهيم. وقال الحسن: هو أول مسجد عبد الله فيه في الأرض. # وقال ابن عمر: هو أول بيت وضع في الأرض، خلق الله البيت قبل الأرض بألفي ~~سنة، وكان إذ كان عرشه على الماء على زبد وبيضاء فدحيت الأرض من تحته. # وقال مجاهد: أول بيت خلق الله: الكعبة، ثم دحا الأرض من تحتها، وقاله ~~السدي. # وقيل: إن موضع الكعبة موضع أول بيت وضعه الله في الأرض. وقال قتادة: هبط ~~البيت مع آدم حين هبط، يطوف حوله كما يطاف حول العرش ثم رفعه الله في ~~الطواف فصار معمورا في السماء، ثم إن إبراهيم تتبع ms0339 منه أساسا حين أمره ~~تعالى ببنائه فبناه على أساس قديم. # ومعنى وضع للناس [أي]: لعبادة الله. # وسئل النبي عليه السلام عن أول مسجد وضع؟ فقال: # " المسجد الحرام، ثم مسجد بيت المقدس وكان بينهما أربعون سنة ". # وبكة: حول البيت مع الطواف (من) قولهم بكه: إذا زحمه، فسميت بذلك البقعة ~~للازدحام [الذي يكون] فيها وما عدا ذلك في خارج المسجد: مكة. # قال ابن شهاب: بكة البيت والمسجد، ومكة الحرم كله. # وقال مالك: بكة موضع البيت، ومكة غيره من المواضع. # قال ابن القاسم: يريد القرية. # وروي عن ابن وهب أنه قال: بكة موضع البيت، ومكة ما حول البيت من ~~المواضع. # وقيل: إنما سميت مكة لأنها تبك أعناق الجبابرة إذا أحدثوا فيها. # قال مقاتل: بكة ما بين الجبلين، ومكة الحرم كله وإنما سميت بمكة لأنها ~~تمك المخ من العظم أي تمحقه لما يحتاج (إليه) الإنسان من السعي والطواف ~~والعمل. # يقال: مككت العظم إذا أخرجت ما فيه. # وقيل: سميت مكة لأن الناس كانوا يمكون، ويضجون فيها من قوله: # وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكآء وتصدية # [الأنفال: 35] يقول: تصفيق وصفير. # وقال الضحاك: بكة هي مكة، وعلى ذلك أهل اللغة أن الميم بدل من الباء كما ~~يقال: لازب، ولازم وسبل شعره وسمله إذا استأصله. # وسميت بكة لأن الناس يتباكون حولها الرجال والنساء يعني يزدحمون، وقيل ~~سميت بذلك لأنها تبك أعناق الجبابرة. ### || [3.97] # قوله { فيه ءايت بينت... } الآية. # هي: مقام إبراهيم، والمشعر الحرام { ومن دخله كان آمنا }. # وقال مجاهد: مقام إبراهيم الحرم كله، وهي آيات كثيرة. # منها: الصفا والمروة والركن والحطيم والملتزم والحجر وغير ذلك، ومنها: ~~أن الطائر لا يعلو البيت صحيحا ويعلوه مريضا للتشفي [به] ومنها: أن ~~الجارح يتبع الصيد فإذا دخل الحرم تركه. ومنها: أن الغيث إذا كان من ~~ناحية الركن اليماني كان الخصب باليمن، وإذا كان من ناحية الشامي كان ~~الخصب بالشامي، والعراقي كذلك، وإن عم الأركان عم الخصب الدنيا. # ومنها: أن الجمار تزداد فيه كل عام لا يحصى كثرة وهي ترى على قدر ms0340 واحد. ~~وأمثال ذلك كثيرة لا تحصى. # وعلى هذا القول يكون { ومن دخله كان آمنا } خبر مبتدأ. # وقد قرأ " فيه آيات بينة " على أنها المقام الموجود الساعة ويكون أيضا ~~ما بعد مبتدأ. # ومعنى: { ومن دخله كان آمنا } كان أهل الجاهلية من جنى منهم ~~جناية ثم لجأ إلى حرم الله لم يطلب، ولم ينتصف وأما في الإسلام فليس يمنع ~~من حدود الله عز وجل مانع. # وعن يحيى بن جعدة { ومن دخله كان آمنا } قيل: كان آمنا من ~~النار. # وأهل التفسير على أن المعنى: ومن دخله فارا من غيره مستجيرا به أمن ~~ممن يطلبه. # وقيل: [المقام] هو الحجر الذي فيه أثر رجلي إبراهيم عليه السلام. # وروي أن الله عز وجل أمره أن يؤذن بالحج كما قال تعالى: # وأذن في الناس بالحج # [الحج: 27] فوقف على المقام وهو الحجر، فأعطاه الله في صوته ما يسمعه كل ~~من في أصلاب الرجال وأرحام النساء، وأعطاه من القوة حتى رسخت رجلاه مقر ~~الحجر فنادى يا عباد الله، أجيبوا داعي الله، والحج إلى بيته الحرام ~~يخرجكم من النار، ويسكنكم الجنة " فالناس اليوم يلبون دعوة إبراهيم فمن ~~أجابه مرة حج مرة ومن أجابه مرتين حج مرتين، وكذلك (أكثر) من ذلك. # قوله: { ولله على الناس حج البيت من استطاع ~~إليه سبيلا... }. # هذا فرض من الله واجب علينا مع وجود الاستطاعة. # قال ابن الخطاب وابن عباس رضي الله عنه: الاستطاعة: الزاد والراحلة، وهو ~~قول ابن جبير والحسن. # وعن ابن عباس: من ملك ثلاثمائة درهم فهو السبيل. # وقال الضحاك: إن قدر [أن] يؤاجر نفسه ويمشي فهو مستطيع. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " السبيل الزاد والراحلة ". # وعن علي رضي الله عنه أنه قال: من ملك زادا وراحلة يبلغانه إلى بيت ~~الله عز وجل فلم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا. # وقال عكرمة: السبيل: الصحة. # وقال ابن زيد: السبيل القوة في النفقة والجسم والحملان. # وقيل السبيل الطاقة بأي وجه: وهو اختيار (الطبري) وجماعة من العلماء، ~~وهو مذهب مالك وأصحابه. ms0341 # والهاء في " إليه " تعود على البيت " وقيل على الحج ". # قوله: { ومن كفر } أي: من لم يحج وهو يقدر عليه. # وقيل: معناه من لزمه فرض الحج فأنكره فإن الله غني عن حجه. # وقال ابن عباس: من كفر من قال الحج ليس بفرض. # وقيل: معناه من اعتقد أنه لا أجر له في سعيه وحجه، ولا إثم عليه في ~~تأخيره قاله مجاهد. # " وسأل رجل من هذيل النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يا نبي الله من ~~تركه كفر؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: " من تركه لا يخاف عقوبته، ومن ~~حج لا يرجو ثوابه فهو ذلك " # أي: كافر. # وعن مجاهد أيضا أنه قال: معنى: { ومن كفر } أي: وكفر بالله واليوم ~~الآخر، ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع الناس عند نزول فرض الحج، ~~وخطبهم وأمرهم بالحج وأنه فرض عليهم. فحج البيت هو ملة واحدة وهي: من آمن ~~بالله، وتركه خمس ملل، وهم الذين لم يؤمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ~~فأنزل عز وجل: { ومن كفر فإن الله غني عن العلمين ~~}. # وعن ابن عباس أنه قال لما نزلت: { ومن يبتغ غير الإسلام ~~دينا } الآية، قالت: الملل كلها نحن مسلمون فأنزل الله { ولله ~~على الناس حج البيت } فحج المؤمنون وقعد الكافرون ". # قال ابن زيد معناه ومن كفر بهذه الآية يعني التي تقدم ذكرها وهي: مقام ~~إبراهيم { ومن دخله كان آمنا }. # قال عطاء: { ومن كفر } بالبيت. # وقال السدي: { ومن كفر } معناه: من وجد ما يحج به ثم لم يحج فهو ~~كافر. # ويروى عن عمر أنه قال: لقد هممت أن أبعث رجالا إلى الأمصار فينظرون إلى ~~كل رجل لم يحج وهو واجد فيضربون عليه الجزية ما هم بمسلمين. # وعنه أنه قال: لو أن ناسا تركوا الحج لقاتلناهم عليه كما قاتلناهم على ~~الصلاة والزكاة. # واختار بعضهم أن يكون المعنى: ومن كفر فأنكر فرض الله ووجوبه. ### || [3.98] # قوله: { قل يأهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله }. # هذا خطاب لليهود والنصارى وتوبيخ لهم لأنهم كفروا بمحمد وهم يشهدون أنه ~~حق ms0342 يجدونه عندهم في التوراة مكتوبا والله يشهد عليهم بأنهم على باطل في ~~إنكارهم له وهم يعلمون أنه نبي حق. ### || [3.99] # قوله { قل يأهل الكتاب لم تصدون } الآية. # هو أيضا خطاب لليهود والنصارى، ومعنى صدهم عن سبيل الله هو جحدهم ~~بمحمد، وما جاء به من الدين، والسبيل: الطريق. # { تبغونها عوجا } " أي يبغون لها أي: السبيل أي: يطلبون السبيل ~~المعوج وهو الميل عن الحق في الدين. # والعوج بالفتح يكون في الحائط والعود ونحوه. # قال السدي: وكانوا إذا سألهم أحد هل يجدون محمدا صلى الله عليه وسلم في ~~التوراة؟ قالوا: لا، فيصدون عن الإيمان به، والإيمان بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم هو السبيل إلى الله سبحانه. ### || [3.100-101] # قوله { يأيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا } ~~الآية. # نزلت هذه الآية في قوم من اليهود أرادوا أن يحدثوا الفتنة بين الأوس ~~والخزرج، وقد كان بين القبيلتين فتنة فذهبت بالنبي عليه السلام، فأراد ~~قوم من اليهود أن يحدثوها بينهم، فنهى الله عز وجل عن ذلك وأخبرهم أنهم ~~إن أطاعوهم كفروا، ثم قال: # { وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله ~~وفيكم رسوله } [معناه: وعلى أي حال تكفرون أيها المؤمنون وآية ~~الله تقرأ عليكم ورسوله] بين أظهركم يدعوكم إلى الحق ويبينه لكم، فليس ~~لكم عذر في ارتدادكم عن الحق { ومن يعتصم بالله } أي: يمتنع به ~~{ فقد هدي إلى صراط مستقيم }. # قال ابن جريج: { ومن يعتصم بالله }: من يؤمن بالله. # وقال ابن العباس: كانت الأوس والخزرج بينهم حرب في الجاهلية كل شهر، ~~فبينما هم جلوس إذ ذكروا ما كان بينهم حتى غضبوا فقام بعضهم إلى بعض ~~بالسلاح، فنزلت هذه الآية { وكيف تكفرون } ، ونزلت { ~~واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعدآء ~~فألف بين قلوبكم }. # وروي أن شاس بن قيس كبير اليهود دس على الأوس والخزرج من يذكرهم ما كان ~~بينهم من الحروب والدعاء طمعا أن يفرق إلفتهم، فلما ذكروا بذلك ثار ~~بينهم شر حتى أخذوا السلاح، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ~~ووعظهم وذكرهم بالله والإسلام، فرجع القوم، وعلموا أنها ms0343 نزعة من الشيطان، ~~فبكوا وتعانقوا [وانصرفوا] مع النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآيات في ~~توبيخ أهل الكتاب على فعلهم وتذكير الأنصار ووعظهم. ### || [3.102] # قوله { يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق ~~تقاته }. # هذا خطاب للمؤمنين، ومعنى { اتقوا الله } راقبوه ودوموا: على ~~طاعته. ومعنى { حق تقاته } أي: حق خوفه وهو أن يطاع فلا يعصى، ~~ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر، قاله السدي وطاووس وقتادة، وغيرهم. # { ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون }: لربكم. # وعن ابن عباس { حق تقاته }: أن يجاهد في الله حق جهاده ولا تأخذه ~~في الله لومة لائم، ويقوموا لله بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم. # وعن قتادة إنها منسوخة بقوله: { فاتقوا الله ما استطعتم ~~} وكذلك قاله الربيع ابن أنس، وقاله السدي وابن زيد. # وأهل النظر على أن هذا لا نسخ فيه لأن الأمر بالتقوى لا ينسخ ولكنه خفف ~~بالآية الأخرى. ومعنى { ولا تموتن } أي: كونوا على الإسلام حتى ~~يأتيكم الموت، وليس ينهاهم عما لا يملكون ولكن هذا معناه. # وحكى سيبويه: لا أرينك هاهنا، وهو لم ينه نفسه، وإنما المعنى لا يكن ها ~~هنا، فإنه من يكن ها هنا أراه. ### || [3.103] # قوله: { واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ~~}. # أي: تعلقوا بأسباب الله { ولا تفرقوا } أي: تمسكوا بدين الله. ~~والحبل في اللغة الذي يتوصل به إلى البغية. # قال ابن مسعود: حبل الله الجماعة. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " كتاب الله حبل الله الممدود من السماء الى الأرض ". # وقيل: حبله، عهده وأمره، وأكثر المفسرين على أنه القرآن، وقال أبو ~~العالية حبل الله الإخلاص والتوحيد. # وقال ابن زيد: حبل الله: الإسلام. # وقال القتبي: حبل الله: دينه. # وروى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: # " أيها الناس عليكم بالطاعة، والجماعة فإنها حبل الله الذي أمر به وإن ~~ما تكرهون في الطاعة والجماعة هو خير مما تحبون في الفرقة " # وهذا تذكير للأنصار إذ كانوا يقتتلون في كل شهر فلما أتى الإسلام ~~واجتمعوا عليه ألف الله بينهم وزالت العداوة التي كانت ms0344 بينهم عشرين ومائة ~~سنة، وقد كانوا بني عم. # ومذهب البصريين أن { واذكروا نعمت الله عليكم } تمام ~~الكلام، ومذهب الكوفيين أن { إذ كنتم } متصل ب { واذكروا }. # { وكنتم على شفا حفرة من النار } ، هذا مثل لما ~~كانوا عليه من الكفر، أنقذهم الله من ذلك بالإسلام. # وشفا الحفرة: طرفها. # وقيل: { فأنقذكم منها } بمحمد صلى الله عليه وسلم قاله السدي، ~~فالآية للأنصار خاصة لما أزال الله عنهم من القتل الذي كان بينهم. # وقيل: هي لقريش لأن بعضهم كان يغير على بعض فلما دخلوا في الإسلام حرمت ~~عليهم الأموال والدماء فأصبحوا إخوانا. # والهاء في { منها } تعود على النار، وقيل على الحفرة. ### || [3.104] # قوله { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير } الآية. # معناها: ولتكن منكم أيها المؤمنون جماعة مستقيمة يدعون [الناس] إلى ~~الخير، وهو الإسلام، ويأمرونهم بالمعروف أي: باتباع محمد عليه السلام. ~~وما جاء به، وينهونهم عن المنكر، وهو التكذيب لمحمد صلى الله عليه وسلم ~~وما جاء به أولئك الذين يكونون هكذا من المفلحين. # وقيل: إن [من] هاهنا لبيان الجنس، ولأن المعنى ولتكونوا كلكم أمة ~~مستقيمة يدعون إلى الخير. [ومن] مؤكدة أن الأمر للمخاطبين ومثله # فاجتنبوا الرجس من الأوثان # [الحج: 30] فلم يأمرهم باجتناب بعض الأوثان وإنما المعنى: فاجتنبوا ~~الأوثان فإنها رجس، فكذلك لم يأمر بعض المؤمنون بالدعاء إلى الخير دون ~~البعض إنما أمرهم كلهم، ودل على ذلك قوله: # كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون ~~بالمعروف وتنهون عن المنكر # [آل عمران: 110]. # وقال من زعم أن [من] للتبعيض، إنما أمر الله بعض المؤمنين بالدعاء إلى ~~الخير، لأن الدعاء ينبغي أن يكونوا علماء بما يدعون الناس إليه، وليس كل ~~الخلق علماء، فالأمر واقع لمن فيه علم، وهو بعض الناس، فمن للتبعيض على ~~أصلها. # والأمة: الجماعة، والقائمة: المستقيمة، الطريقة الصحيحة: الديانة. # وقرأ عثمان بن عفان رضي الله عنه: [وينهون عن المنكر ويستعينون بالله ~~[على] ما أصابهم " زاد خمس كلمات، وما يقرأ بذلك اليوم لأنه خلاف لخط ~~المصحف المجمع عليه] ". ### || [3.105-108] # قوله: { (ولا تكونوا) كالذين تفرقوا واختلفوا } ~~حذر الله المؤمنين أن يكونوا ms0345 مثل اليهود الذين اختلفوا في كتابهم وتفرقوا ~~فرقا. # أمر الله تعالى المؤمنين في هذه الآية بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف ~~والفرقة وأخبرهم أنه إنما هلك من كان قبلهم بالاختلاف والمراء والخصومات ~~في دين الله. # وقال الحسن: هم اليهود والنصارى اختلفوا في دينهم فنهانا الله عن مثل ~~ذلك. # ثم أخبر أن هؤلاء المختلفين لهم عذاب عظيم يوم تبيض وجوه أي: عذاب عظيم ~~في هذا: اليوم الذي تبيض فيه وجوه وتسود فيه وجوه. # ويجوز في غير القرآن كسر التاء في { تبيض } و { تسود }. # ومعنى تبيض: تشرق كما قال: # وجوه يومئذ مسفرة * ضاحكة مستبشرة # [عبس: 38-39] فهي تشرق لما تصير إليه من [النعيم، وتسود وجوه من أجل ما ~~تصير إليه] من العذاب. # قوله { أكفرتم } معناه: فيقال لهم أكفرتم؟ قال جماعة من العلماء: ~~عنى بهذا بعض أهل القبلة من المسلمين وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " والذي نفسي بيده ليردن على الحوض ممن صحبني أقوام حتى إذا رفعوا إلي ~~ورأيتهم اختلجوا دوني فأقول: يا رب، أصحابي أصحابي. فيقال لي: إنك لا ~~تدري ما أحدثوا بعدك ". # قال أبو أمامة { فأما الذين اسودت وجوههم }: (هم) ~~الخوارج. # وعن أبي بن كعب أنه قال صاروا يوم القيامة فريقين: يقال لمن اسود وجهه: ~~أكفرتم بعد إيمانكم وذلك الإيمان هو الذي كان قبل الاختلاف حين أخرجهم من ~~ظهور آدم وأخذ منهم عهدهم وميثاقهم، فقال الله: # ألست بربكم قالوا بلى # [الأعراف: 172] فأقروا كلهم بالعبودية، وفطرهم على الإسلام، ثم لما ~~خرجوا إلى الدنيا كفروا، فيقال لهم يوم القيامة: { أكفرتم بعد ~~إيمانكم } فالآية عنده للكفار خاصة. قال: والآخرون فقاموا على ~~إيمانهم المتقدم فهم في رحمة الله خلودا. # وقال الحسن: { فأما الذين اسودت وجوههم } هم ~~المنافقون أظهروا الإيمان وأسروا الكفر. واختار الطبري قول أبي بن كعب أن ~~يكون للكفار، ويكون الإيمان هو الذي أخذه الله عليهم حين أخرجهم من ظهور ~~آدم كالذر فأقروا بأنه ربهم ثم كفروا بعد ذلك. # وذكر النحاس في قوله: { أكفرتم بعد إيمانكم } قال: عنى ~~بها اليهود بشروا بالنبي صلى ms0346 الله عليه وسلم واستفتحوا به قبل بعثه فكان ~~ذلك منهم إيمانا، فلما بعث كفروا به هذا معنى قوله. # قوله: { ففي رحمة الله } أي: في ثواب رحمة الله وهي الجنة ~~وتأولها مالك في أهل الأهواء. # وروى أبو أمامة: أنها في الحرورية، سمعته من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم غير مرة، ولا اثنتين، ولا ثلاثا، ولا أربعا، حتى بلغ سبعا. # وروى عبد الملك بن مسلمة، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب، ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا كان يوم القيامة نادى مناد من عند الله تبارك وتعالى: أين خصماء ~~الله؟ فتقوم القدرية مسودة وجوههم زرقا عيونهم قد دلعوا ألسنتهم يسيل ~~لعابهم على صدورهم يقذرهم كل من في القيامة فيقولون: ما لنا؟ ما عبدنا ~~شمسا، ولا قمرا، ولا وثنا، فيأتيهم النداء من عند الله صدقتم ما عبدتم ~~شمسا ولا قمرا # ولا وثنا ولكن جاءكم الكفر من حيث لا تحتسبون ". # قوله { تلك آيات الله نتلوها عليك } أي: هذه آيات الله ~~تتلى عليكم يا محمد بالحق... وليس يريد الله أن يظلم أحدا من خلقه. ### || [3.109] # أعيد ذكر الاسم في الآية لأنه أفخم ولأنه لا يقع فيه أشكال إذ هذا الاسم ~~إنما هو للرب لا يشركه فيه أحد. وقال الكوفيون: إنما أعيد ظاهرا، لأن كل ~~واحد من الاثنين في قصة مفارق معناها للأخرى وليس مثل قول البيت في قول ~~الشاعر: # " لا أرى الموت يسبق الموت شيء ". # لأن الثاني من تمام الأول وإنما أظهر في البيت اضطرارا وليس كذلك ~~الآية. ### || [3.110] # قوله { كنتم خير أمة أخرجت للناس } الآية. # قال ابن عباس: هم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة وقيل: هو خطاب لأصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم. # وقال عكرمة: نزلت في ابن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة وأبي بن كعب ومعاذ ~~ابن جبل. # وقال الحسن وغيره: الخطاب لأمة سيدنا محمد عليه السلام كلهم وكانوا ~~يقولون نحن آخرها وأكرمها على الله. # وعن الحسن أنه قال: معناها كنتم خير الناس ms0347 للناس. # وقال أبو هريرة في معناها: خير الناس للناس يأتون بهم في السلاسل في ~~أعماقهم حتى يدخلوا في الإسلام، وروي أن النبي عليه السلام قال # " ألا إنكم وفيتم سبعين أمة أنتم آخرها وأكرمها على الله " # وقال يوما وهو مسند ظهره إلى الكعبة: # " نحن نكمل يوم القيامة سبعين أمة نحن آخرها وخيرها ". # وقيل: كان زائدة، والمعنى أنتم خير أمة بمنزلة قوله: # وما جعلنا القبلة التي كنت عليهآ # [البقرة: 143] أي: أنت عليها وبمنزلة # أصدقت أم كنت من الكاذبين # [النمل: 27]، وقد ذكر هذا كله في مواضعه وفي بعضه اختلاف. # وقيل: المعنى كنتم في اللوح المحفوظ خير أمة، ومثله # واذكروا إذ كنتم قليلا # [الأعراف: 86] أي إذ أنتم. # وقيل المعنى: كنتم خير أمة إذ كنتم تأمرون بالمعروف أي: إذا كان هذا ~~حالكم فأنتم خير أمة. # ومعنى: { تأمرون بالمعروف } تشهدون ألا إله إلا الله وتقرون ~~بما أنزل الله وتنهون عن المنكر تقاتلون على ذلك. # والمنكر: هو التكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به هذا قول ابن ~~عباس. وأصل المعروف هو فعل كل ما كان مستحسنا جميلا غير مستقبح. # قوله: { ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم } # أي: لو صدق أهل التوراة والإنجيل بمحمد صلى الله عليه وسلم، وما جاء به ~~لكان الإيمان خيرا في عاجل دنياهم وآجل آخرتهم { منهم ~~المؤمنون } أي: منهم من يصدق بمحمد صلى الله عليه وسلم: مثل عبد ~~الله بن سلام وغيره ممن آمن به { وأكثرهم الفاسقون }: أي ~~الخارجون عن الدين الذي في التوراة والإنجيل لأنهم كذبوا بما فيها من أمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم وبدلوا شريعتهم وغيروها. ### || [3.111] # قوله: { لن يضروكم إلا أذى } الآية هذا خطاب للنبي صلى الله ~~عليه وسلم معناه لم يضروكم أيها المؤمنون أهل الكتابين { إلا أذى } ~~بألسنتهم لا غير يسمعونكم تكذيب نبيكم صلى الله عليه وسلم وقوله البهتان ~~في عيسى وعزير صلى الله عليهما وسلم، وهو استثناء منقطع. # وإن قاتلوكم ولو الأدبار وانهزموا { ثم لا ينصرون } ، فهذا ~~وعد من الله أن أعداء [هم] لا ينصرون، ms0348 وأنهم هم المنصورون. ### || [3.112] # قوله { ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا ~~بحبل من الله } الآية معناها: ألزم الله المكذبين بمحمد الذلة ~~وهي الصغار حيثما وجدوا، فهم تحت أقدام المسلمين لا منعة لهم فهم في ذلة ~~وخوف { إلا بحبل من الله } [أي بسبب من الله]. أو بسبب من ~~المؤمنين، فإنهم يأمنون على أنفسهم، وذرياتهم، والذلة لا تفارقهم، والسبب ~~هو العهد إذ عوهدوا. # وتقدير الآية عند الكوفيين إلا أن يعتصموا بحبل من الله وحبل من ~~المؤمنين، ولذلك دخلت الباء وهي متعلقة بهذا الفعل المحذوف. وقال بعض ~~الكوفيين - أيضا -: هو استثناء من الأول محمول على المعنى لأن المعنى ~~ضربت عليهم الذلة بكل مكان إلا بموضع من الله. # وقال بعض البصريين: هو استثناء ليس من الأول. # وقوله: { أين ما ثقفوا } تمام، ثم قال: { إلا بحبل ~~من الله } أي: لكنهم (يعتصمون) بحبل من الله. # قوله: { وبآءوا بغضب من الله } ، أي: تحملوا وانصرفوا ~~ورجعوا به، وحقيقته: لزمهم ذلك، يقال: تبوأت الدار أي: لزمتها. # (تم السفر الأول من كتاب الهداية إلى بلوغ النهاية والحمد لله الذي ~~بعونه..). # قوله: [عز وجل] { ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات ~~الله } أي: تبوءهم الذي باءوا به من غضب الله، وضرب الذلة بدل مما ~~كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق، فكأنهم ألزموا الذلة، ~~والغضب لفعلهم هذا، ثم قال: { ذلك بما عصوا وكانوا ~~يعتدون } أي: فعل بهم ذلك بعصيانهم واعتدائهم كذلك في موضع نصب وهو ~~ذلك الثاني. ### || [3.113-114] # قوله: { ليسوا سوآء من أهل الكتاب }. # هذا مردود على [قوله] { منهم المؤمنون وأكثرهم ~~الفاسقون } ثم قال: { ليسوا سوآء } أي: ليس المؤمنون ~~والفاسقون سواء وتم الكلام، ويعني بذلك من آمن من أهل الكتاب ومن لم ~~يؤمن. # والفراء يقدره بمعنى ليست تستوي أمة من أهل الكتاب قائمة من حالها كذا ~~وأمة على غير ذلك، وهو غلط من وجوه: أحدها أنه يقدر محذوفا ولا يحل ~~التمام سواء، وترتفع أمة بسواء، وإذا فعل ذلك لم يعد على اسم ليس ذكر ~~وسواء ليس بجار على الفعل فيرفع الظاهر، ms0349 والمضمر الذي يضمر لا يدل على ~~شيء من الكلام. # وأبو عبيدة يجعل { ليسوا } على لغة من قال: أكلوني البراغيت، ويجعل ~~{ أمة } اسم ليس و { سوآء } الخبر ويقدر محذوفا، وهو ذكر الكفار ~~من أهل الكتاب، وهو بعيد لأن ذكر أهل الكتاب قد تقدم، فليس [هو] مثل ~~أكلوني البراغيت لأنه لم يتقدم [له] ذكر. # وتصغير { آنآء } أوينا تبدل من الألف التي هي فاء الفعل واوا كما ~~تقول: أويد في آدم، ومعنى الآية: أنه تعالى أعلمنا أنه ليس أهل الإيمان ~~من أهل الكتاب والكفر سواء، والضمير في { ليسوا } يعود على ما تقدم ~~من ذكر المؤمنين والفاسقين (من أهل الكتاب فقال): من أهل الكتاب { ~~أمة } شأنها بالمدح والثناء هذا مذهب البصريين. # والكوفيون يجعلون أمة مرفوعة بسواء والكلام عندهم متصل، وقد تقدم ما ~~يدخل عليهم كأن تقديره عندهم لا يستوون من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون ~~آيات الله آناء الليل وأخرى كافرة، قالوا: وترك ذكر الأخرى لدلالة ذكر ~~المؤمنة عليها ومن مذهبهم ألا يجوز سواء [علي] قمت حتى تقول أم قعدت، ~~وأجازوا هنا الحذف، ويجيزون الحذف إذا كان الكلام مكتفيا بواحد نحو ما ~~أبالي، وما أدري لاكتفاء ما أبالي بواحد، أجازوا ما أبالي أقمت، وما أدري ~~أجليت يريدون أم فعلت كذا ويحذفونه، ويلزمهم ألا يجيزوا الآية على ~~تأويلهم لأنهم لا يجيزون الحذف مع سواء لنقصانه، وقد أجازوه في الآية، ~~وهذا تناقض لأنهم أجازوا في الآية ما لا يجوز في الكلام. # روى ابن وهب عن مالك: أمة قائمة أي قائمة بالحق وهو قول مجاهد والسدي ~~وقتادة والربيع بن أنس وروي مثله عن ابن عباس. # ونزلت هذه الآية في قول عكرمة وابن جبير وابن عباس في عبد الله بن سلام ~~وثعلبة بن سعية، وأسيد بن عبيد وهم أخيار أهل الكتاب في الوقت، وأسلم ~~معهم غيرهم فقال: من بقي من أحبار يهود: ما آمن بمحمد - صلى الله عليه ~~وسلم - إلا شرارنا فأنزل الله الآية يفضل فيها من آمن منهم على من لا ~~يؤمن. # وقال الحسن: إن قوله: { يتلون ms0350 آيات الله آنآء الليل ~~وهم يسجدون } يريد ما بين المغرب والعشاء. # وقال ابن مسعود: معناها ليس أهل الكتاب سواء وأمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم، القائمة يتلون آيات الله ويؤمنون بالله، ويفعلون كذا وكذا. قال ~~مجاهد: قائمة عادلة. # وقال قتادة: قائمة على كتاب الله عز وجل وفرائضه وحدوده. # وقال ابن عباس: قائمة أي: مهتدية على أمر الله سبحانه مستقيمة. # وقال السدي: قائمة مطيعة. وقال الأخفش: من أهل الكتاب أمة (أي: ذو أمة) ~~بمعنى: ذو طريقة حسنة. # وواحد آناء الليل اني: كقنو وأقناء، وقيل واحد أني كمعي وأمعاء وحكى ~~الأخفش أني. # وقال قتادة: آناء الليل ساعاته أي: يتلون في ساعات الليل. وقال السدي: ~~هي جوف الليل. وقال ابن مسعود: [آيات الله] آناء الليل صلاة العتمة ~~يصلونها، وما سواهم لا يصليها وروى ابن مسعود # " أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج عليهم ليلة، وقد أخر الصلاة قال: ~~فجاء النبي عليه السلام ومنا المصلي ومنا المضطجع فبشرنا، وقال: إنه لا ~~يصلي هذه الصلاة أحد من أهل الكتاب: فأنزل الله عز وجل { ليسوا ~~سوآء } الآية ". # وروى الثوري عن منصور أنها نزلت في قوم كانوا يصلون فيما بين المغرب ~~والعشاء. # ومعنى يتلون آناء الليل: يتبعون بعضها بعضا، (ومعنى) { وهم ~~يسجدون } أي: يصلون. # وقيل: المعنى يتلون الآيات في الصلاة، وهم مع ذلك يسجدون في الصلاة يعني ~~السجود المعروف في الصلاة. # ثم وصفهم الله فقال: { يؤمنون بالله } أي: يصدقون به وبما أنزل ~~على أنبيائه من غيب الآخرة { ويأمرون بالمعروف } أي: ~~بالإيمان بالله ورسوله { وينهون عن المنكر } أي: ينهون ~~الناس عن الكفر بالله، وبمحمد صلى الله عليه وسلم، ودل هذا من وصفهم على ~~أن غيرهم يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ولا يؤمنون بالله ولا باليوم ~~الآخر. # قوله: { من الصالحين }. أي: من عداد الصالحين. ### || [3.115] # قوله: { (وما يفعلوا) من خير فلن يكفروه } الآية. # من قرأ بالتاء رده على المخاطبة في { كنتم خير أمة } تفعلون ~~وتصنعون. ومن قرأ بالياء رده على الإخبار في قوله: { أمة قآئمة ~~يتلون آيات الله } ويفعلون ms0351 كذا وكذا ثم قال { وما يفعلوا ~~من خير فلن يكفروه }. # والياء فيها تخصيص لهؤلاء المذكورين. # والتاء فيها عموم لجميع الأمة واختار الطبري وغيره التاء. # ومعنى [فلن تكفروه] فلن يغطى عليه، فتتركوا بلا مجازات عليه، وقال ~~قتادة: " فلن تكفروه " فلن يضل عنكم. ### || [3.116] # قوله: { إن الذين كفروا لن تغني عنهم ~~أموالهم ولا أولادهم } الآية. هذه الآية وعيد بالأمة ~~الفاسقة من أهل الكتاب الذين تقدم ذكرهم، ومعنى الكفر هنا تغطية ما أتى ~~به محمد صلى الله عليه وسلم وجحوده، ومعنى (ذلك) أن أموالهم لم تمنع عنهم ~~ما ينزل بهم من العذاب في الآخرة شيئا. ### || [3.117] # قوله: { مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا } ~~الآية. # المثل هنا بمعنى الشبه ومعناها: شبه ما يتصدق به الكافر يا محمد كشبه ~~ريح فيها صر، وهو البرد الشديد { أصابت حرث قوم } أي: زرعهم ~~الذي أملوا إدراكه كما أمل الكفار وجود عملهم في الآخرة. # ومعنى { ظلموا أنفسهم }: عصوا الله ورسوله فأهلكته فصدقة ~~الكافر كزرع هذا الظالم لنفسه، ونفقة الكافر هنا: صدقاتهم على أقربائهم ~~تقربا إلى الله عز وجل. # وقيل: نفقتهم هو ما ينفقون على قتل النبي صلى الله عليه وسلم وأذاه. # وقيل: هي نفقة الكافر في الدنيا. # وقيل: هي قوله بلسانه ما ليس في قلبه فهو لا ينفعه [كما لا ينتفع] ~~بالزرع الذي أصابته الريح التي فيها برد شديد. # ومعنى { كمثل ريح } أي: كمثل مهلك ريح، فتحقيق المثل إنما هو ~~للحرث. # والتقدير: مثل نفقة هؤلاء كمثل حرث أصابته ريح فيها صر فأهلكته، فهو ~~بمنزلة قوله: # كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعآء # [البقرة: 171] والمعنى: [كمثل] المتعوق به أي: مثلهم في أنهم لا يعقلون ~~ما يقال لهم كمثل الغنم لا تعقل بما يقال لها. ### || [3.118] # قوله: { يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من ~~دونكم.. }. # نهى الله المؤمنين أن يتخذوا الكافرين والمنافقين أولياء في هذه الآية. ~~والبطانة: الدخيلة الذين يطلعهم الرجل على سره لأنهم كانوا لا يبقون غاية ~~في التلبيس على المؤمنين، فأمر الله المؤمنين ألا يداخلوهم. # وقيل: البطانة: ms0352 الأصدقاء، وقيل: للأخلاء، والمعنى في ذلك متقارب ومعنى { ~~من دونكم } أي: من دون أهل دينكم كما قال: { فسلموا على ~~أنفسكم } أي: على أهل دينكم # { لا يألونكم خبالا } أي: لا يقصرون في السوء والشتات بينكم، ~~وهي البطانة المنهي عنها. { ودوا ما عنتم } أي: يتمنون لكم ~~العنت والشر في أنفسكم ودينكم. # وقيل: " ودوا عنتكم، أي: ما شق عليكم، وما نزل بكم من مكروه وضر. ~~وأصل هذا أن يقال: أكمة عنوت: إذا كانت طويلة شاقة. # ويقال: عنت العظم: إذا انكسر بعد جبر، ومنه قوله # ذلك لمن خشي العنت [منكم] # [النساء: 25] أي: المشقة. # ونزلت هذه الآية في قوم من المسلمين كانوا يخالطون حلفاءهم من اليهود ~~وأهل النفاق منهم، ويصافونهم المودة قال ذلك ابن عباس. فنهاهم الله أن ~~يصادقوهم دون المؤمنين وأن يستهجوهم في شيء من أمر دينهم فإنهم لا يقصرون ~~في الخبال والشر لهم. # وأكثر أهل التفسير على أنها نزلت في النهي عن مصافاة اليهود والمنافقين ~~ومخالطتهم ومصادقتهم وإنشاء الشر إليهم وأخبرهم أنهم يودون كفرهم ~~وإضلالهم وما ينزل بهم من شر. # وقوله: { ودوا ما عنتم } هو خبر مستأنف وليس بحال من البطانة. # وقد قيل: إن { ودوا ما عنتم } صفة ثانية للبطانة والصفة ~~الأولى { لا يألونكم خبالا }. # { قد بدت البغضآء من أفواههم } أي: ظهرت بألسنتهم وهو ~~إقامتهم على الكفر، أو النفاق، والذي تخفيه صدورهم من البغضاء والعداوة ~~لكم مما بدا لكم بألسنتهم { قد بينا لكم الآيات } أي: ~~العبارات من أمر هؤلاء { إن كنتم تعقلون } عن الله آياته ~~ومواعظه. ### || [3.119] # { هآأنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم } الآية. # معناها: " أنتم أيها المؤمنون تحبون الكفار الذين نهيتكم عن اتخاذهم ~~بطانة من دون المؤمنين. # وقيل [هم] المنافقون نهى الله المؤمنين عن محبتهم لأن المؤمنين أحبوهم ~~لما أظهروا الإيمان، فأخبر الله بما يسرون من العداوة والبغضاء لهم، ~~ولأنهم لا يحبونهم، ويعضون عليهم الأنامل من الغيظ فقال: { ولا ~~يحبونكم } أي: بل يبطنون لكم العداوة والغش. # وأولاء عند الطبري بمعنى: الذين، وهي على بابها عند غيره وأنتم: ابتداء، ~~وأولاء: الخبر. # وذهب القتبي إلى ms0353 أنه نداء والمعنى: أنتم يا هؤلاء. # وقيل: الضمير للمنافقين بدليل قوله: { وإذا لقوكم قالوا ~~آمنا } # وقوله: { وتؤمنون بالكتاب كله } الكتاب هنا بمعنى: الكتب ~~كما يقال: كثر الدرهم في أيدي الناس، يريد الدراهم. # وقال ابن عباس: { وتؤمنون بالكتاب كله } أي: بكتابكم ~~وبكتابهم، وبما مضى من الكتب قبل ذلك. وهذا يدل على أن الآية التي قبلها ~~في اليهود دون المنافقين لأنهم أهل كتاب، ولا كتاب للمنافقين. # قوله: { وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من ~~الغيظ } أي: عضوا على ما يرون من ائتلاف المؤمنين، واجتماع كلمتهم - ~~والأنامل أطراف الأصابع - { قل موتوا بغيظكم } أي: بالغيظ ~~الذي بكم أي: اهلكوا به، وهو دعاء في لفظ الأمر. ### || [3.120] # [قوله] { إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم ~~سيئة }. # معناها أي: إن تنالوا سرورا، [وظفر] بعدوكم وزيادة الناس في الدخول في ~~الإسلام، وتصديق النبي صلى الله عليه وسلم ساء ذلك اليهود. وقيل: يعني ~~المنافقين - وإن يصبكم ضرر من عدوكم واختلاف بينكم فرح بذلك اليهود. # وقيل: هم المنافقون. # { لا يضركم كيدهم شيئا }. # من قرأ بكسر الضاد، والتخفيف، فهو من ضاره يضيره، وجزمه لأنه جواب ~~الشرط. ومن قرأ يضركم فهو يحتمل ثلاثة أوجه: يجوز أن يكون ضم لالتقاء ~~الساكنين مع الإدغام، وأصله يضرركم من ضره يضره فيم على لغة من قال: مد ~~يا في كمن قال مديا. # وأهل الحجاز يظهرون في مثل هذا التضعيف، وقوله { إن تمسسكم } ~~أظهر على لغة أهل الحجاز، ولا يضركم أدغم على لغة غيرهم. # وقال الكسائي والفراء: رفعه على إضمار الفاء على معنى فليس [يضركم]. # وقيل: هو مرفوع على تقدير التقديم والمعنى لا يضركم كيدهم إن تصبروا كما ~~قال: # يا أقرع بن حابس يا أقرع # إنك إن يصرع أخوك تصرع # وإجماعهم على الأخير يدل على قراءة من قرأ بالتخفيف. # وروى المفضل عن عاصم لا يضركم بالتشديد والفتح، وهو أحسن من الضم لأن ~~الضم فيه إشكال. ### || [3.122] # قوله: { إذ همت طآئفتان منكم أن تفشلا }. # معناه: { والله سميع عليم * إذ همت طآئفتان ~~منكم أن تفشلا }. والعامل في " إذ " ما قبله. ms0354 والفشل: الجبن ~~والضعف. والطائفتان هم بنو حارثة وبنو سلمة وذلك يوم أحد هموا بأمر فعصم ~~الله منه، وهم خيار الأنصار. # وقد قال مجاهد: أما بنو سلمة فهو نحو سلع يوم الخندق قال السدي: خرج ~~النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد في ألف رجل فلما خرج رجع عبد الله بن ~~أبي بن سلول في ثلاثمائة فهم بنو حارثة، وبنو سلمة بالرجوع حين رجع ~~عبد الله فعصمهم الله، وبقي رسول الله في سبعمائة وبنو سلمة من الخزرج ~~وبنو حارثة من الأوس. # قال جابر بن عبدالله: نحوهم بنو سلمة وما يسرنا أنها لم تكن. # فمعنى: إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا [لقول الله] والله وليهما. ### || [3.123] # قوله: { ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة... ~~}. # هذا تذكير من الله لنبيه عليه السلام وللمؤمنين بنصره لهم في بدر، ~~فالمعنى: فكذلك ينصركم فيما بقي. # ومعنى { أذلة }: قليلون، فقد نصركم الله وأنتم قليلون فهو إلى ~~نصركم وأنتم كثيرون أقرب، وكانوا يوم بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر، ويوم أحد ~~ثلاثة آلاف ويوم حنين اثني عشر ألفا. وكانت بدر في سبع عشرة ليلة خلت من ~~رمضان لثمانية عشر [شهرا] من الهجرة بعد تحويل القبلة بشهرين، كذلك رواه ~~مالك وكانت أحد على رأس واحد وثلاثين شهرا من مقدم النبي صلى الله عليه ~~وسلم المدينة في شوال يوم السبت للنصف من شوال من سنة ثلاث. # قال مالك: فقتل من المهاجرين يوم أحد أربعة ومن الأنصار سبعون. # قال مالك: # " بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - يوم أحد كسرت رباعيته وأصيبت ~~وجنته، وجرح في وجهه وتهشمت البيضة على رأسه وأنه أتى بماء في جحفة فكان ~~يغسل به عنه الدم، وأحرق له حصير فأتى به فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~اشتد غضب [الله] على قوم أدموا وجه رسوله " فأنزل الله { ليس لك ~~من الأمر شيء } الآية ". # وقال أنس: كان يمسح الدم عن وجهه ويقول: " كيف يفلح قوم خضبوا وجه ~~نبيهم، وهو يدعوهم إلى ربهم " فأنزل { ليس لك من الأمر شيء ~~}. # قال أبو ms0355 سعيد الخدري: # " رمى عتبة بن أبي وقاص يومئذ رسول الله [صلى الله عليه وسلم] فكسرت ~~رباعيته اليمنى وجرح شفته السفلى، وأن عبد الله بن شهاب شجه في جبهته، ~~وأن ابن قميئة جرح وجنته، ودخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته، ووقع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرة من الحفر التي عمل أبو عامر ليقع ~~فيها المسلمون وهم لا يعلمون، وأخذ علي بن أبي طالب بيده ورفعه طلحة حتى ~~استوى قائما، ومص مالك بن سنان، ابو أبي سعيد الخدري الدم عن وجهه ثم ~~ازدرده، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " من مس دمه دمي لا تصيبه النار ~~" ". # وسمي الموضع بدرا لأنه كان لرجل يسمى بدرا، فسمي الموضع باسم صاحبه. ~~وقيل: كان هناك بير يسمى صاحبه بدرا، فسمي الموضع باسم صاحب البير، وقيل ~~هو اسم للموضع وهي قرية بين المدينة والجار، وهو أول قتال قاتله النبي ~~عليه السلام، اجتمع فيه مع المشركين على غير تواعد. # وقوله: { فاتقوا الله } أي: قد كنتم قليلين فنصرتم بلزومكم ~~الطاعة، وقد نزل بكم ما نزل يوم أحد وأنتم كثرة، وذلك لمخالفتكم لأمر ~~نبيكم صلى الله عليه وسلم وهو ما فعل الرماة جعل الله عز وجل # " ما أصيب من المشركين يوم أحد عقوبة لما فعل الرماة، إذ عهد إليهم ~~النبي عليه السلام ألا يبرحوا من مكانهم فمضوا للنهب وظنوا أن المشركين ~~قد فرغ منهم، وقد كان قال لهم النبي عليه السلام: " لا تبرحوا، فلن يزال ~~النصر لنا ما ثبتم في مكانكم " # فلما رأوا المشركين قد انهزموا اطمأنوا وزالوا من مكانهم طمعا في النهب ~~فرجعت الهزيمة على المسلمين، فأصيب خلق كثير كل ذلك بذنوب الرماة ~~ومخالفتهم ما أمر به نبيهم صلى الله عليه وسلم فذلك قوله: { فاتقوا ~~الله } أي: لا تعصوا النبي صلى الله عليه وسلم في أمره لكم. ### || [3.124-125] # قوله { إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن ~~يمدكم ربكم }. إذ متعلقة بتشكرون. والمعنى: ولقد نصركم الله ~~ببدر وأنتم أذلة إذ تقول للمؤمنين: ألن يكفيكم، وذلك كله يوم ms0356 بدر، وذلك ~~أن المسلمين حدثوا أن كرز بن جابر الحارثي يمد المشركين فاغتموا لذلك، ~~فقيل لهم { ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة ~~ءالف من الملائكة منزلين } { بلى إن تصبروا } ~~على عدوكم { وتتقوا } أمر دينكم { يمددكم ربكم ~~بخمسة ءالف من الملائكة مسومين } ثم لم يأت كرز، ~~ولم يمددهم الله بخمسة آلاف. وقال أبو أسيد مالك بن ربيعة وكان شاهد بدر ~~وقد ذهب بصره: لو كنت معكم اليوم [ببدر] ومعي بصري لأريتكم الشعب الذي ~~خرجت منه الملائكة، فعلى هذا يكون الله قد أمدهم وفعل بهم ما وعدهم به. # وقال ابن عباس: حدثني رجل من بني غفار قال: أقبلت أنا وابن عم لي حتى ~~أصعدنا في جبل يشرف على بدر، ونحن مشركان ننتظر الواقعة على من تكون. ~~قال: فبينما نحن على الجبل إذ دنت منا سحابة فسمعنا فيها حمحمة الخيل، ~~فسمعت قائلا يقول: أقدم حيزوم قال: أما ابن عمي فأكشف قناع قلبه فمات ~~مكانه، أما أنا فكدت أهلك، وتماسكت. # وقال ابن عباس: لم تقاتل الملائكة في يوم من الأيام سوى يوم بدر وإنما ~~كانوا في غيره من الأيام عددا ومددا لا يضربون. # وحكى أبو داود المازني وكان شهد بدرا قال: إني لأتبع رجلا من المشركين ~~يوم بدر لأضربه إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي فعرفت أنه قد قتله ~~غيري. # وحكى ابن عباس عن أبي رافع أنه قال: كنت أسلمت مع العباس بمكة، وكان ~~العباس يكتم إسلامه، وكان قد خرج مع القوم وكنت أجلس في حجرة زمزم أنحت ~~القداح، فوصل إلينا خبر أهل بدر وما نزل بهم، فسرنا، فدخل أبو لهب يجر ~~رجليه حتى جلس على طنب الحجرة، ظهره إلى ظهري فبينما هو جالس إذ قال ~~الناس: هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبدالمطلب قد قدم فقال أبو لهب: هلم ~~يا ابن أخي فعندك الخبر، فجلس إليه، والناس قيام عليه، فقال له: أخبرني ~~كيف كان أمر الناس؟ قال: لا شيء، والله إن كان إلا أن لقيناهم، فمنحناهم ~~أكتافنا يقتلوننا، ويأسروننا كيف شاؤوا! ms0357 لقينا رجالا بيضا على خيل بلق ~~بين السماء والأرض، وما تلين شيئا، وما يقوم لها شيء، قال أبو رافع: ~~فرفعت طنب الحجرة. ثم قلت: تلك الملائكة. # قال ابن عباس: # " أسر أبو اليسر كعب بن عمرو العباس وكان أبو اليسر رجلا مجموا وكان ~~العباس رجلا جسيما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف أسرت ~~العباس؟ فقال: يا رسول الله لقد أعانني عليه رجل ما رأيته قبل ذلك، ولا ~~بعده هيأته كذا وكذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد أعانك عليه ~~والله ملك كريم ". # وقيل: إن قوله: { إذ تقول للمؤمنين } وما بعده في قصة يوم ~~أحد هو كله وإنما وعدوا يوم بدر بأن يمدهم الله بألف من الملائكة مردفين. # قال قتادة: قوله: { ولقد نصركم الله ببدر وأنتم ~~أذلة } أي: قليلون. ثم رجع إلى قصة أحد فقال: إذ تقول للمؤمنين ~~الآيات ووعد الله [تعالى] المؤمنين يوم أحد أنهم إن صبروا واتقوا بعد هذا ~~اليوم أمدهم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ففروا يوم أحد، ولم يتقوا ~~النبي صلى الله عليه وسلم [في أمره، فلم يمدهم بشيء. # وقال ابن زيد: # " سألوا النبي صلى الله عليه وسلم] فقالوا يا رسول الله: هل يمدنا كما ~~أمدنا يوم بدر؟ وذلك يوم أحد، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: { ~~ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة ءالف ~~من الملائكة منزلين } " # قال الشعبي وغيره: وعدهم بخمسة آلاف، إن جاءوا من ذلك الفور. فلم يجيئوا ~~ولم يمدهم بخمسة آلاف وأمدهم يوم بدر بألف من الملائكة مردفين، يوم أحد ~~بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين فهم أربعة آلاف وهم اليوم في جنود ~~المسلمين. # ومعنى { من فورهم هذا } أي: من وجههم هذا. # وقيل: من غضبهم هذا لأنهم غضبوا يوم بدر. # واستدل من قال أنه تعالى قد أمدهم بقوله: { إذ تستغيثون ~~ربكم }. # وقال مجاهد: معنى مسومين " معلمين مجززة أذناب خيلهم ونواصيها [فيها] ~~الصوف العهن، وذلك التسويم. # وقال قتادة: ذكر لنا أن سيماهم يومئذ الصوف بنواصي خيلهم وأذنابها وأنهم ~~كانوا على خيل بلق ms0358 وقد سوم النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالصوف. # وقيل: نزلت الملائكة يوم بدر على خيل بلق عليها عمائم صفر، وكذلك كانت ~~عمامة الزبير. # وهذا كله يوم بدر، على كسر الواو لأنها سومت أنفسها، ومن فتح أضاف ~~تسويمها إلى الله [تعالى ذكره. ومن فتح الواو أيضا احتج بقوله { ~~منزلين } بإضافة النزول إلى الله] سبحانه فكذلك التسوم، كانوا أنزلوا ~~مسومين. # وقيل: معنى مسومين: مرسلين من سومت الخيل: أرسلتها إلى السائمة. وحكى ~~بعض النحويين سوم الرجل غلامه أرسله، وخلا سبيله فيكون المعنى على هذا ~~مرسلين إلى الكفار وكذلك (قال) الأخفش معناه: مرسلين. # وأكثر الناس على أن معنى مسومين معلمين: من السومة. # وقال مجاهد: لم تقاتل الملائكة يوم بدر، وقال: مسومين معلمين بالصوف في ~~أذناب خيلهم. ### || [3.126] # قوله: { وما جعله الله إلا بشرى لكم } الآية. # أي: ما جعل الله النصر والمدد والوعد بذلك إلا بشرى لكم ولتسكن إليه ~~قلوبكم. # وقال مجاهد: لم يقاتلوا معهم يوم أحد، ولا قبله ولا بعده إلا في يوم ~~بدر. # { وما النصر إلا من عند الله }. قال ابن زيد: لو شاء أن ~~ينصركم بغير الملائكة فعل لأنه عزيز في انتقامه حكيم في تدبيره. # فالهاء في { جعله } تعود على الإمداد، ودل عليه { يمدكم } ~~وقيل: تعود على المدد، وهم الملائكة لدلالة يمددكم على الملائكة الذين ~~يمد المسلمون بهم، وقيل: تعود على التسويم. # وقيل: تعود على الإنزال لدلالة [منزلين] على ذلك. # وقيل: تعود على العدد لأن خمسة آلاف عدد، فرجعت الهاء على المعنى. ### || [3.127] # قوله: { ليقطع طرفا من الذين كفروا } الآية. ~~المعنى: ليقطع طرفا من الذين كفروا نصركم، فبهذا تتعلق اللام. ويجوز أن ~~تكون متعلقة ب " يمددكم ". # والطرف: الطائفة [من الكفار بمحمد صلى الله عليه وسلم]. # [وتقدير الآية { ولقد نصركم الله ببدر } فيهلك من الذين ~~كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم]. # قال قتادة: قطع الله يوم بدر طرفا من الذين كفروا، وقتل صناديد رؤسائهم ~~في الشر. وقال السدي: عنى بذلك يوم أحد قتل منهم ثمانية عشر رجلا، ~~فذكرهم الله في قوله: { ليقطع ms0359 طرفا } ، ثم ذكر الشهداء فقال بعد ~~ذلك # ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله # [آل عمران: 169] ومعنى: { أو يكبتهم } أو يخزيهم بالخيبة مما ~~رجوا من الظفر { فينقلبوا خآئبين }. # وقيل: معناه: أو يصرعهم لوجوههم سمع من العرب كبته الله لوجهه بمعنى ~~صرعه. ذكره أبو عبيدة، وعن أبي عبيدة أيضا، الكبت: الهلاك، وقيل: معناه: ~~يغيظهم ويخزيهم ومنه # كبتوا كما كبت الذين من قبلهم # [المجادلة: 5]. # والأصل فيه عند أهل النظر يكبدهم من أصاب كبده بشر وحزن وغيظ، ثم أبدل ~~من الدال تاء لقرب مخرجهما كما قال: هرت التوب وهردت إذا حرضه يقال قد ~~أخرق الحزن كبده، والخائب الذي لم ينل ما أمل. ### || [3.128] # قوله { ليس لك من الأمر شيء } الآية. # هذا معطوف عند الطبري وغيره على { ليقطع } ، والمعنى عنده: # ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم # [آل عمران: 127] { أو يتوب عليهم أو يعذبهم ~~فإنهم ظالمون } { ليس لك من الأمر شيء } ففي ~~الكلام في قوله تقديم وتأخير. وعند غيره أو بمعنى إلا، فهي الناصبة ~~بإضمار إن، ولا تقديم ولا تأخير في الكلام. # ومعنى الآية: ليس لك يا محمد من الحكم في عبادي شيء، أو أتوب عليهم ~~برحمتي إن شئت، فيؤمنوا أو أعذبهم فيموتوا على كفرهم { فإنهم ~~ظالمون } أي: قد استحقوا العذاب بظلمهم. وكان سبب نزول هذه الآية # " أن النبي عليه السلام لما أصابه بأحد ما أصابه قال كالآيس منهم أن ~~يؤمنوا: " كيف يفلح قوم فعلوا [هذا] بنبيهم " وقد كانوا كسروا رباعيته، ~~وشج، فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول " كيف يفلح قوم خضبوا نبيهم بالدم وهو ~~يدعوهم إلى ربهم "؟ فأنزل الله { ليس لك من الأمر شيء أو ~~يتوب عليهم } الآية فكف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدعاء ~~حين نزلت عليه الآية، وكان قد دعا عليهم قبل الآية وقال، في عتبة بن أبي ~~وقاص حين كسرت رباعيته، ووشاء وجهه فقال " اللهم لا تحل عليه الحول حتى ~~يموت كافرا " فما حال عليه [الحول] حتى مات كافرا ". # وقال ابن عمر: كان النبي صلى الله عليه وسلم ms0360 يقول: # " اللهم العن أبا سفيان، اللهم العن الحارث بن هشام، اللهم العن صفوان ~~بن أمية فنزلت { ليس لك من الأمر شيء } الآية ". # وروى أبو بكر بن عبد الرحمان بن الحارث بن هشام # " أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الفجر فلما رفع رأسه من الركعة ~~الثانية قال: اللهم انج عياش بن أبي ربيعة وسلمة بن هشام، والوليد بن ~~الوليد، اللهم أنج المستضعفين من المسلمين، اللهم اشدد وطأتك على مضر ~~اللهم سنين كسني يوسف فأنزل الله { ليس لك من الأمر شيء } ~~الآية " # وروى ذلك أبو هريرة أيضا - عن النبي صلى الله عليه وسلم غير أنه قال: # " واجعلها عليهم سنين كسني يوسف، وزاد فيها الدعاء على قوم آخرين " # ، فلما نزلت { ليس لك من الأمر شيء } ترك ذلك. # وروى ابن وهب عن رجاله يرفعه إلى النبي عليه السلام # " أنه كان يدعو على مضر إذ جاء جبريل صلى الله عليه وسلم فأومأ إليه أن ~~اسكت، فسكت فقال يا محمد: إن الله لم يبعثك سبابا ولا لعانا، وإنما ~~بعثك رحمة، ولم يبعثك عذابا { ليس لك من الأمر شيء أو ~~يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون } قال: ثم ~~علمه القنوت " اللهم إنا نستعينك... إلى آخره ملحق ". # وقال بعض الكوفيين: إن هذه الآية ناسخة للقنوت الذي كان النبي عليه ~~السلام جعله في صلاة الصبح، وأكثر الناس على أنه ليس بمنسوخ. ### || [3.129] # قوله: { ولله ما في السموت وما في الأرض يغفر ~~لمن يشآء ويعذب من يشآء }. هذا تأكيد لما قبله أن الله له ~~كل الأشياء يفعل ما يريد ويحكم ما يريد فيغفر لمن يشاء ويتوب على من يشاء ~~ويعذب من يشاء. ### || [3.130-132] # قوله: { يأيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربوا ~~أضعفا مضعفة } [أضعافا]: حال من الربا. # قال النحاس: هو مصدر، وهو غلط منه، وهذا نهي من الله عز وجل للمؤمنين أن ~~يأكلوا الربا بعد إسلامهم. # ومعنى { أضعفا } أي: تضعفون الدين إذا أخرتم الأجل، كان الذي عليه ~~الدين يقول: أخرني، وأزيدك فإذا حان قال: أخرني وأزيدك، فيتضاعف الدين ~~عليه. # { واتقوا ms0361 الله لعلكم تفلحون } أي: تنجون. والمفلح ~~الذي أدرك ما أمل ونجا مما خاف. # { وأطيعوا الله والرسول } أي: أطيعوه فيما نهاكم عنه من ~~أكل الربا، وأطيعوا الرسول أن تخالفوه كما خالفتموه يوم أحد فهذه معاتبة ~~من الله عز وجل للذين عصوا يوم أحد، قاله ابن عباس. ### || [3.133] # قوله: { سارعوا إلى مغفرة } الآية معناه: بادروا بالأعمال ~~الصالحات، أي: إلى ستر ذنوبكم من ربكم، والمغفرة الستر - ومنها المغفر. ~~وسارعوا أيضا إلى جنة هذه صفتها. # ومعنى { عرضها السموت والأرض }.: أي عرضها كعرض السماوات ~~السبع، والأراضين السبع إذا ضم بعضها إلى بعض. قال ابن عباس: تقرن ~~السماوات السبع، والأرضون السبع كما تقرن الثياب بعضها إلى بعض، فذلك عرض ~~الجنة ولا يصف أحد طولها لاتساعه، والله أعلم بذلك. وعن ابن عباس أيضا ~~أنه قال: لو أن السماوات بسطن، ثم وصل بعضها إلى بعض ما كن في سعة خلق ~~الله إلا بمنزلة الحلقة في المفازة. وكم لله من عالم أعظم من السماوات ~~والأرض! # [وروي أن لله تعالى اثني عشر عالما السماوات والأرض] منها عالم واحد. # قال أبو محمد رضي الله عنه: والله أعظم من ذلك كله، ويقدر على أكثر من ~~ذلك كله لا إله إلا هو. # وقد قيل معنى { عرضها السموت والأرض } أي: سعتها كسعتهن ~~ومن قول العربي أرض عريضة أي: واسعة، وليس يريد العرض الذي هو خلاف ~~الطول. # قال أنس بن مالك: يعني بالمسارعة: التكبيرة الأولى. # وسئل النبي عليه السلام وقيل له: # " هذه الجنة عرضها السماوات والأرض فأين النار؟ فقال: هذا النهار إذا ~~جاء فأين الليل؟ " # وروي أن بعض أهل نجران سألوا عمر عن ذلك فأجابهم بذلك فقالوا: لقد نازعت ~~بمثل ما في التوراة. ### || [3.134] # قوله: { الذين ينفقون في السرآء والضرآء } الآية. # هذه صفة المتقين الذين أعدت لهم الجنة ينفقون أموالهم في الله في حال ~~السرور. # والسراء مصدر سرني مسرة وسرورا. # والضراء مصدر، قد ضر فلان إذا أصابه الضر، وهو الضيق والجهد. قال ابن ~~عباس: في السراء والضراء في اليسر، والعسر. # { والكاظمين الغيظ } أي: الذين يتجرعون ms0362 غيظهم عند امتلاء ~~أنفسهم. وقيل الكظم: الحبس، فمعناه: والحابسين غيظهم { والعافين } ~~أي: الصافحين عن جنايات الناس وذنوبهم وهم على الانتقام قادرون. # قال أبو العالية: { عن الناس } أي: عن المماليك. # وقال النبي صلى الله عليه سلم # " من كظم غيظا، وهو يقدر على إنفاذه ملأه الله أمنا وإيمانا " # وقال ابن عباس: هذا كقوله: # وإذا ما غضبوا هم يغفرون # [الشورى 37] { والعافين عن الناس } مثل قوله: # ولا يأتل أولوا الفضل منكم # [النور: 22]... إلى قوله: # ألا تحبون أن يغفر الله لكم # [النور: 22] الآية. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ما تجرع عبد جرعة خير له من جرعة غيظ ". # وقال # " أفضل أخلاق المسلمين العفو ". # { والله يحب المحسنين } أي: يحب من عمل بهذه الصفات. وعن ~~الحسن أنه قال: { والكاظمين الغيظ } عن الأرقاء { ~~والعافين عن الناس } إذا ما جهلوا عليهم. ### || [3.135] # قوله: { والذين إذا فعلوا فاحشة } الآية. # هذا كله من نعت المتقين الذين أعدت لهم جنة عرضها السماوات والأرض. وروي ~~عن جابر أنه قال: الفاحشة هنا: الزنا وكذلك (قال) السدي. # وقيل: هي كل فعل قبح [في] الشر[ع]. # ومعنى { أو ظلموا أنفسهم }: فعلوا غير الذي ينبغي. # قال النخعي: الظلم من الفاحشة والفاحشة من الظلم. # ومعنى { فاستغفروا } أي: استدعوا الغفران من الله عز وجل وهو ~~الستر على فعلهم { ومن يغفر الذنوب إلا الله } أي: من ~~يسترها على فاعلها إلا الله. # وقال عطاء بن أبي رباح: قال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: # " يا نبي الله، بنو إسرائيل أكرم على الله منا كانوا إذا أذنب أحدهم ~~أصبحت كفارة ذنبه [على بابه] مكتوبة: أجدع أنفك، افعل كذا، فسكت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت { سارعوا إلى مغفرة من ~~ربكم }.... إلى قوله: { وهم يعلمون } فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: ألا أخبركم بخير من ذلكم؟ ثم قرأ الآيات. فقيل: إنها خصوص أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم، لأن بني إسرائيل كانت تمتحن على ذنوبها، وتعاقب ~~عليها في الدنيا ". # قال ثابت البناني لما نزلت. { ومن يعمل سوءا أو يظلم ~~نفسه ms0363 } الآية: بكى إبليس فزعا منها، قال: وبلغني أنه بكى حين نزلت { ~~والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم } ~~الآية. # قال علي بن أبي طالب: كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حديثا ينفعني الله منه بما يشاء أن ينفعني، وإذا حدثني رجل من أصحابه ~~استحلفته، فإذا حلف لي صدقته، وحدثني أبو بكر، وصدق أبو بكر قال: # " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من رجل يذنب ذنبا، ثم ~~يقوم فيتطهر، فيحسن الطهور، ثم يستغفر الله إلا غفر له " # ثم تلى هذه الآية { والذين إذا فعلوا فاحشة }. # وروي عنه زيادة في هذا الحديث وهو أنه قال: ثم يصلي ركعتين ثم يستغفر. ~~وروي أن هذه الآية نزلت في نبهان التمار أتته امرأة حسناء تبتاع منه ~~ثمرا فضرب على عجزها فقالت: والله ما حفظت غيبة أخيك، ولا نلت حاجتك؟ ~~فأسقط في يده، فذهب إلى أبي بكر فقال له: إياك أن تكون امرأة غاز. ثم ~~قال له عمر مثل ذلك، وقال النبي عليه السلام مثل ذلك، فذهب يبكي فنزلت في ~~اليوم الرابع { والذين إذا فعلوا فاحشة } الآية. # وقال النبي عليه السلام: # " إن الله يغضب للغزاة كما يغضب للمرسلين ويستجيب لهم كما يستجيب ~~للمرسلين ". # وروي أن نبهان التمار أقام ثلاثة أيام صائما حزينا يبكي على ذنبه، ~~فلما نزلت الآية أعلمه النبي صلى الله عليه وسلم بها فشكر الله، ثم قال: ~~يا نبي الله هذه توبتي قبلها الله مني، فكيف حتى يتقبل شكري؟ فأنزل الله # وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من اليل # [هود: 114] الآية. ومعنى { ذكروا الله } [أي]: ذكروا نهي الله ~~عما ركبوا وما أحدثوا فاستغفروا { لم يصروا } أي: لم يتمادوا ولم ~~يثبتوا على ما فعلوا. # وقيل { لم يصروا } أي: لم يسكتوا عن الاستغفار قاله السدي. # والمعنى عند أكثر المفسرين، وأهل اللغة لم يقيموا متعمدين على الذنب، ~~وترك التوبة منه. # وقال الحسن: المعنى لم يواقعوه إذ هموا به، جعل الآتي للذنب مصرا في ~~حال إتيانه، وهو بعيد عند أهل اللغة، وقد ms0364 روي عن النبي عليه السلام أنه ~~قال: # " ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة ". # وقال السدي: معنى { وهم يعلمون } أي: لم يقيموا على ترك ~~الاستغفار وهم يعلمون [أنهم اذنبوا. وقيل: المعنى وهم يعلمون أن الذي ~~أتوا معصية. وقيل المعنى { وهم يعلمون } ] أنهم إن تابوا تاب ~~الله عليهم. وقيل المعنى: { وهم يعلمون } إني معاقب على الإصرار. ~~وقيل: المعنى: وهم يذكرون ذنوبهم. ### || [3.136] # قوله { أولئك جزآؤهم مغفرة } الآية. # المعنى: أولئك الذين مضت صفتهم جزاؤهم مغفرة أي: ثوابهم مع ما ذكر مما ~~أعد لهم { ونعم أجر العاملين } أي: ثواب المطيعين. ### || [3.137] # قوله: { قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض }. # المعنى: قد مضت وسلفت مني فيمن كان قبلكم يا أصحاب محمد سنن وسير نحو: ~~إهلاك عاد وثمود وقوم لوط ونحوهم فتركتهم عبرا { فسيروا في ~~الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين } للرسل ~~الجاحدين للكتب. وهذا إعلام من الله تبارك وتعالى للمؤمنين أنه سيهلك من ~~أدال له على المسلمين للمشركين يوم أحد، وأنه إنما فعل لهم ذلك استدراجا ~~منه لهم، وإمهالا حتى يبلغ الكتاب أجله. وأصل السنة الطريقة المستقيمة. # وقيل: { سنن } هنا أمثال فيمن كان قبلكم. ### || [3.138] # قوله: { هذا بيان للناس } الآية. # وقال الحسن: { هذا } إشارة إلى القرآن، وقاله قتادة. # وقال الربيع: { هذا بيان للناس } عامة وهو القرآن { وهدى ~~وموعظة للمتقين } خاصة. # وقال ابن اسحاق: { هذا } إشارة إلى قوله { قد خلت } الآية. # وقال الشعبي: { وهدى } من الضلال { وموعظة } من الجهل وذلك لمن ~~اتقى المحارم. ### || [3.139] # قوله: { ولا تهنوا ولا تحزنوا } الآية هذه الآية تعزية ~~لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فيما أصابهم يوم أحد من الجراح، والقتل ~~فعزاهم الله، وبشرهم أنهم الأعلون. ومعنى { ولا تهنوا }: لا ~~تضعفوا عن قتال عدوكم { ولا تحزنوا } على ما فات، فإلى النعيم ~~المقيم صار، وأنتم مع ذلك الظافرون فيما تستقبلون { إن كنتم ~~مؤمنين } أي: مصدقين لمحمد صلى الله عليه وسلم وما أتى به. # قال ابن جريج: # " لما انهزم أصحاب النبي عليه السلام يوم أحد في الشعب قالوا: ms0365 ما فعل ~~فلان، ما فعل فلان؟ فنعى بعضهم بعضا، وتحدثوا أن الرسول صلى الله عليه ~~وسلم [قتل، فكانوا في هم وحزن على النبي صلى الله عليه وسلم] فبينا هم ~~كذلك إذ علا خالد بن الوليد [الجبل] بخيل من المشركين فلما رأى المسلمون ~~النبي صلى الله عليه وسلم فرحوا، وثاب قوم من الرماة [من المسلمين فصعدوا ~~الجبل فرموا المشركين حتى انهزموا وعلا المسلمون الجبل فنزل { وأنتم ~~الأعلون } فقال النبي صلى الله عليه وسلم " اللهم لا قوة إلا بك ~~وليس يعبدك بهذه البلدة غير هؤلاء النفر " ". # قال ابن عباس: لما أتى خالد بن الوليد يريد أن يعلو الجبل بخيل معه، قال ~~النبي عليه السلام: # " اللهم لا يعلون علينا " # فأنزل الله: { ولا تهنوا } الآية. ### || [3.140] # قوله { إن يمسسكم قرح } الآية. # هذا تعزية للمسلمين فيما أصابهم من الجراح والقتل يوم أحد وأنهم إن كان ~~أصابهم ذلك فقد أصاب المشركين مثله يوم بدر، ثم قال: { وتلك ~~الأيام نداولها بين الناس } أي: إن ظفرتم يوم بدر فكانت ~~لكم دولة، ثم كانت الدولة للمشركين يوم أحد عليكم بمعصيتكم أمر نبيكم صلى ~~الله عليه وسلم كل ذلك ليبتلي الله المؤمنين، وليبلغ الكتاب أجله. وروي ~~أن المسلمين قتلوا من المشركين يوم بدر سبعين وأسروا سبعين، وقتل من ~~المسلمين يوم أحد سبعون، وكثر الجراح في الباقين حتى شج رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وكسرت رباعيته والقرح والقرح لغتان عند الكسائي ~~والأخفش وقطرب كالضعف والضعف. # وقال الفراء: الفتح اسم الجرح، والضم اسم الألم. # ولم يعرف أبو عمر الضم. وقال يعقوب الحضرمي: المفتوح ما كان بسلاح، ~~والمضموم الجهاد كذا وقع عنه. # قال ابن عباس: # " لما كان يوم أحد وأصاب المسلمين ما أصاب صعد النبي صلى الله عليه وسلم ~~الجبل فجاء أبو سفيان فقال يا محمد: الحرب سجال يوم لنا، ويوم لكم فقال ~~النبي عليه السلام: أجيبوه فقالوا له: لا سواء لا سواء، قتلانا في الجنة ~~وقتلاكم في النار. فقال له أبو سفيان: لنا عزى ولا عزى لكم، فقال النبي ~~صلى الله ms0366 عليه وسلم أجيبوه. فقالوا: الله مولانا ولا مولى لكم [فقال أبو ~~سفيان: أعل هبل أعل هبل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قولوا: الله ~~أعلى وأجل]. فقال أبو سفيان: موعدنا، وموعدكم بدر الصغرى، فنزلت { ~~وتلك الأيام نداولها بين الناس } ". # قوله: { وليعلم الله الذين } أي: داولها ليعلم الله ~~المؤمنين من المنافقين علم مشاهدة، وهو عالم بهم قبل أن يخلقهم الله ولكن ~~أراد العلم الذي يقع عليه الجزاء { ويتخذ منكم شهدآء } أي: ~~يكرم من أراد بالشهادة. # والشهداء جمع شهيد، وسمي شهيدا لأنه مشهود له بالجنة. # قال ابن جريج: كان المسلمون يسألون الله أن يريهم مثل يوم بدر، فيقاتلون ~~ويلتمسون فيه الشهادة، فابتلوا بيوم أحد، فخالف الرماة، فقتل من ~~المسلمين، واتخذهم الله شهداء، فبلغهم أملهم الذي كانوا قد أملوا وسألوا. # وقال ابن عباس: كانوا يسألون الشهادة فقتلوا يوم أحد. ### || [3.141] # قوله: { وليمحص الله الذين آمنوا }. # المعنى: داول الله [الأيام] بين الناس، فيعلم المؤمنين من المنافقين، ~~وليمحص ذنوب المؤمنين. يقال: محصه إذا خلصه فمعناه على هذا: وليخلص الله ~~المؤمنين من ذنوبهم داول الأيام بين الناس، ومنه قولهم: اللهم محص عنا ~~ذنوبنا أي خلصنا من عقوبتها. وقيل: معنى ليمحص ليبتلي. # ومعنى: { ويمحق الكافرين } أي: يستأصلهم. وقيل يمحق أعمالهم. ~~وقيل: ينقصهم ويفنيهم. # يقال: محق فلان الطعام إذا نقصه وأفناه. # وقال مجاهد: وليمحص وليختبر. ### || [3.142] # قوله: { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم ~~الله الذين جاهدوا } الآية. # قرأ الحسن ويحيى بن يعمر { ويعلم الصابرين } عطفا على { ~~ولما يعلم الله }. # ومن نصب في ظهر " أن " عند الخليل وسيبويه، وعلى الصرف عند الكوفيين، ~~ومعنى الصرف عندهم أن يكون في أول الكلام جحد، أو استفهام أو نهي، ولا ~~تمكن إعادته مع حرف العطف فإذا لم تمكن إعادته لم يعطف بالثاني على ~~الأول، ولكن يصرف على العطف على النصب. # والمعنى: أم حسبتم أيها المؤمنون أن تنالوا الكرامة، ولم تختبروا بالشدة ~~والبأساء، فيعلم منه صدقكم وصبركم واقعا وقد كان تعالى ذكره، علمه ~~غيبا، ولكن لا تقع المجازاة إلا على ما خرج من ms0367 الأفعال إلى الوجود. ### || [3.143] # قوله: { ولقد كنتم تمنون الموت } الآية. # المعنى: لقد كنتم يا أصحاب محمد تتمنون الموت، وذلك أن أناسا فاتهم ~~حضور بدر، وما أعطي أهل بدر من الفضل، فكانوا يتمنون الموت أن يجاهدوا، ~~فيبلوا العذر في القتال في الله عز وجل. # ومعنى: { تمنون الموت } أي: القتل الذي هو سبب الموت { فقد ~~رأيتموه } أي: رأيتم سبب الموت { وأنتم تنظرون } أي: ~~بصراء تشهدون ذلك عن قرب. # قال القتبي { فقد رأيتموه }: يعني أسباب الموت وهي السيف ~~والسلاح. # وقيل: الهاء في رأيتموه تعود على محمد صلى الله عليه وسلم. # فلما كان يوم أحد حضروا القتال، فولى قوم وأبلى [قوم] العذر، وأوفوا ~~بما عاهدوا، وهم الذين قال الله فيهم: # من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله ~~عليه فمنهم من قضى نحبه # [الأحزاب: 23] أي: استشهد فقتل، { ومنهم من ينتظر } أي: ~~الشهادة { وما بدلوا تبديلا } أي: ما بدلوا العهد الذي عاهدوا ~~الله عليه من ابتلاء العذر في الجهاد في الله عز وجل. # وقيل: إنهم كانوا يتمنون الشهادة في القتال فقتلوا يوم أحد. # قال الحسن: لما سألوا، ابتلوا بيوم أحد [فلا] والله ما كلهم صدق. ### || [3.144] # قوله: { وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله ~~الرسل } الآية. # معنى الآية أن الله أخبرهم أن محمدا كبعض رسله المتقدمين في الرسالة ~~والدعاء، الذين قد مضوا وخلوا، فلما حضرت آجالهم ماتوا فمحمد صلى الله ~~عليه وسلم مثلهم ميت عند انقضاء أجله، وهذا إنما هو معاتبة من الله ~~للمؤمنين على ما كان منهم من الهلع والجزع حين قيل في أحد إن محمد صلى ~~الله عليه وسلم قد قتل، ومقبحا لهم انهزام من انهزم منهم حين سمع ذلك. # ومعنى: { انقلبتم على أعقابكم } أي: ارتددتم عن دينكم لو ~~مات، وهل هو إلا مثل من تقدمه من الرسل ميت عند انقضاء أجله؟ فلو مات ~~أكنتم تكفرون؟ # { ومن ينقلب على عقبيه } أي: من يرتدد عن دينه { فلن ~~يضر الله } سبحانه ارتداده. وفي لفظ الاستفهام تقديم وتأخير، وذلك ~~أنهم إنما وبخوا وعوذلوا على الانقلاب على ms0368 العقبين، فهم لم ينكروا موت ~~محمد صلى الله عليه وسلم فيقع عليه لفظ الاستفهام الذي يدل على التوبيخ، ~~ولا أنكر عليهم ذلك، إنما أنكر عليهم انقلابهم، فحق الاستفهام الذي ~~للتوبيخ أن يقع على ما أنكر عليهم وهو انقلابهم، ومثله # أفإن مت فهم الخالدون # [الأنبياء: 34] لم يستفهم عن الموت وإنما استفهم عن خلودهم بعد موت محمد ~~صلى الله عليه وسلم؟ أيكون أم لا؟ فحق الاستفهام أن يقع عليهم، فيكون: ~~أفهم الخالدون إن مت؟ وكذلك هذا حقه. أتنقلبون على أعقابكم إن مات محمد ~~أو قتل؟ ففيه اتساع معروف في كلام العرب مشهور قد علم معناه. والأصل في ~~ذلك أن كل استفهام دخل على حرف الجزاء، فالاستفهام في غير موضعه وحقه، ~~وموضعه أن يكون قبل جواب الشرط داخلا على الجواب، فهذا تقديره حيث وقع. # أو قولهم { وسيجزي الله الشاكرين } أي: وسيثيب الله عز وجل ~~من شكره على هدايته له، وتوفيقه إياه. # قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أبو بكر أمير الشاكرين، فالآية إنما ~~نزلت فيمن انهزم بأحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. قال قتادة: لما ~~كان يوم أحد من الشناعة ما كانت في قتل النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~ناس: لو كان نبيا ما قتل. # وقال ناس من علية أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: قاتلوا على ما قاتل ~~عليه نبيكم حتى يفتح الله، أو تلحقوا به، فأنزل الله تبارك وتعالى في ~~عتاب من قال: لو كان نبيا ما قتل { وما محمد إلا رسول قد ~~خلت من قبله الرسل }. # وذكر الربيع أن رجلا من المهاجرين مر على رجل من الأنصار وهو يتشحط في ~~دمه، فقال: يا فلان أشعرت أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد قتل؟ فقال ~~الأنصاري: وإن كان محمد صلى الله عليه وسلم قد قتل فقد بلغ، فقاتلوا عن ~~دينكم. # قال السدي: # " لما برز رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم يوم أحد بعد صلاة الجمعة ~~يوم الجمعة، أمر الرماة فقاموا في أصل الجبل في وجوه ms0369 خيل المشركين. وقال ~~لهم: لا تبرحوا مكانكم إن رأيتمونا قد هزمناهم، فإنا لن نزال غالبين ما ~~ثبتم مكانكم، وأمر عليهم عبدالله بن جبير أخا خوات، ثم شد الزبير بن ~~العوام والمقداد بن لأسود على المشركين فهزموهم وحمل النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه فهزموهم وهزموا أبا سفيان. # فلما رأى ذلك خالد بن الوليد وهو على خيل المشركين حمل فرمته الرماة من ~~المسلمين، فانقطع، فلما نظر الرماة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه في جوف عسكر المشركين ينهبونه بادروا الغنيمة، فقال بعضهم لبعض: ~~لا تتركوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانطلق عامتهم فلحقوا ~~بالمعسكر فلما رأى خالد قلة من بقي من الرماة صاح فيه خيله، ثم حمل فقتل ~~الرماة، وحمل على أصحاب محمد، فلما رأى المشركون خيلهم تقاتل شدوا على ~~المسلمين وتنادوا فقتلوا من المسلمين عددا، وأتى ابن قميئة الحاري فرمى ~~[رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجر فكسر رباعيته، وشجه في وجهه، وتفرق ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، فدخل بعضهم المدينة، وصعد بعضهم ~~الجبل إلى الصخرة فقاموا عليها وجعل] رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوا ~~الناس ويقول: [إلي عباد الله] فاجتمع إليه ثلاثون رجلا، وجعلوا يسيرون ~~بين يديه، ولم يقف أحد إلا طلحة وسهل بن حنيف، وأقبل أبي بن خلف الجمحي ~~وقد حلف ليقتلن النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه ~~وسلم: بل أنا أقتلك فقال: يا كذاب، أين تفر؟ فحمل عليه فطعنه النبي صلى ~~الله عليه وسلم طعنة في الدرع، فجرحة فوقع يخور خوار الثور، فحمله ~~المشركون وقالوا: ليس بك بأس، فما يجزعك؟ فقال: أليس قال: لأقتلنك، لو ~~كانت الضربة لجميع ربيعة ومضر لقتلتهم فلم يلبث حتى مات [و] فشا في الناس ~~أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد قتل فقال بعض أصحاب الصخرة: ليتنا أخذنا ~~من المشركين أمانا، وضعفوا، وقال بعضهم: يا قوم إن كان محمد صلى الله ~~عليه وسلم قد قتل، فإن رب محمد صلى الله ms0370 عليه وسلم لم يقتل، فقاتلوا على ~~ما قاتل عليه نبيكم صلى الله عليه وسلم اللهم إنا نعتذر إليك مما قال ~~هؤلاء ". # ويروى # " أن الذي قال ذلك واعتذر: أنس بن النضر، ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل. ~~وانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو حتى أتى أصحاب الصخرة فلما ~~رأوه أراد رجل منهم أن يرميه، ولم يعرفه فقال: أنا رسول الله، ففرحوا ~~وفرح رسول الله بهم، وذهب عنهم الحزن وأنزل الله تعالى { وما محمد ~~إلا رسول قد خلت من قبله الرسل } الآية ". # وقال الضحاك: نادى مناد يوم أحد: ألا إن محمدا قد قتل فارجعوا إلى ~~دينكم الأول فأنزل الله { وما محمد } الآية. ### || [3.145] # قوله { وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله } ~~الآية معناه: لا تموت نفس إلا بإذن الله، وليس هو نهي للنفس، لأن ذلك ليس ~~هو في يديها وهو بمنزلة # فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون # [البقرة: 132] أي: كونوا مسلمين حتى يصادفكم الموت عليه، وليس هو نهي عن ~~شيء لأن ذلك ليس إليهم ليس الموت في أيديهم، وله نظائر كثيرة ليس معناها ~~النهي عن المذكور إنما معناها النفي، كأنه قال: لا تفارق الإسلام حتى ~~يأتيكم الموت، وأنتم عليه كذلك. # هذا معنى لا تموت نفس إلا بإذن الله، أخبرهم الله في هذه الآية أن ~~محمدا صلى الله عليه وسلم وغيره لا يموت إلا بإذن الله، وإذا أتى أجله. ~~" وكتابا " منصوب على المصدر أي كتب الله ذلك كتابا. # قوله: { ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها } أي: من يرد ~~بعمله أعراض الدنيا دون ما عند الله يعطه ما قسم الله منها يرزق أيام ~~حياته، ولا حظ له في الآخرة، { ومن يرد ثواب الآخرة } ، أي ما ~~عند الله من الكرامة { نؤته منها وسنجزي الشكرين } أي: ~~سنتيب من أطاعني وقبل أمري، لأن اتباع أمر الله والعمل بطاعته من أعظم ~~الشكر. ### || [3.146] # قوله: { وكأين من نبي قاتل } الآية. # قال الخليل: من قرأ كأين بهمزة بعد ألف وهي قراءة أهل مكة فإنما قدم ~~الياء قبل الهمزة ms0371 ثم جعلها ألفا وسكنت الياء الثانية لأنها بعد همزة ~~مكسورة. # وأما من قرأ وكأي فإنها عند الخليل (أي): دخلت عليها كاف التشبيه فصار ~~في الكلام معنى كم، فيجب على قوله أن تقف بغير نون في قراءة الجماعة كما ~~تقف على (أي): وهو مذهب سيبويه وكذلك حكى عن أبي عمرو، والكسائي، وروي ~~عنهما الوقف على النون. # فمن وقف بالنون في هذه القراءة، فإنما ذلك لأنه اتبع السواد وهو في ~~المصحف بالنون على قراءة من قدم الألف قبل الهمزة وهي قراءة ابن كثير ومن ~~قرأ: " قتل ": فالمعنى عند عكرمة أن القتل إخبار عما فعل بالأنبياء عليهم ~~السلام، وأنهم قتلوا فيما مضى، وأن من كان معهم لم يضعف بعده ولا تضعضع. # ثم أخبر عن قولهم بعد نبيهم صلى الله عليه وسلم، وثباتهم على دينهم، ~~فيكون التمام على هذا قتل وفيه بعد لأن ما بعده من صفة نبي ويكون معنى ~~الآية: أن الله وبخ بذلك أصحاب النبي الذين ضعفوا يوم أحد حين قيل: قتل ~~محمد! فأخبرهم أن كثيرا من الأنبياء قتلوا فلم يضعف من كان معهم ليتأسوا ~~بهم. # وقيل: المعنى أن الله عز وجل أخبر أنه قد قتل مع الأنبياء عليهم السلام ~~{ ربيون كثير } فما وهن من بقي ولا ضعف ولا ذل، فيتأسى المسلمون ~~بهذا، فلا يضعفون لما أصاب أصحابهم من القتل يوم أحد، فلا يكون التمام ~~على هذا قتل لأن " الربيون " مرفوع بقتل، والأول أحسن لأن كعب بن مالك ~~قال: أول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد أنه لم يقتل: أنا، ~~رأيت عينيه تحت المغفر فناديت بأعلى صوتي هذا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأومأ إلي النبي صلى الله عليه وسلم أن: اسكت. # وكان قد صاح الشيطان يوم أحد قتل محمد فانهزم المسلمون إلا قليلا منهم، ~~فأنزل الله عز وجل { وكأين من نبي قاتل } أي: كثير من ~~الأنبياء قتلوا فلم يضعف من كان بعده ولا ذل، فكيف أردتم أيها المؤمنون ~~أن تضعفوا حين سمعتم الشناعة بأن محمدا صلى ms0372 الله عليه وسلم قد قتل، ~~فتأسوا أيها المؤمنون بمن كان قبلكم من أصحاب الأنبياء صلوات الله عليهم، ~~الربيين. # وعلى تأويل اختار قوم من العلماء قراءة من قرأ قتل لأنهم عوقبوا على ضعف ~~بعضهم لما سمعوا لقتل النبي صلى الله عليه وسلم. # ومن قرأ قاتل حمله على معنى أنهم وهنوا لقتل أصحابهم وجراحم، فأنزل الله ~~عز وجل عليهم يعلمهم أن كثيرا من الأنبياء قاتل مع أصحابه وأتباعه، فلم ~~يضعفوا لما أصابهم من قتل وجراح فتأسوا بهم. # واختار بعض أهل اللغة قاتل لأنه أبلغ في المدح من قتل لأن الله تعالى ~~إذا مدح من قاتل كان من قتل أدخل في المدح لأنه لم يقتل إلا بعد القتال، ~~فالقاتل والمقتول ممدوحان في قراءة من قرأ قاتل وهو إذا مدح من قتل فليس ~~من قاتل، ولم يقتل بالممدوح، فقاتل أبلغ في المدح للجميع. # " والربيون " الذين يعبدون الرب نسبوا إليه لعبادتهم إياه وإقرارهم له، ~~وهو معنى مروي عن الحسن وغيره. # واحدهم ربي منسوب إلى الرب ولكن كسرت الراء اتباعا للكسرة التي بعدها ~~كما قالوا: نسي وعصي فكسروا الأول للاتباع، وقيل: الربانيون الجماعات. # وقيل: هم العلماء الألوف. # قال ابن عباس: ربيون جموع كثيرة. # وقال ابن جبير: علماء كثير. # وقال الحسن: فقهاء وعلماء. # وقال ابن المبارك: أتقياء صبر. # وقال ابن زيد: الربانيون الأتباع، والربانيون الولاة. # وقيل الربانيون: منسوب إلى الرب أيضا واحد ربي وزيدت الألف والنون ~~للمبالغة كالنسبة إلى الجهة: جهاتي ثم جمع بعد الزيادة وقد مضى ذكره. # وقال ابن زيد: هذا عتاب من الله عز وجل لأصحاب النبي عليه السلام حين ~~صاح إليهم الشيطان يوم أحد أن محمدا قد قتل، فارجعوا إلى عشائركم ~~يؤمنوكم. وقرأ الحسن وعكرمة وأبو رجاء: ربيون بضم الراء غير أوله بالضم ~~كما قالوا في النسب إلى الدهر دهري. # قوله: { فما وهنوا } أي: ما ضعفوا، ولا عجزوا لما أصابهم من آلام ~~الجراح، وقتل أصحابهم: وقيل: لم يعجزوا لما أصابهم من قتل نبيهم صلى الله ~~عليه وسلم ولا آلام جراحهم، ولم يعجزوا عن القتال ms0373 في سبيل الله تعالى بعد ~~نبيهم صلى الله عليه وسلم. # والوهن أشد الضعف. # وكان سعيد بن جبير يقول: لم أسمع بنبي قتل في الحرب، فلا يكون الوقف على ~~قوله: قتل البتة. # قوله: { وما استكانوا } أي: ما خشعوا لعدوهم بالدخول في دينهم، ~~ولكن مضوا على بصيرتهم في نصر دينهم وصبروا. قال ابن اسحاق: ما وهنوا ~~لفقد نبيهم، # وما ضعفوا عن قتال عدوهم وما استكانوا لما أصابهم في الحرب. ### || [3.147] # قوله: { وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر ~~لنا ذنوبنا }. # حكى الله عز وجل للمؤمنين قول الربيين الذين ذكرهم ليتأسوا بهم، فأخبرهم ~~أنهم لم يعتصموا إلا بالصبر ومجاهدة عدوهم، ومسألة ربهم المغفرة والنصرة ~~على عدوهم. # ومعنى: { وإسرافنا في أمرنا } أي: خطايانا وظلمنا لأنفسنا. # وقال الضحاك: هي الكبائر وسألوه المغفرة فيها. ### || [3.148] # قوله: { فآتاهم الله ثواب الدنيا } الآية، المعنى: فأعطى ~~الله المؤمنين الربيين ثواب الدنيا أي: النصر على عدوهم والظفر والغنيمة ~~{ وحسن ثواب الآخرة } أي: خير جزاء الآخرة وهو الرضوان من ~~الله: { والله يحب المحسنين } أثنى عليهم أنهم محسنون وأن ~~الله يحبهم. ### || [3.149-150] # قوله { يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين ~~كفروا } الآية. هذه الآية تحذير من الله تعالى للمؤمنين أن يطيعوا ~~المنافقين والكافرين بمحمد في أمر، أو يقبلوا منهم نصيحة، وأعلمهم أنهم ~~إن قبلوا منهم ردوهم كافرين مثلهم، فيخسرون دنياهم وآخرتهم. قوله { بل ~~الله مولاكم } أي: بل الله وليكم ينقذكم من طاعة الكافرين التي ~~ترديكم فأطيعوه ولا تستنصروا بغيره فهو خير من استنصرتم به. ### || [3.151] # قوله: { سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب } الآية. # بشر الله تعالى المؤمنين بما صنع بالمشركين، ويصنع بهم. # قال السدي: # " ارتحل المشركون يوم أحد متوجهين نحو مكة حتى إذا بلغوا بعض الطريق ~~ندموا فقال لهم أبو سفيان: بئس ما صنعنا، قاتلناهم حتى إذا لم يبق إلا ~~الشديد تركناهم ارجعوا فاستأصلوهم، فقذف الله عز وجل في قلوبهم الرعب ~~وانهزموا، فلقوا أعرابيا فجعلوا له جعلا فقالوا له: إذا لقيت محمدا، ~~وأصحابه فأخبرهم بما قد جمعنا لهم. كذبا منهم لما ms0374 قد جعل في قلوبهم من ~~الرعب، وأعلم الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بأمرهم ورعبهم، فخرج ~~النبي صلى الله عليه وسلم في طلبهم فلم يلحقهم، وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم " نصرت بالرعب " ". ### || [3.152] # قوله: { ولقد صدقكم الله وعده } الآية. # أعلم الله عز وجل المؤمنين أنه قد صدقهم وعده الذي أتاهم على لسان نبيه، ~~وهو قوله للرماة بأحد: اثبتوا مكانكم ولا تبرحوا، وإن رأيتمونا هزمناهم، ~~فإن لن نزال غالبين ما ثبتم مكانكم، ووعدهم بالنصر إن انتهوا إلى أمره. # وقال لمن معه غير الرماة: إذا هزمناهم فلا تتبعوهم فقام الرماة بأصل ~~الجبل. # ثم إن طلحة بن عثمان صاحب لواء المشركين قام فقال: يا معشر أصحاب محمد، ~~إنكم تزعمون أن الله تعالى يعجلنا بسيوفكم إلى النار، ويعجلكم بسيوفنا ~~إلى الجنة، فهل منكم من أحد يعجله الله بسيفي إلى الجنة، أو يعجلني بسيفه ~~إلى النار، فقام إليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: والذي نفسي ~~بيده لا أفارقك حتى يعجلك الله بسيفي إلى النار، أو يعجلني بسيفك إلى ~~الجنة، فضربه علي فقطع رجله فسقط، وانكشفت عورته فقال: أنشدك الله والرحم ~~ابن عم، فتركه وكبر النبي صلى الله عليه وسلم، وقال لعلي أصحابه: ما ~~منعك أن تجيز عليه؟ فقال: إن ابن عمي ناشدني حين انكشفت عورته، فاستحييت ~~منه، [ثم شد الزبير بن العوام والمقداد بن الأسود على المشركين فهزمهم، ~~وحمل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهزموا أبا سفيان، فلما رأى ذلك ~~خالد بن الوليد وهو على خيل المشركين حمل فرمته الرماة فانقمع، ثم أيقن ~~الرماة بأن المشركين انهزموا، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~[وأصحابه] ينهبونهم، فلحق أكثرهم بالعسكر من نهب وثبت [الأقل] لأمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. فلما رأى خالد بن الوليد قلة الرماة صاح في ~~خيله، ثم حمل على من بقي من الرماة فقتلهم، وحمل على أصحاب محمد صلى الله ~~عليه وسلم، فلما رأى المشركون خيلهم تقاتل تراجعوا فشدوا على المسلمين ~~فهزموهم، وقتلوا وجرحوا ms0375 فأصيب من المسلمين سبعون رجلا، وكان أبو سفيان ~~أقبل إلى المدينة في ثلاث خلون من شوال، فنزل بأحد، وكانوا في ثلاثة آلاف ~~معهم مائتا فارس، فخرج إليهم النبي صلى الله عليه وسلم [في سبعمائة رجل، ~~فمعنى: { ولقد صدقكم الله وعده } أي: الذي وعدكم على ~~لسان نبيه صلى الله عليه وسلم] من النصر إذا ثبت الرماة حق، وكان النبي ~~صلى الله عليه وسلم أخبرهم [أنهم] سيهزمون المشركين، فكان ما أخبرهم الله ~~تعالى على لسان نبيهم صلى الله عليه وسلم حق، فهو الوعد الذي صدقهم الله ~~تعالى. فلما (فشلتم وتنازعتم وعصيتم) طلبا للغنيمة يعني ما فعله الرماة ~~والذين اتبعوا الهزيمة { بعد مآ أراكم ما تحبون } وهو ~~هزيمة المشركين. ومعنى { إذ تحسونهم بإذنه } أي: تقتلونهم ~~بعلمه، والحس: القتل الذريع وذلك في أول الهزيمة التي كانت على المشركين ~~قبل أن يزول الرماة من مكانهم. # وقيل: بإذنه بحكمه. وقيل: بتسليطه إياكم عليهم. # ومعنى: { وتنازعتم في الأمر } هو اختلاف الرماة قال قائلون: ~~نمضي للغنيمة. وقال آخرون: لا نبرح ولا نخالف أمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فمضى الأكثر وكان ذلك سبب قتل من بقي. # ومعنى: { فشلتم } جبنتم، وتخاذلتم، وعصيتم النبي صلى الله عليه ~~وسلم فيما أمركم به وقد كان الله تعالى: صدقكم وعده الذي أخبركم به نبيكم ~~صلى الله عليه وسلم { أراكم ما تحبون } من النصر إذ هزم عدوكم ~~ولكنكم اخترتم الدنيا وهي الغنيمة. # قال مالك: لما نزلت يوم أحد: { منكم من يريد الدنيا ومنكم ~~من يريد الآخرة } قال عبد الله بن مسعود: والذي بعث محمدا صلى ~~الله عليه وسلم بالحق ما ظننت أن فينا أحدا يريد الدنيا. # ومعنى: { من يريد الدنيا } أي: يريد الغنيمة، وأخذ الأموال ~~وقوله: { ثم صرفكم عنهم ليبتليكم } أي: ثم صرفكم ~~أيها المؤمنون عن المشركين بعد أن استوليتم عليهم، ورأيتم ما تحبون من ~~هزيمتهم، وقتل صاحب رايتهم فعل ذلك بكم { ليبتليكم } أي يختبركم ~~{ ولقد عفا عنكم } هذا لمن عصى من الرماة خاصة. وقال ابن جريج: ~~معنى { ولقد عفا عنكم } إذ لم ms0376 يستأصلكم بالقتل، وقاله غيره. ### || [3.153] # قوله: { إذ تصعدون ولا تلوون على أحد } الآية. # العامل في إذ عفا، كأنه قد عفا الله عنكم أيها المؤمنون { إذ ~~تصعدون } أي: تلوون منهزمين في الوادي والرسول يدعوكم إلي عباد ~~الله، فالهرب في مستوى الأرض وبطون الأودية اصتعاد، وفي الجبل صعود لأنها ~~كالسلالم والدرج. # وقرأ الحسن " إذ تصعدون " بفتح التاء والعين على تأويل إنهم صعدوا ~~الجبل منهزمين، وقد روي أن بعضهم صعد الجبل. # قال السدي: # " لما وقعت الهزيمة على المسلمين دخل بعضهم المدينة، وانطلق بعضهم فوق ~~الجبل إلى الصخرة فقاموا عليها، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إلي ~~عباد الله إلي عباد الله ". # وقال القتبي: { إذ تصعدون } تبعدون في الهزيمة يقال: اصتعد في ~~الأرض إذا أمعن في الذهاب. # { ولا تلوون على أحد } أي: لا تعرجون ولا يلتفت بعضكم إلى ~~بعض هربا من عدوكم { فأثبكم غما بغم } أي: جزاكم ~~بفراركم عن نبيكم صلى الله عليه وسلم، وفشلكم عن عدوكم، ومخالفتكم غما ~~على غم، الباء في موضع على. ومعنى: { فأثبكم } جعل ما يقوم مقام ~~الثواب لكم غما بعد غم مثل: # فبشرهم بعذاب أليم # [آل عمران: 21، التوبة: 34، والانشقاق: 24]. فالغم الأول: ما لحقهم على ~~نبيهم صلى الله عليه وسلم حين سمعوا أنه قتل. والثاني: ما لحقهم من ~~الجراح، وقتل أصحابهم لأنه قتل يومئذ ستة وستون من الأنصار وأربعة من ~~المهاجرين. # قوله: { لكيلا تحزنوا على ما فاتكم } أي: من الغنيمة ~~{ ولا مآ أصبكم } من ألم الجراح والقتل. وقيل: الغم الأول: ما ~~صاحبهم على قتل أصحابهم، وجراحهم. والثاني: ما أصابهم حين سمعوا أن ~~محمدا صلى الله عليه وسلم قتل. وقيل: الغم الأول: أسفهم على ما فات من ~~الغنيمة. والثاني: اطلاع أبي سفيان عليهم في الجبل، فخافوا حين أتاهم، ~~فرموه، فرجع عنهم وقد كانوا فزعوا منه أن يميل عليهم فيقتلهم فهو الغم ~~الثاني. # وكان من قتل يومئذ ستة وستون من الأنصار وأربعة من المهاجرين. ### || [3.154] # قوله: { ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة ~~نعاسا } الآية. # النعاس: بدل من أمنة. ويجوز أن ms0377 يكون مفعولا من أجله. وأمنة مصدر في ~~الأصل. وقيل: هو اسم فاعل. # أخبرهم الله تعالى أنه جعلهم طائفتين طائفة أمنة حتى نعست، وطائفة ~~أهمتها نفسها حين ظنت بالله غير الحق: أي ساء ظنها بالله سبحانه. # وسبب ذلك فيما ذكر السدي: # " أن المشركين انصرفوا [من أحد] بعدما كان منهم، واعدوا النبي صلى الله ~~عليه وسلم بدرا من قابل فقال لهم: نعم، فتخوف المسلمون أن ينزل المشركون ~~المدينة فبعث النبي صلى الله عليه وسلم رجلا: أنظر، فإن رأيتهم قعودا ~~على أثقالهم، وجنبوا خيلهم، فإن القوم ينزلون المدينة، فاتقوا الله، ~~واصبروا ووطنهم على القتال، وإن رأيتهم سراعا عجالا، فليس ينزلون ~~المدينة، فلما أبصرهم الرسول - قعود على الأثقال - سراعا عجالا نادى ~~بأعلى صوته بذهابهم، فلما رأى المؤمنون ذلك أمنوا وناموا، وبقي أناس من ~~المنافقين يظنون أن القوم يأتوهم فطار عنهم النوم، ولم يركنوا إلى قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم وما أخبرهم به: أنهم لا ينزلون المدينة ". # قال أبو طلحة: كنت أنعس حتى يسقط سيفي من يدي. # ثم أخبر عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أن هؤلاء المنافقين يخفون في ~~أنفسهم ما لا يبدون للنبي صلى الله عليه وسلم، وأن الذي يخفون منه قولهم: ~~{ لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا } وأمر ~~نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم: { لو كنتم في بيوتكم ~~لبرز الذين } قدر الله عليهم القتل إلى مضاجعهم التي سبق في علمه ~~أنهم يقتلون بها. ومعنى: { لبرز الذين } [أي]: لصاروا إلى براز ~~من الأرض، وهو المكان المنكشف. # وقرأ أبو حياة: لبرز الذين. مشددا على ما لم يسم فاعله. # قوله: { وليبتلي الله ما في صدوركم } يعني به: ~~المنافقين يبرزون من بيوتهم إلى مضاجعهم التي يموتون بها. # وقيل المعنى: { وليبتلي الله ما في صدوركم } فرض عليكم ~~القتال. وقال الطبري: معناه وليختبر الذي في صدوركم من الشك فيميزكم بما ~~يظهر للمؤمنين من نفاقكم، فيميزكم المؤمنون. # { وليمحص ما في قلوبكم } أي: يكفر عنكم سيئاتكم إن كنتم ~~على يقين من دينكم { والله ms0378 عليم } بما في صدوركم. ### || [3.155] # قوله: { إن الذين تولوا منكم يوم التقى ~~الجمعان } الآية. # هذه الآية إعلام من الله تعالى أنه قد غفر لهم انهزام يوم أحد من أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وأخبرنا تعالى أنهم إنما دعاهم إلى الزلة ~~الشيطان ببعض ما تقدم لهم من أمرهم فانهزموا. # قيل: إنه ذكرهم بذنوب لم يتوبوا منها، فكرهوا أن يلقوا الله - عز وجل - ~~على غير توبة، فانهزموا لئلا يقتلوا قبل التوبة، فغفر الله لهم فرارهم. # وقال السدي: عنى بذلك من دخل المدينة منهزما خاصة دون أن يصعد الجبل. ~~وقيل: # " نزلت في رجال لأعيانهم فروا، منهم: عثمان بن عفان وغيره، فروا وأقاموا ~~على فرارهم ثلاثا، ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: ~~لقد ذهبتم في أرض عريضة، فاعلمنا الله عز وجل أنه عفا عنهم ". ### || [3.156] # قوله: { يأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين ~~كفروا } الآية. نهى الله المؤمنين أن يكونوا مثل المنافقين { ~~كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في ~~الأرض } أي: إذا خرجوا إلى سفر في تجارة { أو كانوا غزى } أي: ~~خرجوا لغزو، فهلكوا في سفرهم أو غزوهم، { لو كانوا عندنا ما ~~ماتوا } في سفرهم { وما قتلوا } في غزوهم، جعل الله قولهم ذلك ~~حسرة في قلوبهم. وروي أن المنافقين قالوا في من بعثه النبي صلى الله عليه ~~وسلم من السرايا إلى بئر معونة، فقتلوا رحمة الله عليهم { لو كانوا ~~عندنا ما ماتوا وما قتلوا } وهم عبد الله بن أبي بن سلول، ~~وأصحابه قالوا ذلك، وأصل الضرب في أرض الإبعاد. وأصل الكلام أن يكون في ~~موضع (إذا): (إذ) لأن في الكلام معنى الشرط، إذ فيه الذين، وإنما وقعت ~~إذا موضع إذ كما يقع الماضي في الجزاء موضع المستقبل، فتقول إن تزرني ~~زرتك. # أي: أزورك، فكذلك وقعت إذا وهي للمستقبل موضع إذ، ومثله # إن الذين كفروا ويصدون # [الحج: 25] وقع [كفروا] موضع يكفرون لأن الذي فيه معنى الجزاء، فجاز فيه ~~ما يجوز في الجزاء، ودل على يكفرون قوله: { ويصدون }. ثم أخبر ~~تعالى ms0379 [أنه] يحيي من يشاء ويميت من يشاء ليس جلوسهم عندهم بمنجيهم من ~~الموت، ولا مسيرهم لسفر أو غزاة بمقرب لما بعد من آجالهم { والله ~~بما تعملون بصير } أي: بعمل هؤلاء المنافقين بصير، فهذا على ~~قراءة من قرأ بالياء، فذكر المنافقين أقرب. ومن قرأ بالتاء رده على أول ~~الكلام في قوله { لا تكونوا كالذين كفروا } وكان الياء ~~أقوى لأن الذين وضع عليهم الدم أولى بالتهديد من غيرهم، وكلا الأمرين ~~حسن. ### || [3.157-158] # قوله { ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم ~~لمغفرة من } الآية. # هذا خطاب للمؤمنين خاصة، لأنهم إن ماتوا في سبيل الله أو قتلوا فإنهم ~~يصيرون إلى مغفرة ورحمة، وذلك خير مما يجمع المنافقون هذا على قراءة من ~~قرأ يجمعون بالياء. ومن قرأ بالتاء، رده على المخاطبة، وأن المغفرة ~~والرحمة خير مما تجمعون أيها المؤمنون من حطام الدنيا الذي يمنع من ~~الجهاد. # وقال ابن اسحاق معناها: إن الموت كائن لا بد منه، فموت في سبيل الله خير ~~لو علموا وأيقنوا. وتأويل الكلام: ليغفرن الله لكم وليرحمنكم. ثم أعلمهم ~~أن الرجوع إليه في كل حال من موت، أو قتل فقال: { ولئن متم أو ~~قتلتم لإلى الله تحشرون } وهذا الأمر خطاب للمؤمنين ~~والمشركين أعلمهم أن مصير الجميع إليه، فيجازي كل صنف بعمله. ### || [3.159] # قوله: { فبما رحمة من الله لنت لهم } الآية. # هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمعنى: فبرحمة من الله لنت ~~للمؤمنين حتى آمنوا بك فسهلت عليهم الأمر، وبينت لهم الحجج، وحسنت خلقك، ~~وصبرت على الأذى { ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا ~~من حولك } أي: لتركوك { فاعف عنهم } أي: تجاوز عنهم، واصفح ~~فيما نالك منهم، ثم قال: { واستغفر لهم } أي: ادع ربك لهم ~~بالمغفرة. وقوله { وشاورهم في الأمر } أمر الله تعالى نبيه ~~صلى الله عليه وسلم أن يشاور أصحابه عند الحرب ولقاء العدو، وتطييبا ~~لأنفسهم، وتأليفا لهم على دينهم. # قال أبو اسحاق: { وشاورهم في الأمر } معناه: ليريهم أنه ~~يستعين بهم، ويسمع من آرائهم، فيكون أطيب لأنفسهم وقد كان عنهم غنيا ~~لتوفيق ms0380 الله عز وجل له بالوحي. # وقيل: إنما أمره بذلك لما فيه من الفضل وليتأسى أمته صلى الله عليه وسلم ~~بذلك بعده. روى ابن وهب أن مالكا قال: ما تشاور قوم قط إلا هدوا. # " وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الحزم فقال " تستشيروا الرجل ذا ~~الرأي ثم تمضي إلى ما أمرك به " # ويقال: ما هلك امرؤ عن مشورة، ولا سعد بتوحيد رأي. وقال النبي عليه ~~السلام # " المستشار بالخيار ما لم يتكلم، فإذا تكلم فحق عليه أن ينصح ". # قال الحسن والله ما تشاور [قوم] قط بينهم إلا هداهم الله لأفضل ما ~~بحضرتهم. # قال أبو هريرة رضي الله عنه: ما رأيت من الناس أحدا أكثر مشورة لأصحابه ~~من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن شهاب: بلغني أن عمر بن الخطاب ~~قال: واستشر في أمرك الذين يخشون الله. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ما شقي عبد بمشورة ولا سعد عبد باستغناء رأي ". # وقال الشعبي: مكتوب في التوراة من لم يستشر يندم. # أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار ". # وقال ابن عباس: { وشاورهم في الأمر } أبو بكر وعمر رضي الله ~~عنه. # وقيل: إنما أمر أن يشاورهم فيما لم يكن عنده علم فيه وحي لأنه قد يكون ~~عند بعضهم فيه علم، والناس قد يعرفون من أمور الدنيا ما لا تعرف الأنبياء ~~صلوات الله عليهم. # { فإذا عزمت } أي: إذا ثبت الرأي على أمر { فتوكل على ~~الله } فيه، وامض فيه، إن الله يحب من يتوكل عليه ويفوض الأمر إليه. ### || [3.160] # قوله: { إن ينصركم الله فلا غالب لكم } الآية. # هذا خطاب للمؤمنين أن الله تعالى إن نصرهم لم يغلبهم أحد، وإن خذلهم لم ~~ينصرهم أحد، فجميع الأمور إليه ترجع، والهاء في { من بعده } تعود ~~على الله عز وجل ذكره. وقيل: تعود على الخذلان لدلالة يخذلهم عليه. ### || [3.161] # قوله: { وما كان لنبي أن يغل } الآية. # من قرأ بضم الياء فهو على معنى ms0381 ما كان لنبي أن يوجد خائنا كما يقال ~~أحمد الرجل وجدته محمودا، وأحمقته وجدته أحمق. # وروى الضحاك أنهم قالوا: بادروا الغنائم لئلا تؤخذ فقال الله عز وجل: ما ~~كان لنبي أن يوجد خائنا # أي: ما ينبغي ذلك ولا يكون. # وقيل: المعنى: ما ينبغي لنبي أن يغل منه أي: يخان منه. وقد قيل: إن ~~المعنى: أن يخون، وهذا لا يصلح لأنه يلزم أن يكون يغل. وقد قيل: إنه لما ~~اجتمعت ثلاث لامات حذفت الواحدة. ومن قرأ بفتح الياء فمعناه أن يخون: أي: ~~لا ينبغي أن يخون النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه ولا يكون ذلك. # قال محمد بن كعب معناه: ما كان له أن يكتم شيئا من كتاب الله عز وجل، ~~وما أمر به. وقيل: إن قوما من المنافقين اتهموا النبي صلى الله عليه ~~وسلم في شيء من المغنم، فأنزل الله جل ذكره ذلك، وعليه أكثر المفسرين. # فالقراءة [على الفتح] بمعنى: لا ينبغي أن يخون هو، وبالضم: ما كان لنبي ~~أن يوجد خائنا، ولا يمكن ذلك مثل أحمدته. أو يكون المعنى: ما كان لنبي ~~أن يخون، فيتهم بما لا يليق بالأنبياء صلوات الله عليهم، أو يكون المعنى: ~~ما كان لنبي أن يخان منه. # وقد قوى قوم قراءة الضم بأن الآية نزلت في قوم غلوا فنفى الله أن يخان ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه لا ينبغي أن يخان. وقوى آخرون قراءة ~~الفتح بأن الآية نزلت في قطيفة حمراء فقدت من الغنائم يوم بدر فقال بعض ~~المنافقين: لعل رسول الله أخذها، وأكثر في ذلك فأنزل الله عز وجل { وما ~~كان لنبي أن يغل } أي: يخون أصحابه. # وقال سعيد بن جبير القراء[ة] { يغل } بفتح الياء قال: وأما يغل فقد ~~كان، والله يغل ويغتل. # وروي عن ابن عباس رضي الله عنه وغيره أنه قال: نزلت الآية في طلائع كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وجههم في أمر فلم يقسم لهم، فأعلمه الله عز ~~وجل في هذه الآية أنه ليس له أن يقسم لطائفة ms0382 دون آخرين فيخون في أنفسهم. ~~وقال الضحاك: يغل بالفتح معناه أن يعطي بعضا، ويترك بعضا وبالفتح كان ~~يقرأ. وقال ابن اسحاق: نرى ذلك في النفي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~لا ينبغي له أن يكتم من الوحي شيئا فالفتح أولى به على هذا. # { ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة } أي: من يخن ~~من غنائم المسلمين شيئا يأتي به يوم القيامة. # قال ابن عباس رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا أعرف أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل شاة لها ثغاء فينادون: يا محمد، ~~يا محمد فأقول: لا أملك لك من الله شيئا فقد بلغتك " # ثم قال في الجمل مثل ذلك، وفي الفرس مثل ذلك غير أنه قال: جمل له رغاء، ~~أو فرس له حمحمة. ### || [3.162] # قوله: { أفمن اتبع رضوان الله كمن بآء بسخط ~~من الله } الآية. # معناها أفمن ترك الغلول، فاتبع رضوان الله بذلك كمن غل فرجع بسخط، من ~~الله على غلوله قال معناه الضحاك، وقيل الآية عامة في كل من عمل خيرا، ~~ومن عمل شرا. ### || [3.163] # قوله: { هم درجت عند الله والله } الآية. # قيل المعنى: أن الغال، وغير الغال، والصالح وغير الصالح، أصحاب درجات ~~عند الله، ردا على ما قبله. # والدرجات: الجنة والنار. # وقيل المعنى: { هم درجت عند الله }: يعني من اتبع رضوانه ~~خاصة قاله مجاهد والسدي. وقيل: المعنى هم طبقات عند الله أي: أهل الرضوان ~~طبقات. وقيل: المعنى: هم ذوو درجات، يعني المؤمنين، وذلك في الفضل بعضهم ~~أرفع من بعض، كذلك قال القتيبي وغيره. قوله: { والله بصير } أي: ~~بما يعمل الجميع، فيوفي كلا بقسطه. ### || [3.164] # قوله: { لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم ~~رسولا } الآية. # { من أنفسهم } منهم، والكتاب: القرآن، والحكمة: السنة، قاله ~~قتادة وغيره، وقيل: معنى { من أنفسهم }: بشر مثلهم يظهر ~~البراهين، فيعلم أنه نبي إذ هو بشر مثلهم يأتي بما لا يمكن أن يأتوا ~~بمثله هم، وما كانوا من قبله إلا في ضلال مبين أي: في جهالة وحيرة ظاهرة. ms0383 ~~فإن بمعنى: ما، واللام في { لفي } بمعنى: إلا هذا قول الكوفيين. ومذهب ~~سيبويه أن أن مخففة من الثقيلة، واسمها [مضمر] والتقدير على قوله: وأنهم ~~كانوا من قبل محمد صلى الله عليه وسلم لفي ضلال مبين أي: أنهم لفي ضلال ~~مبين كانوا قبل محمد صلى الله عليه وسلم، ولهذا نظائر كثيرة في القرآن ~~على نحو هذا الاختلاف من تقدير أن وتقدير الكلام، فاعرف الأصل فيها إن ~~تركنا ذكرها اكتفاء بما ذكرنا. ### || [3.165] # قوله: { أو لما أصابتكم مصيبة }. # المعنى: أحين أصابكم أيها المؤمنون مصيبة، وهي ما قتل يوم أحد - وأنتم ~~قد أصبتم مثليها أي: مثل المصيبة يعني يوم بدر إذ قتل المسلمون للمشركين ~~سبعين، وأسروا سبعين وقتل المشركون من المسلمين يوم أحد سبعين، فالذين ~~ظفر بهم المسلمون مثلا، ما ظفر به المشركون، فمن أين قلتم كيف هذا؟ ومن ~~أي وجه هذا؟ أي: من أين أصابنا هذا؟ كل هذا توبيخ للمؤمنين لقولهم: كيف ~~أصابنا هذا القتل يوم أحد " فقيل له: أتقولون هذا، وأنتم قد أصبتم يوم ~~بدر مثلي ما أصابكم يوم أحد " ثم قال تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: كل ~~الذي أصابكم يوم أحد هو من عند أنفسكم. أي: بذنوبكم، ومخالفتكم أمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم إذ ترك الرماة أمر النبي صلى الله عليه وسلم، ومضوا ~~في طلب النهب. # قال قتادة: # " لما قدم أبو سفيان بالمشركين رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤيا، ~~رأى بقرا تنحر، فتأولها قتلى في أصحابه، ورأى سيفه ذا الفقار انقسم، ~~فكان قتل عمه حمزة، كان يقال: أسد الله، ورأى أن كبشا أغبر قتل، فكان ~~قتل صاحب لواء المشركين: عثمان ابن أبي طلحة أصيب يومئذ وكان معه لواء ~~المشركين وهو منهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه بعد هذه ~~الرؤية: إنا في جنة حصينة يعني المدينة فدعوهم يدخلون نقاتلهم، فقال ~~أناس من الأنصار: يا نبي الله إنا نكره أن نقتل في طرق المدينة، وقد كنا ~~نمتنع من العرب في الجاهلية، والإسلام أحق نمتنع فيه فأبرز ms0384 بنا إلى ~~القوم، فمضى النبي عليه السلام ولبس لامته وندم القوم على ما كسروا به ~~على النبي صلى الله عليه وسلم فيما أشاروا به فاعتذروا إليه فقال: " إنه ~~ليس للنبي إذا لبس لامته أن يضعها حتى يقاتل ستكون فيكم مصيبة، قالوا: يا ~~رسول الله خاصة أو عامة؟ قال سترونها " ". # فقتادة يذهب إلى [أن] الذنب الذي عدده الله عليهم في قوله { قل هو ~~من عند أنفسكم } هو ما أشاروا به من رأي أنفسهم على النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الخروج وكان قد قتل من الأنصار يومئذ ستة وستون، ومن ~~المهاجرين أربعة. # " وروى ابن سيرين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمؤمنين في أسارى ~~بدر: اختاروا أن تأخذوا منهم الفداء، وتقووا به على عدوكم، فإن قبلتموه ~~قتل منكم سبعون، أو تقتلوهم، فقالوا: بل نأخذ الفدية منهم، ويقتل منا ~~سبعون، فأخذوا الفدية وقتل منهم يوم أحد سبعون. فيكون المعنى على هذا: قل ~~يا محمد ما أصابكم يوم أحد من القتل فمن عند أنفسكم أي باختياركم أخذ ~~الفدية من السبعين الذين أسرتم ببدر، ورضاكم أن يقتل فيكم بعددهم وتركتم ~~قتلهم ". # وقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه: # " إن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، إن الله قد كره ~~ما فعل قومك في أخذه الأسارى، وقد أمرك أن تخيرهم بين أمرين: إما أن ~~يقدموا، فتضرب أعناقهم، أو يأخذوا منهم الفدية على أن يقتل من المؤمنين ~~مثل عدة من أخذت الفدية منه من المشركين، فقال لهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم ذلك، فقالوا: يا رسول الله عشائرنا وإخواننا، لا، بل نأخذ منهم ~~الفدية فنتقوى بها على عدونا، ويستشهدوا منا بعدتهم، فليس في ذلك ما نكره ~~فأخذوا الفدية وقتل منهم سبعون يوم أحد، فذلك قوله { قل هو من ~~عند أنفسكم } " # أي: باختياركم، ورضاكم، وفي ذلك نزلت: # ما كان لنبي أن يكون له أسرى # [الأنفال: 67] [أي]: ليس له إلا القتل حتى يتمكن في الأرض، ثم وبخ الله ~~المؤمنين في أخذ الفدية ms0385 فقال: { تريدون عرض الدنيا والله ~~يريد الآخرة }. ### || [3.166] # قوله: { ومآ أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن ~~الله } الآية. # هذا خطاب للمؤمنين والمعني: الذي أصابكم أيها المؤمنون من القتل والجرح ~~يوم أحد فبإذن [الله] [أي]: بقدره وقضائه وقيل: بعلمه. قوله: { ~~وليعلم المؤمنين }. أي: ليظهر إيمان المؤمنين من نفاق ~~المنافقين في قلة الصبر، وتحقيق معناها: أنه قد دار عليهم ما أصابهم يوم ~~أحد ليميز المؤمن من المنافق. ### || [3.167] # قوله: { وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله ~~أو ادفعوا } يعني به عبد الله بن أبي بن سلول وأصحابه الذين رجعوا ~~من خلف رسول الله عليه السلام حين خرج إلى أحد فقال لهم المسلمون حين ~~رأوهم راجعين: تعالوا قاتلوا المشركين معنا أو ادفعوا بتكثير سوادنا { ~~قالوا لو نعلم } إنكم تقاتلون لسرنا معكم، ولكن لا نرى أن يكون ~~بينكم وبين القوم قتال فأظهروا من كلامهم ما ليس يعتقدون، وكان عبد الله ~~بن أبي بن سلول انخذل عن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى أحد بنحو ~~ثلث الناس، واتبعهم عبد الله بن عمرو ابن حزام وهو يقول: يا قوم، أذكركم ~~الله أن تخذلوا نبيكم، وقومكم فقالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم، ~~ولكن لا نرى أن يكون قتالا فلما استعصوا عليه، وأبوا إلا الانصراف عنهم ~~قال: أبعدكم الله، وسيغني الله عنكم، ومضى مع النبي صلى الله عليه وسلم. # [وقال السدي: رجع] عبد الله بن أبي " بن سلول " من وراء النبي صلى الله ~~عليه وسلم ومعه ثلاثمائة. # { والله أعلم بما يكتمون } أي: يعلم ما يكتمون من ~~النفاق، وأن قولهم خلاف ما يسرون. ### || [3.168] # قوله: { الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا } الآية. # أي: وليعلم الله الذين نافقوا، وقالوا لإخوانهم الذين أصيبوا مع ~~المسلمين { وقعدوا } أي: قالوا ذلك وهم قعود عن الحرب مع النبي عليه ~~السلام { لو أطاعونا } (أي): لو تأخروا معنا ما قتلوا هناك، قال ~~الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل لهم يا محمد: { فادرءوا ~~عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين } " في قولكم إن ~~إخوانكم لو ms0386 قعدوا عندكم ما قتلوا " أي: ادفعوا عن أنفسكم الموت، وهذا ~~أقرب لأن من قدر أن يدفع الموت عن غيره فهو إلى دفعه عن نفسه أقرب. # قال قتادة: نزلت في عدو الله عبد الله بن أبي بن سلول قال ذلك فيمن قتل ~~مع النبي صلى الله عليه وسلم بأحد من قرابته وأهل معرفته. ### || [3.169-170] # قوله: { ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله }. # معناها: ولا تظنن أن من قتل بأحد من أصحابكم أمواتا لا يلتذون، ولا ~~يحسون شيئا بل هم أحياء بما آتاهم الله من فضله مستبشرين بثوابه وعطائه. # وقال ابن عباس رضي الله عنه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " " لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار ~~الجنة وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش معلقة يجاوب ~~بعضها بعضا بصوت لم تسمع الخلائق مثله يقولون: ليت إخواننا الذين خلفنا ~~من بعدنا عملوا مثل الذي عملنا، فيسارعوا إلى مثل الذي سارعنا فيه، فإنا ~~قد لقينا ربنا، فرضي عنا، وأرضانا، فوعدهم الله عز وجل ليخبرن نبيه صلى ~~الله عليه وسلم بذلك، فيخبرهم فأنزل الله { ولا تحسبن } الآية " # وقيل: إنهم لما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم وحسن مقيلهم قالوا: يا ليت ~~إخواننا يعلمون ما صنع الله بنا لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عن ~~الحرب قال الله تعالى: أنا أبلغكم عنكم، فأنزل الله هؤلاء الآيات. # " قال النبي صلى الله عليه وسلم لجابر بن عبد الله رضي الله عنه وكان قد ~~قتل أبوه عبد الله بأحد: " يا جابر ألا أبشرك أن أباك حيث أصيب بأحد ~~أحياه الله فقال: ما تحب يا عبدالله بن عمر أن أفعل بك؟ فقال: يا رب أحب ~~أن تردني في الدنيا، فأقاتل فيك فأقتل مرة أخرى ". ولما أتى جابر بن عبد ~~الله رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم حزينا قال له النبي صلى ~~الله عليه وسلم: أتحزن على رجل نظر الله إليه كفاحا؟ ثم عاد فأقعده بين ~~يديه فقال له: ms0387 سلني ما شئت؟ فقال: أسألك يا رب أن تعيدني إلى الدنيا حتى ~~أقاتل في سبيلك فأقتل، قالها ثلاثا، فقال له الله إني قضيت على نفسي ألا ~~أرد خليقة قبضتها إلى الدنيا فقال أبو جابر: يا رب، فمن يبلغ قومي ما ~~صنعت بي فقال الله عز وجل: أنا أبلغ قومك، فأنزل الله عز وجل { ولا ~~تحسبن الذين قتلوا } الآية. # ودفن عبد الله بن جابر يوم أحد مع عمرو بن الجموح بقبر واحد، فروي أنهما ~~أخرجا بعد خمسين سنة، فإذا هما وطاب لم ينثنوا ولم يتغيروا، ويد عبد الله ~~على جرحه في وجهه إذا نزعت يده على وجهه يشخب الجرح دما، وإذا تركت رجعت ~~إلى الجرح، فحبست الدم، ووجد عمرو بن الجموح ويده على رأسه إذا نزعت يشخب ~~الجرح دما، وإذا تركت رجعت على الجرح. قال ابن مسعود رضي الله عنه: " ~~أرواحهم في طير خضر تسرح في الجنة في أيتها شاءت ثم تأوي إلى قناديل ~~معلقة بالعرش قال: بينما هم كذلك اطلع عليهم ربك اطلاعة فقال: سلوني ما ~~شئتم؟ فقالوا: يا ربنا ماذا نسألك " ونحن في الجنة نسرح في أيها شئنا، ~~فلما رأوا أنهم لم يتركوا من [غير] أن يسألوا قالوا: نسألك " أن ترد ~~أرواحنا إلى أجسادنا في الدنيا حتى نقتل في سبيلك. فلما رأى أنهم لا ~~يسألون إلا هذا، تركوا " ". # وقال قتادة: قال رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: يا ليتنا نعلم ~~ما فعل إخواننا الذين قتلوا يوم أحد، فأنزل الله عز وجل { ولا ~~تحسبن الذين قتلوا } الآية. # قال الضحاك: [كان] المسلمون يسألون الله عز وجل يوما كيوم بدر، فيبلون ~~فيه خيرا، ويرزقون فيه الشهادة، فلقوا المشركين يوم أحد فاتخذ الله منهم ~~شهداء وهم الذين ذكرهم الله عز وجل في قوله: { ولا تحسبن ~~الذين قتلوا } الآيات. # قيل معناه: { أمواتا } أي: في دينهم بل هم أحياء كما قال: # أو من كان ميتا فأحيينه # [الأنعام: 122]. # وروي: أن عبد الله بن عمرو أبا جابر رضي الله عنه قال لابنه جابر يوم ~~أحد: ms0388 يا بني كن مع أخواتك، - وكن تسعا - فلا ندري ما يكون، فإن رزقت ~~الشهادة كنت أنت معهن وإن سلمت رجوت أن يثيبك الله عز وجل ثواب من حضر، ~~واستشهد رحمه الله بأحد، قوله: { ويستبشرون بالذين لم ~~يلحقوا بهم من خلفهم } أي: يفرحون بهم وبكونهم على الجهاد ~~في ذات الله عز وجل، وأنهم إن قتلوا نالوا من الكرامة مثلما نال هؤلاء. # وقال ابن اسحاق: { ويستبشرون بالذين لم يلحقوا ~~بهم } أي: يفرحون بهم إذا لحقوهم على ما تركوهم عليه من جهاد عدوهم فهم ~~شهداء مثلهم لا خوف عليهم ولا حزن. # وروي أنهم يقول بعضهم لبعض: تركنا إخواننا فلانا وفلانا يقاتلون ~~العدو، فيقتلون إن شاء الله، فيصيبون من الرزق والكرامة والأمن ما لنا. ### || [3.171] # قوله: { يستبشرون بنعمة من الله وفضل } الآية أي: ~~يفرحون لما عاينوه من وفاء الوعد، وعظيم [الثواب] ويستبشرون بأن الله ~~تعالى لا يضيع أجر المؤمنين: أي لا يبطل جزاء أعمالهم. # وقال ابن مسعود رضي الله عنه: " أرواحهم كطير خضر تسرح في الجنة حيث ~~شاءت تأوي إلى قناديل تحت العرش، اطلع عليهم ربهم اطلاعة فقال: سلوني. ~~فقالوا: يا رب نحن نسرح في الجنة حيث شئنا، ثم اطلع عليهم ثانية فقالوا ~~مثل ذلك ثم اطلع عليهم ثالثة فقال: سلوني: فقالوا: يا رب نحن نسرح في ~~الجنة حيث شئنا، فلما رأوا أن لا بد لهم من الجواب قالوا: يا ربنا رد ~~أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل ثانية ". ### || [3.172] # قوله: { الذين استجابوا لله والرسول } الآية. # المعنى: وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين المستجيبين لله ولرسوله من بعد ~~ما أصابه الجرح والألم، وعنى بهذا من خرج مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في طلب أبي سفيان، وأصحابه بعد انصرافه من أحد وبعدما نال من ~~المسلمين من القتل والجرح. وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع ~~من أحد، وقد قتل من أصحابه سبعون، وجرح خلق كثير، أمر بلالا أن ينادي في ~~الناس لينفروا في طلب عدوهم، فنفروا معه على ما بهم من ms0389 ألم الجراح، ~~والحزن على من قتل منهم، وكان أخوان من بني عبد الأشهل مثخنين بالجراح، ~~فقال أحدهما للآخر: تفوتنا غزاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~الأخر: والله ما بي حراك! فقال له أخوه: غفر الله لك، توكأ علي، وأتوكأ ~~عليك حتى نبلغ، فخرجا مجروحين. # فأنزل الله عز وجل { الذين استجابوا لله والرسول } ~~الآية إذ خرج النبي صلى الله عليه وسلم في طلب أبي سفيان وأصحابه حتى بلغ ~~إلى حمراء الأسد، وهي على ثمانية أميال من المدينة، وأقام بها [ثلاثا]، ~~ثم رجع إلى المدينة، وفعل ذلك عليه السلام ليرى الناس أن به وبأصحابه قوة ~~على عدوهم. وكان يوم أحد في قول عكرمة يوم السبت للنصف من شوال. # وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: كانت أحد في شوال لإحدى وثلاثين شهرا من ~~الهجرة. # فلما كان يوم الأحد أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس ~~بطلب العدو فقال: لا يخرجن معنا إلا من حضر بالأمس فكلمه جابر بن عبد ~~الله بن عمرو رضي الله عنهما فقال يا رسول الله: إن أبي كان خلفني على ~~أخواتي لي تسع وقال لي: يا بني لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة ~~لا رجل فيهن، ولست بالذي أترك بالجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فتخلف على أخواتك، فتخلفت [معهن] فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فخرج في طلب المشركين، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ليرهب ~~المشركين، ويبلغهم أنه لم يضعف وأنه خرج في طلبهم، وأن الذي أصاب أصحابه ~~لم يوهنهم فالذين خرجوا هم الذين عنوا في هذه الآية. # قال السدي: قال أبو سفيان لأصحابه حين انصرفوا [من أحد]: بئس ما صنعتم ~~قتلتموهم حتى إذا لم يبق إلا الشديد تركتموهم، ارجعوا فاستأصلوهم، فقذف ~~الله عز وجل في قلوبهم الرعب، فهزموا، فأخبر الله عز ذكره رسوله صلى الله ~~عليه وسلم بذلك، فطلبهم حتى بلغ حمراء الأسد رأس ثمانية أميال عن ~~المدينة، فالذين خرجوا معه ms0390 هم الذين استجابوا لله والرسول من بعدما ~~أصابهم الجراح بأحد. # ثم قال: { للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم ~~} معناه: للذين أحسنوا، فداموا على الطاعة، وأداء الفرائض، واتقوا ~~المحارم حتى لحقوا بالله عز وجل { أجر عظيم }. ### || [3.173-174] # قوله: { الذين قال لهم الناس } الآية. # المعنى: للذين أحسنوا أجر عظيم القائلين لهم الناس. # وقيل المعنى: وإن الله لا يضيع أجر المؤمنين الذين قال لهم الناس. # فالناس الأول قوم سألهم أبو سفيان أن يثبطوا النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه، إذ خرجوا في طلبه لما دخله من فزع، [والناس] الثاني أبو سفيان ~~وأصحابه. # { قد جمعوا لكم } أي: قد أعدوا للقائكم فاحضروهم { فزادهم ~~إيمانا } أي: زاد التخويف تطريقا لله عز وجل، ولوعده سبحانه، ولم ~~يثنهم ذلك عن وجههم الذي خرجوا فيه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ~~صاروا إلى موضع ردهم منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا عند ~~التخويف لصحة صدقهم: { حسبنا الله ونعم الوكيل } أي: ~~كافينا الله، ونعم القيم الحافظ والناصر الله. يقال: حسبه إذا كفاه. # وقيل: إن الناس الأول: نعيم بن مسعود، بعثه أبو سفيان، وأصحابه [أن يثبط ~~النبي عليه السلام وأصحابه، ويخوفهم من المشركين ووعده بعشرة من الإبل إن ~~هو ثبط النبي صلى الله عليه وسلم وخوفهم. والناس الثاني أبو سفيان ~~وأصحابه]. # { فانقلبوا بنعمة من الله وفضل } أي: فرجعوا ~~سالمين مما خوفوا به، وهرب منهم عدوهم وأمنوا. # وقيل: إنهم اشتروا أدما وزبيبا، فربحوا فيه، وأقاموا ثلاثا بحمراء ~~الأسد " وهي على ثمانية أميال من المدينة ". # وقال السدي: لما انصرف أبو سفيان وأصحابه عن أحد ندموا إذ لم يستأصلوا ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ويقتلوهم، وأداروا الرأي في الرجوع، فقذف ~~الله عز وجل في قلوبهم الرعب، فهزموا فلقوا أعرابيا، وجعلوا له جعلا، ~~وقالوا له: إذا لقيت محمدا وأصحابه، فأخبرهم أنا قد جمعنا لهم، فأخبر ~~الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بذلك، فخرج في طلبهم حتى بلغ حمراء ~~الأسد، فلقوا أعرابيا هنالك فأخبرهم ما قال له أبو سفيان ms0391 من الكذب ~~والتخويف، فقالوا: { حسبنا الله ونعم الوكيل } ، أي: ~~كافينا الله ونعم الكافي. # قال ابن عباس رضي الله عنه: كان آخر قول إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين ~~ألقي في النار: [حسبي الله ونعم الوكيل] " فالناس الأول هو الأعرابي، ~~والثاني أبو سفيان وأصحابه ". # وقال ابن عباس رضي الله عنهما: وافى [أبو س]فيان عيرا واردة المدينة ~~ببضاعة لهم، فسألهم أبو سفيان ووعدهم، وقال لهم: إن لقيتم محمدا ~~وأصحابه، فأخبروهم أني جمعت لهم جموعا كثيرة خوفا منه أن يتبعه النبي ~~صلى الله عليه وسلم، ففعلت العير ذلك، فأنزل الله عز وجل الآية. # فالناس الأول [أهل] العير، والثاني أبو سفيان وأصحابه. # وقال مجاهد: كان النبي صلى الله عليه وسلم قد واعد أبا سفيان، وأصحابه ~~من عام قابل من عام أحد: اللقاء بدر الصغرى، قال أبو سفيان: موعدكم ببدر ~~حيث قتلتم أصحابنا. # فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعده حتى أتوا بدرا الصغرى ~~فوافقوا السوق فيها، ولم يأت المشركون فابتاعوا مما كان في السوق فذلك ~~قوله: { فانقلبوا بنعمة من الله } يعني الأجر { ~~وفضل لم يمسسهم [سوء] } وهي غزوة بدر الصغرى. # قال مجاهد: فالفضل ما أصابوا في التجارة. ### || [3.175] # قوله: { إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه } ~~الآية. # [يقال] خوفت الرجل إذا صيرته خائفا، وخوفته أيضا إذا صيرته بحال يخافه ~~الناس. فالمعنى: يخوفوكموهم { فلا تخافوهم وخافون }. وقيل ~~المعنى: إنما خوفتم به من عند الشيطان يخوفكم بأوليائه، وأولياؤه أبو ~~سفيان وأصحابه. # والمفعول الأول محذوف، والياء محذوفة كما قال: # أمرتك الخير فافعل ما أمرت به # فقد تركتك ذا مال وذا نشب # وقيل: أولياؤه هنا الشيطان. # وقيل المعنى: يخوفكم من أوليائه الكفار، أو الشياطين. ومثله في القرآن # لينذر بأسا شديدا # [الكهف: 2] أي: لينذركم [ببأس] ومن بأس ثم حذف المفعول الأول وحذف حرف ~~الجر. # وقال أبو إسحاق: أولياؤه: الرهط الذين أتوا بالرسالة والتخويف من عند ~~أبي سفيان. وقال السدي: إنما ذلكم أيها المؤمنون الشيطان يعظمكم أولياءه ~~في أنفسكم فتخافوهم { فلا تخافوهم وخافون إن كنتم ~~مؤمنين } أي: مصدقين حقا. ### || [3.176] # قوله ms0392 { ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر } الآية. # المعنى: ولا يحزنك يا محمد كفر الذين يسارعون في الكفر وهذا خطاب للنبي ~~صلى الله عليه وسلم ولأصحابه { إنهم لن يضروا الله شيئا ~~} كما أن مسارعتهم إلى الإيمان لو سارعوا لم تكن نافعة لله تعالى، قال ~~مجاهد: يعني بذلك المنافقين. وهذه الآية نزلت في قوم أسلموا ثم ارتدوا، ~~فاغتم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لذلك فأنزل الله عز وجل { ولا ~~يحزنك الذين يسارعون في الكفر } الآية. # قوله { ألا يجعل لهم حظا في الآخرة } أي: يريد أن يحبط ~~أعمالهم بالكفر. ### || [3.177] # قوله: { إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان لن ~~يضروا الله شيئا }. هذا أيضا في المنافقين الذين تقدم ذكرهم ~~لما استبدلوا الكفر بعد الإيمان صاروا بمنزلة من باع شيئا بشيء، ثم كرر ~~نفي الضرر عن نفسه تعالى [بكفرهم للتأكيد] تعالى الله عن ذلك علوا ~~كبيرا. ### || [3.178] # قوله { ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم ~~خير لأنفسهم } الآية. # من قرأ بالياء الذين هم الفاعلون و { أنما } في موضع المفعولين وما ~~مع نملي مصدر ويجوز أن تكون " ما " بمعنى الذي، والهاء محذوفة من { ~~نملي } ، والمعنى: ولا يحسبن يا محمد الكافرون الإملاء خيرا لهم، ~~فلما دخلت إن قامت مقام المفعولين فارتفع خير على خبر أن. # ومن قرأ بالتاء، فقد زعم أبو حاتم أنه لحن، وتابعه على ذلك غيره " لأن ~~الذين كفروا " يكونون في موضع نصب، والمخاطب هو الفاعل وهو محمد صلى الله ~~عليه وسلم فلا معنى لفتح " أن " على هذا. وقال الزجاج: " إن " بدل من { ~~الذين كفروا } وهي تسد مسد المفعولين كأنه قال: ولا تحسبن يا ~~محمد أن إملاءنا للذين كفروا [خير لهم. والكسائي الفراء يقدران الكلام ~~على حد كأنه: ولا تحسبن الذين كفروا] لا تحسبن أن ما نملي لهم، وحذف ~~المفعول الثاني من هذه الأفعال لا يجوز عند أحد فهو غلط منهما. # وقد قرأ يحيى بن وئاب بكسر إن والياء كأنه ليبطل عمل حسب مع أن كما ~~أبطلها مع اللام وهو قبيح. # وتأويل قول النحاس فيها ms0393 يدل على أن يحيى قرأه بالتاء وكسر إن وذلك قبيح ~~أيضا أبعد مما قبله. # قال أبو حاتم: سمعت الأخفش يذكر كسر " إن " يحتج به لأهل القدر لأنه كان ~~منهم، ويجعلهم على التقديم والتأخير، كأنه قال: ولا تحسبن الذين [كفروا] ~~أنما نملي لهم ليزدادوا إثما، إنما نملي خيرا لأنفسهم. قال: ورأيت في ~~مصحف في المسجد الجامع قد زادوا فيه حرفا فصار: إن ما نملي لهم ليزدادوا ~~إيمانا، فنظر إليه يعقوب القارئ فتبين اللحن، فحكه. ومعنى: نملي لهم ~~نؤخر لهم في الأجل. # قال ابن مسعود رضي الله عنه: الموت خير للكافر، ثم تلا { إنما ~~نملي لهم ليزدادوا إثما } ، وقال الموت خير للمؤمن ثم ~~تلا: # وما عند الله خير للأبرار # [آل عمران: 198]. # وقيل: إن الآية مخصوصة أريد بها قوم بأعيانهم علم الله تعالى منهم أنهم ~~لا يسلمون أبدا، وليست في كل كافر إذ قد يكون الإملاء له مما يدخله في ~~الإيمان، فيكون أحسن له وهو الصحيح في المعاني. ### || [3.179] # قوله { ما كان الله ليذر المؤمنين على مآ أنتم ~~عليه } الآية. # معناها: إن الله تعالى ذكره أخبرهم أنه لم يكن ليدع المؤمن ملتبسا ~~بالمنافق وما يعرف بعضهم بعضا ولكن ميزهم يوم أحد فعرف نفاق من رجع، ~~وإيمان من ثبت فالخبيث المنافق والطيب المؤمن. وقيل المعنى: يميز المؤمن ~~[من] الكافر. وقيل: يميزهم بالهجرة فيعلم المؤمن من الكافر. # قال السدي: قالوا إن كان محمد صادقا، فليخبرنا بمن يؤمن [منا] ممن ~~يكفر به. # وقيل المعنى: حتى يميزهم بالفرائض [ولا] يدعهم على الإقرار فقط. # ثم قال: { وما كان الله ليطلعكم على الغيب } أي: ~~وما كان الله ليطلع المؤمنين على الغيب فيما يريد أن يبتليكم به فتحذروا ~~منه { ولكن الله يجتبي من رسله من يشآء } فيطلعه ~~على ذلك. وقيل: المعنى ما كان الله أيها المؤمنون ليطلعكم على ضمائر ~~عباده، فتعرفوا المؤمن من المنافق، ولكنه يميز بينكم بالمحن والابتلاء { ~~ولكن الله يجتبي من رسله من يشآء } فيطلعه على بعض ~~ضمائر من يشاء بوحي. # ومعنى يجتبي: يستخلص ويختار. وقيل المعنى: { وما ms0394 كان الله ~~ليطلعكم } من يصير كافرا بعد إيمانه، ومن يثبت على إيمانه، ولكن ~~الله يطلع على ذلك من رسله من يشاء. وقيل: إنهم قالوا ما بالنا نحن لا ~~نكون أنبياء؟ أي: المنافقين، فأنزل الله ذلك. ### || [3.180] # قوله: { ولا يحسبن الذين يبخلون بمآ آتاهم ~~الله من فضله } الآية. # من قرأ بالياء فالذين فاعلون، والمفعول الأول محذوف دل عليه يبخلون و " ~~خبرا " مفعول ثان، والتقدير ولا يحسبن الباخلون [البخل] هو خير لهم، وهو ~~فاصلة عند البصريين، وعماد عند الكوفيين، ودل يبخلون على البخل، لأنه منه ~~أخذ. # ومن قرأ بالتاء ففي الكلام حذف مضاف دل عليه ما يتصل بالمضاف إليه، ~~تقديره ولا تحسبن يا محمد بخل الذين يبخلون خيرا لهم، فخيرا مفعول ثان، ~~وبخل مفعول أول، ومعنى الآية: ولا يحسبن الباخلون ولا ينفقون في سبيل ~~الله: البخل خيرا لهم بل هو شر لهم في الآخرة. # [ومن قرأ بالتاء فهو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمعنى: ولا تحسبن ~~يا محمد بخل الباخلين عن الإنفاق في سبيل الله خيرا لهم بل هو شر لهم في ~~الآخرة]. # وقيل: عنى بذلك الزكاة وهو إخبار عمن لم يؤد الزكاة. وقيل: إخبار عن ~~اليهود الذين بخلوا أن يبينوا للناس ما نزل عليهم من التوراة من أمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم قاله ابن عباس ومجاهد رضي الله عنهما. # { سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة } أي: سيجعل ~~ما بخل به المانعون الزكاة طوقا من نار في أعناقهم يوم القيامة أي: ~~كهيأة الطير، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما من ذي رحم يأتي [ذا] رحمه فيسأله من فضل ما أعطاه الله إياه، فيبخل ~~عليه إلا أخرج [له] يوم القيامة شجاع من النار يتلبط حتى يطوقه " وقرأ { ~~ولا يحسبن الذين يبخلون بمآ آتاهم الله من ~~فضله } الآية " # وقال ابن مسعود رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما من أحد لا يؤدي زكاة ماله إلا مثل له شجاع أقرع يطوقه " # ثم قرأ { ولا يحسبن الذين يبخلون ms0395 } الآية. قال الشعبي: ~~{ سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة } قال: شجاع ~~يلتوي على عنقه. # وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من أتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له ماله يوم القيامة شجاعا ~~أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة يأخذ بلهزمتيه - يعني شدقيه - يقول ~~له: أنا مالك، أنا كنزك، ثم تلا هذه الآية { ولا يحسبن الذين ~~يبخلون } ". # وقيل: يجعل الذي بخلوا به طوقا من نار في أعناقهم. # وقال أبو وائل: هو الرجل يرزقه الله مالا فيمنع منه قرابته الحق الذي ~~جعل الله لهم في ماله، فيجعل حية يطوقها، فيقول: ما لي ولك؟ فيقول: أنا ~~مالك. # وقال مجاهد: { سيطوقون } سيكلفون أن يأتوا يوم القيامة بمثل الذي ~~بخلوا به. # وقيل: المعنى سيطوقون جزاء ما بخلوا به وعقاب ما بخلوا به. # والتطوق: إلزام الله تعالى لهم ذلك، ومنعهم من التخلص منه. وقيل: المعنى ~~سيكلفون يوم القيامة إحضار الأموال التي بخلوا بها، وهم لذلك غير ~~مستطيعين، قاله ابن مجاهد وغيره. وقيل: المعنى: سيطوق اليهود ثم الذين ~~بخلوا [به]، هو صفة محمد صلى الله عليه وسلم، والنبوة فيه كتموا ذلك، وهو ~~عندهم في كتابهم. # قوله { ولله ميراث السموت والأرض } أعلم الله الخلق ~~في هذه الآية أنهم سيفنون كلهم، فصار ما بقي بعدهم بمنزلة الميراث الذي ~~يبقى بعد الميت فسماه ميراثا على ذلك، وإلا فكل شيء له، أولا وآخرا، ~~ولكن سماه هنا ميراثا إعلاما منه أنهم سيفنون، وأن الأمور كلها ترجع ~~إليه، والعرب تسمي كل ما بقي في يد الإنسان، فصار إلى غيره بعد موته: ~~ميراثا، فخوطبوا على ما يعقلون ولذلك قال (وهو خير الوارثين). ### || [3.181-182] # قوله: { لقد سمع الله قول الذين قالوا إن ~~الله } الآية. # " نزلت هذه الآية في بعض اليهود، قالوا لأبي بكر وقد عرض عليهم الإيمان ~~وقال لهم: قد علمتم أن محمدا صلى الله عليه وسلم مكتوب عندكم في ~~التوراة، فآمنوا به؟ فقالوا: ما بنا إلى الله من فقر، وإنه لفقير إلينا ~~وما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا، وإنا ms0396 عنه لأغنياء، ولو كان غنيا ما ~~استقرض من أموالنا، فغضب أبو بكر رضي الله عنه وضرب وجه رئيس لهم ضربة ~~شديدة، وقال: والذي نفسي بيده لولا العهد الذي بيننا وبينكم لضربت عنقك ~~يا عدو الله. فذهب المضروب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وشكا إليه بأبي ~~بكر فخاطب النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر وقال: ما حملك على ما صنعت؟ ~~فقال: يا رسول الله، قال: قولا شديدا، زعم عدو الله كيت كيت، وحكى ما ~~سمع، فجحد اليهودي ذلك وقال: ما قلت من ذلك شيئا، فأنزل الله عز وجل ~~تصديقا لقول أبي بكر وتكذيبا لهم وإنكارا لكفرهم { لقد سمع ~~الله قول الذين قالوا إن الله فقير } الآية. وقال ~~لأبي بكر [حين] اشتد غضبه مما سمع، وللمؤمنين: { ولتسمعن من ~~الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين ~~أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا } الآية ". # وقال الحسن لما نزلت # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا # [البقرة: 245، الحديد:11] الآية قالت اليهود: إن ربكم يستقرض منكم، ~~فنزلت { لقد سمع الله قول الذين قالوا } الآية وروي ~~أن الذي قال ذلك من اليهود حيي بن أخطب، وقيل: فنحاص. # قوله: { سنكتب ما قالوا } أي: سنكتب قولهم، فنجازيهم عليه ~~ونكتب قتلهم الأنبياء، فالقول كان ممن هو على عهد النبي صلى الله عليه ~~وسلم، والقتل كان لآبائهم، وقد مضى مثله في سورة البقرة، وإنما أضيف ~~إليهم لأنهم راضون بما فعل آباؤهم فكأنهم فعلوا ذلك [فأضيف إليهم] لرضاهم ~~به واتباعهم لما كان عليه سلفهم الذين قتلوا الأنبياء مثل زكرياء ويحيى ~~وغيرهم. # قوله: { ونقول ذوقوا عذاب الحريق } أي: نقول لمن قال ذلك ~~ورضي بقتل الأنبياء: ذق # عذاب النار المحرقة أي: الملهية { ذلك بما قدمت أيديكم } ~~أي: ذلك العذاب بذنوبكم المتقدمة وبأن الله عدل لا يظلم عبيده. ### || [3.183] # قوله: { الذين قالوا إن الله عهد إلينا } الآية. # المعنى: لقد سمع الله قول الذين قالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء الذين ~~قالوا { إن الله عهد إلينا }. والمعنى: الذين قالوا: إن ~~الله أوصانا، وتقدم في كتبه ms0397 إلينا ألا نصدق رسولا { حتى يأتينا ~~بقربان تأكله النار } فقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: ~~قل يا محمد { قد جآءكم رسل من قبلي بالبينات ~~وبالذي قلتم } أي: الآيات الظاهرات { بقربان تأكله ~~النار } كما قلتم { فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين } ~~في قولكم الآن { إن الله عهد إلينا } بذلك، والمخاطبة لهم ~~في القتال، والمراد آباؤهم وأسلافهم. # روي أن بني إسرائيل كانوا يذبحون لله إذا أرادوا أن يفعلوا شيئا، ثم ~~يأخذون الثوب، وأطايب اللحم فيضعه على موضع لهم في بيت كبير والسقف في ~~ذلك الموضع مكشوف ثم يقوم النبي - صلى الله عليه وسلم - بين ذلك الموضع ~~يناجي ربه، وبنو إسرائيل دارجون حول البيت فلا يزال كذلك حتى تنزل نار ~~فتأخذ ذلك الثوب، واللحم فهو القربان فيخر النبي صلى الله عليه وسلم ~~ساجدا ثم يوحى إليه بأمر قومه يفعلوا ما سألوا. ### || [3.184] # قوله: { فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك } الآية. # هذه تعزية للنبي صلى الله عليه وسلم أنه إن كذبه من أرسل إليه فقد كذب ~~رسل من قبله جاؤوا إلى أممهم بالآيات والزبر - وهو جمع زبور وهو الكتاب ~~وكل كتاب زبور بمعنى مزبور أي: مكتوب يقال زبرت: إذا كتبت { والكتاب ~~المنير } التوراة والإنجيل. ### || [3.185] # قوله: { كل نفس ذآئقة الموت }. # المعنى أن الآية: تهديد ووعيد لهؤلاء المفترين. # قوله { فمن زحزح عن النار } أي: نجا { فقد فاز } أي: ~~نجا وظفر { وما الحياة الدنيا } أي: لذتها وشهوتها إلا متعة ~~متعتكموها، و { الغرور }: الخداع المضمحل. # وقال ابن سابط: الدنيا كزاد الراعي تزوده الكف من التمر أو شيء من ~~الدقيق. # والغرور مصدر: غره، فإن فتحت العين فهو صفة الشيطان، لأنه يغر ابن آدم ~~حتى يوقعه في المعصية. # روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها " # واقرؤوا إن شئتم { وما الحياة الدنيا إلا متاع ~~الغرور }. ### || [3.186] # قوله: { لتبلون في أموالكم وأنفسكم } الآية ~~المعنى: لتختبرن بالمصائب في أموالكم، وأنفسكم وهو موت الأقارب والعشائر ~~{ ولتسمعن ms0398 من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ~~ومن الذين أشركوا أذى كثيرا } ، الذين أوتوا الكتاب ~~هنا: هم اليهود والمشركون هم النصارى، وأما اليهود فسمعوا منهم # إن الله فقير ونحن أغنيآء # [آل عمران: 181] وقولهم # يد الله مغلولة # [المائدة: 64]، وقولهم: # عزير ابن الله # [التوبة: 30] في أشباه لهذا، وأما النصارى فقولهم: # المسيح ابن الله # [التوبة: 30]. # وقيل: إنها نزلت في كعب بن الأشرف كان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم، ~~ويشبب بنساء المسلمين، ذكر ذلك الزهري. # { وإن تصبروا } على أذاهم { وتتقوا } الله { فإن ~~ذلك من عزم الأمور }. وقيل: المعنى أنه أخبرهم بأنه قد فرض ~~عليهم الجهاد بأموالهم وأنفسهم، وفرض عليهم الزكاة فذلك ابتداؤه إياهم. ### || [3.187] # قوله: { وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ~~لتبيننه } الآية. # من قرأه بالياء رده على ما قبله من اللفظ وهو قوله: { الذين ~~أوتوا الكتاب } ورده أيضا على ما بعده وهو قوله: فنبذوه وراء ~~دبورهم واشتروا فالذي قبله والذي بعده يدل على الخبر عن غائب فكانت الياء ~~أولى به. # ومن قرأ بالتاء أجراه على الحكاية عن الميثاق، وما هو كان المعنى قلنا ~~لهم لتبيننه، واختار الطبري وغيره الياء لقوله { فنبذوه } ولم يقل ~~فنبذتموه. والمعنى اذكر يا محمد إذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب من ~~اليهود وغيرهم ليبينن أمرك الذي في كتابهم للناس ولا يكتمونه، { ~~فنبذوه ورآء ظهورهم } إن كتموا أمر الله عز وجل وضيعوه، ~~ونقضوا ميثاقه { واشتروا به ثمنا قليلا } أي: عرضا رخيصا ~~من عرض الدنيا أي: قبلوا [الرشا] على تركه وكتمانه، ورضوا بالرياسة في ~~الدنيا، [وكتبوا ما كتبوا بأيديهم، وقالوا هذا من عند الله، وحرفوها بثمن ~~قليل أخذوه عليها، وكل ما في الدنيا] قليل { فبئس ما يشترون } ~~به والذي عنى به في هذه الآية: اليهود. # وقيل: عنى بها كل من أوتي علما بأمر الدين. # قال قتادة: هذا ميثاق أخذه الله عز وجل على أهل العلم فمن علم شيئا، ~~فليعلمه، وإياكم كتمان العلم فإن كتمانه هلكة. # قال ابن جبير عن ابن عباس رضي الله عنه: إنه كان يقرأ وإذ أخذ ms0399 الله ~~ميثاق النبيين ويقول: والمعنى وإذ أخذ الله ميثاق النبيين على قومهم ألا ~~يكتموهم شيئا، فنبذه القوم وراء ظهورهم أي تركوا ما بلغت إليهم الرسل. ~~فالذين أوتوا الكتاب هم الرسل في قوله، والضمير في { فنبذوه } يعود ~~على الناس. ### || [3.188] # قوله: { لا تحسبن الذين يفرحون بمآ أتوا } الآية. # من قرأ بالتاء جعله خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم و { الذين } ~~مفعول أول { فلا تحسبنهم } مكرر للتأكيد و { بمفازة } ~~المفعول الثاني لحسب الأول، وحسب الثاني مع المصدر للتأكيد، ولطول القصة. ~~وقيل: إنه ليس بتأكيد وأن { بمفازة } مفعول حسب الثاني محذوف لعلم ~~السامع كما تقول في الكلام ظننت زيدا ذاهبا وظننت عمرا، يريد ذاهبا، ~~ثم تحذف لدلالة الأول عليه كما قال: # والله ورسوله أحق أن يرضوه # [التوبة: 62] فحذف لدلالة الكلام على المحذوف. # ومن قرأ بالياء فقوله { فلا تحسبنهم } للتأكيد، والهاء والميم ~~مفعول أول: و { بمفازة } الثاني كأنه قال: لا يحسبن الكافرون أنفسهم ~~بمنجاة من العذاب. # ومن ضم الباء أراد الجميع، وحسب وأخواتها تتعدى إلى الفاعل نفسه. ولم ~~يقرأ أحد الأول بالتاء والثاني بالياء مكررا للتأكيد. أجاز أبو إسحاق: ~~لا تظن أخاك إذا أتاك بخبر، فلا تظنه صادقا تعيد الفاعل للتأكيد. ونزلت ~~الآية في قول أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في رجال تخلفوا عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم [وفرحوا لمقعدهم خلاف رسول الله، ثم إذا قدم رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم] أقبلوا يعتذرون إليه، ويحلفون أنهم لا ~~يتخلفون عنه بعد ذلك، { ويحبون أن يحمدوا بما لم ~~يفعلوا }. # وقال مروان لأبي سعيد الخدري رضي الله عنه وقرأ هذه الآية: يا أبا سعيد ~~إنا لنحب أن نحمد بما لم نفعل، ونفرح بما آتينا. فقال أبو سعيد: إن ذلك ~~ليس كذلك، إنما ذلك أن أناسا من المنافقين كانوا يتخلفون عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فإذا رجع على ما يحب حلفوا له ألا يتخلفوا عنه بعد ذلك، ~~وأحبوا أن يحمدوا على هذا، وإن رجع النبي صلى الله عليه وسلم على ما ~~يكره، فرحوا ms0400 بتخلفهم عنه، وقاله زيد بن ثابت، وروى مثله مالك عن نافع. ~~قال نافع: نزلت في ناس من المنافقين تخلفوا واعتذروا. # فقال ابن زيد: هؤلاء المنافقون يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: لو ~~خرجت لخرجنا معك، فإذا خرج تخلفوا ورأوا أنهم قد احتالوا حيلة، وفرحوا ~~بفعلهم ذلك. # وقال ابن جبير: نزلت في أحبار اليهود يفرحون بما جاءهم من الدنيا من ~~الرشا على إضلال الناس، ويحبون أن يقول لهم الناس علماء، وليسوا بعلماء. # وقال الضحاك: نزلت في قوم من اليهود فرحوا باجتماع كلمتهم على الكفر ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم وقالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه ونحن أهل ~~الصلاة والصيام، فأحبوا أن يحمدوا بذلك وليسوا بأهل له. # وقال السدي: كتموا اسم محمد صلى الله عليه وسلم ففرحوا بذلك وقالوا: نحن ~~على دين إبراهيم، ونحن أهل الصلاة والزكاة، وهم ليسوا كذلك، فأحبوا أن ~~يزكوا أنفسهم بما لم يفعلوا. # وقال ابن عباس رضي الله عنه: هم أهل الكتاب حرفوه، وحكموا بمال سفيه ~~وفرحوا بذلك وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا. # وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أيضا: أنها نزلت في قوم من اليهود سألهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء فكتموه، وأخبروه بغيره ففرحوا بكتمانهم، ~~وطلبوا المحمدة على ما أخبروه به من الكذب فقال { ويحبون أن ~~يحمدوا بما لم يفعلوا } وقال قتادة: نزلت في يهود، حين ~~أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فزعموا أنهم متبعوه وأخفوا الضلالة، ~~ففعلوا ذلك ليحمدهم الله على إيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، ويحمدهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك فأنزل الله الآية. ### || [3.189] # قوله: { ولله ملك السموت والأرض }. # هذا تكذيب للذين قالوا { ويحبون أن يحمدوا بما لم ~~يفعلوا } فأعلمهم الله أن له ما في السماوات والأرض، فكيف يكون ~~فقيرا؟ وله كل شيء. ### || [3.190-191] # قوله: { إن في خلق السموت والأرض } الآية. # معنى الآية: أنها تنبيه لخلق أولي العقول على قدرة الله عز وجل، وإحكامه ~~لما خلق من السماوات والأرض، وما دبر فيهما من المعايش واختلاف الليل ~~والنهار، ms0401 وأن ذلك علامات ظاهرات لأولي العقول، فكيف ينسب إلى من كان بهذه ~~الصفة فقر أو نقص، ثم مدح أولي العقول ووصفهم فقال: # { الذين يذكرون الله قياما وقعودا } الآية. # المعنى: قياما في صلاتهم، وقعودا في تشهدهم وغيره، وعلى جنوبهم ~~مضطجعين. # وقال ابن جريج: هو ذكر الله تعالى في الصلاة وغيرها وقراءة القرآن. قال ~~ابن مسعود رضي الله عنه في معنى الآية: من لم يستطع أن يصلي قائما فليصل ~~جالسا، أو مضطجعا. # وقيل: المعنى: أنهم كانوا يذكرون الله على كل حال. # وفي حكاية ابن عباس رضي الله عنه: # " إذ بات عند رسول الله صلى الله عليه وسلم: فاستوى عليه السلام قاعدا ~~- يريد من نومه - ثم رفع رأسه إلى السماء فقال: " سبحان الملك القدوس " ~~ثلاث مرات، ثم قرأ { إن في خلق السموت والأرض ~~واختلاف اليل والنهار } حتى ختم السورة ". # قوله: { ربنآ ما خلقت هذا باطلا سبحانك } أي: يقولون ~~ربنا ما خلقت هذا من أجل الباطل أي عبثا، { ويتفكرون في خلق ~~السموت والأرض } أي: في عظمة الله { سبحانك } أي: ~~تنزيها لك من السوء أن تكون خلقت هذا باطلا، والتفكر في عظمة الله عز ~~وجل من أعظم العبادة. # وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: تفكر ساعة خير من قيام ليلة. # وقيل لأم الدرداء: ما كان أفضل عمل أبي الدرداء؟ قالت: التفكر. وقال ~~كعب: من أراد أن يبلغ شرف الآخرة فليكثر التفكر يكن عالما. ### || [3.192] # قوله: { ربنآ إنك من تدخل النار فقد أخزيته } ~~الآية. # أي: يقولون: ربنا إنك من تدخل النار فقد أبعدته من رحمتك، وهذا الكافر، ~~ولا يخلو مؤمن فيخزى، وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: المؤمنون هم ~~العجاجون بالليل والنهار والله ما زالوا يقولون ربنا ربنا حتى استجيب ~~لهم. # وقيل: عنى بذلك كل من يدخل النار من مخلدين وغير مخلدين لأن كل من عذب ~~بالنار فقد أخزي. # والخزي: هتك ستر المخزي وفضيحته، ومن عاقبه الله على ذنوبه فقد فضحه. ~~يقال: أخزيته أذللته، وأشد الخزي أشد الذلة وأبلغها. ### || [3.193] # قوله: { ربنآ إننآ سمعنا مناديا } الآية: ms0402 # المعنى: يقولون ربنا إننا سمعنا، والمنادي القرآن. # وقال محمد بن كعب: هو القرآن وليس كلهم لقي نبي الله صلى الله عليه ~~وسلم، وكلهم بلغ إليه القرآن. # وقال ابن جريج: المنادي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فالمعنى سمعنا ~~نداء مناد، المنادي غير مسموع وإنما المسموع نداؤه. # وقال قتادة: سمعوا دعوة الله عز وجل فأجابوها. # قوله { وتوفنا مع الأبرار } أي: في عددهم، وفي زمرتهم وقيل: ~~المعنى وتوفنا أبرارا مع الأبرار، والأبرار جمع بر وهو فعل ككتف أكتاف، ~~وهم الذين بروا الله بطاعتهم إياه وخدمتهم له رضي الله عنهم. وقيل واحدهم ~~بربار على فاعل كصاحب وأصحاب. ### || [3.194] # قوله { ربنا وآتنا ما وعدتنا } الآية. # أي: يقولون: ربنا آتنا ما وعدتنا على لسان رسلك: وهو الجنة وهذا سؤال ~~وطلب، ومعناه الخبر، لأن الله تعالى منجز وعده من غير سؤال، ومعناه ~~وتوفنا مع الأبرار لتؤتينا ما وعدتنا فهذا معناه، لأنهم قد علموا أن الله ~~لا يخلف الميعاد، ولكنه خبر. وقيل: إنه خرج منهم على طريق الطلب أن ~~يجعلهم ممن يؤتيه ما وعده من الكرامة. وقيل: إنهم سألوا الله عز وجل أن ~~يؤتيهم ما وعدهم على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم من النصر على ~~أعدائهم. # { ولا تخزنا } أي: لا تذلنا { إنك لا تخلف الميعاد } ~~أي: أنك قد وعدت من آمن بك ووحدك: الجنة في الآخرة والنصر في الدنيا على ~~أعدائك. ### || [3.195] # قوله: { فاستجاب لهم ربهم } الآية. # المعنى: فأجابهم ربهم { أني لا أضيع عمل عامل منكم } ~~عمل خيرا، روي عن أم سلمة أنها قالت: يا رسول الله، لا أسمع الله يذكر ~~النساء في الهجرة بشيء؟ فأنزل الله عز وجل { أني لا أضيع عمل ~~عامل منكم من ذكر أو أنثى } أي ذكرا كان أو أنثى. # قال الكوفيون: دخلت { من } في قوله { من ذكر } على التفسير لقوله ~~{ منكم } أي: منكم من الذكور والإناث، قال: وليست من هاهنا يجوز ~~حذفها لأنها دخلت لمعنى لا يصلح الكلام إلا بها وإنما يجوز حذفها إذا ~~كانت تأكيدا للجحد. وقال بعض البصريين: دخلت ms0403 { من } هاهنا كما دخلت في ~~قولك: قد كان من حديث فلان كذا، قال: وحرف النفي قد تقدم في قوله { ~~أني لا أضيع } قد دخلت للتأكيد، والأحسن أن تكون من للتفسير كما ~~تقدم. # ومعنى: { بعضكم من بعض } أن بعضكم في النصر والمذلة والجزاء من ~~بعض أي حكم الجميع الذكر والأنثى سواء { لأكفرن عنهم ~~سيئاتهم } أي لأمحونها عنهم ولأسترنها عليه { ثوابا } مصدر ~~لأنه كما قال { ولأدخلنهم جنت تجري } كان بمعنى ~~لأثيبنهم ثوابا. ### || [3.196-197] # قوله: { لا يغرنك تقلب الذين كفروا } الآية. ~~المعنى: لا يغرنك يا محمد تصرف الذين كفروا في البلاد أي: بالتجارات، ~~والأموال بغير عذاب فالخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد به أمته { ~~متاع قليل } أي: كسبهم وربحهم متاع قليل أي متعة يتمتعون بها ~~قليلا { ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد } أي الفراش. ### || [3.198] # قوله: { لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري ~~} الآية. # لكن الذين اتقوا الله، فعملوا بطاعته لهم جنات أي: بساتين { تجري من ~~تحتها الأنهار } ، و { نزلا } منصوب على التفسير. وقيل: هو في ~~موضع إنزال، لأن الكلام يدل على أنزلتموها { وما عند الله } أي: ~~ما عنده من كرامة والرضوان خير للأبرار. ### || [3.199] # قوله: { وإن من أهل الكتب لمن بالله } الآية. # { خشعين } نصب على الحال من المضمر في { يؤمن } عند البصريين ~~والفراء ومن { من } عند الكسائي. وقال نصير: هو حال من المضمر في إليكم ~~أو في إليهم، وهذه الآية نزلت في الأربعين رجلا من أهل نجران منهم: ~~اثنان وثلاثون من بني الحارث من الحبشة، وثمانية من الروم على دين عيسى ~~صلى الله عليه وسلم آمنوا بالنبي عليه السلام، وقيل: نزلت في النجاشي. # وروى ابن المسيب عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اخرجوا فصلوا على أخيكم " فقال ~~فصلى بنا فكبر أربع تكبيرات، فقال: هذا النجاشي أصحمة فقال المنافقون ~~انظروا كيف يصلي على علج نصراني لم يره قط، فأنزل الله عز وجل { وإن ~~من أهل الكتب } الآية ". # قال قتادة: # " قال لهم النبي صلى الله ms0404 عليه وسلم إن أخاكم النجاشي قد مات فصلوا عليه ~~قالوا نصلي على رجل ليس بمسلم قال فنزلت { وإن من أهل ~~الكتب } قال: وقالوا فإنه كان يصلي إلى القبلة، فأنزل الله { ~~ولله المشرق والمغرب } الآية ". # وأصحمة بالعربية: عطية. # وقيل عنى بالآية عبد الله بن سلام ومن آمن معه قاله ابن جريج. # قال مجاهد وغيره: عنى بذلك من آمن من أهل الكتاب اليهود والنصارى، وهو ~~مثل القول الأول، والآية تدل على هذا لأنها عامة اللفظ في أهل الكتاب. # قوله: { لا يشترون بآيت الله ثمنا قليلا } الآية. # أي: لا يحرفون أمر محمد صلى الله عليه وسلم فيقبلون على تحريفه وإنكاره ~~- الرشا فهم يؤمنون بالله، وما أنزل إليكم وهو القرآن، وما أنزل إليهم ~~وهو التوراة والإنجيل { خشعين لله } أي: متذللين خائفين، و { لا ~~يشترون }: في موضع الحال أيضا لأن غير مشترين بآيات الله ثمنا ~~قليلا { أولئك لهم أجرهم } أي عوض أعمالهم { إن الله ~~سريع الحساب } أي: لا يخفى عليه شيء من أعمالهم فهو يحتاج إلى ~~حساب ذلك وإحصائه لئلا يبقى منه شيء. ### || [3.200] # قوله: { يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ~~ورابطوا } الآية. # { اصبروا } على دينكم { وصابروا } عدوكم { ورابطوا } في ~~سبيل الله. # وقيل: المعنى وصابروا وعدي إياكم على طاعتكم لي، ورابطوا على أعدائكم ~~حتى يرجعوا إلى دينكم، ويتركوا دينهم. # وقيل المعنى: ورابطوا على الصلوات: أي: انتظروها واحدة بعد واحدة، قاله ~~أبو سلمة بن عبد الرحمن، قال: لم يكن في زمن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم غزو يرابط فيه، قال: ولكنه انتظار الصلاة بعد الصلاة. ### | [4 - سورة النساء] ### || [4.1] # قوله: { يأيها الناس اتقوا ربكم } [الآية]. # قوله: { وبث منهما رجالا كثيرا ونسآء } يدل على أن ~~الخنثى لا بد أن يكون رجلا أو امرأة، إذ لم يخلق الله عز وجل من ظهر آدم ~~صلى الله عليه وسلم إلا رجلا أو امرأة لا ثالث. # ومن قرأ " الأرحام " بالخفض، فهو غير جائز عند البصريين، وقبيح عند ~~الكوفيين، لأنه عطف ظاهر على مضمر مخفوض. # وقد قيل: إن الخفض على القسم، ms0405 وقد قيل: إن المعنى ورب الأرحام. # وفي واحد الأرحام لغات: رحم ورحم، ورحم [ورحم]. # والرحم مؤنثة، ومعنى الآية: أن الله تعالى نبه خلقه على قدرته وأمرهم ~~بتقواه، والنفس هنا: آدم صلى الله عليه وسلم. # [وقوله]: { وخلق منها زوجها } الآية. # قال مجاهد: خلق حواء عن قصيري آدم وهو نائم، استيقظ فقال " أثا " ~~بالنبطية: امرأة. # قال السدي: أسكن آدم الجنة فكان يمشي فيها وحيشا ليس له زوج يسكن ~~إليها، فنام نومة فاستيقظ، فإذا عند رأسه امرأة قاعدة، خلقها الله تعالى ~~من ضلعه، فسألها: من أنت؟ فقالت: امرأة، قال: ولم خلقت؟ قالت: لتسكن ~~إلي. # قال ابن إسحاق: ألقى الله عز وجل على آدم السنة فنام فأخذ ضلعا من ~~أضلاعه من شقه الأيسر، ولأم مكانه لحما، فخلق منه حواء ليسكن إليها، ~~فلما انتبه رآها إلى جنبه فقال: لحمي ودمي، وزوجي، فسكن إليها. # وعن ابن عباس أنه قال: إن الله جل ذكره خلق آدم صلى الله عليه وسلم ~~بيده سبحانه وتعالى في جنات عدن، فرأى آدم صلى الله عليه وسلم كل شيء ~~يشبه بعضه بعضا، ولم ير في الجنة شيئا يشبهه، وأحب أن يكون معه من ~~يشبهه ليأنس به، وأحب الله عز وجل أن يؤنسه بزوجته ليكون منهما النسل، ~~فأسبته الله عز وجل، والجنة لا نوم فيها، ولا نعاس ولا سبات، فخلق حواء ~~من ضلع من أضلاعه وهي: القصيري فلما ذهب عنه السبات رأى من يأنس به، ~~ويشبهه فسمي إنسانا حيث أنس، فقال لها: ما أنت؟ قالت: أثا، وأثا ~~بالسريانية أنثى، وقيل: معناه امرأة. # قال جماعة من المفسرين: لما خلق الله عز وجل (وتعالى) آدم صلى الله عليه ~~وسلم، ألقى عليه النوم، فلما نام خلق حواء من أحد أضلاعه، وهو لا يشعر ~~ولا يألم، فلما انتبه فرآها قال: من هذه؟ قيل: هي زوجك، فعطف عليها، ~~وأحبها ولو ألم لخلقها لم يحن عليها، ولم يعطف أبدا، وإنما سميت ~~حواء لأنها خلقت من حي. # قال ابن عباس: خلق الرجل من الأرض فجعلت همته في الأرض، وخلقت المرأة ms0406 ~~من الرجل فجعلت همتها في الرجل، فاحبسوا نساءكم. # قوله: { وبث منهما [رجالا] } أي: نشر من آدم وحواء خلقا ~~كثيرا. # ومعنى { تسآءلون } أي: اتقوا الله الذي إذا سأل بعضكم بعضا سأل به ~~وجعله وسيلة، يقول السائل أسألك بالله، أنشدك بالله وشبهه، فكما تعظمونه ~~بألسنتكم، عظموه بالطاعة فيما أمركم به ونهاكم عنه. # وقال الضحاك: { تسآءلون به } أي تعاقدون به، وتعاهدون به. # وقال ابن عباس: { تسآءلون به } فتتعاطفون به. # { والأرحام } أي اتقوا الأرحام، هذا على قراءة من قرأ بالنصب. ومن ~~قرأ بالخفض. فمعناه: تساءلون به وبالأرحام (تقولون أسألك بالله وبالرحم). # قال ابن عباس والمعنى: واتقوا الله في الأرحام فصلوها. # { إن الله كان عليكم رقيبا } أي: حفيظا محصيا ~~لأعمالكم ومجازيكم عليها. # قال يعقوب: الوقف { تسآءلون به } على قراءة النصب و " الأرحام " ~~على قراءة الخفض. ### || [4.2] # قوله: { وآتوا اليتامى أموالهم } الآية. # هذه الآية عنى بها أوصياء اليتامى أن يعطوهم ما لهم إذا بلغوا الحلم ~~وأنس منهم الرشد، ولا يقال يتيم إلا لمن (لم) يبلغ الحلم. قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " لا يتم بعد البلوغ " # ، وسموا يتامى في الآية وإن كان قد بلغوا الحلم على الاسم الأول. # { ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب } أي الحرام عليكم من ~~أموالهم بالحلال من أموالكم. # قال الزهري: تعطي لهم مهزولا وتأخذ سمينا أي: لا تأخذ الجيد من ~~أموالهم وتعطي مكانه الرديء تقول شيئا بشيء ودرهما بدرهم وشاة بشاة ~~والذي تأخذ خير من الذي تعطي والاسم واحد. # قوله: { ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم } ~~معناه: لا تخلطوا أموالهم مع أموالكم فتأكلوا الجميع فنهوا عن أكلها، ~~وأحل الله لهم المخالطة بقوله: # وإن تخالطوهم فإخوانكم # [البقرة: 220] وذلك أنهم اشتد عليهم عزل أموال اليتامى، فشكوا ذلك إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله { وإن تخالطوهم ~~فإخوانكم }. وحذرهم هنا من أكلها عند المخالطة. (وإلى) بمعنى: ~~مع، وقيل: (إلى) على بابها، والمعنى لا تجمعوا أموالهم إلى أموالكم (إنه ~~كان) أي: إن أكلكم أموال اليتامى إثم كبير. # وقيل معنى: { ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم } ~~لا تربح على ms0407 يتيمك يهوى عندك دابة أو ثوبا أو غير ذلك وهو غير جاهل ~~فتزداد عليه في الثمن. # وكون (إلى) بمعنى مع أولى، وعليه أكثر الناس، وذلك أن (إلى) أصلها أن ~~تكون نهاية أو تكون حدا نحو # إلى الليل # [البقرة: 187] فهذا نهاية لا يدخل [ما] بعدها فيما قبلها ونحو قوله: # إلى الكعبين # [المائدة: 6] فهذا حد تدخل الكعبان في الغسل ومثله (إلى المرفقين) فإن ~~خرجت إلى عن هذين الأصلين كانت بمعنى حرف آخر، فلما لم يحسن فيها في هذا ~~الموضع النهاية ولا الحد كانت بمعنى مع. # والهاء في (إنه كان) قيل: تعود على الأكل. وقيل: تعود على التبدل. # [وقيل: على المال]. # والحوب: الإثم. # وقال نافع: { بالطيب } تمام، [وقال أحمد بن موسى { إلى ~~أموالكم } تمام]. ### || [4.3] # قوله: { وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى.. } ~~الآية. # إنما جاز أن تقع (ما) لمن يعقل، لأنها، والفعل: مصدر، وهي تقع للنعوت ~~فكأنه قال: فانكحوا الطيب من النساء أي: الحلال، { فوحدة } أي: ~~فانكحوا واحدة. # وقرأ الأعرج بالرفع على معنى: فواحدة تقنع يرفع بالابتداء ويضمر الخبر. # وهذا أيضا خطاب للأولياء في صداق اليتامى، والمعنى: فإن خفتم يا أولياء ~~ألا تعدلوا في صداقهن، فتبلغوا صدقات أمثالهن فلا تنكحوهن { فانكحوا ~~ما طاب لكم من النسآء } أي: الطيب يعني الحلال من غيرهن من ~~واحدة إلى أربع { فإن خفتم } أن تجوروا إذا نكحتم أكثر من واحدة، ~~فانكحوا واحدة أو ما ملكت أيمانكم. # قالت عائشة رضي الله عنها: هي اليتيمة تكون في حجر وليها يعجبه مالها ~~ويريد أن ينكحها بأدنى من سنة صداقها، فنهى أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا ~~لهن في إكمال الصداق، وأمروا أن ينكحوا من سواهن من النساء. # وقيل: معناها إنهم نهوا عن نكاح ما فوق الأربع لأن قريشا كانت تتزوج ~~العشرين من النساء والأكثر، فإذا صار الرجل معدما رجع إلى مال يتيمه ~~فأنفقه أو تزوج به فنهوا عن ذلك. # وقيل لهم: إن أنتم خفتم على أموال اليتامى ألا تعدلوا فيها من أجل ~~حاجتكم إليها، فلا تجاوزوا فيما تنكحون من النساء أربعا، فإن ms0408 خفتم أيضا ~~مع الأربع ألا تعدلوا في أموال يتاماكم، فاقتصروا على واحدة أو على ما ~~ملكت أيمانكم قاله عكرمة. # وقيل: إن معناها أنهم كانوا يتحرون في أموال اليتامى ولا يتحرون في ~~العدل بين النساء فلا تنكحوا منهن إلا من واحدة إلى أربع، ولا تزيدوا ~~على ذلك. # { فإن خفتم ألا تعدلوا } في الأربع فانكحوا واحدة { أو ~~ما ملكت أيمنكم } قاله ابن جبير والسدي، وقاله ابن عباس ~~والضحاك وغيرهم، وهو اختيار الطبري. # وقال الحسن المعنى: وإن خفتم ألا تعدلوا في يتاماكم إذا نكحتموهن، ~~فانكحوا ما طاب لكم منهن: اثنين أو ثلاثة أو أربعا { فإن خفتم ~~ألا تعدلوا } فانكحوا واحدة، أو فاقنعوا بما ملكت أيمانكم. # ومعنى: { تقسطوا في اليتامى } أي: في نكاح اليتامى ثم حذف. ~~ومعنى { وإن خفتم } عند أبي عبيدة: وإن أيقنتم. # وقال القتبي معناه: وإن علمتم. # ومعنى: { ما طاب لكم }: ما حل لكم، وهذه الآية ناسخة لما كانوا ~~عليه في الجاهلية من تزويج ما شاء الرجل من النساء. # { ذلك أدنى ألا تعولوا } أي أقرب ألا تجوروا، وتميلوا. ~~يقال: عال إذا جار، يعول عولا، ويقال: من الحاجة عال يعيل عيلة إذا ~~احتاج، وأعال يعيل إذا كثر عياله. # قال الحسن: العول الميل في النساء، وهو قول مجاهد وعكرمة والضحاك وقتادة ~~وغيرهم. # وقال مجاهد: ألا تعولوا: ألا تضلوا. # وعن عائشة: ألا تجوروا. # وعول الفرائض من هذا لأنها تميل عن وجهها وحقها. # وقال الشافعي: { ألا تعولوا } ، ألا يكثر من { ألا ~~تعولوا } ، وخطأه (في) هذا جميع النحويين وأهل اللغة، وإنما كان يجب ~~على قوله: أن تعيلوا. # وأيضا، فإنه قد أحل لنا ملك اليمين، وإن كثروا وهو مما يعال. # وقوله: { مثنى وثلث وربع } معدول عن اثنين اثنين، وثلاث ~~ثلاث، وأربع أربع دل عليه، ولا تتجاوز العرب في العدل إلى ما بعد الأربع. ### || [4.4] # قوله: { وآتوا النسآء صدقتهن نحلة } الآية. # { نحلة } مصدر لأن قوله { وآتوا النسآء } بمنزلة انحلوهن، ~~فعمل في نحلة، وقيل: هي مصدر في موضع الحال. # قوله: { هنيئا مريئا } حال من الهاء في { فكلوه } يقال: قد ~~هناني ms0409 ومراني، فإذا أفردت قلت: أمراني ومعناه: فكلوه دواء شافيا. يقال ~~قد هناني الطعام، ومراني إذا صار لي دواء، وعلاجا شافيا. # ومعنى الآية أن الله تعالى أمر المؤمنين أن يعطوا النساء مهورهن عطية ~~واجبة. # قال قتادة: { صدقتهن نحلة } فريضة. وقيل: ديانة. # وقيل: المعنى: " نحلة " من الله عز وجل للنساء دون الرجال إذ جعل على ~~الرجل الصداق، ولم يجعل على المرأة شيئا فينحي لها ذلك. وقيل: نحلة عن ~~طيب نفس. # وواحد الصدقات: صدقة، والصداق يفتح ويكسر عند يعقوب، وقال المازني: يفتح ~~ولا يكسر. # وقال ابن زيد في معنى الآية: إنها أمر من الله ألا تنكح امرأة إلا ~~بشيء واجب، والمخاطب بهذا الأزواج، قيل لهم: أعطوا من نكحتم صداقها [ولا] ~~تنكحوا بغير صداق. # وقيل: إن المخاطب بهذا الأولياء لأنهم كانوا لا يعطونهن من صداقهن ~~شيئا يأخذه الولي نفسه، فنهى الله عز وجل عن ذلك. وقيل: بل المخاطب ~~الأولياء أيضا، لأنهم كانوا يعطي الرجل منهم أخته للآخر على أن يعطيه ~~الآخر أخته، وهذا نكاح الشغار الذي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه، ~~وعنه نهى الله عز وجل في هذه الآية. # قوله: { فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا } أي: من ~~الصداق إن تركن ذلك من غير مضارة منكم لهن: { فكلوه } فهو مخاطبة ~~للأزواج، وقيل: هو مخاطبة للأولياء إن وهبن من هن في حجورهم شيئا من ~~الصداق فهو حلال لهم وأن تكون الآية خوطب بها الأزواج أولى وعليه أكثر ~~الناس. # والهاء في { منه } تعود على المال، لأن المعنى: وآتوا النساء هذا ~~المال الذي اسمه: صدقات فرجعت الهاء على المعنى الذي دل عليه الكلام. # وقيل: تعود على الإيتاء. وقيل: على الصداق. # وقال نافع: { صدقتهن } ، تمام. وهذا يدل على أن نحلة لا يعمل ~~فيه ما قبله وأن المعنى أنحلهن الله عز وجل نحلة، أضمر الفعل. والأحسن في ~~التمام أن تقف على " مريئا ". ### || [4.5] # قوله: { ولا تؤتوا السفهآء أموالكم } الآية. # من قرأ: قياما فهو مصدر، والمعنى الذي تصلح به أموركم فتقومون بها ~~قياما، وجعله الأخفش جمع قائمة. ms0410 # ومن قرأ: قيما فهو عند البصريين جمع قيمة أي: جعلها الله قيمة للأشياء. # وقرأ النخعي { والتي } بالجمع. # قال الفراء الأكثر في كلام العرب: النساء اللواتي، والأموال التي. # والسفهاء هنا: النساء والصبيان، وهو قول قتادة وابن جبير والحسن والسدي ~~والضحاك. وقيل: هم الصبيان خاصة قاله ابن عباس. وقيل: هم الصغار ولد ~~الرجل خاصة. # وقيل: هم النساء خاصة. وقيل: هم اليتامى الذين لم يبلغوا الرشد وهذا قول ~~حسن والمعنى: لا تسلطوهم على أموالكم التي جعلها الله قيام معاشكم، ~~فيفسدوها ولكن ارزقوهم، واكسوهم، وإن كانوا ممن تلزمكم نفقتهم، وهذا قول ~~من قال: السفهاء ولد الرجل وامرأته. # ومن قال: إن السفهاء المولى عليهم: فمعناه أنه أضاف الأموال إلى ~~الأولياء لأنها بأيديهم، وهم الناظرون فيها وأمرهم أن يرزقوهم منها ~~ويكسوهم. # قوله: { وقولوا لهم قولا معروفا } أي: عدوهم وعدا حسنا ~~من البر والصلة، وقيل: المعنى ادعوا لهم بالصلاح. # وقيل: المعنى علموهم أمر دينهم. # وقال ابن جريج: المعنى: قولوا لهم إن صلحتم ورشدتم سلمنا إليكم أموالكم، ~~وخلينا بينكم وبينها. ### || [4.6] # قوله: { وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح ~~} الآية. # والمعنى اختبروهم في عقولهم وصلاحهم، وتثمير أموالهم وذلك بعد الاحتلام ~~{ فإن آنستم منهم } الرشد { فادفعوا إليهم ~~أموالهم }. وقد قال أبو حنيفة: لا حجر على بالغ. وعامة الفقهاء على ~~خلافه. # ومعنى { إذا بلغوا النكاح } أي الحلم، قاله ابن عباس ومجاهد ~~والسدي وابن زيد، ومعنى { آنستم } وجدتم وعلمتم وأحسستم منهم الرشد، ~~وأصل آنست في قول القتبي: أبصرت، والرشد هنا العقل والصلاح في الدين. # وقيل: الرشد: الصلاح في الدين والمال، وقال مجاهد: الرشد هنا العقل. { ~~فادفعوا إليهم أموالهم } هذا كلام يدل [على] أن الآية في ~~المولى عليهم من يتامى الصبيان الإناث والذكور، وقال الحسن: رشدا في ~~أموالهم وصلاحا في دينهم. # قال زيد بن أسلم: وذلك بعد الاحتلام. # قوله: { ولا تأكلوهآ إسرافا وبدارا } أي: لا تأكلوا ~~أموال اليتامى بغير ما أباح الله عز وجل. # وقيل: لا تسرفوا في أكلها، والإسراف في كلام العرب تجاوز الحد المباح ~~إلى غيره بنقص أو زيادة، وهي في ms0411 الزيادة أكثر إسرافا. يقال سرف ~~يسرف، ويقال مررت بكم فسرفتكم أي: فسهوت عنكم وأخطأتكم. # وقوله: { بدارا } أي: مبادرة أن يكبروا، وهو مصدر بادرت. أي: لا ~~تأكلوها مبادرة منكم (بلوغهم وإيناس الرشد منهم فيأكلوها لئلا يرشدوا ~~فيأخذوها منكم). # قوله: { ومن كان غنيا فليستعفف } أي: عن أموال اليتامى ~~بماله. # { ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف } أي: يستقرض من ~~مال يتيمه، ثم يؤديه إذا أيسر، قاله عمر رضي الله عنه وابن جبير وعبيدة ~~وأبو العالية. # وروي أن ابن عباس والشعبي وغيرهم: أن له أن يأكل منه إذا احتاج قرضا ~~ويؤديه إذا أيسر مثلما أكل. # وقال السدي: إذا كان الولي فقيرا أكل من يتيمه بأطراف أصابعه، ولا قضاء ~~عليه، وقاله الشعبي، وروي مثله عن ابن عباس بأنه لا قضاء عليه. # وعن عائشة: إن الوصي يأكل من مال اليتيم مكان قيامه عليه إذا كان ~~فقيرا (أكل بالمعروف، ولم يذكر قرضا ولا ردا وقال النخعي إذا كان ~~الولي فقيرا) أخذ من مال يتيمه ما يسد به جوعته ويستر عورته، ولم تذكر ~~قضاء. # وقال عطاء: يأكل إذا افتقر ولا قضاء. # وقال ابن زيد: يأكل إذا احتاج لقيامه عليهم وحفظه لأموالهم ولا قضاء ~~عليه. # وقيل: المعنى أكل الولي مع اليتيم هو في التمر وشرب رسل الماشية خاصة ~~دون غيره، ولا قضاء عليه، وقد توقف بعض أهل العلم فيها وقال: لا أدري ~~لعلها منسوخة بقوله: # إن الذين يأكلون أموال اليتمى ظلما # [النساء: 10] الآية. # قال أبو حنيفة: لا يأكل معه شيئا إلا أن يسافر من أجله فيأخذ القوت. # وقد روي عن ابن عباس أنه قال { فليأكل بالمعروف }: يقوت ~~نفسه يعني من مال نفسه حتى لا يحتاج إلى مال يتيمه. وهذا مختار عند ~~العلماء، وحكى معناه الشافعي. # وقال نافع بن أبي نعيم: سألت يحيى بن سعيد وربيعة عن قول الله عز وجل: { ~~ومن كان غنيا فليستعفف } فقال: أنفق عليه بقدر فقره، وإن ~~كان غنيا أنفق عليه بقدر غناه، ولم يكن للولي منه شيء. # ثم أمر الله تعالى الأولياء بالإشهاد على اليتامى إذا ms0412 رشدوا ودفعوا ~~إليهم أموالهم فقال: { فإذا دفعتم إليهم أموالهم ~~فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا } الآية. # أي: كافيا من الشهود الذين يشهدون على القبض، ونصب (حسيبا) على الحال. ### || [4.7] # قوله: { للرجال نصيب مما ترك الوالدان ~~والأقربون } الآية. # { نصيبا } الأخير منصوب على الحال عند الزجاج وفيه معنى التأكيد كأنه ~~قال مفروضا، وهو نصب على المصدر عند الأخفش والفراء كأنه قال فرضا ~~لازما، وما وقبله يدل على أنه فرض ذلك عليهم. # وهذه الآية ناسخة لما كان في الجاهلية، كانوا يورثون الذكر دون الإناث، ~~وكان الكبير من ولد الذكور (يرث) دون الصغير يقولون: لا يرث، إلا من طاعن ~~بالرمح، فنسخ الله عز وجل ذلك، وأعلمنا أنه لكل واحد نصيب مفروض أي واجب ~~مما قل ومما كثر من التركة. ### || [4.8] # قوله: { وإذا حضر القسمة أولوا القربى } الآية. # هذه الآية في قول ابن عباس، وابن حبيب، ومجاهد محكمة واجبة، يعطي الورثة ~~للقرابة الذين لا ميراث لهم ما طابت به أنفس الورثة، كأنهم ينحون إلى ~~أنها ندب وليس بفرض. # وقال السدي وابن المسيب والضحاك: هي منسوخة بالمواريث وقد روي مثل ذلك ~~عن ابن عباس أيضا، قالوا: كان هذا فرضا قبل نزول المواريث، ثم نزلت ~~المواريث فنسخت ذلك. # وقيل: إنها محكمة عنى بها الميت يقسم وصيته وهو حي، فيوصي بها فهو ندب ~~أيضا. # قوله: { وقولوا لهم قولا معروفا } أي يعتذر إليهم إن لم ~~يعطوا شيئا، يقول الولي: ما لي في هذا المال شيء، وهو مال اليتامى، ~~وقيل: القسمة في هذا قسمة الوصية أمر أن يعطى منها من لا يرث من القرابة ~~على الندب لذلك. ### || [4.9] # قوله: { وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ~~ذرية ضعافا } الآية. # لم يأت ليخش مفعول لذكره بعد ذلك الخوف، وإتيانه بمفعوله فسد ذلك مسد ~~مفعول يخشى (لأن الخوف والخشية سواء، ومثلهما معنى الاتقاء فسد مفعول ~~يخشى) مفعول الخوف ومفعول الاتقاء، كما قال: # إن ربك من بعدها # [النحل: 110] فسد خبر إن الثانية مسد خبر الأولى في قوله # ثم إن ربك للذين # [النحل: 110]. # وقيل: مفعول يخشى ms0413 محذوف كأنه قال: وليخشى الله الذين. # والمعنى: وليخف الذين يحضرون وصية الموصي أن يأمروا الموصي أن يفرق ماله ~~على غير ولده، ولكن ليأمروه أن يبقى ماله لولده، كما لو أنه كان هو ~~الموصي يسره أن يحثه من يحضره على توفير ماله لولده لضعفهم وعجزهم قال ~~ذلك ابن عباس. # وقال قتادة: معناه: من حضر ميتا فلينهه عن الحيف وليأمره بإحسان، وليخش ~~على عيال المتوفى ما كان يخشى على عياله لو حضره الموت، وهو مثل القول ~~الأول ومثل هذه المعنى قال السدي. # وقال الضحاك قولا قريبا من الأول: قال هذا عند الموت لا يقول أحدكم ~~لرجل عند وصيته: اعتق وتصدق حتى يفرق ماله، ويدع ورثته عالة لعياله كما ~~كان يحب هو أن يفعل به لو حضرته الوفاة وعنده ذرية ضعفاء. # قوله: { وليقولوا قولا سديدا } أي يأمرون الميت في وصيته ~~بما لا ضرر فيه على ورثته كما يحب هو أن يفعل في ورثته بما يأمر به نفسه. # وقال مجاهد: هذا عند تفريق المال وقسمته، يقول الذين يحضرون: زد فلانا ~~وأعط فلانا، فأمرهم الله عز وجل أن يقولوا مثلما كان يحبون أن يقال ~~لولده بعدهم. وكل هذه الأقوال لا تمنع الوصية أن يوصي لقرابته بخمس ماله ~~أو بربعه أو بثلثه كذا ذكر أكثرهم. # وقيل: إنهم لا يأمرونه أن يوصي لأحد البتة إذا كان له أولاد ضعفاء يخاف ~~عليهم الضيعة كما كنتم تصنعون لو حضركم الموت أيها الحاضرون وعندكم أولاد ~~ضعفاء تخافون عليهم الضيعة. # وروي أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان من اجتهادهم في الخير ~~والعمل الصالح إذا حضروا مريضا منهم قالوا له: انظر لنفسك فليس ينفعك ~~ولدك ولا يغنون عنك من الله شيئا، ويقدم جل ماله ويجحف بولده، وكل هذا ~~قبل الوصية بالثلث، وتحديدها من النبي صلى الله عليه وسلم فكره الله ~~سبحانه ذلك وأمرهم أن يأمروا الذي حضرته الوفاة بما يحبون أن يأمرهم به ~~إذا حضرتهم الوفاة ولهم ذرية ضعفاء. وقد قيل: إن هذا أمر للموصي على ~~الأيتام أن يفعل فيهم ms0414 ما يحب [أن يفعل] بعده في أولاده. # وروي عن ابن عباس أن الآية نزلت في الوصية لولاة اليتامى ألا يأكلوا ~~أموالهم كما يحبون لو ماتوا وتركوا أولادا ضعفاء أن يحتاط على أموال ~~أولادهم كما يحتاطون هم على مال يتاماهم، أي: لتفعلوا بهم ما تحبون أن ~~يفعل بولدكم بعدهم. ### || [4.10] # قوله: { إن الذين يأكلون أموال اليتمى ظلما } ~~الآية. # هذا تحذير ووعيد من الله عز وجل لمن يأكل مال يتيمه. قال السدي: إذا قام ~~من أكل مال اليتيم من قبره بعث ولهب النار يخرج من فيه، ومسامعه وأذنيه ~~وأنفه وعينيه يعرفه من رآه بآكل مال اليتيم. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم فيما روى الخدري عنه من خبر ليلة ~~الإسراء: # " نظرت فإذا أنا بقوم لهم مشافر كمشافر ~~الإبل، وقد وكل بهم من يأخذ بمشافرهم، ثم ~~يجعل في أفواههم صخرا من نار تخرج من أسافلهم، ~~قلت: يا جبرئيل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء { الذين يأكلون ~~أموال اليتمى ظلما } ". # وقال ابن [زيد] عن أبيه: هي لأهل الشرك حين كانوا لا يورثونهم ويأكلون ~~أموالهم، وإنما جاز أن يخبر عنهم بأكل الناس لأنهم لما أكلوا ما يؤديهم ~~إلى النار كانوا بمنزلة من يأكل النار، وإن كان يأكل الطيب في الدنيا. ### || [4.11] # قوله: { يوصيكم الله في أولدكم للذكر } الآية. # ومعنى قوله { إن الله كان عليما حكيما } معناه: لم يزل ~~كذلك، كأن القوم عاينوا حكمة وعلما، فأعلمهم الله أنه لم يزل كذلك هذا ~~مذهب سيبويه. وقال المبرد: ليس في قوله: (كان) دليل على نفي أنه كان ذلك ~~في الحال وفي الاستقبال. # وفيها قول ثالث وهو: أن كان يخبر بها عن الحال كما قال: # كيف نكلم من كان في المهد صبيا # [مريم: 29]، وقول رابع: أن الإخبار من الله عز وجل في الماضي والمستقبل ~~واحد لأنه عنه معلوم. # ومعنى { يوصيكم } يفرض عليكم فلفظه لفظ الخبر، ومعناه الإلزام كما ~~قال:- [ " ذلكم وصاكم به أي فرضه عليكم ". وقيل معناه: يعهد إليكم إذا ~~مات منكم ميت وخلف] أولادا أن يقسم عليهم على كذا وكذا. # وقوله: ms0415 { للذكر مثل حظ الأنثيين } وما بعده هو تفسير ~~ما وصاهم به، بين الله للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته الواجب في مواريث ~~من مات منهم في هذه السورة ونسخ به ما كان عليه أهل الجاهلية من توريث ~~الأولاد المقاتلة دون الصغار وتوريث الذكور دون الإناث. # وقال مجاهد وغيره كانت الوصية للوالدين والأقربين، فنسخ الله تعالى بما ~~أحب وفرض هذه السورة ما قد نص عليه. # وروي أن هذه الآية نزلت لما استشهد سعد بن الربيع يوم أحد، وترك بنتين ~~وامرأة، وأباه الربيع، فأخذ أبوه جميع ما ترك على ما كانوا عليه في ~~الجاهلية، فأتت امرأة سعد النبي صلى الله عليه وسلم فشكت ذلك إليه مرتين ~~وهي تبكي، وتذكر فقر بنيها، وأنه لا أحد يرغب فيهما لفقرهما، فنزلت آية ~~المواريث { يوصيكم الله في أولدكم }. # قال أبو محمد: وقد كان هذا في علم الله عز وجل أنه سيفرضه علينا، ويجعل ~~لإنزاله علينا سببا، وكذلك جميع ما أنزله علينا من الفرائض وغيرها، قد ~~تقدم علمه بذلك لا إله إلا هو. # قوله: { فإن كن نسآء } أي فإن كان المتروكات نساء. # وقوله: { فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك } (فرض الله ~~تعالى لما فوق الاثنين من النساء: الثلثين، وليس للاثنين فرض مسمى، فقال ~~قوم " فوق " هاهنا زائدة والمعنى فإن كان المتروكات نساء اثنتين فلهن ~~ثلثا ما ترك) كما قال: # فاضربوا فوق الأعناق # [الأنفال: 12] فيكون على هذا القول لا فرض لما فوق الاثنتين، والقول ~~فيها إن فرض الاثنتين غير منصوص عليه لكن يعطين بالإجماع بدليل النص ~~(الثلثين). # والدليل: هو أن الله تعالى جعل فرض الاثنين من الأخوات: الثلثين بالنص، ~~والابنتان أمس قرابة، وأقرب من الأختين، فوجب ألا ينقص عن فرض الأختين، ~~وأيضا فإن الله تعالى جعل [فرض] الأختين للأم كفرض ما فوق ذلك، (فكذلك ~~يجب أن يكون فرض الابنتين كفرض [الأختين] فما فوق). # ودليل آخر وهو أنه جعل فرض الأخت كفرض البنت، فيجب أن يكون فرض البنتين ~~كفرض الأختين، وكذلك أعطى الأخوات الجماعة الثلثين قياسا على فرض البنات ms0416 ~~المنصوص عليه، وكان المبرد يقول: إن في الآية دليلا على أن فرض البنتين: ~~الثلثان، وهو أنه قال: { للذكر مثل حظ الأنثيين } (فأقل ~~العدد ذكر وأنثى، فإذا كان للواحدة الثلث دل ذلك على أن للاثنتين) ~~الثلثين. # وقيل: (إن) الابنة لما وجب لها مع أخيها في مال أبيها الثلث، كانت أحرى ~~أن يجب لها في مال أبيها مع أختها أيضا الثلث، ويكون لأختها معها مثلما ~~وجب لها وهو الثلث، فوجب للابنتين الثلثان بهذا الاستدلال. # والهاء في { لأبويه } تعود على الميت، ولم يجر له ذكر، لكن الكلام ~~يدل عليه، والأولى من هذا كله أن تكون الابنتان أعطيتا الثلثين لفعل ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقد روي عنه أنه أعطى للابنتين الثلثين. # وقيل: أعطيتا الثلثين بالإجماع. # والأولاد فيما ذكر الله تعالى هم أولاد الصلب الذكور والإناث وولد الابن ~~خاصة وإن سفلوا الذكور والإناث، وكذلك ولد ابن الابن وابن ابن الابن إذا ~~نسب إلى الميت من قبل آبائه والأعلى يحجب الأسفل إلا أن يكون الأعلى ~~أنثى، فإن لها ما للبنت، والباقي لمن هو أسفل منهما من ولد الابن إذا كان ~~فيهم ذكر، ولهذا تبيين يطول ذكره، وهو مذكور في كتاب الفرائض، وكذلك ~~الابنتان لهم الثلثان والباقي لمن هو أسفل منهما إذا كان فيهم ذكر. # قوله: { فإن كان له إخوة } الآية. # مذهب بعض الصحابة وبعض الفقهاء أن الإخوة الذين يحجبون الأم عن الثلث ~~إلى السدس هم ثلاثة فما فوق ذلك لقوله (إخوة فأتى بلفظ الجمع)، وقال ~~أكثرهم، وكثير من الفقهاء (وإن كانوا أخوة، رجالا ونساء) وهو مذهب زيد ~~الاثنان يحجبان الأم كالثلاثة والإخوة في الآية يراد بهم اثنين فما ~~فوقهما، وإنما جاز أن يقع لفظ الجماعة للاثنين لأنهما شبها بالشيء الذي ~~ليس في الإنسان منه غير عضو (واحد) كقولك: الزيدان صغت قلوبهما وخرجت ~~أنفسهما، وفقئت أعينهما، فلما جمع في موضع التثنية كان هو المشهور عن ~~العرب، وأتى به القرآن، شبه الشخصان بالأعضاء التي في كل واحد منهما عضو ~~واحد في موضع التثنية (كما يجمع الأعضاء في ms0417 موضع التثنية). # والشبه الذي بينهم هو أن الشخصين كل واحد غير صاحبه كذلك الأعضاء كل ~~واحد غير الآخر، فأخرج تثنيتهما بلفظ تثنية العضوين. وقال بعض النحويين: ~~ضمك واحد إلى اثنين كضمك واحدا، إلى واحد. وقال: [الخليل]: الاثنان ~~جماعة، وقولهما فعلنا حقيقة، وقول الواحد فعلنا مجاز، وقد قال تعالى: { ~~وإن كانوا إخوة رجالا ونسآء } ولا اختلاف أن هذا يصلح ~~لاثنين فصاعدا. # والاثنان جماعة لأنه ضم واحد إلى واحد وجمع واحد إلى واحد وقد قال ~~تعالى: # وأطراف النهار # [طه: 130] يريد طرفيه إذ ليس له سوى طرفين، وقد قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم (صلاة) الاثنين جماعة وقال تعالى: # وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت ~~فيه غنم القوم # [الأنبياء: 78] ثم قال بعقب ذلك # وكنا لحكمهم شاهدين # [الأنبياء: 78] فأخبر أولا عن اثنين ثم أتى بلفظ الجمع آخرا لأن ~~الاثنين جماعة. # وقال بعض المفسرين في قوله تعالى: # إنا معكم مستمعون # [الشعراء: 15]. # أراد به موسى وهارون المتقدم ذكرهما، وقال في قوله: # أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون # [السجدة: 18] وإنما أراد به عليا رضي الله عنه والوليد، فجمع (يستوون). # وقالوا في قوله: # وألقى الألواح # [الأعراف: 150] أنهما كانا لوحين فجمع في موضع التثنية، وقالوا في قوله: # أولئك مبرءون مما يقولون # [النور: 26] أنهما عائشة رضي الله عنها وصفوان ابن المعطل، فجمع، والناس ~~يقولون: شهد الشهود على فلان وإن كان إنما شهد عليه شاهدان. ويقولون: أعط ~~هذا لأولادك وإن كان ليس له إلا ولدان، وأهل الحساب على تسمية الاثنين ~~عددا والعدد كثير في المعنى. # وإنما نقصت الأم بالإخوة (وزيدت للأب) لأن على الأب مؤنتهم دون الأم. # قوله: { من بعد وصية يوصي بهآ أو دين } الآية. # " أو " هنا للإباحة، والكلام فيه تقديم وتأخير، والدين هو المتقدم على ~~الوصية وليست " أو " بمعنى الواو، لأن الواو لو كانت لجاز أن يتوهم أن ~~الحكم لا ينفذ إلا باجتماع الدين والوصية. # قوله: { آبآؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب ~~لكم نفعا } المعنى لا يعلمون أيهم أقرب لهم نفعا في الدنيا ~~والآخرة. # وقال ms0418 ابن عباس: لا تدرون أيهم أرفع درجة في الجنة، لأن الآباء يشفعون في ~~الأبناء والأبناء يشفعون في الآباء إذا كان [بعضهم] أعلى درجة من بعض رفع ~~الأسفل إلى الأعلى. # فالمعنى على هذا لا تدرون في الدنيا أيهم أقرب لكم نفعا في الآخرة. # وفرض الزوج والزوجة ظاهر في النص غير خفي، فلذلك لم يذكر. # قوله: { فريضة } منصوب على الحال المؤكدة لما قبلها من الفرض، وقيل: ~~هو مصدر لأن معنى قوله { يوصيكم } يفرض عليكم. ثم قال: { فريضة } ~~فأعمل فيه المعنى الذي دل عليه يوصيكم، وهذا قول حسن. ### || [4.12] # قوله: { وإن كان رجل يورث كللة أو امرأة } الآية. # " نصب (كلالة) على أنه خبر كان عند الأخفش، وإن شئت على الحال يجعل كان ~~بمعنى وقع " ويورث " صفة رجل، وهذا على أن الكلالة هو الميت، وهو قول ~~البصريين لأنهم يقولون الكلالة الميت الذي لا ولد له، ولا والد وقد روي ~~ذلك عن أبي بكر رضي الله عنه، وكذلك قال علي، وزيد بن ثابت، وابن مسعود، ~~وابن عباس وجابر ابن زيد. # قال البصريون: هو كما تقول رجل عقيم: إذا لو يولد له، مشتق من الإكليل ~~كأن الورثة غير الولد، والولد قد أحاطوا به فحازوا المال. # وقرأ الحسن وأبو رجاء (يورث كلالة) بكسر الراء جعل الكلالة مفعول به. # وقرأ بعض الكوفيين (يورث كلالة) بكسر الراء وتشديد نصب كلالة على أنه ~~مفعول بها. # والكلالة في هاتين الروايتين: الورثة أو المال. # وقال أبو عبيدة: كلالة أصله مصدر من كلالة النسب إذا أحاط به، والأب ~~والابن طرفان للرجل، فإذا مات ولم يخلفهما فقد مات عن ذهاب طرفيه، فسمي ~~ذهاب الطرفين كلالة كأنها اسم للمصيبة في تكلل النسب. # وقد قيل: الكلالة الورثة لا ولد فيهم ولا أب وهو قول أهل المدينة وأهل ~~الكوفة، وشاهد هذا القول قراءة الحسن وأبي رجاء المتقدم ذكرهما، ويبعد ~~هذا القول لأجل نصب كلالة لأنه يجب على هذا القول أن ترتفع على معنى يورث ~~منه كلالة. # وقال عطاء: الكلالة المال الذي لا يرثه ولد ولا والد، وهو ms0419 قول شاذ، ~~فيكون نصبها على أنه صفة لمصدر محذوف والتقدير: يورث وارثه كلالة. # وقال ابن زيد: الكلالة الحي والميت الذي لا ولد له ولا والد. # والكلالة مشتق من الإكليل المنعطف على جبين الملك، ومن الروضة المكللة ~~وهي التي قد حف بها النور، وشبه ذلك بالقمر إذا حل بالإكليل وهو منزلة ~~من منازل القمر ذات نجوم، يقال يتكلله النسب إذا أحاط به، وإنما سمي ~~الميت الذي لا ولد له، ولا والد كلالة لأن كل واحد من الولد والوالد إذا ~~انفرد يحيط بالميراث كله. # قوله: { غير مضآر } نصب غير على الحال أي: يوصي بها غير مضار. # وقرأ الحسن غير مضار وصية، بالإضافة ولحن في ذلك لأن اسم الفاعل لا ~~يضاف إلى المصدر، ووجهه غير مضار بوصية أي: غير مضار بها ورثته في ~~ميراثهم لا يقدر بما ليس (عليه) ولا يوصي بأكثر من الثلث. # و " وصية " نصب على المصدر. # وأكثر العلماء على أن الكلالة في أول هذه السورة يراد بها الإخوة [من ~~الأم والكلالة في آخر السورة يراد بها الاخوة] من الأب والأم. # قوله: { وله أخ أو أخت } إنما وحد في أوله وقد تقدم ذكر رجل ~~وامرأة، لأن الاسمين إذا تقدما وعطف أحدهما على الآخر بأو، جاز أن تضيف ~~الخبر إليهما أو لأحدهما، إن شئت أن تقول: من كان عنده غلام أو جارية، ~~فيحسن إليه، وإن شئت: إليها وإن شئت: إليهما. ### || [4.13-14] # قوله تعالى: { تلك حدود الله ومن يطع الله }. الآية. # المعنى: تلك فرائض الله. وقيل سنة الله وأمره. وقيل شروط الله، والإشارة ~~بتلك إلى ما تقدم من الأحكام في الفرض، والتقدير تلك القسمة حدود الله ~~لكم يبين الحق والباطل تنتهون إليها، فمن يطع الله ورسوله في تنفيذها ~~وغير ذلك يدخله الجنة، ومن يعصيه ويتعد حدوده في ترك تنفيذها يدخله ~~النار، ويخلده فيها إذا مات مصرا على ذلك، والهاء في " حدوده " تعود على ~~الرسول لأنه المبلغ لحدود الله. ### || [4.15] # قوله: { واللاتي يأتين الفحشة } الآية. # " اللاتي " لا تكون إلا للنساء. والمعنى: والنساء اللاتي يأتين ms0420 الفاحشة، ~~فاستشهدوا عليهن فيما آتين أربعة رجال، فإن شهدوا عليهن بالفاحشة { ~~فأمسكوهن في البيوت } حتى يمتن { أو يجعل الله ~~لهن سبيلا } أي: طريقا إلى النجاة فكانت المرأة إذا زنت حبست في ~~البيت حتى تموت، وكان هذا قبل نزول الحدود، فلما نزل: # الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة ~~جلدة # [النور: 2]، نسخ ذلك. # قال عطاء: السبيل: الحدود والرجم، والجلد. # قال السدي: نزلت هذه الآية في التي دخل بها إذا زنت، فإنها تحبس في ~~البيت ويأخذ زوجها مهرها. # قال الله تعالى: { ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض مآ ~~آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } قال: ~~هي الزنا، ثم جاءت الحدود فنسختها فجلدت ورجمت وصار مهرها ميراثا فكان ~~السبيل هو الحد الذي نزل. # وقيل: إن حكم الزاني والزانية الثيبين والبكرين كان أن يحبسا حتى يموتا، ~~فنسخ الله ذلك بالآية التي بعدها وصار حكمهما أن يؤذيا بالسب والتعيير ~~لقوله " فآذوهما " ثم نسخ ذلك بالحدود، هذا قول الحسن وعكرمة وروي عن ~~عبادة بن الصامت. # وقال قتادة كان حكم البكرين الزانيين أن يؤذيا بالتعيير، وحكم المحصنيين ~~أن يحبسا حتى يموتا، فنسخ بالحدود،: الجلد للبكرين ونفي الرجل بعد الجلد ~~عاما، والرجم على الثيبين بعد الجلد، والجلد في جميعهم مائة. # وقال مجاهد: { واللاتي يأتين الفحشة } عام لكل ثيب وبكر ~~من النساء { واللذان يأتيانها منكم } عام لكل من زنى من ~~الرجال خاصة ثيبا كان أو بكرا، وهو مروي عن ابن عباس. واختاره النحاس ~~وغيره، لأنه قال { واللاتي يأتين الفحشة من نسآئكم ~~} ولم يقل منكم، وقال { واللذان يأتيانها منكم } أي يأتين ~~الفاحشة منكم يريد الرجال بعد ذكر النساء، ثم نسخت الآيتان بالحدود. # وقد اختلف في الحد على الثيب فقال علي رضي الله عنه: الجلد ثم الرجم، ~~وقال: أجلد بكتاب الله، وأرجم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبه ~~قال الحسن وإسحاق. وأكثر العلماء على أن عليه الرجم دون الجلد، وهو مروي ~~عن عمر رضي الله عنه وهو [قول] مالك، والشافعي، والكوفيين والأوزاعي ~~والنخعي، فمنهم من قال: إن الجلد منسوخ عن المحصن ms0421 بالرجم جعل سنة تنسخ ~~القرآن، ومنهم من قال هو منسوخ بما حفظ لفظه ونسخ رسمه في المصحف من ~~قوله: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة. # واختلف في نفي البكر: فقال العمران ما: يجلد ولا ينفى، وكذلك قال عثمان ~~وعلي وابن عمر رضي الله عنهم وهو قول عطاء وسفيان ومالك، والشافعي، وابن ~~أبي ليلى، وأحمد وإسحاق وغيرهم. # واختلف في المعترف في الزنا. فقال الحسن إذا اعترف (يحد) وهو قول ~~الشافعي وأبي ثور، وروي عن مالك أنه قال: إذا اعترف من غير محنة يحد، وإن ~~اعتذر، وذكر عذرا يمكن قبل منه، وإن اعترف بمحنة قبل منه الرجوع عن ~~اعترافه. # وقال قوم: لا يحد حتى يعترف أربع مرات في موضع أو في مواضع قال مالك: لا ~~يقام عليه الحد إن كان بعذر وهو مذهب الأوزاعي. # وأما الإحصان الذي يجب معه الرجم فهو الوطء للمسلمة الحرة بنكاح صحيح، ~~فإن كان فاسدا لم يكن محصنا بذلك النكاح في قول عطاء وقتادة والليث ~~ومالك، والشافعي وغيرهم، وقال غيرهم من الفقهاء: يحصن بذلك النكاح. # وروي عن علي وجابر بن عبد الله في الذمية إذا دخل بها، والمسلمة سواء، ~~وعند الحسن البصري وعطاء والزهري، وقتادة ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق ~~يحصن (المسلم)، ولا يحصن المسلم الذمية. # وروي عن ابن عمر أنها لا تحصنه (وهو قول الشعبي وعطاء والنخعي ومجاهد ~~والثوري. # والأمة يدخل بها الحر تحصنه عند ابن المسيب والزهري، ومالك، والشافعي. ~~وقال عطاء والحسن البصري وابن سيرين، وقتادة، والثوري وغيرهم: لا تحصنه ~~فأما الحرة تكون تحت العبد فهو يحصنها عند (ابن) المسيب والحسن البصري، ~~ومالك، والشافعي، وأبي ثور وغيرهم. # وقال عطاء والنخعي، وأصحاب الرأي: لا يحصنها. # ومذهب مالك والشافعي والأوزاعي في الصبية التي لم تبلغ (يدخل بها البالغ ~~الحر: أنها تحصنه، ولا يحصنها، وقال أصحاب الرأي لا تحصنه الصبية، ولا ~~المجنونة). # وقال الشافعي تحصنه المجنونة إذا دخل بها. # وقال مالك في الصبي: إذا جامع امرأته لا يحصنها. # وقال ابن عبد الحكم: لا يحفر للمرجوم ويرجم على وجه الأرض وهو ms0422 قول أصحاب ~~الرأي، وقال غيره: يحفر له، وكلهم قالوا: يرجم حتى يموت. ### || [4.16] # قوله: { واللذان يأتيانها منكم فآذوهما } الآية. # المعنى عند الطبري: الرجل والمرأة اللذان يأتيان الفاحشة منكم أي: من ~~رجالكم { فآذوهما } ، قيل: يعني بذلك غير المحصن، وبالذي قبلها: ~~المحصنان. وقيل: عنى بذلك الرجلان الزانيان. # وقيل: هذه الآية والتي قبلها منسوخة بالحدود، وعليه العمل عند الصحابة ~~والعلماء. وقيل: هي ناسخة لما قبلها ومنسوخة بالحدود. # ومعنى { فآذوهما } فسبوهما وعيروهما، ونحوهما. # وقال ابن عباس: معناها: يؤذيان باللسان ويضربان بالنعال. # والسبيل في الآية التي قبلها هي الحدود التي نزلت في النور. ### || [4.17] # قوله: { إنما التوبة على الله للذين يعملون ~~السوء بجهالة } الآية. # معناها عند الطبري: أن التوبة ليست لأحد إلا الذين يعملون السوء، وهم ~~جهال: ثم يتوبون قبل الموت، فإن الله يتوب عليهم، وأكثر الصحابة على أن ~~كل ذنب فعله الإنسان فعل جهالة عمدا كان أو غير عمد. # قال مجاهد: كل من عصى ربه فهو جاهل حتى يتوب عن ذلك، وعلى ذلك أكثر ~~التابعين وأهل التفسير. # وقد قال الضحاك: إن الجهالة: العمد خاصة وروي مثله عن مجاهد. # وقال عكرمة: الجهالة: الدنيا. فالمعنى على قوله: للذين يعملون السوء في ~~الدنيا، وقال: الدنيا كلها جهالة. # وقيل معنى: { بجهالة } أي: بجهالة منهم لما في الذنب من العقاب ~~عمدوا ذلك أو جهلوه. وقيل: الجهالة أن يعمل المعصية وهو يعلم أنها معصية، ~~فإن لم يعلم ذلك، فهو خطأ وليست بجهالة. # قوله: { ثم يتوبون من قريب } الآية. # أي: في صحة لا مرض فيها قبل نزول إمارات الموت، قاله ابن عباس والسدي ~~وغيرهما، وقيل: المعنى من قبل معاينة الموت (وروي ذلك عن ابن عباس، وقاله ~~الضحاك، وقال عكرمة وابن زيد " من قريب " من قبل الموت). # وقد روى قتادة عن أبي قلابة أنه قال: ذكر لنا أن إبليس لعنه الله لما ~~لعن وأنظر قال: وعزتك لا أخرج من قلب ابن آدم ما دام فيه الروح، قال ~~الله عز وجل: لا أمنعه التوبة ما دام فيه الروح. # وقال النبي صلى الله عليه ms0423 وسلم: # " إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر ". # وقال أهل المعاني: " ثم يثوبون " قبل مماتهم في الحال التي يفهمون ~~فيها أمر الله عز وجل ونهيه، وقبل أن يغلبوا على أنفسهم وعقولهم { ~~فأولئك يتوب الله عليهم } أي: يرزقهم إنابة إلى طاعته ~~ويتقبل منهم توبتهم إليه. # قال الأخفش: قال إني تبت الآن " تمام وخولف في ذلك لأن و { الذين ~~يموتون } عطف على " الذين " الأول. ### || [4.18] # قوله: { وليست التوبة للذين يعملون السيئات } ~~الآية. # المعنى: ليست لمن يصر على معاصي الله حتى إذا حشرج بنفسه وعاين ملائكة ~~ربه قد أتوا لقبض روحه قال في نفسه أتوب الآن وهو موقن من الموت لا يطمع ~~في حياة، هذا لا توبة له يضمرها، لأنه غير مستطيع لإظهارها. # قال ابن عمر: التوبة مبسوطة ما لم يسق. وعنى بذلك أهل النفاق. # وقال ابن الربيع: نزلت الأولى في المؤمنين يعني قوله: { إنما ~~التوبة على الله } ونزلت الثانية - الوسطى - في المنافقين وهي ~~قوله: { وليست التوبة } ونزلت الآخرة في الكفار يعني قوله: { ~~ولا الذين يموتون وهم كفار } لا توبة لهم في الآخرة إذ ~~ليست بدار عمل. # وقيل: هي في أهل الإسلام، وذكر عن ابن عباس أنها منسوخة بقوله: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء # [النساء: 48 و 116]، قال: فحرم الله المغفرة على من مات، وهو كافر، ~~وإرجاء أهل التوحيد إلى مشيئته ولم يويئسهم من المغفرة. والسيئات هنا: ما ~~دون الكفر. # ومعنى { أعتدنا } - وهو أفعلنا - من العتاد. ### || [4.19] # قولهم: { يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ~~ترثوا النسآء كرها } الآية. # الكره والكره لغتان بمعنى عند البصريين والكسائي. # وقال الفراء: الكره بالفتح أن يكون على الشيء، والكره المشقة، هذا ~~معنى قوله. # وقال القتبي: الكره بالفتح بمعنى القهر والضم بمعنى المشقة. # ومعنى الآية عند أبي بكير وغيره: أنها نهي للرجل يحبس المرأة، وليس له ~~بها حاجة رجاء أن يرثها، ونهاه أن يعضلها حتى تفتدي منه بما أخذت منه، أو ~~ببعضه. # وقوله: { إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ms0424 } ، معناه أن ~~تشتم عرضه، أو تخالف أمره وتبذو عليه، فكل فاحشة (نعتت) مبينة فهي من ~~البذاء باللسان، وكل فاحشة مطلقة فهو الزنا، والزنا يستر ويخفى، فلا ~~تكون مبينة، والنطق بالبذاء يظهر، فهو مبين من لسان فاعله، ودل (على) ذلك ~~قوله: # ينسآء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة # [الأحزاب: 30] عنى بذلك مخالفة (أمر) الرسول صلى الله عليه وسلم والأذى ~~بالنطق ونعوذ بالله من أن يعني بذلك الزنا، هذا معنى قول ابن بكير. # وقيل: إن الآية ناسخة لما كانوا عليه في الجاهلية، وذلك أنه كانت المرأة ~~في الجاهلية إذا مات زوجها كان ابنه من غيرها، أو قريبه أولى بها من ~~غيرهما، ومنها بنفسها، فإن شاء نكحها وإن شاء منعها من النكاح وهو العضل ~~فحرم الله ذلك على المؤمنين بهذه الآية. # فمعنى الوراثة هو أن يأخذها لنفسه، ويكون بها أولى من ولي نفسها، ومن ~~غيره، ومعنى العضل: أن يأخذها ويمنعها من تزوج غيره، كذلك قال جماعة أهل ~~التفسير، ولكن اختلفوا (فقيل كان ذلك سنة قريش في الجاهلية). # وقيل: كان ذلك سنة الأنصار. # وقيل: كان ذلك سنة الجميع يمنع امرأة قريبه أن تتزوج ويغصبها نفسها إن ~~شاء. # قال الضحاك: كان الرجل إذا مات وترك امرأته أتى حميمه، فألقى ثوبه ~~عليها، فورث نكاحها وكان أحق بها، وكان ذلك عندهم نكاحا، فإن شاء أمسك ~~حتى تفتدي منه، وقال ابن عباس: كان حميم الميت يلقي ثوبه على امرأته فإن ~~شاء تزوجها بذلك، وإن شاء حبسها حتى تموت، فيرثها فذلك. # قوله: { لا يحل لكم أن ترثوا النسآء كرها } لأنهم ~~يمنعونها من التزويج حتى تموت، فيرثها بذلك إلا أن تذهب إلى أهلها قبل أن ~~يلقي عليها ثوبه فتكون أحق بنفسها، كذلك حكمهم فيها. وقال زيد بن أسلم: ~~كان الرجل إذا مات في الجاهلية ورث امرأته من يرث ماله وكان يعضلها حتى ~~يتزوجها أو يزوجها من أراد. وكان أهل تهامة يسيء الرجل صحبة (المرأة) حتى ~~يطلقها، أو يشترط عليها ألا تنكح إلا من أراد حتى تفتدي ببعض ما أعطاها، ~~فنهى ms0425 الله عن ذلك. # وقال مالك: كانت المرأة في الجاهلية إذا مات زوجها كان نكاحها بيد ابن ~~زوجها، يعني من غيرها، فإذا ماتت قبل أن تنكح كان ميراثها له، فكان الرجل ~~يعضل امرأة أبيه عن النكاح حتى تموت فيرثها فنهى الله عن ذلك ونسخه. # قوله: { ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض } الآية. # أي: تحبسوهن عن النكاح لتأخذوا من أموالهن إذا متن ما كان موتاكم ساقوا ~~لهن من صدقاتهن، قال ذلك ابن عباس والحسن وعكرمة فهو خطاب عند هؤلاء ~~لورثة الميت. # وروي عن ابن عباس في معناها أيضا أنها في مخاطبة الأزواج ألا يحبسوا ~~النساء وهم كارهون لهن ليأخذوا منهن ما دفعوا إليهن. # قال قتادة المعنى: لا ينبغي لك أن تحبس امرأتك وأنت كاره لها لتفتدي ~~منك. وقال بعض أهل التفسير نزل صدر الآية في الجاهلية، وآخرها في أمر ~~الإسلام فقوله: { لا يحل لكم أن ترثوا النسآء كرها } ~~في الجاهلية. # وقوله: { ولا تعضلوهن } في الإسلام وهو ما ذكرنا من قول قتادة ~~وما روي عن ابن عباس. وقال الضحاك: العضل أن يكره الرجل المرأة حتى تفتدي ~~منه قال الله: { وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم ~~إلى بعض }. وقيل: إن المنهي عن العضل هنا أولياء النساء، قاله ~~مجاهد، وقال ابن زيد: كان العضل في قريش بمكة، ينكح الرجل المرأة الشريفة ~~ثم لا توافقه فيفارقها على ألا تتزوج إلا بإذنه، فيشهد بذلك عليها، فإذا ~~خطبها الخاطب لم تتزوج حتى تعطي الأول، وترضيه فيأذن لها وإلا منعها. # وقوله: { إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } الآية. # سمح للأزواج في المضارة إذا أتين بفاحشة ظاهرة يفتدين ببعض ما أعطوهن ~~قال ذلك الحسن. # وقال عطاء: كان الرجل إذا أصابت امرأته فاحشة سلمت إليه ما أخذت منه، ~~وأخرجها، فنسخ ذلك بالحدود. # وقال أبو قلابة: للرجل أن يضار بالمرأة إذا أتت بفاحشة، ويضيق عليها حتى ~~تختلع منه. # وقال ابن عباس: الفاحشة هنا النشوز، إذا نشزت وجاز له أن يأخذ منها ~~الفدية. وقيل: الفاحشة هو بذاء اللسان على زوجها، والزنى، والنشوز، فله ~~إذا فعلت شيئا من ms0426 ذلك أن يأخذ منها الفدية ويضارر بها حتى تفتدي منه، ~~وإذا كانت الفاحشة بالألف واللام فهي الزنا واللواط. # قوله: { وعاشروهن بالمعروف } الآية. # أي: صاحبوهن بالمعروف في المبيت والكلام. وقيل: المعروف إمساكهن بأداء ~~حقوقهن التي لهن عليكم أو تسرحوهن بإحسان. قوله: { فإن ~~كرهتموهن } الآية. # { خيرا كثيرا } أي: في إمساكه { خيرا كثيرا } أي: في الصبر ~~على إمساك ما تكرهون. # فالهاء في " فيه " تعود على الإمساك. قال مجاهد المعنى: ويجعل الله في ~~الكراهة خيرا كثيرا. قال السدي: { ويجعل الله فيه خيرا ~~كثيرا } أي: الولد. # قال ابن عباس: خيرا كثيرا أي: يعطف عليها، ويرزق منها ولدا ويجعل ~~الله في ولدها خيرا كثيرا. # فالهاء في (فيه) على قول مجاهد تعود على الكراهة. ### || [4.20-21] # قوله: { وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج } ~~الآية. # نهى الله المؤمنين أن يأخذوا من أزواجهم شيئا، إذا أرادوا طلاقهن ~~ليستبدلوا بهن غيرهن. والقنطار: المال الكثير وفي تحديد عدده اختلاف قد ~~ذكرناه في آل عمران، والبهتان: الباطل. # { أتأخذونه } كله على طريق التحذير والتوبيخ ألا يؤخذ منهن شيء، ~~وإن كثر ما عندهن، وهو تحذير لمن فعله ومعنى { أفضى بعضكم ~~إلى بعض } الملامسة والمباشرة أي: تلامستم وتباشرتم، وأصل الإفضاء ~~في اللغة: المباشرة والمخالطة، يقال: القوم فوضى فضا أي: مختلطون لا أمير ~~لهم، فالإفضاء في هذه المواضع عند أكثر العلماء الجماع في الفرج. # { وأخذن منكم ميثاقا غليظا }: هو الإمساك بالمعروف أو ~~التسريح بالإحسان، وهذا قول عامة الفقهاء. وكان في عقد النكاح قديما أن ~~يقال للناكح: " الله عليك " أي: " لتمسك بالمعروف أو تسرح بإحسان ". # وقال ابن زيد: رخص عليهم بعد ذلك فقال: # إلا [أن] يخافآ ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ~~ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما ~~افتدت به # [البقرة: 229] وهذه ناسخة لتلك في قوله. وأكثر الناس على أنها محكمة ~~فليس له أن يأخذ منها إذا أراد أن يستبدل بغيرها شيئا مما أعطاها، وأجاز ~~له في البقرة أن يأخذ منها إذا أرادت هي طلاقها لتفتدي منه إذا كان ~~كارها للطلاق، وليس في حكم إحدى الآيتين ms0427 نفي للأخرى فكلاهما محكم، تلك ~~يجوز أن يأخذ منها لأنها مريدة للطلاق وهو كاره، وهذه لا يجوز أن يأخذ ~~منها لأنه هو المريد للطلاق ليستبدل غيرها. ### || [4.22] # { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم } الآية. # قوله: { إنه كان فاحشة } إنما دخلت كان عند المبرد هاهنا ~~زائدة، والمعنى أنه كان فاحشة على كل حال ويكون. وقال الزجاج: لا يجوز ~~زيادة كان هاهنا لأنها قد عملت، ولكنها غير جائزة، ومعناها أنه كان ~~مستقبحا عندهم، والجاهلية يسمونه فاحشة فخوطبوا بما كان عندهم. # وقوله: { إلا ما قد سلف } هو أن الأبناء كانوا في الجاهلية ~~ينكحون نساء آبائهم وهو من الاستثناء المنقطع، المعنى لكن ما سلف دعوه ~~فإنه مغفور، وقيل المعنى { إلا ما قد سلف }. فإنكم لا تؤاخذون ~~به. # قال ابن بكير: نهى الله عز وجل أن يفعلوا (ما كان) أهل الجاهلية يفعلونه ~~كان الرجل يخلف أباه على زوجته إذا توفي الأب، وقوله: { إلا ما قد ~~سلف } معناه لكن ما قد سلف في الجاهلية و { إنه كان فاحشة ~~ومقتا وسآء سبيلا } فهو ذم لما كانوا عليه. # ذم الله تعالى ما كانوا عليه في آخر الآية، ونهى عنه في أولها هذا معنى ~~قول ابن بكير، ف " ما " بمعنى من في هذه الأقوال، والمعنى: ولا تتزوجوا ~~النساء اللواتي تزوجهن آباءكم، فحرم الله أن يتزوج الرجل المرأة التي ~~تزوجها أبوه دخل بها أو لم يدخل، لأنه إذا عقد عليها فهو نكاح، وحرم أن ~~يتزوج الرجل زوجة ابنه مثل قوله تعالى: { وحلئل أبنائكم } ~~دخل الابن بها، أو لم يدخل تحرم على الأب بالعقد. # وقيل: معنى الآية: { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم }: كنكاح ~~آبائكم الفاسد الذي لا يجوز مثله في الإسلام، لكن ما سلف فإنه معفو عنه. ~~والمعنى عند الطبري، ولا تنكحوا من النساء نكاح آبائكم، إلا ما قد سلف في ~~الجاهلية، ومضى ب { إنه كان فاحشة ومقتا } ، فمن متعلقة ~~عنده بتنكحوا { ما نكح } بمعنى استثناء منقطع، وهو قول أهل التأويل ~~فيما ذكره الطبري لأن " ما " لا تكون لمن يعقل، فقال: ولو ms0428 كان المعنى لا ~~تنكح النساء اللواتي نكح آباؤكم لوجب أن يكون موضع (ما) من وهو معنى قول ~~الزجاج، فالنهي إنما وقع على ألا ينكحوا مثل (نكاح) آبائهم، ولم يقع على ~~ألا ينكحوا حلائل الأبناء، والقول الأول يكون النهي إنما وقع على ألا ~~ينكحوا حلائل الأبناء (فتكون)، " ما " لمن يعقل. # وقيل: المعنى { إلا ما قد سلف } من فعلكم ذلك، فإنه كان فاحشة ~~ومقتا، فلا تفعلوه، فحرم الله نكاح ما نكحه الآباء ومثله { وأن ~~تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف } أي ما سلف من ~~فعلكم، فإنه مغفور لكم، فلا تفعلوه الآن، فهو حرام. # وقوله: { إنه كان فاحشة ومقتا } أي لم يزل كذلك. # وقيل: كان زائدة والمعنى إنه فاحشة. # وعقد الأب يحرم على الابن، وكذلك عقد الابن يحرم على الأب بإجماع. # ومعنى: { إنه كان فاحشة } أنهم كانوا يفعلونه، ويعلمون قبحه. # ومعنى { ومقتا } هو أنهم كانوا إذا ولد للرجل ولد من امرأة أبيه سمي ~~ولد مقت، وأولاد المقت معروفون عند أهل النسب يقولون: فلان مقتي النسب، ~~والمقت أشد البغض. # { وسآء سبيلا } أي: ساء فعلهم طريقا، ونصبه على التفسير والبيان. ### || [4.23] # قوله: { حرمت عليكم أمهتكم } الآية: # حرم عليكم نكاح أمهاتكم، حرم الله تعالى في هذه الآية من النسب سبعا، ~~ومن الصهر سبعا: فالتي من النسب: الأم والبنت والأخت والعمة والخالة ~~وبنت الأخ وبنت الأخت، والتي من الصهر: الأم من الرضاعة، والأخت من ~~الرضاعة، وأم الزوجة، وبنت الزوجة المدخول بها، وامرأة الابن من نسب، أو ~~رضاعة، والجمع بين الأختين، والسابعة قوله: { ولا تنكحوا ما ~~نكح آباؤكم من النسآء } والعمات وإن بعدن مثل العمات وإن ~~قربن، وبنات الأخ والأخت وإن بعدن مثل من قرب منهن. # واختلف في أمهات النساء اللوتي لم يدخل بهن إذا ماتت البنت قبل الدخول. ~~يروى عن علي رضي الله عنه: جواز نكاحها وعن زيد بن ثابت مثله، جعلها ~~كالربيبة تحرم إذا دخل بأمها، ولا تحرم إذا لم يدخل بالأم وإن كان عقد. # وقال جماعة من العلماء والصحابة والتابعين غير ما ذكرنا أنها ms0429 تحرم، وإن ~~لم يدخل بالبنت، وليس مثل الربيبة لأنها قد نص عليها أنها لا تحرم إلا ~~بالدخول بالأم، فنعتها بقوله: { التي دخلتم بهن }. فهو نعت ~~للنساء اللاتي خفضن " بمن " ولا يحسن أن يكون نعتا للنساء المخفوضات ~~بالإضافة، لاختلاف العاملين، فقد أجازه الكوفيون وهو تأويل على قول علي ~~وزيد بن ثابت إذ جعل أم الزوجة لا تحرم إلا بالدخول بالبنت. وقد بينا هذه ~~المسائل مفردة في غير هذا الكتاب وفيما أشرنا إليه في هذا كفاية. # وكل امرأتين لو كانت إحداهما ذكرا والأخرى (أنثى) ولا يحل أحدهما ~~لصاحبه، فلا يجوز الجمع بينهما، هذا أصل جامع في تحريم الجمع بين ~~امرأتين، ومعنى الدخول هنا الجماع، وقيل الدخول: هو التجرد للفعل، وإن لم ~~يفعل. # وقال الزهري في الرجل يلمس أو يقبل أو يباشر ينهى عن ابنتها. # (وحلائل الأبناء) أزواجهم، وسميت حليلة لأنها تحل معه في فراش واحد، وكل ~~العلماء أجمع على أن حليلة ابن الرجل تحرم عليه بعقد ولده عليها، وإن لم ~~يدخل. # ومعنى قوله: { الذين من أصلبكم } أي: الذين ولدتموهم دون ~~الذين تبنيتموهم، فإما حلائل الأبناء من الرضاع فبمنزلة حلائل الأبناء من ~~الأصلاب لأن الله تعالى قد جعل الأختين من الرضاعة كالأخت من النسب، ~~والأم من الرضاعة كالأم من النسب، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " # ، فزوجة الابن من الرضاعة تحرم على الأب بالعقد كزوجة الابن من البنت ~~قال عطاء: كنا نتحدث أنها نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم حين نكح ~~امرأة زيد بن حارثة، وقال (كان) النبي صلى الله عليه وسلم تبناه، فتكلم ~~المشركون في ذلك فنزلت { وحلئل أبنائكم الذين من ~~أصلبكم } [أي] لا الذين تبنيتموهم، ونزلت # وما جعل أدعيآءكم أبنآءكم # [الأحزاب: 4]، ونزلت # ما كان محمد أبآ أحد من رجالكم # [الأحزاب: 40]. # وإذا اشترى الرجل الجارية فباشرها، أو عشرها، أو قبل، ولم يجامع حرمت ~~على ابنه، وعلى أبيه في قول مالك، وأكثر العلماء، وابن الابن وإن سفل ~~بمنزلة الابن في هذا كله والجد بمنزلة الأب ms0430 وإن علا في هذا كله فاعلمه، ~~والوطء في النكاح الفاسد حكمه في التحريم كحكم النكاح الصحيح يحرم ما ~~يحرم الصحيح، هذا مذهب مالك والشافعي وسفيان، وغيرهم من الفقهاء، والجمع ~~بين الأختين في النكاح حرام بالنص فأما بالملك فإن عثمان قال: أحلتهما ~~آية وحرمتهما أخرى أما أنا فلا أحب أن أصنع ذلك. # قوله: { وربائبكم التي في حجوركم } كل العلماء على ~~تحريم الربيبة التي دخل بأمها كانت في حجر الزوج أو لم تكن في حجره إلا ~~ما روي عن علي رضي الله عنه: أنه أجاز نكاح الربيبة بعد موت أمها إذا لم ~~تكن في حجر الزوج اتباعا لظاهر الآية لأن الله قال: { التي في ~~حجوركم } أي في بيوتكم. وسئل عمر عن المرأة وابنتها من ملك اليمين ~~هل يطأ إحداهما بعد الأخرى، فنهى عن ذلك وحرمه. وقال علي رضي الله عنه: ~~يحرم من الإماء ما يحرم من الحرائر إلا العدد. # وكره ابن مسعود رضي الله عنه الجمع بينهما من ملك اليمين فقال له رجل: ~~يقول الله: # أو ما ملكت أيمنكم # [النساء: 3] فقال له ابن مسعود: وبعيرك مما ملكت يمينك. # وأكثر العلماء على كراهة ذلك، ولم يحرموه. لكن من أراد وطأ الأخرى ~~(فليخرج الأولى من ملكه بما يحرم على نفسه فرجها، بعتق أو بيع أو هبة، ~~ويطأ الأخرى). هذا قول أكثر أهل العلم، وروي ذلك عن علي رضي الله عنه، ~~وفعله ابن عمر رضي الله عنهما، وقال الحسن والأوزاعي، وقال قتادة: إذا ~~أراد أن يطأ الأخرى اعتزل الأولى، فإذا نفقت عدتها وطئ الثانية، ويضمر في ~~نفسه ألا يقرب الأولى. # وقال النخعي: إذا كانت عنده أختان فلا يقرب واحدة منهما حتى يخرج الأولى ~~عن ملكه، وقال الحكم وحماد. # وقوله: { إلا ما قد سلف } أي: ما مضى في الزمن الأول فإنه كان ~~حلالا، وروي أن يعقوب عليه السلام تزوج أختين أم يوسف وأم يهودا، وكان ~~ذلك لجميع الأمم فيما ذكر [فحر]م الله عز وجل على هذه الأمة رحمة منه لهم ~~لما يلحق النساء من الغيرة، فيوجب ms0431 التقاطع والعداوة بين الأختين. # ونهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها، ~~وقال: # " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " # فإذا أرضعت المرأة غلاما لم يتزوج شيئا من أولادها إلا ما ولدت قبل ~~الرضاع لا بعده، وجائز أن يتزوج إخوته من أولاد المرأة إن شاءوا. وكذلك ~~إن أرضعته جارية لم يحل لها أن تتزوج أحدا من أولادها، ولأخواتها أن ~~يتزوجن أولاد المرأة المرضعة إن شاؤوا. # وكره الحسن وعكرمة أن يتزوج الرجل (امرأة رجل وابنته من غير المرأة ~~ويجمع بينهما، وكل الفقهاء على جوازه. # وكره طاوس أن ينكح الرجل) المرأة وينكح ابنه ابنتها إذا كانت ولدتها بعد ~~وطء الأب لها (وكل الفقهاء على جوازه، فإن كانت ولدتها قبل وطء الأب لها) ~~فلم يكرهه أحد. ### || [4.24] # قوله: { والمحصنت من النسآء إلا ما ملكت ~~أيمنكم } الآية. # قال مالك في قوله { إلا ما ملكت أيمنكم }: هن السبايا ~~ذوات الأزواج، أي: وطؤهن جائز لكم يعني لهن أزواج بأرض الشرك أحلهن الله ~~لنا، يعني بعد الاستبراء والمحصنات هنا ذوات الأزواج وقوله { إلا ما ~~ملكت أيمنكم } يريد به إلا ما ملكت من ذوات الأزواج التي فرق ~~بينهن وبين أزواجهن السباء. # قال ابن عباس: وطء كل ذات زوج زنا إلا ما سبي، وكذلك قال ابن زيد وابو ~~قلابة ومكحول والزهري. # فالمعنى: حرمت عليكم النساء اللواتي أحصنهن الأزواج إلا ما ملكت ~~أيمانكم من ذوات الأزواج السبايا فإنه حلال لكم، ونزل ذلك في سبي ~~(أصاب) المسلمون بأوطاس لهن أزواج فكرهوا أن يقعوا عليه ولهن أزواج، ~~فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فنزلت { إلا ما ملكت ~~أيمنكم } من السبايا ولهن أزواج في بلد الشرك، وإنهن حلال لكم ~~يعني: بعد الاستبراء. وقال آخرون: المعنى في { إلا ما ملكت ~~أيمنكم } أي: وطئهن جائز لكم يعني بعد الاستبراء، إن الله حرم ~~نكاح المحصنات بالأزواج، واستثنى ملك اليمين، وهي المملوكة، ذوات الزوج ~~يبيعها مولاها سيكون بيعها طلاقها وتحل للمشتري. # قال ابن عباس وأبي بن كعب، وجابر بن عبد ms0432 الله: بيع المملوكة طلاقها. # وقال أبو العالية " والمحصنات هنا العفائف التي أحصنهن عفافهن، وهو ~~مردود إلى أول السورة، والمعنى عنده # فانكحوا ما طاب لكم من النسآء مثنى وثلث ~~وربع # [النساء: 3] ثم حرم ما حرم من النسب والصهر، ثم قال: (والمحصنات من ~~النساء) أي: إنهن حرام إلا بصداق وولي وشهود، ويجب على هذا القول نصب ~~المحصنات لأنه عطف على مثنى وما بعده. # وقال ابن جبير وعطاء: { والمحصنت من النسآء } حرم الله ~~المحصنات فوق الأربع مع تحريم القرابة المذكورة. # وقيل المعنى: { إلا ما ملكت أيمنكم } بنكاح أو ملك، فحرم ~~الله ذوات الأزواج من النساء ما حرم قبله من ذوي الأرحام، واستثنى ما ~~ملكت اليمين بعقد نكاح صحيح أو بثمن، قال ذلك مجاهد، وقيل: المحصنات: ~~الحرائر، وقال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: إن الآية نزلت في نساء ~~مهاجرات قدمن المدينة، فتزوجهن بعض المسلمين، ثم قدم أزواجهن مهاجرين، ~~فنهي المسلمون عن نكاحهن. # وروي أن ابن عباس كان يتوقف في تفسير هذه الآية، قال ابن جبير: كان ابن ~~عباس لا يعلمها. # وروي عن مجاهد أنه قال: لو أعلم من يفسر لي هذه الآية لضربت إليه أكباد ~~الإبل يعني { والمحصنت من النسآء }. # والإحصان: يكون بالحرية كقوله # والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب # [المائدة: 5] يريد الحرائر من أهل الكتاب ويكون بالإسلام كقوله: # فإذآ أحصن فإن أتين بفحشة # [النساء: 25] على قراءة من فتح الهمزة يريد أسلمن، ويكون بالعفة كقوله: # والذين يرمون المحصنات # [النور: 4]، يريد العفائف، ويكون بالزوج. # والفائدة في قوله: { من النسآء } أن المحصنات يقع على معنى: ~~والأنفس المحصنات فيكون للرجال والنساء، فبين أنه للنساء بقوله { من ~~النسآء } دليل ذلك أنه قال: { والذين يرمون المحصنات ~~} فلولا أنه يراد به الأنفس المحصنات لم يحد من قذف رجلا بالنص على ما ~~ذكرنا. # قوله { كتب الله عليكم } " نصب: كتاب (الله) عليكم ": ~~المصدر عند سيبويه، لأنه لما قال { حرمت عليكم } على أنه كتب ~~ذلك، فالمعنى كتب الله عليكم ذلك كتابا، وقيل نصبه على الإغراء أي: ~~الزموا كتاب الله، وهذا قول ضعيف مردود، ms0433 وهو قول الكوفيين لأن عليكم هو ~~الذي يقوم مقام الفعل في الإغراء، وهو لا ينصرف ولا يجوز تقديم المفعول ~~عليه عند أحد، لا يجوز زيد عليك، ونصبه عند بعض الكوفيين على الحال كأنه ~~قال: كتاب الله عليكم. # ومعنى { كتب الله عليكم } قال عطاء والنخعي هو الأربع لا ~~يزيد عليهن، وقاله السدي، وقال ابن زيد: معناه أمر الله عليكم، يريد ما ~~حرم الله من هؤلاء وما أحل لهم، وقرأ { وأحل لكم ما وراء ~~ذلكم } الآية. # ومن فتح الهمزة، فلقرب اسم الله تعالى من الفعل، فأسنده إليه، فتقديره ~~كتاب الله ذلك عليكم، وأحل لكم. ومن ضم فإنه أجراه على أول الآية، لأنه ~~جرى على ترك تسمية الفاعل وهو قوله { حرمت عليكم } فأجرى ~~التحليل على لفظ التحريم لتسابق الألفاظ ولئلا تختلف، فكأنه حرم عليكم ~~كذا وأحل لكم كذا، ومعنى { ما وراء ذلكم } ما دون الخمس { أن ~~تبتغوا بأمولكم } ، على وجه النكاح، وقال السدي: ما دون ~~الأربع وقال عطاء: { ما وراء ذلكم } ما وراء القرابة التي قد ~~حرمت عليكم أن تبتغوا بأموالكم: المحصنات من الحرائر الأربع والمماليك. # وقال قتادة { ما وراء ذلكم }؛ ما ملكت يمينكم " # وقال الطبري: بين الله لنا المحرمات بالنسب والصهر، ثم أخبرنا أنه قد ~~أحل لنا ما وراء هؤلاء المحرمات في هاتين الآيتين بأن نبتغيهما بأموالنا ~~نكاحا، وملك يمين لا سفاحا، وقد أعلمنا أن ما زاد على أربع حرام، وما ~~كان من الإماء ذوات الأزواج حرام ما لم ينتقل الملك. # قوله: { محصنين غير مسفحين } معناه: أعفاء غير مزانين ~~والسفاح: الزنا، والإحصان هنا العفاف، وقال مجاهد: محصنين متناكحين. # قوله: { فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن ~~فريضة }: يقول: فالشيء الذي استمتعتم به من النساء فأعطوهن أجورهن ~~أي صدقاتهم فريضة معلومة، وقال ابن عباس: معناها إذا نكح الرجل المرأة ~~مرة واحدة فقد وجب الصداق، فالمعنى فأي شيء استمتعتم به، وإن قل فآتوهن ~~أجورهن أي صدقاتهن والاستمتاع النكاح، وقاله: الحسن ومجاهد. # وقال السدي: وغير الاستمتاع هنا أن يتزوجها إلى أجل مسمى بإذن ~~وليها، ويشهد شاهدين، ms0434 فإذا تم الأجل أمر أن يدفع إليها ما شرط لها، ~~وليس له عليها سبيل وتعتد، ولا ميراث بينهما. # وسئل ابن عباس عن متعة النساء فقال: أما تقرؤون فما استمتعتم به منهن ~~إلى أجل مسمى فقيل له لو قرأناها هكذا لكان الأمر على ذلك. فقال: فإنها ~~كذلك. # وفي قراءة أبي زيادة: إلى أجل مسمى، وكذلك ابن جبير. # وقالت عائشة رضي الله عنها كانت المتعة حلالا، ثم نسخ الله ذلك ~~بالقرآن، وروي ذلك عن ابن عباس وهو قول ابن المسيب والقاسم وسالم وعروة. ~~قال ابن عباس: نسخها # يأيها النبي إذا طلقتم النسآء فطلقوهن ~~لعدتهن # [الطلاق: 1]. # وقال ابن المسيب: نسخت المتعة بآية الميراث يعني: # ولكم نصف ما ترك أزوجكم # [النساء: 12] لأن المتعة كانت لا ميراث بها. # وروي عن عائشة رضي الله عنها قالت حرم الله المتعة بقوله # والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على ~~أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم # [المؤمنون: 5-6 والمعارج: 29-30]. وكانت المتعة أن يتزوج الرجل المرأة ~~إلى أجل معلوم، وشرط (ألا) طلاق بينهما، ولا ميراث ولا عدة. # [وقال أبو عبيدة: نسخت المتعة بالقرآن والسنة لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم حرم المتعة يوم الفتح وغيره. # ومن قال: إن المعنى إذا تزوجتم المرأة، فنكحتموها ولو مرة واحدة] ~~فأعطوها صداقها، فهي عنده محكمة لا نسخ فيها، والتقدير: فما استمتعتم به ~~من الدخول بالمرأة فلها الصداق كاملا فأعطوها إياه، ودل على ذلك قوله { ~~ولا جناح عليكم فيما ترضيتم به من بعد ~~الفريضة } أي: إن وهبت لك النصف، أو ما كان فلا جناح، وإن وهبت لها ~~النصف، فأعطيتها الكل، ولم تدخل بها فلا جناح. # وقيل: المعنى: إن أدركتم عسرة بعد أن فرضتم لنسائكم أجورهن { ولا ~~جناح عليكم فيما ترضيتم به }. # وقيل المعنى: لا جناح عليكم إذا تم الأجل الذي اشترطتم في الاستمتاع أن ~~يزدنكم في الأجل، وتزيدهن في الأجر قبل أن يستبرئن أرحامهن، وهو منسوخ. ~~وقال السدي: إن شاء أرضاها بعد الفريضة بأجرة، ثم تقيم معه إلى الوقت ~~الذي يتراضون أيضا عليه، وهو منسوخ. وقيل: ms0435 المعنى: لا جناح عليكم فيما ~~وضعه نساؤكم عنكم من صدقاتهن بعد الفريضة. # قال ابن زيد: إن وضعت لكم من صداقها فهو سائغ فالمعنى على هذا لا إثم ~~على الرجل أن تضع المرأة عليه مهرها، أو يهب الرجل للمرأة التي لم يدخل ~~بها نصف الصداق، فيدفعه إليها كاملا. # قال الأخفش { إلا ما ملكت أيمنكم } تمام. # وقال غيره { كتب الله عليكم } التمام، وهو أحسن لأن العامل ~~فيه ما قبله من المعنى الذي دل عليه كتاب، وإنما يصح قول الأخفش إذا نصبت ~~{ كتب الله } على الإغراء، وهو بعيد. # (وفريضة) مصدر كأنه قال: فرض ذلك عليكم فريضة وهو التمام. ### || [4.25] # قوله { ومن لم يستطع منكم طولا } الآية. # قرأ الكسائي المحصنات في كل القرآن - بكسر الصاد، إلا قوله { ~~والمحصنت من النسآء } قال: لأنه أراد به ذوات الأزواج من ~~السبايا أحلهن الله بعد استبرائهن بالحيض، فالأزواج أحصنوهن، قال: وغير ~~ذلك يكون المراد به غير التزوج، إما إحصان إسلام، أو عفة أو بلوغ، فتكون ~~هي التي أحصنت نفسها بإسلامها أو بعفتها أو ببلوغها، ولا يحتمل عنده { ~~والمحصنت من النسآء } إلا إحصان التزويج، وهو مذهب ابن ~~مسعود وابن عباس ومجاهد وابن المسيب وغيرهم. # ومن فتح الصاد في جميع ذلك قال: إن الإسلام يحصنهن كما يحصنهن التزويج، ~~وكذلك العفاف والبلوغ والحرية وشبهه. وحكى أصحاب أبي عمرو (أن العرب) لا ~~تقول: هذا قاذف محصنة، ولكن تفتح، ومن ضم " أحصن " أجراه على محصنات ~~جعلهن مفعولات في الموضعين، فأما من فتح الهمزة، فحجته أن التفسير ورد ~~على إضافة الإحصان إليهن، ولأن من قرأ بضم الهمزة يلزمه في الحكم ألا ~~يوجب الحد على المملوكة إلا إذا كانت ذات زوج دون الأيم، وفي إجماع ~~الجميع على إيجاب الحد (على) المملوكة الأيم دليل واضح على فتح الهمزة ~~بمعنى: فإذا أحصن أي: أحصن أنفسهن بالعفاف أو بالإسلام. # والاختيار عند أهل اللغة: الضم لأنه قد تقدم ذكر إسلامهن في قوله { أن ~~ينكح المحصنت } فدل على أن الثاني غير الإسلام فيكون أحصن ~~بمعنى تزوجن، فالمعنى فإذا أحصنهن الأزواج، ms0436 ويكون حدها إن زنت بالكتاب، ~~وحد الأيم بالسنة، ومعنى الآية: أن الطول: السعة في المال عند أكثر ~~أهل التفسير وقال ابن زيد: الطول أن يجد ما ينكح به حرة. # وقال بعضهم: الطول الهوى قاله ربيعة، إذا هوى أمته، وخشي على نفسه، ~~وهو يقدر على نكاح الحرة فأرى أن ينكح الأمة. وقال جابر: لا يتزوج الحر ~~الأمة إلا أن يخشى على نفسه العنت، فليتزوجها. وقال عطاء: لا يفعل ذو ~~الطول إلا أن يخشى على نفسه البغي. # وأكثر الناس على أن ذا الطول لا يتزوج الأمة وإن خشي على نفسه لأن وجود ~~الطول إلى الحرة فيه قضاء شهوة، ولذة وليس هو كالمضطر إلى الميتة، والله ~~عز وجل قد حرم نكاح الأمة إلا لمن (لم) يجد طولا إلى الحرة، فلا يخرج عن ~~التحريم فيخلص لقضاء لذة، فمعناها: وإن لم يقدر أن ينكح الحرائر المؤمنات ~~لقلة ما بيده، فلينكح الأمة المؤمنة إذا خاف العنت، فيتعفف بها ويكفيه ~~أهلها مؤنتها. # قال الشافعي وغيره: لا ينكح الأمة حتى يعدم ما يتزوج به الحرة ويخاف ~~الزنا، فإن لم يجتمع الأمران عليه فلا يتزوج الأمة. # وإذا نكح الأمة على الحرة فإن مالكا قال: لا يفعل فإن فعل جاز النكاح، ~~وكانت الحرة مخيرة إن شاءت أقامت وإن شاءت اختارت نفسها. # وقال الشافعي: النكاح باطل. # وقال الزهري: يفرق بينه وبين الأمة، ويعاقب. # وقال عطاء: لا ينكح الأمة على الحرة إلا بأمرها، فإن اجتمعا كان للحرة ~~ثلثا النفقة. وكان مجاهد يقول: مما وسع الله به على هذه الأمة نكاح ~~الأمة، واليهودية والنصرانية وإن كان هو شرا، يعني إذا خاف العنت على ~~نفسه في الأمة لهوى نزل به. وقال مسروق الشعبي: نكاح الأمة لا يحل إلا ~~لمضطر كالميتة، فإذا تزوج حرة على أمة حرمت عليه الأمة كالرجل يجد طعاما ~~ومعه ميتة. # والمحصنات هنا العفائف (وقيل الحرائر) وهو الأشبه لذكر المماليك بعدهن. ~~والفتيات جمع فتاة وهن الشواب. # وقوله { من فتيتكم المؤمنت } يدل على أن تحريم نكاح ~~الإماء المشركات واجب وهو محرم عند مالك ms0437 وجماعة من العلماء. # قال أهل العراق: ذلك على الإرشاد، وليس بمحرم، وإنما هو ندب. # فأما نكاح الحرة على الأمة فهو جائز عند ابن المسيب وعطاء والشافعي، ~~وأبي ثور وأصحاب الرأي. # وروي عن علي رضي الله عنه جوازه، وقال: يفرض للحرة يومان وللأمة يوم. ~~وقال مالك والزهري: للحرة الخيار إذا علمت بذلك إن شاءت أقامت، وإن شاءت ~~فارقته. # وقال ابن عباس: نكاح الحرة طلاق الأمة، وبه قال أحمد وإسحاق. وقال ~~النخعي: يفارق الأمة إذا تزوج الحرة إلا أن يكون له من الأمة ولد، فلا ~~يفارقها، ويكون للحرة يومان وللأمة يوم. وقال مالك: إذا خشي على نفسه ~~العنت يتزوج من الإماء حتى يبلغ أربعا، وهو قول أصحاب الرأي. # وروي عن الزهري أنه قال: يتزوج أربعا، ولم يذكر عنتا. # وروي عن ابن عباس أنه لا يتزوج إلا واحدة، وبه قال قتادة والشافعي. # وقال أحمد: يتزوج من الإماء اثنتين لا غير. # وقوله: { بعضكم من بعض } أي: أنتم بنو آدم. # وقيل: معناه أنتم مؤمنون كلكم إخوة. # وقيل: نزل ذلك لما كانت العرب تعير ابن الأمة وتسميه هجينا. # وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: { ومن لم يستطع ~~منكم طولا أن ينكح المحصنت المؤمنت } ومن لم ~~يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات " فلينكح بعضكم من بعض " هذا ~~فتاة هذا (وهذا) فتاة هذا وعلى هذا القول مرفوعون بفعلهم في التأويل لأن ~~المعنى { ما ملكت أيمنكم } فلينكح مما ملكت فرد بعضكم على ~~ذلك. # وقوله { والله أعلم بإيمنكم } ، أي: يعلم من آمن منكم ~~وصدق بما جاء من عند الله عز وجل (ورسوله) صلى الله عليه وسلم. وقوله: { ~~فانكحوهن بإذن أهلهن } أي تزوجوهن بإذن مواليهن، ورضاهن ~~{ وآتوهن أجورهن } أي: أعطوهن مهورهن بالمعروف على ما تراضيتم ~~به مما أحل الله لكم أن تجعلوه مهورا { محصنت غير مسفحت ~~} أي: عفائف غير زناة. # { ولا متخذت أخدان } وليس ممن لهن أصدقاء على السفاح ~~لأنهن في الجاهلية كان لهن الخليل، والصديق يحبسن أنفسهن للفجور عليه ~~سرا، وكانوا في الجاهلية يحرمون الزنا ما ظهر منه، ويسمحون ms0438 فيما أسر، ~~يقولون: ما ظهر منه فهو لؤم، وما خفي منه فلا بأس به، فأنزل الله # ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن # [الأنعام: 151]. # وقال السدي وغيره: ولا مسافحات معلنات بالزنا. # قوله: { فإذآ أحصن } أي: صرن ممنوعات الفروج بالأزواج وهذا ~~المعنى يدل على الضم في الهمزة. # وقيل: أحصن: أسلمن قاله السدي وهذا المعنى يدل على القراءة بفتح الهمزة. # وقال سالم والقاسم: إحصانها عفافها، وإسلامها. وأكثر الناس على أن ~~المعنى فإذا تزوجن. # { فإن أتين بفحشة فعليهن نصف ما على ~~المحصنت } معنى ذلك: إذا أتت الأمة بزنى بعدما أحصنت بالزوج ~~فعليها { نصف ما على المحصنت } أي الحرائر الأبكار. # وقيل: ذوات الإسلام التي أحصنهن دينهن غير محصنات بأزواج. وقوله { من ~~العذاب } أي: من الحد إذا زنيت. # وسميت البكر محصنة لأنه يكون بها فيما يستقبل كما يقال: ضحته قبل أن ~~يضحي بها، وقيل: المحصنات هنا المتزوجات، فعلى الإماء المتزوجات نصف حد ~~الحرة وهو خمسون، والرجم لا يتبعض لأن المرجوم قد يموت بحجر واحد، وربما ~~لم يمت بألف حجر، فنصف الرجم متعذر حده، فلا بد من الرجوع إلى نصف الجلد. # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إذا زنت الأمة فاجلدوها " # وإحصان الأمة إسلامها، وقد يجوز أن يكون معنى قوله { نصف ما على ~~المحصنت } يعني من الأبكار لأن إحصان الحرة قد يكون العفاف، وقد ~~يكون الإسلام، وقد يكون التزويج، ولا يحصن الأمة لا تزويج ولا غيره إلا: ~~الإسلام. # و { العذاب } الحد غير الرجم، قال ابن عباس: على الأمة إذا زنت وهي ~~مع حر نصف حد الحرة، وهو خمسون والمعنى فلازم لهن نصف حد الحرة. # قوله { ذلك لمن خشي العنت منكم } معناه ذلك الذي أبيح ~~من نكاح الأمة لمن خشي العنت، وهو الزنا. # وقيل: هو الإثم. وقيل: العقوبة. # وقيل: الهلاك. # وأصل العنت في اللغة المشقة يقال: أكمة عنوت إذا كانت شاقة، فهذا يدل ~~على جواز نكاح الإماء إنما يكون باجتماع الشرطين المذكورين، وهما: عدم ~~الطول، وخوف العنت وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: ms0439 لا ينبغي للحر أن ~~يتزوج أمة وهو يجد الطول إلى الحرة، فإن فعل فرق بينهما وعزر. # قوله: { وأن تصبروا خير لكم } أي: عن نكاح الإماء خير لكم ~~{ والله غفور } أي: غفور لكم عن نكاحهن على ما نصه لكم، وأذن لكم ~~فيه قال ذلك السدي وابن عباس وطاوس وغيرهم. # قوله: { رحيم } أي: رحيم بكم إذ أذن لكم في نكاحهن عند الاقتدار ~~وعدم الطول للحرة. ### || [4.26] # قوله { يريد الله ليبين لكم } الآية. # المعنى يريد الله أن يبين لكم حلاله من حرامه، ويبين لكم طرق الإيمان من ~~قبلكم لتتبعوه، { ويتوب عليكم } أي: يرجع بكم إلى طاعته { ~~والله عليم } عليم بمصلحة عباده حكيم في تدبيره فيهم. # والمعنى عند النحويين يريد الله هذا من أجل أن يبين لكم ومثله # وأمرت لأعدل بينكم # [الشورى: 15] أي: أمرت بهذا لأعدل بينكم، وفي هذه الآية عند أهل النظر ~~دليل على أن ما حرم علينا قد حرم على من قبلنا لقوله { ويهديكم ~~سنن الذين من قبلكم } ، وقيل: المعنى سنن من قبلكم من ~~المؤمنين خاصة. ### || [4.27] # قوله { والله يريد أن يتوب عليكم } الآية. # والمعنى والله يريد أن يرجع بكم إلى طاعته ليغفر لكم ما سلف لكم من ~~ذنوبكم في جاهليتكم من نكاحكم حلائل آبائكم وأبنائكم، وغير ذلك مما ~~ركبتموه { ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ~~} أي: ترجعوا عن الحق وهو الزنا. # قال مجاهد: يريدون أن تزنوا مثلهم. # ومعنى الشهوات: شهوات الدنيا ولذاتها. # وقيل: هم اليهود والنصارى قاله السدي، وقيل: هم اليهود خاصة يريدون أن ~~تنكحوا الأخوات من الأب مثلهم لأنهم يحلون ذلك. # وقال ابن زيد: هم طلاب الباطل، وأهل الزنا. ### || [4.28] # قوله { يريد الله أن يخفف عنكم } الآية. # أي: يريد أن يوسع عليكم في نكاح الفتيات المؤمنات عند عدم الطول، وخوف ~~العنت: { وخلق الإنسان ضعيفا } أي لا يستطيع الصبر عن شهوة ~~النساء. # وقرأ ابن عباس: وخلق الإنسان بالفتح أي: وخلق الله الإنسان ضعيفا، ~~يعني ضعيفا في أمر النساء لا يقدر على الصبر عن الجماع. # قال أبو محمد رضي الله عنه: وتخفيف ms0440 الله (تعالى) عن عباده أعظم من أن ~~يحصى، لم يكلفهم ما ليس في وسعهم ولا ما لا يطيقون، وضاعف حسناتهم بعشر ~~أمثالها، إلى سبعمائة مثل " وإذا هم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة، ~~فإن عملها كتبت له عشرا إلى سبعمائة ضعف، وإذا هم بسيئة ولم يعملها لم ~~يكتب عليه شيء وتكتب له حسنة، وإن عملها كتبت سيئة واحدة فإن استغفر منها ~~محيت عنه " وفضل الله ورأفته بخلقه أكثر من أن يحصى. ### || [4.29] # قوله: { يأيها الذين آمنوا لا تأكلوا أمولكم ~~بينكم } الآية. # { إلا أن تكون تجرة } الأكثر في كلام العرب أن تستعمل إلا ~~أن يكون في الاستثناء لغير ضمير فيها على معنى إلا يحدث أو يقع وإن في ~~موضع نصب استثناء ليس من الأول واختار أبو عبيدة النصب على إضمار الأموال ~~في تكون، وغير مختار عند أهل اللغة لأن أكثر كلام العرب في هذا لا يضمرون ~~فيها شيئا. # ومعنى الآية إنهم نهوا عن أكل الأموال بالربا، والقمار والظلم والبخس { ~~إلا أن تكون تجرة } فليربح ما شاء فيها قال ذلك السدي، وغيره ~~وهو اختيار الطبري فهي محكمة. # وقيل: نزلت في ألا يأكل أحد متاع أحد إلا بشراء، أو بقيود، ثم نسخ ذلك ~~بقوله: # ليس على الأعمى حرج # [النور: 61] الآية. # قال ذلك الحسن وعكرمة وغيرهما. # قال الطبري: في هذه الآية دليل على فساد قول من ينكر طلب الأقوات ~~والتجارات، والصناعات من المتصوفة الجهلة لأنه حرم أكل الأموال بالباطل، ~~وأباح أكلها بالتجارات عن تراض من البائع والمشتري، ومعنى { عن تراض ~~} هو الخيار فيما تبايعا فيه ما لم يفترقا من مجلسهما الذي تبايعا فيه، ~~وهو قول الشافعي. # وقيل: التراضي هو الرضى بعقد البيع والشراء، فإذا تراضيا فقد تم البيع ~~افترقا أو لم يفترقا، وهو قول مالك وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد. # وقال القتبي { عن تراض } [عن] موافقة منكم لما أحله الله تعالى ~~وتورع عما حرمه من القمار والربا والبيوع الفاسدة. # وقيل: { عن تراض } عن رضى من البائع والمشتري. # قوله: { ولا تقتلوا أنفسكم } أي: لا يقتل ms0441 بعضكم بعضا، ~~وهو معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم # " لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ". # وقيل معناه: لا تتجروا في بلاد العدو فتغدروا بأنفسكم. وقرأ الحسن " ولا ~~تقتلوا " بالتشديد على التكثير. # { إن الله كان بكم رحيما } ، أي: رحمكم الله بأن حرم ~~دماءكم، بعضكم على بعض. ### || [4.30] # قوله { ومن يفعل ذلك عدوانا } الآية. # المعنى: ومن يقتل أخاه المؤمن اعتداء وظلما { فسوف نصليه ~~نارا }. وقيل: المعنى ومن يفعل ما قد حرم الله عليه مما ذكر في أول ~~السورة إلى { ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف ~~نصليه نارا }. # وقيل: المعنى من يأكل مال أخيه بالباطل { فسوف نصليه نارا }. ~~والعدوان المجاوزة للشيء { نصليه } نورده نارا فيصلاها. ### || [4.31] # قوله: { إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه } الآية. # الكبائر هي: من أول السورة إلى ثلاثين آية منها في قول جماعة من ~~العلماء. وقال علي رضي الله عنه على المنبر في الكوفة: والكبائر سبع فسئل ~~عنها، فقال: الإشراك بالله، وقتل النفس التي حرم الله وقذف المحصنة، وأكل ~~مال اليتيم، وأكل الربا، والفرار من الزحف، والتعرب بعد الهجرة، يريد أن ~~يرجع الرجل أعرابيا بعدما هاجر إلى الله (تعالى) ورسوله. # وقيل: الكبائر منصوصة في كتاب الله عز وجل على ما روي عن علي رضي الله ~~عنه وهي سبع قوله: # ومن يشرك بالله فكأنما خر من السمآء # [الحج: 31] وقوله: # إن الذين يأكلون أموال اليتمى ظلما # [النساء: 10] وقوله: # الذين يأكلون الربوا لا يقومون # [البقرة: 275]. # وقوله: # إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات # [النور: 23]. # وقوله: { فلا تولوهم الأدبار } قال فيمن ولي # فقد بآء بغضب من الله # [الأنفال: 16] وقوله: # ومن يقتل مؤمنا متعمدا # [النساء: 93]. # وقوله: # إن الذين ارتدوا على أدبارهم # [محمد: 25]. # وقال عطاء: الكبائر سبع وهي: قتل النفس، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، ~~ورمي المحصنات، وشهادة الزور، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف، وروي أن ~~ابن عمر قال: تسع زاد على ما قال عطاء: السحر، والإلحاد في البيت الحرام. # وقال ابن مسعود: الكبائر أربع: الإشراك بالله، والقنوط من رحمة الله، ~~واليأس من روح ms0442 الله، والأمن من مكر الله، قال الله عز وجل: # ومن يشرك بالله فكأنما خر من السمآء # [الحج: 31]. # وقال: # ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضآلون # [الحجر: 56] وقال: # لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون # [يوسف: 87] وقال # فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون # [الأعراف: 99]. # وقال ابن عباس: كل ما نهى الله عنه فهو (كبيرة)، وروي عنه أنه قيل له: ~~أسبع هي، قال: هي إلى السبعين أقرب. وأنه قال هي إلى سبع مائة أقرب. # وقيل: لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار، وقاله عمر رضي الله ~~عنه وروي عن ابن عباس أنه قال: الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو ~~عذاب وهذا قوله جامع. # وقال الحسن: الكبائر كل ذنب توعد الله عليه بالنار في كتابه: كالشرك، ~~وهو أكبر الكبائر، وقتل النفس، وأكل الربا، والزنا، وعقوق الوالدين، ~~واليمين الغموس، وقذف المحصنات، وشهادة الزور، والفرار من الزحف، وأكل ~~مال اليتيم، والإدمان على الخمر وشبهه. # وقد يكون الذنب صغيرا فإذا أصر عليه صار كبيرا بالإصرار عليه، وترك ~~التوبة، والإقلاع عنه، فالإصرار على الذنب ذنب عظيم. # (وقيل: الكبائر كل ما لا يقبل معه عمل، نحو: الشرك بالله سبحانه، وقتل ~~الأولاد، والسحر، والكفر برسول الله عليه السلام وبآبائه، وشبهه). # وقال زيد بن أسلم: كل ذنب يصلح معه عمل فليس بكبيرة والله يغفر السيئات ~~والحسنات. # وقد قال بكر القاضي: من أعظم الكبائر سب السلف وتنقصهم، وشهادة الزور ~~عند الحكام، وعدول الحكام على الحق، واتباعهم للهوى. # ومن الكبائر: اللواط، والإصرار على الصغائر من الكبائر. " والندم توبة " ~~والصغائر تكفرها الطهارة والصلاة والجماعات. # وقال أبو بكر رضي الله عنه: إن الله يغفر الكبيرة فلا تيأسوا، ويعذب على ~~الصغير فلا تغتروا. # وقال عمر: لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار. # " وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الكبائر فقال: " الشرك بالله، وقتل ~~النفس، وعقوق الوالدين، وقال: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قال: قوله الزور ~~(أو) قال وشهادة الزور " # وروي أنه قال: # " واليمين الغموس ". # وروي عنه أنه قال: ms0443 # " من أقام الصلاة وآتى الزكاة وصام رمضان واجتنب الكبائر، فله الجنة، ~~قيل: وما الكبائر؟ قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف ~~". # وقال ابن مسعود # " سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الكبائر؟ فقال: " أن تدعو لله ندا ~~وقد خلقك، (وأن تقتل ولدك) من أجل أن يأكل معك، أو تزني بحليلة جارك، ~~وقرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم { والذين لا يدعون ~~مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي ~~حرم الله إلا بالحق ولا يزنون } ". # وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " هو الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وأكل مال اليتيم، والفرار من الزحف ~~وقذف المحصنة، وقول الزور، والغلول، والسحر وأكل الربا واليمين الغموس ". # ومعنى قوله { نكفر عنكم سيئاتكم } أنه تعالى وعد أن ~~يكفر الصغائر باجتناب الكبائر وقال النبي عليه السلام: # " اجتنبوا الكبائر وسددوا وابشروا ". # وقال ابن مسعود: في خمس آيات من سورة النساء لهن أحب إلي من الدنيا # قوله: { إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه نكفر ~~عنكم سيئاتكم } # وقوله: # إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة ~~يضعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما # [النساء: 40] # وقوله: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء # [النساء: 48، 116]. # وقوله: # ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر ~~الله يجد الله غفورا رحيما # [النساء: 110] وقوله: # والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين ~~أحد منهم # [النساء: 152] الآية. # قال (ابن عباس): ثمان آيات نزلت في سورة النساء هن خير لهذه الأمة لما ~~طلعت عليه الشمس وغربت أولها # يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين ~~من قبلكم ويتوب عليكم # [النساء: 26]. الآية، والثانية # والله يريد أن يتوب عليكم # [النساء: 27] الآية، والثالثة # يريد الله أن يخفف عنكم # [النساء: 28] الآية ثم ذكر الخمس التي ذكرها ابن مسعود. # وقيل معناه: إن السيئات تكفرها الصلوات الخمس ما اجتنبت الكبائر. # ومن فتح الميم من (مدخلا) احتمل أن يكون مصدر دخل، وأن يكون اسما ~~للمكان من أدخل، والمدخل الكريم هو المكان الحسن في الجنة. ### || [4.32] # قوله: ms0444 { ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم ~~على بعض } الآية. # نهى المؤمنين أن يتمنوا ما فضل الله به بعضهم على بعض وأمرهم أن يسألوه ~~من فضله، وروي أن أم سلمة قالت يا رسول الله: لا نعطى الميراث؟ ولا نغزو ~~في سبيل الله تعالى فنقتل؟ فأنزل الله عز وجل { ولا تتمنوا } ~~الآية. # قال ابن عباس: هو الرجل يقول: وددت لو أن لي مال فلان، فنهى الله تعالى ~~عن ذلك، وأمرهم أن يسألوه من فضله لأن التمني يورث الحسد والبغي. # وقال السدي: نزلت في الرجال والنساء. وقال الرجال: لو كان لنا من الأجر ~~مثلا ما للنساء كما لنا من الميراث مثلا ما لهن، وقال النساء: لو كان لنا ~~أجر مثل الرجال الشهداء، فلو كتب علينا القتال لقاتلنا، فقال الله تعالى: ~~{ ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على ~~بعض } وقال { واسألوا الله من فضله }. # وقال ابن جبير: { واسألوا الله من فضله } العبادة. # وقيل: اسألوه التوفيق، والعمل بما يرضيه. # { إن الله كان بكل شيء عليما }. أي: لم يزل عالما ~~بما يصلح عباده، فلا يحسد بعضهم بعضا. # قوله: { للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنسآء ~~نصيب مما اكتسبن } المعنى: للرجال نصيب مما اكتسبوا من ~~الأبواب على الطاعة، والعقاب على المعصية وللنساء مثل (ذلك). # وقال قتادة: كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء شيئا، فلما أنزل الله ~~ميراثهم، قال النساء: لو جعل أنصباءنا (في الميراث كالرجال، وقال الرجال: ~~إنا لنرجو أن نفضل النساء في الحسنات في الآخرة كما فضلنا) في ~~الدنيا عليهن بالميراث فأنزل الله تعالى { للرجال نصيب مما ~~اكتسبوا وللنسآء نصيب مما اكتسبن } يقول: المرأة ~~تجزى بحسنتها { عشر أمثالها } كما جزي الرجل، ثم قال: { ~~واسألوا الله من فضله }. # وقيل: إنه لما نزل { للذكر مثل حظ الأنثيين } قالت ~~النساء: كذلك عليهم نصيبان من الذنوب، كما لهم نصيبان من الميراث فأنزل ~~الله عز وجل { للرجال نصيب مما اكتسبوا } أي: من ~~الذنوب وللنساء مثل ذلك { واسألوا الله من فضله }. # وقيل: المعنى: للجميع نصيب من موتاهم. # وقيل: المعنى: للرجال نصيب من ms0445 موتاهم. # وقيل: المعنى: للرجال نصيب من الأجر وهو الجهاد، وخصوا به وبأجره، ~~وللنساء نصيب من الأجر خصصن به، وهو حفظها لزوجها في السر والعلانية، ~~ونظرها لزوجها، وطاعتها له وإصلاحها عليه كل لها فيه أجر خصت به. ### || [4.33] # قوله { ولكل جعلنا مولي مما ترك الولدان ~~والأقربون } الآية. # الموالي: الورثة، يعني العصبة، كذلك قال ابن جبير عن ابن عباس، وقال ~~مجاهد وقتادة: فالمعنى ولكلكم جعلنا عصبة يرثون ما تركتم، ولفظ الآية عام ~~يراد به الخصوص إذ ليس [كل إنسان له عصبة معلومة ترثه، وكل إنسان له عصبة ~~غير معلومة. وقد قال مالك: كل] من هلك من العرب فلا يخلوا أن يكون له ~~وارث بهذه الآية وإن لم تعرف عينه. # قوله: { والذين عقدت أيمنكم فآتوهم نصيبهم } ~~كان الرجل يحالف الرجل وليس بينه وبينه نسب يرث أحدهما الآخر، فأمروا أن ~~يعطوهم نصيبهم. ثم نسخ الله ذلك بالميراث بقوله # وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب ~~الله # [الأنفال: 75، والأحزاب: 6] وقال ابن عباس: " كانت الأنصار ترث ~~المهاجرين للأخوة التي آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم حين نزلت { ~~ولكل جعلنا مولي مما ترك الولدان ~~والأقربون } فنسخت ما كانوا عليه. # قوله { والذين عقدت أيمنكم فآتوهم نصيبهم } ~~يعني من النصر والنصيحة والرفد ويوصى لهم. # وقال ابن عباس وغيره: كان الرجل يعاقد الرجل أيهما مات قبل صاحبه ورثه، ~~فأنزل الله عز وجل { وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض ~~في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين } ثم قال: # إلا أن تفعلوا إلى أوليآئكم معروفا # [الأحزاب: 6] أي: إلا أن ترضوا للذين عاقدتم وصية، فهي لهم جائزة من ~~الثلث. # والمعاقدة التي كانت بينهم هو أن يقول: دمي ودمك، وتطلب بي وأطلب بك، ~~وتورثني وأرث بك، فجعل في أول الإسلام السدس من المال، ويقسم الباقي في ~~الورثة ثم نسخ ذلك في الأنفال. # وقيل: نزلت في الذين كانوا يتبنون في الجاهلية، فأمروا أن يوصوا لهم ~~ونسخ فرضهم. # وقال ابن إسحاق: كان الرجل الذليل يأتي العزيز فيعاقده باليمين ويقول ~~له: أنا ابنك، ترثني وأرثك، وحرمتي وحرمتك، ودمي ms0446 ودمك، وثأري ثأرك، فأمر ~~الله عز وجل بالوفاء لهم قبل تسمية الميراث، ثم نسخ بالميراث في الأنفال. ### || [4.34] # قوله: { الرجال قومون على النسآء } الآية. # قال ابن عباس: الرجل أمين على المرأة تطيعه فيما أمرها به، فهو قائم ~~عليها يقوم بنفقتها، ومؤنتها ويسوق مهرها، فهو فضله (الذي فضله) الله عز ~~وجل عليها. # وقال السدي: معنى قوله: " قوامون يأخذون على أيديهن ويؤدبوهن. وهذه ~~الآية نزلت في رجل من الأنصار، لطم امرأته فخوصم، إلى النبي عليه السلام ~~فقضى لها بالقصاص فأنزل الله عز وجل { الرجال قومون على ~~النسآء } الآية: فلم يقتص منه، قاله الحسن وقتادة. # وقيل: إن قوله # ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه # [طه: 114] نزل في أمر الرجال حين جعل عليه القصاص، وعلى ذلك أهل ~~التفسير. # كان الزهري يقول: ليس بين الرجل، وامرأته قصاص فيما دون النفس. وروي أن ~~أم سلمة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: ما بال النساء ~~لهن نصيب وللرجال نصيبان؟ ما بال شهادة امرأتين مثل شهادة رجل؟ وذكرت ~~أشياء في فضل الرجال، فأنزل الله عز وجل { الرجال قومون على ~~النسآء }. # وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: # " قدمت الشام، فرأيت النصارى يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم، فوقع في نفسي ~~أنا أحق أن نفعل هذا بالنبي فلما قدمت المدينة سجدت له، فقال ما هذا ~~فأخبر(ته) بما رأيت فقال: " لو كنت آمرا أن يسجد أحد لأحد لأمرت المرأة ~~أن تسجد لزوجها، والذي نفسي بيده لا تؤدي امرأة حق الله عليها حتى تؤدي ~~حق زوجها " ". # ومعنى: { بما فضل الله بعضهم على بعض } الآية. # أي: بفضل الرجل على النساء، كانوا قوامين عليهن بما فضل، هو جودة العقل ~~والتمييز والإنفاق، وسوق المهر والجهاد وجواز الشهادة وغير ذلك، كله ~~فضل به الرجل على المرأة. # قوله: { وبمآ أنفقوا من أمولهم } أي: " فضل الرجال على ~~النساء بما ذكرنا، { وبمآ } ساقوا من أموالهم إلى النساء من مهور ~~ونفقة { فالصلحت } هن المستقيمات لأزواجهن " { قنتت } أي: ~~طائعات لله ولأزواجهن { حفظت للغيب } أي يحفظن أنفسهن ms0447 عند ~~غيبة أزواجهن [في فروجهن وأموال أزواجهن. # وقيل: المعنى: طائعات لأزواجهن] ما غاب عنهم من سرهن وشأنهن. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " " خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرتك. وإذا أمرتها أطاعتك وإذا غبت ~~عنها حفظتك، في مالك ونفسها " ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { ~~فالصلحت قنتت } الآية ". # ومعنى { بما حفظ الله } أي: يحفظ الله إياهن: أي صيرهن كذلك قال ~~سفيان: لحفظ الله إياها إذ جعلها كذلك. # ومن نصب " الله " وهي قراءة جعفر، فالمعنى: فيهن يحفظهن الله في طاعته، ~~وأداء حقه فيما لزمهن به في حفظ غيبة أزواجهن، كقولك للرجل: ما حفظت الله ~~في كذا وكذا والمعنى: بمراقبتهن في حفظ أزواجهن. # وفي قراءة ابن مسعود: بما حفظ الله فأحسنوا إليهن وأجملوا. # والرجل له الحجر على المرأة بنفسها، ومالها إذا تجاوزت الثلث ولا تفعل ~~شيئا إلا بإذنه إلا في الفرائض التي فرض الله عليها، فلا طاعة له عليها ~~في ذلك من الصلوات وإخراج الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان، هذا مذهب مالك، ~~وله أن يؤدبها تأديبا غير مبرح. # قوله: { والتي تخافون نشوزهن } الآية. # " واللاتي " في موضع رفع بالابتداء، وتقديره عند سيبويه: وفيما يتلى ~~عليكم اللاتي، والمحذوف: الخبر، وعند غيره: الخبر: { فعظوهن } ، ~~ويجوز أن تكون " اللاتي " في موضع نصب على قول من قرأ: # والسارق والسارقة # [المائدة: 38] بالنصب. # و { تخافون } عند الفراء وأبو عبيدة بمعنى توقنون وتعلمون، (وهو) ~~على بابه عند غيرهما. # والنشوز هو: امتناع المرأة من فراش زوجها، والخلاف له فيما يلزمها من ~~طاعته. وأصل النشوز الارتفاع والانزعاج، فكأنهن ارتفعن عن أداء حق ~~الأزواج، وطاعتهم يقال: نشزت ونشصت. وقيل: النشوز البغض قاله السدي. # وقال ابن زيد: النشوز المعصية والخلاف. وقال عطاء: النشوز أن تحب فراقه. # وقال ابن عباس: هو أن تستخف بحقه، ولا تطيع أمره " فعظوهن " أي: خوفوهن، ~~وذكروهن الله. # وقال ابن عباس: فعظوهن بكتاب الله وبطاعته، وهو قول الجماعة. # { واهجروهن في المضاجع } إذا لم يرجعن مع الوعظ فاهجروهن ~~بترك جماعهن ومضاجعتهن. # وقال السدي: وغيره: " يرقد عندها ويوليها ظهره، ويطؤها ms0448 ولا يكلمها ". # روي عن ابن عباس أنه قال: يهجرها في المضجع من غير أن يذكر نكاحا، وذلك ~~عليها شديد. # (وقيل: المعنى [اهجروهن في الكلام حتى يرجعن إلى مضاجعتكم كأنه قال]: ~~اهجروهن من أجل المضاجع. # وقال ابن عباس الهجران إنما هو في أمر المضجع، وأنها لو تركت لم تضاجع، ~~وقال ابن جبير اهجروهن يأتين مضاجعكم). # وقال عكرمة وغيره: إنما الهجران بالمنطق، ويلزم من قال هذا أن يقطع ~~الألف لأنه إنما يقال في هذا المعنى الإهجار، يقال: أهجر فلان في منطقه ~~إذا تكلم بالقبيح. وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " إذا باتت المرأة مهاجرة لزوجها لعنتها الملائكة حتى ترجع ". # وقوله { واضربوهن } أي: إن لم يرجعن بالهجران في المضاجع، فيضربن ~~ضربا غير مبرح، كذلك قال المفسرون: وقال النبي صلى الله عليه وسلم في ~~خطبة له # " ضربا غير مبرح " # وعنه # " غير مؤثر ". # واختار الطبري في الآية أن يكون المعنى: واضربوهن من أجل المضاجع. # { فإن أطعنكم } إلى ما يجب عليهن { فلا تبغوا ~~عليهن سبيلا } أي: فلا تلتمسوا عليهن طريقا في الظلم، وهو ~~التعالي عليهن { إن الله كان عليا } المعنى لا تبغوا عليهن ~~العلل فتعلوا أيديكم عليهن، فإن الله ذو علم فوقكم وفوق كل شيء، فأيديكم ~~وإن كانت عالية، فليس من أجلها علوا تبغوا عليهن، وتطلبوا العلل فإن الله ~~أعلى يدا وأكبر من كل شيء. وقيل: المعنى: لا تبغوا عليهن سبيلا لا ~~تكلفوهن الحب لكم إنما لكم عليهن المساعدة في الجماع أما القلب فليس ~~بيدها منه شيء. ### || [4.35] # قوله { وإن خفتم شقاق بينهما } الآية. # خفتم عند أبي عبيدة بمعنى أيقنتم، ورد ذلك الزجاج وقال: لو أيقنا لم ~~نحتج إلى الحكمين، وخفتم على بابه. والمعنى: وإن خفتم أيها الناس مشاقة ~~أحد الزوجين لصاحبه، وهو إتيان كل واحد منهما ما يشق على الآخر فالمرأة ~~تقصر عن أداء حقه، والزوج أن يمسك بغير معروف { فابعثوا حكما } ~~هذا مخاطبة للسلطان الذي يرفع إليه أمرهما قال: وإذا نشزت المرأة يعظها، ~~فإن انتهت وإلا هجرها، ms0449 فإن انتهت وإلا ضربها فإن انتهت وإلا رفع أمرها ~~إلى السلطان، فيبعث حكما من أهله وحكما من أهلها فيقول الحكم الذي من ~~أهلها: يفعل بها كذا وكذا، ويشتكي بما تشتكي منه، ويقول الحكم الذي من ~~أهله: تفعل به كذا، فيشتكي أيضا بما يشتكي الزوج منه، فأيهما كان أظلم ~~رده السلطان وأخذ عليه. # وقال السدي: " المرأة تبعث حكما من أهلها، والرجل نفسه يبعث حكما من ~~أهله بتوكيل كل واحد منهما، لكنها بالنظر لهما، فيعملان ما وكل به، وروي ~~ذلك عن علي رضي الله عنه. # وروي عنه أنه قال لحكمين وجه بهما: إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن ~~رأيتما أن تفرقا فرقتما. # وقال ابن عباس: (بعثت أنا ومعاوية حكمين، فقيل لنا: إن رأيتما أن تجمعا ~~جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما) فإن عثمان قد بعثهما. # قال مالك: أحسن ما سمعت من أهل العلم أن الحكمين يجوز قولهما بين الرجل ~~والمرأة في الفرقة والاجتماع. # وقال قتادة: يبعث السلطان الحكمين ليعرفا الظالم من المظلوم، فيحملاهما ~~على الواجب فلا يفرقان بينهما. # وقال الشافعي: لا يفرقان إلا بأمر الزوج. # وقال جماعة: حكم الحكمين ماض في التفرقة وغيره، وإنما يأتي الحكمان ~~فيخلو حكم الرجل به ويسأله عما يشتكي. ويخلو حكم المرأة بها، ويسألها ~~عما تشتكي؟ ثم يجتمعان، فيجتهدان، فإن رأيا التفريق فرقا، وإن رأيا الترك ~~تركا، وأصلحا. # وقيل: إنهما ينظران الظالم منهما، فإن كانت المرأة وعظها، وجبرها على ~~طاعة زوجها، وإن كان الرجل وعظاه وجبراه أن يتقي الله تعالى فيها، فيمسك ~~بمعروف أو يسرح بإحسان، والحكم هنا الناظر بالعدل، قاله الضحاك وغيره. # وقيل: هما القاضيان بينهما يقضيان بما فوض إليهما الزوجان. # وقوله: { إن يريدآ } قيل: الضمير للحكمين إن يريدا أن يصلحا بين ~~الرجل والمرأة { يوفق الله بينهمآ } أي " بين الرجل ~~والمرأة، قاله ابن عباس وابن جبير ومجاهد. # وقيل الضمير للزوجين لأنه لا يقال حكم إلا لمن يريد الإصلاح فغير جائز ~~أن يقال: إن يرد الحكمان إصلاحا وهما لا يسميان بهذا الاسم إلا وهما ~~يريدان الإصلاح { إن الله ms0450 كان عليما } بما يريد الزوجان أو ~~الحكمان من إصلاح خبيرا بذلك. ### || [4.36] # قوله تعالى: { واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا } ~~الآية. # قوله: { وبالولدين إحسانا } أي: وأحسنوا بهم إحسانا كقولك ~~ضربا زيدا، بمعنى اضرب زيدا، وأجاز الفراء رفع إحسانا بالابتداء، ~~والمخفوض الخبر كأنه قال: وعليكم بالوالدين إحسان. ومعنى الآية: أن الله ~~تعالى أمر عباده بالتذلل له والطاعة ولا يشركوا به، وأمرهم بالإحسان إلى ~~الوالدين، وإلى ذي القربى، واليتامى، والمساكين وإلى الجار ذي القربى، ~~وهو ذو القرابة، والرحم منك، قاله ابن عباس وغيره. وقيل: هو الذي جمع ~~الجوار والقرابة فله حقان، قاله الضحاك وقتادة وابن زيد. # وقيل: هو الذي تقرب منك بالإسلام والجوار، لا بالرحم. # { والجار الجنب } هو الذي يبعد منك لا قرابة بينك وبينه، [قاله ~~ابن عباس، وقال قتادة ومجاهد: هو جارك الذي ليس بينك وبينه] قرابة فله حق ~~الجوار. # وقال السدي: هو الغريب يكون بين القوم، وقال: الجار الجنب: الزوجة، ذكره ~~ابن وهب عن بعض رجاله. # وقيل: هو اليهودي والنصراني. # { الجنب } البعيد، ومنه اجتنب فلان فلانا إذا بعد منه، ومنه قيل ~~للجنب: جنب لبعده من الطهر، والصلاة حتى يغتسل، ومنه قيل: رجل أجنبي أي ~~بعيد غريب، فمعنى ذلك: والجار المجانب للقرابة أي: البعيد منها. # وسئل أعرابي عن الجار الجنب فقال: هو الذي يجيء فيحل حيث تقع عليه عينك. # وقال القتبي: الجيران على أربعة أقسام أحدهم: من ساكنك في الدار ولهذا ~~سمت العرب الزوجة جارة، وقال الأعشى لامرأته: # أي جارتنا بيني فإنك طالقة # كذاك أمور الناس غاد وطارقة # والثاني: الملاصق منزلك، والثالث: الذي معك في المحلة، وإن لم يلاصقك ~~وعلى هؤلاء الثلاثة وقعت الوصية من الله عز وجل والرابع: هو الذي جمعك ~~وإياه بلد واحد يقول الله تعالى في المنافقين: # ثم لا يجاورونك فيهآ إلا قليلا # [الأحزاب: 60] يعني المدينة. # وكان الأوزاعي يقول: الجوار أربعون دار من كل ناحية. وقيل من سمع ~~الإقامة فهو جار. # قال علي رضي الله عنه: من سمع النداء فهو جار المسجد. # وروي عن النبي صلى الله عليه ms0451 وسلم أنه قال: # " الجيران ثلاثة: جار (له) عليك حق وهو (غير) المسلم، له عليك حق ~~الجوار، وجار له عليك حقان هو المسلم، له حق الجوار وحق الإسلام، وجار له ~~عليك ثلاثة حقوق، وهو المسلم ذو القرابة له حق الجوار وحق الإسلام وحق ~~القرابة ". # قوله: { والصاحب بالجنب } الآية. # قال ابن عباس وغيره: هو رفيق الرجل في سفره، وكذلك قال قتادة ومجاهد ~~وعكرمة. # وعن ابن عباس: هو الرجل الصالح. # وكذلك روي عن علي رضي الله عنه، والحسن بن علي: أنه امرأة الرجل. وعن ~~ابن عباس مثله، وهو قول النخعي وابن أبي ليلى. وقال ابن جريج وابن زيد: ~~هو الذي يلزمك ويصحبك رجاء نفعك ورفقك. # { وابن السبيل } المسافر يجتاز بك مارا، قاله مجاهد وقال ~~الضحاك: هو الضعيف. والسبيل: الطريق، وابنه صاحبه الماشي فيه فله حق على ~~من يمر به إذا كان مستقره في غير معصية، وأضيف إلى الطريق لأنه إليها ~~يأوي وفيها يبيت. # قوله: { وما ملكت أيمنكم } يعني حض الله تعالى [خلقه] ~~بجميع ما ذكر أن يحسنوا إليهم، قوله: { مختالا } أي: ذو خيلاء وهو ~~المفتعل من خال الرجل يخول: # " والخال ثوب من........... " # والفخور المفتخر على عباد الله عز وجل بما أنعم الله تعالى عليه من ~~رزقه، وهو مع ذلك كفور لربه عز وجل لا يشكره، فهو مستكبر على ربه سبحانه، ~~مستطيل مفتخر على عباد الله جلت عظمته، وقال مجاهد المختال: المتكبر. ### || [4.37] # قوله: { الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل } ~~الآية: # { الذين } " بدل من " من وقيل: هم في موضع رفع بالابتداء، والخبر # إن الله لا يظلم مثقال ذرة # [النساء: 40] أي لا يظلم. وقال الأخفش: الذين في موضع رفع بالابتداء، ~~والخبر محذوف دل عليه ما بعده، وتقديره الذين يبخلون قرناء الشيطان ودل ~~على هذا قوله: # ومن يكن الشيطان له قرينا فسآء قرينا # [النساء: 38] وقد أغفل النحاس في الإعراب هذا القول فلم يذكره وهو في ~~كتاب الأخفش. وقيل: الذين في موضع (رفع) بدل من الضمير في فخور، ويجوز أن ~~يكون في موضع رفع على إضمار مبتدأ، ويجوز ms0452 أن يكون في موضع نصب على إضمار ~~أعني. # والبخل لغتان، وفيه [لغتان] غير هاتين، ويقال: البخل والبخل، ومعنى ~~الآية: إن الله لا يحب المختال الفخور الذي يبخل بماله ويأمر الناس ~~بالبخل. # وقد روي أن البخل هنا: كتمان أمر محمد عليه السلام، وعنى به اليهود ~~والنصارى وهم يجدونه مكتوبا في التوراة والإنجيل. # ومعنى { ويكتمون مآ آتاهم الله من فضله } هم اليهود ~~كتموا و { مآ آتاهم الله } من أمر محمد صلى الله عليه وسلم وما ~~عندهم من علمه. # وقال ابن زيد: هم اليهود بخلوا بما آتاهم الله من الرزق، وكتموا ما ~~آتاهم من العلم في أمر النبي صلى الله عليه وسلم وغيره. # وقال ابن عباس: كان رجال من أشراف يهود يأتون رجالا من الأنصار، ~~ويخالطوهم، ويستنصحون لهم: لا تنفقوا أموالكم فإنا نخاف عليكم الفقر في ~~ذهابها، فأنزل الله عز وجل { الذين يبخلون ويأمرون ~~الناس بالبخل ويكتمون مآ آتاهم الله من فضله } ~~أي: يكتمون نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وأمره وذلك كله في التوراة. # وروي أن فيها: خاتم النبيين، وسيد العاملين، وأمته الحمادون، ويشدون ~~أوساطهم، ويفترسون جبالهم، تسيل دموعهم على خدودهم وهم يجأرون إلى الله ~~في فكاك رقابهم. # قوله: { وأعتدنا للكافرين } أي للجاحدين نبوة محمد صلى الله ~~عليه وسلم { عذابا مهينا } أي مذلا. ### || [4.38-39] # قوله: { والذين ينفقون أموالهم } الآية. # { والذين } في موضع جر عطف على الكافرين، ويجوز أن يعطف على { ~~الذين يبخلون } و { رئآء الناس } مفعول من أجله، ويجوز ~~أن يكون مصدرا في موضع الحال: # { ولا يؤمنون } حال كأنه: مرائين غير مؤمنين. # ويجوز أن يكون مؤمنون مرفوعا على القطع أي: وهم لا يؤمنون. # ومعنى الآية: { وأعتدنا للكافرين } { والذين ~~ينفقون أموالهم رئآء الناس ولا يؤمنون ~~بالله } { عذابا مهينا } هذا من صفة المنافقين. # وقيل: هو صفة اليهود أيضا، وهو بصفة المنافقين أليق وأحسن، لأنهم لا ~~يؤمنون بالبعث، واليهود يؤمنون بالبعث، وقد وصفهم الله تعالى أنهم لا ~~يؤمنون باليوم الآخر فهو إلى المنافقين أقرب. # قوله: { ومن يكن الشيطان له قرينا } أي: خليلا يعمل ~~بطاعته، ويتبع ms0453 أمره، ويترك أمر الله تعالى، فبئس الخليل خليله. # قوله: { وماذا عليهم لو آمنوا } المعنى: أي الشيئين على ~~الذين يبخلون إذا أنفقوا رئاء الناس، ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ~~لو آمنوا وصدقوا وأنفقوا مما رزقهم الله لوجه الله، ولم يبخلوا مما رزقهم ~~الله { وكان الله بهم عليما } أي هو ذو علم بما يعملون لم يزل ~~كذلك ولا يزال. ### || [4.40] # قوله: { إن الله لا يظلم مثقال ذرة } الآية. # قوله: { يضعفها } يدل على أضعاف كثيرة إذ لو أراد مرة لقال: ~~يضاعفها، ومعنى الآية: إن الله تعالى لا يبخس واحدا فعل خيرا مثقال ذرة ~~أي: قدر وزن الذرة فما فوق ذلك، والذرة في قول ابن عباس: رأس النملة ~~الحمراء. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن الله لا يظلم المؤمن حسنة يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجزى بها في ~~الآخرة وأما الكافر فيعظم بها في الدنيا فإذا كان يوم القيامة لم تكن له ~~حسنة " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان " # ، وقال الخدري: حين حدث بهذا الحديث عن النبي عليه السلام فإن شككتم ~~(فاقرءوا) { إن الله لا يظلم مثقال ذرة }. # وأتى رجل إلى أبي هريرة رضي الله عنه فقال له: بلغني أنك تقول الحسنة ~~تضاعف ألف ألف ضعف، وقال أبو هريرة: لم أقل ذلك، ولكني قلت تضاعف الحسنة ~~ألفي ألف ضعف. # والذرة هنا عند أهل العلم النملة الصغيرة وقال يزيد بن هارون: زعموا أنه ~~لا وزن لها. # وقال ابن مسعود: إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين ثم نادى ~~مناد من عند الله تعالى: ألا من كان يطلب مظلمة فليجيء إلى حقه فيأخذه " ~~قال فيفرح والله المرء أن له الحق على والده وولده أو زوجته وأخته فيأخذه ~~منه، وإن كان صغيرا، ومصداق ذلك في كتاب الله # فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ~~ولا يتسآءلون # [المؤمنون: 101]. # فيقال له: إيت هؤلاء حقوقا؟ فيقول: يا رب من أين يا رب وقد ذهبت ~~الدنيا؟ فيقول ms0454 الله عز وجل لملائكته: انظروا [في] أعماله الصالحة فأعطوهم ~~منها، فإن بقي مثقال ذرة من حسنة، قالت الملائكة: يا ربنا - وهو أعلم ~~بذلك منها - أعطينا كل ذي حق حقه، وبقي له مثقال ذرة من حسنة، فيقول الله ~~عز وجل لملائكته: ضعفوها لعبدي وأدخلوه برحمتي الجنة " ومصداق ذلك في ~~كتابه { إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك ~~حسنة يضعفها ويؤت من لدنه } أي: من عنده { أجرا ~~عظيما } أي: الجنة يعطيها تفضلا منه لا إله إلا هو، وإن فنيت ~~الحسنات، وبقيت السيئات وبقي طالبون قال الله تعالى: ضعوا عليهم من ~~أوزارهم واكتبوا له كتابا إلى النار. # قوله: { وإن تك حسنة يضعفها } هذا لأهل الإيمان كلهم، ~~وروي عن ابن عمر: أنها في المهاجرين خاصة، قال: # " نزلت الآية في الأعراب { من جآء بالحسنة فله عشر ~~أمثالها } قال: فقال رجل: ما للمهاجرين؟ فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: ما هو أعظم من ذلك وقرأ # { وإن تك حسنة يضعفها ويؤت من لدنه أجرا ~~عظيما } الآية ". # واختار الطبري أن تكون المضاعفة أكثر من عشرة للمهاجرين خاصة، وقال: هو ~~في معنى حديث أبي هريرة، تضاعف بألفي ضعف أي للمهاجرين، واحتج بأن الله ~~عز وجل قد اخبرنا أن الله يجزي بالحسنة عشر أمثالها، فلا يجوز أن يكون في ~~خبره اختلاف، ولكن ذلك للمهاجرين وهذا لغيرهم. ### || [4.41] # قوله: { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد } الآية. # العامل في " كيف " " جئنا " # المعنى: فكيف يكون حالهم إذا جئنا من كل أمة بشهيد يشهد على أعمالهم، ~~وجئنا بك يا محمد على أمتك شهيدا، وكان النبي عليه السلام إذا أتى على ~~هذه الآية فاضت عيناه، وقال ابن مسعود: أمرني رسول الله عليه السلام أن ~~أقرأ عليه سورة النساء حتى بلغت { وجئنا بك على هؤلاء ~~شهيدا } فاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدموع فسكت. # قال السدي يأتي النبي يوم القيامة منهم من أسلم معه من قومه واحد ~~والاثنان، والعشرة، وأقل وأكثر من ذلك حتى يأتي لوط صلوات الله عليه وسلم ~~لم يؤمن ms0455 معه إلا بنتاه فيقال للنبيين: هل بلغتم ما أرسلتم به؟ فيقولون: ~~نعم فيقال له: من يشهد لكم؟ فيقولون: أمة محمد عليه السلام. فتدعى أمة ~~محمد عليه السلام فيقال لهم: إن الرسل ادعوا عندكم شهادة فبم تشهدون؟ ~~فيقولون: يا ربنا نشهد أنهم قد بلغوا كما شهدوا في الدنيا في التبليغ، ~~فيقال: من يشهد على ذلك؟ فيقولون: محمد صلى الله عليه وسلم، فيشهد محمد ~~صلى الله عليه وسلم أن أمته قد صدقت، وأن الرسل قد بلغوا فذلك قوله { ~~لتكونوا شهدآء على الناس ويكون الرسول عليكم ~~شهيدا }. # ومن رواية يونس عن ابن وهب عن إبراهيم عن حيان بن أبي جيلة بسنده إلى ~~النبي عليه السلام أنه قال: # " إذا جمع الله عباده يوم القيامة كان أول من يدعى إسرافيل فيقول الله ~~عز وجل: ماذا فعلت في... هل بلغت عهدي؟ فيقول: نعم، أي رب، قد بلغت ~~جبريل، فيدعى جبريل فيقول له: هل بلغك إسرافيل عهدي؟ فيقول: نعم يا رب، ~~قد بلغني، فيخلى عن إسرافيل، فيقال لجبريل: هل بلغت عهدي؟ فيقول: نعم قد ~~بلغته الرسل، فيدعى الرسل فيقول: هل بلغكم جبريل عهدي؟ فيقولون: نعم، ~~فيخلى عن جبريل ثم، يقال للرسل: ما فعلتم بعهدي؟ فيقولون: بلغنا أممنا، ~~فيدعى الأمم، فيقال لهم: هل بلغكم الرسل عهدي؟ فمنهم المكذب، ومنهم ~~المصدق، فيقول الرسل: إن لكم علينا شهداء يشهدون أنا قد بلغنا مع شهادة، ~~فيقول الله عز وجل: من يشهد لكم؟ فيقول الرسل: أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم، فتدعى أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فيقول الله عز وجل: أتشهدون أن ~~رسلي هؤلاء قد بلغوا عهدي إلى من أرسلوا إليهم؟ فيقولون: نعم، رب شهدنا ~~أنهم قد بلغوا، فتقول تلك الأمم: (لا). كيف يشهدون علينا ولم يدركنا؟ ~~فيقول لهم الرب: كيف تشهدون على من لم تدركوا؟ فيقولون: ربنا بعثت إلينا ~~رسولا، وأنزلت إلينا عهدك وكتابك، فقصصت علينا قصصهم، فشهدنا بما عهدت ~~إلينا، فيقول الرب تعالى ذكره: صدقوا، فكذلك قوله: { وكذلك ~~جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء على الناس } ~~الآية ". # وقد مضى ms0456 في هذه الآية ما فيه كفاية وهذه زيادة إن لم يتقدم لفظها وإن ~~كان قد تقدم معناها. # وفي رواية أخرى عن الأوزاعي قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " أول من يسأل يوم القيامة عن البلاغ: اللوح المحفوظ. يقال: هل بلغت ~~إسرافيل ما أمرت به؟ فيقول: نعم، قيل لإسرافيل: هل بلغك اللوح المحفوظ ما ~~أمر به؟ فيقول: نعم، فما أرى شيئا أشد فرحا يوم القيامة من اللوح ~~المحفوظ حين صدقه إسرافيل، ثم كذلك إسرافيل وجبريل والأنبياء ". # قال في الحديث: فما أرى شيئا (أشد فرحا) من كل واحد إذا صدقه من أرسل ~~إليه ثم قرأ الأوزاعي: { فكيف إذا جئنا من كل أمة ~~بشهيد } الآية. # قال الضحاك هو قول الله تعالى # هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون ~~الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهدآء على الناس # [الحج: 78]. ### || [4.42] # قوله: { يومئذ يود الذين كفروا } الآية. # يوم يجيء من كل أمة شهيد يتمنى الكافرون { لو تسوى بهم ~~الأرض } أي: يصيرون ترابا مثلها كما قال: # ويقول الكافر يليتني كنت ترابا # [النبأ: 40]. ومن قرأ " تسوى " (بالضم)، فالمعنى يتمنون لو سواهم الله ~~والأرض سواء، ومن قرأ " تسوى " بالفتح والتخفيف، فهو مثل المشددة، إلا ~~أنه حذف إحدى التاءين. # وقيل المعنى: لو انقسمت بهم الأرض فيصاروا في بطنها. وقال الحسن في ~~قراءة الضم: إن المعنى " لو تسوى " بالتخفيف عليهم، والباء بمعنى على، ~~فالمعنى تنشق فتسوى عليهم. # قوله: { ولا يكتمون الله حديثا } أي: لا تكتم جوارحهم ~~حديثا من الله. # قال ابن عباس: لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الإسلام جحدوا ~~فقالوا: # والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام: 23] فختم الله على أفواههم وتكلمت (أيديهم)، وأرجلهم فلا ~~يكتمون الله حديثا، وعنه هذا التفسير باختلاف ألفاظ. # وسبب تفسيره لهذا القول من له يقول الله عن الكافرين أنهم قالوا: # والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام: 23] وقد كتموا ويخبر أنهم لا يكتمون الله حديثا ففسره بما ~~ذكرنا، وقوله { ولا يكتمون الله حديثا } على قول غير ابن ~~عباس أنهم يودون لو استووا بهم الأرض، ولا ms0457 يكتمون الله حديثا لما عاينوا ~~جوارحهم تشهد عليهم. # وقيل: المعنى يومئذ لا يكتمون الله حديثا، ويودون لو تسوى بهم الأرض، ~~وهو معنى تفسير ابن عباس لأن السائل سأل كيف أخبر أنهم لم يكتموا الله ~~حديثا، وقد أخبر أنهم كتموا في قولهم { والله ربنا ما كنا ~~مشركين }. # وقيل: المعنى يتمنون لو استووا مع الأرض، وليس يكتمون الله حديثا أي هو ~~عالم بهم وبما أسروا مما يودون ويتمنون بهم، وإن لم ينطقوا به، فليس ذلك ~~بكتمان على الله [تعالى - كأن الكلام قد تم على قوله - لو تسوى بهم ~~الأرض، ثم قال: وليس يخفى على الله] من حديثهم شيء وهذا جواب ثالث عن ~~الآيتين. # وقيل: المعنى أنهم يتمنون إذ عصوا الرسول أن يسووا مع الأرض ويودون لا ~~يكتمون الله حديثا. # وكتمانهم الذي ندموا عليه هو قولهم { والله ربنا ما كنا ~~مشركين } وهو جواب ثالث لمن سأل عن الآيتين. # وقال قتادة: هي مواطن في يوم القيامة، فمواطن يجحدون، ومواطن يقرون. # وجاء رجل إلى ابن عباس فقال له: رأيت أشياء تختلف علي في القرآن، فقال: ~~ما هو؟ أشك في القرآن؟ فقال: ليس بشك، ولكنه اختلاف، فقال: هات ما اختلف ~~عليك من ذلك، فقال: أسمع الله عز وجل يقول: # ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ~~ما كنا مشركين # [الأنعام: 23] وقال { ولا يكتمون الله حديثا } فقد كذبوا ~~إذا ادعوا الإسلام. # فقال ابن عباس: وماذا؟ قال أسمعه يقول: # فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتسآءلون # [المؤمنون: 101] وقال: # فأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون # [الصافات: 50]. # وقال: # أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين ~~وتجعلون له أندادا # [فصلت: 9]. # إلى قوله: # ثم استوى إلى السمآء وهي دخان # [فصلت: 11] الآية. # وقال في آية أخرى: # أم السمآء بناها * رفع سمكها فسواها * [وأغطش ~~ليلها وأخرج ضحاها] # [النازعات: 27-29] # والأرض بعد ذلك دحاها # [النازعات: 30]. وأسمعه يقول: # [وكان] الله عليما حكيما # [النساء: 17] الآية. # فقال ابن عباس: " أما قولهم { والله ربنا ما كنا ~~مشركين } فإنهم لما رأوا يوم القيامة أن الله لا يغفر إلا لأهل ~~الإسلام، ms0458 يغفر لهم الذنوب جميعا، ولا يتعاظم ذنب يغفره، ولا يغفر شركا، ~~جحدوا وقالوا: { والله ربنا ما كنا مشركين } رجاء أن ~~يغفر لهم، فختم الله عز وجل على أفواههم وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا ~~يعملون، فعند ذلك { يود الذين كفروا وعصوا الرسول ~~لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا } ~~يريد أنهم ندموا في جحدهم وقالوا: { ما كنا مشركين }. # وأما قوله: { فلا أنساب بينهم يومئذ ولا ~~يتسآءلون } فإنه ينفخ في الصور، فيصعق من في السماوات، ومن في ~~الأرض إلا من شاء الله { فلا أنساب بينهم يومئذ ولا ~~يتسآءلون }. # ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون # [الزمر: 68] # فأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون # [الصافات: 50]. # وأما قوله { أإنكم لتكفرون... } الآية فإن الأرض خلقت قبل ~~السماء وكانت السماء دخانا فسواهن سبع سماوات في يومين بعد خلق الأرض. ~~وأما قوله: { والأرض بعد ذلك دحاها } فإنه تعالى دحاها بعد ~~خلق السماوات، وجعل فيها جبالا وأنهارا وبحورا. # وأما قوله: { وكان الله } فإن الله لم يزل كذلك عزيرا حكيما ~~قديرا لم يزل كذلك وما اختلف عليك من القرآن فهو شبه ما ذكرت لك. # وقال مجاهد: { والأرض بعد ذلك } أي: مع ذلك. ### || [4.43] # قوله: { يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلوة ~~وأنتم سكرى } الآية. # { جنبا } و { عابري سبيل } نصب على الحال. # ومعنى { سكرى } أي: من الخمر، وهذا قبل تحريم الخمر فأمرهم الله ~~ألا يقربوها، وهم سكارى حتى يعلموا ما يقولون. # وقيل: إن ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم شربوا الخمر قبل ~~تحريمها، فصلى بهم أحدهم فقرأ: { قل يأيها الكافرون } فخلط ~~فيها، فنزلت الآية، ينهاهم عن قرب الصلاة في حال السكر حتى يعلموا ما ~~يقرأون ثم نسخ شربها بالتي في المائدة. # وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: " في أنزلت الآية " { لا ~~تقربوا الصلوة وأنتم سكرى } قال: دعانا رجل من أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم طلحة وغيره فأكلنا وشربنا. فقدموني إلى الصلاة ~~فقرأت فيها: (قل يا أيها الكافرون، أعبد ما تعبدون، وأنتم عابدون ما ~~أعبد، وأنا ms0459 عابد ما تعبدون) فكان هذا قبل تحريم الخمر. وقيل هي محكمة. # ومعنى السكر هنا: " السكر من النوم " ، قاله الضحاك. # وعلى القول الأول أكثر أهل التفسير والعلماء لتواتر الأخبار أنها نزلت ~~في الخمر قبل تحريمه. # قوله: { ولا جنبا إلا عابري سبيل } أي: لا تقربوها جنبا ~~إلا أن تمروا [ب] موضعها مجتازين حتى تغتسلوا. # وقيل المعنى: في { إلا عابري سبيل } أي: إلا أن تكونوا مسافرين ~~فتتيمموا لها. وقال علي بن أبي طالب وقاله مجاهد وابن جبير قال: هو الرجل ~~يكون في السفر تصيبه جنابة فيتيمم ويصلي. وعليه جماعة من أهل التفكير ~~فيكون المعنى لا تصلوا وأنتم جنب إلا أن تكونوا مسافرين غير واجدين ~~للماء، وقيل: معنى لا تقربوا مواضع الصلاة جنبا إلا عابري سبيل أي: أن ~~تكونوا مجتازين في المسجد. # [قال ابن عباس { إلا عابري سبيل }. قال لا تقربوا المسجد إلا ~~أن يكون طريقك فتمر فيه مرا ولا تجلس، وقال النخعي: يمر فيه إذا لم يجد ~~طريقا غيره. # وقال ابن زيد: نزلت في رجل من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد، وكانت ~~تصيبهم الجنابة ولا ماء عندهم، يريدون الماء فلا يجدون ممرا، إلا ~~المسجد، فأنزل الله عز وجل { ولا جنبا إلا عابري سبيل } ~~رخصة لهم. # وذهب مالك والشافعي أن الجنب يمر في المسجد عابر سبيل. # قال مالك: لا تدخل الحائض المسجد، وأرخص لها غيره أن تمر فيه كالجنب. # وقال ابن حنبل: إذا توضأ الجنب فلا بأس أن يجلس في المسجد. # وكذلك قال إسحاق. # والجنب هنا من أنزل في قول جماعة من العلماء دون أن يجامع ولا ينزل، روي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " الماء من الماء " # فلا غسل عليه إلا بإنزال الماء عند جماعة من الصحابة هو قول علي وابن ~~مسعود والخدري وابن عباس وأبي بن كعب، وسعد بن أبي وقاص، ورافع بن خديج، ~~وأبي أيوب الأنصاري. # قال غيرهم: والجنب في الآية من أنزل، أو التقى منه الختانان، وإن لم ~~ينزل لأن في كلاهما الطهر عندهم، فمن أولج، ولم ينزل ms0460 بمنزلة من أنزل في ~~الحكم فكلاهما لا يقرب المسجد إلا عابري سبيل. # وإيجاب الطهر من التقاء الختانين، وإن لم ينزل قول عامة الفقهاء، وهو ~~قول عمر، وعثمان، وابن عمر، وأبي هريرة، وعائشة، وغيرهم وهو مذهب مالك ~~والشافعي والثوري وأهل العراق، وجماعة من الفقهاء، وقد تواترت الأخبار ~~بإيجاب الغسل من التقاء الختانين عن النبي صلى الله عليه وسلم. # قوله: { وإن كنتم مرضى } أي: بجرح أو جدري أو غير ذلك من ~~الأمراض المانعة من الغسل فتيمموا. # قال مالك: المرض هنا هو المريض الذي به جراحة رخص له في التيمم. # وقيل: المريض هنا هو الذي لا يجد من يأتيه بالماء. # { أو على سفر } أي: مسافرين غير واجدين الماء وأنتم جنب ~~فتيمموا. # قوله: { أو جآء أحد منكم من الغآئط } أي: من قضى ~~حاجته فلم يجد ماء فليتيمم، والغائط: ما اتسع من الأرض، وقيل: هو الموضع ~~المنخفض المستور وكثر ذلك حتى قيل لمن قضى حاجته متغوط. قال أبو عبيدة: " ~~أصل الغائط المكان المطمئن من الأرض ". # قوله: { أو لمستم النسآء } اللمس هنا الجماع، وقيل: هو ما ~~دون الجماع، أرخص الله لهم أن يتيمموا إذا لم يجدوا ماء، والمقيم ~~والمسافر في جواز التيمم له عند عدم الماء سواء، وعلى من عدم الماء ~~التيمم لكل صلاة لأنه يطلب الماء لكل صلاة وعند عدمه يتيمم. ومعنى لمستم ~~أو لامستم واحد. # وقيل: لامستم يريد به الجماع، ولمستم: القبلة والمباشرة. # وقال المبرد: " لمستم الأولى أن يكون بمعنى قبلتم، لأن لكل واحد ~~منهما فعلا، ولمستم بمعنى غشيتم، ومسستم أن المرأة ليس لها في هذا الفعل ~~شيء فلمستم بمعنى غشيتم. وقال أبو عمرو: " لامستم بمعنى: الجماع ". ومذهب ~~الكسائي: أن اللمس بمعنى الغمز والإفضاء ببعض الجسد إليها. # والصعيد: الأرض الملساء التي لا نبت فيها قاله قتادة. وقيل: هو الأرض ~~المستوية، قاله ابن زيد. وقيل: الصعيد التراب، وقيل: وجه الأرض. # والصعيد في اللغة وجه الأرض، والطيب هنا النظيف الطاهر، وقال سفيان: " ~~معنى طيبا " أي حلال لكم، كما تقول هنالك ذلك. # قوله: { بوجوهكم وأيديكم } أي منه، ms0461 ومسح الأيدي في التيمم ~~هو إلى حد الوضوء إلى المرفقين، وهو قول ابن عمر والحسن والشعبي وسالم بن ~~عبد الله، وهو قول مالك والليث والثوري والشافعي وعبد العزيز بن أبي سلمة ~~وأصحاب الرأي. # وقيل: التيمم إلى الكفين إلى الزندين، وهو موضع قطع السارق، وهو مذهب ~~عكرمة، والأوزاعي وابن جبير ومكحول وعطاء، وروي ذلك عن ابن المسيب ~~والنخعي وغيرهم. # وقيل التيمم إلى الآباط، وهو قول الزهري. # وهذه الآية نزلت في قوم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم نزلت بهم ~~جنابة في سفر فلم يجدوا ماء، وشاهد هذا القول ما قالت عائشة رضي الله ~~عنها في قصة العقد فكانت الآية، والرخصة من بركتها رضوان الله عليها. ### || [4.44-45] # قوله: { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من ~~الكتب } الآية. # { ألم تر }: ألم تعلم، وقيل: ألم تخبر يا محمد. وقيل: ألم تر ~~بقلبك، يا محمد إلى الذين أعطوا حظا من كتاب الله، والنصيب الحظ - وهو ~~اليهود. # { ويريدون أن تضلوا السبيل } أي تعدوا عن الحق والطريق ~~المستقيم { يشترون الضللة } أي: يختارون الضلالة على الهدى { ~~والله أعلم بأعدائكم } أي: أعلم منكم بأمرهم وبما يسرون ~~من آرائهم، { وكفى بالله وليا } أي: [به] فاكتفوا، وله ~~فانتصروا على أعدائكم. ### || [4.46] # قوله: { من الذين هادوا يحرفون الكلم عن ~~مواضعه } الآية. # المعنى أن " من " متعلقة ب { الذين أوتوا نصيبا } أي هم من ~~الذين هادوا. وقيل: المعنى من الذين هادوا قوم يحرفون الكلم. وقيل: ~~المعنى من الذين هادوا من يحرفون الكلم. حكي عن العزيز يقول أي: من يقول ~~ذلك. # وقيل: " من " متعلقة بنصير، أي: وكفى بالله نصيرا من هؤلاء القوم، أي: ~~ينتصر منهم في الآخرة، فاكتفوا بنصرته منهم أيها المؤمنون. # واختار قوم أن يكون المحذوف من كما قال: # وما منآ إلا له مقام معلوم # [الصافات: 164] أي: من له، كما يقول له: منا يقول ذلك ومنا لا يقوله، ~~أي: من يقوله ومن لا يقوله ومذهب سيبويه تقدير قوم كما ذكرنا أولا. # واختار أهل التفسير أن يكون " من " متعلقة بالذين أوتوا نصيبا من ~~الكتاب ms0462 ". # ومعنى { يحرفون الكلم } أي: يتأولونها على غير وجهها، ~~ويعدلونها عن ظاهرها، والكلم هنا كلام النبي عليه السلام، وقال مجاهد: ~~الكلم كلم التوراة يبدلونها، وهو جمع كلمة. # { ويقولون سمعنا وعصينا }: يقولون لمحمد صلى الله عليه ~~وسلم: سمعنا قولك، وعصينا أمرك، يخفون العصيان، ويظهرون السمع والطاعة ~~إذا أرادوا أن يكلموه، قال: { واسمع غير مسمع } أي: يقولون في ~~أنفسهم: لا سمعت، يقولون { رعنا } يوهمونهم أنهم يريدون: أرعنا سمعك، ~~وهم يريدون به الرعونة في لغتهم. # وقيل معنى { واسمع غير مسمع } أي: اسمع غير مقبول منك، ويلزم ~~قائل هذا أن يقول غير مسموع منك. ومعنى { ليا بألسنتهم } أي: ~~تحريفا إلى السب والاستخفاف. # وقيل: كانوا يريدون بقولهم { رعنا } أي: راعينا مواشينا، ويوهمون ~~أنهم يريدون راعنا، أي: انتظرنا وارفق بنا، وإنما يريدون الرعي رعي ~~المواشي عن طريق الهزء والاستخفاف والمغالطة. # قوله: { ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا } أي: سمعنا ~~قولك وأطعنا أمرك { واسمع } أي: اسمع منا { وانظرنا } أي: ~~انتظرنا نفهم عنك ما تقول لكان ذلك [ { خيرا لهم] وأقوم } أي ~~وأعدل. ### || [4.47] # قوله: { يا أيهآ الذين أوتوا الكتب آمنوا بما ~~نزلنا } الآية. # هذا خطاب لليهود الذين كانوا حوالي رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم ~~الله تعالى أن يؤمنوا بالقرآن الذي هو مصدق للتوراة ومحقق لها. # وروي # " أنها نزلت في نفر من اليهود، خاطبهم النبي عليه السلام، ودعاهم إلى ~~الإسلام وقال لهم: والله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به حق، فقالوا: ما ~~نعرف ذلك يا محمد فتوعدهم الله جل ذكره بقوله: { يا أيهآ الذين ~~أوتوا الكتب آمنوا } ". # وروي أن عبد الله بن سلام كان بالشام، فأقبل حتى أتى النبي عليه السلام ~~قبل أن يدخل على أهله فأسلم - وقال: لقد خفت، وأنا مقبل ألا أصل إليك حتى ~~يصير وجهي خلفي. وقيل: معنى { من قبل أن نطمس وجوها ~~فنردها على أدبارهآ } أي: آمنوا من قبل أن تمحق صورة ~~الوجوه حتى تصير كالأقفية تذهب بالأنف والعين والحاجب وغير ذلك من أدوات ~~الوجه ويصير كالقفا. # وقيل المعنى: { من قبل أن نطمس } أبصار الوجوه ms0463 فتصير لا تنظر ~~شيئا كالقفا. # ومعنى { فنردها على أدبارهآ } يرجع الوجه في موضع القفى، ~~فيصير يمشي القهقري، قال قتادة: { فنردها على أدبارهآ } ~~تحول وجوهها قبل ظهورها. # وقال مجاهد والحسن: المعنى من قبل أن نعمي قوما عن الحق فنردهم على ~~أدبارهم في الصلاة والكفر. # وقيل: المعنى: { من قبل أن نطمس وجوها } أي: نمحو آثارها، ~~فنردها على أدبارها أي: نجعلها منابت للشعر كوجوه القردة. واختار الطبري ~~قول ابن عباس أن المعنى من قبل أن نعمي أبصارها، فنردها في موضع القفى، ~~وتصير الوجوه في موضع القفى فيمشي القهقرى، ولا معنى لقول من قال: معناه ~~أن نعمي قوما فنردهم عن الحق إلى الضلالة لأن المخاطبين بهذا هم اليهود، ~~وهم ضالون كافرون، فلا معنى لتوعدهم أن يجعلوا ضالين كافرين وهم كذلك. ~~وقد قيل: معناه من قبل أن نطمس وجوههم التي هم فيها يريد مواضعهم وترددهم ~~إلى الشام وهو بعيد، والطمس في اللغة العفو والدثور. # وقال مالك: كان أول إسلام كعب أنه مر برجل من الليل وهو يقرأ { يا ~~أيهآ الذين أوتوا الكتب آمنوا بما نزلنا ~~مصدقا } الآية فوضع كعب يده على وجهه ورجع القهقرى إلى بيته، فأسلم ~~مكانه وقال: والله لقد خفت ألا أبلغ بيتي حتى يطمس وجهي. # قوله: { أو نلعنهم كما لعنآ أصحب السبت } معناه ~~أن نخزيهم، فنجعلهم قردة كما أخزينا أصحاب السبت الذين اعتدوا فيه. # قاله قتادة والحسن والسدي وابن زيد، وهذا من الرجوع إلى الغيبة بعد ~~المخاطبة مثل # حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح # [يونس: 22]. # وقد قيل: معناه: أو نلعن أصحاب الوجوه، فلا يكون فيه خروج من خطاب إلى ~~غيبة على هذا. # قوله: { وكان أمر الله مفعولا } أي: كائنا موجودا، ~~والأمر في هذا الموضع: المأمور، وسمي بالأمر لأنه عن الأمر كان ~~(فمعناه): ولم يزل مأمور الله موجودا كائنا إذا أراده وجده لا إله إلا ~~هو، فهو مصدر وقع موقع المفعول كما قال # هذا خلق الله # [لقمان: 11] أي: مخلوقه. ### || [4.48] # قوله: { إن الله لا يغفر أن يشرك به } الآية. # قال ابن ms0464 عمر: كنا معشر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نشك في ~~قاتل المؤمن، وأكل مال اليتيم، وشاهد الزور، وقاطع الرحم، يعني في ~~الشهادة له بالنار حتى نزلت: { إن الله لا يغفر أن يشرك ~~به ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء } فأمسكنا عن الشهادة. # وروي عن ابن عمر أنه قال: لما نزلت # قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم # [الزمر: 53] إلى قوله # إن الله يغفر الذنوب جميعا # [الزمر: 53] قام رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: والشرك يا رسول ~~الله. فنزلت { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ~~ما دون ذلك لمن يشآء } فكان قوله # إن الله يغفر الذنوب جميعا # [الزمر: 53] أنه ما دون الشرك. # وقيل: المعنى ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء بعد التوبة ولا يحسن هذا لأنه ~~يجب منه أن يكون من تاب، ومات على توبته موقوفا على المشيئة إن شاء غفر ~~له وإن شاء لم يغفر له، وهذا قول لم يقله أحد، ولا يجوز اعتقاده بل الميت ~~على توبته مغفور له بإجماع. # قوله: { ومن يشرك بالله }: أي: يشرك في عبادته غيره { فقد ~~افترى } أي: اختلق: { إثما عظيما }. # روى جابر بن عبد الله أنه قال: # " سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الموجبتين، فقال: " من مات لا يشرك ~~بالله شيئا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله دخل النار " ". ### || [4.49] # قوله { ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم } الآية. # معناه ألم تر بقلبك يا محمد، إلى اليهود الذين يطهرون أنفسهم من الذنوب ~~ويمتدحونها، وهو قولهم: # نحن أبناء الله وأحباؤه # [المائدة: 18] فلا ذنوب لنا، قاله قتادة. # وقال الحسن وابن زيد: هم اليهود والنصارى قالوا: # وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو ~~نصارى # [البقرة: 111] وقالوا: # نحن أبناء الله وأحباؤه # [المائدة: 18]. # قال الضحاك والسدي: قالت اليهود ليس لنا ذنوب إلا كذنوب أولادنا يوم ~~يولدون إنما نحن مثلهم ما عملنا بالنهار كفر عنا بالليل، وقال الله عز ~~وجل: # انظر كيف يفترون على الله الكذب # [النساء: 50] الآية. # وقال مجاهد: تزكيتهم تقديم ms0465 أولادهم لإمامتهم ولدعائهم يزعمون أنهم لا ~~ذنوب لهم. # وقال عكرمة: كانوا يقدمون الصبيان الذين لم يبلغوا الحلم يصلون بهم، ~~يقولون: ليست لهم ذنوب. # وقال ابن عباس كانوا يقولون: إن أبناءنا إن توفوا فهم لنا قربة عند الله ~~يستشفعون لنا ويزكوننا. # وقال: ابن مسعود: " كانوا يقولون: كان بعضهم يزكي بعضا، فقال الله ~~تعالى: { يزكون أنفسهم } أي: يزكي بعضهم بعضا، كما قال # تقتلون أنفسكم # [البقرة: 85] أي: يقتل بعضكم بعضا. # قوله: { بل الله يزكي من يشآء }. أي: يوفق من يشاء للطاعة، ~~والعمل بما يزكيه أي: يزكي عمله. والزكاة: النماء. # قوله: { ولا يظلمون فتيلا } أي: ليس ينقصون من حقوقهم مقدار ~~الفتيل، وروي عن ابن عباس انه قال: الفتيل ما خرج بين أصابعك من الوسخ ~~إذا فتلتهما. # وقيل: ما خرج بين الكفين إذا فتلتهما. وعن ابن عباس أيضا: الفتيل الذي ~~في بطن النواة، يعني في شق النواة كالخيط، ومثله عن مجاهد، وهو فعيل ~~بمعنى: مفعول: وقيل: الفتيل ما في (بطن) النواة. # والنقير: (النقرة) التي في ظهرها منها تنبت [النخلة]. والقطمير: القشرة ~~الملفوفة عليها. # قال الأخفش: يزكون أنفسهم تمام، وخولف في هذا لأن ما بعده متصل به. ### || [4.50] # قوله: { انظر كيف يفترون على الله الكذب } الآية. # معناها: انظر يا محمد، كيف يختلقون الكذب على الله في تزكيته لأنفسهم ~~وقولهم: # نحن أبناء الله وأحباؤه # [المائدة: 18] وكفى بفعلهم { إثما مبينا } أي: ظاهرا. ### || [4.51-52] # قوله: { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من ~~الكتب } الآية. # معناها: ألم تر يا محمد بقلبك إلى الذين أعطوا حظا من الكتاب يعني: ~~علماء بني إسرائيل أعطوا في كتابهم أمر النبي صلى الله عليه وسلم وصفته ~~فكتموه. # قال عكرمة: الجبت والطاغوت صنمان كان المشركون يعبدونهما. وقال ابن ~~عباس: الأصنام هي الجبت والطاغوت الذين يعبرون عنها الكذب ليضلوا الناس. # وروي عن عمر رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: الجبت الساحر والطاغوت ~~الشيطان. # وقال ابن جبير: الجبث بلسان الحبشة الساحر، والطاغوت الكاهن، وكذلك قال ~~أبو العالية. وقال قتادة: الجبت الشيطان والطاغوت الكاهن، وكذلك قال ~~السدي. وعن ابن ms0466 جبير أيضا: الجبت الكاهن والطاغوت الشيطان. # وعن ابن عباس: الجبت حيي بن أخطب، والطاغوت كعب بن الأشرف، وهما رئيسان ~~من رؤساء اليهود، وكذلك قال الضحاك والفراء. # والجبت والطاغوت عند أهل اللغة كل ما عبد من دون الله [عز وجل، وروي عن ~~ابن وهب عن مالك أنه قال: الطاغوت ما عبد من دون الله] سبحانه، قال الله ~~عز وجل: # اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها # [الزمر: 17]، قال: فقلت لمالك: وما الجبت قال: سمعت من يقول: هو ~~الشيطان. # قال قطرب: الجبت أصله عند العرب الجبس، وهو الثقيل الذي لا خير فيه ولا ~~عنده، فأبدلت التاء عن السين، وهي لغة رديئة لا يجب أن يحمل القرآن ~~عليها. # وعن عمر: أن الجبت السحر، والطاغوت الشيطان. # وقوله: { ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من ~~الذين آمنوا سبيلا } أي: يقول اليهود لبعض الكفار، هؤلاء ~~أصحابكم أهدى من المؤمنين بالله ورسوله طريقا، يغبطونهم بتكذيب محمد صلى ~~الله عليه وسلم وما جاء به، وذكر أن ذلك من قول كعب بن الأشرف. # وقال ابن عباس: لما قدم كعب بن الأشرف مكة قالت له قريش: أنت خير أهل ~~المدينة وسيدهم، قال: نعم، قالوا: ألا ترى هذا الصنبور المنبتر من قومه ~~يزعم أنه خير منا ونحن أهل الحجيج، وأهل السدانة، وأهل السقاية، قال: ~~أنتم خير منه، فأنزل الله # إن شانئك هو الأبتر # [الكوثر: 3] وأنزل { ألم تر إلى الذين أوتوا... } الآية. # قال عكرمة: انطلق كعب بن الأشرف إلى المشركين من كفار قريش فاستجاشهم ~~على النبي صلى الله عليه وسلم وأمرهم أن يغزوه، وقال: أنا معكم نقاتله ~~فقالوا: أنتم أهل كتاب، وهو صاحب كتاب، ولا نأمن أن يكون هذا مكر منكم، ~~فإن أردت أن نخرج معك، فاسجد لهذين الصنمين وآمن بهما، ففعل، وقال: أنتم ~~خير من محمد، فأنزل الله عز وجل { ألم تر إلى الذين أوتوا ~~نصيبا من الكتب } الآية. # فالجبت والطاغوت على هذا الخبر هما الصنمان. وقال ابن زيد: فاعل ذلك حيي ~~بن أخطب. وقيل: هو كعب، وحيي ورجلان من اليهود من بني النضير لقوا ms0467 قريشا ~~بالموسم، فقال لهم المشركون: أنحن أهدى أم محمد وأصحابه؟ إن أهل السقاية ~~والسدانة وأهل الحرم، فقال له: لا أنتم أهدى من محمد وأصحابه، وهم يعلمون ~~أنهم كاذبون حملهم على ذلك الحسد، فأنزل الله عز وجل { ألم تر } ، ~~الآية. قوله { أولئك الذين لعنهم الله } أي: أخزاهم ~~وأبعدهم من رحمته { ومن يلعن الله } أي: يخزيه ويبعده عن توفيقه ~~ورحمته { فلن تجد له } من ينصره من عقوبة الله ولعنته سبحانه. ### || [4.53] # قوله: { أم لهم نصيب من الملك } الآية. # أم هاهنا بمعنى: بل أي: بل لهم نصيب. وقيل: أم عاطفة على شيء محذوف ~~قبلها تقديره: أهم أولى بالنبوة ممن أرسلت أم لهم نصيب؟. والمعنى: ليس ~~لهم حظ من الملك، ولو كان لهم لم يعطوا الناس منه نقيرا لبخلهم. وقيل: ~~الناس هنا: محمد صلى الله عليه وسلم. والنقير النقطة في ظهر النواة وقيل: ~~النقير هنا نقر الإنسان بأطراف أصابعه، والفائدة فيها: وصفهم بالبخل ~~وأنهم لو كانوا ملوكا لبخلوا بالشيء الحقير اليسير. ### || [4.54] # قوله: { أم يحسدون الناس } الآية. # المعنى: أن اليهود حسدوا قريشا إذ كان النبي صلى الله عليه وسلم منهم، ~~فوبخهم الله عز وجل وقال: { فقد آتينآ آل إبرهيم الكتب ~~والحكمة } فيجب أن يحسدوهم أيضا، { وآتيناهم ملكا ~~عظيما } وهو ما أعطى سليمان صلى الله عليه وسلم فكيف لم يحسدوا هؤلاء. # وقال ابن عباس: عنى بالناس: محمد صلى الله عليه وسلم ومن آمن به. وعنه ~~أنه قال: نحن الناس: يعني قريشا، وهو قول عكرمة والسدي ومجاهد ~~والضحاك... حسدوه في أمر النساء، وقالوا: قد أحل الله له من النساء ما ~~شاء، فأنزل الله عز وجل: { يحسدون الناس } أي: محمدا صلى الله ~~عليه وسلم على ما أحل الله له من النساء، وهو الفضل فوق أربع، فأم بمعنى ~~بل هنا، { وآتيناهم ملكا عظيما } قال السدي: كانت لداود ~~مائة امرأة ولسليمان أكثر من ذلك. وقال القتبي: كانت لسليمان سبعمائة ~~امرأة وثلاثمائة سرية. # قال همام: { ملكا عظيما } أيدوا بالملائكة والجنود. # قال أبو عبيدة: معنى { أم يحسدون }: (أيحسدون). # وقيل الناس هنا: ms0468 العرب، حسدهم اليهود إذ كان محمد صلى الله عليه وسلم ~~منهم فهو الفضل. وقيل: الملك العظيم النبوة. وقيل: هو تحليل النساء لهم. ~~وقيل: هو ما أعطي سليمان. وقيل: " الملك العظيم ": هو تأييدهم بالملائكة. # واختار الطبري أن يكون { ملكا عظيما } هو ما أوتي سليمان صلى ~~الله عليه وسلم من الملك وتحليل النساء. ### || [4.55] # قوله: { فمنهم من آمن به } الآية. # المعنى: فمن أهل الكتاب الذين قيل لهم آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم: ~~من آمن بالله عز وجل. وقيل: بمحمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: بالقرآن وهو ~~أبينها لقوله: { آمنوا بما نزلنا مصدقا } ثم قال { ~~فمنهم من آمن به } أي: بما نزلنا، وهو القرآن، { ومنهم ~~من صد عنه } أي: لم يؤمن به. # وقيل: { ومنهم من صد عنه } أي: عن محمد صلى الله عليه وسلم ~~(أي): أعرض عنه، وقيل: { من آمن به }: القرآن. قاله مجاهد، وقيل: ~~" به " بهذا الخبر. وذكر السدي في قصة طويلة أن إبراهيم صلوات الله عليه، ~~كان عنده طعام كثير بورك له فيه كسبه من زرع زرعه من قمح كونه من عند ~~الله تعالى، فكان الناس يأتونه في مجاعة يطلبون منهم شراء الطعام، فيقول: ~~هذا الطعام من آمن بالله فليأخذ منه، ومن لا يؤمن بالله فلا شيء له، وآمن ~~بعض وأخذوا، وامتنع قوم من الإيمان فلم يأخذوا، فهو قوله تعالى: { ~~فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه }. # وفي هذه الآية دليل علي أن من لم يؤمن قد أخرت عقوبته التي توعد بها في ~~قوله: { من قبل أن نطمس وجوها فنردها على ~~أدبارهآ } إلى يوم القيامة لإيمان من آمن منهم وهو قوله: { وكفى ~~بجهنم سعيرا } وإنما كان الوعيد لهم من الله جلت عظمته بالعقوبة ~~على مقام جميعهم على الكفر، فلما آمن بعضهم خرجوا عن الوعيد الذي توعدوا ~~به في دار الدنيا، وهو الطمس وأخرت عقوبة المقيمين على الكفر. # وسعير: فعيل، مصروف عن مفعوله كما قال: كف خضيب، ولحية دهين، والمسعورة: ~~الموقودة بشدة التوقد، والمعنى وكفى بجهنم سعيرا لمن صد عنه، ms0469 أي: أعرض ~~عن محمد صلى الله عليه وسلم، وما جاء به. ### || [4.56] # قوله: { إن الذين كفروا بآيتنا سوف نصليهم ~~نارا } الآية. # هذا وعيد من الله عز وجل لمن أقام على الكفر وأعرض عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وما جاء به { سوف نصليهم نارا } أي نلقيهم في النار. # وقيل المعنى: سوف نشويهم بنار. يقال أصليته: ألقيته في النار وصليته ~~شويته، فنلقيهم أولى بالمعنى لأنه رباعي. # قوله: { كلما نضجت جلودهم } أي احترقت واشتوت. # قال ابن عمر: إذا احترقت جلودهم بدلوا جلودا غيرها بيضاء مثل القراطيس. # قال الحسن: تأكلهم النار كل يوم سبعين ألف مرة، كلما أكلتهم قيل لهم ~~عودوا فيكونون كما كانوا. قال الربيع: سمعنا أنه مكتوب في الكتاب الأول ~~أن جلد أحدهم أربعون ذراعا، وسنه تسعون ذراعا، وبطنه لو وضع فيه جبل ~~وسعه، فإذا أكلت النار جلودهم بدلوا جلودا غيرها. قال الحسن: تنضجهم في ~~اليوم سبعين ألف مرة. قال: وغلظ جلد الكفار أربعون ذراعا، والله أعلم ~~بأي ذراع. # وإنما جاز أن يبدلوا جلودا غير جلودهم التي كانت في الدنيا فيعذبون ~~منها وهي لم تذنب، لأن الألم إنما يصل إلى الإنسان الذي هو غير الجلد ~~واللحم، وإنما تحرق النار الجلد ليصل الألم إلى الإنسان، وينعم ليصل ~~النعيم إلى الإنسان، وليس يألم الجلد ولا اللحم وإنما يألم الإنسان، ألا ~~ترى أنه لو مات وحرق الجلد واللحم لم يكن ألم ثابت يحس، وإنما هو بمنزلة ~~الجندل إذا زالت الإنسانية منه. # وقيل: المعنى: بدلناهم جلودا غير محرقة، أي يصير الجلد (غير) محرق، وهو ~~كما تقول: صغ لي خاتما من هذه الفضة، فإذا تم الخاتم فهو الفضة بعينها. # وقيل: المعنى: كلما نضجت سرابيلهم بدلوا سرابيل من قطران غيرها، فجعلت ~~السرابيل لهم جلودا لملازمتهم لها كما يقال: الشيء الخاص بالإنسان هو ~~الجلدة ما بين عينيه لملازمته لها. وقد أخبر الله بلباسه السرابيل من ~~قطران فقال # سرابيلهم من قطران # [إبراهيم: 50] فأما جلودهم فليس تحرق لأن في احتراقها فناءها، وفي ~~فنائها راحتها وجواز فناء غيرها من أجسامهم ولحومهم. ms0470 وقد أخبر الله تعالى ~~أنهم لا يخفف عنهم ولا يموتون. # والاختيار عند أهل النظر أن يكون الجلد الأول أعيد جديدا كما كان، كما ~~تقول صغت من خاتمي خاتما فأنت وإن غيرت المصوغة، فالفضة واحدة لم ~~تبدلها. # قوله: { ليذوقوا العذاب } أي: فعلنا ذلك ليذوقوا العذاب أي: ~~ألمه وشدته { إن الله كان عزيزا } أي: لم يزل عزيزا في ~~انتقامه لا يقدر على الامتناع منه أحد { حكيما } في تدبيره وقضائه. ### || [4.57] # قوله: { والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم ~~جنات } الآية. # المعنى الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به وأدوا العمل ~~الصالح فندخلهم يوم القيامة بساتين تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~أبدا أي: بغير نهاية ولا انقطاع { لهم فيهآ أزواج ~~مطهرة } أي بريئات من الأدناس والريب والحيض والغائط والبول ~~والمخاط، وغير ذلك من أقذار بني آدم { وندخلهم ظلا ظليلا } ~~(أي): كثيفا كما قال # وظل ممدود # [الواقعة: 30]. # وقال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها ". # وقيل: معنى { ظلا ظليلا } أي: يظل من الحر والبرد وليس كذلك كل ~~ظل فأعلمهم الله تعالى أن ظل الجنة لا حر معه ولا برد. ### || [4.58] # قوله: { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى ~~أهلها } الآية. # قال زيد بن أسلم: نزلت الآية في ولاة أمور المسلمين. # قال مكحول في وقوله: { وأولي الأمر منكم }: هم أهل الآية ~~التي قبلها في قوله: { إن الله يأمركم أن تؤدوا ~~الأمانات إلى أهلها }. # وقال ابن زيد: قال أبي: هم الولاة أمرهم الله عز وجل أن يؤدوا الأمانات ~~إلى أهلها. # وقال ابن جريج: خوطب بهذا النبي عليه السلام أن يرد مفاتيح الكعبة على ~~عثمان بن طلحة كان المفتاح لآبائه من قصي، وكان أبوه قتل يوم بدر فورثه ~~من أبيه طلحة. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يا عثمان خذ المفاتيح على أن للعباد معك نصيبا، فأبى أن يأخذه حتى ~~نزلت الآية، فدفعه النبي صلى الله عليه وسلم ولم يشرك ms0471 معه أحدا، فهو ~~اليوم في ذريته الأمثال فالأمثال. # وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أخذها منه يوم فتح مكة، ففتح البيت ~~ودخله، ثم خرج وهو يتلو هذه الآية، فدعا عثمان بن طلحة فدفع إليه ~~المفاتيح ". # وقيل: نزلت لما أخذ النبي صلى الله عليه وسلم مفاتيح الكعبة من شيبة بن ~~عثمان. # وروى أهل التفسير أن العباس عم النبي عليه السلام سأل النبي عليه السلام ~~أن يجمع له السقاية والسدانة، وهي الحجابة، وهو أن يجعل له مع السقاية ~~فتح البيت وإغلاقه، فنازعه شيبة بن عثمان فقال: " يا رسول الله: اردد علي ~~ما أخذت مني " ، يعني مفاتيح الكعبة فرده صلى الله عليه وسلم على شيبة. # وقال الحسن: # " لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة دعا عثمان بن طلحة فقال: " ~~أرنا المفتاح " ، فلما أتاه به قال عباس: " يا رسول الله اجمعه لي مع ~~السقاية، فكف عثمان يده مخافة أن يدفعه إلى العباس، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: يا عثمان إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر فأرني المفتاح ~~". # فقال: هاك في أمانة الله عز وجل، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~ففتح باب الكعبة، ثم دخل، فأفسد ما كان في البيت من التماثيل، وأخرج مقام ~~إبراهيم صلى الله عليه وسلم فوضعه حيث وضعه، ثم طاف بالبيت مرة أو مرتين، ~~ونزل جبرئيل عليه السلام بالآية يأمره أن يرد المفتاح إلى أهله، فدعا ~~عثمان فقال: هاك المفتاح إن الله يقول: " أدوا الأمانات إلى أهلها وقرأ ~~الآية كلها ". # وقال ابن عباس: الآية على العموم في كل من ائتمن على شيء فعليه رده إلى ~~أهله. # واختار أهل النظر أن يكون خطابا لولاة أمور المسلمين أن يؤدوا الأمانة. # فيما ائتمنوا عليه من أمور المسلمين في أحكامهم والقضاء في حقوقهم بكتاب ~~الله، والقسم بينهم بالسوية، ويدل على صحة ذلك أن الله تعالى أمر ~~المسلمين بطاعتهم بعد ذلك فقال: { يا أيها الذين آمنوا ~~أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ~~} فحض الولاة على العدل والإنصاف بين ms0472 المسلمين، وحض المسلمين على طاعة ~~الولاة. # قوله: { إن الله نعما يعظكم به } أي: نعمه العظيمة ~~يعظكم بها يا ولاة أمور المسلمين، في أداء ما ائتمنتم عليه من أموال ~~المسلمين { إن الله كان سميعا } أي: لم يزل سميعا لما تقولون ~~وتنطقون وتحكمون في رعيتكم { بصيرا } بما تعملون فيما ائتمنكم عليه من ~~الحكم والإنصاف، لا يخفى عليه شيء من أفعالكم. وهذا كان لولاة أمور ~~المسلمين ومن قام مقامهم من الحكام، وقد حض على ذلك في غير موضع من كتابه ~~فقال: # إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتآء ذي ~~القربى # [النحل: 90]. # وقال: # يداوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين ~~الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل ~~الله إن الذين يضلون عن سبيل الله # [ص: 26]. # وقال: # ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم ~~الفاسقون # [المائدة: 47]، # فأولئك هم الفاسقون # [المائدة: 47]، و # فأولئك هم الظالمون # [المائدة: 45]. # وقال: # كونوا قومين بالقسط شهدآء لله ولو على ~~أنفسكم أو الولدين والأقربين # [النساء: 135]. # وقال صلى الله عليه وسلم # " المقسطون يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمان، وكلتا يديه - ~~جلت عظمته - يمين هم الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وأموالهم ". # وقال صلى الله عليه وسلم: # " إن أحب الناس إلى الله عز وجل وأقربهم إليه سبحانه وتعالى - إمام عادل ~~" # وقال: # " إن أبغض الناس إلى الله جل ذكره وأشدهم عذابا إمام جائر " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " إن أفضل عباد الله منزلة إمام عادل رقيق، وإن شر عباد الله تعالى ~~منزلة يوم القيامة إمام جائر ". # وقال معقل المزني عند موته: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " ليس من ولي أمة قلت أو كثرت لم يعدل فيهم إلا كبه الله على وجهه في ~~النار ". # وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ما من أمير عشرة إلا وهو يجيء يوم القيامة مغلولة يده إلى عنقه حتى ~~يكون عمله هو الذي يطلقه أو يوبقه، وكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ". # وقال صلى الله عليه وسلم: # " سبعة في ظل الله يوم ms0473 لا ظل إلا ظله: إمام مسقط، وشاب نشأ في عبادة ~~الله عز وجل حتى توفاه الله على ذلك، ورجل ذكر الله في خلا، ففاضت عيناه ~~من خشية الله عز وجل، ورجل كان قلبه متعلقا بالمسجد حين يخرج منه حتى ~~يرجع إليه، ورجل قال أحدهما للآخر: إني أحبك في الله، وقال الآخر: إني ~~أحبك في الله، فتصادرا على ذلك، ورجل دعته امرأة ذات جمال ومنصب إلى ~~نفسها فقال: إني أخاف الله رب العالمين، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا ~~تعلم شماله ما تنفق يمينه ". # وقال النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته: # " أصحاب الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط، ومصدق مؤمن، ورجل رحيم رقيق القلب ~~بكل ذي قربى ومسلم، ورجل عفيف فقير ". # قال ابن مسعود، إذا كان الإمام عادلا فله الأجر وعليكم الشكر، وإذا كان ~~جائرا فعليه الوزر وعليكم الصبر. # وقال بعض الحكماء: عدل الحكام أنفع من خصب الزمان. ### || [4.59] # قوله: { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله... } ~~الآية. # أي: دوموا على طاعته { وأطيعوا الرسول } في سنته، وما أتاكم به ~~{ وأولي الأمر منكم } أي: ولاة أموركم، وهم الأمراء، قال ذلك ~~أبو هريرة، وابن عباس وغيرهما. # وقيل: هم أصحاب السرايا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وقال زيد بن زيد أسلم: هم السلاطين. # وقال جابر بن عبد الله " هم أهل العلم والفقه والخير، قاله مجاهد ~~وقتادة، وأبو العالية، وروي عن ابن عباس مثله وقاله عطاء، ولذلك قيل، إن ~~الأمر في هذا: القرآن: فمعناه: وأولي القرآن، وأولي العلم بالقرآن، ودل ~~على أن الأمر: القرآن قوله: # ذلك أمر الله أنزله إليكم # [الطلاق: 5]. # وعن ابن عباس أنه قال: نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي إذ بعثه ~~النبي صلى الله عليه وسلم في سرية. وروي عن مجاهد أنه قال: هم أصحاب محمد ~~صلى الله عليه وسلم. # وقال عكرمة: هم أبو بكر وعمر. # واختار أهل النظر أن يكون المراد أمراء مسلمين لقوله صلى الله عليه ~~وسلم: # " سيليكم بعدي ولاة، فيليكم البر ببره، ويليكم ms0474 الفاجر بفجوره، فاسمعوا ~~لهم، وأطيعوا في كل ما وافق الحق، وصلوا وراءهم، فإن أحسنوا فلهم، وإن ~~أساءوا فلكم وعليهم ". # قال صلى الله عليه وسلم: # " على المرء المسلم الطاعة ". # وقال صلى الله عليه وسلم: # " لا يزال الناس بخير ما استقامت لهم هداتهم وولاتهم " # والهداة العلماء العاملون بعلمهم. # قوله: { فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله } ~~الآية. # المعنى: إن اختلفتم في شيء من أمور دينكم فردوه إلى كتاب الله وإلى سنة ~~رسوله، وحكمه. # وقيل: المعنى إن اختلفتم في شيء فقولوا: الله ورسوله أعلم، على التغليظ ~~في الاختلاف والنهي عنه، قوله: { ذلك خير وأحسن تأويلا } ~~أي هذا الفعل خير لكم في دنياكم وأخراكم، وأحسن عاقبة، لأنه يدعوكم إلى ~~الإلفة وترك الاختلاف والتنازع، والفرقة. # وقال مجاهد { وأحسن تأويلا }: أحسن جزاء. # وقيل: أحسن ثوابا، وخير عاقبة. ### || [4.60-61] # قوله: { ألم تر إلى الذين يزعمون } الآية: معناه ألم ~~تعلم بقلبك الذين يزعمون أنهم صدقوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك من ~~الكتاب، وهم يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، وقد أمرهم الله أن يكفروا ~~به: أي: بما جاء به الطاغوت. # والطاغوت كل ما عبد من دون الله عز وجل فهو جماعة، وهو يذكر ويؤنث، فإذا ~~ذكر ذهب به إلى [معنى] الشيطان وإذا أنث ذهب [به] إلى معنى ~~الألوهية، وإذا جمع ذهب به إلى [معنى] الأصنام. # قال الله في التذكير: { وقد أمروا أن يكفروا به } فذكر ~~على معنى الشيطان، وقيل: هو كعب بن الأشرف. # قال الله جل ذكره: # اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها # [الزمر: 17] فأنث على معنى الألوهية. وقال في الجمع: # أوليآؤهم الطاغوت يخرجونهم # [البقرة: 257] فجمع على معنى: أولياؤهم الأصنام. # قوله: { يريد الشيطان أن يضلهم } أن يضلهم أي: يضل هؤلاء ~~المتحاكمين إلى الطاغوت عن الحق أي: يصدهم عنه. # وروي أن هذه الآية نزلت في رجل من المنافقين دعا رجلا من اليهود في ~~خصومة كانت بينهما، فكان المنافق يدعوه إلى اليهود لأنه يعلم أنهم يقبلون ~~الرشوة، واصطلحا أن يتحاكما إلى كاهن جهينة ليحكم بينهم، ورسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ms0475 بين أظهرهم، فأنزل الله هذه الآية فقوله: { يزعمون ~~أنهم آمنوا بمآ أنزل إليك } يعني به المنافق { ومآ ~~أنزل من قبلك } يعني به اليهود { يريدون أن يتحاكموا ~~إلى الطاغوت } وهو الكاهن { وقد أمروا أن يكفروا ~~به } أمر هذا في كتابه، وهذا في كتابه أن يكفروا بالكاهن. وقيل: إنهما ~~رجلان من اليهود تخاصما فدعا أحدهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم والآخر ~~يدعو إلى الكاهن فمضيا، فأنزل الله هذه الآية. # وقال ابن عباس: كانت اليهود إذا دعيت إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أبوا، ~~وقالوا: بل نتخاصم إلى كعب بن الأشرف، فأنزل الله هذه الآية. # وقوله { ضلالا } مصدر لفعل دل عليه { يضلهم } كأنه فيضلهم { ~~ضلالا } مثل: # أنبتكم من الأرض نباتا # [نوح: 17]. قوله: { وإذا قيل لهم تعالوا إلى مآ ~~أنزل الله وإلى الرسول } هذا ذم لفعل المذكورين أنهم ~~يتحاكمون إلى الطاغوت، فأخبر الله تعالى أنهم إذا قيل لهم: تعالوا إلى ما ~~أنزل الله " أي: إلى كتابه جلت عظمته وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم { ~~رأيت المنفقين يصدون } أي: يمتنعون عنك. # و { صدودا }: هو اسم للمصدر عند الخليل، والمصدر عنده الصد، وهو مصدر ~~عند الكوفيين، والصد أيضا مصدر عندهم. # ووقع الإخبار عن المنافق بالصد لأنه هو الذي دعا إلى الكاهن، ولم يمض ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وقال ابن جريج: دعا اليهودي المنافق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وقيل: # " دعا اليهودي المنافق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال المنافق: ~~بيني وبينك الكاهن، فلم يرض اليهودي بالكاهن، ومضيا إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فحكم لليهودي على المنافق، فقال المنافق: لا أرضى، وقال: بيني ~~وبينك أبو بكر، فحكم أبو بكر لليهودي، فلم يرض المنافق، فقال: بيني وبينك ~~عمر، فمضيا إلى عمر فأخبره اليهودي أن المنافق قد حكم عليه النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وأبو بكر فلم يرض بحكمهما، فقال عمر للمنفق: كذلك؟: قال: ~~نعم، قال عمر اصبر، فإن لي حاجة ادخل فأقضيها وأخرج إليكما، فدخل وأخذ ~~سيفه وخرج إلى المنافق ms0476 فضاربه بالسيف فقتله، فجاء أهله فشكوا إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فسأله عن قصته فقال عمر: رد حكمك يا رسول الله! فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: أنت الفاروق ". # ومعنى: يصدون عنك أي: عن حكمك. ### || [4.62-63] # قوله: { فكيف إذآ أصبتهم مصيبة } الآية. # معنى: كيف في هذا: الاستفهام، ولها معان أخرى. # تكون بمعنى التحذير، والتخويف نحو قوله # فانظر كيف كان عاقبة مكرهم # [النمل: 51]. # وتكون بمعنى الجحود فتتبعها إلى نحو قوله # كيف يكون للمشركين عهد عند الله # [التوبة: 7] ألا ترى بعده # إلا الذين # [التوبة: 7] تقديره ما يكون للمشركين عهد. # وتكون كيف استفهام بمعنى التوبيخ والتعجب، نحو قوله # كيف تكفرون بالله وكنتم أموتا # [البقرة: 28] # وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله # [آل عمران: 101] وتكون تنبيها نحو قوله: # انظر كيف فضلنا # [الإسراء: 21]، # انظر كيف ضربوا لك الأمثال # [الإسراء: 48]. # وتكون توكيدا لما قبلها، وتحقيقا له، نحو قوله: # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد # [النساء: 41] فهذا كله من تفسير الكوفيين النحويين وهو صحيح. # والمعنى كيف يكون حال هؤلاء الذين يتحاكمون إلى الطاغوت ويزعمون أنهم ~~آمنوا بما أنزل إليك، ويمتنعون أن يأتوا حكمك إذا أصابتهم مصيبة أي: نزلت ~~بهم نقمة من الله تعالى { بما قدمت أيديهم } أي: بذنوبهم ~~التي تلفت منهم { ثم جآءوك } حالفين بالله { إن أردنآ إلا ~~إحسنا وتوفيقا }. # أخبر الله عنهم أنهم لا يردعهم عن النفاق: والعبر والنقمات وأنهم إذا ~~أصابتهم مصيبة بذنوبهم أخذوا يحلفون كاذبين أنا لم نرد إلا الإحسان ~~والتوفيق أي: لم نرد باحتكامنا إلى الكاهن إلا الإحسان من بعضنا البعض، ~~ولم يرجعوا إلى التوبة والاعتراف. # وقيل: أنهم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم في أمر القتيل الذي قتله عمر ~~وحلفوا، أنا ما أردنا بطلب الدم إلا إحسانا وموافقة الحق. # قوله: { أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم } ~~أي: يعلم ما أضمروا من احتكامهم إلى الكاهن، وتركهم الاحتكام إلى كتاب ~~الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فهو يعلم ذلك منهم، وإن حلفوا أنا ما ~~أردنا إلا الإحسان والتوفيق { فأعرض عنهم } (أي): ms0477 فدعوهم ولا ~~تعاقبهم في أبدانهم ولكن { عظهم } بالتخويف من الله عز وجل أن تحل ~~بهم عقوبة منه { وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا } هذا ~~التوعد بالقتل لمن خالف حكم الله وكفر به. # وقيل: قوله { في أنفسهم } مؤخر عن موضعه يراد به التقديم، فكيف ~~إذا أصابتهم مصيبة في أنفسهم بما قدمت أيديهم. # وكونه في غير موضعه من غير تقديم ولا تأخير، أحسن لتمام المعنى بذلك، ~~إنما يحسن تقدير التقديم والتأخير إذا لم يكمل معنى الآية، وتقدير ~~التقديم والتأخير مروي عن مجاهد. ### || [4.64] # قوله: { ومآ أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن ~~الله } الآية. # المعنى { ومآ أرسلنا } رسولا إلا افترضنا طاعته على من أرسل ~~إليهم، فأنت يا محمد من الرسل الذين فرضت طاعتهم على من أرسلته إليهم ~~فهذا توبيخ لمن احتكم إلى غير النبي صلى الله عليه وسلم. # قوله: { بإذن الله } أي: بعلمه، فدل هذا، أن هؤلاء الذين لم ~~يتحاكموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركوا طاعته إنما ذلك لشيء ~~سبق في علم الله عز وجل، فطاعته تكون ممن سبق في علم الله أنه يطيعه، ~~وكذلك خلافه. # قوله: { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم } لو أن هؤلاء ~~المنافقين إذ تحاكموا إلى الكاهن، فظلموا أنفسهم بذلك { جآءوك } ~~تائبين مستغفرين مما فعلوا، فسألت الله العفو عن جرمهم { لوجدوا ~~الله توابا رحيما } ومعنى توابا راجعا عما يكرهون إلى ما ~~يحبون، رحيما بهم في تركه عقوبتهم على ذنبهم. ### || [4.65] # قوله: { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما ~~شجر بينهم } الآية. # المعنى في قوله: { فلا } أي: ليس الأمر على ما يزعمون أنهم آمنوا بما ~~أنزل إليك، وما أنزل من قبلك وهم يتحاكمون إلى الطاغوت، ويصدون عنك إذا ~~دعوا إليك، ثم استأنف القسم فقال: { وربك لا يؤمنون } أي: ~~وربك يا محمد، لا يؤمنون أي: لا يصدقون بالله عز وجل ونبيه صلى الله عليه ~~وسلم { حتى يحكموك فيما شجر بينهم } ، أي: يحكمونك ~~حكما بينهم في خصوماتهم. وقرأ أبو السمأل: { شجر بينهم } ~~بإسكان الجيم وهو بعيد لخفة الفتحة. # قوله: { ثم ms0478 لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما ~~قضيت } أي: ضيقا من حكمك أي لا تأثم أنفسهم بإنكارها حكمك، وشكها في ~~طاعتك لأن الحرج الإثم، وكأنه قال: ثم لا تحرج أنفسهم بإنكارها حكمك، ~~قال: معنى ذلك مجاهد والضحاك. # وقيل: الحرج: الشك وكله يرجع إلى الإثم. # { ويسلموا تسليما } أي: يسلموا لحكمك إقرارا بنبوتك. # ويروى أن هذه الآية نزلت في الزبير بن العوام وخصم له، # " ذكر عن الزبير أنه خاصم رجلا من الأنصار وهو حاطب بن أبي بلتعة في ~~شريج من الحرة كانا يسقيان به كلاهما النخل، فقال الأنصاري سرح الماء ~~يمر، وكانت أرضه أسفل من أرض الزبير فأبى عليه، فاختصما إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اسق يا زبير، ثم ~~أرسل إلى جارك. فغضب الأنصاري فقال: يا رسول الله إن كان ابن عمتك؟ فتلون ~~وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: يا زبير اسق، ثم احبس الماء ~~حتى يرجع إلى الجدر، ثم أرسل الماء إلى جارك، فاستوعب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم للزبير حقه في صريح الحكم وكان أولا أراد النبي صلى الله ~~عليه وسلم الرفوت والسعة لهما فنزلت الآية ". # وقيل: نزلت في اليهودي والمنافق اللذين تقدم ذكرهما قاله مجاهد وغيره، ~~وهو أولى بسياق الكلام. # قال الطبري: ولا ينكر أن تكون الآية نزلت في الجميع فيكون حكم ~~المتحاكمين إلى الطاغوت، وحكم الزبير وخصمه. # ومن قال إنها في الزبير وخصمه ما زالت أحسن الوقف على ما [قبل الآية، ~~ومن قال: إنها في اليهود والمنافق ما زالت، فليس الوقوف على ما] قبلها ~~بتمام، لأن القصة واحدة. # وروي # " أنها نزلت في رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقضى ~~بينهما، فقال الذي قضى عليه ردنا إلى عمر، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: انطلقا إلى عمر، فلما أتيا عمر قال الذي له الحق: يا ابن الخطاب ~~قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا، فقال: ردنا إلى عمر فردنا ~~إليك، قال: كذلك؟ قال: نعم! ms0479 قال عمر: مكانكما حتى أخرج فأقضي بينكما، ~~فخرج إليهما مشتملا على سيفه، فضرب الذي قال: ردنا إلى عمر فقتله، وأدبر ~~الآخر فارا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم بذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ما كنت أظن أن يجترئ عمر ~~على قتل مؤمن "! فأنزل الله عز وجل: { فلا وربك لا يؤمنون } ~~الآية ". ### || [4.66-68] # قوله { ولو أنا كتبنا عليهم } الآية. # فالمعنى: ولو أنا كتبنا على هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل ~~إليك المتحاكمين إلى الطاغوت أي: فرضنا عليهم قتل أنفسهم، والخروج من ~~ديارهم ما فعل ذلك إلا قليل منهم. # ومعنى: قتل أنفسهم قتل بعضهم بعضا كما أمر أصحاب موسى صلى الله عليه ~~وسلم، ولما نزل ذلك افتخر ثابت بن قيس ورجل من اليهود، فقال اليهودي، ~~والله لقد كتب الله علينا أن اقتلوا أنفسكم فقتلنا أنفسنا وبلغت القتلى ~~منا سبعون ألفا، فقال ثابت: والله لو كتب الله علينا أن اقتلوا أنفسكم ~~لقتلنا أنفسنا، فأنزل الله عز وجل { ولو أنهم فعلوا ما ~~يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا } وقيل: # " إن الآية لما نزلت قال رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قيل: هو ~~أبو بكر رضي الله عنه لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذي عافانا. فبلغ ذلك ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " إن من أمتي لرجالا الإيمان أثبت في ~~قلوبهم من الجبال الرواسي " ". # ومعنى { وأشد تثبيتا } أي: أثبت لهم في أمورهم وأقوى. # وقال السدي: وأشد تثبيتا أي تصديقا. # قوله: { وإذا لأتينهم من لدنآ أجرا عظيما } ~~المعنى: ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا، { ~~وإذا لأتينهم من لدنآ أجرا عظيما } ، أي ثوابا ~~في الآخرة { ولهديناهم } أي لوفقناهم للصراط المستقيم وهو طريق ~~الجنة. ### || [4.69-70] # قولهم: { ومن يطع الله والرسول } الآية. # المعنى من يطع الله عز وجل والرسول صلى الله عليه وسلم بتسليم لأمرهما ~~والرضا بحكمهما، فهو مع الذين أنعم الله عليهم لأنبيائه، وأهل طاعته في ~~الآخرة { وحسن أولئك رفيقا ms0480 } أي: وحسن الأنبياء ومن معهم ~~رفيقا. # و { رفيقا } منصوب على الحال عند الأخفش، بمعنى رفقاء، وقال ~~الكوفيون: نصبه على التفسير، وقال بعض البصريين نصبه على التمييز. # والصديقون: أتباع الأنبياء صلوات الله عليهم، صدقوهم فهو فعيل من الصدق ~~وقد كثر ذلك عنه. # وقيل: هو فعيل من الصدقة كأنه (كثر) ذلك منه. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في حكاية أنه قال: # " الصديقون المتصدقون ". # وفعيل أصله المبالغة في ذم أو مدح. # { والشهدآء } جمع شهيد، وهو المقتول في سبيل لله [شهد لله عز وجل ~~بالحق، فسمي شهيدا لذلك. وقيل: سمي شهيدا لأنه يشهد كرامة الله] سبحانه ~~وقيل: لأنه يشهد على العباد بأعمالهم يوم القيامة، وقيل: هم الذين قاموا ~~وشهدوا لله بالحق. ويقال: الشهداء عدول يوم القيامة. # { والصالحين } كل من صلحت سريرته وعلانيته. { وحسن ~~أولئك رفيقا } في الجنة. والرزق لفظه لفظ واحد وهو في معنى ~~الجمع. # ويروى أن هذه الآية نزلت في قوم حزنوا على فقد النبي صلى الله عليه وسلم ~~حذر ألا يروه في الآخرة، فأخبرهم الله عز وجل أن من أطاعه، وأطاع رسوله ~~مع النبيين في الجنة. # وقال ابن جبير: # " جاء رجل من الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو محزون: قيل: هو ~~عبد الله بن زيد الذي رأى الآذان في منامه، فقال له النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " مالي أراك محزونا؟ " فقال: يا نبي الله، شيء فكرت فيه يقال: " ~~ما هو؟ " فقال: نحن نغدو ونروح ننظر في وجهك ونجالسك، وغدا ترفع مع ~~النبيين فلا نصل إليك، فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم شيئا، ~~فأتاه جبرئيل صلى الله عليه وسلم بهذه الآية: { ومن يطع الله ~~والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم ~~من النبيين } الآية. # فبعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم فبشره ". # وقال مسروق: قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم له: ما ينبغي لنا ~~أن نفارقك في الدنيا فإنك لو قد مت رفعت فوقنا، فلم نرك، فأنزل الله عز ~~وجل { ومن يطع الله والرسول } الآية: ms0481 وروي نحو ذلك قتادة ~~والسدي وغيرهما. # وقال عطاء: # " جاء رجل من الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبكي، فقال: " ~~ما يبكيك يا فلان؟ " فقال: يا نبي الله والله الذي لا إله إلا هو، لأنت ~~أحب إلي من أهلي ومالي، والله الذي لا إله إلا هو، لأنت أحب إلي من نفسي، ~~وأنا أذكرك وأنا في أهلي، فيأخذني الجنون حتى أراك، فذكرت موتك وموتي، ~~فعرفت ألا اجتمع معك، إلا في الدنيا، وأنت ترفع مع النبيين وعرفت أني إن ~~دخلت الجنة منزلتي أدنى من منزلتك، فلم يرد النبي صلى الله عليه وسلم ~~شيئا، فأنزل الله عز وجل { ومن يطع الله والرسول } الآية ~~". # قيل هو عبد الله بن زيد الذي رأى الأذان في المنام وروي أنه لما بلغه ~~موت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اللهم اعمني حتى لا أرى شيئا بعد ~~حبيبي صلى الله عليه وسلم فعمي من وقته. # قوله: { ذلك الفضل } أي ذلك العطاء بأن يكونوا مع النبيين صلوات ~~الله عليهم، فضل من الله عز وجل عليهم، بأن وفقهم للطاعة، فجعلهم مع ~~النبيين والصديقين في الجنة، فهو سابقة منه لهم، لم يطيعوا إلا بفضله، ~~وبالطاعة التي هي بفضله وصلوا إلى فضله، فكل من عنده، وبفضل منه، لا إله ~~إلا هو، لا خير إلا من عنده، ولا توفيق إلا به يوفق للخير ويجازي عليه ~~بخير، فهذا الفضل العظيم الظاهر { وكفى بالله عليما } أي ~~اكتفوا به. ### || [4.71-73] # قوله: { يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم... } ~~الآية. # هذا أمر من الله للمؤمنين أن يأخذوا أسلحتهم وينفروا إلى عدوهم مجتمعين ~~أو متفرقين، جماعة بعد جماعة، يعني سرايا متفرقين. # فقوله: { ثبات } جمع ثبة، والساقط منها اللام، وهو ياء وتصغيرها ~~ثبية، وثبت الحوض، وهو يثوب الماء إلى الحوض أي رجع، الساقط منها العين ~~وهو واو، لأنها من: ثاب يتوب، وتصغيرها: تويبة، والثبات هنا: الجماعة ~~المتفرقة. # قوله: { وإن منكم لمن ليبطئن }: لام " لام " تأكيد ~~وليبطئن لام قسم، كان التقدير لمن أقسم: ليبطئن، والتشديد [في الطاء] ~~بمعنى التكثير. ms0482 # وقرأ مجاهد: " ليبطئن " بإسكان الباء، وتخفيف الطاء. # ومن قرأ كأن لم تكن، فلتأنيث لفظ المودة. # ومن قرأ بالياء حمله على معنى الود. لأن المودة والود بمعنى واحد. وقرأ ~~الحسن ليقولن بضم اللام على الجمع حمله على معنى من، فضم، لتدل على ~~الواو المحذوفة. # ومعنى الآية أن الله تعالى أعلم المؤمنين منهم من يبطئ أن ينفر معهم إلى ~~جهاد العدو، أي يتأخر وهم المنافقون، فإن أصابتكم أيها المؤمنون مصيبة. ~~أي: هزيمة أو قتل أو جراح من عدوكم قال: { قد أنعم الله علي ~~إذ لم أكن معهم شهيدا } أي حاضر، فيصيبني ما أصابهم ولئن ~~أصابكم فضل من الله " اللام في " لئن لام اليمين و " فضل " أي: ظفر على ~~عدوكم أو غنيمة. { ليقولن } هذا الذي أبطأ عنكم، وجلس عن قتال ~~عدوكم: { يليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما } هذا ~~كله صفة المنافق يشمت إذا أصاب المؤمن ضرر ويحسدهم إذا أصابوا نفعا ~~وظفرا، فهو غير راج ثوابا، ولا خائف من عقاب كل هذا معنى قول مجاهد ~~وقتادة وابن جريج وابن زيد وغيرهم. # والتقدير في: كأن لم يكن بينكم وبينه مودة " أن يكون مؤخر المعنى " ~~[فأفوز فوزا عظيما كأن لم يكن بينكم وبينهم] أي: كأن لم يعاقبكم على ~~الجهاد. # وقيل: التقدير { قد أنعم الله علي إذ لم أكن ~~معهم شهيدا } كأن لم يكن بينكم وبينهم مودة ولا أن أصابكم فضل من ~~الله ". ### || [4.74] # قوله: { فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون ~~الحياة } الآية. # حض الله عز وجل المؤمنين على القتال في هذه الآية غالبين أو مغلوبين، ~~ومعنى، { في سبيل الله } أي: في ذات الله ودينه، ومعنى { ~~يشرون } يبيعون حياتهم الدنيا بنعيم الآخرة، يقال: شريت الشيء بعته، ~~وشريته اشتريته { فسوف نؤتيه أجرا عظيما } أي: نعطيه في ~~الآخرة ثوابا عظيما [ل] معظمه مقدار يبلغ إليه الخلق. ### || [4.75] # قوله: { وما لكم لا تقتلون في سبيل الله ~~والمستضعفين } الآية: # { المستضعفين } عطف على السبيل كأنه قال: " وفي المستضعفين أي: ~~في خلاصهم. # وقيل: المعنى: وفي سبيل المستضعفين، وهم الذين أسلموا بمكة وغلبوا على ms0483 ~~أنفسهم بالقهر، وعذبوا في أبدانهم ليرجعوا عن دينهم. # حض الله عز وجل المؤمنين على القتال من أجل دين الله سبحانه [ومن أجل] ~~المستضعفين من الرجال والنساء والولدان، عذرهم الله، وأخبر أنهم يقولون { ~~ربنآ أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها } ~~أي: التي ظلم أهلها. # روى الحسن وقتادة: أن رجلا من بني إسرائيل خرج من القرية الظالمة إلى ~~القرية الصالحة فأدركه الموت في الطريق فنأى بصدره إلى القرية الصالحة، ~~فاحتجت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأمروا أن يعدوا أقرب القريتين ~~إليه، فوجدوه أقرب إلى القرية الصالحة بشبر، فتوفته ملائكة الرحمة، وقيل: ~~أن الله قرب إليه القرية الصالحة والقرية الصالحة هي مكة. # قوله: { واجعل لنا من لدنك وليا } أي: من عندك وليا ~~يلي خلاصنا. # { واجعل لنا من لدنك نصيرا } أي: من عندك من ينصرنا على ~~أعدائك، وينصرنا على الخلاص منهم، والذين في موضع خفض على البدل من ~~المستضعفين، أو نعت لهم، أو نعت للجميع المذكور من الرجال وغيرهم. ### || [4.76] # قوله: { الذين آمنوا يقتلون في سبيل الله } الآية. # أخبر الله عز وجل أن: { الذين } صدقوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ~~وبما جاء به يقاتلون في سبيل الله. # وأن الكافرين يقاتلون في سبيل الطاغوت، وهو الشيطان هاهنا بدليل قوله: { ~~فقتلوا أولياء الشيطن } أي: الذين يتولونه ويطيعون ~~أمره { إن كيد الشيطن كان ضعيفا }: أولياؤه ضعاف لأنهم ~~يقاتلون لغير الثواب، والمؤمنون يقاتلون رجاء الثواب. ### || [4.77] # قوله: { ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا ~~أيديكم } الآية. # هذه الآية نزلت في ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تسرعوا إلى ~~قتال المشركين بمكة قبل الهجرة، بما يلقون منهم من الأذى، فقيل لهم: كفوا ~~أيديكم عن القتال وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فكانوا يتمنون القتال { ~~فلما كتب عليهم } كرهه جماعة منهم، ومعنى كتب فرض، ومعنى { ~~لولا أخرتنا إلى أجل قريب } أي: إلى أن نموت بآجالنا، ~~ولا نتعرض للقتال فنقتل، حبا للدنيا فقال الله تعالى { قل متاع ~~الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى }. # قال ابن عباس: هو عبد الرحمن بن عوف ms0484 وأصحابه سألوا النبي صلى الله عليه ~~وسلم القتال ثم كرهه جماعة منهم لما فرض عليهم. # وقال السدي: قوم أسلموا قبل أن يفرض القتال فسألوا القتال، فلما فرض ~~عليهم كرهه جماعة منهم وخاف منه كما يخاف الله وأشد من ذلك. # وقيل: هم المنافقون عبد الله بن أبي وأصحابه. # وقيل: نزلت في يهود فعلوا ذلك، فنهى الله هذه الأمة أن تصنع صنيعهم. # ويجوز - والله أعلم - أن يكون هؤلاء اليهود الذين فعلوا ذلك هم الذين ~~ذكرهم الله في البقرة في قوله # إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في ~~سبيل # [البقرة: 246] ثم قال: # فلما كتب عليهم القتال # [البقرة: 246] أي فرض # تولوا إلا قليلا منهم # [البقرة: 246]. # ومن قراء { ولا تظلمون } بالتاء أجراه على الخطاب لأن بعده { ~~أينما تكونوا }. # ومن قرأ بالياء أجراه على ما قبله وهو قوله: { إذا فريق منهم ~~} وقوله { وقالوا } وقوله { لهم } وقوله { كفوا } وشبهه. ### || [4.78] # { أينما تكونوا يدرككم الموت } الآية. # هذا توبيخ من الله عز وجل لهؤلاء الذين يخشون الناس كخشية الله فرارا ~~من الموت، فقال لهم الله تعالى: { أينما تكونوا يدرككم ~~الموت ولو كنتم في بروج مشيدة }. # قال مالك: في قصور السماء، ألا تسمع قوله: # والسمآء ذات البروج # [البروج: 1] وقيل: معناه: " في قصور محصنة قاله قتادة. وقيل المعنى: في ~~قصور السماء، قاله أبو العالية. # والمشيدة عند أهل اللغة المطولة، والمشيدة بالتخفيف المزينة، وقيل: هي ~~المعمولة بالشيد وهو الجص. # وقال بعض الكوفيين: التخفيف والتثقيل أصلهما واحد. # والتشديد يراد به الجمع كقولهم: غنم مذبحة، وقباب مصنعة، فيقال: " قصور ~~مشيدة " على ذلك # وقصر مشيد # [الحج: 45] مثل: كبش مذبوح وكباش مذبحة. # (ومشيد) مفعول: فالمشيدة على هذا المعمولة بالشيد وهو الجص وكذلك ~~قال عكرمة. # قوله: { وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند ~~الله } أي: رضاء أو ظفر أو غنيمة { وإن تصبهم سيئة ~~يقولوا هذه من عندك } أي: شدة وهزيمة أو جراح (يقولوا هذه ~~من سوء تدبيرك) { قل } يا محمد { كل من عند الله } أي: ~~الشدة والرخاء، والظفر والهزيمة { من عند الله } أي: بقضائه وقدره ms0485 ~~{ فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا } ~~أي: ما شأنهم لا يفقهون أن كلا من عند الله سبحانه. # والوقف على { فمال هؤلاء } لا يحسن، لأنه إن خالف خط المصحف لم ~~يحسن، وإن وقف على اللام قبح لأنه لام خفض وقد روي عن بعضهم الوقف على ~~اللام وهو حمزة والكسائي وعاصم قياسا على أصولهم في اتباع السواد، وروي ~~عن غيرهم من القراء الوقف على { فما } على الأصل، والاختيار ألا يوقف ~~عليه فهو أسلم وأحسن، وليس بموضع تمام، وإنما تكلم فيه الناس على ~~الاضطرار وانقطاع النفس، ووقع ذلك كيف يكون الوقف، فأما أن يتعمد الوقف ~~على هذا فلا يجوز. ### || [4.79] # قوله: { مآ أصابك من حسنة فمن الله... } الآية. # قال الأخفش: { مآ } بمعنى الذي. # وقيل: { مآ } للشرط. # والمعنى: ما أصابك يا محمد من خصب ورخاء وصحة وسلامة، فبفضل الله عليك ~~وإحسانه، وما أصابك من جدب وشدة وسقم وألم، فبذنب أتيته عوقبت به، ~~والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد أمته، وكان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقول: # " ما يصيب الرجل من خدش من عود ولا غيره إلا بذنب، وما يغفر الله عز وجل ~~أكثر ". # وقال ابن عباس: الحسنة هنا فتح بدر وغنيمتها، والسيئة ما أصابه يوم أحد ~~عوقبوا عند خلاف الرماة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، فكان ما عوقب به ~~بذنوبهم التي اجترحوها، فهو قوله { فمن نفسك } قال أبو زيد: " ~~وقوله في آل عمران ": # قل هو من عند أنفسكم # [آل عمران: 165] معناه بذنوبكم وهو بهذا المعنى. # وقرأ ابن عباس: فمن نفسك وأنا كتبتها عليك وكذلك هي قراءة عبد الله بن ~~مسعود. # وعن ابن عباس أن الآية نزلت في قصة أحد تقول: ما فتحت عليك يا محمد من ~~فتح فمني وما كانت من نكبة فمن ذنبك وأنا قدرت ذلك عليك. # وقد ذكر النحاس: أن القول محذوف من الآية والتقدير { لا يكادون ~~يفقهون حديثا } يقول ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من ~~سيئة من نفسك [أي: بشؤمك]. # وذكر ابن الأنباري قولا ثالثا: ms0486 أن المعنى: ما أصابك الله به من حسنة ~~فمنه، وما أصابك من سيئة فمن نفسك] أي: بذنبك فالفعلان من الله عز وجل، ~~وهذا يرجع إلى القول الأول. وذكر فيه قولا رابعا: وهو أن يقدر ألف ~~الاستفهام محذوفة والتقدير: وما أصابك من سيئة. أفمن نفسك؟ كما قال: # وتلك نعمة تمنها (علي) # [الشعراء: 22] على معنى: وتلك نعمة كما قال في قوله تعالى: # فلمآ رأى القمر بازغا قال هذا ربي # [الأنعام: 77] أي: هذا ربي لأنه لم يوجب أنه ربه وإنما قال هذا ربي على ~~سبيل الاستخبار. # قال نفطوية: أصل السيئة ما يسوؤك، فالمعنى وما أصابك من أمر يسوؤك فهو ~~بذنبك وذلك أمر من الله. # وقال الضحاك عن ابن عباس: الحسنة هنا ما أصاب المسلمين من الظفر يوم ~~بدر، والسيئات ما نكبوا به يوم أحد. # قوله: { وأرسلناك للناس رسولا } الآية. # رسولا: مصدر مؤكد لأرسلناك، ودخلت " من " في قوله: { مآ أصابك ~~من حسنة } كما تدخل مع حروف الشرط تقول: إن يكرمني من أحد أكرمه، ~~فتدخل من لأنه غير واجب كما تدخل في النفي إذا هو غير واجب، ولكنها تلزم ~~في الشرط في مثل هذا. ### || [4.80] # قوله: { من يطع الرسول فقد أطاع الله } الآية. # هذا إعذار من الله عز وجل إلى خلقه في طاعة نبيه عليه السلام فإنه عن ~~الله يأمر وينهى، وهو رد إلى قوله: { وأرسلناك } للناس رسولا، ثم ~~قال: ومن يطعك فقد أطاع الله، لكنه خرج من لفظ الخطاب إلى لفظ الغيبة، ~~كما قال: # حتى إذا كنتم في الفلك # [يونس: 22] ثم قال: # وجرين بهم # [يونس: 22]، { ومن تولى } أي: من طاعتك يا محمد { فمآ ~~أرسلناك عليهم حفيظا } ، رجع الكلام إلى الخطاب ولو جرى ~~على الغيبة لقال: فما أرسلناه. # وقيل: معنى الآية: من يطع الرسول في سنته فقد أطاع الله في فرائضه، وهذه ~~الآية نزلت قبل الأمر بقتال المشركين، لأن قوله فما أرسلناك عليهم ~~حفيظا.، يدل على الإعراض عنهم وتركهم إذا تولوا عنه، وهذا مثل " # إن عليك إلا البلاغ # [الشورى: 48] " ثم أتى بعد ذلك الغلظة والأمر ms0487 بالقتال، قال ذلك ابن زيد. # وقال أبو عبيدة: معنى " حفيظا " محتسبا. ### || [4.81] # قوله: { ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك } الآية. # " طاعة " رفعت على معنى: أمرنا طاعة، فالمبتدأ مضمر وأجاز الأخفش النصب ~~[على] المصدر كأنهم يقولون نطيع طاعة، وهذه الآية، نزلت في الذين تقدم ~~ذكرهم أنهم لما كتب عليهم القتال خشوا # الناس كخشية الله أو أشد خشية # [النساء: 77]. # فالمعنى: يقولون أمرنا طاعة فيما تأمرنا به وتنهانا عنه يا محمد، فإذا ~~خرجوا من عندك يا محمد { بيت طآئفة منهم غير الذي ~~تقول } أي: غير جماعة منهم ليلا الذي تقول أي: تقول الطائفة. # ويجوز أن يكون المعنى غير الذي تقول يا محمد من القرآن وغير ذلك، وكل من ~~عمل عملا فقد بيته، { والله يكتب ما يبيتون } أي: يثبت ~~ما يغيرون من قولك في كتب أعمالهم التي تحصى عليهم. # قال السدي: هم المنافقون يطيعون، إذا حضروا، فإذا خرجوا غيروا وبدلوا، ~~وقال ابن عباس وغيره. # وقيل معنى: يكتب ما يبيتون أي ينزله في كتابه إليك يا محمد ويخبرك به، ~~وفي ذلك أعظم الآيات للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه يخبرهم بما يسرون ~~ليلا. # قوله: { فأعرض عنهم } أي: دعهم قال الضحاك: المعنى لا تخبرهم ~~بأسمائهم. # { وتوكل على الله } فوض أمرك إليه، { وكفى بالله ~~وكيلا } ، أي: حسبك ناصرا على عدوك. ### || [4.82] # قوله: { أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند ~~غير الله } الآية. # [المعنى]: { أفلا يتدبرون } المبيتون غير ما تقول { ~~القرآن } فيعلمون حجة الله عليهم، وأنك أتيتهم بالحق من عند الله ~~متسق المعاني مختلف الأحكام بعضه يشهد على بعض بالتحقيق وأن ذلك لو كان ~~من عند غير الله لاختلفت أحكامه وتناقضت معانيه، وأبان بعضه عن فساد بعض، ~~فليس من كلام آدمي إلا وفيه اختلاف، إما في وصفه، وإما في معناه، وإما في ~~بلاغته، وإما في غير ذلك، من أنواع فنونه، والقرآن لا يدخله شيء من ذلك ~~كله. # وقوله: { ولو كان من عند غير الله } معناه على قولكم ~~ودعواكم إذ ليس يجوز أن يأتي من عند غير الله مثله، ms0488 ومعنى { أفلا ~~يتدبرون القرآن } ألا ينظرون في عاقبته، يقال: " تدبرت الشيء ~~فكرت في عاقبته ". ### || [4.83] # قوله: { وإذا جآءهم أمر من الأمن أو الخوف ~~أذاعوا به } الآية. # هذا خبر من الله عز وجل هؤلاء المنافقين الذين يبيتون غير ما يقول ~~القرآن إذا جاءهم [خبر] من سرية غزت للمسلمين أنهم آمنون من عندهم، (أو) ~~أنهم خائفون: صحيح أو غير صحيح، لم يتوقفوا حتى يصح، ويثبت، وأفشوه في ~~الناس. # وقوله: { أذاعوا به } أي: أفشوا (ونشروا) وأسمعوا به، وأعلنوه كان ~~خيرا أو شرا فبثوه في الناس قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقوله: ~~{ ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم ~~} أي: ولو ردوا الأمر الذي جاءهم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم حتى يكون ~~هو الذي يخبر الناس به إن كان صحيحا، ويسكت عنه إن كان سقيما { ~~وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين ~~يستنبطونه منهم } أي: ليعلموا صحته وسقمه فيخبرون الناس ~~بالصحيح. # والهاء في { به } وفي { لعلمه } و { يستنبطونه } للأمر، ~~وقيل: للخوف، وقيل: عليهما جميعا، واكتفى بالتوحيد عن التثنية. # ومعنى: { يستنبطونه } أي: يبحثون عن صحته، ويستخرجونه. والهاء ~~والميم في " منهم " تعود على أولي الأمر أي: ليعلم ذلك من أولي الأمر من ~~يستنبطه أي: يبحث عن صحته ويستخرجها. # يقال: استنبطت الركية: استخرجت ماءها وسمي النبط نبطا لاستنباط الماء. ~~أي: استخراجهم الماء، والنبط: الماء المستخرج من الأرض. # وقيل: إن الذين عنوا بذلك ضعفة المسلمين كانوا يسمعون من المنافقين ~~أخبارا غير صحيحة فيفشونها فعذلهم الله على ذلك، وأمرهم برد ما سمعوا ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأولي الأمر فيعلمون صحه ما قيل من سقمه، ~~ويعرفون كذبه من صحته بالاستنباط. # وقوله: { ولولا فضل الله عليكم ورحمته } أي: لولا ~~نعمته عليكم بأن عافاكم مما ابتلي به هؤلاء المنافقون الذين وصفهم ~~بالتبييت والخلاف { لاتبعتم الشيطان } وهو خطاب للذين قال ~~لهم { خذوا حذركم فانفروا ثبات }. # وقوله: { إلا قليلا } الآية. # هو استثناء من المستنبطين قاله قتادة، وهو قول الزجاج واختياره. # وقال ابن عباس هو استثناء من قوله: { أذاعوا به ms0489 } { إلا ~~قليلا } فهو استثناء من الإذاعة، وهو قول الأخفش والكسائي وأبي عبيدة، ~~وأبي حاتم [وأبي عبيد] وجماعة من النحويين، وهو اختيار الطبري. # وقال الضحاك: هو استثناء من { لاتبعتم الشيطان إلا ~~قليلا } وهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، الذي لم يهموا باتباع ~~الشيطان كما هم الذين استنقدهم الله. # ومعنى { أذاعوا به } وأذاعوه سواء، قاله الكسائي. ### || [4.84] # قوله: { فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك } ~~الآية: # المعنى: جاهد يا محمد أعداء الله { لا تكلف إلا نفسك } أي: ~~لا يلزمك إلا أن تقاتل بنفسك { وحرض المؤمنين } أي: حضهم على ~~القتال معك، وأعلمهم ثواب الله في الآخرة للشهداء، { عسى الله أن ~~يكف بأس الذين كفروا } أي: يكف قتالهم، وعسى من الله ~~واجبة، { والله أشد بأسا } أي: نكاية في الكفار { وأشد ~~تنكيلا } أي: عقوبة، وهذه الفاء في { فقاتل } متعلقة بقوله { ~~فسوف نؤتيه أجرا عظيما } { فقاتل } أي: من أجل هذا ~~فقاتل. # وقيل: هي متعلقة بقوله: # وما لكم لا تقتلون في سبيل الله # [النساء: 75] وإنما أمره تعالى بالقتل وحده لأنه وعده بالنصر، ولما أمره ~~الله عز وجل بالقتل بنفسه لبس يوم أحد درعين، وركب فرسه وأسكب نبله، فلما ~~نزعه انكسرت بينية القوس من قوته، فأكب نبله، وجعل يناول سعدا سهما ~~ويقول: ارم فداك أبي وأمي، ولم يقلها لأحد قبله، ولا بعده، فهو من فضائل ~~سعد، ثم أخذ النبي صلى الله عليه وسلم رمحا صغيرا أعطاه له قتادة ابن ~~النعمان، فيه قتل أبي بن خلف الجمحي. ### || [4.85] # قوله: { من يشفع شفعة حسنة يكن له نصيب ~~منها } الآية. # المعنى: من يشفع لأخيه شفاعة حسنة يكن له نصيب منها في الآخرة، أي: حظ { ~~ومن يشفع شفعة سيئة يكن له كفل منها } أي: ~~إثم منها في الآخرة. # وقال مجاهد: هو شفاعة الناس بعضهم لبعض، وقاله الحسن وابن زيد وغيرهم. # وقال الطبري: " المعنى: من يشفع وترا لأصحابك يا محمد في جهاد عدوهم ~~يكن له نصيب منها: حظا في الآخرة، ومن يشفع وترا لكافرين يكن له كفل ~~منها أي: وزر وإثم ms0490 في الآخرة. # وإنما اختار ذلك لأنه في سياق الآية التي حض الله عز وجل النبي صلى الله ~~عليه وسلم على القتال فيها، وحضه على أن يحرض المؤمنين على القتال معه، ~~فصارت هذه الآية وعدا لمن أجاب تحريض رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~القتال، وكان ذلك أشبه عنده من شفاعة الناس بعضهم لبعض إذ لم يجر له ذكر ~~قبل ولا بعد. # والكفل والنصيب عند أهل اللغة سواء، قال تعالى: # يؤتكم كفلين من رحمته # [الحديد: 28] أي: نصيبين، والنصيب قد يكون خيرا أو شرا. # وقال الحسن: الشفاعة الحسنة ما يجوز في الدين، والشفاعة السيئة ما لا ~~يجوز في الدين. # وقال الحسن: من يشفع شفاعة حسنة كان له أجرها وإن لم يشفع. # وروي أن قوله: { ومن يشفع شفعة سيئة يكن له ~~كفل منها } نزل في اليهود كانوا يدعون على المؤمنين في الغيبة ~~بالهلاك، ويقولون لهم في الحضور: السام عليكم، وهو دعاء أيضا، ثم أتبع ~~ذلك بقوله: { وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن ~~منهآ } وهو: السلام. # والمقيت: الحفيظ عند ابن عباس. # وقيل: الشهيد، قاله مجاهد. # وقال السدي: المقيت: القدير وهو اختيار الطبري. # وقال الكسائي: مقيتا مقتدرا. # وقال أبو عبيدة: المقيت: الحافظ المحيط. # وقال ابن جريج: المقيت القائم على كل شيء رواه عن ابن كثير. # وقال بعضهم: # وذي ضغن كففت النفس عنه # وكنت على مساءته مقيتا ### || [4.86] # قوله: { وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منهآ } ~~الآية # المعنى: إذا دعي لأحدكم بطول الحياة والبقاء والسلامة فردوا ذلك بأحسن ~~منه، أو ردوا التحية. # وقيل: المعنى: إذا قيل لكم السلام عليكم، فقولوا السلام عليكم ورحمة ~~الله، فهذا خير من التحية، أو يردها فيقول: السلام عليكم، كما قيل له، ~~قال ذلك السدي، وروي عن ابن عمر أنه يرد: وعليكم السلام. # وقال ابن عباس: { فحيوا بأحسن منهآ } على أهل الإسلام أو ~~ردوها على أهل الكفر، وقال: من سلم عليك من خلق الله فأردده عليه، وإن ~~كان مجوسيا، وقال ذلك قتادة. # وقال ابن زيد: قال أبي: " حق على كل مسلم (حيي) بتحية ms0491 أن يحيي ~~بأحسن منها " للمسلمين { أو ردوهآ } على الكفار. # وروي عن ابن عباس: { أو ردوهآ } يقول: وعليكم: على الكفار. # وروي عن النبي عليه السلام أنه قال: # " إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم ". # واختار الطبري أن يكون المعنى للمسلمين، يرد عليهم أحسن من تحيتهم ~~بزيادة الرحمة والبركة، أو يرد عليهم تحيتهم بعينها بغير زيادة، ويكون ~~الرد على أهل الكتاب معمولا به بقول النبي صلى الله عليه وسلم ولا يزاد ~~على ذلك. # فقول النبي صلى الله عليه وسلم: قولوا لهم: وعليكم يظن على أن يقال لهم ~~مثل ما قالوا، فيجب أن تكون الآية كلها في المسلمين وبين النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه لا يجوز أن يبدأوا بالسلام، والسلام عند الجماعة تطوع ~~والرد فريضة، وقال مالك في معنى الآية: إن ذلك على المشمت في العطاس. # وقال: مجاهد الحسيب: الحفيظ. وقال أبو عبيدة: كافيا. # وقيل معنى حسيب: محاسب كما يقال: أكيل بمعنى: مواكل. # والحسيب عند أهل اللغة الكافي. يقال حسبه إذا كفاه، ومنه # عطآء حسابا # [النبأ: 36] أي: كافيا: ومنه # حسبك الله # [الأنفال: 64] أي: يكفيك الله. ### || [4.87] # قوله تعالى: { الله لا إله إلا هو ليجمعنكم ~~إلى يوم } الآية. # (معنى الآية) أنه تخويف وتحقيق للبعث والحشر وأن ذلك لا ريب فيه أي لا ~~شك فيه { يوم القيامة } يوم القيام لرب العالمين، والهاء زيدت ~~للمبالغة، وقيل: سميت بذلك لأنه يوم يقوم الناس من قبورهم فيه، والهاء ~~للمبالغة أيضا. # ومعنى: { ومن أصدق من الله حديثا } أي: لا أحد أصدق ~~حديثا من الله. ### || [4.88] # قوله: { فما لكم في المنافقين فئتين } الآية. # هذه الآية نزلت في الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ~~أحد، رجعوا إلى المدينة، وقالوا لأصحاب النبي عليه السلام: # لو نعلم قتالا لاتبعناكم # [آل عمران: 167] فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم فرقتين ~~فرقة تقول: نقتلهم، وفرقة تقول: لا، فنزلت: { فما لكم في ~~المنافقين فئتين } أي: فرقتين { والله أركسهم } أي: ~~ردهم إلى أحكام أهل الشرك في إباحة دمائهم، وذلك بما ms0492 كسبوا من خلاف رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. # وقال مجاهد وغيره: نزلت في قوم أتوا مكة: زعموا أنهم مهاجرون، ارتدوا ~~بعد ذلك، فاستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا إلى مكة ~~ليأتوا ببضائع لهم، فاختلف فيهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ففرقة ~~تقول: إنهم منافقون، وفرقة تقول: هم مؤمنون، فأنزل الله الآية. # وقيل: نزلت في قوم قدموا المدينة مسلمين فأقاموا ما شاء الله، ثم ~~استوخموا المدينة، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا إلى ~~البادية، فأذن لهم، فتكلم الناس فيهم، واختلفوا في نفاقهم وإيمانهم ~~فأعلمهم الله بنفاقهم وأعلمهم أنه أركسهم بما كسبوا من المعاصي: أركسهم ~~في النفاق بذنوبهم. # وقيل: { أركسهم } معناه أضلهم. # ثم قال مخبرا عنهم { ودوا لو تكفرون كما كفروا } فدل ~~على أنهم ارتدوا، وأن النفاق كفر، وقوله تعالى { فلا تتخذوا ~~منهم أوليآء حتى يهاجروا في سبيل الله } يدل ~~على أنهم قوم كانوا بمكة يدعون الإيمان، وليسوا بمؤمنين وهو قول ابن ~~عباس وعمر وغيرهما. # وقيل: إنهم لما خرجوا يريدون البادية مضوا إلى مكة فاختلف أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم في أمرهم، فأوضح الله عز وجل خبرهم، وحكمهم في هذه ~~الآية. # وقال معمر: كتب ناس من أهل مكة إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقولون لهم: إنهم قد أسلموا، وكان ذلك منهم كذبا، فلقيهم المسلمون بعد ~~ذلك، فاختلفوا فيهم، فقالت طائفة: دماؤهم حلال، وقالت طائفة: دماؤهم حرام ~~فأنزل الله الآية، وهم ناس لم يهاجروا وأقاموا بمكة، وأعلنوا الإيمان ~~فاختلف فيهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. # وقال ابن عباد: هم قوم كانوا بمكة فكلموا بالإسلام وكانوا يعاونون ~~المشركين على المسلمين فخرجوا من مكة في حاجة، فاختلف فيهم أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية. وقال ابن زيد: هذا نزل في شأن ابن أبي ~~حين تكلم في عائشة بما تكلم به. # وأركسهم: ردهم، وقيل: أوقعهم وقيل: أضلهم وأهلكهم. # وقال القتبي: أركسهم نكسهم وردهم في كفرهم، ، وحكى الفراء أركسهم وركسهم ~~بمعنى ردهم إلى ms0493 الكفر. # قوله: { أتريدون أن تهدوا من أضل الله } الآية. # هذا تبعيد لهدي من أضل الله { ومن يضلل الله فلن تجد له ~~سبيلا } أي: طريقا مستقيما، وقيل: سبيلا إلى الحجة. ### || [4.89] # قولهم: { ودوا لو تكفرون كما كفروا } الآية. # المعنى: تمنى المنافقون الذين بمكة، الذين اختلفتم فيهم فرقتين لو ~~تكفرون مثلهم، فتكونون أنتم وهم في الكفر سواء { فلا تتخذوا ~~منهم أوليآء } أي: أخلاء { حتى يهاجروا } أي: يخرجوا ~~من ديار الشرك إلى ديار الإسلام، ويكون خروجهم ابتغاء وجه الله { فإن ~~تولوا } أي: أدبروا عن الله ورسوله والهجرة إليكم، { فخذوهم ~~واقتلوهم حيث وجدتموهم } أي: أين اصبتموهم من أرض الله، ~~{ ولا تتخذوا منهم وليا }: أي: خليلا { ولا نصيرا ~~} أي: تناصرا في دينكم على أعدائكم فإنهم # لا يألونكم خبالا # [آل عمران: 118] ### || [4.90] # قوله: { إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم ~~وبينهم ميثاق } الآية. # المعنى اقتلوا من وجدتم من المنافقين الذين اختلفتم فيهم إن لم يهاجروا ~~إلا أن يتصل قوم منهم بمن بينكم وبينهم عهد فيدخلون فيما دخلوا فيه، ~~ويرضون بما رضوا، فلا يقتل من كانت هذه حاله منهم فإن لهم حكمهم. # قال السدي: المعنى إذا أظهروا كفرهم، فاقتلوهم حيث وجدتموهم إلا أن يكون ~~أحد منهم دخل في قوم بينكم وبينهم ميثاق، فأجروا عليه مثلما تجرون على ~~القوم واحكموا في الجميع بحكم واحد. # ومعنى: { يصلون } يتصلون. # وقال أبو عبيدة: معنى: { يصلون إلى قوم }: ينتسبون إليهم. وهو ~~بعيد، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد قاتل من ينتسب إلى من بينهم وبينه ~~عهد، وليس النسب مما يمنع قتال الكفار لعهد بيننا وبين قرابتهم. # وروي عن ابن عباس أنها منسوخة بقوله: # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة: 5] وقال قتادة: { إلا الذين يصلون إلى قوم ~~بينكم وبينهم [ميثاق] } نسخ بعد ذلك، فنبذ إلى كل ذي عهد ~~عهده، ثم أمرنا بالقتال في براءة. # وقال ابن زيد: نسخها الجهاد. # قوله: { أو جآءوكم حصرت صدورهم } الآية. # المعنى: إلا الذين جاؤوكم قد ضاقت صدورهم عن أن يقاتلوكم أو يقاتلوا ~~قومهم، فدخلوا فيكم، فلا تقتلوهم، { ولو شآء ms0494 الله لسلطهم ~~عليكم } أي: لسلط عليكم هؤلاء الذين يتصلون بقوم بينكم وبينهم ~~ميثاق، والذين يجيئونكم قد { حصرت صدورهم } أي: ضاقت عن قتالكم، ~~وقتال قومهم، فيقاتلوكم مع اعدائكم من المشركين، ولكن الله كفهم عنكم. # وقوله: { فلقاتلوكم } ليست اللام بجواب للقسم [كاللام في { ~~لسلطهم } ، وإنما دخلت للمجاءاة لا للقسم]، ومثله قوله: # أو ليأتيني بسلطان مبين # [النمل: 21]. ليست اللام بجواب للقسم وإنما دخلت للمحاذاة للامين اللتين ~~قبلها، اللتين هما جواب قسم سليمان في قوله # لأعذبنه عذابا شديدا أو لأاذبحنه # [النمل: 21] ولهذا نظائر ستراها. # قوله: { فإن اعتزلوكم } أي: اعتزلكم هؤلاء الذين أمرتكم بالكف ~~عن قتالهم فلم يقاتلوكم { وألقوا إليكم السلم }. أي: ~~صالحوكم، وقيل المعنى: استسلموا إليكم. # { فما جعل الله لكم عليهم سبيلا } أي: ليس لكم إليهم ~~طريق فتستحلونهم بما في أنفسهم وأموالهم وذراريهم، وهذا كله منسوخ بقوله: # فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين ~~حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم ~~كل مرصد # [التوبة: 5]. # وقال الحسن وعكرمة: قوله: { إلا الذين يصلون إلى قوم } ~~إلى قوله # سلطانا مبينا # [النساء: 91] وقوله: # لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في ~~الدين # [الممتحنة: 8] إلى # يحب المقسطين # [الممتحنة: 8] قالا: بنسخ ذلك في براءة، فجعل لهم أن يسيحوا في الأرض ~~أربعة أشهر. # قال قتادة: { إلا الذين يصلون } إلى { مبينا } منسوخ ~~ببراءة، وقال ابن زيد: نسخ هذا كله، نسخه الجهاد وضرب لهم أجل أربعة أشهر ~~إما أن يسلموا وإما أن يكون الجهاد. # واختلف في { حصرت صدورهم } ، فقال المبرد المعنى: الدعاء، لأنه ~~قال: { أو جآءوكم } أحصر الله صدوركم أي: ضيقها عن قتالكم، وقتال ~~قومهم. وقال الزجاج: يجوز أن يكون خبرا بعد خبر، فالمعنى أو جاءكم ثم ~~خبر بعد فقال: { حصرت صدورهم } ، وأكثر النحويين على أنه حال، ~~وقد مضمرة والتقدير: أو جاؤوكم قد حصرت أي: ضاقت صدورهم عن قتالكم وقتال ~~قومهم. أي: جاؤوكم في هذه الحال فلا تقاتلوهم. # وقال الطبري: المعنى: أو جاؤوكم قد حصرت. # وقرأ الحسن حصرة بالتنوين والنصب على الحال أي: ضيقت صدورهم، واستحسن ~~هذا المبرد، ويجوز على قراءة الحسن الخفض على النعت، ms0495 والرفع على ~~الابتداء. # وقرأ أبي بن كعب: { بينكم وبينهم ميثاق } ، وحصرت صدورهم ~~بإسقاط أو { جآءوكم } ، ولا يقرأ به الآن. ### || [4.91] # قوله: { ستجدون آخرين } الآية. # المعنى: إن هؤلاء قوم كانوا يظهرون الإسلام للنبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه ليأمنوا منهم، ويظهرون الكفر لأهل مكة إذا رجعوا إليهم ليأمنوهم، ~~{ كل ما ردوا } أن يخرجوا من { الفتنة } - وهي الشرك - { ~~أركسوا فيها }. أي: ردوا فيها. وأصل الفتنة الاختبار فالمعنى ~~فلما ردوا إلى الاختبار. { أركسوا } أي: نكسوا. # قيل: هم أسد، وغطفان قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم، فأسلموا، ثم ~~رجعوا إلى ديارهم، فأظهروا الكفر. # وقيل: نزلت في قوم من المشركين [طلبوا الأمان من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ليأمنوا عنده وعند أصحابه وعند المشركين] قاله قتادة. # وقال: { كل ما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها } ~~أي: كلما عرض عليهم بلاء هلكوا فيه. # وقال السدي: نزلت في نعيم بن مسعود الأشجعي كان يأمن في المسلمين ~~والمشركين. # قوله: { فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ~~} أي: فإن لم يعتزلكم هؤلاء الذين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم ~~ويستسلموا [إليكم] ويعطونكم القيادة في الصلح { ويكفوا ~~أيديهم } يعني عن القتال. { فخذوهم واقتلوهم حيث ~~ثقفتموهم } أي: اقتلوهم أين أصبتموهم أي: إن لم يفعلوا ذلك { ~~وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا } أي: حجة { ~~مبينا } أي: ظاهرة. ### || [4.92] # قوله: { وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا ~~} الآية. # قوله: { إلا خطئا } استثناء ليس من الأول. # وإلا عند البصريين في هذا النوع بمعنى لكن. # وهذا كلام أوله حظر، وآخره في الظاهر إباحة، وقتل المؤمن لا يباح لكنه ~~محمول على المعنى الباطن، ومعناه ما كان مؤمن ليقتل مؤمنا على النفي، ~~والنفي يستثنى منه الإثبات، فهو محمول على معنى الأول وباطنه، فالمعنى أن ~~المؤمن قد يقتل المؤمن خطأ فهو خبر، خبر بأنه قد يقع، وليس بإطلاق ولا ~~إباحة قتل، ومثله # ما كان لله أن يتخذ من ولد # [مريم: 35] فظاهر هذا الحظر، والله لا يحظر عليه. # ومعنى الآية: أنه ليس لمؤمن قتل مؤمن البتة إلا أن يقتله خطأ، ms0496 فإن قتله ~~خطأ، فعليه تحرير رقبة في ماله، ودية مسلمة إلى أهل المقتول يؤديها عاقلة ~~القاتل { إلا أن يصدقوا } أي: أن يتصدق أولياء المقتول على ~~عاقلة القاتل بديته فيسقط عنهم الدية. # وقرأ أبو عبد الرحمان السلمي: # { إلا أن يصدقوا } بالتاء أراد: تتصدقوا ثم أدغم. # قال مجاهد وغيره: هذه الآية نزلت في عيا[ش] ابن أبي ربيعة قتل رجلا ~~مؤمنا يحسب أنه كافر، وقد كان ذلك الرجل يعذب عياشا بمكة، أخبر عياش ~~النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت: { وما كان لمؤمن أن يقتل ~~مؤمنا إلا خطئا }. # قال ابن زيد: نزلت في أبي عامر، والد أبي الدرداء خرج في سرية فعدل إلى ~~شعب يريد حاجة، فوجد رجلا في غنم، فقتله، وكان يقول: لا إله لا الله، ~~وأخذ غنمه فوجد من ذلك في نفسه، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأنكر ~~عليه النبي (عليه السلام) قتله، إذ قال: لا إله إلا الله فنزلت الآية: ~~وقيل: نزلت في اليمان والد حذيفة، واسمه حسل من بني عبس قتل خطأ يوم أحد. # وروي أن حذيفة وأبا الدرداء تصدقا بدية أبويهما على من قتلهما، وكذلك ~~قتل هشام بن صبابة الكناني خطأ فنزلت الآية في ذلك. # والآية عند جماعة العلماء عامة في كل من قتل خطأ واختلف في الرقبة، ~~فقيل: لا يعتق إلا مؤمن قد صام وصلى وعقل وبلغ، وقيل: كل مؤمن يجزئ ~~وإن لم يبلغ. # ومعنى { ودية مسلمة } أي موفرة، والدية مائة من الإبل على ~~أهل الإبل. # وروي عن عمر أن على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثنى عشرة آلاف ~~درهم. # قال مالك: على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق إثني عشر ألف درهم. # وقيل: دية الحر مائة من الإبل لا يجزئ غيرها، وبه قال الشافعي، قال إلا ~~ألا توجد فيأخذ الفدية، ويجعل [الإبل] خمسة أخماس خمس جذاع وخمس حقاق ~~وخمس بنات لبون. # وخمس بنات مخاض وخمس بنو لبون، وهو قول لمالك والشافعي وغيرهما. # ودية المرأة نصف دية الرجل، وهو قول جماعة الصحابة والتابعين، ms0497 والفقهاء، ~~إلا الشاذ منهم. # وأهل الذهب: الشام ومصر، وأهل الورق أهل العراق وأهل الإبل أهل البوادي. # وكل ما جناه جان خطأ فعلى عاقلته الدية، إلى أن يكون الذي يجب في ذلك ~~أقل من ثلث الدية، فليس على العاقلة شيء، وذلك في مال الجاني، وتؤجل دية ~~الخطأ في ثلاث سنين، وثلث الدية تؤديها العاقلة في سنة، ونصف الدية يجتهد ~~فيها الإمام، فيجعلها في سنتين أو في سنة ونصف وثلاثة أرباع الدية في ~~ثلاث سنين، وهي على الرجال البالغين دون النساء والصبيان، وليس على كل ~~واحد شيء معلوم ولكن على كل واحد قدر يسره، فأما دية العمد فهي على ~~القاتل خاصة إذا قبلت منه. # وقوله: { فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن } أي: ~~فإن كان المقتول خطأ من قوم كفار أعداء لكم { وهو مؤمن } أي: ~~والمقتول مؤمن فقتله مؤمن يظن أنه كافر { فتحرير رقبة ~~مؤمنة } أي: فعليه ذلك. # قال عكرمة: هو الرجل يسلم في دار الحرب، فيقتل يظن أنه كافر، فليس فيه ~~دية، وفيه الكفارة: تحرير رقبة مؤمنة. # وروى ابن القاسم عن مالك أنه قال: إنما ذلك في حرب رسول الله عليه ~~السلام أهل مكة، يكون فيهم الرجل المؤمن لم يهاجر، وأقام معهم فيصيبه ~~المسلمون خطأ، فليس عل المسلمين فيه دية لأنه تعالى (يقول): # والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أوليآء ~~بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا # [الأنفال: 72]، وعليهم الكفارة تحرير رقبة على كل نفس. # وقال ابن عباس والسدي وغيرهما: هو أن يكون الرجل مؤمنا، وقومه كفار لا ~~عهد لهم، فيقتل خطأ، فليس لأهله دية لأنهم كفار، وعلى القاتل الكفارة ~~تحرير رقبة، وقاله قتادة. # وقال الحسن البصري، وجابر بن زيد: هو مؤمن من قوم معاهدين، وهو قول ~~مالك. # وروي عن ابن عباس أيضا أنه قال: كان الرجل يسلم، ثم يأتي قومه، فيقيم ~~فيهم، وهم مشركون، فيمر بهم الجيش لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقتل ~~فيمن قتل فلا دية فيه، وفيه الكفارة. # وجماعة أهل التفسير على أن المعنى إن كان المقتول في دار ms0498 الحرب مؤمنا، ~~وهو من قوم كفار وهو بينهم فلا دية فيه وفيه الكفارة. # قوله: { وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق ~~فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة ~~} الآية. # المعنى: وإن كان المقتول خطأ بين أظهرهم من قوم كفار بينكم وبينهم عهد، ~~ففيه الدية إلى أهله، والكفارة تحرير رقبة مؤمنة. # وقيل: المعنى: إن كان المقتول خطأ في دار قومه من قوم كفار بينكم وبينهم ~~عهد ففيه الدية والكفارة [كسائر المؤمنين، واختلف في المقتول هنا: فقيل ~~عن ابن عباس أنه إن كان كافرا، ففيه الدية والكفارة] كالمؤمن لأن له ~~عهدا وميثاقا. # وقال الزهري: دية الذمي دية المسلم. # وقيل: المراد به إن كان المقتول مؤمنا قتل خطأ، وهو من قوم كفار بينكم ~~وبينهم عهد ففيه الدية إلى قومه الكفار، وفيه تحرير الرقبة المؤمنة قاله ~~النخعي ومثله روى ابن القاسم عن مالك أنه قال: ذلك في الهدنة التي كانت ~~بين النبي صلى الله عليه وسلم، وبين المشركين أنه إن أصيب مسلم كان بين ~~أظهركم لم يهاجر وأصيب خطأ فإن ديته على المسلمين يردونها إلى قومه الذين ~~كان بين أظهركم الكفار، ومما يبين ذلك أن أبا جندل ورجل آخر أتيا النبي ~~صلى الله عليه وسلم مسلمين في الهدنة، فردهما إليهم فكما كان لهم أن ~~يردوا إليهم، فكذلك كانت ديته لهم إذا قتل خطأ، ودية الخطأ عند مالك ~~والشافعي في هذا تؤدى في ثلاث سنين على كل رجل ربع دينار، وروي ذلك عن ~~جابر بن عبد الله، وقاله الحسن. # وكان الطبري يختار أن يكون المقتول من أهل الذمة لأن الله سبحانه وتعالى ~~لم يقل: " وهو مؤمن " كما قال في الأول { فإن كان من قوم عدو ~~لكم وهو مؤمن } وقد قال جماعة: إن دية الذمي والمسلم سواء، ~~وهو قول عمر بن الخطاب وعثمان وابن مسعود ومعاوية. وقال عمر بن عبد ~~العزيز وعروة بن الزبير: دية الكتابي نصف دية المسلم، وبه قال عطاء وابن ~~المسيب والحكم وعكرمة، وهو قول الشافعي. # فأما دية المجوسي فثمان مائة درهم روي ms0499 ذلك عن عمر بن الخطاب، وبه قال ~~ابن المسيب وعطاء وسليمان بن يسار، والحسن وعكرمة ومالك والشافعي. # وقال عمر بن عبد العزيز: دية المجوسي نصف دية المسلم. # وروى عن النخعي والشعبي والثوري أن ديته مثل دية المسلم. # وإذا قتل العبد المؤمن حرا مؤمنا خطأ، فدمه في رقة العبد وأن لا دية ~~فيه لأن العبد لا عاقلة له وعلى العبد الكفارة، فعتق رقبة على قول من ~~قال: إن العبد يملك ما لم يمنعه سيده، ومن قال: لا يملك العبد، فعليه ~~صيام شهرين متتابعين، وكذلك حكمه في الظهار لا يجزئه الصيام في قول مالك ~~لأنه عنده يملك. # قوله: { فمن لم يجد فصيام } أي: لم يجد رقبة مؤمنة لعسرته، ~~وقلة ما في يده، فعليه صيام شهرين متتابعين. # وقال الشعبي: صوم الشهرين عن الدية والرقبة جميعا إذا لم يجدها لفقره، ~~وفقر عاقلته. # وقال الطبري: عن الرقبة خاصة لأن الدية على العاقلة، وهو قول جماعة ~~العلماء. # قوله: { توبة من الله } مصدر، وقيل مفعول من أجله. # { وكان الله } أي: لم يزل بما يصلح عباده { حكيما } " فيما ~~يقضي به ويأمر ". # قوله: { فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين } ~~الآية. # قيل: معناه: من لم يجد الدية، ولا الرقبة، فليصم شهرين متتابعين. وقيل: ~~معناه: من لم يجد الرقبة فعليه صيام شهرين متتابعين، وهذا القول أولى لأن ~~الدية لم تجب على القاتل خطأ فيكون الصيام يقوم مقامها، وإنما وجبت الدية ~~في الخطأ على العاقلة، فلا يجزئ عنها صوم القاتل. ### || [4.93] # قوله: { ومن يقتل مؤمنا متعمدا } الآية. # وروى أبو هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " والله للدنيا وما فيها أهون على الله من قتل مسلم بغير حق ". # وروى عنه أيضا أنه قال: # " من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة لقي الله يوم القيامة مكتوب على ~~جبهته: آيس من رحمة الله " # وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " كل ذنب عسى [الله] أن يغفره إلا لمن مات مشركا، أو من قتل مؤمنا ~~متعمدا " # المعنى: من يتعمد قتل مؤمن فجزاؤه جهنم. # وقتل ms0500 العمد عند مالك سواء كان بحجر أو عصا أو حديدة فيه القود. وقال ~~غيره: لا يكون قتل العمد إلا بحديد، وأثبت جماعة شبه العمد وهو قول ~~الشافعي، وهو الضرب بالخشبة الضخمة والحجر، فجعلوا فيه ثلاثين حقة، ~~وثلاثين جذعة وأربعين خليفة. # وليس عند أكثرهم في القتل غير الخطأ أو العمد، فأما شبه العمد فليس له ~~نص في كتاب الله، ولا تواترت به الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم... # مذهب مالك: ومن أحرق رجلا قتل به، وهو عمد، ولو أطعمه شيئا فقتله، ~~وقال: لم أرد قتله إنما أردت أن أسكره، فقال مالك: يقتل، ولا يقبل منه، ~~وهو عمد. ومن قتل رجلا بخنق فهو عمد، وقال محمد بن الحسن: إذا خنقه، ~~وألقاه من ظهر جبل أو سلم (فمات) فهو خطأ. وإذا أمسكه واحد وقتله الآخر ~~قتلا به جميعا عند مالك، إلا أن يكون الممسك أمسكه وهو لا يظن أن الآخر ~~يقتله، فيعاقب ولا يقتل الممسك، وإذا أمر الرجل عبده بقتل رجل فقتله ~~العبد فيقتلان جميعا عند مالك، وهو قول قتادة. # وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: أما العبد فيسجن، وأما السيد فيقتل. ~~وقال أبو هريرة: يقتل الآمر دون العبد وكذلك قال الحسن وعكرمة، وقال ~~الشعبي يقتل العبد ويضرب السيد. وقال الشافعي: إن كان العبد أعجميا، أو ~~صبيا فعلى السيد القود دون العبد، وإن كان يعقل ويفهم، فعلى العبد ~~القود، وعلى السيد العقوبة. فإن أمره رجل بقتل آخر، فقتله فعلى القاتل ~~القود عند مالك، والشافعي، وجماعة من التابعين. # وقوله: { فجزآؤه جهنم خلدا فيها } معناه: فجزاؤه إن ~~جازاه، قاله التميمي وغيره، ورواه ابن جبير عن ابن عباس. وهو كما يقول ~~الرجل لعبد قد جنى عليه: ما جزاؤك إلا كذا وكذا، وهو لا يفعل به ذلك، ~~فمعناه هذا جزاؤك إن جوزيت على ذنبك، فكذلك الآية، معناها: فجزاؤه إن ~~جوزي على فعله جهنم، والله أكرم الأكرمين، له العفو وله العقوبة يفعل ما ~~يشاء لا معقب لحكمه. # وقوله: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ms0501 ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء # [النساء: 48] يدل على جواز العفو على القاتل عمدا. # وقيل: إنها نزلت في رجل بعينه أسلم، ثم ارتد، وقتل رجلا مؤمنا، فمعنى ~~الآية: ومن يقتل مؤمنا متعمدا مستحلا قتله فجزاؤه جهنم، فالكافر يقتل ~~المؤمن مستحلا وليس كذلك المؤمن، بل إن قتل فإنما يقتل وهو يعلم أن قتله ~~حرام. # وقيل: نزلت في رجل من الأنصار قتل ولي له. وقبل الدية، ثم وثب على ~~قاتل وليه فقتله وارتد، قال ذلك ابن جريج وغيره. # وقال مجاهد: إلا من تاب يعني ان العفو من الله جائز للقاتل عمدا إذا ~~تاب، وهو قول ابن عمر، وزيد بن ثابت، وجماعة من العلماء. # وعن ابن عباس أنه لا توبة له، وأنها محكمة لم تنسخ. # وقال زيد بن ثابت: نزلت { ومن يقتل مؤمنا متعمدا } ~~الآية بعد أن نزلت # إن الله لا يغفر أن يشرك به # [النساء: 48] الآية بأربعة أشهر. # وقال ابن عباس: هذه الآية التي في النساء مدنية نسخت التي في الفرقان # إلا من تاب وآمن # [الفرقان: 70] لأنها مكية. # وعن ابن عمر وزيد بن ثابت: إن للقاتل توبة وهو قول جماعة من العلماء ~~لقوله: { إلا من تاب } وقوله: # وإني لغفار لمن تاب وآمن # [طه: 82] وقوله: # وهو الذي يقبل التوبة عن عباده # [الشورى: 25]. وروي عن ابن عباس أنه قال: التي في الفرقان نزلت في أهل ~~الشرك. # وعن زيد بن ثابت أنه قال: نزلت سورة النساء بعد الفرقان بستة أشهر. # وكان الطبري يقول: جزاؤه جهنم حقا، ولكن الله يعفو ويتفضل على أهل ~~الإيمان به وبرسوله، فلا يجازيه بالخلود فيها إما أن يعفو، فلا يدخلهم ~~النار، وإما أن يدخلهم، ثم يخرجهم بفضل رحمته لقوله # إن الله يغفر الذنوب جميعا # [الزمر: 53]. ### || [4.94] # قوله: { يأيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل ~~الله فتبينوا } الآية. # من قرأ بالتاء، فمعناه: فتثبتوا حتى يتبين لكم الفاسق من غيره، والمأمور ~~بالتثبت في فسحة أوسع من المأمور بالتبيين، لأن المأمور بالتبين قد لا ~~يعذر على ذلك، والمأمور بالتثبت لا شك أنه يقدر على ms0502 ذلك، فهو في فسحة من ~~أمره، ومقدرة على فعل ما أمر به، وليس كذلك المأمور بالتبين لأنه قد لا ~~يتبين له ما يريد إذا تبين، والتثبت لا يمنع عليه من نفسه. # ومن قرأ بالياء فمعناه: تبينوا الفاسق من غيره، ولا تعجلوا حتى تتبينوا، ~~فإن العجلة من الشيطان. وقال أبو عبيدة: إحداهما قريبة من (الأخرى). # وقال النحاس وغيره: فتبينوا أؤكد لأن الإنسان قد يتثبت ولا يتبين. وهو ~~لا يتبين إلا مع التثبت، ففي البيان يقع التثبت وليس بالتثبت يقع البيان. ~~[فالبيان] لا بد منه فكل من تبين أمرا فبعد أن يتثبت فيه بان له، وليس ~~كل من تثبت في أمر تبينه، فالبيان على هذا أوكد وأعلم، ولكنه أشد كلفة في ~~التثبت. # ومعنى الآية أن الله تعالى أمر المؤمنين إذا ضربوا في الأرض أي: ساروا ~~في الجهاد أن يتثبتوا في القتل، إذا أشكل عليهم الأمر، فلم يعرفوا حقيقة ~~إسلام من أرادوا قتله، وأن لا يقولوا لمن ألقى إليهم السلم، أي: من ~~استسلم في أيديهم { لست مؤمنا } ليأخذوا ما معه. # ومن قرأ السلام: فمعناه لا تقولوا لمن سلم عليكم { لست مؤمنا } ~~لتأخذوا ما معه، فعند الله مغانم كثيرة من رزقه، فلا يغرنكم سلب من ~~استسلم في أيديكم. { كذلك كنتم من قبل } أي: كنتم من قبل ~~مثل هذا الذي قتلتموه، وأخذتم ماله استخفى بدينه من قومه حذرا على نفسه ~~منهم، وكذلك كنتم. # وقيل: معناه، وكذلك كنتم كفارا مثله، فهداكم الله وأعز دينكم، ومن ~~عليكم بالإسلام والتوبة. # وقيل: معنى: { فمن الله عليكم } فقد من الله عليكم ~~بالتوبة من قتيلكم هذا الذي استسلم إليكم، ثم قتلتموه وأخذتم ماله، ~~فتثبتوا أي: لا تعجلوا في قتل من التبس عليكم أمر إسلامه. # وقرأ أبو رجاء: السلم بكسر السين. # وقرأ أبو جعفر: (لست مؤمنا) بفتح الميم أي: لسنا نؤمنك. # وهذه الآية نزلت في قتيل من غطفان اسمه مرداس كان قد أسلم، فقتلته سرية ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن قال: إني مسلم، وقيل: بعدما سلم ~~عليهم. وقيل: بعدما ms0503 قال: إني مسلم لا إله إلا الله، وكانت معه غنيمة ~~فأخذوها. # ويروى أن الذي قتله مات ودفن، فلفظته الأرض ثلاث مرات، يدفن وتلفظه ~~الأرض فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يلقوه في غار من الغيران، وقال ~~صلى الله عليه وسلم: # " إن الأرض تقبل من هو شر منه، ولكن الله جعله لكم عبرة ". # وقراءة من قرأ السلام يدل على أن ما روي أنه كان رجل معه غنيمة لقيه ~~سرية من المسلمين، فقال: السلام عليكم، وكانت جنة لا يقتل من قالها، ~~فقتل الرجل وأخذ ما معه. # وحجة من قرأ السلام ما روي أنه قال لهم: إني مسلم وما روي أنه قال: إني ~~مسلم لا إله إلا الله. # قوله: { [إن الله] كان بما تعملون خبيرا } أي: خبيرا ~~بما تصنعون في طلبكم الغنيمة، ولم تقبلوا منه ما قال لكم. ### || [4.95] # قوله: { لا يستوي القعدون من المؤمنين غير ~~أولي الضرر } الآية. # من قرأ: غير بالنصب فعلى الاستثناء بمعنى [إلا] أولي الضرر، فإنهم ~~يستوون مع المجاهدين، ويجوز النصب على الحال بمعنى لا يستوي القاعدون في ~~حال صحتهم. # ومن رفع على النعت للقاعدين بمعنى لا يستوي القاعدون الأصحاء عن الجهاد ~~يوم بدر والمجاهدون. # وقدره أبو إسحاق: { لا يستوي القعدون } الذين هم { غير ~~أولي الضرر } ، وهو بمعنى [الصفة] التي ذكرنا وقرأه أبو حيوة غير ~~مخفوض على النعت للمؤمنين. وقال المبرد: هو بدل لأنه نكرة والأول معرفة. # { درجة } نصب على البدل من قوله { أجرا }. # وقيل: إن فيه معنى التأكيد كما تقول علي ألف درهم عرفا. # ومعنى الآية: لا يعتدل من جاهد في ذات الله، ومن قعد عن ذلك، إلا أن ~~يكون القاعدون من أولي الضرر، فإنه يستوي مع المجاهد. هذا على قراءة ~~النصب، والنصب في الآية أحسن لما روى البراء رضي الله عنه أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " " إيتوني بكتف أو لوح فكتب " لا يستوي القاعدون من المؤمنين ~~والمجاهدون " وعمر بن أم مكتوم خلف ظهره فقال: هل لي من رخصة يا رسول ~~الله؟ فنزلت { غير ms0504 أولي الضرر } " # على الاستثناء. # وقال زيد بن ثابت: املى علي رسول الله صلى الله عليه وسلم # { لا يستوي القعدون من المؤمنين غير أولي ~~الضرر والمجهدون في سبيل الله }. # قال: فجاء ابن أم مكتوم وهو يمليها علي فقال: يا رسول الله لو أستطيع ~~الجهاد لجاهدت، قال: فأنزل الله عليه، وفخذه على فخذه، فثقلت حتى خشيت أن ~~تسترض فخده [ثم] سرى عنه فقال: { غير أولي الضرر }. # وهذا في غزاة بدر، وقد قال ذلك عطاء وقتادة والسدي والزهري ذكروا أن ~~الاستثناء نزل في ابن أم مكتوم. # قوله: { فضل الله المجهدين بأمولهم ~~وأنفسهم على القعدين درجة } ، أي: فضيلة يريد ~~القاعدين من أولى الضرر، فضل الله المجاهدين على القاعد للضرر درجة واحدة ~~لجهاده بنفسه وماله { وكلا وعد الله الحسنى } أي: ~~المجاهد والقاعد من أولي الضرر، وعدهم الله الحسنى، وهي الجنة لأنهم كلهم ~~مؤمنون. # وذكر الأموال في هذا الموضع، وتفضيل الذين ينفقونها في سبيل الله يدل ~~على تفضيل الغنى على الفقر، وهو في القرآن كثير، فلا يستوي في الفضل من ~~أعطاه الله مالا، فأنفقه في سبيله، ومن لم يعطه الله مالا، فود لو كان ~~معه مال فأنفقه في سبيل الله، لا يستوي [من نوى] ففعل، مع من نوى ولم ~~يفعل، فقد أنفق عثمان رضي الله عنه على جيش العسرة وبان بفضل ذلك، وود ~~أصحابه أن يقدروا على مثل فعله. وقد كان أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله ~~عنهم أيسر من كثير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وأجمع المسلمون أنهم أفضل ممن هو أفقر منهم في ذلك الوقت من الصحابة. # وحديث النبي صلى الله عليه وسلم # " إن فقراء أمتي يدخلون الجنة قبل اغنيائهم بنصف يوم من أيام الآخرة " # معناه الفقراء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يدخلون الجنة قبل ~~الأغنياء من غير أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لفضل الصحابة لا للفقر. # ويدل على ذلك ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل: # " من أول الناس ورودا الحوض؟ فقال: " نفر ms0505 من المهاجرين الشعثة رؤوسهم ~~الدنسة ثيابهم، الذين لا تفتح لهم السدود، ولا ينكحون المتنعمات " ". # قوله: { وفضل الله المجهدين على القعدين أجرا ~~عظيما } يعني: على القاعدين من المؤمنين من غير أولي الضرر. # وقوله: و " درجات منه " أي فضائل منه، ومنازل من منازل الكرامة. # وقال قتادة: الدرجات كان يقال: الإسلام درجة، والهجرة في الإسلام درجة، ~~والجهاد في الإسلام درجة، والقتل في الجهاد درجة. # وقال [ابن] زيد: الدرجات التي فضل بها المجاهد على القاعد تسع، وهي التي ~~ذكرها الله عز وجل في براءة، قوله: # ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا ~~مخمصة في سبيل الله ولا يطأون موطئا يغيظ ~~الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب ~~لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر ~~المحسنين # [التوبة: 120]. فذلك خمسة، والسادسة والسابعة قوله تعالى: # ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون ~~واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما ~~كانوا يعملون # [التوبة: 121]. # وقيل الدرجات: سبعون درجة ما بين الدرجتين حضر الفرس الجواد المضمر ~~سبعين سنة. ### || [4.97-99] # قوله: { إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي ~~أنفسهم قالوا فيم كنتم } الآية. # المعنى: إن الذين تقبض الملائكة أرواحهم ظالمين أنفسهم أي مكتسبين غضب ~~الله عز وجل وسخطه { قالوا }: أي: قال لهم الملائكة { فيم كنتم } ~~أي: أي شيء كنتم من دينكم؟ # وقيل المعنى: قالت لهم الملائكة: أكنتم في المشركين، أم في أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم؟ فأجابوا الملائكة بأن قالوا: { كنا ~~مستضعفين } في أرضنا بكثرة العدو، وقوته قالت لهم الملائكة، { ~~ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها } أي: ~~تخرجوا من بين أظهر المشركين إلى أرض الإيمان. # { فأولئك مأواهم جهنم } أي: هؤلاء الذين هذه صفتهم ~~مصيرهم إلى جهنم وهي سكناهم { وسآءت مصيرا } أي: ساءت جهنم مصيرا ~~لأهلها. # وروي أن هذه الآية نزلت في قوم كانوا أسلموا والنبي صلى الله عليه وسلم ~~بمكة، فلما هاجر النبي عليه السلام أقاموا بمكة، فمنهم من ارتد إلى الشرك ~~فتنه أبوه وعشيرته حتى ارتد، ومنهم من بقي على حاله. # فلما خرج المشركون ms0506 لنصرة غيرهم إلى بدر خرجوا مع المشركين، وقالوا إن ~~كان محمد في كثرة ذهبنا إليه، وإن كان في قلة بقينا في قومنا. # فلما التقوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، في بدر نظروه في قلة فبقوا في ~~قومهم فقتلوا، فتوفتهم الملائكة ظالمي أنفسهم، فاعتذروا بأنهم استضعفوا ~~بمكة، ثم استثنى فقال: { إلا المستضعفين من الرجال ~~والنسآء والولدان } وهو من عجز عن الهجرة، ولا طاقة له ~~بالخروج قد استضعفهم المشركون { لا يستطيعون حيلة ولا ~~يهتدون سبيلا } أي لا يعرفون طريقا يخلصهم من المشركين، لا قوة ~~لهم ولا معرفة طريق { فأولئك عسى الله أن يعفو ~~[عنهم] } أي إن هؤلاء المستضعفين لعل الله أن يعفو عنهم للعذر الذي ~~هم فيه وهم مؤمنون. # { وكان الله عفوا غفورا } أي: بعباده قبل أن يخلقهم ~~ومعناه: لم يزل كذلك. # وقيل: إن (كان) من الله بمنزلة ما في الحال. فالمعنى والله عفو غفور. # وروي أن هاتين الآيتين، والتي بعدهما نزلت في أقوام من أهل مكة كانوا قد ~~أسلموا، وآمنوا، وتخلفوا عن الهجرة مع النبي صلى الله عليه وسلم حين ~~هاجر، وعرض بعضهم على الفتنة فافتتن، وشهد مع المشركين حرب المؤمنين، فلم ~~يقبل الله تعالى معذرتهم وقولهم " كنا مستضعفين في الأرض ". # وقال ابن عباس: كان قوم من أهل مكة أسلموا وأخفوا الإسلام فأخرجهم ~~المشركون يوم بدر معهم لقتال المسلمين، فأصيب بعضهم فقال المسلمون: كان ~~أصحابنا هؤلاء مسلمين، وأكرهوا فاستغفروا لهم، فأنزل الله عز وجل: { ~~إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم } ~~الآية فكتب المسلمون إلى من بقي بمكة: ألا عذر لهم بهذه الآية، فخرجوا من ~~مكة فلحقهم المشركون، فأعطوهم الفتنة فنزلت فيهم # ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذآ أوذي في ~~الله جعل فتنة الناس كعذاب الله # [العنكبوت: 10] فكتب بها المسلمون إليهم، فخرجوا، ويئسوا من كل خبر فنزل ~~فيهم # ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ~~ثم جاهدوا وصبروا # [النحل: 110] الآية، فكتبوا إليهم بذلك إن الله قد جعل لكم مخرجا، ~~فخرجوا، فأدركهم المشركون فقاتلوهم حتى نجا من نجا وقتل من ms0507 قتل. # ومعنى: { المستضعفين من الرجال } يعني الشيخ الكبير. # قال السدي: # " لما أسر العباس، وعقيل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس: " ~~افد نفسك، وابن أخيك " فقال: يا رسول الله، ألم نصل [ل] قبلتك ونشهد ~~شهادتك؟ قال: " يا عباس: إنكم خاصمتم فخصمتم " ، ثم تلا عليه هذه الآية: ~~{ ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ~~فأولئك مأواهم جهنم وسآءت مصيرا } " # فيوم نزلت هذه الآية كان من أسلم ولم يهاجر فهو كافر حتى يهاجروا { ~~إلا المستضعفين من الرجال والنسآء والولدان ~~لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا } أي: لا يعرفون ~~طريقا إلى المدينة. # قال ابن عباس: كنت أنا من الولدان. # وروى عنه أنه قال: كنت أنا وأمي من المستضعفين. # قال السدي: الحيلة المال، والسبيل الطريق إلى المدينة. ### || [4.100] # قوله: { ومن يهاجر في سبيل الله } الآية. # المعنى أن من يفارق أرض الشرك، ويمضي إلى أرض الإسلام فإنه يجد مذهبا، ~~ومسلكا إلى أرض الإسلام، فالمراغم: المذهب. # قال مالك: المراغم الذهاب في الأرض، والسعة سعة البلاد. # قال مالك: لا ينبغي المقام في أرض يسب فيها السلف، ويعمل فيها بغير ~~الحق، والله يقول: { يجد في الأرض مرغما كثيرا وسعة ~~}. # وقال الثوري: ومعنى " وسعة " أي: سعة من الرزق. # وقال ابن عباس: المراغم: المتجول من أرض إلى أرض. # وقال مجاهد: المراغم: المندوحة عما يكره. # وقال ابن زيد: المراغم: المهاجر. # وقال أهل اللغة: المراغم: المضطرب والمذهب. # قوله: { وسعة } يريد سعة في الرزق. # وقال قتادة: " وسعة " أي " سعة من الضلالة إلى الهدى، ومن القلة إلى ~~الغنى. # والمراغم: مشتق من الرغام وهو التراب، يقال: رغم أنف فلان: إذا ألصق ~~بالتراب، يستعار ذلك لمن ذل وصغر. يقال راغمت فلانا: إذا عاديته. فسمي ~~المهاجر مراغما، لأن المهاجر يعادي من يخرج عنه من أهل الكفر. # وقوله: { ومن يخرج من بيته مهاجرا } الآية. # المعنى: إنه لما نزل { إن الذين توفاهم الملائكة ~~ظالمي أنفسهم } الآية. # قال ضمرة بن نعيم وكان بمكة عليلا: لي مال ولي رقيق، ولي خليلة، ~~فاحملوني فخرج، وهو مريض أو هاجر، فأدركه الموت، عند ms0508 التنعيم فدفن، ثم ~~نزلت فيه { ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ~~ورسوله }. # وقيل: اسم أبيه جندب، وقيل زنباع، وقيل العيص. # وقال ابن زيد: هو رجل من بني كنانة هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~من مكة، فمات في الطريق، فسخر به قومه واستهزءوا وقالوا: لا هو بلغ الذي ~~يريد، ولا هو أقام في أهله يقومون عليه، فأنزل الله { ومن يخرج من ~~بيته مهاجرا إلى الله ورسوله } الآية. # ومعنى: { وقع أجره على الله } قال ابن جبير: هو رجل من ~~خزاعة يقال له ضمرة بن العيص، أو العيص بن ضمرة بن زنباع، كان مريضا ~~فأمر أهله أن يحملوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سرير ففعلوا، ~~فأتاه الموت بالتنعيم فنزلت فيه الآية وفي من كان مثله. # وقيل: نزلت في رجل من كنانة من بني ضمرة مرض بمكة بعد إسلامه، فقال: ~~أخرجوا بي إلى الروح، يريد المدينة، فخرجوا به، فلما كان بالحصاص مات ~~قاله عكرمة. # وبهذه الآية أوجب العلماء للغازي إذا خرج للغزو ثم مات قبل القتال أن ~~يعطى سهمه، وإن لم يشهد الحرب وذلك مذهب أهل المدينة فيما ذكر يزيد بن ~~[أبي] حبيب، ذكر ذلك ابن المبارك عن ابن لهيعة عن يزيد. ### || [4.101] # قوله: { وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح } ~~الآية. # ذكر بعض أهل المعاني [أن الآية] في قصتين وحكمين. # فقوله: { وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح ~~أن تقصروا من الصلوة } في الإقصار في السفر، وتم الكلام عند ~~قوله: { من الصلوة }. # ثم ابتدأ قصة أخرى في إباحة صلاة الخوف وصفتها. # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه سأل قوم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: فقالوا يا رسول الله: أنضرب الأرض؟ أي: نسير، فأنزل الله عز وجل { ~~وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن ~~تقصروا من الصلوة } ثم انقطع الوحي فلما كان بعد ذلك بحول ~~وغزا النبي صلى الله عليه وسلم فصلى الظهر، فقال المشركون: لقد أمكنكم هو ~~وأصحابه من ظهورهم هلا شددتم عليهم؟ ms0509 فقال قائل: إن لهم أخرى مثلها في ~~أثرها، فأنزل الله عز وجل { إن خفتم أن يفتنكم الذين ~~كفروا } - إلى قومه - { عذابا مهينا } فنزلت صلاة الخوف ~~بكيفيتها. # وقال ابن عباس: معنى القصر هنا هو أن يقصروا من ركوعها وسجودها في حال ~~الخوف، ويصلي كيف ما أمكن إلى القبلة وإلى غيرها ماشيا أو راكبا، كما ~~قال: # فرجالا أو ركبانا # [البقرة: 239] وهو اختيار الطبري، قال: ودليله قوله { فإذا ~~اطمأننتم فأقيموا الصلوة } وإقامتها إتمام ركوعها ~~وسجودها، وفرائضها من قبلة وغيرها. # فقد قال جماعة من التابعين والصحابة منهم: حذيفة وجابر بن عبد الله وابن ~~جبير، وروى مجاهد عن ابن عباس، وقالوا: فرض الله على المقيم أربعا، وعلى ~~المسافر ركعتين وفي الخوف ركعة، قالوا: فقصر الصلاة في الخوف أن تصلي ~~ركعة لأنهم مسافرون، فصلاتهم ركعتان، وقصر الركعتين لا يكون إلى ركعتين ~~إنما ذلك أن يصلوا ركعة واحدة، وتواترت الأخبار عن عائشة رضي الله عنها ~~أنها قالت: فرضت الصلاة ركعتين، ثم أتمت صلاة المقيم، وأقرت صلاة ~~المسافر بحالها. # وقرأ أبي بن كعب " أن تقصروا من الصلاة أن يفتنكم الذين كفروا " بحذف { ~~إن خفتم } على معنى كراهة أن يفتنكم. # وروي عن عائشة أنها قالت: أول ما فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فلما أتى ~~النبي صلى الله عليه وسلم المدينة صلى إلى كل صلاة مثلها إلا صلاة المغرب ~~فإنها وتر، وإلا صلاة الصبح لطول قراءتها، فكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذا سافر عاد إلى صلاته الأولى ركعتين. # قال ابن عباس: من صلى في السفر أربعا كمن صلى في الحضر ركعتين. # (وقال عمر بن عبد العزيز: صلاة السفر ركعتان حتم لا يصلح غيرهما)، وروى ~~عن مالك الإعادة على من أتم في السفر. # قال ابن القاسم: في الوقت يعيد. # وقال أصحاب الرأي: إذا صلى المسافر أربعا، فقعد في الثانية قدر التشهد ~~فصلاته تامة، وإن لم يقعد قدر التشهد، فصلاته فاسدة وقال الشافعي وأبو ~~ثور: المسافر بالخيار في الإتمام والقصر. ### || [4.102] # قوله: { وإذا كنت فيهم } الآية. # المعنى: وإذا كنت يا محمد ms0510 في الضاربين في الأرض من أصحابك، وثم خوف من ~~عدو فأقمت لهم الصلاة { فلتقم طآئفة [منهم] } معك في ~~الصلاة وباقيهم في وجاه العدو { وليأخذوا أسلحتهم } أي: ~~ولتأخذ الطائفة المصلية معك أسلحتهم من سيف يتقلد به الرجل، وخنجر يشده ~~إلى وسطه، ودرع يلقيه على نفسه (ونحوه). # وقال ابن عباس: الطائفة المأمورة بأخذ السلاح التي وجاه العدو، وليست ~~المصلية، لأن المصلي لا يحارب. # وقال النحاس: " يجوز أن يكون الجميع هو المأمور بأخذ السلاح لأن ذلك ~~أهيب للعدو، ويجوز أن يكون المأمور بذلك هو الذي وجاه العدو، لأن الذي في ~~الصلاة لا يقاتل ". # قوله: { فإذا سجدوا } أي: سجد الذين معك " { فليكونوا من ~~ورآئكم } أي: فلينصرفوا بعد سجودهم خلفكم في موضع الذين لم يصلوا. # فمن قال إن صلاة الخوف ركعة قال: ينصرفون بسلام فيقفون بإزاء العدو ولا ~~قضاء عليهم، وتأتي طائفة أخرى فيصلي بهم ركعة ويسلمون بسلام الإمام، ولا ~~قضاء عليهم، وكذلك وصف حذيفة أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم ركعة ~~بكل طائفة، ولم يقضوا شيئا. # وقد روى عن جابر بن عبد الله، وعمر وابن عمر أن الركعتين ليستا بقصر. # وروي عن جابر أنه قال: ليست الركعتان في السفر بقصر إنما القصر واحدة ~~عند القتال وهو قول الحسن ومجاهد وقتادة وحماد في شدة الحرب قالوا: ~~يؤمنون بها. # وقال الضحاك: فإن لم يقدروا يكبروا تكبيرتين حيث كان وجهه. # وروى الزهرى عن سالم عن ابن عمر أنهم يصلون ركعتين كيفما تيسر، وحيثما ~~توجهوا، وهو مذهب مالك، والشافعي والنخعي والثوري وأكثر الفقهاء. # وصفة ذلك أن يقوم الإمام بطائفة، والأخرى وجاه العدو، فيركع بالطائفة ~~التي معه، ركعة بسجدتيها ثم يقوم ويثبت قائما ويتمون لأنفسهم الركعة ~~الثانية. ثم يسلمون وينصرفون وجاه العدو والإمام قائم وتأتي الطائفة ~~الأخرى فيكبرون مع الإمام ويركع بهم الركعة الأخرى بسجدتيها ثم يسلم، ~~ويقومون فيأتون بركعتهم لأنفسهم بسجدتيها، ثم يسلمون وفيها أقوال غير ما ~~ذكرنا. # ولا يصلى صلاة الخوف إلا من كان في سفر عند مالك. # فأما الخائفون في الحضر فإنهم يصلون أربعا ms0511 على سنة صلاة الخوف إذا ~~خافوا العدو، ويصلى الإمام في الخوف لأهل الحضر والسفر المغرب بالطائفة ~~الأولى ركعتين ثم يتشهد بهم، ويثبت قائما. ويتمون لأنفسهم ويسلمون، ~~وتأتي الطائفة الأخرى فيصلي بهم ركعة ويتشهد ويسلم، ويقومون هم لتمام ما ~~بقي عليهم، ويقرأون فيما يقضون بأم القرآن وسوره. # وفي حديث يزيد بن رومان: لا يسلم الإمام حتى تتم الطائفة الأخرى لنفسها ~~ما بقي عليها، ثم يسلم بهم. # وفي حديث ابن القاسم أنه يسلم ويقومون يتمون ما بقي عليهم، وإليه رجع ~~مالك، وقد كان يقول بحديث يزيد بن رومان ثم رجع عنه لحديث القاسم. # فإن سها الإمام بنقص سجدت الطائفة الأولى قبل السلام بعد قضاء ما عليها، ~~وإن زاد سجدت بعد السلام، والإمام قائم لا يسجد، فإذا أتت الطائفة الأخرى ~~صلى بهم الركعة الباقية. # فعلى حديث القاسم يسجد ويسلم إن كان نقصا، ولا يسجدون حتى يتموا ~~لأنفسهم. وسجدوا بعد السلام إن كان زيادة، ويسجدون هم أيضا إذا أتموا، ~~وعلى قول ابن رومان يثبت حتى يتموا لأنفسهم ثم يسجد بهم، ويسلم أو يسلم ~~ويسجد. # قوله: { ود الذين كفروا لو تغفلون عن ~~أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة ~~واحدة } الآية. # معناها: تمنى الكافرون [لو] تشتغلون بصلاتكم عن سلاحكم وأمتعتكم التي ~~بها بلاغكم في أسفاركم، فيحملون عليكم حملة واحدة فيقتلونكم، فحذر الله ~~المؤمنين وأعلم بما تمنى به المشركون وأمرهم أن يقترفوا عند الصلاة، ~~فتقوم طائفة مع الإمام وطائفة تمنع العدو، على الترتيب الذي ذكرنا رفقا ~~منه تعالى بالمؤمنين وتيسيرا عليهم. # قوله: { ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر ~~أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم } الآية. # (أي: ليس عليكم إثم إن نالكم ضرر من مطر، وأنتم وجاه العدو، وإن كنتم ~~مرضى أي: جرحى أو أعلاء، { أن تضعوا أسلحتكم } أي: ضعفتم عن ~~التمادي في حملها فأباح تعالى للمؤمنين أن يضعوا السلاح إذا وجدوا ضررا ~~في حملها، ولكن حذرهم عند وضعها فقال: { خذوا حذركم } لئلا ~~يميلوا عليكم وأنتم غير مسلحين غافلين. # وأصل الجناح: العدل، ومنه جناح الطائر لأنه ms0512 غير معتدل والإثم غير مستو ~~فسمي به. # قوله: { عذابا مهينا } أي مذلا. # وذكر ابن عباس أن قوله { أو كنتم مرضى } نزل في عبد الرحمن بن ~~عوف كان جريحا. ### || [4.103] # قوله: { فإذا قضيتم الصلوة... } الآية. # المعنى: إن الله تعالى أمرهم بذكره بعد الفرائض من الصلاة التي قد بينها ~~لهم إرادة البركة بالذكر ليكون سبب النصر على الأعداء والفتح، ونظيره ~~قوله: # يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا ~~واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون # [الأنفال: 45]. # قوله: { فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلوة } [أي: فإذا ~~سكن خوفكم، فأقيموا الصلاة] بتمامها في أوقاتها كما فرضت عليكم. # فالمعنى: عند من جعل القصر في صلاة الخوف هو النقص من تمام السجود ~~والركوع لا من العدد: فإذا أمنتم في سفركم، فأتموا الركوع والسجود، قاله ~~السدي وهو اختيار الطبري. # والمعنى عند من لم ير ذلك: فإذا اطمأننتم في أمصاركم ودوركم، فأقيموا ~~الصلاة التي أمرتم أن تقصروها في حال خوفكم وسفركم، قال ذلك مجاهد ~~وقتادة. # وقال ابن يزيد: المعنى: فإذا اطمأننتم من عدوكم فصلوا الصلاة، ولا ~~تصلوها ركبانا، ولا مشاة ولا جلوسا فهو إقامتها. # قوله: { كتبا موقوتا } أي: فريضة مفروضة قاله ابن عباس ومجاهد ~~وغيرهما. # وقال قتادة: { كتبا موقوتا } منجما يؤديها في أنجمها أي: في ~~أوقاتها. # وقيل: معنى { موقوتا } محتوما لا بد من أدائها بتمامها في ~~أوقاتها. # وقال ابن مسعود: إن للصلاة وقتا كوقت الحج. # وقال زيد بن أسلم: " كتابا موقتا " أي منجما. كلما [مضى] نجم أي: ~~كلما [مضى] وقت جاء وقت. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ليس بين العبد والكافر إلا ترك الصلاة ". # وقال: # " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، من تركها فقد كفر ". # وقال النخعي وابن المبارك وأحمد وإسحاق: من ترك الصلاة عامدا حتى خرج ~~وقتها بغير [عذر] فهو كافر، ويستتاب فإن تاب وإلا قتل، ولم يسمه مالك ~~كافرا، ولكن قال: يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وكذلك قال الشافعي. # وروي أنه يستتاب ثلاثا فإن صلى وإلا قتل. # وقال الزهري: يضرب ويسجن إلا أن يكون ابتدع دينا غير دين ms0513 الإسلام، فإنه ~~يقتل إن لم يتب. ### || [4.104] # قوله: { ولا تهنوا في ابتغآء القوم إن تكونوا... } ~~الآية. # قرأ عبد الرحمن الأعرج: أن تكونوا تالمون بفتح إن على معنى لأن تكونوا ~~أي: لا تهنوا من [أجل] ألمكم، ، أي لا تضعفوا عن عدوكم من أجل ما أصابكم ~~من الجراح، والتعب فإنهم قد أصابهم مثل ما أصابكم، ولكم عليهم فضيلة، وهي ~~أنكم ترجون من الله الجنة في الآخرة، والأجر والخلاص من النار، وترجون ~~الغنيمة في الدنيا وهم لا يرجون جنة ولا أجرا، ولا يأمنون من عذاب، ~~فأنتم أيها المؤمنون أولى ألا تضعفوا وأن تصبروا على عدوكم. # وقيل: معنى ترجون هنا: تخافون. # وقيل: لا يكون الرجاء بمعنى الخوف إلا إذا تقدمه جحد، كقوله: # ما لكم لا ترجون لله وقارا # [نوح: 13] أي: لا تخافون الله عظمة. # والرجاء هنا بمعنى الأمل أحسن وأقوم. # ومعنى: { ابتغآء القوم } في طلبهم # فقال عكرمة نزلت يوم أحد # إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله # [آل عمران: 140] ونزلت { إن تكونوا تألمون فإنهم ~~يألمون كما تألمون }. # قال ابن عباس: # " لما صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد الجبل جاء أبو سفيان ~~فقال: يا محمد: ألا تخرج؟ ألا تخرج؟ الحرب سجال، يوم لنا ويوم لكم، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أجيبوا - " ، فقالوا: لا سواء، لا سواء، ~~قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار، فقال أبو سفيان: عزى لنا ولا عزى ~~لكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قولوا: إن الله مولانا ولا مولى ~~لكم. # قال أبو سفيان: أعل هبل، أعل هبل، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم (قولوا): [الله] أعلى وأجل ". # قال أبو سفيان: موعدنا وموعدكم بدر الصغرى، وكان بالمسلمين جراح. فقاموا ~~وبهم الجراح. # قوله: { وكان الله عليما } أي: لم يزل عالما بمصالح خلقه. { ~~حكيما } أي: حكيما في تدبيره وتقديره. ### || [4.105-108] # قوله: { إنآ أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم ~~بين الناس بمآ أراك الله } الآية. # المعنى: إنا أنزلنا إليك يا محمد القرآن { لتحكم بين الناس ~~بمآ أراك الله } أي: ms0514 بما أنزلنا إليك من كتابه { ولا تكن ~~للخآئنين خصيما } أي: لا تكن لمن خان مسلما أو معاهدا ~~خصيما. # وقد كثرت الروايات في السبب التي نزلت فيه هذه الآية. غير أنها، وإن ~~اختلفت ألفاظها ترجع إلى معنى واحد. # واختصار القصة أن رجلا من الأنصار اسمه: طعمة بن أبيرق وكان منافقا، ~~سرق درعا لعمة كانت عنده وديعة، فلما أن خاف أن يعرف فيه قذفها على ~~يهودي، وأخبر بني عمه بذلك فجاء اليهودي إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يخبره بالدرع، وقال: والله ما سرقتها يا أبا القاسم ولكن طرحت علي، ~~فلما رأوا ذلك بنو عم طعمة جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يبرئوا صاحبهم من الدرع، ويسألونه أن يبرئه منها، فهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن يبرئه من السرقة حتى نزل { ولا تجادل عن الذين ~~يختانون أنفسهم } يريد طعمة وبني عمه. # وقيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم برأه بقولهم على رؤوس الناس. # فقال الله عز وجل: { استغفر الله } أي: مما هممت به، ومما فعلته ~~{ ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم } يريد طعمة ~~ومن أعانه وهو يعلم بسرقته. # وقال السدي: بل الخيانة التي ذكرها الله عز وجل هي وديعة كان قد ~~استودعها يهودي عند طعمة بن أبيرق وهي درع، فأخفاها طعمة، وجحدها، ثم ~~رماها في دار رجل آخر من اليهود. فأتى اليهودي إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فأخبره أنها رميت في داره. # وروي أن طعمة قال لليهودي صاحب الدرع: إنك إنما استودعت درعك عند فلان، ~~وأنا أشهد لك عليه، ثم ألقى طعمة الدرع في دار ذلك الرجل الذي يريد أن ~~يشهد عليه فجادل الأنصار عن طعمة أنه لم يفعل شيئا، وأتوا النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله، جادل عن طعمة وأكذب اليهودي، فهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن يفعل فأنزل الله عز وجل { ولا تجادل ~~عن الذين يختانون أنفسهم } إلى رأس ثلاث آيات. # ولما نزل القرآن في طعمة لحق بقريش وارتد، ms0515 ثم عاد، إلى مشربة الحجاج ~~حليف لبني عبد الدار فنقبها فسقط عليه حجر، فوحل لحمه، فلما أصبح أخرجوه، ~~ونفوه من مكة فخرج فلقي ركبا فعرض لهم، وقال: ابن سبيل منقطع به، فحملوه ~~حتى إذا جن الليل عدا عليهم، فسرقهم، ثم انطلق، فخرجوا في طلبه فأدركوه ~~فقذفوه بالحجارة حتى مات. # قال ابن جريح: فهذه الآيات كلها فيه نزلت. # ومعنى: { يختانون أنفسهم } أي: يخونونها، أي: يجعلونها ~~خونة أي: يلزمون الخيانة. # { إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما } أي: لا يحب ~~من كانت هذه صفته. # قوله: { يستخفون من الناس } أي يخفون أمر خيانتهم من الناس ~~الذين لا يملكون لهم ضرا ولا نفعا. # و { ولا يستخفون من الله } الذي هو مطلع عليهم، ويعلم ما ~~تخفون فهو أحق أن يستخفى منه { إذ يبيتون ما لا يرضى من ~~القول } وذلك أنهم قالوا: تقول إن اليهودي سرقها، ويحلف طعمة على ~~ذلك، فيقبل من طعمه بيمينه، لأنه على دين محمد صلى الله عليه وسلم، ولا ~~يقبل من اليهودي لأنه على غير دينه فهذا ما أعدوا في الليل. # وقيل: يبيتون " يبدلون، وقيل يؤلفون ". # وهذا كله في الرهط الذي مشوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم في شأن طعمة ~~يبرئونه وهم يعلمون أنه سارق الدرع. # وعن ابن عباس: # " أن طعمة دفن الدرع فأتي جبريل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: إذا ~~غدوت من منزلك، فإنك سترى أثرا بينا، فاتبعه حتى إذا انقطع، فأمر من ~~يحفر، فإن الدرع مدفون ففعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فاستخرج ~~الدرع، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إنما أنا بشر فمن كان ألحن ~~بحجته من صاحبه فقضيت له بحق ليس له، فإنما أقطع له قطعة من النار: وهرب ~~المنافق إلى مكة ". # قوله: { وكان الله بما يعملون محيطا } أي لم يزل محيطا ~~بما يصنعون وما يبيتون لها، لا يخفى عليه شيء منها حتى يجازيهم بها. ### || [4.109] # قوله: { ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة ~~الدنيا } الآية. # أم في قوله: { أم من يكون } منفصلة ms0516 من " من " في أربعة مواضع فقط ~~في السواد. # { أم من يكون عليهم وكيلا } في النساء. # { أفمن أسس بنيانه } في براءة. # { أم من خلقنآ } في الصافات. # { أم من يأتي آمنا } في فصلت. # وسائره في القرآن " أمن " غير منفصل والانفصال هو الأصل، والاتصال ~~استخفاف إذ وجب الأدغام، والمدغم بمنزلة حرف واحد فكتب على ذلك. # و " هؤلاء " بمعنى الذين خبروا الابتداء. # وقيل: " هؤلاء " نداء ولم يجزه سيبويه [لأنه] لا يجيز حذف حرف من ~~المبهم، ولا من النكرة، ويجيزه الكوفيون وكلهم أجازوا الحذف من غير هذين ~~النوعين كقوله: # يوسف أعرض عن هذا # [يوسف: 29] وكقوله: # قال رب أنى يكون لي # [آل عمران: 40] وحذفه من المضاف كثير في القرآن والكلام. # والمعنى أنتم الذين جادلتم عنهم أي: عن بني أبيرق في الحياة الدنيا { ~~فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة } أي: فمن يخاصم ~~الله عنهم في الآخرة؟ " أم من يكون عليهم وكيلا "؟ أي من ذا الذي يتوكل ~~لها، ولا الخائنين يوم القيامة في خصومتهم بين يدي ربهم، الذي يعلم ~~الغيوب، ولا يستر عليه شيء مما بيتم وما صنعتم. ### || [4.110] # قوله: { ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه } الآية. # هذه الآية نزلت في الذين يختانون أنفسهم الذين ذكرهم الله أولا [و] ~~أخبر أنه من عمل سوءا [أ] وذنبا أو ظلم نفسه بأن ألزمها ما يستحق عليه ~~العقوبة { ثم يستغفر الله } أي: يستدعي المغفرة من الله فإنه ~~يجد الله غفورا لذنبه، رحيما به، وهي عامة في كل من أصاب ذنبا. ### || [4.111] # قوله: { ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه ~~} الآية. # المعنى: من يكسب ذنبا فإنما وباله على نفسه دون غيره، فالمعنى، لا ~~تجادلوا عن من اختان نفسه، فإن من كسب ذنبا فإنما هو راجع عليه { ~~وكان الله عليما } أي: عالما بما تصنعون أيها المجادلون وجميع ~~خلقه. # و { حكيما } بسياستكم وجميع خلقه. ### || [4.112-113] # قوله: { ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به ~~بريئا } الآية. # الخطيئة ما أتاه الإنسان [من ذنب] متعمدا، وغير متعمد والإثم ما أتاه ~~متعمدا فقط. ومن أجل ذلك فصل ms0517 بينهما في الاكتساب. # فالمعنى: ومن يكسب خطيئة على غير عقد منه لها، أو إثما على عمد منه، { ~~ثم يرم به بريئا } أي يضيف ذلك إلى بريء { فقد احتمل ~~بهتانا } أي تحمل بفعله ذلك فرية وكذبا وإثما عظيما. # وقيل: إن الخطيئة والإثم واحد، ولكن لما اختلف اللفظان جاز. # وقيل: إن الخطيئة هي الصغيرة، والإثم في الكبيرة ولذلك انفصلا. # وقال أبو إسحاق: سمى الله تعالى بعض المعاصي خطايا، وسمى بعضا إثما ~~فأعلم أن من اكتسب معصية تسمى خطيئة، أو كسب معصية تسمى إثما، ثم رمى ~~بها من لم يعملها { فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا }. # والبهتان: الكذب. # وهذا نزل في شأن طعمة وما رمى به اليهودي أو غيره من سرقة الدروع، ~~والهاء في " به " تعود على الإثم، ولا يجوز أن تعود على الإثم والخطيئة، ~~لأنها بمعنى الجرم والذنب، ولأن الأفعال، وإن اختلفت العبارات منها فهي ~~راجعة، إلى معنى واحد، فرجعت الهاء على ذلك، هذا قول من قال: لما اختلف ~~اللفظان جاز أن يكررا، والمعنى فيهما سواء. # ويجوز أن تعود على الخطيئة لأنها بمعنى الذنب. # وقيل: تعود على الكسب [ودل] عليه يكسب. # وقوله: { ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت ~~طآئفة منهم أن يضلوك }. # المعنى: { ولولا فضل الله عليك ورحمته } بأن نبهك ~~على الحق، وعصمك بتوفيقه، وبين لك من الخائن { لهمت طآئفة ~~منهم أن يضلوك } بمساعدتهم، فتبرئ طعمة من سرقة الدروع على ~~رؤوس الملأ، وتلحقها باليهودي لأنهم سألوه في ذلك، فهم به حتى نزلت عليه ~~الآية، { وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من ~~شيء } أي ليس يضرك هؤلاء الخائنون شيئا، إنما يضلون أنفسهم ويضرونها. ### || [4.114] # قوله: عز وجل { لا خير في كثير من نجواهم } الآية. # المعنى: لا خير في كثير من نجوى المتناجين من الناس إلا في من أمر ~~بصدقة، أو معروف، أو إصلاح بين الناس، فإن أولئك فيهم الخير، فنجوى على ~~هذا اسم للناس المتناجين. # والصدقة: معروف. # وقوله: { أو معروف } هو جميع فعل الخير غير الصدقة. # وقد قيل: المعروف في هذا: القرض يقرضه الإنسان ms0518 المحتاج فقد أتى: " أن ~~القرض كالصدقة " وأن فيه أجرا عظيما. # وقيل: المعنى: لا خير في كثير من نجوى الناس إلا في نجوى من أمر بصدقة. # فتكون على القول الأول النجوى هم الناس، ولكنه خرج على جمع جرحى، وشكرى، ~~ويكون في القول الثاني على بابها: اسم للسر لكن تقدر في الثاني حرف ~~تقديره " إلا في نجوى من أمر بصدقة ". ### || [4.115-116] # قوله: { ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له ~~الهدى.. } الآية. # المعنى: من يباين الرسول من بعدما تبين له أنه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وأن ما جاء به الحق { ويتبع غير سبيل المؤمنين } ~~أي غير طريقهم، ومنهاجهم، وهو التصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما ~~[جاء به] { نوله ما تولى } أي: نجعل ناصره من استنصر به ~~واستعان به من الأوثان والأصنام. # وقال مجاهد: { نوله ما تولى }: نتركه وما يعبد. # وقيل: نتركه واختياره. # { ونصله جهنم } أي نجزه بها. # { وسآءت مصيرا } أي ساءت جهنم مصيرا، وهو الموضع الذي يصير ~~إليه. # ونزلت هذه الآية أيضا في الخائنين الذين تقدم ذكرهم لما أبى التوبة ~~طعمة بن الأبيرق، لحق بالمشركين من عبدة الأوثان مرتدا عن الإسلام، فهو ~~[من] الذين شاقوا الرسول من بعد أن كان مؤمنا، واتبع غير طريق المؤمنين. ~~ورجع إلى عبادة الأصنام، فقال الله عز وجل: { نوله ما تولى }. # " وجهنم ": في قول بعض اللغويين اسم مختلق للنار، لا يعرف له اشتقاق، ~~ومنع من الصرف للتعريف والعجمة. # وقال أكثرهم: هو اسم عربي مشتق من قول العرب: هذه ركية جهنام: إذا كانت ~~بعيدة القعر، فسميت النار جهنم لبعد قعرها، ومنعت من الصرف على هذا القول ~~للتعريف والتأنيث. # ولما مات ابن الأبيرق مقتولا من أجل السرق الذي سرق بعد ارتداده، أنزل ~~الله عز وجل { إن الله لا يغفر أن يشرك به } إلى قوله: ~~{ فقد ضل ضلالا بعيدا } معناه: إن الله لا يغفر لطعمة إذ ~~أشرك به، ومات على شركه، ولا لمن هو مثله، { ويغفر ما دون ذلك ~~لمن يشآء } يعني أن طعمة لولا أنه أشرك ms0519 ومات على شركه لكان في مشيئة ~~الله سبحانه على ما سلف من خيانته ومعصيته. # { ومن يشرك بالله } أي: من يجعل له في عبادته شريكا فقد ذهب ~~عن طريق الحق، وزال عن قصد السبيل ذهابا بعيدا. ### || [4.117-121] # قوله: { إن يدعون من دونه إلا إنثا وإن يدعون ~~إلا شيطنا مريدا... } الآية. # المعنى: إن الله أخبر عما يعبد الذين ذهب إليهم طعمة، وصار على دينهم ~~وهم كفار قريش. # ومعنى: { إنثا } اللات والعزى ومناة ونائلة، فسمى هذا إناثا لأن ~~المشركين سموها بأسماء الإناث، قاله السدي وابن زيد. # وقال الحسن: الإناث هنا. المرأة حجر أو خشب. # وقال الضحاك: قوله: { إنثا } هو أن المشركين كانوا يدعون أن ~~الملائكة بنات الله تعالى الله أن يكون له ولد. # وقيل: إنهم كانوا يقولون لأصنامهم أنثى بني فلان، فأنزل الله ذلك كذلك ~~على نحو تسميتهم لها. # وقال مجاهد: { إنثا } أي إلا أوثانا. وفي مصحف عائشة إلا أوثانا. # وكان ابن عباس يقرأ [أثنا] جمع [وثن وأصل الهمزة على هذا واو مثل ~~إخوة، وحقيقة هذا الجمع أنه جمع وثنا على] وثان كجمل وجمال، ثم جمع ~~وثانا على وثن كمثال ومثل ثم أبدل من الواو همزة. # قوله: { وإن يدعون إلا شيطنا مريدا } أي ما يدعون إلا ~~شيطانا متمردا على الله سبحانه، والمتمرد الخارج عن الخير. # والمريد: العاتي { لعنه الله } أي قد لعنه الله أي: أخزاه ~~وأبعده من كل خير. # وقال { لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا } أي ~~معلوما. قال الشيطان إذ لعنه الله: لأتخذن منهم بإغوائي إياهم عن طريق ~~الحق نصيبا مفروضا، أي: معلوما، وقال الشيطان أيضا: { ~~ولأضلنهم } أي: عن الحق إلى الكفر { ولأمنينهم } أي ~~ولأزيغنهم بما أجعله في نفوسهم من الأماني عن طاعتك (و) توحيدك إلى ~~طاعتي. # وقيل: المعنى: أمنيهم طول الحياة وتأخير التوبة مع الإصرار على المعاصي. # { ولأمرنهم فليبتكن آذان الأنعم } أي: لآمرنهم ~~أن يشرعوا غير ما شرعت لهم فأجعلهم يقطعون [آذان الأنعام، وهي البحيرة ~~كانوا يقطعون] آذانها لطواغيتهم، وهو دين شرعه لهم إبليس. # والبحيرة كانت عندهم: الشاة أو الناقة إذا أنتجت ms0520 خمسة أبطن شقوا ~~آذانها، ولم ينتفعوا بها. # والبتك: القطع. # { ولأمرنهم فليغيرن خلق الله } الآية. # (قيل: إخصاء البهائم، قاله عكرمة وسفيان). # وقال ابن عباس: { فليغيرن خلق الله } دين الله، قاله ~~مجاهد. وروي عن قتادة والحسن والضحاك { خلق الله } الفطرة دين ~~الله. # وقيل: { فليغيرن خلق الله } هو: الوشم. # وقيل: معنى: { فليغيرن خلق الله } هو أن الله خلق الشمس ~~والقمر، والحجارة للمنفعة [بها] فحولوا ذلك، وعبدوها من دون الله. # وكان الطبري يختار قول من قال: المعنى دين الله، لقول الله تبارك ~~وتعالى: # فطرت الله التي فطر الناس عليها # [الروم: 30] وقوله # لا تبديل لخلق [الله] # [الروم: 30] أي: دينه يدل عليه قوله: # ذلك الدين القيم # [الروم: 30]. # قوله: { ومن يتخذ الشيطن وليا من دون الله } ~~أي: يطيعه في معصية الله سبحانه { فقد خسر خسرانا مبينا } ~~أي: هلك هلاكا ظاهرا. # وقوله: { يعدهم ويمنيهم } أي: يعد أولياءه، ويمنيهم الظفر ~~[على] من حاول خلافهم { وما يعدهم الشيطان إلا غرورا } ~~أي: باطلا لأنه يقول لهم يوم القيامة # إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم ~~فأخلفتكم وما كان لي.. # [إبراهيم: 22] الآية. # وقيل معنى: { يعدهم } أي: يعدهم الرياسة والجاه والمال. # قوله: { فأولئك مأواهم جهنم وسآءت مصيرا } أي: ~~أولئك الذين اتخذوا الشيطان وليا { مأواهم } أي: مصيرهم إليها { ~~جهنم ولا يجدون عنها محيصا } أي: لا يجدون عن جهنم إذا ~~صيرهم الله إليها معدلا يعدلون إليه، ولا محيدا. # يقال: حاص فلان عن الأمر إذا عدل عنه وحاد. # وحكى جاص بالجيم والصد المعجمة بمعنى جاص في الكلام لا في القرآن. ### || [4.122] # قوله: { والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم ~~جنات تجري } الآية. # المعنى: إن الله يدخل المؤمنين جنات تجري من تحتها الأنهار وعدا حقا ~~لا كعدة الشيطان لأوليائه، وتمنيه الذي هو غرور { ومن أصدق من ~~الله قيلا } أي: لا أحد أصدق منه قيلا والقول والقيل سواء. # وقيل: تمام إن جعلت قوله: { ليس بأمانيكم } مخاطبة ~~للمسلمين، مقطوعا عما قبله وإن جعلته مخاطبة للكفار الذي تقدم ذكرهم لم ~~يكن { قيلا } تمام وكان قطعا. ### || [4.123-124] # قوله: { ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب ms0521 ~~من يعمل سوءا يجز به } الآية. # قال مسروق: تفاخر النصارى والمسلمون، فقال هؤلاء: نحن أفضل، وقال هؤلاء: ~~نحن أفضل منكم. # فأنزل الله عز وجل: { ليس بأمانيكم ولا أماني أهل ~~الكتاب } الآية. # ثم أفلح الله تعالى حجة المؤمنين فقال: { ومن يعمل من ~~الصلحت من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك ~~يدخلون الجنة } ثم زاد في الفضل فقال: { ومن أحسن ~~دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن } الآية. # وقال قتادة: تفاخر المسلمون وأهل الكتاب، فقال أهل الكتاب: نبينا قبل ~~نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم، ونحن أحق بالله منكم، وقال المسلمون: نبينا ~~خاتم النبيين، وكتابنا يقضي على الكتب التي كانت قبله، فأنزل الله { ~~ليس بأمانيكم } الآية. # أي: ليس ذلك الذي قلتم بأمانيكم ففي ليس اسمها في جميع هذه الأقوال. # { من يعمل سوءا } ابتداء شرط، وجوابه خبره وهو: { يجز به ~~}. # وقال الضحاك: تخاصم أهل الأديان: اليهود والنصارى والمسلمون فأنزل الله ~~{ ليس بأمانيكم } الآية. # وقال مجاهد: عنى بذلك أهل الشرك من عبدة الأوثان، قالوا: لن نبعث ولن ~~نعذب، وقالت اليهود والنصارى # لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى # [البقرة: 111]. # فأنزل الله { ليس بأمانيكم } يعني المشركين في قولهم: لن ~~نبعث ولن نعذب. # { ولا أماني أهل الكتاب } يعني قولهم لن يدخل الجنة إلا ~~من كان هودا أو نصارى { من يعمل سوءا يجز به } خلافا لمن ~~أدعى الجميع. # والمعنى: ليس الكائن من أمركم بما تتمنون يا أهل الشرك ولا بما يتمنى ~~أهل الكتاب، وهم اليهود والنصارى بل { من يعمل سوءا يجز به ~~}. # وقيل: التقدير: ليس ثواب الله بأمانيكم لأنه قد جرى ذكر ذلك في قوله: { ~~والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم } الآية ~~{ ولا يظلمون نقيرا } أي: مقدار النقير وهو النقطة في ظهر ~~النواة وهي منبت النخلة. # وقالت عائشة رضي الله عنها في قوله: { من يعمل سوءا يجز به ~~} ذلك ما يصيبهم في الدنيا، وقاله مجاهد وغيره. # وقال الحسن: { من يعمل سوءا يجز به } الكافر وقرأ # وهل نجزي إلا الكفور # [سبأ: 17]، وقال في قوله # ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ms0522 # [النجم: 31]: " هم الكفار " # ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى # [النجم: 31] قال: كانت والله لهم ذنوب، ولكنه غفرها لهم، ولم يجازهم ~~بها. # وقال ابن زيد: يعني المشركين يريد بالآية قال: وعد الله المؤمنين أن ~~يكفر عنهم سيئاتهم. # وقال الضحاك: { من يعمل سوءا يجز به } يعني بذلك اليهود ~~والنصارى، والمجوس وكفار العرب. # قوله: { ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا ~~}. # وروي أن هذه الآية لما نزلت قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: # " يا رسول الله: وإن لمجزون بأعمالنا؟ قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " أما المؤمن فيجزى بها في الدنيا، وأما الكافر فيجزى بها يوم ~~القيامة " ". # وقال الحسن وابن أبي كثير { من يعمل سوءا يجز به } أي يعمل ~~شركا يجز به بدلالة قوله: { وهل نجزي إلا الكفور } ~~وتلاها الحسن مع هذه (الآية) استشهادا بها. # وروى عن ابن عباس أنه قال: السوء هنا: الشرك، ومعنى من يشرك: يجز به. # وقال ابن جبير: { من يعمل سوءا يجز به } أي: من يشرك. # قالت عائشة وأبي بن كعب: إن المعنى: من عمل سوءا من مؤمن، أو كافر جوزي ~~به، وهو اختيار الطبري، واحتج بما روى أبو هريرة قال: # " لما نزلت هذه الآية شقت على المسلمين منهم ما شاء الله أن تبلغ، فشكوا ~~ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: قاربوا وسددوا، ففي كل ما يصاب ~~به المسلم كفارة حتى النكبة ينكبها، أو الشوكة يشاكها ". # وروت عائشة عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: # " لما نزلت هذه الآية: يا رسول الله { من يعمل سوءا يجز به ~~} فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " أوليس يصيبك كذا (ويصيبك كذا) فهو ~~كفارة " ". # وقال ابن عمر: سمعت أبا بكر يقول: # " سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: { من يعمل سوءا يجز ~~به } في الدنيا ". # وروى عن ابن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: # " يا نبي الله: كيف الصلاح بعد هذه الآية؟ فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم " غفر الله لك يا أبا بكر، ألست تمرض؟ ms0523 ألست تحزن؟ ألست تصيبك ~~اللاواء؟ فهو ما تجزون به " ". # وروي أن أبا بكر قال: # " لما نزلت هذه الآية، جاءت قاصمة الظهر، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " إنما هي المضائق في الدنيا ". ### || [4.125-126] # قوله: { ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه } الآية. # روي أن هذه الآية نزلت في أبي بكر رضي الله عنه. # والمعنى: { ومن أحسن دينا ممن أسلم } أي: استسلم لله، ~~وانقاد له { ومن أحسن } أي: عمل بما أمر به { واتبع ملة ~~إبرهيم } أي: دينه { حنيفا } مستقيما. # وقيل: { حنيفا } مائلا عن سائر الأديان غير دين إبراهيم. # { واتخذ الله إبراهيم خليلا } أي: اتخذ[ه] يعادى فيه، ~~ويحب فيه، ويوالي فيه، والخلة التي في إبراهيم النبي، والخلة التي في ~~الله لإبراهيم صلى الله عليه وسلم هي نصره له على من حاوله بشر كالذي فعل ~~به إذ أراده نمرود بالإحراق، وكالذي فعل به إذ أعانه على ملك مصر إذ ~~أراده عن أهله، ومن ذلك تصييره إماما لمن بعده من عباده وشبه ذلك. # وقيل: سمي خليلا للفظة خرجت منه صلى الله عليه وسلم فسمي بها خليلا. # وذلك أنه أصاب أهل ناحيته جدب فارتحل إلى خليل له من أهل الموصل، وقيل: ~~من أهل مصر يمتار طعاما من عنده لأهله فلم يصب عنده حاجته. # فرجع فلما قرب من أهله مر بمغارة فيها رمل فقال: لو ملأت غرائري من هذا ~~الرمل لئلا أغم أهلي بدخولي إليهم بغير ميرة، وليظنوا أني قد أتيتهم بما ~~يحبون، ففعل ذلك فحول الله ما في غرائره من الرمل دقيقا. # فلما صار إلى منزله، نام، وقام أهله ففتحوا الغرائر فوجدوا دقيقا ~~فعجنوا منه وخبزوا، واستيقظ فسألهم عن الدقيق الذي منه خبزوا من أين هو؟ ~~فقالوا من الدقيق الذي جئت به من عند خليلك، فعلم ما صنع الله عز وجل له، ~~فقال نعم. هو من عند خليلي فسماه الله عز وجل بذلك خليلا. # والخليل في اللغة يكون للفقير كأنه الذي به اختلال. # وقد قيل: في قوله { واتخذ الله إبراهيم خليلا } معناه ~~فقيرا محتاجا إليه، ms0524 ويكون الخليل المحب المنقطع إلى الله عز وجل الذي ~~ليس في انقطاعه إليه اختلال، فيكون سمي (خليلا) لانقطاعه إلى الله ~~سبحانه، ومحبته له من غير خلل يدخل ذلك. # ويكون الخليل أيضا الذي يختص الإنسان فيكون سمي بذلك لأن الله عز وجل ~~قد اختصه في الوقت بالرسالة دون غيره. # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " واتخذ الله صاحبكم خليلا يعني نفسه " # ، أي: اختصه بالرسالة، وهذا القول قول مختار. # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا " # أي: لو اختصصت أحدا بشيء من الدنيا لاختصصت أبا بكر. # وقد قال بعض أهل اللغة: الخليل الذي ليس في محبته خلل فسمي إبراهيم ~~خليلا لذلك. # قوله: { ولله ما في السموت وما في الأرض } أي له ما ~~فيهن، فلم يتخذه خليلا لحاجة إليه، لأن له ما في السماوات وما في الأرض، ~~ولكنه اتخذه خليلا لمسارعته إلى رضاه فكذلك سارعوا أنتم إلى مثل ذلك ~~فيتخذكم أولياء. # { وكان الله بكل شيء محيطا } أي: يحيط بما يعمله ~~الخلق، لا يخفى عليه شيء. ### || [4.127] # قوله: { ويستفتونك في النسآء قل الله يفتيكم ~~فيهن... } الآية. # " ما " في قوله: { وما يتلى عليكم } في موضع رفع عطف على اسم ~~الله عز وجل. # " وما " هو القرآن. أي الله يفتيكم فيهن، والقرآن يفتيكم فيهن أيضا، ~~وهو قول ابن عباس وغيره. # وقال الفراء، { ما } في موضع خفض عطف على الضمير في { فيهن } أي: ~~الله يفتيكم في النساء، وفيما يتلى عليكم يفتيكم، وهو غلط عند البصريين ~~لأنه عطف ظاهر على مضمر مخفوض. # وقيل { ما } في موضع رفع بالابتداء، و { ما } القرآن أيضا على معنى: ~~(ما يتلى عليكم يفتيكم). # قوله: { وترغبون أن تنكحوهن }. # المعنى عن أن، وأن في موضع نصب بحذف الخافض. # وقيل المعنى: وترغبون في أن تنكحوهن، والإعراب واحد، والمعنى مختلف معنى ~~قول من أضمر " عن " إنهم لا يريدون نكاحهن ومن أضمر " في " فمعناه أنهم ~~يريدون نكاحهن ويرغبون في ذلك. # قوله: { والمستضعفين } عطف على يتامى النساء، أي يتلى عليكم في ms0525 ~~يتامى النساء، وفي المستضعفين. # ومعنى الآية: إن أهل الجاهلية كانوا لا يورثون المولود حتى يكبر، ولا ~~يورثون المرأة، فلما كان الإسلام سأل المؤمنون النبي صلى الله عليه وسلم ~~عن ذلك، فقال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: { قل الله ~~يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتب } يفتيكم ~~أيضا يعني ما في أول السورة من الفرائض في اليتامى. # قالت عائشة: " هذا في اليتيمة تكون عند الرجل لعلها أن تكون شريكته في ~~ماله، وهو أولى بها من غيره فيرغب عنها أن ينكحها ويعضلها لما لها فلا ~~ينكحها غيره كراهة أن يشركه أحد في مالها ". # فهذا التفسير يجري على قول من أضمر " عن " مع " أن ". # وقال ابن جبير: كان لا يرث إلا الرجل الذي قد بلغ، ولا يرث الصغير ولا ~~المرأة، فلما نزلت المواريث في أول النساء توقفوا، ثم سألوا النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن ذلك، فأنزل الله عز وجل { قل الله يفتيكم ~~فيهن وما يتلى عليكم في الكتب } أي: في أول السورة، ~~قال وكان الولي إذا كانت عنده المرأة ذات الجمال والمال رغب فيها ونكحها، ~~وإن لم تكن ذات جمال ومال أنكحها غيره. # وقال النخعي: كان الرجل إذا كانت عنده يتيمة دميمة لم يعطها ميراثها ~~وحبسها عن التزويج حتى تموت فيرثها فنهى الله عز وجل عن ذلك { وما ~~يتلى عليكم في الكتب في يتمى النسآء التي ~~لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن ~~} أي: عن أن تنكحوهن، وذلك كله كان في الجاهلية. # وقال ابن جبير { وما يتلى عليكم في الكتب } هو ما أتى ~~في آخر السورة قوله: # إن امرؤ هلك ليس له ولد # [النساء: 176]. # روى أن عمرة بنت عمرو بن حزم، كانت تحت سعد بن الربيع، فقتل يوم أحد، ~~فكانت لها منه ابنة، فأتت عمرة النبي صلى الله عليه وسلم تطلب ميراث ~~ابنتها من أبيها، فنزلت الآية في ابنتها، وكان أمرهم في الجاهلية، أن ~~الرجل إذا مات ورث أكبر ولده ماله كله. # وقيل: المعنى: { قل الله يفتيكم فيهن ms0526 } وفيما { وما ~~يتلى عليكم في الكتب في يتمى النسآء } والذي ~~يتلى هو قوله: # وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما ~~طاب لكم من النسآء # [النساء: 3]. فما في موضع خفض على هذا التأويل. # وقيل: المعنى { قل الله يفتيكم فيهن } والقرآن يفتيكم وهو ~~قوله: # { فانكحوا ما طاب لكم من النسآء مثنى وثلث ~~وربع }. # { وترغبون أن تنكحوهن } أي ترغبون عن نكاحهن لدمامتهن ~~وفقرهن. # وقيل: المعنى وترغبون في نكاحهن وذلك لمالهن وحسنهن. # واختار الطبري أن يكون المعنى: وترغبون عن نكاحهن لأنهم إنما عيب عليهم ~~أن يأخذوا مالها ويحبسوها ولا ينكحوها، ولم يعب عليهم نكاحها إلا إذا لم ~~يعطوها صداق مثلها، ولم يذكر هنا الصداق فالمعنى أنهم لا يعطونهم ميراثهن ~~ويرغبون عن نكاحهن. # قوله: { والمستضعفين من الولدن } أي: { وما يتلى ~~عليكم في الكتب في يتمى النسآء } وهي اليتيمة يأخذ ~~مالها ولا يتزوجها ولا يزوجها، وفي المستضعفين من الصبيان كانوا لا ~~يورثون إلا بالغا. # { وأن تقوموا } أي: وفي أن تقوموا لليتامى بالقسط تعطوا الصغير ~~والكبير حقه، وفرضه الذي نص الله عز وجل عليه لكم هو # للذكر مثل حظ الأنثيين # [النساء: 11] والذي أفتاهم في اليتامى قوله # ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم # [النساء: 2]. # وقيل هو: # وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث ~~بالطيب # [النساء: 2]. والذي يتلى عليكم في التزويج هو قوله: # فانكحوا ما طاب لكم من النسآء مثنى وثلث ~~وربع # [النساء: 3]. # قوله: { وما تفعلوا من خير } أي: ما تفعلوا من عدل في ~~اليتامى، فإن الله لم يزل عالما بما هو كائن منكم من ذلك. ### || [4.128] # قوله { وإن امرأة خافت من بعلها [نشوزا] أو ~~إعراضا... } الآية. # قرأ الجحدري { أن يصلحا } بتشديد الصاد وكسر اللام. # وأصله أن يصطلحا ثم أدغم الثاني في الأول أعني: دغم الطاء في الصاد. # (وصلحا) منصوب على معنى فيصلح الأمر بينهما صلحا. # وفي قراءة عبد الله: فلا جناح عليهما [إن أصلحا]. # ولذلك اعتبر الكوفيون قراءتهم فقرأ وا " يصلحا " ولقوله: " صلحا ". # والصلح الاسم، والعرب تضع الاسم موضع المصدر كقولهم المطية لمطاء. # فأما من قرأ " يصالحا " فليس " صلحا ms0527 " باسم له ولا مصدر، فقراءة ~~الكوفيين أقرب إلى { صلحا } من قراءة غيرهم لأن { صلحا } اسم الفعل ~~لأصلح. # ومعنى الآية فيما روى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: " خشيت سودة أن يطلقها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: لا تطلقني واحبسني مع نسائك ولا ~~تقسم لي ففعل " فنزلت " { وإن امرأة خافت من بعلها ~~نشوزا } الآية. # فالمعنى أنه إن علمت امرأة من بعلها ميلا إلى غيرها وهو النشوز أو " ~~إعراضا " أي: إن أعرض عنها بوجهه وبمنفعته فلا جناح عليهما أن يصالحا ~~أي: لا إثم عليهما في الصلح وهو أن ترضى المرأة أن تترك له يومها أو تسمح ~~له ببعض ما يجب لها من المنفعة لتستديم المقام عنده وتستعطفه بذلك. # { والصلح خير } أي: جرب تسمح فبقى في حرمتها أولى وأحسن من ~~الطلاق والفرقة. # وقيل: المعنى { والصلح خير } من الفرقة ولكن حذف لدلالة الكلام ~~عليه. # قال ابن عباس: هي المرأة تكون عند الرجل حتى تكبر فيريد أن يتزوجها ~~عليها فيتصالحا على أن لهذه يوما ولهذه يومين أو ثلاثة أو أكثر. # وقالت عائشة رضي الله عنها: هي المرأة تكون عند الرجل ولعله لا يستكثر ~~منها، ولا يكون لها ولد وتكون له صاحبة فتقول له: لا تطلقني وأنت في حل ~~من شأني. # وعلى هذه المعنى في الآية جميع أهل التفسير. # وروي أن هذه الآية نزلت في خولة بنت محمد بن مسلمة الأنصاري، والبعل ~~رافع بن خديج الأنصاري ثم هي عامة. # قوله: { وأحضرت الأنفس الشح } أي: أنفس النساء. حريصة في ~~الشح على الأيام، وقيل: هو على نصيبها من الرجل، ونفس الرجل في حرصه على ~~الميت عند من تميل نفسه إليها. # وقال عطاء: [هو] في الأيام والنفقة. # وقال ابن جبير: نزلت الآية في صفية زوج النبي صلى الله عليه وسلم كانت ~~قد كبرت، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يطلقها، فاصطلحا على أن ~~يمسكها، ويجعل يومها لعائشة شحا منها على رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وقال ابن زيد وغيره معنى: { وأحضرت الأنفس الشح } يعني نفس ms0528 ~~الزوجة، والزوج لا يترك أحد حقه لصاحبه. # قوله: { وإن تحسنوا وتتقوا } أي: إن تحسنوا أيها الأزواج ~~إلى النساء إذا كرهتم منهن شيئا، وتتقوا الله فيهن في الصحبة بالمعروف، ~~فإن الله لم يزل خبيرا بما تعملون. ### || [4.129] # قوله: { ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النسآء ~~ولو حرصتم... } الآية: # المعنى: ولن تطيقوا أيها الرجال أن تسووا بين النساء في حبهن بقاؤكم حتى ~~تعدلوا بينهن، فلا تكون لبعضهن مزية على بعض { ولو حرصتم } فإن ~~ذلك مما لا تقدرون عليه { فلا تميلوا كل الميل } أي: لا ~~تميلوا على من لم تملكوا صحبته من قلوبكم فتجوروا عليها بترك أداء الواجب ~~لها { فتذروها كالمعلقة } أي كالتي هي لا ذات زوج، ولا هي ~~أيم. # وليس في قوله: { فلا تميلوا كل الميل } دليل على جواز بعض ~~الميل، إنما معناه لا تميلوا بما تقدرون على تركه ميل الميل فهو أمر ~~يغلب الإنسان عليه، ولذلك كان عمر رضي الله عنه يقول: " اللهم أما قلبي ~~فلا أملك، وأما غير ذلك فأرجو أن أعدل ". # وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه فيعدل ويقول: # " اللهم هذه قسمتي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك ". # قال ابن أبي مليكة: " نزل ذلك في عائشة رضي الله عنها. يعني كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم يحبها أكثر من غيرها ". # قال سفيان: " نزلت في الحب والجماع ". # وقال السدي: { فلا تميلوا كل الميل } قال: " تجوز عليها ~~فلا تنفق ولا تقسم ". # وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من كانت له امرأتان يميل [مع] إحداهما على الأخرى جاء يوم القيامة أحد ~~شقيه ساقط ". # وقال قتادة: " المعلقة ": المحبوسة. # وقال ابن جبير: " لا مطلقة ولا ذات بعل. # قوله: { وإن تصلحوا وتتقوا } أي تصلحوا أعمالكم، فتعدلوا ~~في أزواجكم، وتتقوا الله فيهن { فإن الله } لم يزل { غفورا ~~رحيما } لكم أي يستر عليكم ما سلف منكم (رحيما بكم). ### || [4.130] # قوله: { وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته... } ~~الآية. # المعنى: وإن رأت المرأة التي مال عنها زوجها، إلا أن ms0529 تفارقه، ولا تسمح ~~له بشيء من حقها، وأبى الزوج الأخذ عليها بالإحسان، فتفرقا بطلاق الزوج ~~إياها { يغن الله كلا من سعته } أي: الزوج والمرأة أن ~~تتزوج من هو أصلح لها من الأول، ويتزوج هو من هي أصلح له منها في رزقه ~~وعصمته. # { وكان الله واسعا } أي: ذا سعة في الرزق لخلقه { حكيما } ~~فيما قضى به بينهما والواسع: الكثير العطايا. # وقيل: الواسع: المحيط بكل شيء، ومنه قوله تعالى: # وسع كل شيء علما # [طه: 98] أي أحاط به. # وقال أبو عمرو في " واسع كريم " قال الواسع الغني والكريم الجواد. ### || [4.131-132] # قوله: { ولله ما في السموت وما في الأرض ولقد ~~وصينا } الآية. # كرر تعالى ذكره، ذكر كون ما في السماوات وما في الأرض أنه له، في ثلاثة ~~مواضع متوالية، وفي كل آية معنى من أجله وقع التكرير: # 1- أما الأول فإن الله جل ذكره نبه الخلق على ملكه بعقب قوله { وكان ~~الله واسعا } ، فأخبر أن من سعته أن له ما في السماوات والأرض، وفي ~~هذا تقوية لقول أبي عمرو أن الواسع الغني، ثم رجع تعالى بعد إعلامه ~~إيانا، وتنبيهه على ملكه إلى إعلامه إيانا أنه قد وصى من كان قبلنا ~~بتقواه كما وصانا بالتقوى في الأزواج وغيرها، والذين من قبلنا من أهل ~~الكتاب وصاهم بذلك في التوراة والإنجيل، وصانا نحن في القرآن بالتقوى ~~أيضا، فقال: { أن اتقوا الله }. # 2- ثم قال: { وإن تكفروا } كما كفر أهل الكتاب { فإن لله ~~ما في السموت [وما في الأرض] } إنه لا يضره كفرهم إذ له ~~كل شيء، كما لم يضره ما فعل أهل الكتاب في مخالفتهم أمره، { وكان ~~الله غنيا } أي غني عن خلقه، فأخبرنا في هذه الآية بغناه عنا، ~~وحاجتنا إليه. # 3- [ثم] أعلمنا في الآية الثالثة بحفظه لنا، وعلمه بنا فقال { ولله ~~ما في السموت وما في الأرض وكفى بالله وكيلا } ~~أي كفى به حفيظا. # فهذا فائدة التكرير أنه تعالى نبهنا على ملكه، وسعته بعد قوله { وكان ~~الله واسعا }. فأعلمنا أنه من سعة ملكه أن له ما في السماوات ms0530 وما ~~في الأرض. # وأعلمنا في الثانية بحاجتنا إليه، وغناه عنا. # وفي الثالثة أعلمنا بحفظه لنا وعلمه بتدبيرنا. # وتقدم قوله: { غنيا حميدا } على { وكفى بالله وكيلا } ~~لأنه خاطبهم أولا فأخبرهم أنه لا يحتاج إليهم، إن كفروا، وأنهم مضطرون ~~إليه، إذ له ما في السماوات وما في الأرض. ### || [4.133] # قوله: { إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت ~~بآخرين... } الآية. # هذه الآية مردودة على وقوله: { وإن تكفروا } فقال تعالى: { إن ~~يشأ يذهبكم } بالفناء { ويأت بآخرين } من غيركم وهو ~~قادر على ذلك. # وقيل: إنها ترجع على طعمة، وأصحابه الذين تقدم ذكر نياتهم توبيخا لهم، ~~وقد روى النبي صلى الله عليه وسلم # " لما نزلت هذه الآية ضرب على ظهر سلمان بيده وقال: " هم قوم هذا " " # يعني عجم الفرس. ### || [4.134] # قوله: { من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب ~~الدنيا والآخرة... } الآية. # هذه الآية نزلت في المنافقين الذين أظهروا [الإيمان ليدفعوا عن أنفسهم ~~الضرر في الدنيا، والمعنى من كان أظهر الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~من أهل النفاق لغرض { الدنيا فعند الله ثواب الدنيا } ~~يعني جزاؤه في الدنيا ما يأخذ من المغنم إذا شهد مع المسلمين، وثواب ~~الآخرة، وهو نار يصلاها أبدا، ومثل هذا قوله # من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف ~~إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون * ~~أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار # [هود: 15-16] الآية. # وقيل: إن الآية نزلت في أمر الذين سعوا في أمر طعمة وعذروه، وهم يعلمون ~~أنه سرق. # قوله: { وكان الله سميعا } أي: يسمع قول هؤلاء الذين يريدون ~~ثواب الدنيا بأعمالهم، ويقولون آمنا إذا لقوا المؤمنين { بصيرا } بهم ~~فيما يكتمون. # وقيل: إن الآية نزلت في الكفار، وذلك أنهم كانوا لا يؤمنون بالبعث، ~~ويتقربون إلى الله ليوسع عليهم في الدنيا، ويدفع عنهم مكروها، فأنزل ~~الله عز وجل: { من كان يريد ثواب الدنيا... } الآية. ### || [4.135] # قوله: { يأيها الذين آمنوا كونوا قومين ~~بالقسط... } الآية. # قوله: { إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما ~~} وقال الأخفش: " أو " بمعنى الواو، فلذلك قال: " بهما ms0531 " ولم يقل به. # وقيل: المعني: إن يكن المتخاصمان غنيين أو فقيرين. # وقيل: هو مثل قوله # وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما [السدس] # [النساء: 12]. # وقيل: لما كان المعنى فالله أولى بغنى الغني، وفقر الفقير، رد الضمير ~~عليهما. # وقيل: إنما رجع الضمير إليهما لأنه لم يقصد فقيرا بغني، فجاء الرد ~~عليهما: بالتثنية، وبالتوحيد وبالجمع. # ومعنى الآية: " إن الله تعالى تقدم إلى عباده أن يقوموا بالقسط أي: ~~بالعدل، ولو على أنفسهم أو والديهم أو قرابتهم ولا يكونوا كالذين قالوا ~~لطعمة بغير القسط لقرابته منهم. # والقسط: العدل. # وأن لا يميلوا لفقر فقير، ولا لغنى غني، فيجوروا. # { فالله أولى بهما } أي أحق بهما لأنه خالقهما، ومالكهما ~~دونكم { فلا تتبعوا الهوى } في الميل مع أحدهما. والشهادة ~~على نفسه هو أن يقر بها عليه. # وقيل: إن الآية نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم، تخاصم إليه غني ~~وفقير، فكان ميله مع الفقير يروى أنه لا يظلم الغني لفقره. # وقيل: نزلت في الأمر بالشهادة بالحق، وترك الميل مع الغني لغناه، أو مع ~~فقير لفقره. # قال ابن شهاب: كان فيما مضى من السلف الصالح تجوز شهادة الوالد لولده ~~والأخ لأخيه ويتأولون في ذلك قول الله { كونوا قومين ~~بالقسط شهدآء لله ولو على أنفسكم أو ~~الولدين والأقربين } فلم يكن يتهم أحد في ذلك من السلف ~~الصالح ثم ظهرت من الناس أمور حملت الولاة على اتهامهم، فتركت شهادة من ~~يتهم، وصار ذلك لا يجوز في الولد والوالد والأخ والزوج والمرأة. # ومذهب الحسن البصري والنخعي والشعبي، وشريح ومالك والثوري والشافعي ~~وأحمد بن حنبل أنه: لا تجوز شهادة الوالد لولده. # وقد أجاز قوم شهادة بعضهم لبعض إذا كانوا عدولا. # وروي عن عمر رضي الله عنه أنه أجازه، وكذلك روي عن عمر بن عبد العزيز، ~~وبه قال إسحاق وأبو ثور والمزني. # ومذهب مالك رضي الله عنه جواز شهادة الأخ لأخيه إذا كان عدلا [إلا] في ~~النسب. # وروى ابن وهب عنه: أنها لا تجوز إذا كان في عياله أو في نصيبه مال يرثه. # ولا ms0532 تجوز عند مالك شهادة الزوج والمرأة أحدهما للآخر، وأجازه الشافعي. ~~ولا تجوز شهادة الرجل المصاحب له بصلة، أو بعطف عليه عند مالك. وكذلك لا ~~تجوز شهادة رجل لرجل، والشاهد [في عيال] المشهود له، قوله { وإن ~~تلووا } هي مخاطبة للحكام، فالمعنى: وإن تلووا أيها الحكام، في الحكم ~~لأحد الخصمين على الأخر أو تعرضوا، فإن الله لم يزل خبيرا بما تعملون. # وقال ابن عباس: هما الرجلان يجلسان بين يدي القاضي فيكون لي القاضي ~~وإعراضه لأحدهما على الآخر. # وقيل: هي مخاطبة للشهداء، والمعنى أن تلووا أيها الشهداء ألسنتكم بغير ~~الحق، أو تعرضوا عن الحق. # وقيل: أو " تعرضوا " عن الشهادة فتتركوها. # وقال مجاهد: { وإن تلووا } تبدلوا الشهادة: { أو تعرضوا } ~~أي: تكتموها كذلك قال قتادة والسدي. # قال ابن زيد: { وإن تلووا } تكتموا بعضها، أو تعرضوا [تكتموها] ~~فتأتوا الشهادة، تقول: أكتم عن هذا أنه مسكين، رحمة به، ويقول: هذا غني ~~أتقيه، وأرجو ما قبله، فهو قوله { إن يكن غنيا أو فقيرا ~~فالله أولى بهما } أي: إن يكن المشهود عليه غنيا أو فقيرا، ~~فأقيموا الشهادة عليه لأن الله أولى به. # { فلا تتبعوا الهوى } في ألا تعدلوا: { وإن تلووا } ~~تغيروا الشهادة { أو تعرضوا } تكتموها { والله خبير بما ~~تعملون } مجازيكم ومن قرأ { وإن تلووا } بواو فيحتمل أن تكون ~~مثل تلوا من اللي ولكن أبدلت من الواو المضمومة همزة، ثم ألغيت حركتها ~~على اللام على أصل التسهيل، ويكون المعنى واحدا. # ويجوز أن يكون من الولاية، قال ذلك الكسائي، فيكون المعنى وإن تلوا ~~شيئا من الشهادة، فتبلغوه على حقه، ولا تجوروا فيه { أو تعرضوا } ~~أي: تتركوا تبليغه فتكتموه، فإن الله لم يزل خبيرا بأعمالكم. ### || [4.136] # قوله { يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ~~ورسوله... } الآية. # المعنى: يا أيها الذين آمنوا بمن قبل محمد صلى الله عليه وسلم من ~~الأنبياء، والرسل وصدقوا آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالكتاب الذي ~~أنزل من قبل وهو التوراة والإنجيل. # { ومن يكفر بالله } أو بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من ~~عند الله وملائكته وكتبه ms0533 ورسله { فقد ضل } أي: ذهب عن الحق وجار ~~جورا بعيدا، فهو خطاب لمن آمن بما قبل محمد صلى الله عليه وسلم، ولم ~~يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم. # وقيل: هو خطاب للمؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم. # والمعنى: يا أيها الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم آمنوا أي اثبتوا ~~على الإيمان به، وبما جاء من عند الله. # وقيل: هو خطاب للمنافقين، والمعنى يا أيها الذين آمنوا بأفواههم ولم ~~تؤمن قلوبهم آمنوا بالله ورسوله، أي صدقوا به بقلوبكم إيمانا يقينا ~~يوافق فيه اللسان القلب. ### || [4.137] # قوله: { إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم ~~كفروا... } الآية. # المعنى: إن الذين آمنوا بموسى ثم كفروا به، ثم آمنوا بعيسى يعني النصارى ~~ثم كفروا به، ثم ازدادوا كفرا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وكفرهم بموسى ~~وعيسى عليهما السلام [هو] تغيير ما أتى به كل واحد منهما من عند الله عز ~~وجل، وتبديله وقبول الرشا عليه { لم يكن الله ليغفر لهم ~~} إذ كفروا بكتبه ورسله { ولا ليهديهم [سبيلا] } أي طريق ~~هدى. # وقيل: عني بذلك المنافقون لأنهم آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ~~ازدادوا كفرا. بموتهم وهم كفار قاله مجاهد. # وقال ابن زيد: هؤلاء المنافقون آمنوا مرتين وكفروا مرتين، ثم ازدادوا ~~كفرا بعد ذلك. # وقيل: هم اليهود والنصارى. # وقال قتادة: هم اليهود والنصارى: آمنت اليهود بالتوراة، وكفرت بالإنجيل، ~~ثم آمنوا بعزير، ثم كفروا بعيسى ثم ازدادوا [كفرا] بكفرهم بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم. وآمنت النصارى بالإنجيل ثم تركت العمل بما فيه، فكفرت ~~بذلك، ثم ازدادوا كفرا بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وسلم { لم ~~يكن الله ليغفر لهم } أي: لا يغفر لهم كفرهم الأول والآخر، ~~وذلك أن الكافر إذا آمن غفر له كفره، فإن رجع إلى الكفر لم يغفر له كفره ~~الأول. # وقال ابن عمر: يستتاب المرتد ثلاثا، أي كلما ارتد يستتاب، فإن آمن، ثم ~~ارتد استتيب، فإن تاب، ثم ارتد استتيب، فإن تاب ثم ارتد قتل، فإنما ~~يستتاب ثلاث مرات قياسا على هذه ms0534 الآية. # وقيل: يستتاب، كلما ارتد. ### || [4.138-139] # قوله: { بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما * ~~الذين يتخذون الكافرين أوليآء من دون ~~المؤمنين } الآية. # المعنى اجعل ما يقوم لهم مقام البشارة بالعذاب الأليم { أيبتغون ~~عندهم العزة } أي: المنعة باتخاذهم لهم أولياء { فإن ~~العزة لله جميعا } أي: المنعة لله، والنصر من عنده. # يقال أرض عزاز وعزاز إذا كانت صلبة شديدة، ومنه قولهم: عز الشيء إذا لم ~~يوجد أي: اشتد وجوده، أي: صعب. # وقال النحاس: " هذا يدل على أن من عمل معصية من الموحدين ليس بمنافق ~~لأنه لا يتولى الكافرين. ### || [4.140] # قوله: { وقد نزل عليكم في الكتب } الآية. # المعنى قد أخبرتم أيها المنافقون في القرآن { أن إذا سمعتم ~~آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا ~~معهم حتى يخوضوا في حديث غيره }. # فاتخذتموهم أولياء { إنكم إذا مثلهم } كفار، إذا جالستموهم ~~على تلك الحال، لأن من لم يجتنبهم، فهو راض بفعلهم، فالرضا بالكفر كفر. # وهذه الآية تدل على اجتناب أهل المعاصي إذ ظهر منهم منكر، ومجانبة أهل ~~الباطل من كل نوع من المبتدعة والقدرية وغيرهم إذا خاضوا في فسقهم. # وروى إبراهيم التيمي عن أبي وائل قال: إن الرجل ليتكلم بالكلمة في ~~المجلس من الكذب ليضحك بها جلساؤه فيسخط الله عليهم. # وقال إبراهيم النخعي: إذ سمع هذا عن أبي وائل، صدق أبو وائل، أو ليس ذلك ~~في كتاب الله عز وجل { أن إذا سمعتم آيات الله يكفر ~~بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى ~~يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن ~~الله جامع المنفقين والكفرين في جهنم جميعا ~~} أي: يجمعهم بموالاة بعضهم بعضا فكلهم كافر. ### || [4.141] # قوله: { الذين يتربصون بكم } الآية. # في قراءة أبي: ومنعناكم في موضع: نمنعكم. # وأجاز الفراء: ونمنعكم بالنصب على الصرف. # ومعنى الآية: أنها صفة للمنافقين لأنهم كانوا يتربصون بالمؤمنين، فإن ~~كان فتح من الله جل وعز للمؤمنين، قالوا للمؤمنين: ألم نمنعكم في جهادكم، ~~فطلبوا الفيء من الغنيمة { وإن كان للكافرين } ظفر على ~~المؤمنين قالوا للكافرين { ألم نستحوذ عليكم } أي: نغلب ~~عليكم حتى ms0535 قهرتم المؤمنين { ونمنعكم } من المؤمنين، أي: كنا ~~عيونا لكم نأتيكم بالأخبار في السر، ونخذل المؤمنين حتى غلبتموهم { ~~فالله يحكم بينكم يوم القيامة } أي: بين المؤمنين ~~والمنافقين { ولن يجعل الله للكافرين على ~~المؤمنين سبيلا } أي: حجة يوم القيامة. # وهذا وعد من الله جل ذكره للمؤمنين يكون في القيامة فأما في الدنيا فقد ~~يغلبون ويغلبون، ودل على ذلك قوله { فالله يحكم بينكم ~~يوم القيامة }. # وقيل: معناه: لا يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا يوم القيامة في ~~قتلهم لهم، وسبيهم لذراريهم، ذلك مباح للمؤمنين في الدنيا، ولا درك عليهم ~~في ذلك في الآخرة. # وقال ابن جريج: معنى: { ألم نستحوذ عليكم } ألم يتبين لكم ~~أنا معكم. # وأصل الاستحواذ الغلبة والاستيلاء. ### || [4.142-143] # قوله: { إن المنافقين يخادعون الله } الآية. # معنى الآية أن المنافقين يخادعون الله بإحرازهم لإيمانهم دماءهم ~~وأموالهم، { وهو خادعهم } هو ما حكم فيهم من منع دمائهم وأموالهم ~~بما ظهر من إيمانهم مع علمه بباطن اعتقادهم استدراجا للانتقام منهم في ~~الآخرة. # وقال السدي: { وهو خادعهم } يعطيهم الله يوم القيامة نورا ~~يمشون به مع المؤمنين كما كان معهم في الدنيا إيمان يمنع من دمائهم ثم ~~يسلبهم ذلك النور فيطفئه، فيقومون في ظلمتهم ويضرب بينهم بسور. # وقال ابن جريج: إخداع الله لهم هو ما ذكر من قولهم # انظرونا نقتبس من نوركم # [الحديد: 13]. # وقال الحسن: يلقى على كل مؤمن ومنافق نور يمشون به حتى إذا انتهوا إلى ~~الصراط طفئ نور المنافقين ومضى المؤمنون بنورهم فينادونهم # { انظرونا نقتبس من نوركم } ألم نكن معكم في المسجد والحج ~~والغزو؟ # { قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم } باعتقادكم ~~خلاف ما أظهرتم { وتربصتم } عن التوبة { وارتبتم } أي: ~~شككتم في رسول الله صلى الله عليه وسلم وثواب الله عز وجل وعقابه سبحانه. # قال الحسن: فتلك خديعة الله إياهم. # وقيل: المعنى: يخادعون أولياء الله وهو أنهم يظهرون خلاف ما يبطنون { ~~وهو خادعهم } أي معاقبهم، وسمي الثاني خداعا لأنه مجازاة للأول، ~~وقيل: لازدواج الكلام. # وقيل: معنى: { يخادعون الله } أي نبيه صلى الله عليه وسلم لأن ~~من خادع النبي ms0536 صلى الله عليه وسلم، فقد خادع الله سبحانه كما قال # إنما يبايعون الله # [الفتح: 10]. # قوله: { وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى } ~~الآية. # هذا إعلام من الله تعالى أن المنافقين لا يعملون شيئا من الفروض إلا ~~رياء، وإبقاء على [أنفسهم، فهم إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى، إذ ~~ليست عندهم بفرض. إنما يقومون للناس] رياء إذ لا يرجون ثوابا، ولا ~~يخافون عقابا. # ثم يقال: { ولا يذكرون الله إلا قليلا } أي إلا ذكرا ~~قليلا. # والمعنى: أنهم يذكرون الله رياء لا ذكر مؤمن موقن بتوحيد الله عز وجل ~~فلذلك سمي قليلا، إذ هو غير مقصود به الله سبحانه، وما عنده تعالى، فمن ~~أجل هذا وصف بالقلة، مع أنه ليس في ذكر الله عز وجل قليل، إنما قل من أجل ~~اعتقادهم لا من أجل قلة ذكرهم. # قال الحسن: إنما قل لأنه كان لغير الله سبحانه. # وقال علي رضي الله عنه: ما قل عمل مع تقوى، وكيف يقل ما يتقبل! يريد ~~قوله # إنما يتقبل الله من المتقين # [المائدة: 27] فمن تقبل شيء من عمله، فهو من المتقين، ومن كان من ~~المتقين فهو من أهل الجنة، يقول الله: # إن المتقين في جنات # [القمر: 54]. # قوله: { مذبذبين } أي: متحيرين في دينهم مضطربين، وأصل التذبذب ~~التحرك والاضطراب، فهم يتحيرون في دينهم لا مع المؤمنين على بصيرة، ولا ~~مع المشركين على جهالة، فهم حيارى. # قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " مثل المنافق مثل الشاة العائرة بين الغنمين تعير إلى هذه مرة، وإلى ~~هذه مرة ولا تدري لأيهما تتبع ". # قال قتادة: ليسوا بمؤمنين مخلصين، ولا مشركين مصرحين. # وقيل: إلى المؤمنين ولا [إلى] أهل الكتاب # { ومن يضلل الله } أي: ومن يخذله الله { فلن تجد له } ~~يا محمد { سبيلا } أي: طريقا يسلكه إلى الحق. ### || [4.144] # قوله: { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا ~~الكافرين أوليآء... } الآية. # المعنى: إن الله نهى المؤمنين أن يوالوا الكافرين، فيجعلون على أنفسهم ~~الحجة لله، والسلطان: الحجة، وهو يذكر ويؤنث وبالتذكير أتى القرآن. # فمن ذكر ذهب إلى معنى صاحب السلطان، أي ms0537 صاحب الحجة، وقيل ذهب إلى ~~البرهان والاحتجاج. # ومن أنث فلتأنيث الحجة، والعرب تقول: قضت به عليك السلطان أي الحجة. ### || [4.145-146] # قوله: { إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ~~} الآية. # معنى الدرك الأسفل: القعر الأسفل # والنار أدراك سبعة، فهم في القعر السابع، نعوذ بالله منها. # والدرك والدرك لغتان بمعنى. # والفتح: الاختبار عند بعض العلماء لقولهم: أدراك كجمل وأجمال وجمعه في ~~الكثير: الدروك. # ومن أسكن الراء جمعه في القليل على أدرك، والكثير الدروك، وقال عاصم: " ~~لو كانت الدروك بالفتح لقيل السفلى " ذهب إلى أن الفتح إنما هو على أنه ~~جمع دركة ودرك، كبقرة وبقر. # وطبقات النار سفل سفل، يقال لها أدراك. # ومنازل الجنة يقال لها درجات وهو علو علو. # وقوله: { وسوف يؤت الله } كتب بغير ياء على لفظ الوصل. # والوقف عند سائر القراء على ما في السواد. # ومذهب النحويين في هذا: الوقف على الياء. # ومعنى الآية: أن الله تعالى أعلمنا أن المنافقين في الطبق الأسفل من ~~النار، وأنهم لا ناصر لهم ينقذهم منها. # والعرب تقول لكل ما تسافل درك، ولكل ما تعالى درج. وقال ابن مسعود: إن ~~المنافقين في توابيت من حديد مغلقة عليهم في النار. # وقال أبو هريرة: { في الدرك الأسفل } في توابيت ترتج عليهم. # وقال ابن عباس: في أسفل النار. # ثم استثنى تعالى التائبين فقال { إلا الذين تابوا } أي: رجعوا ~~عن نفاقهم وشكهم إلى اليقين بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم وبما جاء به ~~وأصلحوا أعمالهم فعملوا بما أمرهم الله عز وجل { واعتصموا ~~بالله } عز وجل أي: تمسكوا بما أمرهم الله به { وأخلصوا } ~~طاعتهم له عز وجل، ولم يعملوا رياء الناس { فأولئك مع ~~المؤمنين } في الجنة { وسوف يؤت الله المؤمنين ~~أجرا عظيما }. # وقال الفراء: { مع المؤمنين } أي: من المؤمنين. ### || [4.147] # قوله: { ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم... } ~~الآية. # المعنى: ما يفعل الله بعذابكم أيها المنافقون إن تبتم، ورجعتم وآمنتم، ~~بمعنى أي شيء يصنع الله بعذابكم، وما حاجته إلى ذلك بل سيشكر لكم ما يكون ~~منكم من الطاعة، والإيمان فيجازيكم عليه، ms0538 بأن يعافيكم من الدرك الأسفل من ~~النار، ويدخلكم الجنة خالدين. # قال قتادة: في هذه الآية: " إن الله لا يعذب شاكرا ولا مؤمنا ". # وقيل: معنى: { شاكرا } مشكورا على كل حال. ### || [4.148] # قوله: { لا يحب الله الجهر بالسوء من القول ~~إلا من ظلم... } الآية. # قرأ زيد بن أسلم، والضحاك وابن أبي إسحاق { إلا من ظلم } بفتح ~~الظاء. # ومعنى الآية: لا يحب الله أن يجهر أحد بالدعاء [على أحد] إلا من ظلم ~~فيدعو على ظالمه. أي: لكن من ظلم فله أن يدعو على ظالمه، ولا يكره الله ~~ذلك. # قال ابن عباس: أرخص للمظلوم أن يدعو على ظالمه، وإن صبر فهو خير له. # قال قتادة: عذر الله سبحانه المظلوم. # وقال الحسن: هو الرجل يظلم يظلم الرجل فلا يدع عليه، ولكن ليقل: اللهم ~~أعني عليه، اللهم استخرج لي حقي، ونحو ذلك. # و " من " في موضع رفع بالهجر، كأنه: لا يحب الله أن يجهر بالسوء إلا ~~المظلوم وإن شئت في موضع نصب كما قال تعالى: # لست عليهم بمصيطر * إلا من تولى وكفر # [الغاشية: 22-23] وكقولهم: إني لا أكره الخصومة، والمراء إلا رجلا يريد ~~الله بذلك، فهذا محمول على المعنى وأن لم يكن قبله أسماء. # وأصل الاستثناء المنقطع أن يكون منصوبا، وهذا من ذلك. # وقال مجاهد في الآية: هو الرجل لا تحسن ضيافته، فيخرج فيقول أساء ~~ضيافتي، رخص له أن يقول ذلك. # وقال السدي: إن الله لا يحب الجهر بالسوء من أحد ولكن من ظلم فانتصر ~~بمثل ما ظلم فليس عليه جناح. # ومن قرأ بفتح الظاء، فمعناه إلا من ظلم فلا بأس أن يجهر له بالقول. # قيل: إن هذه الآية نزلت في الرجل ينزل بالرجل وعند المنزول به سعة، ~~يضيفه، فإن تناوله بلسانه في تأخره عن ضيافته فقد عذره الله عز وجل، وسمى ~~الله سبحانه ترك الضيافة ظلما. # وقال ابن زيد معنى الفتح: لا يحب الله أن يقول لمن تاب عن النفاق: ألست ~~نافقت؟ ألست الذي ظلمت وفعلت؟ { إلا من ظلم } أي: إلا من أقام على ~~النفاق، ms0539 فإنه يقال له ذلك، ودل على هذا قوله تعالى { إلا الذين ~~تابوا }. # وقيل: المعنى { إلا من ظلم } فقال سوءا، فإنه ينبغي أن يأخذوا ~~على يديه. # وقال قطرب: { إلا من ظلم } أي: إلا المكره لأنه مظلوم. # { وكان الله سميعا } أي: لما تجهرون به { عليما } أي بما ~~تسرون وبغير ذلك. ### || [4.149] # قوله: { إن تبدوا خيرا أو تخفوه... } الآية. # المعنى: إن تقولوا جميلا لمن أحسن إليكم، فتظهروا ذلك وتخفوه. أي: ~~تتركوا إظهاره، فلا تبدوه { أو تعفوا عن سوء } أي: تصفحوا لمن ~~أساء إليكم عن إساءته، فلا تجهروا له بالسوء، أي: الذي قد أذن لكم أن ~~تجهروا به وهو قوله { إلا من ظلم } فإن الله كان عفوا، أي: لم ~~يزل عفوا عن خلقه مع قدرته على الانتقام منهم. وهذا التأويل يدل على ~~خلاف قول من تأول لقوله { لا يحب الله الجهر بالسوء ~~من القول إلا من ظلم } أنه في المنافق التائب، والذي لم ~~يتب، لأن الله عز وجل لم يأمر المؤمنين بالعفو عن نفاقهم ولا نهاهم أن ~~يسبوا من كان منهم معلنا النفاق. ### || [4.150-152] # قوله: { إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون ~~أن يفرقوا بين الله ورسله } الآية. # معنى الآية أنها في اليهود والنصارى يكفرون بالله بكفرهم برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. { ويريدون أن يفرقوا بين الله ~~ورسله } أي: يزعمون أنهم افتروا على ربهم { ويقولون نؤمن ~~ببعض ونكفر ببعض } آمنت اليهود بموسى، وكفرت بعيسى، وبمحمد ~~صلى الله عليه وسلم، وآمنت النصارى بعيسى وكفرت بموسى، وبمحمد صلى الله ~~عليه وسلم، { أولئك هم الكافرون } أي: من، هذه صفته كافر ~~{ ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا } أي: طريقا لا ~~مع المؤمنين ولا مع غيرهم وقيل بين الإيمان والجحد طريقا. # قوله: { ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا } الآية. # المعنى: الذين صدقوا بوحدانية الله عز وجل، وأقروا برسله [صلوات الله ~~عليهم] { ولم يفرقوا بين أحد منهم } [أي لم يكذبوا ~~ببعض وآمنوا ببعض { أولئك سوف يؤتيهم أجورهم } أي من ~~هذه صفته سوف نؤتيهم أجورهم أي يعطيهم أجورهم] على تصديقهم للجميع ms0540 { ~~وكان الله غفورا } أي: يغفر لمن فعل ذلك من خلقه أي يستر ذنوبه، ~~وكان { رحيما } بهم أي: لم يزل كذلك. ### || [4.153] # قوله: { يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم ~~كتابا من السمآء... } الآية. # قوله: { جهرة } حال من الضمير في قالوا، وهو العامل فيه، أي: قالوا ~~مجاهرين بذلك، قال ذلك أبو عبيدة. # وقيل: هو نعت بمصدر محذوف [تقديره] رؤية جهرة. # ومعنى الآية: أن اليهود سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم ~~كتابا من السماء مكتوبا كما جاء موسى بني إسرائيل بالتوراة، قالوا له: ~~إن موسى جاء بالألواح من عند الله، فأتنا بالألواح من عند الله حتى ~~نصدقك، فأنزل الله { يسألك أهل الكتاب } الآية. # قال ابن جريج: سألوا أن ينزل عليهم رجال منهم كتابا من السماء بتصديقه ~~واتباعه وهم اليهود والنصارى. # وقيل: هم اليهود خاصة سألوا النبي عليه السلام أن يصعد إلى السماء وهم ~~يرونه بلا كتاب، وينزل ومعه كتاب تعنتا. فأعلمه الله عز وجل أنهم قد ~~سألوا موسى عليه السلام أكبر من هذا { فقالوا أرنا الله ~~جهرة } أي: رؤية منكشفه { فأخذتهم الصاعقة } أي صعقوا ~~بظلمهم أنفسهم، في عظيم ما سألوا موسى صلى الله عليه وسلم مما ليس لهم أن ~~يسألوا مثله { ثم اتخذوا العجل } أي اتخذوه إلها بعد ~~إحيائهم من صعقتهم { من بعد ما جآءتهم البينات } أي ~~الدلالات الواضحات أنهم لا يرون الله عيانا في الدنيا، وأنه لا معبود ~~إلا الله، فمن الآيات إصعاق الله إياهم عند مسألتهم ثم أحياؤهم. # قوله: { فعفونا عن ذلك } أي: عفونا عن عبادتهم العجل { ~~وآتينا موسى سلطانا مبينا } أي: أعطيناه حجة تبين عن صدقه ~~وصحة نبوته. ### || [4.154] # قوله: { ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم... } الآية. # المعنى: ورفعنا فوقهم الجبل لما امتنعوا من العمل بما في التوراة، وقبول ~~ما جاءهم به موسى صلى الله عليه وسلم { بميثاقهم } أي ما أعطوا ~~الله من الميثاق ليعملوا بما في التوراة { وقلنا لهم ادخلوا ~~الباب سجدا } يعني باب حطة أمروا بذلك، فدخلوا يزحفون على أستاههم ~~{ وقلنا لهم لا تعدوا في السبت } أي ms0541 لا تتجاوزوا في يوم ~~السبت ما أبيح لكم، وذلك أنهم أمروا ألا يأكلوا الحيتان يوم السبت، ولا ~~يتعرضوا لها. { وأخذنا منهم ميثاقا } أي شديدا أنهم يعظمون ~~ما أمرهم الله، وينتهون عما نهاهم عنه. ### || [4.155-158] # قوله: { فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله ~~} الآية. # المعنى: وينقض هؤلاء الذين تقدمت صفتهم: الميثاق - وهو كتمانهم أمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أخذ عليهم # لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه ورآء ~~ظهورهم # [آل عمران: 187] وكفرهم بآيات الله أي: بإعلامه وأدلته وب { ~~وقتلهم الأنبيآء بغير حق } وب { وقولهم ~~قلوبنا غلف } أي: عليها غشاوة وأغطية عما يقول، فلا نفهمه عنك، ~~فأخبر الله عز وجل بكذبهم في قولهم، وقال { بل طبع الله ~~عليها بكفرهم } أي: ليست بغلف، ولكن طبع الله عليها طابعا من ~~أجل كفرهم بالله { فلا يؤمنون إلا قليلا } لأنهم إنما صدقوا ~~ببعض الأنبياء، فإيمانهم قليل لأنهم قد كذبوا بأكثر الأنبياء فيما جاءوا ~~به، ومن كذب بالبعض، فهو مكذب بالكل من جهة أن الذي صدق به من نبي وكتاب ~~يصدق ما كذب به هو ويقرب بصحته وهذا كلام متصل بما قبله. # والمعنى: فبنقضهم ميثاقهم وبكفرهم، وبكذا وبكذا أخذتهم الصعقة. # قال الطبري: هذا غلط لأن الذين أخذتهم الصاعقة قوم موسى صلى الله عليه ~~وسلم، والذين رموا مريم بالبهتان بعدهم بدهر طويل، فهؤلاء غير هؤلاء. # والذي قال الطبري لا يلزم، لأن اليهود قد تأخروا، وهم الذين طالبوا عيسى ~~صلى الله عليه وسلم بالصاعقة، وإن لم تأخذهم بأعيانهم، فقد أخذت آباءهم. ~~فالمراد آباؤهم على ما مضى في البقرة وفي غيرها لأنهم راضون بما كان عليه ~~آباؤهم من الكفر فلهم من الحكم ما لآبائهم إذ هم على مذهبهم. # وقال قتادة: { لعناهم } محذوف من الكلام كأنه: فبنقضهم ميثاقهم ~~وفعلهم كذا وكذا لعناهم وهو اختيار الطبري. قال: ودل على المحذوف قوله: { ~~بل طبع الله عليها بكفرهم } لأن من طبع الله على قلبه ~~فقد لعنه الله وغضب عليه. # وقيل: المعنى: فبنقضهم ميثاقهم وفعلهم كذا (وقولهم كذا). طبع الله ~~عليها. # وقال الزجاج: المعنى: فبنقضهم ميثاقهم ms0542 حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم. # قوله: { وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا ~~عظيما } { وبكفرهم } أي: بمحمد صلى الله عليه وسلم { ~~وقولهم على مريم } هو أنهم رموها بالزنا { وقولهم ~~إنا قتلنا المسيح } أي: بدعواهم ذلك، فأكذبهم الله في ذلك، ~~فقال: { وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم }. # قيل: إن اليهود أحاطوا بعيسى ومن معه وهم لا يشبهون عيسى بعينه فحولوا ~~جميعا في صورة عيسى، فأشكل عليهم أمر عيسى، فخرج إليهم بعض من كان في ~~البيت مع عيسى، فقتلوه وهم يحسبون أنه عيسى. # قال وهب بن منبه: أتى عيسى ومن معه سبعة عشر من الحواريين في بيت، فأحاط ~~بهم اليهود، فكلما دخلوا عليهم صورهم الله كلهم على صورة عيسى، فقالوا ~~لهم: سحرتمونا لتبرزن لنا عيسى أو لنقتلنكم جميعا، قال عيسى لأصحابه: من ~~يشتري اليوم نفسه بالجنة؟ قال رجل منهم: أنا فخرج إليهم. # فقال: أنا عيسى، فأخذوه وقتلوه، وهو على صورة عيسى، وصلبوه وظنوا أنه ~~عيسى، وظنت النصارى مثل ذلك، إذا الصورة مشبهة، ورفع الله عيسى من يومه ~~ذلك. # وقيل: إنه كان محبوسا عند خليفة قيصر، فاجتمعت اليهود إليه فتوهم ~~يريدون خلاصه، فقال: أنا أخليه لكم، فقالوا: بل نريد قتله، فرفعه الله ~~إليه، فأخذ خليفة قيصر رجلا فقتله، وقال لهم: قد قتلته، خوفا منهم، وهو ~~الذي شبه لهم. # قوله: { وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه } ~~يعني اليهود الذين أحاطوا بعيسى، ومن معه وأرادوا قتله، وذلك أنهم كانوا ~~عرفوا عدد من كان في البيت، قبل دخولهم فيما ذكر بعض أهل التأويل: فلما ~~دخلوا فقدوا واحدا من العدد، ووجدوا الشبه فالتبس عليهم أمر عيسى بفقدهم ~~واحدا من العدد، فقتلوا الذي عليه الشبه على شك. # وقيل: إن شكهم فيه هو أن بعضهم زعم أنه الله وما قتل. # وزعم بعضهم أنه ما قتل، فهم شاكون فيه. ودل على صحة شكهم قوله تعالى: { ~~ما لهم به من علم إلا اتباع الظن } فقتلوا من ~~قتلوا على شك لا على يقين وعلم. # { وما قتلوه يقينا } أي: ما قتلوا لظنهم في ms0543 المقتول أنه عيسى ~~يقينا، ولكنهم قتلوه على شك، فالهاء عائدة على الظن. # قال ابن عباس: المعنى ما قتلوه ظنهم به يقينا. # وقال السدي: وما قتلوا أمره يقينا أنه هو عيسى. # وقال الفراء: المعنى: ما قتلوا العلم به يقينا. # وقيل المعنى: الذي شبه لهم إنه عيسى يقينا، بل قتلوه على شك { بل ~~رفعه الله إليه } أي عيسى. # " ومن جعل الهاء تعود على العلم أو الظن أو النفس أو المشبه بعيسى وقف ~~على يقينا ". # " ومن جعلها تعود على عيسى وقف على قتلوه على النفي، ويكون يقينا نعت ~~لمصدر محذوف المعنى: قال هذا قولا يقينا ". # قال النحاس: إن قدرت أن يكون المعنى: " بل رفعه الله إليه يقينا " فهو ~~خطأ لأنه لا يعمل ما بعد بل فيما قبلها لضعف بل،... وكون الهاء تعود على ~~عيسى قول خارج عن قول أهل التأويل. # وقال بعض أصحاب حمزة ": عيسى ابن مريم تمام. لأنهم لم يقروا بأنه رسول ~~فليس بمتصل بما قبله. # وقال نافع: { لفي شك منه } تمام. # وأجاز ابن الأنباري الوقف على " قتلوه " على أن ينصب " يقينا بإضمار ~~فعل هو جواب القسم، تقديره: ولقد صدقتم يقينا، ولقد أوضح لكم يقينه ~~إيضاحا يقينا، ثم تبتدئ { بل رفعه الله إليه } مستأنفا. # قوله: { وما قتلوه يقينا } أدخله بعضهم في باب الاستعارة لأنه ~~أريد به تحقيق الأمر واستيقانه. # والاستعارة في كلام العرب باب، وهذا فصل نبين فيه نبذا من معاني ~~الاستعارة [فالاستعارة] معناها: أن نضع الكلمة في موضع ما هو قريب منها ~~أو ما هو سببها، أو ما يشبه الآخر أي مقارب له بمعنى كقولك " النبات نوء ~~" لأنه [عنه] يكون، والمطر سماء، لأنه منها ينزل، ويقولون " ضحكت الأرض " ~~لأنها تبدي عن حسن النبات. # وتفتر عنه كما يفتر الضاحك عن الثغر. ويقولون " لقيت من فلان عرق القربة ~~" أي: شدة، وأصل هذا أن حامل القربة يتعب في نقلها حتى يعرق جبينه، ~~فاستعير عرقه في موضع. # ومن ذلك قول الله تعالى: # يوم يكشف عن ساق # [القلم: 42] أي: عن شدة الأمر، وذلك أن الرجل إذا ms0544 وقع في أمر يحتاج إلى ~~معاناة، شمر عن ساقه، فاستعير الساق في موضع الشدة، وهو كثير في القرآن، ~~وإنما هذا في أصل كلام العرب ثم خاطبهم الله على ما يعقلون في كلامهم وما ~~اعتادوا منه. # ومنه قوله: # ولا يظلمون فتيلا # [النساء: 49] # ولا يظلمون نقيرا # [النساء: 124] إذ لم يرد أنهم لا يظلمون ذلك بعينه، إنما أراد مقدار ~~هذين الحقيرين والعرب تقول: ما رزانه، زبالا، فالزبال ما تحمله النملة ~~بفيها. # ومنه قوله: # ما يملكون من قطمير # [فاطر: 13] يريد به التقليل أي ما يملكون من شيء. # ومنه # فجعلناه هبآء منثورا # [الفرقان: 23] أراد به أبطلناه، كما أن الهباء المنثور مبطل لا فائدة ~~فيه، وهو ما سطع في شعاع الشمس من كوة البيت، والمنبث ما سطع من سنابك ~~الخيل. # ومنه: # وأفئدتهم هوآء # [إبراهيم: 43] أي: لا تغني خيرا، لأن المكان إذا كان خاليا فهو هواء ~~لا شيء فيه. # ومنه: # وكذلك أعثرنا عليهم # [الكهف: 21] أي أطلعنا، وأصله من عثر بشيء وهو غافل ثم نظر إليه فاطلع ~~عليه فصار العثار سببا للتبين فاستعير مكان التبيين والاطلاع. # ومنه: # حب الخير # [ص: 32] يريد الخيل سميت خيرا لما فيها من الخير وهو منافعها. # ومنه: # أو من كان ميتا فأحيينه # [الأنعام: 122] أي كافرا فهديناه { وجعلنا له نورا } أي ~~إيمانا { كمن مثله في الظلمت } أي في الكفر فاستعير الموت ~~مكان الكفر، والحياة مكان الهدى والنور مكان الإيمان. # ومنه: # ووضعنا عنك وزرك # [الشرح: 2] أي: إثمك وأصل الوزر ما حمل على الظهر فشبه الإثم بالحمل، ~~وشبه بالثقل، لأن الحمل والثقل سواء فقال: # وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم # [العنكبوت: 13] أي آثاما مع آثامهم. # ومنه: # ولكن لا تواعدوهن سرا # [البقرة: 235] أي نكاحا لأن النكاح يكون سرا، ولا يظهر فاستعير له ~~السر. # ومنه: # نسآؤكم حرث لكم # [البقرة: 223] كما تزرع الأرض، فشبه الولد بالزرع والبطن بالأرض. # ومنه: # إلا أن تغمضوا فيه # [البقرة: 267] أي ترخصوا وأصله أن يصرف المرء، بصره عن الشيء ويغمضه ~~فسمي الترخيص إغماضا. # ومنه: # هن لباس لكم وأنتم لباس لهن # [البقرة: 187] جعل كل واحد لصاحبه كالثوب للإنسان ms0545 يتضامان، ويلتصقان ~~كالثوب في تضامه، والتصاقه على الإنسان، وقد قيل معنى # { لباسا } سكنا، كما قال # ليسكن إليها # [الأعراف: 189] # لتسكنوا فيه # [يونس: 67، القصص: 73]. # ومنه: # وثيابك فطهر # [المدثر: 4] أي: نفسك من الذنوب، فجعل موضع النفس، لأنه يشتمل عليها، ~~وشبه ذلك كثير. ### || [4.159] # قوله: { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به ~~قبل موته... } الآية. # التقدير عند سيبويه، (وإن من أهل الكتاب أحد). # وعند الكوفيين (وإن من أهل الكتاب إلا (من) ليؤمنن [به]) حذفوا الموصول ~~وهو قبيح. # وسيبويه إنما قدر حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه، وذلك كثير في القرآن ~~والكلام، قال الله: # أن اعمل سابغات وقدر # [سبأ: 11] أي: دروع سابغات فحذف الموصوف، فقول سيبويه أحسن واختيار جيد. # وحذف الموصول وإقامة الصلة مقامه على قول الكوفيين غير جائز ولا موجود ~~لأن الصلة كبعض الموصول، ولا يحسن حذف بعض الاسم، ولأن الصلة لا بد منها ~~للموصول وليس الصفة كذلك فقد يستغنى عنها. # والمعنى: إنهم كلهم يؤمنون بعيسى إذا نزل لقتل الدجال، فتصير الأمم كلها ~~واحدة ملة الإسلام، كذلك قال ابن عباس، والحسن وقتادة. # قال ابن زيد: إذا نزل عيسى لقتل الدجال لم يبق يهودي إلا آمن، وذلك حين ~~لا ينفعهم إيمانهم، فالهاء في " به " يعود على عيسى صلى الله عليه وسلم ~~في هذين القولين. # وروى عن ابن عباس أنه قال: ليس من أهل [الكتاب] أحد إلا يؤمن بعيسى قبل ~~موته " أي موت الكتابي إذا عاين الحق ". # وقال [مجاهد]: لا تخرج نفس الكتابي حتى يؤمن بعيسى قال وإن غرق، وإن ~~تردى من حائط لا بد أن يؤمن بعيسى. # وقد قرأ أبي: " قبل موتهم " فهذا يدل على أنها لأهل الكتاب وهو قول ~~أكثر المفسرين. # وقال ابن عباس: " لا يموت اليهودي حتى يشهد أن عيسى عبد الله ورسوله، ~~وإن عجل عليه بالسلاح. # وقال عكرمة: لو وقع يهودي من فوق القصر لم يبلغ الأرض حتى يؤمن بعيسى، ~~فالهاء تعود على الكتابي على هذه الأقوال ويجوز أن تكون لعيسى. # وروي عن عكرمة أيضا، لا يموت اليهودي والنصراني حتى يؤمن بمحمد عليه ms0546 ~~السلام. فالهاء في " به " تعود على محمد صلى الله عليه وسلم. # وفي حرف أبي ومصحفه " قبل موتهم " يعني: أهل الكتاب. # واختار الطبري أن تكون لعيسى، وأن يكون المعنى ليس أحد من أهل الكتاب ~~الحاضرين عند نزول عيسى إلا ليؤمن بعيسى قبل موت عيسى عليه السلام. # وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " الأنبياء أخوات لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد، وأنا أولى الناس بعيسى ~~ابن مريم، لأنه لم يكن بينه وبيني نبي، وإنه نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه، ~~فإنه رجل مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض، سبط الشعر، كأن رأسه يقطر، وإن ~~لم يصبه بلل، بين ممصرتين، فيدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ~~ويفيض المال ويقاتل الناس على الإسلام حتى يهلك الله عز وجل في زمانه ~~الملل كلها غير الإسلام، ويهلك الله في زمانه المسيح الكذاب الدجال وتقع ~~الأمنة في زمانه حتى ترتع الأسود مع الإبل، والذئاب مع الغنم، ويلعب ~~الغلمان والصبيان بالحيات، لا يضر بعضهم بعضا، ثم يلبث في الأرض ما شاء ~~الله - وربما قال - أربعين سنة، ثم يتوفى، ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه ~~". # قوله: { ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا } أي: ~~شاهدا على تكذيب من كذبه، وتصديق من صدقه، وأنه بلغ الرسالة وأقر ~~بالعبودية. ### || [4.160-162] # قوله: { فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم ~~طيبات أحلت لهم } الآية. # قال ابن إسحاق: هذا بدل من { فبما نقضهم ميثاقهم } { ~~حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم } والذي حرم عليهم هو ~~قوله: # وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر # [الأنعام: 146] الآية. # والظلم هنا هو نقضهم الميثاق { وكفرهم بآيات الله } { ~~وقولهم قلوبنا غلف }. # { وقولهم على مريم بهتانا عظيما } وعلى عيسى. فهذا ~~هو الظلم، فمن أجله حرمت عليهم الطيبات وهي كل ذي ظفر والشحوم من البقر ~~والغنم. # وقوله: { وبصدهم عن سبيل الله } أي صدوا أنفسهم، وغيرهم ~~عن الحق { وأخذهم الربا وقد نهوا عنه } هو قولهم أؤخرك ~~بديني وتزيدني { وأكلهم أموال الناس بالباطل } هو ما ~~يأكلون من الرشا في الحكم، وعلى تغيير الدين يأخذون أثمان الكتب التي ~~كانوا يكتبونها ms0547 بأيديهم، ويقولون هذا من عند الله، فسمى ذلك باطلا لأنه ~~أخذ بغير استحقاق. # { وأعتدنا للكافرين منهم } أي من هؤلاء اليهود { ~~عذابا أليما } أي موجع أي مؤلما. # قوله: { لكن الراسخون في العلم منهم ~~والمؤمنون } الآية: نصب { والمقيمين الصلاة } عند ~~سيبويه على التعظيم. # وقال الكسائي: هو في موضع خفض عطف على " ما " جعل المقيمين هم الملائكة ~~عليهم السلام، وهو اختيار المبرد، والطبري. # واستبعد المبرد النصب على المدح لأن المدح إنما يكون بعد تمام الخبر، ~~والخبر لم يأت بعد. # ومذهب سيبويه أن " يؤمنون " الخبر فقد أتى قبل الراسخون. ومذهب المبرد ~~أن أولئك الخبر، فهو لم يأت بعد. # وقيل: هو معطوف على قبلك. # وقيل: على الكاف في قبلك. # وقيل: على الكاف في أولئك. # وقيل: على الهاء، والميم في منهم. # وهذه الأقوال الثلاثة عطف فيها على مضمر مخفوض على مذهب الكوفيين، وهو ~~لا يجوز عند البصريين. # قوله: { والمؤمنون } في رفعه خمسة أقوال: # رفعه عند سيبويه على الابتداء. # وقيل: رفع على إضمار مبتدأ. # وقيل: عطف على المضمر في المقيمين. # وقيل: عطف على المضمر في " يؤمنون ". # وقيل: هو معطوف على الراسخين. # ومعنى الآية: إن الله تعالى أخبر عن أهل الكتاب أنهم سألوا محمد صلى ~~الله عليه وسلم أن ينزل عليهم كتابا من السماء، ثم بين أنهم ليسوا كلهم ~~قالوا ذلك، فأخبر أن الراسخين في العلم منهم أي: من أهل الكتاب والمؤمنون ~~أي منهم أيضا يؤمنون بالقرآن، والتوراة والإنجيل، وجميع كتب الله، وهو ~~ما أنزل من قبل محمد صلى الله عليه وسلم فهم لا يسألون ما سأل أولئك. # وقوله: { والمقيمين الصلاة } هم من أهل الكتاب أيضا. # قال أبان بن عثمان: هو غلط من الكاتب يعني كونه بالياء وإنما حقه الرفع ~~بالواو وهي قراءة ابن مسعود. # وقالت عائشة رضي الله عنها لعروة إذ سألها عن اختلاف الإعراب في { ~~والمقيمين الصلاة } وفي # والصابئون # [المائدة: 69] في المائدة وفي # إن هذان لساحران # [طه: 63] في طه، يا ابن أختي، هذا عمل الكاتب غلطوا في الكتاب. # وفي قراءة عبد الله " والمقيمون " بالرفع. # وقال عثمان ms0548 رضي الله عنه أرى فيه لحنا، وستقيمه العرب بألسنتها، يريد ~~المصحف، وهذه الأحاديث مطعون فيها عند العلماء لصحة جواز خط المصحف على ~~لغة العرب. # وإذا كان للشيء وجه لم يجز أن يحمل على الغلط، وقد ذكرنا أن كونه بالياء ~~له وجوه سائغة في لغة العرب، ويدل على أنه ليس بخطأ من الكاتب إن في مصحف ~~أبي { والمقيمين } أيضا فلو كان الرفع الصواب لم تجتمع المصاحف ~~على تركه. ### || [4.163] # قوله: { إنآ أوحينآ إليك كمآ أوحينآ إلى نوح... ~~} الآية. # قرأ الحسن: يونس ويوسف بالكسر جعله فعلا مستقبلا سمي به من آسف وآنس، ~~وعلى هذا يجب أن يصرفا في النكرة، ويهمزا، ويكون جمعهما: يا أنس ويا أسف. # ومن لم يهمز قال في الجمع: يوانس ويواسف. # وحكى أبو زيد: يونس ويوسف بالفتح لغة. # ومعنى الآية إن الله أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم أنه أرسل إليه ~~بالرسالة كما أرسل إلى من ذكر من الأنبياء وإلى من لم يسم. # وقيل: معناه: أوحى إلى جميعهم وإلى محمد صلى الله عليه وسلم # أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه # [الشورى: 13]. # وكان سبب نزول هذه الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبرهم بما ~~أوحى الله إليه من سؤالهم إياه أن ينزل عليهم كتابا فتلا ذلك عليهم ~~وفضحهم: # مآ أنزل الله على بشر من شيء # [الأنعام: 91] بعد موسى، فأنزل الله هذه الآية تكذيبا لهم. # وقيل: إنهم قالوا عند نزول هذه الآية # مآ أنزل الله على بشر من شيء # [الأنعام: 91] ولا على عيسى، ولا على موسى، فأنزل الله # وما قدروا الله حق قدره # [الأنعام: 91] الآية. # وروي أن سكين بن عدي بن زيد قال للنبي صلى الله عليه وسلم: والله، يا ~~محمد ما نعلم أن الله أنزل على بشر من شيء بعد موسى، فأنزل الله هذه ~~الآية. # وروى [أبو] ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " الأنبياء مائة ألف وعشرون ألف. والرسل منهم ثلاثة مائة وثلاثة عشر ~~منهم أربعة سريانيون وهم آدم، وشيث وإدريس، ونوح، ومنهم أربعة من ms0549 العرب: ~~هود وشعيب وصالح ونبيكم محمد صلى الله عليه وسلم ". # وأول أنبياء بني إسرائيل بعد أولاد إسرائيل وإسرافيل يعقوب موسى، وآخرهم ~~عيسى صلى الله عليهم وسلم أجمعين. # وروى أيضا عنه أنه (قال): جميع كتب الله التي أنزل مائة كتاب، وأربعة ~~كتب: أنزل الله على شيث خمسين صحيفة، وعلى إدريس ثلاثين صحيفة، وعلى ~~إبراهيم عشر صحائف، وعلى موسى قبل التوراة عشر صحائف، وأنزل التوراة ~~والإنجيل، والزبور والقرآن، فكانت صحائف إبراهيم أمثالا كلها: يا أيها ~~الملك المسلط المبتلى المغرور، إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها إلى بعض، ~~ولكن بعثتك لترد عني دعوة مظلوم، فإني لا أردها وإن كانت من كافر... " ~~وكان فيها: " وعلى العاقل أن تكون له ساعات: [ساعة] يناجي فيها ربه، ~~وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يفكر فيها في صنيع الله، وساعة يخلو فيها ~~لحاجته من المطعم والمشرب. ". " وعلى العاقل ألا يكون صاحبا إلا لثلاث: ~~تزود لمعاد، أو مرمة لمعاش، أو لذة في غير محرم. # .. " وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه مقبلا على شأنه، حافظا للسانه ~~". # ومن حسب كلامه: " من عمله قل كلامه ". # قال: وكانت صحف موسى كلها عبرا. # " عجبت لمن أيقن بالموت وهو يفرح ". # " وعجبت لمن أيقن بالقدر ثم هو يسخط ". # " وعجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها ثم اطمأن إليها ". # " وعجبت لمن أيقن بالحساب غدا ثم لا يعمل ". # ويروى أن آدم عاش ألف سنة وفي التوراة عاش ألف سنة إلا سبعين عاما. # وكان بين آدم والطوفان ألفا سنة ومائتا وإثنان وأربعون سنة. # وبين الطوفان وبين موت نوح ثلاثمائة وخمسون سنة. # وبين نوح وإبراهيم ألفا سنة ومائة سنة وأربعون سنة. # وبين إبراهيم وموسى سبعمائة سنة. # وبين موسى وداود خمسائة سنة. # وبين داود وعيسى ألف سنة ومائتا سنة. # قال وهب بن منبه: كان بين آدم ونوح عشرة آباء، وبين نوح وإبراهيم عشرة ~~آباء. # قال عكرمة: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام. # قال القتيبي: قرأت في الإنجيل: أن بين إبراهيم وداود أربعة عشر قرنا، ~~ومن داود إلى جالية بابل أربعة ms0550 عشر قرنا، ومن جالية بابل إلى عيسى أربعة ~~عشر قرن. ### || [4.164-165] # قوله: { ورسلا قد قصصناهم عليك } الآية. # [رسلا] نصب عطفا على معنى { إنآ أوحينآ إليك } ، لأن ~~معناه إنا بعثناك وبعثنا رسلا. # وقيل: هو منصوب بفعل يفسره ما بعده كأنه: وأرسلنا رسلا قصصناهم عليك. # وقيل: المعنى: وقصصنا رسلا قصصناهم عليك، والمعنى إنها معطوفة على ما ~~قبلها. # ومعنى الآية أن الله أخبر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أنه أوحى إليه ~~كما أوحى إلى من ذكر من الأنبياء، وكما أوحى إلى رسل قد قصهم عليه، وإلى ~~رسل لم يقصهم عليه، تكذيبا لليهود إذ قالوا { مآ أنزل الله ~~على بشر من شيء } ثم أعلمه أنه خص موسى بالكلام، وأكده بقوله ~~{ تكليما } ليعلم أنه حقيقة لا مجاز، ولأن الفعل في كلام العرب إذا ~~أكد بالمصدر علم أنه حقيقة لا مجاز. # قال كعب: كلم الله موسى بالألسنة كلها، فجعل موسى يقول: يا رب لا أفهم، ~~حتى كلمه بلسان موسى آخر الألسنة. # وقوله: { رسلا مبشرين } نصب على الحال من أسماء الأنبياء. # { لئلا يكون للناس على الله حجة } أي كيلا يقولوا: ~~هلا # أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك # [طه: 134، القصص: 47]. ### || [4.166] # قوله: { لكن الله يشهد بمآ أنزل إليك... } الآية. # المعنى: إن جحدوا ما أنزل إليك يا محمد بأن قالوا: { مآ أنزل ~~الله على بشر من شيء } فإن الله يشهد أنه أنزله إليك بعلم ~~منه أنك خيرته من خلقه ويشهد بذلك ملائكته { وكفى بالله ~~شهيدا } أي اكتفوا به شهيدا على صدق نبيكم، أي: حسبكم ذلك. # وقيل معنى: { بعلمه } أي وفيه علمه، كما تقول: جاءنا فلان بالسيف ~~أي ومعه. # قال ابن عباس: # " نزلت هذه الآية في جماعة من يهود دخل عليهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال لهم: إني والله أعلم، أنكم لتعلمون أني رسول الله فقالوا: ما ~~نعلم ذلك، فأنزل الله { لكن الله يشهد بمآ أنزل ~~إليك } ". ### || [4.167] # المعنى: إن الذين جحدوا نبوتك بعد علمهم بها { وصدوا عن سبيل ~~الله } أي: عن الدين الذي بعثك الله به، وهو ms0551 الإسلام وهو قولهم: لمن ~~سألهم عن النبي صلى الله عليه وسلم ما نجد صفته في كتابنا، وقولهم: إن ~~النبوة لا تكون إلا في ولد هارون، وذرية داود { قد ضلوا ضللا ~~بعيدا } أي قد جاروا عن قصد الطريق جورا شديدا. ### || [4.168-169] # قوله: { إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ~~ليغفر لهم... }. الآية. # المعنى: إن الذين جحدوا نبوة محمد، ووضعوا الحق في غير محله، ليس يغفر ~~لهم الله ذلك، إذا ماتوا عليه، ولم يكن ليهديهم طريقا إلى الحق، ولكن ~~يخذلهم حتى يسلكوا طريق جهنم فيقيمون فيها، خالدين [فيها] أبدا. # وقيل معنى: { [ولا] ليهديهم } أي لا يوفقهم إلى الإسلام. { ~~وكان ذلك على الله يسيرا } أي الخلق خلقه، والأمر أمره ~~يفعل ما يشاء. ### || [4.170] # قوله: { يأيها الناس قد جآءكم الرسول بالحق من ~~ربكم... } الآية. # { خيرا لكم } نصب عند سيبويه بإضمار فعل التقدير (وأتوا خير ~~لكم). # وهو عند الفراء: نعت لمصدر محذوف. # وعند أبي عبيدة خبر كان، التقدير: يكن خيرا لكم. # وقيل: نصبه على الحال. لأن التقدير: وآمنوا خيرا لكم، فلما حذف هو، ~~الذي هو كناية عن مصدر يرتفع خير به، اتصل خبر بمعرفة قبله فنصب على ~~الحال، وفيه بعد، لأن خيرا غير جار على الفعل، ولا هو بمعنى الجار. # والمعنى: أنه خطاب لمشركي العرب وسائر أصناف الكفر. والحق هو الإسلام. # والمعنى: { وإن تكفروا } أي: تجحدوا، رسالة صلى الله عليه وسلم ~~وتردوها فعن ذلك لا يضر الله شيئا. لأن له ما في السماوات والأرضين، فلن ~~ينقصه كفركم شيئا، ولم يزل الله عليما بكم، وبما أنتم إليه صائرون ~~وعاملون حكيما في أمره إياكم. ### || [4.171] # قوله: { يأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا ~~تقولوا على الله إلا الحق... } الآية. # معنى { ولا تقولوا ثلاثة }: أي: آلهتنا ثلاثة. # { انتهوا خيرا لكم } نصب { خيرا } عند سيبويه على إضمار ~~فعل دل عليه الكلام لأنه أمرهم بالانتهاء عن الكفر والدخول في الإيمان، ~~فالمعنى: وأتوا خيرا لكم. قال: لأنك إذا قلت أنتم فأنت تخرجه من شيء، ~~وتدخله في آخر، ومثله عنده. # قواعد من ms0552 سر حتى ملك # أو الربا بينهما أسهلا # والمعنى: وآت أسهلا. # ومذهب أبي عبيدة أنه خبر كان، والتقدير يكن خيرا لكم، ورد ذلك المبرد ~~لأنه يضمر الشرط وإضماره لا يحسن. # ومذهب الفراء أنه نعت لمصدر محذوف كأنه قال: انتهوا انتهاء خيرا لكم. # قوله: { سبحانه } انتصب انتصاب المصدر. # و { أن يكون } إن في موضع [نصب] بحذف الخافض المحذوف، [والتقدير على ~~أن يكون، وقد قيل: في موضع خفض بإعمال الخافض المحذوف]. # ومعنى الآية: أنها خطاب للنصارى. # فمعنى: { لا تغلوا في دينكم } أي: " لا تجاوزوا الحق في ~~دينكم. # { ولا تقولوا على الله [إلا الحق] } أي: لا تقولوا في ~~عيسى إلا الحق فإن قولكم في عيسى غير الحق إذ تقولون إنه: ابن الله، فهذا ~~قولهم على الله غير الحق. # و { المسيح } فعيل بمعنى مفعول بمعنى ممسوح وسمي بذلك لأن الله مسحه ~~من الذنوب والأدناس. # وقد قيل: إنها لفظة أعجمية أصلها مشيحا فأعرب فقيل المسيح، وقد ذكرنا ~~ذلك في غير هذا الموضع بأشبع من هذا التفسير. # ومعنى: { وكلمته ألقاها إلى مريم } الكلمة هنا الرسالة ~~التي أمر الله ملائكته أن تأتي بها مريم مبشرة من الله لها التي ذكرها ~~الله في آل عمران. # قال قتادة: كلمة [قوله] { كن فيكون }. # ومعنى: { ألقاها إلى مريم } أعلمها بها وأخبرها، كما تقول: ~~ألقيت إليك كلمة حسنة، بمعنى أعلمتك، بها. # ومعنى: { وروح منه } أي: ونفخ منه، وذلك أنه حدث عيسى في بطن أمه ~~بأمر الله، وتقديره من غير ذكر من نفخة جبريل عليه السلام في درع مريم ~~بأمر الله إياه، فنسبه تعالى إليه لأنه عن أمره كان. # وسمي النفخ روحا: لأنه ريح تخرج من الروح. # وقيل: معنى: { وروح منه }: أنه كان بإحياء الله إياه بقوله { ~~كن } فمعناه وحياة منه. # وقيل: معنى: { وروح منه } ورحمة منه كما قال # وأيدهم بروح منه # [المجادلة: 22] فمعنى برحمة منه أي جعله رحمة لمن تبعه وصدقه. # كما قال: # ولنجعله آية للناس ورحمة منا # [مريم: 21]. # وقال أبي بن كعب [في قوله] # وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ms0553 ~~ذريتهم # [الأعراف: 172] الآية. # قال: أخذهم فجعلهم أرواحا، ثم صورهم ثم، استنطقهم، فكان روح عيسى عليه ~~السلام من تلك الأرواح التي أخذ عليها العهد، والميثاق فأرسل تلك الروح ~~إلى مريم، فدخل في فيها فحملت فهو قوله { وروح منه }. # وقيل: الروح في الآية معطوف على المضمر في { ألقاها } والمضمر اسم ~~الله، والروح اسم جبريل كان تقديره: ألقى الله وجبريل الكلمة إلى مريم، ~~كما قال: # نزل به الروح الأمين # [الشعراء: 193] وهو جبريل عليه السلام. # وقيل معنى: { وروح منه } وبرهان منه لمن اتبعه، وذلك ما أنزل ~~عليه من كتابه، وسمي البرهان روحا، لأنه يحيى به من قبله ### || [4.172-173] # قوله: { لن يستنكف المسيح... } الآية. # { أن } في موضع نصب، أي: من إن، أو: عن إن. # والمعنى: { لن يستنكف المسيح } و { لا الملائكة ~~المقربون } أن يقروا بالعبودية لله والإذعان له. # و { المقربون } هم من قرب منهم من الله في المنزلة لا قرب ~~المسافة. # وقيل: هم من قرب منهم من السماء السابعة قاله الضحاك. # وفي هذا اللفظ دليل على فضل الملائكة على بني آدم. # ومعنى: { لن يستنكف } لن يتعظم ويستكبر. # { ومن يستنكف } أي يتعظم من عبادته ويستكبر عنها. # { فسيحشرهم إليه جميعا } أي يبعثهم، فأما المؤمنون وهم ~~المقرون بالوحدانية { ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من ~~فضله } [بعد ذلك] تفضلا منه. [وذلك أنه تعالى [وعد] المؤمنين للحسنة ~~عشر أمثالها، ثم يزيدهم تفضلا منه] ما شاء غير محدود. # وقيل: الزيادة إلى سبعمائة ضعف، وقيل إلى ألفين. # قوله: { وأما الذين استنكفوا } أي " تعظموا عن عبادته " { ~~واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما } أي مؤلما. # { ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا } ~~أي: يستنقذهم من عذاب الله. ### || [4.174-175] # قوله: { يا أيها الناس قد جآءكم برهان... } الآية. # المعنى: إنه خطاب لجميع الملل. # ومعنى: { برهان } أي حجة. ومن أجل تذكير البرهان في اللفظ قال { ~~قد جآءكم } ولم يقل قد جاءتكم، وهو محمد صلى الله عليه وسلم هو حجة ~~على جميع الخلق. # { وأنزلنآ إليكم نورا مبينا } أي القرآن. # قوله: { فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به } ~~أي تمسكوا بالنور وهو ms0554 القرآن فالهاء تعود على القرآن. # وقيل: معنى { واعتصموا به } أي اقتنعوا بكتابه عن معاصيه. # { فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم ~~إليه صراطا مستقيما } أي: يوفقهم لإصابه فضله، ويهديهم ~~لسلوك طريق من أنعم عليه من أهل طاعته. # وقال بعض الكوفيين في نصب الصراط: إنه على القطع من الهاء في إليه. # وقيل: معنى { ويهديهم إليه } أي: إلى ثوابه. # والهاء في إليه تعود على الله جل ذكره. # وقيل: تعود على الفضل. # وقيل: على الرحمة والفضل لأنهما بمعنى الثواب والرحمة في قول مقاتل: ~~الجنة. ### || [4.176] # قوله: { يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة... ~~} الآية. # قوله: { يبين الله لكم } أي: كراهة أن تضلوا قاله المبرد. # وقال الكسائي والفراء: المعنى: لئلا تضلوا. # وروى ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لا يدعون أحدكم على ولده، أن يوافق من الله إجابة " # المعنى: لئلا يوافق. # وقيل: المعنى: يبين الله لكم الضلالة لتجتنبوه. # ومعنى الآية: أن عمر بن الخطاب سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~الكلالة، فنزلت { يستفتونك... } الآية. # والكلالة من لا ولد له ولا والد من الموتى، فهو اسم للميت الذي لم يترك ~~ولدا ولا والدا. # وقيل: الكلالة اسم للورثة الذين لا ولد فيهم ولا والد، وقد مضى ذكر هذا ~~بأشبع من هذا. # وقيل: إنها نزلت في جابر بن عبد الله عاده النبي صلى الله عليه وسلم في ~~مرضه، قال جابر: فقلت يا رسول الله: كيف أقضي في مالي؟ وكان له تسع أخوات ~~ولم يكن له ولد ولا والد، قال: فلم يجبني النبي صلى الله عليه وسلم بشيء ~~حتى نزلت آية الميراث { يستفتونك } الآية. # وقال الفراء وأنس: هي آخر آية نزلت من القرآن. # وقال جابر: نزلت في المدينة. # وقيل نزلت في سفر كان فيه النبي صلى الله عليه وسلم ومعنى حكمها: أن من ~~مات لا ولد له ولا والد { وله أخت فلها نصف ما ترك ~~وهو يرثهآ } إن مات وليس لها ولد ولا والد، وللاثنين فأكثر من ~~أخيهما الثلثان. # فإن ترك إخوة ذكورا وإناثا { فللذكر مثل ms0555 حظ الأنثيين ~~} والأخ للأب يقوم مقام الأخ للأب والأم عند عدمه، وكذلك الأخت. # وقوله: { فإن كانتا اثنتين } فيه قولان: # قال الأخفش: التقدير: فإن كان من ترك اثنتين ثم ثنى الضمير على معنى من. # وقال المازني: فائدة الخبر هنا أنه لما قال { كانتا } كان يجوز أن ~~يكون الخبر صغيرين، أو كبيرين، فلما قال { اثنتين } اشتمل على ~~الصغير والكبير فأفاد ذلك. ### | [5 - سورة المائدة] ### || [5.1] # قال علقمة: ما كان في القرآن { يأيها الذين آمنوا } فهو نزل ~~بالمدينة، وما كان { يأيها الناس } فهو نزل بمكة. # وهذا قول جرى من علقمة على معنى أن الأكثر كذلك، وليس يصحب ذلك في كل ~~القرآن، بل " قد " يكون في المدني { يأيها الناس } وفي المكي { ~~يأيها الذين آمنوا }. ولكن ما كان فيه { يأيها ~~الذين آمنوا } فهو مدني، وما كان (فيه) { يأيها الناس } ~~وليس فيه { يأيها الذين آمنوا } فهو مكي، وفي " النور " ~~اختلاف. # قوله { غير محلي الصيد } نصب على الحال من المضمر في { ~~أوفوا } يراد به التقديم، وقيل: هو حال من الكاف والميم " في قوله { ~~أحلت لكم }. وقيل: من الكاف والميم " في { عليكم }. # ومعنى الآية الأولى - من هذه السورة - أن العقود: العهود التي (قد) كان ~~عاهد بعضهم بعضا بها في الجاهلية من النصرة والمؤازرة، أمروا في الإسلام ~~أن يوفوا بها، قال ذلك ابن عباس ومجاهد والضحاك / وقتادة والسدي والثوري. # وروي أن النبي عليه السلام قال: # " أوفوا بعقد الجاهلية ولا تحدثوا عقدا في الإسلام ~~". # وقال الكلبي: العقود هنا الفرائض وما أحل لهم وما حرم عليهم. # وقيل: هو كل شيء عقده الإنسان على نفسه: من حج أو يمين أو هبة أو عتق أو ~~نكاح أو طلاق أو شبه ذلك. # وكل طاعة ألزمها الإنسان نفسه، فليس له أن يخرج منها حتى يتمها، ~~وعليه القضاء إن قطعها من غير عذر. # " و " قال ابن جريج: هي العهود التي أخذها الله على أهل الكتاب من العمل ~~بما في التوراة والإنجيل في تصديق محمد، فهي لأهل الكتاب خاصة، وكان في ~~كتاب رسول الله الذي بعثه إلى ms0556 نجران: هذا بيان من الله ورسوله: { ~~يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود } إلى { سريع ~~الحساب }. # وقال زيد بن أسلم: العقود - في هذه الآية - " ستة ": " عهد الله وعقد ~~الحلف وعقد الشركة وعقد البيع وعقد النكاح وعقد اليمين ". # (و) قوله { أحلت لكم بهيمة الأنعام } " الآية. # " قال الحسن: بهيمة الأنعام: الإبل والبقر والغنم ". وقال قتادة والسدي ~~والضحاك: بهيمة الأنعام: { الأنعام } كلها. وقال ابن عمر: بهيمة ~~الأنعام: ما في بطونها. # قال عطية: هو بمنزلة كبدها يؤكل، وسئل ابن عمر عنه يخرج ميتا، فأجاز ~~أكله، يريد بعد ذكاة أمه، (لقول النبي صلى الله عليه وسلم: # " ذكاة الجنين ذكاة أمه " # ). فأما إن خرج ميتا - والأم حية - فلا يؤكل ألبتة، وقال ابن ~~عباس مثل ذلك. # وروي " عن " الضحاك أن بهيمة الأنعام الوحش مثل (الظباء والحمر) وشبهه. # والأنعام - في اللغة - يشتمل على الإبل والبقر والغنم، وسميت الأنعام ~~بهيمة، لأنها أبهمت عن التمييز. # وقوله { إلا ما يتلى عليكم } أي: فإنه حرام، وهو قوله: # حرمت عليكم الميتة (والدم) # [المائدة: 3] وما بعدها. # وقيل: { إلا ما يتلى عليكم } هو الخنزير. # وقيل: { إلا ما يتلى عليكم } هو الدم المسفوح، لأنه أحلها ~~ثم حرم دمها. # { وأنتم حرم }: الحرم جمع حرام، " وحرام " بمعنى محرم. # وهذه الآية - على عدد المدني، من أول السورة إلى { يريد } - فيها ~~خمسة أحكام: # - الأول قوله: { أوفوا بالعقود }. # - والثاني قوله: { أحلت لكم بهيمة الأنعام }. # - والثالث قوله: { إلا ما يتلى عليكم }. # - والرابع قوله: { غير محلي الصيد وأنتم حرم }. # - ودل على أن الصيد حلال لغير المحرم، فهو الحكم الخامس. ### || [5.2] # قوله: { يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعآئر ~~الله } الآية. # قوله: { شنآن قوم } مصدر أصله الفتح، و [لكن] من أسكن جعله اسما. ~~وقد توهم أبو عبيدة وأبو حاتم أن من أسكنه جعله مصدرا، فأنكراه على ذلك، ~~وليس هو عند من أسكن مصدرا، بل هو اسم " ككسلان " و " غضبان ". # وقرأ يحيى بن وثاب { ولا يجرمنكم } بالضم. # وهي عند الكسائي لغتان: " أجرم " و " جرم " ، ولا يعرف البصريون " ~~أجرم " إلا في الجنابة. # ومن قرأ { أن صدوكم } بالكسر، فالمعنى: ms0557 " ولا يجرمنكم شنآن قوم أن ~~تعتدوا إن صدوكم " ، فالصد لم يكن بعد. وفي حرف ابن مسعود شاهد للكسر، ~~لأنه قرأ (إن يصدوكم)، ومثله: # فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا # [محمد: 22]. # ومن قرأ بالفتح، احتج أن الصد قد كان، وذلك أن الآية نزلت عام الفتح، ~~سنة ثمان، وكان المشركون صدوا المؤمنين عام الحديبية سنة ست /، فالصد ~~كان قبل الآية. # وقيل: " إن " بمعنى " إذ " ، فهو صد قد كان، فالكسر أولى به، ويدل ~~على الكسر قوله: { لا تحلوا شعآئر الله [ولا الشهر ~~الحرام] ولا الهدي ولا القلائد } ولا كذا ولا كذا، فهو ~~أمر للمؤمنين ألا يعتدوا إن وقع صد لهم، ولو كان الفتح الصواب لكان ~~نهيا للمشركين ولم يقل { يا أيها الذين آمنوا } ، وقد جعل ~~النحاس هذه الحجة حجة للفتح، وهو خطأ، إنما تكون حجة للكسر. # ومعنى الآية: أن الله نهى المؤمنين أن يحلوا شعائره، وهي معالمه وحدوده ~~التي جعلها علما لطاعته في الحج. # وقال عطاء: شعائر الله حرماته، حضهم على اجتناب سخطه واتباع طاعته. # وقال السدي: شعائر الله حرم الله. # وقال ابن عباس: " شعائر الله مناسك الحج ". # وعن ابن عباس أيضا: { لا تحلوا شعآئر الله } نهاهم أن ~~يرتكبوا ما نهى عنه المحرم أن يصيبه. # وواحد الشعائر: شعيرة، وقيل: هي " فعيلة " بمعنى: " مفعلة ". # قال أبو عبيدة: الشعائر الهدايا. قال الأصمعي: أشعرتها: أعلمتها. # ابن قتيبة: الإشعار أن [يجلل] ويقلد ويطعن في سنامه ليعلم ~~بذلك أنه هدي، فنهى الله أن يستحلوه قبل أن يبلغ محله. # وقيل: الشعائر العلامات بين الحل والحرم، فنهوا أن يجاوزوها غير ~~محرمين، وهو مشتق من قولهم " شعر فلان بالأمر " إذا علم به. # قال زيد [بن] أسلم: الشعائر ست: الصفا والمروة، والبدن، والجمار، ~~والمشعر الحرام، وعرفة، والركن. قال: والحرمات خمس: الكعبة الحرام، ~~والبلد [الحرام]، والشهر الحرام، والمسجد الحرام، والمحرم حتى يحل. # وقال الكلبي: كان عامة العرب لا يعدون الصفا والمروة من الشعائر، ~~ولا يقفون في حجهم (عليهما، وكانت الحمس لا يرون عرفات من الشعائر ولا ~~يقفون بها في حجهم)، فنهاهم الله عن ms0558 ذلك بهذه الآية وغيرها. # وقوله: { ولا الشهر الحرام } أي: لا تستحلوه بأن تقاتلوا فيه ~~[أعداؤكم]، وهو مثل قوله: # قل قتال فيه كبير # [البقرة: 217]. # وعنى بالشهر الحرام رجب مضر، كانت مضر تحرم فيه القتال. # وقيل: عنى به ذا القعدة. وقيل: إنهم كانوا يحرمونه مرة ويحلونه مرة، ~~فنهوا عن تحليله. # وقوله { ولا الهدي ولا القلائد }: أما الهدي فهو ما أهداه ~~المؤمن من بعير " أو بقرة " أو شاة إلى بيت الله، حرم الله سبحانه أن ~~يغصب أهله عليه أو يمنعوا أن يبلغوه محله. وقوله { القلائد } ~~أي: لا تحلوا الهدايا المقلدات ولا غير المقلدات، فقوله { الهدى } هو ~~ما لم يقلد، وقوله { القلائد } هو ما قلد منها. وقيل: القلائد هو ما ~~كان المشركون يتقلدون به - إذا أرادوا الحج مقبلين إلى مكة - من لحاء ~~السمر فإذا انصرف تقلد من الشعر، فلا يعرض له أحد. # وقيل: إنه كان يأخذ معه من شوك الحرم فلا يعرض له أحد. قال قتادة: كان ~~الرجل - في الجاهلية - إذا خرج من بيته يريد الحج، تقلد من السمر فلم ~~يعرض له أحد، وإذا رجع تقلد قلادة من شعر فلا يعرض له أحد. # وقال عطاء وغيره: كان الرجل إذا خرج من الحرم تقلد من لحاء شجر الحرم ~~فيأمن، فأمر الله المؤمنين ألا [يحلوا] من تقلد بذلك. # وهو منسوخ، وكذلك / قال السدي وابن زيد. وقيل: إنما نهى الله أن ينزع ~~شجر الحرم فيتقلد به على ما كانت الجاهلية تصنع. فالتقدير على هذه ~~الأقوال: ولا أصحاب القلائد. # وقيل: كان الرجل إذا خرج من أهله حاجا أو معتمرا - وليس معه هدي جعل ~~في عنقه قلادة من شعر أو وبر فأمن بها إلى مكة، وإذا خرج من مكة علق في ~~عنقه من لحاء شجر مكة فيأمن بها إلى أهله. # وقال الفراء: كانت عامة العرب لا يرون الصفا والمروة من الشعائر ولا ~~يطوفون بينهما: فأنزل الله { لا تحلوا شعآئر الله } أي: لا ~~تستحلوا ترك ذلك، { ولا الهدي } أي: لا تعرضوا لهدي المشركين، { ~~ولا القلائد } أي: لا تستحلوا من قلد ms0559 بعيره، وكان أهل مكة ~~يقلدون بلحاء الشجر، وسائر العرب يقلدون بالوبر، وقوله { ولا ~~آمين البيت الحرام } أي: لا تستحلوا منع القاصدين للبيت ~~الحرام. # وقرأ الأعمش (ولا آمي البيت) بالإضافة. # وقيل: المعنى: ولا تستحلوا منع قصد القاصدين البيت. # و " هذه الآية [نزلت] في رجل من ربيعة يقال له الحطم " بن هند - ~~كافر، أتى حاجا، قد قلد هديه، فأراد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يخرجوا إليه فنزلت الآية، فنهاهم الله (عن) ذلك. # قال ابن جريج: # " قدم الحطم البكري على النبي عليه السلام فقال: إني داعية قومي ~~وسيد قومي، فأعرض علي ما تقول، فقال له النبي: أدعوك إلى الله ~~أن تعبده: لا تشرك به (شيئا) وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، ~~وتحج البيت. # قال الحطم: في أمرك غلظة، أرجع إلى قومي فأذكر لهم ما ذكرت، فإن ~~قبلوا أقبلت معهم، وإن أدبروا كنت معهم. # قال له النبي: ارجع. فلما خرج قال: لقد دخل علي بوجه كافر وخرج ~~عني بقفا غادر، وما الرجل بمسلم. فمر على سرح لأهل المدينة، ~~فانطلق به وقدم اليمامة وحضر الحج، فتجهز [خارجا] - وكان عظيم التجارة ~~- فاستأذن أصحاب النبي أن يتلقوه ويأخذوا ما معه " # ، فأنزل الله عز وجل { لا تحلوا شعآئر الله } الآية. # والحطم هذا هو القائل: # قد لفها الليل بسواق حطم # ليس براعي إبل ولا غنم # ولا بجزار على ظهر وضم # باتوا نياما وابن (هند لم) ينم # (بات يقاسيها) غلام كالزلم # خدلج (الساقين) ممسوح القدم # وقيل: اسم الحطم [ضبيعة] بن شرحبيل البكري، قال ذلك إذ ساق السرح ~~وهرب به. وقال ابن زيد: جاء ناس يوم الفتح يؤمون البيت بعمرة وهم ~~مشركون، فقال المسلمون: نغير عليهم، فنزل { ولا آمين البيت ~~الحرام }. # قال الشعبي: هذه الخمسة الأحكام منسوخة، كأنه يريد [أنها] نسختها # [فاقتلوا] المشركين # [التوبة: 5]، قال الشعبي: ولم ينسخ من سورة المائدة غير هذه. # وكذلك قال ابن عباس وقتادة في { ولا آمين البيت الحرام }: ~~أمر ألا يمنع مشرك من الحج، ثم نسخ ذلك بالقتل. # وقال ابن زيد: هذا كله منسوخ ms0560 بالأمر بقتالهم كافة. # (و) قال قتادة: نسخ من المائدة { ولا آمين البيت الحرام } ~~، نسخه آية القتل في " براءة ". # ومن قال: نزلت كلها في شأن الحطم، قال: هي منسوخة. ومن قال: الشعائر ~~حدود الله ومعالمه، قال: هي محكمة. # وأما (الشهر الحرام) فهو منسوخ أيضا، لأن الجميع قد أجمعوا على أن الله ~~تعالى قد أحل قتال أهل الشرك في الأشهر الحرم وغيرها. # (و) قوله / { ولا القلائد } منسوخ، لأن المشرك لو تقلد بجميع شجر ~~الحرم لم نؤمنه الآن: إجماع من الأمة، فهو منسوخ. # وقد قيل: إن المائدة لم ينسخ منها شيء، لأنها آخر ما نزل فيما ذكرت ~~عائشة رضي الله عنها. وقد قال البراء: آخر سورة نزلت " براءة " وآخر آية ~~نزلت { يستفتونك } آخر النساء. # وقوله: { يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا } # قال قتادة: هي للمشركين يلتمسون فضل الله ورضوانه عند أنفسهم وفيما ~~يصلح شأنهم في الدنيا خاصة. # قال ابن عباس: يترضون الله بحجهم عند أنفسهم، وقال مجاهد: يبتغون ~~الأجر والتجارة. # وقيل: هي للمسلمين، فهي محكمة، لأن المشرك لا يبتغي رضوان الله وفضله ~~بحجه. # وكونها في المشركين أبين في أقوال المفسرين وأكثر. # قوله { وإذا حللتم فاصطادوا } هذا إباحة (وليس بحتم). # قال عطاء بن (أبي رباح): [أربع رخصة وليس بعزيمة]: # { وإذا حللتم فاصطادوا } ، # فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من ~~أيام أخر # [البقرة: 184]. # فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها # [الحج: 36]، # فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض # [الجمعة: 10]. # قوله { ولا يجرمنكم شنآن قوم } المعنى: لا يحملنكم بغض ~~قوم أن تعتدوا من أجل أن صدوكم عن المسجد الحرام، هذا على قراءة الفتح، ~~ومن كسر فمعناه: إن فعلوا ذلك بكم فيما تستقبلون. # والقوم - هنا - أهل مكة صدوا النبي عليه السلام ومن معه عن المسجد ~~الحرام يوم الحديبية. وقيل: معنى { " و " لا يجرمنكم } لا ~~يكسبنكم. # وقوله { أن تعتدوا } قيل: إنها نزلت في النهي عن الطلب بنحول ~~الجاهلية أمروا ألا يطالبوا بما (مضى من أجل أنهم صدوا عن البيت، ~~فيحملهم البغض [أن] يطالبوا بما) تقدم في الجاهلية من قتل أو ms0561 غيره. ثم ~~أمروا أن يتعاونوا على البر والتقوى، والبر: ما أمرت به، ~~والتقوى: ما نهيت عنه: قاله ابن عباس. # وقال سهل بن عبد الله: " البر: الإيمان، والتقوى: السنة ". { ولا ~~تعاونوا على الإثم والعدوان } { الإثم }: الكفر، { ~~والعدوان }: البدعة. # { واتقوا الله } أي: خافوه إنه شديد العقاب. ### || [5.3] # قوله: { حرمت عليكم الميتة والدم ولحم ~~الخنزير } الآية. # المعنى: أن الله تعالى حرم [أكل كل] ما مات من الأنعام وغيرها قبل ~~التذكية، وحرم الدم المسفوح ولحم الخنزير [مذكى] أو غير [مذكى] ~~وحرم { ومآ أهل لغير الله به } وهو (ما ذبح) للأصنام ~~والأزلام وشبهها مما أريد به غير الله، ومما تعمد في وقت ذبحه ترك ~~ذكر اسم الله عليه، وحرم { المنخنقة } وهي التي تختنق بحبل ~~أو بين حجرين أو عودين - ونحو ذلك - فتموت قبل التذكية، وحرم { ~~والموقوذة } وهي التي تموت من ضرب عصا أو حجر أو [غير] ذلك فتموت ~~قبل التذكية، وحرم { والمتردية } وهي التي تسقط من جبل أو في ~~بئر ونحو ذلك فتموت قبل التذكية، وحرم { النطيحة } وهي التي تموت من ~~نطح شاة أخرى لها، أو من نطحها لشاة أخرى، وكانوا يأكلون ذلك في الجاهلية ~~من غير تذكية. # واختلف في { النطيحة } فقيل: (هي) " فعيلة " (بمعنى " مفعولة " ~~وقيل هي) بمعنى " فاعلة " ، ولذلك ثبتت الهاء (فيها). # وقال الفراء: إنما ثبتت الهاء، لأنه ليس قبلها مؤنث فتحذف الهاء لدلالة ~~المؤنث على التأنيث، إنما تحذف إذا كان قبلها ما يدل على التأنيث. # وحرم { ومآ أكل السبع } وهو أن [يؤخذ] منه وقد أكل بعضها وليس ~~مما علم / للصيد. # وكان سبب ذكر هذه الأشياء أن العرب الجاهلية كانت تضرب الشاة بالعصا حتى ~~تموت وتأكلها، وكانت تأكل ما لحقت من الشاة وغيرها في فم الأسد، وكانت ~~تخنق الشاة بالحبل حتى تموت وتأكلها، وكانت تأكل جميع ما ذكر الله ~~تحريمه، فأنبأنا الله بتحريمه، وهذه حجة من أجاز أكل جميع ذلك إذا ذكى ~~وفيه حياة على أي: حال كان. # قوله { إلا ما ذكيتم } اختلف العلماء في هذا الاستثناء: ~~فأكثرهم على أنه مستثنى ذكر تحريمه، ms0562 كأنه حرم علينا جميع ما ذكره إلا ما ~~أدركنا ذكاته وفيه شيء من روح. وأكثر الفقهاء على أن ما أدرك من جميعه ~~فذكي وتحركت رجله أو طرف بعينه أو علم أنه بقيت (فيه) حياة، فإنه يؤكل. # ومنهم من يرى أن هذا الاستثناء إنما هو من التحريم، لا من المحرمات ~~المذكورة، كأن تقديره: إلا ما أحله الله لكم بالتذكية، وهو مذهب أهل ~~المدينة، فيكون المعنى: إلا ما ذكيتم مما ذكر مما ترجى له الحياة لو ~~ترك، لا ما ذكيتم مما لا ترجى (له) الحياة لو ترك، فكل ما أصيب من ذلك في ~~مقتل، فلا تنفع فيه الذكاة وإن أدرك وفيه حياة، هذا مذهب مالك وأهل ~~المدينة. # ويدل على صحة هذا القول أن هذه الأشياء المذكورات بالتحريم لو كانت لا ~~تحرم إلا بالموت قبل الذكاة، لكان قوله { حرمت عليكم ~~الميتة } يغني عن ذكر ما بعده، ولا يكون لذكر ما بعد الميتة ~~فائدة. # وقد قال المخالف: الفائدة في ذكر ما بعد الميتة وهو من الميتة ما تقدم ~~ذكره من أن (أهل) الجاهلية كانت تخنق الشاة حتى تموت وتأكلها وتضرب الشاة ~~حتى تموت وتأكلها، فأعيد ذكرها بعد الميتة لهذا السبب. # وقد سئل مالك عن الشاة يخرق بطنها وتدرك (و) فيها حياة، قال: لا أرى أن ~~تذكى ولا تؤكل، وكذلك مذهبه في كل ما تيقن أنه لا يعيش مما نزل به: أنه ~~لا يذكى ولا يؤكل إن ذكي وفيه بعض حياة. # وأصل التذكية - في اللغة - التمام، يقال: " لفلان ذكاء " أي: تمام ~~الفهم، " وذكيت النار ". أتممت إيقادها. # وقرأ الحسن: (السبع) بالإسكان، وهي لغة أهل نجد. وأجاز مالك أكل ~~ذبيحة السارق، ومنعه غيره. ولا يؤكل ما ذبحه المحرم من صيد، لا يأكله ~~هو ولا غيره عند مالك وغيره، بخلاف ما ذبح السارق. وقوله: { حرمت ~~عليكم الميتة والدم } مخصوص، لأن الدم الذي هو غير مسفوح ~~- كالكبد وما أشبهه - حلال، # " وأحل النبي صلى الله عليه وسلم أكل الحيتان والجراد والميتة " # ، فالدم خصصه قوله في " الأنعام " # أو دما مسفوحا # [الأنعام: ms0563 145]، والميتة خصصتها السنة. # وقوله { وما ذبح على النصب } حرم الله ما ذبح ليقرب إلى ~~الأصنام، وقيل: النصب حجارة يذبح عليها أهل الجاهلية ويعبدونها. # قوله { وأن تستقسموا بالأزلام }: أي وحرم ذلك عليكم، وهو ~~أن أحدهم (كان) إذا أراد سفرا أو غزوا أجال القداح - وهي الأزلام - ~~وكانت مكتوبا على بعضها " نهاني ربي " ، وعلى بعضها، " أمرني ربي " ، ~~فإذا خرج القدح الذي عليه النهي لم يسافر، وإذا خرج الذي عليه الأمر ~~سافر. وقيل: الأزلام حصى بيض كانوا يضربون بها. # وقيل: الأزلام كعاب فارس كانوا يتقامرون بها. # وقيل: هي الشطرنج. # ومعنى { تستقسموا } تستدعوا القسم، كما تقول: استسقى إذا ~~استدعى السقي، والاستقسام من القسم، كأنهم يطلبون بها النصيب من سفر ~~أو بركة على ما يريدون. # وقال ابن إسحاق: كانت هبل أعظم صنما لقريش بمكة، وكانت على بئر في جوف ~~الكعبة يروى أن إبراهيم وإسماعيل حفراها ليكون فيها ما يهدى إلى الكعبة ~~من حلي وغيره، وكانت عند هبل سبعة أقداح، كل قدح منها فيه كتاب: قدح فيه ~~" العقل " إذا اختلفوا في العقل من يحمله منهم ضربوا بالقداح السبعة، ~~وقدح فيه " نعم " ، إذا ضربوا به فخرج " نعم " عملوا به، وقدح فيه " لا " ~~فإذا أرادوا أمرا فضربوا (به) فخرج ذلك القدح لم يفعلوا ذلك، وقدح فيه " ~~منكم " ، وقدح فيه " ملصق " ، وقدح فيه " من غيركم " ، وقدح فيه " ~~المياه " ، فإذا أرادوا أن يحفروا للماء ضربوا بالقداح - وفيها ذلك القدح ~~- فإذا خرج عملوا به، وكانوا يستعملون ذلك في نكاحهم وجميع أمورهم، ~~وكانوا إذا شكوا في نسب أحد [منهم] ذهبوا به إلى هبل وبمائة درهم، ~~فأعطوها صاحب القداح الذي يضرب بها، ثم قربوا صاحبهم وقالوا: يا إلهنا، ~~هذا فلان (بن فلان) أخرج لنا الحق فيه، ثم يقولون لصاحب القداح: ~~اضرب، فيضرب، فإن خرج عليه " منكم " كان من أوسطهم، (وإن خرج عليه " من ~~غيركم " كان حليفا)، وإن خرج [عليه] " ملصق " كان لا نسب له ولا حلف، ~~وإن خرج " لا " أخروه عامهم ذلك وأتوا به عاما آخر: أحكاما لم يأمر ~~(الله بها) ولا رضيها. # قوله ms0564 { اليوم يئس الذين كفروا من دينكم } الآية، ~~المعنى: الآن يئس الكفار منكم أن تتركوا دينكم وترتدوا إلى دينهم، وذلك ~~اليوم (يوم) عرفة، عام حج النبي عليه السلام حجة الوداع، بعد دخول العرب ~~في الإسلام. # وقيل: ذلك يوم جمعة، نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى الناس فلم ير إلا ~~موحدا فحمد الله على ذلك، فنزلت الآية. # وقيل: المعنى: الآن، والعرب تقول: " أنا اليوم قد كبرت عن ~~هذا " أي: الآن. # وقال الحسن: يئسوا أن تستحلوا في دينكم ما استحلوا في دينهم. # { فلا تخشوهم } أي: لا تخافوهم أن يقهروكم فيردوكم عن دينكم، ~~وخافون أي: إن خالفتم أمري. # وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: المائدة آخر سورة نزلت، فما ~~وجدتم فيها من حلال فاستحلوه، وما وجدتم فيها من حرام فحرموه. # فهذا يقوي قول من (قال): " لا منسوخ فيها " ، وهو قول الحسن وغيره، وليس ~~عليه العمل، بل فيها ناسخ ومنسوخ عند أكثر العلماء. # قوله { اليوم أكملت لكم دينكم } أي: أتممت فرائضي ~~عليكم وحدودي، ونزل ذلك يوم عرفة في حجة الوداع، ولم يعش النبي عليه ~~السلام - بعد نزول هذه الآية - إلا إحدى وثمانين ليلة، ولم ينزل بعدها ~~حلال ولا حرام، # " ولما نزلت هذه الآية بكى عمر، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما ~~يبكيك؟ # فقال: كنا في زيادة من ديننا، فأما إذا كمل، فإنه لم يكمل ~~شيء إلا نقص. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: صدقت ". # قال عمر: نزلت يوم جمعة يوم عرفة. # وقيل: معنى كمال الدين: أنه منع أن يحج مشرك وكمل الحج للمسلمين ونفي ~~المشركون من البيت الحرام والحج، قال ذلك قتادة وابن جبير وغيرهما. # وقيل: المعنى: اليوم أظهرت دينكم على سائر الأديان وأهلكت عدوكم. # وذكر بعض العلماء أن في المائدة (ثمان عشرة) فريضة ليست في غيرها (وهي): # تحريم الميتة / والدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، والمنخنقة، ~~والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع، وما ذبح على النصب، ~~والاستقسام بالأزلام، وتحليل طعام أهل الكتاب، وتحليل المحصنات من الذين ms0565 ~~أوتوا الكتاب، والجوارح مكلبين، وتمام الطهور: # إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم # [المائدة: 6]، وحكم السارق والسارقة، ونفي (فرض) البحيرة والسائبة ~~والوصيلة والحامي، وهي آخر سورة نزلت. # واختيار الطبري أن يكون المعنى أن الله أعلم نبيه أنه أكمل لهم دينهم ~~بانفرادهم بالبلد الحرام وإجلائه عنه المشركين حتى حج المسلمون، لا مشرك ~~يخالطهم، فأما إكماله بتمام الفرائض فيعارضه ما روى البراء بن عازب أن ~~آخر آية نزلت # يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة # [النساء: 176] الآية، (و) أيضا فإن قول من قال: " نزل بعد ذلك فرائض " ~~، أولى من قول من قال: " لم ينزل " ، لأن الذي نفى يخبر أنه لا علم عنده، ~~والنفي لا يكون شهادة مع خبر الصادق بالإيجاب. # وقوله { [و] أتممت عليكم نعمتي } هو منع المشركين الحرام ~~وانفراد المسلمين به. # (وقوله) { ورضيت لكم الإسلم دينا } أي: رضيت لكم أن ~~تستسلموا لأمري وطاعتي، { دينا }: ولم يزل تعالى راضيا به لهم، ولكن ~~لما تم وكمل ذكر الرضى به. # وقيل: إن هذه الآية نزلت بالمدينة يوم الاثنين. # وقوله { فمن اضطر في مخمصة } أي: من أصابه ضر في مجاعة، ~~فالميتة حلال له. # والمخمصة: من خمص البطن، وهو ضموره من الجوع، وذكر بعضهم أنه مصدر ~~من: " خمصه الجوع " وقيل: هو اسم للمصدر. # ومعنى { غير متجانف لإثم } أي: غير مائل ولا متحرف إلى أكلها ~~يريد به التعمد - من غير ضرورة - (واتباع الشهوة) وقيل: معناه: غير ~~متعمد لاكتساب الإثم بأكله من غير ضرورة، يقال: " جنف القوم " ، إذا ~~مالوا وكل أعرج فهو أجنف. # قوله { فإن الله غفور رحيم } أي: له، وفي الكلام حذف، ~~والمعنى غير متجانف لإثم فأكله. [والمعنى]: فإن الله يستر له عن أكله ~~ويرحمه، ومن رحمته أنه أباح له ما حرم عليه عند الضرورة. # قال الحسن والنخعي والشعبي: إنما يأكل المضطر من الميتة قدر ما يقيمه. # وقال عطاء: يأكل منها قدر ما يرد نفسه، ولا يشبع. # وقال مسروق: من اضطر إلى الميتة فتحرج أن يأكل منها حتى مات، دخل ~~النار. # قال مسروق: (و) ليس في الخمر رخصة، إذا ms0566 اضطر إليها [مضطر] لأنها لا ~~تروي. # ولا يحل أكل الميتة لمضطر خرج لفساد الطرق وقطعها، قاله مجاهد. ### || [5.4] # قوله { يسألونك ماذآ أحل لهم } الآية. # المعنى: أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم ما الذي أحل الله لهم، ~~فقال الله له { [قل] أحل لكم الطيبات } وهو الحلال الذي ~~أذن فيه من الذبائح، وأعلمهم أنه أحل لهم (مع ذلك) أكل صيد ما علموا من ~~الجوارح، وهي سباع البهائم والطير، سميت " جوارح " (لكسبها لأربابها) ~~أقواتهم، فالجوارح: الكواسب، (و) واحدها: جارحة يقال: جرح فلان أهله ~~خيرا " ، إذا أكسبهم خيرا، و " فلان جارحة أهله " أي: كاسبهم، و " لا ~~جارح لفلان " أي: ليس له كاسب، و " فلان يجترح " أي: يكتسب، ومنه قوله ~~تعالى: / # أم حسب الذين اجترحوا السيئات # [الجاثية: 21] أي: اكتسبوها، ومنه قوله تعالى # ويعلم ما جرحتم بالنهار # [الأنعام: 60] أي: ما اكتسبتم. # وفي الكلام حذف، والتقدير: قل أحل لكم الطيبات وصيد ما علمتم من ~~الجوارح. # وكان النبي قد أمر بقتل الكلاب، فسألوا عما يحل اتخاذه منها وصيده، فنزل ~~{ وما علمتم من الجوارح } فعلم أنه مباح اكتساب كلاب ~~الصيد سلوقية أو غير سلوقية. # ومعنى { مكلبين }: أصحاب كلاب، قال مجاهد: الفهد من الجوارح، ~~وكلهم على أن الصقر والبازي من الجوارح، وكذلك العقاب. # والجوارح هي المعلمة من هذه الأنواع، إذا دعيت أجابت وإذا زجرت أطاعت، ~~فكل من أرسل منها شيئا فسمى الله عز وجل فأصابت صيدا أكل، وإن قتلته ~~فهو حلال، غير أن الضحاك قال: الجوارح: الكلاب المعلمة دون غيرها لقوله ~~{ مكلبين } ، وقد # " روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن صيد البازي، فقال: " ما ~~أمسك عليك فكل " ". # وما صاد غير المعلم لا يؤكل إلا أن تدرك ذكاته وهو حي صحيح، لم يحدث ~~فيه ما إن ترك لم يعش. وإذا أكل الكلب المعلم من الصيد، أكل باقيه عند ~~مالك. # ومعنى { مكلبين } أصحاب كلاب، ويقال: أكلب الرجل، إذا كثرت عنده ~~الكلاب، فهو مكلب. # وقد قرأ ابن مسعود (مكلبين) بإسكان الكاف، يريد كثرة كلابهم، وقيل ~~معنى { مكلبين } معلمين محرشين. # وقوله ms0567 { تعلمونهن مما علمكم الله } أي: تؤدبوهن ~~من التأديب الذي أدبكم الله به والعلم الذي علمكم، وهو الطاعة إذا زجر ~~والأخذ إذا أمر. # قال ابن عباس: التعليم: أن يمسك الصيد فلا يأكل حتى يأتيه صاحبه فيدرك ~~ذكاته، فإن أكل من صيده قبل أن يأتيه فلا يؤكل، وهو قول سعيد بن جبير ~~والنخعي والشعبي وقتادة وعطاء وعكرمة والشافعي، وروي عن أبي هريرة. # وقال ابن عمر: يؤكل وإن أكل وبه قال (مالك وجماعة معه). # ومن أرسل كلبا غير معلم فأخذ، فلا يؤكل ما أخذ إلا أن يدرك ذكاته ~~فإن أرسل معلما فأخذ ولحقه قبل أن يموت - فاشتغل عن تذكيته حتى مات - ~~فلا يؤكل، لأنه أدركه حيا وفرط في تذكيته، فإن (كان) أدركه (حيا) ~~وقد أنفذ الكلب - أو البازي - مقاتله فلم يذكه حتى مات، أكل، لأن الذكاة ~~ليست بشيء إذ هو ميت لا محالة لو ترك. # فإن أرسل المعلم فوجد معه كلبا آخر - معلما أو غير معلم - فلا ~~يؤكل، لأنه لا يدري لعل الآخر قتله وهو لم يرسله ولا سمى الله عليه، كذلك ~~قال مالك والشافعي وغيرهما، وقال الأوزاعي: إن كان الثاني معلما أكل، ~~وإن كان غير معلم لم يؤكل، وكذلك قياس البازي. فإن أرسله على صيد فأخذ ~~غيره، فإن مالكا يكره أكله، فإن أرسله في جماعة: فأيها أخذ أكل. # ولا بأس عند مالك بلعاب الكلب الصائد يصيب ثوب الإنسان، وقال الشافعي: ~~هو نجس. # فإن انفلت المعلم من يد صاحبه - ولم يرسله - فأخذ، فلا يؤكل ما أخذ عند ~~مالك والشافعي، وقال عطاء والأوزاعي: يؤكل. # ولا يؤكل صيد أهل الكتاب عند مالك، لأن الله تبارك اسمه قال # تناله أيديكم ورماحكم # [المائدة: 94] وتؤكل ذبائحهم. وأجاز الشافعي وعطاء وغيرهما أكل ما صاد ~~كلب الكتابي المعلم. # وأما صيد المجوسي فأكثرهم منعه ولم يجز أكله، فأما صيد الكتابي والمجوسي ~~للحيتان والجراد فهو / حلال أكله عند أكثر العلماء، وكره مالك صيد ~~المجوسي الجراد، ولم يكره الحيتان، فرق بين صيد البر والبحر، وكذلك قال ~~النخعي. # وكل ما أصاب المعراض يؤكل إذا ms0568 كان بغير عرضه عند مالك والشافعي. ~~فأما صيد البندقة فكرهه مالك والشافعي وغيرهما. ولم ير مالك رضي الله عنه ~~بأسا بأكل الصيد يغيب عن عين صاحب الكلب إذا وجد فيه أثرا من كلبه، ~~وكذلك السهم ما لم يبت عنه. ولم يجز ابن القاسم أكل الصيد إذا بات عن ~~المرسل. # وقال ابن الماجشون: إذا أنفذ سهمك - أو كلبك - مقتل الصيد فكله. وإن بات ~~عنك، وإذا لم ينفذ مقتله فلا تأكل إذا بات عنك، لعل غير كلبك قتله، وقاله ~~أشهب وأصبغ. # وقوله { [ممآ] أمسكن } من: للتبعيض. وقيل: هي زائدة. # ومعنى التبعيض أنه يؤكل، لحمه حلال، ويترك دمه [وفرثه]، لأن الدم ~~حرام. # وقوله: { واذكروا اسم الله " عليه " } أي: حين الإرسال. ~~وقيل: حين الأكل. # ومن نسي فلا شيء عليه، فإن تركها عامدا لم [يؤكل] ما أخذ، كما لا يؤكل ~~ما ذبح إذا ترك التسمية عامدا. # قوله: { واتقوا الله } أي: اتقوه فيما أمركم به، وأن لا تأكلوا ~~صيد غير معلم، { إن الله سريع الحساب } أي: لمن حاسبه، حافظ ~~لجميع ما تعملون. ### || [5.5] # قوله: { اليوم أحل لكم الطيبات } الآية. # الطيبات - هنا - الحلال من الذبائح. وقيل: هي كل ما تلذذ به من الحلال. ~~{ وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم } أي: ذبائحهم، ~~{ وطعامكم حل لهم } (أي) ذبائحنا جائز (لنا) أن نطعمهم ~~إياها، فتحليل ذلك هو لنا لا لهم، ومثله قوله # وليسألوا مآ أنفقوا # [الممتحنة: 10] أي: أعطوهم ما أنفقوا، فالأمر لنا لا لهم، لأنهم ليسوا ~~ممن يؤمن بالقرآن فيكون الأمر لهم. # ومذهب الشعبي وعطاء وغيرهما أنه تؤكل ذبائحهم وإن سموا عليها غير اسم ~~الله، وهذا عندهم ناسخ لقوله # ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه # [الأنعام: 121]، ويروى ذلك عن أبي الدرداء وعبادة بن الصامت. # ومن العلماء من قال: هذا استثناء وليس بناسخ لما في الأنعام، تؤكل ~~ذبائح أهل الكتاب وإن ذكر عليها اسم المسيح. # ومذهب عائشة رضي الله عنها وعلي بن أبي طالب وابن عمر أنه لا تؤكل ذبيحة ~~الكتابي [إذا] لم يسم عليها. # و " كان " مالك يكره ms0569 ذلك ولم يحرمه. وأما إن ذكر عليه اسم المسيح فلا ~~تؤكل عند مالك. وكره مالك ذبائح أهل الكتاب لكنائسهم ولم يحرمه. فأما ~~ذبيحة المجوسي فلا تؤكل. # وذبيحة نصارى تغلب لا تؤكل. وقال ابن عباس: تؤكل ذبائحهم، وهم بمنزلة ~~غيرهم، وقال بذلك غيره من الفقهاء. # وقال علي بن أبي طالب: لا تؤكل ذبائحهم، وبه قال الشافعي: فأما الحديث ~~الذي يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم في المجوس: # " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " # فإنه غير متصل الإسناد، (و) أيضا فإن الحديث إنما جرى على سبب الجزية ~~لا غير، وقوله # " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " # يدل على أنهم ليسوا منهم. # وقوله { والمحصنات من المؤمنات } أي: أحل لكم الحرائر من ~~المؤمنات والحرائر من الذين أوتوا الكتاب - نصرانية أو يهودية -، إذا ~~أعطيتها صداقها وهو { أجورهن }. # وقيل: المحصنات - هنا - العفائف من هؤلاء ومن هؤلاء، فأجاز قائل هذا / ~~نكاح الإماء من أهل الكتاب وتحريم غير العفائف من الجميع، قال ذلك مجاهد، ~~وقاله سفيان والسدي. # والحربية من أهل الكتاب - وغيرها سواء - جائز نكاحها. ومن قال: المحصنات ~~العفائف، فالحربية - من الإماء والحرائر - جائز نكاحها عنده، ومذهب مالك ~~وغيره أن إماء أهل الكتاب لا يجوز نكاحهن. # وروي أن ثواب الرجل مع الزوجة المؤمنة أفضل من ثوابه مع الزوجة ~~الكتابية، وروي أن الرجل إذا قبل زوجته المؤمنة، كتب له عشرون حسنة، ~~وإذا جامعها كتب له عشرون ومائة حسنة، فإذا اغتسل منها، لم يمر الماء ~~بشعرة من جسده إلا كتبت (له (عشر)) حسنات ومحي عنه عشر سيئات، وباهى الله ~~به الملائكة فقال: انظروا إلى عبدي قام في ليلة [قرة] يغتسل من ~~خشيتي، ورأى أن ذلك (حق لي) عليه، اشهدوا يا ملائكتي أني قد ~~غفرت له. # وروي أن المرأة لا تضع شيئا من بيت زوجها، تريد بذلك إصلاحه، ولا ترفعه ~~إلا كتب لها عشر حسنات ومحي عنها عشر سيئات، فإذا حملت ثم طلقت، فلها بكل ~~طلقة كأنما أعتقت نسمة (من ولد إسماعيل) خير النسم، فإذا أرضعت كان لها ~~بكل مصة عشر حسنات ms0570 ومحي عنها عشر سيئات، فإذا أفطمته نادى مناد من ~~السماء: أيتها المرأة قد غفر لك فاستأنفي العمل. # وروي عن (ابن المسيب) والحسن أنهما كانا لا يريان بأسا بنكاح إماء ~~اليهود والنصارى. # و(قد) قيل: عنى بذلك نساء أهل الذمة من أهل الكتاب خاصة، ونساء أهل ~~الحرب حرام، روي ذلك عن ابن عباس. # قوله { محصنين } أي: أعفاء، { غير مسافحين } أي: غير ~~مزانين، { ولا متخذي أخدان } أي: أخلاء على الزنى، ~~والخدن: الخليل للمرأة يزانيها. # قوله { ومن يكفر بالإيمان } أي: بما جاء به محمد صلى الله ~~عليه وسلم، وقيل: بالإيمان بالله عز وجل وبرسوله محمد صلى الله عليه ~~وسلم. # وقيل: بالإيمان: بما نزل من الحرام والحلال والفرائض. # ونزل ذلك في قوم تحرجوا نكاح [نساء] أهل الكتاب، فأنزل الله { ومن ~~يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من ~~الخاسرين } ، أي من يرد من أتى به محمد صلى الله عليه وسلم. # وقيل: الإيمان - هنا - التوحيد، وهو مثل قوله # لئن أشركت ليحبطن عملك # [الزمر: 65] ومثل قوله # ومن يبتغ غير الإسلام دينا # [آل عمران: 85] الآية. ### || [5.6] # قوله: { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى ~~الصلاة } الآية. # قوله { وأرجلكم }: من خفض. # (فهو) عند الأخفش وأبي عبيدة على الجوار، والمعنى للغسل، شبه الأخفش ~~بقولهم " هذا جحر ضب خرب " ، وهذا قول مردود، لأن الجوار لا ~~يقاس عليه، إنما يسمع ما جاء منه ولا يقاس عليه. # وأيضا فإن الأرجل معها حرف العطف، ولا يكون الإتباع مع حرف العطف. # وقيل: إنه إنما خفض لاشتراك الغسل والمسح في باب الوضوء، كما قال # وحور عين # [الواقعة: 22] فخفض وعطفه على الفاكهة التي يطاف بها، وهذا مما لا يطاف ~~به، ولكن عطفه عليه لاشتراكهما في التنعم بهما، وكما قال الشاعر: # شراب ألبان وتمر وأقط # فعطف التمر والأقط على ما يشرب، وليس يشربان، ولكن فعل ذلك لاشتراكهما ~~في التغدي بهما، ومثله قوله: # ورأيت زوجك قد غدا # متقلدا سيفا ورمحا # فعطف الرمح على / السيف وليس الرمح مما يتقلد به، ولكن عطفه عليه ~~لاشتراكهما في الحمل وفي أنهما سلاح، ms0571 ومثله: # علفتها تبنا وماء باردا # فعطف الماء على التبن وليس مما يوصف بالعلف، ولكن فعل ذلك لاشتراكهما ~~في أنهما غذاء لها. ومثله قوله: # وزججن الحواجب والعيونا # فعطف العيون على الحواجب وليست مما يزجج إنما تكحل، ولكن عطفه ~~عليه لاشتراكهما في التزين بهما، فكذلك يحمل الغسل على المسح لاشتراكهما ~~في باب الوضوء. # وتقدير ما ذكرنا - عند النحويين - على حذف فعل فيه (كله) على قدر ~~معانيه، كأنه قال [وأكال تمر]، (وحاملا رمحا)، (وسقيتها ~~ماء)، (وكحلن العيون) ونحو ذلك من التقدير. # وقال علي بن سليمان تقديره: وأرجلكم غسلا. # وقيل: المسح - في كلام العرب - يكون بمعنى الغسل يقال: تمسحت للصلاة أي: ~~توضأت لها فاحتمل المسح للأرجل أن يكون بمعنى الغسل وبغير معنى الغسل، ~~فبينت السنة أن المسح للرؤوس بغير معنى الغسل، وأن المسح للأرجل بمعنى ~~الغسل. # وقال قوم من العلماء - منهم الشعبي -: من قرأ بالخفض [فقراءته] منسوخة ~~بالسنة. # واستدل من قال: أن معنى الخفض النصب، بقوله { إلى الكعبين } ، ~~فحدد كما حدد اليدين إلى المرفقين، ولما كانت اليدان مغسولتين بالإجماع ~~وجب أن تكون الرجلان كذلك لاشتراكهما في التحديد. # وقال ابن عباس: [قراءة] النصب ناسخة للمسح على الخفين وهو مذهب عائشة ~~وأبي هريرة. قال ابن عباس: ما مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~الخفين بعد نزول المائدة. وقد أجاز المسح على الخفين جماعة من الصحابة ~~ورووه عن النبي عليه السلام أنه مسح بعد (نزول) المائدة، ومن أوجب شيئا ~~أولى بالقبول ممن نفى، وعليه جماعة الفقهاء، وهو قول علي وسعد وبلال و ~~(عمرو بن) أمية وحذيفة وبريدة وغيرهم. # وهذه الآية ناسخة لقوله: # لا تقربوا الصلوة وأنتم سكرى # [النساء: 43]، وهو قول جماعة. # وقيل: هي ناسخة لما كانوا عليه: روي # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أحدث (لم يكلم أحدا) حتى يتوضأ ~~فنسخ ذلك بالوضوء عند افتتاح الصلاة " # وقيل: هي منسوخة، لأنها لو لم تنسخ لوجب على كل قائم إلى الصلاة الوضوء، ~~فنسخها فعل النبي صلى الله عليه وسلم وجمعه صلاتين وصلوات بوضوء واحد. # وروي ms0572 عن علي رضي الله عنه أنه قال: هي على الندب، ندب كل قائم إلى ~~الصلاة إلى الوضوء وإن كان (على وضوء) وقيل: يجب على كل من قام إلى ~~الصلاة الوضوء - وإن كان) متوضئا - بظاهر الآية، وهذا قول خارج عن قول ~~الجماعة، وهو قول عكرمة وابن سيرين. وروي أن عليا رضي الله عنه كان ~~يتوضأ لكل صلاة. # وقال زيد بن أسلم وأهل المدينة: الآية مخصوصة فيمن قام من النوم. # وقيل: الآية مخصوصة يراد بها من كان على غير طهارة، وهو قول الشافعي، ~~قال: المعنى: إذا قمتم - وقد أحدثتم - فافعلوا كذا. # ومعنى { إذا قمتم } ، إذا أردتم القيام، كقوله: # فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله # [النحل: 98] أي: إذا أردت [قراءة] القرآن. # وقوله { وامسحوا برؤوسكم }: الباء للتوكيد / لا للتعدية، ~~والمعنى: (و) امسحوا رؤوسكم، ولا يجزئ مسح بعض الرأس لأجل دخول الباء، ~~كما لا يجزئ مسح بعض الوجه في التيمم لدخول الباء في قوله: # فامسحوا بوجوهكم # [النساء: 43]، وهذا إجماع، فالرأس مثله. # وقوله: { إلى المرافق }: روى أشهب عن مالك أنه قال: الغسل إليهما ~~ولا يدخلان في الغسل، وروى غير أشهب عنه أن غسلهما واجب مثل الكعبين ~~اللذين أجمع على غسلهما، وهو قول عطاء والشافعي. # وأصل (إلى) - في اللغة - الانتهاء، كقوله: # ثم أتموا الصيام إلى الليل # [البقرة: 187]، فالليل آخر الصوم غير داخل في الصوم، وكذلك المرفقان غير ~~داخلين في الوضوء. # ومن أدخل المرفقين في الغسل، فإنما هو على أن يجعل " إلى " بمعنى " مع ~~" كما قال: # ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم # [النساء: 2] أي: " مع " ، وكما قال: # من أنصاري إلى الله # [آل عمران: 52، الصف: 14] أي: مع الله، هذا قول بعض أهل اللغة. ومنع ذلك ~~المبرد وغيره من النحويين لأن اليد - عند العرب - حدها إلى الكتف فلو ~~كانت " إلى " بمعنى " مع " وجب غسل اليد كلها إلى الكتف، لأنه آخرها، و " ~~إلى " عنده على بابها، قال المبرد: إذا كان ما بعد " إلى " مما قبلها، ~~فما بعدها داخل فيما قبلها كآية (الوضوء)، وإذا كان بعدها مخالفا لما ~~قبلها، فالثاني غير داخل فيما دخل ms0573 فيه الأول، كقوله { إلى الليل } ~~، فلو قلت " بعت هذا الفدان إلى هذه الدار " ، لم تدخل الدار في ~~البيع، لأن الدار مخالفة للفدان، ولو قلت " بعت هذا الثوب من هذا الطرف ~~إلى هذا الطرف " ، دخل الطرف الثاني في البيع، كذلك لما كانت المرفقان ~~من جنس اليد، دخلتا في الغسل مع اليد، فإذا كان الحد من جنس المحدود دخل ~~معه، وإذا كان من غير جنسه لم يدخل معه، هذا التفسير قول المبرد، وهو حسن ~~جيد، ولذلك يقول الموثقون: " اشترى الدار بحدودها " ، فالحدود داخلة في ~~البيع. # (وكان الطبري يقول): ليس غسلهما بواجب، فهو ندب من النبي صلى الله عليه ~~وسلم لقوله: # " أمتي الغر المحجلون من آثار الوضوء، فمن استطاع أن يطيل غرته ~~فليفعل ". # قوله: { وإن كنتم جنبا } أي: [ذوو] جنب، " وجنب " مصدر لا ~~يثنى ولا يجمع، كعدل ورضى وصوم، يقال: قوم صوم، ورجل صوم، يقال: ~~أجنب الرجل وجنب وجنب. # (و) قوله: { وإن كنتم مرضى } أي: جرحى أو مجدورين وأنتم جنب، { ~~أو على سفر } أي: مسافرين وأنتم جنب. # وقوله: { أو لامستم النسآء } قيل: اللمس: الجماع. (وقيل): هو ~~المس دون الجماع، كالقبلة والمباشرة. # ويسأل من قال: هو الجماع، ما وجه تكريره وقد مضى حكم الجنب في قوله: { ~~وإن كنتم جنبا فاطهروا }؟ فالجواب: أن الأول بين حكمه ~~وأمره بالطهر إذا وجد الماء، ففرض عليه الاغتسال، ثم بين - ثانية - ~~حكمه إذا أعوزه الماء، فأعلمه أن التيمم بالصعيد طهور حينئذ. والتيمم: ~~القصد والتوخي إلى الشيء. # قوله: { ما يريد الله ليجعل عليكم (من حرج) } أي: ~~ضيق في فروضكم، { ولكن يريد ليطهركم } أي: يطهركم بما ~~فرض عليكم فتطهرون من الذنوب، # " وروى شهر بن حوشب عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~إن الوضوء يكفر ما قبله، ثم تصير الصلاة نافلة، قلت: أنت سمعت هذا ~~من رسول الله؟ قال: نعم، / غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث ولا أربع ولا خمس ~~". # وقال ابن جبير: معنى { وليتم نعمته عليكم }: ليدخلكم ~~الجنة، (أي) فإنها لم تتم نعمة الله على عبد ms0574 حتى يدخله الجنة، ولن يدخله ~~الجنة حتى يغفر له، كذلك قال لنبيه: # ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ~~ويتم نعمته عليك # [الفتح: 2] فلم تتم النعمة إلا بعد المغفرة، وهو قول زيد بن أسلم ذكر ~~جميع ذلك ابن وهب وغيره. ### || [5.7] # قوله: { واذكروا نعمة الله عليكم } الآية. # قوله: { بذات الصدور }: قال الأخفش والفراء وابن كيسان: الوقف ~~بالتاء على (ذات) وهو خط المصحف، لأن التاء كأنها متوسطة. # ومذهب الكسائي والجرمي أن تقف بالهاء، وهو اختيار أبي غانم، لأن هذا ~~تأنيث الأسماء. # ومعنى الآية أن الله تعالى ذكرهم بنعمته أن هداهم لما فيه النجاة لهم. # ومعنى { وميثاقه } هو ما بايعوا عليه النبي عليه السلام من السمع ~~والطاعة فيما (أحبوا) وكرهوا والعمل بكل ما أمرهم به، قال ذلك ابن عباس ~~وغيره وقال مجاهد: الميثاق - هنا - ما أخذه الله عز وجل على عباده إذ ~~أخرجهم من صلب آدم فقال: # ألست بربكم قالوا بلى # [الأعراف: 172]، فأقروا بأن الله ربهم، وصار ذلك ميثاقا عليهم، فمن آمن ~~بالله وأسلم فقد تمسك بالميثاق، ومن كفر فهو ممن نقض الميثاق. وقيل: هي ~~بيعة الرضوان. # قوله: { واتقوا الله } أي: خافوا الله أن تضمروا لرسوله صلى ~~الله عليه وسلم خلاف ما تبدون، فإنه يعلم ما في الصدور. ### || [5.8] # قوله: { يا أيهآ الذين آمنوا كونوا قوامين } الآية. # المعنى: أن الله عز وجل حض المؤمنين أن يكونوا شهداء بالعدل في ~~أوليائهم وأعدائهم. # قوله { ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا ~~} أي لا يحملنكم بغض قوم على ألا تشهدوا بالحق وعلى ألا تعدلوا في ~~حكمكم فيهم، والمعنى: لا يحملنكم بغض المشركين على ترك العدل. وهذه الآية ~~نزلت حين هم اليهود بقتل النبي صلى الله عليه وسلم. ثم أمرهم بالعدل ~~فقال: { اعدلوا } أي: اعدلوا في الأعداء وغيرهم، فالعدل أقرب إلى ~~التقوى، أي: إلى أن تكونوا من أهل التقوى لا من أهل الجور، وهو كناية ~~عن العدل. ### || [5.9] # قوله { وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات } ~~الآية. # يقال " وعدت الرجل " تريد: " وعدته خيرا " ، و " أوعدته ms0575 " تريد: " ~~أوعدته شرا " ، فإذا ذكرت الموعود قلت فيهما جميعا " وعدته " و " ~~أوعدته " فإذا لم تذكر الموعود قلت في الخير " وعدته " ، وفي الشر " ~~أوعدته " ، هذا قول أكثر العلماء. # وقوله { لهم مغفرة وأجر عظيم } هو على الحكاية، (لأنه لا ~~يجوز في الكلام " وعدت لك درهما " ، وإنما جاء في القرآن على ~~الحكاية)، كأن تقديره: قال الله جل ذكره: للذين آمنوا عندي جنات، ثم ~~أمر النبي عليه السلام أن يخبرهم، ثم أخبر ما قال فحكاه، فقوله { لهم ~~مغفرة } يقوم مقام الموعود، وهو تفسير للوعد. ### || [5.10] # قوله { والذين كفروا وكذبوا (بآياتنآ) } الآية. # أي الذين جحدوا وحدانية الله ونقضوا ميثاقه وعهوده وكذبوا بآياته وجحدوا ~~[أنبياءه]: (هم) أصحاب الجحيم. ### || [5.11] # قوله: { يا أيهآ الذين آمنوا اذكروا نعمت الله ~~عليكم إذ هم قوم } الآية. # معنى الآية: أن الله جل ذكره أمر نبيه صلى الله عليه وسلم المؤمنين ~~بالشكر على نعمه (إذ دفع) عنهم كيد اليهود عليهم اللعنة. وكان / سبب نزول ~~هذه الآية أن النبي عليه السلام أمن رجلين مشركين من بني كلاب وأعطاهما ~~سهمين من سهامه أمانا لهما، فلقيهما عمرو بن أمية الضمري وهو مقبل من ~~بئر معونة فقتلهما ولم يعلم أن معهما أمانا من النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فلما قدم عمرو على النبي عليه السلام قال له: قتلتهما (و) ~~معهما أماني؟! قال: لم أعلم، فوداهما النبي عليه السلام ومضى إلى بني ~~النضير من اليهود ومعه أبو بكر وعمر وعلي وعثمان رضي الله عنهم، ~~يستعينهم على دية الكلابيين اللذين قتلهما عمرو فلما قرب من ~~مدينتهم، خرجوا إليه فتلقوه وقالوا: مرحبا بك يا أبا القاسم، ماذا ~~جئت له؟، فقال: رجل من أصحابي أصاب رجلين من بني كلاب - معهما أمان ~~مني - فقتلهما فلزمني ديتهما، فأريد أن تعينوني قالوا: نعم ~~والحب لك والكرامة يا أبا القاسم، اقعد حتى نجمع لك، فقعد النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه تحت الحصن، فلما خلا بنو النضير - بعضهم (إلى ~~بعض) - قالوا: لن نجد محمدا أقرب منه الآن، فمن رجل يظهر على ~~هذا الجدار فيطرح ms0576 عليه رحى أو حجرا فيريحنا منه؟، فقال رجل منهم: ~~أنا، وهو عمرو بن جحاش، فأتى جبريل النبي صلى الله عليهما فأعلمه الخبر، ~~فقام وتبعه أصحابه، فأنزل الله جل ذكره { يا أيهآ الذين ~~آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم } الآية، وفي ذلك نزل # ولا تزال تطلع على خآئنة منهم (إلا قليلا ~~منهم) # [المائدة: 13]، فعند ذلك بعث (إليهم النبي) محمد بن مسلمة ~~الأوسي، وأمره أن يأمرهم بالرحيل والخروج من جواره، فلما أتاهم محمد بن ~~مسلمة، تلقوه وسلموا عليه، فقال [لهم]: إني أرسلت إليكم برسالة، ~~ولست أبلغكموها حتى أسألكم عن شيء قلتموه لي قبل اليوم، ~~قالوا: (سلنا عما بدا لك)، فقال لهم محمد بن مسلمة: أليس قد ~~أتيتكم سنة كذا وكذا فقلتم لي: يا ابن مسلمة، إن (شئت هديناك ~~وإن شئت غديناك)، فقلت: والله ما لي حاجة بهداكم، فقربتم إلي ~~طعاما في صحفة جزع - كأني انظر: إليها -، فلما فرغت من [غذائي]، ~~قلتم لي: ما الذي أرغبك عن التوراة؟، فقلت: ما لي بها حاجة، فقلتم كأنك ~~تريد الحنيفية؟، فقلت: إيها والله أريدها، فقلتم لي: أما إن صاحبها قد ~~[رهنك] خروجه، وأشرتم نحو مكة وقلتم لي: ذلك الضحوك القتال يركب ~~البعير ويلبس الشملة و [يجتزئ] بالكسوة، سيفه على عاتقه، (لتكونن - على ~~يديه - في هذه البلاد) ملاحم وملاحم وملاحم، قالوا: قد قلنا لك ذلك، ولكن ~~ليس هو هذا. # قال: أشهد (أن لا) إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ~~ورسوله، هو - والله - هذا، وقد بعثني إليكم وقال: قد غدرتم مرة ومرة ~~ومرة، فارتحلوا من بلدي وارتحلوا من جواري، فقالوا: أخرنا عشرة ~~أيام نتجهز ونخرج، ففعل، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، ~~فصوب أمره، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بحراسة المدينة، فدب ~~إليهم المنافقون وقالوا: لم ترتحلون، وإنما أنتم أهل الثمار والأموال، ~~وقد نزل بكم محمد ولم تنزلوا به؟، فبعثوا إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم: اصنع ما أنت صانع فلسنا بمرتحلين، فكبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم ثلاث تكبيرات ثم ms0577 قال: خابت يهود، لا تصلوا الظهر إلا ~~عندهم، فغزاهم النبي صلى الله عليه وسلم فصالحوه / على ما حمل (الحافر ~~والخف): الجمل بين رجلين، والحافر لرجل واحد، وارتحلوا. # قال قتادة: هذه الآية نزلت على النبي عليه السلام وهو بنخل في الغزوة ~~السابعة، أراد بنو ثعلبة أن يفتكوا بالنبي عليه السلام فأطلعه الله على ~~ذلك. # وقيل: النعمة التي أمر الله بالشكر عليها - هنا - هي أن اليهود كانت همت ~~بقتل النبي صلى الله عليه وسلم في طعام دعوه إليه، فأعلم الله ~~نبيه بما هموا به، فلم يأتهم. # وقيل: هي ما أطلع الله نبيه من أمر المشركين إذ هموا أن يميلوا على ~~المسلمين - وهم في صلاتهم - ميلة واحدة، وذلك يوم بطن [نخل]، فعلم الله ~~نبيه صلاة الخوف والحذر منهم، وهي الغزوة السابعة. # وقيل: هي ما فعل الأعرابي، وذلك # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مستظلا تحت شجرة - وأصحابه متفرقون ~~- إذ جاء أعرابي إلى سلاح رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو معلق في ~~شجرة - فأخذ السيف وسله، ثم أقبل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من ~~يمنعك مني؟، قال: الله، قال الأعرابي - مرتين أو ثلاثا -: من يمنعك ~~مني؟، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: الله، فشام الأعرابي السيف، فدعا ~~النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فأخبرهم خبر الأعرابي وهو جالس إلى ~~جنبه لم يعاقبه " # ، قال قتادة: كان قوم أرادوا أن يفتكوا برسول الله عليه السلام، فأرسلوا ~~هذا الأعرابي. # وقيل: # " هم قريش بعثت رجلا ليفتك برسول الله، فأتى وسل سيف رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ثم قال: من يمنعك مني يا محمد؟، [قال: الله]، ثم رد السيف ~~في غمده ". ### || [5.12] # قوله { ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرآئيل } الآية. # أخبر الله تعالى في هذه الآية بما كان من أسلاف هؤلاء الذين أرادوا كيد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. # (و) قوله: { اثني عشر نقيبا }: النقيب - في اللغة - كالأمين ~~والكفيل والعريف. # قال قتادة: جعل من كل سبط (رجلا شاهدا) عليهم. # والأسباط: نسل (اثني عشر ms0578 ولدا) ليعقوب، (فنسل كل ولد ليعقوب) سبط، ~~(فجعل من كل سبط) رجل أمين عليهم. # قال السدي: أمر الله موسى وبني إسرائيل بالسير إلى بيت المقدس - وفيها ~~جبارون - فلما (قربوا) بعث موسى اثني عشر نقيبا من جميع أسباط بني ~~إسرائيل ليأتوه بخبر الجبارين، فلقيهم رجل من الجبارين - يقال له عاج - ~~فأخذ (الإثني عشر) فجعلهم في حجزته، وعلى رأسه حملة حطب، فانطلق بهم ~~إلى امرأته (وقال): انظري إلى هؤلاء القوم الذين يزعمون أنهم يقاتلوننا، ~~فطرحهم بين يديها وقال: (ألا أطحنهم) برجلي، فقالت له امرأته: لا بل ~~خل عنهم حتى يخبروا قومهم بما قد رأوا، ففعل ذلك، فقال بعضهم لبعض: ~~يا قوم إنكم إن أخبرتم بني إسرائيل خبر القوم، ارتدوا عن نبي الله، ~~ولكن اكتموه وأخبروه [نبيي] الله فيكونان هما يريان رأيهما، فأخذ ~~بعضهم على بعض الميثاق بذلك ثم رجعوا، فنكث عشرة منهم العهد، فجعل الرجل ~~يخبر أخاه وأباه بما رأى من عاج، وكتم رجلان منهم، فأتوا موسى وهارون صلى ~~الله عليهما وسلم فأخبروهما الخبر. # وقال مجاهد: أرسل موسى النقباء - من كل سبط رجلا - إلى الجبارين، ~~فوجدوهم يدخل في كم أحدهم اثنان منهم، ولا يحمل عنقود عنبهم إلا ~~خمسة أنفس، ويدخل في شطر [الرمانة] - إذا نزع حبها - خمسة أنفس، ~~فرجع النقباء، كلهم ينهى سبطه عن قتالهم إلا يوشع بن نون وآخر معه فإنهما ~~/ أمرا بقتالهم، فعصوا وأطاعوا أمر الآخرين، فعند ذلك قالوا: # فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون # [المائدة: 24]. # قال ابن عباس: جاء النقباء بحبة من فاكهتهم يحملها رجل، فقالوا: ~~اقدروا قوة قوم هذه فاكهتهم. # { وقال الله إني معكم } أي: " ناصركم على عدوكم " ، قيل: ~~هو للنقباء. وقيل لجميعهم. # (ومعنى) { (و) عزرتموهم } أي: نصرتموهم. وقيل معناه ~~[وقرتموهم] بالطاعة (لهم). # وأصل التعزير المنع. # ومعنى { وأقرضتم الله قرضا حسنا } أي: " أنفقتم في سبيل ~~الله ". # وقوله: { قرضا } خرج مصدرا على " قرض " ، كما قال # نباتا # [نوح: 17] وقبله # أنبتكم # [نوح: 17]. # وقوله تعالى { لئن أقمتم الصلاة } وما بعده: تفسير لأخذ ~~الميثاق كيف هو وما هو. # وقوله: { وبعثنا منهم } إلى ms0579 قوله { معكم }: اعتراض بين ~~الميثاق وتفسيره، غير داخل في الميثاق الذي نقضه بنو إسرائيل دون ~~النقباء، لأن الله تعالى قال للنقباء: { إني معكم } ، ومن كان ~~الله معه لم ينقض ميثاقه. ### || [5.13] # قوله { فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم } الآية. # (ما) زائدة مؤكدة للقصة، أو نكرة. و { نقضهم } بدل منها. # و { قاسية } و (قسية) لغتان، كعالم وعليم، ويؤيد قراءة { ~~قسية } قوله: # فويل للقسية قلوبهم # [الزمر: 22]. ويؤيد قرأة (قسية) أن " فعيلا " أبلغ - في المدح ~~والذم - من " فاعل " ، فعليم أبلغ من عالم، وسميع أبلغ من سامع، فالمعنى: ~~من أجل نقضهم للميثاق - للذي أخذ عليهم - لعنهم الله، أي: أبعدهم من ~~رحمته، وجعل (الله) قلوبهم قسية، أي: غليظة [نابية] عن الإيمان والتوفيق ~~بطاعة الله. # والقاسية والعاتية: واحد. # وقوله: { يحرفون الكلم عن مواضعه } أخبر الله عز وجل ~~عن فعلهم أنهم يبدلون ما في التوراة ويكتبون بأيديهم غير الذي أنزله ~~الله، ويقولون لجهالهم: هذا كلام الله. وهذا من صفة القرون (التي) كانت ~~بعد موسى من اليهود، ومنهم من أدرك عصر نبينا، فأخبره الله عنهم بما ~~[يعملون]، وأدخلهم في ذكر ما كانوا قبلهم إذ كانوا من أبنائهم وعلى ~~منهاجهم. # وقيل: معنى { يحرفون الكلم عن مواضعه } يتأولونه على ~~غير تأويله. # وقيل: معنى { [وجعلنا] قلوبهم قسية }: (أي وصفناهم ~~بهذا). # وقوله: " { ونسوا حظا مما ذكروا به } أي: تركوا نصيبا ~~مما أمروا به ". # قال الحسن: تركوا عرى دينهم، أي: تركوا (الأخذ والعمل) بالتوراة. # وقوله: { ولا تزال تطلع على خآئنة منهم } أي: لا ~~تزال يا محمد تطلع من اليهود - الذين نقضوا الميثاق - على خيانة { إلا ~~قليلا منهم } ، والخائنة، الخيانة، وضع الاسم موضع المصدر، ~~كقولهم " خاطئة " في موضع " خطيئة " و " قائلة " في " قيلولة ". وقيل: ~~(التقدير): على فرقة خائنة. وقيل على رجل خائنة، كما يقال: رجل راوية، ~~يريد: لا تزال يا محمد تطلع على مثل الذين هموا بقتلك. # وقيل: المعنى على نسمة خائنة منهم. ويجوز أن يكون التقدير: على فرقة ~~خائنة، أو: على طائفة خائنة. وقيل: الهاء للمبالغة، وقيل: (المعنى): على ~~خائن منهم. # { فاعف عنهم واصفح }: أمر ms0580 النبي صلى الله عليه وسلم بالعفو ~~عن هؤلاء الذين أرادوا قتله من اليهود. وقال قتادة: هي منسوخة بآية ~~القتال في " براءة ". وقيل: هي منسوخة بقوله: # وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على ~~سوآء # [الأنفال: 58]. وقيل: المعنى: فاعف عنهم واصفح ما دام / بينك وبينهم ذمة ~~وعهد. ### || [5.14] # قوله { ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ~~ميثاقهم } الآية. # هذا في الإعراب كقولك " من زيد أخذت درهمه " وهو حسن، ولو قلت: " درهمه ~~من زيد ( " أخذت " ، و " ميثاقهم من الذين قالوا إنا نصارى أخذنا " ، و " ~~أخذت درهمه من زيد " )، و " (ألينها لبست من الثياب) " ، لم يجز ~~[لتقدم] المضمر على المظهر. # ومعنى الآية: أن الله تعالى أعلمنا أنه أخذ أيضا من النصارى ميثاقهم، ~~فسلكوا مسلك اليهود، فبدلوا ونقضوا وتركوا حظهم الذي ذكروا به من ~~الإنجيل مثل اليهود. # وقوله: { فأغرينا بينهم العداوة } أي: حرضنا وألقينا. ~~وهي الأهواء المختلفة والتباغض والخصومات في الدين التي بين اليهود ~~والنصارى. # وقيل: بين النصارى بعضهم مع بعض، وبين اليهود بعضهم مع بعض. والهاء ~~والميم في { بينهم } تعود على اليهود والنصارى. # وقيل: على النصارى، لأنهم قد افترقوا فرقا منهم: النسطورية واليعقوبية ~~و [الملكانية] وغير ذلك، فالعداوة بين بعضهم مع بعض. ### || [5.15-16] # قوله { يا أهل الكتاب قد جآءكم رسولنا يبين ~~لكم كثيرا } الآية. # المعنى: أن الله عز وجل أعلم أهل الكتاب أنه أرسل إليهم محمدا صلى الله ~~عليه وسلم يبين لهم كثيرا مما أخفوا من الكتاب - وهو التوراة والإنجيل ~~-، وكان ذلك من أدل ما يكون على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم إذ أعلم ~~الناس بما فعل أهل الكتاب، فمما بينه: رجم الزانيين المحصنين - وقد أخفوه ~~وغيروه -، وقتل النفس بالنفس وغيره. # وقال [القرظي]: أول ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم من القرآن - ~~حين قدم المدينة - هاتان الآيتان وكانت اليهود بها يومئذ، ثم نزلت السورة ~~كلها جملة (واحدة) عليه بعرفات. # ومعنى { ويعفوا عن كثير } أي: (و) يترك أخذكم بكثير مما كنتم ~~تخفون من كتابكم، فلا يأمركم بالعمل به، إلا أن يأمره الله ms0581 بذلك. وقيل: ~~هو ما جاؤهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم من تخفيف ما كان الله شدده ~~عليهم وتحليل ما كان حرم عليهم. # قوله { قد جآءكم من الله نور وكتاب مبين } إلى { ~~صراط مستقيم }. # والمعنى: يا أهل التوراة والإنجيل { قد جآءكم من الله نور ~~} وهو محمد صلى الله عليه وسلم. هو نور لمن استنار به، { وكتاب ~~مبين } هو القرآن. # [وقيل: النور: التوراة، والكتاب المبين: القرآن]. { يهدي به } أي: ~~بالكتاب، { من اتبع رضوانه } أي: يهدي الله بالكتاب { سبل ~~السلام } من اتبع رضى الله عز وجل في قبول ما أتاه من ربه. # و [ { السلام } ] هنا: اسم الله جلت عظمته، أي: سبل الله. # وقيل [السلام] - هنا - السلامة، أي: طرق السلامة، والرضى من الله القبول ~~للعبد. وقيل: هو خلاف السخط. # { ويخرجهم من الظلمات } أي: من الكفر { إلى النور } ~~أي: إلى الإسلام، { بإذنه } أي: بأمره، أي: [بأمر] الله له بذلك. ### || [5.17] # قوله: { لقد كفر الذين قآلوا إن الله هو ~~المسيح ابن مريم قل فمن يملك } الآية. # معنى الآية أنها ذم للنصارى في قولهم واحتجاج عليهم في قولهم. # ومعنى { قل فمن يملك } أي: (من) يقدر ويطيق رد ما أراد الله عز ~~وجل، فلو كان المسيح إلها، لقدر على رد ما يأتيه من أمر الله سبحانه، ~~وفي عجزه عن ذلك دليل على أنه ليس بإله، إذ الإله لا يكون عاجزا مقهورا ~~تلحقه الآفات، فعيسى كسائر ولد آدم. # قوله تعالى: { ولله ملك السموت والأرض } أي: تصريف ما ~~فيهما وما بينهما، فهو يهلك من يشاء ويبقي من يشاء. (ووحد) الأرض، لأنها ~~تدل على النوع. ### || [5.18] # / قوله: { وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء ~~الله } الآية. # معنى الآية أن قوما من اليهود والنصارى كلمهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~وخوفهم فقالوا: ما تخوفنا يا محمد؟ نحن أبناء الله وأحباؤه، فقال ~~الله لنبيه: { قل فلم يعذبكم (بذنوبكم) } إن كنتم كما ~~زعمتم، وذلك أن اليهود قالت: # لن تمسنا النار إلا أياما معدودة # [البقرة: 80]، فأقروا بالعذاب وادعوا أنهم أبناء الله وأحباؤه. # ثم قال: قل ms0582 لهم يا محمد { بل أنتم بشر ممن خلق } أي: ~~أنتم مثل سائر بني آدم، لا فضل لكم عليهم إلا بالطاعة. # { يغفر لمن يشآء } أي: يستر ذنوبه، وهم المؤمنون، { ~~ويعذب من يشآء } أي: يميته على الضلالة فيعذبه. وقال السدي في ~~معنى { يغفر لمن يشآء } أي: يهدي من يشاء في الدنيا فيغفر له، { ~~ويعذب من يشآء } (أي يميته على الضلالة) فيعذبه. # { و[لله] ملك السموت والأرض } أي: تدبيرها وتدبير ما ~~بينهما، وإليه مصيركم فيجازيكم بأعمالكم. # وقوله { فلم يعذبكم } معناه: فلم عذبكم بذنوبكم فمسخكم قردة ~~وخنازير؟ وإنما احتج عليهم النبي صلى الله عليه وسلم بما قد كان وعلم، ~~ولم يحتج عليهم بما لم يقع بعد، لأنهم ينكرون ذلك ويدعون أنهم لا ~~يعذبون فيما يستقبلون، فالماضي [أولى] به وعليه المعنى. ### || [5.19] # قوله { يا أهل الكتاب قد جآءكم رسولنا يبين ~~لكم على فترة من الرسل } الآية. # قوله { أن تقولوا ما جآءنا }: { أن } في موضع نصب أي: ~~[كراهة] أن تقولوا. # وقال الفراء: المعنى: (لأن لا) تقولوا. # ومعنى الآية أنها مخاطبة لليهود الذين كانوا بين ظهراني (مهاجر ~~النبي) صلى الله عليه وسلم، وذلك أنهم لما دعاهم النبي إلى الإيمان به ~~وبما جاءهم به، قالوا: ما بعث الله من نبي بعد موسى، ولا أنزل كتابا بعد ~~التوراة. # (و) قال ابن عباس: قال معاذ بن جبل وسعد بن عبادة وعقبة بن وهب لليهود: ~~يا معشر اليهود، اتقوا الله، فوالله إنكم لتعلمون أنه رسول الله، لقد ~~كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه وتصفونه لنا بصفته، فأنكروا ما قالوا لهم، ~~وقالوا: ما أنزل الله من كتاب بعد موسى ولا أرسل بشيرا ولا نذيرا بعده، ~~فأنزل الله الآية. # ومعنى { على فترة من الرسل }: على انقطاع من الرسل وسكون، ~~وذلك أنه كانت الرسل بين موسى وعيسى متواترين. # وقد اختلف في الفترة التي كانت بين محمد وعيسى عليه السلام: فقال قتادة: ~~هي خمس مائة سنة وستون سنة. # وقيل عنه: خمس مائة وأربعون، وقيل عنه: ست مائة وزيادة سنين. وقال ~~الضحاك: هي أربع مائة سنة وبضع وثلاثون ms0583 سنة. # وقال ابن عباس: هي أربع مائة سنة فترة لا نبي فيها، وكانت مائة سنة ~~بعث الله فيها أربعة أنبياء، منهم ثلاثة رسل، وهم الذين ذكروا في " يس " ~~، فبين ميلاد عيسى وميلاد محمد خمس مائة سنة. # وقيل: هو ما جاءهم به رسول الله من تخفيف ما كان الله شدد عليهم وتحليل ~~ما كان حرم عليهم. # ومعنى { أن تقولوا ما جآءنا من بشير ولا نذير } أي: ~~أعذرنا إليكم برسول وكتاب كراهة أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير. ### || [5.20] # قوله { وإذ قال موسى لقومه ياقوم اذكروا نعمة ~~الله عليكم } الآية. # روي عن ابن كثير أنه قرأ { ياقوم } بالرفع على معنى: يا أيها القوم، ~~رواه شبل بن عباد عنه. # وهذه الآية إعلام من الله جل ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم، / فقديم ~~فسق اليهود وغيهم، وإن موسى صلى الله عليه وسلم ذكرهم بنعم الله تعالى ~~عليهم، إذ أرسل (إليهم) الأنبياء يأتونهم بالوحي، وأنه حرضهم على الجهاد، ~~وأن لا يرتدوا على أدبارهم في قتال الجبارين الذين أمرهم الله عز وجل ~~بقتالهم. # وقيل: الأنبياء - الذين جعلهم الله عز وجل فيهم - هم الذين اختارهم موسى ~~للميقات، وهم السبعون الذين ذكرهم الله في " الأعراف ". # { وجعلكم ملوكا } أي: تخدمون، ولم يكن في ذلك الوقت من ~~بني آدم من يخدم سواهم، قال قتادة: هم أول من سخر له الخدم. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من كان له بيت وخادم فهو ملك ". # وقيل: المعنى: جعلكم ذوي منازل لا يدخل عليكم فيها إلا بإذن. # وقيل: المعنى: (جعلكم تملكون أمركم لا يغلبكم عليه غالب). # (وقال ابن وهب: سمعت مالكا يذكر عن عبد ربه) بن سعيد أن معنى { ~~وجعلكم ملوكا } هو أن يكون للرجل المسكن يأوي إليه والمرأة ~~يتزوجها والخادم تخدمه، هو أحد الملوك. # وقوله: { وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين } ~~الذي آتاهم هو المن والسلوى والبحر والحجر والغمام، قاله مجاهد. وقيل: هو ~~الدار والخادم والزوجة. # ومعنى { من العالمين } من عالمي زمانكم. وقال ابن جبير: { ~~وآتاكم ms0584 ما لم يؤت أحدا } هذه لأمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم. ### || [5.21] # قوله: { ياقوم ادخلوا الأرض المقدسة } الآية. # قال ابن عباس: هي فلسطين والأردن (و) عنه وعن مجاهد: الأرض المقدسة: ~~الطور وما حوله أمرهم موسى بدخولها عن أمر الله لهم. وقيل: هي الشام، ~~قاله قتادة. # وقيل: هي دمشق (و) فلسطين، (و) قال مقاتل: هي أريحا أرض الأردن. # والمقدسة: المطهرة، وقيل: المباركة. # وقوله: { التي كتب الله لكم } أي: التي كتبها الله لبني ~~إسرائيل، وقد سكنها بنو إسرائيل ولم يسكنها هؤلاء الذين خاطبهم موسى صلى ~~الله عليه وسلم لقوله { فإنها محرمة عليهم } ، ولم يعن ~~موسى صلى الله عليه وسلم أن الله كتبها للذين خاطبهم، وإنما عنى أن الله ~~تعالى كتبها لبني إسرائيل وقيل: معناه: التي وهب الله لكم وأعلم بها ~~أباكم إبراهيم. # وقال السدي: التي أمركم الله بدخولها. # { ولا ترتدوا على أدباركم } أي: امضوا لأمر الله في ~~قتالهم ولا ترجعوا القهقري، { فتنقلبوا خاسرين } لنكولكم ~~عن قتال عدوكم الذي أمركم الله به. ### || [5.22] # قوله: { قالوا ياموسى إن فيها قوما جبارين } الآية. # المعنى: أن الله تعالى ذكره أخبر عن (قول) قوم موسى له إذا أمرهم بدخول ~~الأرض المقدسة، وأنهم قالوا: إن فيها قوما جبارين لا طاقة لنا بهم. # سموا " جبارين " لشدتهم وعظم خلقهم وقوتهم. # وأصل الجبار: أن يكون المصلح أمر نفسه ومن يلزمه أمره، ثم استعمل في كل ~~من جر إلى نفسه نفعا بباطل أو حق، حتى قيل للمعتدي: جبار وقال بعض أهل ~~اللغة: " الجبار - من الآدميين - (العاتي) الذي يجبر الناس على ما يريد ~~". # وقولهم { لن ندخلها } لم تدخل (لن) للعصيان منهم وللامتناع من ~~أمر الله لهم، ولو كان كذلك لكفروا، إنما دخلت لتدل على امتناع الدخول ~~للخوف من الجبارين ودل على ذلك قولهم { فإن يخرجوا منها ~~فإنا داخلون } ، ومن أسماء الله جل وعز: الجبار، لأنه المصلح أمر ~~/ عباده. # قال ابن عباس: لما قرب منهم موسى، بعث إليهم اثني عشر نقيبا ليأتوه ~~بخبرهم، فدخلوا المدينة فرأوا أمرا عظيما (من) هيئتهم وأجسامهم فدخلوا ~~حائطا لبعضهم، ms0585 فجاء صاحب الحائط يجتني الثمار فنظر إلى آثارهم فتتبعها، ~~فوجدهم، فكلما أصاب واحدا منهم أخذه فجعله في كمه مع الفاكهة حتى التقط ~~الإثني عشر كلهم فجعلهم في كمه مع الفاكهة وذهب إلى ملكهم فنثرهم بين ~~يديه، فقال الملك: قد رأيتم شأننا وأمرنا، اذهبوا فأخبروا صاحبكم. فرجعوا ~~إلى موسى فأخبروه بما عاينوا من أمرهم. # وقال الضحاك: { إن فيها قوما جبارين } قال: سفلة لا ~~خلاق لهم ". # فعند ذلك قالوا لموسى { (إنا) لن ندخلها حتى يخرجوا ~~منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون }. ### || [5.23] # قوله: { قال رجلان من الذين يخافون } الآية. # قرأ سعيد بن جبير { الذين يخافون } على ما لم يسم فاعله، فأخبر ~~الله تعالى نبيه بما قال رجلان صالحان من بني إسرائيل وهما يوشع بن نون ~~وكلاب بن [يافنا] - وقيل: كالب، وقيل: اسمه كالوب بن مافنة - ~~فوفيا موسى بما عهد إليهما. # وقال ابن عباس: لما نزل موسى بمدينة الجبارين بعث من بني إسرائيل اثني ~~عشر نقيبا ليأتوا بخبره فصاروا فلقيهم رجل من الجبارين، فجعلهم في كسائه ~~(فحملهم) حتى أتى بهم المدينة ونادى في قومه، فاجتمعوا إليه [فقالوا]: من ~~أنتم؟ فقالوا: نحن قوم موسى بعثنا إليكم لنأتيه بخبركم. فأعطوهم حبة ~~عنب [بوقر] الرجل: فقالوا لهم: اذهبوا إلى موسى وقومه فقولوا لهم: ~~اقدروا قدر قوم هذه فاكهتهم، فلما أتوهم قالوا لموسى: اذهب أنت وربك ~~فقاتلا، { قال رجلان من الذين يخافون } وهما رجلان - ~~كانا من أهل المدينة - أسلما واتبعا موسى وهارون فقالا لموسى { ~~ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم ~~غالبون وعلى الله فتوكلوا (إن كنتم مؤمنين) } ~~الآية. # قال الكلبي: كانوا [بجبال] أريحا من الأردن فجبن القوم أن يدخلوها ~~فأرسلوا جواسيسهم - من كل سبط رجلا - يأتوهم بخبر الأرض المقدسة فدخل ~~الإثنا عشر فمكثوا بها [أربعين] ليلة ثم خرجوا، فصدق اثنان وكذب عشرة، ~~فقالت العشرة: رأينا أرضا تأكل أهلها ورأينا حصونا منيعة، ورأينا رجالا ~~جبابرة ينبغي لرجل منهم مائة منا، فجبنت بنو إسرائيل وقالوا: لا ندخلها ~~حتى يخرجوا منها، فقال يوشع بن نون وكالوب وهما الرجلان [اللذان] أنعم ms0586 ~~الله عليهما بالإيمان -: نحن أعلم بالقوم من هؤلاء، إن القوم قد (ملئوا ~~منا) رعبا، ادخلوا عليهم الباب، فإذا دخلتموه فإنكم غالبون، وعلى الله ~~فتوكلوا إن كنتم مؤمنين قالوا: يا موسى أيكذب منا عشرة ويصدق ~~اثنان؟ إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها. # قال الله عند ذلك: فإنها محرمة عليهم أبدا، وهم مع ذلك يتيهون في الأرض ~~أربعين سنة. فلم يدخلها أحد ممن كان مع موسى، هلكوا كلهم في التيه، إلا ~~الرجلين فإنهما دخلاها، ودخلها (مع) موسى أبناء القوم الهالكين في التيه، ~~وهذا على [قراءة] من قرأ: (يخافون) بالضم. # ومعنى / { أنعم الله عليهما } أي: بطاعته واتباع نبيه. ~~وقيل: أنعم الله عليهما بالخوف. وقال الضحاك: أنعم الله عليهما بالهدى، ~~وكانا من مدينة الجبارين. ### || [5.24] # قوله: { قالوا ياموسى إنا لن ندخلهآ أبدا ما ~~داموا فيها } الآية. # (و) هذا أيضا خبر من الله عن قول القوم لموسى، ومعنى (أبدا): أيام ~~حياتنا ومقامهم. # ومعنى { فاذهب أنت وربك } أي: وليعنك ربك، لأن الله لا يجوز ~~عليه الذهاب وإنما الذي سألوه الذهاب موسى وهذا كله إعلام من الله نبيه ~~محمدا صلى الله عليه وسلم أن بني إسرائيل لم يزالوا يعصون الأنبياء وأن ~~[الذين] بحضرتك أسوة في العصيان. ### || [5.25] # قوله: { قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي } ~~الآية. # المعنى: قال موسى - عند قولهم له ما حكى عنهم، ونكولهم عن قتال عدوهم -: ~~رب إني لا أملك إلا نفسي، وأخي كذلك، أي: وأخي [أيضا لا ~~يملك] إلا نفسه. # (وقيل: المعنى لا أملك إلا نفسي، ولا أملك إلا أخي، فيكون نسقا على ~~نفسي). # فالأخ - على القول الأول - في موضع رفع، عطف على موضع { إني } ، وعلى ~~الثاني في موضع نصب. # ويجوز الرفع في الأخ من وجه آخر: وهو أن يكون معطوفا على المضمر في { ~~أملك } ، كأنه قال: إني لا أملك أنا وأخي إلا أنفسنا. ويجوز النصب ~~على أن [يكون] نسقا على الياء التي هي اسم (أن)، بمعنى قال: إني وأخي ~~لا أملك إلا أنفسنا. # ومعنى الآية: أنه خبر من الله عن ms0587 موسى وما قال عندما قال له قومه. # ومعنى { فافرق بيننا } (أي فافصل بيننا) { وبين القوم ~~الفاسقين } أي: افصل بيننا بقضاء منك تقضيه فينا وفيهم، يقال " فرقت ~~بين الشيئين " بمعنى: فصلت بينهما، قال ابن عباس: اقض بيننا. # وقيل: المعنى: اجعل الجنة دارنا ليكون بيننا وبينهم فرق. # وأجاز أبو حاتم الوقف على { إلا نفسي } ، قال: لأن المعنى: وأخي ~~لا يملك إلا نفسه، وهذا قول مردود، لأن كل إنسان يملك نفسه فلا فائدة في ~~الكلام على هذا، ولو كان موسى لا يملك أخاه، لم يكن في تخصيص ذكره فائدة، ~~لأنه أيضا لا يملك قومه، فهم بمنزلة الأخ على هذا القول. (وقد أنكر هذا ~~القول) المبرد وغيره. ### || [5.26] # قوله: { فإنها محرمة عليهم أربعين سنة } الآية. # { أربعين سنة } منصوب ب { يتيهون } ، لأن موسى غضب عليهم ~~لما قالوا، فدعا عليهم، فحرمها الله عليهم أبدا وألزمهم أن يتيهوا ~~أربعين سنة عقوبة ولم يدخلوها. # وقيل: وهو منصوب ب { محرمة } وأنهم عوقبوا بأن حرمت عليهم أربعين ~~سنة، و { يتيهون } ، حال العامل فيه { محرمة } ، ثم بعد ~~الأربعين فتحها لهم وأسكنهم إياها وكانوا يومئذ ست مائة ألف مقاتل، ~~فلبثوا أربعين { سنة } في ستة فراسخ جادين في السير، فإذا سئموا ~~ونزلوا، فإذا هم في الدار التي منها ارتحلوا، فاشتكوا إلى موسى ما فعل ~~بهم، فأنزل الله عز وجل عليهم المن والسلوى و (ظللهم بالغمام)، وانفجر ~~لهم حجر أبيض عن اثنتي عشرة عينا، لكل سبط منهم عين، فلما تمت الأربعون ~~سنة أمرهم الله أن يأتوا المدينة، فقد كفوا أمر عدوهم، وقال لهم: إذا ~~أتيتم المسجد فأتوا الباب واسجدوا وقولوا " حطة " ، بمعنى: حط عنا ~~ذنوبنا، فأتى عامة القوم وسجدوا على خدودهم وقالوا: حنطة. # قال السدي: / لما ضرب عليهم التيه، ندم موسى فمكثوا أربعين سنة، ثم إن ~~موسى اجتمع بعاج، [فنزا] موسى في السماء عشرة أذرع، وكانت عصاه عشرة ~~أذرع، وكان طوله عشرة أذرع، فأصاب كعب عاج فقتله، ولم يبق أحد ممن أبى ~~(أن يدخل) قرية الجبارين - ممن كان مع موسى - إلا مات ولم يشهد ms0588 الفتح، ~~وإنما كان معه أبناؤهم، ثم إن الله [نبأ] يوشع بن نون وأمره بقتال ~~الجبارين، فآمن به بنو إسرائيل، فهزموا الجبارين، قال: فكانت العصابة من ~~بني إسرائيل تجتمع على عنق الرجل يضربونها لا يقطعونها. # قال ابن عباس: كل من دخل التيه - ممن جاز العشرين سنة - مات في التيه، ~~ومات موسى عليه السلام في التيه، ومات هارون قبله، وبرز يوشع [بمن بقي] ~~معه مدينة الجبارين فافتتحها. # قال قتادة: مات موسى في الأربعين سنة ولم يدخل بيت المقدس إلا أبناؤهم ~~والرجلان اللذان قالا ما قالا. # قال الطبري: ثبتت الأخبار أن موسى قتل عاج بن عناق وهو من أعظم ~~الجبارين، وموسى صلى الله عليه وسلم هو الذي افتتح مدينة الجبارين ~~والرجلان على مقدمته. # وروي أن طول عاج ثمان مائة ذراع، وأنه لما ضربه موسى بعصاه [في] الكعب ~~[سقط] ميتا، فكان جسرا للناس يمرون عليه. # وروى ابن زيد عن أبيه أن النبي عليه السلام قال: # " كان طول موسى عشرة أذرع، وطول عصاه عشرة أذرع، ونزا موسى عشرة أذرع ~~(فما نال من عوج إلا العرق) - الذي تحت الكعب - فقتله بتلك الضربة " # قال زيد: فبلغني أن جيفته سدت بطن وادي الأردن. # قال نوف البكالي: كان طول عوج ثمان مائة ذراع، وعرضه أربع مائة ذراع. # وقال وهب بن منبه: لما نظر عوج إلى عسكر موسى - وكانوا ستمائة (ألف ~~مقاتل) ونيفا - اقتلع من الجبل صخرة - على قدرهم من الأرض - فاحتملها ~~رافعا بها يديه ليرسلها على العسكر، فبعث الله عز وجل الهدهد - ومعه ~~قطعة من ماس - فأداره على الصخرة تلقاء رأسه، فما نزا موسى فأصاب عرق ~~عوج، سقط موضع التقوير من الصخرة في عنق عوج فسقط ميتا. # وقوله: { يتيهون } أي: يحارون. # وقوله: { فلا تأس } خطاب لموسى. وقيل: لمحمد عليهما السلام. # والتمام عند الأخفش وأبي حاتم ونافع ويعقوب: { محرمة عليهم } ~~على أن نصب " الأربعين " ب { يتيهون }. # " قال أبو العالية: كانوا ست مائة ألف، سماهم الله " فاسقين " بهذه ~~المعصية ". ### || [5.27] # قوله: { واتل عليهم نبأ ابني ءادم بالحق } الآية. # المعنى: أن الله ms0589 تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتلو (خبر ابني) ~~آدم على اليهود الذين ذكر قصتهم فيما تقدم، فيخبرهم عاقبة الظلم ونكث ~~العهد، وما جزاء المطيع منهما وما آل إليه أمر العاصي منهما. وابنا آدم ~~هما: هابيل وقابيل، أمرهما الله عز وجل أن يقربا قربانا، وكان أحدهما ~~صاحب غنم وكان له حمل يحبه - ولم يكن له مال أحب إليه منه - فقربه ~~وقبله الله منه، وهو الذي فدى به إبراهيم صلى الله عليه وسلم، (لم يزل ~~يرتع في الجنة حتى فدى به الذبيح، وقرب الآخر شر حرثه - وكان صاحب حرث ~~- / فلم يتقبل منه، قال ابن عمر: وأيم الله، لقد كان المقتول أشد ~~الرجلين، ولكن منعه التحرج أن يبسط يده إلى أخيه. # قال ابن عباس: كان قبول القربان أن تأتي نار فتأكل المتقبل وتترك ~~الذي لم يتقبل - ولم يكن في الوقت مسكين يتصدق عليه، فحسد الذي لم ~~يتقبل منه المتقبل منه، فقال: { لأقتلنك } ، قال له أخوه: ~~وما ذنبي؟، { إنما يتقبل الله من المتقين }. # قال مجاهد: لما قتله عقل الله إحدى رجليه بساقها إلى يوم القيامة، وجعل ~~وجهه إلى الشمس، حيث ما دارت [دار] عليه حظيرة من ثلج في الشتاء، وفي ~~الصيف حظيرة من نار، معه سبعة أملاك، كلما ذهب ملك جاء آخر. # وقابيل هو القاتل لهابيل - فيما ذكر المفسرون -، وقابيل هو الأكبر. # وذكر ابن مسعود عن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن آدم ~~كان يولد له غلام وجارية، فإذا ولد له بطنان، زوج أخت هذا لهذا وأخت هذا ~~لهذا، وإن قابيل كان له أخت حسنة أحسن من أخت هابيل، فأبى أن يزوجها ~~لهابيل، وقال: أنا أحق بها، فأمره آدم أن يزوجها منه فأبى، وإنهما ~~قربا قربانا إلى الله: أيهما أحق بالجارية، وكان آدم قد غاب عنهما ~~إلى مكة ينظر إليها، وكان قد قال آدم للسماء: احفظي ولدي بالأمانة، ~~فأبت، وقال للأرض، فأبت، وقال للجبال فأبت، وقال لقابيل فقال: نعم، ~~فاذهب تجد أهلك كما يسرك. فلما قربا قربانا، ms0590 قرب هابيل جذعة سمينة، ~~وقرب قابيل حزمة سنبل، فوجد فيها سنبلة عظيمة ففركها وأكلها، فنزلت ~~النار فأكلت قربان هابيل وتركت قربان قابيل، وقد كان قابيل يفخر بأنه ~~الأكبر وأنه وصي آدم، فغضب قابيل وقال: لأقتلنك حتى لا تنكح أختي. # قال الحسن: كانا رجلين من بني إسرائيل ولم يكونا ابني آدم لصلبه. # وقيل: إنهما لما امتنع قابيل أن يزوج أخته لهابيل، غضب آدم وقال: اذهبا ~~فتحاكما إلى الله وقربا قربانا، فأيكما قبل قربانه فهو أحق بها، ~~فقربا القربان بمنى - فمن ثم صار مذبح الناس اليوم بمنى - فنزلت ~~نار فأحرقت قربان هابيل، ولم تأكل قربان قابيل، فقتله قابيل بحجر: رضخ ~~رأسه (به)، واحتمل أخته حتى أتى بها واديا من أودية اليمن - في شرقي عدن ~~- (فكمن) فيه، وبلغ آدم الخبر فأتى فوجد هابيل قتيلا. # قال ابن جريج: لم يدر كيف يقتله، يلوي برقبته ويأخذ برأسه، فنزل إبليس ~~فأخذ طيرا، فوضع رأسه على صخرة ثم أخذ حجرا، فرضخ به رأسه (وقابيل ينظر ~~ففعل [ذلك] بأخيه فرضخ رأسه). # ومكث آدم مائة سنة حزينا لا يضحك، ثم أتي (فقيل له) (حياك الله) ~~وبياك. معنى " بياك ": أضحكك. # وروي عن علي أنه [قال]: بكاه آدم وقال: # تغيرت البلاد ومن عليها # فوجه الأرض مغبر قبيح # تغير كل ذي طعم ولون # وقل بشاشة الوجه المليح. # " بشاشة ": نصب على التفسير، لكن حذف التنوين لالتقاء الساكنين. ومن ~~الناس من يرويه بخفض " الوجه المليح " على أنه [مقو]. # / و { المتقين } - هنا -: " الذين اتقوا الله وخافوه ". وقيل: هم ~~من اتقى الشرك، قاله الضحاك وغيره. # وروي أن الذي قرب هابيل كان كبشا سمينا من خيار غنمه، وأن الله ~~تعالى أدخل ذلك الكبش الجنة، فلم يزل حتى فدي به ولد إبراهيم. ### || [5.28] # قوله: { لئن بسطت (إلي) يدك لتقتلني } الآية. # أخبر الله - في هذه الآية - بتحرج المقتول عن القتل، وقال ابن عمر: ~~وأيم الله - إن كان المقتول لأشد الرجلين، ولكن منعه التحرج أن يبسط ~~إلى أخيه يده. # قال مجاهد وغيره: كان فرض الله عليهم ألا يمتنعوا ممن أراد ms0591 قتلهم. # { إني أخاف (الله) رب العالمين } أي: أخافه إن خالفت ~~أمره فمددت يدي إليك. ### || [5.29] # قوله: { إني أريد أن تبوء بإثمي } الآية. # ومعنى إرادته لأن يبوأ أخوه بإثمه: أن المؤمن يريد الثواب ولا ينبسط ~~إليه، فصار في كف يده - عمن يقتله - بمنزلة من يريده، فهو مجاز على هذا، ~~وهو قول المبرد. # وقيل: هو حقيقة، لأنه لما قال { لأقتلك } ، استوجب النار بما تقدم ~~في علم الله عز وجل أنه سيفعل، فعلى المؤمن أن يريد ما أراد الله. # وقال ابن كيسان: إنما وقعت الإدارة بعدما بسط يده بالقتل. # وقيل: المعنى: بإثم قتلي إن قتلتني. وقيل: المعنى: إذا قتلتني أردت ذلك ~~" لك " ، لأنه إرادة الله للقاتل. # ومعنى { بإثمي } أي: بإثم قتلي، ومعنى { وإثمك } (أي وإثمك) ~~الذي من أجله لم يتقبل منك، وهو قول مجاهد. وقيل: معناه: بإثم قتلي ~~وإثم اعتدائك علي، لأنه يأثم في الاعتداء وإن لم يقتل. # وقيل: المعنى: { بإثمي } الذي كان يلحقني لو بسطت يدي إليك، وإثمك ~~في تحملك قتلي. وعن ابن عباس: بإثم قتلي وإثم معاصيك المتقدمة لك. # وقال إبراهيم بن عرفة: (أراده عن) غير محبة ولا شهوة، لأنه لما لم يكن ~~بد من أن يكون قاتلا أو مقتولا، اختار - عن ضرورة وعن غير محبة لذلك ~~- أن يقتل، كما تقول للرجل - يحاول ظلمك -: " أريد أن أفدي نفسي منك " ~~وأنت لا تحب ذلك ولكن الضرورة ألجأتك إلى هذه الإرادة. # (و) قوله: { وذلك جزآء الظالمين } قيل: هو (من) قول ~~المقتول. وقيل: هو إخبار من الله لنا. وهذا يدل على أن الله عز وجل قد ~~كان أمر آدم ونهاه وولده " ووعدهم " وأوعدهم. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " ما من نفس تقتل ظلما إلا على ابن آدم الأول كفل ~~منها، ذلك بأنه أول من سن القتل ". # ومعنى { تبوء } أي: تحمل وتلزم وتنصرف به. ### || [5.30] # قوله: { فطوعت له نفسه قتل أخيه } الآية. # معنى " طوعت ": أجابته إلى ذلك وانقادت (له إلى ذلك ففعل). # وقيل: معناه: زينت. وذلك أنه وجده نائما فشدخ رأسه بصخرة: وذلك أن ms0592 ~~الغلام فر منه فطلبه فوجده نائما عند غنم له يرعاها فشدخ رأسه. وذكر ~~(...) ابن جريج أن إبليس علمه ذلك. ### || [5.31] # قوله: { فبعث الله غرابا } الآية. # قرأ الحسن: (أعجزت) بكسر الجيم، وهي لغة شاذة، إنما يقال: " ~~عجزت المرأة ": إذا كبرت عجيزتها. # ومعنى الآية: أن القاتل لم يدر ما يصنع به. # قال ابن عباس: فمكث يحمل أخاه في خوان على رقبته سنة، فبعث الله ~~غرابين، فرآهما يبحثان. فقال: أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة ~~أخي؟. / وقيل: بعث الله غرابا حيا إلى غراب ميت، فجعل الحي يواري الميت ~~فتعلم منه ابن آدم. وقيل: بعث الله غرابين أخوين فاقتتلا قدامه، فقتل ~~أحدهما الآخر، فأقبل القاتل يواري المقتول فتعلم ابن آدم القاتل منه، ~~فوارى أخاه. # وقال مجاهد: كان يحمله على عاتقه مائة سنة لا يدري ما يصنع به حتى رأى ~~الغراب يدفن الغراب، فقال: { ياويلتا } أعجزت أن { أكون } أفعل ~~مثل ما فعل هذا؟. # وهذا كله مثل ضربه الله لابن آدم وحرصه في الدنيا. # ومعنى { من النادمين } أي: من النادمين على قتل أخيه. # قال نافع: { من أجل ذلك } التمام، وخالفه في ذلك جماعة العلماء ~~باللغة، وقالوا التمام { من النادمين } ، لأن الذي كتب على بني ~~إسرائيل إنما كان من أجل قتل ابني آدم: أحدهما الآخر. وإذا وقف على { ~~من أجل ذلك } ، صار إنما كتب عليهم لغير علة، وليس التفسير على ~~ذلك. ### || [5.32] # قوله: { من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل } ~~الآية. # قرأ الحسن: { أو فساد } بالنصب، على معنى: أو تحمل فسادا، ويجوز ~~أن يكون مصدرا على معنى: أو أفسد فسادا. # و [قراءة] الجماعة بالخفض على معنى: أو بغير فساد في الأرض. # ومعنى الآية: من أجل هذا القتل كتبنا - أي: [حكمنا] - على بني إسرائيل ~~أنه من قتل نفسا ظلما - لم تقتل نفسا - أو قتلها بغير فساد كان ~~منها في الأرض، وفسادها: إخافة السبل. # وقوله: { فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها ~~فكأنما أحيا الناس جميعا }. # قال ابن عباس: معناه من قتل نبيا أو إماما عدلا فكأنما قتل ms0593 الناس ~~جميعا، ومن أعان نبيا أو إمام عدل فنصره من القتل، فكأنما أحيا الناس ~~جميعا. وقيل المعنى: من قتل نفسا بغير ذنب فكأنما قتل الناس جميعا، ~~ومن أحياها - أي: ترك قتلها مخافة الله - فكأنما أحيا الناس جميعا. # وقيل المعنى: فكأنما قتل الناس عند المقتول، ومن استنقذ نفسا من هلكة ~~فكأنما أحيا الناس جميعا عند المستنقذ. # وقيل: المعنى: أن صاحب القتل يصلى النار، فهو بمنزلة من قتل الناس ~~جميعا، ومن سلم من قتلها فكأنما سلم من قتل الناس جميعا. # وقال مجاهد: معناه أنه يصير إلى جهنم بقتل نفس كما يصير إليها بقتل جميع ~~الناس. وقيل: المعنى (أن) من قتل نفسا، يجب عليه من القصاص والقود ~~كما يجب على من قتل الناس جميعا، قال ذلك ابن زيد عن أبيه. # وقيل: معنى { من أحياها }: من عفا عمن يجب عليه القصاص، فهو مثل ~~من عفا عن جميع الناس لو وجب (له عليهم قصاص). # قال ابن زيد أيضا: { من أحياها }: من عفا عنها، أعطاه الله من ~~الأجر مثل لو عفا عن الناس جميعا. وعن مجاهد: من أحياها من غرق أو حرق ~~أو هلكة. قال الحسن: وأعظم إحيائها: إحياؤها من كفرها وضلالتها. # وقيل: المعنى يعذب - كما يعذب قاتل الناس جميعا - من قتل نفسا، ~~ويؤجر من أحيا نفسا - أي: استنقذها - كما يؤجر من أحيا الناس جميعا. # وقيل: المعنى هو: في الجرأة على الله والإقدام على خلافه كمن قتل الناس ~~جميعا، تشبيها لا تحقيقا، لأن عامل السيئة لا يجزي إلا بمثلها. # وقوله / { فكأنما أحيا الناس } هذا يعطى من الأجر مثل ما ~~يعطى من أحيا الناس جميعا، لأن الحسنات تضاعف ولا تضاعف السيئات، فهذه ~~حقيقة والأول على التشبيه لا على الحقيقة. # قوله: { ولقد جآءتهم رسلنا } الآية؛ أي: جاءت بني إسرائيل ~~الرسل بالحجج الواضحة البينة، { إن كثيرا منهم بعد ~~ذلك في الأرض لمسرفون } أي: بعد مجيء الرسل بالآيات ~~البينات { لمسرفون } أي: " لعاملون بمعاصي الله ". ### || [5.33] # قوله: { إنما جزآء الذين يحاربون الله ورسوله } ~~الآية. # معنى الآية: أنها بيان من الله عن ms0594 حكم المفسد في الأرض. # والقطع من خلاف: أن تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى. # ونزلت هذه الآية في قوم من أهل الكتاب نقضوا العهد وأفسدوا في الأرض، ~~وقطعوا السبل، فخير الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بالحكم فيهم، ~~قاله ابن عباس (وغيره، قال ابن عباس): خير الله نبيه، إن شاء أن يقتل ~~وإن شاء أن يصلب وإن شاء أن يقطع من خلاف. (و) قال الحسن: نزلت هذه الآية ~~في المشركين. # وقيل: نزلت في قوم - من عكل وعرينة - ارتدوا عن الإسلام (وحاربوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله أنس وغيره، إنهم ارتدوا " ~~واستاقوا المواشي وقتلوا الرعاء، فقطع النبي أيديهم وأرجلهم، وسمل ~~أعينهم وتركهم في الحرة حتى ماتوا. وقال بعض العلماء: إن هذه الآية ناسخة ~~لما فعل النبي بالعرنيين إذ مثل بهم، فلم يعد النبي صلى الله عليه ~~وسلم إلى المثلة. وقيل: بل فعل ذلك النبي بوحي وإلهام لقوله: # وما ينطق عن الهوى # [النجم: 3]. # والسمل: فقء العين بحديدة أو بشوكة. # وقوله: { أو ينفوا من الأرض }: قيل: يخرجون من ديار الإسلام ~~إلى دار الحرب، وهو مذهب الشافعي. وقال مالك: ينفى من البلد الذي أحدث ~~فيه ذلك إلى غيره. وقال الكوفيون: النفي - هنا - الحبس، لأنه لا يمكن أن ~~ينفى من الأرض كلها لو تركنا والظاهر. ### || [5.34] # قوله: { إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا ~~عليهم } الآية. # أي: إلا الذين تابوا من محاربتهم وشركهم والسعي في الأرض بالفساد من قبل ~~أن تملكوهم، فإن الله يغفر لهم، أي: يستر عليهم ما تقدم من فعلهم ~~ويرحمهم. # وهذه الآية - عند جماعة - إنما في المشركين - وأما الرجل المسلم فليس ~~يحرزه من الحد إذا قتل أو أفسد الأموال توبته. وقيل: هي للمؤمنين وغيرهم ~~إذا استأمنوا أو تابوا أو أمنهم الإمام، فليس لأحد أن يطلبهم بدم ولا ~~بغيره، قاله السدي وغيره. # وقال مالك: لا يطلب بشيء إذا جاء تائبا - المؤمن ولا غيره - إلا أن ~~يكون معه مال يعرف فيأخذه صاحبه أو تقوم على المسلم بينة بالقتل فيقاد ~~منه، ولا ms0595 يتبعه الإمام بشيء من الدماء التي لم يطلبها أولياؤها. وقال ~~الشافعي: تضع توبته عنه حقوق الله ولا يسقط عنه بها حقوق بني آدم. # وقيل: إنما تضع التوبة الحقوق عمن لحق - في حرابته - بدار الكفر ثم أتى ~~تابئا، وأما من لم يلحق بدار الكفر، فالحقوق كلها لازمة له - تاب أو لم ~~يتب -. ### || [5.35] # قوله: { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ~~وابتغوا إليه } الآية. # المعنى: خافوه فيما أمركم / به واطلبوا إليه القربة., والوسيلة: القربة. ~~وقيل: هي المحبة. وقيل: الوسيلة درجة في الجنة. ### || [5.36-37] # { بسم الله الرحمن الرحيم } ، قوله: { إن الذين ~~كفروا لو أن لهم ما في الأرض } الآية. # (و) معناها: أن الذين كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به، ~~وماتوا على ذلك، لو ملكوا - يوم القيامة - ما في الأرض كلها وضعفه ~~معه، لرضوا أن يفتدوا به من العذاب وليس يتقبل منهم ذلك ولا ينفعهم. # وهذا إعلام من الله عز وجل لليهود والنصارى ومشركي قريش أنهم لا بد لهم ~~من الخلود في النار، وأن قولهم # لن تمسنا النار إلا أياما معدودة # [البقرة: 80] باطل كذب. # (ثم) أخبر تعالى أنهم يريدون أن يخرجوا من النار بعد دخولها وأنهم ليسوا ~~بخارجين منها وأنهم في عذاب مقيم، (أي دائم) أبدا. # قال نافع بن الأزرق لابن عباس: تزعم أن قوما يخرجون من النار (و) قد ~~قال الله عز وجل: { وما هم بخارجين منها } ، فقال له ابن ~~عباس: ويحك، اقرأ ما فوقها، هذا للكفار. قال الحسن: (كلما رفعتهم) بلهبها ~~حتى يصيروا إلى أعلاها، أعيدوا فيها. ### || [5.38] # قوله: { والسارق والسارقة } الآية. # قال سيبويه: أبت العامة إلا الرفع، يريد بالعامة الجماعة من الرواة ~~والقراء، والاختيار عنده النصب، لأن الأمر بالفعل أولى، فهو عنده مثل " ~~زيدا فاضربه " ، وخولف في ذلك فقال الكوفيون: الرفع أولى، لأنك لا تقصد ~~إلى سارق بعينه، وإنما المعنى: كل من سرق فاقطعوا يده، ولذلك أجمعوا على ~~أن [قرأوا]: # واللذان يأتيانها # [النساء: 16] بالرفع، وهو مذهب المبرد. # وقال: { أيديهما } بالجمع ليفرق بين ما في الإنسان منه واحد وما ms0596 ~~فيه اثنان، هذا قول الخليل. وقال الكوفيون: أكثر ما في الإنسان - من ~~الجوارح - اثنان " اثنان " مثل اليدين والرجلين والقدمين والأذنين، فلما ~~جرى أكثره على هذا، ذهب بالواحد منهم - إذا أضيف إلى آخر - مذهب الجمع. # وقيل: فعل ذلك، لأن التثنية جمع. وقيل: لأنه لا يشكل. # وأجاز سيبويه جمع غير هذا مما (ليس) في الإنسان في حال التثنية وحكى ( " ~~وضعا رحالهما): يريد رحلي راحلتين. # وقرأ ابن مسعود " والسارق والسارقة " بالنصب، وبه قرأ عيسى بن عمر. # { جزآء } مفعول من أجله، ويكون مصدرا، ومثله { نكالا }. # وقرأ ابن مسعود (فاقطعوا أيمانهما). # والألف واللام في { السارق والسارقة } دخلتا لتعريف النوع ك # الزانية والزاني # [النور: 2]، و [ليستا] لتعريف الجنس، إنما يكونان لتعريف الجنس فيما ~~لزمته الألف واللام (من أجل جنسه: كالرجل والدينار والدرهم، وما لزمه ~~الألف واللام) لأجل فعله، فهو تعريف النوع كالسارق والزاني وشبهه، وهذا ~~يزول عنه هذا الاسم بزوال فعله، والأول لا يزول عنه أبدا. # ومعنى الآية: من سرق من رجل أو امرأة فاقطعوا أيديهما. # وعنى بذلك سارق ثلاثة [دراهم]، أو ربع دينار أو (ما قيمته) ربع دينار، ~~أو ثلاثة [دراهم] فصاعدا، هكذا بينته السنة. # ولا يقطع السارق حتى يسرق من حرز وما أشبه الحرز، وهو قول أهل المدينة: ~~مالك وأصحابه. وقد قطع النبي صلى الله عليه وسلم في مجن / قيمته ثلاثة ~~دراهم، وهو قول عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وعائشة ~~رضي الله عنهم. # وروي أن عليا قطع في ربع دينار: درهمان ونصف. # وروي عن ابن مسعود أن القطع في دينار أو عشرة دراهم فصاعدا، لا فيما ~~دون ذلك. وقال عطاء: لا تقطع يد السارق فيما دون عشرة دراهم. # وقال النخعي: تقطع يد السارق في دينار أو في قيمته. # وروي عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري أن اليد تقطع في أربعة [دراهم] ~~فصاعدا، لا فيما دون ذلك. # وقد أوجب قوم القطع على كل من سرق وإن قل ذلك، على ظاهر الكتاب. # ولا قطع على السارق حتى يخرج المتاع من حرزه ms0597 أو ما يشبه الحرز، وهو قول ~~الشعبي والزهري وعطاء، وروي ذلك عن عثمان وابن عمر، وهو قول مالك ~~والشافعي وغيرهما. # ولو نقب بيننا فأدخل يده وأخذ متاعا فرمى به إلى الخارج ثم خرج ~~فأخذه، فعليه - في ذلك - القطع عند مالك وغيره، لأنه قد أخذه من حرزه - ~~وهو الحائط -، ولو ناوله آخر خارجا من البيت، كان القطع على الداخل ~~ولم يقطع الخارج. # ولو دخل جماعة بيتا وأخذوا متاعا وحملوه على أحدهم وخرجوا به، فقال ~~ابن القاسم عن مالك: لا يقطع إلا من حمله، وقال ابن أبي أويس (عنه): ~~يقطعون جميعا. # ولا قطع على من سرق باب دار أو باب مسجد، لأنه ظاهر لا حرز عليه. # وإذا سرق من بيت الحمام - ومع المتاع من يحرزه - قطع عند مالك، فإن لم ~~يكن مع المتاع من يحرزه لم يقطع. # وإذا سرق رجلان شيئا - لو سرقه أحدهما وجب عليه القطع - قطعا جميعا ~~عند مالك، كالرجلين يقتلان رجلا، فإنهما يقتلان به. # وقال الشافعي: لا قطع على أحدهما حتى يكون في حظ كل واحد منهما ما فيه ~~القطع. # وإذا سرق من رجلين أربعة [دراهم] فصاعدا، قطع عند مالك. # وإذا سرق سارق ما يجب فيه القطع ثم سرقه منه آخر، فعليهما القطع عند ~~مالك وغيره، ولو كانوا سبعين قطعوا. وقيل: لا قطع على الثاني. # ولو كان لرجل على رجل مائة دينار دينا فسرق الذي له الدين من مال ~~الذي عليه الدين مائة درهم، فإنه يقطع عند مالك. # فإذا سرق السارق ثم رد ما سرق ورفع إلى الإمام بعد ذلك، قطع في قول مالك ~~وإن عفا عنه صاحب المتاع. وقيل: إنه لا يقطع إذا عفا عنه صاحب المتاع. # ويقطع عند مالك [في الفواكه] إذا كان فيها قيمة ما تقطع عليه اليد. ~~وقيل: لا قطع في ذلك. # وروي عن النبي عليه السلام أنه قال: # " لا قطع في ثمر ولا كثر " # " والكثر: الجمار ". # ومن سرق مصحفا قطع عند مالك والشافعي. # ولا قطع على مختلس أو خائن عند جماعة العلماء. # وأوجب مالك ms0598 وغيره القطع على الطرار الذي يطر النفقة من الكم. # وقيل: إن كانت الصرة داخل الكم قطع، وإن كانت خارجا لم يقطع. # وعلى الولد إن سرق من مال والده القطع، وهو قول مالك. وقيل: لا قطع ~~عليه. # وكلهم لم يوجبوا على الوالدين قطعا إذا سرقا [من] مال ولدهما. # فأما [ذوو] المحارم فقال الشافعي: يقطعون. / وقال غيره: لا يقطعون. # وكذلك اختلف في الزوجين، فقال مالك: يقطع كل واحد منهما إذا سرق مال ~~الآخر. # وقال غيره: لا قطع على واحد منهما. # وإذا سرق السارق قطعت يده اليمنى، ثم إن سرق قطعت رجله اليسرى، (ثم إن ~~سرق قطعت يده اليسرى)، ثم إن سرق قطعت رجله اليمنى، ثم إن سرق عزر ~~وحبس، هذا قول مالك والشافعي وغيرهما. وقيل: تقطع [أولا] اليمنى ثم يده ~~اليسرى، ثم إن سرق حبس. وقيل: تقطع يده اليمنى ثم رجله ثم لا قطع عليه، ~~قاله الزهري وغيره. # وإذا كانت يمنى السارق شلاء قطعت يسراه عند مالك. وقيل: تقطع الشلاء. ~~وذكر ابن القاسم أن مالكا لم يجبه فيها بشيء، قال: ثم بلغني أنه قال: ~~تقطع اليسرى. # وقال غير ابن القاسم عن مالك: تقطع رجله، لأن يده الشلاء كالمقطوعة. # وإذا أمر الحاكم بقطع يمينه (فقطعت يساره) أجزأ. # وقال مالك: إذا كان السارق مريضا يخاف عليه لم يقطع حتى يبرأ. # و (العبد والحر) في (جميع) ذلك سواء عند مالك. # ولا يحد إلا بالغ، والإنبات في حد البلوغ عند جماعة من العلماء، وحد ~~البلوغ - عند مالك - الاحتلام أو يبلغ من السن ما لا يجاوزه غلام (إلا ~~احتلم). # وأجاز جماعة من العلماء أن يشفع في الحدود ما لم يبلغ السلطان، روي ذلك ~~ابن عباس والزبير بن العوام، وهو مذهب الأوزاعي وابن حنبل. # وروي عن ابن عمر وغيره كراهة ذلك، وقال ابن عمر: من حالت شفاعته دون حد ~~من حدود الله، فقد صاد الله في حكمه. # وقال مالك: من لم يعرف منه أذى للمسلمين (و) إنما كانت منه (تلك) زلة، ~~فلا بأس أن يشفع له ما لم ms0599 يبلغ الإمام أو الشرط أو الحرس. # ومعنى { نكالا من الله } أي: مكافأة بفعلهما، { والله ~~عزيز } أي: عزيز في انتقامه من السارق وغيره (و) من أهل معصيته، { ~~حكيم } في فرائضه وحدوده. ### || [5.39] # قوله: { فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح } الآية. # المعنى: فمن تاب من هؤلاء السراق من بعد سرقته وأصلح، { فإن الله ~~يتوب عليه } أي: يرجعه إلى ما يحب ويرضى عن ما يسخطه، { إن ~~الله غفور (رحيم) } أي: ساتر على من تاب رحيم بعباده الراجعين ~~إليه. # فتوبة الكافر عن كفره تدرأ عنه الحد، لأن ذلك أدعى إلى الدخول في ~~الإسلام. # وتوبة المسلم عن السرق والزنى لا تدرأ عنه الحد، لأن ذلك أعظم لأجره في ~~الآخرة وأمنع بمن هم أن يفعل مثل ذلك، وقال مجاهد: توبة السارق في ~~هذا الموضع إقامة الحد عليه. # " وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم (أمر بقطع) امرأة سرقت حليا فقالت ~~المرأة: هل من توبة؟، فقال لها رسول الله: أنت اليوم من خطيئتك ~~كيوم ولدتك أمك " # ، فأنزل الله: { فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح } الآية. ### || [5.40] # قوله: { ألم تعلم أن الله له ملك السموت ~~والأرض } الآية. # هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به من كان بالمدينة وحواليها ~~من اليهود، والمعنى: ألم يعلم هؤلاء القائلون: # لن تمسنا النار إلا أياما معدودة # [البقرة: 80] الذين يزعمون أنهم أبناء الله وأحباؤه أن الله مدبر ما في ~~السماوات وما في الأرض وأنه يعذب من يشاء / ويغفر لمن يشاء قادر على ذلك ~~لا يمتنع عليه. ### || [5.41] # قوله { يأيها الرسول لا يحزنك } الآية. # هذه الآية نزلت في أبي لبابة قال: " لبني قريظة - حين حاصرهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم -: إنما هو الذبح فلا تنزلوا على حكم سعد ". وقيل: ~~(إنه) إنما أشار إليهم بيده إلى حلقه يريد أنه الذبح إن نزلتم على حكم ~~سعد. # وقيل: " إنها " نزلت في عبد الله بن صوريا ارتد بعد إسلامه، وأمر ~~النبي ألا يحزن عليه: وقال أبو هريرة: إن أحبار اليهود اجتمعوا في أمر ~~رجل (زنى بامرأة) وهما ms0600 محصنان، فقالوا: امضوا بنا إلى محمد فسلوه كيف ~~الحكم فيهما: فإن حكم بعملكم من التحميم - وهو الجلد بحبل من ليف ~~مطلي بقار - ثم يسود وجهه ثم يحمل على حمار ويحول وجهه ما يلي ~~دبر الحمار، وكذلك يفعل بالمرأة، فاتبعوه وصدقوه، فإنه ملك، وإن ~~(هو) حكم بالرجم فاحذروه على ما في أيديكم. # فأتوا النبي، فمشى النبي عليه السلام حتى أتى أحبارهم (فقال لهم): ~~أخرجوا إلي أعلمكم، فأخرجوا ابن صوريا الأعور - وكان أحدثهم ~~سنا - فخلا به النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا ابن صوريا أذكرك ~~أيادي الله عند بني إسرائيل، هل تعلم أن الله حكم فيمن زنى بعد إحصانه ~~في التوراة بالرجم؟، فقال: اللهم نعم، أما والله يا أبا القاسم إنهم ~~ليعلمون أنك نبي مرسل، ولكنهم يحسدونك! فخرج (رسول الله) فأمر بهما في ~~جماعة - عند باب مسجده - فرجما، ثم كفر بعد ذلك ابن صوريا، فأنزل الله: ~~{ يأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في ~~الكفر } الآية. # وقال البراء: مر (على) النبي بيهودي محمم مجلود، فدعا النبي ~~رجلا من علمائهم فقال: [هكذا] تجدون حد الزاني فيكم؟ # قال: نعم، قال: فأنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى، هكذا تجدون حد ~~الزاني؟ قال: لا، ولولا أنك نشدتني ما حدثتك، ولكن كثر الزنى في ~~أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه ~~الحد، فقلنا: تعالوا نجتمع فنضع شيئا مكان الرجم فيكون على الشريف ~~والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم. فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: (اللهم) أنا أول من أحيا أمرك إذ أماتوه!، فأمر به فرجم، فأنزل ~~الله { لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر } الآية. # وذكر ابن حبيب أن اليهود أنكرت أن يكون الرجم في التوراة فرضا عليهم، ~~فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: من أعلمكم يا معشر يهود؟ قالوا: ~~ابن صوريا - وهو غلام منهم أمرد أبيض أعور - فدعاه (رسول الله)، [فقال " ~~له " ]: أنت أعلم يهود؟، قال: كذلك يزعمون، قال له رسول الله: فماذا ~~تجدون (في الرجم) في كتاب الله الذي أنزله على ms0601 موسى؟ قال: يا محمد إنهم ~~يفضحون الشريف ويرجمون الدني، وجعل [يروغ] عما في كتابهم، فنزل جبريل ~~عليه السلام على (رسول الله) صلى الله عليه وسلم فقال له: استحلفه ~~بما آمرك به، فإن حلف وكذب، احترق بين يديك وأنت تنظر، فقال له رسول الله ~~- وهو الذي أمره به جبريل -: # أنشدك الله الذي لا إله إلا هو القوي، إله بني إسرائيل الذي [أخرجكم] ~~من مصر وفرق لكم البحر - وأحلفه بأشياء كثيرة - هل تجد في التوراة آية ~~الرجم (على) المحصن؟، قال: نعم، والله يا محمد لو قلت غير هذا لاحترقت ~~بين يديك وأنت تنظر. # وقال ابن جريج ومجاهد: " هم " { سماعون / للكذب سماعون ~~لقوم - آخرين } - هم اليهود -. # والمعنى: لا يحزنك تسرع (من تسرع منهم إلى الكفر، لأنهم آمنوا بألسنتهم ~~ولم (يؤمنوا بقلوبهم). { ومن الذين هادوا } أي: ولا يحزنك ~~تسرع) الذين هادوا إلى جحود نبوتك، ثم وصفهم فقال: { سماعون ~~للكذب } أي: هم سماعون للكذب، وهو قبولهم ما قال لهم أحبارهم من ~~الكذب: أن حكم الزاني المحصن - في التوراة - التحميم - والجلد، وهو صفة ~~لليهود خاصة، ثم أخبر أنهم سماعون لقوم آخرين لم يأتوا النبي، وهم أهل ~~الزاني والزانية، بعثوا إلى النبي يسألونه عن الحكم ولم يأتوا النبي. # وقيل: إن السماعين يهود فدك، و " القوم الآخرين " - الذين لم يأتوا ~~النبي - يهود المدينة. # وقيل: المعنى سماعون من أجل الكذب، أي: يستمعون منك يا محمد ليكذبوا ~~عليك. { سماعون لقوم آخرين } أي: يستمعون منك ليبلغوا ما ~~سمعوا قوما آخرين، فهم عليك عيون لأولئك الغيب. # { يحرفون الكلم }: أي يغيرون حكم الله الذي أنزله في التوراة ~~في حكم المحصنين من الزناة، ومعنى: { يحرفون الكلم } أي: حكم ~~الكلم، { من بعد مواضعه } أي: من بعد وضع الله ذلك مواضعه، ~~فأحل حلاله وحرم حرامه، مثل # ولكن البر من آمن بالله # [البقرة: 177]. # { يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه } أي: (إن حكم) بهذا ~~الحكم المحرف (فاقبلوه، يقول ذلك أحبار اليهود لهم في أمر الزانيين، ~~[يقولون]: إن حكم محمد بينكم بهذا الحكم المحرف) - وهو التحميم والجلد - ~~فخذوه، { وإن لم ms0602 تؤتوه فاحذروا } أي: وإن لم يحكم بينكم ~~به فاحذروه ولا تؤمنوا به. # وقال السدي: يهود فدك يقولون ليهود المدينة: إن أوتيتم هذا فخذوه - وهو ~~الجلد - وإن لم تؤتوه فاحذروا - وهو الرجم -. # وروي عن عبد الله بن عمر أنه قال: لما حكموا النبي صلى الله عليه وسلم ~~في اللذين زنيا، دعا رسول الله بالتوراة وجلس حبر منهم يتلوها - وقد ~~وضع يده على آية الرجم - فضرب عبد الله بن سلام يد الحبر ثم قال: هذه - ~~يا نبي الله - آية الرجم يأبى أن يتلوها عليك، فقال لهم النبي عليه ~~السلام: يا معشر يهود، ما دعاكم إلى ترك حكم الله وهو بأيديكم؟ فقالوا: ~~أما إنه قد كان فيما نعمل به حتى زنى منا رجل بعد إحصانه من بيوت الملوك ~~وأهل الشرف، فمنعه الملك من الرجم، ثم زنى رجل بعده فقالوا: لا والله لا ~~نرجمه حتى يرجم فلان، (فلما فعلوا ذلك، اجتمعوا فأصلحوا أمرهم على ~~التحميم وأماتوا ذكر الرجم)، فقال النبي: فأنا أول من أحيا أمر الله، ثم ~~أمر بهما ورجما عند باب المسجد، قال ابن عمر: فكنت ممن رجمهما. # وقال قتادة: الآية نزلت في قتيل من بني قريظة، قتله بنو النضير، وكانت ~~بنو النضير إذا قتلت قتيلا ودت الدية - لا غير - لفضلهم، وإذا قتل ~~لهم قتيل لم يرضوا إلا بالقود تعزرا، فأرادت النضير أن ترفع أمر ~~القتيل - الذي قتلوه - إلى النبي، فقال لهم رجل من المنافقين: إن قتيلكم ~~هذا قتيل عمد، متى رفعتموه إلى محمد خشيت عليكم القود، فإن قبلت ~~منكم الدية فأعطوها، وإلا فكونوا منه على حذر. # وقوله: { ومن يرد / الله فتنته فلن تملك له من ~~الله شيئا }: هو تسلية للنبي عليه السلام ألا يحزن على مسارعة من ~~سارع إلى الكفر من المنافقين واليهود، وفتنته: ضلالته. # { فلن تملك (له( من الله شيئا }: لا اهتداء له أبدا. # { أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر ~~قلوبهم } أي: بالإسلام " في الدنيا ". # { لهم في الدنيا خزي } أي: ذل وصغار وأداء الجزية عن يد، { ~~لهم في الآخرة عذاب ms0603 عظيم }. # وزعمت المعتزلة والقدرية أن الله لم يرد كفر أحد من خلقه، وأراد أن يكون ~~جميع الخلق مؤمنين، فكان ما لم يرد ولم يكن ما أراد - تعالى عن ذلك -، ~~وقد قال (الله): { لم يرد الله أن يطهر قلوبهم } ~~وقال: # ولو شآء الله لجمعهم على الهدى # [الأنعام: 35] وقال: # ولو شآء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ~~ما يريد # [البقرة: 253]، وقال: # ولو شآء [ربك] ما فعلوه # [الأنعام: 112] وقال: # ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق ~~القول مني [لأملأن جهنم من الجنة والناس ~~أجمعين] # [السجدة: 13]. # وقال: # وما تشآءون إلا أن يشآء الله # [الإنسان: 30]، وقال: { ومن يرد الله فتنته فلن تملك ~~له من الله شيئا } ، وقال: # ولو شآء ربك لآمن [من] في الأرض كلهم جميعا # [يونس: 99]، وقال: # أن لو يشآء الله لهدى الناس جميعا # [الرعد: 31]، وقال: # ولو شآء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل ~~من يشآء ويهدي من يشآء # [النحل: 93]، وفي كتاب الله من هذا ما لا يحصى، يخبر تعالى في جميعه أنه ~~أراد جميع ما كان وما يكون، وأن جميع الحوادث كانت عن إرادته ومشيئته، ~~وأنه لو شاء لأحدثها على خلاف ما حدثت فيجعل الناس كلهم مؤمنين. # فعندت المعتزلة عليها لعنة الله عن ذلك وخالفته، وقالت: حدث كفر الكافر ~~على غير إرادة من الله، وعلى إرادة من الشيطان، وقد أجمع المسلمون على ~~قولهم: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. وقالت المعتزلة: يكون ما لا ~~يشاء الله، وهو كفر الكافر، معاندة لإجماع الأمة، وقد حصلت المعتزلة في ~~قولها على أنه ليس لله - تعالى ذكره - على إبليس مزية، لأن إبليس شاء ~~[ألا] يؤمن أحد فآمن المؤمنون، فكان خلاف ما شاء، وشاء الله - عندهم - ~~ألا يكفر أحد فكفر الكافرون، فكان خلاف ما شاء، فلا فرق بينهما على قولهم ~~الملاعين، تعالى ربنا عما قالت المعتزلة علوا كبيرا، بل كان عن مشيئته، ~~كان يفعل (ما) يشاء: يوفق من يشاء فيؤمن، ويخذل من يشاء فيكفر، لا معقب ~~لحكمه ولا راد لمشيئته، وخلق من شاء للسعادة ms0604 فوفقه لعملها، وخلق من شاء ~~للشقاء وخذله عن العمل بغير عمل أهل الشقاء، # " كل ميسر لما خلق له " # ، هذا هو الصراط المستقيم، أعاذنا الله من الزيغ عن الحق. ### || [5.42] # قوله: { سماعون للكذب أكالون للسحت فإن جآءوك ~~} الآية. # السحت: فيه لغتان: إسكان الحاء وضمها. # وروى خارجة عن نافع: " السحت " بفتح السين وإسكان الحاء، جعله مصدر: ~~" سحته سحتا ". # ومعنى الآية: أن الله زاد في وصف من تقدم وصفه من اليهود أنهم { ~~سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك } ~~، فذكر أيضا أنهم { سماعون للكذب } على التأكيد. ويجوز أن ~~يكون الأول معناه: أنهم يسمعون " من " قول من يقول لهم: " محمد ليس ~~بنبي " ، ويقول لهم: " ليس على المحصن رجم إذا زنى / " ، ويكون الثاني ~~معناه: أنهم يستمعون إليك ليكذبوا عليك - وقد قيل ذلك في معنى الأول، وقد ~~ذكرته -. ثم وصفهم تعالى بأنهم: { أكالون للسحت } وهو الرشا ~~في الحكم. # قال قتادة والحسن: { سماعون للكذب أكالون للسحت } ~~هم حكام اليهود، يسمعون الكذب ويقبلون الرشا. # والسحت - في اللغة -: كل حرام يسحت الطاعات أي: يذهبها، يقال: سحته: إذا ~~أذهبه قليلا قليلا، ويقال للحالق: " اسحت " أي: استأصل. # وقيل: السحت: الرشا في الأحكام، وأكل ثمن الخمر، وأكل ثمن الميتة، وثمن ~~جلدها الذي لم يدبغ، وأكل ما نهى النبي عن أكله من كل ذي ناب من ~~السباع، وكل ذي مخلب من الطير. وأدخل قوم في السحت أكل (أموال الناس) ~~بالباطل. # وقوله: { فإن جآءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم } ~~معناه: فإن جاءك قوم المرأة - الذين ذكر أنهم لم يأتوا بعد -، فاحكم ~~بينهم إن شئت بالحق، وإن شئت فأعرض عنهم، أي: دع الحكم بينهم إن شئت. # وقيل: نزلت في الدية في بني النضير وقريظة، كانت دية النضيري كاملة، ~~ودية القرظي نصف دية لشرف [النضيري]، فتحاكموا إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فأمره الله أن يحكم بينهم بالحق، ثم خيره في الترك، قاله ابن ~~عباس. # (و) قال ابن زيد: كان في حكم حيي بن أخطب للنضيري ديتان، وللقرظي دية، ~~فلما علمت [قريظة] بحكم النبي قالوا: لا ms0605 نرضى إلا بحكم محمد، فخير الله ~~نبيه صلى الله عليه وسلم في الحكم بينهم. ### || [5.43] # قال: { وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها ~~حكم الله } الآية. # وهو الرجم على المحصن إذا زنى. (و) قوله: { ثم يتولون من ~~بعد ذلك } هو ما غيروا من حكم الرجم المنصوص في التوراة، ~~وجعلهم عوضه التحميم والضرب بحبل ليف مفتول أربعين ضربة استحرافا ~~منهم [لحكم] لم يؤمروا به، والحاكم مخير إذا تحاكم إليه أهل الكتاب بهذه ~~الآية، إن شاء حكم بالحق على مذهبه، وإن شاء لم يحكم، وهو مذهب الشعبي ~~والنخعي وعطاء وعمرو بن شعيب، وهو قول مالك، فهي محكمة على قول هؤلاء. # وقيل: إن الآية منسوخة بقوله { وأن احكم بينهم بمآ أنزل ~~الله ولا تتبع أهوآءهم } الآية، وذلك أن النبي صلى الله ~~عليه لما قدم المدينة - واليهود بها كثير - كان الأدعى لهم والأصلح أن ~~يردوا إلى أحكامهم، فقال { أو أعرض عنهم } فأباح له ترك الحكم ~~بينهم، فلما قوي الإسلام أنزل [الله] # وأن احكم بينهم بمآ أنزل الله # [المائدة: 49]. # قال ابن عباس: نسخت من سورة المائدة آيتان: القلائد وقوله: { فإن ~~جآءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم } ، وهو قول ~~عكرمة، والزهري، وعمر بن عبد العزيز، وهو المشهور عن الشافعي، وهو قول ~~الكوفيين. # وكل العلماء أجاز للإمام أن ينظر بينهم إذا تحاكموا إليه، وإنما اختلفوا ~~في الإعراض عنهم. # وقوله: { وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا } أي: إن ~~أعرضت عنهم - فلم تحكم بينهم - فإنهم لا يضرونك. { وإن حكمت ~~فاحكم بينهم بالقسط } أي: إن اخترت أن تحكم بينهم، فاحكم ~~بالعدل، إن الله يحب العادلين في حكمه. # قوله: { وكيف يحكمونك } الآية. # المعنى: وكيف يحكمك هؤلاء اليهود ويرضون بحكمك { وعندهم ~~التوراة فيها [حكم الله] } أن على الزاني المحصن الرجم، ~~والنفس بالنفس، { ثم يتولون } عن حكمها، أي: يتركون حكم ~~التوراة جرأة على الله، وهذا تقريع لليهود، لأنهم تركوا حكم ما في أيديهم ~~من كتابهم، ورجعوا إلى حكم النبي عليه السلام وهم يجحدون نبوته، ثم قال { ~~ومآ أولئك بالمؤمنين } أي: (ما) من فعل هذا بمؤمن. ms0606 ### || [5.44] # قوله: { إنآ أنزلنا التوراة فيها هدى ونور } الآية. # المعنى: أن الله أنزل التوراة فيها هدى لما سألوا عنه من حكم الزانيين ~~المحصنين، وفيها (نور: أي) جلاء مما أظلم عليهم من الحكم. # وقيل: المعنى { فيها هدى } أي: بيان أمر النبي، { ونور } أي: ~~بيان ما سألوا عنه. # ومعنى قوله { النبيون الذين أسلموا } أي: الذين سلموا ~~لما في التوراة من أحكام الله، فلم يتعقبوا بالسؤال عنه، وليس الإسلام - ~~هنا - ضد الكفر، لأن النبي لا يكون إلا مسلما مؤمنا، وإنما الإسلام ~~هنا: الانقياد والتسليم، ومثله قول إبراهيم: # واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنآ أمة ~~مسلمة لك # [البقرة: 128] أراد مسلمين لأمرك، منقادين لحكمك بالنية والعمل، وكذلك ~~قوله # أسلمت لرب العالمين # [البقرة: 131] أي: سلمت لأمره. # ومعنى { للذين هادوا } أي: يحكم بالتوراة النبيون والربانيون ~~والأحبار { للذين هادوا } ، أي: عليهم، فاللام بمعنى " على " ، ~~كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة: # " اشترطي لهم الولاء أي: عليهم، ولم يأمرها بأن تشترط الولاء لهم، وهو ~~لا يجوز، (فلا يأمرها بفعل ما لا يجوز)، وإنما أمرها بفعل ما يجوز، وهو ~~أن يكون الولاء لها، فلما اشترطوا الولاء لأنفسهم قال صلى الله عليه ~~وسلم: ما بال قوم يشترطون شروطا ليست في كتاب الله ". # وقيل: المعنى: للذين هادوا (و) عليهم، أي: يحكمون لهم (و) عليهم، ثم حذف ~~لدلالة الكلام عليه. # وقيل: المعنى: فيها هدى ونور للذين هادوا، يحكم بها النبيون الذين ~~أسلموا والربانيون والأحبار. # (و) عني بالنبيين - هنا - محمد صلى الله عليه وسلم ومن قبله، قاله السدي ~~وقتادة و [غيرهما]. # وروي (أن) النبي صلى الله عليه وسلم قال - لما نزلت هذه الآية -: # " نحن - اليوم - نحكم على اليهود وعلى من سواهم من أهل الأديان ". # والأحبار: [العلماء] [الحكماء]، واحدهم حبر، وقيل: حبر. وسموا ~~أحبارا، لأنهم يحبرون الشيء، فهو في صدورهم محبر. # وسمي الحبر - الذي يكتب به - حبرا، لأنه يحبر به، أي: يكتب به. # وقال الفراء: التقدير فيه: مداد حبر، (لأن العالم يقال له " حبر " ~~فإذا [قلت: " هذا] حبر " للمداد، فالمعنى: مداد حبر)، أي: مداد ~~عالم، ms0607 ثم تحذف مثل # وسئل القرية # [يوسف: 82]. # وقال الأصمعي: (إنما سمي) الحبر - الذي هو المداد - حبرا لتأثيره، ~~يقال: " على [أسنانه] حبرة " أي: صفرة أو سواد. # { والربانيون والأحبار }: القراء والفقهاء. وقيل: الفقهاء ~~والعلماء. و " قال ابن زيد: الربانيون ": الولاة، والأحبار: العلماء ". ~~والرباني - عند أهل اللغة -: رب العلم، أي: صاحبه، والألف والنون ~~للمبالغة. # وقيل: معنى { للذين هادوا }: للذين تابوا من الكفر، أي: يحكم ~~هؤلاء بما في التوراة للذين " تابوا " من الكفر. # وقوله: { بما استحفظوا من كتاب الله } أي: يحكمون بما ~~استودعوا من كتاب الله، والباء متعلقة بالأحبار، والمعنى: يحكم بها ~~النبيون والربانيون والأحبار، أي: والعلماء / بما استودعوا من كتاب الله، ~~{ وكانوا عليه شهدآء } أي: وكان النبيون والربانيون والأحبار ~~شهداء أنهم قضوا عليهم بكتاب الله، وقال ابن عباس: الشهداء - هنا - ~~الربانيون والأحبار شهداء أن الذي قضى [به] محمد صلى الله عليه وسلم حق ~~في أمر الزانيين المحصنين وقد أخبرنا الله أنهم استحفظوا كتابهم، وأعلمنا ~~أنهم بدلوا وغيروا، وأعلمنا تعالى أنه يحفظ علينا ما أنزله من القرآن ~~فقال # وإنا له لحافظون # [الحجر: 9] فغير جائز أن يبدل أحد أو يغير ما حفظه الله علينا، فنحن أمة ~~محمد عليه السلام برآء من التبديل والتغيير لشيء من كتاب الله، إذ الله ~~تولى حفظه علينا، ولم يسلم أهل التوراة من ذلك، إذ الله استحفظهم عليه ~~فخانوا، ولم يحفظه هو. # وقوله { فلا تخشوا الناس واخشون } هذا خطاب للربانيين ~~والأحبار، أمرهم ألا يخشوا الناس في تنفيذ حكمه وإمضائه على ما في كتابه، ~~وأن يخشوه في ذلك، قاله السدي وغيره. وقوله { ولا تشتروا ~~بآياتي ثمنا قليلا } أي: لا تأخذوا [الرشى] في الأحكام، فإنه ~~عوض خسيس وثمن قليل. # { ومن لم يحكم بمآ أنزل الله } أي: من كتم حكم الله ~~الذي أنزله في كتابه في الزانيين المحصنين وغيرهما من دية القتيل، { ~~فأولئك هم الكافرون } أي: الساترون الحق. # وهذه في كفار أهل الكتاب. # وقيل: هي في المشركين. # وقيل: المعنى ومن لم يحكم بما أنزل الله مستحلا له، فأولئك هم ~~الكافرون. # وقال بعد ذلك: { هم الظالمون ms0608 }. وقال بعد ذلك: { هم ~~الفاسقون }. # فقيل: إن الأوصاف الثلاثة لمن غير حكم الله [ومن جميع الخلق. # وقيل: هي لليهود المغيرين حكم الله]. # وقيل: الوصف الأول لليهود، والثاني والثالث للمسلمين. # وقيل: نزل { الكافرون } في المسلمين إذا غيروا حكم الله، و { ~~الظالمون } في اليهود، و { الفاسقون } في النصارى. وهو ظاهر ~~النص. ### || [5.45] # قوله: { وكتبنا عليهم فيهآ أن النفس [بالنفس] } ~~الآية. # قرأ الكسائي برفع (العين) وما بعده، واحتج له بإجماعهم (على الرفع) في # والعاقبة للمتقين # [القصص: 83]، وقوله # والله ولي المتقين # [الجاثية: 19]، فرفع [ما] بعد (أن) فيهما على القطع، فكذلك (العين) وما ~~بعدها. # وقيل: هو معطوف على موضع { النفس (بالنفس) }. وقيل: هو معطوف ~~على المضمر الذي في [النفس]. # وقال بعض العلماء: من نصب جعله كله مكتوبا في التوراة، من رفع جعل { ~~والعين بالعين } وما بعده ابتداء حكم في المسلمين، وجعل { ~~النفس بالنفس } هو المكتوب في التوراة دون ما بعده. والرفع ~~[قراءة] النبي عليه السلام فيما روي عنه. # ومن نصب { والجروح } عطفه على ما قبله، وأعمل فيه { أن } ، و { ~~قصاص } الخبر. # ومن رفع قطعه مما قبله، [واختير قطعه مما قبله] لمخالفة خبره خبر ما ~~قبله، ولمخالفة حكمه حكم ما قبله، ولمخالفة إعراب خبره (إعراب) خبر ما ~~قبله، فلما خالف ما قبله، من هذه الوجوه قوي القطع، فرفع على الابتداء. # والمعنى: وكتبنا على هولاء اليهود الذين يحكمونك - وعندهم التوراة - في ~~التوراة أن يحكموا بالنفس [في النفس] والعين " بالعين " وما بعده. # قال ابن عباس: لم يجعل الله لبني إسرائيل دية، إنما هو النفس بالنفس أو ~~العفو. # فهذا استوى فيه أحرار المسلمين: الرجال والنساء فيما بينهم في النفس، ~~وفيما دون النفس / إذا كان عمدا، ويستوي فيه العبيد: رجالهم ونساؤهم ~~فيما بينهم إذا كان عمدا في النفس، وفيما دون النفس. # والقصاص من العين هو ظاهر النص، وبه قال علي بن أبي طالب والشعبي ~~والنخعي والحسن ومالك والشافعي وغيرهم و [قراءة] الرفع توجب ذلك، لأنه ~~حكم مستأنف للمسلمين، وليس بحكاية عما في التوراة. والنصب إنما هو حكاية ~~عما في التوراة، ms0609 فيجوز ألا يكون (حكما لنا). ويكون القصاص في الأنفس ~~عندنا من قوله تعالى: [ { الحر بالحر } الآية، ويجوز أن يكون ~~(حكما لنا) أيضا بنص آخر وهو]: { العبد بالعبد } ، فيكون هذا ~~بيان أن ذلك حكم لنا. # وأحسن ما روي في صفة الاقتصاص من العين ما فعل " علي " بن أبي طالب: وهو ~~أنه أمر بمرآة فأحميت، ثم وضع على العين الأخرى قطنا، ثم أخذ ~~المرآة بكلبتين. فأدناهما من عينه حتى سال إنسان عينه. # وإذا ضرب رجل عين رجل فأذهب بعض بصره وبقي بعض، فالحكم فيها - على ما ~~فعل علي بن أبي طالب -: أن تعصب عينه الصحيحة، ويعطى رجل بيضة ~~ويذهب " بها " ، فحيث ما انتهى بصر المضروب علم، [ثم يرجع فيغطي] ~~عينه، وتكشف الأخرى، ثم يذهب الرجل بالبيضة فحيث ما انتهى بصر المضروب ~~علم]، ثم يحول المضروب فيفعل به من ناحية أخرى في عينيه جميعا مثل ذلك، ~~ويكال الموضعان فإذا استويا نظر ما بين امتداد نظر الصحيحة والسقيمة، ~~فيعطي من مال الضارب بقسطه، وبذلك قال مالك والشافعي. # ولو فقأ أعور عين صحيح: فقيل: لا قود عليه، وعليه الدية. # روي ذلك عن عمر وعثمان. وقيل عليه القصاص، وهو قول علي بن أبي طالب، وبه ~~قال الشافعي. وقال مالك: إن شاء فقأ عينه، وإن شاء أخذ دية عين أعور ~~كاملة. # وإذا أوعب جدع الأنف، ففيه الدية، وهو قول سائر العلماء. ولو ~~كسره عمدا لكان فيه القود عند مالك، وإذا كسره خطأ - فبرأ على غير عثم - ~~فلا شيء فيه عند مالك، وإن برأ على عثم، ففيه اجتهاد الإمام. وكذلك ~~قال: (ابن) القاسم إن خرم أنفه: وإذا قطع من أصله - أو من العظم - ففيه ~~الدية كاملة عند مالك -. وإذا أفسد الخياشيم فانسكرت حتى " لا " يتنفس، ~~ففيها الاجتهاد. # وأما السن: فجاء الخبر من أنه أقاد من السن، وأنه قال: (و) في السن خمس ~~من الإبل. وظاهر النص " القصاص ". # وروي عن علي بن أبي طالب وابن عباس في السن بخمس من الإبل أي: سن كانت، ~~وبه قال عروة بن الزبير ms0610 والزهري وقتادة ومالك والشافعي والثوري وغيرهم. # وروي عن عمر أنه حكم فيما أقبل من الفم - الثنايا والرباعيات والأنياب - ~~بخمس فرائض في كل سن. # كل فريضة: عشرة دنانير، فذلك خمسون دينارا في كل سن. # وقضى في الأضراس (ببعير بعير)، وقضى معاوية في الضرس بخمس فرائض. فالدية ~~تزيد إذا أصيب الفم كله عند معاوية، وتنقص عند عمر. # وإذا اسودت السن من ضربة أو جناية، فقد تم عقلها عند مالك وغيره، لأن ~~جمالها قد ذهب، فإن طرحت بعد ذلك، كان فيها عقلها، لأن منفعتها قد ذهبت. # وروي عن عمر أنها إذا اسودت ففيها ثلث ديتها. # وقيل: فيها حكومة إذا اسودت، وبه قال الشافعي. # (وإن) قلعت سن الصبي، فنبتت، فلا شيء فيها، إلا أن تنبت ناقصة الطول (عن ~~ما) هو مثلها، / فيؤخذ من الجاني بقدر ما نقصت، هذا مذهب مالك والشافعي ~~وغيرهما. وقال مالك: لأولياء الصبي أن يضعوا عقلها، فإن نبتت ردوها على ~~أهلها. # وقيل: في ذلك حكومة. # وإذا أخذ الكبير دية سنه ثم نبتت، فلا يرد ما أخذ عند مالك، لأنه أخذه ~~بحق. وقال أصحاب الرأي: يرد ما أخذ. واختلف في ذلك قول الشافعي. # ولو جنى عليها آخر فسقطت، أخذ صاحبها إرشها تاما. # ولو قلعت سن قودا ثم أخذها صاحبها فردها فالتحمت، فلا شيء عليه عند ابن ~~المسيب، وهو قول عطاء، وقال: ليس له أن يردها ثانية، وإن ردها، أعاد كل ~~صلاة صلاها وهي عليه، ويجبره السلطان على قلعها مرة أخرى. # وكذلك قول الثوري وغيره: تقلع ثانية، لأن القصص للشين، فلا بد من ~~قلعها. # وقال مالك في قصاص الأسنان: " الثنية بالثنية " ، والرباعية بالرباعية ~~والسفلى بالسفلى. # ولا [تقاد] سن إلا بمثلها في موضعها، فإن لم يكن له مثل الذي طرح، رجع ~~ذلك إلى العقل. # ولو قلعت سن رجل فداواها وردها [فالتحمت]، فلا شيء فيها على الجاني عند ~~مالك إذا عادت كهيئتها. وقال الشافعي: لا يسقط عن الجاني شيء مما وجب ~~عليه. # وفي السن الزائدة إذا قلعت - عند مالك - حكومة، وهو قول الثوري ~~والشافعي. وقال ms0611 زيد بن ثابت: فيها ثلث السن. # فإن كسر بعضها أعطى صاحبها بحساب ما نقص منها، وهو قول الجماعة. [وأما] ~~الأذنان: فإذا ذهب سمعهما ففيهما الدية، فإن قطعتا ولم يذهب السمع ففيهما ~~الاجتهاد، هذا قول مالك. # فإن ضرب رجل رجلا فادعى المضروب أن سمعه ذهب، اغتفل المضروب وصيح به، ~~فإن أجاب جواب من يسمع، لم يقبل قوله، وإن لم يجب، أحلف بالله: لقد صممت ~~وما وجدت الصمم إلا منذ ضربت، فإذا حلف أعطي عقله كاملا. # وفي اللسان الدية. فإن قطع بعضه، نظر ما نقص من مخارج الحروف من ثمانية ~~وعشرين حرفا، فيكون على الفاعل - من الدية - بمقدار ما ذهب من كلامه. # وليس في اللسان قود عند مالك، وروي عنه أنه قال: فيه القود إن كان ~~يستطاع القود منه. # وفي لسان الأخرس حكومة عند مالك والشافعي وأهل العراق وغيرهم. # وقال النخعي: فيه الدية كاملة، وقال قتادة: فيه ثلثا الدية. # وفي ذهاب الصوت الدية عند جماعة من الفقهاء، وقيل: فيه حكم. # وفي كل اثنين من الإنسان الدية كاملة: في الأذنين والشفتين واليدين ~~والرجلين ونحو ذلك. # وعن زيد بن ثابت أن في الشفة السفلى ثلثي الدية، وفي العليا الثلث، وهو ~~قول ابن المسيب والزهري. # وفي اللحية حكومة عند ابن القاسم. وقال غيره: إن أنبتت فلا شيء فيها، ~~وإن لم تنبت ففيها الدية. # وفي نتف الحاجبين وأشفار العينين حكومة عند مالك " وإن لم تنبت ". # والأصابع إذا زالت من الكف ففيها عقل اليد. وفي اليد من المنكب دية اليد ~~لا غير. وما كان من ذلك خطأ، حملته العاقلة، وما كان عمدا ففيه القصاص. # / وإذا شلت اليد أو الرجل فقد تم (عقلها)، فإن كان الضرب: عمدا، ضرب ~~الضارب مثل ما ضرب. # / وإذا شلت [الأصابع] تمت ديتها، فإن قطعت الشلاء (أو) [الأصبع] الأشل، ~~فإنما في ذلك حكومة في مال الجاني. ومن قطع يد رجل - ناقصة منها أصبع - ~~قطعت يده ولا يسأل عن نقص [الأصبع]، أي: أصبع كانت. فإن كانت اليد تنقص ~~أصبعين أو ثلاثة، لم يقطع يد الجاني، ms0612 ولكن عليه العقل في ماله. # ومن قطع (من) يد رجل أصبعين وما يليهما من الكف (في ضربة) واحدة، وجب ~~عليه خمسا دية الكف. # ومن قطع كفا لا أصابع فيها، ففيها حكومة. # ومن قطع يمين رجل - ولا يمين له -، فعليه العقل مثل عقل العمد - إذا ~~قبلت - من ماله. # ومن أصيب أصبعه خطأ، أو ذهبت بأمر من الله، ثم قطع كفه خطأ، فإنما له ~~أربعة أخماس الدية على العاقلة. # وكذلك إذا ذهبت الأنملة، ثم قطع الكف، إنما له حساب ما بقي. # وفي الظفر الاجتهاد إذا برأ على عثم، وإن كان عمدا ففيه القصاص. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه # " جعل في الأصابع عشرا عشرا ". # وأصابع اليد والرجل سواء، لا فضل لبعضها على بعض. # وروي عن عمر أنه قضى في الإبهام بثلاثة عشر، وفي التي تليها باثني عشر، ~~وفي الوسطى بعشرة، وفي التي تليها بتسعة، وفي الخنصر بست. # والأشهر أنها سواء (عشر عشر) لكل واحدة. # وفي كل أنملة ثلث دية الأصبع إلا الإبهام ففيها الثلثان، في كل أنملة ~~نصف دية [الأصبع]. # وروي عن مالك أنه قال: في الإبهام ثلاثة أنامل: الثالثة مع الكف، ففي كل ~~واحدة ثلث دية الأصبع كسائر الأصابع. # وروي عنه أنه قال: الإبهام مفصلان: في كل مفصل نصف دية أصبع، وفي ~~الثالثة التي تلي الكف حكومة، بمنزلة باقي الكف إذا قطعت بعد الأصابع. # وعن عمر أنه جعل في اليد الشلاء والرجل الشلاء ثلث ديتها. # وقال ابن شهاب: فيها نصف ديتها، ومثله الأصبع الأشل، وقال الشافعي: فيها ~~حكومة. # وفي الذكر الدية كاملة عند جميع العلماء، وهو مروي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم. # وفرق قتادة: فجعل في الذي لا يأتي النساء ثلث الدية، وفي الذي يأتي ~~الدية. # وفي الحشفة: الدية كاملة عند مالك إذا قطعت خطأ، وهو قول الشافعي وغيره. # وفي الذكر الدية كاملة عند جميع العلماء، وهو مروي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم. وفرق قتادة: فجعل في الذي لا يأتي النساء ثلث الدية، وفي الذي ~~يأتي الدية. ms0613 # وفي الحشفة: الدية كاملة عند مالك إذا قطعت خطأ، وهو قول الشافعي وغيره. # فإن قطع القضيب بعد الحشفة ففيه اجتهاد عند مالك، وينتظر به حتى ينظر ما ~~يحدث عليه من قطعه. فإن قطع من طرف الحشفة، قيس مقداره فيما بقي وكان ~~بحساب ذلك، ولا يقاس ما بقي القضيب، لأن في الحشفة الدية كاملة. # وفي الأنثيين - في الخطأ - الدية كاملة، وفي العمد القصاص. وفي بيضة ~~واحدة نصف الدية. # وقال سعيد بن المسيب: في اليسرى ثلثا الدية، لأن الولد منها، وفي اليمنى ~~الثلث. # وإن قطع ذكر رجل وأنثياه، ففي ذلك ديتان، وكذلك إن قطعا في وقتين، ففي ~~كل واحد الدية. # وفي ذكر الخصي حكومة عند مالك، وفيه الدية " كاملة " عند الشافعي. ~~وقال قتادة: فيه ثلث الدية. # وفي كسر العظام إذا [كسرت] القصاص عند مالك: الساق بالساق، ولا قصاص ~~فيما فوقه، ولا في كسر ظهر ولا فخذ. # ويجتهد الإمام في اللطمة عند مالك. و " قد " قيل: / فيها القصاص. # وفي الموضحة - وهي الضربة التي توضح العظم - خمس من الإبل. وهي تكون في ~~الرأس والوجه قال مالك: إن كانت التي في الوجه تشينه، زيد على ~~الجاني بقدر شينها. وليس موضحة البدن مثل موضحة الرأس والوجه. ولا ~~يعجل بأخذ الدية من صاحب الموضحة حتى ينظر (إلى) ما يصير إليه أمرها، ~~فإن مات منها كان في ذلك قسامة. # وقال مالك: يقاد من العمد، ولا يعقل جراحات الخطأ إلا بعد البرء، وإن ~~اقتص من الجارح عمدا فبرأ، فإن كان جرحه مثل جرح المجروح أولا أو ~~أكثر فلا شيء (عليه) للأول، وإن كان في الأول عثل وبرأ المقتص منه على ~~غير عثل، أو على عثل دون عثل الأول، اجتهد الإمام في الحكومة على قدر ~~ما زاد شين المجروح الأول. # والموضحة في الوجه - عند مالك - من اللحي الأعلى فما فوقه خاصة. و ~~[لا] تكون الموضحة في الأنف عند مالك. # وفي الموضحة - في سائر البدن - حكومة عند مالك والشافعي. وروي عن أبي ~~بكر وعمر أن فيها نصف عشر دية ذلك العضو ms0614 الذي وقعت فيه، وسند ذلك إليهما ~~ضعيف. # وفي الهاشمة القود عند مالك إلا أن يخاف منها فلا يقتص منها، وفيها عشر ~~من الإبل. وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل عند مالك وجماعة العلماء، ~~ولا قود فيها عند مالك والشافعي وغيرهما. والمنقلة: (التي ينقل ~~منها) العظام. # وفي المأمومة - وهي التي تصل إلى أم الدماغ - ثلث الدية، وهو قول مالك ~~وجماعة العلماء، ولا قود فيها عند مالك وأكثر العلماء. # والشجاج - التي دون الموضحة - ست: # أولها: الدامية: وهي التي تدمى ولا يسيل دمها. # ثم الدامعة: وهي التي يسيل دمها. # ثم الخارصة: وهي التي تحرص الجلد (أي) تشقه قليلا، ومنه قيل: حرص ~~الثوب القصار: إذا شقه. # ثم الباضعة: وهي التي تشق الجلد وبعض اللحم. # ثم المتلاحمة: وهي التي أخذت في اللحم أكثر من الباضعة. # ثم السمحاق: وهي التي لم يبق بينها وبين العظم إلا قشرة " رقيقة " وكل ~~قشرة رقيقة فهي سمحاقة، ويسميها أهل المدينة: الملطاة، وفي جميع ذلك - ~~عند مالك والشافعي وغيرهما - حكومة. # وقد حد غيرهم في كل نوع حدا: قضى زيد بن ثابت (ببعير في الدامية)، وفي ~~الدامعة بنصف بعير، وفي الباضعة ببعيرين، وفي المتلاحمة بثلاثة أبعرة، ~~وفي السمحاق بأربعة أبعرة. # وروي عن علي في السمحاق مثل ذلك، وروي أن فيها نصف دية الموضحة، وروى ~~مالك أن عمر وعثمان قضيا في [الملطاء]. # وفي السمحاق بنصف الموضحة، وكان يرى فيها حكومة كسائرها. ورأى مالك: ~~القصاص فيما دون الموضحة، مما ذكرنا إذا كان عمدا. # وفي الجائفة ثلث الدية، قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبه ~~قال مالك وغيره. ولا فرق بين العمد والخطأ في الجائفة. وفي الجائفة ~~[النافذة] ثلثا الدية. # وفي ثدي المرأة نصف الدية، وفيهما جميعا الدية كاملة، هذا مذهب الجميع. # وفي الحلمة - إذا انقطع لبنها - نصف الدية عند مالك. # وفي ثدي الرجل حكومة عند مالك. وعن زيد بن ثابت أن فيها ثمن الدية. وقال ~~الزهري: خمس من الإبل. # وقوله: { فمن تصدق به فهو كفارة } أي: من تصدق بجرحه، ~~هدم عنه ذنوبه ms0615 مثل ما تصدق به، [قاله] جابر بن زيد. وروى الشعبي عن / رجل ~~من الأنصار قال: سئل النبي عليه السلام عن قوله تعالى { فمن تصدق ~~به فهو كفارة له } قال: هو الرجل تكسر سنه، أو يجرح ~~في جسده فيعفو عنه فيحط من خطاياه بقدر ما عفا: إن كان نصف ~~الدية فنصف خطاياه، وإن كان ثلث الدية فثلث خطاياه، وإن كان ~~ربع الدية فربع خطاياه، وإن كانت الدية كلها فخطاياه كلها. # وقال قتادة: " { فهو كفارة له } يقول: لولي القتيل الذي عفا ~~". فالهاء المجروح، أو لولي القتيل. وقيل: الهاء للجارح، والمعنى: إن ~~تصدق المجروح على الجارح بإرش جرحه، فالصدقة كفارة للجارح، ليس ~~يبقى عليه ذنب من الجرح. # قال زيد بن أسلم: " إن عفا عنه، أو اقتص منه، أو قبل منه الدية فهو ~~كفارة له " ، أي: للفاعل، وفي هذا القول بعد، لأنه لم يجر ذكر ~~للجارح، وإنما جرى ذكر المجروح في ( " من " )، فالهاء تعود عليه ~~أولى، وهو اختيار الطبري، قال: ولأن المعهود أن التكفير إنما يكون ~~للمتصدق دون المتصدق عليه. # وقيل: الهاء في (به) لإرش الجرح، وفي (له) للجارح، أي: من تصدق بما ~~وجب له من الإرش والدية { فهو كفارة له } ، أي: فذلك الفعل ~~كفارة للجارح والقاتل في حكم الدنيا، و (من) اسم للمجروح (أو لولي) ~~المقتول. # وقيل: ( " من " ) اسم للقاتل والجارح، والهاء في (به) تعود على القتل ~~أو الجرح، والهاء في (له) تعود على القاتل أي: من تصدق ببيان أنه هو ~~القاتل وهو الجارح، فذلك الإقرار كفارة للمقر، لأنه قد أباح نفسه ~~بإقراره لأخذ الحد منه، ورفع التهم عن الناس: # قال مجاهد: إذا أصاب الرجل الرجل بأمر، ولم يعرف الفاعل، فاعترف ~~الفاعل، وأقر، فهو كفارة له، وقد روي أن عروة بن الزبير أصاب عين رجل ~~خطأ عند الركن فقال: أنا عروة، فإن كان بعينك [بأس فأنا] بها. ### || [5.46] # قوله: { وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم } ~~الآية. # المعنى: و " أتبعنا عيسى بن مريم على آثار النبيين الذين أسلموا ~~من قبلك ". # { مصدقا لما بين يديه ms0616 من التوراة } أي: مصدقا لما ~~أتى به موسى " قبله ". # { وآتيناه الإنجيل } أي: أعطيناه كتابا اسمه الإنجيل، { فيه ~~هدى } أي: بيان ما جهله الناس من حكم الله في زمانه، { ونور } أي: ~~وضياء من عمى الجهالة، { ومصدقا لما بين يديه } أي: ~~وجعلنا الإنجيل مصدقا لما قبل عيسى من التوراة وغيرها من الكتب التي ~~أنزلها الله على أنبيائه قبل عيسى، { وهدى } أي: هدى إلى صحة ما أنزل ~~الله على أنبيائه من الكتب، { وموعظة } أي: [زجرا] لهم عما يكرهه ~~الله إلى ما يحبه من الأعمال، { للمتقين } أي: للذين خافوا الله ~~واتقوا عقابه. ### || [5.47] # قوله: { وليحكم أهل الإنجيل بمآ أنزل الله فيه } ~~الآية. # من كسر اللام ونصب الفعل في { ليحكم } ، جعلها لام " كي " ، ~~والمعنى: أعطيناه ذلك كي يحكم أهل الإنجيل، فخالفوا حكمه. ومن أسكن ~~اللام، جعلها لام الأمر، والمعنى: وأمرنا أهله أن يحكموا بما أنزل الله ~~فيه، فلم يفعلوا ما أمروا به. # قال ابن زيد: كل شيء في القرآن " فاسق " فهو بمعنى " كاذب " إلا قليلا، ~~فالفاسقون هنا الكاذبون. ### || [5.48] # قوله: { وأنزلنآ إليك الكتاب بالحق مصدقا لما ~~بين يديه من الكتاب } الآية. # المعنى: أنه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والكتاب - هنا -: القرآن، ~~ومعنى { مصدقا لما بين يديه } أي: يصدق ما قبله من كتب ~~الله أنها حق من الله، { ومهيمنا عليه } أي: شهيدا على الكتب ~~/ أنها حق، وأصل الهيمنة: الحفظ والارتقاب، يقال للرجل إذا حفظ الشيء ~~وشهده: " قد هيمن، يهيمن هيمنة ". قال ابن عباس: { ~~ومهيمنا عليه } أي: شهيدا " عليه، وهو قول السدي. وقال قتادة: ~~مهيمنا: [أي]: أمينا وشاهدا. # وقال ابن جبير: { ومهيمنا } ([أي] مؤتمنا)، القرآن مؤتمن على ما ~~قبله من الكتب، وكذلك (روي أيضا) عن ابن عباس والحسن وعكرمة. # وقال عبد الله بن الزبير: المهيمن: القاضي على ما قبله من الكتب. # وقال المبرد: الأصل " مؤيمن " ، ثم أبدل من الهمزة هاء. # قال أبو عبيد: يقال: هيمن على الشيء، إذا حفظه. # وقرأ مجاهد وابن محيصن: { ومهيمنا } بفتح الميم. قال مجاهد: " ~~محمد عليه السلام مؤتمن على القرآن ". # فيكون على ms0617 قول مجاهد { ومهيمنا } حالا من الكاف في { إليك }. ~~وعلى قول غيره حال من الكتاب، مثل: { مصدقا }. # والهاء في { عليه } - في قول مجاهد - تعود على الكتاب (الأول الذي ~~هو القرآن. وعلى قول غيره تعود على الكتاب) الثاني الذي هو بمعنى الكتب ~~المتقدمة التي القرآن يصدقها ويشهد عليها بالصحة أنها من عند الله. # وقد طعن قوم في قول مجاهد من أجل الواو التي مع " مهيمن " ، لأن الواو ~~توجب عطفه على " مصدق " ، و " مصدق " حال من الكتاب الأول، والمعطوف شريك ~~المعطوف عليه، قال: ولو كان حالا من الكاف التي للنبي صلى الله عليه ~~وسلم في { إليك } ، لم يؤت بالواو، فالواو تمنع من ذلك. ولو تأول ~~متأول أن { مصدقا } حال من الكاف في { إليك } ، { ومهيمنا ~~} عطف عليه، لبعد ذلك، من أجل قوله: { لما بين يديه } ، ولم ~~يقل " يديك ". # وهو جائز على بعده على التشبيه بقوله: # وجرين بهم # [يونس: 22] بعد قوله: { حتى إذا كنتم في الفلك }. فإن ~~تأولته على هذا، كان " مصدق " و " مهيمن " حالين من الكاف التي هي اسم ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فهو المصدق للكتب المتقدمة، والمؤتمن على ~~الكتاب، وهو القرآن. # وقوله: { فاحكم بينهم بمآ أنزل الله } أي: إذا أتوك ~~فاحكم بينهم بشرائع الله التي [أنزلها] عليك، { ولا تتبع ~~أهوآءهم عما جآءك من الحق } إذ قالوا: # إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا # [المائدة: 41] أي: إن حكم بينكم (في المحصنين) بالتحميم والجلد ~~بحبل ليف فاقبلوا منه، وإن لم يحكم بذلك فاحذروا أمره ولا تتبعوه، ~~وذلك قول يهود فدك ليهود المدينة، فأمر الله نبيه ألا يتبع أهواءهم ~~في ذلك، وأن يحكم بما أنزل الله أي: بحدوده. # قوله: { لكل جعلنا منكم شرعة [ومنهاجا] } أي: ~~شريعة، { ومنهاجا } أي: طريقا واضحا. # قال قتادة: معناه أن للتوراة شريعة، وللإنجيل شريعة، وللقرآن شريعة، ~~يحل الله فيها ما يشاء، ويحرم ما يشاء ليعلم أهل طاعته، ~~والإخلاص واحد، والتوحيد واحد لا يختلف، ولا يقبل غيره، وهو الإسلام، ~~فالإسلام دين الأنبياء كلهم وشرائعهم في (الحلال والحرام) والصلاة والصوم ~~وغير ذلك ms0618 من العبادات مختلف على ما أراد الله من أمة كل نبي، ليبلو ~~الجميع بما يشاء من أحكامه، فيجزي الطائع ويعاقب العاصي، لا إله إلا ~~هو. # وقال مجاهد: معناه: لكلكم جعلنا القرآن شرعة ومنهاجا، أي: شرعة ~~وطريقا واضحا، عنى بذلك أمة محمد صلى الله عليه وسلم خاصة، هذا معنى ~~قوله. # واختار الطبري القول الأول، وهو أن يكون: لكل أمة جعلنا شريعة وطريقا، ~~/ واستدل بقوله تعالى: { ولو شآء الله لجعلكم أمة ~~واحدة } أي يجعلكم (كلكم) - أيها الأمم - على شريعة واحدة، قال: ~~ولو عنى بذلك أمة محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن لقوله { لجعلكم ~~أمة واحدة } فائدة، لأنهم أمة واحدة - أمة محمد - قد فعل بهم ~~ذلك. ويدل على أنه أراد به الأمم (أنه قد جرى) ذكر الكتب التي قبل ~~القرآن، وذكر عيسى وغيره، فرجع الكلام على ذلك. وقال ابن عباس (شرعة ~~ومنهاجا): سبيلا وسنة، وكذلك قال الحسن ومجاهد والسدي وقتادة والضحاك: ~~إن الشرعة السبيل، والمنهاج السنة. # { ولو شآء الله لجعلكم أمة واحدة } أي: على دين ~~واحد وعلى شريعة واحدة. # قوله تعالى: { ولكن ليبلوكم في مآ آتاكم } في الكلام ~~حذف، والمعنى: ولكن جعل شرائعكم مختلفة ليختبركم فيما آتاكم من شرائعه. ~~وهذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد به النبي ومن معه ومن مضى ~~من الأمم. # { فاستبقوا الخيرات } أي: فبادروا إلى عملها قبل أن تعجزوا ~~عنها بموت أو هرم أو مرض، فإن (مرجعكم إلى الله)، فيجازيكم بأعمالكم، ~~ويخبر كل فريق بعمله، ويبين المحق من المبطل، (وتنقطع الدعاوى، لأن ~~الأنبياء قد أخبرت بالمحق من المبطل) في الدنيا، ولكن الدعاوى لم تنقطع، ~~ففي الآخرة تنقطع الدعاوى وتقع الحقائق. ### || [5.49] # قوله: { وأن احكم بينهم بمآ أنزل الله ولا ~~تتبع أهوآءهم } الآية. # هذا معطوف على # الحق # [المائدة: 48] أي: وأنزلنا إليك الكتاب بالحق وبأن احكم بينهم. وهذا - ~~عند جماعة - ناسخ للتخيير الذي تقدم في الحكم بينهم، أمره الله بالحكم ~~بينهم وأن لا يتبع أهواءهم في الأحكام التي قد أحدثوها في القتيل من بني ~~النضير ومن قريظة، وفي التحميم ms0619 الذي جعلوه على المحصن من عند أنفسهم، ~~حذره منهم أن يفتنوه عن الحكم الذي أنزل الله فيردوه إلى [حكمهم]. # { فإن تولوا } أي: أعرضوا عن الاحتكام إليك والرضا بحكمك، ~~فاعلم أن ذلك إنما هو من الله ليعجل لهم عقوبة ذنوبهم السالفة في عاجل ~~الدنيا. # { وإن كثيرا من الناس لفاسقون } يريد به اليهود، إنهم ~~لتاركون العمل بكتاب الله وخارجون من طاعته: ذكر ابن عباس أن بعض علماء ~~اليهود قالوا: امضوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه، فأتوه، فقالوا: ~~قد علمت أننا علماء يهود وأشرافها، وإنا إذا اتبعناك [اتبعنا] ~~يهود، فنؤمن بك كلنا، وبيننا وبين قوم خصومة، فنحاكمهم إليك، فتقضي لنا ~~عليهم، ونؤمن بك ونصدقك. فأبى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: ~~{ وأن احكم بينهم بمآ أنزل الله ولا تتبع ~~أهوآءهم واحذرهم أن يفتنوك } الآية. # قال ابن زيد: معنى { أن يفتنوك }: أن يقولوا لك كذا وكذا في ~~التوراة بخلاف ما فيها، قد بين الله له ما في التوراة، فقال: # وكتبنا عليهم فيهآ أن النفس بالنفس # [المائدة: 45]، يعني: كتب ذلك في التوراة. ### || [5.50] # قوله: { أفحكم الجاهلية يبغون } الآية. # قرأ الحسن وقتادة والأعمش { أفحكم الجاهلية } ، والحكم ~~والحاكم سواء، والعامل فيهما [(يبغون)]، والحكم في الجاهلية: الكاهن. # ومن قرأ بالتاء في (تبغون) فمعناه قل لهم يا محمد، أفحكم الجاهلية ~~تبغون، على المخاطبة، ومن قرأ بالياء، فعلى الخبر من الله عنهم. ومعنى ~~(تبغون) تطلبون، وهو خطاب وتوبيخ لهؤلاء اليهود الذين لم يرضوا بحكم رسول ~~الله، ثم وبخهم أيضا فقال: / { ومن أحسن من الله حكما } ~~أيها اليهود عند من كان يؤمن بالله، فأي حكم أحسن من حكم الله؟!. ### || [5.51] # قوله: { يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود ~~والنصارى أوليآء } الآية. # أكثر العلماء على أن المأمور بذلك جميع المؤمنين. وقيل: نزلت في عبادة ~~بن الصامت وعبد الله بن أبي بن سلول، كان بينهما وبين بني قينقاع عهد ~~وحلف، فلما حاربت بنو قينقاع النبي عليه السلام، قام دونهم عبد الله بن ~~أبي و[حاج] عنهم، ومضى عبادة بن الصامت إلى ms0620 النبي عليه السلام [وتبرأ] ~~من حلفهم وعهدهم وقال: أنا أتولى الله ورسوله والمؤمنين. # وقال الزهري: لما انهزم أهل بدر، قال المسلمون لأوليائهم من يهود: آمنوا ~~قبل أن يصيبكم الله بيوم مثل يوم بدر. فقال بعض اليهود: غركم أن أصبتم ~~رهطا من قريش لا علم لهم بالقتال، أما أنا لو عزمنا عليكم ~~واستجمعنا لم يكن لكم يدان بقتالنا، فتبرأ عبادة بن الصامت عند رسول ~~الله من أوليائه من يهود، فقال عبد الله ابن أبي: لكن أنا لا أبرأ من ~~ولاء يهود، أنا رجل لا بد لي منهم، فأنزل الله: { يأيها الذين ~~آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى } الآية. # وقيل نزلت في قوم من المؤمنين (هموا - حين) نالهم بأحد ما نالهم - ~~أن يأخذوا من اليهود والنصارى عصماء، فنهاهم الله عز وجل عن ذلك. وقال ~~السدي: لما كانت وقعة بأحد، اشتد على قوم ذلك، فقال رجل لصاحبه: [أما ~~أنا] فأمر بذلك اليهودي فآخذ منه أمانا، فإنى أخاف أن يدال ~~علينا، وقال آخر: أما أنا فألحق بفلان النصراني فآخذ منه أمانا، فأنزل ~~الله: { يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود ~~والنصارى أوليآء } الآية. # وقال عكرمة: بعث رسول الله عليه السلام أبا لبابة - من الأوس - إلى ~~قريظة حين نقضت العهد، فلما أطاعوا له بالنزول أشار إلى حلقه: الذبح ~~(الذبح)، فأنزل الله الآية فيه. # وقيل: نزلت في المنافقين، لأنهم كانوا يخبرون اليهود والنصارى بأسرار ~~المؤمنين ويوالونهم. # والاختيار عند الطبري أن يكون نهيا عاما لجميع المؤمنين. # وقوله: { بعضهم أوليآء بعض } أي: اليهود بعضهم أنصار بعض، ~~وكذلك النصارى ففيه معنى التحريض للمؤمنين: أن يكون أيضا بعضهم أولياء ~~بعض. # قوله: { ومن يتولهم منكم فإنه منهم } أي: من ~~والاهم فهو منهم، لأنه لا [يواليهم] إلا وهو بدينهم راض، فهو منهم. # { إن الله لا يهدي القوم الظالمين } أي: " لا ~~يوفق " من وضع الولاية في غير موضعها، فوالى اليهود والنصارى مع ~~عداوتهم لله ورسوله ". ### || [5.52] # قوله: { فترى الذين في قلوبهم مرض [يسارعون ~~فيهم] } الآية. # هذه الآية بيان لما في الآية التي قبلها، والمعنى: ترى ms0621 قوما في قلوبهم ~~مرض يسارعون في ولاية اليهود والنصارى، { يقولون نخشى أن ~~تصيبنا دآئرة } أي: تكون الدائرة علينا، فيوالون اليهود والنصارى ~~لضعف إيمانهم. # وقيل: يعني بذلك عبد الله بن أبي بن سلول المنافق. # وقال مجاهد: كان المنافقون يصانعون اليهود ويسترضونهم ~~ويستعرضون أولادهم يقولون: نخشى أن تكون الدائرة لليهود، وفيهم نزلت ~~الآية، وكذالك قال قتادة. # قال ابن عباس: معنى قولهم: { نخشى أن تصيبنا دآئرة } (أي): ~~نخشى (ألا يدوم) الأمر لمحمد ويغلب علينا المشركون. # وقيل: يراد بها عبد الله بن أبي المنافق وأصحابه، لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لم يزل في طلب بني / قينقاع حتى أسرهم، ولم يزل عبد الله بن ~~أبي يسأل فيهم حتى خلاهم له وقال: خذهم لا بارك الله لك فيهم، فماتوا حتى ~~بقي منهم نافخ النار. # وقيل: المعنى: نخشى أن يصيبنا قحط فلا يفضلوا علينا، فيوالونهم لذلك. # والأول أحسن لقوله: { فعسى الله أن يأتي بالفتح } أي: ~~بالنصر. # (و) قال ابن عباس: فأتى الله بالفتح، فقتلت مقاتلة قريظة، ~~وسبيت ذراريهم، وأجلي بنو النضير. # ومعنى { أو أمر من عنده } يخبر بأسماء المنافقين الذين ~~يوالون اليهود والنصارى. # { فيصبحوا على مآ أسروا (في أنفسهم) }. (من) ~~موالاة اليهود والنصارى { نادمين }. # وقيل: { أو أمر من عنده } إيجاب الجزية على اليهود والنصارى. ~~وقيل معنى: { أو أمر من عنده } بالخصب. # ومعنى: (بالفتح): فتح مكة، فيصبحوا نادمين إذا رأوا النصر. # وقيل: الفتح: القضاء، ومن قوله: # ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق # [الأعراف: 89]. ### || [5.53] # قوله: { يقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين ~~أقسموا بالله } الآية. # من نصب (يقول) عطفه على (أن يأتي)، وهو بعيد جدا، لأنك (لو قلت): " ~~عسى زيد أن يقوم ويأتي عمروا " لم يجز، كما لا يجوز: " عسى زيد أن يقوم ~~عمرو ". # ولو قلت: " عسى أن يقوم زيد ويأتي عمرو " حسن، كما يحسن " " عسى أن ~~يقوم عمرو ". # فلو كان نص الآية: " فعسى أن يأتي الله بالفتح " ، حسن العطف، وإنما ~~تجوز الآية على أن تحمل على المعنى، لأن قولك: " عسى أن يأتي الله بالفتح ~~" و " عسى الله أن ms0622 يأتي بالفتح " ، سواء فيجعل النصب على المعنى، ويكون ~~مثل قول الشاعر: # متقلدا سيفا ورمحا # ومعنى الآية أنها متعلقة بما قبلها، والمعنى: { فيصبحوا على ~~مآ أسروا في أنفسهم نادمين } إذا رأوا النصر، { ~~يقول الذين آمنوا } بعضهم لبعض، تعجبا منهم ومن نفاقهم: { ~~أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم ~~إنهم لمعكم } مؤمنين والمعنى - على [قراءة] من أتى بالواو - ~~مثل ذلك وهو أبين. # ومن قرأ بالنصب فمعناه: وعسى أن يقول الذين آمنوا كذا وكذا. # وقال مجاهد: المعنى: { فيصبحوا على مآ أسروا في ~~أنفسهم نادمين } [حينئذ] # { يقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا } ~~إنهم مؤمنون. # قال الكلبي: فجاء الله بالفتح، فأمر الله نبيه بقتل بني قريظة وسبي ~~ذراريهم وإجلاء [بني] النضير، فندم المنافقون حين أجلي أهل ~~ودهم، وظهر (نفاقهم)، فعند ذلك قال المؤمنون - بعضهم لبعض - { ~~أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم ~~إنهم لمعكم }. ### || [5.54] # قوله: { يأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن ~~دينه } الآية. # هذه الآية وعيد لمن يرتد فيما يستقبل، لأن الله تعالى قد علم أنه ~~سيرتد بعد وفاة نبيه قوم. # وقوله: { فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ~~}: قال الحسن والضحاك وغيرهما: هم أبو بكر الصديق وأصحابه، ردوا من ~~ارتد بعد النبي وقال: لا نؤدي الزكاة إلى [أهل] الإيمان. # وقيل: هم أهل اليمن. وقيل هم آل أبي موسى الأشعري، # " روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أومأ إلى أبي موسى الأشعري عند ~~نزول هذه الآية، وقال: هم قوم هذا، وهم أهل اليمن " # وعن مجاهد أنه قال: " هم قوم سبإ ". وقال السدي: هم الأنصار. # وقوله: { أذلة على المؤمنين } (أي) جانبهم لين للمؤمنين / ~~{ أعزة على الكافرين } أي: جانبهم خشن على الكافرين. وقيل: ~~(أعزة) بمعنى أشداء عليهم ذوي غلظة. # وقال علي بن أبي طالب: أذلة: ذوي رأفة " وأعزة: ذوي عنف. # وقال ابن جريج: أذلة: رحماء، أعزة: أعداء. # { يجاهدون } أي: يجاهدون من ارتد ولم يؤمن، { ولا يخافون } ~~في جهادهم ذلك { لومة لائم }. وهذا مما يدل على صحة خلافة أبي ~~بكر، لأنه جاهد بعد النبي من ارتد لم يرجع لقول ms0623 قائل، وقد كان كسر عليه ~~جماعة عن قتال أهل الردة فأبى إلا قتلهم، فقاتلهم حتى رجعوا إلى الإسلام ~~وأداء الزكاة، فرأى كل من كسر عليه أولا أن الذي فعل هو الصواب، رضي ~~الله عنهم أجمعين. ### || [5.55] # قوله: { إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ~~} الآية. # هذه الآية راجعة إلى ما تقدم من تحذير الله المؤمنين أن يتخذوا اليهود ~~والنصارى أولياء، فأعلمهم في هذه [الآية] أن الذي هو وليهم الله ورسوله ~~والذين آمنوا. # وقيل: نزلت في عبادة بن الصامت حين تبرأ من ولاية يهود. # وقال: الكلبي: # " بلغنا أن عبد الله بن سلام ورهطا من مسلمي أهل الكتاب أتوا النبي عند ~~صلاة الظهر، فقالوا: يا رسول الله، بيوتنا قاصية، ولا نجد متحدثا دون ~~المسجد، وإن قومنا لما رأونا صدقنا الله ورسوله وتركنا دينهم، ~~أظهروا لنا العداوة، وأقسموا ألا يخالطونا ولا يجالسونا، فشق ذلك علينا. ~~فبينما هم يشكون ذلك إلى النبي حتى نزلت { إنما وليكم الله ~~ورسوله } الآية، فلما قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم ~~قالوا: رضينا بالله ورسوله والمؤمنين أولياء، وأذن بلال بالصلاة، فخرج ~~رسول الله والناس يصلون بين قائم وراكع وساجد، وإذا هو بمسكين يسأل، ~~فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: هل أعطاك أحد شيئا؟ قال: ~~نعم، قال: ماذا؟ قال: خاتم من فضة، قال: من أعطاك؟ قال: ذلك الرجل ~~القائم، فإذا هو علي، قال: على أي: حال أعطاك؟ قال: أعطانيه وهو راكع. ~~فزعموا أن رسول الله كبر عند ذلك ". # قوله: { الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم ~~راكعون } ، # قيل: هو علي بن أبي طالب، تصدق وهو راكع. قال السدي مر به سائل - وهو ~~راكع - فأعطاه خاتمه. وقيل: عنى به جميع المؤمنين. ### || [5.56] # قوله: { ومن يتول الله ورسوله } الآية. # المعنى: أن الله أعلم أن من [تبرأ] من يهود - الذين هم حزب الشيطان - ~~ووالى الله ورسوله والذين آمنوا، هم حزب الله، { فإن حزب الله ~~هم الغالبون } ، والحزب: الأنصار. ### || [5.57] # قوله: { أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين ~~اتخذوا دينكم هزوا ولعبا ms0624 } الآية. # ومعنى الآية: أن الله حذر المؤمنين ألا يتخذوا اليهود والنصارى أولياء، ~~ووصفهم تعالى بأنهم اتخذوا الإسلام هزوا ولعبا، وهم (قد) أوتوا الكتاب ~~من قبلنا، يعني التوراة والإنجيل. # و [حذرهم] ألا يتخذوا الكفار أولياء، وهم مشركو قريش. # فمن نصب (الكفار) فالمعنى فيه: أنه تعالى نهانا عن اتخاذهم أولياء ولم ~~يخبرنا أنهم اتخذوا ديننا هزوا ولعبا كأهل الكتاب. ومن خفض فمعناه أنه ~~تعالى نهانا عن اتخاذهم أولياء، وأخبرنا أنهم اتخذوا ديننا هزوا ولعبا ~~كما فعل أهل الكتاب. # ومعنى اتخاذهم ديننا هزوا ولعبا: / هو إيمانهم: ثم كفرهم وإظهارهم ~~خلاف ما يبطنون أخبر الله عنهم أنهم # وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا ~~إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن ~~مستهزئون # [البقرة: 14]. # { واتقوا الله } أي: اتقوه (في اتخاذهم) أولياء، { إن كنتم ~~مؤمنين } أي: مصدقين بالله. ### || [5.58] # قوله: { وإذا ناديتم إلى الصلاة } الآية. # المعنى: أنه إخبار عما يفعل اليهود والنصارى، أنهم كانوا إذا نودي ~~بالصلاة سخروا ولعبوا من ذلك، لأنهم قوم لا يعقلون، ما في إجابتهم ~~إليهم لو فعلوا، وما عليهم إذا سخروا من العقاب على ذلك. # قال السدي: كان رجل من النصارى بالمدينة إذا سمع في النداء " أشهد أن ~~محمدا رسول الله " (قال): " حرق الكاذب " فدخلت خادم - ذات (ليلة ~~من الليالي) - بنار - وهو نائم - فسقطت [شرارة] من النار فأحرقت البيت ~~واحترق هو وأهله. # وقال ابن عباس: ضحك قوم من اليهود والمشركون من المسلمين وقت سجودهم ~~فأنزل الله (هذه). الآية. # قال الكلبي: كان إذا نادى منادي رسول الله للصلاة، قالت اليهود ~~والمشركون: قد قاموا، لا قاموا، وإذا ركعوا سخروا (و) استهزأوا بهم ~~وضحكوا. ### || [5.59] # قوله: { قل يأهل الكتاب هل تنقمون منآ } الآية. # المعنى: قل يا محمد لليهود والنصارى: هل [تكرهون] منا وتجدون علينا ~~شيئا من الأشياء إلا إيماننا بالله وإقرارنا به، وبما أنزل إلينا، وبما ~~أنزل من قبل أي: التوراة والإنجيل وجميع الكتب؟ { وأن أكثركم ~~فاسقون } أي: وهل تنقمون منا إلا أن أكثركم فاسقون؟، كأنه: هل تنقمون ~~إلا إيماننا وفسقكم؟. # ومنع بعض العلماء ms0625 حمل { وأن أكثركم } على { تنقمون } ، ~~وقال: كيف يجوز " هل تنقمون (منا) إلا فسقكم " ، والفسق منهم، فغير ~~جائز أن ينقموا على غيرهم فسقهم، قال: وإنما هو مردود على (بالله) أي: هل ~~تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وبأن أكثركم فاسقون. # وذكر ابن عباس أن ناسا من يهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم [فسألوه] ~~عمن يؤمن به من الرسل، فقال: { آمنا بالله ومآ أنزل ~~إلينا ومآ أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ~~ويعقوب والأسباط ومآ أوتي موسى [وعيسى] } ، وما ~~أوتي النبييون من ربهم، لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون. فلما ذكر ~~عيسى جحدوا نبوته وقالوا: " لا نؤمن (بمن آمن) به " ، فأنزل الله { قل ~~يأهل الكتاب هل تنقمون منآ } الآية. ### || [5.60] # قوله: { قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة } ~~الآية. # { من لعنه (الله) } [من]: في موضع رفع، كما قال: { شر }: ~~النار. والتقدير فيه هو: لعن من لعنه الله ويجوز أن تكون { من } ~~في موضع نصب { أنبئكم } ، ويجوز أن تكون في موضع خفض على البدل من ~~{ شر }. # والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء الذين اتخذوا [دينكم] هزوا ولعبا من الذين ~~أوتوا الكتاب والكفار -: هل أنبئكم بشر من ثواب ما تنقمون هو لعن { من ~~لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة ~~والخنازير } ، وهم أصحاب السبت من اليهود. # وقرأ حمزة { وعبد الطاغوت } بضم الباء وخفض الطاغوت، بإضافة " ~~عبد " إليه، ومعناه: وخدم الطاغوت. # { أولئك شر مكانا } أي: شر من هؤلاء الذين نقمتم عليهم ~~لإيمانهم بالله وبما أنزل من قبل، { وأضل عن سوآء السبيل } ~~أي: أجور / عن قصد الحق، وهذا كلام فيه تعريض لليهود الذين نقموا ~~إيمان المؤمنين، فهم [المعنيون] بذلك. # وقيل: المعنى: أولئك الذين نقموا عليكم - أيها المؤمنين - شر مكانا ~~عند الله من الذين لعنهم الله، وجعل منهم القردة والخنازير. # وقيل: المعنى أولئك الذين آمنوا شر؟ أم من لعنه الله؟، (ويعني به ~~المقول) لهم ذلك من اليهود. ### || [5.61] # قوله: { وإذا جآءوكم قالوا آمنا } الآية. # المعنى: وإذا جاءكم - أيها المؤمنون - هؤلاء المنافقون من اليهود، ~~قالوا: " آمنا " ، وقد ms0626 دخلوا عليكم بالكفر إذا جاؤكم، وخرجوا به أيضا ~~كما دخلوا، لم يحولوا عما يعتقدون، وإنما كذبوا بألسنتهم وقالوا ما لا ~~يعتقدون، { والله أعلم بما [كانوا] يكتمون } من كفرهم، ~~قال السدي: هؤلاء ناس من المنافقين - كانوا يهود - دخلوا كفارا (وخرجوا ~~كفارا)، إذ لم ينتفعوا بما سمعوا. ### || [5.62] # قوله: { وترى كثيرا منهم يسارعون } الآية. # المعنى: ترى يا محمد كثيرا من هؤلاء اليهود يسارعون في الأثم، [أي] في ~~الكفر، والعدوان، وهو مجاوزة حدود الله، فمعنى ذلك أنهم يسارعون في معاصي ~~الله وترك حدوده، ويسارعون في أكلهم السحت، وهو الرشا في الأحكام. # { لبئس ما كانوا يعملون } [في الكلام معنى القسم، والمعنى: ~~أقسم بالله لبئس ما كانوا يعملون] في مسارعتهم في الإثم والعدوان وأكلهم ~~السحت. ### || [5.63] # قوله: { لولا ينهاهم الربانيون والأحبار } الآية. # المعنى: هلا ينهاهم عن ذلك الربانيون، وهم أئمتهم وعلماؤهم. # وقيل: ولاتهم. (والأحبار) (و) هم الفقهاء والعلماء. # { عن قولهم الإثم } وهو الكفر. وقيل: { وأكلهم السحت ~~} وهو الرشوة في الأحكام. # { لبئس ما كانوا يصنعون } أي: لبئس صنيع الربانيين ~~والأحبار إذ لا ينهون عامتهم عن ذلك. # وهذه الآية أشد آية وبخ فيها العلماء، قال ابن عباس: ما في القرآن ~~آية أشد توبيخا من هذه، والمعنى: أقسم [لبئس ما] كانوا يصنعون. # وقرأ أبو الجراح (الربيون) وهم [الجماعات]، مأخوذ من الربة، ~~والربة: الجماعة، ونسب إليها فقيل: ربي، ثم جمع فقيل: ~~ربيون. ### || [5.64] # قوله: { وقالت اليهود يد الله مغلولة } الآية. # هذه الآية من أدل دليل على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، إذ أخبرهم ~~بمكنون سرهم وخفي اعتقادهم. ومعنى قولهم { يد الله مغلولة }: " ~~خير الله ممسك " وعطاؤه محبوس عن الاتساع عليهم واليد - هنا - بمنزلة ~~قوله تعالى في تأديب نبيه: # ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك # [الإسراء: 29] أي: لا تقتر في النفقة حتى تضر بنفسك وبمن معك، # (و) لا تبسطها كل البسط # [الإسراء: 29] أي: لا تسرف في الإنفاق والتبذير، فتبقى لا شيء لك. وإنما ~~خصت اليد بأن جعلت في موضع الإمساك والإنفاق، لأن عطاء الناس وبذلهم ~~معروفهم، الغالب عليه ms0627 باليد، فجرى استعمال الناس في وصف بعضهم بعضا ~~بالكرم أو بالبخل بأن أضافوه إلى اليد التي بها يكون العطاء والإمساك، ~~فخوطبوا بما يتعارفونه في كلامهم، فحكى الله عن اليهود أنهم قالوا { يد ~~الله مغلولة } أي: أنه يبخل علينا بالعطاء كالذي يده مغلولة عن ~~العطاء، تعالى الله عما قال أعداء الله علوا كبيرا. # وقال بعض المفسرين (في) معنى الآية: نعمة الله مقبوضة عنا. # لأنهم كانوا إذا نزل بهم خير، / قالوا: يد الله مبسوطة علينا، وإذا نزل ~~بهم ضيق وجدب، قالوا: يد الله مقبوضة عنا، أي: نعمته وأفضاله. # وقد قيل: في قوله { بل يداه مبسوطتان }: أنهما مطر السماء ~~ونبات الأرض، لأن النعم (بهما ومنهما) تكون. # قوله: { غلت أيديهم } أي: من الخير، { ولعنوا بما ~~قالوا } أي: أبعدوا من رحمة الله عز وجل لقولهم ذلك. وقيل: غلت في ~~الآخرة، وهو دعاء عليهم. # ثم قال تعالى - رادا لما حكى من قولهم -: { بل يداه ~~مبسوطتان } أي: بالبذل والإعطاء، { ينفق كيف يشآء } أي: ~~يعطي: فيحرم هذا ويقتر عليه، ويوسع على هذا. # قال عكرمة ومجاهد والضحاك: قولهم { يد الله مغلولة } معناه: ~~أنه بخيل ليس بالجواد. وكذلك معنى قول ابن عباس وغيره. # قوله: { بل يداه مبسوطتان } قيل: معناه: نعمتاه الظاهرة ~~والباطنة على خلقه مبسوطتان. وقيل: معناه: نعمتاه، يعني نعمته في الدنيا ~~ونعمته في الآخرة. والعرب تقول: " لفلان عند فلان يد " ، أي: نعمة. وقيل: ~~عنى بذلك القوة، كقوله: # أولي الأيدي والأبصار # [ص: 45] أي: أصحاب القوة والبصائر في الدين. # وقد قيل في معنى قولهم: { يد الله مغلولة } أي: عن عذابنا، ~~[أي يده مقبوضة عن عذابنا، و] معنى { مبسوطتان } أي: [مطلقتان]. # واليد - عند أهل النظر والسنة في هذا الموضع وما كان مثله - صفة من صفات ~~الله، ليست بجارحة، فعلينا أن نصفه بما وصف به نفسه # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11]، فلا يحل لأحد أن يعتقد الجوارح لله، إذ ليس كمثله شيء، و ~~(أن ما) وقع من ذكر هذا وشبهه، وذكر المجيء والإتيان، صفات لله، لا أنها ~~فيها انتقال وحركة وجارحة، فسبحان من ليس ms0628 كمثله شيء من جميع الأشياء، فلو ~~أنك أثبت له حركة أو انتقالا أو جارحة لكنت قد جعلته كبعض الأشياء ~~الموجودة، وقد قال: # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11]، فاحذر أن يتصور في عقلك أن البارئ جل ذكره يشبه شيئا من ~~الأشياء التي عقلت وفهمت، ومتى فعلت شيئا من هذا فقد ألحدت، وأهل السنة ~~يقولون: ان يديه غير نعمته. # وقوله: { وليزيدن كثيرا منهم مآ أنزل إليك من ~~ربك طغيانا وكفرا } أي: ليزيدنهم ما أطلعناك عليه من خفي ~~اعتقادهم، وسوء مذهبهم، { طغيانا } عن الإيمان بك، { وكفرا } بما ~~جئت به. # { وألقينا بينهم العداوة والبغضآء إلى يوم ~~القيامة } أي: بين اليهود والنصارى. وهو مردود إلى قوله: # لا تتخذوا اليهود والنصارى أوليآء بعضهم ~~أوليآء # [المائدة: 51]. # { كلمآ أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله } أي: ~~كلما أجمعوا أمرهم على شيء شتته الله وأفسده عليهم. قال قتادة: (لن تلقى) ~~يهوديا ببلد إلا وجدته (من) أذل أهل ذلك البلد، ولقد جاء الإسلام - حين ~~(جاء - وهم) تحت أيدي المجوس أبغض خلق الله إليه. # وهو كلام تمثيل، وتحقيقه: كلما تجمعوا لتفريق المؤمنين وحربهم، شتتهم ~~الله و [محقهم]. # { ويسعون في الأرض فسادا } أي: يسعون في إبطال الإسلام، ~~والكفر برسوله وآياته، { والله لا يحب المفسدين } أي: " ~~من كان عاملا بمعاصيه ". ### || [5.65] # قوله: { ولو أن أهل الكتب ءامنوا واتقوا } ~~الآية. # المعنى: لو أن اليهود والنصارى آمنوا بالله و [رسوله]، واتقوا ~~مخالفتهما، { لكفرنا عنهم [سيئاتهم] } أي: لغطينا ~~ذنوبهم وسترنا / عليها. { ولأدخلنهم جنت النعيم } أي: ~~بساتين يتنعمون [فيها] في الآخرة. ### || [5.66] # قوله: { ولو أنهم أقاموا التوراة [والإنجيل] } ~~الآية. # أي: لو أن اليهود أقامت التوراة، أي: عملت بما فيها وأقرت بما فيها من ~~صفة النبي ونبوته، ولو أن النصارى أقامت الإنجيل، أي: عملت بما فيه وأقرت ~~بصفة النبي ونبوته التي هي فيه، { و[مآ] أنزل إليهم من ~~ربهم } يعني القرآن، أي: وأقاموا ما أنزل إليهم من ربهم، والمعنى ~~في ذلك: التصديق بجميع الكتب. # (و) قوله: { لأكلوا من فوقهم } أي: من قطر السماء، { ومن ~~تحت أرجلهم }: من نبات الأرض. وقيل: معناه التوسعة ms0629 عليهم في ~~الأرزاق كما يقول القائل: " هو في خير من قرنه إلى قدمه ". # { منهم أمة مقتصدة }: أي مؤمنة بمحمد. وقيل: مقتصدة في ~~القول في عيسى أنه { رسول الله وكلمته ألقاها إلى ~~مريم }. قال مجاهد: هم مسلمو أهل الكتاب. { وكثير منهم ~~سآء ما يعملون } أي: عملهم مذموم. ### || [5.67] # قوله: { يأيها الرسول بلغ مآ أنزل إليك } الآية. # والمعنى: أن الله تعالى: أكد على النبي في تبليغ ما أنزل إليه من ربه، ~~لأنه كان يرفق بالناس في أول الإسلام وابتدائه، فأمر بالاجتهاد في ~~التبليغ. # وقوله: { وإن لم تفعل فما بلغت رسالته } أي: إن ~~تركت آية وكتمتها، لم تبلغ رسالته، قاله ابن عباس. وقيل: المعنى: إن (لم) ~~تبلغ ذلك معلنا، غير متوق أمرا، فما بلغت، وهو مثل قوله # فاصدع بما تؤمر # [الحجر: 94]. # وقوله: { والله يعصمك من الناس } أي: أمره تعالى ~~بالتبليغ، وأخبره بالعصمة من الناس. # قال ابن جبير: # " لما نزلت { والله يعصمك من الناس } ، قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: لا تحرسوني، فإن ربي قد عصمني. وكان ناس من أصحابه ~~يتعقبونه في الليل، فلما نزلت { والله يعصمك من الناس } ، ~~قال: يا أيها " الناس " إلحقوا بملاحقكم، فإن الله قد عصمني من الناس ~~" # وروي # " أن النبي كان إذا نزل منزلا، اختار له أصحابه شجرة يقيل تحتها، فأتاه ~~أعرابي فخرط سيفه ثم قال: من يمنعك مني؟ فقال النبي: الله، فرعدت يد ~~الأعرابي وسقط السيف من يده، وضرب برأسه الشجرة حتى (انتثر) دماغه، ~~فأنزل الله { والله يعصمك من الناس } " # وقيل: # " كان " النبي " صلى الله عليه يخاف قريشا، فلما نزلت هذه الآية، ~~استلقى ثم قال: من شاء فليخذلني، مرتين أو ثلاثا ". ### || [5.68] # قوله: { قل يأهل الكتاب لستم على شيء } الآية. # المعنى: لستم على دين حتى تصدقوا بما في التوراة من الفروض وصفة محمد، ~~و [بما] في الإنجيل، وتصدقوا [بما] أنزل إليكم من ربكم، وهو القرآن ~~الكريم. # (و) قوله: { وليزيدن كثيرا منهم مآ أنزل إليك ~~من ربك طغيانا وكفرا } أي: ليزيدنهم ما أطلعتك عليه ~~من أمرهم، { طغيانا } أي: تجاوزا ms0630 في التكذيب، { وكفرا } أي: ~~[وجحودا لنبوتك] { فلا تأس } أي: لا تحزن عليهم، فإنهم كافرون. ### || [5.69] # قوله تعالى: { إن الذين آمنوا والذين هادوا } الآية. # مذهب الخليل وسيبويه في [الصابون] أنه رفع على أنه عطف على موضع (إن) ~~وما عملت فيه. # وقال الكسائي والأخفش: هو عطف على المضمر في { هادوا }. وقو قول ~~مطعون فيه، لأنه يلزم أن يكون { الصابئون } دخلوا في اليهودية. # وقال الفراء: / إنما جاز الرفع، لأن { الذين } لا يظهر فيه عمل ~~(إن). # وأجاز الكسائي: إن [زيدا وعمرو]. قائمان " قال: لضعف " إن " واستدل بقول ~~الشاعر: # فإني وقيار بها لغريب. # وقال الفراء: لا حجة للكسائي في هذا البيت، لأن قيارا قد عطف على اسم ~~مكنى عنه، والمكنى لا يتبين فيه الإعراب ك { الذين } ، فهل فيه ~~أن يعطف على الموضع. # وقرأ [سعيد] بن جبير " والصابين " بالنصب، على ظاهر العربية. # ومعنى الآية: أن الذين آمنوا بألسنتهم، يعني المنافقين، واليهود ~~والصابين والنصارى، من آمن منهم، أي: من حقق الإيمان بمحمد - وما أتى ~~به - بقلبه، وباليوم الآخر، وعمل صالحا، فلا خوف عليهم. وقيل المعنى: أن ~~الذين آمنوا بألسنتهم وقلوبهم، من ثبت منهم على الإيمان { وعمل ~~صالحا فلا خوف عليهم } أي: لا يخافون يوم القيامة ولا ~~يحزنون. ### || [5.70] # قوله: { لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنآ ~~إليهم رسلا } الآية. # اللام في { لقد } لام قسم، " والمعنى: أقسم " لقد أخذنا ميثاق بني ~~إسرائيل على إخلاص التوحيد، والعمل بما أمرهم به، والانتهاء عما نهاهم ~~عنه، وأرسلنا إليهم (بذلك رسلا)، كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم، ~~فريقا كذبوا وفريقا قتلوا، نقضا للميثاق الذي أخذ عليهم. فالتكذيب ~~اشتركت فيه اليهود والنصارى، والقتل هو من فعل اليهود خاصة، كانت تقتل ~~النبيين (والمرسلين) إذا أمروا بالمعروف ونهو عن المنكر. ### || [5.71] # قوله: { وحسبوا ألا تكون فتنة } الآية. # المعنى: وظن هؤلاء الذين أخذ ميثاقهم أنه لا يكون لهم من الله ابتلاء ~~" واختبار بالشدائد من العقوبات، { فعموا وصموا } أي: عن الحق ~~والوفاء بالميثاق الذي أخذ عليهم. و (كثير) بدل من المضمر. وقيل: هو ~~تأكيد كما تقول: " رأيت ms0631 قومك ثلثهم " وقيل: رفعه على إضمار مبتدا، [و] ~~المعنى: العمى كثير منهم وقيل: التقدير: العمى والصم منهم كثير. وقيل هو ~~على لغة من قال: " أكلوني البراغيث " ، فيرتفع (كثير) ب [عموا ~~وصموا]. ويجوز - في غير القرآن - النصب على أنه نعت لمصدر محذوف. # (و) قال مجاهد: (هم) اليهود خاصة وقيل: المعنى: وحسبوا ألا يكون اختبار. ~~لقولهم: # نحن أبناء الله وأحباؤه # [المائدة: 18]، فعموا عن الحق وصموا. # { ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير ~~منهم } أي: لم يعلموا بما سمعوا، ولا انتفعوا بما رأوا من الآيات ~~فكانوا بمنزلة العمي الصم. # وقيل: معنى { ثم تاب الله عليهم }: ثم بعث الله محمدا ~~يخبرهم أن الله يتوب عليهم إن تركوا الكفر وآمنوا، { فعموا ~~وصموا } أي: لم ينتفعوا بما قيل لهم. ### || [5.72] # قوله تعالى: { لقد كفر الذين قالوا إن الله هو ~~المسيح ابن مريم } الآية. # أخبر الله عن النصارى أنه لما اختبرهم بوفاء الميثاق، كفروا وقالوا: ~~المسيح الله، وقد عملوا أنه (ابن) مريم، والله لا يكون مولودا، تعالى ~~(الله) عن ذلك. وأخبر عن المسيح أنه قال لهم { اعبدوا الله } إلى ~~آخر الآية، وهذا قول اليعقوبية من اليهود. # والمسيح: الصديق. # وقال ابن عباس: سمي مسيحا، لأنه كان أمسح الرجل، لا أخمص له. # وقيل: سمي مسيحا، لأنه كان لا يمسح بيديه ذا عاهة إلا برأ، ولا يضع ~~يديه على شيء إلا أعطي فيه مراده. وقال / ثعلب: سمي بذلك لأنه كان يمسح ~~الأرض، أي: يقطعها بالسياحة. # و [قيل]: لأنه خرج من بطن أمه ممسوحا بالدهن. # وأما المسيح الدجال، فإنما سمي به لأنه أمسح العين، فهو بمعنى ممسوح، ك ~~" قتيل " بمعنى " مقتول ". ### || [5.73] # قوله: { لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ~~ثلاثة } الآية. # أخبر الله في هذه الآية قول بعضهم وكفرهم، وهو قول جمهور النصارى. ~~وقوله: (منهم) تعود (على أهل الكفر) من الذين قالوا: { [إن] الله ~~هو المسيح [ابن مريم] } ومن الذين قالوا: { [إن] الله ~~ثالث ثلاثة } ، فتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. ### || [5.74] # قوله: { أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه }. # (و) ms0632 المعنى: [أفلا] يرجعون عن قولهم ويستغفرون منه، { والله غفور ~~} أي: ساتر: لذنوب الناس، { رحيم } بهم. ### || [5.75] # قوله: { ما المسيح ابن مريم } الآية. # هذا احتجاج على فرق النصارى في قولهم في عيسى. فالمعنى: ليس عيسى أول ~~رسول مبعوث إلى الناس فيعجبوا من ذلك، بل قد خلت من قبله الرسل إلى ~~الخلق، فهو واحد منهم، (فهو) مثل قوله في محمد # قل ما كنت بدعا من الرسل # [الأحقاف: 9]، و (مثل) قوله: # وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل # [آل عمران: 144]. # (والصديقة: الفعلية من الصدق]. # ومعنى الآية: ما المسيح في إنبائه بالمعجزات - من إبراء الأكمه وإحياء ~~الموتى - { إلا رسول قد خلت من قبله الرسل } أي: مثل ~~الرسل التي قد خلت من قبله، أتى بالمعجزات كما أتى موسى وابراهيم، فهو ~~أظهر الآيات، (فهو) كغيره ممن تقدم من الرسل الذين أظهروا الآيات. # - ومعنى { خلت }: تقدمت -، فليس هو بأول رسول فيعجب منه. # قوله { كانا يأكلان الطعام } كناية عن إتيان الحاجة، فنبه ~~بأكل الطعام على عاقبته، وغلب المذكر على المؤنث. وقيل: المعنى: كانا ~~يتغديان كما يتغدى البشر، ومن كان هكذا فليس بإله، لأن الإله لا يحتاج ~~إلى شيء. # قوله: { انظر كيف نبين لهم الآيات } أي: انظر يا محمد ~~كيف نبين لهؤلاء الكفرة من اليهود والنصارى { الآيات } ، وهي العلامات ~~على بطلان ما يقولون في أنبياء الله، ثم انظر: يا محمد - مع تنبيهنا ~~إياهم على ذلك - كيف يؤفكون، أي: من أين يصرفون عن الحق. يقال لكل مصروف ~~عن شيء: (هو مأفوك عنه)، و (وقد أفكت فلانا عن كذا) أي: صرفته عنه، ~~آفكه أفكا، و (قد أفكت الأرض): إذا صرف عنها المطر. ### || [5.76] # قوله: { قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ~~ضرا ولا نفعا } الآية. # المعنى: قل يا محمد لهؤلاء القائلين في المسيح ما ذكرت عنهم: أتعبدون ~~سوى الله الذي يملك ضركم ونفعكم، والذي خلقكم ورزقكم، فيخبرهم تعالى أن ~~المسيح - الذي زعموا أنه إله - لا يملك لهم دفع ضر إن أحله ~~الله [بهم]، ولا صرف نفع إن ms0633 أعطاهم الله إياه. # { والله هو السميع العليم } أي: أنتم أقررتم أن عيسى كان ~~في حال لا يسمع ولا يعلم، والله لم يزل سميعا عليما، " وهذا من ألطف ما ~~يكون من الكناية ". وقيل: المعنى: { هو السميع } لاستغفارهم لو ~~استغفروه من قولهم في المسيح، { العليم } بتوبتهم - لو تابوا منه - ~~وبغير ذلك من أمورهم. ### || [5.77] # قوله: { قل يأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير ~~الحق } الآية. # المعنى: قل يا محمد: يا أهل الإنجيل لا تغلوا في دينكم أي: لا تفرطوا في ~~القول في أمر المسيح فتجاوزوا الحق في جعلكم إياه [إلها]، ولكن قولوا: { ~~رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح ~~[منه] }. # { ولا تتبعوا أهوآء قوم قد ضلوا من قبل } أي: ~~أهواء اليهود الذين قد ضلوا من قبلكم عن سبيل الله الهدى { وأضلوا ~~كثيرا } أي: أضل هؤلاء اليهود كثيرا من الناس عن الحق، فحملوهم على ~~الكفر بالله والتكذيب بالمسيح، { وضلوا عن سوآء السبيل } ~~أي: عن قصد السبيل. # وسمي (الهوى / هوى، لأنه يهوي) بصاحبه في الباطل والهوى - في القرآن - ~~مذموم. والعرب لا تستعمله إلا في الشر، وأما في الخير فيستعملون الشهوة ~~والمحبة. # وقال ابن أبي نجيح: { وأضلوا كثيرا } اليهود أضلوا المنافقين. ### || [5.78-79] # قوله: { لعن الذين كفروا } الآية. # (ذلك) في موضع رفع، على معنى: ذلك اللعن بما عصوا، أو على معنى: ~~الأمر ذلك بما عصوا، ويجوز أن يكون في موضع نصب على معنى: فعلنا ذلك بما ~~عصوا. # والمعنى: أن الذين لعنوا على لسان داود (هم) أهل السبت، والذين لعنوا ~~على لسان عيسى (ابن مريم) هم أصحاب المائدة، قاله ابن عباس. وقيل: الذين ~~لعنوا على لسان داود مسخوا قردة، والذين لعنوا على لسان عيسى مسخوا ~~خنازير. قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " أول ما وقع النقص في بني إسرائيل: أن أحدهم كان يرى أخاه على المعصية ~~فينهاه، ثم لا يمنعه ذلك من الغد أن يكون أكيله وشريبه ". # قال ابن عباس: لعنوا بكل لسان: لعنوا على عهد موسى في التوراة، ولعنوا ~~على عهد داود في الزبور، ولعنوا على ms0634 عهد عيسى في الإنجيل، ولعنوا على عهد ~~محمد في القرآن. # وقال مجاهد: لعنوا على لسان داود فصاروا قردة، وعلى لسان عيسى فصاروا ~~خنازير. والمراد بذلك - والله أعلم - أنه (تعالى) حذرهم أن يقولوا في ~~عيسى ما قالوا فلعنوا كما لعن هؤلاء. # وروي أن داود عليه السلام دعا عليهم على عهده: وذلك أنه مر على نفر ~~وهم في بيت، فقال: من في البيت؟ [فقالوا]: خنازير، فقال: (اللهم اجعلهم ~~خنازير)، فأصابتهم لعنته، ودعا عليهم عيسى فقال: " اللهم العن من ~~افترى علي وعلى أمي، فاجعلهم " قردة خاسئين. ذلك ~~بعصيانهم واعتدائهم. # ثم أخبر تعالى أنهم { كانوا لا يتناهون عن منكر ~~فعلوه }. أي: لا ينهى بعضهم بعضا، والمنكر: المعاصي. # { لبئس ما كانوا يفعلون } في الكلام معنى القسم. والمعنى: ~~أقسم لبئس الفعل فعلهم في تركهم النهي عن المعاصي. # وروي أن النبي عليه السلام قال: # " إن أول ما كان من نقض بني إسرائيل ومعصيتهم: أنهم كانوا يأمرون ~~بالمعروف وينهون عن المنكر، شبه تعذير، فكان أحدهم إذا لقي صاحبه الذي ~~كان يعيب عليه آكله وشاربه وخالطه، كأنه لم يعب عليه شيئا، فلعنهم الله ~~على لسان داود وعيسى بن مريم ". # وروي عنه عليه السلام أنه قال: # " لا يزال العذاب مكفوفا عن العباد ما استتروا بمعاصي الله، فإذا ~~أعلنوها، فلم تنكر، استحلوا عقاب الله ". # وقال عليه السلام: # " إن الخطيئة إذا أخفيت لم تضر إلا صاحبها، وإذا أظهرت فلم تغير ~~ضرت العامة ". # وقال صلى الله عليه وسلم: # " (لا تعذب) الخاصة بعمل العامة حتى تكون الخاصة تستطيع أن تغير على ~~العامة، فإذا استطاعت ذلك - فلم تفعل - عذبت (الخاصة والعامة) ". ### || [5.80] # قوله تعالى: { ترى كثيرا منهم يتولون الذين ~~كفروا } الآية. # المعنى: ترى يا محمد كثيرا من اليهود يوالون المشركين من عبدة الأوثان ~~ويعادون أولياء الله قال مجاهد: يعني المنافقين. # { لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله ~~عليهم } ف (أن) في موضع رفع، فالذي قدمت لهم أنفسهم هو سخط ~~الله بما فعلوا. { وفي العذاب هم خالدون } / أي: مقيمون في ~~الآخرة. # المعنى (لعنوا) - عند أكثر ms0635 المفسرين -: أبعدوا من رحمة الله فمسخوا ~~بذنوبهم. # (و) روى ابن حبيب في حديث يرفعه إلى النبي عليه السلام أنه قال: الممسوخ ~~خمسة عشر صنفا: الفيل، والدب، والضب، والأرنب، والعنكبوت، والخنفساء، ~~والوطواط، والعقرب، والقنفذ، والدعموص، و [الجريث]، والقردة، (و) ~~الخنازير، وسهيل، والزهرة. # قيل: يا رسول الله، فما كان سبب هؤلاء إذ مسخوا؟، فقال: أما الفيل فكان ~~رجلا لوطيا، وكان ينكح البهائم، لا يدع رطبا ولا يابسا، فمسخه الله ~~فيلا. وأما الدب فكان (رجلا) مؤنثا يؤتى، فمسخه الله دبا. وأما ~~الضب فكان أعرابيا يسرق الحاج فمسخه الله ضبا. وأما الأرنب: فكانت ~~امرأة [قذرة] لا تغتسل من حيض ولا غير ذلك، فمسخها الله أرنبا. وأما ~~الخنفساء: فكانت امرأة سحرت ضرتها فمسخها الله خنفساء. وأما العنكبوت ~~فكانت امرأة عاصية لزوجها معرضة عنه، مبغضة له، فمسخها الله عنكبوتا. ~~وأما الوطواط: فكان رجلا يسرق الرطب من رؤوس النخيل ليلا، فمسخه الله ~~وطواطا، وأما القنفذ، فكان رجلا سيء الخلق، فمسخه الله قنفذا. وأما ~~العقرب: فكان رجلا همازا لا يسلم من لسانه أحد، فمسخه الله عقربا. ~~وأما [الدعموص] فكان رجلا نماما يفرق بين الأحبة، فمسخه الله ~~دعموصا. وأما [الجريث]: فكان رجلا ديوثا يدعو الرجال إلى حليلته فمسخه ~~الله [جريثا]. وأما القردة: فالذين تعدوا في السبت من بني إسرائيل. وأما ~~الخنازير: فالذين سألوا عيسى نزول المائدة ثم كانوا بعد نزولها أشد ما ~~يكونوا تكذيبا. وأما سهيل: فرجل عشار كان باليمن متعديا فمسخه الله ~~شهابا. - وروي أن (رسول الله صلى الله عليه وسلم) يلعنه إذا رآه -. # وأما الزهرة: فامرأة افتتن بها هاروت وماروت، فمسخها الله شهابا. # وسورة المائدة: من آخر ما نزل من القرآن. وروي أن فيها إحدى وعشرين ~~فريضة ليست في شيء من القرآن وهي: المنخنقة، والموقوذة، والمتردية، ~~والنطيحة، وما أكل السبع إلا ما ذكيتم، وما ذبح على النصب، وأن تستقسموا ~~بالأزلام، وما علمتم من الجوارح مكلبين، وطعام الذين أوتوا الكتاب حل ~~لكم، وطعامكم حل لهم، { والمحصنات من المؤمنات } ~~والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم، وتمام الطهور، والسارق ms0636 ~~والسارقة، وآية المحاربين، ولا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم، وكفارة ~~الإيمان، وتحريم الخمر، وتحريم الصيد في الحرم، وما جعل الله من بحيرة ~~ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام، وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ~~المائدة آخر سورة نزلت جملة، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه، وما وجدتم ~~فيها من حرام فحرموه. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " سورة المائدة تدعى في ملكوت الله: المنقذة، تنقذ صاحبها من أيدي ~~ملائكة العذاب وتخلصه " # وقد اختلف هل فيها منسوخ (أولا)، وقد ذكرنا ذلك في [موضعه]. ### || [5.81] # قوله تعالى: { ولو كانوا يؤمنون بالله } الآية. # المعنى: ولو كان هؤلاء الذين يتولون الذين كفروا / { يؤمنون بالله ~~والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أوليآء ~~ولكن كثيرا منهم فاسقون } أي: خارجون عن طاعة الله. ~~وقال مجاهد: المنافقون. ولم يبين. ### || [5.82-84] # قوله: { لتجدن أشد الناس عداوة } الآية. # قوله: { قسيسين } هو جمع (قسيس) مسلما، (و) تكسيره على ~~(قساوسة)، أبدل من إحدى السينات واوا. ويقال: (قس) في معناه، وجمعه ~~(قسوس)، ويقال للنميمة (قس). # ورهبان جمعه رهابنة ورهابين. # والمعنى: لتجدن - يا محمد - أشد الناس عداوة للذين اتبعوك، فآمنوا ~~بك { اليهود والذين أشركوا } ، وهم عبدة الأوثان، ولتجدن ~~أقربهم مودة لمن آمن بك، النصارى. # { ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا ~~يستكبرون } عن الحق. # وهذه الآية والتي بعدها نزلت في نفر من نصارى الحبشة لما سمعوا القرآن ~~أسلموا. " وقيل: إنها نزلت في النجاشي ملك الحبشة وأصحاب له أسلموا ~~". # قال سعيد بن جبير: بعث النجاشي وفدا إلى النبي، فقرأ عليهم القرآن ~~فأسلموا، فأنزل الله فيهم هذه الآية، فرجعوا إلى النجاشي فأخبروه فأسلم. # قال ابن عباس: بعث النبي - وهو بمكة، حين خاف على أصحابه من المشركين - ~~نفرا إلى النجاشي، منهم: ابن مسعود وجعفر بن أبي طالب، فبلغ ذلك ~~المشركين، فبعثوا عمرو بن العاصي في رهط إلى النجاشي يحذرونه من محمد، ~~فسبق أصحاب المشركين، فقالوا للنجاشي: خرج فينا رجل سفه عقول قريش ~~وأحلامها وقد بعث إليك رهطا ليفسدوا عليك قومك، فأحببنا ms0637 أن نأتيك ~~بخبرهم، قال: إن جاءوني نظرت فيما يقولون (لي)، فقدم أصحاب النبي، فأتوا ~~باب النجاشي، وقالوا: استأذنوا لأولياء الله، فقال: ائذن لهم، فمرحبا ~~بأولياء الله. فلما دخلوا عليه، سلموا، فقال له الرهط من المشركين: ألا ~~ترى - أيها الملك - لم يحيوك بتحيتك! فقال لهم: ما منعكم أن تحيوني ~~بتحيتي. فقالوا له: إنا حييناك بتحية أهل الجنة وتحية ~~الملائكة. فقال (لهم): ما يقول صاحبكم في عيسى وأمه؟ [قالوا]: هو عبد ~~الله وكلمة من الله وروح منه، ألقاها إلى مريم، ويقول في مريم: إنها ~~العذراء البتول. قال: فأخذ عودا من الأرض (وقال): " ما زاد عيسى وأمه ~~على ما قال صاحبكم قدر هذا العود " ، فكره المشركون قوله وتغيرت وجوههم. ~~قال لهم النجاشي: هل تعرضون شيئا مما أنزل عليكم؟ قالوا: نعم، قال: ~~اقرأوا، فقرأوا، وهناك قسيسون ورهبان ونصارى، فعرفت كل ما قرأوا، وانحدرت ~~دموعهم مما عرفوا من الحق، فأنزل الله الآية. # وقال الكلبي: كانوا أربعين رجلا: اثنان وثلاثون من الحبشة وثمانية من ~~رهبان الشام، فأسلموا حين هاجر إليهم المؤمنون وسمعوا القرآن فعرفوا الحق ~~وانقادوا إليه، وكانت اليهود أشد عداوة لمن آمنوا برسول الله يومئذ ~~بالمدينة، وكذلك كانت قريش لمن آمن بمكة. # وقيل: إن الذي قرأ على النجاشي هو جعفر بن أبي طالب، قرأ عليه أول سورة ~~مريم. # وقال السدي: بعث النجاشي اثني عشر من الحبشة: سبعة " قسيسون وخمسة " ~~رهبان، ينظرون إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويسألونه، فلما لقوه قرأ ~~عليهم ما أنزل الله، فبكوا وآمنوا، / وأنزل الله فيهم: { وإذا ~~سمعوا مآ أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض ~~من الدمع [مما عرفوا من الحق يقولون ربنآ ~~آمنا فاكتبنا مع الشاهدين] } ، فرجعوا إلى النجاشي فآمن ~~وهاجر بمن معه، فمات في الطريق، فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والمسلمون واستغفروا له. # وروى ابن شهاب عن أم سلمة - زوج النبي عليه السلام، وكانت قد هاجرت إلى ~~أرض الحبشة مع من هاجر من مكة من المسلمين حين آذاهم المشركون - فقالت: ~~لما نزلنا أرض الحبشة، جاورنا بها ms0638 خير جار - النجاشي -، أمنا على ~~ديننا، وعبدنا الله عز وجل، لا نؤذى ولا نسمع شيئا نكرهه، فلما ~~بلغ ذلك قريشا، ائتمروا بينهم أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين ~~جلدين، وأن يهدوا له هدايا مما يستظرف من متاع مكة، فجمعوا له هدايا ~~ولم يتركوا بطريقا من بطارقته إلا أهدوا إليه هدية، ثم بعثوا بذلك عبد ~~الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاصي، وقالوا لهما: ادفعا إلى كل بطريق ~~(منهم) هديته قبل أن تكلما النجاشي فيهم، ثم قدما إلى النجاشي ~~هداياه، ثم سلاه أن يسلمهم إليكما قبل أن يكلمهم. # قالت أم سلمة: فخرجا حتى قدما على النجاشي - ونحن عنده بخير دار عند خير ~~جار - فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلما ~~النجاشي، وقالا لكل بطريق: " إنه قد صبأ إلى بلاد الملك منا غلمان ~~سفهاء، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم وجاءوا بدين مبتدع لا ~~نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومنا لنردهم إليهم، ~~فإذا كلمنا الملك فيهم، فأشيروا على أن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم، ~~فإن قومهم أعلم بما عابوا عليهم فقالوا لهما: نعم، ثم إنهما قربا هدية ~~النجاشي فقبلها منهما، ثم كلماه فقالا: أيها الملك، إنه قد صبأ إليك منا ~~غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، ابتدعوا دينا لا ~~نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومنا من آبائهم ~~وأعمامهم وعشائرهم لنردهم إليهم، فهم أعلى بهم عينا، وأعلم بما عابوا ~~عليهم. فقالت البطارقة من حوله: صدقا - أيها الملك -، فأسلمهم ~~إليهما. قالت: فغضب النجاشي (وقال): لاها الله اذن، ولا أسلمهم، ~~(ولا يكاد قوم جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني من سواي) حتى أدعوهم ~~[فأسألهم] فما يقول هذان في أمرهم، فإن كانوا كما [يقولان]، أسلمتهم ~~إليهما ورددتهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك، منعتهم (منهم)، ~~وأحسنت جوارهم ما [جاوروني]. # قالت أم سلمة: ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله وعمرو بن العاصي من أن ~~يسمع النجاشي كلام المؤمنين، فدعا النجاشي ms0639 المؤمنين، فلما جاءهم رسول ~~النجاشي، اجتمعوا، فقال بعضهم لبعض: ما تقولون اذا جئتموه؟ قالوا: نقول - ~~والله - ما علمنا نبينا وما أمرنا كائنا في ذلك ما كان. فلما جاءوا - ~~وقد دعا النجاشي أساقفته فنشروا مصاحبهم حوله - سألهم فقال: ما هذا ~~الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا (به) في ديني، ولا (في) دين أحد من ~~[هذه] الملل؟، (و) قالت أم سلمة: فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب رضي ~~الله عنه، فقال له: أيها الملك، كنا قوما، - أهل جاهلية - نعبد ~~الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام، نسيء الجوار، ويأكل ~~القوي (الضعيف، فكنا على ذلك) حتى (بعث) الله إلينا رسولا منا، نعرف ~~نسبه وصدقه وأمانته وعافيته، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ~~ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا / من الحجارة والأوثان، وأمرنا ~~بصدق الحديث ورد الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن ~~المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل (مال) اليتيم، وقذف ~~المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة ~~والزكاة وبالصيام. - قالت أم سلمة: فعدد عليه أمور الإسلام - ~~فصدقنا وآمنا به، واتبعناه على ما جاءنا به من عند الله، وحرمنا ما ~~حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا فعذبونا ~~وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن ~~نستحل ما كنا نستحل من الخبائث فلما قهرونا (وظلمونا) وضيقوا ~~علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ~~ورغبنا في جوارك، ورجونا (أن لا) نظلم عندك أيها الملك. # قالت أم سلمة: فقال النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله (من) شيء؟، قال ~~له جعفر: نعم، قال: فاقرأه علي. قالت: فقرأ عليه صدرا من # كهيعص # [مريم: 1]، فبكى النجاشي (وبكى أساقفته حين سمعوا ما تلا عليهم، ثم ~~قال النجاشي): إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة، ~~انطلقا، فوالله لا أسلمهم إليكما أبدا، ثم قال لجعفر (وأصحابه): ~~اذهبوا فأنتم شيوم بأرضي - والشيوم في لسانهم: الآمنون -، من ~~سبكم [غرم]، من سبكم [غرم]، ms0640 قالها ثلاثا، ثم قال: ردوا ~~عليهما هداياهما، فلا حاجة لي بها، (فوالله) ما أخذ [الله] (الرشوة مني) ~~حين رد علي ملكي فآخذ الرشوة (فيه)، وما أطاع الله الناس ~~في فأطيعهم فيه. قالت أم سلمة: فخرجا من عنده مقبوحين. # ففي النجاشي وأصحابه نزل { وإذا سمعوا مآ أنزل إلى ~~الرسول [ترى أعينهم تفيض من الدمع مما ~~عرفوا من الحق] } الآيات. # قالت عائشة رضي الله عنها في قول النجاشي: " ما أخذ الله مني الرشوة حين ~~رد علي ملكي فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الله الناس في فأطيع الناس ~~فيه " ، قالت: إن أباه كان ملك قومه، ولم يكن له ولد غيره، وكان للنجاشي ~~عم، له من صلبه اثنا عشر ولدا، فقالت الحبشة بينهم: لو قتلنا أبا ~~النجاشي، وملكنا أخاه، فإنه لا ولد له غير هذا الغلام، وإن لأخيه من ~~صلبه [اثني] عشر ولدا، فيتوارثوا الملك من بعده وتبقى الحبشة بعده ~~دهرا. # فغدوا على أبي النجاشي فقتلوه، وملكوا أخاه، فمكثوا على ذلك حينا. ~~ونشأ النجاشي مع عمه، وكان لبيبا حازما من الرجال، فغلب على ~~أمر عمه (ونزل) منه بكل منزلة، فلما رأت الحبشة مكانه من عمه ~~قالت بينهم: والله لقد غلب هذا الفتى على أمر عمه، وإنا لنتخوف أن ~~يملكه علينا، وإن ملكه (علينا) ليقتلنا أجمعين، لقد عرف ~~أنا نحن قتلنا أباه. فمشوا إلى عمه فقالوا: إما أن تقتل هذا ~~الفتى، وإما أن تخرجه من بين أظهرنا، فإنا قد خفنا على أنفسنا. فقال: ~~ويلكم، قتلتم أباه بالأمس وأقتله اليوم؟ بل أخرجه من بلادكم، ~~فخرجوا به إلى السوق فباعوه [من رجل] من التجار بست مائة درهم، فقذفه في ~~سفينة وانطلق به حتى [إذا] [العشي] من ذلك اليوم، هاجت سحابة من سحائب ~~الخريف فخرج عمه يستمطر تحتها، فأصابته صاعقة، فقتلته ففزعت الحبشة إلى ~~ولده فإذا هم حمق، ليس في واحد منهم خير، فمرج على الحبشة أمرها، فلما ~~ضاق عليهم أمرهم، قال بعضهم لبعض، تعلموا - والله - أن ملككم - الذي ~~لا يقيم أمركم غيره - الذي بعتم، فإن كان لكم ms0641 بأمر الحبشة حاجة فأدركوه. # قالت: / فخرجوا في طلبه وطلب الرجل الذي باعوه منه حتى أدركوه، فأخذوه ~~منه وجاءوا به، وعقدوا عليه التاج، وأقعدوه على سرير الملك، فملكوه ~~أنفسهم، فجاءهم التاجر الذين كانوا باعوه منه، فقال: إما أن تعطوني مالي، ~~وإما أن أكلمه في ذلك؟ فقالوا: لا نعطيك شيئا، قال: إذن والله أكلمه. ~~قالوا: فدونك. # قالت: فجاءه التاجر، فجلس بين يديه، فقال: أيها الملك، ابتعت غلاما من ~~قوم بالسوق بست مائة درهم فأسلموا إلي غلامي (وأخذوا دراهمي حتى إذا ~~سرت، خرجت بغلامي، أدركوني فأخذوا غلامي مني ومنعوني دراهمي. فقال لهم ~~النجاشي: لتعطنه دراهمه، أو ليضعن غلامه) يده في يده، فليذهبن به ~~حيث شاء. قالوا: [بل] نعطيه دراهمه. # قال: فلذلك قال: ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي، فآخذ الرشوة ~~فيه، وما أطاع الناس في فأطيع الناس فيه. قالت: وكان ذلك أول ما خبر من ~~صلابته في دينه، وعدله في حكمه. # وقالت عائشة رضي الله عنها: لما مات النجاشي، كان يتحدث أنه لا ~~يزال نور يرى على قبره. # وقال ابن جبير: هم سبعون رجلا وجه بهم النجاشي، وكانوا ذوي فقه ~~وسنن، فقرأ عليهم النبي # يس # [يس: 1]، فبكوا، وقالوا: { ربنآ آمنا فاكتبنا مع ~~الشاهدين } وفيهم نزل: # الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون # [القصص: 52] إلى قوله # يؤتون أجرهم مرتين # [القصص: 54] إلى آخر الآية. # وقال قتادة: هم ناس كانوا على الحق من شريعة عيسى، ثم آمنوا بالنبي عليه ~~السلام. # والرهبان يكون واحدا وجمعا، وإذا كان جمعا فواحده: " راهب " ، وإذا ~~كان واحدا فهو كقربان، وجمعه: رهابين، مثل قرابين. # ثم نعتهم تعالى ذكره في الآية الأخرى فقال: { وإذا سمعوا مآ ~~أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع ~~[مما عرفوا من الحق] } يعني الرهبان والقسيسين الذين أتوا ~~من عند النجاشي، فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم # يس # [يس: 1] ففاضت أعينهم لما سمعوا الحق وعرفوه. # ومعنى: { فاكتبنا مع الشاهدين }: قال ابن عباس: مع محمد ~~وأمته، لأنهم شهدوا أنه قد بلغ، وأن الرسل كما قال: ms0642 # وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء ~~على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا # [البقرة: 143]. # ثم ذكر تعالى قولهم أنهم قالوا: { وما لنا لا نؤمن بالله ~~وما جآءنا من الحق } [الآية] وهو النبي والقرآن. # { ونطمع } أي: ونحن نطمع، { أن يدخلنا ربنا مع ~~القوم الصالحين } أي: المؤمنين المطيعين. ### || [5.85] # قوله: { فأثابهم الله بما قالوا } الآية. # المعنى: فجزاهم الله بقولهم ذلك وإقرارهم وتصديقهم، { جنات } أي: ~~دخول جنات، { تجري من تحتها الأنهار } في الآخرة، { ~~خالدين فيها وذلك جزآء المحسنين }. ### || [5.86] # أخبر تعالى أن من كفر منهم ومن غيرهم، وكذب بالقرآن، أنهم أصحاب الجحيم. ~~" { الجحيم }: ما اشتد حره من النار، وهو الجاحم " أيضا. ### || [5.87] # قوله: { يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات مآ ~~أحل الله لكم } الآية. # (معنى الآية): أن الله أباح أكل الطيبات التي تشتهيها الأنفس، وألا ~~يحرمها أحد على نفسه، ثم نهاهم عن الاعتداء، وهو تعدي الحدود التي (قد) ~~حرمت. # وهذه [الآية] # " نزلت في أبي بكر وعمر (وعثمان) وعلي وابن مسعود وغيرهم، اجتمعوا في ~~(دار) عثمان بن مظعون على أن يجبوا أنفسهم، وأن يعتزلوا النساء، ولا ~~يأكلوا لحما ولا دسما وأن يلبسوا المسوح، ولا يأكلوا من الطعام إلا ~~القوت، وأن يسيحوا في الأرض / كهيئة الرهبان، فبلغ ذلك النبي عليه ~~السلام، فأتى عثمان بن مظعون في منزله فلم يجده ولا [إياهم]، فقال لامرأة ~~عثمان أحق ما بلغني عن زوجك وأصحابه؟، فقالت: ما هو يا رسول الله؟، ~~فأخبرها، فكرهت أن تكذب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكرهت أن تبدي على ~~زوجها، فقالت: يا رسول الله، إن كان عثمان أخبرك فقد صدقك، فقال لها: ~~[قولي] لزوجك وأصحابه - إذا رجعوا -: إن رسول الله يقول لكم: إني آكل ~~وأشرب، وآكل اللحم والدسم، وأنام وأصلي، وآتي النساء، وأصوم وأفطر، فمن ~~رغب عن سنتي فليس مني. ثم انصرف. فلما رجع عثمان وأصحابه أخبرتهم امرأته ~~بما أمرها (به) رسول الله، فجاء عثمان إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فقال: يا رسول الله [حدثتني] نفسي فلم أحب أن أحدث شيئا حتى أذكر ~~لك، ms0643 فقال (له النبي صلى الله عليه وسلم: (و) ما تحدثك به نفسك يا عثمان؟، ~~قال: تحدثني أن أختصي. قال: مهلا يا عثمان، فإن خصاء أمتي الصيام. فقال: ~~(يا) رسول الله، فإن نفسي تحدثني أن أترهب في رؤوس الجبال. فقال: مهلا ~~يا عثمان، فإن ترهب أمتي الجلوس في المسجد لانتظار الصلوات. فقال: يا ~~رسول الله (فإن نفسي) تحدثني أن أسيح [في الأرض] قال: مهلا يا عثمان، ~~فإن سياحة أمتي الغزو في سبيل الله والحج والعمرة. قال: يا رسول الله، ~~فإن نفسي تحدثني أن أخرج من مالي كله. قال: مهلا يا عثمان، فإن صدقتك ~~يوما بيوم، وتكف عيالك وترحم المسكين واليتيم فتعطهما أفضل لك. فقال: يا ~~رسول الله، فإن نفسي تحدثني أن أطلق خولة [بنت خويلد] امرأتي، قال: مهلا ~~يا عثمان، فإن الهجرة في أمتي من هجر ما حرم الله، وهاجر في حياتي، وزار ~~قبري بعد مماتي، أو مات وله امرأة أو امرأتان أو ثلاث أو أربع. قال: فإن ~~نفسي تحدثني بأن لا أغشى النساء. قال: مهلا يا عثمان، فإن الرجل، المسلم ~~إذا غشي أهله أو ما ملكت يمينه، فإنه لم يكن له من وقعته تلك ولد، كان له ~~وصيف في الجنة، وإن كان (له) ولد من وقعته فمات قبله، كان له فرطا ~~وشفيعا يوم القيامة، وإن مات بعده كان له نورا يوم القيامة. # قال: يا رسول الله، فإن نفسي تحدثني بأن لا آكل اللحم. قال: مهلا يا ~~عثمان، فأنا أحب اللحم وآكله إذا وجدته، ولو سألت [ربي أن] يطعمنيه (في) ~~كل يوم لأطعمنيه. قال: يا رسول الله: فإن نفسي تحدثني ألا أمس الطيب. ~~قال: مهلا يا عثمان، فإن جبريل أمرني بالطيب غبا، لا ترغب عن سنتي، ~~[فمن] رغب عن سنتي ثم مات قبل أن يتوب، ضربت الملائكة وجهه عن حوضي يوم ~~القيامة. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم (وغلظ) فيهم المقالة وقال: ~~إنما هلك من كان قبلكم بالتشديد، شددوا على أنفسهم فشدد عليهم، فأولئك ~~بقاياهم في الديار والصوامع. اعبدوا الله ms0644 ولا تشركوا به شيئا، وحجوا ~~واعتمروا، واستقيموا يستقم يستقم لكم " # ، فنزلت: { يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ~~مآ أحل الله لكم } إلى { مؤمنون }. # والاعتداء " ها " هنا هو ما نووا من جب أنفسهم، نهو عن ذلك، قاله السدي. ~~وقيل: هو ما نووا من التحريم على أنفسهم. وقال الحسن: معنى: { لا ~~تعتدوا } إلى { ما حرم عليكم }. وأصل الاعتداء: التجاوز ~~إلى ما لا يحل. ### || [5.88] # قال تعالى: { وكلوا مما رزقكم الله حللا طيبا } ~~حلالا لكم، ذلك (و) طيبا. { واتقوا الله } في أن تحرموا ما أحل ~~(الله) لكم، أو تحلوا ما حرم الله عليكم، { الذي أنتم به ~~مؤمنون } أي: مصدقون مقرون. ### || [5.89] # قوله: { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } ~~الآية. # معنى الآية: أن الذين ذكر أنهم أرادوا أن يحرموا الطيبات في الآية التي ~~قبلها، / كانوا قد حلفوا ليفعلن ذلك، فنهوا عن تحريم ما أرادوا تحريمه، ~~وأعلموا أن الله لا يؤاخذ باللغو في الأيمان. # قال ابن عباس: لما نهاهم النبي عن ما أرادوا أن يفعلوا من التحريم، ~~قالوا: يا رسول الله، كيف نصنع في أيماننا التي حلفنا بها؟، فأنزل الله { ~~لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } (الآية). ( ~~{ ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان } ): من شدد { ~~عقدتم } فمعناه: بما وكدتم الأيمان، فالتشديد يدل على تأكيد ~~اليمين. ومن خفف فلأن " عقده " تلزم فيه الكفارة إذا [حنث] بإجماع. # واختير التخفيف - عند من قرأ به -، لأن السامع إذا سمع التشديد سبق إليه ~~أن الكفارة لا تكون إلا مع التأكيد وتكرير اليمين وهذا لا يقول به أحد. # والتخفيف يدل على أنه إن عقده ولم يكرره لزمته الكفارة إذا حنث. وأنكر ~~أبو عبيد على من قرأ بالتشديد، وقال: لأنه يوهم أن الحنث لا يجب إلا ~~بتكرير اليمين، لأن " فعل " - في كلام العرب - لتكرير [الفعل]. # وهذا الاعتراض لا يلزم، وإنما يكون التشديد للتكرير مع الواحد، فأما مع ~~الجميع فلا، لأنه قد تكرر واحد يمين عقده كقولك: " ذبحت الكباش " ، ~~فكذلك ([عقدتم الأيمان])، إنما وقع التكرير من أجل الجمع، ولو كانت ~~الآية " عقدتم اليمين " ، للزم ms0645 ما قال أبو عبيد، فالتشديد يكون للتكرير، ~~(إلا أن) التكرير ينقسم قسمين: # - قسم يتكرر الفعل فيه على الواحد. # - وقسم يتكرر الفعل فيه على آحاد: مرة لكل واحد، وهو الذي في الآية. # وقال مجاهد: { بما عقدتم الأيمان }: بما تعمدتم الأيمان. ~~وقال عطاء: " بما عقدتم الأيمان " كقولك " والله الذي لا إله إلا ~~هو ". # وروى نافع عن ابن عمر: إذا حلف من غير أن يؤكد اليمين أطعم عشرة ~~مساكين، لكل مسكين [مد] وإذا وكد اليمين أعتق رقبة. # فقيل لنافع: ما معنى " وكد اليمين "؟، قال: أن يحلف على الشيء مرارا. # ولغو اليمين: أن يحلف على الشيء يراه أنه كما حلف، ثم لا يكون كذلك، وهو ~~قول مالك وجماعة معه، وقيل هو قولك: " لا والله " و " بلى والله " ، وهو ~~قول الشافعي وجماعة معه. # وقيل: هو تحريمك ما أحل الله لك، فلتفعله ولا كفارة عليك، قاله ابن جبير ~~وغيره. وقال مسروق: لغو اليمين: كل يمين في معصية ليس فيها كفارة. # وعن ابن عباس أنه قال: لغو اليمين: أن تحلف وأنت غضبان. لا كفارة في ~~جميع ذلك على الاختلاف المذكور. # والأيمان ثلاث: - يمين تكفر، كيمينك ألا تفعل الشيء ثم تفعله. # - والثانية: يمين لا تكفر لشدتها، وجرمها عظيم، وهو أن تتعمد فتحلف على ~~الشيء وأنت تعلم أنك كاذب. # - ويمين لا تكفر، ولا جرم لها، وهي اللغو. # وقوله: { فكفارته }: الهاء تعود على ما في قوله { بما ~~عقدتم } ، فمعناه: " فكفارة ما عقدتم منها إطعام عشرة مساكين ". # وقيل: الهاء تعود على " اللغو " ، وفيه ذكرت الكفارة، وأما ما عقدتم ~~يمينه فلا كفارة له وهو أعظم من أن يكفر. # والأحسن أن تعود الهاء على (ما): لأن اللغو في اللغة: المطرح، (ولو) كان ~~اللغو يكفر لم يكن مطرحا. وقيل المعنى: فكفارة " إثمه ". # والإطعام: أن تطعم لكل مسكين مدا في قول مالك وغيره. وقيل: تطعم لكل ~~مسكين صاعا. # ومعنى { من أوسط ما تطعمون أهليكم } أي: من أعدل ذلك، ~~قيل: الخبز والسمن. # وقيل: الخبز والتمر. و [قيل]: الخبز و [الزيت] وقيل: المعنى: من أوسط ~~ذلك في ms0646 الشبع: / إن كان ممن يشبع أهله، أشبع المساكين، وإن كان ممن ~~يقوتهم، قوت المساكين. # وروي عن عاصم من طريق الشموني عن أبي بكر (أوسط) بالصاد. # قال مالك: إن غذاهم وعشاهم أجزأه، ولا يجزيه قيمة الطعام عند الشافعي، ~~وهو قياس مذهب مالك، وأجازه بعض العراقيين، ولا يعطي إلا مسلما. # ولا يجزيه إلا مؤمنة إن أعتق. ولو أعتق مولودا أو مرضعا من قصر ~~النفقة أجزأه عند مالك. # [ { فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام } أي: إن لم يجد ~~الإطعام ولا العتق والكسوة فعليه صيام ثلاثة أيام، ولا يصوم إلا عند عدم ~~الإطعام أو العتق. وفي قراءة ابن مسعود (فصيام ثلاثة (أيام) ~~متتابعات). # والتفريق عند مالك يجوز في كفارة اليمين، وهو قول الشافعي وغيره. والصوم ~~للعبد أحسن وإن أذن له سيده بالعتق والإطعام، ولم يجز له جماعة إلا ~~الصوم، واختلف فيه قول مالك. والكفارة قبل الحنث جائزة، وبعده أحسن. # وقد قيل: لا تجزي قبله. # وروي عن النبي عليه السلام: # " كفر عن يمينك و [أت] الذي هو خير ". # وقد بدأ تعالى ذكره في هذه الآية بالتخفيف، ثم أتى بالأشد بعده، وبدأ في ~~الظهار بالأشد، ثم أتى (بالأخف بعده)، وذلك أن الله جل ذكره إنما بدأ ~~بالأخف ثم أتى بالأشد على طريق التخيير، فأتى ب (أو) للتخيير، ثم أتى ~~بالأخف بعد ذلك عند عدم ما وقع فيه التخيير، فقال: { فمن لم يجد ~~فصيام ثلاثة أيام } ، وبدأ في الظهار بالأشد، ثم أتى بالأخف ~~عند عدم الأشد، لا على طريق التخيير في ذلك. # قوله: { ذلك كفارة أيمانكم }: (ذلك) إشارة إلى ما تقدم من ~~الإطعام أو العتق أو الكسوة، أو الصيام عند عدم الثلاثة، ومعنى { ~~كفارة أيمانكم } أي: ستر إثم أيمانكم إذا حلفتم وحنثتم وأنتم ~~قد عقدتم الأيمان. # { واحفظوا أيمانكم } أي: احفظوها أن تحنثوا، ولا تكفروا. # { كذلك يبين الله لكم آياته }: أي: كما يبين لكم ~~الكفارة في أيمانكم، يبين الله لكم آياته، أي: علاماته، { لعلكم ~~تشكرون } (أي تشكرون) على هدايته لكم وبيانه لكم. ### || [5.90] # قوله: { يأيها الذين آمنوا إنما ms0647 الخمر ~~والميسر } الآية. # أخبر الله تعالى الذين أرادوا التحريم على أنفسهم - بعد أن نهاهم عن ~~التحريم - أن الخمر والميسر - وهو الذي يتياسرونه -، والأنصاب - وهي التي ~~يذبحون عندها -، والأزلام التي يقتسمون بها { رجس } أي: إثم ونتن، { ~~من عمل الشيطان } أي: مما زينه الشيطان لكم وحسنه في ~~أعينكم، [ { فاجتنبوه } ] أي: فاتركوه وارفضوه { لعلكم ~~تفلحون }. # والميسر: القمار. وسئل القاسم بن محمد عن الشطرنج والنرد، (فقال): هو ~~ميسر، وقال [كل ما] صد عن ذكر الله وعن الصلاة فهو ميسر. # قال مالك: الميسر ميسران: ميسر اللهو، وميسر القمار، فمن ميسر اللهو ~~النرد والشطرنج والملاهي كلها، وميسر القمار هو ما يتخاطر الناس عليه. # قال الأصمعي: الميسر كان في الجزور خاصة، كانوا يقتسمونها على ثمانية ~~وعشرين سهما. وقال الشيباني: على عشرة أسهم. ثم يلقون القداح ويتقامرون ~~على مقاديرها. # " والأنصاب: حجارة كانوا يعبدونها في الجاهلية، " والأزلام: القداح ". # والرجس: كل عمل يقبح فعله، (وهو) النتن. # (و) قوله { فاجتنبوه }: الهاء تعود على " الرجس ". وقيل: تعود على ~~" الخمر ". / وقيل: المعنى: فاجتنبوا هذا الفعل. وقيل: المعنى: فاجتنبوا ~~ما ذكر. # وذكر ابن المنكدر أن النبي عليه السلام قال: # " من شرب الخمر ثم لم يسكر، أعرض الله عنه أربعين ليلة، ~~وإن أسكر لم يقبل الله منه صرفا ولا عدلا أربعين ليلة، فإن مات ~~فيها، مات كعابد الأوثان، وكان حقا على الله أن يسقيه يوم القيامة ~~من طينة الخبال. قيل: يا رسول الله، وما طينة الخبال؟ قال: عصارة أهل ~~النار: القيح والدم ". ### || [5.91] # قوله: { إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم ~~العداوة } الآية. # (المعنى): إنما يريد الشيطان بكم شرب الخمر ليوقع بينكم العداوة ~~والبغضاء { ويصدكم عن ذكر الله } أي: يصدكم بغلبة الخمر ~~والميسر عليكم عن ذكر الله وعن الصلاة، { فهل أنتم منتهون } ~~أي: عن شرب الخمر. # ويقال: إن عمر ذكر لرسول الله مكروه عاقبة الخمر، فأنزل الله تحريمها. # وروي أنه قال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت الآية في ~~" البقرة ": # يسألونك عن الخمر والميسر # [البقرة: 219] الآية، فقرئت على عمر فقال: اللهم بين لنا في ms0648 الخمر ~~بيانا شافيا، فنزلت التي في " النساء ": # لا تقربوا الصلوة وأنتم سكرى # [النساء: 43] الآية، فكان النبي يقول إذا حضرت الصلاة: فلا يقربن ~~الصلاة سكران، (ودعي) عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر ~~بيانا شافيا، فنزلت التي في " المائدة ": { يأيها الذين ~~آمنوا إنما الخمر والميسر } الآية [إلى) { فهل ~~أنتم منتهون } ، فقال عمر: انتهينا، انتهينا. وقيل: نزلت بسبب ~~سعد بن أبي وقاص [لاحى] رجلا على شراب فضربه بلحيي جمل ففزر أنفه ~~فنزل ذلك. # وكان الرجل في الجاهلية يقامر عن أهله وماله حتى يقعد حزينا سليبا، ~~ينظر إلى ما له في يد غيره، فيورث ذلك عداوة بينهم. فنهى الله عن ذلك، ~~وهو الميسر. # وقال مصعب بن سعد: صنع رجل (من الأنصار طعاما)، فدعاني وأبي - سعدا - ~~فشربنا الخمر قبل أن تحرم فانتثينا. فتفاخرنا، فأخذ رجل من الأنصار ~~لحيي جزور فضرب به أنف سعد ففزره، فنزل: { إنما الخمر ~~والميسر } الآية. # وقال ابن عباس: شرب حيان من الأنصار الخمر حتى سكروا، فلما سكروا جرح ~~بعضهم بعضا، فلما صحوا، جعل (يرى الرجل) الأثر في وجهه ورأسه ويقول: ~~فعل هذا بي أخي فلان!، وكانوا إخوة لا ضغائن بينهم، فصارت بينهم ضغائن، ~~فنزلت الآية بالتحريم. ### || [5.92] # قوله: { وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا } ~~الآية. # المعنى: وأطيعوا الله عز وجل في اجتنابكم ما تقدم فيه النهي عن الخمر ~~والميسر والأنصاب والأزلام، وأطيعوا الرسول فيما بلغ إليكم. { ~~واحذروا } أي: احذروا الخلاف لما أمرتم به، { فإن توليتم } ~~(أي) إن " لم " تفعلوا ما أمرتم به، { فاعلموا أنما على ~~رسولنا البلاغ المبين } أي: ليس هو بمسيطر عليكم، إنما عليه ~~أن يبلغكم ما أرسل به، ويوضحه لكم، والعقاب على الله المرسل، ليس على ~~المرسل وهذا تهدد لمن خالف (أمر) الله. ### || [5.93] # قوله: { ليس على الذين آمنوا } الآية. # المعنى: في قول ابن عباس وغيره -: أن المؤمنين قالوا لما نزل تحريم ~~الخمر: (يا رسول) الله، فكيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر؟، ~~فنزلت: { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~جناح فيما طعموا } الآية. # { إذا ما اتقوا ms0649 } أي: اتقى الله الأحياء منهم في اجتناب ما حرم ~~عليهم، { وآمنوا } أي: وصدقوا الله ورسوله فيما أمرهم به، { ~~وعملوا الصالحات } أي: واكتسبوا من الأعمال ما يرضاه الله، / { ~~ثم اتقوا وآمنوا } أي: " و " اتقوا محارمه وصدقوا فثبتوا على ~~ذلك، { ثم اتقوا وأحسنوا } أي: اتقوا الله، فدعاهم تقواهم ~~إلى الإحسان، وهو العمل بما (لم) يفرض عليهم: من الخير والنوافل. ~~فالاتقاء الأول: اتقاء تلقي أمر الله وقبوله، والثاني: الاتقاء بالثبات ~~على الاتقاء الأول وترك التبديل، والاتقاء الثالث: الاتقاء بالإحسان ~~والتقرب بالنوافل. # فهذه الآية نزلت - في قول الجميع - فيمن مات منهم وهو يشربها، أعلموا ~~أنه لا جناح عليهم. وقال جابر بن عبد الله: صبح ناس غداة أحد الخمر ~~فقتلوا من يومهم جميعا شهداء، وذلك قبل تحريمها، يريد: فنزلت الآية ~~فيهم. # وقيل: نزلت فيما أكلوا من الحرام بالميسر و (ما شربوا) من الخمر ~~فأعلموا أنه لا جناح عليهم في ذلك إذا ما اتقوا فيما يستقبلون. # وقيل: معنى { إذا ما اتقوا وآمنوا } أي: اتقوا شرب الخمر، ~~وآمنوا بتحريمها " { ثم (اتقوا وآمنوا) } أي: اتقوا الكبائر ~~وازدادوا إيمانا، " { ثم اتقوا } " أي: اتقوا الصغائر، { ~~وأحسنوا } بالنوافل. # وقيل: { إذا ما اتقوا } الكفر، { ثم اتقوا } الكبائر، { ~~ثم اتقوا } الصغائر. # وقيل: [معنى هذا: { إذا ما اتقوا } فيما مضى: على إضمار " كان " ~~مع " إذا " ، { ثم اتقوا } في الحال التي هم فيها، { ثم ~~اتقوا } فيما يستقبلون. # (وقيل: {...... } { إذا ما اتقوا }: في الحال التي هم فيها [ { ~~ثم اتقوا } فيما يستقبلون] { ثم اتقوا } أي: ماتوا على ذلك ~~وهم محسنون. ### || [5.94] # قوله: { يأيها الذين آمنوا ليبلونكم الله ~~بشيء من الصيد } الآية. # أي: يا أيها الذين صدقوا. ليختبرنكم الله في الطاعة والمعصية بشيء من ~~الصيد، أي: ببعضه، لأنه صيد البر خاصة، ف (من) للتبعيض. وقيل: هي لبيان ~~الجنس. # قوله { تناله أيديكم } يعني ما يؤخذ باليد من البيض والفراخ. # { ورماحكم } كالحمير والبقر والظبا، وما يصاد بالنبل، امتحن الله ~~عباده في حال إحرامهم لعمرتهم وحجهم، فلا [يقربوه]. # { ليعلم الله من يخافه بالغيب } أي: كي يعلم من يتبع ~~أمره ممن لا ms0650 يتبع، { بالغيب }: في الدنيا بحيث لا يراه أحد، ~~والمعنى: ليعلم أولياء الله من يخاف الله فيتقي محارمه بحيث لا يراه أحد. # وقيل: ليعلم ذلك علم معاينة يقع عليها الجزاء، وقد علمه غيبا لا إله ~~إلا هو علام الغيوب. # قوله: { فمن اعتدى } أي: فمن تجاوز حد لله في الصيد بعد تحريمه ~~عليه { فله عذاب أليم } أي: موجع. ### || [5.95] # قوله: { يأيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد ~~وأنتم حرم } الآية. # { هديا } حال من الهاء في (به)، ويجوز نصبه على البيان، ويجوز نصبه ~~على المصدر. # و { بالغ الكعبة } نعته، والتقدير فيه: التنوين. والمعنى: يا ~~أيها الذين صدقوا، لا تقتلوا صيد البر وأنتم حرم لحج أو عمرة. # { ومن قتله منكم متعمدا } (أي) ناسيا لإحرامه، معتمدا ~~لقتل الصيد، فإن كان ذاكرا لإحرامه وتحريمه، فمجاهد وابن زيد يقولان: لا ~~حكم عليه و [نقمة] الله منه أعظم. ومن الناس من قال: لا حج له. # ومن قتل الصيد خطأ، فعليه ما على المتعمد عند مالك وجماعة غيره. # وقيل: لا شيء عليه، إنما أتى النص في المتعمد. وقال الزهري: نص الله على ~~المتعمد وأتت السنة بما على المخطيء. # (قال أبو محمد): (وإيجاب الجزاء على المخطئ) يحتاج إلى نظر، وقد أفردنا ~~لذلك كتابا لاتساع الكلام في ذلك، إذ ظاهر النص يعطي ألا شيء على ~~المخطئ، وإيجاب الجزاء على المخطئ [أولى] لدخوله تحت عموم الابتلاء في ~~قوله # ليبلونكم الله # [المائدة: 94]، ولدخوله تحت عموم النهي في قوله: { لا تقتلوا ~~الصيد وأنتم حرم } ، ولدخوله تحت عموم التحريم في قوله / # وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما # [المائدة: 96]، ولأنه عمل أهل المدينة، ولما قال ابن شهاب: إنه السنة. # ومعنى { فجزآء مثل ما قتل من النعم } هو (أن ينظر) ~~إلى أشبه الأشياء به، فيجزيه (به) ويهديه إلى الكعبة. # فمن أصاب نعامة فعليه بدنة، وفي بيض النعامة عشر ثمن البدنة، هذا ~~قول مالك، كما يكون في جنين الحرة (غرة: عبد أو) وليدة، وقيمة ~~الغرة خمسون دينارا وذلك عشر دية الأم. # وفي الظبي شاة. وفي الأرنب - عند مالك ms0651 - قيمتها من طعام، وكذلك ما أشبه ~~الأرنب، مثل اليربوع وشبهه، مثل الضب: فإن شاء أطعم كل مسكين مدا، وإن ~~شاء صام لكل مد يوما، هو بالخيار. # وفي الحمام - عند مالك شاة. وفي حمام الحل حكومة عند مالك، وليس ~~كحمام الحرم، وكره مالك أن يذبح الأهلي وهو محرم. # وعلى كل واحد من الجماعة - إذا اشتركوا في قتل صيد - جزاء عند مالك. # وصيد الحرم حرام على الحلال عند جميع العلماء. # ورخص مالك في إدخال الصيد من الحل إلى الحرم. ومنعه غيره، وكرهه ناس. # وإذا نتف المحرم من الطير ما يضر به ويخاف منه هلاكه، فعليه جزاؤه ~~تاما عند مالك. وإذا أحرم وفي يده صيد فعليه أن يرسله. ويأكل المحرم ~~لحم الصيد إلا ما اصطيد من أجله (عند مالك، فإن أكل منه وقد صيد من أجله) ~~فعليه جزاء ذلك الصيد عند مالك. # وكفارة الصيد في قتل الصيد ككفارة الحر. # ولا يكون الجزاء إلا بمنى أو بمكة. # ويحكم في الجزاء عدلان يجتهدان. ولا يحكمان في ذلك من الإبل والبقر ~~والغنم إلا بما يجوز في الضحايا. وإذا اختلف الحكمان في الجزاء، ابتدأ ~~الحكم غيرهما. ولهما أن يحكما بغير أمر الإمام، وله أن يرجع إلى غيرهما. # وعلى من قتل صيد الجزاء أن يكفر بإطعام مساكين، أو يصوم لكل مد ~~يوما، فللحكمين أن يقوما الجزاء بطعام، فإن شاء أتى بالجزاء، وإن ~~شاء أطعم الطعام: مدا لكل مسكين، وهو قوله { أو كفارة طعام ~~مساكين } وإن شاء صام عن كل مد يوما، وهو قوله: { أو عدل ~~ذلك صياما } ، هو مخير في ذلك. # ولا يطعم بعضا ويصوم بعضا، بل يطعم الكل أو يصوم عن الكل. # وقيل: يصوم عن كل نصف صاع يوما، وهو قول من قال: يعطي الطعام، نصف صاع ~~لكل مسكين. والعدل: المثل، والعدل (نصف) الحمل. # وقال الكسائي: هما لغتان في المثل. # وقرأ طلحة بن مصرف والجحدري: { أو عدل } بالكسر، وأنكر ذلك جماعة من ~~أهل اللغة، لأن العدل (نصف) الحمل. # وقال الكسائي: عدل الشيء: مثله من غير جنسه، وعدله: ms0652 مثله من جنسه. # وقوله: { عفا الله عما سلف } أي: عفا لكم عما سلف لكم في ~~جاهليتكم من قتل الصيد وأنتم حرم، ولكن من عاد فقتله - وهو محرم - فالله ~~ينتقم منه في الآخرة, وعليه الكفارة. وقد ذكر ابن عباس أن المعنى: من عاد ~~مرة أخرى فقتل متعمدا، فلا حكم عليه، والله (ينتقم منه)، ومن عاد خطأ ~~حكم عليه. # وقال عكرمة: لا يحكم عليه، ذلك إلى الله. # وقيل: المعنى عفا (الله) لكم عن قتلكم الصيد قبل تحريمه عليكم، ومن عاد ~~لقتله بعد تحريمه عليه. عالما بقتله وبإحرامه، فالله ينتقم منه، ولا ~~كفارة عليه. # { والله عزيز } / (أي): ممتنع، { ذو انتقام } أي: ذو عقوبة ~~لمن عصاه. ### || [5.96] # قوله: { أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم ~~} الآية. # المعنى: { أحل لكم } - وأنتم حرم - { صيد البحر } وهو ~~حيتانه. # و { متاعا } مصدر، والمعنى: متعتم به متاعا، لأن المعنى { أحل ~~لكم }: متعتم بصيد البحر متاعا. # وكل نهر تسميه العرب بحرا، فالأنهار صيدها داخل في هذا، حلال بإجماع. # ومعنى { وطعامه } (أي): ما قذف ميتا. وقيل: طعامه ما كلن ~~مملحا، قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما. وقيل: طعامه ما جاء به الموج. ~~وقيل: صيده أن يصطادوه، وطعامه أن يأكلوه، فذلك حلال لهم، وهذا قول حسن، ~~أباح الله الصيد واللحم. وقرأ ابن عباس: (وطعمه) بضم الطاء من غير ~~ألف. # ولم ير مالك في الحوت يطرح في النار حيا بأسا. وكرهه غيره. ودواب ~~البحر كلها - مثل الحيتان حلال للمحرم، وتؤكل الميتة منها. ولم يجز ~~جماعة أكل خنزير الماء وإنسان الماء للمحرم ولغيره. # وليس في شيء يخرج من البحر ذكاة. وليس طير الماء من صيد البحر، (لأنها ~~تعيش) في البر. # قوله: { متاعا لكم }: (أي منفعة لكم)، { وللسيارة } أي: ~~يأكل منها السيارة في أسفارهم، وهو المملح. # قوله: { وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما } ~~أي: حرم الله عليكم أن تصطادوا من البر ما دمتم محرمين. # وأجاز قوم للمحرم أن يشتري الصيد المذبوح من ماله، لأن النهي إنما وقع ~~على صيده. # { واتقوا الله } أي: احذروه فيما أمركم ms0653 به، فإنه إليه تحشرون ~~فيثيبكم بأعمالكم. ### || [5.97] # قوله: { جعل الله الكعبة البيت الحرام } الآية. # إنما سميت الكعبة كعبة لتربيعها، قاله عكرمة ومجاهد. وقيل: لتربيع ~~أعلاها. # ومعنى { قيما } أي: جعلها بمنزلة الرئيس الذي يقوم به أمر أتباعه، ~~فهي تحجزهم عن ظلم بعضهم بعضا، وقيل: جعلها مصالح لأمورهم، كالرئيس الذي ~~يصلح أمر من يتبعه، وكذلك { الهدي والقلائد } جعل ذلك أيضا ~~قياما للناس. # والناس - هنا -: من كان في الجاهلية، كان الرجل لا يخاف إذا دخل في ~~الحرم ولو لقي من قتل أباه أو أخاه، لم يخف الفاعل في الحرم، وإذا ~~لقي الهدي لم يعرض له القاطع ولا الجائع، وكان الرجل إذا أراد الحج ~~تقلد بقلادة من شعر، وإذا رجع تقلد بقلادة من لحاء شجر الحرم، فلا يعرض ~~له ولا يؤذى حتى يصل (إلى) أهله. # وقيل: الناس هنا: جميع الناس. # قال ابن عباس: قياما لدينهم ومعلما لحجهم. قال ابن زيد: كان الناس ~~كلهم فيهم ملوك يدفع بعضهم عن بعض، ولم يكن في العرب ملوك يدفع عن بعضهم ~~(ظلم بعض)، فجعل الله لهم البيت الحرام قياما، يدفع بعضهم عن بعض، وكذلك ~~الشهر الحرام لا يؤذى أحد في الحرم، ولا في الشهر الحرام وإن كان ذا ~~جناية، وهذا (كله منسوخ) بالحدود (و) بقوله: # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة: 5]، لا يمنع الحرم من الاقتصاص من جان، ولا من إقامة حد على من ~~وجب عليه الحد، وهذا إجماع. # وقيل { قيما } يأتمون بها ويقومون بشرائعها. وقيل: (معنى) { ~~قيما للناس }: أي: بالحج يسلمون من استعجال العقوبات. # قال بعض العلماء لو ترك الناس الحج عاما واحدا ما أنظروا. # / قوله: { ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في ~~السموت وما في الأرض } الآية. # (ذلك) إشارة إلى ما تقدم من قوله: { جعل الله الكعبة ~~البيت الحرام } الآية، فالمعنى: ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما ~~تحدثون وما تصنعون، كما يعلم ما في السموات و { ما في الأرض } ، ~~ولتعلموا أن الله بكل شيء عليم، لا يخفى عليه شيء من أموركم. # قال المبرد: كانت الجاهلية تعظم البيت ms0654 الحرام و { الأشهر الحرم ~~} ، كانوا يسمون رجبا: الاصم " ، لأنه (لا) يسمع فيه وقع السلاح، ~~فأعلم الله ما يكون منهم من إغارة بعضهم على بعض، فألهمهم (الله) ألا ~~يقاتلوا في الأشهر الحرم، ولا عند البيت الحرام ولا من كان معه القلائد، ~~ثم أعلمهم أن الذي ألهمهم هذا يعلم ما السماوات وما في الأرض. # وفي تكرير الاسم في قوله: { وأن الله } ، ولم يقل: " وأنه " ، ~~معنى التعظيم. ### || [5.98] # قال: { اعلموا أن الله شديد العقاب } الآية تخويفا، ~~والمعنى: اعلموا - أيها الناس - أن الله شديد العقاب لمن عصاه، وأنه غفور ~~لذنوب من أطاعه، أي: ساتر لها، رحيم (به). ### || [5.99] # قوله: { ما على الرسول } الآية. # هذه الآية تحذير من الله لعباده ووعيد، والمعنى: ليس على الرسول إلا أن ~~يبلغ الثواب على الطاعة، والعقاب على المعصية، ثم إلى الله فعل الثواب ~~بمن أطاع، والعقاب بمن عصى، { والله يعلم ما تبدون } أي: ~~غير خفي عليه ما تبدون من طاعته ومعصيته، وما تخفون من ذلك. # وقيل: هذا مردود إلى قوله: # من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن ~~قلوبهم # [المائدة: 41]، وأخبر (الله) تعالى أنه يعلم ما يبدون من ظاهر الإيمان ~~وما يكتمون من الكفر. ### || [5.100] # قوله: { قل لا يستوي الخبيث } الآية. # المعنى: قل يا محمد: لا يعتدل الصالح والطالح { ولو أعجبك ~~كثرة الخبيث } أي: لو كثر أهل المعاصي، فإن أهل الطاعة - وإن ~~قلوا - هم أهل رضوان الله. و { الخبيث }: المشركون، والطيب: ~~المؤمنون. وهذا خطاب للنبي عليه السلام، (و) يراد به أمته، ودل على ذلك ~~قوله: { فاتقوا الله يأولي الألباب } أي: فاتقوه فيما ~~أمركم يا أولي العقول واحذروا أن يستفزكم الشيطان بإعجابكم بكثرة ~~المشركين، وتضعف نيتكم بقلة المؤمنين، فإن المؤمن لا يستوي مع المشرك. ### || [5.101-102] # قوله: { يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشيآء ~~} الآية. # هذه الآية: نزلت في سبب أقوام سألوا النبي مسائل امتحانا له، فيقول له ~~بعضهم: (من أبي)؟، ويقول بعضهم إذا ضلت ناقته: أين ناقتي؟، فنهى الله ~~عن ذلك. # قال أنس: # " سأل الناس النبي حتى أحفوه بالمسألة، فصعد المنبر ms0655 ذات يوم وقال: لا ~~تسألوني عن شيء إلا بينت لكم. فألقى الناس ثيابهم على رؤوسهم يبكون، ~~فأنشأ رجل كان إذا لاحى دعي بغير أبيه - فقال: يا رسول الله، من أبي؟، ~~قال: حذافة، فقام عمر فقبل رجل رسول الله فقال: رضينا بالله ربا ~~وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا، أعوذ بالله من شر الفتن. فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: أما والذي نفسي بيده: لقد صورت مثل (النار والجنة) ~~آنفا في عرض هذا الحائط، فلم (أر كاليوم) في الخير والشر. قال الزهري: ~~فقالت أم عبد الله بن حذافة له: ما رأيت ولدا أعق منك قط!، أكنت تأمن ~~أن تكون أمك قد قارفت ما قارف أهل الجاهلية، فتفضحها على رؤوس الناس؟، ~~فقال: والله لو ألحقني بعبد / أسود للحقته ". # وقال أبو هريرة: # " خرج رسول الله صلى الله عليه - وهو غضبان - حتى جلس على المنبر، فقام ~~إليه رجل (فقال): أين أنا؟ فقال: في النار. و (قام آخر فقال): من أبي؟، ~~قال: (أبوك) حذافة. فقام عمر (وقال): رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا ~~وبمحمد نبيا وبالقرآن إماما، فنزلت هذه الآية ". # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: # " لما نزلت هذه الآية { ولله على الناس حج البيت من ~~استطاع إليه سبيلا } ، قالوا: يا رسول الله، أفي كل عام؟، ~~فسكت، ثم قالوا: أفي كل عام؟، فسكت، ثم قال: لا ولو قلت " نعم " لوجب، ~~فأنزل (الله) الآية ". # وروي أنه قال # " لما كرر عليه السؤال: والذي نفسي بيده، لو قلت: " نعم " لوجبت، (ولو ~~وجبت) عليكم، ما أطعتموه، ولو تركتموه لكفرتم، فأنزل الله { لا ~~تسألوا عن أشيآء } الآية ". # وروي عنه أنه قال: # " لو قلت " (نعم) " لوجبت، و (لو وجبت) ثم تركتم، لهلكتم، أسكتوا ما ~~سكت عنكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على ~~أنبيائهم، فأنزل الله الآية ". # وهذه القصة فيها ثلاثة فصول من النظم مختلفة: # فمن قوله: { يأيها } إلى قوله: { تسؤكم }: نهى عن السؤال ~~للنبي فيما لا يعنيهم، فهذا فصل. # - والثاني: قوله: { وإن تسألوا عنها } إلى { لكم } ، ~~والمعنى: وإن تسألوا ms0656 عن أشياء أخر - غير الأول - تظهر لكم، (لأن) الله ~~قد نهاهم عن السؤال، فكيف (يبيح لهم) ذلك؟ إنما تقديره: وإن تسألوا عن ~~غيرها حين ينزل القرآن تظهر لكم، فيكون الكلام فصلا ثانيا (مبينا على ~~حذف) المضاف وهو " غير " ، إذ قد امتنع أن يقول لهم: لا تسألوا عن ذلك، ~~وإن تسألوا عنه حين ينزل القرآن يظهر لكم، فلما امتنع هذا لم يكن بد من ~~تقدير حذف. # والفصل الثالث: قوله: { قد سألها قوم } # فهذا سؤال لغير شيء، والسؤال الأول والثاني إنما هما سؤال عن الشيء: ما ~~هو؟ وكيف هو؟، سؤال عن حال. # وعن ابن عباس أنهم سألوا عن البحيرة (والسائبة) والوصيلة والحامي، فأنزل ~~الله الآية ينهى عن السؤال، قال: ألا ترى أن بعده # ما جعل الله من بحيرة # [المائدة: 103] الآية، فهو جواب لمن سأل عنه. # قوله: { وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد ~~لكم }. # أي: ولكن [إن تسألوا] عنها إذ أنزل القرآن بها، فإنها تظهر لكم، قال ~~تعالى: # ما فرطنا في الكتب من شيء # [الأنعام: 38] فنهاهم أن يسألوا عما لم ينزل به كتابا ولا وحيا. # قوله: { عفا الله عنها } أي: ما لم يكن مذكورا في حلال ولا ~~حرام، فهو شيء عفا الله عنه، فلا تبحثوا عنه، فإنما هي أشياء حرمها ~~الله فلا تنتهكوها، وأشياء أحلها فلا تحرموها، وأشياء عفا عنها وسكت ~~عنها، فلا تبحثوا عنها، فلعلها إن ظهر لكم حكمها ساءكم ذلك، وإن سألتم ~~عنها إذا نزل القرآن بها ظهرت لكم. # { والله غفور } أي: ساتر لذنوبكم، { حليم } عما ترتكبون من ~~مخالفته. ثم أخبر أن قوما سألوا عنها من قبلنا، فلما فرض عليهم، وبين ~~لهم ما سألوا عنه وأعطوا ذلك، كفروا به، وذلك كقوم صالح الذين سألوا ~~الناقة، وقوم عيسى الذين سألوا المائدة فكفروا لما نزلت. # وقيل: المعنى: أنها نزلت فيما سئل النبي بمكة من قولهم: اجعل لنا الصفا ~~ذهبا، فلم يلتفت إلى قولهم صلى الله عليه، فكفروا. ### || [5.103] # قوله: { ما جعل الله من بحيرة [ولا سآئبة } الآية. # أي: ما حرم الله ذلك. ms0657 وقيل: المعنى: ما بحر الله بحيرة]، ولا وصل وصيلة ~~ولا / سيب سائبة، ولا حمى حاميا، ولكن الكافرين اخترقوا ذلك. # وقد تعلق قوم من الجهلة القائلين بخلق القرآن بقوله تعالى: # إنا جعلناه قرآنا # [الزخرف: 3] أنه بمعنى فعلناه، أي: خلقناه، وهذه الآية تظهر جهلهم، وهو ~~قوله: { ما جعل الله من بحيرة } ، فإن كان " جعلنا " بمعنى " ~~خلقنا " قد نفى عن نفسه هنا الجعل، فمن خلقها؟ (أثم) خالق غير الله؟ ~~ويدل على فساد قولهم: قوله تعالى: # ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين # [القصص: 5]، فإن كان " جعل " بمعنى " خلق " فلم يكن القوم إذا موجودين. ~~وقد أخبر عنهم أنهم استضعفوا في الأرض، وقال: # إني جاعلك للناس إماما # [البقرة: 124]، فيجب على قولهم أن يكون إبراهيم غير مخلوق في ذلك الوقت ~~وقال: # ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا ~~فيجعله في جهنم # [الأنفال: 37] فواجب - على قولهم - أن يكون قد ميز الخبيث من الطيب وهو ~~غير موجود، وقال: # ويجعلون لله البنات # [النحل: 57] حكاية عن الكفار، (وتراهم) أيها الجهلة القدرية خلقوهم ~~(هم)، إنما سموهم، ويلزمهم أن يكون القرآن خلق مرتين لقوله: # الذين جعلوا القرآن عضين # [الحجر: 91]، وقوله: # جعلناه قرآنا عربيا # [الزخرف: 3]، وهذا أكثر من أن يحصى. والجعل يكون بمعنى التعبير والوصف ~~والتسمية، وقد يكون بمعنى الخلق بدلالة تدل عليه، نحو قوله: # وجعل منها زوجها # [الأعراف: 189] أي: وخلق، لكن إذا كانت " جعل " بمعنى " خلق " لم تتعد ~~إلا على مفعول واحد. # (و) روى زيد بن أسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " قد عرفت أول من بحر البحيرة، (و) هو رجل من بني مدلج، كانت له ~~ناقتان، فجدع آذانهما، وحرم ألبانهما (وظهورهما وقال: هاتان لله: ثم ~~احتاج إليهما فشرب ألبانهما) وركب ظهورهما، قال: فلقد رأيته في النار، ~~يؤذي أهل النار (ريح قصبه) ". # والبحيرة: " فعيلة " بمعنى " مفعولة " ، وهي الناقة المشقوقة الأذن، ~~يقال: بحرت أذن الناقة. # والسائبة: " فاعلة " بمعنى " مفعلة " ، كما قيل: راضية بمعنى ~~مرضية، وهي المخلاة من المواشي، كانت الجاهلية تفعله ببعض ~~المواشي، فيحرم الانتفاع به على نفسه. # وأما الوصيلة: فإن الأنثى من ms0658 نعمهم كانت - في الجاهلية - إذا أتت بذكر ~~وأنثى، قيل: " قد وصلت أخاها " ، أي: منعته من الذبح، فسموها وصيلة. # وأما الحامي: فهو الفحل من النعم يحمى ظهره من الركوب والانتفاع بسبب ~~تتابع أولاد [تحدث] في فحلته. # وقال قتادة: كانت الناقة إذا نتجت خمسة أبطن، نظر إلى البطن الخامس، فإن ~~كان ذكرا أكله الرجال دون النساء، وإن كان ميتة اشترك فيه الرجال ~~والنساء، وإن كانت أنثى بحروا أذنها - أي: شقوها - وتركت، فلا يشرب لها ~~لبن ولا [تركب]، وكانوا يسيبون ما شاءوا من أموالهم، فلا يمنع من ماء ~~ولا كلأ، ولا ينتفع به. # وكانت الشاة إذا نتجت سبعة أبطن، نظروا إلى البطن السابع، فإن كان ذكرا ~~ذبح، فكان للرجال دون النساء، وإن كانت ميتة أكله الرجال والنساء، وإن ~~كانت أنثى تركت، وإن (كانت ذكرا) وأنثى، قيل: وصلت أخاها فمنعته من ~~الذبح. وكان الحامي هو الفحل إذا ركب من ولده عشرة، / قيل: حمى ظهره، فلا ~~يركب ولا ينتفع به ويطلق. # ويقال: إن الناقة كانت إذا (تتابعت باثنتي عشرة أنثى) ليس فيهن ذكر، ~~سيبت فلم يركب ظهرها، ولم يجز وبرها ولم يشرب لبنها، فما نتجت - بعد ذلك ~~- من أنثى شق أذنها وخلاها مع أمها في الإبل، فلم يركب ظهرها، كما ~~(فعل) بأمها، فهي البحيرة ابنة السائبة. # والوصيلة: هي الشاة إذا نتجت عشر إناث متتابعات في خمسة أبطن ليس فيهن ~~ذكر، جعلت وصيلة، وقالوا: وصلت، فما ولدت بعد ذلك للذكور منهم دون ~~إناثهم، إلا أن يموت منها شيء، فيشتركون في أكله: الذكور والإناث منهم. # والحامي: هو الفحل إذا نتج (له) عشر إناث متتابعات، ليس بينهن ذكر، حمى ~~ظهره فلم يركب ولم يجز وبره ويخلى في إبله يضرب فيها ولا ينتفع به لغير ~~ذلك. فنفى الله جل ذكره عن نفسه أن يكون سمى شيئا من ذلك أو صيره كذلك، ~~فقال: { ولكن الذين كفروا يفترون على الله ~~الكذب } أي: يخترقونه. # و { الذين كفروا }: هم اليهود، والذين { لا يعقلون }: أهل ~~الأوثان. # وقيل: المراد بذلك أهل الجاهلية الذين سنوا ذلك، ms0659 فهم الكفار، والذين لا ~~يعقلون: أتباعهم، أي: لا يعقلون أنه إنما سن لهم ذلك من تقدمهم من غير ~~أمر (من) الله فيه، وأنه باطل كذب، وذكر أهل الكتاب - في هذا - لا ~~معنى له، إذ ليس لهم في هذا صنع ولا سنة، وإنما ذكر ذلك عن مشركي العرب، ~~فهم الذين عنوا بذلك. # وقيل: إنهم لا يعقلون (أن) الشيطان حرمه عليهم وسنه لهم. # وروى مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن رسول الله قال: # " قد عرفت أول من سيب السيب، ونصب النصب ~~وغير عهد إبراهيم: عمرو بن لحي، لقد رأيته وإنه ~~ليجر قصبه في النار يؤذي أهل النار بريحه " # القصب: الأمعاء. روى مالك أيضا عن زيد بن أسلم عن عطاء أن النبي ~~قال: # " قد عرفت أول من بحر البحائر: رجل من بني مدلج، كانت له ناقتان، فجدع ~~[آذانهما]، وحرم ألبانهما وظهورهما، ثم احتاج فركبهما وشرب ألبانهما، ~~فلقد رأيتهما وإياه في النار، وإنهما لتخبطانه بأخفافهما، وتعضانه ~~بأفواههما " # وفي ذلك اختلاف كثير والمعنى متقارب. ### || [5.104] # قوله: { وإذا قيل لهم تعالوا إلى مآ أنزل الله ~~وإلى الرسول } الآية. # المعنى: وإذا قيل لهؤلاء الذين قد سموا ما ذكر من البحيرة وغيرها: ~~تعالوا إلى كتاب الله وإلى رسوله ليتبين لكم كذب قولكم فيما سننتم، { ~~قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنآ } أي: يكفينا ما ~~صنع آباؤنا، ويرضينا من تحليل وتحريم، ثم قال الله تعالى لنبيه: أولو كان ~~- يا محمد - آباء هؤلاء القائلين لا يعلمون شيئا { ولا يهتدون } ~~أي: ولا يهتدون، جهلوا أنهم يفترون على الله بقيلهم ما كانوا يقولون، ~~أيتبعونهم على فعلهم، وهذه حالهم في الجهل. ### || [5.105] # قوله: { يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم } ~~الآية. # (والمعنى): عليكم أنفسكم [إذا] أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر فلم ~~يقبل منكم. # وقال ابن عمر: هذه لأقوام يأتون بعدنا، إن قالوا لم يقبل منهم، وأما ~~نحن فقد قال رسول الله: ليبلغ الشاهد / الغائب، فكنا نحن الشهود ~~وأنتم الغيب. # وحكى جبير بن نفير عن جماعة من أصحاب النبي أنهم قالوا له في ms0660 هذه الآية: ~~عسى أن تدرك ذلك الزمان، إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا وإعجاب ~~كل ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك، لا يضرك من ضل إذا اهتديت. # وقال ابن مسعود: لما يجىء تأويل هذه بعد، إن القرآن أنزل حيث أنزل، ~~منه آي قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن، ومنه آي تأويلهن على عهد ~~النبي، ومنه آي قد وقع تأويلهن بعد النبي بيسير، ومنه آي قد وقع تأويلهن ~~يوم الحساب، فما دامت قلوبكم واحدة وأهواؤكم واحدة ولم تلبسوا شيعا، ~~ولم (يذق بعضكم) بأس بعض، فأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر. وإذا ~~اختلفت الأقوال والأهواء، وألبستم شيعا، وذاق بعضكم بأس بعض فامرؤ ~~ونفسه، عند ذلك جاء تأويل هذه الآية. # وقيل: هي في الكفار، لا يضر المسلم كفر الكافر، عليه نفسه إذا أمر ~~بالمعروف ونهى عن المنكر. وجعلها ابن عباس وغيره عامة، وقال في معناها: ~~إن العبد إذا أطاع الله فيما أمر به من الحلال والحرام فلا يضره من ضل ~~بعده. وقال ابن المسيب وغيره: معناها: لا يضركم من ضل بعد أمركم إياه ~~(بالمعروف) ونهيكم عن المنكر. وروي عن أبي بكر الصديق أنه قال: يا أيها ~~الناس لا تغتروا بقول الله جل وعز { عليكم أنفسكم } فيقول ~~أحدكم: " علي نفسي " ، والله، لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن ~~المنكر [أو] ليستعملن عليكم شراركم فليسومنكم سوء ~~العذاب، (وليدعن) الله خياركم فلا يستجيب لهم. قال أبو بكر: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا رأى الناس المنكر والظالم، فلم ~~يأخذوا على يديه، فيوشك أن يعمهم الله بعقابه. # وقال ابن جبير: معناها: لا يضركم من كفر بالله من أهل الكتاب، ~~فإنما عليكم أنفسكم، وليس يضركم كفر الكافر. # (و) قال ابن زيد: كان الرجل إذا أسلم قال له أهل دينه الذي كان عليه: ~~سفهت آباءك وضللتهم، وفعلت [بآبائك]. كذا وكذا، وكان ينبغي لك أن تنصر ~~[آباءك]، فأنزل الله: { لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ~~} الآية، (أي) إنما عليكم أنفسكم، وليس عليكم من ضلالة آبائكم شيء. # وقد قيل: إن ذلك في الأمر، ms0661 أمروا بأنفسهم، وأعلموا أنهم لا يضرهم ~~ارتداد من ارتد، ولا كفر من كفر, وقيل: الآية منسوخة بالأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر. # والاختيار عند أهل المنظر أن يكون المعنى: لا يضركم من ضل بعد أمركم ~~إياه بالمعروف ونهيكم عن المنكر، وإنما ذلك لأن الله أمر المؤمنين ~~بالقيام بالقسط، وأن يتعاونوا على البر والتقوى: ومن القيام بالقسط: ~~الأخذ على يدي الظالم، ومن التعاون على البر والتقوى: الأمر بالمعروف ~~وليس في ذلك رخصة إلا العجز عن القيام بها. ومعنى { إذا اهتديتم ~~}: إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر، فليس يضركم من ضل بعد ذلك. # وقد قال الله تعالى: # ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون ~~بالمعروف وينهون عن المنكر # [آل عمران: 104]، وذم اليهود فقال: # كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه # [المائدة: 79] / ولعنهم على تركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ~~وأجمع أهل العلم على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض يجب على ~~الأمراء، ويعين على ذلك المؤمنون إذا احتيج (إليهم)، وبعض الناس يحمله ~~عن بعض: كالجهاد، فهذا إجماع العلماء ويجب على الإنسان - في النظر ~~والقياس - أن يأمر من ضيع شيئا من الخير بما يأمر به نفسه، وينهى عن ~~الشر كما ينهى عنه نفسه. وكل شيء وجب لك فعله، وجب عليك الأمر به [أو ~~النهي عنه. والأمر بالمعروف هو النهي عن المنكر]، لأن ترك المنكر معروف ~~وترك المعروف منكر. # قوله: { إلى الله مرجعكم جميعا } أي: إليه تردون فيحكم ~~بينكم فيما أمرتم به فلم يقبل منكم، أو نهيتهم عنه، فينتقم من المتعدي ~~على محارمه، ويجازي الدال على مرضاته. ### || [5.106-108] # قوله: { يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا ~~حضر أحدكم الموت } الآية. # وهذه الآية - عند أهل المعاني - من أشكل ما في القرآن إعرابا! ومعنى ~~وحكما. # فقوله: { شهادة } رفع بالابتداء، و { اثنان } الخبر، والتقدير: ~~فيه شهادة اثنين، ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. # وقيل: التقدير: عدد شهادة بينكم اثنان، ثم حذف، و " ما " محذوفة مع " ~~بينكم " ، تقديره: ما بينكم، و [ " ما " المحذوفة] إشارة إلى التنازع ~~والتشاجر. # وقيل: ms0662 { اثنان } رفع بفعلهما، والتقدير: ليكن منكم أن يشهد اثنان. # وقيل: { إذا حضر } خبر الشهادة: لأنها مستأنفة ليست واقعة لكل ~~الخلق، و { اثنان } - على هذا - رفع بفعلهما، تقديره أن يشهد اثنان، ~~ودل على ذلك { شهادة } المتقدم ذكرها. # قوله: { فآخران يقومان } # { آخران }: ارتفعا بفعل مضمر، و { يقومان } نعت، و { ~~الأوليان } بدل من { آخران } أو من المضمر في { يقومان }. # روى اسحاق الأزرق عن أبي بكر عن عاصم (شهادة) بالتنوين، (بينكم) ~~بالنصب، وهي مروية عن الأعرج. # وروي عن أبي عبد الرحمن المقري { شهادة } بالنصب والتنوين على: " ~~ليشهد اثنان شهادة " ، فهو مصدر. # (و) روى عبد الله بن مسلم { ولا نكتم شهادة الله } بالنصب ~~فيهما وتنوين (شهادة) على معنى: لا نكتم الله شهادة. وقيل تقديره: ولا ~~نكتم شهادة والله، فلما حذفت الواو تعدى الفعل [إلى] المقسم به فنصب. # وقرأ الشعبي (شهادة) بالتنوين، (الله) بالخفض على القسم، أعمل الحرف ~~وهو محذوف، وقد أجازه سيبويه، ومنع ذلك غيره. # وقرأ أبو عبد الرحمن { ولا نكتم شهادة الله } بالمد، جعل ~~ألف الاستفهام عوضا من حرف القسم، فخفض بها كالحرف. # وقرأ ابن محيصن: [(إنا إذا لملاثمين)] أدغم النون في اللام، وهو بعيد ~~في العربية، وهو مثل (عاد [لولى] في قراءة نافع، وإنما بعد، لأن اللام ~~حكمها السكون، والحركة التي عليها إنما هي للهمزة، والمدغم لا يدغم أبدا ~~إلا في متحرك أصلي، وليست اللام بأصلية الحركة. # ومعنى الآية: يا أيها الذين آمنوا ليشهد بينكم - إذا حضر أحدكم الموت ~~حين الوصية - اثنان ذوا عدل منكم، (أي من المسلمين وقيل: من أهل الموصي. ~~والأول أكثر. # قال الحسن: { اثنان ذوا عدل منكم } أي: من العشيرة، لأن ~~العشيرة أعلم بالرجل وماله وولده، وأجدر ألا ينسوا ما يشهدون عليه، فإن ~~لم يكن من / العشيرة أحد، فآخران من غير العشيرة، فإن شهدا - وهما عدلان ~~- مضت شهادتهما، وإن ارتيب في شهادتهما حبسا بعد صلاة العصر فيقسمان ~~بالله { لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا ~~نكتم شهادة الله } ، فتمضي شهادتهما إذا حلفا، وإنما ~~استحلفا، لأنهما وصيان شاهدان، فإن ms0663 اطلع - بعد ذلك - أنهما شهدا بزور، ~~حلف وليان من الورثة، واستحقا ما حلفا عليه، وهو معنى قوله: { فإن ~~عثر على أنهما استحقآ إثما } أي: (حلفا) زورا، { ~~فآخران يقومان مقامهما } أي: مقام الشاهدين، { ~~فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما } ~~أي: ليميننا أحق من يمينهما، { ذلك أدنى أن يأتوا ~~بالشهادة على وجههآ } ، أي: يأتي الشاهدان بالشهادة على ~~حقها، ولا يغيرانها. # وهذا منسوخ عند أكثر العلماء. وقال الحسن: يحلف الشهود، وليس بمنسوخ. # ومن قال: إن معنى { ذوا عدل منكم } من المسلمين، (قال: أو) من ~~غيركم: من غير المسلمين لتصح المحاذاة، لأن نقيض المسلم الكافر. ومن قال: ~~معنى: { ذوا عدل منكم } من قبيلتكم أو من عشيرتكم أو من ~~أهليكم، قال: معنى: ([من] غيركم): من غير قبيلتكم أو من غير عشيرتكم أو ~~[من] (غير) أهليكم، فهو كله (في المسلمين) لتصح المحاذاة في الطرفين، ثم ~~يقع الاختلاف في النسخ على ما ذكرنا وما نذكر على اختلاف هذه المعاني. # والشهادة (هنا) بمعنى الإشهاد على الوصية، فالاثنان يشهدان على الوصية. # وقيل: الشهادة هنا بمعنى الحضور، أي: ليشهد اثنان، أي: ليحضر اثنان حين ~~الوصية، فهما وصيان لا شاهدان، واستدل الطبري على أنه غير الشهادة التي ~~تؤدي للمشهود له، أن قال: إنا لا نعلم لله حكما يجب فيه على الشاهد ~~اليمين، فيكون جائزا أن يصرف الشهادة في هذا، وتكون هي التي يقام بها ~~عند الحاكم للمشهود له، (و) في حكم اله باليمين على ذوي العدل [أو] على ~~من قام مقامهما باليمين - يقول: { تحبسونهما من بعد ~~الصلاة فيقسمان بالله } - أوضح دليل على أنه ليس يراد ~~به الشهادة التي يقضى بها للمشهود له. # وقوله: { أو آخران من غيركم } قال ابن المسيب: معناه: من ~~غيركم، أي: من أهل الكتاب. # وقال ابن جبير: أي: من غير أهل ملتكم، وقال الحسن: معناه: شاهدان من ~~قومكم أو من غير قومكم. وقيل: معناه: من غير حيكم. # قوله: { إن أنتم ضربتم في الأرض } أي: سافرتم ذاهبين ~~وراجعين، فنزل بكم الموت. # وقوله: { تحبسونهما من بعد الصلاة } هذا خطاب للمؤمنين، ms0664 ~~والمعنى: إذا ضربتم في الأرض، فأصابتكم مصيبة الموت، فأوصيتم إلى اثنين ~~عدلين، وفي الكلام حذف واختصار، تقديره: ودفعتم إليهما ما معكم من مال ثم ~~متم، وذهبا إلى ورثتكم بالتركة، فارتابوا في أمرهما واتهموهما (وادعوا) ~~عليهما خيانة، فإن الحكم في ذلك أن [تحبسوهما]، أي: تتوثقوا منهما بعد ~~الصلاة، وفي الكلام حذف أيضا وهو ما ذكرنا، فيقسمان بالله لا نشتري ~~بأيماننا ثمنا، (أي) لا نحلف كاذبين على عرض نأخذه من حق هؤلاء الورثة، ~~{ ولو كان ذا قربى } يقسمان / بالله لا نشتري بأيماننا ثمنا ~~قليلا ولو كان الذي نقسم له به ذا قرابة منا. # قال ابن عباس: إنما هذا لمن حضره الموت في سفر ولم يجد مسلمين، فأمره ~~الله بشهادة رجلين من غير المسلمين، فإن ارتيب في شهادتهما، استحلفا بعد ~~العصر: بالله لم نشتر بشهادتنا ثمنا. # فقوله: { تحبسونهما من بعد الصلاة } (- على قول ابن عباس ~~- من صفة الآخرين، والمعنى: أو آخران من غيركم تحبسونهما من بعد الصلاة) ~~إن ارتاب الورثة في مال الميت، فيقسمان بالله لا نشتري بأيماننا ثمنا، ~~ولو كان ذا قربى. # والصلاة - عند أبي موسى الأشعري وابن جبير - صلاة العصر. وقيل: هي صلاة ~~من صلاة أهل دينهم. # قال السدي وغيره: أمر الله المؤمنين أن يشهدوا عند الموت في الحضر ~~شاهدين (من المسلمين) فيما عليه وله، وأمرهم أن يشهدوا في السفر شاهدين ~~من غير ملتهم إذا عدموا أهل ملتهم، كانوا يهودا أو نصارى أو مجوسا، ~~فإذا دفع إليهما ماله، (فإن أتهمهما) أهل الميت حبسوهما بعد الصلاة ~~وحلفا: بالله لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى، وذلك صلاة أهل ملتهما، ~~ويقولان بعد ذلك: { ولا نكتم شهادة الله إنآ إذا ~~لمن الآثمين } ، إن صاحبكم لبهذا أوصى، وإن هذه التركة، ~~(ويخوفهما) الامام قبل اليمين، ف { ذلك أدنى أن يأتوا ~~بالشهادة على وجههآ }. # قال ابن زيد: " لا نشتري به ثمنا " لا نأخذ به رشوة. # قال: الهاء في " به " تعود على القسم، وهو اليمين، وقيل: بل تعود على ~~الله جل ذكره. # قوله: { فإن عثر على أنهما ms0665 استحقآ إثما } أي اطلع ~~على أنهما خانا بعد حلفهما، وأنهما حلفا كاذبين في أيمانهما (ما خنا)، ~~فيقوم آخران من ورثة الميت حينئذ مقامهما، فيحلفان أنه كان كذا وكذا، ~~ويستحقون ما حلفوا عليه. # وقال ابن عباس: يحلفان: إن شهادة الكافرين كانت باطلا، وأنا لم ~~نعتد في دعوانا، إذا اطلع أنهما كذبا في يمينهما وخانا، فترد شهادة ~~الكافرين وتجوز شهادة المؤمنين. # وقيل: إنما يحلف أولياء الميت إذا أدعى الشاهدان أنه أوصى بما لا يجوز ~~في دين الإسلام، كقولهم: أوصى بماله كله " ، فيحلف اثنان من أولياء ~~الميت: إن صاحبنا (ما كان يرضى بهذا ولا نرضى به، وإنهما) يكذبان. ~~وشهادتنا أحق من شهادتهما. # والأكثر على أن الأولياء يحلفون إذا وجدوا خيانة بعد يمين الكافرين، أو ~~قيل لهم (إنهما) غير مرضيين، فيحلفان: لشهادتنا أحق من شهادتهما، وإنه ~~لقد ترك كذا وكذا، وما أوصى بكذا ونحوه. وقيل: إنما ألزم الشاهدان ~~اليمين، لأنهما زعما أن الميت أوصى لهما بكذا وكذا، فإن عثر على أنهما ~~كاذبان في ذلك، حلف آخران من أولياء الميت: لشهادتنا أحق من شهادتهما وما ~~اعتدينا. # وجماعة من العلماء يقولون: كان هذا ثم نسخ. # ولا تجوز شهادة كافر على مسلم، وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة، وهي ~~منسوخة عندهم. وقيل: ذلك جائز إذا كانت وصية، وهو قول ابن عباس وغيره. # وقيل: الآية كلها / في المسلمين، والآخران من المسلمين، وهو قول الزهري ~~والحسن. # وقيل: الشهادة - هنا - بمعنى الحضور، وقد تقدم ذكره. # وقيل: الشهادة - هنا بمعنى اليمين، فمعنى " شهادة أحدكم ": أي: يمين ~~أحدكم أن يحلف اثنان، وهو اختيار الطبري. # فال ابن عباس: كان تميم الداري وعدي يختلفان إلى مكة للتجارة - نصرانيين ~~-، فخرج معهما رجل من بني سهم، فتوفي بأرض ليس بها مسلم فأوصى إليهما، ~~فوصلا تركته إلى أهله، وحبسا جاما من فضة مخوصا بالذهب، ففقده ~~أولياء الميت السهمي، فأتوا النبي، فاستحلفهما: " ما كتمنا ولا اطلعنا " ~~، ثم عرف الجام بمكة، [فقالوا]: اشتريناه من تميم وعدي، فقام رجلان ~~من أولياء السهمي فحلفا بالله إن هذا لجام السهمي، ولشهادتنا أحق ms0666 ~~من شهادتهما وما اعتدينا، إنا إذا لمن الظالمين، وأخذا الجام، ففيهم ~~نزلت الآيات. والروايات في هذا الخبر كثيرة مختلفة الألفاظ، ترجع إلى ~~معان يقرب بعضها من بعض. # وتقدير قراءة من قرأ بضم التاء وقرأ (الأوليان) أنه أراد: فآخران من أهل ~~الميت - الذين استحق المؤتمنان على مال الميت الإثم منهما - يقومان مقام ~~[المستحقي] الإثم منهما لخيانتهما. # و (من قرأ) بفتح التاء، فتقديره: فآخران يقومان [مقام] المؤتمنين ~~اللذين عثر على خيانتهما. ### || [5.109] # قوله: { يوم يجمع الله الرسل } الآية. # المعنى: " واحذروا يوم يجمع الله الرسل. ومعنى { ماذآ أجبتم }: ~~ما أجابتكم أممكم حين دعوتموهم؟، فذهلت عقول الرسل عليهم السلام لهول ~~اليوم، فقالت: { لا علم لنآ إنك } ، فلما سئلوا في موضع آخر ~~ورجعت إليهم عقولهم أجابوا. # وقيل: المعنى: لا علم لنا، لأنك أعلم به منا. وقال ابن عباس: لا علم لنا ~~إلا علم أنت أعلم به منا. وهو اختيار الطبري، يدل على ذلك أنهم ردوا ~~العلم إليه، فقالوا { إنك أنت علام الغيوب }. # وقال مجاهد: تنزع أفئدتهم فلا يعلمون، ثم ترد إليهم أفئدتهم فيعلمون. ~~وقيل: معناه: لا علم لنا بما عملته أممنا بعدنا، { إنك أنت ~~علام الغيوب }. # وقال ابن جريج: المعنى: ماذا عملت أمتكم بعدكم؟، فيقولون: لا علم لنا ~~حقيقة، (أي لا علم لنا) بما غاب عنا، إنك أنت علام الغيوب. # ويشد هذا التأويل قول النبي عليه السلام: # " يرد علي قوم الحوض [فيختلجون]، فأقول: أمتي، فيقال: إنك لا ~~تدري ما أحدثوا بعدك ". # وقد طعن في قول ابن جريج، لأن الله لا يسأل عما غاب عن الأنبياء ولم ~~يعلمهم به، وقد قيل: إن الرسل لا يفزعون، لانهم لا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون، والمعنى: ماذا أجبتم في السر والعلانية، ومعنى مسألة الله الرسل ~~[عما] أجيبوا، إنما هو بمعنى التوبيخ لمن أرسلوا إليهم، كما قال: # وإذا الموءودة سئلت * (بأى ذنب قتلت) # [التكوير: 8-9]، وإنما تسأل هي على التوبيخ (لقاتلها). # وقيل: إنما سألهم الله عن السر والعلانية، فردوا الأمر إليه، إذ ليس ~~عندهم إلا علم الظاهر، والباطن علمه إلى ms0667 الله، لأنه يعلم الغيب، وهذا ~~القول أحب الأقوال إلي، لأن سؤاله لهم سؤالا عاما يقتضي السؤال عن سر ~~الأمم وعلانيتها، والسر علمه إلى من يعلم / الغيوب، (وهو الله جل ذكره، ~~فأقروا بأنهم لا علم عندهم منه، وردوا العلم إلى من يعلم الغيب). ### || [5.110] # قوله: { إذ قال الله يعيسى ابن مريم اذكر نعمتي ~~} الآية. # قرأ ابن محيصن { إذ أيدتك } ، وكذلك روي عن مجاهد، وهما لغتان. # والمعنى: واحذروا يوم يجمع الله { الرسل } ، فيقول كذا وكذا، إذ قال ~~الله يا عيسى ابن مريم. # (و) قوله: { (أيدتك) بروح القدس } أي: أعنتك بجبريل. ~~وقوله: { وإذ علمتك الكتاب } هو الخط، { والحكمة }: ~~الفهم بمعاني الكتاب، { والتوراة }: وهو ما أنزل على موسى، { ~~والإنجيل } ، وهو الذي أنزل عليه، ومعنى { بإذني }: أي: بعوني ~~لك. # ومعنى { تخلق } تعمل وقيل: تقدر. # { وتبرىء الأكمه } هو الذي يولد أعمى، وقيل: يكون الأكمه أيضا ~~(الذي) يعمى بعد البصر. # { وإذ تخرج الموتى } أي: تخرجهم أحياء من قبورهم، { ~~بإذني } أي: بعوني { وإذ كففت بني إسرائيل عنك } ~~أي: منعتهم إذ هموا بقتلك لما جئتهم بالبينات، وهذا كله تعديد نعم الله ~~على عيسى. والبينات: الأدلة المعجزة الدالة على نبوتك. # { إن هذا إلا سحر مبين }: من قرأ { سحر } فمن أجل أن ~~بعده { مبين } ، والسحر مما يوصف بالبيان. # ومعنى { سحر } أي عمله، وما أظهره سحر. ومن قرأ: (ساحر)، فلأن ~~المذكور في الكلام هو عيسى، وليس مما يوصف بأنه سحر، لأن الإنسان لا يكون ~~سحرا، إنما يكون ساحرا، وكل ساحر لا يسمى بذلك حتى يعمل السحر، وكل من ~~أضيف إليه سحر فهو ساحر فالقراءتان متقاربتان. # والكهل: ابن أربعين سنة، وقيل: ابن أربع وثلاثين سنة. # ومعنى النعمة على عيسى في أن يكلم الناس كهلا: أنه مد في عمره الى أن ~~بلغ الكهولية. ### || [5.111] # قوله: { وإذ أوحيت إلى الحواريين } الآية. # المعنى: واذكر اذ أوحيت إلى الحواريين، ومعنى { أوحيت }: قذفت في ~~قلوبهم، قاله السدي. # وقيل: ألهمتهم، والحواريون: وزراء عيسى. ### || [5.112-113] # قوله: { إذ قال الحواريون يعيسى ابن مريم هل ~~يستطيع } الآية. # روي عن ابن عامر: (الحواريون) ms0668 بالتخفيف، استخفافا، والتشديد الأصل. # ومعنى الآية: أنهم سألوا ذلك ليثبتوا في صدقه، كما قال إبراهيم # رب أرني كيف تحيي الموتى # [البقرة: 260]. # وقيل: إنهم إنما سألوا (هذا) قبل أن يعلموا أن عيسى يبرئ الأكمه، ويحيي ~~الموتى، فسألوه آية. # ومعنى: { هل يستطيع ربك أن ينزل } ، أي: ينزل علينا ~~ربك مائدة، كما تقول للرجل: " أتستطيع أن تنهض معي في كذا؟ " ، وأنت تعلم ~~أنه مستطيع، وإنما تريد: " أتنهض معي في كذا؟ ". # وقيل: معناه: هل يستجيب لك ربك إن سألته؟. # وقال الحسن: المعنى: هل ربك فاعل بنا ذلك؟. والعرب تقول: " ما أستطيع ~~ذلك " ، أي: ما أنا فاعل ذلك، وهو يستطيع. # وقيل: إنهم سألوه قبل أن يكونوا مؤمنين محققين، ثم آمنوا بعد ذلك، ودل ~~على ذلك استعظام عيسى لقولهم، وقوله لهم: { اتقوا الله إن ~~كنتم مؤمنين }. # قال ابن شهاب: قال ابن عباس: قال عيسى لبني إسرائيل: هل لكم أن تصوموا ~~لله ثلاثين يوما، ثم تسألوه فيعطيكم ما سألتم، فإن أجر العامل على من ~~عمل له!، [ففعلوا ثم قالوا: يا معلم الخير، قلت لنا: " إن أجر العامل ~~على من عمل له " ]، وأمرتنا أن نصوم ثلاثين يوما، ففعلنا، ولم نكن نعلم ~~لأحد ثلاثين يوما إلا أطعمنا - حين فرغ - طعاما، فهل يستطيع ربك أن ~~ينزل / علينا مائدة من السماء؟ فقال عيسى: { اتقوا الله إن ~~كنتم مؤمنين } ، فاعتذروا بقولهم: { نريد أن نأكل ~~منها وتطمئن قلوبنا } أي: بنبوتك، ونعلم صدقك، فأقبلت ~~الملائكة تطير بمائدة من السماء، عليها سبعة (أرغفة وسبعة أحوات) حتى ~~وضعتها بين أيديهم، فأكل منها آخر الناس كما أكل أولهم. # قال السدي المعنى: " هل يطيعك ربك إن سألته ". # وقرأه الكسائي بالتاء، ونصب (ربك)، ومعناها: أن الحواريين لم يكونوا ~~شاكين، إنما قالوا لعيسى: هل تستطيع أنت ذلك؟. # قالت عائشة: كان الحواريون لا يشكون أن الله قادر على أن ينزل عليهم ~~مائدة. # (و) روي عنها أنها قالت: كان الحواريون أعرف بالله من أن يقولوا: { هل ~~يستطيع ربك }. # (و) تقدير قراءة الكسائي: هل تستطيع مسألة ربك أن ينزل علينا مائدة. # والمائدة فاعلة، ms0669 من ماد فلان القوم يميدهم: إذا أطعمهم. قال أبو عبيدة: ~~(مائدة) من العطاء، وهي " فاعلة " بمعنى مفعولة وقال الزجاج: " مائدة: ~~فاعلة من ماد يميد: إذا تحرك " ، ومنه ماد الرجل في البحر: إذا دار رأسه ~~وقيل: المائدة: المطعمة، كأنها الطاعمة. # ومعنى قوله: { اتقوا الله } أي: اتقوه أن تنزل بكم عقوبة، فإن ~~الله سبحانه لا يعجز عن شيء أراده، فلا تشكوا في قدرته هذا على قراءة ~~الجماعة. ### || [5.114-115] # قوله: { قال عيسى ابن مريم اللهم ربنآ أنزل ~~علينا } الآية. # قوله: { تكون لنا }: حال بمعنى: كائنة. وقرأ الأعمش (تكن) جعله ~~للطلب. # وقرأ الجحدري: (لأولانا وأخرانا). # فالمعنى: نتخذ اليوم الذي تنزل فيه عيدا لما ولمن بعدنا. # وقيل: معناه: نأكل منها جميعا، قاله ابن عباس. # (و) روي أن عيسى عليه السلام قام فلبس الشعر، وكان يلبس الصوف بالنهار ~~والشعر بالليل، فلبس جبة من شعر ورداء من شعر، ووضع يمينه على شماله ثم ~~وضعهما على صدره، ثم صف (بين) قدميه، فألصق الكعب بالكعب، وساوى الإبهام ~~بالإبهام، وطأطأ رأسه خاشعا، ثم أرسل عينيه بالبكاء، فبكى حتى سالت ~~الدموع على لحيته، فجعلت تقطر على صدره، فقال: { اللهم ربنآ ~~أنزل علينا مآئدة من السمآء } ، فنزلت سفرة حمراء بين ~~غمامتين غمامة فوقها، وأخرى تحتها، وهم ينظرون إليها تهوي منقضة ~~وعيسى صلوات الله عليه يبكي ويقول: اللهم اجعلني لك من الشاكرين، إلهي ~~اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابا، إلهي كم أسألك من العجائب فتعطيني، إلهي ~~أعوذ بك من أن تكون أنزلتها غضبا وزجرا، اللهم اجعلها عافية وسلامة ولا ~~تجعلها مثلة ولا فتنة حتى استقرت بين يدي عيسى والناس حوله يجدون ريحا ~~طيبا، لم يجدوا مثلها قط، وخر عيسى ساجدا والحواريون معه، وبلغ اليهود ~~ذلك، فأقبلوا غما وكيدا ينظرون أمرا عجيبا، وإذا منديل قد غطى ~~السفرة، وجاء عيسى عليه السلام، فجلس وقال: من كان أجرأنا وأوثقنا ~~بنفسه، وأحسننا يقينا عند ربنا، فليكشف عن هذه الآية حتى ننظر ونأكل ~~ونسمي اسم ربنا ونحمد إلهنا. فقال { الحواريون }: أنت أولى بذلك ~~يا روح الله وكلمته /. فئوضاء عيسى ms0670 وضؤا جيدا، وصلى صلاة طويلة، ودعا ~~دعاء كثيرا، وبكى بكاء طويلا، ثم قام حتى جلس عند السفرة ثم قال: بسم ~~الله خير الرازقين، وكشف المنديل، فإذا سمكة طرية مشوية، ليس عليها ~~قشورها، وليس لها شوك، وتسيل سيلا من الدسم، قدم نضد حولها البقول ما ~~خلا الكراث، وإذا خل عند رأسها، وملح عند ذنبها، وسبعة أرغفة، على كل ~~واحد منها زيت، وعلى سائرها حب رمان وتمر، فقال شمعون رأس الحواريين ~~-: يا روح الله وكلمته، أمن طعام الدنيا هذا، (أم من) طعام الآخرة؟، فقال ~~عيسى صلى الله عليه: أو ما نهيتم عن تفتيش المائدة؟، ما أخوفني عليكم أن ~~تعاقبوا. فقال (شمعون): لا وإله إسرائيل، ما أردت سوءا (يابن) الصديقة. ~~قال عيسى: نزلت وما عليها من السماء شيء، وليس شيء مما ترون عليها من ~~طعام الدنيا ولا من طعام الآخرة، هي وما عليها: شيء ابتدعه الله بالقدرة ~~الغالبة، قال (له الله): " كن " ، فكان، فكلوا مما سألتم واحمدوا عليه ~~ربكم يمددكم ويزدكم. # قالوا: يا روح الله وكلمته، لو أريتنا اليوم آية من هذه الآية. فقال ~~عيسى: احيي بإذن الله، فاضطربت السمكة حية (طرية)، تدور عيناها في ~~رأسها، ولها وبيص تتلمط بفيها كما يتلمط الأسد، وعاد عليها قشورها، ففزع ~~القوم، فقال عيسى: ما لكم تسألون عن أشياء إذا أعطيتموها كرهتموها، ما ~~أخوفني عليكم (أن تعذبوا)، يا سمكة عودي كما كنت بإذن الله، فعادت ~~السمكة مشوية كما كانت، ليس عليها قشور بإذن الله. فقالوا: كن أنت - يا ~~روح الله - الذي يأكل منها أول مرة، ثم نأكل نحن. فقال عيسى: معاذ الله، ~~بل يأكل منها من طلبها وسألها، ففرق الحواريون من أن يكون نزولها سخطا ~~ومثلة، فلم يأكلوا منها، فدعا عيسى أهل الفاقة والزمانة من العميان ~~والمجذومين والبرص والمقعدين والمجانين وأصحاب الماء الأصفر، فقال ~~لهم: كلوا من رزق ربكم، وادعوه يزدكم، إنه ربكم واحمدوه يكن المهنأ ~~لكم، والبلاء لغيركم، واذكروا اسم الله وكلوا. ففعلوا وصدروا عن تلك ~~السمكة والأرغفة وهم ألف وثلاث مائة بين رجل وأمرأة، (و) ms0671 من بين فقير ~~وجائع وزمن، فصدروا كلهم شباعا يتجشؤون، فنظر عيسى صلى الله عليه ~~فإذا المائدة كهيئتها إذ نزلت من السماء، فرفعت السفرة وهم ينظرون، ~~فاستغنى كل فقير أكل منها، فلم يزل غنيا حتى مات، وبرأ كل زمن أكل ~~منها، وقدم الحواريون وسائر الناس ممن أبى أن يأكل منها. ثم كانت تنزل ~~بعد ذلك، فيأتي الناس إليها من كل مكان، فزاحم بعضهم بعضا: الأغنياء ~~والفقراء والرجال والنساء والأصحاء والمرضى، فلما رأى (ذلك عيسى) جعلها ~~نوبا بينهم، فكانت تنزل غبا، تنزل يوما ولا تنزل يوما، كناقة صالح ~~في الشرب، فأقاموا بذلك أربعين صباحا تنزل عليهم ضحا، فلا تزال موضوعة ~~حتى إذا (فاء الفيء) طارت صاعدة ينظرون / إلى ظلها حتى تتوارى عنهم، ~~وأوحى الله عز وجل إلى عيسى (أن) اجعل مائدتي ورزقي في اليتامى ~~والزمنى دون الأغنياء من الناس. فلما فعل ذلك، أعظمت (ذلك) الأغنياء، ~~فادعت القبيح حتى شككوا الناس وشكوا، فوقعت الفتنة في قلوب الشاكين، حتى ~~قال قائلهم: يا مسيح، وإن المائدة لحق؟، (و) إنها لتنزل من عند الله؟، ~~فقال عيسى: ويلكم هلكتم، (فأبشروا) (بالعذاب) إلا أن يرحم الله. فأوحى ~~الله إلى عيسى: إني آخذ شرطي من الكذابين، وقد اشترطت عليهم أن أعذب من ~~كفر منهم بعد نزولها (عذابا) لا أعذبه أحدا من العالمين. فقال عيسى: ~~(رب) # إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم ~~فإنك أنت العزيز الحكيم # [المائدة: 118]، فمسخ الله جل ذكره ثلاثة وثلاثين رجلا منهم خنازير من ~~ليلتهم، فأصبحوا يأكلون العذرة والخشوش، وأصبح الناس يطوفون بعيسى (فزعا ~~ورهبا من عقوبة الله، وعيسى) يبكي، وأهلوهم يبكون معه، وجاءت الخنازير ~~تسعى على عيسى حين أبصرته، فأطافوا به ينظرون إليه، ويشمون ريحه، ~~ويسجدون له، وأعينهم تسيل دموعا لا يستطيعون الكلام، فقام عيسى يناديهم ~~بأسمائهم: " يا فلان " ، فيومئ إليه برأسه: " نعم " ، فيقول " قد كنت ~~أحذركم عذاب الله، وكأني كنت انظر: إليكم قد مثل بكم في غير صوركم. # قال وهب بن منبه: كانت مائدة يجلس عليها أربعة آلاف، فقال رؤساء القوم ~~لقوم من ضعفائهم: ms0672 إن هؤلاء يلطخون علينا ثيابنا، فلو بنينا (لها بناء) ~~يرفعها. فبنوا لها دكانا، فجعلت الضعفاء لا تصل إلى شيء، فلما خالفوا ~~أمر الله رفعها عنهم. # قال ابن عباس: أكل منها آخرهم كما أكل أولهم، فكانت لجميعهم عيدا. # وقوله: { وآية منك }: (أي آية) على قدرتك، وعلى أني رسولك. ~~ونزلت عليهم وعليها حوت وطعام، فأكلوا (منها)، ثم رفعت لأحداث أحدثوها. # (وقيل): كان في المائدة سمكة فيها من طعم كل طعام. # قال ابن عباس: نزلت المائدة مرتين وعنه: نزلت مرارا. وقال سلمان كذلك. ~~وقيل: وكانت تنزل يوما وتغيب يوما. # قال الحسن: لما قال الله { إني منزلها عليكم } قالوا: لا ~~حاجة لنا إليها فلم تنزل. قال الفراء: نزلت - فيما ذكر - يوم الأحد ~~مرتين: غدوة وعشية، فلذلك اتخذوه عيدا. # وعن ابن عباس أنه قال: كانوا يأكلون منها أينما نزلوا إذا شاءوا. # وقال وهب بن منبه: نزلت عليهم قرصة من شعير وأحوات. وقال مجاهد: هو طعام ~~ينزل عليهم حيث ما نزلوا. وقال إسحاق بن عبد الله: نزلت على عيسى سبعة ~~أرغفة وسبعة أحوات، يأكلون منها متى شاءوا. قال فسرق بعضهم منها وقال: ~~لعلها لا تنزل غدا (فرفعت). وروي عن ابن عباس أنه قال: أنزل على ~~المائدة كل شيء غير اللحم. قال قتادة: لما صنعوا في المائدة ما صنعوا من ~~الخيانة، حولوا خنازير، وكانوا أمروا ألا يخونوا ولا (يخبئوا ولا ~~يدخروا)، فخانوا وخبؤوا وادخروا. # (و) روى عمار / عن النبي عليه السلام أنه قال: # " نزلت المائدة خبزا ولحما، وأمروا ألا يخونوا ولا يدخروا ولا يرفعوا ~~لغد، فخانوا وادخروا و (رفعوا لغد)، فمسخوا قردة وخنازير ". # قال عمار بن ياسر: لم يتم يومهم حتى خانوا وادخروا ورفعوا. # وروي عن عمار بن ياسر أنه قال: كان عليها ثمر من ثمار الجنة. # قال مجاهد: إنما هو مثل ضربه الله لينتهوا عن مسألة النبي، ولم ينزل ~~الله عليهم شيئا. وقيل: لما قيل لهم: { فمن يكفر بعد منكم } ~~الآية، استعفوا، فلم ينزل عليهم شيء، قال ذلك الحسن. وقال مجاهد: أبوا ~~ذلك حين عرض عليهم ms0673 العذاب. # والذي عليه أكثر العلماء أن الله أنزلها عليهم، لقوله { إني ~~منزلها عليكم } ، ولا يجوز أن يخبر أنه ينزلها، ثم لا ينزلها. # ومعنى { من العالمين }: من عالمي زمانكم. # وكان نزول المائدة يوم الأحد، فلذلك اتخذوه عيدا. # والعذاب الذي أوعدوا به، قيل: هو متأخر إلى الآخرة. وقيل إنهم ~~عجل لهم ذلك في الدنيا بأنهم مسخوا قردة وخنازير. # وروي أن المائدة لما نزلت عليهم فرقوا أن تكون عقوبة وسخطا، فقالوا: يا ~~روح الله، كن أنت أول من يأكل منها، ثم نأكل نحن. فقال عيسى: معاذ الله، ~~ولكن يأكل منها الذين طلبوها. فلم يأكلوا منها خوفا أن تكون سخطا ~~عليهم، فدعا لها عيسى أهل الفاقة والحاجة والزمنى والعمي والبرص، وكل من ~~به داء، فقال لهم: كلوا من رزق ربكم ودعوة نبيكم، واذكروا اسم الله. ~~فأكلوا حتى شبعوا وهم ألف وثلاث مائة، قاله سليمان. # وقال مقاتل: كانوا خمسين ألفا، وأفاقوا من كل دائهم. ### || [5.116] # قوله: { وإذ قال الله يعيسى ابن مريم أأنت قلت ~~للناس } الآية. # المعنى: واذكر إذ قال { الله }. وجماعة من المفسرين على أن الله ~~أخبرنا أنه قال لعيسى حين رفعه إليه، قاله السدي وغيره. # وقيل: هو خبر من الله عما يكون في القيامة، قال ابن جريج: يقول ذلك ~~لعيسى والناس يسمعون، فيراجعه بالإقرار والعبودية، فيعلم من كان يقول في ~~عيسى ما يقول أنه إنما كان باطلا. # ودل قوله: { هذا يوم ينفع الصادقين } على أنه يوم ~~القيامة. و (إذ) - على هذا - بمعنى " إذا " ، ويكون { قال } بمعنى " ~~يقول " كما قال: # ولو ترى إذ فزعوا # [سبأ: 51] أي: إذا (فزعوا) وإذ يفزعون. # والمسألة في قوله: { أأنت قلت } إنما هي على وجه التوبيخ للذين ~~ادعوا عليه ذلك، وهم بنو إسرائيل. # واختار الطبري قول السدي أنه خبر قد كان حين رفعه الله إليه، لأن (إذ) { ~~في } (الأغلب) من كلام العرب - لما مضى - فحمل الكلام على الاكثر ~~الفاشي أولى، ولأن عيسى لا يشك - هو ولا أحد من الأنبياء - أن الله لا ~~يغفر لمن مات على شركه، فيجوز أن يتوهم ms0674 على عيسى أنه قال في الآخرة - ~~مجيبا لربه إذ سأله عمن اتخذه (هو) وأمه إلهين # إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم ~~فإنك أنت العزيز الحكيم # [المائدة: 118]. # ووجه سؤال الله لعيسى عما قد علم أنه لم يفعله: هو على معنى تنبيه ~~المسؤول على الاستعظام، كقولك للرجل: " أفعلت كذا وكذا؟ " - وأنت تعلم ~~أنه لم يفعله - / ليستعظم فعل ما قد سألته عنه، وقيل: إنما سأله عن ذلك ~~على وجه إعلامه أن أمته قد فعلت ذلك بعده، فأعلمه حالهم بعده. # ومعنى: { تعلم ما في نفسي } أي: تعلم غيبي، ولا أعلم غيبك حتى ~~تطلعني عليه، { إنك أنت علام الغيوب } أي: علام ~~الخفيات من الأمور. وقيل: المعنى: تعلم حقيقتي ولا أعلم (غيبك) ولا ~~حقيقتك. # والنفس - في كلام العرب - يجري على ضربين: # على النفس التي بخروجها يكون الموت، كقولك: " خرجت نفس فلان " أي: ~~مات. # ويكون جملة الشيء وحقيقته، تقول: " قتل فلان نفسه " ، فليس المعنى ~~(أن) الهلاك وقع ببعضه، إنما وقع بذاته كلها وحقيقته. وأجاز بعضهم الوقف ~~على (ما ليس { لي } ، ويكون { بحق } متعلقا ب { علمته } على ~~معنى: فقد علمته بحق، ورد ذلك بعضهم، لأن التقديم والتأخير لا يجوز إلا ~~بتوقيف أو فيما { لا } يمكن إلا ذلك. # والتمام عند نافع وغيره { بحق }. وكذلك روي أن النبي صلى الله عليه ~~وقف عليه. ### || [5.117] # قوله: { ما قلت لهم إلا مآ أمرتني به } الآية. # قوله: { أن اعبدوا الله }: (أن) مفسرة لا موضع لها من ~~الإعراب، بمنزلة (أن امشوا)، وقيل: هي في موضع نصب على معنى: ما ذكرت ~~لهم إلا عبادة الله. # قوله: { ما دمت فيهم }: (ما) في موضع نصب، { و } المعنى: مدة ~~دوامي، فهو ظرف عمل فيه { شهيدا } أي: { وكنت عليهم ~~شهيدا } ، { ما دمت } أي: مدة دوامي. { فلما توفيتني ~~} أي: قبضتني إليك، { كنت أنت الرقيب عليهم } أي: الحفيظ ~~عليهم. ### || [5.118] # قوله: { إن تعذبهم فإنهم عبادك } الآية. # المعنى: إن تعذبهم بقولهم فإنهم عبادك، وإن تغفر لهم بتوبتهم عما قالوا ~~فتستر عليهم، { فإنك أنت العزيز } في انتقامك، { الحكيم } ~~في أفعالك. # وقال السدي: ms0675 المعنى: إن تعذبهم فتميتهم على نصرانيتهم فيحق عليهم العذاب ~~فإنهم عبادك، وإن تغفر لهم فتخرجهم من النصارنية وتهديهم إلى الإسلام، ~~فإنك أنت العزيز الحكيم، قال: هذا قول عيسى في الدنيا. # وقال بعض أهل النظر: يكون هذا من عيسى في القيامة وإنما يقوله على ~~التسليم لأمر الله، وقد أيقن أن الله لا يغفر لكافر، ولكنه سلم الأمر، ~~ولم يكن يعلم ما أحدثوا بعده: أكفروا أم لا. # قال ابن الأنباري: لم يقل هذا عيسى وهو يقدر أن الله يغفر للنصارى إذا ~~ماتوا مصرين على الكفر، لكنه قاله على جهة تفويض الأمر إلى ربه، ~~وإخراجه نفسه من حالة الاعتراض. # والمعنى: إن غفرت لهم، لم يكن { لي } و { لا } لأحد الاعتراض عليك من ~~حكمك، وإن عذبتهم (فبعدل) منك، ذلك لكفرهم. # وقيل: الهاء في { تعذبهم } للبعض الذين أقاموا على الكفر، والهاء ~~في { (و)إن تغفر لهم } للبعض الذين تابوا من الكفر. وقيل: ~~الهاءات كلها للنصارى والكفار، والمعنى: إن تعذبهم بتركك إياهم على الكفر ~~فهم عبادك، وإن تغفر لهم بتوفيقك إياهم للإيمان والتوبة فأنت العزيز ~~الحكيم. ### || [5.119] # قوله: { قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم ~~} آية. # حكي عن المبرد أنه منع قراءة من نصب (يوما)، قال: لأنه (خبر الابتداء) ~~والنصب جائز عند غيره، لأن المعنى: قال الله هذا لعيسى في { يوم ~~ينفع الصادقين صدقهم } /، ف (يوم) ظرف للقول، وهو الناصب ~~له. # وقيل: المعنى: هذا الأمر وهذا الشأن في { يوم ينفع الصادقين ~~صدقهم } أي: في يوم القيامة، فيكون العامل في (يوم) المضمر، وهو " ~~الأمر " و " الشأن ". # وقيل: هذا كله مقول يوم القيامة، لقوله: # يوم يجمع الله الرسل # [المائدة: 109] ولقوله: { قال الله هذا يوم ينفع ~~الصادقين }. # وقال بعض أهل النظر: لم يقصد عيسى إلى (أن الله) يغفر لمن مات مشركا، ~~وإنما مقصده: وإن تغفر لهم الحكاية عني (التي) كذبوا علي فيها، والحكاية ~~كذب، ليست بكفر، والكذب جائز أن يغفره { الله }. # وهو - عند الكوفيين - بناء: لأنه مضاف إلى غير متمكن، وهذا لا يجوز عند ~~البصريين، لأن الفعل معرب، وإنما يبنى ms0676 إذا أضيف إلى غير معرب كالماضي و " ~~إذ " وشبه ذلك، والإضافة عند البصريين في هذا إنما هي (إلى المصدر). # وقال أبو اسحاق: حقيقته الحكاية. # ومعنى { يوم ينفع الصادقين صدقهم }: الذي كان في الدنيا ~~ينفعهم في القيامة، لأن الآخرة ليست بدار عمل، ولا ينفع أحدا (فيها) ما ~~قال وإن أحسن، ولو صدق الكافر (وأقر) بما عمل، وقال: " كفرت " (أو ~~أسأت)، ما نفعه. وإنما الصادق ينفعه صدقه الذي كان منه في الدنيا، (لا) ~~في الآخرة. # قوله: { لهم جنات } أي: لهم في الآخرة - بصدقهم في الدنيا - جنات ~~مخلدين فيها. # { رضي الله عنهم ورضوا عنه } إذ وفى لهم بوعده. ### || [5.120] # قوله: { لله ملك السموت والأرض } الآية. # المعنى: لله - أيها النصارى - ملك السماوات والأرض وما فيهن، دون عيسى ~~الذي جعلتموه وأمه إلهين، وعيسى وأمه داخلان في الملك، وهو يقدر على ~~إفناء ذلك كما ابتدعه وأظهره قبل أن لم يكن شيئا. # وفي وصل (قدير) ب (الحمد { لله } ) خمسة أوجه: # الأول: المستعمل عند القراء: أن تكسر للتنوين، وتحذف ألف الوصل وتصل. # الثاني: أن تحذف التنوين لالتقاء الساكنين وتصل. # والثالث: أن تلقي حركة ألف (الحمد) على التنوين فنفتحه، كأنك تنوي ~~الابتداء ب (الحمد). # والرابع: أن تسكن الراء وتبتدئ (الحمد لله) بالقطع، وهذا مستعمل عند ~~القراء أيضا. # والخامس: أن تنون وتقطع ألف (الحمد) لتدل على الانفصال. ### | [6 - سورة الأنعام] ### || [6.1] # قوله: { الحمد لله الذي خلق السموت والأرض } ~~الآية. # المعنى: الحمد الخالص الكامل لله. ومخرج الكلام مخرج الخبر، ومعناه ~~الأمر، أي: أخلصوا الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض، وهي من أعظم ~~الآيات، وأضاف إلى ذلك - من آياته - إظلام الليل وضياء النهار. # قال قتادة: " خلق السماوات قبل الأرض، والظلمة قبل النور، والجنة قبل ~~النار ". # ومعنى: { وجعل } هنا، خلق، وإذا كانت بمعنى " خلق " ، لم تتعد (إلا) ~~إلى مفعول واحد. # وقوله: { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } الآية. # { ثم } لغير مهلة، لأن الله قد قضى الآجال كلها قبل خلق كل / شيء، ~~وإنما { ثم } لإتيان خبر بعد خبر، لا لترتيب زمان بعد زمان. # ومعناه: أن ms0677 الله يعجب خلقه من هؤلاء الذين يجعلون لله عديلا ومثيلا ~~ومساويا، وهو خلق السماوات والأرض والظلمات والنور، ومن جعلوه عديلا لا ~~يقدر على شيء من ذلك ولا من غيره، فذلك عجب من فاعله. # وقيل: إنها نزلت في (المانية) الذين يعبدون النور والظلمة يقولون: الخير ~~من النور، والشر من الظلمة، فعدلوا بالله خلقه، وعبدوا المخلوقات. # (و) ذكر (عن) عبد الله بن أبي رباح أنه قال: فاتحة التوراة، فاتحة ~~الأنعام: { الحمد لله } إلى { يعدلون } قال: وخاتمة التوراة ~~خاتمة هود { وما ربك بغافل عما تعملون }. # قال مجاهد: { يعدلون } يشركون. # وهذه الآية نزلت في أهل الكتاب عند جماعة من المفسرين. وقال أكثرهم: ~~(عني) بها المشركون من عبدة الأوثان وسائر أصنافهم. ### || [6.2] # قوله: { هو الذي خلقكم من طين } الآية. # المعنى: أن الله خلق آدم من طين، فخوطب الخلق بذلك، لأنهم ولده، وهو أصل ~~لهم، قال قتادة ومجاهد والسدي. قال ابن زيد: خلق آدم من طين، ثم خلقنا ~~من آدم حين أخرجنا من ظهره. # وقيل: المعنى: أن النطفة من طين، لكن قلبها الله تعالى ذكره حتى كان ~~الإنسان منها. # وقوله: { ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده }. # الأجل الأول: أجل الإنسان من حيث يخرج إلى الدنيا إلى أن يموت، والأجل ~~الثاني: هو ما بين وقت موته إلى أن يبعث، قاله قتادة والضحاك والحسن. ~~وقال ابن جبير: الأول الدنيا، والثاني الآخرة. وكذلك قال مجاهد. وقال ~~عكرمة: الأول: الموت، والثاني: الآخرة، كالقول الأول، وكذلك قال ابن ~~عباس، وقاله السدي. # و { ثم } - على هذه الأقوال كلها - يراد بها التقديم للخبر الثاني ~~على الأول. # كما قال الشاعر: # قل لمن ساد ثم ساد أبوه # ثم قد ساد بعد ذلك جده # فالجد سابق للأب، والأب سابق للمدوح. # وقد قيل: الأول قبض الروح في النوم، والثاني قبض الروح عند الموت، روي ~~ذلك عن ابن عباس أيضا. وقيل: معنى ذلك أن الأول هو ما أعلمنا (ألا ~~نبي) بعد محمد صلى الله عليه وسلم، والآخر هو القيامة. وقيل: الأول ما ~~نعرفه من الأهلة وأوقات الزروع ونحو ms0678 ذلك، والأجل الثاني: موت الإنسان ~~متى يكون. ومعنى { ثم قضى أجلا } لم يرد أنه قضى الأجل خلق آدم، ~~بل الأجل قضاه قبل خلق المخلوقات كلها، ولكن الكلام محمول على الخبر من ~~الله جل ذكره لنا، كأنه قال: أخبركم أن الله خلقكم من طين، يعني آدم، ثم ~~أخبركم أن الله قضى أجلا قبل خلقه لآدم، ف (ثم) إنما دخلت لنسق الخبر ~~الثاني على الأول، لا لوقت الفعلين. # وقوله: { ثم أنتم تمترون } معناه: تشكون (في من) خلق ~~السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، وقضى أجل الموت وأجل الساعة، إنه ~~إله واحد قادر، لا عديل له ولا شبيه. # وقوله: { ثم قضى أجلا } وقف حسن عند نافع وغيره من النحويين. ### || [6.5] # فسوف يأتيهم (أخبار) تكذيبهم، وهي ما حل عليهم من الأسر والسيف يوم بدر، ~~وفتح (مكة) وغير ذلك، ومعناه: سوف يعلمون ما تؤول إليه أمورهم. ### || [6.6] # قوله: { ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن } ~~الآية. # والمعنى: ألم ير هؤلاء المكذبون بمحمد، كم أهلكنا من قبلهم من القرون، ~~وهي الأمم الخالية، مكنوا في الأرض ما لم يمكن لهؤلاء، وأرسلت السماء ~~عليهم مدرارا، وفجرت العيون من تحتهم. ومعنى مدرارا (أي) (غزيرا ~~دائمة)، فأعطت الأرض ثمارها، فعصوا، فأهلكوا بعصيانهم. وهذا وعظ وتخويف ~~من الله لمن كذب بمحمد ألا يصيبهم ما أصاب من هو أقوى منهم وأمكن في ~~البلاد منهم وأطغى منهم. # والقرن: ستون عاما. وقيل: سبعون. وقيل: ثمانون. وقيل: مائة. وقيل: ~~القرن كل عالم في عصر، وهو مأخوذ من الاقتران، لأن بعضهم مقترن ببعض، ~~فهذا يدل على أنه العصر. # قوله: { وأنشأنا من بعدهم قرنا - آخرين }: أي: ~~أحدثنا، ومعنى الخطاب في الآية في قوله: { لكم } - وقد تقدم ذكر ~~الغيبة في قوله: { ألم يروا } - أن العرب إذا أخبرت خبرا عن غائب ~~- فأدخلت فيه قوما - وجهت الخبر أحيانا إلى الغائب وأحيانا إلى ~~المخاطب، فيقولون: قلت لعبد الله: " ما أكرمه " ، وإن شئت: " ما أكرمك " ~~، وهو مثل: { حتى إذا كنتم في الفلك } الآية. ### || [6.7] # قوله: { ولو نزلنا عليك كتبا في قرطاس } الآية: ms0679 # معنى الآية: أن الله أعلم نبيه أن هؤلاء المكذبين لا ينفعهم شيء من ~~الآيات، (و) لا يرجعون عن جحودهم، وأنهم لو رأوا كتابا نزل (عليهم) من ~~السماء في قرطاس ولمسوه بأيديهم، ورأوا فيه صدق ما جئتهم به، لكفروا به ~~وقالوا: هذا سحر مبين. # قال ابن عباس: لو نزل من السماء صحف فيها كتاب لزادهم ذلك تكذيبا. # روي عن نافع أن الوقف على { فلمسوه بأيديهم } ، وهو بعيد عند ~~غيره، لأن { لقال } جواب (لو). ### || [6.8] # قوله: { وقالوا لولا أنزل عليه ملك } الآية. # المعنى: أن الله أخبر عنهم أنهم قالوا لمحمد: هلا أنزل عليك ملك في ~~صورته يصدقك ويخبرنا بنبوتك، فقال تعالى: { ولو أنزلنا ملكا ~~لقضي الأمر } أي: لو فعلنا فكفروا وكذبوا لنزل (عليهم) العذاب، ~~فقضى أمرهم ولا يؤخرون. # وقيل: المعنى: لو رأوه / في صورته لماتوا، قاله ابن عباس. وقد قال في " ~~الفرقان " عنهم إنهم قالوا { لولا أنزل عليه ملك } أي: هلا ~~كان ذلك. ### || [6.9] # { بسم الله الرحمن الرحيم } قوله (تعالى): { ولو ~~جعلنه ملكا لجعلنه رجلا } الآية. # المعنى: لو جعلنا الرسول إليهم ملكا لجعلناه في صورة رجل، لأنهم لا ~~يستطيعون مخاطبة الملك على هيئته، ولا يرونه. # قال ابن عباس: معنى { لقضي الأمر } أي: لو رأوه لماتوا من ~~صورته، ولا يخاطبهم إلا من هو في صورة الآدمي، فإذا كان رجلا كان ذلك ~~أكثر لبسا عليهم فيقولون: هو ساحر كذاب. # قال أبو إسحاق: كانوا يقولون لضعفتهم: إنما محمد بشر، لا فرق بينكم ~~وبينه، فيلبسون عليهم بهذا، فأعلم الله نبيه أنه لو أنزل ملكا لأنزله في ~~صورة رجل، إذ كانوا لا يقدرون على رؤية الملك في صورته كما سألوا، ولكان ~~يقع عليهم من اللبس ما وقع عليهم في محمد. # يقال: " لبست الأمر ": (أي) أشكلته وشبهته، أي: أدخلت فيه الشبه. ~~ومخرج قوله: { وللبسنا } مخرج قوله: # يستهزىء بهم # [البقرة: 15] لأنه مجازاة لفعلهم، فسمي باسمه، وليس به. ### || [6.10] # قوله: { ولقد استهزىء برسل من قبلك } الآية. # المعنى أن الله جل ذكره سلى نبيه ليهون ما يلقى من المشركين، ~~وأعلمه أن ms0680 من تمادى على ذلك يحل به ما حل بالأمم الماضية الذين استهزأوا ~~برسلهم. # ومعنى " فحاق بهم ": أي: وجب ونزل وأحاط بهم ما كانوا ينكرون، وهو ~~العذاب. # والمضمر في { منهم } يعود على الرسل، وتقديره: فحاق بالذين سخروا من ~~الرسل عقاب ما كانوا يستهزئون. ### || [6.11] # قوله: { قل سيروا في الأرض ثم انظروا } الآية. # المعنى: قل يا محمد لهؤلاء العادلين بالله غيره، المكذبين بك: سيروا في ~~الأرض، أي: جولوا فيها، تروا ما (صار) إليه عاقبة أشكالهم من الناس - ~~الذين كذبوا الرسل - من العذاب والهلاك فتحذروا (أن يصيبكم) مثل ما ~~أصابهم. ### || [6.12] # قوله: { قل لمن ما في السموت والأرض (قل لله) } ~~الآية. # قوله { الذين خسروا } في موضع رفع بالابتداء. ويجوز أن يكون في ~~موضع نصب على البدل من المضمر في { ليجمعنكم } ، وهو قول ~~الأخفش. وقيل: إن { ليجمعنكم } بدل من { الرحمة } على معنى ~~التفسير لها. # ورد المبرد قول الأخفش، وقال: لا يجوز أن يبدل من المخاطب إلا المخاطب، ~~لو قلت: " مررت بك زيد " ، و " مررت بي زيد " لم يجز، لأن هذا لا ~~يشكل فيبين، ولكنه مرفوع بالابتداء، و { فهم لا يؤمنون } ~~الخبر. # وقال ابن قتيبة: { الذين } في موضع خفض على البدل أو النعت " ~~للمكذبين " الذين تقدم ذكرهم. # ومعنى الآية: قل يا محمد لهؤلاء العادلين المكذبين { لمن ما في ~~السموت والأرض } أي: لمن ملك ذلك؟، وليس لهم جواب عن ذلك، ~~فكأنهم طلبوا الجواب من السائل، فقالوا لمن ذلك؟، فقيل لهم: { لله } ، ~~فصار السؤال والجواب من جهة واحدة في الظاهر والجواب إنما هو (جواب) ~~لسؤال مضمر، لأنهم عجزوا عن الجواب فقالوا: لمن ذلك؟، فأجيبوا: { لله ~~} ، أي: هو لله، فأخبرهم أن ذلك لله، وأعلمهم أن الله كتب على نفسه ~~الرحمة لعباده، فلا يعجل عليهم بالعقوبة، فتوبوا إليه. # روى أبو هريرة أن النبي عليه السلام قال: # " كتب الله كتابا قبل الخلق: إن رحمتي تسبق غضبي ". # وعن سلمان أن الله لما خلق السماء و(الأرض)، خلق مائة رحمة، كل ~~رحمة تملأ ما بين السماء والأرض، فعنده تسع وتسعون رحمة، ~~وقسم رحمة ms0681 بين الخلائق، (فبها يتعاطفون)، فإذا كان ذلك - يعني يوم ~~القيامة - قصرها الله على المتقين، وزادهم تسعا وتسعين. وعن سلمان ~~قال: نجد ذلك في التوراة. # وروى الحكم بن أبان عن عكرمة قال: إذا فرغ الله عز وجل من القضاء بين ~~خلقه، أخرج كتابا من تحت العرش فيه: (أن رحمتي سبقت غضبي وأنا ~~أرحم الراحمين). قال: فيخرج من النار مثل أهل الجنة، أو مثلي أهل ~~الجنة، مكتوبا ها هنا - وأشار الحكم إلى نحره - " عتقاء الله ". ~~فقال رجل لعكرمة: فإن الله يقول: # يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين ~~منها ولهم عذاب مقيم # [المائدة: 37]. قال عكرمة: أولئك أهلها " الذين هم أهلها ". # وعن عبد الله بن عمر أنه كان يقول: إن لله مائة رحمة، أهبط منها رحمة ~~إلى أهل الدنيا، يتراحم بها الجن والإنس وطائر السماء، وحيتان ~~الماء، ودواب الأرض وهوامها، وما بين الهواء، واختزن عنده تسعا ~~وتسعين رحمة، حتى إذا كان يوم القيامة، اختلج الرحمة التي كان أهبطها إلى ~~أهل الدنيا، فحولها إلى ما عنده، فجعلها في قلوب أهل الجنة، (و) على أهل ~~الجنة. # فمعنى { كتب على نفسه الرحمة }: أمهلكم إلى يوم القيامة، ~~لأن معنى { ليجمعنكم } أي: يمهلكم حتى يجمعكم إلى يوم القيامة ~~لا ريب فيه. # ومعنى { كتب } هنا: قضى. # وقيل: { إلى } بمعنى " في " ، أي: ليجمعنكم في يوم القيامة. وقيل: ~~المعنى ليؤخرن جمعكم إلى يوم القيامة، ف (إلى) لغير معنى " في ". # واللام في { ليجمعنكم } لام قسم، جواب ل { كتب } ، لأن { ~~كتب } بمعنى " أوجب " والقسم إيجاب، (فاحتاج الايجاب إلى جواب، إذ هو ~~بمعنى القسم في الإيجاب)، وله نظائر كثيرة في القرآن تقاس على هذا. # والوقف على { الرحمة } حسن عند أبي (حاتم والفراء)، ويكون { ~~ليجمعنكم } مبتدأ على القسم على قولهما. # وقيل: إن { ليجمعنكم } بدل من (الرحمة)، فلا يوقف على ~~(الرحمة)، ومعنى البدل أن اللام بمعنى " أن " ، فالمعنى: الرحمة: أن ~~يجمعكم، أي: كتب ربكم على نفسه أن يجمعكم. ومثله على مذهب سيبويه: # ثم بدا لهم من بعد (ما) رأوا الآيات ليسجننه # [يوسف: 35] المعنى: أن يسجنوه، ms0682 ف " أن " الفاعلة، ومثله: # كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه # [الأنعام: 54] في قراءة من فتح (أن). # قال نافع: { قل لله } تمام. { لا ريب فيه }: وقف حسن عند نافع ~~وغيره. ### || [6.13] # قوله: { وله ما سكن في الليل والنهار } الآية. # المعنى: وقل لهم - يا محمد -: { وله ما سكن في الليل ~~والنهار } أي: ما استقر، فكيف تعدلون به وتشركون بمن له الخلق ~~والأمر. ### || [6.14] # قوله: { قل أغير الله أتخذ وليا } الآية. # المعنى: قل (لهم) يا محمد: أغير الله أتخذ وليا وهو فاطر السماوات ~~(والأرض)، أي: مبتدعهما وخالقهما. # قال ابن عباس: كنت لا أدري ما { فاطر السموت والأرض } ، ~~حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما لصاحبه: " أنا فطرتها ": ~~(أي) ابتدأتها. # وقرأ سعيد بن جبير ومجاهد والأعمش: (ولا يطعم) بفتح الياء، وقرأوا ~~الأول مثل الجماعة على معنى: وهو يرزق ولا يأكل. وقرأه الجماعة على ~~معنى: " وهو يرزق ولا يرزق ". # وقوله: (تعالى): { إني أمرت أن أكون أول من أسلم ~~} أي: قل لهم يا محمد: إني أمرت أن أكون أول من خضع بالعبودية، وقيل: ~~(لي: لا) تكونن من المشركين. # وقال بعض العلماء قوله: { أمرت } بدل من " قيل لي: كن أول من أسلم و ~~(قيل لي): لا تكونن من المشركين " ، فالثاني محمول على معنى الأول، ~~اجتزئ بذكر. الأمر عن ذكر / القول، والمعنى: قل " إني قيل لي: كن أول من ~~أسلم، ولا تكونن من المشركين ". فهما جميعا محمولان على القول لكن أتى ~~الأول بغير لفظ القول وفيه معناه، فحمل الثاني على المعنى. والوقف على ~~(الأرض) حسن، وعلى (يطعم حسن.) ### || [6.15] # قوله: { قل إني أخاف } الآية. # المعنى: (قل) يا محمد لهؤلاء الذين لا يخافون: { إني أخاف إن ~~عصيت ربي عذاب يوم عظيم } أي: هائل شديد. ### || [6.16] # قوله: { من يصرف عنه يومئذ } الآية. # من قرأ { يصرف } بضم الياء وفتح الراء، فعلى ما لم يسم فاعله. ~~ومن فتح الياء وكسر الراء، فعلى إضمار، والتقدير: " من يصرف الله عنه ~~العذاب " يومئذ. # والأول أحسن عند سيبويه، لأن الإضمار كلما قل كان أحسن. فتقدير ms0683 من ضم ~~الياء: من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه الله، ففي { يصرف } ذكر ~~العذاب المتقدم، ويضمر الاسم بعد (رحمه)، وفي الفتح يضمر الاسم والعذاب ~~جميعا. # وقيل التقدير - في قراءة من فتح الياء - من يصرف (الله) عنه شر ~~يومئذ، ثم حذف المضاف. # وفي قراءة عبد الله وأبي: (من يصرف الله عن يوم القيامة)، وهذا شاهد ~~لمن قرأ بالفتح. # واحتج بعضهم لقراءة من فتح الياء أنه قريب من اسم الله، كأن تقديره: من ~~يصرف ربي (العذاب عنه) فقد رحمه، واحتج أيضا بقوله: { فقد رحمه ~~} ولم يقل: ( " فقد رحم " )، فجريان آخر الكلام على أوله أحسن من ~~مخالفته لأوله. قال: ولو قلت: " من وهب لك درهما فقد أكرمك " ، كان ~~أحسن من أن تقول: " من وهب له درهم فقد أكرمه " ، وقولك: " من يؤخذ ~~منه ماله، فقد ظلم " أحسن من قولك " من يؤخذ منه ماله فقد ظلمه " ، ~~وهو بعيد في الكلام وكذلك من قرأ: " من " يصرف عنه يومئذ فقد ~~رحمه. # وقراءة الفتح اختيار أبي عبيد وأبي حاتم على معنى: من يصرف الله عنه ~~يومئذ عذابه فقد رحمه. # { وذلك }: إشارة إلى صرف العذاب. و { الفوز }: النجاة من ~~الهلاك، والظفر بالمطلوب، { المبين } (أي) الظاهر لمن وفقه الله. ### || [6.17] # قوله: { وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا ~~هو } الآية. # المعنى: إن يمسك (الله) - يا محمد - بضر، فلا يكشفه إلا هو، (و) الضر - ~~هنا -: الشدة في العيش والضيق، { وإن يمسسك بخير } أي: برخاء ~~في عيش وسعة، فهو على ذلك وغيره قدير. # قوله { إلا هو } تمام حسن. ### || [6.18] # قوله: { وهو القاهر فوق عباده } الآية. # المعنى: والله المذلل لعباده، العالي عليهم علو وقدرة وقهر، لا (علو) ~~انتقال من سفل، بل استعلى على خلقه بقدرته فقهرهم بالموت وبما شاء من ~~أمره، لا إله إلا هو. ولما وصف نفسه تعالى بأنه المذل القاهر، ومن صفة ~~القاهر أن يكون مستعليا، قال { فوق عباده } ، { وهو ~~الحكيم } أي: في علوه، { الخبير } بمصالح عباده. ### || [6.19] # قوله: { قل أي شيء أكبر شهدة } الآية. # { أي } اسم مبهم معرب، وإنما ms0684 أعرب دون سائر المبهمات لعلتين: # - إحداهما: أنه قد ألزم الإضافة فخالف سائر المبهمات، والمضاف إليه ~~يحل محل التنوين فيه، إذ لزمه ما هو عوض من التنوين، وإذا قدر التنوين ~~فيه وجب إعرابه، لأن التنوين علامة للأمكن، والأمكن لا يكون إلا معربا. # - والوجه الآخر: أنه مخالف لسائر المبهمات، لأنه يدل على البعض المعين، ~~فإذا قلت: " أي الرجلين أتاك "؟، فالذي تسأل عنه داخل في " الرجلين " ~~، وليس ذلك في " ما " و " من ". # ومعنى الآية: قل يا محمد لهؤلاء الذين جحدوا نبوتك: أي: شيء أعظم ~~شهادة؟، ثم أخبرهم بأن الله أعظم شهادة ممن يجوز عليه السهو والغلط ~~والكذب والخطأ من خلقه. وقيل: المعنى: سلهم يا محمد: أي: شيء أكبر شهادة ~~حتى أستشهد به عليكم؟. # (و) قال الكلبي: قال المشركون - من أهل مكة - للنبي: من يعلم أنك رسول ~~الله فيشهد لك، فأنزل الله { قل أي شيء أكبر شهدة قل ~~الله شهيد بيني وبينكم } أني رسوله، { وأوحي إلي ~~هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ }. # والله - جل ذكره - شيء بهذه الآية، لكنه شيء لا كالأشياء # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11]. # وقوله: { وأوحي إلي هذا القرآن } (أي وقل لهم: أوحي إلي ~~هذا القرآن) لأنذركم به عقاب الله، { ومن بلغ }: (أي) وأنذر به من ~~بلغه ذلك بعدي. # قال محمد بن كعب القرطبي: من بلغته آية فكأنما رأى الرسول. # قال ابن عباس: " من بلغه هذا القرآن فهو له نذير ". # ف { من } في موضع نصب. وقيل: المعنى في { ومن بلغ }: أي: وأنذر من ~~بلغ الحلم، لأن من لم يبلغ الحلم، فليس بمخاطب ولا متعبد. والقول ~~الأول: " إن معناه: ومن بلغه القرآن " ، وهو أولى. # وقال مجاهد { ومن بلغ } أي: من أسلم. وقيل معناه: { لأنذركم ~~به } أيها العرب { ومن بلغ } أي: العجم، كقوله: # بعث في الأميين رسولا منهم # [الجمعة: 2] يعني العرب، ثم قال: # وآخرين منهم # [الجمعة: 3] أي: من الذين أرسل إليهم، يعني العجم. # (و) قوله: { أئنكم لتشهدون أن مع الله ءالهة ~~أخرى }: هذا على التوبيخ لهم. ثم قال لنبيه: قل يا محمد لا أشهد ms0685 بما ~~تشهدون، إنما هو إله واحد، وإنني بريء من إشراككم بربكم. # (و) روى ابن عباس # " أن طائفة من اليهود قالوا للنبي: يا محمد، ما نعلم مع الله إلها ~~غيره!، فقال رسول الله: لا إله إلا الله، بذلك بعثت وإلى ذلك أدعو " # ، فأنزل الله: { قل الله شهيد بيني وبينكم } إلى قوله: ~~{ فهم لا يؤمنون }. # ووقف نافع: { قل أي شيء أكبر شهدة }. والتمام عند ~~الجماعة { ومن بلغ }. ### || [6.20] # قوله: { الذين آتيناهم الكتاب } الآية. # (معنى ذلك أن أهل الكتاب - هنا - (هم)) اليهود والنصارى. ومعنى { ~~يعرفونه }: أي: يعرفون أن دين الله الاسلام، وأن محمدا رسول الله ~~كما يعرفون أبناءهم، وهو عندهم في التوراة والانجيل. # وقيل: المعنى: يعرفون محمدا كمعرفتهم أبناءهم. وقد قال بعض من أسلم من ~~أهل الكتاب: والله لنحن أعرف به من أبنائنا، لأن صفته ونعته في ~~الكتاب، وأما أبناؤنا فلسنا ندري ما أحدث النساء فيهم. # وقيل: المعنى يعرفون أنه لا إله إلا الله وأن محمدا رسوله. # وقيل: يعرفون القرآن. # وأكثر العلماء على أن الهاء تعود على النبي. # وقوله: { الذين خسروا أنفسهم } أي: أوبقوها في النار ~~بإنكارهم محمدا، { فهم لا يؤمنون } بخسارتهم أنفسهم. # و { كما يعرفون أبنآءهم }: تمام إن جعلت { الذين } ~~مبتدأ. ### || [6.21] # قوله: { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا } ~~الآية. # المعنى: من أشد ظلما ممن اختلق على الله قول الباطل، أو (جحد آياته) ~~وأدلته، { إنه لا يفلح الظلمون } أي: لا ينجح القائلون ~~على الله الباطل. ### || [6.22] # قوله: { ويوم نحشرهم جميعا } الآية. # المعنى: أن هؤلاء المفترين على الله الكذب لا يفلحون في الدنيا، ولا يوم ~~نحشرهم جميعا (أي) ولا يوم القيامة، ففي الكلام تقدير محذوف. # ومعنى: { الذين كنتم تزعمون } (أي تزعمون) " أنهم (لكم ~~آلهة) من دون الله افتراء وكذبا ". # وقال القتبي: المعنى أين آلهتكم التي جعلتموها لي شركاء، فنسبها إليهم، ~~لأنهم ادعوها أنها شركاء لله. ### || [6.23] # قوله: { ثم لم تكن فتنتهم } الآية. # قرأ ابن مسعود وأبي (وما كان فتنتهم) بالرفع. # ومن (قرأ) تكن بالتاء، ونصب " الفتنة " ، فإنما أنث، لأن " القول " هو ~~" الفتنة ms0686 " ، فأنث على المعنى، وهو مذهب سيبويه. # وقيل: إنما أنت، لأن { إلا أن قالوا } بمنزلة " مقالتهم " فأنث ~~على ذلك. و (قد قرئ) برفع " الفتنة " ، والياء في (يكن) على المعنى، لأن ~~" الفتنة بمعنى " الفتون ". # ومعنى { فتنتهم }: مقالتهم. وقيل: معذرتهم إلا أن أقسموا بالله ~~ربهم إنهم لم يكونوا مشركين. # ومعناه عند أبي إسحاق أن المشركين افتتنوا بشركهم في الدنيا، فأخبر الله ~~عنهم أن فتنتهم التي كانت في الدنيا عادت انتفاء من الشرك، وهذا مثل ~~إنسان يرى (محبا له) في هلكة فيتبرأ منه، فيقال له: صارت محبتك ~~(تبرؤا). # واختار الطبري قراءة النصب في (ربنا)، لأنه جواب من المشركين الذين ~~قيل لهم: # أين شركآؤكم # [الأنعام: 22]؟، فنفوا عن أنفسهم أن يكونوا فعلوا ذلك وادعوه أنه ربهم ~~كان فنادوه، ولذلك قال لمحمد: # انظر كيف كذبوا على أنفسهم # [الأنعام: 24]. # وإنما قصدوا إلى نفي الشرك عن أنفسهم دون سائر الذنوب والكبائر، لأنهم ~~رأوا أن كل شيء يغفره الله إن شاء إلا الشرك، فنفوه عن أنفسهم رجاء أن ~~يغفر لهم ما ارتكبوا دون الشرك، ودل على ذلك قوله # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء # [النساء: 48] (فدل هذا) على أن ما دون الشرك مغفور إن شاء الله، ذلك: ~~إما بتوبة وإقلاع، وإما بفضل من الله ورحمة. ### || [6.24] # قوله: { انظر كيف كذبوا على أنفسهم } الآية. # معنى النظر هنا: هو نظر القلب " معناه: تبين فاعلم كيف كذبوا في ~~الآخرة ". # وقوله: { كذبوا } معناه: يكذبون، إلا أنه لما كان أمرا يقع بلا شك، ~~أخبر عنه بمثل ما يخبر (عما) وقع. # ومعنى { وضل عنهم ما كانوا يفترون } أي: وفارقتهم ~~الأنداد والأصنام، وتبرأوا منها. وقيل: (معناه) ذهب عنهم ما كانوا ~~يختلقون. # قال ابن عباس: لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الإسلام، قالوا ~~(تعالوا) فلنجحد ما كنا فيه، فقالوا: { والله ربنا ما كنا ~~مشركين } ، فختم الله على أفواههم، وتكلمت أيديهم وأرجلهم، فلا ~~يكتمون الله حديثا، فود الذين كفروا حين ذلك لو تسوى بهم الأرض، و { لا ~~يكتمون } حديثا. # وقال ms0687 ابن جبير: لما أمر بإخراج من دخل النار من أهل التوحيد، قال من ~~فيها من المشركين: تعالوا فلنقل " لا إله إلا الله " لعلنا نخرج من ~~هؤلاء. فقالوا، فلم يصدقوا، فحلفوا فقالوا: { والله ربنا ما ~~كنا مشركين }. # وقال قطرب: إنهم لم يتعمدوا الكذب، ولكنهم قالوا ما قالوا وهم عند ~~أنفسهم صادقون، لكنهم كاذبون عند الله، ولذلك قال: { انظر كيف ~~كذبوا }. # والذي يدل على خطأ قول قطرب قوله: # يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما ~~يحلفون لكم # [المجادلة: 18]. فلم (يحلفوا للنبي) قط إلا وهم يعلمون أنهم كاذبون، وقد ~~أخبر الله أن (اليمينين متساويتان). وقوله: { انظر كيف كذبوا } ~~يدل على أنهم تعمدوا الكذب. ### || [6.25] # قوله: { ومنهم من يستمع إليك } الآية. # المعنى: ومن هؤلاء المختلقين على الله الكذب من يستمع القرآن منك يا ~~محمد - قال مجاهد: هم قريش - ويستمع كل واحد ما تدعوه إليه من الإيمان، ~~فلا ينفعه ذلك، ولا يعيه، ولا يتدبره، ولا يعقله عنك، لأن الله جعل ~~على قلبه كنانا، أي / غطاء، وجمعه أكنة، وجعل في آذانهم وقرا عن ما تقول ~~لهم وتتلو عليهم. فعل ذلك بهم مجازاة لهم على كذبهم، وليس المعنى أنهم لا ~~يسمعون ألبتة ولكن لما كانوا لا ينتفعون بما يسمعون، كانوا بمنزلة الذي ~~في أذنيه وقر، وعلى قلبه غطاء. # (و) قوله: { وإن يروا كل ءاية لا يؤمنوا بها } ~~يريد أنهم رأوا القمر منشقا، فقالوا: (سحر، ثم) أخبر عنهم أنهم إذا أتوا ~~يجادلون قالوا: هذا سحر ((مبين)). # قوله: { من يستمع إليك } ((و)) { وقرا } تمامان عند ~~الأخفش. # و { أن يفقهوه } (تمام) عند غيره. و (بها) التمام الحسن عند أبي ~~حاتم. # ومعنى { أسطير الأولين } أي: أحاديثهم. وقيل: أساجيع الأولين. ~~وقيل: المعنى ما كتبه الأولون. # ومعنى جدالهم المؤمنين أن ابن عباس قال: كان المشركون يجادلون المسلمين ~~في الذبيحة، يقولون لهم: ما ذبحتم وقتلتهم تأكلون، وما قتل الله لا ~~تأكلون وأنتم تتبعون أمر الله. # (وواحد الأساطير " أسطورة " كأضحوكة (وأحدوثة)، وقيل:) واحده " ~~أسطار " ، كأقوال، وأسطار جمع سطر، (يقال: سطر) وسطر. وقال ~~الأخفش: هو من ms0688 الجمع الذي لا واحد له، كأبابيل ومذاكير وعباديد، وقد قيل: ~~إن واحد الأبابيل " إبيل ". وقيل: هو " إبول " ، كعجول. ### || [6.26] # قوله: { وهم ينهون عنه } الآية. # المعنى أن الله أخبر عن المشركين أنهم ينهون الناس عن اتباع النبي ~~والقبول منه، { وينأون عنه } أي: يبعدون. # قال ابن عباس: لا يأتونه ولا يدعون أحدا يأتيه. فالهاء - على هذا - ~~تعود على النبي. # وقيل: المعنى أنهم ينهون [الناس عن] أن يستمعوا ما في القرآن، ويتباعدون ~~هم عن استماعه، فالهاء للقرآن. # وقيل: المعنى: أنهم ينهون الناس عن أذى محمد، (ويتباعدون هم) عنه، أي: ~~عن اتباعه. # (و) روي عن ابن عباس أنها نزلت في أبي طالب عم النبي عليه السلام ونفر ~~من كفار قريش كانوا ينهون ((الناس)) عن أذى النبي ولا يؤمنون به، ولا بما ~~جاءهم به، وكان أبو طالب ينهى أن يؤذى محمد، ويتباعد عن قبول ما جاء به. ~~وهذا يدل على أنها في قريش. # وكان الطبري يختار أن تكون عامة في المشركين، لأن أول الكلام جرى على ~~العموم، فيكون المعنى على هذا: وهم ينهون الناس أن يتبعوه ويتباعدون عن ~~اتباعه، وما { يهلكون إلا أنفسهم } أي: ما يهلكون بصدهم عنك ~~إلا أنفسهم، لأنهم يكسبونها سخط الله { وما يشعرون } (أن) ذلك ~~راجع عليهم. # وقرأ الحسن { وينأون (عنه) } بإلقاء حركة الهمزة على النون على ~~أصل التسهيل. ### || [6.27] # قوله: { ولو ترى إذ وقفوا على النار } الآية. # من قرأ برفع (نكذب) و (نكون) فعلى القطع، (أي: يا ليتنا) نرد، ثم ~~ابتدأ على معنى: ونحن لا نكذب. هذا قول سيبويه، والمعنى عنده: ونحن لا ~~نكذب رددنا أو لم نرد، فإنما سألوا الرد وقد أوجبوا على أنفسهم أنهم ~~لا يعودون للتكذيب ألبتة، ردوا أو لم يردوا، ومثله عند سيبويه: " دعني ~~ولا أعود ": أي: وأنا لا أعود. تركتني أو لم تتركني. # ومن نصب فإنما أراد أن يكون " رد " يتبعه ترك عودة، كأنه في المعنى: إن ~~رددنا لم نعد للتكذيب. ومثله: " زرني وأزورك " ، (أي، لتكن منك) زيارة ~~وأن أزورك، ولو رفعت لكان المعنى: وأنا أزورك، ms0689 زرتني أو لم تزرني. # ووجه آخر في الرفع، وهو أن يكون معطوفا على (نرد)، كأنهم تمنوا أن ~~يردوا، وتمنوا (ألا) يكذبوا / وأن يكونوا من المؤمنين. والأول أحسن، ~~لأنهم لم يتمنوا هذا، إنما تمنوا الرد وادعوا أنهم إذا ردوا لم يكذبوا ~~وكانوا من المؤمنين. # (والنصب) على جواب التمني، كأنه: يا ليتنا وقع لنا الرد و (ألا) نكذب، ~~فالواو في جواب التمني كالفاء، وقيل: المعنى في الرفع: لا نكذب والله ~~ونكون - والله - من المؤمنين، وهو أيضا منقطع. # وأنكر جماعة النصب، وقالوا: هو خبر أخبروا به عن أنفسهم، ألا ترى أن ~~الله كذبهم فيما أخبروا به، والكذب لا يقع إلا في جواب الخبر. # وأنكر بعض النحويين أن يكون الجواب للتمني بالواو، وقالوا: إنما يكون ~~بالفاء. # وأجاز أبو إسحاق أن يكون التمني داخلا في الخبر، قال: لأن الرجل الفاسق ~~(يقول): " ليتني في الجنة " ، فيقال له: كذبت، لو أردت ذلك لاتقيت الله. # وقد قيل: إنه منصوب على الظرف، وإن معنى الكلام: أنهم تمنوا أن يوقفوا ~~((وهم) غير مكذبين، لأنهم وقفوا مكذبين، فتمنوا أن يوقفوا) على غير تلك ~~الحال. # (والآية) عند أبي عمرو على التمني، ولا يجوز فيه صدق (ولا) كذب، وإنما ~~كذب الله خبرهم، لا تمنيهم، وخبرهم هو قولهم: (ولا نكذب)، (ونكون)، (إن ~~رددنا) فعلنا ذلك، فهذا خبر، فأكذبهم الله في ذلك الخبر الذي أخبروا به ~~عن أنفسهم، لا في تمنيهم. # أو يكون المعنى - على الرفع - (ولا نكذب)، (ونكون): أي: نفعل ذلك، ~~رددنا أو لم نرد، فهذا خبر منهم، فأكذبهم الله في ذلك، التكذيب إنما ~~هو للخبر الذي أخبروا به عن أنفسهم، لا للتمني. # وقال بعض النحويين: إنما يكون هذان الفعلان - في حال النصب - غير ~~متمنين إذا كانا جوابا لما في (ليتنا)، وتكون الواو الأولى بمعنى ~~الفاء. # فأما إن كانت الواو على جهتها، ونصبت على الظرف منويا به الحال، ~~فالفعلان متمنيان، والتكذيب للتمني وقع. # ومن قرأ (ولا نكذب) بالرفع، ونصب (ونكون)، فالمعنى: أنهم تمنوا الرد ~~وأن يكونوا من المؤمنين، وأخبروا أنهم لا يكذبون بآيات ربهم ms0690 إن ~~ردوا إلى الدنيا. # قوله { ولو ترى } فعل منتظر، وقوله و { إذ وقفوا }: فعلان ~~ماضيان، وكذلك { فقالوا } ، وكلها منتظرة لم تقع. وهو حسن لطيف ~~فصيح، غاية في البلاغة، لأن كل ما هو كائن - ولم يكن بعد - فهو عند الله ~~بمنزلة ما قد كان، لصحة وقوعه على ما أخبر به عنه، ولنفوذ حكم الله به، ~~وتقديره لوقوعه على ما أخبر به، فالكائن وغير الكائن سواء في علم الله. # وقوله { وقفوا } بمعنى: حبسوا، و { على النار } بمعنى " في ~~النار " ، بمنزلة قوله: # على ملك سليمن # [البقرة: 102] أي: في ملكه. وقيل: معنى { وقفوا على النار }: ~~أدخلوها، كما تقول: " قد وقفت على ما عندك " ، أي: عرفت حقيقته. ~~وقيل: أوها. وقيل: رأوها. وقيل: جازوا عليها. # و { إذ } بمعنى " إذا " ، لأنه خبر لا بد أن يكون، فصار بمنزلة ما قد ~~كان. يقال: " وقفت وقفا للمساكين " و " وقفت أنا " ، (وقف) دابتك يا ~~رجل. # وحكي عن أبي عمرو أنه قال: ما علمت أحدا من العرب يقول: " أوقفت الشيء ~~" بالألف، إلا أني لو رأيت رجلا في مكان فقلت له: " ما أوقفك ها ~~هنا؟ بالألف، لرأيته حسنا. وفي الآية معنى التعظيم لما هم فيه. ### || [6.28] # قوله: { بل بدا لهم ما كانوا يخفون } الآية. # المعنى: بل ظهر لهم في الاخرة من أعمالهم ما كانوا يخفون في الدنيا، { ~~ولو ردوا } إلى الدنيا { لعادوا لما نهوا عنه } أي: ~~(لو وصل) الله لهم دنيا كدنياهم، لعادوا، { وإنهم لكاذبون } ~~فيما أخبروا به عن أنفسهم. فأعلمنا الله - في هذه الآية - أن ما لا يكون، ~~كيف كان يكون، لو كان. وفي هذا دليل على قدم علمه بجميع الأشياء، لا إله ~~إلا هو، لم يزل يعلم ما يكون كيف يكون، قبل كونه بلا أمد. ### || [6.29] # قوله: { وقالوا إن هي إلا حياتنا } الآية. # أي قال هؤلاء المشركون: ماثم حياة إلا حياة الدنيا، وما ثم بعث ~~بعد الفناء، وهذه حكاية عنهم، وما كانوا يقولون في الدنيا. وقال ابن زيد: ~~هي خبر عنهم أنهم لو ردوا لقالوا ذلك، ولعادوا لما نهوا عنه. ms0691 # وقد كره قوم الوقف على { وما نحن بمبعوثين } لقبح اللفظ بنفي ~~البعث، ولو صح هذا، لكان الوصل كالوقف، ولوجب امتناع القراءة بهذا اللفظ، ~~وهو قول ساقط مردود، فالوقف على { بمبعوثين } جائز حسن عند أهل ~~العربية، ولا شناعة فيه، إنما هو حكاية عن قول المشركين، وقد جهل من منع ~~ذلك واستخف به. ### || [6.30] # قوله: { ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس ~~هذا بالحق } الآية. # المعنى: ولو ترى يا محمد هؤلاء القائلين: " ما هي إلا حياتنا الدنيا وما ~~نحن بمبعوثين " ، إذ حبسوا (على ربهم): أي: على حكم ربهم وقضائه وعدله ~~فيهم، فقيل لهم، أليس هذا الحشر والبعث بعد الممات - الذي كنتم تنكرونه ~~في الدنيا - حقا؟، فأجابوا: بلى وربنا إنه لحق، قال: فذوقوا العذاب الذي ~~كنتم به تكذبون في الدنيا جزاء لكفركم وتكذيبكم. # وقال: { ولو ترى } ، فأتى بالمستقبل لأنه أمر ينتظر يوم القيامة، ~~ثم قال: (إذ): و " إذ " لما مضى وانقضى، وقال: (وقفوا) ف { قالوا } ~~، فجاء بفعلين ماضيين قد كانا، وإنما ذلك، لأن (كل ما) أعلمنا الله به ~~أنه سيكون هو كالكائن الواقع، لصدق المخبر بذلك ونفوذ علمه بكونه، فصار ~~كالواقع الكائن، فأتى بلفظ الماضي. ### || [6.31] # قوله: { قد خسر الذين كذبوا بلقآء الله } الآية. # المعنى: قد وكس فيه بيعه من باع الإيمان بالكفر. وقيل: المعنى: " قد ~~خسروا أعمالهم وثوابها ". # ومعنى لقاء الله هنا: أنه البعث والنشور اللذان عندهما يكون لقاء الله ~~والمصير إليه. # ويجوز أن يكون معناه: كذبوا بلقاء ثوابه وعقابه - (وقد قيل) في قوله ~~تعالى: # فلا تكن في مرية من لقآئه # [السجدة: 23] أي: في شك من لقاء موسى ربه وتكليمه له -، ولا يكون ~~اللقاء في هذه الآية النظر إلى الله جل ذكره، لأنهم لم يؤمنوا بالبعث، ~~فضلا عن النظر إليه، وإذا لم يؤمنوا بالبعث، فأحرى ألا يؤمنوا بالنظر، ~~لأن البعث يؤدي إلى النظر إلى الله تعالى ذكره، يراه المؤمنون يوم ~~القيامة. # وقد يكون اللقاء بمعنى القرب والنظر في غير هذا. # ويكون اللقاء بمعنى السبب الذي يؤدي إلى اللقاء، مثل هذه الآية، ms0692 ومنه ~~قولهم: " اللهم بارك لنا في لقائك " ، يراد به: بارك لنا في الموت الذي ~~يؤدي إلى البعث الذي فيه لقاؤك، وقال الله: # من كان يرجو لقآء الله # [العنكبوت: 5] أي: يخاف الموت. # و { بغتة } نصب على الحال، وهو مصدر في موضع الحال عند سيبويه، ولا ~~يقاس عليه غيره. # قوله: { يحسرتنا على ما فرطنا فيها }: هذا (حين) يرى ~~أهل النار منازلهم من الجنة لو عملوا بعمل أهل الجنة، فيندمون على ~~التفريط / في الدنيا، فيقولون: { يحسرتنا } أي: تعال يا حسرة، فهذا ~~وقتك وإبانك. # والهاء في (فيها) عائدة على الصفقة، وهي التي ذكرت قبل في قوله: { قد ~~خسر الذين كذبوا بلقآء الله } أي: خسروا ببيعهم ~~الايمان بالضلالة، ومنازلهم في الجنة بمنازلهم في النار، فإذا جاءتهم ~~الساعة، تبين لهم خسران بيعهم، وندموا صفقتهم فقالوا: { يحسرتنا ~~على ما فرطنا فيها } أي: في الصفقة؟ # ويجوز أن تعود الهاء على # الدنيا # [الأنعام: 29]، لأن فيها كان تفريطهم. # وقوله: { وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم } أي: " ~~آثامهم وذنوبهم ". وخص " الظهر " ، لأن الحمل قد يكون على غيره. # وروي عن عمرو بن القيس الملائي أن المؤمن إذا خرج من قبره، استقبله ~~أحسن شيء صورة، وأطيبه ريحا، فيقول: هل تعرفني؟، فيقول: لا، إلا أن ~~الله قد طيب ريحك وحسن صورتك. فيقول: كذلك كنت في الدنيا، أنا عملك ~~الصالح، طال ما ركبتك في الدنيا، فاركبني، أنت اليوم، وتلا # يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا # [مريم: 85]. # (وإن) الكافر يستقبله أقبح شيء صورة وأنتنه ريحا، فيقول: هل تعرفني؟. ~~فيقول: لا، إلا أن الله قد قبح صورتك ونتن ريحك. فيقول: كذا كنت في ~~الدنيا، أنا عملك السيء طال ما ركبتني في الدنيا، فأنا اليوم أركبك. # وتلا { وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم }. ورواه ~~أبو هريرة عن النبي عليه السلام بهذا المعنى، واللفظ مختلف. # وقال السدي: (قوله): { وهم يحملون أوزارهم على ~~ظهورهم }: ليس من رجل ظالم يموت فيدخل قبره، إلا جاءه رجل قبيح ~~الوجه، أسود اللون منتن الريح، عليه ثياب دنسة حتى يدخل معه في قبره. ~~فإذا رآه قال له: ms0693 ما أقبح وجهك!، قال: كذلك كان عملك قبيحا. قال ما أنتن ~~ريحك!، قال: (كذلك كان) عملك منتنا. قال: ما أدنس ثيابك! (قال كذلك) كان ~~عملك دنسا. قال: من أنت؟ قال: أنا عملك. فيكون معه في قبره. فإذا بعث ~~يوم القيامة قال: إني كنت أحملك في الدنيا باللذات والشهوات، وأنت اليوم ~~تحملني. قال: فيركب على ظهره فيسوقه حتى يدخله النار، فذلك قوله: { ~~وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم }. # وروى المقبري عن أبي هريرة في حديث يرفعه قال: # " إذا كان يوم القيامة، بعث الله مع كل امرئ مؤمن عمله، ويبعث مع الكافر ~~عمله فلا يرى المؤمن شيئا يروعه ولا شيئا يفزعه ولا يخافه إلا قال له ~~عمله: " أبشر بالذي يسرك، فإنك لست بالذي يراد بهذا ". ولا يرى الكافر ~~شيئا يفزعه ولا يروعه ولا يخافه إلا قال له عمله: " أبشر يا عدو الله ~~بالذي يسوءك، فوالله (إنك) لأنت الذي (يراد بهذا) " ". # وقوله: { ألا سآء ما يزرون } معناه: بئس الشيء يحملون. ### || [6.32] # قوله: { وما الحيوة الدنيآ إلا لعب ولهو } الآية. # هذه الآية تكذيب للكفار في قولهم: # وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا # [الجاثية: 24] فأخبر الله تعالى أن الحياة الدنيا لعب ولهو، وأخبر أن ~~الدار الآخرة خير، على معنى: ولعمل الدار الآخرة خير للذين يتقون، ~~أفلا تعقلون. ### || [6.33] # قوله: { قد نعلم إنه ليحزنك } الآية. # المعنى: أن / (قد) في هذا وشبهه تأتي لتأكيد الشيء وإيجابه وتصديقه، و ~~(نعلم) بمعنى: " علمنا ". والتقدير: قد نعلم - يا محمد - إنه ليحزنك ~~قولهم إنك كاذب، وإنك ساحر. # { فإنهم لا يكذبونك } جهلا منهم بصدقك، بل أنت - فيما ~~يسرون - صادق، ولكنهم حسدوك فكذبوك، وهم يعلمون أنهم ظالمون لك، وأنك ~~صادق، هذا على قراءة من قرأ بالتشديد. قال أبو عمرو: وتصديقها # ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما ~~كذبوا # [الأنعام: 34]. # ومعنى قراءة التخفيف - عند الفراء والكسائي -: هو من قولهم: " أكذبت ~~الرجل " ، إذا أخبرت أنه كاذب فيما قال فقط. و " كذبته ": إذا أخبرت أنه ~~كاذب في كل ما يأتي به. # وحكى أبو عبيدة: ms0694 " أكذبت الرجل " إذا أخبرت أنه جاء بالكذب، و " كذبته ~~" إذا أخبرت أنه كاذب. # وروي أن أبا جهل قال للنبي: إنا لا نكذبك، ولكن نكذب ما جئت به، فأنزل ~~الله { فإنهم لا يكذبونك }. # ومعنى التشديد - عند غير هؤلاء - فإنهم لا ينسبونك إلى الكذب. ومعنى ~~التخفيف فإنهم لا يجدونك كاذبا، كما يقال: " أحمدت الرجل " ، إذا أصبته ~~محمودا. # ويكون معنى التخفيف (أيضا): لا يبينون عليك أنك كاذب، يقال: " أكذبته ~~" ، إذا احتججت عليه وبينت (أنه كاذب)، وقال قطرب: " أكذبت الرجل ": ~~دللت على كذبه. # وروي # " أن جبريل عليه السلام أتى رسول الله يوما وهو جالس حزين، فقال له: ما ~~يحزنك؟، فقال: كذبني هؤلاء. فقال له جبريل: { فإنهم لا ~~يكذبونك } هم يعلمون أنك صادق، { ولكن الظلمين ~~بآيات الله يجحدون } ". # ويروى أن الأخنس بن شريق الثقفي مر بأبي جهل (بن هشام) يوم بدر، فقال ~~له: يا أبا الحكم، أخبرني عن محمد، (أصادق) هو أم كاذب؟ فأنه ليس هنا من ~~قريش غيري وغيرك يسمع كلامنا؟!، فقال أبو جهل: ويحك، والله إن محمدا ~~لصادق، وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهبت بنو قصي باللواء والحجابة ~~والسقاية والنبؤة، فما يكون لسائر قريش؟ فذلك قوله: { فإنهم لا ~~يكذبونك } أي: عن يقين. # وقيل معناه: فإنهم لا يكذبونك ولكن يكذبون ما جئت به، (وروي أن أبا جهل ~~قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ما نتهمك، ولكن نتهم الذي جئت به). ### || [6.34] # قوله: { ولقد كذبت رسل } الآية. # وهذه (الآية) تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، أعلم أنه قد حل برسل من ~~قبله مثل ما حل به، فصبروا على التكذيب والأذى، فاصبر أنت يا محمد كما ~~صبروا حتى يأتيك الصبر كما أتاهم. # (قوله): { ولا مبدل لكلمات الله } أي: لما سبق في علمه، ~~لا بد أن يكون. # { ولقد جآءك من نبإ المرسلين } أي: أتاك (نبأهم) أنهم ~~كذبوا وأوذوا فصبروا حتى أتاهم النصر. ### || [6.35] # قوله: { وإن كان كبر عليك إعراضهم } الآية. # المعنى: وإن كان يا محمد عظم عليك إعراض هؤلاء المشركين عنك وعن ~~تصديقك، فلم تصبر، فعظم ms0695 عليك أن يعرضوا إذ سألوا أن تنزل عليهم ملكا، { ~~فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض } أي: سربا ~~فتذهب فيه، { أو سلما في السمآء } تصعد فيه، - (في) بمعنى " ~~إلى " -، { فتأتيهم بآية } ، فافعل. # (و) السلم: المصعد هو مشتق من السلامة، كأنه يسلمك إلى الموضع الذي ~~تريد. وجواب الشرط هنا محذوف، المعنى فافعل ذلك. # قوله: { ولو شآء الله لجمعهم على الهدى }. # أي على كلمة الحق، لفعل، ولكنه لم يفعل لسابق علمه أنه يهدي من يشاء ~~ويضل من يشاء، فليس الاهتداء بفعل للعبد، بل هو لله، يوفق من يشاء ويخذل ~~من يشاء. # { فلا تكونن من الجهلين } أي: ممن لا يعلم أن الله لو ~~شاء لجمع على الهدى جميع خلقه، وهذا يدل على رد (قول) من زعم أن ليس عند ~~الله لطف يوفق به الكافر حتى يؤمن. # وقيل: معنى الخطاب لأمة محمد، والمعنى: فلا تكونوا من الجاهلين. ومثله ~~في القرآن كثير. ### || [6.36] # قوله: { إنما يستجيب الذين يسمعون } الآية. # المعنى: أن الله أعلم نبيه أنه إنما يستجيب لدعائه الذين فتح الله ~~أسماعهم إلى سماع الحق، وسهل لهم اتباع الرشد. # { والموتى يبعثهم الله } أي: والكفار الذين هم عدد ~~الموتى يبعثهم الله في عدد الموتى الذين لا يسمعون صوتا ولا يعقلون ~~قولا، { ثم إليه يرجعون } في القيامة. # و { يسمعون } تمام عند الجميع. # وقال الحسن: المعنى: أن الكفار مثل الموتى، والله يوفق منهم من يشاء إلى ~~الإيمان فيكون ذلك بعثهم من موتهم. # { ثم إليه يرجعون } يوم القيامة. # وقال مجاهد: معناه: حين يبعثهم الله { يسمعون } يعني الكفار، أي: ~~إذا وفقهم الله يسمعون. ### || [6.37] # قوله: { وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه } ~~الآية. # أي قال هؤلاء العادلون بالله غيره: هلا نزل على محمد آية، أي: علامة، قل ~~يا محمد: { إن الله (قادر على) أن ينزل آية ~~ولكن أكثرهم لا يعلمون } أي: لا يعلمون أن الله إنما ~~ينزل ما فيه الصلاح لعباده. ### || [6.38] # قوله: { وما من دآبة في الأرض } الآية. # المعنى: أنه ليس طائر يطير ولا دابة إلا وقد أحصى الله ms0696 عملها وآثارها ~~وحركاتها، فهي تتصرف - كما يتصرفون - فيما سخرت له، ومحفوظا عليها ما ~~عملت من عمل، لها وعليها، حتى يجازى (به) يوم القيامة، لم تخلق عبثا، ~~فمن أحصى أعمال الطير وجميع البهائم هو قادر على إحصاء أعمالكم وتصرفكم ~~أيها العادلون بالله. # ومعنى { إلا أمم أمثالكم } أي: يعرفون الله ويعبدونه. # والأمم: الأجناس. # وقال ابن جريج: { أمم أمثالكم } أي: " أصناف مصنفة تعرف ~~بأسمائها ". # قال أبو هريرة: ما من دابة في الأرض ولا طائر إلا سيحشر يوم القيامة ثم ~~يقتص لبعضها من بعض، حتى (يقتص للجماء) من ذات القرن، ثم يقال لها: كوني ~~ترابا، فعند ذلك # ويقول الكافر يليتني كنت ترابا # [النبأ: 40]. وإن شئتم فاقرأوا: { وما من دآبة في الأرض ~~(ولا طائر) يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم } ~~إلى { يحشرون }. # ومعنى: { يطير بجناحيه } - وقد علم أنه لا يطير إلا بهما -: أن ~~هذا كلام جرى على عادة العرب في لغاتها في التأكيد, فخوطبوا بما يعلمون ~~أنه مستعمل عند العرب، ((تقول العرب): " مشيت إليه برجلي " و " كلمته ~~بفمي " فوكد الطيران ((بقوله)): (بجناحيه) على ذلك. # وقيل: لما كانت العرب تستعمل لفظ " الطيران " في غير الطائر، فتقول لمن ~~ترسله في حاجة: " طر في حاجتي " ، تريد " أسرع ". ويقولون: " كاد الفرس ~~يطير " إذا أسرع في جريه، فيعبرون بالطيران عما ليس له جناحان، ففرق ~~بذكر الجناحين بين المعنيين. # ويكون " الطائر " عمل الإنسان اللازم له من خير وشر، ويكون " الطائر " ~~من السعد والنحس، كقوله: # طائركم عند الله # [النمل: 47]، فبين في الآية /. أنه الطائر الذي يطير بجناحيه، لا غير. # وقيل: معنى { (إلا أمم) أمثالكم } أي: خلقهم ودبرهم ورزقهم ~~وكتب آثارهم وآجالهم كما فعل بكم. # (و) قوله: { ما فرطنا في الكتب من شيء } أي: قد دللنا ~~على كل شيء من أمر الدين في القرآن، إما دلالة مشروحة، وإما مجملة. # قال ابن عباس: " ما تركنا شيئا إلا قد كتبناه في أم الكتاب " ، ~~يعني اللوح المحفوظ مما يكون وكان. # وقيل: المعنى: أن آثار هذه الأمم وآجالها وأرزاقها، كل مكتوب عند الله، ~~فلم يفرط فيه في الكتاب ms0697 الذي عنده، كل مكتوب فيه. # ف (الكتاب) على هذا القول والذي قبله: هو اللوح المحفوظ و (الكتاب) في ~~القول الأول: هو القرآن. # وروي أن النبي عليه السلام قال: # " إن الله قد حد حدودا فلا تنتهكوها، وسن سننا فلا تعتدوها، وسكت ~~عن أشياء - لم يدعها نسيانا، كانت رحمة من الله - فاقبلوها ". # وقال صلى الله عليه وسلم لابن عباس: # " الأمور ثلاثة - يا ابن عباس - أمر بان لك رشده فاتبعه، وأمر ~~بان لك غيه فاجتنبه، وأمر غاب عنك فكله إلى الله عز وجل ". # وقيل المعنى: { ما فرطنا في الكتب من شيء } مما يحتاجون ~~إليه، يعني القرآن. وقوله { ثم إلى ربهم يحشرون } قال ~~ابن عباس: " موت البهائم: حشرها ". قال الفراء: " حشرها: موتها، ثم تحشر ~~مع الناس فيقال لها: كوني ترابا، فعند ذلك يتمنى الكافر أنه كان ترابا ~~". وقيل: الحشر هنا: الجمع يوم القيامة. # و # " روي أن عنزين انتطحا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أتدرون فيما ~~انتطحا؟، قالوا: لا ندري. قال: لكن الله يدري، وسيقضي بينهما " ". ### || [6.39] # قوله: { والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم } الآية. # المعنى: أن الله تعالى أعلمنا أن الكافرين بآيات الله { صم } عن سماع ~~الهدى، { وبكم } عن قول الحق، { في الظلمات } أي: في الكفر، ~~وذلك أنهم لما لم ينتفعوا بما سمعوا ولا قالوا ما ينتفعون به، كانوا ~~بمنزلة الصم والبكم، ثم أخبر تعالى أنه المضل لمن يشاء من خلقه عن ~~الإيمان، وأنه يهدي من يشاء إلى الحق والصراط المستقيم، كل ذلك قد تقدم ~~(في) علمه. # والتمام عند بعضهم: { في الظلمات }. ### || [6.40] # قوله: { قل أرءيتكم إن أتكم عذاب الله } الآية. # حكى أبو (عبيد) عن ورش في " أرايت " و " أرايتكم " أنه يحقق الأولى، ~~ويسقط الثانية ويعوض منها ألفا. فمن أجل هذه الرواية رواه جماعة عن ورش ~~بالمد. والذي عليه أهل العربية أنه يسهل الثانية فيجعلها بين الهمزة ~~والألف، فلا يقع فيه إشباع مد. وقد قرأنا فيه لورش بالمد على القول ~~الأول. # واختلف في الكاف: فقال البصريون: لا موضع لها من الإعراب، وإنما هي ~~للمخاطبة. ms0698 # وقال الكسائي: هي في موضع نصب لوقوع الرؤية عليها، والمعنى: أرأيتم ~~أنفسكم. # وقال الفراء: هي في موضع رفع، لأنه لم يرد أن يوقع فعل الرجل على نفسه، ~~لأنه يسأل عن غيره. # وفرق الكسائي بين (رؤية) القلب والعين: فأسقط الهمزة من رؤية القلب، ~~(لأن رؤية القلب) معناها: أخبروني عن كذا. وليس ذلك في رؤية العين. ففرق ~~- بطرح الهمزة - بين المعنيين، وهو خطاب للكفار. # / ومعنى الآية: أخبروني أيها العادلون بالله غيره إن أتاكم عذاب الله، ~~كالذي جاء من كان قبلكم من الامم الظالمة، أو جاءتكم الساعة فبعثتم ~~للعرض، أغير الله تدعون في ذلك الوقت إن كنتم محقين في دعواكم أن آلهتكم ~~تنفع وتضر. ### || [6.41] # قال: { بل إياه تدعون } الآية. # أي إليه تستغيثون، { فيكشف ما تدعون إليه إن شآء } ~~(أي) فيكشف الضر الذي من آجله دعوتم. { وتنسون ما تشركون } ~~أي: تنسون شرككم إذا أتاكم العذاب. فقوله: { إن شآء } مشيئة قدرة، و ~~(هو لا يشاء أن يكشف) عنهم العذاب عند نزوله، (لقوله): # فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا # [غافر: 85]. ### || [6.42] # قوله: { ولقد أرسلنآ إلى أمم } الآية. # (هذه الآية) تحذير للعادلين بالله غيره أن يتمادوا على ظلمهم فيهلكهم ~~الله بالبأساء والضراء، كما أهلك من كان قبلكم حين كذبوا الرسل. ~~والبأساء: شدة الفقر والضيق في المعيشة، والضراء: الأسقام والعلل في ~~أجسامهم. # وقيل: البأساء: الجوع والفقر، والضراء: نقص الأموال والأنفس. وقال ~~القتبي: " (البأساء): الفقر وهو البؤس، والضراء: البلاء ". # وفي الكلام حذف، تقديره: ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك رسلا، فكذبوهم، ~~فأخذناهم. # ومعنى { لعلهم يتضرعون } أي: ليكونوا على رجاء من التضرع، ~~هذا مذهب سيبويه. والتضرع: التفعل من الضراعة، وهو الذل والاستكانة. ### || [6.43] # قوله: { فلولا إذ جآءهم بأسنا } الآية. # " المعنى: فهلا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا " ، أخبر الله عز وجل عنهم ~~أنهم قد بلغ (منهم - من القسوة -) ما تركوا التضرع معها، والطلبة عند ~~اتيان العذاب. وتحقيق المعنى: لعلهم يتضرعون فلم يتضرعوا، { فلولا ~~إذ جآءهم بأسنا تضرعوا } فيصرف عنهم العذاب. { ولكن ~~قست قلوبهم } أي: أقاموا على التكذيب وأصروا عليه وزين ms0699 لهم ~~الشيطان أعمالهم. ### || [6.44] # قوله: { فلما نسوا ما ذكروا به } الآية. # المعنى: فلما تركوا العمل بما أمروا به على ألسن الرسل. # وقوله: { فتحنا عليهم أبواب كل شيء } أي: استدرجناهم ~~بالنعم التي كنا متعناهم إياها. # روي عن النبي عليه السلام أنه قال: # " إذا رأيت الله يعطي العبد ما يحب وهو مقيم على معاصيه، فإنما ~~ذلك استدراج " # ثم نوع بهذه الآية { فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا ~~عليهم أبواب كل شيء } (إلى قوله { رب العالمين }. # ومعنى: { أبواب كل شيء } أي: كل شيء) كان قد أغلق عنهم من ~~الخير، جعل مكان الضراء الصحة والسلامة، ومكان البأساء الرخاء والسعة، ~~حتى إذا فرحوا بما فتح عليهم من النعيم والصحة اللذين كانا قد أغلق ~~عنهم، { أخذناهم بغتة } أي: أخذناهم بالعذاب فجأة وهم لا ~~يعلمون. # قال ابن جريج: أخذوا أعجب ما كانت الدنيا إليهم. # { فإذا هم مبلسون } قال السدي: معناه، هالكون قد انقطعت ~~حجتهم، نادمون على ما سلف منهم. # وقال بعض (أهل) اللغة: معنى { فرحوا بمآ أوتوا }: ظنوا أنهم ~~إنما أوتوا / ذلك استحقاقا، قال: والمبلس: الشديد الحسرة الحزين. # قال ابن زيد: الإبلاس أشد من الاستكانة. # وروي عن النبي عليه السلام (أنه) قال: # " إذا رأيت الله يعطي عبده في دنياه، فإنما هو استدراج " # ، يعطي: يوسع عليه دنياه وهو لا يقلع عن المعاصي، يدل على ذلك الحديث ~~الذي بعده، " ثم تلا هذه الآية { فلما نسوا ما ذكروا به } ~~الآية. # وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إذا رأيت الله يعطي العباد ما يشاءون على معاصيهم إياه، فإنما ذلك ~~استدراج منه لهم " # ، ثم تلا الآية. # وقيل: الإبلاس: انقطاع الحجة والسكون. # وقيل: هو الندم والحزن على الشيء يفوت. # وقيل: هو الخشوع. وقال القتبي: " (مبلسون): يائسون ". ### || [6.45] # قوله: { فقطع دابر القوم (الذين ظلموا) } الآية. # المعنى: فاستؤصل القوم الذين ظلموا، فلم يبق منهم أحد إلا هلك ~~بغتة. والدابر: الآخر. وإذا قطع دابرهم فقد قطعوا، ولأن الآخر لا ~~يوصل إليه إلا بعد أول. # { والحمد لله } أي: الثناء التام لله على نعمه على رسله وأهل ms0700 ~~طاعته بإظهار حجتهم على من خالفهم من أهل الكفر. ### || [6.46] # قوله: { قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم } الآية. # روى ابن (عامر) عن أصحابه عن ورش: (به انظر) بالضم للهاء، وكذلك روى ~~ابن سعدان عن (المسيبي)، وهي قراءة الأعرج، أتوا بالهاء على أصلها، وهو ~~الضم. وإنما كسرت - في قراءة الجماعة - لأجل كسرة الباء قبلها، لئلا يخرج ~~من كسر إلى ضم، وذلك ثقيل. # وقيل: إنما كسرت الهاء، لأنه ليس في الكلام " فعل " ، والضم هو ~~الأصل. # والمعنى: { قل } يا محمد لهؤلاء العادلين بالله الأوثان: { قل ~~أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم } ، فذهب ~~بها، { وختم على قلوبكم } ، أي: طبع عليها، فلا تسمعون ولا ~~تبصرون ولا تعقلون، من معبود غير الله يرد عليكم ما ذهب (عنكم)؟، وهذا ~~(تعليم من الله) لنبيه الحجة على المشركين. ثم قال لنبيه: انظر: كيف نصرف ~~(لهم) الآيات أي: كيف نتابع لهم الحجج، ونضرب لهم الأمثال، ثم هم - مع ~~ذلك - يصدفون، أي: يعرضون قاله مجاهد وجماعة معه. وقال ابن عباس: يعدلون. ~~وقال السدي: يصدون. # وقوله: { يأتيكم به }: الهاء تعود على السمع، وقيل: المعنى: ~~يأتيكم بما أخذ منكم من السمع والأبصار، فوحدت الهاء لأنها مكان " ما " ، ~~وقيل: الهاء كناية عن الهدى. # { يأتيكم به } تمام عند نافع وغيره. ### || [6.47] # قوله: { قل أرءيتكم إنأتكم عذاب الله بغتة } ~~الآية. # المعنى: قل يا محمد لهم: أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة، أي: فجأة على ~~غرة، أو أتاكم جهرة، أي: وأنتم تجاهرونه، أي: تعاينونه، { هل ~~يهلك إلا القوم الظلمون } أي: (لا) يهلك الله منا ~~ومنكم إلا من ظلم فعبد من (لا) يستحق العبادة، وترك عبادة من يستحق ~~العبادة. ### || [6.48] # قوله: { وما نرسل المرسلين إلا (مبشرين) } الآية. # المعنى: أن الله أعلمنا أنه إنما يرسل الرسل مبشرين أهل الطاعة بالجنة ~~والفوز، ومنذرين أهل الخلاف والكفر بالنار على فعلهم، لم يرسلهم ليقترح ~~عليهم الآيات بل تصحبهم منها ما يدل على صدقهم مما يريد الله، { فمن ~~ءامن } أي: صدق بالرسل، { وأصلح } أي: (عمل) صالحا في الدنيا، { ~~فلا خوف عليهم } في الآخرة ms0701 ولا حزن. ### || [6.49] # / قوله: { والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب } ~~الآية. # قرأ يحيى بن وثاب { يفسقون } بكسر السين، لغة معروفة. وقرأ الحسن ~~والاعمش { العذاب بما } بالإدغام. # وقال ابن زيد: " كل " فسق " في القرآن فمعناه: الكذب ". # والمعنى: والذين جحدوا ما جاءتهم به رسلهم يمسهم العذاب في الآخرة ~~بتكذيبهم الرسل. ### || [6.50] # قوله: { قل لا أقول لكم عندي خزآئن الله } الآية. # المعنى: قل يا محمد لهؤلاء العادلين بالله: لست أقول لكم عندي خزائن ~~الله أي: لست أقول: إني أنا الرب الذي بيده خزائن السماوات والأرض، ولست ~~أعلم الغيب الذي لا يعلمه إلا الرب، { ولا أقول لكم إني ~~ملك } ، لأنه لا ينبغي لملك أن يكون ظاهرا بصورته لأبصار البشر في ~~الدنيا فتجحدوا ما أقول لكم من ذلك، { إن أتبع }: (أي ما أتبع)، { ~~إلا ما يوحى إلي }. # و(كل هذا) تنبيه من الله لنبيه على مواضع الحجة على مشركي قريش. ثم قال: ~~قل (لهم) يا محمد: هل يستوي الأعمى عن الحق والبصير به. # و { الأعمى }: الكافر: لأنه عمي (عن) حجج الله. و { البصير }: ~~المؤمن، لأنه أبصر حجج الله وآياته، فاهتدى بها، { أفلا ~~تتفكرون } فيما أقول لكم. # وقيل: المعنى: لا أقول لكم عندي خزائن الله التي فيها العذاب، لقولهم: # ائتنا بعذاب الله # [العنكبوت: 29]. ### || [6.51] # قوله: { وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا } الآية. # هذه الآية أمر من الله للنبي أن ينذر بالقرآن الذين يخافون الحشر ~~والحساب والعقاب وقد صدقوا به وآمنوا. واختص هؤلاء، لأن الإنذار ينفعهم، ~~إذ هم قابلوه ومصدقوه. # والخوف: بمعنى العلم، أي: يعلمون ذلك ويتيقنونه، وقد أرسل النبي ~~عليه السلام لإنذار الخلق كافة. # وقوله: { ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع }: هذا رد ~~لقول اليهود والنصارى: # نحن أبناء الله وأحباؤه # [المائدة: 18]. ### || [6.52] # قوله: { ولا تطرد الذين يدعون ربهم (بالغداة ~~والعشي) } الآية. # قوله: { فتكون من الظالمين }: جواب النهي، و { ~~فتطردهم } جواب النفي. والتقدير: { ولا تطرد الذين ~~يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه } ، ~~فتكون من الظالمين، ما عليك من حسابهم من شيء فتطردهم: آخر الكلام ~~لأوله، وأوسطه لأوسطه. # وهذه ms0702 الآية نزلت في سبب جماعة صحبوا رسول الله - من ضعفاء المسلمين - ~~فقالت قريش للنبي - وعنده صهيب وعمار بن ياسر وبلال وخباب، ونحوهم من ~~الضعفاء -: يا محمد، رضيت بهؤلاء (من قومك، أهؤلاء) # من الله عليهم من بيننآ # [الأنعام: 53]، أنحن نكون تبعا لهؤلاء؟، اطردهم، فلعلك إن ~~طردتهم أن نتبعك، فنزلت هذه الآية: { ولا تطرد الذين ~~يدعون ربهم } الآية. # وروي عن خباب أنه قال: جاء ناس من المشركين والنبي صلى الله عليه وسلم ~~جالس مع بلال وصهيب وخباب وعمار في أناس من الضعفاء من المؤمنين، فلما ~~رأوهم حوله حقروهم، فأتوا فقالوا: إنا نحب أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف ~~لنا به العرب فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا العرب مع ~~هؤلاء الأعبد، فإذا جئناك فأقصهم، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن ~~شئت. قال نعم. فقالوا: فاكتب (لنا عليك) / بذلك كتابا. قال: فدعا النبي ~~صلى الله عليه وسلم بالصحيفة ودعا عليا ليكتب. قال: ونحن قعود في ناحية ~~إذ نزل جبريل بقوله: { ولا تطرد الذين يدعون ربهم } ~~الآية، ثم قال له: # وكذلك فتنا بعضهم ببعض # [الأنعام: 53] الآية، ثم قال (له): # وإذا جآءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلم ~~عليكم # [الأنعام: 54] الآية. فألقى النبي الصحيفة من يده، ثم دعانا فأتيناه وهو ~~يقول: # كتب ربكم على نفسه الرحمة # [الأنعام: 54]، فكنا نقعد معه، فإذا أراد أن يقوم تركنا، فأنزل الله # واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي يريدون وجهه # [الكهف: 28] (الآية)، فكان رسول الله يقعد معنا بعد ذلك، فإذا بلغ ~~الساعة التي يقوم فيها، (قمنا) وتركناه حتى يقوم. # وقال الفضيل في هذه الآية: جاء قوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقالوا: إنا قد أصبنا من الذنوب، فاستغفر لنا، فأعرض عنهم، فأنزل الله ~~عز وجل: # وإذا جآءك الذين يؤمنون بآياتنا # [الأنعام: 54] الآية. # وقيل: إنما أراد المشركون أن يطرد النبي صلى الله عليه وسلم الفقراء، ~~(فيحتجوا عليه إذ لم يتبعه الفقراء، ويقولوا: إن أتباع النبي الفقراء). ~~فعصمه الله مما أرادوا به. # وقال الكلبي: (أبو طالب) عم النبي ms0703 (هو الذي) قال للنبي: اطرد فلانا ~~وفلانا. وإن ناسا من أصحاب النبي قالوا: يا رسول الله، صدق عمك فاطرد ~~عنا سفلة الموالي. فعاتبهم الله في الآية الأولى، فجاءوا يعتذرون من ~~قولهم " أطردهم " ، فأنزل الله # وإذا جآءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلم ~~عليكم # [الأنعام: 54]. # ومعنى: { يدعون ربهم بالغداة والعشي } قال مجاهد: ~~(هي) " الصلاة المفروضة: الصبح والعصر ". وقال ابن عباس: هي الصلوات ~~المفروضة الخمس، وقاله الحسن. وكذلك قالوا كلهم في قوله: # واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي # [الكهف: 28]. # وقال قتادة والضحاك: هي صلاة الصبح والعصر. وعن ابن عمر قال: يشهدون ~~المكتوبة. # وقيل: معنى الدعاء - هنا -: ذكرهم الله غدوة وعشيا. وقيل: الدعاء ~~هنا: العبادة. وقيل: هو إقراء القرآن. # وقال الحسن: يعني الصلاة التي فرضت بمكة: ركعتان غدوة وركعتان عشية، ~~وهذا قبل أن تفرض الصلوات الخمس. وقال عمرو بن شعيب: هما صلاة الصبح ~~وصلاة العصر. وقد قيل: إنهم القصاص. وأنكر ذلك جماعة من الصحابة ~~والتابعين. # وروي أنهم سألوا النبي أن يؤخر هؤلاء عن الصف الأول. # والتمام هنا: { فتكون من الظالمين } ، لأنه جواب النهي، وقد ~~قيل: { فتطردهم } تمام، وليس بجيد. ### || [6.53] # قوله: { وكذلك فتنا بعضهم ببعض } الآية. # المعنى: وكذلك ابتلينا بعضهم ببعض)، أي: جعل بعضا فقيرا، وبعضا ~~غنيا وبعضا ضعيفا، وبعضا قويا، فأحوج بعضهم إلى بعض اختبارا منه ~~لهم. # قال ابن عباس: قال الأغنياء للفقراء: { أهؤلاء من الله ~~عليهم من بيننآ } فهداهم؟، استهزاءا منهم وسخريا. # ومعنى اللام: أنه لما آل عاقبة أمرهم إلى هذا القول، صاروا كأنهم إنما ~~احتبروا (ليقولوا)، بمنزلة # فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا # [القصص: 8]. # (و) قوله: { بأعلم بالشكرين } أي: الموحدين. ### || [6.54] # قوله: { وإذا جآءك الذين يؤمنون بآياتنا } الآية. # هذه الآية عني بها الذين تقدم / ذكرهم في النهي عن طردهم. وقيل: عنى بها ~~قوما أصابوا ذنوبا عظاما، فاستفتوا النبي فيها، فلم يؤيسهم الله ~~من رحمته. وقيل: عنى بها قوما من المسلمين كانوا قد أشاروا على النبي ~~بطرد الذين نهى الله عن طردهم، فكان ذلك منهم خطيئة، فاعتذروا من ذلك، ms0704 ~~فأخبروا في الآية أنه من تاب قبل منه، هذا على قول عكرمة وابن زيد. # ومعنى { سوءا بجهلة } أي: من عمل ذنبا وهو جاهل به. # ومعنى { كتب }: أوجب ذلك وقيل: " كتب في اللوح المحفوظ ". # والوقف فيها مفهوم، لا يحسن أن يبتدأ ب (أن) وهي مفتوحة، ولا بالفاء في ~~(فإنه)، كسرت (أن) أو فتحتها، وتبتدئ ب (إن) إذا كسرتها، وهي ~~الأولى فاعلم. ### || [6.55] # قوله: { وكذلك نفصل الآيات ولتستبين } الآية. # المعنى: و (كما) فصلنا لك يا محمد ما تقدم، نفصل (لك) الأعلام والحجج ~~الدالة علينا فيظهر لك طريق المجرمين، وتعلم باطل ما هم عليه. # واللام متعلقة بفعل محذوف دل عليه (نفصل). والمعنى: لتستبين سبيل ~~المجرمين (فصلناها، وهذا خطاب للنبي والمراد به أمته، والمعنى: ~~ولتستبينوا سبيل المجرمين)، فأما النبي صلى الله عليه وسلم فقد كان ~~عالما بطريقهم، وأنهم على باطل. هذا على قراءة من نصب " السبيل ". فأما ~~من رفع، ففي الكلام حذف، والمعنى: ولتستبين سبيل المجرمين (والمؤمنين) ~~فصلناها. # ومعنى: { نفصل الآيات } نأتي بها متفرقة شيئا بعد شيء لتفهم على ~~مهل. ### || [6.56] # قوله: { قل إني نهيت أن أعبد } الآية. # والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء العادلين: إني نهيت أن أعبد أصنامكم الذين ~~تقولون إنها تقربكم إلى الله زلفى، ولا أتبع أهواءكم التي عبدتم بها ما ~~لا يجوز أن يعبد، { قد ضللت إذا } أي: قد ضللت إن عبدتها، { ~~و(مآ أنا) من المهتدين } ، أي: من المتبعين الهدى إن ~~فعلت ذلك. ### || [6.57] # قوله: { قل إني على بينة من ربي } الآية. # المعنى: { قل }: لهم يا محمد: { إني على بينة من ربي ~~}: أي: حجة ظاهرة، وهي النبوة قد ظهرت لي. # وكذبتم أنتم به: أي: بربكم. وقيل: بالقرآن. وقيل: بالبيان وقيل: ~~بالعذاب. # { ما عندي ما تستعجلون به } يريد من النقم والعذاب الذي ~~تقترحون به، أي ليس ذلك بيدي، ما الحكم إلا لله في عذابكم وإمهالكم. # { يقص الحق } أي: يقضي القضاء الحق، { وهو خير ~~الفصلين } أي: الحاكمين. # وفي قراءة عبد الله: (وهو أسرع الفاصلين). # { وكذبتم به } وقف، { تستعجلون به } وقف. ### || [6.58] # قوله: { قل ms0705 لو أن عندي ما تستعجلون به } الآية. # المعنى: { قل } يا محمد لهؤلاء الذين يستعجلون العذاب: { أن عندي ~~ما تستعجلون به } من العذاب، لجئتكم به، فيقضى الأمر بيني ~~وبينكم، ولكن ذلك بيد الله، وهو أعلم بالظالمين، أي: متى يهلكهم. # وقيل: معنى { لقضي الأمر بيني وبينكم }: لذبح الموت، ~~قاله ابن جريج، يريد به معنى قوله: # وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر # [مريم: 39]. # يروى # " أن أهل الجنة والنار إذا استقر كل واحد في موضعه، أتي بالموت في ~~صورة / ما شاء الله فيذبح بمرأى من الجميع، ويقال: يا أهل الجنة ~~خلود لا موت، ويا أهل النار خلود لا موت " # هذا معنى الحديث لا لفظه. فهو الذي قال النبي لهم: { لقضي الأمر ~~} ، وهو التفسير في قوله # وأنذرهم يوم الحسرة # [مريم: 39]. # { وبينكم } وقف حسن. ### || [6.59] # قوله: { وعنده مفاتح الغيب } الآية. # واحد المفاتح: مفتح، بكسر الميم وفتحها، والمعنى: وعند الله خزائن ~~الغيب. # قال ابن عباس: مفاتح الغيب خمس في آخر " لقمان ": # إن الله عنده علم الساعة # [لقمان: 34] إلى # خبير # [لقمان: 34]. # وروي عن النبي عليه السلام أنه قال: # " مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله: ما تغيض الأرحام، وما في غد، ~~ومتى يأتي المطر، وما تدري نفس ماذا تكسب غدا، وما تدري نفس بأي أرض ~~تموت " # ورواه ابن عمر عن النبي عليه السلام. # { إلا هو }: تمام. # وقوله: { وما تسقط من ورقة إلا يعلمها }: أي: ما ~~تسقط من ورقة في الصحاري والبراري والأمصار والقرى إلا الله يعلمها، { ~~ولا حبة في ظلمت الأرض } أي: بطون الأودية، ولا رطبها ولا ~~يابسها، { إلا في كتب مبين } وهو اللوح المحفوظ، مرسوم فيه ~~عدده ووقته في اخضراره ويبسه وسقوطه. وكل ذلك عن علم الله غير خارج، ~~وإنما أثبتت في اللوح امتحانا لحفظة الخلق. فقد روي أنهم مأمورون ~~بكتابة أعمال العباد، ثم يعرضها على ما أثبته تعالى في اللوح المحفوظ. # قال عبد الله بن الحارث: ما في الأرض (من) شجرة ولا مغرز إبرة إلا ~~عليها (ملك) موكل يأتي الله بعلمها: يبسها إذا يبست، ورطوبتها إذا ms0706 ~~رطبت. # وقيل: المعنى في كتبها: أنه لتعظيم الأمر، فمعناه: اعلموا أن هذا ~~الذي ليس فيه ثواب ولا عقاب مكتوب، فكيف ما فيه ثواب وعقاب؟ ### || [6.60] # قوله: { وهو الذي يتوفكم } الآية. # المعنى: قال لهم يا محمد: إن الله أعلم بالظالمين، وإن الله عنده مفاتح ~~الغيب، وإن الله هو الذي يتوفاكم، (أي): يقبض أرواحكم من أجسادكم بالليل، ~~{ ويعلم ما جرحتم بالنهار }: أي: ما اكتسبتم من الأعمال ~~بالنهار. # وأصل الاجتراح: عمل الرجل بجارحة من جوارحه: يده أو رجليه، فكثر ذلك ~~حتى قيل لكل مكتسب (شيئا بأي أعضاء جسمه كان: " (مجترح) " ، ولكل ~~مكتسب) عملا: " جارح ". # ومعنى: التوفي: استيفاء العدد # وقوله: { ثم يبعثكم فيه } أي يوقظكم من منامكم في النهار. # الهاء في (فيه) تعود على " النهار " ، لأن الإنسان يتمادى به النوم حتى ~~يصير في النهار فينتبه، فلذلك بعثه. وقال ابن جبير: (يبعثكم فيه): ~~في المنام. # { ليقضى أجل مسمى }: أي: ليقضي الله الأجل (الذي سماه ~~لحياتكم، ثم يأتي الموت الذي مرجعكم منه إلى الله)، فينبئكم بما كنتم ~~تعملون في الدنيا. # و { أجل مسمى }: الموت. { ثم إليه مرجعكم } بعد ~~الموت. ### || [6.61] # قوله: { وهو القاهر فوق عباده } الآية. # المعنى: وهو الغالب خلقه، العالي عليهم بقدرته، قد قهرهم بالموت، ليس ~~كأصنامهم (المقهورة)، المذللة، المعلو عليها، { ويرسل عليكم ~~حفظة } هي الملائكة، يتعاقبون بالليل والنهار، يحفظون أعمال العباد ~~ويكتبونها، لا يفرطون في إحصاء ذلك، ويحفظونه مما لم يقدر عليه، فإذا ~~جاء أحدهم الموت، توفته الرسل التي تقبض الأرواح، وقابض الأرواح هو ملك ~~الموت، / إلا أن الله جعل له أعوانا، فهم يقبضون (الأنفس) بأمر ملك ~~الموت، فلذلك قال: { توفته رسلنا } ، ولم يقل: " رسولنا ". # قال ابن عباس: " لملك الموت أعوان (من الملائكة) ". # قال قتادة: تلي الملائكة قبض النفس وتدفعها إلى ملك الموت. # وقال الكلبي: ملك الموت يتولى، ثم يدفع النفس إلى ملائكة الرحمة إن كان ~~مؤمنا، وإلى ملائكة العذاب إن كان كافرا. # قال مجاهد: جعلت الأرض لملك الموت (مثل الطست)، يتناول من حيث شاء، ~~وجعلت له أعوان يتولون ذلك، ثم يقبضها هو منهم. ms0707 قال مجاهد: " ما من أهل ~~بيت شعر ولا مدر إلا وملك الموت يطوف بهم كل يوم مرتين ". # وروى (البراء) بن عازب أنه سمع النبي عليه السلام يقول: # " إذا كان العبد عند انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليه ~~(ملائكة من السماء)، بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس (حتى يقعدوا) منه ~~مدى البصر، ويجيء ملك الموت معهم حتى (يقعد) عند رأسه فيقول: أيتها ~~النفس الطيبة، أخرجي إلى مغفرة (من) الله ورضوان، فتخرج تسيل كما (تسيل ~~القطرة) في السقاء، فيأخذها ملك الموت في يده، فإذا وقعت في يده، لم ~~يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها منه، فيجعلونها في كفن من الجنة ~~وحنوط، ثم يصعدون بها إلى السماء حتى ينتهوا بها إلى السماء السابعة ". # " قال الحسن: (إذا احتضر) المؤمن (احتضره) خمس مائة ملك يقبضون روحه ~~فيعرجون به ". # والأجساد هي التي تموت، فأما الأرواح والأنفس فهي حية عند الله، ودل على ~~ذلك قوله: # فنزل من حميم # [الواقعة: 93]، فلو كانت النفس تموت لم يكن لها نزل، وقوله: # قال رب ارجعون * لعلي أعمل صالحا # [المؤمنون: 99-100] أي: تقول النفس: أرجعني إلى جسدي لعلي أعمل ~~صالحا، فلو كانت النفس تموت بموت (الجسد)، ما سألت الرجعة. # قال عبد الملك: ولا يقول " إن النفس والروح يموتان بموت الجسد " إلا رجل ~~جاهل بأمر الله، أو رجل منكر للبعث، وقد قال تعالى: # الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت ~~في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ~~ويرسل الأخرى # [الزمر: 42]، فلو كانت النفس تموت بموت الجسد ما أمسكها، وليس يمسك ~~إلا حي. ### || [6.62] # قوله: { ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق } الآية. # المعنى: ثم ردت الأنفس إلى الله مولاهم الحق. # وقرأ الحسن (الحق) بالنصب على " أعني ". # { ألا له الحكم } أي: القضاء، { وهو أسرع الحاسبين ~~} أي: أسرع من حسب عددكم وأعمالكم وآجالكم، وقيل: معناه: يعلم أعمالكم ~~بلا معاناة، ويحصيها بلا حساب ولا عدد، لا تشغله محاسبة أحد عن محاسبة ~~أحد، فذلك غاية السرعة في المحاسبة. # { الحق } تمام، و { الحك }: تمام. و { مولاهم ms0708 }: وقف على ~~قراءة الحسن. ### || [6.63-64] # قوله: { قل من ينجيكم من ظلمات البر } الآية. # { تضرعا }: مصدر. وقيل: هو حال على معنى: ذوي تضرع. # والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء العادلين: من ينجيكم من ظلمات البر والبحر، ~~أي: كروبهما، إذا ضللتم وتحيرتم فلم تهتدوا، وأخذتم في الدعاء (تقولون): ~~لئن أنجيتنا، أي: من هذه الظلمات التي / نحن فيها، يفعلون ذلك جهرة و ~~(خفية)، { لنكونن من الشاكرين } أي: من المؤمنين. # ثم قال: (قل) لهم يا محمد: { الله ينجيكم منها } الآية. # أي من الظلمات والهلاك، وينجيكم من كل كرب سوى ذلك فيكشف، { ثم ~~أنتم تشركون } في عبادة ربكم. ### || [6.65] # قوله: { قل هو القادر على أن يبعث } الآية. # " { شيعا }: نصب على الحال، أو المصدر ". والمعنى: قل لهم يا محمد: ~~الله القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم، أو من تحت أرجلكم، جزاء ~~لشرككم به بعد إذ (نجاكم مما) أنتم فيه. # والعذاب الذي (هو) من فوقهم: هو الرجم، والذي من تحت أرجلهم: الخسف، ~~قاله ابن جبير ومجاهد والسدي. # وقال الفراء { من فوقكم }: المطر والحجارة والطوفان، و { من ~~تحت أرجلكم }: الخسف. # وقال ابن عباس: العذاب الذي (هو) من فوق: أئمة السوء، والذي من أسفل: ~~خدمة السوء وسفلة الناس. # وقال الضحاك: { من فوقكم }: من كباركم، { أو من تحت ~~أرجلكم }: من سفلتكم. # (و) قوله: { أو يلبسكم شيعا } (أي) يخلطكم (فرقا، من " ~~لبست عليه الأمر ": أخلطته فمعناه: يخلطكم) أهواء مختلفة مفترقة. # وقال الفراء: { يلبسكم شيعا } أي: ذوي أهواء مختلفة. # وقرأ المدني { يلبسكم } بضم الياء، من " ألبس ". # وقوله: { ويذيق بعضكم بأس بعض } أصل هذا من " ذوق الطعام ~~" ، ثم استعمل في كل ما وصل إلى الرجل من حلاوة أو مرارة أو مكروه. # (قال (ابن عباس): يعني بالسيوف. و) قال ابن عباس: " يسلط (بعضكم) على ~~بعض بالقتل ". # وقد قيل: إنه عني بهذا المسلمون من أمة محمد. # قال النبي عليه السلام: # " إني سألت الله في صلاتي هذه ثلاثا - وأشار إلى صلاة صبح كان قد أبطأ ~~فيها - قال: سألته ألا يسلط على أمتي السنة، فأعطانيه، وسألته ms0709 ألا ~~يلبسهم شيعا، وألا يذيق بعضهم بأس بعض، فمنعنيهما ". # وروى جابر أن النبي عليه السلام قال: - # " لما نزل عليه { قل هو القادر على أن يبعث عليكم ~~عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم } -: أعوذ بوجهك. ~~فلما نزل { أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس ~~بعض } ، قال: هاتان أيسر وأهون ". # قال الحسن قوله: { أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم ~~أو من تحت أرجلكم }: هذا للمشركين { أو يلبسكم ~~شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض }: هذا للمسلمين. # ثم قال: انظر يا محمد { كيف نصرف الآيات لعلهم ~~يفقهون } ، أي: يفقهون ما يقال لهم. ### || [6.66-67] # قوله: { وكذب به قومك وهو الحق } الآية. # المعنى: وكذب يا محمد بما تقول وتخبر - من الوعد والوعيد - قومك، وهو ~~الحق. # فالهاء ترجع إلى القرآن. وقيل: إلى " التصريف " ، أي: وكذب بتصريف ~~الآيات قومك. وقيل: ترجع على محمد، أي: وكذب بمحمد قومه، وهو الحق. # ثم قال: { قل } (يا محمد لهم) { لست عليكم بوكيل } أي: ~~بحفيظ ولا رقيب، إنما أنا رسول. وقد روي عن ابن عباس أنه قال: نسخ هذا ~~آية السيف. ولا يحسن نسخ هذا عند أهل النظر والمعاني، لأنه خبر. # وقوله: { لكل نبإ مستقر } أي: لكل خبر قرار يستقر عنده، ~~ونهاية ينتهي إليها فيعلم حقه وصدقه من / كذبه، { وسوف تعلمون } ~~صحة ما أقول لكم، وهو ما أوعدهم به من العذاب، فظهر ذلك يوم بدر. # قال السدي: { وكذب به قومك وهو الحق } ، قال: كذبت ~~قريش بالقرآن، وهو الحق ". # قال السدي: وأما { لكل نبإ مستقر } فكان نبأ القرآن ~~استقر يوم بدر بما كان يعدهم من العذاب ". # وكان الحسن يتأول ذلك أنها الفتنة التي كانت بين أصحاب محمد بعده. # وقال النحاس: { لكل نبإ مستقر } هو تهديد إما بعذاب ~~الآخرة، وإما بالأمر بالخوف، والمعنى: لكل خبر توعدون به وقت يحدث فيه، ~~وأجل ينتهي إليه فيكون ذلك، والنبأ: الخبر. ### || [6.68] # قوله: { وإذا رأيت الذين يخوضون في ءاياتنا } ~~الآية. # المعنى: وإذا رأيت - يا محمد - المشركين الذين يخوضون في آيات الله، ~~وخوضهم فيها: استهزاؤهم بها وتكذيبهم لها، { فأعرض عنهم } أي: ms0710 ~~فصد عنهم بوجهك، وقم عنهم حتى يخوضوا في حديث غير الاستهزاء ~~بآيات الله. # (و) قوله: { وإما ينسينك الشيطن }: أي: إن أنساك ~~الشيطان نهي الله لك عن الجلوس معهم في حال استهزائهم، ثم ذكرت ذلك، فقم ~~عنهم ولا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين. # قال ابن جريج: كان المشركون يجلسون إلى النبي يستمعون منه، فإذا سمعوا ~~استهزأوا، فنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن مجالستهم إذا استهزأوا (إلا ~~أن ينسى)، فإن نسي ثم ذكر، أمر أن يقوم عند التذكر. ### || [6.69] # قوله: { وما على الذين يتقون من حسابهم } الآية. # المعنى: أنه ليس على من اتقى الله من حساب هؤلاء الخائضين شيء، أي: ليس ~~(عليه) من إثمهم شيء إذا اتقى ما هم فيه. وليس المعنى: ليس عليه شيء من ~~إثمهم إذا جالسهم في حال خوضهم، (إنما المعنى: ليس (عليه) شيء إذا لم ~~يجالسهم في حال خوضهم)، لأن الله قال: # فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره # [النساء: 140]: أي: حتى يخوضوا في غير الكفر والاستهزاء بآيات الله. # ومعنى: { ولكن ذكرى } أي: إذا ذكرت فقم، { لعلهم ~~يتقون } (أي) الخوض فيتركونه، هذا قول السدي. # وقيل: إن المعنى ليس على الذين يتقون من حسابهم (من) شيء إذا قعدوا ~~إليهم، ثم نسخ ذلك بقوله: # وقد نزل عليكم في الكتب # [النساء: 140] الآية، روي ذلك عن ابن عباس. ونسخ مثل هذا لا يحسن، ~~لأنه خبر. # قال الكلبي: قال أصحاب النبي: إنا كنا كلما استهزأ المشركون بكتاب الله، ~~قمنا وتركناهم لم ندخل المسجد ولم نطف بالبيت، فرخص الله للمسلمين الجلوس ~~معهم، وأمروا أن يذكروهم ما استطاعوا. # و { ذكرى } في موضع نصب، على معنى: فأعرضوا عنهم ذكرى، وتكون في ~~موضع رفع على معنى: لكن إعراضهم ذكرى لأمر الله. ### || [6.70] # قوله: { وذر الذين اتخذوا دينهم } الآية. # المعنى: أنه أمر من الله لنبيه أن يترك هؤلاء الذين هذه صفتهم، ثم نسخ ~~ذلك بآية السيف. # (و) قوله: { وذكر به } أي: ذكر بالقرآن (كراهة) { أن تبسل ~~نفس بما كسبت }: أي: تسلم (بعملها، غير قادرة على ms0711 التخلص. # (وقال الزجاج): " والمستبسل: المستسلم الذي يعلم أنه لا يقدر ~~على التخلص ". # وقال الفراء: ترتهن. وقيل: تحبس. وقيل: تفضح، (قاله) ابن عباس. وقيل: ~~تجزى، وهو قول الحسن، وبه قال الأخفش والكسائي. # وأصل الإبسال: التحريم، يقال " أبسلت المكان ": حرمته. # فالمعنى: ذكر بالقرآن من قبل / أن تسلم نفس بذنوبها، { ليس لها ~~من دون الله ولي ولا شفيع } يخلصها. # فالهاء في (به) للقرآن. وقيل: على التذكر. وقيل: على الدين، أي: ذكر ~~بدينك. # ثم قال: { وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منهآ } أي: تفد ~~كل فداء لا يقبل منها، قال قتادة والسدي: لو جاءت بملء الأرض ذهبا ما ~~قبل منها. # { أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا } أي: ارتهنوا ~~بذنوبهم وأسلموا لها، (لهم شراب من حميم) أي: في جهنم، { وعذاب ~~أليم } بما اكتسبوا من الأوزار في الدنيا. # قال ابن عباس: { أبسلوا }: فضحوا. وقال ابن زيد: أخذوا. ### || [6.71] # قوله: { قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا } ~~الآية. # قرأ ابن مسعود (استهواه الشيطان) وعن الحسن: (استهوته الشياطون ~~بالواو، وهو لحن. # ومعنى الآية: قل يا محمد لهؤلاء العادلين، واحتج عليهم، فقل: أندعو ~~من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا، أي: أندعو خشبا وحجرا لا يقدر على ~~نفع ولا ضر، { ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا ~~الله } أي: نرجع القهقري، إن فعلنا ذلك - والعرب تقول لكل من لم يظفر ~~بحاجته: " قد رد على عقبيه " فيكون مثلنا كمثل الذي استهوته الشياطين، ~~أي: زينت له هواه، ( { حيران } أي) في (حال) حيرته. # { له أصحاب }: أي: لهذا الحيران - الذي على غير محجة - أصحاب ~~يدعونه إلى الهدى: ائتنا. وهذا مثل ضربه الله لمن كفر بعد إيمانه فاتبع ~~الشياطين من أهل الشرك بالله، وأصحابه - الذين كانوا معه على الهدى - ~~يدعونه إلى الهدى الذي هم عليه، وهو يأبى ذلك. # وقيل: (هو) في أبي بكر (الصديق) رضي الله عنه وزوجته كانا يدعوان ابنهما ~~عبد الرحمن إلى الإسلام. # ومعنى { ائتيا }: أطعنا، والمعنى: أن ائتنا. # قال السدي: قال المشركون للمسلمين: اتبعوا ديننا واتركوا دين محمد، فقال ~~الله: { قل ms0712 أندعوا من دون الله } الآية، فمثلكم - إن كفرتم ~~بعد الايمان - كمثل رجل كان مع قوم على طريق، فضل الطريق، فحيرته ~~الشياطين واستهوته في الأرض، وأصحابه على الطريق يدعونه إليهم، يقولون: " ~~ائتنا، فإنا على الطريق " ، فأبى أن يأتيهم، والطريق هو الإسلام. # وروي عن ابن عباس أن المعنى: أنه مثل لرجل أطاع الشياطين، وحاد عن ~~الحق وله أصحاب على غير هدى يدعونه ويزعمون أن ذلك هو الهدى، فأكذبهم ~~الله وقال: { قل } يا محمد: { إن هدى الله هو الهدى } ، ~~وقل: أمرنا كي نسلم لرب العالمين، أي: نخضع له ونطيعه. # { حيران }: تمام عند جميعهم. وقال نصير: { في الأرض } التمام، ~~ورد ذلك عليه، لأن (حيران) منصوب على الحال. ### || [6.72] # قوله: { وأن أقيموا الصلاة واتقوه } الآية. # { أن } في موضع خفض، عطف على # الهدى # [الأنعام: 71]. أو عطف على (أن) الناصبة للفعل في (نسلم). ويجوز أن ~~تكون في موضع نصب، على حذف الخافض، (و) المعنى: وبأن أقيموا. ويجوز أن ~~تكون في موضع خفض على إضمار ذلك الخافض، والمعنى: وأمرنا بأن أقيموا ~~الصلاة. # { واتقوه } أي: واتقوا رب العالمين الذي إليه تحشرون في الآخرة. # { واتقوه } تمام. ### || [6.73] # / قوله: { وهو الذي خلق السموت والأرض بالحق } ~~الآية. # المعنى: والله - الذي أمرتم أن تسلموا له - هو الذي خلق السماوات والأرض ~~بالحق، وهو رب العالمين. # ومعنى { بالحق }: أي: حقا وصوابا، لا باطلا. وقيل: المعنى: خلق ~~السماوات والأرض بكلامه وقوله لهما: # ائتيا طوعا أو كرها # [فصلت: 11]، فالحق هنا: كلامه ودليله. # (قوله): { قوله الحق } الآية. # (ف (الحق)): كلامه، خلق به (الأشياء المخلوقة)، وما خلق به الأشياء فهو ~~غير مخلوق. # وقيل: المعنى: خلقهن (للحق)، يعني المعاد. # و { قوله } مرفوع (ب (يكون))، و (الحق): نعته. وقيل: المعنى: فيكون ~~ما أراد. و { قوله الحق }: ابتداء وخبر. # وقال الفراء: المعنى: ويوم يقول للصور: كن، فيكون، و (قوله): ابتداء و ~~(الحق) خبره. # و { الصور } عند أبي عبيد: جمع صورة. وقيل: هو القرن الذي ينفخ فيه. # وقوله: { يوم ينفخ } بدل من { يوم يقول }. وقيل: العامل ~~فيه: { الحق }. وقيل: العامل فيه { وله الملك ms0713 } ، لأنه يوم لا ~~منازع له في الملك، فلذلك خصه بالذكر، وأن كان هو المالك في كل الأحيان، ~~وهو مثل: # ملك يوم الدين # [الفاتحة: 4]. # { علم الغيب }: رفع على النعت ل { الذي } في قوله: { وهو ~~الذي خلق }. وقيل: { وهو } رفع على إضمار مبتدأ. وقيل: هو رفع ~~بالمعنى، والتقدير: ينفخ فيه عالم { الغيب }. # والنفخ في الصور نفختان: واحدة لفناء من كان حيا على الأرض، والثانية ~~لنشر كل ميت، وبذلك أتى القرآن. # وقد تظاهرت الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " أن إسرافيل قد التقم الصور (وحنى) جبهته ينتظر متى يؤمر فينفخ، ~~وأنه قال: الصور قرن ينفخ فيه ". # قال قتادة: ينفخ فيه من الصخرة من بيت المقدس. # والصور قرن فيه أرواح الخلق فينفخ فيه، فيذهب كل روح إلى جسده فيدخل ~~فيه. # وروي عن ابن عباس: " أن عالم الغيب والشهادة هو الذي ينفخ في الصور " ~~وتكون الآية بمنزلة قول الشاعر: # ليبك يزيد ضارع لخصومه # ومعنى { علم الغيب } أي: يعلم ما يغيب عنكم، { والشهدة } ~~أي: يعلم أيضا ما تشاهدون، { وهو الحكيم } في تدبيره، { ~~الخبير } بأعمالكم. # وقوله: { بالحق }: وقف إن نصبت { و } يوم على معنى: واذكر، و { ~~كن }: تمام، (و) { فيكون } تمام إن رفعت { قوله } بالابتداء، ~~وجعلت { فيكون } للصور، أو على معنى: فيكون ما أراد، و { قوله ~~الحق }: تمام حسن إن جعلت { يوم ينفخ } نصب بقوله: { وله ~~الملك }. (ويقف على { وله الملك } ) إن نصبت { يوم ينفخ ~~} ، بمعنى: واذكر. و { في الصور } وقف إن جعلت { علم الغيب ~~} على معنى { هو } فإن جعلته نعتا ل { الذي } - أو على إضمار فعل ~~يدل عليه { ينفخ } -، لم تقف على { الصور }. # وقد قرأ الحسن { علم } بالخفض على البدل من الهاء في قوله { وله ~~}. ### || [6.74] # قوله: { وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر } الآية. # ألف { أتتخذ } ألف تقرير وتوبيخ، لأنه كان قد علم أنه يتخذها. # والمعنى: واذكر يا محمد - في محاجتك قومك في أصنامهم - حجاج إبراهيم ~~قومه في باطل ما كانوا عليه من عبادة الأصنام، إذ قال لابيه آزر. # وآزر: اسم أبي إبراهيم في قول السدي ms0714 والحسن وغيرهما، وكان رجلا من أهل ~~كوثي من قرية بسواد الكوفة، وهو آزر (و " تارح " )، كما يقال: " إسرائيل ~~" و " يعقوب ". # وقال مجاهد: آزر ليس بأبي إبراهيم، إنما هو / اسم صنم. # وقيل: آزر صفة، وهو " المعوج " في كلامهم، كأن إبراهيم عابه بزيغه ~~واعوجاجه، كأنه قال لأبيه ذلك، وهي أشد كلمة قالها إبراهيم لأبيه، ذكر ~~ذلك الفراء وغيره. والضم على النداء يحسن على هذا المعنى. # وحكي الزجاج (أن آزر) صفة، معناه: المخطئ، فيحسن أن يكون صفة للأب، ~~كأنه: " قال لأبيه المخطئ ". # ويحسن أن يكون نداء فيضم على معنى: (يا مخطئ في دينه. وبذلك قرأ يعقوب ~~الحضرمي، والحسن قبله. " وقال الضحاك: معنى آزر: شيخ ". # وذكر أبو حاتم عن ابن عباس: (أ إزرا تتخذ) بهمزتين: مفتوحة ومكسورة، من ~~غير ألف في (تتخذ)، نصبه (ب (تتخذ)، جعله مفعولا من أجله، يكون مأخوذا ~~من الأزر الذي هو الظهر. # ويجوز أن يكون أصله: " أوزرا " ، ثم أبدل من الواو المكسورة همزة " ~~كإشاح ". # وروى غير أبي حاتم بهمزتين مفتوحتين. وقرأ الحسن (آزر) بالرفع على ~~النداء، وهي قراءة يعقوب. وقد قيل: إن رفعه على إضمار مبتدأ. وفي قراءة ~~أبي (يا آزر). # (و) من جعله اسما للصنم: فهو بعيد، لأن ما قبل الاستفهام لا يعمل (فيه ~~ما) بعده، وفتحه على النعت للأب، أو على البدل، وموضعه خفض. # { إني أراك وقومك في ضلال مبين } بعبادتكم الأصنام، ~~أي: يتبين لمن أبصره (الله) أنه جسور وحيرة عن سبيل الحق. # قوله { لأبيه } وقف على قراءة من رفع (آزر)، أو قرأه بهمزتين. وتقف ~~على (آزر) في قراءة من جعله بدلا أو صفة. ### || [6.75] # قوله: { وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموت ~~والأرض } الآية. # الواو والتاء زيدتا في ملكوت للمبالغة في " الملك " وقرأ أبو ~~السمأل: (ملكوت) بإسكان اللام، وهو بعيد عند سيبوبه لخفة الفتحة. # والمعنى: ومثل ما أريناك يا محمد البصيرة في دينك، والحجة على قومك، ~~أرينا إبراهيم ملك السماوات والأرض، { وليكون من الموقنين } ~~أي: وليكون من الموقنين أريناه ذلك. # وقيل: ملكوت - هنا - بمعنى ملك. وقيل: بمعنى خلق. وهو ms0715 بكلام النبط " ~~ملكوتا ". وقيل: ملكوت: معناه آيات. # (وقال السدي): أقيم إبراهيم على صخرة وفتحت له السماوات، فنظر فيهن إلى ~~ملك الله، ونظر إلى مكانه في الجنة، وفتحت له الأرضون حتى نظر إلى أسفل ~~الأرض، قال: فذلك قوله: # وآتيناه أجره في الدنيا # [العنكبوت: 27]، أي: أريناه مكانه في الجنة، وقيل: أجره في ~~الدنيا: الثناء الحسن بعده. # قال عطاء: لما رفع الله إبراهيم في ملكوت (السماوات) والأرض - تعالى ~~الله وجل وعز -، رأى إبراهيم عبدا يزني، فدعا عليه فهلك، ثم رفع ~~فأشرف، فرأى آخر، فدعا عليه فهلك. ثم رأى (آخر) فدعا عليه فنودي: على ~~رسلك يا إبراهيم، فإنك عبد مستجاب له، وإني من عبدي على (أحد) ثلاث: ~~إما أن يتوب إلي فأتوب عليه، وإما أن أخرج منه ذرية طيبة، وإما أن ~~يتمادى فيما هو فيه، فأنا من ورائه. # وقال الضحاك: (معنى ما) أراه الله من ملك السماوات والأرض: ما أراه من ~~النجوم والشمس والقمر والشجر والجبال والبحار. # قال ابن عباس: فر بإبراهيم من جبار من الجبابرة، فجعل في سرب، وجعل ~~رزقه في أطراف أصابعه، فكان لا يمص أصبعا من أصابعه إلا جعل الله عز وجل ~~فيها رزقا. فلما خرج من ذلك السرب، أراه الله شمسا وقمرا ونجوما ~~وسحابا وخلقا عظيما: فذلك ملكوت السماوات، وأراه الله بحورا وجبالا ~~/ وشجرا وأنهارا وخلقا عظيما: فذلك ملكوت الأرض. ### || [6.76-78] # قوله: { فلما جن عليه الليل رأى كوكبا } الآية. # المعنى: فلما ستر إبراهيم الليل بظلمته، - (يقال: جن عليه الليل (و) ~~(جنه)، وأجن عليه، وأجنه). # { رأى كوكبا }: أي: أبصر. والكوكب: الزهرة. وقال السدي: وهو ~~المشتري. قال ابن عباس: عبد الكوكب حتى غاب، فلما غاب، { قال لا ~~أحب الآفلين } ، وكذلك فعل بالقمر والشمس، فلما غابا { يقوم ~~إني بريء مما تشركون }. # وكان بين نوح وإبراهيم: هود وصالح، وكان النمرود في زمن إبراهيم، وكان ~~من خبر إبراهيم مع النمرود: (أن النمرود) - قبل مولد إبراهيم - أتاه أهل ~~النجوم يخبرونه أنه يجدون في علمهم: أن غلاما يولد في قريتك هذه، يقال ~~له " إبراهيم " ، يفارق دينكم ويكسر ms0716 أوثانكم، في وقت كذا يولد. فلما كان ~~ذلك الوقت، حبس نمرود كل امرأة حبلى عنده إلا أم إبراهيم، فإنه لم يعلم ~~بحبلها لما أراد الله من أمره، فجعل نمرود لا تلد امرأة (غلاما في ذلك ~~الوقت) إلا ذبحه، فلما وجدت أم إبراهيم الطلق، خرجت ليلا إلى مغارة، ~~فولدت فيها إبراهيم، وأصلحت من شأنه ما يصنع بالمولود، ثم سدت عليه ~~المغارة ورجعت إلى بيتها وكانت تطالعه في المغارة لتنظر ما فعل، فنجده ~~حيا يمص أصابعه جعل الله له رزقا فيها. وكان اليوم على إبراهيم في ~~الشباب كالشهر، والشهر كالسنة، وكانت أمه قالت: (لآزر أبيه): قد ولدت ~~غلاما فمات. فصدقها فلما بلغ إبراهيم في المغارة خمس عشرة، قال لأمه: ~~أخرجيني أنظر. فأخرجته عشاء، فنظر وتفكر في خلق السماوات والأرض، وقال: " ~~إن الذي خلقني ورزقني وأطعمني وسقاني لربي، ما لي إله " غيره ". ثم ~~نظر إلى السماء فرأى كوكبا، { قال هذا ربي } ، ثم اتبعه ينظر ~~إليه (ببصره) حتى غاب، (فلما غاب)، { قال لا أحب الآفلين } أي: ~~الغائبين، ثم فعل ذلك بالقمر، ثم بالشمس. ثم أتى إبراهيم أباه آزره ~~وأخبرته (أمه به) فسر (به)، وكان آزر يصنع أصنام قومه التي يعبدون، ~~ثم يعطيها إبراهيم يبيعها، فيذهب بها إبراهيم قبل مبايعته لهم فيقول: " ~~من يشتري ما يضره ولا ينفعه؟ " فلا يشتريها منه أحد. فإذا بارت عليه مضى ~~بها إبراهيم إلى نهر، فصوب (فيه) رؤوسها وقال: (اشربي)، استهزاء بقومه، ~~حتى فشا عيبه إياها واستهزاؤه (بها) في قومه من غير أن يبلغ ذلك نمرود. # وقد أنكر قوم من العلماء أن يكون إبراهيم عليه السلام عبد شيئا من ذلك ~~حقيقة، إنما فعل ذلك على وجه التعريض والإنكار لقومه وفعلهم، (لا أنه) ~~(جهل) معبوده حتى عبد الكوكب والقمر والشمس، وكأنه أراهم أن الكوكب ~~والقمر والشمس أضوأ من الأصنام وأحسن، وهي لا تعبد، لأنها آفلة، فترك ~~عبادة الاصنام التي لا ضوء لها ولا حسن ولا بهجة آكد، فكأنه عارض باطلا ~~بباطل على طريق التبكيت لهم، و (القطع) لحجتهم. # قال إبراهيم بن ms0717 عرفة: كان قوم إبراهيم يعبدون الأصنام والحجارة، وكانوا ~~يجادلونه، فأراهم من خلق الله / تعالى ما هو أعظم مما يعبدون، فقال: " ~~هذا ربي " ، لو كان ربا يعبد من دون الله، لأن هذا أعظم وأعلى مما ~~تعبدون. فلما أفل، قال: لا أحب الآفلين، فأراهم أن الكوكب يغيب إذا غلب ~~عليه ضوء النهار، والمعبود لا يكون مغلوبا. # وقيل: بل كان ذلك منه في حال طفولته، وقبل قيام الحجة عليه ولزوم الفرض ~~له، وتلك حال لا يلزم فيها كفر ولا إيمان. # وقيل: معنى الكلام الإستفهام الذي في معنى الإنكار، والمعنى: أهذا ربي؟، ~~قاله قطرب وغيره، وهو قول ضعيف، لأن الألف إنما تحذف إذا كان في الكلام ~~ما يدل عليها نحو " أم " ونحوها. # وقال أبو إسحاق: لم يقل ذلك (على اعتقاد) منه بدلالة قوله: # واجنبني وبني أن نعبد الأصنام # [إبراهيم: 35]، وبقوله: # إذ جآء ربه بقلب سليم # [الصافات: 84]، أي: سليم من الشرك. وأنما المعنى: هذا ربي على قولكم: ~~(لأنهم كانوا يعبدون الأصنام والشمس والقمر، ومثله قوله: # أين شركآئي # [النحل: 27، القصص: 62، 74، فصلت: 47] المعنى: أين شركائي على قولكم). ~~ويجوز أن يكون المعنى: (قال): هذا ربي) أي: قال: تقولون: " هذا ربي " ، ~~ثم حذف القول، كما قال: # سلام عليكم بما صبرتم # [الرعد: 24] أي: يقولون: سلام (عليكم). # ومعنى { بازغا }: طالعا، وهو نصب على الحال. وكذلك { بازغة }. ~~وذكر { الشمس } في قوله: { هذا ربي } ، على معنى: " هذا ~~البازغ ربي " ، أو " هذا الشيء ربي " ، أو " هذه النور ربي " ، أو " هذا ~~الطالع ربي ". ### || [6.79] # قوله: { إني وجهت وجهي (للذي) } الآية. # هذا خبر عما قال إبراهيم بعد أن أوقفهم على نقص الكوكب والشمس والقمر في ~~الأفول، فقال الحق ولم يبال بخلافهم، { إني وجهت وجهي } أي: ~~قصدت في عبادتي: { للذي فطر } (أي خلق) السماوات والأرض { ~~حنيفا } أي: مائلا إلى ربي، وما أنا مشرك مثلكم. ### || [6.80] # قوله: { وحآجه قومه (قال أتحجوني في الله) } ~~الآية. # المعنى: وجادل إبراهيم قومه في الله، فقال لهم إبراهيم عليه السلام: ~~أتحاجوني في توحيد الله وقد هداني للإيمان به، وإخلاص العمل له، ولست ~~أخاف ms0718 ما تشركون به أن ينالني بسوء ومكروه. # والهاء للضم، (وهو (ما)). وقيل: الهاء لله جل ذكره، يعني أصنامهم، وذلك ~~أنهم قالوا له: إنا نخاف أن تمسك آلهتنا بسوء: من مرض أو خبل ~~لسبك لها. ثم قال لهم: { إلا أن يشآء ربي شيئا } أي: إن ~~أراد أن يصيبني بسوء " أو خير " ، فهو لاحقي لا شك. # ووجه حذف النون من { أتحجوني } أنه استثقل التشديد فحذفت النون ~~الزائدة [لا] التي للإعراب، قال سيبويه: حذفت لكراهة التضعيف. # وقال (أبو) عبيدة: حذفت كراهة الجمع بين ساكنين. # وقد أنكر أبو عمرو الحذف وقال: هو لحن، لأنه تأول أن المحذوف النون التي ~~للإعراب. والمحذوف عند سيبويه والخليل النون الزائدة. # قوله: { وسع [ربي] كل شيء علما } أي: [وسع] علم ربي كل ~~شيء، فلا يخفى عليه شيء، وليس كآلهتكم التي لا تنفع ولا تضر، { أفلا ~~تتذكرون } أي: تعقلون أنها لا تنفع ولا تضر. ### || [6.81] # قوله: { وكيف أخاف مآ أشركتم } الآية. # هذا جواب إبراهيم لقومه حين خوفوه بآلهتهم، فقال: { وكيف [أخاف ~~مآ أشركتم] } أي: كيف أرهب أصنامكم التي لا تضر ولا تنفع، وأنتم ~~لا تخافون إذا أشركتم بمن خلقكم ورزقكم، وهو قادر على ضركم ونفعكم، ~~أشركتم به ما ليس معكم في عبادته حجة ولا برهان /، { فأي ~~الفريقين أحق بالأمن } من العذاب؟: # من آمن برب واحد يضر وينفع، أو من آمن بأرباب كثيرة لا تضر ولا ~~تنفع، { إن كنتم تعلمون } صدق ما أقول لكم. ### || [6.82] # قوله: { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ~~} الآية. # يجوز أن يكون من قول إبراهيم، ويجوز أن يكون مستأنفا من قول الله، فصل ~~" الله " بين إبراهيم وقومه، فأخبر لمن الأمن. # والحجة التي أوتي إبراهيم هو قوله: # فأي الفريقين أحق بالأمن # [الأنعام: 81]. ومعنى: { ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } ~~أي: لم يخلطوه بشرك، ولما نزلت هذه الآية، اشتد ذلك على أصحاب النبي، ~~فقال لهم النبي: ليس الأمر كما تظنون، لهو كما قال لقمان: # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13]. ### || [6.83] # قوله: { وتلك حجتنآ ءاتينهآ إبرهيم (على ~~قومه) } الآية. # { تلك }: إشارة قول ms0719 إبراهيم لقومه: # فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون # [الأنعام: 81]. # وقيل: إنهم قالوا " له ": إنا نخاف أن تخبلك آلهتنا لسبك لها، فقال ~~لهم: أفلا تخافون أنتم منها - إذ سويتم بين الصغير والكبير منها، ~~والذكر والانثى - أن تخبلكم، ثم قال لهم: أمن يعبد إلها واحدا يضر ~~وينفع أحق بالأمن، " أم " من يعبد آلهة كثيرة لا تضر ولا تنفع؟، فهذه ~~حجته التي آتاه الله على قومه ولقنه إياها. # وفي الكلام حذف والمعنى: وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه، فرفعنا ~~درجته عليهم: { نرفع درجت من نشآء } ، وهذا كله تنبيه ~~لمحمد في الحجة على أمته، وتنبيه له على التأسي بمن قبله من الأنبياء. { ~~على قومه }: وقف حسن. ### || [6.84-86] # قوله: { ووهبنا له إسحاق ويعقوب } الآية. # قوله: { داوود وسليمان } عطف على " كل " ، أي: وهدينا داوود. ~~وقيل: هو عطف { إسحاق } أي: وهبنا له داوود. وقيل: هو عطف على { ~~ونوحا }. والهاء في { [ذريته] }: تعود على (إبراهيم). # وقيل: على " نوح " ، وهو قول الطبري، قال: لأن في سياق الكلام المعطوف { ~~لوطا } ، ولوط لم يكن من ذرية إبراهيم، إنما هو من ذرية نوح، فالمعنى: ~~وهدينا نوحا من قبل إبراهيم، وهدينا من ذرية نوح داود ومن بعده. # { كلا هدينا }: وقف حسن، { وإلياس }: أيضا وقف عند أبي ~~حاتم، ولا يحسن عند غيره، لأن بعده { وإسماعيل } معطوف عليه. # واختلف " الناس " في { إلياس }: فقيل: " هو " من ذرية هارون أخي ~~موسى، بينهما ثلاثة آباء. وقال ابن مسعود: إلياس هو إدريس. # وإدريس جد نوح، بينهما أربعة آباء. فمحال أن ينسب إلى نوح وهو جده ~~الأعلى، والذي عليه " أهل " الأنساب: أن إلياس غير إدريس. # و { اليسع }: اسم أعجمي، جرى على غير قياس. وقد قال أبو عمرو: إنما ~~هو " يسع " ثم أدخلت الألف واللام عليه، وليس بفعل، ولو كان فعلا لم ~~يجز إدخال الألف واللام عليه، (ألا ترى) أنهم أدخلوها على " يزيد " إذ هو ~~اسم، فقالوا: " اليزيد " ، كما قالوا: " الوليد " ، وأنشد الفراء: # وجدنا الوليد بن اليزيد. (مباركا، # ورد الكسائي هذه القراءة، وقال: لا تجوز، كما لا يجوز " اليحيى " )، ~~وهذا ms0720 لا يلزم، لأنا لو نكرنا " يحيى " لأدخلنا عليه الالف واللام، ~~والعرب تقول: / " اليعملة ". # ومن قرأ (الليسع) فأصله " ليسع " ، مثل: ضيغم وزينب، ثم دخلت الألف ~~واللام للتعريف. وأنكر " أبو " حاتم هذه القراءة، وقال: (لا يوجد) " ليسع ~~". وهذا لا يلزم، لأنه مثل: " ضيغم " و " زينب ". # واختار الطبري أن يكون بلام واحدة، لأنه أعجمي، وقد تواترت الأخبار بهذا ~~الاسم بهذا اللفظ، وقال: ولم يحفظ عن أحد من أهل العلم أن اسمه " ليسع ~~" ، (إنما قالوا: اسمه " اليسع " ). # قال زيد بن أسلم: كان يوشع بن نون خليفة موسى في قومه، وكان ممن لا ~~تأخذه في الله لومة لائم، فشكر الله له ذلك، و [نبأه]. بعد موسى في بني ~~إسرائيل، وسماه " اليسع " بلسان العرب. # قال ابن عباس: الأنبياء كلهم من بني إسرائيل - وهو يعقوب - إلا عشرة: ~~نوح وهود ولوط وصالح وشعيب وإبراهيم وإسماعيل " وإسحاق " وعيسى ومحمد. ### || [6.87] # قوله: { ومن آبائهم وذرياتهم } الآية. # المعنى: وهدينا من آباء هؤلاء المذكورين، ومن ذرياتهم، ومن إخوانهم)، ~~أي: بعض ذلك، { واجتبيناهم } أي: أخلصناهم، { ~~وهديناهم إلى صراط مستقيم } أي: سددناهم وأرشدناهم ~~الى طريق الحق، وهو الإسلام. وهو مشتق من " جبيت الماء في الحوض: ~~إذا جمعته ". ### || [6.88] # قوله: { ذلك هدى الله } الآية. # أي ذلك الهدى الذي هدي به هؤلاء { ذلك هدى الله يهدي به ~~من يشآء من عباده }: أي: يوفق به من يشاء، { ولو ~~أشركوا } أي: " لو " أشرك هؤلاء الأنبياء لذهب عنهم جزاء أعمالهم، ~~لأن الله لا يقبل مع الشرك عملا. ### || [6.89] # قوله: { أولئك الذين آتيناهم الكتاب } الآية. # المعنى: أولئك الذين سميناهم من الأنبياء هم الذين أعطوا الكتاب، يعني ~~صحف إبراهيم وموسى، وزبور داوود، وإنجيل عيسى، { والحكم } يعني: ~~الفهم بالكتاب. # قال مجاهد: { الحكم }: اللب. # وقوله: { فإن يكفر بها هؤلاء } أي: بالآيات التي أنزلت ~~عليك يا محمد، يريد القرآن، (هؤلاء) " أي " من بحضرتك من المشركين. ~~وقيل: الاشارة الى قريش، { فقد وكلنا بها قوما ليسوا ~~بها بكافرين } يعني الأنصار: # قال قتادة: { هؤلاء }: إشارة إلى أهل مكة، والقوم الذين ليسوا ~~بالآيات بكافرين: أهل المدينة، وكذلك قال ms0721 الضحاك والسدي، وروي عن ابن ~~عباس ذلك. # وقال: (أبو رجاء): { قوما ليسوا بها بكافرين }: ~~الملائكة. # وعن قتادة قال: هم الأنبياء المذكورون، فهم ثمانية عشر. وأكثرهم قال: ~~الإشارة في هؤلاء لكفار قريش. ### || [6.90] # قوله تعالى: { أولئك الذين هدى الله } الآية. # المعنى: أن { أولئك } إشارة الى من تقدم ذكره من النبيين، فأمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن يقتدي بهداهم، ويسلك طريقهم، والاقتداء: ~~الاتباع. والمراد: اتباعهم على ما كانوا عليه من الإسلام والتوحيد، لا ~~ما كانوا عليه من الشرائع، لأن شرائعهم كانت مختلفة، وغير جائز أن يؤمر ~~النبي باتباع " شرائع " مختلفة، ولا يمكن ذلك، لأن ما حرم " عليهم " في ~~شريعة نبي، أحل في شريعة نبي آخر، فكيف يقدر النبي صلى الله عليه ~~وسلم على اتباع ذلك؟، والعمل بالشيء وضده - في حال هذا - لا يمكن ودليل ~~ذلك قوله تعالى: # لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا # [المائدة: 48] فهذا هو الصحيح، ليست الآية في الاقتداء بشرائعهم ~~لاختلافها، إنما الآية في الاقتداء بهم فيما لم يختلفوا فيه، وهو التوحيد ~~ودين الإسلام. وأما الشرائع فقد اختلفوا فيها بأمر الله " لهم " بذلك ~~وفرضه على كل واحد ما شاء. # وأكثر النحويين " على " تلحين " من كسر الهاء من { اقتده } وهي ~~قراءة ابن عامر، إلا ما قال أحمد بن محمد بن عرفة: إنه يجوز أن تكسر على ~~التشبيه بهاء الإضمار، كما جاز إسكان هاء الإضمار على التشبيه بهاء ~~السكت. # وقال بعض النحويين: من كسر الهاء، يجوز أن تكون الهاء لغير السكت، وأن ~~تكون للمصدر، كأنه: " فبهداهم (اقتد الاقتداء) " ، " قال ": ويجوز أن ~~تكون كناية عن الهدى، والمعنى: فبهداهم اقتد " هداهم " ، على التكرير ~~للتأكيد. # والوقف على هذه الهاء أسلم، وهو الاختيار عند أكثر النحويين، لأنه تمام، ~~ولأنه إنما جيء بها للوقف. # ثم قال تعالى: { قل لا أسألكم عليه أجرا } أي قل يا ~~محمد لهؤلاء المشركين: لا أسألكم على تذكيري إياكم أجرا " ولا " عوضا، ~~إن القرآن الذي جئتكم به { إلا ذكرى للعالمين }. ### || [6.91] # قوله: { وما قدروا الله حق قدره } الآية. # المعنى: وما عظموا الله حق ms0722 عظمته { إذ قالوا مآ أنزل الله ~~على بشر من شيء }. # وقيل: المعنى: وما عرفوه حق معرفته. # والذي قال ذلك هو # " رجل من اليهود، جاء يخاصم النبي، فقال له النبي: أنشدك بالذي أنزل ~~التوراة على موسى، أما تجد في التوراة أن الله يبغض الحبر السمين؟، وكان ~~الرجل حبرا سمينا، فغضب اليهودي وقال: والله ما أنزل الله على بشر من ~~شيء!، فقال له: أصحابه: ويحك، ولا على موسى؟. فقال: والله ما أنزل الله ~~على بشر من شيء!، فأنزل الله: { وما قدروا الله حق قدره ~~} الآية ". # وقال محمد بن كعب القرظي: جاء ناس من اليهود إلى النبي فقالوا: يا أبا ~~القاسم، ألا تأتينا بكتاب من السماء كما جاء به موسى ألواحا يحملها من ~~عند الله؟، فأنزل الله # يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من ~~السمآء # [النساء: 153] الآية، ثم { قالوا مآ أنزل الله على بشر ~~من شيء } ، فأنزل الله: { وما قدروا الله حق قدره ~~} الآية، ثم قال الله لنبيه محتجا عليهم: { قل من أنزل الكتب ~~الذي جآء به موسى " نورا وهدى للناس " } إلى قوله: { ~~قل الله }. # وقيل: إن هذا خبر عن مشركي العرب أنكروا أن يكون الله أنزل على أحد ~~كتابا. # وقوله: { تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا } ~~هم يهود أخفوا من التوراة ما أرادوا، وأبدوا ما أرادوا. # واختيار الطبري أن يكون ذلك خطابا لقريش، لأنه في سياق الحديث عنهم، ~~ولأن اليهود لم يجر لهم ذكر. # قال مجاهد: { قل من أنزل الكتب الذي جآء به موسى ~~نورا وهدى للناس } هو خطاب لمشركي العرب، { تجعلونه ~~قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا } إخبار عن اليهود، { ~~وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا ءابآؤكم } ~~للمسلمين. # فمن قرأ بالياء في (يجعلونه) و (يبدون) و (يخفون)، رده على الناس. ~~ومن قرأ بالتاء، فعلى المخاطبة لليهود، والمعنى: علمتم علما فلم يكن لكم ~~علم لتضييعكم إياه، ولا لآبائكم لتضييعهم إياه، لأن من علم شيئا ~~وضيعه، فليس له علم. # ويجوز أن يكون المعنى: وعلمتم علما لم تكونوا تعلمونه أنتم ولا آباؤكم، ~~على الامتنان عليهم بإنزال ms0723 التوراة / عليهم، والأول: قول أهل التفسير. # { وهدى للناس } وقف على قراءة من قرأ بالياء في { تجعلونه ~~} وما بعده، { ولا ءابآؤكم } تمام عند نافع، { قل الله } ~~التمام عند الفراء، لأن المعنى عنده: قل الله علمكم. # وقيل: المعنى: قل يا محمد: الله أنزله، ولا جواب لقوله: { قل من ~~أنزل الكتب }. # وقوله: { ثم ذرهم في خوضهم } أي: دعهم في باطلهم، وهذا ~~تهديد من الله لهم. ### || [6.92] # قوله: { وهذا كتب أنزلنه مبارك مصدق الذي ~~بين يديه } الآية. # المعنى: وهذا القرآن - يا محمد - كتاب، - ومعنى الكتاب هنا -: مكتوب - ~~أنزلناه إليك مباركا، { مصدق الذي بين يديه } أي: يصدق ~~ما قبله من كتب الله التي أنزلها على أنبيائه، { ولتنذر أم ~~القرى } أي: لتنذر عذاب الله وبأسه أم القرى. # وأم القرى: مكة، (ومن حولها): شرقا وغربا. # وسميت: { أم القرى } ، لأن الأرض دحيت منها، أي: بسطت. وقيل: ~~سميت بذلك، لأن فيها أول بيت وضع للناس. وقيل: سميت بذلك لأنها تقصد من ~~كل قرية. # ومن قرأ (ولينذر) رده على (الكتاب)، ومن قرأ بالتاء فعلى ~~المخاطبة للنبي عليه السلام. # وقوله: { والذين يؤمنون بالأخرة } أي: يصدقون بالبعث، { ~~يؤمنون به } أي: بهذا الكتاب, والهاء في (به) للقرآن، وقيل: ~~لمحمد. # وقيل: إنه لما نزل # ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين # [المؤمنون: 12] إلى آخر القصة، عجب ابن أبي سرح من خلق الإنسان وانتقاله ~~من حال إلى حال، فقال: # فتبارك الله أحسن الخالقين # [المؤمنون: 14]، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أكتبها، فكذلك ~~نزلت علي. # قوله: { وهم على صلاتهم يحافظون } أي: على الصلوات التي ~~افترضها الله. ### || [6.93] # قوله: { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا } ~~الآية. # قوله: و (من) قال في موضع جر، عطف على (من) الأولى. # المعنى: ومن أخطأ قولا ممن اختلق على الله الكذب، فادعى أنه بعثه ~~نبيا. وهذا تسفيه من الله عز وجل لمشركي العرب في معارضة عبد الله بن ~~أبي سرح ومسيلمة للنبي، ادعى أحدهما النبوة، وادعى الآخر أنه جاء بمثل ما ~~جاء به النبي. # فالذي قال: { أوحي إلي } هو مسيلمة ms0724 الكذاب، والذي قال: { ~~سأنزل مثل مآ أنزل الله } عبد الله بن سعد بن أبي سرح، ~~وكان عبد الله هذا قد كتب للنبي، فكان يملي عليه (عزيز حكيم) فيكتب ~~(غفور رحيم)، وقال: قد أنزل " علي " مثل الذي أنزل على محمد، قد كتبت ~~ما لم يمل علي. وكان يقرأ على النبي ما يكتب، فيقول له النبي: نعم ~~سواء. # وقيل: إنه لما نزل # ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين # [المؤمنون: 12] إلى آخر القصة، عجب ابن أبي سرح من خلق الإنسان وانتقاله ~~من حال إلى حال، فقال # فتبارك الله أحسن الخالقين # [المؤمنون: 14]، فقال له النبي: أكتبها، فكذلك نزلت علي. فرجع عن ~~الإسلام ولحق بقريش وأخبرهم بما كان يصنع، وأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقول له في الذي يكتب: نعم سواء. ثم رجع إلى الإسلام قبل فتح مكة. وفيه ~~نزل: # ولكن من شرح بالكفر صدرا # [النحل: 106]. # وقيل: إن قائل القولين هو عبد الله هذا. وقيل: هو مسيلمة. وقال ابن ~~عباس: الذي افترى على الله كذبا هو مسيلمة، والذي قال: " سأنزل مثل ما ~~أنزل الله " هو عبد الله بن أبي سرح. # ثم قال تعالى: { ولو ترى إذ الظالمون في غمرات ~~الموت } / أي: لو ترى يا محمد حين يغمر الموت بسكراته هؤلاء الظالمين ~~المفترين على الله الكذب وقد قرب " فناء " آجالهم، والملائكة قد بسطت ~~أيديها، يضربون وجوههم وأدبارهم. # قال ابن عباس: البسط هنا: الضرب، يضربون وجوههم وأدبارهم. وقال الضحاك: ~~بسطت الملائكة أيديها بالعذاب. وقيل المعنى: (باسطو أيديهم) لإخراج ~~أنفسهم # { أخرجوا أنفسكم } أي: يقولون لهم: أخرجوا أنفسكم من ~~العذاب، أي: خلصوها اليوم. # قوله: { اليوم تجزون عذاب الهون } أي: عذاب جهنم، وهو ~~عذاب الهوان، وهذا إخبار من الملائكة للكفار " بما " يصيرون إليه في ~~الآخرة. # والهون - بالضم -: الهوان، والهون بالفتح: الرفق والدعة، تقول: " ~~هو هون المؤونه " ، ومنه قوله: # يمشون على الأرض هونا # [الفرقان: 63] يعني بالرفق والسكينة. # قال أبو أمامة: يقبضون [روح الكافر] ويعدونه بالنار ويشدد عليه وإن ~~رأيتم أنه (يهون عليه، ويقبضون روح المؤمن ويعدونه بالجنة ويهون عليه ms0725 ~~وإن رأيتم) " أنه " يشدد عليه. # قوله: { في غمرات الموت } ليس يوقف، لأن ما بعده في موضع ~~الحال. و { مثل مآ أنزل الله }: وقف حسن. { أيديهم }: ~~وقف، { غير الحق } وقف عند نافع، { تستكبرون } تمام حسن، ~~لأنه آخر قول الملائكة. ### || [6.94] # قوله: { ولقد جئتمونا فردى } الآية. # قرأ أبو حيوة { فردى } بالتنوين، وهي لغة تميم، ويقولون في ~~الرفع " فراد " وحكى أحمد بن يحيى " فراد " بغير تنوين مثل " رباع ~~". # قال القتبي: { فردى } جمع فرد، كأنه جمع على " فردان " ، ثم ~~جمع على " فرادى " ، ككسلان وكسالى. # وقال الطبري: واحد { فردى }: " فرد " ، بالفتح. # ومن قرأ (بينكم) بالنصب، فمعناه: لقد تقطع (الأمر بينكم) والسبب ~~بينكم، ونصبه على الظرف. # ومن رفع، جعله غير ظرف، بمعنى الوصل، تقديره: لقد تقطع وصلكم. # ومعنى الآية: أنها خبر من الله عما هو قائل يوم القيامة لهؤلاء ~~المشركين، يقول لهم: { ولقد جئتمونا فردى } أي: وحدانا لا ~~مال معكم، ولا أثاث، ولا شيء مما كان الله خولكم في الدنيا. ومعنى { ~~كما خلقنكم أول مرة }: قيل: منفردين لا شيء لكم، وقيل: ~~عراة. # وروي # " أن عائشة رضي الله عنها قرأت هذه الآية فقالت: يا رسول الله، واسوأتاه ~~إن الرجال (والنساء يحشرون جميعا ينظر بعضهم إلى سوأة بعض؟، فقال لها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: { لكل امرىء منهم يومئذ ~~شأن يغنيه } ، لا ينظر الرجال) إلى النساء، ولا النساء إلى ~~الرجال، شغل بعض عن بعض ". # ومعنى { وراء ظهوركم } أي: في الدنيا، { ما نرى معكم ~~شفعآءكم } أي: ليس نرى معكم من كنتم تزعمون أنهم (لكم شفعاء) عند ~~ربكم يوم القيامة. # وكان المشركون يزعمون أنهم يعبدون الآلهة، لأنها تشفع لهم عند الله، و ~~[إنها] شركاء له. # قال عكرمة: قال النضر بن [الحارث]: " سوف تشفع لي اللات والعزى " ، ~~فنزلت هذه الآية. ### || [6.95] # قوله: { إن الله فالق الحب والنوى } / الآية. # معنى الآية: أنها تنبيه لهؤلاء المشركين على قدرة الله، وأن ما يعبدون ~~لا يقدر على ذلك. ومعنى فلقه الحب والنوى: يريد به النبات، فلق ~~الحبة عن السنبلة، والنوى عن النخلة. # وقال الضحاك: ms0726 معنى { فالق الحب والنوى } خالقهما، وروي ذلك ~~عن ابن عباس. # وقيل: معنى ذلك أنه هو الذي جعل الشق في النواة وفي الحبة، قال مجاهد: ~~هما (الشقان اللذان) فيهما. # واختيار الطبري أن يكون المعنى: فلقهما للنبات، لأنه أتبع ذلك بقوله: { ~~يخرج الحي من الميت } ، (فخروج الحي من الميت) كخروج ~~النبات عن الحب والنوى، قال: ولا يعرف في اللغة " فلق " بمعنى خلق. # وقوله: { يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من ~~الحي } معناه: يخرج السنبل الحي من الحب الميت، ويخرج " الحب " الميت ~~من السنبل الحي، والشجر الحي من النوى الميت، والنوى الميت من الشجر ~~الحي. والعرب تسمي النبات والشجر ما دام لم ييبس " حيا " ، فإذا يبس ~~وجف سمي " ميتا ". فتقديره: يخرج النبات الأخضر الغض من الحبة اليابسة، ~~ويخرج اليابس من الأخضر الغض. # وقال ابن عباس في معنى ذلك: يخرج النطفة الميتة من الحي، ويخرج الإنسان ~~الحي من النطفة الميتة. # { فأنى تؤفكون } أي: من أين تصرفون عن الحق ولا تتدبرون. ### || [6.96] # قوله: { فالق (الإصباح) وجعل الليل سكنا } الآية. # قرأ الحسن: (فالق الأصباح) بفتح الهمزة، " و " جعله جمع صبح. # وقرأ النخعي { فالق الإصباح } بالنصب في (الإصباح) وكسر الهمزة، ~~يقدر حذف التنوين لالتقاء الساكنين، كأنه " قال " فالق الإصباح، ~~فالإصباح: مفعول به، لكن حذف التنوين لسكونه وسكون اللام. # ومعنى { فالق الإصباح }: مضيء الصبح عن سواد الليل. # { وجعل الليل سكنا } أي: يسكن فيه كل متحرك، ويستقر فيه ~~كل متصرف. # قوله { والشمس والقمر حسبانا } أي: وجعل الشمس والقمر ~~يجريان في أفلاكهما بحساب. قال ابن عباس: يعني عدد الأيام والشهور ~~والسنين. # وقال قتادة: { حسبانا }: ضياء. # والحسبان - بضم الحاء - " و " الحساب بكسر الحاء: جمع حسبانة، وهي ~~الوسادة الصغيرة. # قال الأخفش: " حسبان " جمع " حساب ": كشهبان وشهاب. وقال يعقوب: حسبان: ~~مصدر " حسبت الشيء حسبانا " ، والحساب: الاسم. # { ذلك تقدير العزيز } أي: هذا الفعل الذي فعله الله: تقدير ~~عزيز عليم، أي: عزيز في سلطانه، وعليم بمصالح خلقه. ### || [6.97] # قوله: { وهو الذي جعل لكم النجوم } الآية. # المعنى: والله " الذي " جعل لكم النجوم أيها المشركون به، جعلها ms0727 أدلة في ~~ظلمات البر والبحر لكم إذا ضللتم وتحيرتم { قد فصلنا الآيت } ~~أي: " قد " بيناها لتفقهوها وتعلموا أن الله مدبر ذلك كله، فلا ~~تعبدوا غيره. ### || [6.98] # قوله: { وهو الذي أنشأكم من نفس وحدة } الآية. # المعنى: والله الذي قد تركتم عبادته هو الذي أنشأكم من نفس واحدة، وهو ~~آدم. # { فمستقر } أي في الرحم، { ومستودع } أي: في الصلب. # وعن ابن مسعود: المستودع: المكان الذي يموت فيه، وقوله: # ويعلم مستقرها # [هود: 6] أي في الأرحام، # ومستودعها # [هود: 6] أي في الأصلاب، / وقيل: حيث تموت. # وقال ابن جبير: المستودع: ما كان في الأصلاب، والمستقر: ما كان في ~~البطون وعلى الأرض وفي بطنها. # وقال ابن عباس: # مستقرها # [هود: 6]: ما كان على وجه الأرض وفي الأرض، # ومستودعها # [هود: 6]: في الصلب. وعن ابن عباس " أيضا ": المستقر: في الأرض، ~~والمستودع: " عند الله، وكذلك روي عن مجاهد. وقال الحسن: المستقر: في ~~القبر، والمستودع ": في الدنيا يوشك أن يلحق بصاحبه. # ومن قرأ بالفتح في { فمستقر } ، فمعناه: أن الله استقره. ومن ~~كسر، رد الفعل إلى المذكور عند الاستقرار. # { قد فصلنا الآيت } أي: بينا الحجج والعلامات، { لقوم ~~يفقهون } مواقع الحجة. { ومستودع } ، وقف، و { يفقهون ~~} التمام. ### || [6.99] # قوله: { وهو الذي أنزل من السمآء } الآية. # قوله: { وجنت } قراءة الجماعة بالنصب والتاء مكسورة، عطف على { ~~نبات } ، كأنه [قال]: وأخرجنا به جنات. وقيل: هو معطوف على { خضرا ~~}. # وقرأ الأعمش بالرفع على الابتداء، والخبر محذوف تقديره: ولهم جنات. # وقيل: هو معطوف على المعنى، (فعطف) على القنوان، كأنه قال: وثم قنوان ~~وجنات. # وقرأ ابن أبي إسحاق وابن محيصن: { وينعه } بالضم: لغة، وقرأ محمد ~~بن السميفع { وينعه } أي: مدركه. # والمعنى: والله هو الذي أنزل من السماء (ماء ففعل) به ما ذكر، وأخرج به ~~ما ذكر. # ومعنى { خضرا } (أخضر)، أي: نباتا أخضر، { نخرج منه } أي: ~~من الخضر، { حبا متراكبا } وهو السنبل ونخرج من الماء من النخل ~~من طلعها ما قنوانه دانية، أي: قريبة متهدلة، يعني قصار النخل التي ~~قد لصقت عذوقها بالأرض، والقنوان طلعه. # وقوله: { مشتبها وغير متشبه } أي: (قد) اشتبه في ms0728 الخلق ~~واختلف في الطعم. # قوله: { وينعه } أي: نضجه. ومن قرأ (يانعة) فمعناه: ناضجة. # وقد قيل: إن { ينعه } - بالفتح - جمع يانع، كتاجر وتجر. و (قد) ~~قيل: هو مصدر " ينع الثمر ينعا " اذا نضج. # وقرأ محمد بن السميفع اليماني (ويانعه)، وقرأه ابن أبي اسحاق ~~(وينعه) بالضم، على معنى: ونضجه. # { دانية } وقف إن رفعت " الجنات " ، { وينعه } تمام. ### || [6.100] # قوله: { وجعلوا لله شركآء الجن } الآية. # { الجن }: مفعول أول ل (جعلوا)، و { شركآء }: مفعول ثان، ~~ويجوز " أن يكون { الجن } بدلا من { شركآء } " ، والمفعول ~~الثاني: اللام في (لله) وما عملت (فيه)، وأجاز الكسائي رفع (الجن) على ~~معنى: هم الجن. # وقرأ يحيى بن يعمر: { وخلقهم } بالنصب وإسكان اللام، على معنى: ~~وجعلوا لله خلقهم شركاء، لأنهم يخلقون الشيء، بمعنى: يقدرونه ~~ويعبدونه. # ومعنى: { وخرقوا له): اختلقوا كذبا. والتشديد فيه معنى التكثير. # ومعنى الآية: أن المشركين جعلوا الجن شركاء لله، كما قال عنهم # وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا # [الصافات: 158]، ومعنى جعلهم الجن شركاء لله: أنهم أطاعوهم كطاعة ~~الله. وقيل: نسبوا إليهم الأفاعيل التي لا تكون إلا لله. # قال ابن جريج: هم الزنادقة. وقال القتبي: هم " الزنادقة جعلوا إبليس ~~يخلق الشر، والله يخلق الخير ". # ومعنى الآية { وخلقهم }: أي: والله خلقهم، والهاء والميم تعود على ~~الفاعلين / ذلك. # { وخرقوا له بنين وبنت (بغير علم) } قالت العرب: ~~الملائكة بنات الله، وجعلوا له البنات، ولهم ما يشتهون، وهم البنون، وقال ~~اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله كذبا واختراقا ~~منهم. # { سبحنه }: أي: تنزيها له عما يقولون، { وتعلى } عن ذلك. ### || [6.101] # قوله: { بديع السموت والأرض أنى يكون له ولد } ~~الآية. # المعنى: هو بديع السماوات، أي: (مبتدعها ومحدثها) بعد أن لم تكن. # { أنى يكون له ولد } أي: من أي: وجه يكون له ولد { ولم ~~تكن له صحبة }؟ أي: إن الولد إنما يكون للذكر من الأنثى، ~~ولا ينبغي أن تكون له صاحبة، فيكون له ولد، لأنه خالق كل شيء. وقيل: ~~المعنى: من أين يكون له ولد وولد كل شيء يشبهه، ولا شبيه لله. وهو خالق ~~كل ms0729 شيء، وهو عليم بكل شيء، لا يمكن أن يكون ولد لمن هذه صفته، ~~تعالى عن ذلك علوا كبيرا. ### || [6.102] # قوله: { ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خلق ~~كل شيء } الآية. # والمعنى: فذلكم الذي ذكرت صفته هو الله ربكم، لا إله إلا هو، خالق كل ~~شيء. # وقد تعلق القائلون بخلق القرآن بقوله: { خلق كل شيء } ، ~~قالوا: القرآن شيء، فهو داخل تحت الخلق. وقد جرت هذه المسألة بين عبد ~~العزيز بن يحيى المكي وبين بشر ابن غياث المريسي القدري بحضرة المأمون، ~~اختصرت الحكاية لطولها: # قال عبد العزيز: قلت لبشر: ما حجتك في خلق القرآن؟، وانظر: إلى أحد ~~سهم في كنانتك فارمني به. قال: فقال لي بشر: تقول: إن القرآن شيء أم ~~غير شيء؟. (قال عبد العزيز): فقلت له إن كنت تريد أنه شيء إثباتا ~~للوجود ونفيا للعدم، فنعم هو شيء، وإن كنت تريد أن الشيء اسم لذاته ~~وأنه كالأشياء فلا. قال له بشر: قد أقررت أنه شيء وادعيت أنه لا ~~كالأشياء، فأت بنص على ما زعمت. قال عبد العزيز: فقلت: قال الله ~~تعالى: # إنما قولنا لشيء إذآ أردناه أن نقول له كن ~~فيكون # [النحل: 40]، فبقوله تكون الأشياء، وليس هو كهي. وإنما تكون الأشياء ~~بقوله وأمره. فقوله خارج عن الأشياء المخلوقة، ألا ترى الى قوله: # ألا له الخلق والأمر # [الأعراف: 54]، فجمع في لفظة " الخلق " جميع المخلوقات، ثم قال: { ~~والأمر } يريد الذي كانت به هذه المخلوقات كلها. والأمر غير ~~المخلوقات، وهو قوله: # كن # [النحل: 40]. وقال (الله) تعالى: # لله الأمر من قبل ومن بعد # [الروم: 4] أي: من قبل الخلق ومن بعد الخلق. وقد أخبر عن الأشياء ~~المخلوقات في غير موضع من كتابه، وأنه خلقها بأمره وقوله، فقال تعالى: # وهو الذي خلق السموت والأرض بالحق # [الأنعام: 73]، وقال: # وما خلقنا السموت والأرض [وما بينهمآ] إلا ~~بالحق # [الحجر: 85، الأحقاف: 3]، والحق هو كلامه. فأمره، كلامه، وكلامه: ~~أمره، وأمره: الحق، والحق: أمره، وكلامه: الحق، والحق: ~~كلامه. # فهذا يدل على أن كلامه لا كالأشياء المخلوقة، لأنها به كانت (وحدثت). ~~وأما ms0730 ما يدل على أنه " شيء " فقوله: # إلي ولم يوح إليه # [الأنعام: 93]، فدل على أن الوحي شيء، ودل ما تقدم على أنه لا ~~كالأشياء. # قال بشر: قد زعمت أن الله يخلق الأشياء، وادعيت أنها تكون بقوله، ~~وأنها تكون بالحق، وأنها تكون بأمره، وهذا متناقض. # قال عبد العزيز: إن قوله هو كلامه، وقوله هو الحق، وأمره هو ~~كلامه: فالألفاظ الثلاثة ترجع إلى معنى واحد، / كما سمى كلامه: نورا ~~وهدى وشفاء ورحمة و { وقرآنا فرقناه } ، وكله يرجع إلى شيء ~~واحد، [كذلك ذاك. وكما سمى نفسه: فردا صمدا واحدا]، وهو شيء واحد لا ~~كالأشياء. وهذا إنما منعه بشر لجهله بلغة العرب. # قال بشر: (لست) أقبل لغة العرب، ولا أقبل إلا النص. # قال عبد العزيز: فقلت: قال الله: # يريدون أن يبدلوا كلام الله # [الفتح: 15]، ثم قال: # كذلكم قال الله من قبل # [الفتح: 15]، فسمى القرآن كلامه، ثم سماه: قوله، وقال: # وهو الحق مصدقا لما معهم # [البقرة: 91]، فسمى القرآن حقا، وقال: # وكذب به قومك وهو الحق # [الأنعام: 66]، وقال: # لقد جآءك الحق من ربك # [يونس: 94]، ومثل هذا كثير. # قال بشر: قد أقررت يا عبد العزيز أن القرآن شيء على صفة ما، وقد قال ~~تعالى: # خلق كل شيء # [الرعد: 16، الزمر: 62، غافر: 62]، وهذه لفظة لم تدع شيئا من الأشياء ~~إلا أدخلته في الخلق، ولا يخرج عنها شيء، قد تقصت جميع الأشياء، ~~فصار القرآن مخلوقا بنص القرآن. # قال عبد العزيز: فقلت: قال الله: # تدمر كل شيء بأمر ربها # [الأحقاف: 25]، فهل أبقت الريح - يا بشر - شيئا لم تدمره؟ # قال بشر: لا. قال عبد العزيز: فقلت له: قد - والله - أكذب الله قائل ~~هذا بقوله: # فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم # [الأحقاف: 25]، فأخبر أن مساكنهم كانت باقية وهي أشياء كثيرة، وقال ~~تعالى: # ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم # [الذاريات: 42]، وقد أتت على الجبال والشجر والأرض فلم تجعله رميما، ~~وقال عز وجل: # وأوتيت من كل شيء # [النمل: 23]، يعني بلقيس، فهل أوتيت ملك سليمان وهو أضعاف ملكها؟. فهذا ~~تكسير لقولك يا بشر. ولكن ما ms0731 تقول - يا بشر - في قوله تعالى: # أنزله بعلمه # [النساء: 166]، وقال تعالى: # ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شآء # [البقرة: 255]، وقال: # أنزل بعلم الله # [هود: 14]. # وقال: # ولا تضع إلا بعلمه # [فاطر: 11، فصلت: 47]!، فأخبر تعالى أن له علما. أفتقر - يا بشر - أن ~~له علما كما أخبر في كلامه أو تخالف التنزيل؟. # فعلم بشر أنه (إن) قال: " له علم " ، فيقول له: أهو داخل في الأشياء ~~المخلوقة أم لا؟. فإن قال: " دخل " ، كفر. وإن قال: لا. أجاز ما منع في ~~الكلام. وأبى أن ينفي العلم فخالف التنزيل، فحاد، ثم قال: معنى علمه: أنه ~~لا يجهل. # قال عبد العزيز: لم أسألك عن هذا، قد علمت أن الله لا يجهل، انما سألتك: ~~هل تثبت له علما كما أثبته لنفسه؟، وليس نفيك السوء - يا بشر - عن الله ~~يوجب إيجاب المدح، لأن قولك: " هذه الأسطوانة لا تجهل " ليس هو إثباتا ~~أن لها علما. ولم يمدح الله ملكا (ولا نبيا ولا مؤمنا بنفي الجهل) ~~ليدل على (أنه) إثبات العلم، وإنما مدحهم بالعلم، فقال: # يعلمون ما تفعلون # [الانفطار: 12]، ولم يقل: " لا يجهلون " ، وقال لنبيه: # (وتعلم) الكاذبين # [التوبة: 43]، ولم يقل: " ولا تجهل " ، وقال: # إنما يخشى الله من عباده العلماء # [فاطر: 28]، ولم يقل: " الذين لا يجهلون " ، فمن أثبت العلم نفى الجهل، ~~وليس (كل) من نفى الجهل أثبت العلم، (و) على الخلق جميعا أن يثبتوا ما ~~أثبت الله لنفسه. # فقال بشر: أتقول: # إن الله سميع بصير # [الحج: 75، لقمان: 28] وإن له (سمعا وبصرا) كما أثبت (له علما)؟. # قال عبد العزيز: فقلت: إنما على الناس أن يثبتوا ما أثبت، وينفوا ما ~~نفى، ويمسكوا عن ما أمسك الله. فأخبرنا تعالى أن له علما، فقلت: " له ~~علم " ، ولم يخبرنا أن له سمعا ولا بصرا، فأمسكنا عن ذلك. # فقال بشر: قد زعمت أن لله علما، فما معنى علم الله؟. # / قال عبد العزيز: هذا ما لا يعلمه إلا الله، قد تفرد بذلك، وقد ~~أمرني بشر أن أترك قول الله وأمره، واتبع أمر الشيطان، لأن الله أخبر ~~عن الشيطان ms0732 أنه (يأمرنا أن) نقول (على) الله ما لا نعلم، وحرم الله علينا ~~أن نقول عليه ما لا نعلم بقوله: # وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون # [البقرة: 169، الأعراف: 33]، فقد اتبع بشر طريق الشيطان، وارتكب ما حرم ~~الله علينا. # قال عبد العزيز: فانقطع بشر، فقلت له: يا بشر، ألست تقول إن لله نفسا ~~بقوله: # واصطنعتك لنفسي # [طه: 41]، وبقوله: # ويحذركم الله نفسه # [آل عمران: 28، 30]؟. # قال بشر: نعم له نفس كما أخبرنا. # قال عبد العزيز: فقلت له: قال الله: # كل نفس ذآئقة (الموت) # [آل عمران: 185]، أفتقول - يا بشر - إن نفس رب العالمين داخلة في هذه ~~النفوس المخلوقة؟. فأبى بشر من القول بذلك، فقال له عبد العزيز: وكذلك ~~كلام الله ليس بداخل في الأشياء المخلوقة. فسكت بشر. # قال عبد العزيز ثم قلت له: القرآن نزل على أربعة أخبار: # - خبر مخرجه مخرج الخصوص، ومعناه الخصوص، كقوله: # اسجدوا لأدم # [البقرة: 34، الأعراف: 11، الاسراء: 61، الكهف: 50، طه: 116]، وكقوله: # إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم # [آل عمران: 59]: هذا خاص في لفظه ومعناه. # - والثاني: خبر مخرجه مخرج العموم، ومعناه معنى العموم، كقوله: # وله كل شيء # [النمل: 91]، فكل شيء له، مخلوقا كان أو غير مخلوق، وصفاته له، وخلقه ~~له. # - والثالث: خبر مخرجه العموم ومعناه الخصوص، نحو قوله: # يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى # [الحجرات: 13]، و (الناس) يجمع آدم وعيسى وغيرهما، ولم يكونا من ذكر ~~وانثى. ومنه: # ورحمتي وسعت كل شيء # [الأعراف: 156] وهي لم تسع إبليس والكفار، لقوله: # لأملأن جهنم منك وممن تبعك # [ص: 85]. # - والرابع: (خبر) مخرجه الخصوص ومعناه العموم، كقوله: # وأنه (هو( رب الشعرى # [النجم: 49]، فخص " الشعرى " ، والمعنى: أنه رب كل شيء: الشعرى وغيرها، ~~ولكن خصها الله باللفظ، لأنهم كانوا يعبدونها. # فهذا اختصار بعض ما جرى بينهما، فنرجع إلى ما كنا فيه. قوله: { وهو ~~على كل شيء وكيل }: قال الفراء: الوكيل: الكافي. ومنه قولهم: ~~" # حسبنا الله ونعم الوكيل # [آل عمران: 173]، أي: كافينا الله ونعم الكافي ". وقال قتادة: الوكيل: ~~الحفيظ. وقيل: الوكيل: الولي. وقيل: الرب. وقيل: الكفيل. ### || [6.103] # قوله: { لا تدركه ms0733 الأبصر وهو يدرك الأبصر } ~~الآية. # قال ابن عباس: معناه: لا تحيط به الأبصار، وهو يحيط بها. # وليس معناه: لا تراه، كما زعمت المعتزلة القدرية، وقد قال الله عن ~~فرعون: # إذآ أدركه الغرق # [يونس: 90] فوصف بأن الغرق أدرك فرعون) ولم يخبر أنه رآه، لأن الغرق ليس ~~مما يرى، فليس الإدراك هو الرؤية، وقد يرى الشيء الشيء ولا يدركه، ~~كما حكي عن أصحاب موسى حين قرب منهم أصحاب فرعون: # فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا ~~لمدركون # [الشعراء: 61]، وكان أصحاب فرعون قد رأوا أصحاب موسى، ولم يكونوا ~~ليدركوهم، لأن الله قد وعد نبيه أنهم لا يدركون بقوله: # لا تخاف دركا ولا تخشى # [طه: 77]، ولذلك قال لهم موسى: (كلا) أي: ليس يدركونا، فليس (قوله): ~~{ لا تدركه الأبصر } بمعنى: لا تراه الأبصار. وإنما معناه: ~~لا تحيط به الأبصار، لأنه غير جائز أن تحيط به الأبصار، ومثل هذا وصفه ~~بأنه يعلم ولا يحاط به. # / وقيل: معناه: لا تراه الأبصار في الدنيا، قال السدي وغيره. # والكلام على جواز رؤية الله جل ذكره في الآخرة يطول، وبجوازه يقول أهل ~~السنة والجماعة، و (به) تواترت الأخبار وتتابعت الروايات عن النبي عليه ~~السلام، وهو معنى قوله: # وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة # [القيامة: 22، 23]، وهو المفهوم من قوله تعالى في الكفار: # كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون # [المطففين: 15]، فلو كان الخلق كلهم محجوبين عن ربهم، ما خص ذكر الكفار ~~بالحجاب. وفي تخصيصه الكفار (بالحجاب) دليل على أن المؤمنين غير محجوبين ~~عن ربهم، فأما قول من قال: إن معناه: " عن رحمة ربك " وقال في (الآية ~~الأخرى): " إلى رحمة ربها ناظرة " ، فهو قول متقاحم بالباطل، مدع ما ~~ليس لفظه في الكلام، مخرج للخطاب عن ظاهره، متكلف إضمار ما ليس في ~~الكلام عليه دليل، ألجأه إلى ذلك كله نصر باطله (بباطل مثله)، ~~أعاذنا الله من ذلك كله. # وقيل: معنى (الأبصار) هي في هذا: أبصار العقول، كما قال: # فمن أبصر فلنفسه # [الأنعام: 104]، فالمعنى: لا يدركه نفاذ العقول فتتوهمه وتكيفه إذ ليس ~~كمثله شيء متوهم ms0734 محدود. # قوله: { وهو اللطيف الخبير): (اللطيف) }: مشتق من اللطف ~~وهو التأني يقال: " ألطف لفلان في هذا الأمر " ، أي: " تأن له " ~~من وجه يخلص (منه) إلى بغيته، (فالله لطيف بالخلق) حتى صاروا إلى ما ~~يصلحهم. وقيل: { اللطيف } هو الذي فعل أفعالا لطيفة، و { الخبير ~~}: العالم بالشيء. فهو لطيف لإحكامه الخلق، وهو العظيم، لأنه خلق ~~الخلق العظيم. ### || [6.104] # قوله: { قد جآءكم بصآئر من ربكم } الآية. # المعنى: أن الله أمر نبيه أن يقول للمشركين ذلك. والبصائر: الهدى. وقيل: ~~الآيات الدالة على الهدى. # { فمن أبصر } أي: استدل وعرف نفع نفسه، { ومن عمي }: أي: ~~من ضل فعلى نفسه، { ومآ أنا عليكم بحفيظ } أي: لست عليكم ~~برقيب أحصي أعمالكم، إنما أنا مبلغ. # وقيل: المعنى: (لست) آخذكم بالإيمان أخذ الوكيل عليكم، وهذا قبل ~~الأمر بالقتال، فلما أمر النبي بالقتال، صار حفيظا ومسيطرا على كل ~~من تولى. وقيل: المعنى لم أؤمر بحفظكم عن أن تهلكوا. ### || [6.105] # قوله: { وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست } ~~الآية. # المعنى: وكما صرفنا لكم الحجج والعلامات فيما تقدم مثل ذلك أفعل في كل ~~ما جهلتموه ولم تعرفوه، ومعنى (نصرف): نبين. # وقوله: { وليقولوا درست } أي: " ولئلا يقولوا درست ". # وقيل: المعنى: وليقولوا درست صرفناها، لأنهم لما آل أمرهم بعد - (عند ~~تصريف الآيات) - إلى أن يقولوا لمحمد: " درست ". صار كأنه إنما صرفها ~~ليقولوا ذلك، مثل # ربنا ليضلوا # [يونس: 88]، و # ليكون لهم عدوا (وحزنا) # [القصص: 8] وشبهه، وأهل اللغة يسمون هذه اللام لام الصيرورة، لأن السبب ~~الذي " صيرهم ليقولوا له ": " درست " ، هو تصريف { الآيات }. # ومعنى (درست): قرأت وتعلمت كتب الأولين. # ومن قرأ (دارست) فمعناه: قارأت أهل الكتاب فتعلمت منهم وتعلموا ~~منك. # ومن قرأ (درست) / بإسكان التاء، فمعناه: تقادمت وامحت، أي: الذي ~~تتلوه علينا قد مر بنا قديما و (تطاولت) مدته. # وروى الحسن: (دارست) بألف وإسكان التاء. ولا يجيزها أبو حاتم، لأن ~~الآيات لا تدارس. ومعنى الآية عند غيره: وليقولوا: دارستك أمتك. # { ولنبينه لقوم يعلمون } أي: صرفناها لنبين القرآن ~~لقوم يعلمون. فالهاء (في) { ولنبينه } للقرآن، وقيل: للتصريف. ### || [6.106] # قوله: { اتبع مآ ms0735 أوحي إليك } الآية. # المعنى: أن الله أمر نبيه باتباع القرآن والإعراض عن المشركين ثم نسخ ~~ذلك بآية القتال في " براءة ". ### || [6.107] # قوله: { ولو شآء الله مآ أشركوا } الآية. # أعلم الله نبيه أنه لو شاء الله لهداهم فلم يشركوا. وقيل: المعنى: لو ~~شاء لأنزل عليهم آية تضطرهم إلى الإيمان. # ثم قال لنبيه: وما أرسلناك عليهم حفيظا، أي: إنما أرسلناك مبلغا، لم ~~ترسل لتحفظ عليهم أعمالهم، { ومآ أنت عليهم بوكيل } أي: ~~بقيم تقوم بأرزاقهم وأقواتهم. وهذا كله قبل أن يؤمر بالقتال، ثم ~~نسخ الأمر بالقتال هذا كله. ### || [6.108] # قوله: { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله } ~~الآية. # { عدوا }: مصدر، ويجوز أن يكون مفعولا من أجله. # وفي قراءة المكيين: { عدوا } جعلوه واحدا يدل على الجمع، كما قال: # إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا # [النساء: 101]، ونصبه على الحال. وقد روي عنهم: (عدوا) بضمتين، وهي ~~قراءة الحسن وأبي رجاء وقتادة، ونصبه على المصدر، يقال: عدا يعدو عدوا ~~(وعدوا) وعدوانا. # ومعنى الآية: أن المشركين قالوا: لتنتهن عن سب آلهتنا أو نهجو ربكم، ~~فأمر (الله) المسلمين ألا يسبوا آلهتهم لئلا يسبوا الله جهلا منهم ~~بخالقهم ورازقهم. # (ثم قال تعالى): { كذلك زينا لكل أمة عملهم } ~~(أي) كما زينا لهؤلاء عبادة الأوثان، كذلك زينا لكل جماعة - اجتمعت ~~على عمل من الأعمال، طاعة أو معصية - عملهم، ثم مرجعهم بعد ذلك إلى ~~الله فيخبرهم بأعمالهم ويجازيهم عليها. ### || [6.109] # قوله: { وأقسموا بالله جهد أيمنهم } الآية. # المعنى: أن الله جل ذكره لما نزل في " الشعراء " # إن نشأ ننزل عليهم من السمآء آية فظلت ~~أعناقهم لها خاضعين # [الشعراء: 4]، أقسم كفار قريش: { لئن جآءتهم آية ~~ليؤمنن بها } ، فقال المؤمنون: يا رسول الله، سل ربك أن ~~ينزلها عليهم حتى يؤمنوا، فأنزل الله { وما يشعركم أنهآ ~~إذا جآءت لا يؤمنون } ، وهو خطاب للمؤمنين السائلين النبي في ~~ذلك. # وقيل: معنى الآية: أن الكفار سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم ~~بآية، وحلفوا ليؤمنن إن أتت، فقال المؤمنون: يا رسول الله، سل ربك أن ~~ينزلها (عليهم) حتى يؤمنوا، ms0736 (فأنزل الله): وما يشعركم أيها المؤمنون ~~بذلك؟، أي: بصحة قولهم (ثم قال) مستأنفا مخبرا عنهم - بما يفعلون لو ~~نزلت -: إنها إذا جاءت لا يؤمنون. وهذا معنى الكسر، وهو الاختيار عند ~~أكثر النحويين. # وهذه الآية هي التي توعدوا بها / في الشعراء في قوله: # إن نشأ ننزل عليهم من السمآء آية فظلت ~~أعناقهم لها خاضعين # [الشعراء: 4]، فقال الله لنبيه: { قل إنما الآيت عند الله ~~} وهو القادر على إنزالها. # والذي سألوه هم أنهم قالوا: تجعل لنا الصفا ذهبا. فسأل النبي صلى الله ~~عليه وسلم في ذلك، فجاءه جبريل فقال: إن شئت أصبح ذهبا، ولئن أرسل آية ~~فلم يصدقوا عند ذلك ليعذبنهم الله، و (إن) شئت فاتركهم حتى يتوب ~~تائبهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " بل يتوب تائبهم " ، فأنزل ~~الله: { وأقسموا بالله } الآية. # ومن قرأ بالتاء، فإنما هو خطاب للمشركين الذي سألوا الآية، ويحتمل ~~وجهين: # - أحدهما: أن تكسر (إن) على معنى: وما يشعركم ذلك، ثم استأنف بالإخبار ~~عما سبق في علمه، وعلم ما لو كان كيف كان يكون، فقال: إنها إذا جاءت لا ~~تؤمنون أيها المشركون. # - ويحتمل أن تفتح (أن)، ويكون المعنى: وما يشعركم - أيها المشركون ~~- أنها إذا جاءت تؤمنون؟، وتكون (لا) زائدة. # ومن قرأ بالياء فهو خطاب للمؤمنين الذين سألوا النبي أن يسأل آية ليؤمن ~~المشركون عند نزولها على ما سألوا، وأقسموا إنهم يؤمنون إذا نزلت، ويحتمل ~~معنيين: # أحدهما: فتح (أن) ويكون المعنى: وما يشعركم - أيها المؤمنون - ~~أنها إذا جاءت يؤمنون؟، أي: (ما) يدريكم أنهم يؤمنون إذا نزلت الآية. ~~وتكون (لا) زائدة. # - والوجه الآخر: أن تكون (إن) مكسورة، ويكون المعنى: وما يشعركم - ~~أيها المؤمنون - ذلك. ثم استأنف فقال: { أنهآ إذا جآءت لا ~~يؤمنون } ، يخبر بما يكون لو فعل بهم ذلك. # ويجوز في القراءتين جميعا - الياء والتاء - أن تكون (أنها) - إذا ~~فتحت - بمعنى " لعلها " ، وتكون (لا) غير زائدة. # والياء اختيار الطبري مع فتح (أن) بمعنى " لعلها ". # ولو فتحت (أنها) ولم تقدر زيادة (لا) ولا كون (أنها) بمعنى " لعلها ~~" ، لكان ذلك عذرا لهم. # ولا ms0737 يتم فتح (أنها) إلا بأحد وجهين: # - إما أن تقدرها بمعنى " لعلها " - أو تقدر زيادة (لا). فاعلم ذلك. # وقد حكى الخليل عن العرب: " ائت السوق أنك تشتري لنا " ، أي: لعلك. ~~وسمع الكسائي رجلا يقول: " ما أدري أنه صاحبها " ، أي: لعله. وسمع ~~الفراء أبا الهيثم العقيلي يقول: " أنها (تركته لفاقة حاله) " ، يريد ~~" لعلها تركته ". وفي قراءة أبي { وما يشعركم أنهآ إذا ~~جآءت لا يؤمنون } ، وفي حرف عبد الله: (وما يشعركم ~~إذا (جاءت) لا يؤمنون). # ومن قدر زيادة (لآ) هنا، أوقع { يشعركم } على { أن } ففتحها، ~~ويجعل (لا) صلة كهي في قوله: # وحرام على قرية أهلكناهآ أنهم لا يرجعون # [الأنبياء: 95]، المعنى: حرام عليهم أن يرجعوا، ومثله: # ما منعك ألا تسجد # [الأعراف: 12]. قال الفراء: العرب تجعل " لا " صلة في كل كلام دخل في ~~آخره (أو في أوله) جحد، أو في أوله جحد غير مصرح. # وقيل: في الآية قول حسن، وهو أن يكون المعنى: وما يشعركم أنها إذا جاءت ~~لا يؤمنون أو يؤمنون. ثم حذف الأخير لدلالة الأول عليه، فيعمل ~~(يشعركم) في (أنها)، ويفتح (أن)، ولا يقدر زيادة / (لا)، ولا ~~يقدر (أنها) بمعنى " لعلها " ، ولا تكون عذرا لهم. # (والوقف على (يشعركم) في قراءة من كسر (إن)، وفي قراءة من فتح على ~~تقدير " لعلها " حسن، ولا يحسن الوقف على (يشعركم) على غير هذين ~~الوجهين). ### || [6.110] # قوله: { ونقلب أفئدتهم وأبصرهم } الآية. # المعنى: أنهم لما أشركوا وجحدوا، لم يثبت الله قلوبهم على شيء. قال ~~ابن زيد: (المعنى): نمنعهم من الإيمان كما فعلنا بهم أول مرة. وقيل: ~~المعنى: لو جئناهم بآية ما آمنوا كما لم يؤمنوا أول مرة، لأن الله حال ~~بينهم وبين ذلك. # وقال مجاهد: المعنى: يحول بينهم وبين الإيمان، ولو جاءتهم كل آية لا ~~يؤمنون كما حلنا بينهم وبين الإيمان أول مرة. كأن في الكلام تقديما ~~وتأخيرا، والمعنى: { وما يشعركم أنهآ إذا جآءت لا ~~يؤمنون } كما لم يؤمنوا به أول مرة، وذلك قبل إتيان الآية: { ~~ونقلب أفئدتهم وأبصرهم } ، { ونذرهم في ~~طغيانهم يعمهون }. # وقيل: المعنى: أن الله جل ذكره ms0738 جعل عقوبة الإعراض عن الحق - بعد أن بين ~~لهم - الطبع على قلوبهم، و (الغشاوة) على أبصارهم. # والهاء في (به) للقرآن. وقيل: لمحمد. وقيل: للمسؤول، أي: كما لم يؤمن ~~أوائلهم بما سألوا من الآيات بعد نزولها، فكذلك يفعل كفار قريش لو نزل ~~عليهم ما سألوا من الآيات. # وعن ابن عباس: (أن المعنى): أن الله (أخبرنا ما يفعل بعباده) لو ردهم ~~إلى الدنيا، فقال: { ونقلب أفئدتهم وأبصرهم كما ~~لم يؤمنوا به أول مرة } ، أي: لو ردوا إلى الدنيا ~~لحيل بينهم وبين الهدى، كما حيل بينهم وبينه أول مرة وهم في الدنيا. # قال الطبري: المعنى: ونقلب أفئدتهم فنزيغها عن الإيمان، وأبصارهم عن ~~رؤية الحق، كما لو لم يؤمنوا بتقليبنا إياها قبل مجيئها أول مرة، أي: ~~قبل ذلك. # والهاء عنده تعود على التقليب، وفيما تقدم من الأقوال، تعود على الهدى، ~~أو على الإيمان، وقد قيل: على الرسول، وقيل: (على القرآن). وقيل: على ~~الله جل ذكره. # وقوله: { ونذرهم في طغيانهم يعمهون } أي: نتركهم في ~~حيرتهم يترددون. قال النحاس: المعنى: نقلب أفئدتهم وأبصارهم على لهب ~~النار كما لم يؤمنوا به في الدنيا. ثم قال: { ونذرهم في ~~طغيانهم يعمهون } ، أي: ونمهلهم في الدنيا فلا نعاقبهم، أي: ~~ونتركهم في طغيانهم يتحيرون. ### || [6.111] # قوله: { ولو أننا نزلنآ إليهم الملائكة } الآية. # وهذه الآية من الله (إعلام) يزيل بها طمع النبي من (أن يؤمن) هؤلاء ~~العادلون بربهم الأوثان، الذين سألوا الآية وأقسموا إنهم يؤمنون إذا ~~نزلت، فأخبر تعالى أنهم لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية، فقال تعالى: لو ~~نزلت إليهم الملائكة، أي: عيانا { وكلمهم الموتى } بأنك ~~محق فيما تقول، { وحشرنا عليهم } أي: جمعنا عليهم، { كل ~~شيء قبلا } أي: عيانا. # / وقيل: معناه: آتيناهم بما غاب عنهم من أمور الآخرة، ما آمنوا { إلا ~~أن يشآء الله } ، عزى الله نبيه بهذا، وأعلمه أن من سبق في علم ~~الله ألا يؤمن، فلا ينفعه شيء. # قوله: { ولكن أكثرهم يجهلون }: أي: يجهلون ما في ~~مخالفتك - يا محمد - وهم يعلمون أنك نبي صادق فيما جئتهم به. # وروي # " أن ms0739 النبي عليه السلام كان يداعب أبا سفيان بمخصرة في يده، يطعن ~~بها أبا سفيان، فإذا أخرقته قال له: نح عني مخصرتك، فوالله لو أسلمت ~~إليك هذا الأمر، ما اختلف عليك فيه اثنان. فقال له النبي: أسألك بالذي ~~أسلمت له، (عن أي: شيء كان قتالك إياي)؟. # قال له أبو سفيان: تظن (أني كنت) أقاتلك تكذيبا مني، والله ما ~~شككت في صدقك، وما كنت أقاتلك إلا حسدا مني لك، فالحمد لله الذي نزع ~~ذلك من قلبي. فكان النبي يشتهي ذلك منه، ويتبسم إليه " # ومن قرأ (قبلا) بالضم، احتمل ثلاثة أوجه: # - أحدها: أن يكون جمع " قبيل " ، كرغيف ورغف. والقبيل: الضمين ~~والكفيل، ويكون المعنى: وجمعنا عليهم كل شيء يكتفل الملائكة لهم بصحة ~~هذا، لم يؤمنوا، كما قال: # أو تأتي بالله والملائكة قبيلا # [الاسراء: 92] أي: ضمينا. # - والوجه الثاني: أن يكون " القبل " واحدا، بمعنى المقابلة، تقول: " ~~أتيتك قبلا لا دبرا ": إذ أتيته من قبل وجهه، فالمعنى وجمعنا ~~عليهم كل شيء من قبل وجوههم. # - والوجه الثالث: أن يكون (قبلا) جمع " قبيل " أيضا، ويكون " قبيل " ~~بمعنى: فرقة وصنف. فالمعنى: وحشرنا عليهم كل شيء صنفا صنفا وقبيلة ~~(قبيلة)، فيكون (قبلا) جمع " قبيل " و " قبيل " جمع " قبيلة ". ومن قرأ ~~(قبلا) فمعناه: عيانا، أي: معاينة. # وهذا (إعلام) للنبي كإعلام نوح: # أنه (لن يؤمن) من قومك إلا من قد آمن # [هود: 36]. # وقال المبرد: (قبلا) بمعنى ناحية: أي: وجمعنا عليهم كل شيء ناحية، ~~كما تقول: " لي قبل فلان مال " ، أي: ناحيته، فكان نصبه - على هذا ~~- على الظرف، وعلى الأقوال المتقدمة: على الحال. ### || [6.112] # قوله: { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شيطين ~~الإنس } الآية. # { عدوا } مفعول أول ل (جعلنا)، و { لكل نبي }: المفعول ~~الثاني، و (شياطين) بدل من { عدوا }. ويجوز أن يكون (شياطين) ~~مفعولا ثانيا، و (عدوا) أولا. # حكى سيبويه أن ( " جعل " بمعنى: " وصف " )، فيتعدى إلى ~~مفعولين، ويكون التقدير: وكذلك جعلنا شياطين الإنس والجن أعداء ~~للأنبياء. # { غرورا } مصدر، أي: يغرون غرورا. ويجوز أن يكون في موضع ~~بالحال. ومعنى الآية: أنه فيها حذف، والمعنى: وكما جعلنا ms0740 لك - يا محمد - ~~ولأمتك شياطين الإنس والجن أعداء يوحي بعضهم إلى بعض زخرف ~~القول غرورا، كذلك جعلنا لكل من تقدمك من الأنبياء وأممهم، وهذا تسلية ~~للنبي عليه السلام فيما لقي من (كفر) قومه. # ومعنى (شياطين الإنس (والجن): قال السدي: للإنس شياطين تضلهم، ~~ومثله للجن، فيلقى شيطان الإنسي شيطان الجني، فيقول أحدهما للآخر: " ~~إني قد أضللت صاحبي بكذا وكذا، (فأضلل أنت) صاحبك بذلك " ، فيعلم ~~بعضهم بعضا، فشياطين الإنس من الجن، وشياطين الجن من الجن. ~~وكذلك قال عكرمة. # وقيل: المعنى: أن مردة الإنس شياطين، ومثل ذلك من مردة الجن، ~~يوحي بعضهم إلى بعض من القول ما يؤذونهم به. وقال مجاهد: شياطين ~~الإنس: كفارهم /، وشياطين الجن: كفارهم. # والشيطان - في اللغة - هو المتمرد في معاصي الله. # ومعنى { زخرف القول } هو تزيين الباطل، يقال: " زخرف باطله ~~": إذا حسنه، فهو تزيين الباطل بالألسنة. # قوله: { ولو شآء ربك ما فعلوه } أي لو شاء الله ما فعل ~~هؤلاء الشياطين العداوة بالأنبياء وأممهم، ولكن لم يشأ ذلك ليبتلي بعضهم ~~ببعض، فيستحق كل فريق منهم ما سبق له في (أم) الكتاب. # والهاء في قوله: { ما فعلوه } تعود على الإيحاء لدلالة (يوحي) ~~عليه، وقيل: على العداوة وذكر لأن التأنيث غير حقيقي. # وقوله: { فذرهم } أي: دعهم وافتراءهم. هذا فيه معنى التهديد ~~والوعيد. ### || [6.113] # قوله: { ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة } (الآية). # يقال: صغى يصغى، وصغا يصغو، (وصغا يصغا). # قرأ الحسن: { وليرضوه وليقترفوا } بإسكان اللامين. # ومعنى الآية: أنها معطوفة على ما قبلها، والتقدير: يوحي بعض هؤلاء ~~الشياطين إلى بعض المزين من القول ليغروا به المؤمنين، و (لكي ~~تصغى) إليه أفئدة الذين لا يؤمنون [بالآخرة]. # فالهاء في (إليه) تعود على (زخرف القول)، وهو المزين له. ~~ومعنى " تصغى ": تميل إليه. # ومعنى { وليقترفوا ما هم مقترفون } أي: وليكتسبوا ما ~~هم مكتسبون. يقال: خرج فلان يقترف لأهله " ، أي: يكتسب. ### || [6.114] # قوله: { أفغير الله أبتغي حكما } الآية. # { حكما } نصب على البيان أو على الحال. # والمعنى: قل لهم يا محمد: (أأبتغي) غير الله حكما؟، أي: [أأبتغي] ~~حكما غير ms0741 حكمه ولا حكم أعدل من حكمه، { وهو الذي ~~أنزل إليكم الكتاب } (أي القرآن)، { مفصلا } أي: ~~مبينا. # { والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل ~~من ربك بالحق } يريد أهل التوراة والإنجيل المؤمنين منهم ~~بمحمد، يعلمون أنه حق، { فلا تكونن من الممترين } أي: من ~~الشاكين فيما جاءك من الأنباء، وفي { والذين آتيناهم ~~الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق }. ### || [6.115] # قوله: { وتمت كلمت ربك } (الآية). # حجة من قرأ (كلمات) - بالجمع - أنها في المصحف بالتاء، ولإجماع الجميع ~~على قوله: { لا مبدل لكلماته }. # ومن قرأ بالتوحيد، احتج بإجماع الجميع على التوحيد في قوله: # وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم # [هود: 119]، # وتمت كلمة ربك الحسنى # [الأعراف: 137]. وإنما كتبت بالتاء عند من وحد، لأنها كتبت على اللفظ، ~~بمنزلة # ومعصيت الرسول # [المجادلة: 8، 9] و # فطرت الله # [الروم: 30] وشبهه. # والمعنى: أن الله سمى القرآن (كلمة)، كما تقول العرب للقصيدة: " هذه ~~كلمة فلان " ، والموصوف هنا بالتمام هو القرآن، لا مبدل له، أي: لا مغير ~~لما أخبر في كتابه أنه كائن، وهذا مثل قوله: # يريدون أن يبدلوا كلام الله # [الفتح: 15] والذي أرادوا أن يبدلوا هو قوله: # لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل # [الفتح: 15]، فتقدم في علم الله أنهم لا يتبعون النبي، فأرادوا أن ~~يبدلوا ذلك فقالوا للنبي: # ذرونا نتبعكم # [الفتح: 15]، وقد تقدم من الله أنهم لا يتبعونهم فأرادوا أن يغيروا ما ~~تقدم في علم الله وقد كان أخبره الله في كتابه بقوله: # فإن رجعك الله إلى طآئفة منهم فاستأذنوك ~~للخروج (فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن) # [التوبة: 83] إلى # الخالفين # [التوبة: 83]، فكلام الله هنا: ما أخبر أنهم لن يتبعوا، فأرادوا أن ~~يبدلوا خبر الله ويتبعوه، وكذلك قوله: { وتمت كلمت ربك } ~~أي: أنه لا بد واقع كل ما أخبر به، لا يحيله أحد ولا يغيره. # { وهو السميع } أي: السميع لما يقول العادلون الذين أقسموا بالله ~~جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها، وغير ذلك مما يقول خلقه، ~~{ العليم } بما يؤول إليه أمرهم من صدق وإيمان أو كفر. ### || [6.116] # قوله: { وإن تطع أكثر من في ms0742 الأرض (يضلوك) } الآية. # والمعنى: أن هذه الآية نزلت في أكل الميتة، قال المشركون للمسلمين: ~~أتأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل ربكم، فأنزل الله عز وجل خطابا ~~للنبي وأمته: وإن تطيعوا هؤلاء وأكثر من في الأرض فيما دعوكم إليه من ~~أكل الميتة أو أكل ذبائحهم لآلهتهم وما أهلوا به لغير الله، يضلوكم عن ~~الحق، فإنهم ليس يتبعون في أمرهم إلا الظن، وليس ما يصنعون على يقين من ~~أمرهم، إذ ليس عندهم به كتاب ولا رسول، { وإن هم إلا يخرصون ~~} الكذب، ويقولون ما لا يحب الله، والله (يعذب) الكفار على ظنهم وجهلهم. ~~قال تعالى: # وما خلقنا السمآء والأرض وما بينهما باطلا # [ص: 27] ثم قال: # ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من ~~النار # [ص: 27]. ### || [6.117] # قوله: { إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله } ~~الآية. # (من) استفهام، وهي في موضع رفع بالابتداء، والمعنى: هو أعلم أي: الناس ~~يضل بمنزلة # أي الحزبين # [الكهف: 12]. # وقيل: موضعها خفض بإضمار الباء. # وقد قيل: هي في موضع نصب، و { أعلم } بمعنى: يعلم، وهذا بعيد، لأن ~~بعده { وهو أعلم بالمهتدين } ، فدخول الباء هنا يدل على ~~أن { أعلم } ليس بفعل، إذ لو كان فعلا لم يصل بالباء، لا يقال: " هو ~~يعلم بزيد " بمعنى: " يعلم زيدا ". # فالمعنى: أن الله أعلم بأهل الإضلال عن سبيله، { وهو أعلم ~~بالمهتدين } إلى الحق من غيره. ### || [6.118] # قوله: { فكلوا مما ذكر اسم الله عليه } الآية. # هذا أمر للنبي وأمته أن يأكلوا مما ذبحوا وذكروا اسم الله عليه. وفي هذا ~~دليل على النهي عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه متعمدا، ثم بين ذلك ~~فقال: { (فكلوا) مما ذكر اسم الله } ، وقال: # ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه # [الأنعام: 121]. ### || [6.119] # قوله: { وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله ~~عليه } الآية. # المعنى: وأي شيء لكم في ترك أكل ما ذكر اسم الله عليه، وقد فصل لكم ~~الحرام من الحلال؟ # وقرأ عطية العوفي (وقد فصل) بالتخفيف، على معنى: (أبان لكم)، { ~~إلا ما اضطررتم إليه ms0743 } يريد لحم الميتة للمضطر. # ثم قال: { وإن كثيرا ليضلون } من فتح الياء أضاف الضلال ~~إليهم في أنفسهم، وتصديقه قوله # هو أعلم بمن ضل # [النحل: 125، النجم: 30، القلم: 7] و # قد ضلوا # [النساء: 167، المائدة: 77، الأنعام: 140، الأعراف: 149] و # هم الضآلون # [آل عمران: 90]. # وحجة من ضم أنه أبلغ، لأن كل من أضل غيره فهو ضال، وليس كل من ~~ضل أضل غيره، فالضم أبلغ في الإخبار عنهم. وحجته أيضا، أنهم ~~قد وصفوا قبل بالكفر الذي هو الضلال، فلا معنى لوصفهم بذلك، فوجب ~~وصفهم بأنهم مع ضلالتهم يضلون غيرهم. وكذلك الحجة فيما كان مثله ~~مثل # ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل ~~الله # [لقمان: 6]، الضم أبلغ لأن شراء لهو الحديث ضلال، (فوصفه بفائدة) أخرى ~~أولى من وصفه بما قد دل عليه الكلام الاول. # فالإضلال - هنا - أمكن من الضلال. وقد أجمع الجميع / على قوله: # فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل ~~الناس # [الأنعام: 144] أنه بالضم، وعلى # فأضلونا السبيلا # [الأحزاب: 67]. # قوله: { إن ربك هو أعلم (بالمعتدين) } أي: بمن ~~اعتدى حدوده فتجاوزها. ### || [6.120] # قوله: { وذروا ظهر الإثم (وباطنه) } الآية. # المعنى: أن الله أمر بأن يترك الإثم، (علانيته وسره)، قليله وكثيره. # وقيل: الظاهر هو ما نهى عنه من قوله: # ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النسآء # [النساء: 22]، والباطن: الزنى، قاله ابن جبير. # وقال السدي: الظاهر: الزواني [اللاتي] في الحوانيت، والباطن: الصديقة ~~تؤتى سرا، (و) قال الضحاك في قوله: # ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن # [الأنعام: 151] قال: كان أهل الجاهلية يستسرون بالزنى ويرونه سرا ~~حلالا، فحرم الله السر والعلانية. وقال ابن زيد: الظاهر: التعري ~~والتجرد في الطواف، والباطن: الزنا، وقال في: # ولا تقربوا الفواحش (ما ظهر منها وما بطن) # [الأنعام: 151]: الظاهر: تعريتهم إذا طافوا، والباطن: الزنا. # قوله: { إن الذين يكسبون الإثم } أي: يعملون به، سيجزون ~~به. ### || [6.121] # قوله: { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ~~} الآية. # المعنى: ولا تأكلوا - أيها المؤمنون - مما مات ومما ذبح لغير الله، أو ~~ذبحه (غير) مسلم، أو مما تعمد ترك (ذكر) ms0744 اسم الله عليه، فإن أكله ~~فسق. # قال ابن عباس: هذا جواب للمشركين حين قالوا للنبي: لا تأكل ما قتل ربك ~~وتأكل ما قتلت. فالمعنى على هذا: إنما هو (النهي) عن أكل الميتة. # ومذهب مالك وأكثر الفقهاء أن المسلم إذا نسي التسمية وذبح، أنه تؤكل ~~ذبيحته. # ومعنى التسمية - عند أكثر المفسرين - في هذه الآية: الملة، لأن المجوس ~~لو سموا ذبائحهم لم تؤكل. # وتؤكل ذبائح اليهود والنصارى، لأنهم آمنوا بالتوراة والانجيل. (وكره) ~~مالك ما ذبحوا لكنائسهم ولم يحرمه. # وقوله: { وإن الشيطين ليوحون إلى أوليآئهم } ~~يعني بذلك شياطين فارس، وهم مردتهم من المجوس يوحون إلى أوليائهم من ~~مردة قريش زخرف القول ليجادلوا به المؤمنين. قال عكرمة: كاتب مشركو قريش ~~فارس على الروم، وكتبت فارس إلى مشركي قريش: " إن محمدا وأصحابه يزعمون ~~أنهم يتبعون أمر الله، (فما ذبحه) (الله) بسكين من ذهب فلا يأكله محمد ~~وأصحابه، وما ذبحوا هم يأكلون " ، فكتب به المشركون الى أصحاب محمد، فوقع ~~في أنفس ناس من المسلمين من ذلك شيء، فنزلت: { (وإنه لفسق) ~~وإن الشيطين } الآية. # وقال ابن عباس: إبليس هو الذي يوحي إلى مشركي قريش، (يقول): كيف تعبدون ~~شيئا لا تأكلون ما قتل. # قوله: { وإن أطعتموهم } أي: في أكل الميتة، { إنكم ~~لمشركون } أي: إنكم مثلهم، وهذا يدل على من حلل ما حرم الله ~~أنه مشرك. قال الحسن وعكرمة: حرم أكل ما لم يذكر اسم الله عليه في ~~هذه الآية، واستثنى من ذلك فقال: # وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم # [المائدة: 5]. # وقوله: { وإنه لفسق } أي: لمعصية. وقيل: لكفر. # والهاء تعود على أكل الميتة، أو على أكل ما ذبح للأصنام وشبهه. ### || [6.122] # قوله: { أو من كان ميتا فأحيينه } الآية. # / روى المسيبي عن نافع (أومن كان) بإسكان الواو. # والمعنى: أن هذا الكلام جرى على التحذير من طاعة المشركين، والأخذ بطاعة ~~المؤمنين، والمعنى: أطاعة من كان ميتا فأحييناه، وهو المؤمن كان كافرا ~~فصار مؤمنا، كطاعة من مثله كمثل من في الظلمات ليس بخارج منها، ~~يتردد فيها، وهو الكفر يتردد فيه الكفار؟، فكان ms0745 تحقيق ذلك: أطاعة ~~المؤمنين كطاعة الكافر؟. # وهذه الآية نزلت في رجلين مؤمن وكافر: فالمؤمن عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه، والكافر أبو جهل. # وقيل: المؤمن عمار بن ياسر، والكافر أبو جهل. وقيل: المؤمن حمزة حيي ~~بالإيمان بعد أن كان ميتا بالكفر، وقيل: هو النبي حيي بالنبوة. # { كمن مثله في الظلمت } أي: كمن هو في الظلمات، وهي ~~الكفر، يراد به أبو جهل، { ليس بخارج منها } الى نور الإسلام ~~أبدا. # روي أن أبا جهل رمى النبي بفرث - وحمزة عم النبي عليه السلام، لم يؤمن ~~بعد - فأخبر أبو جهل حمزة بما فعل بالنبي، وبيد حمزة قوس، فعلا به ~~أبا جهل غضبا للنبي، فأقبل أبو جهل يتضرع إلى حمزة ويقول: يا أبا يعلى، ~~أما ترى ما جاء به: سفه عقولنا وعقول آبائنا؟. فقال له حمزة رضي الله ~~عنه: ومن أسفه منكم وأحمق حيث تعبدون الحجارة من دون الله؟، أشهد (أن ~~لا) إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فحيي بالإيمان الذي وفقه ~~الله إليه، وبقي أبو جهل في ظلمات الكفر حتى مات كافرا، وفيهما نزل # أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه # [القصص: 61] يعني حمزة، # كمن متعناه متاع الحياة الدنيا # [القصص: 61] يريد أبا جهل. # ومعنى: { وجعلنا له نورا } قال ابن عباس: يعني بالنور القرآن ~~يهتدي به وقال ابن زيد: (نورا) هو " الإسلام الذي هداه الله إليه ". ### || [6.123] # قوله: { وكذلك جعلنا في كل قرية أكبر ~~مجرميها }. # المعنى: وكما زينا للكافرين ما كانوا يعملون، كذلك جعلنا في كل قرية ~~عظماء مجرميها، يعني أهل الكفر والمعصية { ليمكروا فيها } ، { ~~وما يمكرون } أي: ما يحيق مكرهم ذلك إلا بأنفسهم، لأن الله من ~~وراء عقوبتهم على ما يمكرون. والأكابر: العظماء، جمع أكبر. # وذكر ابن قتيبة أن في الكلام تقديما وتأخيرا، والتقدير عنده: وكذلك " ~~(جعلنا) في (كل) قرية مجرميها (أكابر) ". فنصب (مجرميها ب ~~(جعلنا) و (أكابر) مفعول ثان ل " جعل " ، كأن جعل عنده بمعنى ~~" صير " ، يتعدى الى مفعولين. # وحكي عن العرب " الأكابرة " بالهاء. # وقوله تعالى: { ليمكروا فيها } هو مثل # ليكون لهم عدوا ms0746 # [القصص: 8]، لما كان عاقبة أمرهم فيما تقدم من علمه تؤول إلى ذلك، صار ~~كأنهم جعلوا في كل قرية ليمكروا. ### || [6.124] # قوله: { وإذا جآءتهم آية قالوا لن نؤمن } الآية. # المعنى: وإذا جاءت هؤلاء المشركين آية، (أي علامة)، تدل على نبوتك - يا ~~محمد - وصدق ما جئت به، { قالوا لن نؤمن } بما جئتنا به، { ~~حتى نؤتى مثل مآ أوتي رسل الله } أي: حتى نؤتى من ~~المعجزات مثل ما أوتي موسى وعيسى، ثم قال تعالى: { الله أعلم ~~حيث يجعل رسالته } أي: إن الآيات لم يعطها الله من البشر إلا ~~(رسولا)، ولستم - أيها العادلون - برسل فيعطيكم الآيات، بل هو ~~أعلم من هو أولى بها. / وقيل: المعنى: الله يعلم من يصلح لنبوته ويختص ~~بالرسالة، كما قال: # ولقد اخترناهم على علم على العالمين # [الدخان: 32]. # (ثم قال): { سيصيب الذين أجرموا صغار } أي: ذلة، أي: هم ~~وإن كانوا أكابر، فستصيبهم ذلة عند الله، ومعنى { صغار عند ~~الله } أي: عند الله صغار. وقيل: المعنى: صغار ثابت عند الله. وقال ~~الفراء: المعنى: صغار من عند الله. # والصغار: المصدر من قول القائل: " صغر صغارا ". ### || [6.125] # قوله: { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره ~~للإسلم } الآية. # من قرأ (ضيقا) بالتخفيف، فيحتمل أن يكون مخففا " ضيق " ، مثل ( " ~~ميت، " وميت " )، ويحتمل أن مصدر " ضاق ضيقا ". # ومن قرأ (حرجا) بالكسر، فهو اسم الفاعل ل " حرج يحرج، فهو ~~حرج " ، ومن فتحه جعله مصدرا ل " حرج حرجا ". # ومعنى الكسر: ضيقا (ضيقا)، وهو الذي قد ضاق فلم يجد منفذا إلا أن ~~يصعد في السماء، وليس يقدر على ذلك. ومن فتح جعله صفة ل (ضيقا)، كما ~~يقال: " رجل عدل " و " رضى " ، فكأنه يجعل صدره شديد الضيق. # ومعنى الآية: من يرد الله أن يهديه للإيمان، { يشرح صدره } أي: ~~يفسحه ويهون عليه ويسهله. # قال النبي عليه السلام - وقد سئل عن هذه الآية: # " إذا دخل النور القلب، انفسح وانشرح، قالوا: هل لذلك من علامة تعرف؟. ~~قال نعم، الإنابة إلى دار الخلود، و (التجافي عن) دار الغرور، والاستعداد ~~للموت قبل نزول الموت ". # وقال ابن ms0747 جريج: " { يشرح صدره للإسلم } بلا إله إلا الله ~~". # { ومن يرد أن يضله } أي: إضلاله عن سبيله، { يجعل ~~صدره ضيقا } بخذلانه إياه، وغلبة الكفر عليه. # والحرج: أشد الضيق، وهو الذي لا ينفذه من شدة ضيقه شيء " ، وهو - ~~هنا - الصدر الذي لا تصل إليه موعظة، ولا يدخله نور الإيمان، وأصل ~~(حرجا) أنه جمع " حرجة " وهي الشجرة الملتف بها الأشجار، لا يدخل ~~بينها وبينها شيء من شدة التفافها. # وسأل عمر رجلا من العرب فقال له: ما الحرجة فيكم؟, فقال: الحرجة ~~فينا: الشجرة تكون بين الأشجار التي لا تصل إليها راعية ولا وحشية ولا ~~شيء، فقال عمر: وكذلك قلب المنافق لا يصل اليه شيء من الخير. # وقال مجاهد: معنى { ضيقا حرجا }: شاكا. وقال قتادة: ملتبسا ~~وقال ابن جبير: لا يجد الإيمان إليه منفذا ولا مسلكا. # وهذه الآية (من) أدل دليل على أن قدرة الطاعة غير قدرة المعصية، وأن كلا ~~القدرتين من عند الله تعالى، لأنه أخبر أنه يشرح صدر من أراد (هدايته، ~~ويضيق صدر من أراد) دفعه عن الإيمان، فتضييقه للصدر منع ~~الإيمان، ولو كان يوصل الى الإيمان مع تضييق الصدر عنه، لم يكن بين ~~تضييقه وشرحه فرق. # وقوله: { كأنما يصعد في السمآء }: هذا مثل ضربه الله ~~لصدر الكافر في شدة ضيق صدره عن قبول الإسلام ونفوره عنه، فهو بمنزلة من ~~تكلف ما لا يطيقه، كما أن من تكلف صعود السماء تكلف ما لا ~~يطاق. # ومعنى التشديد - على قراءة من شدد: أنه أتى به على " يتفعل " ثم ~~أدغم كأنه يتكلف شيئا بعد شيء، وكله لا يطيقه. # / ومن قرأ (يصاعد) أراد " يتصاعد " ، ثم أدغم، ومعناه: كأنه يتعاطى ما ~~لا يقدر عليه، لأن الله قد خذله عن أن يقبل الإيمان، وضيق صدره عن ~~قبوله. # وتحقيق معنى { ضيقا حرجا } - فيمن كسر -: ضيقا جدا، كقولك: " ~~مريض دنف ". ومن فتح فمعناه: ضيقا ذا حرج، كقولك: " رجل عدل " ، أي: ~~ذو عدل. # (والرجس) هنا: " ما لا خير فيه " ، قاله مجاهد. # وقال ابن زيد: " الرجس: عذاب الله ". # وقال بعض البصريين: الرجز والرجس: ms0748 العذاب والرجس (و) النجس: ~~الشيء القذر. وقيل: " الرجس: اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة ". ### || [6.126-127] # قوله: { وهذا صراط ربك مستقيما } الآيتان. # المعنى: وهذا الذي بينا لك في هذه السورة وغيرها، { صراط ربك ~~} أي: طريق ربك، ودينه الذي جعله مستقيما، { قد فصلنا الآيات } ~~أي: بيناها لقوم يذكرون. # (و) قال ابن عباس: " يعني به الإسلام ". # وقوله: { لهم دار السلم } أي: للقوم الذين يذكرون دار ~~السلام، والسلام: اسم من أسماء الله. # فالله هو السلام، والدار: الجنة. وقيل: المعنى: دار السلامة أي: الدار ~~التي يسلم فيها من الآفات. # { وهو وليهم } أي: والله ناصرهم بعملهم، أي: جزاء بعملهم. # { مستقيما } تمام. ### || [6.128] # قوله: { ويوم يحشرهم جميعا يمعشر الجن } الآية. # { جميعا } نصب على الحال. والمعنى: واذكر يوم نحشر هؤلاء العادلين ~~(و) أولياءهم من الشياطين، { يمعشر الجن } أي: يقول لهم: يا ~~معشر الجن، ومعنى { قد استكثرتم من الإنس } أي: قد ~~استكثرتم من إضلال الإنس. # { وقال أوليآؤهم } أي: أولياء الشياطين من الإنس، { ربنا ~~استمتع بعضنا ببعض } ومعنى الاستمتاع هنا: (أن) الرجل كان ~~في الجاهلية ينزل الأرض فيقول: " أعود بكبير هذا الوادي " ، فهذا استمتاع ~~الإنس. وأما استمتاع الجن فهو تشريف الإنس لهم واستعاذتهم بهم واعتقادهم ~~أن الجن يقدرون على ذلك. # وقيل: معنى الاستمتاع: أن الجن أغوت الإنس، وقبلت الإنس منها. # وقيل: المعنى: أن الإنس تلذذوا بقبولهم من الجن، (وأن الجن) تلذذوا ~~بطاعة الإنس لهم. # وقالوا: { وبلغنآ أجلنا الذي أجلت لنا } وهو الموت. ~~(قال) الله: { النار مثوكم } أي: مقامكم بها خالدين. # وقوله: { إلا ما شآء الله } استثناء ليس من الأول، والمعنى: ~~إلا ما شاء الله من الزيادة في عذابكم. وسيبويه يمثل هذا بمعنى " لكن ~~". والفراء يمثله بمعنى: " سوى ". # ومثله في " هود ": { إلا ما شآء الله } أي: ما شاء من الزيادة، ~~وقال الزجاج: معنى الاستثناء هنا إنما هو: إلا ما شاء ربك من ~~محشرهم ومحاسبتهم. وقال الطبري: المعنى فيه أنه استثنى مدة محشرهم من ~~قبورهم الى مصيرهم الى جهنم، فتلك المدة التي استثنى الله تعالى من ~~خلودهم في النار. (و) قال ابن ms0749 عباس: جعل الله أمر هؤلاء القوم في ~~مبلغ عذابه إلى مشيئته، وروي عنه أنه قال: هذه آية لا ينبغي لأحد أن يحكم ~~على الله في خلقه، لا ينزلهم جنة ولا نارا. وقال: هذا الاستثناء لأهل ~~الايمان. # { إن ربك حكيم عليم } العليم: هو العالم الذي كمل فيه علمه، ~~والحكيم: / الذي قد أكمل في حكمته، ويكون " الحكيم ": الحاكم، أو بمعنى ~~الحكم. ### || [6.129] # قوله: { وكذلك نولي بعض الظلمين بعضا } الآية. # المعنى: وكما فعلنا بهؤلاء ما ذكرنا، نجعل بعضهم لبعض وليا على الكفر ~~بالله، استدراجا لهم وجزاء على مخالفتهم أمر الله، وما اجترحوا من ~~المعاصي. # قال مجاهد: يجعل بعضهم وليا لبعض. وقال قتادة: المؤمن ولي المؤمن أين ~~كان وحيث كان، والكافر ولي الكافر أين كان وحيث كان. # وقيل: المعنى: يتبع بعضهم بعضا في النار. قال ابن زيد: المعنى: يسلط ~~ظلمة الجن على ظلمة الإنس. وقيل: المعنى: يجعل ظلمة الجن ~~أولياء لظلمة الإنس جزاء بما كانوا يكسبون، وهذا كقوله: # ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا ~~فهو له قرين # [الزخرف: 36] الى # فبئس القرين # [الزخرف: 38]. ### || [6.130] # قوله: { يمعشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل } ~~(الآية). # معنى الآية: أنها خبر من الله ما هو قائل لهم يوم القيامة، ومعنى: { ~~يقصون عليكم آياتي } أي: يخبرونكم بحجتي وأدلتي على توحيدي، ~~{ وينذرونكم لقآء يومكم هذا } أي: يحذرونكم لقاء عذاب ~~يومكم هذا، وهذا تقريع يكون لهم يوم القيامة على ما سلف منهم. # قال الضحاك: أرسل الله إلى الجن رسلا منهم بدلالة هذه الآية { ألم ~~يأتكم رسل منكم }. # وقيل: معناه: أن (منكم) للإنس خاصة، والرسل من الإنس لا غير، ~~وهذا كقوله: # يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان # [الرحمن: 22]، واللؤلؤ إنما يخرج من الملح دون العذب. # وتأول ابن عباس أن رسل الإنس رسل من الله، ورسل الجن رسل (رسل) الله ~~منهم، وهم النذر، وهم الذين سمعوا القرآن ولوا إلى قومهم منذرين. ~~فهذا قول حسن. # وقيل: إنه لما كانت الإنس والجن تخاطب وتعقل، قيل: { رسل منكم } ~~وإن كان من أحد النوعين، ومعنى (منكم): أي: منكم في ms0750 الخلق والتكليف ~~والمخاطبة. # (و) قرأ الأعرج { ألم يأتكم } بالتاء، على تأنيث المخاطبة. # وقوله: { قالوا شهدنا } أخبر الله عنهم بما يقولون يوم القيامة ~~إذا قيل لهم ذلك، ومعنى الشهادة: أنهم شهدوا أن الرسل قد أتتهم بآياته ~~وأنذرتهم عذابه، ولم يؤمنوا، { وغرتهم الحياة الدنيا } ~~أي: غرتهم زينتها فلم يؤمنوا، { وشهدوا على أنفسهم } ~~(بالكفر). ### || [6.131-132] # قوله: { ذلك أن لم يكن ربك (مهلك) القرى ~~(بظلم) } إلى { (يعملون) } [الآيتان]. # { ذلك } في موضع رفع على معنى: الأمر ذلك، هذا مذهب سيبويه. وهو عند ~~الفراء في موضع نصب، (المعنى: فعل) ذلك. # والمعنى: لم يكن ربك - يا محمد - مهلك القرى بشرك من أشرك وأهل القرى ~~غافلون عن شرك من أشرك، فمعنى { بظلم }: بشرك قوم آخرين فيهم، وهذا ~~مثل: # ولا تزر وازرة وزر أخرى # [فاطر: 18]. # وقيل: المعنى: لم يكن الله يعاجل قوما بالعقوبة قبل أن يرسل إليهم ~~الرسل، ولم يكن بالذي يأخذهم غفلة، [فيقولوا]: ما جاءنا من بشير ولا ~~نذير، فيظلمهم. # وقوله: { ولكل درجت مما عملوا } أي: ولكل عامل - في ~~طاعة أو معصية - منازل ومراتب يبلغه الله إياها، إن خيرا فخيرا وإن ~~شرا (فشرا) وليس الله بغافل عما يعملون. # وروي عن النبي أنه قال: # " الدرجة في الجنة فوق الدرجة كما بين السماء والأرض، وإن ~~العبد - من أهل الجنة - ليرفع بصره فيلمع له برق يكاد ~~يخطف بصره، فيقول: ما هذا؟ فيقال له: هذا نور أخيك فلان. فيقول: ~~أخي فلان!، كنا في الدنيا نعمل جميعا، وقد فضل علي هكذا! ~~فيقال: إنه أفضل منك عملا. ثم يجعل في قلبه الرضى ~~فيرضى بمنزلته ". ### || [6.133] # قوله: { وربك الغني ذو الرحمة } الآية. # المعنى: وربك - يا محمد - الغني عن عبادة من أمره بالعبادة، وطاعة ~~من أمره بالطاعة؛ وهم المحتاجون إليه، لأن بيده موتهم وحياتهم ورحمتهم ~~وعقابهم. # وقوله: { إن يشأ يذهبكم } معناه: إن يشأ الذي خلق خلقه ~~لغير حاجة منه إليهم، يذهبهم، أي: يهلكهم، { ويستخلف من ~~بعدكم ما يشآء } (أي) يأتي بخلق غيرهم. { كمآ أنشأكم ~~من ذرية قوم آخرين }: أي: أنشأكم مكان خلق آخرين، لم ~~يرد أنهم ms0751 من أصلاب قوم آخرين، انما المعنى: مكانهم. كما تقول: " أعطيتك ~~من دينارك ثوبا " ، بمعنى: مكان الدينار ثوبا، وليبس معناه: أن الثوب ~~بعض الدينار. # وقرأ زيد بن ثابت (ذرية) بالكسر، وقرأ أبان بن عثمان (ذرية) بفتح ~~الذال وتخفيف الراء. ### || [6.134] # قوله: { (إن ما) توعدون لآت } الآية. # المعنى: أن الذي توعدون به - أيها المشركون - آت، أي: واقع بكم، { ~~ومآ أنتم بمعجزين } أي: ليس تعجزون ربكم هربا، (أنتم) في ~~قبضته. ### || [6.135] # قوله: { قل يقوم اعملوا على مكانتكم } الآية. # المعنى: قل لهم يا محمد: اعملوا على مكانتكم: أي: على حيالكم وناحيتكم. # وقال القتبي: " على موضعكم ". # وتحقيق معناه: اعملوا على ما أنتم عليه، كما تقول للرجل: " اثبت مكانك " ~~، أي: اثبت على ما أنت عليه. # وفي الكلام تهديد، فلذلك جاز أن يؤمروا بالثبات على ما هم عليه، وهو ~~الكفر، إنما هو توعد وتهديد، كما قال: # فليضحكوا قليلا # [التوبة: 82]، ودل على ذلك قوله: { (فسوف) تعلمون من تكون ~~له عقبة الدار } ، فالمعنى: اثبتوا على ما أنتم عليه إن رضيتم ~~بالنار، فأنا عامل بما أمرني به ربي، فسوف تعلمون غدا من هو على الحق، ~~وتكون له العاقبة الحسنة، { إنه لا يفلح الظلمون }. # وقوله: { من تكون }: (من) في موضع رفع على أنه استفهام، وفعل " ~~العلم " معلق، والجملة في موضع المفعولين. ويجوز أن تكون (من) في موضع ~~نصب، وهي بمعنى: " الذي " ، ويكون { تعلمون } بمعنى: " تعرفون " ، ~~(و) يتعدى الى مفعول واحد. ### || [6.136] # قوله: { وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث ~~(والأنعم نصيبا) } الآية. # المعنى: أنه حكاية عما كان يعمل أهل الجاهلية: # كانوا يجعلون لله نصيبا من حرثهم وأنعامهم، ولآلهتهم وشياطينهم ~~(نصيبا، وهو) شركاؤهم من الأوثان والشياطين: قال ابن عباس: كانوا يجعلون ~~الطعام حزما، يجعلون منها لله، ومنها لآلهتهم، فكان إذا هبت الريح من ~~نحو الذي جعلوه لآلهتهم إلى الذي جعلوه لله، ردوه الى الذي جعلوه لآلهتهم ~~/، وإذا هبت الريح من نحو الذي جعلوه لله إلى الذي جعلوه لآلهتهم، لم ~~يردوه، فذلك قوله: { سآء ما يحكمون } أي: ساء الحكم في حكمهم، ~~قال: وكذلك جعلوا ms0752 من ثمرهم نصيبا لله، ونصيبا للشياطين ولأوثانهم، فإن ~~سقط من نصيب الله شيء في نصيب الأوثان تركوه، وإن سقط من نصيب الأوثان ~~(شيء في نصيب الله) ردوه في نصيب الأوثان، وإن انفجر من سقي ما جعلوه ~~لله في نصيب الشيطان والأوثان تركوه، وإن انفجر من سقي ما للأوثان في ~~نصيب الله ردوه (وسدوه)، فهذا ما جعلوا من الحرث، وأما الأنعام: ~~فهو جعلهم البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي، وقد ذكر ذلك في " المائدة ~~". # وقال السدي: كانوا يزرعون زرعا يجعلونه لله يتصدقون به، ويزرعون آخر ~~يجعلونه لآلهتهم وينفقونه عليها، فاذا أجدب ما لآلهتهم، أخذوا ما كان ~~لله فأنفقوه على آلهتهم، وإذا أجدب ما كان لله، لم يأخذوا مما لآلهتهم ~~شيئا، (و) يقولون: " لو شاء الله لزكى الذي له ". # وقال ابن زيد: كل شيء جعلوه لله من ذبح لا يأكلونه حتى يذكروا عليه اسم ~~الآلهة، وما كان من ذبح للآلهة لا يذكرون عليه اسم الله. # وفي الكلام حذف، والمعنى: " من الحرث والأنعام نصيبا، وجعلوا ~~لأصنامهم نصيبا " ، ودل على ذلك قوله: { وهذا لشركآئنا }. # والفتح في " الزعم " لغة أهل الحجاز، والضم: لغة بني أسد، والكسر: لغة ~~تميم وقيس، وقد أنكر أبو حاتم الكسر، وحكاه الكسائي والفراء. ### || [6.137] # قوله: { وكذلك زين لكثير من المشركين قتل ~~أولدهم شركآؤهم } الآية. # روي عن ابن عامر (زين) بالضم، (قتل) بالرفع: اسم ما لم يسم ~~فاعله، (أولادهم) بالخفض على الإضافة، (شركاؤهم) بالرفع على إضمار ~~فعل دل عليه (زين)، كأنه قيل: زينه شركاؤهم، وحكى النحويون أنه ~~يجوز: " ضرب زيد عمرو " ، كأنه قيل: " ضربه عمرو " ، كما ~~قال (الشاعر): # ليبك يزيد ضارع لخصومة. # كأنه قال: يبكيه ضارع. # وروى أبو عبيد عن ابن عامر (زين) بالضم مثل الأول، (قتل) بالرفع، ~~(أولادهم) بالنصب، (شركائهم) بالخفض على التفريق بين المضاف والمضاف ~~اليه، وهو بعيد في الكلام، وبذلك قرأنا لابن عامر، وهي رواية الشاميين ~~عنه، وإنما يجوز في (الظرف وحروف) الخفض. وقد روي بيت يجوز ذلك فيه وهو: # فزججتها متمكنا زج القلوص أبي مزاده وهو بعيد. # وقد روي عن ms0753 ابن عامر أيضا مثل القراءة الأولى، إلا أنه خفض الشركاء مع ~~خفض " الأولاد " ، فهذا يجوز على أن تبدل " الشركاء " من " الأولاد " ، ~~لأن الأولاد شركاؤهم في النسب والميراث. # وأما قراءة الجماعة بفتح الزاي، ونصب (قتل)، وخفض " الأولاد " ، ورفع ~~" الشركاء " فهو ظاهر الكلام ووجهه. # ومعنى الآية: (و) كما زين لهؤلاء أن جعلوا لله نصيبا، ولآلهتهم نصيبا، ~~فحكموا فيه بما لا يجب، كذلك زين لكثير من المشركين قتلهم: أن قتلوا ~~أولادهم خيفة العيلة، وهو وأد البنات { ليردوهم } أي: ~~ليهلكوهم، / { وليلبسوا عليهم } أي: فعلوا ذلك (بهم) ليخلطوا ~~عليهم دينهم) فيضلوا، { ولو شآء الله ما فعلوه }: أي: ~~لوفقهم إلى الصواب، ولكن خذلهم فقتلوا أولادهم وأطاعوا الشياطين. ولم ~~يضطرهم إلى ذلك، إنما خذلهم وحال بينهم وبين التوفيق. # قوله: { فذرهم وما يفترون } هذا تهدد وتوعد من الله لهم، ~~أي: ذرهم - يا محمد - وما يكذبون، فإني لهم بالمرصاد. ### || [6.138] # قوله: { وقالوا هذه أنعم وحرث حجر } الآية. # قرأ أبان بن عثمان (حجر) بالضم (للحاء والجيم). وقرأ قتادة والحسن ~~(حجر) بضم الحاء وإسكان الجيم. وهي لغات في (حجر). # والحجر: الحرام، يقال: حجر وحجر وحجر، وفيها لغة أخرى وهي " ~~حرج " بتقديم الراء، مثل: " جبذ " و " جذب ". # وقيل: معنى " حرج ": ضيق، من قولهم: " فلان يتحرج " أي: يضيق ~~على نفسه. # وعن ابن عباس: (وحرث حرج الراء قبل الجيم، وكذا في مصحف أبي، ~~ومعناه ما ذكرنا. # ومعنى الآية: أن الله حكى عن المشركين أنهم يحرمون ويحللون من عند ~~أنفسهم تخرقا منهم وتقولا بما لم ينزل الله ولا أمر به، و " ~~الحرث " - هنا - (هو) ما ذكر في الآية الأولى من جعلهم لله ثم يردونه إلى ~~آلهتهم، و (الانعام: قيل) إنهم كانوا يجعلون لله أنعاما، فإذا ولدت ~~الأنثى أكلوه، ويجعلون لآلهتهم أنعاما، فإذا ولدت الأنثى عظموه، ويأكلون ~~الميتة مما لله. وقيل: الأنعام هنا (هي) البحيرة وما بعدها مما ذكر في " ~~المائدة ". # والحجر: الحرام، ومنه: # ويقولون حجرا محجورا # [الفرقان: 22] أي: حراما محرما. # { وأنعم حرمت ظهورها } هو الحامي: وقيل: هي البحيرة ~~كانوا لا يحجون عليها. والحامي: البعير الذي ms0754 يحمى ظهره، وهو الذي قد ألقح ~~ولد ولده، فلا يركب ولا يجز (له وبر)، ولا يمنع من مرعى، وأي إبل ضرب ~~فيها لم (يمنع منها). # والبحيرة: هي التي يبحر أذنها، أي: يشق، ويحرم لحمها على الرجال ~~والنساء. وقيل: البحيرة: ابنة السائبة. والسائبة: الناقة كانت إذا نتجت ~~سبعة أبطن سيبت فلم تركب ولم يجز لها وبر، وبحرت أذن ابنتها وأجريت ~~مجراها. وقد ذكر هذا في " المائدة " بأشبع من هذا. # وقوله: { وأنعم لا يذكرون اسم الله عليها }: هو ~~ما ذبحوه لآلهتهم، لا يذكرون اسم الله [عليه]. وقوله: { إلا من ~~نشآء بزعمهم } كانوا يذبحون أشياء لا يأكلها إلا خدمة الأصنام. ~~وقيل: كانت البحيرة لا تركب ولا يحمل عليها شيء ذكر عليه اسم الله. # { افترآء عليه } أي: كذبا على الله، سيجزيهم بكذبهم. # وقد روي عن الدوري عن الكسائي (افتراء) بالإمالة، والفتح أشهر، وكذلك ~~ذكر أبو الحارث عن الكسائي، (قال الكسائي) لأنه مصدر لا أميله. ### || [6.139] # قوله: { وقالوا ما في بطون هذه الأنعم } الآية. # قوله: { خالصة }: أنثت (ما) لتأنيث (الأنعام)، لأن ما في ~~بطونها ملتبس بها، كما قال: # (مشين كما اهتزت رماح) تسفهت # أعاليها مر الرياح النواسم # فأنث، لأن المر من الرياح، هذا قول الفراء. وقال الكسائي والأخفش: ~~دخل التأنيث للمبالغة. وقيل: " التأنيث على معنى (ما)، / والتذكير على ~~اللفظ " ، كذا قرأ ابن عباس (خالصه) بالتذكير، والمعنى: ما خلص منه ~~حيا لذكورنا. # { ومحرم على أزوجنا } يعني الإناث ". # وقرأ الأعمش (خالص) بغير هاء، على التذكير على اللفظ، ولأن بعده { ~~ومحرم }. # وهذه الآية - في قراءة الجماعة - أتت على خلاف نظائرها في القرآن، لأن ~~ما يحمل على اللفظ مرة وعلى المعنى مرة، إنما يتقدم أولا الحمل على ~~اللفظ ثم يليه الحمل على المعنى، نحو: # من آمن بالله # [البقرة: 62] ثم قال: # فلهم أجرهم # [البقرة: 62]، ونحو # ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها # [الرعد: 15] ثم قال: # وظلالهم # [الرعد: 15]، وهو كثير، هكذا يأتي في القرآن وكلام العرب، يتقدم الحمل ~~على اللفظ، ثم يحمل بعد ذلك على المعنى. وهذه الآية تقدم الحمل ms0755 (فيها) ~~على المعنى فقال: (خالصة)، ثم حمل بعد ذلك على اللفظ فقال { ~~ومحرم }. ومثله قوله: # كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها # [الإسراء: 38]، فقال أولا (سيئة) فأنث وحمل على معنى (كل)، لأنها اسم ~~لجميع ما تقدم مما نهى عنه من الخطايا، ثم قال بعد ذلك (مكروها)، ~~فذكر على لفظ (كل)، وهذا إنما هو على قراءة نافع ومن تابعه. وكذلك # ما تركبون * لتستووا على ظهوره # [الزخرف: 12-13]، فجمع " الظهور " حملا على معنى (ما)، ووحد الهاء ~~حملا على لفظ (ما). وحكي عن العرب: " ليت هذا الجراد قد ذهب فأراحنا ~~(من) أنفسه " ، فجمع " الأنفس " ووحد الهاء وذكرها. # ومن قرأ (يكن) بالياء، رده على لفظ (ما)، ورده أيضا على ما بعده، ~~لأن بعده (فهم فيه)، ولم يقل: " فيها " ، والمعنى: (وإن) يكن ما في ~~بطونها ميتة. # ومن رفع (ميتة) جعل " كان " بمعنى " وقع " ، وقال الأخفش: التقدير: ~~" وإن تكن في بطونها ميتة " ، جعل الخبر محذوفا. # ومن قرأ بالتاء، أنث على معنى (ما). وقيل: التقدير: " وإن تكن النسمة ~~ميتة ". # و (هي لما) في بطون الأنعام التي يسمونها الوصيلة، وهي الشاة: كانت إذا ~~ولدت ستة أبطن: عناقين (عناقين)، وولدت في السابع عناقا وجديا، ~~قالوا: وصلت أخاها، فكان لبنها حلالا للرجال حراما للنساء، فإن ماتت ~~أحل لحمها للرجال والنساء، فعابهم (الله) بهذه الأحكام التي لم يؤمروا ~~بها. # ومعنى الآية - في قول ابن عباس - أن الذي ذكروه مما في بطون الأنعام: هو ~~اللبن، جعلوه حلالا للذكور، (وحراما على الإناث. # قال قتادة: هو ألبان البحائر، حللوه للذكور)، وحرموه على الإناث، وإن ~~يكن ميتة اشترك فيه الذكور والإناث. قال ابن عباس: كانت الشاة اذا ولدت ~~ذكرا وذبحوه، أكله الرجال دون النساء، وإن كانت أنثى تركت فلم تذبح، ~~(وإن) كانت ميتة فهم فيه شركاء. قال السدي وغيره: عنى بذلك ما في بطون ~~الأنعام من الحمل، إن ولد حيا، فهو للرجال دون النساء، وإن ولد ميتا ~~أكله الرجال والنساء. # والأزواج هنا: نساؤهم. وقال ابن زيد: الأزواج هنا: بناتهم. { ~~سيجزيهم وصفهم } أي: سيكافئهم وصفهم، أي: ms0756 على وصفهم، وهو ~~قولهم الكذب، قال قتادة: وصفهم: كذبهم، أي: يجزيهم عليه. ### || [6.140] # قوله: { قد خسر الذين قتلوا أولدهم } / الآية. # المعنى: قد هلك الذين قتلوا أولادهم وحرموا ما رزقهم الله، وهم الذين ~~تقدم ذكرهم، وقوله { سفها } أي: جهلا منهم، افتراء عليه، أي: كذبا ~~عليه وتخرصا، { قد ضلوا } أي: تركوا الحق في فعلهم، { وما ~~كانوا مهتدين } أي: لم يهتدوا الى الحق في فعلهم ذلك، ولا وقفوا ~~له. # قال قتادة: نزلت فيمن يئد البنات من ربيعة ومضر، كانوا يقتلون بناتهم ~~خوف السباء والفاقة، ونسبوا البنات إلى الله، تعالى عن ذلك علوا كبيرا، ~~وقوله: { وحرموا ما رزقهم الله }: هو تحريمهم أكل البحيرة ~~والسائبة والوصيلة والحامي. ### || [6.141] # قوله: { وهو الذي أنشأ جنت معروشت } الآية. # هذه الآية إعلام من الله وتذكير لعباده بنعمه، ومعنى { أنشأ } أحدث ~~وابتدع، الجنات وهي البساتين، والمعروشات: ما عرش كهيئة الكرم { ~~وغير معروشت }: ما لم يعرش. # وقيل: المعروشات: ما غرس الناس، وغير معروشات: ما نبت في البر والجبال ~~من غير غرس (الناس) له من الثمرات. وقيل: معروشات: " عليها حيطان ". # { والنخل والزرع } أي: وأنشأ ذلك. { مختلفا } أي: مقدرا ~~فيه الاختلاف ولم ينشأ في أول مرة مختلف، وهذا كما تقول: " لتدخلن ~~الدار آكلين شاربين " ، أي: مقدرين ذلك. # والمعنى: " مختلفا ما يخرج منه مما يؤكل ". { والزيتون ~~والرمان } أي: وأنشأ الزيتون والرمان { متشبها } ((أي)) في ~~اللون والمنظر، { وغير متشبه } ((أي)) في الطعم. وقيل: المعنى: ~~أن منه ما يشبه بعضه بعضا في الطعم، ومنه ما لا يشبه بعضه بعضا في ~~الطعم والمنظر. { كلوا من ثمره } أي: من رطبه (وعنبه). # قوله: { حصاده }: بالفتح تميمية، وبالكسر حجازية. # وقوله: { وآتوا حقه يوم حصاده }: قال سعيد بن جبير: هذا ~~منسوخ بالزكاة، وهو قول عكرمة، وبه يقول الطبري. # و " قال الضحاك: نسخت الزكاة كل صدقة في القرآن ". # وقال ابن عباس: هو منسوخ بالسنة، بقول النبي: العشر ونصف العشر، وهو قول ~~السدي وابن الحنيفة والنخعي؟. # وروى أبو سعيد الخدري أن النبي عليه السلام قال: # " هو ما يسقط من السنبل " # والآية - على هذا ms0757 - ندب. # وقال أنس بن مالك: هي محكمة، والمراد بها الزكاة المفروضة، وهو قول ~~الحسن وابن المسيب وجابر بن زيد وعطاء وقتادة وزيد بن أسلم، وهو مروي عن ~~مالك. # واختلف فيه أصحاب الشافعي: فمنهم من تأول عنها أنها منسوخة، لأنه ليس ~~في الرمان ولا في شيء من الثمار زكاة إلا في النخل والكرم. ومنهم من قال: ~~هي محكمة على تأويل مذهبه. # وقال سفيان: الآية في شيء آخر سوى الزكاة، وهو أن [يدع] المساكين لما ~~يسقط من الحصادين، (وهي) محكمة. و (قد) قيل: إنها على الندب. # وقد عورض من قال: إنها في الزكاة المفروضة، بأن هذه الآية مكية ~~والسورة كذلك، ولم يختلف العلماء أن الزكاة إنما فرضت بالمدينة، ولو ~~كانت الزكاة المفروضة لوجب أن تعطى وقت الحصاد على نص الآية وقد جاءت ~~السنة أن الزكاة لا تعطى إلا بعد الكيل. # وفي / الآية: { ولا تسرفوا } فلا يجوز أن يكون هذا في الزكاة، ~~لأنها معلومة محدودة، ويجب أن تكون الزكاة في كل الثمر ولو كانت في ~~الزكاة المفروضة، وهذا لا يقوله أحد، وقد قال أبو حنيفة: إن في كل ما ~~أخرجت الأرض الزكاة إلا الحطب والحشيش والقصب. # فخص الآية ولم يجرها على عمومها، وتفرد بذلك. # وروي أن قوله { ولا تسرفوا } نزل في ثابت بن قيس لما صرم نخله ~~خلى بين الناس وبينه كله فلم يبق لأهله شيئا منه، فنزل { ولا ~~تسرفوا } ، أي: في العطاء فتبقوا لا شيء لكم. # ولم يختلف العلماء أن في أربعة أشياء الزكاة: الحنطة والشعير والتمر ~~والزبيب. # وجماعة منهم على أنه لا تجب الزكاة إلا في هذه الأربعة، وهو قول الحسن ~~والشعبي والثوري وابن المبارك وابن أبي ليلى والحسن بن صالح وابن سيرين ~~ويحيى بن آدم وغيرهم. # وزاد ابن عباس على هذه الأربعة: الزيتون (والسلت. # وزاد الزهري على هذه الأربعة: الزيتون) والحبوب كلها. وهو قول عطاء وعمر ~~بن عبد العزيز ومكحول ومالك والأوزاعي والليث، وهو قول الشافعي بالعراق، ~~ثم رجع بمصر. عن الزيتون فلم ير فيه زكاة، قال: لأنه أدم وليس ms0758 ~~يؤكل بنفسه. # وهذا كله يدل على أن الآية منسوخة، إذ ليس أحد منهم أوجب ظاهر نص ~~الآية. ومن قال: إنها محكمة وإنها في شيء غير الزكاة، احتج بحديث ~~رواه الخدري عن النبي عليه السلام أنه فسره فقال: # " ما سقط عن السنبل " # وهذا الحديث، لو صح لكان منسوخا بالإجماع، لأنه قد أجمع على أنه لا فرض ~~في المال سوى الزكاة. # فأما من قال بالندب فهو جائز، إلا أن قائله غير معروف. ومعنى { ولا ~~تسرفوا } - عند ابن المسيب -: لا تمتنعوا من الزكاة المفروضة. # وقال أبو العالية: كانوا يعطون حتى يجحفون في الإعطاء، فأنزل الله { ~~ولا تسرفوا } ، وهذا قبل فرض الزكاة. قال السدي: لا تعطوا ~~أموالكم فتقعدوا فقراء. # قال ابن جريج: نزلت في ثابت بن قيس جد نخلا (له)، فحلف ألا يأتيه ~~أحد إلا أعطاه، فأمسى ليست له ثمرة فأنزل الله { ولا تسرفوا }. # وقال مجاهد: ((و) لا تسرفوا): لا تحرموا ما حرمت الجاهلية من الحرث ~~والأنعام. # وقال ابن زيد: هذا للسعاة، أي: لا تأخذوا للولاة ما لا يجب على الناس. # قال أصبغ بن الفرج: (و) لا تسرفوا) (أي) لا تأخذوه بغير حقه ولا ~~تضعوه في غير حقه. ### || [6.142] # قوله: { ومن الأنعم حمولة وفرشا } (الآية). # { حمولة } منصوبة ب (أنشأ)، أي: وأنشأ من الأنعام حمولة وفرشا ~~مع ما أنشأ من الجنات. # والحمولة: ما حمل عليه من الإبل، والفرش: الصغار التي لم يحمل عليها ~~بعد، وقيل: الحمولة: الإبل والبقر التي يحمل عليها. # وقيل: هي ما حمل عليه من الإبل والخيل والبغال وغير ذلك، والفرش: ما لم ~~يحمل عليه من الصغار، وقيل: الفرش الغنم قاله ابن عباس وقتادة وغيرهما. ~~وقال السدي: الفرش: الفصلان والعجاجيل والغنم، وما حمل عليه فهو " حمولة ~~". قال ابن زيد: " الحمولة ": ما تركبون، والفرش: ما تأكلون وتحلبون ". # وقيل: الحمولة المذللة للحمل، والفرش: ما / خلقه الله من الجلود ~~والصوف مما يتمهد عليه ويتوطأ به. # ومما يدل على أنها الإبل والبقر والغنم قوله: # ثمنية أزوج # [الأنعام: 143] بعده، فجعل: { ثمنية } بدلا من { حمولة } ، ~~ثم فسرها بالإبل والبقر ms0759 والغنم. فلا معنى للصوف والجلود في قوله: { ~~كلوا مما رزقكم الله } الآية: هذا (أمر للمؤمنين)، معناه: ~~الإباحة لهم بأن يأكلوا من ثمراتهم وحروثهم ولحوم أنعامهم، ولا يحرموا ما ~~حرم المشركون، ثم قال: { ولا تتبعوا خطوت الشيطن } ~~كما اتبعها هؤلاء، بحروا البحائر وسيبوا السوائب. ومعنى { خطوت ~~الشيطن } أي: طرقه التي يتخطى فيها الحلال إلى الحرام والأنعام: ~~الإبل. وقيل: الإبل والبقر والغنم. وقيل: هي كل ما أحله من الحيوان. ### || [6.143-144] # قوله: { ثمنية أزوج } الآية. # في نصب { ثمنية } خمسة أقوال: # - قال الكسائي: (هو) منصوب ب # أنشأ # [الأنعام: 141]. # - وقال الأخفش: نصبه على البدل من # وفرشا # [الأنعام: 142] - وإن شئت: على الحال. # - وقال علي بن سليمان: (هو) منصوب ب { كلوا } ، أي: كلوا [لحم] ~~ثمانية أزواج. # - وقيل: هو منصوب على البدل من (ما) على الموضع. # وقوله: { اثنين } بدل من (ثمانية، وكذا { ومن المعز ~~اثنين }. # وقرأ أبان بن عثمان: (من الضأن اثنان) برفع " الاثنين " على ~~الابتداء والخبر. # ومعنى الآية: أن الله نبه المؤمنين على ما أحل لهم لئلا يكونوا ~~كمن ذكر ممن يحرموا ما أحل الله. ومعنى: { ثمنية أزوج } أي: ~~أفراد لأن كل فرد يحتاج الى غيره، فهو زوج، والثمانية الأزواج قد فسرها ~~(تعالى)، وهي الضأن والمعز والإبل والبقر، وسماها ثمانية وهي أربعة، لأن ~~(كل) واحد: ذكر وأنثى، ألا ترى إلى قوله: { من الضأن اثنين } ~~أي: ذكر وأنثى، وكذلك: { ومن المعز اثنين } ، وما بعده مثله. ~~وقوله: { قل ءآلذكرين حرم (أم) الأنثيين } أي: ما ~~الذي حرم عليكم فيما زعمتم: (أذكر) الضأن والمعز، أم أنثى الضأن ~~والمعز؟، فإن كان التحريم من جهة الذكر فيجب أن تحرموا على أنفسكم كل ~~ذكر، وأنتم تستمتعون ببعض الذكور وتأكلونه، وإن كان من جهة الأنثى فحرموا ~~كل أنثى، أم حرم عليكم ما اشتملت عليه أرحام (الانثيين؟، فيلزمكم أن ~~تحرموا كل ما اشتملت (عليه) الأرحام، فتحرموا الذكر والأنثى. # قال الطبري: أمر الله نبيه أن يقول لهم ذلك، فإن ادعوا تحريم الذكرين ~~أوجبوا تحريم كل ذكر من ولد الضأن والمعز، وهم لا يفعلون ذلك، بل ~~يستمتعون بلحوم ms0760 بعض الذكران وظهورها، وإن قالوا: الأنثيين، أوجبوا تحريم ~~كل أنثى من ولد الضأن والمعز على أنفسهم، وهم لا يفعلون ذلك، وإنما هذا ~~إبطال لما ادعوا أن الله حرم عليهم ذلك. # { نبئوني بعلم } أي: أخبروني عن علم { إن كنتم صدقين ~~}. # ثم قال: { أم كنتم شهدآء إذ وصكم الله } الآية. # أي: أجاءكم به نبي، أم حضرتم ربكم إذ أمر بهذا، فسمعتم ذلك منه، وهذا ~~على التبكيت لهم والقطع لحجتهم، ثم قال: { فمن أظلم ممن ~~افترى على الله } أي: اخترق الكذب { ليضل الناس ~~بغير علم } أي: من أشد ظلما منه. ### || [6.145] # قوله: { قل لا أجد في مآ أوحي إلي } الآية. # المعنى: قل لهم يا محمد: لست أجد شيئا قد حرمه الله على / آكل يأكله - ~~فيما أوحي إلي من كتاب الله - إلا الميتة، والدم المسفوح - وهو الجاري ~~السائل - ولحم الخنزير، وما ذبح للأصنام والأوثان: وهو قوله: { أو ~~فسقا أهل لغير الله به } # ثم قال تعالى: { فمن اضطر غير باغ } (أي) إلى أكل هذا ~~المحرم، { غير باغ }: (أي يبغي) الميتة، { ولا عاد } في الأكل. ~~وقيل: باغ على المسلمين، من خرج لقطع السبيل، فليس له اذا جاع أن يأكل ~~الميتة، قال ابن جبير. قال ابن عباس: من أكل الميتة غير مضطر فقد بغى ~~واعتدى. وقد تقدم ذكر هذا في سورة البقرة. # ومن قرأ (تكون) بالتاء ونصب { ميتة } فتقديره: إلا أن { يكون } ~~المأكولة ميتة. # ومن قرأ بالتاء ورفع " الميتة " جعل " كان " بمعنى " وقع " ، وعطف { ~~أو دما } على (أن) المستثناة. # والرجس هنا: النجس. # وفي هذه الآية خمسة أقوال: # - قيل: إنها منسوخة بالسنة، لأن النبي عليه السلام قد حرم لحوم الحمر ~~الأهلية وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير. والآية تدل على أنه ~~لا محرم إلا ما فيها. وهذا قول مردود، لأنه خبر، والأخبار لا تنسخ. # - وقيل: إن الآية محكمة ولا حرام إلا ما فيها. وهو قول ابن جبير ~~والشعبي، وبه قالت عائشة: لا حرام إلا ما في الآية. # - وقال الزهري ومالك بن أنس وغيرهما. الآية ms0761 محكمة، ويضم ما سنه ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون داخلا في المحرمات. # والقول الرابع: إن الآية جواب لقوم سألوا عن أشياء فأجيبوا عنها، ثم ~~بين النبي عليه السلام تحريم ما لم يسألوا عنه، ودل على ذلك قوله تعالى: # ويحرم عليهم الخبآئث # [الأعراف: 157]. فالنبي عليه السلام يحرم بالوحي الذي في القرآن، ويحرم ~~بما ليس في القرآن، وعلى الناس اتباع ذلك لقوله: # وما ينطق عن الهوى # [النجم: 3]: ولقوله: # وإن تطيعوه تهتدوا # [النور: 54]. # وأكثرهم يرى الضبع صيدا، منهم علي بن أبي طالب وابن عباس. قال عكرمة: ~~رأيتها على مائدة ابن عباس. وأجازه ابن عمر. # وقال أبو هريرة: الضبع نعجة الغنم. وكرهها مالك. # وقال الحسن البصري والنخعي والزهري: الثعلب سبع. وبه قال مالك، وكذلك ~~روي عن أبي هريرة. ورخص في أكله عطاء وطاوس وقتادة والشافعي وأبو ثور. # وأكثرهم على منع أكل الهر. وبه قال مالك. ورخص فيه الليث. وذكره ~~مجاهد وطاوس ثمن السنور، وبيعه، وأكل لحمه، وأن ينتفع بجلده. # وكلهم على أن ما قطع من الحي مما يؤلمه فهو ميتة. ورخص مالك رحمه الله ~~في جواز قطع ألية الكبش ليكثر لحمه، ومنع من أكل ما قطع. # وكره عمر بن الخطاب إخصاء الذكور، وكذلك ابن عمر، ورخص. فيه الحسن وطاوس ~~وعروة بن الزبير. ولم ير مالك بإخصاء ذكور الغنم بأسا، لأنه صلاح ~~للحومها. # قال ابن عمر: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إخصاء الإبل والبقر ~~والغنم والخيل. # وأكثرهم على منع أكل لحم القرد. # وأجاز الشعبي أكل لحم الفيل، ولم يجزه الشافعي، ومنع من الانتفاع بعظمه. # وأرخص مالك لحوم الحيات، يعمل بها الدرياق، وقال: تذكى. # وكره ذلك سفيان والحسن البصري وابن سيرين. # وسئل الأوزاعي عن أكل الذبان، فقال: ما أراه حراما. # وأكثرهم / على جواز شرب أبوال ما أكل لحمه. # وقال مالك رحمه الله: أكره الفأر والعقارب والحية من غير أن أراه ~~حراما بينا، ومن أكل حية فلا يأكلها حتى يذبحها. # (وسئلت عائشة رضي الله عنها عن الفأرة، فقرأت: { قل لا أجد ~~في مآ أوحي ms0762 إلي محرما } إلى آخر الآية، تريد تحليلها). # ولا يجوز - عند الشافعي - أكل شيء مما أبيح للمحرم قتله. # وسئل مالك رحمه الله عن أكل الغراب والحدإ، فقال: لم أدرك أحدا ~~ينهى عن أكل ذلك (ولا يأمر بأكلها. # وكره جماعة أكل الخيل، وكرهه مالك)، وأجازه جابر بن عبد الله وعطاء ~~والحسن وغيرهم، وبه قال الشافعي وابن حنبل. # وأكثرهم على إجازة أكل (لحم) الضب والأرنب واليربوع، وهو مذهب مالك ~~والشافعي، ووقف مالك في القنفد. ### || [6.146] # قوله: { وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر } ~~الآية. # قرأ الحسن { كل ذي ظفر } بالإسكان، وقرأ أبو السمأل { كل ذي ~~ظفر } بكسر الظاء، وأنكر ذلك أبو حاتم. # (و) قوله: { أو الحوايآ } في موضع رفع على معنى: " أو إلا ما ~~حملت الحوايا " ، فهو عطف على " الظهور " ، فتكون داخلة في الذي هو حلال، ~~وكذلك (ما) الثانية داخلة في الحلال، وقيل: هي في موضع نصب، عطف على ~~المستثنى وهو (ما). وقيل: هو معطوف على " الشحوم " ، والمعنى: حرمنا ~~عليهم شحومهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم إلا ما حملت ظهورهما فتكون ~~الحوايا داخلة في التحريم على هذا، و (ما) الثانية عطف عليها. # ومعنى الآية أن الله أخبر نبيه أنه حرم على اليهود - جزاء ببغيهم ~~- كل ذي ظفر، وهو من البهائم (و) الطير ما لم يكن مشقوق [الأصابع] ~~كالإبل والنعام والإوز والبط، وأنه حرم عليهم شحوم ثروب الغنم ~~والبقر. وقيل: إنما حرم عليهم كل شحم غير مختلط بعظم ولا على عظم. # وقال السدي: الذي حرم عليهم هو شحوم الثروب و [الكلى]. { إلا ما ~~حملت ظهورهما }: يعني شحوم الجنب والظهر ونحوه. # وواحد " الحوايا ": " حاوياء " ، مثل نافقاء، هذا مذهب سيبويه. وقال ~~الكسائي: واحدها " حاوية " ، مثل ضاربة. وهي ما تحوى في البطن ~~ويستدير، وهي " المباعر " ، فاستثنى في الحلال ما حملت الحوايا، فهذا ~~يدل على عطف " الحوايا " على " الظهور " في موضع رفع. وأكثرهم على أن ~~الحوايا: المباعر، تدعى عند العرب: " المرابض ". # { أو ما اختلط بعظم }: يعني شحم الألية وشبهه حلال. # وقيل: واحد الحوايا " حوية ". ### || [6.147] # قوله تعالى: ms0763 { فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة } ~~الآية. # المعنى: فإن (كذبك) - يا محمد - (هؤلاء) اليهود فيما أوحينا إليك ~~أنا حرمنا عليهم، { فقل: ربكم ذو رحمة واسعة } ~~بالمؤمنين، تسع المسيء والمحسن منهم، ولا يعاجل من كفر به بالعقوبة، { ~~ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين } إذا أراد حلوله ~~بهم، و " المجرمون ": الذين أجرموا أي: اكتسبوا الذنوب واجترحوا السيئات. # وكان نزول هذه الآية بسبب أن اليهود قالت: لم يحرم الله علينا شيئا، ~~إنما حرم إسرائيل على نفسه الثرب وشحم الكليتين، فنحن نحرمه. فذلك ~~قوله: { فإن كذبوك } ، أي: قالوا: لم يحرم الله علينا ذلك، فقل: ~~ربكم ذو رحمة واسعة. ### || [6.148] # / قوله: { سيقول الذين أشركوا لو شآء الله مآ ~~أشركنا } (الآية). # والمعنى: سيقول المشركون من قريش وغيرهم - الذين تقدم ذكرهم - إذا تبين ~~لهم أنهم على باطل، قالوا: لو شاء الله ما فعلنا ذلك، ثم أخبرنا الله ~~أن قولهم هذا (قد) قال به من كان قبلهم حتى نزلت بهم العقوبة، وهو قوله: ~~{ كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا ~~} أي: نزلت بهم عقوبة فعلهم. # وقد تعلقت المعتزلة بهذه الآية فقالوا: إن الله لم يشأ شرك المشركين، ~~لأن الله لم يذكر هذه الآية إلا على جهة الذم لهم في قولهم: إن الله لو ~~شاء ما أشركوا. فأضافوا ما هم عليه من الشرك أنه عن مشيئته كان ولو أن ~~قولهم صحيح. ما ذمهم عليه. قالوا: فدل ذلك على أن الله لم يشأ ~~شرك المشرك. # وفي قوله تعالى - بعد الآية -: # فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا # [الأنعام: 144، الأعراف: 37، يونس: 17، الكهف: 15] ما يدل على بطلان ~~كذلك، بل الله المقدر لكل أمر من شرك وغيره. # ومعنى: { لو شآء الله مآ أشركنا ولا آباؤنا } أي: لو ~~شاء لأرسل الى آبائنا رسولا يردهم عن الشرك، فنتبعهم. وقيل: إنما ~~قالوا ذلك على جهة الهزء واللعب والاستخفاف، ولو قالوه على يقين وحق ~~لما رد عليهم ذلك. # ثم قال لنبيه: { قل هل عندكم من علم }: (قل) لهم يا محمد: ~~{ قل هل عندكم من علم } على ms0764 ما تقولون وتدعون أن الله رضي ~~ما صنعتم من عبادتكم الأوثان وتحريمكم ما لم يأمركم به؟، { فتخرجوه ~~لنآ } أي: فتظهروا العلم بذلك، وما تتبعون إلا الظن في عبادتكم ~~وتحريمكم، وما أنتم إلا تخرصون، أي: تتقولون الكذب والباطل على الله ~~ظنا بغير علم ولا برهان. ### || [6.149] # قوله: { قل فلله الحجة البالغة فلو شآء ~~لهداكم أجمعين } الآية. # والمعنى: { قل } لهم يا محمد بعد عجزهم عن إقامة الحجة فيما ~~ادعوا: لله الحجة البالغة عليكم. ومعنى { البالغة } التي تبلغ ~~مراده في ثبوتها على من احتج بها عليه من خلقه، { فلو شآء } ~~ربكم، { لهداكم } أي: لوفقكم للهدى. وذلك أنهم جعلوا قولهم # لو شآء الله مآ أشركنا # [الأنعام: 148] حجة في إقامتهم على شركهم، جعلوا أن كل من كان على ~~شيء من الأديان فهو على صواب، لأنه يجري - فيما يعتقدون - على مشيئة ~~الله. # وهذا يريدون به إبطال الرسالة، إذ لا معنى لها على هذا القول فيقال ~~لهم: فالذين على خلافكم في الدين، أليس هم أيضا على مشيئة الله؟، ~~فينبغي أن لا تقولوا إنهم ضالون، والله يفعل ما يشاء، قادر على أن يهدي ~~الخلق أجمعين، وليس للعباد عليه أن يفعل بهم كل ما يقدر عليه، لا معقب ~~لحكمه، ولا راد لفعله. ### || [6.150] # قوله: { قل هلم شهدآءكم } الآية. # المعنى: قل يا محمد لهؤلاء الزاعمين أن الله حرم عليهم ما ذكروا من ~~الأنعام والحروث وغيرها: هاتوا شهداءكم يشهدون أن الله حرم عليكم ما ~~ذكرتم، { فإن شهدوا } أي: فإن جاءوك بشهداء يشهدون أن الله حرم ما ~~يزعمون، { فلا تشهد معهم } فإنهم كذبة. # وهذا خطاب للنبي، والمراد به أصحابه. # { ولا تتبع أهوآء الذين كذبوا بآياتنا } أي: لا ~~تتابعهم على ما هم عليه من التكذيب وتحريم ما لم يحرم الله، { ~~والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون ~~} أي: يجعلون / له عديلا، أي: ولا تتبع أهواء هؤلاء أيضا. ### || [6.151] # قوله: { قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم } ~~الآية. # (ألا تشركوا): (أن) في موضع نصب على البدل من (ما). وقيل: هي في موضع ~~نصب على ms0765 معنى: " كراهة ألا تشركوا " ، ويكون - على ذلك - المتلو عليهم ~~غير الإشراك. # ويجوز أن تكون في موضع رفع على معنى: " هو (أن لا) تشركوا " فيكون ~~متلوا كالقول الأول، و { تشركوا } في موضع جزم على أن (لا) ~~للنهي، وهو اختيار الفراء، قال: لأن بعده: " ولا تفعلوا كذا ". # وإن شئت جعلت { ألا تشركوا } خبرا في موضع نصب، كما تقول: " ~~أمرتك ألا تذهب إلى زيد " ، و " ألا تذهب " بالجزم والنصب. ولك أن تجعل { ~~ألا تشركوا } نصبا، وما عطفته عليه جزما على النهي. # قوله: { ما ظهر }: { ما } في موضع نصب بدل من { الفواحش }. # قوله: { ذلكم وصاكم به }: " ذلك " في موضع رفع على معنى: ~~الأمر ذلكم. ويجوز أن يكون في موضع نصب على معنى: بين ذلكم. # ومعنى الآية: { قل } يا محمد لهؤلاء المحرمين ما لم يحرمه الله عليهم: ~~{ قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم } حقا ~~يقينا (ووحيا) أوحي إلي، (وتنزيلا) أنزله علي: { ألا تشركوا ~~به شيئا وبالوالدين إحسانا } أي: وأوصى بالوالدين ~~إحسانا، { ولا تقتلوا أولادكم من إملاق } أي: خشية ~~الفقر، فإن الله هو رازقكم وإياهم، وعنى بالأولاد هنا: الموؤدة التي ~~زين قتلها للمشركين شركاؤهم، والإملاق: (مصدر " أملق) الرجل من (الزاد) " ~~إذا فني زاده وافتقر، { ولا تقربوا الفواحش ما ظهر ~~منها وما بطن } أي: الظاهر منها والباطن. # والظاهر: هو ما كان من الزنى الظاهر، والباطن: هو ما كان منه في خفاء، ~~قاله السدي وغيره. وقيل: هو كل منهي عنه وكل محرم (و) لا يأتونه ظاهرا ~~ولا باطنا. وقيل: إنهم كانوا يستقبحون الزنى (الظاهر) ولا يرون بأسا ~~بالبالطن، فنهوا عن الظاهر والباطن، قاله الضحاك. وقيل: الظاهر: الجمع ~~بين الأختين وتزويج الرجل امرأة أبيه بعده، والباطن: الزنى: قاله ابن ~~عباس. وقال ابن جبير: { ما ظهر }: نكاح الأمهات، { وما بطن }: ~~الزنى. # قوله: { ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق } أي: بنفس مؤمنة أو معاهدة أو يزني وهو محصن، أو يرتد ~~عن دينه الحق ولا يعود، { ذلكم وصاكم به } أي: هذا الذي وصاكم ~~به وإيانا، { لعلكم تعقلون } أي تعقلون ms0766 ما وصاكم به. { ~~عليكم } تمام إن جعلت (أن) رفعا. ### || [6.152] # قوله: { ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي ~~أحسن } الآية. # والمعنى: وأوصى ألا تقربوا مال اليتيم، { إلا بالتي هي ~~أحسن }: يعني التجارة فيه. وقال السدي: يثمر ماله. # وقال الضحاك: يبتغي له فيه الربح ولا يأخذ من ربحه شيئا. وقال ابن ~~زيد: أن يأكل بالمعروف إن افتقر، ولا يأكل منه إن استغنى. # { حتى يبلغ أشده }: الحلم عند مالك وغيره. قال السدي: ~~{ أشده }: ثلاثون سنة. وروي عنه: ثلاث وثلاثون. وقيل: بلوغ الأشد: ~~أن يؤنس مع بلوغ الحلم. وهذا قول حسن، وبه يقول أهل المدينة. # ومعنى: { حتى يبلغ أشده } أي: فإذا بلغ فادفعوا إليه ماله ~~إن آنستم منه قوله رشدا، هذا المعنى محذوف من الكلام للدلالة عليه، إذ / ~~لو تركنا والظاهر، ولم نقدر حذفا، لكان المعنى: أن يقرب ماله إذا بلغ ~~أشده، لأن النهي إنما وقع على المدة التي هي قبل الأشد. قوله: { ~~وأوفوا الكيل والميزان } أي: لا تبخسوا الناس الكيل ~~والميزان، ولكن اعطوهم حقوقهم، (بالقسط) أي: بالعدل، { لا نكلف ~~نفسا إلا وسعها }: أي: لا نكلفها في إيفاء الكيل والوزن إلا ~~طاقتها، لا نضيق عليها إلا أن تعطي الحق مبلغ طاقتها، قوله: { ~~وإذا قلتم فاعدلوا } أي: إذا تكلمتم بين الناس فأنصفوا ~~وقولوا الحق، ولو كان الذي يتوجه عليه الحق ذا قرابة منكم، فلا ~~تحملنكم قرابته على القول بغير الحق. # وقيل المعنى: إذا شهدتم فقولوا الحق ولو كان المشهود عليه ذا قرابة ~~منكم. { وبعهد الله أوفوا } أي: بوصيته التي وصاكم بها ~~أوفوا، { ذلكم وصكم (به) } أي: وصاكم الله بهذه الأمور التي ~~في هاتين الآيتين، وأمركم بالعمل بها لا بما قد سننتم من البحائر ~~والسوائب والوصائل والحامي وقتل الأولاد ووأد البنات وتحريم بعض ~~الأنعام واتباع خطوات الشيطان، { لعلكم تذكرون } أي: أمركم ~~بذلك لعلكم تذكرون نعمته عليكم وما قد هداكم إليه. # وكان ابن عباس يقول: هذه الآيات من الآيات المحكمات. وقال كعب: - وقد ~~سمع رجلا يقرأ # قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم # [الأنعام: 151] -: والذي نفس ms0767 كعب بيده إن هذا لأول شيء في التوراة: بسم ~~الله الرحمن الرحيم: # قل تعالوا أتل ما حرم # [الأنعام: 151] إلى آخر الآية. ### || [6.153] # قوله: { وأن هذا صراطي مستقيما (فاتبعوه) } ~~الآية. # قوله { وأن هذا } من فتح، جعلها في موضع نصب عطف على # ألا تشركوا # [الأنعام: 151]، أو في موضع رفع عطف على # ألا تشركوا # [الأنعام: 151] على مذهب من أضمر الابتداء مع # ألا تشركوا # [الأنعام: 151]. # ومذهب الفراء أنها في موضع خفض بإضمار الخافض، تقديره عنده: " ذلكم ~~وصاكم به وبأن هذا صراطي " ، وهذا بعيد، لأن المضمر المخفوض لا يعطف عليه ~~إلا بإعادة الخافض عند سيبويه وجميع البصريين. ومن خفف (أن) جعلها مخففة ~~من الثقيلة. وقيل: خففها عطفا على أن لا تشركوا)، فخفف كما كان المعطوف ~~عليه مخففا. ويجوز أن تكون (أن) في موضع رفع بالابتداء. # ويجوز أن تكون مخففة حكمها حكم المثقلة. ويجوز أن تكون (أن) زائدة ~~للتوكيد. # و { هذا } في موضع رفع على قراءة من خفف ومن جعل (أن) زائدة، وفي ~~موضع نصب على قراءة من شدد. # ومعنى الآية: وهذا الذي وصاكم به ربكم - في هاتين الآيتين - وأمركم ~~بالوفاء به: هو صراطه، أي: طريقه. ودينه المستقيم، (أي) الذي لا اعوجاج ~~به، { فاتبعوه } أي: اجعلوه منهاجا تتبعونه، { ولا تتبعوا ~~السبل } أي: تسلكوا طرقا غيره، { فتفرق بكم عن سبيله ~~} أي: عن طريقه ودينه، وهو الإسلام، { ذلكم وصاكم به }: وصاكم ~~بذلكم { لعلكم تتقون }. ### || [6.154] # قوله: { ثم آتينا موسى الكتاب تماما } الآية. # { تماما } مفعول من أجله، وقيل: مصدر، و { أحسن } فعل ماضي صلة { ~~الذي } ، وأجاز الكسائي والفراء أن يكون (اسما) نعتا " للذي " في ~~موضع جر، وأجازا: " مررت بالذي أخيك " ، ينعتان " الذي " بالمعرفة / وما ~~قاربها. وهذا خطأ عند البصريين، لأن " الذي " لم يتم بعد، فكيف ينعت بعض ~~الاسم؟. والمعنى عند البصريين: تماما على (المحسن). # وأجاز الكسائي والفراء أن يكون { الذي } بمعنى " الذين " هنا. وقال ~~المبرد: تقديره: تماما على الذي أحسنه (الله) إلى موسى من الرسالة، ~~والهاء محذوفة. # قال مجاهد: معناه تماما على المحسنين، ومعناه: أنه آتاه الكتاب فضيلة ~~له ms0768 على ما آتى المحسنين من عباده. فهذا يرد قول الكسائي والفراء: إن { ~~الذي } بمعنى " الذين ". وروي عنه أن المعنى: تماما على (المحسن)، ~~فهو اسم للجنس كله من المحسنين، كما قال البصريون. # قال الحسن: كان في قوم موسى محسن وغير محسن، فأنزل الله الكتابا تماما ~~على المحسنين، وقرأ ابن مسعود: (تماما على الذين أحسنوا). وقيل: المعنى: ~~تماما على الذي { أحسن } موسى من طاعة ربه. # وقرأ يحيى بن يعمر وابن أبي إسحاق (تماما على { تماما } { الذي ~~} { أحسن } بالرفع على إضمار " هو " والمعنى: تماما على الذي هو ~~أحسن الأشياء. ### || [6.155] # قوله: { وهذا كتب أنزلنه مبارك } الآية. # المعنى: وهذا القرآن - الذي أنزلناه إليك - كتاب منزل لنا مبارك، { ~~فاتبعوه } أي: اجعلوه (إماما) تعملون بما فيه، { واتقوا } ~~أي: احذروا أن تضيعوا العمل (بما) فيه وتتعدوه { لعلكم ترحمون ~~}. (فاتبعوه) وقف حسن. # والتقوى: الحذر من مخالفة ما أمر الله في السر والعلانية، وحقيقة ذلك ~~القيام بما أوجب الله لله، وترك ما نهى الله عنه (لله). ### || [6.156] # قوله: { أن تقولوا إنمآ أنزل الكتاب } الآية. # { أن تقولوا }: (أن) في موضع نصب على تقدير: كراهية أن تقولوا. # وقال الفراء: المعنى: (واتقوا أن تقولوا إنما أنزل الكتاب وهو متعلق ~~بالآية التي قبلها. وقيل: المعنى:) لئلا تقولوا، أي: أنزلناه مباركا ~~لئلا تقولوا، أو: كراهية أن تقولوا. # ومعنى الآية: أنها خطاب للمشركين أنه تعالى أنزل عليه كتابا مباركا، ~~وأمرهم باتباعه، وإنما أنزله لئلا تقول قريش - ومن دان بدينها -: { ~~إنمآ أنزل الكتاب على طآئفتين من قبلنا } ، وهم ~~اليهود والنصارى، ولم ينزل علينا، ولا نعلم ما (يقرأون)، وما كنا عن ~~دراستهم إلا غافلين، أي: ما نعلم ما هي، لأنه ليس بلساننا، فيجعلوا ذلك ~~حجة لهم، فقطع الله حجتهم بإنزال القرآن بلسانهم، فقال: # وهذا كتب أنزلنه مبارك # [الأنعام: 155] لئلا / (يقولوا: " إنما) أنزل الكتاب على اليهود ~~والنصارى، ولم ينزل علينا شيء " ، وفي هذا عذر لهم في تخلفهم عن ~~الإيمان بالتوراة والإنجيل إذ لم ينزل عليهم ولا أرسل موسى وعيسى إليهم. ~~وفيه بيان (أن لا) عذر لهم في التخلف ms0769 عن الإيمان بالقرآن إذ محمد رسول ~~إلى جميع الخلق، وإذ القول بلسانهم. ### || [6.157] # قوله: { أو تقولوا لو أنآ أنزل علينا الكتاب } ~~الآية. # والمعنى: ولئلا تقولوا: { لو أنآ أنزل علينا الكتاب ~~لكنآ أهدى منهم } ، (أي) من هاتين الطائفتين: اليهود ~~والنصارى، ثم قال لهم: { فقد جآءكم } - أيها المشركون - { ~~بينة من ربكم } أي: كتاب بلسانكم تعرفون ما يتلى عليكم فيه، ~~فهو لا يغيب عنكم كما غاب ((عنكم)) ما أنزل على الطائفتين ((من)) قبلكم، ~~إذ هو بغير لسانكم، فهو حجة عليكم { وهدى } أي: بيان للحق، { ~~ورحمة }: أي: لمن عمل به. # وقوله: { فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف ~~عنها } أي: من أشد ظلما منكم إذ كذبتم بآيات الله وصدفتم عنها، أي: ~~أعرضتم فلم تؤمنوا بها. { سنجزي الذين يصدفون } أي: سنثيب ~~الذين يعرضون عن { آياتنا سوء العذاب } أي: # شديده، { بما كانوا يصدفون } أي: يعرضون عن آيات الله في ~~الدنيا. ### || [6.158] # قوله: { هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة (أو ~~يأتي ربك) } الآية. # (والمعنى): هل ينظر هؤلاء المشركون { إلا أن تأتيهم ~~الملائكة } ، يعني عند الموت، تقبض أرواحهم، { أو يأتي ~~ربك } أي: لفصل القضاء بين خلقه في موقف القيامة، { أو يأتي ~~بعض ءايات ربك } وذلك طلوع الشمس من مغربها، قاله مجاهد. # ثم قال تعالى: { يوم يأتي بعض ءايات ربك لا ينفع ~~نفسا إيمانها } أي: إذا طلعت (الشمس) من مغربها، لم ينفع الكافر ~~إيمانه. روى أبو هريرة أن النبي عليه السلام قال: # " لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا رآها الناس آمن من ~~عليها " # ، فذلك حين { لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن ءامنت ~~من قبل أو كسبت في إيمنها خيرا }. # وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن باب التوبة مفتوح قبل المغرب عرضه مسيرة سبعين عاما، لا يزال ~~مفتوحا حتى تطلع من قبله الشمس " # ، ثم قرأ الآية. # قال عبد الله بن عمر: يمكث الناس بعد طلوع الشمس من مغربها عشرين ومائة ~~سنة. # قال النبي عليه السلام: # " وآية تلكم الليلة أن تطول كقدر ثلاث ليال " # وقال ابن ms0770 مسعود: بقي من الآيات أربع: " طلوع الشمس من مغربها، ودابة ~~الأرض، والدجال، وخروج يأجوج ومأجوج، والآية التي تختم بها الأعمال طلوع ~~الشمس من مغربها ". # المعنى: { أو كسبت في إيمنها خيرا } أي (و) عملت في ~~تصديقها بالله عملا صالحا، فمن عمل - قبل الآية - خيرا قبل منه ما ~~يعمله بعد الآية، ومن لم يعمل - قبل الآية - خيرا لم يقبل منه ما ~~يعمله بعد الآية. # ثم قال تعالى: { قل انتظروا } أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: ~~انتظروا إتيان الملائكة لقبض أرواحكم، أو يأتي ربكم لفصل القضاء بينكم، ~~أو يأتي بعض آيات ربكم، أي: التي (أنا) منتظر لذلك معكم. ### || [6.159] # قوله: { إن الذين فرقوا دينهم (وكانوا شيعا) } ~~الآية. # من قرأ (فارقوا) بألف، فمعناه تركوا دينهم / الذي أمرهم الله به، وخرجوا ~~عنه وارتدوا. # ومن قرأ (فرقوا)، فمعناه: تنصر بعضهم وتهود بعضهم وتمجس ~~بعضهم، وتصديق ذلك قوله: { وكانوا شيعا } أي: فرقا وأحزابا. ~~وقيل المعنى: آمنوا ببعضه وكفروا ببعض. قال قتادة: " هم اليهود والنصارى ~~". وقال مجاهد: هم اليهود. # قال أبو هريرة عن النبي عليه السلام: # " هم أهل البدع من هذه الأمة " # وروي عن النبي عليه السلام أنه قال: # " هم أهل الضلالة والبدع و (أهل) الشبهات من هذه (الأمة) ". # وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " هم الخوارج ". # (و) قوله: { إنمآ أمرهم إلى الله } نزل هذا قبل إيجاب فرض ~~القتال ثم نسخه الأمر بالقتال في " براءة " ، قال السدي وغيره. # وقيل: الآية محكمة، وإنما هو خبر من الله لنبيه أن من أمته من يحدث ~~بعده في دينه، أي يكفر. # وقال ابن عباس: نزلت بمكة ونسخها: # (قاتلوا الذين) لا يؤمنون بالله # [التوبة: 29]. # وقيل: المعنى: إنما أمرهم - في مجازاتهم - إلى الله فينبئهم بما كانوا ~~يفعلون، فهي محكمة خبر من الله لنبيه. ### || [6.160] # قوله: { من جآء بالحسنة فله عشر أمثالها } (الآية). # المعنى: من جاء يوم القيامة من هؤلاء الذين فارقوا دينهم بالتوبة عماهم ~~عليه، فله - من الجزاء - عشرة أضعاف ما يجب له، { ومن جآء ~~بالسيئة } أي: (و) من وافى يوم القيامة ms0771 - وهو مقيم على مفارقة ~~دينه - فلا يجزى إلا مثل عمله { وهم لا يظلمون } ، وليس معنى { ~~فله عشر أمثالها }: " عشر أمثال التوبة " ، إنما المعنى: فله ~~ثواب عشر أمثالها. # وقيل: المعنى: " فله عشر حسنات أمثالها " ، أي: أمثال الحسنات العشر ~~التي حسنة العامل موازنة لها، فالهاء في { أمثالها } ترجع على ~~الحسنات المحذوفة، وفي حذف الهاء من عشر دليل على أن المعنى: فله عشر ~~حسنات أمثال (حسنة)، وهو من باب حذف المنعوت وإقامة النعت مقامه إن قدرت ~~الانفصال في (أمثالها)، أي: " أمثال لها " ، وإن لم تقدر الانفصال، فهو ~~من باب حذف المبدل منه وإقامة البدل مقامه. # وقرأ الحسن: (عشر) منون، (أمثالها) بالرفع على الصفة للعشر. وهي ~~قراءة عيسى بن عمر ويعقوب. # وكن حذف الهاء من (عشر) للحمل على المعنى، لأن المراد: عشر حسنات, وقيل: ~~الهاء تعود على الحسنة المذكورة. # والمثل المجازى به على الحسنة، هو معروف عند الله، لكنه تعالى يجازيه ~~على حسنته (عشرة أمثال) ذلك القدر - الذي هو معلوم عنده - جزاء على ~~الحسنة فإنما يقع التضعيف على قدر معلوم عنده يجازي به على حسنة (حسنة) ~~واحدة. # وقال سفيان وغيره: الحسنة هنا: لا إله إلا الله، والسيئة: الشرك، وهو ~~قول مجاهد والقاسم وابن عباس والضحاك والحسن. # وروى قتادة أن النبي عليه السلام كان يقول: # " الأعمال ستة: موجبة وموجبة، ومضعفة (ومضعفة) ومثل (ومثل)، ~~فأما الموجبة والموجبة: فمن لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة ومن لقي ~~الله يشرك به شيئا دخل النار / وأما المضعفة (والمضعفة): فنفقة ~~الرجل المؤمن في سبيل الله سبع مائة ضعف، ونفقته على أهل بيته عشر ~~أمثالها. وأما مثل (ومثل): فإذا هم العبد بالحسنة فلم يعملها كتبت ~~له حسنة (واحدة)، وإذا هم بسيئة فعملها كتبت عليه سيئة ". # وقال أبو سعيد الخدري: هذه الآية للأعراب، وللمهاجرين سبع مائة ضعف وقال ~~ابن عمر: هذا للإعراب، وللمهاجرين ما هو أعظم من ذلك. # قال: الربيع: كانوا يصومون ثلاثة أيام من كل شهر، ويؤدون عشر أموالهم ~~فنزلت هذه الآية، ثم نزلت الفرائض - بعد - بصوم (رمضان) والزكاة. ms0772 ### || [6.161] # قوله: { قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم } ~~الآية. # قوله: { دينا } نصب عند الأخفش (ب (هداني). وقيل: المعنى: أنه نصب ~~ب " عرفني دينا ". كما تقول: " (هو يدعه) تركا ". # وقيل: هو بدل من (صراط) على الموضع. وقيل: هو منصوب على المصدر، ~~والمعنى: فدنت دينا. وقيل: المعنى: هداني فاهتديت دينا، ودل ~~(هداني) على " اهتديت ". # و { ملة إبراهيم } مثله في التقدير. وقيل: هو بدل من " دين ". ~~وشاهد من قرأ (قيما) - بالتشديد - قوله: # ذلك الدين القيم # [التوبة: 36، يوسف: 40، الروم: 30]، و # دين القيمة # [البينة: 5]، و # كتب قيمة # [البينة: 3]، فأجمعوا على تشديد ذلك. # ومن قرأ (قيما) بالتخفيف، جعله مصدرا مثل: الصغر والكبر. و { ~~حنيفا } حال من { إبراهيم }: هو نصب بإضمار " أعني ". # ومعنى الآية: { قل } يا محمد لهؤلاء العادلين: { إنني هداني ~~ربي } ، أي: أرشدني ودلني على الصراط المستقيم، أي: الطريق ~~القويم، وذلك الحنيفية. ### || [6.162-163] # قوله: { قل إن صلاتي ونسكي ومحياي } الآية. # روى أحمد بن صالح عن ورش أنه فتح { ومحياي }. وروى داود بن (أبي) ~~طيبة وأبو الأزهر ويونس والأصبهاني عن أصحابه عن ورش بالإسكان. واختار ~~ورش الفتح فيما روى هؤلاء عنه: # روى أبو بكر الأدفوي عن أحمد بن إبراهيم عن بكر بن سهل الدمياطي عن أبي ~~الأزهر عبد الصمد عن ورش أنه اختار من نفسه الفتح. # ومعنى الآية: { قل } يا محمد لهؤلاء العادلين، { إن صلاتي ~~ونسكي } أي: ذبحي، { ومحياي } أي: حياتي، { ومماتي } أي: ~~وفاتي، { لله } أي: ذلك كله له خالصا. # { وبذلك أمرت } أي: أمرني ربي، { وأنا أول ~~المسلمين } أي: أول من خضع وذل لربه. # وقرأ ابن (أبي) إسحاق وعيسى وعاصم الجحدري (ومحيي) بياء شديدة من غير ~~ألف، ووجه ذلك أن ياء الإضافة يكسر ما قبلها، فلما لم يكن سبيل إلى كسر ~~الألف، غيرت الألف إلى الياء وأدغمت في الياء التي بعدها، جعل قلبها ~~عوضا من تغييرها إلى الكسر. # والنسك هنا: الذبح في الحج والعمرة. ### || [6.164] # قوله: { قل أغير الله أبغي (ربا) } الآية. # (و) المعنى: { قل } (يا محمد لهم): { أغير الله أبغي ربا ~~} ، أي: طلب ربا { وهو ms0773 رب كل شيء } أي: مالك كل شيء. # وأصل " الرب " أنه مصدر " ربه يربه (ربا)، إذا قام بصلاحه. وإنما سمي ~~به، كما قيل: " رجل عدل " و " رضى " ، فرب الدار، معناه: مالكها، ~~وحقيقته ذو ملكها. # { ولا تكسب كل نفس إلا عليها } (أي لا تجترح (إثما ~~إلا) عليها)، أي: لا تؤخذ نفس إلا بما كسبت، { ولا تزر وازرة ~~وزر أخرى } أي: لا يؤخذ أحد بذنب آخر، كل ذي إثم معاقب بإثمه. # وحقيقة / معناه: أن الله أمر نبيه عليه السلام أن يخبر المشركين أنهم ~~مأخوذون بآثامهم، وأنا لسنا مأخوذين بإجرامكم ولا معاقبين بها، { ثم ~~إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه ~~تختلفون }. ### || [6.165] # قوله: { وهو الذي جعلكم خلائف الأرض } الآية. # " جعل " - هنا - بمعنى " صير " ، فلذلك تعدت إلى مفعولين. وإذا كانت ~~بمعنى " خلق " تعدت إلى مفعول واحد. # ومعنى الآية: أنها خطاب للنبي وأمته، والمعنى: والله (الذي) جعلكم ~~تخلفون من كان قبلكم من الأمم، والخلائف: جمع خليفة. # وقيل: هذا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، لأنهم آخر الأمم، قد خلفوا في ~~الأرض من كان قبلهم من الأمم، ومحمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، ~~وقيل: سموا (خلائف)، لأن بعضهم (يخلف بعضا) إلى قيام الساعة. # { ورفع بعضكم فوق بعض درجات } أي: فضل هذا على هذا ~~بسعة الرزق (و) بالقوة، { ليبلوكم } أي: (ليختبركم فيما) ~~آتاكم من ذلك، فيعلم الشاكر من غيره، والمطيع من العاصي، { إن ربك ~~سريع العقاب } أي: لمن (لم) يتبع أمره و (ينته) عن نهيه. وإنما ~~وصف عقابه بالسرعة من أجل أن الدنيا بعيدها قريب. # { وإنه لغفور } أي: غفور لمن تاب وأطاعه، و { رحيم } بترك ~~عقوبته على سالف ذنوبه. ### | [7 - سورة الأعراف] ### || [7.1] # قوله: { المص }. # قال الكسائي المعنى: هذا كتاب أنزل إليك. # وقال الفراء المعنى: الألف واللام والميم والصاد، كتاب. # ويلزم الفراء أن يكون بعد هذه الحروف - أبدا - كتاب وليس الأمر كذلك، ~~ويلزمه ألا تكرر. # وقال ابن عباس معناه: أنا الله الملك الصادق. # وعنه معناه: أنا الله أفصل. # وروي عنه: أنه اسم من أسماء الله، أقسم ms0774 ربنا به. # وعن قتادة: هو اسم من أسماء القرآن. ### || [7.2] # قوله: { وذكرى }. # في موضع رفع على العطف على: { كتاب } عند الكسائي. # و { كتاب } مرفوع بإضمار مبتدأ، أي: هذا كتاب. # وقيل: { ذكرى } مرفوعة على إضمار مبتدأ، وهو قول البصريين. # وقيل: هو في موضع نصب على العطف على المعنى؛ لأن المعنى: كتاب أنزلناه ~~إليك، فعطف على " الهاء " المقدرة، وهو قول الكسائي أيضا. # وقيل: نصبه على المصدر، وهو قول البصريين أيضا. # وقيل: هو في موضع خفض على العطف، على معنى { لتنذر }؛ لأن معناه ~~للإنذار وللذكرى. # و " الهاء " في: { منه } ، تعود على الكتاب. # وقيل: على الإنذار. # وقيل: على التكذيب الذي دل عليه المعنى. # و { لتنذر به } ، يراد به التقديم؛ أن " اللام " متعلقة ب: { ~~أنزل }. # ومعنى الآية: هذا يا محمد، كتاب أنزلناه إليك، { لتنذر به ~~وذكرى للمؤمنين } ، أي: يذكرون به الآخرة، فلا يكن في صدرك ~~ضيق منه. # قال قتادة، ومجاهد الحرج هنا: الشك، المراد به المرسل إليهم لا النبي، ~~وهو قول ابن عباس، وغيره. # وذكر الزجاج، وغيره: أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: # " إني أخاف أن يثلغوا رأسي فيجعلوه كالخبزة ". # فالله أعلم نبيه، صلى الله عليه وسلم، أنه في أمان منهم، فقال: # والله يعصمك من الناس # [المائدة: 67]. # وكان منه هذا الخوف بمكة. # ومن رفع " الكتاب " بإضمار مبتدأ، أجاز الوقف على { المص }. # ومن رفعه ب: { المص } ، لم يقف عليها. # ومن رفع الكتاب بإضمار مبتدأ، أضمر للهجاء ما يرفعه، كأنه قال: هذه ~~الحروف، هذا { كتاب }. ### || [7.3] # قوله: { اتبعوا مآ أنزل إليكم من ربكم } الآية. # فمعنى الآية: قل، يا محمد، [لهم]: { اتبعوا مآ أنزل إليكم ~~من ربكم } ، وهو القرآن. # { ولا تتبعوا من دونه أوليآء } ، أي: أمر أولياء ~~يأمرونكم بالكفر. # و " الهاء " في { دونه } للرب. # وقيل: ل { ما }. # ونصب قوله: { قليلا } ، على معنى يذكركم تذكيرا قليلا، أو وقتا ~~قليلا تذكركم. # وفي هذه الآية، دليل على ترك اتباع الآراء مع النص. ### || [7.4] # قوله: { وكم من قرية أهلكناها } الآية. # { كم } في موضع رفع بالابتداء. ويجوز أن تكون في موضع نصب، ms0775 بإضمار فعل ~~يفسره: { أهلكناها } ، ولا يقدر إلا بعدها، وهو بمنزلة: أيهم ~~ضربته. # ومعنى الآية: أنها تحذير للكافرين، أن ينزل بهم من البأس، ما نزل بمن ~~كان قبلهم بتكذيبهم. # ومعنى الكلام: أنه إخبار عن إهلاك القرى، والمراد أهلها؛ لأن القرى ~~إنما هي / بأهلها، فإذا هلكت هلك أهلها، ودل على ذلك قوله: { أو هم ~~قآئلون } ، فرجع إلى الإخبار عن الأهل. # وقيل المعنى: وكم من أهل قرية. # وقوله: { أهلكناها } ، ثم قال: # جآءهم بأسنآ # [الأعراف: 5]، إنما معناه أردنا إهلاكها، فجاءها البأس. # وقيل المعنى: { أهلكناها } بمنعنا إياها التوفيق إلى الطاعة، ~~فجاءها البأس. # وقيل: إن الهلاك هو البأس بعينه، ففي كل واحد معنى الآخر، وسواء بدأ ~~بالبأس أو بالهلاك، وهو كقولك: " زرتني فأكرمتني " ، إذا كانت " الزيارة ~~" هي " الكرامة " ، فسواء عليك ما قدمت أو أخرت. # وقيل: الفاء هنا بمعنى الواو فلا يلزم الترتيب. # و { أو } هنا للإباحة. # وكان يجب أن يقول: أو وهم قائلون، إلا أنه إذا كان في الجملة عائد لم ~~يحتج إلى الواو. # وقد قال الفراء: " الواو " محذوفة. # وقال غيره: حذفت " الواو " لئلا تجمع بين حرفي العطف، وهي: " واو الوقت ~~" عند بعض النحويين. # ولو جعل مكان { أو } " الواو " لفسد المعنى؛ لأنه يصير المعنى: أن ~~البأس جاءهم في الليل، وهم قائلون، وهذا لا يمكن؛ لأن القائلة إنما هي ~~نصف النهار، والبيات فعل في الليل. ### || [7.5] # قوله: { فما كان دعواهم [إذ جآءهم بأسنآ] } ، الآية. # المعنى: فما كان دعوى أهل القرية التي جاءها البأس إلا اعترافهم على ~~أنفسهم بأنهم كانوا ظالمين. # و " الدعوى " في كلام العرب، على وجهين: # تكون: " الدعاء " ، تقول: # " اللهم أشركنا في صالح دعوى من دعاك " ، قال الله: ~~{ فما كان دعواهم } ، أي: دعاؤهم. وقال: # فما زالت تلك دعواهم # [الأنبياء: 15]، أي: دعاؤهم. # والوجه الآخر: الإدعاء للحق. # و { دعواهم } هنا، إنما قالوه حين عاينوا البأس، لا قبله ولا بعده. ~~وذلك أن الرسل كانت تعدهم بالسطوة من الله وتخبرهم بأمارة ذلك وعلامته ~~ليزدجروا، فلما عاينوا علامات ما أوعدوا به، أقروا بالظلم على أنفسهم. ### || [7.6] # قوله: { فلنسألن الذين أرسل إليهم ms0776 } الآية. # المعنى: فلنسألن الأمم الذين أرسلت إليهم رسلي: ماذا عملت فيما بلغتها ~~الرسل من أمري ونهيي؟ [ { ولنسألن المرسلين } ، أي]: ~~ولنسألن الرسل: هل بلغت وأدت ما أرسلت به. # فسؤال الأمم سؤال توبيخ وتقرير، وهو عالم بما عملت، (وسؤال الرسل) سؤال ~~تحقيق على الأمم؛ لأن الأمم قالت: # ما جآءنا من بشير ولا نذير # [المائدة: 19] فأخبرت الرسل عند السؤال أنها قد بلغت، وأن الأمم التي ~~أنكرت كاذبة في قولها. # فسؤال الرسل، إنما هو على وجه الاستشهاد على الأمم. وسؤال [الأمم] ~~المرسل إليهم على وجه التقرير بما عملوا، لا أنه تعالى يسأل مسترشدا ~~مستثبتا؛ لأن هذا صفة من لا علم عنده، بل هو لا إله إلا الله، عالم ~~بتبليغ الرسل، وبما أجابتهم به الأمم. # وهذا يدل على أن الكفار يحاسبون ويسألون. ### || [7.7] # قوله: { فلنقصن عليهم بعلم } الآية. # والمعنى: فلنخبرن الرسل والمرسل إليهم بعلم يقين عما عملوا في الدنيا. # قال ابن عباس معنى { فلنقصن عليهم بعلم }: أنه ينطق ~~عليهم كتاب عملهم. # { وما كنا غآئبين }. # أي: عن أعمالكم وأفعالكم. ### || [7.8] # قوله: { والوزن يومئذ الحق [فمن ثقلت موازينه] ~~} الآية. # والمعنى: ووزن الأعمال يومئذ الحق. # { فمن ثقلت موازينه }. # أي: من كثرت حسناته. قاله مجاهد. # وقيل المعنى: فمن ثقلت موازين حسناته. وهو " ميزان " له لسان ~~وكفتان، كالذي يعرفه الناس. # قال عبيد بن عمير: يجعل الرجل العظيم الطويل / في الميزان، فلا يزن جناح ~~بعوضة. # ووزن الأعمال في الميزان، هو نظير إثبات الله إياها في أم الكتاب، ~~واستنساخه ذلك في الكتب من غير حاجة إلى ذلك، وهو العالم بكل ذلك، وإنما ~~فعل ذلك تعالى، ليكون حجة على خلقه، فيحتج عليهم بما عاينوا وفهموا ~~وعرفوا من ذنوبهم. # قال تعالى: # هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا ~~نستنسخ ما كنتم تعملون # [الجاثية: 29]، فكذلك وزن أعمال العباد حجة عليهم، ليعلموا التضييع الذي ~~فعلوا، أو يفهموه عن قرب على ما عملوا. # فأما وزن الأعمال وهي أعراض، فإنما يحدث الله خفة في جانب السيئات، ~~وثقلا في جانب الحسنات، على ما يشاء لمن أراد، كل ذلك احتجاج ms0777 منه على ~~خلقه، وتقريع لهم بما عملوا، وهذا مثل استنطاق أيديهم وأرجلهم بما عملوا ~~في الدنيا، حجة منه عليهم، وقد تظاهرت الأخبار بذلك عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم. ### || [7.9] # ومعنى: { [و]من خفت موازينه }. # أي: من خفت موازين أعماله الصالحة، فلم تثقل بالتوحيد لله، والإيمان ~~برسوله. # { فأولئك الذين خسروا أنفسهم }. # أي: غبنوا أنفسهم حظوظها من الثواب. # { بما كانوا بآياتنا يظلمون }. # الظلم هنا: الجحود لآيات الله. # قال سلمان الفارسي: يوضع الميزان يوم القيامة، ولو وضع في كفته ~~السماوات والأرض لوسعتها، فتقول الملائكة: ربنا ما هذا؟ فيقول تعالى: ~~أزن به لمن شئت من خلقي، فتقول الملائكة: ربنا ما عبدناك حق عبادتك. # وقال مجاهد، " الميزان ": هنا: الحسنات والسيئات نفسها. # وقيل: " الميزان ": الكتاب الذي فيه أعمال الخلق. # والذي جاءت به الآثار أنه " الميزان " المعروف. # { يومئذ الحق } ، وقف حسن. ### || [7.10] # قوله: { ولقد مكناكم في الأرض }. # لام { لقد } لام توكيد. # روى خارجة عن نافع أنه قرأ: { معايش } ، بالمد والهمز، وكذلك روي عن ~~عبد الرحمن الأعرج - ولا يجوز ذلك عند جماعة النحويين، لأن الياء أصلية، ~~وإنما تهمز الزائدة. وروى الأصبهاني عن أصحابه عن ورش: { معايش } ~~الياء ساكنة - وهو غلط؛ لأنها غير " مفاعل " والميم زائدة؛ لأنها من " ~~العيش ". # ومعنى الآية: ولقد جعلنا لكم في الأرض قرارا ومهادا، وجعلنا لكم فيها ~~{ معايش } أي: ما تعيشون به. # وقيل المعنى: وجعلنا (لكم) فيها ما تتوصلون به إلى المعيشة. شكرا ~~قليلا تشكرون على هذه النعم. # و { معايش } وقف. ### || [7.11] # قوله: { ولقد خلقناكم ثم صورناكم } الآية. # قوله: { ثم صورناكم }. # قال الأخفش، وقطرب: { ثم } هنا بمعنى " الواو ". # ومنع ذلك سائر البصريين. والمعنى عندهم فيه: ولقد ابتدأنا خلق آدم، ثم ~~صورناه، { ثم قلنا للملائكة اسجدوا } له بعد تمام خلقه. ~~ودليله قوله تعالى: # كمثل ءادم خلقه من تراب ثم قال له كن ~~[فيكون] # [آل عمران: 59]. # وقيل المعنى: { ولقد خلقناكم } أيها الناس في ظهر آدم، { ~~ثم صورناكم } ، يعني ذريته، في أرحام النساء في صورة آدم. # قاله ابن عباس وغيره. # وقال السدي المعنى: { ولقد خلقناكم } ، أي: خلقنا آدم، ms0778 { ~~ثم صورناكم } يعني: ذريته في الأرحام. # وأخبر عن خلق آدم بلفظ الجماعة؛ لأنه الأصل / للجميع، فكأن (خلقه) خلق ~~الجميع. # والعرب تجعل مخاطبة الرجل لأبائه المعدومين، ومنه قول الله تعالى عز ~~وجل: # وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور # [البقرة: 63]، فالخطاب لمن كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ~~والمراد به من تقدم من آبائهم. فكذلك هذا الخطاب للمؤمنين، والمراد به ~~الخبر عن أبيهم آدم، صلوات الله عليه. وكذلك قال قتادة. # وقال عكرمة المعنى: { ولقد خلقناكم } أيها الناس نطفا في ~~أصلاب آبائكم، { ثم صورناكم } في الأرحام. # وكذلك روى سفيان عن الأعمش أنه فسره كذلك. # وقال مجاهد المعنى: { ولقد خلقناكم } يعني: آدم، { ثم ~~صورناكم } في ظهر آدم. # وقيل المعنى: { ولقد خلقناكم } في بطون أمهاتكم، يعنى: النطفة ~~والعلقة، { ثم صورناكم } بعد ذلك في البطون. # واختار الطبري، قول من قال: (معناه): ولقد خلقنا أباكم آدم ثم صورناه. # قال: لأن بعده: { ثم قلنا للملائكة اسجدوا لأدم } ، ~~ومعلوم أن الله (تعالى) قد أمر الملائكة بالسجود لآدم (عليه السلام)، قبل ~~أن يصور أحدا من ذريته في بطون أمهاتهم. # و { ثم } للتراخي فيما بين ما بعدها وما قبلها. # وقال بعض أهل النظر: إن في الكلام تقديما وتأخيرا؛ وإن ترتيبه: ولقد ~~خلقناكم، ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم، ثم صورناكم. # وهذا بعيد عن النحويين؛ لأن " ثم " لا يجوز أن يراد بها التقديم على ما ~~قبلها من الخبر. فقد أنكر هذا القول النحاس، وغيره. # وقوله: { ثم قلنا للملائكة اسجدوا لأدم }. # فعل تعالى ذلك بعد خلق آدم (عليه السلام) ابتلاء منه لهم، واختبارا ~~لتتم مشيئته التي تقدمت في إبليس، فيعلم ذلك طاهرا وظهورا يجب ~~عليه العقاب (لهم) والثواب، فسجد جميعهم إلا إبليس. # وقال ابن عباس: كان إبليس من أشراف الملائكة، وكان خازنا على الجنان، ~~وكان له سلطان سماء الدنيا، وسلطان الأرض، فعصى، فمسخه الله (سبحانه) ~~شيطانا رجيما. # قال ابن جريح: ومن يقل من الملائكة إني إله من دونه، لم يقله إلا إبليس ~~دعا إلى عبادة نفسه، فنزلت هذه الآية. # قال قتادة: # ومن ms0779 يقل منهم إني إله [من دونه] # [الأنبياء: 29]، هذه الآية خاصة لعدو الله إبليس (اللعين) لما قال ما ~~قال، لعنه الله وجعله رجيما. # قال ابن عباس: لما قتل إبليس الجن الذين عصوا الله (عز وجل) في الأرض، ~~وشردهم، أعجبته نفسه، فلذلك [امتنع] من السجود واستكبر على ربه [سبحانه]. ### || [7.12] # قوله: { ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك } الآية. # هذا السؤال من الله (تعالى) سؤال تقرير وتوبيخ؛ لأنه، تعالى، قد علم ذلك ~~منه. # و " لا " زائدة مؤكدة. # والمعنى: ما منعك أن تسجد. # وقيل: إن " لا " غير زائدة وإن في الكلام حذفا. والمعنى: [ما منعك] من ~~السجود وأحوجك ألا تسجد؟ فحذف " أحوجك " لدلالة الكلام عليه. وهو اختيار ~~الطبري. # وقيل المعنى: (إن) المنع هنا بمعنى " القول " و " لا " غير زائدة، ~~والتقدير: من قال لك ألا تسجد إذ أمرتك بالسجود: ودخلت " أن " كما تدخل ~~في كلام هو بمعنى القول، ولفظه مخالف للفظ القول كقولهم / " ناديت أن لا ~~تقم " ، و " حلفت ألا تجلس " فلما كان المنع بمعنى القول، وليس من لفظه ~~دخلت " أن ". # وقيل: إن المنع لما كان معناه الحول بين المرء وبين ما يريده، فالممنوع ~~مضطر إلى خلاف ما منع منه، فلما كان معنى المنع هذا، كان تقدير الكلام: ~~ما اضطرك إلى أن لا تسجد. # وقوله: { قال أنا خير منه خلقتني من نار ~~وخلقته من طين }. # هذا خبر من الله (عز وجل) عما قال إبليس، إذ قال له الله: { ما ~~منعك ألا تسجد } ، فقال إبليس: أنا أفضل منه؛ لأني من نار، ~~وهو من طين، ففضل عليه كفضل النار على الطين. فجهل عدو الله الحق، وأخطأ ~~طريق النظر، إذ كان معلوما أن من جوهر النار الخفة والطيش والاضطراب، ~~والارتفاع والذي في جوهرها من ذلك هو الذي حمل الملعون بعد الشقاء الذي ~~سبق له من الله (عز وجل) على الاستكبار. وكان معلوما أن من جوهر الطين ~~الرزانة والأناة، وذلك الذي حمل (آدم [عليه السلام]) بعدما سبق له عند ~~ربه (عز وجل) على الندم على الذنب والتوبة منه. ولذلك ms0780 كان الحسن وابن ~~سيرين يقولان: " أول من قاس إبليس " ، يعنيان أنه أخطأ في قياسه في تفضيل ~~النار على الطين؛ وأنها أقوى من الطين. # وقول إبليس: { أنا خير منه } ليس بجواب في الظاهر لمن قال: " ~~ما منعك أن تفعل؟ "؛ وإنما هذا جواب من قال: " أيكما خير؟ "؛ ولكنه جواب ~~محمول على المعنى لا على ظاهر السؤال؛ كأنه لما قيل له: { ما منعك ~~ألا تسجد } ، قال: فضلي عليه أني من نار؛ وأنه من طين، فأخبر ~~الملعون عن نفسه بخبر فيه معنى الجواب. ### || [7.13] # قوله: { قال فاهبط [منها] } الآية. # المعنى: قال الله (عز وجل) لإبليس عندما صنع: { فاهبط منها } ، ~~أي: من الجنة. # { فما يكون لك أن تتكبر فيها }. # أي: ليس لك أن تستكبر في الجنة عن أمري وطاعتي. أي: لا يسكن في الجنة من ~~يتكبر عن أمري. فأما غير الجنة فالمستكبر يسكنها، وغيره. # { فاخرج إنك من الصاغرين }. # أي: أخرج من الجنة؛ إنك ممن نالهم الصغار، وهو: الذلة والمهانة. ### || [7.14-15] # قوله: { قال أنظرني إلى يوم يبعثون } ، الآيتان. # المعنى: إن إبليس علم ألا موت بعد قيام الساعة، فسأل النظرة إلى ذلك ~~الوقت؛ ليصح له الخلود، وذلك لا سبيل لأحد إليه، فقال له [الله]: # فإنك من المنظرين * إلى يوم الوقت المعلوم # [الحجر: 37-38]، وذلك اليوم هو اليوم الذي كتب الله فيه الفناء على جميع ~~الخلائق، فلا يبقى إلا الحي الذي لا يموت. # ولم يجبه الله إلى ما سأل؛ لأنه لم يقل له: { إنك من المنظرين ~~} إلى ما سألت، أو إلى يوم البعث. # قال السدي: سأل إبليس الإنظار إلى يوم يبعثون، فلم ينظر إلى يوم البعث. ~~وأنظر إلى يوم الوقت المعلوم، [وهو] يوم ينفخ في الصور النفخة الأولى، ~~فيصعق من في السموات ومن في الأرض فيموت. ### || [7.16] # قوله: { قال فبمآ أغويتني [لأقعدن لهم] } ، الآية. # المعنى: إن اللعين أقسم ليقعدن لهم، فجعل الإغواء قسما له، كأنه قال: ~~فبإغوائك إياي، لأقعدن لهم، ثم لأفعلن كذا. # وقيل المعنى: إنه سأل ربه بأي شيء أغواه، قاله ابن عباس. كأنه قال: فبأي ~~شيء ms0781 أضللتني. # وقيل المعنى: فبما دعوتني إلى شيء ضللت [به] من أجله. # وقيل المعنى: / فبما أهلكتني، من قولهم: " غوي الفصيل " إذا هلك من ~~فقد اللبن. # وقيل المعنى: إنه على معنى المجازاة، أي: كما أغويتني أفعل كذا وكذا، ~~وأضلهم كما أضللتني. قال النبي، صلى الله عليه وسلم: # " إن الشيطان قعد لابن آدم بطريق الإسلام، فقال ~~له: أتسلم وتذر دينك ودين آبائك؟ فعصاه وأسلم. ثم قعد له بطريق ~~الهجرة، فقال له: أتهاجر أرضك وسماءك، وإنما مثل المهاجر كالفرس في ~~الطول؟ فعصاه وهاجر. ثم قعد له بطريق الجهاد، وهو جهاد النفس والمال، ~~فقال: تقاتل فتقتل، فتنكح المرأة، ويقسم المال؟ فعصاه وجاهد ". # وقيل: { صراطك المستقيم }. (أي): طريقك (القويم)، وهو دين ~~الله الحق، وهو الإسلام وشرائعه. وسمي الدين " صراطا "؛ لأنه الطريق إلى ~~النجاة. ### || [7.17] # قوله: { ثم لآتينهم من بين أيديهم } ، الآية. # المعنى: { من بين أيديهم } ، من قبل الآخرة فأخبرهم أنه لا ~~بعث، ولا جنة، ولا نار. # { ومن خلفهم }: من قبل الدنيا، فأزينها في أعينهم وأخبرهم أنه ~~لا حساب عليهم فيما يعملون. # { وعن أيمانهم }: من قبل الحق. # { وعن شمآئلهم }: من قبل الباطل. # قال ابن عباس: { من بين أيديهم } ، أشككهم في الآخرة، { ~~ومن خلفهم }: أرغبهم في الدنيا، { وعن أيمانهم }: ~~أشبه عليهم في أمر دينهم، { وعن شمآئلهم }: أشهي لهم ~~المعاصي. # وقال السدي وغيره: { من بين أيديهم } ، أدعوهم إلى الدنيا ~~وأرغبهم فيها، { ومن خلفهم }: أشككهم في الآخرة، { وعن ~~أيمانهم }: أشككهم في الحق، { وعن شمآئلهم }: أخفف البال ~~عندهم. # وقيل: { من بين أيديهم }: من قبل دنياهم، { ومن خلفهم ~~}: من قبل آخرتهم، { وعن أيمانهم }: من قبل حسناتهم، { وعن ~~شمآئلهم }: من قبل سيئاتهم، قاله: ابن جريج، وغيره. # وقال مجاهد المعنى: { ثم لآتينهم من بين أيديهم } ، ~~{ وعن أيمانهم } من حيث يبصرون، { ومن خلفهم } ، { ~~وعن شمآئلهم } من حيث لا يبصرون. # وقيل: { ومن خلفهم } ، يخوفهم في تركاتهم، ومن يخلفون بعدهم. # وقيل: { لآتينهم } ، من كل جهة يعملون فيها. # { ولا تجد أكثرهم شاكرين }. # كان ذلك ظنا منه، فكان الأمر على ما ظن، وهو قوله: # ولقد صدق عليهم إبليس ظنه ms0782 # [سبأ: 20]. # وقيل المعنى: { من بين أيديهم } ، من قبل الدين فألبسه ~~عليهم، { ومن خلفهم }: من قبل الشهوات، فأحببها إليهم في الدنيا، ~~{ وعن أيمانهم } ، من قبل الحق، فأرده باطلا، { وعن ~~شمآئلهم } ، من قبل الباطل، فأرده في أعينهم حقا. ### || [7.18] # قوله: { قال اخرج منها مذءوما مدحورا } ، الآية. # { مدحورا }: حال، مثل: { مذءوما } ، ويجوز أن يكون نعتا ل: { ~~مذءوما }. # وروي عن عاصم أنه قرأ " لمن تبعك " بكسر اللام، والمعنى على هذا: ~~فعل بك ذلك من أجل من تبعك. # ومعنى الآية: أنها خبر من الله، بما قال لإبليس اللعين. # و { منها }: من الجنة. # ومعنى: { مذءوما مدحورا }: معيبا. # و " الذأم ": العيب. يقال: " ذأمه ": إذا عابه، فهو مذءوم. # و " الذأم " أبلغ في العيب من الذم، يقال: ذممته وذمته / ~~بمعنى واحد. # قال أبو عبيدة: " ذأمت الرجل " أشد مبالغة من: " ذممته " و " ~~المدحور ": المقصى المبعد. # وعن ابن عباس { مذءوما }: ممقوتا. # و { مدحورا }: مطرودا. # وقاله السدي. # وقوله: { لمن تبعك منهم }. # هذا قسم، أقسم الله أن من اتبع إبليس، أن يملأ جهنم منهم، يعني من كفر ~~فاتبعه وصدق ظنه. ### || [7.19] # قوله: { ويآءادم اسكن أنت وزوجك [الجنة] } ، الآية. # هذه الآية مذكور معناها في تفسير سورة البقرة، واختلاف الناس في الشجرة. ### || [7.20-22] # قوله: { فوسوس لهما الشيطان } ، الآية. # قرأ ابن عباس: ويحيى بن أبي كثير: " ملكين " بكسر " اللام ". أي: من ~~الملوك الذين في الدنيا. # ومن فتح " اللام " فمعناه: من الملائكة. # والمعنى: فالقى إليهما قولا حملها على ركوب النهي. # ومعنى { ليبدي لهما } ،: ليظهر سوآتهما التي هي مستورة، وحلف ~~لهما أني ناصح لكما في أن ربكما إنما نهاكما عن أكل الشجرة، كراهة أن ~~تكونا ملكين، أو كراهة أن تخلدا في الجنة. # ومعنى { [و]قاسمهمآ } ، حلف لهما، مثل طارقت النعل وعاقبت ~~اللص. # وقال قتادة: حلف لهما بالله، وقال: أنا خلقت قبلكما، وأنا أعلم منكما، ~~فاتبعاني أرشدكما. # { فدلاهما بغرور }. # أي: غرهما باليمين التي حلف لهما، وكان آدم، (صلوات الله [عليه])، يظن ~~أنه لا يحلف أحد بالله كاذبا، فغره ذلك. # قال ابن عباس: كانت الشجرة التي نهيا عن أكلها، السنبلة، فلما ms0783 أكلا بدت ~~سوآتهما، أي: تقلص النور الذي كان يسترهما، فصار أظفارا في الأيدي ~~والأرجل، وظهرت سوآتهما لهما، فعمدا يلزقان ورق التين بعضها إلى بعض، ~~فانطلق آدم موليا في الجنة، فأخذت برأسه شجرة من الجنة، فناداه الله: أي ~~آدم أمني تفر؟ فقال: لا، ولكني استحييت منك يا رب! فقال: أما كان لك فيما ~~منحتك من الجنة مندوحة عما حرمت عليك؟ قال: بلى يا رب، ولكن وعزتك ما ~~حسبت أن أحدا يحلف بك كاذبا. # قال ابن جبير: حلف لهما بالله حتى خدعهما، وقد يخدع المؤمن بالله. # ومعنى " وسوس ": زين وألقى، وحسس المعصية حتى أكلا. # وقد تقدم ذكر دخول إبليس الجنة في فم الحية، وكانت إذ ذاك دابة لها أربع ~~قوائم، كأنها البعير كاسية، فأعراها الله، وأزال قوائمها عقوبة لها. # و " اللام " في { ليبدي }: لام العاقبة، بمنزلة: # فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا # [القصص: 8]. # ولما حملها على الأكل تقدمت حواء للأكل، وأبى آدم أن يأكل، فأكلت حواء، ~~وقالت: يا آدم كل فإنه لم يضرني فأكل، ف: { بدت لهما ~~سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ~~}. # قال مجاهد: يعنى: يرقعانه كهيئة الثوب. # ومعنى (طفقا): جعلا. # وأتت الأخبار عن النبي، عليه السلام، أن الله تعالى خلق آدم يوم الجمعة، ~~ويوم الجمعة خرج من الجنة، وفيه تيب عليه، وفيه قبضه. # وكان مقدار مكث آدم في الجنة خمس / ساعات. # وقيل: ثلاث ساعات. # وقال ابن عباس: كان مكث آدم نصف يوم من أيام الآخرة، وخرج بين الصلاتين: ~~الظهر والعصر. # قال علي بن أبي طالب، رضي الله عنه،: أطيب أرض بالأرض ريحا الهند، هبط ~~آدم بها، فعلق شجرها من ريح الجنة. # وقال ابن زيد: أهبط آدم بالهند، وحواء بجدة، فجاء في طلبها حتى أتى " ~~جمعا " فازدلفت إليه حواء، فلذلك سميت " المزدلفة " ، وتعارفا بعرفات، ~~فلذلك سميت " عرفات " ، واجتمعا بجمع، فلذلك سميت " جمعا ". # وأهبطت الحية بأصبهان، وإبليس بميسان. # وقيل بساحل بحر الأبلة. # ولما أهبط آدم إلى الأرض، أهبط على جبل يسمى: " بوذ " ، وكان أطول جبال ~~الأرض، فكان آدم عليه السلام، ms0784 رجلاه على الجبل ورأسه في السماء، فكان ~~يسمع تسبيح الملائكة ودعاءهم، وكان (آدم) يأنس لذلك، فهابته الملائكة، ~~فخفضه الله إلى الأرض الى ستين ذراعا فاستوحش، فشكا إلى الله في دعائه، ~~فوجه إلى مكة فأنزل الله ياقوتة من الجنة، فكانت في موضع البيت فلم يزل ~~يطاف بها حتى نزل الطوفان، فرفعت حتى بعث الله إبراهيم، فبناه. # وكان أصل الطيب عند جماعة من أهل التفسير: الورق الذي طفق آدم وحواء ~~يخصفانه على أنفسهما نزلا به إلى الدنيا. # وقيل: إنه خرج ومعه صرة من حنطة. # وقيل: إن جبريل أتاه بها حين استطعم، أتاه بسبع حبات فوضعها في يد آدم، ~~فقال آدم: وما هذا؟، فقال له جبريل: هذا الذي أخرجك من الجنة، فعلمه ما ~~يصنع به. # قال سعيد بن جبير: أهبط إلى آدم ثور أحمر، (فكان) يحرث عليه، ويمسح ~~العرق، وهو قوله: # فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى # [طه: 117]. # ومعنى { فدلاهما بغرور } ، (أي): خدعهما. # واللام في (قوله): { ليبدي } هي مثل اللام في: # ليكون لهم عدوا وحزنا # [القصص: 8]؛ لأن إبليس لم يعلم أنهما إن أكلا من الشجرة { [بدت ~~لهما] سوءاتهما } إنما حملهما على ركوب المعصية لا غير. فكان ~~عاقبة أمرهما لما أكلا ظهور سوءاتهما، فجاز أن يقول: فوسوس لهما ليبدي ~~لهما لما أل أمرهما إلى ظهور سوءاتهما، كان كأنه فعل ذلك بهما لتظهر ~~سوءاتهما. ### || [7.23] # قوله: { قالا ربنا ظلمنآ أنفسنا } الآية. # المعنى: قال آدم وحواء: ربنا قد ظلمنا أنفسنا، أي: تعدينا أمرك فأكلنا ~~ما نهيتنا عنه { وإن لم تغفر لنا } خطيئتنا وتسترها علينا، { ~~وترحمنا } أي: تعطف علينا { لنكونن من الخاسرين }. ### || [7.24] # قوله: { قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو } الآية. # هذا أمر لآدم، وحواء، وإبليس، والحية. # وقيل: هو لآدم وذريته وإبليس وذريته، قاله مجاهد. # { ولكم في الأرض مستقر }. # أي: قرار تستقرون به. # قال ابن عباس: هو القبور. # (ومعنى): { ومتاع إلى حين } ، أي: متاع تستمتعون به إلى انقطاع ~~آجالكم. # وقيل: " الحين " هنا، قيام الساعة. ### || [7.25] # المعنى: إنه تعالى أعلم من أهبط، أن في الأرض يحيون ما بقي من أعمارهم، ms0785 ~~{ وفيها تموتون } ، ومنها يخرجون في البعث. ### || [7.26] # قوله: { يبني ءادم قد أنزلنا عليكم لباسا } ~~الآية. # قوله: { قد أنزلنا عليكم لباسا } ، واللباس هو: الثياب، ~~وهي / غير منزلة، لكن لما كان حدوث الثياب من الكتان والقطن، والكتان ~~والقطن إنما يكونان عن النبات بالماء، فالماء (هو) المنزل، فسمى ما يحدث ~~عنه منزلا أيضا؛ لأنه عنه كان، وبه تم، ونما ونبت، وهذا يسمى: " ~~التدريج ": لأن الثياب عن الماء اندرجت. # قوله: { ولباس التقوى ذلك خير }. # من نصب " لباسا " عطفه على ما قبله، أي: وأنزلنا لباس التقوى، ويكون ~~الوقف على { التقوى } ، و: { ذلك }: مبتدأ، و: { خير } خبره. # و: { ذلك } إشارة إلى ما تقدم مما أخبر أنه أنزل، فمعناه: ذلك الذي ~~أنزلنا خير من كشف العورة والتجرد في الطواف. # ومن قرأ بالرفع، جعله مبتدأ، و: { ذلك } نعت له، و: { خير } خبر ~~الابتداء. # والمعنى: ولباس التقوى ذلك [الذي علمتموه] خير من لباس الثياب والزينة. ~~ويكون التمام: { وريشا }. # قال المبرد: من قرأ بالنصب، احتمل أن يكون { ذلك } إشارة إلى اللباس ~~خاصة، وأن يكون إشارة إلى ما تقدم، ويكون في الوجهين في موضوع رفع. # ومعنى الآية: إن العرب كانت تتعرى في الطواف اتباعا لأمر الشيطان في ~~سلبهم من ستر الله تعالى. # ويعني بقوله: { أنزلنا عليكم لباسا } ، أي خلقناه لكم ~~وعلمناكم كيف تعملونه، وهو ما يستتر به من الثياب. # { يواري سوءاتكم }. # (أي): يستر عوراتكم. # وسميت العورة " سوأة "؛ لأن صاحبها يسوءه انكشافها من جسده. # وقوله: { وريشا }. # قرأ المفضل عن عاصم، والحسن [وحسين] الجعفي عن أبي عمرو: " ورياشا " ~~بألف. # قال الفراء: الرياش: جمع ريش، كذئب وذئاب، وبئر وبئار. # ويجوز أن يكون [رياش ك:] " ريش " كما يقال: لبس ولباس فيكونان ~~مصدرين كاللبس واللباس. # و: " الريش " و: " الرياش ": ما ظهر من اللباس والشارة. # وقيل: الرياش: الأثاث. # وقد يستعمل " الرياش " في الخصب ورفاهة العيش. # وقيل: الرياش: المعاش. # وقال مجاهد: " الرياش " ، المال. # وقال ابن زيد: " الرياش ": الجمال. # وقال الضحاك: " الرياش " المال. وقد (روي) عن ابن عباس ذلك. # وقوله: { ولباس التقوى }. # فقال قتادة، والسدي، وابن جريج: هو الإيمان. ms0786 # وقيل: هو الحياء. # وقال ابن عباس: هو العمل الصالح. # وعن ابن عباس أيضا: هو السمت الحسن في الوجه. # وكذلك روي عن عثمان، رضي الله عنه، أنه فسرها على المنبر كذلك. # وقال عروة بن الزبير: هو الخشية لله، (عز وجل). # وقال ابن زيد: هو ستر العورة. # وقيل هو: لبس الصوف، والخشن من الثياب، مما يتواضع به لله، (عز وجل). # وقيل: هو استشعار النفوس تقوى الله (عز وجل) في ما أمر به، ونهى عنه. # وهو اختيار الطبري. # وقال يحيى بن يحيى: { ولباس التقوى }: الخشوع، والوقار، وحسن ~~السمت، مع العمل بما يشبه ذلك، رواه عنه ابن حبيب. # واختار المبرد، والطبري قراءة النصب؛ لأنه كله توبيخ للمشركين في تعريهم ~~وكشفهم سوآتهم طاعة منهم لإبليس، ليفعل بهم ما فعل بأبيهم آدم (عليه ~~السلام)، في الجنة، وبحواء، / إذ خدعهما حتى بدت لهما سوآتهما. # ودل على ذلك ما بعده، من قوله: # يابني ءادم لا يفتننكم الشيطان # [الأعراف: 27] الآية، وما بعدها من الآيات. # وقوله: { ذلك من آيات الله }. # أي: ذلك الذي أنزلته عليكم، من مصالحكم آية، وحجة عليكم لعلكم تذكرون ~~نعمه وآياته. ### || [7.27] # قوله: { يابني ءادم لا يفتننكم الشيطان } ، الآية. # هذه الآية تحذير من الله (عز وجل) لبني آدم ألا يخدعهم الشيطان كما فعل ~~بآدم وحواء عليهم السلام. # قال ابن عباس: كان لباسهما الظفر فنزع ذلك عنهما، وتركت الأظفار تذكرة ~~وزينة. # وقال عكرمة: أدركت آدم التوبة عند ظفره، وكان لباسه الظفر. # وقال مجاهد { ينزع عنهما لباسهما } ، التقوى. # قوله: { إنه يراكم } ، أي: الشيطان. # { وقبيله } ، جيله. # وقال ابن زيد: نسله. # وقيل: جنوده وأصحابه. # روي: أن الله، جل ذكره جعلهم يجرون من بني آدم مجرى الدم، وصدور بني آدم ~~مساكن لهم إلا من عصمه [الله]، (عز وجل). # قوله: { إنا جعلنا الشياطين أوليآء للذين لا ~~يؤمنون }. # أي: نصراء للكافرين على كفرهم، يزيدونهم في غيهم عقوبة لهم على كفرهم، ~~كما قال: # [ألم تر أنآ] أرسلنا الشياطين على الكافرين ~~تؤزهم [أزا] # [مريم: 83]، أي: تحملهم على المعاصي حملا شديدا، وتزعجهم إلى الغي. # وقرأ أبو عمرو ms0787 (إنه يريكم)، بالفتح. ### || [7.28] # قوله: { وإذا فعلوا فاحشة } الآية. # الفاحشة في هذا الموضع: طوافهم عراة. # وكانت المرأة تطوف ليس عليها غير الرهاط، والرهاط جمع رهط، وهي: ~~خرقة من صوف. # يقولون: نطوف كما ولدتنا أمنا عراة، [وإذا قيل لهم: لم تفعلون ذلك؟ ~~قالوا: نطوف كما ولدتنا أمنا] وعلى ذلك وجدنا آباءنا والله أمرنا بها. # ثم قال تعالى: { قل } يا محمد،: { إن الله لا يأمر ~~بالفحشآء } ، أي: لا يأمر خلقه بقبائح الأمور: { أتقولون ~~على الله ما لا تعلمون }. # { بالفحشآء } وقف. # { بها } وقف. ### || [7.29-30] # قوله: { قل أمر ربي بالقسط } الآية. # المعنى: قل، يا محمد لهم: { أمر ربي بالقسط } ، أي: بالعدل. # { وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد }. # أي: وجهوا وجوهكم عند كل مسجد إلى الكعبة، وحيثما صليتم إليها. # وقيل معناه: اجعلوا سجودكم لله (عز وجل). # وقيل: المعنى إذا أدركتك الصلاة وأنت عند مسجد، فصل فيه، ولا تقل: ~~أؤخر حتى آتي مسجد قومي. # وهذا عطف محمول على المعنى؛ لأن معنى { أمر ربي بالقسط } ،: ~~يقول لكم [ربي] أقسطوا وأقيموا وجوهكم، [فعطف أقيموا وجوهكم]، على ~~أقسطوا، الذي في المعنى لا في اللفظ. # { وادعوه مخلصين له الدين }. # أي: الطاعة. # ثم قال تعالى: { كما بدأكم تعودون }. # هذا احتجاج عليهم إذ أنكروا قوله: # فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون # [الأعراف: 25]، وهو متصل به ومعناه: ليس بعثكم أشد من ابتدائكم. # ومعنى: { كما بدأكم تعودون } ، أي: كما بدأكم أشقياء وسعداء، ~~كذلك تبعثون يوم القيامة، كما قال: # [هو الذي] خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن # [التغابن: 2]، وقال بعده: { فريقا هدى وفريقا حق ~~عليهم الضلالة } ، وهو قول مجاهد، قال: من بدأه سعيدا بعثه ~~يوم القيامة سعيدا، ومن بدأه شقيا بعثه يوم / القيامة شقيا. # وعن مجاهد أيضا أنه قال: كما خلقكم تكونون كفارا ومؤمنين. # وعن ابن عباس نحوه. # فلا تقف على هذا القول إلا على: { الضلالة } ، لا تقف على: { ~~تعودون }؛ لأن { فريقا } ، { وفريقا } حالان. # وقيل: المعنى: كما خلقكم، ولم تكونوا شيئا، كذلك تعودون بعد الفناء، ~~أي: كما خلقكم، كذلك يبعثكم بعد موتكم، وهو قول الحسن وقتادة. فتقف ms0788 على ~~هذا على { تعودون }. # ثم قال: { إنهم اتخذوا الشياطين أوليآء من دون ~~الله ويحسبون أنهم مهتدون } ، أي: على هدى. # وقال الأخفش وأبو حاتم: { كما بدأكم } تمام. # وقيل { تعودون } التمام. # ومن قال معنى الآية: كما خلقكم أشقياء وسعداء { تعودون } ، لم يقف ~~إلا على: { الضلالة } ، وهو قول الكسائي. ### || [7.31] # قوله: { يابني ءادم خذوا زينتكم } الآية. # هذا خطاب لهؤلاء القوم الذين كانوا يتعرون في الطواف، فأمروا بالكسوة { ~~عند كل مسجد }. # قال السدي: " الزينة " ، ما يواري العورة، قال: وكانوا يحرمون الودك ما ~~أقاموا بالموسم، فقال لهم الله (عز وجل): { وكلوا واشربوا ولا ~~تسرفوا } ، أي: في التحريم. # وقال ابن زيد: { [و]لا تسرفوا }: لا تأكلوا حراما. # [و] قال علي رضي الله عنه: ليس في الطعام سرف. # قال ابن عيينة: ليس في الحلال سرف؛ إنما السرف في ارتكاب المعاصي. # (والإسراف أن يأكل ما لا يحل أكله مما حرم الله، عز وجل، أن يؤكل منه ~~شيء، أو تأكل مما أحل لك فوق القصد ومقدار الحاجة، فأعلم الله، عز وجل، ~~أنه لا يحب من أسرف، ومن لم يحببه الله، عز وجل، فهو في النار، نعوذ ~~بالله من النار). # وروى قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم، # " قال في قوله [تعالى]: { خذوا زينتكم عند كل مسجد } ، ~~قال: صلوا في النعال ". # فستر العورة فرض بهذه الآية على أبصار جميع الناظرين، إلا الأزواج، أو ~~ما ملكت الأيمان. # وقيل معنى: { ولا تسرفوا } ، [أي]: لا تحرموا الحلال، كما حرم ~~أهل الجاهلية البحيرة، والسائبة، وغير ذلك. ### || [7.32] # قوله { قل من حرم زينة الله } الآية. # والمعنى: { قل } يا محمد، لهؤلاء الذين يتعرون في الطواف، ويحرمون ما ~~لم يحرم الله من طيبات رزقه: { من حرم زينة الله } ، أي: ~~اللباس الذي يزين الإنسان بأن يستر عورته، ومن حرم { والطيبات ~~من الرزق } ، المباحة. # وقيل: عنى بذلك ما كانت الجاهلية تحرمه من السوائب والبحائر. قاله ~~قتادة. # وقال ابن عباس كانت الجاهلية تحرم على أنفسها أشياء أحلها الله (سبحانه) ~~من الرزق، وهو قول الله (عز وجل): # قل أرأيتم مآ ms0789 أنزل الله لكم من رزق # [يونس: 59] الآية. # ثم قال تعالى: { قل } ، (لهم) يا محمد { هي للذين آمنوا في ~~الحياة الدنيا خالصة (يوم القيامة) }. # المعنى، قل لهؤلاء: هذه الطيبات للذين آمنوا في الحياة الدنيا، مثل ما ~~هي للكفار خالصة يوم القيامة للمؤمنين، لا يشركهم فيها كافر. # قاله السدي، وغيره. # ووقع الجواب في هذا على المعنى، / كأنهم قالوا: [هي لنا، ما حرمها أحد، ~~فقل لهم: { هي للذين آمنوا } الآية. # وقيل المعنى: [قل]: هي { خالصة يوم القيامة } لمن آمن بي في ~~الحياة الدنيا. وذلك أن الزينة في الدنيا لكل بني آدم، ثم جعلها الله ~~(تعالى) خالصة للمؤمنين في الآخرة. قاله قتادة، وابن عباس، وغيرهما. ### || [7.33] # قوله: { قل إنما حرم ربي الفواحش } الآية. # المعنى { قل } لهم، يا محمد: إن ربي لم يحرم عليكم ما حرمتم على ~~أنفسكم، إنما حرم عليكم الفواحش، الظاهر منا والباطن، والشرك بالله ~~(سبحانه) ما ليس معكم به حجة، وقولكم على الله ما لا تعملون، وحرم عليكم ~~الإثم والبغي بغير الحق. # والفواحش: القبائح. # قال مجاهد: { ما ظهر منها }: نكاح الأمهات، { وما بطن }: ~~الزنا. # وقيل: { ما ظهر }: الطواف عريانا، { وما بطن } الزنا. # { والإثم }: المعصية. # { والبغي }: الاستطالة على الناس. # قال السدي: { البغي } ، أن يبغي على الناس بغير الحق. # وأصل البغي: التجاوز في الظلم. # وقد قيل: إن { الإثم } ، الخمر، وهو قول غير معروف، لكن هذه الآية ~~تدل على نص تحريم الخمر؛ لأن الله (تعالى) قد أخبرنا، أن في الخمر إثما، ~~فقال: # قل فيهمآ إثم كبير # [البقرة: 219]، وحرم الله اكتساب الإثم في هذه الآية. ### || [7.34] # قوله: { ولكل أمة أجل فإذا جآء أجلهم } الآية. # [الأمة]: الجماعة. # والمعنى: ولكل جماعة اجتمعت على تكذيب رسل الله، [سبحانه]، وقت لحلول ~~العقاب بها، فإذا جاء الوقت، { لا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون }. ### || [7.35] # قوله: { يابني ءادم إما يأتينكم رسل } الآية. # آدم مشتق من أدمة الأرض، وهو وجهها. # قال وهب بن منبه في التوراة: إني خلقت آدم، ركبت جسده من أربعة ~~أشياء ثم جعلها وارثه في ولده، تنمى في أجسادهم، وينمون عليها ms0790 إلى يوم ~~القيامة، رطب ويابس وسخن وبارد، وذلك لأني خلقته من تراب وماء وجعلت فيه ~~نفسا وروحا، فيبوسة جسده من قبل التراب، ورطوبته من قبل الماء، وحرارته ~~من قبل النفس، وبرودته من قبل الروح، ثم خلقت (في) الجسد بعد الخلق الأول ~~أربعة أنواع من الخلق أخرى، وهي ملاك الجسد وقوامه، لا يقوم الجسد إلا ~~بهذا، ولا تقوم واحدة إلا بأخرى: المرة السوداء، والمرة الصفراء، والدم، ~~والبلغم. ثم أسكنت بعض هذا الخلق في بعض، جعلت مسكن اليبوسة في المرة ~~السوداء، ومسكن الرطوبة في الدم، ومسكن البرودة في البلغم، ومسكن الحرارة ~~في المرة الصفراء، فأيما بدن اعتدلت به هذا اللفظ الأربع، وكانت كل واحدة ~~منهن فيه ربعا لا تزيد ولا تنقص، كملت صحته واعتدلت بنيته، فإن زادت ~~واحدة منهن عليهن قهرتهن، ومالت بهن، دخل على أخواتها السقم من ناحيتها ~~بقدر ما زادت، وإن كانت ناقصة ملن بها وعلونها، وأدخلن عليها السقم من ~~نواحيهن. قال وهب: وجعل عقله في دماغه، وتمييزه في كليتيه، وغضبه في ~~كبده، ومدامته في قلبه، ورغبته في رئته، وضحكه في طحاله، وحزنه وفرحه في ~~وجهه، وجعل فيه ثلاث مائة وستين مفصلا. # ومعنى الآية: أنها تعريف من الله، تعالى، ما لمن آمن بالرسل وأطاع، وما ~~لمن كفر وعصى، فقال: { يابني ءادم / إما يأتينكم ~~رسل منكم } ، أي: من أنفسكم، { يقصون عليكم آياتي } ، ~~أي: يتلون، { فمن اتقى وأصلح } ، أي: آمن، وأصلح أعماله، { ~~فلا خوف عليهم } ، يوم القيامة، ولا حزن يلحقهم على ما فاتهم ~~من دنياهم، التي تركوها. ### || [7.36] # قال: { والذين كذبوا } ، أي: بالرسل، وكذبوهم فيما جاؤا به، { ~~أولئك أصحب النار هم فيها خلدون } ، أي: ماكثون، ~~لا يخرجون منها أبدا. ### || [7.37] # قوله: { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا } ~~الآية. # المعنى: فمن أخطأ فعلا، { ممن افترى } ، [أي]: اختلق على الله ~~الكذب، فقال إذا فعل فاحشة: الله أمرنا بها. { أو كذب بآياته } ~~، أي: بعلاماته الدالة على وحدانيته، ونبوة أنبيائه. { أولئك ~~ينالهم نصيبهم من الكتاب } ، أي: حظهم مما كتب لهم من ~~العذاب وغيره في اللوح ms0791 المحفوظ. # قال السدي: هو ما كتب لهم من العذاب. # وكذلك قال الحسن، وغيره. # وقال ابن جبير: ما هو سبق لهم من الشقوة والسعادة. # وكذلك قال مجاهد، وقاله ابن عباس. # [وعن ابن عباس]. أيضا: إن المعنى ينالهم نصيبهم مما كتب عليهم من ~~أعمالهم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. # وقال قتادة المعنى: ينالهم في الآخرة نصيبهم من أعمالهم التي عملوها في ~~الدنيا. # وقيل المعنى: { ينالهم نصيبهم من الكتاب } الذي كتبه ~~الله عز وجل، على من افترى عليه. # وعن ابن عباس أنه قال: { ينالهم نصيبهم } ، هو ما قد كتب لمن ~~يفترى على الله أن وجهه مسود. # وقال القرظي المعنى إن: { نصيبهم من الكتاب } هو رزقه، ~~وعمله، وعمره. # وكذلك قال الربيع بن أنس. # وكذلك قال ابن زيد. # وقيل المعنى: { ينالهم نصيبهم من الكتاب } ، هو ما كتب ~~عليهم من سواد الوجوه، وزرقة الأعين، قال تعالى: # ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله ~~وجوههم مسودة # [الزمر: 60]. # وقيل: (المعنى)، هو ما ينالهم في الدنيا من العذاب، دون عذاب الآخرة، من ~~قوله: # ولنذيقنهم من العذاب الأدنى [دون العذاب ~~الأكبر] # [السجدة: 21]، الآية. # وكان الطبري يختار أن يكون المعنى: إنه ما كتب لهم في الدنيا، من خير ~~وشر، ورزق وعمل وأجل، قال: ألا ترى أنه تعالى أتبع ذلك بقوله: { حتى ~~إذا جآءتهم رسلنا يتوفونهم } ، فأخبر بآخر أمرهم ~~بعدما نالهم من: { نصيبهم من الكتاب } ، وهو الرزق، والعمر، ~~والأجل، والخير والشر. # وقيل: المعنى، إنه قوله تعالى: # فأنذرتكم نارا تلظى # [الليل: 14]، وقوله: # يسلكه عذابا صعدا # [الجن: 17] هذا { نصيبهم من الكتاب } ، وهو ينالهم في ~~الآخرة، ومثله: # إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل # [غافر: 71]، ومثله: # في الدرك الأسفل من النار # [النساء: 145]، هذا وشبهه من: { نصيبهم من الكتاب } ، الذي ~~ينالهم في الآخرة. # وقوله: { حتى إذا جآءتهم رسلنا يتوفونهم }. # قال الحسن: هذه وفاة إلى النار. # فيقول لهم الرسل: { أين ما كنتم تدعون من دون الله } ، ~~هذا / كله في الآخرة، فيشهدون على أنفسهم بالكفر حينئذ. # وقيل المعنى: إن هؤلاء المفترين ينالهم ما كتب لهم في الدنيا إلى أن ms0792 ~~يأتيهم { رسلنا } ، يعني: ملك الموت وجنوده { يتوفونهم } ، ~~أي: يستوفون عددهم من الدنيا إلى الآخرة، { أين ما كنتم تدعون ~~} ، أي: قالت الرسل للكفار: أين الذين كنتم تدعونهم من دون الله ~~وتعبدونهم يدفعون عنكم الآن ما جاءكم من أمر الله (عز وجل)؟ # { قالوا ضلوا عنا } ، أي: جاروا، وأخذوا غير طريقنا وتركونا ~~عند حاجتنا إليهم. # ثم قال الله (تعالى): { وشهدوا على أنفسهم أنهم ~~كانوا كافرين } ، أي: عند الموت. ### || [7.38-39] # قوله: { قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم } ~~الآية. # قرأ الأعمش: " (حتى) إذا تداركوا (فيها) " ، على الأصل، على ~~تفاعلوا. # وقرأ مجاهد: أدركوا، أي: أدرك بعضهم بعضا، وأصله: افتعلوا. # والمعنى: إنها خبر من الله (تعالى)، عما يقول لهؤلاء المفترين المكذبين ~~بالقرآن يقول لهم: { ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم ~~} ، أي في الجماعة من أجناسكم، { قد خلت } في النار، { من ~~الجن والإنس }. # وقيل: معنى { في أمم } ، أي: مع أمم. # وقوله: { كلما دخلت أمة لعنت أختها }. # أي: كلما دخلت جماعة النار شتمت الجماعة الأخرى التي من أهل ملتها. # وعني ب " الأخت " هنا: الأخوة في الدين والملة. # قال السدي: يلعن المشركون [المشركين]، واليهود اليهود، والنصارى ~~النصارى. وكذلك أهل كل ملة تلعن الجماعة، من أهل دينها التي دخلت النار ~~قبلها. # وقوله: { حتى إذا اداركوا فيها }. # أي: أدرك الآخر الأول في النار، واجتمعوا، { قالت أخراهم } ، ~~أي: الجماعة الآخرة { لأولاهم } للجماعة الأولى من أهل دينها، الذين ~~أضلوا من كان بعدهم؛ لأن الأول أضل الآخر { ربنا هؤلاء ~~أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار }. # قال السدي: { قالت أخراهم } ، الذين كانوا في آخر الزمان، { ~~لأولاهم } ، للذين شرعوا لهم الدين. # ثم أخبرنا الله (تعالى)، عما هو قائل لهم، بأن قال: { لكل ضعف } ~~، أي: للأولى والآخرة { ضعف } من النار، أي: يكون عليكم العذاب، { ~~ولكن لا تعلمون } ، أي: ولكنكم لا تعلمون قدر ما أعد الله ~~لكم من العذاب، فلذلك تسألون الضعف. وهذا على المخاطبة لهم. # ومن قرأ " بالياء " ، فعلى الإخبار عنهم أنهم لا يعلمون قدر العذاب. # [وقيل: إن معنى قراءة " التاء " ، ولكن لا تعلمون يا ms0793 أهل الدنيا مقدار ~~ما هم فيه من العذاب]. # وقيل: معنى قراءة " الياء ": ولكن لا يعلم كل فريق منهم مقدار عذاب ~~الآخرة. # ومعنى " التاء ": ولكن لا تعلمون أيها المخاطبون ما لكل فريق منكم من ~~العذاب. # ثم أخبر الله، تعالى، عن قول الأولى للآخرة فقال: { وقالت ~~أولاهم } ، أي: أولى كل أمة، { لأخراهم } ، أي: من بعدهم ~~[وزمان]، آخر فسلكوا سبيلهم { فما كان لكم علينا من فضل } ~~، أي: قد علمتم أنا كفرنا وكفرتم بما جاءنا وإياكم به الرسل والنذر، فنحن ~~وإياكم سواء، قد أضللناكم وأضللتم. # [وقال مجاهد: { من فضل } ، من التخفيف من العذاب، فهو كقوله: { ~~فما كان لكم علينا من فضل } ]. # ثم قال الله (تعالى) لجميعهم: { فذوقوا العذاب بما كنتم } ~~في الدنيا، { تكسبون } ، من الآثام والمعاصي. # { في النار } ، تمام. ### || [7.40] # قوله: { إن الذين كذبوا بآيتنا واستكبروا ~~عنها } ، الآية. # المعنى: إن الذين كذبوا بآيات الله وتكبروا عن الإيمان بها، { لا ~~تفتح } ، لأرواحهم إذا خرجت من أجسادهم، { أبواب السمآء } ، ~~ولا يصعد لهم في حياتهم [إلى الله] قول ولا عمل، قاله ابن عباس. # وقال أبو موسى / الأشعري في قوله: { لا تفتح لهم أبواب ~~السمآء } إن روح المؤمن تخرج وريحها أطيب من ريح المسك فتصعد بها ~~الملائكة الذين يتوفونها، فتتلقاهم ملائكة آخرون دون سماء الدنيا ~~فيقولون: من هذا؟ فيقولون: هذا فلان كان يعمل كيت وكيت، وتذكر محاسن ~~عمله: فيقولون مرحبا بكم وبه فيقبضونه، ويصعدون به من بابه الذي كان ~~يصعد منه عمله، فيشرق في السموات حتى ينتهي إلى العرش، وله برهان كبرهان ~~الشمس، ويخرج روح الكافر أنتن من الجيفة، فتصعد به الملائكة الذين ~~يتوفونه فتتلقاهم ملائكة آخرون من دون السماء فيقولون: من هذا؟ [فيقولون: ~~هذا] فلان بن فلان، كان يعمل كيت وكيت، تذكر مساوئ عمله، فيقولون: لا ~~مرحبا به ردوه، قال فيرد إلى واد يقال له برهوت، أسفل الثرى، من الأرضين ~~السبع. # وعن ابن عباس نحوه. # وروى البراء بن عازب: # " أن النبي، عليه السلام، ذكر عذاب القبر في حديث طويل، فقال فيه: إن ~~الكافر إذا كان في انقطاع ms0794 من الدنيا وإقبال من الآخرة، أتاه ملك الموت ~~فينزع نفسه، كما ينزع الصوف المبلول من السفود، فتأخذها الملائكة ~~فيصعدون بها، فتستفتح لها أبواب السماء فلا تفتح لها، ثم قرأ رسول الله ~~صلى الله عليه (وسلم)،: { لا تفتح لهم أبواب السمآء } ، ~~الآية. فيقول لهم (الله)، تبارك وتعالى،: اكتبوا كتابه في سجين، وأعيدوه ~~إلى الأرض. قال: فيطرح روحه طرحا [قال:] ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: { ومن يشرك بالله فكأنما خر من السمآء } ~~، الآية ". # وقال السدي: إن الكافر إذا أخذ روحه، ضربته ملائكة الأرض حتى يرتفع إلى ~~السماء، فإذا بلغ السماء الدنيا ضربته ملائكة السماء فهبط إلى أسفل ~~الأرضين. وإذا كان مؤمنا رفع روحه، وفتحت له أبواب السماء فلا يمر بملك ~~إلا حياه وسلم عليه، حتى ينتهي إلى الله، فيعطيه حاجته، ثم يقول: ردوا ~~روح عبدي فيه إلى الأرض، فإني قضيت من التراب خلقته، وإلى التراب يعود، ~~ومنه يخرج. # وقال ابن جبير، معناه: لا يرفع لهم عمل ولا دعاء. # وأكثرهم على أن المعنى: { لا تفتح } أي: لأرواحهم ولا لأعمالهم. # وقيل المعنى: لا تفتح لهم أبواب الجنة؛ لأن الجنة في السماء، ودل على ~~ذلك قوله: { ولا يدخلون الجنة }. بعقبه. # وقوله: { حتى يلج الجمل في سم الخياط }. # أي: لا يدخل هؤلاء المكذبون الجنة حتى يدخل { الجمل }: زوج الناقة، ~~في ثقب الإبرة، وهو لا يدخلها أبدا، وكذلك هؤلاء لا يدخلون الجنة أبدا. # وكل ثقب في عين أو أنف أو أذن أو غير ذلك. فالعرب تسميه " سما " و " ~~سما " ، بفتح السين وضمها، وجمعه " سموم " وجمع السم القاتل " ~~سمام ". # وقرأ ابن سيرين " في سم الخياط " بضم السين. # وقرأ ابن عباس، وعكرمة، وابن جبير: " الجمل " بضم " الجيم " وتشديد ~~" الميم " ، وهو حبل السفينة الغليظ. # وقيل: هو الحبل الذي يصعد به في النخل. # [وعن سعيد بن جبير] أنه قرأ " الجمل " بضم [الجيم] والتخفيف جعله جمع ~~" جملة " من الحبال، ك " ظلمة " و " ظلم ". # ومن شدد فهو اسم واحد، وهو الحبل الغليظ. # وقرأ أحمد بن يحيى " الجمل " ، وهو جمع " جملة ms0795 " ، وهي الحبال ~~المجموعة. # فالمعنى: لا يدخلون الجنة حتى يدخل هذا الحبل الغليظ في ثقب الإبرة، ~~فكما (أنه) لا يدخل في ثقب الإبرة، (كذلك هؤلاء لا يدخلون الجنة) أبدا. # ثم قال تعالى: { وكذلك نجزي المجرمين } ، / نثيبهم بما ~~اكتسبوا في الدنيا. ### || [7.41] # قال: { لهم من جهنم مهاد }... أي: لهم ما يقعد ويضطجع عليه ~~كالفراش والبساط. # { ومن فوقهم غواش }. # وهي اللحف تتغشاهم من فوقهم وهي جمع " غاشية " ، ومعنى الكلام: لهم من ~~نار جهنم مهاد { ومن فوقهم غواش } ، فهم بين ذلك. # { وكذلك نجزي الظالمين }. # أي: نثيب من ظلم نفسه، وأكسبها من عذاب الله ما لا قبل لها به. # { في سم الخياط } ، وقف. # و { غواش } ، وقف. ### || [7.42] # قوله: { والذين آمنوا وعملوا الصالحات } ، الآية. # المعنى: والذين صدقوا بئايت الله ورسله، { لا نكلف نفسا } ، من ~~الأعمال إلا طاقتها، { أولئك أصحاب الجنة هم فيها ~~خالدون } ، وفي الكلام تقديم وتأخير مفهوم. ### || [7.43] # قوله: { ونزعنا ما في صدورهم من غل } ، الآية. # روي أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: # " الغل على أبواب الجنة كمبارك الإبل، قد نزعه الله عز وجل، من قلوب ~~المؤمنين ". # والمعنى: وأذهبنا من صدور هؤلاء الذين تقدمت صفتهم، ما في صدورهم من حقد ~~وعداوة، كانت من بعضهم لبعض في الدنيا، وأدخلوا الجنة # إخونا على سرر متقبلين # [الحجر: 47]، لا يحسد بعضهم بعضا على شيء. # قال قتادة: قال علي: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير، من ~~الذين قال الله [فيهم] { ونزعنا ما في صدورهم من غل }. # قال السدي: إن أهل الجنة إذا سيقوا إلى الجنة فبلغوا، وجدوا عند بابها ~~شجرة في أصل ساقها عينان، فيشربون من إحداهما، فينزع ما في صدورهم من غل، ~~فهو " الشراب الطهور " الذي ذكره الله في قوله: # وسقاهم ربهم شرابا طهورا # [الإنسان: 21]. واغتسلوا من الأخرى، فجرت عليهم نضرة النعيم فلم يشعثوا ~~ولم يشحبوا بعدها أبدا. # قوله: { وقالوا الحمد لله }. # أي: قالوا ذلك حين رأوا ما أكرمهم الله به من جنته، وما صرف عنهم من ~~نقمته. # روى [أبو سعيد] الخدري عن النبي، صلى الله ms0796 عليه وسلم، أنه قال: # " كل أهل النار يرى منزله من الجنة، فيقول: " لو هدانا الله " فيكون ~~عليهم حسرة. وكل أهل الجنة يرى منزله من النار، فيقولون: " لولا أن هدانا ~~الله " " # ! [فهذا] شكرهم. # وقوله: { ونودوا أن تلكم الجنة } ، (الآية). # اعترض بعض الملحدين بهذه الآية على حديث النبي، عليه السلام، في قوله: # " لا يدخل الجنة أحد بعمله، وإنما يدخلها برحمة الله " # هذا غلط منهم؛ لأن رحمة الله لا تدرك إلا بالعمل الصالح. وإذا كانت ~~الرحمة لا تدرك إلا بالعمل الصالح فالعمل الصالح الذي يدرك الرحمة يدخل ~~الجنة. # ويجوز أن يكون معنى: { أورثتموها بما كنتم تعملون } ، ~~يعني: المنازل في الجنة، فيكون الدخول برحمة الله، كما قال النبي، عليه ~~السلام،: # " والمنازل بالأعمال " # فيصح الحديث، والآية على ظاهرها. # وقوله: { أورثتموها } ، وقوله: { ونودوا } ، فعلان منتظران، ~~ولفظهما لفظ ما قد مضى، وذلك حسن في أخبار الله؛ لأنها كالكائنة لصدق ~~المخبر بها، ونفوذ القضاء، والحتم (بها) من الله. # قال السدي: ليس من كافر ولا مؤمن إلا وله في الجنة والنار منزل، فإذا ~~دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار [ودخلوا منازلهم]، رفعت الجنة ~~لأهل النار، فنظروا إلى منازلهم منها، فقيل لهم: " هذه منازلكم لو عملتم ~~بطاعة الله ". # ثم يقال: يا أهل الجنة { أورثتموها بما كنتم تعملون } ، ~~يعني منازل أهل النار ورثوها بعملهم فيقتسمونها. # وعن أبي سعيد الخدري قال: ينادي مناد: إن لكم أن تحيوا فلا تموتوا ~~أبدا، وأن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا ~~أبدا، وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا. # وقيل: معنى: { [و]نودوا }: قيل لهم: وذلك حين رأوها قبل أن ~~يدخلوها، قيل لهم: { تلكم الجنة }. # / وقال علي، رضي الله عنه،: يدخلون الجنة فإذا شجرة يخرج من تحت ساقها ~~عينان، فيغتسلون من إحداهما، فتجرى عليهم نضرة النعيم، فلا تشعث أشعارهم، ~~ولا تغبر أبشارهم، ويشربون من الأخرى، فيخرج كل أذى وقذر وبأس في بطونهم، ~~ثم يفتح لهم باب الجنة، فيقال لهم: # سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين # [الزمر: 73]. قال: فيستقبلهم الولدان، فيحفون بهم ms0797 كما يحف الولدان ~~بالحميم إذا جاء من غيبته. ثم يأتون فيبشرون أزواجهم فيسمونهم بأسمائهم ~~وأسماء آبائهم. فيقلن: أنت رأيته! قال: ويستخفهن الفرح، [قال:] فيجئن حتى ~~يقفن على أسكفة الباب [قال]: فيجيئون فيدخلون، فأذا أس بيوتهم ~~جندل اللؤلؤ، وإذا سرج صفر وخضر وحمر من كل لون، وسرر مرفوعة، وأكواب ~~موضوعة، ونمارق مصفوفة، وزرابي مبثوثة، فلولا أن الله قدرها لهم لالتمعت ~~أبصارهم مما يرون فيها. فيعانقون الأزواج، ويصعدون على السرر، ويقولون: { ~~الحمد لله الذي هدانا لهذا } ، أي: هدانا للإيمان، { ~~وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله } ، أي: الحمد ~~لله الذي هدانا، إلى هذا وهو الإسلام. # وقيل المعنى: الحمد لله الذي هدانا إلى الجنة. # { لقد جآءت رسل ربنا بالحق }. # أي: جاءتنا في الدنيا بالحق عن الله. ### || [7.44-45] # قوله: { ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار } ، الآية. # المعنى: ونادى أهل الجنة أهل النار بعد الدخول: يا أهل النار، قد وجدنا ~~ما وعدنا ربنا في الدنيا على ألسنة الرسل (حقا، من الثواب والنعيم ~~والكرامة، فهل وجدتم ما وعدكم في الدنيا على ألسنة الرسل) من العقاب ~~والثواب حقا؟ فأجاب أهل النار: نعم، قد وجدنا ذلك حقا، { فأذن ~~مؤذن بينهم أن لعنة [الله] على الظالمين }. # تم الإخبار عما يكون يوم القيامة. # ثم ابتدأ بصفة من استحق هذه اللعنة، فأخبر بصفتهم في الدنيا، فقال: { ~~الذين يصدون عن سبيل الله } ، إلى: { كافرون } ، ~~فهما قصتان، إحداهما في الآخرة والأخرى في الدنيا، اتصلتا. # { الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا }. # أي: حاولوا أن يغيروها، ويبدلوها عما جعلها الله (عليه) من استقامتها. { ~~وهم بالآخرة }. أي: بالبعث. { كافرون }. أي: جاحدون. # والعرب تقول للميل في الطريق والدين " عوج " بالكسر، وفي ميل الرجل ~~على الشيء وهو العطف عليه: " عاج إليه يعوج عياجا وعوجا ~~وعوجا " ، بكسر العين وفتحه. وما كان خلقه في الإنسان، فإنه يقال فيه: ~~" العوج " بالفتح، يقال: " ما أبين عوج ساقه " ، بفتح العين. ### || [7.46] # قوله: { وبينهما حجاب [وعلى الأعراف رجال ~~يعرفون كلا بسيماهم] } (الآية). # والمعنى: وبين الجنة والنار { حجاب } ، أي: حاجز، وهو السور الذي ~~ذكره الله ms0798 [عز وجل] فقال: # فضرب بينهم بسور # [الحديد: 13]، وهو: الأعراف. # قال مجاهد: " الأعراف " ، حجاب بين الجنة والنار. # قال السدي: الحجاب، وهو السور، وهو: الأعراف. # و " الأعراف ": جمع، واحدها: عرف، وكل مرتفع من الأرض فهو: ~~عرف. # وقيل لعرف الديك: عرف لارتفاعه. # وقال السدي: إنما سمي " الأعراف " أعرافا؛ لأن أصحابه يعرفون ~~الناس. # وقال ابن عباس: هو جسر بين الجنة والنار، عليه ناس من أهل الذنوب بين ~~الجنة والنار. # وذكر الشعبي عن حذيفة: أن " أصحاب الأعراف " قوم تجاوزت بهم حسناتهم ~~النار، [و] قصرت سيئاتهم عن الجنة، { وإذا صرفت أبصارهم ~~تلقآء أصحاب النار / قالوا ربنا لا تجعلنا مع ~~القوم الظالمين } ، فبيناهم كذلك إذ اطلع عليهم ربك فقال (لهم): ~~اذهبوا فادخلوا الجنة فإني قد غفرت لكم. # وروي عنه أنه قال: يوقفون هنالك على السور حتى يقضي الله بينهم. # وعن ابن عباس: " الأعراف " ، السور الذي بين الجنة والنار، و " ~~الرجال ": قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فوقفوا على { الأعراف } ، ~~يعرفون أهل الجنة بسيماهم، وأهل النار بسيماهم. # وعنه أنه قال أيضا: " الأعراف " الشيء المشرف. # وعنه أنه قال: [هو] كعرف الديك. # وعنه أنه قال: هم رجال كانت لهم ذنوب عظام وكان حسم أمرهم لله، فوقفوا ~~على السور. # وقال ابن مسعود: من كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة، ومن ~~كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار. ومن استوت حسناته وسيئاته ~~كان من " أصحاب الأعراف " فوقفوا على الصراط، ثم عرفوا أهل الجنة وأهل ~~النار، فإذا نظروا إلى أهل الجنة نادوا: { سلام عليكم } ، وإذا ~~صرفوا أبصارهم إلى يسارهم (رأوا) أصحاب النار، # قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين # ، [الأعراف: 47]، فيتعوذون بالله من منازلهم، فأما أصحاب الحسنات، فإنهم ~~يعطون نورا فيمشون به بين أيديهم وبأيمانهم، ويعطي كل عبد يومئذ نورا ~~وكرامة. فإذا أتوا على الصراط سلب الله عز وجل، نور كل منافق ومنافقة. ~~فلما رأى أهل الجنة ما لقي المنافقون، قالوا: # ربنآ أتمم لنا نورنا # [التحريم: 8]. وأما " أصحاب الأعراف " ، فإن النور كان في أيديهم فلم ~~ينزع منهم، فلذلك قال: { لم يدخلوها وهم ms0799 يطمعون }. # وقال مجاهد، عن عبد الله بن الحارث: { أصحاب الأعراف } ، يؤمر ~~بهم إلى نهر يقال له: " الحياة " ترابه: الورس والزعفران، وحافتاه: قصب ~~الذهب مكلل باللؤلؤ، وقال: فيغتسلون [فيه اغتسالة، وتبدو في نحورهم شامة ~~بيضاء، ثم يعودون فيغتسلون]، فيزدادون. # فكلما اغتسلوا ازدادوا بياضا، فيقال لهم [تمنوا] ما شئتم، [فيتمنون ما ~~شاؤا، فيقال لهم: لكم ما تمنيتم]، وسبعون ضعفا، [قال:] فهم مساكين أهل ~~الجنة. # ومثل هذا روي عن ابن عباس أيضا. # وقيل: { أصحاب الأعراف } ، قوم قتلوا في سبيل الله (عز وجل) ~~عصاة لآبائهم في الدنيا. قاله: شرحبيل بن سعد، قال: هم قوم خرجوا إلى ~~الغور بغير إذن آبائهم، فيقتلون. # روي عن النبي، صلى الله عليه وسلم، # " أنه سئل عن " أصحاب الأعراف " ، فقال لهم: قوم قتلوا في سبيل الله ~~بمعصية آبائهم فمنعهم قتلهم في سبيل الله (عز وجل) من النار، ومنعهم ~~معصيتهم آبائهم أن يدخلوا الجنة ". # وعن مجاهد، أنه قال: هم قوم صالحون فقهاء علماء. # وقال أبو مجلز: هم ملائكة يعرفون أهل الجنة وأهل النار. # وقال ابن عباس: هم رجال أنزلهم الله (عز وجل) تلك المنزلة، يعرفون أهل ~~الجنة ببياض وجوههم، ويعرفون أهل النار بسواد وجوههم، ويتعوذون بالله ~~(سبحانه) أن يجعلهم مع الظالمين. وهم يحيون أهل الجنة بالسلام، لم ~~يدخلوها، وهم يطمعون [بالدخول إن شاء الله]. # هذا خبر من الله عن أهل الأعراف: أنهم قالوا لأهل الجنة ما قالوا قبل ~~دخول أصحاب الأعراف الجنة، غير أنهم قالوه وهم يطمعون في دخولها. # وقال الحسن: والله ما جعل / الله ذلك الطمع في قلوبهم، إلا لكرامة ~~يريدها بهم. # وقال ابن مسعود: أما " أصحاب الأعراف " ، فإن النور كان في أيديهم، لم ~~ينزع من أيديهم، فهنالك يقول الله (عز وجل) { لم يدخلوها وهم ~~يطمعون }. # قال ابن عباس: { وهم يطمعون } ، أي: في دخولها. # وقيل: " طمع " هنا بمعنى " علم " ، أي: لم يدخلها أصحاب الأعراف، ~~وهم يعلمون أنهم يدخلون. # وقيل المعنى: إن " أصحاب الأعراف " يقولون لأهل الجنة: { سلام ~~عليكم } ، وأهل الجنة يطمعون أن يدخلوها، ولم يدخلوا بعد. # وعلى هذا تأويل قول ms0800 من جعل أصحاب الأعراف ملائكة، يكون الطمع للمؤمنين ~~الذين يمرون على أصحاب الأعراف. # وقيل المعنى: { لم يدخلوها وهم يطمعون } ، وإنما دخلوها) ~~وهم غير طامعين. فيكون الوقف على هذا على { يطمعون }. # { سلام عليكم } تمام، على قول من جعل { وهم يطمعون } ~~للمارين من المؤمنين. # ومن جعل " الطمع " لأصحاب الأعراف لم يقف على { يدخلوها }. ### || [7.47] # قوله: { وإذا صرفت أبصارهم } ، الآية. # المعنى: وإذا صرفت أبصار أصحاب الأعراف نحو أصحاب النار، فنظروا إلى ~~حالهم { قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين ~~}. # وقال السدي: إذا مرت زمرة من أهل النار بأصحاب الأعراف، دعوا ألا يجعلوا ~~معهم. # وقال ابن عباس: [إن " أصحاب الأعراف " ] إذا نظروا إلى أهل النار ~~عرفوهم، واستعاذوا أن يجعلوا معهم. ### || [7.48] # قوله: { ونادى أصحاب الأعراف } ، الآية. # المعنى: إن " أصحاب الأعراف " نادوا رجالا يعرفونهم، من أهل النار { ~~بسيماهم } ، أي: بسواد وجوههم، وزرقة أعينهم، قالوا لهم: أي شيء ~~أغنى عنكم جمعكم في الدنيا، واستكباركم فيها، عن عبادة الله، عز وجل، ~~والإيمان برسوله، صلى الله عليه وسلم. # قال السدي: مر بأهل " الأعراف " رجال من الجبارين يعرفونهم، فقالوا لهم ~~ذلك. ### || [7.49] # قوله: { أهؤلاء [الذين] أقسمتم لا ينالهم ~~الله برحمة }. # هذا قول الله (عز وجل) [لأهل النار] توبيخا لهم على ما كان من ~~قيلهم لأهل الأعراف في الدنيا، وذلك حين دخل [أهل] الأعراف الجنة، ~~فهو قول اتصل بقول أصحاب الأعراف، فهو من قول الله، جل ذكره، إلى قوله: { ~~تحزنون } ، ففيه رجوع من مخاطبة كفار إلى مخاطبة مؤمنين متصل بعضه ~~ببعض. # وقد قيل: إنه من قول الملائكة لأهل النار، [ويكون] { [ادخلوا] ~~الجنة } من قول الله (عز وجل)، فتكون الآية [فيها] ثلاثة أقوال: # - قول أهل الأعراف إلى # تستكبرون # [الأعراف: 48]. # - وقول الملائكة إلى { برحمة }. # - وقول الله إلى { تحزنون } ، متصل (كله) بعضه ببعض. # قال ابن عباس: " أصحاب الأعراف " ، رجال كانت لهم ذنوب عظام، وكان حسم ~~أمرهم [لله]، يقومون على الأعراف، فإذا نظروا إلى [أهل] الجنة طمعوا ~~فيها، وإذا نظروا [إلى] أهل النار تعوذوا بالله منها، فأدخلوا الجنة، ~~فقال الله، تبارك الله، { أهؤلاء الذين ms0801 أقسمتم } ، يا ~~أهل النار، { لا ينالهم الله برحمة ادخلوا الجنة ~~لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون }. # وقال حذيفة: { أصحاب الأعراف } ، قوم قصرت بهم حسناتهم عن ~~الجنة، وقصرت بهم / سيئاتهم عن النار، فجعلوا على الأعراف، يعرفون الناس ~~بسيماهم. فلما قضي بين العباد، أذن لهم في طلب الشفاعة [فيأتون الأنبياء ~~كلهم من الشفاعة]، ويدل على الآخر حتى يأتوا محمدا (صلى الله عليه ~~وسلم)، فيشفع لهم، فيذهب بهم إلى " نهر الحيوان " حافتاه قصب من ذهب مكلل ~~باللؤلؤ، ترابه المسك، وحصباؤه الياقوت، فيغتسلون فيه، فتعود إليهم ألوان ~~أهل الجنة وريح أهل الجنة، ويصيرون كأنهم الكواكب الدرية، وتبقى في ~~صدورهم شامات بيض يعرفون بها، يقال لهم: " مساكين أهل الجنة ". # وقال أبو مجلز: [بل] هذا القول خبر من الله (عز وجل) [عن] قول ~~الملائكة لأهل النار، تعييرا منهم لهم على ما كانوا يقولون في الدنيا ~~للمؤمنين الذين قد دخلوا الجنة. # قوله: { ادخلوا الجنة } ، وما بعده من كلام الله (سبحانه)، ~~فالوقف على هذا: { برحمة }. # ومن قال إنها خبر من الله (عز وجل) عن نفسه (جلت عظمته) وقف على: { ~~تحزنون }. # وقرأ يحيى بن يعمر: " أدخلوا الجنة " ، على ما لم يسلم فاعله ~~بكسر الخاء. # وقرأ الحسن، وابن هرمز: " أدخلوا " ، بفتح الهمزة وكسر الخاء، على ~~الأمر من الله (تعالى) للملائكة أن يدخلوهم الجنة، والمفعول محذوف. ### || [7.50] # قوله: { ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة } ، الآية. # ومعنى الآية: أنها خبر من الله (عز وجل) عن استغاثة أهل النار بأهل ~~الجنة، عند نزول شدة العطش والجوع بهم. # ومعنى: { أو مما رزقكم الله } ، أي من الطعام، فأجابهم أهل ~~الجنة: { إن الله حرمهما على الكافرين }. # قال ابن عباس: ينادي الرجل أخاه وأباه فيقول: " (قد احترقت)، أفض علي من ~~الماء " ، فيقال لهم: أجيبوهم فيقولون: { إن الله حرمهما ~~على الكافرين }. ### || [7.51] # { الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا }. # أي: سخرية ولعبا؛ لأنهم كانوا إذا دعوا إلى الإيمان سخروا ممن دعاهم ~~إليه وهزأوا به. # وقوله: { وغرتهم الحيوة الدنيا }. # أي: خدعتهم بعاجل ما فيها من العيش والدعة، عن الأخذ بنصيبهم من الآخرة. ms0802 # { فاليوم ننسهم }. # أي: نتركهم في العذاب جياعا عطاشا. # { كما نسوا لقآء يومهم هذا }. # أي: كما تركوا العمل للقاء يومهم هذا، وكما كانوا بآياتنا يجحدون، أي: ~~بحجتنا وعلاماتنا. # ولا يوقف على { يومهم هذا }؛ لأن { وما } معطوف على { ما } ~~الأولى. ### || [7.52-53] # قوله: { ولقد جئناهم بكتاب فصلناه } ، إلى { ~~يفترون }. # لام: " لقد " حيث وقعت لام توكيد، متعلق بمعنى القسم، والمعنى: والله ~~أقسم لقد كان هكذا. # و: " الكتاب " [هو]: القرآن. # و: { فصلناه }: بيناه. # { على علم }. # أي: على علم منا بالميز بين الحق والباطل والضلال والهدى. # { هدى ورحمة }. # أي: ليهتدى [ويرحم] به قوم يصدقون به. # وهذه الآية مردودة على قوله: # كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه ~~لتنذر به وذكرى للمؤمنين # [الأعراف: 2]. # قوله: { أو نرد } ، معطوف على [قوله]: { من شفعآء } ، أي: أو ~~هل نرد. # وقرأ ابن أبي إسحاق: " أو نرد " ، بالنصب، على معنى: إلا أن نرد، كما ~~قال: # .... أو نموت فنعذرا # وقوله: { فنعمل } ، جواب لقوله: { أو نرد } ، أو عطف عليه، ~~على قراءة من نصب ( " نرد " ). # وقرأ الحسن: " أو نرد فنعمل " ، بالرفع فيهما، على (لفظ) العطف على ~~" نرد ". ورفع " نرد " على الاستفهام كما ذكرنا. # وقوله، { هل ينظرون إلا تأويله }. # / أي: إلا ما وعدوا به في القرآن من العذاب. # و { ينظرون } ، بمعنى: ينتظرون. # قال قتادة: { تأويله } ، عاقبته. # وقال مجاهد: جزاءه. # { يوم يأتي تأويله } ، أي: جزاؤه، { يقول الذين ~~نسوه من قبل } ، أي: تركوه في الدنيا، { قد جآءت رسل ~~ربنا بالحق }. # وقال ابن زيد: { تأويله } ، حقيقته، أي: حقيقة القرآن فيما أوعدهم ~~من العقاب. # قال السدي: { الذين نسوه } ، تركوه في الدنيا، لما رأوا ما ~~أوعدهم أنبياؤهم، استيقنوا بالهلاك، وطلبوا الشفعاء والرجعة إلى الدنيا. # { قد خسروا أنفسهم }. # أي: غبنوا أنفسهم حظوظها ببيعهم ما ذكر لهم من نعيم الآخرة الدائم ~~بالخسيس من عرض الدنيا الزائل. # { وضل عنهم ما كانوا يفترون }. # أي: أولياؤهم في الدنيا. # وقال بعض أهل اللغة معناه: هل ينظرون إلى ما يؤول إليه أمرهم من البعث، ~~وعلى هذا تأولوا قول الله: # وما يعلم تأويله إلا الله # [آل عمران: 7] أي: ms0803 لا يعلم وقت البعث إلا الله، ثم قال تعالى: { ~~والراسخون في العلم يقولون آمنا به }. # و " النسيان " في هذا الموضع على معنيين: # - يجوز أن يكون معناه: فلما أعرضوا عنه صاروا بمنزلة من نسي الشيء. # - والثاني: أن يكون بمعنى الترك. ### || [7.54] # قوله: { إن ربكم الله الذي خلق السموت ~~[والأرض] } ، الآية. # احتج من خفف { يغشي } ، بقوله: # فأغشيناهم # [يس: 9]. # واحتج من شدد بقوله: # فغشاها ما غشى # [النجم: 54]، وبأن التشديد يوجب التكرير، وكذلك هو فعل يتكرر ويتردد، ~~وذلك أن كل يوم دخل ليله غير ليل اليوم الآخر، فالتغشية مكررة لمجيئها ~~يوما بعد يوم، وليلة بعد ليلة. # وقوله: { حثيثا }. أي: طلبا حثيثا. # والمعنى: إن سيدكم ومصلح أموركم، هو { الله الذي خلق ~~السموت والأرض في ستة أيام } ، وذلك يوم الأحد، ~~والاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، والجمعة. # قال مجاهد: بدأ بخلق العرش والماء والهواء، وخلقت الأرض من الماء، وكان ~~جمع الخلق يوم الجمعة، فلذلك سميت الجمعة. # وقوله: { يغشي اليل النهار }. # أي: يورد الليل على النهار فيلبسه إياه، حتى يذهب بضوئه، يطلبه طلبا { ~~حثيثا } ، أي: سريعا حتى يدركه. # { ألا له الخلق والأمر }. # { الخلق }: المخلوق. # { والأمر } هو: كلامه الذي به تكون المخلوقات، فهو غير مخلوق، وصفة ~~من صفاته، كعلمه وقدرته، لا يشبه كلام المخلوقين، ولا يقدر فيه صوت ولا ~~حروف؛ إنما هو كلام له صفة ذاته، فكما أنه تعالى لا شيء يشبهه، كذلك ~~صفاته لا تشبهها صفة. # وقال ابن عباس: الدنيا جمعة من جمع الآخرة، سبعة آلاف سنة. # وقال كعب: الدنيا ستة آلاف سنة. # [وكذلك] قال وهب. # [و] قال النبي، صلى الله عليه وسلم،: # " أجلكم في أجل من كان قبلكم من صلاة العصر إلى مغرب الشمس ". # وقال صلى الله عليه (وسلم) يوما عند غروب الشمس: # " (إن) مثل ما بقي من دنياكم في ما مضى، كهيئة يومكم هذا في مضى منه ". # وقال: # " بعثت أنا والساعة كهاتين وأشار بأصبعيه: السبابة والوسطى ". # قال ابن عباس: # " سألت اليهود النبي (عليه السلام) عن خلق السموات والأرض فقال: " خلق ~~الله الأرض يوم الأحد والاثنين، وخلق الجبال ms0804 يوم الثلاثاء ومنافعها، / ~~وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والمدائن والعمران والخراب، فهذه أربعة ~~أيام، وهو قوله: { قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق ~~الأرض في يومين } ، ثم قال: { وجعل فيها رواسي من ~~فوقها وبارك فيها وقدر فيهآ أقواتها في ~~أربعة أيام }. قال: وخلق يوم الخميس السماء، وخلق يوم الجمعة ~~النجوم والشمس والقمر إلى ثلاثة ساعات منه. وخلق في أول ساعة من هذه ~~الثلاث ساعات من حيي ومن يموت، وفي الثانية ألقى الآفة على كل شيء مما ~~ينتفع به الناس، وفي الثالثة منه خلق آدم (عليه السلام). وأسكنه الجنة، ~~وأمر إبليس بالسجود له، وأخرجه منها آخر ساعة " ، ثم قالت اليهود: ثم ~~ماذا يا محمد؟ قال: " ثم استوى على العرش " قالوا: قد أصبت لو أتممت، ~~قالوا: ثم استراح، فغضب النبي، صلى الله عليه وسلم، غضبا شديدا، فنزل: ~~{ ولقد خلقنا السموت والأرض وما بينهما في ~~ستة أيام وما مسنا من لغوب } ". # واللغوب: الإعياء. # واليهود، عليهم اللعنة، تتأول في السبت، أنه يوم الراحة، فلذلك جعلوه ~~لأنفسهم راحة لا يتصرفون فيه، تعالى الله عن ذلك. # قال قتادة: أوحى الله في كل سماء أمرها: خلق فيها شمسها وقمرها ونجومها ~~وصلاحها. فخلق الشمس والقمر كان بعد [خلق) السموات والأرض. # قال النبي (صلى الله عليه وسلم): # " أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب فجرى في تلك الساعة بما هو كائن ~~". # قال ابن عباس: ثم رفع بخار الماء ففتق منها السموات والأرض. # وقيل: أول شيء خلق الله النور والظلمة، ثم ميز بينهما، فجعل الظلمة ~~ليلا أسود مظلما، وجعل النور نهارا مبصرا. # فالسموات والأرض تحيط بهما البحار ويحيط بذلك كله الهيكل، ويحيط بالهيكل ~~الكرسي. # قال وهب: الهيكل شيء من أطراف السموات يحدق بالأرضين والبحار كأطناب ~~الفسطاط. # وكان بين خلقه تعالى، القلم وخلقه سائر خلقه ألف عام. ولما أراد تعالى ~~أن يخلق السموات خلق أياما ستة، فخلق واحدا فسماه الأحد، وثانيا ~~فسماه: الاثنين، وثالثا فسماه: الثلاثاء، ورابعا فسماه: الأربعاء، ~~وخامسا فسماه: الخميس. # وكان ابتداء الخلق يوم السبت خلق فيه التربة. # وقيل: يوم ms0805 الأحد. # وقد روي أن الله تعالى خلق البيت العتيق على الماء على أربعة أركان قبل ~~أن يخلق الدنيا بألفي عام، ثم دحيت الأرض من تحته. قاله ابن عباس. # وكذلك روى مجاهد عن عبد الله بن عمرو. # أي: نزرا قليلا لا فائدة فيه مع قلته، كذلك الكافر لا يقبل الهدى / فإن ~~قبل شيئا فهو قليل لا فائدة فيه؛ لأنه على شك وقلة يقين. قال ذلك ابن ~~عباس وقتادة. # وقال السدي: هو مثل ضربه الله، تعالى، للقلوب لما نزل عليها القرآن، ~~كنزول المطر على الأرض، فقلب المؤمن كالأرض الطيبة القابلة للماء الذي ~~تنتفع به فيما تخرج [و] قلب الكافر كالأرض السبخة التي لا تنتفع بما تقبل ~~من الماء. # هذا معنى قوله: # كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون # [الأعراف: 58]، أي: كما فعلنا فيما تقدم ذكره، مثله نصرف الآيات في هذا. # قوله: # لقد أرسلنا نوحا إلى قومه # [الأعراف: 59-61]، الآيات الثلاث. # لام { لقد } لام توكيد بمعنى القسم. # وقال ابن عباس: الليل خلق قبل النهار. # وقيل: [كان] النهار قبل الليل. ودليل ذلك أن الله، تعالى ذكره، [كان] ~~ولا ليل، ولا نهار، ولا شيء غيره؛ وأن نوره كان يضيء به كل شيء خلقه ~~بعدما خلقه، حتى خلق الليل. فالضياء قبل الظلمة. ### || [7.55-56] # قوله: { ادعوا ربكم تضرعا وخفية } ، إلى: { ~~المحسنين }. # المعنى: ادعوا، أيها الناس، ربكم مستكينين له، مخلصين متخشعين سرا في ~~أنفسكم، { إنه لا يحب المعتدين }. # ثم قال: { ولا تفسدوا في الأرض }. أي: لا تشركوا. والفساد ~~هنا: الشرك. # { بعد إصلاحها }. أي: بعد إصلاح الله (تعالى) إياها لأهل طاعته، ~~بأن بعثت إليهم نبيا، ينذرهم ويبشرهم. # { وادعوه خوفا وطمعا }. أي: خوفا من عقابه، وطمعا في ~~رحمته. # / { إن رحمت الله قريب [من المحسنين] }. أي: ثواب ~~الله قريب من المحسنين وإنما وصفه (بالقرب)؛ لأنه ليس بينهم وبينه إلا أن ~~يفارقوا الدنيا. # وفي حرف: " الهاء " في { قريب } ستة أقوال: # أحسنها أن " الرحمة " و " الرحم " بمعنى. # وقال الفراء: (إنما أتى { قريب } ) بغير " هاء " ليفرق بينه وبين ~~قريب من النسب. # ويلزمه ألا يجوز فيه إدخال ms0806 " الهاء " ، وإدخالها جائز عند جميع النحويين ~~لو كان في كلام. # وقال الزجاج: حذفت " الهاء "؛ لأنه ثأنيث غير حقيقي. # ومذهب أبي عبيدة: أن تذكير { قريب } ، على تذكير المكان. # ويلزمه على هذا نصب { قريب }. # وقيل: " الرحمة " هنا: المطر، فذكر حملا على المعنى. # وقيل: هو مذكر على النسب كما يقال: امرأة طالق وحائض. ### || [7.57] # قوله: { وهو الذي يرسل الرياح بشرا [بين يدي ~~رحمته] } ، الآية. # من قرأ { بشرا } فهو جمع " نشور " ، كقولك: " صبور " و " صبر ". # والريح النشور: التي تأتي من هنا ومن هنا. # وقيل: { بشرا } مصدر. ومن أسكن الشين فعلى هذا المعنى يكون، إلا أنه ~~[أسكن] [الشين] استخفافا. # ومن قرأ { بشرا } [بفتح النون]، فهو مصدر نشرت [الريح] السحاب ~~وانتشرته نشرا، كما قال: # والناشرات نشرا # [المرسلات: 3]، فتقديره: وهو الذي يرسل الرياح ناشرة السحاب، فهو مصدر ~~في موضع الحال. # وقيل: " النشر ": الريح الطيبة اللينة [التي] تنشىء السحاب. # ومن قرأ (بشرا) بالباء، فهو جمع بشير، مخفف، كرغيف ورغف. # وقيل هو: مصدر، أي: تبشر بالمطر. # { سقناه }. # " الهاء " تعود على السحاب، وهو يؤنث ويذكر، وكذلك كل شيء بينه وبين ~~واحده " الهاء ". # ومعنى الآية: وربكم الذي خلق السموات والأرض وما ذكر، { هو الذي ~~يرسل الرياح بشرا }. # " والنشر " من الرياح: الريح الطيبة اللينة التي تنشر السحاب. # ومن قرأ { بشرا } ، بضمتين، أي: يرسلها تهب من كل ناحية. # ومعنى الكلام: والله الذي يرسل الرياح من كل ناحية { بين يدي ~~رحمته }. # والرحمة: المطر. # { حتى إذآ أقلت سحابا }. # أي: أقلت الرياح سحابا، يقال: أقل البعير حمله إذا حمله واستقل به. # { سقناه } ، أي: سقنا السحاب إلى بلد ميت، قد أجدب أهله، وعفت ~~مزارعه، { فأخرجنا } ، بالمطر من الأرض من كل الثمرات. # وقوله: { فأنزلنا به }. " الهاء " للبلد. # { فأخرجنا به }. أي: بالماء [أو بالبلد]. # { لعلكم تذكرون }. أي: لتكونوا على رجاء من التذكر. # وقوله: { كذلك نخرج الموتى }. أي: كما نحيي هذا البلد الميت ~~بالماء]، كذلك نحيي الموتى بعد موتهم. # قال أبو هريرة: إن الناس إذا ماتوا في النفخة الأولى، مطر عليهم من ماء ~~تحت العرش يدعى " الحيوان " أربعين سنة، فينبتون ms0807 كما ينبت الزرع ~~[بالماء). فإذا استكملت أجسادهم نفخ فيهم الروح. # قال ابن مسعود: يرسل الله ماء من تحت العرش كمني الرجال، وليس من بني ~~آدم خلق في الأرض إلا منه شيء (قد بقي في الأرض) فتنبت جسما له ولحما ~~لهم من ذلك الماء، كما تنبت الأرض من المطر. ثم قرأ إلى قوله: { كذلك ~~نخرج الموتى لعلكم تذكرون }. # وروى أبو سعيد الخدري: # " أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: يأكل التراب كل شيء من الإنسان ~~إلا عجب ذنبه " ، فقيل: وما هو يا رسول الله؟ قال: " مثل حبة خردل منه ~~تنشئون " ". ### || [7.58-61] # قوله: { والبلد الطيب يخرج نباته } ، الآية. # هذا مثل ضربه الله لروح المؤمن، وروح الكافر، فالمؤمن يرجع روحه الطيب ~~إلى جسده سهلا طيبا كما خرج إذا مات، والكافر لا يرجع روحه إلى جسده ~~إلا بالنكد كما خرج. # وقيل: هو مثل ضربه الله للمؤمن والكافر، فشبه المؤمن بالبلد الطيب إذا ~~أصابه المطر أخرج نباته بإذن ربه، كذلك المؤمن إذا سمع الهدى قبله ~~بإذن ربه، وشبه الكافر بالأرض السبخة المالحة وهي التي خبثت لا تخرج ~~النبات إلا نكدا. # والمعنى: أنه خبر من الله (عز وجل) أنه أرسل نوحا إلى قومه: منذرا ~~بأسه ومخوفا من عقاب، فقال لمن كفر منهم: { اعبدوا الله ما ~~لكم من إله غيره } ، تعبدونه إلا الله، فاعبدوه ولا ~~تشركوا به، { إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم }. # قال عكرمة: إنما سمي نوح نوحا لأنه كان ينوح على نفسه، أي: يكثر ذلك. # قال ابن عباس: أرسل نوح إلى قومه بعد أربعين سنة. # قال الكلبي عنه: بعد آدم بثمان مائة سنة، أرسله الله (عز وجل) بالشريعة، ~~بتحريم البنات والأمهات والأخوات والعمات والخالات، وسائر الفرائض. # قال وهب: نوح أول نبي بعث بعد إدريس (عليه السلام)، فلبث في قومه أربع ~~مائة سنة، قبل أن يبعثه الله (عز وجل) إلى قومه. # وعنه أيضا أنه قال: بعثه (عز وجل) إلى قومه وهو ابن خمسين سنة، فلبث ~~فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما، ثلاثة قرون من قومه لا ms0808 يجيبه أحد إلا ~~قليلا منهم، فأوحى الله (عز وجل) إليه: " أن اصنع الفلك " ، وليكن طولها ~~ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسين (ذراعا)، وارتفاعها ثلاثين ذراعا، وليكن ~~بابها في عرضها. وادخل الفلك أنت وامرأتك وبنوك ونساء بنيك، ومن آمن بك، ~~ومن كل شيء اثنين اثنين ذكورا وإناثا، فإني منزل المطر على الأرض ~~أربعين يوما وأربعين ليلة، فأتلف كل شيء خلقته على الأرض، وأن تعمل ~~تابوتا فيه جسد آدم (عليه السلام)، وتجعل التابوت من خشب الشمشار، وتجعل ~~معه زاد سنة ففعل نوح، وأرسل الله (عز وجل) ماء الطوفان على الأرض في ~~سنة ألف وستمائة من عمر نوح، فأقام نوح في الماء خمسين ومائة يوم، [ثم] ~~استقرت على الجودي، وهو جبل بأرض الجزيرة، وكان وقت استقلال السفينة في ~~عشر خلون من رجب، وخرج إلى الأرض في عشر خلون من المحرم، وكان معه في ~~السفينة ولده الثلاثة: سام، وحام، ويافث، ونساؤهم، وأربعون رجلا، ~~وأربعون امرأة ممن آمن (به). # وعاش نوح (عليه السلام) بعد الطوفان ثلاث مائة وخمسين سنة، فلما خوفهم ~~نوح، قال له الأشراف من قومه، وهم الملأ، وهم الجماعة منهم: { إنا ~~لنراك في ضلال مبين } ، فيكف نتبعك، أي في حيدة عن الحق. ~~فأجابهم بأن قال لهم: { ليس بي ضللة } ، أي: ليس ما دعوتكم ~~إليه ضلالة، وإنما أنا { ولكني رسول من رب العلمين ~~} ، إليكم. ### || [7.62-64] # قوله: { أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم } ، إلى { ~~عمين }. # والمعنى: إن الله (عز وجل) أخبرنا أن نوحا (عليه السلام) قال لقومه: ~~إني { رسول من رب العلمين } ، أرسلني إليكم، لأبلغكم ~~رسالاته، { وأنصح لكم } في تحذيري إياكم عقابه، { وأعلم من ~~الله ما لا تعلمون } ، / أي: أعلم أن عقابه لا يرد عن القوم ~~المجرمين. # وقيل المعنى: أعلم من الله أنه مهلككم ومعذبكم إن لم تؤمنوا. # ثم قال لهم موبخا: { أو عجبتم أن جآءكم ذكر من ~~ربكم على رجل منكم } ، وذلك إذ قالوا (له): # ما نراك إلا بشرا مثلنا # [هود: 27]. # ومعنى: { على رجل منكم }. # أي: مع رجل. # وقيل: على لسان رجل. # { لينذركم } بأسه، والعمل بما لا ms0809 يرضيه، فيرحمكم إن آمنتم ~~وأطعتموني. # قال الله (تعالى) مخبرا: { (فكذبوه) فأنجيناه والذين ~~معه }. # أي: من المؤمنين، من أهله، وغيرهم. # { وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنآ }. # أي: جحدوا بها. # { إنهم كانوا قوما عمين }. # أي: عمين عن الحق. # وهو من عمى القلب. ### || [7.65-69] # قوله: { وإلى عاد أخاهم هودا } إلى: { تفلحون }. # المعنى: وأرسلنا إلى عاد أخاهم هودا، وهود من ولد نوح (عليه السلام)، ~~بينه وبينه سبعة آباء. وكان أشبه خلق الله (تعالى) بآدم (عليه السلام)، ~~خلا يوسف (عليه السلام)، وكانت عاد ثلاث عشرة قبيلة، ينزلون الرمل. ~~بلادهم أخصب بلاد، فلما سخط الله (عز وجل) عليهم جعلها مفاوز، وكانوا ~~بنواحي عمان إلى حضرموت إلى اليمن، ولما أهلك الله (عز وجل) قومه لحق هود ~~(عليه السلام) ومن آمن معه بمكة فلم يزالوا بها حتى ماتوا، وكان هود ~~(عليه السلام) رجلا تاجرا. فقال لهم: { اعبدوا الله } ، ليس لكم ~~إله يجب أن تعبدوه غيره، { أفلا تتقون }. # [ { قال الملأ الذين كفروا من قومه }. # أي]: قال الأشراف والجماعة من قومه، وهم الملأ من كفار قومه، { إنا ~~لنراك في سفاهة } ، أي: في ضلالة. وقيل: في جهل عن الحق ~~والصواب. # { وإنا لنظنك من الكاذبين } ، أي: في قوله: إني { ~~رسول من رب العلمين } ، كان ذلك ظنا منهم ليس على يقين، ~~فكفروا على الشك منهم. قال (لهم): { يقوم ليس بي سفاهة } ، ~~أي: ضلالة، أي: جهل، { ولكني رسول من رب العلمين }. # وأصل السفة: رقة الحلم، والطيش. وذكر في قوله: { ليس }؛ لأنه ~~مصدر، وهو بمعنى السفه، وقد فرق، أيضا، بينه وبين الفعل. # ثم قال لهم: { أبلغكم رسلت ربي }. أي: أؤدي إليكم أمر ~~ربي ونهيه. # { وأنا لكم ناصح أمين }. # أي: ناصح في ما آمركم به وأنهاكم عنه، أمين على وحي ربي ورسالاته. # ثم قال موبخا لهم: { أو عجبتم أن جآءكم ذكر من ~~ربكم على رجل منكم }. # أي: على لسان رجل منكم. # { لينذركم } ، أمر الله. ثم قال: { واذكروا إذ جعلكم ~~خلفآء من بعد قوم نوح }. # أي: اذكروا نعمة الله عليكم إذ استخلفكم في الأرض، بعد قوم نوح. فاتقوا ~~أن ms0810 يصيبكم (مثل) ما أصابهم، واذكروا نعمته إذ { زادكم في الخلق ~~بصطة } ، أي: زاد في أجسامكم طولا وعظما على أجسام قوم نوح. # وقيل: على أجسام آبائكم الذين ولدوكم. # قال زيد بن أسلم: لقد بلغني أن ضباعا رئيت رابضة وأولادها في حجاج ~~عين رجل منهم. قال: ولقد بلغني أنه كان في الزمن الأول تمضي أربع مائة ~~سنة، وما يسمع فيه بجنازة. ثم قال: { فاذكروا ءالآء الله }. # أي: نعمه عليكم. # { لعلكم تفلحون }. # أي: لتكونوا على رجاء من الفلاح. # قال السدي: كانت عاد باليمن، بالأحقاف. فكانوا قد قهروا أهل الأرض ~~بفضل قوتهم. وكانوا أصحاب أوثان يعبدونها، وهي " صداء " ، و " صمود " ~~و " اللهنا " ، أسماء أصنامهم، فبعث الله (عز وجل) / إليهم هودا، وهو من ~~أوسطهم نسبا، فأمرهم أن يوحدوا الله (تعالى)، ولا يجعلوا مع الله إلها ~~غيره، وأن يكفوا عن ظلم الناس، لم يأمرهم بغير ذلك فأبوا (تصديقه) وكذبوه ~~وقالوا: # من أشد منا قوة # [فصلت: 15]، واتبعه منهم ناس يسير مستترون بإيمانهم. # قال السدي: فبعث الله (عز وجل) عليهم الريح العقيم، فلما نظروا إليها: ~~قالوا: # هذا عارض ممطرنا # [الأحقاف: 24]، فلما دنت منهم، نظروا إلى الإبل والرجال تطير بهم الريح ~~بين السماء والأرض، فلما رأوها، تبادروا البيوت، فلما دخلوا البيوت، دخلت ~~عليهم فأهلكتهم فيها، ثم أخرجتهم من البيوت، فأصابتهم في يوم نحس مستمر ~~عليهم العذاب # سبع ليال وثمانية أيام حسوما # [الحاقة: 7]، أي: حسمت كل شيء مرت به. فكانوا: كأعجاز نخل منقعر، أي: ~~انقعر من أصوله، وكأعجاز نخل خاوية، أي: خوت فسقطت، فلما أهلكهم الله (عز ~~وجل) أرسل عليهم طيرا سودا، فنقلتهم إلى البحر وألقتهم [فيه، فذلك ~~قوله:] # فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم # [الأحقاف: 25]، ولم يخرج ريح قط إلا بمكيال، إلا يومئذ، فإنها عتت على ~~الخزنة فغلبتهم، فلم يعلموا كم كان مكيالها، فذلك قوله: # فأهلكوا بريح صرصر عاتية # [الحاقة: 6]، أي: عتت على الخزنة. # و " الصرصر ": التي لها صوت شديد. ### || [7.70-71] # قوله: { قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده } ، إلى: { ~~المنتظرين }. # والمعنى: قال قوم هود له: أجئتنا متوعدا بالعقاب [لنعبد الله وحده، ms0811 ~~ونذر ما كان آباؤنا يعبدون فائتنا بالعقاب] الذي توعدنا إن كنت صادقا. # قال لهم: { قد وقع عليكم من ربكم رجس }. أي: عقاب، ~~من أجل ما تقولون. # و " الرجس " و " الرجز ": العذاب، وقد يكون الرجس: الشيء القذر. # قال ابن عباس: الرجس: السخط. # ثم قال لهم: { أتجدلونني في أسمآء سميتموهآ ~~أنتم وآبآؤكم }. # أي: أتخاصمونني في الأصنام التي أحدثتموها أنتم وآباءكم لا تضر ولا ~~تنفع. # { ما نزل الله بها من سلطان }. # أي: من حجة تحتجون بها، في عبادتكم إياها، { فانتظروا إني ~~معكم من المنتظرين }. # أي: انتظروا حكم الله فينا وفيكم، إني منتظر ذلك معكم. ### || [7.72] # قوله: { [فأ]نجيناه والذين معه برحمة } ، الآية. # معناها: فأنجينا هودا والذين معه { برحمة منا وقطعنا ~~دابر الذين كذبوا } ، أي: استأصلناكم بالهلاك. # فما بقي منهم أحد، { وما كانوا مؤمنين } ، أي: مصدقين. ### || [7.73] # قوله: { وإلى ثمود أخاهم صالحا } ، الآية. # المعنى: وأرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا، وسمي أخاهم؛ لأنه بشر مثلهم. # وقيل: سمي أخاهم؛ لأنه من عشيرتهم. # وثمود: قبيلة. أبوهم ثمود بن غاثر بن إرم بن سام بن نوح، وكانت مساكنهم: ~~الحجر، بين الحجاز والشام، إلى وادي القرى [وما حوله]. # قال لهم: { ياقوم اعبدوا (الله) } ، ما لكم من يجب أن تعبدوه ~~إلا الله، { قد جآءتكم بينة من ربكم } ، أي: حجة ~~وبرهان على صدق ما أقول لكم، { هذه ناقة الله لكم آية } ~~، أي: دليل على صدق ما جئتكم به. # وإضافة الناقة إلى الله، جل ذكره، على طريق إضافة الخلق إلى الخالق، وهو ~~مثل قوله: # ونفخت فيه من روحي # [الحجر: 29، ص: 72]؛ لأن الروح خلق الله (عز وجل)، لكن في إضافة الناقة ~~إلى الله (سبحانه) معنى التشريف والتخصيص، والتحذير من أن يصيبوها بسوء. ~~وهو في التخصيص كقولهم: " بيت الله " ، و " عباد الرحمن " ، فكله فيه ~~معنى التشريف والتفضيل (والتخصيص)، إضافة خلق إلى خالق، كقولهم،: " خلق ~~الله " ، و " أرض الله " ، و " سماء الله " وهو كثير. # وذلك أنهم سألوه آية، [أي:] حجة على صدق ما جاءهم به، حكى الله عنهم ~~أنهم قالوا: # فأت بآية إن كنت من الصادقين ms0812 # [الشعراء: 154]. # روي أنهم / سألوا صالحا ءاية، فقالوا: اخرج لنا من الجبل ناقة ~~عشراء، وهي الحامل، فتضع فصيلا، ثم تغدو إلى هذا الماء فتشربه، ثم ~~تغدو علينا بمثله لبنا سائغا عذبا طيبا، فأجاب الله (تعالى) صالحا ~~(عليه السلام) فيما سألوه. فقال لهم صالح: اخرجوا إلى الهضبة من الأرض، ~~فخرجوا، فإذا هي تتمخض كما تتمخض الحامل، ثم إنها انفرجت فخرجت من وسطها ~~الناقة، فقال لهم: { هذه ناقة [الله] لكم آية فذروها ~~تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء } ، # لها شرب ولكم شرب يوم معلوم # [الشعراء: 155] فلما ملوها عقروها، فقال لهم: # تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير ~~مكذوب # [هود: 65]، وآية العذاب أن تصبحوا غدا حمرا، واليوم الثاني، ~~صفرا، والثالث سودا. فلما رأوا علامة ذلك تحنطوا واستعدوا. # قال السدي: كانت تأتيهم يوم شربها فتقف لهم حتى يحلبوا اللبن ~~فترويهم، إنما تصب صبا وكان معها فصيل لها، فقال لهم صالح (عليه ~~السلام): إنه يولد في شهركم هذا غلام يكون هلاككم على يديه، فولد لتسعة ~~منهم في ذلك الشهر، فذبحوا أبناءهم، ثم ولد للعاشر، وكان لم يولد له قط ~~فتركه، وكان أزرق أحمر فنبت نباتا سريعا، فإذا مر بالتسعة قالوا: لو ~~كان أبناؤنا أحياء كانوا مثل هذا! فغضبوا على صالح؛ لأنه أمرهم بذبح ~~أبنائهم ف: { تقاسموا } ، أي: تحالفوا، # لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما ~~شهدنا مهلك أهله # [النمل: 49]، وذلك أنهم قالوا: نخرج فيرى الناس أنا قد خرجنا إلى سفر، ~~فنأتي الغار فنكون فيه، حتى إذا كان الليل وخرج صالح إلى المسجد، أتيناه ~~فقتلناه، ثم رجعنا إلى الغار فكنا فيه ثم رجعنا فقلنا: { ما شهدنا ~~مهلك أهله } ، فيصدقوننا، فخرجوا فدخلوا الغار، فلما أرادوا أن ~~يخرجوا في الليل سقط عليهم الغار فقتلهم، وهو قوله: # وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ~~ولا يصلحون # [النمل: 48]، وقوله: # ومكروا مكرا ومكرنا مكرا (وهم لا يشعرون) * ~~فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم # [النمل: 50-51]، أي: أهلكناهم، فكبر الغلام ابن العاشر، فجلس مع أناس ~~يصيبون من الشراب، فأرادوا ماء ms0813 يمزجون شرابهم به، وكان ذلك اليوم يوم شرب ~~الناقة، فوجدوا الماء قد شربته الناقة، فاشتد [ذلك] عليهم، وتكلموا في ~~شأن الناقة، وقالوا: لو كنا نأخذ هذا الماء الذي تشربه الناقة فنسقيه ~~أنعامنا وحروثنا، كان خيرا لنا!، فقال الغلام. ابن العاشر: هل لكم في أن ~~أعقرها لكم؟ قالوا: نعم فأتاها الغلام فشد عليها فلما بصرت به ~~شدت عليه، فهرب منها، فلما رأى ذلك دخل خلف صخرة على طريقها، فاستتر بها، ~~وقال: أحيشوها علي! فلما جازت به، نادوه: عليك! فتناولها فعقرها، ~~فسقطت، فذلك قوله: # فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر # [القمر: 29] فأظهروا أمرهم، وقالوا: # ياصالح ائتنا بما تعدنآ # [الأعراف: 77]، وفزع ناس إلى صالح، فأعلموه أن الناقة قد عقرت، فقال: ~~علي بالفصيل! فطلبوه فوجدوه على رابية من الأرض، فطلبوه، فارتفعت به حتى ~~حلقت به في السماء، فلم يقدروا عليه. ثم رغا الفصيل إلى الله (عز وجل) ~~فأوحى الله (عز وجل) إلى صالح (عليه السلام): أن مرهم أن يتمتعوا في ~~دارهم ثلاثة أيام. # قال قتادة: قال عاقر الناقة لهم: لا أقتلها حتى ترضوا أجمعين فجعلوا ~~يدخلون على المرأة في خدرها فيقولون: ترضين؟ فتقول: نعم! وكذلك الصبي حتى ~~رضوا أجمعين فعقروها. # وصالح النبي [عليه السلام]، هو: صالح بن عبيد بن عابر بن إرم بن سام ~~بن نوح. # قال وهب: بعثه الله إلى قومه حين راهق الحلم، وارتحل صالح بمن كان ~~معه إلى مكة محرمين فأقاموا بها حتى ماتوا، فقبورهم بين دار الندوة ~~والحجر. # روي أنه كان بين موت هود وصالح، صلوات الله عليهما، أكثر من خمس مائة ~~سنة. ### || [7.74-78] # قوله: { واذكروا إذ جعلكم خلفآء من بعد عاد } ، ~~إلى: { جاثمين }. # قرأ الحسن: " تنحتون " ، بالفتح، للمبالغة. # وقرأ الأعمش " تعثوا " ، بكسر الثاء، وهي لغة. # والمعنى: إن صالحا، عليه السلام، ذكرهم نعم الله (عز وجل) عليهم، وأنه ~~استخلفهم في الأرض بعد عاد. # { وبوأكم في الأرض }. أي: جعل لكم فيها مساكن وأزواجا. # { تتخذون من سهولها قصورا }. أي: تبنون في السهل من الأرض ~~قصورا. # { وتنحتون الجبال بيوتا }. قال السدي: كانوا ينقبون في ~~الجبال ms0814 البيوت، وذلك لطول أعمارهم. # { فاذكروا آلآء الله }. # أي: نعمة الله عليكم. # { ولا تعثوا في الأرض مفسدين }. أي: تفسدوا أشد الفساد. ~~والعثو: أشد الفساد. # ف: { قال الملأ الذين استكبروا من قومه } ، أي: ~~الأشراف الذين استكبروا عن الإيمان، { للذين استضعفوا } ، ~~وهم: أهل المسكنة من تباع صالح (عليه السلام)، المؤمنين منهم، { ~~أتعلمون أن صالحا } ، رسول الله، { قالوا إنا } بالذي ~~أرسله الله به { مؤمنون } ، أي: مقرون أنه من عند الله (عز وجل)، { ~~قال الذين استكبروا } ، عن أمر الله (سبحانه)، { إنا ~~بالذي آمنتم به } مما جاء به صالح، { كافرون } ، أي: ~~جاحدون. # فعقرت ثمود ناقة الله (عز وجل)، { وعتوا } ، أي: تجبروا وتكبروا عن ~~أمر ربهم. # وقال مجاهد: { عتوا }: علوا في الباطل. # وسألوه أن يأتيهم العذاب الذي أوعدهم به، { فأخذتهم الرجفة ~~} ، أي: الصيحة. # قال مجاهد والسدي: { الرجفة }: هي الصيحة. # يقال: رجف بفلان: إذا حرك وارتجج. # و " الرجفة " في اللغة: الزلزلة الشديدة. # { فأصبحوا في دارهم جاثمين }. # أي: ساقطين على ركبهم. وأصل الجثوم، للأرنب، والطير، وشبهه، وهو ~~البروك على الركب. # ومعنى { دارهم }: عند مسكنهم، وموضعهم اجتماعهم وهي القرية. # ومعنى # ديارهم # [هود: 67]: منازلهم. ### || [7.79] # قوله: { فتولى عنهم وقال يقوم لقد أبلغتكم ~~رسالة ربي [ونصحت] [لكم] } ، الآية. # والمعنى: فأدبر عنهم (صالح، عليه السلام،) وخرج من بين أظهرهم حين عقروا ~~الناقة واستعجلوه في العذاب، وأوحى الله (عز وجل، إليه) أنه مهلكهم بعد ~~ثلاثة أيام. ولم يهلك الله (عز وجل) أمة ونبيها بين أظهرها. # وقال لهم عند خروجه: { يقوم لقد أبلغتكم رسالة ~~ربي ونصحت لكم ولكن } لستم { تحبون النصحين } ، ~~فهلكوا بأجمعهم في ديارهم، إلا رجلا كان بحرم الله (عز جل)، فلما خرج من ~~الحرم أصابه ما أصاب قومه. ### || [7.80-84] # قوله: { ولوطا إذ قال لقومه [أتأتون الفاحشة] } ، ~~إلى: { المجرمين }. # نصب { لوطا } على " وأرسلنا لوطا " ، أو على معنى: واذكروا لوطا. # { إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة }. أي: أتاتون ~~الذكران. # { ما سبقكم } ، لفعل هذا أحد { من العالمين }. # { إنكم لتأتون الرجال شهوة } هذا توبيخ لهم وتقريع. # وقوله: { شهوة }: مصدر، أي: تشتهون ذلك شهوة. # { بل أنتم / قوم مسرفون }. في ms0815 فعلكم ذلك. # واللوطي يرجم عند مالك، أحصن أو لم يحصن. وكذلك قال أكثر العلماء. # وروي عنه أنه قال: يرجم إن كان محصنا، ويحبس ويؤدب إن كان غير ~~محصن، وهو قول عطاء، والنخعي، والحسن، وابن المسيب، وقتادة. # قال الأوزاعي، وأبو يوسف، وأبو ثور: إذا أتى الرجل المرأة في دبرها ~~حد حد الزاني، وهو مروي عن الشافعي. # وقال النعمان والحكم: يعزر عقوبة. # وهذا إنما هو في المرأة التي ليست منه بزوجة ولا ملك يمين. # ثم أخبر، تعالى، عن جواب قوم لوط له إذ وبخهم، فقال تعالى: { وما ~~كان جواب قومه إلا } قولهم: { أخرجوهم من ~~قريتكم إنهم أناس يتطهرون } ، أي: قال بعضهم لبعض ~~ذلك، أخرجوا آل لوط وابنتيه، ولذلك جمع في { أخرجوهم }. # وقيل المعنى: أخرجوا " لوطا " ومن كان على دينه. # ومعنى: { يتطهرون } ، أي: يتنزهون عن فعلنا. # وقال السدي معناه: يتحرجون. # وقال مجاهد معناه: يتطهرون من أدبار الرجال [وأدبار] النساء. # وقيل: معنى { يتطهرون } ، أي: يتنزهون عن أعمالكم. # قال الله (عز وجل): { فأنجيناه وأهله } ، يريد ابنتيه، { ~~إلا امرأته } ، لم تنج؛ لأنها كانت خائنة للوط كافرة، { كانت ~~من الغابرين } ، أي: من الباقين في الهالكين. # وقيل المعنى: { من الغابرين } ، [أي: من الغائبين] عن النجاة. # قال حذيفة: إنما حق القول على قوم لوط حين استغنى الرجال بالرجال، ~~والنساء بالنساء. # وقال [أبو] عبيدة: المعنى: { كانت من الغابرين } ، أي: من ~~المعمرين أي: قد هرمت. # قال حذيفة: رفع جبريل (عليه السلام) مدينتهم ثم قلبها، فسمعت الوجبة ~~امرأته، فالتفتت، فأهلكت معهم. # وروي أن جبريل، عليه السلام، اقتلع مدائنهم وهي ست فأهوى بها حتى بلغ ~~بها السماء بجناح واحد، حتى سمع أهل السماء نهاق الحمير، ونباح ~~الكلاب، وصراخ الديوك، ثم قلبها فجعل عاليها سافلها، وتبعت الحجارة من ~~كان خارج المدائن منهم. # والغابر في اللغة: من الأضداد هو الباقي، والذاهب. # وذكر هذا الجمع؛ لأنه غلب فيه المذكر [على المؤنث]. # وقوله: { وأمطرنا عليهم }. # أي: أمطرت عليهم حجارة من سجيل بعد قلب مدائنهم عاليها سافلها ~~فأهلكت من كان خارجا من المدينة، من مسافر وغيره، { فانظر } ، يا ms0816 ~~محمد، { كيف كان عاقبة المجرمين }. ### || [7.85-87] # قوله: { وإلى مدين أخاهم شعيبا } ، إلى: { ~~الحاكمين }. # المعنى: وأرسلنا إلى مدين أخاهم شعيبا. # وكان شعيب زوج بنت لوط. # ومدين: قبيلة. # وقيل: هو اسم أرض. # وقال مقاتل: هو اسم رجل جعل اسما للأمة. # وقيل هم أمة بعث إليهم، فقال لهم: { اعبدوا الله } ، ليس لكم (من ~~يحب) أن تعبدوه إلا هو. # { قد جآءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل ~~والميزان }. # أي: أوفوا الناس حقوقهم. # { ولا (تبخسوا الناس أشياءهم) }. # أي: لا تنقصوهم حقوقهم) ولا تظلموهم. # { ولا تفسدوا في الأرض }. # أي: لا تعملوا بالمعاصي في أرض الله، بعد أن أصلح الله (سبحانه) الأرض، ~~بأن بعث فيها نبيا، يدل على الطريق المستقيم. # { ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين }. # أي: مصدقين، أي: هذا الذي أمرتكم به من إخلاص العبادة لله (عز وجل) ~~وأداء الحقوق، وترك الفساد في الأرض، خير لكم من غيره. # { ولا تقعدوا بكل صراط توعدون }. # / أي: في كل صراط، أي: طريق. # { توعدون }. # أي: تتهددون الناس ألا يؤمنوا، وتصدونهم عن سبيل الله، [أي: عن ~~الإيمان]. # { وتبغونها عوجا }. # أي: تبغون لها عوجا، أي: لا تقعدوا بكل طريق، توعدون المؤمنين بالقتل. # وكانوا يقعدون على طريق من يأتي إلى شعيب ليؤمن، يتوعدونه بالقتل ~~ويخوفونه، ويقولون: هو كذاب، وهو قوله: { وتصدون عن سبيل ~~الله من آمن به } ، أي: تردون عن الإيمان من يريده، { ~~وتبغونها عوجا } ، أي: تبغون للسبيل العوج، أي: تزيغون من أتى ~~إليها عن الحق. # وقال السدي: هم العاشرون. # قوله: { واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم }. أي: كان ~~عددكم قليلا فكثركم. # وقيل المعنى: (كنتم) فقراء فأغناكم. # { وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين }. # الذين أهلكوا من قبلكم، بعضهم أهلك: بالصيحة، وبعضهم: بالحجارة، ~~وبعضهم: بالغرق. # ثم قال لهم: { وإن كان طآئفة منكم آمنوا } ، أي: جماعة ~~وفرقة، { وطآئفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم ~~الله بيننا } ، أي: يقضي، { وهو خير الحاكمين }. ### || [7.88-89] # قوله: { قال الملأ الذين استكبروا من قومه ~~لنخرجنك يشعيب } ، إلى: { الفاتحين }. # المعنى: قال الملأ الذين استكبروا [عن الإيمان] من قومه: { ~~لنخرجنك يشعيب } ، ومن آمن معك، { من قريتنآ ms0817 } ، أو ~~لترجعن إلى ديننا. قال شعيب لهم: { أولو كنا كارهين } ، أي: ~~تخرجوننا، ونحن كارهون لذلك. # وقوله: { قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ~~ملتكم }. # أي: قال شعيب لقومه إذ دعوه إلى ملتهم، وتوعدوه بالطرد: { قد ~~افترينا على الله كذبا } ، أي: اختلقنا على الله كذبا، ~~وتخرصنا ذلك عليه، إن نحن { عدنا في ملتكم } ، أي: ~~دينكم، بعد أن أنقذنا الله منها. وهذا من قول من آمن به وقد كان كافرا. ~~فأما شعيب فلم يكن على ملتهم قط. # ثم قال: { وما يكون لنآ أن نعود فيهآ } ،: في ملتكم فندين ~~الله بها { إلا أن يشآء الله ربنا } ، أي: إلا بمشيئة الله ~~(سبحانه)، أي إلا أن يشاء ربنا أن يتعبدنا بشيء مما أنتم عليه. # وقيل المعنى: إلا أن يشاء الله أن نعود، وهو لا يشاء ذلك أبدا بمنزلة ~~قوله: # حتى يلج الجمل في سم الخياط # [الأعراف: 40]. وقيل: هو استثناء من الأول. # { وسع ربنا كل شيء علما }. أي: أحاط به، فلا يخفى عليه ~~شيء [كان، ولا شيء هو كائن]، فإن سبق في علمه أنا نعود في شيء منها؛ فلا ~~بد أن يكون. # والله لا يشاء الكفر، أي: لا يحبه ولا يرضاه، وهو يشاؤه بمعنى: ~~يقدره ويقضيه على من علمه منه. وقيل المعنى: ملأ ربنا كل شيء علما. # ثم قال: { على الله توكلنا }. أي: عليه نعتمد في أمورنا. # { ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق }. أي: ~~احكم بيننا وبينهم. # { وأنت خير الفاتحين }. أي: الحاكمين. ### || [7.90-93] # قوله: { وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن ~~اتبعتم شعيبا } ، إلى قوله: { كفرين }. # المعنى: قال بعض من كفر بشعيب لبعض: { لئن اتبعتم شعيبا ~~إنكم إذا لخاسرون } ، أي: لمغبونون في فعلكم. # { فأخذتهم الرجفة }. أي: فأخذت الكفار منهم الزلزلة. # { فأصبحوا في دارهم جاثمين }. أي: باركين على ركبهم. ~~وقيل: خامدون. # وكان قوم شعيب أصحاب " ليكة " ، وهي: الغيضة من الشجر. وكانوا مع ~~كفرهم / يبخسون الناس في الوزن والكيل، فدعاهم إلى الله (عز وجل)، ~~فكذبوه، وسألوه العذاب، ففتح (الله) عليهم بابا من أبواب جهنم، فأهلكهم ~~الحر منه، ms0818 ولم ينفعهم ظل ولا ماء. ثم بعث الله سحابة فيها ريح طيبة، ~~فوجدوا (فيها) برد الريح، فتنادوا: " الظلة، عليكم بها " ،! ~~فلما اجتمعوا تحت السحابة، انطبقت عليهم فأهلكتهم، فهو # عذاب يوم الظلة # [الشعراء: 189]. # ونجى الله شعيبا والذين آمنا معه، فسكنوا مكة حتى ماتوا (بها). # وقوله: { الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها ~~}. # أي: لم ينزلوا فيها، ولم يقيموا. و " المغاني ": المنازل؛ لأنها يقام ~~بها. وقال المفسرون: كأن لم يعيشوا بها. # { الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين }. أي: ~~الهالكين. # { فتولى عنهم }. # أي: أدبر وخرج عنهم، وقال: { لقد أبلغتكم رسلت ربي ~~} ، فلم تؤمنوا بها، { ونصحت لكم } ، فلم تقبلوا، { فكيف ~~ءاسى على قوم كفرين } ، أي: كيف أحزن عليهم وقد كفروا ~~بآيات الله. # وقرأ طلحة بن مصرف، ويحيى بن وثاب، والأعمش: (إيسى " ، بكسر ~~الهمزة، (وهي لغة تميم). ### || [7.94-95] # قوله: { ومآ أرسلنا في قرية من نبي } إلى: { ~~يشعرون }. # هذه الآية تحذير لقريش، ومن كفر بالنبي (صلى الله عليه وسلم)، وإعلام من ~~الله لنبيه (صلى الله عليه وسلم)، سنته فيمن خلا من الأمم ~~الكافرة. # و { بالبأسآء }. البؤس وضيق العيش. # { الضرآء } ، الضر. # { لعلهم يضرعون } ، أي: فعل ذلك بهم، ليتضرعوا إلى الله ~~(عز وجل) ويخشعوا، وينيبوا عن الكفر. # قال السدي، { بالبأسآء والضرآء }: الفقر والجوع. # وقال ابن مسعود: { بالبأسآء } ، الفقر، و { والضرآء } ، ~~المرض. # وقيل: { بالبأسآء } ، المصائب في المال، و { والضرآء } ، ~~المصائب في البدن. # وقوله: { ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة [حتى ~~عفوا] }. # سمي [الضرر والفقر سيئة، لأنه يسوء صاحبه. # و { الحسنة }: الرخاء والصحة. سمي] ذلك حسنة، لأنها تحسن عند من ~~حلت به، فبدل الله (عز وجل) لهم مكان الضرر والفقر، الرخاء والصحة، { ~~حتى عفوا } أي: تضاعف أعدادهم بالتناسل، وهو من الأضداد، يقال: " ~~عفا ": كثر، و " عفا ": درس. # ومن الكثرة قوله عليه السلام: # " أخفوا الشوارب واعفوا اللحى " # ، أي: وفروا [اللحى] حتى يكثر شعرها. # فمعنى { عفوا } على هذا، أي: كثروا. # قال ابن زيد: معناه، بدلنا مكان ما كرهوا ما أحبوا. # وعن مجاهد: { عفوا } ، كثرت أموالهم وأولادهم. # وقال قتادة: { عفوا } ، سروا. # أي: سروا بكثرتهم، ms0819 وذلك استدراج منه لهم؛ لأنه أخذهم بالشدة ليتعظوا ~~فلم يفعلوا. ثم أخذهم بالرخاء لعلهم يشكرون، استدراجا لهم، ف: { ~~قالوا قد مس آباءنا الضرآء } ، وهو الضيق في المعاش، { ~~والسرآء }: السرور والسعة، فنحن مثلهم، يصيبنا مثل ما أصابهم، { ~~فأخذناهم بغتة } ، أي: أخذناهم بالهلاك فجأة على غرة، { ~~وهم لا يشعرون } ، أي: لا يدرون بذلك. # وقد كرر الله، عز وجل، قصص الأنبياء وأممها، في سور كثيرة بألفاظ ~~مختلفة، ومعان متقاربة. ونحن نذكر علة تكرار ذلك في القرآن، بما حضرنا من ~~أقوال العلماء، إن شاء الله. # ذكر العلة # في تكرار الأنبياء والقصص # في القرآن # علة ذلك أن القرآن نزل شيئا بعد شيء نجوما، في ثلاث وعشرين سنة، ~~فكانت العرب ترد على النبي صلى الله عليه وسلم، / من كل أفق فيقرئهم ~~المسلمون السورة من القرآن، فيذهبون بها إلى قومهم. # وكان يبعث إلى القبائل المتفرقة، بالسور المختلفة، فيبلغ إلى هؤلاء من ~~القصص ما لم يبلغ إلى هؤلاء، فثنى الله القصص وكررها ليكون يبلغ إلى ~~هؤلاء ما يبلغ إلى هؤلاء إشهارا منه لهذه القصص ليتعظ بها من بلغته، ~~ويعلم أنها دلالة على نبوة من أتى بها، ويعيها كل قلب، ويزداد الحاضرون ~~السامعون لتكرارها تفهما. # ولو نزل القرآن جملة واحدة لسبق حدوث الأسباب التي أنزله الله (عز وجل) ~~بها، ولثقلت جملة الفرائض على المسلمين، وعلى من أراد الدخول في الدين ~~ولفسد معنى النسخ، فإنما نزل فرضا بعد فرض، تدريجيا للعباد ~~وتيسيرا عليهم إلى أن يكمل دين الله (عز وجل). # كل ذلك تثبيتا لهم على الإسلام، قال الله: # كذلك لنثبت به فؤادك # [الفرقان: 32]، وهذا جوابهم إذ قالوا: # لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة # [الفرقان: 32]، فإنما نزل متفرقا ليثبتهم على الإسلام، إذ لو نزلت ~~الفرائض مرة واحدة، لكان ذلك داعية إلى النقار والصعوبة عليهم. # فإن قيل: هلا كررت الفرائض كما كررت القصص؟ # قيل: إن الفرائض كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يبعث بها إلى كل ~~قوم ليعلمهم بها فرض الله عليهم، من الصلاة والزكاة، فكل المؤمنين يصل ~~إليه ذلك ببعث ms0820 رسول الله (عليه السلام) إذ ذلك وجب عليه، وهو من تمام ~~التبليغ. # والقصص ليست كذلك، إنما نزلت على طريق الاعتبار، فليس يقتص بها كل من ~~آمن، فكررت لتشتهر عند المؤمنين. # فإن قيل: فلم كرر # فبأي آلاء ربكما تكذبان # [الرحمن: 13، 77]، و: # فكيف كان عذابي ونذر # [القمر: 16، 18، 21، 30]، و # قل يأيها الكافرون # [الكافرون: 1] وشبهه؟ # فالجواب أن مذهب العرب: التكرار للتوكيد والإفهام، كما أن من مذاهبهم: ~~الاختصار للتخفيف، فيقولون: " عجل عجل " ، و " الزم الزم " ، فيكررون ~~للتأكيد، ويقولون: " الهلال والله " ، [أي: هذا الهلال]، فيختصرون ~~للتخفيف. # وربما استوحشوا من الإعادة فغيروا اللفظة الثانية فيقولون: (هو) " ~~عطشان نطشان " ، و " حسن بسن " ، و " شيطان [ليطان] " ، ~~أبدلوا الثاني وغيروه لئلا يعيدوه بلفظه إذ لم يكن (لهم) بد من التأكيد. # وأما التكرير في { قل يأيها الكافرون } ، فإن المشركين ~~قالوا للنبي (صلى الله عليه وسلم): اعبد بعض آلهتنا، ونؤمن بإلهك، فأنزل ~~الله (عز وجل): # لا أعبد ما تعبدون * ولا أنتم عابدون مآ أعبد # [الكافرون: 2-3] ثم أقاموا مرة وقالوا (له): اعبد آلهتنا وقتا من ~~الزمان، ونعبد إلهك مثله، فأنزل الله (عز وجل): # ولا أنآ عابد ما عبدتم * ولا أنتم عابدون مآ ~~أعبد # [الكافرون: 4-5]. # ومن العلة في التكرار { فبأي آلاء ربكما تكذبان } ، ~~أن الله تبارك وتعالى، عدد في " الرحمن " آلاءه ونعمه، ونبههم على ما ~~أعد للمؤمنين من نعمه، فأتبع كل نعمة ذكرها الاستفهام بمعنى: التوبيخ، ~~والسؤال لهم بأي نعمة يكذبون، لتكون فاصلة بين [كل نعمة] ذكرها وبين ما ~~بعدها من نعمة أخرى، ليفهموا كل نعمة على انفصالها. وهذا كقول العرب ~~للرجل: ألم أطعمك وأنت جائع؟ أفتنكر هذا؟ [ألم أكسك وأنت عريان؟ أفتنكر ~~هذا؟، ألم أغنك وأنت فقير؟ أفتنكر هذا؟] وشبهه. # ومثل: هذا تكراره: # فهل من مدكر # [القمر: 15، 17، 22، 32، 40، 51] في سورة: " اقتربت "؛ لأنه يذكر / لهم ~~آياته، وعبر ما يعتبرون به، ثم نبههم على الاعتبار والادكار بذلك، فإذا ~~ذكر آية وعبرا نبههم على الاعتبار بها، وكرر ذلك عليهم، ليكون أفهم ~~لهم. # وقد يأتي تكرار المعنى بلفظين مختلفين، وذلك للاتساع في المعنى واللفظ، ~~نحو قولك: ms0821 " آمرك بالوفاء، وأنهاك عن الغدر " ، والأمر بالوفاء هو النهي ~~عن الغدر. ومثله: " آمرك بالتواصل، وأنهاك عن التقاطع ". # وكقوله: # فيهما فاكهة ونخل ورمان # [الرحمن: 68]، والنخل والرمان من الفاكهة، فأفردا عن الجملة، ~~لفضلهما. # ومثله قوله: # حافظوا على الصلوت والصلوة الوسطى # [البقرة: 238]، وهي منها، فأفردها بالذكر ترغيبا فيها، كما تقول العرب: ~~" إيتني كل يوم (ويوم) الجمعة. # ومنه قوله: # لا نسمع سرهم ونجواهم # [الزخرف: 80]، والنجوى هو السر. # وقد يكون " السر ": ما أسروا في أنفسهم، و " النجوى ": ما تسارروا ~~به سرا، وهذا كما قال ذو الرمة: # لمياء في شفتيها حوة لعس # وفي اللثات وفي أنيابها شنب # واللعس: حوة. # وقريب من هذا: الزيادة للتأكيد، كقوله: # يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم # [آل عمران: 167]؛ لأن الرجل قد يقول بالمجاز: كتابا ورسالة، وعلى لسان ~~غيره. # ومنه قوله: # فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم # [البقرة: 79]؛ لأن الرجل قد يضاف إليه الكتاب، والكاتب غيره. يقول ~~الأمي: كتبت إليك، وإنما كتب له، وكتب الأمير كتابا، وإنما أمر ~~بكتبته، فبين بقوله: { بأيديهم } ، أنهم بأنفسهم كتبوه ~~على الحقيقة. # وقد قال ابن عباس في قوله: # تحمله الملائكة # [البقرة: 248]، وإنما أمرت بحمله، كقولك: " حملت إلى بلد كذا برا ~~وقمحا " ، وإنما [تريد] أمرت بحمله. # وقال تعالى: # فراغ عليهم ضربا باليمين # [الصافات: 93]، فذكر اليمين؛ لأن فيها القوة وشدة البطش، فأخبر بذلك عن ~~شدة الضرب. # ومثله: # ولا طائر يطير بجناحيه # [الأنعام: 38]، فأكد بذلك، كما تقول: رأي عيني وسمع أذني]. # ومنه قوله: # ولكن تعمى القلوب التي في الصدور # [الحج: 46]، وهذا مثل قولهم: نفسي التي بين جنبي. # ومثله قوله تعالى: # فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم ~~تلك عشرة كاملة # [البقرة: 196]. ### || [7.96-100] # قوله: { ولو أن أهل القرى ءامنوا (واتقوا) } ، ~~إلى قوله: { فهم لا يسمعون }. # المعنى: ولو أن أهل القرى الذين أرسل إليهم الرسل آمنوا، لنزل مطر ~~السماء عليهم. وأنبتت الأرض، فذلك " البركات ". # وأصل " البركة ": المواظبة على الشيء. يقال: بارك فلان على فلان، أي: ~~واظب عليه. # فمعنى: { بركت من السمآء }. أي: ما يتتابع من [خير] السماء ~~والأرض. # { ولكن كذبوا } ، بالرسل. { فأخذنهم ms0822 }. أي: عجلناهم ~~العقوبة. { بما كانوا يكسبون }. أي: بعملهم الرديء. # { أفأمن أهل القرى } ، [أي] المكذبون، { أن يأتيهم ~~بأسنا } ، أي: عقوبتنا، { بيتا } ، أي: ليلا، { وهم ~~نآئمون } ، أو يأتيهم { ضحى وهم يلعبون }. يقال لكل من عمل ~~عملا لا يجدي عليه نفعا، إنما أنت لاعب. # { أفأمنوا مكر / الله }. # أي: استدراج الله إياهم بما أنعم عليهم في دنياهم من الصحة والرخاء، ~~فليس يأمن استدراج الله { إلا القوم الخاسرون } ، أي: ~~الهالكون. # وقيل: هو توعد لمن كذب بمحمد، (عليه السلام). # وقيل: { مكر الله } (عز وجل): عذابه. # وحقيقة " المكر ": (الكيد)، والكيد من الله (سبحانه) عقوبة للعبد من حيث ~~لا يعلم. # قوله: { أولم يهد للذين يرثون } ، المعنى: أولم يهد ~~الهدى، أي: يبين لهم الهدى. # وقيل معناه: أولم يهد الله، أي: يبين لهم الله، أنه لو شاء أصابهم ~~بذنوبهم، كما فعل بمن كان قبلهم، الذين ورث هؤلاء الأرض عنهم. # { ونطبع على قلوبهم }. أي: نختم عليها، فلا ينتفعون ~~بموعظة. # قال ابن عباس: { أولم يهد } ، أو لم يستبن لهم. # وقال ابن زيد: أو لم يتبين لهم. # وأكثرهم على أن المعنى: أو لم يبن لهم؛ لأن أصل الهدى: البيان. ### || [7.101-102] # قوله: { تلك القرى نقص عليك من أنبآئها } ، إلى ~~قوله: { لفاسقين }. # والمعنى: تلك القرى، يا محمد، نقص عليك من أخبارها، وهو ما تقدم ذكره: ~~من قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وقوم شعيب، لتعلم أنا ننصر رسلنا. # ثم قال (الله) تعالى: { ولقد جآءتهم رسلهم بالبينت ~~}. # أي: ولقد جاءت أهل القرى رسلهم، بالحجج [البينات]. # وقوله: { فما كانوا ليؤمنوا }. # أي: فما كان هؤلاء المشركون الذين أهلكناهم ليؤمنوا عند إرسالنا إليهم، ~~{ بما كذبوا من قبل } ، أي: بما كذبوا يوم أخذ عليهم الميثاق ~~حين أخرجهم من ظهر آدم، (عليه السلام). # قال مجاهد: المعنى: ليس يؤمنوا، { بما كذبوا من قبل } ، أي: ~~من قبل هلاكهم، أي: لو ردوا إلى الدنيا بعد هلاكهم لم يؤمنوا بما ~~كذبوا من قبل هلاكهم، مثل: # ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه # [الأنعام: 28]. # وقال الربيع بن أنس: كان في علمه (عز وجل) يوم أقروا بالميثاق أنهم ms0823 لا ~~يؤمنون. # وقال السدي: ذلك يوم أخذ منهم الميثاق فآمنوا كرها، فلم يكونوا ليؤمنوا ~~الآن حقيقة. # وقوله: { كذلك يطبع الله على قلوب الكفرين }. # أي: كما طبعنا على قلوب هؤلاء الذين أهلكوا ولم يؤمنوا، كذلك نطبع على ~~قلوب المعتدين من أمتك يا محمد، أي: نختم عليها فلا يؤمنوا لما تقدم في ~~عمله منهم. وهذا إخبار [من] الله (تعالى) لنبيه (عليه السلام) عن قوم من ~~أمته [أنهم] لا يؤمنون أبدا، كما قال لنوح (عليه السلام): # أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن # [هود: 36]، وكما قال لمحمد صلى الله عليه وسلم،: # إن الذين كفروا سوآء عليهم ءأنذرتهم أم ~~لم تنذرهم لا يؤمنون # [البقرة: 6]. # ثم قال تعالى: { وما وجدنا لأكثرهم من عهد }. # أي: ما وجدنا لهؤلاء المهلكين " عهدا " ، أي: وفاء بما وصيناهم به، وما ~~وجدنا أكثرهم إلا فاسقين. # مذهب الفراء: أن { إن } بمعنى: " ما " ، و " اللام " بمعنى إلا. # ومذهب سيبويه أنها " إن " المخففة [من الثقيلة)، ودخلت " اللام " لئلا ~~تشتبه " إن " التي بمعنى: ما. # وقال بعض البصريين: دخلت " إن " و " اللام " على معنى التأكيد واليمين. ~~وتدخل " إن " هذه على الأفعال أيضا، [تقول]: إن ظننت زيدا ~~لقائما. # ومعنى { لفاسقين } ،: خارجين عن طاعة الله. # وقيل: العهد الذي لم يفوا به، هو ما أخذ عليهم إذ أخرجوا من ظهر ~~آدم. ### || [7.103-108] # قوله: { ثم بعثنا من بعدهم موسى بآيتنآ إلى ~~فرعون وملإيه فظلموا بها } ، إلى قوله: { ~~للناظرين }. # والمعنى: ثم بعثنا (من) بعد هؤلاء الذين ذكرنا من الأنبياء. # وقيل: من / بعد الأمم المذكورة، موسى. # { بآيتنآ }. أي: بحجتنا. { إلى فرعون وملإيه ~~فظلموا بها }. أي: فجحدوا وكفروا بها. # ومات هارون (عليه السلام)، وهو ابن مائة وسبع عشرة سنة، وعاش موسى (عليه ~~السلام) بعد ثلاث سنين، صار عمره بها مثل عمر هارون؛ لأن هارون كان أكبر ~~من موسى بثلاث سنين، فصار عمر موسى وهارون سواء، مائة وسبع عشرة لكل ~~واحد. # وكان في وجه هارون شامة، وفي أرنبة موسى شامة، وعلى طرف لسانه شامة، ~~وهي العقدة التي حلها الله (عز وجل)، له. ms0824 # قوله: { فانظر كيف كان عقبة المفسدين }. # أي: فانظر، يا محمد، بعين قلبك، { كيف كان عقبة ~~المفسدين } ، يعني فرعون وملأه، إذ غرقوا في البحر جميعا. # وموسى، هو: ابن عمران بن ناهب بن لاوى بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، ~~عليه السلام. # وفرعون موسى هو فرعون يوسف، عمر أكثر من أربع مائة عام. واسمه: الوليد ~~بن مصعب. # (وقوله): { وقال موسى يفرعون إني رسول من رب ~~العالمين * حقيق على }. # أي: خليق وجدير قول الحق على الله، (عز وجل). # وقيل المعنى: { حقيق على } ترك القول على الله (سبحانه) إلا ~~بالحق. # فمن أضاف { على } فمعناه: واجب علي قول الحق على الله (سبحانه). # ومن لم يضف فمعناه: # حريص على قول الحق على الله (جلت عظمته). # (وقيل) معناه: محقوق علي أن لا أقول على الله إلا الحق، وهو فعيل ~~بمعنى مفعول، كقتيل. هذا في قراءة من لم يضف. # قوله: { قد جئتكم ببينة من ربكم }. أي بحجة. # { فأرسل معي بني إسرائيل }. # وكان بنو إسرائيل يؤدون الجزية إلى فرعون وقومه، فسأله موسى (عليه ~~السلام)، أن يتركهم معه قال له فرعون: { إن كنت جئت بآية فأت ~~بهآ } ، فألقى موسى عصاه فإذا هي حية ظاهرة لمن يراها فاغرة فاها، ~~فاستغاث فرعون بموسى، حين رآها قصدته، فكفها موسى (عليه السلام)، ~~عنه. # وقال الكلبي: بلغنا أن موسى (عليه السلام)، قال يا فرعون، ما هذه بيدي؟ ~~قال: هي عصا. فألقاها موسى، فإذا هي ثعبان مبين، قد ملأت الدار من ~~عظمها، ثم أهوت إلى فرعون لتبتلعه، فنادى: يا موسى! (يا موسى) يا ~~موسى! فأخذ موسى بذنبها فإذا هي عصا بيده. قال فرعون: يا موسى، هل من آية ~~غير هذه؟ قال: نعم، قال: ما هي؟ فأخرج موسى يده، فقال: ما هذه يا فرعون؟ ~~قال: يدك. فأدخلها موسى (عليه السلام)، في جيبه ثم أخرجها، { فإذا ~~هي بيضآء للناظرين } ، تغشى البصر من بياضها. # قال وهب بن منبه: أمر فرعون بموسى، فقال: خذوه! فبادره موسى (عليه ~~السلام)، فألقى عصاه، فصارت ثعبانا، فحملت على الناس فانهزموا، فمات ~~منهم خمسة وعشرون ms0825 ألفا، قتل بعضهم بعضا، وقام فرعون منهزما حتى دخل ~~البيت. # وكان ما بين لحيي الحية أربعون ذراعا. # قال ابن عباس: وضعت فقما أسفل قبة فرعون، وفقما فوقها، فاستغاث ~~بموسى فأجاره، وكفها. # وقوله: { ونزع يده }. # أي: أخرجها (من جيب قميصه)، (بيضاء تلوح، (تدل) على صدقه فيما يقول، ~~بياضا من غير / برص. ثم أعادها إلى موضعها، فرجعت كما كانت، وكان قد ~~أخرجها من جيبه، فأخرجها بيضاء تلوح للناظرين. # قال السدي: وضعت لحيها الأسفل في الأرض، والآخر على أعلى سور القصر، ~~ثم توجهت نحو فرعون لتأخذه فذعر منها، (ووثب) وأحدث، ولم يكن ~~يحدث (قبل ذلك)، إلا إلى مدة طويلة، فصاح: يا موسى! خذها، ونؤمن بك. ### || [7.109-112] # قوله: { قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر ~~(عليم) } الآيات الأربع. # من قرأ { أرجه } ، بغير همز، احتمل ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يكون على البدل للهمز، ثم حذف الياء؛ لأنه أمر، كما أجازوا ~~" اقر " يا هذا، بغير ألف ولا همز. # والوجه الثاني: أن [يكون] على لغة من قال: " أرجيت " ، وهي لغة: ~~أسد، وتميم وعامة قيس. # والوجه الثالث: قاله المبرد، قال: هو من: رجا يرجو، أي: اتركه يرجو ~~وأطمعه. # وقد أنكر جماعة النحويين: الإسكان في الهاء. وقد ثبت ذلك عن الأئمة من ~~القراء. # ووجه ذلك: أن " الهاء " هي الاسم، و " الياء " والواو إنما هي صلة " ~~للهاء " وليسا من الاسم؛ وإنما زيدت عند الخليل؛ لأن [الهاء] خفية، فقويت ~~بحرف جلد تباعد منها وهو " الواو " ثم أبدل منها ياء، إذا انكسر ما ~~قبلها، أو كان ياء. وبعض العرب يحذف " الواو " ، لا يأتي بها فمن أسكن ~~هذه " الهاء " أسكنها على أصلها، وردها إليه. # وفيها علة أخرى، وذلك أن هذه " الهاء " صارت في موضع اللام. وكان من حق ~~اللام لو كان من حروف السلامة أن يسكن. والهاء من حروف السلامة فسكنت، إذ ~~حلت محل اللام، فصارت بمنزلة ميم " أكرم ". # وفيها علة أخرى، وهي أن " الواو " جائز حذفها بعد " الهاء " فصارت ~~بمنزلة الواو في " عليهمو " ، [في جواز حذفها، فلما كانت " الميم " من ~~عليهم] ms0826 تسكن إذا حذفت الواو ويحسن سكونها، كان (مثل) ذلك في الهاء، إلا ~~أن الميم أحسن من الهاء في السكون لخفاء الهاء. # وفيها علة رابعة، وذلك أنهم قد شبهوا هاء السكت بهاء الإضمار، فأثبتوها ~~في الوقف. وبعضهم وصلها بياء كهاء الإضمار، فلما شبهت بها، جاز تشبيه هاء ~~الإضمار بهاء السكت في السكون؛ لأن من حق هاء السكت السكون فشبهت بها، ~~فجاز إسكانها. # ومعنى الآية: قال أشراف قوم فرعون من القبط: { إن هذا لساحر ~~عليم } ، أي عليم بالسحر، { يريد أن يخرجكم من ~~أرضكم } ، أي: أرض مصر، { فماذا تأمرون } ، أي: أي شيء ~~تأمرون أن يفعل في أمره. # وقوله: { فماذا تأمرون } ، من كلام فرعون لا من كلام الملأ. ~~فأشار عليه الملأ أن: { أرجه وأخاه } ، أي: أحسبه وأخاه. و " ~~الإرجاء ": التأخير. { وأرسل في المدآئن حاشرين }. # أي: مدائن مصر، من يجمع لك السحرة العلماء. ### || [7.113-115] # قوله: { وجآء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجرا ~~} الآيات الثلاث. # في هذا الكلام اختصار وحذف. والمعنى: فأرسل فرعون { في المدآئن ~~حاشرين } ، فحشروهم، فجاء السحرة فرعون. # ومعنى الآية: قال ابن عباس: قال فرعون: لا نغالبه، يعني موسى، إلا بمن ~~هو مثله، فأعد غلمانا من بني إسرائيل، فبعث بهم إلى قرية، يقال لها: " ~~الفرماء " ، يعلمونهم السحر، كما يعلم الصبيان في الكتاب، فعلموا ~~سحرا كثيرا. # وواعد موسى فرعون موعدا، فلما كان في ذلك / الموعد، بعث فرعون فجاء ~~بهم، وجاء بمعلميهم معهم فقال لهم ماذا صنعتم، قالوا قد علمناهم سحرا لا ~~يطيقه سحر أهل الأرض، إلا أن يكون أمر من السماء، فإنهم لا طاقة لهم به، ~~فلما جاءت السحرة قالوا لفرعون: { لنا لأجرا إن كنا نحن ~~الغالبين * قال نعم وإنكم لمن المقربين } ، ~~أي: لكم الأثرة والقرب مع ذلك. # روي: أن السحرة كانوا سبعين ألفا. وقيل: خمسة عشر ألفا. وقال ابن ~~المنكدر: كانوا ثمانين ألفا. وقال كعب: أثنى عشر ألفا. # وقوله: { إمآ أن تلقي }. # إذا كان في الكلام مع " إما " معنى الأمر، فلا بد من دخول " أن " ~~بعدها، وتقديره: اختر أن تلقى، كقولك للرجل: " إما أن ms0827 تمضي وإما ~~أن تقعد ". فإن كان الكلام خبرا ليس فيه معنى الأمر، لم يجز دخول " ~~أن " البتة، كقوله تعالى: # وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما ~~يتوب عليهم # [التوبة: 106]، وكذلك ما كان في معنى الجزاء، وهي مكسورة في كل ذلك. # و " أن " عند الكسائي في موضع نصب. ### || [7.116] # قوله: { قال ألقوا فلمآ ألقوا سحروا [أعين ~~الناس] } ، الآية. # والمعنى: قال لهم موسى: ألقوا فلما ألقوا (سحرهم) سحروا أعين الناس، ~~بسحرهم وخدعهم، فاسترهبوهم الناس، { وجآءوا بسحر عظيم } ، أي: ~~بتخييل عظيم. # قال السدي: كانوا بضعة ومائتي ألف، ليس منهم رجل إلا [معه] حبل وعصا. # قال ابن إسحاق: صف فرعون خمسة عشر ألف ساحر، مع كل واحد حباله وعصيه. ~~وخرج موسى (عليه السلام)، معه أخوه يتكئ على عصاه، حتى أتى الجمع فألقوا ~~ما في أيديهم فإذا هي حيات كأمثال الجبال، قد ملأت الوادي يركب بعضها ~~بعضا، # فأوجس في نفسه خيفة موسى # [طه: 67]، أي: أحس خوفا. ### || [7.117] # قوله: { وأوحينآ إلى موسى أن ألق عصاك } ، [الآية]. # قال ابن عباس: فألقى موسى عصاه فإذا هي حية فجعلت تلقف ما يأفكون لا تمر ~~بشيء من حبالهم وخشبهم إلا التقمته، فعرفت السحرة أن هذا أمر من ~~السماء، وأنه ليس بسحر فخروا سجدا، وقالوا: آمنا برب العالمين رب ~~موسى وهارون. # وقيل: إنهم ما رفعوا رؤسهم حتى رأوا الجنة والنار وثواب أهلهما. # ومعنى: { ما يأفكون } ، ما يكذبون. # وقيل: إنهم لما ألقوا حبالهم وعصيهم، خيل إلى موسى (عليه السلام) أنها ~~حيات، فألقى عصاه فإذا هي أعظم من حياتهم. ثم رقوا فازدادت حبالهم وعصيهم ~~عظما في أعين الناس، وجعلت عصا موسى (عليه السلام)، تعظم، فكلما ~~رقوا ازدادت حبالهم وعصيهم عظما، وتزداد عصا موسى عظما، حتى ~~نفدت رقاهم وسحرهم، وصارت عصا موسى (عليه السلام)، قد سدت الأفق. ثم ~~فتحت فاها فابتلعت ما ألقوا، ثم أخذ موسى عصاه بيده، فإذا حبالهم وعصيهم ~~قد ذهبت. # قال الكلبي: فقال السحرة بعضهم لبعض: لو كان هذا سحرا لبقيت حبالنا ~~وعصينا. فخروا عند ذلك ساجدين. ### || [7.118-122] # قوله: { فوقع الحق ms0828 (وبطل ما كانوا يعملون) } ، إلى ~~قوله: { موسى وهارون }. # المعنى: وظهر الحق لمن شهد. وبطل سحرهم. # { وألقي السحرة ساجدين } ، عند معرفتهم أن (ذلك) الذي أتى ~~به موسى (عليه السلام)، ليس إلا من السماء، { قالوا آمنا برب ~~العالمين } ، أي صدقنا بما جاء به موسى وبربه ورب هارون. ### || [7.123] # قوله: { قال فرعون آمنتم به } ، إلى { فسوف تعلمون ~~}. # المعنى: قال فرعون لهؤلاء الذين آمنوا: { آمنتم به } ، أي صدقتموه. # قيل: " الهاء " لله. وقيل: لموسى، عليه السلام. # وفي موضع آخر: # آمنتم له # [طه: 71، الشعراء: 49]، أي: فعلتم الذي أراد، { قبل / أن آذن } ~~بذلك، { إن هذا لمكر } ، أي: تصديقكم إياه { لمكر ~~مكرتموه في المدينة } ، أي: خدعة خدعتم بها من في مدينتنا، ~~{ لتخرجوا منهآ أهلها فسوف تعلمون } ، أي: تعلمون ~~ما أصنع بكم. # قال ابن عباس، وابن مسعود، وغيرهما، من أصحاب النبي، صلى الله عليه ~~وسلم: التقى موسى وأمير السحرة، فقال له موسى: أرأيتك إن غلبتك تؤمن بي، ~~وتشهد أن ما جئت به حق؟ قال الساحر: لآتين غدا بسحر لا يغلبه سحر، ~~فوالله لئن غلبتني لأؤمنن بك، ولأشهدن أنك نبي حق! وفرعون ينظر إليهما، ~~فذلك قول فرعون: { إن هذا لمكر مكرتموه في ~~المدينة } ، إذ التقيتما لتتظاهرا فتخرجا منها أهلها. ### || [7.124-125] # قوله: { لأقطعن أيديكم وأرجلكم [من خلاف] } ، ~~إلى: { منقلبون }. # معنى: { من خلاف }: أن تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى. # وقال ابن عباس: أول من صلب، وأول من قطع من خلاف فرعون. # قالت السحرة لفرعون إذ توعدهم بالقطع والصلب: { إنآ إلى ربنا ~~منقلبون } أي: صائرون وراجعون. ### || [7.126-127] # قوله: { وما تنقم منآ [إلا أن آمنا] } ، إلى: { ~~قاهرون }. # المعنى: وما تنكر منا إلا إيماننا بربنا، إذ رأينا الآيات والحجج. ثم ~~قالوا: { ربنآ أفرغ علينا صبرا } ، أي: أنزل علينا صبرا ~~يشملنا فلا تخرج عن الإيمان إلى الكفر بعذاب فرعون لنا، { ~~وتوفنا مسلمين } ، أي: أقبلنا إليك على الإسلام. # قال السدي: فقتلهم وقطعهم. # قال ابن عباس: كانوا أول النهار سحرة وآخره شهداء. # وقاله قتادة، وابن جريج. # ثم قال تعالى مخبرا عنهم: { [و]قال الملأ من قوم فرعون } ~~، أي: قال ms0829 جماعة من أشراف قومه،: { أتذر موسى وقومه } ، أي: ~~أتدع يا فرعون، موسى وقومه من بني إسرائيل، { ليفسدوا في الأرض ~~} أي: كي يفسدوا عليك خدمك وعبيدك في أرضك من مصر، { ويذرك ~~وآلهتك } ، أي: ويدع خدمتك موسى وعبادتك وعبادة آلهتك. # والنصب في { ويذرك } على الصرف، إن جعلت معنى الكلام: ليفسدوا في ~~الأرض، وقد تركك وترك عبادة آلهتك. # وإن جعلت المعنى { ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك } ~~على التوبيخ لفرعون عن تركه موسى (عليه السلام)، فنصبه على العطف على { ~~ليفسدوا }. # وقرأ ابن عباس، ومجاهد: " ويذرك وءالاهتك ". أي عبادتك. # وكان فرعون إذا رأى بقرة سمينة أمرهم أن يعبدوها. # وقوله: # أنا ربكم الأعلى # [النازعات: 24]، يدل على أنهم كانوا يعبدون غيره، ممن هو دونه عندهم، ~~فهذا يدل على صحة قراءة الجماعة: { وآلهتك }. # قال ابن عباس حجة لقراءته ( " وإلاهتك " ): كان يعبد ولا يعبد. # وبذلك قرأ مجاهد على معنى: وعبادتك. # وبه قرأ الضحاك. # ومن قرأ: " وإلاهتك " ، تأوله أن فرعون لم يكن يعبد ~~شيئا، إنما كان يعبد من دون الله، (سبحانه وتعالى). # وقيل: إن قوم فرعون لهم أصنام يعبدونها، تقربهم إليه فيما ترون. # فأجابهم فرعون فقال: { سنقتل أبنآءهم ونستحيي ~~نسآءهم وإنا فوقهم قاهرون } ، أي: عالون عليهم بالملك ~~والسلطان. # { وآلهتك } ، وقف. ### || [7.128] # قوله: { قال موسى لقومه استعينوا بالله } ، الآية. # والمعنى: أن موسى (عليه السلام)، قال لقومه لما قال فرعون لقومه: { ~~سنقتل أبنآءهم ونستحيي نسآءهم }: { استعينوا ~~بالله } ، على فرعون وقومه، { واصبروا } على ما نالكم من ~~المكاره في أنفسكم وأبنائكم. وكان قد اتبع موسى، (عليه السلام) من بني ~~إسرائيل ست مائة ألف، غير السحرة. # ثم / قال لهم موسى، (عليه السلام): { إن الأرض لله يورثها ~~من يشآء } ، أي: لعلكم إن صبرتم، ترثون أرضه، فإن الأرض لله، { ~~والعاقبة للمتقين } ، أي: العاقبة المحمودة لمن اتقى الله ~~وراقبه. # { من عباده } ، [وقف]. # وهذا يدل على أن ابن آدم غير مستطيع لشيء إلا بعون الله، (تعالى، له). ~~وهو مذهب أهل السنة. ومثله: # إياك نعبد وإياك نستعين # [الفاتحة: 5]، وله [في] القرآن نظائر كثيرة، تدل على أن الإنسان غير ~~مستطيع لفعل ms0830 شيء إلا بعون الله (جلت عظمته) له عليه. وعونه (سبحانه) ~~إما أن يكون توفيقا لمؤمن، أو خذلانا لكافر. ### || [7.129] # قوله: { قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا }. الآية. # المعنى: قال موسى (عليه السلام)، لموسى (صلوات الله عليه)، حين قال لهم: ~~{ استعينوا بالله واصبروا }: { أوذينا } يقتل أبنائنا، ~~{ من قبل أن تأتينا } (برسالة الله عز وجل)، { ومن بعد ما ~~جئتنا } ، بما توعدنا به من القتل لأبنائنا. # وقيل معنى: { ومن بعد ما جئتنا } ، أي: يدركنا فرعون فيقتلنا، ~~وذلك حين تراءى الجمعان. # قال ابن عباس: أسرى موسى (عليه السلام)، يبني إسرائيل حتى هجموا على ~~البحر، فالتفتوا فإذا هم برهج دواب فرعون، فقالوا: يا موسى، { ~~أوذينا من قبل أن تأتينا } ، أي: بذبح أبنائنا، وإحياء ~~نسائنا، { ومن بعد ما جئتنا } ، هذا البحر أمامنا، وهذا فرعون ~~قد رهقنا بمن معه؛ { قال عسى (ربكم) أن يهلك عدوكم ~~ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون } ، من ~~بعدهم فيجازيكم على ما وقع منكم وقد علم كيف تعملون. # و: " الأرض " ، أرض الدنيا. وقيل: أرض الجنة. و: " الثانية " أرض الدنيا ~~لا غير. # و { عسى }: ترج، وهي واجبة من الله، (عز وجل). # { ومن بعد ما جئتنا } ، وقف. ### || [7.130-131] # قوله: { ولقد أخذنآ آل فرعون بالسنين } ، إلى: { لا ~~يعلمون }. # لام { ولقد } ، لام توكيد تؤكد الكلام بمعنى القسم. # والمعنى: ولقد ابتلينا تباع فرعون: { بالسنين } ، أي: بالجدوب ~~سنة بعد سنة، { ونقص من الثمرات } ، اختبرناهم بذلك، { ~~لعلهم يذكرون } ، بتوبة أو رجوع، فيعتبرون. # قيل: إن ثمارهم نقصت حتى كانت النخلة تحمل تمرة واحدة. # وقوله: { فإذا جآءتهم الحسنة }. # أي: (إذا) جاءهم الخصب والعافية وكثرة الثمار، { قالوا لنا ~~هذه } ، ونحن أولى بها، { وإن تصبهم سيئة } ، أي: قحط ~~ومرض، { يطيروا بموسى ومن معه } ، أي: تشاءموا بهم، ~~فقالوا: هذا بشؤم موسى ومن معه. # قرأ طلحة، وعيسى بن عمر: " تطيروا " ، على أنه ماض. # وقرأ الحسن: " ألا إنما طيرهم عند الله " ، بغير ألف. # قال الله (عز وجل): { ألا إنما طائرهم عند الله }. # أي: ألا إنما نصيبهم من الرخاء والجدب، وغير ذلك عند الله، عز وجل. # قال ابن ms0831 عباس، المعنى: ألا إن الأمر من قبل الله، (عز وجل). # وقال مجاهد، المعنى: ألا إنما الشؤم فيما يلحقهم يوم القيامة مما ~~وعدوا به من الشر. # { ولكن أكثرهم لا يعلمون }. # أي: لا يعلمون أن ما لحقهم من قحط وشدة، أنه من عند الله (عز وجل)، ~~بذنوبهم. # { لنا هذه } ، وقف. # { ومن معه } ، وقف. ### || [7.132-133] # قوله: { قالوا مهما تأتنا به من آية } ، إلى: { ~~مجرمين }. # { مهما } عند الخليل: أصلها " ما " للشرط، زيدت عليها " ما " ~~للتوكيد، وأبدل من ألف " ما " الأولى " هاء ". # وقال غيره: الأصل: " مه " بمعنى: اكفف، و " ما " للشرط بعد ذلك. # وحكى الكوفيون: " مهما " بمعنى: " مهما ". # والمعنى: وقال (آل) فرعون لموسى: ما { تأتنا به من آية ~~لتسحرنا بها } ، فنؤمن (ربك)، وندع دين فرعون، { فما نحن ~~لك بمؤمنين }. # قال الله تعالى: { فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد ~~والقمل والضفادع والدم }. # " فالطوفان ": الماء. قاله الضحاك، / وأبو مالك. # قال ابن عباس: هو الغرق. # قال مجاهد: هو الموت. # قال قتادة: سال عليهم [الماء] حتى قاموا [فيه قياما]، فسألوا موسى، ~~(عليه السلام)، أن يسأل الله (عز وجل)، ليكشف عنهم ففعل. # قال الضحاك: جاءهم من المطر شيء كثير، فسألوا موسى (عليه السلام)، أن ~~يدعو الله (عز وجل) ليكشفه عنهم، ويرسلوا معه بني إسرائيل، فدعا الله، ~~فكشف عنهم وأخصبت البلاد، فعادوا، ولم يرسلوا معه بني إسرائيل، فصب الله ~~على زروعهم الجراد فأكله، فسألوا موسى فدعا، فكشف عنهم. ثم عادوا إلى ~~كفرهم. # وروت عائشة عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه قال # " { الطوفان }: الموت ". # وعن ابن عباس قال: هو أمر من (أمر) الله (عز وجل)، طاف (بهم)، وقرأ: # فطاف عليها طآئف من ربك وهم نآئمون # [القلم: 19]. # و: { الطوفان }: مصدر كالنقصان، لا يجمع. # وقال الأخفش: هو جمع، واحدة: طوفانة. # وقوله: { والجراد والقمل }. # أرسل عليهم الجراد والقمل، وهو: الدبى، فأكل زرعهم وثمارهم. ثم أكل ~~الشجر والأبواب وسقوف البيوت. وابتلي الجراد بالجوع، فجعل لا يشبع. # قال ابن وهب: سمعت مالكا يقول: إن ذلك " الجراد " ، كان يأكل المسامير، ~~فعجوا إلى موسى، (عليه السلام)، وصاحوا وقالوا: يا موسى، ms0832 هذه المرة! # ف: # ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا ~~الرجز # [الأعراف:134]، وهو العذاب، # لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرآئيل # [الأعراف: 134]، فدعا لهم، فكشف عنهم بعدما أقام سبعة أيام، فأقاموا ~~شهرا، ثم عادوا لتكذيبه، ولأعمالهم السيئة. # وقيل: { القمل }: السوس الذي يخرج من الحنطة. قاله ابن عباس، ~~وابن جبير. # وقال السدي، وعكرمة، وغيرهما: هو الدبى الذي لا جناح له. # وقال ابن زيد: هي البراغيث. # وقال الحسن: هي دواب صغار سود. # وقال أبو عبيدة: { القمل }: الحمنان، وهو ضرب من القراد، ~~واحدتها: حمنانة. # و { القمل }: جمع واحدته: " قملة ". # قال سعيد بن جبير: لما أتى موسى (عليه السلام)، فرعون، قال له: أرسل معي ~~بني إسرائيل! فأبى عليه فأرسل الله (عز وجل)، عليهم مطرا خافوا أن يكون ~~عقابا، فقالوا (لموسى): ادع لنا ربك يكشف عنا المطر، فنؤمن بك، ونرسل ~~معك بني إسرائيل! فدعا ربه (عز وجل)؛ فكشف عنهم، فلم يؤمنوا، ولا أرسلوا ~~معه بني إسرائيل، فأنبت لهم ذلك المطر تلك السنة شيئا لم ينبت لهم قبل ~~ذلك من الزرع والثمر والكلإ. # فقالوا: هذا ما كنا نتمنى، فأرسل الله عليهم الجراد فسقط على الكلإ، ~~فلما رأوا أثره في الكلإ عرفوا أنه لا يبقى الزرع. فقالوا: يا موسى، ادع ~~لنا ربك يكشف عنا الجراد فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل! فدعا ربه، ~~فكشف عنهم الجراد، فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بني إسرائيل! فدارسوا زرعهم ~~وأحرزوا في البيوت، فأرسل الله (عز وجل)، عليهم القمل، وهو السوس الذي ~~يخرج منه، فكان الرجل (يخرج) بعشرة أجربة [إلى] الرحى فلا يرد ~~منها ثلاثة أقفزة. فقالوا: يا موسى، ادع لنا ربك يكشف عنا هذا القمل، ~~فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل! فدعا ربه فكشف عنهم، فأبوا أن يرسلوا ~~معه بني إسرائيل. فبينما هو جالس مع فرعون، إذ سمع نقيق ضفدع، فقال ~~موسى (عليه السلام) ما تلقى أنت وقومك من هذه! فقال: وما عسى أن يكون مثل ~~هذا! فما أمسوا حتى كان الرجل يجلس إلى رقبته في الضفادع، ويهم أن يتكلم ms0833 ~~فيثب الضفدع في فيه، فقالوا: ادع لنا ربك يكشف عنا هذا ونؤمن لك ~~ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا فكشفه عنهم فلم يؤمنوا ولا أرسلوا معه بني ~~إسرائيل فأرسل (الله) عليهم الدم، فكان ما استقوا من الأنهار والآبار ~~وصار في أوعيتهم وجدوه دما عبيطا، فشكوا إلى فرعون / وقالوا: ليس ~~لنا شراب! قد ابتلينا بالدم، قال: إنه سحركم! قالوا: ومن أين سحرنا ونحن ~~لا نجد في أوعيتنا شيئا من الماء إلا وجدناه دما عبيطا؟ فأتوا موسى ~~(عليه السلام)، وقالوا: ادع لنا ربك يكشف عنا هذا فنؤمن لك، ونرسل معك ~~بني إسرائيل! فدعا فكشف عنهم ولم يفعلوا ما قالوا. # قال السدي: وكان الإسرائيلي في كل هذا معافى من هذا كله. كان ~~القبطي والإسرائيلي يستقيان من ماء واحد، يرفع القبطي دما، ~~والإسرائيلي ماء. # وعلى نحو هذا الخبر روى أبو قتادة، وكذلك ذكر ابن عباس وغيرهما. حتى أنه ~~روي أن فرعون جمع (رجلين)، إسرائيليا وقبطيا على إناء واحد، فكان ~~الذي يلي الإسرائيلي ماء، والذي يلي القطبي دما. # قال السدي: كان أحدهم يبني الأسطوانة، يرفع فوقها الطعام، فإذا صعد ~~ليأكله وجده، (قد) ملئ دما. # قال ابن جبير: كان فرعون يجمع بين الرجلين على الإناء، القبطي ~~والإسرائيلي، فيكون ما يلي الإسرائيلي ماء، وما يلي القبطي دما. # وكان الرجل الإسرائيلي يركب السفينة مع القبطي فيغرف الإسرائيلي ~~ماء، ويغرف القبطي دما. # وكانت المرأة القبطية، تأتي المرأة من بني إسرائيل، فتقول لها: اسقني من ~~مائك من العطش، فتغرف لها من جرتها وتصب لها في قربتها، فيعود ~~الماء دما، حتى كانت تقول لها: اجعليه في فيك، ثم مجيه في في، ~~فتأخذ الإسرائيلية في فيها [ماء]، فإذا مجته بفي القبطية، صار ~~دما، فمكثوا على ذلك سبعة أيام. # قال ابن جبير، والحسن: كان إلى جنبهم كثيب أعفر بقرية تدعى: " عين ~~شمس ": فمشى موسى، (عليه السلام)، إلى ذلك الكثيب، فضربه بعصاه ضربة ~~صار قملا تدب إليه، وهي دواب سود صغار. فدبت إليهم، فأخذت ~~أشعارهم وأبشارهم وأشفار عيونهم، ولزمت جلودهم كالجدري، ~~فاستغاثوا بموسى (عليه السلام). ms0834 قالا: وكان الرجل يضطجع فتركبه الضفادع ~~ركاما حتى لا يستطيع أن ينصرف على شقه الآخر، ولا يعجن عجينا إلا سقط ~~فيه منه، ولا يطبخ قدرا إلا سقط فيه، فاستغاثوا. # أرسل الله عليهم ذلك { آيات مفصلات } ، شيئا، (بعد شيء) كان ~~بين الآية والآية ثمانية أيام. # ثم أخبر الله عنهم أنهم بعد هذه الآيات: { فاستكبروا وكانوا ~~قوما مجرمين } ، أي: تعظموا وتجبروا وعتوا عن أمر الله، ~~(عز وجل). ### || [7.134-135] # قوله: { ولما وقع عليهم الرجز [قالوا يموسى ~~ادع لنا ربك] } ، الآية. # قرأ ابن جبير، ومجاهد: " الرجز " ، بضم الراء. # قال ابن جبير: لما ابتلي قوم فرعون بالآيات الخمس، فلم يؤمنوا ولم ~~يرسلوا معه بني إسرائيل، قال موسى (عليه السلام) لبني إسرائيل: ~~ليذبح كل رجل منكم كبشا، ثم يخضب كفه من دمه، ثم يضرب به ~~على بابه! ففعلوا، فقالت القبط لبني إسرائيل: لم تجعلون هذا الدم على ~~أبوابكم؟ فقالوا: إن الله يرسل عليكم عذابا، فنسلم وتهلكون وهكذا أمرنا ~~نبينا، (عليه السلام)، فأصبحوا وقد طعن من قوم فرعون سبعون ألفا، فأمسوا ~~وهم لا يتدافنون. فقال فرعون عند ذلك لموسى (عليه السلام)،: { ادع ~~لنا ربك بما عهد عندك } ، الآية، فالرجز: الطاعون. فدعا ~~موسى (عليه السلام)، فكشف عنهم فوفى فرعون لموسى، وقال له: اذهب ببني ~~إسرائيل حيث شئت، فكان أوفاهم كلهم. # وقال مجاهد، وقتادة: { الرجز } /: هو العذاب الذي أرسل عليهم من ~~الجراد والقمل وغيره، وهم في كل ذلك يعهدون إليه ثم ينكثون. # ومعنى: { إلى أجل هم بالغوه }. # أي: كشف الله عنهم العذاب في الدنيا إلى أجل هلاكهم وانقضاء أجلهم، ~~فيغرقهم في البحر عند ذلك ويعاودهم العذاب. ### || [7.136] # قوله: { فانتقمنا منهم فأغرقناهم } ، الآية. # المعنى: فلما نكثوا انتقمنا منهم، { فأغرقناهم في اليم }. # و " اليم ": البحر. # ومعنى { وكانوا } عن آياتنا { غافلين } ، أي: لا يعتبرون صحتها، ~~ويعرضون عنها. ### || [7.137] # قوله: { وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون ~~[مشارق الأرض] } ، الآية. # قوله: { مشارق الأرض ومغاربها } ، مفعول " بأورث ". # وقال الفراء، والكسائي: هو ظرف. وتقدير الكلام عندهم: # { وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون } في { ~~مشارق الأرض ومغاربها } الأرض { التي ms0835 باركنا فيها ~~} ، في مشارق الأرض ومغاربها. ف (التي): مفعول ل: (أورثنا). # والمعنى: أورثنا بني إسرائيل، الذين كان فرعون يستخدمهم استضعافا لهم، ~~{ مشارق الأرض } ، أي: أرض الشام، في قول الحسن، وهو ما يلي ~~المشرق، { ومغاربها } ما يلي المغرب، { التي باركنا فيها ~~} ، أي: التي جعلنا الخير فيها ثابتا دائما. # وقال الليث: { الأرض } ، هنا أرض مصر، وإن مصر هي التي بارك الله ~~فيها. # قال الليث: مصر مباركة في كتاب الله، جل ذكره، لقوله تعالى: { التي ~~باركنا فيها } ، قال: هي مصر، وهي مباركة. ومصر مشتقة من قولهم: ~~مصر الشاة يمصرها مصرا: إذا حلب كل شيء في ضرعها، فسميت: ~~مصرا لاجتماع الخير فيها. # وروي عن ابن عمر أنه قال. نيل مصر سيد الأنهار، وسخر الله، عز وجل ~~له كل نهر بين المشرق والمغرب، وذلله له، فإذا أراد الله، جل ذكره، ~~أن يجري نيل مصر، أمر كل نهر أن يمده، فمدته الأنهار بمائها، وفجر الله ~~له الأنهار عيونا، فإذا انتهى جريه إلى ما أراد الله، سبحانه، أوحى ~~الله، عز وجل، إلى كل ماء أن يرجع إلى عنصره. # وقال ابن عمر، وغيره في قوله، تعالى: # كم تركوا من جنات وعيون * وزروع ومقام كريم # [الدخان: 25-26]، قال: كانت الجنات بحافتي هذا النيل، من أوله ~~إلى آخره في الشقين جميعا، ما بين: " أسوان إلى: رشيد، وكان له ~~سبعة خلج: خليج الإسكندرية، وخليج دمياط، وخليج سردوس، وخليج ~~منف، وخليج الفيوم، وخليج المنهى. وقيل: السابع، خليج سخا، ~~كانت متصلة لا ينقطع منها شيء عن شيء. # وقوله: { ومقام كريم } ، يعني المنابر. كان بها ألف منبر. # وقوله: { وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون ~~مشارق الأرض ومغاربها } ، قال الطبري: لا يجوز أن تكون: { ~~مشارق الأرض ومغاربها } نصبا على الظرف؛ لأن بني إسرائيل ~~لم يكن يستضعفهم (أحدا) يومئذ إلا فرعون بمصر، فغير جائز أن يقال: { ~~يستضعفون } في مشارق الأرض وفي مغاربها. # وقد غلط الطبري على الفراء؛ لأن الفراء لم يرد أنه ظرف: { ~~يستضعفون } ، إنما جعله ظرفا مقدما للأرض التي بورك فيها. # فتقدير الكلام: { وأورثنا القوم الذين ms0836 كانوا ~~يستضعفون } الأرض التي باركنا (فيها) في مشارق / الأرض ومغاربها. ~~وهذا أحسن في المعنى، وإن كان النصب ب: { أورثنا } على أنه مفعول ~~به أحسن. # وقوله: { وتمت كلمة ربك الحسنى على بني ~~إسرآئيل بما صبروا }. # أي: تمم الله (عز وجل) لهم ما وعدهم به من تمكينهم في الأرض ونصرهم ~~على فرعون عدوهم، بصبرهم على عذاب فرعون لهم. # وهذا يدل على أن الصبر عند البلاء أحمد من مقابلته بمثله؛ لأن البلاء ~~إذا قوبل بمثله وكل فاعله إليه، وإذا قوبل بالصبر وانتظار الفرج من ~~الله، جل ذكره، أتاهم الله، (عز وجل)، بالفرج الذي أملوه وانتظروه من ~~الله، (سبحانه). # وقال مجاهد: هو ظهور قوم موسى على فرعون. # و " الكلمة " هنا: قول موسى: # عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في ~~الأرض # [الأعراف: 129]. # وقيل: هو قوله: # ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ~~ونجعلهم أئمة # [القصص: 5]، إلى # يحذرون # [القصص: 6]. # وقوله: { ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه،) }. ~~أي: أهلكنا ما عمروا وزرعوا. # { وما كانوا يعرشون }. أي: (وأهلكنا) ما كانوا يبنون، أي: ~~خربنا ذلك. # والضم والكسر في " راء ": { يعرشون } ، لغتان. ### || [7.138-141] # قوله: { وجاوزنا ببني إسرآئيل البحر } ، إلى قوله: { ~~(بلاء) من ربكم عظيم }. # والمعنى: وقطعنا ببني إسرائيل البحر بعدما رأوا من الآيات والعبر فلم ~~يتعظوا بذلك ويزدجروا، حتى قالوا، إذ مروا بقوم مقيمين على أصنام ~~لهم يعبدونها: { يموسى اجعل لنآ إلها كما لهم ~~آلهة }. # و: { يعكفون }. يقيمون ويواظبون ويلازمون. والضم والكسر في " الكاف ~~" لغتان. # فقال لهم موسى: (عليه السلام): { إنكم قوم تجهلون }. # أي: تجهلون نعمة الله (عز وجل)، عليكم وحقه، وتجهلون أنه لا تجوز ~~العبادة إلا لله، (سبحانه). # قال ابن جريج { على أصنام لهم } ، تماثيل بقر. ومن أجل ذلك ~~شبه عليهم السامري بالعجل. # يريد أنه من تلك البقر التي رأيتموها تعبد. فعبدوه أربعين يوما. # وهؤلاء القوم الذين مروا بهم عاكفون على عبادة الأصنام، قيل: هم من ~~لخم. قاله قتادة. # وقيل: بل كانوا من الكنعانيين الذين أمر موسى (عليه السلام)، بقتالهم. # قوله: { إن هؤلاء متبر ما هم فيه (وباطل) ms0837 }. # هذا خبر من الله (عز وجل)، عن قول موسى (عليه السلام)، لقومه. # و { متبر }: مهلك، وباطل عملهم. # وقال ابن عباس { متبر }: خسران. # ومعنى { متبر } ، عند أهل اللغة: مهلك ومدمر. # ثم قال لهم موسى: { أغير الله أبغيكم إلها }. # أي: أسوى الله أطلب لكم معبودا، { وهو فضلكم على ~~العالمين } ، أي: عالم عصركم. # ثم قال تعالى مخاطبا اليهود الذين بين ظهراني النبي، يقرعهم بما ~~فعل بآبائهم: { وإذ أنجيناكم من آل فرعون } ، أي: ~~واذكروا مع ما قلتم لموسى، (عليه السلام)، بعدما رأيتم من الآيات والعبر، ~~{ وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء ~~العذاب } ، أي: يحملونكم على أقبح العذاب. # وقيل معناه: يولونكم. # ثم بينه ما هو، فقال: { يقتلون أبنآءكم ويستحيون ~~نسآءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم [عظيم] } ، (أي): ~~اختبار من الله لكم. # وقيل معناه: نعمة عظيمة، يعني: في إنجائه لهم. # ف: " البلاء " ها هنا يصلح أن يكون النعمة على إنجائهم. ويصلح أن ~~يكون الاختبار فيما تولى منهم فرعون. ### || [7.142] # قوله: { وواعدنا موسى ثلاثين ليلة } ، الآية. # قال الكلبي: لما قطع موسى (عليه السلام)، البحر ببني إسرائيل وغرق ~~الله (سبحانه)، فرعون، قالت بنو إسرائيل (لموسى) /: يا موسى، ائتنا بكتاب ~~من ربنا كما وعدتنا، وزعمت أنك تأتينا به إلى شهر، فاختار موسى (عليه ~~السلام) قومه سبعين رجلا لينطلقوا معه، فلما تجهزوا قال الله (تعالى) ~~لموسى: أخبر قومك أنك لن تأتيهم أربعين ليلة وذلك حين أتمت بعشر. فلما ~~خرج موسى (عليه السلام) بالسبعين، أمرهم أن ينتظروه في أسفل الجبل وصعد ~~موسى الجبل، فكلمه الله أربعين [يوما وأربعين] ليلة، وكتب له فيها ~~الألواح. ثم إن بني إسرائيل عدوا عشرين يوما وعشرين ليلة، فقالوا: قد ~~أخلفنا موسى الوعد. وجعل لهم السامري العجل فعبدوه. # وقال ابن جريج: لما نجى الله موسى، (عليه السلام)، وأغرق فرعون ~~وقومه، أمره ربه، (عز وجل)، أن يلقاه، فلما أراد أن يلقاه استخلف هارون ~~على قومه، ووعدهم أن يأتيهم إلى ثلاثين ليلة، ميعادا من قبله، فلما ~~تمت [ثلاثين] ليلة، قال إبليس للسامري: ليس يأتيكم موسى؛ وما يصلحكم إلا ms0838 ~~إله تعبدونه! فناشدهم هارون ألا يفعلوا. وأحدث الله، تعالى، لموسى (عليه ~~السلام) بعد الثلاثين أجلا آخر إلى عشر ليال. # وقيل: إن السامري قال لهارون: يا نبي الله، إنا استعرنا يوم خرجنا من ~~القبط حليا كثيرا، وإن الجند الذين معك قد أسرعوا في الحلي ~~يبيعونه، وإنما كان عارية من آل فرعون، وقد ماتوا، ولعل أخاك موسى إذا ~~أتى يكون له فيه رأي، فإما أن يقربها قربانا تأكلها النار، وإما أن ~~يجعلها للفقراء دون الأغنياء! فقال له هارون: نعم ما قلت! فأمر بجمعها، ~~وقال: يا سامري، أنت أحق من كانت عنده هذه الخزانة! فقبضها السامري، وكان ~~صائغا فصاغ منها عجلا جسدا، ثم قذف في جوفه تربة من القبضة ~~التي قبض من أثر فرس جبريل (عليه السلام)، فجعل يخور، وقال لبني إسرائيل: ~~إنما تخلف موسى بعد الثلاثين يلتمس هذا: # هذآ إلهكم وإله موسى فنسي # [طه: 88]، يقول: إن موسى نسي ربه. # وقيل: إنه أمره الله أن يصوم ثلاثين يوما، ويعمل فيها بما يقربه إليه، ~~ثم أنزل عليه التوراة في العشر وكلمه فيها. # وقيل: لما صام [موسى] ثلاثين يوما ذكر خلوف فيه فاستاك بعود ~~خروب، فقالت [له] الملائكة: إنا كنا نستنشق من فيك رائحة المسك، ~~فأفسدته بالسواك، وزيدت عليه العشر ليال. # يقال: خلف الله عليكم بخير: إذا مات لهم من لا يعتاض منه، مثل ~~الوالدين. وأخلف الله عليكم بخير: إذا مات من يعتاض منه، كالزوجة ~~وشبهها. # قوله: { وأصلح }. أي: لا تدع العجل يعبد. # وقيل المعنى: أصلحهم بحملك إياهم على طاعة الله، (عز وجل). # { ولا تتبع سبيل المفسدين }. أي: لا تسلك طريقهم. # قال مجاهد الثلاثون ليلة: ذو القعدة، والعشر: عشر من ذي الحجة. # وقوله: { فتم ميقات ربه (أربعين) ليلة } ، دل (به) ~~على أن " العشر ": ليال، (وأنها ليست) بساعات. # وقيل: هو توكيد. # وقيل: هو بمنزلة قولك إذا جملت الأعداد: فذلك كذا وكذا، أي: ليس بعد ذلك ~~عدد. # وقيل: إنما أعاد ذكر الأربعين لرفع اللبس؛ لأن العشر يحتمل أن تكون ~~لغير المواعدة، فلما أعاد ذكر الأربعين مع لفظ ms0839 المواعدة دل على أنها ~~داخلة مع الثلاثين في المواعدة، وأن زمن المواعدة أربعون ليلة، ولو لم ~~يعد ذكر الأربعين / مع المواعدة لجاز أن يكون زمن المواعدة ثلاثين ليلة، ~~والعشر لغير المواعدة، فبين ذلك بإعادة الأربعين. ### || [7.143] # قوله: { ولما جآء موسى لميقاتنا وكلمه ربه } ، ~~الآية. # (ومعنى: { وكلمه ربه } )، أي: أفهمه ما شاء من كلامه الذي ليس ~~ككلام المخلوقين الذي [هو] حركات اللسان وظهور الأصوات، فكلامه، عز وجل، ~~ليس ككلام الآدميين، إذ ليس كمثله شيء، ولا يشبهه شيء، وعلينا أن نقف حيث ~~انتهى بنا العلم، ولا نكيف ونحد، ونسلم الأمر لله، (عز وجل)، ~~ونقول كما قال، ولا نشبه؛ لأنه، تعالى، قد نفى التشبيه [كله] بقوله: # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11]. # ومن لم يمد { دكا } ، جعله مصدر دككته: إذا كسرته وفتته. ~~ومعناه: جعله مفتتا كالتراب والمدر. وشاهده قوله: # [إذا] دكت الأرض دكا دكا # [الفجر: 21]، # وقوله: # فدكتا دكة واحدة # [الحاقة: 14]، فتقديره: جعله مدكوكا، ثم أقام المصدر مقام اسم المفعول. # وقيل: إن قوله: { جعله دكا } ، مثل: دكه دكا، فهو مصدر قد ~~عمل فيه فعل من غير لفظه، فهو محمول على المعنى. # ومن مد { دكا } ، فمعناه: جعله " مثل دكاء " ، ثم حذف مثل، ~~(وأجراه مجرى): # وسئل القرية # [يوسف: 82]. وهو قول الأخفش. # وقال قطرب المعنى: جعله أرضا دكاء، ثم أقام الصفة مقام الموصوف مثل: # وقولوا للناس حسنا # [البقرة: 83]. # وقال الفراء: { دكا } و { دكا } مثل: " البأس " [والبأساء]، ~~كأنه جعله بمعنى واحد. # ومعنى الآية: قال الربيع في قوله، تعالى: # وقربناه نجيا # [مريم: 52]، حدثني بعض من لقي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ~~قربه الرب، تعالى، إليه حتى سمع صريف القلم، فقال عند ذلك من ~~الشوق: { رب أرني أنظر إليك قال لن تراني }. # قال السدي: لما كلمه، أحب أن ينظر إليه، فقال له: { لن تراني ~~ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه ~~فسوف تراني } ، فحف الله حول الجبل ملائكته، وحف حول ~~الملائكة بنار، وحف حول النار بملائكة، وحف حول الملائكة بنار، ثم ~~تجلى ربه للجبل. # وقال أبو بكر الهذلي: تخلف ms0840 موسى بعد الثلاثين حتى سمع كلام الله، ~~سبحانه، اشتاق إلى النظر إليه فقال: { رب أرني أنظر إليك ~~قال لن تراني } ، (أي): ليس لبشر أن يطيق أن ينظر إلي في الدنيا؛ ~~فإن من نظر إلي مات، قال: إلهي، سمعت كلامك، واشتقت إلى النظر إليك، ~~ولأن أنظر إليك ثم أموت، أحب إلي من أن أعيش ولا أراك: قال: فانظر { ~~إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني }. # قال مجاهد: يعني أنه أكبر منك، وأشد خلقا، فنظر موسى، (عليه السلام)، ~~إلى الجبل لا يتمالك [و] أقبل يندك على أوله. فلما رأى موسى (عليه ~~السلام) ما يصنع الجبل، خر صعقا. # وقال الحسن: لما كلمه ربه دخل قلب موسى، صلى الله عليه وسلم، من ~~السرور من كلام الله (عز وجل)، ما لم يصل إلى قلبه مثله قط. # فدعت موسى (عليه السلام)، نفسه [إلى] أن يسأل ربه (عز وجل)، أن يريه ~~نفسه، تبارك وتعالى، ولو كان عهد إليه قبل ذلك أنه لا يرى، ما سأله ~~ذلك. # ويروي: أن موسى عليه السلام مكث بعد أن كلمه ربه عز وجل أربعين ليلة لا ~~يراه [أحد] إلا مات من نور رب العزة. # قال وهب: كلم الله (سبحانه)، موسى في ألف مقام، فكان إذا كلمه الله، ~~(سبحانه) رئي النور على وجهه ثلاثا، وما قرب موسى، عليه السلام النساء ~~مذ كلمه [الله]، جل وعز. # قوله: { فلما تجلى / ربه للجبل }. # أي: اطلع (إلى) الجبل، { جعله دكا } ، أي مستويا بالأرض { ~~وخر موسى صعقا } ، أي: مغشيا عليه لم يمت. # قال ابن عباس: ما تجلى منه إلا قدر الخنصر، { جعله دكا } ، أي: ~~ترابا. # وقال قتادة: { صعقا } ، [أي]: ميتا. # وقال سفيان: ساخ الجبل في الأرض، حتى وقع في البحر. # وقال أبو بكر الهذلي: انقعر الجبل فدخل تحت الأرض، فلا يظهر إلى يوم ~~القيامة. # وروى سفيان الثوري عن الكلبي [أنه] قال: ساخ الجبل في الأرض حتى وقع في ~~البحر الذي تحت الأرضين السبع، فهو يهوي إلى يوم القيامة. # وقال القتبي: { دكا } ألصقه بالأرض. # يقال: " ناقة دكاء ": إذا لم ms0841 يكن لها سنام. # وقيل معنى دككت: دققت. أبدل من القافين كافان لقرب مخرجيهما. # وكان الطبري يختار قراءة: (دكاء) بالمد؛ لأنه قد ثبت عن النبي، صلى الله ~~عليه وسلم، أنه (قال): " ساخ الجبل " ، ولم يقل: " تفتت " ، ولا " تحول ~~ترابا ". وإذا ساخ وذهب ظهر وجه الأرض، فصار بمنزلة (الناقة) التي ذهب ~~سنامها. # قوله: { فلمآ أفاق }. # أي: من غشيته، { قال سبحانك } ، أي: تنزيها لك، يا رب، أن يراك ~~أحد في الدنيا، ثم يعيش، { تبت إليك } ، عن مسألتي إياك الرؤية ~~في الدنيا، { وأنا أول المؤمنين } ، أي: أولهم أنك لا ~~ترى في الدنيا. # قال ابن عباس: مرت الملائكة بموسى وقد صعق، فقالت: يا ابن النساء ~~الحيض، لقد سألت ربك شيئا عظيما! فقال: { سبحانك تبت ~~إليك } ، من سؤالي الرؤية في الدنيا، { وأنا أول ~~المؤمنين } أي أول من يؤمن، أي: يصدق بأنه لا يراك شيء من ~~خلقك في الدنيا. # قال ابن عباس: { وأنا أول المؤمنين } ، أي: أول من آمن بك ~~من بني إسرائيل. # وقال مجاهد: وأنا أول قومي إيمانا. ### || [7.144] # قوله: { قال يموسى إني اصطفيتك على الناس } ، ~~الآية. # والمعنى: إني اخترتك على الناس، { برسالاتي } التي أرسلتك بها ~~إليهم { وبكلامي } ، الذي ناجيتك به دون غيرك من خلقي، { فخذ مآ ~~آتيتك } ، أي: (خذ) ما أعطيتك من أمري ونهيي وتمسك به، واعمل به، { ~~وكن من الشاكرين } ، على ما فضلتك به. ### || [7.145-147] # قوله: { وكتبنا له في الألواح من كل شيء } ، إلى ~~قوله: { ما كانوا يعملون }. # المعنى: وكتبنا لموسى في ألواحه { من كل شيء } ، من التذكير ~~والتنبيه على نعم الله، (تعالى)، وعظمته وسلطانه ومن المواعظ لقومه ومن ~~الأمر بالعمل بما فيها، { وتفصيلا لكل شيء } أي: تبيينا ~~لكل شيء من أمر الله (سبحانه)، في الحلال والحرام. # ومعنى: { من كل شيء } ، (أي): من كل شيء يحتاج إليه من أمر ~~الدين. # قال ابن عباس: إن موسى (عليه السلام)، لما كربه الموت، قال: هذا ~~من أجل آدم! أنزلنا ها هنا! قال الله: يا موسى، أبعث إليك آدم فتخاصمه؟ ~~قال: نعم! فلما بعث الله، جل وعز، آدم ms0842 عليه السلام، سأله موسى، (عليه ~~السلام)، فقال أبونا آدم (عليه السلام)،: يا موسى، سألت الله أن يبعثني ~~إليك! قال موسى: لولا أنت لم تكن ها هنا! قال له آدم (عليه السلام): ~~[أليس] قد أتاك الله من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء أفلست تعلم أن # مآ أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا ~~في كتب من قبل أن نبرأهآ # [الحديد: 22]، قال موسى: نعم، فخصمه (آدم (عليه السلام). # قوله: { بقوة }. # أي: بجد. # وقيل: بالطاعة. # ف: " الهاء " في " خذها " و " أحسنها " ، تعود على { الألواح ~~}. # وقيل: على " التوراة ". # { وأمر قومك يأخذوا بأحسنها }. # أي: بأحسن ما يجدون فيها، وذلك أن يعملوا بما أمرهم ولا يعملوا بما ~~نهاهم / عنه. # فمعنى { بأحسنها }: ليس أنهم يتركون شيئا من الحسن، إنما يعملون ~~بالمعروف ولا يعملون بالمنكر. # وقيل المعنى: { بأحسنها } لهم، وهو العمل بما أمروا به، والانتهاء ~~عما نهوا. # وقيل: ليس أفعل للتفضيل، إنما هو [بمعنى] اسم الفاعل، كما قيل: " الله ~~أكبر " بمعنى: كبير. فالمعنى: يأخذوا بالحسن من ناحيتها وجنسها وما ~~يدخل تحتها (به). # وقيل إن المعنى: { وأمر قومك } يعملون بأحسن ما هو لهم مطلق ~~مثل: # ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من ~~سبيل # [الشورى: 41]. ثم قال: # ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور # [الشورى: 43]. فالانتقام جائز، (والعفو جائز)، والعفو أحسن، فكذلك أمروا ~~أن يعملوا بأحسن ما أبيح لهم فعله. # وقيل المعنى: إن التوراة كلها حسنة لكن فيها: أقاصيص الإحسان، والإساءة ~~والطاعة، والمعصية، والعفو، والنقمة، فأمروا أن يأخذوا بأحسن هذه الأفعال ~~التي نصت عليهم. ومنه قوله: # يستمعون القول فيتبعون أحسنه # [الزمر: 18]. فإن قيل: إن فيها حكاية الكفر، والشرك، " وأفعل " يوجب ~~التفضيل، فهل في هذا حسن دون غيره، فذلك جائز كما قال: # ولعبد مؤمن خير من مشرك # [البقرة: 221]. # وقوله: { سأوريكم دار الفاسقين }. # (هو) تهديد وتوعد لمن لم يأخذ بأحسنها وخالف ما فيها، والكلام، دل ~~على ذلك. # و { دار الفاسقين }: النار. وهو قول مجاهد، والحسن. # وقال قتادة { دار الفاسقين }: منازل الكافرين الذين سكنوا قبلهم ~~من الجبابرة والعمالقة، ms0843 وهي الشام. # وقيل المعنى: { سأوريكم دار [الفاسقين] } ، فرعون وقومه، ~~وهي مصر. # قال ابن جبير: رفعت لموسى، (عليه السلام)، (حتى) نظر إليها. # قال قتادة: { دار الفاسقين } ، منازلهم التي كانوا يسكنونها تحت ~~يدي فرعون. # وقيل المعنى: { سأوريكم } مصير الفاسقين في الآخرة، وما أعد لهم ~~من أليم العذاب. # وقوله: { سأصرف [عن آياتي الذين يتكبرون في ~~الأرض] } ، [الآية]. # أي: أحرمهم فهم القرآن، أي سأنزع منهم فهم الكتاب. # قاله سفيان بن عيينة. # وقال ابن جريج: سأصرفهم عن أن يتفكروا في خلق السماوات والأرض وما ~~بينهما من الآيات، وأن يعتبروا بها. # وقيل معناه: سأمنع قلوبهم من الفكرة في أمري. # وقال أبو إسحاق المعنى: سأجعل جزاءهم، في الدنيا على كفرهم، الإضلال عن ~~هدايتي. # وقال الحسن المعنى: سأصرفهم عنها، حتى لا يؤمنوا بها. # ومعنى { يتكبرون } ، أي: يحقرون الناس، ويروا أن لهم فضلا ~~عليهم، ويتكبرون عن الإيمان بالقرآن والنبي، (صلى الله عليه وسلم). # { وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها }. # أي: وإن يروا كل حجة بينة لا يصدقوا بها، ويقولون: هي سحر وكذب. # { وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا }. # أي: وإن يروا طريق الهدى لا يتخذوه طريقا لأنفسهم. # { وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا }. # أي: وإن (يروا) طريق الهلاك والعطب يتخذوه لأنفسهم. # ثم قال تعالى: { ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا } آية. # أي: فعلنا بهم أن صرفناهم عن آياتنا، من أجل أنهم { كذبوا ~~بآياتنا وكانوا عنها غافلين } ، أي: لا يتفكرون فيها، ~~لاهين عنها. # و (الرشد) و (الرشد): لغتان. # وحكي عن أبي عمرو [بن العلاء] أنه قال: (الرشد): الصلاح، ~~و(الرشد) في الدين. # ثم قال تعالى /: { والذين كذبوا بآياتنا ولقآء ~~الآخرة } ، الآية. # المعنى: وكل مكذب بالقرآن، والأدلة على توحيد الله، (عز وجل)، وينكر ~~نبوة محمد، (صلى الله عليه وسلم)، والبعث، { حبطت أعمالهم } ، ~~أي: بطلت. # (أعمالهم) وذهبت { هل يجزون إلا ما كانوا يعملون } ، ~~أي: إلا ثواب عملهم في الآخرة. ### || [7.148-149] # قوله: { واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم ~~(عجلا) } إلى قوله: { من الخاسرين }. # قوله: { حليهم } ، واحده: حلي، مثل: فعل. وباب " فعل " ~~أن يجمع ms0844 في أكثر العدد على: فعول، فأصله: حلوي، ك " قلب وقلوب ~~" ، ثم أدغمت الواو في الياء لسكونها قبلها، فصارت " حلي " فاجتمع ~~ضمان، بعدهما ياء شديدة، فاستثقل ذلك، فكسرت " اللام " ، وبقيت " الحاء " ~~على ضمتها لتدل على أنه جمع، [و] على أن الأصل في " اللام " الضم، إذ ليس ~~في الكلام " فعيل ". # ومن كسر " الحاء " ، أتبعها كسرة " اللام " ليعمل اللسان من حيز ~~واحد. # والمعنى: إن بني إسرائيل اتخذوا العجل الذي صاغ لهم السامري إلها، بعد ~~مضي موسى (عليه السلام)، إلى ميقات ربه، (عز وجل)، وقال لهم السامري: هذا ~~إلهكم وإله موسى قد نسيه عندكم، ومضي يطلبه، وكان قد صاغه لهم من حلي ~~بني إسرائيل الذي استعاروه من القبط، إذ خرجوا مع موسى، (صلى الله عليه ~~وسلم)، وروي أن موسى أمرهم بذلك. # ومعنى: { جسدا } ، لا رأس له. قيل: كان جثة لا رأس له. وقيل: معنى { ~~جسدا } ، أي جثة لا يعقل ولا يميز. # { له خوار }. # أي: صوت البقر، فضل هؤلاء بما لا يجوز أن يضل به أهل العقول. # { ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم ~~سبيلا }. # أي: لا يرشدهم طريقا ولا يكلمهم، وليس هذا من صفات الرب الذي له ~~العبادة، بل صفته أنه يكلم أنبياءه، ويرشدهم إلى طريق الخير. # ثم قال تعالى: { اتخذوه وكانوا ظالمين }. # أي: اتخذوا العجل إلها، { وكانوا ظالمين } في ذلك، أي: واضعين ~~الشيء في غير موضعه. # { جسدا } ، وقف عند نافع. والحسن أن يوقف على: { له خوار }؛ ~~لأنه من صفته. # ثم قال تعالى: { ولما سقط في أيديهم }. # أي: ندموا على عبادته، { ورأوا أنهم قد ضلوا } ، أي: ~~علموا أنهم ضالون في عبادة العجل جائزون عن قصد السبيل، إذ عاينوه وقد ~~حرق بالمبرد ونسف في البحر، وهو لا يمنع ولا يدفع، { قالوا لئن ~~لم يرحمنا ربنا } ، أي: يتعطف علينا بالتوبة. { ويغفر ~~لنا } ، أي: ما جنيناه من عبادة العجل، { لنكونن من ~~الخاسرين } ، فأبى الله، تعالى، أن يقبل توبتهم إلا أن يقتلوا ~~أنفسهم، على ما ذكر في سورة البقرة. # وفي حرف أبي: " قالوا ربنا لئن لم ترحمنا وتغفر ms0845 ~~لنا " ، وهو شاهد لمن قرأ ب: " التاء " ، ونصب: { ربنا }. وله وجه ~~آخر، وهو أن الدعاء يتضمن الخبر، ففيه معنيان، والخبر لا يتضمن الدعاء ~~إنما فيه معنى واحد، فالنداء أبلغ. # وقرئ: " ولما سقط " ، بفتح السين: بمعنى: سقط الندم (في أيديهم). ### || [7.150] # قوله: { ولما رجع موسى إلى قومه غضبن } ، الآية. # كان هارون أخا موسى (عليه السلام)، شقيقه، وإنما قال له: { ابن أم ~~} ، على طريق الاستعطاف بالرحم. # فمن قرأ ي { ابن أم } ، بالفتح، فالتقدير عند الكسائي، والفراء، ~~وأبي عبيد: يا بن أماه، ثم حذف. # وهو عند البصريين يبنى ك " خمسة عشر ". # ومن كسر " الميم " ، فقال أبو حاتم، والأخفش: حذف الياء لدلالة الكسرة ~~عليها، وهي لغة لبعض العرب، يقولون: يا غلام غلام أقبل. # وحكى الأخفش: هذا غلام يا هذا، بغير ياء في غلامي. # وأحسن منه عند أهل النظر: أن يكون بناء الاسمين اسما واحدا، ثم أضافه ~~بعد ذلك. # وشبه أبو عمرو الفتح بقولهم: هو جاري بيت بيت، ولقيته كفة ~~كفة يا فتى. # ولا يفعل ما فعل في الأم والعم في غيرهما، لا يقال: يابن أب ولا ~~يابن أخت، ولا شبهه، ولا يجوز الفتح إلا في الأم والعم، وذلك لكثرة ~~الاستعمال. # وقرأ مجاهد، ومالك بن دينار: " فلا تشمت بي الأعداء " ، ~~بفتح " التاء " و " الميم " ، ورفع: " الأعداء " بفعلهم، وهو مثل قوله: # فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون # [البقرة: 132]، أي: اثبتوا على الإسلام حتى يأتيكم الموت. فالمعنى: فلا ~~تشمت من أجلي الأعداء. # وحكى أبو عبيد عن حميد " تشمت " ، بفتح " التاء " وكسر " الميم ~~". ولا وجه له؛ لأنه إنما يقال: " شمت " فإن سمع " شمت " بالفتح، فهي ~~لغة من العرب، ولم يروا ذلك. # ومعنى الآية: أن الله (تعالى) أعلم موسى (عليه السلام)، أنه قد فتن ~~قومه، وأن / السامري قد أضلهم، فرجع موسى غضبان على قومه أسفا عليهم. # و " الأسف ": شدة الغضب. # وقال أبو الدرداء: " الأسف " منزلة وراء الغضب، أشد منه. # وقال السدي: " { أسفا }: حزينا. # وكذلك قال الحسن، وابن عباس. # ومن هذا قولهم للعبد: " أسيف "؛ لأنه مقهور، وحزين مستعبد، وكذلك قيل ~~للأجير: ms0846 " أسيف ": لأنه مستخدم، ومخزون على استخدام الناس له. # قوله: { قال بئسما خلفتموني من بعدي }. # أي: بئس الفعل فعلتم بعد فراقي إياكم، في عبادتكم العجل. # { أعجلتم أمر ربكم }. # أي: أسبقتم أمره؟ يقال: " عجلت الرجل ": سبقته، و " ~~أعجلته ": استعجلته. # والفرق بين " العجلة " و " السرعة " ، أن العجلة: التقدم بالشيء قبل ~~وقته، والسرعة: عمله في أقل أوقاته. # { وألقى الألواح }. أي: ألقاها غضبا على قومه. # ثم أخذ برأس أخيه يجره إليه غضبا. قاله ابن عباس. # [قال ابن عباس]: لما رجع موسى (عليه السلام)، إلى قومه، وصار قريبا ~~منهم، سمع أصواتهم، فقال: إنني لأسمع أصوات قوم لاهين، فلما عاينهم وقد ~~عكفوا على العجل، ألقى الألواح فكسرها، وأخذ برأس أخيه يجره إليه، وقال # ما منعك إذ رأيتهم ضلوا * ألا تتبعن ~~أفعصيت أمري # [طه: 92-93]. # قال قتادة أخذ الألواح، وقال: رب، إني أجد في الألواح أمة (خير أمة) ~~أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فاجعلهم أمتي! قال: تلك ~~أمة أحمد قال: إني أجد في الألواح أمة هم الآخرون السابقون في دخول ~~الجنة، رب اجعلهم أمتي قال: تلك أمة أحمد! قال: رب إني أجد في الألواح ~~أمة أناجيلهم في صدورهم يقرأونها، رب فاجعلهم أمتي قال: تلك أمة أحمد! ~~قال: رب إني أجد في الألواح أمة يؤمنون بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر، ~~ويقاتلون فضول الضلالة، حتى يقاتلوا الأعور الكذاب، رب ~~فاجعلهم أمتي قال: تلك أمة أحمد قال: رب، إني أجد في الألواح أمة صدقاتهم ~~يأكلونها في بطونهم، ثم يؤجرون عليها، [قال]: فاجعلهم أمتي! قال: ~~تلك أمة أحمد! قال: رب إني أجد في الألواح أمة إذا هم أحدهم بحسنة، ثم ~~لم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشر أمثالها إلى سبع مائة، ~~رب اجعلهم أمتي! قال: تلك [أمة] أحمد! قال: رب، إني أجد في الألواح أمة ~~إذا هم أحدهم بالسيئة لم تكتب عليه حتى يعملها، فإن عملها كتبت عليه سيئة ~~واحدة، رب فاجعلهم أمتي! قال: تلك أمة أحمد! قال: رب [إني] أجد في ~~الألواح أمة هم المستجيبون والمستجاب لهم، ms0847 رب اجعلهم أمتي! قال: تلك أمة ~~أحمد! قال: رب إني أجد في الألواح أمة هم المشفعون والمشفع لهم، فاجعلهم ~~أمتي قال: تلك أمة أحمد (قال): فذكر لنا أن نبي الله (عليه السلام)، نبذ ~~الألواح وقال: اللهم اجعلني من أمة أحمد قال: فأعطى الله موسى شيئين لم ~~يعطها نبي، قال الله: # يموسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي ~~وبكلامي # [الأعراف: 144]، فرضي موسى (عليه السلام)، والثانية قوله: # ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون # [الأعراف: 159]، فرضي موسى (عليه السلام) كل الرضى. # ويروى أن التوراة كانت سبعة أسباع، فلما ألقى الألواح تكسرت فرفع منها ~~ستة أسباعها، وبقي السبع، وكان فيما رفع: " تفصيل كل شيء ". وبقي: " ~~الهدى والرحمة " في السبع الباقي. # قال مقاتل: كانت لوحين. # فيكون هذا مما جمع في موضع التثنية، كما قال: # وكنا لحكمهم شاهدين # [الأنبياء: 78]، يريد: داوود وسليمان. وله نظائر قد ذكرت. # وقال الربيع بن أنس: كانت التوراة سبعين وسق بعير، يقرأ الجزء منها في ~~سنة، لم يقرأها إلا أربعة نفر: موسى، وعيسى، وعزير، ويوشع عليه السلام. # [و] قال ابن جبير: كانت الألواح من ياقوتة. # وقال مجاهد: كانت من زمرد أخضر. # وقال أبو العالية: كانت من زبرجد. # وقال ابن عباس: لما تكسرت رفعت إلا سدسها. # وقال ابن جبير: كانت الألواح من زمرد، فلما ألقى موسى الألواح ذهب ~~الفصيل، وبقي الهدى / والرحمة، وهو قوله: # وفي نسختها هدى ورحمة # [الأعراف: 154]. # وقال الفراء: ذكر أنهما كانا لوحين. # وذكر النحاس أنه قيل: إنما أخذ برأس (أخيه) هارون على جهة المسارة لا ~~غير، فكره هارون أن يتوهم من حضر أن الأمر على خلاف ذلك. فقال: # لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي # [طه: 94]. # وكان هارون أخاه لأمه. # وقيل: شقيقه. # { ولا تجعلني مع القوم الظلمين }. # يعني: أصحاب العجل. ### || [7.151-153] # قوله: { قال رب اغفر لي ولأخي } ، إلى قوله: { لغفور ~~رحيم }. # والمعنى، قال موسى، لما تبين له عذر أخيه: { رب اغفر لي ~~ولأخي } ، أي: اغفر لي من الغضب الذي من أجله ألقيت الألواح، واغفر ~~لأخي ما كان من مساهلته في بني ms0848 إسرائيل؛ لأن هارون إنما تركهم بعد أن ~~نهاهم ووعظهم ولم يطيعوه، فتركهم خشية غضب موسى (عليه السلام)، ألا ترى ~~أنه قال له: # إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرآءيل ~~ولم ترقب قولي # [طه: 94]. # وقيل: إنما استغفر لذنوب كانت قبل ذلك الوقت؛ لأن غضبه كان لله [عز ~~وجل]. وهارون إنما ترك بني إسرائيل خوفا أن يتفرقوا ويتحازبوا. # وقيل: (بل) استغفر موسى من فعله بأخيه، واستغفر لأخيه من سالف سلف ~~له بينه وبين الله، جل وعز. # ثم قال تعالى مخبرا عما يؤول إليه أمر الذين اتخذوا العجل إلاها: { ~~إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ~~ربهم } ، أي: اتخذوه إلاها. # قال ابن جريج: الغضب لمن مات ممن اتخذ العجل قبل أن يرجع موسى، ولمن ~~فر إذ أمرهم أن يقتل بعضهم بعضا، [وهي توبتهم]. # وقيل الذلة: أخذ الجزية. # { وكذلك نجزي المفترين }. # قال ابن عيينة: كل صاحب بدعة ذليل. # وقيل الذلة: هو ما رأوه من ضلالتهم، وهو قوله: # ورأوا أنهم قد ضلوا # [الأعراف: 149]. # ثم قال تعالى: { والذين عملوا السيئات ثم تابوا }. # أي: من عمل كبيرة أو صغيرة ثم تاب، تاب الله عليه، كما تاب على متخذي ~~العجل إلاها. # وقوله: { من بعدها } ، أي من بعد توبتهم، { لغفور رحيم }. ### || [7.154-155] # قوله: { ولما سكت عن موسى الغضب } ، إلى قوله: { خير ~~الغافرين }. # قوله: { لربهم }. # قال المبرد " اللام " متعلقة بمصدر، والمعنى: { والذين } ~~وهبتهم لربهم. # وقال الكوفيون: هي زائدة. # وسمع الكسائي الفرزدق يقول: " نقدت لها مائة درهم " ، بمعنى ~~" نقدتها ". # وحكى الأخفش: أن المعنى، والذين هم من أجل ربهم يرهبون. # والمعنى: ولما سكن عن موسى (عليه السلام)، غضبه. # يقال: سكت سكتا، إذا سكن، وسكت سكوتا وسكتا، إذا ~~قطع الكلام. # { أخذ الألواح }. # أي: أخذها بعدما ألقاها، وقد ذهب منها ما ذهب. # وقيل المعنى: ولما سكت موسى، (عليه السلام)، عن الغضب، مثل: أدخلت ~~القلنسوة في رأسي. # { وفي نسختها هدى ورحمة }. # أي: فيما كتب منها هدى ورحمة، { للذين هم لربهم ~~يرهبون } ، أي: يخافون الله، (عز وجل). # وقيل المعنى: في الذي وجد فيها بعدما تكسرت ms0849 هدى ورحمة. # وقال ابن كيسان: جددت له في لوحين. # ثم قال تعالى: { واختار موسى قومه سبعين رجلا ~~لميقاتنا }. # قال السدي: أمر (عز وجل) موسى (عليه السلام)، أن يأتيه في ناس [من] بني ~~إسرائيل، يعتذرون من عبادة العجل، فاختار منهم سبعين رجلا، فلما أتوا ~~ذلك المكان، قالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فإنك قد كلمته. ~~فأرناه فأخذتهم الصاعقة فماتوا، فقام موسى، (عليه السلام)، يبكي ~~ويدعو ويقول: رب ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم، وقد أهلكت خيارهم، ~~رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي! # قال ابن عباس: لما مضوا معه ليدعوا ربهم، عز وجل، كان فيما دعوا أن ~~قالوا: اللهم أعطنا ما لم تعطه أحدا قبلنا، ولا تعطه أحدا بعدنا، فكره ~~الله، عز وجل، ذلك من دعائهم، فأخذتهم الرجفة. # قال / الكلبي: قال السبعون لموسى (عليه السلام): يا موسى، إن لنا عليك ~~حقا، كنا أصحابك، ولم نختلف عليك، ولم نصنع الذي صنع قومنا، فأرنا الله ~~جهرة كما رأيته. قال موسى (عليه السلام): لا والله ما رأيته، ولقد أردته ~~على ذلك فأبى، وتجلى للجبل، فكان دكا، وهو أشد مني، وخررت صعقا، فلما ~~أفقت سألت الله عز وجل، واعترفت بالخطيئة. فقالوا: فإنا لن نؤمنن لك حتى ~~نرى الله جهرة. فأخذتهم الصاعقة فاحترقوا من آخرهم. فظن موسى (عليه ~~السلام) أنهم إنما احترقوا بخطيئة أصحاب العجل، فقال: { أتهلكنا ~~بما فعل السفهآء منآ } ، يعني أصحاب العجل، ثم بعثهم الله، ~~(عز وجل)، من بعد موتهم. # وروي عن علي أنه قال: انطلق موسى وهارون إلى صفح جبل فتوفى الله، (عز ~~وجل) هارون. فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل، قالوا له: أين هارون؟ ~~قال: توفاه الله (عز وجل) قالوا: أنت قتلته، حسدتنا على خلقه ولينه، ~~قال: فاختاروا من شئتم! فاختاروا سبعين رجلا، فلما انتهوا إليه، قالوا: ~~يا هارون، من قتلك؟ قال: ما قتلني أحد، ولكن توفاني الله، (عز وجل)! ~~قالوا: يا موسى لن تعصى بعد هذا اليوم (أبدا)، فأخذتهم الرجفة. # فجعل موسى، (عليه السلام)، يرجع يمينا وشمالا، ويقول: { رب ms0850 لو ~~شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما ~~فعل السفهآء منآ } ، قال: فأحياهم الله، (عز وجل)، وجعلهم ~~أنبياء كلهم. # قال ابن عباس: إنما أخذتهم الرجفة، ونزل بهم البلاء؛ لأنهم لم يرضوا ~~بعبادة العجل، ولا نهوا عنه. # والصحيح أن الرجفة إنما أخذتهم حين سألوا موسى، (عليه السلام)، أن يريهم ~~الله جهرة. # قال ابن جريج: إنما أخذتهم الرجفة من أجل أنهم لم يكونوا باينوا قومهم ~~حين اتخذوا العجل. وهو قول موسى، (عليه السلام)،: { أتهلكنا بما ~~فعل السفهآء منآ }. # وقال ابن عباس: إنما أخذتهم الرجفة لأنهم لم يرضوا ولم ينهوا عن العجل. # قال السدي: كان موسى (عليه السلام)، يظن أن السبعين ممن لم يتخذ العجل، ~~فقال: { أتهلكنا بما فعل السفهآء منآ } ، أي: بما فعل ~~غيرنا، فأوحى الله، (عز وجل)، إليه، أن هؤلاء ممن عبد العجل، فعند ذلك، ~~قال موسى (عليه السلام): { إن هي إلا فتنتك تضل بها ~~من تشآء وتهدي من تشآء }. # وقيل المعنى: أتهلك من بقي بما فعل هؤلاء السفهاء، إذ سألوا رؤية الله ~~(سبحانه)، [جهرة]، وذلك أنه قال: لئن انصرفت إلى من بقي بغير السبعين ~~كفروا وهلكوا. فالسفهاء على هذا، هم الذين كانوا معه، قال ذلك: ابن ~~إسحاق. # وقال ابن زيد المعنى: أتهلك هؤلاء السبعين بما فعل غيرهم ممن عبد ~~العجل. # ومعنى { أهلكتهم }: أمتهم. # قال ابن كيسان: المعنى { لو شئت أهلكتهم } ، أي: بذنبهم، إذ ~~لم ينهوا عن عبادة العجل. # { وإياي }. # أي: بذنبي، إذ قتلت القبطي، فرحمتنا، ولم تهلكنا بذنوبنا نحن. # أفتهلكنا بذنوب الذين عبدوا العجل؟ أي: ليست تهلكنا بذلك. # وقوله: { إن هي إلا فتنتك }. # أي: [ما] هذه الفعلة التي فعلوا إذ عبدوا العجل، إلا فتنة منك أصابتهم. # و " الفتنة ": الابتلاء والاختبار. # وقال ابن جبير: { فتنتك }: بليتك. # وقال ابن عباس: عذابك. # { أنت ولينا }. # أي: ناصرنا. # { فاغفر لنا }. # أي: استر ذنوبنا. # { وارحمنا }. # أي: تعطف علينا. ### || [7.156-157] # قوله: { واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي ~~الآخرة إنا هدنآ / إليك } ، [الآية]. # [والمعنى: إن الله أعلمنا أن موسى دعاه فقال: { واكتب لنا في ~~هذه الدنيا حسنة ms0851 } ، وهي الصالحات من الأعمال، { وفي ~~الآخرة } ، أي: المغفرة. # قال ابن جريج: { حسنة } ، مغفرة. # { إنا هدنآ إليك }. # أي: تبنا. # وقال علي: إنما سميت اليهود يهودا؛ لأنهم قالوا: { هدنآ إليك ~~}. # قال الله، (عز وجل): { عذابي أصيب به من أشآء }. # أي: كما أصبت هؤلاء أصيب من أشاء من خلقي بعذابي. # { ورحمتي وسعت كل شيء }. # أي: عمت خلقي كلهم. # وقيل المعنى: إنه خصوص، والمعنى: ورحمتي وسعت المؤمنين من أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم، { فسأكتبها للذين يتقون }. # قال ابن عباس: جعل الله، (عز وجل)، الرحمة لهذه الأمة. # وروى سفيان: أن إبليس لما سمع: { ورحمتي وسعت كل شيء } ، ~~قال: أنا من " الشيء " فنزعها الله (عز وجل) من إبليس، فقال: { ~~فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة ~~والذين هم بآياتنا يؤمنون } ، فقالت اليهود: نحن نتقي ~~ونؤتي الزكاة، وتؤمن بآيات ربنا أفنزعها الله من اليهود، فقال: { ~~الذين يتبعون الرسول النبي الأمي } ، الآيات ~~كلها. فجعلها في هذه الأمة. # قال الحسن: { ورحمتي وسعت كل شيء } ، (وسعت) البر ~~والفاجر في الدنيا، وهي للمتقين في الآخرة، وكذلك قال قتادة. # وروى أبو هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: # " إن لله، (عز وجل)، مائة رحمة، أنزل منها رحمة واحدة بين ~~الخلق، الجن، والإنس والبهائم والهوام، فبها ~~يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تتعاطف الوحوش ~~على أولادها، وأخر تسعا وتسعين رحمة، يرحم ~~بها عباده يوم القيامة ". # وقال عطاء: خلق الله (عز وجل)، مائة رحمة، فجعل رحمة واحدة بين خلقه، ~~بما يتراحم الناس والبهائم والطير على أولادها، حتى إن الطير ليؤخذ على ~~فراخه، وأخر تسعا وتسعين رحمة لنفسه، فإذا كان يوم القيامة جمع هذه ~~الرحمة إلى التسع والتسعين فوسعت رحمته كل شيء. # وعن كعب أنه قال: ينظر الله، (عز وجل)، إلى عبده يوم القيامة، فيقول: ~~خذوه، فيأخذه مائة ألف ملك حتى يتفتت في أيديهم، فيقول: أما ترحموننا؟ ~~فيقولون: وكيف نرحمك؟ ولم يرحمك أرحم الراحمين. روى جميعه نعيم بن ~~حماد. # قال ابن زيد: معنى: اكتب " ، أي: أكتب في اللوح الذي كتب فيه ~~التوراة. # قال ابن عباس: { للذين يتقون ms0852 } ، أي: يتقون الشرك. # وقيل المعنى: يتقون المعاصي. # قال ابن عباس: { ويؤتون الزكاة } ، أي: يعملون بما يزكون ~~به أنفسهم من صالحات الأعمال. # وروى زيد بن أسلم: أن عيسى، عليه السلام، قال: يا رب، نبئني عن هذه ~~الأمة المرحومة، التي جعلت فيها من الخير ما جعلت، قال: هم يا عيسى علماء ~~حكماء، كأنهم أنبياء. # وذكر زيد أيضا: أن موسى، عليه السلام، قال: يا رب، نبئني عن هذه الأمة ~~المرحومة، قال: أمة محمد، (عليه السلام)، قال: نعم، قال: (هم) يا موسى ~~يرضون مني بالقليل من العطاء إذا أعطيتهم، وأرضى منهم بالقليل من العمل، ~~أدخل أحدهم الجنة، أن يقول: لا إله إلا الله. # قال النحاس في معنى: { ورحمتي وسعت كل شيء } ، أي: من ~~دخل فيها، لم تعجز عنه. # وقال ابن عباس: ومجاهد، وغيرهما: { للذين يتقون } ، يعني أمة ~~محمد، عليه السلام. # قال ابن جبير: لما قال الله، (عز وجل)، لموسى: { فسأكتبها ~~للذين يتقون } ، قال موسى: يا رب، أتيتك بوفد بني إسرائيل ~~فجعلت وفادتنا لغيرنا! فأنزل الله (عز وجل)، { ومن قوم موسى ~~أمة يهدون بالحق وبه يعدلون }. # قال قتادة: { يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة ~~والإنجيل } ، أي: يجدون نعته وصفته. # { يأمرهم بالمعروف }. # أي: يأمر أتباعه بالمعروف. # { و/ينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات }. # وهو ما حرمته العرب من: البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي. # { ويحرم عليهم الخبآئث }. # " الخبائث " عند مالك في هذه الآية: الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما ~~أهل به لغير الله، والزنا، والخمر، وشبه ذلك. # { ويضع عنهم إصرهم }. # أي: عهدهم الذي كان أخذ على بني إسرائيل أن يعلموا بما في التوراة، قاله ~~ابن عباس: والحسن، وغيرهما. # وقيل: هو ما ألزموه من قطع ما أصابه البول. # وقوله: { والأغلال التي كانت عليهم }. # هو قول الله، (عز وجل): # غلت أيديهم # [المائدة: 64]، من آمن بمحمد (صلى الله عليه وسلم)، لم تغل يده. # وقيل: الأغلال إنما هو تمثيل، وهي أشياء كلفوها فصارت إلى أعناقهم ~~لازمة بمنزلة الأغلال. # { وعزروه }. # أي: وقروه، وحموه من الناس. # { واتبعوا النور الذي أنزل معه }. # أي: القرآن سمي نورا؛ لأنه في ms0853 البيان والاهتداء به، بمنزلة النور ~~الذي يهتدى به. # وقرأ الجحدري وعيسى: " وعزروه " ، مخففا. # وروي عن أبي بكر عن عاصم: " ويضع عنهم أصرهم " ، بفتح ~~الهمزة، لغة. ### || [7.158-160] # قوله: { قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم ~~جميعا } ، إلى قوله: { يظلمون }. # والمعنى: { قل } ، يا محمد: { يأيها الناس إني رسول ~~الله إليكم جميعا } ، أي: لست كمن قبلي من الأنبياء الذين ~~يبعثون إلى بعض الناس دون بعض. # { الذي يؤمن بالله وكلماته }. # أي: وآياته. # وقيل: { وكلماته }: عيسى ابن مريم، (عليه الصلاة والسلام). قاله ~~مجاهد والسدي. # ثم قال: { ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق }. # أي: يدعون الناس إلى الهداية بالحق. # { وبه يعدلون }. # أي: في الحكم. # وقيل: وبه يؤمنون. # و " الأمة " هنا: الجماعة. # قال ابن جريج: بلغني أن بني إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم، وكفروا، وكانوا ~~اثني عشر سبطا، تبرأ سبط منهم مما عملوا، واعتذروا، وسألوا الله (عز ~~وجل)، أن يفرق بينهم وبينهم، ففتح الله لهم نفقا في الأرض، فساروا ~~فيه حتى خرجوا من وراء الصين، فهم هنالك حنفاء مسلمين، يستقبلون قبلتنا. ~~قال ابن جريج: قال ابن عباس: فذلك قوله: # وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض ~~فإذا جآء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا # [الإسراء: 104]. # و { وعد الآخرة }: عيسى بن مريم يخرجون معه. قال ابن جريج: قال ~~ابن عباس: ساروا في السرب سنة ونصفا. # وقيل: هم قوم في منقطع من الأرض، لا يوصل إليهم، آمنوا بمحمد (صلى الله ~~عليه وسلم)، وأقاموا الحنيفية كأنهم بنو أب وأم، ليس لأحد منهم مال دون ~~صاحبه، يمطرون في كل ليلة، ويصحون في النهار، يزرعون ويحرثون، ليس يدخر ~~أحد منهم دون أخيه شيئا، مقيمين على عبادة الله (عز وجل)، لا يبكون على ~~ميت. # وقيل في معنى: { ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق }: ~~أنه يكون هدى لمن آمن منهم بمحمد (صلى الله عليه وسلم)، ويكون لقوم قد ~~هلكو. # ثم قال تعالى: { وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا ~~أمما }. # ف " أسباط " بدل من: { اثنتي عشرة }. و { أمما } نعت ل " ~~الأسباط ". # و " الأسباط ": الفرق. # وقيل: هم القرن [الذي] يجيء ms0854 بعد قرن. # و " الأسباط " في ولد إسحاق، (عليه السلام)، بمنزلة القبائل في ولد ~~إسماعيل. # و " الأسباط ": مأخوذ من: السبط " ، وهو شيء تعتلفه الإبل، ~~فكأن إسحاق (عليه السلام)، / بمنزلة شجرة، والأولاد بمنزلة أغصانها، ~~فشبه ذلك ب " السبط ". # وإنما أنث في { اثنتي }؛ لأن " الأسباط " في موضع الفرقة؛ فكأنه: ~~اثنتي عشرة فرقة. # وقيل المعنى: وقطعناهم فرقا اثنتي عشرة أسباطا. # وقال بعض الكوفيين: إنما أنث؛ لأن الكلام ذهب (به) إلى " الأمم " ، ~~فغلب التأنيث، كما قال: # وإن كلابا هذه عشر أبطن # وأنت بريء من قبائلها العشر # فأنث ذهب ب " البطن " إلى القبيلة. # وقال بعضهم: " إنما أنث لذكر " الأمم " بعد ذلك. # وقيل المعنى: وقطعناهم قطعا اثنتي عشرة، فأنث لتأنيث " القطعة " ~~، ودل على ذلك: " قطعنا ". # و " أسباط " ليس بتفسير للعدد؛ لأن حق هذا أن يفسر بواحد؛ وإنما هو ~~بدل. # ثم قال: { وأوحينآ إلى موسى إذ استسقاه قومه }. # أي: لما فرقناهم اثنتي عشرة أسباطا، أوحينا إليه إذا عطشوا، { ~~أن اضرب بعصاك الحجر } ، وقد تقدم ذكر ذلك في البقرة. # { فانبجست }. # أي: انفجرت. # { قد علم كل أناس مشربهم }. # أي: لا يدخل سبط على سبط في شربه. # { وظللنا عليهم الغمام }. # يعني: من حر الشمس، وذلك في التيه، وقد تقدم ذكر هذا في البقرة. ### || [7.161-162] # قوله: { وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية } ، إلى ~~قوله: { يظلمون }. # قال الفراء، والكسائي: " خطايا " جمع خطية، على ترك الهمز، ك: " ~~مطية " ، و " وصية ". # وقال المازني: هي " فعائل " ، أصلها همزتان فأبدل من الثانية ياء، ~~فأشبهت مضيف " الخطايا " إلى نفسه، فأبدل من الكسرة فتحة، ومن الياء ألفا ~~فصارت: " خطاءا " ، والهمزة أخت الألف، فكأنه اجتمع ثلاث ألفات، فأبدل من ~~الهمزة ياء، فصارت: " خطايا ". # ولسيبويه والخليل قول مشهور قد ذكر في غير هذا الموضع. # والأصل عند الفراء في " مطية " و " وصية " أن يجمع على: " ~~فعائل " ، إلا أنه لو جمع على ذلك للزم حذف الياء، فيصير ك: " ~~غواش " فتختل، فنقل جمعه إلى " فعال " ، فردت اللام قبل الياء ~~الزائدة وفتح، ك: " أسير " و " أسارى " ، ثم أجرى هذه العلة في " خطية ~~". # ومعنى الآية: إن ms0855 الله، جل ذكره، يقول لنبيه، (عليه السلام): واذكر، يا ~~محمد، خطأ فعل هؤلاء وخلافهم لأمر ربهم، حين قال لهم [الله]: { ~~اسكنوا هذه القرية } ، وهي قرية بيت المقدس، { وكلوا ~~منها } ، أي: من ثمارها وحبوبها ونباتها، { حيث شئتم } ، أي: ~~أين شئتم منها. # وقوله: { حطة }. # أي: حط عنا ذنوبنا، { نغفر لكم خطيئاتكم } ، أي: يستر ~~ذنوبكم، { سنزيد المحسنين } ، أي: نزيدهم على ما وعدتهم من ~~الغفران. # (قوله): { فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير ~~الذي قيل لهم }. # أي: غيروا ما أمروا أن يقولوا. قيل لهم: قولوا: { حطة } ، ~~قالوا: " حنطة في شعير " ، { فأرسلنا عليهم رجزا من ~~السمآء } ، أي عذابا، فأهلكناهم بفعلهم وتغييرهم وفسقهم. # وقيل: هو طاعون أخذهم، فهلك خلق منهم. وقد ذكر في البقرة. ### || [7.163-164] # قوله: { وسئلهم عن القرية (التي كانت حاضرة ~~البحر) } ، إلى قوله: { لعلهم يتقون }. # قوله: { إذ يعدون }. # { إذ }: في موضع نصب بالسؤال، أي: واسألهم عن وقت عدوانهم. # { ويوم لا يسبتون }. # أضيف الظرف عند سيبويه لكثرة الاستعمال. # وهو عند المبرد مضاف إلى المصدر محمول على المعنى. # وهو عند الزجاج على الحكاية. # والعامل في الظرف الفعل الذي بعده. # ومعنى الآية: واسأل، يا محمد، هؤلاء اليهود الذين يجاورونك، عن أمر { ~~القرية التي كانت حاضرة البحر }. # أي: بقربه / وشاطئه. # قال الكلبي: ذكر لنا أنهم كانوا في زمن داود، (عليه السلام)، وهي: ~~أيلة، وهو مكان كان تجتمع فيه الحيتان في شهر من السنة كهيئة العيد، ~~يأتيهم منها حتى لا يرى الماء، وتأتيهم في غير ذلك من الشهور في كل سبت ~~كما تأتيهم في ذلك الشهر، فلا يمسوا منها شيئا. فعمد رجال من سفهاء تلك ~~القرية، فأخذوا الحيتان ليلة السبت ويوم السبت، فملحوا وباعوا، ولم ينزل ~~بهم عقوبة، فاستبشروا، وقالوا: إنا نرى السبت قد حل، وذهبت حرمته، ~~إنما كان يعاقب به آباؤنا، فعملوا ذلك سنين، حتى أثروا وتزوجوا النساء، ~~واتخذوا الأموال. فمشى إليهم طوائف صالحون فوعظوهم، وقالوا: يا قوم، ~~انتهكتم حرمة سبتكم، ووعظوهم فلم يتعظوا. # وسؤاله، (صلى الله عليه وسلم)، إياهم إنما كان على جهة التقرير لهم ~~والتبكيت، ويذكرهم بقديم ms0856 كفرهم وفسقهم، وقد كان الله (عز وجل)، أعلمه ~~بأمر القرية. # قال ابن عباس، وعكرمة هي: " أيلة " ، وكان ذلك في زمن داود (عليه ~~السلام)، وكذلك قال السدي، وغيره. # وقال قتادة: هي ساحل مدين. # [قال ابن زيد: هي قرية] يقال لها " مقنا " ، بين مدين وعينونا. # وقال ابن شهاب: هي: طبرية. # وعن ابن عباس أيضا: أنها مدين. # وأما قوله: # واضرب لهم مثلا أصحاب القرية # [يس: 13]، فأكثرهم على أنها أنطاكية. # ومعنى: { إذ يعدون [في السبت] }. # أي: [إذ] يعتدون إلى ما حرم الله، (عز وجل). # [و " العدوان ": التجاوز إلى ما حرم الله]. # وكان الله، تعالى ذكره، قد حرم عليهم السبت، فكانت الحيتان تقل في سائر ~~الأيام، وتكثر في يوم السبت. ابتلاهم الله، (تعالى)، بذلك فاصطادوا فيه ~~وتركوا ما حرم الله عليهم، فتجاوزوا الحق، فكانت تأتيهم يوم سبتهم، { ~~شرعا } ، أي: ظاهرة على الماء. # وقال ابن عباس { شرعا }: من كل مكان. # يقال: سبت يسبت: إذا استراح. # وقرأ الحسن: " ويوم لا يسبتون " ، بضم الياء، من: " أسبت ~~القوم " ، إذا دخلوا في السبت. # وروي ذلك عن أبي بكر عن عاصم، كما يقال: " أهللنا " ، دخلنا في ~~الهلال، و " أجمعنا " مرت بنا جمعة. # { كذلك نبلوهم }. # أي: نختبرهم. # قال قتادة: ذكر لنا أنه دخل على ابن عباس، وبين يديه المصحف، وهو ~~يبكي، وقد أتى على هذه الآية: # فلما نسوا ما ذكروا به # [الأعراف: 165]، الآية. فقال: قد علمت أن الله تعالى، أهلك الذين ~~أخذوا الحيتان، ونجى الذين نهوهم، ولا أدري ما الذي صنع بالذين ~~لم ينهوا، ولم يواقعوا المعصية. # قال الحسن: وأي نهي يكون أبين من أنهم أثبتوا لهم الوعيد، وخوفوهم ~~العذاب، فقالوا: { لم تعظون قوما الله مهلكهم أو ~~معذبهم عذابا شديدا }. # { لا تأتيهم } ، وقف، عند نافع، والأخفش. # ثم قال تعالى: { وإذا قالت أمة منهم }. # أي: واذكر، يا محمد، إذ قالت طائفة من أهل [هذه] القرية، إذ ظهر من ~~أكثرهم ما ينكر عليهم، فأنكر ذلك طائفة، فقالت هذه الطائفة التي حكى ~~الله عنها، للطائفة التي أنكرت ما يجب أن ينكر: { لم تعظون قوما ~~} سيلحقهم ms0857 أحد هذين: العذاب، أو الهلاك، قالت الطائفة التي أنكرت: ~~{ معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون }. # فمن رفع: { معذرة } فتقديره: قالوا: موعظتنا معذرة، أي: ~~إنما يجب علينا أن نأمر بالمعروف، [وننهى عن المنكر]، و { ولعلهم ~~يتقون } ، وعظناهم. # ومن نصب: فعلى المصدر، كأنهم قالوا: اعتذارا. # وقيل: النصب على تقدير: فعلنا ذلك / معذرة. # وروي وجها النصب عن الكسائي. # وفرق سيبويه بين الرفع والنصب، واختار الرفع، قال: لأنهم لم يريدوا أن ~~يعتذروا من أمر ليموا عليه، ولكنهم قيل لهم: لم وعظتم؟ فقالوا: ~~موعظتنا معذرة. ولو قال رجل لرجل: معذرة إلى الله، ~~ثم إليك من كذا، يريد: اعتذارا، لنصب؛ لأنه إنما اعتذر ~~من أمر ليم عليه. # والمعنى: واذكر، يا محمد، { وإذا قالت أمة منهم } ، أي: ~~جماعة لجماعة، كانوا ينهون أهل المعصية عن معصيتهم، { لم تعظون ~~قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا } ، قال الذين ~~كانوا يعظون: عظتنا معذرة إلى ربكم، نؤدي بذلك فرضه عليها، { ~~ولعلهم يتقون } وعظناهم. # قال ابن عباس: كلا الطائفتين كانت تنهى الباقين عن المنكر، فلما طال ~~ذلك، قالت إحدى الطائفتين للأخرى: { لم تعظون قوما الله ~~مهلكهم } ، فلما نزل العذاب نجت الطائفتان: التي قالت: { لم ~~تعظون قوما } والتي قالت: { معذرة إلى ربكم } ، ~~وأهلك الله، (عز وجل)، أهل المعصية، فجعلهم قردة وخنازير. # قال السدي: قال الواعظون بعضهم لبعض: { لم تعظون قوما الله ~~مهلكهم }. # وروي عن ابن عباس، وغيره، أنه قال: كانوا أثلاثا، ثلث نهوا، وثلث ~~قالوا: { لم تعظون } ، وثلث أصحاب الخطيئة، فما نجا إلا الذين ~~نهوا. قال الله (عز وجل): # أنجينا الذين ينهون عن السوء # [الأعراف: 165]. # وروي عنه أنه قال: نجا الناهون، وهلك الفاعلون، وما أدري ما فعل ~~بالساكتين. # وقال الكلبي هم فرقتان: فرقة وعظت، وفرقة قالت: { لم تعظون } ، ~~وهي الموعوظة. # وذلك أن الخاطئة لما كثر عليها الوعظ، قالت للواعظين: { لم تعظون ~~قوما الله مهلكهم أو معذبهم } على قولكم. # وقد مضى من ذكر هذا في البقرة جملة. # وقال الكلبي: كانوا فرقتين: قالت الصالحة للطالحة: يا قوم، انتهكتم حرمة ~~سبتكم، وعصيتم ربكم، وخالفتم سنة نبيكم، فانتهوا عن ms0858 هذا العمل قبل أن ~~ينزل بكم العذاب. قالت الطالحة: فلم تعظوننا إذا كنتم علمتم أن الله، (عز ~~وجل)، مهلكنا، وإن أطعتمونا لتفعلن كالذين فعلنا، فقد فعلناه منذ سنين، ~~فما زادنا الله بذلك إلا خيرا. قالت الصالحة: ويلكم، لا تغتروا، ~~[ولا] تأمنوا بأس الله، (سبحانه)، فكأنه نزل بكم، قالت لهم الطالحة: ف { ~~لم تعظون قوما الله مهلكهم } ، الآية. # فهم فرقتان على قول الكلبي. وثلاث فرق على قول أكثر المفسرين. ### || [7.165-167] # قوله: { فلما نسوا ما ذكروا } ، إلى قوله: { وإنه ~~لغفور رحيم }. # والمعنى: فلما تركت الطائفة التي نهيت عن السوء، ما أمرها الله (عز وجل) ~~به من ترك الاعتداء. # وقيل: نسوا موعظة من وعظهم من المؤمنين، { أنجينا الذين ~~ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب ~~بئيس } ، أي: وجيع أليم. قاله ابن عباس. # وقيل: { بئيس }: رديء. # وقال مجاهد { بعذاب بئيس }: أليم شديد. # وقال قتادة { بعذاب بئيس }: موجع. # وقال ابن زيد { بئيس }: شديد. # قوله: { فلما عتوا عن ما نهوا عنه }. # أي: تجاوزوا وتمردوا. و " العاتي ": المتمرد المتجاوز في الحق. { عن ~~ما نهوا عنه } ، [أي]: عن اعتدائهم في السبت، { قلنا لهم ~~كونوا قردة } ، فصاروا قردة، { خاسئين } ، [أي]: مبعدين. وذلك ~~في زمن داود، (عليه السلام)، وهو قوله: # لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان ~~داوود # [المائدة: 78]، صاروا قردة كلهم، ومسخوا في زمن عيسى (عليه السلام)، ~~خنازير، فذلك قوله: # على لسان داوود وعيسى ابن مريم # [المائدة: 78]. # / قال ابن عباس: صار شباب القوم قردة، وشيوخهم خنازير. # يقال: خسأت الكلب: أبعدته وطردته. # وقوله: { قلنا لهم (كونوا) }. # جائز أن يكون أمروا بذلك، فيكون أبلغ في الآية والقدرة. وجائز أن ~~يكون من قوله: # إنما قولنا لشيء إذآ أردناه أن نقول له كن ~~فيكون # [النحل: 40]. # ثم قال تعالى: { وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم ~~إلى يوم القيامة }. # روى الأصبهاني عن أصحابه عن ورش: (تأذن)، بتسهيل الهمزة. # والمعنى: واذكر، يا محمد، إذ أعلم ربك. # فمعنى { تأذن }: أعلم والعرب تقول: " تعلم " بمعنى " أعلم ". # وقال مجاهد { تأذن }: قال. # وقال قتادة { تأذن ربك }: أمر ربك. # ومعنى: { ليبعثن ms0859 عليهم }. # أي: ليبعثن على اليهود { من يسومهم سوء العذاب } ، وهو ~~قتلهم إن لم يؤدوا الجزية، وذلتهم إن ودوها. # قال ابن عباس: هي الجزية، والذين يسومونهم: محمد، صلى الله عليه وسلم، ~~وأمته، إلى يوم القيامة. # قال ابن المسيب: يستحب أن يبعث الأنباط في الجزية. # { إن ربك لسريع العقاب }. # أي: لمن استوجب منهم العقوبة. # { وإنه لغفور رحيم }. # أي: لساتر ذنوب من تاب، متعطف عليه. ### || [7.168-170] # قوله: { وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ~~} ، إلى قوله: { المصلحين }. # روى أبو بكر عن عاصم: " وقطعنهم " ، بالتخفيف. # والمعنى: وفرقنا بني إسرائيل في الأرض { أمما } ، أي: جماعات شتى. ~~ففي كل أرض قوم من اليهود، { منهم الصالحون } ، أي: منهم من ~~يؤمن بالله ورسله، { ومنهم دون ذلك } ، وصفهم بهذا قبل ~~كفرهم وارتدادهم عن دينهم، وقبل أن يبعث عيسى (عليه ~~السلام). # { وبلوناهم بالحسنات }. # أي: بالرخاء، والسعة في الرزق، { والسيئات } ، بالجدب والمصائب، ~~أي: اختبرناهم بذلك، { لعلهم يرجعون } ، إلى طاعة الله (عز ~~وجل). # قوله: { أمما } ، وقف. # و { دون ذلك } ، وقف. # و { والسيئات } ، وقف. # ثم قال تعالى: { فخلف من بعدهم خلف }. # أي: حدث من بعدهم خلف سوء، يعني: أبناءهم. # و " الخلف ": الرديء من القول، ومن الأبناء، يقال للواحد والاثنين ~~والجميع، بلفظ واحد. # ويقال في المدح: " هذا خلف صدق " ، بتحريك اللام، ولزم تسكن ~~اللام فيه، هذا الأشهر. # وقد تحرك في الذم وتسكن في المدح، قال حسان: # ......، وخلفنا # لأولنا في طاعة الله تابع # والخلف السوء، مأخوذ من قولهم: " خلف اللبن " ، إذ حمض حتى ~~فسد، ومن قولهم: " خلف فم الصائم " ، إذا تغير ريحه. # وقال مجاهد: " الخلف " في الآية يراد به النصارى بعد اليهود. # { يأخذون عرض هذا الأدنى }. # يعني: الرشوة على الحكم في قول الجميع. # { ويقولون سيغفر لنا }. # يحتمل وجهين: # أحدهما: أنه مغفور، لا نؤاخذ به. # والثاني: أنه ذنب، لكن الله قد يغفره لنا، تأميلا منهم لرحمته. # وهو ما عن لهم من عرض الدنيا حلالا كان أو حراما، يأخذونه ويتمنون ~~المغفرة، { ويقولون سيغفر لنا } ، وإن وجدوا بعده مثله، ~~أخذوه، فهم مصرون على أخذه، وإنما يتمنى المغفرة من أقلع ms0860 عن ~~الذنب، فلم يعد إليه، ولا نوى الرجوع إلى مثله. # قال ابن جبير: يعملون بالذنب ثم يستغفرون منه، فإن عرض لهم ذنب ~~ركبوه. # و " العرض " عنده: الذنوب. # قال السدي: كان بنو إسرائيل لا يستقضون قاضيا إلا ارتشى ~~في الحكم، فيقال له في ذلك، فيقول: { سيغفر لنا } ، فيطعن عليه ~~بقية بني إسرائيل. فإذا مات جعل مكانه رجل ممن كان يطعن عليه، فيرتشي، ~~أيضا، ثم لا يثوبون. # قال ابن زيد: يأتيهم المحق برشوة، فيخرجون له كتاب الله، ثم يحكمون له ~~بالرشوة / فإذا جاءهم الظالم بالرشوة، أخرجوا له الكتاب الذي كتبوا ~~بأيديهم، وقالوا: # هذا [من عند الله] ليشتروا به ثمنا قليلا # [البقرة: 79]، وهو عرض الدنيا، هو الرشى في الحكم، فيحكمون له بما ~~في الكتاب، فهو [في كتابهم]، محق، وهو في التوراة ظالم، فقال الله (عز ~~وجل): { ألم يؤخذ عليهم ميثق الكتب أن لا ~~يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه }. # المعنى: ألم يؤخذ عليهم الميثاق، ألا يعملوا إلا بما في التوراة، و { ~~أن لا يقولوا على الله إلا الحق }. # [قال ابن عباس: { أن لا يقولوا على الله إلا الحق } ~~]، يعني [فيما] يوجبون به من غفران ذنوبهم التي هم عليها مصرون. # وقوله: { ودرسوا ما فيه }. # معناه: ورثوا الكتاب، ودرسوا ما فيه، فنبذوه، وعملوا بخلاف ما فيه. # وقال ابن زيد: علموه، فعلموا ما فيه. # ثم قال: { والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا ~~تعقلون }. # أي: ما فيها من النعيم. # قوله: { يأخذوه } ، وقف. # وكذا: { إلا الحق }. # وكذا: { ودرسوا ما فيه }. # ثم قال: { والذين يمسكون بالكتاب }. # أي: يعملون بما في التوراة، { وأقاموا الصلاة إنا لا ~~نضيع أجر المصلحين } ، [ي: أجر المصلح منهم]. ### || [7.171] # قوله: { وإذ نتقنا الجبل فوقهم } الآية. # والمعنى: واذكر يا محمد، { وإذ نتقنا الجبل } ، أي: ~~اقتلعناه فرفعناه [فوق] بني إسرائيل. # وقيل: نتقناه ": زعزعناه. # { كأنه ظلة }. # أي: غمامة. # و " الكاف " من { كأنه } ، في موضع نصب على الحال، أي: نتقناه ~~مشبها الظلة، أي: في هذه الحال. # ويجوز أن يكون في موضع رفع بالابتداء، والخبر محمول على المعنى. ms0861 # أو يكون خبر ابتداء محذوف، [أي]: هو { كأنه [ظلة] }. # { وظنوا أنه واقع بهم }. # أي: أيقنوا بذلك، إذ هو فوق رؤوسهم. # { خذوا مآ ءاتينكم بقوة }. # أي: وقيل لهم: خذوا ما في الكتاب من الفرائض بجد وعزم، ولا تقصروا ~~في أداء فرائض الله (عز وجل)، التي فيه، وإلا خر عليكم الجبل ~~فأهلككم فقالوا: بل، نأخذه بقوة، أي: بجد وعزم، ثم نكثوا بعد ذلك. هذا ~~قول ابن عباس. # قال ابن عباس: إني لأعلم لأي شيء سجدت اليهود على حرف وجوههم: لما ~~رفع الجبل فوقهم سجدوا، وجعلوا ينظرون إلى الجبل بشق وجوههم، خوفا ان ~~يقع عليهم. قال: وكانت سجدة رضيها الله (عز وجل)، فاتخذوها سنة. # قال قتادة: نزع الله (عز وجل)، الجبل من أصله، ثم جعله فوق رؤوسهم، ~~وقال: لتأخذن أمري، أو لأرمينكم به. # وقال ابن جريج: كانوا قد أبوا أن يقبلوا التوراة. # وروى حجاج عن أبي بكر بن عبد الله أنه قال: لما قيل لهم: اقبلوا ما في ~~التوراة، قالوا: انشر علينا ما فيها، فإن كانت فرائضها يسيرة وحدودها ~~خفيفة، قبلناها. قال: اقبلوها بما فيها، قالوا: حتى نعلم ما فيها، ~~فراجعوا موسى (عليه السلام)، مرارا فأوحى الله، (عز وجل)، إلى الجبل ~~فانقلع وارتفع في السماء، حتى إذا ان بين رؤوسهم وبين السماء، قال لهم ~~موسى (عليه السلام): ألا ترون ما يقول ربي عز جل؟ لئن لم تقبلوا التوراة ~~بما فيها رميتكم بهذا الجبل. # قال الحسن البصري: لما نظروا إلى الجبل خر كل رجل منهم ساجدا على ~~حاجبه الأيسر، ونظر بعينه / اليمنى إلى الجبل، فرقا أن يسقط عليه، ~~فلذلك ليس اليوم في الأرض يهودي يسجد إلا على حاجبه الأيسر، يقولون: هذه ~~السجدة التي رفعت عنا بها العقوبة. قال أبو بكر بن عبد الله: لما نشر ~~موسى (عليه السلام)، الألواح فيها كتاب الله عز وجل، كتبه بيده، ويده صفة ~~له، لا يد جارحة، تعالى الله أن يوصف بجارحة، إذ ليس كمثله شيء، لم يبق ~~على وجه الأرض جبل ولا شجر، (ولا شيء) إلا اهتز، فليس ms0862 اليوم يهودي على ~~الأرض من صغير ولا كبير تقرأ عليه التوراة إلا اهتز ونفض لها رأسه. # وقيل: كان نتق الجبل أنه قطع منه شيء على قدر عسكر موسى (عليه ~~[السلام])، فظلل عليهم، وقال لهم موسى (عليه السلام)، إما أن تقبلوا ~~وإما أن يسقط عليكم. ### || [7.172-174] # قوله: { وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ~~ذريتهم } ، الآية. # حجة من قرأ " ذريات " بالجمع، أنها الأعقاب المتناسبة الكثيرة. # ومن قرأ { ذريتهم } ، بالتوحيد، قال: إنها قد أجمع عليها في ~~قوله: # من ذرية ءادم # [مريم: 58]، ولا شيء أكثر من ذريته (صلى الله عليه وسلم)، فدلت على ~~الكثير بنفسها. # ومعنى الآية: واذكر، يا محمد، { وإذ أخذ ربك من بني ~~ءادم من ظهورهم } ، أي: استخرج الأبناء من أصلاب الآباء، فقررهم ~~بتوحيده، وأشهدهم على أنفسهم بإقرارهم، أي: أشهد بعضا على بعض بالإقرار ~~بالتوحيد. # قال ابن عباس: أخذ الله، (عز وجل)، الميثاق من ظهر آدم (عليه السلام)، ~~بنعمان يعني: عرفة، فأخرج من صلبه كل ذريته، فنثرهم بين يديه ~~كالذر، ثم كلمهم قبلا، فقال: { ألست بربكم قالوا ~~بلى } ، فأشهد بعضهم على بعض بذلك الإقرار. # وقال الضحاك: إن الله (سبحانه)، مسح صلب آدم، (عليه السلام)، فاستخرج ~~منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة، فأخذ منهم الميثاق: أن ~~يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وتكفل لهم بالأرزاق، ثم ~~أعادهم في صلبه، فلن تقوم الساعة حتى يولد من أعطي الميثاق يومئذ، فمن ~~أدرك منهم الميثاق (الآخر) فوفى به، نفعه الميثاق الأول، ومن أدرك ~~(الميثاق) الآخر فلم يف به، لم ينفعه الأول، ومن مات صغيرا قبل أن يدرك ~~الميثاق الآخر، مات على الميثاق الأول على الفطرة. روى ذلك عن ابن ~~عباس. # ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه ~~اللذان يهودانه أو ينصرانه ". # والميثاق الأول، هو: ما أخذه الله، (عز وجل)، عليهم إذ أخرجهم من ظهر ~~آدم، (عليه السلام). # والميثاق الآخر، هو: قبول فرائض الله، (سبحانه)، والإيمان به، وبرسالة ~~النبي عليه السلام، وبما جاءت به الرسل. # وروى ms0863 ابن عمر عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه قال: # " أخذوا من ظهره، كما يؤخذ بالمشط من الرأس، فقال لهم: { ألست ~~بربكم قالوا بلى } ، قالت الملائكة: { شهدنآ أن ~~تقولوا يوم القيامة } ". # وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: # " إن الله جل وعز، خلق آدم (عليه السلام)، ثم مسح ظهره بيمينه، ~~(سبحانه)، فاستخرج منه ذرية، فقال: " خلقت هؤلاء للجنة، ~~وبعمل أهل الجنة يعملون ". ثم مسح ظهره فاستخرج منه ~~ذرية، فقال: " [خلقت] هؤلاء للنار، وبعمل أهل ~~النار يعملون ". # فقال / رجل: يا رسول الله، ففيم العمل؟ فقال: إن الله (تعالى)، إذا ~~خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة، ~~فيدخله الجنة. وإذا خلق العبد للنار، ~~استعمله بعمل أهل النار، فيدخله النار ". # وقيل معنى: { وأشهدهم على أنفسهم } ، دلهم على توحيده؛ ~~لأن كل بالغ سالم من العاهات، يعلم ضرورة أن له ربا ~~واحدا. # وقيل: إن الآية مخصوصة؛ لأنه قال: { من بني ءادم } ، فخرج ~~من هذا من كان من ولد آدم (عليه السلام)، لصلبه وقال (الله) عز وجل: { ~~أو تقولوا إنمآ أشرك آباؤنا من قبل } ، فخرج منها ~~كل من له آباء مشركون. # وقال أبي بن كعب: جمعهم جميعا، فجعلهم أزواجا، ثم صورهم، ثم ~~استنطقهم، فقال: { ألست بربكم قالوا بلى }؛ أنك ~~ربنا وإلهنا، لا رب لنا غيرك، ثم أخبرهم بما ينزل عليهم من كتاب ~~وما يرسل إليهم من الرسل، وأمرهم أن يؤمنوا بذلك. # ومن قرأ ب: " الياء " في: { [أن] تقولوا } ، # { أو تقولوا } ، رده على: { ظهورهم } ، و: { ذريتهم ~~} و { وأشهدهم } ، وبعدها، { ولعلهم يرجعون }. فلما ~~جرى الكلام قبل وبعد على لفظ الغيبة، أجرى وسطه على ذلك. # ومعنى الكلام: أنهم لما أقروا، قال الله عز وجل، للملائكة: " اشهدوا ~~" ، # قالت الملائكة: { شهدنآ أن تقولوا يوم القيامة إنا ~~كنا عن هذا غافلين * أو تقولوا إنمآ أشرك ~~آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم }. # ومن قرأ: ب: " التاء " رده على المخاطبة في قوله: { ألست ~~بربكم } ، وهي أقرب من لفظ الغيبة إلى: { تقولوا }. # قال أبي بن كعب: ولما ms0864 أخرج الله (عز وجل)، الذرية، كانت الأنبياء، ~~(صلوات الله عليهم)، فهم مثل السرج، عليهم النور، فخصوا بميثاق ~~آخر: الرسالة والنبوة، قال تعالى: # وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن ~~نوح # [الأحزاب: 7]، الآية. فكان في علمه من يكذب الأنبياء ومن يصدق. قال: ~~وكان روح عيسى ابن مريم، (عليه السلام)، في تلك الأرواح التي أخذ عليها ~~العهد، فأرسل الله، (عز وجل)، إلى مريم حين انتبذت من أهلها مكانا ~~شرقيا. قال الله جل وعز. # فأرسلنآ إليهآ روحنا فتمثل لها بشرا سويا # [مريم: 17]. قال: فحملت الذي خاطبها، وهو روح عيسى، (عليه السلام). # قال ابن جبير: فكانوا يرون أن القلم يومئذ جف بما هو ~~كائن. # قال ابن جبير: فكانوا يرون أن القلم يومئذ جف بما هو كائن. # ومعنى: { شهدنآ أن تقولوا } ، عند السدي: أنه خبر من الله، (عز ~~وجل)، عن نفسه (تعالى)، وملائكته، بالشهادة على بني آدم، كيلا { ~~تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ~~}. # والوقف على هذا القول { بلى }. # وقال ابن عباس: المعنى، إن بعضهم شهد على بعض. # فالمعنى: { قالوا بلى } شهد بعضنا على بعض كيلا { تقولوا ~~يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين } ، أي: كل ~~بعض يقول: شهدنا على البعض الباقي، كيلا يقولوا: كذا. # { أو تقولوا إنمآ أشرك آباؤنا من قبل }: ~~واتبعناهم، { أفتهلكنا } ، بإشراك آبائنا واتباعنا منهاجهم على ~~جهل منا؟ # فالوقف على قول ابن عباس: { المبطلون }. # و { بلى } وقف عند نافع، والأخفش، وأبي حاتم، وغيرهم. # وهذا يدل على أن الشهادة كانت من الله (عز وجل)، وملائكته على ~~المقرين. وهو قول مجاهد، والضحاك، والسدي. وهذا حسن على قراءة [من ~~قرأ] ب: " التاء " ، فيكون { شهدنآ } ، ليس من كلام الذين قالوا: { ~~بلى }. # ومن قرأ: ب: " الياء " فأكثر أهل العربية يقولون: [ { أن تقولوا } ~~متعلقة ب: { وأشهدهم } ، والمعنى: وأشهدهم على أنفسهم كراهة] { ~~أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا / ~~غافلين } ، فالتمام (على هذا): { المبطلون }. # وقال ابن الأنباري والسجستاني { بلى شهدنآ } ، التمام، وهو غلط؛ ~~لأن { أن } متعلقة ب: { أشهدهم } أو ب: { شهدنآ } على ~~قراءة من قرأ ب: ms0865 " الياء ". # فأما على تفسير ابن عباس: أن المعنى: [و] شهد بعضهم على بعض، فالتمام: { ~~المبطلون } لأن { شهدنآ } ، من قول الذين قالوا: { بلى }. # ومعنى: { أفتهلكنا } ، أي: لست تفعل ذلك. # (وقوله): { وكذلك نفصل [الآيات] }. # " الكاف ": في موضع نصب. والمعنى: وكما فصلنا، لقومك، يا محمد، آيات هذه ~~السورة، كذلك نفصل الآيات غيرها فنبينها لقومك، { ولعلهم ~~يرجعون } ، إلى الإيمان. ### || [7.175-176] # قوله: { واتل عليهم نبأ الذي ءاتيناه ءاياتنا ~~فانسلخ منها } ، إلى قوله: { يتفكرون }. # والمعنى: { واتل } ، يا محمد، عليهم: { نبأ الذي ءاتيناه ~~ءاياتنا فانسلخ منها } ، وهو رجل من بني إسرائيل يقال له: ~~بلعم بن باعر، (أعطي: معرفة اسم الله [الأعظم]. # وقيل: أعطي النبوة. # قال ابن عباس: بلعم بن باعور.) # وقال ابن جبير: كان معه اسم الله، فسألوه أن يدعو على موسى وأصحابه ألا ~~يدخل مدينتهم، فأبى، فخوفه الملك بالقتل والصلب والتحريق، فدعا، فاستجاب ~~الله له، فلم يصل موسى، (عليه السلام)، إلى دخولها، ودعا موسى عليه أن ~~ينسيه الله، (عز وجل)، اسمه الذي يدعو به، فأنساه الله، (عز وجل)، إياه، ~~ونزل فيه ما ذكره. # قال ابن عباس: كان من مدينة الجبارين. # وقيل عنه: كان من اليمن. # وقيل: هو أمية بن أبي الصلت الثقفي، كان قد قرأ الكتب، وعرف ~~الوقت الذي يبعث فيه محمد (صلى الله عليه وسلم)، ويخبر الناس بذلك، فلما ~~بعث، حسده وكفر به، وقال: والله ما كنت لأؤمن بنبي من غير قومي ثقيف ~~أبدا. # وقال عكرمة: هو من كان منافقا من أهل الكتابين. # قال الحسن: هو المنافق. # وقال الأنصار: هو الراهب الذي بني له مسجد الشقاق. # قال ابن زيد: كان لا يسأل الله شيئا إلا أعطاه. # قال ابن عباس: أعطي كتبا من كتب الله. # وقال مجاهد: أوتي النبوة، فرشاه قومه على أن يسكت، ففعل، وتركهم ~~على ما هم عليه. # وكذلك قال المعتمر بن سليمان عن أبيه. # وهو قول مردود؛ لأن النبوة لا يكون حاملها قابلا ~~للرشوة فيها، يعيذ الله الأنبياء من ذلك. وهذه ~~كبيرة عظيمة، وكل الناس على أن الأنبياء معصومون من ~~الكبائر، فغير جائز ms0866 هذا القول الذي روي عن مجاهد، والمعتمر. # وروى سيار عن مالك [بن دينار، أنه قال]: بعث نبي الله موسى، (عليه ~~السلام)، بلعام، وكان مجاب الدعوة، إلى ملك مدين يدعوه إلى الله، ~~فأقطعه وأعطاه، فتبع دينه وترك دين موسى. ففيه نزلت هذه الآية: { واتل ~~عليهم نبأ الذي ءاتيناه ءاياتنا فانسلخ ~~منها }. # وقال السدي: أعطي اسم الله الأعظم. # وروي ذلك عن ابن عباس. # قال ابن عباس: لما نزل موسى عليه السلام بالجبارين، سأل الجبارون ~~بلعم بن (باعور) أن يدعو على موسى، فقال لهم: إني إن دعوت عليه ذهبت ~~دنياي وآخرتي، فلم يزالوا به حتى دعا عليه، فسلخه الله مما كان عليه، ~~فذلك قوله: { فانسلخ منها }. # وعن ابن عباس، { فانسلخ منها }: نزع منه العلم. # { فأتبعه الشيطان }. # أي: أدركه. يقال: " أتبعه ": إذا أدركه. و: " تبعه ": / إذا سار ~~في إثره. هذا الجيد. # وقيل: هما لغتان. # وقيل: معنى " أتبعه ": صيره لنفسه تابعا ينتهي إلى أمره في ~~معصية الله سبحانه. # { فكان من الغاوين }. # أي: من الهالكين. # وقيل: من الخائنين. # ثم قال تعالى: { ولو شئنا لرفعناه بها }. # أي: لرفعناه بعمله { بها }. # وقيل المعنى: لرفعناه عن الحال التي صار إليها من الكفر. # وقال مجاهد: { لرفعناه بها } ، (أي): لرفعنا عنه. أي: لعصمناه ~~مما فعل. # وقيل المعنى: لأمتناه قبل أن يعصي فرفعناه إلى الجنة. # { بها }. # [أي]: بتلك الآيات. # { ولكنه أخلد إلى الأرض }. # أي: سكن إلى الدنيا وشهواتها، { واتبع هواه }. # وأصل " الإخلاد ": الإقامة. # قال المعتمر بن سليمان عن أبيه: كان بلعام رجلا، أوتي النبوة، وكان ~~مجاب الدعوة، وإن موسى (عليه السلام)، أقبل في بني إسرائيل يريد الأرض ~~التي فيها بلعام فرعب الناس، وأتوا بلعام، وسألوه أن يدعو على موسى، ~~(عليه السلام)، وجنده فقال: حتى أؤامر ربي (عز وجل)، فوامر في الدعاء ~~عليهم، فنهي عن ذلك، فقال لقومه: قد أمرت ألا أدعوا، فأهدوا إليه هدية ~~فقبلها، ثم راجعوه أن يدعو على موسى (عليه السلام)، فقال: حتى أؤامر ~~ربي، فوامر ولم يؤمر بشيء، فقال لهم: قد وامرت، فلم أؤمر بشيء ~~فقالوا: لو كره الله ms0867 (عز وجل) ذلك لنهاك كما نهاك أولاد فأخذ يدعو على ~~موسى (عليه السلام)، فرد الله (عز وجل)، لسانه بالدعاء على قومه، فأخذ ~~يدعو بالفتح لقومه، فرد الله، (عز وجل)، لسانه بالدعاء بالفتح لموسى ~~(عليه السلام)، وقومه، فقالوا: ما نراك تدعو إلا علينا قال: ما يجري ~~لساني إلا هكذا، ولو دعوت عليه ما استجيب لي، ولكن سأدلكم على أمر عسى أن ~~يكون فيه هلاكهم: إن الله (عز وجل)، يبغض الزنا، وإنهم إن وقعوا بالزنا ~~هلكوا، فأخرجوا النساء يستقبلنهم، فإنهم قوم مسافرون، فعسى أن يزنوا ~~فيهلكوا، وكان للملك ابنة ذات جمال، فقيل لها: لا تمكني نفسك إلا من ~~موسى! قال: ووقعوا في الزنا، وأتاها رأس سبط من أسباط بني إسرائيل، ~~فأرادها على نفسها، فقالت: ما أنا بممكنة نفسي إلا من موسى! وراودها ~~عن نفسها، فأرسلت إلى أبيها فقال لها: أمكنيه (من نفسك)، فلما ~~أمكنته، أتاها رجل من بني هارون معه رمح فانتظمها جميعا، ~~فرفعهما على رمحه. فرآهما الناس ثم سلط الله (عز وجل)، عليهم الطاعون، ~~فمات منهم سبعون ألفا. # قال سيار: ركب بلعام حمارة له، فجعل يضربها فلا تتقدم. قال: وقامت ~~عليه، وقالت: علام تضربني؟ ألا ترى هذا الذي بين يديك! أنطق الله، (عز ~~وجل)، الحمارة، قال: فإذا الشيطان بين يديه. قال: فنزل فسجد له، فذلك ~~أنسلاخه. # وروي أنه لما دعا موسى (عليه السلام)، تكلم لسانه بالدعاء على قومه، ~~ثم اندلع لسانه فوقع على صدره، فقال لهم: ذهبت الآن مني الدنيا ~~والآخرة، فلم يبق إلا المكر والحيلة، وسأمكر لكم وأحتال: جملوا ~~النساء، وأعطوهن السلع، ثم أرسلوهن إلى العسكر، ومروهن ألا ~~تمنع امرأة نفسها من رجل أرادها، فإنهم إن زنى رجل واحد منهم ~~كفيتموهم؛ فوقع رجل من عظماء بني إسرائيل بامرأة، فأرسل الله (عزو ~~جل)، الطاعون فيهم، فهلك منهم سبعون ألفا. # ثم قال الله تعالى: { فمثله كمثل الكلب }. # أي: مثله، إذ لم ينتفع بما أوتي مثل / الكلب الذي لا ينتفع بترك الحمل ~~عليه، هو يلهث على كل حال. فكذلك هذا، هو ضال على ms0868 كل حال، لا ينتفع بما ~~أوتي من الآيات، كما لم ينتفع الكلب بترك الحمل عليه. # وقيل: إن هذا مثل من يتلو كتاب، الله (عز وجل)، ولا يعمل به، هو مثل ~~الكلب لا ينتفع بترك الحمل عليه، ولا يترك اللهث. كذلك هذا لا ينتفع ~~بقراءة كتاب الله (عز وجل)، فيعمل. هو مثل من لا يقرأه ولا يعمل به. # ومعنى { تحمل عليه }. # تطرده وتشرده، فهو يلهث طردته [أو تركته]. # وكان الحسن يقول: هو المنافق. # قال قتادة: هو مثل ضربه الله (عز وجل)، لكل من عرض عليه ~~الهدى فلم يقبله. # قال السدي وغيره: كان بلعم، بعد ذلك، يلهث كما يلهث الكلب. # قوله: { واتبع هواه } ، وقف. # { أو تتركه يلهث } ، وقف. # ثم قال تعالى: { ذلك مثل القوم الذين كذبوا ~~بآياتنا }. # أي: ذلك المثل الذي ضربته لهذا الذي انسلخ من ءاياتنا { مثل ~~القوم الذين كذبوا بآياتنا }. # { فاقصص القصص }. # أي: اقصص عليهم هذا القصص الذي اقتصصته عليك من نبأ آتيناه [آياتنا]، ~~(وما حل به من عقوبتنا، { لعلهم يتفكرون } ، أي: يعتبرون ~~فيعلموا صحة نبوتك، إذ كان نبأ { الذي ءاتيناه ~~ءاياتنا } )، من خفي علومهم، ومكنون أخبارهم، لا ~~يعلمه إلا من قرأ الكتب ودرسها. وفي إخبارك ذلك لهم وأنت أمي لم ~~تقرأ ولم تدرس، دليل على نبوتك، وصدق قولك، وأن ذلك عندك ~~بوحي من السماء. ### || [7.177-179] # قوله: { سآء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا } ، ~~إلى قوله: { هم الغافلون }. # قال الأخفش: التقدير: ساء مثلا مثل القوم. # وقرأ الجحدري: " ساء مثل القوم " ، برفع " المثل " ، ~~وإضافته إلى " القوم ". # وقوله: { من يهد الله فهو المهتدي } ، # أي: من يوفقه الله (عز وجل)، إلى الإسلام { فهو المهتدي ومن ~~يضلل فأولئك هم الخاسرون } ، أي: من يخذله فلا يوفقه ~~إلى الإسلام فهو خاسر، أي: خسر نفسه في الآخرة، وذلك أعظم الخسارة. # روى عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: # " ما هلكت أمة قط إلا بالشرك بالله، (سبحانه)، وما أشركت أمة ~~قط حتى يكون بدء شركها التكذيب بالقدر ". # وروى زيد بن ثابت: أن النبي صلى الله ms0869 عليه وسلم، قال: # " إن الله (عز وجل)، لو عذب أهل سمواته وأرضه ~~لعذبهم غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته ~~خيرا لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أحد ~~ذهبا في سبيل الله ما قبل منك حتى تؤمن بالقدر، ~~وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك ~~لم يكن ليصيبك، فإن مت على غير ذلك دخلت ~~النار ". # ثم قال تعالى: { ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من ~~الجن والإنس }. # { ذرأنا } ، أي: خلقنا. # قال سعيد بن جبير: أولاد الزنا مما خلق الله، (سبحانه)، لجهنم. يعني: ~~الكفرة منهم. رواه [ابن عمر] عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، أنه قال: # " لما ذرأ الله لجهنم ما ذرأ، كان ولد الزنا مما ~~ذرأ ". # { لهم قلوب لا يفقهون بها }. # أي: لهؤلاء الذين ذرأ لجهنم، { لهم قلوب لا يفقهون بها } ~~الهدى. # أي: لا يفقهون [بها] شيئا من أمر الآخرة. # { ولهم أعين لا يبصرون بها } ، الهدى. # { ولهم آذان لا يسمعون بهآ } ، الحق. # وقيل: { لا يفقهون بها } ، أي: لا يتفكرون في آيات الله، ~~(سبحانه) / وأدلته، (جلت عظمته) على توحيده، وحججه التي أتت بها الرسل، { ~~ولهم أعين لا يبصرون بها } آيات الله، (سبحانه)، وأدلته ~~(جلت عظمته)، { ولهم آذان لا يسمعون بهآ } ، أي: لا ~~يسمعون آيات الله، (سبحانه) فيعتبرون. يقولون: # لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه # [فصلت: 26]. وهو نظير قوله: # صم بكم عمي فهم لا يعقلون # [البقرة: 171]. # { أولئك كالأنعام }. # في جهلهم وقلة تمييزهم للحق. # { بل هم أضل }. # يعني أن البهائم لا تمييز لها، فلا يلزمها نقص في جهل. وهؤلاء لهم ~~تمييز، فالنقص لهم لازم في جهلهم. فهم أشد نقصا في الجهل من ~~البهائم. والبهائم مع عدم تمييزها تطلب لأنفسها المنافع، وتفر من ~~المضار، وهؤلاء لا يعقلون ذلك، يتركون ما فيه صلاح دنياهم وآخرتهم، ~~ويلزمون ما فيه مضرتهم، فهم أضل من البهائم. # { أولئك هم الغافلون }. # أي: الذين غفلوا عن مصالحهم ومنافعهم، وغفلوا عن آيات الله، ~~(سبحانه)، وحججه وأعلامه الدالة على توحيده (سبحانه)، وصدق رسله. ### || [7.180] # قوله: { ولله الأسمآء الحسنى فادعوه } ، الآية. # " الإلحاد " في اللغة: ms0870 الجور والميل عن القصد. # قال الكسائي: يقال: " ألحد ": عدل عن القصد. و " لحد ": ركن ~~إلى الشيء. وعلى ذلك قرأ { يلحدون } في " النحل " ، [يعني]: ~~يركنون. # واللغة الفصيحة، " ألحد " الرجل في دينه: إذا مال وجار. و " لحد ~~" القبر. وقد تدخل [كل] واحدة منهما على الأخرى. # ومعنى: { وذروا الذين يلحدون في أسمآئه }. # قال بعض العلماء: هو نهي من الله، (عز وجل)، أن يدعى بما لا ~~يجوز أن يوصف به، وذلك أنهم عدلوا بأسمائه فسموا ببعض ~~اشتقاقها وبعض حروفها آلهتهم. قالوا: " اللات " مشتق من " الله ". وسموا ~~ب: " العزى " ، أخذوه من " العزيز ". # قال مجاهد: أخذوا " العزى " من " العزة ". # قال ابن عباس { يلحدون }: يكذبون. # وقال قتادة: يشركون. # وقال ابن زيد: هذا منسوخ نسخه القتال. # وقيل: إن هذا محكم، وإنما هو تهديد ووعيد من الله (عز ~~وجل)، لا أنه (تعالى)، أمر نبيه (عليه السلام)، أن يتركهم يلحدون في آيات ~~الله (عز وجل)، وهو مثل: # ذرهم يأكلوا ويتمتعوا # [الحجر: 3]. # قوله: { فادعوه بها } ، وقف. # { في أسمآئه } ، وقف. ### || [7.181-186] # قوله: { وممن خلقنآ أمة يهدون بالحق } ، إلى ~~قوله: { يعمهون }. # والمعنى: ومن الذين خلقناهم { أمة } ، أي: جماعة يقضون { ~~بالحق وبه يعدلون } ، أي: يأخذون به، ويعطون به. # قال ابن جريج: ذكر لنا أن نبي الله، (عليه السلام)، قال: # " هذه أمتي ". # وقال قتادة: هي هذه الأمة. # وروى سعيد بن جبير [عن قتادة] أن النبي (صلى الله عليه وسلم)، كان يقول ~~إذا قرأ هذه الآية: هذه لكم، وقد أعطى القوم بين أيديكم مثلها، ~~يعني قوله: # ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون # [الأعراف: 159]. # ثم قال تعالى: { والذين كذبوا بآيتنا سنستدرجهم ~~}. # أي: سنمهلهم بغرتهم، ونزين لهم سوء أعمالهم، حتى يحسب أنه ~~في كفره محسن، فإذا بلغ الغاية التي كتبت له، أخذ بأعماله السيئة من ~~حيث لا يعلم. # وأصل " الاستدراج ": اغترار المستدرج بلطف حتى يورطه مكروها ~~وهلكة. # ثم قال تعالى: { وأملي لهم إن كيدي متين }. # أي: وأؤخرهم مدة من الدهر. # و " الملاوة ": القطعة من الدهر، يقال بضم " الميم " وفتحها وكسرها، ~~لغات فيها. # { إن كيدي } ، أي: إن ms0871 عذابي. # { متين } ، أي: شديد. # وقيل: " الكيد " هنا: هو أخذهم من حيث لا يشعرون. # وأصل " الكيد ": المكر. # وقرأ ابن عباس: " أن كيدي " ، بفتح الهمزة، جعل " أن ": ~~مفعولا من أجله، أي: من أجل أن الكيد متين وقع الإملاء. # { وأملي لهم } ، وقف. # { لا يعلمون } ، وقف. # إن جعلت { وأملي } مستأنفا. # ثم قال تعالى: { أولم يتفكروا }. # أي: يتفكروا في أن الرسول صادق، وأن الحق / ما دعاهم ~~إليه. # ثم قال: { ما بصاحبهم من جنة }. # قال قتادة: ذكر لنا [أن] النبي (صلى الله عليه وسلم)، كان على الصفا، ~~فدعا قريشا وجعل يفخذهم فخذا [فخذا]: " يا بني فلان، يا بني ~~فلان " ، يحذرهم بأس الله (عز وجل)، ووقائع الله، (تبارك وتعالى)، ~~فقال قائلهم: " إن صاحبكم هذا لمجنون! بات يصوت ~~إلى الصباح " ، (فأنزل الله، عز وجل)،: { أولم يتفكروا ~~ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير } ، أي: ينذركم ~~عقاب الله، (عز وجل)، على كفركم. # { مبين }. # أي: قد أبان لكم إنذاره. # و: { من جنة }. # أي: من جنون. ومثله في سورة " سبأ ". # { من جنة } ، وقف. # { تتفكروا } ، وقف حسن، ومثله: # أولم يتفكروا في أنفسهم # [الروم: 8]، ومثله: # ثم تتفكروا # [سبأ: 46] في " سبأ ". ثم يبتدئ ب: { ما } ، وهي: للنفي في ~~الثلاثة المواضع. # ثم قال تعالى: { أولم ينظروا في ملكوت السموت ~~والأرض وما خلق الله من شيء }. # والمعنى: أولم ينظر هؤلاء المكذبون، في ملك السموات والأرض وسلطانها، ~~وفيما خلق الله، (عز وجل)، فيتدبروا، فيعلمون أن ذلك لا يحدثه إلا رب ~~واحد، والله واحد لا شبيه له، فيؤمنوا ويصدقوا، ويتفكروا في: { أن ~~عسى أن يكون قد اقترب أجلهم } ، فيحذروا أن يموتوا على ~~كفرهم فيصيروا إلى عذاب الله، (سبحانه). # وقيل: إنهم كانوا يسوفون بالتوبة والإيمان، فقيل لهم: عسى أن يكون ~~أجلكم قد قرب، فتموتوا على كفركم. # قال سفيان: # ملكوت السموت # [الأنعام: 75]: الشمس والقمر. # { فبأي حديث بعده يؤمنون }. # أي: فبأي تخويف بعد تخويف محمد، (صلى الله عليه وسلم)، الذي أتاهم به من ~~عند الله (عز وجل)، في آي كتابه { يؤمنون } ، وهو القرآن. # ثم قال تعالى: { من يضلل الله فلا ms0872 هادي له }. # أي: هؤلاء الذين كفروا ولم يتعظوا، إنما كان لإضلال الله، (عز وجل)، ~~إياهم، ولو هداهم لاعتبروا وأبصروا رشدهم، فلا هادي لهم إذ أضلهم الله. # وقوله: { ويذرهم }. # من قرأ ب " الياء " ، رده على اسم الله، (سبحانه). # ومن قرأ ب: " النون " ، جعله على الإخبار من الله، (سبحانه)، عن ~~نفسه. # ومن قرأ ب: " الرفع " قطعه مما قبله، أو عطفه على موضع ما بعد " ~~الفاء " وهو الرفع؛ لأن " الفاء " ترفع ما بعدها من الأفعال. # ومن جزم، عطف على موضع " الفاء " ، لأنه لو وقع موضع " الفاء " ~~فعل جزم على الجزاء، فالعطف على موضع " الفاء " يوجب ~~الجزم. # ومعنى { ويذرهم } ، أي: ندعهم، { في طغيانهم } ، أي: في ~~تماديهم على الكفر، { يعمهون } ، يترددون ويتحيرون. ### || [7.187] # قوله: { يسألونك عن الساعة أيان مرسها قل ~~إنما علمها عند ربي } ، الآية. # { مرسها }: مبتدأ، و { أيان }: الخبر. # والمعنى على قول قتادة: أن قريشا قالت للنبي (صلى الله عليه وسلم)، ~~إن بيننا وبينك قرابة، فأسر إلينا متى الساعة! فنزلت الآية. # وقال ابن عباس: أتى قوم من اليهود إلى النبي (صلى الله عليه وسلم)، ~~فقالوا له: أخبرنا متى الساعة إن كنت نبيا؟ أي: متى قيامها؟ # و { مرسها } من: أرسيت، إذ أثبت. يقال: رست: إذا ثبت. ~~وأرسيتها: أثبتها. # قال الله، (عز وجل)، لنبيه (عليه السلام)، { قل } يا محمد: { إنما ~~علمها عند ربي لا يجليها } ، أي: [لا] يظهرها ويقيمها ~~لوقتها إلا الله، (عز وجل). / يقال: جلى فلان الأمر، إذا كشفه ~~وأوضحه وأظهره. # { ثقلت في السموت والأرض }. # أي: ثقل على أهل السموات والأرض أن يعلموا وقت قيامها. # قال السدي المعنى: خفيت في السموات والأرض، فلا يعلم قيامها ملك ~~مقرب ولا نبي مرسل. # وقيل المعنى: ثقل علمها عليهم. # وقيل المعنى: كبرت عند مجيئها على أهل السموات والأرض. # قاله الحسن. # وقال ابن جريج: { ثقلت } ، معناه: إذا جاءت انشقت السماء، وانتثرت ~~الكواكب، وكورت الشمس، وسيرت الجبال، وكان ما قال الله، (عز وجل). ~~فذلك ثقلها. # وحكى السدي عن بعض العلماء: { ثقلت }: عظمت. # وقيل المعنى: { ثقلت } المسألة عنها. # وقال القتيبي: ثقل علمها ms0873 على أهل السموات والأرض، أي: خفي. ~~وإذا خفي الشيء ثقل. # { لا تأتيكم إلا بغتة }. # أي: فجأة. # قال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله [عليه السلام]، كان يقول: # " إن الساعة تهيج الناس، والرجل يصلح حوضه، ~~والرجل يسقي ماشيته، والرجل يقيم سلعته في ~~السوق، ويخفض ميزانه ويرفعه ". # وروى أبو هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: # " تقوم الساعة والرجلان قد نشرا ثوبهما يبيعانه ~~فما يطويانه حتى تقوم الساعة، وتقوم الساعة والرجل قد رفع أكلته إلى ~~فيه فما تصل إلى فيه حتى تقوم الساعة ". # ثم قال: { يسألونك كأنك حفي عنها }. # أي: يسألونك عنها { كأنك حفي } بهم، أي: فرح بسؤالهم. # وقال ابن عباس: { كأنك } بينك وبينهم مودة، أي: { كأنك } صديق ~~لهم. # قال قتادة: قالوا له: نحن أقرباؤك، فأسر لنا متى (تقوم) الساعة؟ ~~فأنزل الله، تعالى، { يسألونك كأنك حفي } ، (أي): بهم. # وقيل: إن الكلام لا تقديم فيه ولا تأخير. والمعنى: ~~يسئلونك { كأنك } استحفيت المسألة عنها فعلمتها. قاله مجاهد. # وقال الضحاك: { كأنك } عالم بها. # ف " عن " في موضع " الباء ". كما جاز أن تقع " الباء " في موضع " ~~عن " في قوله: # فسئل به خبيرا # [الفرقان: 59]، أي: عنه. # وقيل المعنى: { كأنك } فرح بسؤالهم. يقال: حفيت بفلان في ~~المسألة، إذا سألته عنه سؤالا أظهرت فيه المحبة. وأحفى فلان بفلان في ~~المسألة، تأويله الكثرة. ويقال: حفى الدابة يحفى حفى مقصور، إذا أكثرت ~~عليه المشي حتى حفى أسفل رجله. والحفاء، ممدود: مشي الرجل بغير ~~نعل. # وقدره المبرد: { كأنك حفي } بالمسألة { عنها } ، أي: ملح، ~~ومكثر السؤال عنها. # وقوله: { قل إنما علمها عند ربي }. # أي: علم وقوعها. # وقوله: { قل إنما علمها عند الله }. # أي: علم كنهها وحقيقتها. # ف " العلمان ": مختلفان، وليس ذلك بتكرير. # وقرأ ابن عباس: " حفي بها ". # { إلا هو } ، وقف. # { عنها } ، وقف، على القولين جميعا. ### || [7.188-190] # قوله: { قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما ~~شآء الله } ، إلى قوله: { عما يشركون }. # والمعنى: قل يا محمد، لسائليك عن الساعة: { لا أملك لنفسي ~~نفعا ولا ضرا إلا ما شآء الله } أن يملكنيه، بأن ms0874 ~~يقويني عليه، ويعينني، { ولو كنت أعلم الغيب } ، أي: ~~أعلم ما هو كائن { لاستكثرت من الخير } ، أي: من العمل ~~الصالح. # وقال ابن جريج: { لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا } أي: ~~هدى ولا ضلالة، { ولو كنت أعلم الغيب } ، أي: متى أموت، ~~لاستكثرت من العمل الصالح. # وقال مجاهد مثله. # وقال ابن عباس: { ولو كنت أعلم الغيب } ، أي: أعلم ~~السنة الجدبة من الخصبة، لاستكثرت من الرخص. # وقيل: { [و]لو كنت أعلم الغيب } ، أي: ما كتب الله. # وقيل: لو كنت أعلم ما تسرونه وما يقع بكم حتى تحذروا مكروهه أن تجيبوني ~~إلى ما أدعوكم { لاستكثرت من الخير } ، أي: من إجابتكم إلى ~~ما أدعوكم. # { وما مسني السوء } ، منكم بتكذيب أو عداوة. # وقال الحسن { من الخير }: من الوحي. # وقيل: / المعنى: لو كنت أعلم النصر في الحرب لقاتلت فلم أغلب. # وقيل المعنى: لو كنت أعلم ما يريد الله مني من قبل أن يعرفنيه ~~لفعلت. وهو اختيار النحاس. # { وما مسني السوء } ، أي: الضر. # وقيل: { وما [مسني] } تكذيبكم وقولكم: مجنون. # ثم قال تعالى: { هو الذي خلقكم من نفس واحدة }. # يعني: آدم، [عليه السلام]. # { وجعل منها زوجها }. # يعني: حواء خلقت من ضلع من (أضلاع) آدم. # { ليسكن إليها }. # ليأوي إليها، لقضاء حاجته ولذته. # { فلما تغشاها }. # كناية عن الجماع. # { حملت حملا خفيفا }. # يعني: الماء الذي حملته حواء في رحمها من آدم، عليهما السلام. # { فمرت به }. # أي: استمرت به، قامت وقعدت، وأتمت الحمل. # وقيل: المعنى: { فمرت به } ، وجاءت لم يثقلها الحمل أولا. # قال قتادة: { فمرت به } ، استبان حملها. # وقال مجاهد: [استمر] حملها. # وقيل معنى " فمرت به ": فشكت، أحملت أم لا؟ روي ذلك عن ابن ~~عباس، وقاله: يحيى بن يعمر. # وروي: أن البطن الذي ثقل عليها حمله، كان البطن التاسع، وكانت البطون ~~التي قبله خفيفة عليها، فلما أثقلت بهذا البطن التاسع، مر بها إبليس ~~فشكت إليه ثقل حملها، فقال لها، عدو الله، سميه: " عبد الحارث " يخف ~~عليك. ففعلت. # قال أبو حاتم المعنى: فاستمر بها الحمل، فقلب الكلام. يقال: ~~أدخلت الخف رجلي. # { فلمآ أثقلت }. أي: صار حملها ms0875 الخفيف ثقيلا. وقال ~~السدي { أثقلت } ،: كبر الولد. # { دعوا الله ربهما }: يعني: آدم وحواء. # { لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين }. # أي: غلاما. قاله الحسن، ومعمر. # وقيل: إنهما أشفقا أن يكون الحمل غير إنسان، فسألا أن يكون ~~إنسانا. # قال ابن عباس: إنهما أشفقا أن يكون بهيمة. # { فلمآ آتاهما صالحا }. أي: بشرا. # { جعلا له شركآء فيمآ آتاهما }. # قال ابن جبير: جاءها إبليس فخوفها أن يكون حملها بهيمة. وقال: ~~أطيعيني وسميه: " عبد الحارث " تلدين شبهكما، فذكرت ذلك لآدم، ~~فقال: هو صاحبنا الذي علمت: فمات الولد، ثم حملت أخرى، فعاد إليها إبليس ~~بمثل ذلك، وكان الملعون اسمه في الملائكة: " الحارث ". وقال لها: أنا ~~قتلت الأول، فذكرت ذلك لآدم (عليه السلام)، فأبى. ثم حملت ثالثا، وعاد ~~إليها إبليس بمثل الأول، فذكرت ذلك لآدم، فكأنه لم يكرهه، فسمه: " عبد ~~الحارث ". # قال ابن جبير: لم يكن إلا أن أصابها آدم فحملت، فليس إلا أن حملت تحرك ~~في بطنها ولدها. وذلك كله بعد أن أهبطا إلى الأرض. # وقول آدم: هو صاحبنا، يعني: هو الذي أخرجنا من الجنة. # قال السدي: لما حملت أتاها إبليس فخوفها أن يكون بهيمة، فعند ذلك # { دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا ~~لنكونن من الشاكرين }. # ومن قرأ { شركآء } ، فقد منعه الأخفش، وقال: كان يجب أن يقرأ على ~~هذه القراءة: جعلا لغيره شركا، وهو إبليس؛ لأن الأصل له، والشرك ~~لغيره، فإنما جعلا لغيره الشرك. # والقراءة عند غيره جائزة، ومعناها: جعلا له ذا شرك، ثم حذف، ~~مثل: # وسئل القرية # [يوسف: 82]، فالشرك على هذا لإبليس، وهو المضاف المحذوف. # و " الشرك " مصدر: شركته في الأمر. # ومن قرأ { شركآء }: جعله جمع شريك. وإنما جاءت بالجمع وهو واحد، ~~إذ المراد به: إبليس ومعه تباع؛ لأن له جنودا وشياطين معه، فإذا جعل ~~هو شريك، فحكمهم حكمه، فخرج الخبر عن جميعهم. # / وقيل: إنما ذلك؛ لأن العرب تخرج الخبر عن الواحد مخرج الخبر عن ~~الجماعة، إذا لم تقصد واحدا بعينه، ولم تسمه، نحو ~~قوله: # الذين قال لهم الناس # [آل عمران: 173]، وإنما هو واحد. # روى سمرة ms0876 بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: # " كانت حواء لا يعيش لها ولد، فنذرت لئن عاش لها ولد لتسميه: " عبد ~~الحارث " فعاش لها ولد، فسمته " عبد الحارث " ، وإنما كان ذلك عن وحي ~~الشيطان ". # وقال بكر بن عبد الله: سمى آدم ولده عبد الشيطان. # قال عكرمة: كان لا يعيش لهما ولد، فأتاهما الشيطان وقال لهما: إن ~~سركما أن يعيش لكما ولد فسمياه: " عبد الحارث ". ففعلا، فذلك قوله: { ~~جعلا له شركآء }. # قال ابن جبير: لما أثقلت حواء في أول ولد ولدته، أتاها إبليس قبل أن تلد ~~فقال: يا حواء، ما هذا الذي في بطنك؟ قالت: ما أدري! قال: من أين يخرج؟ ~~من أنفك، أو من عينك، أو من أذنك؟ قالت: لا أدري قال: أرأيت إن خرج ~~سليما، أتطيعني أنت فيما آمرك به؟ قالت: نعم! قال: سميه " عبد ~~الحارث " ، فأتت آدم فأعلمته، فقال لها: ذلك الشيطان فاحذريه، فإنه عدونا ~~الذي أخرجنا من الجنة! ثم أتاها إبليس ثانية فأعاد عليها، فقالت: نعم ~~فلما وضعته سمته: " عبد الحارث ". # قال السدي: لما ولدت غلاما أتاها إبليس فقال: سميه عبدي وإلا قتلته! ~~قال له آدم: قد أطعتك فأخرجتني من الجنة فأبى أن يطيعه، فسماه " عبد ~~الرحمن " فسلط عليه إبليس فقتله. فحملت بآخر فعاد بمثل ذلك، فلم يفعل ~~(ذلك) آدم، وسماه: " صالحا " فسلط الله عليه إبليس فقتله. فلما كان ~~الثالثة قال لهما: فإذ غلبتموني فسموه ": " عبد الحارث " وكان اسمه في ~~الملائكة " الحارث " ، فسماه " عبد الحارث ". # وروي عن الحسن أنه قال: هذا كان في بعض الملل ولم يكن بآدم. يعني: " ~~الشرك " ، إنما كان في بعض الأمم. # وقيل المعنى: جعل أولادهما لله شركاء، يعني: اليهود والنصارى. # وروى قتادة عن الحسن: أنه قال: هم اليهود والنصارى، رزقهم الله الأولاد ~~فهودوا ونصروا. # وروى عن عكرمة أنه قال: لم يخص بهذا آدم وحواء؛ وإنما المراد بذلك ~~الجنس. # كأنه قال: خلق كل واحد منكم من نفس واحدة، { وجعل منها زوجها ~~} ، أي: من جنسها، { فلما تغشاها } ، يعني: الجنس لا يخص به ~~واحد ms0877 دون آخر، { دعوا الله ربهما } ، يراد به الجنسان ~~الكافران. ثم يحمل قوله: { عما يشركون } ، على الجمع؛ ~~لأنهما جنسان. ### || [7.191-194] # (قوله): { أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون } ~~، إلى قوله: { إن كنتم صادقين }. # وقيل: إن قوله: { فيمآ آتاهما } ، هو تمام الكلام في قصة آدم ~~وحواء، ثم ابتدأ إخبارا عن المشركين من بني آدم، فقال: { فتعالى ~~الله عما يشركون } ، الآية. # قال محمد بن عرفة نفطويه: لم يشركا بربهما، إنما أطاعا إبليس في بعض ~~ما أمرا بتركه، أطاعاه طاعة مغتر مكاد، لا طاعة ~~ملحد مصر. قال: فأما قول: { فتعالى الله عما ~~يشركون } ، فإنما أريد به: من عبد غير الله من اولاد آدم وحواء، ~~دليله (قوله): { أيشركون ما لا يخلق شيئا } ، إلى قوله: { ~~صمتون } ، فلم يعبد آدم وحواء أصناما فيكون هذا خطابا لهما، إنما ~~عبد ذلك أولادهما. # فالمعنى: أيشركون في عبادة الله، فيعبدون { ما لا يخلق شيئا } ~~، يعني تسميتهما ولدهما: " عبد الحارث ". # روي أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: # " خدعهما (إبليس) مرتين، في الجنة وفي الأرض ". # وقال ابن زيد: لما ولد لهما ولد سمياه: " عبد الله " فمات، ثم ولد لهما ~~أخرى فسمياه: " عبد الله " فأتاهما إبليس فقال: أتظنان أن الله تارك عبده ~~عندكما؟ لا والله، ليذهبن به كما ذهب / بالآخر! ولكن أدلكما على اسم يبقى ~~لكما ما بقيتما، فسمياه: " عبد شمس " فذلك قوله تعالى: { ~~أيشركون ما لا يخلق شيئا } ، يعني: الشمس. # وإنما أخرج الخبر بلفظ الجميع لأنهم كانوا يعظمون ما يعبدون ويخبرون ~~عنها مثل الإخبار عمن يعقل، فخوطبوا بما كانوا يعقلون. # وقيل: إنما هذا خطاب للمشركين عبدة الأوثان. # ثم قال: { ولا يستطيعون لهم نصرا ولآ أنفسهم ~~ينصرون) }. # أي: ما يعبد هؤلاء، لا ينصرون من يعبدهم، ولا ينصرون أنفسهم. # ثم قال تعالى: { وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم ~~}. # والمعنى: إنكم إن دعوتم آلهتكم إلى رشاد لم تفهم، فكيف يعبد من إذا ~~دعي إلى الرشاد وعرفه لم يعرفه، ولم يفهم رشادا من ضلال، وكان ~~دعاؤه وتركه سواء، فكيف يعبد من هذه صفته، وكيف يشكل عظيم ms0878 جهل من ~~اتخذ ما هذه صفته إلاها؟ # { سوآء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صمتون }. # أي صمتم. كل ذلك على آلهتكم سواء، لا تعقل ولا تفهم فهذا في الظاهر ~~وقع للداعين الاستواء وهو في المعنى المقصود وقع للمدعويين؛ لأن حال ~~الداعي في الصمات والدعاء مختلفة؛ لأنه ممن يدعو ويصمت، وحال ~~المدعويين في الدعاء والصمات سواء، لأنها أصنام، قد استوى الدعاء لها ~~وتركه، إذ لا تعقل، ولا تختلف أحوالها، فلما استوى على الأصنام الدعاء ~~والصمات، استوى على الداعي ذلك أيضا، إذ يدعو ويصمت فلا يجاب فجاز ~~لذلك، فصار الدعاء والصمت للداعي في الظاهر لهذا المعنى، وهو مثل قوله: # كمثل الذي ينعق بما لا يسمع # [البقرة: 171]. وقد مضى بيانه. # ثم قال: { إن الذين تدعون من دون الله عباد ~~أمثالكم }. # يعني: المعبودين. # قرأ ابن جبير: " إن الذين تدعون من دون الله عبادا ~~أمثالكم " ، بتخفيف { إن } ، بجعلها بمعنى: " ما " ، وبنصب " ~~العباد " و " الأمثال " على النفي، أي: ليست هي مثلكم؛ وإنما هي ~~خشب وحجارة. # والاختيار عند سيبويه: الرفع (مع) " إن " إذا كانت بمعنى " ما "؛ لأن ~~" ما " عملها ضعيف، فعمل ما هو في معناها أضعف. # وزعم الكسائي: أن العرب لا تأتي ب " إن " بمعنى " ما " في الكلام، إلا ~~أن يكون بعدها إيجاب، كقوله: # إن الكافرون إلا في غرور # [الملك: 20]. ### || [7.195] # قوله: { ألهم أرجل يمشون بهآ أم لهم أيد ~~يبطشون بهآ أم لهم أعين يبصرون بهآ } ، الآية. # كل هذا خطاب للمشركين من عبدة الأوثان و (هو) توبيخ لهم وتقريع على ~~عبادتهم من لا رجل له ولا يد ولا عين، ولا يفهم، ولا يضر ولا ينفع. # فالمعنى: { ألهم أرجل يمشون } ، فيسعون معكم في حوائجكم، { ~~أم لهم أيد يبطشون بهآ } ، فيدفعون عنكم الضر وتنتصرون ~~بها عند قصد من يقصدكم بسوء، { أم لهم أعين يبصرون } ، ~~فيعرفونكم ما عاينوا مما تغيبون عنه، { أم لهم آذان يسمعون ~~بها } ، فيخبرونكم بما سمعوا دونكم مما لم تسمعوه. فإن كانت هذه آلهتكم ~~المعظمة عندكم، فما وجه عبادتكم لها، وهي خالية من هذه ~~المنافع كلها؟. # ثم قال الله ms0879 تعالى، لنبيه عليه السلام: # { قل } لهم: { ادعوا شركآءكم ثم كيدون فلا ~~تنظرون } ، أي: ادعوهم لمعونتكم علي، { ثم كيدون } أنتم ~~وهم، " فلا تنظرون " ، أي: لا تؤخرون بالكيد، ولكن عجلوا كل هذا. ~~ينبئهم أن آلهتهم لا تضر ولا تنفع. ### || [7.196-199] # قوله: { إن وليي الله الذي نزل الكتاب } ، إلى ~~قوله: { عن الجاهلين }. # قرأ الجحدري: " إن ولي الله " ، بياء مفتوحة شديدة، وخفض ~~الاسم. يعني به جبريل، عليه السلام. # ومعنى الآية على قراءة الجماعة: قل، يا محمد، لعبدة الأوثان، { إن ~~وليي الله } ، أي: (إن) نصيري عليكم، { الله الذي ~~نزل الكتاب } علي بالحق، { وهو يتولى ~~الصالحين } ، أي: ينصرهم على من عاداهم فيه. # ثم قال: { والذين تدعون من دونه / لا يستطيعون ~~نصركم }. # [أي: وقل لهم بعد إخبارك أن الله، تعالى، ينصرك: والذين تدعون من دون ~~الله، لا يستطيعون نصركم] كما نصرني الله، ولا يستطيعون نصر أنفسهم. فأي ~~هذين أولى بالعبادة؟ من نصر نفسه، ونصر من عبده، أو من ~~لا يستطيع نصر نفسه ولا نصر من عبده؟ # ثم قال تعالى: { وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا }. # أي: وإن تدعوا، أيها المشركون، آلهتكم { إلى الهدى لا ~~يسمعوا } دعاءكم. # { وترهم ينظرون إليك } ، يعني: آلهتكم، { وهم لا ~~يبصرون } ، يعني: الآلهة. # { وترهم } في هذا بمعنى: الظن والحسبان، لا من النظر. وقد ~~تأوله بمعنى: " النظر " المعتزلة، وغلطوا فيه. # وقال السدي: يعني بذلك المشركين، لا يسمعون الهدى، # { ينظرون إليك وهم لا يبصرون } ما تدعوهم إليه. # وقيل معنى: { ينظرون إليك } هنا: يواجهونك ولا يرونك. # وحكى الكسائي: " الحائط ينظر إليك ". أي: يواجهك، إذا كان ~~قريبا منك. # وحكى: " داري تنظر إلى دار فلان " ، أي تواجه وتحاذي ~~وتقابل. # ودل قوله { وترهم } على أن المراد المشركون، إذ لو كان ~~للآلهة لقال: " وتراها ". # وقيل: هي للآلهة؛ لأنها مثل بني آدم في صورها التي مثلوها؛ ولأنهم ~~يعظمونها ويخاطبونها بمخاطبة من يعقل، فخوطبوا هم كذلك. فمن ~~جعله للمشركين، كان " ترى " على بابه، من رؤية العين. # ثم قال تعالى: { خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن ~~الجاهلين }. # قال بعض أهل المعاني: في هذه الآية ms0880 بيان قول النبي، صلى الله عليه وسلم: # " أوتيت جوامع الكلام ". # فهذه الآية قد جمعت معاني كثيرة، وفوائد عظيمة، وجمعت كل خلق حسن؛ ~~لأن في " أخذ العفو ": صلة القاطعين، والصفح عن الظالمين، وإعطاء ~~المانعين. # وفي " الأمر بالمعروف ": تقوى الله (عز وجل)، وطاعته، (جلت عظمته)، وصلة ~~الرحم، وصون اللسان عن الكذب، وغض الطرف عن الحرمات. # وسمي ذلك ونحوه " عرفا "؛ لأن كل نفس تعرفه وتركن إليه. # وفي " الإعراض عن الجاهلين ": الصبر، والحلم، وتنزيه النفس عن مخالطة ~~السفيه، ومنازعة اللجوج، وغير ذلك من الأفعال المرضية. # وقال أهل التفسير في قوله { خذ العفو } ، أي: خذ فضل أموالهم، وهو ~~حق في المال نسخته الزكاة. # وهو قول: ابن عباس، والسدي، وغيرهما. # وقيل: هو الزكاة. وهو قول مجاهد. # وقيل: هو أمر بالاحتمال وترك الغلظة، ثم نسخ بالأمر بالغلظة والأمر ~~بالقتال. وهو قول ابن زيد. # وقال القاسم، وسالم: هو حق في المال سوى الزكاة. # وقال عبد الله، وعروة بن الزبير: روى هشام بن عروة عن أبيه { خذ ~~العفو } ، أي: من أخلاق الناس، أي: السهل منها. # { وأمر بالعرف }. # قال عروة، والسدي: " العرف ": المعروف. # وفي الحديث معنى الآية: # " أن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل ~~من قطعك ". # قال سفيان بن عيينة: بلغني أن جبريل، عليه السلام، نزل على النبي (صلى ~~الله عليه وسلم)، فقال: يا محمد، جئتك بمكارم الأخلاق في الدنيا ~~والآخرة { خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن ~~الجاهلين } ، وهو يا محمد أن تصل من قطعك، وأن تعفو عمن ظلمك، وتعطي ~~من حرمك. # وروى ابن عيينة عن الشعبي أنه قال: # " إن جبريل، عليه السلام، (لما) نزل بهذه الآية على النبي عليه السلام، ~~قال له النبي (عليه السلام)،: ما هذا يا جبريل؟ قال جبريل: لا أدري حتى ~~أسأل العالم، فذهب فمكث شيئا، ثم رجع فقال: إن الله (عز وجل)، يأمرك ~~أن تعفو / عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك ". # وقوله: { وأعرض عن الجاهلين }. # قال ابن زيد: هذا منسوخ بالقتل. # وقيل: هي محكمة، إنما أمر بالاحتمال واللين. وذكر سفيان بن عيينة ms0881 ~~أن جبريل، (عليه السلام)، فسر هذا للنبي (صلى الله عليه وسلم)، فقال: يا ~~محمد، إن ربك يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك. # قال قتادة: هذه أخلاق أمر الله، (عز وجل)، نبيه، (عليه السلام) (بها) ~~ودله عليها. # وروي: أن جبريل، عليه السلام، نزل على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال ~~يا محمد، أتيتك بمكارم الأخلاق في الدنيا والآخرة { خذ العفو ~~وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين } ، وذلك يا محمد، ~~أن تصل من قطعك، وتعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتحلم عمن هو دونك. # وروي أن " العرف " ، قول: لا إله إلا الله، أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم، أن يأمر الناس بقولها. ### || [7.200-202] # قوله: { وإما ينزغنك من الشيطن نزغ } ، إلى قوله: ~~{ يقصرون }. # والمعنى: وإما يغضبنك من الشيطان، غضب يصدك عن الإعراض عن ~~الجاهلين، ويحملك على مجازاتهم { فاستعذ بالله } ، أي: ~~استجر به، { إنه سميع } لجهل الجاهل عليك، ولاستعاذتك به من ~~نزغ الشيطان، ولغير ذلك من أمورك، { عليم } ، بما يذهب عند نزغ ~~الشيطان، وبغير ذلك. # وقال أبو عبيدة المعنى: وإما يستخفنك منه خفة. # وقيل " نزغه ". وسوسته. # وقيل: " نزغه ": فساده. # ثم قال تعالى: { إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف }. # و " الطائف " و " الطيف " عند جماعة من البصريين، سواء، وهو ما ~~كان كالخيال، والشيء يلم بك. # وقيل: إن " طيفا " مخفف من: " طيف " ، مثل: ميت وميت. # وقال بعض الكوفيين: " الطائف ": ما طاف به من وسوسة الشيطان. و " ~~الطيف ": من اللمم والمس. # وقال الكسائي: " الطيف ": اللهو، و " الطائف ": كل ما طاف حول ~~الإنسان. # وقرأ ابن جبير: " طيف " مشدودا. # و " الطيف " عند أهل العربية: مصدر طاف. # وقال الكسائي: هو مخفف من " طيف ". # وقال الكسائي: " طاف " من: الواو. # وقال الأحمر سمعت: " طفت أطيف ". # وحكى البصريون: " طاف بطيف " و " طفت أطيف ". # قال ابن جبير ومجاهد: " الطيف ": الغضب. # وقال ابن عباس " طائف ": لمة من الشيطان. # وقال السدي: { تذكروا } ، أي: تذكروا عقاب الله، (عز وجل)، ~~فتابوا، أي: تابوا إذا زلوا. # قال ابن عباس: { فإذا هم مبصرون } ، أي: منتهون عن ms0882 المعصية. # ثم قال تعالى: { وإخوانهم يمدونهم في الغي }. # أي: وإخوان الشياطين تمدهم الشياطين في الغي. # { ثم لا يقصرون }. # أي: لا يقصرون عما أقصر عنه الذين اتقوا { إذا مسهم طائف ~~من الشيطان }. # وهذا خبر من الله، (عز وجل) عن حال المؤمنين وحال الكفار، أن المؤمن إذا ~~أصاب الذنب تذكر العقوبة فتاب ورجع وأبصر رشده، والكافر يمد له إخوانه من ~~الشياطين في الغي، ثم لا يقصر عن غيه، ولا يرجع كما فعل المؤمن. # و " المد ": الزيادة، ف " الهاء " و " الميم " في: { وإخوانهم ~~} تعود على الشياطين. ودل " الشيطان " في قوله { طائف من ~~الشيطان } ، على الشياطين. و " الإخوان " كناية عن الكفار. # والضمير المرفوع في: " يمدون " يعود على " الشياطين ". # و " الهاء " و " الميم " في { يمدونهم } تعود على " الكفار " ، ~~وهم الإخوان. # وقيل المعنى: ثم لا يقصر الشياطين في مدهم في الغي للكفار. قاله: قتادة. # وقال: { لا يقصرون } عنهم ولا يرحمونهم. / فالضمير في { ~~يقصرون } للشياطين. وعلى القول الأول للمشركين، وهو الأكثر. # و " الغي ": الجهل والوقوع في الهلكة. # وهذا الكلام عند أبي إسحاق مقدم متصل في النية بقوله: # ولا أنفسهم ينصرون # [الأعراف: 197]. # ثم قال: { وإخوانهم } ، أي: وإخوانهم يعني: الشياطين، { ~~يمدونهم } ، يعنى: الكفار. # يقال: " قصر " عن الشيء و " أقصر ". # وقد أنكر أبو حاتم وأبو عبيد قراءه نافع، ب: " ضم الياء " في: ~~{ يمدونهم } ، وهي مشهورة. # حكى المبرد: " مددت له في كذا ": " زينته له، واستدعيته ~~أن يفعله، و " أمددته في كذا " أي: أعنته برأيي وغير ذلك. # وحكى غير المبرد: " مده " و " أمده " بمعنى. # وقيل { في الغي }: متعلق ب " الإخوان " ، التقدير: ~~وإخوانهم في الغي يمدونهم، والأول أحسن، كما قال: # ويمدهم في طغيانهم # [البقرة: 15]. ### || [7.203-204] # قوله: { وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا ~~اجتبيتها } ، إلى قوله: { ترحمون }. # المعنى: إنهم يقولون للنبي (عليه السلام)، إذا سألوه في آية فلم يأت ~~بها: هلا افتعلتها من عند نفسك، فهذا قول كفار قريش للنبي، صلى الله عليه ~~وسلم. # وعن ابن عباس: هلا أجتبيتها: تقبلتها من ربك. # { قل } ، يا محمد، { قل إنمآ أتبع ما يوحى إلي من ~~ربي هذا ms0883 بصآئر من ربكم }. # أي: هذا الذي دللتكم عليه { بصآئر } ، أي: ليستبصر به، ~~وهذا إشارة إلى القرآن والوحي، فلذلك وحد. # و { بصآئر }: حجج وبيان لكم من ربكم. # { وهدى } ، أي: بيان، { ورحمة } رحم الله بها عباده المؤمنين. # ثم قال تعالى: { وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له }. # هذا أمر للمؤمنين أن يستمعوا القرآن ويتعظوا به، ويتدبروه، وينصتوا ~~للقراءة ليرحمهم الله. # قال المسيب بن رافع عن ابن مسعود: ذلك في الصلاة، وكان بعضنا ~~يسلم على بعض في الصلاة، فجاء القرآن: { وإذا قرىء القرآن ~~فاستمعوا له وأنصتوا }. # وقاله أبو هريرة. # وقال الزهري: نزلت في الأنصار، كانوا يقرأون مع النبي، صلى ~~الله عليه وسلم، كلما قرأ، فنهوا عن ذلك، وأمروا بالإنصات. # وكذلك قال النخعي، وابن شهاب، والحسن: إنه أمر في الصلاة. وهو قول: ~~مجاهد، وابن المسيب، وقتادة، والضحاك، والشعبي وعطاء وغيرهم. # والخطبة من الصلاة: فالإنصات لها واجب. ### || [7.205-206] # قوله: { واذكر ربك في نفسك } ، إلى آخرها. # قوله: { تضرعا وخيفة }: مصدران. { والآصال }: جمع " أصل ~~" ، ك: " طنب " وأطناب ". وقال الفراء: هو جمع " أصيل " ، ك: " ~~يمين " و " أيمان ". # وقيل: [الأصل] جمع " أصيل ". # { والآصال }: جمع " الأصل " ، وقد تجعل العرب " الأصل " ~~واحدا، فيقولون: " قد دنا الأصل ". # ومعنى { واذكر ربك }: الدعاء، وهو أمر للمستمع للقرآن بأن ~~يذكر الله في نفسه بالدعاء، ويعتبر بما يسمع ويتعظ. # { تضرعا } ، أي: تخشعا وتواضعا. # { وخيفة } ، أي: وخوفا من الله. # { ودون الجهر } ، أي: واذكره دون الجهر ذكرا خفيا ~~باللسان. قال ذلك ابن زيد وغيره. # قال الحسن: كانوا يتكلمون في الصلاة حتى نزلت: { واذكر ~~ربك في نفسك تضرعا وخيفة }. أي: مخافة منه. # { ودون الجهر من القول (بالغدو) والآصال }. # ما بين المغرب إلى العصر. # وقيل: هي العشي. # { ولا تكن من الغافلين }. # أي: من اللاهين. # قال مجاهد: { بالغدو }: آخر الفجر، صلاة الصبح، { والآصال }: ~~آخر العشي، صلاة العصر. # وهذا إنما كان إذا كانت الفريضة ركعتين " غدوة " ، وركعتين / " عشية " ، ~~قبل أن تفرض الصلوات الخمس. # ثم قال تعالى: { إن الذين عند ربك }. # يعني: الملائكة. # { لا يستكبرون عن عبادته }. أي: لا يستكبرون عن التواضع ~~له والتخشع. # { ويسبحونه ms0884 }. أي: يعظمونه وينزهونه عن السوء. # { وله يسجدون }. أي: يصلون. ### | [8 - سورة الأنفال] ### || [8.1] # قوله: { يسألونك عن الأنفال } إلى قوله: { مؤمنين }. # قال أبو حاتم: الوقف على { ذات } ب: " الهاء " ، وكل العلماء قال: ~~ب: " التاء "؛ لأنها مضافة، ولا يحسن الوقف عليها البتة إلا عن ~~ضرورة. # وقرأ سعد بن أبي وقاص: " يسئلونك الأنفال " ، بغير { عن }. # والمعنى: يسألك أصحابك، يا محمد، عن الغنائم التي غنمتها يوم بدر، لمن ~~هي؟ فقيل للنبي، صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد: هي لله والرسول. # و { الأنفال }: الغنائم. بذلك قال عكرمة، ومجاهد، وابن عباس، ~~وقتادة، وابن زيد، وعطاء. # فأكثر العلماء الذين جعلوها: الغنائم، على أنها منسوخة بقوله: # واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه # [الأنفال: 41]، الآية. # وقيل: { الأنفال } هي زيادات تزيدها الأئمة لمن شاء، إذا كان في ~~ذلك صلاح للمسلمين، فهي محكمة. وروي ذلك عن ابن عمر، وعن ابن عباس. # وقيل { الأنفال }: ما شذ من العدو، من عبد أو دابة، للإمام أن ~~ينفل ذلك من شاء إذا كان ذلك صلاحا. قاله الحسن. # { الأنفال }: جمع " نفل " ، و " النفل ": الغنيمة، سميت بذلك، ~~لأنها تفضل من الله، عز وجل، على هذه الأمة، لم تحل لأحد قبلها. # وقوله: { قل الأنفال لله } ، يدل على أنهم سألوا لمن هي. # وقوله: { فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم } ، ~~يدل على أن سؤالهم كان بعد تنازع فيها. # وقيل { الأنفال }: السرايا. قاله علي بن صالح. # وقال مجاهد { الأنفال }: الخمس. # وهذه الآية نزلت في غنائم بدر، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم، زاد ~~قوما لبلاء أبلوا، فاختلفوا فيها، بعد تقضي الحرب، فنزلت ~~الآية تعلمهم أن ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، ماض جائز. # وروى ابن عباس (رضي الله عنه)، أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: # " من أتى مكان كذا، وفعل كذا، فله كذا " # ، فتسارع الشبان، وبقي الشيوخ، فلما فتح الله عليهم، طلب الشبان ما جعل ~~لهم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الأشياخ: لا يذهبوا بذلك دوننا! ~~فأنزل الله، عز وجل: { فاتقوا الله وأصلحوا ذات ~~بينكم ms0885 } الآية. # وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم، سئل شيئا من الغنائم قبل أن ~~تقسم فامتنع من ذلك، فنزلت: { قل الأنفال لله والرسول } ، ~~فرخص الله، عز وجل، له أن يعطي من أراد. # و [قيل]: إنهم سألوه الغنيمة يوم بدر، فأعلموا أن ذلك لله والرسول. # و { عن } في موضع: " من ". # وقرأ ابن مسعود على هذا التأويل: " يسئلونك الانفال ". # وذكر ابن وهب: # " أنها نزلت في رجلين أصابا سيفا من النفل، فاختصما فيه إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " هو لي ~~وليس لكما " ، فنزل: { قل الأنفال لله والرسول } ، ~~وأمر الرجلين أن يصلحا ذات بينهما، وأن يطيعا الله ورسوله في ما أمرهما ~~به النبي صلى الله عليه وسلم " # ، / من دفع السيف إليه، ثم نسخ ذلك بقوله: { واعلموا أنما ~~غنمتم من شيء } الآية. # وروي أن الرجلين اللذين اختصما في السيف إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم،: سعد بن مالك بن وهيب الزهري، ورجل من الأنصار، فأمرا في ~~الآية أن يسلماه إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، وأن يصلحا ذات بينهما، ~~وأن يطيعا الله ورسوله فيما يأمرانهما من تسليم السيف إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وغير ذلك. # وقيل: إن أهل القوة يوم بدر غنموا أكثر مما غنم أهل الضعف، ~~فذكروا ذلك لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، فنزلت: { فاتقوا ~~الله وأصلحوا ذات بينكم }. # وقيل: إنهم اختلفوا في الغنائم، فنزلت: { فاتقوا الله ~~وأصلحوا ذات بينكم }. # " والبين " هنا: " الوصل ". # أمروا بصلاح وصلهم، وألا يتقاطعوا في الاختلاف على الغنائم، كأنه قال: ~~كونوا مجتمعي القلوب. # وأنثت { ذات }؛ لأنه يراد بها الحال التي هم عليها. # وذكر إسماعيل القاضي: أنهم اختلفوا ثلاث فرق، فقالت فرقة اتبعت العدو: ~~نحن أولى بالغنائم، وقالت فرقة حفت بالنبي صلى الله عليه وسلم، نحن ~~أولى، وقالت فرقة أحاطت بالغنائم، نحن أولى، فأنزل الله، تعالى، الآيات ~~في ذلك. ### || [8.2] # قوله: { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله ~~وجلت قلوبهم } ، الآية. # فهذه الصفة صفة الكمال والتمام في الإيمان. # والمعنى: ليس المؤمن من ms0886 الذي يخالف الله ورسوله، ويترك أمرهما، وإنما ~~المؤمن الذي إذا سمع ذكر الله، عز وجل، وجل قلبه، وخضع، ~~وانقاد لأمره، تبارك وتعالى، وإذا قرئت عليه آيات كتاب الله، ~~سبحانه، صدق بها وأيقن أنها من عند الله، جلت عظمته، فازداد إيمانا إلى ~~إيمانه. # قال ابن عباس: المنافق لا يدخل قلبه شيء من ذلك، ولا يؤمن بشيء ~~من كتاب الله، أي: من آيات الله سبحانه، ولا يتوكل على الله، عز وجل، ولا ~~يصلي إذا غاب عن عيون الناس، ولا يؤتي الزكاة فليس هذا بمؤمن، وإنما ~~المؤمن من الذي وصفه الله عز وجل، بالخشية وازدياد الإيمان عند سماع آيات ~~الله، عز وجل، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة. # قال مجاهد { وجلت }: فرقت. # وقال السدي: هو الرجل يريد أن يظلم أو يهم بمعصية، فيذكر الله، عز وجل، ~~فينزع عنها خوفا من الله، سبحانه. ### || [8.3] # { الذين يقيمون الصلاة } ، أي يقيمونها في أوقاتها، وقيل: ~~يقيمونها بحدودها. ### || [8.4] # { أولئك هم المؤمنون حقا } الآية، المعنى: أولئك ~~الذين هذه صفتهم هم المؤمنون حقا. # قال ابن عباس: { المؤمنون حقا } ، أي: برئوا من الكفر. # وهذا باب تذكر فيه حقيقة الإيمان وتفسيره، ~~وما روي فيه، إن شاء الله، عز وجل. # وحقيقة الإيمان عند أهل السنة: أنه المعرفة بالقلب، والإقرار ~~باللسان، والعمل بالجوارح، وكذلك رواه علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم. # وقالت المرجئة الإيمان: قول ومعرفة بالقلب بلا عمل. # وقال الجهمية الإيمان: المعرفة بلا قول ولا عمل. # وأهل السنة والطريقة القويمة على أنه: المعرفة والقول ~~والعمل، كما رواه علي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا ~~مأخوذ من إجماع الأمة. # قد أجمع المسلمون على أنه من قال: لا إله إلا الله محمد رسول ~~الله، ثم أخبر أن قلبه غير مصدق بشيء من ذلك، أنه كافر، ~~فدل على أن الاعتقاد لا بد منه. # ثم أجمعوا على أن الكافل إذا قال: قد اعتقدت / في قلبي الإيمان ~~ولم يقله ويسمع منه، [أن حكمه حكم الكافر] حتى يقوله ويسمع منه، فإن ~~دمه لو قتل لا ms0887 تلزم منه دية، فدل على أن القول مع الاعتقاد لا بد منه. # ثم أجمعوا على أن شهد الشهادتين، وقال: اعتقادي مثل قولي، ولكني لا ~~أصوم ولا أصلي ولا أعمل شيئا من الفروض أنه يستتاب، فإن تاب وعمل وإلا ~~قتل كما يقتل الكافر، فدل على وجوب العمل. # فصح من هذا الإجماع، أن الإيمان هو الاعتقاد والقول والعمل، وتمامه: ~~موافقة السنة، وقد قال الله تعالى: # ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله # [البينة: 5]، ثم قال: # ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين ~~القيمة # [البينة: 5]، أي: دين الملة القيمة. ومن لم يقل: إن الله تعالى، أراد ~~الإقرار والعمل من العباد فهو كافر. فإن قيل: لو أن رجلا أسلم فأقر ~~بجميع ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، أيكون مؤمنا بهذا الإقرار أم ~~لا؟ قيل له: لا يطلق عليه اسم مؤمن إلا ونيته أنه إذا جاء وقت العمل عمل ~~ما افترض عليه، ولو علم منه وقت إقراره أنه لا يعمل لم يطلق عليه اسم ~~مؤمن، ولو أنه أقر في الوقت وقال: لا أعمل إذا جاء وقت العمل، لم يطلق ~~عليه اسم مؤمن. # والأعمال لا يقبل منها إلا ما أريد به وجه الله، (سبحانه)، فأما من أراد ~~بعمله محمدة الناس ورايا به فليس مما يقبله الله، عز وجل، وصاحبه ~~في مشيئة الله سبحانه. وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أول ما يقضى فيه يوم القيامة ثلاثة: رجل استشهد فأمر به، ~~فعرفه نعمه فعرفها؛ قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى ~~استشهدت، قال: كذبت ولكن قاتلت ليقال: جريء، فقد قيل، ثم أمر به ~~فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل تعلم العلم وعلمه، وقرأ ~~القرآن، فأتي به، فعرفه نعمه، فعرفها، فقال: فما عملت فيها؟ فقال: ~~تعلمت فيك العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك ~~تعلمت العلم ليقال: إنك عالم، فقد قيل، وقرأت القرآن ليقال: إنك قارئ، ~~فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل ~~وسع الله ms0888 عليه، وأعطاه أنواع المال كله، فعرفه نعمه فعرفها، ~~قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت في سبيل الله شيئا تحب أن ينفق فيها ~~إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال: جواد، فقد قيل، ~~ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ". # وروى أبو هريرة أيضا، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: # " قال الله جل ذكره من قائل،: أنا خير الشركاء، فمن عمل ~~عملا أشرك فيه غيري، فهو للذي أشركه، وأنا بريء منه ". # وفي خبر آخر: # " أنا أغنى الشركاء ". # وروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: # " أشد الناس يوم القيامة عذابا، من يرى الناس أن فيه ~~خيرا ولا خير فيه ". # وعنه، صلى الله عليه وسلم،: # " من سمع الناس بعمله، سمع الله به يوم القيامة وصغره ~~وحقره ". # وعنه، صلى الله عليه وسلم: # " من راءا بأمر يريد به سمعة فإنه في مقت من الله عز وجل، ~~حتى يجلس ". # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " " لا تخادعوا الله فإنه من خادع الله بخدعة فنفسه يخدع لو يشعر ". ~~قالوا: يا رسول الله، وكيف يخادع الله، قال: " تعمل ما أمرك به تطلب ~~غيره، فاتقوا الرياء، فإنه الشرك، فإن المرائي يدعى يوم القيامة على / ~~رؤوس الأشهاد بأربعة أسماء، ينسب إليها: يا كافر، يا خاسر، يا فاجر، يا ~~غادر، ضل أجرك، وبطل عملك، فلا خلاق لك اليوم، فالتمس أجرك ممن كنت تعمل ~~له يا خادع " ". # وعنه، صلى الله عليه وسلم،: # " إن أدنى الرياء شرك ". # فيجب على المؤمن الراجي ثواب الله عز وجل، الخائف من عقابه، سبحانه، أن ~~يخلص العمل لله سبحانه، ويريد به وجهه، تبارك وتعالى. وألا يتباهى ~~بعمله عند أحد فيشركه في علمه. # فإن عمل عامل عملا مخلصا لله عز وجل، في السر، فسر به، ~~وأعجب به إذ وفقه الله عز وجل، لذلك فهو حسن، وليس ذلك برياء، وهو ~~ممدوح إن سلم من الإعجاب بنفسه؛ فإن الإعجاب ضرب من التكبر، ~~والتكبر يحبط الأعمال. # فإن ظهر عمله الذي أسره للناس ms0889 من غير أن يشهره هو على ~~طريق الافتخار به، فأثنوا عليه بفعله فسره ذلك فليس برياء، بل له أجر ~~على ذلك؛ لأن الأصل كان لله عز وجل، والناس يتأسون به في فعله. # وقد روى أبو هريرة: # " أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، دخل علي ~~رجل وأنا أصل فأعجبني الحال التي رآني عليها، فقال له النبي صلى الله ~~عليه وسلم: " فلك أجران: أجر السر، وأجر العلانية " ". # وروى حبيب بن ثابت عن أبي صالح قال: # " أتى النبي صلى الله عليه وسلم، [رجل]، فسأله عن رجل يعمل العمل من ~~الخير يسره، فإذا ظهر أعجبه ذلك، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ~~" له أجران: أجر السر وأجر العلانية " ". # وروى حبيب: # " أن ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: يا رسول الله، ~~إنا نعمل أعمالا في السر، فنسمع الناس يذكرونها فيعجبنا أن تذكر ~~بخير، فقال: " لكم أجر السر وأجر العلانية " ". # وقد روى أنس # " أن النبي صلى الله عليه وسلم، وجد ذات ليلة شيئا، فلما أصبح قيل: يا ~~رسول الله إن أثر الوجع عليك لبين، فقال: " أما إني على ما ترون بحمد ~~الله، قد قرأت البارحة السبع الطول " ". # وهذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، استدعاء بأن يعمل الناس مثل ~~عمله، ويرغبوا في الخير، ويجتهدوا، ولو وقع مثل هذا لمن صح قصده ونيته، ~~وأراد به مثل ما أراد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يرد المحمدة ~~والافتخار، لكان حسنا، وصاحبه مأجور؛ لأنه يفعله ~~ليقتدى به، ويعمل مثل عمله، وهذا طريق من الدعاء إلى ~~الخير، إذا صحت النية، فهو طريق شريف غير مستنكر. # فحق العامل المجتهد أن يجهد نفسه في تكذيب وساوس الشيطان، ولا يلتفت ~~ما يوسوس إليه، وليقبل على عمله بنية خالصة لله، ويجهد نفسه في طاعة ~~الله، عز وجل، والعمل لله، سبحانه، فلا شيء أبغض إلى الشيطان من طاعة ~~العبد لربه، (عز وجل)، ولا شيء أسر إليه من عصيان العبد لربه، سبحانه، ~~نعوذ بالله منه. ms0890 # فحسب أهل الخير أن لا تأتي عليهم حال إلا وهم للشيطان مرغمون، ~~ولطمعه في أنفسهم حاسمون. فإن عجزوا عن ذلك في كل الأوقات فليفعلوه في ~~حال اشتغالهم بأعمال الطاعة حتى تخلص أعمالهم لله عز وجل، وتسلم من ~~الشيطان من أولها إلى آخرها فإن عجزوا عن ذلك فلا يعجزوا عن أن يكون ذلك ~~منهم في أول أعمالهم، وفي آخرها، فإن عجزوا عن / ذلك، فلا بد من إخلاصها ~~في أولها ليكون الابتداء بالنية لله عز وجل، والإخلاص له، سبحانه؛ فإنه ~~إذا كان [ذلك] كذلك، ثم عرض في أضعاف العمل عوارض الشيطان ووساوسه، رجي ~~له ألا يضره ذلك، فإن عجز عن ذلك وغلبه الشيطان حتى ابتدأ بغير إخلاص. # ثم حدث له في بعض العمل إخلاص وإنابة عما فعل رجي له، لقوله: # إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا # [الكهف: 30]. # فإن ابتدأ بغير إخلاص وتمادى حتى فرغ عن ذلك، كان ثمرة عمله سخط ~~ربه. # والله عز وجل، حسن العفو كريم. روينا في بعض الأخبار عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " أن الرجل إذا ابتدأ العمل بنية لله، عز وجل، ثم عرض له الشيطان في ~~آخر عمله فغير نيته، أن الله سبحانه، يعفو له عما عرض له، ويكتب له ~~عمله على ما ابتدأه به، وأن الرجل ليبتدئ بالعمل بغير نية، فتحدث له ~~نية لله عز وجل، في آخره أن الله، يعفو له عن أوله، ويكتب له عمله على ما ~~حدث له في آخره " # هذا معنى الحديث الذي روينا، وهو حديث مشهور بنحو هذا اللفظ وبمثله في ~~المعنى. # فقال ابن حازم: انظر إلى العمل الذي تحب أن يأتيك الموت وأنت عليه، ~~فخذه الساعة، وإذا قال لك الشيطان: أنت مراء فلست مرائيا، وإذا خرجت ~~من بيتك، وأنت صادق النية، فلا يضرك ما جاء به الشيطان. # وكان رجل حسن الصوت بالقرآن يأتي الحسن، فربما قال له الحسن: ~~اقرأ، فقال: يا أبا سعيد، إني أقوم من الليل فيأتيني الشيطان إن رفعت ~~صوتي، فيقول: إنما تريد الناس، فقال له الحسن: ms0891 لك نيتك إذا قمت من فراشك. # فالشيطان، عليه لعنة الله، عدو الله، سبحانه، لطيف المدخل لابن آدم، ~~كثير الرصد له بما يوبقه. قد أوبق كثيرا من القرون السالفة، ~~فنفذت فيهم سهامه، وصدق عليهم ظنه، فاللجأ منه إلى الله، عز وجل، ~~والمستغاث على دفع شره الله، تبارك وتعالى. # وروى معقل بن يسار عن أبي بكر الصديق، (رضي الله عنه)، أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، قال: # " " الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل ". فقال أبو بكر: ~~يا رسول الله، وهل الشرك إلا أن يدعى مع الله إله آخر، فقال: " ~~الشرك أخفى فيكم من دبيب النمل " ثم قال: " يا أبا ~~بكر، ألا أدلك على ما يذهب صغير ذلك وكبيره؟ قل: اللهم إني ~~أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك ~~لما لا أعلم " ". # قوله: # وعلى ربهم يتوكلون # [الأنفال: 2]. # أي: يكلون أمرهم إلى الله (سبحانه). # وهذا باب يذكر فيه بعض ما روي في التوكل ~~وصفته وفضله. # روى ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من سره أن يكون أكرم الناس فليتق الله، ومن سره أن يكون أقوى ~~الناس فليتوكل على الله، ومن سره أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد ~~الله أوثق منه بما في يديه ". # روى عمر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله، لرزقكم ~~كما ترزق الطير، تغدو خماصا، وتروح بطانا ". # وعن عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من انقطع إلى الله كفاه كل مونته ورزقه / من حيث لا يحتسب، ومن ~~انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها ". # وروى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لو فر أحدكم من رزقه لأدركه كما يدركه ~~الموت ". # وعن أبي ذر مثله. # وقد قال الله: # ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ ~~أمره # [الطلاق: 3]. وقال: # قل لن يصيبنآ إلا ما كتب الله لنا # [التوبة: 51]. # وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم: ms0892 # " يقول الله، جل ذكره: يابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ ~~صدرك غنى، وأسد فقرك، وإن لم تفعل ملأت صدرك ~~شغلا ولم أسد فقرك ". # وعن أبي [بن] كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من كانت نيته الآخرة جعل الله غناه في قلبه، وكف عنه ~~ضيعته، وأتته الدنيا [وهي] راغمة، ومن كانت نيته الدنيا ~~شتت الله، عز وجل، عليه ضيعته، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له ~~". # وعن زيد بن ثابت قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول: # " من كانت الدنيا نيته فرق الله عليه أمره، ~~وجعل فقره بين عينيه، ومن كانت نيته الآخرة جمع الله [له] أمره وجعل غناه ~~في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة ". # وفي هذه الآية دلالة على زيادة الإيمان ونقصه؛ لأن قوله: # زادتهم إيمنا # [الأنفال: 2]، يدل على نقص كان قبل الزيادة. # وعن أبي الدرداء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " تفرغوا من هموم الدنيا ما استطعتم، فإنه من كانت الدنيا ~~أكبر همه، أقضى الله عليه ضيعة، وجعل فقره بين عينيه، ومن ~~كانت الآخرة أكبر همه جمع الله أمره وجعل غناه في قلبه، وما أقبل ~~عبد بقلبه إلى الله عز وجل إلا جعل الله قلوب المؤمنين تفد ~~إليه بالود والرحمة، وكان الله إليه بكل خير أسرع ". # والتوكل على الله، عز وجل عند أهل النظر والمعرفة بالأصول، هو: الثقة ~~بالله، سبحانه، في جميع الأمور، والاستسلام له، (عز وجل)، والمعرفة ~~بأن قضاءه ماض، واتباع أمره، وليس هو أن يطرح العبد بنفسه فلا يخاف ~~شيئا ولا يحذر أمرا، ويلقى بنفسه في التهلكة؛ لأن الله، سبحانه، يقول ~~لأصحاب نبيه، عليه السلام: # وتزودوا فإن خير الزاد التقوى # [البقرة: 197]، فأمرهم أن يتزودوا في أسفارهم: لأنهم كانوا ربما خرجوا ~~بلا زاد، فليس يجوز لأحد أن يلقى عدوه بغير سلاح ولا عدة ويجعل ~~هذا توكلا. # فقد لبس النبي صلى الله عليه وسلم، السلاح، وقال الله، عز وجل،: # وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط ~~الخيل # [الأنفال: 60]. وقد دخل النبي صلى ms0893 الله عليه وسلم، وأبو بكر الغار. ودخل ~~مكة وعلى رأسه المغفر، وخرج يوم أحد وعليه درعان. وفر أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم، إلى أرض الحبشة، وإلى المدينة بعد ذلك خوفا على ~~أنفسهم، فلو كان من التوكل إلقاء العبد نفسه في التهلكة، وترك الاحتراز ~~من المخوف، ولقي العدو بغير سلاح، ومباشرة السباع، لكان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وأصحابه أولى بذلك بل خافوا وفروا، وسلحوا ~~واحترزوا. # وقد حكى الله عز وجل، عن موسى، عليه السلام، الخوف فقال: # فخرج منها خآئفا يترقب # [القصص: 21]، وقال: # فأصبح في المدينة خآئفا يترقب # [القصص: 18]، وقال: # فأوجس في نفسه خيفة موسى * قلنا لا تخف # [طه: 67-68]. # فالملقي بيده إلى التهلكة من عدو أو سبع، ولا علم عنده أن الله عز وجل، ~~لا يسلطه عليه آثم في نفسه، معين على قتل نفسه، مجرب لقدرة ربه، ~~جلت عظمته، معجب بنفسه، دال على ربه، سبحانه، / وليس هذا من صفات ~~الصالحين، بل أنفسهم عندهم أنقص وأذل، هم وجلون ألا تقبل ~~منهم أعمالهم! فكيف يدلون بأعمالهم! قال الله عز وجل: # والذين يؤتون مآ آتوا وقلوبهم وجلة # [المؤمنون: 60]، أي: يعلمون ما عملوا من الخير وهم خائفون ألا يقبل ~~منهم [عملهم]، فهذه صفات الصالحين. ليس صفاتهم الإعجاب بأعمالهم والدالة ~~على الله عز وجل، بأفعالهم، وقد قال عمر: رأيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يظل اليوم يلتوى، ما يجد ما يملأ به بطنه. وقد روي عمن مضى، ~~وعن النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه من الجوع والشدة ما لا يحصى. # فهذا يدفع قول من يدعي في توكله نزول الطعام الكوني، ووجود الرطب ~~في غير وقته، وشبه ذلك من المعجزات التي لا تكون إلا للنبي، تدل على ~~صدقه في ما أتى به. # فأما كرامات الله، سبحانه لأوليائه وإجابة دعائهم، فليس ينكر ذلك أحد ~~من أهل السنة، وإنما ينكرون على ما أجاز حدوث المعجزات على يدي ~~غير الأنبياء؛ لأن في ذلك إبطال النبوة وهدم الشريعة. # وقوله: { لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق ~~كريم }. # الدرجات: ms0894 منازل ومراتب رفيعة في الجنة بقدر أعمالهم. # قال مجاهد [الدرجات]: أعمال رفيعة. # وقال ابن محيريز الدرجات: سبعون درجة، كل درجة خطو الفرس ~~الجواد المضمر ستين سنة. # { ومغفرة } ، أي: مغفرة لذنوبهم، { ورزق كريم }: الجنة. # قال الضحاك: أهل الجنة بعضهم فوق بعض، فيرى الذي فوق، فضله على الذي ~~أسفل منه، ولا يرى الأسفل أنه فضل عليه أحد. ### || [8.5-6] # قوله: { كمآ أخرجك ربك من بيتك بالحق } ، الآية. # قال الكسائي: " الكاف ": نعت لمصدر: { يجادلونك } ، والتقدير: ~~يجادلونك في الحق مجادلة { كمآ أخرجك }. # وقال الأخفش: " الكاف " نعت ل: " حق " ، والتقدير: هم المؤمنون حقا { ~~كمآ أخرجك }. # وقيل: " الكاف " في موضع رفع، والتقدير: { كمآ أخرجك ربك من ~~بيتك بالحق } { فاتقوا الله } ، كأنه ابتداء وخبر. # وقال أبو عبيدة: هو قسم، أي: لهم درجات ومغفرة ورزق كريم، والذي ~~أخرجك من بيتك بالحق، ف: " الكاف " بمعنى: " الواو ". # وقال الزجاج: " الكاف " في موضع نصب، والتقدير: الأنفال ثابتة لك ثباتا ~~{ كمآ أخرجك ربك } ، والمعنى: { كمآ أخرجك ربك من ~~بيتك بالحق } وهم كارهون، كذلك تنفل من رأيت. # وقال الفراء التقدير: امض لأمرك في الغنائم، ونفل من شئت وإن كرهوا ~~{ كمآ أخرجك ربك من بيتك بالحق }. # وقيل: " الكاف " في موضع رفع، والتقدير: # { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت ~~قلوبهم } ، إلى: { لهم درجات عند ربهم ومغفرة ~~ورزق كريم } ، هذا وعد وحق { كمآ أخرجك ربك من ~~بيتك بالحق }. # وقيل المعنى: { وأصلحوا ذات بينكم } ذلك خير لكم { كمآ ~~أخرجك } ، ف: " الكاف ": نعت لخبر ابتداء محذوف هو الابتداء. # وقيل التقدير: { قل الأنفال لله والرسول } { كمآ ~~أخرجك }. # قال عكرمة في الآية: { وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم ~~مؤمنين } { كمآ أخرجك ربك من بيتك بالحق } ، ~~أي: الطاعة خير لكم، كما كان إخراجك من بيتك بالحق خيرا لك. # وقوله: { وإن فريقا من المؤمنين لكارهون }. # قال ابن عباس: # " لما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأبي سفيان أنه مقبل من الشام، ~~ندب إليه من المسلمين، وقال: هذه عير قريش فيها / أموالهم، فاخرجوا ~~إليها، لعل الله أن ينفلكموها! فانتدب الناس، فخف بعضهم ~~وثقل ms0895 بعضهم، وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يلقى حربا. فنزلت: { وإن فريقا من المؤمنين ~~لكارهون } ". # قال السدي { لكارهون }: لطلب المشركين. # { لله والرسول } ، وقف. # و { مؤمنين } ، وقف. # ويكون تقدير الآية وتفسيرها: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم، لما نظر إلى قلة المسلمين يوم بدر وإلى ~~كثرة المشركين قال: " من قتل قتيلا فله كذا وكذا، وإن ~~أسر أسيرا فله كذا وكذا " ، ليرغبهم في القتال، فلما هزمهم ~~الله، عز وجل وأظفره بهم، قام إليه سعد بن عبادة، فقال له: يا رسول ~~الله، إن أعطيت هؤلاء ما وعدتهم بقي خلق من المسلمين بغير شيء، فأنزل ~~الله: { قل الأنفال لله والرسول } " # ، أي: يصنع فيها ما يشاء. فأمسكوا لما سمعوا ذلك على كراهية منهم له، ~~فأنزل الله، عز وجل،: { كمآ أخرجك ربك من بيتك ~~بالحق } ، أي: امض لأمر الله في الغنائم، وهم كارهون لذلك، أي: ~~بعضهم، كما مضيت لأمر الله عز وجل، في خروجك، وهم له كارهون، أي: بعضهم. # فإن جعلت التقدير: { يسألونك عن الأنفال } كما جادلوك يوم ~~بدر، فقالوا: لم تخرجنا للقتال فنستعد له، إنما أخرجتنا للغنيمة، فلا ~~يحسن الوقف على ما قبل " الكاف " على هذا. # وعلى قول أبي عبيدة أن " الكاف " في موضع: واو القسم، يحسن الوقف على ما ~~قبل " الكاف " كأنه قال: والذي أخرجك من بيتك بالحق، كما قال: # وما خلق الذكر والأنثى # [الليل: 3]، أي: والذي خلق الذكر. # وقوله: { يجادلونك في الحق } ، الآية. # قال ابن عباس: لما شاور النبي صلى الله عليه وسلم، في لقاء القوم، قال ~~له سعد بن عبادة ما قال، وذلك يوم بدر، أمر الناس فتعبوا للقتال، وأمرهم ~~بالشوكة، فكره ذلك أهل الإيمان، فأنزل الله، عز وجل، { كمآ ~~أخرجك ربك من بيتك بالحق } ، إلى { وهم ينظرون ~~}. # قال ابن اسحاق: خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، يريدون العير ~~طمعا بالغنيمة، فلما عرفوا أن قريشا قد سارت إليهم، كرهوا ذلك، وكأنهم ~~يساقون إلى الموت؛ لأنهم لم يخرجوا للقتال. فالذي عني بهذا هم المؤمنون، ~~فأنزل الله عز ms0896 وجل، { كمآ أخرجك ربك من بيتك ~~بالحق } ، إلى: { وهم ينظرون }. # وقال ابن زيد: عني بذلك المشركون، قال: هم المشركون جادلوا في الحق، { ~~كأنما يساقون إلى الموت } حين يدعون إلى الإسلام، { ~~وهم ينظرون }. # قال الطبري: المراد بذلك المؤمنون. ودل عليه قوله: { وإن ~~فريقا من المؤمنين لكارهون } ، لما كرهوا القتال جادلوا ~~فقالوا: لم تعلمنا أنا نلقى العدو فنستعد لقتالهم، إنما خرجنا ~~للعير. ويدل على ذلك قوله: { وإذ يعدكم الله إحدى ~~الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات ~~الشوكة تكون لكم } ، ففي هذا دليل أن القوم كانوا للشوكة ~~كارهين، وأن جدالهم في القتال، [كما] قال مجاهد، كراهية منهم له. # وروي عن ابن عباس: { يجادلونك في الحق } ، أي: في القتال، { ~~بعد ما تبين } ، أي: بعد ما أمرت به. ### || [8.7-8] # قوله: { وإذ يعدكم الله إحدى الطآئفتين } ، إلى ~~قوله: { ولو كره المجرمون }. # والمعنى: واذكروا، أيها المؤمنون { وإذ يعدكم الله إحدى ~~الطآئفتين أنها لكم } ، والطائفتان: إحداهما فرقة أبي ~~سفيان والعير، والطائفة الأخرى: فرقة المشركين الذين خرجوا من مكة لمنع ~~العير. # وقوله: { أنها لكم }. # أي: أن ما معهم غنيمة لكم. # وقوله: { وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ~~}. # أي: تحبون أن تكون لكم العير التي لا قتال فيها ولا سلاح دون / فرقة ~~المشركين المقاتلة المسلحين. # وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أحبوا أن يظفروا بالعير، فأراد ~~الله عز وجل، غير ذلك، أراد أن يظفروا بالمقاتلة، فيكون ذلك أذل لهم ~~وأخزى وأهيب في قلوب المشركين؛ لأن المسلمين لو ظفروا بالعير ولا ~~مقاتلة معها ما كان في ذلك هيبة ولا ردعة عند المشركين، وإذا ظفروا ~~بالمقاتلة وأهل الحرب والبأس كان ذلك أهيب وأروع لمن بقي منهم. # و { الشوكة }: السلاح. # وقال أبو عبيدة: غير ذات الحد. # يقال: فلان شائك في السلاح وشاك، من الشكة. # وقال ابن عباس: # " لما خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأبي سفيان مقبلا من ~~الشأم، ندب المسلمين إليهم، فقال: هذه عير قريش، فيها أموال، أخرجوا ~~إليها لعل الله أن يملككموها! فانتدب الناس، فخف بعضهم، وثقل ms0897 بعضهم؛ ~~لأنهم لم يظنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يلقى حربا، وكان أبو ~~سفيان حين دنا من الحجاز يتحسس الأخبار، ويسأل من لقي من الركبان، تخوفا ~~على أموال الناس، حتى أصاب خبرا من بعض الركبان: " إن محمدا قد استنفر ~~[أصحابه] لك ولعيرك " فحذر عند ذلك، فاستأجر ضمضم بن عمرو ~~الغفاري، فبعثه إلى مكة وأمره أن يأتي قريشا فيستنفرهم إلى أموالهم ~~ويخبرهم أن محمدا قد عرض لها في أصحابه، فمضى ضمضم. وخرج النبي صلى ~~الله عليه وسلم، في أصحابه، وأتاه الخبر عن قريش بخروجهم ليمنعوا عيرهم، ~~فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم الناس، وأخبرهم عن قريش. فقام أبو بكر، ~~فقال فأحسن. وقام عمر، فقال فأحسن. ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول ~~الله، امض لما أمرك الله، فنحن معك، والله لا نقول كما قال بنو إسرائيل ~~لموسى: { فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا ~~قاعدون } ، ولكن اذهب (أنت) وربك فقاتلا، إنا معكم مقاتلون! والذي ~~بعثك بالحق، لو سرت بنا إلى برك الغماد، يعنى: مدينة الحبشة، لجالدنا ~~معك من دونه! ثم قالت الأنصار بعد ان استشارها: امض يا رسول الله، لما ~~أمرت، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك. ~~فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى التقى بالمشركين ببدر، فسبقوا ~~الماء، والتقوا، ونصر الله عز وجل، النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، ~~فقتل من المشركين سبعون، وأسر منهم سبعون، وغنم المسلمون ما كان ~~معهم، وسلمت العير مع أبي سفيان، وكان قد أخذ بها الساحل، أسفل من موضع ~~القتال، وهو قوله تعالى: { والركب أسفل منكم } ". # وروى عكرمة عن ابن عباس قال: # " قيل للنبي صلى الله عليه وسلم، حين فرغ من بدر، عليك العير ليس دونها ~~شيء، قال: فناداه العباس: لا يصلح، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~لم "؟ قال: لأن الله عز وجل، وعدك إحدى الطائفتين، وقد أعطاك ما وعدك. ~~قال: " صدقت " ". ### || [8.9-10] # قوله: { إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم } إلى قوله: ~~{ إن الله عزيز حكيم ms0898 }. # قرأ عيسى بن عمر: " إني ممدكم " ، أي: قال: إني ممدكم. # ومن قرأ: { مردفين } ، بفتح الدال، يجوز أن يكون نصبا على الحال ~~من الضمير في: { ممدكم }. # وقيل: هو في موضع خفض نعت ل: " ألف ". # ومن كسر الدال فمعناه: يردف بعضهم بعضا، أي: يتبع بعضهم بعضا. ~~يقال: ردفته وأردفته: إذا تبعته. # وأنكر أبو عبيد أن يكون / المعنى: يردف بعضهم بعضا، أي: يحمله ~~خلفه، ودفع قراءة الكسر على هذا التأويل. # والوجه أنهم يتبعون بعضهم بعضا في الإتيان لا في الركوب، وقد روي عن ~~ابن عباس أنه قال: وراء كل ملك ملك. # فمعنى الكسر: أن الملائكة يردف بعضها بعضا، أي: يتبع. # ومعنى الفتح: أن الله أردف بهم المؤمنين. # حكى سيبويه " مردفين ": بفتح الراء، وتشديد الدال وكسرها. # وأصله: " مرتدفين " ، ثم أدغم " التاء " في " الدال " بعد أن ألقى ~~حركتها على " الراء ". # وحكى أيضا: " مردفين " بكسر الراء، على أنه " مرتدفين " ~~أيضا، لكن أدغم وكسر الراء لالتقاء الساكنين، ولم يلق عليها حركة " ~~التاء ". # ومعنى الآية: # ليحق الحق ويبطل الباطل # [الأنفال: 8]، { إذ تستغيثون ربكم } ، أي: حين ذلك، أي ~~تستجيرون به من عدوكم، { فاستجاب } ربكم { لكم أني ~~ممدكم } ، أي: بأني { ممدكم بألف من الملائكة } ~~يردف بعضهم بعضا، أي: يتلو. وروي عن عاصم: " آلف " ، على وزن " ~~أفعل ". # قال ابن عباس: لما اصطف القوم، قال أبو جهل: اللهم أولانا بالحق ~~فانصره! ورفع النبي صلى الله عليه وسلم، يده وقال: يا رب، إن تهلك هذه ~~العصابة فلن تعبد في الأرض أبدا. # قال السدي: فاستجاب الله، عز وجل، له ونصره بالملائكة، وذلك يوم بدر. # قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لما نظر النبي صلى الله عليه وسلم، إلى ~~المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاث مائة وبضعة عشر، استقبل القبلة، ثم ~~مد يده، وجعل يهتف بربه: " اللهم أنجز ما وعدتني " ، فما زال يهتف ~~حتى سقط رداؤه صلى الله عليه وسلم، عن منكبيه، فرده أبو بكر على منكبيه، ~~ثم التزمه من ورائه، فقال: يا نبي الله كذلك مناشدتك ربك، فإنه ~~سينجز لك ما وعدك!. # وقوله: { وما ms0899 جعله الله }. # " الهاء " تعود على " الإمداد ". # وقيل: على " الإرداف ". # وقيل: على " الألف ". # وقيل: على قبول الدعاء. # والمعنى: { وما جعله الله }: إرداف الملائكة بعضها بعضا. { ~~إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم } ، أي: ولكي تسكن إلى ~~ذلك قلوبكم، وتوقن بنصر الله عز وجل، فليس النصر إلا من عند الله، سبحانه ~~{ إن الله عزيز } ، أي: لا يقهره شيء، { حكيم } في تدبيره. # و " الهاء " ، في: { به } تحتمل ما جاز في " الهاء " في: { جعله ~~}. # ويجوز رجوعها على " البشرى "؛ لأنها تعني الاستبشار. ### || [8.11] # قوله: { إذ يغشيكم النعاس } ، الآية. # من قرأ: { إذ يغشيكم } ، احتج بإجماعهم على: # يغشى طآئفة منكم # [آل عمران: 154]. # ومن قرأ: { يغشيكم } ، مشددا، فرد الفعل إلى الله، عز وجل، احتج ~~بقوله: { وينزل عليكم } ، وهو لله بلا اختلاف. فكون الكلام على ~~نظام واحد أحسن. # وقوله: { أمنة }: مفعول من أجله. # وقيل: هو مصدر. # وقوله { إذ يغشيكم }: العامل في { إذ } قوله: # إلا بشرى # [الأنفال: 10]، { إذ يغشيكم } ، أي: حين يغشيكم. # ومعنى { يغشيكم }: يلقى عليكم، و { أمنة }: أمانا من الله ~~لكم من عدوكم أن يغلبكم، وذلك يوم أحد أنزل الله، عز وجل، عليكم النعاس ~~أمنة من الخوف الذي أصابهم يوم أحد. # وقوله: { وينزل عليكم من السمآء مآء }. # كان هذا يوم بدر، أصبح المسلمون مجنبين على غير ماء، فأنزل الله ~~عز وجل، (عليهم) مطرا فاغتسلوا، وكان الشيطان قد وسوس إليهم بما ~~حزنهم به من إصباحهم مجنبين على غير ماء؛ لأن المشركين سبقوا ~~المسلمين ببدر إلى الماء فأصبح المسلمون عطاشا مجنبين ومحدثين، ~~فوسوس إليهم الشيطان، وقال: عدوكم على الماء، وأنتم تزعمون / أنكم ~~مسلمون، فأزال الله الأحداث والعطش والوسوسة بالمطر الذي أنزل عليهم، ~~وسكن به الغبار، وتمهدت الأرض للوطء عليها. # قيل: كانت سبخة لا تثبت عليها الأقدام. # وقيل: كانت رملا. # وكانت آية عظيمة في ثبات أقدامهم في المطر على سبخة. # وقول من قال: كانت الأرض رملة أولى، لقوله: { ويثبت به ~~الأقدام }. # قال قتادة: ذكر لنا أنهم مطروا يومئذ حتى سال الوادي ماء، وكانوا قد ~~التقوا على كثيب أعفر فلبده الله عز وجل بالماء، وشرب ms0900 المسلمون ~~واستقوا، [و] أذهب الله عز وجل، عنهم وساوس الشيطان وأحزانه. # وكان المشركون سبقوا إلى الماء وإلى الأرض الشديدة، ونزل المسلمون على ~~غير ماء وعلى رمل، فأراهم الله، عز وجل، بنزول المطر قدرته، وأثبت في ~~قلوبهم أمارة النصر والغلبة فتقوت نفوسهم وتشجعوا، وذهب عنهم وسوسة ~~الشيطان. # وقوله: { ويثبت به الأقدام }. # أي: بالمطر، وذلك أنهم التقوا مع عدوهم على رملة فلبدها المطر ~~حتى تثبت الأقدام عليها، وكان هذا كله ليلة اليوم الذي ألقوا فيه في بدر. # وقوله: { ويذهب عنكم رجز الشيطان }. # أي: وساوسه. # وقال القتيبي: كيده. ### || [8.12] # والعامل في { إذ يوحي } ، { ويثبت به الأقدام }. # وقيل المعنى: واذكر { إذ يوحي }. # وقيل: أوحى الله، عز وجل، { إلى الملائكة أني معكم ~~فثبتوا الذين آمنوا } ، فكان الملك يظهر للرجل من أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم في صورة رجل فيقول: سمعت أبا سفيان وأصحابه ~~يقولون: لئن حمل علينا هؤلاء لنهزمن! فتقوى بذلك قلوب ~~المؤمنين. # وقوله: { فاضربوا فوق الأعناق }. # أي: اضربوا الأعناق. # وقال الأخفش: { فوق } زائدة. # وقيل المعنى: اضربوا الرؤوس؛ لأنها فوق الأعناق. # وقال أبو عبيدة: { فوق } بمعنى: " على " ، والمعنى " فاضربوا على ~~الأعناق. يقال: ضربته على رأسه وفوق رأسه بمعنى. # وقوله: { واضربوا منهم كل بنان }. # أي: اضربوا الأطراف من الأيدي والأرجل. # و " البنان ": [أطراف] أصابع اليدين والرجلين. # وقال عطية، والضحاك: " البنان ": كل مفصل. # وواحد " البنان " " بنانة " ، وهي: الأصابع وغيرها من الأعضاء، ~~وهذا قول الزجاج. # وقوله: { فثبتوا الذين آمنوا }. # هذا أمر من الله، عز وجل للملائكة. # وقيل: إن الملك كان يأتي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول: ~~سمعت هؤلاء القوم يعني المشركين، يقولون: والله لئن حملوا علينا لننكشفن! ~~فيتحدث بذلك المسلمون، وتقوى نفوسهم. # وقيل معنى ثبتوهم أي: بالمدد. ### || [8.13-17] # قوله: { ذلك بأنهم شآقوا الله ورسوله } ، إلى ~~قوله: { سميع عليم }. # والمعنى: هذا الفعل الذي فعل بهم من ضرب الأعناق وغير ذلك، { ~~بأنهم شآقوا الله ورسوله } ، أي: خالفوه، كأنهم صاروا ~~في شق آخر بمخالفتهم له. # { ومن يشاقق الله ورسوله }. # أي: يخالفه. # أجمع القراء على الإظهار، إذ هو في ms0901 الخط بقافين. # والإظهار لغة أهل الحجاز، وغيرهم يدغم، وعليه أجمع في: " ~~الحشر ". # ويحسن " الروم " ، في الوقف في: " الحشر " /؛ لأن الساكن الذي حرك ~~من أجله الثاني لازم في الوقت، وهو " القاف " الأولى المدغمة في ~~الثانية، ولا يحسن " الروم " في الوقوف [في الأفعال؛ لأن الساكن الذي ~~حرك من أجله " القاف " الثانية غير لازم في الوقف] وهو " اللام " من اسم ~~الله، جل ذكره، فقس عليه ما كان مثله. # وقوله: { ذلكم فذوقوه وأن للكافرين }. # { وأن }: في موضع رفع عطف على: { ذلك }. # وقيل المعنى: وذلك وأن للكافرين، و { ذلكم }: في موضع رفع على معنى: ~~الأمر ذلكم، أو: ذلكم الأمر. # وقيل: { أن } في موضع نصب على معنى: واعلموا أن للكافرين، كما قال. # يا ليت زوجك قد غدا # متقلدا سيفا ورمحا # أي: وحاملا رمحا. # ويجوز أن يكون في موضع نصب على معنى: وأن للكافرين. # ومعنى الكلام: هذا الذي عجل لكم من ضرب الأعناق وضرب كل بنان في ~~الدنيا ذوقوه، أيها الكافرون، واعلموا أن لكم في الآخرة عذاب النار. # ثم قال تعالى: { يآأيها الذين آمنوا إذا لقيتم } ~~الآية. # والمعنى: إن الله أمر المؤمنين ألا يفروا من الكفار إذا تدانى بعضهم ~~من بعض عند القتال. # وقيل: المعنى: إذا واقفتموهم فلا تفروا منهم، ولكن أثبتوا فإن ~~الله معكم. # ثم توعد من يتولى أنه يرجع بغضب من الله، وأن مأواهم جهنم، وأرخص لهم ~~أن يتحرف الرجل لتمكنه عودة إلى الظفر، لا ليولي هاربا، وأرخص أن ينحاز ~~الرجل إلى فئة من المؤمنين ليكون معهم. # يقال: تحوزت وتحيزت. # قال الضحاك: " المتحرف ": المتقدم من أصحابه ليظفر بعودة للعدو، و ~~" المتحيز ": الذي يرجع إلى أميره وأصحابه. # قال عطاء: هذا منسوخ، نسخه: # يأيها النبي حرض المؤمنين على القتال # [الأنفال: 65] الآية، فأمروا أن يفروا ممن هو أكثر من مثليهم. # وقال الحسن: الآية مخصوصة في أهل بدر خاصة، وليس الفرار من الكبائر. # وقال أبو سعيد الخدري: نزلت في أهل بدر، يعني: { ومن يولهم ~~يومئذ دبره }. # ودليل أنها مخصوصة يوم بدر قوله: { يومئذ } ، فعلق الحكم بيوم ~~معلوم. # وقال ابن ms0902 عباس: الآية محكمة، وحكمها باق إلى اليوم، والفرار من الكبائر. # ومعنى: { بآء بغضب }. # أي: رجع به. # وقوله: { فلم تقتلوهم }. # أي: لم تقتلوا أيها المسلمون المشركين. # { ولكن الله قتلهم }. # أضاف ذلك إلى نفسه، تعالى، إذ كان هو المسبب قتلهم، والمعين عليه، وعن ~~أمره كان، وبنصره تم. # روي أن جبريل عليه السلام، قال للنبي صلى الله عليه وسلم، عند الزحف: ~~خذ قبضة من تراب فارمهم بها، ففعل، فلم يبق أحد من المشركين إلا ~~أصابت عينه وأنفه وفمه، فولوا مدبرين. # فلما أظفر الله المؤمنين بالمشركين، جعل كل واحد يقول: فعلت كذا، ~~وصنعت كذا، فأنزل الله، عز وجل: { فلم تقتلوهم ولكن ~~الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله ~~رمى }. # وهذا يدل على خلاف قول من يقول: إن العبد يفعل حقيقة. # ثم قال: { وما رميت إذ رميت } ، يخاطب النبي صلى الله عليه ~~وسلم، { ولكن الله رمى } أي: الله المسبب للرمية، وهذا ~~حين حصب النبي صلى الله عليه وسلم، الكفار فهزمهم الله. # قال عكرمة: ما وقع منها شيء إلا عين رجل. # وقيل: # " إن النبي صلى الله عليه وسلم، أخذ قبضة من تراب فرمى بها في وجوه ~~القوم، لما دنوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، وقال: " شاهت ~~الوجوه! " فدخلت في أعينهم كلهم، وأقبل أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، يقتلونهم ويأسرونهم، فكانت هزيمتهم من رمية رسول الله / صلى ~~الله عليه وسلم، فأنزل الله: { وما رميت إذ رميت ولكن ~~الله رمى } الآية ". # قال قتادة: أخذ النبي صلى الله عليه وسلم، يوم بدر ثلاثة أحجار فرمى بها ~~وجوه الكفار، فهزموا عند الحجر الثالث. # وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم، رمى أبي بن خلف الجمحي يوم بدر ~~بحربة في يده فكسر له ضلعا فمات منه، وكان النبي، عليه السلام، قد ~~أوعده أنه يقتله. # ويروى # " أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان جالسا يوم بدر في عريش، وأبو بكر ~~عن يمينه، والنبي صلى الله عليه وسلم، يدعو ويقول: " اللهم إن تهلك هذه ~~العصابة لا تعبد! ms0903 اللهم النصر الذي وعدتني " ، فألح النبي صلى الله عليه ~~وسلم، في الدعاء، فقال له أبو بكر، رضي الله عنه: " خفض يا رسول الله، ~~دعاءك، فإن الله متمم لك ما وعدك، فخفق رسول الله [صلى الله عليه ~~وسلم]، من نعسة نعسها، ثم ضرب بيمينه على فخذ أبي بكر، فقال: " أبشر بنصر ~~الله، رأيت في منامي بقلبي جبريل عليه السلام، يقدم الخيل على ثنية ~~النقع ". فلما التقى الجمعان خرج النبي صلى الله عليه وسلم من العريش، ~~فأخذ حصبا من الأرض فرمى بها في وجوههم، ثم قال: " شاهت الوجوه ثم لا ~~ينصرون، لا ينبغي لهم أن يظهروا " فرمى مقابل وجوههم، وعن أيمانهم، وعن ~~شمائلهم ثلاث مرات فلم تقع تلك الحصباء على أحد إلا قتل وانهزم، وصار في ~~جسده خضرة ". # قال أبو عبيدة معناه: ما ظفرت ولا أصبت، ولكن الله أظفرك ونصرك. ~~يقال: رمى الله لك، [أي]: نصرك. # وحكى أن بعض العلماء قال في معناها: وما رميت قلوب المشركين إذ رميت ~~وجوههم بالرمل والتراب، ولكن الله رمى قلوبهم بالجزع فهزمهم عنك برميته ~~لا برميتك. # وقوله: { وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا }. # يريد به من استشهد ذلك اليوم، وكان قد استشهد من المؤمنين ذلك اليوم ~~أربعة عشر رجلا، ستة من المهاجرين، وهم: # عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، توفي ب: " الصفراء " ، من ~~ضربة في ساقه. # وعمير بن مالك بن وهيب. # وأبو سعيد بن مالك. # وذو الشمالين: عمير بن عمرو بن نضلة. # وغافل بن البكير، سماه النبي: عاقل بن بكير وهو حليف لبني ~~عدي. # ومهجع، مولى عمر بن الخطاب، (رضي الله عنه)، وهو أول من قتل يوم بدر. # وصفوان بن بيضاء، من بني الحارث بن فهر. # وثمانية من الأنصار من الأوس، وهم. # سعد بن خيثمة بن الحارث. # ومبشر بن عبد المنذر، وهو أخو أبي لبابة، وهو نقيب. # وعمير بن الحمام. # وابنا عفراء: معاذ وعمرو. # ورافع بن المعلى. # ويزيد بن الحارث ابن فسحم. # [وحارثة] بن عدي بن سراقة. # " وكان حارثة صغير السن بعثته أمه مع عمر بن الخطاب ms0904 يخدمه، فكان يعجن، ~~فسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الله ليضحك إلى عبده يخرج ~~[متفضلا في ثوبه شاهرا سيفه فيقاتل حتى يقتل " ، فترك العجين وخرج] إلى ~~القتال فاستشهد، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم، المدينة، أتت أمه ~~وأخته إلى عمر فسألتاه عن حارثة، فقال: استشهد، ثم ذهبتا إلى أبي بكر ~~فسألتاه عن حارثة، فقال لأمه: ابنك في الجنة، ثم ذهبت إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله ابني، فقال: " ابنك في الرفيق / الأعلى " ~~، فحمدت الله، وقالت: طوبى لمن كان منزله في الرفيق الأعلى، فكان الناس ~~يعدون، وهي تهنأ ". # وأم حارثة هذه هي بنت النضر، عمة أنس بن مالك بن النضر. # وروى ابن وهب: أن عبد الرحمن بن عوف؛ قال: بينا أنا يوم بدر في ~~الصف إذا غلام عن يمين وآخر عن يساري، يغمزني أحدهما سرا من الآخر، ~~فقال: يا عم، فقلت: ما تشاء، قال: أين أبو جهل؟ قال: قلت: فاعل ماذا؟ ~~قال: عاهدت الله لئن رأيته لأضربنه بسيفي هذا؛ إنه بلغني أنه يسب ~~رسول الله [صلى الله عليه وسلم]، قال عبد الرحمن بن عوف: (ثم غمزني) ~~الآخر سرا، فقال: يا عم، أين أبو جهل؟ قال: قلت: فاعل ماذا؟ قال: عاهدت ~~الله لئن رأيته لأضربنه بسيفي هذا. # قلت: بأبي أنتما وأمي، وأشرت لهما إليه، فبلغني أنه قتلهما، وهما: ابنا ~~عفراء، وقطعا يده ورجله قبل أن يقتلهما. # قال ابن مسعود: فجئت أبا جهل، وهو فرعون هذه الأمة فوجدته مقطوع اليد ~~والرجل، فقلت: أخزاك الله، فقال: رويع غنم ادنه فإن الفحل يحمي ~~إبله وهو معقول. قال ابن مسعود: وكان معه سيف جيد، ومعي سيف رديء، فأدرت ~~به حتى أخذت سيفه، ثم ضربته به حتى مات، ثم جئت النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فأخبرته بقتلي لأبي جهل فقال: آلله، قلت آلله، فقال: آلله، قلت: ~~آلله، مرتين أو ثلاثا. # وقتل يومئذ من المشركين أكثر من سبعين، وأسر سبعون. # وكان الأسود بن عبد الأسد المخزومي حلف قبل القتال بآلهته ليشربن ms0905 من ~~الحوض الذي صنع محمد، وليهدمن منه، فلما دنا من الحوض لقيه حمزة بن عبد ~~المطلب. فضرب رجله فقطعها، فأقبل يحبو حتى وقع في الحوض، وهدم منه، ~~وأتبعه حمزة فقتله فكان أول من قتل من المشركين، فاحتمى له المشركون، ~~فبرز منهم ثلاثة: عتبة بن ربيعة، وشيبة [بن ربيعة]، والوليد بن عتبة ~~[بن ربيعة]، ونادوا بالمبارزة فقام إليهم نفر من الأنصار. فاستحيى النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأحب أن يبرز إليهم من بني عمه، فناداهم: أن ~~ارجعوا إلى مصافكم. وليقم إليهم بنو عمهم، فقام حمزة بن عبد المطلب وعلي ~~بن أبي طالب بن عبد المطلب. وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، فبرز حمزة: ~~لعتبة، وعبيدة: لشيبة، وعلي: للوليد فقتل حمزة: عتبة، وقتل علي: الوليد، ~~وقتل عبيدة: شيبة، بعد أن ضرب شيبة رجل عبيدة فقطعها، فحمل حتى ~~توفي ب: " الصفراء ". # فكان قتل هؤلاء النفر أن يلتقي الجمعان. # وقيل معنى: { وليبلي المؤمنين }. # أي: ولينعم عليهم نعمة حسن بالظفر والغنيمة والأجر. # { إن الله سميع عليم }. # أي: { سميع } لدعاء نبيكم، { عليم } بمصالحكم. # وقيل معناه: وليختبر الله المؤمنين اختبارا حسنا. ### || [8.18-19] # قوله: { ذلكم وأن الله موهن } إلى: { المؤمنين }. # { ذلكم }: في موضع رفع على معنى الأمر: { ذلكم }. # أو: الأمر. # ويجوز فيها، وفيما تقدم أن تكون في موضع نصب على معنى فعل: { ذلكم ~~}. # و { ذلكم } إشارة إلى ما تقدم من قتل المشركين والظفر بهم. # وقوله: { وأن الله موهن } ، أي: واعلموا أن الله مضعف { ~~كيد الكافرين } ، حتى ينقادوا. # وكل ما جاز في # وأن للكافرين # [الأنفال: 14]، جاز في هذه. # وقيل معنى { موهن }: يلقي الرعب في قلوبهم. # وقوله: { إن تستفتحوا فقد جآءكم الفتح }. # هذا خطاب للكفار، قالوا: اللهم انصر أحب الفريقين إليك. # ومعنى { تستفتحوا }: تستحكموا / على أقطع الحزبين للرحم. أي: إن ~~تستدعوا الله أن يحكم بينكم في ذلك { فقد جآءكم الفتح } ، أي: ~~الحكم. # { وإن تنتهوا فهو خير لكم }. # أي: إن تنتهوا عن الكفر بالله، { فهو خير لكم }. # قال السدي: كان المشركون إذا خرجوا من مكة إلى قتال النبي صلى الله عليه ms0906 ~~وسلم أخذوا أستار الكعبة فاستنصروا الله. # وقوله: { وإن تعودوا نعد }. # أي: إن عدتم إلى القتال عدنا لمثل الوقعة التي أصابتكم يوم بدر. # { ولن تغني عنكم فئتكم شيئا }. # أي: جنودكم وإن كانت كثيرة. # وقيل: { إن تستفتحوا فقد جآءكم الفتح }: للمؤمنين، ~~وما بعده للكفار. # وقوله: { وأن الله مع المؤمنين } ، عطف على: { وأن ~~الله موهن }. # وقيل المعنى: ولأن الله مع المؤمنين. # وقيل المعنى: واعلموا أن الله. # فيجوز الابتداء بها مفتوحة على هذا القول. # وقيل: إنه كله خطاب للمؤمنين، أي: إن تستنصروا فقد جاءكم النصر، وإن ~~تنتهوا عن مثل ما فعلتم من أخذ الغنائم والأسرى قبل الإذن { فهو ~~خير لكم } ، وإن تعودوا إلى مثل ذلك نعد إلى توبيخكم، كما قال ~~تعالى: # لولا كتاب من الله سبق (لمسكم) # [الأنفال: 68] الآية. # وقيل المعنى: { وإن تعودوا } أيها الكفار، إلى مثل قولكم ~~واستفتاحكم نعد إلى نصرة المؤمنين. ### || [8.20-23] # قوله: { يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ~~} ، إلى قوله: { وهم معرضون }. # المعنى: إن الله نهى المؤمنين أن يدبروا عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، مخالفين لأمره، وهم يسمعون أمره، ولا يكونوا كالكفار الذين قالوا: ~~{ سمعنا } ، بآذاننا { وهم لا يسمعون } ، بقلوبهم، ولا ~~يعتبرون ما يتلى عليهم. وإنما قيل: # { وهم لا يسمعون } ، وقد سمعوا؛ لأن من لم ينتفع بما سمع كان ~~بمنزلة من لم يسمع. # وقوله: { إن شر الدواب عند الله الصم البكم }. # أي: إن شر ما دب على وجه الأرض من خلق الله عند الله { الصم }: ~~عن الحق، فلا ينتفعون به. ولا يتدبرونه، { البكم }: عن قول الحق ~~والإقرار بالله، عز وجل، ورسله، صلوات الله عليه { الذين لا ~~يعقلون }: العمي عن الهدى. # قال مجاهد هم صم القلوب وبكمها وعميها، وقرأ: # فإنها لا تعمى الأبصار # [الحج: 46] الآية. # وعني بهذه الآية عند ابن عباس: نفر من بني عبد الدار. # وقيل عني بها: المنافقون. # ثم قال: { ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم }. # أي: لأسمعهم جواب كل ما يسألون عنه. أي: لو علم من نياتهم وضمائرهم مثل ~~ما ينطقون به بأفواههم من الإيمان الذي لا يعتقدونه ms0907 { لأسمعهم } ، ~~أي لجعلهم يعتقدون بقلوبهم مثل ما ينطقون به بأفواههم، فالإسماع في هذا ~~إسماع القلوب وقبولها ما تسمع الآذان. # وقوله: { ولو أسمعهم لتولوا }. # عاقبهم بالطبع على قلوبهم، لما علم من إعراضهم عن الإيمان، وما علم من ~~كفرهم، ولذلك دعا موسى عليه السلام. على قومه، فقال: # واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا ~~العذاب الأليم # [يونس: 88]. عاقبهم بالدعاء عليهم لما تبين من إصرارهم على الكفر، ~~وتماديهم عليه، { ولو أسمعهم } ذلك { لتولوا وهم ~~معرضون } ، حسدا ومعاندة. # وقيل: المعنى: { ولو علم الله فيهم / خيرا لأسمعهم ~~}. أي: لفهمهم مواعظ القرآن حتى يعقلوا، ولكنه علم أنه لا خير ~~فيهم، وأنهم ممن كتب عليهم الشقاء، فلو فهمهم ذلك { لتولوا ~~وهم معرضون }؛ لأنه قد سبق فيهم ذلك، والآية للمشركين، وقيل: ~~للمنافقين. ### || [8.24-25] # قوله: { يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله ~~وللرسول } ، إلى قوله: { شديد العقاب }. # قال أبو عبيدة معنى { استجيبوا }: أجيبوا، كما قال: فلم يستجب عند ~~ذاك مجيب، أي: يجبه. # ومعنى: { لما يحييكم }. # أي: للإيمان. وقيل: للإسلام. وقيل: للحق. وقيل: للقرآن وما فيه. # وقيل: إلى الحرب وجهاد العدو. # وسماه " حياة "؛ لأن الكافر مثل الميت. # وقيل معنى: { لما يحييكم } ، أي: لما تصيرون به إذا قبلتموه إلى ~~الحياة الدائمة في الآخرة. # " وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم، دعا أبيا وهو يصلي فلم يجبه ~~أبي، فخفف الصلاة، ثم انصرف إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له ~~النبي صلى الله عليه وسلم: ما منعك إذ دعوتك أن تجيبني؟ قال: يا رسول ~~الله، كنت أصلي، قال له: أفلم تجد فيما أوحي إلي: { استجيبوا ~~لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم }؟ قال: بلى، يا ~~رسول الله، ولا أعود ". # فهذا يبين أن المعنى يراد به الذين يدعوهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. إلى ما فيه حياة لهم من الخير بعد الإسلام المدعو إيمانه. # وقوله: { واعلموا أن الله يحول بين المرء ~~وقلبه }. # قال ابن جبير: يحول بين الكافر أن يؤمن، وبين المؤمن أن يكفر. # وكذلك قال ابن عباس. # وقال الضحاك: يحول بين الكافر وطاعته، وبين ms0908 المؤمن ومعصيته. # وقال مجاهد معناه: يحول بين المرء وعقله (حتى لا يدري ما يصنع. # وقال السدي في معناه: يحول بين الإنسان وقلبه). فلا يستطيع أن يؤمن ولا ~~أن يكفر إلا بإذنه. # وقيل المعنى: يحول بين المرء وبين ما يتمناه بقلبه من طول العيش وامتداد ~~الآمال والتسويف بالتوبة، فيعاجله الموت قبل بلوغ شيء من ذلك. # وقال قتادة معناه: إنه قريب من قلب الإنسان، لا يخفى عليه شيء ~~أظهره، ولا شيء أسره، وهو مثل قوله: # ونحن أقرب إليه من حبل الوريد # [ق: 16]. # وقال الطبري: هو خبر من الله عز وجل، أنه أملك بقلوب العباد منهم، وأنه ~~يحول بينهم وبينها إذا شاء، حتى لا يدرك الإنسان شيئا من الإيمان ولا ~~الكفر، ولا يعي شيئا. ولا يفهم شيئا، إلا بإذنه ومشيئته. # وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم، كثيرا ما يقول في دعائه: # " يا مقلب القلوب قلب قلبي إلى طاعتك ". # وفي رواية أخرى: # " ثبت قلبي على طاعتك ". # وكان يحلف: # " لا ومقلب القلوب ". # ومن هذا يقال: لا حول ولا قوة إلا بالله، فمعناه: لا حول عن ~~معصية، ولا قوة عن طاعة إلا بالله. # (وقال النبي صلى الله عليه وسلم، إذ نظر إلى زوجة زيد) فاستحسنها، وقد ~~كان عرضت عليه نفسها فلم يستحسنها: " سبحان مقلب القلوب ". # { وأنه إليه تحشرون }. # أي: تردون. # وقوله: { واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا ~~منكم خآصة }. # المبرد يذهب إلى أن { تصيبن } ، نهي، فلذلك دخلت " النون ". # والمعنى في النهي: للظالمين، أي: لا تقربوا / الظلم، وهو مثل ما حكى ~~سيبويه من قوله: (لا أرينك هاهنا)، أي: لا تكن هاهنا؛ فإن من يكون ~~هاهنا أراه. # وقال الزجاج: هو خبر. ودخلته " النون "؛ لأن فيه قوة الجزاء، قال: ~~وزعم بعضهم أنه جزاء فيه ضرب من النهي. ومثله مما اختلف فيه: # ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان # [النمل: 18]. # ومعنى ذلك: أنها أمر من الله للمؤمنين أن يتقوا اختبارا وبلاء يبتليهم ~~به، لا يصيبن ذلك { الذين ظلموا } ، بل يصيب الظالمين وغيرهم. ~~فالظالمون هم الفاعلون الكفر. # وقيل: نزلت في قوم من ms0909 أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهم أصحاب ~~الجمل. # قال ابن عباس: أمر الله المؤمنين ألا يقروا المنكر بين أظهرهم، ~~فيعمهم الله بالعذاب. # وقال الزبير، يوم الجمل لما لقي ما لقي،: ما توهمت أن هذه الآية نزلت في ~~أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، إلا اليوم. # وقال القتيبي معناه: لا تخص الظالم، ولكنها تعم الظالم وغيره. # وقوله تعالى: # هل يهلك إلا القوم الظلمون # [الأنعام: 47]. # يدل على أن العقوبة تخص الظالم. وقد يدخل المداهن الساكت على رؤية ~~المنكر في الظلم، فيكون ممن يلحقه العقاب مع الظالم. # وقد قال الحسن: إن الآية نزلت في علي، وعثمان. وطلحة، والزبير [رضي ~~الله عنهم]. # وأكثر الناس على أن حكمها باق في الظالم، والمداهن الساكت على إنكار ~~المنكر، وهو يقدر على إنكاره، فإن كان لا يقدر على الإنكار، وخاف على ~~نفسه، أنكر على قدر استطاعته أو بقلبه. # قوله: { واعلموا أن الله شديد العقاب }. # أي: لمن عصاه وخالف أمره. ### || [8.26-28] # قوله: { واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في ~~الأرض } ، إلى قوله: { أجر عظيم }. # هذه الآية تذكير من الله عز وجل، للمؤمنين بما أنعم عليهم من العز، بعد ~~أن كان المشركون يستضعفونهم. وهم قليل، ويفتنونهم عن دينهم، ~~ويسمعونهم المكروه. # قوله: { تخافون أن يتخطفكم الناس }. أي: يقتلونكم. # { فآواكم }. أي: جعل لكم مأوى تأوون إليه منهم. # { وأيدكم }. # أي: قواكم بنصره إياكم عليهم حتى قتلتموهم. # { ورزقكم من الطيبات }. أي: أحل لكم غنائمهم. # ف: { الطيبات } ، هنا: الحلال. { لعلكم تشكرون }. و " ~~لعل " هاهنا: ترج يعود إليهم. # والطبري يجعلها بمعنى: " كي ". # و { الناس } ، في هذا الموضع: الذين كانوا يخافون منهم، كفار قريش ~~بمكة، كان المسلمون قلة يستضعفون بمكة. # قال الكلبي، وقتادة: نزلت هذه الآية في يوم بدر، كانوا يومئذ قلة يخافون ~~أن يتخطفهم الناس، فقواهم الله بنصره، ورزقهم غنائم المشركين حلالا. # وقال وهب بن منبه: { تخافون أن يتخطفكم الناس }: ~~فارس. # وقيل هي: فارس والروم. # وقال الطبري معنى: { فآواكم } ، أي: إلى المدينة، { وأيدكم ~~بنصره } ، أي: بالأنصار. # وكذلك قال السدي. # ثم قال: { يأيها الذين آمنوا لا تخونوا ms0910 الله ~~والرسول }. # قوله: { وتخونوا أماناتكم }. # في موضع نصب على الجواب. على معنى: أنكم إذا خنتم الله والرسول خنتم ~~أماناتكم. # وقيل: هو في موضع جزم على النهي نسقا على: { لا تخونوا }. # ومعنى خيانة الله والرسول: هو إظهار الإيمان وإبطان الكفر. # وقيل: هذه الآية نزلت في منافق كتب إلى أبي سفيان / يطلعه على سر ~~المسلمين. # وقيل: خيانة الرسول (صلى الله عليه سلم): ترك العمل بسنته. # وقليل: نزلت في أبي لبابة. لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم، إلى ~~بني قريظة فأشار إليهم إلى حلقه: إنه الذبح. قال الزهري: فقال ~~أبو لبابة: لا والله، لا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أموت أو يتوب الله ~~علي، فمكث سبعة أيام لا يأكل ولا يشرب حتى خر مغشيا عليه، حتى ~~تاب الله عليه. فقيل له: يا أبا لبابة، قد تاب الله عليك، قال: لا والله، ~~لا أحل نفسي حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو الذي ~~يحلني. فجاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحله بيده. ثم قال ~~أبو لبابة: إن توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع ~~عن مالي، قال: يجزيك الثلث أن تتصدق به. # وقيل: الآية عامة. نهوا ألا يخونوا الله والرسول كما صنع المنافقون. # وقوله: { وتخونوا أماناتكم }. # أي: لا تفعلوا الخيانة، فإنها خيانة لأماناتكم. # وقيل المعنى: ولا تخونوا أماناتكم. # و " الأمانة " هاهنا: ما يخفى عن أعين الناس من ترك فرائض الله، عز ~~وجل، وركوب معاصيه. # قوله: { واعلموا أنمآ أموالكم وأولادكم فتنة ~~}. # أي: اختبارا اختبرتم بها. وابتلاء ابتليتم بها. لينظر كيف أنتم فيها ~~عاملون. # { وأن الله عنده أجر عظيم }. # أي: جزاء وثوابا على طاعتكم. ### || [8.29-30] # قوله: { يأيها الذين ءامنوا إن تتقوا الله ~~يجعل لكم فرقانا } ، إلى قوله: { خير الماكرين }. # والمعنى: إن تتقوا الله في أداء فرائضه، واجتناب معاصيه، وترك خيانته ~~وخيانة رسول الله صلى الله عليه وسلم: { يجعل لكم فرقانا } ، ~~أي: فصلا. وفرقا بين حقكم وباطل من يبغيكم السوء، { ويكفر ~~عنكم سيئاتكم } ، أي: يمحها، { ويغفر لكم }. أي: يستتر ms0911 ~~لكم على ذنوبكم، { والله ذو الفضل العظيم } ، عليكم وعلى ~~غيركم. # وقيل: { فرقانا }: مخرجا. # وقيل: نجاة. # وقيل: نصرا. # وقال ابن زيد معناه: يفرق في قلوبكم بين الحق والباطل حتى تعرفوه. # وقال مجاهد: مخرجا من الضيق إلى السعة، ومن الباطل إلى الحق. # قوله: { وإذ يمكر بك الذين كفروا } ، الآية. # المعنى: واذكر، يا محمد، إذ يمكر. # وهذه الآية تذكير للنبي صلى الله عليه وسلم، بنعم الله عز وجل عليه، و { ~~الذين كفروا }: هم مشركو قريش. # قال [ابن عباس] معنى { ليثبتوك } ، أي: ليوثقوك وليثقفوك. # وكذلك قال مجاهد: وقتادة. وذلك بمكة. # وقال السدي: { ليثبتوك }: ليحبسوك ويوثقوك. # وقال ابن زيد، وابن جريج: ليحبسوك. # وقال ابن عباس: اجتمع نفر من قريش من أشرافهم، في دار الندوة، ~~فاعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل، فلما رأوه قالوا: من أنت؟ قال: شيخ ~~من نجد، سمعت أنكم اجتمعتم، فأردت أن أحضركم، ولن يعدمكم مني ~~رأي ونصح. قالوا: أجل، ادخل، فدخل معهم، فقال: انظروا في أمر هذا ~~الرجل، والله ليوشكن أن يواثبكم في أمركم بأمره. فقال قائل منهم: احبسوه ~~في وثاق. ثم تربصوا به ريب المنون، حتى يهلك كما هلك من كان قبله من ~~الشعراء. فصرخ عدو الله الشيخ النجدي وقال: والله، ما هذا لكم برأي، ~~والله ليخرجنه رأيه من محبسه إلى أصحابه، فليوشكن أن يثبوا عليه حتى ~~يأخذوه من أيديكم فيمنعوه منكم، / فما آمن أن يخرجوكم من بلادكم، فقال ~~قائل: أخرجوه من بين أظهركم فتستريحوا منه. فقال الشيخ النجدي: والله ما ~~هذا برأي، ألم تروا حلاوة قوله ولطافة لسانه، وأخذ القلوب لما ~~يسمع من حديثه؟ والله لئن فعلتم ليستعرضن وليجمعن عليكم، ثم ليأتين ~~إليكم حتى يخرجكم من بلادكم، قالوا: صدق، قال أبو جهل: والله لأشيرن ~~عليكم برأي ما أراكم أبصرتموه، قالوا: وما هو؟ قال: تأخذون من كل قبيلة ~~غلاما وسيطا شابا، ثم نعطي كل غلام منهم سيفا صارما، ثم يضربونه ~~ضربة رجل واحد، فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل، فلا أظن هذا الحي من ~~بني هاشم يقوون على حرب قريش، وإنهم ms0912 إذا رأوا ذلك قبلوا العقل ~~واسترحنا. فقال الشيخ النجدي: هذا والله هو الرأي، القول ما قال الفتى، ~~فتفرقوا على ذلك، وأتى جبريل (النبي) صلى الله عليه وسلم، فأمره أن لا ~~يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه، وأخبره بمكر القوم، ثم أمره بالخروج، ~~فأنزل الله عليه بالمدينة: " الأنفال " يذكره نعمه عليه في قوله: { ~~وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك } ، الآية. # فأنزل في قولهم " نتربص به حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء ": # أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون # [الطور: 30]. # وكان يسمى ذلك اليوم الذي اجتمعوا فيه " يوم الزحمة ". # ولما أجمعوا على ذلك باتوا يحرسونه ليوقعوا به بالغداة. فخرج النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وأبو بكر إلى الغار، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم، ~~عليا أن يبيت في موضعه، فتوهم المشركون أنه [النبي] صلى الله عليه ~~وسلم، فباتوا يحرسونه، فلما أصبح وجدوا عليا، فقالوا: أين صاحبك؟ قال: ~~لا أدري، فركبوا وراءه كل صعب وذلول يطلبونه، ومروا بالغار قد نسج على ~~فمه العنكبوت، فمكث النبي صلى الله عليه وسلم، فيه ثلاثا. # " ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال لعلي: نم على فراشي ~~وتسج ببردي هذا الحضرمي؛ فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه، ثم خرج ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو جهل وأصحابه على الباب، وأخذ النبي صلى ~~الله عليه وسلم، حفنة من تراب، وأخذ الله بأبصارهم فلا يرونه، فجعل ~~يثير التراب على رؤوسهم، وهو يقرأ: { يس } ، إلى قوله: { فهم لا ~~يبصرون } فلم يبق منهم رجل إلا وضع النبي صلى الله عليه وسلم، على ~~رأسه ترابا، وانصرف إلى حيث أراد، فآتاهم آت فأعلمهم بحالهم، فوضع ~~كل رجل منهم يده على رأسه فوجد ترابا، فانصرفوا بخزي وذل ". ### || [8.31-32] # قوله: { وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا [قد] ~~سمعنا } إلى قوله: { بعذاب أليم }. # المعنى: أن الله عز وجل، حكى عنهم: أنهم يقولون إذا يتلى عليهم ~~القرآن: { لو نشآء لقلنا } مثله: { إن هذآ إلا ~~أساطير الأولين } ، أي: سطره الأولون وكتبوه من أخبار الأمم. # قال ms0913 ابن جريج: كان النضر بن الحارث يختلف تاجرا إلى فارس، فيمر ~~بالعباد وهم يقرأون الإنجيل ويركعون ويسجدون. فجاء مكة، فوجد / محمدا ~~صلى الله عليه وسلم، قد أنزل عليه وهو يركع ويسجد، فقال: { قد ~~سمعنا } ، مثل هذا { لو نشآء لقلنا مثل هذا } ، ~~يعني: ما سمع من العباد. # وقال السدي: كان النضر يختلف إلى الحيرة. فيسمع سجع أهلها وكلامهم، ~~فلما سمع بمكة كلام النبي صلى الله عليه وسلم، والقرآن، قال: قد سمعت ~~مثله: { لو نشآء لقلنا مثل هذا إن هذآ إلا ~~أساطير الأولين } ، يقول: أساجيع أهل الحيرة. و { أساطير ~~}: جمع الجمع، فهو جمع " أسطر " ، و " أسطر " جمع سطر. # وقيل: إنه جمع، وواحده: " أسطورة ". # وقتل النضر هذا وهو أسير يوم بدر صبرا. أسره المقداد. فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم، اقتله؛ فإنه يقول في كتاب الله ما يقول، فراجعه ~~المقداد ثلاث مرات، كل ذلك يأمره بقتله، فقتل. # وقوله: { وإذ قالوا اللهم } ، الآية. # معناه: واذكر، يا محمد، إذ قالوا ذلك. # والذي قاله عند ابن جبير: هو النضر بن الحارث. # وقال مجاهد: هو النضر بن كلدة، وأنه قتل بمكة بدليل قوله: { ~~وما كان (الله) ليعذبهم وأنت فيهم }. # ومعناه أنه قال: اللهم إن كان هذا الذي أتى به محمد هو الحق، { ~~فأمطر علينا حجارة من السمآء أو ائتنا ~~بعذاب أليم }. # قال عطاء: لقد نزل فيه بضع عشرة آية، منها: ما ذكرنا ومنها قوله: # وقالوا ربنا عجل لنا قطنا # [ص: 16]، الآية، ومنها: # ولقد جئتمونا فردى # [الأنعام: 94]، الآية. # ومنها: # سأل سآئل بعذاب واقع # [المعارج: 1] الآية. # قال أبو عبيدة: كل شيء من العذاب فهو " أمطرت " ، ومن الرحمة " مطرت ~~". ### || [8.33-34] # قوله: { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم } ، إلى ~~قوله: { لا يعلمون }. # والمعنى: وما كان الله ليعذب هؤلاء الذين تمنوا العذاب وأنت مقيم بين ~~أظهرهم. وكان قد نزلت عليه وهو مقيم بمكة. ثم خرج النبي صلى الله عليه ~~وسلم، من مكة، فاستغفر من بها من المؤمنين، فنزلت عليه بعد خروجه: { ~~وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون }. # ثم خرج أولئك البقية من ms0914 المؤمنين، فأنزل الله، عز وجل: { وما لهم ~~ألا يعذبهم الله } ، الآية، بالمدينة، فعذب الله، (عز ~~وجل). الكفار، إذ أذن للنبي صلى الله عليه وسلم، بفتح مكة، فهو العذاب ~~الذي وعدوا به. قال ذلك ابن أبي أبزى. # وقال أبو مالك نزل الجميع بمكة، فقوله: { وما كان [الله] ~~ليعذبهم وأنت فيهم } ، يعني: النبي صلى الله عليه وسلم، { ~~وما كان [الله] معذبهم وهم يستغفرون } ، يعني: ~~من بها من المسلمين { وما لهم ألا يعذبهم الله } ، ~~يعني: من بمكة من الكفار. # فمعنى: { وما لهم ألا يعذبهم الله } ، أي: خاصة، ~~فعذبهم الله (عز وجل). بالسيف، وفي ذلك نزلت: # سأل سآئل بعذاب واقع # [المعارج: 1]، الآية. وهو النضر. سأل العذاب. # وروي عن ابن عباس [أن] المعنى: { وما كان الله ~~ليعذبهم وأنت فيهم } ، يا محمد، أي: حتى نخرجك من بين ~~أظهرهم، { وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون } ، ~~قال: كان المشركون يطوفون بالبيت يقولون: " لبيك لبيك، لا شريك لك ~~" ، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم " قد، [قد] " ، فيقولون: " إلا ~~شريك هو لك، تملكه وما ملك " ، ويقولون: " غفرانك، غفرانك " ، فهذا ~~استغفارهم. قال: وقوله: { وما لهم ألا يعذبهم الله } ، ~~يعني في الآخرة. # وقال قتادة المعنى: { وما كان (الله) معذبهم وهم ~~يستغفرون } ، أي: لو استغفروا لم يعذبهم، ولكنهم ليس يستغفرون، ~~فلذلك قال: { وما لهم ألا يعذبهم الله } ، وهم لا ~~يستغفرون، ويصدون عن المسجد الحرام. # وهو اختيار الطبري. قال: كما نقول: " ما كنت لأحسن إليك وأنت تسيء ~~إلي " ، يراد به: لا أحسن / إليك إذا أسأت إلي، أي: لو أسأت ~~إلي لم أحسن إليك. # وكما قال: # بأيدي رجال لم يشيموا سيوفهم # ولم تكثر القتلى بها حين سلت # أي: إنما شاموها بعد أن كثرت القتلى. # وشمت السيف من الأضداد، شمته: سللته وأغمدته. # وقال بعض العلماء: هما أمانان أنزلهما الله عز وجل، فالواحد قد مضى وهو ~~النبي صلى الله عليه وسلم، والثاني باق وهو استغفار من الذنوب، فمن ~~استغفر (أمن) من نزول العذاب به في الدنيا. # وقال ابن زيد معنى: { وهم يستغفرون } ، أي: لو استغفروا لم ~~أعذبهم. ms0915 وهم لا يستغفرون، فما لهم ألا يعذبوا. # وهو قول قتادة الأول. # ومعنى ذلك قال السدي. # وقال عكرمة المعنى: لم يكن الله ليعذبهم وهم يسلمون. # و " الاستغفار " هنا: الإسلام. # وقال مجاهد: { وهم يستغفرون } ، أي: وهم مسلمون، { وما ~~لهم ألا يعذبهم الله } ، يعني: قريشا، بصدهم { عن ~~المسجد الحرام }. # وروي عن ابن عباس، أيضا أنه قال: { وهم يستغفرون } ، ~~[أي:] فيهم من سبق له [من الله] الدخول في الإسلام، فاستغفار مقدر فيهم ~~يكون قال: { وما لهم ألا يعذبهم الله } ، يعني: يوم ~~بدر بالسيف. # وروي عنه أيضا: { وهم يستغفرون }: وهم يصلون. # وروي عنه أيضا: { وهم يستغفرون } ، وفيهم مؤمنون ~~يستغفرون، فلما خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، أنزل الله عز وجل: { ~~وما لهم ألا يعذبهم الله } ، يعني: من بقي من الكفار ~~بمكة. # وعن مجاهد أيضا: { وهم يستغفرون }: يصلون. # وكذلك قال الضحاك. # وروي عن عكرمة، والحسن أنهما قالا: قوله: { وما كان الله ~~معذبهم وهم يستغفرون } ، يعني: المشركين، ثم نسخ ذلك ~~قوله: { وما لهم ألا يعذبهم [الله] وهم يصدون ~~عن المسجد الحرام }. # وقيل المعنى: وأولادهم يستغفرون، قد سبق في علم الله، عز وجل، أنهم يؤمن ~~أولادهم ويستغفرون، فلم يكن ليعذب هؤلاء بالاستئصال. وقد سبق أنهم يلدون ~~من يؤمن ويستغفر. # وقيل المعنى: وفيهم من يستغفرون. وهم من كان بمكة بين أظهرهم من ~~المؤمنين لم يخرجوا بعد من المستضعفين وغيرهم، وقاله الضحاك. قال: وقوله: ~~{ وما لهم ألا يعذبهم الله } ، يعني: الكفار خاصة. # قال مجاهد: { وهم يستغفرون }: يصلون، يعني: من بمكة من ~~المؤمنين. # وقوله: { وما لهم ألا يعذبهم الله }. # " أن ": في موضع نصب. # والمعنى: وأي شيء لهم في دفع العذاب عنهم. وهذه حالهم. # وقيل: هي زائدة. # وقيل المعنى: وما كان يمنعهم من أن يعذبوا. وهذه حالهم. # قوله: { وما كانوا أوليآءه }. # يعني: مشركي قريش. # { إن أوليآؤه إلا المتقون }. # يعني: أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. # وقال مجاهد { إلا المتقون } ، أي كانوا أو حيث كانوا. # { ولكن أكثرهم }. # أي: أكثر المشركين: { لا يعلمون } ، أن أولياء الله هم المتقون، ~~بل يحسبون أنهم هم أولياء ms0916 الله. # ومن قال: إن قوله: { وما كان الله معذبهم وهم ~~يستغفرون } ، يعني به المؤمنين، وقف على: { وأنت فيهم }؛ ~~لأن الأول للكافرين، والثاني للمؤمنين، وهو قول الضحاك، وعطية، وابن عباس ~~في بعض الروايات عنه. # ومن قال: إن الكلام كله للكفار، وهو ما روي عن ابن عباس، وأبي زيد، ~~والسدي، لم يقف على: { وأنت فيهم }. # { وما كانوا أوليآءه } ، وقف. # والأحسن في هذه الآيات أن يكون المعنى: أن منهم من سيؤمن فيستغفر، وقد ~~علم الله عز وجل، ذلك منهم، فهو قوله: { وهم يستغفرون } ، / ~~أي: سيكون منهم ذلك، ومنهم من يموت على الكفر، علم الله ذلك منهم، فهم ~~الذين قيل فيهم: { وما لهم ألا يعذبهم الله } ، ~~والسورة مدنية كلها. ### || [8.35-36] # قوله: { وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكآء ~~وتصدية } ، إلى قوله: { يحشرون }. # روي عن أبي بكر عن عاصم: # { وما كان صلاتهم } ، بالنصب، { إلا مكآء وتصدية } ~~، بالرفع، مثل قول الشاعر: # يكون مزاجها عسل وماء. # ومعنى الآية: وما كان يا محمد، صلاة هؤلاء المشركين عند البيت الحرام { ~~إلا مكآء } ، أي: تصفيرا، { وتصدية } ، أي: تصفيقا. # يقال: مكا يمكو مكوا ومكاء، إذا صفر. # وصدى يصدي تصدية، إذا صفق. # وقال ابن زيد، وابن جبير: (التصدية): صدهم عن سبيل الله. # وهذا إنما يجوز على أن تقدر أن " الياء " بدل من " دال " ، مثل: ~~تظنيت في تظننت. # وحكى النحاس: أنه يجوز أن يكون معناه: الضجيج والصياح، من قولهم: " صد ~~يصد " إذا ضج. # وتبدل من إحدى " الدالين " " ياء " أيضا كالأول، وأصله: " تصددة " ~~في القولين جميعا، ثم أبدلت من " الدال الثانية " " ياء ". # قال ابن عباس: كانت قريش تطوف حول البيت عراة يصفرون ويصفقون، فأنزل ~~الله عز وجل، # قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده # [الأعراف: 32]، فأمروا بلبس الثياب. # وقال مجاهد " المكاء ": إدخالهم أصابعهم في أفواههم ينفخون، و " ~~التصدية ": الصفير، يريدون أن يشغلوا بذلك محمدا صلى الله عليه ~~وسلم عن الصلاة. # وقال قتادة " المكاء ": الصفير بالأيدي، و " التصدية ": ~~صياح كانوا يعارضون به القرآن. # وقال السدي " المكاء ": صفير على لحن طير أبيض يقال له: " المكاء ms0917 " ~~، يكون بأرض الحجاز. # وقوله: { فذوقوا العذاب }. # هو العذاب بالسيف الذي نزل بهم يوم بدر. # وهذا ذوق بالحس يصل ألمه إلى القلب كما يصل الذوق في مرارته وطيبه إلى ~~القلب فسمي ذوقا لذلك. # ثم أخبرنا، تعالى، أن الذين كفروا يعطون أموالهم للمشركين مثلهم ~~ليتقووا بها على قتال النبي صلى الله عليه وسلم، فيصدون بذلك عن سبيل ~~الله، وهو الإسلام، فيسنفقون أموالهم { ثم تكون } نفقتهم عليهم { ~~حسرة }؛ لأن الأموال تذهب، ولا يصلون إلى ما أملوا، فذهابها في ~~الدنيا حسرة عليهم، وما اجترحوا من إثمها عليهم حسرة في الآخرة أيضا، { ~~ثم يغلبون } ، ولا تنفعهم نفقتهم، وهم إلى ربهم يحشرون في ~~المعاد. # قال ابن أبزى: نزلت هذه الآية في أبي سفيان، استأجر يوم أحد ألفين ~~ليقاتل بهم النبي عليه السلام، سوى من استجاش من العرب. # قيل: إنه أنفق أربعين أوقية [من ذهب]، يوم أحد، والأوقية يومئذ: اثنان ~~وأربعون مثقالا. # وذلك أنه لما وصل بالعير إلى مكة دعا الناس إلى القتال، فغزا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في العام المقبل إلى أحد. وكانت بدر في رمضان، يوم ~~جمعة صبيحة عشرة من رمضان. وكانت أحد في شوال يوم السبت لإحدى عشرة ليلة ~~خلت منه في العام الثاني من بدر، وهو العام الرابع من الهجرة. # وروى جماعة من التابعين: أن أبا سفيان لما سلم بعيره [إلى مكة] / كانت ~~العير لجماعة، فتكلم قريش إلى أصحاب العير أن يعينوهم بمالها على حرب ~~النبي عليه السلام، ليطلبوا أثأرهم ففعلوا، فأنزل الله، عز وجل: { ~~إن الذين كفروا ينفقون أموالهم } الآية. ### || [8.37-38] # قوله: { ليميز الله الخبيث (من الطيب) } ، إلى قوله: ~~{ سنة الأولين }. # المعنى: إن الله عز وجل، يحشرهم ليميز الخبيث من الطيب، أي: أهل السعادة ~~من أهل الشقاء. # وقيل: المؤمن من الكافر، فيجعل الخبيث بعضه على بعض. (أي: يجعل الكافر ~~بعضهم على بعض، أي: فوق بعض). # { فيركمه جميعا }. # أي: يجمعه بعضه إلى بعض. و " الركام ": المجتمع، ومنه قوله في ~~السحاب: { ثم يؤلف بينه } ، أي: يجمع المفترق، # ثم يجعله ركاما # [النور: 43]، أي: ms0918 مجتمعا كثيفا. # { فيجعله في جهنم }. # أي: الخبيث فوحد اللفظ ليرده على الخبيث، ثم جمع آخرا ردا على المعنى. # وقيل معنى: ليميز الخبيث من الطيب، أي: ما أنفقه الكافرون في معصية ~~الله، سبحانه، فيجمعه فيجعله في جهنم، فيعذبون به. و { الطيب }: ما ~~أنفقه المسلمون في رضوان الله عز وجل. # ثم قال تعالى: { قل للذين كفروا إن ينتهوا }. # أي: { قل } ، يا محمد، { للذين كفروا إن ينتهوا } ، أي: ~~عما نهوا عنه، { يغفر لهم ما قد سلف } ، أي: ما سلف وتقدم ~~من ذنوبهم، { وإن يعودوا } ، أي: إلى ما نهوا عنه من الصد عن سبيل ~~الله عز وجل، والكفر بآيات الله سبحانه، وإلى مثل قتالك يوم بدر، { ~~فقد مضت سنة الأولين } ، أي: سنة من قتل يوم بدر، ومن هو ~~مثلهم في إهلاك الله عز وجل، إياهم يوم بدر وغيرها. ### || [8.39-40] # قوله تعالى: { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة } ، إلى ~~قوله: { نعم المولى ونعم النصير }. # المعنى: إن الله (عز وجل)، أمر المؤمنين بقتالهم لئلا تكون { فتنة } ~~، أي: شرك. ف " الفتنة " هنا: الشرك، ولا يعبد إلا الله سبحانه. # وقال قتادة: المعنى: حتى يقال: لا إله إلا الله. # وقال الحسن: { فتنة }: بلاء. # وقال ابن إسحاق معناه: حتى لا يفتن مؤمن عن دينه، ويكون التوحيد لله ~~خالصا. # { إن انتهوا }. # أي: عن الفتنة، وهي: الشرك، فإن الله لا يخفى عليه عملهم. # { وإن تولوا }. # عن الإيمان، وأبو إلا الفتنة، فقاتلوهم، واعلموا أن الله معينكم ~~وناصركم، { نعم المولى } هو لكم، أي: المعين، { ونعم ~~النصير } ، أي: الناصر. ### || [8.41] # قوله: { واعلموا أنما غنمتم من شيء } الآية. # هذه الآية تعليم من الله عز وجل، للمؤمنين، أن كل ما غنموه من غنيمة، ~~وهو: " الفيء ". # وقيل: " الغنيمة ": ما أخذ عنوة، و " الفيء ": ما أخذ صلحا. # ف: " الغنيمة ": أربعة أخماسها لمن شهد القتال، للراجل: سهم، ~~وللفارس: سهمان. # والصلح على ما صولحوا عليه، وليس فيه خمس، إنما هو لمن سمى الله عز ~~وجل، في قوله: # مآ أفآء الله على رسوله من أهل القرى # [الحشر: 7]. # وقيل: " الغنيمة " ، و " الفيء " واحد، فيه ms0919 الخمس في " الحشر " قاله ~~قتادة. # وقوله: { لله خمسه }. # مفتاح كلام، والدنيا والآخرة لله، عز وجل / وكان النبي صلى الله عليه ~~وسلم، يقسم " الخمس " على خمسة: فخمس لله وخمس لرسوله هو [خمس] واحد. # وقيل: إن خمس لخمس لله وللرسول، كان النبي صلى الله عليه وسلم، يقبض ~~في " الخمس " قبضة فيجعله للكعبة، ثم يقسم باقي الخمس إلى خمسة. # وقال ابن عباس: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم، يأخذ من " الخمس " ~~شيئا، إنما كان يعطي ذلك لقرابته مع نصيبهم. # وقد أجمعوا على أن " الخمس " لا يقسم على ستة. # ومذهب الشافعي أن يقسم الآن على: خمسة، فيجعل جزء فيما كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم، يجعله، وذلك أن يجعل تقوية للمسلمين، وكذا روي أنه كان ~~يفعل، ويعطي الأربعة الأخماس: الخمس { لذي القربى واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل } سهما سهما. # وقال أبو حنيفة: يقسم الخمس على ثلاثة: للفقراء: ثلث، وللمساكين ثلث، ~~ولابن السبيل ثلث؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لا نورث ما تركنا صدقة " # ، فسقط خمس رسول الله صلى الله عليه وسلم وخمس ذوي القربى. # ومذهب مالك رضي الله عنه: أن الإمام يعطي من رأى من هؤلاء المذكورين ~~من هو أحوج، فإذا جعلت في بعض دون بعض جاز. # ومعنى: { ولذي القربى }. # هم قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، من بني هاشم. # وقال أبو سعيد الخدري عن ابن عباس: إنهم قريش كلهم. # { واليتامى }. # أطفال المسلمين الذين هلك آباؤهم. # { والمساكين }. # أهل الفاقة. # { وابن السبيل }. # المجتاز مسافرا قد انقطع به. # { إن كنتم آمنتم بالله }. # أي: صدقتم بتوحيده، وآمنتم بما أنزلنا على عبدنا. # { يوم الفرقان }. # وهو يوم بدر، فرق فيه بين الحق والباطل. # { يوم التقى الجمعان }. # يعني: جمع المسلمين وجمع المشركين، وهو أول مشهد شهده رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، كان المشركون ما بين الألف والتسعمئة والمسلمون ثلاثمئة ~~وبضعة عشر رجلا، فقتل من المشركين أزيد من سبعين، وأسر مثل ذلك. # وقال بعض نحويي البصرة قوله: { إن كنتم آمنتم بالله } ، ~~متعلق بقوله: { نعم المولى ونعم النصير ms0920 }. # وقيل: هو متعلق بما قيل من ذكر الغنيمة وقسمتها، وجواب الشرط محذوف، ~~والمعنى: إن كنتم [آمنتم] بالله فاقبلوا ما أمرتم به. # { والله على كل شيء قدير }. # أي: على إهلاك أهل الكفر، وغير ذلك مما يشاء قدير. ### || [8.42] # قوله: { إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة ~~القصوى } إلى قوله: { لسميع عليم }. # العامل في { إذ } قوله: # ومآ أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى ~~الجمعان # [الأنفال: 41] { إذ أنتم }. # والمعنى: إذ أنتم نزول شفير الوادي الأدنى إلى المدينة، وعدوكم بشفير ~~الوادي الأقصى إلى مكة. # { والركب أسفل منكم }. # أي: والعير التي فيها أبو سفيان وأصحابه أسفل منكم إلى ساحر البحر. # ولا يقال: ركب إلا للذين على الإبل. # وكان أبو سفيان قد أتى هو وأصحابه تجارا من الشام، لم يشعروا بأصحاب ~~بدر، ولم يشعر أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. بكفار قريش، ولا كفار قريش ~~بأصحاب محمد عليه السلام، حتى التقوا على ماء بدر. # { ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد }. # أي: لو كان اجتماعكم في الموضع الذي اجتمعتم فيه عن ميعاد، لاختلفتم، ~~لكثرة عدد عدوكم، وقلة عددكم. # { ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا }. # أي: جمعكم الله عز وجل، وإياهم { ليقضي الله } عز وجل، { ~~أمرا كان مفعولا } ، وذلك القضاء هو / نصره للمؤمنين، وتعذيبه ~~للمشركين بالسيف والأسر. # وقيل المعنى: لو كان [ذلك] [عن] ميعاد منكم ومنهم، ثم بلغكم كثرة عددهم ~~مع قلة عددكم، ما لقيتموهم. # قال كعب بن مالك: إنما خرج النبي صلى الله عليه وسلم، إلى بدر يريد ~~عير قريش، حتى جمع الله عز وجل، بينهم وبين عدوهم؛ لأن أبا جهل خرج ~~ليمنع النبي صلى الله عليه وسلم، من العير، فالتقوا ببدر، ولا يشعر كل ~~واحد بصاحبه. # ثم قال تعالى: { ليهلك من هلك عن بينة }. # أي: ليموت من مات عن حجة، أي: جمعهم على غير ميعاد، { ليهلك من ~~هلك عن بينة } ، أي: عن حجة قطعت عذره، ويعيش من عاش عن حجة قد ~~ظهرت له. # وقيل المعنى: ليكفر من كفر عن أمر بين، ويؤمن من آمن عن أمر بين. ms0921 # { وإن الله لسميع عليم }. # أي: لقولكم: { عليم } بما تضمره نفوسكم في كل حال. # قوله: { من حي }. # من قرأ ب " الإدغام " ، فإنه أدغم لاجتماع المثلين؛ ولأنه في ~~السواد ب: " ياء " واحدة. # ومن أظهر أجراه مجرى المستقبل، فلما لم يجز الإدغام في المستقبل (أجري ~~الماضي على ذلك، فأظهر، وقد أجاز الفراء الإدغام في المستقبل)، ومنعه ~~جميع البصريين؛ لأنه يجتمع في المستقبل حرفان متحركان، ف: " الياء " ~~الثانية حق أصلها أن تكون ساكنة، ولا يقاس هذا على ما صح لم يخف؛ لأن " ~~يحيى " يحذف ياؤه للجزم، ولا يحذف في " يخف " شيء للجزم. ### || [8.43-44] # قوله: { إذ يريكهم الله في منامك قليلا } ، إلى قوله: ~~{ ترجع الأمور }. # والمعنى: إن الله عز وجل، يا محمد، { لسميع } لما يقول أصحابك { ~~عليم } بما يضمرون، إذ يريك عدوك وعدوهم { في منامك قليلا } ، ~~فتخبر أصحابك بذلك، فتقوى نفوسهم، ويجترئون على حرب عدوهم، ولو أراك ربك ~~عدوك وعدوهم كثيرا، لفشل أصحابك فجبنوا على قتالهم، وتنازعوا في ذلك، { ~~ولكن الله سلم } ، من ذلك بما أراك في منامك من قلتهم { ~~إنه عليم } ، بما تجنه الصدور. # قال مجاهد: أراهم الله عز جل، نبيه عليه السلام، في منامه قليلا، ~~فأخبر أصحابه، فكان تثبيتا لهم. # وقال الحسن: كان ذلك رؤية حق غير منام. # والمعنى: { إذ يريكهم [الله] } بعينك التي تنام بها { ~~قليلا } ، فالمعنى على هذا: في موضع منامك. # وهو عند جميع أهل التفسير رؤيا في النوم كانت، إلا الحسن. فأما قوله: { ~~وإذ يريكموهم إذ التقيتم } ، فهي رؤية حق لا منام، وهذا ~~خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه. # ومعنى: { ولكن الله سلم }. # أي: سلم للمؤمنين أمرهم حتى أظفرهم. # وقيل المعنى: سلم أمره فيهم. # وقيل: سلم القوم من الفشل بما أرى نبيهم صلى الله عليه وسلم. من قلتهم. ~~قاله ابن عباس. # يقال: فشل الرجل، أي: جبن. # ثم قال: { وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم ~~قليلا }. # أي: أراكم، أيها المؤمنون، عدوكم، قليلا، وهم كثير ليهون عليكم أمرهم، ~~فلا تجزعوا ولا تجبنوا، ويقلل المؤمنين في أعينهم، ليتركوا الاستعداد ~~لهم، فتهون على ms0922 المؤمنين شوكتهم. # قال عبد الله بن مسعود: قللوا في أعيننا يوم بدر، حتى قلت لرجل إلى ~~جانبي: أراهم سبعين؟ قال: أراه مائة، قال: فأسرنا رجلا منهم / فقلنا: كم ~~كنتم؟ قال: ألفا. # وكان من قول أبي جهل لأصحابه لما قلل الله عز وجل، المسلمين في ~~عينيه: يا قوم، لا تقتلوهم بالسلاح، ولكن خذوهم أخذا، فاربطوهم ~~بالحبال. # ثم قال: { ليقضي الله أمرا كان مفعولا }. # أي: فعل ذلك، فيظفركم بعدوكم، وتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين ~~كفروا السفلى. # { وإلى الله ترجع الأمور }. # أي: تصير في الآخرة إليه، فيجازي كل نفس بما كسبت. ### || [8.45-46] # قوله: { يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة ~~فاثبتوا } ، إلى قوله: { مع الصابرين }. # هذه الآية تحريض من الله، عز وجل، للمؤمنين في الثبات عند لقاء العدو، ~~وأمرهم بذكر الله، سبحانه { كثيرا } ، أي: يذكرونه في الدعاء إليه في ~~النصر على عدوهم، { لعلكم تفلحون }. # { وأطيعوا الله } عز وجل، { ورسوله } عليه السلام، أي: ~~فيما أمركم به، { ولا تنازعوا } ، أي: تختلفوا فتفترق قلوبكم، { ~~فتفشلوا } ، أي: تضعفوا وتجبنوا، { وتذهب ريحكم } ، أي: ~~قوتكم وبأسكم ودولتكم، فتضعفوا، { واصبروا } ، أي: اصبروا مع نبي ~~الله عز وجل، عند لقاء عدوكم، { إن الله مع الصابرين } ، ~~أي: معكم. # قال مجاهد، وابن جريج: ذهب ريح أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين ~~نازعوه يوم أحد، أي: تركوا أمره، يعني: الرماة. # قال ابن زيد، ومجاهد، وغيرهم: (الريح) ريح النصر. # قال ابن زيد: لم يكن نصر قط إلا بريح يبعثها الله عز وجل، يضرب بها وجوه ~~العدو، فإذا كان ذلك لم يكن لهم قوام. # فمعنى: { وتذهب ريحكم }. # (أي): الريح التي هي النصر، وعلى ذلك قال قتادة ومجاهد: { ريحكم }: ~~نصركم. ### || [8.47] # قوله: { ولا تكونوا كالذين خرجوا } ، الآية. # هذه الآية تنبيه للمؤمنين ألا يعملوا عملا إلا لله عز وجل، وطلب ما ~~عنده تبارك وتعالى، ولا يفعلوا كفعل المشركين في مسيرهم إلى بدر طلب رئاء ~~الناس. وذلك أنهم أخبروا أن العير قد فاتت النبي صلى الله عليه وسلم، ~~[وأصحابه]، وقيل لهم: ارجعوا فقد سلمت العير التي ms0923 جئتم لنصرتها، فأبوا ~~الرجوع، وقالوا: نأتي بدرا فنشرب بها الخمر، وتعزف علينا بها القيان، ~~وتتحدث بنا العرب، فسقوا مكان الخمر المنايا. # وفيهم نزل: { ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم ~~بطرا ورئآء الناس } الآية. # قال ابن عباس: لما رأى أبو سفيان أنه أحرز عيره، أرسل إلى قريش: إنكم ~~إنما خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم، فقد نجت، فارجعوا، فقال أبو ~~جهل بن هشام: والله لا نرجع حتى نرد بدرا، وكان " بدر " موسما من ~~مواسم العرب، تجتمع لهم بها سوق كل عام، فنقيم عليهم ثلاثا، وننحر ~~الجزر، ونطعم الطعام، فمضوا حتى أتوا بدرا، فاجتمع السقاة على الماء ~~من هؤلاء ومن هؤلاء، فجاز المشركون الماء. # ومعنى " البطر ": التقوية بنعم الله، تعالى على المعاصي، فأمر الله ~~عز وجل المؤمنين بإخلاص العمل له، ولا يكونوا كهؤلاء، الذين أتوا بدرا ~~للرياء والسمعة بطرا منهم. ### || [8.48] # قوله: { وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم } ، الآية. # المعنى: اذكر إذ زين لهؤلاء الكفار الشيطان أعمالهم. # وقيل المعنى: # وإن الله لسميع عليم # [الأنفال: 42]، في هذه الأحوال، وحين زين لهم الشيطان أعمالهم. # قال الضحاك: جاءهم إبليس يوم بدر بجنوده فزين لهم أنهم لن ينهزموا وهم ~~يقاتلون على دين آبائهم، وأنه جار لهم، فلما التقوا، ونظر الشيطان إلى ~~إمداد الملائكة { نكص على عقبيه } ، أي: رجع مدبرا، وقال ~~لهم: { إني أرى ما لا ترون }. # قال السدي: أتى المشركين إبليس في صورة سراقة بن مالك الكناني الشاعر / ~~على فرس فقال: { لا غالب لكم اليوم من الناس } ، فقالوا: ~~من أنت؟ قال: أنا جاركم سراقة بن مالك، وهؤلاء كنانة قد أتوكم. # وقال قتادة: لما رأى الملعون جبريل عليه السلام تنزل معه الملائكة، علم ~~أنه لا يدين له بالملائكة، فقال: { إني أرى ما لا ترون } ، ~~وقال: { إني أخاف الله } ، وكذب الملعون، ما به مخافة الله عز ~~وجل، ولكن لما رأى ما لا منعة له منه، فرق وقال ذلك، وهو كاذب على نفسه. # وقيل: إنه ظن أن الوقت الذي أنظر إليه قد حضر، فخاف. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " " ما ms0924 رئي إبليس يوما هو فيه أصغر، [ولا أدحر]، ولا أحقر، ~~ولا أغيظ من يوم عرفة، وذلك مما يرى من تنزيل الرحمة والعفو عن الذنوب، ~~إلا ما رأى يوم بدر " ، قالوا: يا رسول الله، وما رأى يوم بدر؟ قال: " ~~أما إنه رأى جبريل عليه السلام، يزع الملائكة " ". # قال الحسن: رأى جبريل عليه السلام، معتجرا ببرد، يمشي بين يدي ~~النبي عليه السلام، وفي يده اللجام. # ومعنى { نكص على عقبيه }. رجع القهقري. # وقيل معناه: رجع من حيث جاء. # وكانت وقعة بدر لسبع عشرة خلت من رمضان على رأس سبعة عشر شهرا من مقدم ~~النبي عليه السلام، من مكة. # قال مالك: على رأس سنة ونصف. # وكانت وقعة أحد بعد بدر بسنة. ### || [8.49-51] # قوله: { إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم ~~مرض } إلى قوله: { للعبيد }. # المعنى: واذكر، يا محمد، { إذ يقول }. # وقيل المعنى: # لسميع عليم # [الأنفال: 42]، في هذه الأحوال، وحين يقول المنافقون: كذا وكذا. # و { المنافقون } هنا: نفر لم يستحكم الإيمان في قلوبهم من ~~مشركي قريش، خرجوا مع المشركين من مكة وهم على الارتياب، فلما رأوا قلة ~~أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قالوا: { غر هؤلاء دينهم } ، ~~حتى قدموا على ما قدموا عليه، مع قلة عددهم. # وقال الحسن: هم قوم لم يشهدوا القتال يوم بدر، فسموا: " منافقين ". # وقال معمر: هم قوم أقروا بالإسلام بمكة، ثم خرجوا مع المشركين إلى بدر، ~~فلما رأوا قلة المسلمين قالوا: { غر هؤلاء دينهم }. # قال ابن عباس: إنما قالوا ذلك حين قلل الله المسلمين في أعين المشركين، ~~فظنوا أنهم يغلبون لا محالة. # وقوله: { ومن يتوكل على الله }. # أي: يسلم أمره إلى الله عز وجل { فإن الله عزيز } ، أي: لا ~~يغلبه شيء، ولا يقهره أمر { حكيم } في تدبيره. # ف { المنافقون }: هم الذين أظهروا الإيمان، وأبطنوا الشرك، { ~~والذين في قلوبهم مرض }: هم الشاكون في أمر الإسلام. وقيل: ~~هما واحد، كما قال: # الذين يؤمنون بالغيب # [البقرة: 3]، ثم قال: # والذين يؤمنون بمآ أنزل إليك # [البقرة: 4]، وهما واحد. # ويروى أن رجلا من الأنصار رأى الملائكة يوم بدر، ms0925 فذهب بصره، فكان ~~يقول: لولا ما ذهب بصري لأريتكم الشعب الذي خرجت منه الملائكة. # قال: ولقد سمعت حمحمة الخيل. # قوله: { ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا ~~الملائكة }. # أي: لو عاينت ذلك، يا محمد، رأيت أمرا عظيما، يضربون وجوههم وأستاههم، ~~يقولون لهم: { ذوقوا عذاب الحريق } ، أي: النار. ف: " يقولون ~~" محذوفة من الكلام. # وجواب { لو } محذوف. والمعنى: ولو ترى ذلك لرأيت أمرا عظيما، وشبه ~~هذا. # وهذا إنما يكون عند قبض أرواحهم. # وقيل: إنما يكون يوم القيامة. # وقيل: أريد به يوم بدر، قاله مجاهد. # قال مجاهد { أدبارهم }: أستاههم، ولكن الله كريم يكني. # قال ابن عباس: / كان المشركون إذا أقبلوا بوجوهم يوم بدر إلى المسلمين، ~~ضربوا وجوههم بالسيوف، وإذا ولوا، أدركتهم الملائكة يضربون أدبارهم. # قوله: { الذين كفروا } ، وقف، إن جعلت المعنى: إذ يتوفى الله ~~الذين كفروا، ثم تبتدئ: { الملائكة يضربون وجوههم ~~وأدبارهم } ، على الابتداء والخبر. # ويدل على هذا المعنى: # الله يتوفى الأنفس حين موتها # [الزمر: 42]. # وإن جعلت الملائكة هم يتوفونهم، وقفت على { الملائكة } ، وهو مروي ~~عن نافع، وجعلت { يضربون } ، على إضمار مبتدأ، أي: هم يضربون. # والأحسن الوقف على { أدبارهم } ، وهو التمام وتبتدئ: { وذوقوا ~~} ، على معنى: ويقولون. # { وذوقوا عذاب الحريق } تمام، إن قدرت " الكاف " في # كدأب # [الأنفال: 52]، متعلقة بقوله: { ذلك بما قدمت أيديكم }. # فإن قدرت أنها متعلقة بقوله: { وذوقوا عذاب الحريق } ، لم ~~تقف على: { الحريق }؛ لأن المعنى: { وذوقوا عذاب الحريق ~~} ذوقا { كدأب آل فرعون }. ف: " الكاف " على هذا في موضع ~~نصب نعت لمصدر محذوف. # و { ذلك } ، في موضع رفع بالابتداء، والخبر: { بما قدمت ~~أيديكم } ، والتقدير: ذلك العذاب لكم { بما قدمت أيديكم ~~} ، أي: من الآثام. # وقيل: هو في موضع رفع على إضمار مبتدأ، والتقدير: الأمر ذلك. # { وأن الله } ، " أن " في موضع خفض عطفا على " ما ". # أو في موضع نصب على حذف حرف الجر. # أو في موضع رفع نسقا على: { ذلك }. # أو على إضمار مبتدأ، والتقدير: وذلك أن الله. ### || [8.52-53] # قوله: { كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا ~~بآيات الله } إلى قوله: { سميع عليم }. # " الدأب ": العادة، وأصله ms0926 من قولهم: " فلان يدأب على الشيء ": # أي: يدوم عليه ويلزمه. # و " الكاف " متعلقة بقوله: { ذلك بما قدمت أيديكم }. # من المعاصي كعادة آل فرعون والذين من قبلهم. # و " الكاف " من: { كدأب } ، في موضع رفع على إضمار مبتدأ. # أي: العادة في تعذيبكم عند قبض الأرواح وفي القبور مثل العادة في آل ~~فرعون. # ويجوز أن تكون " الكاف " متعلقة ب: { وذوقوا عذاب الحريق } ~~، فتكون في موضع نصب على معنى: ذوقوا مثل عادة آل فرعون في إذاقتا إياهم ~~العذاب. # فالمعنى: فعل هؤلاء المشركون كما فعل آل فرعون، أو فعلنا، بهم كفعلنا ~~بآل فرعون، فإذا رددت التشبيه إلى فعل المشركين وفعل آل فرعون جاز، وإذا ~~رددته إلى فعل الله عز وجل بهؤلاء كفعله بهؤلاء جاز، ويتمكن في كلا ~~الوجهين في: " الكاف " الرفع والنصب. # قال مجاهد المعنى: كسنن آل فرعون. # وقوله: { فأخذهم الله بذنوبهم }. # أي: فعاقبهم الله بتكذيبهم. # { إن الله قوي }. # أي: لا يغلبه غالب. # { شديد العقاب }. # لمن كفر به. # قوله: { ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة ~~أنعمها على قوم } ، الآية. # { ذلك }: في موضع نصب، على معنى: فعلنا ذلك. # ويجوز أن يكون في موضع رفع، على معنى: هذا ذلك. # وقوله: { بأن الله }: في موضع رفع أو نصب عطف على: { ذلك }. # والمعنى: فعلنا ذلك بمشركي قريش ببدر بذنوبهم، بأنهم غيروا نعم الله ~~عليهم، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، يخرجهم من الظلمات إلى النور، ~~وتغييرهم لها هو كفرهم بما أتاهم به، وإخراجه من بين أظهرهم، وحربهم ~~إياه. # قال السدي " نعمة الله " على قريش: محمد صلى الله عليه وسلم كفروا بها، ~~فنقله الله إلى الأنصار. # { سميع عليم }: تمام، إن جعلت المعنى فيما بعده: عادتهم كعادة ~~فرعون، فتضمر مبتدأ تكون " الكاف " خبره. # وإن جعلت # كدأب # [الأنفال: 54] متعلقة بقوله: { حتى يغيروا ما بأنفسهم ~~} لم تقف على: { سميع عليم }. # ويكون التقدير / في التعلق: { حتى يغيروا ما بأنفسهم ~~} ، كعادة آل فرعون في التغيير والإهلاك. ### || [8.54] # قوله: { كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا ~~بآيات ربهم }. # { كدأب } في هذه ليست بتكرير للأولى، لأن ms0927 المعنى في الأولى: العادة ~~في التعذيب، أو العادة في فعل المشركين بنبيهم كالعادة في آل فرعون، وهذا ~~الثاني المعنى فيه: العادة في التغيير من هؤلاء كعادة آل فرعون في ذلك، ~~فأهلك من كان قبل فرعون بذنوبهم، وأغرق (آل) فرعون، والجميع كانوا ~~ظالمين، فكذلك أهلك هؤلاء بالسيف ببدر، إذ غيروا نعمة الله وهي الكفر ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم. ### || [8.55-56] # قوله: { إن شر الدواب عند الله الذين كفروا } ، ~~إلى قوله: { وهم لا يتقون }. # المعنى: إن شر من دب على وجه الأرض، الذين كفروا بالله ورسوله. # و { الدواب }: يقع على الناس وعلى البهائم، وقد قال تعالى في موضع ~~آخر: # وما من دآبة في الأرض إلا على الله رزقها # [هود: 6]. # وقوله: { الذين عاهدت منهم } ، بدل من { الذين ~~كفروا }. # والمعنى: الذين أخذوا عهدك ألا يحاربوك، ولا يعاونوا عليك كقريظة، إذ ~~والت على النبي عليه السلام، يوم الخندق أعداءه بعد عهدهم له ألا يفعلوا ~~ذلك، { وهم لا يتقون } ، الله في ذلك، ولا يخافون أن يوقع بهم ~~الهلاك لفعلهم ذلك. ### || [8.57-58] # قوله: { فإما تثقفنهم في الحرب } ، إلى قوله: { ~~الخائنين }. # " إما ": للشرط، وتلزمه النون الشديدة توكيدا، لدخول " ما " من " إن ~~" ، هذه علة البصريين. # وقال الكوفيون: تدخل " النون " الخفيفة والشديدة مع " إما " للفرق بين ~~كونها للشرط وكونها للتخيير. # ومعنى الآية: إن لقيت يا محمد، هؤلاء الذين عاهدتم، ثم نقضوا عهدك في ~~الحرب { فشرد بهم من خلفهم }. # أي: افعل بهم فعلا يكون مشردا لمن خلفهم من نظرائهم، ممن بينك ~~وبينه عهد. # و " التشريد ": التطريد والتبديد والتفريق. # فأمر بذلك صلى الله عليه وسلم ليكون أدبا لغيرهم، فلا يجترئوا على مثل ~~ما فعله [هؤلاء] من نقض العهد. # وقال السدي: { فشرد بهم من خلفهم } ، أي: نكل بهم، ليحذر ~~من خلفهم ممن بينك وبينه عهد. # { لعلهم يذكرون }. # أي: يتعظون إذا رأوا ما صنع بمن نقض العهد. # وقوله: { وإما تخافن من قوم خيانة }. # أي: إن خفت يا محمد، من قوم بينك وبينهم عهد (وعقد) أن يخونوك وينقضوا ~~عهدك، { فانبذ إليهم على سوآء } ، أي: حاربهم ms0928 وأعلمهم قبل ~~إتيانك لحربهم أنك فسخت عهدهم، لما كان منهم من أمارة نقض العهد، ~~وإتيان الغدر والخيانة منهم، فيستوي علمك وعلمهم في الحرب، { إن ~~الله لا يحب الخائنين } ، أي: من خان عهدا، أو نقض عهدا. # و " الخوف " هنا: ظهور ما يتيقن منهم من إتيان الغدر، وليس هو الظن. # ومعنى: { فانبذ إليهم على سوآء }. # أي: انبذ إليهم العهد، وأعلمهم بأنك قد طرحته، لما ظهر إليك منهم، وأنك ~~محارب لهم، فيستوي أمركما في العلم. # قال الكسائي: { على سوآء }: على عدل، أي: تعدل بأن يستوي علمك ~~وعلمهم. # وقال الفراء المعنى: افعل بهم كما يفعلون سواء. # وقال أيضا: { على سوآء }: جهرا لا سرا. # قال أبو عبيدة معنى: { تخافن }: توقنن. ### || [8.59-60] # قوله: { ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا } ، إلى ~~قوله: { وأنتم لا تظلمون }. # خطأ أبو حاتم من قرأ ب: " الياء " ، ووجهها عند غيره ظاهر حسن. # والمعنى في " الياء ": ولا يحسبن من خلفهم الذين كفروا سبقوا، ~~فيكون ضمير الفاعل في { يحسبن } ، يعود على # من خلفهم # [الأنفال: 57]، و { الذين كفروا }: مفعول أول، و { سبقوا } ~~في موضع الثاني. # وقال الفراء التقدير: أن سبقوا. # وقال: وفي حرف عبد الله: / { ولا يحسبن الذين كفروا ~~سبقوا إنهم لا يعجزون }. # وروي عنه: " ولا يحسب " ، بفتح الباء، على إرادة النون [الخفيفة]. # ومن فتح: { إنهم } ، وقرأ ب " الياء " أو ب: " التاء " فمعناه: ~~لأنهم، ولا يجوز أن يكون مفعولا ثانيا ب: " حسب " ، كما لا يجوز: ~~حسبت زيدا أنه قائم؛ لأن زيدا غير قيامه، ولو قلت: حسبت أمرك أنك ~~قائم، جاز فتح " أن " لأن أمرك هو قيامك. # ومعنى ذلك: لا يحسب من ظفر بالخلاص من هذه الوقعة سبق. # ثم قال: { إنهم لا يعجزون } ، لا يفوتون. # ومن قرأ ب: " الياء " فمعناه: لا يحسب من خلفهم الذين كفروا سبقوا، # أي: بالخلاص، ثم قال: { إنهم لا يعجزون } ، أي: لا يفوتون. # ثم حض المؤمنين على أن يعدوا لهؤلاء الذين خيف منهم نقض العهد ما ~~استطاعوا { من قوة }. # أي: من الآلات التي تكون قوة في الحرب مثل: السلاح، والنبل، والخيل. # و " القوة: ms0929 الرمي " ، روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. # قال عكرمة: { من قوة }: الحصون. # وقال مجاهد: { من قوة }: ذكور الخيل، { ومن رباط الخيل ~~}: إناثها. # قوله: { ترهبون به عدو الله }. # أي: تخيفونهم به. # وروي: أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: # " ألا إن القوة الرمي " # ، وأعادها ثلاثا. # قال عكرمة: [القوة]: ذكور الخيل، ورباطها: إناثها. # قال عقبة بن عامر الجهني: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة: صانعه يحتسب في صنعته ~~الخير، والرامي به، ومنبله، فارموا واركبوا، وأن ترموا أحب إلي من ~~أن تركبوا، وليس اللهو إلا ثلاثة: تأديب الرجل فرسه، وملاعبته امرأته، ~~ورميه بقوسه ونبله. ومن ترك الرمي من بعد ما علمه فإنه نعمة كفرها أو ~~كفر بها ". # قال أبو نجيح السلمي: حاصرنا قصر الطائف فسمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، يقول: # " من رمى بسهم في سبيل الله، فهو له عدل رقبة، ومن شاب شيبة في ~~الإسلام فهو له عدل محرر من النار ". # وقال النبي صلى الله عليه وسلم # " الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة: الأجر ~~والمغنم " # ، رواه عروة البارقي عنه، وكذلك رواه أبو هريرة وابن عمر. # وروى أنس بن مالك عنه أنه قال: # " البركة في نواصي الخيل ". # وروى عنه أبو هريرة أنه قال: # " من احتبس فرسا في سبيل الله، إيمانا بالله، وتصديقا بوعد الله، كان ~~شبعه وريه وبوله وروثه حسنات في ميزانه يوم القيامة ". # قوله: { وآخرين من دونهم لا تعلمونهم }. # يعني بهم: بني قريظة. # قال السدي: هم أهل فارس. # وهذان القولان يردهما علم المؤمنين ببني قريظة وبفارس، وقد قال تعالى: { ~~لا تعلمونهم }. # وقال ابن زيد: هم المنافقون لا تعلمونهم؛ لأنهم [معكم]، يقولون: لا إله ~~إلا الله، لا يعلمهم إلا الله. # وهذا قول حسن موافق لقوله: { لا تعلمونهم } ، فالله هو المطلع ~~على سرائرهم. # وقيل: هم الجن. # وهو اختيار الطبري. # وهو أحسن الأقوال، لما روي أن الجن تفر من صهيل الخيل. # وروي: أن الجن لا تقرب دارا فيها فرس، وأيضا: فإنا ms0930 لا نعلمهم، كما ~~قال عز وجل. # روى ابن مقسم: أن رجلا أتى ابن عباس، فشكا إليه ابنته تعترى، فقال ~~له: ارتبط فرسا، إن كنت ممن يركب الخيل وإلا فاتخذه، فإن الله جل اسمه، ~~يقول: { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن ~~رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ~~وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم } ، ~~فإن الجن من الذين لا تعلمونهم، ففعل الرجل ما أمره، فانصرف عن ابنته ~~العارض. # وقوله: { وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف ~~إليكم }. # أي: لا يضيع (لكم) عند الله / أجره في الآخرة، ولا خلفه في الدنيا. # قوله: { وآخرين }. # منصوب على معنى { وأعدوا لهم }: وتوقوا آخرين، فلا تقف على ~~ما قبله على هذا. # ويجوز أن يكون نصبه بإضمار فعل غير هذا، فتبتدئ به إن شئت. # وإن جعلته معطوفا على: { عدو الله وعدوكم } ، أي: ~~وترهبون آخرين، لم تقف أيضا قبله. # { لا تعلمونهم } وقف. ### || [8.61-63] # قوله: { وإن جنحوا للسلم فاجنح لها } ، إلى قوله: { ~~عزيز حكيم }. # قد تقدم ذكر " السلم " في الفتح والكسر في " البقرة ". # والمعنى: إن جنح هؤلاء الذين أمرت أن تنبذ إليهم على سواء إلى الصلح، ~~أي: [مالوا إليه] فمل إليه، إما بالدخول في الإسلام، أو بإعطاء الجزية، ~~وإما بموادعة. # قال قتادة: وهي منسوخة بقوله: # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة: 5]. # وقال ابن عباس نسخها: # فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم # [محمد: 35]. # وقال عكرمة والحسن نسخها: # قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله # [التوبة: 29]، الآية. # وقيل: إنها محكمة. # والمعنى: إن دعوك إلى الإسلام فصالحهم. قاله ابن إسحاق. # { وتوكل على الله }. # أي: فوض أمرك إلى الله، { إنه هو السميع العليم }. # ثم قال: { وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله ~~}. # أي: إن يرد هؤلاء الذين أمرناك أن تجنح إلى السلم إن جنحوا لها خداعك ~~وخيانتك، { فإن حسبك الله } ، أي: كافيك الله. # { هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين }. # أي: قواك بذلك على أعدائك، { وبالمؤمنين } هنا: الأنصار. وهذا ~~كله في بني قريظة. # { وألف بين قلوبهم }. # أي: بين قلوب الأنصار: الأوس والخزرج، بعد التفرق والتشتت، { لو ms0931 ~~أنفقت ما في الأرض جميعا } ، أي من ذهب وفضة { مآ ~~ألفت بين قلوبهم ولكن الله [ألف] بينهم ~~} ، على الهدى، فقواك بهم. # وروي عن ابن مسعود أنه قال: نزلت هذه الآية في المتحابين في الله عز جل: ~~{ لو أنفقت ما في الأرض جميعا مآ ألفت بين ~~قلوبهم } ، الآية. # وقال مجاهد: [إذا] التقى المسلمان وتصافحا غفر لهما. ### || [8.64] # قوله: { يأيها النبي حسبك الله ومن اتبعك } ، ~~الآية. # { حسبك الله }: تمام، إن جعلت { ومن اتبعك } ابتداء. # أي: ومن اتبعك من المؤمنين حسبه الله، أي: يكفيك ويكفيه. # وقال الكسائي: { ومن اتبعك }: في موضع نصب عطفا على موضع " ~~الكاف " في التأويل. # وقيل عنه: { من } في موضع رفع عطفا على اسم { الله } ، جل ذكره، ~~أي: يكفيك الله ويكفيك من اتبعك من المؤمنين. # ولا يحسن الوقف على: { حسبك الله } على هذين التأويلين. ### || [8.65-66] # قوله: { يأيها النبي حرض المؤمنين على القتال ~~} إلى قوله: { مع الصابرين }. # والمعنى: إن الله، تبارك وتعالى، أمر نبيه عليه السلام، أن يحث من آمن ~~به على قتال المشركين. # و " التحريض ": الحث الشديد، وهو مأخوذ من: " الحرض " ، وهو: ~~مقاربة الهلاك. # قوله: { إن يكن منكم عشرون صابرون }. # أي: يصبرون على لقاء العدو، ويثبتون { يغلبوا مئتين }. # من عدوهم، { وإن يكن منكم مئة يغلبوا ألفا } ، من ~~العدو، { بأنهم قوم لا يفقهون } ، أي: من أجل أن ~~المشركين قوم يقاتلون على غير رجاء ثواب، ولا لطلب أجر، فهم لا يثبتون ~~عند اللقاء، خشية أن يقتلوا فتذهب دنياهم. # ثم خفف تعالى ذلك عن المؤمنين، فقال: { الآن خفف الله عنكم ~~وعلم أن فيكم ضعفا } ، أي: تضعفون عن أن يلقى الواحد منكم ~~عشرة منهم، { فإن يكن منكم مئة صابرة } ، على المكاره ~~عند لقاء العدو، { يغلبوا مئتين } من العدو { وإن يكن ~~منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله } ، أي: ~~بمعونته { والله مع الصابرين }. # قال عطاء: لما نزلت الآية الأولى، ثقل ذلك على المسلمين، وأعظموا أن ~~يقاتل عشرون منهم مئتين، ومئة ألفا فخفف [الله] ذلك عنهم، فنسخها ~~بالآية الأخرى فردهم يقفون إلى من هو مثلا عددهم، فإن ms0932 (كان) المشركون ~~أكثر من المسلمين، لم يلزم المسلمين الوقوف لهم، وحل لهم أن ~~يتحوزوا عنهم. # وقاله: عطاء، وعكرمة، والحسن، والسدي. # وقيل: إن هذا من الله تخفيف وليس بنسخ، فإنه لم يقل: لا يقاتل الواحد ~~العشرة، إنما خفف عنهم ما كان فرض عليهم، ونظير ذلك: إفطار الصائم في ~~السفر، إنما هو تخفيف، ولا يقال له نسخ، ألا ترى أنه لو صام لم يأثم، ~~وأجزأه صومه. # ومن قرأ: { وإن يكن منكم مئة } ، ب: " التاء " ، فعلى ~~تأنيث اللفظ. # ومن قرأ ب: " الياء " ، فلأنه تأنيث غير حقيقي، إذ المعنى: مائة رجل. # وقرأ أبو جعفر: { وعلم أن فيكم ضعفا } ، بالمد، جمع ضعيف. ### || [8.67-69] # قوله: { ما كان لنبي أن يكون له أسرى } ، إلى قوله: { ~~غفور رحيم }. # المعنى: ما كان لنبي أن يحبس كافرا قدر عليه للفدية والمن. # و " الأسر ": الحبس. # قوله: { حتى يثخن في الأرض }. # أي: حتى يبالغ في قتل المشركين وقهرهم. # وهذا تعريف من الله عز وجل لنبيه عليه السلام، أن قتل من فادى به يوم ~~بدر، كان أولى من المفاداة وإطلاقهم. # وقوله: { تريدون عرض الدنيا }. # هذا للمؤمنين الذين رغبوا في أخذ المال في الفداء. # { والله يريد الآخرة } ، أي: يريد لكم زينة الآخرة وخيرها. # قال ابن عباس: كان هذا يوم بدر، والمسلمين قليل، فلما كثروا واشتد ~~سلطانهم أنزل الله عز وجل، في الأسرى: # فإما منا بعد وإما فدآء # [محمد: 4]، فجعل الله المؤمنين بالخيار في أساراهم. # وقال مجاهد: " الإثخان ": القتل. # وقال ابن مسعود: لما كان يوم بدر وجيء بالأسارى، قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ما تقولون في هؤلاء الأسارى؟ فقال أبو بكر، رضي الله ~~عنه: يا رسول الله، قومك وأهلك، فأستبقهم، لعل الله أن يتوب عليهم. # وروي عنه أنه قال: يا رسول الله، بنو العم والعشيرة، وأرى أن تأخذ منهم ~~فدية تكون لنا قوة على الكفار، وعسى الله أن يهديهم إلى الإسلام. # وقال عمر رضي الله عنه، كذبوك وأخرجوك، فاضرب أعناقهم. # وروي عنه أنه قال: لا والله الذي لا إله إلا هو، ما أرى ms0933 الذي قال أبو ~~بكر، ولكني أرى أن تمكننا منهم، فنضرب أعناقهم، فإن هؤلاء أئمة الكفر ~~وصناديدها. # وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله، انظر واديا كثير الحطب فأدخلهم ~~فيه، ثم أضرمه عليهم. فقال له العباس: قطعتك رحمك. فسكت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال ناس: نأخذ برأي أبي بكر. وقال ناس: نأخذ برأي عمر. # وقال ناس: نأخذ برأي عبد الله بن رواحة. ثم خرج عليهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال: " إن الله ليلين قلوب رجال [حتى تكون ألين من ~~اللين، وإن الله ليشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة]، وإن مثلك يا ~~أبا بكر، مثل إبراهيم عليه السلام، قال: # فمن تبعني [فإنه] مني ومن عصاني فإنك غفور ~~رحيم # [إبراهيم: 36]، ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى، قال: # إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم ~~فإنك أنت العزيز الحكيم # [المائدة: 118]، ومثلك يا عمر مثل نوح، قال: # رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا # [نوح: 26]، ومثلك يا عبد الله كمثل موسى، قال: # ربنا اطمس على أموالهم / واشدد على قلوبهم # [يونس: 88]، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنتم اليوم عالة، ~~فلا يقتلن أحد منكم إلا بفداء أو ضربة عنق ". # قال قتادة: فادوهم بأربعة آلاف أربعة آلاف، وكان النبي صلى الله ~~عليه وسلم لم يثخن في الأرض، وكان أول قتاله المشركين. # قال مالك: الإمام مخير في الرجال، إن شاء قتل، وإن شاء فادى بهم أسارى ~~المسلمين، قال: وأمثل ذلك عندنا أن يقتل من خيف منه. # وقال جماعة من العلماء: الإمام مخير، إن شاء قتل، وإن شاء أسر، وإن ~~شاء فادى، وهو قول الشافعي وغيره). # من قتل أسيرا قبل أن يوصله إلى الإمام فلا شيء عليه، وقد أساء، فإن قتل ~~صبيا أو امرأة عوقب وغرم الثمن، هذا قول الشافعي وغيره. # وقال الأوزاعي والثوري: لا يقتل الأسير حتى يبلغ الإمام، إلا أن يخافه، ~~فإن قتله بعدما وصل به إلى الإمام غرم ثمنه، وإن قتله قبل أن يصل عوقب ~~ولا ms0934 غرم عليه. # قوله: { لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيمآ ~~أخذتم عذاب عظيم }. # هذا خطاب لأهل بدر في أخذهم الغنائم والفداء. # وروي أن هذه الآية لما نزلت قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " لو نزل عذاب ما سلم منه إلا عمر، ولو بعث بعدي نبي لبعث عمر، رضي الله ~~عنه ". # وذلك أن عمر رضي الله عنه أشار على النبي صلى الله عليه وسلم، بقتل ~~الأسارى، وألا تؤخذ منهم الفدية، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: كذبوك ~~وأخرجوك فاضرب أعناقهم. وخالفه أبو بكر رضي الله عنه، وغيره في ذلك. # والمعنى: لولا أن الله قد سبق قضاؤه في اللوح المحفوظ، أنه يحل لكم ~~ذلك، لعوقبتم بما فعلتم؛ لأنه تعالى لم يكن يحل ذلك لأحد من الأمم قبل ~~أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ولكنهم أخذوا الغنائم وقبلوا الفداء، قبل ~~أن ينزل عليهم ما قد سبق منه، تعالى، أن يحله لهم، وكانت الأمم قبل محمد، ~~عليه السلام، إذا غنموا شيئا جعلوه للقربان فتأكله النار، فهو حرام ~~عليهم، لا يحل لأحد منهم شيء منه. # وقيل المعنى: لولا أن سبق في علمي أني سأحل لكم الغنائم، لمسكم في أخذكم ~~إياها عذاب عظيم. # وقيل المعنى: لولا كتاب من الله سبق لأهل بدر، أن لا يعذبهم لمسهم في ~~أخذهم الغنائم عذاب عظيم، قال ذلك: الحسن، وقتادة وابن جبير. # وقال ابن زيد: سبق في علمه العفو عنهم، والمغفرة لهم، يعني: أهل بدر، ~~ولولا ذلك، لمسهم إذ أخذوا الغنائم التي لم تحل لأحد قبلهم عذاب عظيم. # وقال مجاهد: لولا أنه سبق في علمه أن لا يعذب أحد بفعل أتاه جهلا، ~~لمسكم فيما جهلتم فيه، من أخذكم الغنائم عذاب عظيم. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: # " نصرت بالرعب، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأعطيت جوامع ~~الكلم، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لنبي كان قبلي، وأعطيت ~~الشفاعة، خمس لم يؤتهن نبي كان قبلي ". # وقيل المعنى: لولا أنه سبق مني أن لا أعذب أحدا إلا بعد النهي، لعذبتكم ~~بأخذكم ms0935 للغنائم. # واختار النحاس، وغيره، أن يكون المعنى: لولا أنه سبق من الله تعالى، أن ~~يغفر الصغائر لمن اجتنب الكبائر، لعذبكم بأخذكم الغنائم. # وقيل المعنى: / { لولا كتاب من الله سبق } ، فآمنتم به، ~~وهو القرآن فاستوجبتم بإيمانكم الصفح والعفو، لعذبتم على أخذكم الغنائم. # قال ابن زيد: لم يكن أحد ممن حضر بدرا إلا أحب أخذ الغنائم إلا عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه، فإنه جعل لا يلقى أسيرا إلا ضرب عنقه، وقال: يا ~~رسول الله، ما لنا وللغنائم، نحن قوم نجاهد في سبيل الله حتى يعبد الله. # ثم أحل لهم ذلك فقال: { فكلوا مما غنمتم حلالا ~~طيبا واتقوا الله } ، أي: خافوه فيما حرم عليكم، وما نهاكم ~~عنه، وفي أن تركبوا بعد هذا فعل ما لم تؤمروا به. # { إن الله غفور }. # أي: لذنوب أهل الإيمان، أي: ساتر عليها، { رحيم } بهم. # قال الطبري: { واتقوا الله } ، يراد به التأخير بعد { رحيم ~~}. ### || [8.70-71] # قوله: { يأيها النبي قل لمن في أيديكم من ~~الأسرى } ، إلى قوله: { عليم حكيم }. # قوله: { يأيها النبي } ، ثم قال: { في أيديكم } ، إنما ~~ذلك؛ لأن المعنى: قل لمن في يديك، ويدي أصحابك من الأسرى. # وقيل المعنى: يا أيها النبي قل لأصحابك: قولوا لمن في أيديكم من الأسرى. # وقيل: المخاطبة له مخاطبة لأمته. # والمعنى: يا محمد، قل لمن في يديك ويدي أصحابك من الأسرى الذين أخذ منهم ~~الفداء: { إن يعلم الله في قلوبكم خيرا } ، أي: ~~إسلاما، { يؤتكم خيرا ممآ أخذ منكم } ، في الفداء، ~~ويغفر لكم ذنوبكم التي سلفت منكم، وقتالكم نبيكم، أي: يسترها عليكم، { ~~والله غفور } ، أي: ساتر لذنوب عباده إذا تابوا، { رحيم } ، ~~بهم، أن يعاقبهم بعد التوبة. # قال العباس بن عبد المطلب: في نزلت هذه الآية. # وكان العباس فدى نفسه يوم بدر بأربعين أوقية من الذهب، قال العباس: ~~فأعطاني الله أربعين عبدا، كلهم تاجر، وأنا أرجو المغفرة التي وعدنا ~~الله عز وجل، بها. # قال الضحاك: نزلت في العباس وأصحابه أسروا يوم بدر، وهم سبعون. # وروى ابن وهب أن النبي صلى الله عليه وسلم، لما قدم ms0936 بالأسارى المدينة، ~~قال لعمه العباس: افد نفسك يا عم، وافد ابني أخويك، يعني: عقيل بن أبي ~~طالب. ونوفل بن الحارث، وافد حليفك، يعني: عتبة بن عمرو من بني فهر، كان ~~حليفا للعباس. قال له العباس: يا رسول الله إني كنت مسلما ولكن القوم ~~استكرهوني، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " الله أعلم بإسلامك، أما ~~ظاهرك فقد كان علينا ". وكان النبي عليه السلام، قد وجد مع العباس أربعين ~~أوقية من ذهب، كل أوقية أربعون مثقالا، فقال العباس: احسبها لي يا ~~رسول الله في فدائي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ذلك مال أفاءه ~~الله علينا، ولست أحسبه لك " ، فقال له العباس: مالي مال غيره، فقال له ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " يا عم، أنت سيد قريش وتكذب! فأين المال الذي ~~دفنته بمكة عند أم الفضل بنت الحارث، ثم قلت لها: ما أدري ما يكون، فإن ~~أصبت في سفري فللفضل كذا وكذا، ولعبد الله كذا وكذا، فقال العباس: أشهد ~~أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، والله ما حضر ذلك أحد إلا الله وأم ~~الفضل. ففدى العباس نفسه، وابني أخويه، وحليفه، ففي ذلك نزل: { ~~يأيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن ~~يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا ممآ ~~أخذ منكم ويغفر لكم } ، الآية. # فلما سمعها العباس، قال: قد أنصفني ربي: من علي / بالإسلام، وغفر لي، ~~ويعطيني خيرا مما أخذ مني. # فأعطاه الله عز وجل، يوم خيبر أكثر مما أخذ منه في الفداء، وغفر له، ~~ورحمه. # قال ابن وهب: لما رجع المشركون من بدر إلى مكة، جلس عمير بن وهب إلى ~~صفوان بن أمية، فقال له صفوان: قبح العيش بعد قتلى بدر! فقال عمير: أجل، ~~ما في العيش خير بعدهم، ولولا دين علي وعيالي، لرحلت إلى محمد ~~فلنقتلنه إن ملأت عيني منه، فإن لهم عندي علة أقول: قدمت لتفادوني في ~~أسير لي، ففرح صفوان بقوله، وقال له: علي دينك، وعيالك أسوة عيالي ~~في النفقة، لن يسعني شيء ويعجز ms0937 عنهم. فحمله صفوان وجهزه، وأمر بسيف عمير ~~فسم وصقل. وقال عمير لصفوان: اكتمني ليال. وأقبل عمير حتى وصل ~~المدينة، فنزل بباب المسجد، وعقل راحلته وأخذ السيف، وعمد إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فنظر إليه عمر وهو في نفر من الأنصار، ففزع عمر ~~من عمير، وقال لأصحابه: هذا عدو الله الذي حرش بيننا وحزرنا للقوم، ثم ~~قام عمر ودخل على رسول الله [صلى الله عليه وسلم]، وقال: هذا عمير بن وهب ~~قد دخل المسجد، ومعه السلاح، وهو الفاجر الغادر، يا رسول الله لا تأمنه! ~~فقال صلى الله عليه وسلم: أدخله علي فدخل، وأمر عمر أصحابه أن يحترزوا ~~منه، ويدخلوا بالسلام على النبي صلى الله عليه وسلم: فقال النبي عليه ~~السلام: يا عمر، تأخر عنه، فلما دنا عمير من النبي عليه السلام قال: ~~أنعموا صباحا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: قد أكرمنا الله عن ~~تحيتك، وجعل تحيتنا السلام، وهي تحية أهل الجنة، فما أقدمك يا عمير؟ ~~قال: قدمت تفادوني في أسيري؛ فإنكم العشيرة والأهل. فقال له النبي صلى ~~الله عليه وسلم: [وما شرطت لصفوان بن أمية في الحجر؟ ففزع عمير، ~~وقال]: وما شرطت له؟ قال: تحملت له قتلي على أن يعول بنيك، ويقضي ~~دينك، والله حائل بينك وبين ذلك، قال عمير: أشهد أن لا إله إلا الله، ~~وأنك رسول الله، كنا يا رسول الله نكذبك بالوحي وبما يأتيك من خبر ~~السماء، وأن هذا الحديث الذي كان بيني وبين صفوان في الحجر كما قلت ~~يا رسول الله، لم يطلع عليه أحد غيري وغيره، ثم أخبرك الله عز وجل، به ~~فآمنت بالله ورسوله، فالحمد لله الذي ساقني هذا المساق، ففرح المسلمون ~~حين هداه الله، فقال عمر: والله لخنزير كان أحب إلي منه حين أتى، ~~ولهو اليوم أحب إلي من بعض بني. فقال له النبي عليه السلام: " اجلس ~~نواسك. وقال [لأصحابه]: علموا أخاكم القرآن. وأطلق له أسيره، فقال له ~~عمير: يا رسول الله، قد كنت جاهدا ما استطعت في إطفاء نور الله ms0938 سبحانه، ~~فالحمد لله الذي ساقني هذا المساق، فأذن لي ألحق بقريش فأدعوهم إلى ~~الإسلام، لعل الله يهديهم ويستنقذهم من الهلكة، فأذن له النبي ~~عليه السلام، فلحق بمكة، وجعل صفوان بن أمية يقول لقريش: أبشروا بفتح ~~ينسيكم وقعة بدر، وجعل يسأل كل راكب قدم من المدينة: هل كان [بها] من ~~حدث؟ وكان يرجو قتل النبي، عليه السلام، على يد عمير، حتى قدم عليه رجل ~~من المدينة، فسأله صفوان عن عمير، فقال: قد أسلم، فقال المشركون: صبأ / ~~عمير. # وقال صفوان: إن لله علي ألا أنفعه بنافعه أبدا، ولا أكلمه بكلمة أبدا، ~~وقدم عليهم عمير، فدعاهم إلى الإسلام، ونصح لهم، فأسلم بشر كثير. # ونذر أبو سفيان بن حرب بعد وقعة بدر أن لا يمس رأسه ذهن، ولا يقرب ~~أهله حتى يغزو محمدا صلى الله عليه وسلم فغزاه إلى أحد، فكانت وقعة ~~أحد بعد بدر بسنة. # ثم قال تعالى: { وإن يريدوا خيانتك }. # يعني الأسارى الذين افتدوا وأسلموا في ظاهر أمرهم، { فقد خانوا ~~الله من قبل } ، أي: من قبل وقعة بدر، { فأمكن منهم } ، ~~يعني ببدر. # قال قتادة: هو عبد الله بن أبي سرح كان يكتب الوحي للنبي صلى الله ~~عليه وسلم، ثم نافق، وسار إلى المشركين بمكة وقال لهم: ما كان محمد يكتب ~~إلا ما شئت فنذر رجل من الأنصار لئن أمكنه الله به ليضربنه بالسيف. ~~فلما كان يوم الفتح أمن النبي صلى الله عليه وسلم، الناس إلا عبد الله ~~بن سعد بن أبي سرح [ومقيس بن صبابة]، وابن خطل، وامرأة كانت تدعو ~~على النبي عليه السلام، كل صباح. فجاءه عثمان بابن أبي سرح، وكان رضيع ~~عبد الله، فقال: يا نبي الله، هذا فلان أقبل تائبا نادما، فأعرض عنه ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فلما سمع به الأنصاري، أقبل متقلدا سيفه، ~~فأطاف به، وجعل ينظر إلى النبي عليه السلام، رجاء أن يومئ إليه. ثم إن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، قدم يده فبايعه، فقال: " أما والله لقد ~~تلومنك فيه لتوفي نذرك " ، فقال: يا نبي ms0939 الله، إني هبتك، فلولا ~~أومضت إلي فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " إنه لا ينبغي لنبي ~~أن يومض ". # ومعنى { خانوا الله }: خانوا أولياءه. ### || [8.72] # قوله: { إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا } ، إلى ~~قوله: { والله بما تعملون بصير }. # من فتح " الواو " في: " الولاية " جعله مصدر " ولي " يقال: هو ولي ~~بين الولاية. # ومن كسر فهو مصدر " والي " ، يقال: هو وال بين الولاية. # ومعنى الآية: إن الذين صدقوا بمحمد عليه السلام، وما جاء به، وهجروا ~~قومهم وعشيرتهم وأرضهم إلى أرض الإسلام، والهجرة هجرتان: هجرة كانت إلى ~~أرض الحبشة، وهجرة إلى المدينة، وهذا إنما كان في أول الإسلام، ثم انقطع ~~ذلك الآن: لأن الدار كلها دار الإسلام، { وجاهدوا } ، أي: أتعبوا ~~أنفسهم في حرب أعداء الله، { والذين آووا ونصروا } ، أي: ~~آووا رسول [الله] صلى الله عليه وسلم والمهاجرين معه ونصروهم، وهم ~~الأنصار، { أولئك بعضهم أوليآء بعض } ، أي: ~~المهاجرون أولياء الأنصار وإخوانهم. # و " الولي " في اللغة: النصير. فاختيار الطبري أن يكون: { أوليآء ~~بعض } بمعنى أنصار بعض. # قال ابن عباس: كانت هذه الولاية في الميراث، فكان المهاجرون والأنصار ~~يرث بعضهم بعضا بالهجرة دون القرابة، ألا ترى إلى قوله: { والذين ~~آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء ~~حتى يهاجروا } ، فكانوا يتوارثون على ذلك حتى نزلت بعده: # وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض # [الأنفال: 75]، فنسخت مواريث المهاجرين والأنصار بعضهم من بعض. # وكذلك قال مجاهد. # قال قتادة: لبث المسلمون زمانا يتوارثون بالهجرة، وليس يرث المؤمن الذي ~~لم يهاجر من المؤمن المهاجر شيئا، وإن كان ذا رحم، ولا الأعرابي من ~~المهاجر شيئا، فنسخ ذلك قوله: # وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب ~~الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا ~~إلى أوليآئكم / معروفا # [الأحزاب: 6]، يعني: من أهل الشرك، يوصون لهم إن أرادوا، ولا يتوارث أهل ~~ملتين. # وقال عكرمة والحسن: نسخها آخر السورة: # وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض # [الأنفال: 75]. # وقوله: { والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ~~ولايتهم من شيء }. # أي: الذين آمنوا بمكة، ولم يفارقوا دار الكفر، { ما لكم }. # أيها المهاجرون، ms0940 { من ولايتهم } ، أي: نصرهم وميراثهم، { من ~~شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم } ، هؤلاء الذين ~~آمنوا ولم يهاجروا، { في الدين } ، أي: على أهل الكفر، { ~~فعليكم } نصرهم { إلا } أن يستنصروكم { على قوم ~~بينكم وبينهم ميثاق } ، أي عهد وذمة، فلا تنصروهم عليهم، ~~{ والله بما تعملون بصير } ، أي: [بصير] فيما أمركم به من ~~ولاية بعضكم بعضا. # وقال ابن عباس: { وإن استنصروكم في الدين } ، يعني: ~~الأعراب المسلمين، فعليكم أن تنصروهم، { إلا على قوم بينكم ~~وبينهم ميثاق } ، فلا تنصروهم عليهم. ### || [8.73] # قوله: { والذين كفروا بعضهم أوليآء بعض } ، الآية. # المعنى: والذين كفروا بعضهم أحق ببعض الميراث، [أي:] أحق من قرابتهم من ~~المؤمنين. # وقيل معناه: بعضهم أعوان بعض. # وقوله: { إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد }. # أي: إن تفعلوا موارثة المهاجرين والأنصار بعضهم من بعض، دون ذوي الأرحام ~~من المهاجرين الذين آمنوا ولم يهاجروا، ودون قراباتهم من المؤمنين ~~والكفار: { تكن فتنة } ، أي: يحدث بلاء في الأرض بسبب ذلك، { ~~وفساد كبير } ، أي: معاص. # قال ابن عباس: إلا تأخذوا في الميراث بما أمرتكم { تكن فتنة في ~~الأرض }. # قال ابن زيد: كان المؤمن المهاجر والمؤمن الذي لم يهاجر لا يتوارثان، ~~وإن كانا أخوين، فلما كان الفتح انقطعت الهجرة، وتوارثوا حيث ما كانوا ~~بالأرحام. # وقال ابن جريج: { إلا تفعلوه }: إلا تناصروا وتتعاونوا { تكن ~~فتنة في الأرض }. # ف " الهاء " في: { تفعلوه } تعود على التوارث، أو على التناصر. ### || [8.74] # قوله: { والذين ءامنوا وهاجروا وجهدوا } ، الآية. # المعنى: والذين صدقوا بمحمد عليه السلام، وبما جاء به، { وهاجروا } ~~، أي: هجروا أهلهم ودارهم، ومضوا إلى دار الإسلام { وجهدوا } ، أي ~~في سبيل الله، { والذين ءاووا ونصروا } ، أي: آووا النبي ~~صلى الله عليه وسلم، ومن معه من المهاجرين، ونصروهم، وهم الأنصار، { ~~أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة } ، أي: ~~ستر: { ورزق كريم } ، أي: لهم في الجنة مطعم هني كريم، لا يتغير ~~في أجوافهم فيصير نجوا، ولكنه يصير رشحا كرشح المسك. ### || [8.75] # قوله: { والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا ~~معكم [فأولئك منكم] } ، الآية. # المعنى: والذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبما جاء ms0941 به، من بعد ما ~~أمرتكم بموالاة المهاجرين والأنصار وتوارثهم، وهاجروا إليكم وجاهدوا معكم ~~{ فأولئك منكم } ، يعني الذين آمنوا من بعد الحديبية، { ~~وهاجروا } ، ويقال لها: الهجرة الثانية، { فأولئك منكم } ~~، أي: مثلكم في النصر والموالاة والمواريث. # ثم قال تعالى: { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض ~~}. # هذا نسخ لما تقدم / من التوارث بالهجرة دون القرابة التي ليس معها هجرة. # قال اسماعيل القاضي: عنى بذوي الأرحام من يرث منهم، هم أولى ممن لا يرث ~~من ذوي الأرحام، ومن غيرهم ممن لا نسب بينه وبين الميت، فأما الولاء فهو ~~قائم بنفسه في الميراث كما جعله النبي صلى الله عليه وسلم. # ومعنى { في كتاب الله } ، في اللوح المحفوظ، هو كذلك قد سبق في ~~علمه تعالى أنه كذلك بأمرنا. # { إن الله بكل شيء عليم }. # أي: يعلم ما ينقلكم إليه قبل أن ينقلكم، لا إله إلا هو. ### | [9 - سورة التوبة] ### || [9.1] # قوله: { برآء } ، مبتدأ والخبر: { إلى الذين } ، وحسن ~~الابتداء بنكرة، لأنها موصوفة. # ويجوز أن تكون رفعت على إضمار مبتدأ، أي: هذه براءة. # يقال: برئت من العهد براءة، وبرئت من المرض وبرأت [أيضا] ~~برءا، وبريت القلم بريا، غير مهموز مفتوح وأبريت الناقة: ~~جعلت في أنفها برة وهي حلقة من حديد. # وسورة " براءة " من آخر ما نزل بالمدينة، ولذلك قل المنسوخ فيها. # ويدل على ذلك أن ابن عباس قال لعثمان، رضي الله عنهما: ما حملكم على أن ~~عمدتم إلى " الأنفال " وهي من المثاني، وإلى " براءة " وهي من المئين ~~ففرقتم بينهما، ولم تكتبوا بينهما: " بسم الله الرحمن الرحيم " ~~ووضعتموهما في السبع الطول؟ فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~تنزل عليه السور ذوات العدد، فإذا نزلت عليه الآية قال: " اجعلوها في ~~سورة كذا وكذا " ، وكانت " الأنفال " من أول ما نزل بالمدينة، وكانت " ~~براءة " من آخر ما نزل، وكانت قصتها تشبه قصتها، ولم يبين لنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، في ذلك شيئا، فلذلك فرق بينهما ولم يكتب بينهما سطر ~~" بسم الله الرحمن الرحيم ". # وروي أن عثمان قال: ظننت أنها منها. ms0942 وكانت تدعيان في زمن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: القرينتين، فلذلك جعلتهما في السبع الطول. # ففي قول عثمان هذا: دليل على أن تأليف القرآن عن الله، عز وجل، وعن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، كان، ويدل على أن ترتيب السور على ما في المصحف ~~إنما كان على اجتهاد من عثمان وأصحابه، ألا ترى إلى قول ابن عباس له: ما ~~حملكم على كذا وكذا؟ يدل على أنهم هم رتبوا السور، وأن تأليف السور إلى ~~تمام كل سورة كان على تعليم النبي عليه السلام إياهم ذلك. # وقد صح أن أبي [بن] كعب، وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل، وأبا زيد عم أنس، ~~كانوا قد جمعوا القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم. # قال الشعبي: وأبو الدرداء حفظ القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ~~ومجمع ببن جارية، بقيت [عليه] سورتان [أ]و ثلاث. قال: ولم يحفظ ~~القرآن أحد من الخلفاء إلا عثمان. # وحفظ سالم مولى أبي حذيفة القرآن في عهد النبي عليه السلام إلا شيئا ~~بقي عليه. # فهذا يدل على أنه كان مؤلفا؛ لأن هؤلاء لم يحفظوه إلا وهو مؤلف ~~مرتب عن النبي صلى الله عليه وسلم، عن جبريل، صلوات الله عليه، جل ~~ذكره. # وقال أبي بن كعب: آخر ما نزل " براءة " وكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يأمر في أول كل سورة ب: " بسم الله الرحمن الرحيم " ، ولم يأمر في ~~سورة " براءة " بشيء، فلذلك ضمت إلى سورة " الأنفال " ، وكانت أولى بها ~~لشبهها بها. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أعطيت السبع الطول مكان التوراة وأعطيت المئين مكان الزبور، ~~وأعطيت المثاني مكان الإنجيل، وفضلت بالمفصل ". # فهذا الترتيب يدل على أن التأليف / كان معروفا عند رسول الله [صلى الله ~~عليه وسلم]، وبذلك أتى لفظه، عليه السلام. # ومعنى ما روي: أن عثمان أمر زيد بن ثابت أن يجمع القرآن، وأنه ضم ~~إليه جماعة، أنه إنما (أمر) بجمعه في المصحف ليرسل به إلى الأمصار، لا ~~أنه كان غير مؤلف ثم ms0943 ألفه، هذا ما لا يجوز، لأن تأليفه من المعجز، لا ~~يكون إلا عن الله عز وجل. # وقد قيل: إنما أمر بجمعه على حرف واحد؛ لأنهم كانوا قد وقع بينهم ~~الخلاف لاختلاف اللغات السبعة التي بها نزل القرآن، فأراد عثمان أن يختار ~~حرفا واحدا، هو أفصحها ليثبته في المصحف، وإنما خص عثمان زيد بن ثابت ~~لجمعه دون غيره ممن هو أفضل منه؛ لأنه كان يكتب الوحي للنبي صلى الله ~~عليه وسلم. # واختلف في الحرف الذي كتب عليه المصحف فقيل: حرف زيد بن ثابت. # وقيل: حرف أبي بن كعب؛ لأن قراءته كانت على [آخر] عرضة عرضها ~~النبي على جبريل عليهما السلام. # وعلى الأول أكثر الرواة. # ومعنى: حرف زيد، أي: روايته وطريقته. # " فليقرأه بقراءة ابن أم عبد " ، يعني: ابن مسعود. فإنه إنما ~~أراد به ترتيل ابن مسعود، وذلك أنه كان يرتل القرآن إذا قرأه، فخصه النبي ~~عليه السلام، بهذا الوصف لترتيله لا غير ذلك. # قال الحسين بن علي الجعفي: فقراءة عبد الله هي قراءة الكوفيين؛ لأن عمر ~~رضي الله عنه، بعث به إلى الكوفة ليعلمهم، فأخذت عنه قراءته قيل أن يجمع ~~الناس عثمان على حرف واحد، ثم لم تزل في أصحابه ينقلها الناس عنهم. # وأصحابه منهم: علقمة، والأسود بن يزيد، ومسروق بن الأجدع، وزر ابن ~~حبيش، وأبو وائل، وأبو عمرو الشيباني وعبيدة، وغيرهم. # فلما جمع عثمان الناس على حرف واحد، كان أول من قرأ به بالكوفة أبو عبد ~~الرحمن السلمي: عبد الله بن حبيب، فأقرأ بجامع الكوفة أربعين سنة، ~~إلى أن توفي، رحمه الله، في إمارة الحجاج. وقد أخذ القرآن عن عثمان، وعن ~~علي، وعن ابن مسعود، وزيد، وأبي. وكان قد قرأ على علي، وقرأ عليه علي، ~~وهو يمسك المصحف. وأقرأ هو الحسن والحسين. فلما مات أبو عبد الرحمن خلفه ~~عاصم. وكان عاصم أخذ عن أبي عبد الرحمن، وعرض على زر. وكان زر قد قرأ ~~علي ابن مسعود. # ثم انتهت قراءة ابن مسعود إلى الأعمش. وقرأ حمزة على الأعمش بالكوفة، ~~وقرأ أيضا حمزة ms0944 على ابن أبي ليلى، وعلى حمران بن أعين، وقرأ حمران على ~~عبيد الله بن نضيلة، وقرأ عبيد الله على علقمة. # وقرأ علقمة على ابن مسعود، وقرأ ابن مسعود على النبي صلى الله عليه ~~وسلم. # وقرأ أيضا حمران على أبي الأسود وقرأ أبو الأسود على علي. # وقد قال المبرد: إنما لم تكتب " بسم الله الرحمن الرحيم " قبل " براءة ~~"؛ لأن " بسم الله الرحمن الرحيم " خير، و " براءة " أولها وعيد[و] نقض ~~للعهود. # وعن عاصم أنه قال: " بسم الله الرحمن الرحيم " لم تكتب أول " براءة "؛ ~~لأنها رحمة، و " براءة " عذاب. # قوله: { إلى الذين عاهدتم }. # إنما ذلك، لأن عقد النبي على أمته كعقدهم لأنفسهم. # وهؤلاء الذين برئ الله عز وجل، ورسوله صلى الله عليه وسلم، إليهم من ~~العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأذن لهم في ~~السياحة في الأرض أربعة أشهر، جنس من المشركين كان مدة العهد بينهم وبين ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، أقل من أربعة أشهر، وأمهلوا بالسياحة ~~تمام أربعة أشهر (ليرتاد كل واحد). والجنس الآخر كما عهده إلى غير أجل ~~محدود /، فقصر به على أربعة أشهر ليرتاد كل واحد لنفسه، ثم هو حرب ~~بعد ذلك، يقتل حيث وجد، إلا أن يسلم. # فكان نزول " براءة " في بعض ما كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وبين المشركين من العهود، و[في] كشف المنافقين الذين تخلفوا عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، في تبوك وغيرهم ممن سر خلاف ما أظهر. # وقيل: إنما أمهل أربعة أشهر، من كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، عهد، فأما من لم يكن له عهد، فإنما جعل أجله خمسين ليلة، عشرين من ~~ذي الحجة والمحرم، ودل على ذلك قوله: # فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين # [التوبة: 5]. # قال ذلك ابن عباس. # وكان النداء ب: " براءة " يوم النحر. # وقيل: يوم عرفة، وبه تتم خمسون ليلة. # ونزلت " براءة " أول شوال، ومن ذلك اليوم كان أجل أربعة أشهر لأهل ~~العهد. # وقيل: أول شوال كان نزول ms0945 " براءة " وذلك سنة تسع، ومن ذلك الوقت أول ~~أربعة الأشهر للجميع. وهو قول الزهري. # فكان أجل من كان له عهد أربعة أشهر من ذلك الوقت، ومن لم يكن له عهد ~~انسلاخ الأشهر الحرم، وذلك أربعة أشهر أيضا. # وقال ابن عباس: إنما كان أول الآجال من يوم أذن ب: " براءة " ، ~~وذلك يوم النحر، فجعل لمن له عهدا أربعة أشهر من ذلك اليوم، وذلك إلى ~~عشر من ربيع الآخر. # ولمن لم يسم له عهد آخر الأشهر الحرم خمسين يوما، ثم لا عهد لهم بعد ~~ذلك ولا ذمة، يقتلون حتى يدخلوا في الإسلام. # وكان علي هو الذي نادى ب: " براءة " ، وكان أبو بكر أميرا عليهم، فلم ~~يحج المشركون بعد ذلك [العام]، وكانوا يحجون مع المسلمين قبل ذلك. # قال قتادة: كان النبي صلى الله عليه وسلم، عاهد قريشا زمن الحديبية، ~~وكان بقي من مدتهم أربعة أشهر بعد يوم النحر، فأمر الله عز وجل، نبيه ~~عليه السلام، أن يوفي بعهدهم إلى مدتهم، وأن يؤخروا من لا عهد له ~~انسلاخ المحرم، ثم يقاتلون حتى يشهدوا [أن] لا إله إلا الله، وأن محمدا ~~رسول الله، وألا يقبل منهم إلا ذلك. # وقال السدي: كان آخر عهد الجميع تمام أربعة أشهر لعشر خلون من ربيع ~~الآخر، وهذا كله كان في موسم سنة تسع. # وقال الكلبي: إنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم، بالأربعة الأشهر لمن ~~كان بينه وبينه عهد أربعة أشهر فما دون، فأما من كان عهده، أكثر من أربعة ~~أشهر، فهو الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم، أن يتم له عهده، فقال ~~تعالى: # فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم # [التوبة: 4]. # وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم، فتح مكة سنة ثمان عنوة، واستخلف ~~على الحج سنة تسع أبا بكر. ونزلت " براءة " بعد خروج أبي بكر في شوال. ~~وكانوا يحجون على رسومهم التي كانوا عليها، ولم يكن فرض الحج ولا أمر به، ~~فأنفذ رسول الله صلى الله عليه وسلم " براءة " مع علي رضي الله عنه، ~~ليتلو الآيات على الناس ms0946 وينادي بالناس: ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف ~~بالبيت عريان فنادى بذلك علي، وأعانه على النداء أبو هريرة وغيره بمنى ~~وفي سائر أسواقهم. # فحج النبي صلى الله عليه وسلم، في العام المقبل سنة عشر، ولم يحج معه ~~مشرك، وهي حجة الوداع، وفي ذلك نزل: # إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد ~~الحرام بعد عامهم هذا # [التوبة: 28]، فلما نزل ذلك وجد المسلمون في أنفسهم مما قطع عنهم من ~~الأطعمة والتجارات التي كان المشركون يقدمون بها، فأنزل الله عز وجل: # وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله # [التوبة: 28]، الآية، ثم أحل [في] الآية التي تتبعها الجزية، ولم تكن ~~قبل ذلك /، جعلها الله عوضا مما يفوتهم من تجارتهم مع المشركين. وهو ~~اختيار الطبري [ومما يدل على صحة ما اختار الطبري] من أنه أمر الله عز ~~وجل، نبيه عليه السلام، أن يتم لمن عهده [أربعة أشهر فما دون أربعة أشهر، ~~ومن كان عهده أكثر أتم له عهده]، إلا أن يكون نقض عهده قبل انقضاء المدة، ~~فأما الذين لم ينقضوا ولا تظاهروا عليه، فإن الله عز وجل، أمر نبيه، عليه ~~السلام، بإتمام العهد لهم، وأمره أن يؤخر الذين نقضوا العهد أربعة أشهر، ~~وإن كان عهدهم أكثر مدة. # وهو قول الضحاك. # قوله تعالى: # إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما ~~استقاموا لكم فاستقيموا [لهم] # [التوبة: 7]. # فأمر الله عز وجل، نبيه [عليه السلام]، بالاستقامة لهم على عهدهم، ما ~~استقاموا. وأمر الله عز وجل، أن يؤخر الذين نقضوا وظاهروا عليه أربعة ~~أشهر. # وقد روي: أن عليا كان يقول في ندائه: ومن كان بينه وبين رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عهد فعهده إلى مدته. ### || [9.2] # قوله: { فسيحوا في الأرض أربعة أشهر } ، الآية. # المعنى: فسيحوا يا أيها الذين لهم عهد وقد نقضوا قبل إتيان الأجل. وأما ~~من له عهد أربعة أشهر فما دون، فقيل لهم: سيحوا في الأرض أربعة أشهر من ~~يوم النحر، أي: تصرفوا مقبلين ومدبرين، ثم لا أمان لكم بعدها إلا ~~بالإسلام. # وأشهر [السياحة] على قول مجاهد، وغيره: ms0947 من يوم النحر إلى عشر خلون من ~~ربيع الآخر. # وعند الزهري: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم. # وتسمى أيضا أشهر السياحة، أي: سمح لهم فيها بالتصرف آمنين. # قوله: { واعلموا أنكم غير معجزي الله }. # أي: مفيتيه أنفسكم، أين كنتم، وأين ذهبتم بعد الأربعة الأشهر وقبلها، ~~لا منجي منه ولا ملجأ إلا الإيمان به، عز وجل، وبرسوله عليه السلام. # { وأن الله مخزي الكافرين }. # أي: مذلهم ومورثهم العار في الدنيا والآخرة. ### || [9.3-4] # قوله: { وأذان من الله ورسوله إلى الناس } ، الآية. # و " الأذان " في اللغة: الإعلام. # و { يوم الحج الأكبر }: يوم عرفة؛ لأن عليا يوم عرفة قرأ ~~على الناس أربعين آية من " براءة " بعثه بها النبي صلى الله عليه وسلم، ~~ثم قرأها عليهم في منى لتبلغ جميعهم، فمن ثم قال قوم: { يوم ~~الحج الأكبر }: يوم النحر. وهو قول مالك. # وروي # " أن النبي صلى الله عليه وسلم، خطب يوم عرفة فقال: " أما بعد، فإن هذا ~~يوم الحج الأكبر " # [وهو قول عمر، وابن الزبير، وعطاء، وغيرهم. # وروي عن علي أنه قال: { يوم الحج الأكبر } ]: يوم النحر. وهو ~~قول مالك، واختلف عن ابن عباس. وهو قول ابن عمر، والسدي، والشعبي، ~~وغيرهم. # وقال مجاهد { يوم الحج الأكبر } معناه: حين الحج، وهو أيام ~~الحج كلها، لا يوم بعينه. # وقال ابن جريج: { الحج الأكبر }: أيام منى كلها. # واختار الطبري: أن يكون يوم النحر؛ لأن في ليلته يتم الحج، وليس من فاته ~~يوم عرفة أو ليلته يفوته الحج، ومن فاته ليلة يوم النحر إلى الفجر فقد ~~فاته الحج. وحق الإضافة أن تكون إلى المعنى الذي يكون في الشيء، فلما كان ~~الحج في ليلة يوم النحر أضيف اسم الحج إلى يوم النحر. ولما كان [من] لم ~~تغب له الشمس يوم عرفة لم يحج، وإن كان قد وقف بعرفة طول نهاره، علم بأنه ~~ليس بيوم الحج إذ لا يتم الحج به ألا ترى أنهم يقولون: يوم النحر من أجل ~~أن [النحر فيه، ويقولون: يوم عرفة من أجل أن] الوقوف بعرفة فيه يكون، و: ms0948 ~~يوم الفطر من أجل أن الإفطار بعد الصوم فيه يكون، فكذلك يوم الحج يقال ~~لليوم الذي فيه، أو في ليله يتم الحج ويحصل، وفي يومه تعمل أعمال الحج، ~~من النحر، والوقوف بمزدلفة، ورمي الجمار، والحلق، وغير ذلك. # وسمي: { الحج الأكبر }: لأنه كان / في سنة اجتمع فيها المسلمون ~~والمشركون. # وقيل: سمي بذلك؛ (لأنه) من النحر والوقوف بمزدلفة ورمي الجمار والحلاق ~~وغير ذلك. # وسمي بذلك؛ لأنه كان يوم حج اجتمع فيه المسلمون والمشركون، ووافق عيد ~~اليهود والنصارى. # وقال مجاهد { الحج الأكبر }: القران في الحج، والأصغر: ~~الإفراد. # وأكثر الناس على أن الأكبر: الحج، والأصغر: العمرة. # وقال الشعبي الحج الأصغر: العمرة في رمضان. # وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم، بعث عليا بأول سورة " براءة " ، ~~إثر أبي بكر عام حج بالناس أبو بكر، وذلك سنة تسع، فنادى علي ب: " ~~براءة " في الموسم. # وقيل: يوم النحر نادى بها. # وقيل: يوم عرفة. # وقيل: فيهما جميعا. # ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم، في سنة عشر. # ومعنى { بريء من المشركين } ، أي: من عهدهم بعد هذه ~~الحجة. # { فإن تبتم فهو خير لكم }. # أي: تبتم عن كفركم { وإن توليتم } ، أدبرتم عن الإيمان، { ~~فاعلموا أنكم غير معجزي الله } ، أي: لا تفيئون ~~الله أنفسكم، { وبشر الذين كفروا بعذاب أليم } ، أي: ~~مؤلم، أي: أعلمهم، يا محمد، بذلك. # { بريء من المشركين } ، وقف، إن جعلت { ورسوله }: ~~ابتداء أضمر خبره، أي: ورسوله بريء منهم. # وإن جعلته معطوفا وقفت { ورسوله } ، وكذلك من نصب، وهي قراءة ابن ~~أبي إسحاق. # { غير معجزي الله } ، وقف حسن. # { بعذاب أليم } ، ليس بوقف حسن؛ لأن بعده الاستثناء. # ومن العلماء من يقول: ألا وقف من أول السورة يحسن؛ لأن الاستثناء مما ~~قبل. # قال قتادة: هم مشركو قريش، الذين عاهدهم النبي عليه السلام، زمن ~~الحديبية، أمر أن يتم لهم مدتهم، وكان قد بقي منها أربعة أشهر من يوم ~~النحر، وأمر أن يصبر على من لا عهد له إلى انسلاخ المحرم، ثم يقاتل ~~[الجميع] حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول ms0949 الله. # ومعنى { إلى مدتهم }: إن كانت أكثر من أربعة أشهر. ### || [9.5] # قوله: { فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا ~~المشركين } ، الآية. # قوله: { كل مرصد } ، منصوب عند الأخفش على حذف: " على ". # وقد حكى سيبويه: ضرب الظهر والبطن، أي: " على " ، فنصب لما حذف " على ~~". # ونصبه على الظرف حسن، كما تقول: " قعدت له كل مذهب ". # أي في كل مذهب. # والمعنى: فإذا انقضت الأشهر الحرم عن الذين لا عهد لهم، أو عن الذين كان ~~لهم عهد، فنقضوا وظاهروا المشركين على المسلمين، أو كان عهدهم إلى غير ~~أجل معلوم. { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } ، من ~~الأرض، في الحرم، وفي غيره، وفي الأشهر الحرم وفي غيرها. { وخذوهم } ~~، أي: أسروهم، والعرب تسمي " الأسير ": أخيذا، { واحصروهم } ، ~~أي: امنعوهم من التصرف في بلاد المسلمين، وأصل " الحصر ": المنع ~~(والحبس)، { واقعدوا لهم كل مرصد } ، أي: طالبوهم في كل ~~طريق. { فإن تابوا } ، أي: رجعوا عن الشرك، { وأقاموا ~~الصلوة } ، أي: أدوها بحدودها، { وءاتوا الزكوة } ، أي: ~~أعطوا ما يجب عليهم في أموالهم /، { فخلوا سبيلهم } أي: دعوهم ~~يتصرفون [في أمصاركم]، ويدخلون البيت الحرام { إن الله غفور } ، ~~أي: ساتر ذنوب من رجع وأناب، { رحيم } ، أن يعاقبه على ذنوبه السابقة ~~قبل توبته، [بعد التوبة]. # روى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: # " من فارق الدنيا على الإخلاص لله عز وجل، وعبادته، جلت عظمته، لا يشرك ~~به فارقها والله عنه راض ". # و { الأشهر الحرم } ، هنا: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم. # وأريد في هذا الموضع انسلاخ المحرم وحده؛ لأن الأذان ب: " براءة " كان ~~يوم الحج الأكبر. فمعلوم أنهم لم يكونوا أجلوا الأشهر [الحرم] كلها، ~~ولكنه لما كان المحرم متصلا بالشهرين الآخرين الحرامين وكان لهما تاليا ~~قيل: { فإذا انسلخ الأشهر الحرم }. # وقال السدي: { الأشهر الحرم } هنا هي: من يوم النحر إلى عشر ~~خلون من ربيع الآخر. # وسميت " حرما "؛ لأن الله حرم على المؤمنين فيها دماء المشركين، ~~وأذاهم. # وقال مجاهد: { الأشهر الحرم } ، هنا هي: الأربعة التي قال الله ~~عز وجل: # فسيحوا في الأرض أربعة أشهر # [التوبة: 2]. # وهو قول السدي. # ومثله قال ابن ms0950 زيد، قال: أمر الله سبحانه أن يتركوا أربعة أشهر يسيحون ~~ثم يتبرأ منهم، ثم أمر إذا انسلخت تلك الأشهر الحرم أن يقتلوا حيث وجدوا. # وسماها " حرما "؛ لأنه حرم قتل المشركين فيها. # وقال الضحاك، والسدي: الآية منسوخة لا يحل قتل أسير صبرا، والذي نسخها ~~هو قوله: # فإما منا بعد وإما فدآء # [محمد: 4]. وهو قول عطاء. # وقال قتادة: هذه الآية ناسخة لقوله: { فإما منا بعد وإما ~~فدآء } ، ولا يجوز أن يمن على أسير ولا يفادى، وقد روي مثله عن ~~مجاهد. # وقال ابن زيد: وهو الصواب إن شاء الله، [إن] الآيتين محكمتان. # أمر هنا: أن يؤخذوا إما للقتل، وإما للمن، وإما للفداء، وأمر ثم، ~~إما المن، وإما الفداء، فهما محكمتان، وقد فعل هذا كله رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: قتل الأساري، وفادى ببعض، ومن على بعض، وذلك يوم بدر. ### || [9.6] # قوله: { وإن أحد من المشركين استجارك } ، الآية. # والمعنى: وإن استأمنكم، يا محمد، أحد من المشركين الذين أمرتك بقتالهم ~~بعد انسلاخ الأشهر الأربعة، ليسمع كلام الله، سبحانه، منك، فأمنه حتى ~~يسمعه، { ثم أبلغه مأمنه } ، أي: إن أسمع ولم يتعظ، فرده ~~إلى حيث يأمن منك ومن أصحابك، ويلحق بداره. # وإضافة الكلام إلى الله، جل ذكره، في هذا إضافة تخصيص من طريق القيام ~~به، فهي إضافة صفة إلى موصوف، وليست بإضافة ملك إلى مالك، ولا بإضافة خلق ~~إلى خالق، ولا بإضافة تشريف، بل هي إضافة على معنى: أن ذاته [غير] متعدية ~~منه. فافهم. # قوله: { ذلك بأنهم قوم لا يعلمون }. # أي: يفعل ذلك بهم؛ لأنهم قوم جهلة لا يعلمون قدر ما دعوا إليه. ### || [9.7] # قوله: { كيف يكون للمشركين عهد عند الله } ، ~~الآية. # المعنى: أنى يكون للمشركين عهد يوفى لهم به، فيتركون من أجله آمنين؟ ~~إلا الذين أعطوا العهد عند المسجد الحرام منهم { فاستقيموا لهم ~~} ، أيها المؤمنون على عهدهم، ما استقاموا لكم عليه. # قال الفراء: في { كيف } ، هنا معنى التعجب. # وهؤلاء القوم: بنو جذيمة بن الدئل. # وقيل: هم قريش. # قال ابن زيد: فلم يستقيموا، فضرب لهم أجل ms0951 أربعة أشهر، ثم أسلموا قبل ~~تمام الأجل. # وقال قتادة: نقضوا ولم يستقيموا، أعانوا أحلافهم من بني بكر، على ~~حلف النبي صلى الله عليه وسلم، خزاعة. # وقال [مجاهد]: هم قوم من خزاعة. ### || [9.8] # قوله: { كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا } ، الآية. # { كيف }: في موضع نصب، وكذلك # كيف يكون # [التوبة: 7]. # والمعنى: كيف يكون لهؤلاء المشركين عهد، وهم / قد نقضوا العهد، ومنهم من ~~لا عهد له، وهم: { إن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم ~~إلا ولا ذمة }. # و { كيف } هذه، قد حذف الفعل بعدها لدلالة ما تقدم من الكلام عليه. # قال الأخفش المعنى: { كيف } لا تقتلونهم. # وقال أبو إسحاق، التقدير: كيف يكون لهم عهد، { وإن يظهروا ~~عليكم } ، وحذف هذا الفعل؛ لأنه قد تقدم ما يدل عليه، ومثله قول ~~الشاعر: # وخبرتماني أنما الموت في القرى # فكيف وهاتا هضبة وقليب # والمعنى: فكيف يكون الموت في القرى، وهاتا هضبة وقليب، لا ينجو فيهما ~~منه أحد؟ # و " الإل ": القرابة و " الذمة ": العهد. قاله ابن عباس. # وقال قتادة " الإل ": الله، و " الذمة ": العهد. # وقال مجاهد " الإل ": الله، و " الذمة ": العهد. # وقال ابن زيد: " الإل ": العهد، و " الذمة ": العهد، لكنهما كررا لما ~~اختلف لفظهما. # وجمع " الإل " الذي هو القرابة: الآل، بمنزلة " عدل وأعدل " ، وفي ~~الكثير: ألول ألال. # وقوله: { يرضونكم بأفواههم }. # أي: يعطونكم بألسنتهم خلاف ما يضمرون في نفوسهم. # { وتأبى قلوبهم }. # أي: تأبى أن تذعن بتصديق ما يبدوا بألسنتهم. # { وأكثرهم فاسقون }. # أي: خارجون عن أمر الله عز وجل، بنقضهم وكفرهم. ### || [9.9-10] # قوله: { اشتروا بآيات الله ثمنا } ، إلى قوله: { ~~المعتدون }. # المعنى: إن الله عز وجل أخبر عن المشركين، أنهم باعوا آيات الله سبحانه ~~وعهده، (جلت عظمته)، بثمن يسير. # وذلك أنهم نقضوا العهد الذي كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم، ~~بأكلة أطعمها لهم أبو سفيان بن حرب. # { فصدوا عن سبيله }. # أي: فمنعوا الناس من الدخول في الإسلام. # { إنهم سآء ما كانوا يعملون }. # أي: ساء عملهم. # { لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة }. # قد تقدم ذكره. # وقال النحاس: هذا لليهود، والأول للمشركين. ms0952 # وقوله: { اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا } ، يعني ~~اليهود، باعوا حجج الله عز وجل، وآياته، سبحانه بطلب الرئاسة. # { وأولئك هم المعتدون }. # أي: المتجاوزون إلى ما ليس لهم. ### || [9.11-12] # قوله: { فإن تابوا وأقاموا الصلوة وءاتوا ~~الزكوة } ، إلى قوله: { لعلهم ينتهون }. # المعنى: فإن تاب هؤلاء المشركون الذين أمرتكم بقتلهم، { وأقاموا ~~الصلوة وءاتوا الزكوة } ، فهم إخوانكم في الدين، { ~~ونفصل الأيت } ، أي: نبين لهم الحجج، { لقوم يعلمون } ~~، ذلك. # قال قتادة المعنى: فإن تركوا اللات والعزى، وشهدوا: أن لا إله إلا ~~الله، وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم { وأقاموا ~~الصلوة وءاتوا الزكوة } ، فهم إخوانكم في الدين. # قال ابن زيد: افترضت الصلاة والزكاة جميعا، فلم يفرق بينهما. وقال: ~~يرحم الله أبا بكر ما كان أفقهه. # وقوله: { وإن نكثوا أيمانهم }. # أي: وإن نكث هؤلاء المشركون عهودهم من بعد ما عاهدوكم. # { وطعنوا في دينكم }. # أي: قدحوا فيه، وثلبوه وعابوه. # { فقاتلوا أئمة الكفر }. # أي: رؤوس أهل الكفر. # { إنهم لا أيمان لهم }. # من قرأ ب: " فتح الهمزة " فمعناه: لا عهود لهم، وهو جمع " يمين ". # ومن كسر احتمل معنيين: # أحدهما أن يكون معناه: لا إسلام لهم، فيكون مصدر: آمن الرجل يؤمن: إذا ~~أسلم. # ويحتمل أن يكون مصدر: آمنته من الأمن، فيكون المعنى: لا تؤمنوهم، ~~ولكن اقتلوهم. # و { أئمة }: جمع إمام، وهو: أبو جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وأبو ~~سفيان بن حرب، ونظراؤهم الذين هموا بإخراجه. # وقال السدي: هم قريش. # وقال حذيفة: ما قوتل أهل هذه الآية بعد. # وأصل " النكث ": النقض. # { لعلهم ينتهون }. # أي: / ينتهون عن الشرك ونقض العهود. ### || [9.13] # قوله: { ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم } ، ~~الآية. # { ألا }: تحضيض وتحريض. # { أتخشونهم } ، ألف تقرير وتوبيخ. # ومعنى الآية: أنها تحضيض، على قتال المشركين الذين نقضوا عهود النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وطعنوا في الدين، وعاونوا أعداء المسلمين عليهم، { ~~وهموا بإخراج الرسول } من مكة: { وهم بدءوكم ~~أول مرة } ، أي: بدأوا بالقتال ببدر: { أتخشونهم } أي: ~~تخافونهم على أنفسكم: { فالله أحق أن تخشوه } ، أي: أن ~~تخافوه في ترككم قتال عدوكم وعدوه، الذي هو [لا] يضر ms0953 و[لا] ينفع. # قال السدي: هموا بإخراجه وأخرجوه. # { أول مرة } ، وقف عند الأخفش. # وعند أبي حاتم، الوقف: { أتخشونهم }. ### || [9.14] # قوله: { قاتلوهم يعذبهم الله } ، الآية. # والمعنى: قاتلوا هؤلاء الذين نقضوا العهد، وأخرجوا الرسول، فإنكم إن ~~تقاتلوهم: { يعذبهم الله بأيديكم } ، أي: يقتلهم ~~بأيديكم، { ويخزهم } ، أي: يذلهم بالأسر: { وينصركم ~~عليهم } ، أي: يعطكم الظفر عليهم، { ويشف صدور قوم ~~مؤمنين } ، أي: بقتلهم وأسرهم. # و " القوم المؤمنون " (هنا) هم: خزاعة حلفاء رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وذلك أن قريشا نقضوا العهد بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، بمعونتهم بكرا على خزاعة. قاله مجاهد، والسدي. # وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم حين قاضى المشركين يوم الحديبية، أدخل ~~بني كعب بن خزاعة معه في القضية، [وأدخل المشركون بني بكر بن كنانة معهم ~~في القضية]، ثم إن المشركين أغاروا مع بني بكر بن كنانة على بني كعب، قبل ~~انقضاء مدة العهد، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم، لذلك فقال: " واله ~~لأنتصرن لهم " ، فنصره الله عليه يوم الفتح، وشفى صدور بني ~~كعب. ### || [9.15] # قوله: { ويذهب غيظ قلوبهم }. # أي: غيظ قلوب خزاعة على هؤلاء: بني بكر بن كنانة الذين نقضوا عهد النبي ~~عليه السلام، وأعانوا المشركين على خزاعة، وهم مؤمنون، حلفاء النبي [صلى ~~الله عليه وسلم]. # { ويتوب الله على من يشآء }. # مستأنف فالابتداء به حسن، والمعنى: وسوف يتوب الله، وهو مثل: # فإن يشإ الله يختم على قلبك # [الشورى: 24]، ثم قال: # ويمح # [الشورى: 24] فاستأنف. # وقرأ ابن أبي إسحاق، وعيسى، والأعرج: # " ويتوب " ب: " النصب ". # على الصرف. # فلا تقف على ما قبل: { ويتوب } على هذه القراءة. # قوله: { والله عليم }. # أي: عالم بسرائر عباده { حكيم } في تصريفه عباده من حال كفر إلى حال ~~إيمان، بتوفيقه، ومن حال إيمان إلى حال كفر، بخذلانه من خذل منهم عن ~~طاعته. ### || [9.16] # قوله: { أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله ~~الذين جاهدوا منكم } ، الآية. # { أن تتركوا }: في موضع مفعولي " حسبت " عند سيبويه. # وقال المبرد: { أن تتركوا }: مفعول أول، والثاني مفعول محذوف. # و { أم } هنا: استفهام، والمعنى: ms0954 أحسبتم أيها المؤمنون كذا وكذا؟. # ومعنى الآية: أنها خطاب للمسلمين الذين أمرهم الله بقتال المشركين الذين ~~نقضوا العهد، وأخرجوا الرسول، يقول تعالى: أحسبتم، أيها المؤمنون أن ~~يترككم الله بغير محنة، وبغير اختبار، ليعلم الصادق منكم من الكاذب، علم ~~مشاهدة. وقد كان علم ذلك، تعالى، قبل خلق العالم، ولكن المجازاة إنما تقع ~~على المشاهدة، فيعلم المجاهدين الذين لم { لم يتخذوا من دون ~~الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة } ، أي: ~~بطانة من المشركين، يفشون إليهم من سرهم. # قال الطبري: إنما دخلت { أم } في موضع الألف هنا؛ لأنه من الاستفهام ~~المعترض في وسط الكلام، فدخلت لتفرق بين الاستفهام الذي يبتدأ به، ~~والاستفهام الذي يعترض. # في وسط الكلام. # ومثله: # الم * تنزيل الكتاب لا ريب [فيه] من رب ~~العالمين # [السجدة: 1-2]، ثم قال: # أم يقولون # [السجدة: 3]، بمعنى: أيقولون. # ومثله: # أفلا تبصرون * أم أنآ / خير # [الزخرف: 51-52]، أي: أنا خير. # وهذه { أم } هي التي تسمى " المنقطعة، ولا يقدر الكلام معها ب: " ~~أيهم " ولا ب: " أيهما ". # { والله خبير بما تعملون }. # أي: ذو خبر بعملكم إن اتخذتم بطانة من المشركين تفشون إليهم سر ~~المؤمنين. # ونظير هذه الآية: # الم * أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا ~~وهم لا يفتنون # [العنكبوت: 1-2]، أي: يختبرون، ثم قال: # ولقد فتنا الذين من قبلهم # [العنكبوت: 3]، إلى: # وليعلمن الكاذبين # [العنكبوت: 3]. ### || [9.17-18] # قوله: { ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله } ، ~~إلى قوله: { المهتدين }. # والمعنى: ما ينبغي للمشركين أن يعمروا مساجد الله؛ لأنهم ليسوا ممن يذكر ~~الله، والمساجد إنما بنيت لذكر الله والصلاة، فليس لهم أن يعمروها. # { شاهدين على أنفسهم }. # فيه ثلاثة تأويلات. # أحدها: أن فيما يقولونه ويفعلونه دليل على كفرهم، كما يدل على إقرارهم، ~~فكأن ذلك منهم شهادتهم على أنفسهم. قاله الحسن. # والثاني: شهادتهم على رسولهم بالكفر؛ لأنهم كذبوه وأكفروه وهو من ~~أنفسهم. قاله الكلبي. # والثالث: ما ذكره في الكتاب، وهم يشهدون على أنفسهم بالكفر؛ لأنهم يقال ~~للرجل منهم: أيش أنت؟ فيقول: نصراني، يهودي، صابئ، مشرك. # { أولئك حبطت أعمالهم }. # في الدنيا، أي: بطلت وذهبت، إذ ms0955 لم تكن لله، عز وجل، وكانت للشياطين. # { وفي النار هم خالدون }. # أي: ماكثون أبدا، لا أحياء ولا أمواتا. # ومن قرأ: { مساجد الله } بالتوحيد، عنى به: المسجد الحرام، ~~ودليله قوله: # فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا # [التوبة: 28]، وقوله: # وعمارة المسجد الحرام # [التوبة: 19]. # ومن جمع، أراد: جميع المساجد، ودليله قوله: { إنما يعمر ~~مساجد الله } فجمع ولم يختلف فيه. # والجمع: يستوعب المسجد الحرام وغيره، والتوحيد: يخص المسجد الحرام وحده، ~~ولا يجوز لمن وحد أن يريد به الجنس؛ لأنه مضاف، والمضاف موقت محدود. # ثم قال: { إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله }. # أي: إنما يعمرها من صدق بالله ورسوله، وما أتت به الرسل. # { وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا ~~الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين } ، ~~(أي): فحقيق أن يكون من هذه صفته من المهتدين. # وكل " عسى " في القرآن من الله فهي واجبة. # ونزلت هذه الآية في قريش؛ لأنهم كانوا يفتخرون، فيقولون: نحن أهل ~~الحرم وسقاة الحاج، وعمار هذا البيت، فأنزل الله عز وجل، صفة من ~~يجب أن يعمر مساجد الله، سبحانه. ### || [9.19-22] # قوله: { أجعلتم سقاية الحاج } ، إلى قوله: { أجر ~~عظيم }. # ألف { أجعلتم }: ألف تقرير وتوبيخ. # ومعنى { كمن آمن بالله } ، أي: كإيمان من آمنم. # ومعنى الآية: إن المشركين من قريش افتخروا بالسقاية وسدانة البيت، ~~فأعلمهم الله عز وجل، أن الفخر إنما هو بالإيمان بالله واليوم الآخر ~~والجهاد في سبيل الله. # وروي أن العباس بن عبد المطلب حين أسر يوم بدر قال: لئن كنتم ~~سبقتمونا بالإسلام، والهجرة والجهاد، لقد كنا نعمر المسجد الحرام، ونسقي ~~الحاج، ونفك العاني، فأنزل الله، جل ذكره: { أجعلتم سقاية ~~الحاج } ، الآية، فذلك لا ينفعكم، أيها المشركون مع شرككم. # وقال السدي، وغيره: افتخر علي، والعباس، وشيبة، فقال العباس: أنا ~~أفضلكم، أنا أسقي حاج بيت الله، وقال شيبة: [أنا]. # أعمر مسجد الله. وقال علي: أنا هجرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وجاهدت معه في سبيل الله عز وجل، فأنزل الله عز وجل، الآية: { ~~أجعلتم }. # وروي أن عليا قال للعباس ms0956 وشيبة: ألا أنبئكم بمن هو أكرم حسبا منا؟ ~~قالا: نعم، / قال: من ضرب خراطيمكم بالسيف حتى قادكم إلى الإسلام ~~كرها، فشق ذلك عليهما، [فشكيا] إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، هنيهة، إذ جاءه جبريل عليه ~~السلام، بهذه الآية: { أجعلتم سقاية الحاج } ، الآية. # وقال الضحاك: أقبل المسلمون على العباس وأصحابه يوم بدر، وهم قد أسروا، ~~يعيرونهم بالشرك، فافتخر العباس بالسقاية وعمارة المسجد الحرام، ~~فأنزل الله عز وجل، الآية. # قوله: { لا يستوون }. # أي: لا يعتدل هؤلاء وهؤلاء عند الله. # { والله لا يهدي القوم الظالمين }. # أي: لا يوفقهم لصالح الأعمال. # ثم قال تعالى: { الذين آمنوا وهاجروا }. # أي: هؤلاء الذين هذه صفتهم، أعظم درجة عند الله من أهل السقاية والعمارة ~~مع الشرك، فهذا قضاء من الله عز وجل، بين المفتخرين. # ثم أخبر أنهم { هم الفائزون }: أي: الناجون من النار، الفائزون ~~بالجنة. # ثم قال تعالى مخبر [بما] يصيرون إليه: { يبشرهم ربهم ~~برحمة منه } ، لهم { ورضوان } ، منه عنهم، { وجنات ~~لهم فيها نعيم مقيم } ، أي: لا يزال أبدا، { خالدين } ~~، أي: ماكثين، { أبدا } ، لا حد لذلك، { إن الله عنده أجر ~~عظيم } ، أي: عنده لهؤلاء الذين هذه صفتهم { أجر عظيم } ، أي: ~~لا حد له من عظمه. # ومعنى { يبشرهم }: يعلمهم بذلك في الدنيا. ### || [9.23-24] # قوله: { يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا آبآءكم ~~وإخوانكم } ، إلى قوله: { والله لا يهدي القوم ~~الفاسقين }. # ومعنى الآية: أن الله، جل ذكره، نهى المؤمنين أن يتخذوا آباءهم وإخوانهم ~~الكفار أولياء، يفشون إليهم سر المؤمنين، ويطلعونهم على أسرار النبي عليه ~~السلام، ويؤثرون المكث بين أظهرهم على الهجرة إلى دار الإسلام: { ~~ومن يتولهم منكم } أي: من يتخذهم أولياء وبطانة، ويؤثر ~~المقام معهم على الهجرة، { فأولئك هم الظالمون }. # وهذا كله قبل فتح مكة. قاله مجاهد. # { وإخوانكم أوليآء } ، وقف عند نافع. # ومثله { أوليآء } في سورة المائدة، فصح الوقف عليه؛ لأنه لا يجوز ~~أن يتخذ اليهود والنصارى أولياء على كل حال. # وهنا إنما نهوا عن اتخاذ الآباء والإخوان أولياء إن هم استحبوا الكفر ~~على ms0957 الإيمان، فإن لم يفعلوا ذلك فاتخاذهم حسن، والوقف عليه يوجب ألا ~~يتخذوا أولياء على كل حال كاليهود والنصارى. # { على الإيمان } ، الوقف الحسن. # ثم قال تعالى: { قل إن كان آباؤكم وأبنآؤكم } ، الآية. # والمعنى: { قل } يا محمد، للمتخلفين على الهجرة، المقيمين بدار الشرك، ~~مع أهليهم وأموالهم { قل إن كان آباؤكم وأبنآؤكم } ، أي: ~~المقام مع هؤلاء بمكة، { أحب إليكم من الله } ، أي: من ~~الهجرة إلى دار الإسلام، ومن الجهاد في سبيل الله، { فتربصوا ~~حتى يأتي الله بأمره } ، أي: بفتح مكة. قاله مجاهد. # والثاني: { حتى يأتي الله بأمره }: من عقوبة عاجلة أو ~~آجلة. قاله ابن زيد. # { والله لا يهدي القوم الفاسقين }. # أي: لا يوفقهم للهدى. ### || [9.25-27] # قوله: { لقد نصركم الله في مواطن كثيرة } ، إلى ~~قوله: { والله غفور رحيم }. # { حنين }: مذكر، اسم واد بين مكة والطائف. # ومن العرب من يجعله اسما للبقعة فلا يصرفه للتأنيث والتعريف. # وقيل: هو واد إلى جنب ذي المجاز. # لغة بني تميم: " كثرة " ، بكسر الكاف، وجمعه: كثر، والفتح لغة ~~أكثرهم، وجمعه: كثرات، وهما مصدران وجمعهما قبيح. # ومعنى الآية: { لقد نصركم الله } ، أيها المؤمنون في أماكن ~~حرب، ونصركم يوم حنين أيضا. # وهو يوم قاتل فيه النبي عليه السلام، هوازن وثقيفا، وخرج مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم، في تلك الغزوة / إثنا عشر ألفا: عشرة آلاف من ~~المهاجرين والأنصار، وألفان من الطلقاء، فأعجب القوم كثرهم، فانهزموا ~~ونزل النبي صلى الله عليه وسلم، عن بغلته الشهباء، وكان العباس أخذ بلجام ~~[بغلة] النبي عليه السلام، فأمر النبي صلى الله عليه سلم، بالأذان في ~~الناس فتراجع الأنصار، وكان المنادي ينادي: " يا معشر الأنصار، ويا معشر ~~المهاجرين، يا أصحاب الشجرة، يا أصحاب سورة البقرة، فجاء الناس عنقا ~~واحدا، ثم أنزل الله عز وجل، نصره، وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم، ~~كفا من تراب، وقبضة من حصباء، فرمى بها وجوه القوم الكفار، وقال: " ~~شاهت الوجوه " ، فانهزموا. فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~الغنائم، ورجع إلى الجعرانة، فقسم بها الغنائم، مغانم حنين، وزاد ~~أناسا منهم: أبو سفيان بن ms0958 حرب، والأقرع بن حابس، وسهيل بن عمرو، ~~وغيرهم، تألف بالزيادة قلوبهم، فتكلمت الأنصار، وقالت: " آثر قومه " ، ~~فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وهو في قبة له من أدم، فقال: يا ~~معشر الأنصار ما هذا الذي بلغني؟ ألم تكونوا ضلالا فهداكم الله، ~~وكنتم أذلة فأعزكم الله، وكنتم وكنتم. فتكلموا إليه، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم، والذي نفسي بيده، لو سلكتم واديا وسلك الناس واديا، ~~لسلكت وادي الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار. ثم مدحهم ~~بغير هذا، ثم قال: أما ترضون أن ينقلب الناس بالإبل والشاء، وتنقلبون ~~برسول الله إلى بيوتكم. فقالت الأنصار: رضينا عن الله عز جل، وعن رسوله ~~صلى الله عليه وسلم، والله ما قلنا ذلك إلا ظنا بالله ورسوله، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم، الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم. # قال السدي: قال رجل من أصحاب النبي عليه السلام، يوم حنين، وقد كانوا ~~إثنى عشر ألفا: يا رسول الله لن نغلب اليوم من قلة وأعجبته كثرة ~~الناس، فوكلوا إلى كلمة الرجل، فانهزموا عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، غير العباس، وأبي سفيان بن الحارث، وأيمن بن أم أيمن، قتل يومئذ ~~بين [يدي] النبي صلى الله عليه وسلم. # فنادى النبي صلى الله عليه وسلم، بالأنصار: أين الأنصار الذين بايعوا ~~تحت الشجرة؟ فتراجع الناس، فأنزل الله عز وجل، الملائكة بالنصر، فهزم ~~المشركون يومئذ، وغنموا. # وأصاب المسلمون ستة آلاف سبية، فجاء قومهم مسلمين، فقالوا: يا رسول ~~الله، أنت خير الناس، وأبر الناس، وقد أخذت أبناءنا ونساءنا وأموالنا، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن عندي من ترون، وإن خير ~~القول أصدقه، فاختاروا: إما ذراريكم ونسائكم، و[إما] أموالكم. ~~فقالوا ما كنا نعدل بالأحساب شيئا، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم، من ~~طابت نفسه [أن يرد ما عنده من الذراري ومن لم تطب نفسه] أن يجعله ~~قرضا عند النبي صلى الله عليه وسلم، حتى يعوضه مكانه. فرضوا كلهم ~~وسلموا بأن يردوا الذراري بطيب نفس. # ومعنى { بما رحبت } ، أي: بسعتها. # وقال الطبري: ms0959 " الباء " بمعنى: " في ". # فأعلم الله عز وجل، المؤمنين في هذه الآية أنه ليس بكثرهم يغلبون، [إنما ~~يغلبون] بنصره. # وكانت غزوة حنين بعد فتح مكة، ولما خرج النبي صلى الله عليه وسلم، إليها ~~خرج معه أهل مكة مشاة وركبانا، يمشون يرجون الغنائم حتى خرج معه النساء ~~والصبيان وهم على غير الإسلام / وليس يكرهون أن تكون الصدمة برسول الله ~~[صلى الله] عليه وسلم. # وفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم، الغنائم على الجميع، ووفر على أهل ~~مكة استيلافا لهم ليدخلوا في الإسلام، وزوى كثيرا من المقاسم عن ~~أصحابه، فعند ذلك وجدت الأنصار في أنفسها، وقالوا: ما نرى فعل ذلك إلا ~~وهو يريد المقام بين ظهرانيهم، فعاتبهم النبي صلى الله عليه وسلم، ~~[على ذلك. # فنصر الله النبي صلى الله عليه وسلم، وهو السكينة التي أنزلت على ~~النبي صلى الله عليه وسلم] وعلى المؤمنين، { وأنزل جنودا لم ~~تروها } ، وهي الملائكة بالنصر: { وعذب الذين كفروا } ، ~~أي: بالسيف، وسبي الأهل وأخذ الأموال: { وذلك جزآء الكافرين ~~} ، أي: هذا الذي فعله بهم، هو جزاء من كفر بالله ورسوله. # وقيل: هو جزاء من بقي منهم. # { ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشآء }. # أي: يتفضل على من يشاء بالتوبة من الكفر والإنابة إليه، يعني من بقي ~~منهم، حتى ينقلهم إلى طاعته إذا شاء، { والله غفور رحيم }. ### || [9.28-29] # قوله: { يأيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس ~~} ، إلى قوله: { وهم صاغرون }. # ومعنى الآية: أن الله أمر المؤمنين أن يمنعوا المشركين من دخول المسجد ~~الحرام. # وقوله: { نجس }. # قال قتادة: " النجس " هنا: الجنب. # وأصل " النجس ": القذر. وإذا ذكرت قبل " النجس ": " الرجس " كسرت " ~~النون " ، وأسكنت " الجيم " ، فقلت: هو رجس نجس على الاتباع. # وعنى بذلك: الحرم كله أن يمنعوا من دخوله، وعلى ذلك قال عطاء: الحرم ~~كله قبلة ومسجد. # وبظاهر هذه الآية يجب على المشرك إذا أسلم أن يغتسل، وقد أمر بذلك ~~النبي صلى الله عليه وسلم. وهو مذهب مالك، وابن حنبل، ولم يوجبه الشافعي ~~واستحبه، قال: إلا أن يكون يعلم أنه جنب فعليه أن ms0960 يغتسل. # وقال الثوري، والشافعي: ثياب المشركين على الطهارة حتى تعلم النجاسة، ~~واستحبا غسل الإزار والسراويل. # وقال مالك: إذا صلى في ثوب كان المشرك يلبسه، أعاد من الصلاة ما كان في ~~وقته. # وأكثرهم على أن لا بأس بالصلاة فيما نسجوا، وهو مذهب مالك. # وهذه الآية ناسخة، لما كان النبي عليه السلام، قد صالح عليه ~~المشركين أن لا يمنع أحد من البيت. # قال مالك: يمنع المشركون كلهم من أهل الكتاب وغيرهم من دخول الحرم، ~~ودخول كل المساجد. وهو قول عمر بن عبد العزيز، وقتادة. # وقال الشافعي: يمنع المشركون جميعا من دخول الحرم، ولا يمنعون من دخول ~~سائر المساجد. # وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يمنع اليهود والنصارى من دخول المسجد ~~الحرام، ولا من غيره، ولا يمنع من ذلك إلا المشركون أهل الأوثان. # وقول الله عز وجل، في اليهود والنصارى: # اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا [من دون ~~الله من دون الله] # [التوبة: 31] الآية، يدل على جوازهم تسميتهم مشركين، وقد نص الله على ~~ذلك بقوله: { عما يشركون } في آخر الآية. # وقوله: { بعد عامهم هذا }. # هو العام الذي حج فيه أبو بكر رضي الله عنه، بالناس، ونادى علي ب: " ~~براءة " في الموسم، / وذلك لتسع سنين مضين من الهجرة، وحج النبي صلى ~~الله عليه وسلم حجة الوداع في العام المقبل سنة عشر من الهجرة. # وقوله: { وإن خفتم عيلة }. # [أي]: إن خفتم، أيها المؤمنون، فقرا، بمنعنا المشركين أن يأتوكم إلى ~~الحرم بالتجارات، { فسوف يغنيكم الله من فضله } ، ~~فأغناهم الله بأخذ الجزية منهم بقوله: { قاتلوا الذين لا ~~يؤمنون بالله } ، إلى قوله: { حتى يعطوا الجزية }. # وقيل: أغناهم بإدرار المطر عليهم. # قال ابن عباس: ألقى الشيطان في قلوب المؤمنين الحزن، عن منع المشركين ~~من دخول الحرام، وقال لهم: من أين تأكلون، وقد انقطعت عنكم العير؟ فأنزل ~~الله عز وجل: # { وإن خفتم عيلة } الآية. # { إن الله عليم }. # أي: عليم بما حدثتكم به نفوسكم من خوف العيلة، بمنعنا المشركين أن يأتوا ~~إليكم، وبغير ذلك من مصالحكم، { حكيم } ، في تدبيره. # و " العيلة " مصدر " عال يعيل ms0961 ": إذا افتقر. # وحكي: " عال يعول " [في] الفاقة. # وبمصحف عبد الله: " عائلة " ، أي: خصلة شاقة، يقال: عالني الأمر، أي: ~~شق علي واشتد. # ثم قال: تعالى آمرا للمؤمنين: { قاتلوا الذين لا يؤمنون ~~بالله } ، الآية، أي: قاتلوهم حتى يعطوكم الجزية، من أهل الكتاب ~~كانوا أو من غيرهم. # و " الجزية " ك: " القعدة " و " الجلسة " ، وجمعها: جزى، ك: " ~~لحى " ، فهو من " جزى فلان فلانا ما عليه ": إذا قضاه. # وهي الخراج عن الرقاب. # ومعنى: { عن يد } ، أي: عن يده إلى يد من يدفعه إليه. # وقيل: { عن يد }: عن إنعام منكم عليهم إذا رضيتم بالجزية ~~وأمنتموهم في نفوسهم وأموالهم وذراريهم. # وقيل: { عن يد }: نقدا لا نسيئة. # وقيل: يؤدونها بأيديهم لا يوجهون بها كما يفعل الجبار. # وأهل اللغة يقولون: عن قهر وقوة. # { وهم صاغرون }. # أي: أذلاء مقهورون. # فهذه الآية نزلت في حرب الروم، فغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد ~~نزولها غزوة تبوك. قاله مجاهد. # قال عكرمة: { وهم صاغرون }: هم قائمون [وأنت جالس]. # وقال ابن عباس: يمشون بها ملببين. # وهذه الآية ناسخة للعفو عن المشركين. قاله ابن عباس. # هي ناسخة لقوله: # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة: 5]. # وأجمع علماء الأمصار على أخذ الجزية من المجوس. # وكان ملك يرى: أخذ الجزية من سائر أهل الشرك، وحكمهم عنده حكم المجوس، ~~تؤخذ منهم الجزية، ولا ينكح نساؤهم، ولا تؤكل ذبائحهم. # وتوضع الجزية عمن أسلم عند مالك ولم يبق من السنة إلا يوم واحد. # وتؤخذ الجزية من أهل الورق: أربعون درهما، ومن أهل الذهب: أربعة ~~دنانير، وهي فرض عمر رضي الله عنه. ### || [9.30-31] # قوله: { وقالت اليهود عزير ابن الله } ، إلى قوله: { ~~يشركون }. # { عزير }: مرفوع بإضمار مبتدأ، أي: صاحبنا عزير، { ابن }: نعت له، ~~فيكون حذف التنوين لكثرة الاستعمال. # ويجوز أن يكون { ابن } ، خبرا [عن] { عزير } ، ويكون حذف التنوين ~~لالتقاء الساكنين. # وكلا الوجهين في قراءة من نون عزيرا. # وقال أبو حاتم لو قال قائل: إن عزيرا اسم أعجمي لا يتصرف جاز. # وهو عند النحويين عربي مشتق، من: عزره يعزره ومنه قوله: # وتعزروه وتوقروه # [الفتح: ms0962 9]. # { ذلك قولهم بأفواههم }. # أي: لا بيان عندهم بما يقولون، ولا برهان، وإنما هو قول لا غير. # { يضاهئون قول الذين كفروا }. # أي: يشبهون قولهم بقولهم، وهم اليهود الذين قالوا: # { عزير ابن الله } ، [سبحانه وتعالى]، أي: يشبه قول هؤلاء ~~النصارى في الكذب على الله، (تعالى)، قول من تقدمهم في " العزير " من ~~اليهود. # وقيل المعنى: إن من كان على / عهد النبي صلى الله عليه وسلم، من اليهود ~~والنصارى قولهم يشبه قول أوليهم. # { قاتلهم الله }. # أي: لعنهم الله. # { أنى يؤفكون }. # أي: من أين يصرفون عن الحق. # { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا [من دون ~~الله] }. # الأحبار: العلماء. # والرهبان: العباد، أصحاب الصوامع. # { أربابا }: أي سادة، يطيعونهم في المعاصي، فيحلون ما حرم الله عز ~~وجل، ويحرمون ما أحل الله، سبحانه، ولم يكونوا يعبدونهم، إنما ~~كانوا يطيعونهم فيما لا يجوز، ولا يحل. # وقوله: { والمسيح }. # أي: واتخذوا المسيح ربا. # { ومآ أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا ~~إله إلا هو سبحانه عما يشركون }. # [أي]: تنزيها له وتطهيرا من شركهم. ### || [9.32-33] # قوله: { يريدون أن يطفئوا نور الله بأفوههم } ، ~~إلى قوله: { ولو كره المشركون }. # قوله: { إلا أن يتم نوره } ، إنما دخلت { إلا }؛ لأن في ~~الكلام معنى النفي، وهو: { يأبى } ، لأن قولك: " أبيت الفعل " كقولك: ~~" لم أفعل " ، فلذلك دخلت { إلا } ، وهي لا تدخل إلا بعد نفي. # وقال الزجاج التقدير: { ويأبى الله } كل شيء { إلا أن ~~يتم نوره }. # وقال علي بن سليمان: إنما جاز دخول { إلا } ها هنا؛ لأن { يأبى } ~~منع، فضارعت النفي. # ومعنى الآية: يريد أحبار هؤلاء ورهبانهم { أن يطفئوا نور ~~الله } ، (عز وجل)، { بأفوههم } ، أي: يحاولون بتكذيبهم وصدهم ~~الناس عن محمد صلى الله عليه وسلم، أن يبطلوا القرآن الذي جعله الله ضياء ~~لخلقه، وهو نور الله سبحانه، { ويأبى الله إلا أن يتم ~~نوره } ، أي: يعلو دينه وتظهر كلمته. # قال السدي: يريدون أن يطفئوا الإسلام بكلامهم، والله متم نوره ولو كره ~~الكافرون إتمامه. # { هو الذي أرسل رسوله بالهدى }. # وهو الإسلام وشرائعه { ودين الحق } ، الإيمان، { ليظهره ~~على الدين كله } ، أي: ليعلي الإسلام على الملل كلها، ms0963 { ولو ~~كره } ، ذلك { المشركون }. # قال أبو هريرة: ذلك عند خروج عيسى عليه السلام. # وقيل: المعنى ليعلمه شرائع الدين كلها، فيطلعه عليها. # فتكون " الهاء " للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو قول ابن عباس. # وفي القول الأول: " الهاء " تعود على: الدين. ### || [9.34-35] # قوله: { يأيها الذين آمنوا إن كثيرا من ~~الأحبار والرهبان } ، إلى [قوله]: { ما كنتم تكنزون ~~}. # قوله: { والذين يكنزون }. # { والذين }: في موضع رفع عطف على الضمير في: " يأكلون " ، فيكون ~~التقدير: { ليأكلون أموال الناس بالباطل } ، ويأكلها ~~معهم الذين يكنزون الذهب. # وقيل: { الذين }: في موضع رفع بالابتداء. # ومعنى الآية: يا أيها الذين صدقوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبما جاء ~~به، إن كثيرا من أحبار اليهود والنصارى ورهبانهم، وهم: علماؤهم وعبادهم. ~~وقيل { الأحبار }: القراء: { ليأكلون أموال الناس ~~بالباطل } ، ويأكلها معهم { الذين يكنزون الذهب } ، ~~وذلك الرشى في الحكم، وفي تحريف كتاب الله عز وجل، يكتبون بأيديهم ~~كتبا، ويقولون: هذا من عبد الله، يأخذون بها ثمنا قليلا، { ~~ويصدون عن سبيل الله } ، أي: يمنعون من أراد الدخول في ~~الإسلام. # و " الكنز ": كل مال وجبت فيه الزكاة، فلم تؤد زكاته. # وقوله: { ولا ينفقونها }. # أي: لا يؤدون زكاتها. # قال ابن عمر: كل ما مال أديت زكاته ليس بكنز، وإن كان مدفونا، ~~وكل مال لم تؤد زكاته، فهو كنز يكوى [به] صاحبه، وإن لم يكن ~~مدفونا. # وروي عن علي رضي الله عنه: أربعة آلاف درهم فما دونها " نفقة " / فإن ~~زادت فهو " كنز " ، أديت زكاته أو لم تؤد. # قال ابن عباس: هي خاصة للمسلمين لمن لم يؤد زكاته منهم، وهي عامة في ~~أهل الكتاب، من أدى الزكاة ومن لم يؤد؛ لأنهم لا تقبل منهم نفقاتهم وإن ~~أنفقوا. # وقال عمر بن عبد العزيز: أراها منسوخة بقوله: # خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها # [التوبة: 103]. # و " الكنز " في كلام العرب: كل شيء جمع بعضه إلى بعض. # قوله: { ولا ينفقونها }. # ولم يقل: " ينفقونهما " ، إنما ذلك لأن الضمير رجع على الكنوز، والكنوز ~~تشتمل على الذهب والفضة. # وقيل: إن الضمير يرجع على: " الأموال " التي تقدم ذكرها ms0964 أنها تؤكل ~~بالباطل. # وقيل: الضمير يعود على: " الفضة " ، وحذف العائد على الذهب لدلالة ~~الكلام عليه، كأنه قال: { ولا ينفقونها } و " ينفقونه " ، ثم حذف ~~كما قال: # نحن بما عندنا وأنت بما # عندك راض.... # وقيل الضمير: " للذهب " ، وضمير " الفضة " محذوف، تقديره: { ولا ~~ينفقونها } و " ينفقونها " ، والعرب تقول: " هي الذهب [الحمراء] " ~~، فتؤنث. # وقال معاوية: هذه الآية في أهل الكتاب خاصة. # وقوله: { فبشرهم بعذاب أليم }. # أي: اجعل موضع البشارة لهم عذابا أليما، أي: مؤلما، بمعنى موجع. # وليس { بعذاب أليم } ، بتمام؛ لأن { يوم يحمى عليها } ~~، منصوب ب: { أليم }. # و (الضمير في { عليها } ، فيه من الوجوه، ما في: { ينفقونها } ~~، وكذلك الضمير في { بها }. # قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " ما من عبد لا يؤدي زكاة ماله إلا أتي به وبماله ~~فأحمى عليه في نار جهنم، فتكوى بها جنباه وجبهته وظهره، حتى يحكم الله ~~بين عباده ". # وقال ابن عباس: { يوم يحمى عليها } ، قال حية تنطوي على ~~جنبيه وجبهته، تقول: أنا مالك الذي بخلت به. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " من ترك بعده كنزا مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له ~~زبيبتان، يتبعه فيقول: ويلك ما أنت؟ فيقول: أنا كنزك الذي تركته ~~بعدك، فلم يزل يتبعه حتى يلقمه يده فيقضمها، ثم يتبعه سائر جسده ". ### || [9.36] # قوله: { إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا ~~} ، الآية. # قوله: { كآفة }. # مصدر مثل: " عافاه الله عافية " ، ومثله: " عامة " و " خاصة " ، ~~ف: { كآفة } ك: " العافية " و " العاقبة " ، ولا تدخل فيهما " ~~الألف واللام " ، كما لم تدخلا في " معا " و " جميعا ". # ومعنى الآية: إن الله قدر أن السنة اثنا عشر شهرا في كتابه الذي سبق ~~فيه ما هو [كائن] إلى يوم القيامة، منها أربعة حرم، وهن: رجب، وذو ~~القعدة، وذو الحجة والمحرم، وكان القتال فيها حراما حتى نزل في " ~~براءة " قتال المشركين. # و { ذلك الدين القيم }. # أي: المستقيم، إنها اثنا عشر شهرا. # وقيل { الدين } هنا: الحساب، أي: الحساب المستقيم. # وقال ابن عباس معناه: ذلك القضاء القيم. # وقوله: { فلا تظلموا فيهن أنفسكم }. # أي: لا تستحلوا ms0965 ما حرم الله عز وجل. # قال ابن عباس: { فيهن } يعني كلهن. # قال ابن عباس: { فيهن } ، يعني: كلهن. # وهو قول مقاتل بن حيان، والضحاك، جعلا الضمير يعود على: { اثنا ~~عشر شهرا }. # وليس قوله: { فلا تظلموا فيهن أنفسكم } إذا جعلناه ~~الأربعة الأشهر بمبيح لنا أن نظلم أنفسنا في غير الأربعة الأشهر، ولو كان ~~ذلك كذلك لكان قوله: # ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق # [الإسراء: 31] دليلا على إباحة قتلهم إذا لم يخشوا إملاقا، ولكان ~~قوله: # والفلك [التي] تجري في البحر بما ينفع الناس # [البقرة: 164] دليلا على أنها لا تجري بما يضر الناس، وهي تجري بما ~~ينفع وما يضر. # وأصل هذا: أن كل نهي إنما يوجب الامتناع عما نهى عنه دون غيره، وكل ~~أمر فهو ناف لأضداده فإذا قلت: " قم " ، فقد أمرته بترك أضداد القيام ~~من القعود والاضطجاع، وإذا قلت: " لا تقم " ، فلم تنهه عن الاضطجاع ~~ولا عن الاتكاء ولا عن شيء من أضداده، فاعلمه. # فالنهي عن الشيء لا يكون نهيا عن أضداد ذلك الشيء، والأمر بالشيء أمر ~~عن أضداد / ذلك الشيء على ما بينا، فافهمه. # وقال قتادة، وغيره: { فيهن } في الأربعة الحرم، جعل الذنب فيهن أعظم ~~منه في غيرهن. # وأكثر ما تستعمل العرب " الهاء " و " النون " فيما دون العشرة، و " ~~الهاء " و " الألف " في ما جاوز العشرة. # فالظلم في جميعها لا يجوز، ولكن هو فيها أعظم وزرا لشرفها، فلذلك خصها ~~بالذكر، تعالى، وهذا كقوله: # والصلوة الوسطى # [البقرة: 238] أفردها بعد أن ذكرها مجملة لشرفها، وليس إفرادها ~~بالمحافظة يدل على ترك المحافظة فيما سواها، فكذا هذا. # وقال ابن إسحاق المعنى: لا تجعلوا حرامها حلالا ولا حلالها حراما، ~~تعظيما لها، فإنما نهوا عن " النسئ " الذي المشركون يصنعونه. # { وقاتلوا المشركين كآفة }. # أي: جميعا. # ومعنى { كآفة } ، أي: يكف بعضهم بعضا عن التخلف كما يفعلون. # { واعلموا أن الله مع المتقين }. # أي: مع من اتقى أمره ونهيه وأطاعه. # ومن جعل { فيهن } يعود على: " الاثنا عشر شهرا " وقف على: { ~~القيم } ، ومن جعله يعود على: " الأربعة الحرم " وقف على: { ~~أنفسكم } ، وهو قول نافع ms0966 والأخفش. والأول قول أبي حاتم ويعقوب. ### || [9.37] # قوله: { إنما النسيء زيادة في الكفر } ، الآية. # روى أحمد بن صالح، وداود، وأبو الأزهر عن ورش: { النسيء } ، مشددا ~~غير مهموز. # وكذلك قال أحمد بن صالح عن قالون. # وقال الحلواني عن قالون: مهموز. # وكذلك روى إسماعيل بن جعفر عن نافع. # وهو من " نسأته " و " أنسأته ": إذا أخرته. # ومن قرأ بغير همز احتمل أن يكون على تخفيف الهمز. # واحتمل أن يكون من " نسيت " الشيء: تركته. # ومن قرأ { يضل } ، بفتح الياء، فمعناه: أنهم يضلون بتأخير شهر ~~الحج وتقديمهم غيره. # ومن قرأ { يضل } بضم الياء، على ما لم يسم فاعله احتج بقوله: { ~~زين لهم } ، فأجراه عليه للمشاكلة. # وقرأ الحسن، وأبو رجاء: { يضل } ، بالضم، من: " أضل " ، على ~~معنى: أنهم يضلون به من قبل منهم ذلك. # و { الذين } في القراءتين المتقدمتين في موضع رفع. # وفي هذه القراءة يجوز أن يكون في موضع رفع على أنهم يضلون به من قبل ~~منهم. # ويجوز أن يكون في موضع نصب، على معنى: يضل الله به الذين كفروا. # ومعنى الآية عند الطبري: ما النسيء إلا زيادة في الكفر، على معنى: إنما ~~التأخير الذي يؤخره أهل الشرك من شهور الحرم، وتصييرهم الحرام حلالا، ~~والحلال حراما، زيادة في كفر من فعل ذلك. # وذلك أن أبا ثمامة بن عوف، كان يحرم عليهم صفرا عاما، ويحلله ~~عاما، فيحرم صفرا والمحرم عاما، وهو قوله: { يحلونه عاما ~~ويحرمونه عاما }. # وذلك أنهم (كانوا) قد تمسكوا بتحريم الأربعة الأشهر الحرم من ملة ~~إبراهيم، عليه السلام، فربما احتاجوا إلى تحليل المحرم لحرب تكون بينهم، ~~فيؤخرون تحريم المحرم إلى صفر، ويقاتلون في المحرم. (هذا قول أبي عبيد، ~~قال: فيحرمون صفرا إذا قاتلوا في المحرم)، ويقولون: هذا أحد الصفرين. # وقد تأول قوم قول النبي صلى الله عليه وسلم: " لا صفر " أنه إنما نفى ~~هذا المعنى. # ثم كانوا يحتا/ جون إلى صفر لقتال، فيؤخرون تحريمه إلى ربيع، ثم يتمادون ~~على تحريمه، ثم كذلك يؤخرون من شهر إلى شهر حتى استدار المحرم عن السنة ~~كلها، فأتى الإسلام ms0967 وقد رجع المحرم إلى موضعه الذي وضعه الله به، وذلك ~~بعد دهر طويل؛ لأنهم كانوا ينتقلون إلى تحريم شهر، ويقيمون عليه مدة، (ثم ~~يحتاجون إلى القتال فيه، فيحرمون ما بعده، ويقيمون عليه مدة ثم يحتاجون ~~إلى القتال فيه، فيحرمون ما بعده ويقيمون عليه مدة)، حتى صاروا إلى ~~المحرم، فأتى الإسلام وقد رجع الشيء إلى حقه، فذلك قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض ". # فقوله: { يحلونه عاما ويحرمونه عاما } ، هو أنه يحلون ~~صفرا، ثم يحتاجون إلى تحريمه [فيحرمونه]، ويحلون ما قبله، ثم يحتاجون ~~إلى تحليل صفر، فيحلونه، ويحرمون ما بعده، كذا يصنعون. # وقال مجاهد في قوله: # ولا جدال في الحج # [البقرة: 197]، أي: وقد استقر الحج الآن في ذي الحجة فلا جدال فيه. # وقال مجاهد: كانت العرب تحج عامين في ذي القعدة، وعامين في ذي الحجة، ~~فلما حج النبي صلى الله عليه وسلم، كان الحج تلك السنة في ذي الحجة، فهو ~~معنى: { ولا جدال في الحج } ، أي: قد استقر في ذي الحجة. # وقال ابن عباس، ومجاهد، والضحاك: إن المعنى، أن رجلا [كان] يأتي ~~الموسم، فيحل لهم المحرم سنة ويحرم صفرا، ويحلل صفر العام المقبل، ويحرم ~~المحرم. # قال ابن زيد: كان اسم الرجل: القلمس، قال شاعرهم: # ومنا الذي ينسي الشهور القلمس # ومعنى { زيادة } ، (أي): ازدادوا به كفرا إلى كفرهم. # ومعنى: { ليواطئوا عدة ما حرم الله }. أي: ليشابهوا ~~به الذي حرم الله، ويوافقوه به في العدة، لا يزيدون ولا ينقصون، إنما ~~يؤخرون ذا، ويأخذون ذا. # وروى ابن أبي شيبة أن اسم الرجل: نسيء. # { زين لهم سوء أعمالهم }. # أي: حبب ذلك إليهم. # { والله لا يهدي القوم الكافرين }. # أي: لا يوفقهم للهدى. ### || [9.38-39] # قوله: { يأيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم ~~انفروا } ، إلى قوله: { والله على كل شيء قدير }. # هذه الآية تحريض من الله، عز وجل، وحث للمؤمنين على غزو الروم، وذلك ~~غزوة تبوك. بعد الفتح، وبعد الطائف، وبعد خيبر، وحنين، أمروا بالغزو في ~~الصيف حين ms0968 أحرقت الأرض، وطابت الثمار. # ومعنى { انفروا }: اخرجوا غزاة. # ومعنى: { اثاقلتم } ، أي: تثاقلتم فلزمتم الأرض والمقام بمساكنكم. # { أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة }. # أي: بخفض الدعة في الدنيا عوضا من نعيم الآخرة. # { فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل }. # أي: ما الذي تستمتعون به في الدنيا من عيشها في نعيم الآخرة إلا يسير. # قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " موضع سوط في الجنة أفضل من الدنيا وما فيها ". # ثم قال تعالى: { إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما }. # يتوعدهم على ترك الغزو إلى الروم، { يعذبكم عذابا أليما }: ~~أي عاجلا في الدنيا، بترككم النفر إليهم. # { ويستبدل قوما غيركم }. # (أي: ويستبدل الله، عز وجل، نبيه عليه السلام قوما غيركم)، ينفرون ~~معه إذا استنفروا. # { ولا تضروه شيئا }. # أي: لا تضروه، بترككم النفير، شيئا، إذ لا حاجة به إليكم ولا إلى ~~غيركم. # { والله على كل شيء قدير }. # على إهلاككم واستبدال قوم غيركم [بكم]، وعلى سائر الأشياء. # قال ابن عباس: استنفر النبي عليه السلام، حيا من أحياء العرب فتثاقلوا ~~عنه، فأمسك عنهم القطر، فكان ذلك العذاب الأليم. # وروي عن ابن عباس أنه قال: نسختها: # وما كان المؤمنون لينفروا كآفة # [التوبة: 122]. # وقال الحسن، / وعكرمة، وأكثر العلماء على أنهما محكمتان، لأن معنى { ~~إلا تنفروا يعذبكم } ، [أي]: إذا احتيج إليكم. # وقوله: { وما كان المؤمنون لينفروا كآفة } ، معناه: ~~أنه لا بد أن يبقى بعض المؤمنين لئلا تخلى دار الإسلام. وقد قاله: الحسن، ~~والضحاك. # وقوله: # ما كان لأهل المدينة # [التوبة: 120]، الآية، نسختها (أيضا) التي بعدها: # وما كان المؤمنون لينفروا كآفة # [التوبة: 122]،. وكذلك نسخت: { إلا تنفروا يعذبكم } ، ~~الآية. ### || [9.40] # قوله: { إلا تنصروه } ، الآية. # { ثاني اثنين }: نصب على الحال. # وقال علي بن سليمان: نصبه على المصدر، والمعنى { إذ أخرجه ~~الذين كفروا } ، فخرج { ثاني اثنين }. # مثل: # والله أنبتكم [من الأرض [نباتا] # [نوح: 17].... # ومعنى الآية: أنها إعلام] من الله لأصحاب النبي عليه السلام، أن الله، ~~عز وجل، قد تكفل بنصره على أعدائه في كل وقت، وحين: { أخرجه ~~الذين كفروا } يعني: قريشا، مفردا مع صاحبه أبي بكر، { إذ ms0969 ~~يقول لصاحبه } ، يعني [النبي] عليه السلام، يقول لأبي بكر: { لا ~~تحزن } ، ذلك أن أبا بكر خاف من أن يعرف مكانه، فمكث النبي عليه ~~السلام، وأبو بكر في الغار ثلاثة أيام. # والغار بجبل يسمى: " ثورا ". # وكان عامر بن فهيرة في غنم لأبي بكر ب: " ثور " هذا، يروح بتلك الغنم ~~على النبي صلى الله عليه وسلم، بالغار، وكان أبو بكر قد أرسله بتلك الغنم ~~إلى " ثور " قبل خروجه مع النبي صلى الله عليه وسلم عدة. # قال أبو بكر رضي الله عنه: # " بينا أنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، [في الغار] وأقدام المشركين ~~فوق رؤوسنا، فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم الله، لو أن أحدهم ~~رفع قدمه أبصرنا، قال: " يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ~~ثالثهما " ". # والمعنى: الله ثالثهما، بالحفظ والكلاءة والمنع منهما. # وفي فعل النبي صلى الله عليه وسلم، هذا مع أبي بكر سنة لكل من خاف من ~~أمر لا قوام له به، أن يفر منه، ولا يعرض نفسه إلى ما لا طاقة له به، ~~اتباعا لفعل نبيه، عليه السلام، ولو شاء الله، عز جل، أن يسكنه معهم، ~~ويعمي أبصارهم عنه لفعل، ولو شاء لمشى بين أيديهم ولا يرونه، ولو شاء أن ~~يهلكهم بما أرادوا أن يفعلوا لفعل، ولم يكن ذلك عليه عزيزا، ولكن أراد ~~[الله] تعالى، أن يبلغ الكتاب أجله، ولتستن بفعله صلى الله عليه وسلم، ~~أمته بعده. # وفي فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر دليل على فساد قول من قال: ~~من خاف شيئا سوى الله عز وجل، لم يوقن بالقدر. فحذر أبي بكر من أن يراهم ~~المشركون دليل على الحذر من قدر الله، عز وجل، لم يوقن بالقدر. فقال ذلك، ~~رضي الله عنه، إشفاقا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن ينال ~~بأذى أو يفتن هو في دينه إن قدر عليه، فخف من ذلك، مع علمه أن الله ~~عز وجل، بالغ أمره فلي كل ما أراد. وقال الله حكاية عن موسى، عليه ~~السلام. ms0970 # فأوجس في نفسه خيفة موسى # [طه: 67] # قلنا لا تخف # [طه: 68]. # وقوله: { فأنزل الله سكينته عليه }. # أي: [على] أبي بكر، والنبي عليه السلام، لم تفارقه السكينة قط. # والسكينة: الطمأنينة من السكون. # وقد قيل: إن " الهاء " تعود على النبي صلى الله عليه وسلم. # والأول أحسن؛ لأن النبي عليه السلام، معصوم من ذلك، على أنه قد قال ~~تعالى: # فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين # [الفتح: 26]، وذلك أن النبي عليه السلام، خاف على المؤمنين يوم حنين لما ~~اضطربوا، فلما أيد الله عز وجل، المؤمنين بنصره، سكن خوف النبي / صلى ~~الله عليه وسلم، عليهم. # وقوله: { وأيده بجنود لم تروها }. # " الهاء " عائدة على النبي صلى الله عليه وسلم. # أي: قواه بالملائكة. # { وجعل كلمة الذين كفروا السفلى }. # أي: قهر الشرك وأذله. # { وكلمة الله هي العليا }. # أي: كذلك هي، ولم تزل كذلك. # وقرأ علقمة، والحسن، ويعقوب: " وكلمة الله " بالنصب، وهو بعيد من وجوه. # أحدهما: أن الرفع أبلغ؛ لأنها لم تزل كذلك، والنصب يدل على أنها جعلت ~~كذلك بعد أن لم تكن عليا. # وبعيد أيضا: من أنه يلزم أن يقال: " وكلمته هي العليا " ، ~~لأنه لا يجوز في الكلام: " أعتق زيد غلام أبي زيد " والثاني ~~هو الأول. # وزعم قول إن إظهار الضمير في هذا حسن؛ لأن فيه معنى التعظيم، ولأن ~~المعنى لا يشكل، وليس بمنزلة زيد ونحوه الذي يشكل، قال: وهو مثل ما أنشد ~~سيبويه: # لا أرى الموت يسبق الموت شيء # ................. # ومثل: # إذا زلزلت الأرض زلزالها # [الزلزلة: 1] # وأخرجت الأرض أثقالها # [الزلزلة: 2]. # { والله عزيز }. # أي: عزيز في انتقامه من أهل الكفر، { حكيم } ، في تدبيره. # قال نافع: { فقد نصره الله } ، وقف، وهو بعيد، لأن { إذ } ، ~~قد عمل فيها: { نصره }. # { السفلى } ، وقف حسن إن رفعت { وكلمة الله } ، وإن نصبت، ~~كان الوقف: { العليا }. # { وجعل } في هذا الموضع بمعنى: " صير " ويلزم المعتزلة أن يجعلوها ~~بمعنى " خلق " وهم لا يفعلون ذلك. لأنهم يقولون: كفر الكافر ليس بخلق ~~الله عز وجل، ثم يقولون في قوله: # جعلناه قرآنا عربيا # [الزخرف: 3]، معناه: خلقناه، فيجعلون " جعل " بمعنى " خلق " في ms0971 هذا ~~الموضع، ويمتنعون منه في هذا الموضع الآخر. # و " جعل " يكون: # بمعنى " صير ". # وبمعنى: " سمى ". # وبمعنى " خلق ". # فإذا كانت بمعنى: " صير " تعدت إلى مفعولين وكذلك إذا كانت بمعنى: " ~~سمى " كقوله: ( { إنا جعلناه قرآنا }. # وإذا كانت بمعنى: " خلق " تعدت إلى مفعول واحد، كقوله): { وجعل ~~الظلمت والنور }. # وقوله: # وجعلنا ابن مريم وأمه آية # [المؤمنون: 50] هي بمعنى: " صير " تعدت إلى مفعولين وهما: { ابن } ، ~~و { آية }. # و { كلمة الله } ، في هذا الموضع: لا إله إلا الله. ### || [9.41-42] # قوله تعالى: { انفروا خفافا وثقالا } ، إلى قوله: { ~~لكاذبون }. # المعنى في قول الحسن: { انفروا } ، شبانا وشيوخا، وهو قول عكرمة، ~~وأبي صالح. # وروي عن أبي طلحة: { انفروا } ، شبانا وكهولا، وكذلك قال الضحاك، ~~ومقاتل بن حيان. # وروى سفيان، عن منصور عن الحكم { انفروا }: مشاغيل وغير مشاغيل. # وعن أبي صالح أن المعنى { انفروا } ، أغنياء وفقراء. # وعن ابن عباس وقتادة { انفروا } ، نشاطا وغير نشاط. # وقال الأوزاعي المعنى { انفروا } ، [ركبانا ومشاة. # وفيه قول سابع قاله ابن زيد أن المعنى { انفروا } ]: من كان ذا ~~ضيعة ومن [كان] غير ذي ضيعة، ف " الثقيل " الذي له ضيعة يكره أن ~~يتكر ضيعته، و " التخفيف ": الذي لا ضيعة عنده تمنعه من الخروج. # وفيه قول ثامن مروي عن الحسن أن المعنى: في العسر واليسر. # وفيه قول تاسع قاله زيد بن أسلم: أن المعنى " الثقيل ": الذي له عيال، ~~و " الخفيف ": الذي لا عيال له. # وقد قيل: إن هذه الآية منسوخة بقوله: # وما كان المؤمنون لينفروا [كآفة] # [التوبة: 122]. # وقيل: هي محكمة. # أمر الله أصحاب النبي عليه السلام بالخروج معه على كل حال. # { وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم }. # أي: ابذلوهما في الجهاد. # { ذلكم خير لكم }. # أي: في معادكم وعاجلكم وآجلكم، فالعاجل: الغنيمة، والآجل: الأجر والرضى ~~من الله، عز وجل. # ثم قال تعالى: { لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا ~~لاتبعوك }. # وذلك أن جماعة استأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم، إذ خرج إلى تبوك في ~~التخلف / والمقام، فأذن لهم، فقال له الله، عز وجل، { لو كان ~~عرضا قريبا } ، أي: غنيمة حاضرة، { وسفرا }: قريبا، { ~~لاتبعوك } ، ولم يتخلفوا ms0972 عنك. # { ولكن بعدت عليهم الشقة }. # [و { الشقة }: الغاية التي يقصد إليها. # قال أبو عبيدة: { الشقة }: المشقة]. # فالمعنى: ولكن استنهضتهم إلى مكان بعيد، فشق ذلك عليهم، فسألوك في ~~التخلف. # وقوله: { وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا ~~معكم }. # أي: سيحلف هؤلاء لكم بالله، إنهم لو قدروا لخرجوا معك، وذلك منهم كذب. # { يهلكون أنفسهم }. # أي: يوجبون لها بالتخلف والكذب، والهلاك والغضب في الآخرة. # { والله يعلم إنهم لكاذبون }. # في اعتذارهم. ### || [9.43-44] # قوله: { عفا الله عنك } ، إلى قوله: { بالمتقين }. # " النون " من: { عنك } ، وحيث ما سكنت مع " الكاف " وأخواتها خرجت ~~بغنة من الخياشيم. # والمعنى: { عفا الله عنك } ، يا محمد، ما كان من ذنبك في أن أذنت ~~لهم. # وقيل المعنى: إنه افتتاح كلام بمنزلة: " أصلحك الله " و " أعزك الله ". # وقال الطبري: هذا عتاب من الله، عز وجل لنبيه عليه السلام، في إذنه ~~لمن أذن له من المنافقين في التخلف عنه في غزوة تبوك، حتى يعلم الصادق ~~منهم من الكاذب في قولهم: { لو استطعنا لخرجنا معكم } ، ~~فيعلم من له عذر ومن لا عذر له، فيتبين لك الصادق من الكاذب، ويكون إذنك ~~على علم بهم. # ثم أرخص الله، عز وجل، له الإذن في سورة " النور " فقال: # فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت ~~منهم # [النور: 62]. # قال بعض المفسرين: اثنين فعل رسول الله عليه السلام، لم يؤمر فيهما ~~بشيء: إذنه للمنافقين في التخلف عن غزوة تبوك، وأخذه من الأسارى الفداء. # ومن قال هو افتتاح كلام، وقف على: { عفا الله عنك }. # ومن قال هو عتاب، لم يقف عليه. # وقال محمد بن عرفة نفطويه: ذهب ناس إلى [أن] النبي صلى الله عليه وسلم ~~معاتب بهذه الآية، وحاشاه من ذلك، بل كان له أن يفعل وأن لا يفعل حتى ~~ينزل عليه الوحي، كما قال: " لو استقبلت من أمري ما ~~استدبرت لجعلتها عمرة "؛ لأنه كان له أن يفعل وأن لا يفعل، ~~وقد قال له الله: # ترجي من تشآء منهن وتؤوي إليك من تشآء # [الأحزاب: 51]، لأنه كان له أن يفعل ما شاء، فلما كان له أن ms0973 يفعل ما شاء ~~مما لم ينزل عليه فيه وحي، واستأذنه المتخلفون في التخلف واعتذروا، اختار ~~أيسر الأمرين تكرما وتفضلا منه، صلى الله عليه وسلم، فأبان الله، عز ~~وجل أنه لو لم يأذن لهم لأقاموا، للنفاق الذي في قلوبهم، وإنهم كاذبون في ~~إظهار الطاعة له والمشاورة. # ف: { عفا الله عنك } ، عنده افتتاح كلام، أعلمه الله عز وجل، به ~~أنه لا حرج عليه فيما فعل من الإذن، وليس هو عفوا عن ذنب، إنما هو أنه ~~تعالى أعلمه أنه لا يلزمه بترك. الإذن لهم، كما قال عليه السلام: # " عفا الله لكم عن صدقة الخيل والرقيق وما ~~وجبتا قط " # ومعناه: ترك أن يلزمكم ذلك. # قوله: { لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله } الآية. # أجاز سيبويه في: { أن يجاهدوا } ، أن تكون { أن }: في موضع جر ~~على حذف الجار، قال: لأن حذف حرف الجر جائز مع ظهور " أن " ، ألا ترى ~~أنك لو جعلت مع " أن " والفعل: المصدر، لم يجز حذف الجر، لا يجوز: " لا ~~يستأذنك القوم / الجهاد " ، حتى تقول: " في الجهاد " ويجوز ذلك مع " أن ~~". # ومعنى ذلك أن الله عز وجل، أعلم نبيه عليه السلام، بسيما المنافقين وأن ~~من علاماتهم الاستئذان في التخلف لئلا يجاهدوا في سبيل الله، ومن علامات ~~المؤمنين أنهم لا يستأذنون في ذلك. # وقيل المعنى: { لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله ~~واليوم الآخر } في القعود عن الجهاد. ### || [9.45] # قال: { إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون [بالله] ~~واليوم الآخر }. # أي: في القعود، يدل على ذلك قوله: { ومنهم من يقول ائذن } ، ~~أي: في القعود. # وقوله: { وارتابت قلوبهم }. # يعني المنافقين الذين يستأذنون في التخلف، أي: وشكت قلوبهم في الله عز ~~وجل، وفي ثوابه وعقابه، سبحانه، فهم في شكهم { يترددون } ، أي: ~~يتحيرون، لا يعرفون حقا من باطل. # روي عن عكرمة، والحسن: أن قوله: { لا يستأذنك الذين ~~يؤمنون بالله واليوم الآخر } ، [إلى]: { فهم في ~~ريبهم يترددون } ، نسختها الآية التي في " النور ": # إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله # [الآية: 62] إلى: # غفور رحيم # [الآية: 62]. ### || [9.46] # قوله تعالى: { ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ~~}. # والمعنى: ms0974 ولو أراد هؤلاء الذين استأذنوك في التخلف الخروج معك، { ~~لأعدوا له عدة } ، أي: لتأهبوا للسفر. # { ولكن كره الله انبعاثهم }. # أي: خروجهم. # { فثبطهم }. # أي: فثقل عليهم الخروج، حتى استحسنوا القعود، وسألوا فيه. # { وقيل اقعدوا }. # أي: زين لهم ذلك. # ف: { اقعدوا مع القاعدين } ، أي: مع المرضى والضعفاء الذين ~~لا يجدون ما ينفقون، ومع النساء والصبيان. # والذين استأذنه هو: عبد الله بن أبي بن سلول، ومن كان مثله. # والفاعل المحذوف من: { وقيل } ، ذكر أنه النبي صلى الله عليه وسلم، ~~لأنه هو سمح لهم في التخلف. # ويجوز أن يكون المعنى: وقال لهم أصحابهم هذا. ### || [9.47] # قوله تعالى: { لو خرجوا فيكم } الآية. # المعنى: لو خرج هؤلاء فيكم، { ما زادوكم } بخروجهم { إلا ~~خبالا } أي: فسادا { ولأوضعوا خلالكم } ، أي: ولأسرعوا ~~بركائبهم للسير فيكم. # و " الإيضاع ": ضرب من الإسراع في الخيل والإبل. # وكتبت: { ولأوضعوا } بألف زائدة. # وكذلك: # أو لأاذبحنه # [النمل: 21]. # وكذلك: # لإلى الجحيم # [الصافات: 68]. # والعلة في ذلك: أن الفتحة كانت تكتب قبل العربي الفا، فكتبت هذه ~~الحروف على ذلك الأصل، جعلوا للفتحة صورة فزادوا الألف التي بعد اللام، ~~والألف الثانية هي صورة الهمزة. # ومعنى { خلالكم } ، فيما بينكم، وهي الفرج تكون بين القوم في ~~الصفوف. # وقال أبو إسحاق معنى { خلالكم }: فيما يخل بكم، أي: يسرعوا فيما ~~ينقصكم. # { يبغونكم الفتنة }. # أي: يبغونها لكم، أي: يطلبون ما تفتنون به. # وقيل { الفتنة } هنا: الشرك. # قال ابن زيد: سلى الله عز وجل، نبيه صلى الله عليه وسلم، بهذه الآية في ~~تخلف المنافقين عنه، فأخبره أنهم ضرر لا نفع فيهم. # وقوله: { وفيكم سماعون لهم }. # أي: فيكم، يا أصحاب محمد، من يستمع حديثكم ليخبرهم بذلك، كأنهم عيون ~~للمنافقين. كذلك قال: مجاهد والحسن وابن زيد. # وقال قتادة المعنى: وفيكم من يستمع كلامهم ويطيعهم، فلو صحبوكم أفسدوهم ~~عليكمك. # { والله عليم بالظالمين }. # أي: ذو علم بمن يقبل من كلام المنافقين، ومن يؤدي إليهم أخبار المؤمنين، ~~وبغير ذلك. ### || [9.48-49] # قوله: / { لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا / ~~لك الأمور } ، إلى قوله: { بالكافرين }. # المعنى: لقد التمس هؤلاء المنافقون لأصحابك، يا محمد، ms0975 { الفتنة } ، ~~أي: خبالهم وصدهم عن دينهم { من قبل } ، أي: من قبل أن ينزل عليك ~~أمرهم وكشف سرهم واعتقادهم { وقلبوا لك الأمور } ، أي: أجالوا ~~فيك وفي إبطال ما جئت به الرأي { حتى جآء الحق } ، أي: نصر ~~الله: { وظهر أمر الله } ، أي دينه وهو الإسلام، { وهم ~~كارهون } ، لذلك. # ثم أخبر الله عز وجل، عن المنافقين أن منهم من يقول للنبي صلى الله عليه ~~وسلم: { ائذن لي } ، أي: ائذن لي يا محمد، في المقام ولا أخرج معك، ~~{ ولا تفتني } ، أي: لا تبتلني برؤية نساء بني الأصفر وبناتهم، ~~فإني بالنساء مغرم، فآثم بذلك. # قال مجاهد: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " اغزوا تبوك، تغنموا بنات الأصفر ونساء الروم " # فقال بعض المنافقين: ائذن لي، ولا تفتني بالنساء. # وقال قتادة معنى: { ولا تفتني } ، أي: لا تؤثمني، بالتخلف عنك ~~بغير رأيك، ائذن لي في المقام. # قال ابن عباس: قال الجد بن قيس للنبي صلى الله عليه وسلم، لما حض على ~~غزو الروم: قد علمت الأنصار أنى إذا رأيت النساء لم أصبر حتى أفتتن، ~~ولكني أعينك بمالي. # ففي الجد بن قيس نزلت الآية. # وقوله: { ألا في الفتنة سقطوا }. # أي: ألا في الإثم وقعوا، ومنه هربوا في زعمهم. # { وإن جهنم لمحيطة بالكافرين }. # أي: محدقة بهم، جامعة لهم يوم القيامة. # { ولا تفتني }: وقف حسن. ### || [9.50-52] # قوله: { إن تصبك حسنة تسؤهم } إلى قوله: { معكم ~~متربصون }. # والمعنى: إن يصبك يا محمد، سرور وفتح، ساء المنافقين ذلك، وإن يصبك نقص ~~في جيشك أو ضر، أو هزيمة، يقول المنافقون: { قد أخذنا أمرنا ~~[من قبل] } ، أي: أخذنا الحذر بتخلفنا { من قبل } أي: من قبل أن ~~تصيبهم هذه المصيبة، { ويتولوا وهم [فرحون] } ، أي: ~~يدبروا عن محمد صلى الله عليه وسلم، [وهم]: فرحون بما أصابه. # ثم قال: { قل } ، يا محمد، لهؤلاء المنافقين: ليس { يصيبنآ إلا ~~ما كتب الله لنا } ، أي: في اللوح المحفوظ، وقضاه علينا: { هو ~~مولانا } أي ناصرنا، { وعلى الله فليتوكل ~~المؤمنون }. # ثم قال تعالى: { قل } يا محمد لهم: { هل تربصون بنآ إلا ~~إحدى الحسنيين } ، أي: ms0976 إحدى الخلتين اللتين هما أحسن من ~~غيرهما، إما الظفر والأجر والغنيمة، وإما القتل والظفر بالشهادة، والفوز ~~بالجنة، والنجاة من النار. # { ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من ~~عنده } ، أي: بعقوبة عاجلة، تهلككم: { أو بأيدينا } ، أي: ~~يسلطنا عليكم فنقتلكم. # قال ابن جريج: { بعذاب من عنده }: بالموت، { أو ~~بأيدينا }: بالقتل. # { فتربصوا إنا معكم متربصون }. # أي: فانتظروا إنا معكم منتظرون، أي: ننتظر ما الله فاعل بكم، وما إليه ~~يصير كل فريق منا ومنكم. ### || [9.53-55] # قوله: { قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم ~~} ، إلى قوله: { وهم كفرون }. # والمعنى: { قل } ، يا محمد، لهؤلاء المنافقين: أنفقوا أموالكم كيف ~~شئتم، طائعين أو كارهين، فإنها لا تقبل منكم، إذ أنتم في شك من / دينكم، ~~خارجون عن الإيمان بذلك. # وخرج قوله: { أنفقوا } ، مخرج الأمر، ومعناه الخبر، وإنما تفعل ~~العرب ذلك في الموضع الذي يحسن فيه " إن " التي للجزاء، [و] منه قوله ~~تعالى: # استغفر لهم أو لا تستغفر لهم # [التوبة: 80]، لفظه لفظ الأمر، ومعناه الجزاء، والجزاء خبر، ومنه قول ~~كثير: # أسيئ بنا أو أحسني، لا ملومة # لدينا ولا مقلية إن تقلت. # فالمعنى: إن تنفقوا طائعين أو كارهين فلن يقبل منكم. # وجاز أن يقع لفظ الأمر بمعنى الخبر، كما جاز أن يقع لفظ الخبر بمعنى ~~الطلب والأمر، تقول: " غفر الله لزيد " معناه: الطلب والدعاء، ~~ولفظه لفظ الخبر، والمعنى: " اللهم اغفر لزيد ". # وهذه الآية نزلت في الجد بن قيس، لأنه لما عرض النبي عليه السلام ~~[عليه] الخروج، سأل المقام، واعتذر بأنه لا يصبر إذا رأى النساء، وأنه ~~يفتتن، ثم قال للنبي صلى الله عليه وسلم: هذا مالي أعينك به. # ثم أخبر الله تعالى بالعلة التي من أجلها لم تقبل نفقاتهم، فقال: { ~~وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم } ، أي: بأن تقبل، ~~{ إلا أنهم } ، " أن " في موضع رفع، أي: ما منعهم من أن تقبل ~~منهم نفقاتهم إلا كفرهم. # وأجاز الزجاج، أن تكون " أن " في موضع نصب، على معنى: إلا لأنهم ~~كفروا، ويكون الفاعل مضمرا في { منعهم } ، والتقدير وما منعهم الله ~~من أن ms0977 تقبل منهم نفقاتهم إلا لأنهم كفروا. # ويجوز عند سبيويه، أن تكون في موضع جر، على تقدير حذف الخافض. # ومن قرأ: { أن تقبل } ب: " الياء " ، رده على معنى الإنفاق، لأنه ~~والنفقات سواء. # فالذي منعهم من القبول هو كفرهم بالله، عز وجل، وبرسوله عليه السلام، ~~وإتيانهم الصلاة وهم كسالى عنها؛ لأنهم لا يرجون بها ثوابا، ولا يخافون ~~بالتفريط فيها عقابا، إنما يقيمونها مخافة على أنفسهم رياء، وأنهم لا ~~ينفقون شيئا من أموالهم { إلا وهم كارهون } ، إذ لا يرجون ~~ثوابه. # ثم قال تعالى: { فلا تعجبك أمولهم }. # أي: لا تعجبك، يا محمد، أموالهم ولا أولادهم، إنما يريد الله، يا محمد ~~ليعذبهم بها في الآخرة. # وقوله: { في الحيوة الدنيا } ، يريد به التقديم. والمعنى: ولا ~~تعجبك يا محمد، أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريد الله ~~ليعذبهم بها في الآخرة، هذا قول ابن عباس، وقتادة وغيرهما. # وقال الحسن: ليس في الكلام تقديم ولا تأخير، إنما المعنى: { إنما ~~يريد الله ليعذبهم بها في الحيوة الدنيا } ، ~~أي: بما ألزمهم فيها من أخذ الزكاة والنفقة في سبيل الله، عز وجل، وهو ~~اختيار الطبري. # على معنى: أنهم يخرجونها تقية وخوفا، ويقلقهم عزمها، ويحزنهم خروجها ~~من أيديهم، فهي لهم عذاب. # وقال ابن زيد المعنى: { ليعذبهم بها في الحيوة ~~الدنيا } ، أي: بالمصائب فيها، فهي لهم إثم، والمصائب للمؤمنين أجر. # { وتزهق أنفسهم وهم كفرون }. # أي: تخرج وهم على كفرهم. # قال أبو حاتم: { ولا أولدهم } ، وقف كاف. # فمن قال: في الكلام تقديم وتأخير، لم يجز الوقف. # ومن قال: ليس فيه تقديم ولا تأخير، حسن الوقف على: { ولا ~~أولدهم }. # و { في الحيوة الدنيا } ، ليس بتمام؛ لأن { وتزهق } ، ~~معطوف عليه. ### || [9.56-59] # قوله: { ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم ~~منكم } ، إلى قوله: { إنآ إلى الله راغبون }. # والمعنى، / أن هؤلاء المنافقين يحلفون لكم، أيها المؤمنون، { إنهم ~~لمنكم } ، يعني في الدين والملة. # قال الله عز وجل، مكذبا لهم: { وما هم منكم } ، أي: ما هم من ~~أهل ملتكم ودينكم، { ولكنهم قوم يفرقون } ، أي: ~~يخافونكم، فيقولون بألسنتهم ما لا يعتقدون ms0978 خوفا منكم، لئلا تقتلوهم. # ولو يجد هؤلاء المنافقون { ملجئا } ، أي: حصنا يتحصنون فيه منكم، { ~~أو مغارات } ، وهي: الغيران في الجبل، { أو مدخلا }: أي: ~~سربا في الأرض يدخلون فيها. { لولوا إليه } ، أي لأدبروا، ~~هربا منكم: { وهم يجمحون } ، أي: يسرعون في مشيهم. و " ~~الجمح ": مشي بين مشيين يقال: فرس جموح، إذا كان لا يرده في دفعه ~~لجام، ولكنهم لا يقدرون على ذلك، لأن دورهم ودراريهم وعشيرتهم تمنعهم ~~من ذلك، فصانعوا بالنفاق، ودافعوا به عن أنفسهم وأموالهم، يدعون ~~الإيمان ويبطنون الكفر. # قال ابن عباس: " الملجأ " الحرز في الجبل. # وقال: { أو مدخلا } ذهابا في الأرض، وهو النفق في الأرض يعني ~~السرب. # وواحد المغارات: " مغارة " ، من: غار الرجل في الشيء: إذا دخل فيه. # وأجاز الأخفش: " مغارات " ، من: " أغار يغير " ، كما قال: # الحمد لله ممسانا ومصبحنا # ................. # وواحدها " مغارة " وجمعها " مغاور ". # وقرأ عيسى بن عمر، والأعمش: " أو مدخلا " بتشديد " الدال " و " ~~الخاء " ، والأصل فيه: متدخل على وزن: متفعل، ومعناه: دخول بعد ~~دخول. # وقرأ الحسن، وابن أبي إسحاق، وابن محيصن: { مدخلا } من دخل. # وحكى أبو إسحاق: { مدخلا } بالضم، من " أدخل. # وفي حرف أبي: " مدخلا " بتخفيف " الدال " وتشديد " الخاء ". # ثم أخبر نبيه عليه السلام، أن من المنافقين من يلمزه في الصدقات، أي: ~~يعيبه بها، ويطعن عليه فيها. # يقال: " لمزه يلمزه، ويلمزه " ، لغتان. # والضم: قراءة الأعرج، وقد رواها شبل عن ابن كثير. # و " الهمزة اللمزة ": العياب للناس. # وقيل: " الهمزة ": الذي يشير بعينه، و " اللمزة ": الذي يعيب في ~~السر. # وقوله: { فإن أعطوا منها رضوا }. # أي: إن أعطيتهم من الصدقات رضوا عنك، فإن لم تعطهم منها سخطوا، [فليس] ~~عيبهم لك إلا من أجل أنك منعتهم منها. # قال مجاهد: { يلمزك }: يروزك، يسألك فيها. # وقال قتادة: { يلمزك } ، يطعن عليك. # قال ابن زيد: قال المنافقون: والله ما يعطيها محمد إلا من أحب، ولا ~~يؤثر بها إلا هواه، فنزلت الآية. # ثم قال تعالى: { ولو أنهم رضوا مآ آتاهم الله ~~ورسوله }. # أي: ولو أن هؤلاء المنافقين، الذين يلمزونك في الصدقات، رضوا ما أعطاهم ~~الله ورسوله، { وقالوا حسبنا ms0979 الله } ، أي: كافينا الله، { ~~سيؤتينا الله من فضله ورسوله } ، أي: سيعطينا الله من ~~فضل خزائنه، ورسوله من الصدقات وغيرها، { إنآ إلى الله ~~راغبون } ، في أن يوسع علينا من فضله، فيغنينا عن الصدقات. ### || [9.60] # قوله: { إنما الصدقات للفقرآء والمساكين ~~والعاملين عليها } ، الآية. # { فريضة }: نصب على المصدر. # ومعنى الآية في قول عكرمة: أنها ناسخة لكل صدقة في القرآن. # فقوله: { للفقرآء والمساكين }. # قال مجاهد، وعكرمة، والزهري، وجابر بن زيد: / " الفقير ": الذي لا ~~يسأل و " المسكين ": الذي يسأل. # وقال ابن عباس: " المسكين ": الطواف، و " الفقير ": فقير المسلمين. # وقال قتادة " الفقير ": المحتاج الذي به زمانة، و " المسكين ": الصحيح ~~المحتاج. # وقال الضحاك " الفقراء ": فقراء المجاهدين، و " المساكين ": [الذين] لم ~~يهاجروا. # وذكر ابن وهب، عنه، أن " الفقراء ": من المهاجرين، و " المساكين " ): ~~من الأعراب. قال: وكان ابن عباس يقول: " الفقراء " من المسلمين، و " ~~المساكين " من أهل الذمة. # وقال الشافعي " الفقراء ": الذين لا مال لهم ولا حرفة تغنيهم، و " ~~المساكين " الذين لهم مال، أو حرفة لا تغنيهم. # وقال أبو ثور " الفقير ": الذي لا شيء له، و " المسكين ": الذي لا يكسب ~~من كسبه ما يقوته. # وقال عبيد الله بن الحسن " المسكين " الذي يخشع ويستكين، بأن لم يسأل و ~~" الفقير " ، الذي يتحمل، ويقبل الشيء سرا، ولا يخشع. # وقال محمد بن مسلمة " الفقير ": الذي له مسكن يسكنه والخادم إلى ما هو ~~أسفل من ذلك، و " المسكين ": الذي لا مال له. # وقال أهل اللغة: " المسكين ": الذي لا شيء له، و " الفقير ": الذي له ~~شيء يكفيه. # قال يونس: قلت لأعرابي: أفقير أنت؟ قال: لا، بل مسكين. # وقال عكرمة " الفقراء ": من اليهود والنصارى، و " المساكين ": من ~~المسلمين. # واختار الطبري، وغيره أن يكون " الفقير ": الذي يعطى بفقره فقط، و " ~~المسكين ": الذي يكون عليه مع فقره خضوع وذل السؤال. # وأنشد أهل اللغة قول الراعي: # أما الفقير الذي كانت حلوبته # وفق العيال فلم يترك له سبد # فجعل للفقير حلوبة، مقدار ما يكفي العيال. # ف: " المسكين " أشد حاجة من " الفقير " فكل مسكين فقير، وليس كل فقير ~~مسكينا. # ف: " الفقير ms0980 ": الذي لا غنى له فوق قوت يومه، وهو فعيل بمعنى ~~مفعول، كأنه مفقور الظهر، وهو الذي نزعت فقره [من فقر] ظهره، ~~فانقطع ظهره من شدة الفقر، وهذا الاشتقاق يدل على أن " الفقير " أشد ~~حاجة من " المسكين " وقد قال تعالى: # فكانت لمساكين يعملون في البحر # [الكهف: 79]، فسماهم: مساكين، ولهم سفينة. ولا حجة في قراءة من قرأ: " ~~مساكين " ، بالتشديد؛ لأن الجماعة على التخفيف. # وقوله: { والعاملين عليها }. # هم السعاة في قبضها من أهلها، يعطون عليها، أغنياء كانوا أو فقراء. # وذلك عند مالك إلى الإمام، يجتهد فيما يعطيهم، وليس لهم فريضة مسماة. # وأما { المؤلفة قلوبهم } ، فقال ابن عباس: هم قوم كانوا ~~يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد أسلموا، فكان النبي عليه السلام، ~~يرضخ لهم من الصدقات، فإذا أصابوا خيرا، قالوا: هذا دين صالح، وإن ~~كان غير ذلك، عابوه وتركوه. # وقال الزهري: { والمؤلفة قلوبهم }: من أسلم من يهودي أو ~~نصراني، غنيا كان أو فقيرا. # وقال الحسن: أما { المؤلفة قلوبهم } ، فليس اليوم. # وكذا روي عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه. # وقال الشعبي: كانت " المؤلفة " ، على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فلما ولي أبو بكر انقطع ذلك. # وهو قول مالك، قال: يرجع سهم المؤلف إلى أهل السهام الباقية. # وقال الشافعي " المؤلفة ": من دخل في الإسلام. # وقال ابن حنبل / وغيره: { المؤلفة قلوبهم } ، في كل زمان. # وهو اختيار الطبري. # و " اللام " في قوله: { للفقرآء } ، وما بعد ذلك، بمعنى: " في " ، ~~ولو حملت على ظاهرها لوجب أن يعطوا الصدقات، يفعلون فيها ما يشاؤون. ~~وقوله: { وفي الرقاب } ، يدل على أن " اللام " بمعنى " في ". # والمعنى إنما توضع الصدقات في هؤلاء على ما يستحقون، فيأخذونها لأنفسهم، ~~ف " اللام " توجب استحقاقها كلها لهم يعملون فيها ما يشاؤون. # وقوله: { وفي الرقاب }. # قال ابن عباس: تعتق منها الرقبة. # قال: لا بأس أن يعطى الرجل من زكاته في الحج، وأن يعتق منها الرقبة. # وممن قال يعتق من الزكاة الرقاب: الحسن البصري، ومالك، وابن حنبل، ~~وغيرهم. # وكره مالك أن يعان بها المكاتبون. # وقال الحسن، والزهري، ms0981 وابن زيد، والشافعي: معنى { وفي الرقاب } ، ~~يعني المكاتبين. # والمعنى على هذا: وفي فك الرقاب، وروي ذلك عن أبي موسى الأشعري. # وولاء من أعتق من الزكاة لجميع المسلمين عند مالك. # وقال الحسن، وابن حنبل، وإسحاق: يجعل ما يتركه المعتق في الرقاب. # وقال أبو عبيد: الولاء للمعتق. # وقوله: { والغارمين }. # قال مجاهد الغارم: من احترق بيته، أو يصيبه السيل فيذهب ماله. # وقيل: هم المستدينون في غير سرف، ينبغي للإمام أن يقضي عنهم من بيت ~~المال. # وقال الزهري: { الغارمين } ، أصحاب الدين. # (وقال قتادة: الغارمون)، قوم غرقتهم الديون في غير تبذير ولا فساد. # وأجاز الحسن أن يحتسب الرجل من زكاته بالدين، يكون له على المعسر. وهو ~~قول عطاء. # وأجازه الليث إذا حل الأجل، وكان الذي عليه الدين ~~مستوجبا للصدقة. # وقوله: { وفي سبيل الله }. # المعنى: وفي نصر دين الله يعطى الغازي منها وإن كان غنيا. # هذا قول مالك، والشافعي. # وقوله: { وابن السبيل }. # هو الضيف والمسافر، والمنقطع بهما. # وقال مالك: الحاج المنقطع به هو ابن السبيل، يعطى من الزكاة. # وأكثر الناس على أن المتصدق بزكاته يجزيه أن يضعها في أي الأصناف ~~المذكورين شاء. وهو قول: ابن عباس، والحسن، والنخعي، وعطاء، والثوري، ~~ومالك، وأبي حنيفة. # قال مالك: تجعل في أي الأصناف كانت فيه الحاجة. # قال مالك: من له دار وخادم ليس في ثمنها زيادة تكفيه لو باعهما واشترى ~~ما هو دون منهما، فإنه يأخذ من الزكاة، فإن فضل له ما يعينه على عيشه ~~ويكفيه إذا باعهما، واشترى غيرهما لم يأخذ من الزكاة. وهو قول الحسن، ~~والنخعي، والثوري وأصحاب الرأي. # وقال الشافعي: إنه قد يكون للرجل الجملة من الدنانير والدراهم، ~~وعليه عيال، وهو محتاج إلى أكثر منها، فله أن يأخذ من الزكاة. # [وقال أبو حنيفة: من معه عشرون دينارا أو مائتا درهم، فليس له أن يأخذ ~~من الزكاة]. # وقيل: من له خمسون درهما فلا يحل له أن / يأخذ من الزكاة. وهو قول ابن ~~المبارك، وأحمد، وإسحاق، وهو مروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه. # وفيه حديث عن ms0982 النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: # " " من سأل، وله مال يغنيه، جاءت - يعني مسألته - في وجهه ~~يوم القيامة خموشا أو كدوحا " ، قالوا: يا رسول الله، وماذا غناه؟ ~~قال: " خمسون درهما أو حسابها من الذهب " ". # وقيل: لا يأخذ من يملك أربعين درهما من الزكاة. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: # " من سأل وله أربعون درهما، فقد سأل إلحافا " # " والأوقية: أربعون درهما ". # وقد روي هذا عن مالك، والأول أشهر عنه. وهو [قول] أبي عبيد. # قال مالك: إذا كان الإمام يعدل فلا يسع أحدا أن يفرق زكاة ماله ~~الناض، ولا غيره، ولكن يدفعه إلى الإمام. # ويبعث الإمام في زكاة الماشية، وما أنبتت الأرض، ولا يبعث في زكاة ~~العين، ولكن إن كان عدلا سألهم ذلك، كما فعل أبو بكر رضي الله عنه، ~~ويصدق الناس في ذلك. ### || [9.61-62] # قوله: { ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو ~~أذن } ، إلى قوله: { إن كانوا مؤمنين }. # روى الأعمش عن أبي بكر: " قل أذن خير لكم " ، بالتنوين ~~والرفع فيهما، وهي قراءة الحسن. # ومعنى ذلك: قل هو أذن خير لا أذن شر، وذلك أنهم قالوا: هو يسمع ~~من كل أحد، ويسمع ما يقال له ويصدقه. # فقوله: { هو أذن } ، أي: أذن سامعة تسمع من كل أحد. # وأصله من " أذن " إذا تسمع. # ومنه الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " ما أذن الله لشيء كأذنه لنبي يتغنى بالقرآن ". # ويروى # " أن هذه الآية نزلت في نبتل بن الحارث، ونفر معه من المنافقين، كان ~~نبتل يأتي النبي صلى الله عليه وسلم، يتحدث إليه فيستمع النبي صلى ~~الله عليه وسلم منه، فينقل حديثه إلى المنافقين، ويقول: إنما محمد ~~أذن، من حدثه سمع منه وصدقه. # وهو الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم، فيه: " من أحب أن ينظر إلى ~~الشيطان فلينظر إلى نبتل ابن الحارث " ". # وكان جسيما، ثائر شعر الرأس، أسفع الخدين، أحمر العينين. # ومعنى قراءة من نون، قل: أذن يسمع ما تقولون ويصدقكم في قولكم خير لكم ~~من أن يكذبكم في قولكم، فالتقدير: ms0983 إن كان الأمر كما تقولون فهو خير لكم ~~يقبل اعتذاركم. # وقوله: { يؤمن بالله }. # أي: يصدق بالله، ويصدق المؤمنين، أي: لا يقبل إلا من المؤمنين. فأكذبهم ~~الله فيما قالوا عنه: إنه يقبل من كل أحد، فأخبرهم أنه إنما يصدق ~~المؤمنين لا الكافرين والمنافقين. # والعرب تقول: " آمنت له، وآمنته " بمعنى، أي: صدقته، كما قال: # ردف لكم # [النمل: 72]، بمعنى: ردفكم وكما قال: # للذين هم لربهم يرهبون # [الأعراف: 154]، أي: ربهم يرهبون. # و (اللام) عند الكوفيين زائدة، وعند المبرد متعلقة بمصدر دل عليه الفعل. ~~يعني: { ردف لكم } ، و { يرهبون }. # قال ابن عباس: { هو أذن } ، أي: يسمع من كل أحد. # قال قتادة: كانوا يقولون: محمد أذن، لا يحدث بشيء إلا صدقه. # وقوله: { ورحمة }. # أي: وهو رحمة. # ومن قرأ: بالخفض، فعلى معنى: هو أذن خير وأذن رحمة لمن اتبعه. # { والذين يؤذون رسول الله }. # أي: يعيبونه، { لهم عذاب أليم }: أي: مؤلم. # ثم قال تعالى حكاية عنهم: { يحلفون بالله لكم ليرضوكم ~~} ، أي: ليرضوكم إذا بلغهم / عنكم أنكم سمعتم بأذاهم للنبي، فحلفوا ~~أنهم ما فعلوا ذلك، وأنهم لعلى دينكم. # { والله ورسوله أحق أن يرضوه }. # التقدير عند سيبويه: والله أحق أن يرضوه ورسوله أحق أن يرضوه، ثم حذف ~~الأول لدلالة الكلام عليه. # والتقدير عند المبرد: أنه لا حذف في الكلام، وأن فيه تقديما ~~وتأخيرا، والمعنى عنده: والله أحق أن يرضوه ور[سوله]. # وقد رد هذا القول؛ لأن التقديم والتأخير إنما يلزم إذا لم يكن استعمال ~~اللفظ على ظاهره، فإذا حسن استعمال اللفظ على سياقه لم يقدر به غير ~~ترتيبه. # وقد رد أيضا قول سيبويه بأن قيل: الإضمار إنما يلزم إذ لم يجز ~~استعمال اللفظ بظاهره من سياقه، أو من تقدير فيه، فأما إذا جاز استعماله ~~بغير زيادة على وجه ما، لم يجز تقدير إضمار وحذف. # وقوله: { إن كانوا مؤمنين }. # أي: مصدقين فيما زعموا. # ذكر بعض المفسرين: أن رجلا من المنافقين، انتقص النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فسمعه ابن امرأته، فمضى إلى النبي عليه السلام، فأخبره، فوجه النبي ~~صلى الله عليه وسلم، إلى ms0984 المنافق، فأتاه، فقال: ما حملك على ما قلت؟ ~~فأقبل المنافق يحلف بالله ما قال ذلك، وجعل ابن امرأته يقول: اللهم صدق ~~الصادق، وكذب الكاذب، فأنزل الله عز وجل: { يحلفون [بالله] ~~لكم ليرضوكم } ، الآية. ### || [9.63-64] # قوله: { ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله ~~} إلى قوله: { تحذرون }. # قوله: { فأن له }. # " أن " بدل من الأولى عند الخليل وسيبويه. # وقال المبرد والجرمي: " أن " الثانية مكررة للتوكيد. # وقال الأخفش: " أن " في موضع رفع بالابتداء، والمعنى: فوجوب النار له. # وأنكر ذلك أبو العباس؛ لأن " أن " المشددة المفتوحة لا يبتدأ بها، ~~ويضمر الخبر. # وقال علي بن سليمان: " أن " في موضع رفع على إضمار مبتدأ، والمعنى: ~~فالواجب أن له النار. # وكلهم أجاز كسر " أن " ، واستحسنه سيبويه. # ومعنى الآية: ألا يعلم هؤلاء المنافقون { أنه من يحادد الله ~~} ، أي: يجانبه ويعاديه وحقيقته: أنه يقال: حاد فلان فلانا، أي: صار ~~في حد غيره حده، { فأن له نار جهنم خالدا (فيها) } ، ~~أي: لابثا أبدا، { ذلك الخزي العظيم } ، أي: الهوان والذل. # ثم قال تعالى إخبارا عما يسر المنافقون: { يحذر ~~المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم } ، ~~الآية. # المعنى: يخشى المنافقون، أن ينزل الله عز وجل، سورة يخبر فيها بما في ~~قلوبهم. وكانوا يقولون القول القبيح في النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وأصحابه بينهم، ويقولون: عسى الله ألا يفشي سرنا علينا. # وروي أنهم كانوا سبعين رجلا، أنزل الله عز وجل، أسماءهم وأسماء آبائهم ~~في القرآن، ثم رفع ذلك ونسخ رحمة ورأفة منه على خلقه؛ لأن أبناءهم كانوا ~~مسلمين. # قوله: { قل استهزءوا إن الله }. # هذا تهديد من الله عز وجل، لهم. # { إن الله مخرج ما تحذرون }. # أي: مظهر سركم الذي تخافون أن يظهر. # قال قتادة: كنا نسمي هذه السورة: " الفاضحة "؛ لأنها فضحت المنافقين. ### || [9.65-66] # قوله: { ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ~~ونلعب } ، إلى قوله: { مجرمين }. # المعنى: ولئن سألتهم، يا محمد، عما قالوه من الباطل، ليقولن: إنما قلنا ~~ذلك لعبا وخوضا وهزؤا، { قل } ، يا محمد، لهم: { أبالله ~~وآياته ورسوله كنتم تستهزءون } ، هذا توبيخ وتقريع ~~لهم. # قال الفراء: ms0985 أنزلت في ثلاثة نفر، استهزأ رجلان منهم برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، و/ القرآن، وضحك إليهما الثالث، فنزلت: { إن نعف عن ~~طآئفة منكم } ، يعني: الضاحك، { نعذب طآئفة } ، يعني ~~المستهزئين. ف " الطائفة " تقع للواحد والاثنين. # وذكر أبو الحسن الدارقطني في كتاب الرواة عن مالك أن اسماعيل بن ~~داود المخراقي روى عن مالك عن نافع عن ابن عمر، أنه قال: رأيت عبد الله ~~بن أبي يشتد قدام رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحجارة تنكيه وهو ~~يقول: يا محمد، إنما كنا نخوض ونلعب، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: { ~~أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون }. # ثم قال تعالى: { لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ~~} ، أي: كفرتم بقولكم في رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا متصل بقوله: ~~{ قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون }. # { لا تعتذروا } ، وهو الوقف عند نافع. # { نخوض ونلعب } ، وقف. # ويروى أن هذه الآية نزلت في رهط من المنافقين، كانوا يرجفون في ~~غزوة النبي صلى الله عليه وسلم، إلى تبوك ويخوفون المسلمين من الروم، ~~فسألهم النبي عليه السلام عن قولهم، فقالوا: { إنما كنا نخوض ~~ونلعب }. # وقال قتادة: نزلت في أناس من المنافقين، قالوا في غزوة تبوك: أيرجو ~~هذا الرجل أن يفتح قصور الشأم وحصونها؟ هيهات هيهات، فأطلع الله عز وجل، ~~نبيه عليه السلام، على ذلك، فأتاهم النبي فقال: قلتم كذا كذا. فقالوا: يا ~~نبي الله: { إنما كنا نخوض ونلعب }. # وقال ابن جبير: قال ناس من المنافقين في غزوة تبوك: لئن كان ما يقول ~~حقا لنحن شر من الحمير، فأعلم الله عز وجل، نبيه عليه السلام، بذلك، ~~فقال لهم: ما كنتم تقولون، فقالوا: { إنما كنا نخوض ونلعب ~~}. # ثم قال تعالى: { إن نعف عن طآئفة منكم نعذب ~~طآئفة } " الطائفة " التي عفا عنها هاهنا، رجل منهم كان قد أنكر ما ~~سمع، يسمى: مخشي بن حمير الأشجعي. # وقيل: إنه أقر على نفسه وصاحبيه بما قالوا نادما تائبا، فهو " ~~الطائفة " المعفو عنها. # فالمعنى: { إن نعف عن طآئفة منكم } ، بإنكار ما أنكر ~~عليكم من قول الكفر ms0986 { نعذب طآئفة } بقولهم ورضاهم بالكفر، ~~واستهزائهم بالله سبحانه، ورسوله صلى الله عليه وسلم، وآياته. # وقيل: المعنى، إن تتب طائفة منكم، يعف الله عز وجل، عنها، تعذب طائفة ~~بترك التوبة. # قال أبو إسحاق: كانت الطائفتان ثلاثة نفر، استهزأ اثنان، وضحك واحد. # { بأنهم كانوا مجرمين }. # أي: باكتسابهم الجرم، وهو الكفر بالله، سبحانه، والطعن على رسوله عليه ~~السلام. ### || [9.67-69] # قوله: { المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض } ، ~~إلى قوله: { هم الخاسرون }. # هذا الكلام متصل بقوله: # ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم # [التوبة: 56]، أي: ليسوا من المؤمنين، ولكن { بعضهم من بعض } ~~، أي: متشابهون في الأمر بالمنكر، والنهي عن المعروف، وقبض أيديهم عن ~~الجهاد.. # { نسوا الله فنسيهم }. # أي: تركوا الله فتركهم، أي تركوا أمره، فتركهم من رحمته وتوفيقه. # { إن المنافقين هم الفاسقون }. # أي: هم الخارجون عن الإيمان بالله ورسوله، عليه السلام. # وعدهم الله: { نار جهنم خالدين فيها } ، أبدا، أي: ~~ماكثين، لا يحيون ولا يموتون. # { هي حسبهم }. # أي: كافيتهم عقابا على كفرهم. # { ولعنهم الله }. # أي: أبعدهم من رحمته. # { ولهم عذاب مقيم }. # أي: للفريقين من أهل الكفر والنفاق { عذاب مقيم } ، أي: دائم لا ~~ينقطع ولا يزول. # { هي حسبهم } ، وقف عند نافع. # وقوله: { كالذين }. # في موضع نصب نعت / لمصدر محذوف، والمعنى: وعد الله هؤلاء بكذا وعدا، ~~كما وعد الذين من قبلهم. # فعلى هذا لا يوقف على ما قبل " الكاف ". # ومثله: { كالذي خاضوا } ، [أي: خوضا كما الذي خاضوا]. # والمعنى عند الطبري: قل لهم، يا محمد، { أبالله وآياته ~~ورسوله كنتم تستهزءون } ، { كالذين من قبلكم } ~~، فعلوا كفعلكم، فأهلكهم الله، وأعد لهم العقوبة والنكال في الآخرة، فقد ~~{ كانوا أشد منكم [قوة] } ، أي: بطشا، وأكثر منكم ~~أموالا، { فاستمتعوا بخلاقهم } ، أي: بنصيبهم من دنياهم، ~~كما استمتعتم، أيها المنافقون، { بخلاقكم } ، أي: بنصيبكم من ~~دنياكم، { وخضتم } مثل خوضهم. # وهذا يدل على أن " الكاف " في موضع نصب، نعت لمصدر " يستهزءون ". # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم، في هذا المعنى: # " لتأخذن كما أخذت الأمم من قبلكم، ذراعا بذراع، وشبرا بشبر، ~~وباعا بباع، حتى لو أن أحدا دخل جحر ms0987 [ضب] لدخلتموه " # ، رواه عنه أبو هريرة: # ثم قال أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم: { كالذين من قبلكم } ، ~~الآية. # قال أبو هريرة: " الخلاق ": الدين. # { أولئك حبطت أعمالهم }. # يعني الذين قالوا: { إنما كنا نخوض ونلعب } ، ركبوا فعل ~~من سبقهم من الأمم الهالكين. # ومعنى: { حبطت }: بطلت { وأولئك هم الخاسرون }. # أي: المغبونون صفقتهم، لبيعهم نعيم الأبد بعرض الدنيا اليسير منه. ### || [9.70] # قوله: { ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم ~~نوح وعاد وثمود } ، الآية. # والمعنى: ألم يأت هؤلاء المنافقين خبر من كان قبلهم، من قوم نوح، وعاد، ~~وثمود وشبههم، الذين خالفوا أمر الله عز وجل، وعصوه، جلت عظمته، فأهلكهم ~~ودمرهم، فيتعظون بذلك، وينتهون ويتفكرون ما في خبر قوم نوح، إذ غرقوا ~~بالطوفان، وعاد، وهم قوم هود، إذ هلكوا بريح صرصر عاتية، وخبر ثمود، وهم ~~قوم صالح، إذ هلكوا بالرجفة، وخبر قوم إبراهيم، إذ سلبوا النعمة وأهلك ~~نمرود ملكهم، وخبر أصحاب مدين، وهم قوم شعيب، إذ أهلكوا بعذاب يوم ~~الظلة. # ويروى: أن شعيبا اسمه مدين، على اسم المدينة، فكان قوله: { ~~وأصحب مدين } ، معناه: وأصحاب شعيب. # وقوله تعالى في موضع آخر: # وإلى مدين أخاهم شعيبا # [الأعراف: 85]. # يدل على أن مدين مدينة. # وخبر المؤتفكات، وهي مدائن قوم لوط، إذ صير أعلاها أسفلها، وإنما سموا ~~مؤتفكات؛ لأن أرضهم ائتفكت بهم، أي: انقلبت بهم، وهي مأخوذة من " الإفك ~~" وهو الكذب، لأنه مقلوب على الصدق، وكانت قرى ثلاثة، ولذلك جمعت. # { أتتهم رسلهم بالبينت }. # أي: أتى كل أمة رسولها، فجمع الرسل، لأن لكل أمة رسولها. # { بالبينت }. # أي: بالآيات الظاهرات، والحجج النيرات، فكذبوا وردوا وكفروا. # { فما كان الله ليظلمهم }. # أي: فما كان الله ليضع عقوبته في غير مستحقيها. # { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون }. # إذ عصوا الله عز وجل، وكذبوا برسوله حتى أسخطوا ربهم، سبحانه، واستوجبوا ~~العقوبة، فظلموا بذلك أنفسهم. ### || [9.71-72] # قوله: { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أوليآء ~~بعض } ، إلى قوله: { الفوز العظيم }. # المعنى: { والمؤمنون والمؤمنات } ، أي المصدقون بالله، عز ~~وجل ورسوله عليه السلام { (يأمرون) بالمعروف } ، أي: يأمرون ~~الناس بالإيمان بالله عز وجل، ورسوله عليه السلام. # وينهونهم عن ms0988 الكفر، والمنافقون [هم] / بضد ذلك، ينهون عن الإيمان، ~~ويأمرون بالمنكر، وهو الكفر بالله، عز وجل، وبرسوله عليه السلام. # قال أبو العالية: كل ما ذكر الله عز وجل، في القرآن من " الأمر بالمعروف ~~" هو دعاء لمن أشرك إلى الإسلام، وما ذكره من " النهي عن المنكر " فهو ~~النهي عن عبادة الأوثان والشياطين. # { ويقيمون الصلاة }. # يعني: الصلوات الخمس، في أوقاتها وبحدوها. # { ويؤتون الزكاة }. # يعني: المفروضة في وقتها. # { ويطيعون الله ورسوله }. # يعني فيما أمرهم به، ونهاهم عنه. # { أولئك سيرحمهم [الله] }. # أي: يتعطف عليهم، فينجيهم من عذابه، ويدخلهم جناته. # ثم قال تعالى: { وعد الله المؤمنين والمؤمنات ~~جنات تجري من تحتها الأنهار }. # والمعنى: وعد الله النساء والرجال من المؤمنين بساتين. { جنات ~~تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها } (أبدا). # أي: ماكثين لا يزول نعيمهم ولا ينقطع، { ومساكن طيبة } ، أي: ~~منازل يسكنونها. # قال الحسن: سألت أبا هريرة وعمران بن حصين عن: { ومساكن طيبة ~~في جنات عدن } ، فقالا: على الخبير سقطت، سألنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن ذلك فقال: " قصر في الجنة من لؤلؤة، فيه سبعون دارا ~~من ياقوتة حمراء، في كل دار سبعون بيتا من زمردة خضراء، في كل بيت ~~سبعون سريرا ". # ومعنى { جنات عدن } عند ابن عباس، أي: " معدن الرجل " الذي يكون ~~فيه. # وقيل المعنى: جنات إقامة وخلود. # والعرب تقول: " عدن فلان بموضع كذا " ، إذا أقام به. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: # " لا يدخلها إلا النبيون والصديقون والشهداء ". # وقال كعب: { جنات عدن } ، هي الكروم والأعناب، السريانية. يعني ~~أن لغة العرب وافقت السريانية في هذا الكلام. # وقال ابن مسعود: { جنات عدن } ، هي اسم لبطنان الجنة، يعني ~~وسطها. # وقال الحسن: هو اسم لقصر في الجنة من ذهب لا يدخله إلا نبي أو صديق، ~~أو شهيد أو حكم عدل. # وروى أبو الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: # " إن الله عز وجل، يفتح الذكر لثلاث ساعات يبقين من الليل، في الساعة ~~الأولى [منهن]، ينظر في الكتاب الذي لا ينظره غيره، فيمحو ما يشاء ms0989 ويثبت. ~~ثم ينزل في الساعة الثانية إلى جنات عدن، وهي داره التي لم يرها غيره، ~~ولم تخطر على قلب بشر ". # وقال الضحاك: { جنات عدن } ، مدينة في الجنة، فيها الرسل، ~~والأنبياء، والشهداء، وأئمة الهدى، والناس حولهم بعد، والجنات حولها. # وقال عطاء { عدن }: نهر في الجنة جناته على حافتيه. # ثم قال تعالى: { ورضوان من الله أكبر }. # [أي: أكبر] من ذلك كله، رضوان الله عز وجل، عن أهل الجنة. # قال أبو سعيد الخدري: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن الله عز وجل، يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ~~ربنا وسعديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى، لقد ~~أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك؟ فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك. ~~فيقولون: يا رب، وأي شيء أفضل من ذلك، فيقول: أحل لكم رضواني فلا ~~أسخط عليكم أبدا ". # ومن أجل تفضيل الرضوان على ما قبله مما وعدوا به، انقطع الكلام، وابتدأ ~~بالرضوان، فرفع. # ثم قال تعالى: { ذلك هو الفوز العظيم }. # أي: هذه الأشياء التي / وعدوا بها، وهي الظفر الجسيم. # { جنات عدن } ، وقف. # { أكبر } ، وقف. ### || [9.73-74] # قوله: { يأيها النبي جاهد الكفار } ، إلى قوله: { من ~~ولي ولا نصير }. # المعنى: جاهدهم بالسيف. # قال ابن مسعود: الجهاد يكون باليد، واللسان، والقلب، فإن لم يستطع ~~فليكفهر في وجهه. # وقال ابن عباس: أمر النبي صلى الله عليه وسلم، بجهادهم، باللسان ~~للمنافقين، وبالسيف للكفار. # وقال الضحاك: جاهد الكفار بالسيف، وأغلظ على المنافقين بالكلام. # وقال الحسن المعنى: جاهد الكفار بالسيف، والمنافقين بإقامة الحدود ~~عليهم. # وهو قول قتادة. # وقيل: معنى جاهد المنافقين: إقامة الحجة عليهم. # ثم قال حكاية عنهم: { يحلفون بالله ما قالوا } ، وذلك أن ~~رجلا من المنافقين، يسمى: الجلاس بن سويد بن الصامت، قال: إن كان ~~ما جاء به محمد حقا، لنحن شر من الحمير، فقال له ابن امرأته، ~~واسمه عمير بن سعد،: والله، إن محمدا صلى الله عليه وسلم لصادق، ~~ولأنت شر من الحمار، والله، لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بما ~~قلت وإلا أفعل أخاف ms0990 أن تصيبني قارعة وأؤخذ بخطيئتك، فأعلم الله النبي ~~عليه السلام بذلك، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم، الرجل، فحلف ما قال، ~~فأنزل الله عز وجل: { يحلفون بالله ما قالوا } الآية. # قال ابن إسحاق: بلغني أنه لما نزل فيه القرآن، تاب وحسنت توبته. # وقيل: إنه سمعه يقول ذلك، عاصم بن عدي الأنصاري، وهو الذي أخبر النبي ~~عليه السلام، بذلك، فأحضر للنبي صلى الله عليه وسلم الجلاس وعامرا، ~~فحلف الجلاس بالله ما قال ذلك، فقال عامر: والله، لقد قاله، ورفع عامر ~~يديه، وقال: اللهم أنزل على عبدك ونبيك تصديق الصادق وتكذيب الكاذب، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: آمين، فأنزل الله تصديق عامر، فقال ~~الجلاس: قد عرض الله علي التوبة، والله، لقد قلته وصدق عامر، وتاب ~~الجلاس وحسنت توبته. # ويروى أن عامرا، قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنه ليريد قتلك، ~~وفيه نزل: { وهموا بما لم ينالوا } ، أي: هموا بقتلك ولا ~~ينالونه. # وقال قتادة: نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول، رأى رجلا من غفار، ~~تقاتل مع رجل من جهينة، وكانت جهينة حلفاء الأنصار، فعلا ~~الغفاري الجهني، فقال عبد الله للأوس: انصروا أخاكم، فوالله ما ~~مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك، # لئن رجعنآ إلى المدينة ليخرجن الأعز منها ~~الأذل # [المنافقون: 8]، فسعى بها رجل من المسلمين إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأرسل إليه النبي عليه السلام فسأله، فحلف ما قاله، فأنزل الله عز وجل، { ~~يحلفون بالله ما قالوا }. # وقوله: { وهموا بما لم ينالوا }. # قيل: هو الجلاس بن سويد [هم] بقتل ابن امرأته خوفا أن يفشي عليه ~~ما سمع منه. # وقال مجاهد: هم رجل من قريش يقال له الأسود، بقتل النبي، عليه ~~السلام. # وقيل: هو عبد الله بن أبي بن سلول، هم بإخراج النبي عليه السلام، من ~~المدينة / وهو ما حكاه الله عز وجل، عنه: # لئن رجعنآ إلى المدينة ليخرجن الأعز منها ~~الأذل # [المنافقون: 8]. # وقيل: هو الجلاس، هم بقتل النبي صلى الله عليه وسلم. # وقوله: { وما نقموا إلا ms0991 أن أغناهم الله ورسوله ~~من فضله }. # والمعنى: أنهم ليس ينقمون شيئا. # قال الطبري، وغيره: كان المنافق الذي قال كلمة الكفر، حلف أنه ما قال، ~~قتل له مولى، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ديته، فأغناه ~~بها، فقال الله عز وجل، ما أنكروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~شيئا: { إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله }. # وهو الجلاس. # وقال قتادة: كانت لعبد الله بن أبي دية، فأخرجها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم [له]. # قوله: { فإن يتوبوا يك خيرا لهم }. # أي: إن تاب هؤلاء القائلون كلمة الكفر يك ذلك خيرا لهم من النفاق. # { وإن يتولوا }. # أي: يدبروا عن التوبة. # { يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا }. # أي: بالقتل، وفي الآخرة بالنار. # { وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير }. # يمنعهم من العقاب، ولا نصير ينصرهم من عذاب الله عز وجل. # { بما لم ينالوا } ، وقف. # { من فضله } ، وقف. # { خيرا لهم } ، وقف. ### || [9.75-78] # قوله: { ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله ~~} إلى قوله: { الغيوب }. # والمعنى: ومن هؤلاء المنافقين { من عاهد الله } لئن رزقه الله ~~عز وجل، ووسع عليه، ليصدقن، وليعملن، بما يعمل أهل ~~الصلاح فلما أغناهم الله، سبحانه { من فضله بخلوا به } ، ~~وأدبروا عن عهدهم، { وهم معرضون } ، { فأعقبهم } الله ~~عز وجل، بذنوبهم { نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه ~~} ، أي: يموتون. # وفعل ذلك بهم عقوبة لبخلهم، ونقضهم ما عاهدوا الله عليه. # " وهذه الآية نزلت في ثعلبة بن حاطب، قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ادع ~~الله أن يرزقني مالا أتصدق به، فقال له النبي عليه السلام: " ويحك يا ~~ثعلبة، قليل تؤدي شكره، خير من كثير لا تطيقه " ، ثم عاود ثانية، ~~فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " أما ترضى أن تكون مثل نبي الله، ~~فوالذي نفسي بيده، لو شئت أن تسير معي الجبال ذهبا وفضة لسارت " ، ~~فقال: والذي بعثك بالحق لئن دعوت الله يرزقني لأعطين كل ذي حق حقه، فدعا ~~له النبي صلى الله عليه وسلم، فاتخذ غنما، فنمت كما تنمي ms0992 ~~الدود، فضاقت عليه المدينة، فتنحى عنها، ونزل واديا من أوديتها حتى جعل ~~يصلي الظهر في جماعة، والعصر في جماعة، ويترك ما سواهما. ثم نمت وكثرت، ~~فتنحى حتى ترك الصلوات إلا الجمعة، وهي تنمي حتى ترك الجمعة. ~~وطفق يلقى الركبان يوم الجمعة، يسألهم عن الأخبار، فسأل النبي عليه ~~السلام عنه فأخبر بخبره، بكثرة غنمه وبما صار إليه، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم، " يا ويح ثعلبة " ثلاث مرات، فنزلت { خذ من ~~أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها } ". # ونزلت فرائض الصدقة، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم، رجلين على الصدقة، ~~رجلا من جهينة، والآخر من بني سليم، وأمرهما أن يمرا بثعلبة، ~~(وبرجل آخر من بني سليم، يأخذان منهما صدقاتهما، فخرجا حتى أتيا ثعلبة)، ~~فقال: ما هذه الأجرة، ما هذه إلا أخت الجزية، ما أدري ما هذا، انطلقا حتى ~~تفرغا، وعودا. فانطلقا، وسمع بهما السلمي، فعمد إلى خيار إبله، ~~فعزلها للصدقة، ثم استقبلهما بها، فلما رأوها قالوا: ما يجب عليك هذا، ~~وما نريد [أن] نأخذ منك هذا. قال: بل فخذوه فإن نفسي بذلك / طيبة، ~~فأخذوها منه. فلما فرغا من صدقاتهما رجعا حتى [مرا] بثعلبة، فقال: أروني ~~كتابكما، وكان النبي صلى الله عليه وسلم، كتب لهما كتابا في حدود ~~الصدقة، وما يأخذانه من الناس، فأعطياه الكتاب، فنظر إليه، فقال: ما هذه ~~إلا أخت الجزية، انطلقا عني حتى أرى رأيي. فأتيا النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فلما رآهما قال: " يا ويح ثعلبة " قبل أن يكلمهما، ودعا للسلمي ~~بالبركة، فأخبراه بالذي صنع السلمي، وبالذي صنع ثعلبة، فأنزل الله عز ~~وجل، { ومنهم من عاهد الله } الآية، وعند رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - رجل من أقارب ثعلبة، فخرج حتى أتاه، فقال: ويحك يا ~~ثعلبة، قد أنزل الله عز وجل، فيك كذا وكذا، فخرج حتى أتى النبي عليه ~~السلام فسأله أن يقبل منه صدقته فقال: " إن الله منعني أن أقبل منك ~~صدقتك " ، فجعل يحثو التراب على رأسه، فقال له النبي عليه السلام: " قد ~~أمرتك فلم تطعني " ، فرجع ثعلبة إلى ms0993 منزله، وقبض رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، ولم يقبض منه شيئا. # ثم أتى إلى أبي بكر فلم يقبض منه شيئا [ثم أتى إلى عمر بعد أبي بكر ~~فلم يقبض منه شيئا. ثم أتى إلى عثمان بعد عمر فلم يقبض منه شيئا]. ~~وتوفي في خلافة عثمان رضي الله عنه. # وقيل: إن إنما نوى العهد في نفسه فلم يف به، ودل على ذلك قوله: { ~~ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم }. # وعلامة المنافق: نقض العهد، وخلف الوعد، وكذب القول]. # قوله: { ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم }. # أي: [ألم] يعلم هؤلاء المنافقون الذين يكفرون بالله عز وجل، ورسوله عليه ~~السلام، ويظهرون الإيمان، أن الله عز وجل، يعلم ما يسرون من ذلك وما ~~يظهرون فيحذروا عقوبته، وألم يعلموا أن الله علام الغيوب. ### || [9.79-80] # قوله: { الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين ~~في الصدقات } ، إلى قوله: { الفاسقين }. # والمعنى: الذين يعيبون الذين تطوعوا بصدقاتهم على أهل المسكنة والحاجة ~~فيقولون لهم: إنما تصدقون رياء وسمعة، ولم تريدوا وجه الله عز وجل. # { والذين لا يجدون إلا جهدهم }. # أي: من المؤمنين، ومن { والذين لا يجدون } ، عطفه على { ~~المطوعين } ، لأن الاسم لم يتم، إذ قوله: { فيسخرون } في ~~الصلة عطف على { يلمزون }. # و " الجهد و " الجهد " عند البصريين [بمعنى]، لغتان. # وقال بعض الكوفيين: الجهد، بالضم: الطاقة، وبالفتح: المشقة. # والسخري من الله: الجزاء على فعلهم. # قال ابن عباس: جاء عبد الرحمن بن عوف بأربعين أوقية من ذهب إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وجاء رجل من الأنصار بصاع من طعام، فقال بعض ~~المنافقين: و [الله] ما جاء عبد الرحمن بما جاء به إلا رياء، وقالوا: إن ~~كان الله ورسوله لغنيين عن هذا الصاع. فأنزل الله عز وجل: { ~~الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في ~~الصدقات } ، يعني: عبد الرحمن بن عوف، { والذين لا يجدون ~~إلا جهدهم } ، يعني: الأنصاري الذي أتى بصاع من شعير. # وقال ابن عباس: # " جاء عبد الرحمن بمائة أوقية من ذهب، وترك لنفسه مائة، وقال: مالي ~~ثمانية آلاف، أما أربعة آلاف فأقرضها الله، ms0994 وأما أربعة آلاف فلي، فقال ~~له النبي صلى الله عليه وسلم: " بارك الله [لك] فيما أمسكت وما أعطيت " ~~فلمزه المنافقون، وقالوا: ما أعطى عبد الرحمن بن عوف عطيته إلا رياء، وهم ~~كاذبون، فأنزل الله عز وجل، عذره ". # وقال قتادة: جاء عبد الرحمن بأربعة آلاف صدقته، وجاء رجل من الأنصار، ~~يكنى بأبي عقيل، بصاع من تمر لم يكن له غيره، فقال: يا رسول الله، آجرت ~~نفسي بصاعين، فانطلقت بصاع إلى أهلي / وجئت بصاع من تمر، فلمزه ~~المنافقون، وقالوا: إن الله غني عن طياع هذا، فنزل فيه: { والذين ~~لا يجدون إلا جهدهم }. # قال ابن زيد: أمر النبي صلى الله عليه وسلم [المسلمين] أن يتصدقوا، ~~قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: فألفى مالي ذلك كثيرا، فأخذت نصفه، ~~فجئت أحمل مالا كثيرا، فقال له رجل من المنافقين: ترائي يا عمر، فقال: ~~نعم أرائي الله ورسوله، وأما غيرهما فلا، وأتى رجل من الأنصار لم يكن ~~عنده شيء، فآجر نفسه بصاعين، فترك صاعا لعياله، وجاء بصاع يحمله، فقال ~~له بعض المنافقين: [إن] الله ورسوله عن صاعك لغنيان، فأنزل الله ~~عز وجل، عذرهما في قوله: { الذين يلمزون }. # ثم قال لنبيه عليه السلام، استغفر لهؤلاء المنافقين، أي: ادع الله لهم ~~بالمغفرة أو لا تدع لهم بذلك، فلفظه لفظ الأمر ومعناه الجزاء، والجزاء ~~خبر. # والمعنى: إن استغفرت لهم، أو لم تستغفر لهم، فلن يغفر الله لهم. # قال الضحاك: قال النبي صلى الله عليه وسلم، حين نزلت هذه الآية: " ~~لأزيدن على السبعين " ، فنزلت: # سوآء عليهم أستغفرت لهم أم [لم] تستغفر ~~لهم لن يغفر الله لهم # [المنافقون: 6]، فهي عنده منسوخة بهذه. # وقيل: إنها ليست بمنسوخة، وإنما هي على التهدد، وما كان النبي عليه ~~السلام ليستغفر لمنافق؛ لأن المنافق كافر بنص الكتاب. # وهذه الآية نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول، قال لأصحابه: لولا أنكم ~~تنفقون على أصحاب محمد لانفضوا من حوله، وهو القائل: # لئن رجعنآ إلى المدينة ليخرجن الأعز منها ~~الأذل # [المنافقون: 8]. # " روي أن عبد الله هذا لما حضرته ms0995 الوفاة أرسل إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم، يسأله أحد ثوبيه، فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم، أحد ~~ثوبيه، فقال: إنما أريد الذي على جلدك من ثيابك، فبعث إليه به، فقيل ~~للنبي صلى الله عليه وسلم، في ذلك، فقال: " إن قميصي لن يغني عنه من الله ~~شيئا إذا كفن فيه، وإني آمل أن يدخل في الإسلام خلق كثير بهذا السبب ~~" ". # فروي أنه أسلم ألف من الخزرج لما رأوه يطلب الاستشفاء بثوب النبي، ~~عليه السلام. # وكان عبد الله هذا رأس المنافقين وسيدهم. ### || [9.81-83] # قوله: { فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله ~~} ، إلى قوله: { مع الخالفين }. # { خلاف رسول الله }: مفعول من أجله، أو مصدر مطلق. # والمعنى: فرح الذين تخلفوا عن الغزو مع رسول الله عليه السلام، بجلوسهم ~~في منازلهم، على الخلاف منهم لرسول الله عليه السلام، لأنه أمرهم بالخروج ~~معه فتخلفوا عنه، وفرحوا بتخلفهم، وكرهوا الخروج في الحر. # وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم، استنفرهم في غزوة تبوك في حر شديد، ~~فقال بعضهم لبعض: { لا تنفروا في الحر } ، قال الله عز وجل، ~~لنبيه عليه السلام { قل } لهم: { نار جهنم أشد حرا } ، ~~لمن خالف أمر الله، وعصى رسوله، عليه السلام من هذا الحر الذي تتواصون به ~~بينكم أن لا تنفروا فيه، فالذي هو أشد حرا، يجب أن يتقي { لو كانوا ~~يفقهون } ، عن الله عز جل، وعظه. # وكان عدة من تخلف عن الخروج مع النبي عليه السلام، في غزوة تبوك من ~~المنافقين نيفا وثمانين رجلا. # ثم قال تعالى: { فليضحكوا قليلا }. # أي: [في] هذه الدنيا الفانية، / { وليبكوا / كثيرا } ، في جهنم ~~{ جزآء بما كانوا يكسبون } ، من التخلف عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، ومعصيته. # قال النبي عليه السلام: # " والذي نفسي بيده، لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا، ولبكيتم ~~كثيرا ". # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم نودي عند ذلك، أو قيل له: لا تقنط ~~عبادي. # قال ابن عباس: الدنيا قليل، فليضحكوا فيها ما شاءوا، فإذا انقطعت ~~الدنيا، استأنفوا بكاء لا ينقطع عنهم أبدا. # ثم ms0996 قال تعالى لنبيه عليه السلام: { فإن رجعك الله إلى ~~طآئفة منهم فاستأذنوك للخروج }. # أي: إن ردك الله من غزوتك إلى المنافقين، فاستأذنوك للخروج معك في ~~غزوة أخرى، { فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا ~~معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة } ، ~~أي: في غزوة تبوك، { فاقعدوا مع الخالفين } ، [أي: مع الذين] ~~قعدوا من المنافقين خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنكم منهم. # قال ابن عباس: تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، رجال في غزوة تبوك ~~فأدركتهم أنفسهم، فقالوا: والله ما صنعنا شيئا، فانطلق منهم ثلاثة نفرة، ~~فلحقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أتوه تابوا، ثم رجعوا إلى ~~المدينة فأنزل الله، عز وجل، { فإن رجعك الله إلى طآئفة ~~منهم } ، الآية. فقال النبي عليه السلام: " هلك الذين تخلفوا " ، ~~فأنزل الله عز وجل، عذرهم لما تابوا فقال: # لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار # [التوبة: 117]، إلى قوله: # إن الله هو التواب الرحيم # [التوبة: 118]. # وقال قتادة { مع الخالفين } ، مع النساء. # وكانوا اثني عشر رجلا من المنافقين. # وقال ابن عباس " الخالفون ": الرجال. # ومعناه: اقعدوا مع مرضى الرجال وأهل الزمانة والضعفاء. # وقيل " الخالفون ": الرجال الضعفاء والنساء، وغلب المذكر على الأصول ~~العربية. # وقال الطبري: { مع الخالفين } مع أهل الفساد، من قولهم: " خلف ~~الرجل على أهله يخلف خلوفا " ، إذا فسد، ومن قولهم: هو خلف ~~سوء " ، ومن قولهم: " خلف فم الصائم " ، إذا تغير ريحه، ومن ~~قولهم: " خلف اللبن يخلف " إذا حمض. ### || [9.84-87] # قوله: { ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا ~~تقم على قبره } ، إلى قوله { فهم لا يفقهون }. # هذه الآية نهي للنبي صلى الله عليه وسلم، عن الصلاة على هؤلاء ~~المتخلفين عنه. # { ولا تقم على قبره }. # أي: لا تتول دفنه. # { إنهم كفروا بالله ورسوله }. # أي: جحدوا توحيد الله عز وجل، ورسالة رسوله عليه السلام. # { وماتوا وهم فاسقون }. # أي: ولم يتوبوا من ذلك، بل ماتوا وهم خارجون عن الإسلام. # ويروى: أن هذه الآية نزلت في أمر عبد الله بن أبي بن سلول، وذلك ~~أن ms0997 ابنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أعطني قميصك ~~أكفنه فيه، وصل عليه، واستغفر له، فأعطاه قميصه، وقال: إذا فرغتم ~~فآذوني، فلما أراد أن يصلي عليه جذبه عمر، وقال: أليس قد نهاك الله أن ~~تصلي على المنافقين؟ [فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل خيرني فقال: { ~~استغفر لهم أو لا تستغفر } ، فصلى] النبي صلى الله عليه ~~وسلم. فنزل { ولا تصل على أحد منهم } الآية، فترك الصلاة ~~عليهم. # وقال أنس: أراد النبي عليه السلام، أن يصلي على عبد الله بن أبي بن ~~سلول، فأخذ جبريل، عليه السلام، بثوبه، وقيل: بردائه، وقال: { ولا ~~تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على ~~قبره }. # ثم قال الله / عز وجل، لنبيه، عليه السلام: { ولا تعجبك ~~أمولهم وأولدهم }. # أي: لا يعجبك ذلك، فتصلي عليهم. # { إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا }. # أي: بالغموم والهموم فيها، ويفارق روحه جسده، وهو في حسرة عليها، فتكون ~~حسرة عليه في الدنيا، ووبالا في الآخرة. # { وتزهق أنفسهم وهم كفرون }. # أي: جاحدون. # { وأولدهم } وقف عند أبي حاتم، على أن عذابهم بها في الدنيا. # وغيره يقول: { الدنيا } ، يراد بها التقديم، والمعنى: ولا تعجبك ~~أموالهم وأولادهم في الدنيا، فعلى هذا [لا] تقف على: { أولدهم } ~~وقد شرح هذا فيما تقدم بأكثر من هذا. # ثم أخبر الله عز وجل، عنهم بحالهم فقال: { وإذآ أنزلت سورة ~~أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله }. # أي: إذا أنزل الله عز وجل، عليك، يا محمد، سورة يأمرهم فيها: بالإيمان ~~بالله، عز وجل، وبالجهاد معك. # { استأذنك أولوا الطول منهم }. # أي: [ذوو] الغنى منهم في التخلف عنك، والقعود بعدك مع الضعفاء والمرضى، ~~ومن لا يقدر على الخروج وهم القاعدون. # { رضوا بأن يكونوا مع الخوالف }. # أي: مع النساء اللواتي لا فرض عليهن في الجهاد، جمع خالفة. # { وطبع على قلوبهم }. # أي: ختم. # وقد يقال للرجل: " خالفة " إذا كان غير نجيب. # وقد يجمع " فاعل " صفة على " فواعل " في الشعر، قالوا: " فارس " و " ~~فوارس " و " هالك " و " هوالك ". # وأصل " فواعل " أن يكون جمع: " فاعلة ms0998 ". ### || [9.88-90] # قوله: { لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا ~~بأموالهم وأنفسهم } ، إلى قوله: { عذاب أليم }. # المعنى: هؤلاء لهم خيرات الآخرة ونعيمها. # وواحد { الخيرات } ، " خيرة " مخففة، و " خيرات " كل شيء، ~~أفضله. # { وأولئك هم المفلحون }. # أي: الباقون في النعيم، المخلدون فيه. # وأصل " الفلاح ": البقاء في الخير، وقولهم: " حي على الفلاح " أي: ~~تعالوا إلى الفوز، يقال: " أفلح الرجل " ، إذا فاز وأصاب خيرا. # { أعد الله لهم جنات }. # أي: بساتين. # { تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها }. # أي: لابثين فيها أبدا. # { ذلك الفوز العظيم }. # أي: النجاء العظيم، والحظ الجزيل. # ثم قال تعالى: { وجآء المعذرون من الأعراب ليؤذن ~~لهم }. # والمعنى: { وجآء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم ~~} ، في التخلف، { وقعد } عن الإتيان إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فيعتذروا أو يجاهدوا، و { الذين كذبوا الله ورسوله ~~} ، واعتذروا بالباطل بينهم، لا عند رسول الله عليه السلام. # { سيصيب الذين كفروا منهم }. # أي: جحدوا توحيد الله ونبوة نبيه عليه السلام. # { عذاب أليم }. # أي: مؤلم، أي: موجع. # وقوله: { المعذرون } ، ليس من " عذر " ، يقال: " عذر ~~الرجل في الأمر " إذا لم يبالغ فيه، ولم يحكمه، ولم تكن هذه صفة ~~هؤلاء، بل كانوا أهل اجتهاد في طلب ما ينهضهم مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم فوصفهم بأنهم قد اعتذروا أو أعذروا، أولى من وصفهم بأنهم ~~قد عذروا فإنما هم المعتذرون، ثم أدغم. # وقد قرأ ابن عباس: " المعذرون " من: " أعذر ". # ويجوز: " المعذرون " بضم العين لالتقاء الساكنين، (يتبع الضم الضم. # ويجوز: " المعذرون " بكسر العين لالتقاء الساكنين). # وقد قيل: إن " المعذر " من " عذر " إذا قصر في الأمر فهم ~~مذمومون على هذا المعنى. # وعلى المعنى الآخر إذا حملته على معنى " المعتذرين " غير مذمومين، ~~إذا أتوا بعذر واضح. # ويجوز أن يكونوا مذمومين إذا أتوا بعذر غير واضح، يقال " اعتذر ~~الرجل ": إذا أتى بعذر واضح، و " اعتذر ": إذا لم يأت بعذر، قال ~~تعالى: { يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا ~~تعتذروا } ، فهؤلاء اعتذروا بالباطل، فهم الذين يعتذرون ولا عذر ~~لهم. # ومنع المبرد أن يكون أصله: " المعتذرين " ثم أدغم لأنه يقع اللبس. ms0999 # وذكر إسماعيل القاضي: أن سياق الكلام يدل على أنه لا عذر لهم وأنهم ~~مذمومون، لأنهم جاء/ وا { ليؤذن لهم } ، ولو كانوا من الضعفاء ~~والمرضى، والذين لا يجدون ما ينفقون لم يحتاجوا إلى أن يستأذنوا. # وقول العرب: " من عذيري من فلان " ، معناه: قد أتى فلان ~~أمرا عظيما يستحق عليه العقوبة، ولم يعلم الناس به، فمن يعذرني إن ~~عاقبته. # قال مجاهد: هم نفر من بني غفار، جاءوا فاعتذروا، فلم يعذرهم الله عز ~~وجل. # وكذلك قال قتادة. # فهذا يدل على أنهم كانوا أهل اعتذار بالباطل لا بالحق، فلا يوصفون ~~بالإعذار. # وقرأ ابن عباس: " المعذرون " بإسكان العين، وكان يقول: لعن الله ~~المعتذرين، يذهب إلى أن " المعتذرين " بإسكان العين، ليس لهم عذر صحيح. # و { المعذرون } بالتشديد: المفرطون المقصرون ولا عذر لهم. ### || [9.91-92] # قوله: { ليس على الضعفآء ولا على المرضى } إلى ~~قوله: { ينفقون }. # ومعنى الآية: أنه بيان من الله، عز وجل، أنه لا حرج على الزمنى ~~والمرضى، ومن لا يجد ما ينفق في التخلف عن الغزو، { إذا نصحوا ~~لله ورسوله } ، يعني في مغيبهم عن الجهاد. # { ما على المحسنين من سبيل }. # أي: ليس على من أحسن فنصح لله ورسوله عليه السلام، سبيل. # قال ابن عباس: لما أمر النبي عليه السلام، بالخروج إلى الغزو، وجاءه ~~عصابة من أصحابه يقال: كانوا سبعة، فقالوا: يا رسول الله احملنا. فقال: ~~لا أجد ما أحملكم عليه، فتولوا ولهم بكاء، فأنزل الله عذرهم في كتابه. # { لله ورسوله }. وقف. # و { من سبيل } ، وقف. # ثم قال تعالى: { ولا على الذين إذا مآ أتوك ~~لتحملهم قلت لا أجد مآ أحملكم عليه تولوا ~~} الآية. # نزلت هذه الآية في بني مقرن من مزينة، أتوا النبي عليه السلام، ~~ليحملهم ويغزو معهم فقال: ما أجد ما أحملكم عليه، فتولوا وأعينهم تفيض من ~~الدمع، إذا لم يجدوا ما ينفقون في غزوهم. # وقيل: منهم العرباض بن سارية. # قال إبراهيم بن أدهم في الآية: ليس يعني الدواب، ولكن النعال. ### || [9.93-95] # قوله: { إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم ~~أغنيآء } ، إلى قوله: { يكسبون }. # والمعنى: إنما ms1000 السبيل بالعقوبة على من استأذن في التخلف عن الغزو، وهو ~~غني، ورضي بأن يخلف مع النساء اللواتي من خوالف للرجال في البيوت. # { وطبع الله على قلوبهم }. # أي: ختم عليها. # { فهم لا يعلمون }. # سوء عاقبة تخلفهم، يعني: عن النبي صلى الله عليه وسلم. # ثم قال تعالى إخبارا عما يفعلون: { يعتذرون إليكم إذا ~~رجعتم }. # أي: يعتذر هؤلاء المتخلفون بالأباطيل والكذب. # { قل } لهم، يا محمد، { لا تعتذروا لن نؤمن [لكم] }. ~~أي: لن نصدقكم قد أخبرنا الله بأخباركم. # { وسيرى الله عملكم ورسوله }. # أي: فيما بعد، هل تتوبون أم لا. # { ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة }. # أي: يعلم السر والعلانية، فيخبركم بأعمالكم فيجازيكم عليها. # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: # " لو أن رجلا عبد الله في صخرة لا باب لها، ولا كوة بها لخرج عمله إلى ~~الناس كائنا ما كان ". # فالله عز وجل، يطلع قلوب المؤمنين على ما [في] قلوب إخوانهم من الخير ~~والشر، فيحبون أهل الخير ويبغضون أهل الشر. # ثم أخبرهم بما يفعلون إذا رجع المؤمنون من غزوهم فقال: { سيحلفون ~~بالله لكم إذا انقلبتم إليهم } ، أي: يحلفون لكم إذا ~~رجعتم إليهم من غزوكم، { لتعرضوا عنهم } ، لتتركوا تأنيبهم ~~وتعييرهم بتخلفهم، { فأعرضوا عنهم } ، أي: فاتركوهم، { ~~إنهم رجس ومأواهم جهنم } ، أي: مصيرهم إليها جزاء / ~~بكسبهم. # قيل: إنهم كانوا بضعة وثمانين رجلا. ### || [9.96-98] # قوله: { يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا ~~عنهم } ، إلى قوله: { سميع عليم }. # والمعنى: يحلف، أيها المؤمنون، هؤلاء المنافقون لكم { لترضوا ~~عنهم } ، وأنتم لا تعلمون صدقهم من كذبهم، { فإن ترضوا ~~عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين }؛ ~~لأنه يعلم سرائرهم وصدقهم وكذبهم. # ثم قال تعالى: { الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ~~ألا يعلموا }. # " أن ": في موضع نصب، على تقدير: " وأجدر بأن لا ". # تقول: " هو جدير بأن يفعل " ، و " خليق بأن يفعل " ، وإن شئت حذفت " ~~الباء " ، ولا يحسن حذف " الباء " إلا مع " أن " ، لو قلت: هو جدير ~~بالفعل، لم يكن بد من " الباء ". # والمعنى: الأعراب أشد جحودا لتوحيد الله سبحانه، ونفاقا على رسوله ~~عليه السلام، ms1001 من أهل الحضر والأمصار، وذلك لجفائهم، وقسوة قلوبهم. # { وأجدر ألا يعلموا }. # أي: وأخلق أن يجهلوا العلم والسنن. # ثم قال تعالى: { ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق ~~مغرما }. # والمعنى: ومن الأعراب من يعد ما ينفق فيما ندبه الله، عز وجل، إليه ~~{ مغرما } لا ثواب له فيه، { ويتربص بكم الدوائر } ~~أي: ينتظر بكم ما تدور به الأيام والليالي من المكروه والسوء، { ~~عليهم دآئرة السوء } ، أي: عليهم يرجع المكروه والسوء. # وهذا كله في منافقين من الأعراب، قاله: ابن زيد. # وقوله: { دآئرة السوء }. # ومن قرأ بالضم، فمعناه: دائرة العذاب، و { دآئرة السوء }: ~~البلاء. # قال الفراء: ولا يجوز على هذا " هذا امرؤ سوء " ، كما لا يجوز " هذا ~~امرؤ عذاب ". # وقال المبرد " السوء " بالفتح: الرداءة. # قال سيبويه: " مررت برجل صدق " ، معناه: مررت برجل صالح، ~~وليس هو من صدق اللسان، وكذلك تقول: " مررت برجل سوء، أي: برجل فساد، ~~وليس هو من: سوءته (سوءا. # وقال الفراء: " السوء " بالفتح، مصدر من: سوءته سوءا ~~ومساءة) وسوائية ومسائية. # وقال اليزيدي في الضم، يعني: دائرة الشر، فكأن السوء الاسم، والسوء ~~المصدر، فافهم. ### || [9.99] # قوله: { ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ~~} ، الآية. # المعنى: ومن الأعراب من يصدق بالله وبالبعث والثواب والعقاب، وينوي بما ~~ينفق من صدقه، والتقرب إليه، { وصلوات الرسول } ، أي: دعاءه ~~واستغفاره له. # قال مجاهد: هم بنو مقرن، من مزينة، وهم الذين نزل فيهم: # ولا على الذين إذا مآ أتوك لتحملهم # [التوبة: 92]، الآية. # { ألا إنها قربة لهم }. # أي: ألا إن صلوات الرسول عليه السلام، أي: استغفاره ودعاءه، قربة لهم ~~عند الله عز وجل. # وقيل المعنى: ألا إن نفقتهم قربة لهم عند الله عز وجل. # و { قربة } ، و { قربة } لغتان، ك: " جمعة " و " جمعة " ~~ويجوز في الجمع فتح الراء وضمها وإسكانها، ويجوز " قرب ". # ثم قال تعالى: { سيدخلهم الله في رحمته }. # أي: يدخلهم فيمن رحمه. ### || [9.100] # قوله: { والسابقون الأولون من المهاجرين ~~والأنصار } ، الآية. # المعنى: والذين سبقوا إلى الإيمان، { من المهاجرين ~~والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان } ، أي: سلكوا ~~سبيلهم في الإيمان بالله ورسوله: { رضي الله ms1002 عنهم ورضوا ~~عنه } ، أي: أجزل لهم في الثواب. # قال الشافعي /: { والسابقون الأولون }: من أدرك بيعة ~~الرضوان. # وروي عنه: من أدرك بيعة الشجرة. و " المهاجرون الأولون " من (هاجر قبل ~~البيعة. # وقال أبو موسى الأشعري { والسابقون الأولون }: المهاجرون ~~الأولون من) صلى القبلتين. # وهو قول ابن المسيب، والحسن، وقتادة، وابن سيرين. # وروي عن عمر: أنه قرأ: " والأنصار " بالرفع، عطف على: السابقين، وبذلك ~~قرأ الحسن، وهي قراءة يعقوب الحضرمي. # وعن عمر رضي الله عنه، أنه قرأ: " الذين اتبعوهم " بغير واو، فرد ~~عليه زيد ب " الواو " فسأل عمر أبيا، فقال له: " بالواو " فرجع عمر ~~إلى زيادة " الواو ". وهم إجماع من القراء والمصاحف. # ومن قرأ: { من تحتها } ، بزيادة { من } فمن أجل أنها في مصاحف أهل ~~مكة كذلك، وفي سائر المصاحف بغير { من }. # وهذا باب في خطوط المصاحف في الحروف التي اختلف فيها القراء # من ذلك: # قوله في سورة البقرة: { وقالوا اتخذ الله ولدا } ، هي في ~~مصاحف أهل الشام بغير " واو " ، وفي سائر المصاحف ب: " الواو ". # وفيها: { وأوصى } ، هي في مصاحف المدينة والشام ب: " ألف " وفي سائر ~~المصاحف ب: " الواو " بغير ألف. # وفي آل عمران: { سارعوا } ، في مصاحف أهل المدينة، وأهل الشام بغير ~~" واو " ، وفي سائر المصاحف ب " الواو ". # وفي آل عمران أيضا: { جآءوا بالبينات والزبر } ، بزيادة ~~" باء " [في] { والزبر } ، وفي سائر المصاحف بغير " باء " في { ~~الزبر } ، وكلهم حذفها من " وبالكتب ". # وقد قرأ هشام بن عمار: " وبالكتب " بالباء، ولا أصل لهذه " الباء " ~~في مصاحف أهل الشام ولا غيرهم. # وفي النساء: { ما فعلوه إلا قليل } ، بألف في مصاحف أهل ~~الشام، وبغير " ألف " في سائر المصاحف. # وفي المائدة، في مصحف أهل مكة والمدينة والشام: { يقول الذين ~~ءامنوا } بغير " واو " ، وفي سائر المصاحف بالواو. # وفي المائدة أيضا: { من يرتدد } ، ب: " دالين " ، وفي مصاحف ~~المدينة والشام، وفي باقي المصاحف ب: " دال " واحدة. # وفي سورة الأعراف، في مصاحف أهل الشام: { ما كنا لنهتدي } ~~بغير " واو " ، وفي سائر المصاحف: { وما } ب: " الواو ". # وفيها: في قصة صالح: { وقال الملأ } ، بزيادة و[او]، في مصاحف ~~الشام، ms1003 وفي سائر المصاحف: { قال } بغير " واو ". # وفي براءة { من تحتها } ، بزيادة " من " في مصاحف مكة، وفي سائر ~~المصاحف، بغير " من ". # وفيها: { الذين اتخذوا } ، بغير " واو " ، في مصحف أهل الشام، ~~وأهل المدينة، وفي سائر المصاحف: { والذين } ، بزيادة " واو ". # وفي سورة بني إسرائيل { قل سبحان ربي } ب: " ألف " ، في مصاحف ~~أهل مكة والشام، [و] في سائر المصاحف: { قل } ، بغير ألف. # وفي الكهف: { خيرا منهما } ، بزيادة " ميم " ، في مصحف أهل ~~المدينة ومكة والشام، وفي سائر المصاحف: { منها } بغير " ميم ". # وفيها: { ما مكني } ، بنونين، في مصحف أهل مكة خاصة، وفي سائر ~~المصاحف ب " نون " واحدة. # وفي سورة الأنبياء: { قل ربي يعلم } ، { قل رب احكم } ، ~~بألف فيهما، في مصحف أهل الكوفة، وفي سائر المصاحف: { قل } ، بغير ألف. # وفيها: { لم ير الذين كفروا } ، بغير " واو " ، في مصحف ~~أهل مكة، وفي / سائر المصاحف: { أولم } بواو. # وفي سورة المؤمنين: { سيقولون لله } ، في الأول. [و] في الثاني ~~والثالث: # { سيقولون لله } ، بالألف، في مصحف أهل البصرة، وفي سائر ~~المصاحف: { لله } ، من غير " ألف " في الثلاثة. # وفي سورة الشعراء: { فتوكل } بالفاء، في مصحف أهل المدينة، [و] ~~الشام، وفي سائر المصاحف، { فتوكل } بالواو. # وفي النمل: { أو ليأتيني } ، بنونين، في مصحف أهل مكة، وفي / ~~سائر المصاحف، بنون واحدة. # وفي القصص: { وقال موسى ربي أعلم } ، بغير " واو " ، في ~~مصحف أهل مكة، وفي سائر المصاحف: { وقال } ، بالواو. # وفي غافر: { أشد منهم } بالكاف، في مصاحف الشام، وفي سائر ~~المصاحف: (منهم)، بالهاء. # وفيها: { وأن يظهر } ، بغير ألف قبل الواو، في مصاحف أهل المدينة ~~والبصرة والشام، وفي مصاحف الكوفة: { أن أو } ، بزيادة ألف. # وفي عسق في مصاحف أهل المدينة والشام: { بما كسبت أيديكم } ~~، بغير فاء، وفي سائر المصاحف: { بما كسبت } ، بالفاء. # وفي الزخرف: { تشتهيه } ، بالهاء، في مصاحف أهل المدينة والشام ~~والكوفة، وفي سائر المصاحف: { تشتهيه } ، بغير " هاء ". # وقد قيل: إنها غير مثبتة في مصاحف أهل الكوفة، وبذلك قرأوا. # وفي الأحقاف: { حسنا } ، بألف في مصاحف أهل الكوفة، وفي سائر ~~المصاحف: { حسنا } ، بغير ألف، أعني قبل الحاء. # وفي سورة الرحمن ms1004 في آخرها: { ذي الجلال } ، بالواو، في مصاحف أهل ~~الشام، وفي سائر المصاحف: { ذي } ، بالياء. # وفي سورة الحديد: { وكلا وعد الله الحسنى } ، بغير ألف، ~~[في مصاحف أهل الشام، وفي سائر المصاحف: { وكلا وعد الله } ~~بألف. # وفيها: { فإن الله الغني الحميد } ، بغير (هو)، في ~~مصاحف أهل المدينة [و] الشام، وفي سائر المصاحف: { فإن الله ~~الغني } ، بزيادة (هو). # وفي سورة الشمس وضحيها: { فلا يخاف } ، بالفاء، في مصاحف أهل ~~المدينة والشام، وفي سائر المصاحف: بالواو: " ولا يخاف ". # وذكر أبو حاتم في هذه الحروف أن في مصاحف المدينة، خاصة: { وقال ~~الملك ايتوني } ، بغير ياء قبل التاء. # وفي الحج والملائكة { ولؤلؤا } ، بألف، في مصاحف المدينة، وبعض ~~مصاحف الكوفة. # وفي الزخرف: { يعباد } ، [بياء]، لا حذف في مصاحف المدينة [و] ~~الكوفة. # و { قواريرا } الثاني بألف في مصاحف المدينة. # وفي: (قل أوحى): { قال إنمآ أدعوا } ، بغير ألف في مصاحف ~~الكوفة. # وفي النساء: { فآمنوا بالله ورسله } على التوحيد، في مصاحف ~~البصرة، # ولم يقرأ به أحد. # قال: وفي يس: { وما عملته } بغير " هاء " ، في مصاحف أهل ~~الكوفة. # ومثله: { حسنا } ، ب: " ألف " ، في الأحقاف. # ومثله: { لئن أنجيتنا } ، في الأنعام. # وقال: في مصاحف أهل الشام خاصة في الأنعام: { وللدار الآخرة } ، ~~" الآخرة " بلام واحدة. # ومثله في: الأعراف: " تحتها " في موضع: { من تحتهم } ، ولم يقرأ ~~به أحد. # ومثله: { (وإذا) نجيناكم من آل فرعون } ، بألف فيهما. # ومثله: { كيدون } بالياء في الأعراف. # ومثله: " ما كان للنبي أن يكون له أسرى، بلامين في الأنفال، ولم يقرأ به ~~أحد. # ومثله: (ينشركم) بالشين، في يونس. # وهذا باب آخر نذكر فيه سبب اختلاف القراء واختلاف هذه المصاحف # فكان سبب هذا الاختلاف، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: # " نزل هذا القرآن على سبعة أحرف " # ، فكان من / قرأ عليه من أصحابه بأي حرف قرأ تركه، ودل على ذلك حديث ~~عمر مع هشام بن حكيم، إذ سمعه عمر يقرأ القرآن على غير ما قرأ هو على ~~النبي عليه السلام، فلما توجها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وتحاكما ~~لديه، قرأ عليه، أجاز قراءة ms1005 كل واحد منهما، وقال: " هكذا أنزل ". ~~وكان اختلافها في أحرف من سورة الفرقان. # فدل على أنه صلى الله عليه وسلم، كان يترك كل واحد يقرأ على لغته، ~~فإذا صح أنه كان يقرأ كل واحد على لغته، وصح عنه صلى الله عليه وسلم، أنه ~~كان يرسل أصحابه إلى البلدان، يعلمونهم القرآن والفقه في الدين، وأنه ~~وجه معاذ بن جبل إلى اليمن وكان قد خلفه قبل ذلك، وأبا موسى الأشعري ~~بمكة [حين] توجه إلى حنين لحرب هوازن ليعلما من كان بها القرآن ~~والعلم. # وبعث إلى الطائف في مثل ذلك عثمان بن أبي العاص الثقفي. # ثم توفي النبي صلى الله عليه وسلم، وفتحت البلدان، فمضى على سيرته ~~وزيراه: أبو بكر وعمر. فوجه عمر ابن مسعود إلى الكوفة معلما لهم، ~~ووجه أبا (موسى) إلى البصرة بمثل ذلك. وكان بالشام معاذ بن جبل، وأبو ~~الدرداء. وكان بالمدينة جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، من أهل ~~حفظ القرآن منهم: أبي بن كعب، وزيد بن ثابت، فكان كل واحد يقرئ في ~~موضعه بحرف من السبعة التي أمر الله عز وجل، بها نبيه عليه السلام. # فلما انتشر ذلك في البلدان، وتعلم الناس، وسافروا من كل بلد، وتلاقوا في ~~الغزوات، واجتمعوا في الموسم، قرأ كل قوم كما علموا، فأنكر بعضهم على ~~بعض، الزيادة والنقص، والرفع والنصب، وكذب بعضهم بعضا، وعظم الأمر ~~فيهم، وذلك في أيام عثمان. # فتكلم بعض أصحاب النبي عليه السلام إلى عثمان أن يكتب للناس مصحفا ~~يجمعهم عليه، وكان ممن كلمه في ذلك حذيفة [بن] اليمان، وقد كان أراد ~~أن يكلم عمر في مثل ذلك، حتى مات عمر رضي الله عنه، وكان حذيفة قدم من ~~غزوة شهدها بإرمينية، فرأى اختلاف الناس في القرآن، فلما قدم المدينة لم ~~يدخل (بيته) حتى أتى عثمان، فقال: يا أمير المؤمنين، أدرك الناس، فقال ~~عثمان: وما ذلك؟ فقال: غزوة إرمينية يحضرها أهل العراق، وأهل الشام، فإذا ~~أهل المدينة يقرأون بقراءة: أبي بن كعب، فيكفرهم أهل العراق، و (أهل ~~العراق) يقرأون ms1006 بقراءة ابن مسعود، فيأتون بما لم يسمع أهل الشام، فيكفرهم ~~أهل الشام. # فجعل عثمان زيدا يكتب مصحفا وأدخل معه رجلا فصيحا، وهو أبان بن سعيد ~~بن العاص، وقال لهما: إذا اجتمعتما فاكتبا، وإذا اختلفتما فارفعا إلي ما ~~تختلفان فيه. # قال أنس بن مالك: اجتمع لغزوة أذربيجان وإرمينية أهل الشام والعراق، ~~فتذاكرا القرآن فاختلفوا فيه، حتى كاد يكون بينهم فتنة، فركب حذيفة بن ~~اليمان في ذلك إلى عثمان، فقال: إن الناس قد اختلفوا في القرآن، حتى أني ~~والله خشيت أن يصيبهم ما أصاب اليهود والنصارى من الاختلاف. # ففزع لذلك عثمان رضي الله عنه، فزعا شديدا، وأرسل إلى حفصة فاستخرج ~~المصحف الذي كان أبو بكر، رضي الله عنه، أمر زيدا بجمعه، فنسخ منه مصاحف ~~فبعث بها إلى البلدان. # وكان عثمان قد انتسخ من المصحف الذي عند حفصة، بحضرة زيد بن ثابت وأبان ~~بن سعيد بن العاص. # وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعبد الله بن الزبير، وقال: ما اختلفتم ~~فيه فاكتبوه بلسان قريش. # قال الزهري: فاختلفوا يومئذ في { التابوت } ، فقال القرشيون: # { التابوت } ، وقال زيد: " التابوه ". # فرفع / اختلافهم إلى عثمان، فقال: اكتبوه بلغة قريش. # فلما كتب عثمان النسخة، جعلها أربع نسخ، فأنفذ مصحفا إلى: الشام، ~~ومصحفا إلى العراق، ومصحفا إلى اليمن، واحتبس مصحفا. # وقيل: بل وجه واحدا إلى الشام، وآخر إلى الحجاز، وآخر إلى الكوفة، وآخر ~~إلى البصرة. # وقيل: بل كتب سبعة مصاحف، فبعث مصحفا إلى مكة، ومصحفا إلى الكوفة، ~~ومصحفا إلى البصرة، ومصحفا إلى الشام، ومصحفا إلى اليمن، ومصحفا إلى ~~البحرين، واحتبس مصحفا. # فأما مصحف اليمن والبحرين فليس يعرف لهما خبر. # ولم يمت النبي صلى الله عليه وسلم، إلا والقرآن مؤلف في ~~الصدور، إلا أنه لم يكتب في مصحف. # وأول من جمعه أبو بكر رضي الله عنه في المصحف، ومات وتركه عند عمر، ومات ~~عمر وتركه [عند] حفصة ابنته. قال ذلك علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ~~وذكره السدي. # وروى الزهري عن عبيد بن السباق أن زيد بن ثابت حدثه، قال: ms1007 أرسل إلي ~~أبو بكر، فأتيته، فإذا عنده عمر رضي الله عنهم، فقال أبو بكر: إن عمر ~~أتاني، فقال: إن القتل استحر بقراء القرآن يوم اليمامة، وإني أخشى ~~أن يستحر القتل بالقراء في المواطن كلها، فيذهب قرآن كثير، وإني ~~أرى أن تأمر بجمع القرآن. قال أبو بكر: فقلت: فكيف أفعل شيئا لم يفعله ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: هو والله خير، قال أبو بكر: فلم ~~[يزل] عمر يراجعني في ذلك حتى شرح الله صدري له، ورأيت فيه الذي رأى عمر. ~~قال زيد: قال لي أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، قد كنت تكتب ~~الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتبع القرآن فاجمعه. قال ~~زيد: فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال لكان أثقل علي من ذلك. فقلت: ~~كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال أبو بكر: # هو والله خير. فلم يزل يراجعي في ذلك أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، حتى ~~شرح الله صدري للذي شرح إليه صدرهما، فتتبعت القرآن من الرقاع ~~والعسب، ومن صدور الرجال، فوجدت آخر سورة براءة مع خزيمة بن ثابت # لقد جآءكم رسول من أنفسكم # [التوبة: 128، 129]، إلى آخرها، وكانت الصحف عند أبي بكر حتى مات، ثم ~~كانت عند عمر حتى مات، ثم كانت عند حفصة، ثم نسخ عثمان من عند حفصة ~~المصاحف، ووجه إلى كل أفق مصحفا، وأمر بما سوى ذلك أن يحرق. # ومعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " أنزل القرآن على سبعة أحرف " # ، أي: على سبع لغات متفرقة في القرآن، (لا أن كل حرف من القرآن) يقرأ ~~على سبع لغات. # قال الشيخ أبو بكر، رضي الله عنه، وجه هذه الزيادة والنقص في ~~المصاحف، أنها كتبت على قراءة من كان وجه إلى كل بلد من الصحابة، ويدل ~~على ذلك أن القراء يسندون قراءتهم إلى إمام مصرهم من الصحابة، ~~وقد كانت هذه الحروف يقرأ بها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وتنقص، ولولا ذلك ms1008 ما أثبتت في بعض المصاحف وحذفت من بعض ولا يجوز / أن ~~يتوهم أنها وهم من الكاتب؛ لأن الله قد حفظه، ويدل على ذلك أن عليا ~~لما صارت إليه الخلافة لم يغير منها شيئا بل استحسن فعل عثمان، وقد ~~كانوا يكرهون النقط في المصاحف خوف الزيادة، فكيف يزيدون الحروف وتجوز ~~عليهم الزيادة. # وكره النخعي الفصل بين السور، والتعشير، بالحمرة. # وقال يحيى بن كثير: كان القرآن مجردا، فأول ما أحدث فيه ~~العجم: نقط التاء والثاء، فلم ينكره أحد، ثم أحدثوا نقطا على منتهى ~~الآي، ثم أحدثوا التعشير، ثم أحدثوا الفواتح والخواتم. # وقال قتادة: وددت أن الأيدي قطعت في هذه النقط. # فليس يجوز على هذا الاحتياط أن تقع هذه الحروف إلا بنص ومعرفة، ~~ولم تقع على وهم من الكاتب. # وقد ذكر أبو بكر عن بعض العلماء أنه قال: إن أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، لما جمعوا القرآن ونسخوه من عند حفصة في نسخ، عمدوا إلى كل ~~حرف سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قرأه على وجهين، فأثبتوا في ~~مصاحف وجها، وفي مصاحف وجها آخر. لتحصل الوجهان للمسلمين، ولا يسقط ~~عنهم وجه قراءته، فحصل هذا الاختلاف في المصاحف على هذا الوجه، وهو داخل ~~في السبعة، وهذا إن شاء الله هو الحق والصواب. # فأما اختلافهم في الحركات والمد والقصر والهمز وشبهه من إبدال ~~حرف مكان آخر بصورته، فإن السبب في ذلك أن المصاحف التي وجهت إلى الأمصار ~~لم تضبط ولا نقطت، وإنما كانت حروفا أشخاصا. فلما خلت الحروف من النقط ~~والضبط صارت التاء (التي) هي غير منقوطة محتملة لأن تكون: ياء أو باء ~~أو تاء، واشتركت الصور في الحروف. ألا ترى أنك لو كتبت " لم يقم " ، ولم ~~تنقط الحرف الأول جاز أن يكون تاء، وباء، ونونا، فقرأ أهل كل مصر على ما ~~كانوا تعلموا من إمامهم الصحابي قبل إتيان المصاحف إليهم، فقرأ أهل ~~البصرة على ما كان علمهم أبو موسى الأشعري، وأهل الكوفة على ما علمهم ~~علي، وابن مسعود، وأهل الحرمين على ms1009 ما تعلموا من أبي، وزيد، وأهل الشام ~~على ما تعلموا من معاذ بن جبل، وأبي الدرداء، ووافقوا بقراءتهم خط المصحف ~~الذي وجه إليهم، فقرأ هؤلاء بنصب وهؤلاء برفع، وهؤلاء بهمز، وهؤلاء ~~بياء، وهؤلاء بتاء والصور واحدة، كل قوم قرأوا على ما كانوا تعلموا ~~قبل وصول المصحف إليهم، فوافقوا بقراءتهم المصحف الذي وجه إليهم من زيادة ~~أو نقص. فهذا سبب الاختلاف. # وقد كان جمع القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ستة نفر من ~~الأنصار: معاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وأبو الدرداء، وزيد بن ثابت، وأبو ~~زيد، وسعد، بن عبيد. وجمعه مجمع بن جارية، إلا سورتين، ولم يجمعه من ~~الأئمة إلا عثمان. # وذكر أنس والشعبي أنه لم يجمعه على عهد النبي عليه السلام، أحد. ~~والدليل على ذلك أن عثمان لم يتكل فيه على أحد حتى جمع إليه جماعة، وأن ~~زيد بن ثابت قال: جمعته من صدور الرجال، ومن كذا وكذا، فهذا يدل على أنه ~~لم يكن يحفظه. # وإنما اختار عثمان زيد/ا، لأنه كان يكتب الوحي؛ ولأن قراءته كانت على ~~العرضة الآخرة؛ ولأنه وهو الذي اختار أبو بكر لجمعه. ### || [9.101-102] # قوله: { وممن حولكم من الأعراب منفقون } ، إلى ~~قوله: { إن الله غفور رحيم }. # ومعنى الآية: ومن القوم الذين حولكم، أي: حول المدينة { منفقون } ~~، أي: قوم منافقون. # { مردوا على النفاق }. # أي: دربوا عليه وخبثوا. # وقيل معناه: عتوا، على النفاق. من قولهم: " شيطان مارد " أي: ~~عات. # { ومن أهل المدينة }. # أي: من أهلها مثلهم. # وقيل: المعنى: ومن أهل المدينة قوم { مردوا }. فلا يكن في الكلام ~~على هذا تقديم ولا تأخير. وعلى القول الأول يكون فيه تقديم وتأخير. # قال ابن زيد { مردوا }: أقاموا عليه، ولم يتوبوا. # وقال ابن إسحاق { مردوا } ، عليه، أي: لجوا فيه وأبوا غيره. # { لا تعلمهم }. # أي: لا تعلمهم يا محمد، بصفتهم. # { نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين }. # قيل: هما فضيحتهم في الدنيا وإظهار سرائرهم، ثم عذاب القبر، ثم يردون ~~إلى عذاب الآخرة. قاله ابن عباس. وذكر: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أخرج قوما ms1010 من المسجد يوم الجمعة، فقال: اخرج يا فلان، فإنك منافق، لناس ~~منهم، فهذا عذابهم الأول، والثاني: عذاب القبر. # وقال مجاهد هما: عذاب السيف بالقتل وعذاب الجوع. # والآخر: عذاب القبر، ثم عذاب الآخرة. # وقال ابن زيد: العذاب الأول، عذابهم بالمصائب في أموالهم وأولادهم، ~~والآخر: عذاب النار. # وقيل الأول: أخذ الزكاة من أموالهم، وإجراء الحدود عليهم، وهم غير ~~راضين، والآخرة: عذاب القبر. # ثم قال تعالى: { وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا ~~عملا صالحا }. # والمعنى: ومنهم آخرون، أي: من أهل المدينة منافقون آخرون، { ~~اعترفوا بذنوبهم } ، أي: أقروا بها: { خلطوا عملا ~~صالحا } ، هو إقرارهم وتوبتهم، { وآخر سيئا } ، هو تخلفهم عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك. # والواو [في] قوله: { وآخر } ، بمعنى: " مع " عند البصريين، كما تقول: ~~" استوى الماء والخشبة ". # وقال قوم: هي بمعنى: " الباء " ، وقدروا " الواو " في " والخشبة " ~~بمعنى: بالخشبة. # وأنكر الكوفيون أن يكون هذا بمنزلة " استوى الماء والخشبة "؛ لأن هذا لا ~~يجوز فيه تقديم الخشبة على الماء، وإنما هو عندهم بمنزلة " خلطت الماء ~~واللبن " ، أي: باللبن، فكل واحد منهما يجوز أن يتقدم، مثل الآية. # قال ابن عباس: # " نزلت هذه الآية في عشرة أنفس تخلفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم، في ~~غزوة تبوك، فلما رجع النبي عليه السلام أوثق سبعة منهم أنفسهم بسواري ~~المسجد، وكان ممر النبي عليه السلام إذا رجع في المسجد عليهم. فلما رآهم ~~قال: من هؤلاء؟ # قالوا: أبو لبابة وأصحاب له تخلفوا عنك، يا رسول الله، حتى تطلقهم ~~وتعذرهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فأنا أقسم بالله لا ~~أطلقهم ولا أعذرهم، حتى يكون الله هو الذي يطلقهم، رغبوا عني، وتخلفوا عن ~~الغزو مع المسلمين ". فلما بلغهم ذلك قالوا: / ونحن والله لا نطلق أنفسنا ~~حتى يكون الله الذي يطلقنا. فأنزل الله عز وجل: { وآخرون ~~اعترفوا بذنوبهم } الآية. # فأطلقهم النبي عليه السلام، و { عسى } من الله واجبة ". # وقيل: كانوا ستة، والذين أوثقوا أنفسهم ثلاثة: أبو لبابة ورجلان معه. # وقال زيد بن أسلم: الذين ربطوا أنفسهم ثمانية. # وقال قتادة: كانوا سبعة، ms1011 وفيهم نزل: { خذ من أموالهم صدقة ~~تطهرهم وتزكيهم بها }. # وقال مجاهد: هو أبو لبابة وحده، اعترف بذنبه الذي كان في بني قريظة، إذ ~~أشار لهم إلى حلقه، يريد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذابحكم إن ~~نزلتم على حكم الله، سبحانه. # وقال الزهري: # " نزلت في أبي لبابة إذ تخلف عن غزوة تبوك، يربط نفسه، حتى أنزل الله، ~~عز وجل، توبته، ومكث سبعة أيام لا يذوق طعاما ولا شرابا حتى خر ~~مغشيا عليه، فقيل له: قد تيب عليك يا أبا لبابة، فقال: والله لا أحل ~~نفسي حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو الذي يحلني، فجاء رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فحله بيده، ثم قال أبو لبابة: يا رسول الله، ~~إن من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع من مالي ~~كله صدقة إلى الله ورسوله، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: " يجزيك يا ~~أبا لبابة الثلث " ". # والعمل الصالح الذي عملوه، قيل: هو توبتهم. # وقيل: حضورهم بدرا مع النبي صلى الله عليه وسلم. # { منفقون } ، وقف، إن جعلت { مردوا } ، نعتا لأهل المدينة، ~~فإن جعلته نعتا للمنافقين لم تقف دونه؛ لأنه ينوي به التقديم. # وقيل: كانوا ثلاثة، أبو لبابة، ووداعة بن ثعلبة، وأوس بن خدام من ~~الأنصار. لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أوثقوا أنفسهم في سواري ~~المسجد، وكانو رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا ابتدأ سفرا أو رجع منه ~~ابتدأ بالمسجد، فصلى في ركعتين، فدخل فرأى فيه قوما موثقين، فسأل عنهم، ~~فأخبر بخبرهم، وأنهم أقسموا ألا يحلوا أنفسهم حتى يحلهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وأنا أقسم لا أطلق ~~عنهم حتى أومر، ولا أعذرهم حتى يعذرهم الله، فلما نزل فيهم القرآن حلهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم. ### || [9.103-104] # قوله: { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم ~~بها } ، إلى قوله: { التواب الرحيم }. # قوله: { تطهرهم وتزكيهم } ، هو خطاب للنبي عليه السلام. # أي: فإنك تطهرهم بها ms1012 وتزكيهم، وهذا قول الزجاج. # وقيل: هما للصدقة، لا للمخاطبة، وهما في موضع النعت للصدقة، وهو قول ~~الأخفش، قال: ويكون { بها } توكيدا. # ف: " التاء " على القول الأول للمخاطبة، وفي { تطهرهم ~~وتزكيهم } ضمير النبي صلى الله عليه وسلم. وهي على القول الثاني: ~~الثانية للصدقة لا للمخاطبة، وفي { تطهرهم وتزكيهم } ضمير ~~الصدقة. # وقيل: هما للنبي عليه السلام، وهما في موضع الحال منه. # وقيل: { تطهرهم } للصدقة، صفة [لها]، { وتزكيهم } للنبي ~~عليه السلام، حال منه. # وأجاز بعض النحويين، في { تطهرهم } الجزم؛ لأنه جواب الأمر. # وحجة من قرأ: { صلوتك } بالجمع هنا، وفي " هود " ، وفي " المؤمنين " ~~إجماعهم على الجمع في: # وصلوات الرسول # [التوبة: 99] ولا فرق بينها والتي في سورة المؤمنين، يراد بها الصلوات ~~الخمس، فالجمع أولى به؛ ولأنها مكتوبة في المصحف بالواو، فدل ذلك على ~~الجمع، وعلى أن الألف التي بعد الواو اختصرت / من الكتاب. # وقد كتبوا ما عدا هذه الثلاثة بالألف، فدلت الواو في هذه الثلاثة على ~~أنه جمع، وحذفت الألف بعد الواو كما حذفت من درجات وبينات. # ومن قرأ بالتوحيد، احتج بالإجماع في: # قل إن صلاتي ونسكي # [الأنعام: 162]، بالتوحيد، وإجماعهم على التوحيد في " الأنعام " ، و # سأل سآئل # [المعارج: 1]. # وأيضا فإن قوله: إن صلاتك أعم من: إن صلواتك؛ لأن الجمع إنما هو ~~لما دون العشرة، فكأنه: " إن دعواتك " ، والتوحيد بمعنى: " إن دعاءك " ~~، والدعاء أعم من " الدعوات " وأكثر؛ لأن المصدر أعم من الجمع الذي لما ~~دون العشرة. # ومعنى الآية: خذ يا محمد من أموال هؤلاء الذين اعترفوا بذنوبهم [ { ~~صدقة تطهرهم } من دنس ذنوبهم، { وتزكيهم } ، أي: ~~تنميهم]، وترفعهم بها، { وصل عليهم } ، أي: ادع لها بالمغفرة، { ~~إن صلوتك سكن لهم } ، أي: إن دعاءك طمأنينة لهم، بأن الله ~~قد عفا عنهم، { والله سميع } ، أي: سميع لدعائك إذا دعوت، ولغير ~~ذلك. # قال ابن عباس: أتى أبو لبابة وأصحابه حين أطلقوا، وتيب عليهم، بأموالهم ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا يا رسول الله هذه أموالنا فتصدق ~~بها عنا، واستغفر لنا، فقال: ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا، فأنزل ~~الله، عز ms1013 وجل: { خذ من أموالهم صدقة } ، الآية. # وقد قيل: { وصل عليهم }: منسوخ بقوله: # ولا تصل على أحد منهم مات أبدا # [التوبة: 84]. # وقيل: إنها محكمة. # والمعنى: وادع لهم إذا جاءوك بالصدقات، وعلى هذا أكثر العلماء. # وقال قتادة: { سكن لهم } ، وقار لهم. # وقال زيد بن أسلم: قالوا: يا رسول الله، خذ من أموالنا صدقة تطهرنا بها، ~~فأبى النبي صلى الله عليه وسلم، أن يأخذ. # فأنزل الله عز وجل: { خذ من أموالهم صدقة } ، الآية. # قال سعيد بن جبير: كان الثلاثة إذا (اشتكى أحدهم). # اشتكى الآخران مثله، وكان قد عمي، فلم يزل الآخر يدعو حتى عمي. # وقال ابن عباس: { سكن لهم }: رحمه لهم. # وقيل: إن هذا إنما هو في الزكاة، أمر أن يأخذ زكاة أموالهم التي ~~عليهم. # ثم قال تعالى: { ألم يعلموا أن الله هو يقبل ~~التوبة عن عباده }. # أخبر الله عز وجل، في هذه الآية بقبول توبة من تاب من المناقين وغيرهم، ~~وأخذ الصدقات من أموالهم. # فالمعنى: ألم يعلم هؤلاء الذين تخلفوا عن الجهاد، ثم ندموا وربطوا ~~أنفسهم بالسواري وقالوا: لا نطلق أنفسنا حتى يكون النبي صلى الله عليه ~~وسلم، هو الذي يطلقنا، أن ذلك (ليس) إلى النبي صلى الله عليه [وسلم]، ولا ~~إلى غيره، وإنما هو إلى الله سبحانه، هو يقبل توبتهم، وتوبة غيرهم، ويأخذ ~~صدقة من تصدق، بصدقة، ويعلموا أن الله هو التواب الرحيم. # قال ابن زيد: قال المنافقون لما تاب الله على هؤلاء: كانوا بالأمس، لا ~~يكلمون ولا يجالسون، فما لهم اليوم يكلمون ويجالسون؟ فأنزل ~~الله عز وجل، ألم يعلم هؤلاء الذين لم يتوبوا وتكلموا في هؤلاء الذين ~~تبت عليهم { أن الله هو يقبل التوبة } ، الآية. # قال ابن عباس: { وأن الله هو التواب الرحيم } ، يعني ~~إن استقاموا على / التوبة. # روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: # " إن الله يقبل، الصدقة ويأخذها بيمينه، فيربيها لأحدكم كما ~~يربى أحدكم مهرة، حتى إن اللقمة لتصير مثل أحد. وتصديق ذلك في ~~كتاب الله: { هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ ~~الصدقات } و ms1014 { يمحق الله الربوا ويربي الصدقت ~~} ". # وقال ابن مسعود: ما تصدق رجل بصدقة إلا وقعت في يد الله قبل أن تقع بيد ~~السائل وهو يضعها في يد السائل، ثم تلا: { ألم يعلموا أن ~~الله هو يقبل التوبة }. ### || [9.105-106] # وقوله: { وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله ~~والمؤمنون } ، إلى قوله: { والله عليم حكيم }. # والمعنى: { وقل } ، يا محمد، لهؤلاء الذين اعترفوا بذنوبهم: { ~~اعملوا } ، أي: اعملو بما يرضي الله، { فسيرى الله عملكم ~~} ، وسيراه رسوله والمؤمنون، في الدنيا، { وستردون إلى عالم ~~الغيب والشهادة } ، أي: تردون يوم القيامة، إلى الله الذي يعلم ~~السر والعلانية، { فينبئكم بما كنتم تعملون } ، أي ~~يخبركم بعملكم، ويجازيكم عليه جزاء المحسنين أو جزاء المسيء. # وقال مجاهد: الآية وعيد من الله. # و { فسيرى الله } ، من رؤية العين. # ثم قال تعالى: { وآخرون مرجون لأمر الله }. # هذا معطوف على ما قبله. والمعنى: { وممن حولكم من ~~الأعراب منفقون ومن أهل المدينة } قوم { مردوا ~~على النفاق } ، ومنهم { وآخرون اعترفوا بذنوبهم } ، ~~ومنهم { وآخرون مرجون لأمر الله }. فالتقدير: من هؤلاء ~~المتخلفين عنكم، { وآخرون مرجون لأمر الله } ، وقضائه ~~فيهم. # { إما يعذبهم وإما يتوب عليهم }. # وهم قوم تخلفوا ولم يعتذروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وندموا على ~~ما صنعوا، فتاب الله عليهم، إذ علم صحة توبتهم وندمهم، فقال: # لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار # [التوبة: 117]، إلى قوله: # هو التواب الرحيم # [التوبة: 118]. # قال ابن عباس: لما نزل: { خذ من أموالهم صدقة } ، يعني: ~~أبا لبابة وصاحبيه، يعني: الثلاثة الذين لم يربطوا أنفسهم، ولم يظهروا ~~التوبة، فلم يذكروا بشيء، فضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فأنزل الله، عز ~~وجل: { وآخرون مرجون لأمر الله } ، الآية، فيهم فجعل ~~الناس يقولون: هلكوا، إذ لم ينزل فيهم عذر. وجعل آخرون يقولون: عسى ~~الله أن يتوب عليهم، فصاروا مرجئين، لا يقطع لهم بشيء، حتى نزل: { لقد ~~تاب الله على النبي والمهاجرين } ، إلى قوله: { إنه ~~بهم رءوف رحيم } ، ثم قال تعالى: { وعلى الثلاثة ~~الذين خلفوا } يعني: الثلاثة الذين أرجوا، إلى قوله: { هو ~~التواب الرحيم }. # وقال عكرمة: { وآخرون مرجون }: هم الثلاثة ms1015 الذين خلفوا. # والثلاثة في قول مجاهد: هلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، وكعب بن ~~مالك، الثلاثة من الأوس. # وقال الضحاك: { وآخرون مرجون } ، هم الثلاثة الذين خلفوا ~~عن التوبة، يعني: توبة أبي لبابة وصاحبيه، فضاقت عليهم الأرض، وكان ~~أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فيهم فئتين، فئة تقول: هلكوا، وفئة تقول: ~~عسى الله أن يعفو عنهم، فأنزل الله / عز وجل: { وعلى الثلاثة ~~الذين خلفوا } ، وأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمرهم حتى ~~نزلت توبتهم. # وقوله: { إما يعذبهم }. # ومعناه: إما يحجزهم عن التوبة، فيعذبهم، وإما يوفقهم فيتوب عليهم. # { حكيم } ، وقف، على قراءة من قرأ: { الذين } ، بغير واو. وغير ~~وقف على قراءة من قرأ: { الذين اتخذوا } بالواو. ### || [9.107] # قوله: { والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا } ، ~~الآية. # من قرأ: { الذين } بالواو، فهو في موضع رفع، والخبر محذوف، والمعنى: ~~ومنهم الذين، مردود على: # وممن حولكم # [التوبة: 101]. # وقيل: هو مردود على { ومنهم الذين يؤذون النبي } ، ~~(والذين اتخذوا مسجدا). # ومن قرأ { الذين اتخذوا } بغير واو، فهو في موضع بالابتداء، ~~وفي الخبر تقديران: # قال الكسائي الخبر: { لا تقم فيه } ، أي: لا تقم في مسجدهم. # وقيل الخبر: { لا يزال بنيانهم } ، وهذا أحسن. # { ضرارا } مصدر، وإن شئت مفعولا من أجله. # ومعنى الآية: إن اثني عشر رجلا من المنافقين كلهم ينتمون إلى الأنصار، ~~ويعتدون إلى بني عوف، يظهرون الإسلام، ويبطنون الكفر، بنوا مسجدا ضرارا ~~بمسجد " قباء " ، وأتوا النبي صلى الله عليه وسلم، قبل خروجه إلى تبوك، ~~فقالوا: يا رسول الله قد بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة ~~المطيرة، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: إني على جناح سفر وشغل، ولو قد قدمنا، إن شاء الله، ~~أتيناكم فصلينا لكم فيه. فلما نزل النبي صلى الله عليه وسلم، راجعا [من ~~سفره]، بقرب المدينة، بلغه الخبر، فأرسل قوما لهدمه، فهدم وأحرق. # ومعنى { ضرارا } أي: ضرارا لمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وكفرا بالله، لمخادعتهم النبي عليه السلام. # { وتفريقا بين المؤمنين }. # يريدون أن يتفرق جماعة المسلمين في ms1016 صلواتهم. # { وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من [قبل] }. # أي: إعدادا له، وهو أبو عامر الذي كان حزب الأحزاب لقتال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فلما خذله الله عز وجل، لحق بالروم، يطلب النصر من ~~ملكهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكتب إلى أهل مسجد الضرار، ~~وأمرهم ببناء المسجد الذي بنوه ليصلي لهم فيه، إذا رجع. # { وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى }. # أي: يحلف من بناه ما أردنا بذلك إلا الخير، والرفق بالمسلمين في المطر، ~~والتوسعة على الضعفاء، { والله يشهد إنهم لكاذبون } ، ~~في قولهم ذلك، بل بنوه لتفريق المؤمنين. # قال ابن عباس: وجه أبو عامر إلى ناس من الأنصار أن يبنوا مسجدا، ~~ويستعدوا ما يستطيعون من قوة ومن سلاح، وقال لهم: إني ذاهب إلى قيصر ملك ~~الروم، فآتى بجند من الروم، فأخرج محمدا وأصحابه. # وكان أبو عامر من الروم أصله، وكان يقول: إنه راهب، فبنوا المسجد له، ~~ليأتي ويصلي فيه، وليكون اجتماعهم للطعن على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وأصحابه فيه. فلما فرغوا من مسجدهم، أتوا النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فقالوا: قد فرغنا من بناء مسجدنا، فنحب أن تصلي فيه، وتدعو لنا ~~بالبركة. # فأنزل الله / عز وجل: { لا تقم فيه أبدا لمسجد / أسس ~~على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه }. # قال قتادة: لما دعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي في مسجدهم دعا ~~بقميصه ليأتي إليهم، فأطلعه الله على أمرهم. # قال الضحاك: بنوا مسجد الضرار بقباء، وكذلك قال قتادة. # قال ابن عباس: لما بنى النبي عليه [السلام] مسجد قباء، بنى [قوم] من ~~الأنصار مسجدا للضرار، ليضاهوا به النبي عليه السلام والمؤمنين في ~~مسجدهم. # قوله: { من قبل } ، وقف في قراءة من قرأ: { الذين } بغير واو إن ~~قدرت أن الخبر: ومنهم الذين. # وإن قدرت أن يكون { لا يزال } الخبر، أو { لا تقم فيه أبدا ~~} ، لم يجز الوقف على: { من قبل }. # و { لا تقم فيه أبدا } وقف، وكذلك يقدر جميع هذه الآية. ### || [9.108] # قوله: { لا تقم فيه ms1017 أبدا لمسجد أسس على ~~التقوى من أول يوم أحق } ، الآية. # والمعنى: لا تقم، يا محمد، في المسجد الذي بناه المنافقون، ضرارا ~~وتفريقا بين المؤمنين، أبدا. # ثم أقسم، فقال: { لمسجد أسس على التقوى } ، أي: ابتدئ ~~أساسه وبناؤه على طاعة الله عز وجل، ورضوانه { من أول يوم } ، ~~ابتدئ بنيانه، { أحق أن تقوم فيه } ، أي: أولى أن تقوم فيه، ~~مصليا لله، عز وجل. # و { من } هاهنا، بمعنى: منذ. # وقيل: [المعنى]، من تأسيس أول يوم. # ومعنى { أول يوم }: أول الأيام: كما تقول: أتيت على كل رجل، أي: ~~على كل الرجال. # قال ابن عمر، وعمر، وزيد بن ثابت، وأبو سعيد الخدري وابن المسيب، وخارجة ~~بن ثابت، وابن جريج: هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي فيه ~~اليوم قبره. # وقال ابن عباس، وابن زيد، وعروة بن الزبير، وأبو زيد: هو مسجد قباء. ~~وقاله ابن جبير، وقتادة. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: # " هو مسجدي هذا ". # وقوله: { فيه رجال }. # " الهاء " لمسجد النبي صلى الله عليه وسلم وقال الشعبي: هي لمسجد قباء. ~~وكذلك قال شهر بن حوشب. # فعلى هذا يجوز أن يكون الضميران مختلفين، وأن يكونا متفقين. # وقوله: { فيه رجال يحبون أن يتطهروا }. # مدحوا، لأنهم كانوا يستنجون بالماء من الغائط والبول، لا خلاف في هذا ~~التفسير بين أهل التفسير. # قال قتادة: # " لما نزلت هذه الآية، قال النبي صلى الله عليه وسلم، لأهل قباء: إن ~~الله قد أحسن عليكم الثناء في الطهور، فما تصنعون؟ قالوا: إنا نغسل عنا ~~أثر الغائط والبول ". # قوله: { أحق أن تقوم فيه } وقف، إن جعلت الضمير مخالفا ~~للضمير الأول: فإن جعلته مثله وقفت على: { يتطهروا }. ### || [9.109] # قوله: { أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ~~ورضوان خير } ، الآية. # قرأ نصر بن علي: " أسس بنينه " ، بتخفيف السين ورفعه، وخفض ~~البنيان. # وحكى أبو حاتم عن بعض القراء: " أفمن أساس بنينه " ، برفع أساس، ~~وخفض البنيان. # و " أسس " و " أس " سواء ك: عرب وعرب. و " أساس " واحد، ~~وجمعه: أسس. # وحكى أبو حاتم، أيضا، قراءة أخرى: ms1018 " أفمن أسس بنيانه " برفع " آساس " ~~ومده، وخفض البنيان، وهو جمع " أس " ك: " خف " و " أخفاف " ~~والكثير " إساس " ك " خفاف ". # و { جرف } ، و { جرف } لغتان، وهو شفير ما ينفى من جرف الوادي ~~إذا أخذه السيل. # قال أبو حاتم: أصل { هار }: هاور، ثم قلب، ك: شاكي السلاح وشائك ~~السلاح. # وحكى الكسائي: " تهور " و " تهير ". والهائر المتقدم. وحكى: ~~هار يهور ويهير ويهار. # ومعنى الآية: أنها مثل. والمعنى: / أي هذين الفريقين خير؟ وأي هذين ~~البناءين خير وأثبت؟ من ابتدأ أساس بنيانه على طاعة الله، أم من ابتدأه ~~على ضلال وخطأ من دينه؟ # قوله: { فانهار [به] }. # يحسن أن تكون الألف من " واو " أو " ياء " على ما تقدم. # قال ابن عباس: [ { به فانهار } ]، يعني قواعده { في نار ~~جهنم }. # وذكر أنه حفرت بقعة منها، فرئي الدخان. # قال ابن جريج: (فلما فرغوا من بناء المسجد، صلوا فيه ثلاثة أيام، وأنهار ~~اليوم الرابع { في نار جهنم }. قال ابن جريج: ذكر لنا أن رجلا ~~حفر فيه، فأبصر الدخان يخرج منه. # وقال جابر: رأيت الدخان يخرج منه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ### || [9.110] # قوله: { لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في ~~قلوبهم }. # والمعنى: ولا يزال مسجدهم الذي بنوه، شكا في قلوبهم ونفاقا، { إلا ~~أن تقطع قلوبهم } ، أي: إلا أن تصدع قلوبهم فيموتوا. # قال ابن عباس ومجاهد: { إلا أن تقطع قلوبهم } ، إلا أن ~~يموتوا. # وقال السدي { ريبة }: كفرا. # وفي حرف عبد الله: (ولو قطعت قلوبهم). # وقيل المعنى: إلا أن يتوبوا عما فعلوا، فيكونون بمنزلة من قطع قلبه. ### || [9.111-112] # قوله: { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم } ، إلى قوله: { وبشر المؤمنين }. # قوله: { أنفسهم }: استغنى بأقل الجمع عن الكثير، والمراد الكثير، ~~ولفظه لفظ القليل، وقد قال تعالى: # وإذا النفوس زوجت # [التكوير: 7] فهذا لفظه ومعناه سواء لأكثر العدد. # ومن قرأ: { فيقتلون ويقتلون } ، فبدأ بالمفعول. # قيل: الفاعل بمعناه فيقتل بعضهم، ويقتل بعضهم الباقي المشركين. والعرب ~~تقول: نحن قتلناكم يوم كذا، أي: قتلنا منكم. # قوله: { وعدا } ، مصدر مؤكد، و { حقا } نعت له. # والمعنى: وعدهم ms1019 الله الجنة وعدا حقا عليه. # قال ابن عباس: { إن الله اشترى من المؤمنين ~~أنفسهم [وأموالهم] بأن لهم الجنة } ، قال: ~~ثامنهم والله، وأعلى لهم. # " وروي أن عبد الله بن رواحة قال للنبي صلى الله عليه وسلم: اشترط لربك ~~ولنفسك ما شئت. فقال النبي عليه السلام: اشترط لربي: أن تعبدوه ولا ~~تشركوا به شيئا، وأشترط لنفسي: أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم ~~وأموالكم. فقالوا: فإذا فعلنا ذلك فماذا لنا؟ قال: الجنة. قالوا: ربح ~~البيع، لا نقيل ولا نستقيل ". # فنزلت: { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم } ، ~~الآية. # ثم مدحهم الله، عز وجل، فقال: { التائبون العابدون } ، أي: هم ~~التائبون. # وقال الزجاج: هو بدل. والمعنى: يقاتل التائبون. # وقال: والأحسن أن يرتفعوا بالابتداء، والخبر محذوف، أي: لهم الجنة. # وفي قراءة عبد الله: { التائبون العابدون } ، على النعت ~~للمؤمنين، في موضع خفض، أو في موضع نصب على المدح. # وقيل: { التائبون } مبتدأ، وما بعدها إلى " الساجدين " عطف عليه، و ~~{ الآمرون } خبر الابتداء، أي: مرهم بهذه الصفة، فهم { الآمرون ~~بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود ~~الله }. # ومعنى { التائبون }: الراجعون مما يكرهه الله عز وجل، إلى ما يحبه. # وقال الحسن: { التائبون } ، أي: عن الشرك، { العابدون } ، ~~الله وحده في أحايينهم كلها، أي: في أعمارهم. # ومعنى { الحامدون } ، الذين يحمدون الله على ما ابتلاهم به من خير ~~وشر. # وقيل المعنى: الذين حمدوا الله على الإسلام. # ومعنى { السائحون }: الصائمون روي ذلك عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم. # وكذلك قال ابن عباس، ومجاهد، والحسن، والضحاك. # وأصل السياحة: الذهاب في الأرض. # { الراكعون الساجدون } ، يعني: في الصلاة المفروضة. # { الآمرون بالمعروف } ، أي: بالإيمان بالله، عز وجل، وبرسوله ~~عليه السلام. # / { والناهون عن المنكر } ، عن الشرك { والحافظون ~~لحدود الله } ، أي: العاملون بأمر الله عز وجل، ونهيه، سبحانه. # { وبشر المؤمنين }. # أي: بشر من آمن، وفعل هذه الصفات من التوبة والعبادة وغيرهما، وإن لم ~~يغزوا. # وقال الحسن في هذه الآية: { العابدون }: الذين عبدوا الله عز وجل، ~~في أحايينهم كلها، أما والله ما هو بشهر ولا شهرين ولا سنة ولا سنتين، ~~ولكن كما قال ms1020 العبد الصالح: # وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا # [مريم: 31]. # قال: و { السائحون } الصائمون. وقال: { الآمرون بالمعروف ~~} ، أما والله، ما أمروا بالمعروف، حتى أمروا به أنفسهم، ولا نهوا عن ~~المنكر، حتى نهوا عنه أنفسهم، { والحافظون لحدود الله } ، ~~قال: هم القائمون على فرائض الله. ### || [9.113-114] # قوله: { ما كان للنبي والذين آمنوا أن ~~يستغفروا للمشركين } ، إلى قوله: { حليم }. # والمعنى: ما ينبغي للنبي صلى الله عليه وسلم، والمؤمنين: { أن ~~يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى } ~~منهم، { من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم ~~} ، أي: من بعد ما ماتوا على شركهم بالله سبحانه، وقد قضى القرآن (أن) ~~من مات على الشرك، أنه من أهل النار. # وهذه الآية نزلت في شأن أبي طالب، أراد النبي عليه السلام، أن يستغفر له ~~بعد موته، فنهاه الله، عز وجل، عن ذلك. # وروى الزهري عن ابن المسيب عن أبيه، أنه قال: # " لما حضرت أبا طالب الوفاة، دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وعنده ~~أبو جهل، وعبد الله بن أمية: يا عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج ~~لك بها عند الله. فقال أبو جهل وعبد الله: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد ~~المطلب؟ فلم يزالا يكلمانه، حتى قال آخر شيء تكلم به: أنا على ملة عبد ~~المطلب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لأستغفرن لك ما لم أنه عنك. ~~فنزلت: { ما كان للنبي والذين آمنوا أن ~~يستغفروا للمشركين } ، الآية، ونزلت { إنك لا تهدي ~~من أحببت } ، الآية ". # الزهري عن ابن المسيب قال: لما أحتضر أبو طالب أتاه النبي عليه ~~السلام، وعنده عبد الله بن أبي أمية، وأبو جهل بن هشام، فقال له رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، أي عم إنك أعظم الناس علي حقا، وأحسنهم يدا، ~~لأنت أعظم من والدي، فقل كلمة تجب لي يوم القيامة بها الشفاعة لك، قل: لا ~~إله إلا الله، فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فسكت، فأعادها عليه ~~رسول الله، فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ ومات. # فقال النبي ms1021 صلى الله عليه وسلم: والله لأستغفرن له ما لم أنه عن ذلك، ~~فأنزل الله: { ما كان للنبي والذين آمنوا أن ~~يستغفروا للمشركين } ، الآية. # وقال مجاهد قال المؤمنون: ألا نستغفر لآبائنا، وقد استغفر إبراهيم لأبيه ~~كافرا؟ فأنزل الله عز وجل: { وما كان استغفار إبراهيم ~~لأبيه } ، الآية. # وقال عمرو بن دينار: قال النبي عليه السلام، استغفر إبراهيم لأبيه وهو ~~مشرك، فلا أزال أستغفر لأبي طالب حتى ينهاني الله عنه. # فقال أصحابه: فلنستغفرن لآبائنا كما استغفر النبي عليه السلام، لعمه، ~~فأنزل الله، عز وجل: { ما كان للنبي والذين آمنوا } ، ~~إلى: { حليم }. # وقيل: نزلت في أم رسول الله عليه السلام أراد أن يستغفر لها، فمنع من ~~ذلك. # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم، لما قدم مكة، وقف على قبر أمه حتى ~~سخنت عليه الشمس، رجاء أن يؤذن له فيستغفر لها /، حتى نزلت: { ما ~~كان للنبي } ، الآية قال ذلك ابن عباس، وغيره. # ولم يختلف أهل العلم في الدعاء للأبوين ما داما حيين، على أي دين كانا، ~~يدعى لهما بالتوفيق والهداية، فإذا ماتا على كفرهما لم يستغفر لهما. # روي أن الآية نزلت في أبوي النبي عليه السلام، وذلك أنه صلى الله عليه ~~وسلم، سأل جبريل، عليه السلام، عن قبر أبويه، فأرشده إليهما، فذهب ~~إليهما، فكان يدعو لهما، وعلي رضي الله عنه، يؤمن، فنهي عن ذلك، ~~وأعلم أن إبراهيم، صلوات الله عليه، إنما أستغفر لأبيه؛ لأن أباه وعده ~~أن يسلم، ويترك عبادة الأصنام، فكان إبراهيم يستغفر له طمعا أن ~~يؤمن، فلما مات على كفره، تبرأ منه. # و " الموعدة " التي وعد إبراهيم أبوه هو أنه وعده أن يؤمن. # وقيل: بل هي كانت من إبراهيم لأبيه وعده أن يستغفر له، حكى الله عنه أنه ~~قال: # سأستغفر لك ربي # [مريم: 47]، فلزمه إتمام وعده. # وقوله: { فلما تبين له أنه عدو لله }. # فنهى الله، عز وجل، عن الاستغفار له تبرؤا منه. # وقيل: لما مات على كفره تبرأ منه. # [فدل قوله: { تبرأ منه } ] على هذا المعنى، أنه (إنما) استغفر ~~له وهو حي ms1022 لوعد وعده، أنه يؤمن، فلما رآه لا يؤمن، وأنه متماد على الكفر ~~تبرأ منه. # وقيل: لما مات على كفره، (ولم يؤمن)، تبرأ منه، وترك الاستغفار له، قال ~~ذلك ابن عباس، وغيره. # وقال ابن جبير: إنما تبرأ منه في الآخرة، وذلك أن إبراهيم عليه السلام ~~يسأل في والده يوم القيامة ثلاث مرات، فإذا كانت الثالثة، أخذ بيده، ~~فيلتفت إليه، فيتبرأ منه. # و " الأواه " الدعاء. # وقيل: الرحيم. قال ذلك قتادة، والحسن، وروي ذلك عن ابن مسعود. # وعن ابن عباس: أنه: الموفق، بلسان الحبشة، (وكذلك قال مجاهد وعطاء. # وعن ابن عباس أيضا: " الأواه " بلسان الحبشة)، المؤمن التواب. # وقال كعب: " الأواه " الذي إذا ذكر النار تأوه. # وعن ابن جبير: أنه المسبح، الكثير الذكر لله عز وجل. # وروي ذلك عن النبي عليه السلام. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال لرجل: # " يرحمك الله إن كنت لأواها " # يعني تلاء للقرآن. # وقال كعب " الأواه " الكثير التأوه. # وعن مجاهد أيضا: أنه الفقيه.. # وروى شداد بن الهادي، # " قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم،: ما الأواه فقال: المتضرع ". # وفي حديث آخر: # " الخاشع المتضرع ". # ومعنى { حليم } ، أي: حليم عمن ظلمه. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم، أيضا " الأواه " ، الدعاء. # وقاله ابن مسعود. # وأصل " التأوه ": الترجع والتوجع بحزنه. ### || [9.115-116] # قوله: { وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم } ~~، إلى قوله: { من ولي ولا نصير }. # المعنى: ما كان الله ليضلكم بالاستغفار للمشركين، بعد إذ هداكم للإيمان، ~~حتى يتقدم إليكم بالنهي عن ذلك، ويبينه لكم فتتقوه { إن الله ~~بكل شيء عليم } أي: ذو علم بجميع الأشياء. # { إن الله له ملك السموت والأرض }. # أي: له سلطان ذلك، لا راد لأمره، يحيي من يشاء، ويميت من يشاء، كل ~~عبيده، وفي قبضته، فلا تجزعوا من قتال أعدائكم. # وهذا حض من الله على ما تقدم من ذكر القتال. # { وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير }. # أي: ليس لكم من ينصركم من عذاب الله إن خالفتم / أمره فأراد بكم سوءا. ### || [9.117-118] # قوله: { لقد ms1023 تاب الله على النبي والمهاجرين ~~والأنصار } ، إلى قوله: { هو التواب الرحيم }. # قوله: { ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم } ، رفع القلوب ~~عند سيبويه ب: { يزيغ } ، و { كاد } ، فيها إضمار الحديث. # ويجوز أن ترفع القلوب ب: { كاد } ، ويكون التقدير: من بعد ما كاد ~~قلوب فريق منهم تزيغ. # وقال أبو حاتم: من قرأ: { يزيغ } بالياء، لا يجوز أن يرفع القلوب ب: ~~{ كاد } ، وهو جائز عند غيره على تذكير الجمع. # والمعنى: لقد رزق الله رسوله الإنابة إلى أمره، ورزق المهاجرين وذراريهم ~~وعشيرتهم الإنابة إلى أمره، ورزق الأنصار ذلك، { الذين اتبعوه ~~في ساعة العسرة } وهي غزوة تبوك، خرجوا في حر شديد، فاشتد عليهم ~~العطش، فكانوا ينحرون إبلهم، ويعصرون كروشها، ويشربون ماءها، فهي العسرة ~~التي لحقتهم، قال ذلك عمر ابن الخطاب رضي الله عنه، فسأل أبو بكر النبي ~~عليه السلام، أن يدعو، فدعا، فأمطروا فشربوا وملأوا ما معهم. قال عمر: ثم ~~ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر. # وكانوا أيضا في قلة من الظهر وقلة من مال. # قال مجاهد: أصابهم جهد شديد، حتى إن الرجلين يشقان التمرة بينهما. # وقوله: { ثم تاب عليهم ليتوبوا }. # أي: ليثبتوا على التوبة، كما قال: # يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله # [النساء: 136]، أي: اثبتوا على الإيمان. # وقيل: المعنى: ثم فسح عليهم، ولم يعجل عقابهم ليتوبوا. # وقيل المعنى: ثم وفقهم الله للتوبة. # يقال: " تاب الله عليه " ، أي: دعاه إلى التوبة، و " تاب عليه " ، أي: ~~وفقه للتوبة، و " تاب عليه " قبل توبته. # وقوله: # وإما يتوب عليهم # [التوبة: 106]. # أي: وإما يوفقهم للتوبة. # وأصل التوبة في اللغة، الرجوع عما كان عليه. # وهي تكون بثلاث شرائط: الندم على ما كان منه، والإقلاع عن المعصية، وترك ~~الإصرار. # { والأنصار } وقف. # ثم قال: { وعلى الثلاثة الذين خلفوا }. # أي: وتاب على الثلاثة الذين خلفوا، فلم يفعلوا فعل أبي لبابة ~~وأصحابه، إذ ربطوا أنفسهم في السواري، وقالوا: لا نطعم ولا نحل حتى ~~يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو الذي يحلنا بتوبة من الله ~~والثلاثة هم الآخرون الذين أرجأ أمرهم المؤمنون، فقال ms1024 قوم: هلكوا، وقال ~~قوم: عسى الله أن يتوب عليهم. # قال عكرمة وقتادة: خلفوا عن التوبة. # وقرأ عكرمة: " خلفوا " أي: أقاموا بعقب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. # قال محمد بن عرفة نفطوية: خلفوا عن أن يكونوا منافقين، ويعتذروا ~~فيعذروا؛ لأنهم صدقوا، ولم يأتوا بعذر كذب. # وقرأ جعفر بن محمد: " خالفوا ". # قوله: { حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت }. # أي: بسعتها، غما منهم وندما على تخلفهم عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم { وضاقت عليهم أنفسهم }. # أي: بما نالهم من الكرب { وظنوا أن لا ملجأ } ، أي: أيقنوا ~~أنه لا ملجأ من الله، أي: لا مهرب، ولا مستغاث منه، { إلا إليه ~~ثم تاب عليهم ليتوبوا } ، أي: لينيبوا إليه، ويرجعوا إلى ~~طاعته، { إن الله هو التواب الرحيم } أي: هو الوهاب ~~لعباده الإنابة إليه، { الرحيم } ، بهم، أن يعاقبهم بعد التوبة على ~~ما سلف منهم قبل / التوبة. # والثلاثة هم: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن ربيعة، كلهم من ~~الأنصار. # وفي رواية: مرارة بن الربيع. # وفي أخرى: مرارة بن ربعي. # وقال ابن جبير: ربيعة بن مرارة، وهلال بن أمية، وكعب بن مالك. # وكان قد تخلف عن رسول الله عليه السلام، في غزوة تبوك بضع وثمانون ~~رجلا، فلما رجع أتاه قوم، منهم الثلاثة الذين ذكروا في الآية، فصدقوه ~~حديثهم واعترفوا بذنوبهم، وأتاه الباقون، فكذبوا وحلفوا واعتذروا، فوكل ~~أمرهم إلى الله عز وجل، وقال لأولئك الذين صدقوا: قوما حتى يقضي الله ~~فيكم، فنزل القرآن بتوبتهم، فقال: # وآخرون اعترفوا بذنوبهم # ، الآية [التوبة: 102]، وقال: { وعلى الثلاثة الذين ~~خلفوا } ، الآية. # قال كعب بن مالك: أتى، المخلفون فاعتذروا، فقبل منهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم، ووكل سرائرهم إلى الله، عز وجل، وجئت إليه فرأيته يبتسم تبسم ~~المغضب، ثم قال تعالى، فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، وكنت لما سمعت ~~بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم، حضرني بثي على التخلف، فطفقت ~~أتذكر الكذب، وأقول: بما أخرج من سخطه غدا؟ فلما قدم النبي عليه السلام، ~~زال عني الباطل حين عرفت أني ms1025 لم أنج منه بشيء أبدا، فلما جلست بين يديه، ~~قال لي: ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ قال: فقلت: يا رسول الله ~~والله إني لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أني سأخرج من سخطه ~~بعذر، لقد أعطيت جدلا. # ولكني والله لقد علمت أني لئن حدثتك اليوم بحديث كذب ترضى به عني، ~~ليوشكن الله أن يسخط علي، ولئن حدثتك حديث صدق، وتجد علي فيه، إني لأرجو ~~عفو الله، والله ما كان لي عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني ~~حين تخلفت عنك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما هذا فقد صدق، ~~قم حتى يقضي الله فيك. فقمت، وفعل رجلان مثل ما فعلت، وكانا قد شهدا ~~بدرا، فكان لي فيهم أسوة. وأخذ الناس يقولون: ألا اعتذرت كما اعتذر ~~غيرك، ثم تستغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يزالوا بي (حتى) ~~كدت أرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأكذب نفسي. ثم نهى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، عن كلامنا الثلاثة من بين من تخلف عنه. فاجتنبنا ~~الناس وتغيروا لنا، حتى تنكرت إلى نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي كنت ~~أعرف. # فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكنا وقعدا في بيوتهما ~~يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة، ~~وأطوف الأسواق، ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ~~في مجلسه، فأسلم عليه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد ~~السلام؟ ثم أفكر في غيره، ثم أبكي قريبا منه وأسارقه النظر، فإذا أقبلت ~~على صلاتي نظر إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني، ثم أمرني رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، باعتزال أهلي عند تمام أربعين ليلة في حديث طويل. # فلم يزل حتى نزلت توبته بعد خمسين ليلة مع توبة صاحبيه. ### || [9.119] # قوله: { يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا ~~مع الصادقين }. # والمعنى: يا أيها الذين صدقوا بالله ورسوله، { اتقوا الله } ، ~~أن تخالفوه، { وكونوا } ، في الآخرة ms1026 { مع الصادقين } /، أي: ~~مع النبي عليه السلام، وأصحابه. كذلك، قال زيد بن أسلم، والضحاك، وابن ~~جبير. # قال الضحاك: { مع الصادقين } ، مع أبي بكر وعمر وأصحابهما. # وقال ابن جريج: مع المهاجرين الصادقين. # وتأويل ذلك عند ابن مسعود: أن يصدقوا في قولهم، وأنه نهي عن الكذب. # وكان يقرأ: " وكونوا مع الصادقين ". ### || [9.120] # قوله: { ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من ~~الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله }. # يعني: في غزوة تبوك. أي لا ينبغي لهم ذلك، ولا ينبغي لهم [أن { ~~يرغبوا بأنفسهم] عن نفسه } في الجهاد. # وإنما لم يكن لهم ذلك؛ لأنهم { لا يصيبهم ظمأ } ، في سفرهم، ~~أي: عطش، { ولا نصب } ، أي: تعب: { ولا مخمصة } ، أي مجاعة { ~~في سبيل الله } ، عز وجل: أي: في إقامة دين الله سبحانه { ولا ~~يطأون موطئا يغيظ الكفار } ، أي: لا يطئون أرضا { ~~يغيظ الكفار } ، وطؤهم [إياها] { ولا ينالون من عدو ~~نيلا } ، أي: في أنفسهم وأموالهم وأولادهم، { إلا كتب لهم } ~~، بذلك كله ثواب عمل صالح، { إن الله لا يضيع أجر ~~المحسنين } ، أي: يجازيهم على أعمالهم. # وهذه الآية مخصوصة للنبي عليه السلام، لم يكن لأحد أن يتخلف عنه إلا من ~~عذر. فأما الآن فبعض الناس يحمل عن بعض. قاله قتادة. # وقال ابن زيد: كانت إذا كان المسلمون قلة فرضا، فلما كثروا نسخها: { ~~وما كان المؤمنون لينفروا كآفة } ، فأباح التخلف لمن ~~شاء. # وقال الطبري معنى الآية: ما كان لأهل المدينة الذين تخلفوا، ولا لمن ~~حولهم من الأعراب الذين تخلفوا، أن يفعلوا ذلك، ولا يرغبوا بأنفسهم عن ~~نفسه. # و " النيل " مصدر: " نالني [ينالني] نيلا " ، فأنا " منيل ". # وليس هو من " التناول " ، لأن " التناول " من " النوال " يقال ~~منه: " نلت، أنول " ، من العطية. ### || [9.121] # قال تعالى: { ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة }. # أي: في سبيل الله وإظهار دينه { ولا يقطعون واديا إلا ~~كتب لهم } ، أي: كتب لهم أجر عملهم { ليجزيهم الله } ، ~~أي: فعل ذلك ليجزيهم أحسن عملهم، أي: يجزيهم جزاء كأحسن ما يجزيهم على ~~أحسن أعمالهم التي كانوا يعملونها وهم مقيمون في منازلهم. ### || [9.122-123] # قوله: ms1027 { وما كان المؤمنون لينفروا كآفة } إلى قوله: ~~{ مع المتقين }. # المعنى: لم يكن لهم ليفعلوا ذلك، فظاهره خبر ومعناه نهي، أي: ما كان لهم ~~أن يفعلوا ذلك، أي: لا يفعلوه، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~بعث قوما، ليعلموا الناس الإسلام، فلما نزل قوله: { ما كان لأهل ~~المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا ~~عن رسول الله } ، الآية، رجع أولئك من البوادي إلى النبي عليه ~~السلام، خشية أن يكونوا ممن تخلف عنه. # فأنزل الله، عز وجل، عذرهم: { وما كان المؤمنون لينفروا ~~كآفة } ، وكره انصرافهم من البادية إلى المدينة، قال ذلك مجاهد. # ثم قال تعالى: { فلولا نفر من كل فرقة منهم ~~طآئفة } ، هلا أتى للخروج من هؤلاء الذين يعلمون الناس { من ~~كل فرقة منهم طآئفة } ، ويبقى الباقون ليتفقه أهل ~~البوادي في الدين { ولينذروا قومهم } ، أي: يخبرونهم بما ~~تعلموا { لعلهم يحذرون } ، مخالفة أمر الله، سبحانه. # وقال ابن عباس المعنى: ما كان المؤمنون لينفروا في غزوهم جميعا، ~~ويتركوا نبيهم عليه السلام، { فلولا نفر من كل فرقة ~~منهم طآئفة } ، يعني: السرايا، فلما رجعت السرايا، ونزل بعدهم ~~قرآن، تعلمه القاعدون من النبي عليه السلام، قالوا للسرايا: إن الله عز ~~وجل، قد أنزل على نبيكم عليه السلام، قرآنا بعدكم / وقد تعلمناه. فتمكث ~~السرايا يتعلمون ما أنزل بعدهم، ويمضي الآخرون الذين كانوا مقيمين ~~للسرايا، فذلك قوله: { ليتفقهوا في الدين }. # فمعنى الكلام: فهلا نفر من كل فرقة طائفة لتيفقه المتخلفون في الدين { ~~ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم } ، أي: ليعلم ~~القاعدون القادمين من السرايا ما تعلموا في مغيبهم، وهو قول قتادة. # وقال: هذا في الجيوش أمرهم الله [أن] لا يعروا نبيهم عليه السلام، ~~وأن تقيم طائفة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، تتفقه في الدين وتنطلق ~~طائفة تدعو قومها إلى الله سبحانه، فإذا رجعوا علمهم المقيمون ما نزل ~~بعدهم. # ومثل ذلك قال الضحاك. # وعن ابن عباس أيضا: أنها ليست في الجهاد، ولكن لما دعا النبي عليه ~~السلام، [على مضر] بالسنين أجدبت بلادهم، فكانت القبيلة منهم تقبل ~~بأسرها ms1028 إلى المدينة يعتلون في إقبالهم بالإسلام وليس كذلك، إنما بهم ~~الجهد الذي نزل بهم، فأخبر الله، عز وجل، نبيه عليه السلام، أنهم ليسوا ~~من المؤمنين، وأنهم لو كانوا مؤمنين ما أتوا بأجمعهم، ولكن يأتي بعضهم ~~يتفقه في الدين، ويعود فينذر من بقي لعله يحذر ما حرم الله سبحانه، ~~فإتيانهم بجماعتهم يدل على أنهم إنما أتوا من أجل الجهد لا من أجل ~~الإيمان. # وقال عكرمة: إنما هو تكذيب للمنافقين، وذلك أنه لما نزل: { ما كان ~~لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن ~~يتخلفوا عن رسول الله } ، الآية، قال المنافقون: هلك من ~~تخلف، فألحقوا من عذره الله في التخلف بمن لم يعذره الله سبحانه، فأنزل ~~الله عز وجل، عذرا ثانيا لمن تخلف من الأعراب بعذر، فقال { وما كان ~~المؤمنون لينفروا كآفة }. # وقال الحسن: المعنى، لتتفقه الطائفة الغائبة، بما يؤيدهم الله عز وجل، ~~من الظهور على المشركين، وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم. # أي: يخبر الغائبون في الجهاد الحاضرين، بما فتح الله عز وجل، عليهم ~~فيزداد إيمانهم، وهو اختيار الطبري. قال: تتفقه الطائفة النافرة بما ترى ~~من نصر الله عز وجل، { ولينذروا قومهم إذا رجعوا ~~إليهم } أي: يخبرونهم بما فتح الله سبحانه عليهم فيحذرونهم أن ينزل ~~بهم بأس الله، سبحانه. # ف: " قومهم " على هذا القول: من بقي من أهليهم مشركين، يحذرونهم ~~ليؤمنوا، وهو قول الحسن. # وهذه الآية دليل على جواز قبول خبر الواحد. # وقد روي: أنها نزلت في أعراب قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~المدينة فعلوا الأسعار، وملأوا الطرق بالعذرة فنزلت: { فلولا ~~نفر من كل فرقة منهم طآئفة }. # ثم قال تعالى: { يأيها الذين آمنوا قاتلوا الذين ~~يلونكم من الكفار }. # والمعنى: أنها تحضيض من الله، عز وجل، للمؤمنين، أن يبدأوا بقتال ~~الأقرب فالأقرب من الكفار، والغلظة عليهم. والمراد به يومئذ: الروم، ~~لأنهم كانوا سكانا بالشأم، والشأم أقرب إلى المدينة من العراق. والفرض ~~على أهل [كل] بلد أن يقاتلوا من يليهم دون الأبعد منهم، إلا أن يضطروا ~~إلى ذلك، فيقاتلون الأبعد دون الأقرب. ms1029 # وقد سئل ابن عمر عن قتال الروم والديلم. # فقال: الروم أولى. # وكذلك قال الحسن. # قوله: { واعلموا أن الله مع المتقين }. # أي: وأيقنوا أن الله عز وجل، معكم عند قتالكم لهم ما اتقيتموه. ### || [9.124-126] # قوله: { وإذا مآ أنزلت سورة فمنهم من يقول ~~أيكم } ، إلى قوله { يذكرون }. # والمعنى: وإذا ما أنزل الله عز وجل، سورة من القرآن، فمن المنافقين من ~~يقول: أيكم أيها الناس، زادته، / هذه السورة إيمانا؟ # أي: تصديقا بالله وآياته، قال الله عز وجل، عن نفسه، { فأما ~~الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون }. # أي: وأما الذين آمنوا من الذين قيل لهم ذلك، { فزادتهم } ، السورة ~~{ إيمانا } ، وهم يفرحون بما أعطاهم الله عز وجل، من الإيمان واليقين. # ومعنى زيادة الإيمان هنا: أنهم قبل نزول السورة لم يكن لزمهم فرض ما في ~~السورة التي نزلت. فلما نزلت قبلوها والتزموا ما فيها من فرض، فذلك زيادة ~~في إيمانهم الأول. # وقال الربيع: { فزادتهم إيمانا } ، أي: خشية. # { وأما الذين في قلوبهم مرض }. # أي: شك في دين الله، سبحانه { فزادتهم } السورة إذا نزلت، { ~~رجسا إلى رجسهم } ، أي: كفرا إلى كفرهم، وذلك أنهم شكوا في ~~أنها من عند الله، سبحانه، ولم يؤمنوا بها، فازدادوا كفرا على كفرهم ~~المتقدم، { وماتوا وهم كافرون } ، أي: بالله، سبحانه، وآياته، ~~جلت عظمته. # قوله: { أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام ~~مرة أو مرتين }. # من قرأ بالياء، فهو توبيخ لهم، والمعنى: أو لا يرى هؤلاء المنافقون ذلك؟ # ومن قرأ بالتاء، فمعناه: أو لا ترون، أيها المؤمنون، ما ينزل بهم في كل ~~عام؟ # ومعنى { يفتنون } ، يختبرون في بعض الأعوام مرة، وفي بعضها مرتين، ~~{ ثم } ، هم مع البلاء الذي يحل بهم { لا يتوبون } من نفاقهم ~~وكفرهم، ولا يذكرون ما يرون من الحجج لله، عز وجل، فيتعظون بها. # و " الاختبار " هنا، قيل: بالجوع والجدب. # وقال قتادة، والحسن: يختبرون بالغزو والجهاد. # وقيل: إنه هو ما كان يشيع المشركون من الأكاذيب على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وأصحابه، فيفتتن بذلك من في قلبه مرض. # وقال حذيفة: كنا نسمع ms1030 كذبة أو كذبتين، فيفتتن بها فئام من الناس. # يريد حذيفة أنهم كانوا يفعلون ذلك قبل إسلامهم. ### || [9.127] # قوله: { وإذا مآ أنزلت سورة نظر بعضهم إلى ~~بعض } الآية. # والمعنى: وإذا ما أنزل الله عز وجل، سورة، وهم جلوس عند النبي عليه ~~السلام، فكان فيها إظهار سرهم { نظر بعضهم إلى بعض } ، هل ~~رآكم أحد إذ قلتم وتناجيتم، ثم قاموا فانصرفوا ولم يسمعوا قراءته. # وقيل المعنى: إذا ما أنزلت سورة فيها أسرارهم، { نظر بعضهم ~~إلى بعض هل يراكم } ، أحد إن قمتم، فإن قالوا: نعم، قاموا ~~ولم يسمعوا القرآن. # { صرف الله قلوبهم } ، أي: عن الخير والتوفيق، { بأنهم ~~قوم لا يفقهون } ، أي: لا يفقهون عن الله، عز وجل، مواعظه، ~~استنكارا ونفاقا. # وقد كره ابن عباس: أن يقال: " انصرفنا من الصلاة " ، قال: لا يقال ذلك، ~~فإن قوما انصرفوا فصرف الله قلوبهم، ولكن قولوا: " قد قضينا الصلاة ". # وقيل عنه: ولكن قولوا: " قد صلينا ". # ومعنى: { نظر بعضهم إلى بعض }: [قال بعضهم إلى بعض]، ~~ولذلك قال: { هل يراكم من أحد } ، ولو كان من نظر العين لم ~~يؤت ب: " هل " بعده. # وقيل: النظر هنا، إنما هو النظر الذي يجلب الاستفهام، كقولك: " قد ~~تناظروا أيهم أعلم " ، و " اجتمعوا أيهم أفقه " ، أي: لينظر أيهم أفقه. ### || [9.128-129] # قوله: { لقد جآءكم رسول من أنفسكم } ، إلى آخر ~~السورة. # المعنى: لقد جاءكم، / أيها المؤمنون وأيها العرب، { رسول من ~~أنفسكم } ، أي: تعرفونه، لا من غيركم فتتهموه في النصيحة لكم. # وقيل معنى { أنفسكم } بشر مثلكم. # { عزيز عليه ما عنتم }. # أي: ما عنتكم، أي: ما أدخل عليكم المشقة. # وأصل " العنت ": الهلاك. # وقيل معنى: { عزيز عليه ما عنتم } ، أي: عزيز عليه أن ~~تدخلوا النار، { حريص عليكم } ، أن تدخلوا الجنة. # وقيل معنى: { حريص عليكم } ، أي: حريص على هدى ضلالكم ~~وتوبتهم. # وقال قتادة: { عزيز عليه ما عنتم } أي: عزيز عليه عنت ~~مؤمنيكم. # وقال ابن عباس { ما عنتم }: ما ضللتم. # وقال قتادة: { حريص عليكم } ، أي: حريص على هدى ضلالكم. # وهذا مخاطبة لأهل مكة. # { فإن تولوا }. # أي: إن تولى هؤلاء يا محمد، عن الإيمان، ms1031 { فقل حسبي الله } ، ~~أي: يكفيني الله، { لا إله إلا هو }. # قال أبي بن كعب: آخر آية نزلت: # { لقد جآءكم رسول من أنفسكم عزيز } ، إلى آخر ~~السورة. # { حريص عليكم } ، وقف تام عند الأخفش، لأن هذا مخاطبة لأهل مكة، ~~وقوله: { بالمؤمنين رءوف (رحيم) } ، لكل المؤمنين. ### | [10 - سورة يونس] ### || [10.1] # قال ابن عباس: { الر }: أنا الله أرى. وروي عنه أنه أنا الله الرحمن. # وعنه أيضا: " ألر " و " حم " و " ن " حروف الرحمن مقطعة. # وهو قول سالم بن عبد الله، وابن جبير، وهو اختيار الزجاج. # وقال قتادة: " هو اسم من أسماء القرآن ". # وقال عكرمة والحسن: هو قسم. # وروي عن قتادة أنه قال: اسم للسورة. # وقال مجاهد: هو فواتح السور. # وقيل: هي تنبيه. وهو اختيار الطبري. # وقال بعض المتأخرين من أهل النظر: هذه الفواتح لا نعلم لها تأويلا، ولا ~~صح عن النبي عليه السلام، ولا اتفقت الأمة على تفسيرها. والذي نعتقده في ~~ذلك أنا إنما كلفنا تلاوة تنزيلها، ولم نكلف معرفة تأويلها. (ولا يعرف ~~تأويلها) من جهة العقل. # قال أبو محمد رضي الله عنه: وهذا القول يلزم قائله أن يكون مثله في كل ~~آية مشكلة لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها تأويل، ولا اتفقت ~~الأمة على تأويلها، فيعطل معرفة أكثر القرآن، ويقول: إنما كلفنا التلاوة ~~لا غير. وأكثر ذلك في الأحكام يقع، فيعطل أحكاما كثيرة على مذهبه (وكيف) ~~يكون ذلك؟ وهل أنزله الله إلا لنعلم تأويله، ونتدبره كما قال: # ليدبروا آياته # [ص: 29]. # قوله: { تلك آيات الكتاب } " أي: تلك التي جرى ذكرها آيات ~~الكتاب ". # (وقيل: المعنى: هذه آيات الكتاب). # وقال مجاهد: معنى { تلك آيات الكتاب }: يعني: آيات التوراة ~~والإنجيل، وكذلك قال قتادة. # وعن مجاهد: { آيات الكتاب الحكيم } يعني آيات القرآن. # وهو اختيار الطبري. قال: لأنه لم يجر للتوراة، والإنجيل ذكر قبل هذا. و ~~(الآيات): العلامات. و (الكتاب): " اسم من أسماء القرآن ". # و (الحكيم) معناه: المحكم عند أبي عبيدة وغيره. ### || [10.2-3] # قوله: { أكان للناس عجبا أن أوحينآ إلى رجل ~~منهم } إلى قوله { أفلا تذكرون ms1032 } (أكان): (الألف) ألف ~~استفهام، معناه: التوبيخ، والتقرير، والإنكار لتعجبهم من بعث الله عز وجل ~~رجلا منهم، رسولا إليهم. # والمعنى: ليس بعجب قد علمتم أن الرسل من قبلكم كانت من بني آدم، ولم تكن ~~ملائكة. إنما تأتي الملائكة إلى الرسل بأمر الله ونهيه (سبحانه) وتأتيهم ~~في صورة بني آدم. إذ لا يحتمل بنو آدم معاينة الملائكة. # وقرأ ابن مسعود: (أكان للناس عجب) بالرفع جعل " أن أوحينا " في موضع ~~نصب. وهو بعيد، لأن المصدر معرفة. فهو أحق أن يكون اسم (كان) (و) ~~(عجبا): الخبر، لأنه نكرة. # ورفع " عجبا " على اسم " كان " جائز على (ما) بعده. (و) اللام في " ~~الناس " متعلقة ب " عجب " ، لا تتعلق ب " كان ". # ومعنى الآية: أن الله، جل ذكره، لما بعث محمدا رسولا أنكر جماعة من ~~العرب ذلك، وقالوا: (الله) أعظم من أن يبعث بشرا رسولا. فأنزل الله (عز ~~وجل): { أكان للناس عجبا أن أوحينآ إلى رجل ~~منهم أن أنذر الناس } ، ونزل / # ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم # [يوسف: 109] هذا قول ابن عباس. # وقال ابن جريج: عجبت قريش أن بعث رجلا منهم، فنزل ذلك. وروي أن أهل مكة ~~قالوا: لم يجد الله رسولا إلا يتيم أبي طالب فأنزل الله (عز وجل) ذلك. # فالناس هنا: أهل مكة. وهذه الآية فيها ضروب من أخبار: # ابتدأ تعالى بعجب، ثم أخبر بالشيء الذي يوجب العجب عندهم، وهو الوحي، ثم ~~أخبر عمن أنزل عليه ذلك الوحي، ثم أخبر بالشيء الموحى ما هو. وهو ~~الإنذار، ثم أخبر بالبشارة للمؤمنين وأخبر بالمبشر به ما هو؟ وهو: كون ~~القدم الصدق للمؤمنين عند ربهم، ثم أخبر بجواب الكافرين عن ذلك: (كل ذلك) ~~في آية واحدة. ومعنى { قدم صدق }: قال الضحاك: " ثواب صدق ". وقال ~~مجاهد: " الأعمال الصالحة " ، وهو اختيار الطبري. وقال ابن عباس: أجرا ~~حسنا (بما) قدموا من (صالح) أعمالهم. وعن ابن عباس: { قدم صدق }: ~~ما تقدم لهم من السعادة في اللوح المحفوظ. # وقال قتادة، والحسن، وزيد بن أسلم: { قدم صدق } وهو محمد، صلى ~~الله عليه وسلم، ms1033 شفيع لهم. # وعن الحسن أنه قال: { قدم صدق عند ربهم } هو: مصيبتهم في ~~نبيهم صلى الله عليه وسلم. # والقدم في اللغة على أربعة أوجه: قدم الإنسان مؤنثة، والقدم السابقة: ~~العمل الصالح مؤنثة أيضا، والقدم: الشجاع مذكر، والقدم المتقدم: مذكر ~~أيضا. # وفي الحديث: # " إن جهنم لا تسكن حتى يضع الجبار فيها قدمه " # وفي (رواية) أخرى: # " حتى يضع الله فيها قدمه ". # قال الحسن: معناه يجعل (الله) فيها الذين قدمهم لها. فهم قدم الله عز ~~وجل إلى النار، والمؤمنون قدمه إلى الجنة. # ومن رواه: (حتى يضع الجبار فيها قدمه) فمعناه (مثل) ما ذكرنا، أن ~~جعلت الجبار اسما لله (عز وجل). # وقيل " الجبار اسم لجنس يدل على جميع الجبارين على الله (سبحانه). ~~فالمعنى: حتى يضع الجبارون على الله (سبحانه) فيها أقدامهم. أي: حتى ~~يدخلوها. (فعند ذلك تقول جهنم: قط قط) أي: كفى كفى. # وفي هذا الحديث اختلاف روايات بألفاظ مختلفة، لكنا (قد) فسرنا موضع ~~الإشكال منه.. # { عند ربهم }: وقف حسن عند أبي حاتم والأخفش. وقال: تفسيرهما ليس ~~بتمام حسن؛ لأن { قال الكافرون } جواب لما قبله. # ومن قرأ " لساحر " فمعناه: هذا النذير لساحر. يعنون النبي صلى الله عليه ~~وسلم. # ومن قرأ " لسحر " فمعناه: هذا الذي أنذرنا به سحر، يعنون القرآن. # والقراءتان ترجعان إلى معنى واحد، لأنهم إذا جعلوا النبي صلى الله عليه ~~وسلم ساحرا فقد أخبروا أنه أتاهم بالسحر، وهو القرآن. وإذا جعلوا القرآن ~~سحرا فقد أخبروا أن الذي أتاهم به ساحر. إذ السحر لا يكون من ساحر. ~~والساحر لا يسمى بهذا الاسم حتى يأتي بالسحر، ويعرف منه ذلك. # ثم قال تعالى: { إن ربكم الله الذي خلق السماوات ~~والأرض }. والمعنى: إن الذي تجب له العبادة الله الذي خلق السماوات ~~السبع والأرضين السبع في ستة أيام /. # { ثم استوى على العرش } " مدبرا للأمور، قاضيا في خلقه ~~ما أحب ". # { ما من شفيع إلا من بعد إذنه }: أي: لا يشفع شافع يوم ~~القيامة في أحد إلا من بعد أن يأذن له في الشفاعة كما قال: # من ذا الذي يشفع ms1034 عنده إلا بإذنه # [البقرة: 255] وكما قال: # ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له # [سبأ: 23]. وكذلك # ولا يشفعون إلا لمن ارتضى # [الأنبياء: 28] { ذلكم الله ربكم فاعبدوه } أي: هذا ~~الذي هذه صفته مولاكم فاعبدوه. # { أفلا تذكرون }: أي: " تتعظون جميعا، وتعتبرون بهذه الآيات ~~والحجج ". ### || [10.4-5] # قوله: { إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا } إلى ~~قوله { يعلمون } { وعد الله }: # مصدر، والمعنى: وعدكم (الله) أن يحييكم بعد مماتكم (وعدا حقا) عند ~~سيبويه بمعنى: وعد الله في حق، فلما حذف حرف الجر نصب، والمعنى: إليه ~~معادكم جميعا. # وقرأ أبو جعفر يزيد " أنه " بفتح الهمزة: وهي في موضع نصب بمعنى لأنه ~~يبدأ، (مثل): لبيك إن الحمد والنعمة لك (لا شريك لك). # وقال أبو حاتم: هي نصب ب " وعد ". أي: وعد الله أنه يبدأ الخلق. وقال ~~الفراء: موضعها رفع بحق كأنه قال: حقا ابتداؤه. ومن كسر (إن) وقف على ~~حقا)، ومن فتح لم يقف على (حقا). # { إنه يبدأ الخلق } أي: أنشأه قبل أن لم يكن شيئا ثم ~~يميته، ثم يعيده في الآخرة كهيئته. # { ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط ~~} أي: ليثبت المؤمنين على أعمالهم بالعدل والإنصاف. # ثم أخبر بما أعد للكفار لتجتمع الأخبار عما أعد (الله عز وجل) للفريقين ~~فقال: { والذين كفروا لهم شراب من حميم }: وهو الذي ~~قد تناهى في الحر. قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إنه ليتساقط من أحدهم حين يدنيه منه فروة رأسه " # وأصل الحميم محموم: فهو " فعيل " في موضع " مفعول ". # { وعذاب أليم } أي: ولهم عذاب مؤلم بكفرهم. (ثم) قال تعالى: { ~~هو الذي جعل الشمس ضيآء والقمر نورا } من قرأ " ~~ضياء " (بهمزة) متطرفة فهو الأصل، لأنه من الضوء. فالهمزة لام الفعل، ~~والياء في " ضياء " بدل من واو لانكسار ما قبلها. # ومن همز موضع الياء فإنما يجوز على القلب، وذلك أن تقلب الهمزة التي هي ~~لام (الفعل) في موضع الياء التي هي عين. فتصير الياء بعد ألف متطرفة. ~~فتنقلب همزة فيصير وزنه " فلاعا ". # وقوله: " منازل " منصوب على حذف المضاف. والمعنى: وقدره منازل. # (و) قيل: المعنى ms1035 وقدر له منازل، ثم حذف اللام، وعدى الفعل كما قال: # كالوهم # [المطففين: 3]. والمعنى: إن ربكم الله { الذي خلق السماوات ~~والأرض } ، ثم فعل كذا { هو الذي جعل الشمس ضيآء ~~والقمر نورا وقدره منازل } أي: قدر القمر منازل. لا ~~يقصر دونها، ولا يجاوزها يكون كل ليلة بمنزلة من النجوم، وذلك ثمانية ~~وعشرون منزلا في كل شهر، وهو قوله: # والقمر قدرناه منازل # [يس: 39]. # { لتعلموا عدد السنين والحساب } أي: فعل ذلك كي ~~تعلموا عدد السنين، أي: دخولها، وخروجها، وحسابها. # { ما خلق الله ذلك } أي: ما خلق الله الشمس والقمر والسماوات ~~والأرضين { إلا بالحق }. # ومن قرأ " يفصل " بالياء رده على ذكر الله لقربه منه، فأسند الفعل إليه ~~بلفظة التوحيد. # ومن قرأ بالنون أجراه مجرى ما أتى في القرآن بلفظ الجميع، من / " فصلنا، ~~ونفصل " وذلك كثير. # ومعنى (نفصل الآيات): نبين الحجج، والأدلة لقوم يعلمون. { ذلك إلا ~~بالحق }: وقف لمن قرأ بالنون. # ومن (قرأ) بالياء لم يقف عليه، لأن الفعل مسند إلى الاسم المذكور ~~المتقدم. ### || [10.6-8] # قوله: { إن في اختلاف اليل والنهار وما خلق ~~الله في السموت والأرض } إلى قوله: { يكسبون }. # والمعنى: إن في ذهاب الليل، ومجيء النهار، وذهاب النهار، ومجيء الليل، ~~وإحداث كل واحد منهما بعد ذهابه، واضمحلاله لعلامات { لقوم ~~يتقون }: على الوحدانية والقدرة. ويشير إليها، ويخبر عنها: فالصامت ~~لا يقدر على النطق، لأن مسكتا أسكته، وهو الله (سبحانه)، والناطق لا ~~يعجز عن النطق، لأن منطقا أنطقه، وهو الله (عز وجل)، والساكن لا يقدر ~~على الحركة، لأن مسكنا أسكنه، وهو الله (عز وجل)، والمتحرك لا يعجز عن ~~الحركة، لأن محركا حركه، وهو الله (عز وجل): فكل فيه دليل على ~~الوحدانية والقدرة والملك. # { وما خلق الله في السموت والأرض } (معناه): من ~~النجوم والشمس والقمر والجبال والشجر وغير ذلك. (لآيات) أي: لحجج وعلامات ~~على توحيد الله (جلت عظمته). # { لقوم يتقون }: وهذه الآية تنبيه من الله عز وجل لعباده (على ~~توحيده) وربوبيته. # ثم قال تعالى: { إن الذين لا يرجون لقآءنا } أي: لا ~~يخافون الحساب والبعث. تقول العرب: " فلان لا ms1036 يرجو فلانا " أي: لا ~~يخافه، ومنه قوله: # ما لكم لا ترجون لله وقارا # [نوح: 13]: أي تخافون. # وقال بعض العلماء: لا يقع الرجاء بمعنى الخوف إلا مع الجحد. # وقال غيره: بل يقع بمعنى الخوف في كل موضع دل عليه المعنى. # قوله: { ورضوا بالحيوة الدنيا } أي: جعلوها عوضا من ~~الآخرة { واطمأنوا بها } أي: سكنوا إليها. # { والذين هم عن آياتنا غافلون } أي: عن أدلتنا وحجتنا ~~معرضون، لاهون. # { أولئك مأواهم النار } أي: من هذه صفتهم مصيرهم إلى ~~النار. # { بما كانوا يكسبون } (في) الدنيا من الآثام. # قال قتادة: { إن الذين لا يرجون لقآءنا } - الآية - إذ ~~شئت رأيته صاحب دنيا، لها يفرح، ولها يحزن، ولها يرضى، ولها يسخط. وقال ~~ابن زيد: هم أهل الكفر. ### || [10.9-10] # قوله { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ~~ربهم بإيمانهم } إلى قوله { العالمين }. # المعنى: إن الذين صدقوا الله ورسوله، وعملوا بطاعة الله { يهديهم ~~ربهم بإيمانهم } أي: يرشدهم بإيمانهم إلى الجنة. # وقال قتادة: بلغنا أن النبي عليه السلام، قال: # " إن المؤمن إذا خرج من قبره صور له عمله في صورة حسنة يقول له: من أنت؟ ~~فوالله إني لأراك امرأ صدق. فيقول (له): أنا عملك، فيكون له نورا ~~وقائدا إلى الجنة. والكافر بضد ذلك في الصورة ينطلق به عمله حتى يدخله ~~النار ". # وقيل: المعنى يهديهم ربهم لدينه بإيمانهم به. أي: من أجل تصديقهم ~~هداهم. # قوله: { تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم }. # أي: في بساتين قد نعم الله فيها أهل / طاعته. # ومعنى { من تحتهم }: من دونهم وبين أيديهم، وليس هو أنها تجري ~~(من) تحت ما هم عليه جلوس من أرض ونحوها. وهذا كما تقول: بلد كذا تحت بلد ~~كذا. أي: بجوارها وبين أيديها. لا أنها تحتها: إحداهما فوق الأخرى. ومثل ~~هذا قوله تعالى: # قد جعل ربك تحتك سريا # [مريم: 24]. ومعلوم أن السري ليس تحتها، إذ كان السري: الجدول، وإنما ~~معناه: أنه جعله دونها، أي: بين يديها. ومن هذا ما حكى الله (عز وجل) لنا ~~من قول فرعون: # وهذه الأنهار تجري من تحتي # [الزخرف: 51] ومعلوم ms1037 أن نيل مصر لم يكن تحته يجري، وهو عليه، وإنما كان ~~(يجري) بجواره، وبين يديه ودونه. # ثم قال تعالى إخبارا عن أهل الجنة { دعواهم فيها سبحانك ~~اللهم }. # حكى سيبويه: الدعوى بمعنى الدعاء. فالمعنى دعاؤهم في الجنة: سبحانك ~~اللهم. # قال ابن جريج: وإذا مر بهم الطير يشتهونه قالوا: سبحانك اللهم فيأتيهم ~~الملك بما يشتهون فيسلم عليهم، فيردون عليه (السلام) فذلك قوله: { ~~وتحيتهم فيها سلام }. فإذا أكلوا حمدوا الله ربهم، فذلك ~~قوله تعالى: { وآخر دعواهم أن الحمد لله رب ~~العالمين }. # والتحية: البقاء. ومنه قوله: " التحيات لله " ، والتحية أيضا: الملك، ~~والتحية هي استقبال الرجل بالمحيا: وهو الوجه بما يسره من الكلام. ~~وقيل: التحية في هذا بمعنى الحياة، أي: يحيي بعضهم بعضا. # إنهم يحيون ولا يموتون، ويسلمون من كل شيء يحذرون. والسلام بمعنى ~~السلامة. # وقيل: { تحيتهم فيها سلام } أي: تحيه بعضهم لبعض فيها سلام. ~~أي: " سلمت وأمنت مما ابتلي به أهل النار ". # وقيل: المعنى إن الله (عز وجل) يحييهم بالسلام إكراما منه (لهم). # وقال سفيان: إذا أرادوا الشيء قالوا: سبحانك اللهم، فيأتيهم ما دعو(ا) ~~به: ومعنى { سبحانك اللهم }: تنزيها لك يا ألله مما أضاف إليك ~~أهل الشرك من الكذب. # (وسئل النبي صلى الله عليه وسلم، عن: سبحان الله، فقال: مفسرا تنزيها ~~(لله) عن السوء). # وقال علي بن أبي طالب عليه السلام: هي كلمة رضيها الله (عز وجل) لنفسه. ~~فسبحان الله: كلمة ينزه بها (الله عن كل) فعل مذموم أو متهم. # (أللهم): وقف و (سلام): وقف. ومذهب سيبويه في { أن الحمد لله } ~~أنها مخففة من الثقيلة، والمعنى: أنه الحمد لله رب العالمين). # وأجاز المبرد أن يعملها - وهي مخففة - عملها مشددة. والرفع أقيس، لأنه ~~قد زال منها شبه الفعل باللفظ لما خففت، ومن أعملها شبهها بالفعل الذي قد ~~حذف منه وأعمل. نحو: " لم يك ". وقرأ بلال بن أبي بردة: " أن ~~الحمد " بالتشديد، ونصب " الحمد ". ### || [10.11] # قوله: { ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم ~~بالخير }. # قوله: { استعجالهم بالخير } تقديره عند سيبويه: " تعجيلا ~~مثل استعجالهم بالخير " ثم حذف تعجيلا، ms1038 وأقام صفته (مقامه)، ثم حذف صفته ~~وأقام المضاف إليه مقامه، وحكى " زيد: شرب الإبل " أي: يشرب شربا مثل ~~شرب الإبل. # وقال الأخفش والفراء: التقدير: { ولو يعجل الله للناس } ~~الشر مثل استعجالهم / بالخير، ثم حذف المضاف. ويلزمهما على هذا أن يجيزا. ~~زيد الأسد فينصب " الأسد " أي: مثل الأسد. وهذا لا يجيزه أحد. # ومعنى الآية: ولو يعجل الله للناس إجابة دعائهم في الشر - أي: فيما ~~عليهم فيه مضرة في نفس، أو مال، أو ولد، وذلك عند الغضب - كما يستعجلون ~~بالخير إذا دعوا في سؤالهم الرحمة، والرزق. # { لقضي إليهم أجلهم } أي: لماتوا. قال مجاهد: هو قول ~~الإنسان لولده، ولماله إذا غضب: اللهم لا تبارك فيه والعنه ~~ونحو ذلك، ولو عجل الله الإجابة فيه كما يريدون أن تستعجل لهم الإجابة في ~~الخير إذا دعوا لأهلكهم. # وقد قيل: إن هذا إنما هو قولهم: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم # [الأنفال: 32]. فلو عجل لهم ذلك لهلكوا. # ثم قال تعالى: { فنذر الذين لا يرجون لقآءنا } ~~(معناه): ندع الذين لا يخافون البعث، لا نهلكهم إلى مدتهم، ولكن ~~نذرهم { في طغيانهم يعمهون } أي: في ضلالتهم يتحيرون. ~~وهو مثل قوله: # إنما نملي لهم ليزدادوا إثما # [آل عمران: 178]. ### || [10.12] # قوله: { وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو ~~قاعدا أو قآئما }. قوله: { دعانا لجنبه } أي مضطجعا، ف ~~" لجنبه " في موضع الحال. # قوله: { أو قاعدا } عطف عليه على المعنى، وقيل: المعنى وإذا مس ~~الإنسان الضر على إحدى هذه الأحوال دعانا. فالحال في القول الأول: من ~~الضمير في { دعانا } وفي القول الآخر: من (الإنسان). والعامل في الحال ~~" مس " ، وفي القول الآخر: " دعا ". # وقيل: المعنى إذا مسه على إحدى هذه الأحوال دعانا على إحدى هذه الأحوال، ~~فيكون في الكلام حذف { لجنبه أو قاعدا أو قآئما } مرة ~~أخرى، { فلما كشفنا عنه ضره }: أي: استمر على طريقته التي ~~كان عليها، قبل أن يمسه الضر، ونسي ما كان فيه، كأنه ما أصابه ضر، وكأنه ~~ما دعا، وما ms1039 استجيب له، وما كشف عنه ضره، فعاد إلى شركه كأنه لم يدع الله ~~عز وجل في ضر (مسه). # قوله: { كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون }: ~~أي: كما زين له استمراره على ما كان عليه قبل نزول الضر به، بعد كشف ~~الله (عز وجل) عنه، { كذلك زين للمسرفين }: أي: للذين ~~أسرفوا في العصيان، والكذب على الله عز وجل ورسوله، { ما كانوا ~~يعملون } من معاصي الله تعالى. # { أو قآئما }: وقف، { مسه }: وقف. ### || [10.13-14] # قوله: { ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ~~ظلموا } إلى قوله { كيف تعملون }. # معنى الآية: أنها تحذير للمشركين أن يصيبهم ما أصاب من كان قبلهم إذا ~~أشركوا. ومعنى { لما ظلموا }: لما أشركوا. # { وجآءتهم رسلهم بالبينات }: أي: من عند الله عز وجل ~~بالحجج والبراهين. # وقوله: { وما كانوا ليؤمنوا } أي: لم يكونوا ليوفقوا إلى ~~الإيمان، لما تقدم في علم الله عز وجل منهم. # وقيل: المعنى ما كانوا ليؤمنوا جزاء منه (لهم) على كفرهم طبع على ~~قلوبهم، ودل على ذلك قوله: { كذلك نجزي القوم المجرمين ~~} أي: نطبع على قلوبهم، فلا يؤمنون جزاء بكفرهم. # وقيل: المعنى: كما أهلكنا هذه القرون من قبلكم بشركهم، كذلك أفعل بكم ~~بشرككم، وتكذيبكم رسلكم إن أنتم لم / تتوبوا وتؤمنوا. # وقيل المعنى: ما كانوا ليؤمنوا جزاء بما كذبوا به أولا بعد أن تبين ~~لهم الحق، فكان ما ختم لهم به من ترك الإيمان عقوبة لهم على التكذيب ~~أولا. # ثم قال تعالى: { ثم جعلناكم خلائف في الأرض من ~~بعدهم } أي: جعلناكم أيها المخاطبون تخلفون من مضى من القرون الهالكة ~~بشركهم { لننظر كيف تعملون }: أي: كيف عملكم من عمل من كان ~~قبلكم من القرون. وقد علم تعالى ما هم عاملون، ولكن أراد ظهور الأعمال ~~التي تقع عليها المجازاة، فيستحقون العذاب، كما استحق من كان قبلكم إن ~~أشركتم، أو الثواب الجزيل إن آمنتم. # والعامل في " كيف (تعملون) ": لام " لننظر ". # وروى عبد الحميد بإسناده عن ابن عامر { لننظر } بإدغام النون في ~~الظاء وهو بعيد جدا. ### || [10.15-16] # قوله: { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات } إلى قوله ms1040 { ~~أفلا تعقلون } # والمعنى: وإذا قرئ على هؤلاء المشركين القرآن، وهو الآيات البينات: أي: ~~الواضحات { قال الذين لا يرجون لقآءنا }: أي: لا يخافون ~~العقاب، ولا يصدقون بالبعث. # { ائت بقرآن غير هذآ أو بدله }: أي غيره، أي: ~~اجعل مكان الحلال حراما، واجعل مكان الحرام حلالا، ومكان الوعيد وعدا، ~~ومكان الوعد وعيدا. # ثم قال تعالى ذكره لنبيه أن يقول لهم: { ما يكون لي أن ~~أبدله من تلقآء نفسي }: أي: ليس ذلك إلي، إنما الأمر ~~إلى الله عز وجل. # { إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن ~~عصيت ربي عذاب يوم عظيم }. قال قتادة: هذا قول مشركي أهل ~~مكة. # وقوله: { ائت بقرآن غير هذآ } يريدون ليس فيه ذكر البعث ~~(والنشور وسب) آلهتنا. # ثم قال الله (تعالى ذكره): قل يا محمد لهم { لو شآء الله ما ~~تلوته عليكم ولا أدراكم به }: أي: لو شاء الله ما ~~أنزله علي، فيأمرني بتلاوته عليكم، ولو شاء لم يعلمكم به. # { فقد لبثت فيكم عمرا من قبله }: أي قد كنت فيكم ~~أربعين سنة قبل أن ينزل علي القرآن فلم نتل عليكم شيئا ولو كنت منتحلا ~~ما ليس لي بحق من القول كنت قد انتحلته أيام شبابي وحداثتي قبل الوقت ~~الذي تلوت فيه عليكم هذا القرآن. # قال ابن عباس: { ولا أدراكم به }: أي: ولا أعلمكم به. # وقال ابن جريج: ولا حذرتكم به. # وقال الضحاك: ولا أشعركم به. # وقرأ الحسن: " ولا أدرأتكم به " به بالألف والتاء: وهي غلط عند ~~النحويين، غير أن أبا حاتم، قال: يريد الحسن: ولا أدريتكم به، ثم ~~أبدل من الياء ألفا على لغة بني الحارث بن كعب الذين يبدلون من الياء ~~الساكنة إذا انفتح ما قبلها ألفا. وعلى ذلك تأول قوم قراءة من قرأ # إن هذان # [طه: 63]. وهذا القول من أبي حاتم يدل على أن الحسن لم يهمز (والرواية ~~عن الحسن بالهمز) والتاء. ولو كانت بألف بعد الراء من غير همز، لكان لها ~~وجه آخر وهو أن يكون من درأت: أي دفعت. فيكون المعنى: ولا أمرتكم أن ms1041 ~~تدفعوه. فأما الهمزة فبعيد. # وقد حكي أن بعض العرب يهمز الحرف إذا ضارع المهموز، فيهمزون غير ~~المهموز. حكى الفراء عن امرأة قالت: رثأت زوجي بأبيات. ويقولون: ~~لبأت بالحج، وحلأت السويق، فيهمزون، لأن حلأت يقع في دفع ~~العطاش من الإبل فيهمز. ولبأت يذهب / به إلى اللبإ. ورثأت ~~يذهب إلى الرثيئة: وهو أن يحلب على الرايب. يقال: أرثأت اللبن ~~بالهمز. # { فقد لبثت فيكم عمرا من قبله }: أي: أربعين سنة، " ~~تعرفونني بالصدق والأمانة، لا أقرأ، ولا أكتب، ثم جئتكم بالمعجزات. { ~~أفلا تعقلون } إن هذا لا يكون إلا من عند الله ". ### || [10.17-18] # قوله: { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا } إلى ~~قوله { يشركون } # والمعنى فمن أشد ظلما يا محمد { ممن افترى على الله ~~كذبا }: أي: اختلق على الله الكذب { أو كذب بآيته }: أي: ~~بحججه، ورسله. # { إنه لا يفلح المجرمون } " الهاء " كناية عن الأمر، و " ~~المجرمون ": الذين اجترموا من الكفر، أي: اكتسبوه. # ثم وصفهم الله تعالى، فقال: { ويعبدون من دون الله ما لا ~~يضرهم ولا ينفعهم }: وهي الأصنام، لا يضرهم ترك عبادتها، ~~ولا تنفعهم عبادتها. # وقال الطبري: المعنى: " ولا تنفعهم عبادتها في الدنيا، ولا في الآخرة. # ثم قال عنهم: { ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله }: ~~كانوا يعبدون الأصنام، رجاء أن تشفع لهم عند الله سبحانه. # ثم قال: (قل) - يا محمد - { أتنبئون الله بما لا يعلم ~~في السموت ولا في الأرض }: أي: أتخبرون الله بما لا يكون ~~في السماوات، ولا في الأرض أن تشفع الآلهة لأحد. # { سبحانه وتعالى عما يشركون }: أي تنزيها له وعلوا ~~عن شركهم. ### || [10.19-23] # قوله: { وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ~~} إلى قوله: { من المنتظرين } # المعنى: ما كان الناس إلا أهل دين واحد، فافترقت بهم السبل. # { ولولا كلمة (سبقت) من ربك لقضي بينهم } ~~أي: لولا أنه سبق في علمه ألا يهلك قوما إلا بعد أن يملي لهم، فتنقضي ~~آجالهم " { لقضي بينهم }: بأن يهلك أهل الباطل منهم، وينجي أهل ~~الحق ". # قال مجاهد: كان الناس وقت آدم على دين واحد، ثم اختلفوا إذ قتل أحد ms1042 ~~ابني آدم أخاه. # وقيل: يراد بالناس هنا: العرب. # وقيل المعنى: إن كل مولود يولد على الفطرة، ثم يختلفون بعد ذلك. # والأمة: على خمسة أوجه: # - الأمة: " العصبة، والجماعة نحو # أمة مقتصدة # [المائدة: 66] # ونحو: # ومن قوم موسى أمة # [الأعراف: 159]. # - والثاني: أن تكون بمعنى " الملة " ، نحو: { وما كان الناس ~~إلا أمة واحدة }. ومثله الحرف الذي في هذه السورة. # { وما كان الناس إلا أمة واحدة }: أي: على ملة ~~الإسلام، ومنه: # وإن هذه أمتكم أمة # [المؤمنون: 52]، ومنه # ولو شآء الله لجعلهم أمة واحدة # [الشورى: 8]: أي: أهل ملة. # - والثالث: أن تكون بمعنى " السنين والحين " نحو: # ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة # [هود: 8] ونحوه # وادكر بعد أمة # [يوسف: 45]. # والرابع: أن تكون الأمة بمعنى " قوم " نحو قوله: # أن تكون أمة هي أربى من أمة # [النحل: 92] أي: قوم أكرم من قوم. ومنه # ولكل أمة جعلنا منسكا # [الحج: 34] أي قوم. # - والخامس: أن تكون الأمة بمعنى " الإمام ". نحو قوله: # إن إبراهيم كان أمة قانتا لله # [النحل: 120] أي: إماما، يقتدى به في الخير. # ثم أخبر عنهم تعالى فقال: { ويقولون لولا أنزل عليه ~~آية من ربه } أي: يقول هؤلاء المشركون: هلا نزل عليه آية من ~~ربه، يعلم بها أنه محق، صادق قال الله عز وجل: قل لهم يا محمد: { ~~إنما الغيب لله }: أي لا يعلم أحد، لو لم يفعل ذلك إلا هو، ~~لأنه عالم الغيب. # { فانتظروا إني معكم من المنتظرين }: أي: ~~انتظروا قضاء الله سبحانه بيننا وبينكم، بتعجيل العقوبة للمبطل /، وإظهار ~~الحق للمحق. # وقيل: المعنى: فانتظروا نصر الله المحق، وخذلانه المبطل. { إني ~~معكم من المنتظرين }: أي: إني معكم منتظر من المنتظرين. ~~لذلك. قوله: { وإذآ أذقنا الناس رحمة } إلى قوله { بما ~~كنتم تعملون } جواب إذا محذوف عند سيبويه. والتقدير: من بعد ضراء ~~مستهم مكروا. والعرب تجتزئ بإذا في جواب الشرط عن " فعلت وفعلوا ". # والناس هنا: المشركون كما قال: # إن الإنسان لربه لكنود # [العاديات: 6]. # قال الحسن: هو المنافق، والمعنى وإذا أذقنا الكفار فرجا من بعد كرب ~~أصابهم، ورخاء بعد شدة أصابتهم { إذا لهم مكر ms1043 في آياتنا } ~~قال مجاهد: " استهزاء، وتكذيب ". # وقيل: يحتالون حتى يجعلوا سبب الرحمة في غير موضعه. قل لهم يا محمد: { ~~الله أسرع مكرا } أي: أسرع استدراجا لكم وعقوبة. # { إن رسلنا يكتبون ما تمكرون } أي: إن الحفظة يكتبون ~~عليكم ما تمكرون في آياتنا. # ثم عدد تعالى نعمه فقال: { هو الذي يسيركم في البر ~~والبحر } وقرأ ابن عباس: " ينثركم " من النثر: أي: يبسطكم برا ~~وبحرا. # { حتى إذا كنتم في الفلك }: وهي السفن { وجرين بهم ~~} يعني: السفن بالناس. { بريح طيبة } ، وفرح بذلك الناس { ~~جآءتها ريح عاصف } ، أي: جاءت السفن ريح. # وقيل: جاءت الريح الطيبة ريح عاصف، والعاصف: الشديدة. # { وجآءهم الموج من كل مكان } أي: من كل جانب. # { وظنوا أنهم أحيط بهم } أي: أيقنوا بالهلاك. # { دعوا الله مخلصين له الدين } أي: أخلصوا الدعاء لله ~~عز وجل، دون أوثانهم، وآلهتهم. # (و) قيل: (لأنهم) يقولون: " آهيا شراهيا ": تفسيره: يا حي يا ~~قيوم { لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من ~~الشاكرين } على نعمك (وتخليصك) (إيانا مما نحن فيه). # { فلمآ أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض } ، والفلك ~~تذكر، وتؤنث، وتكون واحدا وجمعا (فمن جعلهما جمعا) جعل واحدهما فلكا ~~كوثن ووثن. # وقوله: { إذا كنتم } ، ثم قال: { وجرين } فهذا من الرجوع من ~~المخاطبة إلى الإخبار، ثم قال إخبارا عن فعلهم: # { فلمآ أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير ~~الحق } أي: يكفرون، ويعملون بالمعاصي على ظهر الأرض. # وأصل النجاء: البعد من المكروه ومنه الاستنجاء، لأن الإنسان يبعد به عن ~~نفسه الأذى. # ثم قال تعالى: { يأيها الناس إنما بغيكم على ~~أنفسكم }: # أي: عليها يرجع. وإياها تظلمون. وهذا الذي أنتم فيه متاع الحياة الدنيا. # والبغي في اللغة: التطارح في الفساد. # ومن قرأ { متاع } بالرفع احتمل أن يكون خبر بغيكم، ويجوز أن يكون ~~خبر ابتداء محذوف، وتكون { على أنفسكم } خبر بغيكم. وتقدير ذلك " ~~متاع الحياة الدنيا " أو " هو متاع الحياة الدنيا، وبين الرفعين فرق: ~~وذلك أنك إذا رفعت " متاع " على أنه خبر " بغيكم " ، كان المعنى: إنما ~~بغي بعضكم على بعض متاع الحياة الدنيا مثل: # فسلموا على ms1044 أنفسكم # [النور: 61]، و # لقد جآءكم رسول من أنفسكم # [التوبة: 128]. # وإذا رفعت " المتاع " على إضمار مبتدأ، وجعلت " على أنفسكم " خبر بغيكم ~~كان المعنى: إنما فسادكم راجع عليكم مثل: # وإن أسأتم فلها # [الإسراء: 7] وهو معنى قراءة / من قرأ بالنصب. ويكون النصب على المصدر, ~~أي: تمتعون متاع الحياة الدنيا. # { ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم ~~تعملون }: أي: إلينا ترجعون في الآخرة، فنخبركم بعملكم، ونجازيكم ~~عليه. # { بغير الحق }: وقف. { على أنفسكم } (وقف)، إن جعلت { ~~متاع الحياة الدنيا } منصوبا، (أ) ومرفوعا على إضمار ~~مبتدإ. ### || [10.24-25] # قوله: { إنما مثل الحياة الدنيا كمآء أنزلناه ~~من السمآء } إلى قوله { مستقيم }. # قرأ الحسن، والأعرج، وأبو العالية: " وأزينت " على وزن " أفعلت ~~": أي جاءت بالزينة. وجاء على أصله غير معتل " كاستحوذ ". # وقرئ " وازيانت " مثل اسوادت. # وروى المقدمي " وازاينت والأصل تزاينت على " تفاعلت ". ~~والمعنى: إنما مثل ما تتفاخرون به في الدنيا، وتتباهون به من زينتها ~~وأموالها، (مع) ما خالط ذلك من التنفيض والتكدير والفناء والموت: كماء ~~نزل من السماء فنبت بذلك أنواع النبات مما يأكل الناس: كالحنطة، والشعير، ~~ومما تأكل البهائم من أنواع النبات. فإذا تم نباته، وحسن، وأيقن أهل ~~الزرع أنهم قد ملكوه، وأيقنوا بتمامه، وحصاده، وأن الحشيش لأنعامه مرعى ~~{ أتاهآ أمرنا }: أي: أتى الأرض قضاؤنا في الليل أو في النهار، ~~فجعلنا ما عليها حصيدا، أي: " مقطوعا مقلوعا ". والمراد به ما على ~~الأرض، واللفظ للأرض. # { كأن لم تغن بالأمس } أي كأن لم يكن ذلك الزرع، والنبات ~~على ظهرها بالأمس، (يقال: غني فلان) بالمكان، إذا أقام به، والمعنى: كأن ~~لم تعمر بالنبات بالأمس. والمغاني: المنازل التي يعمرها الناس. وغنينا ~~بمكان كذا أي: نزلناه. والمعنى: وكذلك يأتي الفناء على ما تتباهون به من ~~دنياكم فيفنيها. # قال ابن عباس: فاختلط به نبات الأرض: فنبت بالماء من كل لون. # ثم قال: { كذلك نفصل الآيات }: (أي): كما بينا لكم أيها ~~الناس مثال الدنيا، كذلك نبين حججنا، وأدلتنا لمن تفكر، ونظر، واعتبر. ~~والهاء في { أتاهآ أمرنا } تعود على الأرض. وقيل: على الزخرف. أي: ~~أتى زخرفها أمرنا. # وقيل ms1045 (على) الزينة: أي: أتى زينتها أمرنا ليلا. # وقرأ مرو(ا)ن على المنبر: { حتى إذآ أخذت الأرض ~~زخرفها وازينت وظن أهلهآ أنهم قادرون ~~عليهآ }. وما كان الله ليهلكها إلا بذنوب أهلها. # وذكر أن كذلك قرأها ابن عباس. # وقال ابن عباس: كذلك أقرأني أبي بن كعب. # وقال قتادة (كأن لم نغن بالأمس): " كأن لم تعش، كأن لم تنعم ". # وكان أبو سلمة بن عبد الرحمن يقرأ في قراءة أبي: " كأن لم تغن بالأمس، ~~وما أهلكناها إلا بذنوب أهلها، كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون ". ولا ~~يحسن أن يقرأ أحد بهذه القراءة، لأنها مخالفة لخط المصحف الذي أجمع عليه ~~الصحابة والتابعون. # وقوله: { يتفكرون }: وقف، ووقف أصحاب نافع { أنزلناه من ~~السمآء فاختلط به } ، وكذلك # فاختلط # [الكهف: 45] في الكهف. # وتأويل ذلك " كماء أنزلناه من السماء فاختلط بالأرض " ثم استأنف فقال: { ~~به نبات الأرض }: أي بالماء نبات الأرض. # ومن / جعل الوقف (والأنعام) رفع النبات. # { فاختلط }: أي: فاختلط (نبات الأرض) بالماء. # ثم قال تعالى: { والله يدعوا إلى دار السلام } أي: ~~يدعو إلى الجنة التي يسلم من دخلها من الآفات. # وقيل: المعنى يدعو إلى دارته لأنه تعالى السلام، وداره الجنة. # { ويهدي من يشآء إلى صراط مستقيم } أي يوفق من ~~يشاء إلى الإسلام وهو طريقه المستقيم الذي لا عوج فيه: وهو سبب رضاه، ~~ورضاه سبب دخول الجنة. ### || [10.26-27] # قوله: { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } إلى قوله { ~~خالدون } والمعنى: للذين أحسنوا عبادة الله عز وجل في الدنيا الحسنى ~~وهي الجنة، (وزيادة)، يعني: النظر إلى وجهه جل ذكره، روي ذلك (عن) عامر ~~بن سعد عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه. # وروى صهيب أن رسول الله قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار ~~نادى مناد: يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا، يريد أن ~~ينجزكموه، فيقولون: ما هو؟ ألم يثقل الله موازيننا، ويبيض ~~وجوهنا، ويدخلنا الجنة، وينجنا من النار. فيكشف الحجاب، وينظرون ~~إليه جل ذكره. قال: فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من ذلك). # وهذا القول قول أبي موسى الأشعري، وحذيفة، ms1046 قاله ابن أبي ليلى، وغيرهم: ~~(إن الزيادة): النظر إلى وجه الله تعالى، وذكر كل واحد حديثا (مثل) معنى ~~الحديث المذكور عن النبي عليه السلام. # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الزيادة غرفة من لؤلؤة واحدة لها ~~أربعة أبواب، وقاله النخعي. # وقال ابن عباس: الحسنى واحدة من الحسنات بواحدة، والزيادة: التضعيف إلى ~~تمام العشرة على الواحدة. وهو مثل قوله: # ولدينا مزيد # [ق: 35]: أي: يزيده من فضله. # وقال الحسن: الزيادة هو المجازاة بالحسنة عشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف. # وقال مجاهد: الحسنة بحسنة، وزيادة مغفرة من الله ورضوان. # وقيل: الزيادة: ما أعطاهم الله عز وجل في الدنيا لا يحاسبهم به يوم ~~القيامة. # وقال ابن سيرين في قوله تعالى: # فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين # [السجدة: 17]: إنه النظر إلى الله جل ذكره. # وعن ابن عباس أيضا: { أحسنوا } قالوا: لا إله إلا الله، { ~~الحسنى }: الجنة. # (وروى أبو موسى الأشعري أن النبي عليه السلام قال: إن الله عز وجل يبعث ~~يوم القيامة مناديا ينادي أهل الجنة بصوت يسمع به أولهم وآخرهم: إن الله ~~وعدكم الحسنى وزيادة. فالحسنى الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله. # وقوله: { ولا يرهق وجوههم قتر }: أي لا تغشى وجوههم كآبة ~~والقتر: الغبار وهو جمع قترة. # وقيل: هو الغبار الذي معه سواد، روي ذلك عن ابن عباس. # وقال ابن أبي ليلى: ولا يغشاهم ذلك بعد نظرهم إلى الله سبحانه: فهؤلاء ~~الذين هذه صفتهم هم أصحاب الجنة، ماكثون فيها أبدا. # وقيل: الهاء في " فيها " للحسنى، وقيل: للزيادة، وقيل: للحسنى، ~~والزيادة، والجنة. # ثم قال: { والذين كسبوا السيئات جزآء سيئة ~~بمثلها }: (أي والذين عملوا السيئات في الدنيا جزاؤهم في الآخرة ~~سيئة بمثلها) أي: عقاب من الله عز وجل على ذلك. # وقيل: المعنى: فله جزاء سيئة بمثلها كما قال: { للذين أحسنوا ~~الحسنى }: أي: جزاء حسنة / بحسنة. # ثم قال: { وزيادة } يريد تمام العشر(ة) على الواحدة. # { وترهقهم ذلة }: أي: تغشاهم، { ما لهم من الله ~~من عاصم } أي: من مانع من عقابه. # ومن قرأ " قطعا ms1047 " - بفتح الطاء - فهو جمع قطعة. واختاره أبو ~~عبيد لأن المعنى: كأنما غشي وجه (كل إنسان منهم قطعة). ثم جمع ذلك ~~لأنه قد جمع الوجه، فعلى كل وجه قطعة و " مظلما " على هذا نصب على الحال ~~من " الليل " ، ولو كان نعتا للقطع لقال مظلمة. # ومن قرأ " قطعا " بإسكان الطاء فهو يجوز أن تكون جمع قطعة أيضا، إلا ~~أنه بقي السكون على حاله كما يقال: سدرة، وسدر، وبسرة ~~وبسر. فيكون " مظلما " أيضا على هذا حالا من الليل. # ويجوز أن يكون " قطعا واحدا " يريد به ظلمة من الليل، فيكون " مظلما ~~" نعتا له، وإن شئت حالا من الليل أيضا. # وقيل معناه: بقية من الليل كما قال: # فأسر بأهلك بقطع من الليل # [هود: 81، الحجر: 65]: أي: ببقية منه، وهو اسم ما قطع من الليل وفي ~~قراءة أبي: " كأنما يغشى وجوههم قطع من الليل مظلم ". # ومعنى ذلك: كأنما ألبست وجوه هؤلاء الذين كسبوا السيئات ذلك. # وقوله: { جزآء سيئة بمثلها }: الباء زائدة، و { جزآء } ~~مبتدأ، و { بمثلها }: الخبر. # وقيل: " الباء " غير زائدة. وفي الكلام معنى الشرط، والمعنى: فله جزاء ~~السيئة بمثلها. فالباء صلة للجزاء. ### || [10.28-29] # قوله: { ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين ~~أشركوا مكانكم } إلى قوله { لغافلين } { مكانكم }: # نصب بإضمار فعل، والمعنى: امكثوا مكانكم، وقفوا موضعكم. (جميعا): حال ~~(من الهاء والميم) في نحشرهم. # والمعنى: نحشرهم لموقف الحساب، ثم نقول للذين أشركوا بالله سبحانه غيره، ~~{ مكانكم أنتم وشركآؤكم }: أي: انتظروا حتى يفصل بينكم. و ~~" مكانك وانتظر ": فتوعد بهما العرب. # { فزيلنا بينهم }: أي: فرقنا بين المشركين وما كانوا يعبدون ~~من دون الله، من قولهم: زلت الشيء عن الشيء فأنا أزيله: إذا ~~أنجيته، وزيلنا على التكثير. # وحكى الفراء أنه قرأ " فزايلنا ". يقال: لا أزايل فلانا: أي: لا ~~أفارقه، لا أخاتله. فمعنى زايلنا: معنى: زيلنا. والعرب تفعل ذلك في " ~~فعلت " يلحقون أحيانا الألف مكان التشديد فتقول: فاعلت، والفعل واحد. # { وقال شركآؤهم ما كنتم إيانا تعبدون }: أي: ~~تقول آلهتهم التي عبدوها في الدنيا (لهم): لم تكونوا إيانا تعبدون لأنا ~~ما كنا نسمع، ولا ms1048 نبصر، ولا نعقل، ولا نعلم أنكم كنتم تعبدوننا. # قال مجاهد: تكون يوم القيامة ساعة فيها شدة تنصب لهم آلهتهم التي كانوا ~~يعبدون. فتقول الآلهة: والله ما كنا نسمع، ولا نبصر، ولا نعقل، ولا نعلم ~~أنكم كنتم تعبدوننا. فيقولون: والله لإياكم كنا نعبد، فتقول لهم الآلهة: ~~{ فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن ~~عبادتكم لغافلين }. # وكان مجاهد يتأول الحشر هنا الموت. ### || [10.30-33] # قوله: { هنالك تبلوا كل نفس مآ أسلفت } إلى قوله { ~~لا يؤمنون }. # { هنالك }: نصب على الظرف، واللام زائدة، وكسرت لالتقاء الساكنين، ~~والكاف للخطاب. والمعنى: في ذلك الوقت. # ومن / قرأ " تتلو " بتاءين فمعناه: في ذلك الوقت تتبع كل نفس ما قدمت من ~~عمل. # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " يمثل لكل قوم ما كانوا يعبدون من دون الله سبحانه فيتبعونه حتى ~~يردوا بهم إلى النار. ثم تلا هذه الآية ". # والعرب تقول: فلان " يتلو طريقة أبيه ": أي: يتبع، ومنه قوله: # ويتلوه شاهد منه # [هود: 17]. # وقيل: معنى { تتلو } تقرأ. أي: في ذلك الوقت يقرأ كل إنسان ما أسلفه ~~في الدنيا من عمل، أي: يقرأ كتاب حسابه كما قال: # ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا # [الإسراء: 13]. # وقال ابن زيد: تتلو: تعاين ما عملت. # ومن قرأ " تبلو " بالباء فمعناه: تختبر كل نفس ثواب ما عملت من خير، أو ~~شر. وتصديق ذلك قوله: # يوم تبلى السرآئر # [الطارق: 9]، والقراءتان متقاربتان، لأن من اختبر شيئا فقد اتبعه ~~ليختبره ومن اتبع شيئا فهو أقرب الناس إلى اختباره وقراءته ومعاينيه. # قوله: { مولاهم الحق } يجوز نصب الحق على المصدر المؤكد لردوا، ~~أو لمولاهم. ويجوز نصبه على المدح بمعنى " أغنى " ويجوز الرفع على " هو ~~مولاهم الحق " ، والخفض على النعت لله عز وجل. # { وضل عنهم }: أي: بطل ما كانوا يفترون، أي: يتخرصون من الأنداد ~~والآلهة. و " ما " والفعل مصدر في موضع رفع ب (ضل). # ثم قال تعالى: { قل من يرزقكم من السمآء والأرض }: ~~أي: من ينزل من السماء الغيث، ومن خلق المصالح التي بها تم معاشكم: من ~~شمس ms1049 وريح، وحر وبرد. ومن الأرض والنبات، والعيون والمنافع. # { أمن يملك السمع والأبصار }: أي: يملكها، ويزيد في ~~قواها، أو يسلبكموها ومن يملك الأبصار أن تضيء لكم، أو يذهب بنورها. ومن ~~يخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي. قد تقدم ذكرها في آل عمران. # قوله: { ومن يدبر الأمر }: أي: " أمر السماء والأرض وما فيهن ~~" { فسيقولون الله }: أي: الذي فعل ذلك الله عز وجل فقل لهم يا ~~محمد: { أفلا تتقون }: أي: " أفلا تخافون عقاب الله سبحانه على ~~شرككم ". # { فسيقولون الله }: وقف. # ثم قال تعالى: { فذلكم الله ربكم }: أي: ذلكم الله الذي ~~فعل هذه الأشياء واخترعها هو { ربكم الحق }: أي: الذي لا شك ~~فيه. # { فماذا بعد الحق إلا الضلال } (المعنى: أي: منزلة بعد ~~الحق إلا الضلال. أي: من ترك الحق حل في الضلال). # { فأنى تصرفون } أي: من أين تصرفون عن الحق، وأنتم مقرون ~~بالله سبحانه مخترع جميع هذه الأشياء. # ثم تعبدون من لا يخلق شيئا، ولا يملك ضرا ولا نفعا. # { كذلك حقت كلمت ربك } الكاف من كذلك في موضع نصب ~~والتقدير: كما صرف هؤلاء عن الحق إلى الضلال { كذلك حقت كلمت ~~ربك على الذين فسقوا }: أي: خرجوا من دين الله سبحانه. { ~~أنهم لا يؤمنون }: أن في موضع نصب على معنى بأنهم، أو لأنهم. # وقال الزجاج: يجوز أن تكون في موضع رفع على البدل من الكلمات، وأجاز ~~الأخفش، والفراء في الكسر في أن على الإلزام لترك الإيمان. # وقيل: المعنى " حق عليهم أنهم لا يؤمنون ". " فإن ": في موضع رفع خبر " ~~حق ". # ومعنى: (حقت عليهم كلمات ربك): أي: وجب عليهم في علمه، وفي السابق في ~~اللوح المحفوظ { أنهم لا يؤمنون }. ### || [10.34-35] # قوله: { قل هل من شركآئكم من يبدأ الخلق ثم ~~يعيده } إلى قوله { تحكمون }. # والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: / { هل من شركآئكم } أي: ~~آلهتكم. { من يبدأ الخلق } أي: ينشؤه من غير أصل، ولا مثال، { ~~ثم يعيده }: أي: ثم يفنيه، إذا شاء، ثم يعيده كهيئته قبل أن ~~يفنيه، فإنهم لا يدعون ذلك لآلهتهم. وينقطعون، فقل لهم: ms1050 { الله ~~يبدأ الخلق ثم يعيده } بعد إفنائه { فأنى ~~تؤفكون }: أي: من أي وجه تصرفون وتقلبون عن الحق. { ثم يعيده ~~}: وقف. # ثم قال تعالى: { قل هل من شركآئكم من يهدي إلى ~~الحق } وسيبويه يمنع الكسر في (يهدي) في الياء، ويجيزه في التاء، ~~والنون، والهمزة لأن الكسر ثقيل في الياء، والكسر في الهاء إنما يجوز ~~لالتقاء الساكنين. # وأما قراءة من قرأ يهدي بالتخفيف والإسكان. فقال الكسائي والفراء: ~~(يهدي) بمعنى ( " يهتدي " ). # وقال المبرد: لا يعرف " هدى " بمعنى " اهتدى " قال: ولكن التقدير: ~~أمن لا يهدي غيره. ثم قال: { إلا أن يهدى } على الاستثناء ~~المنقطع، كأنه تم الكلام عند قوله: { أمن لا يهدي } ثم استأنف ~~فقال: " لكنه يحتاج أن يهدي ". # وروي عن ابن عامر: " إلا أن يهدي " بالتشديد. # وقوله: { فما لكم } هذا تمام الكلام عند الزجاج، والمعنى: فأي شيء ~~لكم في عبادة الأصنام. # ثم قال: (لحين تحكمون) كيف في موضع نصب ب " تحكمون ". # ومعنى الآية: هل من شركائكم من يهدي إلى الحق، أي: يرشد إليه ضالا. ~~فإنهم لا يدعون ذلك، إذ عجزهم يمنعهم من ذلك. فقل لهم يا محمد: { الله ~~يهدي للحق }: أي: يرشد الضلال إلى الهدى. # { أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع } إلى ما يدعو ~~إليه { أمن لا يهدي إلا أن يهدى }: أي: أمن لا ينتقل ~~من مكانه إلا أن (ينقل) { إلى الحق }: وقف، { إلا أن يهدى ~~} وقف. { فما لكم } وقف عند أبي حاتم، والزجاج، وابن الأنباري. # وقال غيرهم: { كيف تحكمون } هو التمام. ### || [10.36-37] # قوله: { وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا ~~يغني من الحق شيئا } إلى قوله { من رب العالمين }. # والمعنى: ما يتبع أكثر هؤلاء إلا ظنا، أي: يتبعون ما لا علم لهم ~~بحقيقته، وإنما هم في اتباعهم ما يتبعون على شك. # { إن الظن لا يغني من الحق شيئا }: أي: " إن الشك ~~لا يغني من اليقين شيئا، ولا يقوم في شيء مقامه ". # ثم قال تعالى: { وما كان هذا القرآن أن يفترى (من ~~دون الله) } أي: ما كان افتراء، ولكنه من عند ms1051 الله سبحانه. وقيل: ~~المعنى: ما كان لأحد أن يأتي به من عند غير الله، وينسبه إلى الله عز وجل ~~لإعجازه. # { ولكن تصديق الذي بين يديه }: أي: ولكن كان تصديق ~~التوراة، والإنجيل، وغيرهما من الكتب. # { وتفصيل الكتاب }: أي: وبيان الكتاب الذي كتبه الله على أمة ~~محمد في سابق علمه، من الفروض في الأعمال، والسعيد والشقي. { لا ريب ~~فيه } أي: لا شك أنه كذلك. # وقيل: المعنى: ولكنه تصديق ما بين يدي القرآن، مما لم يأت مثل قيام ~~الساعة. # وقيل: المعنى: ولكنه تصديق الشي الذي القرآن بين يديه، وهو: الكتب ~~المتقدمة، مثل القول الأول في المعنى. # وقيل: إن هذا إنما هو جواب لقولهم # ائت بقرآن غير هذآ # [يونس: 15]، أو جواب / لقولهم # افتراه # [يونس: 38]. ### || [10.38-39] # قوله: { أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله ~~} إلى قوله { عاقبة الظالمين }. # أم: هنا بمنزلة الألف، لأنها قد اتصلت بكلام قبلها، ولا تكون كالألف ~~مبتدأ بها وقيل: هي هنا بمعنى: بل. وقيل: إنها تغني عن الألف وبل. # ومعنى الكلام: " هذا تقرير لهم لإقامة الحجة عليهم ". ومعناه: أيقول: ~~هؤلاء المشركون: اختلق محمد هذا القرآن من عند نفسه. # فأمر الله عز وجل نبيه أن يقول لهم: ما نبين لهم أنه لا يمكن أن يكون من ~~عند بشر، فإن أمكن فقل لهم يا محمد: { فأتوا بسورة مثله } ~~أي: مثل هذا القرآن. فإذا لم تقدروا وأنتم جماعة فصحاء، دل عجزكم على أن ~~محمدا لم يختلقه من عند نفسه، إذ لا يمكن أن يكون من عند بشر، بدلالة ~~عجزكم عن الإتيان بسورة مثله. # وقيل: المعنى: ايتوا بسورة مثل سورته، ثم حذفت السورة مثل: # وسئل القرية # [يوسف: 82]. # ثم قال تعالى: { وادعوا من استطعتم (من دون الله) }: ~~أي: استعينوا بمن قدرتم عليه في الإتيان بالسورة، واجتهدوا، وأجمعوا ~~أولياءكم، وشركاءكم من دون الله سبحانه للمعونة على ذلك فأتوا بذلك { إن ~~كنتم صادقين } في قولكم: إن محمدا اختلقه. # ثم قال تعالى: { بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه }: ~~يعني: الوعيد الذي توعدوا له لم يروه بعد، ولم يحيطوا بعلمه ms1052 فكذبوا به ~~(ولما يأتهم تأويله) أي: لم يأتهم بعدما يؤول إليه أمرهم. فالمعنى: إنهم ~~يا محمد إنما كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه، وليس بهم التكذيب لمحمد. # { كذلك كذب الذين من قبلهم }: أي: كذا كانت سبيلهم ~~وقيل: المعنى: كما كذب هؤلاء يا محمد كذبت الأمم التي من قبلهم { ~~فانظر كيف كان عاقبة الظالمين }: أي: اعتبر كيف أهلك ~~بعضهم بالرجفة، وبعضهم بالغرق، وبعضهم بالريح، وبعضهم بالخسف، فإن عاقبة ~~هؤلاء الذين كذبوك كعاقبة من تقدم من الأمم. # { ولما يأتهم تأويله }: وقف حسن. ### || [10.40-44] # قوله: { ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن ~~به } إلى قوله { يظلمون }. # أخبر الله عز وجل نبيه في هذه الآية: أن من قريش من يؤمن بالقرآن فيما ~~يستقبل، ومنهم من لا يؤمن به أبدا. سبق كل ذلك في علمه تعالى. # وقيل: المعنى: ومنهم من يصدق بالقرآن، ويظهر الكفر عنادا، واتقاء على ~~رياسته، { ومنهم من لا يؤمن به } سرا ولا علانية. # ثم قال تعالى: { وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم ~~عملكم } أي: لي ديني وجزاؤه، ولكم دينكم وجزاؤه. # { أنتم بريئون ممآ أعمل } لا تؤاخذون به { وأنا ~~بريء مما تعملون } لا أؤاخذ به: هذا مثل قوله: # قل يأيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون # [الكافرون: 1-2]. وهذا كله أمر بالمواءمة نسخ ذلك بالأمر بالمحاربة، ~~والقتل في " براءة " وغيرها. # وقيل: معناه، وفائدته: فقل لي علم عملي: أي: ذلك عندي، وعلم عملكم ~~عندكم، أي: عندي علم ثواب عملي، وهذا مثل قول النبي، عليه السلام، # " كل عمل ابن آدم له إلا الصوم " # ، أي: عنده علم ثوابه: الحسنة بعشر أمثالها، إلا الصوم، فهو أعظم أجرا ~~من ذلك. # وقال ابن زيد: هذه الآية منسوخة، نسخها الأمر بالقتال. # ثم قال: { ومنهم من يستمعون إليك }: أي: / يستمعون ~~القرآن. # قوله: { أفأنت تسمع الصم } أي: تخلق لهم سمعا، ولو كانوا ~~لا سمع لهم يعقلون به، فكأنهم من شدة عداوتهم، وانحرافهم عن قول النبي ~~بمنزلة الصم. # وقيل: إن هذا إعلام من الله عز وجل لعباده أن التوفيق إلى الإيمان بيد ~~الله، ومثله ms1053 الكلام على قوله: { ومنهم من ينظر إليك }: وهو ~~نظر الاعتبار إلى حجج النبي وإعلامه على نبوءاته ولكن الله عز وجل سلبه ~~التوفيق فلا يقدر أحد على هدايته، كما لا يقدر أحد أن يحدث للأعمى بصرا. # هذه الآية تسلية من الله، جل ذكره، لنبيه عن جماعة من كفر به من قومه. # وقيل: المعنى: ومنهم من يقبل عليك بالاستماع، والنظر، وهو كالأصم، ~~والأعمى من بغضه لك يا محمد، وكراهيته لما يراه من آياتك، فهو كالأصم، ~~والأعمى، إذ لا ينتفع بما يرى، ولا بما يسمع كما قال: # ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه ~~من الموت # [الأحزاب: 19]. # ثم قال تعالى ذكره { إن الله لا يظلم الناس شيئا }: ~~أي: لا يبخسهم حقهم، فيعاقبهم بغير كفر { ولكن الناس ~~أنفسهم يظلمون }. # وقال الفراء: إذا كانت " لكن " لا واو معها أشبهت " بل ". فتؤثر العرب ~~تخفيفها، ليكون ما بعدها بمنزلة " ما " بعد " بل " من الابتداء والخبر ~~إذا كانت مثل " بل " ، وإذا كانت معها الواو، وخالفت بل، فتؤثر العرب ~~التشديد لينصبوا ما بعدها، فيخالفوا به ما بعد بل، كما خالفت هي بل. ~~والناس يظلمون أنفسهم باكتسابهم الخطايا التي توجب العقاب على أنفسهم. # والمعنى: أن الله جل ذكره، لم يهمل الناس، بل أرسل إليهم الرسل، وأنزل ~~عليهم الكتب، واتخذ عليهم الحجة بالعقل، والسمع، والبصر. ثم جازاهم ~~بأعمالهم بعد أن أمرهم، ونهاهم، فأكرم الطائع، وأهان العاصي، وهذا ~~هو العدل الظاهر البين. ### || [10.45-49] # قوله: { ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة ~~من النهار } إلى قوله { ولا يستقدمون } # المعنى: ويوم نحشر هؤلاء المشركين، كأنهم لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعة ~~من نهار يتعارفون بينهم، ثم انقطعت المعرفة. الآن وقد خسروا أنفسهم ~~بتكذيبهم بآيات الله عز وجل ولقائه سبحانه. # { وما كانوا مهتدين }: أي: موفقين للهدي. # وقيل: معنى { يتعارفون بينهم }: أي: يعرف بعضهم بعضا ~~بالإضلال والفساد، والجحود. وذلك أشد لتوبيخهم. # وقيل: المعنى { يتعارفون بينهم } يقولون: قد خسر الذين كذبوا ~~بلقاء الله. # ومعنى: { لم يلبثوا إلا ساعة من النهار } أي: قرب ~~عندهم موتهم، وبعثهم كما قالوا: ms1054 # لبثنا يوما أو بعض يوم # [الكهف: 19، المؤمنون: 113]. # ثم قال تعالى: { وإما نرينك بعض الذي نعدهم (أو ~~نتوفينك) } أي: " نرينك يا محمد في حياتك بعض الذي تعد هؤلاء ~~المشركين من العذاب، { أو نتوفينك } قبل أن نريك ذلك فيهم " ، ~~{ فإلينا مرجعهم } بكل حال { ثم الله شهيد } على ~~أفعالهم. # قال مجاهد: الذي أراه وقعة بدر. # وقيل: المعنى: أن الله أعلم نبيه ( " إن لم ينتقم منهم في العاجل انتقم ~~منهم في الآجل " وقد تقدم ذكره. # { ثم الله شهيد على ما يفعلون } وذكر معنى، ثم قال: { ~~ولكل / أمة رسول }: أي: وأرسل إلى كل أمة خلت رسولا كما ~~أرسل محمدا إليكم أيها الناس لينذركم. # { فإذا جآء رسولهم } يعني: في الآخرة { قضي بينهم ~~بالقسط } أي: بالعدل. # قال مجاهد: إذا جاء رسولهم يعني: يوم القيامة. # وقيل: المعنى: ولكل أمة رسول يشهد عليهم، فإذا جاء رسولهم يوم القيامة ~~للشهادة عليهم { قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون } ~~، وهو مثل قوله: # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك ~~على هؤلاء شهيدا # [النساء: 41] والمعنى الأول مثل قوله: # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الإسراء: 15]. # ثم قال تعالى ذكره حكاية عن قول المشركين: # { ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين }: أي: ~~متى قيام الساعة التي تعدنا به يا محمد. فأمر الله عز وجل أن يقول لهم: { ~~لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شآء الله ~~} أن أملكه فادفع عنها به الضر, وأجلب إليها به النفع. فأنا إذا كنت لا ~~أقدر على نفع نفسي، ولا أقدر على دفع الضر عنها (فأنا عن القدرة على ~~الوصول إلى) علم الغيب، ومعرفة قيام الساعة (أعجز وأعجز إلا بمشيئته لي ~~في ذلك). # { لكل أمة أجل } أي: لكل قوم ميقات لانقضاء مدتهم، لا ~~يستأخرون عنه ساعة، ولا يتقدمونه بساعة. وذكرت الساعة لأنها أقل أسماء ~~الأوقات، والوقت المقدر في انقضاء مدتهم: أقل من الساعة وأقرب. ### || [10.50-52] # قوله: { قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو ~~نهارا } إلى قوله { تكسبون }. # قوله: { منه المجرمون } الهاء: تعود على العذاب، وقيل: على ms1055 اسم ~~الله عز وجل. ويشهد لرجوعها على " العذاب " قوله: # ويستعجلونك بالعذاب # [الحج: 47، العنكبوت: 53]، ويشهد لرجوعها على الله سبحانه قوله: # بعذاب واقع * للكافرين ليس له دافع # [المعارج: 1-2]، فإذا جعلتها عائدة على " العذاب " ، " فما " في موضع ~~رفع بالابتداء، وإذا جعلتها بمعنى " الذي " خبر " ما " ويجوز أن تكون " ~~ما " و " ذا " شيئا واحدا في موضع رفع. والخبر في الجملة، وإن جعلت " ~~الهاء " تعود على اسم الله سبحانه وجعلت " ما " و " ذا " اسما واحدا ~~كانت " ما " في موضع نصب بمستعجل والمعنى: أي شيء يستعجل من الله ~~المجرمون، وإن جعلت " ما " اسما، و " ذا " بمعنى " الذي " كانت كالأولى: ~~ابتداء وخبر. وكون الهاء تعود على العذاب أحسن لقوله: { أثم إذا ~~ما وقع آمنتم به }. والمعنى: قل لهم يا محمد: أرأيتم إن أتاكم ~~هذا الذي تستعجلون به من العذاب ليلا أو نهارا ما يستعجل من نزول ~~العذاب المجرمون، وهم لا يقدرون على دفعه. # فمعنى الكلام: الإنكار عليهم لاستعجالهم بأمر، لا يقدرون على دفعه إذا ~~حل بهم. ثم قال تعالى: { أثم إذا ما وقع آمنتم به }. # قال الطبري: " أثم " بمعنى " هنالك " إذا وقع العذاب بكم آمنتم بالله عز ~~وجل. وليست عنده، ثم التي للعطف, وهو غلط منه. وإنما التي تكون بمعنى " ~~هنالك " هي المفتوحة / الثاء بمنزلة قوله: # وإذا رأيت ثم رأيت نعيما # [الإنسان: 20]. والتقدير عند غيره أنها " ثم " التي للعطف. وفي الكلام ~~حذف. والتقدير: أتأمنون إذا نزل بكم العذاب، فتؤمنون ثم يقال لكم: الآن ~~آمنتم، وقد كنتم تريدون استعجاله، وحلوله بكم، فلما عاينتم حلوله آمنتم ~~حين لا ينفعكم الإيمان، وهو مثل قوله: # فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده # [غافر: 84] إلى قوله # بأسنا # [غافر: 85]: أي: لم ينفعهم الإيمان عند معاينة العذاب. كذلك سنة الله عز ~~وجل في الكافرين لا يقيلهم من كفرهم عند معاينتهم العذاب. # و " آلآن " عند الفراء أصلها: أوان، ثم حذفت الهمزة الثانية منها، ~~وقلبت الواو ألفا، ثم دخلت الألف واللام وبنيت على الفتح. # وقيل: أصلها " آن " مثل " حان " ثم دخلتها الألف واللام، وبقيت على ms1056 ~~فتحها مثل: " قيل، وقال ". # وقال الزجاج: لا يحسن هذا القول: لأنه لو كان كذلك لم تدخل عليه الألف ~~واللام، كما لا تدخل على " قيل ". # وقال سيبويه: سبيل الألف واللام أن يدخلا لمعهود، و " الآن ": ليس ~~بمعهود، وإنما معناه: " نحن في هذا الوقت نفعل كذا، فلما تضمنت هذا بنيت ~~على الفتح ". # قوله: { ثم قيل للذين ظلموا } أي: ظلموا أنفسهم. # { ذوقوا عذاب الخلد }: أي: العذاب الدائم. هل تجزون إلا ما ~~عملتم في حياتكم من المعاصي، وما اكتسبتم في دنياكم. ### || [10.53-55] # قوله: { ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه ~~لحق } إلى قوله { ولكن أكثرهم لا يعلمون }. # { أحق هو } هو: ابتداء، وخبره " أحق ". # وقال سيبويه: (أحق): ابتداء، وهو فاعل يسد مسد الخبر. # ومعنى الآية: ويستخبرك يا محمد هؤلاء المشركون: أحق ما تعدنا به من ~~الآخرة، ومن المجازاة على أعمالنا. قل لهم يا محمد: { إي وربي }: ~~نعم وربي { إنه لحق }: أي: إن الذي يعدكم من ذلك، لحق آت لا شك ~~فيه. # { أنتم بمعجزين }: أي: لستم تعجزون الله إذا أراد بكم أمرا ~~بهرب، ولا امتناع. # { إي وربي }: وقف، كما تقول: " نعم والله ". والتمام: إنه لحق. ثم ~~قال تعالى: { ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض }: ~~" أن ": في موضع رفع بفعل مضمر، لأن حق لو (أ) لا يليها إلا الفعل ~~مضمرا، أو مظهرا. فسبيل ما بعدها أن يكون مرفوعا بالفعل المقدر. ~~والمعنى: ولو أن لكل نفس كفرت بالله سبحانه، وآياته، (جلت عظمته) ما في ~~الأرض، من قليل، أو كثير لافتدت به من عذاب الله إذا عاينته. وذلك لا ~~يكون لها أبدا، ولو كان لها لافتدت به، ولو افتدت به لم يقبل منها. # قوله: { وأسروا الندامة }: أي: أسر كثيرا. وهم الندم من ~~ضعفائهم حين عاينوا العذاب، وعلموا أنه واقع بهم. # وقيل: المعنى: (وأسروا): أظهروا الندامة عند ذلك. # قال المبرد: معناه: بدت الندامة في أسرة وجوههم، وهي الخطوط التي في ~~الجبهة، واحدها سرار. # { وقضي بينهم بالقسط }: أي: بالعدل. # ثم قال تعالى منبها: (أنه غني عما في الأرض (و) ms1057 لو افتدوا به) ~~وأنه لا يملك هذا الكافر شيئا: { ألا إن لله ما في ~~السماوات والأرض }: فليس للكافر شيء يفتدي به. # ثم قال: { ألا إن وعد الله حق }: أي: عذابه الذي استعجله ~~/ هؤلاء المشركون حق واقع لا شك فيه. # { ولكن أكثرهم لا يعلمون }: حقيقة ذلك، فهم من أجل ~~جهلهم يكذبون. ### || [10.56-58] # قوله: { هو يحيي ويميت وإليه ترجعون } إلى قوله { ~~خير مما يجمعون }. # والمعنى: والله عز وجل يحيي ويميت، فلا يتعذر عليه إحياؤهم بعد مماتهم. ~~{ وإليه ترجعون }. # و " ألا " في جميع هذا تنبيه. # ثم قال تعالى: { يأيها الناس قد جآءتكم موعظة من ~~ربكم وشفآء لما في الصدور }: وهو القرآن، يذكركم عقاب ~~الله عز وجل، وثوابه، جلت عظمته. # { من ربكم }: أي: لم يختلق ذلك محمد، بل هو من عند الله عز وجل، ~~{ وشفآء لما في الصدور }: أي: دواء لما في الصدور من الجهل ~~بالله سبحانه، وآياته، وفرائضه، وطاعته، ومعاصيه. # { وهدى }: أي: " وبيان لحلاله وحرامه ". # { ورحمة للمؤمنين } أي: يرحم به من يشاء من خلقه، فينقذه ~~به من الضلالة إلى الهدى، فهو رحمة للمؤمنين، وعمى للكافرين، كما قال: # وهو عليهم عمى # [فصلت: 44]. # ثم قال تعالى: قل - يا محمد - { بفضل الله وبرحمته ~~فبذلك فليفرحوا } أي: بفضل الله عز وجل، وهو الإسلام الذي ~~تفضل على العباد المؤمنين بالهداية إليه وبرحمته سبحانه التي رحمكم، ~~فاستنقذكم من الضلالة. { فبذلك فليفرحوا }: # وعن ابن عباس أنه قال: فضل الله عز وجل القرآن، ورحمته سبحانه أن جعلهم ~~من أهل القرآن. وهو قول مجاهد. # والعرب تأتي " بذلك " للواحد والاثنين والجمع، وهو هنا للاثنين. وقرأ ~~يزيد ابن القعقاع: " فلتفرحوا " بالتاء، ورواها عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وقرأ أبي بالتاء في الحرفين. وفي حرف أبي: " فبذلك ~~فافرحوا ". # وقيل: الفضل هنا الإسلام، والرحمة: القرآن، قاله ابن عباس، وقتادة. وقال ~~أبو سعيد الخدري الفضل: القرآن، والرحمة: أن جعلكم من أهله. # وروي عن ابن عباس أيضا: الفضل: القرآن، والرحمة: الإسلام. وهو قول زيد ~~ابن أسلم، والضحاك. # { خير مما يجمعون } أي: من الأموال. ومن قرأ " فلتفرحوا " ~~بالتاء، ms1058 ويجمعون بالياء. فمعناه: فبذلك فافرحوا يا أيها المؤمنون. هو خير ~~مما يجمع الكفار من الأموال. # ومن قرأهما بالتاء، فعلى المخاطبة للمؤمنين. # ومن قرأهما بالياء، فعلى الأمر للكفار: أي: فبالقرآن، والإسلام فليفرح ~~هؤلاء المشركون. { هو خير مما يجمعون }: من الأموال. # ما في السماوات والأرض # [يونس: 55]: وقف. # { يوم القيامة }: وقف عند أحمد بن جعفر. ### || [10.59-60] # قوله: { قل أرأيتم مآ أنزل الله لكم من رزق } ~~- إلى قوله - { يشكرون }. # والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: أرأيتم الذي أنزل الله إليكم من ~~رزق، وحولكموه فحللتم بعضه، وحرمتم بعضه: وذلك أنهم كانوا يحرمون ~~بعض أنعامهم، وبعض زروعهم، وقد ذكر ذلك في المائدة، والأنعام. # ومعنى الآية: أنها نهي عن تحليل ما حرم الله. وعن تحريم ما أحل الله ~~سبحانه، وعن تحليل ما لم يأذن الله بتحليله، وتحريم ما لم يأذن بتحريمه. # { ءآلله أذن لكم أم على الله تفترون } أي: ~~تختلقون ما لم يأمر به. # ثم قال تعالى: { وما ظن الذين يفترون على الله ~~الكذب } أي: ما ظن هؤلاء الذين يحرمون ما أحل الله، فيختلقون ما لم ~~يأمر به، ويتخرصون عليه / ما لم يقل. # إن الله يفعل بهم يوم القيامة، أيحسبون أنه يصفح عنهم؟ كلا، بل يصليهم ~~سعيرا. # { إن الله لذو فضل على الناس }: أي: ذو تفضل على خلقه، ~~بتركه معاجلة من افترى على الله الكذب بالعقوبة في الدنيا. # { ولكن أكثرهم لا يشكرون } على تفضل الله عز وجل ~~عليهم. ### || [10.61] # قوله: { وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن } ~~- الآية. # قوله: { تتلوا منه }: " التاء " تعود على الشأن. والمعنى " وما ~~تتلو من الشأن. أي: من أجل الشأن، أي: يحدث شأن، فيتلى القرآن من أجله ~~ليعلم كيف حكمه ". # وقال الطبري: { وما تتلوا منه }: أي: من كتاب الله عز وجل. # { ولا تعملون من عمل }: أي: عملا. " ومن " زائدة للتأكيد. # { إلا كنا عليكم شهودا }: أي: " إلا ونحن شهود لأعمالكم " ~~إذا عملتموها. ومعنى: { إذ تفيضون فيه }: أي: إذ تفعلون. # وقال الضحاك: المعنى: إذ " تشيعون " في القرآن من الكذب وقيل: المعنى: " ~~إذ تنتشرون ms1059 فيه ". # وقيل: إذ " تأخذون فيه ": أعلم الله عز وجل المؤمنين أنهم لا يعملون ~~عملا إلا كان شاهده وقت عملهم له. # ثم قال: { وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة }: أي: ~~وما يغيب عن ربك مثقال ذرة. # { ولا أكبر ولا أصغر }. عن نصب عطفه على لفظ " مثقال " ، ~~وعلى لفظ " ذرة ". وهو لا ينصرف، وموضعه خفض. ومن رفع، رفعه على موضع ~~مثقال، لأن " من " زائدة للتوكيد. # والمعنى: ليس يغيب عن ربك يا محمد من أعمال العباد زنة ذرة، وهي النملة ~~الصغيرة. ولا يغيب { ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا ~~في كتاب مبين } أي: هو محصى في كتاب مبين: فكل عنده في اللوح ~~المحفوظ، من باطن وظاهر، والحفظة يكتبون ما ظهر لهم من الأعمال التي ~~تقدمت في اللوح المحفوظ، وما خفي عنهم من أعمال بني آدم، وأسرارهم لا ~~يكتبونه ولا يعلمونه. وعلمه كله عند الله عز وجل مثبت في اللوح المحفوظ، ~~لا يعزب عنه منه شيء. ### || [10.62-64] # قوله: { ألا إن أوليآء الله لا خوف عليهم ولا ~~هم يحزنون } إلى قوله { الفوز العظيم }. # " ألا ": تنبيه، " وأولياؤه ": قوم يذكر الله عز وجل عند رؤيتهم، لما ~~عليهم من سمات الخير، والإخبات: قاله ابن عباس. # وروي ذلك عن النبي، عليه السلام. # وروى أبو هريرة عن النبي عليه السلام أنه قال: # " إن من عباد الله عبادا يغبطهم الأنبياء والشهداء. قيل: من هم يا رسول ~~الله؟ لعلنا نحبهم. قال: هم قوم متحابون في الله عز وجل من غير أموال، ~~ولا أنساب. وجوههم نور، على منابر من نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا ~~يحزنون إذا حزن الناس ثم قرأ: { ألا إن أوليآء الله لا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون } " # الآية. () # ثم قال تعالى: { الذين آمنوا (وكانوا) يتقون }: أي: هم ~~الذين آمنوا بالله عز وجل ورسوله، وبما جاء من عند الله سبحانه { ~~وكانوا يتقون }: محارمه. { لهم البشرى في الحياة ~~الدنيا وفي الآخرة } قال عروة بن الزبير، ومجاهد: " هي الرؤيا ~~الصالحة يراها الرجل الصالح، أو ترى له ". # قال أبو الدرداء: ms1060 # " سألت النبي صلى الله عليه وسلم، عن هذه الآية فقال: هي الرؤيا الصالحة ~~يراها الرجل، وترى له، وهي / جزء من سبعة وأربعين جزءا من النبوءة ". # وعن ابن عباس أنه قال: هو قول الله عز وجل لنبيه: # وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا ~~كبيرا # [الأحزاب: 47] قال: " (هي) الرؤيا الصالحة ". وبشرى الآخرة الجنة. وعلى ~~هذا أكثر أهل التفسير. وقال قتادة، والزهري هي: بشرى عند الموت في ~~الدنيا. # وقال الضحاك: يعلم أين هو قبل الموت، ويدل على هذا القول قوله: # يبشرهم (ربهم) برحمة منه # [التوبة: 21] الآية. # وقوله: # تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا ~~تحزنوا # الآية. [فصلت: 30]. # وقال أبو ذر: # " سألت النبي عليه السلام: فقلت: الرجل يعمل لنفسه خيرا، ويحبه الناس. ~~فقال: تلك عاجل بشرى المؤمنين في الدنيا، وفي الآخرة إذا أخرجوا من ~~قبورهم ". # { لا تبديل لكلمات الله }: أي: لا خلف لوعده. لا بد أن ~~يكون ما قال تعالى. # { ذلك هو الفوز }: أي: البشرى في الحياة الدنيا، وفي الآخرة: { ~~هو الفوز العظيم }. والفوز: الظفر. # قوله: { لكلمات الله } وقف. ### || [10.65-70] # قوله: { ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا ~~} إلى قوله { بما كانوا يكفرون }. # والمعنى: ولا يحزنك يا محمد تكذيبهم لك، واستطالتهم عليك. # { إن العزة لله جميعا }: أي: له عزة الدنيا والآخرة، فهو ~~ينتقم من هؤلاء. # { هو السميع العليم }: أي: ذو سمع لما يقولون، وما يقول ~~غيرهم، وذو علم بهم وبغيرهم، ودل هذا النص على أن كل عزيز في الدنيا ~~فالله (عز وجل). أعزه، وكل ذليل، فالله سبحانه أذله. # ثم قال تعالى: { ألا إن لله من في السموت ومن في ~~الأرض }: أي: له كل شيء. فكيف يعبد هؤلاء غيره؟ فليس يدعون في عبادتهم ~~الأصنام شركاء له لأن كل شيء له. ما يتبعون في عبادتهم لها إلا الشك، ~~وما هم إلا يتخرصون والعامل الناصب للشركاء: " يدعون " ، ولا يعمل فيه " ~~يتبع " لأنه نفي عنهم. وقد أخبرنا الله أنهم يعبدون الشركاء. ومفعول " ~~يتبع " قام مقامه. # { إن يتبعون إلا الظن } لأنه هو، فكأنه قال: وما يتبع ~~الذين يدعون من ms1061 دون الله شركاء إلا الظن. فالظن مفعول " يتبع " ، و " ~~شركاء " مفعول يدعون. # قوله: { هو الذي جعل لكم اليل لتسكنوا فيه }: أي: ~~تستريحون فيه من تصرفكم. وجعل النهار مبصرا فيه على النسب بمنزلة # عيشة راضية # [الحاقة: 21]. # { إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون }: أي: يسمعون هذه ~~الأدلة فيفهمونها، ويتعظون بها. # ثم قال تعالى حكاية عن قوم الكفار: { قالوا اتخذ الله ولدا ~~} يعني: قولهم: إن الملائكة بنات الله. # سبحانه: أي: تنزيها له من ذلك، ومن كل السوء. { هو الغني }: أي: ~~الغني عن خلقه، فلا حاجة له إلى ولد. # { له ما في السموت وما في الأرض } أي: يملك جميع ذلك، ~~فأي حاجة له إلى ولد، وكيف يكون عبده ولدا له. وأيضا: فقد أقررتم أيها ~~الجاهلون أنه لا شبه له، ولا مثل، وعلمتم أن الولد يشبه الوالد، وأنه من ~~جنس والده يكون. فواجب أن يكون الولد الذي ادعيتم مثل الوالد. فقد أوحيتم ~~بذلك أن له مثلا، وشبيها، لأن ولده / مثله. وإذا وجب ذلك زالت عنه صفة # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11]. وإذا زالت هذه الصفة عنه، فقد نقصت صفاته عن الكمال. ~~والناقص محدث، ففي إيجابكم له الولد، إيجابكم أنه محدث، وتعطيل للربوبية، ~~تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. لا إله إلا هو، لم يلد ولم يولد، فلا ~~شبيه له ولا مثيل، ولا نظير. ليس كمثله شيء، لا إله إلا هو. () # قوله: { إن (عندكم) من سلطان بهذآ }: أي: ما عندكم ~~أيها القوم من حجة بقولكم. { أتقولون على الله ما لا ~~تعلمون }: أي: لا تعلمون حقيقته، وصحته، فتضيفون ذلك إلى من لا يجوز ~~إضافته إليه بغير حجة. # ولا برهان. # ثم قال تعالى لنبيه: قل يا محمد: { إن الذين يفترون على ~~الله الكذب }: أي: يتخرصون، ويختلقون الكذب على الله. { لا ~~يفلحون }: أي: " لا يبقون في الدنيا " ، والفلاح: البقاء. # { متاع في الدنيا }: أي: لكن لهم متاع في الدنيا. # وقيل: افتراؤهم متاع، وقيل: المعنى: ذلك متاع، وقيل: هو متاع. # وقيل: التقدير إنما ذلك متاع، أو إنما هذا متاع، أي: يمتعون به ms1062 إلى ~~الأجل الذي كتب لهم. # { ثم إلينا مرجعهم } أي: يرجعون إلينا عند انقضاء أجلهم ~~الذي كتب لهم. # { ثم نذيقهم العذاب الشديد } وهو عذاب النار بكفرهم ~~بالله سبحانه، وبرسله صلوات الله عليهم، وكتبه. ### || [10.71-72] # قوله: { واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه } إلى ~~قوله { من المسلمين }. # قوله: وشركاؤهم: قال الكسائي، والفراء: هو بمعنى: وادعوا شركاءكم. # وقال المبرد: نصبه على المعنى، كما قال متقلدا سيفا ورمحا، وقال ~~الزجاج هو مفعول معه. # وروى الأصمعي عن نافع: " فاجمعوا " موصولة الألف من: جمع، وهي قراءة ~~الجحدري. وهما لغتان: جمع وأجمع. # وقرأ الحسن، وابن أبي إسحاق، وعيسى ويعقوب: " فأجمعوا أمركم ~~وشركاؤكم بالرفع، عطفا على المضمر في " أجمعوا ": وحسن ذلك لما حال ~~بينهما بالمفعول، فقام مقام التوكيد. # وقيل: إن " الشركاء " رفع بالابتداء، والخبر محذوف. أي: وشركاؤكم ~~ليجمعوا أمرهم، والشركاء هنا: الأصنام، وهي لا تصنع شيئا. إلا أن يكون ~~المعنى على التوبيخ لهم، كما قال لهم إبراهيم: # بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ~~ينطقون # [الأنبياء: 63]. # ومن نصب " الشركاء " حمله على المعنى، أي: وادعوا شركاءكم، ولا يعطف ~~على الأمر بتغير المعنى. يقال: أجمعت الأمر وعلى الأمر: عزمت عليه. فلا ~~معنى لعطف الشركاء على هذا المعنى، فلا بد من إضمار فعل. # ومعنى الآية: إن الله تعالى ذكره، يقول لنبيه: واتل عليهم يا محمد خبر ~~نوح إذ قال لقومه: يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي، وشق عليكم تذكيري ~~بآيات الله، ووعظي إياكم، فعزمتم على قتلي، أو طردي من بين أظهركم فعلى ~~الله اتكالي، وبه ثقتي. # { فأجمعوا أمركم }: أي: أعدوا ما تريدون، واعزموا على ما ~~تشاؤون. يقال: أجمعت على كذا: إذا عزمت عليه. والشركاء هنا: آلهتهم. # وقوله: { لا يكن أمركم عليكم غمة }: أي: لا يكن ~~ملتبسا مشكلا، من قولهم: غم على الناس الهلال: وذلك إذا أشكل عليهم ~~أمره. وقيل معناه: " ليكن أمركم ظاهرا منكشفا ". # { ثم اقضوا إلي ولا تنظرون }: أي: ثم افعلوا ما بدا ~~لكم ولا تؤخروه. # { فإن توليتم فما سألتكم من أجر }: أي: إن ~~توليتم عني بعد دعائي إياكم ms1063 إلى الله عز وجل. فإني لم أسألكم عما دعوتكم ~~إليه أجرا، ولا عوضا أعتاضه منكم على دعائي. ما أجري إلا على الله، ~~وأمرني ربي أن أكون من المسلمين. فمن أجل ذلك أدعوكم إلى مثل ما أنا ~~عليه. ### || [10.73-78] # قوله: { فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك ~~وجعلناهم خلائف } إلى قوله { وما نحن لكما ~~بمؤمنين }. # والمعنى " فكذب نوحا قومه فيما أخبركم به على الله عز وجل من الرسالة ~~". # { فنجيناه ومن معه }: أي: ممن آمن في الفلك، وهي السفينة. # { وجعلناهم خلائف }: أي: جعلنا من معه ممن حمل في السفينة ~~خلائف: أي: يخلفون من أهلك من قومه، وهو جمع خليفة. # { وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا }: أي: بحججنا ~~وأدلتنا. # فانظر يا محمد { كيف كان عاقبة المنذرين }: الذين أنذرهم ~~نوح. فكذبوه. فليحذر هؤلاء الذين كذبوا بك مثل ما نزل بقوم نوح. # قوله: { ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم }: أي: ~~بعثنا بعد نوح كل رسول إلى قومه، { فجآءوهم بالبينت }: وهي ~~العلامات الواضحات الدالة على صدقه فيما يقول، وما يدعو إليه. # { فما كانوا ليؤمنوا - بذلك - كذلك نطبع على ~~قلوب المعتدين }: أي: كما طبعنا على قلوب قوم نوح، كذلك نطبع على ~~قلوب من اعتدى فتجاوز أمر ربه، وكفر به. # { ثم بعثنا من بعدهم موسى }: أي: من بعد الرسل التي ~~بعثت من بعد نوح { إلى فرعون وملإيه }: أي: وأشراف قومه، ~~فاستكبروا عن الإقرار بآياتنا { وكانوا قوما مجرمين }: أي: ~~آثمين بكفرهم. # { فلما جآءهم الحق من عندنا }: أي: جاءهم ما لا يشكون ~~في أنه حق قالوا: إن الله الذي جئت به { لسحر مبين }: ظاهر، قال ~~لهم موسى: { أتقولون للحق لما جآءكم أسحر هذا }. # قال الأخفش: أسحر هذا: حكاية لقولهم. # وقيل: إن الألف دخلت، لأنهم تعجبوا، واستعظموا ما أتاهم به موسى، ~~فقالوا: أسحر هذا على الاستعظام، لا على الاستخبار. # وقيل: إن السحر من قوم موسى منكر على فرعون وملئه إذ قالوا: هذا سحر. ~~وفي الكلام حذف. والتقدير: قال موسى: { أتقولون للحق لما ~~جآءكم أسحر هذا }: فقولهم محذوف دل عليه قول موسى على طريق ms1064 ~~الإنكار لما قالوا: { ولا يفلح / الساحرون }: أي: لا ينجحون. # { قالوا أجئتنا لتلفتنا }: أي: لتصرفنا، وقيل: لتلوينا. # وقيل: لتعدلنا. والمعنى متقارب. # { عما وجدنا عليه آباءنا }: من عبادة الأصنام. # { وتكون لكما الكبريآء }: أي: الملك وقيل: السلطان. # وقال الضحاك: الطاعة، وقيل: العظمة. والمعاني متقاربة. { وما نحن ~~لكما بمؤمنين }: أي: بمصدقين أنكما رسولان لله عز وجل. ### || [10.79-82] # قوله تعالى: { وقال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم } ~~إلى قوله: { ولو كره المجرمون }. # والمعنى: إنه الملعون، قال لقومه، جئوني بكل ساحر عليم بالسحر. # ومن قرأ " سحار " فعلى المبالغة. # قوله: { فلما جآء السحرة قال لهم موسى ألقوا ~~مآ أنتم ملقون } يعني: من حبالهم، وعصيهم، وفي الكلام اختصار، ~~والمعنى: فأتوه بالسحرة { فلما جآء السحرة } فرعون بفعلهم ~~{ قال لهم موسى ألقوا مآ أنتم ملقون } { فلمآ ~~ألقوا } أي: ألقوا حبالهم وعصيهم. قال موسى: { ما جئتم به ~~السحر } من استفهم جعل " ما " في موضع نصب، كما تقول: أزيدا مررت ~~به، أو في موضع رفع بالابتداء. و " جئتم به ": الخبر، ومعناه: التوبيخ ~~والتقصير لما جاؤوا به. السحر على إضمار مبتدأ: أي: هو السحر، أو على ~~إضمار خبر، أي: أسحر هو. # ومن قرأ بغير استفهام " فما " بمعنى: " الذي " في موضع رفع بالابتداء. # والسحر: الخبر. وهو خبر عن قول موسى لهم، وهو الاختيار. لأن موسى قد ~~علم أنهم لا شيء عندهم إلا السحر، وأن فرعون بعث وراء السحرة في سائر ~~البلدان. فاستفهام موسى عما أتوا به، هل هو سحر لا معنى له: وقد احتج ~~اليزيدي بقراءة أبي عمرو بالمد بقوله: " آسحر " هذا وهذا منه غلط عند ~~النحويين، لأن موسى استفهم بقوله: آسحر، عن سحر السحرة، فهو استرشاد. ~~وفيه معنى النهي لهم عن ذلك. # واستفهم بقوله: أسحر هذا عما جاء هو به من عند الله عز وجل، على معنى ~~التوبيخ، والتقرير لهم. وفيه معنى الدعاء لهم. ليقبلوه، فبينهما بعد في ~~المعنى، ودخلت الألف واللام لتقدم ذكر السحر في قوله: { أسحر هذا ~~} وعلى هذا يقال في أول الكتب: سلام عليك، وفي الآخر: والسلام عليك، ~~وكذلك لو قال ms1065 قائل: " وجدت درهما " فسألته عن موضع الدرهم لقلت: " وأين ~~الدرهم، ويفتح " وأين درهم. # وأجاز الفراء نصب السحر على أن تجعل " ما " شرطا، وتحذف الفاء من " أن ~~". وذلك لا يجوز إلا في الشعر. # ومعنى { سيبطله }: أي: سيذهب به الله. فذهب به تعالى بأن سلط عليه ~~عصا موسى، فحولها ثعبانا، فلقفته كله. # { إن الله لا يصلح عمل المفسدين } أي: عمل من سعى ~~بالفساد في الأرض، { ما جئتم به }: وقف على قراءة من استفهم، و ~~(السحر): وقف على قراءة من لم يستفهم. # ثم قال تعالى: { ويحق الله الحق بكلماته }: هذا إخبار ~~من الله عز وجل عن قول موسى للسحرة. والمعنى: ويثبت الحق الذي جئتم به. # { بكلماته }: أي: بأمره، { ولو كره المجرمون }: أي: ~~ولو كره الذين اكتسبوا الإثم بمعصيتهم ربهم. ### || [10.83-86] # قوله / { فمآ آمن لموسى إلا ذرية من قومه } إلى ~~قوله { من القوم الكافرين }. والمعنى: أنه لم يؤمن لموسى، ~~صلوات الله عليه، من قومه مع ما جاءهم به من الحجج إلا ذرية من قومه، وهم ~~خائفون من فرعون وملإهم. # قال ابن عباس: الذرية في هذا الموضع القليل، وكذلك قال الضحاك. # وقال مجاهد: إن المعنى ما آمن لموسى إلا أولاد من أرسل إليهم، والمرسل ~~إليهم هلكوا غير مؤمنين، وذلك لطول الزمان. وهو اختيار الطبري. # وروي عن ابن عباس أيضا (من قوم فرعون) قال: وهم قوم من قوم فرعون، غير ~~بني إسرائيل، منهم امرأة فرعون، ومومن آل فرعون، وخازن فرعون، وامرأة ~~خازنه. # وقال بعض أهل اللغة: إنما قيل لهم " ذرية " ، لأن آباءهم قبط، ~~وأمهاتهم من بني إسرائيل. كما قال لأبناء الفرس الذين أمهاتهم من العرب، ~~وآباؤهم من الفرس أبناء. # وقوله تعالى: { وملئهم } بالجمع: الضمير راجع إلى فرعون، لأن ~~الجبار يخبر عنه بلفظ الجمع. # وقيل: إنه إنما فعل ذلك، لأن فرعون لما ذكر، علم أن معه غيره. فعاد ~~الضمير عليه، وعلى من تضمن الكلام ذكره. # وقيل: المعنى على خوف من فرعون وملئهم. ثم حذف مثل: # وسئل القرية # [يوسف: 82]. # وقال الأخفش: الضمير يعود على الذرية، وهو اختيار الطبري، ms1066 ومعنى: { ~~يفتنهم } أي: يفتنهم بالعذاب فيصدهم عن دينهم. ووحد على الخبر ~~عن فرعون، لأن الخبر عنه يدل، على أن قومه يفعلون مثل فعله. # { وإن فرعون لعال في الأرض }: أي: لجبار متكبر. # { وإنه لمن المسرفين } أي: من " المتجاوزين الحق إلى ~~الباطل ". # ثم قال تعالى: { وقال موسى يقوم إن كنتم آمنتم ~~بالله فعليه توكلوا } أي: فوضوا الأمر إليه إن كنتم ~~آمنتم (ولا تخافوا من آل فرعون) { إن كنتم مسلمين * فقالوا ~~على الله توكلنا } " أي: به وثقنا " ، وهذا يدل على أن ~~التوكل على الله عز وجل في جميع الأمور واجب، وأنه من كمال الإيمان. وقد ~~قال الله عز وجل: # للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون # [الشورى: 36]، وقال: # ومن يتوكل على الله فهو حسبه # [الطلاق: 3]، أي: فهو كافيه. # قال ابن عباس: الذرية القليل. # قال مجاهد: الذرية، يعني: أولاد الذين أرسل إليهم موسى من طول الزمان، ~~وقد مات آباؤهم. # قال ابن عباس: كانوا ست مائة ألف. " وذلك أن يعقوب ركب إلى مصر من كنعان ~~في اثنين وسبعين إنسانا فتوالدوا بمصر حتى بلغوا ست مائة ألف ". # قال الفراء: بلغنا أن الذرية الذين آمنوا كانوا سبعين، أهل بيت. # ثم قالوا: { ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم ~~الظالمين }: أي: لا تظهرهم علينا، فيفتتنوا بذلك، ويظنوا أنهم خير ~~منا، فيزدادوا طغيانا. وقيل: المعنى: لا تسلطهم علينا فيفتنونا. # وقال مجاهد: المعنى: لا تعذبنا بأيدي قوم فرعون، ولا بعذاب من عندك. ~~فيقول قوم فرعون: لو كانوا على حق ما عذبوا، ولا سلطنا عليهم. وكذلك قال ~~ابن جريج. # وقال ابن زيد: المعنى " لا تبتلينا " ربنا فتجهدنا، وتجعله فتنة ~~لهم " # { ونجنا برحمتك من القوم الكافرين }: يعنون قوم ~~فرعون. ### || [10.87-89] # قوله: { وأوحينآ إلى موسى وأخيه أن تبوءا ~~لقومكما } إلى قوله - { الذين لا يعلمون }. # المعنى: / " اتخذا لقومكما بمصر بيوتا " { واجعلوا بيوتكم ~~قبلة }: أي: " مساجد تصلون فيها " ، لأنهم كانوا يفرقون من فرعون، ~~وقومه أن يصلوا. فقال لهم: اجعلوا بيوتكم مساجد حتى تصلوا فيها. # قال النخعي: خافوا، فأمروا أن يصلوا في بيوتهم. # (وعن ابن عباس، قال مجاهد: كانوا لا ms1067 يصلون إلا في البيع خائفين، فأمروا ~~أن يصلوا في بيوتهم). # وعن ابن عباس: (واجعلوا بيوتكم قبلة): يعني: قبل الكعبة. # وقيل: كان فرعون أمر بهدم الكنائس، فأمروا أن يجعلوا بيوتهم مساجد، ~~يصلون فيها سرا. # قال مجاهد: مصر هنا الإسكندرية. # وقال ابن جبير: المعنى: واجعلوا بيوتكم يقابل بعضها بعضا. # { وأقيموا الصلاة } ، أي: بحدودها. { وبشر المؤمنين ~~}: هذا (خطاب) للنبي صلى الله عليه وسلم، أي: وبشر مقيمي الصلاة بالثواب ~~الجزيل. # ثم قال تعالى حكاية عن قول موسى أنه قال: { ربنآ إنك آتيت ~~فرعون وملأه زينة } ، { ربنا ليضلوا عن سبيلك ~~}: المعنى: إنه لما آل أمرهم إلى هذا كان كأنه إنما أتاهم ذلك للضلال. ~~وأصل هذا اللام لام كي، وقيل هي لام العاقبة. # وقيل: هي لام الفاء، أي: فكان لهم ذلك، لأنه قد تقدم في علمه تعالى ذلك. # وقيل: المعنى: لئلا يضلوا وحذفت " لا " كما قال: # يبين الله لكم أن تضلوا # [النساء: 176]. وهذا القول لا يحسن، لأن العرب لا تحذف لا إلا مع " أن ~~". ومعنى الآية: أن موسى قال: يا رب إنك أعطيت فرعون، وعظماء قومه، ~~وأشرافهم (زينة): يعني من متاع الدنيا وأثاثها (وأموالا) يعني من الذهب ~~والفضة. # { ربنا ليضلوا عن سبيلك } ، أي: أعطيتهم ذلك ليضلوا، ثم ~~دعا عليهم موسى، فقال: { ربنا اطمس على أموالهم } ، أي: ~~اذهبها، وغيرها، واجعلها حجارة. # قال مجاهد: " اجعل سكرهم حجارة ". # قال قتادة: جعل زرعهم حجارة. # قال مقاتل: جعلت دنانيرهم، ودراهيمهم حجارة منقوشة، كهيئتها على ~~ألوانها، لتذوب، ولا تلين، فجعل الله سكرهم حجارة. # قال قتادة: تحول زرعهم، وكذلك قال الضحاك. # وقال ابن عباس: (اطمس عليها: أي: دمرها، وأهلكها. وكذلك قال مجاهد. # واشدد على قلوبهم): أي: حتى لا تنشرح للإيمان، فلا تؤمن. # وقال مجاهد: اشدد عليها بالضلالة. # قال ابن عباس: استجاب الله عز وجل من موسى، فحال بين فرعون وملئه، وبين ~~الإيمان حتى أدركه الغرق، فلم ينفعه الإيمان. # والعذاب الأليم في هذه الآية: الغرق. # قوله: { فلا يؤمنوا } قال المبرد: موضعه موضع نصب، وليس بدعاء. ~~وهو معطوف على " ليضلوا " وهو قول الزجاج. # وقال الكسائي، ms1068 وأبو عبيدة: هو دعاء في موضع جزم. # وقال الأخفش، والفراء: هو جواب الدعاء في موضع نصب، مثل: إلى سليمان ~~فنستريحا - البيت -. # فقال تعالى لهما: { قد أجيبت دعوتكما فاستقيما }: هذا ~~خطاب لموسى، وهارون، لأن موسى كان يدعو، / وهارون يؤمن. # وقيل: إنه خطاب موسى، خطاب الاثنين لغة العرب. # وقوله: { دعوتكما فاستقيما }: يدل على أن ذلك لموسى وهارون ~~عليهما السلام: فالداعي موسى، والمؤمن هارون، والمؤمن داع أيضا، لأنه ~~يقول: اللهم استجب فهو داع بإجابة الدعاء الذي دعا موسى. وكان بين ~~الإجابة ودعاء موسى أربعون سنة. # وقوله: { ولا تتبعآن } من خفف " النون " فهو على النفي، لا على ~~النهي. والرواية عن ابن ذكوان بالتخفيف: يزيد عند القراء تخفيف التاء، ~~وهو وجه الرواية. غير أنا لم نقرأ إلا بتخفيف النون دون التاء. # ومعنى: { فاستقيما } أي: اثبتا على دعاء فرعون، وقومه إلى الإيمان. ~~قال ابن جريج: مكث فرعون بعد هذه الآية أربعين سنة. # ومعنى: { ولا تتبعآن سبيل الذين لا يعلمون }: أي: ~~يجهلون حقيقة وعيد الله (عز وجل). ### || [10.90-92] # قوله: { وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم ~~فرعون } إلى قوله: { لغافلون }. # ومن قرأ " إنه " بكسر الهمزة، فعلى الابتداء. وتقدير الكلام: آمنت بالذي ~~كنت به مكذبا. ثم ابتدأ: إنه لا إله إلا الله. # وقيل: المعنى: صرت مؤمنا. ثم قال: " إنه مستأنفا. # وقال أبو حاتم: القول محذوف، والتقدير، قال: آمنت فقلت: إنه ومن فتح ~~فمعناه: آمنت بأنه، " فأن " في موضع نصب بحذف الخافض. وعلى مذهب الكسائي ~~في موضع خفض بتقدير الخافض. والمعنى: وقطعنا ببني إسرائيل البحر، { ~~فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا }: أي: اعتداء، ~~وظلما على موسى، ومن معه. # وقرأ قتادة " وعدوا " بالضم والتشديد حتى إذا أدركه الغرق أي: أحاط به. ~~وفي الكلام حذف. والتقدير: " فغرقناه ": " حتى إذا أدرك الغرق ". ~~قال عليه السلام: # " جعل جبريل يدس، أي: يحشو في فم فرعون الطين مخافة أن تدركه الرحمة ". # (وروى ابن وهب أن عون بن عبد الله قال: بلغني أن جبريل عليه السلام، ~~قال: يا رسول الله! والذي نفسي بيده، ما ولد إبليس، ولا آدم ولدا ms1069 قط ~~كان أبغض إلي من فرعون، وإنه لما { أدركه الغرق قال آمنت ~~أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل ~~وأنا من المسلمين } فخشيت أن يعود لها فيرحم، فقمت حتى ~~أخذت تربة، من تربة البحر، فحشوتها في فيه). # (وروي أن جبريل قال للنبي عليهما السلام: لقد كببت في فيه الماء، ~~مخافة أن تدركه الرحمة). # وروي أنه قالها حين ألجمه الماء، وأدركه الغرق. # ثم قال تعالى حكاية عن تعريفه لفرعون قبح ما فعل: # { آلآن وقد عصيت قبل }: يعني: أيام حياته إلى الساعة تؤمن، ~~وقد عصيت أيام حياتك { وكنت من المفسدين }: أي: من الصادين عن ~~سبيل الله سبحانه. # قال السدي: بعث الله، عز وجل، إليه ميكائيل، فقال له، آلآن وقد عصيت ~~قبل. # ثم قال تعالى: { فاليوم ننجيك ببدنك }: أي: نلقيك على ~~نجوة من الأرض، أي: على ربوة، ليعتبر من رآك. # وقيل: نخرجك ببدنك الذي نعرفك به / وذلك أنه كان له بدن مذهب، وهو ذرع ~~كانت له. # قال قتادة: لم يصدق طائفة من الناس أنه غرق، فأخرجه الله عز وجل، ليكون ~~عظة، وآية، ينظر إليها من كذب بهلاكه. # وقوله: { لمن خلفك (آية) } ، أي: لمن بعدك. # وقال مجاهد: { ببدنك } ، أي: بجسدك. # قال ابن عباس: لما أغرق الله عز وجل، فرعون، ومن معه. قال: أصحاب موسى ~~لموسى: إنا نخاف ألا يكون فرعون غرق، ولا نؤمن بهلاكه. فدعا ربه فأخرجه، ~~فنبذه البحر حتى استيقنوا بهلاكه. # قوله: { وإن كثيرا من الناس عن آياتنا }: أي: عن ~~أدلتنا على أن العبادة لا تكون إلا لله { لغافلون }: أي: لساهون. ### || [10.93-95] # قوله: { ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق } ~~إلى قوله { الخاسرين }. # المعنى: ولقد أنزلناهم منازل صدق. # قال الضحاك: يعني: مصر، والشام. # وقال قتادة: الشام، وبيت المقدس. # { ورزقناهم من الطيبات } يعني: من حلال الرزق. # { فما اختلفوا حتى جآءهم العلم } الذي يعلمونه، وذلك ~~أنهم كانوا قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم، مجتمعين على نبوته، ~~والإقرار به، وبمبعثه. فلما جاءهم كفروا به. واختلفوا فيه. فآمن بعضهم، ~~وكفر بعضهم. # والعلم هنا: النبي ms1070 صلى الله عليه وسلم، فهو بمعنى العلوم الذي كانوا ~~يعلمونه. # وقيل: العلم كتاب الله عز وجل، قاله ابن زيد. فعلوا ذلك بغيا: أي: ~~منافسة في الدنيا. # ثم قال تعالى: { إن ربك } - يا محمد - { يقضي بينهم ~~يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون }: أي: من أمري ~~في الدنيا. فيدخل المكذبين النار، والمؤمنين الجنة. # { حتى جآءهم العلم }: وقف، { من الطيبات }: وقف. # ثم قال تعالى: { فإن كنت في شك ممآ أنزلنآ إليك }: ~~أي: إن كنت يا محمد في شك من أن بني إسرائيل لم يختلفوا في نبوءتك، قبل ~~أن نبعثك رسولا، لأنهم (كانوا) يجدونك في التوراة، ويعرفونك بالصفة التي ~~أنت بها موصوف { فاسأل الذين يقرءون الكتاب من ~~قبلك } يعني: عبد الله بن سلام، وشبهه من أهل الإيمان، والصدق منهم. ~~وهذه مخاطبة للنبي، والمراد به أمته. # وقيل: " إن " بمعنى " ما " ، والمعنى: فما كنت يا محمد في شك. # ثم قال: { فاسأل الذين يقرءون } سؤال ازدياد، كما قال ~~إبراهيم: # بلى ولكن ليطمئن قلبي # [البقرة: 260]. # وقال المبرد: المعنى: قل يا محمد للشاك في ذلك إن كنت في شك، فاسأل ~~وقيل: إن هذا خطاب العرب: يقول الرجل لابنه: إن كنت ابني، فبرني. وهو ~~يعلم أنه ابنه، وهو نحو قوله لعيسى: # أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون ~~الله # [المائدة: 116]. وقد علم أنه لم يقل ذلك. # قال ابن جبير: ما شك محمد صلى الله عليه وسلم، ولا سأل، وقال قتادة: ~~بلغنا أن النبي عليه السلام، قال: لا أشك، ولا أسأل. # وروي أن رجلا سأل ابن عباس عما يحيك في الصدر من الشك. فقال: ما نجا ~~من ذلك أحد، ولا النبي حتى أنزل عليه: { فإن كنت في شك }. # وعنه أيضا أنه قال: لم يكن / رسول الله في شك ولم يسأل. وهذا هو الصحيح ~~الظاهر، والمراد بقوله: { فإن كنت في شك } أمته. # وقوله: { لقد جآءك الحق من ربك }: اللام لام التوكيد ~~وفي الكلام معنى القسم. # { من الممترين }: أي: من الشاكين. # ثم قال تعالى: { ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات ~~الله }: أي: ms1071 جحدوا كتبه، ورسله، { فتكون من الخاسرين } ، ~~أي: من الذين غبن حظه، وباع الرحمة بالسخط. والمراد بذلك أمة النبي ~~عليه السلام. ### || [10.96-100] # قوله: { إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا ~~يؤمنون } إلى قوله { يعقلون }. # والمعنى: إن الذين وجبت عليهم كلمات ربك وهي قوله: # ألا لعنة الله على الظالمين # [هود: 18]. # وقال مجاهد: حق عليهم سخطه. # { لا يؤمنون * ولو جآءتهم كل آية حتى يروا ~~العذاب الأليم }. # أي: يعاينوا ذلك كما لم يؤمن فرعون حتى عاين العذاب. وذلك وقت لا ينفع ~~فيه الإيمان. # ثم قال تعالى: { فلولا كانت قرية آمنت } ، أي: فهلا كانت ~~قرية آمنت، فنفعها إيمانها. وتقديره: فما كانت قرية آمنت عند معاينتها ~~العذاب، فنفعها إيمانها، في ذلك الوقت { إلا قوم يونس }: فإنهم ~~نفعهم إيمانهم عند نزول عذاب الله عز وجل، بهم، فكشف الله سبحانه عنهم ~~العذاب. وقوم يونس انتصبوا لأنه استثناء ليس من الأول. # وقال أبو إسحاق: المعنى: فهلا كانت قرية آمنت في وقت ينفعهم إيمانهم، ~~وجرى هذا بعقب إيمان فرعون عندما أدركه الغرق. فأعلم الله عز وجل، أن ~~الإيمان لا ينفع عند وقوع العذاب، ولا عند حضور الموت. # قال تعالى: # وليست التوبة للذين يعملون # [النساء: 18] الآية. # قال قتادة: لما فقدوا نبيهم، وأيقنوا أن العذاب قد دنا منهم، قذف الله ~~عز وجل، في قلوبهم التوبة. فلبسوا المسوح، وألهوا بين كل بهيمة وولدها. ~~ثم عجلوا إلى الله سبحانه، أربعين ليلة، فلما علم الله عز وجل، الصدق ~~منهم، والتوبة والندامة على ما مضى (كشف الله) عنهم العذاب بعد أن تدلى ~~عليهم. وكان قوم يونس بأرض الموصل. # قال ابن جبير: غشى قوم يونس العذاب، كما يغشى الثوب القبر ". # قال ابن عباس: لم يبق بين قوم يونس والعذاب إلا قدر ثلثي ميل، فلما دعوا ~~كشف الله عنهم. # قال ابن جبير: لما أبوا أن يؤمنوا بيونس، قيل له: أخبرهم أن العذاب ~~مصبحهم، فقالوا: إنا لم نجرب عليه كذبا، فانظروا فإن بات فيكم فليس ~~بشيء، وإن لم يبت فاعلموا أن العذاب مصبحكم. فلما كان في جوف الليل ~~تزود ms1072 شيئا ثم خرج. فلما أصبحوا يغشاهم العذاب كما يغشى الثوب القبر، ~~ففرقوا بين الإنسان وولده، والبهيمة وولدها. ثم عجوا إلى الله عز وجل، ~~فقالوا: آمنا بما جاء به يونس وصدقنا. فكشف الله عز وجل، عنهم العذاب، ~~فخرج يونس ينظر العذاب، فلم ير شيئا فقال /: جربوا علي كذبا, فذهب ~~مغاضبا لربه حتى أتى البحر. # وعن ابن مسعود قال: أوعد يونس قومه أن العذاب يأتيهم إلى ثلاثة أيام. ~~ففرقوا بين كل والدة وولدها، ثم خرجوا، فجأروا إلى الله سبحانه، ~~واستغفروه، فكف الله عز وجل، عنهم العذاب. # ومعنى: { عذاب الخزي } ، أي: الهوان والذل. # قوله: { إلى حين } قال الضحاك: إلى الموت. # وقيل: إلى آجاله التي كتبها الله لهم قبل خلقهم. # ثم قال تعالى: { ولو شآء ربك لآمن من في الأرض ~~كلهم جميعا }: أي: لوفقهم إلى الإيمان بك يا محمد - وبما جئت به. ~~ولكن قد سبق في قضائه من يؤمن، ومن لم يؤمن: وهذا كله رد على المعتزلة ~~الذين يقولون: إن الإيمان والكفر مفوضان إلى العبد، بل كل عامل قد علم ~~الله عز وجل، ما هو عامل قبل خلقه له. ولا تقع المجازاة إلا على ظهور ~~أعمال العاملين. فخلقهم ليعملوا ما قد علم أنهم عاملون، فيجازيهم على ذلك ~~بعد ظهور منهم، وإقامة الحجج عليهم. # وقوله { ولو شآء ربك لآمن من في الأرض كلهم ~~جميعا } يدل على ذلك ويبينه. # { أفأنت } يا محمد { تكره الناس } حتى يؤمنوا بك؟ # وفي الإتيان " بجميع " بعد " كلهم " قولان: أحدهما أنه زيادة تأكيد، ~~ونصبه على الحال. وقيل: لما كان كل يقع تأكيدا، ويقع اسما غير تأكيد ~~أتى معه بما لا يكون تأكيدا، وهو " جميعا " ، فجمع بينهما، ليعلم أن ~~معناهما واحد، وأنه للتأكيد. # ثم قال تعالى: { وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن ~~الله } ، أي: ما كان لنفس تصدق بك يا محمد، إلا أن يأذن لها الله. فلا ~~تجهد نفسك يا محمد في طلب هداهم. # روي عن أبي الدرداء أنه قال: بعث الله عز وجل، إلى نبي من الأنبياء فقال ~~له: لو أنك ms1073 عملت مثل ما عمل جميع ولد آدم كلهم، ما أديت نعمة واحدة أنعمت ~~بها عليك: إني أذنت لك أن تؤمن بي، { وما كان لنفس أن تؤمن ~~إلا بإذن الله } ، وهذا نص ظاهر في إثبات القدر من القرآن ~~والحديث. # قوله: { ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون } ، أي: ~~يجعل العذاب على من لا يعقل عن الله، سبحانه، حججه، وآياته جلت عظمته. ~~والرجس: العذاب. وقال ابن عباس: السخط. ### || [10.101-103] # قوله: { قل انظروا ماذا في السموت والأرض } إلى قوله ~~{ ننج المؤمنين }. # والمعنى: قل يا محمد للسائلين: الآيات على صحة ما تدعوهم إليه: { ~~انظروا ماذا في السموت والأرض } من الآيات الدالة على ~~صحة ما أدعوكم إليه من توحيد الله وعبادته. # ثم قال تعالى: { وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا ~~يؤمنون } أي: أي شيء تغني الحجج، والعبر عن قوم سبق لهم من الله ~~عز وجل، الشقاء، وقضى لهم أنهم من أهل النار. # { ماذا في السموت والأرض }: وقف، إن جعلت " ما " نفيا " ~~، وإن جعلتها استفهاما، لم تقف على الأرض، لأن " ما " معطوفة على ما ~~قبلها. # ثم قال تعالى: { فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين ~~خلوا }. والمعنى: هل ينتظر هؤلاء، يعني: مشركي قريش أهل مكة - يا ~~محمد - إلا نزول العقوبة بهم، كما نزل بمن قبلهم حين كذبوا رسلهم. قل لهم ~~يا محمد: { فانتظروا } عقاب الله، ونزول سخطه بكم. { إني ~~معكم من المنتظرين } / هلاككم وبواركم بالعقوبة. # { ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا }: أي: ننجيهم من بين ~~أظهركم إذا نزل بكم العذاب. # { كذلك حقا علينا ننج المؤمنين } فيمن تقدم من الأمم ~~الماضية إذا نزل بهم العذاب نجينا المؤمنين منهم. " الكاف " في موضع رفع ~~إن جعلت { والذين آمنوا } تماما والتقدير: مثل ذلك يحق علينا ~~حقا. # وإن لم تجعل { آمنوا } تماما جعلت " الكاف " في موضع نصب نعتا ~~لمصدر محذوف، أي: " نجاء مثل ذلك " يحق حقا، وأنجى، ونجى لغتان بمعنى و ~~" ننج " بغير ياء في الخط، والأصل الياء. ولا يتعمد الوقف عليه، وقد وقف ~~عليها سلام ويعقوب بالياء على الأصل وهو خلاف الخط. ms1074 ### || [10.104-106] # قوله تعالى: { قل يأيها الناس إن كنتم في شك من ~~ديني فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله } إلى ~~قوله: { من الظالمين }. # والمعنى: قل يا محمد: يا أيها المشركون إن كنتم في شك من ديني الذي ~~أدعوكم إليه، فلم تعلموا أنه حق من عند الله، فإني لا أعبد الذين تعبدون ~~من دوني الله: يعني الآلهة، والأوثان التي لا تنفع، ولا تضر. # وفي الكلام تعريض: والمعنى: إن كنتم في شك من دوني، فلا ينبغي لكم أن ~~تشكوا فيه، وإنما ينبغي أن تشكوا في عبادة من لا ينفع، ولا يضر، ولا ~~يسمع، ولا يبصر. { ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم ~~}: أي: يقبض أرواحكم عند مجيء آجالكم. # { وأمرت أن أكون من المؤمنين }: أي: المصدقين بما ~~جاء من عنده. ومعنى: { من دون الله } من عند الله. # ثم قال تعالى: { وأن أقم وجهك للدين حنيفا } أي: وأمرت ~~{ وأن أقم وجهك للدين }: أي: أقم نفسك على دين الإسلام. # { حنيفا } أي: مستقيما، غير معوج. وأمرت نفسي ألا أكون من المشركين، ~~" ولا أدعو من دون الله ما لا ينفعني ولا يضرني، كما فعلتم أيها ~~المشركون. فإن فعلت أنا ذلك، فإني من الظالمين لنفسي ". ### || [10.107-109] # قوله: { وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا ~~هو } إلى آخر السورة. # والمعنى: وإن يصبك الله يا محمد بضر، فلا كاشف له عنك إلا هو دون ما ~~يعبد هؤلاء من دون الله. # { وإن يردك } الله يا محمد بخير أي: برخاء ونعمة، فلا راد لفضله ~~عنك. يصيب ربك يا محمد بالرخاء. من يشاء من عباده. # { وهو الغفور } لذنوب من تاب. # { الرحيم }: لمن آمن واستقام. # ثم قال تعالى: قل - يا محمد - { قل يأيها الناس قد ~~جآءكم الحق من ربكم }: والحق هنا: القرآن. { فمن ~~اهتدى } أي: استقام { فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل } ~~أي: اعوج عن الحق. # { فإنما يضل عليها ومآ أنا عليكم بوكيل }: ~~أي: يسلط على تقويمكم، إنما أمركم إلى الله. وأنا نذير، ومنذر. # ثم قال تعالى آمرا لنبيه: { واتبع ما يوحى إليك }: أي: ~~اعمل به، ms1075 واصبر على ما يقول المشركون، وما يتولون عن أذاك. # { حتى يحكم الله } ، أي: يقضي. # { وهو خير الحاكمين } ، أي: خير القاضين بحكم الله عز وجل ~~بينهم، يوم بدر بالسيف، فقتلهم، وأمر نبيه أن يسلك بمن بقي سبيل من هلك ~~منهم حتى / يؤمنوا. # قال ابن زيد: هذا منسوخ بجهادهم، وأمره بالغلظة عليهم. ### | [11 - سورة هود] ### || [11.1-4] # قوله: { الر } قد تقدم الكلام عليها. # وقولهم: " قرأت هودا ": من صرفه أراد به سورة هود، ومن لم يصرفه ~~جعله اسما للسورة. # ولو قلت: " قرأت الحمد (لله) ". فإنما جاز النصب: تعمل الفعل فيه، ~~وجاز الرفع على الحكاية. # فإن قلت: قرأت # الحمد لله رب العالمين # [الفاتحة: 2، يونس: 10، الزمر: 75، غافر: 65]، حكاية لا غير، وكذلك # برآءة # [التوبة: 1، القمر: 43]، ترفع على الحكاية، وتنصب على العمل. وتنون ~~إذا أردت الحذف، ولا تصرف إذا جعلته اسما للسورة. # فإن قلت: قرأت # برآءة من الله ورسوله # [التوبة: 1]، حكاية لا غير. # وتقول: قرأت " ألم البقرة ": فتنصب على النعت لقولك: " ألم " ، لأنه ~~مفعول به بقراءة، وإن شئت خفضت " البقرة " ، وتقدر إضافة " ألم " ~~إليها. # فإن قلت: " قرأت: # المص # [الأعراف: 1]، و # كهيعص # [مريم: 1]، لم يجز الإعراب، لأنه ليس في الأسماء نظير لهذا. وكذلك # المر # [الرعد: 1]، و # الر # [هود: 1، يوسف: 1، إبراهيم: 1، الحجر: 1]، وكذا # طه # [طه: 1] لأنه في آخرها ألفا. # فإن قلت: # طس # [النمل: 1]، قلت هذه " طسين " يا هذا، فلا تصرف لأن هذا من نظيره هابيل، ~~وقابيل. # فإن أردت الحكاية، أسكنت، وتقول هذه # طسم # [الشعراء: 1، القصص: 1] فتعرب: إن شئت تجعل " طس " اسما، و " ميم " ~~اسما، وتضم أحدهما إلى الآخر مثل: معدي كرب، فيجوز فتح الثاني ورفعه ~~تجعل الإعراب في الآخر. # وأجاز سيبويه: معدي كرب على الإضافة، فيجوز على هذا، " طس ميم " ، ~~وتحسن الحكاية. فإن قلت: " قرأت # حم # [غافر: 1، فصلت: 1، الشورى: 1، الزخرف: 1، الدخان: 1، الجاثية: 1، ~~الأحقاف: 1] " ، لم ينصرف لأنه مثل " هابيل ". وإن شئت أسكنت على ~~الحكاية. # فإن قلت قرأت # حم * عسق # [الشورى: 1-2] لم يجز الإعراب، لأنه لا نظير له في الأسماء. # وتقول هذه # ن # [القلم: 1] فاعلم بأنها تنون، وتعرب: تريد سورة " نون ms1076 ". وإن ~~شئت جعلته اسما للسورة، فلم تنون، وإن شئت أسكنت على الحكاية. وتقول: ~~هذه السبح، فلا تصرف إذا جعلته اسما للسورة، لأنه فعل، وليس في الأسماء ~~فعل. # وإن شئت فتحت فحكيت على ما في السورة، فإن قلت هذه " سبح " لم ~~يجز إلا الإسكان تحكيه لأنه فيه ضمير، والجمل تحكى، وكذلك تحكي: قرأت: # سأل سآئل # [المعارج: 1]، و # يأيها المدثر # [المدثر: 1]، وقرأت # والفجر # [الفجر: 1] لأنه اسم وحرف. # وتقول: قرأت # اقتربت # [القمر: 1] تقطع الألف، وتقف على الهاء، إذا جعلته اسما للسورة / لأن ~~تأنيث الأسماء في الوقف بالهاء، وألف الوصل في الأفعال تقطع إذا سمي ~~بالأفعال. وإن شئت قلت: قرأت { اقتربت } فوصلت الألف ووقفت بالتاء، ~~على الحكاية. # فإن قلت: قرأت # اقتربت الساعة # [القمر: 1]، لم يجز إلا الحكاية به ومثله: # تبت يدآ أبي لهب # [المسد: 1]، فإن أفردت بالهاء، وجعلته اسما للسورة قلت: قرأت " تبت ~~" ، تقف على الهاء. # قوله: { كتاب أحكمت - آياته ثم فصلت } - إلى قوله - ~~{ على كل شيء قدير }. # المعنى: هذا الكتاب الذي أنزلناه { أحكمت - آياته }: أي: بالأمر ~~والنهي، { ثم فصلت } بالثواب، والعقاب. قاله الحسن. وعنه { ثم ~~فصلت } أي: بالوعد ، والوعيد. # وعنه أيضا: { أحكمت } أي: بالثواب والعقاب { ثم فصلت } ~~بالأمر، والنهي. # وقال قتادة: أحكمها الله عز وجل، من الباطل، ثم فصلها، وبين الحلال، ~~والحرام. # وقال مجاهد: { أحكمت }: لم ينسخها شيء. # { ثم فصلت } نزلت شيئا بعد شيء. وقيل: { فصلت }: فسرت ~~وبينت: قاله مجاهد، وابن جريج. # { من لدن حكيم }: أي: من عند حكيم في أفعاله، خبير بجميع ~~الأشياء، وبمصالح عباده. # وقيل: أحكمت عن أن يدخل فيها الفساد. يقال: أحكمته الآيات. وحكمته ~~لغتان: أي: منعنه، ومنه حكمت اللجام لأنها تمنع الفرس الجماح. ~~وأصله كله من إحكام الشيء، وهو: إبرامه، وإتقانه، عن أن يفسده شيء. # والوقف على { الر } حسن إلا قول من جعله مبتدأه وكتاب خبره. # ثم قال تعالى: { ألا تعبدوا إلا الله }: أي: فصلت من ~~(أجل) ألا تعبدوا إلا الله عز وجل. # ثم قال لنبيه: قل { إنني لكم منه نذير وبشير }: أيها ~~الناس. والابتداء ب " إنني " حسن، ثم ms1077 قال تعالى: { أن استغفروا ~~ربكم }. ردا على { ألا تعبدوا }: أي: استغفروه من عبادة ~~الأصنام { ثم توبوا إليه }: من عبادة الأصنام، أي: ارجعوا، { ~~يمتعكم متاعا حسنا } أي: ينسئ في آجالكم إلى الوقت الذي ~~يشاء، ويرزقكم من زينة الدنيا. وأصل الإمتاع: الإطالة. # ثم قال: { ويؤت كل ذي فضل فضله }: أي: يثيب من تفضل بفضل ~~ماله، أو قوته، أو كلام حسن، أو غير ذلك من وجوه الخير على غيره لوجه ~~الله عز وجل. # قال ابن مسعود: من عمل سيئة كتبت واحدة، ومن عمل حسنة كتبت عشرا، ~~فذلك فضل الله، عز وجل. قال: فإن عوقب بالسيئة في الدنيا زالت عنه، وإن ~~لم يعاقب بها أخذ من الحسنات العشر واحدة، وبقيت له تسع حسنات. # ثم قال تعالى: { وإن تولوا }: أي: عما دعوتهم إليه يا محمد ~~من الاستغفار، والتوبة، فقل لهم: { فإني أخاف عليكم عذاب ~~يوم كبير }: أي: إن تماديتم على كفركم. # وقال الطبري: المعنى: فإن توليتم، جعله ماضيا وهو على قراءة البزي: " ~~مستفعل " ، لأنه يشدد / التاء. # ثم قال: { إلى الله مرجعكم }: أي: مردكم، ومصيركم، { وهو ~~على كل شيء قدير }: أي: على إحيائكم بعد إماتتكم، وعقابكم ~~على كفركم. ( " وقدير ": بمعنى قادر، إلا أن " فعيلا " أبلغ). ### || [11.5-6] # قوله: { ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه } ~~إلى قوله: { مبين }. # (ألا): استفتاح كلام، و { يثنون }: من ثنيت، وهو فعل المنافقين، ~~كانوا إذا مروا بالنبي يثني أحدهم صدره، ويطأطأ رأسه. # وقيل: نزلت فيما، كان المنافقون يبطلون من عداوة النبي، وبغضه، أعلمه أن ~~الله عز وجل يعلم ما تنطوي عليهم صدورهم من ذلك، وإن غطوا عليه رؤوسهم ~~بثيابهم، ليستتروا، فهو يعلم ما في صدورهم في كل حال من أحوالهم. # يعني بالمنافقين: كفار قريش، لا المنافقين من أهل المدينة. لأن السورة ~~مكية. # وقال مجاهد: ظنوا أن الله، عز وجل لا يعلم ما في صدورهم. # وقال الحسن: جهلوا أمر الله عز وجل. # ثم قال تعالى: { ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما ~~يسرون وما يعلنون } أي: ألا حين يلبسون ثيابهم في ظلمة ~~الليل، في أجواف ms1078 بيوتهم. يعلم ذلك الوقت سرهم وجهرهم. # { إنه عليم بذات الصدور } وقيل: إن أحدهم كان يثني ظهره، ~~ويستغشي ثوبه، وقيل: إنهم إنما كانوا يفعلون ذلك لئلا يسمعوا كتاب الله ~~عز وجل. قاله قتادة. # وقيل: إن هذا إخبار من الله (عز وجل) عن المنافقين، أنه يعلم ما تنطوي ~~عليه صدورهم من الكفر. # وقال ابن زيد: " هذا حين يناجي بعضهم بعضا ". # وقرأ ابن عباس: " ينثوي " صدورهم على مثال " ينطوي. " قال: كانوا لا ~~يأتون النساء، ولا الغائط إلا وقد تغشوا ثيابهم كراهة أن يفضوا بفروجهم ~~إلى السماء ". # وقيل: كان بعضهم ينحني على بعض ليساره. وبلغ من جهلهم أنهم ظنوا أن ذلك ~~يحفى على الله سبحانه. # وروي عن ابن عباس أيضا أنه قرأ تنثوي. # وعنه أيضا أنه قرأ: " تثنوني " ، مثل: تفعوعل. ومعناه: المبالغة ~~مثل " احلولى ": إذا بلغ الغاية في الحلاوة، والهاء في " منه " للنبي ~~صلى الله عليه وسلم، على القول الأول، وهي " إنه لله عز وجل، على القول ~~الثاني. # وعن ابن عباس: ألا حين يستغشون ثيابهم: " أي: يغطون رؤوسهم ". # والوقف عند الأخفش، والفراء، وابن كيسان على ذات بالتاء، لأن هذا الاسم ~~لا يستعمل إلا مضافا. فصارت التاء في وسط الكلام. وعليه جماعة القراء. ~~والوقف عند الكسائي بالهاء، وهو قول الجرمي، لأنه ثانية الأسماء، وهو ~~اختيار أبي حاتم. # { ليستخفوا منه } وقف. { وما يعلنون } ، وقف /. # ثم قال تعالى: { وما من دآبة في الأرض إلا على الله ~~رزقها }: أي: يتكفل بذلك حتى تموت. يعني: بدابة: كل ما دب، ودرج على ~~وجه الأرض من إنسي، أو جني، أو بهيمة، أو هامة، والهامة كل ما يدب ~~سميت بذلك لأنها تهم، أي: تدب. # وقال الضحاك: والناس منهم. # ثم قال تعالى: { ويعلم مستقرها }: أي: حيث تستقر، وتأوي. { ~~ومستودعها }: " حيث تموت " قاله ابن عباس. # وقال مجاهد: { مستقرها } في الرحم، { ومستودعها } في ~~الصلب، مثل تلك التي في الأنعام، وهو قول الضحاك. وقد روي أيضا هذا عن ~~ابن عباس. # (وقيل: المستقر في الرحم، والمستودع: حيث تموت). كل ذلك { في كتاب ~~مبين }: أي: ظاهر لمن قرأه، ms1079 قد أثبته الله، عز وجل، قبل الخلق: وهذا ~~توبيخ لمن أخبر عنه أنه يخفي ما في صدره عن الله، عز وجل، ويظن أن الله ~~سبحانه لا يعلمه، وكيف يكون آمن من قد أحصى جميع استقرار الحيوان، وموضع ~~موته، وتكفل برزقه، وأثبت ذلك قبل خلقه. فمن كان يقدر على ذلك كيف يخفى ~~عليه ما في صدور هؤلاء. ### || [11.7-8] # قوله: { وهو الذي خلق السموت والأرض في ستة ~~أيام وكان عرشه } إلى قوله { يستهزءون }. # والمعنى: أن الذي إليه مرجعكم أيها الناس، هو الذي خلق السماوات والأرض ~~وما فيهن في ستة أيام، وهو قادر على أن يخلق ذلك في لحظة. # روى أبو هريرة رضي الله عنه، قال: # " أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم، بيدي، فقال: خلق الله تعالى التربة ~~يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد، وخلق الشجر فيها يوم الاثنين، ~~وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور فيها يوم الأربعاء، وبث فيها ~~الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة في آخر ساعات ~~الجمعة ". # قال كعب: جعل الله عز وجل، الدنيا مكان كل يوم من الستة الأيام ألف سنة. # وقال الضحاك: { في ستة أيام } من أيام الآخرة، كل يوم مقدار ~~ألف سنة، ابتدأ في الخلق يوم الأحد، واجتمع الخلق يوم الجمعة، فسميت ~~الجمعة لذلك. ولم يخلق يوم السبت شيئا. # وقوله: { وكان عرشه على المآء }: أي: قبل خلق السماوات ~~والأرض # " وسئل النبي صلى الله عليه وسلم، فقيل له: أين كان ربنا قبل أن يخلق ~~السماوات والأرض؟ فقال: في عماء ". # - في بمعنى على عادة العرب، لأنها تبدل حروف الجر، بعضها من بعض. ~~العماء: السحاب الرقيق. ومن رواه مقصورا فمعناه، والله أعلم، أنه كان ~~وحده، وليس معه سواه. شبه عليه السلام العمى بالعماء توسعا ومجازا - ~~(فوقه هواء، وتحته هواء، ثم خلق عرشه على الماء). # قال ابن عباس: كان الماء على متن الريح. # ثم قال تعالى: { ليبلوكم أيكم أحسن عملا }: أي: فعل ~~ذلك ليختبركم أيكم أحسن عملا له، وطاعة. # وروى ابن عمر عن النبي صلى ms1080 الله عليه وسلم: { أيكم أحسن ~~عملا }: أحسن عقلا، وأورع عن محارم الله عز وجل، وأسرع إلى طاعته. # قال ابن جريج: يعني بالاختبار الثقلين. والمعنى: ليختبركم الاختبار الذي ~~تقع عليه المجازاة، وهو عالم بما يفعل الجميع قبل خلقهم. ولكن أراد الله ~~تعالى، أن يظهر من الجميع ما يقع عليه الجزاء. # ثم قال تعالى لنبيه عليه السلام: { ولئن قلت إنكم ~~مبعوثون من بعد الموت }: أي: إن قلت لهم يا محمد: إنكم ~~مبعوثون من بعد موتكم، وتجازون ليقولن الذين كفروا، ما هذا { إلا ~~سحر مبين } أي: ما قولك إلا سحر ظاهر. # ومن قرأ (إلا ساحر)، فمعناه: ما هذا الذي يخبرنا بهذا إلا ساحر ظاهر. # ثم قال تعالى: { ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى ~~أمة معدودة }: أي: ولأن أخرنا يا محمد عن قومك العذاب إلى وقت ~~معلوم عندنا معدود. # وقيل: المعنى: إلى مجيء أمة وانقراض أمة. وإنما سميت السنون أمة، لأن ~~فيها تكون الأمة، وتنبت وتهلك. وأصل الأمة الجماعة. # ثم قال تعالى إخبارا عما علم منهم: إنهم يقولون: إذا أخرنا عنهم ~~العذاب. { ليقولن ما يحبسه ألا يوم يأتيهم }: أي: ~~ليقولن هؤلاء الكفار ما يحبه، أي: شيء يمنع العذاب أن يأتي تكذيبا منهم ~~به. قال الله تبارك وتعالى: { ألا يوم يأتيهم ليس ~~مصروفا } (أي: ليس يصرفه عنهم أحد إذا جاء وقته). # { وحاق بهم }: أي: نزل بهم وحل { ما كانوا به ~~يستهزءون } وهو العذاب. وقيل: المعنى: وحل بهم عقاب استهزائهم ~~بأنبيائهم. ### || [11.9-12] # قوله: { ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة } إلى قوله { ~~على كل شيء وكيل }. # المعنى: ولئن وسعنا للإنسان في رزقه وعيشه، ثم سلبنا ذلك منه. { إنه ~~ليئوس }: أي قنوط من الرحمة. # { كفور }: أي: " كفور لمن أنعم عليه، قليل الشكر ". # والإنسان هنا اسم للجنس، وقيل: هو للكفار خاصة. # ثم قال تعالى: { ولئن أذقناه نعمآء بعد ضرآء ~~مسته }: أي: ولئن بسطنا له في الرزق والعيش، بعد ضيق في رزقه مسه ~~منه ضرر { ليقولن ذهب السيئات عني }: أي: ذهب الضيق، ~~والعسر عني. { إنه لفرح }: أي: مرح، لا يشكر، { فخور }: أي ms1081 ~~يفخر بما ناله من السعة في رزقه، فينسى صروف الدنيا، وعوارضها غرة منه ~~وجرأة. # الله لا يحب الفرحين # [القصص: 76]: وهذا كله من صفة الكافر. # وقد قرأ بعض أهل المدينة " لفرح " بضم الراء، وهي لغة، كما يقال: ~~رجل قطر وقطر وحذر وحذر. ثم استثنى. تعالى ذكره من هؤلاء قوما ~~ليسوا على هذه الصفة فقال: { إلا الذين صبروا } أي: على الضيق ~~والعسر, وحمدوا الله على ما نالهم. # { وعملوا الصالحات }: أي: الأعمال التي هي طاعات. # { أولئك لهم مغفرة }: أي: من الله: أي: لهم مغفرة ~~لذنوبهم، فلا يفضحهم في معادهم. # { وأجر كبير }: أي: ثواب عظيم على أعمالهم، وهو الجنة. # وقوله: { إلا الذين } هو استثناء ليس من الأول عند الأخفش بمعنى: ~~" لكن ". فهذا في المؤمنين، والأول / في الكافرين فهما جنسان ونوعان. # وقال الفراء: هو استثناء من أذقناه، لأن الإنسان بمعنى الناس، فهو من ~~الأول. # ثم قال تعالى لنبيه عليه السلام: { فلعلك تارك بعض ما ~~يوحى إليك } أي: فلعلك تترك بعض ما يوحى إليك يا محمد، فلا ~~تبلغه لمن أمرت أن تبلغه إياه. # { وضآئق به صدرك }: أي: وضائق بما يوحى إليك صدرك، فلا تبلغهم ~~إياه مخافة أن يقولوا: فهلا { أنزل عليه كنز }: من مال { أو ~~جآء معه ملك } يصدقه فيما يقول، وينذر معه. إنما عليك يا محمد ~~الإنذار. { والله على كل شيء وكيل }: أي: لست يا محمد ~~عليهم بوكيل. الله هو الوكيل عليهم، أي: هو القائم بمجازاتهم وأمورهم. # فالهاء في " به " تعود على " ما " ، أو على " بعض " ، أو على التبليغ، ~~أو على التكذيب. ### || [11.13-16] # قوله: { أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور ~~مثله } إلى قوله { يعملون }. # المعنى: أيقولون افتراه، أي: اختلق القرآن من عند نفسه. و " أم " هنا ~~هي المنقطعة التي هي بمعنى الألف قل لهم يا محمد { فأتوا بعشر ~~سور مثله }: أي: مثل القرآن. { مفتريات }: أي: مختلفات، ~~أي: مفتعلات. كما زعمتم أني اختلقت القرآن، فاختلقوا أنتم أيضا. إذ محال ~~أن أقدر على ما لا تقدرون، لأنا أهل لسان واحد. # { وادعوا من استطعتم من دون الله ms1082 }: أي: ادعوا ~~للاختلاق والعون من شئتم إلا الله سبحانه { إن كنتم صادقين }: في ~~قولكم إن محمدا صلى الله عليه وسلم، افترى القرآن من عند نفسه. # ثم قال تعالى: { فإلم يستجيبوا لكم }: أي: إلم يستجب لكم ~~أيها المشركون من (تدعون لأن يأتوا) بعشر سور مثل هذا القرآن { ~~مفتريات } ولم تطيقوا أنتم أن تأتوا بذلك، { فاعلموا ~~أنمآ أنزل بعلم الله }: أي: أيقنوا أن هذا القرآن أنزل على ~~محمد بعلم الله، وألا معبود إلا الله عز وجل. # وقيل: المعنى: فإلم يستجب لكم يا محمد هؤلاء المشركون في أن يأتوا بذلك ~~{ فاعلموا }: أيها المشركون أنه إنما أنزل بعلم الله. وأتى ب " ~~لكم " لأن المراد النبي صلى الله عليه وسلم، والمؤمنون. # وقيل: خوطب النبي صلى الله عليه وسلم، بلفظ الجماعة كما يخاطب العظيم، ~~والشريف. والنبي صلى الله عليه وسلم، أشرف من على وجه الأرض. # { فهل أنتم مسلمون }: أي: مذعنون بالطاعة، مخلصون لله عز ~~وجل، العبادة. # ثم قال تعالى: { من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها ~~نوف إليهم أعمالهم فيها }. المعنى: من " كان يريد بعمله ~~الحياة الدنيا وزينتها، نوف إليهم أجور أعمالهم فيها ". # { وهم فيها لا يبخسون }: هذا للكافر، فأما المؤمن فيجازى ~~بحسناته في الدنيا، ويثاب عليها في الآخرة. # وقيل: إن قوله: { وهم فيها لا يبخسون }: يعني: في الآخرة لا ~~يظلمون. # قال مجاهد: هي في أهل الرياء. # وقيل: المعنى: لئن كان يريد بغزوه الغنيمة وفي ذلك، ولم ينقص منه شيئا. # وقال ابن عباس: نسختها # من كان يريد العاجلة عجلنا (له) فيها ما نشآء ~~/ لمن نريد # [الإسراء:18]. وهذا مردود، لأنه خبر، والأخبار لا تنسخ. # روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: # " إن الله جل ثناؤه، إذا كان يوم القيامة نزل إلى العباد ليقضي بينهم، ~~وكل أمة جاثية. فأول من يدعى به: رجل جمع القرآن، ورجل قتل في سبيل الله، ~~ورجل كثير المال. فيقول الله عز وجل، للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلت على ~~رسولي؟ قال: بلى، يا رب. قال فما عملت فيما علمت؟ قال: كنت أقرأ ms1083 ~~آناء الليل، وآناء النهار (ابتغاء وجهك)، فيقول الله، جل ثناؤه: " ~~كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله عز وجل: أردت أن يقال: ~~فلان " قارئ. فقد قيل ذلك. ويؤتى بصاحب المال، فيقول الله عز وجل، له: ~~ألم أوسع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد؟ قال: بلى، يا رب، قال: فماذا ~~عملت فيما أتيتك؟ قال: كنت أصل الرحم، وأتصدق " ابتغاء وجهك ". فيقول ~~الله عز وجل له: كذبت، وتقول الملائكة له: كذبت، بل أردت أن يقال: فلان ~~جواد. فقد قيل ذلك. ويؤتى بالذي قتل في سبيل الله عز وجل، فيقال له: ~~فبماذا قتلت؟ فيقول: أمرت بالجهاد في سبيلك، فقاتلت حتى قتلت. فيقول ~~الله، تعالى، له: كذبت، وتقول الملائكة له: كذبت. فيقول الله تعالى له: ~~بل أردت أن يقال: فلان جريء، فقد قيل ذلك. ثم ضرب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، على ركبتي، فقال: يا أبا هريرة! أولئك الثلاثة أول خلق الله ~~تسعر بهم النار يوم القيامة ". # ثم قال تعالى: { أولئك الذين ليس لهم في الآخرة ~~إلا النار وحبط ما صنعوا فيها }: أي: في الدنيا، ومعنى ~~حبط: ذهب، { وباطل ما كانوا يعملون }. ### || [11.17] # قوله: { أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه ~~شاهد منه } إلى قوله { لا يؤمنون }. # والمعنى: أفمن كان على بينة من ربه، كالذي يريد الحياة الدنيا وزينتها، ~~وهو النبي صلى الله عليه وسلم. # والهاء في " ربه " تعود عليه. قال ذلك قتادة، وعكرمة، والنخعي. # وقوله: { ويتلوه شاهد }: أي: ويتلو محمدا شاهد منه، أي: من ~~الله، وهو القرآن. # وقيل: المعنى: ويتلو القرآن شاهدا منه، أي: من محمد. وهو لسانه، أي: ~~يقرأه: وهو قول الحسن، ومعمر. # ويجوز أن تكون الهاء في ويتلوه للبينة، لأنها بمعنى البيان. # وقال ابن عباس: { شاهد منه }: هو جبريل عليه السلام، يتلو القرآن ~~من عند الله عز وجل، على محمد صلى الله عليه وسلم. # وقال مجاهد: هو ملك مع النبي صلى الله عليه وسلم، يحفظه من عند الله، ~~سبحانه. # وقيل: إن قوله { أفمن كان على بينة من ربه } ، ~~يعني: ms1084 به النبي صلى الله عليه وسلم، والمؤمنين. ودل على ذلك قوله: { ~~أولئك يؤمنون به }. # وقيل: المعنى: ويتلوه شاهد من الله، عز وجل، والشاهد: الإنجيل، ويتلوه ~~القرآن بالتصديق. # { ومن قبله كتاب موسى } ، أي ومن قبل الإنجيل التوراة. # وقال الزجاج: المعنى: ويتلوه من قبله كتاب موسى، لأن النبي، صلى الله ~~عليه وسلم، موصوف في التوراة، والإنجيل. # وحكى أبو حاتم: (ومن قبله كتاب موسى) بالنصب، على العطف على الهاء في " ~~يتلوه ". أي: ويتلو كتاب موسى جبريل، فهو من التلاوة التي هي القراءة، ~~وكذلك قال ابن عباس، قال: (الشاهد): جبريل، و " منه ": من الله عز وجل. و ~~" من قبله " تلى جبريل كتاب موسى على موسى صلى الله عليه وسلم. ويجوز ~~الرفع في { كتاب } على هذا المعنى، كما تقول: رأيت أخاك، وأباك: أي: ~~وأباك كذلك. فيكون المعنى: ومن قبله كتاب موسى كذلك: أي: تلاه جبريل على ~~موسى، كما تلى على محمد عليهم السلام. # والمعنى: أفمن كان على هذه الحال، كمن هو في الضلالة، والعمى. واختار ~~قوم أن يكون المعنى: أن الشاهد القرآن، يتلوه محمد، أي: بعده شاهدا له. ~~ودل على ذلك قوله: { ومن قبله كتاب موسى }. # قال ابن عباس: الشاهد جبريل. # قال مجاهد: الشاهد حافظ من الله عز وجل، يحفظ محمدا: أي: ملك. # فالهاء في " منه " تعود على الله، سبحانه، في هذين القولين. # وقيل: (الشاهد): لسان محمد صلى الله عليه وسلم، والهاء تعود على محمد. ~~قاله الحسن. # وقيل: الشاهد هو إعجاز القرآن، والهاء في " منه " للقرآن. والهاء في { ~~يؤمنون به } للقرآن. # وقيل: الشاهد هو إعجاز القرآن، والهاء في " منه " للقرآن والهاء في { ~~يؤمنون به } للقرآن، وقيل لمحمد صلى الله عليه وسلم. # ثم قال تعالى: { أولئك يؤمنون به }: أي: من هذه صفته، ~~يؤمن بالقرآن، وإن كفر به هؤلاء الذين قالوا: إن محمدا افتراه. # ثم قال: { ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده ~~} " يعني: من مشركي العرب، وغيرهم، ممن يأتي بعدهم إلى يوم القيامة، من ~~كفر بمحمد، فالنار موعده يهوديا، كان أو نصرانيا، أو غير ذلك. # ثم ms1085 قال: { فلا تك في مرية منه } هذا خطاب للنبي صلى الله ~~عليه وسلم، والمراد: أمته، { إنه الحق من ربك } ، أي: ~~القرآن حق من عند الله عز وجل، فلا تكونوا أيها المؤمنون في شك من ذلك. # { ولكن أكثر الناس لا يؤمنون } أي: " لا يصدقون، ~~بأن ذلك كذلك ". { شاهد منه }: وقف عند نافع على معنى: ويتلو ~~القرآن شاهد من الله، وهو جبريل. # { يؤمنون به }: وقف، وكذلك: { فالنار موعده } ، وكذلك { ~~فلا تك في مرية منه }. ### || [11.18-22] # قوله: { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا } إلى ~~قوله { هم الأخسرون }. # والمعنى: من أعظم جرما ممن اختلق على الله سبحانه، الكذب، أي: كذب ~~بآياته، وحججه، وهو النبي صلى الله عليه وسلم، وما جاء به. # { أولئك يعرضون على ربهم } ، يوم القيامة، فيسألهم ~~عن أعمالهم في الدنيا. # قال ابن جريج: ذلك الكافر، والمنافق. # { ويقول الأشهاد }: الذين شهدوا على أعمالهم، وحفظوها عليهم: # { هؤلاء الذين كذبوا على ربهم } في الدنيا { ~~ألا لعنة الله على الظالمين }: أي: غضبه، وإبعاده من ~~رحمته. # قال مجاهد: الأشهاد هنا: الملائكة الحفظة، وكذلك قال قتادة. وقال ~~الضحاك: الأشهاد: الأنبياء، والرسل، صلوات الله عليهم، يقولون: هؤلاء ~~الذين كذبوا بما جئنا به من عند ربنا. # ثم بين تعالى الظالمين من هم فقال: { الذين يصدون عن ~~سبيل الله }: أي: يزيغون أن يدخلوا في الإيمان. { ~~ويبغونها عوجا }: أي: يلتمسون لسبيل الله عز وجل، العوج والزيغ. ~~وسبيل الله هو الإيمان به، وبما جاء من عنده، وهم مع ذلك { بالآخرة ~~هم / كافرون }: أي: جاحدون، لا يصدقون بالبعث، { على ربهم ~~}: وقف. # ثم قال تعالى: { أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض ~~} والمعنى: أولئك الذين هذه صفتهم، لم يكونوا معجزين ربهم، سبحانه، في ~~الأرض بهرب، أو باستخفاء، إذا أراد عقابهم. { وما كان لهم من ~~دون الله من أوليآء }: أي: ليس لهم من يمنعهم من الله عز ~~وجل، إذا أراد الانتقام منهم. # ثم قال تعالى: { يضاعف لهم العذاب ما كانوا ~~يستطيعون السمع } ولا يعقلون عن الله عز وجل. { وما كانوا ~~يبصرون }. ولا يهتدون إلى رشدهم. وقيل: ms1086 إن المعنى يضاعف لهم العذاب ~~أبدا: أي: وقت استطاعتهم السمع والبصر. # وقيل: إن " ما " للنفي، فيحسن الابتداء بها على هذا، ولا يحسن على ~~القولين الأولين. # ومعنى النفي هنا أن الضمير في " يستطيعون " ، و " يبصرون ": الأصنام، ~~والنفي عنها: أي: لم تكن تسمع، ولا تبصر. وهذا التأويل مروي عن ابن عباس. # وقيل: المعنى: إن الضمير " لهم " ، والنفي " عنهم ": أي: لم يكونوا ~~ليسمعوا شيئا ينفعهم من الإيمان، ولا يبصرونه، لأن الله، عز وجل، حال ~~بينهم وبين ذلك، لما سبق في علمه، فهو مثل قوله: # يحول بين المرء وقلبه # [الأنفال: 24]: أي: بين الكافر والإيمان، وبين المؤمن والكافر. ومثله # ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها # [السجدة: 13]، ومثله # ولو شآء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا # [يونس: 99] بالله، عز وجل. ختم على قلوبهم، وعلى أبصارهم بكفرهم. قال ~~ذلك قتادة، فقال: فهم صم عن الحق، فما يسمعونه، بكم، فما ينطقون به. ~~عمي فلا يبصرون. # وروي عن ابن عباس رضي الله عنه، إن المعنى: لا يستطيعون أن يسمعوا سماع ~~منتفع بما يسمع، ولا يبصرون إبصار مهتد، لاشتغالهم بالكفر. # قال الزجاج: ذلك كان منهم لبغضهم النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يسمعون ~~عنه، ولا يفهمون ما يقول. # قال الفراء: سبق لهم في اللوح المحفوظ أنه يضلهم. # قوله: { أوليآء } وقف عند نافع، { العذاب }: وقف إن جعلت " ما ~~" نفيا خاصة. # ثم قال تعالى: { أولئك الذين خسروا أنفسهم } أي: ~~غبنوا أنفسهم حظها من رحمة الله عز وجل. # { وضل عنهم ما كانوا يفترون }: أي: بطل كذبهم، ~~وافتراؤهم على الله، سبحانه. # ثم قال تعالى: { لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون ~~} ، و { لا جرم } عند سيبويه، والخليل بمعنى: حق. وأن في موضع رفع، ~~وجيء ب " لا " عند الخليل ليعلم أن المخاطب لم يبتدأ به كلامه، وإنما ~~خاطب غيره. # وقال الزجاج: لا هنا نفي لما ظنوا أنهم ينفعهم كأنه كان المعنى: لا ~~ينفعهم ذلك. # { جرم أنهم في الآخرة } ، أي: كسب ذلك الفعل لهم ~~الخسران، ف " أن " عنده في موضع نصب. # وقال الكسائي: المعنى: " لا ms1087 صد، ولا منع عن أنهم ". فإن في موضع ~~نصب أيضا، فحذف الخافض. وحكي: " لاجر " بغير ميم لغة ناس من ~~فزارة. # وحكى / الفراء: " لاذا جرم لغة لبني عامر. # وقال الفراء: هي كلمة كانت في الأصل، والله أعلم، بمنزلة: لا بد أنك ~~قائم، ولا محالة أنك قائم، فكثرت حتى صارت منزلة " حقا ". # تقول العرب: لا جرم لآتينك، ولا جرم لقد أحسنت إليك، وأصلها من جرمت، ~~أي: كسبت الشيء. # وذكر ابن مجاهد عن بعض القراء، وهو حمزة: ولا جرم بالمد، وكان يأخذ به ~~بمعنى الآية: حق أن هؤلاء الذين هذه صفتهم، هم الأخسرون في الآخرة: ~~باعوا منازلهم في الجنة، بمنازلهم في النار، وذلك هو الخسران المبين. ### || [11.23-26] # قوله: { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~وأخبتوا إلى ربهم } إلى قوله { عذاب يوم أليم }. # معنى: أخبتوا: أنابوا، وقيل: معناه: اطمأنوا وقيل: خشعوا، وتواضعوا، ~~وتضرعوا. والمعاني في ذلك متقاربة. وإلى: هنا بمعنى اللام، والمعنى: " ~~لربهم " ، كما وقعت اللام بمعنى " إلى قوله ". أوحى لها: أي: إليها. # ثم قال تعالى: { مثل الفريقين كالأعمى والأصم ~~والبصير والسميع } أي: مثل الكافر كالأعمى، والأصم، والمؤمن ~~كالبصير، والسميع: فهذا مثل ضربه الله عز وجل، للكافر والمؤمن، فالكافر ~~أصم عن الحق، أعمى عن الهدى، لا يبصره، والمؤمن يبصر الهدى، ويسمع الحق، ~~فينتفع به. # { هل يستويان مثلا } على اختلاف حاليهما. ومثل نصبه مصدر في ~~موضع الحال. (مثلا): وقف عند نافع. # ثم قال تعالى: { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني ~~لكم }: من كسر " إني " ، فالمعنى: فقال: إني، ومن فتح فعلى تقدير ~~حذف الجر. # والمعنى: أنذركم بأسه، وعقابه إن تماديتم على الكفر. # { مبين }: أي: أبين لكم ما أرسلت به إليكم. ثم بين تعالى: بأي شيء ~~أرسل، فقال: { أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف ~~عليكم عذاب يوم أليم } إن تماديتم على كفركم. { إلى ~~قومه }: وقف إن كسرت " إني " ، وجعلت " ألا " تعبدوا متعلقا بنذير. ### || [11.27-29] # قوله: { فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك ~~إلا بشرا مثلنا } إلى قوله: { قوما تجهلون }: # المعنى: أنهم قالوا له: ما نراك إلا ms1088 آدميا مثلنا في الخلق. فأنكروا أن ~~يرسل الله عز وجل، بشرا إلى الخلق، ثم قالوا: { وما نراك ~~اتبعك إلا الذين هم أراذلنا } أي: السفلة، دون ~~الأكابر. وقيل: هم الفقراء، وقيل: هم الخسيسو الصناعات. وروي في الحديث ~~أنهم كانوا حاكة، وحجامين. ولا يقال رجل أرذل، ولا امرأة رذلاء حتى تدخل ~~الألف واللام، أو يضاف. # وقوله: { بادي الرأي } من همزه جعله من الابتداء، أي: اتبعوك ~~ابتداء، ولو فكروا لم يتبعوك. ومن لم يهمز، جاز أن يكون على تخفيف ~~الهمزة، وجاز أن يكون من بدا يبدو: إذا ظهر، أي: اتبعوك في ظاهر ~~الرأي، وباطنهم على خلاف ذلك. # وقيل: المعنى: اتبعوك في ظاهر الرأي، ولو تدبروا لم يتبعوك. # وقيل: المعنى: اتبعوك في ظاهر الرأي الذي ترى، وليس تدري باطنهم. # ونصبه عند الزجاج على حذف " في " أو على مثل: # واختار موسى قومه # [الأعراف: 155]. # وقيل: المعنى: أنه نعت لمصدر محذوف، والمعنى " اتباعا ظاهرا ". # ثم حكى الله عز وجل، عنهم قالوا لمن آمن بنوح صلى الله عليه وسلم: { ~~وما نرى لكم علينا من فضل } إذ آمنتم بنوح { بل ~~نظنكم كاذبين }: أي: في دعوتكم أن الله عز وجل، ابتعث نوحا ~~رسولا. وهذا خطاب لنوح، لأنهم به كذبوا، فخرج الخطاب له مخرج خطاب ~~الجميع. # قال نوح لقومه: { يقوم أرأيتم إن كنت على بينة ~~من ربي }: أي: على معرفة به، وعلم. # / { وآتاني رحمة من عنده }: أي: رزقني التوفيق، والنبوءة، ~~والحكمة، فآمنت، وأطعت. # { فعميت عليكم }: أي: عميت عليكم الرحمة، أي: خفيت، فلم ~~تهتدوا لها. # والرحمة عند الفراء: الرسالة. ومن شدد فمعناه: " فعمها " الله ~~عليكم، أي: خفاها. وفي قراءة عبد الله، وأبي: " فعماها الله ~~عليكم " وقد أجمع الجميع على التخفيف في " القصص " ، ولا يجوز غيره. # ثم قال: { أنلزمكموها وأنتم لها كارهون } أي: ~~أنآخذكم بالدخول في الإسلام على كره منكم، فنلزمكم ما لا تريدون. # يقول صلى الله عليه وسلم: # " لا تفعل ذلك، بل نكل أمرهم إلى الله، سبحانه ". # قال النحاس: { أنلزمكموها }: أنجبها عليكم. وأنتم لها كارهون. ~~وقيل: معنى { أنلزمكموها }: هي شهادة أن لا ms1089 إله إلا الله، وحده ~~لا شريك له. # وقيل: الهاء في { أنلزمكموها } للرحمة. وقيل: للبينة. # ثم حكى الله عنه أنه قال: { يقوم لا أسألكم عليه مالا ~~}: أي: لا آخذ منكم على نصحي إياكم، ودعائي لكم إلى الإيمان { مالا }: ~~ما أجري في ذلك إلا على الله، هو يجازيني ويثيبني. { ومآ أنا ~~بطارد الذين آمنوا }: أي: لست أطردهم، ولا الذين آمنوا بي. ~~وذلك أنهم سألوه أن يطردهم. # قال ابن جريج: قالوا: " إن أحببت أن نتبعك فاطردهم. فقال: لا أطردهم ~~ملاقوا ربهم، فيجازي من طردهم وآذاهم، ويسألهم عن أعمالهم. # ثم قال لهم: { ولكني أراكم قوما تجهلون }: أي: ~~تجهلون ما يجب عليكم من حق الله. ### || [11.30-33] # قوله: { ويقوم من ينصرني من الله إن طردتهم } - ~~إلى قوله - { ومآ أنتم بمعجزين }: # والمعنى: من يمنعني من الله، إن هو عاقبني على طردي إياهم، وهم مؤمنون، ~~موحدون. # { أفلا تذكرون } في قولكم، فتعلمون خطأه. # ثم قال لهم: { ولا أقول لكم عندي خزآئن الله } هذا ~~معطوف على قوله: (لا أسألكم)، والمعنى: لا أقول لكم: عندي خزائن الله ~~التي لا يفنيها شيء، فتتبعوني عليها. # { ولا أعلم الغيب }: أي: ما خفي من سرائر الناس. فإن الله ~~يعلم ذلك وحده. # { ولا أقول إني ملك }: فأكذب، { ولا أقول للذين ~~تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله } ، ~~أي: للذين اتبعوني، وآمنوا بي، فاستحقرتموهم، وقلتم: إنهم أراذلنا. " ~~والخير هنا: الإيمان بالله عز وجل. # { الله أعلم بما في أنفسهم }: أي: في ضمائرهم، ~~واعتقادهم، وإنما لي منهم ما ظهر. { إني إذا لمن الظلمين ~~}: أي: إني ظالم، إن قلت لن يؤتيكم الله خيرا، وقضيت / على سرائرهم: نفى ~~نوح صلى الله عليه وسلم، جميع هذا عن نفسه لئلا يتبعوه على ذلك. # { قالوا ينوح قد جادلتنا }: أي: " قد خاصمتنا، فأكثرت ~~خصامنا { فأتنا بما تعدنآ }: أي: بالعذاب، إن كنت صادقا في ~~قولك: إنك رسول (الله). # وقرأ ابن عباس رضي الله عنه: " فأكثرت جدلنا ". " والجدل " والجدال: ~~المبالغة في الخصومة. # قال لهم نوح: إنما يأتيكم بالعذاب الله عز وجل. # { ومآ أنتم بمعجزين }: أي: لستم ممن ms1090 يعجز الله، سبحانه، إذ ~~جاءكم عذابه هربا، لأنكم في سلطانه حيثما كنتم. ### || [11.34-36] # قوله: { ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم ~~} إلى قوله { يفعلون }. # والمعنى: وليس ينفعكم تحذيري إياكم عقوبة على كفركم. { إن كان ~~الله يريد أن يغويكم } أي: يهلككم. # وقيل: معناه: يحييكم، وحكي عن بعض العرب أنها تقول: أصبح فلانا غاويا: ~~أي: مريضا. # وهذه الآية من أبين آية في أن الأمر كله لله عز وجل، يضل من يشاء، ~~ويهدي من يشاء، لا معقب لحكمه يفعل ما يشاء. # وقد قالت المعتزلة: إن معنى: " أن يغويكم: أن يهلككم، وكذبوا على الله، ~~سبحانه، وعلى لغة العرب: ولو كان الأمر كما قالوا، لكان معنى قوله: # قد تبين الرشد من الغي # [البقرة: 256]: من الهلاك، وهذا لا معنى له. إنما هو الضلال، الذي هو ~~نقيض الرشد. ولكان معنى قوله: # وعصى ءادم ربه فغوى # [طه: 121]: فهلك، ولم يهلك إنما ضل. ولكان معنى قوله: # الذين أغوينآ أغويناهم # [القصص: 63] بمعنى الهلاك، ولا معنى لذلك، إنما هو بمعنى الضلال كله. ~~ولكان قوله: # ولأغوينهم # [الحجر: 39] بمعنى: لأهلكنهم: وهذا لا يقوله أحد، ولا معنى له. # وقوله تعالى: # فسوف يلقون غيا # [مريم: 59] معناه: هلاكا. # { هو ربكم وإليه ترجعون }: أي: بعد الهلاك. # ثم قال تعالى: { أم يقولون افتراه }: أي: أيقولون؟ وهذه " أم ~~" المنقطعة بمعنى الألف، أي: اختلقه. وهذا خطاب للنبي صلى الله عليه ~~وسلم. والمعنى: أيقول قومك: اختلق هذا الخبر عن نوح عليه السلام، قل لهم: ~~يا محمد! { قل إن افتريته فعلي إجرامي }: أي: إثم ~~جرمي، لا تؤخذون به، { وأنا بريء } من إثم جرمكم، ولا آخذ به. ~~يقال: أجرم فلان: أي: كسب الإثم. # وأجاز أبو إسحاق " أجرامي " بفتح الهمزة جمع جرم. # ثم قال تعالى: { وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من ~~قومك إلا من قد آمن } والمعنى: إنه لما حق عليهم العذاب، ~~أعلم أنه لن يؤمن أحد ممن بقي، { فلا تبتئس }: أي: لا تحزن على ~~فعلهم، وكفرهم، وذلك حين قال: # رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا # [نوح: 26]. ### || [11.37-40] # قوله: { واصنع ms1091 الفلك بأعيننا ووحينا } إلى قوله { ~~إلا قليل }. # والفلك: السفينة، يكون واحدا، وجمعا. # قال ابن عباس: أوحي إليه: أن يصنع الفلك فلم يدر كيف يصنعها، فأوحي إليه ~~أن يصنعها على مثال جؤجؤ الطير. ومعنى: { بأعيننا ووحينا }: ~~أي: كما نأمرك. # قال قتادة: / بعين الله، ووحيه. # (وقيل: بأعيننا: بحفظنا، وقيل: بعلمنا، وقيل: إن الملائكة كانت تريد ~~ذلك). # وقيل: معنى: (بأعيننا ووحينا): أي: بتعليمنا كيف تصنعه. # وقوله: { ولا تخاطبني في الذين ظلموا }: أي: لا تسألني ~~في العفو عنهم. قال ابن جريج: معناه: لا تراجعني. # ثم أعلمنا الله عز وجل، أنه أخذ يصنع السفينة، وأن: { كلما مر ~~عليه ملأ من قومه } أي: جماعة، وكبراء { سخروا منه }: ~~أي: هزأوا به، يقولون له: أتحولت نجارا بعد النبوءة؟ وتعمل السفينة في ~~البر؟ فيقول لهم نوح: { إن تسخروا منا } اليوم، { فإنا ~~نسخر منكم } في الآخرة { فسوف تعلمون } إذا عاينتم ~~العذاب { من يأتيه عذاب يخزيه } أي: من هو أحمد عاقبة منا، ~~ومنكم. # و " من " تكون هنا خبرا، واستفهاما، وتقريرا، إعرابها في الوجهين ~~ظاهر. (وروت عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: # " لو رحم الله (أحدا من قوم نوح) لرحم أم الصبي، كان نوح قد مكث في ~~قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، يدعوهم إلى الله عز وجل، حتى كان آخر ~~زمانه غارس شجرة، فعظمت، وذهبت كل مذهب، ثم قطعها، ثم جعل يعمل سفينته. ~~ويمرون، فيسألونه، فيقول: أعمل سفينة. فيسخرون منه، ويقولون: تعمل سفينة ~~في البر، فكيف تجري؟ فيقول: سوف تعلمون. فلما فرغ منها، وفار التنور، ~~وكثر الماء في السكك، وخشيت أم الصبي عليه، وكانت تحبه حبا شديدا، ~~فخرجت إلى الجبل، حتى بلغت ثلثه، فلما بلغها الماء، خرجت حتى بلغت ثلثي ~~الجبل، فلما بلغها الماء، خرجت حتى استوت على الجبل، فلما بلغ الماء ~~رقبتها، رفعته بيديها حتى ذهب بها الماء ". # قال قتادة: كان طول السفينة ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسون ذراعا، وطولها ~~في السماء ثلاثون ذراعا، وبابها في عرضها. # وقال الحسن: كان طول السفينة ألف ذراع، ومائتي ذراع، ms1092 وعرضها ستمائة ~~ذراع. # وقال عكرمة: إنما طولها ثلاثمائة ذراع، وعرضها ورفعها ثلاثون ذراعا. # وعن الحسن، (رحمة الله عليه، أيضا)؛ أنه قال: كان طولها ألف ذراع، في ~~خمسمائة ذراع، وبابها في جنبها. # قال: أبو رجاء: كانت مطبقة. # وقيل: إنها كانت: ثلاث طبقات: طبقة فيها الدواب والوحوش، وطبقة فيها ~~الإنس، وطبقة فيها الطير. فلما كثر أروات الدواب أوحى الله عز وجل، ~~إلى نوح: أن أغمز ذنب الفيل، فغمزه. فوقع منه خنزير وخنزيرة، فأقبل ~~على الروث. ثم إن الفأر وقع بحبل السفينة يقرضه، فأوحى الله إلى نوح أن ~~اضرب بين عيني الأسد، فضرب، فخرج من منخره سنور وسنورة، فأقبل على الفأر. # قال ابن عباس: قال الحواريون لعيسى عليه السلام: لو بعثت لنا رجلا شهد ~~السفينة، فحدثنا عنها، قال: فانطلق بهم عيسى عليه السلام، حتى أتى إلى ~~كثيب من تراب، فأخذ كفا من ذلك التراب بكفيه، فقال: أتدرون ما هذا ~~قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هذا / كعب حام بن نوح. قال: فضرب الكثيب ~~بعصى، وقال: قم بإذن الله، فإذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه، قد شاب، ~~قال له عيسى: هكذا هلكت. قال: لا، ولكن مت، وأنا شاب، ولكنني ظننت أنها ~~الساعة، فمن ثم: شبت. قال: حدثنا عن سفينة نوح قال: كان طولها ألف ذراع، ~~ومائتي ذراع، وعرضها ستمائة ذراع. ثم حكى له طبقاتها، وما كان فيها، وقصة ~~الأرواث، والفأر على ما تقدم ذكره. ثم قال له عيسى عليه السلام: كيف علم ~~نوح أن البلاد قد غرقت؟ قال: بعث الغراب يأتيه بالخبر، فوجد جيفة فوقع ~~عليها، فدعا عليه بالخوف، فلذلك لا يألف البيوت. قال: ثم بعث الحمامة، ~~فجاءت بورق زيتون بمنقاريها، وطين برجليها. فعلم أن البلاد قد غرقت، ~~فطوقها الخضرة التي في عنقها، ودعا أن تكون في أنس، وأمان، فمن ثم تألف ~~البيوت. # وروى عبيد بن عمير الليثي: أنهم كانوا يخنقون نوحا حتى يغشى عليه، فإذا ~~فاق قال: اللهم أغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون. حتى إذا تمادوا في المعصية، ~~وتطاول عليه منهم الشأن، وعظيم ms1093 البلاء، ولا يأتي قرن منهم إلا كان أخبث ~~من صاحبه. يقولون: قد كان هذا مع آبائنا، وأجدادنا مجنونا، ولا تقبل منه ~~شيئا. فشكا ذلك إلى الله، وقال كما قص الله سبحانه علينا: { رب } # قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا * فلم ~~يزدهم دعآئي إلا فرارا # [نوح: 5-6] - إلى آخر القصة - ثم قال: # رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا # [نوح: 26] - إلى آخر القصة -. فأوحى الله عز وجل، إليه: أن اصنع الفلك. ~~وزعم أهل التوراة أن الله، سبحانه، أمره أن يجعل عوده من الساج، وأن ~~يطليه بالقار، من داخل، ومن خارج، وأن يجعل طوله ثمانين ذراعا، وعرضه ~~خمسين ذراعا، وطوله في السماء ثلاثين ذراعا، وجعل الله عز وجل، له فور ~~التنور آية. فلما فار، حمل في الفلك من أمره الله، سبحانه، بنيه الثلاثة: ~~سام، وحام، ويافث، ونساءهم، وستة أناس ممن كان آمن به. فكان جميعهم عشرة ~~رجال. وتخلف عنه ابنه يام، وكان كافرا. # قال ابن عباس: كان أول ما حمل نوح في الفلك الذرة، وآخر ما حمل الحمار. ~~فلما دخل، وأدخل صدره، تعلق إبليس بذنبه، فلم تستقل رجلاه، فجعل نوح عليه ~~السلام، يقول: ويحك! ادخل، فلا يستطيع الحمار الدخول. # فقال: ويحك! (ادخل) وإن كان الشيطان معك. فزل لسانه بالكلمة، فدخل ~~الحمار، والشيطان. فقال له: نوح صلى الله عليه وسلم: ما أدخلك علي يا ~~عدو الله؟. قال: ألم تقل ادخل، وإن كان الشيطان معك. قال: اخرج عني يا ~~عدو الله. قال: مالك بد من أن تحملني، فكان إبليس في ظهر الفلك. ~~فكان بين إرسال الله عز وجل، الماء، وبين أن احتمل الماء الفلك أربعون ~~يوما بلياليها، ودخل فيها لسبع عشرة ليلة مضت من الشهر، فلما دخل من كان ~~معه / (انفتحت أبواب السماء بماء منهمر)، كما قال الله، وكانت السفينة ~~مسمرة بدسر. والدسر: مسامير الحديد، وقيل: مسامير من عود، بها ~~يسمر اليوم مراكبهم أهل الحجاز، وأهل الهند، وما يلي ذلك. فلما جرت ~~السفينة، قال نوح لابنه: # اركب معنا ولا تكن مع الكافرين ms1094 # [هود: 42] وكان قد أضمر الكفر، وظن أن الجبال تمنع من الماء، فقال: # سآوي إلى جبل يعصمني من المآء # [هود: 43]: أي: يمنعني، فقال له نوح: # لا عاصم اليوم من أمر الله # [هود: 43]. فعلا الماء على الجبال خمسين ذراعا. فهلك كل ما كان على وجه ~~الأرض من الحيوان والأشجار، ولم يبق إلا ما في السفينة. وكان بين أن ~~أرسل الله الطوفان، وبين أن غاض الماء ستة أشهر، وعشر ليال. # قال عكرمة: " ركب في السفينة لعشر خلون من رجب، { واستوت على ~~الجودي } لعشر خلون من المحرم. فذلك ستة أشهر ". # ومعنى: { وفار التنور }: قيل: إنه انفجر الماء من وجه الأرض. ~~والتنور: وجه الأرض قاله ابن عباس، وعكرمة. # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: هو تنوير الصبح، من قولهم: نور ~~الصبح ينور، فكأنه قال: حتى جاء أمرنا، وطلع الفجر. # وقال قتادة: التنور أعلى الأرض، وأشرافها. # وقال الحسن: التنور هو الذي يخبز فيه، كان من حجارة لحواء. ثم صار ~~إلى نوح، فقيل له: إذ رأيت الماء يفور من التنور، فاركب أنت وأصحابك. # وقال الشعبي. فار الماء في ناحية الكوفة. # وعن علي رضي الله عنه، أنه قال: فار التنور من مسجد الكوفة، وقال زيد بن ~~حبيش: فار التنور من هذه الزاوية، وأشار إلى زاوية مسجد الكوفة اليمني من ~~القبلة، التي عن يمين المصلى. وكان زيد يقصد إلى الصلاة في تلك الزاوية ~~من مسجد الكوفة، وعن الحسن أيضا أن التنور الموضع الذي يجتمع فيه الماء ~~في السفينة. وعن ابن عباس: أن التنور فار بالهند. # ومعنى: { من كل زوجين اثنين } أي: من كل ذكر، وأنثى، ~~والواحد: زوج، والزوجان ذكر، وأنثى من كل صنف، فمعنى من كل زوجين: من كل ~~صنفين. وقيل الزوجان: الضربان الذكور، والإناث. وقيل: الزوجان: اللونان. # وقوله: { وأهلك إلا من سبق عليه القول }: أي: واحمل ~~أهلك، إلا من سبق إهلاكه، وهو بعض نساء نوح، كانت من الباقين: من ~~الهالكين. # وقيل: هو ابنه الذي غرق. { ومن آمن }: أي: واحمل من آمن. # قال قتادة: كانوا ثمانية أنفس، ms1095 خمسة بنين، وثلاث نسوة، فأصاب حام امرأته ~~في السفينة. فدعا عليه نوح أن تغير نطفته. فجاء بالسودان. # وقيل: كانوا عشرة سوى نسائهم: ستة ممن آمن، وثلاثة بنين، ونوح. # وعن ابن عباس: أنهم كانوا ثمانين رجلا، غير النساء من غير أهله وروي أن ~~الله جل ذكره، كان قد أعقم أرحام النساء، وأصلاب الرجال، قبل الغرق ~~بأربعين سنة /، فلم يولد فيهم مولود، ولم يغرق إلا ابن أربعين، فما فوق ~~ذلك. # قوله: { وأهلك }: وقف عند أبي حاتم، وليس يوقف عند غيره، لأن بعده ~~استثناء. # { ومن آمن }: وقف عند نافع وغيره، { إلا قليل }: وقف حسن. ### || [11.41-43] # قوله: { وقال اركبوا فيها بسم الله مجريها } - إلى ~~قوله - { فكان من المغرقين } # المعنى: فحملهم فيها، وقال: اركبوا فيها. ومن قرأ بضم الميم، فمعناه: ~~بسم الله إجراؤها، وإرساؤها: ابتداء وخبر، ويجوز أن يكون في موضع نصب على ~~الظرف، على معنى بسم الله، وقت إجرائها، وعند إرسائها. ويكون بسم الله ~~كلاما مكتفيا بنفسه كقول المبتدئ في عمل: بسم الله، فتكون الياء في ~~موضع نصب على معنى ابتدأت بسم الله، أو في موضع رفع على معنى أبتدأ، أي: ~~بسم الله. { ومجريها }: ظرف كما تقول: زيد قائم خلفك. ومن فتح الميم ~~فعلى هذا التقدير، إلا أنه يقدر في موضع الإجراء الجري. والمعنى: بالله ~~إجراؤها، وبالله جريها، وبالله إرساؤها. # وقال مجاهد، والجحدري، والعطاردي: " مجريها ومرسيها بالياء، وجعلوه ~~نعتا لله عز وجل، أو في موضع رفع على إضمار مبتدأ. # وقال الضحاك وغيره: كان إذا قال: بسم الله جرت، وإذا قال: بسم الله ~~رست. # واختار " مجراها " بالفتح لقربه من قوله: وهي تجري بهم، ولم يقل تجري ~~وخرجت " مرساها " بالضم على الإجماع { إن ربي لغفور رحيم ~~}: أي: لساتر ذنوب من تاب إليه، رحيم به. ثم أخبر تعالى أنها تجري بهم في ~~موج مثل الجبال، ثم قال: { ونادى نوح ابنه وكان في معزل ~~} (أي: في معزل) عن دين نوح. وقيل: في معزل عن السفينة، وذلك أن نوحا، ~~صلوات الله عليه، لم يعلم بأنه كافر، لقوله { ولا تكن ms1096 مع ~~الكافرين }. # وقيل: إنه لم يكن ابنه، إنما كان ابن امرأته. # وحكى أبو حاتم أنه قرأ: " ونادى نوح ابنه " بفتح الحاء، يريد " ابنها ~~" ثم حذف الألف لخفتها، كما تحذف الواو من " ابنهو ". وعن علي رضي الله ~~عنه، أنه قرأ: " ابنها " بألف، لم يكن ابنه، إنما كان ابن رجل تزوجها ~~قبل نوح. # وعن الحسن رضي الله عنه، أنه قال: خانت نوحا في الولد. والله تعالى ~~يعيذ نبيه صلى الله عليه وسلم، من ذلك إنما خانته في الدين، لا في ~~الفراش. # قال ابن عباس: ما بغت امرأة نبي قط ". # ومن قرأ { يبني اركب معنا } بالفتح، فزعم أبو حاتم أنه ~~أراد: يا بنياه، فحذف الهاء، لأنه يصل، وحذف الألف لدلالة الفتحة. # ولا يجوز عند سيبويه حذف الألف لخفتها، وليس مثل الواو. # وقال الزجاج: كان أصله " يا بني " بياءين كما تقول: يا غلامي ~~بالياء، فأبدل من الكسرة فتحة، ومن الباء ألفا، ثم حذف الألف لسكونها، ~~وسكون الراء بعدها من " أركب " ، وكتبت على اللفظ. ومن كسر الياء، فعلى ~~الأصل، لأن الكسرة تدل على الياء المحذوفة، ككسر الميم في " يا غلام! ~~تعال ". # ثم قال تعالى إخبارا عن قول ابن نوح لنوح: { سآوي إلى جبل ~~يعصمني من المآء }: أي: سأصير / إلى جبل يمنعني من الماء، قال ~~له نوح: { لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم ~~}: أي: إلا الراحم، أي: ليس يعصم إلا الله، أي: لا يمنع إلا الله الذي ~~رحمنا، فأنقذنا من الغرق، وقيل: " من " في موضع نصب استثناء، ليس من ~~الأول، أي: لكن من رحم الله، فإنه معصوم. # وقيل: المعنى: إن عاصما بمعنى معصوم، فيكون " من " أيضا في موضع رفع ~~لأنه لا معصوم من أمر الله إلا المرحوم على البدل من موضع معصوم، ~~والاختيار: أن يكون عاصم على بابه، و " من " في موضع رفع على البدل من ~~عاصم. والتقدير: لا يعصم اليوم من أمر الله إلا الله. # ثم قال تعالى: { وحال بينهما الموج }: أي: بين نوح، وابنه، ~~فكان ابنه من المغرقين. # { من أمر الله ms1097 }: وقف حسن، إن جعلت إلا من رحم الله استثناء، ~~ليس من الأول، وليس من الأول، وليس بالبين لأنه لا بد للثاني أن يكون فيه ~~سبب من الأول. # { إلا من رحم }. وقف. ### || [11.44-47] # قوله: { وقيل يأرض ابلعي مآءك } إلى قوله { أكن من ~~الخاسرين }. # المعنى: يا أرض اشربي ما عليك من الماء. # { ويسمآء أقلعي }: لا تمطري. { وغيض المآء }: أي: نقص ~~جعل الله عز وجل، في الأرض والسماء تمييزا، وقيل: هو مجاز. # { وقضي الأمر }: أي: بهلاكهم، { واستوت على الجودي ~~}: أي: استقرت السفينة على الجودي، وهو جبل بناحية الموصل، أو الجزيرة. { ~~وقيل بعدا }: أي: وقال الله بعدا. # وقيل: المعنى: وقال نوح ومن معه { بعدا للقوم الظالمين }: ~~أي: أبعدهم الله من رحمته. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: ركب نوح السفينة في أول يوم ~~من رجب، فصام هو ومن معه، وجرت السفينة ستة أشهر. فانتهى ذلك إلى المحرم، ~~فأرست على الجودي يوم عاشوراء، فصام نوح وأمر جميع من معه من الوحش، ~~فصاموا شكرا لله عز وجل. # وروي أن السفينة مرت بالبيت، فطافت به أسبوعا. # وفي الجودي لغتان. تشديد الياء، وتخفيفها. فمن شدد جمعه على جوادي، ومن ~~خفف جمع على جواد، مثل جوار. # (على الجودي): وقف عند أبي حاتم، وليس كذلك، لأن (وقيل): عطف على ~~واستوت. # ثم قال تعالى: { ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني ~~من أهلي }: أي: إنك وعدتني أن تنجي أهلي، وابني منهم. # { وإن وعدك الحق }: أي: الذي لا خلف فيه، { وأنت ~~أحكم الحاكمين } أي: فاحكم لي (بأن تفي) بما وعدتني. # قال الله له: { ينوح إنه ليس من أهلك }: أي: ليس من ~~أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم. # وقال الحسن: لم يكن ابنه، وكان يحلف أنه ما كان ابنه. فمعنى: { ليس ~~من أهلك }: أي: ليس بابن لك، إنما هو ابن امرأته وقال عكرمة، ~~وغيره: هو ابنه، ولكن كان على غير دينه، وإنما وعده الله عز وجل، أن ~~ينجي أهله المؤمنين به. فمعنى { ليس من أهلك }: ليس من أهل ~~دينك. # ثم قال ms1098 تعالى: { إنه عمل غير صالح }: أي: إن سؤالك يا نوح ~~إياي أن أنجي مشركا عمل منك غير صالح. # وقيل: المعنى: إن الذي سألت أن أنجيه، ذو عمل غير صالح. # وقيل: المعنى: إن عمله غير صالح. # وعن ابن مسعود / أنه قرأ " إنه عمل غير صالح أن تسألني ما ليس لك به ~~علم " { فلا تسئلن } ، فتكون الهاء للمجهول، وخبر " عمل " محذوف ~~دل عليه { فلا تسئلن }. # ومن قرأ: " عمل غير صالح " ، فكذلك قرأ الكسائي. وفيه: حديث عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم، أنه كذلك قرأ. ومعناه: ظاهر، كأنه قال: إنه كافر، ~~والمعنى: إن ابنك كافر، عمل عملا غير صالح، مثل # واعملوا صالحا # [المؤمنون: 51، سبأ: 11]، ومثل # وعمل صالحا # [البقرة: 62، سبأ: 37]. # ثم قال تعالى: { إني أعظك أن تكون من الجاهلين } هذا ~~تنبيه لنوح، صلى الله عليه وسلم، لئلا يسأل عما طوي عنه علمه. # وقال ابن زيد: المعنى: إني أعظك أن تبلغ الجهالة بك، أن تظن أني لا أفي ~~بوعد وعدتك، حتى تسألني ما ليس لك به علم. فاستقال نوح من سؤاله، واستعاذ ~~من ذلك. وقال: { رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس ~~لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من ~~الخاسرين }: فاستغفر من زلته في مسألته، وهذا " يدل على أن الأنبياء ~~(صلوات الله عليهم)، يذنبون ". # ومعنى: { من الخاسرين }: أي: الذين خسروا رحمتك يوم القيامة. ~~والمعنى: إني أسألك أن توفقني وتلطف بي، حتى لا أسألك (ما ليس لي به ~~علم). ### || [11.48-52] # قوله: { قيل ينوح اهبط بسلام منا وبركات عليك ~~وعلى أمم ممن معك } - إلى قوله - { ولا تتولوا ~~مجرمين }. # والمعنى: قال الله عز وجل، يا نوح! اهبط من الفلك إلى الأرض سلامة، ~~وبركات عليك، وعلى أمم ممن معك: أي: من ذرية من معك: أي: من ذرية من معك ~~من ولدك، وولد من معك من المؤمنين الذين سبقت لهم السعادة قبل خلقهم. # ثم قال تعالى مخبرا عن الكافرين من ذرية من معه: { وأمم ~~سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم }: فلذلك ~~رفعت الأمم ها هنا، ولا تخفض، ms1099 لأنها ليست ممن بارك الله عليها، ودعا لها ~~بالسلامة، وإنما هو بمنزلة: رأيت زيدا، وعمرو جالس. # ومعنى: { سنمتعهم }: أي: " سنرزقهم في الحياة الدنيا ما يمتعون ~~به إلى أن يبلغوا آجالهم ". # { ثم يمسهم منا عذاب أليم }: أي: في القيامة. # قال محمد بن كعب القرظي: دخل في هذا السلام والبركة، كل مؤمن؛ ومؤمنة ~~إلى يوم القيامة. ودخل في هذا العذاب كل كافر، وكافرة إلى يوم القيامة. # ممن معك: وقف، وأجاز الفراء " وأمما " ممن معك بالنصب على معنى ونمتع ~~أمما. # ثم قال تعالى: { تلك من أنبآء الغيب } أي: تلك القصة، ~~بمعنى: هذه القصة من الأخبار الغائبة عنك يا محمد، وعن قومك، لم تكونوا ~~تعلمونها من قبل إخبارنا لكم، فإخبارك إياهم بهذا يدل على صدقك، ونبوتك ~~لو عقلوا. (فاصبر): على قولهم، وعلى القيام بأمر الله عز وجل، في ~~التبليغ، وعلى ما تلقى منهم. # { إن العاقبة للمتقين } وهذا إشارة إلى القرآن. () # ثم قال تعالى: { وإلى عاد أخاهم هودا }: أي: وأرسلنا إلى ~~عاد أخاهم هودا. هو معطوف على قوله / # ولقد أرسلنا نوحا (إلى قومه) # [هود: 25] وسمي هود أخاهم، لأنه منهم، ومبين بلسانهم، وقيل: سمي بذلك ~~لأنه من ولد آدم، بشر مثلهم. # وعاد: قبيلة، وهو ابن أبيهم الأكبر، فلذلك قال أخوهم، وهو هود بن عبد ~~الله بن عاد بن عادية بن عاد بن أرام بن الخالد بن عابر. قال لهم (هود): ~~{ يقوم اعبدوا الله ما لكم من إله } إلا هو، ولا ~~يستحق العبادة إلا هو. # { إن أنتم إلا مفترون }: أي: ما أنتم في اتخاذكم إلها ~~غيره إلا كاذبون. ثم قال لهم: { يقوم لا أسألكم عليه ~~أجرا }: أي: ليس أسألكم على ما دعوتكم إليه، كم من إخلاص العبودية ~~لله، عز وجل، أجرا، ما أجري في ذلك إلا على الله سبحانه، { الذي ~~فطرني }: أي: خلقني. # ثم قال: { ويقوم استغفروا ربكم ثم توبوا ~~إليه }: أي: سلوه المغفرة من عبادتكم غيره، { ثم توبوا ~~إليه } من عبادة غيره. فإن فعلتم ذلك أرسل عليكم السماء مدرارا: أي: ~~قطر السماء متتابعا. # ومفعال للتكثير، وفيه ms1100 معنى الكسب. ولذلك حذفت الهاء. وأكثر ما يأتي " ~~مفعال " من " أفعلت " ، وقد أتى هنا من " فعلت " ، يقال: درت تدر ~~وتدر، فهي مدرار. # ثم قال: { ويزدكم قوة إلى قوتكم }: أي: " شدة إلى ~~شدتكم " قاله مجاهد (إن أطعتم). # وقيل: إن النسل كان قد انقطع منهم سنتين، فقال لهم هود: إن آمنتم بالله، ~~أحيا الله بلادكم، ورزقكم الولدان، فذلك القوة. # وقال أبو إسحاق: المعنى قوة في النعمة. وكانت مساكن عاد الرمال، ما بين ~~الشام واليمن، وكانوا أهل زرع، وبساتين وعمارة، فلما أقاموا على كفرهم، ~~وعبادة أصنامهم، ولم يطيعوا هودا أرسل الله عز وجل، عليهم الريح، فكانت ~~تدخل في أنوفهم، وتخرج من أدبارهم، وتقطعهم عضوا عضوا. # ثم قال لهم هود: { ولا تتولوا مجرمين }: أي: لا تدبروا ~~عني، وعن ما دعوتكم إليه كافرين. ### || [11.53-56] # قوله: { قالوا يهود ما جئتنا ببينة وما نحن ~~بتاركي آلهتنا عن قولك } - إلى قوله - { صراط ~~مستقيم } والمعنى: ما جئتنا ببرهان على قولك، فنترك آلهتنا لقولك، ~~وما نؤمن لك، فنصدقك بما جئتنا به. ما نقول { إلا اعتراك بعض ~~آلهتنا بسوء }: أي: أخذك خبل من عند بعض آلهتنا لطعنك عليها، ~~وسبك لها: أي: جنون. # قال لهم هود: { إني أشهد الله واشهدوا } أنتم { أني ~~بريء مما تشركون * من دونه }: أي: من آلهتكم التي ~~تعبدون من دون الله سبحانه. { فكيدوني جميعا }: أي: احتالوا في ~~كيدي، أنتم وألهتكم التي تعبدون ثم لا تؤخروا ذلك عني. # { إني توكلت على الله ربي وربكم }: أي: فوضت ~~أمري إلى مالكي، ومالككم. { ما من دآبة إلا هو آخذ ~~بناصيتهآ } أي: ليس من شيء يدب على الأرض إلا والله عز وجل، مالكه. # وخص ذكر الناصية دون سائر الأعضاء، لأن العرب تستعمل ذلك فيمن وصفته ~~بالذلة والخضوع: تقول: ما ناصية فلان إلا بيدي: أي: هو مطيع لي أصرفه كيف ~~أشاء. # وقيل: إنما خص ذكر الناصية، لأنهم كانوا إذا أسروا أسيرا، وأرادوا ~~المن عليه، جزوا ناصيته، ليعتدوا بذلك / فخرا، فخوطبوا بعادتهم. ~~وكل ما فيه الروح يقال له: داب ودابة، فتدخل الهاء للمبالغة. # ثم قال: ms1101 { إن ربي على صراط مستقيم } أي: على الحق. ~~والصراط في اللغة: المنهاج الواضح. ### || [11.57-60] # قوله: { فإن تولوا فقد أبلغتكم مآ أرسلت به ~~إليكم } - إلى قوله - { هود }. # والمعنى: إن هودا قال لقومه: فإن أدبرتم على ما دعوتكم إليه، وأعرضت ~~فقد أبلغتكم ما أمرت به، وقامت عليكم الحجة في تبليغي إياكم رسالة ربكم، ~~فهو يهلككم، ثم يستخلف قوما غيركم، توحدون، وتخلصون له العبادة. # { ولا تضرونه شيئا }: أي: لا تقدرون على ضر إذا أراد هلاككم. ~~وقيل: المعنى: ولا يضره هلاككم شيئا. # { إن ربي على كل شيء حفيظ }: أي: ذو حفظ بخلقه. # ثم قال تعالى: { ولما جآء أمرنا }: أي: العذاب للكفار. { ~~نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا }: ~~أي: بفضل منا مما أصاب الكفار. { ونجيناهم من عذاب غليظ ~~}: أي: يوم القيامة من عذاب جهنم، كما نجيناهم في الدنيا من عذاب الكفار. # ثم قال تعالى: { وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم ~~وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد }: ~~أي: معاند لله عز وجل، معارض بالخلاف. { وأتبعوا في هذه ~~الدنيا لعنة }: أي: غضبا من الله، وسخطا، ويوم القيامة مثل ~~ذلك. # { ألا إن عادا كفروا ربهم ألا بعدا لعاد }: ~~أي: أبعدهم الله، وإنما قال: { وعصوا رسله } بجمع، ولم يأتهم ~~إلا رسول واحد، لأن من كفر بنبي واحد، وعصاه فقد كفر بجميع الأنبياء، ~~وعصاهم. وله في القرآن نظائر، قد مضت، ومنها ما يأتي بعد. # (يوم القيامة): وقف، (قوم هود): وقف. # ( " إكمال السفر الثالث من كتاب الهداية بحمد الله وعونه. وصلى الله على ~~محمد نبيه وسلم تسليما. يتلوه في السفر الرابع قوله) ". ### || [11.61-62] # قوله تعالى: { وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يقوم ~~اعبدوا الله } إلى قوله { مريب }. # ثمود: قبيلة، وصالح ابن أبيهم الأكبر. فلذلك قال أخوهم، وهو صالح بن ~~عبيد بن جابر بن عبيد بن ثمود بن الخالد بن عابر. والمعنى: وأرسلنا إلى ~~ثمود أخاهم صالحا، فقال لهم: اعبدوا الله ليس لكم إله إلا هو، هو ~~أنشأكم) أي: خلقكم من الأرض، يعني: أصلهم الذي هو آدم. خلق من طين من ~~الأرض، ms1102 { واستعمركم } أنتم (فيها): أي: أسكنكم فيها. # { فاستغفروه }: مما عبدتم من دونه. { ثم توبوا إليه ~~}: من عبادة الأوثان. { إن ربي قريب } يسمع دعاءكم، وتوبتكم، ~~واستغفاركم. { مجيب } لمن دعاه، وأخلص في التوبة. # { قالوا يصالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا } ، ~~أي: كنا نرجو أن تكون فينا سيدا، قبل قولك هذا الذي قلته لنا، إنه ليس ~~لنا إله إلا الله. { أتنهانآ أن نعبد ما يعبد آباؤنا ~~} من الآلهة. { وإننا لفي شك مما تدعونآ إليه } من ~~عبادة إله واحد { مريب }: أي: متهم، من أربته، فأنا أريبه، إذا فعلت ~~فعلا يوجب له التهمة. ### || [11.63-65] # قوله: { قال يقوم أرأيتم إن كنت على بينة من ~~ربي وآتاني منه رحمة } - إلى قوله - { غير مكذوب }. # المعنى: إن صالحا قال لهم: إذ قالوا له: { وإننا / تدعونآ ~~إليه مريب لفي شك مما } # { يقوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي }: ~~أي: على برهان، وحجة، قد علمت ذلك وأيقنته. { وآتاني منه رحمة ~~}: يعني النبوءة والحكمة والإيمان. # { فمن ينصرني من الله إن عصيته }: أي: من ينقذني من ~~عذابه إن عصيته. { فما تزيدونني } بعذركم أنكم تعبدون ما كان يعبد ~~آباؤنا { غير تخسير }: أي: تخسرون حظوظكم من رحمة ربكم. # ثم قال: { ويقوم هذه ناقة الله لكم آية }: " آية: ~~حال، والمعنى: انتبهوا إليها في هذه الحال. # { فذروها تأكل في أرض الله }: أي: دعوها، ويذر ويدع لم ~~يستعمل منهما ماض. وأصل " يدع ": يودع، فحذفت الواو على الأصل، ثم ~~فتحت العين من أجل حروف الحلق. وشابهت " يذر " " يدع " من أجل أنها لم ~~ينطق منها بماض، ففتحت العين منها، مثل " ودع " ، وبابهما جميعا فعل ~~يفعل، ففتحت " يدع " لحرف الحلق، وفتحت " يذر " للمضارعة التي بينها ~~وبين " يدع ". وإنما تفتح العين إذا كانت حرف حلق، أو كانت اللام حرف ~~حلق، لأن الفتحة أصلها من الألف. فلما وقع بعدها حرف حلق جعلوا حركة ما ~~قبله مما هو من مخرج الحروف، ليكون الحرف، والحركة من جنس واحد. وكذلك، ~~إن كانت العين حرف حلق تفتح، لتكون حركته من الحرف الذي هو مثله، فتكون ~~الحركة ms1103 والحرف من جنس واحد أيضا. # وإنما صارت الناقة آية، لأنهم طلبوا الله أن يخرج لهم من جبل لهم ناقة ~~ويؤمنوا، فأخرجها لهم من ذلك الجبل بقدرة الله عز وجل، فلم يؤمنوا، فقال ~~لهم: دعوها { تأكل في أرض الله } ليس على أحد منكم رزقها. { ~~ولا تمسوها بسوء }: أي: لا تعقروها، فيأخذكم عذاب قريب: أي: ~~قريب من عقرها. وقيل: المعنى: { قريب }: غير بعيد فيهلككم. { ~~فعقروها } ، والمعنى: فكذبوه، فخالفوه، فعقروها. فقال لهم صالح: ~~استمتعوا في دار الدنيا ثلاثة أيام، ثم يأتيكم العذاب فهو { وعد ~~غير مكذوب }. # ويروى أن الناقة كانت أحسن ناقة في الأرض، حمراء عشراء، فوضعت فصيلا، ~~فكانت تغدو، فتشرب جميع الماء، ثم تغدو عليهم، بمثله لبنا، فإذا انصرفت ~~عنهم عدوا إلى الماء، فاستقوا حاجتهم ليومين، فعقروها، فأخذهم العذاب. # قال قتادة: لما أخبرهم صالح أن العذاب يأتيهم لبسوا الأنطاع، والأكسية. # وقيل لهم: آية ذلك أن تصفر ألوانكم أول يوم، ثم تحمر في اليوم الثاني، ~~ثم تسود في اليوم الثالث. # وقال قتادة: لما عقروا الناقة ندموا، وقالوا: عليكم بالفصيل، فصعد ~~الفصيل إلى الجبل. فلما كان اليوم الثالث استقبل القبلة، وقال: يا رب! ~~أمي يا رب! أمي، فأرسلت الصيحة عليهم عند ذلك. # وكانت منازلهم بالحجر بين المدينة والشام. ### || [11.66-68] # قوله: { فلما جآء أمرنا نجينا صالحا والذين ~~آمنوا معه برحمة منا } - إلى قوله - { لثمود }: # والمعنى: ولما جاء عذابنا نجينا صالحا منه. { والذين آمنوا ~~معه برحمة منا }: أي: بنعمة، { ومن خزي يومئذ }: ~~أي: نجيناهم من هوان ذلك اليوم، وذلته. # ومن خفض { يومئذ } ، أضاف إليه حرفا واحدا بالإعراب، ومن نصب ~~بناه مع " إذ " لإضافته إلى غير متمكن وهو إذ. # قال المبرد: من خفض قال: سير عليه يومئذ فرفع، ومن فتح فتح مع سير، ~~وغيره لأنه مبني. # { إن ربك هو القوي } أي: في بطشه إذا بطش ". # { العزيز } أي: الذي لا يغلبه شيء. # وروى عمرو بن خارجة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: # " كانت ثمود قوم صالح، أطال الله أعمارهم حتى جعل أحدهم يبني المسكن من ~~المدر، ms1104 فينهدم لطول حياته، فلما رأوا ذلك اتخذوا من الجبال بيوتا، ~~فنحتوها، وجوفوها وكانوا في سعة من عيشهم فقالوا: يا صالح! ادع لنا ~~ربك يخرج لنا آية تعلم أنك رسول الله. فدعا صالح ربه، فأخرج لهم الناقة، ~~فكان شربها يوما، وشربهم يوما معلوما. فإذا كان يوم شربها، ~~خلوا عنها، وعن الماء وحلبوها لبنا ملء كل إناء، ووعاء، وسقاء، فأوحى ~~الله، جل ذكره، إلى صالح: أن قومك سيعقرون الناقة، فقال لهم صالح ذلك، ~~فقالوا: ما كنا لنفعل ذلك، فقال لهم: إلا تعقروها أنتم يوشك أن يولد فيكم ~~مولود يعقرها. قالوا: ما علامة ذلك المولود؟ قال: فإنه غلام أشقر، أزرق، ~~أصهب، أحمر. وكان في المدينة شيخان عزيزان منيعان، (وكان) لأحدهما ابن ~~يرغب له عن المناكح، وللآخر ابنة لا يجد لها كفؤا. فجمع بينهما مجلس، ~~فزوج أحدهما ابنته لابن الآخر، فولد بينهما ذلك المولود. وكان في ~~المدينة ثمانية رهط، يفسدون في الأرض، ولا يصلحون، فقال صالح لقومه: ~~اختاروا ثماني نسوة، قوابل من القرية، واجعلوا معهن شرطا، فكانوا ~~يطوفون بالقربة، فإذا وجدوا امرأة تلد، نظروا صفة ولدها إن كان ذكرا. ~~فلما رأين ذلك المولود صرخن، وقلن: هذا الذي يريد رسول الله صالح. ~~فأراده الشرط، فحال جداه بينهم وبينه، وقالا: لو أن صالحا أراد هذا ~~قتلناه. فكان شر مولود، فشب في سرعة، واجتمع الثمانية الذين يفسدون في ~~الأرض، وفيهم الشيخان، فاستعملوا على أنفسهم (الغلام) لمنزلته، وشرفه. ~~وكانوا تسعة، وكان صالح لا ينام معهم في القرية. كان ينام في مسجد له ~~خارج القرية. فإذا أصبح أتاهم، فوعظهم، وذكرهم ". # وروى ابن جريج أن صالحا أمر بقتل الولدان، فقتل أبناء ثمانية رهط. وكان ~~لهم صاحب ترك ابنه فكبر. فقال الثمانية: لو أنا لم نقتل أبناءنا لكانوا ~~مثل هذا الغلام. # فائتمروا التسعة بينهم بقتل صالح. وقالوا: نخرج مسافرين، والناس يروننا ~~علانية، ثم نرجع في وقت كذا من ليلة كذا، فنقتله في مصلاه، والناس ~~يحسبون أننا مسافرون، فأقبلوا حتى دخلوا تحت صخرة يرصدونه. فأرسل الله، ~~جل ذكره، عليهم، الصخرة فرضختهم /، فأخبر ms1105 الله أهل القرية بموتهم، ~~فقالوا: تنادون: أي: عباد الله! ما رضي صالح بأن جعلهم قتلوا ~~أولادهم حتى قتلهم. فأجمع أهل القرية على عقر الناقة أجمعون إلا رجلا ~~منهم. # وقال عمر وابن خارجة: أراد المولود مع الثمانية قتل صالح، فمشوا حتى ~~أتوا سربا على طريق صالح، فاختفى فيه ثمانية، وبقي هو، وقالوا: إذا ~~خرج علينا قتلناه، وأتينا أهله، فبيتناهم، فأمر الله عز وجل، الأرض، ~~فاستوت عليهم، فاجتمعوا ومشوا إلى الناقة، وهي على حوضها قائمة. فقال ~~الشقي لأحدهم: إيتها فاعقرها، فأتاها فتعاظمه ذلك، فرجع ثم بعث آخر، ~~فعظم عليه عقرها، فرجع ثم آخر، فرجع، حتى رجع الجميع، ولم يعقروا. ~~فمشى هو إليها، وتطاول، فضرب عرقوبيها، فوقعت تركض. وأتى رجل منهم ~~صالحا، فقال: أدرك الناقة، فقد عقرت. فأقبل، وخرج وهم يتلقونه، ويعتذرون ~~إليه. يا نبي الله! إنما عقرها فلان، إنه لا ذنب لنا. قال: انظروا هل ~~تدركون فصيلها، فإن أدركتموه فعسى الله أن يدفع عنكم العذاب. فخرجوا ~~يطلبونه، فلما رأى الفصيل أمه تضطرب أتى جبلا يقال له: القارة قصيرا. ~~فصعد عليه، وذهبوا ليأخذوه. فأوحى الله عز وجل، إلى الجبل، فطال في ~~السماء، حتى ما تناله الطير، قال: ودخل صالح القرية، فلما رآه الفصيل بكى ~~حتى سالت دموعه، ثم استقبل صالحا، فرغا رغوة، ثم رغا أخرى، ثم رغا ~~أخرى. فقال صالح لقومه: لكل رغوة أجل يوم: تمتعوا في داركم ثلاثة أيام، ~~وآية العذاب أن اليوم الأول تصبح وجوهكم مصفرة، واليوم الثاني محمرة، ~~واليوم الثالث مسودة. فلما أصبحوا إذا وجوههم كأنها طليت بالخلوق، كلهم ~~كذلك. فلما أمسوا صاحوا بأجمعهم: ألا إنه قد مضى يوم من الأجل وحضركم ~~العذاب. فلما أصبحوا اليوم الثاني، إذا وجوههم محمرة، كأنها خضبت ~~بالدماء، فصاحوا وضجوا، وبكوا، وعرفوا أنه العذاب. فلما أمسوا صاحوا ~~بأجمعهم: ألا إنه قد مضى يومان من الأجل، وحضركم العذاب. فلما أصبحوا ~~اليوم الثالث إذا وجوههم مسودة، كأنها طليت بالقار. فصاحوا: ألا قد حضركم ~~العذاب, فتكفنوا بالأنطاع، وتحنطوا بالصبر، ثم ألقوا أنفسهم بالأرض، ~~ينظرون من أين يأتيهم العذاب، ms1106 من فوق (رؤوسهم)، أو من أسفل. فلما أصبحوا ~~في اليوم الرابع أتتهم صيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة، وصوت كل شيء له ~~صوت في الأرض، فتقطعت قلوبهم في صدورهم، فأصبحوا جاثمين. # أي: خامدين في ديارهم. والدار محلة القوم، والموضع الذي / فيه نزلهم في ~~معسكرهم ومجتمعهم، والديار: الدور التي سكنها كل واحد منهم. # " ولما مر النبي صلى الله عليه وسلم، (في) غزوة تبوك بوادي ثمود، أمر ~~أصحابه أن يسرعوا لئلا ينزلوا به، ولا يشربوا من مائه. وأخبرهم أنه واد ~~ملعون " # { كأن لم يغنوا فيهآ }: أي: لم يعيشوا. قال الأصمعي: ~~المغاني: المنازل، ويقال: غنيت بالمكان: إذا أقمت به. # فالمعنى كأن لم يغنوا بها في سرور، وغبطة. # { ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود }: ~~ألا أبعدهم الله لنزول العذاب بهم. ### || [11.69-72] # قوله: { ولقد جآءت رسلنآ إبراهيم بالبشرى } - ~~إلى قوله - { عجيب }. # من نصب " سلاما نصبه على المصدر، أو على إعمال القول، والرفع على إضمار ~~مبتدأ. أي: هو سلام، أو أمري سلام، أو على إضمار خبر محذوف. والمعنى: ~~قالوا: سلام عليكم، قال: سلام عليكم. ومن قرأ " سلم " فعلى معنى ~~الأمر. سلم أو نحو سلم: أي: نحن آمنون منكم، إذا سلمتم علينا، لأن ~~الملائكة لما سلمت عليه أمن منهم، وعلم أنهم مؤمنون. فقال لهم: سلام: ~~أي: نحن سلم منكم إذن. # وقيل: المعنى: نحن سلم، أي: غير باغين شرا، وأنتم قوم منكرون: أي: لا ~~نعرفكم. وقيل: سلم بمعنى سلام. كما يقال حرم، وحرام بمعنى واحد. ~~ويجوز رفع الأول، ونصب الثاني، ونصب أيهما شئت على هذا التقدير، ومعنى { ~~قوم منكرون }: أي: غير معروفين في بلدنا. # وقيل: المعنى:، إنكم قوم منكرون، إذا سلمتم، لأن التسليم في بلدنا ~~منكر، لم نعهده إلا لمن هو على ديننا. والرسل الذين أتوهم: جبريل، ~~وميكائيل، وإسرافيل، عليهما السلام. # روي أن الله جل ذكره، أرسل إسرافيل يبشر سارة زوج إبراهيم بإسحاق، ~~ويعقوب ولد إسحاق، وأرسل الله جبريل ليقلب مدائن قوم لوط، وأرسل ميكائيل ~~ليأخذ بيد لوط، وبناته، ويسري بهم. والبشرى هي البشارة بإسحاق. ms1107 وقيل: هي ~~البشارة بهلاك قوم لوط. # { قالوا سلاما } قال مجاهد: المعنى سدادا. # { فما لبث أن جآء }: " أن ": في موضع نصب عند سيبويه، يقال: لا ~~يلبث عن أن يأتيك. # وأجاز الفراء أن تكون في موضع رفع. فلبث، أي: فما أبطأ عنه مجيئه. ~~والمعنى: فما أبطأ عنهم حتى جاء { بعجل حنيذ }: أي: مشوي، وهو ~~فعيل، بمعنى مفعول. # وقال ابن عباس: (حنيذ): نضيج. وقيل: كان قد أشوي على حجارة محمية. فما: ~~نافية في قوله (فما لبث)، وفي " لبث " ضمير إبراهيم عليه السلام. # وقيل: لا ضمير في " لبث " ، والفاعل: أن جاء، أي: فما أبطأ مجيئه عن أن ~~جاء. وقيل: " ما " بمعنى " الذي " في موضع رفع على الابتداء، والخبر: " ~~أن جاء " ، والتقدير: فإبطاؤه مجيئه بعجل بين قدر الإبطاء. # قوله: { فلما رأى أيديهم } أي: فلما رأى إبراهيم أيدي ~~الرسل، صلوات الله عليهم، لا تصل إلى العجل، فتأكل منه، (نكرهم)، وعلم ~~أنهم لم يتركوا الأكل إلا لقصة. فأوجس منهم خوفا في نفسه. يقال: نكره ~~ينكره، وأنكره بمعنى. فالهاء في " إليه " تعود على العجل، وقيل: على ~~إبراهيم، بمعنى: لا تصل / إلى طعامه، ثم حذف المضاف. # قال قتادة: إنما أنكر إبراهيم أمرهم، لأنهم كانوا إذا نزل بهم ضيف، فلم ~~يطعم من طعامهم ظنوا أنه لم يجئ بخير، فخاف إبراهيم منهم، فقالوا له: { ~~لا تخف } منا { إنا أرسلنا إلى قوم لوط } بالعذاب. # { وامرأته قآئمة }: أي: " من وراء الستر ". وفي قراءة ابن ~~مسعود: " وامرأته قائمة، وهو قاعد. # وقيل: إنها كانت قائمة، تخدم الرسل، وإبراهيم جالس مع الرسل. # وقوله: { فضحكت } قيل: إنها ضحكت من أمرها أنها تخدم، وضيافها لا ~~يمسون الطعام. # قال السدي: قال إبراهيم للرسل، صلوات الله عليهم: ألا تأكلون؟ قالوا: يا ~~إبراهيم! إنا لا نأكل طعاما إلا بثمن. قال لهم: فإن لهذا ثمنا! قالوا: ~~وما هو؟ قال: تذكرون اسم الله على أوله، وتحمدونه على آخره. فنظر جبريل ~~إلى ميكائيل، عليهما السلام، فقال: حق لهذا أن يتخذه ربه خليلا. فلما ~~لم يأكلوا، قالت سارة، امرأة إبراهيم: عجبا لأضيافنا هؤلاء، إنا لنخدمهم ms1108 ~~بأنفسنا، تكرمة لهم، وهم لا يأكلون!، وضحكت تعجبا. # وقيل: ضحكت من أن قوم لوط في غفلة، وقد جاءت رسل الله عز وجل، ~~بهلاكهم. فكان ضحكها تعجبا لغفلة قوم لوط، عما أتاهم من العذاب، وهو قول ~~قتادة. # وقيل: إنها ضحكت لما رأته من زوجها إبراهيم عليه السلام، من الروع ~~تعجبا، وهو قول الكلبي. # وقال وهب بن منبه: ضحكت لما بشرت بإسحاق، وهي كبيرة، فضحكت تعجبا من أن ~~يكون لها ولد على كبر سنها. ويكون في الكلام تقديم وتأخير، وهو بعيد مع ~~الفاء، ولا يحسن الوقف على هذا المعنى، على " ضحكت ". # وقال مجاهد: معنى: ضحكت: ساغت، وكانت ابنة تسعين سنة. وقيل: بل زادت على ~~التسعين، وكان إبراهيم، عليه السلام ابن مائة سنة. # وذكر بعض البصريين أن بعض أهل الحجاز حكى عن العرب: " ضحكت المرأة " ~~بمعنى: حاضت. # وقال الضحاك: الضحك: الحيض، ويقال: ضحكت النخلة: إذا أخرجت الطلع، ~~والبشر. وقيل: إنها إنما ضحكت، لأن الملائكة أحيوا العجل بإذن الله عز ~~وجل، فضحكت تعجبا. { فبشرناها بإسحاق }. وقيل: إنها إنما ~~ضحكت، لأنها قالت لإبراهيم قبل مجيء الرسل: أحسب أن قوم لوط سينزل الله ~~بهم عذابا. فضم لوطا إليهم، فلما أتت الرسل بما قالت سرت به، فضحكت. # وقيل: إنها إنما ضحكت من إبراهيم، لأنه كان صلى الله عليه وسلم يقوم ~~بمائة رجل، فتعجبت من خوفه من نفر. # وقيل: ضحكت سرورا، حيث قالوا: لا تخف، لقد كانت خافت منهم. # وقوله: { فبشرناها بإسحاق ومن ورآء إسحاق ~~يعقوب }: أي: من رفع " يعقوب " فعلى الابتداء، { ومن ورآء ~~إسحاق }: الخبر، والجملة في موضع الحال. أي: بشرناها بإسحاق، مقابلا ~~له يعقوب. وهو داخل في البشارة، فلا يوقف على إسحاق على هذه المعنى. ~~ويجوز أن يرتفع بفعل دل عليه الكلام، / والمعنى: ومن وراء إسحاق يحدث ~~يعقوب، فلا يكون داخلا في البشارة، فيجوز الوقف على إسحاق. # وقيل: المعنى: وثبت لهما من وراء إسحاق يعقوب. # ومن قرأ بالفتح، فهو في موضع خفض عند الكسائي، والأخفش، وأبي حاتم، على ~~العطف على " إسحاق ": يجيزون التفريق بين المجرور، وبين ms1109 ما يشركه، ~~فيفرقون بين حرف العطف والمعطوف. # ومذهب سيبويه والفراء أن يعقوب في موضع نصب، على معنى: ومن وراء إسحاق ~~وهبنا له يعقوب. ولا يجيزون التفريق بين المجرور، وحرف العطف. فتقف على ~~إسحاق على هذا التقدير، ولا تقف عليه إذا قدرت العطف. # وقيل: معنى { ومن ورآء إسحاق }: أي: ومن ولد إسحاق، لأن ولد ~~الولد: الوراء، وهو قول ابن عباس، والشعبي، وجماعة معهما. # وفي هذا دليل على أن: الذبيح إسماعيل، لأنها بشرت بإسحاق، وأنها تعيش ~~حتى يولد له، فغير جائز أن يعلم إبراهيم أنه يعيش حتى يولد له، ثم يؤمر ~~بذبحه، قبل أن يولد له. فلا يجوز أن يؤمر بذبح من أخبر أنه يعيش إلى وقت ~~بعد، وقت الذبح بسنين. # قال السدي: لما بشرت بذلك، سكت وجهها وقالت: { ءألد وأنا ~~عجوز } ثم قالت لجبريل: ما آية ذلك؟ فأخذ جبريل، عليه السلام، عودا ~~يابسا، فلواه بين أصبعيه فاهتز خضرا. فقال إبراهيم: هو لله إذا " ~~ذبيحا ". # قيل: إنها كانت ابنة تسعة وتسعين سنة، وإبراهيم ابن مائة وعشرين سنة. ~~وقيل: كان أكبر منها بسنة. # و { يويلتى } " كلمة تقولها العرب عند التعجب من الشيء ". # وحكى ابن يونس عن العرب: " عجوزة " بالهاء، وأنكر ذلك أبو حاتم. ويقال: ~~للمرأة شيخ وشيخة. والمؤنث في كلام العرب على أربعة أوجه: # - الأول: أن يكون فيه علامة التأنيث، تفصل بينه وبين المذكر، نحو: ~~خديجة، وفاطمة، وعائشة، وليلى، وسعدى، وحمرى. # - والثاني: أن تكون الثانية في صيغة الاسم، وبلا علامة ظاهرة، نحو: ~~زينب، ونوار، وهند، وعير وفخر، وشبهه. # - والثالث: أن يكون الاسم المؤنث يخالف لفظه لفظ ذكره، فيستغنى عن علامة ~~التأنيث، لمخالفة اللفظ، وذلك نحو: جدي، وعناق، وحمار، وأتان، وربما ~~مالوا إلى المؤنث فأدخلوا الهاء، وإن كان لفظه يخالف لفظ المذكر: قالوا: ~~عجوزة، والأكثر عجوزه، وقالوا: غلام، وجارية، فأدخلوا الهاء. ولفظ " ~~جارية " مخالف للفظ غلام. وقالوا: جمل وناقة، وكان الأصل ألا تدخل ~~الهاء في هذا، وربما أدخلوا التأنيث في المذكر. قالوا: شيخ وشيخة، وغلام ~~وغلامة، ورجل ورجلة. # - والقسم الرابع: أن يكون الاسم واقعا ms1110 على المؤنث والمذكر، فيكون " ~~بالهاء " كقولك: شاة، وبقرة، وجرادة، وهذه الهاء فصل بين الواحد والجمع. ~~وقولها: { إن هذا لشيء عجيب } وإن في كون الولد من مثلي ~~شيئا عجيبا. ### || [11.73-76] # قوله: { قالوا أتعجبين من أمر الله رحمت الله ~~وبركاته عليكم أهل البيت } - إلى قوله - { مردود ~~}. # والمعنى: قالت الرسل: أتعجبين من أمر / قضاء الله عز وجل فيك، وفي بعلك، ~~{ رحمت الله وبركاته عليكم }. # ثم قال: { إنه حميد }: أي: محمود على نعمه عليكم، وعلى غيركم. { ~~مجيد }: أي: ذو مجد، وثناء، وقيل: معنى { مجيد }: كريم، والمجد: ~~الكرم، والجود، { من أمر الله }: وقف. # { فلما ذهب عن إبراهيم الروع }: أي: لما سكن خوفه من ~~الرسل، وعلم منهم من هم. # قال الأخفش، والكسائي: قوله " يجادلنا ": في موضع جادلنا، لأن جواب " ~~لما " يكون بالماضي، وقيل " يجادلنا " في موضع الحال. ومعنى يجادلنا: ~~أي: يطلب. وقيل: في قوم لوط. وقيل: المعنى: يخاصم رسلنا في قوم لوط. # قال ابن جريج: قال إبراهيم للرسل: أتهلكونهم إن وجدتم فيهم مائة رجل ~~مؤمن؟، قالوا: لا. ثم قال: فتسعين؟ حتى هبط إلى خمسة، وكان في قرية لوط ~~أربعة آلاف ألف، يجادل الرسل عن قوم لوط، ليرد عنهم العذاب. # وقيل: إنه لم يزل يقول: آرأيتم إن وجدتم فيهم كذا، وكذا مؤمنا ~~أتهلكونهم؟ فيقولون: لا حتى بلغ إلى أن قال: أرأيتم إن وجدتم فيها واحدا ~~مسلما؟ قالوا: لا. فلم يخبر إبراهيم أن فيهم رجلا واحدا، يدفع عنهم به ~~البلاء. قال لهم: إن فيها لوطا يدفع عنهم به العذاب. # قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله ~~إلا امرأته # [العنكبوت: 32]. # وقد بين الله، جل ذكره، ذلك في سورة " والذاريات " فقال: # فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين # [الذاريات: 36] يعني: بيت لوط إلا امرأته. # وقيل معنى: { يجادلنا في قوم لوط }: أي: في المؤمنين منهم ~~خاصة، ثم قالوا: { يإبرهيم أعرض عن هذآ إنه قد ~~جآء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود }. ~~قال ابن عباس: قال الملك لإبراهيم: إن كان فيهم خمسة يصلون رفع عنهم ~~العذاب. # وقوله: { أواه منيب }: الأواه: المبتهل ms1111 إلى الله، عز وجل، ~~المتخشع في ابتهاله، الذي يكثر التأوه خوفا، وإشفاقا من الذنوب، ~~والمنيب: الرجاع إلى طاعة الله عز وجل. # وقيل: إنما وصفه بالحلم، لأنه صلى الله عليه وسلم لم ينتصر لنفسه قط، ~~إنما كان ينتصر لله عز وجل، ولم يعاقب أحدا بذنب صنعه إلا لله، ولم يغضب ~~قط إلا لله. # والأواه: الدعاء، البكاء، والمنيب: التارك للذنوب، الراجع إلى ما ~~يحبه الله عز وجل، ويرضى به. وقيل: الأواه: الدعاء، وقيل: هو ~~المتأوه، المرتجع من الذنوب. ### || [11.77-80] # قوله: { ولما جآءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق ~~بهم ذرعا } - إلى قوله - { شديد }. # والمعنى: ولما جاءت الرسل لوطا ساءه ذلك، ولم يعرفهم، وخاف من قومه. { ~~وضاق بهم ذرعا }: أي: ضاقت نفسه بهم لما يعلم من فسق قومه. ~~فالضمير في " بهم " في الموضعين للرسل. # قال قتادة: قالت الرسل: لا تهلكهم حتى يشهد عليهم لوط، قال: فأتوه، وهو ~~في أرض (له)، يعمل فيها، فقالوا له: إنا متضيفوك الليلة. فانطلق بهم، ~~فلما مشى، قال: أما بلغكم أمرهم؟ قالوا: وما أمرهم؟ قال: أشهد بالله إنها ~~لشر قرية بالأرض عملا، يقول ذلك أربع مرات. # وروي أنهم لقوه، وهو يحطب، فسلموا / عليه، فرد عليهم السلام، ثم حمل ~~حزمته، ودعاهم إلى ضيافته. فلما دخل بهم المدينة، مر بقوم فقالوا: هذا مع ~~لوط حاجتنا، قوموا بنا إليهم. فقال لوط: أشهد أنكم قوم سوء، ثم مر ~~بآخرين، فقالوا بمثل ذلك، فشهد لوط عليهم بمثل ذلك، ثم مر بآخرين. فقالوا ~~بمثل ذلك، فشهد عليهم لوط مثل ذلك. فقال جبريل لإسرافيل، وميكائيل، عليهم ~~السلام: هذه ثلاث مرات شهد بها نبيهم عليهم. # وقال السدي: خرجت الملائكة من عند إبراهيم، عليهم السلام، نحو قرية لوط، ~~فأتوها نصف النهار، فلما بلغوا نهر سدوم، لقوا بنت لوط تستقي من الماء ~~لأهلها، فقالوا لها: يا جارية هل من منزل؟ قالت: نعم، مكانكم حتى آتيكم. ~~فرقت عليهم من قومها، فأتت أباها، فقالت: يا أبتاه: إن أدرك فتيانا ~~على باب المدينة، ما رأيت وجوه قوم هي أحسن منهم، لئلا يأخذهم قومك ms1112 ~~فيفضحوهم وقد كان قومه نهوه أن يضيف رجلا، وقالوا: خل عنا نضيف الرجال، ~~فجاء بهم لوط، ولم يعلم أحد إلا أهل بيت لوط، فخرجت امرأته، فأخبرت ~~قومها، وقالت: إن في بيت لوط رجالا ما رأيت قط مثلهم. # { وجآءه قومه يهرعون إليه }: أي: يسرعون، وقيل: يسعون، ~~وقيل: يهرولون، فقال لهم لوط: { هذا يوم عصيب }: أي: شديد شره، ~~عظيم بلاؤه. # { ومن قبل كانوا يعملون السيئات }: أي: من قبل ~~مجيئهم إلى لوط، كانوا يأتون الرجال في أدبارهم " ، فراودوه في أضيافه، ~~فقال: { هؤلاء بناتي هن أطهر لكم } ، أي: هؤلاء ~~النساء هن أحل لكم، يريد نساءهم، والنبي أب لأمته. # وقد قرئ: " وأزواجه أمهاتهم، وهو أب لهم " قرأه ابن مسعود. # قال عكرمة: إنما قال لهم هذا لينصرفوا، ولم يعرض بأحد. وقيل: عرض ~~التزويج عليهم من بناته إن أسلموا. # وقيل: كان في ملتهم جائز أن يتزوج الكافر المسلمة. # وقوله: { أليس منكم رجل رشيد }: أي: يعرف الحق، فيأمر ~~به. قالوا له: { لقد علمت ما لنا في بناتك من حق }: ~~أي: ليس هن لنا أزواجا. # { وإنك لتعلم ما نريد }: أي: أضيافك إياهم نريد، قال لهم ~~لوط، عليه السلام، { لو أن لي بكم قوة } أي: أنصارا ~~ينصرونني عليكم. { أو آوي إلى ركن شديد }: أي: أنضم إلى ~~عشيرة مانعة، تحول بينكم، وبين أضيافي. والجواب محذوف، والمعنى: ~~لقاتلتكم، ولحلت بينكم وبينهم. # وقال ابن جريج: " بلغنا أنه لم يبعث نبي من بعد لوط، إلا في ثروة من ~~قومه ". # وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: # " رحمة الله على لوط، إنه كان ليأوي إلى ركن شديد " # وقيل: إن لوطا لما قال ذلك وجدت عليه الملائكة، وقالوا: إن ركنك ~~لشديد. ### || [11.81-83] # قوله: { قالوا يلوط إنا رسل ربك لن يصلوا ~~إليك } - إلى قوله - { ببعيد }. # والمعنى: قالت له الرسل، لما ضاق، ونزل الركب، فقال لقومه ما قال: / { ~~إنا رسل ربك لن يصلوا إليك } - بسوء - { فأسر ~~بأهلك بقطع من الليل }: أي: اخرج بهم في بقية من الليل، ~~وفي طائفة منه، { إلا امرأتك } نهى أن يخرج ms1113 بها. # ومن قرأ بالرفع، فالمعنى: " ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك " فيكون قد ~~خرج بها، فالتفتت تنظر ما حل بقومها، فأصابها ما أصابهم. ومن نصب فعلى ~~الاستثناء. # وفي قراءة ابن مسعود: " فأسر بأهلك إلا امرأتك ". وهذا يدل على ~~الاستثناء، والمعنى: فأسر بأهلك إلا امرأتك، فيكون المعنى: إنه خرج بهم ~~إلا امرأته، وإنه لم يخرج بها. والنهي في الالتفات، إنما وقع على من خرج ~~معه، إلا امرأته { إنه مصيبها مآ أصابهم } من العذاب. # قال ابن إسحاق: قالت الرسل للوط: إنما ينزل عليهم العذاب من صبح ليلتك ~~هذه، فامض لما تؤمر. وذلك أن لوطا عليه السلام، لتبطأ لهم العذاب، ~~وقال: عجلوا لهم العذاب، فقالوا: { أليس الصبح بقريب }؟ أي: ~~عند الصبح ينزل بهم العذاب. # فلما كانت الساعة التي أهلكوا بها، أدخل جبريل عليه السلام، جناحه، ~~فرفعها حتى سمع أهل السماء صياح الديكة، ونباح الكلاب، فجعل عاليها ~~سافلها، وأرسل عليهم حجارة من سجيل. وسمعت امرأة لوط الهدة، فقالت: ~~واقوماه! والتفتت، فأدركتها أحجار، فقتلتها. وكانت مدائنهم خمسا، ~~فدمرت إلا زعن وحدها تركها الله عز وجل، لآل لوط، وهي بالشام. # وقال السدي: لما قال لوط: (لو أن لي بكم قوة، أو آوي إلى ركن شديد) بسط ~~جبريل حينئذ جناحه، ففقأ أعينهم، وخرجوا يدوس بعضهم بعضا عميانا، ~~يقولون: النجاء! النجاء! فإن في بيت لوط أسحر قوم، فذلك قوله: # ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنآ أعينهم # [القمر: 37] فأخرج الله عز وجل، لوطا، وأهله إلى الشام. # قال مجاهد: " سجيل " بالفارسية أولها حجر، وآخرها طين. # وقال قتادة: " سجيل ": طين. وقال ابن عباس: " سجيل ": سنك وجل. فالسنك: ~~الحجر، والجل: الطين، وهو فارسي أعرب. وقيل: سجيل، من أسجلته، أي: ~~أرسلته، فكأنها مرسلة. وقيل: هي من أسجلت: إذا أعطيت، فهي من السجل، وهو ~~الدلو. وقيل: " سجيل " من " سجل ": إذا كتب، أي: مما كتب لهم، وهو ~~اختيار الزجاج. # وقيل: " سجيل " اسم للسماء الدنيا، أي: أرسل عليهم حجارة من سماء ~~الدنيا. والمعنى: أنها حجارة من كتب الله عز وجل، لهم أن يعذبهم بها، ~~ويدل عليه قوله: ms1114 # ومآ أدراك ما سجين * كتاب مرقوم # [المطففين: 8-9]، والنون بدل من اللام. # قال عكرمة: " منضود " (مصفوفة)، وقيل: " منضود ": متراكب بعضها على بعض. ~~وقيل المعنى نضد بعضها على بعض. # وقيل: المعنى: إنها في السماء منضودة، أي: معدة لهم، يعلق بعضها على ~~بعض. # { مسومة }: قال ابن جريج: لا تشبه حجارة الأرض. # وقال الحسن: معلمة ببياض، وحمرة. # وقال السدي: المسومة المختمة، ثم قال تعالى: { وما هي من ~~الظالمين ببعيد }: أي: من ظالمي قومك يا محمد، فهذا على التهديد ~~للمشركين. و " هي " تعود على / الحجارة. وقيل: تعود على القرى. وما قرى ~~قوم لوط من ظالمي قومك ببعيد، وكانت قرى قوم لوط بين الشام والمدينة، ~~وأتى ببعيد مذكرا على معنى: بمكان بعيد عند ربك تمام عند أبي حاتم، { ~~منضود }: وقف عند نافع، وهو قبيح، لأن " مسومة " نعت للحجارة ". ### || [11.84-86] # { وإلى مدين أخاهم شعيبا } - إلى قوله - { بحفيظ }. # والمعنى: وأرسلنا إلى مدين أخاهم شعيبا، فقال لهم: { يقوم ~~اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا ~~المكيال والميزان }: أي: " لا تنقصوا الناس حقوقهم في مكيالهم ~~وميزانهم ". # { إني أراكم بخير }: أي: برخص في أسعاركم قاله ابن ~~عباس، وقيل: المعنى: أراكم أغنياء، ذوي مال وزينة. " ومدين ": اسم أرض، ~~فلذلك لم ينصرف، لأنه معرفة مؤنثة. # وقال مقاتل: هو اسم رجل في الأصل أعجمي معرفة، وقيل: هو اسم رجل سميت به ~~أمته، فلم ينصرف للتأنيث، والتعريف أيضا. # قوله: و { إني أخاف عليكم عذاب يوم محيط }: أي: ~~محيط بكم عذابه، ثم كرر عليهم الوصية، فقال: { ويقوم أوفوا ~~المكيال والميزان بالقسط }: أي: بالعدل { ولا ~~تبخسوا الناس أشيآءهم } أي: حقوقهم. { ولا تعثوا ~~في الأرض } ، أي: لا تسيروا في الأرض مفسدين. # وقال الضحاك: { ولا تعثوا } أي: لا تسعوا بنقص الكيل، والوزن. { ~~بقيت الله خير لكم }: أي: ما أبقاه الله لكم من الحلال ~~بعد أن توفوا الناس حقوقهم، خير لكم من الذي يبقى لكم ببخسكم الناس ~~حقوقهم. # { إن كنتم مؤمنين }: أي: " مصدقين بوعد الله عز وجل، ووعيده " ~~وقال مجاهد: { بقيت الله خير لكم } ، أي: طاعة الله ms1115 خير ~~لكم. # وقيل: المعنى: حظكم من ربكم خير لكم قاله قتادة. # وعن ابن عباس: رزق الله خير لكم. وقيل: المعنى: مراقبة الله خير لكم. # وقيل: المعنى: حظكم من ربكم خير لكم قاله قتادة. # { ومآ أنا عليكم بحفيظ }: أي: برقيب. أراقبكم عند كيلكم، ~~ووزنكم، إنما علي أن أبلغكم رسالة ربي. ### || [11.87-90] # قوله: { قالوا يشعيب أصلوتك } - إلى قوله - { ودود }. # والمعنى: قالوا: يا شعيب: أصلواتك أي: أدعواتك { تأمرك أن ~~نترك ما يعبد ءاباؤنآ أو أن نفعل في أموالنا ~~ما نشاء } من بخس الناس في الكيل والوزن. # قال ابن زيد: نهاهم عن قطع الدنانير، والدراهم، كانوا ينقصون منها، ~~ويجوزونها بالوازنة. وقيل: معناه: مساجدك التي تتعبد فيها تأمرك ~~بنهينا. وقد سمى الله، عز وجل، المساجد صلوات، فقال: # وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا # [الحج: 40]. # وقيل: هي صلاته لله عز وجل، لأنها كانت على خلاف ما كانوا عليه. # قوله: { إنك لأنت الحليم الرشيد } قالوا على معنى ~~الاستهزاء. وقيل: المعنى: إنك لأنت الحليم الرشيد عند نفسك. # وقيل: المعنى: أنت الحليم، الرشيد، فكيف تأمرنا بترك عبادة ما كان ~~آباؤنا يعبدون، وتنهانا أن نفعل في أموالنا ما نشاء، من قطع، أو بخس، أو ~~غير ذلك. وقال: هو تعريض يراد به الشتم ومعناه: إنك لأنت السفيه الجاهل. # ثم قال تعالى حكاية عن جواب شعيب لهم: { قال يقوم أرأيتم ~~(إن كنت على بينة) من ربي } أي: على بيان، وبرهان فيما ~~أدعوكم إليه. { ورزقني منه رزقا حسنا } أي: حلالا، وجواب ~~/ الشرط محذوف لعلم السامع. والمعنى: أفتأمرونني بالعصيان. # وقيل: المعنى: أفلا أنهاكم عن الضلالة. # ثم قال: { ومآ أريد أن أخالفكم إلى مآ أنهاكم ~~عنه }: أي: لست أنهاكم عن شيء، وأركبه. # { إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت }: أي: ما أريد فيما ~~آمركم به إلا الإصلاح، لئلا ينالكم من الله، عز وجل، عقوبة. # { وما توفيقي إلا بالله }: أي: ليس توفيقي، وإصابتي الحق ~~فيما أنهاكم عنه إلا بالله. { عليه توكلت }: أي: فوضت أمري ~~إليه، { وإليه أنيب }: أي: أرجع. # { رزقا حسنا }: وقف عند أبي حاتم. { ما ms1116 استطعت }: وقف عند ~~نافع. # ثم قال لهم: { ويقوم لا يجرمنكم شقاقي }: أي: لا ~~يكسبنكم مشاقتي: أي: مخالفتي، وعداوتي، { أن يصيبكم مثل مآ ~~أصاب قوم نوح }: من الغرق، { أو قوم هود }: من العذاب، { ~~أو قوم صالح }: من الرجفة. { وما قوم لوط منكم ~~ببعيد } الذين انقلبت عليهم مدائنهم. وأصل الشقاق في اللغة: العداوة. # { واستغفروا ربكم }: أي: من ذنوبكم التي أنتم عليها مقيمون. ~~{ ثم توبوا إليه }: أي: ارجعوا إليه باتباع طاعته. # { إن ربي رحيم }: أي: رحيم لمن تاب إليه، { ودود }: أي: ذو ~~محبة لمن تاب وأناب. ### || [11.91-95] # قوله: { قالوا يشعيب ما نفقه كثيرا مما تقول } - ~~إلى قوله - { كما بعدت ثمود } # والمعنى: ما نفقه كثيرا مما تقول. # وقوله: { وإنا لنراك فينا ضعيفا }: أي: قيل: ضعيفا، قيل: ~~إنه صلى الله عليه وسلم، كان أعمى. # قال أبو إسحاق: حمير تسمي المكفوف ضعيفا. # ويقال: إن شعيبا كان خطيب الأنبياء صلى الله عليه وسلم، (وعليهم ~~أجمعين). ثم قالوا له: { ولولا رهطك لرجمناك }: أي: لولا ~~عشيرتك وأهلك لسببناك. وقيل: معنى: " لرجمناك ": لقتلناك رجما. # { ومآ أنت علينا بعزيز }: أي: " لست ممن يكرم علينا " ، { ~~قال } لهم شعيب: { يقوم أرهطي أعز عليكم من ~~الله }: أي: أعشيرتي أعز عليكم من الله، فترككم إياي لله عز وجل ~~أولى لكم من أن تتركوني لعشيرتي، فلا يكون رهطي أعظم في قلوبكم من الله، ~~سبحانه. # { واتخذتموه ورآءكم ظهريا }: أي: تركتم أمر الله ~~سبحانه، خلف ظهوركم، فلا تراقبوه في شيء مما تراقبون قومي. فالضمير في { ~~واتخذتموه } ، يعود على اسم الله سبحانه، وقيل: يعود على ما ~~جاءهم به شعيب. # { إن ربي بما تعملون محيط }: أي: لا يخفى عليه شيء من ~~ذلك، يجازيكم على جميعه. # ثم قال لهم: { ويقوم اعملوا على مكانتكم }: أي: على ~~منازلكم، وقيل: المعنى: على مكانتكم من العمل، { إني عمل }. { ~~سوف تعلمون }: أينا الجاني على نفسه، وأينا المصيب وأينا المخطئ. ~~{ من يأتيه }: " من ": في موضع نصب " بتعملون " ، مثل: # يعلم المفسد من (المصلح) # [البقرة: 220]. وقيل: هي في موضع رفع على أنها استفهام. " ومن " ~~الثانية عند الطبري في موضع ms1117 نصب عطف على الهاء، في " يخزيه " على ~~معنى: ويخزي من هو كاذب منا، ومنكم. # { وارتقبوا إني معكم رقيب }: أي: انتظروا إني منتظر. # { تعلمون }: وقف إن جعلت " من " استفهاما ". وقيل: لا يكون ~~وقفا، لأن الجملة إذا رفعت في موضع نصب " بتعملون " فالوقف عليه قبيح. # ثم قال تعالى: { ولما جآء أمرنا نجينا شعيبا }: أي: ~~جاء قومه العذاب / نجيناه والمؤمنين به، { وأخذت الذين ~~ظلموا الصيحة } ، أي: صيحة من السماء أخرجت أرواحهم { ~~فأصبحوا في (ديارهم) جاثمين } أي: خامدين في دارهم { ~~كأن لم يغنوا فيهآ }: أي: (كأن لم يعيشوا فيها)، وقيل: لم ~~يقيموا. # { ألا بعدا لمدين } ، أي: أبعدهم الله، فبعدوا بعدا. # { كما بعدت ثمود }: أي: أهلكهم الله، كما هلكت ثمود. وقيل: ~~المعنى: أبعد الله مدين من رحمته، كما أبعد ثمود، يقال: بعد يبعد: إذا ~~هلك، وبعد يبعد: إذا تباعد. ### || [11.96-99] # قوله: { ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين ~~} - إلى قوله - { المرفود }. # والمعنى: ولقد أرسلنا موسى بالأدلة، والحجة الظاهرة. # { إلى فرعون وملئه } أي: أطراف قومه. { فاتبعوا ~~أمر فرعون }: أي: اتبع ملؤه قوله، وكذبوا بما جاء به موسى { ~~ومآ أمر فرعون برشيد }: أي: لا يرشد من اتبعه إلى خير، بل ~~يورده جهنم. # { يقدم قومه يوم القيامة }. (قال قتادة: يمضي فرعون بين ~~أيدي القوم) حتى يهجم بهم على النار. # وقال ابن عباس: " أضلهم فأوردهم النار، والورد هنا: الدخول " قوله: { ~~وبئس الورد المورود }: أي: بيس ما أوردهم. # { أمر فرعون }: وقف، وكذلك { فأوردهم النار }. # ثم قال تعالى: { وأتبعوا في هذه لعنة }: أي: أتبعوا في ~~الدنيا لعنة مع العذاب الذي عجل بهم، وهو الغرق. { ويوم القيامة ~~} يلعنون أيضا، فتلك لعنتان. # { بئس الرفد المرفود }: أي: بئس اللعنة بعد اللعنة، وأصل ~~الرفد: العطاء، والمعنى: الذي يقوم لهم مقام العطاء اللعنة، وبئس العطاء ~~ذلك. والتقدير في العربية: بئس الرفد رفد المرفود. # { ويوم القيامة }: وقف. ### || [11.100-102] # قوله: { ذلك من أنبآء القرى } - إلى قوله - { أليم ~~شديد } # المعنى: هذا الذي نقصه عليك، من أخبار القرى، منها ما هو عامر، ومنها ~~ما هو خرب، غير عامر. # وقيل: المعنى: منها ms1118 ما بقي أثره، ومنها ما لم يبق له أثر. قال ابن جريج: ~~{ منها قآئم }: خاو على عروشه، وباق رسمه، { وحصيد }: ملزق ~~بالأرض، لا رسم له، وهو معنى قول قتادة، وغير(ه). # ثم قال تعالى: { وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم ~~}: أي: لم نضع العقوبة بهم في غير موضعها، بل أوجبوا لأنفسهم بكفرهم ~~العقوبة، إذ وضعوا العبادة في غير موضعها. # { فما أغنت عنهم آلهتهم }: التي عبدوها، ودعوها من دون ~~الله شيئا لما جاءهم العذاب، وما زادهم عبادة آلهتهم { غير تتبيب ~~}: أي: إلا خسرانا، ونقصا، وهلاكا، وتدميرا. # ثم قال تعالى: { وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى ~~وهي ظالمة } أي: وكما أخذ ربك يا محمد هذه القرى بظلمهم، كذلك ~~يأخذ القرى الظالم أهلها، فيهلكهم. (هذه الآية تحذير لهذه الأمة أن تسلك ~~في المعصية طريق من كان قبلها من الأمم) فيحل بهم ما حل بأولئك، وأخذ ~~الله عز وجل، سطوته. { إن أخذه أليم شديد }: أي: موجع. ~~ومعنى { أخذ القرى }: أي: أخذ أهلها. # وقرأ الجحدري: " إذ أخذ القرى ". ### || [11.103-108] # قوله: { إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة } - ~~إلى قوله - { غير مجذوذ }: # والمعنى: إن في أخذه القرى لعظة، وعبرة / ممن خاف عذاب الآخرة، وحجة ~~عليه. # { ذلك يوم مجموع له الناس }: أي: يحشر الناس كلهم من ~~قبورهم للجزاء فيه. { (وذلك يوم) مشهود }: أي: يشهده الخلق ~~كلهم: أهل السماء، وأهل الأرض، وهو يوم القيامة. # قال ابن عباس: الشاهد محمد صلى الله عليه وسلم، والمشهود يوم القيامة. # ثم قال تعالى: { وما نؤخره إلا لأجل معدود }: أي: ما ~~نؤخره يوم القيامة عنكم إلا لأجل قد قضيته، وعددته وأحصيته. فلا ~~يتقدم اليوم ولا يتأخر. # ثم قال تعالى: { يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه ~~}: أي: يوم تقوم الساعة ما تكلم نفس إلا بإذن الله، وهو مثل قوله: # هذا يوم لا ينطقون # [المرسلات: 35]. وقد قال في موضع آخر: # فأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون # [الصافات: 50]، وقال: # يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها # [النحل: 111]، وقال: # وقفوهم إنهم مسئولون # [الصافات: 24]، وقال: # فيومئذ لا يسأل عن ms1119 ذنبه إنس ولا جآن # [الرحمن: 39]. وهذه الآيات يسأل عنها أهل الإلحاد. فالجواب عن ذلك: أنه ~~تعالى قد أحصى الأعمال، وعلمها قبل أن تكون، فلا حاجة (له) إلى سؤال ~~أحد عن ذنبه، (ليعلم) ما عنده. فأما قوله: (إنهم مسئولون) فإنما هو سؤال ~~توبيخ، وتقرير، لا سؤال استخبار. # وقوله: { لا ينطقون } بحجة تجب لهم، وإنما يتكلمون بذنوبهم، ويلوم ~~بعضهم بعضا بعد أن ينطلق لهم الكلام، فكلامهم بإذنه تعالى في لوم بعضهم ~~بعضا، لا في حجة يقيمونها لأنفسهم. # { فمنهم شقي وسعيد }: أي: فمن هذه النفوس التي لا تتكلم ~~إلا بإذن الله، سبحانه، شقي وسعيد. # وذكر ابن الأنباري أنه قد قيل: إن الضمير لأمة محمد، صلى الله عليه ~~وسلم، خاصة: أي: فمن هذه الأمة يا محمد شقي، وسعيد { فأما الذين ~~شقوا ففي النار... } { خالدين فيها... } { إلا ما ~~شآء ربك }: أي: إلا ما شاء الله من ترك خلودهم، وإخراجهم إلى الجنة ~~بإيمانهم على ما روي في الآثار المشهورة. # والأشهر أن الضمير في " فمنهم " يعود على الخلق كلهم، على كل نفس. { ~~فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير ~~وشهيق }: قال ابن عباس: " صوت شديد، (وصوت) ضعيف ". # قال أبو العالية: الزفير في الحلق، والشهيق في الصدر، وروي عنه ضد ذلك. # قال قتادة: " صوت الكافر في النار صوت الحمار، أوله زفير، وآخره ~~شهيق. وقال أهل اللغة: الزفير مثل: " ابتداء صوت الحمار في النهيق، ~~والشهيق بمنزلة آخر صوت الحمار في النهيق ". # (ولما نزلت) هذه الآية، قال عمر رضي الله عنه: # " سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا نبي الله فعلام عملنا؟: ~~على شيء قد فرغ منه؟ أم على شيء لم يفرغ منه؟ فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: على شيء قد فرغ منه يا عمر، وجرت به الأقلام، ولكن كل ~~ميسر لما خلق له ". # قوله: { خالدين فيها ما دامت السموت والأرض }: أي: ~~وقت دوام ذلك. ومعنى الآية: أبدا، لأن العرب تقول: لا أكلمك ما دامت ~~السماوات والأرض، وما اختلف الليل والنهار /. فخوطبوا على ما يعلمون، ms1120 ~~ويفهمون بينهم. # وقوله: ( { إلا ما شآء ربك } ) اختلف في ذلك اختلافا شديدا. # 1- فمن العلماء من قال: " إلا " للاستثناء، استثنى به من الزمان، " فما ~~" على بابها: لما لا يعقل. # 2- ومنهم من قال: " إلا " بمعنى: " سوى " " وما " على بابها للزمان، فهي ~~في زيادة الخلود. # 3- ومنهم من قال: " إلا " على بابها، و " ما " بمعنى " من ": جاءت ~~لمن يعقل، فهي استثناء من الأشخاص والمعذبين الذين يخرجون من النار من ~~المؤمنين. وسنذكر قول من بلغنا (قوله) من العلماء في ذلك. # قال قتادة: " الله أعلم بثنياه. ذكر لنا أن ناسا يصيبهم سفع ~~من النار بذنوب أصابوها، ثم يدخلهم الله الجنة برحمته يسمون: الجهنميون ~~". فيكون هذا الاستثناء في أهل التوحيد. # (وقيل: المعنى: إلا ما شاء ربك أن يتجاوز عنه. وذلك في أهل التوحيد) فهو ~~استثناء من الداخلين النار، لا من الخلود. " فإلا " على هذين القولين ~~لللاستثناء، و " ما " بمعنى " من ": استثنى خروج من يدخل النار من ~~المؤمنين. # وقيل: " عنى بذلك أهل النار، وكل من دخلها ". # وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه، أنه قال: " ليأتين على جهنم زمان ~~تخفق أبوابها، ليس فيها أحد ". # وقال الشعبي: " جهنم أسرع الدارين عمرانا، وأسرعها خرابا ". وهذان ~~القولان شاذان. # وقال ابن زيد: هي مشيئته في الزيادة من العذاب، أو في النقصان، وقد تبين ~~لنا معنى تبيانه في أهل الجنة بقوله: { عطآء غير مجذوذ }: إنه ~~في الزيادة، ولم يبين لنا ذلك في أهل النار. وهو محتمل للزيادة والنقص من ~~العذاب. # وقوله تعالى: # فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا # [النبأ: 30]، يدل على أنه في الزيادة. وقال بعض (أهل) العربية: وهو ~~استثناء استثناه، ويفعله، كقولك: " لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك، ~~وعزمك على ضربه " وقال بعضهم: " إلا " هنا: بمعنى سوى. والمعنى: سوى ~~ما شاء الله من الزيادة في الخلود، وهو اختيار أبي بكر. قال: لأن الله ~~تعالى لا خلف لوعده، وقد وصل الاستثناء في أهل الجنة بقوله: { عطآء ~~غير مجذوذ } ، (فدل) على أن الاستثناء إنما هو في زيادة الخلود. # " فما " على بابها، و " إلا " لللاستثناء. # وقول ms1121 آخر، وهو قول المازني: إنه استثناء إقامتهم، واحتسابهم، ما بين ~~الموت والبعث. وهو البرزخ، إلى أن يصيروا في الجنة. يقول: لم يغيبوا عنها ~~إلا مقدار إقامتهم في البرزخ. " فما " أيضا على بابها للزمان، و " إلا " ~~للاستثناء. # وقول آخر: وهو أن يكون الاستثناء يراد به من دوام السماوات والأرض في ~~الدنيا. # ومعنى: { ما دامت السموت والأرض إلا ما شآء ~~ربك } يعني: تعميرهم في الدنيا قبل ذلك. # وقيل: الاستثناء واقع على مقامهم في قبورهم. وقيل: إن معنى الاستثناء في ~~أهل الجنة مخصوص في بعضهم. يراد به: قدر بعث من دخل النار من الموحدين ~~إلى أن رحموا، وأخرجوا، وأدخلوا الجنة. # وقال ابن زيد: المعنى: " ما دامت الأرض أرضا، والسماء سماء ". { إن ~~ربك فعال لما يريد }: أي: لا يمنعه مانع من فعل ما أراد. ~~(قال أبو محمد مكي). وقد أفردنا / كتابا مفردا لشرح هذه الآية، وذكرنا ~~فيها من أقاويل العلماء بضعة عشرة قولا، وبينا جواز وقوع " ما " لمن ~~يعقل بيانا شافيا في ذلك الكتاب. وذكرنا في هذا اختصار ما ذكرنا في ذلك ~~الكتاب. # ومن قرأ " سعدوا " بالفتح فهي اللغة الجيدة المشهورة. يقال: ما سعد حتى ~~أسعده الله. وإجماعهم على " شقوا " بالفتح يدل على فتح " سعدوا " ، ولو ~~كانت بالضم لقيل: " سعدوا " ، ومن قرأ بالضم فهي مكروهة عند أكثر ~~النحويين، واحتج الكسائي في الضم بقولهم: " مسعود: (وهذا) لا حجة فيه له، ~~لأن " فيه " محذوفة منه. يقال: مكان مسعود فيه. واحتج الكسائي بقول ~~العرب: " فغر فاه، وفغر فوه " ، وجبر العظم وجبرته، ونزحت البئر ونزحتها: ~~فهذا لا يقاس عليه، إنما يسمع سماعا. واحتج الكسائي للضم أيضا، بأنه ~~كذلك سمعت من أصحاب عبد الله يقرؤونها. # وكان الكسائي، وغيره حكوها لغة في " أسعد ": تسقط الألف وتضم السين. ~~كقوله: { ما دامت السموت والأرض } ، وقال في موضع آخر: # يوم نطوي السمآء كطي السجل للكتب # [الأنبياء: 104]، وقال: # يوم تبدل الأرض غير الأرض # [إبراهيم: 48]. فإن قيل: فما دوام ذلك على هذا؟ فالجواب إن ابن عباس ~~قال: وقد سأله رجل، فقال: يا أبا عبد الله ms1122 من أي شيء خلقت الأشياء؟ فقال: ~~من خمسة أشياء من نار، وتراب، وريح، وماء، ودخان. فقال له: ومن أي شيء ~~خلقت هذه الخمسة؟ فقال: من نور العرش. فقال له: أفرأيت قول الله عز وجل، ~~{ ما دامت السموت والأرض } ، وقوله: # يوم تبدل الأرض غير الأرض # [إبراهيم: 48] وقوله: # يوم نطوي السمآء كطي السجل للكتب # [الأنبياء: 104] فما دوامها، وقد فنيتا. فقال ابن عباس: فإذا كان ذلك، ~~ردتا إلى النور الذي أخذتا منه، فهما دائمتان لا بد في نور العرش. # ومعنى: { غير مجذوذ }: غير مقطوع، وقيل: غير منزوع. # (شقي وسعيد): وقف. { إلا ما شآء ربك } وقف عند أبي حاتم في ~~الموضعين. والوقف على الاستثناء في قصة أهل النار جائز وليس بجائز في قصة ~~أهل الجنة، لأن بعده " عطاء " منصوب على المصدر، فما قبله يعمل فيه. فإن ~~نصبته بإضمار فعل وقفت على ما قبله. ### || [11.109-110] # قوله: { فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء ما ~~يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل } - إلى قوله - ~~{ مريب }. # الإشارة في هؤلاء إلى مشركي قريش. والمعنى: فلا يكن من آمن بك يا محمد ~~في شك مما يعبده مشركو قريش من الأصنام، إنها باطل. ما يعبدون إلا كعبادة ~~آبائهم من قبل. { وإنا لموفوهم } يا محمد { نصيبهم } ، ~~أي: حظهم من خير وشر. { غير منقوص }: أي: " لا أنقصهم مما وعدتهم ~~". # ثم قال تعالى: { ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف ~~فيه }: وهذا تسلية من الله تعالى لنبيه عليه السلام، في تكذيب مشركي ~~العرب له، فيما جاءهم به من عند الله عز وجل. فالمعنى: آتينا موسى ~~الكتاب، كما آتيناك، { فاختلف فيه }: فكذب بعضهم، وصدق بعضهم، كما ~~فعل قومك يا محمد. # { ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم } وهو ~~أنه سبق / أن يؤخر عقوبتهم إلى يوم القيامة. فإنه لا يعجل عليهم. { ~~لقضي بينهم }: أي: في الدنيا. # { وإنهم لفي شك منه مريب }: أي: وإن الذين كذبوا، لفي ~~شك منه إنه من عند الله. { مريب }: أي: " يريبهم، فلا يدرون أحق هو؟ ~~أم باطل؟ ". ### || [11.111-113] # قوله: { وإن كلا لما ليوفينهم ms1123 ربك ~~أعمالهم } - إلى قوله - { ثم لا تنصرون }. # قرأ الزهري: " وإن كلا " بالتشديد، لما " بالتنوين مشددا أيضا، وقرأ ~~الأعمش: ( " وإن كلا " بتخفيف " إن " ، ورفع " كل " وتشديد " لما ". ~~(وفي حرف أبي ": " وإن كل " إلا ليوفين " ربك أعمالهم ". وفي حرف ابن ~~مسعود: " وإن كل) إلا ليوفينهم ربك أعمالهم ". ومن شدد " إن " نصب " ~~كلا " بها. واللام في " لما " لام تأكيد. و " ما " صلة، هذا على قراءة ~~التخفيف. والخبر في " ليوفينهم ". # والتقدير: وإن كلا ليوفينهم. وقراءة من خفف إن، ونصب " كلا " على هذا ~~التقدير، إلا أنه، خفف " إن " وأعملها كما يعمل الفعل، وهو محذوف منه. # وأنكر الكسائي التخفيف والعمل. # وقال الفراء: من خفف " إن " نصب " كلا " بقوله: " ليوفينهم، وهذا لا ~~يجوز أن يعمل ما بعد اللام فيما قبلها. ومن شدد " إن " و " لما " فهي غير ~~جائزة عند المبرد، والكسائي. # قال المبرد: لا يجوز: " أن زيدا إلا لأضربنه ". # وقال الفراء: الأصل " لمن ما " ، فاجتمعت ثلاث ميمات عند الإدغام، فحذفت ~~إحداهن. وهذا لا يجوز عند البصريين. # وقال المازني: الأصل التخفيف في " لما " ، ثم ثقلت. وهذا أيضا لا أصل ~~له، (و) يجوز (تثقيل المخفف)، إلا لمعنى. # وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: الأصل " لما " بالتنوين، من لممته لما: ~~أي: جمعته، ثم بني منه فعلى، كما قرأ: " تثرا، و " تثري ". # ومن خفف " إن " ، وشدد " لما " ، " فإن " بمعنى " ما " ، و " لما " ~~بمعنى " ألا " حكى ذلك الخليل، وسيبويه بمنزلة قوله: # إن كل نفس لما عليها حافظ # [الطارق: 4] أي: إلا عليها حافظ والقراءات الثلاث تكون فيها " إن " ~~بمعنى " ما " لا غير. # وقد قيل في قراءة من شدد " إن " وخفف " لما ": إن (ما) بمعنى: " من ~~". وإن المعنى: وإن كلا { لما } ليوفينهم ربك أعمالهم، كما قال: # فانكحوا ما طاب لكم من النسآء # [النساء: 3]: أي: ما طاب لكم نكاحه. # وقوله: { إنه بما يعملون خبير }: أي: " لا يخفى عليه شيء ~~من عملكم ". # ثم قال تعالى: { فاستقم كمآ أمرت }: أي: دم يا محمد على ما ~~أنت عليه. # { ومن تاب معك }: أي: رجع إلى عبادة ربك، يدوم على ms1124 ذلك. { ولا ~~تطغوا }: أي: ولا تتعدوا أمره إلى ما نهاكم عنه. # { إنه بما (تعملون) بصير }: أي: ذو علم، لا يخفى عليه شيء ~~من عملكم. وقال سفيان: معنى { فاستقم كمآ أمرت }: أي: " استقم ~~على القرآن " ، { ولا تطغوا }: وقف. # ثم قال تعالى: { ولا تركنوا إلى الذين ظلموا }. قرأ ~~الأعمش ويحيى بن وثاب: " فتمسكم " بكسر التاء. # وقرأ قتادة: ولا تركنوا بالضم في الكاف، يقال: ركن يركن، وركن ~~يركن. قال ابن عباس: معناه: لا تذهبوا إلى الكفار. # وقال ابن جريج: لا تميلوا إليهم. # وقال أبو العالية: " لا ترضوا أعمالهم ". # وقال قتادة: لا تلحقوا بالشرك ". # وقال ابن زيد: الركون هنا: / الإذعان. وذلك ألا ينكر عليهم كفرهم، وهذا ~~لأهل الشرك. نهى الله عز وجل، المؤمنين أن يميلوا إلى محبتهم، ومصافاتهم، ~~وليس لأهل الإسلام. فأما أهل الذنوب من أهل الإسلام، فقد بينت السنة، ~~والكتاب أنه لا يجوز أن يركن إلى شيء من معاصي الله، ولا يصالح عليها، ~~ولا يقرب. # فالمعنى: ولا تميلوا إلى قول المشركين، فتمسكم النار، (بفعلكم ذلك). { ~~ثم لا تنصرون }: إن فعلتم. وليس لكم ولي من دون الله، ينقذكم ~~من عذابه. ### || [11.114-116] # قوله { وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من ~~اليل } - إلى قوله - { وكانوا مجرمين }. # وقال أبو جعفر: " وزلفا " بضم اللام. وقرأ ابن محيصن بإسكان اللام ~~فمن فتح اللام، فهو جمع واحده زلفة، وزلف، ومن ضم اللام فواحدة " زليف " ~~كقريب، وقرب. وقيل: هو واحد مثل الحلم، والحلم. # وقرأ مجاهد: " وزلفى " مثل " فعلى ". والزلف: الساعات، واحدها زلفة. ومن ~~هذا سميت المزدلفة، لأنها منزل بعد عرفة. وقيل: سميت (بذلك) لازدلاف ~~آدم من عرفة إلى حواء، وهي بها. # ومن أسكن اللام خففها من " زلفى " بالضم. ويعني بالزلف: الساعات القريبة ~~من الليل. # ومعنى الآية: { وأقم الصلاة طرفي النهار } ، يعني: ~~الغداة، والعشي، فالغداة الصبح، والعشاء عند مجاهد هي صلاة الظهر. # وروي عنه: الظهر والعصر، وقيل: عنى بها صلاة المغرب، وهو قول الحسن، ~~وابن زيد. # وروي عن منصور، عن مجاهد أنه قال: { طرفي النهار } صلاة الفجر، ~~والظهر، { وزلفا من اليل }: المغرب والعشاء. ms1125 # وقال الضحاك: عنها بها صلاة العصر. # وقال مجاهد: وزلفا من الليل: أي: ساعات من الليل: صلاة العتمة. # وروي عن الحسن: أنها صلاة المغرب، والعتمة. والاختيار عند الطبري، وغيره ~~أن تكون صلاة المغرب، لأنها طرف، تصلى بعد غروب الشمس، كما صلاة الصبح ~~طرف، تصلى قبل طلوع الشمس: فكلاهما طرف. # وقوله تعالى: { إن الحسنات يذهبن السيئات }. # (روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: # " الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن، إذا اجتنبت ~~الكبائر " # " وقال أبو عثمان النهدي: كنت مع سلمان تحت شجرة، فأخذ غصنا منها، ~~فهزه حتى تساقط ورقه، ثم ضحك، فقلت: ما أضحكك؟ قال: إني كنت مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، يوما تحت شجرة، فأخذ غصنا منها، فهزه حتى ~~تساقط ورقه، ثم ضحك. فقلت: ما أضحكك يا رسول الله؟ فقال: أضحكني أن العبد ~~المسلم إذا توضأ وضوءه للصلاة، ثم صلى الصلوات الخمس، تساقطت عنه ذنوبه ~~كما تساقطت هذه الورق، ثم تلى هذه الآية { أقم الصلاة } - إلى ~~آخرها ". # وروي عن مجاهد، عن ابن عمر، أنه قال: # " ما من مسلم يتوضأ، فيحسن الوضوء، إلا تناثرت عنه خطاياه، كما تتناثر ~~ورق الشجرة اليابسة. ثم تكون صلاته نافلة (له) " # ثم قرا ابن عمر: { أقم الصلاة } الآية قال ابن عباس وغيره: هي ~~الصلوات الخمس. # وقال مجاهد: هو قولنا: سبحان الله /، والحمد لله، ولا إله إلا الله، ~~والله أكبر. وقيل: المعنى: أن التوبة تذهب الصغائر. { ذلك ذكرى ~~للذاكرين }: أي: النهي عن الركون إلى الذين ظلموا، وإقامة الصلاة ~~تذكرة لقوم يذكرون، وعد الله عز وجل، وثوابه، وعقابه، سبحانه. # " وروي أن هذه الآية نزلت في رجل أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فقال: يا رسول الله! إني وجدت امرأة في بستان فقبلتها والتزمتها، ونلت ~~منها كل شيء إلا الجماع، فافعل بي ما شئت. فأنزل الله { أقم ~~الصلاة } - إلى قوله - { للذاكرين }. فقال معاذ بن جبل: يا ~~رسول الله! أخاص له أم عام للناس؟ (فقال: بل للناس كافة) ". # وقال أنس بن مالك، رضي الله ms1126 عنه، # " أتى رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: إني أصبت حدا، ~~فأقمه علي. فأمسك النبي صلى الله عليه وسلم، عنه. وحضرت الصلاة، فصلى: ~~فقال: يا رسول الله! إني أصبت حدا، فأقم علي كتاب الله. فقال: أصليت ~~معي؟ قال: نعم. قال: قد غفر الله لك ". # وقيل: المعنى: أن الصلوات الخمس، يكفرن ما بينهن من الذنوب، إذا اجتنبت ~~الكبائر. # ثم قال تعالى لنبيه عليه السلام: { واصبر فإن الله لا ~~يضيع أجر المحسنين }: أي: " اصبر يا محمد على ما تلقى من ~~مشركي قومك من الأذى ". فالله لا يضيع ثواب من صبر في الله عز وجل. # ثم قال تعالى: { فلولا كان من القرون من قبلكم ~~أولوا بقية } أي: فهلا كان من القرون الذين خصصنا خبرهم في ~~هذه السورة، أولو بقية في الفهم، والعقل، فيعتبرون مواعظ الله عز وجل، ~~ويتدبرون حججه، جلت عظمته فينتهون عن الفساد. # وفي الكلام معنى التعجب. # وقوله: { إلا قليلا } قليل هو استثناء ليس من الأول. # قال ابن زيد: هم الذين نجوا حين نزل العذاب، يعني: قوم يونس عليه ~~السلام، ومن نجا مع الرسل. # { اتبع الذين ظلموا } أي: من دنياهم وبطرهم. والمعنى: ~~اتبعوا ما أبطرهم فيه ربهم من نعيم دنياهم، إيثارا على الآخرة، وما ~~ينجيهم من عذاب الله. # وقال مجاهد: اتبعوا مهلكهم وتجبرهم، وتركوا الحق، واستكبروا عن ~~أمر الله. والمترف في كلام العرب (المنعم في الدنيا) الذي قد غذي ~~باللذات. # { وكانوا مجرمين }: أي: مكتسبين الكفر. { ممن أنجينا ~~منهم }: وقف وقد أجاز أبو حاتم الوقف على الأرض، ورد ذلك عليه، ~~لأن بعده استثناء. ### || [11.117-120] # قوله: { وما كان ربك ليهلك القرى بظلم } إلى قوله: ~~{ للمؤمنين } # والمعنى: وما كان ربك يا محمد أن يهلك القرى التي قص عليك نبأها (بظلم)، ~~وأهلها مصلحون، ولكن أهلكها بكفرها. # وقيل: المعنى: ما كان الله ليهلكهم بظلمهم، أي: بشركهم، وهم مصلحون، لا ~~يتظالمون بينهم، إنما يهلكهم إذا جمعوا مع الشرك غيره من الفساد. ألا ترى ~~إلى قوله في قوم لوط؟: # ومن قبل كانوا يعملون السيئات # [هود: ms1127 78]، يريد الشرك، فعذبهم باللواط الذي أضافوه إلى شركهم. وأخبر ~~الله عن قوم شعيب أنه عذبهم لنقصهم الكيل، وأمسك عن ذكر شركهم، وهذا قول ~~غريب. # وقال الزجاج المعنى: " ما كان ربك ليهلك أحدا، وهو يظلمه كما قال: # إن الله لا يظلم الناس شيئا # [يونس: 44]. # ثم قال / تعالى: { ولو شآء ربك لجعل الناس أمة ~~واحدة }: (أي): " على ملة واحدة، ودين واحد ". # قال قتادة: كلهم مسلمين، { ولا يزالون مختلفين }: أي لا ~~يزال الناس مختلفين. وروي عن ابن عباس أنه يعني في الأديان: اليهود، ~~والنصارى. وقيل: في الأرزاق، هذا فقير، وهذا غني. قاله الحسن. # وقيل: في المغفرة والرحمة. # { إلا من رحم ربك }: أي: لكن من رحم ربك فإنه غير مختلف. ~~وقيل: { إلا من رحم ربك }: أهل الإيمان والإسلام. # وقوله: { ولذلك خلقهم } قال الحسن: للاختلاف في الأرزاق ~~خلقهم. وقال ابن عباس: خلقهم فريقين: فريقا يرحم، وفريقا لا يرحم ~~يختلف، وذلك قوله: # فمنهم شقي وسعيد # [هود: 105]. # وقال عطاء: ولذلك خلقهم: يعني: مؤمنا وكافرا. وقال أشهب: سألت مالكا، ~~رحمه الله، عن قوله: { ولا يزالون مختلفين * إلا من ~~رحم ربك ولذلك خلقهم } فقال: خلقهم ليكونوا فريقا في ~~الجنة، وفريقا في السعير. # ففي الكلام على هذا القول تقديم وتأخير، والتقدير: " إلا من رحم ربك، ~~وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين، ولذلك خلقهم ". وقد ~~كان يجب في قياس العربية على هذا التقدير أن يكون اللفظ: وتمت كلمته. # وروى ابن وهب: عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنهما، أنه قال في معنى ~~الآية: خلق الله أهل رحمته لئلا يختلفوا. # وقيل: المعنى: وللرحمة خلقهم. والرحمة، والرحم واحدة، فلذلك ذكر. قاله ~~مجاهد، وقتادة، والضحاك. # وروي أيضا ذلك عن ابن عباس، وقيل: إن هذا متعلق بما قبله، وهو قوله: # ينهون عن الفساد في الأرض # [هود: 116]، ولذلك خلقهم. (وقيل: هو متعلق بما قبله بقوله: { ~~لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين } ، ولذلك ~~خلقهم): وهو قول مالك المتقدم. # وقيل: المعنى: وللاسعاد خلقهم، وقيل: للإسعاد والإشقاء خلقهم. # ثم قال تعالى: { وتمت كلمة ربك }: أي: ms1128 وجبت { لأملأن ~~جهنم من الجنة والناس أجمعين }: لما تقدم في علمه ~~أنهم يستوجبون ذلك. # وقوله: { من الجنة }: يعني: ما اجتن عن عيون بني آدم من الجن ~~والناس، يعني: بني آدم أجمعين، وذلك على التوكيد. # وقيل: إنما سموا " جنة " لأنهم كانوا على الجنان. والملائكة كلهم جنة ~~لاستتارهم. # ثم قال تعالى: { وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ~~} أي: من أخبارهم، وأخبار أممهم يا محمد. نفعل ذلك لنثبت به فؤادك، لأن ~~كلما كثرت البراهين كان القلب أثبت. والفؤاد يراد به القلب، وهذا كما ~~قال إبراهيم صلوات الله عليه، # ولكن ليطمئن قلبي # [البقرة: 260] وقيل: المعنى: ما نثبتك به على أداء الرسالة، والصبر على ~~ما ينالك منهم. فتعلم ما نالت الرسل، وما حل بها قبلك، فتتأسى بذلك. # و " كلا " منصوب ب " نقص " ، " وما " بدل من " كل ". # وقال الأخفش: كلا " نصب " على / الحال. وقال غيره: هي منصوبة على ~~المصدر: أي: كل القصص نقص عليك. # ثم قال تعالى: { وجآءك في هذه الحق وموعظة ~~وذكرى }: أي: في هذه السورة. قاله ابن عباس، والحسن، ومجاهد، ~~وقتادة. # وقيل: في هذه الدنيا، روي ذلك عن قتادة. # والمعنى: وجاءك في هذه السورة الحق، مع ما جاءك في غيرها من السور. وليس ~~المعنى: وجاءك في هذه السورة الحق، دون غيرها، بل في الكل جاء الحق. وذكر ~~في هذه السورة بهذا تأكيدا لما فيها من القصص والمواعظ، وذكر الجنة ~~والنار ومقام الفريقين. # والقسم بأن يوفي لكل عمله، وغير ذلك من الإخبار، والمواعظ، والتحريض على ~~إقامة الصلوات وغير ذلك. وليس إذا كان في هذه الحق فيما لا يكون في ~~غيرها، بل غيرها فيه الحق. وقد اختار قوم قول قتادة: إن المعنى: في هذه ~~الدنيا، وموعظة: لمن جهل، (وذكرى) لمن عقل من المؤمنين. ### || [11.121-123] # قوله: { وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على ~~مكانتكم } إلى آخر السورة - أي: وقل يا محمد للذين لا يؤمنون بما ~~جئت به، اعلموا على طريقتكم وتمكنكم، وما أنتم عليه، { إنا عاملون ~~}: على ما نحن عليه من الأعمال التي أمرنا ربنا بها، { وانتظروا } ~~ما ms1129 وعدكم الشيطان { إنا منتظرون }: ما وعدنا الله. # ثم قال تعالى: { ولله غيب السموت والأرض }: أي: ملك ~~ما غاب عنك، ومعرفته. { وإليه يرجع الأمر كله }: أي: يرد ~~كله، وهو الحاكم في جميعهم، ومجازيهم. { فاعبده وتوكل ~~عليه }: أي: " فوض أمرك إليه " { وما ربك بغافل عما ~~تعملون }: " هؤلاء المشركون من قومك، بل هو محيط بهم " ، عالم بما ~~يعملون. # قال كعب: " خاتمة التوراة خاتمة هود ". ### | [12 - سورة يوسف] ### || [12.1-4] # قوله تعالى: { الر تلك آيات الكتاب المبين } إلى قوله { ~~ساجدين } # قد تقدم الكلام في { الر }. و { تلك } عند الطبري بمعنى " هذه ". ~~والمعنى: تلك آيات الكتاب المبين: " حلاله وحرامه، ورشده وهداه ". # { إنآ أنزلناه } الهاء تعود على خبر يوسف، وهو اختيار النحاس، ~~وغيره. أي: # إنا أنزلنا خبر يوسف، وذلك أن اليهود سألوا النبي، صلى الله عليه وسلم: ~~لم انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر، وعن خبر يوسف. فأنزل الله، (عز ~~وجل) هذا بمكة موافقا لما في التوراة، وفيه زيادة ليس عندهم. # وقيل: إن " الهاء " تعود على الكتاب المبين، وهو القرآن. ومعنى: { ~~إنآ أنزلناه قرآنا عربيا } آية: أي: مجموعا، مبينا ~~عربيا. { لعلكم تعقلون }: أي: { تعقلون }: أن محمدا ~~صلى الله عليه وسلم إذا أتاكم بأخبار الغيب، وهو ممن لا يقرأ كتابا. # وقيل: معناه: إنه أنزله عربيا لينقطع عذر العرب، إذ نزل بلسانهم، ~~فمعنى: (تعقلون): أي: لتعقلوا ما أنزل عليكم، ولا عذر لكم في ترك فهمه، ~~إذ هو بلسانكم. # ثم قال تعالى: { نحن نقص عليك أحسن القصص }: أي: نحن ~~نخبرك يا محمد عن (ال)أمم الماضية، والقرون السالفة أحسن الخبر، ~~وأصحه. وما كنت يا محمد من قبل أن ينزل عليك هذا { القرآن وإن } ~~من الغافلين عن هذه القصص، والأخبار. وقيل: معنى نقص: نبين. # وقال ابن عباس: قال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، (له): لو قصصت ~~علينا فنزلت: { نحن نقص عليك أحسن القصص }. # وروي أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ملوا ملة. فقالوا: # يا رسول الله! حدثنا. فأنزل الله عز وجل: # الله # [الزمر: 23] # نزل # [الزمر: 23] # أحسن الحديث كتابا متشابها ms1130 # [الزمر: 23]. # ثم قال تعالى: { إذ قال يوسف لأبيه يأبت } ، العامل في " ~~إذ " الغافلين. # وقرأ طلحة بن مصرف { يوسف } بالهمزة وكسر السين. # وحكى ابن زيد: يؤسف بالهمزة، وفتح السين. والوقف عند سيبويه وأصحابه على ~~" يا أبه " بالهاء، لأن الهاء بدل من الياء التي للإضافة. ومذهب الفراء: ~~الوقف بالتاء، لأن الياء عنده في النية. # ومن فتح التاء، فلأنها (أ) شبهت بالهاء التي هي علامة التأنيث، كما قال ~~الشاعر: # كليني لهم يا أميمة ناصب # وهذا مذهب سيبويه. # وقال قطرب: وهو أحد قولي الفراء، لأن الأصل: يا أبتا(ه)، ثم حذفت ~~الألف. ويكون الوقف على قول سيبويه بالهاء، وهو قول الفراء الآخر. # والندبة في هذا لا يجوز، إذ ليس هو من مواضعها. والعلة التي من أجلها ~~دخلت الهاء في هذا أن قولك: " أبوان ": تثنية الأب. واللام يوجب أن يكون ~~يستعمل (أب وأبت) كما أن قولك: " والدان " للأب والأم يوجب: " والد، ~~ووالدة ". # فلما لم يستعمل " أبه " استغنى باللام - استعمل ذلك في النداء في " ~~الأب " ، وأجروه مجرى ما وصف فيه المذكر مما فيه الهاء نحو: " علامة ~~ونسابة. # وقال الفراء: إنما هي الهاء التي تزاد في الوقت، أكثر بها الكلام فنبهت ~~بهاء التأنيث. # قرأ الحسن، أبو جعفر " أحد عشر " بإسكان العين لكثرة الحركات. # وقال: رأيتهم لأنه أخبر عنها بالسجود، وهو فعل من يعقل، ومثله: # ادخلوا مساكنكم # [النمل: 18] و # فاسألوهم إن كانوا ينطقون # [الأنبياء: 63]. # وقيل: لما كان تفسير ذلك واقعا على إخوة يوسف، وأبيه، وخالته، أخبر ~~عنهم، بالهاء والميم. وذلك حقهم في الحكاية، والإخبار عنهم. # قال ابن عباس: كانت الرؤيا فيهم وحيا. والأحد عشر هم: أخوة يوسف، ~~والشمس أمه، والقمر أبوه. هذا قول ابن عباس، وغيره. # ويروى أن رؤيا يوسف كانت ليلة الجمعة، وكانت ليلة القدر، فأشفق يعقوب أن ~~يحسده إخوته على ذلك. فنهاه أن يقصها عليهم. # وقال قتادة، وغيره: الشمس خالته، والقمر أبوه. وظهرت رؤيا يوسف عليه ~~السلام، بعد رؤيتها بأربعين سنة. # وقد روي أن يعقوب، عليه السلام، فسر الرؤيا: تأول الأحد عشر كوكبا: أحد ~~عشر نفسا، لهم ms1131 فضل يستضاء بهم، وهم إخوة يوسف، وتأول الشمس، والقمر: ~~أبويه، فتأول أن يوسف يكون نبيا، وأن إخوته يكونون أنبياء، لأن الله، ~~عز وجل، أعلمهم أنه يتم نعمته عليه، وعلى أبويه. ### || [12.5-6] # قوله: { قال يبني لا تقصص رؤياك } إلى قوله { حكيم ~~}. # (هذا اللفظ) يدل على أن يعقوب كان له علم بعبارة الرؤيا، ويدل على أنه ~~كان قد أحس من إخوة يوسف ليوسف حسدا، فخافهم عليه. والمعنى. لا تخبرهم ~~برؤياك هذه، فيحسدوك، ويبغوا لك الغوائل، ويطيعوا فيك الشيطان. # وكان يعقوب صلى الله عليه، (وعلى محمد) قد تبين له من إخوة يوسف ليوسف ~~/ الحسد. فلذلك قا(ل) له هذا. ولذل[ك] قال السدي: نزل يعقوب عليه ~~السلام، الشام، فكان همه يوسف، وأخاه، فحسدهما أخوتهما. # ومعنى { فيكيدوا لك (كيدا) } أي: فيتخذونك كيدا، وقيل: اللام ~~زائدة. والمعنى: فيكيدوك كيدا. # ثم قال تعالى: { وكذلك يجتبيك ربك }: أي: وهكذا يجتبيك ~~ربك: أي: يختارك، ويصطفيك. # { ويعلمك من تأويل الأحاديث }: # أي: كما أراك ربك الكواكب، والشمس، والقمر سجودا لك، كذلك يصطفيك. ~~وتأويل الأحاديث: عبارة الرؤيا، وقيل: أخبار الأمم. # { ويتم نعمته عليك } (أي): بالاصطفاء { كمآ أتمهآ ~~على أبويك من قبل }: أخبره أنه يكون نبيا. # قال عكرمة: ويتم نعمته عليك، وعلى آل يعقوب، كما أتمها على أبويك من قبل ~~إبراهيم، وإسحاق. فنعمته على إبراهيم، بأن نجاه من النار، وعلى إسحاق ~~أن نجاه من الذبح. # { إن ربك عليم } بخل(قه)، { حكيم } في تدبيره. ### || [12.7-10] # قوله: { لقد كان في يوسف وإخوته آيات ~~(للسائلين) } - إلى قوله - { فاعلين }. # من قرأ " آية " ، فمعناه: عبرة، ومن جمع، فمعناه: عبرة للسائلين (عن ~~أخبارهم)، وقصصهم. # وقيل: إن هذه السورة نزلت تسلية من الله تعالى، لمحمد صلى الله عليه ~~وسلم، فيما يلقى من أقاربه من قريش. فأعلمه ما لقي يوسف من إخوته، ثم قال ~~ذلك ابن إسحاق. # ثم قال تعالى: { إذ قالوا } العامل في " إذ " معنى الآيات. ~~والعصبة: العشرة فما فوق ذلك إلى خمسة عشر، وقيل: إلى الأربعين. # وقولهم: { إن أبانا لفي ضلال مبين }: أي لفي خطأ في ~~إيثاره علينا يوسف، وأخاه من ms1132 أمه بالمحبة. # ومعنى: { مبين }: يبين عن نفسه أنه خطأ لمن تأمله فمعناه: أنه ضل ~~في محبتهما، وتقديمهما علينا، وهما صغيران، ونحن أنفع منهما ~~وأكبر. ولم يصفوه بالضلال في الدين. قال ذلك السدي. # ثم حكى عنهم تعالى إنهم قالوا: { اقتلوا يوسف أو اطرحوه ~~أرضا } أي: في أرض. وجاز حذف الحرف (منه)، على أنه مفعول ثان، وليس ~~بظرف، (و) لأنه غير مبهم. # { يخل لكم وجه أبيكم } أي: يتفرغ إليكم أبوكم من شغله ~~بيوسف. { وتكونوا من بعده قوما صالحين }: فالهاء في " ~~بعده " تعود على الطرح، وقيل: على يوسف. وقيل: على القتل: أي: يتوبون من ~~قتله بعد هلاكه. # وقال مقاتل: { قوما صالحين }: أي: تصلح حالكم، وأمركم عند أبيكم. # قوله: { قال قآئل منهم لا تقتلوا يوسف }: نهاهم أحد ~~الإخوة عن القتل، وأمرهم بطرحه في غيابات الجب. والقائل هذا روبيل كان ~~أكبر القوم، وهو ابن خالة يوسف، قال ذلك قتادة، وابن إسحاق. # وقال مجاهد: كان (القائل) شمعون، وقيل: هو يهوذا، وكان يهوذا من أشدهم ~~في العقل، وهو الذي قال: # فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي # [يوسف: 80]. # ومعنى: { كبيرهم } أي كبيرهم في العقل، قاله مقاتل، وغيره. قال ~~الضحاك: الذي قال { لا تقتلوه } / هو الذي قال: # فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم ~~الله لي # [يوسف: 80]. # وروي أنه كان ليعقوب صلى الله عليه وسلم، عشرة من الولد، من خالة يوسف. ~~وكان له من أم يوسف ولد غير يوسف، وهو الذي أخذ بالصاع. وروي أنهم كانوا ~~من أربع نسوة. # وروي أنه أول من كان وقع في قلوب إخوة يوسف من يوسف صلى الله عليه وسلم ~~ما وقع أنه رأى قبل رؤيته الكو(ا)كب، كأنه خرج مع إخوته يحتطبون، ~~فسجدت حزم إخوته لحزمته، فأخبرهم بذلك. ذلك عليهم. # قال قتادة: الجب بئر بيت المقدس. والجب: البئر التي ليست بمطوية، سميت ~~جبا، لأنها قطعت قطعا، ولم يحدث فيها غير القطع، ولا طي ولا ~~غيره. والجب يذكر ويؤنث. # وقرأ الحسن " تلتقطه " بالتاء، لأن بعض السيارة سيارة، فأتت على المعنى. ~~ورويت عن ms1133 مجاهد، وأبي رجاء، وقتادة. والمعنى: فأخذه " بعض مارة الطريق من ~~المسافرين ". # قال ابن عباس: " التقطه ناس من الأعراب ". # { إن كنتم فاعلين }: أي: " إن " كنتم فاعلين ما أقول لكم ". ### || [12.11-14] # قوله: { قالوا يأبانا ما لك لا تأمنا على (يوسف) ~~وإنا له لناصحون } إلى قوله { لخاسرون }. # وقرأ يزيد بن القعقاع، وعمرو بن عبيد: " تأمنا " بغير إشمام. # وقرأ طلحة بن مصرف " تأمننا " بنونين ظاهرتين. # وقرأ يحيى بن وثاب، والأعمش، وأبو رزين تيمنا بتاء مكسورة بعدها ياء ~~الإدغام. والمعنى: مالك لا تأمنا على يوسف يخرج معنا إذا خرجنا إلى ~~الصحراء. # { وإنا له لناصحون * أرسله معنا } إلى قوله: { ~~لحافظون } # " نحوطه ونكلؤه ". ومن قرأ " نرتع بالنون، وكسر العين، فمعناه: نرتع ~~الغنم والإبل. وهو نفعتل من رعى (يرعو). # وقال مجاهد: نرتع: أي: نحفظ بعضنا بعضا، أي: نتحارس، ونتكالؤ. # من: رعاك الله، ومن أسكن العين فمعناه: نقيم في الخصة والسعة، من رتع. ~~يقال: رتع فلان في ماله: إذا لهى فيه. # ومعناه عند ابن عباس: يلهو، وينبسط. # ومن قرأ بالياء، وكسر العين، فهو يفتعل من " رعى " أي: يرعى الغنم، ~~ويعقل، ويعرف الأمور. # ومن أسكن العين، وقرأ بالياء، فمعناه: أرسله يتفرج، وينشط في ~~الصحراء: من رتع. # وقولهم: { يلعب } ليس هو اللعب الصاد عن ذكر الله سبحانه. وروي عن ~~قنبل، عن ابن كثير إثبات الياء في " نرتعي " ، على نية الضمة فيها، ~~وفيه بعد. وإنما يجوز في الشعر. # ثم قال: تعالى حكاية عن قول يعقوب لهم: { قال إني ليحزنني } ~~إلى قوله: { لخاسرون }: من همز " الذئب " أخذه من قولهم: تذاءبت ~~الريح: إذا جاءت من كل مكان. فهمز " الذئب " لأنه يجيء من كل مكان. قال ~~ذلك أحمد بن يحيى كأنه شبهه في سرعته، وروغانه بالريح. # ومن لم يهمز فعلى تخفيف الهمز. وقيل: إنه جعله ليس بمشتق، مثل: الفيل، ~~والميل، والكيس. وإنما خاف يعقوب، عليه السلام، من الذئب دون سائر ~~السباع، لأنه كان رأى في المنام كأن ذئبا شد على يوسف، فخرجت تلك الرؤيا ~~في دعواهم. { وأنتم عنه غافلون }: أي: لا تشعرون { قالوا ~~لئن أكله ms1134 الذئب ونحن عصبة } /: أي: أحد عشر رجلا { ~~إنآ إذا لخاسرون }: أي: لعجزة هالكون. ### || [12.15] # قوله: { فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه }: أي: ~~أجمع رأيهم، وعزموا على ذلك. { وأوحينآ إليه ~~لتنبئنهم بأمرهم }: أي: لتخبرنهم بما صنعوا بك، وهم لا ~~يعلمون بك. # قال الضحاك: لما ألقي يوسف في الجب، نزل إليه جبريل، عليه السلام، فقال ~~له: يا يوسف: ألا أعلمك كلمات إذا أنت قلتهن عجل الله لك بخروجك من هذا ~~الجب. فقال: نعم، فقال له جبريل، صلوات الله عليه،: قل يا صانع كل مصنوع، ~~ويا جابر كل كسير، ويا شاهد كل نجوى ويا حاضر كل ملأ، ويا مفرج كل كربة، ~~ويا صاحب كل غريب، ويا مؤنس كل وحشة: أيتني بالفرج والرخاء، وأقذف رجاءك ~~في قلبي حتى لا أرجو أحدا سواك. فرددها يوسف عليه السلام، في ليلته ~~مرارا فأخرجه الله عز وجل، في صب [ي]حة يومه ذلك من الجب. # وقال السدي: خرجوا به، وله عليهم كرامة، فلما برزوا به إلى البرية ~~أظهروا له العداوة، وجعل أخوه يضربه، فيستغيث بالآخر (فيضربه فجعل " لا ~~يرى منهم رحيما " فضربوه حتى كادوا يقتلونه. فجعل يصيح، ويقول: يا ~~أبتاه! يا يعقوب! لو علمت ما صنع بابنك بنو الإماء. فلما كادوا يقتلونه، ~~قال يهوذا: أليس قد أعطيتموني موثقا من الله لا تقتلونه. فانطلقوا به ~~إلى الجب ليطرحوه، فجعلوا يدلونه في البئر وهو يتعلق بشفير البئر. فربطوا ~~يديه ونزعوا عنه قميصه. # فقال: يا (أ)خوتاه: ردوا علي قميصي، أتوارى به في الجب. فقالوا له: ادع ~~الشمس والقمر، والأحد عشر كوكبا ليؤنسوك. فدلوه في البئر حتى إذا بلغ ~~نصفها ألقوه إرادة أن يموت. فكان في البير ماء، فسقط فيه ثم أوى إلى ~~صخرة فيها. فقام عليها، وجعل يبكي، فنادوه، فظن أنها رحمة منهم، أدركتهم ~~عليه. فأجابهم فأرادوا أن يرضخوه بصخرة فيقتلوه. فقام يهوذا فمنعهم، ~~وقال: قد أعطيتموني موثقا ألا تقتلوه. # وقيل: كان الجب الذي ألقوه فيه، لا ماء فيه. فأحدث الله فيه ماء، حتى ~~مال إليه الناس. وكان يهوذا يأتيه بالطعام. # والواو ms1135 في " وأجمعوا " زائدة للتأكيد، وهو جواب " لما ". # قوله: { وأوحينآ إليه }: أي: إلى يوسف لتخبرن إخوتك بأمرهم ~~هذا الذي صنعوا بك، وهم لا يعلمون، ولا يدرون. (و) هذا يدل على أنه أوحي ~~إليه قبل البلوغ (بإلهام)، أو في منام، أو برسول. # وقيل: المعنى " أوحى الله عز وجل إليه لتخبرنهم بما " { صنعوا } ، ~~وهم لا يشعرون بالوحي الذي أوحى " الله عز وجل " إليه. # قال مجاهد، وابن زيد: وقيل: المعنى: { وهم لا يشعرون } ، (أن) ~~الذي يخبرهم بصنيعهم هو يوسف. # وقيل: المعنى: { وهم لا يشعرون } أنه نبي يوحى إليه. # وقيل: الهاء ليعقوب، أي: أوحى الله إلى يعقوب أن ابنك كاده إخوته، ~~ولتعرفنهم بكيدهم، { وهم لا يشعرون }: أي: وإخوة يوسف / " ~~لا يشعرون بالوحي إلى يعقوب ". # (قال ابن عباس: لما دخل إخوة يوسف) على يوسف. (عرفهم)، # وهم له منكرون # [يوسف: 58]. فقال: جئ بالصواع. فوضعه على يديه، (ثم) نقره، فطن فقال: ~~إنه ليخبرني هذا الجام أنه كان لكم أخ من أبيكم، يقال له: يوسف، يدنيه ~~دونكم، وأنكم انطلقتم به، فألقيتموه في غيابات الجب. قال: ثم نقره، ~~فطن فأتيتم أباكم فقلتم: إن الذئب أكله، وجئتم على قميصه بدم كذب. ~~فقال بعضكم لبعض: إن هذا الجام ليخبره بخبركم. فذلك معنى { ~~لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون } أنك ~~يوسف. ### || [12.16-17] # قال تعالى: { وجآءوا أباهم عشآء يبكون }. # قال السدي: أتوا إلى أبيهم عشاءا يبكون، فلما سمع أصواتهم فزع، وقال: ~~ما لكم يا بني؟ هل أصابكم في غنمكم شيء؟ قالوا " لا، قال: فما فعل يوسف؟ ~~فقالوا: { يأبانآ إنا ذهبنا نستبق }: كان السبق عندهم ~~على الأرجل، كالسبق على الخيل، لأنه آلة للحرب. فلما قالوا: { ~~وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب } بكى الشيخ، ~~وصاح بأعلى صوته، فقال: أين القميص؟ فجاؤو(ه) بالقميص، عليه دم كذب، فأخذ ~~القميص فطرحه على وجهه، ثم بكى حتى تخضب وجهه من دم القميص. # قوله: { ومآ أنت بمؤمن لنا }: أي: بمصدق لنا، { ولو ~~كنا صادقين }: قال: المبرد: المعنى: وإن كنا صادقين. # وقيل المعنى: ليس بمصدق لنا لو كنا من أهل الصدق الذين ms1136 لا يتهمون ~~لسوء ظنك بنا. # وقيل: المعنى: ولو كنا عندك من أهل الصدق، لاتهمتنا في يوسف لمحبتك ~~إياه. # وقيل: المعنى: قد وقع في قلبك إنا لنصدقك في يوسف، فأنت لا تصدقنا. ~~وذلك أن يعقوب كان (قد) اتهمهم عليه، فلما وقع ما وقع، تأكدت ~~التهمة لهم. وإلا فيعقوب، صلوات الله عليه، لا يكذب الصادق، وليس هذا من ~~صفة الأنبياء، صلوات الله عليهم. وإنما كذبهم لتأكيد التهمة، وكثرة ~~الدلائل على كذبهم. فالمعنى: ما أنت بمصدق لنا وقد وقع (بك) ما تحذر، ولو ~~كنا عندك صادقين من قبل، غير متهمين، لوجب أن تتهمنا (الساعة) عند ~~مصيبتك. فكيف وقد كنت متهما لنا (فيه) من قبل. ### || [12.18] # قال تعالى: { وجآءوا على قميصه بدم كذب } ، أي: بدم ذي ~~كذب. قال ابن عباس: ومجاهد: ذبحوا سخلة على قميصه. # وقال السدي: ذبحوا جديا، ثم لطخوا القميص بدمه، ثم أقبلوا إلى أبيهم، ~~فقال يعقوب عليه السلام، (إن كان هذا الذئب لرحيما كيف أكل لحمه، ولم ~~يخرق قميصه؟ يا بني، يا يوسف ما فعل بك بنو الإماء!؟ # قال الحسن: جعل يعقوب يقلب القميص، ويقول: ما عهدت الذئب حليما، إنه ~~أكل ابني، وأبقى على قميصه. # ثم قال مكذبا لهم: { بل سولت لكم أنفسكم أمرا } أي: ~~زينت لكم في يوسف، وحسنته لكم. { فصبر جميل }: أي: فأمري صبر ~~جميل، وشأني صبر. (أي): فصبري عليه صبر جميل. # وقرأ عيسى بن عمر بالنصب على معنى: " فاصبر صبرا جميلا " على المصدر. ~~والرفع أبلغ /، وأحسن، وإنما يختار النصب في الأمر خاصة. والصبر ~~الجميل: هو الصبر الذي لا جزع معه. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: # " هو الصبر الذي لا شكوى معه وكان يعقوب عليه السلام، قد سقط حاجباه،: ~~فكان يرفعهما بخرقة. فقيل له: ما هذا؟ فقال: طول الزمان، وكثرة الأحزان، ~~فأوحى الله عز وجل، إليه: أتشكوني يا يعقوب؟ فقال: رب خطيئة أخطأتها، ~~فاغفرها لي ". # ثم قال: { والله المستعان على ما تصفون }: أي: على ~~احتماله. وقال قتادة: " على ما تكذبون ". # قال الثوري: ثلاث من الصبر: ms1137 أن لا تحدث بما يوجعك، ولا بمصيبتك، ولا ~~تزكي نفسك. # ومن حديث ابن لهيعة، رفعه إلى ابن عمر، أن يعقوب عليه السلام قال لبنيه: ~~يا بني " إيتو(ني) " بالذئب الذي أكل ولدي، إن كنتم صادقين، قال: فخرجوا ~~إلى واد لهم يسعون فيه، فإذا هم بذئب قد انحط عليهم من شفير الوادي، ~~فاعترضو(ه) سراعا، وأخذوه قسرا، وأوثقوه كتافا، وعمدوا إلى حمل لهم من ~~غنمهم، فذبحوه، ولطخوا جحفلة الذئب بدمه وصدره. ثم حملوه إلى أبيهم، ~~فقالوا: هذا الذئب الذي أكل يوسف أخانا. فقال لهم أطلق(و)ا، فأطلق(و)ه ~~فقال له: يعقوب: قف أيها الذئب بإذن الله، فوقف الذئب مقعى على ذنبه. ~~فقال له: يعقوب: أسألك أيها الذئب بالذي اتخذني نبيا، وبعثني رسولا. هل ~~أكلت يوسف فيما أكلت؟ فقال له الذئب: والذي بعثك رسولا، واتخذ(ك) نبيا. ~~إن هذه البلاد ما دخلتها إلا ساعتي هذه، ثم حكى ليعقوب ما صنعوا به ~~وبالحمل. ثم قال الذئب: يا نبي الله، وأنا أسمو إلى أكل نبيي! أو ما علمت ~~أن لحوم الأنبياء محرمة على السباع؟ قال له يعقوب: " صدقت أيها الذئب. ~~أنت كنت أشفق على يوسف من أخوته " ، اذهب حيث شئت. ### || [12.19-21] # قوله: { وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم } - إلى قوله - ~~{ أكثر الناس لا يعلمون }. # والمعنى: ومر قوم يسيرون، من مارة الطريق، { فأرسلوا واردهم ~~}: وهو الذي يرد المنهل (أ) والمنزل، وور(و)ده إياه، مصير إليه { ~~فأدلى دلوه } ، أي: أدخلها الجب، وأرسلها. يقال: أدليت الدلو: ~~إذا أرسلتها في الجب، ودلوتها إذا أخرجتها؟. وفي الكلام حذف، والمعنى: ~~فدلى دلوه: أي: أخرجها فتعلق بها (يوسف)، فقال المدل(ي): (يا بشراي هذا ~~غلام). # فقال السدي: لما رآه قد تعلق، نادى رجلا من أصحابه، يقال له: بشرى: يا ~~بشرى، هذا غلام. وكذلك قال ابن جبير، وقتادة. # وهو معنى قراءة من قرأ: " يا بشراي ". # وقيل المعنى: يا بشار(ت)ي دعا بشارته. # ومن قرأ بغير ياء، احتمل أن يكون دعا رجلا اسمه بشرى فلم يضفه إلى ~~نفسه، فهو في موضع رفع. # وقيل: إنه دعا البشرى، كأنه قال: يا أيتها البشرى. # ومعنى نداء ms1138 البشرى: أنه على تنبيه المخاطبين، وتوكيد القصة. فكأنه قال: ~~يا قوم أبشروا، ويجوز أن تكون هذه / القراءة، يراد بها الإضافة، ثم ~~حذف(ت) الياء. # ثم قال تعالى: { وأسروه بضاعة } أي: وأسر يوسف الوراد ~~بضاعة من التجار. قالوا لهم: هو معنا بضاعة، استبضعناه بعض أهل ~~الماء " التي " إلى مصر. وذلك أن السدي قال: لما رفعه المستدلي، وأصحابه، ~~باعو(ه) من رجلين. فخاف من التجار أن يعلموا بثمنه. فيقول(ون) لهما: ~~أشركانا فيه. فقالوا: هو بضاعة (معنا) لأهل الماء. # وقال مجاهد: المعنى " أسره التجار بعضهم من بعض ". # وعن ابن عباس: أن المعنى: وأسره إخوته، وأسر يوسف نفسه (من التجار) ~~خوفا أن يقتله إخوته. واختار البيع، وذلك أن إخوته ذكروه لوارد القوم، ~~فنادوا الوارد: يا بشرى هذا غلام يباع، فباعه إخوته. # ثم قال تعالى: { وشروه بثمن بخس دراهم معدودة } ~~أي: بثمن ذي بخس، أي: حرام. وقوله: (وشروه): يحتمل أن يكون معناه: ~~وباعوه، وأن يكون اشتروه، وهو من الأضداد. # قال مجاهد: باعه إخوته حين أخرجه المدلى. # وقال قتادة، وغيره: المعنى: وباعه السيارة من بعض التجار، بثمن بخس. ~~وقيل: المعنى: فاشتراه السيارة من إخوته بثمن بخس، وهو اختيار الطبري، ثم ~~خافوا أن يشركهم فيه أصحابهم، وقالوا هو بضاعة. # معنى: { وكانوا فيه من الزاهدين } ، أي: إخوته. # وقيل: هم الذين اشتروه، والأول أحسن، لأن إشراءهم إياه من التجار يدل ~~على (آن) رغبتهم فيه، وبيع إخوته له بثمن بخس يدل على زهادتهم فيه. # ويجوز أن يكون الضمير: الوارد، أي: وكان الوارد الذي رفعه من الجب فيه ~~من الزاهدين، والذين اشتروهم الذين اشتروه من الوارد، وليسوا بزاهدين ~~فيه، بل اشتروه خوفا أن يشركهم فيه غيرهم لرغبتهم فيه. # والبخس عند ابن عباس، والضحاك: الحرام. وقيل: هو الظلم، وهو قول قتادة. # وقال مجاهد: هو القليل، وهو قول عكرمة. والبخس في اللغة النقصان، ~~فمعناه: [ب]ثمن مبخوس: أي: منقوص. # ومعنى { دراهم معدودة }: أي: غير موزونة، ناقصة. # وقيل: المعنى: أنها أقل من أربعين، لأنهم كانوا لا يزنون ما كان أقل من ~~أربعين، لأ(ن) أقل أوزانهم، وأصغرها الأوقية، ms1139 (وهي) أربعون درهما. # وقال ابن عباس، وابن مسعود، وغيرهما: كانت عشرين درهما. # وقال مجاهد: كانت اثنين وعشرين درهما، أخذ كل واحد من إخوة يوسف ~~درهمين، درهمين، وهم أحد عشر رجلا. # وقال عكرمة: كانت أربعين. وكان إخوة يوسف فيه من الزاهدين، لا يعلمون ~~نبوءته وكرامته على الله. # ثم قال (تعالى): { وقال الذي اشتراه من مصر ~~لامرأته أكرمي (مثواه) }: والذي اشتراه: هو الملك بمصر. ~~اسمه: قطفير وهو العزيز. وكان على خزائن مصر، وكان الملك المعظم عندهم / ~~يومئذ: الريان بن الوليد، رجل من العمالقة. وكان اسم امرأة العزيز راعيل، ~~وكان الملك زوجها لا ولد له، ولم يكن يأت[ي] النساء، فأراد أن يتبناه. # وروي عن ابن مسعود أنه، قال: أفرس الناس ثلاث[ة]: العزيز، حين قال ~~لامرأته { أكرمي مثواه } ، وابنة شعيب حين قالت لأبيها: # إن خير من استأجرت القوي (الأمين) # [القصص: 26]، وأبو بكر الصديق، رضي الله عنه، حين ولى عمر، رضي الله ~~عنه. # ثم قال تعالى: { وكذلك مكنا ليوسف في الأرض }: ~~والمعنى وكما خلصناه من القتل من أيدي إخوته، كذلك مكنا له في الأرض، ~~فجعلناه على خزائنها. # وقيل: المعنى: وكذلك مكنا له في الأرض، بأن عطفنا قلب الملك عليه حتى ~~تمكن على الخزائن. # { ولنعلمه من تأويل الأحاديث }: مكناه، وهذا تصديق ~~ليعقوب في قوله ليوسف: { وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك ~~من تأويل الأحاديث }: وتأويل الأحاديث عبارة الرؤيا. # { والله غالب على أمره }: أي: مستول على أمر يوسف. # وقيل: غالب على أمره: أي (مستول على أمره)، يفعل ما يشاء. " فالهاء " ~~[في] المعنى الأول ليوسف، وفي الثاني لله. وقيل: إنها في القول الثاني ~~ليوسف (أيضا). [أي]: غالب على أمر يوسف، يفعل فيه ما يشاء. # { ولكن أكثر الناس لا يعلمون }: وهم الذين باعوه ~~بثمن بخس، وزهدوا فيه، والذين مضوا به إلى مصر وباعوه. ### || [12.22-29] # قوله: { ولما بلغ أشده } - إلى قوله - { من الخاطئين ~~}: أي: ولما بلغ منتهى قوته، وشدته. # قال مجاهد: هو ثلاث وثلاثون سنة. # وقال ابن عباس: بضع وثلاثون سنة. # وقال الضحاك: عشرون سنة. # وقال ربيعة، وزيد بن أسلم، ومالك، رضي ms1140 الله عنهم: الأشد الحلم. وقال ~~الزجاج: الأشد: من سبع عشرة إلى أربعين. والأشد جمع عند سيبويه، واحده ~~" شدة " كنعمة وأنعم. # وقال الكسائي: واحدة شدة كقد وأقد. # وقال أبو عبيدة: لا واحد له من لفظه عند العرب. # وقال يونس الأشد جمع واحدة شد، وهو يذكر ويؤنث وفيه لغة، وهي ضم ~~الهمزة. # قوله: { آتيناه حكما (وعلما) }: قال مجاهد: العقل، والعلم ~~قبل النبؤة. # وقيل: المعنى: جعلناه المستولي على الحكم، فكان يحكم في سلطان الملك. # وآتيناه علما بالحكم. # { وكذلك نجزي المحسنين }. أي: ومثل ما فعلنا بيوسف، نفعل ~~بمن أطاع، وأحسن في طاعته. # وقيل: المراد به محمد صلى الله عليه وسلم. ولفظه عام، والمراد به ~~الخصوص، والمعنى: وكما فعلنا بيوسف في تمكينه، ونجيناه من إخوته. كذلك ~~نفعل بك يا محمد: نمكنك وننجيك من مشركي قريش، ونؤتيك الحكم والعلم. # ومن قرأ { هيت لك } بالفتح، فتح لالتقاء الساكنين. # ومن همز جعله من (تهيأت) / (لك). # ومن كسر، لالتقاء الساكنين. ومن ضم كذلك شبهها بقبل وبعد. # ومن لم يهمز، أبدل من الهمزة تاء. ويجوز أن يكون ليس من تهيأت، وإنما ~~بني لأنه صوت، لا حظ له في الإعراب. # وقد قيل: إن من همز، فإنما هو من: " هاء يهيء " مثل جاء يجيء. ومعناه: ~~حسنة هيئتك. # ومن قرأ بالياء فعلى التخفيف من هذا المعنى، ويكون " لك " من كلام آخر، ~~كما نقول: " لك عندي ". # وقيل: إن من همزه، وضم التاء، فهي من تهيأت. والتاء للمتكلم كتاء قمت، ~~(كما) يقول الرجل: هيأت للأمر، أهيء، هيأة. والمعنى وراودت يوسف امرأة ~~العزيز عن نفسه للجماع، وغلقت أبواب البيت عليها، وعليه، وقالت: { هيت ~~لك }: أي: هلم لك، أي: اذن، وتقرب، وتعال. # يقال: هيت فلان لفلان: إذا دعاه. # وقال ابن عباس: { هيت }: كلام بالسريانية، تدعوه إلى نفسها. # قال يوسف لها: (معاذ الله): أي: أعوذ بالله معاذا. والمصدر يدل على ~~الفعل. # { إنه ربي أحسن مثواي }: " أي: إن العزيز مالكي، ~~وصاحبي، أحسن مثواي " وقيل: إن معنى الكلام: إن العزيز سيدي، يعني زوج ~~المرأة. # وقيل: " الهاء " لله. والمعنى: إن الله ms1141 ربي أحسن مثواي، فلا أعصيه. ~~وقيل: " الهاء " عماد بمعنى الخبر، والأمر، فيكون " ربي " مبتدأ، و " ~~أحسن " خبره. وعلى القول الأول: " ربي " خبر " إن ". # ومعنى: { أحسن مثواي } - إذا كان للعزيز-: أي: أحسن قراي، ~~ومنزلي، وائتمنني فلا أخونه. وإذا كان لله: فمعناه: أحسن خلاصي، وعلمني، ~~وخلقني فلا أعصيه, { إنه لا يفلح الظالمون }: أي: إن ~~الحديث لأبقى للظالمين. وأصل الفلاح: البقاء، أي: " هذا الذي تدعونني ~~إليه ظلم، ولا يفلح من عمل به. # والأبواب: وقف عند نافع، ولك التمام عند غيره. # ثم قال تعالى: { ولقد همت به وهم بها }. قيل: في الكلام ~~تقديم وتأخير. والتقدير: ولقد همت به وهم بها كذلك لولا أن رأى برهان ~~ربه، لنصرف عنه السوء ". # وقيل: " كذلك ": في موضعها لا تأخير فيها. ذكر أنها جعلت تذكر له محاسن ~~نفسه، وتشوقه، إلى نفسها. # قال السدي: قالت له: يا يوسف! ما أحسن شعرك قال: هو أول ما يتناثر من ~~جسدي. قالت له: يا يوسف! ما أحسن عينيك، قال: هي أول ما يسيل إلى الأرض ~~من جسدي. قال: فلم تزل به حتى أطمعته (فهمت به، وهم بها) فدخلا البيت ~~وغلقت الأبواب، وذهب ليحل سراويله، فإذا هو بصورة يعقوب، " قائما في ~~البيت " قد عض على إصبعه يقول: يا يوسف تواقعها، فإنما مثلك ما لم ~~تواقعها مثل الطير في جو السماء لا يطاق. ومثلك إذا واقعتها مثله إذا مات ~~وقع في الأرض، لا يستطيع أن يدفع عن نفسه. ومثلك إذا لم تواقعها مثل ~~الثور / الصعب، لا يعمل عليه. ومثلك إذا واقعتها مثل الثور حين يموت، ~~فيدخل النمل في أصول قرونه، لا يستطيع أن يدفع عن نفسه. فربط سراويل(ه) ~~وذهب، ليخرج يشتد، فأدركته، فأخذت بمؤخر قميصه من خلفه، فخرقته حتى ~~أخرجته منه، وسقط، وطرحه يوسف، واشتد نحو الباب. # والهم بالشيء في كلام العرب: حديث النفس { به } ، ما لم يفعله. # ويروى أن يوسف، عليه السلام، لما خلا بها قامت لتستر ما بينهما، وبين ~~الصنم، فقال لها يوسف: ما تفعلين؟ فقالت: أستر ما بيننا وبين هذا الصنم، ~~لا ms1142 يراني خالية معك. فقال لها يوسف: وأي شيء يسترني من ربي. # وقال الحسن: زعموا - والله أعلم - أن سقف البيت انفرج، فرأى يوسف يعقوب ~~عاضا على إصبعه، فولى هاربا. # وقيل: رآه جبريل، عليهما السلام، قائلا له: يا يوسف!. جعل الرحمان اسمك ~~في الأنبياء، وتعمل عمل السفهاء. لئن واقعت الخطيئة، ليمحونك من ديوان ~~النبؤة. # (و)قال ابن أبي مليكة عن ابن عباس: نودي أيا يوسف! أتزني؟ فتكون مثل ~~الطير الذي نتف ريشه، وذهب يطير فلم يستطع. # وقيل: ركضه جبريل صلى الله عليه وسلم، بعد النداء ركضة في ظهره، فلم ~~تبق فيه شهوة إلا خرجت. فوثب واستبقا الباب، وتطاير(ت) مسامير الباب، فلم ~~تقدر أن تعلقه عليه. فتعلقت به، فقدت قميصه من دبر. # وقال علي بن أبي طالب (رضي الله عنه): هم يوسف أن يحل التك[ة]، فقامت ~~إلى صنم مكلل بالدرر، والياقوت، فسترته بثوب أبيض، فقال لها يوسف: أي ~~شيء تصنعين؟ قالت: أستحي من إلاهي هذا أن يراني على هذه الصورة. فقال: ~~أتستحين من صنم لا يعقل، ولا يسمع، ولا يأكل، ولا يشرب، ولا أستحي من ~~إلاهي القائم على كل نفس بما كسبت، والله لا تنالها مني أبدا. وقيل: رأى ~~في جدار البيت مكتوبا: # ولا تقربوا الزنى # [الإسراء: 32] الآية. # وقال وهب: رأى كفا فيها مكتوب: # أفمن هو قآئم على كل نفس بما كسبت # [الرعد: 32]، ورأى (بعدها كفا) فيها مكتوب # وإن عليكم لحافظين # [الانفطار: 10] إلى قوله - # تفعلون # [الانفطار: 12]، ثم رأى كفا ثالثة فيها مكتوب # ولا تقربوا الزنى # [الإسراء: 32] الآية -، ثم رأى رابعة فيها مكتوب # واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله # [البقرة: 281] الآية. فولى يوسف هاربا. # وقال محمد بن كعب: رأى مكتوبا بين عينيها { ولا تقربوا ~~الزنى } الآية. # قال ابن عباس: هم يوسف بها، حتى حمل الهميان، وجلس منها مجلس الخاتن ~~والروايات فيها كثيرة، لأنه قد حل وجلس، واستلقت هي له. # وقال أهل العلم: إنما ابتلى الله أنبياءه بالخطايا، ليكونوا على وجل ~~وإشفاق، ولا يتكلوا على سعة عفو الله عز وجل. # وقيل: بل ابتلاهم بذلك، ليعرفهم موضع ms1143 نعمته عليهم /، بصفحه عن ذنوبهم. # وقال أبو عبيدة: المعنى: { ولقد همت به }: تم الكلام. { ~~وهم بها لولا أن رأى برهان ربه }: أي: " لولا أن ~~رأى برهان ربه، هم بها ": على التقديم والتأخير، ينفي عن يوسف أن يكون ~~هم بالخطيئة. # وقد خالفه في ذلك جميع أهل التفسير، ولا يجوز هذا أيضا عند أهل ~~العربية، لأنه لو كان كما قال، لكان باللام. لا يجوز عندهم: " ضربتك لولا ~~زيد ". # والمعنى عندهم: { لولا أن رأى برهان ربه } ، لأمضى ما ~~هم به. # وقد قيل: إن الهم بها: هو ما يخطر على القلب من حيل الشيطان، وذلك ~~مما لا يؤاخذنا الله به. # وقيل: معنى { وهم بها }: أي: بضربها، ودفعها، ولم يفعل [ذلك] لئلا ~~يكون [ذلك] لها حجة عليه. ألقى الله في نفسه ذلك فلم يفعله. # وقيل: إنه نودي، يا يوسف! تزني، وأنت مكتوب في الأنبياء، تعمل عمل ~~السفهاء. # وقال الحسن: رأى صورة فيها وجه يعقوب، عاضا على أنامله، فدفع في صدره، ~~فخرجت شهوته من أنامله. فكل ولد يعقوب ولد له، إثنا عشر ولدا، إلا يوسف ~~فإنه ولد له أحد عشر ولدا، نقص له بتلك الشهوة ولدا. # وروي أنه نظر إلى يعقوب عاضا على أنامله، يقول له: يا يوسف أتزني كما ~~زنت الحمامة، فتساقط ريشها. وكان ذلك جبريل، عليه السلام. # وقيل: إنه سمع من قومه قائلا، يقول # ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وسآء سبيلا # [الإسراء: 32]. # وروي أنه كان لامرأة العزيز صنما تعبده في بيتها، فلما أرادته أرخت على ~~صنمها الستر لئلا يراها. فقال لها يوسف: أنت تستحيين من صنم، لا يسمع، ~~[ولا يعقل]، ولا يبصر، وأنا لا أستحي من رب العالمين، الذي لا يحجبني عنه ~~شيء. فولى هاربا. # وقيل: البرهان أنه تفكر فيما أوعد الله، عز وجل، على الزنا. # وقيل: إنه تذكر في قول الله عز وجل: # وإن عليكم لحافظين # [الانفطار: 10]، وفي قوله: # وما تكون في شأن # [يونس: 61]، وفي قوله: # أفمن هو قآئم على كل نفس بما كسبت # [الرعد: 33] وفي قوله: { ولا تقربوا الزنى }. # وروي عن ms1144 ابن عباس أنه رأى تمثال الملك. # ثم قال تعالى: { واستبقا الباب }: أي: استبق يوسف، وامرأة ~~العزيز الباب ليهرب منها (فلحقت قميصه) فقدته من دبر، وصادفا زوج ~~المرأة، وهو العزيز عند الباب. # قال السدي: وجد زوجها جالسا عند الباب، وابن عمها معه، فلما رأته حضرها ~~كيد، وخافت أن تفتضح، فقالت: { ما جزآء من أراد بأهلك ~~سوءا } ، إنه راودني عن نفسي، فدفعته عن نفسي، فشققت قميصه. قال يوسف: ~~بل هي راودتني عن نفسي، فأبيت وهربت منها. فأدركتني فشقت قميصي. فقال ابن ~~عمها: تبيان هذا في القميص، فإن كان قد من قبل فصدقت، وإن كان من ~~دبر، فكذبت. فأوتي بالقميص فوجد قد قد من دبر. فقال العزيز: { إنه ~~من كيدكن إن كيدكن عظيم } / آية. # ومعنى: { سوءا } هنا: الزنا، ولم يكن يوسف يريد أن يذكره لزوجها ~~حتى كان(ت) هي التي ابتدأت بالكيد، فغضب، فقال: هي { راودتني عن ~~نفسي } والشاهد ابن عمها. وقيل: هو صبي كان في المهد، قاله ابن عباس. # وقيل: كان من خاصة الملك، حكيما من أهلها، وهو " أشبه " لأنه لو كان ~~طفلا كان في كلامه في المهد، وشهادته وحكمه (آية ليوسف) ولا يحتاج إلى ~~ثوب، ولا غيره. والقول عند المازني مضمر، والمعنى: فقال: إن كان قميصه. # ويروى أنها قالت هو حول قميصه. وخرقه ليكون له حجة، فروي أن يوسف قال ~~عند ذلك: هذه علامة في ظهري، لا تنالها يدي من كل جانب تناولته هي. ~~فعلموا عند ذلك أنها التي قدت القميص، فعند ذلك قال العزيز: { إنه ~~من كيدكن }. وقيل: إن القائل هذا هو الشاهد، ورد الجواب على ~~قولها: { من أراد بأهلك سوءا }. # ثم قال تعالى: { يوسف أعرض عن هذا }: أي: قال الشاهد: يا ~~يوسف أعرض عما كان منها اليوم لا تذكره لأحد. { واستغفري } أنت ~~زوجك: أي: سليه، ألا يعاقبك على ذنبك. { إنك كنت من ~~الخاطئين } هذا كله قول الشاهد لهما. وقال: { من الخاطئين } ~~، ولم يقل: " من الخاطئات ": لأنه قصد الخبر عن من يعقل " كلهم ": المذكر ~~والمؤنث، فغلب المذكر. أي: إنك كنت من ms1145 الناس الخاطئين. ### || [12.30-32] # قوله: { وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز ~~تراود فتاها عن نفسه } إلى قوله: { الصاغرين }: # المعنى: وتحدث نسوة بمصر بخبر امرأة العزيز، ولم ينكتم أمرهما، وقلن: ~~امرأة العزيز تراود عبدها. والعرب تسمي المملوك فتى. # { قد شغفها حبا }: أي قد بلغ حبه إلى شغاف قلبها، حتى غلب ~~عليه. والشفاف: غلاف القلب. وقيل: حجابه وقيل: الشغاف: حبة القلب، ~~وسويداؤه. # وقرأ أبو رجاء، والأعرج، وقتادة: " شعفها " بالعين، غير معجمة: أي: قد ~~ذهب بها كل مذهب، لأن شغاف الجبال أعاليها. # وقال الشعبي: الشفاف: حب، والشغف: جنون. # { إنا لنراها في ضلال مبين } أي: في خطأ ظاهر، # إذ راودتن # [يوسف: 51] غلامها عن نفسه. فلما سمعت امرأة العزيز بقول النسوة، وما ~~مكرن ذلك أنهن فيما روي، فعلن ذلك لتريهن يوسف. فقلن ما قلن مكرا ~~بها، فلذلك سمي قولهن مكرا. # وقيل: إنها كانت أطلعتهن على ذلك، واستكتمتهن، فأفشين ذلك، ومكرن ~~بها. فلما سمعت بما فعلن، أرادت أن توقعهن فيما وقعت هي فيه: { ~~أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكئا }: أي: أعدت لهن ~~مجلسا، أو مما يتكئن عليه من النمارق. وهو يفتعل من " وكأت ". والأصل ~~فيه: " مؤتكا " ، ففعل به ما فعل " بمتزر " من الوزر. وقد نطق به بالتاء ~~/ مع غير تاء الإفتعال. قالوا: " تك الرجل متكئا ". # وقال ابن جبير: متكئا: طعاما وشرابا. # وقال السدي: ما يتكئن عليه. وقال ابن عباس: مجلسا. وقرأ الحسن: " متكى ~~" بإسكان التاء من غير همز، على وزن " فعل(ى) وهو المجلس والطعام. # وقال الضحاك: المتك: الزماورد، وقيل هو الأترنج، روي ذلك عن ابن ~~عباس. # وحكى القتيبي أنه يقال: " اتكأنا عند فلان، أي: أكلنا عنده " # قوله: { وآتت كل واحدة منهن سكينا }: يدل على أنه ~~طعام يقطع بالسكاكين. فكأنه في التقدير: وأعتدت لهن طعاما متكئا، ثم ~~حذف مثل # وسئل القرية التي كنا فيها # [يوسف: 82]. والسكين: يذكر، ويؤنث عند الكسائي، والفراء، ولا يعرف ~~الأصمعي إلا التذكير. # { وقالت اخرج عليهن } أي: قالت ليوسف: أخرج، فخرج (عليهن) ~~{ فلما رأينه أكبرنه }: أي عظم وجل في أعينهن، وكبر، ~~وعظم، وبهتن. وقيل: # { أكبرنه }: حضن ms1146 الحيض البين. # " فالهاء " على القول الأول ليوسف، وعلى القول الثاني للحيض، كناية على ~~المصدر. وأكبر[ن]، بمعنى حضن، مروي عن ابن عباس، والضحاك. # وعن مجاهد أن المعنى: فلما رأينه أعظمنه فحضن. # وقوله: { وقطعن أيديهن } بالحز بالسكاكين. # قال السدي: جعلن يحززن في أيديهن، وهن يحسبن أنهن يقطعن الأترج، ما ~~يعقلن مما طرأ عليهن من جماله، وهيأته. # وقال قتادة، ومجاهد: " تقطعن أيديهن حتى ألقينها ". # قال عكرمة: قطعن أيديهن: أي: أكمامهن. # " وروي أن يوسف، وأمه أعطيا ثلث الحسن " # وعن النبي صلى الله عليه وسلم، # " أنهما أعطيا ثلث الحسن " # وقوله: { وقلن حاش لله }: أي: معاذ الله. # وحاشا يكون بمعنى التنزيه، وبمعنى الاستثناء، وهي هنا للتنزيه. # { ما هذا بشرا }: استعظمن أمره، إذ لم يرين من البشر مثله. # { إن هذآ إلا ملك كريم }: أي: من الملائكة. قالت لهن: { ~~فذلكن الذي لمتنني فيه }: أي: فهذا الذي حل بكن في ~~تقطيع أيديكن الذي لمتنني في حبه. وقال الطبري: ذلك بمعنى هذا. # ثم قالت: { ولقد راودته عن نفسه } إقرارا منها أن ما ~~قيل حق، { فاستعصم }: قال قتادة: استعصى، وقال ابن عباس: امتنع. # { ولئن لم يفعل مآ آمره (ليسجنن) }: أي: إن لم ~~يطاوعني على ما أدعوه إليه { ليسجنن } { وليكونا من ~~الصاغرين }: أي: من المهانين، المذلين بالحبس، والسجن. # وكأن في الكلام تقديما، وتأخيرا، لأن تهديدها له بالسجن والهوان. أي: ~~إن لم يساعدها إنما كان قبل تخريق القميص، وقبل معرفة زوجها بما (جرى) ~~لها معه، والله أعلم بذلك. # فهذا الذي يدل عليه معنى النص: إذ بوقوف زوجها على القصة، انقطع ما ~~بينهما، وطالبته بالعقوبة فسجن. ### || [12.33-35] # قوله: { قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني ~~إليه } إلى قوله: { حتى حين } # قرأ عثمان رضي الله عنه: " السجن بفتح السين والمعنى: رب، إن السجن ~~أحب إلي، فهو مصدر. وهي قراءة ابن أبي إسحاق، والأعرج، ويعقوب. ورويت عن ~~الزهري. # ومن كسر جعله إسما. والمعنى: أن يوسف عليه السلام، اختار السجن على ما ~~دعته إليه من الزنا. # قوله: { وإلا تصرف عني كيدهن } يعني: مراودتهن. { ~~أصب إليهن }: أي: أمل ms1147 إليهن. # وقيل: أتابعهن، وأكن بصبوتي من الذين جهلوا حقك، و[خ]الفوا أمرك. # قوله: { أعرض عن هذا }: وقف. وقوله: { ما هذا بشرا }: ~~وقف عند نافع (فاستعصم): وقف. ثم أخبر تعالى أنه استجاب له بعصمه منها، ~~ومن كيدها، وذلك أن في قوله: { وإلا تصرف عني كيدهن ~~أصب إليهن } ، شكوى ما حل به منها، وكذلك رضاه بالسجن هو شكوى. ~~فاستجاب له ذلك، فصرف الله عنه ما اشتكى به إليه. # { إنه هو السميع العليم } دعاء من دعاه، (العليم): بمصلحة ~~خلقه. # وقوله: { ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ~~ليسجننه حتى حين } قيل: سنة، وقيل: سبع سنين. والحين: اسم ~~للزمان يقع (ع)لى القليل والكثير. وفاعل { بدا } عند سيبويه ليسجننه. # وعند المبرد مضمر، وهو المصدر: كأنه بدا لهم بداء. # والعرب تقول: بدا لي بدءا: أي تغير رأيي عما كان عليه، ومنهم من ~~يقول: " قد بدا لي " ، ولا يذكر " بدا " لكثرته في الكلام. وهذا من ذلك. # وقيل: المعنى: ثم بدا لهم رأي، ثم حذف الرأي. لأن الكلام يدل على ~~المعنى، أي: ظهر لهم رأي لم يكونوا يعرفونه، (ثم حذف الرأي). # فالمعنى: ثم ظهر للعزيز رأي أن يسجنه، وأخبر عنه بلفظ الجمع لأنه ملك ~~ولأنه لم يذكر اسمه. فالمعنى: ثم ظهر للعزيز رأي أن يسجن يوسف من بعدما ~~كان ظهر له أن يتركه مطلقا، ومن بعدما رأوا الآيات ببراءته، وهي: (قد) ~~القميص من دبر، وقطع أيدي النسوة، وخمش الوجوه. ومعنى { حتى حين }: ~~إلى سبع سنين. # وقيل: إن الله جعل ذلك الحبس ليوسف كفارة لذنبه، إذ هم بالخطيئة. # قال ابن عباس: عثر يوسف، عليه السلام، (ثلاث عثرات): حين هم بها فسجن ~~حتى حين، وحين قال: { اذكرني عند ربك }. ونسي ذكر الله، ~~(سبحانه) فلبث سنين في السجن، وحين قال: # إنكم لسارقون # [يوسف: 70] فسكتوه بقولهم: { قالوا إن يسرق فقد سرق أخ ~~له من قبل }. # وعن ابن عباس (أيضا): أنه قال: عوقب يوسف صلى الله عليه وسلم، ثلاث ~~مرات. وذكر ما ذكرنا عنه. # وقال السدي: كان أصل حبس يوسف أن امرأة العزيز ms1148 قالت له: إن هذا العبد ~~العبراني، قد فضحني في الناس، يعتذر إليهم، ويخبرهم أني راودته عن نفسه. ~~ولست أطيق أن أعتذر بعذري. فإما أن تأذن لي في الخروج، وإما أن تحبسه كما ~~حبستني. فظهر له أن يحبسه، ففعل. # والضمير في " لهم " للملك، وأعوانه، وأصحابه. ### || [12.36-37] # قوله: { ودخل معه السجن فتيان } إلى قوله { لا ~~يشكرون }. كان الفتيان غلامين من غلمان الملك الأكبر. أحدهما: صاحب ~~شرابه، والآخر: صاحب طعامه / سخط عليهما الملك. وذلك أنه بلغه أن صاحب ~~الطعام يريد أن يسمه له وظن أن صاحب الشراب مالأه على ذلك. قال ذلك ~~السدي: [قال]: لما دخل يوسف في السجن قال: إني أعبر الأحلام. فقال أحد ~~الشابين [لصاحبه]: هلم فلنجرب هذا [العبد] العبراني. فتتراءيا له، ~~فسألاه من غير أن يكونا رأيا شيئا، فقال صاحب الطعام: { إني ~~أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه } ~~، وقال صاحب الشراب: { إني أراني } أعصر خمرا وقيل: بل كانا ~~رأياها على صحة في منامهما. # وروي أنه لما فسر لهما ما رأيا رجعا، فقالا ما رأينا شيئا، وإنما ~~جربناك. فقال يوسف صلى الله عليه وسلم: { قضي الأمر الذي فيه ~~تستفتيان } أي: لا بد من كون ما قلت لكما من عبارة رؤياكما. # وقال ابن مسعود: قال الفتيان: إنما كنا تحالمنا لنجربا إنما كنا نلعب، ~~فقال يوسف لهم: ( { قضي الأمر الذي فيه تستفتيان } ) ~~(قال مجاهد: قال يوسف لهما): أنشدكما الله أتحباني. فوالله ما [أ]حبني ~~أحد قط، إلا دخل علي من حبه بلاء: لقد أحبتني عمتي، فدخل علي من حبها ~~بلاء، ثم لقد أحبني أ[بي]، ولقد دخل علي من حبه بلاء، ثم لقد أحبتني ~~زوجة صاحبي هذا، فدخل علي من حبها بلاء، فلا تحباني. بارك الله فيكما. ~~(قال) فأبيا إلا حبه، وجعلا يعجبهما ما يريان من فهمه وعقله. # وفي قراءة ابن مسعود: " أعصر عنبا " ومعناه: خمر عنب. # قال ابن عباس: لغة عمان يسمون الخمر عنبا و (قيل): المعنى: أعصر عنب ~~خمر ومعنى: { فوق رأسي }: أي: على رأسي. # وقوله: { إنا نراك من المحسنين }: أي: ms1149 تحسن إلينا. # قيل: كان يعود مريضهم، ويقوم عليه، ويعزي حزينهم. وكان إذا احتاج [منهم] ~~إنسان جمع له، وإذا ضاق المكان وسع له، ويجتهد لربه. # قال: لما دخل السجن، وجد قوما قد انقطع رجاؤهم، واشتد بلاؤهم، وطال ~~حزنهم، فجعل يقول: اصبروا تؤجروا أجرا [إ]ن لهذا ثوابا. فقالوا: يا ~~فتى بارك الله فيك، ما أحسن وجهك، وأحسن خلقك، (لقد) بورك لنا في ~~جوارك، ما نحب أنا كنا في غير هذا المكان لما تخبرنا من الأجر ~~والكفارة، فمن أنت يا فتى؟ قال: أنا يوسف، نبي الله، ابن يعقوب بن ذبيح ~~الله إسحاق، ابن خليل الله إبراهيم. # قال ابن مسعود: أعطي وأمه ثلث حسن الناس. # وقال جعفر بن محمد: أعطي يوسف نصف حسن الناس. # وروي مثله عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: # " إن كانت المرأة الحامل لتراه فتضع " # وقيل معنى: { من المحسنين }: إن نبأتنا بتأويل رؤيانا. # قال يوسف لهما { لا يأتيكما طعام ترزقانه }: أي: في ~~منامكما { إلا نبأتكما بتأويله } يعني: في يقظتكما { ~~قبل أن يأتيكما } تأويل ما رأيتما. قال (ذلك السدي وابن اسحاق). # ثم قال: { إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله } ~~أي: برئت منها. # وإنما أجابهما يوسف بهذا، وليس / بداخل في السؤال، لأنه كره أن يجيبهما ~~عن تأويل رؤياهما، لما علم فيها من رؤيا الذي رأى أنه يحمل فوق رأسه ~~خبزا. وأعرض عن جوابهما مرتين، وأخذ في غيره كذا قال ابن جريج ومعنى: { ~~لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما ~~بتأويله }: إن الملك (كان) إذا أر(ا)د قتل إنسان، صنع له طعاما ~~معلوما. فأرسل به إليه. # فقال يوسف لهما: { لا يأتيكما طعام }: يعني: من عند الملك { ~~إلا نبأتكما بتأويله }: أي: أخبرتكما: هل هو طعام من ~~يراد قتله، أو طعام من يراد به غير ذلك. فأعلمهما أن عنده علما من معرفة ~~الطعام. فيكون المعنى: في اليقظة، لا في النوم. # وكان هذا بعدوله عن تفسير رؤياهما لما كره من ذلك، فلم يدعاه يعدل عن ~~جوابهما، وسألاه ثانية، وكره العبارة فتمادى في العدل. وقال: # يصاحبي السجن ms1150 ءأرباب متفرقون خير أم ~~الله الواحد القهار # [يوسف: 39] - إلى قوله - # يعلمون # [يوسف: 46]: فلم يدعاه حتى سألاه ثالثة فعبر لهما، وقال { يصاحبي ~~السجن أمآ أحدكما (فيسقي) ربه خمرا } - الآية - ~~فلما عبر قالا: ما رأينا شيئا، إنما كنا نلعب فقال: { قضي الأمر ~~الذي فيه تستفتيان }. # قوله: { أن يأتيكما } وقف (وفي) " ربي ": وقف. ### || [12.38] # قوله: { واتبعت ملة آبآئي إبراهيم وإسحاق ~~ويعقوب }: أي: دينهم، وطريقتهم { ما كان لنآ أن نشرك ~~بالله (من شيء) }: (دليله الشرك)، (ولفظه) لفظ الخبر، ومعناه ~~النفي أي: لم يشرك بالله، دليله الشرك الذي بعده. # قوله: { ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس } فهو ~~مقابل له: أي: ما ينبغي لنا أن نشر(ك) في عبادة الله أحدا. # { ذلك من فضل الله } (أي تركنا الشرك، هو من فضل الله علينا) ~~وعلى الناس، إذ جعلنا دعاة لهم إلى توحيده. # { ولكن أكثر الناس لا يشكرون }: أي: من يكفر لا ~~يشكر. # قال ابن عباس: { من فضل الله علينا }: إذ جعلنا أنبياء، " ~~وعلى الناس: أن بعثنا إليهم رسلا ". ### || [12.39-41] # قوله: { يصاحبي السجن ءأرباب متفرقون } - إلى ~~قوله - { تستفتيان } روي أن يوسف عليه السلام قال: هذا لأن أحد ~~الفتيين كان مشركا، فدعاه بهذا إلى الإيمان، ونبذ الآلهة، فجعلهما ~~صاحبي السجن لأنهما فيه. والمعنى: يا من في السجن. وهذا كقوله تعالى ~~لسكان الجنة: # أولئك أصحاب الجنة # [البقرة: 82، الأعراف: 42، يونس: 26، هود: 23، الأحقاف: 14] ولسكان ~~النار # فأولئك أصحاب النار # [البقرة: 81، 275]. # والمعنى: أعبادة أرباب متفرقين خير؟ أم عبادة { الله الواحد ~~القهار }. # قال قتادة: لما علم يوسف أن أحدهما مقتول دعاه إلى حظه في الآخرة. # ثم قال (تعالى): { ما تعبدون من دونه }: فجمع، لأنه قصد ~~المخاطب، وكل من عبد غير الله، فجمع على المعنى: أي: ما تعبد أنت، ومن هو ~~على ملتك { إلا أسمآء سميتموهآ أنتم وآبآؤكم }: ~~أي: لم يأذن الله لكم بذلك، أنتم أحببتم أسماءها وآباؤكم. # { مآ أنزل الله بها من سلطان }: أي: من حجة، ومن كتاب، ~~ومن دلالة. وقوله / { أمر ألا تعبدوا إلا إياه }: أي: ~~أسس الدين عليه لئلا يعبد غيره. # { ذلك الدين ms1151 القيم }: أي: ذلك الذي دعوتكم إليه هو الدين ~~الذي لا أعوجاج فيه { ولكن أكثر الناس لا يعلمون ~~}: وهم المشركون. ثم قال: { يصاحبي السجن }: يخاطب الفتيين ~~{ أمآ أحدكما فيسقي ربه خمرا }: أي: سيده الملك، وهو ~~(الذي) رأى أنه يعصر خمرا. # { وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه } ~~فقال عند ذلك: ما رأينا شيئا، فقال: { قضي الأمر الذي (فيه) ~~تستفتيان }. # وقيل: إنما أنكر الذي أخبره أنه يصلب. فقال: قضي الأمر سواء رأيت، أو لم ~~تر وكان اسمه مجلث، واسم الثاني نبو. # قال ثابت البنان(ي): دخل جبريل عليه السلام على يوسف في السجن، فعرفه ~~يوسف، فقال له: أيها الملك، الحسن وجهه الطيب ريحه، الكريم على ربه: { ~~هل لك } علم بيعقوب؟ قال: نعم. قال: فما صنع؟ قال: ابيضت عيناه من ~~الحزن، قال: وفيم ذلك؟. قال: عليك. قال: فما بلغ من حزنه؟ (قال): حزن ~~سبعين مثكلة قال: فما له من الأجر على ذلك؟ قال: أجر مائة شهيد. # قال الحسن: مكث يعقوب، عليه السلام، ثمانين سنة، أو نحوها، لا يفارق ~~قلبه الحزن، ولا تجف عيناه من البكاء. وإنه لأكرم أهل الأرض على الله ~~يومئذ. ### || [12.42-44] # قوله: ( { وقال للذي ظن أنه (ناج منهما } - إلى ~~قوله - { بعالمين } # المعنى: وقال يوسف للذي علم أنه ناج) من الفتيين: اذكرني عند سيدك، وهو ~~الملك الأعظم. وأعلمه بمظلمتي وأني محبوس بغير جرم. # وقيل: المعنى: اذكر ما رأيته مني من العلم بعبارة الرؤيا، وبحال(ي) في ~~العلم عند الملك. # قوله: { فأنساه الشيطان ذكر ربه } ، أي: أنسى الشيطان ~~الساقي أن يذكر يوسف للملك. فالهاءان للساقي، بدلالة قوله: # وادكر بعد أمة # [يوسف: 45]، أي: تذكر الساقي ما قاله له يوسف بعد حين، يدل على أن ~~النسيان كان من الساقي: أنساه الله عز وجل، أن يذكر يوسف عليه السلام. ~~وقيل: المعنى أنسى الشيطان يوسف ذكر ربه عز وجل فالهاءان ليوسف: أي: أنسى ~~يوسف الشيطان أن يرجع إلى ربه، ويسأله خلاصة، ويرد أمره إلى الله عز ~~وجل ورجع إلى سؤال أحد الفتيين أن يذكره عند الملك، فلبث في السجن ms1152 عقوبة ~~بضع سنين. # (قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " لولا كلمة يوسف، ما لبث في السجن ما لبث " # يعني قوله: { اذكرني عند ربك }: أي: عند سيدك. # قال ابن دينار لما قال يوسف للساقي: { اذكرني عند ربك }. قيل: ~~يا يوسف اتخذ[ت] من دوني وكيلا، لاطيلن حبسك. فبكى يوسف، وقال: يا رب: ~~أنسى قلبي كثرة البلوى، فقلت كلمة فويل لإخوتي. # ويروى أن يوسف لما قال لصاحب الشراب: { اذكرني عند ربك } أتاه ~~جبريل عليه السلام فعاتبه، وخرق له بجناحه سبع أرضين، إلى منتهى الصخرة ~~التي عليها الأرض، وقوى الله، عز وجل، بصر يوسف، حتى نظر إلى نملة، على ~~الصخرة تجر حبة. فقال جبريل: يا يوسف لم يغفل ربك عن هذه النملة ورزقها، ~~فكيف يغفل عنك، وأنت في السجن، حتى تشكو إلى صاحب / الشراب، وتأمره ~~بذكرك، وبذكر عذرك عند سيده. قال: فأخذ يوسف التراب فملأ به فمه، ورأسه، ~~وقال: إلهي! أسألك بوجه أبي وجدي - قال مجاهد -: فلم يذكره الساقي حتى ~~رأى الملك الرؤيا. # قال قتادة: لبث في السجن سبع سنين. # قال وهب: أصاب أيوب البلاء سبع سنين، وترك يوسف في السجن سبع سنين، وعذب ~~بختنصر فحول في السباع سبع سنين وكذلك قال ابن جريج. # " والبضع ": ما بين الثلاث إلى التسع. # وقال الأخفش: هو من واحد إلى عشر. قال قطرب: هو ما بين الثلاث ~~والسبع. وقال أبو عبيدة: من الواحد إلى الأربعة. # (قال الحسن ذكر لنا أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: لولا كلمة يوسف ~~حيث يقول: { اذكرني عند ربك } ، ما لبث في السجن طول ما لبث. ~~قال ابن عباس: عوقب بقوله للساقي: { اذكرني عند ربك } فطال ~~سجنه. # وروي أن يوسف، عليه السلام، لما قال له: { اذكرني عند ربك } ~~أوحى الله إلى الأرض أن النفرج(ي) لعبدي يوسف. فانفرجت له. فقيل له: ما ~~ترى؟ فقال: أرى أرضا، وأرى ذرة معها طعم لها. قال: فقال: يا يوسف! ألم ~~(أغفل) عن هذه في هذا الموضع، وأغفل عنك لتلبثن في السجن بضع سنين. # وقوله: { وقال الملك إني أرى ms1153 سبع بقرات (سمان ~~يأكلهن) }: # وهو ملك مصر (ا)لأعظم. والمعنى: (إني) أرى في منامي سبع بقرات سمان { ~~يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر ~~يابسات } فلم يكن عند الملك من يعبر ذلك، وقالوا له: { أضغاث ~~أحلام }: أي: هي أضغاث. ووقع في نفسه أنها رؤيا كائنة (لا بد) من ~~ذلك. # ومعنى: { أضغاث أحلام }: (أي: أخلاط أحلام) كاذبة. # { وما نحن بتأويل الأحلام } الكاذبة { بعالمين }: ~~وتقديره: وما نحن بعالمين بتأويل الأحلام والأضغاث. (والباء) في { ~~بعالمين }: لتأكيد النفي، (و " الباء " في { بتأويل } للتعدية، ~~متعلقة بعالمين) ففي الكلام تقديم وتأخير. ### || [12.45-49] # قوله: { وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة } - ~~إلى قوله - { وفيه يعصرون }: المعنى: وقال الذي نجا [منهما] من ~~القتل، يعني: من الفتيين اللذين عبر لهما يوسف الرؤيا. # { وادكر بعد أمة }: أي: تذكر بعد حين وصية يوسف، وأمره. # قال الكلبي: تذكر بعد سنين، فذكر أمره للملك. # وقرأ ابن عباس، وعكرمة، وقتادة، والضحاك: " بعد أمه " بالهاء، وفتح ~~الميم والتخفيف أي: بعد نسيان. # وقرأ مجاهد: " بعد أمه " بإسكان الميم، وبالهاء: جعله مصدر أمه أمها: ~~إذا نسي. وتأويلها كتأويل من فتح الميم. وأصل المصدر فتح الميم، ومن أسكن ~~فللتخفيف. # وقرأ الحسن: أنا آتيكم بتأويله قال: وكيف ينبؤهم العلم؟ # ثم قال: { فأرسلون }: أي: فأطلقوني أمضي لآتيكم بتأويله من هذا ~~العالم. قوله: { فأرسلون }: وقف. # وقوله { يوسف أيها الصديق }: أي: يا يوسف { أفتنا في ~~سبع بقرات سمان يأكلهن }: أي: في سبع بقرات رئين في ~~المنام. ويأكلهن سبع عجاف - الآية -. # قال قتادة: السمان: السنين الخصبة /، والعجاف. سنون جدبة. # ومعنى { لعلهم يعلمون }: أي: يعلمون تأويل رؤيا الملك. # وقيل: المعنى: لعلهم يعلمون مقدارك، فيخرجونك من السجن. # قال يوسف للسائل: { تزرعون سبع سنين دأبا }: أي: على ~~عادتكم التي كنتم عليها. وقوله: { فما حصدتم فذروه في ~~سنبله } فهو خبر معناه الأمر: (أي): ازرعوا، وفيه إيماء إلى تعبير ~~الرؤيا، (فلفظه خبر معناه: الخبر عن تعبير الرؤيا) وفيه معنى الأمر لهم ~~بالزرع سبع سنين، وتركه في سنبله. ودل على أنه أمر. قوله: { فذروه ~~} ، فرجع إلى لفظ الأمر بعينه، وعطفه ms1154 على معنى الأول. # وقيل: هو رأي رآه، صلى الله عليه وسلم، لهم ليبقى طعامهم، فأمرهم أن ~~يدعوه في سنبله (إلا ما يأكلون). # ثم قال له: { ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد }: أي: ~~قحيطة، { يأكلن ما قدمتم لهن }. أي: يوكل فيهن ما أعددتم ~~في السنين الخصبة من الطعام ووصفت السنون بالأكل، والمراد أنه يؤكل فيها، ~~كما قال # والنهار مبصرا # [يونس: 67، النمل: 86، غافر: 61]: أي: يبصر فيه. # وقوله: { إلا قليلا مما تحصنون }: أي: تحرزونه، أي: ~~ترفعونه للحرث. { ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث ~~الناس } أخبرهم، صلى الله عليه وسلم، عما لم يكن في رؤيا الملك، وذلك ~~من علم الغيب، الذي علمه الله، (عز وجل) دلالة على نبوته صلى الله عليه ~~وسلم، ومعنى { فيه يغاث الناس }: أي: بالمطر، والخصب. # { وفيه يعصرون }: أي: يعصرون العنب، والسمسم، والزيتون: وهو قول ~~ابن عباس، والضحاك، وقتادة، وابن جريج، وغيرهم. # وقيل: المعنى: وفيه تحلبون مواشيكم. # وقال أبو عبيدة: معناه: وفيه تنجون من البلاء من العصر (وهو الملجأ). ### || [12.50-52] # قوله: { وقال الملك ائتوني به فلما جآءه الرسول ~~} - إلى قوله - { لا يهدي كيد الخائنين }. (المعنى): أن ~~الملك لما أعلمه الرسول بتأويل رؤياه، علم أنه حق. وقال: { ائتوني ~~به }. # فلما جاء يوسف الرسول يدعوه إلى الملك، قال [له] يوسف: ارجع إلى سيدك، { ~~فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن }. # وأبى يوسف أن يخرج حتى يعلم صحة أمره. ولم يذكر امرأة العزيز فيهن: ~~حسن عشرة منه، صلى الله عليه (وسلم)، خلطها بالنسوة، وأخبر عن الجميع. # (قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " رحم الله يوسف، لو كنت أنا المحبوس، ثم أرسل إلي لخرجت سريعا. إن كان ~~لحليما، ذا أناة ". # (وقال صلى الله عليه وسلم: # " لقد عجبت من يوسف، وصبره، وكرمه، والله يغفر له حين سئل عن البقرات: ~~لو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى اشترطت أن يخرجوني. ولقد عجبت منه حين أتاه ~~الرسول لو كنت مكانه لبادرتهم الباب " # قوله: { ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه } ~~إنما خاطبهن لأنهن قلن ليوسف إذ ms1155 رأينه: وما عليك أن تفعل، فراودنه عن ~~نفسه. # وقيل: إنه / خاطبهن من أجل أن امرأة العزيز فيهن، فجعل الخطاب للجميع، ~~والمراد واحدة منهن. ودليل هذا جوابها وحدها، إذ حكاه الله، عز وجل، ~~عنها فقال: { قالت امرأت العزيز الآن حصحص الحق }. # وقيل: إنما خاطبهن كلهن، لأن يوسف لما قال: { فاسأله ما بال ~~النسوة اللاتي قطعن أيديهن } ظن الملك أنهن كذبن ~~وراودنه، فسألهن عن ذلك، فجاوبته امرأة العزيز، وأقرت أنها هي الفاعلة. # وقيل: إنما جمعهن في الخطاب، لأنهن قلن: { امرأة العزيز ~~تراود فتاها عن نفسه } وأشعن ذلك فقيل لهن: هل علمتن ~~ذنبه؟ # { قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء } فعند ذلك، ~~أقرت امرأة العزيز أنها هي راودته عن نفسه. فرجع الرسول، فقال ذلك للملك ~~فأحضر الملك النسوة. والكلام دل على الحذف. # ومعنى { حصحص الحق }: تبين وظهر وانكشف، فقالت: { أنا ~~راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين } في قوله: { ~~هي راودتني عن نفسي } وذلك أنها اضطرت إلى أن تبلغ مراد ~~الملك في صرف الإبهام عنه بالرؤيا التي شغلت قلبه، فبرأت يوسف ليصح صدقه ~~عند الملك، ويعلم أن ما أفتى في الرؤيا حق، فتعطفه عليه. # وحصحص مأخوذ من الحصة، أي: بانت حصة الحق من حصة الباطل. وأصله " حصص " ~~، ثم أبدل من الصاد الثانية حاء، كما قال: # فكبكبوا # [الشعراء: 94]، والأصل " كذبوا " ، وقيل: كبكب، والأصل " كبب " ~~وردرد والأصل ردد. # وقوله: { ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب } هذا من ~~قول يوسف عليه السلام أي: قال: فعلت ذلك من ردي الرسول إليه، وتركي ~~إجابته، والخروج إليه حتى يسأل النسوة، فيعلم الملك أني لم أذكره بسوء في ~~الغيب. # (وقيل: المعنى: ليعلم العزيز أني لم أذكره بسوء في الغيب). # وقيل: المعنى: ليعلم العزيز أني لم أخنه في امرأته، وهو غائب (ويصح) ذلك ~~عنده. وقد قيل: إنه من كلام المرأة كله لتقديم كلامها. لذلك قال ابن ~~جريج: (هذا) متصل بما قبله، وفي الكلام تقديم وتأخير. # والمعنى: { إن ربي بكيد(هن) عليم }. { ذلك ~~ليعلم أني لم أخنه بالغيب }. فعلى هذا يكون يوسف قاله ms1156 ~~وهو في السجن. # وعلى قول ابن عباس، وغيره إنما قاله (بعد أن خرج، فلا تقديم في الكلام، ~~ولا تأخير. ولما قال يوسف ذلك قال له) جبريل، عليه السلام: ولا حين هممت؟ ~~فقال يوسف: { مآ أبرىء نفسي }. قاله ابن عباس، وابن جبير. # وقال السدي: امرأة العزيز هي التي قالت له: ولا حين هممت، فحللت ~~السراويل فقال: { ومآ أبرىء نفسي }. # وقيل: إنه من قول يوسف، وذلك أنه تذكر ما مضى. فقال ذلك معتذرا لمليكه. # وذكر ابن لهيعة: أن امرأة العزيز لما اشتدت عليها الحاجة، (والمسغبة) ~~أرادت الدخول على يوسف لتشكو إليه حاجتها، وإعوازها، / فقال لها أهلها ~~وقومها: لا تفعلي، لأنا نخاف عليك، لأنه قد كان منك الذي كان، فقالت: كلا ~~إني لا أخاف ممن يخاف الله، ويتقيه. فدخلت عليه، وقامت بين يديه، ثم ~~قالت: الحمد لله الذي جعل العبيد ملوكا بطاعته، وأشارت إليه، ثم قالت: ~~والحمد لله الذي جعل الملوك عبيدا بمعصيته، وأشارت إلى نفسها. (قال): ثم ~~تزوجها يوسف، عليه السلام، فأصابها بكرا، فقال لها: أليس هذا أحسن مما ~~كنت أردتيه مني؟ قالت له: إني كنت قد ابتليت منك بأربع خصال: (كنت) أنت ~~أجمل الناس، وكنت أنا أجمل النساء في دهري، وكان زوجي عنينا، وكنت بكرا ~~حدثة السن قال: فأولدها يوسف، صلى الله عليه وسلم فأول ولد ولدته ابنة ~~سماها " رحمة " وهي امرأة أيوب، عليهما السلام. # ويروى أن امرأة العزيز دخلت على يوسف، (صلى الله عليه وسلم)، وقد ملك ~~مصر، فقالت له: بالذي رفع العبيد بطاعتهم، ووضع الملوك بمعصيتهم، فتصدق ~~عليها يوسف، وتزوجها. ### || [12.53-57] # قوله: { ومآ أبرىء نفسي إن النفس لأمارة ~~بالسوء } - إلى قوله - { وكانوا يتقون } قوله: { إلا ~~ما رحم ربي }: " ما " في موضع نصب، استثناء، ليس من الأول. # والمعنى: إلا أن يرحم ربي من شاء من خلقه، فينجيه من اتباع هواه، وما ~~تامر[ه] به نفسه. إن ربي ذو مغفرة عن ذنوب من تاب، (رحيم) (به) بعد ~~توبته. # قوله: { وقال الملك ائتوني به } ، أمر ملك مصر الأعظم، وهو ~~الوليد بن الريان بالإتيان ms1157 بيوسف صلى الله عليه وسلم، لما تبين عذره. ~~وقال: { أستخلصه لنفسي }: أي أجعله من خلصائي وخاصتي. { ~~فلما كلمه }: أي: { فلما } كلم الملك يوسف صلى الله عليه ~~وسلم علم براءته، وحسن عقله. قال له: يا يوسف { إنك اليوم ~~لدينا مكين أمين }: أي: متمكن مما أردت، أمين على ما ائتمنت ~~عليه من شيء. # وقيل: أمين، لا تخاف عذرا. ثم قال (له): ما من شيء إلا وأنا أحب أن ~~تشركني فيه إلا أهلي، ولا يأكل معي عبدي، فقال (له) يوسف، (صلى الله عليه ~~وسلم): أتأنف أن آكل معك؟ وأنا أحق أن آنف منك، أنا ابن إبراهيم، خليل ~~الرحمان، وأنا ابن إسحاق الذبيح، وابن يعقوب الذي ابيضت عيناه من الحزن. # قوله: { قال اجعلني على خزآئن الأرض } - إلى قوله - { ~~وكانوا يتقون } والمعنى: قال يوسف صلى الله عليه وسلم، للملك: " ~~اجعلني على خزائن أرضك ". # قال ابن زيد: فأسلم إليه فرعون سلطانه كله، فكان على خزائن الأطعمة، ~~وغيرها من أمواله وعمله. # وروى مالك بن أنس، رضي الله عنه، عن ابن المنكدر عن جابر بن عبد الله، ~~قال: كان يوسف النبي عليه السلام لا يشبع فقيل له: # ما لك لا تشبع، وبيدك خزائن الأرض؟. قال: إني إذا شبعت نسيت الجائعين. # قوله: { إني حفيظ }: أي: لما وليت، { عليم } به. وقيل: (إن) ~~المعنى: إني حافظ للحساب، عالم بالألسن. # وقيل: المعنى: إني حافظ / للأموال عالم بالموضع الذي يجب أن يجعل فيه ~~مما يرضي الله، عز وجل، ولذلك سأل يوسف، (صلى الله عليه وسلم)، الملك في ~~هذا ليتمكن له وضع الأشياء في حقوقها. فأراد بسؤاله الصلاح صلى الله عليه ~~وسلم. # ثم قال (تعالى) { وكذلك مكنا ليوسف في الأرض }: أي: ~~في أرض مصر { يتبوأ منها حيث يشآء }: أي: يتخذ منزلا أين ~~شاء بعد الضيق والحبس. ومن قرأ بالنون، فمعناه: يصرفه في الأرض حيث يشاء. # { نصيب برحمتنا من نشآء }: من خلقنا كما أصبنا بها يوسف. # { ولا نضيع أجر المحسنين }: أي: لا نبطل أجر من أحسن ~~(عملا) فأطاع ربه، (عز وجل). # قال ابن إسحاق: ولاه ms1158 الملك عمل العزيز زوج المرأة، فهلك العزيز في تلك ~~الليالي، وزوج الملك زوجة العزيز ليوسف. # وقال ابن إسحاق: فلما دخلت عليه قال: أليس هذا خيرا مما كنت تريدين؟ ~~فقالت له: أيها الصديق لا تلمني، فإني كنت امرأة أوتيت كما ترى حسنا ~~وجمالا، وكان صاحبي لا يأتي النساء، وكنت كما خلقك الله في حسنك، ~~وجمالك، فغلبتني نفسي على ما رأيت. # قال ابن إسحاق: فذكر أنه وجدها بكرا فأصابها، فولدت رجلين. فولي يوسف ~~مصر، وملكها، وبيعها وشرابها، وجميع أمرها. # ثم قال تعالى: { ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا ~~وكانوا يتقون }. والمعنى: ولثواب الآخرة خير لمن صدق، وآمن، ~~وخاف عقاب الله عز وجل، واتقاه سبحانه مما أعطى يوسف في الدنيا من ~~التمكين في أرض مصر. ### || [12.58-60] # قوله { وجآء إخوة يوسف فدخلوا عليه } - إلى قوله - { ~~ولا تقربون } المعنى: فيما ذكر ابن إسحاق أن يوسف عليه السلام لما ~~أعلمهم بما يأتي من القحط، وأن يستعدوا لما يأتيهم، أتى الناس إلى مصر، ~~يلتمسون المير(ة) من كل بلد. فأصاب الناس جهد، فأمر يوسف ألا يحمل الرجل ~~إلا بعيرا واحدا، تقسيطا بين الناس، ومنع أن يحمل أحد بعيرين. فقدم ~~عليه إخوته فيمن قدم يلتمسون الميرة، فعرفهم، ولم يعرفوه لما أراد الله ~~عز وجل. # وذكر السدي: أنه لما أصاب الناس الجوع، أتى أخوة يوسف ليمتاروا، وهم ~~عشرة: وأمسك يعقوب عند نفسه أخا يوسف بنيامين، فلما دخلوا على يوسف ~~عرفهم، ولم يعرفوه. قال لهم: أخبروني بأمركم، فإني أنكر شأنكم؟ قالوا: ~~نحن قوم من أرض الشام. قال وما جاء بكم؟ قالوا: جئنا نمتار طعاما. قال: ~~فأخبروني خبركم. قالوا: إنا أخوة، بنو رجل صديق. وكنا اثني عشر. وكان ~~أبونا يحب أخا [ل]نا وإنه ذهب معنا إلى البرية فهلك فيها. وكان أحبنا ~~إلى أبينا. قال: فإلى من يسكن أبوكم بعده؟ قالوا: إلى أخ لنا أصغر منه. ~~قال: وكيف تخبروني أن أباكم صديق، وهو يحب الصغير منكم دون الكبير /. ~~إيتوني بأخيكم هذا حتى أنظر إليه. قالوا: سنراود عنه أباه، قال: فضعوا ~~رهينة حتى ترجعوا، فوضعوا ms1159 شمعون وجهزوا أبعرتهم بالطعام. فقال لهم ~~يوسف (صلى الله عليه وسلم): إنكم إذا أتيتموني بأخيكم ازددتم من عند[ي] ~~حمل بعير له. # { ألا ترون أني أوفي الكيل }: " ولا أبخسه أحدا ". # { وأنا خير المنزلين }: أي: وأنا خير من أنزل ضيفا على ~~نفسه في هذا البلد. { فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم ~~عندي }: أي: لا طعام أكيله لكم { ولا تقربون }: أي: " لا تقربوا ~~بلادي ". # وقد اعترض بعض أهل الزيغ في هذا الخبر، وقال: كيف لم يعرفوه، (وقد) عرف ~~أن لهم أخا من أب، وسألهم الإتيان به. # فجواب ذلك على قول بعض أهل النظر أن يوسف كان لا يعطي لكل نفس إلا ~~حملا في تلك المجاعة. (فلما) أخذوا لكل شخص منهم حملا. قالوا: لنا ~~أخ من أبينا غاب فأعطنا له حملا، فأعطاهم وقال لهم: إيتوني بهذا الأخ إن ~~أردتم أن أعطيكم عنه حملا إذا رجعتم للمير(ة) لنعلم صدقكم. فإن لم ~~تأتوني به علمت كذبكم، ولم أعطكم شيئا. وهذا كله داخل في قوله: { ~~كذلك كدنا ليوسف } صلى الله عليه وسلم. ### || [12.61-65] # قوله: { سنراود عنه أباه و(إنا لفاعلون) } - إلى ~~قوله - { كيل يسير }. # المعنى: قالوا سنرجع إلى أبيه، فنسأله في أن يوجه به (معنا)، وإنا ~~لفاعلون ذلك. # ثم قال تعالى: { وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في ~~رحالهم لعلهم يعرفونهآ } أي: قال يوسف لغلمانه و " ~~فتيته ": أنسب لأنه للعدد القليل، و " فتيان ": حسن، فقال لهم: اجعلوا ~~أثمان الطعام التي أخذوا بها طعامي في وسط رحالهم، وهم لا يعلمون. # قال بعض أهل المعاني: إن يوسف خشي ألا يكون عند أبيه دراهم، إذ كانت سنة ~~جدب. فرد عليهم الدراهم طمعا أن يأخذها. # وقيل: إنما رد عليهم الثمن رفقا بهم (من) حيث لا يعلمون، تكرما ~~منه، وتفضلا صلى الله عليه وسلم. # وقيل: إنما جعل الثمن في الأوعية لتكون سبب رجوعهم إليه لعلمه، فكرمهم، ~~وإنهم لا يرضون بحبس الثمن، وإنهم يتحرجون من ذلك فيرجعون إليه ضرورة. # ثم قال تعالى: { فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا ~~يأبانا منع منا الكيل فأرسل معنآ أخانا ~~نكتل ms1160 }: من قرأ بالياء: فمعناه: يكتل لنفسه حملا، ومن قرأ بالنون: ~~أراد إنهم أخبروا عن أنفسهم، وعنه بالكيل. والمعنى: إنهم قالوا: (له): يا ~~أبانا منع (منا) أن نكتال فوق ما اكتلنا بعيرا لكل نفس. فأرسل معنا ~~أخانا يكتل لنفسه كيل بعير زائدة على ما اكتلنا لأنفسنا. # قال السدي: لما رجعوا إلى أبيهم قالوا: يا أبانا! إن ملك مصر أكرمنا ~~كرامة، لو كان رجلا من ولد يعقوب ما أكرمنا كرامته، وإنه ارتهن منا ~~شمعون. # وقال: ائتوني بأخيكم هذا الذي عطف عليه أبوكم بعد موت أخيكم / فإن لم ~~تأتوني به، فلا تقربوا بلادي أبدا. فقال لهم يعقوب: { هل آمنكم ~~عليه } - الآية - ثم قال: { فالله خير حافظا وهو ~~أرحم الراحمين }: أي: إن يفجعني في هذا الولد على كبر سني، وهو ~~أرحم الراحمين في إذا آتيتم إلى ملك مصر، فأقروءه سلامي، وقولوا له: إن ~~أبانا يدعو لك، ويصلي عليك لما أوليتنا من الجميل. # ثم قال تعالى: { ولما فتحوا متاعهم وجدوا ~~بضاعتهم ردت إليهم }: أي [لما] فتحوا أوعيتهم التي فيها ~~الطعام، وجدوا الثمن الذي دفعوه ليوسف في الطعام، في أوعيتهم. # { قالوا يأبانا ما نبغي }: وراء هذا، إن بضاعتنا ردت ~~إلينا، وقد أوفى لنا الكيل. # { ونمير أهلنا } في رجوعنا: أي: نأتيهم بالطعام. # { ونزداد كيل بعير }: بسير أخينا معنا، لأن لكل نفس حمل ~~بعير. # { ذلك كيل يسير }: أي: يسير على الملك سهل. # وقيل: المعنى: كيلنا الذي نأخذ، يسير، فزيادتنا حملا أحسن من تركه. # وقيل: المعنى: الذي جئنا به يسير، فرجوعنا بأجمعنا نأتي لكل نفس بحمل ~~أحسن. قال مجاهد: حمل بعير: حمل حمار. # وقال غير[ه] جمل، وهو المعروف في اللغة. ### || [12.66-68] # قوله: { قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا ~~من الله } إلى قوله { لا يعلمون } ، الموثق: الميثاق، من ~~عهد، أو يمين. # ومعنى الآية: قال يعقوب لبنيه: لن أدفع إليكم أخاكم حتى تعطوني عهدا، ~~أو يمينا أنكم لتردونه إلي معكم، إلا أن يحيط بكم أمر لا تقدرون على ~~رده معكم. # وقال ابن أبي نجيح في قوله: { إلا أن يحاط بكم ms1161 } معناه: إلا ~~أن تهلكوا جميعا. { فلمآ آتوه موثقهم }: أي عهدهم أن ~~يردوه. { قال الله على ما نقول وكيل }: أي شاهد، وحافظ. # ثم قال يعقوب يوصيهم لما أرادوا الخروج: { يبني لا تدخلوا } ~~- مصر - { من باب واحد }: أي من طريق واحد { وادخلوا من ~~أبواب متفرقة }. # قال ابن عباس، والضحاك، وابن جبير، وقتادة: خاف عليهم يعقوب العين ~~لجمالهم، وحسنهم. # وقيل: إنه إنما خاف أن يلحقهم شيء، فيظن أنه من العين. # وقيل: إنه كره أن يدخلوا جميعا من موضع واحد، فيستراب منهم (ويخاف ~~منهم): وهو اختيار النحاس. # ثم قال لهم: { ومآ أغني عنكم من الله من شيء }: أي: ~~ما أقدر على دفع قضاء الله [سبحانه] عنكم. ما الحكم فيكم وفي إلا لله ~~ينفذ قضاءه عز وجل كيف أحب. { عليه توكلت }: في ردكم وأنتم ~~سالمون، وإليه فوضت أمري، وإليه فليفوض (المفوضون) أم(و)رهم. # ثم قال: { ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم }: أي: ~~من طرق متفرقين، كما أمرهم { ما كان يغني عنهم } ذلك من الله ~~من شيء، إلا [حاجة]: (وهو) استثناء منقطع، أي: لكل حاجة، أي: إلا أنهم ~~قضوا حاجة يعقوب، لدخولهم من مواضع متفرقين. # { وإنه لذو علم لما علمناه }: أي: وإن يعقوب، / لذو ~~حفظ لما استودعناه صدره من العلم. # قال ابن جبير: المعنى { وإنه لذو علم لما علمناه }. # وقيل: المعنى: وإنه لعامل بما علم ولكن كثيرا من الناس لا يعلمون: ما ~~يعلمه يعقوب. ### || [12.69-73] # قوله: { ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه } - ~~إلى قوله - { وما كنا سارقين } المعنى: لما دخل إخوة يوسف عليه، ~~قالوا: هذا أخونا الذي أمرتنا أن نأتيك به، فشكر لهم ذلك. ثم قال لصاحب ~~ضيافته: أنزلهم رجلين في كل مسكن، وأكرمهم، فبقي أخوهم: وهو شقيق يوسف. ~~فقال لهم يوسف: إن هذا يبقى وحده، لا ثاني معه، فأنا أضمه إلى نفسي. ~~فأنزله عنده، وضمه إليه. وقال له: أنا أخوك - يوسف - لا (تبتئس) ~~(بشيء) من فعلهم، ولا تعلمهم بشيء مما أعلمتك به. وقيل: [إنه] لم يعترف ~~له أنه أخوه، يعني: من النسب. وإنما قال له: ms1162 أنا أخوك مكان أخيك الهالك. ~~قاله وهب ابن منبه. # وإنما أخبره أنه يوسف بعد انصرافه وتركه عند يوسف. # ثم قال تعالى: { فلما جهزهم بجهازهم جعل ~~السقاية في رحل أخيه } والمعنى: أن يوسف لما حمل إبل إخوته ~~الميرة، جعل السقاية في رحل أخيه: وهو المكيال الذي كانوا يكتالون به، ~~وهي المشربة التي يشرب بها [الملك] وكانت من فضة، وذهب تشبه الملوك ~~مرصعة بالجوهر. # وقيل: كانت شبه الكأس، فجعلها في رحل أخيه، والأخ لا يشعر. فلما ارتحلوا ~~نادى مناد: يا { أيتها العير إنكم لسارقون } قيل: ~~إنما قال لهم: { إنكم لسارقون } ، وهم لم يسرقوا: يريد إنهم ~~سرقوه، وباعوه، لأنهم سبب بيعه. وقيل: بل تركهم حتى مشوا، وخرجوا، ثم ~~لحقوا، فقيل لهم: { أيتها العير إنكم لسارقون }. ~~قالوا: وما ذاك. قالوا: { صواع الملك } وإنما دعاهم بالسرقة كلهم، ~~لأن المنادي لم يعلم ما صنع يوسف. # وقيل: إنما فعله عن أمر يوسف فأعقبه الله عز وجل بقولهم له: # فقد سرق أخ له من قبل # [يوسف: 77]. # وقيل: إنما جا[ز] أن يقال لهم ذلك، لأنهم باعوا يوسف، فاستجازوا أن ~~يخاطبوا بذلك. # وقيل: المعنى: حالكم حال السراق. وقرأ أبو هريرة " صاع الملك ". # وقال أبو رجاء " صوع الملك ". # (قوله): { ولمن جآء به حمل بعير }: أي: (وقر بعير) من ~~الطعام. # (قوله): { قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا ~~لنفسد في الأرض } أي: لنعصي الله، ونسرق، وإنما ادعوا ذلك. ~~وقالوا: " قد علمتم " لأنهم ردوا البضاعة التي وجدوا في رحالهم، إذ رجعوا ~~وراء أخيهم. فالمعنى: " لو كنا سارقين ما رددنا البضاعة (التي وجدنا) في ~~رحالنا ". # وقيل: إنما قالوا ذلك لأنهم قد علموا اشتهار فضلهم بمصر، فنفوا عن ~~أنفسهم ما قد رموا به. ### || [12.74-76] # قوله: { (قالوا) فما جزآؤه إن كنتم كاذبين } - إلى ~~قوله - { وفوق كل ذي علم عليم }. المعنى: قال أصحاب يوسف / ~~عليه السلام لإخوته: فما جزاء من وجد الصاع في رحله إن كنتم كاذبين في ~~قولكم: { ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين ~~} { قالوا جزآؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه }. # المعنى: قال إخوة ms1163 يوسف لأصحابه: جزاؤه عندنا كجزائه عندكم، أي: أن ~~يستعبد من سرق. # ويقال: إن هذا كان في شريعة يعقوب عليه السلام نسخه الله عز وجل، ~~بالقطع. وقيل: المعنى جزاؤه الاستعباد من وجد في رحله، فهو جزاؤه. فهو ~~يعود على الاستعباد المحذوف. # وقال الطبري: المعنى: قال إخوة يوسف: جزاء السارق من وجد في متاعه ~~السرق، فهو جزاؤه: أي: فتسليم السارق جزاء السرق. وإنما سأل إخوة ~~[يوسف] عن الجزاء، لأن أصحاب يوسف ردوا الحكم إليهم. وذلك أنه كان في ~~شريعة يعقوب أن يستعبد السارق، وكان في حكم الملك: إذا سرق السارق غرم ~~مثله. فرد الحكم إليهم. # وقرأ الحسن: " من وعاء أخيه " بضم الواو. # { كذلك كدنا ليوسف }: أي: في أن حكموا على أنفسهم بالاسترقاق ~~على شريعتهم. وأضاف الكيد إلى نفسه، لأن الذي فعل يوسف (جزاءا عن) أمر ~~الله كان، وعن مشيئته، وبوحيه ليوسف. # قوله: { ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك }: أي: في ~~حكمه، بل أخذه بحكم يعقوب. { إلا أن يشآء الله }: ذلك بكيده. # وقيل: المعنى: { إلا أن يشآء الله }: أن يطلق له مثل هذا ~~الكيد. # وقوله: { نرفع درجات من نشآء } قال زيد بن أسلم: يعني: ~~بالعلم. # وقيل: معنى الكيد: أنهم كانوا لا ينظرون في وعاء إلا استغفروا الله ~~تأثما، مما قذفوا به. فلما وصلوا إلى وعاء أخيهم، قالوا ما نرى (أن) ~~هذا أخذ شيئا. قال إخوة يوسف: بلى فاستبروا ففتح فوجد الصواع فيه: فذلك ~~الكيد. قال ذلك قتادة والسدي، وغيرهما. # وقوله: { ثم استخرجها من وعآء أخيه } يعني به الصواع. ~~وإنما أنثت، لأنه بمعنى السقاية، فهما لشيء واحد. # وقيل: إنه على معنى السرقة، وقيل: إن الصواع يذكر ويؤنث. # وقوله: { وفوق كل ذي علم (عليم) } أي: فوق كل عالم من هو ~~أعلم منه، حتى ينتهي ذلك إلى الله عز وجل. ### || [12.77-80] # قوله: { قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل } ~~- إلى قوله - { خير الحاكمين } يعنون بقولهم { أخ له }: ~~يوسف. # قال مجاهد: كان يوسف صلى الله عليه وسلم سرق صنما لجده، أبي أمه، ~~فكسره، وألقاه ms1164 في الطريق. فعابه إخوته بذلك. وإنما أراد يوسف ~~بكسره، وأخذه الخير: فليس ذلك بسرق، بل هو محض الدين والعبادة، وإنكار ~~المنكر. # وقال ابن جريج: كانت أم يوسف مسلمة، فأمرته أن يسرق صنما لخاله، كان ~~يعبده. # وروي عن مجاهد أن عمة يوسف بنت إسحاق، وكانت أكبر من يعقوب صارت إليها ~~منطقة إسحاق لسنها: لأنهم / كانوا يتوارثونها بالسن. وكان من سرقها ~~استملك. وكانت عمة يوسف قد حضنته، وأحبته حبا شديدا فلما ترعرع، قال ~~لها يعقوب: سلمي يوسف إلي فلست أقدر أن يغيب عني ساعة، قالت له: (دعه ~~عندي) أياما أنظر إليه لعلي أتسلى عنه. فلما خرج من عندها يعقوب عمدت ~~إلى منطقة إسحاق فحزمتها على يوسف من تحت ثيابه، ثم قالت: لقد فقدت منطقة ~~إسحاق؟ فانظروا من أخذها، ومن أصابها فالتمست ثم قالت: اكشفوا أهل ~~البيت، فكشفوا، فوجدت مع يوسف، فقالت: والله إنه لي لم أصنع فيه ما شئت. ~~ثم أتاها يعقوب فأخبرته الخبر، فقال (لها): أنت وذاك إن كان فعل (ذلك)، ~~فهو سلم لك، فأمسكته حتى ماتت. فبذلك عيره إخوته. # ومعنى الآية أنه على الحكاية، أي قالوا: إن يسرق فقد (قيل) سرق أخ لهم ~~من قبل. إنما حكوا ما قد كان قبل، لم يقطعوا بالسرقة عليه. هذا أحسن ما ~~تأوله العلماء، والله أعلم بذلك. # والضمير في قوله: { فأسرها } ، إضمار، قبل الذكر (قد) فسره الله ~~عز وجل لنا أن الذي أسره قوله: { أنتم شر مكانا } - إلى قوله ~~- { تصفون } (أي) أضمر هذا في نفسه. # وقيل: أسر في نفسه المجازاة لهم على قولهم، ولم يرد أن يبين عذره في ~~ذلك. وقيل: أسر في نفسه قولهم: { فقد سرق أخ له من قبل ~~} ولم يرد أن يدفعه ويراجعهم عليه. بل كتم قولهم له وصبر. # قوله: { الله أعلم بما تصفون }: أي: (من) قولكم: هل هو حق ~~أو كذب. ثم قالوا ليوسف: { يأيها العزيز } أي: الملك { إن ~~له أبا شيخا كبيرا }: يعنون كلفا بحبه، فخذ واحدا منا مكان ~~هذا الذي سرق وخل عنه { إنا نراك من المحسنين }: في ms1165 ~~أفعالك. # وقيل: المعنى: إنا نرى ذلك منك إحسانا إلينا إن فعلته. قال يوسف { ~~معاذ الله }: أي: عياذا بالله أن نأخذ غير من سرق. # { إنآ إذا لظالمون } إن فعلنا ذلك. # قال السدي: ثم قال لهم يوسف: إذا أتيتم أباكم فأقرؤه السلام، وقولوا له: ~~إن ملك مصر يدعو لك ألا تموت حتى ترى ابنك يوسف. # فلما أيس إخوة يوسف من أخيه أن يدفع إليهم. { خلصوا نجيا }: ~~أي: انفردوا وليس يوسف وأخوه معهم أي: خلوا يتناجون بينهم. فقال كبيرهم ~~في العقل وهو شمعون, وقيل: بل (هو) كبيرهم في السن (وهو) روبيل، وهو ابن ~~خالة يوسف. وهو الذي كان نهاهم عن قتله. # وقيل: كبيرهم يهوذا يعني به: كبيرهم في العقل، والفهم لا في السن، ولم ~~يختلف في أن كبيرهم في السن روبيل. فهو أولى الآية (قال لهم): # { ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم ~~موثقا من الله } في أخيكم هذا، ومن قبل تفريطكم في يوسف، ~~وفعلكم فيه. # والمعنى: [و] من قبل هذا: تفريطكم في يوسف. # و " ما " زائدة، والمعنى: ومن قبل فرطتم في يوسف / ويجوز أن تكون في ~~موضع نسب عطف على " أن ". # ويجوز أن يكون في موضع رفع على معنى: ومن قبل هذا تفريطكم { في يوسف ~~} ، فتكون { ومن قبل } في موضع الخبر. # قوله: { فلن أبرح الأرض }: أي: لن أبرح من أرض مصر. # { حتى يأذن لي أبي } بالقدوم عليه، { أو يحكم ~~الله لي } أي: بالمن مع أخي، فأمضي معه. # وقيل: المعنى: { يحكم الله لي } بالسيف، فأحارب، وآخذ أخي. قاله ~~أبو صالح. # وقيل: المعنى: أو يقضي الله لي بالخروج من أرض مصر، وترك أخي. # وروي أن يهودا قال ليوسف: يا أيها الملك! إن لم تخل سبيله معنا ~~لأصيحن صيحة لا يبقى في مدينتك حامل، إلا أسقطت ما في بطنها. وكان ~~ذلك في ولد يعقوب عند الغضب معروفا. فكلم يوسف ابنا له صغيرا ~~بالقبطية فقال له: ضع يديك بين كتفي يهوذا، ولا يشعر بك أحد، وكان الناس ~~مجتمعين، فدخل الصبي بين الناس حتى وضع يده بين ms1166 كتفي يهوذا، فذهب غضبه، ~~فقال يهوذا: لقد مسني من ولد يعقوب، ولم ير أحدا. ### || [12.81-83] # قوله: { ارجعوا إلى أبيكم فقولوا (يأبانا) } - إلى ~~قوله - { إنه هو العليم الحكيم } هذا قول روبيل لإخوته، ~~أمرهم بالرجوع إلى يعقوب، يعلموه بالقصة على وجهها. # وقيل: أمر لهم بذلك يوسف: وقيل: هو كبيرهم الذي تأخر بمصر، ولم يرجع ~~معهم. # وروي عن الكسائي أنه قرأ " سرق " على ما لم يسم فاعله، على معنى ~~اتهم بالسرق. وقيل: معناه: علم منه السرق. # قوله: { وما شهدنآ إلا بما علمنا }: أي: ما قلنا إلا ~~بظاهر العلم، ولسنا نعلم الغيب والباطن، إنما وجدت السرقة في رحله، ~~ونحن ننظر. # وقيل المعنى: وما شهدنا عند يوسف أن السارق يؤخذ في سرقته، { إلا ~~بما علمنا } (في الحكم عندك) قاله ابن زيد. # قال لهم يعقوب، ما يدري، هذا الرجل أن السارق يؤخذ بسرقته، إلا بقولكم ~~فقالوا: { وما شهدنآ إلا بما علمنا } في الحكم عندك ~~وعندنا. # { وما كنا للغيب حافظين }: أي: ما كنا نظن أن ابنك يسرق، ~~فيؤول أمره إلى هذا، وإنما قلنا لك نحفظ أخانا مما إلى حفظه السبيل. # { وسئل القرية التي كنا فيها } إن اتهمتنا: وهي مصر، ~~يريدون أهلها. { والعير التي أقبلنا فيها }: وهي القافلة ~~عن خبر ابنك. # قال لهم يعقوب: { بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر ~~جميل }: على ما نالني. # وقيل: المعنى: " فصبر جميل: أولى من جزع لا ينفع. والصبر الجميل هو الذي ~~لا شكو(ى) معه إلا إلى الله عز وجل. # { عسى الله أن يأتيني بهم جميعا }: يعني: يوسف، وأخاه ~~روبيل الذي تخلف: (إنه هو العليم): بما (أجد) عليهم، { الحكيم } في ~~تدبيره. ### || [12.84-86] # قوله: { وتولى عنهم وقال يأسفى على يوسف } - ~~إلى قوله - { ما لا تعلمون }. والمعنى: وأعرض يعقوب عن بنيه، ~~وقال: يا حزنا على يوسف. # والأسف شدة الحزن. ثم حكى الله تعالى ذكر[ه] لنا أن / عيني يعقوب ~~ابيضتا من الحزن، (ف)هو كظيم: أي: مكظوم، أي مملوء من الحزن، ممسك ~~عليه، لا يبثه. # قال ابن زيد: الكظيم الذي أسكته الحزن. # وقال مجاهد: كظم الحزن: إذا ms1167 أمسكه عليه، لا يبثه. # وقال عطاء: كظ(ي)م: مكروب. # وقال السدي: كظيم من الغيظ. والكاظم في اللغة: الذي حزن لا يشكو حزنه ~~وقال الحسن: وجد يعقوب على يوسف وجد سبعين ثكلى وما ساء ظنه بالله ~~ساعة قط، من ليل، ولا نهار. # (وروى الحسن عن النبي) صلى الله عليه وسلم: # " وإنما اشتد حزن يعقوب (على يوسف) لأنه علم بحياته، وخاف على دينه ". # وقيل: إنما حزن (ند)ما على تسليمه لإخوته، وهو صبي، والحزن ليس ~~بمحظور. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إذ مات ولده إبراهيم: تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب ~~". # وقال له أولاده: { تالله تفتؤا تذكر يوسف } أي: لا تزال ~~تذكره. ولا تفتر من حبه. # { حتى تكون حرضا }: أي، ذا جهد، وهو المريض البال(ي). # وقال قتادة: حرضا هرما. # وقال ابن زيد: الحرض الذي قد رد إلى أرذل العمر، حتى لا يعقل. # وقال الفراء: الحرض: الفاسد الجسم، والعقل. # (و) قال أبو عبيدة: الحرض: الذ[ي] أذابه الحزن. # { أو تكون من الهالكين }: أي: من الموتى. # قال يعقوب لهم جوابا لقولهم: { إنمآ أشكو بثي } أي: همي ~~وحزني: # وحقيقة البث في اللغة: هو ما يرد على الإنسان من الأشياء المهلكة، التي ~~لا يمكنه إخفاؤها، وسميت المعصية بثا مجازا، وهو من بثثته، أي فرقته. # وروي أن يعقوب كبر حتى سقط حاجباه على وجنتيه، فكان يرفعهما بخرقة. فقال ~~(له) رجل: ما بلغ بك ما أرى؟ فقال: طول الزمان، وكثرة الأحزان. فأوحى ~~الله عز وجل إليه: يا يعقوب تشكوني قال: خطيئة، فاغفرها، فغفرها الله عز ~~وجل له. # فما كان إذا سئل إلا قوله { إنمآ أشكو بثي وحزني إلى ~~الله } - الآية # وقوله: { وأعلم من الله ما لا تعلمون }: قال قتادة: " ~~ذكر لنا أن يعقوب لم ينزل به بلاء قط إلا أتى حسن ظنه بالله (عز وجل) من ~~ورائه ". ### || [12.87-92] # قوله: { يبني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه } ~~إلى قوله: { وهو أرحم الراحمين } ، المعنى: أن يعقوب، عليه ~~السلام طمع في يوسف، فأمرهم بالرجوع إلى (ال)موضع الذي أتوا منه ~~يلتمسون يوسف، ms1168 وأخاه: يعني: بنيامين شقيق يوسف. # { ولا تيأسوا من روح الله }: أي: " لا تقنطوا من أن ~~يروح الله عنا ما نحن فيه من الحزن. # { إنه لا ييأس من روح الله }: أي: لا يقنط من فرجه، و ~~(لا) يقطع رجاءه منه إلا الكافرون. # قال السدي، وقتادة: روح الله فرج الله. # قيل: إنه أمرهم أن يرجعوا إلى الذي احتال عليهم في أخيهم، وأخذ منهم، ~~فيسألوا عنه، وعن مذهبه. # وروى ابن لهيعة " يرفعه إلى " (عن) ابن عمر، أن يعقوب كتب معهم كتابا ~~إلى يوسف: بسم الله الرحمن الرحيم / من يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح ~~الله بن إبراهيم خليل الله، إلى عزيز مصر (إلى) فرعون: سلام عليك. فإني ~~أحمد الله إليك، الذي لا إله إلا هو. أما بعد: فإنا أهل بيت مولع بنا ~~أسباب البلاء: أما جدي إبراهيم خليل الله، فألقي في النار، فصيرها (الله ~~عليه بردا)، وسلاما، وأمر أن يذبح ابنه إسحاق أبي، ففداه الله بما فداه ~~به. وأما أنا فكان لي ابن من أحب الناس إلي، ففقدته فأذهب حزني عليه ~~صبري، وحنى له ظهري. وأخوه المحبوس عندك في السرقة. وإني أخبرك: إني لم ~~أسرق، ولم ألد، سارقا، فاحذر دعوتي فإنها مستجابة عليك. وأعجب ~~منك كيف حبست قرة عيني، وقد علمت موقعه من قلبي، فاردد علي ابني، وإلا ~~فاحذر دعوتي والسلام. # قال فلما قرأ يوسف، عليه السلام كتاب أبيه يعقوب، بكى بكاء شديدا، ~~وصاح بأعلى صوته: # اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت ~~بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين # [يوسف: 93]: فكان البشير إليهم يهوذ[ا] ابن يعقوب. وقيل: إن يوسف لما ~~قرأ كتاب أبيه يعقوب ارتعدت فرائصه، واقشعر جلده، ولان قلبه، وبكى، ثم ~~أعلمهم بنفسه. # قوله: { فلما دخلوا عليه }. وفي الكلام حذف. والمعنى: ~~فخرجوا إلى مصر، فلما دخلوا على يوسف، قالوا: { يأيها العزيز } ~~أي: الممتنع: { مسنا وأهلنا الضر }: من الشدة، والجدب. ~~فخضعوا له،. وتواضعوا. # قال ابن إسحاق: خرجوا ببضاعة لا تبلغ ما يريدون من الميرة، إلا أن ~~يتجاوز لهم فيها، فقالوا: { وجئنا ببضاعة مزجاة }: أي: ms1169 ~~بدراهم لا تجوز في ثمن الطعام إلا بالمسامحة. # قال ابن عباس: مزجاة: دراهم زيوف. # وقال ابن أبي مليكة: مزجاة، خلق الغرائر: والمتاع الحقير. # " مزجاة: يعني: قليلة، إما لأنه متاع البادية لا يصلح للملوك، وإما لأنه ~~قال مزجاة تحتقر في كل مكان. وقد فسرها بعضهم بأنها البطم والصنوبر. ~~والبطم: هو الحبة الخضراء. # { فأوف لنا الكيل }: فكان يوسف هو الذي يكيل، إشارة إلى أن ~~الكيل والوزن على البائع. # وقيل: أتوا بالسمن، والصوف. # وقال أبو صالح: أتوا بالحبة الخضراء، والصنوبر. # وقال الضحاك: مزجاة: كاسدة، وأصله من التزجية، وهي الدفع، والسوق، ~~فكأنها بضاعة تدفع، ولا يقبلها كل أحد. يقال: فلان يزجي العيش: أي: يدافع ~~وعن مالك رضي الله عنه أن المزجاة هنا: الجائزة في كل موضع. واحتج (مالك) ~~في (أن) أجرة الكيال والوزان على البائع بقولهم: { فأوف لنا ~~الكيل }. # ثم قال: { وتصدق علينآ }: أي تفضل علينا، ما بين الجياد ~~والرديئة. # وقيل: المعنى: لا تنقصنا من السعر من أجل رداءة دراهمنا. # { إن الله يجزي المتصدقين }: أي: يثيب المتفضلين. # وقد اختلف الناس في الصدقة على الأنبياء. فقيل: إنها كانت حلالا، ثم ~~حرمت على النبي محمد صلى الله عليه وسلم. # وقيل: ك(انت) حراما على جميع الأنبياء. # (وقيل): إنما سأل هؤلاء المسامحة، لا الصدقة بعينها. # وقيل: إنهم أرادوا بقولهم: { وتصدق علينآ }: أي: تصدق علينا ~~برد أخينا إلينا، قاله ابن جريج. # قال السدي، عن أبيه لما دخل إخوة يوسف / على يوسف. وكان أكبرهم إذا غضب ~~قامت شعرة (من عنده)، وانبعثت دما فلا تزال كذلك حتى يمسه بعض ولد ~~يعقوب. قال: فكلمه يوسف، وعرف يوسف أنه أغضبه فانبعثت الشعرة دما، أمر ~~يوسف أخاه أن يدنو منه فيمسه، ففعل فانقطع الدم، ثم فعل ذلك مرة أخرى، ~~فعند ذلك تعارفوا. # قال ابن إسحاق: بلغني أنه لما كلموه بهذا الكلام، فقالوا: { تصدق ~~علينآ } غلبته نفسه، فارفض دمعه باكيا، ثم باح لهم بالذي كان ~~يكتم، فقال (لهم): { هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه ~~إذ أنتم جاهلون }: أي جاهلون بعاقبة ما تفعلون. # وقيل: المعنى: إذ ms1170 أنتم صغار، جهال قالوا له: { أءنك لأنت يوسف ~~} فقال: نعم { أنا يوسف وهذا أخي قد من الله ~~علينآ } بأن جمعنا بعدما فرقتم بيننا. { إنه من يتق ~~(الله) ويصبر }: أي: يتقي معصية الله، ويصبر على السجن. # قال ابن إسحاق: لما قال لهم: { هل علمتم ما فعلتم ~~بيوسف وأخيه }. # كشف لهم عن الخطأ فعرفوه. # { قالوا تالله لقد آثرك الله علينا }: أي: فضلك ~~بالعلم والحلم. # وما كنا في فعلنا إلا خاطئين. يقال: خطئ يخطأ: إذا أتى الخطيئة عالما ~~[بها]، وأخطأ يخطئ إذا قصد شيئا، فأصاب غيره، غير متعمد للخطأ. قال لهم ~~يوسف: { لا تثريب عليكم اليوم }: أي: لا تغيير عليكم ولا ~~إفساد لما بيني وبينكم من الحرمة، وحق الأخوة. ولكن لكم عندي العفو ~~والصفح. # { لا تثريب عليكم } ، تمام عند الأخفش، ثم تبتدأ: { اليوم ~~يغفر الله لكم } على الدعاء، وعند نافع وغيره: { عليكم ~~اليوم }: التمام. وهو أحسن وأبين. ### || [12.93-96] # قوله: { اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي ~~} إلى قوله { ما لا تعلمون } المعنى: أن يوسف لما أعلم إخوته ~~بنفسه سألهم عن حال أبيهم، فقالوا: ذهب بصره من الحزن، فعند ذلك أعطاهم ~~قميصه، وأمرهم أن يلقوه على وجه أبيهم. # { يأت بصيرا }: أي: يعد بصيرا. # { وأتوني بأهلكم أجمعين }: أي: جيئوني بهم. # قيل: إن القميص كان من الجنة كساه الله عز وجل إبراهيم حين ألقي في ~~النار. # وقوله: { ولما فصلت العير } أي خرجت من مصر، يعني: عير بني ~~يعقوب. # ذكر أن الريح استأذنت ربها في أن تأتي يعقوب بريح يوسف، قبل أن يأتيه ~~البشير، فأذن لها، فأتته [به] من مسيرة ثمان ليال، فقال: { إني ~~لأجد ريح يوسف }. # وقوله: { لولا أن تفندون } ، (أي): تسفهون، فتقولون: ذهب ~~عقلك. # وقيل: معناه: لولا أن تكذبون، قاله السدي، والضحاك. # { قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم } ، أي: في ~~خطئك. # قال له ذلك من بقي من ولده. # ثم قال تعالى: مخبرا لنا عن حال يعقوب إذ جاءه البشير بأمر يوسف: { ~~فلمآ أن جآء البشير ألقاه على / وجهه فارتد ~~بصيرا }: وكان البشير يهوذا أخا يوسف ms1171 لأبيه صلى الله عليه وسلم. # قال السدي: لما قال يوسف { اذهبوا بقميصي هذا }. قال يهوذا ~~بن يعقوب: أنا ذهبت إلى يعقوب بالقميص، ملطخا بالدم، وقلت له: إن ~~يوسف أكله الذئب. فالآن أذهب أنا بالقميص، فأخبره أنه حي، فأفرحه كما ~~أحزنته. # قوله: { ألقاه على وجهه }: أي: (ألقى) القميص على وجه يعقوب، ~~فعاد بصره، بعدما كان عمي. فقال لمن حضره من ولده: { ألم أقل ~~لكم إني أعلم من الله (ما لا تعلمون) } إنه سيرد ~~علي ولدي يوسف ويجمع بيني وبينه، وأنتم لا تعلمون من ذلك شيئا. # وروي أن يعقوب قال للبشير: " هون الله عليك غصص الموت " ، كأنه استقال ~~له أن يكافأه بشيء من عرض الدنيا. # وروي أيضا عن سفيان، أنه قال: لما جاء البشير إلى يعقوب، قال له يعقوب: ~~على أي دين تركته؟ قال: (على دين) الإسلام، قال يعقوب: ألآن تمت النعمة ~~وروي أنه لما التقى يوسف ويعقوب بأرض مصر، قال له يوسف: يا أبت بلغني ~~(عنك) أنك بكيت علي حتى ذهب بصرك، وحزنت حتى انحط ظهرك. قال يعقوب: قد ~~كان ذلك يا بني. قال له يوسف: أفما كانت القيامة تجمعني وتجمعك؟ قال ~~يعقوب: بلى، ولكن تخوفت أن تبدل دينك فلا تلقني. ### || [12.97-100] # قوله: { قالوا يأبانا استغفر لنا ذنوبنآ } إلى قوله: ~~{ العليم الحكيم } المعنى: قال له ولده: يا أبانا! استغفر لنا ~~ذنوبنا، أي: اسأل الله يستر علينا (ذنوبنا). # { إنا كنا خاطئين }: أي: في فعلنا. قال لهم يعقوب: { سوف ~~أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم } ، ~~قيل: إنما أخر الاستغفار (لهم) إلى السحر. # وقيل: أخره إلى صلاة الليل، (و) قيل: أخر ذلك إلى ليلة الجمعة. # روي ذلك عن ابن عباس، عن النبي عليه السلام. # ومعنى { إنه هو الغفور الرحيم }: هو الساتر ذنوب من تاب ~~إليه، الرحيم بهم أن يعذبهم عليها بعد توبتهم منها إليه. # روي عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، أنه قال: إن الله (عز وجل) لما جمع ~~ليعقوب شمله، وأقر عينه، تذكر إخوة يوسف ما صنعوا بأخيهم، وبأبيهم (و) ~~قالوا: ms1172 إن كنا قد غفر لنا ما صنعنا، فكيف (لنا) بعفو ربنا؟ فاجتمعوا، ~~وأتوا الشيخ. ويوسف إلى جنب أبيه، وقالوا: يا أبانا! أتيناك في أمر لم ~~نأتك في مثله قط. فرحمهم الشيخ، والأنبياء أرحم البرية، فقال: ما بكم ~~يا بني؟ قالوا له: قد علمت ما كان منا إليك، وإلى أخينا يوسف، وقد غفرت ~~مالنا، وعفوكما لا يغني عنا شيئا إن كان الله (عز وجل) لم يعف عنا. ~~ونريد أن تدعو الله (لنا). فإذا جاءك الوحي بأنه قد عفا عنا قرت ~~أعيننا, وإلا فلا قرت لنا عين في الدنيا. فقام الشيخ، واستقبل القبلة، ~~وقام يوسف خلف أبيه، وقاموا خلفهما أذلة خاشعين. فدعا، وأمن يوسف، فلم ~~يجب فيهم إلى عشرين سنة. فلما كان رأس / العشرين سنة نزل جبريل على ~~يعقوب، فقال له: إن الله عز وجل، بعثني إليك، (أبشرك) بأنه قد (أ)جاب ~~دعوتك في ولدك، وإنه عفا عما صنعوا. # وقوله: { ادخلوا مصر إن شآء الله آمنين } إنما قال لهم ~~يوسف ذلك بعد أن دخلوا عليه، وآوى يوسف إليه أبويه. فمعنى ذلك أن يوسف ~~تلقى أباه، تكرمة له، قبل دخوله مصر، فآوى يوسف إليه أبويه: أي: ضمهما ~~وقال لأبيه ومن معه: { ادخلوا مصر إن شآء الله آمنين }. # " كما ورد (أنهم) قاموا عشرين سنة، لا يقبل ذلك منهم، حتى لقي جبريل ~~يعقوب، عليهما السلام. فعلمه هذا الدعاء: يا رجاء المؤمنين! لا تخيب ~~رجائي، يا غوث المؤمنين أغثني، يا حبيب التائبين تب علي، فاستجيب ~~لهم. قال لهم يوسف ذلك بعد أن دخلوها عليهم، لأنهم (فيما) ذكر السدي: ~~تحملوا إلى يوسف بأهليهم وعيالهم، لأنه قال لهم: # وأتوني بأهلكم أجمعين # [يوسف: 93] فلما قربوا من مصر كلم يوسف الملك الذي فوقه، أن يخرج هو ~~والمل(و)ك معه يتلقونهم. فلما دنا يوسف من يعقوب، ويعقوب يتمشى، وهو ~~يتكئ على يهوذا ولده. # بدأه يعقوب بالسلام، وقال: السلام عليك يا ذاهبا بالأحزان عني. # وقيل: إن قوله إن شاء الله إنما هو استثناء من قول يعقوب لبنيه: { ~~سوف أستغفر لكم ربي } { إن شآء الله ms1173 آمنين } ، ~~ففي التلاوة تقديم وتأخير. وهو قول ابن جريج. # فأما قوله: { ورفع أبويه على العرش } فإن السدي، قال: ~~هما أبوه وخالته، وذلك أن أم يوسف ماتت، فتزوج يعقوب [بعدها] أختها، وهي ~~خالة يوسف. # وقال ابن إسحاق: هما أبوه وأمه، ولم تكن أمه ماتت. وهذا القول اختيار ~~الطبري. # ومعنى: { آمنين }: أي آمنين مما كنتم فيه في باديتكم من الجدب ~~والقحط. والعرش: السرير في قول السدي، ومجاهد، والضحاك وقتادة، وابن ~~عباس. وقال ابن زيد: هو مجلسه. # وقوله: { وخروا له سجدا }: قيل: المعنى إن أبا يوسف وأمه ~~(وإخوته) خروا سجدا ليوسف. وكان تحية القوم في ذلك الوقت السجود، قاله ~~سفيان، وابن جريج، والضحاك، وقتادة، وهو مثل: " السلام عليكم " في هذه ~~الأمة. جعل لهم عوضا من السجود الذي كان تحية من قبلهم. # وقيل: كان ذلك انحناء، ولم يكن سقوطا على الأرض. جعل الله منه السلام، ~~والمصافحة عوضا، كرامة من الله عز وجل لهذه الأمة، وهي تحية أهل ~~الجنة. # وقال ابن سحاق: الهاء في " له " لله، والمعنى: خروا لله سجدا. وقوله: ~~{ هذا تأويل رؤياي من قبل }: أي: قال يوسف لأبيه: يا ~~أبت! هذا السجود الذي سجدتموه لي الساعة، (هو) تأويل ما رأيته، وأنا صبي: ~~إذ رأيت أحد عشر كوكبا، والشمس والقمر ساجدين لي: فالأحد عشر (كوكبا) ~~إخوته، والشمس أمه، والقمر أبوه. { قد جعلها ربي حقا }: وكان ~~بين رؤيا يوسف، وتأويلها أربعون سنة. وقيل: ثمانون سنة، قاله الحسن، قال: ~~كان بين أن فارق يعقوب يوسف (إلى أن اجتمعا ثمانون سنة)، لم يفارق ~~الحزن قلب يعقوب، ولا الدمع خديه، ولم يكن على وجه الأرض يومئذ عبد ~~أحب إلى الله عز وجل، من يعقوب. وألقي يوسف في الجب، وهو ابن سبع / ~~عشر[ة] سنة، ومات بعد التقائه بيعقوب بثلاثة وعشرين سنة. ومات يوسف، وهو ~~ابن مائة واثنتين وعشرين سنة. # وقال ابن إسحاق: كان بين افتراق يوسف، ويعقوب إلى أن اجتمعا، ثماني عشرة ~~سنة، وأهل الكتاب يزعمون أن مدة الافتراق بينهما أربعون سنة. وأن يعقوب ~~بقي مع يوسف بعد أن ms1174 اجتمع به سبع عشر[ة] سنة، ثم قبضه الله عز وجل إليه. # قوله: { وقد أحسن بي }: معناه: أحسن الله بي، إذ أخرجني من ~~السجن، وفي مجيئه بكم من البدو. وكان مسكن يعقوب وولده في قول قتادة بأرض ~~كنعان: أهل مواش وبرية والبدو مصدر: بدا فلان، إذا صار بالبادية. # وروى أهل التواريخ أن يعقوب عليه السلام دخل مصر يوم دخلها هو، وأولاده، ~~وأهلوهم، وبنوهم في أقل من مائة، وخرجوا منها يوم خرجوا، إذ أخرجهم ~~فرعون، وهم أكثر من ستمائة ألف، فقال فرعون: # إن هؤلاء لشرذمة قليلون # [الشعراء: 54]. # وقال ابن مسعود: " دخل بنو إسرائيل مصر، وهم ثلاثة وستون إنسانا، ~~وخرجوا منها وهم ستمائة ألف ". # وحكى الطبري، وغيره أن يعقوب إنما سمي إسرائيل، لأن أخاه العيص ~~تواعد(ه) بالقتل، فخرج فرارا منه، فسرى الليل، وكمن النهار. فسمي ~~إسرائيل، لسريه بالليل. # وقيل: إن إسرائيل اسم عبراني تفسيره: عبد الله. # وروى عاصم العمري أن يعقوب (على نبينا) عليه السلام، قال: يا رب! أذهبت ~~بصري، وأذهبت ولدي، فما ترحمني؟ قال: بلى، وعزتي! إني لأرحمك، ولأردن ~~عليك بصرك، ولو كنت أمت ولدك، لأردنه عليك. إنما ابتليتك بهذه البلية أنك ~~ذبحت جملا، فوجد جارك ريحه فلم تطعمه منه. فكان منادي آل يعقوب إذا أصبح ~~نادى في الناس: من كان مفطرا فليتغد عند آل يعقوب، ومن كان منكم صائما ~~فليفطر عند آل يعقوب. ### || [12.101] # قوله { رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من ~~تأويل الأحاديث } - إلى قوله - { بالصالحين } قوله: { من ~~الملك } ، و { من تأويل (الأحاديث) }. # { من }: فيهما للتبعيض، على معنى: آتيتني بعض الملك، وعلمتني بعض ~~التأويل. وقيل: " من " لا تؤنث الجنس، فيكون المعنى: قد آتيتني الملك، ~~(وعلمتني تأويل الأحاديث) مثل: # فاجتنبوا الرجس من الأوثان # [الحج: 30]: لم يؤمروا باجتناب بعض الأوثان دون بعض، ولكن المعنى: ~~اجتنبوا الرجس الذي هو الوثن. # والمعنى: أن يوسف صلى الله عليه وسلم قال بعدما جمع الله (عز وجل) بينه ~~وبين أبويه وإخوته. وتذكر ما بسط له من الدنيا والكرامة. # { رب قد آتيتني من الملك }: أي: ملك مصر. # { وعلمتني ms1175 من تأويل الأحاديث } يعني: عبارة الرؤيا، ~~تقديرا لنعم الله عز وجل عليه، وشكرا له. # { أنت وليي في الدنيا والآخرة }: أي: أنت تثيبني في ~~دنياي بنصرك على من عاداني، / وأرادني بسوء. وتثيبني في الآخرة بفضلك. # ثم إنه صلى الله عليه وسلم لما رأى أمره في دنياه قد تناهى في التمام، ~~علم أنه لا يكون بعد التمام إلا النقص والزوال، لأنها دار زوال. قال: ~~فسأل الله أن يقبضه على الإسلام، ويلحقه بآبائه الصالحين، فقال: { ~~توفنى مسلما وألحقني بالصالحين }. # قال ابن عباس: لم يتمن أحد من الأنبياء الموت قبل يوسف. # وذكر السدي أن يعقوب مات قبل يوسف، وأوصى إلى يوسف بأن يدفنه عند قبر ~~أبيه إسحاق. وكان قبر إسحاق بالشام. فلما مات عمل ما أمر، وحمل إلى ~~الشام. فلما بلغوا (إلى) ذلك المكان، أقبل عيص أخو يعقوب، فمنعهم أن ~~يدفنوه. ثم قال هشام (بن دان) بن يعقوب لبعض من كان بالحضرة: ما لكم لا ~~تدفنون جدي؟ وكان هشام أصما. فقيل له: إن عيصا أخاه يمنعه من ذلك. ~~فقال: أرونيه، فأروه إياه، فضربه ضربة (تساقطت) عيناه على لحد يعقوب، ~~فدفنا في قبر واحد. ### || [12.102-105] # قوله: { ذلك من أنبآء الغيب } إلى قوله { وهم عنها ~~معرضون } معنى الآية: أن الله (عز وجل) يقول لنبيه عليه السلام (إن) ~~الذي اقتصصنا عليك من خبر يوسف، ويعقوب من أخبار الغيب الذي لم تشاهدها، ~~ولا عاينتها يا محمد. # ثم قال: { وما كنت لديهم }: أي عند إخوة يوسف { إذ ~~أجمعوا أمرهم } على إلقاء يوسف في الجب. وهو مكرهم بيوسف. # ثم قال (تعالى) { ومآ أكثر الناس } يعني: مشركي قريش بمؤمنين، ~~ولو حرصت على إيمانهم، ولكن الله (عز وجل) يهدي من يشاء. # (ثم قال تعالى): { وما تسألهم عليه من أجر }: أي: لست ~~تسأل قريشا يا محمد أجرا) على دعائك إياهم إلى الإيمان. فيقولون لك: ~~إنما تريد بدعائك إيانا إلى الإيمان أخذ أموالنا، وإذا كان حالك أنك لا ~~تريد منهم جزاء، فالواجب عليهم أن يعلموا أن دعاءك لهم نصيحة منك لهم، ~~وأتباعا لأمر ربك. ms1176 # { إن هو إلا ذكر للعالمين }: أي: ما الذي أرسلك به ربك ~~إلا عظة للعالمين. # ثم قال (تعالى): { وكأين من آية في السماوات والأرض ~~يمرون عليها }: المعنى وكم يا محمد من علامة، ودلالة، وعبرة، ~~وحجة في السماوات والأرض: كالشمس، والقمر، والنجوم، والجبال (والبحار) ~~والنبات، وغير ذلك من آيتهما يعاينونها، فيمرون عليها، وهم معرضون، لا ~~يعتبرون بها، ولا يتفكرون بها. وفيما دلت عليه من توحيد خالقها عز وجهه. # وقرأ السدي: { والأرض يمرون عليها } (بالنصب). # (و) الوقف على هذه القراءة، على [السماوات] تمام. # [و] النصب على إضمار فعل بمنزلة: " زيد أنزلت عليه " ، كأنه قال: # ويغشون (الأرض) يمرون عليها، أو " ويلامسون الأرض " يمرون عليها، وشبه ~~ذلك من الإضمار. وهو مثل # والظالمين أعد لهم عذابا أليما # [الإنسان: 31]. # وذكر الأخفش رفع " الأرض " على الابتداء، ويكون الوقف على / " السماوات ~~" حسنا أيضا على هذا. # وقد تقدم القول في # وكأين # [آل عمران: 146] من آل عمران. # وقد ذكر الفراء أن " كائن " على قراءة ابن كثير: فاعل من " الكون " ~~فيحسن الوقف على " النون " ، لأنها لام الفعل. # وذكر الأخفش أن قوله: # سبيلي أدعوا إلى الله # [يوسف: 108]: تمام، وتابعه على ذلك أبو حاتم، وهو مروي عن نافع. ويبتدأ: # على بصيرة أنا ومن اتبعني # [يوسف: 108] فيكون " أنا " ابتداء، والمجرور: الخبر. # وقال عبيدة: { أنا } تأكيد للضمير في { أدعوا } ، فتكون { على ~~بصيرة } متصلا بأدعو، ويكون التمام على هذا: { المشركين }. ### || [12.106-108] # قوله: { وما يؤمن أكثرهم بالله } إلى قوله: { ومآ ~~أنا من المشركين } المعنى: وما يقرأ أكثرهم، ولا الذين وصف ~~إعراضهم عن الآيات بالله (عز وجل)، أنه خالقهم، ورازقهم { إلا وهم ~~مشركون } به: في عبادتهم الأوثان من دون الله (سبحانه)، وفي زعمهم ~~أن له ولدا. تعالى الله عن ذلك. # قال ابن عباس: إذا سألتهم من خلقكم؟، وخلق الجبال والبحار؟ قالوا: الله ~~وهم يشركون به. # قال ابن زيد: ليس أحد يعبد مع الله (سبحانه) غيره إلا وهو مؤمن بالله، ~~ولكنه يشرك به. # ثم قال جل ذكره: { أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من ~~عذاب (الله) } (والمعنى: أفأمن هؤلاء الذين يشركون بالله ms1177 أن تأتيهم ~~غاشية من عذاب الله). ومعنى " الغاشية " المجللة: يجللهم عذابها، ومنه # هل أتاك حديث الغاشية # [الغاشية: 1]. # { أو تأتيهم (الساعة) بغتة }: أي: فجأة، وهم مقيمون على ~~كفرهم، وشركهم. # ثم قال تعالى: { قل هذه سبيلي } الآية والمعنى: قل لهم يا ~~محمد: هذه الدعوة التي أدعوكم إليها، والطريقة التي أنا عليها من الدعاء ~~إلى توحيد الله عز وجل، أدعوكم إلى الله [سبحانه] على بصيرة أي: على ~~منهاج ظاهر، ويقين { أنا ومن اتبعني }. # ثم قال: { وسبحان الله }: أي: وقل يا محمد سبحان الله: أي: ~~تنزيها لله من شرككم، { ومآ أنا من المشركين }. ### || [12.109-111] # قوله: { ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي ~~إليهم } إلى قوله { المجرمين }: والمعنى: ألم نرسل قبلك يا ~~محمد إلا رجالا يوحى إليهم بالأمر، والنهي، والدعاء إلى توحيد الله (عز ~~وجل)، وهم { من أهل القرى } ، أي: من أهل الأمصار دون أهل ~~البوادي. أي: لم نرسل نبيا، ولا ملائكة. # ثم قال (لهم): { أفلم يسيروا في الأرض } ، أي: أفلم يسر ~~المشركون في الأرض، فيعتبرون بمن كان قبلهم من الأمم، الذين كذبوا رسلهم، ~~ويخافون أن يهلكوا بذنوبهم كما هلك من كان قبلهم. # ثم قال: { ولدار الآخرة خير }: أي: الجنة خير لهم لو آمنوا من ~~دار الدنيا. # ثم قال تعالى: { حتى إذا استيأس الرسل } الآية، ومعنى ~~الآية: أنها مردودة على ما قبلها، وهو قوله (تعالى): { ومآ أرسلنا ~~من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل ~~القرى } فالمعنى: حتى إذا استيأس الرسل الذين تقدم ذكرهم، من إيمان ~~قومهم، وأيقن الرسل أن قومهم قد كذبوهم. جاء الرسل نصرنا. فيكون الفعلان ~~" للرسل / " والضميران في " أنهم " ، وجاءهم للرسل أيضا، هذا على قراءة ~~من شدد " كذبوا ". قال هذا التفسير: الحسن، وقتادة وتحتمل هذه ~~القراءة معنى آخر، وهو أن يكون المعنى: حتى إذا استيأس الرسل من إيمان ~~من كذبهم (من) قومهم، وظنوا أن من آمن من قومهم قد كذبوهم، لما لحقهم من ~~البلاء والامتحان، جاء الرسل نصرنا. # (وهذا المعنى مروي من عائشة رضي الله عنها: (روى عروة عنها أنها) قالت: ~~محن ms1178 المؤمنين بالبلاء، والضر حتى ظن الرسل أن المؤمنين قد كذبوهم لما ~~لحقهم, فيكون الظن بمعنى: الشك لا بمعنى اليقين. # فأما المعنى على قراءة من خفف " كذبوا " فعلى تقدير: حتى إذا استيأس ~~الرسل من إيمان قومهم، وظن قومهم أن الرسل قد كذبوا: أي: أخلفوا لما ~~وعدوا به من النصر. جاء الرسل نصرنا. فيكون الظن بمعنى: اليقين، وبمعنى: ~~الشك، وتحتمل هذه القراءة أيضا معنى آخر، وهو أن يكون التقدير: { ~~حتى إذا استيأس الرسل } من إيمان قومهم، وظن قومهم أن ~~الرسل قد كذبتهم. ثم رد إلى ما لم يسم فاعله. # وقد قرأ مجاهد " كذبوا " بفتح الكاف والتخفيف، ومعناه: وأيقن الرسل ~~أن قومهم قد كذبوا في ردهم على الرسل. # وقيل: الظن بمعنى: الشك، وهو للمرسل إليهم. والمعنى: وظن المرسل إليهم ~~أن الرسل كذبوا فيما دعوهم إليه من الإيمان بالله، (عز وجل)، وفيما وعدهم ~~به من النصر عليهم، والانتقام منهم. # وقيل: معناه: حتى إذا استيأس الرسل من عذاب الله (سبحانه) قومها ~~المكذبين لها، وظنت الرسل أن قومها قد كذبوا، وافتروا على الله، ~~(سبحانه)، بكفرهم، جاء الرسل نصرنا. # فالظن على هذا بمعنى اليقين. وقيل: المعنى: استيأس الرسل أن يأتي قومهم ~~العذاب، قال(ه) مجاهد. وعن ابن عباس أن المعنى: وظن الرسل أنهم قد ~~كذبوا، واستشهد على ذلك بقول نوح: # إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق # [هود: 45]، وبقول: إبراهيم، # رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن ~~قال بلى ولكن ليطمئن قلبي # [البقرة: 260] (فيكون) الظن بمعنى الشك. كأن الرسل دخلها شك كما يدخل ~~سائر الخلق. وهذا تأويل فيه رجاء عظيم للمؤمنين، وفيه صعوبة لما أضيف إلى ~~الرسل من الشك، والله أعلم بذلك كله. # وعن ابن عباس أيضا في معنى ظن الرسل أنهم أخلفوا، وهو المعنى المتقدم. ~~قال ابن عباس: كانوا بشرا، يريد أن الأنبياء يعتريهم ما يعتري البشر. # وروى الزهري: (عن عروة بن الزبير) أنه سأل عائشة رضي الله عنها، عن هذه ~~الآية، وقرأها بالتشديد، وقال: قلت لها: قد استيقن (الرسل) أن قومهم قد ~~(كذبوهم)، فقال(ت): أجل، ms1179 قد استيقنوا ذلك. قلت: فلعلها، وظنوا أنهم قد ~~كذبوا بالتخفيف. فقالت معاذ الله لم تكن الرسل لتظن ذلك بربها. قال: قلت: ~~فما هذه الآية؟ فقالت / هم أتباع الرسل الذين آمنوا بهم وصدقوهم، وطال ~~عليهم البلاء، واستأخر عنهم النصر، حتى إذا استيأس الرسل ظن (من كذب بهم ~~من قومهم)، أن أتباعهم الذين آمنوا بهم قد كذبوهم، جاءهم نصر الله عند ~~ذلك. # ومعنى: { فنجي من نشآء } ، (أي): ننجي الرسل، ومن نشاء من ~~عبادنا المؤمنين. وقوله: { لقد كان في قصصهم عبرة } إلى ~~آخر السورة المعنى: لقد كان في خبر يوسف وإخوته عبر لأهل الحجى، والعقول، ~~يعتبرون بها، ويتعظون: كل هذا مخاطبة (ل)قريش، وتنبيه لهم على لطائف ~~الله (سبحانه) في خلقه، وصنعه، إذ ملك (يوسف صلى الله عليه وسلم ملك) مصر ~~بعد أ(ن) بيع بالثمن الخسيس، وبعد طول حبسه، ثم جمع بينه وبين أبويه ~~وإخوته. # { ما كان حديثا يفترى }: أي: ليس لما قصصنا عليك (يا محمد) ~~من خبرهم حديثا يختلق. # { ولكن تصديق الذي بين يديه }: أي: هذا الذي قصصنا ~~عليك يا محمد من خبرهم مصدق لما في التوراة، والإنجيل، والزبور، وشاهد له ~~أنه حق كله. # ثم قال: { وتفصيل كل شيء }: أي: تفصيل كل ما بالعباد إليه ~~الحاجة، من بيان أمر الله (عز وجل) ونهيه وحلاله وحرامه. # { وهدى } لمن آمن به { ورحمة }. والتقدير في نصبه { تصديق } ~~و { تفصيل } إنه على إضمار { كان } أي: ولكن كان { تصديق ~~الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة }: ~~كله نصب، عطف على خبر كان المضمرة. # ويجوز الرفع في جميع ذلك في الكلام على معنى: ولكن هو تصديق الذي بين ~~يديه، وتفصيل (كل شيء)، ورحمة. # فإذا نصبت أضمرت كان، وفيها اسمها مضمر. وإذا رفعت أضمرت هو لا غير. ### | [13 - سورة الرعد] ### || [13.1-2] # قوله: { المر } إلى قوله { توقنون }: قال ابن عباس معناها: أنا ~~الله أرى، وقيل: معناه: أنا الله أعلم، وأرى. # وقوله: { المر تلك آيات الكتاب والذي أنزل إليك ~~(من ربك الحق) } المعنى: يا محمد تلك الآيات التي قصصت عليك ~~خ[برها] ms1180 هي آيات الكتاب التي أنزلت قبل هذا الكتاب، (الذي أنزلته ~~إليك). أعني: بذلك: التوراة والإنجيل، قاله قتادة، ومجاهد. # وقيل: المعنى: هذه آيات الكتاب، يعني القرآن. # ثم ابتدأ فقال: { والذي أنزل إليك من ربك الحق } ~~على وجه الإخبار لمحمد (صلى الله عليه وسلم) أن الذي أنزل إليه، نزله ~~الله عليه هو حق. فعلى هذا المعنى تقف على الكتاب، وعلى القول الأول، لا ~~تقف عليه لأن الإخبار عن / الكتب الثلاثة أنها حق. # ثم قال (تعالى): { والذي أنزل إليك من ربك الحق } ~~أي: وهذا القرآن الذي أنزل إليك من ربك يا محمد! هو الحق أيضا. فاعمل ~~بما فيه، واعتصم به. # قاله قتادة، ومجاهد، فيكون على هذا القول (الكتاب): تمام حسن، ويكون " ~~الذي " (مبتدأ والحق خبره. فإن قدر أن " الذي " في موضع خفض على معنى: ~~وآية { والذي أنزل إليك من ربك } ، كان الوقف على ~~(ربك). وتبتدأ الحق، وترفعه على إضمار مبتدأ: أي: هو الحق، وذلك الحق. # ثم قال تعالى: { ولكن أكثر الناس لا يؤمنون } (أي: ~~لا يؤمنون) بعد وضوح الحق بهذه الآيات. # ثم قال تعالى: { الذي رفع السماوات } الآية. المعنى: أنه ~~أخبرنا تعالى ذكره أن من آياته أن رفع السماوات، فجعلها سقفا للأرض { ~~بغير عمد } مرئية، فهي على عمد، ولكنها لا ترى، فيكون " ترونها " ~~نعتا للعمد. والهاء والألف تعود على العمد، هذا قول ابن عباس وعكرمة، ~~(وهو قول مجاهد). وفي مصحف أبي " ترونه " ، رده على العمد. فهذا يدل على ~~أن لها عمدا لا ترى. قال أبو محمد: وأقول إن عمدها القدرة، فهي لا ترى. # قال ابن عباس: عمدها قاف الجبل الأخضر. # وقال قتادة: ليستعلى عمد، بل خلقها عز وجل، بغير عمد، وهو أولى بظاهر ~~النص، وأعظم في القدرة، ودل عليه قوله: # إن الله يمسك السموت والأرض أن تزولا # [فاطر: 41]: فهذا يدل على أنها غير عمد يمسكها، ولو كان لها عمد لم ~~يمسكها العمد حتى يعتمد العمد على شيء آخر إلى ما لا نهاية له. فالقدرة ~~نهاية ذلك كله. فيكون " ترونها " على هذا القول [حا]لا ms1181 من السماوات: ~~(أي: خلق السماوات مرئية بغير عمد. وتكون " الهاء " و " الألف " تعود على ~~السماوات)، فإذا رجع [الضمير] على العمد احتمل أن يكون المعنى: بغير عمد ~~مرئية البتة، فلا عمد لها. # ويحتمل أن يكون المعنى: بغير (عمد) مرئية لكم: أي: لا ترون العمد. ~~وثم عمد لا ترى، وإذا رجع الضمير على " السماوات " فلا عمد ثم البتة. # ثم قال (تعالى): { ثم استوى على العرش }: أي: علا عليه علو ~~قدرة، لا علو مكان. # ثم قال (تعالى): { سخر الشمس والقمر كل يجري لأجل ~~مسمى }: أي: لوقت معلوم، وذلك إلى فناء الدنيا، وقيام الساعة. ~~فتكور الشمس حينئذ، ويخسف القمر، وتنكدر النجوم التي سخرها في ~~السماء لصالح عباده ومنافعهم فيعلمون بجريها عدد (السنين) والحساب، ~~والأوقات، ويفرقون بين الليل والنهار. ودل تعالى بذلك أنها مخلوقات. إذ ~~كل مدبر مملوك مقهور، لا يملك لنفسه نفعا فيخلصها مما هي فيه. # ثم قال تعالى: { يدبر الأمر }: أي: بحكمه وحده بغير شريك، ولا ~~ظهير. ومن الأمر الذي دبره: خلق السماوات [ب]غير عمد، وسخر الشمس، ~~والقمر والنجوم فيهن. # ثم قال: { يفصل الآيات }: أي: يبين آياته في كتابه لكم، لتقوم ~~بها عليكم الحجة، إن لم تؤمنوا، ثم بين تعالى لم فعل هذا؟ فقال: { ~~لعلكم بلقآء ربكم توقنون }: أي: لعلكم تصدقون بوعده، ~~ووعيده، وتزدجرون عن عبادة الأوثان. ### || [13.3-4] # قوله { وهو الذي مد الأرض } - إلى قوله - { يعقلون }: ~~المعنى: أن الله، جل ذكره، دلهم بعد / أن بين آية السماوات والأرض، أنه ~~هو بسط الأرض طولا وعرضا. # قيل: إنها كانت مدورة فمدت. # { وجعل فيها رواسى } ثابتة: أي: جبالا، والرواسي جمع راسية، ~~وهي الثابتة، وجعل فيها أنهارا للسقي، والشرب، والعسل، وغير ذلك. # ثم قال تعالى: { ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين ~~اثنين }: أي: نوعين، والزوج: الواحد الذي له قرين، والزوج: الصنف، ~~والنوع. # وقال أبو عبيدة، والفراء: والمراد بالزوجين: الذكر والأنثى من كل صنف، ~~وهذا خلاف ظاهر النص، لأنه تعالى إنما ذكر الثمرات، ولم يذكر الحيوان. # فالمعنى: من كل الثمرات جعل صنفين حلوا وحامضا، وأحمر وأبيض، ونحو ذلك ms1182 ~~ودليله قوله: # سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت # [يس: 36] أي: خلق الأصناف كلها من نبات الأرض ومن غيرها. # ثم قال: { يغشى اليل النهار }: أي: يلبس الليل النهار، فذلك ~~كله فيه: آية لمن تفكر فيه، واعتبر، فعلم أن العبادة لا تصلح إلا لمن خلق ~~هذه الأشياء، ودبرها، دون أن يملك ضرا، ولا نفعا. # ثم قال تعالى: { وفي الأرض قطع متجاورات } الآية ~~والمعنى: وفي الأرض قطع متدانيات، وتت[ف]اضل في النبات، فمنها قطعة ~~سبخة، لا تنبت شيئا، وتجاورها قطعة طيبة تنبت. قاله ابن عباس، ومجاهد، ~~وقتادة، والضحاك. # وقيل المعنى: وفي الأرض أمكنة متجاورة تسقى كلها بماء واحد، وهي مختلفة. ~~طعام النبات والثمر: بعضها حلو، وبعضها حامض، وبعضها مر، وبعضها سباخ ~~لا تنبت شيئا. ففي ذلك مع اتفاق شرب جميعها من ماء واحد، دلالة على نفاذ ~~قدرة الله (تعالى)، وتعظيم سلطانه، و [ب]دائع تركيباته سبحانه. # وقيل: في (ال)كلام حذف، والمعنى: وفي الأرض قطع متجاورات وغير ~~متجاورات، ثم حذف لعلم السامع. # وقيل: المتجاورات: المدن، وما كان عامرا، والتي غير متجاورات: الصحاري، ~~وما كان غير عامر. # وقوله ( { صنوان وغير صنوان }: معنى صنوان: النخلة، ~~والنخلتان، والثلاث، والأربع أصلهن واحد)، { وغير صنوان }: ~~النخلة، والنخلتان، والأكثر كل واحدة في أصل متفرق، قاله البراء بن عازب. # وقال ابن عباس: معنى: الصنوان: النخلة التي يخرج من أصلها النخلات، ~~فيحمل بعضه، ولا يحمل البعض. فيكون أصله واحدا، ورؤوسه متفرقة. # { وغير صنوان }: كل واحدة من النخل في أصل واحد. # ومعنى الآية عند الحسن، (رحمة الله عليه)، أنه مثل ضربه الله [تعالى] ~~لقلوب بني آدم، وذلك أن الأرض كانت في يد الرحمن طينة واحدة، فبسطها، ~~وبطحها فصارت قط[عا] متجاورات. فينزل عليها الماء، فتخرج هذه زهرتها، ~~وثمرتها، وشجرها، وتخرج هذه ملحها، وسبخها، وخبثها: وكلتاهما تسقى بماء ~~واحد. فلو اختلف(ت) مياهها لقيل: إنما وقع الاختلاف لأجل الماء، كذلك ~~الناس خلقوا من آدم. # وينزل عليهم من السماء ماءا: يذكرهم فترق قلوب، وتخشع قلوب / وتخضع، ~~وتقسو قلوب، وتلهو وتسهو. # قال الحسن: والله ما جالس القرآن أحد، إلا ms1183 قام من عنده بزيادة، أو ~~نقصان. دليله قوله: # وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة ~~للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا # [الإسراء: 82]. # قال أبو محمد، رضي الله عنه، هذه الآية نبه الله تعالى (فيها على) قدرته ~~وحكمته، وأنه المدير للأشياء كلها. وذلك أن الشجرة تخرج أغصانها، وثمارها ~~في وقت معلوم لا تتأخر عنه، ولا تتجاوزه. فدل ذلك على مدبر فعل ذلك. إذ ~~لا يقدر الشجر على ذلك، ثم يتصعد الماء في ذلك الوقت علوا علوا، وليس ~~من طبعه إلا التسفل. فدل ذلك على مصعد صعده، إذ لا يقدر الماء والشجر ~~على ذلك، ثم يتفرق ذلك الماء في الورق والأغصان، والثمرة كل بقسطه، وبقدر ~~ما فيه صلاحه، فدل ذلك على مقسم قسمة، ومجزئ جزأه على العدل والقوام. ~~ثم تختلف طعوم الثمرات والماء واحد. والشجر جنس واحد. فدل ذلك على مدبر ~~(دبر) ذلك، وأحكمه لا يشبه المخلوقات: فهذا وأشباهه يدل على توحيد الخالق ~~بالعقول، وإفراده بالقدرة على كل شيء وبالحكمة واللطف في أفعاله بالرسل. # إنما أكدت هذا الذي هو ظاهر للعقول من إيجاب التوحيد، وإثبات الصانع ما ~~بينت الرسل من الشرائع. # وكل القراء كسر الصاد من " صنوان " ، إلا ما رواه (أ)بو شعيب: عن حفص، ~~(عن عاصم) أنه قرأ بضم الصاد فيهما. # وهي لغة (بني) تميم، وقيس. والكسر لغة أهل الحجاز، وواحده صنو ~~كقنوان، واحده. قنو، ونسوان: واحده نسوة، ولا يعتد بالهاء. # وحكى سيبويه " قنوان " بالضم. # ثم قال تعالى: { يسقى بمآء واحد }: (أي: يسقى ذلك بماء واحد) ~~من السماء، (و) بعضها يفضل بعضا في الأكل: كالحلو، والحامض، والمر. # قال ابن جبير: هي الأرض الواحدة يكون فيها الخوخ، والكمثري، والعنب ~~الأبيض، والأسود، ويكون بعضها أكثر في الحمل من بعض. # والأكل: الثمر الذي يؤكل. # ثم قال تعالى: { إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون }: أي: ~~(إن) في اختلاف مطاعم هذه الشجر على ما تقدم وصفه لآيات: لعلامات لقوم ~~يعقلون فيستدلون على أن الذي خالف بين هذه الشجر في الطعم والماء واحد، ~~والأرض واحدة: لهو الذي يقدر ms1184 على مخالفة أحوال خلقه، فيقسم لهذا هداية، ~~ولهذا ضلالة، وتوفيقا لهذا، وخذلانا لهذا. ولو شاء لسوى بين (جميع) ~~طعم ثمر الشجر كله. كذلك لو شاء [الله] لسوى بين جميع الخلق في الهداية، ~~أو في الضلالة. ### || [13.5-6] # قوله: { وإن تعجب فعجب قولهم } - إلى قوله - { لشديد ~~العقاب } المعنى: { وإن تعجب } يا محمد من هؤلاء المشركين، ~~فعجب إنكارهم للبعث. # قال قتادة: عجب الرحمن من تكذيبهم البعث بعد الموت. # وقال ابن زيد: المعنى: أن تعجب يا محمد من / تكذيبهم لك، وقد رأوا قدرة ~~الله، عز وجل في الحياة، وفي جميع ما ضرب لهم به الأمثال، فعجبا إنكارهم ~~البعث. على معنى: فذلك من فعلهم مما يجب لكم أن تعجبوا منه. # وقد قرأ الكسائي # بل عجبت ويسخرون # [الصافات: 12] بضم التاء على أحد المعنيين المذكورين. ثم أخبرنا ~~الله، عز وجل، أن من أنكر البعث، بعدما بين له من الآيات الدالات على ~~قدرة الله، (سبحانه) فالأغلال في أعناقهم يوم القيامة، وأنهم أصحاب النار ~~خالدين فيها. # وقيل: الأغلال: أعمالهم، كما تقول للرجل عمل عملا سيئا: " هذا غل في ~~عنقك " ، فسمي العمل السيء بالغل، لأنه سبب إلى الغل. # ثم قال تعالى: { ويستعجلونك بالسيئة (قبل ~~الحسنة) } الآية. # والمعنى: يستعجلك يا محمد، مشركو قومك بالعذاب والعقوبة، قبل الرخاء ~~والعافية، فيقولون: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك # [الأنفال: 32] - الآية وهم يعلمون ما حل بالأمم قبلهم من العقوبات وهو ~~قوله: { وقد خلت من قبلهم المثلات }: أي: العقوبات في ~~الأمم الماضية على تكذيبهم الرسل، فهلك قوم بالخسف، وقوم بالرجفة، وقوم ~~بالغرق في أشباه لذلك من العقوبات. # قال قتادة: المثلات: وقائع الله، عز وجل في الأمم الماضية. # وقال الشعبي: المثلات: القردة والخنازير. # ثم قال (تعالى): { وإن ربك لذو مغفرة للناس على ~~ظلمهم }: أي: لذو ستر على ذنوبهم، وهم ظالمون. # { وإن ربك لشديد العقاب } (أي):، لمن مات مصرا على ~~كفره. # ولما نزلت هذه الآية، قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " لولا عفو الله، ورحمته، وتجاوزه ما هنأ لأحد عيش، ولولا عقابه، ~~ووعيده، وعذابه لا تكل ms1185 كل واحد ". # وقال ابن عباس: ما في كتاب الله، (عز وجل) آية أرجى من قوله: { ~~وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم }. # (وقيل: المعنى) هو أن العبد يمحو الله بحسنته عشر سيئات، وإذا هم ~~بالحسنة كتب له، وإن لم يعملها. ### || [13.7-9] # قوله: { ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية ~~من ربه إنمآ أنت منذر } إلى قوله { المتعال } ~~المعنى: أن الله عز وجل أخبرنا أن المشركين يقولون هلا أنزل على محمد ~~آية، تدل على نبوته، وهي قوله: # لولا أنزل عليه كنز أو جآء معه ملك # [هود: 12]. # ثم قال الله عز وجل، لنبيه عليه السلام: { إنمآ أنت منذر } لهم ~~لا غير. ثم قال تعالى: { ولكل قوم هاد }: أي: ولكل أمة هاد، ~~يهديهم؛ إما إلى هدى، وإما إلى ضلال، دليله قوله: # وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا # [الأنبياء: 73]، وقوله: # وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار # [القصص: 41] # وقال قتادة: معناه: ولكل قوم داع يدعوهم إلى الله (سبحانه). # فأنت يا محمد داعي هؤلاء. فمحمد، عليه السلام، هو الهادي، وهو المنذر. # وقال ابن جبير: الهادي هو الله، (عز وجل)، والمعنى: إنما أنت يا محمد ~~منذر، ولكل قوم اهتدوا هاد يهديهم، وهو الله (تعالى). # (و) قال مجاهد: المنذر: النبي صلى الله عليه وسلم، والهادي / الله (عز ~~وجل)، وقال(ه) ابن عباس، والضحاك. # وقال أبو صالح: معناه: ولكل (قوم) قادة يقودونهم، إما إلى هدى، وإما إلى ~~ضلال. # وعن ابن عباس رضي الله عنه معناه: ولكل قوم داع يدعوهم إلى الله تعالى. # ثم قال تعالى (جل ذكره): { الله يعلم ما تحمل كل أنثى ~~} الآية المعنى: إنه ذكر عن قريش أنهم ينكرون البعث، فذكرهم بعلمه { ما ~~تحمل كل أنثى } ، وما يزيد الرحم في حمله على التسعة أشهر، وما ~~ينقص من التسعة أشهر. وإن من علم هذا قادر على إعادتكم بعد موتكم، ~~لأن الابتداء أصعب من الإعادة. # { وكل شيء عنده بمقدار }: أي: قدره، ودبره، فلا تنكروا ~~البعث بعد الموت. # وقال قتادة: { تغيض الأرحام }: هو ما يسقط من الأولاد قبل ~~التسعة. # وقال مجاهد: الغيض: النقصان، وذلك ms1186 أن المرأة إذا أهرقت الدم، وهي حامل ~~(انتقص) المولود، وإذا لم تهرق الدم، عظم الولد وتم. وقال أيضا " (إذا ~~حاضت) المرأة في حملها كان (ذلك) نقصانا في ولدها. فإن زادت على تسعة ~~أشهر كان ذلك تماما لما نقص من ولدها. # وقال الحسن: الغيض أن تضع لثمانية أشهر، وأقل الازدياد أن تز(ي)د على ~~تسعة أشهر. # وعنه: (أيضا) أنه قال: (الغيض الذي يولد لغير تمام، وهو السقط. ~~والاز(د)ياد: ما ولد لتمام كقوله: # مخلقة وغير مخلقة # [الحج: 5]: أي تامة وغير تامة. # وقال ابن جبير: إذا حملت المرأة، ثم حاضت نقص ولدها، ثم تزداد في الحمل ~~مقدار ما جاءها الدم فيه، فتزيد على تسعة أشهر مثل أيام الدم. # وقال عكرمة: غيضها: الحيض على الحمل، { وما تزداد } قال: تزداد كل ~~يوم حاضته في حملها يوما طاهرا في حملها حتى توفي عدة حملها، وهي ~~طاهرة. # وعن مجاهد أيضا: غيضها دون التسعة أشهر، والزيادة فوق التسعة أشهر. ~~واجتمع العلماء على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر. # واختلفوا في أكثره. فقال قوم: أكثره سنتان، وهو مروي عن عائشة (رضي الله ~~عنها). # وروي عن الضحاك بن مزاحم، وهرم بن حيان أنهما قاما كل واحد منهما في بطن ~~أمه سنتين. # وقال الليث بن سعد: أكثر الحمل ثلاث سنين. # وحكي أن مولاة لعمر بن عبد العزيز، (رضي الله عنه) حملت ثلاث سنين. # وقال الشافعي مدته: أربع سنين. # وروي عن مالك: مثل قول الشافعي (رضي الله عنهما). # وروي أيضا عن مالك أنه قال: خمس سنين، وحكي عن امرأة ابن عجلان أنها ~~كانت تحمل خمس سنين. # وقال الزهري: المرأة تحمل ست سنين، وسبع سنين. # وقال قوم: لا يجوز التحديد (في هذا)، ومذهب الشافعي /، ومالك: أن الحامل ~~تحيض. # وقال عطاء، والشعبي، والحكم، وحماد، وغيرهم: الحامل لا تحيض، ولو حاضت ~~ما جاز أن تستبرىء الأمة بحيضة، واستبراء الأمة (بحيضة) إجماع. فلا يعترض ~~به على من أجاز حيض الحامل، لأن الأمة خرجت بالإجماع على استبرائها ~~بحيضة. # ثم قال تعالى (جل جلاله): { عالم الغيب والشهادة }: أي: ~~يعلم ms1187 ما غاب عن الأنظار، وما ظهر الكبير: أي: العظيم في ملكه. # { المتعال }: أي: المستعلي على جميع الأشياء بقدرته. ### || [13.10-11] # قوله: { سوآء منكم من أسر القول ومن جهر به ~~} - إلى قوله - { من وال } قوله: سواء منكم، [هو مصدر]، مرفوع لأنه ~~خبر ابتداء مقدم، ومن في الموضعين رفع بالابتداء، (لأن) " سواء " يطلب ~~اسمين، و " من " الثانية مرفوعة بالابتداء أيضا، والتقدير: وسواء، كما ~~تقول: رجل عدل، أي: ذو عدل، وتقول: سواء زيد وعمرو، أي: ذو سواء، زيد، ~~وعمرو. إنما احتجت إلى هذا الإضمار، لأن سواء مصدر ولا يرتفع، إذا كان ~~الاسم بعده إلا على حذف، لأن الخبر ليس هو الابتداء، إلا أن تضمر، فيكون ~~الخبر هو الابتداء في المعنى، ويكون فيه ذكر يعود على الابتداء، وهذا في ~~الحذف كما قالت الخنساء: " فإنما هي إقبال وإدبار: أي: ذات إقبال وإدبار. ~~وإن كان في موضع هذا المصدر اسم فاعل، لم يحتج إلى إضمار لأنه يكون هو ~~الاسم المبتدأ، وليس المصدر هو الاسم المبتدأ. وقد كثر استعمالهم " لسواء ~~" ، حتى جرى مجرى أسماء الفاعلين، ويجوز أن يرتفع " سواء " على أن يكون ~~في موضع " مستو ". ويكون أيضا خبرا مقدما، كالأول، لكن يكون هو ~~الابتداء (في) المعنى: فيستغنى (عند سيبويه)، عن الإضمار، وقبيح عند ~~سيبويه أن يكون مبتدأ، لأن النكرات لا يبتدأ بها، وإن كانت اسما لفاعلين ~~لضعفها عن الفعل. # وقد جمعوا " سواء " على " أسوأ " قال الشاعر: # ترى القوم أسواء إذا جلسوا معا # وفي القوم زيف مثل زيف الدراهم # ومعنى الآية: معتدل منكم عند الله عز وجل، أيها الناس: الذي أسر القول، ~~والذي جهر به، والذي يستخفي بالليل، وبظلمته بمعصية الله (سبحانه)، والذي ~~يظهر بالنهار في المعصية، وفي غيرها. كل ذلك عند الله (سبحانه) سواء لا ~~يخفى عليه منه شيء. # ويقال: هو آمن في سربه، وسربه، بالفتح والكسر. والسارب في الآية: ~~الظاهر وقيل: السارب المستخفي، من قولهم: انسرب الوحش: إذا دخل كناسه، ~~قال(ه) قطرب. وأكثر الناس على أن السارب: الظاهر، لأنه عديل المستخفي ~~المتواري، والسارب: الظاهر. # ثم قال تعالى: ms1188 { له معقبات من بين يديه ومن ~~خلفه } - الآية: قيل المعنى (لله عز وجل) معقبات، وهي الملائكة / ~~تتعاقب على ابن آدم بالليل والنهار. فالهاء في " له " لله، والهاء في " ~~يديه " و " خلفه: للمستخفي بالليل، والسارب بالنهار. # وقيل: الهاء في " له " تعود على " من " وهو المستخفي. ومعنى: من خلفه: " ~~من وراء ظهره ". # وروي أن عثمان بن عفان: رضي الله عنه، # " سأل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! أخبرني عن العبد ~~كم معه ملكا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ملك على يمينك على حسناتك، ~~وهو أمين على الذي على شمالك. فإذا فعلت حسنة كتب عشرا. (و) إذا عملت ~~سيئة قال الذي على الشمال للذي على اليمين: اكتب، فيقول له: لعله يستغفر ~~الله، ويتوب. فإذا لم يتب منها، قال: نعم اكتب أراحنا الله منه، فبئس ~~القرين ". # ما أقل مراقبته لله عز وجل، وأقل استحياء! يقول الله (تعالى): # ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد # [ق: 18]، وملكان من بين يديك، ومن خلفك. يقول الله تعالى: { له ~~معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من ~~أمر الله } وملك قابض على ناصيتك، فإذا تواضعت لله رفعك، وإذا ~~تجبرت على الله قصمك، وملكان على شفتيك ليس يحفظان عليك إلا الصلاة على ~~النبي (محمد) صلى الله عليه وسلم. وملك قائم على فيك لا يدع أن تدخل ~~الحية في فيك، وملكان على عينيك: فهؤلاء عشرة أملاك، على كل آدمي ينزلون ~~ملائكة الليل على ملائكة النهار، لأن ملائكة الليل ينيبون ملائكة النهار. ~~فهؤلاء عشرون ملك[ا] على كل آدمي، وإبليس بالنهار، وولده بالليل. # وروي أنهم يجتمعون عند صلاة العصر، وصلاة الصبح. # وعن ابن عباس، وعكرمة: أن المعقبات (هنا): الحرس الذين يتعاقبون على ~~الأمراء من بين أيديهم ومن خلفهم. # قال الضحاك: هو السلطان يتحرس من الله (سبحانه). # وقال عكرمة: هي المواكب بين يدي الأمراء وخلفهم. # فتكون الهاء في " له " على هذا التأويل " لمن ". وهو المستخفي بالليل، ~~والسارب بالنهار. فوصفه الله (عز وجل)، أنه قد جعل لنفسه حرسا يحفظونه ms1189 ~~من حدوث أمر الله به، لجهله بالله (سبحانه). وإن ذلك لا يرد عنه شيئا. ~~وهذا القول اختيار الطبري: أن تكون المعقبات الحرس، والأعوان مع الأمراء، ~~لأن " له " أقرب من ذكر المستخفي منه من ذكر الكبير المتعال. ويدل على ~~صحة هذا المعنى قوله بعد ذلك: { وإذا أراد الله بقوم ~~سوءا فلا مرد له }: أي: ليس ينفع هذا المذكور حرسه، وتعاقبهم ~~عليه. ولا يرد ذلك عنه أمر الله (سبحانه) وقدره إذا أتاه. فالمعنى على ~~هذا: أن الله، عز وجل، ذكر أن أهل معصيته يستخفون بالمعاصي بالليل، ~~ويظهرون بالنهار، ويتمنعون عند أنفسهم بالحرس، تحرسهم، وتتعاقب عليهم. # ثم أخبرنا تعالى جل ذكره، أنه إذا / أراد بهم سوءا، وعقوبة لم ينفعهم ~~حرسهم شيئا. # واختار النحاس القول الأول، وهو أن يكون (المعقبات): (الملائكة) على ما ~~تقدم ذكره، واحتج فيه (بما) رواه أبو هريرة من حديث مالك بن أنس رضي الله ~~عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: # " لله ملائكة يتعاقبون فيكم بالليل والنهار " # الحديث. # ومن جعل (المعقبات) ملائكة كان قوله من أمر الله على وجهين: # أحدهما: أن تكون " من " بمعنى الباء، أي: يحفظونه بأمر الله لهم أن ~~يحفظوه حتى يأتيه ما قدر عليه، فلا ينفع حفظهم إياه من قدر الله (سبحانه) ~~إذا جاءهم (وهو) قول ابن جبير. # والثاني: أن يكون المعنى له معقبات من أمر الله: من بين يديه ومن خلفه، ~~أي: المعقبات { من أمر الله } هي: { يديه } ، وهو قول ابن ~~عباس، ومجاهد، وابن جريج. فتكون " من " متعلقة " بمعقبات " ، وهي لبيان ~~الجنس. وعلى القول الأول: " من " بمعنى الباء، وهي متعلقة ب " يحفظونه ~~": أي: حفظهم له بأمر الله كان، وإنما يحفظونه مما لم يقدر عليه. # وقيل: أمر الله هنا: الجن، أي: يحفظونه من الجن. فتكون " من " على بابها ~~متعلقة بالحفظ. # ومن جعل " المعقبات " حرس الملوك، وأعوانهم، كانت " من " على بابها ~~متعلقة ب " يحفظونه ". والمعنى: { يحفظونه } من قدر الله على ~~قولهم، وظنهم، ولا ينفع ذلك لأن الله إذا أراد بقوم سوءا فلا مرد له. # قال مجاهد: ما ms1190 من عبد إلا له ملك موكل بحفظه في نومه ويقظته من الجن ~~والإنس والهوام. فما يأتيه منها شيء إلا قال له: وراءك. # وقال ابن جريج: معنى من أمر الله: أي: يحفظون عليه عمله، وتقديره: له ~~ملائكة، تتعاقب عليه من أمر الله، هي: تحفظ عمله فيه. فحذف العمل، واتصل ~~المضاف إليه (ب)يحفظونه مثل: # وسئل القرية التي # [يوسف: 82]، ومثل: # وهو واقع بهم # [الشورى: 22]: أي: وعقابه واقع بهم، فحذف العقاب، وقامت الهاء مقامه، ~~فقام ضمير مرفوع، لأن المحذوف مرفوعا كان. # وقال الحسن: المعنى: يحفظونه عن أمر الله، " فمن " بمعنى: " عن " ، ~~والمعنى: حفظهم إياه عن أمر الله، كان، لا من عند أنفسهم. # ثم قال تعالى: { إن الله لا يغير ما بقوم حتى ~~يغيروا ما بأنفسهم } إلى قوله - { وال }: الهاء في قوله: ~~{ فلا مرد له } تعود على السوء، وقيل: على الفرد، وقيل: تعود على ~~الله. أي لا مرد (لله سبحانه: أي: لا راد له عن مراده. والمعنى: إن الله، ~~(عز وجل) لا يغير ما بإنسان من نقمة، وكراهة ابتدأه بها، حتى يغير ما ~~بنفسه من ظلمه، وتعديه، وتركه ما أمر به. فإذا غير وقعت به العقوبة. # وقيل: المعنى: أن الله لا يغير ما بقوم مؤمنين صالحين، فيسميهم كافرين ~~إلا أن يفعلوا ما ي(و)جب ذلك. # ويروى أن هذه الآيات { سوءا فلا } - وما بعده - نزلن في عامر بن ~~الطفيل، وأربد بن قيس، # " وذلك أن وفد بني عامر / قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم، وفيهم ~~عامر (بن الطفيل)، وأربد بن قيس. وكان في نفس عامر الغدر برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. وكان من رؤساء قومه فقال عامر لأربد: إذا قدمنا على ~~الرجل، فإني شاغل عنك وجهه. فإذا فعلت ذلك فاعله بالسيف. فلما قدموا ~~على النبي صلى الله عليه وسلم، قال عامر: يا محمد خالني، قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: لا والله حتى تؤمن بالله وحده لا شريك له، فكرر عامر على ~~النبي ذلك، والنبي يقول له: حتى تؤمن بالله وحده لا (شريك) له، وعامر ~~ينتظر ms1191 من أربد ما كان أمر به، وجعل أربد لا يجيز شيئا. فلما رأى عامر ~~أربد لا يفعل شيئا، وأبى النبي صلى الله عليه وسلم، أن يخاليه، قال: ~~(النبي) عليه السلام: والله لأملأنها عليك خيلا ورجلا، فلما ولى (من ~~عند) النبي صلى الله عليه وسلم. قال عامر لأربد: ويلك يا أربد! أين ما ~~كنت أمرتك به. والله ما كان على وجه الأرض رجل أخوف عندي منك على نفسي ~~منك: وأيم الله (لا أخافك بعد اليوم أبدا. قال له أربد: ويلك لا تعجل ~~علي وأيم الله) ما هممت بالذي أمرتني به إلا دخلت بيني وبينه حتى ما أرى ~~غيرك، فأضربك بالسيف. فخرجوا راجعين إلى بلادهم حتى إذا كانوا ببعض ~~الطريق بعث الله (عز وجل) على عامر بن الطفيل الطاعون في عنقه، فمات في ~~بيت امرأة من بني سلول، فجعل يقول: يا بني عامر! أغدة كغدة ~~البعير، وموتا في بيت امرأة من بني سلول، ثم خرج أصحابه بعده حتى قدموا ~~أرض بني عامر، فأتاهم قومهم، فقالوا: ما وراءك يا أربد؟ قال: لا (شيء) ~~لله! لقد دعانا محمد إلى عبادة شيء، لوددت أنه عندي الآن فأرميه بالنبل ~~حتى أقتله، فخرج أربد بعد مقالته هذه بيوم، أو يومين، معه جمل له يبيعه، ~~فأرسل الله (عز وجل) عليه صاعقة، فأحرقته وجمله ". ### || [13.12-14] # قوله: { هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا } إلى قوله ~~{ إلا في ضلال } البرق: مخاريق من حديد بأيد(ي) الملائكة تضرب ~~بها. هذا قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه. # وقال مجاهد: الملائكة تضرب بأجنحتها، فمن ذلك البرق. وقد تقدم شرح هذا ~~بأشبع من هذا. فالمعنى: الله يريكم البرق خوفا للمسافر من أذاه، وطمعا ~~للمقيم لينتفع (به)، والبرق هنا على قول ابن عباس: الماء. # وقيل: الآية مخصوصة، والمعنى: خوفا لمن لا يحتاج إليه كمصر، وشبهها ~~التي لا تحتاج إلى المطر. وكونه فيها ضر عليها، " وطمعا " لمن يحتاج ~~إليه، ويرجو الانتفاع به. # وقيل: الآية على العموم لكل من خاف، أو طمع. # وقيل: المعنى: خوفا من الصواعق ms1192 (وطمعا بالمطر). # " وقال الضحاك: أما الخوف فما يرسل الله معه من الصواعق " ، وأما الطمع ~~فما نرجو فيه من الغيث. # ثم قال (تعالى): { وينشىء السحاب الثقال }: بالمطر، أي: ~~ويثير السحاب الثقال بالمطر، وبيديه. يقال: أنشأ الله السحاب / أبداه، ~~والسحاب: جمع سحابة. ولذلك قال (الثقال) ولو كان موحدا لقال: الثقيل. # ثم قال (تعالى): { ويسبح الرعد بحمده } قال مجاهد: ~~الرعد: ملك يزجر السحاب. # وقال أبو صالح: الرعد (ملك) يسبح. # وقال شهر بن حوشب: الرعد: ملك موكل بالسحاب، يسوقه كما يسوق الحادي ~~الإبل. فكلما خالفته سحابة صاح (بها)، فإذا اشتد غضبه طارت النار من فيه. ~~فذلك الصواعق الذي رأيتم. # وقال ابن عباس: الرعد: ملك اسمه (الرعد)، (وهو) الذي تسمعون صوته. وكان ~~ابن عباس إذا سمع الرعد قال: سبحان الذي سبحت له. وكان يقول: الرعد: ملك ~~ينعق بالغيث، كما ينعق الراعي بغنمه. # وروى مجاهد، عن ابن عباس (أنه قال): الرعد (اسم ملك) وصوته هذا تسبيحه، ~~فإذا اشتد زجره للسحاب اضطرب السحاب من خوفه فيحتك. فتخرج الصواعق من ~~فيه. # وسئل علي رضي الله عنه عن الرعد: فقال: هو ملك، وسئل عن البرق، (فقال): ~~مخاريق بأيدي الملائكة تزجر السحاب. # وعن الضحاك أنه قال: الذي يسمع تسبيح الملك، واسمه الرعد. # قال مجاهد: الرعد: ملك يزجر السحاب بصوته. # وعن ابن عباس، رضي الله عنه أن الرعد: ريح يختنق تحت السحاب، فتتصاعد ~~فيكون منها ذلك الصوت. # وعنه أيضا أنه، قال: البرق: ملك يتراءى. وأكثر المفسرين على أنه ملك ~~كما تقدم. # " وكان النبي صلى الله عليه وسلم، إذا سمع الرعد الشديد، قال: اللهم لا ~~تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك " # وهذا الدعاء يدل على أنه صوت ملك. # " وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يقول إذا سمع الرعد: ~~سبحان من يسبح الرعد بحمده " # فهذا يدل على أن الرعد ملك. # وكان ابن عباس، وعلي (رضي الله عنهما) يقولان إذا سمعا الرعد: سبحان من ~~سبحت له، فهذا يدل على أنه ملك. # ومعنى { ويسبح الرعد بحمده }: أي: " يعظم الله ms1193 ويمجده، ~~ويثنى عليه بصفاته. وحكي عن العرب سبحان من يسبح الرعد بحمده، يريدون ~~(من) فأقعوا (ما)، مكان " من ". # ثم قال: { والملائكة من خيفته }: أي: وتسبح الملائكة من ~~خيفته، أي: من رهبته. # وروي أن خوف الملائكة ليس كخوف بني آدم، لأن طائفة من الملائكة ساجدون، ~~منذ خلقوا، باكون، ومنهم طائفة يسبحون ويهللون، لا يعرف أحدهم من على ~~يمينه، ولا من على شماله، ولا يشغلهم عن عبادة الله، (عز وجل) شيء. # قال الله عز وجل عن الملائكة: # يسبحون اليل والنهار لا يفترون # [الأنبياء: 20]: فعلى قدر أعمالهم واجتهادهم، كذلك خوفهم. # وقوله: { ويرسل الصواعق }: الصاعقة من النار التي تخرج من فم ~~الرعد / إذا غضب، فقد تقدم ذكرها بأشبع من هذا في سورة البقرة. # وهذه الآية نزلت في يهودي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: ~~أخبرني عن ربك: من أي شيء هو؟ من لؤلؤ أو ياقوت. فجاءت صاعقة، فأخذته ~~فأنزل الله عز وجل: { ويرسل الصواعق فيصيب بها من ~~يشآء }. # ودل على هذا القول قوله: { وهم يجادلون في الله }: فالضمير ~~في " هم " لليهودي، وجمع لأن له أتباعا على قوله ومذهبه. # وروي أنها نزلت في رجل من فراعنة العرب، وهو أربد، وجه إليه النبي صلى ~~الله عليه وسلم، يدعوه إلى الله، فقال: وما الله؟ أمن ذهب هو أم من ~~فضة؟ أم من نحاس؟ فأخبر النبي عليه السلام بذلك. فدعاه ثانية، فبينما ~~النبي عليه السلام يراجع الكافر في الدعاء إلى الله سبحانه، إذ بعث الله ~~سحابة بحيال رأس الكافر، فرعدت، فوقعت منها صاعقة، فذهبت بقحف ~~رأسه، فأنزل الله عز وجل: { ويرسل الصواعق فيصيب بها من ~~يشآء } الآية. # وقال قتادة: (أنكر رجل) القرآن، وكذب النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل ~~الله، (عز وجل) عليه صاعقة، فأهلكته، فنزلت الآية فيه. # وقال ابن جريج: نزلت في أربد أخي لبيد بن ربيعة، هم هو، وعامر بن ~~الطفيل بقتل النبي صلى الله عليه وسلم. فبعث الله تعالى عليه صاعقة ~~فاحترق. # ومعنى قوله: { وهو شديد المحال } قال علي (بن أبي طالب) ms1194 عليه ~~السلام: " شديد الأخذ ". # وقال مجاهد: (رحمه الله): " شديد القوة ". # وقال قتادة (رحمة الله عليه): المحال: " القوة والحيلة ". # وقال ابن عباس (رضوان الله عليه): " شديد الحول ". # وقال الحسن: (نضر الله وجهه): شديد المكر، من قولهم: محل به: إذا مكر ~~به، ومن جعله من الحول، والحيلة، فالأشبه بقراءته أن يقرأ بفتح الميم، ~~لأن الحيلة لا يأتي مصدرها إلا بفتح الميم نحو: محالة، ومنه قولهم: " ~~المرء يعجز لا محالة ". # وبه قرأ الأعرج فأما من كسر الميم فهو مصدر من: " ماحلت فلانا، مماحلة، ~~ومحالا، فالمماحلة بعيدة المعنى من الحيلة. # فإذا جعلته من الحول فوزنه " مفعل " ، وأصله " محول " ثم قلبت ~~حركة الواو على الحاء، وقلبت الواو ألفا كاعتلال " مقال " و " محال ". ~~وإن جعلته من " محال " فوزنه " فعال " لا اعتلال فيه. # ثم قال تعالى: { له دعوة الحق } وهي شهادة ألا إله إلا الله، ~~قاله ابن عباس، وقتادة. # وقال علي رضي الله عنه: هي التوحيد. # وقال ابن زيد رحمه الله: هي لا إله إلا الله، ليست تنبغي لأحد إلا الله. # ثم قال تعالى: { والذين يدعون من دونه } الآية: أي: ~~والآلهة التي يدعوها المشركون من دون الله (سبحانه) لا تجيب من دعاها ~~بشيء من النفع، والضر، ولا ينتفع / بها إلا كما ينتفع الذي يبسط كفيه إلى ~~الماء. ليأتيه من غير أن يرفعه، فلا هو ببالغ فاه، ولا نافعه كذلك. هذه ~~الآلهة التي يدعون هؤلاء العرب. فضرب المثل لمن طلب ما لا يبلغه بالقابض ~~على الماء. # قال علي، رضي الله عنه " معناه ": كالرجل العطشان مد يده إلى البئر ~~ليرتفع الماء إليه، وما هو ببالغه، ولا نافعه، كذلك هذا الذي يدعو من دون ~~الله. # وقال مجاهد (رضي الله عنه) معناه: يدعو الماء بلسانه، ويشير إليه بيده، ~~فلا يأتيه أبدا، أي: فهذا الذي يدعو من دون الله، هو الوثن، وهذا الحجر ~~لا يستجيب له بشيء أبدا، ولا يسوق إليه خيرا، ولا يدفع عنه شرا: كمثل ~~هذا (الذي) بسط ذراعيه إلى الماء { ليبلغ فاه } (وما) يبلغ فاه ~~أبدا. # وروي عن ابن ms1195 عباس أن المعنى: هذا الذي يدعو الآلهة، كمثل من بسط كفيه ~~إلى الماء، ليتناول خياله فيه، وما هو ببالغه أبدا، ولا يأخذه. # وقيل المعنى: إن هؤلاء الذين يعبدون الآلهة لا ينتفعون بها، إلا كما ~~ينتفع من بسط كفيه إلى الماء يدعوه ليأتيه، وهو لا يأتيه أبدا، ولا ~~ينتفع به. فكذلك لا ينتفع بعبادة الآلهة. وهذا كله ضرب مثلا لمن يعبد ~~غير الله، جل ذكره. # (وقيل معنى): مثل من يعبد الأصنام كمثل من يفيض على الماء، ليبلغ فاه، ~~فلا يحصل له نفع من ذلك. ### || [13.15-16] # قوله: { ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا ~~وكرها } إلى قوله { الواحد القهار }: المعنى فإن امتنع ~~هؤلاء الذين يدعون الآلهة من دون الله من الطاعة (والإخلاص لله عز وجل) ~~فلله عز وجل، يسجد من في السماوات من الملائكة، ومن في الأرض من ~~المؤمنين طوعا)، ويسجد (الكافرون) كرها، حين يكرهون على ذلك. فيدخلون ~~في الدين كارهين، قاله قتادة. # وعنه أنه قال: أما المؤمن يسجد طائعا، وأما الكافر فيسجد كارها، فيسجد ~~لله حين لا ينفعه. # وقال ابن زيد: { كرها }: من لم يدخل الإسلام إلا بالسيف، فأول دخوله ~~كرها، { طوعا }: من دخله طائعا، أي: من أسلم طائعا. # وقال الزجاج: جائز أن يكون السجود بالخضوع لله. فمن الناس من يخضع، ~~ويقبل أمر الله (سبحانه) طائعا، ومنهم من يقبله وإن كان كارها (له). # وقيل: معناه: إن عباد الله الصالحين يسجدون لله، والكفار يسجدون خوف ~~القتل. # وقيل: المعنى: وبعض من في الأرض يسجد، وبعض المؤمنين طائعين، قد سهل ذلك ~~عليهم، وبعضهم يكره نفسه على ذلك لله (سبحانه). # وقيل: السجود هنا الخضوع لتدبير الله عز وجل في جميع خلقه: من صحتهم، ~~وسقمهم، وتصرفهم، (فهم) منقادون لذلك أحبوا، أو كرهوا لا حيلة لهم في دفع ~~ذلك. وظلالهم أيضا منقادة لتدبير الله (عز وجل) وإجرائه الشمس / بزيادة ~~الظل، ونقصانه وزواله. # وقال ابن عباس: يعني: حين يفيء ظل أحدهم عن يمينه، وشماله. # قال أبو العالية: ما في السماء من شمس، ولا قمر، ولا نجم يقع لله ms1196 ~~(سبحانه) ساجدا حين يغيب، فما ينصرف حتى يؤذن له. # وقال مجاهد: ظل المؤمنين يسجد لله طوعا، وهو طائع، وظل الكافر يسجد ~~طوعا، وهو كاره. # والآصال: جمع أصل، والأصل (جمع أصيل) كرغيف ورغف. والأصيل: ما بين العصر ~~إلى مغرب الشمس. # ثم قال تعالى: { قل من رب السموت والأرض } الآية ~~والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين بالله: من رب السماوات والأرض، ~~ومدبرها؟ قل: الله أتى الجواب والسؤال فيه من جهة واحدة. وذلك على تقدير ~~أنهم لما قيل لهم: من رب السماوات والأرض، (ومدبرها). جهلوا الجواب ~~فقالوا: ومن هو؟ فقيل لهم الله: ومثله: # من يبدأ الخلق ثم يعيده قل الله # [يونس: 34]. # وهو كثير في القرآن: يأتي السؤال والجواب من جهة (واحدة، من جهة السائل. ~~وإنما حق الجواب أن يكون من جهة) السؤال، لكن أتى الجواب) من جهة السائل ~~(الجواب: على معنى أنهم جعلوا الجواب، وطلبوه من جهة السائل): فأعلمهم ~~به السائل، فصار السؤال الجواب من جهة واحدة. # ثم أمر أن يقول لهم: { أفاتخذتم من دونه أوليآء لا ~~يملكون لأنفسهم نفعا } يجتلبونه لها، { ولا ضرا } ~~يدفعونه عنها، وهي إذا لم تملك ذلك لأنفسها، تكون أضعف عن ملكه لغيرها، ~~فعبدتم من هذه صفته، وتركتم (عبادة) من بيده النفع والضر، والموت ~~والحياة. # (ثم) ضرب لهم مثلا، فقال: قل لهم يا محمد { قل هل يستوي ~~الأعمى والبصير } يريد به المؤمن والكافر. # { أم هل تستوي الظلمات والنور }: (أي): الإيمان ~~والكفر، فالظلمة طرف الكفر، والنور طرف الإيمان. # قال مجاهد: الظلمات والنور: " الهدى والضلالة ". # ثم قال تعالى: { أم جعلوا لله شركآء خلقوا كخلقه ~~} الآية المعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: أخلق أوثانكم خلقا كخلق ~~الله، فاشتبه عليكم أمرها فيما خلقت، وخلق الله (سبحانه)، فجعلتموها ~~شركاء لله من أجل ذلك. # ثم قال (تعالى): { قل الله خالق كل شيء }: (أي: قل لهم يا ~~محمد: إذا أقروا أن أوثانهم لا تخلق: فالله، { خالق كل شيء } )، ~~فهو أحق بالعبادة ممن لا يخلق، ولا يضر، ولا ينفع. # { وهو الواحد القهار }: أي: " الفرد الذي لا ثاني ms1197 له " ، { ~~القهار }: أي: (القهار) بقدرته كل شيء، ولا يقهره شيء. ### || [13.17-18] # قوله (تعالى): { أنزل من السمآء مآء } إلى قوله { وبئس ~~المهاد }: هذا مثل ضربه الله تعالى (جل ذكره) للحق والباطل، والإيمان ~~به والكفر. فالمعنى: مثل الحق في ثباته، (والكفر) في اضمحلاله مثل ماء ~~أنزله الله، { فسالت أودية بقدرها }: (أي) فاجتمعت ~~الأودية، الماء بقدر ملئها الكبير بكبره، والصغير بصغره. # { فاحتمل السيل زبدا رابيا }: أي: " عاليا على الماء ~~". # فهذا أحد مثلي الحق والباطل. فأما النافع / فهو الحق، والزبد: الرائب ~~الذي لا ينفع هو الباطل. # وتحقيق معنى هذا المثل: أن الماء المنزل مثل للقرآن المنزل. # فالماء يعم نفعه كل أرض طيبة، والقرآن يعم نفعه كل قلب طيب، والأودية ~~مثل للقلوب، لأن الأودية يستكن فيها الماء. كذلك والإيمان والقرآن ~~يستكنان في قلوب المؤمنين. والسيل مثل للأهواء العارضة في القلوب، لأن ~~الهوى يغلب على القلوب، كما يغلب السيل بما حمل من الماء وغيره. والزبد ~~مثل للباطل، وما يستقر من الماء الخالص (مثل لما يستقر في قلب المؤمن من ~~الإيمان، فينتفع بذلك كما تنتفع الأرض بما يستقر من الماء الخالص) فيها. ~~ومثله المثل الثاني: ما يتحصل من جيد الذهب، والفضة، والحديد والنحاس ~~مثل لما يستقر في قلب المؤمن من الإيمان. # ثم ضرب مثلا آخر أيضا للحق والباطل، فقال: { ومما يوقدون ~~عليه في النار } إلى آخر المثل: أي: والحق والباطل كمثل فضة، أو ~~ذهب، أو نحاس، يوقد عليه الناس في النار، في طلب حلية يتخذونها، أو متاع. ~~وذلك من النحاس: وهي الأواني التي تتخذ منه، (و) من الرصاص والحديد فيكون ~~له زبدا، مثل زبد السيل، وزبده: خبثه الذي لا ينتفع به، فالذي يصفى ~~من هذه الأشياء هو مثل الحق ينتفع بهما. والخبث مثل الباطل لا ينتفع ~~بهما، ثم بين لنا، في أي (شيء) ضربت هذه الأمثال فقال: # { كذلك يضرب الله الحق والباطل }: أي: يضرب مثل ~~الحق والباطل، ثم حذف المضاف. " والحق ": الإيمان، و " الباطل ": الكفر: ~~وكما أن زيد السيل، وخبث ما يوقد عليه في النار لا ينتفع ms1198 به، كذلك لا ~~ينتفع الكافر بعمله عند حاجته إليه. وكما ينتفع بالماء، وبما يوقد عليه ~~في النار، كذلك ينتفع المؤمن بإيمانه عند حاجته إليه. # وقوله: { فيذهب جفآء }: أي: يذهب بدفع الريح، وقذف الماء به. ~~فيتعلق في جوانب الوادي، وبالأشجار. وهو من: أجفأت القدر: إذا رمت ~~بزبدها، وهو الغشاء: فيقول: إن الباطل، وإن ظهر على الحق في بعض الأشياء ~~وعلا، فإنه يتمحق، ويذهب. وتكون العاقبة للحق. كما أن هذا الزبد، وإن علا ~~(على الماء)، فإنه يذهب ويتمحق، وكذلك الخبث من الحديد، وغيره هو وإن علا ~~فإنه يذهب ويتمحق، ويطرحه الكير، ويبقى من الماء وغيره ما ينتفع به. # كذلك يبقى الحق ويثبت: هذا (كله) معنى قول ابن عباس، وتفسيره (رحمة الله ~~عليه) قال: " هو مثل ضربه الله للناس عند نزول القرآن، فاحتملت منه ~~القلوب على قدر يقينها وشكها. فأما الشك فلا ينفع معه العمل، وأما اليقين ~~فينتفع به. # (فالزبد): الشك في الله، (والذي يمكث في الأرض): اليقين. # وروي (عنه) أنه قال: هو مثل ضرب(ه) الله للعمل الصالح، والعمل السوء: ~~فالصالح كالماء الذي يمكث في الأرض، ينتفع به / الناس كذلك ينتفع أصحاب ~~العمل الصالح به في الآخرة، وكذلك ما تحت الخبث من الرصاص، والحديد، ~~والذهب ينتفع به، مثل العمل الصالح. # وأما الزبد منها فلا ينتفع به، كما لا ينتفع أصحاب العمل السوء ~~(بعملهم). # وقرأ رؤبة: " فيذهب جفالا ". يقال: جفأت الريح السحاب: إذا قطعته، ~~وأذهبته. # ثم قال تعالى: { للذين استجابوا لربهم الحسنى } ~~أي: (الحسنى) للذين آمنوا حين دعوا إلى الإيمان الحسنى، وهي الجنة، قاله ~~قتادة. # وقيل: المعنى: جزاء الحسنى { والذين لم يستجيبوا له } ~~أي: لم يؤمنوا حين دعوا أن لهم ملك ما في الأرض، ومثله معه ما قبل منهم ~~فداء لهم من العقوبة. # ومعنى: { أولئك لهم سوء الحساب } " يأخذهم بذنوبهم ~~كلها، فلا يغفر لهم منها شيئا ". # قال شهر بن حوشب: سوء الحساب: ألا يتجاوز لهم عن شيء. # وقال ابن عباس: سوء الحساب، المناقشة بالأعمال. # وقال ابن وهب: عن إبراهيم النخعي أنه قال: سوء الحساب: ms1199 أن يحاسب بذنبه ~~ثم لا يغفر له. # وروي في الآثار: من نوقش الحساب هلك. # وقيل: سوء الحساب: المناقشة، والتوبيخ (وإحباط) الحسنات بالسيآت. وقيل: ~~سوء الحساب: أشده، وهو لا يغفر لهم شيئا من ذنوبهم، وهم الكفار ومعنى { ~~وبئس المهاد }: أي: بئس الفراش، والغطاء جهنم لمن هي مأواه. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم: # " (من نوقش الحساب هلك) (أو قال): " عذب " ". ### || [13.19-22] # قوله: { أفمن يعلم أنمآ أنزل إليك من ربك ~~الحق } إلى قوله: { عقبى الدار } المعنى: الذي يؤمن بما جئت ~~به يا محمد، كمن لا يؤمن (وهو) الأعمى عن الإيمان، لا يبصره بقلبه. # قال قتادة: هؤلاء قوم انتفعوا بما سمعوا من كتاب الله عز وجل ووعوه ~~والأعمى: الذي عمي عن الخير، فلا يبصره. وإنما يتعظ بآيات الله (سبحانه)، ~~ويتذكر بها، وينتفع بها أهل العقول، والحجى. # ثم بين تعالى ذكره أولي الألباب ووصفهم فقال: { الذين يوفون ~~بعهد الله } الآية أي: هم " الذين يوفون بوصية الله، (عز وجل) ~~التي أوصاهم بها. والعهد: الإيمان بالله، (سبحانه) وملائكته وكتبه ورسله، ~~(سبحانه) واليوم الآخر، وما جاءت به الرسل. وأن يطيعوه، ويتقوه. # { ولا ينقضون الميثاق }: أي: لا يخالفون العهد الذي عاهدوا ~~الله عليه (سبحانه): فيعمل بغير ما أمرهم به. # ثم زادهم بيانا ومدحا، فقال: { والذين يصلون مآ أمر ~~الله به أن يوصل }: يعني: يصلون الرحم التي أمر الله، عز وجل ~~بوصلها، وهم مع ذلك { ويخشون ربهم }: أي: يخافون الله، ~~ومخالفته، { ويخافون سوء الحساب }: أي: يخافون المناقشة يوم ~~القيامة، وألا يصفح لهم عن ذنب. فهم وجلون لذلك، خائفون. # و " إن " في قوله (أن يوصل) / في موضع خفض على البدل من الهاء في " به ~~". # وقيل: معنى: { يصلون مآ أمر الله به أن يوصل }: لا ~~يفرقون بين أحد من رسله، ولا كتبه، يؤمنون بالكل، ويقبلون أمر الله، عز ~~وجل، ونهيه (جلت عظمته). # ثم بين تعالى أمر نوع آخر منهم، فقال: { والذين صبروا ~~ابتغاء وجه ربهم } أي: صبروا على الوفاء بإقامة الطاعة، ~~والانتهاء عن المنكر من أجل ابتغاء وجه الله (عز وجل)، ms1200 أي: طلب تعظيم ~~الله. # { وأقاموا الصلاة }: أي: أدوها بفروضها، وحدودها في أوقاتها. # { وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية }: أي: أدوا ~~الزكاة من أموالهم، وما يجب عليهم سرا، وغير سر. # قال ابن عباس: النفقة هنا: الزكاة. # ثم قال: { ويدرءون بالحسنة السيئة } أي: " يدفعون ~~إساءة من أساء إليهم من الناس بالإحسان إليهم ". # وقال ابن زيد: معناه: " يدفعون الشر بالخير ". # وقيل: المعنى: " إنهم إذا هموا بالسيئة فكروا، فرجعوا عنها، واستغفروا. ~~{ أولئك لهم عقبى الدار }: أي: الذين تقدمت صفتهم لهم ~~عقبى طاعة ربهم في الدنيا، دار الجنان في الآخرة. # وقيل: المعنى: أعقبهم الله عز وجل دار الجنان من دارهم في النار، لو لم ~~يكونوا مؤمنين. # وقيل: { بالحسنة السيئة } بشهادة أن لا إله إلا الله ~~(وتجنب) (الشرك بالله). # وقال عطاء: { ويدرءون بالحسنة السيئة }: السلام. # ويروى أن قوله: { أفمن يعلم أنمآ أنزل إليك } الآية ~~نزلت في حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، وفي أبي جهل بن هشام لعنه ~~الله. ### || [13.23-29] # قال تعالى: { جنات عدن يدخلونها } إلى قوله { وحسن ~~مآب }. معناه: أنه فسر { عقبى الدار } ما هي؟ فقال: { جنات ~~عدن } أي: جنات إقامة لاظعن معها، يدخلها هم { ومن صلح من ~~آبائهم وأزواجهم وذرياتهم }: أي: من عمل صالحا ~~منهم. # قال ابن مسعود: جنات عدن: بطنان الجنة. # قال أبو مجلز: علم الله (عز وجل) أن المؤمن يحب أن يجمع له شمله، ~~فجمعهم الله (عز وجل)، له في الآخرة. # وقال ابن جريج: معناه من آمن في الدنيا. # ثم أخبرنا الله (عز وجل) عن حالهم إذا دخلوا الجنة، فقال: { ~~والملائكة يدخلون عليهم من كل باب } يقولون: { ~~سلام عليكم بما صبرتم } على طاعة الله (عز وجل) في الدنيا. ~~{ فنعم عقبى الدار }. وسلام عليكم: خبر، معناه: الدعاء لهم، ~~أي: سلمكم الله بما صبرتم، وليس هو تحية، لأن التحية ليست بجزاء للصبر. ~~ولكن دعاء الملائكة لهم بالسلامة جزاء الصبر. والخبر: يأتي بمعنى الدعاء، ~~كثير في القرآن والكلام. # وقوله: { فنعم عقبى الدار }: الخبر محذوف، وتقديره: فنعم ~~عقبى الدار ما أنتم فيه. # وذكر أن لجنات عدن ms1201 خمسة آلاف باب. # روي عن ابن عمر(و) أنه قال: إن في الجنة قصرا، يقال له: عدن، حوله ~~البروج والمروج، فيه خمسة آلاف، (باب، على كل باب خمسة آلاف) حبرة، لا ~~يدخله إلا نبي، أو صديق، أو شهيد. # وقال الضحاك: { جنات عدن } مدينة الجنة، فيها الرسل والأنبياء، ~~وأئمة الهدى، والناس حولهم بعد، والجنات حولها. # ومعنى: { بما صبرتم }: أي بصبركم في الدنيا على عمل الطاعات، ~~وعلى الانتهاء عن المعاصي. وهذا هو أفضل الصبر، أن يصبر الإنسان على فعل ~~ما أمر(ه) الله به، وعلى ترك ما نهاه (الله) عنه. # وروي أن قوله: # أفمن يعلم أنمآ أنزل إليك # [الرعد: 19] الآية، نزلت في حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، وفي أبي ~~جهل، لعنه الله. # ثم أخبرنا الله بحال الكفار، بعد إخباره لنا بحال المؤمنين، فقال: # الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق # [الرعد: 20]: أي: ويخالفون ما أمرهم الله، عز وجل، من بعد ما وثقوا على ~~أنفسهم لله (عز وجل)، أن يعلموا بما عهد إليهم، إذ قال لهم: # ألست بربكم قالوا بلى # [الأعراف: 172]. # ثم قال (تعالى): { ويقطعون مآ أمر الله به أن يوصل } ~~وهو الرحم وقيل: يفرقون بين الإيمان بجميع الأنبياء، فيؤمنوا ببعض ~~(ويكفرون ببعض). والله أمرنا بالإيمان بجميعهم. # قوله: و { ويفسدون في الأرض } أي: يعملون فيها المعاصي. # { أولئك لهم اللعنة } أي: لهم البعد من رحمة الله. # { ولهم سوء الدار } أي: لهم ما يسوؤهم من الدار الآخرة، وهي ~~النار، أعاذنا الله منها. وقيل معناه: سوء العاقبة. # ثم قال تعالى ذكره: { الله يبسط الرزق لمن يشآء ~~(ويقدر) } أي: يوسع على من (يشاء، ويضيق على من) يشاء. # { وفرحوا بالحياة الدنيا } أي: فرح المشركون بما وسع ~~عليهم في الدنيا، ولم يفكروا أن متاع الدنيا عند متاع الآخرة قليل. # وهذه الآية فيها تقديم وتأخير، لأن { وفرحوا } (معطوف على { ~~ويفسدون } في الأرض). # وقوله { أولئك لهم اللعنة } إلى قوله { الدار }: مقدم ~~قبل { وفرحوا } وتقدير الآية: الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، ~~ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل، ويفسدون في ms1202 الأرض، وفرحوا بالحياة ~~الدنيا، وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع: أولئك لهم اللعنة، ولهم ~~سوء الدار ثم ابتدأ: { الله يبسط الرزق }. # ثم قال تعالى: { ويقول الذين كفروا لولا أنزل ~~عليه آية من ربه } أي: تقول قريش: هلا أنزل عليه آية تدل ~~على نبوته، كما قالوا: # لولا أنزل عليه كنز أو جآء معه ملك # [هود: 12]، فأخبر عنهم بما يشترطون، ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وسلم): ~~قل لهم يا محمد: { إن الله يضل من يشآء ويهدي ~~إليه من أناب } أي: يخذل من يشاء، فيصرفه عن الهدى، ويوفق من ~~يشاء، فيرجع إليه، ويتوب من كفره. # فالهاء في " إليه " تعود على الحق، وقيل: على محمد صلى الله عليه وسلم. ~~وقيل: على الإسلام. وقيل: على الله، جل ذكره، على معنى (إلى) دينه. # ثم بين تعالى من ينيب إليه { الذين آمنوا وتطمئن ~~قلوبهم بذكر الله }: أي: الذين يتوبون هم الذين آمنوا، ~~وتطمئن قلوبهم بذكر الله: أي: تسكن، وتستأنس بذكر الله. # قال سفي(ا)ن بن عيينة: { الذين آمنوا } تطمئن قلوبهم / بأمر ~~الله وقضائه. # وقال قتادة: هشت قلوبهم إلى ذكر الله، فاستأنست به. # قال الضحاك: { وتطمئن قلوبهم بذكر الله }: أي: تصدق ~~قلوبهم بذكر الله والقرآن. # { ألا بذكر الله تطمئن القلوب } أي: " تستأنس، وتسكن ~~قلوب المؤمنين ". # وقيل: عني به قلوب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. # ثم قال تعالى: { الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى ~~لهم وحسن مآب } المعنى: الذين صدقوا بما جاء به محمد صلى الله ~~عليه وسلم، وعملوا الأعمال الصالحات { طوبى لهم }: أي: نعم ما ~~لهم. قاله عكرمة. # وقيل: معناه: غبطة لهم. قاله الضحاك. # وقال ابن عباس: فرح لهم، وقرة عين. # وقال قتادة: معناه: " حسنى لهم، وهي كلمة من كلام العرب ". # وقيل: المعنى: أصابوا خيرا: تقول العرب للرجل: " طوبى لك " أي: أصبت ~~خيرا. وقال النخعي: { طوبى لهم } أي: خيرا لهم. # وقيل: هي اسم من أسماء الجنة. فالمعنى: الجنة لهم، روي ذلك عن ابن ~~عباس، قال: طوبى لهم: اسم الجنة بالحبشية. # وروي عنه أيضا: طوبة لهم: هي اسم ms1203 أرض الجنة بالحبشية. # وقيل: طوبى لهم: اسم الجنة بالهندي[ة]. # وعن عكرمة أيضا: طوبى لهم: الجنة لهم. # وعن ابن عباس: إنما طوبى لهم: اسم شجرة في الجنة. # وقال شهر بن حوشب: طوبى لهم شجرة في الجنة، أغصانها من وراء سور الجنة. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم: أنها شجرة في الجنة. # " وسئل عليه السلام: ما طوبى؟ فقال: شجرة في الجنة، مسيرها مائة سنة، ~~ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها، غرسها الله، عز وجل بيده، ونفخ فيها من ~~روحه. تنبت الحلي والحلل، وإن أغصانها لترى من وراء سور الجنة " # ومعنى: { وحسن مآب }: حسن منقلب ومرجع. # وقال أبو أمامة الباهلي: طوبى: شجرة في الجنة ليس منها دار إلا وفيها ~~غصن منها، ولا طير حسن إلا هو فيها، (ولا ثمرة إلا وهي فيها) وموضع ~~(طوبى): رفع بالابتداء، و { لهم }: الخبر، ودل على أنها في موضع رفع ~~قوله: { وحسن مآب } بالرفع بلا اختلاف بين القراء، وهي " فعلى " ~~، من " أطيب " فالواو منقلبة عن ياء لضمه بالفعل، وأصلها " طيبى " على ~~" فعلى ". لكن لما كانت اسما غير صفة، ردت إلى فعل(ى)، لخفة الأسماء، ~~فانقلبت الياء واوا لانضمام الأول. # ألا ترى أن ضمير أصل الياء فيها واو، وأصلها " فعلى " (على) صور. ولكن ~~لما كانت صفة، ردت إلى الياء للخفة، وثقل الصفة. ودل على أنها فعل(ى) ~~أن(ه) ليس في الصفات (فعلى): وهي في الآية صفة " لقسمة ". فعلم أن ~~أصلها فعل(ى)، فجاز أن تقع فعل(ى) صفة، لأنه يقدر فيها أصلها، وهو ~~فعلى " ، ولولا ذلك ما جاءت فعل(ى) صفة. # وحسن ردها إلى فعلى لما ذكرناه من ثقل الصفة، فخففت بردها إلى ~~الياء، لأن الياء أخف من الواو. # وكذلك ردت طوبى إلى الواو. ولأنها اسم، والاسم أخف / من الصفة، فسهل ~~نقله إلى الواو، وإن كانت الواو أثقل من الياء. ### || [13.30-31] # قوله: { كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلهآ ~~أمم } إلى قوله { لا يخلف الميعاد }: المعنى: هكذا يا محمد { ~~أرسلناك في أمة }: أي: إلى أمة قد خلت من قبلها أمم على ما ~~هم ms1204 عليه من الكفر، لتتلو عليهم القرآن { وهم يكفرون ~~بالرحمن } أي: يجحدون وحدانيته. # قل يا محمد: هو ربي: أي: إن كفر هؤلاء الذين أرسلت إليهم، فقل أنت الله ~~ربي { لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب ~~} أي: وإليه مرجعه، وأوبتي. وهو مصدر تاب متابا، وتوبة. # ثم قال تعالى (ذكره): { ولو أن قرآنا سيرت به ~~الجبال }. # هذه الآية نزلت جوابا لقريش، وذلك أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه ~~وسلم: إن سرك أن نتبعك فسير لنا جبال تهامة، أو زد لنا في حرمنا حتى ~~نتخذ قطائع نحترث فيها، أو أحي لنا فلانا، أو فلانا لناس ماتوا: فأنزل ~~الله (عز وجل): { ولو أن قرآنا } - الآية - أي: ولو فعل هذا ~~بقرآن قبل قرآنكم لفعل ذلك بقرآنكم. # وقال الضحاك: قال كفار مكة للنبي صلى الله عليه وسلم: سير لنا الجبال ~~كما سيرت لداود (صلى الله عليه وسلم)، واقطع لنا الأرض كما قطعت لسليمان، ~~وكلم لنا الموتى، كما كان عيسى يكلمهم. فنزلت هذه الآية. وهذا قول ابن ~~زيد. # وجواب " لو " محذوف، وتقديره: لو فعل هذا بقرآن لفعل مثله بقرآنكم وقيل: ~~التقدير: لما آمنوا. # وقال الكسائي: " لو " بمعنى: " وددنا " فلا تحتاج إلى جواب. # والتقدير: وددنا أن قرآنا (سيرت به الجبال). # وقيل المعنى: لو قضيت ألا يقرأ هذا القرآن على الجبال، إلا مرت، ~~وعلى الأرض إلا تخرقت، ولا على الموتى إلا حيوا، وتكلموا: ما آمن من ~~سبق عليه في علمي الكفر. # ويدل على هذا التفسير قوله بعد ذلك: { أفلم ييأس الذين ~~آمنوا أن لو يشآء الله لهدى الناس جميعا } أي: ~~أفلم يعلم الذين صدقوا ذلك. # وقال الفراء: الجواب: وهم يكفرون بالرحمن، والتقدير: ولو أن قرآنا سيرت ~~به الجبال لكفروا بالرحمن. # وقيل: إن قوله: { وهم يكفرون بالرحمن } نزلت في أبي ~~جهل، لعنه الله، وذلك أن النبي عليه السلام كان في الحجر يدعو يقول: يا ~~رحمن، وأبو جهل لعنه الله يستمع إليه، فولى أبو جهل، (أخزاه الله) ~~مدبرا إلى قريش، فقال لهم: إن محمدا ينهانا أن نعبد الآلهة، وهو يدعو ms1205 ~~إلاهين: يدعو الله، ويدعو إلها آخر يقال له الرحمن. فأنزل الله (عز ~~وجل) { وهم يكفرون بالرحمن } ، وأنزل # قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن # [الإسراء: 110] الآية. # ثم قال تعالى (ذكره): { أفلم ييأس الذين آمنوا } ~~والمعنى: أفلم يعلم الذين آمنوا، والتفسير: أن الكفار لما سألوا تسيير ~~الجبال بالقرآن، وتقطيع الأرض، وتكليم الموتى. # طمع المؤمنون أن يعطى الكفار ما سألوا، فيؤمنوا / فقال الله: أفلم يعلم ~~الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا، ولا يحتاجون إلى رؤية ما ~~ذكروا. # وقيل: المعنى: أفلم ييئس الذين آمنوا من إيمان هؤلاء، لعلمهم أن الله، ~~(عز وجل)، لو أراد أن يهديهم لهداهم. # ثم قال (تعالى): { ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما ~~صنعوا (قارعة) } (الآية): أي: لا يزال يا محمد الكفار من قومك ~~تصيبهم بما صنعوا من الكفر، ومن إخراجك (من) بين أظهرهم قارعة: وهو ما ~~يقرعهم من البلاء والعذاب، من القتل والحرب. والسرايا التي تمضي إليهم. # وقيل: القارعة: النكبة، أو تحل أنت يا محمد قريبا من ديارهم بجيشك، ~~وأصحابك { حتى يأتي وعد الله }: (أي) الذي وعدك فيهم، وهو ~~الظهور عليهم، وقهرك إياهم بالسيف. # { إن الله لا يخلف } ما وعدك به، وهو فتح مكة. # وعن الحسن: وعد الله: القي(ا)مة في هذا الموضع. # وقيل: أن تحل القارعة قريبا من دارهم. قاله الحسن. ### || [13.32-34] # قوله: { ولقد استهزئ برسل من قبلك } إلى قوله { من ~~واق } والمعنى إن يستهزئ هؤلاء من قومك يا محمد، فاصبر على أذاهم، وامض ~~على أمر الله عز وجل في إنذارهم. # { ولقد استهزئ برسل من قبلك فأمليت للذين ~~كفروا } أي: أطلت للمستهزئين بربهم في الأجل والأمل، ثم أحللت ~~بهم العقوبة. فكيف رأيت عقوبتي؟. # والإملاء: الإطالة، ومنه قيل: لليل والنهار الملوان، لطولهما. ومنه قيل ~~للخرق الواسع من الأرض ملأ لطول ما بين طرفيه. # ثم قال تعالى ذكره: { أفمن هو قآئم على كل نفس بما ~~كسبت } " من ": رفع بالابتداء، والخبر محذوف، وبه يتم المعنى. # والتقدير: أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت كشركائهم، والتقدير: أفمن ~~هو حافظ على ms1206 كل نفس لا يغفل، ولا يهلك (كمن يهلك ولا يحفظ) ولا يحصي ~~شيئا. (فالجواب محذوف) لعلم المخاطب). # وقيل المراد به الملائكة الموكلون على بني آدم، والقول الأول أشهر، ~~وأكثر. # ثم قال (تعالى): { وجعلوا لله شركآء } هذا يدل على ~~المحذوف، والمعنى: أفمن هو قائم كشركائهم. ودل { وجعلوا لله ~~شركآء } على المحذوف ثم قال: قل لهم يا محمد { سموهم }: أي ~~يسموا هؤلاء الشركاء، فإن قالوا: آلهة فقد كذبوا، لأنه لا إله إلا هو ~~الواحد (القهار)، لا شريك له. # { أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض } (أم) تخبرونه ~~بأن في الأرض إلها، ولا إله إلا هو في الأرض والسماء. # وقوله: { أم بظاهر من القول }: أي: أم قلتم ذلك بظاهر قول، ~~وهو في الحقيقة باطل لا صحة له. # ثم قال (تعالى) { بل زين للذين كفروا مكرهم } ~~المعنى ما لله شريك، بل زين للذين كفروا مكرهم: أي: زين لهم عملهم، ~~وصدوا الناس عن الإيمان. # ومن قرأ بضم الصاد، فمعناه: أن الله أعلمنا أن صدهم عن الهدى عقوبة ~~لهم. ودل على ذلك قوله: { ومن يضلل الله فما له من هاد ~~} أي: من أضله الله عز وجل عن إصابة الحق، فلا يقدر أحد على هدايته. # ثم قال تعالى: { لهم عذاب في الحياة الدنيا } أي: ~~لهؤلاء الكفار الذين تقدم ذكرهم عذاب في الحياة الدنيا، وهو القتل ~~والأسر. # { ولعذاب الآخرة أشق } أي: أشد من عذاب الدنيا. { وما ~~لهم من الله من واق } أي: ليس يقيهم من عذاب الله (سبحانه) ~~أحد. ### || [13.35-37] # قوله: { مثل الجنة التي وعد المتقون } إلى قوله { ~~ولا واق } التقدير عند سيبويه: " وفيما يتلى عليكم " ، أو: " مما يقص ~~عليكم مثل الجنة، وهذا قياس مذهب سيبويه. # وقال الفراء: التقدير الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار ~~ومثل (...). # وقيل: هو مردود إلى قوله: # للذين استجابوا لربهم الحسنى # [الرعد: 18]. # ثم قال: صفة الجنة التي وعد المتقون، تجري من تحتها الأنهار. # ثم قال: { أكلها دآئم } أي: المأكول منها دائم لأهلها لا انقطاع ~~له، كما قال (عز وجل): # لا مقطوعة ولا ms1207 ممنوعة # [الواقعة: 33]، وظلها دائم أيضا. # { تلك عقبى الذين اتقوا } أي: عاقبتهم، وعاقبة الكافرين ~~النار. # ويروى أن ابن عباس كان يتوقف عن تفس(ي)ر هذه الآية، ويحلف بالله لو ~~فسرت ما حملها جميع إبل العالمين. يريد ابن عباس أن الجنة لو وصفت على ~~حقائقها، ما حمل صفتها مكتوبا جميع إبل العالمين: لجلالة أمرها، وعظيم ~~شأنها، في نعيمها وملكها. وما أعد الله (عز وجل) لأوليائه فيها. ويدل على ~~ذلك (أيضا): قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " فيها ما لا أذن سمعت، ولا عين رأت ". # وقال الله تعالى: # فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين # [السجدة: 17]. # وقال: # وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا # [الإنسان: 20]. # ثم قال تعالى: { والذين آتيناهم الكتاب يفرحون } ~~المعنى والذين آتيناهم الكتاب م(من) آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم فهم ~~يفرحون بما أنزل إلى محمد. # قال قتادة: هم أصحاب، محمد صلى الله عليه وسلم، يفرحون بما أنزل إليه. # وقيل: { والذين آتيناهم (الكتاب) } عني بهم اليهود ~~والنصارى، يفرحون بالقرآن، لأنه مصدق لأنبيائهم، وكتبهم، وإن لم يؤمنوا ~~بمحمد، (صلى الله عليه وسلم). # وقيل: عني بذلك الثمانون الذين آمنوا من نصارى نجران: أربعون وثمانية من ~~الشام، واثنان وثلاثون من أرض الحبشة. آمنوا بالنبي (عليه السلام) وصدقوا ~~به. # ثم قال (تعالى): { ومن الأحزاب من ينكر بعضه } أي: ومن ~~أهل الملل المتحزبين عليك يا محمد من ينكر بعض ما أنزل إليك. # وقيل: هم من اليهود والنصارى. # ثم قال: { قل إنمآ أمرت أن أعبد الله ولا أشرك ~~به }: (أي: قل لهم يا محمد: إنما أمرت أن أعبد الله، ولا أشرك به) في ~~عبادته. { إليه أدعوا }: أي: إلى طاعته أدعو الناس. { وإليه ~~مآب } أي: مصيري. # ثم قال تعالى: { وكذلك أنزلناه حكما عربيا } أي: كما ~~أنزلنا عليك الكتاب يا محمد / فأنكره بعض الأحزاب، كذلك أيضا أنزلنا ~~الذكر والحكم حكما عربيا. # ونصب (حكم) على الحال " وعربي ": نعت (له). وإنما وصف الحكم بالعربي، ~~لأنه أنزله على عربي، فنسب الدين إليه، إذ كان عليه أنزل. # ثم قال تعالى: { ولئن ms1208 اتبعت أهواءهم } هذا خطاب للنبي صلى ~~الله عليه وسلم، والمراد به: أمته، وفيه تهدد. ### || [13.38-40] # قوله: { ولقد أرسلنا رسلا من قبلك } إلى قوله { ~~وعلينا الحساب } المعنى أن الله (عز وجل) أعلم نبيه صلى الله ~~عليه وسلم، أنه قد أرسل من قبله رسلا إلى أمم قبل أمته، وأنهم بشر مثله: ~~لهم أزواج وذرية، وأنه لم يجعلهم ملائكة، لا ينكحون ولا ينسلون، ولم يكن ~~{ لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله } أي: ما يقدر ~~أن يفعل ذلك رسول إلا بإذن الله. والمعنى: لا يقدر رسول (الله) أن يأتي ~~بعلامة، (أو) آية: من تسيير الجبال، ونقل بلدة إلى بلدة أخرى، وإحياء ~~الموتى، وغير ذلك من الآيات التي سألت قريش النبي (صلى الله عليه وسلم). # { إلا بإذن الله } أي: (إلا) بإذن الله له أن يسأل الآية ~~فيعلم أن في ذلك صلاحا. # وقيل: إن هذا الكلام لفظه حظر، ولا يجوز أن يخطر على أحد ما لا يقدر ~~عليه. فظاهره خطر، ومعناه: نفي. وتقديره: وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا ~~بإذن الله. نفى الله ذلك عن الرسل وبرأهم منه، (ومثله): # وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل # [آل عمران: 161]، # وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله # [آل عمران: 145]. وهو كثير في القرآن، ظاهره الحظر (والمنع)، ومعناه ~~النفي. # قوله: { لكل أجل كتاب } أي: " لكل أمر قضاه الله، كتاب كتبه ~~فهو عنده ". وقيل: المعنى: لكل كتاب أنزل الله من السماء أجل: فيمحو الله ~~من ذلك { ما يشآء ويثبت } ما يشاء، { وعنده أم ~~الكتاب }. # قال الفراء: هذا مقدم ومؤخر، معناه: لكل كتاب أجل، كقوله: # وجاءت سكرة الموت بالحق # [ق: 19]: أي: سكرة الحق بالموت. # (وقد قيل: إنه لا تقديم في هذا)، ولا تأخير، والمعنى: وجاءت سكرة الموت ~~لأن سكرة الموت غير الموت. فالحق: هو الموت الذي ختمه الله على جميع ~~خلقه. # وقيل: معناه: لكل مدة كتاب مكتوب، وأمر مقدر، مقضى لا تقف عليه ~~الملائكة. # ثم قال تعالى: { يمحوا الله ما يشآء ويثبت } أي: ~~يمحو الله ما يشاء من ms1209 أمور عباده فيغيره، إلا الشقاء والسعادة، ~~فإنهما لا يغيران قاله ابن عباس. # وقال مجاهد: يدبر الله أمر السنة في رمضان، فيمحو ما يشاء (من ذلك) إلا ~~الشقاء والسعادة، والموت والحياة. وتدبير ذلك في ليلة القدر. # وعن ابن عباس أيضا معناه: يمحو ما يشاء، ويثبت من كتاب سوى، أم الكتاب ~~الذي لا يغير منه شيء. # قال ابن عباس: هما كتابان: كتاب يمحو منه ما يشاء، ويثبت وعند(ه) أم ~~الكتاب: لا يغير منه شيء، وهو قول عكرمة. # وعن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه: يمحو كل ما يشاء، ويثبت كل ما أراد ~~وسمع /، وهو يقول في الطواف: اللهم إن كنت كتبت علي الذنب والشقاء، ~~فامحني واكتبني في أهل السعادة. # فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أم الكتاب. وهو قول ابن مسعود وسفيان. # وعن ابن عباس، رضي الله عنه، أن معناه: يمحو الله ما يشاء من أحكام ~~كتابه، فينسخه، أو يبدله، ويثبت ما يشاء فلا ينسخه، ولا يبدله. # { وعنده أم الكتاب } أي: وجملة ذلك عنده في أم الكتاب، ما ~~ينسخ، وما لا ينسخ. وهو اللوح المحفوظ. وهو قول قتادة، وابن زيد وابن ~~جريج، وعليه أكثر أهل المعاني، وعامة المفسرين، وهو شاهد لجواز النسخ (في ~~القرآن). # وقيل: معناه: يمحو الله من قد حان أجله، ويثبت من لم يحن أجله. قاله ~~الحسن، قال: { لكل أجل كتاب }: أي: أجل بني آدم في كتاب الله، ~~(عز وجل) يمحو الله ما يشاء، من جاء أجله، ويثبت الذي هو حي حتى يجيء ~~أجله. # وعن ابن عباس من رواية أبي صالح، عنه أنه قال: إن أعمال العباد تعرض على ~~الله مما كتبت الحفظة، مما ليس للإنسان، ولا عليه. فيمحو ما ليس له، وما ~~ليس عليه. ويثبت ماله، وما عليه، فيجازى بذلك. # فالحفظة تكتب كل شيء، والله يمحو ما يشاء، ويثبت ما يشاء، دليله قوله ~~تعالى: # ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد # [ق: 18]: أي: حاضر. # وعن مجاهد رضي الله عنه: أنها نزلت في قريش، قالت: لما نزلت على رسول ms1210 ~~الله صلى الله عليه وسلم، { وما كان لرسول أن يأتي بآية ~~إلا بإذن الله } قالت: ما نراك يا محمد تملك من شيء، ولقد فرغ ~~من الأمر، فنزلت هذه الآية تخويفا لهم ووعيدا. # { يمحوا الله ما يشآء ويثبت } ما يشاء، أي: إن شئنا ~~أحدثنا له من أمرنا ما نشاء وروي ذلك أيضا (عن الحسن). # وعن ابن عباس: أن المعنى ينسخ الله ما يشاء من القرآن ويثبت ما يشاء فلا ~~ينسخه، وقاله محمد بن كعب. وعن عكرمة مثله. # وروى ابن جبير، عن ابن عباس في معنى الآية: أن الله، جل ذكره، يدبر أمر ~~السنة في ليلة القدر، فيمحو ما يشاء، ويثبت ما يشاء إلا الموت والحياة، ~~والسعادة والشقاء: وكل (هذا) قد تقدم في علمه، علم ما يكون بلا أمد. # وقيل: المعنى يغفر ما يشاء من ذنوب عباده، ويترك ما يشاء فلا يغفره قاله ~~ابن جبير. # وقيل: المعنى: يمحو الله ما يشاء مما تكتب الحفظة، مثل الأشياء التي ليس ~~للإنسان، ولا عليه، ويثبت ما له، وما عليه. قاله أبو صالح، وقال(ه) أبو ~~سليمان الداراني: قال: يمحو الله ما ليس بحسنة، ولا سيئة، ويثبت ما هو ~~حسنة، وما هو سيئة. # { وعنده أم الكتاب } أي: ذلك (كله) في اللوح المحفوظ، قد جرى ~~به القلم قبل خلق الخلق. # وعن ابن عباس أيضا: / أنه قال في قوله # ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد # [ق: 18]، قال: يكتب كل ما يتكلم به العبد من خير، أو شر حتى إنه ليكتب: ~~أكلت، شربت، ذهبت، جئت، رأيت. حتى إذا كان يوم الخميس عرض قوله جملة. ~~فأقر ما كان فيه من خير وشر، وألقى ما عدا ذلك وذلك قوله: { يمحوا ~~الله ما يشآء ويثبت وعنده أم الكتاب }. # واختار جماعة من أهل العلم قول الحسن ومجاهد: يجعلونه جوابا للمشركين. # وقوله: { وعنده أم الكتاب }. قال الحسن: أم الكتاب: الحلال ~~والحرام. والحمد لله هي أم القرآن. # وقيل: أم الكتاب: اللوح المحفوظ. # وقال قتادة: { أم الكتاب }: جملة الكتاب، وأصله: أي: جملة ما ~~ينسخ، وما ms1211 يثبت. # وقال كعب: علم الله ما هو خالق، وما يعلم خلقه. # يقال: محوت الكتاب، أمحوه محوا، وهي لغة القرآن. ويقال: محوته، ~~أمحاه، محوا، ومحيت، أمحى لغة. # ثم قال تعالى: { وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم }: ~~أي: إن أرينك يا محمد! بعض الذي نعد هؤلاء المشركين من العذاب. # { أو نتوفينك }: قبل ذلك، فليس عليك في الحالين إلا بلاغ ~~ما أرسلت به، وعلينا حسابهم في الآخرة. فنجازي المحسن بإحسانه، والمسيء ~~بإساءته. ### || [13.41-42] # قوله: { أولم يروا أنا نأتي الأرض } إلى قوله { ~~عقبى الدار } معناه عند ابن عباس: أولم ير أهل مكة الذين سألوا ~~محمدا الآيات أنا نفتح على محمد الأرض (بعد الأرض) من حولهم، ولا يخافون ~~أن يفتح عليه أرضهم كما فتحنا له غيرها. ودل على ذلك قوله في الأنبياء: ~~{ ننقصها من أطرافها }: بل، محمد وأصحابه الغالبون. # وأكثر المفسرين على أنه يراد به: ذهاب خيار الناس، وعلمائهم، وصالحيهم. # وقال الضحاك، والحسن: هو ظهور المسلمين على المشركين. # وقيل: هو هلاك الأمم قبلهم، وخراب أرضهم. فيقول: ألم تر قريش هلاك ~~الأمم قبلهم، وخراب أرضهم بعدهم؟ أفلا يخافون أن يحل بأرضهم ما حل ~~بمن قبلهم، قاله مجاهد، وابن جريج. # وروي عن ابن عباس، (رحمه الله) نحوه. # وروي عن ابن عباس أنه قال: هو نقص بركات الأرض وثمارها، وأرضها بالموت. ~~وجماعة من العلماء على أن المعنى في النقص: موت أهل الأرض، وهو قول ~~عكرمة. # وروي عن مجاهد، وقال ابن عمر: نقص الأرض هي موت فقهائها، وخيار أهلها. ~~ثم قال (تعالى): { والله يحكم لا معقب لحكمه } أي: ~~يحكم ويقضي، فينفذ حكمه وقضاءه، لا راد لحكمه، ولا مانع لقضائه. فإذا ~~أراد بهؤلاء المشركين (شرا) لم يرده أحد. # والأطراف جمع طرف، والطرف: الكريم من كل شيء. # قال علي بن أبي طالب، رضي الله عنه: العلم أودية، في أي واد أخذت منه ~~حسرت، فخذ من كل شيء طرفا: أي: خيارا. ومنه قولهم: # ما يدري: أي طرفيه أطول، أي: ما يدري الكرم يأتيه من ناحية أبيه، أو ~~من ناحية أمه. فصار / معنى ms1212 { ننقصها من أطرافها }: أي: من ~~علمائها، لأن العلماء هم الخيار. ومعنى { وهو سريع الحساب } ~~أي: يحصي أعمال هؤلاء المشركين، لا يخفى عليه شيء منها. # ثم قال تعالى: { وقد مكر الذين من قبلهم فلله ~~المكر جميعا } والمعنى: وقد مكر الذين من قبل هؤلاء المشركين من ~~الأمم، فوقع بهم العذاب، فلله أسباب المكر كلها، وبيده الضر والنفع. فلن ~~يضر الماكرون بمكرهم أحدا إلا بإذن الله، لأن أسباب المكر كلها بأمر ~~الله، وإنما يضرون بمكرهم أنفسهم، لأنهم أسخطوا ربهم عليهم حتى أهلكهم. ~~فكذلك هؤلاء يمكرون بك يا محمد، والله منجيك من مكرهم، وملحق ضرر مكرهم ~~بهم دونك. # ومعنى المكر من الله " أن ينزل العقوبة بمن يستحقها من حيث لا يعلمون ". # ثم قال (تعالى): { يعلم ما تكسب كل نفس } أي: يعلم ما ~~يفعل هؤلاء المشركون، وما يسعون فيه من المكر بك، ويعلم جميع أعمال ~~الخلائق كلهم. # { وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار } أي: سيعلمون، إذ ~~قدموا على ربهم يوم القيامة لمن عاقبة (عقبى) الدار في الآخرة. # وقيل: الكافر هنا يراد به أبو جهل لعنه الله. # (ومن قرأ): " الكفار " بالجمع. قيل: عني به المستهزءون وهم خمسة، ~~والمقتسمون، وهم ثمانية وعشرون. ### || [13.43] # قوله: { ويقول الذين كفروا لست مرسلا } إلى قوله: { ~~علم الكتاب } المعنى: ويقول الذين كفروا من قومك يا محمد! لست ~~مرسلا، تكذيبا لك. # فقل لهم يا محمد { كفى بالله شهيدا } أي: حسبي الله { ~~شهيدا بيني وبينكم } أي: علي وعليكم، والذي { عنده ~~علم الكتاب }. # أي: علم الكتب التي أنزلت قبل القرآن، كالتوراة، والإنجيل، وهو عبد لله ~~ابن سلام في قول مجاهد، وكذلك روى عبد الله بن سلام أنه قال يوم قتل ~~عثمان لما نهاهم عن قتله: قالوا: كذب اليهودي، فقال: كذبتم وأثمتم، إني ~~لمسلم، يعلم الله ذلك، ورسوله، والمؤمنون. وقد أنزل في: { كفى ~~بالله شهيدا بيني وبينكم }. # { ومن عنده علم الكتاب } وهذا يدل على (أن) هذه الآية ~~مدنية، لأن عبد الله بالمدينة أسلم. # وقل قتادة أيضا: { ومن عنده علم الكتاب }: هم ناس من أهل ~~الكتاب، كانوا يشهدون ms1213 بالحق، ويقرون به، ويعلمون أن محمدا رسول الله، ~~كنا نحدث أن منهم عبد الله بن سلام. # وروي عنه أنه، قال: منهم عبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي، وتميم ~~الدار(ي). # وقال الحسن: { ومن عنده علم الكتاب } هو الله؟ # يذهب إلى أن المعنى: كفى بالله، والذي عنده علم الكتاب. # واختار النحاس هذا القول، واستبعد أن يستشهد الله لأحد من خلقه. ودل على ~~ذلك قول عكرمة، وابن جبير، وغيرهما: نزلت هذه الآية بمكة، فلا سبيل إلى ~~ذكر عبد الله بن سلام هنا، لأنه بالمدينة أسلم. ويدل على ذلك أيضا أنه ~~قد قرأ { ومن عنده علم الكتاب }: فهذا هو الله، جل ذكره، لا ~~يجوز غيره، أي: ومن عند الله علم الكتاب. وهي قراءة مروية عن ابن عباس /، ~~وغيره. # ومن فتح " ومن عنده " كانت الهاء تعود على " من ". # و " من ": هو الله، أو على ابن سلام، وشبهه على الاختلاف المذكور. ### | [14 - سورة ابراهيم] ### || [14.1-3] # قوله: { الر كتاب أنزلناه إليك } إلى قوله { ضلال ~~بعيد } قد تقدم الكلام في { الر } والمعنى: هذا الكتاب أنزلناه إليك ~~يا محمد، لتخرج به الناس من الضلال إلى الهدى. فالكفر بمنزلة الظلام، ~~والإيمان كالنور. وهذا يدل على إرسال محمد عليه السلام، إلى جميع الخلق ~~لقوله: { لتخرج الناس } ، ولم يقل لتخرج بني إسماعيل، كما قال ~~(في) التوراة # وجعلناه هدى لبني إسرائيل # [السجدة: 23]. # ولم يقل للناس، وقال في الفرقان: # ليكون للعالمين نذيرا # [الفرقان: 1]، ولم يقل للعرب. وقال لموسى عليه السلام # أن أخرج قومك # [إبراهيم: 5]، ولم يقل للناس كما قال لمحمد صلى الله عليه وسلم: # ومآ أرسلناك إلا كآفة للناس بشيرا ونذيرا # [سبأ: 28]، ولم يقل: للعرب. # وقوله: { بإذن ربهم }: أي: يخرجهم بإذن ربهم، أي: بتوفيقه لهم ~~ولطفه، وأمره إذ لا يهدى أحد إلا بإذنه. # ثم بين النور ما هو فقال: { إلى صراط العزيز الحميد }: ~~أي: إلى طريق الله، عز وجل المستقيم، وهو دينه الذي ارتضاه لخلقه. # " والحميد ": فعيل مصروف من " مفعول " المبالغة، ومعناه: المحمود ~~بآلائه. وأضاف الإخراج إلى النبي صلى الله عليه وسلم (لأنه) المنذر ms1214 ~~المرسل بذلك. و (الله)، (عز وجل) هو المخرج لهم، والهادي على الحقيقة. # ثم بين العزيز الحميد من هو؟ فقال: { الله الذي له ما في ~~السموت } أي: وهو الذي يملك جميع ما في السماوات، وجميع ما في ~~الأرض. فأعلم الله، (عز وجل) نبيه صلى الله عليه وسلم أنه إنما أنزل عليه ~~كتاب ليدعو به عباده إلى عبادة من هذه صفته، ويتركوا عبادة من لا يملك ~~ضرا ولا نفعا. # ثم توعد الله (عز وجل)، من لا يؤمن بما جاء (ب)ه نبيه صلى الله عليه ~~وسلم، فقال: { وويل للكافرين من عذاب شديد }: وقد ~~تقدم بيان معنى (ويل). وأكثر المفسرين على أن ويلا واد في جهنم، فيه ~~عقارب كالنجب، وفيه ألوان من العذاب. # ثم بين صفة الكافرين، فقال: { الذين يستحبون الحياة ~~الدنيا على الآخرة } أي: يختارون زينة الحياة الدنيا، فيعصون ~~الله، ويتركون طاعته، وهم مع ذلك # { ويصدون عن سبيل الله }: أي: يمنعون من أراد الإيمان ~~بالله، (عز وجل) واتباع رسوله. # { ويبغونها عوجا }: أي: يلتمسون العوج لدين الله، (سبحانه)، ~~والتحريف والتبديل بالكذب والزور. ونصبه لأنه مصدر في موضع الحال. وقيل: ~~هو مفعول به، وحرف الجر، مقدر مع المفعول المتصل. والتقدير: ويبغون لها ~~عوجا، والعوج بكسر / العين، وفتح الواو في الدين والأرض، وكل ما لم يكن ~~قائما، وبفتح العين والواو: فيما كان قائما مثل الحائط، والرمح، والسن. # { أولئك في ضلال بعيد } ، أي: هؤلاء المذكورون في ذهاب عن ~~الحق بعيد. ### || [14.4-6] # قوله: { ومآ أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه } ~~إلى قوله { (من ربكم) عظيم }: المعنى: وما أرسلنا رسولا إلا ~~بلغة قومه ليفهموا عنه، وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم، بلغة سعد ابن ~~بكر بن هوازن: وهي أفصح اللغات. فالمعنى: وما أرسلنا إلى أمة من الأمم ~~من قبل محمد (صلى الله عليه وسلم من رسول) إلا بلسان الأمة التي أرسل ~~إليها، ليبين لهم ما أرسله الله به إليهم من أمره ونهيه، لتقوم الحجة ~~عليهم، ولا يبقى لهم عذر. فيوفق الله من يشاء إلى الإيمان، ويخذل من يشاء ~~فيبقى ms1215 على كفره. # { وهو العزيز }: أي: الممتنع ممن أراده (ولا يمتنع عليه أحد) ~~[إن] أراد خذلا(نه)، لأنه الحكيم في توفيقه للإيمان من أراد أن يوفقه. # فإن قيل: فيجب ألا تلزم الحجة من كان من العجم، لأنهم لا يفهمون لسان ~~العرب، فالجواب: أنه إذا ترجم ما جاءهم به النبي صلى الله عليه وسلم ~~بلسانهم، وفهموا الدعوة لزمتهم الحجة، لقوله تعالى: # ومآ أرسلناك إلا كآفة للناس بشيرا ونذيرا # [سبأ 28]، ولقوله: # (لأنذركم) به ومن بلغ # [الأنعام: 19] ولقوله: # ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين # [الأنبياء: 107]. # فكل من بلغته دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، وفهم ما دعاه إليه (يأتي ~~يساره إن) لزمته الحجة، ودخلت تحت قوله # ومن بلغ # [الأنعام: 19] وتحت قوله: # كآفة للناس # [سبأ: 28]. # ثم قال تعالى: { ولقد أرسلنا موسى بآياتنآ أن ~~أخرج قومك (من الظلمات إلى النور) }: قوله: { أن ~~أخرج } " أن " في موضع نصب على تقدير حذف (حرف) الجر. والتقدير: بأن ~~أخرج. # (وقيل: " أن " زائدة، ومثله: كتبت إليه أن قم): ومعنى الآية { ولقد ~~أرسلنا موسى } من قبل محمد صلى الله عليه وسلم، بالأدلة والحجج، ~~والآيات، وهي التسع آيات المذكورة في القرآن. بأن يخرج قومه من الكفر إلى ~~الإيمان، ويذكرهم: { بأيام الله }: أي: بنعم الله عليهم في ~~الأيام الخالية، إذ أنقذهم من آل فرعون، ومما كانوا فيه من العذاب، وإذ ~~فلق لهم البحر، وظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى في أشباه ~~لهذا من النعم. قاله مجاهد، وقتادة. # (وكذلك رواه ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: بأيام ~~الله: بنعم الله). # قال مالك، (رحمه الله) { بأيام الله }: ببلاء الله الحسن عندهم، ~~وأياديه. # وقال ابن زيد: المعنى: وذكرهم بالأيام التي انتقم الله، عز وجل فيها من ~~الأمم الماضية، فيتعظوا، ويزدجروا، ويخافوا أن يصيبهم مثل ما أصاب من كان ~~قبلهم، ودل على ذلك قوله بعد الآية: # ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح ~~وعاد وثمود # [إبراهيم: 9]، ثم قال: { إن في ذلك لآيات لكل صبار ~~شكور }: والمعنى: إن في النعم التي مضت على الأمم الخالية، ms1216 وأن في ~~النعم التي أنعم عليكم لعلامات ظاهرة، لكل ذي صبر على / طاعة الله عز وجل ~~وشكر له على ما أنعم عليه من نعمه، (جلت عظمته). # وقال قتادة عند تلاوة هذه الآية: " نعم العبد عبد إذا ابتلي صبر، ~~وإذا أعطي شكر ". # ثم قال تعالى: { وإذ قال موسى لقومه اذكروا }: أي: ~~واذكر يا محمد! إذ قال موسى لقومه: { اذكروا نعمة الله ~~عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء ~~العذاب }: (أي): يذيقونكم شديد العقاب. وقد يجوز (مع ذلك) أبناءكم، ~~ودخلت الواو مع " ويذبحون " ، لتدل على آل فرعون كانوا يعذبون بني ~~إسرائيل بأنواع العذاب (غير) التذبيح. # وروي أن فرعون كان يذبح كل غلام، ويستحي النساء، وكانت الحوامل عنده ~~مدونات، والقوابل يغدون عليهن ويرحن. وعندهم رجال قد شدوا أوساطهم، ~~وجعلوا فيها السكاكين التي يذبحون بها الولدان. وأيديهم مخضبة بالدماء. # ثم قال (تعالى): { وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم }: ~~أي: اختبار لكم من ربكم. ويكون البلاء هنا النعمة، فيكون المعنى: (إن) في ~~إنجائه إياكم نعمة عظيمة. # وقيل: المعنى: وفيما جرى عليكم بلية عظيمة. ### || [14.7-9] # قوله: { وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم } - إلى قوله - { ~~إليه مريب } والمعنى: واذكروا إذ تأذن ربكم. (أي): أعلمكم ربكم. ~~ومنه الأذان، لأنه إعلام. " وتفعل " يقع على موضع " أفعل " ، والعرب ~~تقول: أوعدته، وتوعدته، بمعنى واحد. # وقال ابن مسعود: { وإذ تأذن ربكم }: أي: قال ربكم. وكذلك ~~قال ابن زيد: معناه: قال ربكم ذلك التأذن. # { لئن شكرتم }: معناه: القسم، والمعنى: ولئن شكرتم ربكم بطاعتكم ~~إياه، فيما أمركم به، ونهاكم عنه، ليزيدنكم من النعم. # وقال الحسن: معناه: لأزيدنكم من طاعتي. # وقال سفيان بن عيينة: (قال سفيان): ليست الزيادة من الدنيا، أهون على ~~الله من أن يجعلها ثوابا لطاعته، ولا أثاب (بها) أحدا من رسله وأهل ~~طاعته، وهم أشكر الخلق. # وقيل: المعنى: لئن أطعتموني بالشكر، لأزيد(نك)م من أسباب الشكر ما ~~يعينكم عليه. # وقيل: إن المعنى: لأزيد(نك)م من الرحمة والتوفيق والعصمة. # وقوله: { ولئن كفرتم }: أي (إن) كفرتم النعمة، فجحدتموها بترك ~~الشكر عليها. # { إن عذابي لشديد }: أي: لشديد ms1217 على من كفر وعصى. # ثم قال تعالى: { وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في ~~الأرض جميعا }. # أي: قال لقومه: إن تكفروا، فتجحدوا نعمة الله عليكم، ويفعل مثل ذلك كل ~~من في الأرض { فإن الله لغني } عنكم وعنهم. { حميد }: أي: ~~ذو حمد إلى خلقه بما أنعمه عليهم. # ثم قال تعالى: { ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم ~~قوم نوح وعاد وثمود }. # والمعنى: إن الله تعالى أخبرنا خبر الأمم الماضية، الذين لا يحصى عددهم ~~إلا الله (عز وجل) { جآءتهم رسلهم }: بالآيات الظاهرات، ~~يدعونهم إلى الله (سبحانه) وإلى طاعته. # { فردوا أيديهم / في أفوههم }: أي: عضت الأمم على ~~أصابعها، تغيظا على الرسل، قاله ابن مسعود. # وقال ابن زيد: هو مثل: # عضوا عليكم الأنامل من الغيظ # [آل عمران: 119]. # وقيل: المعنى: أنهم لما سمعوا كتاب الله عز وجل عجبوا منه، و (و) ضعوا ~~أيديهم على أفواههم تعجبا. قاله ابن عباس. # وقيل: المعنى: كذبوهم بأفواههم، وردوا عليهم. قاله مجاهد. # وقال قتادة: كذبوا الرسل، وردوا عليهم بأفواههم، فقالوا: { وإنا ~~لفي شك مما تدعوننآ إليه مريب }. وهو مثل قول ~~مجاهد. # وقيل: معناه: إنهم كانوا يشيرون بأيديهم إلى أفواههم، يسكتون الرسل إذا ~~دعوهم إلى الإيمان أن اسكتوا تكذيبا لهم، وردا لقولهم. # وقيل: المعنى: إنهم كانوا يضعون أيديهم على أفواه الرسل، ردا لقولهم، ~~وتكذيبا (لهم). # وقيل: هو مثل يراد به السكوت، لأن العرب تقول: سألت فلانا (في) حاجة ~~فرد يده في فيه، إذا سكت عنه فلم يجبه. # فالمعنى: أنهم يسكتون إذا دعتهم الرسل إلى الله، فلا يقبلون الدعاء ~~وقيل: المعنى: (فردوا أيدي الرسل) في أفواههم، أي: ردوا نعم الله، التي ~~أتتهم على ألسنة الرسل بأفواههم. # فتكون " في " ب(معنى) " الباء " ، واليد تكون في كلام العرب: النعمة، ~~يقال: لفلان عندي (يد: أي: نعمة، وكان (...) على هذا القول (...) يكون ~~على وزن (...) لأن جمع يد (النعمة): أياد، وجمع اليد من الجارحة: أيد. # وقوله: { لا يعلمهم إلا الله } يدل على كثرة من مضى من ~~الخلائق. # قال ابن مسعود: وكذب النسابون. # قال عروة بن الزبير: ما وجدنا أحدا ms1218 يدري ما وراء عدنان. # وقال ابن عباس: بين عدنان، وإسماعيل ثلاثون أبا لا يعرفون. # ثم أخبر عنهم تعالى بما قالوا للرسل (فقال): { وقالوا إنا ~~كفرنا بمآ أرسلتم به }: أي: كفرنا بما جئتمونا من ترك ~~عبادة الأوثان [وقالوا]: { وإنا لفي شك مما تدعوننآ ~~إليه } أي: لفي شك من توحيد الله الذي تأمروننا (به). # { مريب }: أي: يريبنا ذلك الشك، أي: يوجب لنا الريبة. ### || [14.10-14] # قوله (تعالى): { قالت رسلهم أفي الله شك فاطر ~~السموت } إلى قوله { وخاف وعيد }: والمعنى: أن الله (عز ~~وجل) أعلمنا بجواب الرسل للأمم، إذ شكت في توحيد الله سبحانه، وأنها قالت ~~للأمم: { أفي الله شك }: أي (أ)في توحيد الله شك. وهو خلق ~~السماوات والأرض، يدعوكم إلى توحيده، وطاعته، ليغفر لكم من ذنوبكم، إن ~~أنتم آمنتم به، واتبعتم أمره، وقبلتم نهيه. فلا يعذبكم على ما ستر عليكم ~~من ذنوبكم، ويؤخر آجالكم، فلا يعاقبكم في العاجل فيهلككم، ولكن يؤخركم ~~إلى الوقت الذي كتب (عليكم) في أم الكتاب. # و " من " في قوله: { من ذنوبكم } ، قال أبو عبيدة: هي زائدة، ~~والمعنى: يغفر لكم ذنوبكم. وقيل: ليست بزائدة. # والمعنى: يغفر لكم / بعضها، إذ لا يأتي أحد يوم القيامة إلا بذنب، إلا ~~النبي محمدا صلى الله عليه وسلم، لأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه، وما ~~تأخر في الدنيا. # والمغفرة لغيره إنما تكون في الآخرة. فأما قوله في الصف: # يغفر لكم ذنوبكم # [الصف: 12]، فإنما ذلك على الشرط الذي تقدم من الله لهم. فقالت الأمم ~~لهم: { إن أنتم إلا بشر مثلنا }: أي: ما أنتم أيها الرسل ~~إلا بشر مثلنا في الصورة، ولستم ملائكة تريدون بقولكم هذا أن تصرفونا: { ~~عما كان يعبد [آبآؤنا] }: من الأوثان، { فأتونا } على ~~قولكم: { بسلطان مبين }: أي: بحجة ظاهرة. # ثم قال (تعالى): { قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر ~~مثلكم }: أي: صدقتم في قولكم لنا: ما أنتم إلا بشر مثلنا. # { ولكن يمن على من يشآء من عباده }: فيهديه، ~~ويوفقه للحق، ويرسله إلى من يشاء من خلقه. # { وما كان لنآ أن نأتيكم بسلطان ms1219 }: أي: بحجة وبرهان ~~على ما ندعوكم إليه من توحيد الله (عز وجل)، وطاعته (جلت عظمته). # { إلا بإذن الله }: أي بأمره، { وعلى الله ~~فليتوكل / المؤمنون }: أي: عليه فليتوكل من آمن به، ~~وأطاعه. فهذا كلام ظاهره الحظر والمنع، ولا يحظر (على فعل شيء لا يقدر) ~~عليه البتة، ولا في الطاقة فعله، ولكن معناه: وما كنا لنأتي بسلطان { ~~إلا بإذن الله }: نفوا ذلك عن أنفسهم، إذ، لا قدرة لهم عليه. ~~ولو حمل على ظاهره لكان معناه: إنهم يقدرون على الإتيان بالسلطان، وهو ~~الحجة. ولكن لا يفعلونه إلا بإذن الله، وليس الأمر كذلك (إذ) لا مقدورة ~~لهم على ذلك البتة، فلا يتم المعنى حتى يحمل على النفي. # ثم قال تعالى: قالت لهم الرسل: { وما لنآ ألا نتوكل على ~~الله }: (أي: شيء لنا في ترك التوكل على الله)، { وقد هدانا ~~سبلنا }. أي: قد بصرنا طريق النجاة من عذابه. # { ولنصبرن } ، قسم من الرسل، أقسموا ليصبرن على أذى الأمم إياهم ~~في الله، { وعلى الله فليتوكل المتوكلون }. # فقالت الأمم للرسل: { لنخرجنكم من أرضنآ }: أي: ~~لنطردنكم من مدينتنا، { أو لتعودن في ملتنا }: أي: إلا أن ~~تدخلوا في ديننا. و " أو " عند بعض أهل اللغة بمعنى: " إلا ". وقيل: معنى ~~" أو ": حتى تعودوا ودخلت اللام في " لتعودن " لأن في الكلام معنى الشرط، ~~كأنه جواب لليمين. والتقدير: لنخرجنكم من أرضنا، أو لتعودن في ملتنا، كما ~~تقول: لأضربنك أو تقر لي. # { فأوحى إليهم ربهم }: أي: أوحى الله إلى الرسل. # { ربهم لنهلكن الظالمين }: وهو قسم من الله، (وهو) كله ~~وعيد وتهدد لقريش (ومن يليهم من العرب، وتنبيه للنبي صلى الله عليه وسلم، ~~ليعلم ما لقيت الرسل مثله من الأمم، فيهون عليه ما يلقى من قريش) وغيرهم ~~ممن امتنع أن يؤمن (به). # ثم قال تعالى للرسل: { ولنسكننكم الأرض من بعدهم }: ~~أي: لنسكنن من آمن بكم الأرض، ومن بعد إهلاك الظالمين. فوعدهم تعالى ~~بالنصر في الدنيا. # ثم قال تعالى ذكره: { ذلك لمن خاف مقامي }: أي: ذلك النصر ~~يكون لمن خاف مقامي بين يدي الله (عز وجل) ms1220 في الآخرة: فاتقى الله، وعمل ~~بطاعته. # والمصدر يضاف إلى الفاعل مرة، وإلى المفعول به أخرى. فهو هنا مضاف إلى ~~الفاعل. # ثم قال: { وخاف وعيد }: أي: خاف تهددي. ### || [14.15-17] # قوله: { واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد } إلى قوله { ~~عذاب غليظ }. # والمعنى: واستفتحت الرسل على قومها لما كذبوهم: أي: استنصروا الله عليها ~~لما وعدهم بالنصر على الأمم، وأنه يسكنهم الأرض من بعد الأمم. # هذا قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. # وقال ابن زيد: استفتحت الأمم بالدعاء، كقول قريش: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم # [الأنفال: 32]. وقد أعلمنا الله أن قوم هود استفتحوا، وقالوا لهود: # فأتنا بما تعدنآ إن كنت (من الصادقين) # [الأعراف: 70]. # فالاستفتاح عنده مسألة العذاب. # وقد روي أنه قيل لقريش حين استفتحوا / العذاب: إن لهذا أجرا يؤخر إلى ~~يوم القيامة، فقالوا: # ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب # [ص: 16]: أي: عجل لنا نصيبنا من العذاب على (طريق) التكذيب به، (و) على ~~هذا أتى قوله: # ويستعجلونك بالعذاب # [العنكبوت: 53] الآية. # وقوله: { وخاب كل جبار عنيد }: أي: أهلك كل متكبر عن ~~الإيمان معاند. # قال المفسرون: هو من امتنع أن يقول: لا إله إلا الله. # وقال قتادة: العنيد: الذي أبى أن يقول لا إله إلا الله ". # وقيل: الجبار هو الذي لا يرى لأحد عليه حقا. # وقيل: هو أبو جهل لعنه الله ونظراؤه. # ويقال: جبار بين الجبرية والجبرية بكسر الجيم، والباء، ~~والجبروة والجبروة، والجبروت، والعنيد: المعاند للحق. # ثم قال تعالى: { من ورآئه جهنم }: أي: من وراء ذلك الجبار ~~العنيد جهنم يردها: أي: من أمامه جهنم. كما يقال: إن الموت من ورائك، أي: ~~من أمامك. وأصل " وراء ": ما توارى عنك، وهو يصلح لخلف ولقدام، وليس هو ~~من الاضداد. # وقوله: { ويسقى من مآء صديد }: الصديد: الدم، والقيح يتجرعه ~~{ ولا يكاد يسيغه } أي: يتحساه، ولا يكاد يزدرده من شدة ~~كراهيته، أي: لا يقدر يبلعه. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال في قوله: { يتجرعه ~~ولا يكاد يسيغه }. قال ms1221 يقرب إليه فيكرهه، فإذا دنا منه شوى ~~وجهه، ووقعت فروة رأسه. فإذا شربه، قطع أمعاءه، حتى يخرج من دبره. يقول: ~~(الله تعالى): # وسقوا مآء حميما فقطع أمعآءهم # [محمد: 15]، وقال: # وإن يستغيثوا يغاثوا بمآء كالمهل يشوي الوجوه # [الكهف: 29]. # ثم قال تعالى: { ويأتيه الموت من كل مكان }: أي: يأتيه ~~الموت عن يمينه، وشماله، وخلفه، وقدامه. # وقيل: معناه: من كل مكان في بدنه من شدة عذابه. # { وما هو بميت }: أي: لا تخرج نفسه، والمعنى: يأتيه ما يمات ~~منه من كل جانب، وليس يموت. # قال: ابن جريج: " تعلق نفسه عند حنجرته، فلا تخرج من فيه فيموت، ولا ~~ترجع إلى مكانها من جوفه، فيجد لذلك راحة ". # وقيل: المعنى { ويأتيه الموت من كل مكان }: أي " من تحت ~~كل شعرة في جسده ". # ثم قال: { ومن ورآئه عذاب غليظ }: أي: من وراء ما هو فيه من ~~العذاب، - يعني - أمامه (عذاب غليظ). # قال الفضيل: هو حبس الأنفاس. # وقال القرظي: محمد بن كعب: إذا دعا الكافر في جهنم بالشراب فرآه، مات ~~موتات، فإذا دنا منه مات موتات، فإذا شرب منه مات موتات. فهو قوله: { ~~(ويأتيه) الموت من كل مكان }. ### || [14.18-20] # قوله (تعالى): { مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم ~~كرماد } - إلى قوله - { على الله بعزيز } ، التقدير عند ~~سيبويه، والأخفش، وفيما نقص عليكم مثل الذين كفروا، كما قال: # مثل الجنة # [الرعد: 35]. # وقال الكسائي تقديره مثل أعمال / الذين كفروا كرماد. # ومعنى الآية: أنه مثل ضربه الله لأعمال الكفار يوم القيامة، وأنها مثل ~~رماد ضربته ريح عاصف. فماذا تبقى منه؟ (كذلك) لا يبقى للكفار من أعمالهم ~~شيء ينتفعون به، لأنهم أرادوا بها غير الله (سبحانه). # ووصف (يوم) بالعصوف، (وحقيقته) للريح، وإنما جاز ذلك لأنه بمعنى النسب. ~~تقديره: في يوم في عصف، (وتقديره) عند الفراء: في يوم عاصف الريح، وحذفت ~~الريح لتقدم ذكرها. # { لا يقدرون مما كسبوا على شيء }: أي: لا يقدرون أن ~~ينفعهم شيء من أعمالهم، كما لا يقدرون على النفع بشيء، من رماد اشتدت به ~~الرياح في يوم عاصف. # { ذلك هو الضلال البعيد }: أي: ms1222 عملهم الذي كانوا يعملون ~~ضلال، بعيد عن الحق. # ثم قال تعالى ذكره: { ألم تر أن الله خلق السموت ~~والأرض بالحق } والمعنى: ألم تر يا محمد بعين قلبك أن الله أنشأ ~~السماوات والأرض بالحق، أي انف(ر)د بذلك من غير ظهير، (ولا) معين. # { إن يشأ يذهبكم }: أي يفنيكم، { ويأت بخلق جديد } ~~عوضا منكم، { وما ذلك على الله بعزيز }: أي: وما ذهابكم، ~~وخلق عوضكم بممتنع على الله (عز وجل)، لأنه القادر على ما يشاء. # فأول الآية خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد به أمته دل على ذلك ~~أنه رد الخطاب في آخر الآية إليهم، فقال: { إن يشأ يذهبكم }. ### || [14.21-22] # قوله: { وبرزوا لله جميعا } - إلى قوله - { لهم عذاب ~~أليم }. المعنى: وبرزوا من قبورهم، (أي) ظهر هؤلاء الذين كفروا من ~~قبورهم فصاروا بالبراز من الأرض جميعا. # { فقال الضعفاء للذين استكبروا }: أي قال التباع ~~للمتبوعين المستكبرين في الدنيا عن عبادة الله عز وجل. # { إنا كنا لكم تبعا } ، في الدنيا، أي: نتبع أمركم لنا ~~بمعصية الله، عز وجل، وترك اتباع الرسل. # { فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء }: ~~أي: دافعون عنا (من العذاب) شيئا. قال المتبوعون، وهم القادة للضعفاء، ~~وهم التابعون: { لو هدانا الله لهديناكم }: أي: لو أن لنا ~~شيئا ندفع به عذابه عنا اليوم، لبيناه حتى تدفعوا به العذاب عن أنفسكم. # { سوآء علينآ أجزعنآ أم صبرنا ما لنا من محيص ~~}: أي: سواء علينا الجزع والصبر، ما لنا من خلاص، ومن ملجأ، ومن مهرب، ~~ومن معدل، و " سواء " مبتدأ، وما بعده خبر. # قال محمد بن كعب القرظي: بلغني أن أهل النار، يقول بعضهم لبعض: يا ~~هؤلاء! إنه قد نزل بكم من العذاب والبلاء ما ترون، فهلم فلنصبر، فلعل ~~الله ينفعنا كما صبر أهل لدنيا على طاعة الله (عز وجل)، فنفعهم الصبر. ~~فأجمعوا رأيهم على الصبر، فصبروا، فطال صبرهم، ثم جزعوا فنادوا: { ~~سوآء علينآ أجزعنآ أم صبرنا ما لنا من محيص } ~~/: (أي) من ملجأ. # وقال ابن زيد: إن أهل النار قال بعضهم لبعض: تعالوا فإنما ms1223 أدرك أهل ~~الجنة الجنة ببكائهم، وتضرعهم لله تعالى. (تعالوا) نبكي، ونتضرع إلى ~~الله، جل ذكره. فبكوا وتضرعوا، فلما رأوا ذلك لا ينفعهم، قالوا: تعالوا ~~فإنما أدرك أهل الجنة الجنة بالصبر، تعالوا نصبر. فصبروا صبرا لم ير ~~مثله، فلم ينفعهم ذلك، فعند ذلك قالوا: { سوآء علينآ أجزعنآ ~~أم صبرنا ما لنا من محيص }. # وروى مالك (رضي الله عنه)، عن زيد بن أسلم أنه قال: صبروا (مائة) عام، ~~ثم بكوا مائة عام. فقالوا: { سوآء علينآ أجزعنآ أم ~~صبرنا ما لنا من محيص }. # وروى ابن كعب بن مالك، عن أبيه، ورفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " يقول أهل النار إذا اشتد بهم العذاب: تعالوا نصبر، فيصبرون خمسمائة ~~عام، فلما رأوا أن ذلك لا ينفعهم، قالوا: هلم فلنجزع، فيجزعون ويضجون ~~خمسمائة عام، فلما رأوا أن ذلك لا ينفعهم قالوا: { سوآء علينآ ~~أجزعنآ أم صبرنا ما لنا من محيص } ". # ثم قال تعالى: (ذكره): { وقال الشيطان لما قضي الأمر ~~}. أي: قال إبليس لما دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، واستقر بكل ~~فريق قراره. # { إن الله وعدكم }: أيها الأتباع النار، { ووعدتكم }: ~~النصرة. # وقيل، معنى: { وعدكم وعد الحق }: أي: وعد من أطاع(ه) ~~الجنة، ومن عصاه النار. # ووعدتكم أنا خلاف ذلك { فأخلفتكم } وعدي، ووفى لكم الله بوعده. # { وما كان لي عليكم من سلطان }: أي: ما كان لي عليكم ~~فيما وعدتكم به من النصرة حجة، تنبت لي عليكم بالصدق قول(ي). # { إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي }: أي: دعوتكم إلى ~~طاعتي، ومعصية الله، فأجبتموني. { فلا تلوموني } " على إجابتكم ~~إياي { ولوموا أنفسكم } عليها. { مآ أنا بمصرخكم } ~~أي: بمغيثكم، { ومآ أنتم بمصرخي }: # أي: بمغيثي يقال: أصرخت الرجل إصراخا: أغثته. # { إني كفرت بمآ أشركتمون من قبل }: أي: إني جحدت أن ~~أكون شريكا لله، (سبحانه) فيما أشركتموني فيه من عباد(ت)كم (من قبل): ~~في الدنيا. # وقال قتادة: معناه: إني عصيت الله فيكم. # وقيل: معنى (من قبل): أي: بطاعتكم إياي في الدنيا، وفيه بعد. # { إن الظالمين لهم عذاب أليم }: أي، إن الكافرين لهم ~~اليوم ms1224 عذاب موجع. # قال محمد بن كعب القرظي: فلما سمعوا مقالة إبليس هذه في خطبة يقوم بها ~~عليهم، مقتوا أنفسهم، فنودوا: # لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ ~~تدعون إلى الإيمان فتكفرون # [غافر: 10]. # روي أن إبليس اللعين يقوم فيقول: أين أوليائي فيجتمعون إليه فيقول: { ~~إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم ~~فأخلفتكم }. # قال الحسن: إذا كان يوم القيامة يقوم إبليس خطيبا على منبر من نار ~~فيقول: { إن الله وعدكم / وعد الحق ووعدتكم ~~فأخلفتكم }. # وقال قتادة: رحمة الله عليه في قوله: { إني كفرت بمآ ~~أشركتمون من قبل }: معناه: إني " عصيت الله قبلكم. # وقال سفيان الثوري (نظر الله إلى وجهه): { إني كفرت بمآ ~~(أشركتمون) من قبل } يقول: كفرت بطاعتكم إياي في الدنيا. # وقال ابن عباس: { مآ أنا بمصرخكم }: أي بنافعكم، وما أنتم ~~بنافعي. # وقال الربيع بن أنس (رحمة الله عليه): (ما) أنا بمنجيكم وما أنتم بمنجي. # وقال محمد بن كعب: إنما قال ذلك، حين قال أهل الجنة: { سوآء ~~علينآ أجزعنآ أم صبرنا }. # وروي (عن): عقبة بن عامر الجهني (رضي الله عنه):، قال: سمعت رسول الله ~~يقول: # " إذا جمع الله الأولين والآخرين، وفرغ من (القضاء): بين الناس، قال ~~المؤمنون: قد قضى بيننا ربنا. فمن يشفع لنا عند ربنا، فيقول: انطلقوا بنا ~~إلى من خلقه الله، وكلمه آدم. فيأتونه، فيقولون: اشفع لنا إلى ربنا، ~~فيقول: عليكم بنوح. فيأتون نوحا، فيدلهم على إبراهيم، فيأتون إبراهيم، ~~فيدلهم على موسى، فيأتون موسى، فيدلهم على عيسى. فيأتون عيسى، فيقول لهم: ~~هل أدلكم على النبي الأمي. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (وعليهم ~~أجمعين): فيأتوني فيسألوني أن أشفع لهم إلى ربهم، فيأذن الله لي بالقيام، ~~فيثور لمجلسي أطيب ريح، شمها أحد، حتى آتي ربي فأشفع فيشفعني، (جل وعز): ~~فيقول الكفار عند ذلك: وقد وجد المؤمنون من يشفع لهم، فمن يشفع لنا؟ ~~فيقولون: ما هو إلا إبليس، هو الذي أضلنا. فيأتون إبليس فيقولون له: قد ~~وجد المؤمنون من يشفع لهم إلى ربهم فاشفع لنا إلى ربنا فإنك (أنت): ~~أضللتنا فيقوم، فيثور ms1225 من مجلسه أنتن ريح شمها أحد قط: فيعظم لجهنم فيقول: ~~إبليس عند ذلك: { إن الله وعدكم وعد الحق } - إلى قوله ~~- { أليم } ، وإنما ذكر الله هذا من أمر إبليس، تحذيرا من أعدائه ". ### || [14.23-26] # قوله: { وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~جنات تجري من تحتها الأنهار } - إلى قوله - { من ~~قرار }. المعنى: وأدخل الذين آمنوا بالله ورسله وكتبه وعملوا الأعمال ~~الصالحات { جنات تجري من تحتها الأنهار }: أي: بساتين ~~تجري دونها الأنهار. # { خالدين فيها بإذن ربهم }: أي: ماكثين فيها أبدا بأمر ~~ربهم. # { تحيتهم فيها سلام }: يعني: الملائكة يسلمون عليهم فيها. # فالضمير في تأويل مفعول لم يسم فاعله. أي: يحيون بالسلام (يعني الملائكة ~~يسلمون): (ويجوز) أن يكون الضمير فاعلا، والمعنى: ويحيي بعضهم بعضا ~~بالسلام. # ثم قال تعالى: { ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة ~~طيبة } /، (أي): ألم تر بعين قلبك يا محمد، كيف ضرب الله مثلا ~~للإيمان (به): ومثلا للكفر به. فجعل مثل المؤمن في نطقه بالتوحيد، ~~والإيمان بنبيه صلى الله عليه وسلم، وأتباع شريعته (جلت عظمته): مثل ~~الشجرة (الطيبة). فنفع الإقامة على توحيده، كنفع الشجرة التي لا ينقطع ~~نفعها في كل حين، وهي النخلة. # قال ابن عباس (رحمه الله): { مثلا كلمة طيبة }: يعني أن ~~شهادة (أن) لا إله إلا الله، { كشجرة طيبة } ، هي المؤمن، أصلها ~~ثابت: هو قول لا إله إلا الله. ثابت في قلبه { وفرعها في ~~السمآء } أي: يرتفع بها عمل المؤمن في السماء. # وقال مجاهد: { كشجرة طيبة }: يعني: النخلة. # وقيل: الكلمة الطيبة أصلها ثابت، هي ذات أصل في القلب، يعني التوحيد. # { وفرعها في السمآء } يعرج بها فلا تحجب حتى تنتهي إلى الله، ~~عز وجل. وقال ابن عباس أيضا، (رحمه الله): في رواية أخرى عنه: الشجرة ~~الطيبة: المؤمن، والأصل الثابت: في الأرض، (والفرع): في السماء: يكون ~~المؤمن يعمل في الأرض، ويتكلم فيبلغ عمله، وقوله السماء، وهو في الأرض. # وقال عطية العوفي: ذلك مثل المؤمن، لا يزال يخرج منه كلام طيب، وعمل ~~صالح، يصعد إلى الله عز وجل. # وقال الربيع بن أنس: { أصلها ثابت } في ms1226 الأرض: ذلك المؤمن ضرب ~~مثله. # وقيل: معنى: وفرعها في السماء: بركتها وثوابها لمعتقدها صاعد إلى الله ~~(عز وجل)، وهي قول لا إله إلا الله محمد رسول الله. # وقيل: معنى (أصلها ثابت): (أي) شهادة أن لا إله إلا الله (محمد رسول ~~لله) ثابتة في القلب المؤمن، { وفرعها في السمآء }: أي: يرتفع ~~بها أعمال المؤمن إلى السماء. # (و)قال: مجاهد، وعكرمة، والضحاك، وقتادة، وابن جبير، وابن عباس: الشجرة ~~هنا النخلة. # وعن الضحاك أنه قال: هذا مثل ضربه الله (عز وجل):، للمؤمن يطيع الله ~~بالليل، ويطيعه بالنهار، (و)يطيعه: كل حين، (كما): أن هذه الشجرة تؤتي ~~أكلها كل حين. # وقوله: { كشجرة خبيثة }: مثل الكافر عمله خبيث، وجسده خبيث، ~~وروحه خبيث. وليس لعمله قرار في الأرض، ولا يصعد إلى السماء. # وقيل: الشجرة هنا: شجرة في الجنة، روي ذلك عن ابن عباس، رضي الله عنه. # وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " هي النخلة " # ومعنى كل حين: كل غدوة وعشية في أحد قولي ابن عباس على أنها شجرة في ~~الجنة. # وقيل: كل حين: كل وقت، وهو المؤمن يطيع الله، (عز وجل): بالليل والنهار، ~~وفي كل وقت. # وقال الربيع بن أنس (رحمه الله): (كل حين): كل وقت يصعد عمل المؤمن من ~~أول النهار وآخره. # وقيل: الحين هنا: ستة أشهر، من حيث تصرم النخلة إلى حين تطلع وذلك ~~ستة أشهر. # وقيل: الحين: سنة، وذلك من حين تصرم النخلة / إلى حين تصرم. # وقال سعيد بن المسيب: الحين: شهران، وهو ما دام التمر في النخل، وذلك ~~شهران. # واختلفوا في رجل حلف ألا يكلم رجلا إلى حين، وألا يدخل الدار إلى حين، ~~على مثل ما اختلفوا في الآية. # والحين عند أهل اللغة: اسم للوقت، يصلح لجميع الأزمان كلها طالت، أو ~~قصرت. # واختيار الطبري قول من أن الحين غدوة وعشية، وكل ساعة، على أن الشجرة ~~شجرة في الجنة، لأن الله (عز وجل) ضرب ما تؤتى هذه الشجرة كل حين من ~~الأكل لعمل المؤمن، وكلامه مثلا. ولا شك أن المؤمن يرتفع ms1227 له إلى الله، ~~عز وجل، في كل يوم عمل صالح. # واختار النحاس أن يكون الحين سنة، على أن الشجرة: النخلة، تؤتي ثمرها من ~~سنة إلى سنة. # والحين عند مالك، (رحمه الله): سنة، ولو نذر رجل أن يصوم حينا (لصام) ~~سنة وهو قول مجاهد. # وقال عكرمة، وسعيد بن جبير، وأصحاب الرأي: الحين ستة أشهر، فمن نذر صوم ~~حين، صام ستة أشهر. # وقال الشافعي: ليس عليه في نذره شيء، ولا يحنث في ترك الصوم، ولا يلزمه ~~نذر. لأن الحين يكون مدة الدنيا كلها. # ثم قال تعالى: { مثلا كلمة طيبة } ، معناه: ومثل الشرك ~~بالله، سبحانه وهي الكلمة الخبيثة: كشجرة خبيثة، وهي: الحنظلة، قال(ه) ~~مجاهد، وأنس بن مالك وروي عن ابن عباس. # ومعنى: { اجتثت من فوق الأرض } ، أي استؤصلت. # ومعنى: { ما لها من قرار }: أي: ليس من أصل في الأرض تثبت عليه ~~وتقوم. فليس لكفر الكافر ومعصيته ثبات، ولا نفع. # كما أن هذه الشجرة ليس لها أصل، ولا ثبات ولا نفع. # وقيل: الشجرة الخبيثة: الثوم: وقيل: الكثوث. ### || [14.27-31] # قوله: { يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت } ~~- إلى قوله - { ولا خلال }. # ومعناه: يثبت الله الذين آمنوا به وبرسله وكتبه بقوله لا إله إلا الله، ~~وأن محمدا رسول الله: أي: يثبتهم (بذلك في الحياة الدنيا: أي: في قبورهم ~~قبل قيام الساعة. # { وفي الآخرة }: قال البراء بن عازب: يثبت الله الذين آمنوا ~~بالشهادة في القبر، إذ أتاهم الملكان، فقالا: من ربك؟ فيقول ربي (الله ~~فيقولان) ما دينك؟ فيقول: دين(ي) الإسلام، فيقولان من نبيك؟ فيقول: ~~محمد صلى الله عليه وسلم: فذلك القول الثابت في الحياة الدنيا. # وروى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يا أيها الناس إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فإذا الإنسان دفن، وتفرق ~~عنه أصحابه جاءه ملك بيده مطراق، فأقعده فقال (له): ما تقول في هذا ~~الرجل؟ فإن كان مؤمنا: قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، ~~وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. فيقول له: صدقت # . فيفتح له باب ms1228 إلى النار، فيقال (له): هذا منزلك لو كفرت بربك. فأما إذ ~~آمنت، فإن الله أبدلك به هذا، ثم يفتح له باب إلى الجنة، فيريد أن ينهض ~~فيقال له: اسكن، ثم يفسح له في قبره. وأما الكافر /، والمنافق، فيقال له: ~~ماذا تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، فيقال له: لا دريت، ولا ~~تدريت ولا اهتديت، ثم يفتح له باب إلى الجنة، فيقال له: هذا منزلك لو ~~آمنت بربك، فأما إذ كفرت، فإن الله عز وجل أبدلك به هذا. ثم يفتح له باب ~~إلى النار، ثم يقمعه الملك بالمطراق قمعة يسمعه خلق الله كلهم، إلا ~~الثقلين. فقال (له) بعض أصحابه: يا رسول الله ما منا أحد يقوم على رأسه ~~ملك بيده مطراق إلا يفشل عند ذلك فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: { ~~يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في ~~الحياة الدنيا وفي الآخرة } " # الآية. # ولهذا الحديث طرق كثيرة وألفاظ زائدة على ما ذكرنا، وناقصة (عن) ما ~~ذكرنا، والمعنى فيها قريب من الآخر. # وقيل: معنى الآية: يثبتهم الله في الحياة على الإيمان، حتى يموتوا عليه ~~{ وفي الآخرة } المساءلة في القبر، قاله طاووس، وقتادة وهو اختيار ~~جماعة من العلماء. # ومعنى { ويضل الله الظالمين }: أي: لا يوفقهم في الحياة ~~الدنيا إلى الإيمان، ولا في الآخرة عند المساءلة في القبر. # وقوله: { ويفعل الله ما يشآء }: أي: بيده الهداية والضلالة ~~يضل من يشاء فلا يوفقه، ويهدي من يشاء فيوفقه. # ثم قال تعالى: { ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة ~~الله كفرا }: أي: غيروا نعمة الله، وهي كون محمد صلى الله عليه ~~وسلم من قريش وإرساله إليهم، فجعلوا النعمة كفرا. # قيل: نزلت في قتلى بدر من المشركين. وقيل: في كفار قريش كلهم. # قوله: { وأحلوا قومهم دار البوار }: أي: أنزلوا قومهم ~~من مشركي قريش دار الهلاك. يقال: بار الشيء: إذا هلك، ثم بينها فقال: { ~~جهنم يصلونها وبئس القرار }: أي: بئس المستقر لمن ~~صلاها. # ووقيل: نزلت في المشركين يوم بدر قاله ابن عباس. # { وأحلوا قومهم دار البوار }: يعني: الذين ms1229 اتبعوهم. # وقيل: نزلت في أهل مكة عامة: أسكنهم الله عز وجل حرمه، وآتاهم نعمه، ~~وجعلهم قوام بيته. فبدلوا ذلك كفرا. # ثم قال تعالى: { وجعلوا لله أندادا ليضلوا عن ~~سبيله }: أي: جعل هؤلاء الذين بدلوا نعمة الله كفرا (لله) أندادا: ~~أي: شركاء. ( { ليضلوا عن سبيله } ) لكي يضلوا الناس عن سبيل ~~الله. # أي: عن الإيمان بالله، وعن إخلاص العبادة لله. # ومن فتح الياء من " ليضلوا " فالمعنى: أنه لما آل أمرهم إلى الضلال ~~كانوا بمنزلة من فعل ذلك ليضل عن سبيل الله. # قال ابن مسعود: كان حول الكعبة ثلاثمائة وستون نصبا، يعني: تمثالا، ~~تعبدها قريش من دون الله: فهي الأنداد. # ثم قال تعالى: { قل تمتعوا }: أي: قل لهم يا محمد! تمتعوا في ~~هذه الحياة الدنيا، وهذا على طريق التهدد، والوعيد. # { فإن مصيركم إلى النار }: أي عاقبتكم إلى النار تكون. # وقيل: معناه: إن الكافر لو كان في الدنيا مريضا سقيما، طول عمره لا ~~يجد ما يأكل ولا (ما) يشرب لكان ذلك نعيما عندما يصير إليه / من عذاب ~~الآخرة. ولو كان المؤمن في الدنيا لا يعرض له سقم، ولا مرض طول عمره، ~~يتنعم بأنعم ما يكون من مأكول (في) الدنيا، ويلبس أحسن ما يكون من اللباس ~~لكان ذلك بؤسا عندما يصير إليه من نعيم الآخرة. # ثم قال تعالى: { قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا ~~الصلاة }: # ومعناه: قل يا محمد! لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلوات الخمس بحدودها. # { وينفقوا مما رزقناهم }: أي: مما خولناهم: يعني: ~~الزكاة. سرا وعلانية من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه، أي: لا يباع ما وجب ~~عليه من العقاب بفدية (ولا عوض). # قال أبو عبيدة: البيع هنا: الفدية. # وقوله: { ولا خلال }: أي: ولا مخالة خليل، فيصفح عمن استوجب ~~العقوبة لمخاللته. والخلال مصدر خاللته، قاله الأخفش. (و) الخلال جمع ~~خلة، وهو بمعنى: الصداقة. # وقال ابن عباس: { يقيموا الصلاة } يعني: الصلوات الخمس، { ~~وينفقوا مما رزقناهم }: يعني: زكاة أموالهم. ### || [14.32-34] # قوله: { الله الذي خلق السموت } - إلى قوله - { ~~كفار }: والمعنى: " الله الذي أنشأ السماوات والأرض من غير ms1230 شيء. # { وأنزل من السمآء مآء فأخرج به }: أي: أحيى به ~~الأرض والشجر، والزرع، والثمرات، رزقا لكم: تأكلونه. # { وسخر لكم الفلك } وهي السفن: { لتجري في البحر ~~بأمره } ومعنى " بأمره " لكم، تركبونها، وتحملون فيها أمتعتكم من ~~بلد إلى بلد. # { وسخر لكم الأنهار }: أي: سخر ماءها شرابا وسقيا لكم. # { وسخر لكم الشمس والقمر دآئبين }: أي: متعاقبين ~~عليكم أيها الناس بالليل والنهار لصلاح أنفسكم ومعايشكم. # وقيل: معنى دائبين: متماديان في اختلافهما عليكم. وقال ابن عباس (رحمه ~~الله): هو دؤوبهما في طاعة الله، عز وجل، { وسخر لكم اليل ~~والنهار }: أي: يسخر تعاقبهما عليكم لمنافعكم، وصلاح أحوالكم. # ثم قال تعالى: { وآتاكم من كل ما سألتموه }: أي: وأعطاكم ~~مع ما تقدم من ذكر إنعامه عليكم: { من كل ما سألتموه } ، أي: ~~من كل سؤلكم، قاله الفراء. # وقال الأخفش: " من كل ما سألتموه (شيئا)، وحذف شيئا لدلالة لفظ ~~التبعيض عليه، ولدلالة " ما " التي أضيف إليها " كل " لأنها بمعنى شيء. # وقيل: هذا لفظ عام، ويراد به الخصوص، كما يقال: فلان يعلم كل شيء، ~~وأتاني كل إنسان: يريد البعض، ومثله # فتحنا عليهم أبواب كل شيء # [الأنعام: 44]. # قال مجاهد: معناه: وآتاكم من كل ما رغبتم إليه فيه. # وقيل: المعنى: وآتاكم من كل الذي سألتموه، والذي لم تسألوه. # وقيل: معناه: إن الناس قد سألوا الأشياء عن تفرق أحوالهم، فخوطبوا على ~~ذلك: أي: قد أوتي بعضهم منه شيئا، وأوتي الآخر منه شيئا آخر، مما قد ~~سأله. # وروى محمد بن إسحاق المسيبي، عن أبيه، عن نافع " من كل " بالتنوين، وهي ~~قراءة الضحاك. والحسن: أي: أعطاكم أشياء ما سألتموها / ولا ~~التمستموها، ولكن فعل ذلك لكم، برحمته وسعة فضله. # قال الضحاك (رحمه الله): فكم من شيء أعطانا الله ما سألناه، ولا طلبناه، ~~ولا خطر لنا على بال. # وجعل الحسن " ما " بمعنى " الذي " مع التنوين. وقال في معناه: وآتاكم من ~~كل ما سألتموه: أي: أعطاكم من كل الأشياء الذي سألتموه. # ثم قال تعالى: { وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها }: ~~أي: (إن) تعدوا نعم الله عليكم لا تحصوا عددها، ms1231 والقيام بشكرها. # ثم قال تعالى: { إن الإنسان لظلوم كفار } ، الإنسان: اسم ~~للجنس وظلوم بني للمبالغة. # والمعنى أن الإنسان غير شاكر من أنعم عليه، وقد وضع الشكر في غير موضعه، ~~يعبد غير من أنعم عليه. # كفار: جحود نعمة من أنعم عليه. ### || [14.35-36] # قوله: { وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد ~~آمنا } - إلى قوله - { غفور رحيم }. # المعنى: واذكر يا محمد! إذ قال إبراهيم: رب اجعل مكة (بلدا) آمنا، ~~سكانه وأهله. فهذا إشارة إلى البلد، والبلد نعت لهذا، أو عطف بيان. و " ~~آمنا " مفعول ثان لجعل. # ثم قال تعالى حكاية عن قول إبراهيم صلى الله عليه وسلم وعلى نبينا محمد ~~وسلم: { واجنبني وبني أن نعبد الأصنام }: أي: اجعلني ~~وإياهم جانبا عن عبادتها. # وقيل: معناه أنقذني، وإياهم من عبادة الأصنام. والصنم: التمثال المصور، ~~فإن لم يكن مصورا فهو وثن. # قال مجاهد: أجاب الله، جل ذكره، دعوة إبراهيم في ولده، فلم يعبد أحد ~~منهم صنما. # ثم قال تعالى، ذكره: { رب إنهن أضللن كثيرا من ~~الناس }: أي إن الأصنام أضللن كثيرا من الناس عن طريق الهدى والحق، ~~حتى عبدوهن فكفروا بك. وأضاف الفعل إلى الأصنام على ما تعرف العرب من ~~مخاطبتها. يقول العرب: أفتنتني الدار، والمعنى: استحسنتها. # فالمعنى: إنه افتتن (كثير) من الناس بهن، أي: استحسنهن كثير من الناس، ~~أي: استحسن عبادتهن كثير منهم. # { فمن تبعني فإنه مني } ، أي: من تبع ما أنا عليه من ~~الإيمان بالله، (عز وجل)، وإخلاص العبادة (له فهو مني): أي: من أهل ديني. # { ومن عصاني } فخالف أمري { فإنك غفور } لذنوب المذنبين. ~~أي: ستار لها إذا تابوا منها بالإيمان. وهذا قريب من قول عيسى صلى الله ~~عليه وسلم: # إن تعذبهم فإنهم عبادك # [المائدة: 118] - الآية -: أي: إن تغفر لهم ذنوبهم بعد توبتهم وإيمانهم. ~~(وفي) ذلك أقوال غير هذا، قد ذكرتها في المائدة. # وغير جائز أن يتأول أحد أن المغفرة ترجى لمن مات على كفره، لقوله: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء # [النساء: 48، 116]، ولقوله: # إن الذين كفروا ms1232 وماتوا وهم كفار فلن يقبل ~~من أحدهم ملء الأرض ذهبا # [آل عمران: 91] - الآية - وهو كثير في القرآن، فلا ييأس من مغفرة ~~الله لعبد مع الإيمان، ولا ترجى مغفرة لعبد من الكفر. # وقوله: رحيم: أي: رحيم بعبادك إذا آمنوا قبل موتهم. ### || [14.37-41] # قوله: { ربنآ إني أسكنت من ذريتي بواد غير ~~ذي / زرع } - إلى قوله - { يوم يقوم الحساب }. معنى الآية: ~~إنه دعاء من إبراهيم صلى الله عليه وسلم بمكة، وذلك حين أسكن اسماعيل، ~~وأمه هاجر مكة. # قال ابن عباس: إن أول من سعى بين الصفا والمروة لأم اسماعيل (وإن) أول ~~ما أحدث النساء جر الذيول، لمن أم اسماعيل، وذلك أنها لما فرت من سارة ~~أرخت من ذيلها لتعفي أثرها، فجاء بها إبراهيم، ومعها إسماعيل حتى ~~انتهى بها إلى موضع البيت، فوضعها، ثم رجع. فأتبعته، فقالت: إلى (أي) شيء ~~تكلنا؟ (إلى أي طعام تكلنا)، إلى أي شراب تكلنا؟. # فجعل إبراهيم لا يرد عليها عينا، فقالت: (آلله) أمرك بهذا؟ قال نعم. ~~قالت: إذن لا يضيعنا. فرجعت ومضى حتى إذا استوى على ثنية كداء. أقبل على ~~الوادي، فدعا، فقال: { ربنآ إني أسكنت من ذريتي ~~بواد غير ذي زرع } - الآية - قال: وكان مع هاجر شن، فيه ماء. ~~فنفد الماء فعطشت، فانقطع اللبن. فعطش الصبي، فنظرت أي: الجبال أدنى من ~~الأرض، فصعدت الصفا، فتسمعت هل تسمع صوتا أو ترى أنيسا. فلم تسمع ~~شيئا، فانحدرت. فلما أتت إلى الوادي سعت وما تريد السعي، كالإنسان ~~المجهود الذي يسعى وما يريد السعي. فنظرت أي الجبال أدنى من الأرض، فصعدت ~~المروة، فتسمعت هل تسمع صوتا، أو ترى أنيسا فسمعت صوتا كالإنسان الذي ~~يكذب سمعه حتى استيقنت، فقالت: قد أسمعتني صوتك، فأغثني، فقد هلكت وهلك ~~من معي. فجاء الملك بها، حتى انتهى (بها) إلى زمزم. فضرب بقدمه ففارت، ~~فجعلت هاجر تفرغ من شنها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " رحم الله أم إسماعيل! لولا أنها عجلت لكانت زمزم عينا معينا " # وقال الملك لها: لا تخافي الظمأ على أهل هذا البلد، فإنما ms1233 (هي) عين لشرب ~~ضيفان الله. وقال لها: إن أبا هذا الغلام سيجيء، فيبنيان لله (جل وعز) ~~بيتا، وذا موضعه، ثم ذهب، وبقيت هاجر، فأتت رفقة من جرهم تريد الشام، ~~فرأوا الطير على الجبل، فقالوا: إن هذا الطير لعائف على ماء، فهل علمتم ~~بهذا الوادي من ماء؟ فقالوا: لا. ثم أشرفوا فإذا هم بهاجر وابنها، ~~فأتوها، فطلبوا أن ينزلوا عندها، فأذنت لهم، فسكنوا عندها. ثم أتتها ~~المنية فماتت، رحمة الله عليها، فتزوج اسماعيل امرأة من جرهم، ثم كان ~~من قصة إبراهيم في إتيانه إلى (بناء) البيت ما ذكر الله (عز وجل). # وقد تقدم منه ذكر (كثير) في البقرة. ومعنى: { بيتك المحرم }: ~~أي: المحرم من استحلال حرمات الله (تعالى) فيه، والاستخفاف بحقه. # وقوله: { فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم }: ~~أي: اجعل قلوب بعض خلقك تنزع إليهم، فلذلك قلوب الناس إلى الآن تنزع إلى ~~الحج، ولا تقدر على التخلف. # وقد قال ابن جبير: لو قال: فاجعل أفئدة الناس / تهوي إليهم، لحجت اليهود ~~والنصارى، والمجوس، ولكنه قال: { أفئدة من الناس } فحج ~~المسلمون. # قال مجاهد (رحمه الله): لو قال أفئدة الناس، لازدحمت عليه فارس، والروم، ~~ولكنه قال: من الناس. # والأفئدة جمع فؤاد، وهو القلب، وسمي القلب فؤادا لتفاؤده: # أي: لتوقده، والتفاؤد: التوقد، والمقتاد: موضع وقود النار. # قال عكرمة، وطاووس، وعطاء: قلوبهم تهوى إلى البيت حتى يأتونه: (أي) ~~يحجون، وهو قول ابن عباس. # وعن ابن عباس أن معنى: { تهوى إليهم }: أي: تهوى السكنى عندهم. # وهذا المعنى إنما يكون على قراءة من قرأه بفتح الواو، وهي قراءة مروية ~~عن مجاهد. # ولما دعا إبراهيم بأن يرزقهم من الثمرات نقل الله (عز وجل)، الطائف من ~~فلسطين إلى موضعها الآن، ففيها من من كل الثمرات. # روي أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم لما دعا بهذا بعث الله جل ذكره، ~~جبريل عليه السلام، فاقتلع الثمار من الشام من موضع يقال له الأردن، وهو ~~نهر، ثم أقبل بالثمار حتى طاف بها حول البيت أسبوعا، ثم أنزلها جبال ~~تهامة وهي الطائف. ولذلك سميت ms1234 الطائف. # { لعلهم يشكرون }: أي: يشكرون نعمك. # ثم حكى الله (عز وجل)، عنه أنه قال: { ربنآ إنك تعلم ما ~~نخفي وما نعلن }: أي: تعلم ما نخفي في قلوبنا عند مسألتنا إياك ~~ما نسألك، وفي غير ذلك من أحوالنا. # { وما نعلن } من دعائنا، فنجهر به. وغير ذلك من أحوالنا. # { وما يخفى } عليك يا رب (من) شيء في الأرض، ولا في السماء. # ثم قال جل ذكره { الحمد لله الذي وهب لي } - الآية - # قال ابن جبير: بشر إبراهيم بإسحاق بعد تسع عشرة ومائة (سنة). # (وقوله): { رب اجعلني مقيم الصلاة }: أي: مؤديا ما ~~ألزمتني من فرائضك، { ومن ذريتي }: أي: واجعل أيضا من ذريتي مقيم ~~الصلاة. # ثم قال تعالى: { ربنا وتقبل دعآء }: الدعاء هنا العبادة. ~~والمعنى: " وتقبل عملي الذي أعمله لك، وعبادتي إياك، وقد روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن الدعاء هو العبادة " # ثم قرأ: # وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين ~~يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين # [غافر: 60]. # فالمعنى: اعبدوني أستجب لكم، ودل على ذلك قوله: # إن الذين يستكبرون عن عبادتي # [غافر: 60]. # { ربنا اغفر لي ولوالدي }: استغفر إبراهيم لأبيه من أجل # موعدة وعدهآ إياه فلما تبين له أنه ~~عدو لله تبرأ منه # [التوبة: 114]: أي: مات على كفره. # وقيل: عنى بوالديه: آدم وحواء (عليهما السلام). # وقرأ يحيى بن يعمر، والنخعي: { اغفر لي ولوالدي } يعني: ~~إسماعيل، وإسحاق. # وقرأ ابن جبير: " ولوالدي " يعني أباه وجده. ### || [14.42-46] # قوله: { ولا تحسبن الله غافلا } - إلى قوله - { لتزول ~~منه الجبال }: # المعنى: ولا تحسبن الله يا محمد ساهيا عن عمل هؤلاء المشركين من قومك. ~~بل هو عالم بهم، يحصي عليهم جميع أعمالهم، ليجازيهم عليها. # وهذه الآية " وعيد للظالم / وتعزية للمظلوم ". # ثم قال تعالى: { إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه ~~الأبصار }: أي: إنما يؤخر عقابهم ليوم القيامة، يوم تشخص فيه أبصار ~~الظالمين. فلا ترتد إليهم. # ثم قال تعالى: { مهطعين مقنعي رءوسهم }. # قال قتادة: مهطعين: مسرعين. # وقال ابن جبير، عن قتادة: " مهطعين منطلقين، عامدين إلى الداعي. # وقال ابن عباس (رحمه الله): مهطعين: ms1235 مديمي النظر، من غير أن تطرف ~~أبصارهم. وقاله مجاهد. # وقال ابن زيد: المهطع: الذي لا يرفع رأسه، والإهطاع في كلام العرب: ~~الإسراع. # وقال ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وقتادة: الإقناع: رفع الرؤوس. # وأصل الأهطاع: الإقبال على الشيء بالنظر، ينظر دائما، لا يرفع بصره، ~~ولا يطرف. وهو بمعنى قول مجاهد، والضحاك، وهو قول الخليل: ودليله قوله: # { لا يرتد إليهم طرفهم }: أي: يديمون النظر، لا يطرفون. # قال الحسن: " وجوه الناس يوم القيامة إلى السماء، لا ينظر أحد - إلى ~~أحد. والمقنع في اللغة: الرافع رأسه. # حكى أبو العباس: أقنع إذا رفع رأسه، وأقنع: إذا طأطأ رأسه ذلا وخضوعا. ~~فتحتمل الآية القولين جميعا. قال: ويجوز أن يرفع رأسه مديما للنظر، ثم ~~يطأطأه ذلا وخضوعا. # ومن الارتفاع قيل: مقنعة للتي يجعلها النساء على رؤوسهن، لارتفاعها على ~~الرأس. ومنه قنع الرجل إذا رضي، لأنه رفع نفسه على السؤال، وقنع إذا سأل، ~~أي: أتى ما يتقنع منه. # ثم قال تعالى: { لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم ~~هوآء }: والمعنى عند ابن عباس رضي الله عنه: " لا ترجع إليهم لشدة ~~النظر أبصارهم ": أي: هي شاخصة. ومعنى: { وأفئدتهم هوآء }: ~~أي: منحرفة، لا تعي من الخير شيئا، قاله ابن عباس. كما تقول: ليس في ~~البيت شيء، إنما هو هواء. # قال ابن عباس: وليس فيها شيء من الخير فهي كالخربة. # وقال ابن زيد: { وأفئدتهم هوآء } الأفئدة: القلوب ليس فيها ~~عقل، ولا منفعة. # وقيل: معناه: لا تستقر في مكان، فلا ترتد في أجوافهم. # قال ابن جبير: { وأفئدتهم هوآء }: " تمور في أجوافهم، ليس ~~لها مكان تستقر فيه ". # وقال الضحاك: { وأفئدتهم هوآء } معناه: " ليس فيها شيء، خرجت ~~من صدورهم فنشبت في حلوقهم " ، وقاله السدي. # قال قتادة: " انتزعت حتى صارت في حناجرهم، لا تخرج من أفواههم، ولا تعود ~~إلى أمكنتها. # وأصل الهواء في اللغة: المجوف الخال(ي). # ثم قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: { وأنذر الناس يوم ~~يأتيهم العذاب } ، والمعنى: وأنذر الناس الذين أرسلت إليهم يا ~~محمد { يوم يأتيهم العذاب }: وهو يوم القيامة. # " فاليوم ": مفعول به، بأنذر ولا ms1236 يحسن أن يكون نصبه على الظرف، لأن ~~الإنذار لا يكون يوم القيامة، إنما هو / في الدنيا فافهمه، وله نظائر ~~كثيرة في القرآن. # ثم قال تعالى: { فيقول الذين ظلموا ربنآ أخرنآ ~~إلى أجل قريب }. # قال محمد بن كعب القرظي، رحمه الله: بلغني أن (أهل) النار ينادون: # { ربنآ أخرنآ إلى أجل قريب نجب دعوتك ~~ونتبع الرسل } فرد عليهم: { أولم تكونوا أقسمتم ~~من قبل ما لكم من زوال } - إلى قوله - { لتزول منه ~~الجبال }. # وقوله: { أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم ~~من زوال }: هذا تقريع من الله (عز وجل) للمشركين من قريش. أعلمنا ~~أنه يقال لهم بعد أن دخلوا النار بإنكارهم البعث في الدنيا، إذ سألوا رفع ~~العذاب (عنهم)، وتأخيرهم لينيبوا، أو يتوبوا. # { أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من ~~زوال } أي ما لكم من انتقال من الدنيا إلى الآخرة، وإنكم إنما تموتون، ~~ولا تبعثون. # وهذا القسم الذي حكى الله (عز وجل)، عنهم هنا هو ما حكى الله (سبحانه) ~~عنهم أنهم (أ)قسموا في قوله: # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من ~~يموت # [النحل: 38]. قاله ابن جريج. # ثم قال جل ذكره حكاية عما يقول للمشركين في الآخرة: # { وسكنتم في مسكن الذين ظلموا أنفسهم }: أي: ~~سكنتم في الدنيا في مساكن الأمم، الذين أهلكوا بظلمهم لأنفسهم، فلم ~~تعتبروا بهم، ولا اتعظتم. # ومعنى { ظلموا أنفسهم }: أي: " كفروا بالله (سبحانه)، فظلموا ~~بذلك أنفسهم. # { وتبين لكم كيف فعلنا بهم }: أي: أعلمتم كيف ~~أهلكناهم حين كفروا بربهم. # { وضربنا لكم الأمثال }: أي: مثلنا لكم ما كنتم عليه من ~~الشرك، فلم تتوبوا من كفركم، فالآن تسألون التأخير للتوبة حين نزل بكم ~~العذاب. # قال قتادة: { وسكنتم في مسكن الذين ظلموا ~~أنفسهم }: أي، اسكن الناس في مساكن قوم نوح، وعاد، وثمود. # ثم قال تعالى: { وقد مكروا مكرهم وعند الله ~~مكرهم }. # قال علي بن أبي طالب، رضي الله عنه: أخذ الذي حاج إبراهيم في ربه نسرين ~~فرباهما، حتى استعجلا واستغلظا وشبا. ثم أوثق رجل كل واحد منهما في وتد ~~إلى تابوت، وجوعهما، وقعد ms1237 هو ورجل آخر في التابوت. ورفع من التابوت عصا ~~على رأسها لحم، فطارا بالتابوت، وجعل يقول لصاحبه: انظر ماذا ترى؟ فيقول: ~~أرى كذا، وكذا، حتى قال: أرى الدنيا كأنها ذباب. فقال له: صوب العصا، ~~فصوبها فهبطا: فهو مكرهم الذي أرادت الجبال أن تزول منه. # وروي أن الذي فعل ذلك بالنسور بختنصر. فلما ارتفعت به النسور نودي: أيها ~~الطاغية أين تريد؟ ففزع، وصوب الرمح الذي فيه اللحم، فصوبت النسور: فكادت ~~الجبال أن تزول لذلك. # وقال ابن جبير: هو نمرود. # وقيل: مكرهم هنا، هو شركهم بالله سبحانه، وافتراؤهم عليه. روي ذلك أيضا ~~عن ابن عباس. # / وقال الضحاك هو كقوله # وقالوا اتخذ الرحمن ولدا * لقد جئتم شيئا ~~إدا # [مريم 88-89] - الآية -. # ومن كسر اللام في " لتزول منه " جعل إن بمعنى: ما. أي: وما كان مكرهم ~~لتزول منه الجبال. واللام لام النفي. وهذا مروي عن الحسن (رحمه الله) ~~ومثله عنده: # فإن كنت في شك ممآ أنزلنآ إليك # [يونس: 94]: أي: فما كنت في شك. ومثله: # قل إن كان للرحمن ولد # [الزخرف: 81]: أي: ما كان. # (فيكون معنى القراءة عندهم أضعف)، وأوهن من أن تزول منه الجبال، ويدل ~~على صحة قوله إن كيد الشيطان كان ضعيفا. # ومن فتح اللام جعلها لام تأكيد، ومعناه: إنه عظم مكرهم وكبرهم. فأخبر أن ~~الجبال كادت تزول لمكرهم، ودليل تعظيم مكرهم أن الله قد قال: # ومكروا مكرا كبارا # [نوح: 22]، وقال: # تكاد السموت يتفطرن منه وتنشق الأرض ~~وتخر الجبال هدا * أن دعوا للرحمن ولدا # [مريم: 90-91]: فأخبر أن ما يأتون به من الكفر تكاد السماوات يتفطرن ~~منه: (أي): تنشق، وتكاد الجبال تسقط إعظاما لقولهم. # وقيل: إن المراد بهذه الآية قريش، نفى الله عز وجل، أن تزول لمكرهم ~~الجبال، والجبال كناية عن القرآن، والتقدير: وما كان مكر قريش وكفرهم ~~ليزول منه القرآن إذا أنكروه، وكفروا به. بل فعلهم ذلك لا يضر القرآن، ~~ولا يزيله من قلوب المؤمنين حتى يبلغ جميع الأمم الكائنة إلى يوم ~~القيامة. فيجاز(ى) المؤمن به على إيمانه، والكافر به على كفره. ms1238 ### || [14.47-51] # وقوله: { فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله } - إلى ~~قوله - { سريع الحساب } ، والمعنى: ولا تحسبن الله يا محمد مخلف ~~رسله، وعده الذي وعدهم من عقوبة من كذبهم تثبيتا منه تعالى لنبيه، عليه ~~السلام ومعلما، له به أنه سينزل سخطه على من كذبه. # { إن الله عزيز ذو انتقام }: أي: إن الله لا يمتنع منه ~~شيء أراد عقوبته { ذو انتقام } لمن كفر به وكذب رسله. # ثم أخبرنا تعالى، متى يكون هذا الانتقام، فقال { يوم تبدل ~~الأرض غير الأرض والسموت }: أي: ينتقم من الظالمين في ~~هذا اليوم. ومعنى { تبدل الأرض (غير الأرض) }: أي تصير هذه ~~الأرض أرضا بيضاء، كالفضة لم يسفك عليها دم، ولا عمل عليها خطيئة، ~~يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر حفاة، عراة، قياما، كما خلقوا حتى يلجمهم ~~العرق. قاله ابن مسعود، وأنس بن مالك، ومجاهد، والحسن. # وقال الحسن (رحمه الله) في حديث(ه): والسماوات أيضا كالفضة وعن عبد ~~الله بن مسعود أنه، قال: تبدل الأرض نارا يوم القيامة، والجنة من ورائها ~~ترى أكوابها وكواعبها. والذي نفس عبد الله بيده: إن الرجل ليفيض عرقا ~~حتى ترسخ في الأرض قدمه، ثم يرتفع حتى يبلغ أنفه، وما مسه الحساب. ~~فقالوا: (مم) يا أبا عبد الرحمن؟ قال: مما الناس يلقون. وقال: (و) أولياء ~~الله في ظل عرش الله. والذي نفس عبد الله بيده: إن جهنم / لتنظف على ~~الناس، مثل الثلج حين يقع من السماء، والذي نفس عبد الله بيده إن عرقه ~~ليسيح في الأرض تسع قامات، ثم يلجمه، وما ناله الحساب من شدة ما يرى ~~الناس (و) يلقون. # وقال علي بن أبي طالب، رضي الله عنه: تبدل الأرض من فضة، والجنة من ذهب. # وقال ابن جبير: تبدل الأرض خبزة بيضاء، يأكل المؤمن من تحت قدميه. وكذلك ~~ذكر محمد بن كعب القرظي (رحمه الله). # وكذلك قال أبو جعفر بن محمد بن علي، (نضر الله وجهه): تبدل الأرض خبزة ~~يأكل منها الخلق يوم القيامة، ثم قرأ # وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام # [الأنبياء: 8]. # وقال أنس بن مالك رضي الله ms1239 عنه: تبدل الأرض بأرض من فضة، لم يعمل فيها ~~الخطايا. # وقيل: تبديل الأرض: هو تسيير جبالها، وتهجير بحارها، وكونها مستوية: # لا ترى فيها عوجا ولا أمتا # [طه: 107]، وتبدل السماوات: انتثار كواكبها، وانفطارها، وانشقاقها، ~~وتكوير شمسها، وخسوف قمرها. # قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " تبدل الأرض غير الأرض والسماوات، ويمدها مد الأديم العقاظي، لا ترى ~~فيها عوجا، ولا أمتأ، ثم يزجر الله الخلق زجرة فإذا هم في هذه المبدلة ~~في مثل مواضعهم من الأولى. ما كان في بطنها كان في بطنها، وما كان على ~~ظهرها كان على ظهرها. وذلك حين تطوى السماوات { كطي السجل ~~للكتب } ثم يدحوهما ثم يبدلهما ". # " وسألت عائشة، رضي الله عنها، النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا ~~رسول الله: إذا بدلت الأرض غير الأرض والسماوات، وبرزوا لله الواحد ~~القهار. أين الناس يومئذ؟ قال: على الصراط ". # ومعنى { وبرزوا لله الواحد القهار }: وخرجوا من ~~قبورهم أحياء لموقف الحساب بين يدي الله (عز جل). # { الواحد القهار } أي: المنفرد بالقدرة على خلقه، الذي يقهر كل ~~شيء. # وقال ابن مسعود رضي الله عنه: يجمع الله الخلائق كلهم في صعيد واحد، ~~لأرض بيضاء، لم يعص الله فيها قط، ولم يخطأ فيها خطيئة. فأول ما يتكلم أن ~~ينادي مناد: # لمن الملك اليوم # [غافر: 16]؟، ثم يقول الله الواحد القهار: # اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم ~~إن الله سريع الحساب # [غافر: 17]. # وعن علي (رضي الله عنه) أنه قال: تبدل الأرض (بأرض) من فضة، والجنة من ~~ذهب. # وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: بلغنا، والله أعلم، أن الأرض تبدل ~~بأرض بيضاء، لم يعمل عليها معصية، ولم يسفك عليها دم حرام. # ثم قال تعالى: { وترى المجرمين يومئذ مقرنين في ~~الأصفاد }: أي: وترى يا محمد الذين اجترموا في الدنيا الشرك بالله ~~(مقرنين: أي) مقرنة أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم. # { في الأصفاد }: أي: في الوثاق، من غل وسلسلة، أو قيد. وأحدها صفد ~~كحبل. أو صفد كعدل والصفاد: القيد. / # وعن ابن عباس، رضي الله عنه: الأصفاد: الكبول، ms1240 يعني القيود. # وعنه أيضا (رضي الله عنه): الأصفاد: السلاسل. # قال الضحاك: (رحمه الله) الأصفاد: السلاسل. # وقال قتادة (رحمه الله): هي القيود، والأغلال. # وقال الحسن: ما في جهنم واد، ولا مغارة، ولا قيد، ولا سلسلة إلا واسم ~~صاحبه عليه مكتوب. # ثم قال تبارك (و) تعالى: { سرابيلهم من قطران }: أي قمصهم ~~التي يلبسونها، واحدها سربال. # من قطران: قال الحسن (رحمه الله): هو قطران الإبل، ويقال قطران ~~وقطران بفتح القاف وكسرها. # وقرأ مجاهد، رحمه الله، قطران (عليه) نحاس، ومثله عن ابن عباس. وعن ابن ~~عباس، وعكرمة، (رحمة الله عليهما)، إنهما قرآ: (من) قطر آن: أي: من ~~نحاس قد انتهى حره في الشدة، وقد قالوا قطران في الواحد، ولو جمع قطران، ~~لقيل: قطارين كضربان وضرابين. # ثم قال تعالى: { وتغشى وجوههم النار }: أي: " تلفح وجوهه ~~النار فتحرقها. # { ليجزى الله كل نفس ما كسبت }: أي: ما كسبت من ~~الأثام في الدنيا (أ) ومن الحسنات. # { إن الله سريع الحساب }: أي عالم بعلم كل عامل، لا يحتاج ~~في إحصاء أعمالهم إلى معاناة وحساب. قد أحاط بها علما. ### || [14.52] # قوله: { هذا بلاغ للناس } (الآية وهذا القرآن)، (وهذا) ~~الوعظ بلاغ للناس: أي: أبلغ الله جل ذكره إليهم في الحجة عليهم، وأعذر ~~إليهم بما أنزل فيه من موعظة وعبرة. # ثم قال تعالى: { ولينذروا به } أي: عذاب الله أنزله على محمد ~~صلى الله عليه وسلم. # { وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر ~~أولوا الألباب }: أي: وليتعظ أصحاب العقول والأفهام. # وواحد الألباب لب، ولب كل شيء: خالصة، فافهم. ### | [15 - سورة الحجر] ### || [15.1-5] # [و] هي مكية: # قوله: { الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين } إلى قوله { ~~وما يستأخرون }. # قد تقدم ذكر { الر } وشبهها. والمعنى: هذه تلك، أي: هذه الآيات { ~~آيات الكتاب } أي: آيات الكتب التي كانت قبل القرآن كالتوراة ~~والإنجيل. قال[ه]: مجاهد وقتادة. # { وقرآن مبين } أي: وآيات قرآن مبين لمن تدبره وتأمله. # ثم قال تعالى: { ربما يود الذين كفروا }. # أصل " رب " أن تدخل على النكرات، وأن تكون في صدر الكلام لمضارعتها " كم ~~". لأنها للتقليل كما أن ms1241 " كم " للتكثير ولمضارعتها " لا " لأنها ~~للتقليل، والتقليل أقرب شيء من النفي. ومن أجل كونها للتقليل لزمتها ~~النكرة. # وموضع " رب " وما عملت فيه، نصب [يتعدى] الفعل الذي بعدها، كما تقول: ~~مررت بزيد: فزيد في موضع نصب. ولذلك لم يؤت لها بخبر، كما يأتي لكم. ~~والفعل: الذي يتعلق به محذوف - وربما ظهر - وكل حرف جر فإنما يتعلق بما / ~~قبله إلا رب فإنها [ت]تعلق بما بعدها لأن لها صدر الكلام. # وإذا دخلت عليها " ما " كفتها عن العمل ووقعت الأفعال الماضية بعدها، ~~تقول: ربما قام زيد، وربما جلس عمرو. فإن وقعت الأسماء بعدها، جاز عملها، ~~ولغوها تقول: ربما رجل رأيت. ويلزم النكرة التي تدخل " رب " عليها النعت. # فإن وقع بعدها مستقبل فعلى إضمار " كان " تقول: ربما يقوم زيد. تقديره ~~ربما: كان يقوم زيد. # فأما قوله تعالى: { ربما يود الذين كفروا } وإنما جاز ~~وقوع المستقبل بعدها في هذه [الآية] لأنه أمر واقع لا محالة، فصار بمنزلة ~~الماضي الذي [قد] كان [ووقع]. فإن قلت " رب رجل سيقوم " أو " ليقومن " لم ~~يجز إلا أن تريد أنه يوصف بذلك. # وإذا اتصل بربما مجهول انتصب ما بعدها على التفسير. ولا يثنى ذلك ~~المجهول ولا يجمع ولا يؤنث عند البصريين. وأجاز ذلك الكوفيون. # والمضمر الذي يتصل برب في تأويل نكرة ولفظه لفظ معرفة. وإنما كان نكرة ~~لأنك لم تقصد به إلى مذكور بعينه تقدم ذكره، وإنما أظهر على شريطة ~~التفسير بعده. # ولا موضع " لما " في ربما لأنها زائدة. وأجاز الأخفش أن تكون " ما " ~~نكرة في موضع خفض " برب " كأنه قال: ورب شيء، أو: رب: ود. # ومعنى الآية: ربما تمنى الذين كفروا لو كانوا في الدنيا مسلمين. وذلك في ~~قول: ابن عباس، وأنس، حين يرى المشركون المسلمين من أهل الخطايا يخرجون ~~من النار بإيمانهم. فيود عند ذلك المشركون لو كانوا مسلمين فيخرجون كما ~~خرج هؤلاء المسلمون. وذكر ابن عباس: أنه إذا اجتمع المشركون وأهل الذنوب ~~من المسلمين في النار قال المشركون للمسلمين: ما أغنى عنكم ما كنتم ~~تعبدون، قد اجتمعنا وإياكم. ms1242 # فيغضب الله عز وجل للمسلمين فيخرجهم بفضل رحمته فيقول المشركون عند ذلك ~~ليتنا كنا مسلمين. # وفي حديث ابن وهب: "... فيغضب الله لهم فيقول للملائكة والنبيين: ~~اشفعوا، قال: فيشفعون لهم. فيخرجون حتى إن إبليس ليتطاول رجاء أن يخرج ~~معهم ". # وقال مجاهد عن ابن عباس: يدخل الله المؤمنين الجنة حتى يقول في آخر ذلك: ~~من كان مسلما فليدخل الجنة. فعند ذلك يتمنى المشركون لو كانوا مسلمين. # وقيل: إن ذلك يكون من الكافر إذا عاين القيامة. # وقيل: يكون منه ذلك التمني إذا عاين الموت. # ثم قال تعالى: { ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم ~~الأمل }. # معنى ذلك: التهديد والوعيد للمشركين. # ثم قال تعالى: { ومآ أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب ~~معلوم }. # أي: ما أهلكنا من أهل قرية من الأمم الماضية، إلا ولها أجل مؤقت و / مدة ~~[معلومة] لا يهلكهم الله حتى يبلغوها. وكذلك أهل قريتك يا محمد، وهي مكة، ~~لا يهلكهم الله حتى يبلغوها. أي: بعد بلوغهم مدتهم لا يتقدمون عن ذلك ولا ~~يستأخرون. # وقال بعض أهل المعاني: " سبقت " و " استأخرت " مع الأشخاص معناها: غير ~~معناها مع غير الأشخاص. # تقول: سبقت فلان[ا] تجاوزته. واستأخرت عنه فأتى، وتأخرت عنه. # وتقول: سبقت الهلال: قصرت عن بلوغه. واستأخرت الهلال جزته. # فمعنى [قوله] { ما تسبق من أمة أجلها } لا تقصر عنه. ~~ومعنى " وما يستأخرون " لا يتجاوزونه فيزيدون عليه. # روى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم [قال: # " أن] خلق أحدكم يجمع في بطن أمه في أربعين ليلة. ثم يكون علقة مثل ذلك. ~~ثم يكون مضغة مثل ذلك. ثم يبعث الله ملكا فيؤمر بأربع كلمات. فيكتب ~~أجله، وعمله، ورزقه، وشقي [هو] أو سعيد. ثم ينفخ فيه الروح. فإن الرجل ~~ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى لا يكون بينه وبين [الجنة] إلا ذراع، فيسبق ~~عليه الكتاب فيختم له بعمل أهل النار فيدخلها. وإن الرجل ليعمل بعمل أهل ~~النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل ~~أهل الجنة فيدخلها ". ### || [15.6-9] # قوله: { وقالوا يأيها الذي نزل عليه الذكر } ~~إلى ms1243 قوله { وإنا له لحافظون }. # معناه: وقال هؤلاء المشركون، لك يا محمد، يا أيها الذي نزل عليه القرآن، ~~إنك لمجنون في دعائك إيانا إلى أن نتبعك وندع آلهتنا. # ثم حكى [الله] عنهم: أنهم قالوا: { لو ما تأتينا ~~بالملائكة }. أي: هلا [تأتينا] بالملائكة تشهد لك بالصدق فيما ~~جئتنا [به] إن كنت من الصادقين فيما جئتنا به. قال الله لمحمد [عليه ~~السلام]. قل لهم: { ما ننزل الملائكة إلا بالحق } أي: ~~بالرسالة للرسل أي: بالعذاب إلى الأمم الظالمة. # ثم قال تعالى: { وما كانوا إذا منظرين }. # أي: لو أنزلنا إليهم الملائكة فكفروا لم ينظروا ولم تقبل لهم توبة، كما ~~فعل ذلك بمن سأل من الأمم الماضية الآيات فكفروا عند إتيانها إليهم فلم ~~ينظروا. # وقال ابن جريج جواب { لو ما تأتينا بالملائكة } في قوله: # ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه ~~يعرجون # [الحجر: 14]. # ثم قال تعالى: { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له ~~لحافظون } # أي: نزلنا القرآن وإنا له لحافظون أن يزاد فيه باطل وما ليس منه، أو ~~ينقص منه ما هو منه. قاله مجاهد وقتادة. وقد قيل: أن الهاء [التي] في " ~~له " لمحمد صلى الله عليه وسلم. ### || [15.10-18] # قوله: { ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين } ~~إلى قوله { شهاب مبين }. # والمعنى ولقد أرسلنا من قبلك يا محمد رسلا في أمم الأولين. وفي فرق ~~الأولين. وواحد الشيع شيعة. و " رسلا " / محذوف دل عليه أرسلنا. # ثم قال تعالى: { وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به ~~يستهزئون }. # أي: وما يأتي [من رسول إلى الأمم الماضية فيدعوهم إلى الله { إلا ~~كانوا به يستهزئون } أي: يسخرون من الرسل عتوا منهم وتمردا ~~على ربهم. # ثم قال تعالى: { كذلك نسلكه في قلوب المجرمين } ~~بمعنى: كما سلكنا الكفر في قلوب شيع الأولين والاستهزاء بالرسل، كذلك ~~نسلك ذلك في قلوب مشركي قومك. فالهاء في " نسلكه " تعود على التكذيب أو ~~على الاستهزاء. # والمعنى: كذلك ندخل الكفر والتكذيب في قلوب المجرمين لما علم الله من ~~سوء اختبارهم وقبيح اعتقادهم. وقيل: الهاء تعود على الشرك. وقيل: على ms1244 ~~القرآن لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرؤه عليهم. ومعنى نسلكه: ~~نجعله. # وقوله: { لا يؤمنون به } أي: لا يصدقون بالذكر الذي أنزلناه ~~إليك. # { وقد خلت سنة الأولين } وقد خلت وقائع الله [عز وجل] ~~بمن خلا قبلهم من الأمم. # وقيل: المعنى وقد تقدمت سنة الأولين في التكذيب بالآيات فهم يقتفون ~~آثارهم. # ثم قال تعالى: { ولو فتحنا عليهم بابا من السماء } ~~الآية. # أي: لو فتحنا على هؤلاء الذين تقدم ذكرهم وقالوا لو ما تأتينا ~~بالملائكة، بابا من السماء فظلت الملائكة تعرج فيه وهم يرونهم بأعيانهم ~~{ لقالوا إنما سكرت أبصارنا }. # قال ابن عباس وقتادة. ومعنى يعرجون: يجيئون ويذهبون. ومعنى سكرت ~~أبصارنا: أخذ بها وشبه علينا. # وروي عن الحسن وقتادة أنهما قالا: " فظلوا فيه " يعني بني آدم الذين ~~سألوا أن يأتيهم النبي بالملائكة. والمعنى فظل هؤلاء السائلون لك يا محمد ~~في هذا الباب يجيؤون ويذهبون، لقالوا إنما أخذ بأبصارنا وشبه علينا { ~~بل نحن قوم مسحورون }. # وتحقيق معنى " سكرت ": غشيت وغطيت، قاله: ابن عمر. ومن خفف " سكرت " ~~فمعناه حبست، يقال: سكرت الريح إذا سكنت. وقيل: هو مأخوذ من: سكر ~~الشراب، ومعناه: قد غشي أبصارنا مثل السكر، وهو تفسير ابن عمرو بن ~~العلاء. ومن شدده فمعناه [عنده]: سدت، وهو قول قتادة والضحاك. وقال ابن ~~عباس: معناه: أخذت. وقيل: معنى " سكرت " بالتخفيف سحرت من قول العرب " ~~سكر على فلان رأيه " إذا اختلط عليه فيما يريد. وقال الكلبي: معنى سكرت ~~أبصارنا: غشيت. وكل هذه الأقوال متقاربة المعاني، وقول أبي عمرو أنه ~~مأخوذ من السكر جامع لها كلها. # قوله: { ولقد جعلنا في السماء بروجا } الآية. # أي: جعلنا في السماء الدنيا منازل الشمس والقمر { وزيناها ~~للناظرين } أي: زيناها بالكواكب. # وقيل: البروج قصور في السماء. # ثم قال: { وحفظناها من كل شيطان رجيم }. # أي: حفظنا السماء / من كل شيطان ملعون. وقيل: رجيم هنا بمعنى، مرجوم، ~~أي: مرجوم بالكواكب. # ثم قال [تعالى] { إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب ~~مبين }. # قال ابن عباس: تصعد الشياطين أفواجا تسترق السمع فيقرب المارد منها ~~فيتعلق فيرمى ms1245 بالشهاب فيصيب جبهته أو جبينه أو ما شاء الله منه فيلتهب. ~~فيأتي أصحابه وهو يلتهب، فيقول: إنه كان من الأمر كذا وكذا. فيذهب أولئك ~~إلى إخوانهم من الكهنة فيزيدون عليه أضعافا من الكذب فيخبرونهم. فإذا ~~رأوا شيئا مما قالوا قد كان، صدقوهم بما جاءوا به من الكذب. وهذا معنى ~~قوله: # إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب # [الصافات: 10]. # وكان ابن عباس يقول: إن الشهاب لا يقتل ولكن يحرق ويجرح. ### || [15.19-22] # قوله: { والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي } إلى ~~قوله { بخازنين }. # والمعنى: والأرض مددناها فبسطناها، لأنه قال: في موضع آخر # والأرض بعد ذلك دحاها # [النازعات: 30]. ومن تحت [ال]بيت الحرام دحيت الأرض. { وألقينا ~~فيها رواسي } أي: في ظهرها جبالا ثابتة. { وأنبتنا فيها } ~~أي: في الأرض { من كل شيء موزون }. # وقال ابن عباس " موزون " معلوم. وقال مجاهد: مقدر، أي: لا يزيد على قدرة ~~الله ولا ينقص كأنه موزون. وقال عكرمة: مقدور. # وقال ابن زيد: " موزون " عني به الأشياء التي توزن. يعني: ما في الجبال ~~من معادن الذهب والفضة والرصاص وغير ذلك مما يوزن. فكأنه قال: أنبتنا ~~فيها من كل شيء يوزن كالفضة والذهب والحديد والرصاص والزعفران والعصفر ~~وغير ذلك مما يباع بوزن. # ثم قال تعالى: { وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم ~~له برازقين }. # أي: جعلنا لكم في الأرض معايش وجعلنا لكم من لستم له برازقين يعني ~~الإماء والعبيد. فيكون " من " في موضع نصب عطف على المعايش. # وقيل: { من لستم له برازقين } يعني: به الدواب والأنعام، ~~وهو قول مجاهد. و " من " على هذا القول: لما لا يعقل وهو قبيح بعيد. # وقيل: عني به الوحش. و " من " لما لا يعقل أيضا. # وقيل: " من " في موضع نصب عطف على معنى { وجعلنا لكم فيها ~~معايش } لأن معناه: أنعشناكم " ومن لستم " أي: وأنعشنا من لستم له ~~برازقين. # وقيل: هي في موضع خفض عطف على لكم، وهو مذهب الكوفيين، ولا يجيزه ~~البصريون. # وقيل: معنى { ومن لستم له برازقين } يراد به: العبيد ~~والاماء والدواب والوحش، فلما اجتمع من يعقل، وما لا ms1246 يعقل، غلب من يعقل ~~فأتى بمن. وهذا القول: حسن، ويكون " من " في موضع نصب حملا على المعنى ~~على ما تقدم. # وقيل: المعنى جعلنا لكم في الأرض معايش بزرعها وثمارها، وجعلنا لكم فيها ~~من لستم له برازقين، يعني: البهائم التي تؤكل لحمها ويعاش منها، ويعني: ~~ما ينتفع به من البهائم مما لا يؤكل / لحمها، كل قد جعله الله لبني آدم ~~في الأرض رفقا بهم ونعما عليهم وفضلا. # ثم قال تعالى: { وإن من شيء إلا عندنا خزائنه } الآية ~~والمعنى: وما شيء من الأمطار إلا عندنا خزائنه. { وما ننزله } ~~يعني: المطر { إلا بقدر معلوم } أي: ينزل إلى كل أرض حقها ~~الذي قدر الله لها. وليس أرض أكثر من أرض ولا عام أكثر مطرا من عام، ~~ولكن الله يقسمه كيف يشاء، عاما هنا وعاما هنا. ويمطر قوما ويحرم ~~قوما، وربما كان في البحر. وروي أنه ينزل مع المطر من الملائكة أكثر من ~~عدد ولد إبليس وولد آدم يحضرون كل قطرة حيث تقع وما تنبت. # وقيل: معنى " عندنا خزائنه " أي: نملكه ونقدر عليه ونصرفه حيث نشاء وكيف ~~نشاء. # ثم قال تعالى: { وأرسلنا الرياح لواقح }. # [أي: وأرسلنا الرياح] تلقح الشجر والسحاب. وكان الأصل أن يجمع على ~~ملاقح، لأنه جمع ملقحة، من: القحت الريح الشجر. فاللاقح هي الشجر والسحاب ~~كما يقال: ناقة لاقح. والملقح هي الريح، ولكن جمع على حذف الزيادة، فكأنه ~~جمع لاقحا. وأكثر ما يقع حذف الزيادة في الشعر. # وقال بعض الكوفيين: وصفت الريح باللقح وهي تلقح، كما يقال: ليل نائم، ~~وإنما النوم فيه. # وقيل: لما كانت الريح تلقح بمرورها على التراب والماء، قيل لها: ريح ~~لاقح، كما يقال: ناقة لاقح. # وقيل: هو موضوع على النسب كأنه قال: ذوات اللقاح، كأنها تلقح السحاب. ~~كما قيل: في التفسير [و] هذا قول: أبي عمرو. # وقيل: لواقح جمع لاقح، أي حامل. سميت الريح لاقحا لأنها تلقح السحاب، ~~والعرب تقول: للجنوب لاقح وحامل وللشمال حائل وعقيم، وقد قال الله عز وجل # حتى إذآ أقلت سحابا ثقالا # [الأعراف: 57]. وأقلت: معناه: ms1247 حملت. # فأما من وحد الريح، ووصفه بلواقح فهو حسن لأنه موحد يراد به الجمع، قال ~~الله [تعالى] # والملك على أرجآئهآ # [الحاقة: 17] يريد " والملائكة ". # وقال ابن مسعود في الآية: يرسل الله الريح فتحمل الماء فتمري السحاب ~~فيدر [كما تدر] اللقحة، ثم تمطر. قال قتادة: " لواقح " تلقح الماء في ~~السحاب. # وقال النخعي والحسن: لواقح تلقح السحاب. # وقال عبيد بن عمير: يبعث الله الريح المبشرة فتقم الأرض قما، ثم ~~يبعث المثيرة فتثير السحاب، ثم يبعث المؤلفة فتؤلف السحاب ثم يبعث ~~اللقوح فتلقح الشجر. # وقال الضحاك: يبعث الله الريح على السحاب فتلقح[ه] فيمتلئ ماء. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " الريح الجنوب من الجنة وهي الريح ~~اللواقح. وهي التي ذكر الله في كتابه، وفيها منافع للناس ". # وقيل: الريح اللاقح، هي: التي تحمل الندى، ثم تمجه في ماء السحاب. فإذا ~~اجتمع فيه صار مطرا بإذن الله [عز وجل]، وبسبب تلقيحها السحاب تلقح ~~الأشجار. # وال[ل]واقح في جميع ذلك بمعنى ملاقح، لأنه من القحت الريح السحاب ~~والشجر ولكنه جمع على حذف الزيادة على ما ذكرنا. # ثم قال تعالى: { فأنزلنا من السمآء / ماء }. # أي مطرا { فأسقيناكموه } أي أسقينا به أرضكم ومواشيكم. ولو ~~كان لشربهم لقال: " فسقيناكموه ". تقول [العرب] إذا سقت الرجل ماء فشربه: ~~سقيته، فإن كان لشرب أرضه وماشيته قالوا: [أ]سقيته. وكذلك [ان] ~~ا[ست]سقيت له غيرك أن يسقيه قلت " اسقيته. # قوله { ومآ أنتم له بخازنين }. # أي: لستم تخزنون هذا الماء فتمنعونه من أحد، بل ذلك بيد الله يسقيه من ~~يشاء ويمنعه ممن يشاء. وقال سفيان: " بخازنين " بما نعين. ### || [15.23] # أي: نرث الأرض ومن عليها بأن نميت جميعهم. ### || [15.24] # قال عكرمة: المستقدمين من خلق الله إلى اليوم. والمستأخرين من لم يخلق ~~بعد. وكذلك روي عن قتادة ومجاهد: وقال ابن عباس والضحاك وابن زيد: ~~المستقدمين من مات، والمستأخرين من بقي حيا. # وقيل معناه: أو[ل] الخلق وآخره. # وقيل: معناه: ولقد علمنا المستقدمين من الأمم والمستأخرين [من] أمة محمد ~~[صلى الله عليه وسلم]. روي ذلك عن مجاهد أيضا. # وقال الحسن معناه: المستقدمين ms1248 في الخير والطاعة والمستأخرين في المعصية. # وعن ابن عباس أن معناه: المستقدمين في الصفوف في الصلاة والمستأخرين، ~~قال: كانت امرأة تصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ابن عباس: ~~لا والله ما رأيت مثلها قط. قال: فكان بعض المسلمين إذا صلوا استقدموا، ~~وبعضهم يستأخ[رون] فإذا سجدوا نظروا إليها من تحت أيديهم فأنزل الله ~~الآية. وعن ابن عباس المستقدمين [من] الصف الأول والمستأخرين الصف الآخر. ~~وقال مروان بن الحكم: كان أناس يستأخرون في الصفوف من أجل النساء. # والاختيار قول من قال أريد به من مات ومن بقي حيا، ودليل ذلك قوله ~~بعد[ه]: # وإن ربك هو يحشرهم # [الحجر: 25]. # وعن عكرمة: المستقدمين من خرج، والمستأخرين من لم يخرج. وقال مجاهد: علم ~~المستقدمين من الأمم والمستأخرين وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم. ### || [15.25] # أي: يحشر الأول والآخر فيجمعهم يوم القيامة. إنه حكيم في تدبيره، عليم ~~بعدد خلقه وأعمالهم. ### || [15.26-38] # قوله [تعالى]: { ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من ~~حمإ مسنون } إلى قوله: { الوقت المعلوم }. # الإنسان هنا آدم [صلى الله عليه وسلم]. [و] الصلصال الطين اليابس الذي ~~لم تأخذه نار، فإذا نقر صلصل، أي: صوت. # وقال ابن عباس خلق [الله] آدم [صلى الله عليه وسلم] من ثلاثة: من صلصال، ~~ومن حمأ، ومن طين لازب. [فاللازب] اللاصق، والحمأ الحمأة، والصلصال ~~التراب المدقق. وسمي إنسانا لأنه عهد إليه فنسي. # وقال قتادة: الصلصال التراب اليابس الذي يسمع له صلصة. وقال الضحاك: هو ~~طين صلب يخالطه الكثيب يعني: الرمل. # وقال مجاهد: / الصلصال المنتن. أخذ من صل اللحم [وأصل] إذا انتن، وأصله ~~على هذا [القول]: " صلال " ، ثم أبدل من اللام الثانية صاد. وهذا التأويل ~~ينقضه قوله: # من صلصال كالفخار # [الرحمن: 14] فشبه[ه] بالفخار، والفخار ليس بمنتن. لكن قوله: { من ~~حمإ مسنون } يريد كونه متغير [اللون و] الرائحة. لأن الحمأ متغير ~~الرائحة، دليل[ه] قوله: " مسنون ". والمسنون عند ابن عباس المتغير ~~الرائحة، وكذلك قال مجاهد، وهو قول: أبي عمرو [و] الكسائي. وقال غيرهم: ~~مسنون مصبوب. من سننت الماء: صببته. وقال الفراء: ms1249 هو طين مختلط برمل ~~فيسمع له صلصلة. # وقال أبو عبيدة: يقال للطين: صلصال، ما لم تأخذه النار. فإذا أخذته فهو ~~فخار. وكل شيء له صوت، سوى الطين، فهو صلصال. # و " الحمأ " جمع حمأة وهو الطين الم[ت]غير إلى السواد. و " المسنون ~~" المنتن في قول ابن عباس، ومجاهد، وأبي عمرو، والكسائي. # وقال أبو عبيدة: المسنون: المصبوب. يقا[ل] سننت الشيء إذا صببته. وسننت ~~الماء على وجهه: صببته. وعن ابن عباس: المسنون الرطب. فهذا يوافق قول أبي ~~عبيدة، لأنه لا يكون مصبوبا حتى يكون رطبا. # وقال الفراء: المسنون المحكوك من سننت الحديد. ولا يكون على هذا إلا ~~متغيرا. # وقيل: المسنون المصبوب على مثال وهيئة، من سننت الوجه. # ثم قال [تعالى]: { والجآن خلقناه من قبل من نار ~~السموم }. # والمعنى: إبليس خلقناه من قبل آدم من نار السموم. والسموم عند ابن عباس ~~الحار الذي يقتل كل شيء. # وقال الضحاك: معناه: من لهب من نار السموم. والعرب تستعمل السموم بالليل ~~والنهار. # وقيل: [إن] السموم إنما يكون بالليل والحرور بالنهار. # [و] قال ابن مسعود: نار السموم التي خلق الله [عز وجل] منها الجان. ~~والسموم الشديد والحر، جزء من سبعين جزءا من نار السموم التي الله خلق ~~الله [عز وجل] منها الجان. # وفي حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " نار السموم جزء من سبعين جزآ من جهنم ". # قال الضحاك: { من نار السموم } من لهب النار. # ويروى أن الله جل ذكره: خلق نارين، نارا فيها السموم ونارا ليس فيها ~~السموم. # فمزج واحدة في الأخرى، فأكلت النار التي فيها السموم، النار الأخر[ى] ~~فخلق إبليس منها. قال الحسن: نار السموم، نار دونها حجاب، والذي تسمعونه ~~من الصواعق من انغطاط الحجاب. # والسموم في الأصل: الريح الحارة. # وقال وهب بن منبه: الجن أجناس: منهم من يأكل ويشرب وينكح، وأما خالص ~~الجن فهم ريح لا يأكل[ون] ولا يشربون. # ثم قال تعالى: { وإذ قال ربك للملآئكة }. # أي: واذكر يا محمد، إذ قال ربك هذا. قال ابن عباس لما خلق الله [عز وجل] ~~الملائكة قال: إني ms1250 خالق بشرا من طين فإذا خلقته وصار حيا فاسجدوا، وهذا ~~السجود سجود تكرمة وتحية لا سجود عبادة. # وقوله: { من روحي }. # قال الضحاك: من قدرتي، وتحقيق الأمر أنه إضاف[ة] خلق إلى خالق، فالروح ~~خلق الله [سبحانه]، إضافة إلى نفسه، لأنه اخترعه وخلقه. كما يقال: خلق ~~[الله] وأرض الله، وسماء / الله، وهو كثير. هذا قول أهل المعرفة بالمعاني ~~فافهمه. # " فلما خلقه الله [عز وجل] أبوا أن يسجدوا، فأرسل عليهم نار[ا] ~~فأحرقتهم، ثم خلق ملائكة، وقال لهم مثل ذلك، فقالوا: سمعنا وأطعنا، إلا ~~إبليس كان من الكافرين، أي: من الأولين الذين امتنعوا من السجود. # وقيل: كان من الكافرين في اللوح المحفوظ. فعلى هذا القول: يكون قوله: " ~~إلا إبليس " استثناء من الجنس. # وقال أبو إسحاق: إنه استثناء ليس من الأول. فجعل إبليس: ليس من ~~الملائكة. # فلما امتنع من السجود قال له الله: ما منعك أن تكون من الساجدين؟ قال ~~إبليس تكبرا وتجبرا وحسدا لآدم: { لم أكن لأسجد لبشر ~~خلقته من صلصال من حمإ مسنون } ، أي: أنا خير منه، ~~لأنك خلقته من طين وخلقتني من نار. والنار تأكل الطين فلا أسجد له. قال ~~الله له: { فاخرج منها فإنك رجيم } ، أي: أخرج من ~~السماوات. فإنك مرجوم أي: مشتوم. # { وإن عليك اللعنة } أي: الغضب { إلى يوم الدين } ~~أي: يوم الجزاء وهو يوم القيامة. قال إبليس: رب إذا أخرجتني من السماوات ~~ولعنتني { فأنظرني إلى يوم يبعثون } أي: أخرني ولا ~~تمتني، إلى يوم يبعث ولد هذا الذي فضلت علي، قال الله [عز وجل] { ~~فإنك من المنظرين } أي: من المؤخرين فلا تموت إلى يوم الوقت ~~المعلوم أي: [يوم] هلاك جميع الخلق. # قال سفيان: " الوقت المعلوم " النفخة الأول[ى]. ### || [15.39-44] # قوله تعالى: { رب بمآ أغويتني لأزينن لهم في ~~الأرض } إلى قوله: { جزء مقسوم }. # معناه: قال إبليس يا رب [بما] خيبتني من رحمتك لأزينن لولد آدم { ~~ولأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم ~~المخلصين }. يقال أغويته إذا خيبته ومنه قول الشاعر: # فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره # ومن يغو لا يعدم على الغي لائما # أي: ms1251 من يخب فلا يصب خيرا لا يعدم على خيبته من يلوم[ه]. # وقيل: التقدير: بالذي أغويتني. وقيل: معناه: بإغوائك إياي. # ومعنى { لأزينن لهم في الأرض } لأحسنن لهم المعاصي ~~ولأحببنها إليهم في الأرض { ولأغوينهم } أي: لاضلنهم عن سبيلك ~~إلا من أخلصته بتوفيقك فهديته فلا سلطان لي عليه. # فهذا على قراءة من فتح اللام في " المخلصين " ، فأما من كسرها فمعناه: ~~إلا من أخلص طاعتك بتوفيقك إياه إلى ذلك فلا سبيل [لي] عليه. قال الضحاك: ~~هم المؤمنون لا سبيل له عليهم. # ثم قال تعالى: { هذا صراط علي مستقيم }. # [أي]: هذا طريق مرجعه إلي فأجازي كلا بأعمالهم، لقوله # إن ربك لبالمرصاد # [الفجر: 14] وهذا تهديد ووعيد بمنزلة قول الرجل لمن يتواعده: طريقك ~~[هذا] علي. هذا قول مجاهد. وقيل معناه: هذا صراط على امري وإرادتي. # وقرأ ابن سيرين، وقيس بن عباد، وقتادة، ومجاهد وعباد ويعقوب والحسن: { ~~هذا صراط علي / مستقيم } جعلوه من العلو أي هذا صراط رفيع. # ثم قال [تعالى] { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان }. # أي: حجة، قال مجاهد: إن عباد[ي] الذين قضيت لهم بالجنة { ليس لك ~~عليهم سلطان }. # وقوله: { إلا من اتبعك }. # أي: قبل دعوتك فإنه { من الغاوين } [أي: من الظالمين] وأن جهنم ~~لموعد من اتبعك أجمعين. { لها سبعة أبواب } أي سبعة أطباق، طبق ~~تحت طبق، لكل طبق منهم، أي: من اتباع إبليس { جزء مقسوم } أي: ~~نصيب مقسوم. # وقيل: معناه لكل جنس منهم من العذاب على قدر منزلته من الذنوب. # وقال علي بن أبي طالب: [رضي الله عنه: عدد] أبواب جهنم سبعة، بعضها فوق ~~بعض فيمتلئ الأول، ثم الثاني، ثم الثالث، حتى تملأ كلها وهو قول: عكرمة ~~وقتادة. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لجهنم سبعة أبواب، باب منها لمن سل سيفه على أمتي " أو " على أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم ". # وقال ابن جريج: { لها سبعة أبواب } أي: أطباق، أولها جهنم، ثم ~~لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية، والجحيم: ~~فيها أبو جهل. # قال الربيع بن أنس: ms1252 أما الهاوية فلا يخرج منها شيء دخلها أبدا، إنما ~~تهوي [به] أبدا، [هي] دار آل فرعون، والكفار، وكل جبار عنيد. # قال عكرمة: على كل باب [منها سبعون ألف سرادق من نار، في كل سرادق منها ~~سبعون ألف قبة من نار في كل قبة منها] سبعون ألف تنور من نار. # لكل نار منها سبعون ألف كوة. في كل كوة سبعون ألف صخرة من نار. على كل ~~صخرة سبعون ألف حجر من نار. وفي كل حجر سبعون ألف عقرب من نار. لكل عقرب ~~منها سبعون ألف ذنب من نار. لكل ذنب منها سبعون ألف [قفارة من نار. في كل ~~قفارة منهن سبعون ألف] قلة من سم وسبعون ألف موقد يوقدون ذلك بالغار. وإن ~~أول من يصل من أهل النار إلى النار يجدون على الباب من أبوابها أربع مائة ~~ألف من خزنة جهنم، سود وجوههم كالحة، وأنيابهم، قد نزع الله الرحمة من ~~قلوبهم. ليس في قلب واحد منهم مثقال ذرة من الرحمة. لو يطير الطائر من ~~منكب أحدهم، لطار شهرين قبل أن يبلغ منكبه الأخرى. قال: ثم يجدون في ~~الباب التاسعة عشر خزنة الذين [قال] جل ذكره: # عليها تسعة عشر # [المدثر: 30] عرض صدر أحدهم سبعون خريفا. ثم يهوون من باب إلى باب خمس ~~مائة سنة غرقا في النار. ويجدون على كل باب منها من الخزنة مثل ما وجدوا ~~على الباب الأول حتى ينتهوا إلى آخرها. قال: وهو قول الله [عز وجل]: # حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد إذا ~~هم فيه مبلسون # [المؤمنون: 77]. # قال وهب بن منبه: عن ابن عباس، أو عن كعب: " كل باب أسفل من صاحبه أشد ~~حرا من الباب الذي فوقه بسبعين ضعفا. فالبا[ب] الأول أهونها حرا، ولو ~~أن رجلا في المشرق وكشف / عن جهنم بالمغرب لسال دماغه من حرها من ~~منخريه. وأول أبوابها: جهنم في[ه] أهل الذنوب والمعاصي من أهل القبلة ~~من مات منهم مقيما على الكبائر غير تائب، من شاء الله إدخاله النار ~~بكبائره منهم. والباب الذي ms1253 يليه: لظى. والباب الثالث: الحطمة. والرابع: ~~السعير، والخامس سقر، والسادس: الجحيم، والسابع: الهاوية. وبين [كل ~~بابين] مسيرة سبعين سنة. # { لكل باب منهم جزء مقسوم } يعني من الجن والإنس. ~~وأصل ليس، عند سيبويه فعل كصيد، ثم اسكنت كما قالوا علم في علم. ~~ولم يستعمل الأصل إذ لم يتصرف، فجعلوا اعتلاله إزالة حركة عينه لا غير. # وقال الزجاج: لم يتصرف لأنها تنفي المستقبل والحال والماضي، فلم يحتج ~~فيها إلى تصرف. # وقال محمد بن الوليد لم يتصرف لمضارعتها " ما ". # وقال أبو غانم: لم يتصرف لأنها نعت. وحق الأفعال أن تنفى ولا تنفي وإنما ~~النفي للحروف فلما خرجت عن بابها إلى باب الحرف منعت التصرف كما منعه ~~الحرف. ### || [15.45-50] # قوله: { إن المتقين في جنات وعيون * ادخلوها ~~بسلام [آمنين] } إلى قوله { العذاب الأليم }. # قال ابن عباس: الجنات سبع: جنة الفردوس، وجنة عدن، وجنة النعيم، وجنة ~~الخلد، وجنة المأوى، ودار السلام، ودار الخلود. يقال لمن اتقى المعاصي ~~ولزم الطاعة لله: ادخلوها بسلام آمنين من عذاب الله ومن نكبات الدنيا ومن ~~الموت. # ثم قال: { ونزعنا ما في صدورهم من غل إخونا }. # أي: نزعنا ما فيها من الحقد و [ال]عداوة. # يقال: غل يغل من الشحناء. وغل يغل من الغلول. وأغل يغل من الخيانة. # قال أبو أمامة: يدخل أهل الجنة الجنة على ما في صدورهم في الدنيا من ~~الشحناء والضغائن، حتى إذا تقابلوا نزع الله [عز وجل] ما في صدورهم من غل ~~وشحناء. # وروي عنه أنه قال: لا يدخل [ال]مؤمن الجنة حتى ينزع الله [عز وجل] ما ~~في صد[و]رهم من غل، وينزع [منه] مثل السبع الضاري. # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: فينا أهل بدر نزلت الآية. وقال علي ~~لابن طلحة: اني لارجو أن يجعلني الله وإياك من الذين ينزع [الله] ما في ~~صدورهم من غل، ويجعلنا إخوانا { على سرر متقبلين }. # وروي عنه أنه قال [إني] لأرجو أن أكون أنا وعثمان ممن قال الله تعالى { ~~ونزعنا ما في صدورهم من غل إخونا على سرر ~~متقبلين }. # وعن النبي ms1254 صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " يخلص المؤمنون من النار، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار. فيقتص ~~لبعضهم من بعض مظالم كانت في الدنيا. حتى إذا هذبوا ونقوا، أذن الله لهم ~~في دخول الجنة. فوالذي نفسي محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة [منه] ~~بمنزله الذي كان في الدنيا ". # ومعنى { متقبلين } يقابل بعضهم بعضا لا يستدبره، قال مجاهد: ~~لا ينظر واحد منهم إلى قفا صاحبه. # وقيل: معنى { ونزعنا ما في صدورهم من غل } / أزلنا ~~عنهم الجهل والغضب وشهوة ما لا ينبغي حتى زال التحاسد. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن الغل على أبواب الجنة كمبارك الابل إذ[ا] نزع من صدور [المؤمنين] ~~". # وروي عن علي [رضي الله عنه] أنه قال: " إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة ~~والزبير من الذين قال الله { ونزعنا ما في صدورهم من غل ~~إخونا على سرر متقبلين }. # وروي عنه أنه قرئت عنده الآية: { ونزعنا ما في صدورهم من ~~غل } فقال: ألا ذاكم عثمان وأصحابه، وأنا منهم. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إذا تقابلوا وترافقوا في الجنة نزع الله ما في صدورهم من غل ". # " وسرر " جمع سرير في أكثر العدد. # ويقال سرر في جمعه بفتح الراء الأول. # ثم قال [تعالى]: { لا يمسهم فيها نصب }. # أي: لا يلحقهم وجع ولا تعب ولا ضرر ولا ألم { وما هم منها ~~بمخرجين } أي: هم خالدون فيها أبدا. # ثم قال تعالى ذكره: { نبىء عبادي أني أنا الغفور ~~الرحيم }. # أي: أخبر يا محمد عبادي عني { أني أنا الغفور الرحيم } أي: ~~الساتر لذنوبهم إذا تابوا واستقاموا. الرحيم بهم أن أعذبهم على ما تقدم ~~من ذنوبهم بعد توبتهم واستقامتهم. وخبرهم أيضا يا محمد { أن عذابي ~~} لمن أصر على المعاصي والكفر { هو العذاب الأليم } أي المؤلم ~~يعني الموجع لا يشبهه عذاب. وهذا كله تحذير لعباده وتخويف وإطماع في ~~رحمته. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لو يعلم العبد قدر عفو الله لما تورع من حرام، ولو يعلم ms1255 قدر عذابه ~~لبخع نفسه ". # وروي عنه [صلى الله عليه وسلم] # " أنه خرج على أصحابه وهم يضحكون فقال: أتضحكون وبين أيديكم الجنة ~~والنار؟ " # فشق ذلك عليهم ف[أ]نزل الله جل ذكره { نبىء عبادي أني ~~أنا الغفور الرحيم * وأن عذابي هو العذاب ~~الأليم }. ### || [15.51-56] # قوله: { ونبئهم عن ضيف إبراهيم } إلى قوله: { ~~[ا]لضآلون }. # المعنى وخبر عبادي يا محمد عن أصحاب ضيف إبراهيم، وهم الملائكة الذين ~~دخلوا على إبراهيم حين أرسلهم الله لإهلاك قوم لوط وليبشروا إبراهيم ~~بإسحاق [صلى الله عليه وسلم]. قال الضيف لإبراهيم { سلاما } قال ~~إبراهيم: { إنا منكم وجلون } أي: خائفون { قالوا لا ~~توجل } أي: لا تخف { إنا نبشرك بغلام عليم } وهو ~~إسحاق. # وقال الزجاج: إنما خاف إبراهيم منهم لما قدم اليهم العجل فرآهم لا ~~يأكلون. فقال { أبشرتموني على أن مسني الكبر } أي: ~~لأن مسني، وبأن مسني. وكان إبراهيم في ذلك الوقت ابن مائة سنة. وكانت ~~زوجته سارة بنت تسع وتسعين سنة. قال مجاهد: عجب إبراهيم من هذه البشرى مع ~~كبره وكبر امرأته فاستفهم فقال { فبم تبشرون } أنا كبير وامرأتي ~~كبيرة لا تلد. # قالت الملائكة: { بشرناك بالحق } أي: بالخبر اليقين أن الله ~~[تعالى] يهب لك غلاما فلا تكونن من القانطين، أي من الآيسين من فضل الله ~~[عز وجل] ولكن أبشر بما بشرناك به. قال إبراهيم [لهم]: { ومن يقنط ~~من رحمة ربه [إلا] الضآلون } أي من / ييأس من فضل ربه ~~إلا من ضل عن سبيل الله. # يقال: قنط [يقنط ويقنط] قنوطا فهو قانط، وقنط يقنط قنطا فهو ~~قنط وقانط. # ويروى: أنهم بشروه أن الله جل ذكره قضى أن يخرج من ذريتك مثل ما ~~أخرج من صلب نوح وأكثر. ### || [15.57-77] # قوله: { قال فما خطبكم أيها المرسلون } إلى قوله: { ~~مصبحين }. # معناه: قال إبراهيم للملائكة: فما شأنكم وما أمركم أيها المرسلون؟ قالوا ~~له { إنآ أرسلنآ إلى قوم مجرمين }. أي: مكتسبين ~~المعاصي والكفر بالله. ثم استثنى منهم آل لوط فقال: { إلا آل لوط ~~إنا لمنجوهم } أي: من العذاب. # ثم استثنى من آل لوط امرأته فقال: { إلا امرأته } فصارت ms1256 المرأة ~~مع المعذبين. # ومعنى: { قدرنآ إنها لمن الغابرين } أي: قدرنا علمنا ~~فيها أن تكون مع الباقين في العذاب. وقيل: معناه: كتبنا ذلك وأخبرنا به. ~~وقيل: معناه: قضينا ذلك. # و " آل لوط " هنا أتباعه على دينه. و " الغابرين " الباقين في العذاب. # ثم قال تعالى { فلما جآء آل لوط المرسلون }. # أي: فلما أتى رسل الله إلى لوط، أنكرهم لوط ولم يعرفهم. وقال لهم { ~~إنكم قوم منكرون } أي: لا نعرفكم. قالت له الرسل: بل نحن ~~رسل الله جئناك بما قومك فيه يشكون أنه نازل بهم من عذاب الله على كفرهم ~~{ وآتيناك بالحق } أي: جئناك [ب] - الحق من عند الله وهو ~~العذاب { وإنا لصادقون } فيما أخبرناك به من الله بهلاك قومك. ~~ثم قالوا له: { فأسر بأهلك بقطع من اليل } أي: في ~~بقية من الليل واتبع يا لوط أدبار أهلك الذين تسرى بهم، أي: كن من ورائهم ~~{ ولا يلتفت منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون } أي: ~~حيث يأمركم الله. قال الزجاج: أمر بترك الالتفات لئلا يرى عظيم ما نزل ~~قومه. وقيل: نهي عن الالتفات إلى ما في المنازل من الرجال لئلا يقع الشغل ~~به عن المضي. # ثم قال تعالى: { وقضينآ إليه ذلك الأمر }. # أي: أوحينا إلى لوط ذلك الأمر. ثم فسر ما هو الذي أوحى إليه فقال: " إن ~~دابر هؤلاء مقطوع " فهذا الذي أعلمه الله وأوحى به إليه. ومعنى: " دابر ~~هؤلاء مقطوع " آخرهم يستأصل صباحا. # قوله: { وجآء أهل المدينة يستبشرون } إلى قوله: { ~~[لآية] للمؤمنين }. # المعنى: وجاء أهل المدينة، [مدينة] سدوم، وهم قوم لوط، يستبشرون لما ~~سمعوا أن ضيفا قد نزل عند لوط طمعا في ركوبهم الفاحشة، قاله قتادة. # والضيف يقع للواحد والجمع والاثنين بلفظ واحد لأنه مصدر في الأصل. # قال لهم لوط { إن هؤلآء ضيفي فلا تفضحون } فيهم { ~~واتقوا الله } فيهم { ولا تخزون } أي: ولا تذلون ولا ~~تهينون فيهم بالتعرض إليهم بالمكروه. قالوا له { أو لم ننهك عن ~~العالمين } أي: [عن] ضيافة أحد من العالمين. # وقيل المعنى: ألم ننهك أن تجير أحدا علينا وتمنعنا منهم. # قال ms1257 لهم لوط صلى الله عليه وسلم { هؤلآء بناتي إن كنتم ~~فاعلين }. قال قتادة: أمرهم لوط أن يتزوجوا النساء. # ومعنى { إن كنتم فاعلين } ، [أي: فاعلين] ما أمركم / الله به. # وقيل: [المعنى]: إن كنتم مريدين بهذا الشأن فعليكم التزويج ببناتي. وكل ~~نبي أزواجه أمهات أمته، وأولاد أمته أولاده. فعلى ذلك قال لوط { هؤلآء ~~بناتي } وعلى ذلك قرءوا " أزواجه أمهاتهم وهو أب لهم ". # ثم قال تعالى: { لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون ~~}. # فرفع لعمر على الابتداء والخبر محذوف، كأنه قال لعمرك قسمي، أو ما أقسم ~~به. وحسن الحذف لأن باب القسم باب حذف. # والمعنى: أي وحياتك يا محمد أن كفار قومك من قريش { لفي سكرتهم ~~} أي: ضلالتهم { يعمهون } أي: يترددون. # وقال ابن عباس: ما خلق الله وما ذرأ وما برأ نفسا أكرم عليه من محمد ~~[صلى الله عليه وسلم]، وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غيره. # وعمرك أصله ضم العين لأنه من العمر والتعمير ومنه قول الرجل لعمري إنما ~~أقسم بمدة حياته. ولكن كثر استعمالهم له في القسم ففتحوا العين، ولا يفتح ~~إلا في القسم خاصة. فإنما أقسم الله جل ذكره [بعمر] النبي صلى الله عليه ~~وسلم كأنه قال: وبقائك في الدنيا يا محمد. # قال أبو الجوزاء: ما أقسم الله بحياة أحد غير محمد صلى الله عليه وسلم، ~~لأنه أكرم البشر عنده. # وقيل: معناه وعيشك يا محمد أن قريشا لفي سكرتهم [يتمادون]. # وقال مجاهد: " يعمهون " يترددون. # ثم قال تعالى ذكره: { فأخذتهم الصيحة مشرقين }. # أي: أخذتهم الصاعقة عند شروق الشمس. يقال: أشرق القوم إذا صادفوا شروق ~~الشمس، وأصبحوا إذا صادفوا الصبح. # وشرقت الشمس إذا طلعت، وأشرقت إذا ضاءت وصفت. وقيل: شرقت وأشرقت بمعنى. ~~والأول أحسن وأكثر. # ومعنى " مشرقين " مصادفين شروق الشمس وهو طلوعها. # ثم قال: [تعالى ذكره]: { فجعلنا عاليها سافلها } أي: جعلنا ~~عالي أرضهم سافلها { وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل } ~~أي: من طين. وقد تقدم ذكر سجيل في هود بابين من هذا. ويروى أن سجيلا ~~[اسم] لسماء الدنيا. # قوله { إن في ذلك لآيات للمتوسمين }. # أي: ms1258 في هذا العذاب لعلامات ودلائل على قدرة الله وتوحيده ووجوب طاعته ~~واتباع رسله وكتبه للمتفرسين المعتبرين. قال مجاهد: " للمتوسمين " ~~المتفرسين. وقال قتادة للمعتبرين. وقال ابن عباس: للناظرين، وهو قول ~~الضحاك. وقال ابن زيد: للمتفكرين والمعتبرين الذين يتوسمون الأشياء ~~ويتفكرون فيها ويعتبرون. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله. ثم قرأ { إن في ذلك ~~لآيات للمتوسمين } ". # وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن [لله] عبادا يعرفون الناس بالتوسم ". # وحقيقة التوسم: النظر بالتثبت حتى يعرف الحقيقة. فهذا كله متقارب في ~~المعنى. وهذه الآية تنبيه لقريش لأن يتعظوا ويزدجروا بما نزل بقوم / لوط ~~وغيرهم. # ثم قال تعالى: { وإنها لبسبيل مقيم }. # أي: وإن سدوم المنقلبة بقوم لوط لبطريق واضح يراها المجتاز بها، لا يخفى ~~مكانها. وقيل: المعنى وإن الآيات { لبسبيل مقيم }. # { إن في ذلك لآية للمؤمنين } # أي إن في صنيعنا بقوم لوط لعلامة و[دلالة] لمن آمن بالله على انتقامه من ~~أهل الكفر. وقيل: الهاء تعود على الحجارة. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " أن الحجارة لموقفة في السماء منذ ألفي عام لظالمي أمتي إذا عملوا ~~بأعمال قوم لوط ". # وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " " سيكون خسف وقذف من السماء وذلك إذا عملوا بأعمال قوم لوط " ثم تلا ~~النبي صلى الله عليه وسلم الآية [إلى { مقيم } ] ". ### || [15.78-84] # قوله: { وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين } إلى قوله { ~~ما كانوا يكسبون }. # المعنى: وما كان أصحاب الأيكة إلا ظالمين. # والأيكة الشجر المتلف، وهو شجر المقل. قال قتادة " أصحاب الايكة أصحاب ~~غيضة. # وكان عامة شجرهم الدوم. وكان رسولهم شعيب عليه الصلاة والسلام، أرسل ~~إليهم وإلى أهل مدين. أرسل إلى أمتين من الناس. وعذبتا بعذابين. أما أهل ~~مدين فأخذتهم الصيحة. [وأما] أصحاب الايكة فكانوا أصحاب شجر فسلط الله ~~عليهم الحر سبعة أيام فلا يظلهم منه ظل ولا يستتر منه شيء. فبعث الله ~~[سبحانه] [سحابة] فحلوا تحتها يلتمسون الروح منها. فجعلها الله عليهم ~~عذابا. فبعث عليهم نارا ms1259 فاضطرمت عليهم فأحرقتهم فذلك قوله: # عذاب يوم الظلة # [الشعراء: 189] وذلك قوله { فانتقمنا منهم }. # وروى أن أصحاب الأيكة قوم من جذام كانوا نزولا بجوار الأيك. والأيك ~~الدوم، والدوم شجر المقل. بعث الله إليهم شعيبا. وهو شعيب بن توبة بن ~~مدين بن إبراهيم. وكانوا جيرانه، وقيل: كانوا أخواله. قال ابن جبير: " ~~الأيكة " غيضة. # ثم قال تعالى ذكره { وإنهما لبإمام مبين }. # أي: أن أصحاب الأيكة وقوم لوط لفي كتاب كتبه الله. # وقيل: المعنى: وإن الموضعين اللذين هلك فيهما قوم لوط وقوم شعيب، لبطريق ~~واضح يأتم به الناس في أسفارهم ويعاينونه. # وروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لا تدخلوا [على] هؤلاء القوم المعذبين يعني أصحاب الحجر، إلا أن ~~تكونوا باكين أن يصيبكم] ما أصابهم ". # [وقيل: المعنى وإن لوطا وشعيبا لبطريق من الحق يؤتم به أي: على طريق ~~واضح من الحق]. # ثم قال: { ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين }. # أي: سكان الحجر وهي مدينة ثمود. وكان قتادة يقول هم أصحاب الوادي. ~~والحجر اسم الوادي. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لما خلف بالحجر: # " هؤلاء قوم صالح أهلكهم الله إلا [رجلا] كان في حرم الله فمنعه حرم ~~الله من عذاب الله وهو أبو رغال ". # وقال الزجاج: هم أصحاب واد. # ثم قال تعالى: { وآتيناهم آياتنا [فكانوا] }. # أي: أعطيناهم أدلتنا وعلامات توحيدنا فأعرضوا عنها ولم يؤمنوا بها. # ثم قال: { وكانوا ينحتون من الجبال }. # { بيوتا آمنين }. أي: كان ثمود، وهم قوم / صالح ينحتون من الجبال ~~بيوتا آمنين من عذاب الله. وقيل: آمنين أن تنهدم عليهم. وقيل: آمنين من ~~الموت. # { فأخذتهم الصيحة } أي: صيحة الهلاك حين أصبحوا من اليوم ~~الرابع الذي وعدوا فيه العذاب، إذ قيل: لهم # تمتعوا في داركم ثلاثة أيام # [هود: 65]. فلم يغن عنهم عند ذلك ما كسبوا من الأعمال الخبيثة ولا من ~~عرض الدنيا. ### || [15.85-89] # قوله: { وما خلقنا السموت والأرض وما بينهمآ ~~إلا بالحق } إلى قوله: { أنا النذير المبين }. # المعنى وما خلقنا الخلائق كلها إلا بالحق { وإن الساعة لآتية ~~} أي: أن القيامة ms1260 لجائية، فارض بها يا محمد لمشركي قومك الذين كذبوا ما ~~جئتهم به. ثم قال: { فاصفح الصفح الجميل } أي: فأعرض عنهم ~~إعراضا جميلا واعف عنهم عفوا حسنا. # وهذه الآية منسوخة عند جماعة، بالأمر بالقتال وإنما كان هذا قبل أن يؤمر ~~بقتالهم، قاله قتادة والضحاك ومجاهد. # ثم قال تعالى: { ولقد آتيناك سبعا من المثاني }. # قيل: السبع المثاني السور الطوال وسميت مثاني لأنها تثنى فيها الأمثال ~~والخبر والعبر والحدود والفرائض، قاله: ابن عباس ومجاهد وابن عمر وابن ~~جبير وابن سيرين. [وهي] البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام ~~والأعراف ويونس. وقيل: السابعة الأنفال وبراءة. # وقال علي بن أبي طالب، وابن مسعود رضي الله عنهما: السبع المثاني آيات ~~الحمد، لأنهن سبع آيات. وهو قول: أبي بن كعب. # وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: هي أم القرآن. وقاله: أبو ~~هريرة وعلي وعمر وابن مسعود والحسن وقتادة. وسميت مثاني لأنها تثنى في كل ~~ركعة أي: تعاد. # وقيل: المثاني القرآن غيرها. والمعنى سبع آيات من القرآن الذي هو مثاني. ~~أي: تثنى فيه القصص والمواعظ والأخبار دل على ذلك قوله # متشابها مثاني # [الزمر: 23] فالمعنى: ولقد أعطيناك يا محمد سبع آيات، وهي الحمد، من ~~المثاني أي من القرآن. # وقيل: السبع المثاني ما في القرآن من الأمر والنهي والبشرى والإنذار ~~وضرب الأمثال وإعداد النعم وآتيناك نبأ القرآن العظيم. # وعن ابن عباس أن سورة الحمد هي المثاني، وإنما سميت مثاني لأن الله ~~[جل] ذكره استثناها لمحمد صلى الله عليه وسلم دون سائر الأنبياء فادخرها ~~له. # وعن ابن عباس: أخرجها لكم وما أخرجها لأحد كان قبلكم. # وقيل: " السبع المثاني ": الحمد " والقرآن العظيم " الحواميم. # وقال علي وأبو هريرة: والسبع المثاني، فاتحة الكتاب، قاله قتادة ومجاهد. # وقيل: المعنى وآتيناك سبع آيات وهي الحمد { من المثاني } من ~~القرآن، فمن للتبعيض. # و [قوله] { والقرآن العظيم } عني به الحمد على قول من رأى ~~السبع المثاني [السبع] الطوال. # وقيل: [هي] القرآن كله. # ثم قال تعالى: { لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به ~~أزواجا منهم }. # معناه / استعن ms1261 بما آتاك الله من القرآن عما في أيدي الناس. ومنه حديث ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " ليس منا من لم يتغن بالقرآن " # أي: يستغني به عن المال. وعلى هذا تأول الحديث سفيان بن عيينة، وتأول ~~الآية. وروى: من حفظ القرآن فرأى أن أحدا أعطي أفضل مما أعطي فقد صغر ~~عظيما وعظم صغيرا. # فالمعنى: لا تتمنين ما جعلنا من زينة الدنيا متاعا للأغنياء من قومك ~~المشركين { ولا تحزن عليهم }. أي: على ما متعوا به من ذلك. ~~فعجل لهم في الدنيا فإن لك في الآخرة مما هو خير لك من ذلك. # ومعنى: { أزواجا منهم } أمثالا منهم، يعني: الأغنياء منهم. ~~والأزواج في اللغة: الأصناف. # { واخفض جناحك للمؤمنين }. # أي: ألن جانبك لمن آمن بل وقربهم من نفسك. والجناحان من ابن آدم جنبناه، ~~والجناحان الناحيتان، ومنه قول الله تعالى # واضمم يدك إلى جناحك # [طه: 22]. # وقيل: معناه: إلى ناحيتك وجنبك. # وقل للمشركين { إني أنا النذير المبين } أي أنا [النذير] ~~المنذر لكم عذابا. # { كمآ أنزلنا على المقتسمين }. # أي: مثل العذاب الذي أنزلنا على المقتسمين " المبين " لكم ما جئتكم به ~~من الإنذار والأعذار والوعد والوعيد. ### || [15.90-93] # قوله: { كمآ أنزلنا على المقتسمين } إلى قوله: { ~~يعملون }. # الكاف من " كما " في موضع نصب نعت [لمصدر محذوف]. # و [قيل]: للمفعول المحذوف، أي: النذير عذابا مثل العذاب الذي أنزلنا ~~على المقتسمين. # قال ابن عباس: المقتسمين اليهود والنصارى، قسموا القرآن فآمنوا ببعض ~~وكفروا ببعض. # قال مجاهد: هم أهل الكتاب جزءوا القرآن فجعلوه أعضاء، آمنوا ببعض ~~وكفروا ببعض. # وقال عكرمة: هم أهل الكتاب اقتسموا القرآن، استهزءوا به فقال بعضهم: هذه ~~السورة لي، وقال آخر: هذه السورة لي. # وعن مجاهد أيضا: هم أهل الكتاب اقتسموا كتابهم فكفر بعضهم ببعضه، وآمن ~~الآخرون بذلك البعض، وكفروا [ب]بعض آخر. # وقال قتادة: هم قوم من قريش خمسة عضهوا كتاب الله [عز وجل]. # وقيل: عني بذلك قوم صالح الذين تقاسموا على تبييت صالح وأهله، وهم تسعة، ~~قاله ابن زيد. # وقيل: هم قوم اقتسموا طريق مكة أيام مقدم الحاج بعثهم أهل مكة ms1262 ليشيعوا ~~في كل ناحية عند كل من يقدم مكة [من الناس] أن محمدا مجنون وأنه شاعر ~~وأنه ساحر. # قال ابن عباس: هم اثنا عشر رجلا من قريش اقتسموا على أعقاب مكة لمن ~~يقدم مكة من الناس ليصدوهم عن نبي الله. فيقول بعضهم: هو كاهن، وبعضهم هو ~~شاعر، وبعضهم هو مجنون. # وقيل: هم قوم أقسموا ألا يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ولا يفارقوا ~~الانحراف عنه، والطعن عليه. # وقال عطاء: هم قوم من قريش فرقوا القول في القرآن / فقال بعضهم: هو سحر ~~وقال آخرون: هو شعر وقال آخرون: هو أساطير الأولين. وعن ابن عباس أيضا ~~في { جعلوا القرآن عضين } أي: فرقوه فرقا. وهو مشتق من ~~العضو، والمحذوف منه على هذا القول واو. والكسائي يذهب إلى أنه من: ~~عضهت الرجل، إذا رميته بالبهتان. والتصغير على هذا القول الأول " عضية ~~" وعلى قول الكسائي عضيهة. وقال الفراء: العضون في كلام العرب ~~المتفرقون. واستجيز جمعه بالواو والنون عند البصريين ليكون ذلك عوضا مما ~~حذف منه. # وحكى الفراء أن من العرب من يقول: هذه عضينك. فتركه بالياء في كل حال، ~~ويجعل الإعراب في النون، بمنزلة ذهبت سنينك في لغة من جعلها بالياء على ~~كل حال وجعل الاعراب في النون. [قال]: وهي كثيرة في أسد وتميم وعامر. ~~توهموا أن الواو واو فعول لما وقعت موضع حرف ناقص [و] قلبوها ياء لأنها ~~أخف من الواو وجعلوا الاعراب في النون. كما قال بعضهم سمعت لغاتهم. ~~فنصب، وحق التاء الكسر في النصب والخفض كتاء " مسلمات ". لكن نصبها في ~~موضع النصب كما تقول: سمعت أصواتهم. # فمن قال في التصغير عضيهة، وجعله على عضين، قال: فعلت به ما فعلت ببرة ~~وبرين. # وحذفت الهاء كما حذفتها من شفه وأصلها شفهة وتصغيرها [شفيهة. ومثله شاة ~~وتصغيرها] شويهة، وأصلها شاهه وجمعها شياه. كما تقول في شفه: شفاه. # ومن أخذه من عضيت أي: فرقت أعضى تعضية فهو من قول الشاعر: # " وليس دين الله بالمعضى " # أي بالمفرق. # ثم قال [تعالى]: { فوربك لنسألنهم أجمعين }. # أي: فوربك يا محمد ms1263 لنسئلن هؤلاء الذين جعلوا القرآن عضين في الآخرة عما ~~كانوا يعملون في الدنيا. # وقيل: معناه، لنسئلن هؤلاء عن شهادة أن لا إله إلا الله. قاله: ابن عمر ~~ومجاهد. # قال ابن مسعود: والذي لا إله غيره، ما منكم أحد إلا سيخلو الله [عز وجل] ~~به كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر فيقول: ابن آدم [ماذا] أخرك مني؟ ~~ابن آدم ما عملت فيما علمت؟ ابن آدم ماذا أجبت المرسلين؟. # [قال أبو العالية: يسأل العباد كلهم عن خلتين يوم القيامة عن ما كانوا ~~يعبدون وعن ما أجابوا المرسلين]. # وعن ابن عباس في قوله: { فوربك لنسألنهم أجمعين * ~~عما كانوا يعملون } ثم قال في موضع آخر: # فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن # [الرحمن: 39] معنى الأول يسألهم لم عملتم كذا وكذا، ومعنى الثاني لا ~~يسألهم هل عملتم كذا وكذا لأنه عالم بذلك. قال ابن عباس: نزلت في الوليد ~~بن المغيرة { فوربك لنسألنهم } إلى آخرها. # روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم [قال] # " كلكم مسئول يوم القيامة: فالإمام يسأل عن الناس وعن رعيته. والرجل ~~يسأل عن أهله وولده / والمرأة تسأل عن بيت زوجها. والعبد يسأل عن ~~مال سيده ". # وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ما من راع استرعى رعية إلا سأله الله يوم القيامة عن رعيته، هل أقام ~~فيهم أمر الله أم أضاعه، حتى أن الرجل ليسأل عن خاصته وأهل بيته ". # قال معاذ بن جبل: " لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة حتى يسأل عن ~~أربعة، عن عمره فيما أفناه وعن جسده فيما أبلاه وعن ماله من أين كسبه ~~وفيما أنفقه وعن عمله كيف عمل فيه ". وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: # " يسألون عن شهادة أن لا إله إلا الله ". ### || [15.94-96] # قال تبارك وتعالى: { فاصدع بما تؤمر }. # معناه، بلغ ما أرسلت به إليهم، قاله ابن زيد. # وقال ابن عباس: معناه افعل ما تؤمر وامضه. # وعنه: أعلن بالقرآن، قال: وكان نبي الله اكتتم مخافة [قومه] سنتين فأمره ~~الله أن ms1264 [يصدع] بما يؤمر أي: يعلن به ويظهره وأن يعرض عن المشركين ثم نسخ ~~ذلك وأمره بقتالهم وقال { إنا كفيناك المستهزئين }. وقال ~~مجاهد: المعنى: اجهر بالقرآن في الصلاة. قال عبد الله بن عبيد: لم يزل ~~النبي [صلى الله عليه وسلم] بمكة مستخفيا حتى نزلت: { فاصدع بما ~~تؤمر وأعرض عن المشركين } فخرج هو [و]أصحابه. # وقال الزجاج: معناه: ابن ما تؤمر به وأظهره، مشتق من الصديع وهو الصبح. # وقال المبرد: [معناه]: اصدع الباطل بما تؤمر: أي: افرق بين الحق والباطل ~~بهذا القرآن وبينه. # يقال: تصدع القوم إذا تفرقوا. ومنه صداع الرأس وتصدعت الزجاجة تفرقت ~~أجزاؤها. وفاء الفعل مصدر عند البصريين، فلذلك لم يقل: " بما تؤمر به ". ~~وتقديره: فاصدع بأمرنا، وهو القرآن. # وقال الكسائي: " ما " بمعنى: الذي. والتقدير بما تؤمر به، ثم حذفت: " به ~~". # فأما قوله { وأعرض عن المشركين } فهذا كان قبل أن يؤمر ~~بالقتال ثم، أمر بالقتال فنسخه الأمر بالقتال، قاله: ابن عباس والضحاك. # ثم قال تعالى: { إنا كفيناك المستهزئين * الذين ~~يجعلون مع الله إلها آخر }. # المستهزؤون: في قول ابن عباس، وهم الوليد بن المغيرة المخزومي والعاصي ~~بن وائل، وعدي بن قيس، والأسود بن عبد يغوث الزهري، وهو ابن خال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم والأسود بن المطلب، وأبو زمعة الحرث بن عيطلة ~~كانوا يهزؤون بالنبي عليه السلام. # وعن ابن عباس: أنهم خمسة، ولم يذكر الحرث بن عيطلة، كانوا يهزؤون بالنبي ~~عليه السلام. فروي أنهم مروا، رجلا [رجلا] على النبي صلى الله عليه ~~وسلم ومعه جبريل عليه السلام، فإذا مر رجل منهم قال [له] جبريل: كيف تجد ~~هذا؟ فيقول / النبي: بئس عبد الله، فيقول له جبريل: كفيناكه. فهلك الخمسة ~~بأمر الله [عز وجل] ونصره لنبيه [صلى الله عليه وسلم]: أما الوليد بن ~~المغيرة فإنه تردى بردائه فتعلق سهم بردائه فقعد يحله فقطع أكحله فنزف ~~فمات. وأما الأسود بن عبد يغوث فأتى بغصن فيه شوك فضرب به وجهه فسالت ~~حدقتاه على وجهه. فكان يقول: دعوت على محمد [دعوة] ودعا علي دعوة، ~~فاستجيب لي، ms1265 واستجيب له: دعا علي أن أعمى، فعميت. ودعوت عليه: أن يكون ~~وحيدا فريدا في أهل يثرب فكان ذلك. وأما العاصي بن وائل فوطئ شوكة ~~فتساقط لحمه على عظامه حتى هلك. وأما الأسود بن المطلب وعدي بن قيس فإن ~~أحدهما قام من الليل وهو مطمئن يشرب من جرة فلم يزل يشرب حتى ينفتق بطنه ~~فمات. # وأما الآخر فلدغته حية فمات. # فمعنى الآية: إنا كفيناك يا محمد الساخرين منك الجاعلين مع الله إلها ~~آخر [سبحانه وتعالى]، { فسوف يعلمون } ما يلقون من عذاب الله ~~عند مصيرهم إليه يوم القيامة. # وقال عكرمة: المستهزؤون قوم من المشركين كانوا يقولون سورة البقرة سورة ~~العنكبوت يستهزئون بأسماء السور. # وروى ابن وهب: عن زيد بن أسلم أن وهب الذماري قال: # " إن نبيا من الأنبياء حدث قومه بحوت ينزله أهل الجنة فاستهزأ به رجل ~~من قومه. فقال النبي [صلى الله عليه وسلم] اذهب فأريكه. فذهب حتى إذا جاء ~~البحر جاز حوت مثل البيت قال: هو ذا يا نبي الله؟ فقال: لا، ثم جاز حوت ~~مثل الجبل. فقال: هو ذا يا نبي الله؟ قال: لا، ثم جاز حوت مثل القصر. ~~قال: هو ذا يا نبي الله؟ قال لا. ثم جاز حوت مر صدره ضحى، ولم يمر آخره ~~إلى العصر، فقال: هو ذا يا نبي الله؟ فقال: كيف ترى؟ فقال: والله إن في ~~هذا لمأكلا ومشربا. قال: فوالذي نفسي بيده إنه ليتغذى كل يوم طلعت فيه ~~الشمس بسبعين ألف حوت كلهم مثل هذا الحوت، فصعق الرجل فمات ". # وذكر عند مروان بن الحكم [هذا الحديث] فقال: لقد ذكر لي أن هذا الحوت قد ~~أحاط بالسماوات السبع ومن تحت العرش. # وعن ابن عباس: أنهم هلكوا في ليلة واحدة كل رجل منهم يميته سوى ميتة ~~صاحبه. ### || [15.97-99] # قوله: { ولقد نعلم أنك يضيق صدرك } إلى آخر السورة. # المعنى: ولقد نعلم يا محمد أنك يضيق صدرك بما يقول هؤلاء من تكذيبك، ~~فسبح بحمد ربك أي: افزع فيما نزل بك منهم إلى الشكر لله [عز وجل] والثناء ms1266 ~~عليه والصلاة، يكفيك ما همك من ذلك، و # " كان النبي عليه السلام إذا أحزنه أمر فزع إلى الصلاة ". # قوله: { وكن من الساجدين } أي: / من المصلين. # وقوله: { حتى يأتيك اليقين } أي: الموت. ومعناه: اعبد ربك ~~أبدا، ولو لم يقل { حتى يأتيك اليقين } لكان بعبادته ساعة ~~واحدة طائعا قد فعل ما أمر به. ولكن قوله: { حتى يأتيك ~~اليقين } يبينه، وهذا مثل قوله: # وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا # [مريم: 31] أي: أبدا ولو لم يقل: { ما دمت حيا } لكان بصلاة ~~واحدة وزكاة مرة يؤدي ما وصاه به. ### | [16 - سورة النحل] ### || [16.1-4] # قوله [تعالى] { أتى أمر الله فلا تستعجلوه } إلى قوله ~~{ خصيم مبين }. # ومعنى أتى أمر الله: يأتي. ولا يحسن عند سيبويه في أخبار الناس وما يجري ~~بينهم: فعل بمعنى يفعل إلا في الشرط. # وقيل: إنما أتى بالماضي لأنه أمر سيكون لا بد منه، فأتى فيه بالماضي ~~الذي قد كان في موضع ما سيكون. # وقيل: إنما جاء كذلك لأنهم استبعدوا ما وعدهم الله من عذاب، فأتى ~~بالماضي في موضع المستقبل لقربه من الإتيان، ولصدق المخبر به. # وقد قال الضحاك: { أمر الله }: فرائضه وحدوده وأحكامه. # وقيل: هو وعيد من الله لأهل الشرك على ما تقدم. # قال ابن جريج: لما نزلت { أتى أمر الله } الآية، قال رجال من ~~المنافقين بعضهم لبعض: إن هذا يزعم أن أمر الله قد أتى فأمسكوا عن بعض ما ~~كنتم تعملون حتى ننظر ما هو كائن. فلما رأوا أنه لا ينزل شيئا، قالوا: ~~ما نراه ينزل شيئا، فنزلت [الآية]: # اقترب للناس حسابهم # [الأنبياء: 1] الآية. فقالوا: إن هذا يزعم مثلها أيضا. فلما رأوا ألا ~~ينزل شيئا، قالوا: ما نراه ينزل شيئا فنزلت # [و]لئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ~~[ليقولن ما يحبسه] # [هود: 8] الآية. وروي عن الضحاك { أتى أمر الله } يعني القرآن: ~~أي أتى بفرائضه وحدوده وأحكامه، وهو القول الأول عنه. # وقيل: أمر الله نصر النبي عليه السلام. وقيل هو يوم القيامة. # وقال الزجاج: { أمر الله } ما وعدهم به من المجازاة على كفرهم ms1267 ~~بمنزلة قوله: # حتى [إذا] جآء أمرنا وفار التنور # [هود: 40] وقوله: # أتاهآ أمرنا ليلا أو نهارا # [يونس: 24]. ومعناه: أنهم استبطأوا العذاب فأخبرهم الله بقربه. # ويدل على أنه وعيد وتهدد للمشركين قوله بعد: { سبحانه وتعالى ~~عما يشركون }. # وأمر الله قديم غير محدث وغير مخلوق، بدلالة قوله: # ألا له الخلق والأمر # [الأعراف: 54] فالأمر غير الخلق. وبدلالة قوله: # لله الأمر من قبل ومن بعد # [الروم: 4] أي: من قبل كل شيء ومن بعد كل شيء، فهو / غير محدث. وأمره ~~صفة له هو كلامه غير مخلوق. # وقيل معنى: { أتى أمر الله } أي أتت أشراط الساعة، وما يدل على ~~قرب القيامة. وقيل: هو قيام الساعة. وقيل: هو جواب لقولهم بمكة: # [فأمطر] علينا حجارة من السمآء # [الأنفال: 32] الآية. # ثم قال [تعالى]: { سبحانه وتعالى عما يشركون }. # من قرأ: { يشركون } بالتاء جعل الاستعجال للمشركين. ومن قرأ بالياء ~~جعل الاستعجال لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. # ثم قال تعالى: { ينزل الملائكة بالروح من أمره }. ~~أي: ينزل الملائكة بالوحي من أمره { على من يشآء من عباده } ~~أي: عليه السلام على المرسلين بأن ينذروا العباد بأن لا إله إلا أنا. # وقيل: " من " بمعنى الباء. أي: بالروح [بأمره]، أي بالوحي بأمره. # فالباء متعلقة بينزل. # وقال قتادة: المعنى ينزل الملائكة بالرحمة والوحي من أمره على من اختار ~~من خلقه لرسالته لينذر الناس. لينذر [ب]أن لا إله إلا الله فاعبدوه. # وقال الربيع بن أنس: كل شيء تكلم به ربنا فهو روح منه، ومنه قوله: { ~~وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا }. # وعن ابن عباس، أيضا، أنه قال: الروح خلق من خلق الله، وأمر من أمره ~~صوره على صورة آدم لا ينزل من السماء ملك إلا ومعه واحد منهم. وقال ~~الحسن: { بالروح }: بالنبوة. # وقال الزجاج: الروح ما كان فيه من أمر الله حياة للقلوب، بالإرشاد، إلى ~~أمر الله [عز وجل]. # { فاتقون }. # أي: فأطيعوا أمري، واجتنبوا معصيتي. # ووقع الإنذار في هذا الموضع في غير موضعه. وأصله أن يقع تنبيها ~~وتحذيرا مما يخاف منه. وضده البشرى. وليس لا إله إلا ms1268 الله مما يخاف منه ~~ويحذر. ولكن في الكلام معنى النهي عما كانوا عليه من عبادة غير الله ~~[سبحانه]، فحسن الاتيان به مع ما لا يخاف منه، ولا يحذر. ودل على ذلك ~~قوله: { فاتقون } وقوله بعد ذلك: { عما يشركون }. # ثم قال تعالى: { خلق السموت والأرض بالحق }. # أي: من خلق هذا وابتدعه، فلا تصلح الألوهية إلا له. ومعنى { بالحق ~~}: بالعدل، أي: للعدل. وقيل: { بالحق } بقوله: كن فكانتا { ~~بالحق }. فالحق كناية عن قوله: " كن ". والقول الأول أبين. # ثم قال: { خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم ~~مبين } أي: خلق الإنسان من ماء مهين، وصوره ونقله من حال إلى حال، ~~وأخرجه إلى ضياء الدنيا وغذاه ورزقه وقواه. حتى إذا استوى، كفر بخالقه ~~وجحد نعمته وعبد ما لا يضره و [ما] لا ينفعه وخاصم الله [سبحانه] في ~~قدرته [جلت عظمته]، فقال: # من يحيي العظام وهي رميم # [يس: 78] ونسي خلقه، وانتقاله من ماء إلى علقة إلى مضغة إلى عظم إلى ~~تصوير إلى خروج إلى الدنيا، وضعف إلى قوة [وضعف] بعد قوة. # ومعنى { مبين } أي: مبين عن خصومته بمنطقه، ومجادل بلسانه. والإنسان ~~هنا جميع الناس. وقيل: عني به أبي بن خلف، ثم هو عام ف[ي[من كان ~~مثله. ### || [16.5-9] # قوله: { والأنعام خلقها لكم فيها دفء } إلى قوله: { ~~لهداكم أجمعين }. # فالمعنى: وخلق الأنعام لكم فيها ما يدفئكم، أي ما يمنع عنكم ضر البرد، ~~وضر الحر. لأن ما يستر من الحر يستر من البرد. وذلك ما ينتفع به من ~~الأصواف والأوبار والأشعار. ثم جعل لكم فيها منافع، يعني من ألبانها، ~~وركوبها، وأكل لحومها، والانتفاع بنسلها. وعن ابن عباس: الدفء نسل كل ~~دابة. # فهذا كله حجة على الخلق احتج عليهم بنعمته عندهم ولطفه بهم. قال ابن ~~عباس: { لكم فيها دفء } يعني الثياب. # ثم قال تعالى: { ولكم فيها جمال حين تريحون }. # أي: تتجملون بها إذا وردت بالعشي من مسارحها إلى مراحها التي تأوي ~~إليها. { وحين تسرحون } أي: وتتجملون بها حين تسرح بالغدو ومن ~~مراحها إلى مسارحها. # قال قتادة: أعجب ما تكون النعم ms1269 إذا راحت عظاما ضروعها، طوالا أسنمتها. ~~يعني: إذا رجعت من مرعاها. # ثم قال تعالى: { وتحمل أثقالكم إلى بلد لم ~~تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس }. # أي: تحمل لكم هذه الأنعام أثقالكم إلى بلد بعيد لا تبلغو[نه] إلا بجهد ~~شديد ومشقة عظيمة لو وكلتم [إلى] أنفسكم، قاله: مجاهد. # وقيل الأثقال يراد بها في هذا الموضع الأبدان بدلالة قوله: # وأخرجت الأرض أثقالها # [الزلزلة: 2] أي: ما فيها من الموتى. ومنه سمي الجن والإنس الثقلان. # وروى المسيبي عن نافع " بشق " بفتح الشين، وبه قرأ أبو جعفر. وهو ~~مصدر. ومن كسر جعله اسما. وقيل معنى الكسر: إلا بنقص من القوة، أي ذهاب ~~شق منها، أي: ذهاب نصفها. # { إن ربكم لرؤوف رحيم }: # أي: لذو رأفه بكم وذو رحمة، ومن رحمته خلقه الأنعام لكم لمنافعكم ~~ومصالحكم، وخلقه السماوات والأرض، وغير ذلك مما يقوم به أمركم فليس يجب ~~الشكر والحمد إلا له. # ثم قال تعالى: { والخيل والبغال والحمير لتركبوها ~~[و]زينة } أي: وخلق لكم أيضا هذه، نعمة بعد نعمة وفضلا بعد فضل. # وبهذه الآية يحتج من منع أكل لحوم الخيل لأنه تعالى ذكر ما يؤكل أولا، ~~وهي الأنعام، ثم ذكر ما يركب ولا يؤكل وهي الخيل وما بعدها. # وأجاز جماعة أكل لحوم الخيل ورووا فيها أحاديث وآثار. واحتجوا بأنه لا ~~دليل من لفظ الآية على تحريمها وإن قوله: # قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما على طاعم ~~يطعمه # [الأنعام: 145] الآية، يدل [على] تحليلها. # والذين [ر]ووا تحريمها، رووا في ذلك أحاديث عن النبي عليه السلام في ~~النهي عن أكلها. فيكون تركها كلها عندهم بالسنة وبدليل هذه الآية. # وقوله { وزينة }. # [أي: وللزينة. فهو] مفعول لأجله. وقيل: المعنى وجعلها زينة، فهو مفعول ~~به. # وقرأ أبو عياض: " لتركبوها زينة " بغير واو. # ثم قال تعالى: { ويخلق ما لا تعلمون }. # أي يخلق مع خلقه لهذه الأشياء { ما لا تعلمون } وهو ما أعد الله ~~لأهل الجنة في الجنة، ولأهل النار في النار، مما لا تره عين ولا خطر على ~~قلب بشر. # وعن ابن عباس أنه قال: ms1270 خلق الله ألف أمة، منها ست مائة في البحر، وأربع ~~مائة في البر، فليس شيء في البر إلا وفي البحر مثله، وفضل البحر بمائتين. # وعن وهب بن منبه أنه قال: إن لله ثمانية عشر ألف عالم، الدنيا منها عالم ~~واحد. وما العمران في الخراب إلا كفسطاط في الجنان. وما الخلق كله في ~~قبضة الله [عز وجل] إلا كخردلة في كف أحدكم. # وعن وهب أيضا، يرفعه إلى النبي عليه السلام، أنه قال: # " إن لله [عز وجل] ثمانية [عشر] [ألف] عالم، الدنيا منها عالم واحد، وإن ~~لله في الدنيا ألف أمة سوى الانس والجن والشياطين، أربع مائة في البر، ~~وست مائة في البحر ". # وقد قال بعض المفسرين: إن هذا [هو] تأويل # الحمد لله رب العالمين # [الفاتحة: 2] فجمع العالم لكثرة ذلك، وقد قال تعالى: # وما يعلم جنود ربك إلا هو # [المدثر: 31]. # وروي أنه: نهر عن يمين العرش من نور السماوات السبع والأرضين السبع ~~والبحار السبع، يدخل فيه جبريل عليه السلام كل سحر فيغتسل فيزداد نورا ~~إلى نوره، وجمالا إلى جماله، وعظما إلى عظمه. ثم ينتفض فيخلق الله جل ~~ذكره من كل نقطة تقع منه كذا وكذا ألف ملك. يدخل منهم كل يوم سبت المعمور ~~سبعون ألفا، وسبعون ألفا في الكعبة ثم لا يعودون إليه أبدا إلى أن ~~تقوم الساعة. تصديقه: # وما يعلم جنود ربك إلا هو # [المدثر: 31]. # وقال السدي: هو خلق السوس في الثياب. # والأحسن في هذه الآية: كونها على العموم، أن الله يخلق الأشياء لا ~~يعلمها ولا يعرفها [أحد] وأنه هو العالم بها وحده لا إله إلا هو. # ثم قال تعالى: { وعلى الله قصد السبيل }. # أي: وعلى الله تبيين الطريق المستقيم إليه بالحجج والبراهين. فالسبيل ~~الطريق، والقصد الاستقامة. # وقيل معناه: رجوعكم ومصيركم [إلي] كما قال: { هذا صراط علي ~~مستقيم } # إن ربك لبالمرصاد # [الفجر: 14]. # والقول الأول: أحسن لدلالة قوله: { ومنها جآئر } أي: من ~~السب[ي]ل ما هو جائر عن الحق. # والسبيل هنا جمع [في المعنى بدلالة قوله: { ومنها جآئر } ] فدخول ~~" من " يدل على أن ms1271 السبيل جمع. أي: من السب[ي]ل سبيل جائر. أي: غير ~~قاصد للحق. يعني ما خالف دين الإسلام من الأديان. # قال ابن عباس: قصد السبيل: تبين الهدى من الضلالة. # وقال مجاهد: هو طريق الحق إلى الله. قال قتادة: { ومنها جآئر } ~~أي: ومن السبيل، سبيل الشيطان. وقال الضحاك: يعني السبيل التي تفرقت عن ~~سبيل الله [سبحانه]. وقال ابن زيد: جائر عن الحق. # والجائر في اللغة: العادل عن الحق. # وفي قراءة عبد الله: { ومنها جآئر } ورواية عن علي أيضا، ~~ويقويها: { ولو شآء لهداكم أجمعين } معناه: ولو شاء ~~[الله] للطف بكم بتوفيقه فكنتم تهتدون إلى طريقه المستقيم. ولكن يضل من ~~يشاء ويهدي من يشاء، لا معقب لأمره ومشيئته. # وقال الزجاج: معناه. لو شاء لأنزل آية يضطر الخلق [بها] إلى الإيمان به. ### || [16.10-13] # قوله: / { هو الذي أنزل من السماء مآء لكم منه ~~شراب } إلى قوله { لقوم يذكرون }. # والمعنى: الذي أنعم عليكم بالنعم المتقدم ذكرها، هو الذي أنزل من السماء ~~ماء تشربون منه وأنعامكم، وينبت لكم به الشجر ويسقي به النبات والزرع ~~وجميع الثمار. والمعنى: لكم منه شراب وسقي شجر. وفي ذلك الشجر تسيمون أي: ~~ترعون أنعامكم. ومن قيل للمواشي المطلقة: السائمة، أي: الراعية. وهو من ~~السومة. وهي العلامة. لأنها إذا رعت أثرت في الأرض. # وقيل السوم في البيع مأخوذ من السائمة لأن كل واحد من المتابعين يقول ما ~~شاء عند السوم، كما أن الأنعام ترعى حيث شاءت. # فكل هذا تنبيه على نعمه علينا وفضله لدينا وحجة على من عبد غيره. # ثم قال تعالى: { إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون }. # أي: [إن] في هذه النعم التي وصفت لدلالة واضحة وعلامة بينة على قدرة ~~الله [سبحانه]، وتوحيده [جل وعز] لقوم يعتبرون مواعظ الله [جلت عظمته] ~~ويتذكرون حججه تعالى. # ثم قال تعالى: { وسخر لكم اليل والنهار والشمس ~~والقمر } الآية. # أي: وأنعم عليكم أيضا مع النعم المتقدمة، بهذه الأشياء. فسخرها لكم، ~~يتعاقب عليكم الليل والنهار والشمس والقمر لمصالحكم وقوام أموركم. إن في ~~ذلك لدلالات واضحات لقوم يعقلون حجج الله [سبحانه] ms1272 ويفهمون تنبيهه ~~[تعالى] إياهم. # ثم قال تعالى: { وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ~~ألوانه }. # أي: وسخر [لكم] ما خلق في الأرض مختلفا ألوانه. قال قتادة: يعني: ما ~~خلق من الدواب، والأشجار والثمار. # { إن في ذلك لآية لقوم يذكرون }. # أي: يتذكرون قدرة الله ونعمه عليهم فلا يشكرون إلا إياه. ### || [16.14-18] # قوله: { وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما ~~طريا }. إلى قوله: { لغفور رحيم }. # المعنى: وهو الذي سخر لكم البحر المالح والعذب، مع ما تقدم من النعم ~~المذكورة، سخره لكم لتأكلوا من صيده لحما طريا ولتستخرجوا منه حلية ~~تلبسونها: اللؤلؤ والمرجان من المالح خاصة. # ثم قال: { وترى الفلك مواخر فيه }. # قال الحسن: يعني: مواخر مشحونة. وقال عكرمة: ما أخذ عن يمين السفينة ~~ويسارها من الماء فهو المواخر. قال مجاهد: تمخر السفن الرياح. وعن الحسن، ~~أيضا: { مواخر } جواري. وقيل معنى { مواخر } معترضة تجري. وعن ~~قتادة: مواخر تجر[ي] بريح واحدة مقبلة ومدبرة. # والمخر في اللغة: الشق. يقال: مخرت السفينة الماء، أي شقته ولها صوت أي ~~عند هبوب الريح. ومخر الأرض أيضا هو شق الماء إياها. وقيل: مواخر ~~ملججة في داخل البحر. # ثم قال تعالى: { ولتبتغوا من فضله }. # أي: لتتصرفوا فيه لطلب معايشكم في التجارة. قال مجاهد: هي تجارة البر ~~والبحر. { [و]لعلكم تشكرون } أي: تشكرون ربكم [عز وجل] على ~~هذه النعم التي أنعم عليكم بها. # ثم قال تعالى: { وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم ~~}. # أي: ومن نعمه / أيضا أن ألقى في الأرض رواسي، لئلا تميد بكم الأرض، وقد ~~كانت تميد قبل كون الجبال على ظهرها. # والراسي: الثابت. والرواسي: جمع راسية. يقال: رست، ترسو، إذا ثبتت. ~~والمرسى اسم المكان. # [و]قال قيس بن عباد: إن الله جل ذكره لما خلق الأرض جعلت تمور، فقالت ~~الملائكة: ما هذه بمقرة على ظهرها أحدا فأصبحت ضحى وفيها رواسيها. # وقال علي بن أبي طالب [عليه السلام]: لما خلق الله الأرض قمصت، وقالت: ~~أي رب، أتجعل علي بني آدم يعملون علي الخطايا ويجعلون [علي] الخبث. ~~فأرسى الله [عز وجل] فيها من ms1273 الجبال ما ترون وما لا ترون. # ثم قال تعالى: { وأنهارا وسبلا }. # أي: وجعل لكم أنهارا وسبلا. ولا يحسن حمله على " ألقى " لأنه لا يقال: ~~ألقى الله الأنهار والسبل ولكن حمل على المعنى. لأن معنى { وألقى ~~في الأرض رواسي } جعل فيها رواسي، فعطف { وأنهارا وسبلا ~~} على هذا المعنى. # والسبل: الطرق. ليسلكوا فيها في حوائجهم وأسفارهم. ولو عماها عليكم ~~لهلكتم حيرة وضلالة. # [و] { لعلكم تهتدون } أي: تهتدون إلى المواضع التي تريدون ~~الوصول إليها فلا تضلون ولا تتحيرون. # ثم قال تعالى: { وعلامات وبالنجم هم يهتدون }. # قال ابن عباس: العلامات معالم الطرق بالنهار { وبالنجم هم ~~يهتدون } يعني: بالليل. وقال مجاهد: هي النجوم منها ما يكون علامات ~~ومنها ما يهتدون به. # وقال قتادة: خلق الله [عز وجل] هذه النجوم لثلاث خصال: جعلها زينة ~~للسماء، وجعلها تهتدون بها، وجعلها رجوما للشياطين، فمن تعاطى فيها غير ~~ذلك، سفه رأيه، وأخطأ حظه، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به. # [و]قال الكلبي: [ { وعلامات } ] يعني: الجبال. # والنجوم عند الفراء: الجدي والفرقدان. وغيره من العلماء يقول: النجم هنا ~~بمعنى النجوم. # ثم قال [تعالى] ذكره: { أفمن يخلق كمن لا يخلق }. # أي: الله الخالق لهذه الأشياء كلها الذي قد عددها وقدم ذكرها، الرازق ~~لكم ولها، كالأوثان التي لا تخلق ولا ترزق. # ومعنى الآية التقريع والتوبيخ للمشركين الذين عبدوا ما لا ينفع ولا يضر ~~وهي الأوثان والأصنام. # { أفلا تذكرون }. # أي: تذكرون ما يتلى عليكم من النعم والقدرة والسلطان و [أن] الله هو ~~المنفرد بذلك، لا يقدر عليه غيره فيدعوكم ذلك إلى عبادة الله [عز وجل]، ~~وترك عبادة الأوثان، وتعرفوا خطأ ما أنتم عليه من عبادتكم إياها، ~~وإقراركم لها بالألوهية، كل هذا تنبيه وتوبيخ لهم لتقوم عليهم الحجة. # وقوله: { كمن لا يخلق }. # يريد به الوثن، وهو لا يعقل فوقعت له " من ". وإنما ذلك لأن العرب إذا ~~أخبرت عمن لا يعقل بفعل من يعقل أجرت لفظه كلفظ من يعقل. فلما أنزلوا ~~الأوثان في العبادة لها منزلة من يعقل، أخبر عنها كما يخبر عمن يعقل. ~~ومنها ms1274 قوله # ومنهم من يمشي # [النور: 45] / فأتى بمن، لما أخبر عنها بالمشي كما أخبر عمن يعقل، وكذا ~~تفعل العرب: إذا خلطت من يعقل بمن لا يعقل غلبت من يعقل. وحكي عن العرب: ~~" اشتبه علي الراكب وحمله، فما أدري من ذا من ذا ". # ثم قال تعالى { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوهآ }. # أي: إن تعدوا نعم الله لا تطيقوا إذا شكرها. إن الله لغفور لما كان ~~منكم من تقصير في أداء الشكر على نعمه عندكم، رحيم بكم أن يعذبكم بعد ~~الإنابة إليه والتوبة. # والنعمة هنا بمعنى الجمع دل عليه قوله: { تعدوا } والعدد لا ~~يكون إلا في كثرة. ### || [16.19-25] # قوله: { والله يعلم ما تسرون وما تعلنون } إلى ~~قوله { ما يزرون }. # المعنى: أنه تعالى نبه الخلق على معرفته بسرهم وضمائرهم وعلى نيتهم وأنه ~~محص ذلك كله، فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. # ثم قال: { والذين يدعون من دون الله }. # يعني: أوثانهم التي يعبدونها { لا يخلقون شيئا } وهي مخلوقة، ~~فكيف يعبد من لا يضر ولا ينفع ومن هو مخلوق مصنوع. # ثم قال: { أموات غير أحيآء }. # يعني: أوثانهم، أي لا أرواح لها. # ثم قال: { وما يشعرون أيان يبعثون }. # أي: وما يشعر [هؤلاء الأوثان متى يبعث] المشركون. وقيل الضميران ~~للمشركين، أي: وما يشعر المشركون متى يبعثون. وقوله: { أيان } في ~~موضع نصب. وهو مبني لأنه فيه معنى الاستفهام، ولذلك لم يعمل فيه ما قبله. # ثم قال تعالى: { إلهكم إله واحد }. # معناه: معبودكم الذي يستحق العبادة واحد، { فالذين لا يؤمنون ~~بالآخرة قلوبهم منكرة } أي: منكرة ما يقص عليهم من قدرة ~~الله [عز وجل] وتوحيده [سبحانه] وهم مستكبرون عنه. # ثم قال تعالى: { لا جرم أن الله يعلم ما يسرون ~~وما يعلنون }. # معناه: لا محالة ولا بد أن الله يعلم، وقيل معناه: حق أن الله يعلم سرهم ~~وعلانيتهم، قال أبو إسحاق: و " لا " رد لفعلهم. # وقوله: { إنه لا يحب المستكبرين }. # أي: المستكبرين عليه أن يوحدوه ويكفروا بما دونه من الأصنام والأوثان. ~~وكان الحسن بن علي رضي الله عنهما يجلس إلى المساكين ثم ms1275 يقول { إنه ~~لا يحب المستكبرين }. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~[أنه] قال # " من سجد لله سجدة فقد برئ من الكفر ". # ثم قال تعالى: { وإذا قيل لهم ماذآ أنزل ربكم ~~قالوا أساطير الأولين }. # " ما " رفع بالابتداء و " ذا " بمعنى: الذي، خبر ل " ما " و " أساطير " ~~رفع على إضمار مبتدأ، أي: هو أساطير الأولين. والمعنى: وإذا قيل لهؤلاء ~~الذين لا يؤمنون من المشركين ماذا أنزل ربكم؟ قالوا: الذي أنزله هو ما ~~سطره الأولون من قبلنا من الأباطيل. قال قتادة: أساطير الأولين أحاديث ~~الأولين وأباطيلهم. قال: ذلك قوم من مشركي العرب كانوا يقعدون بطريق من ~~يأتي نبي الله صلى الله عليه وسلم فإذا مر أحد من المؤمنين يريد النبي ~~صلى الله عليه وسلم قالوا لهم أساطير الأولين / أي: أحاديثهم. # قال ابن عباس: نزلت في النضر بن الحارث، وكان من شياطين قريش، وكان ممن ~~يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم. روي أنه خرج إلى الحيرة فاشترى أخبار ~~العجم وأحاديث كليلة، وكان يقرؤها على قريش، ويقول: ما يقرأ محمد على ~~أصحابه إلا أساطير الأولين. # ثم قال [تعالى]: { ليحملوا أوزارهم كاملة يوم ~~القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ~~} الآية. # هذه اللام في " ليحملوا " يجوز أن تكون لام الأمر، ويكون معنى الكلام ~~التهدد والوعيد، ويجوز أن تكون لام كي فتتعلق بما قبلها. # ومعناها: أنهم يحملون ذنوب أنفسهم وذنوب من أضلوا وصدوا عن الإيمان بغير ~~علم من غير أن ينقص من ذنوب من أضلوا شيء. ومثله قوله: # وليحملن أثقالهم [وأثقالا مع أثقالهم] # [العنكبوت: 13]. # وقد قال النبي عليه السلام: # " أيما داع دعا إلى ضلالة فاتبع، كان عليه مثل أوزار من اتبعه من غير أن ~~ينقص من أوزارهم شيء، وأيما داع دعا إلى هدى فاتبع، فله مثل أجورهم من ~~غير أن ينقص من أجورهم شيء ". # وقال زيد بن أسلم: بلغني، أنه يمثل للكافر عمله في صورة أقبح ما خلق ~~الله [عز وجل] وجها وأنتنه ريحا، فيجلس إلى جنبه، كلما أفزعه شيء زاده ~~فزعا، وكلما تخوف شيئا ms1276 زاده خوفا. فيقول: بئس الصاحب أنت [ومن أنت]؟ ~~فيقول: وما تعرفني؟ فيقول: لا. فيقول: أنا عملك كان قبيحا فكذلك تراني ~~قبيحا، وكان منتنا فلذلك تراني منتنا. فتطأطأ لي حتى أركبك، فطال ما ~~ركبتني في دار الدنيا، فيركبه. وهو قوله: { ليحملوا أوزارهم ~~كاملة يوم القيامة }. ### || [16.26-29] # قوله: { قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله ~~بنيانهم من القواعد } إلى قوله { فلبئس مثوى ~~المتكبرين }. # المعنى: قد مكر الذين كانوا قبل هؤلاء المشركين: يعني الذين أرادوا ~~الارتقاء إلى السماء بالنسرين لحرب من فيها. وقد مضى ذكر ذلك في إبراهيم ~~أنه نمرود بن كنعان تجبر إذ ملك الأرض. # قال مجاهد: ملك الأرض، شرقها وغربها، أربعة: مؤمنان وكافران. فالمؤمنان: ~~ذو القرنين وسليمان، والكافران نمرود بن كنعان وبختنصر، وقيل هو نخ ~~تنصر. ونذكر ها هنا قول السدي في ذلك وما روى فيه، قال السدي: أمر ~~الذي حاج إبراهيم في ربه بإبراهيم، فأخرج من مدينته، فلما خرج لقي لوطا ~~على باب المدينة فدعاه فآمن به، وقال: # إني مهاجر إلى ربي # [العنكبوت: 26] وحلف نمرود ليطلبن إله إبراهيم. فذهب فأخذ أربعة أفراخ ~~من النسور، فرباها باللحم والخمر، حتى إذا كبرن، وغلظن، واستعجلن، قرنهن ~~بتابوت، وقعد في ذلك التابوت. ثم رفع رجلا من لحم لهن، فطرن به حتى ذهبن ~~في السماء. فأشرف ينظر إلى الأرض. فرأى الجبال تدب كدبيب النمل. ثم رفع ~~لهن اللحم، ثم نظر فرأى الأرض محيطا بها بحر كأنها فلكة في ماء. ثم رفع ~~طويلا فوقع في ظلمة / فلم ير ما فوقه ولم ير ما تحته. ففزع فألقى اللحم ~~/ فاتبعته منقضات. فلما نظرت الجبال إليهن وقد أقبلن منقضات وتسمعن ~~حفيفهن، فزعت الجبال وكادت أن تزول من أمكنتها، ولم تزل. وذلك قوله # وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان ~~مكرهم لتزول منه الجبال # [إبراهيم: 46]. وكان إذا طرن به من بيت المقدس ووقوعهن به على جبل ~~الدخان، فلما رأى أنه لا يطيق شيئا أخد في بنيان الصرح. فبنى حتى أسند ~~به إلى السماء، وارتقى فوقه ينظر بزعمه إلى إله ms1277 إبراهيم فأحدث ولم يكن ~~وقت حدثه. وأخذ الله بنيانه من القواعد { فخر عليهم السقف ~~من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون } ~~أي: من مأمنهم. فلما سقط تبلبلت ألسن الناس يومئذ من الفزع فتكلموا ~~بثلاثة وسبعين لسانا فلذلك سميت بابل وإنما كان لسان الناس قبل ~~بالسريانية. # قال ابن عباس في: { فأتى الله بنيانهم من القواعد } ~~وهو نمرود حين بنى الصرح. قال زيد بن أسلم: أول جبار كان في الأرض نمرود ~~فبعث الله بعوضة فدخلت منخره فمكث أربع مائة سنة [يضرب رأسه بالمطارق ~~وأرحم الناس به من جمع يديه فضرب بهما رأسه بالمطارق، وكان جبارا أربع ~~مائة سنة] فعذبه الله [عز وجل] في الدنيا أربع مائة سنة كملكه. ثم أماته ~~الله [عز وجل] وهو الذي بنى صرحا. وهو الذي أتى الله بنيانه من القواعد. # وقيل: معنى { فأتى الله بنيانهم من القواعد } ~~استأصلهم بالهلاك. # وقيل: هو مثل لأعمالهم التي أحبطها الله. كأن [أعمالهم] التي عملوها ~~حبطت بمنزلة [بناء] سقط من قواعده. # ومعنى: { فأتى الله بنيانهم من القواعد } أي: أتى ~~أمر الله بنيانهم. # ومعنى { فخر عليهم السقف من فوقهم }: خرت عليهم ~~[أعالي البيوت] فهلكوا. وقال ابن عباس: معناه أتاهم العذاب من السماء. ~~ومعنى { من فوقهم }: توكيد أنهم تحته، لأنه قد يقال: سقط على منزل ~~كذا، إذا كان يملكه. فقال { من فوقهم } ليزول هذا المعنى منه. # وروي أن نمرود بن كنعان بنى بناء ليصل به السماء فبعث الله ريحا ~~فهدمته، ويقال: إن من يومئذ لم تدع الريح بناء على وجه الأرض يكون ~~ارتفاعه أكثر من ثمانين ذراعا إلا هدمته. # ثم قال [تعالى]: { ثم يوم القيامة يخزيهم }. # أي: ثم يذلهم يوم القيامة مع ما فعل بهم في الدنيا. # ويقول لهم: { أين شركآئي } الذين زعمتم في الدنيا أنهم شركائي ~~فما لهم لا ينقذونكم من العذاب. وقال ابن عباس { تشاقون فيهم }: ~~تخالفون فيهم. وقيل معناه: تحاربون. وأصله من شاققت فلانا، إذا فعل كل ~~واحد منهما بصاحبه ما يشق عليه. # ثم قال تعالى: { قال الذين أوتوا العلم إن ms1278 الخزي ~~اليوم } أي: الذل والهوان { على الكافرين * الذين ~~تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم } [أي]: وهم على ~~كفرهم. وقيل: عنى بذلك من قتل ببدر من قريش. وقد أخرج إليها كرها، قاله: ~~عكرمة. # ثم قال / { ما كنا نعمل من سوء } أي: قالوا ما كنا نعمل من ~~سوء. وأخبر الله [عز وجل] عنهم: أنهم كذبوا، وقالوا: ما كنا نعصي الله في ~~الدنيا، فكذبهم الله، وقال: { بلى إن الله عليم } أي: بلى ~~عملتم السوء، إن الله عليم بعملكم. # ومعنى: { فألقوا السلم } أي: الاستسلام لأمر الله [عز وجل] ~~لما عاينوا الموت. وقيل معناه: ألقوا الصلح لأنه قد تقدم ذكر المشاقة، ~~وبإزاء المشاقة - وهي العداوة - الصلح. # ثم قال [تعالى] { فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها ~~} أي: طبقاتها ماكثين فيها. # { فلبئس مثوى المتكبرين } أي: بئس منزل من تكبر على ~~الله سبحانه، ولم يقر بالوحدانية. وروي عن النبي عليه السلام أنه قال: # " الكبر أن يسفه الحق ويغمط الخلق ". ### || [16.30-34] # قوله: { وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم ~~قالوا خيرا } إلى قوله { يستهزئون }. # قوله: { ماذا أنزل ربكم } ما: في موضع نصب. قالوا: وهي مع " ~~ذا " اسم واحد في موضع نصب. { قالوا خيرا } أي: قالوا أنزل خيرا. ~~والمعنى: وقيل لأهل الإيمان والتقوى: ماذا أنزل ربكم؟ قالوا خيرا. ثم ~~بينوا الخير ما هو فقالوا: # { للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة } ويجوز ~~حسنة في غير القرآن بالنصب على معنى أنزل للذين أحسنوا حسنة. # ثم قال: { ولدار الآخرة خير }. # أي: خير من الأولى { ولنعم دار المتقين } دار الآخرة. ثم ~~بين دار المتقين ما هي، فقال: { جنات عدن } أي: بساتين إقامة. ~~فجنات: مرفوعة على الابتداء { يدخلونها } الخبر. ويجوز رفعها على ~~إضمار مبتدأ. أي: هي جنات عدن، و { يدخلونها } حال. # ثم قال: { تجري من تحتها الأنهار } أي: من تحت أشجارها. { ~~لهم فيها ما يشآؤون }. # أي ما تشتهيه أنفسهم. { كذلك يجزي الله المتقين }. أي: ~~كما جزى الله هؤلاء الذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة، كذلك ~~يجزي الله من اتقاه فآمن به وأدى فرائضه واجتنب معاصيه. ثم بين ms1279 المتقين ~~فقال { الذين تتوفاهم الملائكة طيبين }. أي: تقبض ~~الملائكة أرواحهن طيبين، لتطييب الله إياها. { يقولون سلام ~~عليكم ادخلوا } أي: تقول لهم الملائكة: سلام عليكم صيروا إلى ~~الجنة وهذه بشارة من الله للمؤمنين. # وروى أنس بن مالك وتميم الداري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " يقول الله لملك الموت: انطلق إلى عبدي إذا جاز أجله فاتني به. ~~فلأريحنه من الدنيا، فإني قد ضربته بالبأساء والضراء فيها فوجدته حيث ~~أحب. فينطلق ملك الموت، ومعه خمس مائة من الملائكة، يحملون معه كفنا، ~~وخيوطا من الجنة، وضبائر الريحان، أصل الريحانة واحد وفي رأسها عشرون ~~لونا، لكل لون من ذلك ريح طيبة سوى ريح أصحابها، والحرير الأبيض، فيه ~~المسك الأذفر. فيجلس ملك الموت عند رأسه ويحتويه الملائكة. فيضع كل ملك ~~منهم يده على عضو من أعضائه ويبسطون / ذلك الحرير الأبيض والمسك الأذفر ~~تحت ذقنه. فإن نفسه لتعلل عند ذلك بطرف الجنة مرة، وبأزواجها مرة ~~وبسكوتها مرة، وبثمارها [مرة] كما يعلل الصبي أهله إذا بكى. وإن روحه ~~ليهش عند ذلك هشا. قال: يقول: ينزو نزوا ليخرج يقول ملك الموت لنفسه: ~~أخرجي أيتها النفس الطيبة إلى سدر مخضود، وطلح منضود، وظل ممدود وماء ~~مسكوب. فلملك الموت أشد به ألطافا من الوالدة بولدها. يعرف أن ذلك الروح ~~حبيب لربه [عز وجل] فهو يلتمس بلطف حبيب ربه [عز وجل] رضاء الرب ~~[سبحانه]. فيسل روحه كما تسل الشعرة من العجين. قال الله [عز وجل]: { ~~الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام ~~عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون } ". # قال محمد بن كعب القرظي: إذا استنقعت نفس المؤمن، يعني في صدره، جاء ملك ~~الموت، فقال: السلام عليك ولي الله، الله يقرأ عليك السلام، ثم نزع بهذه ~~الآية. وهو معنى قوله: # سلام قولا من رب رحيم # [يس: 58]. قال البراء [بن عازب]: يسلم عليهم ملك الموت. # وعن ابن عباس في قوله: # فسلام لك من أصحاب اليمين # [الواقعة: 91] قال: الملائكة يأتونه بالسلام من قبل الله [عز وجل] ~~وتخبره أنه من أصحاب اليمين. # وقوله { بما ms1280 كنتم تعملون } أي: بعملكم في الدنيا وطاعتكم لله ~~[عز وجل]. # ثم قال [تعالى]: { هل ينظرون إلا أن تأتيهم ~~الملائكة أو يأتي أمر ربك }. # أي: هل ينظر هؤلاء المشركون إلا أن تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم وبما ~~وعدوا به من العذاب. أو يأتي أمر ربك لحشرهم [لموقف] يوم القيامة. وقيل: ~~أو يأتي أمر ربك بالعذاب والقتل في الدنيا. # { كذلك فعل الذين من قبلهم } أي: كما فعل هؤلاء من ~~انتظارهم الملائكة لقبض أرواحهم وإتيان أمر الله [عز وجل] إليهم بالعذاب ~~كما فعل أسلافهم من الكفار بالله فجاءهم ما كانوا ينتظرون { وما ~~ظلمهم الله } في إحلال العذاب بهم { ولكن كانوا ~~أنفسهم يظلمون } بمعصيتهم لأمر الله وكفرهم به. # قال مجاهد: أن تأتيهم الملائكة من عند الموت ويأتي أمر ربك يوم القيامة. # ثم قال تعالى: { فأصابهم سيئات ما عملوا }. # أي: أصاب هؤلاء الذين تقدم ذكرهم من الأمم الماضية عقاب ذنوبهم ونقم ~~معاصيهم { وحاق بهم } أي: وحل بهم العذاب الذين كانوا به يستهزؤون ~~ويسخرون إذا أنذرتهم الرسل. ### || [16.35-37] # [و] قوله: { وقال الذين أشركوا لو شآء الله ما ~~عبدنا من دونه من شيء } إلى قوله: { وما لهم من ~~ناصرين }. # معناه: وقال الذين عبدوا مع الله [سبحانه] غيره من الأوثان والأصنام من ~~قريش وغيرهم، قد رضي الله عنا في عبادتنا ما عبدنا. لأنه لو شاء، ما ~~عبدناها، ولو شاء ما حرمنا البحائر والسوائب، وما بقينا على ما نحن عليه، ~~إلا لأن الله [عز وجل] قد رضي ذلك. ولو لم يرض عنا لغير ذلك ببعض عقوباته ~~ولهدانا إلى غيره / من الأفعال. # قال الله [عز وجل] { كذلك فعل الذين من قبلهم } من ~~الأمم المشركة فاستن هؤلاء بسنتهم وسلكوا سبيلهم في تكذيب الرسل. # { فهل على الرسل إلا البلاغ المبين }. # أي: البلاغ الظاهر المعنى المفهوم عند المرسل إليه. وهذا القول الذي ~~قالوه إنما قالوه على طريق الهزء والاستخفاف. كما قال قوم شعيب عليه ~~السلام له: # إنك لأنت الحليم الرشيد # [هود: 87] على طريق الهزء. ولو قالوه على طريق الجد لكانوا مؤمنين. ~~وكذلك، لو قال ms1281 قائل مذنب على طريق الجد: لو شاء الله ما أذنبت، ولو شاء ~~الله ما قتلت النفس، لم يكن بذلك كافرا ولا منقوصا، وكان كلامه حسنا. ~~وإنما قبح [كلام] أولئك وكان كفرا لأنهم قالوه على طريق الهزء لا على ~~طريق الجد. وقد اتفقت الأمة أن الله لو شاء ألا يعبد غيره لم يكن إلا ~~ذلك. ولكنه تبارك وتعالى وفق من أحب إلى ما يرضيه بتوفيقه، وأضل من أحب ~~ضلاله بخذلانه له. # ثم قال [تعالى] { ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن ~~اعبدوا الله }. # أي: بعثنا إلى كل أمة تقدمت وسلفت [رسولا] بأن يعبدوا الله ويخلصوا له ~~العبادة، ويبعدوا من طاعة الطاغوت، وهو الشيطان، ويحذروه أن يغويهم ~~ويصدهم عن سبيل الله [عز وجل] فمنهم من هدى الله، ففعل ما أمر به، وذلك ~~بتوفيق الله [عز وجل] له. ومنهم من حقت عليه الضلالة فضل ولم يؤمن وذلك ~~خذلان الله [سبحانه] له. # { فسيروا في الأرض }. # فسيروا يا مشركي قريش في الأرض التي [كان] يسكنها الأمم قبلكم، إن كنتم ~~غير مصدقين لما يتلى عليكم من هلاك الأمم الماضية بتكذيبهم الرسل. ~~فانظروا آثارهم وديارهم واتعظوا وارجعوا إلى الإيمان بما جاءكم به رسولكم ~~واحذروا أن ينزل بكم ما نزل بهم. # ثم قال [تعالى]: { إن تحرص على هداهم }. # أي: إن تحرص يا محمد على هدى هؤلاء المشركين من قومك، فإن من أضله الله ~~منهم فلا هادي له { وما لهم من ناصرين } أي: ليس لهم ناصر ~~ينصرهم من الله [عز وجل] إذا أراد عقوبتهم. وفي قراءة أبي " فإن الله ~~لا هادي لمن أضل " وقرأ ابن مسعود: " فإن الله لا يهدي من يضل " بضم ~~الياء من (يضل) فكسر الدال والضاد. # وقرأ الكوفيون: " لا يهد[ي] " بفتح الياء. وقرأ الحرميان والشامي ~~والبصري " لا يهدى " بضم الياء وفتح الدال. # ومعنى قراءة نافع ومن تابعه: من أضله فلا هادي له. ومعنى قراءة ~~الكوفيين: فإن الله لا يهدي من أضله، أي: من أضله الله لا يهديه، أي: من ~~سبق في علمه له الضلالة فإنه لا ms1282 يهديه الله. وفيها معنى آخر وهو: فإن ~~الله [لا] يهتدي من أضله: أي: من أضله الله لا يهتدي. # حكى الفراء أنه يقال: هدى يهدي بمعنى اهتدى يهتدي. ### || [16.38-40] # قوله { وأقسموا بالله جهد أيمانهم } إلى قوله: { ~~كن فيكون }. # معناه: وحلف هؤلاء / المشركون من قريش بالله جهد حلفهم لا يبعث [الله] ~~من يموت بعد موته، وكذبوا في أيمانهم { بلى } سيبعث الله من يموت بعد ~~مماته. { وعدا عليه حقا } أي: وعد عباده ذلك، والله لا يخلف ~~الميعاد { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } أي: أكثر ~~قريش لا يعلمون أن الله يبعث الموتى بعد موتهم. # وتأول قوم من أهل البدع أن عليا رضي الله عنه يبعث قبل يوم القيامة ~~بهذه الآية، فسئل عن ذلك ابن عباس، فقال: كذب أولئك، إنما هذه الآية ~~للناس عامة، ولعمري لو كان علي مبعوثا قبل يوم القيامة ما أنكحنا نساءه، ~~ولا قسمنا ميراثه. # قال أبو العالية: كان لرجل من المسلمين على رجل من المشركين دين فأتاه ~~يتقاضاه وكان مما تكلم به المسلم أن قال: والذي أرجوه بعد الموت أنه ~~لكذا. فقال المشرك: تزعم أنك تبعث بعد الموت؟ فأقسم بالله جهد [يمينه لا ~~يبعث الله من يموت. فأنزل الله عز وجل { وأقسموا] بالله جهد ~~أيمانهم } الآية. وقال أبو هريرة: قال الله عز وجل: # " يسبني ابن آدم ولم يكن ينبغي له أن يسبني. وكذبني، ولم يكن ينبغي له ~~أن يكذبني. فأما تكذيبه إياي: فقسمه بالله جهد يمينه لا يبعث الله من ~~يموت. فقلت { بلى وعدا عليه حقا }. وأما سبه إياي: فقال { ~~إن الله ثالث ثلاثة } وقلت: # { قل هو الله أحد } [إلى آخر] السورة " ". # ثم قال تعالى: { ليبين لهم الذي يختلفون فيه }. # هذه اللام: متعلقة بالبعث المضمر بعد " بلى ". والمعنى: بلى يبعثهم الله ~~ليبين لهم اختلافهم. وقيل: هي متعلقة ب " بعثنا " من قوله { ولقد ~~بعثنا في كل أمة رسولا } ليبين لهم اختلافهم وأنهم كانوا ~~من قبل الرسول على ضلالة، وليعلم الذين جحدوا بعث الأموات من قريش أنهم ~~كانوا كاذبين في قولهم { لا يبعث ms1283 [الله] من يموت }. # وقال قتادة { ليبين لهم الذي يختلفون فيه } يعني: ~~الناس عامة. والذي يختلفون فيه هو البعث: منهم من يقر به ومنهم من ينكره. # ثم قال تعالى: { إنما قولنا لشيء إذآ أردناه أن ~~نقول له كن فيكون }. # معناه: إنما قولنا لشيء مراد، قلنا له كن فيكون. وهذا إنما هو مخاطبة ~~للعباد بما يعقلون، وإلا فما أراده تعالى فهو كائن على كل حال، على ما ~~راده من الإسراع. لو أراد، تعالى ذكره خلق الدنيا والسماوات والأرض وما ~~بين ذلك في قدر لمح البصر، لقدر على ذلك. ولكن خوطب العباد بما يعقلون ~~فأعلمهم بسهولة خلق الأشياء عليه وأنه متى أراد الشيء كان. وإذا قال [له] ~~كن [ف]كان، أي: فيكون على حسب الإرادة وليس هذا الشيء المذكور موجودا ~~قبل أن يقول له كن. # وإنما المعنى: إذا أردنا الشيء قلنا من أجله كن أيها الشيء فيكون على ~~قدر / الإرادة لأن المشركين أنكروا البعث فأخبرهم الله بقدرته على حدوث ~~الأشياء. وهذا يدل على أن المعدوم يسمى شيئا، لأنه قد سماه شيئا قبل ~~حدوثه. ومثله # لم يكن شيئا مذكورا # [الإنسان: 1] فأما قوله: # وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا # [مريم: 9] فمعنا[ه] لم تك شيئا مذكورا ولا موجودا. # ومن إنكارهم البعث قوله: # وكانوا يصرون على الحنث العظيم # [الواقعة: 46] أي: كانوا يحلفون أنهم لا يبعثون. وتحقيق الآية أنه ~~أعلمهم أنه إذا أراد أن يبعث من مات فلا تعب عليه في ذلك لأنه إنما يقول ~~له كن: فيكون ما يريد بلا معاناة ولا كلفة. # ومن رفع " فيكون " فعلى القطع، أي: فهو يكون. نصبه عطفه على " أن نقول " ~~أي: أن يقول فيكون. ولا يجوز النصب على [ال]جواب ل " كن " لأنه خبر ~~وليس بأمر. ### || [16.41-44] # قوله: { والذين هاجروا في الله } إلى قوله { ولعلهم ~~يتفكرون }. # المعنى: والذين فارقوا دورهم وأوطانهم عداوة للمشركين في الله [عز وجل] ~~من بعد ما ظلمهم المشركون وأوذوا في ذات الله [سبحانه]. # { لنبوئنهم }. # أي: لنسكنهم في الدنيا مسكنا صالحا يرضونه. وهم أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم. ms1284 ظلمهم أهل مكة وأخرجوهم من ديارهم، حتى لحق طوائف منهم ~~بالحبشة ثم بوأهم الله [عز وجل] المدينة بعد ذلك، فجعلها لهم دار هجرة ~~وجعل لهم أنصارا من المؤمنين، قال ذلك قتادة وابن عباس. # وقال الضحاك: { لنبوئنهم في الدنيا حسنة } هو النصر ~~والفتح. # { ولأجر الآخرة أكبر } الجنة. # فالآية: فيمن هاجر من المسلمين من مكة إلى أرض الحبشة. ليست الهجرة في ~~هذا الموضع: الهجرة إلى المدينة، لأن هذا أنزل بمكة إلى أرض الحبشة. # قال الشعبي: { لنبوئنهم في الدنيا [حسنة] } المدينة، ~~وقال ابن [أبي] نجيح: { لنبوئنهم في الدنيا حسنة } ~~أي: لنرزقهم في الدنيا رزقا حسنا. # وكان عمر رضي الله عنه إذا أعطى لرجل من المهاجرين عطاء يقول: بارك الله ~~لك فيه، هذا ما وعدك الله [عز وجل] في الدنيا، وما أخر لك في الآخرة ~~أفضل ثم يتلوه هذه الآية: { والذين هاجروا في الله }. # وقال الضحاك: الحسنة: النصر والفتح. وقال مجاهد: الحسنة: هنا لسان صدق. # ومعنى بوأت فلانا منزلا: أحللته فيه. ومنه قوله: # ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق # [يونس: 93]. # وقيل: إن هذه الآية نزلت في أبي جندل بن سهيل. # ثم قال تعالى: { ولأجر الآخرة أكبر }. # أي: ولثواب الآخرة على الهجرة، أكبر من ثواب الدنيا. # وقيل: الحسنة هنا، كونهم مؤمنين وسماعهم ثناء الله [عز وجل] عليهم. # وقيل: إن هذه الآية نزلت في قوم من المؤمنين عذبهم المشركون على إيمانهم ~~وأخذوا أموالهم، منهم: صهيب وبلال. وذلك أن صهيبا قال للمشركين: أنا رجل ~~/ كبير إن كنت معكم لم أنفعكم، وإن كنت عليكم لم أضر بكم. فخذوا مالي ~~ودعوني. فأعطاهم ماله وهاجر إلى النبي عليه السلام. فقال له أبو بكر: ربح ~~البيع يا صهيب. وقال عمر [رضي الله عنه]: نعم الرجل صهيب لو لم يخف الله ~~لم يعصه. أي: لو أمن عذاب الله [سبحانه] لما ترك الطاعة ولا جنح إلى ~~المعصية. # ثم بين الله هؤلاء القوم فقال: { الذين صبروا } في الله على ~~ما نالهم في الدنيا من الكفار. { وعلى ربهم يتوكلون } ~~أي: به يثقون في أمورهم. # ثم ms1285 قال تعالى: { ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا ~~نوحي إليهم }. # وما أرسلنا من قبلك يا محمد إلى أمة من الأمم بالدعاء إلى توحيد الله ~~وقبول أمر الله [سبحانه] إلا رجالا من بني آدم وليسوا بملائكة، ولم يرسل ~~إلى قومك إلا مثل من أرسل إلى من كان قبلكم من الأمم. # ثم قال تعالى: { فاسألوا أهل الذكر }. # أي: فاسألوا يا قريش أهل الذكر: يعني الذين قرؤوا التوراة والإنجيل. قال ~~الأعمش: هم من آمن من أهل التوراة والإنجيل. أي فاسألوهم فيخبرونكم أن ~~الرسل التي تقدمت إلى الأمم أنهم كانوا رجالا من بني آدم. وقال ابن ~~عباس: فاسألوهم هل ذكر محمد [صلى الله عليه وسلم] في التوراة والإنجيل. ~~يعني: سألوا من آمن من قبلهم عن ذلك. # وقال ابن زيد: أهل الذكر أهل القرآن. يعني: من آمن بمحمد [صلى الله عليه ~~وسلم] وبما جاء به. وقال أبو إسحاق: معناه: فاسألوا كل من يذكر بعلم، ~~وافق هذه الملة أو خالفها. # قال ابن عباس: لما بعث الله محمدا عليه السلام رسولا، أنكرت العرب ~~ذلك. وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا. فأنزل الله [عز وجل] # أكان للناس عجبا أن أوحينآ إلى رجل منهم # [يونس: 2] الآية، وأنزل: { ومآ أرسلنا من قبلك إلا ~~رجالا }. # ثم قال [تعالى] { بالبينات والزبر }. # أي: بالدلالة الواضحة، والزبر الكتب. جمع زبور. مأخوذ من زبرت الكتاب ~~إذا كتبته. # الباء من { بالبينات } متعلقة بفعل مضمر. التقدير: أرسلناهم ~~بالبينات ودل " أرسلنا " الأول على هذا المحذوف. # وقال قوم: الباء متعلقة بأرسلنا المذكور. وأجازوا تقدم الإيجاب على أن ~~تكون " إلا " بمعنى: " غير ". فأجازوا: ما ضرب إلا أخوك عمرا، وما كلم ~~إلا أبوك بكرا، على معنى: " غير " ، وعلى ذلك أنشدوا: # ابني لبينى لستم بيد # إلا يد ليست لها عضد # أنشدوه بخفض يد بعد " إلا " على معنى " غير يد ". ولا يحسن أن تكون " ~~إلا " هنا بغير معنى: " غير " لأنه يفسد الكلام، إذ الذي خفض اليد قبل " ~~إلا " لا يمكن إعادته بعد " إلا " ، ومنه قول الله [عز وجل]: # لو كان فيهمآ ms1286 آلهة إلا الله [لفسدتا] # [الأنبياء: 22] أي: غير الله. # ومن لا يجيز هذا، ينشد البيت بالنصب " إلا يدا " على البدل من موضع بيد. ~~ويجوز عندهم: ما ضرب إلا أخوك عمرا على كلامين كأنه قال ضرب عمر[و]. # ثم قال تعالى { وأنزلنا إليك الذكر } [أي القرآن] { ~~لتبين للناس } أي لتعرفهم: { ما نزل إليهم } ، من ~~ذلك يعني. من الفرائض / والأحكام والحدود { [و]لعلهم ~~يتفكرون } أي: يطيعون، قاله مجاهد. وقيل معنى ذلك: لعلهم يعتبرون ~~[م]ا أنزلناه. ### || [16.45-50] # قوله: { أفأمن الذين مكروا السيئات } إلى قوله: { ~~ويفعلون ما يؤمرون }. # والمعنى أفأمن الذين ظلموا المؤمنين من أصحاب النبي عليه السلام، وقالوا ~~في القرآن: هو أساطير الأولين { أن يخسف الله بهم الأرض } ~~كما فعل بقوم لوط، أو يأتيهم العذاب من حيث يأمنوا كما أتى نمرود بن ~~كنعان وقومه. # { أو يأخذهم في تقلبهم }. # أي أو يهلكهم في تصرفهم في البلاد في أسفارهم، قاله: ابن عباس وقتادة. ~~وقال ابن جريج: { في تقلبهم } بالليل والنهار. # { أو يأخذهم على تخوف }. # أي: أو يهلكهم الله بتخوف. وذلك نقص من أطرافهم ونواحيهم الشيء بعد ~~الشيء حتى يهلك جميعهم. وقال الزجاج معناه: أو يأخدهم بعد أن يخوفهم بأن ~~يهلك قرية فتخاف التي تليها. وقال الضحاك: معناه أو أخذ طائفة وادع طائفة ~~فتخاف الباقية أن ينزل بها ما نزل بصاحبتها. وقال ابن عباس ومجاهد { ~~على تخوف } على تنقص. أي ينقص من أموالهم وزروعهم حتى يهلكهم. # وروى مالك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأ هذه الآية فقال: ما ~~التخوف؟ فأقام بذلك أياما، فأتاه غلام من أعراب قيس فقال: يا أمير ~~المؤمنين أراني يتخوفني مالي. فقال له عمر: كيف يتخوفك مالك؟ فقال ~~ينتقصني مالي. فقال عمر { أو يأخذهم على تخوف } على ~~تنقص. وقيل معنى: { على تخوف } أي: يأخذهم بالهلاك فيخوف بهم ~~غيرهم ليتعظوا، وهو قول الضحاك. وقال الليث: { على تخوف } على ~~عجل. # ويروى عن عمر [رضي الله عنه] أنه [قال] ما كنت أدري ما معنى { على ~~تخوف } حتى سمعت قول الشاعر: # تخوف السير منها تامكا قردا # كما تخوف ms1287 عود النبعة السفن # يصف ناقته أن السير نقص سنامها بعد تمكنه. # ثم قال تعالى: { فإن ربكم لرؤوف رحيم }. # أي: رؤوف أن آخر هؤلاء الذين مكروا السيئات فلم يعجل لهم بالعقوبة، رحيم ~~بعباده، إذ لم يعجل عقوبتهم، وجعل لهم فسحة في التوبة. # ثم قال { أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء } ~~الآية: أي: أولم ير هؤلاء الذين مكروا السيئات إلى ما خلق الله من جسم ~~قائم شجرا أو جبالا أو غير ذلك { يتفيؤا ظلاله } أي: يرجع ~~من موضع إلى موضع [و] يكون في أول النهار على حال، ثم يعود إلى حال آخر ~~في آخر النهار. قال قتادة: أما اليمين فأول النهار، والشمال: آخر النهار. # وقال ابن جريج: اليمين والشمال الغدو والآصال، فإذا فاءت الظلال سجدت ~~لله بالغدو والآصال. قال الضحاك: سجد ظل المؤمن طوعا. وقال الضحاك إذا ~~فاء الفيء توجه كل شيء ساجدا قبل القبلة من نبت أو شجر، قال مجاهد إذا ~~زالت الشمس سجد كل شيء لله [عز وجل]. # وعن مجاهد: أن السجود في / هذا الموضع سجود الظلال دون التي لها الظلال. # وعن ابن عباس أنه قال: الكافر يسجد لغير الله [سبحانه] وظله يسجد لله ~~[عز وجل]. أي ينقاد دليلا على ما دبره الله [عز وجل] عليه. # فتحقيق المعنى في هذه الآية: أن ظلال الأشياء هي التي تسجد، وسجودها: ~~ميلانها ودورانها من جانب إلى جانب. يقال سجدت النخلة إذا مالت. وسجد ~~البعير، وأسجد، إذا طؤطئ ليركب. ومن هذا قيل لمن وضع جبهته في الأرض ~~ساجد، لأنه تطامن. وقد يستعار السجود في موضع الاستسلام والطاعة والذل، ~~كما يستعار التطامن والتطأطأ فيوضعان موضع الخضوع والانقياد فيقال: تطامن ~~للحق وتطأطأ أي: انقاد وخضع. # فأما قوله: { عن اليمين } فوحد { والشمآئل } فجمع: فإن " ~~اليمين " وإن كان موحدا، فإنه في موضع جمع ومعناه. وقيل: إنه رد " ~~اليمين " على لفظ " ما " ورد " الشمائل " على المعنى، كما قال: # ومنهم من يستمعون إليك # [يونس: 42] فرد على المعنى، ثم قال # ومنهم من ينظر [إليك] # [يونس: 43] فرده على اللفظ. وهذا ms1288 كثير. # وقال الزجاج: معنى " ظله " ها هنا جسمه الذي يكون له الظل. فالمعنى: أن ~~جسمه ولحمه وعظامه منقادات لله [عز وجل] دالة عليه، عليها الخضوع والذل. # ثم قال تعالى: { ولله يسجد ما في السموت وما في ~~الأرض من دآبة والملائكة }. # المعنى: ولله يسجد ما في السماوات من الملائكة وما في الأرض من دابة ومن ~~الملائكة. إلا أنه حمل " والملائكة " من الاعراب على " ما " لأنها ساجدة. ~~ومعناها تخضع وتذل وتستسلم لأمر الله { وهم لا يستكبرون } أي ~~لا يستكبرون عن التذلل [لله عز وجل]. # ودخلت " من " لأن معنى " دابة " الجمع، أي: من الدواب. وقيل دخلت لما في ~~" ما " من الإبهام فأشبهت الشرط. والشرط تدخل " من " فيه تقول: من ضربك ~~من رجل فاضربه. # ثم قال تعالى: { يخافون ربهم من فوقهم }. # أي يخاف هؤلاء الملائكة التي في السماوات والأرض والدواب ربهم أن يعذبهم ~~إن عصوا أمره. { ويفعلون ما يؤمرون } أي: يطيعونه فيما أمرهم ~~به. قال أبو إسحاق: معناه يخافون ربهم خوف مطيعين مجلين له، لا يجاوزون ~~أمره. ### || [16.51-55] # قوله: { وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين } إلى ~~قوله { فسوف تعلمون }. # المعنى: قال الله لا تتخذوا لي شريكا فلا تعبدوا معبودين { إنما ~~هو إله واحد } أي: معبود واحد، وأنا ذلك المعبود. { فإياي ~~فارهبون }. أي فاتقون وخافون. أمرهم الله [عز وجل] بذلك لأنهم قالوا ~~في الأصنام: # ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى # [الزمر: 3] فأعلمهم أنه: لا يجوز أن يعبد غيره. # وقوله: " اثنين " تأكيد. كما قال: { إنما هو إله واحد } ~~فأكده بواحد. # وقيل / التقدير: اثنين إلهين. فلما لم يتعرف معنى اثنين لعمومها في كل ~~شيء بين بإلهين، وإذا تقدم إلهين لم يحتج إلى اثنين، لخصوص اللفظ ~~بالألوهية. # ثم قال تعالى: { وله ما في السموت والأرض }. # أي: له ملك ما فيهما لا شريك له في ذلك. # { وله الدين واصبا } أي: له الطاعة والإخلاص دائما. قاله: ابن ~~عباس ومجاهد وعكرمة والضحاك. ومنه قوله: # عذاب واصب # [الصافات: 9] أي دائم، والوصوب الدوام. وعن ابن عباس أيضا: الواصب: ~~الواجب. قال مجاهد: الدين ms1289 هنا: الإخلاص. # ثم قال تعالى: { أفغير الله تتقون }. # أي: ترهبون وتخافون أن يسلبكم نعمة الله عليكم إذا أفردتم العبادة لله ~~[سبحانه]. # وقال الزجاج: معناه: أفغير الذي أبان لكم أنه واحد، وأنه خالق كل شيء ~~تخافون. # ثم قال تعالى: { وما بكم من نعمة فمن الله }. # التقدير: وما حل بكم من نعمة فمن الله هي. وقال الفراء: التقدير: وما ~~[يكن] بكم من نعمة. وقال قوم: " ما " بمعنى: الذي، فلا يحتاج إلى إضمار ~~فعل. ودخلت الفاء في الخبر للإبهام الذي في " ما ". # ومعنى الآية ما أعطاكم الله [سبحانه] من مال وصحة جسم وولد فهو من فضله، ~~لا من فضل غيره. # { ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون }. # أي: إذا مسكم في أبدانكم ضر وشدة، فإلى الله تصرخون بالدعاء، وبه ~~تستغيثون في كشف ذلك [عنكم]. يقال: جأر، إذا رفع صوته شديدا من جوع أو ~~غيره، والأصوات مبنية على فعال وعلى فعيل نحو الصراخ والخوار ~~والبكاء. ونحو العويل والزفير، والفعال أكثر. # ثم قال تعالى ذكره: { [ثم] إذا كشف الضر عنكم إذا ~~فريق منكم بربهم يشركون }. # أي ثم إذا وهبكم العافية وفرج عنكم إذا جماعة منكم يشركون بربهم. أي: ~~يجعلون له أندادا يعبدونها ويذبحون لها الذبائح شكرا لغير من أنعم ~~عليهم بالفرج. # { ليكفروا بمآ آتيناهم }. # ليجحدوا بما أتاهم الله [عز وجل] من نعمته، التي فرج عنهم بها. # { فتمتعوا فسوف تعلمون }. # هذا وعيد وتهدد من الله [عز وجل] لهؤلاء الذين تقدم وصفهم، أي: فتمتعوا ~~في هذه الحياة الدنيا إلى أن توافيكم آجالكم وتلقون ربكم. # قال الزجاج: { إذا فريق منكم بربهم يشركون } هذا ~~خاص لمن كفر. ### || [16.56-61] # قوله: { ويجعلون لما لا يعلمون [نصيبا] } إلى قوله { ~~ولا يستقدمون }. # المعنى: ويجعل هؤلاء المشركون لما لا يعلمون، أنه لا يضرهم ولا ينفعهم ~~نصيبا مما رزقهم الله، يعني: لأوثانهم. قال قتادة: هم مشركو العرب جعلوا ~~لأوثانهم نصيبا وجزءا مما رزقهم الله من أموالهم. # وقيل: يعلمون الآلهة التي كانوا يعبدونها، وهي " ما " فيعلمون ردها على ~~معنى " ما ". / وأتى بالواو والنون لأنهم كانوا قد أجروها ms1290 مجرى من يعقل ~~في جعلهم لها نصيبا من [م[زروعهم. فمفعول " يعلم " محذوف. تقديره: ~~ويجعل هؤلاء الكفار للأصنام التي لا تعلم شيئا نصيبا. وعلى القول الأول ~~" يعلمون " للكفار. وفيه ضميرهم، أي: هؤلاء الكفار يجعلون نصيبا للأصنام ~~التي يعلم الكفار أنها لا تنفع ولا تضر. ومثله في الأخبار عن الأصنام ~~بالواو والنون قوله: # وترهم ينظرون إليك # [الأعراف: 198] فالنظر للأصنام. وقيل للكفار وقد تقدم شرحه. # وقال ابن زيد: جعلوا لآلهتهم نصيبا من الحرث والأنعام يسمون عليها ~~[أ]سماءها ويذبحون عليها. وهو قوله تعالى في الأنعام عنهم: # هذا لله بزعمهم وهذا لشركآئنا # [الأنعام: 136]. # ثم قال تعالى: { تالله لتسألن عما كنتم تفترون ~~}. # أي: والله يا أيها المشركون لتسئلن يوم القيامة عما كنتم تختلقون في ~~الدنيا علي من الكذب فتعاقبون على ذلك. # قال الزجاج: معناه لتسئلن سؤال توبيخ حتى تعترفوا به على أنفسكم ~~وتلزموها الحجة. # ثم قال تعالى: { ويجعلون لله البنات سبحانه } أي: ~~ومن جهل هؤلاء المشركين، وافترائهم على ربهم [سبحانه] أنهم يجعلون له ~~البنات ولا ينبغي أن يكون له ولد لا ذكر ولا أنثى { سبحانه } أي ~~تنزيها له عما يقولون. # ثم قال [تعالى]: { ولهم ما يشتهون }. # أي: أضافوا إليه ما يكرهون، فما كفاهم ما أضافوه إليه من الولد حتى ~~جعلوا له ما لا يرضونه لأنفسهم وما يقتلونه إذا أتاهم، فأضافوا إليه ما ~~يكرهون لأنفسهم وهن البنات، وجعلوا لأنفسهم ما يشتهون وهم البنون. # ثم قال تعالى: { وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل ~~وجهه مسودا }. # أي: وإذا بشر أحد هؤلاء المشركين بولادة ما قد أضافه إلى الله [سبحانه] ~~ظل وجهه مسودا كراهية لذلك { وهو كظيم } أي: قد كظمه الحزن وامتلأ ~~غما بولادتها وهو لا يظهر ذلك. والكظيم الذي يخفي غيظه ولا يشكو ما به، ~~وهو فعيل بمعنى فاعل، كعليم. قيل الذي حسب في نفسه وعظمه هو ما فسره بعد ~~ذلك من قوله: { أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ~~} فهذا عظم في نفسه. # وقيل معنى: { ظل وجهه مسودا } أي: ظل كئيبا مغموما بذلك. ~~والعرب تقول لكل مغموم قد تغير ms1291 لونه من الغم، واسود وجهه: كظيم. # وقال قتادة أخبرهم الله [عز وجل] بخبيث أعمالهم، فأما المؤمنون فراضون ~~بما قسم الله [عز وجل] لهم. # قال ابن عباس: الكظيم الحزين. وقال الضحاك: هو الكمد. # ثم قال تعالى: { يتوارى من القوم من سوء ما بشر ~~به }. # أي: يستتر هذا المبشر / بالأنثى من القوم فيغيب عن أبصارهم من سوء ما ~~بشر به عنده. # روي أن [ال]رجل كان في الجاهلية يتوارى إذا حضر وقت الولادة أو قبله ~~فإن ولد له ذكر سر به وظهر، وإن كانت أنثى استتر وربما وأدها، أي دفنها ~~حية، وربما أمسكها على كراهية وهوان. وهو قوله: { أيمسكه على ~~هون أم يدسه في التراب }. # ثم قال [تعالى]: { ألا سآء ما يحكمون }. # أي: بئس الحكم حكمهم، يجعلون لله ما لا يرضون لأنفسهم، وما لا يجوز أن ~~يكون له ويجعلون لأنفسهم ما يشتهون. # والهون والهوان في لغة قريش. وبعض [بني] تميم يجعل الهون مصدرا للشيء ~~الهين. # وقرأ عاصم الجحدري " أم يدسها ورده على الأنثى. # وكان يلزمه أن يقرأ: { أيمسكه }. وقرأ عيسى بن عمر " أيمسكها على ~~هوان " وقرأ الأعمش: " أيمسكه على سوء ". # ثم قال تعالى { للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل ~~السوء }. # والمعنى: للذين لا يصدقون بالآخرة المثل السوء، وهو القبيح، وهو ما يسوء ~~من ضرب له. # { ولله المثل الأعلى }. # [أي]: الأفضل والأكمل والأحسن وهو التوحيد. قال قتادة: { ولله ~~المثل الأعلى } شهادة أن لا إله إلا الله. وقيل: [هو] الواحد ~~الصمد الحليم الفرد العزيز الذي لم يلد ولم يولد. # { وهو العزيز }. # أي: ذو العزة الذي لا يمتنع عليه معها عقوبة هؤلاء وغيرهم ممن يريد ~~عقوبته على عصيانهم. { الحكيم } في تدبيره، فلا يدخل تدبير[ه] خلل ~~ولا خطأ. وقيل هي كلمة الوحدانية وصفتها أحد، صمد، فرد، لم يلد، ولم ~~يولد، ولم يكن له كفوا، أحد. # ثم قال تعالى: { ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ~~ترك عليها من دآبة }. # أي: لو أخذ الله عصاة بني آدم لمعاصيهم، ما ترك على الأرض أحدا ممن ~~[يدب] { ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى ms1292 } أي: إلى وقتهم ~~الذي كتب لهم ووقت. فإذا جاء ذلك الأجل الذي وقت لهلاكهم، لم يستأخروا عن ~~الهلاك ساعة ولم يستقدموا ساعة قبله. قال بعضهم: كاد الجعل أن يعذب ~~بذنب بني آدم وقرأ: # { ولو يؤاخذ [الله] الناس بظلمهم } الآية. وسمع أبو ~~هريرة رجلا يقول: أن الظالم لا يضر إلا بنفسه. فالتفت إليه أبو هريرة ~~فقال: بلى والله، إن الحبارى لتموت في وكرها هزالا بظلم الظالم. وقال ~~ابن مسعود: خطيئة ابن آدم قتلت الجعل. ### || [16.62-65] # قوله { ويجعلون لله ما يكرهون } إلى قوله { لقوم ~~يسمعون }. # قوله: { ألسنتهم } جمع لسان على لغة من ذكره. ويجمع إلى ألسن على ~~لغة من أنثه. ولو سميت بالسن لم ينصرف في المعرفة خاصة للتعريف ولأنه على ~~وزن الفعل إذا قلت: أنا أخرج وأنا أدخل، ولو سميت بالسنة لم تنصرف على كل ~~حال. # ومعنى الآية: ويجعل هؤلاء المشركون لله ما يكرهون لأنفسهم. وذلك جعلهم ~~له البنات وهم يكرهونها { وتصف ألسنتهم الكذب أن ~~لهم الحسنى } أي الجنة: أي: يكذبون فيدعون أن لهم الجنة. # { لا جرم أن لهم النار }. # أي: وجب أن لهم النار، وقال مجاهد: { أن لهم الحسنى } هو: ~~قول كفار قريش لنا البنون / ولله البنات. وقال قتادة: الحسنى هنا ~~الغلمان. # وقرأ بعض الشاميين " ألسنتهم الكذب " بالرفع، جعله نعتا للألسنة، ~~وبناه على فعل جعله جمع كذوب " وأن " عند قطرب في موضع رفع بجرم لأنه ~~بمعنى: وجب أن لهم. وعند غيره في موضع نصب بجرم لأنه بمعنى كسب، أي: كسب ~~لهم ذلك أن لهم النار، وما بعدها رد لما قبلها، وقد تقدم ذكره { لا ~~جرم } في سورة هود بأشيع من هذا. # وقال ابن عباس { لا جرم } معناه: بلى أن لهم. وقيل: معناه: واجبا ~~أن لهم. # وقوله: { وأنهم مفرطون }. # من قرأ بفتح الراء، فمعناه عند الحسن: معجلون إلى النار. وقال ابن جبير، ~~منسيون فيها، متركون فيها. قال مجاهد: منسيون. وفي الحديث # " أنا فرطكم على الحوض " # [أي] متقدمكم إليه حتى تردوا علي. وأفرطته أقدمته. وقال أبو عبيدة ~~والكسائي معناه: متركون في النار. ms1293 # فأما من قرأ بكسر الراء فمعناه: مبالغون في الإساءة. يقال: أفرط فلان ~~على فلان إذا أربى عليه وبالغه في الشر. # وقرا أبو جعفر " مفرطون " ، بالتشديد وكسر الراء ومعناه: مضيعون ما ~~ينفعهم في الآخرة. وتصديقه قوله: # أن تقول نفس يحسرتا على ما فرطت في جنب الله # [الزمر: 56]. # ثم قال تعالى: { تالله لقد أرسلنآ إلى أمم من ~~قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم }. # أي: والله يا محمد لقد أرسلنا رسلا من قبلك إلى أممها بمثل ما أرسلناك ~~به إلى أمتك { فزين لهم الشيطان أعمالهم } أي: حسنها ~~لهم حتى كذبوا الرسل. # { فهو وليهم اليوم }. # أي: والشيطان وليهم، أي: ناصرهم اليوم في الدنيا. ولهم في الآخرة عذاب ~~أليم. وقيل: إنه يقال لهم: هذا الذي أطعتموه فاسألوه حتى يخلصكم [تبكيتا ~~لهم و] تأنيبا وتوبيخا لهم. فيكون قوله: { فهو وليهم ~~اليوم } إشارة إلى يوم القيامة. # وهذا كله تعزية للنبي [صلى الله عليه وسلم] وتصبير له إذا كذبه قومه، ~~فأعلمه الله [عز وجل] أنه قد فعل ذلك بمن أرسل قبله فيتأسى النبي [صلى ~~الله عليه وسلم] بذلك ويزداد صبرا. # ثم قال تعالى ذكره { ومآ أنزلنا عليك الكتاب إلا ~~لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة }. # أي: وما أنزلنا عليكم الكتاب يا محمد وجعلناك رسولا إلا لتبين لهم الذي ~~اختلفوا فيه من دين الله [عز وجل] فتعرفهم الصواب منه من الباطل والهدى ~~والرحمة. فهدى ورحمة مفعولان من أجلهما. # ثم قال تعالى: { والله أنزل من السمآء مآء فأحيا ~~به الأرض بعد موتهآ }. # أي: والله أنزل من السماء مطرا فأحيى به الأرض الميتة وهي التي لا نبات ~~فيها وحياتها بكون النبات فيها. # وهذا كله تنبيه من الله [عز وجل] لخلقه على صنعه ولطفه ونعمه وإلا لا ~~يفعل ذلك غيره وأن من كان مفردا / باختراع هذه الأشياء لا تصلح العبادة ~~إلا له لا إله إلا هو، وفيه إشارة على إحياء الموتى كما أحيى الأرض بعد ~~موتها. # ثم قال: { إن في ذلك لآية لقوم يسمعون }. # أي: [إن] في أحياء الأرض بالنبات بعد أن ms1294 كانت ميتة لا نبات فيها لعلامة ~~ودليلا على توحيد الله [عز وجل]، وإحياء الموتى لقوم يسمعون هذا القول ~~فيتدبرونه. ### || [16.66-69] # قوله: { وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم ~~مما في بطونه } إلى قوله: { لقوم يتفكرون }. # قوله: { نسقيكم } من ضم النون، أو فتح، فهما لغتان عند أبي ~~عبيدة. وقال الخليل وسيبويه: سقيته ناولته، وأسقيته جعلت له سقيا. # وقوله: { مما في بطونه } يذهب سيبويه أن العرب تخبر عن الأنعام ~~بخبر الواحد. وقال [الكسائي معناه نسقيكم مما في بطون ما ذكرنا. فذكر على ~~ذلك. وقال] الفراء: الأنعام والنعم واحد فرجع هنا إلى تذكير النعم. وحكى ~~عن العرب: هذا نعم وارد. # وقال أبو عبيدة: معناه نسقيكم مما في بطون أيها كان [ذا] لبن لأنها ليست ~~كلها لها [لبن]. وعن الكسائي أن التذكير على البعض أي نسقيكم مما في بطون ~~بعض الأنعام. وقيل: المعنى: أن التذكير إنما جيء به لأنه راجع على ذكر ~~النعم، لأن اللبن للذكر منسوب. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " اللبن للفحل " # وبذلك يحكم أهل المدينة وغيرهم في حكم الرضاع. # ومعنى الآية: وأن لكم لعظة في الأنعام التي نسقيكم مما في بطونها من بين ~~فرث ودم. والفرث ما يكون في الكرش من غذائها. ويقال: أفرثت الكرش إذا ~~أخرجت ما فيها. لبنا خالصا: أي خلص من مخالطة الفرث والدم. # والمعنى: أن الطعام يكون منه [ما] في الكرش، ويكون منه الدم، فيخلص ~~اللبن من الدم. # ومعنى: { خالصا سآئغا للشاربين } أي: يسوغ لمن شربه، ولا ~~يغص به. وقيل معناه: سهلا لا يشجى به من شربه متساغ في الحلق لا يشاحه ~~[فيه] مرارة. # وقيل: إنه لم يغص أحد باللبن قط. # وهذه الآية تدل على فساد قول من يقول: أن المني إنما نجس لسلوكه مسلك ~~البول [فهذا اللبن يسلك مسلك البول] وهو طاهر. وهذا إنما يصح على قول: من ~~يرى أن أبوال الإبل والبقر والغنم غير طاهرة. ولا يلزم من قال: إن ~~أبوالها طاهرة. # ثم قال تعالى: { ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون ~~منه سكرا ورزقا حسنا ms1295 }. # معناه: ولكم أيضا أيها الناس عبرة فيما نسقيكم من ثمرات النخيل ~~والأعناب. و " ما " محذوفة من الكلام. والمعنى من ثمرات النخيل والأعناب ~~ما تتخذون. وإنما جاز الحذف لدلالة " من " عليها لأن " من " تقتضي ~~التبعيض، فدلت على الاسم المبعض فحذف. # وقال بعض البصريين التقدير: ومن ثمرات النخيل والأعناب شيء تتخذون، وحذف ~~شيء لدلالة الهاء في " منه " عليه. # فأما " السكر " [ف]قال / ابن عباس: " السكر " ما حرم الله [عز وجل] من ~~شرابه، و " الرزق الحسن " ما أحل من ثمرته، يعني: الزبيب والتمر. وقال ~~[به] ابن جبير ومجاهد. وقال الحسن: ذكر نعمته في السكر قبل تحريم الخمر. # وقال قتادة: السكر خمور الأعاجم، والرزق الحسن مما تنتبذون وما تخللون ~~وما تأكلون. # وهذا منسوخ عند أكثر العلماء، وهو قول: مجاهد وابن جبير والشعبي. # والذي عليه أهل النظر: إن هذا لا يجوز نسخه لأنه خبر، وليس بأمر فينسخ، ~~وإنما نزلت هذه الآية قبل أن تحرم الخمر. أخبرنا الله [عز وجل] أنهم ~~يتخذون [به] ذلك. فلم يأمرنا بشربها، إنما هو خبر عما أنعم عليهم به وقد ~~قال أبو عبيدة السكر: الطعم يعني: الزبيب، والعنب، والثمر والرطب. وقال ~~غيره السكر ما يسد الجوع مشتق من سكرت النهر إذا سددته. # ثم قال تعالى: { إن في ذلك لآية لقوم يعقلون }. # أي: إن في ما ذكر من النعم التي أنعمها عليهم لدلالة واضحة لقوم يعقلون ~~عن الله [عز وجل] حججه [و] يفهمون عنه [سبحانه] مواعظه [جلت عظمته]. # ثم قال تعالى: { وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي ~~من الجبال بيوتا }. # أي: ألهم ربك يا محمد النحل بأن تتخد من الجبال بيوتا { ومن ~~الشجر ومما يعرشون }. # يعني الكروم، وقيل: " يعرشون " يبنون من السقوف. # { فاسلكي سبل ربك ذللا }. # أي: طرق ربك، { ذللا } أي: متذللة. وقال مجاهد: لا يتوعر عليها مكان ~~سلكته. فيكون على هذا التأويل " ذللا " حالا من السبل، وعلى القول ~~الأول: حالا من الضمير في اسلكي، وهو قول: قتادة، لأنه قال: معناه: ~~فاسلكي سبل ربك مطيعة. وقال ابن زيد: الذلول: الذي يقاد ويذهب به ms1296 حيث ~~أراد صاحبه، قال: فهم يخرجون بالنحل ينتجعون بها ويذهبون وهي بينهم. ثم ~~قرأ: # أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينآ ~~أنعاما فهم لها مالكون # [يس: 71]. فيكون ذللا على هذا التأويل حالا من النحل. واختار الطبري ~~أن يكون حالا من السبل لقربه منها. # وقوله: { مختلف ألوانه } ، أي: منه أبيض وأحمر. # وقوله: { فيه شفآء للناس }. # قال مجاهد: الهاء في فيه ل[ل]قرآن، وقال [به] الحسن والضحاك، أي: ~~فيما قصصنا عليك من الآيات شفاء للناس، وقيل: الهاء عائدة على العسل، ~~قاله: قتادة. # وقيل " للناس ": عام يراد به الخصوص. والمعنى: لبعض الناس، لمن قدر الله ~~[عز وجل] له أن يشفى بالعسل. # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك أخبار أنه العسل، وهو قول: ~~ابن عباس. وقال: ابن مسعود: عليكم بالشفاءين فإن الله جعل في القرآن شفاء ~~وفي العسل شفاء. وقال: " العسل شفاء من كل داء، والقرآن شفاء لما في ~~الصدور " وكان ابن عمر لا يشكو قرحة، ولا شيئا، إلا وجعل عليها العسل ~~حتى الدمل إذا كان به طلاه بعسل، / فقيل له في ذلك فقال: أليس الله [عز ~~وجل] يقول: { فيه شفآء للناس }. # وروي أن عوف بن مالك الأشجعي مرض، فقيل له: ألا نعالجك؟ فقال [نعم]: ~~ايتوني بماء سماء فإن الله يقول: # ونزلنا من السمآء مآء مبركا # [ق: 9]، وإيتوني بعسل فإن الله يقول: { فيه شفآء للناس }. ~~وايتوني بزيت فإن الله يقول: # من شجرة مباركة زيتونة # [النور: 35] فجاء بذلك، فخلطه جميعا [ثم شربه] فبرئ. # ثم قال [تعالى] { إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون }. # أي: إن في إخراج العسل من أفواه النحل كما يخرج الريق من فم أحدكم على ~~اختلاف مطاعمها ومراعيها إذ ترعى حامضا ومرا وما لا طعم له، ثم تهتد[ي] ~~إلى سلوك السبل وترجع إلى بيوتها، لدلالة وحجة لمن تفكر في ذلك فيعلم أن ~~الله على كل شيء قدير، وأن العبادة لا تكون إلا له، لا إله إلا هو. ### || [16.70-72] # قوله: { والله خلقكم ثم يتوفاكم } إلى قوله: { ~~وبنعمت الله هم يكفرون ms1297 }. # أي: والله خلقكم أيها الناس فأوجدكم ولم تكونوا شيئا، ثم يتوفاكم أي: ~~يميتكم { ومنكم من يرد إلى أرذل العمر }. # [أي]: ومنكم من يهرم فيصير إلى أرذل العمر، أي: إلى أرداه. وقيل: إنه ~~يصير كذلك في خمس وسبعين سنة. قال علي بن أبي طالب [رضي الله عنه]: أرذل ~~العمر خمس وسبعون سنة. # لكن المسلم إذا صار إلى أرذل العمر ازداد مع طول العمر عند الله كرامة ~~وأجرا، كما قال [في] سورة والتين والزيتون: # لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم # [التين: 4] يعني: آدم خلقه في أحسن صورة، ثم قال: # ثم رددناه أسفل سافلين # [التين: 5] يعني: الكافر من ولد آدم ثم استثنى المؤمنين من ولد آدم ~~فقال: # إلا الذين ءامنوا وعملوا الصلحت فلهم أجر ~~غير ممنون # [التين: 6]. أي: غير مقطوع عنهم وذلك إذا ضعف الرجل المسلم عن الصلاة ~~النافلة والصيام النافلة وما هو رضى لله [عز وجل] أجرى الله [سبحانه] ~~عليه ثواب ذلك في كبره ولذلك قال: # أليس الله بأحكم الحاكمين # [التين: 8] أي: إذا فعل ذلك بالمؤمنين فهو أعدل العادلين. # ثم قال: { لكي لا يعلم بعد علم شيئا }. # أي: يرد إلى الهرم ليصير جاهلا بعد أن كان عالما. يعني: الخرف والخفة ~~التي تدخل الشيوخ، وتحدث فيهم فيصيرون كالصبيان. # فهذا تنبيه من الله عز وجل للخلق أن الله [سبحانه] نقلهم من جهل إلى ~~علم. ثم من علم إلى جهل، ومن ضعف إلى قوة، ثم من قوة إلى ضعف. فهو يقدر ~~على أن ينقلكم من حياة إلى موت ثم من [موت إلى] حياة، فكل ذلك بيده. # ثم قال: { إن الله عليم قدير }. # أي، أنه عليم [قدير] لا ينسى شيئا ولا يتغير علمه بعلم ما كان وما ~~يكون، قدير على ما يشاء. # ثم قال تعالى: { والله فضل بعضكم على بعض في ~~الرزق }. # أي: فضل بعضكم على بعض في الرزق الذي رزقكم في الدنيا فما الذين فضلهم ~~الله [عز وجل] على غيرهم في الرزق براد[ي] رزقهم على مماليكهم فيستوون ~~فيه [هم] و / مماليكهم، فهذا لا يرضونه لأنفسهم ms1298 فيما رزقهم الله [عز وجل] ~~من المال والأزواج [وقد جعلوا] عبيد الله [سبحانه] شركاء في ملكه، فجعلوا ~~له ما لا يرضونه لأنفسهم. # هذا كله مثل ضربه الله [عز وجل] لهم في عبادتهم الأصنام من دون الله ~~[سبحانه]. فهو خطاب وتوبيخ وتقريع للمشركين. فالمعنى أنتم لا يش[ر]ككم ~~عبيدكم فيما أنعم الله به عليكم من المال ولا ترضون بذلك لأنفسكم فتكونون ~~أنتم وعبيدكم في ذلك سواء، فكيف رضيتم بأن جعلتم لله [سبحانه] شركاء من ~~خلقه، فعبدتم معه غيره؟ فإذا كنتم تأنفون من مساواة عبيدكم بكم فيما في ~~أيديكم [من رزق الله] فكيف رضيتم لرب العالمين بمساواة خلقه له ~~فعبدتموهم؟ # وقيل: عنى بذلك الذين قالوا المسيح ابن الله من النصارى. # ثم قال [تعالى] { أفبنعمة الله يجحدون }. # [أي]: يجحدون نعمة الله عليهم فيجعلون له شركاء من خلقه. قال ابن عباس ~~في الآية: معناها: لم يكونوا ليشركوا عبيدهم في أموالهم ونسائهم فكيف ~~يشركون عبيدي معي في سلطاني، وهو معنى قول قتادة. وقيل: معنى الآية أن من ~~فضله الله [عز وجل] في الرزق لا يشارك فيه مملوكه وهو بشر مثله، فكيف ~~شركتم بين الله [عز وجل] وبين الأصنام فجعلتم له نصيبا وللأصنام نصيبا؟ ~~فلم يحسن عندكم أن تشاركوا عبيدكم [فيما رزقهم] [وأنتم] كلكم بشر ويحسن ~~أن تشاركوا بين الله [سبحانه] والأصنام وليست كمثله، لأنها مخلوقة. فإذا ~~نزهتم أنفسكم عن مشاركة عبيدكم فيما رزقهم الله [سبحانه] فالله [عز وجل] ~~أحق أن تنزهوه عن مشاركة الأصنام. # ثم قال تعالى: { والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا ~~} ، [أي]: والله خلق زوجة آدم من ضلعه، قاله: قتادة. # وقيل معناه: جعل لكم من جنسكم أزواجا. # ثم قال: { وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة }. # قال ابن مسعود: الحفدة: الاختان. وهو قول ابن عباس وابن جبير. وعن ابن ~~عباس: أنهم الأصهار. وقال محمد بن الحسن: الختن الزوج ومن كان من ذوي ~~رحمه، والصهر من كان من قبل المرأة من الرجل. وقال ابن الأعرابي ضد هذا ~~القول في الأختان والأصهار. وقال [الأ]صمعي الختن من كان ms1299 من الرجال من ~~قبل المرأة والأصهار منهما جميعا، وقيل: الحفدة أعوان الرجل وخدمه. # وروي عن ابن عباس أنه سئل عن الحفدة في الآية فقال: من أعانك فقد حفدك. ~~[و] قال عكرمة: الحفدة الخدام. # [و] عنه أيضا الحفدة من خدمك من ولدك. وعن مجاهد أنه قال: الحفدة ابن ~~الرجل وخادمه وأعوانه. وعن ابن عباس أيضا هم ولد الرجل وولد ولده. وقال ~~ابن زيد وغيره: هم ولد الرجل [و] الذين يخدمومه. وعن ابن عباس: أنه قال: ~~هم بنو امرأة الرجل من غيره. # والحفدة: جمع حافد كفاسق / وفسقة، والحافد في كلام العرب المتخفف في ~~الخدمة والعمل ومنه قولهم، وإليك نسعى ونحفد، أي: نسرع في العمل بطاعتك. # ثم قال [تعالى] { ورزقكم من الطيبات }. # أي: من خلال المعاش. # { أفبالباطل يؤمنون }. # أي: [أ]فبما يحرم عليهم الشيطان من البحائر والوصائل يصدق هؤلاء ~~المشركون. # وقيل معناه: أفبالأوثان والأصنام يؤمنون. # { وبنعمت الله هم يكفرون }. # أي: وبما أحل الله لهم من ذلك يكفرون، وأنعم عليهم بإحلاله لهم، هم ~~يكفرون أي ينكرون تحليله ويسترونه. ### || [16.73-76] # قوله: { ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم ~~رزقا } إلى قوله: { على صراط مستقيم }. # المعنى: ويعبد هؤلاء المشركون من دون الله [سبحانه]، أوثانا لا يملكون ~~لهم رزقا " من السماوات " أي: لا تنزل مطرا لإحياء الأرض. " والأرض " ~~أي: ولا تملك لهم أيضا رزقا من الأرض، لأنها لا تقدر على إخراج نباتها ~~وثمارها لهم. # { ولا يستطيعون }. # أي: لا تملك أوثانهم شيئا من السماوات والأرض. # و { رزقا } نصب بيملك. و { شيئا } نصب برزق. وكان أصله: رزق شيء ~~كما يقول: ضرب زيد فلما فرق بينهما انتصب شيء لأنه مفعول به برزق. وهو ~~مثل قوله الشاعر: # فلم أنكل عن الضرب مسمعا. # كان أصله: عن ضرب مسمع، فلما [أ]دخل الألف واللام امتنعت الإضافة فانتصب ~~المفعول به ومثله في التنوين: # ألم نجعل الأرض كفاتا * أحيآء وأموتا # [المرسلات: 25-26] كان أصله كفاتا إحياء وأموات [أي جمع أحياء وأموات]. ~~والكفت الجمع والضم، أي: تجمعهم وتضمهم على ظهرها أحياء وفي بطنها ~~أمواتا فلما نون { كفاتا ms1300 } انتصب { أحيآء وأموتا } على ~~المفعول به، والعطف عليه، وله نظائر، وهو أصل من أصول العربية. # وقد منع بعض البصريين أن يعمل " رزق " في " شيء " لأنه اسم، وليس بمصدر، ~~وقال ينتصب " شيء " على البدل من " رزق ". # ثم قال [تعالى] { فلا تضربوا لله الأمثال }. # قال الضحاك، معناه: لا تعبدوا من دون الله ما لا ينفعكم، ولا يضركم، ولا ~~يرزقكم. وقال ابن عباس: هو اتخاذكم الأصنام. يقول تعالى ذكره: لا تجعلوا ~~معي إلها غيري. # وقيل معناه: لا تمثلوا الله [سبحانه] بخلقه فتقولوا: هو يحتاج إلى شريك ~~ومشاور فإن هذا إنما يكون لمن لا يعلم ودل على هذا المعنى قوله [عز وجل]: # { إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون }. # وقيل معناه: لا تمثلوا خلق الله به، فتجعلوا له من العبادة مثل ما لله ~~[سبحانه]. # ثم قال تعالى: { ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا ~~يقدر على شيء } الآية. # هذا مثل ضربه الله [عز وجل] للكافر والمؤمن، قال قتادة: قوله: { عبدا ~~مملوكا لا يقدر على شيء } ، هذا مثل ضربه الله [عز وجل] ~~للكافر رزقه الله مالا، فلم يقدر فيه على [خير]، ولم يعمل فيه بطاعة ~~الله [عز وجل] ثم قال [تعالى]: { ومن رزقناه منا رزقا ~~حسنا } فهذا للمؤمن أعطاه الله مالا يعمل فيه بطاعته فأخذ فيه بالشكر ~~ومعرفة الله [عز وجل]، فأثابه الله [سبحانه] على / ما رزقه [في] الجنة. # ثم قال: { هل يستوون }. # أي: هل يستوي هذان وهما بشران؟ فكيف سويتم أيها المشركون بين الله وبين ~~الحجارة التي لا تعقل ولا تنفع ولا تضر. # وقيل: " العبد المملوك " أبو جهل بن هشام، و { ومن رزقناه ~~منا رزقا حسنا } أبو بكر الصديق رضي الله عنه لا يستويان. # وقيل: " العبد المملوك " الصبي لأنه عاجز مربوب { ومن رزقناه ~~منا رزقا حسنا } مثل لله رب العالمين، لأنه يرزق المخلوقين ~~ويلطف بهم من حيث [يعلمون ومن حيث] لا يعلمون، وهذا قول: مجاهد، قال ~~مجاهد: هو مثل لله الخالق ومن يدعى من دونه من الباطل. # ثم ضرب لهم مثلا آخر فقال: { وضرب الله مثلا ms1301 رجلين ~~أحدهمآ أبكم } وهو المطبق الذي لا ينطق ولا يسمع. { وهو ~~كل على مولاه } أي: على وليه { هل يستوي هو ومن ~~يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم } أي: هل يستوي ~~القادر التام التمييز، والعاجز الذي لا يسمع ولا يتكلم ولا يأتي بخير؟ ~~فهما لا يستويان عندكم لاختلاف أحوالهما، وهما بشران، فكيف سويتهم بين ~~الله [سبحانه] والأحجار؟. # وقال مجاهد والضحاك: هذا مثل لله [عز وجل] ومن عبد من دونه. وقال قتادة: ~~هو للمؤمن والكافر. # وقال ابن عباس: أنزلت هذه الآية: { ضرب الله مثلا عبدا ~~مملوكا لا يقدر على شيء } في هشام بن عمر، وهو الذي لا ~~ينفق، ومولاه أبو الجوزاء الذي كان ينهاه. # وقوله: { [و]ضرب الله مثلا رجلين أحدهمآ أبكم ~~} الأبكم منهما: الكل على مولاه أسيد بن أبي العاصي، والذي يأمر بالعدل ~~وهو على صراط مستقيم عثمان بن عفان. # وقيل: الأبكم يعني به أبي بن خلف هو كالأبكم إذ لا ينطق بخير، وهو كل ~~على قومه كان يؤذيهم ويؤذي عثمان بن مظعون. # { هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل } يعني: حمزة بن عبد ~~المطلب. # وقيل: هو مثل ضربه الله [عز وجل] لنفسه والصنم المعبود من دونه وهو ~~الأبكم. والفاضل هو مثل لله. # وقيل الفاضل من الرجلين عثمان بن عفان رضي الله [عنه] والأبكم مولى له ~~كافر، قاله: ابن عباس. # وقال مجاهد: الذي يأمر بالعدل، هو الله [عز وجل] والأبكم ما يدعون / من ~~دونه من الأصنام. # قوله: { الحمد لله }. # أي: الحمد الكامل لله دون من يدعا من دونه من الأوثان. # قوله: { بل أكثرهم لا يعلمون }. # أي: فعلهم فعل من لا يعلم، وإن كانوا يعلمون. وقيل معناه: أنهم لا ~~يعلمون وعليهم أن يعلموا. # وقيل إن قوله: { رجلين أحدهمآ أبكم } إنما هو مثل للصنم ~~لا يسمع ولا ينطق. # { وهو كل على مولاه } أي: كل على من يعبده ويلي أمره، ~~يحتاج أن يخدمه ويحمله ويضعه. # { أينما يوجهه لا يأت بخير }. # أي: لا يفهم ما يقال له فيأتمر لمن أمره، ولا يأمر ولا ينهى. # { هل يستوي هو ms1302 ومن يأمر بالعدل }. # أي: هل يستوي هذا الصنم، والله الواحد القهار الذي يدعو إلى التوحيد وهو ~~على صراط مستقيم. قاله: قتادة. وقيل: هذا المثل أيضا إنما هو للمؤمن ~~والكافر. # واستدل بعض الفقهاء بهذه الآية أن العبد لا يملك. ومن جعل الآية مثلا ~~لله [سبحانه] والصنم لم يكن فيها حجة [له] في العبد. ### || [16.77-79] # قوله: { ولله غيب السموت والأرض } إلى قوله: { ~~لأيت [لقوم] يؤمنون }. # المعنى: [لله] ما غاب عن أبصاركم في السماوات والأرض دون ما سواه. # { ومآ أمر الساعة إلا [كلمح] البصر }. # أي: وما قيام الساعة، التي ينشر فيها الخلائق للبعث، إلا كنظرة من ~~البصر، أو أقرب من نظرة. لأن ذلك إنما هو، أن يقال له: كن، فيكون. وهذا ~~إنما هو صفة لسرعة القدرة على بعث الخلق وإحيائهم، كما يقال في تمثيل ~~السرعة ما بين الشيء والشيء: ما بين الحر والقر إلا نومة، وما بين السنة ~~والسنة إلا لحظة. فهذا يراد به السرعة. والمعنى: أن الساعة في مجيئها ~~للوقت الذي لا مدفع له بمنزلة لمح البصر. ومثله في القرب على التمثيل # سيعلمون غدا # [القمر: 26] فسمي يوم القيامة [غدا] على تمثيل القرب إذ لا مدفع له عن ~~وقته. فالقيامة كغد لوقوعها لا محالة كوقوع غد. وقيل: إنها تقوم على ~~الحقيقة في أقرب من لمح البصر، ود[ل] على ذلك قوله: # لا تأتيكم إلا بغتة # [الأعراف: 187]. # وقيل معناه: وما أمر الساعة عندنا إلا كلمح البصر لا عندكم، كقوله: # وإن تعجب فعجب قولهم # [الرعد: 5] أي: عجب عندكم وعند من سمعه لا عندي ويدل على هذا التأويل ~~قوله: # يرونه بعيدا * ونراه قريبا # [المعارج: 6-7]. # ثم قال تعالى: { إن الله على كل شيء قدير }. # أي: [إن] الله قدير على إقامة الساعة في أقرب من لمح البصر، وعلى ما ~~يشاء لا يمتنع عليه شيء من الأشياء كلها. # ثم قال [تعالى]: { والله أخرجكم من بطون أمهاتكم ~~لا تعلمون شيئا }. # معناه: والله علمكم ما لم تكونوا تعلمون وأنتم في بطون أمهاتكم، ورزقكم ~~عقولا تفهمون بها الأشياء، وتميزون بين الخير والشر، ms1303 وجعل لكم السمع ~~لتسمعوا به أوامر الله، ونواهيه، ومواعظه، فتعلمون وتتعظون. # وهذا يدل على أن الواو لا توجب رتبة لأنه ذكر جعله للسمع والبصر والفؤاد ~~/ بعد الخروج من البطن، وذلك لم يكن إلا في البطن. فالواو لا توجب رتبة، ~~بل ما بعدها يكون قبل ما قبلها. لا يجوز إلا هذا بهذه الآية، ونظيرها ~~كثير في القرآن يدل على أنها لا ترتب ما بعدها بعدما قبلها، بل قد يكون ~~بعده وقبله. ويجوز أن يكون الباقي مبتدأ غير معطوف. والأبصار لتبصروا بها ~~آياته ونعمه فتشكروا وتعلموا أن الله الخالق وحده لا إله إلا هو، ~~والأفئدة ليفهموا بها، وهي القلوب. # { لعلكم تشكرون }. # أي: فعل ذلك بكم لعلكم تشكرون نعمه عليكم. # ثم قال: { ألم يروا إلى الطير مسخرت في جو ~~السمآء }. # أي: ألم ير هؤلاء المشركون إلى الطير، تطير في جو السماء أي: في هواء ~~السماء وهو ما بعد من الأرض وأبعد منه من الأرض السكاك واحدها سكاكة. # { ما يمسكهن إلا الله }. # أي: [ما طيرانهن إلا بالله] وبما أعطاهن من القدرة على ذلك ولو سلبهن ~~القدرة لم يطرن. # { [إن] في ذلك لأيت }. # أي: إن في تسخير الله الطير في الهواء لعلامات على توحيد الله [عز وجل] ~~لقوم يؤمنون بالله [سبحانه]، قال قتادة: في جو السماء، في كبد السماء. ### || [16.80-83] # قوله: { والله جعل لكم من بيوتكم [سكنا] } إلى قوله ~~{ وأكثر[هم] الكافرون }. # [أي]: جعل لكم موضعا تسكنون فيه أيام مقامكم. # وقيل: معناه جعل لكم من بيوتكم ما تسكن إليه أنفسكم من ستر العورة ~~والحرم فتهدأ فيه جوارحكم. # { وجعل لكم من جلود الأنعام } يعني: من جلود الإبل ~~والبقر والغنم { بيوتا } خفافا عليكم تحملونها معكم في أسفاركم وهو: ~~الظعن. وتنتفعون بها في إقامتكم، وهي: البيوت من الأنطاع والشعر والوبر ~~والصوف. # ثم قال: { ومن أصوافها وأوبارها وأشعارهآ أثاثا ~~}. # أي: جعل لكم من هذه الأشياء متاعا. # وواحد الأثاث أثاثة، والأثاث متاع البيت. وقيل: لا واحد له. # وعن ابن عباس: الأثاث: المال. وكذلك قال قتادة. وقيل الأثاث: الثياب. # وهو متاع البيت ms1304 عند أهل اللغة، كالأكسية والفرش، وهو مأخوذ من قولهم: ~~شعر أثيث، إذا كان كثيرا ملتفا. ويقال أث الشعر يئث أثا إذا كثر ~~والتف. وقد أث البيت يئث أثا إذا صار ذا أثاث. فسمي متاع البيت أثاثا ~~لكثرته واجتماعه. والأصواف للضأن، والأوبار للإبل، والأشعار للمعز. # وقوله: { متاعا إلى حين }. # أي: تتمتعون به وتنتفعون إلى آجالكم. # ثم قال تعالى: { والله جعل لكم مما خلق ظلالا }. # يعني: الأشجار والجبال تستظلون بها من الحر والبرد والمطر وقيل: هو ~~السحاب والغمام يظل الناس. # { من الجبال أكنانا }. # أي: جعل لكم من الجبال والسهل، ولكن حذف السهل لدلالة الكلام عليه. { ~~أكنانا } جمع: كن يعني غيرانا يسكن فيها. # { وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر } والبرد وحذف / البرد ~~لدلالة الحر عليه. # [كما قال أريد الخير أيهما يليني # فحذف الشر لدلالة الخير] [عليه]. # والسرابيل جمع سربال. والسربال كل ما لبسته من قميص ودرع وغيره، يعني: ~~من القطن، والكتان والصوف. # { وسرابيل تقيكم بأسكم }. # يعني: الدروع من الحديد. والبأس هنا الحرب. والمعنى في هذا: خلق لكم ما ~~تتخذون منه هذه السرابيل وأقدركم على عمله وألهمكم ذلك. # فهذه كلها نعم من الله ينبه خلقه عليها ليشكروا الله على ذلك ويعلموا ~~أنه المنفرد بخلق ذلك المدبر لمصالح عباده، فلا تجب العبادة إلا له. # وإنما خص الجبال بالذكر لأنهم كانوا أصحاب [جبال] في بلدهم فخوطبوا بما ~~يعرفون. وترك السهول وما فيها أيضا من الأكنان لدلالة الكلام عليه. وخص ~~ذكر الحر: لأن أكثر زمان العرب في أرض الحجاز وما يليها الحر. فخص ذلك ~~لما يعلمون من ضرره عندهم وترك ذكر البرد لدلالة الحر عليه. وخص ذكر ~~الأصواف والأوبار والأشعار لأنهم كانوا أصحاب إبل وغنم ومعز فخوطبوا بما ~~يعقلون. وترك ذكر القطن، والكتان، وغيره، مما يستعمل منه اللباس لدلالة ~~الكلام عليه. ومن هذا قوله # وينزل من السمآء من جبال فيها من برد # [النور: 43] فذكر البرد لأنهم كانوا يعرفونه فخوطبوا بما يعرفون وترك ~~ذكر الثلج وهو أكثر نزولا من البرد لأنهم كانوا يعرفونه في بلادهم. # ثم قال [تعالى] { كذلك ms1305 يتم نعمته [عليكم] لعلكم ~~تسلمون }. # أي: أتم نعمته عليكم في هذه النعم المذكورة لتخضعوا لله بالطاعة. وروي ~~عن ابن عباس أنه قرأ: " تسلمون " بفتح التاء واللام، أي لتسلموا من ~~الحر والجرحات وغيرها. # ثم قال تعالى: { فإن تولوا فإنما عليك البلاغ ~~المبين }. # أي: فإن أدبر هؤلاء المشركون عما أرسلناك [له] يا محمد من الحق فإنما ~~عليك أن تبلغ الرسالة وتبين ما أرسلت له لمن سمعه حتى يفهمه. # ثم قال [تعالى]: { يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها }. # قال السدي: النعمة هنا: محمد [صلى الله عليه وسلم] [يعرفون أنه نبي مرسل ~~وينكرون ذلك. ودل على أنها محمد]. قوله: قبل ذلك: { فإن تولوا ~~فإنما عليك البلاغ المبين } يخاطب محمدا صلى الله عليه ~~وسلم. # وقيل: هي ما عدده الله [عز وجل] في هذه السورة من النعم يعرفون أن الكل ~~من عند الله وهم ينكرون ذلك ويزعمون أنهم ورثوه عن آبائهم، قاله: مجاهد. ~~وقيل: إنكارهم هنا للنعمة، قولهم: لولا فلان ما كان كذا. وقيل معناه: أن ~~الكفار إذا قيل لهم من رزقكم؟ أقروا بأنه الله [عز وجل]، ثم ينكرون ذلك ~~بقولهم: إنما رزقنا ذلك بشفاعة آلهتنا. # ثم قال /: { وأكثرهم الكافرون }. # أي: أكثر قومك يا محمد الجاحدون للنعم ولنبوتك. ### || [16.84-89] # قوله: { ويوم نبعث من كل أمة شهيدا } إلى قوله { ~~وبشرى للمسلمين }. # المعنى: ثم ينكرونها وسينكرونها يوم نبعث من كل أمة شهيدا، أي: شهد ~~عليها بما أجابت به داعي الله [عز وجل] وهو رسولهم الذي أرسل إليهم { ~~ثم لا يؤذن للذين كفروا } يعني: لا يؤذن لهم في ~~الاعتذار، { ولا هم يستعتبون }. أي: ولا يتركون الرجوع إلى ~~الدنيا فيتوبوا ومثله قوله تعالى: # هذا يوم لا ينطقون # [المرسلات: 35] أي: بعذر # ولا يؤذن لهم فيعتذرون # [المرسلات: 36]. # ثم قال: { وإذا رأى الذين ظلموا العذاب فلا يخفف ~~عنهم } أي: إذا عاين الذين كذبوا محمدا [صلى الله عليه وسلم] عذاب ~~الله [عز وجل] فلا ينجيهم منه شيء { ولا هم ينظرون } أي: يؤخرون. # ثم قال تعالى: { وإذا رأى الذين أشركوا شركآءهم }. # أي: إذا رأى المشركون يوم ms1306 القيامة ما كانوا يعبدون من دون الله سبحانه ~~من الآلهة والأوثان { قالوا ربنا هؤلآء شركآؤنا ~~الذين كنا ندعوا من دونك }. أي: هؤلاء آلهتنا الذين عبدنا ~~من دونك حشر الله [عز وجل] معهم أصنامهم وأوثانهم ليوبخهم ويعذبهم بها في ~~النار وسموا شركاءهم لأنهم جعلوا لهم نصيبا من أموالهم وزروعهم ~~وأنعامهم. # وقيل: سموا بذلك على معنى: هؤلاء شركاؤنا في الكفر [بك]، وقيل: إنما ~~سموا بذلك لأنهم أحدثوا عبادتهم، أشركوهم في عبادة الله [سبحانه] فأضيفوا ~~إليهم، إذ هم اخترعوا ذلك، [وقد] قال في موضع آخر: # شركآئي # [الكهف: 52، القصص: 62و74، فصلت: 47] فأضافهم إلى نفسه تعالى عن ذلك على ~~طريق ما فعلوا: أي: شركائي عندكم وفيما زعمتم. # قوله تعالى: { فألقوا إليهم القول }. # أي: ألقت الآلهة إليهم القول، أي: انطلقوا فقالوا: إنكم لكاذبون، ما كنا ~~ندعوكم إلى عبادتنا ولا كنا آلهة. # قال مجاهد { فألقوا إليهم القول }: قالوا لهم، ونظير هذا ~~قوله: # سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا # [مريم: 82]. # وقيل: هم الملائكة الذين عبدوا من دون الله [سبحانه] قالوا للكفار إنكم ~~لكاذبون في عبادتكم إيانا. # ثم قال تعالى: { وألقوا إلى الله يومئذ السلم }. # أي: استسلموا له وذلوا لحكمه فيهم، ولم تغن عنهم آلهتهم شيئا # { وضل عنهم ما كانوا يفترون } وأخطأهم من آلهتهم ما ~~كانوا يأملون من الشفاعة عند الله [عز وجل]. # ثم قال تعالى: { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ~~زدناهم عذابا فوق العذاب }. # أي: الذين كفروا بالله [سبحانه] وبرسوله [صلى الله عليه وسلم] وصدوا عن ~~الإسلام من أراده، زدناهم في جهنم عذابا فوق العذاب الذي هم فيه قبل أن ~~يزادوا. # وقال ابن مسعود: الزيادة عقارب لها أنياب كالنخل الطوال تنهشهم. وروى ~~عنه مرة أنه قال / أفاعي. وعن ابن عمر أنه قال: لجهنم سواحل فيها حيات ~~وعقارب أعناقها كأعناق البخت. وقيل: إنهم يخرجون من حر النار [إلى] برد ~~الزمهرير فيتبادرون من شدة برد[ه إلى النار] أعاذنا الله من ذلك. # وقال السدي: الزيادة عقارب في النار أمثال: البغال، وحيات أمثال: ~~الفيلة. # وروى البراء بن عازب أن النبي صلى الله ms1307 عليه وسلم قال: # " زيدوا عقارب أمثال النخل تنهشهم في جهنم ". # قال مجاهد إن لجهنم جنابا، يعني: جانبا كالساحل، فيها حيات كأمثال ~~أعناق [البخت]، وأنيابا لها كأنياب البغال فيهرب أهل النار من النار إلى ~~جنابها فتشد عليهم العقارب فتأخذ شفاههم فتسقط ما بين الشفر إلى الظفر ~~فما ينجيهم منها إلا الهرب إلى النار. # قال ابن مسعود: إنه ليسمع للهوام بين أطباق جلد الكافر في النار جلبة ~~كما تسمع جلبة الوحش في البر. وإن غلظ جلده أربعون ذراعا بذراع الجبار ~~يعني: الملك. # وروى مجاهد عن ابن عمر أن النبي عليه السلام قال: # " إنهم ليعظمون في النار حتى يصير ما بين شحمة أذن أحدهم إلى عاتقه ~~مسيرة كذا وكذا، وإن جلد أحدهم أربعون ذراعا، وضرسه أعظم من جبل أحد ". # وقوله: { بما كانوا يفسدون }. # أي: يفسدون في الدنيا بصدهم الناس عن الإسلام. # ثم قال [تعالى]: { ويوم نبعث في كل أمة شهيدا }. # أي: [واذكر يا محمد يوم نبعث من كل أمة شهيدا، أي]: نبعث إليهم نبيهم ~~الذي أرسل إليها. ومعنى { من أنفسهم } أي: من قبيلتهم لأنه ~~تعالى أكثر ما أرسل الرسل إلى الأمم من قبيلتها. # ثم قال: { وجئنا بك شهيدا على هؤلآء }. # أي: على أمتك يا محمد الذين أرسلت إليهم { ونزلنا عليك ~~الكتاب } أي: القرآن. # { تبيانا لكل شيء } أي: بيانا للناس لما بهم إليه من ~~الحاجة [من معرفة] الحلال والحرام والثواب والعقاب { وهدى } أي: هدى ~~من الضلالة { ورحمة } أي: ورحمة لمن صدق به وعمل بما فيه { ~~وبشرى للمسلمين } ، أي: وبشارة لمن أطاع الله وخضع له ~~بالتوحيد. ### || [16.90-91] # قوله: { إن الله يأمر بالعدل والإحسان } إلى قوله: { ~~ما تفعلون }. # المعنى: أن الله [عز وجل] يأمر في الكتاب الذي أنزل على محمد [صلى الله ~~عليه وسلم] بالعدل وهو الفرض والإحسان النافلة، وقيل: العدل الإنصاف. ومن ~~الإنصاف الإقرار لمن أنعم علينا بنعمته، والشكر له على أفضاله وإخلاص ~~العبادة له. وكذلك قال بعض المفسرين: العدل هنا شهادة أن لا إله إلا ~~الله. وروي ذلك عن ابن عباس. # وقال ابن عيينة: ms1308 العدل هنا استواء السريرة والعلانية من كل من عمل لله ~~[عز وجل] عملا. # وقوله: { والإحسان } قال ابن عباس هو أداء الفرائض. # وقال ابن عينية الإحسان أن تكون سريرته أفضل من علانيته. # وقوله: { وإيتآء ذي القربى }. # أي: إعطاؤهم الحق الذي أوجبه الله لهم في الفرائض وصلة الرحم. # { وينهى عن الفحشاء }. # أي: عن كل قول وفعل قبيح. وعن ابن عباس الفحشاء هنا الزنى. وقال ابن ~~عيينة الفحشاء والمنكر هنا / أن تكون علانيته أحسن من سريرته. # والمنكر في اللغة: كل ما ينكر من قول أو فعل. # وقوله: { والبغي } قال ابن عباس: البغي: الكبر والظلم. والبغي في ~~اللغة: أشد الفساد. وقيل: البغي التعدي ومجاوزة القدر والحد. # ثم قال تعالى: { يعظكم لعلكم تذكرون } ، أي: يوصيكم ~~لعلكم تذكرون فتنتهوا إلى أمره ونهيه. # قال ابن مسعود: أجمع آية في القرآن لخير وشر آية في النحل { إن ~~الله يأمر بالعدل والإحسان } الآية. # وقال قتادة: ليس من خلق حسن، كان أهل الجاهلية يعملون به ويستحسنونه إلا ~~أمر الله [عز وجل] به وليس من خلق سيىء كانوا يتعايرونه بينهم إلا نهى ~~الله [عز وجل] عنه. # وقيل في قوله: { بالعدل } بألا يعبد إلا الله وحده لا شريك له فهذا ~~هو العدل الحق. { والإحسان } هو أن تعبده كأنك تراه فإن لم تره فإنه ~~يراك. ومن الإحسان أن تحب لولد آدم كلهم ما تحب لنفسك وتكره لهم ما تكره ~~لنفسك، إن كان مؤمنا أحببت له أن يزداد إيمانا، وإن كان كافرا أحببت ~~له أن يؤمن فيكون أخاك في الإسلام. { وإيتآء ذي القربى } صلة ~~الرحم والقرابة بمالك أو بنفسك أو بدعائك له وبشرك في وجهه، { وينهى ~~عن الفحشاء } أي: عن ركوب المعاصي. { والمنكر } هو الشرك ~~بالله { والبغي } هو أن تبغي على أخيك فتظلمه أو تغتابه فتبهته. # ثم قال تعالى: { وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم }. # المعنى: وأوفوا أيها الناس بميثاق الله [عز وجل] إذا أوثقتموه وبعقده ~~إذا عاقدتموه فأوجبتم على أنفسكم حقا لمن عاقدتموه. # { ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها }. # أي: لا تخالفوا الأمر الذي تعاقدتم ms1309 فيه بالإيمان بالله [عز وجل] { ~~بعد توكيدها } ، أي: بعدما شددتم الإيمان فتحنثوا في أيمانكم ~~وتكذبوا فيها وتنقضوها. # { وقد جعلتم الله عليكم كفيلا } أي: جعلتموه كفيلا ~~عليكم في أيمانكم، [فلا تكذبوا فيها ولا تنقضوها]. # وقد قيل: إنها عامة في كل عقد ويمين، وإن الأيمان منسوخة بإجازة الكفارة ~~في المائدة عن اليمين. # وهذه الآية: نزلت فيمن بايع النبي [عليه السلام] على الإسلام لئلا ~~تحملهم قلة من مع محمد [صلى الله عليه وسلم]، وكثرة المشركين على نقض ما ~~عاهدوه عليه من البيعة. # وقال مجاهد: نزلت في الحلف الذي كان بينهم في الجاهلية أمرهم الله [عز ~~وجل] في [الإسلام] أن يوفوا به ولا ينقضوه. # وقال ابن زيد: هؤلاء قوم كانو حلف[اء] لقوم، وقد تحالفوا وأعطى بعضهم ~~بعضا الميثاق، فجاءهم قوم فقالوا: نحن أكثر وأعز وأمنع فانقضوا عهد ~~هؤلاء، فارجعوا إلينا وح[ا]لفونا، ففعلوا، فنهى الله [عز وجل] عن ذلك ~~بهذه الآية وهو قوله: # أن تكون أمة هي أربى من أمة # [النحل: 92]. # ففي الكلم تقديم وتأخير وتقديره: وقد جعلتم الله عليكم كفيلا أن تكون ~~أمة هي أربى من أمة، أي هي أكثر من أجل أن كان هؤلاء أكثر عددا نقضتم ~~العهد فيما بينكم وبين هؤلاء /. # وكذلك قال مجاهد أيضا في رواية أخرى عنه. والكفيل الوكيل. # ثم قال تعالى: { [إن] الله يعلم ما تفعلون }. # [أي: ما تفعلون] في عقودكم وعهودك[م]. ### || [16.92-93] # قوله: { ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها } إلى قوله: { ~~تعملون }. # والمعنى: أن الله [عز وجل] نهى عباده عن نقض الأيمان بعد توكيدها ~~فيكونون كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أي من بعد إحكامه وإبرامه. # روي أن امرأة حمقاء كانت تفعل ذلك بمكة فكانت إذا أبرمت غزلها نقضته. ~~وقيل: هي امرأة يقال لها ريطة بنت سعد كانت تغزل بمغزل كبير فإذا أبرمته ~~وأحكمته أمرت جاريتها فنقضته. وقيل: هي امرأة اسمها حطية كانت بمكة وكان ~~بها وسوسة، وكانت تغزل عند الحجر يومها ثم تغدو فتنقضه، أي: تغزله جوانيا ~~[ثم تنقضه برانيا]. # وقيل: [هو] مثل، ولم يرد امرأة بعينها. والمعنى: ms1310 لا تفعلوا هذا الفعل ~~فتكونوا كامرأة نقضت غزلها بعد أن أحكمته. فلو بلغكم أن امرأة فعلت هذا ~~لقلتم [ما] في الأرض أحمق من هذه. [هذا] معنى قول قتادة. # وقال قتادة: هو مثل ضربه الله [عز وجل] لمن نقض العهد. # ومعنى: { دخلا بينكم } خديعة وغرورا. أي: لا تجعلوا أيمانكم ~~خديعة وغرورا بينكم ليطمئن إليكم وأنتم مصرون على الغدر، وترك الوفاء ~~فتنقضونها ولا توفون بها. # وقال الزجاج: { دخلا } أي: غشا و [غلا]. وهو منصوب لأنه مفعول له. # أي: تتخذون الأيمان للدخل، أي: للغش والخديعة. # والدخل في اللغة [كل] عيب. يقال: هو مدخول أي معيب، وفيه دخل [أي] عيب. # ثم قال: { أن تكون أمة هي أربى من أمة }. # أي: تفعلون الغدر في أيمانكم لأجل كون أمة أكثر من أمة فتنقضون عهد ~~الأ[ول] لقلتهم وتحالفون الأكثر لكثرتهم. # ثم قال تعالى: { إنما يبلوكم الله به }. # أي: إنما يختبركم [الله] بأمره إياكم بالوفاء والعهد بالأيمان ليتبين ~~منكم المطيع المنتهي إلى أمر الله [عز وجل] من العاصي المخالف أمره ~~ونهيه. # ثم قال: { وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم ~~فيه تختلفون }. # أي: وليبين الله لكم يوم القيامة مجازاة كل فريق منكم على عمله في ~~الدنيا. # واختلافهم هنا هو كون هؤلاء مؤمنين وهؤلاء كافرين. فهذا الذي اختلفوا ~~فيه، فيوم القيامة يتبين لهم المصيب من المخطئ. فهو وعيد [لهم] من الله ~~[عز وجل]. # ثم قال [تعالى]: { ولو شآء الله لجعلكم أمة واحدة ~~}. # أي ولو شاء الله للطف بكم بتوفيق من عنده فتصيرون أهل ملة واحدة. ولكنه ~~خالف بينكم فجعلكم أهل ملل شتى، فوفق من يشاء لما يرضيه من الإيمان به ~~وبرسله وكتبه، وخذل من شاء عن ذلك فكفر [به]. # ثم قال: { ولتسألن عما كنتم تعملون }. # أي: تسألون عما عملتم في الدنيا في [ما] أمركم به ونهاكم / عنه. ### || [16.94] # قال: { ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم }. # أي: لا تتخذوا أيمانكم دخلا وخديعة بينكم فت[غرون] بها الناس. # { فتزل قدم بعد ثبوتها }. # فتهلكون بعد أن كنتم من الهلاك آمنين، وهذا [مثل] لكل مبتلى بعد ms1311 عافية ~~أو ساقط في ورطة بعد سلامة. يقولون زلت به قدمه. # ثم قال: { وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل ~~الله }. # أي: وتذوقوا عذاب الله [عز وجل] بصدكم عن سبيل الله، أي: بمنعكم من أراد ~~[عن] الإيمان { ولكم عذاب عظيم } أي: في الآخرة. ### || [16.95] # قال: { ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا }. # أي: لا تنقضوا عهودكم بعرض من عرض الدنيا وهو قليل: أنه لا بقاء له، إن ~~الذي عند الله من الثواب في الآخرة لمن وفى بعهده { هو خير لكم ~~إن كنتم تعلمون } فضل ما بين العوضين. ### || [16.96-100] # قوله: { ما عندكم ينفد وما عند الله باق } إلى قوله { ~~والذين هم به مشركون }. # والمعنى: ما عندكم أيها الناس مما تأخذونه على نقض الأيمان والعهود ~~يفنى، وما عند الله باق لمن أوفى بعهده. # ثم قال: { ولنجزين الذين صبروا }. # أي: وليثيبن الذين صبروا على الطاعة في السراء والضراء بأحسن ما كانوا ~~يعملون من الأعمال دون أسوئها. # ثم قال: { من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو ~~مؤمن فلنحيينه حياة طيبة }. # [أي]: من عمل بطاعة الله [عز وجل] وهو مصدق بثواب الله [عز وجل] وعقابه ~~[جلت عظمته] فلنحيينه حياة طيبة: قال ابن عباس: الحياة الطيبة، الرزق ~~الحلال في الدنيا، وكذلك قال الضحاك. وقال علي بن أبي طالب [رضي الله ~~عنه]: هي القناعة في الدنيا. وعن الضحاك أنها أن يحيي مؤمنا عاملا ~~بطاعة الله. وعن ابن عباس أيضا: أنها السعادة. وقال الحسن: هي الجنة ولا ~~تطيب لأحد حياة دون الجنة، وهو قول قتادة ومجاهد. # وقوله بعد ذلك: { ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما ~~كانوا يعملون } يدل على [أن] الحياة الطيبة في الدنيا هي، لأنه ~~أخبر بما يفعل بهم في الدنيا ثم أعقبه بما يفعل بهم [في] الآخرة. ومعناه: ~~لنجزينهم أجرهم في الآخرة بأحسن عملهم في الدنيا لا بأسوئه. # وروي: أن هذه الآية: نزلت بسبب قوم من أهل ملل شتى تفاخروا، فقال أهل كل ~~ملة نحن أفضل، فبين الله [عز وجل] فضل هذه الملل بهذه الآية، وروى ذلك ~~أبو صالح. ms1312 # ثم قال تعالى: { فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله ~~من الشيطان الرجيم }. # معناه: إذا أردت يا محمد قراءة القرآن فاستعذ بالله. ومثله: إذا أكلت ~~فقل بسم الله. أي إذا أردت الأكل. فحذف هذا لعلم السامع بمعناه. ومثله: # إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم # [المائدة: 6] / الآية. أي: إذا أردتم القيام إليها. لأن الوضوء إنما ~~يكون قبل الصلاة لا بعدها. # ثم قال تعالى: { إنه ليس له سلطان على الذين ~~آمنوا }. # أي: ليس له حجة على المؤمنين المتوكلين على الله [عز وجل] في مهم أمورهم ~~المتعوذين به من الشيطان. # { إنما سلطانه على الذين يتولونه }. # أي إنما حجته على الذين يعبدونه ويطيعونه { والذين هم به ~~مشركون } ، أي: [هم] بالله مشركون قاله مجاهد. وقيل: الهاء للشيطان ~~أي: { والذين هم به مشركون } أي: [أ]شركوه في أعمالهم. وقيل ~~معناه: والذين هم من أجله مشركون. قال سفيان: ليس له سلطان على أن يحمل ~~المؤمن على ذنب لا يغفر. وقيل: الاستعاذة بالله تمنع الشيطان من أذى ~~المؤمن. وقيل: إن قوله: { ليس له سلطان على الذين ~~آمنوا } هو قوله: # إلا عبادك منهم المخلصين # [الحجر: 40] فهؤلاء لم: يجعل للشيطان عليهم سبيلا. ### || [16.101-105] # قوله: { وإذا بدلنآ آية مكان آية } إلى قوله: { ~~وأولئك هم الكاذبون }. # المعنى عند مجاهد: وإذا رفعنا آية وأنزلنا أخرى. وعنه [أيضا]: وإذا ~~رفعنا آية فنسخناها وأثبتنا غيرها. وقال قتادة وهو قوله: # ما ننسخ من آية أو ننسها # [البقرة: 106]. وقيل معناه: وإذا بدلنا حكم آية بحكم آية أخرى { ~~والله أعلم بما ينزل } مما هو أصلح لخلقه. قال المشركون ~~لك يا محمد { إنمآ أنت مفتر } أي: متخرص الكذب على الله { بل ~~أكثرهم لا يعلمون } حقيقة ذلك لجهالتهم. # ثم قال: { قل نزله روح القدس من ربك بالحق }. # أي: قل لهم يا محمد: نزل هذا القرآن ناسخه ومنسوخه جبريل [صلى الله ~~عليه وسلم] من عند الله { بالحق ليثبت الذين آمنوا } ~~أي: ليقوي إيمانهم ويتضاعف تصديقهم إذا آمنوا بناسخه ومنسوخه. # { وهدى } من الضلالة { وبشرى للمسلمين } وبشرى للذين ~~استسلموا لأمر الله [عز وجل] ونهيه وما أنزله ms1313 في كتابه. # ثم قال [تعالى]: { ولقد نعلم أنهم يقولون إنما ~~يعلمه بشر }. # أي: ولقد نعلم يا محمد أن هؤلاء المشركين يقولون جهلا منهم إنما يعلم ~~محمدا هذا الذي يتلو علينا بشر من بني آدم وما هو من عند الله. فقال ~~الله مكذبا لهم: { لسان الذي يلحدون إليه أعجمي ~~}. أي لسان الذي يميلون إليه أنه يعلم محمدا [صلى الله عليه وسلم] أعجمي ~~{ وهذا لسان عربي مبين } لأنهم زعموا أن الذي يعلم ~~محمدا عبد رومي. # قال ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم فتى بمكة، وكان ~~اسمه بلعام، وكان أعجمي اللسان فلما رأى المشركون النبي صلى الله عليه ~~وسلم، يدخل عليه ويخرج، قالوا [له] إنما يعلمه بلعام، فأنزل الله [عز ~~وجل] الآية. # وقيل: كان اسمه يعيش، [قال عكرمة: كان النبي عليه السلام يقرئ غلاما ~~لبني المغيرة اسمه يعيش] أعجميا، فقال / المشركون إنه يعلم محمدا. ~~وقيل: هو [عبد] لبني الحضرمي يقال له يعيش. وقيل: كان اسمه جبرا. كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يجلس عنده عند المروة. فقال ~~المشركون هو يعلم محمدا [صلى الله عليه وسلم] ما يتلو علينا، وكان جبر ~~أعجمي اللسان، فاحتج الله عليهم أنه أعجمي وأن القرآن عربي والعجمي، لا ~~يعلم العربي. # وقيل: كانا غلامين اسم أحدهما جبر، والآخر يسار يقرآن التوراة وكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يجلس إليهما. فقال كفار قريش إنما يجلس إليهما ~~يتعلم منهما. وقال الضحاك: هو سلمان الفارسي. # وروي أن الذي قال هذا رجل كاتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ارتد عن ~~الإسلام وكان يملي عليه النبي صلى الله عليه وسلم: { سميع عليم } ~~أو { عزيز حكيم } أو غير ذلك من خواتم الآي، ويشتغل النبي عليه ~~السلام فيبدل هو في موضع سميع عليم وعزيز حكيم ويقوله للنبي صلى الله ~~عليه وسلم، فيقول له النبي عليه السلام، أي ذلك كتبت فهو كذلك ففتنه ذلك. # وقال [إن] محمدا يكل ذلك إلي وأكتب ما شئت فارتد. وقال للمشركين أنا ~~أفطن الناس بمحمد ms1314 والله ما يعلمه إلا عبد بني فلان. فنزلت الآية في كذبه ~~لهم. # ثم قال تعالى: { إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا ~~يهديهم الله ولهم عذاب أليم }. # أي: إن الذين يجحدون بآيات الله لا يوفقهم الله لإصابة الحق ولهم في ~~الآخرة عذاب مؤلم. # { إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات ~~الله } أي: الذين يجحدون آياته، ويفتري بمعنى يتخرص. # وقال بعض أهل المعاني إنما أعاد الكاذبين، و [قد] تقدم الإخبار عنهم ~~بالكذب لأن الثاني صفة، والصفة ألزم من الخبر، لأن من نعت بصفة فهي لازمة ~~له، ومن أخبر عنه بخبر فقد يحول عنه. فأعاد ذكر الكذب لأنه ألزم في أكثر ~~الأحوال من الخبر. وهذا الذي قال إنما يلزم إذا كانت الصفة صفة ذات فهي ~~لا تتغير كالأحمر والأسود. ويتغير الخبر بالأفعال. وإذا كانت الصفة صفة ~~فعل فهي تتغير أيضا كتغيير الخبر بالفعل. والصفة في هذه صفة فعل لا صفة ~~ذات، فلا يلزم قوله، ولا يستقيم، ولكن أعيد ذكر الكذب عنهم للتأكيد. ### || [16.106-107] # قوله: { من كفر بالله من بعد إيمانه } إلى قوله: { ~~الله لا يهدي القوم الكافرين }. # هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر [ووالده ياسر] وأمه سمية وخباب بن ~~الأرت، وسلمة بن هشام، والوليد بن الوليد، وعياش بن أبي ربيعة والمقداد ~~بن الأسود وقوم أسلموا ففتنهم المشركون عن دينهم فثبت على الإسلام بعضهم ~~وافتتن بعضهم. فمن ابتداء { ولكن من شرح } ابتداء [أيضا]، ~~وخبرهما { فعليهم }. # وقيل: { من كفر } في موضع [رفع] على / البدل من " الكاذبين ". وفيه ~~بعد. # وقال ابن عباس وقتادة: نزلت في عمار بن ياسر، قال قتادة: أخذه بنو ~~المغيرة فغطوه في بئر ميمون، وقالوا: أكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~فتابعهم على ذلك وقلبه كاره موقن بأن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ~~وأن محمدا عبده ورسوله جاء بالحق من عنده، فأنزل الله [عز وجل] { إلا ~~من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان }. # وقوله: { ولكن من شرح بالكفر صدرا }. # أي: من كفر على اختيار منه واستحباب { فعليهم غضب من ~~الله ms1315 } ، قال عكرمة نزلت الآية في قوم أسلموا بمكة ولم يمكنهم الخروج، ~~فلما كان يوم بدر أخرجهم المشركون فقتلوا وفيهم نزلت # إلا المستضعفين من الرجال والنسآء # [النساء: 98] الآيتين. # [وقيل إنهم كانوا بمكة لا يقدرون على الخروج فلما نزلت: # إلا المستضعفين من الرجال والنسآء # [النساء: 98] الآيتين]، كتب بها المسلمون الذين بالمدينة إلى إخوانهم ~~الذين بمكة يخبرونهم بما نزل فيهم فلما وصل إليهم الكتاب، خرج ناس كانوا ~~أقروا بالإسلام فطلبهم المشركون فأدركوهم فرجعوا وأعطوهم الفتنة، قولا ~~دون اعتقاد. فأنزل الله [عز وجل] فيهم: # ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذآ أوذي في ~~الله جعل فتنة الناس كعذاب الله # [العنكبوت: 10]، وأنزل فيهم { إلا من أكره وقلبه ~~مطمئن بالإيمان } ، وأنزل فيهم: # إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا # [النحل: 110] الآية فسمع ذلك رجل من بني بكر كان مريضا، فقال لأهله: ~~أخرجوني إلى الروح، يعني المدينة. فأخرجوه فمات قبل الليل، فأنزل الله ~~[عز وجل]: # ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ~~ثم يدركه الموت # [النساء: 100] الآية. # قال مجاهد: أول من أظهر الإسلام سبعة: رسول الله [صلى الله عليه وسلم]، ~~وأبو بكر الصديق وبلال وخباب وصهيب، وعمار، وسمية أم عمار. فأما رسول ~~الله عليه السلام فمنعه أبو طالب، وأما أبو بكر فمنعه قومه، وأخذ الآخرون ~~فألبسوهم أدراع الحديد، وصهروهم في الشمس، فبلغ منهم الجهد ما شاء الله ~~أن يبلغ من حر الحديد والشمس، فلما كان من العشاء أتاهم أبو جهل ومعه ~~حربة، فجعل يسبهم ويوبخهم، ثم أتى سمية فطعن بالحربة في فرجها، فقتلها. ~~فهي أول شهيد استشهد في الإسلام. # قال: وقال الآخرون ما سألوهم، إلا بلالا فإنه هانت عليه نفسه، فجعلوا ~~يعذبونه وهو يقول: أحد أحد، حتى ملوه، ثم كتفوه، وجعلوا في عنقه حبلا من ~~ليف، ودفعوه إلى صبيانهم يلعبون به بين أخشبي مكة، حتى ملوه فتركوه. فقال ~~عمار: كلنا قد تكلم بالذي قالوا له، فلولا أن الله تداركنا - غير بلال - ~~فإنه هانت عليه نفسه في الله [عز وجل] فهان على قومه حتى تركوه، وملوه، ms1316 ~~فنزلت هذه الآية في هؤلاء. # قال ابن عباس: والله إن كانوا ليضربون أحدهم ويخنقونه ويعطشونه ويجوعونه ~~/ حتى [ما] يقدر أن يستوي جالسا من شدة الضر الذي به حتى أنه ليعطيهم ما ~~سألوا من الفتنة التي رمي بها، وحتى يقولوا له: اللات والعزى إلهك من دون ~~الله؟ فيقول: نعم. وحتى أن الجعل ليمر بهم فيقولون: هذا الجعل إلهك من ~~دون الله؟ فيقول: نعم، افتداء منهم لما يبلغون من جهده فنزلت فيهم: { من ~~كفر بالله من بعد إيمانه } الآية. # و [قيل] معنى { من شرح بالكفر صدرا } ، أي: قبله وانفسح له ~~صدره. # ثم قال: { ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا ~~على الآخرة } أي: وجب العذاب لهم لاختيارهم زينة الحياة الدنيا على ~~الآخرة { وأن الله لا يهدي القوم الكافرين } أي: لا ~~يوفقهم بجحودهم آيات الله وتوحيده، وعبادتهم غيره. ### || [16.108-112] # قوله: { أولئك الذين طبع الله على قلوبهم ~~وسمعهم وأبصارهم } إلى قوله: { بما كانوا يصنعون ~~}. # معناه: أولئك الذين تقدمت صفتهم، هم الذين طبع الله على قلوبهم، أي: ختم ~~عليها بطابعه فلا يؤمنون ولا يهتدون، وأصم أسماعهم، فلا يسمعون داعي الله ~~[عز وجل] سماع قبول، وأعمى أبصارهم، فلا يبصرون بصر مهتد معتبر. { ~~وأولئك هم الغافلون } أي: هم الساهون عما أعد الله [عز ~~وجل] لأمثالهم من أهل الكفر وعما يراد بهم. # ثم قال: { لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون }. # قال الطبري: لا جرم معناه لا بد أنهم في الآخرة هم الهالكون الذين غبنوا ~~أنفسهم حظوظها. # ثم قال تعالى: { ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ~~ما فتنوا }. # أي: هاجروا إلى المدينة وتركوا ديارهم وأموالهم، أي من بعدما عذبوا على ~~الإسلام بمكة ثم جاهدوا المشركين في الله [عز وجل] مع نبيه [صلى الله ~~عليه وسلم] وصبروا في الجهاد، وعلى طاعة الله [عز وجل] إن ربك من بعد ذلك ~~أي: من بعد الفعلة التي فعلوها { لغفور } أي لساتر على ذنوبهم { ~~رحيم } بهم. وقد تقدم الكلام فيمن نزلت هذه الآيات. # ومن قرأ { فتنوا } بالفتح، وهي قراءة ابن عامر، فمعناه: عذبوا غيرهم ms1317 ~~على الإيمان ثم آمنوا هم من بعدما فعلوا ذلك بالمؤمنين، إن ربك من بعد ~~الفعلة التي فعلوها ساتر لذنوبهم، رحيم بهم. # قال ابن عباس وقتادة: نزلت في قوم خرجوا إلى المدينة فأدركهم المشركون ~~ففتنوهم فكفروا مكرهين. # وقال الحسن وعكرمة: نزلت في شأن ابن أبي سرح: فتنه المشركون فكفر، ~~فنزلت: # من كفر بالله من بعد إيمانه # [النحل: 106]. [الآية، ثم استثنى إلا من أكره] ثم نسخ واستثنى بقوله: { ~~ثم إن ربك للذين هاجروا } الآية، وهو عبد الله بن أبي ~~سرح كان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم فلحق بالمشركين، وأمر به النبي ~~[صلى الله عليه وسلم] يوم فتح مكة، بأن يقتل فاستجار له عمر فأجاره رسول ~~الله / صلى الله عليه وسلم. # ثم قال: { يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها }. # يوم منصوب برحيم. وقيل انتصب على إضمار: [و] اذكر { يوم تأتي ~~[كل نفس تجادل عن نفسها] }. # ومعنى الآية: أن الله أعلمنا أن كل إنسان [منهم] يوم القيامة منشغل ~~بنفسه، بطلب خلاصها. وروي أن كعبا قال لعمر [رضي الله عنه]: تزفر جهنم ~~يوم القيامة زفرة، فلا يبقى ملك مقرب، ولا نبي مرسل، إلا جثا على ركبتيه، ~~يقول: يا رب نفسي، حتى أن إبراهيم، خليل الرحمن، ليجثو على ركبتيه. ~~ويقول: لا أسألك إلا نفسي، ثم قال كعب: إن هذا لفي كتاب الله، ثم تلى: { ~~يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها } الآية. # وقوله: { وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة ~~مطمئنة }. # أي: ضرب الله مثلا، مثل قرية، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. ~~وقوله: { آمنة مطمئنة } خبر بعد خبر. و { رغدا } مصدر في ~~موضع الحال. # والمعنى: [و] مثل الله مثلا لمكة التي سكنها أهل شرك. والقرية مكة، في ~~قول: ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد. وعن حفصة أم المؤمنين [رضي الله ~~عنها]: هي المدينة، والأول أشهر. # قال ابن شهاب: الغاسق إذا وقب: الشمس إذا غربت. والقرية التي أرسل إليهم ~~اثنتان انطاكية، والقرية التي بحاضرة البحر، طبرية. والقرية التي كانت ~~آمنة مطمئنة هي يثرب. # وقوله: ms1318 { كانت آمنة } أي: لا يخاف فيها أحد، لأن العرب كانت يسبي ~~بعضها بعضا، وأهل مكة لا يغار عليهم ولا يحاربوا في بلدهم. # ومعنى { مطمئنة }: قارة بأهلها لا ينتجع أهلها من البلدان كما ~~ينتجع أهل البوادي. # { يأتيها رزقها رغدا } أي: يأتي أهلها معائشهم واسعة كثيرة { ~~من كل مكان } من البلدان. # ومعنى: { فكفرت بأنعم الله } أي: كفر أهلها بأنعم الله. ~~وواحد الأنعم على مذهب سيبويه نعمة. وقال قطرب: واحدها نعم [مثل] ود ~~وأود، وقال بعض الكوفيين: وأحدها نعماء [كبأ]ساء وأبؤس وضراء ~~و[أ]ضر. # { فأذاقها الله }. # أي: أذاق أهلها { لباس الجوع } أي: أذاقهم جوعا خالط أجسامهم ~~فجعل ذلك لمخالطته لأجسادهم بمنزلة اللباس لها، وذلك أنه سلط عليهم الجوع ~~سبع سنين متواليات حتى أكلوا العلهز. والعلهز أن تؤخذ الحلمة ~~فتفقأ على الوبر حتى يبتل بدمها، ثم يغلى ويؤكل. ويروى: أنهم أكلوا ~~لحوم الكلاب. وأصل الذوق بالفم ولكنه استعمل هنا للابتلاء والاختبار. # وقوله: { والخوف }. [هو] ما كان يلحقهم من سرايا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وجيوشه كانت تطيف بهم. # وقوله: { بما كانوا يصنعون }. # أي: بكفرهم وجحدهم للنعم. # وإنما قال: { بما كانوا يصنعون } ولم يقل: بما كانت تصنع لأنه ~~رده على المعنى. لأن معنى ذكر / القرية في الآية: يراد به أهلها. فرجع " ~~يصنعون " على المعنى: [و] مثله قوله # وكم من قرية أهلكناها فجآءها بأسنا بياتا أو ~~هم قآئلون # [الأعراف: 4]. فرجع، آخر الكلام إلى الأهل، وقد جرى أوله على الأخبار عن ~~القرية والمراد بها أهلها. وهذا هو قوله في السجدة: # ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب ~~الأكبر # [السجدة: 21] فالعذاب الأدنى [هو الجوع] والأكبر ما حل بهم يوم بدر من ~~القتل والأسر. وهو أيضا قوله: # فارتقب يوم تأتي السمآء بدخان مبين # [الدخان: 10] وهو الجوع، كان الرجل يرى بينه وبين السماء دخانا من شدة ~~الجوع. ### || [16.113-122] # قوله: { ولقد جآءهم رسول منهم فكذبوه } إلى قوله: ~~{ لمن الصالحين }. # أي: ولقد جاء أهل هذه القرية، يعني مكة، { رسول منهم } أي: من ~~أنفسهم يعرفونه ويعرفون نسبه وصدق لهجته فدعاهم إلى الحق { فكذبوه ~~فأخذهم ms1319 العذاب } وهو: لباس الجوع والخوف، وقتلهم يوم بدر ~~بالسيف { وهم ظالمون } أي: مشركون. # ثم قال [تعالى]: { فكلوا مما رزقكم الله حللا ~~طيبا }. # أي: فكلوا من الأنعام التي رزقكم الله حلالا، أي: مذكاة على اسم الله ~~ولا تحرموها كما حرمت العرب الوصائل والسوائب والحامي وغير ذلك { ~~واشكروا نعمت الله } أي: واشكروه على ما خلق لكم من ذلك، وما ~~أحل لكم من أكله على غيره من النعم { إن كنتم إياه تعبدون ~~} أي: تطيعون. # وقيل: إنما عني بقوله: { فكلوا مما رزقكم الله } الآية: ~~المشركين وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لحقته رقة في أيام القحط فوجه ~~إليهم طعاما يرتفقون به، فأمرهم الله بأكله وبالشكر عليه إن كانوا ~~يعبدون الله. # والقول الأول: [أولى] لأن بعده: { إنما حرم عليكم ~~الميتة } وهذا إنما هو مخاطبة للمؤمنين بلا اختلاف. # ثم قال تعالى: { إنما حرم عليكم الميتة والدم ~~ولحم الخنزير }. # أي: إنما حرم عليكم ما مات من النعم حتف أنفه، والدم السائل وهو ~~المسفوح، ولحم الخنزير { ومآ أهل لغير الله به } أي: ما ~~ذبح للأنصاب وسمي عليه غير الله، فمن اضطر إلى شيء من ذلك في مخمصة وهي: ~~المجاعة. حل له. # وقوله: { غير باغ ولا عاد }. # أي: باغ في أكله، { ولا عاد } أي: لا يتعدى حلالا إلى حرام، وهو ~~يجد عنه مندوحة. { فإن الله غفور [رحيم] } أي: ساتر عليه ~~ذنبه فلا يؤاخذه رحيم به أن يعاقبه على ذلك، وقد تقدم تفسير { غير ~~باغ ولا عاد } في البقرة بأبين من هذا. # ثم قال [تعالى]: { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم ~~الكذب هذا حلال وهذا حرام }. # قرأ الحسن والأعرج وطلحة وأبو معمر: " الكذب " بالخفض على أنه نعت ~~لما، أو بدل منه. ومن نصب جعله مفعولا بتصف. وقرأ بعض أهل الشام: " ~~الكذب " بضم الكاف والذال والباء، نعت للألسنة، جمع كذوب، مثل: شكور، ~~وشكر. # ومعنى الآية: ولا تقولوا لوصف ألسنتكم الكذب فيما رزق الله عباده من ~~المطاعم، هذا حلال وهذا حرام لكي تفتروا على الله الكذب فإنه لم يحرم من ~~ذلك كثيرا ms1320 مما تحرمون ولا أحل كثيرا مما تحلون. وذلك أن اليهود ~~والمشركين أحلوا الميتة فقال المشركون: # ما في بطون هذه الأنعم خالصة لذكورنا ~~ومحرم على أزوجنا وإن يكن ميتة فهم فيه ~~شركآء # [الأنعام: 139] يأكله الرجال والنساء. # ثم قال: { إن الذين يفترون على الله الكذب }. # أي: يتخرصونه ويختلقونه { لا يفلحون } أي: لا يخلدون في الدنيا ~~ولا يبقون فيها. # { متاع قليل } أي: الذي هم فيه من هذه الدنيا متاع قليل. # ثم قال: { وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا ~~عليك من قبل }. # أي: وحرمنا يا محمد على اليهود ما قد أنبأناك به في سورة الأنعام. وهي: ~~كل ذي ظفر والشحوم. قاله: عكرمة والحسن وقتادة. # وقوله: { وما ظلمناهم }. # [أي: وما ظلمناهم] بتحريمنا ذلك [عليهم] { ولكن كانوا ~~أنفسهم يظلمون }. # ثم قال تعالى: { ثم إن ربك للذين عملوا السوء ~~بجهالة } ، أي: للذين عصوا الله [سبحانه] فجهلوا ثم راجعوا طاعة ~~الله [عز وجل] والندم على ما عملوا والاستغفار منه { وأصلحوا } ~~أي: عملوا ما يجب عليهم. { إن ربك من بعدها } أي: من بعد ~~ذنوبهم لهم " غفور رحيم ". # ثم قال: { إن إبراهيم كان أمة قانتا لله }. # أي: [كان] معلم [خير] يأتم به أهل الهدى. قال مجاهد كان أمة على حدة. ~~وروي عنه أنه قال: كان مؤمنا وحده والناس كلهم كفار. قال ابن مسعود: " ~~الأمة " معلم الخير. ورواه مالك عن ابن مسعود أن[ه] قال: " الأمة " ~~الذي يعلم الناس الخير، " والقانت " المطيع لله عز وجل ولرسوله صلى الله ~~عليه وسلم، " والحنيف " المخلص. قال مالك: وذكر عبد الله بن مسعود معاذ ~~بن جبل فقال: يرحم [الله] معاذا لقد كان أمة قانتا لله [عز وجل] ~~حنيفا. # وأصل القنوت الطاعة. فكان إبراهيم عليه السلام قائما لله عز وجل بحقه ~~صغيرا وكبيرا. نصح له فكسر الأصنام، وباين قومه بالعداوة، وأخلص لله ~~[عز وجل] ودعا إلى عبادته، ولم تأخذه في الله لومة لائم، فأعطاه الله عز ~~وجل ألا يبعث نبيا من بعده إلا من ذريته. وأعطاه الله عز وجل ألا يسافر ~~في جميع الأرض فتخطر سارة على ms1321 قلبه إلا هتك الله ما بينه وبينها من الحجب ~~حتى يراها ما تصنع. وكان صلى الله عليه وسلم أول من اختتن، وأقام مناسك ~~الحج، وضحى، وعمل بالسنن، نحو: قص الشارب والأظفار ونتف الإبط وحلق العنة ~~وشبهه. # و " الحنيف ": الحاج في قول الضحاك، وعن ابن عباس: " الحنيف " المسلم. ~~ويدل عليه قوله: # وما كان من المشركين # [النحل: 123] وقيل حنيفا على دين الإسلام. # { ولم يك من المشركين * شاكرا لأنعمه } أي: مخلصا ~~بشكر الله [عز وجل] فيما أنعم عليه " واجتباه [واختاره] واصطفاه لخلته { ~~وهداه إلى صراط مستقيم } أي: ارشده إلى الطريق المستقيم ~~وذلك دين الإسلام. # ثم قال تعالى: { وآتيناه في الدنيا حسنة }. # أي: ذكر[ا] جميلا حسنا باقيا على الأيام { وإنه في الآخرة ~~لمن الصالحين } أي: أنه في الآخرة لمن صلح أمره وشأنه عند الله ~~[عز وجل] وحسنت منزلته. # وقيل: معناه، وأنه في ثواب الآخرة / لمن الصالحين لأن الآخرة ليست بدار ~~عمل إنما هي دار جزاء. # فالمعنى: أنه وإن أعطي أجره في الدنيا، فإنه في الآخرة على مثل ثواب ~~الصالحين، لا ينقصه من ثوابه شيء لأجل إيتائه أجره في الدنيا. # وقيل في الآية: تقديم وتأخير، والتقدير: وآتيناه أجره في الدنيا والآخرة ~~وإنه لمن الصالحين. [و] في هذا القول: بعد، لأن ما بعد [إن] لا يقوى بها ~~التقديم وما بعد: " إن " منتظر [لما] لم يكن، وما قبلها قد كان ووقع فلا ~~يدخل أحدهما في الآخر. # وقيل المعنى: وأنه في أجر الآخرة والعمل لها لمن الصالحين. وهذا: قول ~~صالح حسن. # قال مجاهد: الحسنة هنا لسان صدق. وقال قتادة: الحسنة أنه ليس أهل دين ~~ألا يتولاه ويرضاه. ### || [16.123-125] # قوله: { ثم أوحينآ إليك أن اتبع ملة إبراهيم ~~} إلى قوله: { وهو أعلم بالمهتدين }. # أي: أوحينا إليك يا محمد بأن تتبع دين إبراهيم مائلا عن كل الأديان إلا ~~عنه. # ثم قال [تعالى]: { إنما جعل السبت على الذين ~~اختلفوا فيه }. # [أي: إنما فرض تعظيم السبت على الذين اختلفوا فيه]. # فقال بعضهم: هو أفضل الأيام، لأن الله فرغ من خلق الأشياء يوم الجمعة، ms1322 ~~ثم سبت يوم السبت، وقال آخرون: أفضل الأيام [يوم] الأحد، لأنه [ال]يوم ~~الذي ابتدأ فيه خلق الأشياء. واختلفوا في تعظيم غير ما فرض عليهم تعظيمه ~~ثم استحلوه. # قال مجاهد: جعل السبت على الذين اختلفوا فيه فاتبعوه وتركوا يوم الجمعة. ~~وقال قتادة: " اختلفوا فيه ": استحله بعضهم وحرمه بعضهم، وهو قول: ابن ~~جبير. # وقال ابن زيد: كانوا يطلبون يوم الجمعة فأخطؤوه وأخذوا يوم السبت [فجعل ~~عليهم، وقيل: إنهم ألزموا يوم الجمعة عيدا فخالفوا، وقالوا: نريد يوم ~~السبت] لأنه يوم فرغ الله فيه من خلق السماوات. # وروي: أن عيسى [بن مريم] عليه السلام أمر النصارى أن يتخذوا يوم الجمعة ~~عيدا فقالوا لا يكون عيدنا إلا بعد عيد اليهود فجعلوه الأحد. ويروى أن ~~موسى عليه السلام قال لبني إسرائيل: تفرغوا لله في سبعة أيام في يوم ~~تعبدونه ولا تعملون فيه شيئا من أمور الدنيا، فاختاروا السبت فأمرهم ~~موسى [صلى الله عليه وسلم] بالجمعة فأبوا إلا السبت، فجعله الله [عز وجل] ~~عليهم. # ثم قال: { وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة ~~فيما كانوا فيه يختلفون }. # أي: من هذه الأيام وفي استحلالهم للسبت. # ثم قال تعالى: { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة ~~والموعظة الحسنة }. # أي: ادع يا محمد من أرسلت إليه إلى طاعة الله [عز وجل] والإقرار له ~~بوحدانيته. # و " الحكمة " هنا: كتاب الله [سبحانه]. و " الموعظة الحسنة ": العبر ~~التي هي حجة عليهم مما ذكرهم به من الآيات في كتابه. # { وجدلهم بالتي هي أحسن } أي: جادلهم بالمجادلة التي هي ~~أحسن من غيرها، وهي الصفح عنهم. # وقال الزجاج: " الحكمة " هنا: النبوة / و " الموعظة ": القرآن. { ~~وجدلهم بالتي هي أحسن } غير فظ ولا غليظ القلب، أي: ألن ~~لهم جناحك، وهي منسوخة عند جماعة من العلماء نسخها الأمر بالقتال. # وقيل: هي محكمة غير منسوخة، ومعناه: الانتهاء إلى ما أمر الله [عز وجل] ~~به، وهذا لا ينسخ. # ثم قال: { إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله }. # أي: بما حاد عن طريق الهدى من المختلفين في السبت وغيره. # { وهو أعلم بالمهتدين } أي: بمن ms1323 يسلك الطريق المستقيم. ### || [16.126-128] # قوله: { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ~~} إلى آخر السورة. # المعنى: وإن ظفرتم أيها المؤمنون بالمشركين فافعلوا بهم مثل ما فعلوا ~~بكم # { ولئن صبرتم } عن عقوبتهم وأحسنتم [واحتسبتم] عند الله [عز ~~وجل] ما نالكم منهم للصبر خير للصابرين. # وهذه الآيات الثلاث: نزلن بالمدينة دون سائر السورة. نزلت حين أقسم ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ليمثلن بالمشركين إن ظفروا بهم كما فعل ~~المشركون بحمزة وغير[ه] يوم أحد من التمثيل [بهم. وروي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم # " لما بلغه ما فعلوا بحمزة من التمثيل]. # قال: " لئن ظهرنا عليهم لنمثلن بثلاثين رجلا منهم " # فلما سمع ذلك المسلمون قالوا: والله لئن أظهرنا الله عليهم لنمثلن بهم ~~مثلة لم يمثلها أحد من العرب فأمرهم الله [عز وجل] أن يفعلوا بهم مثل ما ~~فعلوا، ولا يتجاوزوا إلى أكثر، ثم أعلمهم أن الصبر وترك الانتقام بالمثلة ~~خير وأحسن. # وقيل: إنها منسوخة بقوله: { واصبر وما صبرك إلا بالله ~~} # وقيل: هي منسوخة بالقتال والأمر به، وإنما كان هذا خبر أمر الله [عز ~~وجل] نبيه [صلى الله عليه وسلم] ألا يقاتل إلا من قاتله لقوله: # وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا ~~تعتدوا # [البقرة: 190] أي: تقاتلوا من لم يقاتلكم. فقال المسلمون إن قاتلونا ~~وأظهرنا الله عز وجل عليهم لنمثلن بهم فنسخ ذلك في براءة بقوله # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة: 5] وهذا القول: مروي عن ابن عباس. # ومن قال: إن هذه الآية محكمة، قال: عني بقوله { واصبر وما ~~صبرك إلا بالله } نبي الله [عز وجل] وحده ثم نسخ ذلك بالأمر ~~بالقتال في براءة وهو قول ابن زيد. # وعن ابن سيرين والنخعي وسفيان: إن الآية عامة معناها من ظلم بظلامة فلا ~~يحل [له] أن يأخذ من ظالمه أكثر مما ناله منه ولا يتجاوز إلى أكثر من ~~حقه. # وروى أبو هريرة: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف على حمزة بن عبد المطلب حيث استشهد ~~فنظر إلى شيء لم ينظر قط إلى شيء كان أوجع منه ms1324 لقلبه ونظر إليه، قد مثل ~~به، فقال: رحمة الله عليك، فإنك كنت ما علمتك، فعولا للخيرات، وصولا ~~للرحم، ولولا حزن من بعدك لسرني أن أدعك حتى تحشر من أفواه شتى. أما ~~والله، مع ذلك، لأمثلن بسبعين منهم. فنزل جبريل [والنبي صلى الله / ~~عليهما] واقف بخواتم النحل ". # { وإن عاقبتم [فعاقبوا] } الآية. فصبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وكفر عن يمينه، ولم يمثل بأحد. # ثم قال تعالى: { واصبر وما صبرك إلا بالله }. # أي: اصبر يا محمد على أذى من أذاك، وما صبرك إذا صبرت إلا بمعونة الله ~~[لك] وتوفيقه إياك لذلك. # { ولا تحزن عليهم } أي: على هؤلاء المشركين الذين يكذبون ~~ويمثلون بالمسلمين. { ولا تك في ضيق مما يمكرون } أي: ~~لا يضيق صدرك من قولهم فيما جئتهم به أنه سحر، وأنه شعر، والمكر الخديعة. ~~{ إن الله مع الذين اتقوا } [أي: الذين اتقوا] محارمه { ~~والذين هم محسنون } أي: الذين احسنوا فيما فرض الله عليهم. ### | [17 - سورة الإسراء] ### || [17.1] # قوله: { سبحان الذى أسرى بعبده ليلا } إلى قوله: { ~~السميع البصير }. # " سبحان " عند الخليل وسيبويه منصوب على المصدر، إلا أنه لا ينصرف لأنه ~~معرفة في آخر[ه] زائدتان. وحكى سيبويه: أن من العرب من ينكره فيصرفه. # وقال أبو عبيدة: هو منصوب على النداء. # وقال بعضهم. هو موضوع موضع المصدر فنصب لوقوعه موقعه، فهو موضع تسبيح. # والتسبيح: يكون [بمعنى الصلاة، ومنه قوله تعالى في يونس: # فلولا أنه كان من المسبحين # [الصافات: 143] أي: من المصلين. # وفي لغة لبعض أهل [اليمن]، يستعملونه في معنى الاستثناء، ومنه قوله: # ألم أقل لكم لولا تسبحون # [القلم: 28] أي: تستثنون إذا أقسمتم # ليصرمنها مصبحين # [القلم: 17] ولم يستثنوا. فإنما ذكر[هم] بتركهم الاستثناء. # ويستعمل في معنى النور. ومنه حديث النبي صلى الله عليه وسلم: # " لولا ذلك لأحرقت سبحات وجهه... " # ، أي نور وجهه. # ومعنى " سبحان الله ": براءة الله من السوء. كذلك فسره النبي صلى الله ~~عليه وسلم حين سئل عن معنى التسبيح. # وروي عنه أنه # " سئل عن معنى سبحان [الله]، فقال: تنزيه لله من كل سوء " # وسئل عنها علي ms1325 [رضي الله عنه] فقال: هي كلمة رضيها الله لنفسه. وعنه ~~أيضا أنه قال: هي كلمة أحبها الله ورضيها لنفسه فأحب أن تقال. # ومعنى المسجد الحرام [أي]: المسجد الممنوع من الصيد فيه، لأن الحرم ~~ممنع. والحرم كله مسجد. # عن أم هانئ أنها قالت: ما أسري برسول الله [صلى الله عليه وسلم] إلا وهو ~~[في بيتي]. # وقيل: إنما أسري به من المسجد. عن قتادة عن أنس بن مالك، عن مالك بن ~~صعصعة [وهو رجل من قومه، قال: قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: # " بينا [أنا] عند البيت بين النائم واليقظان، إذ سمعت قائلا يقول أحد ~~الثلاثة: فأوتيت بطست من ذهب فيه ماء زمزم، قال: فشرح صدري فاستخرج قلبي ~~فغسل بماء زمزم [ثم] أعيد مكانه ثم خشى إيمانا وحكمة، ثم أتيت بدابة ~~بيضاء يقال لها البراق، فوق الحمار ودون البغل، يضع خطوه أقصى طرفه، ~~فحملت عليه. ثم انطلقنا حتى / [أ]تيت السماء الدنيا " # ثم ذكر الحديث بطوله # قال ابن شهاب، أخبرني ابن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن، # " أن النبي صلى الله عليه وسلم أسري به على البراق وهي دابة إبراهيم ~~خليل الرحمن التي كان يزور عليها البيت الحرام يقع حافرها موقع طرفها. ~~قال: فمرت بعير من عيرات قريش بواد من تلك الأودية فنفرت العير، حتى أتى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إيلياء فأتي بقدحين: # قدح خمر، وقدح لبن، فأخذ رسول الله [صلى الله عليه وسلم] قدح اللبن، ~~فقال له جبريل [صلى الله عليه وسلم]: هديت إلى الفطرة لو أخذت قدح الخمر ~~[ل]غوت أمتك. [و] قال ابن شهاب: فأخبرني ابن المسيب أن رسول الله [صلى ~~الله عليه وسلم] لقي هنالك إبراهيم وموسى وعيسى، فنعتهم رسول الله [صلى ~~الله عليه وسلم]. فقال: أما موسى فضرب، رجل الرأس كأنه من رجال شنوءة. ~~وأما عيسى [فهو] فهو رجل أحمر كأنه خرج من ديماس وأشبه من رأيت به عروة ~~بن مسعود الثقفي. وأما إبراهيم فإنه أشبه ولده به. # فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ms1326 حدث قريشا أنه أسري به، قال ~~عبد الله: فارتد ناس كثير بعدما أسلموا، فأتى أبو بكر الصديق [رضي الله ~~عنه] فقيل له: صاحبكم يزعم أنه أسري به إلى بيت المقدس ثم رجع في ليلة ~~واحدة. قال أبو بكر: [أ]و قال ذلك؟ قالوا: نعم. قال: فاشهد[وا] إن كان ~~كان قال ذلك لقد صدق. قالوا: أفتشهد أنه جاء الشام في ليلة واحدة؟ فقال ~~إني أصدقه بأبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء. قال أبو سلمة: سمعت جابر بن ~~عبد الله يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول::لما كذبتني قريش ~~قمت فمثل الله لي بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه ". # وقال أبو العالية: # " جاء جبريل [إلى النبي] صلى الله عليه وسلم ومعه ميكائيل فقال جبريل ~~لميكائيل إيتني بطست من ماء زمزم كيما أطهر قلبه وأشرح له صدره. فشق عن ~~بطنه فغسله ثلاث مرات، واختلف إليه ميكائيل بثلاث طسس من ماء زمزم فشرح ~~صدره، ونزع ما كان فيه من غل، وملاه حلما وإيمانا وعلما ويقينا ~~وإسلاما، وختم بين كتفيه بخاتم النبوءة، ثم أتاه بدابة فحمل عليه، كل ~~خطوة [منها] منتهى بصره، فسار وسار معه جبريل. فأتى على قوم يزرعون في ~~يوم ويحصدون في يوم، كلما حصدوا عاد [كما كان] فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: ما هذا؟ قال: هؤلاء المجاهدون في سبيل الله، تضاعف لهم الحسنة بسبع ~~مائة ضعف، وما أنفقوا من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين. ثم أتى على قوم ~~ترضخ رؤوسهم بالصخر كلما أرضخت عادت كما كانت لا يفتر عنهم من ذلك شيء ~~فقال من هؤلاء يا جبريل؟ [فقال] هؤلاء الذين تتثاقل رؤوسهم عن الصلاة ~~المكتوبة. ثم أتى على قوم على إقبالهم رقاع وعلى إدبارهم رقاع، يسرحون ~~كما تسرح الإبل والغنم ويأكلون الضريع / والزقوم، ورضف جهنم، وحجارتها، ~~فقال: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين لا يؤدون صدقات أموالهم وما ~~ظلمهم الله شيئا وما الله بظلام للعبيد. ثم أتى على قوم بين أيديهم لحم ~~نضيج في قدر، ms1327 ولحم نيء في قدر خبيث، فجعلوا يأكلون من النيء الخبيث ~~ويدعون النضيج الطيب، فقال: من هؤلاء يا جبريل؟ [قال]: هذا الرجل من أمتك ~~تكون عنده المرأة الحلال الطيب فيأتي امرأة خبيثة فيبيت عندها حتى يصبح، ~~والمرأة تكون عند الرجل [الطيب] فتأتي رجلا خبيثا فتبيت معه حتى تصبح، ~~قال: ثم أتى على خشبة من الطريق لا يمر بها ثوب إلا شقته ولا شيء إلا ~~حرقته فقال: ما هذا يا جبريل؟ فقال: هذا مثل أقوام من أمتك يقعدون على ~~الطريق فيقطعونه ثم تلا { ولا تقعدوا بكل صراط توعدون ~~}. ثم أتى على رجل قد جمع حزمة عظيمة لا يستطيع حملها وهو يزيد عليها، ~~قال من هذا يا جبريل؟ قال: هذا الرجل من أمتك تكون عليه آمانات الناس لا ~~يقدر على أدائها وهو يريد أن يزيد عليها. ثم أتى على قوم تقرض ألسنتهم ~~وشفاههم بمقاريض من حديد كلما قرضت عادت لا يفتر عنهم من ذلك شيء، قال: ~~من هؤلاء [يا جبريل؟ قال: هؤلاء] خطباء الفتنة. ثم أتى على جحر صغير يخرج ~~منه ثور عظيم فجعل الثور يريد أن يرجع من حيث خرج فلا يستطيع، قال: ما ~~هذا يا جبريل؟ قال: هذا الرجل يتكلم بالكلمة العظيمة ثم يندم عليها فلا ~~يستطيع أن يردها. ثم أتى على واد فوجد ريحا طيبة باردة، وريح المسك وسمع ~~صوتا. فقال: يا جبريل ما هذه الريح الطيبة الباردة وريح المسك؟ وما هذا ~~الصوت؟ فقال: هذا صوت الجنة تقول: يا رب ايتني ما وعدتني فقد كثر زخرفي، ~~واستبرقي، وحريري، وسندسي، وعبقريي، ولؤلؤي [ومرجاني]، وفضتي، وذهبي، ~~وأكوابي، وصحافي، وأباريقي، وفواكهي، وعسلي، ولبني، وخمري فأين ما ~~وعدتني؟ فقال: لك كل مسلم ومسلمة ومؤمن ومؤمنة ومن آمن بي وبرسلي وعمل ~~صالحا ولم يشرك بي، ولم يتخذ من دوني أندادا، ومن خشيني فهو آمن، ومن ~~سألني أعطيته، ومن أقرضني جزيته، ومن توكل علي كفيته، إني أنا الله لا ~~إله إلا أنا لا أخلف الميعاد، وقد أفلح المؤمنون، وتبارك الله أحسن ~~الخالقين. قالت: قد رضيت. ثم ms1328 أتى على واد فسمع صوتا منكرا ووجد ريحا ~~منتنة فقال: ما هذا يا جبريل؟ وما هذا الصوت؟ فقال: هذا صوت جهنم، تقول: ~~يا رب، ايتني ما وعدتني، فقد كثرت سلاسلي وأغلالي وسعيري وحميمي وضريعي ~~وغساقي وعذابي. [وقد] بعد قعري، واشتد حري، فأتني ما وعدتني، فقال لها: ~~لك كل مشرك ومشركة، وكافر وكافرة، وكل خبيث وخبيثة، وكل جبار / لا يؤمن ~~بيوم الحساب، قالت: قد رضيت " # ثم أتى بحديث الإسراء بطوله، وفيه اختلاف بين الرواة. فمذهب من قدمنا ~~ذكره أن النبي صلى الله عليه وسلم [أسرى] بجسمه وعليه أكثر الناس. # وروي عن معاوية بن أبي سفيان أنه قال: كانت رؤيا من الله صادقة: وروي ~~ذلك عن عائشة أيضا [رضي الله عنها]. واستدل الحسن على صحة ذلك بقوله # وما جعلنا الرءيا التي أريناك إلا فتنة ~~للناس # [الإسراء: 60] فالوحي يأتي للأنبياء في [النوم] وفي اليقظة ودليل ذلك ~~قول إبراهيم [صلى الله عليه وسلم]: # إني أرى في المنام أني [أذبحك] # [الصافات: 102] ثم مضى لذلك ليفعل ما أمر به في النوم. # والاختيار عند أهل النظر: أن يكون أسرى الله [عز وجل] بجسمه وليست برؤيا ~~في المنام. والدليل على صحة ذلك: أنها لو كانت رؤيا رآها في منامه لم يكن ~~في ذلك دليل ولا حجة على نبوته، لأن كل إنسان يرى أنه ببلد بعيد وهو في ~~بلد آخر. فقد يرى الإنسان أنه في الصين و [هو]. بقانة، وبينهما سيرة نحو ~~السنتين وأكثر. وقد قال الله [تعالى]: { أسرى بعبده } ولم يقل: ~~بروح عبده، فلا يتعدى ما قاله الله [عز وجل] إلى غيره إلا بدليل قاطع. # وقوله: { إلى المسجد الأقصا } يعني مسجد بيت المقدس. # وقوله: { باركنا حوله }. # أي: جعلنا حوله البركة لسكانه في معايشهم وكثرة ثمارهم وطيبها. وقيل ~~معناه: أن الأنبياء من بني إسرائيل بعد موسى كلهم كانوا ببيت المقدس ~~فمعنى البركة فيه أنه طهر من الشرك وبوعد منه وخص بالأنبياء. # وقوله: { لنريه من آياتنآ }. # أي: أسري بمحمد [صلى الله عليه وسلم] لكي يرى من آيات الله [عز وجل] ms1329 ~~وعجائبه [سبحانه] وذلك ما رآه [في] طريقه مما ذكرنا بعضه. وروي: أن أهل ~~مكة قالوا للنبي عليه السلام: إن لنا في طريق الشام إبلا، فأخبرنا خبرها ~~ومتى تقدم. فأخبرهم أنها تقدم عليهم في يوم سماه لهم مع شروق الشمس، وأنه ~~فقد منها جمل أورق فخرجوا في ذلك اليوم فقال أحدهم: هذه الشمس قد أشرقت ~~وقال: هذه الإبل قد [أقبلت]. # وقوله: { إنه هو السميع البصير } معناه السميع لما يقول ~~هؤلاء المشركون من تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وغير ذلك. البصير بما ~~يعملون. لا يخفى عليه شيء من ذلك. وكسرت " إن " في قوله: " إنه " لأن ~~معنى الكلام: قل يا محمد سبحان الذي أسرى بعبده، وقل [يا محمد] إنه هو. # ويروى: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أعلم قريشا بالإسراء كذبوه، وقالوا ~~له: نسألك عن عير لنا، هل رأيتها في الطريق؟ فقال: نعم. فقالوا: أين؟ ~~قال: مررت على عير بني فلان بالرواح، قد أضلوا ناقة لهم، وهم في طلبها. ~~فمررت على [ر]حالهم وليس بها منهم أحد. فوجدت في إناء من آنيتهم ماء ~~فشربته / فسلوهم إذا رجعوا هل وجدوا الماء [في] الإناء أم لا؟ فقالوا: ~~هذه آية. قال: ومررت على عير بني فلان فنفرت مني الإبل فانكسر منها جمل ~~أحمر عليه أبناء فلان. فقالوا: هذه آية أخرى. [قال ومررت على عير بني ~~فلان] بالتنعيم حين انشق الفجر. قالوا: فإن كنت صادقا، فإنها تقدم الآن. ~~قال أجل. قالوا: فحدثنا بعدتها، وأحمالها، ومن فيها. قال: كنت مشغولا ~~عنها. فمثل ذلك لرسول الله [صلى الله عليه وسلم] فقال هي منحدرة من ~~الثنية يقدمها جمل أورق عدتها كذا وكذا، وأحمالها كذا وكذا، فيها فلان ~~وفلان، يسمي الرهط الذين فيها، وخرج رهط من قريش يسعون إلى الثنية فإذا ~~هم بها حين انحدرت على ما [وصفها] لهم [النبي] صلى الله عليه وسلم ". # وأخبار الإسراء كثيرة مختلفة الألفاظ، منها المطول، ومنها المختصر، ~~والمعاني متقاربة، فاقتصرنا على ما ذكرنا اختصارا. ### || [17.2-3] # قوله: { وآتينآ موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني ~~إسرائيل } إلى ms1330 قوله: { عبدا شكورا }. # ذرية نصب على النداء، أو على البدل من وكيل، لأنه بمعنى الجميع، وعلى ~~أنه مفعول ثان ليتخذوا. أو على إضمار أعني. هذا كله على قراءة من قرأ ~~[يتخذ[وا] بالياء. فأما من قرأ بالتاء، فذرية نصب على النداء أو على ~~البدل من وكيل وفيه بعد في المعنى. # والمعنى: سبحان الذي أسرى بعبده وأتى موسى الكتاب وهو التوراة. لكنه خرج ~~من الغيبة إلى الأخبار وذلك كثير في القرآن وفي كلام العرب. # وقوله: { وجعلناه هدى [لبني إسرائيل] }. # [أي]: بيانا لهم ودليلا إلى الحق لئلا يتخذوا من دوني شريكا. وقيل: ~~وكيل رب. وقيل: كفيل. وقيل: وكيلا كافيا. وقيل معناه: لئلا يتخذوا من ~~دوني ربا. # وعني بالذرية هنا جميع من احتج عليهم بهذا القول من جميع الأمم لأن من ~~على وجه الأرض من جميع بني آدم كلهم ذرية من أنجى الله [عز وجل] في ~~السفينة مع نوح [صلى الله عليه وسلم]. # وهو نوح وثلاثة بنون وامرأته وثلاث نسوة لبنيه. وبنوه هم سام وحام ~~ويافث. أما سام فأبو العرب وأما حام فأبو الحبش وأما يافث فأبو الروم. ~~وقد تقدم ذكر هذا بأوعب من هذا البيان. # ثم قال تعالى: { إنه كان عبدا شكورا }. # يعني: نوحا [صلى الله عليه وسلم]. قال سلمان الفارسي: إنما سمي نوحا ~~عبدا شكورا، لأنه كان إذا لبس ثوبا حمد الله، وإذا أكل طعاما حمد ~~الله، وهو قول مجاهد. # وقيل: إنه كان يقول إذا أكل [طعاما] الحمد لله الذي أطعمني ولو شاء ~~أجاعني. وإذا شرب قال: الحمد لله الذي سقاني ولو شاء أظمأني. وإذا لبس ~~ثوبا قال: الحمد لله الذي أكساني، ولو شاء أعراني. وإذا لبس نعلا، قال: ~~الحمد لله الذي حذاني ولو شاء أحفاني. وإذا قضى حاجته قال: الحمد لله ~~الذي أخرج عني الأذى ولو شاء لحبسه. # وقيل: سمي " شكورا " / لأنه كان يقول: إذا خرج البراز منه: الحمد لله ~~الذي سوغنيك طيبا وأخرج مني أذاك وأبقى منفعتك. # وقيل: سمي بذلك لأنه كان إذا لبس ثوبا جديدا قال: الحمد لله، وإذا ms1331 ~~أخلقه قال الحمد لله. وقال القرظي: كان [يقول] إذا أكل أو شرب أو ركب ~~دابة أو لبس ثوبا [ال]حمد لله. و [روي] عن سلمان أيضا مثله. # فالحمد لله والشكر له والإقرار له بالحمد على نعمه يعني: بالشكر. وروي ~~عن بعض الصحابة أو بعض التابعين أنه قال: لو جمع نعم الدنيا كلها في قشرة ~~بيضة ثم لحسه مؤمن، وقال الحمد لله لأدى شكر[ه] ذلك. # وروى مالك عن سهل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة [أنه] قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا مرض العبد، يعني: المؤمن بعث الله [عز وجل] إليه ملكين فيقول: ~~انظرا ما يقول لعواده. فإن هو إذا دخلوا عليه حمدا لله رفعوا ذلك إلى ~~الله [عز وجل]، وهو أعلم، فيقول الله عز وجل: لعبدي، إن أنا توفيته، أن ~~ادخله الجنة، وإن أنا شفيته، أن أبدله لحما خيرا من لحمه، ودما خيرا ~~من دمه، وأن أكفر عنه سيئاته ". # وروى مالك عن أبي الزناد، عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم يرويه عن ربه [عز وجل قال]: # " إذا ابتليت عبدي [بلاء] فصبر أبدلته لحما خيرا من لحمه ودما خيرا ~~من دمه وإن أنا قبضته في علته تلك قبضته إلى رحمتي وكرامتي ". ### || [17.4-6] # قوله: { وقضينآ إلى بني إسرائيل في الكتاب } إلى ~~قوله: { أكثر نفيرا }. # معنى القضاء في اللغة: أحكام الشيء والفراغ منه. فمعنى الآية: وفرغ ربك ~~إلى بني إسرائيل فيما أنزل من كتابه إلى موسى [صلى الله عليه وسلم] إنكم ~~يا بني إسرائيل تعصون الله وتخ[ا]لفون أمره وتستكبرون عليه استكبارا ~~شديدا مرة بعد مرة. قال ابن عباس وابن زيد: { وقضينآ [إلى ~~بني] إسرائيل } أعلمناهم بذلك في كتابهم. # وقيل: معناه: إن ذلك سبق في أم الكتاب عليهم أنهم يفسدون ويخالفون أمر ~~الله [سبحانه] ويستكبرون في الأرض مرتين. قاله قتادة. # وروي [ذلك] أيضا عن ابن عباس قال: [قضاء] قضاه الله [عز وجل] على القوم ~~كما تسمعون. قال مجاهد: دخلت على ابن عباس فقلت: إن على ms1332 الباب رجل يقول ~~في القدر. فقال: ادخلوه علي. فقلت ما تريد به؟ قال: اقرءوا عليه قول ~~الله: { وقضينآ إلى بني إسرائيل في الكتاب ~~لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا ~~} قال فقضى عليهم ليفسدن في الأرض مرتين وليعلن علوا كبيرا قبل أن ~~يخلقهم، فقضى عليهم ما علم أنهم عاملون، وكتبه عليهم ففعلوه. # قال ابن عباس وابن مسعود: كان إفساد بني إسرائيل [في الأرض] في أول مرة ~~قتل زكرياء [صلى الله عليه وسلم] فبعث الله [عز وجل] عليهم ملك ~~[ال]نبط. فبعث إليهم الجنود من أهل فارس، فهم أولوا بأس شديد. / فتحصنت ~~بنو إسرائيل وخرج فيهم بختنصر يتيما مسكينا، خرج يستطع[م] وتلطف حتى ~~دخل المدينة. فأتى مجالسهم فسمعهم يقولون: لو علم عدونا ما قذف في قلوبنا ~~من الرعب بذنوبنا ما أرادوا قتالنا، فخرج بختنصر حين سمع ذلك منهم واشتد ~~القيام على الجيش فرجعوا فذلك قوله: { فإذا جآء وعد أولاهما ~~بعثنا عليكم عبادا لنآ أولي بأس شديد } الآية: ~~ثم إن بني إسرائيل تجهزوا فغزوا النبط فأصابوا منهم فاستنفدوا ما في ~~أيديهم، فذلك قوله: { ثم رددنا لكم الكرة عليهم } ~~الآية. و " نفيرا " معناه عددا. # وقال ابن زيد: كان إفسادهم الأول قتل زكرياء، والثاني قتل يحيى. فسلط ~~الله عليهم سابور ذا الاكتاف، وهو ملك من ملوك فارس، في قتل زكرياء، وسلط ~~عليهم بختنصر في قتل يحيى. # وقال قتادة: بعث عليهم أول مرة جالوت والثانية بختنصر. # ومعنى قوله: { فإذا جآء وعد أولاهما } أي: أول المرتين ~~اللتين قضينا إلى بني إسرائيل، أي أو[ل]. الفسادين. # وقوله: { فجاسوا خلال الديار }. # أي: ترددوا بين الدور والمساكن وذهبوا وجاءوا. # وقال ابن عباس: " جاسوا " مشوا. وقال الزجاج: الجوس طلب الشيء باستقصاء. ~~فمعناه: طلبوا هل يجدون أحدا. # وقال بعض أهل اللغة: معنى " جاسوا " قتلوا. # وقوله: { وكان وعدا مفعولا }. # أي: كان جوس القوم خلال ديار بني إسرائيل وعدا من الله [عز وجل]، لا ~~يخلف. # قال ابن عباس وقتادة: أتاهم في المرة الأولى جالوت فجاس خلال ديار بني ~~إسرائيل وضرب عليهم الخراج والذل. فسألوا الله ms1333 [عز وجل] أن يبعث إليهم ~~ملكا يقاتلون في سبيل الله. فبعث الله طالوت. فقاتلوا جالوت، فنصره ~~الله، وقتل جالوت، على يدي داوود ورد الله [عز وجل] إلى بني إسرائيل ~~ملكهم. # وعن مجاهد أنه قال: جاءهم بختنصر في أول مرة من جهة فارس فهزمهم بنو ~~إسرائيل، ثم رجعوا ثانية فقتلوا بني إسرائيل ودمر[و]هم تدميرا، وجلوهم ~~عن بيت المقدس فلم يصلوا إلى دخوله سبعين سنة. # وروي عن مجاهد أنه قال: إنما جاءهم في أول مرة قوم من أهل فارس معهم ~~بختنصر يتجسسون أخبارهم ثم رجعت فارس وقد وعى بختنصر أخبارهم دون أصحابه، ~~ولم يكن قتال. # وقيل: إنما جاءهم في المرة الأولى، أي: بختنصر ومن معه من جبابرة فارس، ~~بعثه الله نقمة لهم حين أفسدوا وقتلوا يحيى بن زكرياء. ويروى: أن يحيى ~~كان قد قال لهم: إياكم أن يقع من دمي شيء في الأرض فتهلك بنو إسرائيل. ~~فذبحوه واحتفظوا بدمه، فجعلوه في طست من ذهب. فوقعت منه نقطة في الأرض / ~~فما زالت تفور وتغلي حتى هجم عليهم بختنصر. # فيروى: أنه ذبح على ذلك الدم سبعين ألفا من بني إسرائيل، فهدأ الدم. ~~وسبى بني إسرائيل حتى سبى أبناءهم وخرج بهم إلى أرض العراق. # ويروى: أن الفساد الثاني الذي ارتكب بنو إسرائيل هو قتلهم زكرياء ويحيى ~~عليهم السلام بعد أن أقاموا في الدعة والسلامة عشرين ومائتي سنة. فأرسل ~~عليهم من قتلهم وسباهم، وحرق بيت المقدس وأخرجه. فلم يزل الذين ظهروا ~~عليهم ببيت المقدس حتى فتحه الله عز وجل في زمان عمر رضي الله عنه وفيه ~~الروم فقتلوا وأخرجوا منه إلى الآن لا يدخلونه إلا مستخفين. # وقوله: { ثم رددنا لكم الكرة عليهم }. # قال السدي: هي ما نصر الله عز وجل بني إسرائيل، إذ غزوا النبط، فأصابوا ~~منهم واستنقدوا ما في أيديهم. # وقيل: هو إطلاق الملك الذي غزاهم [ما في يديه من] أسراهم ورد ما كان ~~أصاب من أموالهم من غير قتال، سخره الله عز وجل لذلك فهو رد الكرة لبني ~~إسرائيل. # وقيل: هي نصر الله عز ms1334 وجل إياهم على جالوت حتى قتلوه. # وقوله: { وجعلناكم أكثر نفيرا }. # أي: عدد[ا]، وذلك في أيام داود. ### || [17.7-8] # وقوله: { إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم } إلى قوله: { ~~للكافرين حصيرا }. # المعنى: أن الله أخبرنا عما قال لبني إسرائيل في التوراة لنتأسى بذلك # { إن أحسنتم } ، يا بني إسرائيل أي: [إن] أطعتم الله فيما أمركم ~~به على نعمه عندكم إذا دلكم من عدوكم { أحسنتم لأنفسكم } أي: ~~ما فعلتم من ذلك لأنفسكم تفعلوه، وعليكم يعود نفعه. { وإن أسأتم ~~} أي: عصيتم الله [عز وجل] { فلها } أي: فإلى أنفسكم تسيئون. لأن ضرره ~~عليكم يعود. # وقيل: معنى { فلها } أي: إليها. كما قال: # أوحى لها # [الزلزلة: 5] أي: إليها. أي: فإلى أنفسكم يعود الضرر. وقيل: اللام على ~~بابها [على معنى] فلها يكون العقاب على الإساء. # ثم قال تعالى: { فإذا جآء وعد الآخرة ليسوءوا ~~وجوهكم }. # والمعنى: فإذا جاء الفساد الثاني من فسادكم يا بني إسرائيل، وهو قتلهم ~~يحيى على ما ذكرنا { بعثنا عليكم } أي: خلينا بينكم وبينهم، ولم ~~نمنعهم منكم. فبعث الله عليهم بختنصر فقتل المقاتلة وسبى الذراري وأخذ ما ~~وجد من الأموال ودخلوا بين المقدس. وهو قوله: { وليدخلوا ~~[المسجد] كما دخلوه أول مرة } فتبروه وخربوه وألقوا ~~فيه الجيف والعذرة. وقيل: [ليسوءا] معناه: أمرناهم بغزوكم بما عصيتم ~~وأفسدتم. # { ليسوءوا وجوهكم } [أي]: ليسوء المبعوثون عليكم وجوهكم. # ومن قرأ بفتح الهمزة، فمعنى: " ليسوء " الوعد بسوء الله. أو ليسوء ~~العذاب. ومن قرأ بالنون فهو على الأخبار عن الله جل ذكره. # وقوله: { وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة ~~}. # أي: كما دخلوه في الانتقام / منكم في فسادكم الأول. # وقوله: { وليتبروا ما علوا تتبيرا }. # قال قتادة معناه: ما علوا عليه. وقيل معناه: ويتبروا ما داموا عالين. # وحقيقة أن ما، وما بعدها في موضع نصب على الظرف. والتقدير: وليتبروا وقت ~~غلبتهم. والتتبير التدمير. # وقوله: { ما علوا } عند الزجاج [ما] في موضع الحال. أي: وليدمروا ~~في حال علوهم. # ثم قال تعالى: { عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم ~~عدنا }. # المعنى: لعل ربكم يا بني إسرائيل أن يرحمكم بعد انتقامه منكم بالقوم ~~الذين ms1335 يبعثهم عليكم. و { عسى } من الله واجبة وقد فعل بهم ذلك فكثر ~~عددهم وجعل منهم الملوك والأنبياء. # ثم قال: { وإن عدتم عدنا }. # أي: [و]إن عدتم [ل]مخالفة أمري، وقتل أنبيائي عدنا عليكم بالقتل ~~والسباء والذلة والصغار. فعادوا، فعاد الله عليهم بذلك. إذ بعث محمدا ~~صلى الله عليه وسلم. قال ابن عباس: عادوا فعاد، ثم عادوا فعاد. فسلط الله ~~عليهم ثلاثة ملوك فارس. وعنه: عادوا فسلط الله عليهم المؤمنين. # وقال قتادة: عادوا فسلط الله عليهم محمدا [صلى الله عليه وسلم] يعطونه ~~الجزية عن يد وهم صاغرون. # وقال الضحاك: الرحمة هنا بعث محمد صلى الله عليه وسلم. # وقال الأخفش: المعنى: عسى ربكم أن يرحمكم إن فعلتم ذلك. # ثم قال: { وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا }. # أي: سجنا يسجنون فيها. قاله قتادة وغيره. وقال ابن عباس: { حصيرا } ~~مأوى. وقال الحسن: { حصيرا } بساطا ومهادا كما قال: # لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش # [الأعراف: 41]. # ويقال للملك: { حصيرا } بمعنى محصورا لأنه محجوب عن الناس. ويقال ~~للبخيل: حصورا وحصيرا لمنعه ما عنده، ومنه الحصر في المنطق لأنه يمتنع ~~عليه الكلام. ومنه الحصور عن النساء لامتناع الجماع عليه، ومنه الحصر في ~~الغائط إذا احتبس عليه. وقيل للحصير المنسوج حصيرا، لأنه حصرت جوانبه ~~عن أن تنفلت. وقيل: لأنه حصرت طاق[ا]ته بعضها من بعض. ### || [17.9-12] # قوله: { إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم } ~~إلى [قوله]: { فصلناه تفصيلا }. # المعنى: أن هذا القرآن يا محمد يرشد من اهتدى به للحال التي هي أقوم ~~الحالات أي: أصوبها. وذلك دين الله [سبحانه] المستقيم وتوحيده [جلت ~~عظمته] والإيمان بكتبه ورسله وهو مع هدايته يبشر المؤمنين العاملين ~~الأعمال الصالحة أن لهم أجرا كبيرا وهو الجنة /. # وكل شيء في القرآن أجر كريم وأجر كبير ورزق كريم فهو الجنة. وقيل: ~~المعنى: ويبشر [الله] المؤمنين بذلك. قال مقاتل وغيره: التي هي أقوم ~~شهادة أن لا إله إلا الله. وقيل معناه يهدي للخصال التي هي أصوب مما أمر ~~الله [عز وجل]، ودعا إليه ووعد عليه العطاء الجزيل والثواب العظيم وعلى ~~هذا أكثر ms1336 المفسرين. ولا إله إلا الله أصل الخصال الحسنة وأعظم ما دعا ~~الله إليه عباده وندبهم إلى اعتقاده فهي العروة الوثقى والكلمة المنجية ~~من العذاب. # ثم قال [تعالى]: { وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة }. # أي: لا يصدقون بها أعددنا لمقدمهم على ربهم عذابا أليما، أي: مؤلم ~~وموجع، وذلك عذاب جهنم [أعاذنا الله منها]. # ثم قال: { ويدع الإنسان بالشر دعآءه بالخير }. # المعنى: ويدع الإنسان على نفسه وولده وماله بالشر دعاء مثل دعائ[ه] ~~ربه [عز وجل] بالخير. أي: يسأل أن يهلك نفسه وولده وماله إذا غضب كما ~~يسأل أن يحييه ويحيي ولده ويثمر ماله إذا رضي، فلو استجاب له في الشر كما ~~يستجيب له في الخير لأهلكه. # ثم قال: { وكان الإنسان عجولا }. # أي: يعجل على نفسه بالدعاء، ولا يعجل الله [عز وجل] عليه بالإجابة. وروي ~~أنها نزلت في النضر بن الحارث [بن] علقمة كان يدعو ويقول: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم # [الأنفال: 32]. وكان يدعو على نفسه بالشر كما يدعو [لها] بالخير. { ~~وكان الإنسان عجولا } أي: عجلة النضر بالدعاء على نفسه، كعجلة ~~آدم حين نهض [قبل] أن يجري فيه كله. # وقال ابن عباس: لما نفخ الله [عز وجل] في آدم من روحه فدارت النفخة من ~~قبل رأسه، فجعل لا يجري منها شيء في جسده إلا صار لحما [ودما]. فلما ~~انتهت النفخة إلى سرته نظر إلى جسده [فأعجبه] ما رأى من حسنه فذهب لينهض ~~فلم يقدر فهو قوله: { وكان الإنسان عجولا } فالإنسان هنا في ~~موضع الناس. وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم دفع إلى سودة بنت زمعة ~~أسيرا، فجعل يئن من الليل. فقالت له: ما بالك تئن؟ فشكى إليها ألم القد. ~~فأرخت كتافه. فلما نامت أخرج يده وهرب. فلما أصبح النبي [صلى الله عليه ~~وسلم] دعا به، فأعلم شأنه. # فقال: اللهم اقطع يدها، فرفعت سودة يدها تتوقع الاستجابة، أن يقطع الله ~~يدها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إني سألت [الله] أن يجعل ms1337 لعنتي ~~ودعائي على من لا يستحق من أهلي رحمة، لأني بشر أغضب كما يغضب البشر، ~~فلترد سودة يدها # ثم قال تعالى: { وجعلنا اليل والنهار آيتين ~~فمحونآ آية اليل }. # معناه: أن الله [عز وجل] عرف عباده نعمه عليهم، / فمن نعمه [أن] جعل ~~الليل مخالفا للنهار ليسكنوا في الليل ويتصرفوا في معائشهم [التي قدرت ~~لهم] بالنهار، وليعلموا عدد [السنين والحساب أي: عدد] سنينهم وحساب ساعات ~~الليل والنهار. # ومعنى { آيتين } أي: جعلنا الليل والنهار علامتين. # فعلامة النها[ر] الشمس وعلامة الليل القمر { وكل شيء ~~فصلناه تفصيلا }. أي: بيناه [تبيينا] بيانا شافيا. # وقوله: { فمحونآ آية اليل } ، أي: لم يجعل للقمر ضياء ونورا ~~كالشمس وقوله: { وجعلنآ آية النهار مبصرة } أي: مضيئة، ~~وهي: الشمس. # والمحو الذي في القمر هي اللطخة التي تظهر فيه للمتأمل، ويروى أن الله ~~جل ذكره أمر جبريل عليه السلام، فأمر بجناحه على القمر فصار فيه المحو ~~الذي فيه. وقد كان ضياؤه مثل الشمس أو أشد، ولكن الله جل ذكره فرق بينهما ~~ليعرف الليل من النهار، وليعلم عدد السنين والشهور، والأجل، والحج وغير ~~ذلك. # وعن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " خلق الله [عز وجل] شمسين من نور عرشه فأما ما كان في سابق علمه أنه ~~يدعها شمسا فإنه جعلها مثل الدنيا على قدر ما بين مشارقها إلى مغاربها. ~~وأما ما كان في سابق علمه أن يطمسها ويحولها قمرا فإنه جعلها دون الشمس ~~في العظم، ولكن إنما يرى صغرها لشدة ارتفاع السماء وبعدها من الأرض. ولو ~~ترك الله القمر كما خلقه أول مرة لم يعرف الليل من النهار، ولا النهار من ~~الليل، ولا عدد الأيام ولا الشهور، فأرسل جبريل [عليه السلام] إلى القمر ~~فأمر جناحه على وجه القمر وهو يؤمئذ شمس، ثلاث مرات فطمس عنه الضوء ~~وبقي منه النور فذلك قوله: { وجعلنا اليل والنهار آيتين ~~} الآية " # فالسواد الذي يرون في القمر أثر المحر. ### || [17.13-16] # قوله: { وكل إنسان ألزمناه طآئره في [عنقه] } ~~إلى قوله: { تدميرا }. # المعنى: وكل إنسان ألزمناه مما قضي له ms1338 أنه عامله وصائر إليه من شقاء أو ~~سعادة. فعمله في عنقه لا يفارقه. # وقوله: { ألزمناه طآئره في [عنقه] } إنما هو مثل: خوطبوا ~~به على ما كانوا يستعملون في التشاؤم والتفاؤل من سوائح الطير وبوارحها، ~~فأعلمهم الله [عز وجل] أن كل إنسان قد ألزمه الله طائره في عنقه نحسا ~~كان أو سعدا. # قال ابن عباس: " طائره " عمله وما قدره الله [عز وجل] عليه، وكذلك قال ~~مجاهد، [وقال]: وما من مولود يولد إلا وفي عنقه ورقة مكتوب فيها شقي أو ~~سعيد، وقرأ: # أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب # [الأعراف: 37] أي: ما سبق لهم. يعني: كتاب عمله. # وإنما خص العنق بالذكر [دون] سائر الأعضاء لأنه تعالى خاطب العرب / ~~بلسانها وبما تستعمله من لغاتها. والعنق عند العرب هو موضع السمت وموضع ~~القلادة والأطواق وغير ذلك، فنسب إلزام الكتاب إلى العنق لكثرة استعمالهم ~~المعاليق فيه. ألا ترى أنهم قد أضافوا الأشياء الملازمة سائر الأبدان ~~للأعناق، كما أضافوا جنايات أعضاء البدن إلى الأيدي فقالوا: " ذلك بما ~~كسبت يداك ". وإن كان الذي كسبه لسانه أو فرجه. # وقيل: " طائره " حظه. من قولهم: طار بينهم فلان بكذا، إذا أخرج سهمه على ~~نصيب [من] الأنصباء. # وقوله: { ونخرج له يوم القيامة كتابا }. # قرأه مجاهد والحسن وابن محيصن " ويخرج " بياء مفتوحة. على معنى ويخرج ~~له الطائر يوم القيامة كتابا. فيكون الكتاب على هذه القراءة حالا. # وقرأ أبو جعفر " ويخرج " بياء مضمومة، على ما لم يسم فاعله والذي قام ~~مقام الفاعل مضمر [في] الفعل و " كتابا " منصوب أيضا على الحال، و " ~~كتابا " على قراءة الجماعة مفعول ب " نخرج ". # وقال قتادة: " طائره " عمله. # والمعنى: على قراءة أبي جعفر ونخرج له ذلك العمل { كتابا يلقاه ~~منشورا } قال معمر: وتلى الحسن # عن اليمين وعن الشمال قعيد # [ق: 17]، فقال: يابن آدم بسطت لك صحيفتك، ووكل بك ملكان كريمان، أحدهما ~~عن يمينك، والآخر عن يسارك فأما الذي عن يمينك ف[ي]حفظ حسناتك وأما ~~الذي عن يسارك فيحفظ سيئاتك فاعمل ما شئت: أقلل أو أكثر، حتى [إذا] مت ~~طويت صحيفتك، فجعلت ms1339 في عنقك معك في قبرك حتى تخرج يوم القيامة كتابا ~~تلقاه منشورا. فيقال لك # { اقرأ كتبك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا } ~~قد عدل والله عليك من جعلك حسيب نفسك. # ومعنى: { اقرأ كتبك }. # أي: كتاب عملك الذي عملته في الدنيا كانت الملائكة تكتبه عليك { كفى ~~بنفسك اليوم عليك حسيبا } أي: حسيبك اليوم نفسك يحسب ~~عليك أعمالك ويحصيها عليك لا ينبغي عليك شاهدا غيرها. # ثم قال: { من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه }. # أي: من استقام على طريق الحق فليس ينفع إلا نفسه لأنه يوجب لها رضوان ~~الله [عز وجل] ودخول جنته. { ومن ضل } أي: ومن جار أي: عن قصد الحق ~~فليس يضر إلا نفسه لأنه يوجب لها غضب الله [سبحانه] ودخول النار [أعاذنا ~~الله منها]. # وتقديره من اهتدى فإنما يكسب أجر هدايته لنفسه: ومن ضل فإنما يكسب إثم ~~ضلالته لنفسه وهو مثل قوله: # إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم ~~فلها # [الإسراء: 7] [وهو] مثل قوله: { ولا تزر وازرة وزر أخرى ~~}. # ويروى أنها نزلت في أبي سلمة / بن الأسود آمن، وفي الوليد بن المغيرة ~~بقي على كفره. وكان الوليد بن المغيرة يقول: اتبعوني وأنا أحمل أوزاركم. ~~فأنزل الله، جل ذكره: { ولا تزر وازرة وزر أخرى }. ~~والآية عامة في كل مؤمن وكافر. # ثم قال: { ولا تزر وازرة وزر أخرى }. # أي: لا يحمل أحد ذنب غيره. وقال " وازرة " بمعنى نفس وازرة. وقيل معناه: ~~لا يعمل أحد بذنب لأن غيره قد عمل به كما قال الكفار. # إنا وجدنآ ءابآءنا على أمة وإنا على ~~ءاثارهم مهتدون # [الزخرف: 22]. # ثم قال تعالى: { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ~~}. # أي: لا نهلك قوما إلا بعد الأعذار إليهم بالرسل. وقال قتادة: إن الله ~~[عز وجل] ليس يعذب أحدا حتى يسبق من الله إليه خبر، أو تأتيه من الله ~~[عز وجل] بينة. # وقال أبو هريرة: إذا كان يوم القيامة جمع الله أهل الفترة، والأبكم، ~~والأخرس والشيوخ، الذين لم يدركوا الإسلام فأرسل إليهم رسولا أن ادخلوا ~~النار. فيقولون [كيف] ولم يأتنا رسول؟ قال: ولو دخلوها ms1340 لكانت عليهم بردا ~~وسلاما فيرسل الله [عز وجل] إليهم [رسولا] فيطيعه من كان يريد أن ~~يطيعه. ثم قرأ أبو هريرة: { وما كنا معذبين حتى نبعث ~~رسولا }. # وقيل: معناه ما كنا معذبين أحدا في الدنيا بالإهلاك حتى نبعث رسولا ~~يبين لهم بأي شيء يعذبهم الله [سبحانه] وبأي شيء يدخلهم الله الجنة. # وهذا قول حسن، لأن الآخرة ليست بدار تعبد، فيبعث الله فيها إلى أحد ~~رسولا، أعلمنا الله أنه لا يعاجل أحدا بعذاب الدنيا إلا بعد إنذار ~~برسول. فأما عذاب الآخرة فإنه يحل على من كفر بالتوحيد، وإن لم يأته ~~رسول، لأن الله جل ذكره قد نصب دلالات، وعلامات، تدل على توحيده كل ~~الخلق. فمن كفر ولم تنفعه تلك الدلالات والآيات دخل النار وإن لم يأته ~~رسول. فإنما تأتي الرسل بالشرائع والتحريض على التوحيد الذي قد نصب الله ~~[عز وجل] عليه الدلالات والعلامات. # ثم قال تعالى: { وإذآ أردنآ أن نهلك قرية أمرنا ~~مترفيها ففسقوا فيها }. # قرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأبو عثمان النهدي وأبو العالية ~~أمرنا مشددا وكذلك روي عن أبي عمرو. # وقرأ الحسن والأعرج وابن أبي إسحاق وخارجة عن نافع بالمد. وقراءة ~~الجماعة بالقصر والتخفيف. # ومعناها: عند ابن عباس: أمرنا إشراف أهلها بالطاعة ففسقوا فيها. # وقيل: " المترفون " هنا الفسقة. وقيل: هم المستكبرون. والفاسق والمستكبر ~~إذا أمر عصا فيحق عليه القول بعصيانه. # وعن قتادة: أن معنى " أمرنا " أكثرنا. # وقال الكسائي: يجوز أن يكون " أمرنا " من الإمارة، كالمشددة، وأنكر أن ~~يكون / بمعنى أكثرنا. قال: ولا يقال [أمرنا] بمعنى أكثرنا إلا بالمد. وقد ~~حكى أبو زيد وأبو عبيد " أمرنا " مقصورا، بمعنى أكثرنا. ويقوي هذا ~~التأويل الذي رده الكسائي أن الحديث: " خير المال سكة مأبورة ومهرة ~~مأمورة. فالسكة المأبورة النخل المصلح. والمهرة المأمورة الكثيرة النتاج. ~~وهي من أمر. # فأما من قرأ بالتشديد، قال ابن عباس معناه سلطنا، أي: جعلنا لهم إمرة ~~وسلطانا ففسقوا. والمترفون هنا الإشراف. # ويجوز أن يكون بمعنى: أكثرنا، قاله: الكسائي وغيره. # فأما من قرأ بالمد، فمعناه أكثرنا عددهم ونساءهم. ms1341 يقال: أمر بنو فلان ~~أمرا إذا كثر عددهم، والإمر منه الاسم ومنه قوله تعالى: # لقد جئت شيئا إمرا # [الكهف: 71] أي: عظيما. # وقوله: { ففسقوا فيها }. # أي: فخالفوا أمر الله [سبحانه] { فحق عليها القول } أي: وجب ~~عليها وعد الله [عز وجل] الذي وعد من عصاه [به] { فدمرناها ~~تدميرا } أي: خربناها تخريبا وأهلكنا من فيها هلاكا. ### || [17.17-21] # قوله: { وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح } إلى ~~قوله { وأكبر تفضيلا }. # هذه الآية فيها تهدد ووعيد لمشركي قريش أن يحل بهم من الهلاك مثل ما حل ~~بالأمم الماضية بعد نوح من الأهلاك بذنوبهم. # ثم قال تعالى: { وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا ~~بصيرا }. # أي: حسبك يا محمد بعلم ربك وإحصائه لذنوب عباده. # والقرن عشرون ومائة سنة. وقيل مائة سنة. وقيل: أربعون سنة. # ودخلت الباء في " كفى بربك " و " كفى بالله " لأن في الكلام معنى المدح. ~~فالباء تدل عليه. كما يقول: أكرم به رجلا. وناهيك به صاحبا. # ثم قال تعالى: { من كان يريد العاجلة عجلنا له ~~فيها ما نشآء لمن نريد }. # أي: من كان يعمل للدنيا وإياها يطلب ولا يوقن بمعاد ولا يرجو ثوابا ولا ~~يخاف عقابا { عجلنا له فيها ما نشآء } من توسيع أو تقتير ~~لمن نريد. # وقرئت " ما شاء " بالياء، على معنى: ما يشاء الله، أو على معنى: ما يشاء ~~المعجل له ثم يقطره إلى جهنم يصلاها مدموما مدحورا. # وقال أبو إسحاق الفزاري: معناه: ما نشاء لمن نريد هلاكه. وقال ابن عباس: ~~" مذموما ": ملوما. # [ثم قال تعالى] { ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها ~~وهو مؤمن }. # أي: ومن أراد ثواب الآخرة وعمل لها عملها الذي هو طاعة الله " وهو مؤمن ~~" أي: مصدق بثواب الله [سبحانه] وعقابه [عز وجل] { فأولئك كان ~~سعيهم مشكورا } وشكر الله [عز وجل] إياهم على سعيهم، حسن جزائه ~~[تعالى] لهم على أعمالهم وتجاوزه عن سيئاتهم. # ثم قال: { كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطآء ~~ربك }. # " كلا " منصوب بنمد و " هؤلاء " / بدل من كل. والمعنى: أن الله [عز وجل] ~~يرزق كلا: الذين يريدون العاجلة، والذين ms1342 يريدون الآخرة من عطائه إلى بلوغ ~~أجل الفريقين. ثم تفترق بهما الأحوال بعد الممات. وتفترق بهم الورود يوم ~~القيامة. فمن أراد العاجلة فإلى جهنم يرد ومن [أراد] الآخرة فإلى الجنة ~~يرد. # ثم قال: { وما كان عطآء ربك محظورا }. # أي: ممنوعا عمن بسطه الله [عز وجل] عليه، قال قتادة: محظورا منقوصا. ~~وقال في معنى الآية: إن الله [عز وجل] قسم الدنيا بين البر والفاجر: ~~والآخرة خصوصا عند ربك للمتقين. # ومثل هذه الآية في معناها على قول قتادة: # قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة ~~يوم القيامة # [الأعراف: 32] أي: يشترك في الدنيا في الطيبات البر والفاجر. و [الآخرة ~~خصوصا عند ربك للمتقين، أي]: تخص الآخرة للمؤمنين. # ثم قال تعالى: { انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض }. # والمعنى: انظر يا محمد كيف هدينا أحد الفريقين إلى السبيل الأرشد، ~~ووفقناه إلى الحق. # وخذلنا الفريق الآخر فأضللناه عن الحق، { وللآخرة أكبر ~~درجات وأكبر تفضيلا } إذ ينصرف فريق إلى النعيم المقيم، ~~وفريق إلى عذاب جهنم لا يفتر عنهم أبدا. # وقيل: { وللآخرة أكبر درجات } في أهل الجنة يتفاوتون في ~~المنازل فيها، منهم من يعلو على بعض في النعيم والدرجات على قدر منازلهم ~~وأعمالهم. قال النبي صلى الله عليه وسلم # " بين أعلى أهل الجنة وأسفلهم درجة كالنجم يرى في مشارق الأرض ومغاربها ~~" # قال الضحاك: من كان من أهل الجنة عاليا رأى فضله على من هو أسفل منه ~~ومن كان دونه لم ير أن أحدا فوقه أفضل منه. ### || [17.22-24] # ثم قال تعالى: { لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد ~~مذموما مخذولا } إلى قوله: { كما ربياني صغيرا }. # معنى الآية أن ظاهرها خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به أمته، ~~والمعنى لا تجعلوا مع الله شريكا فيقعد كل واحد منكم مذموما، أي: ~~ملوما على ما صنع " مخذولا " أي: قد أسلمه ربه. # ثم قال تعالى: { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ~~}. # قال ابن عباس: قضى معناه: أمر. وفي حرف عبد الله: " ووصى ربك " وكذلك ~~قرأها الضحاك و [ال]معنى أمر أن تفردوه ms1343 بالعبادة فلا تجعلوا له شريكا. # ثم قال: { وبالوالدين إحسانا }. # أي: وأمركم أن تحسنوا بالوالدين إحسانا ومعنى " بالوالدين " إلى ~~الوالدين. # وقوله: { إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو ~~كلاهما }. # من وحد يبلغن فلأنه فعل مقدم فاعله { أحدهما }. ومن أظهر ضمير ~~اثنين فلأنه تقدم ذكر الوالدين فثناهما لتقدم ذكرهما قبل الفعل. ويكون ~~أحدهما مبتدأ وكلاهما معطوف عليه والخبر محذوف. وقيل: أن أحدهما أو ~~كلاهما بدل من المضمر في يبلغن. # ثم قال [تعالى]: { فلا تقل لهمآ أف ولا تنهرهما } /. # في " أف " / سبع لغات: أف بالفتح وأف بالكسر، [و " أف " ، بالكسر] ~~والتنوين. فهذه ثلاث قرئ بهن وأربع لم يقرأ بهن وهن: أفا بالنصب ~~والتنوين وأف بالضم والتنوين وأف بالضم غير منون. وحكى الأخفش: " أفي " ~~بالياء. # فمن فتح أو ضم أو كسر حركة لالتقاء الساكنين. ومن فتح ونون اعمل الفعل ~~فيه كما تقول: ما قتلت أفا ولا تفا. ومن كسر ونون كسر لالتقاء الساكنين ~~وشبهه بالأصوات فنونه. # وقيل أن من نونه جعله نكرة، معناه: لا تقل لهما قبيحا من القول. ومن لم ~~ينونه جعله معرفة معناه: لا تقل لهما القبيح من القول. # وقيل [المنون] منه وغير المنون سواء، وإنما يكون التنوين فرقا ~~بين المعرفة والنكرة فيما جاء ناقصا على حرفين نحو مه وصه، ولكن شبه هذا ~~بما جاء على حرفين من هذه فنون على التشبيه لأنه يعطى ذلك للمعنى من ~~التعريف والتنكير. # ومن ضم حركة لالتقاء الساكنين. و [من] خصه بالضم على التشبيه بقبل وبعد. ~~وقيل: ضم على الاتباع لضمة الهمزة كما تقول: مد. فتضم الدال اتباعا ~~لضمة الميم. # ومن نون المضموم فعلى القولين الأولين: على التشبيه بالأصوات [أو] للفرق ~~بين المعرفة والنكرة. واستبعد الأخفش التنوين مع الضم. قال: لأنه ليس معه ~~لام. كأنه يقدره إذا رفعه ونونه مرفوعا بالابتداء. كما يقال: قيل: ويل ~~له. وقال في نصبه بالتنوين: إنه مثل: تعسا له. # ومعنى: { فلا تقل لهمآ أف } أي: أن يبلغا عندك من الكبر ما ~~يحدثان عندك من الضعف تحتهما، فلا تقذرهما حين ترى الأذى. # ولكن ms1344 تم[ي]ط عنهما ذلك كما كانا يميطان[ه] عنك صغيرا، قاله ~~مجاهد. # وقيل معناه: لا تستثقلهما ولا تغلظ عليهما في القول ولا تتبرم عليهما. ~~و[أ]صل هذا: أن الإنسان إذا وقع عليه غبار أو شيء فتأذى به نفخه فقال: " ~~أف " وقيل الأف: وسخ الأظفار. والتف الشيء الحقير، نحو وسخ الأذن. والأول ~~أشهر وأعرف. # وقوله: { ولا تنهرهما }. # [أي]: ولا تضجر عليهما وتصح. وقال عطاء: لا تنفض يديك على والديك. # { وقل لهما قولا كريما } ، قال ابن جريج: أحسن ما تجد من ~~القول. وعن عمر ابن الخطاب [رضي الله عنه] أنه قال: لا تمتنع من شيء ~~يريدانه. وقال قتادة: { قولا كريما } سهلا لينا. وقال ابن ~~المسيب: هو قول العبد المذنب الذليل للسيد الفظ الغليظ. # ثم قال: { واخفض لهما جناح الذل من الرحمة }. # أي: كن لهما ذليلا، رحمة منك لهما / وتعظيما فيما أمر[ا]ك به مما ليس ~~معصية [لله عز وجل]. هذا قول عروة بن الزبير. وعنه أيضا أن معناه: لا ~~تمتنع من شيء أحباه. # والذل والذلة: مصدر الذليل. والذل: بكسر الذال من غيرهما، مصدر الذلول. ~~نقول دابة ذلول بينة الذل إذا كانت لينة. ومنه قوله: # الذي جعل لكم الأرض ذلولا # [الملك: 15]. # وقرأ ابن جبير والجحدري " الذل " بكسر الذال، بمعنى: ألن لهما جانبك ~~واسمح لهما. يقال رجل ذلول بين الذل إذا كان سمحا لينا مواتيا. ومنه # وذللت قطوفها تذليلا # [الإنسان: 14]. # ثم قال تعالى: { وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا ~~}. # أي: وقل: يا رب اعطف عليهما برحمتك كما عطفا علي في صغر[ي] فرحماني ~~وربياني صغيرا. # وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ذات يوم وهو رافع صوته: # " من أدرك والديه أو أحدهما ثم دخل النار بعد ذلك فأبعده الله وأسحقه " # وكانوا يرون أن من بر والديه، وكان فيه أدنى تقى، فإن ذلك مبلغه جسيم ~~بالخير. # و [قد] قال بعض العلماء أن قوله: { رب ارحمهما كما ~~ربياني صغيرا } منسوخ بالنهي عن الاستغفار للمشركين. # وقال بعضهم: الآية مخصوصة في المؤمنين خاصة. # وقيل: هي عامة إلا لمن مات من المشركين، ms1345 فلا يستغفر له. فأما إذا كانا ~~مشركين حيين، فيجوز للمسلم أن يستغفر لهما كما فعل إبراهيم [صلى ~~الله عليه وسلم] خليل الرحمن [عز وجل]. # ويروى أن رجلا قال: # " يا رسول الله هل بقي علي من بر والدي شيء أبرهما [به] بعد موتهما؟ ~~قال: " نعم، الصلاة عليهما [يعني] الدعاء لهما، والاستغفار لهما، وإكرام ~~صديقهما، وإنفاد عهدهما، وصلة الرحم التي لا يوصل إلا بهما ". ### || [17.25-28] # قوله: { ربكم أعلم بما في نفوسكم } إلى قوله: { ~~قولا ميسورا }. # معناه: ربكم يعلم ما تعتقدون من إبرار والديكم وتعظيمكم إياهم، أو ضد ~~ذلك من العقوق لهم، فيجازيكم على ما تعتقدون في أمرهم. # [ومعنى { إن تكونوا صالحين } أي: إن أصلحتم نياتكم وأطعتم الله ~~في والديكم في القيام بهم والمعرفة بعقوقهم بعد صبوة كانت معكم في ~~أمرهم]، أو زلة زللتم، في [ترككم] إبرارهم، { فإنه كان ~~للأوابين } أي: للثوابين بعد الهفوة " غفورا " أي: ساترا لذنوبهم ~~إذا تابوا منها. # قال ابن جبير في قوله: { ربكم أعلم بما في نفوسكم }: # هي المبادرة: تكون من الرجل إلى أبويه لا يريد بذلك إلا الخير. # وقال ابن عباس: " للأوابين " المسبحين. وقيل: هم المحسنون المطيعون. روي ~~ذلك عن ابن عباس أيضا. # وقال قتادة: هم المطيعون، أهل الصلاة. وقال ابن المنكدر: هم المصلون ~~بين المغرب والعشاء. وقال عون العقيلي [هم] الذين يصلون صلاة الضحى. ~~وقال مالك / عن يحيى بن سعيد عن ابن المسيب: هو الذي يذنب ثم يتوب ثم ~~يذنب ثم يتوب. وقال ابن جبير: هم الراجعون إلى الخير. وقال مجاهد: هم ~~الذين يذكرون ذنوبهم في الخلاء فيتوبون منها. # وأصل آب إلى كذا، رجع إليه فكأنهم الراجعون من معصية الله [عز وجل] إلى ~~طاعته. ومن آب الرجل من سفره، أي: رجع. وأواب فعال من أب. والأوبة ~~الرجعة منه. # ثم قال تعالى: { وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن ~~السبيل }. # هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به أمته. قال الحسن أمر الله ~~[عز وجل] في هذه الآية بصلة الرحم، ونذب إلى أن تعطي القرابة من المال من ms1346 ~~غير الزكاة، ولهم في الزكاة حق وغير ذلك. وقال ابن عباس: هو أن تصل ~~قرابتك والمساكين وتحسن إلى ابن السبيل. وقيل: عني بذي القربى هنا قرابة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وروي ذلك عن الحسن بن علي، أن يعطوا من غير الزكاة. # والمسكين هنا هو الدليل من الفقر. وابن السبيل المسافر المنقطع به يضاف ~~ويحسن إليه. وقيل: حق ابن السبيل ضيافته ثلاثة أيام. وهذا ندب غير فرض. # ثم قال تعالى: { ولا تبذر تبذيرا }. # أي: لا تمحق ما أعطاك الله [عز وجل] من مال في معصيته، وأصل التبذير ~~التفريق في السرف. قال ابن مسعود: التبذير: الإسراف في الإنفاق في غير ~~حق. وهو قول ابن عباس وقتادة. # وقال ابن زيد: هو النفقة في المعاصي. وهذا قول حسن. # ثم قال تعالى: { إن المبذرين كانوا إخوان ~~الشياطين }. # [أي: المفرقين أموالهم في معاصي الله تعالى وفي غير الحق كانوا أولياء ~~للشياطين]. # { وكان الشيطان لربه كفورا }. # أي: لنعمة ربه [عز وجل] جاحدا لا يشكره عليها، إذ يترك طاعته ويتبع ~~معصيته فكذلك إخوانه من بني آدم. # وكل من تابع أمر قوم وسنتهم فالعرب تسميه أخا. فلذلك قال: { كانوا ~~إخوان الشياطين }. # ثم قال تعالى: { وإما تعرضن عنهم ابتغآء رحمة ~~من ربك ترجوها }. # أي: إن أعرضتم بوجوهكم عن هؤلاء الذين أمرتم أن تعطوهم حقوقهم من أجل ~~عدمكم، تبتغون انتظار رزق من عند الله فلا تؤيسوهم ولكن قولوا لهم قولا ~~ميسورا، أي: عدوهم وعدا جميلا. بأن تقولوا لهم: سيرزق الله فنعطيكم... ~~وشبه ذلك من القول اللين. كما قال تعالى ذكره: # وأما السآئل فلا تنهر # [الضحى: 10] هذا معنى قول النخعي وابن عباس وغيرهما. # وقال ابن زيد: معنى الآية: إن خشيتم منهم أن ينفقوا ما أعطيتموهم في ~~معاصي الله [عز وجل] ورأيتم أن منعهم خير، فقولوا لهم: قولا ميسورا، ~~أي: قولا جميلا: رزقك الله، ووفقك الله ونحوه. # وكان النبي عليه السلام إذا سئل وليس عنده شيء أمسك انتظار رزق الله [عز ~~وجل] أن يأتي كأنه يكره الرد. فلما نزلت { فقل لهم ms1347 قولا ~~ميسورا } كان إذا سئل ولم يكن عنده ما يعطي يقول / يرزقنا الله ~~وإياكم من فضله. # وقال جماعة من المفسرين: [نزلت] هذه الآية في خباب، وبلال وعامر بن ~~فهيرة، وغيرهم من فقراء المسلمين كانوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيعرض عنهم ويسكت. إذ لا يجد ما يعطيهم، فأمر أن يحسن لهم في القول، إلى ~~أن يرزقه الله ما يعطيهم، وهو قوله: { ابتغآء رحمة من ربك ~~ترجوها } ، أي: انتظار الرزق من ربك تتوقعه { فقل لهم قولا ~~ميسورا } أي: عدهم وعدا حسنا. ### || [17.29-32] # قوله: { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك } إلى قوله ~~{ وسآء سبيلا }. # هذا مثل ضربه الله [عز وجل] للممتنع من الإنفاق في طاعة الله [عز وجل] ~~وفي الحقوق التي أوجبها الله [سبحانه]، فجعل المانع لذلك كالمشدودة يده ~~إلى عنقه لا يقدر على الأخذ بها والإعطاء. # والخطاب للنبي [صلى الله عليه وسلم] والمراد به أمته، والمعنى: ولا ~~تمسكوا أيديكم بخلا عن النفقة في الله، فتكونوا كالمغلولة يداه إلى ~~عنقه، ولا تبسطوها بالنفقة كل البسط، فتبقون لا شيء لكم ولا تجدون إذا ~~سئلتم ما تعطون سائلكم، فتقعدون، وأنتم ذوو لوم، أن يلومكم سائلوكم إذ لم ~~تعطوهم، وتلومكم أنفسكم على الإسراف في أموالكم. # ومعنى { محسورا } أي: مقطوعا لا شيء معك، هذا معنى قول ابن عباس ~~وقتادة. وقال ابن جريج: معناه لا تمسك عن النفقة فيما أمرتك به، ولا ~~تبسطها بالإنفاق فيما نهيتك عنه، " فتقعد ملوما " مذنبا " محسورا " ~~منقطعا بك. # وقال ابن زيد: معناه: لا تمسك عن النفقة في الخير، ولا تنفق في الحق ~~والباطل، فينفد ما في يديك فلا تجد ما تعطي سائلك فيلومك، وتقول أعطيت ~~هؤلاء ولم تعطني. # وقيل المعنى لا تبخل فتمنع حق الله [عز وجل] ولا تجاوز الحق الواجب في ~~الإنفاق والإعطاء فيبقى قوم من السؤال يتأخرون فلا يجدون ما يأخذون { ~~فتقعد ملوما } يلومك الناس الذين فاتهم العطاء " محسورا " أي ~~منقطعا ليس معك ما تعطي. # ثم قال: { إن ربك يبسط الرزق لمن يشآء }. # أي: يوسع على من يشاء في ms1348 رزقه ويقتر على من يشاء، إنه خبير بعباده يعلم ~~مصالحهم ويعلم ما يفسده السعة في الرزق ويصلحه التقتير، ومن يفسده ~~التقتير وتصلحه السعة، بصير بتدبيرهم وسياستهم. # وروي عن قالون: " كل البصط " بالصاد. والأشهر عنه وعن الجماعة بالسين. # ثم قال [تعالى]: { ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق ~~}. # هذا نهي عما كانت العرب تفعله. كانت تقتل البنات خوف الفقر [والإملاق] ~~والفاقة، فأخبرهم الله [عز وجل] أن أرزاقهم وأرزاق أولادهم على الله [عز ~~وجل]. # وتقتلوا في موضع / نصب عطف على: # وقضى ربك ألا تعبدوا # [الإسراء: 23] ولا تقتلوا ". و [قيل]: هي في موضع جزم على النهي. وكذلك: # ولا تقربوا الزنى # [الإسراء: 23]. # " ولا تقتلوا ": وما بعده هو كله عند الطبري منصوب محمول على: # { وقضى ربك ألا تعبدوا } وينقض عليه هذا التقدير قوله: ~~" ولا تقف " وقوله: " ولا تمش " ، فهذا مجزوم على النهي بلا اختلاف، فما ~~قبله مما عطف عليه [مثله مجزوم] وعلى ذلك أكثر العلماء، وهو الصواب إنشاء ~~الله [عز وجل]. # ومعنى " كان خطئا ": على قراءة نافع كان إثما كبيرا. # لأنه يقال: خطئ يخطا خطئا فهو خ[ا]طئ كإثم يأثم [إثما] فهو آثم، ~~وذلك إذا أتى الذنب عمدا. ويقوي هذا ما روي عن ابن عباس ومجاهد وابن ~~جريج أنهم قالوا: الخطء الخطيئة. ومعنى الآية: يدل [على] هذه القراءة ~~لأنهم كانوا يتعمدون قتل البنات خوف الفقر. وقيل: إن هذه القراءة لغة في ~~الخطأ والخطأ ما لم يتعمد فجاء فيه فعل وفعل كما يقول قتب وقتب، ~~ونجس ونجس. # وقراءة ابن ذكوان: " خطأ " بفتح الخاء والطاء. ومعناها: كان غير صواب. ~~الخطأ ما لم يتعمد فعله يقال أخطأ الرجل يخطي أخطاء إذا لم يتعمد. ~~والخطأ الاسم منه. # وزعم أبو عبيدة أن الخطء [والخطا] مما تعمد كلاهما من خطئة فالخطأ ~~الاسم منه والخطا المصدر بمنزلة حذر حذرا. # وقرأ ابن كثير " خطاء " بالمد وكسر الخاء. وقرأ الحسن بفتح الخاء ~~والمد. وأنكرهما النحاس، ووجههما ظاهر. وقد قال امرؤ القيس في وصف فرسه: # لها وثبات كصرب السحاب # فواد خطاء وواد مهر # ويروى بفتح الخاء، رواه أبو ms1349 حاتم بالفتح لقراءة الحسن. ورواه أبو عبيدة ~~" فواد خطيط ". قال الأصمعي: الخطيطة: أرض لم تمطر بين أرضين ممطورتين. ~~فكان فرسه يثب واديا لا يؤثر فيه ويؤثر في آخر، فشبه ما يؤثر فيه بالواد ~~الممطور. وما لم يؤثر فيه بالواد الخطيط. فهذا تمثيل. # وقال ابن الإعرابي: " فواد خطا " أي يخطو واديا، وواد مطر. أي تعدو ~~[وا]ديا. فتكون [خطاء]: جمع خطوة، مثل: صفوة وصفاء. [فيكون] معنى ~~القراءة، على هذا المعنى، إن قتلهم كان تركا للحق ومجاوزة إلى الباطل. # ثم قال [تعالى]: { ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة ~~}. # أي: وقضى ربك ألا تقربوا الزنا. هذا [على] قول: من جعله في موضع نصب. ~~ومن جعله مجزوما، قدره نهيا بعد نهي فالمعنى أن الزنا كان فاحشة. { ~~وسآء سبيلا } أي: وساء طريق الزنا طريقا لأنه معصية لله [عز وجل] ~~تورد صاحبه نار جهنم. ### || [17.33-34] # قوله: { ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق } إلى قوله: { كان مسؤولا }. # أي: لا تقتلوا نفسا قد حرم الله [عز وجل] قتلها. " إلا بالحق " / أي: ~~إلا أن تكفر بعد إسلام، أو تزنى بعد إحصان، أو قودا بنفس. # وقوله: { فقد جعلنا لوليه سلطانا }. # أي: جعلنا له نصرا وحجة على أخذ الثأر ممن قتل وليه فإن شاء عفا وإن ~~شاء قتل وإن شاء أخذ الدية. فإذا عفا بعض الورثة لم يقتل القاتل. والمرأة ~~في ذلك والرجل سواء إذا كانا وارثين، هذا قول الشعبي وعطاء وطاووس ~~والنخعي والثوري والشافعي وابن حنبل. فإن كان في الورثة صغيرا استوني ~~بالقتل حتى يبلغ، فإن عفا لم يقتل وإن لم يعف قتل، وهو قول عمر بن عبد ~~العزيز، وابن أبي ليلى. وابن شبرمة. والثوري وأحمد وإسحاق. # وقال الحسن البصري وقتادة: لا عفو للنساء وإن كن وارثات. # وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في المرأة اختلاف، وروي عنه أنه قال: لا ~~عفو للزوج، وعنه: لا عفو للمرأة في الدم. # وقال الليث وربيعة والأوزاعي ليس للنساء عفو في دم ولا قسامة. # وقال مالك إذا كان ورثة المقتول بنين وبنات ms1350 فعفت إحدى البنات لم يجز ~~عفوها، فإن عفا أحد البنين جاز العفو وأخذت الدية ويرثها الورثة على قدر ~~موارثهم من الميت، ويقضي عن الميت من الدية دين إن كان عليه. # وقوله { وليه } يحتمل واحدا وجماعة، كما قال: # إن الإنسان لفى خسر # [العصر: 2]. # ومعنى: { ومن قتل مظلوما } أي: من قتل على غير المعاني المتقدم ~~ذكرها. وقال الشافعي: إذا عفا الولي استحق أخذ الدية. # ثم قال تعالى: { فلا يسرف في القتل }. # أي: لا يقتل الولي غير قاتل وليه. لأن أهل الجاهلية كانوا يفعلون ذلك: ~~يقتل الرجل الرجل فيقتل أولياء المقتول أشرف من القاتل ويتركون القاتل، ~~فنهى الله [عز وجل] عند ذلك بقوله: { فلا يسرف في القتل } أي ~~لا يسرف الولي. # ومن قرأ بالتاء، جعله مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم والأئمة بعده. ~~وقيل هو مخاطبة للقاتل ألا يقتل غيره فيسرف في ذلك فيناله القتل. # وقيل: معنى { فلا يسرف في القتل } لا يمثل ولي المقتول ~~بالقاتل، بل يقتله كما قتل وليه، قاله قتادة. # وقيل: معناه لا يقتل اثنان بواحد. # والهاء في " أنه " تعود على المقتول، فتعود الهاء على " من " قاله ~~مجاهد. فيكون المعنى: إن المقتول كان منصورا بوليه. # وقال قتادة: الهاء للولي. أي: [بأن الولي] كان منصورا. # وقيل: الهاء تعود على الدم. أي: [إن] دم المقتول كان منصورا على ~~القاتل. # وقال الفراء: الهاء تعود على القتل أي القتل كان منصورا. # وقال أبو عبيدة الهاء للقاتل [أي]: إن القاتل كان منصورا إذا قيد منه ~~في الدنيا وسلم من عذاب الآخرة بقتله. # ثم قال تعالى: { ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي ~~هي أحسن }. # أي: لا تأكلوا أموال اليتامى إسرافا وبدارا أن يكبروا ولكن / أقربوها ~~بالإصلاح والتثمير لها. # قال قتادة: لما نزلت هذه الآية، اشتد ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم. فكانوا لا يخالطوهم في طعام ولا أكل ولا غيره. فأنزل الله [عز ~~وجل]. # وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد ~~من المصلح # [البقر: 220] فكانت هذه رخصة لهم في المخالطة. # وقال مجاهد: معنى الآية: لا ms1351 تقربوا مال اليتيم فتستقرضوا منه { إلا ~~بالتي هي أحسن } التجارة لهم فيها. # وقوله: { حتى يبلغ أشده }. # قال ربيعة وزيد بن أسلم ومالك بن أنس: الأشد: الحلم. ومعناه في اللغة: ~~حتى يبلغ وقت اشتداده في العقل وتدبير ماله وصلاح حاله في دينه. وأن يكون ~~مع ذلك في غير ذي عاهة في عقل وأن يكون حاز ما في ماله. وكذلك الأشد في ~~قصة يوسف [عليه السلام] هو الحلم، فأما الأشد في [قصة] موسى [عليه ~~السلام] فقيل: هو بضع وثلاثين سنة. و " استوى " بلغ أربعين سنة. # و [قيل]: الأشد هنا ثمان عشرة سنة. # والأشد، عند سيبويه، جمع واحد[ه]: شد كقد وأقد. وهو عند غيره اسم ~~مفرد. # ثم قال [تعالى]: { وأوفوا بالعهد إن العهد كان ~~مسؤولا }. # أي: مسؤولا عنه من نقضه. أي: أوفوا بما عاهدتم عليه الناس من صلح أو ~~بيع أو شراء. إن الله سائل ناقض العهد عن نقضه إياه، وقيل: مسؤولا: ~~مطلوبا. ومن العهد الذي أمر الله [عز وجل] بوفائه الوقوف عند أمره ونهيه ~~والعمل بطاعته ومنه جميع ما أمر الله [عز وجل] به في هذه الآية قبله ونهى ~~عنه. ### || [17.35-38] # قوله: { وأوفوا الكيل إذا كلتم } إلى قوله: { عند ~~ربك مكروها }. # أمر الله جل ذكره عبيدة ألا يبخسوا الناس في الكيل إذا كالوا لهم وأن ~~يزنوا بالقسطاس، وهو العدل بالرومية قاله مجاهد. وقال الضحاك: هو ~~الميزان. وقال الحسن: هو القبان. # وروى الأعمش عن أبي بكر: " القصطاس " بالصاد في السورتين. # ثم قال: { ذلك خير وأحسن تأويلا }. # أي ذلك خير لكم. أي: الوفاء خير لكم من بخسكم إياهم وأحسن عاقبة. # وقيل: معناه وأحسن [من] تؤول إليه الأمور في الدنيا والآخرة. وعن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لا يقدر الرجل على حرام ثم يدعه ليس به إلا مخافة الله [عز وجل] إلا ~~أبدله الله في عاجل الدنيا قبل الآخرة ما هو خير له من ذلك ". # وقال قتادة: " وأحسن تأويلا " وأحسن ثوابا وعاقبة. # ثم قال تعالى: { ولا تقف ما ليس لك به علم }. # قال ms1352 ابن عباس: معناه ولا تقل ما ليس لك به علم. # وقال قتادة: لا تقل رأيت ولم تر، ولا سمعت، ولم تسمع فإن الله سائلك عن ~~ذلك كله. وقال محمد بن الحنفية: هو شهادة الزور. وعن ابن عباس أيضا ~~معناه: لا ترم أحدا بما ليس لك به علم. وكذلك قال مجاهد. # فدخل في هذه المعاني النهي عن قذف المحصنة، وعن القول في الناس / بما لا ~~تعلم، وعن الكلام في الدين والفقه بالظن. # وقيل معناه: لا ترم أحدا بذنب لم تحققه، وإنما هو ظن طننته به. # والقفو شبيه بالبهتان: يرمي به الرجل صاحبه. # وقال الفراء: تقف من القيافة، يقال: قاف القايف يقوف إذا اتبع الأثر ~~[إلا] أنهم قدموا القاف وأخروا الواو، كقولهم: جذب وجبذ. # وقرأ بعضهم: " ولا تقف " مثل تقبل من: قفت الأثر وقراءة الجماعة من ~~قفوت. وهو مثل قولهم: قاع الجمل يقوع وقعا يقعوا إذا ركب الناقة. ومثله ~~قولهم عاث في البلاد وعثى إذا أفسد. # فأما قوله: { إن السمع والبصر والفؤاد } فإنه يدخل فيه ~~النهي عن الاستماع إلى ما لا يحل، والنظر إلى ما لا يحل لأن هذه الأعضاء ~~مسؤولة عما يستعملها ابن آدم فيه من خير وشر. # وأصل القفو في اللغة التتبع. ومنه [يقال] قفوت أثر فلان أي تتبعته، ~~ولذلك قال أبو عبيدة، " ولا تقف ما ليس " لا تتبع ما ليس لك به ~~علم. # وحكى الكسائي عن العرب: قفوت أثره وقفت مثل قلت فيقدمون مرة الواو ~~ويؤخرونها مرة كما يقال: قاع الجمل الناقة إذا ركبها وقعاها. فيكون على ~~القلب مثل قول الشاعر: # ولو أني رميتك من بعيد # لعاقك من دعاء الذنب عاق # يريد عائق، فقلب. # وقوله: " كل أولئك " ولم يقل ذلك، فإنما جرى على ذلك لأن " أولئك ~~" و " هؤلاء " للجمع القليل الذي يقع للتأنيث والتذكير. و " هذه " و " ~~تلك " للجمع الكثير. والتذكير للقليل من الجمع كما كان التذكير في ~~الأسماء قبل التأنيث والتأنيث بعده. فكذلك التذكير للجمع الأول، والتأنيث ~~للجمع الثاني وهو: الجمع الكثير. # وقال الزجاج: كل ما أشرت إليه ms1353 من الناس، وغيرهم، ومن الموات فلفظه لفظ ~~أولئك. # وقيل: كل ما تشير إليه وهو متراخ عنك فلفظه لفظ أولئك. # ثم قال تعالى: { ولا تمش في الأرض مرحا }. # أي: لا تمش [في الأرض] مختالا بطرا متكبرا. # ونصب " مرحا " على الحال وهو مصدر في موضع الحال. # وقرأ بعضهم: " مرحا " بكسر الراء جعله اسم فاعل وهو نصب على الحال ~~أيضا. واختار الأخفش هذه القراءة. واختار الزجاج فتح الراء قال: لأن فيه ~~معنى التوكيد وليس ذلك في اسم الفاعل. # ثم قال [تعالى] " { إنك لن تخرق الأرض }. # أي: لن تقطع الأرض باختيالك واستكبارك. وقيل: معناه إنك لن تقدر على خرق ~~الأرض، وإنما نهى الله [عز وجل] في هذا عن التكبر والفخر والخيلاء، فأعلم ~~خلقه أنهم لا ينالون بذلك، إذا فعلوه، شيئا لا يبلغه غيرهم ممن لا فخر ~~معه ولا خيلاء. # ثم قال: { كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها }. # أي: كل ما نهى الله [عز وجل] عنه فهو عند ربك سيئة مكروهة. # وقرأ الكوفيون وابن عامر " سيئة " بإضافة السيء إلى الهاء. وحجة هذه ~~القراءة أن الله [عز وجل] قدم ذكر أشياء / أمر بفعلها، وذكر أشياء نهى ~~عنها. ولو كان " سيئه " غير مضاف لجعل ما أمر به ورغب في فعله مما تقدم ~~ذكره: كبر الوالدين وإيتاء ذي القربى حقه، ونحوه. سيئة. وهذا لا يجوز ~~فوجب أن يكون السيء مضافا على معنى: كل ذلك كان السيء منه مكروها. وهو ~~قتل النفس وأن تقف ما ليس لك به علم، والزنا، وقتل الأولاد وشبهه. واحتج ~~أيضا لها بقوله: " مكروها " ولم يقل " مكروهة " فوجب تذكير " السيء " ~~وإضافته لذلك. # وهذا لا يلزم من قرأ " سيئة " غير مضاف لأن الله [عز وجل] قدم الأشياء ~~المرغب [في] فعلها ثم أعقبها بما نهى عنه فرجعت " كل ذلك [في قوله: " كل ~~ذلك] كان سيئه على الأشياء التي نهى عنها دون ما تقدم مما رغب في فعله. # وأما التذكير فهو حسن لأنه ذكر " مكروها " وعلى لفظ " كل " و " كل " ~~مضمر في " كان " و " مكروها " خبر عن ms1354 ذلك المضمر. # و " سيئة " خبر آخر فأجرى أحد الخبرين على اللفظ فذكر، والثاني على ~~المعنى، فأنث. # وقال إنما ذكر " مكروها " في قراءة من قرأ " سيئة " لأن تأنيث السيئة ~~غير حقيقي. # وقيل: " السيء " و " السيئة " واحد فأجرى " مكروها " على " السيء " كما ~~حملت الصيحة على الصياح، والرحمة على الرحم، والبينة على البينات ~~والموعظة [على المواعظ]، فجاز تذكير ذلك كله ولفظه مؤنث. # وقيل: " السيئة " و " السوء " واحد فذكر " مكروها " حملا على " السوء ~~". # وقيل إن من قرأ " سيئة " بالإضافة، إنما إضافة على معنى " السيء " كالذي ~~يتحصل من جهته لأن بعضه غير سيء وبعضه سيء. كقوله: # فاجتنبوا الرجس من الأوثان # [الحج: 30] يعني: من جهة الأوثان إذ الرجس يكون من جهات سوى الأوثان. ### || [17.39-44] # قوله: { ذلك ممآ أوحى إليك ربك من الحكمة } ~~إلى قوله: { حليما غفورا }. # المعنى الذي بينا لك يا محمد من الأخلاق: المرغب فيها، والتي نهيناك عن ~~فعلها، " مما أوحى إليك ربك من الحكمة " أي: من الأشياء التي أوحاها إليك ~~ربك يعني القرآن. # ثم قال تعالى: { ولا تجعل مع الله إلها آخر }. # أي: شريكا في عبادته. # { فتلقى في جهنم ملوما مدحورا }. # أي: تلومك نفسك وعارفوك من الناس: " مدحورا ": مبعدا مقصى في النار. ~~قال ابن عباس: " مدحورا " مطرودا. # ويروى أن من قوله [تعالى ": { [و]لا تجعل مع الله إلها ~~آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا } إلى قوله: { ~~ملوما مدحورا } هي العشر كلمات التي أنزلها الله [عز وجل] على ~~موسى [صلى الله عليه وسلم] في التوراة. ومثلها التي في الأنعام # قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم # [الأنعام: 151] إلى آخر الثلاث آيات. وهي المحكمة التي ذكرها الله ~~[عز وجل] في سورة آل عمران. وفيه اختلاف قد ذكرته هنالك. # ثم قال: { أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من ~~الملائكة إناثا }. # هذا توبيخ للمشركين الذين جعلوا الملائكة بنات الله [سبحانه و] تعالى عن ~~ذلك علوا كبيرا، ومعناه افاختار لكم ربكم أيها الناس / الذكور من ~~الأولاد واتخذ لنفسه البنات وأنتم لا ترضونهن لأنفسكم، فجعلتم لله [عز ~~وجل] ما لا ترضون لأنفسكم. وقيل: ms1355 الذين قالوا هذا هم اليهود، قاله قتادة. ~~وقيل: هم كفرة العرب وعليه أكثر المفسرين. # ثم قال تعالى: { إنكم لتقولون قولا عظيما }: أي قولة ~~منكرة. # ثم قال: { ولقد صرفنا في هذا القرآن ~~[ليذكروا] }. # أي: صرفنا لهؤلاء المشركين، الآيات والعبر والأمثال، والتخويف، ~~والإنذار، والوعد، والوعيد. # والمفعول لصرفنا محذوف وهو التخويف والإنذار وشبهه وقيل: " في ": زائدة ~~والمعنى: صرفنا هذا القرآن. والأول أحسن. # فالمعنى: صرفنا الأمثال في هذا القرآن لعلهم أن يتذكروا ذلك فيعقلوا خطأ ~~ما هم عليه، فيرجعوا ويؤمنوا وما يزيدهم ذلك البيان إلا نفورا عن الحق ~~وبعدا منه. # وتشديد " ليذكروا " تحقيقه بمعنى: يقال تذكرة ما صنعت. وذكرت ما ~~صنعت بمعنى: قال ذكره: # اذكروا نعمتي # [البقرة: 40] بمعنى: تذكروا نعمتي، أي: تفكروا فيها واعتبروا. وقال: # واذكروا ما فيه # [البقرة: 63] وقال: # [كلا] إنها تذكرة * فمن شآء ذكره # [عبس: 11-12] و # ما تذكرون # [الحاقة: 42] " فكله بمعنى الاتعاظ والاعتبار لا بمعنى ذكر النسيان. ~~وليس من خفف يجعله من ذكر النسيان وإنما هو من التفكر والاعتبار كالمشدد. # ثم قال [تعالى]: { قل لو كان معه آلهة كما يقولون }. # المعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين جعلوا مع الله ءالهة: لو كان ~~الأمر كما تقولون من أن مع الله [سبحانه] ءالهة إذن لابتغت تلك [الآلهة] ~~القربى من الله [عز وجل] ذي العرش العظيم، والتمست الزلفى عنده [جلت ~~عظمته]. # قال قتادة معناه: إذن لعرفوا له فضله فابتغوا ما يقربهم إليه. وقال ابن ~~جبير معناه: إذن لطلبوا إليه طريقا للوصول ليزيلوا ملكه. وقيل معنى ذلك: ~~إذن لطلبوا الربوبية وضادوه في ملكه كما يفعل ملوك الدنيا. # ثم قال تعالى: { سبحانه وتعالى عما يقولون }. ينزه ~~نفسه عما قالوا وافتروا. # و " كلوا ": مصدر. جاء على غير ال[م]صدر. ولو جاء على صدر الكلام ~~لكان تعاليا، ولكنه مثل # وتبتل إليه تبتيلا # [المزمل: 8] ومثل " # أنبتكم من الأرض نباتا # [نوح: 17]. # ثم قال تعالى: { تسبح له السموت السبع }. # أي: تنزهه من السوء الذي وصفه به المشركون و " من فيهن " ، يعني: من في ~~السماوات والأرض من الملائكة والجن والإنس. # ثم قال: ms1356 { وإن من شيء إلا يسبح بحمده }. # روى جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " " ألا أخبركم بشيء أمر به نوح ابنه؟ إن نوحا قال لابنه: " يا بني ~~آمرك [أن تقول سبحان الله بحمده " فإنها صلاة] الخلق وتسبيح الخلق وبها ~~يرزق الخلق، قال الله [عز وجل]: { وإن من شيء إلا يسبح ~~بحمده } ". # وعن النخعي أنه قال: الطعام: يسبح. وقال قتادة: كل شيء فيه روح يسبح / ~~من شجرة وغيرها. # وقيل معنى ذلك: أن ما من شيء إلا يدل على توحيد الله وينزهه من السوء، ~~فذلك تسبيحه. # وقال الحسن: كل شيء فيه روح يسبح بحمده. # { ولكن لا تفقهون تسبيحهم } أي: لا تعقلون ذلك. # وروى معاذ بن محمد الأنصاري أن النبي عليه السلام قال: " لا تقتلوا ~~الضفادع فإنه ليس لله [عز وجل] خلق أكثر تسبيحا منها ". # وذكر أبو عبيد أن داوود صلى الله عليه وسلم بات داعيا لربه [عز وجل] ~~ومصليا حتى أصبح فذهب إلى نهر ليتوضأ، فقال: الحمد لله لقد عبدت الله ~~الليلة عبادة ما عبده أحد مثلها من أهل الأرض. فكلمته ضفدع من الماء ~~فقالت له: كلا يا أبا سليمان، فوالله إنه لي ثلاثا من الدهر ما جمعت ~~[ما] بين فقمي تسبيحا لله [عز وجل]. # واختلف الناس في تسبيح الموات كالجبال والحيطان [وشبه ذلك]: فقال قوم: ~~تسبيح ذلك ما فيه من دلالة على خالقه ومشيئته، ومنه قوله: # وإن منها لما يهبط من خشية الله # [البقرة: 74] يعني: يتبين في ظاهره من قدرة الله [عز وجل] على خلقه ما ~~يضاهي الخشية لله والإقرار بقدرته. # وقال آخرون: تسبيح الموات أنها تدعو الناظر إليها والمتأمل لخلقها إلى ~~تسبيح الله [تعالى] والنطق بعظمته. فنسب التسبيح إلى الموات لما كانت ~~تنسبه. # كما قالت العرب له: إبل تنطق الناس أي إذا نظروا إليها نطقوا تعجبا ~~منها، من كثرتها، فقالوا سبحان الله! ما أكثرها! ما أحسنها! # و [قال] آخرون وهم أصحاب الحديث وكثير من العلماء. # الأشياء كلها تسبح، الموات وغيره، والله [عز وجل] يعلم تسبيح كل ms1357 صنف ~~منها، وقد كلمت الحجارة والأشجار والجمادات الأنبياء [عليهم السلام، ~~وكذلك البهائم كلمت الأنبياء وكلمت من كان في عهد الأنبياء. والروايات ~~بذلك كثيرة مشهورة. وهذا باب يتسع فيه الكلام لكثرة الشواهد عليه. # ثم قال تعالى: { إنه كان حليما غفورا }. # أي: حليما لا يعجل على خلقه المفترين عليه. " غفورا " أي: ساتر[ا] ~~لذنوب من آمن [به] منهم. قال قتادة: حليما: أي: لا يعجل كعجلة بعضهم على ~~بعض. ### || [17.45-48] # قوله: { وإذا قرأت القرآن جعلنا } إلى قوله { فلا ~~يستطيعون سبيلا }. # أي: وإذا قرأت يا محمد القرآن على هؤلاء المشركين جعلنا بينك وبينهم ~~حجابا يستر قلوبهم على أن يفهموا ما تقرأه عليهم فينتفعوا به عقوبة على ~~كفرهم. # ومستورا هنا: بمعنى: ساتر لقلوبهم. وقيل: هو على بابه مفعول لأن الله ~~[عز وجل] قد ستر الحجاب عن أعين الناس فهو مفعول على بابه. والحجاب هنا ~~الطبع على قلوبهم. # ونزلت هذه الآية في قوم كانوا يسبون النبي صلى الله عليه وسلم بمكة إذا ~~سمعوه يقرأ ليشتد على الناس فأعلمه الله [عز وجل] أنه يحول بينه وبينهم ~~حتى لا يفهمون ما يقول. # ثم قال /: { وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه ~~}. # أي: جعلنا على قلوبهم أغشية تغشاها فلا تفهم ما تقرأ. # والأكنة: جمع كنان: " أن يفقهوه ": أي: كراهة أن يفقهوه وقيل: معناه ~~[ا]لا يفقهوه. # و { في ءاذانهم وقرا }. # أي: جعلنا في ءاذانهم صمما لئلا يسمعوه. # ثم قال: { وإذا ذكرت ربك في القرءان وحده }. # [أي]: إذا قلت لا إله إلا الله في القرءان { ولوا على ~~أدبرهم نفورا } أي: انفضوا عنك وذهبوا نفورا من قولك ~~واستعظاما من توحيد الله جل ذكره. وقال عبد الله بن الحسن: هو قوله: بسم ~~الله الرحمن الرحيم. وقال ابن زيد " نفورا " بغضا لما تكلم به لئلا ~~يسمعوه كما كان قوم نوح يجعلون أصابعهم في ءاذانهم لئلا يسمعوا ما يأمرهم ~~به نوح [صلى الله عليه وسلم] من الاستغفار والأمر بالتوحيد. # وروي عن ابن عباس: أنه عني به الشياطين إذا سمعوا ذكر الله [عز وجل] ~~وحده في القرءان هربوا. ms1358 # ووحده: منصوب عند سيبويه على المصدر. ولا يكون إلا مضافا ولا يثنى ولا ~~يجمع ولا يؤنث في ذاته، فإذا قلت جاءني زيد وحده، فكأنك قلت أفرد زيد ~~نفسه بمجيئه إلي إفرادا. أي: لم يأتني مع غيره. وإذا قلت: رأيت القوم ~~وحدهم. فمعناه: أفردتهم برؤيتي لهم أفرادا. أي: لم أجاوزهم إلى غيرهم. ~~فكأنه مصدر عمل فيه فعال في معناه من غير لفظه. # فأما قولهم: هو نسيج وحده. فهو مجرور في هذا المثل. ومعناه: المدح للرجل ~~المنفرد برأيه. وهو مأخود من الثوب النفيس الذي لا ينسج على منواله ~~[غيره]. وكذلك قولهم: هو عيير وحده وجحيش وحده أتى مخفوضا مضافا ~~إليه، ولا يقاس على هذه الثلاثة غيرها. # فأما قولهم: رأيتهم ثلاثتهم وخميستهم، ونحوه من العدد فيحسن نصبه على ~~المصدر كأنك قلت: ثلثتهم تثليثا وخمستهم تخميسا. # وبعضهم يجر[ي]ه على ما قبله من الأعراب. يجعله بمنزلة كلهم. فيقول: ~~فعلنا ذلك خمستنا، فيرفع كما تقول: كلنا. # وإن شئت نصبت على المصدر وكذلك: مروا بنا خمستنا. # وخمستنا تخفض على التأكيد للمضمر المخفوض وينصب على المصدر، وترفع على ~~التأكيد للمضمر المرفوع. # ثم قال [تعالى ذكره]: { نحن أعلم بما يستمعون به إذ ~~يستمعون إليك }. # أي: نحن أعلم بما يستمع هؤلاء المشركون إذ يستمعون إليك وأنت تقرأ. # { وإذ هم نجوى } [أي: ذووا نجوى] أي: ذوواسر. وهذا مثل قولهم " ~~قوم رضى " ونجواهم هو سرهم في دار الندوة في أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم. # والعامل في " إذ ": من قوله: { إذ يقول } " نجوى " أي: يتناجون في ~~هذا الوقت. والعامل في إذ الأول " يستمعون " الأول. والمعنى: نحن يا محمد ~~لا أعلم باستماعهم إلى قراءتك وقت استماعهم وهم يتناجون في / وقت قولهم ~~بعضهم لبعض: ما تتبعون إلا رجلا مسحورا. وقيل: يقول ذلك للمؤمنين. # ومعنى " مسحورا ": أي: له سحر، والسحر الرئة. أي: يأكل ويشرب لأن كل ~~من له رئة يأكل ويشرب فهو مثل قولهم { إن تتبعون إلا رجلا } ~~مثلكم. # وقيل المعنى: قد سحروا وأزيل عن حد الاستواء. # ثم قال [تعالى]: { انظر كيف ضربوا لك الأمثال ms1359 } # المعنى: انظر يا محمد بعين قلبك كيف شبهوا لك الاشتباه لقولهم هو مسحور ~~وهو شاعر وهو مجنون. " فضلوا " أي: فجاروا عن قصد السبيل بقولهم. { فلا ~~يستطيعون سبيلا }. # أي: فلا يهتدون إلى طريق الحق. وعني بهذا: الوليد بن المغيرة وأصحابه ~~قاله: مجاهد. ### || [17.49-52] # قوله: { وقالوا أءذا كنا عظاما ورفاتا [أءنا ~~لمبعوثون] } إلى قوله: { إلا قليلا }. # المعنى: أن الله جل ذكره أخبر عن قول المشركين وإنكارهم البعث بعد ~~الموت. والرفات: التراب، قاله مجاهد. أي: قالوا منكرين للبعث أنبعث بعد ~~أن كنا عظاما وترابا في قبورنا. # وقال ابن عباس: الرفات: الغبار. وقال أبو عبيدة والكسائي: الرفات ~~الحطام. والعظام ما لم يتحطم، والرفات: ما تحطم، كذا قال أبو عبيدة. # والرفات في اللغة: الرضاض والحطام. يقال: رفت رفتا إذا حطم. ولا واحد ~~له كالدقاق. وهذا المثال في هذا المعنى، يأتي أبدا محل فعال. نحو الفتات ~~والتراب والرفات والغبار والحطام والرضاض. # ثم قال تعالى لنبيه عليه السلام قل لهم يا محمد: { قل كونوا ~~حجارة أو حديدا } أو كونوا على أي خلق يعظم في صدوركم فلا بد ~~لكم من الموت والبعث أي: استشعروا ما شئتم أن تكونوا عليه من الخلق. فلا ~~بد أن يميتكم الله [عز وجل] ثم يحييكم. # وقال ابن عباس في قوله: { أو خلقا مما يكبر في ~~صدوركم } هو الموت. أي: لو كنتم الموت بعينه لأماتكم الله عز وجل ثم ~~أحياكم، وهو قول: أبي صالح والحسن والضحاك. وقال ابن جبير، كونوا الموت ~~فإن الموت سيموت. قال عبد الله بن مسعود: يوتى بالموت يوم القيامة كأنه ~~كبش أملح حتى يجعل بين الجنة والنار فينادي مناد يسمع أهل الجنة وأهل ~~النار، فيقول هذا الموت قد جئنا به ونحن مهلكوه، فأيقنوا يا أهل الجنة ~~ويا أهل النار بأن الموت قد هلك. # وقال مجاهد قوله: { أو خلقا مما يكبر في صدوركم } هو ~~السماء والأرض والجبال. # ثم أخبر عنهم تعالى ذكره أن جوابهم للنبي [صلى الله عليه وسلم] إذ قالوا ~~له " من يعيدنا " أي: من يعيدنا إذا كنا حجارة أو ms1360 حديدا، فقل لهم يا ~~محمد يعيدكم { الذي فطركم أول مرة } أي: الذي خلقكم ولم ~~تكونوا شيئا. # ثم قال الله [عز وجل] لنبيه [عليه السلام] { فسينغضون إليك ~~رؤوسهم }. # أي: يحركونها استهزاء واستبعادا للبعث. و / النغض في كلام العرب حركة ~~بارتفاع وانخفاض. { [ويقولون] متى هو } أي: متى البعث، فقل لهم ~~يا محمد { عسى أن يكون قريبا } أي: هو قريب. لأن عسى من الله ~~[تعالى] واجبة. # ثم قال تعالى: { يوم يدعوكم }. # أي: [يوم] يبعثكم يوم يدعوكم من القبور { فتستجيبون بحمده } ~~أي: بأمره، قاله: ابن عباس. وقال قتادة: " بحمده " بمعرفته. # وقيل: معناه: بقدرته، ودعائه إياكم، ولله الحمد على كل حال. كما يقول ~~القائل: فعلت ذلك الفعل بحمد الله. أي: ولله الحمد على كل حال. # وروي عن [ابن] جبير أنه قال: يخرج الناس من قبورهم وهم يقولون سبحانك ~~اللهم وبحمدك. # وقال أبو إسحاق معناه: ويستجيبون مقرين بأنه خالقهم. # وقيل: يستجيبون بحمده يعني: عند النفخة الثانية { وتظنون إن ~~لبثتم إلا [قليلا] } يعني: بين النفختين. وذلك أنه يكف عنهم ~~العذاب بين النفختين فينامون فذلك ما حكى [عز وجل] عنهم في يس أنهم ~~يقولون: # يويلنا من بعثنا من مرقدنا # [يس: 52] لأنهم يعذبون من يوم يموتون إلى النفخة الأولى، وهو خاص لمن ~~قاتل نبيا، أو قتل في قتال نبي، أو قتله نبي أو مات على كفره في حياة ~~نبي. # ثم قال [تعالى] { وتظنون إن لبثتم إلا قليلا }. # أي: وتحسبون عند موافاتكم يوم القيامة من هول ما تعاينون ما لبثتم في ~~الأرض إلا وقتا قليلا كما قال # قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين * قالوا ~~لبثنا يوما أو بعض يوم فسئل العآدين # [المؤمنون: 112-113]. # قال قتادة: تحاقرت الدنيا في أنفسهم وقلت حين عاينوا يوم القيامة. ### || [17.53-57] # قوله { وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن } إلى قوله ~~{ كان محذورا }. # أي: وقل يا محمد لعبادي المؤمنين يقول بعضهم لبعض المقالة التي هي أحسن ~~من المحاورة والمخاطبة. وقال الحسن: { التي هي أحسن } أن يقول ~~لك: يرحمك الله، يغفر الله لك، يريد عند المنازعة. وقيل: ms1361 { التي هي ~~أحسن } أن يقولوا: لا إله إلا الله. # وقوله: { إن الشيطان ينزغ بينهم }. # أي: يفسد ما بينهم، ويقبح ما بينهم، ويحرض الكافرين على المؤمنين. إنه ~~كان للإنسان عدوا مبينا، يؤيد الكافر الهالك ويودي المؤمن. ولا سلطان ~~له عليه. # ثم قال تعالى: { ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم }. # هذا خطاب للمشركين الذين أنكروا البعث، والمعنى: " ربكم " أيها المشركون ~~" أعلم بكم إن يشأ يرحمكم فيوفقكم للتوبة والإقرار بالبعث { أو إن ~~يشأ يعذبكم } فيخذلكم فتموتون على كفركم فتعذبون في الآخرة. # ثم قال [تعالى] لنبيه [عليه السلام]: { ومآ أرسلناك عليهم ~~وكيلا }. # أي: رقيبا تجبرهم على الإيمان، إنما عليك أن تبلغهم ما أرسلت به لا ~~غير. # ثم قال { وربك أعلم بمن في السموت والأرض }. # أي: ربك يا محمد أعلم بمصالح من في السماوات والأرض وتدبيرهم / وأهل ~~التوبة منهم من أهل المعصية. # ثم قال: { ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض }. # وهو اتخاده لإبراهيم خليلا، وتكليمه موسى، وجعل عيسى كآدم وإيتاء ~~سليمان ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، وأتى داوود زبورا. وهو دعاء علمه ~~الله داود تحميد وتمجيد ليس فيه حلال ولا حرام ولا فرائض ولا حدود، وغفر ~~لمحمد صلى الله عليه وسلم ما تقدم من ذنبه وما تأخر وأرسله إلى الناس ~~كافة. # روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " خفف على داوود القرآن فكان يأمر بدابته تسرج فكان يقرأ قبل أن يفرغ ~~يعني: القرآن ". # وفائدة الآية أن الله أخبر المشركين بأنه قد فضل بعض النبيئين على بعض ~~فلا ينكروا تفضيله لمحمد [صلى الله عليه وسلم] وأعطاه القرآن، فقد أعطي ~~داوود زبورا وهو بشر مثله. # ثم قال تعالى: { قل ادعوا الذين زعمتم من دونه }. # أي: قل لهم يا محمد: ادع[وا] الذين زعمتم أنهم آلهة من دون الله عند ~~ضر ينزل بكم، فإنهم لا يملكون كشف [الضر] عنكم ولا تحويله عنكم إلى ~~غيركم. # هؤلاء الذين أمر الله [عز وجل] نبيه [عليه السلام] أن يقول لهم هذا: هم ~~قوم من المشركين كانوا يعبدون الملائكة والمسيح ms1362 وعزيرا قاله: مجاهد. ~~وقال ابن عباس: هم عيسى وعزير ومريم كان قوم يعبدونهم. وعنه أيضا: هم ~~عيسى وعزير والشمس والقمر كان قوم يعبدونهم. وقيل: هم قوم كانوا يعبدون ~~الملائكة فقط. # وقيل: هم قوم كانوا يعبدون نفرا من الجن: فأ[سلم] أولئك النفر من الجن ~~ولم يعلم بهم من يعبدهم. # قاله ابن مسعود. ولذلك قال: { أولئك الذين يدعون ~~يبتغون إلى ربهم الوسيلة } أي: أولئك الذين يعبد هؤلاء ~~المشركون يبتغون إلى ربهم القربى والزلفى لأنهم مؤمنون، فيكون: يراد به ~~الجن الذين أسلموا على القول الأخير. ويجوز أن يراد بهم الملائكة وعيسى ~~وعزير ومريم على القول الأول. # والهاء والميم في ربهم تعود على أولائك وهم المعبودون. وقيل: تعود على ~~العابدين الكافرين، [أي: المعبودون يبتغون إلى رب العابدين لهم الوسيلة. # وقيل: تعود على العابدين] والمعبودين، أي: المعبودون يبتغون الوسيلة إلى ~~رب الجميع رب العابدين ورب المعبودين. # ومعنى: { أيهم أقرب } إلى الله لمصالح أعماله واجتهاده في ~~حياته ويرجون وبأعمالهم تلك رحمته ويخافون عذابه، إن عذاب ربك يا محمد ~~كان محذورا. # واختار الطبري قول من قال: هم الجن كان قوم من المشركين يعبدونهم لأن ~~عيسى وعزيرا ومريم لم يكونوا على عهد النبي [صلى الله عليه وسلم] فلا ~~يحسن دخولهم هنا في هذا المعنى. ### || [17.58-61] # قوله: { وإن [من] قرية إلا نحن مهلكوها } إلى قوله { ~~لمن خلقت طينا }. # المعنى: وما من أهل قرية إلا سيهلكون قبل يوم القيامة إما بعذاب أو ~~بموت. # وقيل معناه وإن من قرية مفسدة أو ظالمة إلا نحن مهلكوها. [وهو / قول ~~حسن] دليله [قوله تعالى]. # وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون # [القصص: 59] وله في القرآن نظائر. # { ذلك في الكتاب مسطورا }. # أي: في اللوح المحفوظ. وقيل في الكتاب الذي كتبه الله [عز وجل] للملائكة ~~فيه أخبار العباد الكائنة والتي لم تكن ليستدلوا بذلك على قدرته [جلت ~~عظمته]. # ثم قال تعالى: { وما منعنآ أن نرسل بالآيات }. # المعنى وما منعنا أن نرسل بالآيات [التي] اقترحتها قريش { إلا أن ~~كذب بها الأولون } فأهلكوا واستؤصلوا فلو أرسلت إلى هؤلاء ms1363 ~~بالآيات وكذبوا لأهلكوا واستؤصلوا، ففعل الله [عز وجل] بهم في ترك مجيء ~~الآيات التي سألوها فيه الصلاح. # وفي هذا ما يدل على أن الله جل ذكره أخر الآيات عن قريش، لئلا يكفروا ~~بها فيهلكوا كما فعل بالأمم قبلهم. فكان تأخيره لذلك لما علم أن منهم من ~~يؤمن ومنهم من يولد له من يؤمن. فأخر الآيات ليتم علمه فيهم. وعلم من ~~الأمم الأول أنه لا يؤمن أحد منهم، ولا يولد لأحد [منهم] من يؤمن فأرسل ~~الآيات فكفروا فأهلكوا. وأخر ذلك عن قريش ليتم ما علم منهم. وقد ظهرت ~~آيات على عهد النبي صلى الله عليه وسلم. فالمعنى في هذا: ما منعنا أن ~~نرسل بالآيات التي معها الاصطلام والهلاك لمن كذب بها، إلا أنا حكمنا على ~~كافري أمة محمد [صلى الله عليه وسلم] بعذاب الآخرة وألا يصطلموا بعذاب ~~الدنيا. وهو قوله # ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين # [الأنبياء: 107]. فالنبي صلى الله عليه وسلم رحمة للمؤمنين إذ أستنقذهم ~~من الضلال وهداهم إلى الإيمان، وهو رحمة للكافرين إذ أخر عذابهم ~~واصطلامهم إلى الآخرة. قال ابن عباس: # " سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبا، وأن ~~ينحي عنهم الجبال، فيزرعون فقيل له: " إن شئت أن تستأتي بهم لعلنا نجتني ~~منهم. وإن شئت أن نؤتيهم الذي سألوا، فإن كفروا أهلكوا كما أهلك من كان ~~قبلهم قال لا، بل استأني بهم فأنزل الله الآية " # وعلى هذا المعنى قول الحسن وابن جبير وقتادة، وهم أهل مكة. # ثم قال [تعالى] { وآتينا ثمود الناقة مبصرة }. # أي: وقد سأل[ت] الآيات من قبل محمد [صلى الله عليه وسلم] ثمود ~~فأتيناها ما سألت وجعلنا تلك الآية [ناقة] مبصرة، أي: ذات أبصار، أي: ~~مضيئة ظاهرة بمنزلة قوله: # والنهار مبصرا # [يونس: 67] أي: مضيئا. وقيل: معنى مبصرة مبينة. أي: تبين لهم صدق صالح ~~عليه السلام. # وقال مجاهد مبصرة [آية]. # ثم قال: { فظلموا بها }. # أي: فظلموا من أجلها لأنهم عقروها وكفروا بما جاءتهم فصار ظلمهم من ~~أجلها. وقيل: معناه فظلموا بتكذيبهم بها. # ثم ms1364 قال: { وما نرسل بالآيات إلا تخويفا }. # أي: وما نرسل بالعبر إلا تخويفا / للعباد. وقيل: الآيات هنا: [هي] آيات ~~القرآن. وقال الحسن: هو الموت الذريع. # وقال نفطويه: الآيات هنا ثلاث: آية تدل على النبوة ومعجزة. وآية عقوبة، ~~يعني: سؤال تبين فيها القدرة، وهاتان معه[م]ا النظرة، ومنه قوله: { ~~وما نرسل بالآيات إلا تخويفا } فهذه معها النظرة، ~~والثالثة: آية سألتها أمة غير ما جاءها به نبيها فهذه لا نظرة معها إذا ~~أعطيتها الأمة فكفرت بها أهلكت. # ثم قال تعالى: { وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس ~~}. # أي: واذكر يا محمد إذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس، وذلك أن الله جل ذكره ~~وعد نبيه صلى الله عليه وسلم أنه سيمنعه من كل من بغاه بسوء، فذكره هنا ~~ما قد قال له أولا. # ومعنى: { أحاط بالناس } أي: هم في قدرته وقبضته فلا يصلون إليك ~~يا محمد بسوء، فامض لما أمرت به [من] تبليغ الرسالة. قال الحسن: معناه: ~~أحاط لك بالعرب ألا يقتلوك، فعرف أنه لا يقتل. # ثم قال: { وما جعلنا الرءيا التي أريناك [إلا ~~فتنة للناس] }. # يعني: [ما أراه] ليلة أسري به افتتن بها قوم فارتدوا عن الإسلام. وهذا ~~مما يدل على أن الرؤيا التي كانت رؤيا عين لا رؤيا نوم. لأنها لو كانت ~~رؤيا نوم ما افتتن أحد بها ولا ارتد. لأن الإنسان يرى في نومه مثل هذا ~~وأبعد منه. فلما أخبرنا الله [عز وجل] أن الرؤيا كانت فتنة للناس، علمنا ~~أنها رؤيا عين. لأن من كان ضعيفا في الإسلام يستعظم الوصول إلى بيت ~~المقدس والرجوع منها في ليلة فيرتد بجهله، وقلة علمه. # وأيضا فإنها لو كانت رؤيا نوم، لم تكن بآية ولا فيها دلالة عن نبوة، ~~لأن سائر الناس، قد يرى في نومه ما هو أبعد من ذلك. # وعن ابن عباس: إن هذه الرؤيا المذكورة هنا هي رؤيا رءاها النبي صلى الله ~~عليه وسلم بالمدينة. رأى أنه يدخل مكة هو وأصحابه. فعجل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم السير إلى مكة قبل ms1365 الأجل. فرده المشركون. فقال ناس: قد رد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان حدثنا أنه سيدخلها، فاتتن قوم ~~بذلك. # والصحيح أن الرؤيا هنا ما رأى إذ أسري به. روي أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أصبح - غداة أسري به - على قريش فأخبرهم الخبر، فقال أكثرهم: إن ~~العير لتطرد شهرا من مكة إلى الشام مدبرة، وشهر مقبلة، فيذهب محمد ذلك ~~في ليلة واحدة ويرجع إلى مكة. # فارتد جماعة من الناس، فذلك الفتنة التي ذكر الله [عز وجل]. # ويروى # " أن الناس ذهبوا إلى أبي بكر [رضي الله عنه] فقالوا يا أبا بكر: صاحبك ~~يزعم أنه قد جاء هذه الليلة بيت المقدس وصلى فيه ورجع إلى مكة. / فقال ~~أبو بكر: تكذبون عليه. فقالوا: بل ها هو ذا في المسجد يحدث بها الناس. ~~فقال أبو بكر: والله لئن كان قالها لقد صدق، فما يعجبك من ذلك؟ فوالله ~~إنه ليخبرني أن الخبر ليأتيه من السماء إلى الأرض في ساعة من ليل أو نهار ~~فأصدقه، فهذا أبعد مما تعجبون منه. ثم أقبل أبو بكر حتى انتهى إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله أحدثت هؤلاء أنك جئت بيت المقدس ~~هذه الليلة؟ قال: نعم. قال: يا نبي الله، فصفه لي، فإني قد جئته. قال ~~الحسن، قال النبي صلى الله عليه وسلم: فرفع لي حتى إني نظرت إليه فجعل ~~رسول الله [صلى الله عليه وسلم] يصفه لأبي بكر وأبو بكر يقول: صدقت أشهد ~~أنك رسول الله [صلى الله عليه وسلم] كلما وصف له منه شيئا قال: صدقت ~~أشهد أنك رسول الله [صلى الله عليه وسلم] حتى إذا انتهى، قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم لأبي بكر: وأنت يا أبا بكر: الصديق. فيومئذ سماه الصديق " # وأنزل الله [عز وجل] فيمن ارتد عن إسلامه في ذلك الوقت الآية: { وما ~~جعلنا الرءيا التي أريناك } الآية. # وقيل: إنها رؤيا رآها النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة فغمته: رأى أن ~~بني أمية ينزون على منبره نزو القردة. فساءه ms1366 ذلك فما استجمع ضاحكا حتى ~~مات. # والقولان الأولان أحسن وأبين لأن هذه الرؤيا لو صحت ما كان فيها فتنة ~~لأحد. وقد أخبرنا الله أنه جعلها فتنة للناس. وأيضا فإن السورة مكية، ~~والرؤيا التي رآها في المنام بالمدينة كانت. # وقوله: { والشجرة الملعونة في القرآن }. # قال ابن عباس: هي شجرة الزقوم. وهو قول: [أبي] مالك، وعكرمة وابن جبير ~~والنخعي ومجاهد والضحاك. # وقال الحسن: كانت قريش يأكلون الثمر والزبد ويقولون تزقموا من هذه ~~الزقوم فوصفها الله [عز وجل] لهم في " والصافات ". # قال الحسن: قال أبو جهل وكفار قريش: أليس من كذب ابن أبي كبشة أنه ~~يوعدكم بنار تحترق فيها الحجارة ويزعم أنها تنبت فيها [ال]شجرة. # وعن ابن عباس: [إنها] الكشوتا. # وتقدير الآية: وما جعلنا الرؤيا التي أريناك في الاسرا بك، والشجرة ~~الملعونة في القرآن، إلا فتنة للناس، فكانت فتنة الرؤيا الارتداد، وفتنة ~~الشجر قول أبي جهل وأصحابه: يخبرنا محمد أن في النار شجرة نابتة والنار ~~تأكل الشجر. فزادت بذلك فتنة المشركين وبصيرة المؤمنين. # وإنما قال الملعونة: وهي لم تلعن في القرآن على معنى الملعون آكلها. # وقيل: إنما قيل ذلك: لأن العرب تقول: لكل طعم مكروه ملعون. # ثم قال { ونخوفهم }. # أي نخوف هؤلاء المشركين ونتوعدهم بالعقوبات فما يزيدهم تخويفنا إلا ~~طغيانا أي: تماديا في كفرهم كبيرا لأنهم لما خوفوا بالنار التي طعامهم ~~فيها الزقوم دعوا بالثمر / الزبد وقالوا تزقموا من هذا الزقوم. # ثم قال: { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لأدم }. # المعنى: واذكر يا محمد إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم، فسجدوا إلا إبليس ~~حسد آدم، وسخر منه، وقال: لا أسجد لمن خلقته من طين، وأنا مخلوق من نار. ~~والنار تأكل الطين. قال ابن عباس: بعث رب العالمين إبليس فأخذ من أديم ~~الأرض من عذبها وملحها فخلق منه آدم [صلى الله عليه وسلم]. فكل شيء خلقه ~~من عذبها فهو صائر إلى الجنة، وإن كان ابن كافرين، وكل شيء خلقه من ~~ملحها، فهوى صائر إلى النار، وإن كان ابن نبيين. ### || [17.62-65] # قوله: { قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي ms1367 } إلى ~~قوله: { وكفى بربك وكيلا }. # المعنى: قال إبليس أرأيتك يا رب هذا الذي كرمت على. أي: فضلته علي ~~وأمرتني بالسجود له { لئن أخرتن إلى يوم القيامة }. ~~أي: أخرت هلاكي إلى يوم القيامة، يريد النفخة الثانية، وهي التي لا يبقى ~~بعدها أحد إلا الله جل ذكره، فأتى الله [سبحانه] ذلك عليه. وقال إنك # من المنظرين * إلى يوم الوقت المعلوم # [الحجر: 37-38] وهي: النفخة الأولى التي يموت فيها جميع الخلائق. وبين ~~النفختين أربعون سنة. # قوله: { لأحتنكن ذريته إلا قليلا }. # أي: لأستولين عليهم، قاله: ابن عباس. وقال ابن زيد: لأحتنكن لأضلن. # فهو مأخوذ من قولهم: احتنك الجراد الزرع. إذا ذهب به كله. وقيل هو من ~~قولهم: حنك الدابة يحنكها إذا ربط حبلا في حنكها الأسفل وساقها، حكاه ~~ابن السكيت. وحكى: [احتنك] دابته بمعنى احنك، فيكون المعنى على هذا ~~الاشتقاق لأسوقنهم كيف شئت. وإنما قال إبليس هذا: لما قال الله [عز وجل] ~~{ إني جاعل في الأرض خليفة }. # ثم قال تعالى: { قال اذهب فمن تبعك منهم فإن ~~جهنم جزآؤكم }. # أي: اذهب فقد أخرتك إلى يوم القيامة، فمن تبعك من ذرية آدم وأطاعك { ~~فإن جهنم جزآؤكم } ، أي: جزاؤك وجزاؤهم، أي: ثوابك على ~~دعائك إياهم إلى معصيتي، وثوابهم على اتباعهم إياك { جزاء موفورا ~~} أي: مكملا. # وقال مجاهد: " موفورا " [أي] موفرا. وقيل موفورا مكملا. # ثم قال تعالى: { واستفزز من استطعت منهم بصوتك }. ~~المعنى: واستخف من استطعت منهم، واستجهل ونحوه. ومعنى " بصوتك ": عند ~~مجاهد أنه صوت الغناء واللعب. وقيل معناه: بدعائك إياهم إلى طاعتك. وقال ~~ابن عباس: صوته كل داع دعا إلى معصية الله [سبحانه]، وهو قول قتادة. ~~وقيل: صوت المزمار. # وقيل: هو كل متكلم من غير ذات الله [عز وجل] فهو صوت الشيطان، وكل راكض ~~في غير ذات الله [سبحانه] فهو من [خيل] الشيطان. وكل ماش في غير ذات الله ~~[جلت عظمته] فهو من رجل الشيطان. # وقيل معنى: { وأجلب عليهم بخيلك ورجلك } ، أي: أجمع ~~عليهم / من ركبان جندك ومشاتهم يدعونهم إلى طاعتك، يقال: قد أجلب فلان ~~على فلان ms1368 إجلابا إذا صاح عليه، والجلبة الصوت. # وقال قتادة: إن له خيلا ورجلا جنودا من الجن والإنس يطيعونه. وقال ~~ابن عباس: خيله كل راكب في معصية الله [سبحانه] ورجله كل راجل في معصية ~~الله [تعالى]. # ثم قال [تعالى] { وشاركهم في الأموال والأولاد }. يعني: ~~الأموال التي أصابوها من غير حلها. قاله مجاهد. وقال الحسن: هي أموال ~~أعطاها الله [عز وجل] لهم فأنفقوها في طاعة الشيطان. وقيل: هو ما كان ~~المشركون يحرمونه من أموالهم يجعلونه لغير الله [سبحانه] مثل البحائر ~~والوصائل والحامي وغير ذلك، روي ذلك عن ابن عباس، وقال الضحاك: هو ما كان ~~المشركون يذبحون لآلهتهم. # فأما مشاركته في الأولاد لهم. فقال ابن عباس: يعني أولاد الزنا، وهو قول ~~مجاهد والضحاك. وعن ابن عباس أيضا أنه قتلهم لأولادهم، وقال قتادة: هو ~~إدخالهم أولادهم في دينهم وما يعتقدون من الكفر، وهو قول الحسن. # وعن ابن عباس، أيضا: أنه تسميتهم أولادهم عبد الحارث وعبد شمس وعبد ~~العزيز. # ثم قال تعالى: { وعدهم } # أي: عدهم النصر على من أرادهم بسوء # ثم قال: { وما يعدهم الشيطان إلا غرورا }. # أي: ما يغني عنهم من عذاب الله [عز وجل] من شيء. وهذا كله من الله وعيد ~~وتهديد لإبليس عليه اللعنة. ومثله # اعملوا ما شئتم # [فصلت: 40]. وقيل: إنما أتى هذا على وجه التها[ون] بإبليس وبمن اتبعه. # ثم قال: { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان }. # أي: إن الذين أطاعوني واتبعوا أمري { ليس لك عليهم سلطان ~~} " أي: حجة. # وقيل: الآية عامة في كل الخلق فلا حجة [له] على أحد من الخلق توجب أن ~~يقبل منه، هذا قول: ابن جبير. # وقيل: المعنى أن كل الخلق لا تسلط لك عليهم إلا بالوسوسة. # ثم قال تعالى: { وكفى بربك وكيلا }. # أي: وكفى بربك يا محمد حافظا لك. وقال قتادة: " وكيلا ": كافيا عباده ~~المؤمنين. وقيل: معناه منجيا مخلصا من الشيطان. ### || [17.66-70] # قوله: { ربكم الذي يزجي لكم الفلك } إلى قوله: { ~~ممن خلقنا تفضيلا }. # هذا خطاب للمشركين يذكرهم الله [عز وجل] نعمه عليهم، فالمعنى: ربكم أيها ~~القوم، هو { الذي ms1369 يزجي لكم الفلك } أي: يسير لكم الفلك، وهي ~~السفن { في البحر لتبتغوا من فضله } أي: لتتوصلوا ~~بالركوب فيها إلى أماكن تجارتكم ومطالبكم ولتلتمسوا رزقه { إنه كان ~~بكم رحيما } إذ سخر لكم ذلك وألهمكم إليه. # قال ابن عباس يزجي: يجري، وقال قتادة: يسير. # ثم قال تعالى: { وإذا مسكم الضر في البحر ضل من ~~تدعون إلا إياه }. # أي: وإذا نالتكم الشدة والجهد من عصوف الريح أو خوف غرق، فقدتم من تدعون ~~/ من دون الله [سبحانه] أي: فقدتم آلهتكم لخلاصكم، ولم تجدوا غير الله ~~[عز وجل] مغيثا إذا دعوتموه. # { فلما نجاكم إلى البر أعرضتم }. # أي: فلما نجاكم [الله سبحانه] من هول ما كنتم فيه وشدته أعرضتم عما ~~دعاكم إليه من خلع الآلهة، وإفراد العبادة له، كفرا منكم بنعمته. # { وكان الإنسان كفورا } أي: كفورا لنعم ربه [عز وجل]. # فالإنسان هنا يراد به الكافرين خاصة. # ثم قال: { أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر }. # المعنى: أفأمنتم أيها الكفار نقم الله [سبحانه] بعد إذ أنجاكم من كربكم ~~أن يخسف الله [عز وجل] بكم في جانب البر كما فعل بقارون وبداره { أو ~~يرسل عليكم حاصبا } أي: حجارة من السماء تقتلكم كما فعل بقوم ~~لوط { ثم لا تجدوا لكم وكيلا } أي: فيما يقوم لكم ~~بالمدافعة عنكم من عذاب الله [عز وجل] " ولا ناصرا ". # وقال أبو عبيدة: " حاصبا " هنا: ريح عاصفة تحصب، أي: ترمي بالحصباء من ~~قوتها، وقيل: الحاصب: التراب فيه حصى. والحصباء الحصى الصغار. # ثم قال: { أم أمنتم أن يعيدكم فيه }. # [أي: في البحر] " تارة أخرى " أي: مرة أخرى { فيرسل عليكم ~~قاصفا من الريح } وهي التي تقصف ما مرت به فتحطمه وتدقه. من ~~قولهم: قصف فلان ظهر فلان إذا كسره. # { فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا ~~به تبيعا } أي: تابعا يتبعنا بما فعلنا بكم. # ثم قال: { ولقد كرمنا بني ءادم وحملناهم }. # أي: فضلناهم بتسليطنا إياهم على سائر الخلق فيسخرونهم كالفلك والدواب، ~~يدل عليه قوله: { وحملناهم في البر والبحر }. # ثم قال: { ورزقناهم من الطيبات }. # [أي: من طيبات] المطاعم ms1370 والمشارب. وقيل: هي [الحلال. وقيل: ذلك] السمن ~~والعسل. وهو قول شاذ. # ثم قال: { وفضلناهم على كثير ممن خلقنا ~~تفضيلا }. # فقوله: " على كثير " ولم يقل: " على كل من خلقنا " يدل على أن الملائكة ~~أفضل من بني آدم. وقيل: تفضيل بني آدم هنا هو أن الإنسان يمشي قائما وكل ~~الحيوان يمشي مكبا. وأن ابن آدم يتناول الطعام بيده والحيوان آكل بفيه. ~~وفضل وفضل بما أعطي من التمييز وبصر من الهدى. وقال ابن عباس: فضلوا ~~بأنهم يأكلون بأيديهم والبهائم تأكل بأفواهها. ### || [17.71-72] # قوله: { يوم ندعوا كل أناس بإمامهم } إلى قوله { ~~وأضل سبيلا }. # أي: واذكر يا محمد يوم ندعو. # ومعنى " [ب]إمامهم: نبيئهم الذي أرسل إليهم. قاله: ابن عباس ومجاهد ~~وقتادة. # وعن ابن عباس أيضا: [أن] الإمام هنا، كتاب عمل الإنسان مثل قوله: # وإنهما لبإمام مبين # [الحجر: 79] " وكذلك قال الحسن وأبو صالح وأبو العالية. # وقال ابن زيد: " بإمامهم " بكتابهم الذي أنزل إليهم. # وعن ابن عباس: " بإمامهم " بداعيهم الذي دعاهم إلى الهدى أو الضلالة. # [و] قال أبو العالية: " بإمامهم " بأعمالهم. # ثم قال: { فمن أوتي كتابه بيمينه }. # أي: من أعطي كتاب عمله بيمينه لم يظلم من جزاء عمله الصالح مقدار فتيل. ~~وهو الخيط الذي في وسط النواة. /. # واختار الطبري أن يكون الإمام هنا: الذي كانوا يعبدونه في الدنيا. # وقال النحاس: الناس يدعون في الآخرة بهذا كله، يدعون بنبيهم، فيقال: أين ~~أمة محمد؟ وبكتابهم، فيقال: أين أمة القرآن؟ وبعملهم، فيقال: أين أصحاب ~~الورع؟ وكذا الكفار يدعون بضد هذا: أين أمة فرعون؟ وأين أصحاب الربا؟ وفي ~~هذا مدح للمؤمنين على رؤوس الناس وذم للكافرين. # وروي أن المؤمن يمد يمينه سهلا، ويتناول كتابه بالسهولة، وأن المشرك ~~يمد يمينه ليأخذ كتابه فيجتدبه ملك فيخلع يمينه فيتناول كتابه بشماله. # ثم قال [تعالى]: { ومن كان في هذه أعمى }. # أي: في الدنيا يريد عمى العين عن الهدى فهو في الآخرة أعمى منه في ~~الدنيا [يريد] أنه يكون في الآخرة أعمى العين والقلب. وعلله أبو عمرو في ~~إمالته الأول دون الثاني: أنه أراد أن يفرق ms1371 بين المعنين: فأمال عمى العين ~~وفتح عمى القلب للفرق. # وكان عمى القلب بالفتح أولى، لأن الألف فيه [في] حكم المتوسط[ة] إذ ~~تقديره: أعمى: منه في الدنيا. # وافعل الذي معه من هي من تمامه ولذلك صرف بعض العرب كل ما لا ينصرف إلا ~~افعل منك لأن منك من تمامه، وهو مذهب الكوفيين، فلما كانت منك من تمامه ~~صارت بمنزلة المضاف إليه، والمضاف إليه لا يدخله التنوين فامتنع [افعل] ~~منك من الصرف لذلك. # ويدل على أن الثاني من عمى القلب. أنه لو كان من عمى العين لم يقل فيه ~~إلا: هو أشد أعمى من كذا لأن فيه معنى التعجب. # ومذهب المبرد: أنه لا إضمار مع أعمى الثاني من ولا غيرها ولا معنى ~~للتعجب فيه والثاني عنده من عمى العين كالأول. # قال سيبويه والخليل: لم يقولوا: ما أعماه، من عمى العين، لأنه خلقه ~~بمنزلة اليد والرجل، فكما لا يقال: ما إيداه، لا يقال: ما أعماه. # وقال الأخفش: لم يقل ذلك، لأن فعله على أكثر من ثلاثة. والأصل فيه " ~~اعماي. # ولا يتعجب مما جاوز الثلاثة على لفظه. لا بد من: " أشد " و " أبين " ~~ونحوه. لأن الهمزة لا تدخل على الهمزة فلا يكن بد من فعل ثلاثي تدخل عليه ~~الهمزة. فأتى بأبين وأشد وأكثر ونحوه مما فيه المعنى المطلوب. # وقيل: إنما لم يقل: " ما أعماه " من عمى العين، ليفرق ما بينه وبين " ما ~~أعماه " من عمى القلب. وكذلك لم يقولوا: ما أسوده. من اللون، للفرق بينه ~~وبين ما اسوده من السؤدد، ثم اتبع سائر الباب على ذلك، لئلا يختلف. # وأجاز الفراء في الكلام والشعر ما أبيضه، وحكي عن قوم جواز ما أعماه و ~~[ما] أعشاه من عمى العين، قال لأن فعله [من] عمي وعشي فهو ثلاثي. # وتحقيق معنى الآية: ومن كان في هذه الدنيا أعمى عن الهدى والإسلام. فهو ~~في الآخرة أشد عمى عن الرشد، وما يكسبه رضى ربه [عز وجل] والوصول إلى ~~جنته [تبارك وتعالى]. # وقيل المعنى: / من كان في هذه الدنيا أعمى عن ms1372 هذه النعم التي تقدم ~~ذكرها: من تفضيل بني آدم وغير ذلك، فهو في نعم الآخرة أعمى وأضل سبيلا. ~~لأنه إذا عمي عما يعانيه في الدنيا من النعم، فهو مما يعاينه من نعم ~~الآخرة أعمى أيضا، وأضل سبيلا. وقال ابن عباس: معناها: من عمي عن قدرة ~~الله في هذه الدنيا فهو في الآخرة أشد عمى. وكذلك قال: مجاهد. # وقال قتادة: معناها من كان في هذه الدنيا أعمى عن الإيمان بالله [عز ~~وجل] وتوحيده [سبحانه] مع ما عاين فيها من نعم الله وخلقه [عز وجل] ~~وعجائبه وما أراه الله [عز وجل] من خلق السماوات والأرض والجبال ~~[والنجوم]، فهو في الإيمان بالآخرة الغائبة عنه - التي لم يرها - أشد عمى ~~وأضل سبيلا. وهو قول ابن زيد. # ومعنى: { وأضل سبيلا } وأضل طريقا منه في أمر الدنيا التي قد ~~عاينها ورءاها. # وهذا القول حسن مختار. لأن من لم يؤمن في الدنيا [بالله عز وجل] مع ما ~~يرى من الآيات الظاهرة الدالات على توحيد الله [سبحانه] فهو أحرى ألا ~~يؤمن بالآخرة التي لم يعاين أمرها وإنما هو خبر غائب عنه دعي [إلى] ~~التصديق به. ### || [17.73-76] # قوله: { وإن كادوا ليفتنونك } إلى { خلافك إلا ~~قليلا }. # هذه الفتنة، التي ذكرها الله [عز وجل] هنا، هي أن المشركين منعوا النبي ~~صلى الله عليه وسلم من استلام الحجر، وقالوا له: لا ندعك حتى تلم ~~بآلهتنا. فحدث نفسه النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وقال [عز وجل] يعلم ~~أني لها كاره فأنزل الله [عز وجل]: { وإن كادوا ليفتنونك } ~~الآية. # وقال قتادة: أطافوا به ليلة فقالوا أنت سيدنا وابن سيدنا وأرادوه على ~~موافقتهم على بعض ما هم عليه فهم أن يقاربهم فعصمه الله [عز وجل] فذلك ~~قوله: { لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا }. وقال ~~مجاهد: قالوا له إيت آلهتنا فامسسها فذلك قوله: { لقد كدت ~~تركن إليهم شيئا قليلا }. # وقيل: إنما ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم هم أن ينظر قوما بإسلامهم ~~إلى مدة سألوه الإنظار إليها. قاله: ابن عباس. وهو ثقيف، سألوا النبي ms1373 ~~[عليه السلام] أن ينظرهم سنة حتى يهدى إلى آلهتهم الهدي. قالوا له: فإذا ~~قبضنا الهدي الذي يهدى لآلهتنا [أ]سلمنا وكسرنا الآلهة فهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن يطيعهم على ذلك فأنزل الله [عز وجل] الآية. # وقيل: إنما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: اطرد عنا هؤلاء السقاط ~~والموال[ى] الذين آمنوا بك حتى نج[ل]س معك ونستمع منك. فهم النبي ~~[صلى الله عليه وسلم]. بذلك طمعا منه أن يؤمنوا فأنزل الله [عز وجل] ~~الآية. # وقوله: { وإذا لاتخذوك [خليلا] }. # أي: لو فعلت يا محمد ما دعوك إليه من الفتنة لاتخذوك خليلا وكانوا لك ~~أولياء. # والوقف على " إذا " بالنون عند المبرد لأنها بمنزلة أن. # وقال بعض النحويين الوقف عليها بالألف في كل / موضع كما تقف على النون ~~الخفيفة بالألف إذا انفتح ما قبلها. وقال بعض النحويين: إذا لم تعمل ~~شيئا وقفت عليها بالألف، وإذا عملت وقفت عليها بالنون. # ثم قال تعالى: { ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن ~~إليهم شيئا قليلا }. # أي: لولا أن عصمناك عما دعاك إليه المشركون من الفتنة لقد كدت تميل ~~إليهم شيئا قليلا. # ولما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين ". # حكى ابن الأنباري عن [بعض] أهل اللغة أنهم قالوا: ما قارب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إجابتهم ولا ركن إليهم قط. وقالوا: " كدت تركن إليهم " ~~ظاهره خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم وباطنه خبر عن ثقيف. وتلخيصه وإن ~~كادوا ليركنونك. أي: فقد كادوا يخبرون عنك أنك تميل إلى قولهم فنسب إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فعل ثقيف على جهة الاتساع والمجاز والاختصار. # كما يقول الرجل للرجل كدت تقتل نفسك يعني كاد الناس يقتلونك بسبب ما ~~فعلت. فنسب القتل إلى المخاطب وهو لغيره. ومنه قولهم لأريتك ها هنا. ~~فادخلوا حرف النهي على غير المنهي عنه. وتلخيص هذا الكلام لا يحضر هذا ~~المكان حتى إذا أتيته لم أجدك فيه. ومثله # فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون # [البقرة: 132] دخل النهي على الموت ms1374 والموت لا يملك ولا يدفع. وتلخيصه لا ~~تفارقوا الإسلام حتى إذا أتاكم الموت صادفكم مسلمين. # ثم قال [تعالى] { إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف ~~الممات }. # أي لو ركنت إلى هؤلاء المشركين فيما سألوك فيه لأذقناك ضعف عذاب الدنيا ~~وضعف عذاب الآخرة. قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك. # ثم قال: { ثم لا تجد لك علينا نصيرا }. # أي لا تجد يا محمد، لو أذقناك ذلك، من ينصرك علينا فيتمنعنا من عذابك. # فأخبر الله تعالى ذكره: بأن العقاب بالأنبياء مثل الثواب لهم في ~~الأضعاف. وقد قال في نساء النبي صلى الله عليه وسلم # نؤتهآ أجرها مرتين # [الأحزاب: 31] وقال: # يضاعف لها العذاب ضعفين # [الأحزاب: 30]. # ثم قال: { وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ~~ليخرجوك منها }. # أي: إن كاد هؤلاء المشركون أن يستخفونك من الأرض التي أنت فيها ليخرجوك ~~منها، ولو أخروجك منها لم يلبثوا خلفك فيها إلا قليلا. # قيل: إنهم [هم] اليهود. أرادوا أن يحتالوا على النبي صلى الله عليه وسلم ~~في الخروج من المدينة. وقالوا له إن أرض الأنبياء أرض الشام. وإن هذه ~~ليست بأرض نبيء فأنزل الله [عز وجل] الآية. قال هذا المعتمر بن سليمان عن ~~أبيه. # وقيل: هم قريش أرادوا إخراج النبي [صلى الله عليه وسلم] من مكة قاله ~~قتادة. و [قال]: قد فعلوا / ذلك بعد، فأهلكهم الله [عز وجل] يوم بدر: ~~وكانت سنة الله [عز وجل] في الرسل إذا فعل بهم قومهم مثل ذلك. # وقال الحسن: همت قريش بإخراج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة فأراد ~~الله [عز وجل] نفي قريش فأمره الله [عز وجل] أن يخرج منها مهاجرا إلى ~~المدينة فخرج بأمر الله [عز وجل] ولو أخرجوه هم لهلكوا كما قال: { ~~وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا }. # وقيل: الأرض هنا أريد بها أرض الحجاز. وقيل: مكة، وعليها أكثر المفسرين. ~~وقيل: المدينة، وفيه بعد. لأن السورة مكية ولم يكن النبي [عليه السلام] ~~في المدينة عند نزول هذه الآية، فالأرض: يعني: بها مكة أحسن وأولى. # وقوله: { إلا قليلا } أي: [إلا] وقتا قليلا. وهو ms1375 ما أقاموا بمكة ~~بعده من حيث خرج عنهم إلى وقعة بدر. قاله: ابن عباس والضحاك. # و " خلفك ": معناه: بعدك. ومن قرأ " خلافك " فهي لغة فيه. وقيل معناه: ~~مخالفتك، قاله الفراء. # وإذن: حرف نظيره في الأفعال، أرى وأظن. فإذا تقدم عمل، وإذا تأخر أو ~~توسط لم يعمل لضعفه عن قوة الفعل. # ولقوة الفعل جاز عمله متوسطا ومتأخرا وإلغاؤه. وإذا كانت إذن مبتدأة ~~عملت. فإن كانت بين كلامين لم تعمل. فإن كان قبلها حرف عطف جاز الأعمال ~~والإلغاء، ولذلك لم تعمل في " لبثوا ". وفي مصحف عبد الله " وإذا: لا ~~يلبثون خلفك " اعمل إذن في الفعل فهذا حالها مع حرف العطف. # ومعنى إذن: إن كان الأمر كما ذكرت، أو كما جرى بقول القائل: زيد يأتيك، ~~فتقول: إذن أكرمه. أي إن كان الأمر كما ذكرت وقع إكرامه مني. فإكرامه ~~والفعل منصوب بعد إذن بأن الضمير في التقدير. هذا مذهب حكي عن الخليل ~~وسيبويه. # ويروى: أن إذن هي الناصبة للفعل [لأنها] لما يستقبل لا غير. ### || [17.77-78] # قوله: { سنة من قد أرسلنا } إلى قوله: { كان مشهودا ~~}. # سنة منصوب على المصدر، أي: سن الله [عز وجل] أن من أخرج نبيا من مكان ~~لا يلبث فيه خلفه إلا قليلا سنة. # قال قتادة: معناه: سنة أمم الرسل قبلك، كذلك إذا كذبوا رسلهم ~~وأخرجوهم لم يمهلوا حتى بعث الله [عز وجل] عليهم عذابه. # وقال الفراء: معناه: لا يلبثون خلفك إلا قليلا كسنة من قد أرسلنا. فلما ~~حذف الكاف نصب، فعلى القول الأول: يجوز الابتداء بها، وعلى قول الفراء: ~~لا يحسن الابتداء بها. # ثم قال: { أقم الصلاة لدلوك الشمس }. # قال ابن مسعود: هي صلاة المغرب، ودلوك الشمس وقت غروبها. وكذلك روي عن ~~ابن عباس وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما. وكذلك روى ابن زيد عن أبي. # وروى الشعبي عن ابن عباس: [أن] دلوك الشمس ميلها للزوال والصلاة. صلاة ~~الظهر. وكذلك روى نافع عن ابن عمر. وهو قول: الحسن والضحاك وقتادة ~~ومجاهد. وروي ذلك عن أبي هريرة. # والدلوك في اللغة الميل. ms1376 وقال أبو عبيدة: دلوكها / من حين تزول إلى أن ~~تغيب. وقال القتبي: العرب تقول دلك النجم إذا غاب. فاختياره [هو] قول من ~~قال: هو غروب الشمس. واختيار الطبري قول من قال: دلوكها ميلها للزوال. # وقد روي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أتاني جبريل لدلوك الشمس حين زالت: فصلى بي الظهر ". # وقيل معنى: { أقم الصلاة لدلوك الشمس } عني بذلك: الظهر ~~والعصر. # وقوله: { إلى غسق اليل }. # غسق الليل إقباله ودنوه بظلامه. قال[ه] ابن عباس وعكرمة ومجاهد. # وقال قتادة: غسق الليل صلاة المغرب. وقال الضحاك غسق الليل إظلامه؟ ~~فيدخل تحت دلوك الشمس صلاة [الظهر] والعصر وتحت غسق الليل صلاة العشاء. # ثم قال: { وقرآن الفجر }. # أي: وألزم قرآن الفجر. فهو منصوب على الإغراء، وهو مذهب الأخفش. وقيل ~~معناه: وأقم قرآن الفجر. فمن نصب بإلزام حسن الابتداء به. ومن نصب بأقم ~~جعله معطوفا على ما قبله وهو أقم الصلاة. فلا يحسن الابتداء به لأنه ~~معطوف على ما قبله. # " وقرآن الفجر " صلاة الصبح، " كان مشهودا " أي تشهده ملائكة الليل ~~والنهار. وسميت الصلاة قرآنا لأنها لا تكون إلا بقرآن. وهذا يدل على أن ~~الصلاة لا تكون إلا بقرآن. وأنه فرض في الصلاة لأنه كله مأمور به في هذه ~~الآية. والنهار عند الخليل: ضياء ما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس. ### || [17.79-80] # قوله: { ومن الليل فتهجد به نافلة لك } إلى ~~قوله: { سلطانا نصيرا }. # معناه: ومن الليل يا محمد فاسهر بالقرآن { نافلة لك } أي: خاصة ~~لك دون أمتك. والتهجد: التيقظ، والسهر بعد نومة من الليل، والهجود: ~~النوم. يقال: تهجد زيد إذا سهر، وهجد إذا نام. # قال علقمة والأسود: التهجد بعد نومة. # وقال الحسن: التهجد ما كان بعد العشاء الآخرة. # قال ابن عباس معنى: " نافلة لك ": فرضا عليك. فرض الله ذلك على النبي ~~صلى الله عليه وسلم. وقيل: إنما قيل له: " نافلة لك " لأنه لم يكن فعله ~~ذلك ليكفر عنه شيئا من الذنوب. فهو نافلة للنبي [عليه السلام] لأنه قد ~~غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ms1377 فهو نافلة له لأنه لا ذنب له، يكفر ~~بنوافله، وهو لأمته كفارة لذنوبهم، قال ذلك مجاهد. # وقول ابن عباس: أولى. لأن هذه السورة نزلت بمكة وسورة الفتح إنما نزلت ~~بعد منصرفه من الحديبية، فنزل عليه الأمر بالنافلة قبل معرفته بأن الله ~~[عز وجل] قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. فواجب أن يكون ذلك فرضا ~~عليه خاصة. خصه الله [عز وجل] به، لأن الصلاة بالليل أفضل أعمال الخير / ~~فحض الله [سبحانه] نبيه صلى الله عليه وسلم على أفضل الأعمال. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " أفضل الصلاة بعد الصلاة المفروضة الصلاة بالليل ". # وقال عليه السلام: # " عليكم بالصلاة بالليل فإنها دأب الصالحين قبلكم، وهو قربة إلى الله ~~[عز وجل]، وكفارة للسيئات ". # وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار ". # وقال: # " صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبورا ". # وقال [النبي] عليه السلام: # " صلوا بالليل ولو ركعتين. ما من أهل بيت تعرف لهم صلاة إلا ناداهم ~~مناديا أهل الدار: قوموا إلى صلاتكم ". # وفضل الصلاة بالليل عظيم جسيم إليه انتهت العبادة وقد قال صلى الله عليه ~~وسلم: # " إن في الليل ساعة لا يوافقها عبد مسلم سأل الله خيرا وهو يصلي إلا ~~أعطاه وهي في كل ليلة ". # ثم قال [تعالى]: { عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ~~}. # وعسى من الله واجبة، لأن الله [عز وجل] لا يدع أن يفعل بعباده ما أطمعهم ~~به من الجزاء على أعمالهم لأنه ليس من عادته الغرور ولا من صفته. # والمقام المحمود: هو الشفاعة. قاله: ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن جريج ~~والحسن. # وقال حذيفة: يجمع الله [عز وجل] الناس في صعيد واحد، يسمعهم الداعي ~~وينفذهم البصر، حفاة عراة كما خلقوا، سكوتا لا تكلم نفس إلا بإذنه، ~~فينادي محمدا صلى الله عليه وسلم فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك، ~~والشر ليس إليك، والمهتدي من هديت، وعبدك بين يديك، ولك وإليك، لا ملجأ ~~ولا منجى منك إلا إليك تباركت وتعاليت سبحانك رب البيت ms1378 ". # قال: فذلك المقام المحمود الذي ذكر الله جل ذكره. # وعن ابن عباس أنه قال: بلغنا أنه إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار ~~النار بقيت آخر زمرة من زمرة الجنة وآخر زمرة من زمر النار، فتقول زمرة ~~النار لزمرة الجنة: أما نحن فحسبنا ما علم الله [عز وجل] في قلوبنا من ~~الشك والتكذيب فما ينفعكم إيمانكم فإذا قالوا لهم ذلك دعوا ربهم [عز وجل] ~~وصاحوا بأعلى أصواتهم، فيسمع أهل الجنة أصواتهم فيسألون آدم الشفاعة لهم. ~~فيأبى عليهم. ثم يمضون من نبي إلى نبي فكلهم يعتذر حتى يأتوا محمدا صلى ~~الله عليه وسلم [فيشفع لهم] فذلك المقام المحمود وحديث الشفاعة مختلف ~~الألفاظ طويل ذكرنا منه ما يليق بالكتاب. # وعن مجاهد من رواية ليث، عنه أنه قال: المقام المحمود يجلسه معه على ~~عرشه. # و [عن] النبي عليه السلام في قوله: " مقاما محمودا " أنه قال: # " هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي " # رواه أبو هريرة عنه. # وروى كعب بن مالك أن النبي عليه السلام قال: # " يحشر الناس يوم القيامة [فأكون أنا وأمتي] على تل فيكسوني ربي حلة ~~خضراء ثم يؤذن لي فأقول ما شاء الله أن أقول، فذلك المقام المحمود ". # قال عبد الله بن عمر: أن النبي عليه السلام قال: # " إن الشمس لتدنو حتى يبلغ العرق نصف الأذن فبينما هم كذلك استغاثوا ~~بآدم فيقول: لست / بصاحب ذلك. ثم بموسى فيقول: كذلك. ثم بمحمد فيمشي بين ~~الخلق حتى يأخذ بحلقة الجنة فيومئذ يبعثه الله المقام المحمود ". # وروي: عن عبد الله بن سلام أنه قال: " إن محمدا عليه السلام يوم ~~القيامة على كرسي للرب بين [يدي] الرب جل وعز. فهذا قول مجاهد. # وقيل المقام المحمود: هو المقام الذي يحمده فيه الأولون والآخرون يشرف ~~فيه على جميع الخلائق: يسأل فيعطى ويشفع، ليس أحد يوم القيامة إلا تحت ~~لواء محمد صلى الله عليه وسلم. # ثم قال تعالى: { وقل رب أدخلني مدخل صدق ~~[وأخرجني مخرج صدق] }. # يعني: مدخله المدينة حين هاجر إليها وخروجه من مكة. قال ذلك: ابن عباس ms1379 ~~والحسن وقتادة وابن زيد. ودل على هذا ما تقدم من قوله: # وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها # [الإسراء: 76]. # وعن ابن عباس أيضا: { أدخلني مدخل صدق } أمتني إماتة صدق ~~وأخرجني بعد الممات مخرج صدق. # وقال مجاهد: يعني به: أدخلني فيما أرسلتني به مدخل صدق، وأخرجني مخرج ~~صدق من الدنيا. # وعن الحسن أيضا: { أدخلني مدخل صدق } الجنة، وأخرجني مخرج ~~صدق مكة. # وقال الضحاك: معناه أخرجني من مكة آمنا، وأدخلني إياها آمنا وهو يوم ~~الفتح. # وقال أبو صالح: { مدخل صدق } الإسلام. # وقيل معناه: أدخلني مكة بالعز والقوة والقدرة والحجة على جميع من خلقت ~~وأخرجني من مكة إلى المدينة لا ألقى إلا مؤمنا ومجيبا. ومعنى { ~~مدخل صدق }: [مدخل] سلامة وحسن عاقبة. فجعل الصدق موضع الأشياء ~~الجميلة. # ثم قال تعالى: { واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا }. # أي: حجة تنصرني بها على من ناوأني، وعزا أقيم به دينك، وملكا تقوى به ~~أمتي. قاله: الحسن، قال: يوعده الله [عز وجل] لننزعن ملك فارس عن فارس ~~ولنجعلنه لك، وعن الروم ولنجعلنه لك، أي لأمتك. # وقيل معناه: حجة بينة، قاله مجاهد. قال ابن زيد: نصيرا ينصرني. ### || [17.81-84] # قوله: { وقل جآء الحق وزهق الباطل } إلى قوله { ~~أهدى سبيلا }. # أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين. جاء الحق وهو القرآن، وزهق الباطل وهو ~~الشيطان. قاله قتادة. # وقال ابن جريج: جاء الحق: هو قتال المشركين، وزهق الباطل. أي: الشرك ~~الذي هم عليه. # وقيل معناه: أن الله جل ذكره أمر نبيه عليه السلام أن يقول هذا إذا دخل ~~مكة على الأصنام. فقال ذلك حين دخل مكة فخرت الأصنام كلها وأمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم بخرقها. # وقال ابن مسعود: دخل النبي عليه السلام مكة وحول الكعبة ثلاث مائة وستون ~~صنما. فجعل يطعنها ويقول: { جآء الحق وزهق الباطل إن ~~الباطل كان زهوقا }. # ومعنى زهق ذهب. # ثم قال: { وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة ~~للمؤمنين }. # أي ما يستشفي به المؤمنون ورحمة لهم دون الكافرين. وهو شفاء في الدين ~~لما فيه من الدلائل الواضحة والحجج ms1380 الظاهرة / لا يلحق المؤمن ريب في ~~التوحيد معه. # و (من): هنا لبيان الجنس، وليست للتبعيض. فإذا كانت لبيان الجنس كان ~~القرآن كله شفاء للمؤمنين لأنهم يهتدون به. ولو كانت [من] للتبعيض لكان ~~بعض القرآن شفاء وبعضه غير شفاء وهذا لا يحسن. # وقيل: المعنى وننزل من جهة القرآن الشيء الذي فيه شفاء. فمن غير مبعضة، ~~إذ القرآن كله شفاء للمؤمن في دينه ليس بعضه شفاء وبعضه غير شفاء. # وقوله: { ولا يزيد الظالمين إلا خسارا }. # أي: إلا هلاكا لأنهم يكفرون به فيزدادون خسارا. # ثم قال: { وإذآ أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى ~~بجانبه }. # معناه: وإذا أنعمنا على الإنسان فنجيناه من غم ومن كرب أعرض عن ذكر الله ~~وتباعد بناحيته. ومعنى " نأى ": بعد، قال مجاهد: " نأى بجانبه ": تباعد ~~منا. # ثم قال [تعالى] { وإذا مسه الشر [كان يئوسا] }. # أي: إذا مسه الشر والشدة قنط. قال قتادة: " إذا مسه الشر " يئس وقنط، ~~يعني بذلك: المشرك ينعم عليه وهو يبعد من الإيمان بمن أنعم عليه، وإذا ~~أصابه ضر وفقر يئس من رحمة الله [سبحانه]. # وقيل: إنها نزلت في الوليد بن المغيرة ثم هي في كل من هو مثله من ~~الكفار. # ثم قال: { قل كل يعمل على شاكلته }. # أي: قل للناس يا محمد، كلكم يعمل على طريقته ومذهبه. وقال ابن عباس: على ~~ناحيته. وقال مجاهد: على حدته. وقال [ابن] زيد: على دينه. # ثم قال: { فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا }. # أي: أهدى طريقا إلى الحق من غيره. # وقيل: معنى الآية كل يعمل على ما هو أشكل عنده وأولى بالصواب. فربكم ~~أعلم بمن هو أهدى طريقا إلى الصواب من غيره. # وقيل: يعمل على شاكلته أي على النحو الذي جرت به عادته وطبعه. ### || [17.85-87] # قوله { ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي ~~} إلى قوله { [كان] عليك كبيرا }. # المعنى: ويسألك يا محمد، كفار أهل الكتاب عن الروح، قل لهم يا محمد ~~الروح من أمر ربي. # قال ابن مسعود: كنت مع النبي في حرث بالمدينة، ومعه عسيب يتوكأ عليه. ~~فمر بقوم ms1381 من اليهود فقال بعضهم: سلوه عن الروح. وقال بعضهم: لا تسألوه. ~~فسألوه عن الروح، فقام متوكئأ على عسيبه فقمت خلفه، فظننت أنه يوحى إليه. ~~فقال: { ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي ~~ومآ أوتيتم من العلم إلا قليلا }. فقال بعضهم: ألم أقل ~~لا تسألوه. # وقال عكرمة: سأل أهل الكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروح ~~فأنزل الله: { ويسألونك عن الروح } الآية. فقالوا: أتزعم أنا ~~لم نؤت من العلم إلا قليلا وقد أوتينا التوراة وهي الحكمة # ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا # [البقرة: 269] فنزلت: # ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام [والبحر ~~يمده من بعده سبعة أبحر] # [لقمان: 27] الآية. # وقال قتادة: لقيت اليهود النبي صلى الله عليه وسلم فعنتوه وقالوا: إن ~~كنت نبيأ فستعلم ذلك. فسألوه عن الروح، وعن أصحاب الكهف، وعن ذي ~~القرنين، فأنزل الله [عز وجل] في ذلك كله. # وعن ابن عباس: # " أن اليهود قالوا: / للنبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا ما الروح؟ وكيف ~~يعذب الروح الذي في الجسد وإنما الروح من الله عز وجل؟ ولم يكن نزل إليه ~~في شيء. فلم يجد إليهم فيه شيئا. وأتاه جبريل عليه السلام فقال له: { ~~قل الروح من أمر ربي }. الآية فأخبرهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم بذلك فقالوا من جاءك بهذا فقال النبي صلى الله عليه وسلم جاء به ~~جبريل من عند الله [عز وجل]. فقالوا والله ما قاله لك إلا عدونا فأنزل ~~الله [عز وجل] { قل من كان عدوا لجبريل فإنه ~~نزله على قلبك } ". # وقال بعض أهل العلم: علم الله [عز وجل] أن الأصلح ألا يخبرهم ما هو لأن ~~اليهود قالت لقريش في كتابها أنه إن فسر لكم ما الروح فليس بنبي. وإن لم ~~يفسره فهو نبي. # وهذا القول: أولى بالآية لأن السورة مكية. وقد روى أن قريشا اجتمعت ~~بمكة فقال بعضهم لبعض: والله ما كان محمد كذابا، ولقد نشأ فينا بالصدق ~~والأمانة فابعثوا منكم جماعة إلى يهود يثرب يسألونهم عنه. فخرجت طائفة ~~حتى لقوا أحبار ms1382 يهود، وكانوا يومئذ ينتظرونه ويرجون نصرته. فسألهم قريش ~~عنه: فقالت: لهم اليهود: اسألوه عن ثلاث: فإن أخبركم باثنين وأمسك عن ~~الثالثة فهو نبي. تسألوه عن أهل الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح. فقدموا ~~مكة وسألوه عن ذلك. # وقيل: أنهم سألوه عن عيسى عليه السلام. فقيل: لهم الروح من أمر الله، ~~أي: هو شيء أمر الله [عز وجل] به وخلقه لا كما تقول النصارى. # وكان ابن عباس يكتم تفسير الروح. وقال قتادة: هو جبريل عليه السلام. وعن ~~ابن عباس: أنه ملك. وعن علي بن أبي طالب [رضي الله عنه] إنه ملك من ~~الملائكة له سبعون ألف وجه، لكل وجه منها سبعون ألف لسان، لكل لسان سبعون ~~ألف لغة يسبح الله [عز وجل] بتلك اللغات كلها، يخلق من كل تسبيحة ملكا ~~يطير مع الملائكة إلى يوم القيامة. # وقيل الروح القرآن، لقوله: # أوحينآ إليك روحا من أمرنا # [الشورى: 52]. وإنما سمي القرآن روحا لأنه حياة للقلوب والنفوس لما ~~تصير إليه من الخير بالقرآن. # وقيل إن اليهود وصوا قريشا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ~~ليمتحنوا علمه وهذا أحسن ما قيل لآن السورة مكية. # وقال أبو صالح: الروح خلق كخلق بني آدم وليسوا بني آدم، لهم أيد وأرجل. # ومعنى { من أمر ربي } أي من الأمر الذي يعلمه دونكم. # وقوله: { ومآ أوتيتم من العلم إلا قليلا }. # يعني الذين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم خاصة. وقيل عني به الخلق ~~كلهم ولكنه غلب المخاطب على الغائب. # قال عطاء: نزلت بمكة { ومآ أوتيتم من العلم إلا قليلا ~~} فلما هاجر، # " أتى أحبار اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا له: يا محمد ~~ألم يبلغنا أنك تقول { ومآ أوتيتم من العلم إلا قليلا ~~} أفعنيتنا أم قومك؟ فقال: كلا قد عنيت. قالوا فإنك تتلو / إنا قد ~~أوتينا التوراة وفيها بيان كل شيء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هي في ~~علم الله قليل. وقد آتاكم ما إن عملتم به انتفعتم وأنزل الله [عز وجل]: { ~~ولو أنما في الأرض ms1383 من شجرة أقلام } الآية ". # ثم قال: { ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا ~~إليك }. # أي لو أردنا لذهبنا بالقرآن ثم لا تجد لك بذهابه علينا قيما ولا ناهرا ~~يمنعنا من ذلك. # قال ابن مسعود: معنى ذهابه رفعه من صدور قارئيه. وقال: تطرق الناس ريح ~~حمراء من نحو الشام فلا يبقى منه في مصحف رجل شيء ولا في قلبه آية، ثم ~~قرأ الآية { ولئن شئنا }. وروي عنه أيضا: أنه قال: يسري عليه ~~ليلا ولا يبقى منه في مصحف ولا في صدر رجل شيء. ثم قرأ: { ولئن ~~شئنا } الآية. # وروي عنه أنه قال: فيصبح الناس منه فقراء مثل البهائم. فيكون معنى الآية ~~على هذا: ولئن شئنا لمحوناه من الكتب ومن الصدور حتى لا يوجد له أثر ولكن ~~لا نشاء ذلك. رحمة من ربك وتفضلا منه. # { [إن فضله] كان عليك كبيرا } باصطفائه إياك لرسالته ~~ووحي كتابه وغير ذلك من نعمه. # وقال ابن مسعود: أول ما تفقدون من دينكم الأمانة وآخر ما يبقى منه ~~الصلاة. وإن هذا القرآن الذي بين أظهركم يوشك أن يرفع. قالوا كيف يرفع ~~وقد أثبته الله في قلوبنا، وأثبتناه في مصاحفنا؟ قال يسرى عليه ليلة ~~ويذهب بما في قلوبكم وبما في مصاحفكم ثم قرأ الآية. # ومعنى: { به علينا وكيلا } أي: لا تجد من يمنعك من ذلك ولا من ~~يتوكل [لك] برد شيء منه. وهذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به ~~أمته. ### || [17.88] # قوله: { [قل] لئن اجتمعت الإنس والجن على أن ~~يأتوا } إلى قوله: { ظهيرا }. # المعنى: قل يا محمد للذين ادعوا بأنهم يأتون بمثل هذا القرآن { [قل ~~لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل ~~هذا القرآن] لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم ~~لبعض ظهيرا } أي: عوينا. # وهذه الآية: نزلت في قوم من اليهود جادلوا النبي صلى الله عليه وسلم في ~~القرآن وسألوه آية غير القرآن تدل على نبوته وادعوا أنهم يقدرون على مثل ~~هذا القرآن فأعجزهم الإتيان بمثله فقيل لهم: # فأتوا بعشر سور مثله مفتريات # [هود: 13] فأعجزهم ذلك. فقيل لهم: ms1384 # فأتوا بسورة مثله # [يونس: 38] فأعجزهم ذلك وقد كان عصرهم عصر فصاحة وبلاغة. # وقيل: إن الخطاب بذلك لقريش وهم الذي عجزوا عن الإتيان بسورة وبعشر سور ~~وهم أهل الفصاحة والبلاغة والشعر والخطابة وكانوا على حرص على أن يأتوا ~~بما يحتجون به على النبي صلى الله عليه وسلم. فلم يقدروا على الإتيان ~~بشيء من ذلك تقوم لهم به حجة فدل ذلك على إعجاز القرآن وأنه دليل على ~~نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. # فمن إعجاز القرآن تأليفه بالأمر والنهي والوعظ والتنبيه والخبر والتوبيخ ~~وذلك لا يوجد متألفا في كلام. ومن إعجازه الحذف والإيجاز ودلالة اليسير ~~من اللفظ على المعاني / الكثيرة. وهذا موجود بعضه في كلام العرب [لكن] لا ~~يوجد مثل قوله: # وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على ~~سوآء # [الأنفال: 58] فقد تضمن هذا معاني، ولا يوجد مثله في كلام العرب بهذه ~~الفصاحة ومثله كثير في القرآن. # ومعنى الإيجاز هو إظهار المعاني الكثيرة باللفظ القليل ومن إعجازه ما ~~فيه من علوم الغيب التي لم تكن وقت نزوله ثم كانت ومنها ما لم تكن بعد. ~~ومنها ما كانت ولم يكن أحد يعرفها في ذلك الوقت، فنزل علمها وتفسيرها في ~~القرآن كخبر يوسف وإخوته. وخبر ذي القرنين، وأهل الكهف، وإخبار الأمم ~~الماضية والقرون الخالية، التي قد اندرس خبرها وعدم عارف أخبارها، وغير ~~ذلك... فنزل القرآن بتبيانها ونصها على ما كانت عليه. ودل على صحة ما أتى ~~فيه من الأخبار أن كثيرا منها قد نزل في التوراة [كذلك]. فالتوراة مصدقة ~~لما في القرآن والقرآن مصدق لما نزل في التوراة. وإعجازه أكثر من أن يحصى ~~وله كتب مفردة لذلك. ### || [17.89-93] # قوله: { ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من ~~كل مثل } إلى قوله: { هل كنت إلا بشرا رسولا }. # أي: ولقد بينا للناس في هذا القرآن من كل مثل تذكيرا لهم واحتجاجا ~~عليهم وتنبيها لهم على الحق { فأبى أكثر الناس إلا ~~كفورا } أي إلا جحودا للحق. # ثم قال تعالى: { وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا ~~من الأرض ms1385 ينبوعا }. # أي: قال المشركون من قومك يا محمد لن نصدقك حتى تفجر لنا من أرضنا هذه ~~عينا تنبع بالماء لنا. قاله مجاهد وقتادة. { أو تكون لك جنة ~~من نخيل وعنب } أي بأرضنا هذه { [فتفجر الأ]نهار ~~خلالها تفجيرا } أي: خلال النخيل والكروم أي بينها في أصولها. # { أو تسقط السمآء كما زعمت علينا كسفا } أي: ~~قطعا. لأنه جمع كسفة وهي القطعة. ومن قرأ بإسكان السين أراد قطعة واحدة. ~~ويحتمل أن يكون مسكنا من الفتح فيكون معناه مثل معنى قراءة من فتح ~~السين. # ثم قال: { أو تأتي بالله والملائكة قبيلا }. # أي: قبيلا [قبيلا]، كل قبيلة على حدتها قاله مجاهد. وقال قتادة " قبيلا ~~" أي: نعاينهم: يقابلونا. ونقابلهم. وقاله ابن جريج. # وقال القتبي: " قبيلا " [أي] ضمينا. أي يضمنون لنا إتيانك بذلك. وهو ~~أحد قولي أبي إسحاق. يقال قد تقبل بهذا، أي تكفل به. # ثم قال: { أو يكون لك بيت من زخرف }. # أي من ذهب، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة. قال مجاهد: كنا لا ندري ما ~~الزخرف حتى قرأنا[ه] في مصحف ابن مسعود " أو يكون لك بيت من ذهب ". # وأصل الزخرف في اللغة الزينة ومنه قوله: # حتى إذآ أخذت الأرض زخرفها # [يونس: 24] أي أخذت كمال زينتها ولا شيء أحسن في البيت من زينة الذهب. # ثم قال: { أو ترقى في السمآء }. # أي: تصعد في درج السماء. ولهذا الإضمار، أتى ب " في " ولو لم يكن ثم ~~إضمار لكان " إلى السماء " ففي: يدل على المحذوف. أي أو ترقي في سلم إلى ~~السماء. # ثم قالوا: { ولن نؤمن لرقيك }. # أي: لن نؤمن بك إذا صعدت إلى السماء { حتى / تنزل علينا ~~كتابا نقرؤه }. منشورا: أي: كتابا من عند الله عز وجل يأمرنا ~~فيه باتباعك والإيمان بك. قال مجاهد: " كتابا نقرؤه " أي: من رب ~~العالمين، تصبح عند رأس كل رجل صحيفة يقرؤها. # ثم قال تعالى لنبيه عليه السلام: قل لهم يا محمد: { سبحان ربي ~~هل كنت إلا بشرا رسولا }. # أي: قل لهم براءة لله من سوء ما تقولون، وتعظيما له من [أن] يؤتى ms1386 به ~~وبملائكته أن يكون له سبيل إلى شيء من ذلك هل أنا إلا بشر أي: عبد من ~~عبيده من بني آدم فكيف أقدر على ما تكلفوني. # وقوله: " رسولا " أي: أرسلت لأبلغكم عن الله أمره ونهيه. # وكان هذا الكلام فيما روي: جرى بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين ~~ملأ[من] قريش اجتمعوا للمناظرة فتكلموا بما نصه الله عز وجل في هذه الآية ~~عنهم. وذكر ابن عباس في ذلك: خبرا طويلا معناه: أنهم اجتمعوا بعد غروب ~~الشمس عند ظهر الكعبة وبعثوا في النبي عليه السلام فأتاهم طمعا أن ~~يكونوا قد ظهر لهم اتباعه فعذلوه وأكثروا في اللوم والعتب [وطولوا]. ~~قالوا له: إنك فرقت جمعنا، وعيبت ديننا، وسفهت أحلامنا، وما بقي قبيح إلا ~~جئته فينا، أو كما قالوا، ثم قالوا [له]: إن كنت تحب مالا جمعنا لك حتى ~~تكون أكثرنا مالا، وإن أردت الشرف سودناك علينا. وإن أردت الملك، ملكناك ~~علينا... في كلام طويل عاتبوه به وعددوا عليه فيه، ووعدوه، واستنزلوه، ~~طمعا أن يميل إليهم. ثم قالوا له: فإن لم تفعل ما قلنا لك فاسأل ربك ~~يبعث ملكا يصدقك بما تقول، أو فاسأله أن يجعل لك جنة وكنوزا وقصورا من ~~ذهب وفضة ويغنيك بها عما نراك تبتغي. فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس المعاش ~~كما نلتمسه. فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك من قولهم، وقال: " إنما ~~أنا بشر بعثت إليكم نذيرا لتؤمنوا بالله وكتابه " فقالوا له فاسقط ~~السماء علينا، كما زعمت، إن ربك إن شاء فعل فإنا لن نؤمن لك إلا أن تفعل، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ذلك إلى الله إن شاء فعل بكم ذلك " ، ثم ~~أطالوا الكلام معه، وقالوا [له] إنما يعلمك ما جئت به رجل باليمامة يقال ~~له الرحمن، وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبدا، وادعوا أنهم يعبدون ~~الملائكة، وهن بنات الله - تعالى الله عن ذلك - فقام النبي صلى الله عليه ~~وسلم وقام [معه] ابن عمته عاتكة بنت عبد المطلب، وهو عبد الله بن أبي ~~أمية بن المغيرة المخزومي، فقال ms1387 له: يا محمد أعرض عليك قومك ما عرضوا ~~فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أمورا ليعرفوا بها منزلتك من الله فلم ~~تفعل ذلك، ثم سألوك أن تعجل ما تخوفهم من العذاب فوالله لا أؤمن بك ~~أبدا، حتى تتخذ إلى السماء سلما ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها وتأتي ~~معك بنسخة منشورة، معك أربعة أملاك يشهدون لك إنك ما تقول حق وايم الله ~~لو فعلت ذلك لظننت أني لا أصدقك. وهذا معنى قوله: # ولو نزلنا عليك كتبا في قرطاس فلمسوه / ~~بأيديهم # [الأنعام: 7] الآية. # وروى أن عبد الله بن [أبي] أمية قال للنبي صلى الله عليه وسلم: لن نؤمن ~~لك حتى تنزل علي كتابا من السماء فيه من الله رب العالمين إلى ابن أمية، ~~إني قد أرسلت محمدا [نبيا] فآمن به وصدقه. والله لو أتيتني بهذا الكتاب ~~ما آمنت بك ولا صدقتك ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حزينا لما ~~فاته مما كان طمع به من إيمان قومه حين دعوه. ### || [17.94-97] # قوله: { وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم ~~الهدى } إلى قوله: { زدناهم سعيرا }. # المعنى: وما منع مشركي قومك يا محمد من الإيمان بالله { إذ جآءهم ~~الهدى } إلا قولهم جهلا منهم { أبعث الله بشرا رسولا ~~}. كأنهم استبعدوا أن يبعث الله رسولا من بني آدم فكفروا ولم يؤمنوا ~~كذلك ولم يعلموا أن الأنبياء كلهم كانوا من بني آدم. # ثم قال تعالى: { قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون ~~مطمئنين لنزلنا عليهم من السمآء ملكا ~~رسولا }. # أي: لو كان سكان الأرض ملائكة لجاءهم الرسول من الملائكة مثلهم. لأن ~~الملائكة إنما تراهم أمثالهم من الملائكة ومن خصه الله [عز وجل] من بني ~~آدم بذلك، فكيف يبعث [الله] إليهم من الملائكة رسولا وهم لا يقدرون على ~~رؤية ذلك وإنما يرسل إلى كل صنف من جنسه فهذا هو العدل. # ومعنى: " مطمئنين " مستوطنين الأرض. وقيل: [معنى] " مطمئنين ": لا ~~يعبدون الله ولا يخافونه مثلكم. # ثم قال تعالى: { قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ~~}. # أي: قل لهم يا ms1388 محمد: { كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ~~} فإنه نعم الكافي. # و " شهيدا " حال، أي: كفى بالله في حال الشهادة. وقيل هو تمييز أي كفى ~~بالله من الشهداء. # { إنه كان بعباده خبيرا } أي: ذو خبر وعلم بأمورهم ~~وأفعالهم " بصيرا " بتدبيرهم وسياستهم. # وروي أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: من يشهد لك بأنك رسول الله ~~فأنزل الله [عز وجل]: { قل كفى بالله شهيدا بيني ~~وبينكم } الآية. # ثم قال تعالى: { ومن يهد الله فهو المهتد }. # أي: من يهده الله للإيمان فهو المهتدي للرشد والحق ومن يضلله عن الإيمان ~~ولا يوفقه فلن تجد له يا محمد أولياء من دون الله [عز وجل] ينصرونه من ~~عذاب الله [سبحانه]. # { ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم }. # أي: نجمعهم ليوم القيامة من بعد تفرقهم في قبورهم. { على وجوههم ~~عميا وبكما وصما }. أي: عميا عن كل شيء يسرهم ولكنهم يرون، ~~ودل على رؤيتهم قوله: # ورأى المجرمون النار # [الكهف: 53]. # قوله: " وبكما " أي: بكما عن الحجة فلا ينطقون بحجة ولكنهم يتكلمون ~~ودل على كلامهم قوله: # دعوا هنالك ثبورا # [الفرقان: 13]. # قوله: " وصما " أي: صما عن سماع ما يسرهم. وهم يسمعون ودل على سماعهم ~~قوله: # سمعوا لها تغيظا وزفيرا # [الفرقان: 12]. # وقيل: إنهم في حال حشرهم إلى الموقف عمي وبكم وصم. ثم يحدث الله [عز ~~وجل] لهم سمعا وبصرا ونطقا في أحوال أخر. # وقوله: { على وجوههم } معناه: أنهم يحشرون صاغرين. # وقيل: بل معناه: أنهم يحشرون يمشون على وجوههم لأن الذي أمشاهم على ~~أرجلهم يقدر أن يمشيهم على وجوههم، وعلى ما يشاء من أعضائهم. # ثم قال: { مأواهم جهنم / كلما خبت زدناهم ~~سعيرا }. # أي: مصيرهم إلى جهنم ومسكنهم جهنم وقال ابن عباس معناه: هم وقودها. ~~ومعنى خبت: سكنت، قاله ابن عباس. وعنه أيضا: كلما أحرقتهم يسعر لهم ~~حطبها، فإذا أحرقتهم فلم تبق منهم شيئا صارت جمرا تتوهج، فذلك خبوها، ~~فإذا بدلوا خلقا جديدا عاودتهم. # وقال مجاهد: " خبت " طفيت " ، وقال قتادة: معناه كلما أحرقت جلودهم ~~بدلوا جلودا غيرها ليذوقوا العذاب. # وأهل اللغة يقولون: خبت النار، تخبو خبوءا إذا ms1389 سكن لهبها، فإن سكن ~~لهبها وعلا جمرها، قيل: كبت تكبو كبوءا. فإن طفى بعض الجمر وسكن اللهب ~~قيل خمدت تخمد خمودا. فإن طفيت لها قيل: همدت تهمد همودا. # ومعنى: { زدناهم سعيرا } أي: زدنا هؤلاء الكفار استعارا بالنار ~~في جلودهم. # وليس خبوتها فيه نقص من عذابها ولا راحة لهم وإنما هم في زيادة أبدا ~~لقوله: # ولا يخفف عنهم من عذابها # [فاطر: 36] لا يفتر عنهم. # وقال المبرد: جعل موضع خبوت نار جهنم استعارا فهي مخالفة لما تفعل من ~~نار الدنيا، ولا راحة لهم فيها إذا خبت بل يزيد عليهم العذاب. ### || [17.98-101] # قوله: { ذلك جزآؤهم بأنهم كفروا بآياتنا } إلى ~~قوله: { مسحورا }. # معناه: هذا العذاب جزاء هؤلاء المشركين لأنهم كفروا بآيات الله. أي: ~~جحدوها وأنكروها ولم يؤمنوا بها. وأنكروا البعث والثواب والعقاب. { ~~وقالوا } على الإنكار منهم والاستبعاد: # أءذا كنا عظاما ورفاتا # [الإسراء: 49] أي: عظاما [بالية] وقيل ترابا. و # أءنا لمبعوثون خلقا جديدا # [الإسراء: 49] أي لا نبعث. وقد تقدم تفسير هذا بأشبع منه في صدر السورة. # ثم قال تعالى: { أولم يروا أن الله الذي خلق ~~السموت والأرض قادر على أن يخلق مثلهم }. # والمعنى: أولم ينظر هؤلاء المنكرون البعث أن الله [عز وجل] الذي ~~ابتدع خلق السماوات والأرض من غير شيء وأقامها بقدرته، قادر بتلك القدرة ~~على أن يخلق أشكالهم وأمثالهم من الخلق. وإن إعادتهم لا تتعذر على من ~~يقدر هذه القدرة. # ثم قال: { وجعل لهم أجلا لا ريب فيه }. # أي: جعل الله لهلاكهم أجلا لا شك في وقوعه بهم { فأبى ~~الظالمون إلا كفورا } أي [إلا] جحودا بربهم. # ثم قال تعالى: { قل لو أنتم تملكون خزآئن رحمة ~~ربي }. # أي: قل يا محمد: لهؤلاء المشركين لو أنكم أنتم تملكون خزائن أملاك ربكم ~~إذا لبخلتم بذلك خشية الفقر قاله ابن عباس. وقال قتادة: خشية الفاقة. # والرحمة هنا المال. وقيل النعم، حكى أهل اللغة أنفق الرجل وأصرح وأعدم ~~واقتر إذا قل ماله. # ثم قال: { وكان الإنسان قتورا }. # يعني الكافر خاصة، بمنزلة قوله: # إن الإنسان لربه لكنود # [العاديات: 6]. # ومعنى " قتورا ms1390 ": بخيلا قاله ابن عباس. وقال قتادة: ممسكا. يقال أقتر ~~يقتر وقتر يقتر ويقتر بمعنى. # ثم قال تعالى: { ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات }. # أي: تبين لمن رآها أنها لموسى عليه السلام، شاهدة له على صدقه قال ابن ~~عباس: هي يده وعصاه ولسانه والبحر والطوفان والجراد والقمل / والضفادع ~~والدم. # وقال الضحاك: ألقى عصاه مرتين عند فرعون، ونزع يده، والعقدة التي كانت ~~بلسانه، وخمس آيات في الأعراف: الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم. # قال محمد بن كعب القرظي: سألني عمر بن عبد العزيز عن التسع آيات، فقلت ~~له: هن الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم و [البحر و] عصاه والطمسة ~~والحجر. فقال: وما الطمسة؟، فقلت: دعا موسى وأمن هارون، فقال الله # قد أجيبت دعوتكما # [يونس: 89]. فقال عمر: كيف يكون الفقه إلا كذا. يعني بالطمسة قولهما: # ربنا اطمس على أموالهم [واشدد على قلوبهم] # [يونس: 88] قال: فدعا عمر بخريطة كانت لعبد العزيز ابن مروان، أصيبت ~~بمصر فإذا فيها " الجوزة والبيضة والعدسة ما تنكر، مسخت حجارة، كانت من ~~أموال فرعون أصيبت بمصر. # وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: هي الحجر، والعصا واليد والطوفان والجراد ~~والقمل والضفادع و [الدم و] الطور. # وقال مالك: الطوفان الماء. # وروى مطرف عن مالك في قوله " تسع آيات بينات " أنه قال: هي الطوفان ~~والجراد والقمل والضفادع والدم والعصا ويده والبحر والجبل إذ نتقه عليهم. # وقال عكرمة: هي الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والعصا واليد ~~والسنون ونقص من الأموال والأنفس والثمرات. وهو قول الشافعي. وكذلك روى ~~قتادة عن ابن عباس أيضا قال: منها سبعة متتابعة في الأعراف. واليد ~~والعصا. وقال الحسن مثل ذلك، إلا أنه جعل السنين ونقص من الثمرات آية، ~~وجعل التاسعة تلقف العصا ما يأفكون. # وروي عن صفوان بن عسال: # " أن يهوديين سألا النبي صلى الله عليه وسلم عن التسع الآيات فقال: هن ~~ألا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي ~~حرم الله إلا بالحق، ولا تمشوا ببرئ إلى سلطان ليقتله، ولا تسحروا ولا ~~تأكلوا الربا، ولا ms1391 تقذفوا المحصنة، ولا تولوا الفرار بعد الزحف وعليكم ~~خاصة يهود ألا تعتدوا في السبت فقبلا يديه ورجليه وقالا: نشهد أنك نبي، ~~فقال: وما يمنعكما أن تتبعاني؟ فقالا: إن داود دعا ألا يزال من ذريته ~~نبي، وإنا نخاف إن اتبعناك أن تقتلنا يهود ". # ثم قال: { فسئل بني إسرائيل إذ جآءهم }. # أي إذ جاءهم موسى. قال الحسن: سؤالك إياهم نظرك في القرآن. # وقيل هو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم يراد به الشاك من أمته. # وقرأ ابن عباس { فسئل بني إسرائيل } على الخبر، يعني سأل ~~موسى فرعون أن يرسل معه بني إسرائيل. # ثم قال تعالى: { فقال له فرعون إني لأظنك يموسى ~~مسحورا }. # معناه: أن فرعون لما رأى الآيات ولم يكن له فيها مدفع قال: إن موسى ذو ~~سحر، وإن ما تفعل يا موسى من العجائب من سحرك. # وقيل: هو مفعول في موضع فاعل أي: ساحر، بمنزلة # حجابا مستورا # [الإسراء: 45] أي: ساترا. وقيل: معناه مخدوعا. ### || [17.102-106] # قوله: { [قال] لقد علمت مآ أنزل هؤلاء إلا رب ~~السموت والأرض } إلى قوله: { [ونزلناه] تنزيلا }. # معناه: قال / موسى لقد علمت يا فرعون أن هذه الآيات ما أنزلها الله إلا ~~بصائر للعباد وتصديق هذه المعاني قوله: # وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم # [النمل: 14]. # وهذا: على قراءة من قرأ بفتح التاء في " علمت ". # ومن ضم التاء فمعناه: أن موسى صلى الله عليه وسلم يخبر عن نفسه أنه على ~~يقين أن الآيات، الله أنزلها بصائر لعباده. ويكون هذا من موسى صلى الله ~~عليه وسلم جوابا لقول فرعون له: # إني لأظنك يموسى مسحورا # [الإسراء: 101] أي: قد سحرت فلا تدري ما تقول. فقال: موسى لقد علمت أنا ~~أن الله أنزل هذه الآيات بصائر لعباده ولست بمسحور. # ونصب بصائر على الحال أي: أنزلها حججا وهي جمع بصيرة. # ثم قال: { وإني لأظنك يفرعون مثبورا }. # وقال ابن عباس: " مثبورا " ملعونا، أي: ممنوعا من الخير، وهو قول: ~~الضحاك. وقال مجاهد وقتادة: مثبورا: هالكا. وقال عطية العوفي: " ~~مثبورا ": مبدلا أي مغيرا وقال ابن زيد: " مثبورا ": مخبولا لا عقل ~~لك. ms1392 # وعن الضحاك: " مثبورا ": مسحورا. رد [عليه] موسى صلى الله عليه وسلم، ~~مثل ما قاله فرعون بغير اللفظ، والمعنى سواء. # ثم قال [تعالى]: { فأراد أن يستفزهم من الأرض }. أي: ~~أراد فرعون أن يزيل موسى وبني إسرائيل من أرض مصر إما بقتل أو غيره { ~~فأغرقناه ومن معه جميعا }. ونجينا بني إسرائيل وموسى ~~منه. { وقلنا من بعده } أي: من بعد هلاكه { لبني ~~إسرائيل اسكنوا الأرض } أي: أرض الشام. { فإذا جآء ~~وعد الآخرة } أي: قيام الساعة { جئنا بكم لفيفا } أي: ~~مختلطين، قد التف بعضكم على بعض لا تتعارضون، ولا ينحاز أحد منكم إلى ~~قبيلته. # وقال ابن عباس: " لفيفا ": جميعا. وقال غيره: [لفيفا] من كل قوم. ~~وقال قتادة: " لفيفا " جميعا أولكم وآخركم، وكذلك قال: الضحاك. # واللفيف جمع لا واحد له كالجميع. وقيل: هو مصدر لففت فلذلك واحد في موضع ~~الجمع. # ثم قال: { وبالحق أنزلناه وبالحق نزل }. # أي: أنزل هذا القرآن بالحق لأن فيه الأمر بالعدل والإنصاف والأخلاق ~~الجميلة { وبالحق أنزلناه } أي: وبذلك نزل من عند الله [عز ~~وجل] على نبيه عليه السلام. # ثم قال: { ومآ أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا }. # أي: مبشرا بالجنة من أطاعك ومنذرا بالنار من عصاك. # ثم قال تعالى: { وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس ~~على مكث }. # قال ابن عباس: " فرقناه " فصلناه. وقيل: معنى [فرقناه] فرقنا به بين ~~الحق والباطل والمؤمن والكافر. # وقرأ: ابن عباس وعكرمة والشعبي وقتادة " فرقناه " بالتشديد على معنى ~~أنزل به آية بعد آية. # قال ابن عباس: أنزل القرآن جملة واحد إلى السماء الدنيا في ليلة القدر ~~ثم أنزل بعد ذلك في عشرين سنة. وهو قوله: { وقرآنا فرقناه ~~لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا }. # ونصب " قرآنا " عند البصريين بإضمار فعل يفسره ما بعده. ونصبه عند غير ~~البصريين على العطف " مبشرا ونذيرا ". # وقرآنا يتأول بمعنى: رحمة. لأن القرآن رحمة. فلا يحسن الوقف على هذا ~~التقدير على نذيرا. ويقف عليه على القول الأول. # و / معنى { لتقرأه على الناس على مكث } على تؤدة، ~~وترتله وتبينه فلا تعجل في تلاوته فلا يفهم عنك. قال ms1393 ابن عباس: " على مكث ~~" على تأن. وقال مجاهد على ترسل. وقال مالك " على مكث " على تثبت وترسل. # ومعنى { ونزلناه تنزيلا } أي نزلناه شيئا [بعد] شيء. وقال ~~الحسن نزل القرآن قبل أن يهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ~~بثماني سنين. وبالمدينة عشر سنين. ### || [17.107-111] # قوله: { قل آمنوا به أو لا تؤمنوا } إلى قوله { ~~وكبره تكبيرا }. # والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين آمنوا بهذا القرآن أو لا تؤمنوا ~~فإن إيمانكم لا يزيد في خزائن رحمة ربي. وفي الكلام تهدد ووعيد، والمعنى: ~~فإن تكفروا، فإن الذين أوتوا العلم بالله من قبله، أي: من قبل القرآن، ~~يعني به مؤمني أهل الكتاب، إذا يتلى عليهم هذا القرآن، يخرون، تعظيما ~~له، للأذقان سجدا. قال مجاهد: هم ناس من أهل الكتاب حين سمعوا ما أنزل ~~على محمد صلى الله عليه وسلم قالوا: { سبحان ربنآ إن كان ~~وعد ربنا لمفعولا }. # وقال ابن زيد { من قبله } من قبل النبي صلى الله عليه وسلم. # وقال ابن جريج: و { إذا يتلى عليهم } يعني: كتابهم. # وقيل: عني بقوله: { الذين أوتوا العلم } محمدا صلى الله ~~عليه وسلم. وقيل: هم قوم من ولد اسماعيل صلى الله عليه وسلم تمسكوا ~~بدينهم إلى بعث محمد صلى الله عليه وسلم منهم زيد بن عمرو بن نفيل. وورقة ~~ابن نوفل. # وقوله: { يخرون للأذقان }. # قال ابن عباس: للوجوه، وكذلك قال قتادة. وقال الحسن " للأذقان " للجبين. # ثم قال: { ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا ~~}. # أي: ويخر هؤلاء الذين أوتوا العلم، من مؤمنين أهل الكتاب من قبل نزول ~~القرآن، إذا يتلى عليهم القرآن لأذقانهم يبكون. ويزيدهم وعظ القرآن ~~خشوعا لله [عز وجل]. # وهذه مثل قوله في مريم: # إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا ~~وبكيا # [مريم: 58]. # وقوله: { إن كان وعد ربنا لمفعولا }. # أي: ما كان وعد ربنا من ثواب وعذاب إلا مفعولا. وقيل: معناه: إن كان ~~وعد ربنا أن يبعث محمدا صلى الله عليه وسلم لمفعولا. # ثم قال: { قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن }. # معنى الآية: أن النبي صلى ms1394 الله عليه وسلم كان يدعو ربه فيقول: مرة يا ~~الله، ومرة: يا رحمن. فظن الجاهلون من المشركين أنه يدعو الهين. فأنزل ~~الله عز وجل هذه الآية احتجاجا عليهم. # قال ابن عباس: سمع المشركون النبي صلى الله عليه وسلم يدعو في سجوده يا ~~رحمن يا رحيم: فقالوا: [إن] هذا يزعم أنه يدعو واحدا وهو يدعو مثنى ~~مثنى. فأنزل الله [عز وجل] الآية: { قل ادعوا الله أو ادعوا ~~الرحمن }. # وروي: أن أبا جهل سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو ساجد يقول في دعائه ~~يا الله يا رحمن فقال: يا معشر قريش، محمد ينهانا أن نعبد إلهين وهو يعبد ~~إلها آخر يقال له الرحمن، فأنزل الله [عز وجل] الآية. # وقوله: { أيا ما تدعوا }. # ما صلة، و (ايا) منصوب بتدعوا. وتدعوا جزم بالشرط وقيل [ " ما " ] بمعنى ~~أي كررت لاختلاف [اللفظ كما تقول ما إن رأيتكما الليلة. # فإن بمعنى ما كررت لاختلاف]. اللفظين. # وقال الأخفش { أيا ما تدعوا } معناه: أي الدعاءين تدعوا كأنه ~~يجعل ما اسما. # وقال أبو إسحاق: المعنى: أي الأسماء تدعو إن / دعوت الله أو الرحمن فكله ~~اسم لله لأن له الأسماء الحسنى. # ويلزم في هذين القولين ألا تنون " أي ": وأن تكون مضافة إلى " ما ". وفي ~~إجماع المصاحف والقراء على تنوين " أي ": ما يدل على صحة كون " ما " ~~زائدة للتأكيد وكونها بمعنى " أي " أعيد للتأكيد وحسن ذلك لاختلاف اللفظ. # ثم قال تعالى: { ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت }. # قالت عائشة رضي الله عنها، وابن عباس، ومجاهد، وابن جبير وعروة بن ~~الزبير: نزلت في الدعاء. فالصلاة هنا الدعاء على قولهم. # وقال الضحاك: هي منسوخة بقوله: # واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة # [الأعراف: 205]. الآية، وروي ذلك عن ابن عباس أيضا: أن " الصلاة " هنا: ~~القراءة في الصلاة، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى بأصحابه ~~رفع صوته بالقرآن فإذا سمع ذلك المشركون، سبوا القرآن، ومن أنزله، ومن ~~جاء به. فقال الله [عز وجل] لنبيه صلى الله عليه وسلم { ولا تجهر ~~بصلاتك } فيسمع المشركون { ولا ms1395 تخافت بها } حتى لا يسمعك ~~أصحابك { وابتغ بين ذلك سبيلا } أي: اطلب بين الإعلان ~~والتخافت طريقا. # قال الضحاك: هذا كان بمكة. # وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: نزلت هذه الآية في التشهد. وكذلك ~~قال ابن سيرين، قال: كانت العرب ترفع أصواتها بالتشهد، فنزلت هذه الآية ~~في ذلك. # وقال عكرمة والحسن: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بمكة جهارا ~~[فأمر] بإخفائها. # وقال قتادة: معناه ولا تحسن صلاتك مرائيا في العلانية، ولا تخافت [بها] ~~تسيئها في السريرة. # وعن ابن عباس أنه قال: لا تصل مراءاة للناس، ولا تدعها مخافة الناس. # واختار الطبري قول من قال: أنه الدعاء [لأنه] أتى عقيب قوله: { [قل] ~~ادعوا الله أو ادعوا الرحمن } ، فهي محكمة، لأن رفع ~~الصوت بالدعاء مكروه، وهو قول أبي هريرة وأبي موسى الأشعري وعائشة رضي ~~الله عنهم. # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: النهي عن رفع الصوت بالدعاء فقال: # " إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنكم تدعون سميعا بصيرا ". # والمخافتة الإخفاء. # ثم قال تعالى: { وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ~~ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ~~ولي من الذل }. # [أي]: لم يحالف أحدا ولا يبتغي نصر أحد، قاله مجاهد. # قال قتادة: بلغنا أن النبي عليه السلام كان يعلم أهله الصغير والكبير { ~~وقل الحمد لله } إلى آخر السورة. # وقال ابن عباس: التوراة كلها في خمس عشرة آية من بني إسرائيل ثم تلى # لا تجعل مع الله إلها آخر # [الإسراء: 22]. # وهذه الآية: رد وإنكار على أصحاب الأديان: فقوله: { لم يتخذ ~~ولدا }. رد على اليهود والنصارى، وبعض كفار العرب. لأنهم قالوا: ~~المسيح ابن الله، وقالوا عزير ابن الله، وقالت العرب: الملائكة بنات الله ~~[سبحانه وتعالى علوا كبيرا] وقوله: { ولم يكن له شريك في ~~الملك } رد على العرب لأنهم قالوا في تلبيتهم: إلا شريكا هو لك ~~تملكه. وما ملك، وجعلوا لله شركاء الجن وغيرهم وقوله: { ولم يكن ~~له ولي من الذل } رد على الصابئين والمجوس لأنهم قالوا: ~~لولا أولياء الله ms1396 لذل / وقوله: { وكبره تكبيرا } أي: كبرة أنت ~~يا محمد عما يقولون تكبيرا. أي: عظمه ونزهه عن قول الكفار فيه. # وروي: # " أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فشكا إليه كثرة الدين وكثرة ~~الهم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " اقرأ آخر [سورة] بني إسرائيل { ~~قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن } ثم قال: قل توكلت ~~على [الله، توكلت على] الحي الذي لا يموت ثلاث مرات " ". ### | [18 - سورة الكهف] ### || [18.1-5] # قوله تعالى: { الحمد لله الذي أنزل على عبده ~~الكتاب } إلى قوله: { إلا كذبا }. # معناه: على قول ابن عباس، في رواية الضحاك وابن جريج عنه: الله المحمود ~~بالذكر وبكل لسان، والمحمود على كل فعل والمعبود في كل مكان، الذي هو كل ~~يوم في شأن لا يشغله شأن عن شأن. # ومعنى الآية: في قول ابن عباس ومجاهد وقتادة: أنزل على عبده الكتاب ~~قيما ولم يجعل له عوجا. فقيما حال من الكتاب، وهو قول: الكسائي ~~والفراء وأبي عبيدة. # وقال: غيرهم: " قيما ": منصوب بإضمار فعل، أي: ولكن جعله قيما، فهو ~~مفعول ثان ليجعل المضمرة. # والوقف على " الكتاب ": على القول الأول: لا يجوز، وعلى الثاني يجوز. # وقيل إن المعنى: أنزله قيما، فيكون نصبه على الحال من الهاء المضمرة ~~مع الفعل المضمر. # ومعنى " عوجا: أي: مخلوقا ". كذلك قوله: # غير ذي عوج # [الزمر: 28] أي: غير مخلوق، قاله: ابن عباس. # والعوج: بالكسر في العين في كل ما ليس له شخص: مثل الدين، والأمر، ~~والرأي. فإن كان له شخص كالخشبة والحائط وشبهه فهو بفتح العين. # ومعنى الآية: الحمد لله الذي خص برسالته محمدا، وأنزل عليه كتابه ~~قيما. قال: الضحاك: " قيما ": مستقيما. # وقال ابن عباس: عدلا. وقال ابن إسحاق: معتدلا [لا] اختلاف فيه. # وقيل معناه: قيما على الكتب [يصدق] بصدقها لا اختلاف فيه ولا تفاوت، بل ~~يصدق بعضها بعضا، لا عوج فيه عن الحق ولا ميل. # وهذه السورة نزلت في الأخبار من عند الله [عز وجل] بأمور سألت قريش ~~النبي عليه السلام عنها، علمهم السؤال عن ذلك اليهود وقالوا لهم: ms1397 إن ~~أخبركم بها فهو نبي، وإن لم يخبركم بها فهو متقول. فوعدهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الجواب / عنها. فأبطأ الوحي عليه بعض الإبطاء، فتحدث ~~المشركون بأنه أخلفهم موعدهم فأنزل الله [عز وجل] هذه السورة جوابا لهم. ~~فافتتحها بحمد الله على نعمه، وتثبيته رسالة محمد عليه السلام، وأن الله ~~[عز وجل] أنزل عليه الكتاب، وأنه صادق فيما أتاكم به من خبر أهل الكهف، ~~وخبر ذي القرنين، وغيره مما سألوه عنه، من تعليم اليهود إياهم ذلك، فهذا ~~معنى قول ابن ابن عباس وغيره. # وقوله: { لينذر بأسا شديدا }. # أي: أنزل الكتاب على عبده لكي ينذركم بأسا شديدا من عند الله. ~~فالمفعول الأول محذوف. ومثله # إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه # [آل عمران: 175] أي: يخوفكم أولياءه. # ثم قال: { ويبشر المؤمنين }. # أي: ويبشر المصدقين لله ورسوله صلى الله عليه وسلم. # { الذين يعملون الصالحات } وهو العمل بما أمر الله [عز ~~وجل] [به]، والانتهاء عما نهى الله [سبحانه] عنه. # { أن لهم أجرا حسنا }. # أي: ثوابا جزيلا من الله [سبحانه] على أعمالهم وتصديقهم وهو الجنة. # { ماكثين فيه أبدا }. # أي: لابثين فيه أبدا. # ثم قال: { وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا }. # يعني: قريشا الذين قالوا: إنما نعبد الملائكة وهن بنات الله [سبحانه ~~وتعالى عما يقولون]. { ما لهم به من علم }. أي: ما لهم بهذا ~~القول علم { لآبائهم }. # ثم قال: { كبرت كلمة تخرج من أفواههم }. # أي: كبر قولهم: { اتخذ الله ولدا } من كلمة. وفيه معنى التعجب ~~كأنه قال: ما أكبرها من كلمة. كما تقول لقصو الرجل بمعنى: ما أقصاه. # وقرأ الحسن، ومجاهد، ويحيى بن يعمر، وابن أبي إسحاق { كبرت كلمة ~~} بالرفع على معنى: عظمت كلمتهم. # يقال: كبر الشيء إذا عظم، وكبر [الرجل] إذا أسن، [بكسر الباء، ~~والأول بالضم]. # { إن يقولون إلا كذبا }. # أي ما يقول هؤلاء إن الله اتخذ ولدا إلا كذبا وتخرصا. ### || [18.6-9] # قوله: { فلعلك باخع نفسك على آثارهم } إلى قوله: { ~~كانوا من آياتنا عجبا }. # أي: فلعلك يا محمد قاتل نفسك على آثار قومك الذين قالوا: # لن نؤمن ms1398 لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا # [الإسراء: 90] تمردا منهم على ربهم { إن لم يؤمنوا بهذا ~~الحديث } أي: بهذا الكتاب { أسفا } وقال: قتادة: " أسفا " غضبا ~~وقال: مجاهد: " حزنا ". # فهذا عتاب للنبي صلى الله عليه وسلم من الله [عز وجل] على حزنه على قومه ~~إذ لم يؤمنوا. فمعنى أسفا حزنا. وقيل معناه: جزعا، قاله مجاهد. وقال: ~~قتادة: معناه غضبا، ومنه قوله: # فلمآ آسفونا # [الزخرف: 55]. # ثم قال: { إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها }. # يعني: من الشجر والثمر والمال زين الأرض بذلك. # { لنبلوهم }. # أي: لنختبرهم من هو أحسن عملا من غيره. قال سفيان الثوري: أيكم أزهد في ~~الدنيا. وقال مجاهد: ما على الأرض من شيء هو زينة لها. وكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول: # " إن الدنيا خضرة حلوة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون فاتقوا ~~الدنيا واتقوا النساء ". # وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: " الزينة ": الخلفاء، والعلماء، ~~والأمراء. وروى ابن جبير عنه أنه قال: " الزينة ": الرجال. جعل " ما " ~~بمعنى /: من في القولين جميعا، وكون " ما " بمعنى: " من " يصلح في مواضع ~~الإبهام ويقبح عند الاختصاص وذهاب العموم. # وقيل المعنى: إنا جعلنا بعض ما على الأرض زينة لها، فأوقع الكل موضع ~~البعض، لأن على الأرض ما لا زينة فيه. وقيل: بل هو عام. كل ما على الأرض ~~زينة لها لدلالته على خالقه. # ثم قال: { وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا }. # أي: وإنا لمخربوها بعد زينتها وعمارتها. يعني بذلك يوم القيامة، تصير ~~الأرض مستوية لا جبل فيها ولا واد ولا أكمة ولا ماء ولا نبات. والصعيد ~~وجه الأرض. والجرز الذي لا نبات فيه من الأرض ولا زرع ولا غرس. # وقيل: الصعيد هنا المستوي بوجه الأرض، قال ابن عباس معناه: أنه يهلك كل ~~شيء عليها ويبيد. وهذه تعزية للنبي صلى الله عليه وسلم يقول له تعالى ~~ذكره: لا تقتل نفسك إذ لم يؤمنوا بما جئتهم به فإن مصيرهم إلي فأجازيهم ~~بأعمالهم. فإني مهلك كل من على وجه الأرض. # قال: ابن زيد: الصعيد: المستوي، ms1399 دل على ذلك قوله: # لا ترى فيها عوجا ولا أمتا # [طه: 107]. والجرز: الأرض التي لا نبات فيها ولا منفعة، ألم تر إلى ~~قوله: # أولم يروا أنا نسوق المآء إلى الأرض [الجرز] # [السجدة: 27] أي الأرض التي لا نبات فيها. # حكى سيبويه: جرزت الأرض فهي مجروزة، وجرزها الجراد والنعم. وأرضون ~~أجراز: إذا كانت لا شيء فيها. ويقال: للسنة المجدبة جرز وسنون إجراز. # ثم قال: تعالى ذكره: { أم حسبت أن أصحاب الكهف ~~والرقيم كانوا من آياتنا عجبا }. # أم: هنا بمعنى: بل. [والمعنى] أم حسبت يا محمد أن أصحاب الكهف والرقيم ~~كانوا من آياتنا عجبا. فإن ما خلقت من السماوات والأرض وما فيهن من ~~العجائب أعجب من أصحاب الكهف. والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد ~~به الخلق كلهم. # وقال مجاهد: معنى الكلام: هم عجب وليس هو على طريقة الإنكار عنده. وقال ~~قتادة: معناه: قد كان من آياتنا ما هو أعجب من ذلك. وعن ابن عباس أن ~~المعنى: أم حسبت أن هؤلاء عجبا، فإن الذي أتيتك من الكتاب والحكمة ~~والعلم أفضل من شأن أهل الكهف والرقيم. # وهذا مما علمت اليهود قريشا أن يسألوا عنه محمدا صلى الله عليه ~~وسلم فسألوه عن ذلك. فأخبره الله بقصصهم. وخبرهم بعد أن أبطأ عنه الوحي ~~في ذلك خمس عشرة ليلة، وقيل: أكثر. # والكهف: كهف الجبل، آوى إليه القوم الذين قص الله [عز وجل] خبرهم في هذه ~~السورة. وقال: الضحاك: الكهف الغار في الوادي. وقال ابن مالك: الكهف: ~~الجبل. # و " الرقيم ": عند عكرمة وابن عباس فيما حكيا عن كعب: القرية وقال: ~~قتادة: " الرقيم " الوادي الذي فيه اصحاب الكهف، وقاله عطية العوفي. وعن ~~ابن عباس: " الرقيم " الكتاب. وقال عكرمة: الرقيم القرية اسم لها. # وقال: [ابن] جبير / " الرقيم ": لوح من حجارة كتبوا فيه قصص أصحاب الكهف ~~ثم وضعوه على باب الكهف. # وقال ابن زيد: " الرقيم ": كتاب، ولذلك الكتاب خبر، فلم يخبرنا الله [عز ~~وجل] عن ذلك الكتاب وعن ما بناؤه، وقرأ: # ومآ أدراك ما عليون * كتاب مرقوم * يشهده ~~المقربون # [المطففين: 19-21] ms1400 # ومآ أدراك ما سجين * كتاب مرقوم # [المطففين: 8-9]. # وعن ابن عباس أيضا أن " الرقيم ": الجبل الذي فيه الكهف، وعن ابن عباس ~~أن " الرقيم ": كتاب كتبه رجلان صالحان كانا في بيت الملك الذي فر منه ~~الفتية أصحاب الكهف، كانا يكتمان إيمانهما. فلما سد الكهف على الفتية ~~كتبا شأن الفتية وخبرهم في لوحين من رصاص. ثم جعلاه في تابوت على المكان ~~الذي سد به باب الكهف. وقالا: لعل الله يطلع على هؤلاء الفتية قوما ~~صالحين فيعلمون شأنهم. # وقد روى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: القرآن أعلمه إلا { حنانا } ~~[مريم: 13] و { لأواه } [التوبة: 114] و { الرقيم } [الكهف: 9] و ~~{ غسلين } [الحاقة: 36]. # وقال أنس: بن مالك: " الرقيم ": آية الكلب وقال عكرمة: الرقيم الرواة. ~~وقال السدي: هو الصخرة، وقال الفراء: الرقيم لوح من رصاص كتب فيه أسماؤهم ~~وأنسابهم ودينهم ومما هربوا. ### || [18.10] # قوله: { إذ أوى الفتية إلى الكهف } إلى قوله: { رشدا ~~}. # أي: كانوا من آياتنا عجبا، حين أوى الفتية إلى الكهف هربا بدينهم إلى ~~الله [عز وجل] فقالوا: إذ أووه. # { فقالوا ربنآ آتنا من لدنك رحمة }. # أي: ارحمنا ونجنا من هؤلاء الكفار. # { وهيىء لنا من أمرنا رشدا }. # أي: دلنا على ما ننجو به. # وكان هؤلاء الفتية على دين عيسى صلى الله عليه وسلم. فدعاهم ملكهم إلى ~~عبادة الأوثان والأصنام فهربوا بدينهم منه خشية أن يفتنهم عنه أو يقتلهم ~~فاستخفوا منه في الكهف. # وروي أنهم لما أمرهم الملك بعبادة صنمه قالوا # ربنا رب السموت والأرض لن ندعوا من دونه ~~إلها لقد قلنا إذا شططا # [الكهف: 14] فاعتزلوا عن قومهم لعبادة الله [سبحانه]. فقال: أحدهم: إنه ~~كان لأبي كهف يأوي فيه غنمه. فانطلقوا بنا نكن فيه. فدخلوا فيه، ثم فقدوا ~~في ذلك الزمان، فطلبوا، فقيل: إنهم دخلوا هذا الكهف. فقال: قومهم: لا ~~نريد لهم عقوبة، ولا عذابا أشد من أن يردم عليهم هذا الكهف فبنوه عليهم ~~فردموه، ثم أقاموا ما شاء الله، يدبرهم الله [عز وجل] بلطفه وهم نيام، ثم ~~بعث الله [عز وجل] ملكا على دين عيسى صلى ms1401 الله عليه وسلم. ووقع ذلك ~~البناء الذي كان ردم عليهم. وقاموا من نومتهم تلك. فقال: بعضهم لبعض كم ~~لبثتم؟ قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم. فأرسلوا أحدهم ليأتيهم بطعام وشراب ~~مستخفيا أن لا يعرف. فلما خرج من باب الكهف رأى ما أنكره، فأراد أن ~~يرجع، ثم مضى حتى دخل المدينة فأنكر ما رأى، ثم أخرج درهما فنظروا إليه، ~~فأنكروه وأنكروا الدرهم. فقالوا من أين لك هذا؟ [هذا] من ورق غير هذا ~~الزمان. واجتمعوا عليه، ولم يفارقوه حتى حملوه إلى ملكهم. وكان لقومهم ~~لوح يكتبون فيه ما يكون. فنظروا في ذلك اللوح. وسأله الملك، فأخبره ~~بأمره، ونظروا في الكتاب متى فقدوا، فاستبشروا به وبأصحابه وقيل له: ~~انطلق بنا فأرنا أصحابك فانطلق، وانطلقوا معه، ليريهم أصحابه فدخل قبل / ~~القوم فضرب على آذانهم. # قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم ~~مسجدا # [الكهف: 21]. # قال: ابن عباس: كانوا ثمانية. وروى: أنه لما بني عليهم باب الكهف كتب ~~رجلان مؤمنان - ممن يسر الإيمان - خبرهم، ووقت البناء عليهم، وأسماءهم، ~~وأنسابهم، وأسماء آبائهم في لوحين من رصاص ثم صنعا تابوتا من نحاس، ~~وجعلا اللوحين فيه. ثم كتبا عليه، في فم الكهف، من بين ظهراني البنيان، ~~وختما على التابوت بخاتمهما وقالا: لعل الله أن يظهر على هؤلاء الفتية ~~قوما مؤمنين قبل [يوم] القيامة، فيعلم من فتح عليهم حين يقرأ هذا الكتاب ~~خبرهم. # قال: مجاهد: فلبثوا في الكهف ثلاثة مائة سنين وازدادوا تسعا نياما. # وقيل: إنهم كانوا شبانا ملوكا مطوقين، مسورين ذوي ذوائب وكان معهم كلب ~~صيدهم. فخرجوا في عيد [لهم] عظيم في زي ومواكب. وأخرجوا معهم آلهتهم التي ~~يعبدون. وقذف الله [في] قلوب الفتية الإيمان فآمنوا، وأخفى كل واحد منهم ~~الإيمان عن صاحبه، فقال: كل واحد في نفسه نخرج من بين أظهر هؤلاء القوم، ~~لا يصيبنا عقاب بجرمهم. فخرج شاب منهم حتى انتهى إلى ظل شجرة، ثم خرج آخر ~~فرآه جالسا وحده فرجا أن يكون على مثل أمره، فجلس إليه، وخرج الآخرون ~~فجاءوا وجلسوا إليهما. فاجتمعوا، فقال: بعضهم: ما ms1402 جمعكم؟ فقال: آخر: بل ~~ما جمعكم؟ وكل يكتم إيمانه عن صاحبه مخافة على نفسه وقالوا: ليخرج منكم ~~فتيان، فيخلوان، فيتوثقا ألا يفشي واحد منهما على صاحبه. ثم يفشي كل ~~واحد منهما لصاحبه أمره. فإنا نرجو أن نكون على أمر واحد. ففعلوا ذلك، ~~فعلموا أن جميعهم على أمر واحد وهو الإيمان. وإذا كهف في الجبل [قريب] ~~منهم، فقال: بعضهم لبعض: آووا إلى هذا الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ~~ويهيئ لكم من أمركم مرفقا. فدخلوا الكهف ومعهم كلب صيدهم. فناموا. فجعل ~~الله جل وعز رقدة واحدة ثلاث مائة سنة وتسع سنين. وطلبهم قومهم ففقدوهم. ~~وبعثوا البرد في طلبهم. فعمى الله [عز وجل] عليهم آثارهم. فلما لم يقدروا ~~عليهم، كتبوا أسماءهم وأنسابهم في لوح: فلان بن فلان، وفلان بن فلان: ~~ملوك فقدناهم في عيد كذا، من شهر كذا، من سنة كذا، في مملكة فلان، ورفعوا ~~اللوح في الخزانة، ثم مات ذلك الملك. وأتى قرن بعد قرن فأظهرهم الله [عز ~~وجل] وأنبههم، فوجهوا رسولهم ليأتيهم بما يأكلون ولا علم عندهم بما مضى ~~من الزمان فأطلع عليهم. # وقال: وهب بن منبه: جاء حواري عيسى بن مريم إلى مدينة أصحاب الكهف، ~~فأراد أن يدخلها، فقيل له: إن على بابها صنما لا يدخلها أحد إلا سجد له. ~~فكره أن يدخلها / فأتى حماما، فكان فيه قريبا من تلك المدينة. فكان ~~يعمل فيه، يؤاجر نفسه من صاحب الحمام. فرأى صاحب الحمام في حمامه البركة، ~~ودر عليه الرزق وجعل يعرض عليه [الإسلام] ويسترسل إليه. وعلقه فتية من ~~أهل المدينة. وجعل يخبرهم خبر السماء والأرض وخبر الآخرة حتى أنسوا به، ~~وصدقوه. وكانوا على مثل حاله في أحسن الهيئة وكان يشترط على صاحب الحمام ~~أن الليل لي، فلا تحولن بيني وبين الصلاة إذا حضرت. وكان على ذلك حتى جاء ~~ابن الملك بامراة فدخل بها الحمام. فعيره الحواري فقال: أنت ابن الملك ~~تدخل معك بهذه الكذا، فاستحيي فذهب، ورجع مرة أخرى، فقال: له مثل ذلك، ~~فسبه وانتهره، ولم يلبث حتى دخل ودخلت ms1403 المرأة معه فماتا في الحمام ~~جميعا، فأتى الملك فقيل له: إن صاحب الحمام قتل ابنك. # فالتمس فلم يقدر عليه هربا. فقال: من كان يصحبه؟ فسموا الفتية، ~~فالتمسوا، فخرجوا من المدينة، فمروا بصاحب لهم في زرع له، وهو على مثل ~~أمرهم، فذكروا أنهم التمسوا، فانطلق معه الكلب، حتى أواهم الليل إلى ~~الكهف فدخلوه. فقالوا نبيت هنا الليلة ثم نصبح إن شاء الله فترون رأيكم. ~~فضرب على آذانهم. فخرج الملك في أصحابه يتبعونهم حتى وجدوهم قد دخلوا في ~~الكهف، فلما أراد رجل أن يدخل أرعب، فلم يطق أحد أن يدخله، فقال: قائل: ~~ألست لو كنت قدرت عليهم قتلتهم قال: بلى. قال: ابن عليهم باب الكهف ودعهم ~~يموتون عطشا وجوعا، ففعل. ### || [18.11-14] # قوله: { فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا } ~~إلى قوله: { إذا شططا }. # المعنى: وضربنا على آذانهم بالنوم، أي ألقينا النوم عليهم. وإنما ذكر ~~الأذان لأن النوم يمنعهم من السماع. وأتى في هذا ضرب بمعنى ألقى. كما ~~يقال: ضربك الله بالفالج، أي: ألقاه عليك وابتلاك. # وقوله: { عددا } توكيد لسنين وقيل: أتى بأنه لا يفيد معنى الكثرة. ~~لأن القليل لا يحتاج إلى عدد إذ قد عرف معناه ومقداره. # ثم قال: { ثم بعثناهم } أي: نبهناهم من نومهم { لنعلم ~~أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا } أي: لنعلم من ~~يهتدي من عبادي بالبحث إلى مقدار مبلغ مكث الفتية في كهفهم والأمد ~~الغاية. # وقد اختلف في مقدار إقامتهم طائفتان من الكفار من قوم الفتية، قاله ~~مجاهد: وقيل: بل اختلف في ذلك طائفة مؤمنة وطائفة كافرة. وقيل: الحزبان ~~أصحاب الكهف والقوم الذين كانوا أحياء في وقت بعثهم. # ومعنى: { لنعلم } أي: علم مشاهدة، وإلا فقد علم ذلك تعالى ذكره قبل ~~خلق الجميع، ومعنى الكلام التوقف على النظر في معرفة مقدار لبثهم. كما ~~تقول لمن أتى بالباطل: جئ ببرهانك حتى أعلم أنك صادق. # ومعنى: { أمدا } عددا، قاله مجاهد، وقال: ابن عباس { أمدا }: ~~بعيدا. # ثم قال: تعالى: { نحن نقص [عليك] نبأهم بالحق } أي: ~~نخبرك يا محمد خبرهم بالصدق واليقين. # { إنهم فتية ms1404 آمنوا بربهم }. # أي: إن الذين سألوك عن نبأهم [هم] فتية آمنوا بربهم، أي: صدقوا به ~~ووحدوه. # { وزدناهم هدى }. # أي: إيمانا إلى إيمانهم وبصيرة، فهجروا دار قومهم وهربوا بدينهم إلى ~~الله [عز وجل] وفارقوا ما كانوا فيه من النعيم في الله [تعالى]. # ثم قال: تعالى: { وربطنا على قلوبهم }. # أي: ألهمناهم الصبر وشددنا قلوبهم بنور الإيمان حتى [عزفت] أنفسهم عما ~~كانوا فيه من خفض العيش. # وقال: قتادة: { وربطنا على قلوبهم } بالإيمان حين { ~~قاموا فقالوا ربنا رب السموت والأرض } أي: ملك ~~السماوات [والأرض] { لن ندعوا من دونه إلها } أي: لن نعبد ~~معبودا سواه. # { لقد قلنا إذا شططا }. # أي: لو قلنا: أنه يعبد غيره لقلنا جورا من قول. وقليل " شططا " غاليا ~~من الكذب وقال: قتادة: " شططا " كذبا. وقال: ابن زيد خطأ. # ويقال: قد أشط فلان في السوم، إذا جاوز القدر يشط إشطاطا وشططا. # ويقال: شط منزل فلان، إذا بعد، يشط شطوطا. # ويقال: شطت الجارية تشط شطاطا وشطاطة إذا طالت. # ويقال: شط الرجل وأشط إذا جار. # وقال: أبو عبيدة { إذا شططا } أي: جورا وغلوا. ### || [18.15-16] # قوله: { هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة } إلى ~~قوله { من أمركم مرفقا }. # هذا خبر عن قول الفتية، أنهم قالوا [فيما] بينهم: هؤلاء قومنا اتخذوا من ~~دون الله آلهة فيعبدونها، هلا يأتون على عبادتهم لها بحجة ظاهرة وبينة ~~وعذر بين، فمن أشد اعتداء وجورا ممن اختلق على الله كذبا وأشرك في ~~عبادته غيره. # قال: ابن عباس: كل " سلطان " في القرآن فهو حجة. # ثم قال: { وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله ~~}. # هذا أيضا: خبر من الله [عز وجل] عن قوله: بعض الفتية [لبعض] قالوا فيما ~~بينهم: { وإذ اعتزلتموهم } و [هم] الذين عبدوا الآلهة من دون ~~الله [سبحانه] وفارقتهم دينهم. { فأووا إلى الكهف }: فسيروا بنا ~~إلى الكهف، وهو غار الجبل { ينشر لكم ربكم من رحمته } ~~أي: يبسط لكم ربكم من رحمته { ويهيئ لكم من أمركم ~~مرفقا } أي: ويجعل لكم ربكم من عملكم الذي أنتم فيه وخوفكم على ~~أنفسهم ما ترفقون به. # والفتح والكسر ms1405 في ميم " مرفقا " [لغتان]. والأفصح عند الكسائي الكسر ~~وأنكر الفراء الفتح. وقال: لا أعرف في الأمر وفي اليد وفي كل شيء إلا ~~الكسر. قال: وكأن الذين فتحوا أرادوا أن يفرقوا بينه وبين مرفق الإنسان. # وقال الأخفش: فيه ثلاث لغات مرفق، ومرفق، ومرفق، فمن قال: ~~مرفق جعله مما ينتقل مثل " مقطع ". ومن قال: مرفق كمسجد لأنه من ~~رفق يرفق كسجد يسجد. ومن قال: مرفق جعله من الرفق. ### || [18.17-18] # قوله: { وترى الشمس إذا طلعت } إلى قوله: { ولملئت ~~منهم رعبا / }. # أي: وترى يا محمد { الشمس إذا طلعت تزاور } أي: تعدل ~~وتميل من الزور وهو الاعوجاج. قال ابن عباس: تزاور تميل يمينا وشمالا. # ثم قال: { وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال }. # أي: تتركهم ذات الشمال. يقال: منه قرضت موضع كذا، إذا قطعته فجاوزته، ~~هذا مذهب البصريين. # وقال الكوفيون: قرضت موضع كذا أي: حاذيته. وحكوا عن العرب: قرضته دبرا ~~وقبلا: وحدوته ذات اليمين والشمال. أي: كنت بحدائه. # وأصل القرض: القطع. ومنه تسمى المقص: مقراضا لأنه يقطع به. # وقال ابن جبير: تتركهم قال قتادة: تدعهم # قال عكرمة: كان كهفهم في القبلة، وقال القتبي: كان باب الكهف حذاء بنات ~~نعش فكانت تزاور عن كهفهم إذا طلعت، وتتركهم إذا غربت. # وقوله: { وهم في فجوة منه }. # أي: في متسع وفضاء في الكهف. # { ذلك من آيات الله }. # أي: ما تقدم من فعل الله لهم من حجج الله [عز وجل] على خلقه [سبحانه]. # ومن الأدلة التي يستدل بها أولوا الألباب على عظم قدرته وسلطانه. # ثم قال: { من يهد الله فهو المهتد }. # أي: من يوفقه بالاهتداء فهو المهتدي { ومن يضلل } أي: عن آياته ~~وأدلته. # { فلن تجد له وليا مرشدا }. # أي: لن تجد له يا محمد خليلا ولا حليفا يرشده. # ثم قال: { وتحسبهم أيقاظا وهم رقود }. # أي: تظنهم يا محمد لو رأيتهم أيقاظا، أي: أعينهم مفتوحة فتظنهم لذلك ~~منتبهين. وقيل: إنما ذلك لكثرة تقلبهم، تحسبهم منتبهين. # { ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال }. # أي: نقلبهم في حال رقادهم مرة للجنب اليمين ومرة للجنب الأيسر. قال أبو ms1406 ~~عياض: وكان لهم في كل عام تقلبتين. # ثم قال: { وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد } # يعني: كلبا كان معهم للصيد. وقيل: هو إنسان من الناس كان طباخا لهم ~~تبعهم. # والوصيد: فناء الكهف، قاله ابن عباس، وابن جبير، ومجاهد، والضحاك ~~وقتادة: وعن قتادة: " الوصيد ": الصعيد والتراب. وعن ابن عباس أيضا: ~~الوصيد الباب، وقيل: الوصيد العتبة، وقيل الوصيد فناء الباب، وسمي الباب ~~وصيدا: لأنه يطبق. من قولهم: أوصدت الباب: إذا أطبقته، فهو في هذا ~~القول: فعيل بمعنى مفعل. كأنه قال: باسط ذراعيه بالوصيد أي بالمطبق يقال: ~~[أصدت الباب و] أوصدته إذا أطبقته فهو موصد تهمز ولا تهمز. # ثم قال: { لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا }. # أي: لو رأيتهم [في رقدتهم] لهربت منهم خوفا ولملئ قلبك رعبا منهم. ~~وذلك لما كان الله ألبسهم من الهيبة لئلا يصل إليهم أحد ولا تلمسهم يد، ~~حفظا منه لهم حتى يبلغ الكتاب فيهم أجله، وتوقظهم من رقدتهم قدرته في ~~الوقت الذي يريد، ليجعلهم عبرة لمن شاء من خلقه. وآية لمن أراد الاحتجاج ~~بهم عليه ومن خلقه # ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ~~ريب فيها # [الكهف: 21]. # وقيل معناه: لوليت منهم فرارا ولملئت / منهم رعبا من كثرة شعورهم وكبر ~~أظفارهم، إذ قد مر عليهم زمان طويل وهم أحياء نيام. فطالت شعورهم وعظمت ~~أظفارهم. ### || [18.19-20] # قوله: { وكذلك بعثناهم ليتسآءلوا بينهم } إلى ~~قوله: { إذا أبدا }. # أي فكما أرقدناهم على هذه الصفة، كذلك بعثناهم من رقدتهم { ~~ليتسآءلوا بينهم } أي: ليسأل بعضهم بعضا و [نعرفهم] عظيم ~~قدرتنا فيهم فيزدادوا بصيرة في أمرهم وفي إيمانهم إذ لبثوا مدة عظيمة من ~~الزمان وهم في هيئهم لم يتغيروا ولا تغيرت ثيابهم. # ثم قال: { قائل منهم كم لبثتم }. # أي: بعثناهم ليتساءلوا. فتساءلوا فقال: قائل منهم. كم لبثتم؟ وذلك أنهم ~~استنكروا من أنفسهم طول رقدتهم. { قالوا لبثنا يوما أو ~~بعض يوم }. # وهذا يدل على أن الرعب منهم لمن رآهم لم يكن لطول شعورهم وأظفارهم، إذ ~~لو كان كذلك لعاينوا من أنفسهم أمرا يمنعهم أن يقولوا لبثنا يوما أو ms1407 ~~بعض يوم. فقال الآخرون: { ربكم أعلم بما لبثتم } ويجوز ~~أن يكون لما رأوا من طول شعورهم وأظفارهم ما أنكروا { قالوا ربكم ~~أعلم بما لبثتم } ردوا العلم إلى الله في ذلك [سبحانه]. # قال ابن جبير: قال أحدهم: لبثنا يوما، وقال الآخر: لبثنا نحوه، فقال ~~كبيرهم: لا تختلفوا، فإن الاختلاف هلكة { ربكم أعلم بما ~~لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى ~~المدينة } يعنون مدينتهم التي خرجوا منها. # قال: ابن عباس: كانت ورقهم كأخفاف الربع، وهو صغار الإبل، وقال: إنهم ~~قاموا من رقدتهم جياعا فلبثوا في طلب الطعام. # ومعنى: { أزكى طعاما } عند عكرمة أكثر، وهو قول أبي عبيدة. وقال: ~~ابن جبير: أحل ذبيحة، لأن القوم كانوا مجوسا. وعن ابن عباس { أزكى ~~طعاما } أطهر طعاما. وقال: مقاتل: أزكى طعاما " أطيب طعاما. وقال: ~~قتادة خير طعاما وقيل: أرخص. وعن ابن عباس: ازكى طعاما " أطهره لأنهم ~~كانوا يذبحون الخنازير. # { فليأتكم برزق منه } أي: بطعام { وليتلطف } أي: ~~يرفق { ولا يشعرن بكم أحدا } أي: لا يعلمن بكم أحدا من ~~الناس. { إنهم إن يظهروا عليكم } أي: إن أهل قريتكم ~~الكفار أن يطلعوا عليكم { يرجموكم } أي: يقتلوكم { أو ~~يعيدوكم في ملتهم } أي: يردوكم عن دينكم [إلى دينهم] { ولن ~~تفلحوا إذا أبدا } أي: لن تفلحوا أن رجعتم إلى دينهم وعبادة ~~أوثانهم [أبدا]. # قال وهب بن منبه: غبروا بعدما بني عليهم باب الكهف زمانا بعد زمان. ثم ~~إن راعيا أدركه المطر عند الكهف فقال: لو فتحت هذا الكهف، وأدخلت غنمي ~~من المطر. فلم يزل يعالجه حتى فتح ما دخل منه. ورد الله إليهم أرواحهم في ~~أجسادهم من الغد حين أصبحوا، فبعثوا أحدهم بورق يشتري لهم طعاما، فلما ~~أتى باب مدينتهم رأى شيئا ينكره. حتى دخل [على رجل] فقال: يعني بهذه ~~الدراهم طعاما. فقال: من أين [لك] هذه الدراهم؟ قال: خرجت أنا وأصحاب لي ~~أمس وأتى الليل ثم أصبحوا فأرسلوني. # فقال: هذه الدراهم كانت على عهد ملك فلان، فأنى لك بها؟ فرفعه إلى ~~الملك، وكان ملكا صالحا فقال: [من] أين لك هذا الورق؟ فقال: ms1408 خرجت أنا ~~وأصحاب لي / أمس حتى أدركنا الليل في كهف كذا وكذا. ثم أمروني أن أشتري ~~لهم طعاما. فقال: وأين أصحابك؟ قال: في الكهف. قال: فانطلقوا معه حتى ~~أتوا باب الكهف فقال: دعوني أدخل إليهم قبلكم. فلما رأوه ودنا منهم ضرب ~~على ءاذانهم فجعلوا كلما دخل رجل منهم أرعب. فلم يقدروا على أن يدخلوا ~~إليهم فبنوا عندهم كنيسة واتخذوها مسجدا يصلون فيه. # وقال عكرمة: كان أصحاب الكهف أبناء ملوك الروم، ورزقهم الله الإسلام ~~فاعتزلوا قومهم، حتى انتهوا إلى الكهف. فلبثوا دهرا طويلا حتى أهلكت ~~أمتهم. وجاءت أمة مسلمة وملكهم مسلم. فاختلفوا في الروح والجسد فقال ~~قائل: يبعث الروح أما الجسد فتأكله الأرض فلا يكون شيئا. فشق على ملكهم ~~اختلافهم فانطلق فلبس المسوح، وجلس على الرماد، ثم دعا الله [عز وجل] ~~فقال أي رب قد ترى اختلاف هؤلاء، فابعث لهم آية تبين لهم، فبعث الله [عز ~~وجل] أصحاب الكهف. فبعثوا أحدهم يشتري لهم طعاما. فدخل السوق فجعل ينكر ~~الوجوه، ويعرف الطرق، ويرى الإيمان بالمدينة ظاهرا. فانطلق وهو مستخف ~~حتى أتى رجلا يشتري منه طعاما فلما نظر الرجل إلى الورق أنكرها فقال له ~~الفتى: أليس ملككم فلانا؟ قالوا: لا ملكنا فلان، فلم يزل ذلك بينهما حتى ~~دفعوه إلى الملك فسأله، فأخبره الفتى خبر أصحابه. فبعث في الناس فجمعهم، ~~فقال: إنكم قد اختلفتم في الروح والجسد، وإن الله عز وجل قد بعث لكم آية، ~~فهذا رجل من قوم فلان، يعني: ملكهم الذي مضى. فقال الفتى: انطلقوا بي إلى ~~أصحابي. فركب الملك وركب معه الناس حتى انتهوا إلى الكهف. فقال الفتى: ~~دعوني أدخل إلى أصحابي. فلما أبصرهم ضرب على أذنه وآذانهم، فلما استبطؤوه ~~دخل الملك ودخل الناس معه فإذا أجسادهم لا ينكرون منها شيئا غير أنها لا ~~أرواح فيها. فقال الملك: هذه آية: بعثها الله [عز وجل] لكم. # وروي في هذا أخبار طويلة ترجع إلى هذا المعنى. ### || [18.21-24] # قوله: { وكذلك أعثرنا عليهم } إلى قوله: { من هذا ~~رشدا }. # أي: كما بعثناهم بعد طول رقدتهم { وكذلك ms1409 أعثرنا عليهم } ~~أي: أطلعنا عليهم الفريق الذين كانوا في شك من بعث الأجساد [ليعلموا أن ~~وعد الله حق في بعث الأجساد] يوم القيامة وأن الساعة لا ريب فيها أي: ~~إتيانها لا شك فيه. # ثم قال: { إذ يتنازعون بينهم أمرهم }. # أي: أطلعنا عليهم إذ يتنازعون، أي: وقت المنازعة في بعث الأجساد. ~~والمنازعة المناظرة. # وقيل: المعنى: ليعلموا في وقت منازعتهم أن وعد الله في بعث الأجساد حق ~~فيكون العامل في " إذ " على القول الأول " أعثرنا " وعلى الثاني " ~~ليعلموا ". # ثم قال: { [فقالوا] ابنوا عليهم بنيانا }. # أي قال الذين اطلعوا على أمرهم: ابنوا عليهم بنيانا { ربهم ~~[أعلم بهم] } أي: [الله] أعلم بشأنهم قال ذلك: الكافرون. { قال ~~الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم ~~مسجدا } قال ذلك: المسلمون. # قال: عبيد بن عمير عمى الله [عز وجل] على الذين أعثرهم / على أصحاب ~~الكهف مكانهم فلم يهتدوا، فقال المشركون: نبني عليهم بنيانا فإنهم أبناء ~~آبائنا، ونعبد الله فيها. وقال المسلمون: نحن أحق بهم، فإنهم منا، نبني ~~عليهم مسجدا نصلي فيه، ونعبد الله عز وجل فيه. وقال قتادة: { الذين ~~غلبوا على أمرهم } الولاة. # وقد روى ابن وهب: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ليحجن عيسى ابن مريم عليه السلام في سبعين. منهم أصحاب الكهف مسورين ~~مخلخلين بالفضة ". # ثم قال: { سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم }. # [أي: سيقول بعض الخائضين في أمر الفتية هم ثلاثة رابعهم كلبهم] ويقول ~~بعضهم: خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب، أي: قذفا بالظن. ويقول بعضهم: ~~هم سبعة وثامنهم كلبهم. قل [يا محمد للقائلين ذلك] ربي أعلم بعدتهم ما ~~يعلم عددهم إلا ناس قليل من خلقه، قاله قتادة. # وقال ابن عباس: عني بالقليل هنا أهل الكتاب. وكان يقول: أنا ممن استثنى ~~الله [عز وجل]. # وروي عنه أنه قال: أنا من ذلك القليل. ويقول: عددهم سبعة، وكذلك قال: ~~عكرمة وابن جريج هم سبعة وثامنهم كلبهم. # ثم قال تعالى: { فلا تمار فيهم إلا مرآء ظاهرا }. # أي: [لا] تجادل في عدد أصحاب الكهف يا محمد أحدا من اليهود { إلا ~~مرآء ظاهرا ms1410 } أي: بما أنزل عليك من القرآن تتلوهم عليهم لا غير. ~~وقال ابن عباس: يقول حسبك ما قصصت عليك في أمرهم فلا تمار فيهم. # قال مجاهد: { إلا مرآء ظاهرا } إلا ما قد أظهرنا لك من أمرهم. ~~وقال ابن زيد: معناه: أن نقول لهم: ليس كما تقولون، ليس كما تدعون. # ثم قال: { ولا تستفت فيهم منهم أحدا }. # أي لا تستفت في أهل الكهف أحدا من أهل الكتاب فإنهم لا يعلمون ذلك. # ثم قال: { ولا تقولن لشاىء إني فاعل ذلك غدا * ~~إلا أن يشآء الله }. # هذا تأديب للنبي صلى الله عليه وسلم عهد إليه ألا يجزم في الأمور أنه ~~كائن لا محالة إلا أن يصله بمشيئة الله. إذ لا يكون شيء إلا بمشيئته ~~وأمره. وإنما أمر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم [لأنه] وعد سائليه عن ~~المسائل التي تقدم ذكرها أن يجيبهم عنها غد يومهم ولم يستثن. فاحتبس ~~الوحي عنه من أجل ذلك خمس عشرة ليلة حتى حزنه إبطاؤه. ثم أنزل عليه ~~الجواب فيهن فعرف الله [عز وجل] نبيه [عليه السلام] سبب احتباس الوحي ~~عنه وعلمه ما الذي ينبغي له أن يستعمله في عداته فيما يحدث من الأمور ~~التي [لم] يأته من الله عز وجل فيها تنزيل. # وتقدير { أن يشآء الله } عند الكسائي والفراء: إلا أن يقول إن ~~شاء الله. وقال البصريون: المعنى: إلا بمشيئة الله [عز وجل]. فأن: في ~~موضع نصب على حذف [الباء على] هذا. # ثم قال: [تعالى]: { واذكر ربك إذا نسيت }. # معناه عند ابن عباس: واستثن في يمينك إذا ذكرت أنك نسيت [ذلك] في حال ~~اليمين. قال فيه: [فإن] له أن يستثني ولو إلى سنة، وكذلك قال: أبو ~~العالية، والحسن. وقال عكرمة: معناه: واذكر ربك / إذا عصيت. وقيل: معناه: ~~واذكر ربك إذا تركت ذكره لأن أحد معاني النسيان التي استعمل بها الترك. # ومعنى قول: من أجاز الاستثناء بعد سنة أنه يسقط ذلك الاستثناء الحرج ~~بتركه ما أمر به في الاستثناء لأن الله [عز وجل] أمر بالاستثناء. فإذا ~~ذكر الإنسان، متى ms1411 ما ذكر يمينه، وجب عليه أن يستثني فيسقط عنه الحرج في ~~تركه ما أمر به ولا يسقط ذلك لكفارة إذا حنث [إلا أن يكون الاستثناء ~~متصلا باليمين فيسقط عنه الكفارة إذا حنث]، والحرج جميعا، هذا معنى قول ~~ابن عباس: أنه يستثني بعد سنة. ولم يقل أحد أن الاستثناء بعد حين يسقط ~~عنه الكفارة إذا حنث. ولو وجب أن يسقط الكفارة بالاستثناء بعد حين لم يكن ~~قوله تعالى: # ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته # [المائدة: 89] الآية. فائدة: لأنه كان يستثني كل من أراد الحنث متى ما ~~أراد الحنث ولا يكفر، وتبطل فائدة الآية، ولا يلزم أحد الكفارة. ويدل على ~~ذلك أيضا، قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر وليأت الذي هو خير " # فأمر بالكفارة عند الحنث، ولم يقل: فليقل إن شاء الله. # ثم قال: { وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا ~~رشدا }. # أي قل لهم يا محمد لعل ربي أن يرشدني لأقرب مما وعدتكم وأخبرتكم أنه ~~يكون إن هو شاء. # وقيل: إن هذا أمر من الله [عز وجل] لنبيه [صلى الله عليه وسلم] أن يقوله ~~إذا نسي الاستثناء في كلامه الذي هو عنده في أمر مستقبل مع قوله إن شاء ~~الله إذا ذكر ذلك. # وقيل: المعنى قل لعل ربي أن يعطيني من الآيات والدلالات على النبوة ما ~~يكون أقرب من الرشد وأدل من قصة أصحاب الكهف. ### || [18.25-26] # قوله: { ولبثوا في كهفهم } إلى قوله: { في حكمه أحدا ~~}. # معناه: ويقولون لبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين. هذا حكاية عن قول أهل ~~الكتاب، فرد الله [عز وجل] ذلك عليهم. وقال: [الله] لنبيه [صلى الله ~~عليه وسلم] # { قل [الله] أعلم بما لبثوا } الآية. # قال: قتادة: وفي حرف ابن مسعود " [و] قالوا: { ولبثوا في ~~كهفهم }. وقال مجاهد والضحاك: هو خبر من الله [عز وجل] عن مبلغ ~~لبثهم في الكهف ولما قال: { وازدادوا تسعا } قالوا سنين أو ليال ~~أو غيرها فأنزل الله: { قل الله أعلم بما لبثوا } الآية. ms1412 # وقيل: إن أهل الكتاب قالوا [على] عهد النبي [صلى الله عليه وسلم]: إن ~~للفتية من لدن دخلوا الكهف إلى عصرنا هذا ثلاث مائة سنة وتسع سنين، فرد ~~الله [عز وجل] عليهم وأعلم نبيه أن قدر لبثهم في الكهف إلى أن بعثوا ~~ثلاث مائة سنة وتسع. # ثم قال: تعالى لنبيه [عليه السلام]. { قل الله أعلم بما ~~لبثوا }. # [أي] بعد أن بعثهم وقبض أرواحهم إلى يومهم هذا لا يعلم مقدار ذلك إلا ~~الله. # ومن نون " مائة " جعل " سنين " بدلا من " ثلاث " أو يكون عطف بيان ~~على " ثلاث ". وقيل: هو نعت لمائة لأن مائة في معنى جمع. # وحكى بعض أهل اللغة أن العرب إذا نونت العدد أتت بعده بحمع يفسره، ~~فيقولون: عندي ألف دراهم [وثلاثمائة دراهم] وألف رجالا، فيكون " سنين " ~~على هذا القول تفسيرا. # ومن أضاف، أتى بالعدد على أصله. لأنا إذا قلنا عندي مائة درهم فمعناه ~~مائة من الدراهم. فالجمع هو الأصل فأتى به في هذه القراءة على الأصل /. # [و] قوله: { الله أعلم بما لبثوا }. # أي: أعلم بلبثهم من المختلفين في ذلك. وقيل: أعلم بمعنى عالم. # وقوله { وازدادوا تسعا }. # أي: تسع سنين. ولا يحسن أن يكون تسع ساعات ولا تسع ليال، لأن العدد إذا ~~فسر في صدر الكلام [جرى] آخره [على] ذلك التفسير. تقول عندي مائة درهم ~~وخمسة. فتكون " الخمسة " دراهم أيضا، لدلالة ما تقدم من التفسير على ~~ذلك. # ثم قال: { له غيب السموت والأرض }. # أي: له علم ذلك وملكه لا يشاركه فيه أحد. # ثم قال: { أبصر به وأسمع }. # أي: ما أبصر الله [جلت عظمته] واسمعه لا يخفى عليه شيء { ما لهم من ~~دونه من ولي } أي ليس لخلقه دون ربهم ولي يلي تدبيرهم ولا ينقذهم ~~من عذاب الله [سبحانه] إذا جاءهم. # { [و] " لا يشرك في حكمه أحدا }. # أي: ليس يشرك الله [عز وجل] في تدبيره لعباده أحدا ولا يظهر على غيبه ~~أحدا. # وقيل معناه: لا يجوز أن يحكم حاكم إلا بما حكم الله [عز وجل] أو بما دل ~~عليه حكمه، وليس ms1413 لأحد أن يحكم من ذات نفسه فيكون لله [سبحانه] شريكا في ~~حكمه. # فأما من قرأه بالتاء والجزم، فمعناه: لا تنسبن أحدا إلى أنه يعلم الغيب ~~ويلي تدبير الخلق. ### || [18.27-28] # قوله: { واتل مآ أوحي إليك من كتاب ربك } إلى قوله ~~{ وكان أمره فرطا }. # المعنى: واتبع يا محمد ما أنزل إليك من كتاب [ربك] والزم تلاوته والعمل ~~بما فيه { لا مبدل لكلماته } أي: لا مغير لما وعد بكلماته ~~التي أنزلها عليك. # ثم قال: { ولن تجد من دونه ملتحدا }. # أي وإن لم تفعل ما أمرت به من الاتباع للكتاب ولزوم التلاوة فلن تجد من ~~دونه ملتحدا. قال: مجاهد [ " ملتحدا " ] ملجأ. وقيل معناه: موئلا. ~~وقيل: معدلا والمعنى واحد. وهو مفتعل من اللحد. يقال: لحدت إلى كذا أي ~~ملت إليه. ولذلك قيل للحد لحد لأ[نه] في ناحية القبر وليس هو الشق ~~الذي في وسطه. ومنه الالحاد في الدين لأنه ميل عن الحق فيه. # ثم قال: { واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم ~~بالغداة والعشي }. # والمعنى أن الله يقول لنبيه عليه السلام: احبس نفسك يا محمد في أعمال ~~الطاعت { مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي } ~~بالذكر والحمد والتضرع يريدون بذلك وجه الله. # { ولا تعد عيناك عنهم }. # أي: لا تصرفهما عنهم إلى غيرهم من الكفار. وقال: ابن المسيب: هم أهل ~~الصلاة المكتوبة، ومثله عن مجاهد. # وروي أن ذلك نزل في الذين [كان] النبي صلى الله عليه وسلم يقرئهم القرآن ~~أمر أن يصبر نفسه ليقرئهم. # وروي أنه أمر للنبي عليه السلام أمر أن يقرئ الناس القرآن. # [و] هذه الآية نزلت في جماعة من عظماء المشركين أتوا النبي عليه السلام ~~وقالوا له: باعد عنك هؤلاء الذين رائحتهم رائحة الظأن وهم موال وليسوا ~~بأشراف، لنجالسك ونفهم عنك، يعنون بذلك خبابا وصهيبا وعمارا وبلالا ~~ومن أشبههم فأمر[ه] الله [عز وجل] [ألا] يفعل ذلك وأن يقبل عليهم ولا ~~يلتفت إلى غير[هم] من المشركين. # فهو / قوله { ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا ~~واتبع هواه } يعني المشركين الذين أمروه أن يبعد عنهم هؤلاء ~~المؤمنين. ms1414 # وقيل: عني بذلك عيينة بن حصن والأقرع بن حابس. # " ولما نزل ذلك على النبي عليه السلام وهو في بيته التمسهم فوجد قوما ~~يذكرون الله [عز وجل] ثائري الرؤوس والجلود وفي ثوب واحد فلما رآهم قال: ~~" الحمد لله الذي جعل من أمتي من أمرني أن أصبر نفسي معهم " ". # وفي ذلك نزل # ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي يريدون وجهه # [الأنعام: 52]. وذلك أن النبي عليه السلام هم بابعادهم طمعا أن يؤمن ~~به عظماء قريش فنهاه الله [عز وجل] عن ذلك. # وقيل [معنى] { يدعون ربهم بالغداة والعشي }: يعني ~~صلاة الصبح والصلاة بالعشي. وقيل: هم الذين يقرءون القرآن. # ثم قال: تعالى: { تريد زينة الحياة الدنيا }. # فمعنى تريد زينة الحياة الدنيا أي تريد مجالسة الأشراف ذوي الأموال، وهم ~~كفار، وتترك مجالس المؤمنين الفقراء. وروي أنهم كانوا لا يلبسون الأثياب ~~الصوف من الفقر. # وقال: مجاهد: { وكان أمره فرطا } أي ضائعا، وعنه ضياعا. ~~وقيل معناه: ندامة. وقيل هلاكا. وقال: ابن زيد معناه: مخالفة للحق. وهو ~~من قولهم أفرط فلان في كذا، إذا أسرف فيه وجاوز قدره فيكون معناه وكان ~~أمره سرفا في كفره وافتخاره وتكبره. ### || [18.29-31] # قوله: { وقل الحق من ربكم } إلى قوله: { مرتفقا }. # المعنى: أن الله جل ذكره أمر نبيه عليه السلام أن يقول لمن تقدم ذكره ~~في قوله # ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع ~~هواه # [الكهف: 28] الحق من ربكم أي الهدى والتوفيق والخذلان من عند الله يهدي ~~من يشاء فيوفقه فيؤمن، ويضل من يشاء فيخذله فيكفر، وليس إلي من ذلك شيء، ~~ولست بطارد لهواكم من وفقه الله [عز وجل] فآمن، فإن شئتم فاكفروا وإن ~~شئتم فآمنوا. فإن كفرتم فقد أعد لكم [ربكم] نارا أحاط [بهم] سرادقها. # وقوله { فليؤمن } و { فليكفر } لفظه لفظ الأمر ومعناه التهدد ~~والوعيد. ومثله # تمتعوا في داركم # [هود: 65] وقوله: # وليتمتعوا # [العنكبوت: 66] وشبهه كثير. # والأمر من الله [عز وجل] على أقسام: فمنه ما معناه الإيجاب والإلزام نحو # إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا # [المائدة: 6] الآية، وشبهه. فهذا لا بد من فعله ms1415 ويأثم من تركه، ويكفر إن ~~عاند في تركه. # ومنه ما معناه التأديب والإرشاد نحو قوله: # وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم ~~وإمائكم # [النور: 32] وقوله: # وأشهدوا إذا تبايعتم # [البقرة: 282] وفيه اختلاف. فهذا لا يخرج المأمور بتركه إلى إثم. وإن ~~تأدب به وعمله فقد أحسن، إذ قد اتبع ما ندبه الله [عز وجل] إليه. # ومنه ما معناه الاباحة [والاطلاق نحو قوله: # وإذا حللتم فاصطادوا # [المائدة: 2] وقوله:] # فانتشروا في الأرض # [الجمعة: 10] # فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله # [البقرة: 222] فهذا إن شاء [فعله، وإن شاء] لم يفعله، ولا يشكر على ~~فعله، ولا يندم على تركه. # ومنه / ما معناه الحتم والتكوين والإحداث نحو قوله: # كونوا قردة خاسئين # [البقرة: 65] وقوله: # كن فيكون # [البقرة: 117 ويس: 82] فهذا تكوين وإحداث. ويوجد المأمور فيه مع الأمر ~~ولا يتقدم ولا يتأخر. # وكل أوامر النبي [صلى الله عليه وسلم] على هذه الأقسام تأتي إلا التكوين ~~والإحداث فليس يكون إلا لله عز وجل، غير أنه قد يكون ذلك على أيدي ~~أنبيائه دلالة على صدقهم. كقول نبينا صلى الله عليه وسلم لشجرة دعاها: " ~~أقبلي " فأقبلت تجري عروقها وأغصانها حتى وقفت بين يديه، ثم قال: لها: " ~~ارجعي " فرجعت إلى مكانها، وشبهه كثير. وهذه الأوامر إنما يميز الواجب ~~منها [من غيره] بالبراهين والدلائل والتوقيف لا غير. # وقوله: { أحاط بهم سرادقها }. # قال: ابن زيد: هو حائط من نار يحيط بهم كسرادق الفسطاط، وقاله ابن عباس. ~~وقال: معمر: هو دخان يحيط بالكفار يوم القيامة وهو الذي قال: الله: [عز ~~وجل] # انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب # [المرسلات: 30]. # وقيل هو البحر المحيط الذي في الدنيا، أي: أحاط بهم سرادق الدنيا أي: ~~بحرها المحيط. # وقد روي عن النبي عليه السلام أنه قال: # " البحر هو جهنم وتلا هذه الآية. وقال: لا أدخله أبدا وما دمت حيا، ~~ولا تصيبني منه قطرة " # فيكون معناها أحاط بهم أي عمهم. # وروى [عنه] أبو سعيد الخدري أنه قال: # " سرادق النار أربع جدر، كتف كل واحد منها مسيرة أربعين سنة ". # ثم قال: { وإن يستغيثوا }. # أي ms1416 إن يستغيثوا من العطش يغاثوا بماء كالمهل أي # " كعكر الزيت. فإذا قربه من فمه سقطت فروة وجهه فيه " # كذا رواه الخدري عن النبي عليه السلام. # وعن ابن مسعود: أن المهل هو كفضة وذهب أذيبا واختلطا. وقال: مجاهد: " ~~كالمهل " كالقيح والدم الأسود إذا اختلطا. وقال: ابن عباس: المهل ماء ~~غليظ مثل دردي الزيت. # وقال: الضحاك: المهل ماء جهنم أسود، وهي سوداء، وشجرها أسود وأهلها سود. ~~وقال: ابن جبير: المهل الذي قد انتهى حره. وقيل: المهل عكر القطران. # وعن النبي عليه السلام أنه قال: # " المهل صديد أهل جهنم إذا دني منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه ولحم وجهه ~~من حره ". # والمهل عند أهل اللغة: كل شيء أذبته من رصاص أو نحاس ونحوه. # ثم قال: { يشوي الوجوه }. # وقال: ابن جبير: إذا جاع أهل النار استغاثوا بشجرة الزقوم فيأكلون منها ~~فاختلست جلودهم ووجوههم. فلو أن مارا مر بهم يعرفهم لعرف جلود وجوههم. ~~فيتضاعف عليهم العطش فيستغيثون فيغاثون بماء كالمهل. فإذا أدنوه من ~~أفواههم انشوى من حره لحوم / وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود. # وقوله: { بئس الشراب }. # أي بئس الشراب هذا الذي يغاث به هؤلاء القوم. # وقوله: { وسآءت مرتفقا }. # أي ساءت هذه النار التي أعدت لهؤلاء الظالمين: { مرتفقا } أي ~~متكئا. والمرتفق في كلام العرب المتكا. يقال: ارتفقت أي: اتكأت.. وقال: ~~مجاهد " مرتفقا " مجمتعا " وهو مفتعل من الرفق. # قوله: { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا ~~نضيع أجر [من أحسن عملا] } إلى قوله: { وحسنت ~~مرتفقا }. # أي [إن] الذين صدقوا محمدا [صلى الله عليه وسلم] وما أتى به وعملوا بما ~~جاءهم [به] لا نضيع ثواب من أحسن عملا. # وخبر إن الأول قوله: { إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا ~~} على تقدير من أحسن عملا منهم. وحذفت " منهم " لأن الله قد أخبرنا أنه ~~محبط عمل غير المؤمنين. وقيل التقدير: إنا لا نضيع أجرهم. وقيل: الخبر ~~أولئك لهم جنات عدن. # وروي # " أن أعرابيا سأل النبي صلى الله عليه وسلم وهو واقف بعرفات على ناقته ~~الصهباء عن قوله: { إن الذين ms1417 آمنوا وعملوا الصالحات ~~إنا لا نضيع } الآية. فقال: النبي [صلى الله عليه وسلم]: " يا ~~أعرابي: ما أنت منهم وما هم منك ببعيد. هؤلاء الأربعة الذين هم وقوف معي: ~~أبو بكر وعمر وعثمان وعلي. فاعلم قومك أن هذه الآية نزلت في هؤلاء ~~الأربعة " ". # ولا تقف على { عملا } إن جعلت الخبر { أولئك لهم جنات ~~عدن } وإن جعلت الخبر: { إنا لا نضيع } وقفت عليه. # ثم قال: تعالى: { أولئك لهم جنات عدن }. # أي جنات إقامة لا زوال منها. { تجري من تحتهم الأنهار } أي ~~من دونهم الأنهار. كما يقال: داري تحت دارك، أي دونها. وسأل عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه كعبا. فقال: [له]: إني سمعت الله [عز وجل] يذكر ~~جنات عدن، فما عدن؟ فقال: يا أمير المؤمنين، هو قصر في الجنة لا يدخله ~~إلا نبي أو صديق أو شهيد أو حكم عدل. فقال: عمر: أما النبوة فقد جعلها ~~[الله عز وجل] في أهلها، وأما الصديق فوالله إني لأرجو أن [أكون] قد صدقت ~~بالله [عز وجل] وبرسوله، وأما الحكم العدل فوالله إني لأرجو أن أكون ما ~~فرقت في حكم أحدا، وأما الشهادة فأنى لي بالشهادة؟ قال: الحسن فجمعهن ~~الله [عز وجل] والله له ثلاثتهن. فجعله: صديقا، حكما عدلا، شهيدا. # وقوله: { يحلون فيها من أساور من ذهب }. # أساور جمع [أسورة، وأسورة جمع] سوار وسوار يقال: بالضم والكسر. وحكى ~~قطرب إسوار. وإن أساور جمع أسوار على حذف الياء لأن أصله أساوير على هذا. ~~والمعروف أن إسوار واحد أساورة الفرس. # وقوله: { ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق ~~}. # قال: الكسائي: السندس جمع سندسة. وقال: واحد العبقري عبقرية وواحد ~~الرفرف: رفرفة، وواحد الأرائك: / أريكة. # والسندس ما رق من الديباج، والإستبرق ما ثخن منه وغلظ. والأرائك السور ~~في الحجال، وقيل: هي الفرش في الحجال. # ثم قال: { نعم الثواب } أي نعم الثواب [في] جنات عدن وما وصف ~~فيها لمن ذكر. { وحسنت مرتفقا } أي حسنت هذه الأرائك والجنات ~~التي وصف الله [عز وجل] في هذه الآية { مرتفقا } أي متكئا. ### || [18.32-34] # قوله: { واضرب لهم ms1418 مثلا رجلين } إلى قوله { وأعز ~~نفرا }. # وروي عن [ابن] عباس: أنهما أخوان ورثا مالا فصار لكل واحد أربعة آلاف ~~دينار. فأعطى أحدهما نصيبه للفقراء والمساكين واكتسب الآخر بنصيبه الأجنة ~~والعبيد، فاحتاج المتصدق فتعرض لأخيه ليصله. فقال: [له] أخوه: ما فعل ~~مالك؟ قال: قدمته بين يدي. قال: [له]: لكني اشتريت بمالي لنفسي ولولدي # ومآ أظن الساعة قائمة # [الكهف: 36] الآية. # وقيل: " كانا رجلين من بني إسرائيل اشتركا في تجارة فربحا ستة آلاف ~~دينار. فاقتسماها وتفرقا. ثم اجتمعا فقال: أحدهما لصاحبه: ما فعلت؟ قال: ~~نكحت امرأة، أفضل نساء بني إسرائيل بألف دينار. فانطلق الآخر فأخرج ألفا ~~فقال: اللهم إن صاحبي نكح من يموت ويبلى بألف دينار. وأنا أخطب إليك ~~امرأة من نساء الجنة بهذه الألف، وتصدق بها... القصة بطولها. # و [المعنى و] اضرب يا محمد لهؤلاء المشركين، الذين سألوك أن تطرد الذين ~~يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين ~~أي بستانين من كرم { وحففناهما بنخل } أي أظللنا البستانين ~~بنخل حولهما. من قولهم حف القوم بفلان إذا حد قوابه. # وقيل: إن هذا مما سأل عنه اليهود مع قصة أهل الكهف وذي القرنين والروح، ~~فأعلمنا الله [عز وجل] به وجعله مثلا للكفار ولجميع المؤمنين. # وروي أن الرجلين هما أبناء فطر سويس ملك كان في بني إسرائيل توفي وترك ~~ابنين أحدهما يسمى مليخا. وكان زاهدا في الدنيا وراغبا في الآخرة، ~~فأنفق ماله في ذات الله [عز وجل] وكان الآخر يبني القصور، ويكسب الأجنة ~~والعبيد، فزار الزاهد أخاه فوجد عليه حجابا فلم يدخل إلا بعد إذن فسأله ~~عن ماله. فقال: أنفقته في ذات الله، وقدمته بين يدي لأقدم عليه. وجئتك ~~زائرا. فقال: له الغني { أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا ~~} أي عبيدا. ثم كان من شأنهما ما قص الله علينا. # وقوله { وجعلنا بينهما زرعا }. # أي جعلنا وسط هذين البستانين زرعا { كلتا الجنتين آتت ~~أكلها } أي: أطعم ثمرها { ولم تظلم منه شيئا } أي: لم ~~تنقص من الأكل شيئا { وفجرنا خلالهما نهرا } أي: بين ~~أشجارهما. ms1419 وفجرنا: سيلنا. # وأجاز النحويون في غير القرآن: آتتا أكلهما. # وأجاز الفراء كلتا الجنتين آتى أكله، رده على معنى كل. وفي حرف عبد الله ~~/ " كلا الجنتين اتى أكله ". # ثم قال: { وكان له ثمر }. # أي: ذهب وفضة، قاله مجاهد وكذلك # وأحيط بثمره # [الكهف: 42] وقال: قتادة: هو المال الكثير من أنواع شتى. وقال: ابن عمر ~~[وابن عباس]، ثمر: مال. # وقال: مجاهد: كل ما في القرآن من " ثمر " بالضم فهو المال، وما كان " ~~من ثمر " بالفتح " فهي من الثمار. # وقال ابن زيد: الثمر هنا الأصل، وكذلك # وأحيط بثمره # [الكهف: 42] أي: بأصله. # وهو جمع ثمار، كحمار وحمر، وثمار جمع ثمرة، فأما من أسكن الميم فإنما ~~أسكن استخفافا. ومعناه كمعنى قراءة من ضم. فأما من فتح الميم والثاء، ~~فإنه جعله جمع ثمرة كخشبة وخشب. # ثم قال: { فقال لصاحبه [وهو يحاوره] } الآية. # أي قال: صاحب الجنتين لصاحبه، الذي لا مال له، وهو يخاطبه { أنا ~~أكثر منك مالا وأعز نفرا } أي: أعز عشيرة ورهطا. ### || [18.35-41] # قوله: { ودخل جنته } إلى قوله { فلن تستطيع له ~~طلبا }. # أي دخل هذا الذي له جنتان جنته، وهو كافر بالله [سبحانه] وبالبعث شاكا ~~كما في قيام الساعة، وذلك ظلمه لنفسه، فقال: { مآ أظن أن تبيد ~~هذه أبدا } لما رأى جنته وحسن ما فيها من الثمار والأنهار شك في ~~المعاد. # فقال: ما أظن أن تبيد هذه الجنة أي لا تخرب ولا تفنى. # ثم قال: { ومآ أظن الساعة [قائمة] } شك في قيام الساعة. ~~ثم قال: غير موقن بالبعث: { ولئن رددت إلى ربي لأجدن ~~خيرا منها منقلبا } يقول: إن كان ثم بعث فلي عند ربي خير ~~من جنتي. لأنه لم يعطني هذا في الدنيا إلا ولي عنده أفضل منهما في المعاد ~~إن كان ثم معاد. # وتحقيق المعنى، ولئن رددت إلى ربي، على قول صاحبي وقد أعطاني هذا في ~~الدنيا فهو يعطيني في الآخرة أفضل من ذلك. فدل هذا على أن صاحبه المؤمن ~~أعلمه أن ثم بعث ومجازاة. ومثله # أين شركآئي # [النحل: 27] فأضافهما إلى نفسه، والمعنى أين شركائي ms1420 على قولكم. # ثم قال: تعالى: { قال له صاحبه وهو يحاوره }. # أي قال: له صاحبه المؤمن وهو يخاطبه { أكفرت بالذي خلقك ~~من تراب } يعني خلق آدم أباك من تراب { ثم من نطفة } أي: ~~خلقك أنت من نطفة الرجل والمرأة. # { ثم سواك رجلا } أي عدلك سويا رجلا لا امرأة، فكفرت به أن ~~يعيدك خلقا جديدا بعد موتك. [ { لكنا هو الله ربي } أي] ~~لكن [أنا] أقول هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا. # وهذا يدل على أن صاحب المال كان مشركا إذ نفى هذا المؤمن الإشراك عن ~~نفسه. # ثم قال: { ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شآء الله ~~} أي هلا إذ دخلت بستانك فأعجبك ما رأيت فيه قلت: ما شاء الله كان ولا ~~قوة على ما نحاول من الطاعة إلا بالله، قال: أبو عامر الباجي: من أكثر من ~~قول ما شاء الله لم يصبه شيء إلا رضي به. # قال: أبو محمد [رضي الله عنه]: وقوله المسلمين بأجمعهم ما شاء الله كان، ~~وقبولهم لهذا القول واستمالتهم له بأجمعهم يدل / على أن ما حدث في الدنيا ~~وما يحدث من خير وشر فبمشيئة الله [سبحانه]، وبقدرته [عز وجل] وإرادته ~~[تعالى] [كان] خلافا لقول المعتزلة أن ثم أشياء كثيرة حدثت بغير مشيئة ~~الله تعالى عن ذلك علوا كبيرا، بل كل بمشيئته وارادته يفعل ما يشاء. ~~كما قال # إن الله يفعل ما يشآء # [الحج: 18] ولو حدث شيء بغير مشيئته وإرادته لكان مقهورا مغلوبا، جل ~~وتعالى عن ذلك. # وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ألا أدلك على كلمة من كنز الجنة تحت العرش؟ قال: قلت: بلى بأبي أنت ~~وأمي يا رسول الله. قال: [لا] قوة إلا بالله إذا قالها العبد قال: الله: ~~" أسلم عبدي واستسلم ". # ثم قال: [له]: { إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا } ~~أي: في الدنيا { فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك ~~ويرسل عليها حسبانا [من السمآء] } أي: عذابا. # وواحد الحسبان حسبانة وهي المرامي، قاله قتادة والضحاك وقال: ابن زيد ~~الحسبان ms1421 قضاء الله [عز وجل يقضيه]. # والحسبان في اللغة الحساب كما قال: تعالى: # الشمس والقمر بحسبان # [الرحمن: 5] أي: بحساب. وتقدير الآية على هذا: أن يرسل عليها عذاب حسبان ~~ما كسبت يداك مثل # وسئل القرية # [يوسف: 82]. # ثم قال: { فتصبح صعيدا زلقا }. # أي: فتصبح أرضا ملساء لا شيء فيها من شجر ولا غرس، { زلقا } لا ينبت ~~في أرضها قدم لإملاسها ودروس ما كان ثابتا فيها. # والصعيد وجه الأرض الذي لا نبات فيه قال: قتادة { صعيدا زلقا } أي ~~قد حصد ما فيها ولم يترك شيء. قال: ابن عباس: مثل الجرز. # ثم قال: { أو يصبح مآؤها غورا }. # أي غائرا. وهو مصدر وضع موضع اسم الفاعل كما قال: رجل عدل أي عادل. ~~وهذا مما يبقى على لفظه في الواحد والاثنين والجماعة والمؤنث. # ومعنى غائر ذاهب في الأرض فلا يلحقه الرشاء. # ثم قال: { فلن تستطيع له طلبا }. # أي: فلن تدرك الماء الذي كان في جنتك إذا غار. ### || [18.42-45] # قال: تعالى: { وأحيط بثمره } إلى قوله: { على كل شيء ~~مقتدرا }. # المعنى: وأحاط الله [عز وجل] بثمره أي أحاط عذاب الله [عز وجل] بثمره. # والثمر أنواع المال. ولو كان الثمر المأكول لوجب أن يكون لم يهلك من ~~ماله إلا ثمر شجرة [و] ليس الأمر على ذلك. بل هلك كل ماله في الجنتين ~~وهلكت الجنتان مع ذلك. # وقوله: { فأصبح يقلب كفيه على مآ أنفق فيها }. # هذا مثل للنادم المتأسف على ما ذهب له أن يقلب كفيه ظهرا لبطن على ذهاب ~~نفقته في جنته { وهي خاوية على عروشها } أي حيطانها قائمة ~~لا سقوف عليها. قد تهدمت سقوفها [و] بقيت حيطانها، فصارت الحيطان كأنها ~~على السقوف إذ صارت السقوف تحت الحيطان. # وقال: مجاهد { يقلب كفيه } أي يصفق كفيه. أي يضرب كفا على ~~كف، وهذا يفعله صاحب المصيبة إذا نزلت به. # { يقول يليتني لم أشرك بربي أحدا }. # هذا ندم منه على ما تقدم من شركه به لما عاين ذهاب ماله والانتقام منه ~~في الدنيا. والمعنى ويقول إذا عاين عذاب الآخرة ذلك. لم يندم على ms1422 الشرك ~~في الدنيا، إذ لو ندم على شركه / في الدنيا لكان مؤمنا. # ثم قال: { ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله }. # أي لم تكن له عشيرة ينصرونه من هلاك جنته. وقيل من العذاب، قاله مجاهد. ~~وقال: قتادة: " فئة جنده. # { وما كان منتصرا }. # أي ما كان ممتنعا من عذاب الله [عز وجل] إذا عذبه [سبحانه]. # ثم قال: تعالى: { هنالك الولاية لله الحق }. # أي لم يكن ممتنعا { هنالك } ثم ابتدأ فقال: { الولاية لله ~~الحق } فلا يوقف على " منتصرا " على هذا التقدير. ويجوز أن يكون { ~~هنالك } ظرفا للولاية، فيحسن الوقف على " منتصرا ". # و " الولاية " بفتح الواو، في الدين مصدر للولي، من قوله # إن وليي الله # [الأعراف: 196] ومعناه يتولى المؤمنين [و] قال: الفراء والكسائي الولاية ~~بفتح الواو يعني به النصرة، أي هنالك النصرة لله [عز وجل]. ودل على هذا ~~قوله: { وما كان منتصرا }. # والولاية بكسر الواو السلطان والقدرة. وهو مصدر وليت الشيء ولاية، فهو ~~مصدر الوالي، هذا قول الكسائي والفراء. والمعنى ثم القدرة والنصرة ~~والسلطان لله [عز وجل] وثم إشارة إلى يوم القيامة. # وأجاز أبو إسحاق " الحق " بالنصب على المصدر. أي أحق الحق. ولم يقرأ به ~~أحد. # ثم قال: { هو خير ثوابا }. # أي الله خير المثيبين في العاجل والآجل، { وخير عقبا } أي عاقبة ~~في الأجل إذا صار إليه المطيع له. والعقب العاقبة وهي العقبا وذلك ما ~~يصير إليه الأمر. # ثم قال: { واضرب لهم مثل الحياة الدنيا }. # أي واضرب للمشركين يا محمد الذين رغبوا [في الدنيا] واختاروها على ~~الآخرة فسألوك أن نطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ~~للدنيا. # { مثل } أي شبها. # { كمآء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات ~~الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح }. # أي كمطر أنزله الله من السماء { فاختلط به نبات الأرض ~~فأصبح هشيما } فمثل الدنيا كمثل هذا النبات الذي حسن استواؤه ~~بهذا المطر ثم انقطع عنه فعاد هشيما. أي: يابسا فتاتا { تذروه ~~الرياح } لا فائدة فيه. وكذلك الحياة الدنيا، بينما الإنسان في ~~غضارتها مغتبطا إذ أتاه الموت فيبطل كل ما ms1423 كان فيه. # وقيل: معنى المثل المستحسن من الدنيا المشتهى المستحلى من نعمها، كله ~~[يبطل] ويفسد بالفناء والزوال والانقلاب من الحال المستحسنة [إلى الحال ~~المستقبحة] كما انتقل النبات عن الخضرة والطراء إلى الجفاف والاسوداد ~~والهلاك. فلا ينبغي لمن لطف نظره وصح تمييزه أن يعتد من الدنيا بما لا ~~يبقى عليه ولا يحصل له نفعه. # ثم قال: { وكان الله على كل شيء مقتدرا }. # أي قادرا لا يفوته شيء. ومعنى { وكان الله } فأتى بالخبر عن ~~الماضي أنه على [معنى: أن] ما شاهدتموه من قوته ليس بحادث بل لم يزل على ~~ذلك. هذا مذهب سيبويه. وقال: الحسن معناه: وكان مقتدرا عليه قبل كونه. ~~وكذا الجواب عن كل ما أخبر الله [عز وجل] به عن نفسه بالماضي. ### || [18.46-47] # قوله: { المال والبنون زينة الحياة الدنيا } إلى ~~قوله: { فلم نغادر منهم أحدا }. # والمعنى المال والبنون الذي يفخر به عظماء قريش على الفقراء المؤمنين إذ ~~سألوك يا محمد / أن تبعد الفقراء المؤمنين عن نفسك وتقرب الأغنياء زينة ~~الحياة الدنيا دون الآخرة. # { والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا }. # أي وما يعمل هؤلاء الفقراء من دعائهم ربهم [عز وجل] بالغداة والعشي ~~يريدون وجهه. # { والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا ~~وخير أملا }. # أي ما يؤمل من عاقبة الدعاء إلى الله [عز وجل] هؤلاء الفقراء خير مما ~~يؤمل هؤلاء الأغنياء المشركون من أموالهم وأولادهم. # وقيل: عنى بهذه الآيات من قوله: # واتل مآ أوحي إليك من كتاب ربك # [الكهف: 27] إلى هذا الموضع: عيينة والأقرع، سألا النبي [صلى الله عليه ~~وسلم] أن يطرد الضعفاء المؤمنين عن نفسه مثل سلمان وصهيب وخباب. # وقال ابن عباس: { والباقيات الصالحات } الصلوات الخمس، وهو ~~قول ابن جبير. # وقال: عثمان [بن عفان] رضي الله عنه [هي] سبحان الله والحمد لله ولا إله ~~إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله، رواه عنه الحارث مولاه. # وقال: ابن عباس أيضا: هي سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله ~~أكبر، وهو قول ابن المسيب وعطاء ومجاهد. # وزاد ابن المسيب ms1424 فيها: ولا حول ولا قوة إلا بالله، وكذلك قال: ابن عمر ~~لما سئل عنها مثل قول ابن المسيب، وهو قول محمد بن كعب القرطبي، وهو قول ~~ابن مسعود، وهو مروي عن النبي عليه السلام. # وروي عن مجاهد أنه قال: هي التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير. # وروى أبو أيوب الأنصاري أن النبي عليه السلام قال: # " عرج بي إلى السماء فرأيت إبراهيم فقال: يا جبريل من هذا معك قال: ~~محمد، قال: فرحب بي وسهل. ثم قال: مر أمتك فليكثروا من غراس الجنة فإن ~~تربتها طيبة وأرضها واسعة. فقلت: وما غراس الجنة؟ قال: لا حول ولا قوة ~~إلا بالله ". # وروى أبو هريرة أن النبي عليه السلام قال: # " سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر هن الباقيات ~~الصالحات ". # وروى أبو سعيد الخدري أن النبي عليه السلام قال: # " استكثروا من الباقيات الصالحات، قليل وما هن يا رسول الله؟ قال: ~~الملة. قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: التكبير والتهليل والتسبيح ~~والتحميد ولا حول ولا قوة إلا بالله ". # وروى ابن عجلان عن المقبري عن أبي هريرة قال: قال: رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " خذوا جنتكم، قالوا: يا رسول الله من عدو و [قد] حصر. [قال] لا، جنتكم ~~من النار. قول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر يأتين ~~يوم القيامة مقدمات ومعقبات ومنجيات من النار [هن] الباقيات الصالحات ". # وعن ابن عباس أنه قال: هي الأعمال الصالحات من الذكر وغيره. تبقى لأهلها ~~في الجنة ما دامت السماوات والأرض. وقال: ابن زيد: هي الأعمال الصالحات. # وعن ابن عباس أيضا: هي الكلام الطيب. # ثم قال: { ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة }. # أي: واذكر يا محمد يوم تسير الجبال، أي يوم تبس الجبال بسا فنجعلها ~~هباء منبثا { وترى الأرض بارزة } ، أي: ظاهرة قد اجتنيت ~~ثمارها وقلعت جبالها وهدم بنيانها، قاله مجاهد / وقتادة. وروى أن ذلك في ~~يوم النفخة الأولى. # وقيل المعنى: قد أبرزت من فيها من الموتى الذين كانوا في بطنها فصاروا ~~على ظهرها. ms1425 فيكون على هذا النسب: أي وترى الأرض ذات بروز. # ثم قال: { وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا }. # أي: وجمعناهم إلى موقف الحساب فلم نترك منهم أحدا تحت الأرض. فهذا يدل ~~على أن معنى { وترى الأرض بارزة } تبرز من في بطنها من الموتى ~~على ظهرها. # وعن أم سلمة زوجة النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت سمعت النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول: # " يحشر الناس حفاة عراة كما بدؤوا، وقالت أم سلمة: يا سوءتاه يا رسول ~~الله هل ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: شغل الناس، قالت: قلت: وما شغلهم يا ~~رسول الله؟ قال: نشروا الصحف فيها متى قيل الدر ومتى قيل الخردل ". ### || [18.48-50] # قوله: { وعرضوا على ربك صفا } إلى قوله: { بئس ~~للظالمين بدلا }. # أي وعرض الخلق صفا أي ظاهرة ترى جماعتهم كما ترى كل واحد منهم، لا ~~يسترهم شيء. # { لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة }. # أي أحياء كهيئتكم حين خلقناكم أول مرة، يحشرون حفاة عراة غرلا. وغرل ~~جمع أغرل وهو الأقلف. والمعنى يقال: لهم يوم القيامة إذا عرضوا لقد ~~جئتمونا كما خلقناكم أول مرة. # ثم قال: [تعالى]: { بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا ~~}. # هذا خصوص للمنكرين البعث يقال: لهم بل زعمتم أن لن تبعثوا. # ثم قال: [تعالى]: { ووضع الكتاب فترى المجرمين ~~مشفقين مما فيه }. # في هذا الكلام اختصار وحذف. والتقدير ووضع الكتاب الذي فيه عمل [كل] ~~امرئ أي وضع الكتاب في يد كل امرئ في يمينه أو في شماله. # { فترى المجرمين مشفقين مما فيه }. # أي: ترى المشركين [بالله] خائفين وجلين مما فيه من أعمالهم السيئة { ~~ويقولون يويلتنا } أي يقولون إذا قرءوا كتاب أعمالهم ورأوا ما ~~كتب عليهم من كبائر ذنوبهم ومغائرها { يويلتنا } دعوا بالويل لما ~~أيقنوا بالعذاب. # وروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: لكعب: ويحك يا كعب حدثنا ~~من حديث يوم القيامة، فقال: نعم يا أمير المؤمنين إذا كان يوم القيامة ~~رفع اللوح المحفوظ، فلا يبقى أحد إلا وهو ينظر إلى عمله فيه. ثم يؤتى ~~بالصحف التي فيها ms1426 أعمال العباد فتنشر حول العرش فذلك قوله: { ووضع ~~الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ~~ويقولون يويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر ~~صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها } لما رأوا ما رأوا ولم ~~يقدروا أن ينكروا منها شيئا. # قال: قتادة: اشتكى القوم كما تسمعون الإحصاء ولم يشتك أحد منهم ظلما، ~~فإياكم والمحقرات من الذنوب فإنها تجتمع على صاحبها حتى تهلكه. # وروي عن ابن عباس أن الصغيرة التبسم، والكبيرة الضحك. وقيل: الصغيرة ما ~~دون الشرك والكبيرة الشرك. # وقوله: { إلا أحصاها } أي إلا حفظها الكتاب وأثبتت فيه. وقال: ~~أحصاها على معنى أحصاهما، وعلى معنى / أحصى كل واحد منهما. وقيل المعنى: ~~لا يغادر صغيرة إلا أحصاها ولا كبيرة إلا أحصاها، لكن حذفت إحدى الجملتين ~~لدلالة الأخرى عليها اختصارا وإ[ي]جازا. # ثم قال: { ووجدوا ما عملوا حاضرا }. # أي: ما عملوا في الدنيا من عمل حاضرا في كتابهم مكتوبا مبينا. # { ولا يظلم ربك أحدا }. # أي: لا يجازي ربك يا محمد أحدا بغير ما هو أهله، أي لا يجازي بالإحسان ~~إلا أهل الإحسان، ولا بالسيئات إلا أهل السيئة. وتحقيقه: لا يضع ربك ~~العقوبة إلا في موضعها لأن الظلم في اللغة وضع الشيء في غير موضعه. # ثم قال: { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لأدم ~~فسجدوا إلا إبليس كان من الجن }. # أي: واذكر يا محمد إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس ترك ~~السجود حسدا لآدم. # وقوله: { كان من الجن } أي: من الملائكة الذين يقال: لهم الجن. ~~وقيل كان من خزان الجنة فنسب إليها. # وقيل: كان من الجن الذين استخفوا عن أعين الناس أي استتروا. # وقال: ابن عباس كان اسم إبليس قبل أن يركب المعصية عزازيل. وكان من ~~الملائكة من سكان الأرض من أشد الملائكة عبادة واجتهادا فدعاه الكبر إلى ~~ترك السجود وكان من حي يسمون جنا. # وعنه أيضا أنه قال: كان إبليس من حي من أحياء الملائكة يقال: لهم الجن ~~خلقوا من نار السموم من بين الملائكة. وكان اسمه الحرث، وكان خازنا من ~~خزان الجنة، قال: وخلقت الملائكة من [نور] ms1427 غير هذا الحي وخلقت الجن الذين ~~ذكروا في القرآن من مارج من نار السموم وهي لسان النار الذي يكون في ~~طرفها إذا التهبت. # وقال: ابن المسيب: كان إبليس رئيس الملائكة، ملائكة سماء الدنيا. # وعن ابن عباس كان إبليس من خزان الجنة، وكان يدير أمر سماء الدنيا. وعنه ~~كان إبليس من أشراف الملائكة و[أ]كرمهم قبيلة وكان خازنا على الجنان، ~~وكان له سلطان السماء الدنيا، وكان له سلطان الأرض. وكان فيما قضى الله ~~عز وجل أنه رأى أن له بذلك شرفا وعظمة على أهل السماء فوقع في قلبه من ~~ذلك كبر لا يعلمه إلا الله [عز وجل] فلما كان عند السجود، حين أمر أن ~~يسجد لآدم [صلى الله عليه وسلم] استخرج الله عز وجل كبره عند السجود ~~فلعنه وأخره إلى يوم الدين. # وعن ابن عباس أنه قال: إن الملائكة قبيلة من الجن وكان إبليس منها، وكان ~~يسوس ما بين السماء والأرض فعصى، فسخط الله [عز وجل] عليه فمسخه شيطانا ~~رجيما لعنه الله ممسوخا. وقال: إذا كانت خطيئة الرجل في كبر فلا ~~ترجه، وإن كانت خطيئته في معصية فارجه. وكانت خطيئة آدم [صلى الله عليه ~~وسلم] في معصية وخطيئة إبليس في كبر. # وقال: ابن عباس: لو لم يكن من الملائكة لم يؤمر بالسجود. # وقال: قتادة إنما سمي من الجن لأنه جن عن طاعة ربه. يريد أنه استتر عنها ~~فلم يفعلها. وقال: الحسن: ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط وأنه ~~لأصل للجن، كما أن آدم [صلى الله عليه وسلم] أصل للإنسان. وقال: ابن / ~~جبير: كان من الجنانين الذين يعملون في الجنان فلذلك قال: { [كان] من ~~الجن }. # فمن جعله ليس من الملائكة ينقض قوله قول الله [عز وجل] { وإذ قلنا ~~للملائكة اسجدوا لأدم } لم يأمر غير الملائكة. وقال: من ~~أجاز ذلك: إن معنى أن الله أمره مع الملائكة بالسجود فاستثني، فهو ~~استثناء ليس من الأول. # ثم قال: { ففسق عن أمر ربه }. # أي: فعدل عن أمر ربه وخرج عنه، والفسق العدول والخروج عن الاستقامة. ms1428 ~~وقال: قطرب معناه ففسق عن [رده] أمر ربه [عز وجل]. # والمعنى عند الخليل وسيبويه أتاه الفسق لما أمر فعصى. وكان سبب فسقه ~~الأمر بالسجود. # ثم قال: { أفتتخذونه وذريته أوليآء من دوني ~~وهم لكم عدو }. # أي: فتوالون يا بني آدم من استكبر على أبيكم وأغواه حتى أخرجه من الجنة ~~فكان ذلك سبب خروجكم منها. وتتركون طاعة ربكم الذي أنعم عليكم وأسجد ~~ملائكته لأبيكم آدم [صلى الله عليه وسلم]. وذرية إبليس هم الشياطين الذين ~~يغوون بني آدم. # ثم قال: { بئس للظالمين بدلا }. # أي: بيس ما استبدل الظالمون من طاعة الله [عز وجل] طاعة ابليس. ### || [18.51-54] # قوله: { مآ أشهدتهم خلق السموت والأرض } إلى ~~قوله: { أكثر شيء جدلا }. # أي: ما أشهدت إبليس وذريته { خلق السموت والأرض } ، أي ما ~~أحضرتهم ذلك فاستعين بهم على خلقهما. # { ولا خلق أنفسهم }. # أي: ولا أحضرت بعضا منهم خلق بعض فأستعين به على ذلك. بل هو منفرد بخلق ~~جميع ذلك بغير معين ولا ظهير. # وقيل معنى: { مآ أشهدتهم خلق السموت والأرض }: ~~أي لم يكونوا موجودين إذ خلقتهما. # ثم قال: { وما كنت متخذ المضلين عضدا }. # أي: وما كنت متخذ من لا يهدي إلى الحق أعوانا وأنصارا وهو من قولهم ~~فلان يعضد [فلانا] إذا نصره وأعانه وقواه. # وقرأ أبو جعفر وعاصم الجحدري: " وما كنت " بفتح التاء على المخاطبة ~~للنبي عليه السلام. أي لست يا محمد متخذا المضلين أنصارا. # وفي عضد ستة أوجه وعضد وعضد وعضد بضمتين وبه قرأ الحسن. وحكى ~~هارون القارى " عضد ". ويجوز عند أبي إسحاق عضدا على قراءة الحسن ~~بسكون الأوسط. والسادس عضدا على لغة من قال: كتف في كتف. # ثم قال: { ويوم يقول نادوا شركآئي الذين زعمتم ~~} أي: نقول للمشركين نادوا الآلهة والأنداد التي عبدتموها، وجعلتموها ~~شركاء لله ووعدتم أنفسكم بنصرتها لكم من عذاب الله. # { فدعوهم فلم يستجيبوا }: أي: فاستغاثوا بها ولم تغثهم. # ثم قال: { وجعلنا بينهم موبقا }. # أي جعلنا بين المشركين، وما كانوا يعبدون في الدنيا عداوة يوم القيامة، ~~قاله الحسن. # وقال: ابن عباس معنى: { وجعلنا بينهم موبقا ms1429 } الموبق ~~المهلك الذي أهلك بعضهم بعضا. كأنه جعل فعلهم ذلك لهم مهلكا. ف " بين ~~" اسم على هذا القول لأظرف، وانتصابه انتصاب / المفعول بجعل. # قال: الضحاك: موبقا هلاكا. وقال: مجاهد: موبقا واد في جهنم. وقال: ~~عبد لله بن عمرو: يفرق يوم القيامة بين أهل الهدى والضلالة بواد عميق وهو ~~الموبق. وقال: أبو عبيدة: موبقا موعدا. # وأحسن الأقوال، قول من قال: الموبق المهلك والهلاك. لأن العرب تقول: ~~وبق يبق: إذا هلك. [ومنه] قوله: # [أو يو]بقهن بما كسبوا # [الشورى: 34] أي: يهلكهن. فالمعنى وجعلنا تواصلهم في الدنيا مهلكا لهم ~~في الآخرة. وقد يسمى الوادي موبقا لأنه يهلك فيه. # ف " بين " على هذا اسم لا ظرف، وانتصابه بجعلنا انتصاب المفعولات لا ~~انتصاب الظروف، ومن جعله واديا فهو ظرف، وكذلك على قول موبقا عداوة ~~وموعدا. # وروى أبان عن عكرمة أنه قال: [ " موبقا " ] نهر في النار يسيل نارا، ~~على حافتيه حيات كالبغال الدهم، فإذا ثارت إليهم لتأخذهم استغاثوا ~~بالاقتحام في النار منها، أعاذنا الله من النار. # ثم قال: [تعالى]: { ورأى المجرمون النار فظنوا ~~أنهم مواقعوها }. # أي عاين المجرمون النار يوم القيامة فأيقنوا بأنهم داخلوها. # روى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الكافر ليرى جهنم ويظن أنها مواقعته من مسيرة أربعين سنة ". # ثم قال: { ولم يجدوا عنها مصرفا }. # أي: [و] لم يجدوا عن النار معدلا إلى غيرها. # ثم قال: { ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من ~~كل مثل }. # أي: ولقد مثلنا في هذا القرآن [للناس] من كل مثل فيه موعظة وحجة ليتعظوا ~~ويتذكروا فينيبوا ويزدجروا عما هم فيه من الكفر { وكان الإنسان ~~أكثر شيء جدلا } ، أي خصومة لا ينيب لحق ولا ينزجر لموعظة. # [و] الإنسان هذا الكافر، دل عليه قوله # ويجدل الذين كفروا بالبطل ليدحضوا به ~~الحق # [الكهف: 56] وإنما قيل: { وكان الإنسان }. لأن إبليس أيضا قد ~~جادل والجن تجادل. والمعنى: وكان الإنسان أكثر هذه الأشياء جدلا. ### || [18.55-58] # قوله: { وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم ~~الهدى } إلى قوله { موئلا }. # المعنى: وما منع هؤلاء ms1430 المشركين يا محمد عن الإيمان [بالله عز وجل] إذ ~~جاءهم البيان من عند الله [سبحانه] والاستغفار مما هم عليه من شركهم إلا ~~أن تأتيهم سنة الأولين. # أي: إلا طلب أن يأتيهم العذاب كما أتي الأولين عند امتناعهم من الإيمان. ~~وطلبهم العذاب كما طلب هؤلاء المشركون العذاب في قولهم: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم # [الأنفال: 32]. # ثم قال: { أو يأتيهم العذاب قبلا }. # من كسر القاف فمعناه: عيانا. ومن ضم فهو عند الفراء جمع " قبيل " أي ~~يأتيهم متفرقا صنفا بعد صنف. وقال: أبو عبيدة: " قبلا " بالضم ~~مقابلة. وقال: مجاهد: قبلا، فجأة. وقال: ابن زيد: عيانا. # ثم قال: [تعالى]: { وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ~~ومنذرين }. # أي: وما نرسل رسلنا إلا مبشرين أهل الإيمان بجزيل الثواب عند الله [عز ~~وجل] ومنذرة أهل الكفر عظيم العقاب. # ثم قال: { ويجدل الذين كفروا بالبطل ليدحضوا ~~به الحق }. # أي: يخاصم الكفار النبي صلى الله عليه وسلم ويسألوا عن المسائل / يبتغون ~~عجزه واستنقاصه ليزيلوا به حجته، وينكروا نبوته فيزيلون الحق. ومعنى { ~~ليدحضوا } يزيلوا، وهو سؤالهم عن الروح وعن فتية الكهف وعن ذي ~~القرنين وشبهه. فأعلم الله [عز وجل] نبيه أنه لم يرسل رسله للجدال إنما ~~أرسلهم مبشرين ومنذرين. # ثم قال: { واتخذوا ءايتي ومآ أنذروا هزوا }. # أي: اتخذ الكافرون آيات الله [عز وجل] وحججه [سبحانه] سخريا. والهزؤ ~~السخرية كأنهم يسخرون به. # ثم قال: { ومن أظلم ممن ذكر بآيت ربه فأعرض ~~عنها }. # أي: أي الناس أوضع للأشياء في غير موضعها ممن ذكره الله [عز وجل] ~~آياته وحججه فدله على سبيل الرشاد، وأهداه إلى طريق النجاة، فأعرض عن ذلك ~~ولم يقبله { ونسي ما قدمت يداه } أي ترك ما اكتسبت من ~~الذنوب المهلكة له فلم يتب منها. # ثم قال: تعالى: { إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن ~~يفقهوه }. # أي: إنا جازيناهم بإعراضهم عن الهدى وميلهم إلى الكفر [بأن] جعلنا على ~~قلوبهم أغطية لئلا يفقهوه { وفي ءاذانهم وقرا } أي ثقلا لئلا ~~يسمعوه. فأعلم الله ms1431 [عز وجل] نبيه [صلى الله عليه وسلم] أن هؤلاء ~~بأعيانهم لن يؤمنوا. # ثم قال: لنبيه عليه السلام { وإن تدعهم إلى الهدى } أي ~~الاستقامة { فلن يهتدوا إذا أبدا } أي: فلن يؤمنوا أبدا ~~لأن الله [عز وجل] قد طبع على قلوبهم وآذانهم. # وقيل المعنى: فمن أظلم لنفسه ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عن قبولها { ~~ونسي ما قدمت يداه } أي: ترك كفره ومعاصيه لم يتب منها. # ثم قال: { وربك الغفور ذو الرحمة }. # أي: وربك يا محمد الساتر على ذنوب عباده بعفوه إذا تابوا منها ذو الرحمة ~~بهم. ولو أخذ هؤلاء المعرضين عن آياته بما اكتسبوا من الذنوب بالعذاب في ~~الدنيا لعجل لهم ذلك. لكنه برحمته وعفوه لم يعجل لهم ذلك. وتركه إلى ~~وقته، وهو الموعد المذكور. # { لن يجدوا من دونه موئلا }. # أي: لن يجدوا يعني هؤلاء المشركين من دون الموعد ملتحدا ملجئا يلجؤون ~~إليه من العذاب. ### || [18.59-61] # قوله: { وتلك القرى أهلكناهم } إلى قوله: { في ~~البحر سربا }. # المعنى: وتلك القرى من عاد وثمود وأصحاب الأيكة وغيرهم أهلكنا أهلها { ~~لما ظلموا } أي: كفروا بالله [عز وجل] وآياته [سبحانه]. # { وجعلنا لمهلكهم موعدا }. # أي: وجعلناه لوقت إهلاكهم أي لوقت هلاكهم موعدا، لا يتجاوزونه، أي ~~أجلا ووقتا. فكذلك جعلنا لهؤلاء المشركين موعدا لإهلاكهم لا ~~يتجاوزونه. # وتقدير الآية: أولئك أهل القرى أهلكناهم لما ظلموا، ثم حذف المضاف. مثل # وسئل القرية # [يوسف: 82]، وهنا الضمير في إهلاكهم على أصله، يعود على المحذوف وعمد ~~للإشارة فقيل: تلك لما صارت للقرى. # ثم قال: { وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى ~~أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا }. # أي: واذكر يا محمد إذ قال: موسى لفتاه يوشع بن نون [و] كان يلازم موسى ~~ويخدمه. وهو ابن اخته، وهو يوشع بن نون ابن فزائ[ي]ل بن يوسف بن ~~يعقوب. # والمعنى أنه قال: ليوشع لا أزال أسير حتى أبلغ مجمع البحرين، يعني ~~اجتماع بحر فارس وبحر الروم [فبحر الروم] مما يلي المغرب، وبحر فارس مما ~~يلي المشرق، قاله قتادة ومجاهد. # ومعنى { أو أمضي حقبا } أي أو أسير زمانا ms1432 ودهرا. وهو واحد ~~جمعه أحقاب في أقل العدد وكثيره. وقد / يجوز أن يكون أحقاب جمع حقب وحقب ~~جمع حقبة. [و] قال: الفراء: الحقب في لغة قيس سنة. وقال: عبد الله بن ~~عمر: الحقب ثمانون سنة. وقال: مجاهد " سبعون خريفا. # وعن ابن عباس { أو أمضي حقبا } دهرا. وعن قتادة: زمانا. ~~وقال: ابن زيد: الحقب الزمان وأصله في اللغة أنه وقت مبهم يقع للقليل ~~والكثير كرهط وقوم وكان علة سيره إلى مجمع البحرين أنه واعد ثم الخضر ~~يلقاه. # ثم قال: { فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما }. # أي: فلما بلغ موسى [صلى الله عليه وسلم] وفتاه مجمع البحرين. قال: أبي ~~بن كعب أفريقية. # وقوله { نسيا حوتهما }. أي: تركاه. وقال: مجاهد أضلاه وقيل: ~~الناسي له يوشع وحده، ولكن أضيف النسيان إليهما كما قال: # يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان # [الرحمن: 22] وإنما يخرج من أحدهما من المالح دون العذب. # وقيل كان النسيان منهما جميعا أما موسى [صلى الله عليه وسلم] فنسي أن ~~يقدم إلى يوشع في أمر الحوت، وأما يوشع فنسي أن يخبر موسى [صلى الله عليه ~~وسلم] بسرب الحوت. وكانا قد تزودا الحوت في سفرتهما فأضيف إليهما إذ هو ~~زادهما جميعا وإن كان حامله أحدهما. # ثم قال: { فاتخذ سبيله في البحر سربا }. # أي: اتخذ الحوت طريقه في البحر مسلكا ومذهبا يرى. قال: ابن عباس بقي ~~أثره كالحجر. وعنه أيضا أنه قال: جاء فرأى أثر جناحيه في الطين حين وقع ~~في الماء. # وعن ابن عباس أنه قال: جعل الحوت لا يمس شيئا من البحر إلا يبس حتى ~~يصير صخرة فذلك اتخاذه في البحر سربا. قال: ابن زيد: لما أحيى الله [عز ~~وجل] الحوت مضى في البطحاء فاتخذ فيها طريقا حتى وصل إلى الماء بعدما ~~أكلا منه، وكان زادهما. ### || [18.62-65] # قوله: { فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غدآءنا } إلى ~~قوله: { من لدنا علما }. # أي: فلما جاوزا مجمع البحرين، قال: موسى لفتاه: آتنا غذاءنا، { لقينا ~~من سفرنا هذا نصبا }. أي: تعبا. وذلك أن موسى [صلى الله ~~عليه وسلم] لما جاوز ms1433 الصخرة التي عندها يطلب الخضر وذهب الحوت عندها ألقى ~~الله [عز وجل] عليه الجوع ليذكر الحوت ليرجع [فليذهب] إلى مطلبه. # قال له فتاه وهو يوشع بن نون ابن أخت موسى من سبط يوسف بن يعقوب [صلى ~~الله عليه وسلم]: { أرأيت إذ أوينآ إلى الصخرة ~~فإني نسيت الحوت ومآ أنسانيه إلا الشيطان أن ~~أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا } ، أي اتخذ ~~طريقا يسيرة. قال: موسى " عجبا " أي أعجب عجبا. # وقيل هو من قول يوشع كله. أي اتخذ الحوت طريقه في البحر عجبا. فيكون ~~عجبا مفعولا ثانيا لاتخذ. ويجوز أن يكون مصدرا عمل فيه فعل دل عليه ~~الكلام. # وقيل المعنى: واتخذ موسى سبيل الموت في البحر عجبا. قال: ابن أبي نجيح ~~عجبا لموسى [صلى الله عليه وسلم] لهى هو أي عجب موسى من أثر الحوت في ~~البحر. وكذلك قال: قتادة. # قال: ابن زيد: عجبا والله من حوت أكل منه دهرا ثم صار حيا حتى أثر ~~بسيره في الماء طريقا. قال: ابن عباس: عجب موسى من أثر الحوت إذ صار ~~صخرة كلما مس. # فمن جعل العجب من موسى، وقوله { واتخذ سبيله في البحر } ~~من قول يوشع، وقف على البحر. ومن جعله كله من قول يوشع أو جعل الاتخاذ ~~لموسى [صلى الله عليه وسلم] لم يقف على البحر. # ثم قال: تعالى: { قال ذلك ما كنا نبغ }. # أي قال: موسى لفتاه { ذلك ما / كنا نبغ }. # أي نسيانك للحوت هو الذي كنا نطلب. لأن موسى عليه السلام وعد أن يلقى ~~الخضر في الوضع الذي نسي فيه الحوت. # { فارتدا على آثارهما قصصا }. # أي: رجعا على طريقهما [الذي] أتيا فيه يطلبان الموضع الذي انسرب فيه ~~الحوت. والقصص الاتباع. أي يقصان الأثر قصصا حتى انتهيا إلى أثر الحوت { ~~فوجدا عبدا من عبادنآ آتيناه رحمة من عندنا ~~} أي وجدا خضرا. # وكان سبب سفر موسى لطلب الخضر فيما روى جماعة من المفسرين أنه سئل هل في ~~الأرض أعلم منك؟ فقال: لا [و] حدثته نفسه بذلك. فكره له ذلك فأراد الله ~~[عز ms1434 وجل] أن يعرفه أن من عباده في الأرض من هو أعلم منه. # وقيل: إن موسى [صلى الله عليه وسلم] ركب البحر فأعجبه علمه، فقال: في ~~نفسه: ما أجد في زماني أعلم مني. فرفع عصفور في منقاره نقطة من ماء البحر ~~فأوحى الله [عز وجل] إليه ما علمك عند علم عبد من عابدي إلا كما حمل هذا ~~العصفور من ماء هذا البحر في منقاره. # فقال: يا رب اجمع بيني وبين هذا العالم وسخره حتى أعلم علما من علمه. ~~فأوحى الله [عز وجل] إليه أنك تستدل عليه ببعض زادك. فمضى ومعه غلامه ~~ومعهما خبزه وحوت وقد أكلا بعضه. فكان من قصتهما ما حكى الله [عز وجل] ~~عنهما وعن الحوت. # وقيل: كان سبب ذلك أنه سأل الله [عز وجل] أن يدله على عالم يزداد من ~~علمه. قاله ابن عباس: قال: سأل موسى [صلى الله عليه وسلم] ربه [عز وجل]: ~~أي ربي، أي عبادك أحب إليك؟ قال: الذي يذكرني فلا ينساني. قال: فأي عبادك ~~أقضى؟ قال: الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى. قال: ربي فأي عبادك أعلم؟ ~~قال: الذي يبتغي علم الناس إلى علمه عسى أن تصيبه كلمة تهديه إلى هدى أو ~~ترده عن ردى. قال: رب فهل في الأرض أجده؟ قال: نعم. قال: رب فمن هو؟ قال: ~~الخضر. قال: وأين أطلبه؟ قال: [على] الساحل عند الصخرة التي ينفلت عندها ~~الحوت. فخرج موسى [صلى الله عليه وسلم] يطلبه. حتى كان ما ذكر الله [عز ~~وجل] وانتهى موسى [صلى الله عليه وسلم] إليه عند الصخرة فسلم كل واحد ~~منهما على صاحبه فقال: له موسى: إني أريد أن تصحبني. قال: له الخضر: إنك ~~لن تستطيع صحبتي. قال: له موسى: بلى. قال: له الخضر: فإن صحبتني # فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا # [الكهف: 70] فكان ما قص الله [عز وجل] علينا من أمر السفينة والغلام ~~والجدار. ثم صار به الخضر في البحر حتى انتهى إلى مجمع البحور وليس في ~~مكان أكثر ماء منه. قال: ابن ms1435 عباس: وبعث ربك الخطاف فجعل يستقي من ذلك ~~الماء العظيم بمنقاره. فقال: الخضر [لموسى]: كم ترى هذا الخطاف رزأ من ~~هذا الماء؟ قال: ما أقل [ما] رزأ منه. قال: يا موسى فإن علمي وعلمك في ~~علم الله كقدر ما استقى هذا الخطاف من هذا الماء. وكان موسى يحدث نفسه ~~أنه ليس أحدا أعلم منه. # ومن رواية ابن جبير عن ابن عباس أيضا: خطب موسى بني إسرائيل. فقال: ما ~~أجد أعلم بالله وبأمره مني، فأمر أن يلقى الخضر. فلما اقتص موسى أثر ~~الحوت انتهى إلى رجل راقد قد سجى عليه ثوبه، فسلم عليه موسى، فكشف الرجل ~~عن وجهه الثوب / فرد عليه السلام. فقال: من أنت؟ فقال: موسى قال: صاحب ~~بني إسرائيل؟ قال: نعم. قال: أو ما كان لك في بني إسرائيل شغل؟ قال: بلى، ~~ولكن أمرت أن أتبعك وأصحبك # قال إنك لن تستطيع معي صبرا # [الكهف: 67] كما قص الله علينا. # ويروى أن موسى قال: له: وما يدريك أني صاحب بني إسرائيل؟ قال: له: ~~ادراني بكل الذي ادراك بي. # قال: قتادة: قيل لموسى إن آية لقيك إياه أن تنسى بعض متاعك. فخرج هو ~~ويوشع بن نون فتزودا حوتا مملوحا. حتى إذا كانا حيث شاء الله، رد الله ~~إلى الحوت روحه فسرب في البحر واتخذ الحوت طريقه في البحر سربا. # وقال: قوم إن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى بني إسرائيل وإنما هو عبد من ~~عبيد الله من غير بني إسرائيل. فأنكر ذلك أكثر الناس، وقالوا هو موسى بن ~~عمران نبي بني إسرائيل. وقال: ابن جبير: كنا عند ابن عباس، فقيل له: أن ~~نوفا قال: ليس صاحب الخضر موسى بني إسرائيل. وكان متكئا فجلس، وقال: يا ~~سعيد أنت سمعته؟ قال، قلت: نعم، أنا سمعته وهو يقول ذلك. فقال: ابن عباس: ~~كذلك نوف. حدثني أبي بن كعب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " بينما موسى [صلى الله عليه وسلم] يخطب قومه ذات [يوم] إذ قال: ما أعلم ~~في الأرض رجلا أعلم ms1436 مني، فأوحى الله [عز وجل] إليه: أن في الأرض رجلا ~~أعلم منك. قال: يا رب فدلني عليه. فقيل له: تزود حوتا مالحا فإنه حيث ~~تفقد الحوت. فانطلق هو وفتاه حتى انتهيا إلى الصخرة. وانطلق موسى [صلى ~~الله عليه وسلم] يطلبه وترك فتاه فاضطرب الحوت في الماء فجعل لا يلتئم ~~عليه الماء فصار مثل الكوة. فقال: فتاه: إلى أن يجيء نبي الله فأخبره، ~~قال: فنسي أن يخبر موسى بذلك. فلما جاوزا { قال لفتاه آتنا ~~غدآءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا }. قال: فلم ~~يصبهما نصب حتى جاوزا ما أمرا به. قال: واذكر، يعني الفتى فقال: { ~~أرأيت إذ أوينآ إلى الصخرة فإني نسيت الحوت ~~} إلى قوله { قصصا } فأراه مكان الحوت قال: ها هنا وصف لي. فذهب يلتمس ~~فإذا هو بالخضر مسجى ثوبا " # وذكر الحديث المتقدم. ### || [18.66-73] # قوله { قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن ~~مما علمت رشدا } إلى قوله: { عسرا }. # أي قال: موسى للخضر هل أتبعك على أن تعلمني مما علمك الله رشدا إلى ~~الحق ودليلا على الهدى. قال: له الخضر: { إنك لن تستطيع ~~معي صبرا } أي إني أعلم بباطن علم علمنيه الله [عز وجل] ولا تعلم ~~أنت إلا بالظاهر من الأمور فلا تصبر على ما ترى مني لأن أفعالي بغير دليل ~~في رأي العين. قال: موسى: { ستجدني إن شآء الله صابرا } ~~[أي اصبر] على ما أرى منك وإن كان خلافا لحكم الظاهر، { ولا أعصي ~~لك أمرا } أي [و] أنتهي إلى ما تأمرني وإن كان مخالفا لهواي. # وفعل موسى [صلى الله عليه وسلم] في هذا يدل على أنه لا ينبغي لأحد ترك ~~طلب العلم [و] الازدياد منه والرحلة فيه وإن كان قد / بلغ فيه مبلغه. ~~ويدل على وجوب التواضع لمن هو أعلم منه. # قال الخضر لموسى: { فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء ~~حتى أحدث لك منه ذكرا } أي: إن رأيت ما تنكر فلا تسئلني ~~وتعجل علي بالسؤال حتى أبين لك وجهه وشأنه. # { فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها }. # أي: انطلق ms1437 موسى والخضر يطلبان السفينة يركبانها فأصاباها فلما ركبا فيها ~~خرق الخضر السفينة، فأنكر ذلك موسى وقال: { أخرقتها لتغرق ~~أهلها لقد جئت شيئا إمرا }. # أي: شيئا منكرا عظيما. # ويروى أن موسى عليه السلام حين رآه يخرق السفينة التزمه، وذكره الصحبة، ~~وناشده الله والصحبة فأكب الآخر عليها يخرقها. فلما خرقها ودخل الماء ~~فيها جلس موسى مهموما محزونا وقال: { أخرقتها لتغرق ~~أهلها } الآية. # وقال: قتادة { إمرا }: عجبا. فأنكر عليه موسى ما رأى، وذلك أنه لم ~~يعلم أنه نبي. وقيل قد علم أنه نبي ولكن نسي. قال: أبو عبيدة إمرا: ~~داهية. # وقيل: سمي الخضر خضرا لأنه كلما صلى في مكان اخضر ما حوله. # وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إنما سمي الخضر خضرا لأنه جلس على ربوة بيضاء فاهتزت خضرا " # فقال: له الخضر: { ألم أقل إنك لن تستطيع معي ~~صبرا } لأنك ترى ما لا تعلم. قال: له موسى: { لا تؤاخذني بما ~~نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا }. قال: أبي بن كعب: لم ~~ينس موسى ولكنها من معار[ي]ض الكلام. وقال: ابن عباس: لم ينس، وإنما ~~ترك العهد. فالمعنى لا تؤاخذني بتركي عهدي. ألا أسألك عن شيء حتى تحدث لي ~~منه ذكرا. # وقيل: إنه نسي فاعتذر ولم ينس في الثانية ولم يعتذر، وعن النبي عليه ~~السلام أنه قال # " كانت الأولى من موسى نسيانا " # ، ومعنى " لا ترهقني " لا تكلفني عسرا. وقيل لا تغشني عسرا. # وقيل: المعنى عاملني باليسر لا بالعسر. وقيل معناها لا تضيق علي. ### || [18.74-77] # قوله: { فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله } إلى ~~قوله: { لتخذت عليه أجرا }. # المعنى: فانطلق موسى والخضر يسيران حتى لقيا غلاما فقتله] الخضر. قال: ~~ابن جبير: وجد الخضر غلمانا يلعبون فأخذ غلاما ظريفا فأضجعه ثم ذبحه ~~بالسكين. قيل كان اسمه جيسور. قال: له موسى { أقتلت نفسا ~~زكية بغير نفس } أي بريئة. وقيل معناها ليس لها إليك ذنب، ~~قاله اليزيدي. وعن ابن عمر: " زاكية " صالحة. وعنه " زاكية " لا ذنب لها. # فأما من قرأ " زكية " بغير ألف، فقال: ابن عباس ms1438 وقتادة: الزكية التائبة. ~~وقال: ابن جبير: الزكية التي لم تبلغ الخطايا. وقال قطرب: زكية مطهرة. ~~وقال: الكسائي والفراء هما لغتان. ومعناه عندهما لم يجن جناية. # وقوله: { بغير نفس }. # أي: بغير قصاص نفس قتلت فيلزمها القصاص قودا بها. # وهذا المعنى يدل على أن الذي قتله الخضر لم يكن طفلا بل كان بالغا. ~~لأن القود بالنفس لا يكون إلا بعد البلوغ. # ثم قال: { لقد جئت شيئا نكرا } # أي: لقد فعلت فعلا منكرا. # قال: بعض أهل اللغة " الإمر: أشد من " النكر " لأن الأمر إنما / يستعمل ~~في الشيء العظيم. فلما كان هلاك جماعة في خرق السفينة قال: " امرا " ~~وقال: هنا " نكرا " لأنه قتل واحدا وقتل الجماعة أعظم من قتل واحد. وروي ~~عن قتادة أنه قال: النكر أشد من الأمر. # وقيل معناه: لقد جئت شيئا أنكر من الأول. # قال له الخضر { ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي ~~صبرا }. # أي: لا تقدر أن تصبر على ما ترى من أحوالي وأفعالي التي لم تحط بها ~~خبرا. وإنما كرر المخاطبة الخضر في المرة الثانية لموسى [صلى الله عليه ~~وسلم] لأن الإنسان إذا أذنب ثانية كان اللوم عليه آكد من ذنبه أولا. ~~فلما أنكر موسى على الخضر خرقه السفينة وبخه الخضر توبيخا لطيفا إذ لم ~~يتقدم لموسى ذنب. فقال: { ألم أقل لك إنك لن تستطيع ~~معي صبرا } فاعتذر موسى بأنه نسي الشرط الذي اش[ت]رط عليه ~~الخضر. فلما عاد موسى إلى الإنكار في قتل الغلام زاد الخضر في توبيخه ~~لعوده لبعض ما اشترط عليه فكرر الخطاب ليكون أبلغ في التوبيخ فقال: { ~~ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا } فكرر ~~المخاطبة في الثاني لعودة العلة. فقال: له موسى: { إن سألتك عن ~~شيء بعدها فلا تصاحبني } أي: تتابعني أي فارقني { قد ~~بلغت من لدني عذرا } أي: بلغت العذر في شأني. # وروى أبي بن كعب أن النبي عليه السلام قال: # " يرحمنا الله وإياه يعني موسى، لو صبر لرأى عجبا " # ، وقال: لما قرأ هذه الآية: # " استحيى نبي الله موسى ". # ثم قال: تعالى: ms1439 { فانطلقا حتى إذآ أتيآ أهل قرية ~~استطعمآ أهلها }. # أي: فانطلق موسى والخضر يسيران حتى إذا جاءا أهل قرية { استطعمآ ~~أهلها } أي: سألاهما أن يطعموهما من الطعام. فابوا، فاستضافوهم ~~فأبوا. # يقال: ضيفت الرجل إذا انزلته منزلة الاضياف. وأضفته أنزلته. وضيفته نزلت ~~عليه، مشتق من ضاف السهم أي مال. # وضافت الشمس إذا مالت للغروب. ومنه قولهم هو مخفوض بالاضافة [أي] بإضافة ~~الاسم إليه. # ثم قال: { فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض } أي يسقط ~~بسرعة. # وقرأ يحيى بن يعمر " يريد أن ينقاص " بالصاد غير معجمة، أي ينقطع من ~~أصله وينصدع. # وقيل معناه: ينشق طولا. يقال: انقاصت سنه إذا انشقت # ويقال: إن القرية انطاكية. # قال: الكسائي: إرادة الجدار هنا ميله، لأن الأموات لا تريد. كما قال: ~~النبي عليه السلام لا " ترى نارهما " أي لا يكون بموضع لو وقف فيه إنسان ~~لرأى النار الآخر. # إن النار لا ترى منه. وقوله: # وترهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون # [الأعراف: 198]. # وقال: أبو عبيدة: ليس للحائط إرادة ولكن إذا كان في هذه الحال فهو من ~~دنيه فهو إرادته. # وقيل: إنما كلم القوم بما كانوا يعقلون ويستعملون فلما دنا الحائط من ~~الانقضاض جاز أن يقول { يريد أن ينقض } وقد قال: الشاعر: # يريد الرمح صدر أبي براء # ويرغب عن دماء بني تميم # وقال: آخر: # يشكو إلي جملي طول السرى # صبرا جميلى فكلانا مبتلى / # وقال: آخر وهو عنترة: # فازوز من وقع القنا بلبانه # وشكا إلي بعبرة وتحمحم. # وقوله: { فأقامه } # قال: ابن عباس هدمه ثم قعد يبنيه. وعنه أنه قال: رفع الجدار بيده ~~فاستقام. وقال: مرة أخرى: مسحه بيده فاستقام. # قال: له موسى { لو شئت لتخذت عليه أجرا } أي لو شئت ~~لم تقم لهؤلاء القوم جدارهم حتى يعطوك على إقامته أجرا. قيل عني موسى ~~بالأجر هنا الضيافة، أي حتى يبرونا. # و { لتخذت } على قراءة الجماعة هو افتعلت من " تخذ " لكن أدغمت ~~التاء التي هي فاء الفعل الأصلية بالافتعال. ويجوز أن يكون افتعلت من " ~~أخذ " وأصله " أيتخذ ". ثم أبدل من الياء التي هي عوض ms1440 من الهمزة التي هي ~~فاء الفعل فأدغمت في تاء الافتعال. # فأما قراءة أبي عمرو وابن كثير فإنه من: تخذ يتخذ مثل شرب يشرب. # قال: ابن سيرين: القرية التي أتوها " الآيلة " وهي أبعد الأرض من ~~السماء. ### || [18.78-81] # قوله: { قال هذا فراق بيني وبينك } إلى قوله: { ~~وأقرب رحما }. # أي قال: الخضر لموسى في الثالثة: هذا الذي قلت لي، يعني قول موسى له: # لو شئت لتخذت عليه أجرا # [الكهف: 77]، مفرق بيني وبينك به { سأنبئك بتأويل ما لم ~~تستطع عليه صبرا } أي سأخبرك بما تؤول إليه عاقبة أفعالي ~~التي فعلتها ولم تقدر أنت على ترك المسألة. # قال: له الخضر: أما السفينة وما فعلت فيها فإنها كانت لقوم مساكين ~~يعملون في البحر، فاردت أن أخرقها لئلا يمضوا بها فيأخذها منهم الملك ~~الذي أمامهم غصبا. " وراء " هنا بمعنى أمام كما قال: # من ورآئهم جهنم # [الجاثية: 10] أي من أمامهم. فإذا خلفوه أصلحوها بزفت فاستمتعوا بها، ~~فذلك أصلح لهم من تركها سالمة. # وقيل معنى: " وراءهم " خلفهم على بابها. والمعنى أن الملك المغتصب خلفهم ~~إذا رجعوا ليأخذ سفينتهم. # وقيل: اسم الملك المغتصب هدد بن بدد. وقيل: اسمه الجلندي بن المستكبر ~~ابن الأرقم بن الأزد ملك غسان. كان يغصب الناس على سفنهم [إن] كانت صحيحة ~~لا عيب فيها، فلما خرقها الخضر وعابها لم يعرض لها الملك الغاصب، ولم يضر ~~بمن [كان] فيها بل نفع الخضر بفعله أصحابها إذ لو وصلوا بالسفينة صحيحة ~~لغصبهم الملك إياها. # وقيل: إن السفينة إنما كانت في أيديهم يعملون فيها بالأجرة ولذلك سماهم ~~مساكين. # وقيل: قوله { فكانت لمساكين } [لا] يدل على ملكها لهم كما أن ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم # " من باع عبدا له وله مال فماله للبائع " # لا يدل على أن العبد يملك. # وكذلك قوله تعالى: # لبيت العنكبوت # [العنكبوت: 41] لا يدل على أنها تملك. # ثم قال: { وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين } [أي ~~فكان كافرا وأبواه مؤمنين] وكذلك هي في حرف أبي " وكان كافرا ". وقرأ ~~ابن عباس " فكان أبواه مؤمنين وكان كافرا ". وروى أبي بن ms1441 كعب عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا ". # وقيل: كان فعالا [للقبيح] مؤذيا للجيران فكان أبواه / يحلفان عنه أنه ~~فعل، فيكذبان في ذلك. # وقيل كان الغلام فاجرا لصا قطاعا للطريق، وكان أبواه في عدد وشرف، ~~فإذا أحدث الحدث نجا إليهما فمنعا منه. ويحلفان بالله ما فعل ويظنان أنه ~~صادق في إنكاره، وقوله ما فعلت، فيحلفان كاذبان تصديقا لولدهما. # ثم قال: { فخشينآ أن يرهقهما }. # قيل هذا من كلام الخضر. وقيل هو من قول الله جل ذكره، فإذا كان من قول ~~الله [عز وجل] فمعناه فعلمنا، كما يقال: طننت بمعنى علمت. # وقيل معناها فكرهنا، فالخشية من الله [سبحانه] الكراهة، ومن الادميين ~~الخوف. # ومعنى { يرهقهما } أي: يلحقهما، أي: يحملهما على الرهق وهو الجهل. ~~وقيل معناه يكلفهما. # وقيل يغشيهما { طغيانا } وهو الاستكبار على الله [عز وجل] { ~~وكفرا } أي: وكفرا بالله [سبحانه]. # ومن جعل { فخشينآ } من قول الله [عز وجل] كان " فأردنا " من قوله ~~أيضا، أي فأراد الله. ومن جعل { فخشينآ } من قول الخضر فإن " فأردنا ~~" من قوله أيضا. # ومعنى { خيرا منه زكاة } اسلاما. وقيل صلاحا. قال: ابن ~~جبير بدلا منه جارية وقال: ابن عباس: بدلا منه جارية] فولدت نبيا هدى ~~الله به أمة من الأمم. وروي عنه أنه كان من ذريتهما سبعون نبيا. # وقال: ابن جريج: كانت أم الصبي يومئذ حبلى فبدل الله [عز وجل] لهما منه ~~إن ولدت غلاما مسلما. # قال: قتادة: فرح به أبواه حين ولد، وحزنا عليه حين قتل، ولو بقي كان فيه ~~هلاكهما. فليرض امرؤ بقضاء الله [عز وجل] فإن قضاء الله [سبحانه] للمؤمن ~~فيما يكره خير له من قضائه فيما يحب. # وقوله: { وأقرب رحما }. # أي: أقرب رحمة بوالديه وأبر بهما من المقتول، قاله قتادة. وعنه أيضا { ~~وأقرب رحما } أقرب خيرا. # وقال: ابن جريج: أقرب أن يرحمه أبواه منهما للمقتول. وقيل: المعنى أقرب ~~أن يرحما به. وقيل: الزكاة هنا الدين والرحم المودة. # والرحم مصدر رحم رحما ورحمة. وقيل هو من الرحم ms1442 والقرابة. ### || [18.82-84] # قوله: { وأما الجدار } إلى قوله { من كل شيء سببا }. # هذه حكاية من قول الخضر لموسى أن الجدار الذي أقمته كان لغلامين يتيمين ~~في المدينة وكان تحته كنز لهما. قال: ابن عباس ومجاهد وابن جبير: كان ~~صحفا مدفونة فيها علم. # [و] قال: جعفر بن محمد: كان ذلك سطرين ونصف لم يتم الثالث. وهما: # عجب للموقن بالرزق كيف يتعب. # و [عجب] للموقن بالحساب كيف يغفل. # و [عجب] للموقن بالموت كيف يفرح.. # وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى ~~بنا حاسبين # [الأنبياء: 47] فحفظا بصلاح أبيهما السابع. # وقال: الحسن كان الكنز لوحا من ذهب مكتوب فيه: " بسم الله الرحمن ~~الرحيم ": عجبت لمن يوقن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن يوقن بالموت كيف ~~يفرح وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها. لا إله إلا ~~الله محمد رسول الله ". # روى ابن وهب: أن الكنز كان لوحا من ذهب مصمت مكتوب فيه: " بسم الله ~~الرحمن الرحيم " عجب لمن عرف الموت ثم ضحك، عجب لمن أيقن بالقدر ثم نصب، ~~عجب لمن أيقن / بالموت ثم أمن أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبد ~~الله ورسوله ". # وقيل كان في جنب منه: عجب لمن أيقن بالقدر ثم نصب، عجب لمن أيقن بالنار ~~ثم ضحك، وعجب لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها. أنا الله ~~الذي لا إله إلا أنا، محمد عبدي ورسولي. وفي الشق الآخر: أنا الله الذي ~~لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي، خلقت الخير والشر فطوبى لمن خلقته للخير ~~وأجريته على يديه، والويل لمن خلقته للشر وأجريته على يديه. # وقال: عكرمة: كان الكنز مالا مدفونا. وكذلك روي عن قتادة، وهو الذي ~~يعطي ظاهر الخطاب لأنه لو كان غير مال لبين بالإضافة فكان يقال: كنز علم ~~ونحوه. # ثم قال: تعالى حكاية عن قول الخضر لموسى: { فأراد ربك أن ~~يبلغآ أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ~~ربك }: أي باليتيمين. فهذا عذر الخضر في إقامته للجدار. ونصب " رحمة ~~" على المصدر على أنه مفعول ms1443 من أجله. # ثم قال: { وما فعلته عن أمري }. # أي: ما فعلت جميع ما رأيت يا موسى من عند نفسي إنما فعلته عن أمر الله. ~~وهذا يدل على أنه وحي أتاه في ذلك من عند الله. # ثم قال: { ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا }. # أي: هذا الذي قلت هو الذي يؤول إليه فعلي الذي أنكرته ولم تقدر على ~~الصبر لما رأيته يا موسى. وهذه الأخبار كلها تأديب للنبي صلى الله عليه ~~وسلم وإعلام له بما جرى لمن كان قبله. # ثم قال: { ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلوا ~~عليكم منه ذكرا }. # أي: ويسألك يا محمد المشركون عن ذي القرنين وقصته { قل سأتلوا ~~عليكم منه ذكرا } أي سأقص عليكم منه خبرا. وهذا مما سألت ~~اليهود قريشا أن يسألوا عنه النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل إن اليهود ~~بأنفسهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. # قال: مجاهد: ملك الأرض أربعة مسلمان وكافران. أما المسلمان فسليمان بن ~~داود [عليهما السلام] وذو القرنين. وأما الكافران فنمرود وبختنصر. # " وروى عقبة بن عامر أنه خرج من عند النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ~~فلقيني قوم من اليهود فقالوا: نريد أن نسأل رسول الله [صلى الله عليه ~~وسلم] فاستأذن لنا عليه، قال: فدخلت فأعلمته. فقال: مالي ولهم؟ مالي علم ~~إلا ما علمني الله. ثم قال: [لي]: أسكب لي ماء فتوضأ ثم صلى. قال: فما ~~فرغ حتى عرفت السرور في وجهه. ثم قال: أدخلهم علي وما رأيت من أصحابي. ~~فدخلوا فقاموا بين يديه. فقال: إن شئتم سألتم فأخبرتكم عما تجدونه في ~~كتابكم مكتوبا. وإن شئتم أخبرتكم، فقالوا: بل أخبرنا. قال: جئتم تسألوني ~~عن ذي القرنين وما تجدونه في كتابكم: كان شابا من الروم فجاء فبنى مدينة ~~مصر الإسكندرية فلما، فرغ جاء ملك فعلا به في السماء، فقال: ما ترى؟ قال: ~~أرى مدينتي ومدائن. ثم علا به، فقال: ما ترى؟ قال: أرى مدينتي، ثم علا به ~~فقال: ما ترى؟ قال: أرى الأرض. قال: فهو اليم المحيط بالدنيا إن ms1444 الله ~~[تعالى] بعثني إليك تعلم الجاهل وتثبت العالم. فأتى به السد[ين] وهما ~~جبلان لينان يزلق عنهما كل شيء. ثم مضى به حتى جاوز يأجوج ومأجوج. ثم مضى ~~به / إلى أمة أخرى وجوههم وجوه الكلاب يقاتلون يأجوج ومأجوج. ثم مضي به ~~حتى بلغ إلى أمة أخرى يقاتلون هؤلاء الذين وجوههم وجوه الكلاب. ثم مضى به ~~حتى قطع هؤلاء إلى أمة أخرى قد سماهم، وإنما سمى ذو القرنين لأنه ضرب على ~~قرنه فهلك ثم أحيي فضرب على القرن الآخر فهلك ". # قال: علي بن أبي طالب [رضي الله عنه]: لم يكن نبيا ولا ملكا، ولكن كان ~~عبدا صالحا أحب الله فأحبه. ونصح لله [عز وجل] فنصحه، ضرب على قرنه ~~الأيسر فمات. فبعثه الله، ثم ضرب على قرنه الأيمن فمات فأحياه الله، ~~وفيكم مثله. # وقال: وهب بن منبه كان ذو القرنين ملكا، قيل له: لم سمي ذا القرنين؟ ~~فقال: اختلف فيه أهل الكتاب. فقال: بعضهم ملك الروم وفارس. وقال: بعضهم ~~كان في رأسه شبه القرنين. # وقال: بعضهم إنما سمي بذلك لأن صفحتي رأسه كانتا من نحاس. وقيل كانت له ~~ظفرتان. وقيل لأنه بلغ قطري الأرض المشرق والمغرب، وقيل سمي بذلك لأنه ~~بلغ قرني الشمس. # وروى ابن وهب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كان يعلق سلاحه بقرن ~~الثريا، وكان له حمار يضع حافره منتهى بصره. وروي أنه كان يربط ارسان ~~خيله بقرون الثريا. # وقيل كان ذو القرنين يوناني من أهل مصر اسمه مرزبان بن مرزية من ولد ~~يونان بن يافت بن نوح: حكى ذلك محمد بن اسحاق عن أهل الأخبار من الأعاجم. # وقال: ابن هشام: اسمه الاسكندر. وهو الذي بنى الاسكندرية فنسبت إلى ~~اسمه. # وسمع عمر بن الخطاب رجلا يقول: يا ذا القرنين. فقال: عمر اللهم عفوا، ~~أما رضيتم أن تتسموا بالنبيين، حتى تسميتهم بالملائكة. # وذكر ابن وهب إنما سمي بذي القرنين لأنه كان له قرنان صغيران تواريهما ~~العمامة. وقال: إن الذي كان معه فتاه ليس بموسى الذي كلم الله، ولكن كان ~~أعلم ms1445 من على وجه الأرض إلا الملك الذي لقي فدل قوله أن الذي لقي كان ~~ملكا ولم يكن الخضر. # وقوله: { وآتيناه من كل شيء سببا }. # أي: علما يتسبب به، قاله ابن عباس وقتادة وابن جريج وابن زيد والضحاك ~~فمعناه علما يصل به إلى المسير في أقطار الأرض. # وروي أنه كان له خليل من الملائكة فقال: له: صف لي عبادة الملائكة. ~~فقال: منهم ساجد لم يرفع رأسه منذ خلق. ومنهم قائم شاخص يدعو الله عز وجل ~~منذ خلق، لا يعرف من على يمينه ولا من على شماله. ومنهم راكع لم يرفع ~~رأسه منذ خلق يسبح الله ويحمده و [يمجده]، فقال: له ذو القرنين: لولا قصر ~~عمري لعبدت الله هذه العبادة، فقال: له الملك: إن لله [عز وجل نهرا ~~يقال: له نهر] الحيوان من شرب منه لم يمت حتى ينفخ في الصور النفخة ~~الأولى فيموت مع الملائكة. فخرج / يطلب نهر الحيوان حتى إذا وقع في ~~الظلمة وكان الخضر على مقدمته فأصاب النهر ولم يصب[ه] ذو القرنين. ### || [18.85-88] # قال: الله تعالى ذكره: { فأتبع سببا * حتى إذا بلغ ~~مغرب الشمس } إلى قوله: { من أمرنا يسرا }. # من خفف " أتبع " وقطع الألف جعله من: اتبع، إذا سار ولم يلحق المتبوع ~~في خير أو شر، حكاه الأصمعي. ومن وصل الألف و [شدد] جعله من اتبعه، إذا ~~لحقه. ومن الأول # فأتبعوهم مشرقين # [الشعراء: 60]. # وقيل: هما لغتان بمعنى، يقع بهما اللحاق وقد لا يقع، وهو الصواب إن شاء ~~الله لقوله # فأتبعه الشيطان # [الأعراف: 175] فلو لم يلحقه ما غوى، ولقوله # فأتبعه شهاب ثاقب # [الصافات: 10] فهذا قد يلحقه وقد لا يلحقه. # ومعنى { سببا } في هذا الموضع طريقا ومنزلا. قاله ابن عباس. وقال: ~~مجاهد: منزلا وطريقا بين المشرق والمغرب. وقال: قتادة: اتبع منازل ~~الأرض ومعالمها. وقال: الضحاك { سببا } المنازل. وقال: ابن زيد: هذه ~~الآن الطريق كما قال: فرعون # لعلي أبلغ الأسباب # [غافر: 36] أي: الطرق إلى السماوات. # ثم قال: { حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب ~~في عين حمئة }. # قال: ابن عباس: في طين ms1446 أسود حمأ، وقاله عطاء. وقال: مجاهد في طينة سوداء ~~ثأط. وهي فعلة من قولهم: حمأت البير تحمى حمأة. وهي الطين المنتن ~~المتغير اللون والطعم. # ومن قرأ " حامية " فمعناه حارة، ونظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~الشمس حين غابت فقال: # " في نار الله الحامية لولا ما يزعها من أمر الله جل ذكره. لأحرقت ما ~~على وجه الأرض ". # وقال أبو ذر: كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على حمار، ~~والشمس عند غروبها. فقال: # " يا أبا ذر هل تدري أين تغرب هذه؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: إنها ~~تغرب في عين حامية ". # فهذا حجة لمن قرأها كذلك. ويجوز ان يكون بمعنى حمئة أي ذات حماة ولكن ~~خففت الهمزة فأبدلوا منها ياء لانكسار ما قبلها. # وقال: أبو حاضر: سمعت ابن عباس يقول: كنت عند معاوية فقرأ: { وجدها ~~تغرب في عين حمئة } فقلت: ما أقرأها إلا " حمئة " فقال: لعبد ~~الله بن عمر: كيف تقرأها يا عبد الله بن عمر؟ فقال: كما قرأتها يا أمير ~~المؤمنين. فقلت: في بيتي أنزل القرآن. فأرسل معاوية إلى كعب. فقال: أين ~~تجد الشمس تغرب في التوراة؟ فقال: أما في العربية فأنتم أعلم بها، وأما ~~أنا فأجد الشمس في التوراة تغرب في ماء وطين وأشار بيده إلى المغرب. # فقال: أبو حاضر: فقلت لابن عباس: لو كنت عندك لرفدتك بكلمة تزداد بها ~~بصيرة في " حمئة " وقال: ابن عباس: ما هي؟ قلت: فيما يؤثر من قول تبع ~~ذكر فيه ذو القرنين: # بلغ المشارق والمغارب يبتغي # أسباب أمر من حكيم مرشد # قال: عمر[و] نحن نتبع. # فرأى مغارب الشمس عند غروبها # في عين ذي خلب وثأط حرمد # فقال: ابن عباس ما الخلب؟ فقلت: الطين بكلامهم. وقال: ما الثأط؟ قلت ~~الحمأة، قال: [وما] الحرمد؟ قلت: الأسود يقال: حمئت البير صارت فيها ~~الحمأة. واحمأتها: ألقيت فيها الحماة وحماتها إذا أخرجت منها الحماة. # وأجاز القتبي أن تكون هذه العين في البحر، والشمس تغيب وراءها. # ثم قال: { ووجد عندها قوما }. # أي: عند العين، قيل ms1447 يقال: لهم تاسك. # { قلنا يذا القرنين إمآ أن تعذب } ، أي قال له ~~أصحابه المؤمنون يا ذا القرنين إما أن تقتلهم وإما أن تستبقيهم. # وقيل المعنى إما أن تقتلهم إذ هم لم يدخلوا في الاقرار بتوحيد الله [عز ~~وجل] وطاعته [جلت عظمته]، { وإمآ أن تتخذ فيهم حسنا } ، ~~أي: تأسرهم فتعلمهم الهدى وتبصرهم الرشاد. # و " إما " في هذا للتخيير عند المبرد بمنزلة قوله: # فإن جآءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم # [المائدة: 42] و " ان " في قوله { إمآ أن } في موضع نصب. وقيل: موضع ~~رفع على معنى أما هو. # ثم قال: { أما من ظلم } أي: من كفر ولم يؤمن { فسوف ~~نعذبه } أي: نقتله، قاله قتادة { ثم يرد إلى ربه ~~فيعذبه عذابا نكرا } ، أي: يرجع إلى ربه في الآخرة فيعذبه ~~عذابا نكرا من عذاب الدنيا وهو عذاب جهنم. # قال: علي بن سليمان { قلنا يذا القرنين } معناه: قلنا يا ~~محمد قالوا يا ذا القرنين إما أن تعذب. ثم حذف القول، لأن ذا القرنين لم ~~يصح أنه نبي فيخاطبه الله. ولأن بعده { أما من ظلم فسوف ~~نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا } وكيف ~~يخاطب العبد ربه بلفظ الغيبة. # وهذا لا يلزم لأنه يجوز أن يكون خاطبه الله [عز وجل] على لسان نبي في ~~وقته. فيكون تحقيق المعنى على ما قاله أبو إسحاق الزجاج: أن الله خيره ~~بين القتل والاستبقاء، ثم قال: هؤلاء اولئك القوم مخبرا لهم عن حكمه ~~فيهم: { أما من ظلم فسوف نعذبه [ثم يرد إلى ~~ربه] } الآية. # ثم قال: { وأما من آمن وعمل صالحا فله جزآء ~~الحسنى }. # من رفع " جزاء " ولم ينون رفع بالابتداء وله الخبر، والحسنى في موضع خفض ~~بالاضافة. ويجوز أن يكون الحسنى بدلا من جزاء ويكون حذف التنوين من جزاء ~~لالتقاء الساكنين. # وكذلك التقدير في قراءة من نون ورفع وهي رواية الأعمش عن أبي بكر. وبها ~~قرأ ابن أبي إسحاق. # ومن نون ونصب جعله مصدرا. وقيل: هو مصدر في موضع الحال. وقيل: نصب على ~~التمييز. # ومن نصب ولم ينون فعلى هذه ms1448 التقديرات أيضا إلا أنه حذف التنوين لالتقاء ~~الساكنين وهي قراءة ابن عباس ومسروق. # ومعنى الآية: وأما من صدق الله [عز وجل]، وعمل بطاعته [سبحانه] فله عند ~~الله الحسنى وهي الجنة، { جزآء } أي: ثوابا على إيمانه. # ومعنى { جزآء الحسنى } في قراءة من أضاف، أن الحسنى الجنة، ولكن ~~جعله مثل # دين القيمة # [البينة: 5] # ولدار الآخرة # [يوسف: 109]. # وقوله: { وسنقول له من أمرنا يسرا }. # أي: قولا جميلا. وقيل: المعنى وسنعلمه نحن في الدنيا ما تيسر له ~~تعليمه مما يقربه إلى الله [سبحانه] ونلين له من القول. وقال مجاهد: " ~~يسرا " معروفا. ### || [18.89-95] # قوله: { ثم أتبع سببا * حتى إذا بلغ مطلع ~~الشمس } إلى قوله: { وبينهم ردما }. # المعنى: ثم اتبع طرقا ومنازل. أي طلب زيادة في العلم يخلق الله [عز ~~وجل] وعجائبه [سبحانه] وقيل المعنى: اتبع سببا آخر يبلغه إلى قطر من ~~أقطار الأرض { حتى إذا بلغ مطلع / الشمس وجدها ~~تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا } ~~أي: لا جبل في أرضهم ولا شجر يسترهم من الشمس بظله ولا يحمل بلدهم بناء ~~فيسكنون البيوت وإنما يغورون في المياه ويتسربون في الاسراب، قال: ذلك ~~الحسن، وقتادة. # وقال: ابن جريج: جاءهم جيش فقال: لهم أهلها: لا تطلع عليكم الشمس وأنتم ~~بها فقالوا، لا نبرح حتى تطلع الشمس، ما هذه العظام؟ قالوا جيف جيش طلعت ~~عليهم الشمس هاهنا فهربوا فذهبوا هاربين في الأرض. قال: ابن جريج: لم ~~يبنوا فيها بناء قط، وكانوا إذا طلعت الشمس دخلوا اسرابا لهم حتى تزول ~~الشمس ودخلوا البحر وليس في أرضهم جبل. # قال: قتادة: كانوا في مكان لا يستقر فيه البناء، ويكونوا في أسراب إذا ~~طلعت الشمس حتى إذا زالت خرجوا إلى معائشهم. # وقال: الحسن: كانوا إذا طلعت الشمس عليهم يغورون في المياه، فإذا غربت ~~الشمس خرجوا كما ترعى البهائم. وقال: قتادة يقال: لهم الزنج. # وقوله: " كذلك " الكاف في موضع خفض أي قوم { لم نجعل لهم من ~~دونها سترا } مثل ذلك القبيل الذي عند مغرب الشمس. # وقيل: هي في موضع نصب نعت لسسبب ms1449 أي ثم اتبع سببا مثل اتباعه الأول: أو ~~نعت لمصدر تطلع أي تطلع طلوعا مثل غروبها وفيه بعد. # ويجوز أن يكون المعنى لم نجعل لهم من دونها سترا كذلك، أي مثل أولئك ~~الذين وجدهم في غروب الشمس. فقيل له إما أن تعذب وإما ان تتخذ فيهم حسنا ~~فقال: فيهم مثل قوله الأول. فالمعنى وكان شأنه مع هؤلاء كشأنه مع الذين ~~[وجدهم] عند غروب الشمس. وحذف الجملة لدلالة كذلك عليها. # وقيل: هي في موضع رفع على معنى: " الأمر كذلك " ، أو على معنى حكمهم مثل ~~حكم أولئك الذين تغرب عليهم الشمس. والوقف على " كذلك " حسن في هذا ~~الوجه. # ثم قال: { وقد أحطنا بما لديه خبرا }. # أي: بما عند مطلع الشمس علما لا يخفى علينا من أحوالهم وأحوال غيرهم ~~شيء. # ثم قال: { ثم أتبع سببا * حتى إذا بلغ بين ~~السدين }. # أي: اتبع طرقا ومنازل { حتى إذا بلغ بين السدين } ، ~~أي بين الجبلين. قال: عكرمة: ما كان من صنعة بني آدم فهو " السد " ~~بالفتح وما كان من صنع الله [عز وجل] فهو " السد " بالضم. # ولذلك قال: أبو عبيدة وقطرب والفراء. # وقال: أبو عمر[و] " السد " بالفتح هو الحاجز بينك وبين الشيء. والسد ~~بالضم هو ما كان من غشاوة بالعين. وقال: أبو عمر[و] تميم تجعله كله سواء. # وقال ابن [أبي] إسحاق: السد بالفتح ما لم تره عيناك، وبالضم ما رأته ~~عيناك. وقال: الكسائي هما لغتان: بمعنى واحد. وقال المبرد: " السد " ~~بالفتح المصدر وبالضم الاسم، وهو قول الخليل وسيبويه. # ثم قال: { وجد / من دونهما قوما لا يكادون يفقهون ~~قولا }. # أي: لا يكادون يفقهون ما يقال: لهم. ومن قرأ [يفقهون] بضم الياء. قدر ~~حذف مفعول، فمعناه لا يكادون يفقهون احدا قولهم. # يقال: فقه يفقه إذا فهم. وأفقه " غيره إذا أفهمه. وفقه يفقه إذا ~~صار فقيها. # والسدان جبلان، سد ما بينهما بردم ليقطع أذى ياجوج ومأجوج وهم من وراء ~~ذلك، قال: ابن عباس: والجبلان أرمينية وأذربيجان. # ثم قال: { قالوا يذا القرنين إن يأجوج ومأجوج ~~مفسدون في الأرض }. # أي: قالوا ms1450 بلغتهم [أو] أومؤوا إليه بذلك ففهم عنهم. ويأجوج ومأجوج اسمان ~~أعجميان معرفتان فلذلك لا تنصرف. ولذلك ترك همزه من [رأى] ذلك، لأن ~~الأعجمي غير مشتق. # فأما من همزه فإنه جعله عربيا مشتقا من اجت النار، ولكن لم ينصرف لأنه ~~اسم للقبيلة وهو معرفة، وقال: الكسائي: من همزه جعله من أجيج النار يفعول ~~ومفعول، ويجوز أن يكون من ترك حمزه أخذه أيضا من هذا وسهل الهمزة على ~~القياس فأبدل منها ألفا، ذكر سعيد بن عبد العزيز: أن إفسادهم في أنهم ~~كانوا يأكلون الناس. # قال: محمد بن إسحاق: حدثني من لا اتهم عن وهب بن منبه اليماني، وكان له ~~علم بالأحاديث الأولى، أنه كان يقول: ذو القرنين رجل من الروم ابن عجوز ~~من عجائزهم ليس لها ولد غيره. وكان اسمه الاسكندر وإنما سمي ذا القرنين ~~لأن صفحتي رأسه كانتا من نحاس، فلما بلغ وكان عبدا صالحا، قال: الله: ~~يا ذا القرنين إني باعثك إلى امم الأرض وهي أمم مختلفة ألسنتها وهم جميع ~~أهل الأرض منهم أمتان بينهما طول الأرض [كله]. ومنهم أمتان بينهما عرض ~~الأرض [كله]. وأمم في وسط الأرض ومنهم الجن والانس ويأجوج ومأجوج. فأما ~~اللتان بينهما طول الأرض فامة عند مغرب الشمس يقال: لها ناسك وأما الأخرى ~~فعند مطلع الشمس يقال: لها منسك. وأما اللتان بينهما عرض الأرض فاقة في ~~بطن الأرض الأيمن يقال لها هاويل، وأما الأخرى التي في بطن الأرض الأيسر، ~~فيقال: لها راويل، ثم مضى في الحديث بطوله. وقال: في بعض الحديث: فلما ~~كان في بعض الطريق مما يلي منطقع الترك نحو المشرق قالت له أمة من الانس ~~صالحة: يا ذا القرنين إن بين هذين الجبلين خلقا من خلق الله كثير فيهم ~~مشابهة من الإنس. # وهم أشباه البهائم يأكلون العشب ويفترسون الدواب والوحوش كما تفترس ~~السباع، ويأكلون خشاش الأرض من الحيات والعقارب وكل ذي روح مما خلق في ~~الأرض. وليس لله خلق ينمو نماءهم في العام الواحد ولا يزداد كزيادتهم ولا ~~يكثر ككثرتهم. [فإن كانت] لهم مدة ms1451 على ما ترى من نمائهم وزيادتهم فلا شك ~~أنهم سيملئون [الأرض] ويأكلون أهلها ويظهرون عليها فيفسدون فيها. وليست ~~تمر بنا سنة / منذ جاورناهم إلا ونحن نتوقعهم وننتظر ان يطلع علينا ~~أوائلهم من بين هذين الجبلين { فهل نجعل لك خرجا على أن ~~تجعل بيننا وبينهم سدا } أي حاجزا { قال ما ~~مكني فيه ربي خير } أي: ما أعطاني من القوة والتدبير ~~والتيسير في الأمور خير مما تعطوني من أموالكم ولكن أعينوني بقوة أي ~~برجال يعملون معي: أعدوا لي الصخور والحديد والنحاس حتى ارتاد بلادهم، ~~وأعلم علمهم، وأقيس ما بين جبليهم. ثم انطلق يؤمهم حتى وقع إليهم وتوسط ~~بلادهم. فوجدهم على مقد[ا]ر واحد ذكرهم وأنثاهم يبلغ طول أحدهم مثل نصف ~~طول الرجل المربوع منا. لهم مخاليب في مواضع الأظفار من أيدينا. وأضراس ~~وأنياب كأضراس السباع وأنيابها، وأحناك [كأحناك] الابل قوة. تسمع لهم ~~حركة إذا أكلوا كحركة الجرة من الإبل، أو كقضم البغل المسن. ولهم هلب من ~~الشعر في أجسادهم ما يواريهم، و [ما] يتقون به الحر والبرد، ولكل واحد ~~منهم أذنان عظيمتان، إحداهما وبرة ظهرها وبطنها، والأخرى زغبة ظهرها ~~وبطنها. تسعانه إذا لبسهما يلتحف إحداهما ويفترش الأخرى. يصيف في أحدهما ~~ويشتي في الأخرى. ليس منهم ذكر ولا أنثى إلا وقد عرف أجله الذي يموت فيه ~~وينقطع عمره. وذلك أنه لا يموت ميت من ذكورهم حتى يخرج من صلبه ألف ولد ~~ولا تموت أنثى حتى يخرج من رحمها ألف ولد. فإذا كان ذلك أيقن بالموت. وهم ~~يرزقون التنين في أيام الربيع ويستمطرونه إذا تحينوه. # كما يستمطر المطر بحينه فيقدرون منه كل سنة. فيأكلون عامهم كله إلى ~~مثلها من القابلة. فيغنيهم على كثرتهم ونمائهم. فإذا أمطروه أخصبوه ~~وعاشوا وسمنوا عليه ورؤي أثره عليهم. فدرت عليهم الاناث، وشبعت منه ~~الرجال. وإذا أخطاهم هزلوا وجفرت الذكور، وحالت الاناث، وتبين أثر ذلك ~~عليهم. وهم يتداعون تداعي الحمام، ويعوون عوي الذئاب، ويتسافدون حيث ~~التقوا تسافد البهائم. ثم لما عاين ذلك منهم ذو القرنين انصرف إلى ناحية ~~الصدفين فقاس ما ms1452 بينهما وهو في منطقع أثر الترك مما يلي مشرق الشمس فوجد ~~بعدما بينهما مائة فرسخ، فلما أنشأ عمله حفر له اسما حتى بلغ الماء. ~~ثم جعل عرضه خمسين فرسخا. وجعل حشوه الصخور، وطينه النحاس، يداب ثم يصب ~~عليه. فصار كأنه عرف من جبل تحت الأرض. ثم علاه وشرفه بزبر الحديث ~~والنحاس المذاب. # ثم جعل خلاله عرفا من نحاس اصفر. [فصار] كأنه برد محبر من صفرة النحاس ~~وحمرته وسواد الحديد. فلما فرغ منه و [أ]حكمه انطلق عامدا إلى جماعة ~~الجن والإنس. فسار حتى وصل إلى قوم يونس [وهم] أمة / صالحة يهدون بالحق ~~وبه يعدلون. يقتسمون بالسوية، ويحكمون بالعدل، ويتواسون ويتراحمون. حالهم ~~واحدة. وكلمتهم واحدة وطريقتهم مستقيمة وقلوبهم متآلفة. وسيرتهم مستوية، ~~وقبورهم بأبواب بيوتهم. وليس على بيوتهم أبواب ولا عليهم امراء ثم اتى ~~خبر يونس بطوله. # وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن يأجوج ومأجوج يحفرونه كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال: ~~الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدا. فيعيده الله كأشد ما كان. فإذا بلغت ~~مدتهم حفروا، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس فقال: الذي عليهم: ارجعوا ~~فستفتحون غدا إن شاء الله، فيقدمون عليه وهو كهيئته حين تركوه. فيخرجون ~~على الناس فيشربون المياه، ويتحصن الناس في حصونهم. فيرمون بسهامهم. ~~فيرجع فيها كهيئة الدماء فيقولون: قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء ~~فيبعث الله عليهم نغفا في أعناقهم فيقتلونهم فقال: النبي صلى الله عليه ~~وسلم " والذي نفس محمد بيده إن دواب الأرض لتسمن وتشكر شكرا من ~~لحومهم " ". # وروى أبو سعيد الخدري ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يفتح يأجوج ومأجوج ويخرجون على الناس كما قال: الله: { وهم من ~~كل حدب ينسلون } فيغشون الأرض. وينحاز المسلمون عنهم إلى ~~مدائنهم وحصونهم ويضمون إليهم مواشيهم. فيشربون مياه الأرض حتى [إن] ~~بعضهم ليمر بالنهر فيشربه جميعه حتى يتركوه يابسا. وحتى إن من بعده ليمر ~~بذلك النهر فيقول: لقد كان ها هنا ماء مرة حتى إذا لم يبق أحد إلا أحدا ~~في ms1453 حصن أو في مدينة قال: قائلهم: هؤلاء أهل الأرض قد فرغنا منهم وبقي أهل ~~السماء. قال: فيهز أحدهم حربته ثم يرمي بها إلى السماء فترجع إليه مخضبة ~~دما للبلاء والفتنة. فبينما هم على ذلك بعث الله عليهم دودا في اعناقهم ~~كالنغف فتخرج في أعناقهم فيصبحون موتى لا يسمع لهم حس. فيقول المسلمون ~~ألا رجل يشري نفسه فينظر ما فعل هذا العدو. وقال: فينفرد رجل منهم بذلك ~~محتسبا نفسه قد وطنها على أنه مقتول. فيجدهم موتى بعضهم فوق بعض. ~~فينادي: يا معشر المسلمين! ألا فأبشروا، فإن الله قد كفاكم عدوكم. ~~فيخرجون من مدائنهم وحصونهم فيسرحون بمواشيهم فما يكون لها رعي إلا ~~لحومهم فتشكر عليهم أحسن ما شكرت على شيء من النبات ". # قال: ابن وهب: وخبرت أن يأجوج ومأجوج ثلاثة أصناف، صنف منهم طولهم كطول ~~الأرز. وصنف طوله هو وعرضه سواء، وصنف يفترش أحدهم أذنه ويغطي بالأخرى ~~سائر جسده. # ومعنى: { مفسدون في الأرض } ، أي سيفسدون ولم يكن لهم افساد ~~بعد إنما خيف منهم ذلك وسيكون إذا خرجوا. # قوله: { قال ما مكني / فيه ربي خير } إلى قوله: { ~~فجمعناهم جمعا }. # أي: الذي مكني فيه ربي خير في العمل الذي سألتموني من الحاجز بينكم وبين ~~هؤلاء، وقضاه لي وقواني عليه خير من جعلكم الذي عرضتم علي وأكثر وأطيب. ~~ولكن أعينوني بقوة أي بعمل تعملونه معي { أجعل بينكم ~~وبينهم ردما } أي إن أعنتموني على ذلك. # ذكر قتادة أن رجلا قال: يا نبي الله إني رأيت سد يأجوج ومأجوج قال: ~~انعته. قال: كالبرد المحبر طريقة سوداء وطريقة حمراء، قال: قد رأيته. ### || [18.96-99] # قال: { آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين ~~الصدفين }. # أي: أعطوني القطع العظام من الحديد فأعطوه ذلك. وفي الكلام حذف وهو: ~~فاتوه زبر الحديد فجعلها بين الصدفين وهما ناحيتا الجبل. والصدف ~~والصدف الصدف الجبل. # قال: ابن عباس { بين الصدفين } الجبلين. وقال: مجاهد { بين ~~الصدفين } رأس الجبلين. # وقال: الضحاك { بين الصدفين } بين الجبلين وهما من قبيل ~~أرمينية وأذربيجان وهو قول ابن عباس أيضا. # قوله: { حتى إذا ms1454 جعله نارا }. # أي: نفخ على قطع الحديد حتى صارت كالنار. ثم أذاب الصفر فأفرغه على ~~القطع. والقطر النحاس عند أكثر المفسرين. وقال: أبو عبيدة: { أفرغ ~~عليه قطرا } حديدا دائبا. وقيل: هو الرصاص. # ثم قال: { فما اسطاعوا أن يظهروه }. # أي: ما قدر يأجوج ومأجوج أن يعلوا الردم الذي جعله ذو القرنين حاجزا ~~بينهم { وما استطاعوا له نقبا } وما قدروا أن ينقبوا أسفله. # ثم قال ذو القرنين لما رأى الردم لا يقدر عليه من فوقه ولا من أسفله: ~~هذا الفعل { رحمة من ربي } رحم بها من دون الردم من الناس { ~~فإذا جآء وعد ربي } أي الوقت # الذي وعده فيه أن يأجوج يخرجون { جعله دكآء } أي سواه بالأرض. # من نونه جعله على معنى مدكوكا. ومن مده جعله بقعة دكاء وأرضا دكاء، من ~~قولهم: ناقة دكاء، مستوية الظهر لا سنام لها. # وقيل المعنى: فإذا جاء يوم القيامة جعله دكا ودل على هذا قوله # وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة # [الحاقة: 14]. # وقوله: { جعله } الهاء تعود على ما بين الجبلين وخروج يأجوج ومأجوج ~~بعد نزول عيسى وبعد ظهور الدجال. يدل على ذلك أن ابن مسعود قال: قال: ~~النبي صلى الله عليه وسلم # " لقيت ليلة الأسراء ابراهيم وموسى وعيسى صلى الله عليهم فتذاكروا أمر ~~الساعة وردوا الأمر إلى ابراهيم فقال: ابراهيم: لا علم لي بها، فردوا ~~الأمر إلى موسى: فقال: موسى: لا علم لي بها، فردوا الأمر إلى عيسى فقال: ~~عيسى: أما قيام الساعة فلا يعلمه أحد، إلا الله تعالى، ولكن ربي قد عهد ~~إلى ما هو كائن دون مجيئها. عهد إلى ان الدجال خارج وانه سيهبطني إليه. ~~فإذا رآني أهلكه الله فيذوب كما يذوب الرصاص. حتى أن الحجر والشجر لتقول ~~يا مسلم هذا كافر فاقتله. فيهلكهم الله ويرجع الناس إلى بلادهم واوطانه. ~~فيستقبلهم يأجوج ومأجوج من كل حدب ينسلون لا يأتون على شيء إلا / ~~أهلكوه. ولا يمرون على ماء إلا شربوه، فيرجع الناس إلي، فادعوا الله ~~عليهم. فيميتهم ويتغير الأرض من نتن ريحهم فينزل المطر فيجر ms1455 أجسامهم ~~فيلقيهم في البحر ثم تنسف الجبال حتى تكون الأرض كالأديم. فعهد إلي ربي ~~أن ذلك، إذا كان كذلك، فإن الساعة منه كالحامل المتمم. والتي لا يدري ~~أهلها متى تفجؤهم بولادتها ليلا أو نهارا ". # وقوله: { وكان وعد ربي حقا }. # أي: وعد ربي الذي وعد خلقه في دك هذا الردم وخروج هؤلاء [القوم] على ~~الناس وغير ذلك من مواعيده حقا لا خلف في شيء منها. # ثم قال: { وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض } أي: ~~وتركنا الخلق يوم يأتيهم الوعد وتد[ك] الجبال، بعضهم يختلط مع بعض أي: ~~الانسي بالجني، وقال: ابن زيد: هذا اول القيامة. تختلط بعض الخلق ببعض ثم ~~نفخ في الصور في أثر ذلك { فجمعناهم جمعا }. وسأل اعرابي النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن الصور فقال: # " قرن ينفخ فيه ". # وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " " كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم القرن وحنى جبهته وأصغى [ب]الأذن ~~متى يؤمر. فشق ذلك على أصحابه فقال: " قولوا حسبنا الله، على الله ~~توكلنا، فلو اجتمع، أهل منى ما اقلوا ذلك القرن " # وكذلك رواه ابن عباس ولكن في حديثه: # " قال: قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل توكلنا على الله ". # وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لما فرغ الله من خلق السماوات والأرض خلق الصور فأعطاه اسرافيل، فهو ~~واضعه على فيه شاخص ببصره إلى العرش ينتظر متى يؤمر. قال: أبو هريرة: يا ~~رسول الله وما الصور؟ قال: قرن. قال: وكيف هو؟ قال: قرن عظيم ينفخ فيه ~~ثلاث نفخات: الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق والثالثة نفخة ~~القيام لرب العالمين ". # وقيل في قوله: { وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ~~} يوم انقضاء السد وفرغ من عمله. يموجون متعجبين من السد يعني يأجوج ~~ومأجوج. وقيل ذلك يوم خروجهم من السد. # قال: أبو عبيدة: { ونفخ في الصور } واحده صورة. ### || [18.100-104] # قوله: { وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا } ~~إلى قوله { يحسنون صنعا }. # المعنى وأبرزنا جهنم يوم نفخ في الصور للكافرين حتى يروها كهيئة السراب. # وقال: ابن مسعود: يوم ms1456 يقوم الخلق لله عز وجل إذا نفخ في الصور، قيام رجل ~~واحد، ثم يتمثل الله فيلقاهم فليس أحد من الخلق كان يعبد من دون الله ~~شيئا إلا وهو مرفوع له يتبعه. قال: فيلقى اليهود، فيقول من تعبدون؟ ~~فيقولون [نعبد عزيرا. قال: فيقول هل يسركم الماء؟ فيقولون نعم. فيريهم ~~جهنم وهي كهيئة السراب ثم قرأ { وعرضنا جهنم يومئذ ~~للكافرين عرضا } ثم يلقى الناصرى، فيقول: من تعبدون؟ فيقولون ~~[نعبد] المسيح. فيقول هل يسركم الماء؟ قال: فيقولون: نعم. فيريهم جهنم ~~وهي كهيئة السراب. ثم كذلك لمن كان يعبد من دون الله جل وعز شيئا. ثم ~~قال: # وقفوهم إنهم مسئولون # [الصافات: 24]. # ثم / قال: { الذين كانت أعينهم في غطآء عن ذكري }. # أي عرضنا جهنم للكافرين الذين كانوا لا ينظرون في آيات الله فيتفكروا ~~فيها ولا يتأملون حججه، فيعتبروا بها، وينيبوا إلى توحيده وينقادوا إلى ~~أمره ونهيه. # { وكانوا لا يستطيعون سمعا } أي: لا يطيقون ان يسمعوا ذكر ~~الله وآياته لخدلان الله إياهم عند ذلك ولعداوتهم للنبي صلى الله عليه ~~وسلم واستثقالهم لما أتاهم به. قال: ابن زيد: هؤلاء الكفار. # ثم قال: { أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي ~~من دوني أوليآء }. # والمعنى أفظن الذين كفروا بالله من عبدة الملائكة والمسيح وعزيرا، أن ~~يتخذوا الملائكة والمسيح أولياء لأنفسهم لأجل عبادتهم لهم. كلا بل هم لهم ~~أعداء. والمعنى أفحسبوا أن ينفعهم ذلك. وقيل المعنى أفحسبوا أن يتخذوهم ~~أولياء فيعبدونهم ولا أعاقبهم. # وقرأ على بن أبي طالب رضي الله عنه " أفحسب الدين " باسكان السين ورفع ~~الباء على معنى: أفيكفيهم اتخاذ العباد أولياء. وهو مرفوع بالابتداء و " ~~أن يتخذوا الخبر ". # ثم قال: تعالى: { إنآ أعتدنا جهنم للكافرين نزلا ~~}. # أي: أعددنا لهم منزلا. والنزل عند أهل اللغة ما هيئ للضيف. # ثم قال: { قل هل ننبئكم بالأخسرين }. # أي: قل يا محمد لهؤلاء الذين يجادلونك بالباطل ويمارونك في المسائل من ~~أهل الكتابين: قل هل ننبؤكم بالأخسرين أعمالا أي بالذين اتبعوا أنفسهم ~~في عمل يبتغون به ربحا وفضلا فنالوا به غضبا وهلاكا ولم يدركوا ما ms1457 ~~طلبوا. # قال: علي بن أبي طالب رضي الله عنه، عني بها الرهبان الذين حبسوا أنفسهم ~~في الصوامع. وقال: الضحاك هم القسيسون والرهبان. # وقيل هم اليهود والنصارى. أما اليهود فكذبوا محمدا وأما النصارى فكذبوا ~~وكفروا بالجنة. وقالوا ليس فيها طعام ولا شراب. ونزل في الحرورية # الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثقه # [البقرة: 27] الآية. # وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: هم كفرة أهل الكتاب كان أوائلهم ~~على حق فأشركوا بربهم وابتدعوا في دينهم، الذين يجتهدون في الباطل ~~ويحسبون أنهم على حق، ويجتهدون في الضلالة ويحسبون انهم على هدى فضل ~~سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. # وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنهم الخوارج اهل حرور. وقال: سعيد: ~~هم الخوارج. وقيل هم الصائبون. ### || [18.105-108] # قوله: { أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ~~ولقائه } إلى قوله: { عنها حولا }. # أي: الذين تقدمت صفتهم واعمالهم ضلت هم { الذين كفروا بآيات ~~ربهم ولقائه } أي: جحدوا ذلك { فحبطت أعمالهم } أي: ~~بطلت { فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا } أي: لا يثقل ~~لهم ميزان بعمل صالح. # روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يؤتى يوم القيامة بالعظيم الطويل الأكول الشروب فلا يزن / جناح بعوضة، ~~واقرؤوا إن شئتم: { فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا } ~~". # ثم قال: أبو محمد: وهذا النص يدل على وزن اعمال الكفار. فلا يثقل بها ~~ميزان إذا كانت لغير الله وإذ [كان] لا يصحبها توحيد ولا إيمان بالرسل. ~~[قال: تعالى]: # لهم سوء الحساب # [الرعد: 18] وقال: فيهم: # وعلينا الحساب # [الرعد: 40] أي حساب من كفر. وقال: الله عز وجل # فوفاه حسابه # [النور: 39] وقال: عن الكفار: # ولم أدر ما حسابيه # [الحاقة: 26]. وقال: عن الكفار أنهم قالوا: # عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب # [ص: 16] وقال # فوربك لنسألنهم أجمعين * عما كانوا ~~يعملون # [الحجر: 92-93] وقال: # فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن ~~المرسلين # [الاعراف: 6] وقال: # وكل إنسان ألزمناه طآئره في عنقه # [الاسراء: 13] أي: كتاب عمله. وقد ذكر تعالى ذكره وزن اعمال الكفار في ~~غير ما ms1458 موضع من كتابه. وذلك ما عظم الحساب، وهو كثير في القرآن مكرر يدل ~~على محاسبة الكفار. # ثم قال: تعالى { ذلك جزآؤهم جهنم بما كفروا }. # أي ثوابهم جهنم بكفرهم واتخاذهم آياتي ورسلي هزؤا، أي سخريا. # ثم قال: { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت ~~لهم جنات الفردوس نزلا }. # أي: الذين صدقوا الله ورسوله وأقروا بتوحيده وكتبه ورسله، وعملوا بطاعته ~~كانت لهم جنات الفردوس نزلا. وهي أفضل الجنات. وأوسطها، قاله قتادة. # وقال: كعب: ليس في الجنات جنة أعلى من جنة الفردوس فيها الآمرون ~~بالمعروف الناهون عن المنكر. # وقيل الفردوس هو البستان بالرومية، قاله مجاهد. وقال: كعب: جنات الفردوس ~~التي فيها الأعناب. وقيل الفردوس الأودية التي تنبت ضروبا من النبات. ~~وقال: أبو هريرة الفردوس جبل في الجنة يتفجر منه أنهار الجنة. وقيل ~~الفردوس سرة الجنة. وقيل الفردوس الكروم وقيل هو في الرومية منقول إلى ~~لفظ العربية. # وروى عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين مسيرة مائة عام والفردوس أعلاها. ~~ومنها الأنهار الأربعة، والفردوس فوقها. فإذا سألتم الله عز وجل فاسألوه ~~الفردوس " # وفي حديث آخر # " ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض ". # وعنه صلى الله عليه وسلم من رواية أبي سعيد الخدري أنه قال: # " فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة واعلاها، وفوقها عرش ~~الرحمن ومنها تفجر انهار الجنة ". # وكذلك روى معاذ بن جبل عن النبي عليه السلام أنه قال: # " إن في الجنة مائة درجة ما بين كل درجة ما بين السماء والأرض والفردوس ~~أعلا الجنة وأوسطها وفوقها عرش الرحمن ومنها يفجر أنهار الجنة فإذا سألتم ~~الله عز وجل فاسألوه الفردوس ". # وقوله: { نزلا } يعني منازل أو مساكن وهو من نزول بعض الناس على بعض. ~~و { خالدين } " لابثين فيها أبدا ". # { لا يبغون عنها حولا } # أي: لا يريدون تحولا. وحولا / مصدر تحولت. خرج عن أصله كتعوج عوجا. ~~ويقال: قد حال من المكان حولا. وقال: مجاهد: " حولا " متحولا. # وروي عن بعض اصحاب أنس أنه قال: ms1459 يقول أول من يدخل الجنة: إنما أدخلني ~~الله أولهم لأنه ليس احد أعطاه مثل الذي أعطاني. # وقيل معنى " حولا " لا يحتالون في غيرها فهو من الحيلة على هذا. ### || [18.109-110] # قوله { قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي } إلى ~~آخر السورة. # والمعنى، قل يا محمد لهؤلاء الكافرين بك، السائلين عن المسائل، لو كان ~~ماء البحر مدادا للقلم الذي يكتب به كلمات ربي لنفد ماء البحر قبل أن ~~تنفد كلمات ربي. # ثم قال: { ولو جئنا بمثله مددا }. # أي: لو مددنا البحر بمثل ما فيه من الماء، ما فرغت كلمات ربي، والمدد ~~الزيادة والمعونة، يقول جئتك مددا لكم، أي زيادة ومنه قيل لما يكتب به ~~مداد: لأنه يمد الكاتب شيئا بعد شيء. والمداد جمع واحدته مدادة. ويجوز ~~أن يكون المداد مصدر مد. # وقرأ ابن عباس { ولو جئنا بمثله مددا } على معنى ولو زدنا ~~مثل ما فيه من المدد الذي يكتب به مدادا. # ثم قال: { قل إنمآ أنا بشر مثلكم يوحى إلي ~~أنمآ إلهكم إله واحد }. # أي: قل لهؤلاء المشركين، إنما أنا إنسان مثلكم من بني آدم، لا علم لي ~~إلا ما علمني الله، يوحي إلي إنما معبودكم معبود واحد لا ثاني له. # قوله: { فمن كان يرجوا لقآء ربه }. # أي: يخاف لقاء ربه يوم القيامة ويخاف عقابه { فليعمل عملا ~~صالحا } فليخلص العبادة لله ويعمل بطاعته، قال: ابن جبير: { يرجوا ~~لقآء ربه } أي لقاء ثواب ربه. # فعلى قول ابن جبير يرجو بمعنى ينظر ويطمع ويوقن وعلى القول الأول يرجو ~~بمعنى يخاف كقوله: # ما لكم لا ترجون لله وقارا # [نوح: 13] أي لا تخافون لله عظمة كقوله # قال الذين لا يرجون لقآءنا # [يونس: 15] أي لا يخافون. ويحتمل أن يكون { لا يرجون } لا ينتظرون ~~ولا يوقنون بلقائنا. وقد فسر أكثر الناس ترجو بمعنى تطمع. # وقال: مقاتل في قوله: { فمن كان يرجوا لقآء ربه } أي ~~يخشى لقاء ربه، ويخشى بمعنى يخاف، وقال: الفراء وغيره من الكوفيين لا ~~يكون الرجاء بمعنى الخوف إلا مع الجحد. كقولك ما رجوت ولم أرج ms1460 ولا أرجو. # وقال: ابن المبارك: { يرجوا لقآء ربه } هو النظر إلى الله جل ~~ذكره. فالرجاء في هذا بمعنى الطمع، وذكر الزجاج وغيره الرجاء بمعنى ~~الخوف، فلا جحد معه. # وأصل الرجاء وبابه أن يأتي بمعنى الطمع الذي يقرب من اليقين، يقع بمعنى ~~الخوف على ما ذكرنا من الاختلاف والمعنيان متداخلان لأن من أيقن وطمع ~~بلقاء ربه وثوابه خاف عقابه. ولا يخاف عقاب ربه إلا من طمع وأيقن بلقاء ~~ثواب ربه. وكل واحد من المعنيين مرتبط بالآخر على ما ترى. # ثم قال: { ولا يشرك بعبادة ربه أحدا }. # أي: لا يعبد معه غيره /. وقيل: لا يراني بعمله الذي يعمله لله أحدا. ~~وسأل رجل عبادة بن الصامت رحمه الله وقال: أرأيت رجلا يصلي يبتغي وجه ~~الله ويحب أن يحمد؟ ويتصدق ويبتغي وجه الله، ويحب أن يحمد؟ ويحج ويبتغي ~~وجه الله، ويحب أن يحمد؟ فقال: عبادة: ليس له شيء. # إن الله عز وجل يقول أنا خير شريك. فمن كان له معي شريك فهو له كله لا ~~حاجة لي فيه. # وروى طاوس أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله إني ~~أحب الجهاد في سبيل الله وأحب أن يرى موطني ويرى مكاني. فأنزل الله عز ~~وجل: { فمن كان يرجوا لقآء ربه } الآية، وقال: سفيان رضي ~~الله عنه: الشرك هنا الرياء. # وقال: معاوية بن أبي سفيان على المنبر وقد قرأ هذه الآية: إنها آخر آية ~~نزلت من القرآن، يعني والله أعلم بمكة لأن السورة مكية. # وقال: الحسن رحمه الله: نزلت هذه الآية في المؤمنين، والشرك الرياء. # وقال: ابن عباس: هي في المشركين. أي لا يعبد مع الله احدا. # والرياء إنما يكون في التطوع فأما في الفرائض فقد استوى الناس فيها فليس ~~فيها رياء. وقال: بكر القاضي: سمعت سهل بن عبد الله الزاهد يقول: الرياء ~~في أهل القدر، لأنهم يعتقدون أن أعمالهم من أنفسهم واستطاعتهم. فأما أهل ~~السنة فيعتقدون في أعمال البر كلها أنها من فضل الله عليهم ولولا ذلك ما ~~قدروا عليها. فليس ms1461 يكون الرياء فيهم إلا خاطرا لا يبطل بما يعتقدوه. فلا ~~رياء يصح عليهم إن شاء الله. وصلى الله على محمد نبيه وعلى آله وأصحابه ~~وأزواجه وذرياته وسلم تسليما. ### | [19 - سورة مريم] ### || [19.1] # قوله تعالى ذكره: { كهيعص }. # قرأ بعض القراء بإمالة الهاء والياء. وعلة الإمالة أنها أحرف مقصورة، ~~فإذا ثنيت، ثنيت بالياء، فشابهت ما ثني بالياء من الأسماء، فأميلت لذلك. ~~وعلة الإمالة فيها عند الخليل وسيبويه أنها أسماء للحروف، فجازت إمالتها ~~ليفرق بينها وبين الحروف التي لا يجوز إمالتها نحو: ما ولا وإلا وما ~~بمعنى الذي، لا يحسن عندهما إمالة شيء من هذا فإن سميت بشيء منها جازت ~~الإمالة. # ولا يحسن إمالة كاف ولا قاف وصاد، لأن الألف متوسطة. وهذه الحروف عند ~~ابن عباس مأخوذة من أسماء دالة، على ذلك. فالكاف تدل على كبير. # وقيل: الكاف تدل على كاف. قاله ابن جبير والضحاك. # وروي أيضا عن ابن جبير، أن الكاف تدل على " كريم " ، وقال ابن عباس ~~وابن جبير: الهاء تدل على هاد، وكذلك قال الضحاك. # وقال ابن جبير: الياء، من حكيم. # وعن الربيع بن أنس أن الياء من [قولك]: يا من يجير ولا يجار عليه. # وقال ابن عباس وابن جبير: العين من عالم. # وعن ابن عباس أيضا: العين من عزيز. # وقال الضحاك: العين من عدل. # وقال ابن عباس وابن جبير: الصاد من صادق. # وعنه أيضا: الكاف، كاف، والهاء، هاد. والياء، يد من الله على خلقه. ~~والعين، عالم بهم والصاد، صادق فيما وعدهم. # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: { كهيعص } كله اسم من أسماء ~~الله. # وروي عنه أنه كان يقول: (يا كهيعص) اغفر لي. # وعن ابن عباس أنه قال: هو قسم أقسم الله به، وهو من أسماء الله. # وقال أبو العالية: كل حرف على حدته اسم من أسماء الله وقال قتادة: { ~~كهيعص } اسم من أسماء القرآن. و { كهيعص } تمام عند الأخفش، ~~وموضعها رفع عنده والتقدير: وفيما نقص عليكم، { كهيعص } وليس بتمام ~~عند الفراء، لأن { ذكر رحمت ربك } خبره. ### || [19.2-6] # قوله ms1462 تعالى ذكره: { ذكر رحمت ربك عبده زكريآ }. إلى ~~{ واجعله رب رضيا }. # " ذكر " مرفوع عند الفراء على خبر { كهيعص }. ورد هذا القول ~~الزجاج، لأن { كهيعص } ليس مما أثنى الله به على زكريا، وليس " كهيعص ~~" في شيء من قصة زكريا. وقال الأخفش: التقدير: وفيما يتلى عليكم، ذكر ~~رحمة ربك عبده زكرياء. # و [قيل] التقدير: هذا الذي يتلى عليك، ذكر رحمة ربك عبده زكريا. ~~والتقدير: وفيما يتلى عليك يا محمد، ذكر ربك عبده زكريا برحمته. # قوله: { ندآء خفيا }. # أي: دعاه سرا كراهية الرياء. قاله ابن جريج وغيره. # وقال السدي: رغب زكريا في الولد، فقام يصلي، ثم دعا ربه سرا فقال: " ~~رب إني وهن العظم مني " إلى قوله " واجعله رب ~~رضيا ". # ومعنى " وهن العظم " ضعف ورق من الكبر. # وقوله: { واشتعل الرأس شيبا }. # أي: كثر الشيب في الرأس. ونصب " شيبا " على المصدر، لأن معنى اشتعل، ~~شاب. # وقال الزجاج: نصبه على التمييز. أي: اشتغل من الشيب. # وروى أبو صالح عن ابن عباس أن زكريا كان من أولاد هارون من أجل أحبار ~~بني إسرائيل، ثم تنبأه الله جل ذكره. # قوله: { ولم أكن بدعآئك رب شقيا }. # أي: لم أشق بدعائي إياك قط، لأنك عودتني الإجابة إذا دعوتك حاجتي. # ثم قال تعالى حكاية عنه: { وإني خفت الموالي من ورآءى } ~~أي: إني خفت بني عمي وعصبتي من بعدي أن يرثوني. # وقيل: " من [ورائي ": من قدامي]. # قال ابن عباس /: الموالي هنا، الكلالة الأولياء، خاف أن يرثوه، فوهب ~~الله له يحيى. # وقيل: إنما خاف أن تقطع النبوة من ولده، وترجع إلى عصبته من غير ولد ~~يعقوب، فأجاب الله دعاءه بعد أربعين سنة فيما ذكر ابن وهب وغيره. # وقيل: بعد ستين سنة. # وقيل: معناه، خفت بني عمي عن الدين: يعني شرارهم فسأل الله تعالى في ولد ~~يقوم بالدين بعده، ويرث النبوة من آل يعقوب، وقال أبو صالح، خاف موالي ~~الكلالة. والموالي والأولياء سواء في كلام العرب. # وقيل للعصبة موالي، لأنهم يلون الميت في النسب. # وروي عن عثمان (رضي الله عنه) أنه قرأ { وإني ms1463 خفت الموالي ~~من ورآءى } (بفتح الخاء، وتشديد الفاء، وإكسار التاء وإسكان الياء) ~~وهي قراءة زيد بن ثابت وسعيد بن جبير، جعل الفعل للموالي، أي: إني ~~قلت الموالي الأولياء من بعدي فليس لي وارث. # ثم قال: { فهب لي من لدنك وليا }. # أي: هب لي وارثا ومعينا يرثني في مالي، و " يرث من آل يعقوب " ، ~~يعني النبوة. وكان زكريا (عليه السلام) من ولد يعقوب، وهو زكريا بن آذن، ~~وعمران بن ماثان من ولد أيوب النبي صلى الله عليه وسلم. # من سبط يهوذا بن يعقوب، وكان زكريا وعمران في زمن واحد، فتزوج زكريا ~~أشياع بنت عمران أخت مريم ابنة عمران، واسم أمها - امرأة عمران - حنة. ~~فيحيى وعيسى ابنا خالة. وكان زكريا نجارا. وكفل مريم بعد موت أبيها، لأن ~~اختها عنده، ولأن قلمه خرج دون أقلامهم. فلما حملت مريم بعيسى، أشاعت ~~اليهود أنه ركب من مريم الفاحشة فقتلوه في جوف شجرة، فقطعوه وقطعوها معه. # قال قتادة: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قرأ هذه الآية وأتى على { ~~يرثني ويرث من آل يعقوب } قال: " يرحم الله زكريا ما كان ~~عليه من ورثه، ويرحم الله لوطا. إن كان ليأوي إلى ركن شديد. # وقال السدي: " يرثني ويرث من آل يعقوب " أي: يرث نبوتي ونبوة آل يعقوب. # وقيل: يرث حكمتي، ويرث نبوة آل يعقوب. # وقد أنكر قوم وراثة النبوة إلا بعطية من الله، ولو ورثت بالنسب لكان ~~الناس كلهم أنبياء، لأنهم أولاد نبي وهو آدم ونوح. وأنكر آخرون وراثة ~~المال في هذا لقوله صلى الله عليه وسلم: # " نحن معشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا صدقة " # وهذا الحديث يجب أن يكون حكمه مخصوصا للنبي (صلى الله عليه وسلم)، ~~وأخبر عن نفسه على لفظ الجماعة. # وفي بعض الروايات: # " إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة " # ويحتمل أن تكون هذه شريعة كانت ونسختها شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ~~بمنع وراثته. # وقال القتبي: معناه: يرثني الحبورة. # ثم قال: { واجعله رب رضيا }. # أي: ترضاه أنت ويرضاه عبادك، دينا وخلقا وخلقا, ms1464 وهو فعل مصروف من ~~مفعول. وأصله رضيو، منقول من مرضي وأصل مرضي، مرضو. ثم رد إلى الياء ~~لأنها أخف. ### || [19.7-9] # قوله تعالى ذكره: { يزكريآ إنا نبشرك بغلام اسمه ~~يحيى } إلى قوله: { ولم تك شيئا }. # أي: إنا نبشرك بهبتنا لك غلاما اسمه يحيى. # قال قتادة: إنما سماه الله يحيى لإحيائه إياه بالإيمان. # وقيل: سمي بذلك لأنه حيي بالعلم والحكمة التي أوتيها. # ثم قال تعالى: { لم نجعل له من قبل سميا }. أي: لم تلد ~~العواقر مثله ولدا، قاله ابن عباس. # وقال مجاهد: لم نجعل له من قبل مثلا ولا شبيها. # وقيل: المعنى، لم نأمر أحدا يسمي ابنه يحيى قبلك. # وقال قتادة وزيد بن أسلم والسدي: معناه: لم يسم أحد يحيى قبله. # ثم قال: { قال رب أنى يكون لي غلام وكانت ~~امرأتي عاقرا }. # أي: قال زكرياء: يا رب، من أي وجه يكون لي غلام وامرأتي عاقر لا تحمل، ~~وقد ضعفت من الكبر عن مباضعة النساء. كأنه يستثبت الخبر من عند ربه. كيف ~~يأتي هذا الغلام؟ أيحدث فيه قوة يقوى بها على مباضعة النساء ويجعل امرأته ~~ولودا؟ أو يتزوج / غيرها ممن تلد؟ أو كيف ذلك؟ على طريق الاسترشاد لا ~~على طريق الإنكار، لأنه هو الراغب في ذلك إلى الله. فلا يجوز الإنكار فيه ~~البتة. # وقيل: قال ذلك على طريق التعجب من قدرة الله، إذ امرأته عاقر. # قال السدي: نادى جبريل صلى الله عليه وسلم زكرياء: { يزكريآ ~~إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من ~~قبل سميا }. فلما سمع النداء جاءه الشيطان فقال له: يا زكريا، إن ~~الصوت الذي سمعت ليس من الله، إنما هو من الشيطان سخر بك، ولو كان من ~~الله أوحاه إليك ما يوحي إليك غيره من الأمر فشك مكانه وقال: { أنى ~~يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا }. # وقوله: " عتيا " أي قد عتوت من الكبر فصرت يابس العظام. يقال للعود ~~اليابس، عود عات وعاس. # وقال قتادة: " عتيا " نسئا، وكان ابن بضع وسبعين سنة. وقيل: سبعين ~~سنة. # ثم قال تعالى: { كذلك قال ms1465 ربك هو علي هين }. # الكاف في موضع رفع. والمعنى، قال: الأمر كذلك، أي: الأمر كما قيل لك. ~~أي: أهب لك غلاما اسمه يحيى، هو علي هين. أي: خلقه علي هين. { وقد ~~خلقتك من قبل ولم تك شيئا } أي: ليس خلقنا لغلام نهبه ~~لك بأعجب من خلقنا إياك ولم تك شيئا موجودا. هو نفي للعين عام. ولو ~~قال: " ولم تك رجلا أو إنسانا " لم يكن ذلك نفيا للعين ولا نفيا ~~عاما. فافهمه. ### || [19.10-15] # قوله تعالى ذكره: { قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا ~~تكلم الناس }. إلى قوله: { ويوم يبعث حيا }. # أي: اجعل لي علامة على وقت الهبة، ودليلا على أن ما بشرتني به ملائكتك ~~من هذا الغلام عن أمرك ورسالتك، ومتى يكون. # قال ابن زيد: " اجعل لي آية أن هذا منك " ، وكذا قال السدي. # { قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا }. # أي: علامة ذلك وصحته أنك لا تكلم الناس ثلاث ليال، بلا علة بك من خرس ~~ولا مرض يمنعك الكلام. # قال ابن عباس: " اعتقل لسانه من غير مرض ". # وقال مجاهد: " سويا ": صحيحا لا يمنعك من الكلام مرض ". # وقال قتادة: " سويا ": من غير خرس ولا بأس، إنما عوقب إذ سأل آية بعد ~~مشافهته الملائكة بذلك، أخذ لسانه حتى كان يوميء إيماء ". # قال ابن زيد: " حبس لسانه فكان لا يستطيع أن يكلم أحدا، وهو في ذلك ~~يسبح ويقرأ التوراة، فإذا أراد كلام الناس، لم يستطع [أن] يكلمهم. وكذلك ~~قال السدي. وقيل: المعنى، ثلاث ليال متتابعات. # فسويا من نعت الليالي. وعلى القول الأول يكون " سويا " حالا من ~~المخاطب. والتقدير فيه التقديم. أي: آيتك ألا تكلم الناس سويا ثلاث ~~ليال. # ثم قال تعالى: { فخرج على قومه من المحراب }. أي: ~~فخرج زكريا على قومه من مصلاه الذي جلس فيه حين حبس لسانه عن كلام الناس. # وقال ابن جريج: معناه، أشرف على قومه من المحراب والمحراب عند أهل ~~اللغة، مكان مرتفع. # وقوله: { فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا }. # أي: أوحى إليهم، قاله قتادة وقال الضحاك: ms1466 " كتب لهم. # وقال مجاهد ووهب بن منبه: " أشار إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا " ، أي: ~~صلوا بكرة وعشيا. والصلاة تسمى سبحة. # وقيل: " أمرهم بالتسبيح بذكر الله طرفي النهار ". وهذا يدل على أن ~~الإشارة ليست بكلام. # يقال: أوحى ووحى. وأومى وومى. # ثم قال: { ييحيى خذ الكتاب بقوة }. # والتقدير: قوله له يحيى، فقال الله تعالى له: " يا يحيى خذ الكتاب بقوة ~~" أي بجد وعزم. قاله قتادة ومجاهد. # وقال ابن زيد: " القوة: أن يعمل ما أمره الله ويجتنب ما نهاه عنه ". # ثم قال: { وآتيناه الحكم صبيا }. # أي: أعطيناه الفهم لكتاب الله في حال صباه. # قال معمر: " بلغني أن الصبيان قالوا ليحيى: اذهب بنا نلعب، فقال أللعب ~~خلقت؟ فأنزل الله تعالى: { وآتيناه الحكم صبيا }. # قال قتادة: " كان ابن سنتين أو ثلاث ". # قال مالك: " بلغني أن يحيى بن زكريا، إنما قتل في امرأة، وأن بخت نصر ~~لما دخل بيت المقدس بعد زمان طويل وجد دمه يفور لا يطرح عليه تراب ولا ~~شيء إلا فار وعلا عليه، فلما رآه دعا بني إسرائيل فسألهم فقالوا لا علم ~~لنا / هكذا وجدناه، وأخبرنا به آباؤنا عن آبائهم أنهم هكذا وجدوه. # قال بخت نصر: هذا دم مظلوم، لأقتلن عليه. فقتل [عليه] سبعين ألفا من ~~المسلمين والكفار فهدأ الدم بعد ذلك. # وقوله تعالى: { وحنانا من لدنا } قال ابن عباس معناه: " ~~ورحمة من عندنا " ، وهو قول عكرمة وقتادة والضحاك. # وقيل معناه: ورحمة من عندنا لزكريا، آتيناه الحكم وفعلنا به ما فعلنا، ~~روي ذلك عن قتادة. # وقال مجاهد: " معناه، وتعطفا من عندنا عليه فعلنا ذلك ". # وقال ابن زيد: " معناه، ومحبة له من عندنا " ، روي ذلك أيضا عن عكرمة. # وعن عطاء أن معناه: " وتعظيما من عندنا له ". # وقيل معناه آتيناه رحمة بالعباد وتحننا عليهم ليخلصهم من الكفر إلى ~~الإيمان. # وعن ابن عباس أنه قال: لا أدري ما الحنان. # وقاله عكرمة أيضا مرة. # وقول العرب " حنانيك " لغة في حنان، وليس بتثنية. وأصل الحنان من قولهم: ~~حن إلى كذا، إذا ارتاح إليه. ويحن على فلان، إذا تعطف ms1467 عليه. والحنان مصدر ~~من حننت أحن حنينا وحنانا، ومنه قيل لزوج الرجل حنته لتحننها عليه ~~وتعطفها. # وقوله: { وزكاة } قال قتادة: " العمل الصالح ". # وقوله: { وكان تقيا } أي خائفا مؤديا فرائضه. # قال ابن عباس: " طهر فلم يعمل بذنب، فهو الزكاة ". # وقوله: { وبرا بوالديه }. # أي: مسارعا في طاعتهما غير عاق لهما ". # { ولم يكن جبارا }. # أي: متكبرا عن طاعة الله، ولا عصيا لربه. # ثم قال: { وسلام عليه يوم ولد }. # أي: أمان له من الشيطان حين ولد فلم يذنب، ولا يأتي في الآخرة بذنب. # وقوله: { ويوم يموت } أي: وأمان له من الله من فتاني القبر. # { ويوم يبعث }. # أي: وأمان له من العذاب يوم يبعث فلا يروعه شيء. # قال ابن عيينة: " أوحش ما يكون الخلق في ثلاثة مواطن يوم يولد، فيرى ~~نفسه خارجا مما كان فيه، ويوم يموت فيرى قوما لم يكن عاينهم، ويوم ~~يبعث، فيرى نفسه في محشر عظيم. فخص الله تعالى يحيى بالأمان في هذه ~~الثلاثة مواطن، وهي الفضيلة التي فضل الله بها يحيى. وروي أن يحيى وعيسى ~~عليهما السلام التقيا، فقال عيسى: استغفر لي، أنت خير مني. وقال يحيى: ~~استغفر لي، أنت خير مني. فقال عيسى: أنت خير مني؟ سلمت على نفسي، وسلم ~~الله عليك، فعرف الله فضلها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " كل بني آدم يأتي يوم القيامة وله ذنب إلا يحيى بن زكرياء ". # وقال صلى الله عليه وسلم: # " ما من أحد يلقى الله عز وجل يوم القيامة إلا وأذنب إلا يحيى بن ~~زكرياء، ما أذنب ولا هم بامرأة " # وهو قوله تعالى: { وسلام عليه يوم ولد } ، أي أمان له ~~وعصمة من الشيطان ألا يحمله على ذنب و " يوم يموت " من عذاب القبر " ، ~~ويوم يبعث " من هول المحشر. # وقد قيل: المعنى، ورحمته، وسلامته عليه يوم ولد، وذلك تفضل من الله غير ~~جزاء له على عمله، إذ لم يعمل بعد شيئا. # وقوله: { ويوم يموت ويوم يبعث حيا }. # هو جزاء من الله له بعمله وسعيه. # وروى ابن وهب عن مالك بن أنس عن حميد ms1468 بن قيس عن مجاهد، أنه [قال]: كان ~~طعام يحيى بن زكريا العشب، وإن كان ليبكي من خشية الله ما لو كان القار ~~على عينيه لحرقه. ولقد كان الدمع اتخذ مجرى في وجهه. # قال أبو ادريس الخولاني: أطيب الناس طعاما يحيى بن زكرياء. إنما كان ~~يأكل مع الوحش كراهة أن يخالط الناس في معايشهم. # قال ابن وهب أن ابن شهاب قال: كان يحيى ابن خالة عيسى وكان أكبر من عيسى ~~بيسير. ### || [19.16-20] # قوله تعالى ذكره: { واذكر في الكتاب مريم } إلى قوله: { ~~ولم أك بغيا }. # والمعنى: واذكر يا محمد في الكتاب الذي أنزل إليك مريم حين اعتزلت من ~~أهلها، وانفردت في مكان شرقي، أي في شرقي المحراب. # وقال السدي: " خرجت مريم إلى جانب المحراب لحيض أصابها ". # وقال قتادة: " شرقيا " قبل المشرق شاسعا ". # وقيل: إنما صارت بمكان يلي المشرق، لأن ما يلي المشرق عندهم كان خيرا ~~مما يلي المغرب /. # وقال ابن عباس: أظلها الله بالشمس، وجعل لها منها حجابا ". # وهو قوله: { فاتخذت من دونهم حجابا } أي: سترا يسترها عن ~~الناس. # ويروى أن مريم كانت في منزل زكرياء، وكان زوج أختها، وكان لها محراب ~~تصلي فيه، وكان زكرياء إذا خرج أغلق عليها الباب، فآذاها يوما القمل في ~~رأسها فتمنت لو وجدت خلوة إلى الجبل تفلي فيه رأسها، فانفرج لها السقف ~~وخرجت والبيت مقفل في يوم شديد البرد، فجلست في شرفة من الشمس، وأتى ~~زكرياء فلم يجدها فبينما هي جالسة إذ أتاها جبريل صلى الله عليه وسلم في ~~صورة البشر في أحسن صورة شاب مقصص عليه البياض وعليه تاج مكلل بالدر ~~والياقوت، ومريم يومئذ بنت أربع عشرة سنة، فلما أن رأت جبريل عليه السلام ~~يصعد نحوها نادته { إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت ~~تقيا }. أي إن كنت تتقي الله فكان من شأنها ما قص الله علينا. # ثم قال تعالى: { فأرسلنآ إليهآ روحنا }. # قال قتادة وابن جريج ووهب بن منبه: هو جبريل صلى الله عليه وسلم. # وقيل: الروح: عيسى، لأنه روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم. ms1469 # وقيل: معناه، فدخل الروح في مريم فتمثل لها بشرا سويا. أي تمثل فيها، ~~يعني عيسى. # قال أبي بن كعب: " كان روح عيسى بن مريم من الأرواح التي أخذ الله تعالى ~~ذكره عليها الميثاق، فأرسل ذلك الروح إلى مريم، فدخل من فيها، فحملت ~~بعيسى عليه السلام ". والله أعلم بذلك كله. # والصحيح أنه جبريل عليه السلام لقوله: " فتمثل لها بشرا " ~~لأن عيسى بشر، ومعناه فتشبه لها في صورة آدمي، سوي الخلق، معتدله. وإنما ~~سمي جبريل صلى الله عليه وسلم روحا، لأنه يأتي بما يحيي به العباد من ~~الوحي، ولهذا سمي عيسى أيضا روحا، وسمي القرآن روحا. # وقيل: إنما اعتزلت لتغتسل من الحيض. # وقيل: لتخلو بالعبادة. # ثم قال: { قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت ~~تقيا }. المعنى: أن مريم خافت من جبريل لما رأته في هيئة آدمي. # قال قتادة: " خشيت أن يكون يريدها على نفسها ". # وقال السدي: " فزعت منه لما رأته، فتعوذت بالرحمن واستجارت به منه ". # ومعنى: { إن كنت تقيا } أي: إن كنت ذا تقوى وخوف من الله، تتقي ~~محارمه. # وقيل: المعنى: إني أستجير بالله منك إن كنت تتقي الله في استجارتي به ~~منك. # قال وهب بن منبه: " هو رجل من بني آدم معروف عندهم بالشر اسمه " تقي ". # ف " إن " على هذه الأقوال للشرط، وما قبلها جواب للشرط. # وقيل: { إن كنت تقيا } معناه: ما كنت. # [قوله]: قال: { إنمآ أنا رسول ربك لأهب لك ~~غلاما زكيا }. # من قرأ بالهمز في لأهب، فإنه أسند الفعل إلى جبريل صلى الله عليه ~~وسلم، إذ قد علم أن الهبة أصلها من الله. # والتقدير: إنما أنا رسول ربك أرسلني لأهب لك. # وقال أبو عبيد: التقدير في هذه القراءة: إنما أنا رسول ربك، يقول لك: ~~أرسلته إليك لأهب لك غلاما. # فأما من لم يهمز، فيحتمل أن يكون على أحد هذين المعنيين المتقدم ذكرهما ~~في الهمز، لكن خففت الهمزة، ويحتمل أن يكون في الكلام حذف تقديره: بعثني ~~ليهب لك. # وكذا حكى أبو عمرو عن ابن عباس. # و " الزكي ": الطاهر من الذنوب. ms1470 # { قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ~~ولم أك بغيا }. # أي: قالت مريم: من أي وجه يكون لي غلام؟ أمن قبل زوج أرزقه منه؟ أم ~~يبتدئ الله خلقه ابتداء، ولم يمسسني بشر من بني آدم بنكاح حلال. " ولم ~~أك بغيا " أي لم يمسسني أحد في حرام. # قال السدي: [ { بغيا } زانية]. # و { بغيا } فعول. وفعول يقع للمؤنث والمذكر بغير هاء. # كقولك: امرأة شكور، ورجل شكور. ولا يجوز أن يكون " بغي " فعيلا، لأنه ~~يلزم فيه دخول الهاء ككريمة ورحيمة. ولا يلزم ذلك في فعول. فدل حذف الهاء ~~منه على أنه فعول، وليس بفعيل. وأصله بغوى، ثم وقع القلب والإدغام على ~~الأصول المعروفة عند أهل العربية /. ### || [19.21-23] # قوله تعالى ذكره: { قال كذلك قال ربك هو علي هين ~~ولنجعله } إلى قوله: { نسيا منسيا }. # أي: قال: الأمر كما قيل لك، أن الله يهب لك غلاما زكيا. # { هو علي هين } أي: سهل. # { ولنجعله آية للناس } أي: ولنجعل هذا الغلام حجة على ~~الناس { ورحمة منا }. # أي: ورحمة منا لك، ولمن آمن به. # { وكان أمرا مقضيا }. # أي: كان خلقه منك بغير ذكر أمرا قد قضاه الله في سابق علمه أنه يكون ~~على ذلك. # ثم قال تعالى: { فحملته فانتبذت به مكانا قصيا }. # في الكلام حذف، تقديره: فنفخنا فيها من روحنا بغلام { فحملته ~~فانتبذت به } أي: اعتزلت به مكانا قصيا، أي: متباعدا عن الناس ~~[نائيا]، وهو بيت لحم، أقصى الوادي. فنظرت إلى أكمة /، فصعدت عليها ~~مسرعة، وإذا على الأكمة جذع نخلة، فاستندت إلى الجذع. وهو قوله: { ~~فأجآءها المخاض إلى جذع النخلة }. فجزعت عند شدة ~~الولادة، وخوف ما يقول الناس، فقالت: { يليتني مت قبل هذا ~~وكنت نسيا منسيا }. فسمع جبريل صلى الله عليه وسلم كلامها، ~~فناداها من تحتها { ألا تحزني قد جعل ربك تحتك ~~سريا } أي: جدولا، وهو النهر الصغير. ثم قال لها: { وهزى ~~إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا } ، ~~فعجبت من قول جبريل صلى الله عليه وسلم، لأنه كان جذعا قد نخر ليس فيه ~~سعف، فلما هزته، نظرت ms1471 إلى السعف قد أطلع من بين أعلى الجذع، وقد أخضر، ~~ونظرت إلى الطلع قد خرج من بين السعف أبيض، ثم نظرت إليه قد اخضر بعد ~~البياض، فصار بلحا، ثم نظرت إلى البلح قد احمر بعد الخضرة، ثم نظرت ~~إليه قد صار بسرا، ثم نظرت إلى البسر قد احمر، ثم نظرت إليه قد صار ~~رطبا، وكذلك كله في أقل من ساعة. # وقيل: كان ذلك كله في أقل من طرفة عين. فجعلت الرطب تسقط بين يديها، ~~فطابت نفسها لما رأت من الآيات. # قال وهب بن منبه: " نفخ جبريل صلى الله عليه وسلم في جيب درعها حتى وصلت ~~النفخة إلى الرحم. قال وهب: لما قال لها جبريل { قال ربك هو ~~علي هين } استسلمت لأمر الله، فنفخ في جيبها وانصرف عنها ". # وقال السدي: " فخرجت وعليها جلبابها لما قال لها جبريل عليه السلام ذلك، ~~فأخذ كمها، فنفخ في جيب درعها وكان مشقوقا من قدامها، فدخلت النفخة ~~صدرها، فحملت، فأتتها أختها - امرأة زكريا - تعودها، فلما فتحت لها ~~الباب، التزمتها، فقالت امرأة زكريا: يا مريم، أشعرت أني حبلى؟ قالت ~~مريم: أشعرت أيضا أني حبلى؟ قالت امرأة زكريا: فإني وجدت ما في بطني ~~يسجد لما في بطنك. فذلك قوله تعالى: # مصدقا بكلمة من الله # [آل عمران: 39]. # قال ابن جريج: " إنما نفخ جبريل في جيب درعها ورحمها ". # قال السدي: " لما بلغ أن تضع مريم خرجت إلى المحراب الشرقي منه، فأتت ~~أقصاه ". # قوله: { فأجآءها المخاض إلى جذع النخلة }. # أي: جاء بها المخاض إلى جذع النخلة. والهمزة دخلت لتعاقب الباء. # قال ابن عباس ومجاهد والسدي: المعنى: ألجأها. و " المخاض ": " الحمل ". # وقال قتادة: { فأجآءها } " اضطرها ". # وذكر بعض أهل الأخبار أنها اعتزلت، وذهبت إلى أدنى أرض مصر، وآخر أرض ~~الشام. وذلك أنها هربت من قومها لما حملت، فتوجهت نحو أرض مصر. # قال وهب بن منبه: " لما اشتملت مريم على الحمل، كان معها ذو قرابة لها ~~يقال له يوسف النجار، وكانا منطلقين إلى الجبل الذي عند صيهور، وكان ذلك ~~المسجد يومئذ من أعظم مساجدهم. ms1472 وكان مريم ويوسف يخدمان في ذلك المسجد، في ~~ذلك الزمان، وكان لخدمته فضل عظيم. فرغبا في ذلك. فكانا يليان معالجة ذلك ~~بأنفسهما وتحبيره وكناسته، وكل عمل يعمل فيه. وكان لا يعمل من أهل زمانها ~~أحد أشد اجتهادا وعبادة منهما. # فكان أول من أنكر حمل مريم صاحبها يوسف. ولما رأى الذي بها، استعظمه، ~~ولم يدر على ما يضع أمرها، فإذا أراد يوسف أن يتهمها، ذكر صلاحها ~~وبراءتها، وأنها لم تغب عنه ساعة قط /، وإذا أراد أن يبرئها رأى الذي ظهر ~~عليها. فلما اشتد ذلك عليه كلمها. فكان أول كلامه إياها أن قال لها: إنه ~~قد حدث في نفسي من أمرك أمر، وقد خشيت، وقد حرصت على أن أكتمه وأميته في ~~نفسي، فغلبني ذلك، فرأيت أن الكلام أشفى فيه لصدري. قالت: فقل قولا ~~جميلا. قال: ما كنت أقول لك إلا ذلك. فحدثيني هل ينبت زرع بغير بذر؟ ~~قالت: نعم. قال: فهل تنبت شجرة من غير غيث؟ قالت: نعم. قال: فهل يكون ولد ~~من غير ذكر؟ قالت: نعم. ألم تعلم أن الله تعالى أنبت الزرع يوم خلقه من ~~غير بذر، والبذر يومئذ إنما صار من الزرع الذي أنبته الله من غير بذر؟ ~~أو لم تعلم أن الله بقدرته أنبت الشجر بغير غيث وأنه جعل بتلك القدرة ~~الغيث حياة الشجر بعدما خلق كل واحد منهما وحده؟ أو تقول: لن يقدر الله ~~على أن ينبت الشجر حتى استعان عليه بالماء؟ ولولا ذلك لم يقدر على ~~إنباته؟ قال يوسف: لا أقول هذا، ولكني أعلم أن الله يقدر على ما يشاء ~~يقول لذلك كن فيكون. قالت له: أو لم تعلم أن الله خلق آدم وامرأته من غير ~~أنثى ولا ذكر قال: بلى. فلما قالت له ذلك، وقع في نفسه أن الذي بها شيء ~~من الله. # ثم دنا نفاسها فأوحى الله تعالى إليها أن اخرجي من أرض قومك، فإنهم إن ~~ظفروا بك، عيروك، وقتلوا ولدك. فأفضت ذلك إلى أختها، وأختها حينئذ حبلى، ~~وقد بشرت بيحيى، فلما التقتا، وجدت ms1473 أم يحيى ما في بطنها خر لوجهه ساجدا ~~معترفا بعيسى. فاحتملها يوسف إلى أرض مصر على حمار له، ليس بينها حين ~~ركبت الحمار وبين الأكاف شيء. فلما كان بقرب أرض مصر، في منقطع بلاد ~~قومها، أدرك مريم النفاس، فألجأها إلى حمار أو مذوده وأصل نخلة. فاشتد ~~على مريم المخاض، فلما وجدت منه شدة التجأت إلى النخلة فاحتضنتها ~~واحتوشتها الملائكة قاموا صفوفا محدقين بها. # وعن وهب أنها قالت له عند سؤاله: إن الله تعالى خلق البذر قبل الزرع، ~~وإن الله خلق الحبة من غير مطر، وإن الله خلق آدم من غير أنثى ولا ذكر. # وعن وهب أيضا أنه قال: لما حضر ولادتها، وجدت ما تجده المرأة من الطلق، ~~فخرجت من المدينة حتى تدركها الولادة إلى قرية من إيلياء على ستة أميال ~~يقال لها بيت لحم. فأجاءها المخاض إلى أصل نخلة إليها مذود مقرة وتحتها ~~نبع من الماء فوضعته عندها. # وقد قال السدي لما حضر وضعها إلى جانب المحراب الشرقي منه أتت أقصاه. # وقيل: إن عيسى ولد بمصر بكورة أهناس، ونخلة مريم قائمة بها إلى اليوم. ~~والله أعلم بذلك كله. # قال ابن عباس: ليس إلا أن حملت فولدت في ساعة. # وعن مجاهد، أنها حملته ستة أشهر، فكانت حياته آية له لأنه يعيش من ولد ~~من ستة أشهر. # وقال غيره أقامت ثمانية أشهر، وذلك آية لعيسى أيضا، لأنه يولد مولود ~~لثمانية أشهر فيعيش. # وقوله: { فأجآءها المخاض } يدل على طول المكث. # قال مجاهد: كان حمل النخلة عجوة. # وقيل: كان جذعا بلا رأس، وكان ذلك في الشتاء، فأنبت الله له رأسا، ~~وخلق فيه رطبا؟ في غير وقته. # وروي أنها لما رأت الآية في الرطب والجذع طابت نفسها. # وقالت: ليس ولادتي هذا الغلام من غير أب أعجب من هذا الجذع البالي. ~~فأكلت من الرطب، وشربت من النهر. # وقوله: { يليتني مت قبل هذا } [أي: قبل هذا] الطلق، ~~استحياء من الناس قاله السدي. # { وكنت نسيا منسيا }. # أي: لم أخلق ولم أكن شيئا. # قال السدي: معناه نسى ذكري وأمري، ms1474 فلا يرى لي أثر ولا عين. # وقال قتادة: معناه: وكنت شيئا لا يذكر ولا يعرف ولا يدري من أنا. # وقال مجاهد وعكرمة: حيضة ملقاة. # والنسي عند أهل اللغة، ما طال مكثه فنسي. ويكون النسي الشيء الحقير الذي ~~لا يعبأ به. # وقرأ محمد بن كعب: " نسئا " بالهمز وكسر النون. وكذا قرأ أيوب، إلا ~~أنه فتح النون وهو من نسأه الله إذا أخره. / وإنما تمنت الموت وقد علمت ~~أن الرضى بقضاء الله واجب عليها لأنها كرهت أن يعصى الله فيها وفيما يقول ~~قومها فيها إذ جاءت بولد من غير ذكر، فشق عليها أن يأثموا فيها ويعصوا ~~الله من أجلها فيما يرمونها به لا أنها سخطت قضاء الله فيها، إذ هي تعلم ~~أن الله تعالى لم يختر لها إلا ما فيه الخيرة والصلاح لها. فتمنيها للموت ~~إنما هو طاعة لله لأن من كره أن يعصى الله فيه فقد أطاع الله. ### || [19.24-26] # قوله تعالى ذكره: { فناداها من تحتهآ ألا تحزني } إلى ~~قوله: { فلن أكلم اليوم إنسيا }. # من قرأ " من تحتها " بالفتح " أراد فناداها عيسى ". كذلك تأوله ~~أبي بن كعب والبراء بن عازب والنخعي، وبذلك قرؤوا. ومن قرأ بكسر الميم ~~والتاء، أراد فناداها جبريل. كذلك قال ابن عباس والضحاك. # وقال مجاهد: هو عيسى عليه السلام. # قال الضحاك: كان جبريل صلى الله عليه وسلم أسفل منها، فناداها من ذلك ~~الموضع " ألا تحزني ". # وقال أبو عبيد: من كسر الميم والتاء، يجوز في قراءته أن يكون لجبريل ~~ولعيسى عليهما السلام. ومن فتحهما، هو لعيسى خاصة، والاختيار عند أهل ~~النظر في الكسر أن يكون لعيسى مثل الفتح، أي: فناداها عيسى من تحتها. # وقرئ بذلك لتقدم ذكر عيسى ولم يتقدم ذكر جبريل إلا فيما بعد، عند قوله: ~~{ فأرسلنآ إليهآ روحنا } فالحمل على الأقرب أولى من الأبعد. # قال ابن زيد: قال لها عيسى: لا تحزني، قالت: وكيف لا أحزن وأنت معي لا ~~ذات زوج، فأقول من زوج، ولا مملوكة فأقول من سيدي، أي شيء عذري عند ~~الناس؟ يا ليتني مت قبل ms1475 هذا وكنت نسيا منسيا. قال لها عيسى: أنا أكفيك ~~الكلام. # قال البراء: " السري " الجدول، وهو النهر الصغير. وبذا قال ابن عباس ~~وغيره، وهو بالنبطية. # وقال مجاهد: " السري " النهر بالسريانية. # وقال قتادة: السري: عيسى نفسه. وكذا قال ابن زيد. أي: شخصا سريا. # وقال الحسن: كان والله سريا من الرجال، يعني عيسى. فقيل له: يا أبا ~~سعيد، إنما هو الجدول النهر. فقال: يرحمك الله، إنما تلتمس مجالستكم ~~لهذا. # وقوله: { وهزى إليك بجذع النخلة }. # يدل على أنه النهر لقوله تعالى بعد ذلك { فكلي واشربي } فكلي من ~~هذا الرطب واشربي من هذا الماء وقري عينا بولدك. # وقوله { تساقط عليك رطبا }. # من قرأ بالتاء، رده على النخلة ومن قرأ بالياء، رده على الجذع، ومن شدد ~~السين أدغم فيها إحدى التاءين، ومن خفف، حذف إحدى التاءين كتظاهرون و " ~~رطبا " منصوب على التمييز. وقال المبرد هو مفعول بهزي أي: وهزي إليك ~~رطبا بجذع النخلة. # وقرأه مسروق بن الأجدع " تسقط " بتاء مضمومة. وحذف الألف فيكون على هذا ~~" رطبا " مفعولا به. وكذلك هو على قراءة عاصم " تساقط " على تفاعل. ~~قيل: نصبه على التمييز. # وقيل: هو مفعول ب " هزي ". # و { جنيا } نعت للرطب وهو فعيل بمعنى مفعول، أي: رطبا مجنيا. ~~والجني: الطري. # " والرطب " يؤنث على معنى الجماعة، ويذكر على معنى الجنس. # وقال أبو وائل: لو علم الله شيئا أطيب من الرطب لأطعمه مريم ". # وقوله: { وقري عينا } هو من قررت بالمكان عند الشيباني، أي: قري ~~عينا. وقيل: هو من قررت به عيناه مشتق من القر أي: بردت عينا، فلم تسخ ~~بخروج الدمع. ولغة قريش قررت به عينا أقر وقررت بالمكان أقر. # وأهل نجد يقولون: قررت به عينا أقر. # ثم قال تعالى: { فإما ترين من البشر أحدا فقولي ~~إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم ~~إنسيا }. # أي: " قال لها عيسى صلى الله عليه وسلم بعد قوله [لها] أنا أكفيك ~~الكلام، فإما ترين... الآية ". والظاهر أن يكون هذا الأمر من الله جل ~~ذكره لها، والله أعلم بذلك. # فالمعنى: إن رأيت من بني آدم ms1476 أحدا يسألك. فقولي: إني نذرت للرحمن ~~صوما. أي: أوجبت على نفسي للرحمن صوما. أي: صمتا: قاله ابن عباس ~~والضحاك. # وقال قتادة صامت من الطعام والشراب والكلام. # وقال ابن زيد: كان في بني إسرائيل من إذا اجتهد صام من الكلام كما يصوم ~~/ من الطعام إلا من ذكر الله عز وجل فقال لها ذلك. # وأصل الصوم. الإمساك، وإنما أمرها بالصوم عن الكلام لأنه خاف عليها ألا ~~تكون لها حجة فيما جاءت به، فأمرها بالكف عن الكلام ليكفيها ولدها الحجة ~~عنها. # ولا يحل لأحد أن ينذر ترك الكلام يوما. وإنما جعل الله ذلك آية لمريم ~~خاصة. # وقد قيل: بل كانت ذلك اليوم صائمة عن الطعام والشراب، فأذن لها ألا تكلم ~~الناس ذلك اليوم. # روى يزيد الرقاشي أن أنس بن مالك قال: إذ ولد عيسى أصبح كل صنم يعبد من ~~دون الله خارا على وجهه، وأقبلت الشياطين إلى إبليس تضرب وجوهها لما ~~حدث. # ومعنى " فقولي " أي: أشيري إليهم بذلك، لأنها لو كلمتهم بذلك لتناقض ~~ما عقدت على نفسها من الصمت. وهذا يدل على أن القول قد يكون غير كلام، ~~وهو كثير في كلام العرب. ### || [19.27-32] # قوله تعالى ذكره: { فأتت به قومها تحمله }. # إلى قوله: { جبارا شقيا }. # المعنى: أن عيسى عليه السلام لما قال لها ذلك: اطمأنت وسلمت لأمر الله ~~وحملته حتى أتت به قومها. # قال السدي: " لما ولدته ذهب الشيطان فأخبر بني إسرائيل أن مريم قد ولدت، ~~فأقبلوا يشتدون، فدعوها، فأتت به قومها تحمله ". قالوا: { يمريم ~~لقد جئت شيئا فريا }. أي: جئت بأمر عجيب وعظيم لم يسبق مثلك ~~إلى مثله. # روي أنها خرجت من عندهم ضحى، وجاءت عند الظهر ومعها صبي تحمله فكان ~~الحمل والولادة في ثلاث ساعات من النهار ". وكانت مريم قد حاضت قبل ذلك ~~حيضتين لا غير. # ثم قالوا لها: { يأخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء }. ~~أي يا أخت هارون في الصلاح والعبادة. # قال قتادة: كان رجلا صالحا في بني إسرائيل، يسمى هارون، فشبهوها به. ~~قال: وذكر لنا أنه شيع جنازته ms1477 يوم مات أربعون ألفا كلهم يسمى هارون من ~~بني إسرائيل سوى من ليس اسمه هارون. # وكانت عائشة رضي الله عنها تقول: هو هارون أخو موسى. فقال لها كعب: يا ~~أم المؤمنين، إن كان النبي صلى الله عليه وسلم قاله فهو أعلم، وإلا فإني ~~أجد بينهما ست مائة سنة، فسكتت. # وقيل: أريد بهارون هنا أخو موسى نسبت مريم إليه لأنها من ولده كما يقال ~~للتميمي يا أخا تميم. # قال ابن جبير: كان هارون منهم رجلا فاسقا، فنسبوها إليه، وقد غلط بعض ~~المؤلفين في هذا فقال: كان لها أخ صالح يسمى بهارون. # وما علمت أحدا من المفسرين وأهل التاريخ قال هذا. # " وقال المغيرة بن شعبة: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل ~~نجران فقالوا: ألستم تقرأون يا أخت هارون؟ قلت: بلى، قالوا: وقد علمتم ما ~~كان بين موسى وعيسى؟ قال: فرجعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فأخبرته، ~~فقال: ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم ". # فهذا يدل على أن هارون المذكور في الآية كان رجلا صالحا وكانوا يسمون ~~أولادهم بهارون لمحبتهم في ذلك الصالح الذي كان اسمه هارون. # وقوله: { ما كان أبوك امرأ سوء }. # أي: ما كان أبوك رجل سوء فيأتي الفواحش. # { وما كانت أمك بغيا }. أي زانية. # { فأشارت إليه }. أي: لما قالوا لها ذلك أشارت لهم إلى عيسى أن ~~كلموه. # { قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا }. قال ~~قتادة: " المهد " هنا حجر أمه. # و " كان " هنا، زائدة. و " صبيا " نصب على الحال، والعامل فيه ~~الاستقرار. والمعنى: كيف نكلم من في المهد صبيا لا يفهم مثله، ولا ينطق ~~لسانه بكلام. # وقيل: إن " كان " هنا بمعنى وقع. و " صبيا " نصب على الحال والعامل ~~فيه " كان ". والمعنى على هذا القول: كيف نكلم صبيا قد خلق في المهد. # وقيل إن " من " للشرط. و " صبيا " حال. و " كان " بمعنى: وقع وخلق ~~أيضا. والمعنى على هذا، من كان في المهد صبيا فكيف نكلمه. كما تقول: من ~~كان لا يسمع ولا يبصر فكيف ms1478 نخاطبه. قوله تعالى: { قال إني عبد ~~الله آتاني الكتاب }. # أي: قال عيسى لهم ذلك. وذلك أن مريم لما أشارت لهم إلى عيسى أن يكلموه، ~~ظنوا أن ذلك / منها استهزاء، فغضبوا. # وقوله: { آتاني الكتاب }. # أي: قضى أن يؤتيني ذلك فيما قضى. # قال عكرمة: الكتاب: القضاء. # وقوله: { وجعلني مباركا } يدل على أن الخير والشر بقدر من الله ~~وقضاء. # قال مجاهد: أن نفاعا معلما للخير حيثما كنت. # وقال محمد بن كعب: لم يبعث الله نبيا إلا أتى على إثره الشدة واحتباس ~~المطر إلا عيسى عليه السلام، فإنه أتى على إثره الرخاء والمطر، وأتت ~~البركات بيمينه. # وقيل: معنى، " مباركا " ثابت على دين الله وطاعته أينما كنت لأن أصل ~~البركة الثبات على الشيء، مأخوذ من بروك البعير. # وروى ابن وهب، عن مالك بن أنس أنه قال: بلغني أن عيسى ابن مريم انتهى ~~إلى قرية قد خربت حصونها، وجفت أنهارها وتشعيت شجرها. فنادى يا خراب، أين ~~أهلك؟ فلم يجبه أحد ثم نادى ثانية، فلم يجبه أحد، ثم نادى الثالثة، فنودي ~~يا عيسى ابن مريم بادوا وتضمنتهم الأرض، وعادت أعمالهم قلائد في رقابهم ~~إلى يوم القيامة يا عيسى ابن مريم فجد. # وقوله: { وأوصاني بالصلاة }. # أي: قضى أن يوصيني بذلك. # وقوله: { والزكاة }: هي زكاة الأموال. # وقيل: هي تطهير البدن من الذنوب. # { ما دمت حيا } أي: وقت حياتي في الدنيا. # { وبرا بوالدتي } أي: وجعلني برا بوالدتي. # وقد قرأ أبو نهيك، " وبر " ، بكسر الباء والراء. أي: وأوصاني ببر ~~والدتي. # وقوله: { ولم يجعلني جبارا شقيا }. # أي: ولم يجعلني مستكبرا عليه فيما أمرني به ونهاني عنه، شقيا. وهذا ~~يدل على أن الله جعل الأشقياء أشقياء، والسعداء سعداء. فهو نص ظاهر في ~~القدر. # قال قتادة: ذكر لنا أن عيسى صلى الله عليه وسلم كان يقول: سلوني فإن ~~قلبي لين، وإني صغير في نفسي، مما أعطاه الله عز وجل من التواضع. قال: ~~وذكر لنا أن امرأة رأت عيسى وهو يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص. ~~فقالت: طوبى للبطن الذي حملك، والثدي الذي أرضعك. فقال لها ms1479 عيسى: طوبى ~~لمن تلا كتاب الله، واتبع ما فيه، ولم يكن جبارا شقيا. # ومن قرأ: " وبر " بالخفض حسن أن يقف على " أينما كنت " ومن نصبه، لم ~~يقف عليه، لأن " وبرا " منصوب ب " جعلني. ### || [19.33-36] # قوله تعالى ذكره: { والسلام علي يوم ولدت ويوم ~~أموت } إلى قوله: { صراط مستقيم }. # معناه: أن عيسى عليه السلام سلم على نفسه في هذه الأوقات وهي أشد ما ~~يمر على الإنسان في حياته وبعد موته. أي: الأمن علي من الشيطان أن يصيبني ~~في حين ولادتي بسوء، ويوم أموت من هول المطلع، ويوم أبعث يوم القيامة من ~~الفزع. # فأخبرهم أنه سيموت، وأنه يبعث حيا. # ذكر عبيد بن عمير وغيره أن عيسى صلى الله عليه وسلم كان يأكل من الشجر ~~ويلبس من الشعر، ويأكل ما وجد، ولا يسأل عما فقد، ولا يخبئ طعام اليوم ~~لغد، وليس له ولد يموت، ولا بيت يخرب، يبيت حيث يدركه الليل. # ثم قال تعالى: { ذلك عيسى ابن مريم قول الحق }. أي: ~~هذا الذي وصفت لكم صفته، وأخبرتكم خبره هو عيسى ابن مريم. # ثم قال: { قول الحق } من رفع القول. فعلى خبر الابتداء. أي هذا ~~الكلام الذي قصصته عليكم قول الحق. أي قول الله، ف { الحق } هو ~~الله. أي هو كلامه لا كلام غيره من اليهود والنصارى فيما ادعوا في عيسى ~~من الكذب والبهتان /. # ومن نصبه، فعلى المصدر. أي: أقول قول الحق، لا قول اليهود، الذين زعموا ~~أن عيسى عليه السلام كان ساحرا كذابا. ولا قول النصارى، أنه ولد الله ~~تعالى وجل وعز عن ذلك. # قال مجاهد: { قول الحق }. الحق: الله. # أي: قول الله هو الحق. فمن رفع القول حسن أن يقف على مريم، ثم يبتدئ " ~~قول الحق " أي هذا قول الله. # ومن نصب، لم يحسن الوقف على مريم، لأن ما قبله قد قام مقام الفعل الناصب ~~ل: " قول ". وقد أجازه أبو حاتم على إضمار ناصب لقول الحق، كأنه ابتدأ: ~~أقول قول الحق. # وقوله: { الذي فيه يمترون } أي: يشكون ويختصمون من المراء وهو ~~الخصام والجدال. ms1480 # قال قتادة: امترت فيه اليهود، فقالوا: ساحر كذاب، وامترت فيه النصارى، ~~فزعموا أنه ابن الله. وذلك أن بني إسرائيل اجتمعوا فأخرجوا منهم أربعة ~~نفر. أخرج كل قوم عالمهم، فامتروا في عيسى حين رفع، فقال أحدهم: هو الله ~~هبط إلى الأرض، فأحيا من أحيا، وأمات من أمات، ثم صعد إلى السماء، وهم ~~اليعقوبية فقال له الثلاثة: كذبت، ثم قال اثنان منهم للثالث: قل أنت فيه. ~~قال: فقال: هو ابن الله وهم النسطورية. فقال له الاثنان: كذبت. ثم قال ~~أحد الاثنين للآخر: قل فيه. فقال هو ثالث ثلاثة. الله إله، وهو إله، وأمه ~~إله. وهم الاسرائيلية ملوك النصارى. قال له الرابع: كذبت. هو عبد الله ~~ورسوله وكلمته وروحه، وهم المسلمون. فكان لكل واحد منهم أتباع على ما ~~قال. # فاقتتلوا فظهر على المسلمين، فذلك قوله تعالى: { ويقتلون ~~الذين يأمرون بالقسط من الناس }. # قال قتادة: وهم الذين قال الله تعالى فيهم: { فاختلف الأحزاب ~~من بينهم } يعني: اختلفوا فصاروا أحزابا. # قوله تعالى: { ما كان لله أن يتخذ من ولد }. # هذا تكذيب للذين قالوا: إن عيسى ابن الله. أي: ما يصلح له أن يتخذ ~~ولدا، بل كل شيء خلقه. # ثم قال سبحانه: ينزه نفسه عما قالوا، أي: تنزيها لله أن يكون له ما ~~أضيف إليه من الولد، فقال: { ما كان لله أن يتخذ من ولد ~~} ، ينفي عن نفسه وينزهها عما يقول الظالمون، وهذا اللفظ ظاهره الحظر، ~~والله لا يحظر عليه شيء، لكنه محمول على معناه. ومعناه النفي، أي: ما كان ~~لله ليتخذ ولدا. فهو نفي عن الله ما لا يليق به وليس فيه في الباطن حظر. ~~ومثله قوله: # وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا # [النساء: 92] معناه النفي، وتقديره: ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا. ~~فظاهره حظر، ومعناه النفي، ولو كان حظرا لم يستثنى منه الإثبات في قوله ~~" إلا خطأ " والنفي يستثنى منه الاثبات. ومعنى الإثبات في هذا، إجازة ~~وقوعه من المؤمن لا أنه إطلاق له أن يفعل ذلك، وقد مضى ذكر هذا. ومثله # ما ms1481 كان لكم أن تنبتوا شجرها # [النمل: 60] ظاهره الحظر. أي لا تفعلوا وهو تعالى لم يحظر على خلقه أن ~~يفعلوا ذلك، وإنما معنى ذلك، النفي عنهم القدرة على اختراع ذلك. # فالمعنى: ما كنتم مخترعين ذلك، ومحدثين له، بل الله اخترعه وأحدثه. وهو ~~كثير في القرآن يقاس عليه ما شابهه. # ثم قال: { إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ~~}. # أي: إذا أراد خلق شيء، فإنما يقول له كن فيكون موجودا حادثا لا يتكلف ~~في حدوثه معالجة ولا معاناة تصحيح، والتقدير، إذا قضى أمرا كونه. وقد زل ~~في هذا بعض الملحدين فقال: هذا يدل على أن الأمر مخلوق، لأنه قال: قضى ~~أمرا. قال: وأمره كلامه، وهذا إلحاد وكفر. ليس قضى في هذا بمعنى خلق، ~~إنما هو بمعنى أراد. # والأمر في هذا إنما هو أحد الأمور المحدثة، لا كلامه - تعالى عن ذلك - ~~فالمعنى: إذا أراد إحداث أمر من الأمور المحدثة، قال له: كن فكان. فكن ~~كلامه. فبهذا يحدث المحدثات. فلو كان الأمر في هذا كلامه، لحدث بكلامه ~~كن، فيصير كلامه يحدث بكلامه، وهذا خلف من الكلام وخطأ ظاهر. # ثم قال تعالى: { وإن الله ربي وربكم }. # هذا من قول عيسى لهم. أخبرهم أنه وإياهم عبيد الله. فالعبادة له منا ~~واجبة علينا. # { هذا صراط مستقيم } أي: هذا الذي أوصيتكم به طريق مستقيم ~~ينجوا من سلكه. # فمن فتح " أن " فعلى معنى: / و " لأن الله ". # هذا مذهب الخليل وسيبويه. # وقال الفراء " أن " في موضع خفض عطف على الصلاة. أي: قال عيسى: أوصاني ~~بالصلاة، وبأن الله ربي وأجاز أن يكون في موضع رفع على معنى: والأمر أن ~~الله. # وحكي عن أبي عمرو أنها في موضع نصب عطف على أمر. أي: وقضى الله أن الله ~~ربي. # وقيل: هي في موضع رفع عطف على عيسى. أي: ذلك عيسى، وذلك أن الله. وهذا ~~ضعيف، لأن المعنى ليس عليه. ومن كسر، فعلى الابتداء، ولم يعطفها على ما ~~قبلها. # وفي حرف ابن مسعود وأبي: " أن الله ربي " بغير واو. # فهذا يدل على صحة ms1482 الاستئناف. # وقيل: الكسر على العطف على: " قال: إني عبد الله، وقال إن الله ربي ". # و " سبحانه " ، وقف عند نافع. # ولا يحسن الابتداء ب " أن " على قراءة من فتح، إلا على قول الخليل ~~وسيبويه: لأنهما لا يجعلان في الكلام عطفا. # وعلى قول الكسائي: الأمر أن الله يحسن الابتداء بها أيضا. ### || [19.37-45] # قوله تعالى ذكره: { فاختلف الأحزاب من بينهم } إلى قوله: ~~{ للشيطان وليا }. # أي: فاختلف المختلفون بعد رفع عيسى صلى الله عليه وسلم. فصاروا أحزابا، ~~وقد ذكر اختلافهم كيف كان. # ثم قال: { فويل للذين كفروا }. # أي: واد في جهنم للكافرين الذين زعموا أن عيسى إله، والذين زعموا أنه ~~ابن الله. { من مشهد يوم عظيم } يعني يوم القيامة. # ثم قال: { أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا }. # أي: ما أسمعهم وأبصرهم يوم القيامة إذا عاينوا ما لا يحتاج إلى فكر ولا ~~رؤية. وقد كانوا في الدنيا عميا عن إبصار الحق، صما عن سماع الهدى. # قال قتادة: سمعوا حين لا ينفعهم السمع، وأبصروا حين لا ينفعهم البصر. # قال ابن زيد: كانت في الدنيا على أبصارهم غشاوة، وفي آذانهم وقر، فلما ~~كان يوم القيامة، أبصروا، وسمعوا فلم ينتفعوا، وقرأ # ربنآ أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا # [السجدة: 12]. # ثم قال تعالى ذكره: { لكن الظالمون اليوم في ضلال ~~مبين } أي: لكن الكافرون في الدنيا في ذهاب مبين عن سبيل الحق. # و { يوم يأتوننا } وقف حسن. والعامل فيه " أسمع بهم وأبصر " أي: ~~ما أبصرهم وأسمعهم في هذا اليوم، أي: هم ممن يقال ذلك فيهم، ففيه معنى ~~التعجب، ولفظه، لفظ الأمر، ولا ضمير في الفعلين، إذ ليس بأمر للمأمور، ~~إنما هو لفظ وافق لفظ الأمر، وليس به. # ثم قال: { وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر } ~~أي: أنذر هؤلاء المشركين يوم حسرتهم وندامتهم على ما فرطوا في جنب الله ~~إذا رأوا مساكنهم في الجنة قد أورثها الله أهل الإيمان به، وعوضوا منها ~~منازل في النار، وأيقن الفريقان في الخلود. # قال ابن مسعود: ليس نفس إلا وهي تنظر إلى بيت في الجنة، وبيت في ms1483 النار، ~~وهو يوم الحسرة، فيرى أهل النار البيت الذي في الجنة فيقال: لو آمنتم، ~~فتأخذهم الحسرة، ويرى أهل الجنة البيت الذي في النار، فيقال لهم: لولا ما ~~من به الله عليكم. # وقيل: { يوم الحسرة } يوم يعطى كتابه بشماله. # وروى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يجاء بالموت فيوضع بين الجنة والنار كأنه كبش أملح. قال: فيقال: يا ~~أهل الجنة، هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون، فيقولون: نعم هذا الموت. ~~قال: فيقال: يا أهل النار، هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون فيقولون: ~~نعم، هذا الموت. ثم يؤمر به فيذبح. قال: فيقول: يا أهل الجنة، خلود بلا ~~موت، ويا أهل النار، خلود بلا موت. ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~{ وأنذرهم يوم الحسرة } الآية. وأشار بيده في الدنيا " # يريد الغفلة في الدنيا. # وكذلك رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " يؤتى بالموت يوم القيامة، فيوقف على الصراط. وقال في أهل الجنة، ~~فيطلعون خائفين وجلين أن يخرجوا من مكانهم، وقال في أهل النار، فيطلعون ~~فرحين مسرورين، رجاء أن يخرجوا من مكانهم. وقال فيذبح على الصراط ". # قال ابن عباس: " يصور الله الموت كأنه كبش أملح. فيذبح، فييأس أهل النار ~~من الموت، فلا يرجونه، فتأخذهم الحسرة من أجل الخلود في النار، ويأمن أهل ~~الجنة الموت، فلا يخشونه ". # وقال ابن عباس: " يوم الحسرة " من أسماء يوم القيامة، عظمه الله وحذره ~~عباده. # ومعنى: { إذ قضي الأمر } إذ فرغ من الحكم لأهل النار بالخلود ~~فيها ولأهل الجنة بالخلود [فيها]./ # وقوله: { وهم في غفلة } أي: هؤلاء المشركون في غفلة عما الله ~~فاعل بهم يوم القيامة. # { وهم لا يؤمنون } أي: لا يصدقون بآيات الله ولا بالرجوع إليه ~~يوم القيامة. # ثم قال تعالى: { إنا نحن نرث الأرض ومن عليها }. أي: ~~نفني من على الأرض، فتبقى لا مالك لها غيرنا. # { وإلينا يرجعون }. # أي: يرد هؤلاء المشركون وغيرهم، فيجازي كلا بعمله. والمعنى: إلى حكم ~~الله يرجعون وقضائه فيهم ومجازاتهم. لم يرد برجوعهم إليه، إلى مكانه، ms1484 ولا ~~إلى ما قرب منه، إنما رجوعهم إلى جزائه وحكمه فيهم. وكذلك كل ما شابهه. # { قضي الأمر } وقف، إلا أن يجعل " وهم في غفلة " في موضع الحال ~~فلا يقف على ذلك. والتمام " يؤمنون ". # ثم قال تعالى: { واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان ~~صديقا نبيا }. # أي: أتل على هؤلاء قصص إبراهيم وأبيه التي أخبرناك بها في الكتاب المنزل ~~عليك، وكذلك معنى قوله: { واذكر في الكتاب } في كل موضع، إنما ~~معناه اذكر لقومك ما أنزل عليك في القرآن من قصة إبراهيم، وموسى وغيرهما. # { إنه كان صديقا نبيا } أي: كان من أهل الصدق في حديثه ~~وأخباره ومواعيده. " نبيئا " أي: تنبأه الله وأوحى إليه. # ولا يوقف على " نبي " لأن " إذ " متعلقة بما قبلها. # { إذ قال لأبيه يأبت لم تعبد ما لا يسمع }. # أبت عند سيبويه لا تقع بالتأنيث إلا في النداء. ويكون للمذكر والمؤنث. ~~و " التاء " عنده عوض من ياء الإضافة. ولذلك لا يجمع بينهما. ووقف ابن ~~كثير بالهاء، وجميع القراء غيره يقفون بالتاء، لأنه مضاف في التقدير. # وقرأ ابن عامر بفتح التاء على تقدير يا أبتاه، فحذف الهاء لأنه واصل ~~وحذف الألف كما تحذف ياء الإضافة، لأنها بدل منها. # وقيل: إنه أبدل من كسرة " التاء " فتحة، ومن " الياء " التي كانت في ~~الأصل ألفا. ثم حذف الألف، إذ لا يجمع بين الياء والتاء، والألف عوض من ~~الياء. فكما لا تثبت الياء مع التاء، كذلك لا تثبت الألف التي هي عوض من ~~الياء. # وهذا القول أشبه من الأول، وفيهما نظر. # وقوله: { ما لا يسمع ولا يبصر } يعني الأصنام، لا يسمعك إذا ~~دعوته، ولا يبصرك إذا أجبته ولا يغني عنك شيئا: إن نزل بكل أمر أو ضر لم ~~ينفعك ولا دفع عنك شيئا. # ثم قال: { يأبت إني قد جآءني من العلم ما لم ~~يأتك }. يعني: الوحي الذي أوحى الله إليه. # { فاتبعني } أي: أقبل قولي، وما أدعوك إليه. # { أهدك صراطا سويا } أي: أبصرك وأرشدك الطريق المستوي الذي ~~لا تضل فيه إن لزمته. # ثم قال: { يأبت لا تعبد ms1485 الشيطان }. # أي: لا تطعه فيما يأمرك به فتكون بمنزلة من عبده. # { إن الشيطان كان للرحمن عصيا }. # أي: عاص. و " عصيا " ، فعيل بمعنى فاعل. لام الفعل " ياء " أدغمت فيها ~~" ياء " فعيل. # ثم قال: { يأبت إني أخاف أن يمسك عذاب من ~~الرحمن } الآية... أي: إني أعلم أنك، إن مت على عبادة الشيطان، أن ~~العذاب يمسك فتكون للشيطان وليا دون الله. فالخوف هنا بمعنى العلم. كما ~~تقع الخشية بمعنى العلم في قوله: # فخشينآ أن يرهقهما طغيانا وكفرا # [الكهف: 80]. ### || [19.46-53] # قوله تعالى ذكره: قال { أراغب أنت عن آلهتي يإبراهيم } ~~إلى قوله { أخاه هارون نبيا }. أي: قال أبوه له حين دعاه إلى ~~الإيمان وترك عبادة الشيطان، أراغب أنت عن عبادة آلهتي يا إبراهيم. { ~~لئن لم تنته } عن ذكر آلهتي بالسوء ورغبتك عن عبادتها لأرجمنك " ~~أي: لأسبنك، قاله قتادة والسدي وابن جريح. # وقيل معناه: لأقتلنك. # وقيل معناه: لأرجمنك بالحجارة. # ثم قال: { واهجرني مليا } أي: واهجرني يا إبراهيم حينا ~~طويلا. قاله: مجاهد والحسن وعكرمة. ف " مليا " ظرف. # وقال ابن عباس: معناه: واهجرني سالما من عقوبتي إياك، وقاله: قتادة ~~والضحاك. # ف " مليا " على هذا نصب على الحال من إبراهيم، واختار الطبري هذا ~~القول، واختار النحاس القول الأول. # و " أراغب " رفع بالابتداء، و " أنت " فاعل سد مسد الخبر، ويجوز أن يكون ~~" أنت " مبتدأ، و " أراغب " خبره مقدم عليه، وحسن رفع " أراغب " ~~بالابتداء لاعتماد على ألف الاستفهام الذي معناه التقرير. # ثم قال تعالى: { قال سلام عليك سأستغفر لك ربي }. ~~أي: قال إبراهيم لأبيه حين توعده، وامتنع من الإيمان بما جاء به: سلام ~~عليك " أي: أمنة مني لك أن أعاودك فيما كرهت، ولكن سأستغفر لك ربي أي: ~~أسأل لك ربي أن يستر عليك ذنوبك { إنه كان بي حفيا } أي: إن ~~ربي عهدته / بي لطيفا، يجيب دعائي إذا دعوته. # قال ابن عباس وابن زيد: " حفيا " لطيفا يقال حفي به إذا بره ولطف به. # قال السدي: { سأستغفر لك } أخره إلى السحر. # { يإبراهيم } تمام عند نافع. وإن شئت ابتدأت يا إبراهيم. # و " سلام عليك ms1486 " تمام عند أبي حاتم. و " لك ربي " عند غيره التمام. # ثم قال تعالى: { وأعتزلكم وما تدعون من دون الله }. ~~أي: وأجتنبكم وعبادة ما تدعون [من دون الله] من أوثانكم وأصنامكم. و { ~~وأدعوا ربي } بإخلاص العبادة له { عسى ألا أكون ~~بدعآء ربي شقيا } أي: عسى أن لا أشقى بدعاء ربي. # ثم قال تعالى: { فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون ~~الله }. أي: فحين اعتزل إبراهيم قومه وعباده ما يعبدون من دون الله. { ~~وهبنا له إسحاق ويعقوب } أي: آنسنا وحشته لما فارق قومه، ~~فوهبنا له إسحاق، وابنه يعقوب. # { وكلا جعلنا نبيا }. # أي: وإبراهيم وإسحاق ويعقوب، جعلناهم أنبياء. # روي أنه خرج عنهم إلى ناحية الشام بإذن الله له. # ثم قال: { ووهبنا لهم من رحمتنا }. # أي: ووهبنا لجميعهم من رحمتنا. وهو ما بسط لهم من الرزق في الدنيا. # { وجعلنا لهم لسان صدق عليا } أي: ورزقناهم الثناء ~~الحسن والذكر الجميل من الناس إلى قيام الساعة. # قوله: " ويعقوب " وقف. و " نبيئا " أحسن منه و " عليا " أحسن منهما. # ثم قال تعالى: { واذكر في الكتاب موسى إنه كان ~~مخلصا }. # أي: واقصص على قومك يا محمد نبأ موسى، إنه كان مخلصا لله عبادته ~~وأعماله كلها. هذه على قراءة من كسر " اللام " في " مخلصا " ومن فتحها ~~فمعناه: إنه كان مختارا اختاره الله لكلامه ورسالته. # { وكان رسولا نبيا } أي: أرسله الله إلى بني إسرائيل، ~~وتنبأه. # ثم قال تعالى: { وناديناه من جانب الطور الأيمن } أي: ~~وكلمناه من جانب الجبل الأيمن، قاله قتادة. # وقال الطبري: يعني بالأيمن هنا: يمين موسى، لأن الجبل لا يمين له ولا ~~شمال. # { وقربناه نجيا } ، أي: وأدنيناه مناجيا. # قال ابن عباس: إن الله عز وجل أدناه حتى سمع صريف القلم. # وقال أبو صالح: قربه حتى سمع صريف القلم. # وعن مجاهد في معنى { وقربناه نجيا } قال: بين السماء الرابعة ~~أو قال السادسة وبين العرش سبعون ألف حجاب، حجاب نور وحجاب ظلمة وحجاب ~~نور وحجاب ظلمة، فما زال يقرب موسى حتى كان بينه وبينه حجاب وسمع صريف ~~القلم، وقال: أرني أنظر إليك. ms1487 # وقال قتادة: { وقربناه نجيا } (نجا بصدقه). # وقيل معناه: قربناه في الكرامة والرفعة في منزلة رفيعة، لأن الله تعالى ~~ذكره وجل ثناؤه ليس بمحدود، فيكون بعض الأجسام أقرب إليه من بعض. فهو ~~كلام فيه توسع. فقد يقرب الرجل عبده بإكرامه له، وإن بعد منه ويبعد عبده ~~الآخر بإهانته له وإن قرب مكانه منه، فذلك شائع في اللغة. # والمعنى: إنا رفعنا قدره بكلامنا له. # ثم قال تعالى: { ووهبنا له من رحمتنآ أخاه هارون ~~نبيا }. # أي: وهبنا لموسى - رحمة منا له - أخاه هارون نبيا. أي: أيدناه بنبوته. # قال ابن عباس: كان هارون أكبر من موسى، ولكن أراد أنه وهب له نبوته. ### || [19.54-58] # قوله تعالى ذكره: { واذكر في الكتاب إسماعيل } إلى قوله: ~~{ سجدا وبكيا }. # المعنى: واقصص عليهم يا محمد، نبأ إسماعيل، إنه كان صادق الوعد، أي: لا ~~يخلف وعده. # قال ابن جريج: لم يعد ربه عدة إلا أنجزها. # وقيل: إن هذا مما يدل على أنه هو الذبيح، لأنه وعد من نفسه الصبر على ~~الذبح، فصبر حتى فداه الله. # قال سهل بن عقيل: وعد إسماعيل رجلا مكانه أن يأتيه، فجاءه إسماعيل، ~~ونسي الرجل، وظن أنه قد اشتغل، فبات إسماعيل في المكان حتى جاء الرجل من ~~الغد. فقال له الرجل: ما برحت من ها هنا؟ فقال إسماعيل: لا والله. فقال ~~الرجل: إني نسيت. فقال إسماعيل إني لم أكن لأبرح حتى تأتيني، فذلك قوله ~~" كان صادق الوعد ". # وروي أن إبليس اللعين تمثل له، فوقع بينهما موعد ألا يبرح إسماعيل حتى ~~يعود إليه. فكان في اعتقاد إسماعيل أن ينتظر سنة فأتاه جبريل صلى الله ~~عليه وسلم فأعلمه أنه إبليس، فذهب وأرسله الله إلى جرهم. # وقوله: { وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة }. # يعني أمته كلها، ذات نسب وغير ذات نسب. # { وكان عند ربه مرضيا } /. # أي: محمودا فيما كلفه، غير مقصر. و " مرضي " مفعول، والأصل فيه عند ~~سيبويه. " مرضو ". ولكن أبدلوا من الواو ياء لأنها أخف، ولأنها واو قبلها ~~ضمة، وليس ذلك في كلامهم فأبدل ولم يعتد بالساكن الذي قبل الواو ms1488 ~~المضمومة. ومثله قولهم مسنية، أصلها مسنوة. # وقال الكسائي والفراء: من قال " مرضى " بناه على رضيت وقالا وأهل الحجاز ~~يقولون " مرضو ". وحكيا أن من العرب من يثني رضا على رضوان، ورضيان، ~~وربوان، وربيان. # فمرضي على رضيان. ومرضو على رضوان. # ولا يعرف البصريون في التثنية إلا رضوان بالواو. وربوان بالواو. # ثم قال تعالى: { واذكر في الكتاب إدريس إنه كان ~~صديقا نبيا }. # أي: واقصص نبأ إدريس، إنه كان لا يقول إلا الحق فيما يوحى إليه، وفي ~~غيره " نبيئا " تنبأه الله. # كان إدريس خياطا، وكان كلما وخز وخزة بالإبرة سبح الله، وهو أول من ~~خاط الثياب، وبينه وبين آدم خمسة آباء. # ثم قال: { ورفعناه مكانا عليا } قال كعب: أوحى الله إليه ~~أني أرفع لك كل يوم مثل عمل بني آدم، فأحب أن يزداد عملا فأتاه خليل له ~~من الملائكة، فقال: إن الله أوحى إلي كذا وكذا، فكلم لي ملك الموت ~~فليؤخرني حتى أزداد عملا، فحمله بين جناحيه ثم صعد به إلى السماء، فلما ~~كان في السماء الرابعة تلقاه ملك الموت منحدرا، فكلم ملك الموت في الذي ~~كلمه فيه إدريس فقال: وأين إدريس؟ فقال هو ذا على ظهري. # فقال ملك الموت: فالعجب، بعثت، وقيل لي: اقبض روحه في السماء الرابعة ~~وهو في الأرض، فجعلت أقول: كيف أقبض روحه في السماء الرابعة وهو في ~~الأرض. فقبض روحه هناك، فذلك قوله: { ورفعناه مكانا عليا }. # وقيل: إن الله جل ذكره جعله في السماء الرابعة قاضيا كالملك في وسط ~~ملكه وجعل خزائن السماوات بيده. # وقيل: رفع إلى السماء السادسة. # وقال مجاهد: رفع إدريس ولم يمت كما رفع عيسى. # وقال مجاهد وقتادة: رفع إلى السماء الرابعة. # وروي قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما عرج به إلى ~~السماء، قال: # " أتيت على إدريس في السماء الرابعة ". # وقيل: { مكانا عليا } عنى به في النبوة والعلم. # وسأل ابن عباس كعبا عن إدريس وما يجد من خبرة في التوراة فقال: إن في ~~كتاب الله أن إدريس كان يعرج بعمله إلى ms1489 السماء، فيعدل عمله عمل جميع أهل ~~الأرض. فاستأذن فيه ملك من الملائكة أن يؤاخيه، فأذن الله له أن يؤاخيه، ~~فسأله إدريس. أي أخي، هل بينك وبين ملك الموت إخاء؟ قال: نعم، ذلك أخي ~~دون الملائكة، وهم متآخون كما يتآخى بنو آدم فقال: هل لك أن تسأله كم بقي ~~من عمري لكي أزداد في العمل؟. # قال إن شئت سألته وأنت تسمع. قال: فحمله الملك تحت جناحيه حتى صعد به ~~إلى السماء [فقال لملك الموت] أي أخي، كم بقي من أجل إدريس؟ فقال: ما ~~أدري حتى أنظره قال: فنظر فقال: إنك تسألني عن رجل ما بقي من أجله إلا ~~طرفة عين. فنظر الملك تحت جناحه، فإذا إدريس قد قبض وهو لا يشعر. ذكر ذلك ~~ابن وهب. # وروى ابن وهب أيضا عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: إن إدريس ~~أقدم من نوح، بعثه الله إلى قومه فأمرهم أن يقولوا: لا إله إلا الله ~~ويعملوا بما شاءوا فأبوا، فأهلكهم الله. # وروى أن ادريس سار ذات يوم في حاجته فأدركه وهج الشمس فقال: يا رب، إني ~~مشيت في الشمس يوما. فآذاني حرها، فكيف بمن يحملها مسيرة خمس مائة عام ~~في يوم واحد، اللهم خفف عن من يحملها، واحمل عنه حرها. فلما أصبح الملك، ~~وجد خفة فسأل الله عن ذلك، فأعلمه أن إدريس دعا له في ذلك، فسأل الله أن ~~يجمع بينه وبينه، وأن يجعل بينه وبينه خلة، فأذن الله له في ذلك. # ثم قال تعالى: { أولئك الذين أنعم الله عليهم ~~من النبيين }. # المعنى: أولئك الذين قصصت عليك، أنباءهم، هم الذي أنعم الله عليهم ~~بتوفيقه، فهداهم لطريق الرشد من الأنبياء { من ذرية ءادم }. ~~يعني إدريس. و { وممن حملنا مع نوح } (أي ومن ذرية من حملنا ~~مع نوح في الفلك، يعني: إبراهيم). # { ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل } يعني يعقوب من ذرية ~~إبراهيم وإسماعيل من ذرية إبراهيم، ومن ذريته أيضا هارون وموسى، وزكريا، ~~وعيسى، وأمه. # / { وممن هدينا } للإيمان والعمل الصالح. # { واجتبينآ } أي: واصطفيا للرسالة والوحي. # ثم ms1490 قال تعالى: { إذا تتلى عليهم آيات الرحمن }. # أي: أدلته وحججه التي أنزلها في كتابه. # { خروا سجدا } أي خضعا. # { وبكيا } أي باكين. فبكى يجوز أن يكون مصدرا لبكى يبكي بكيا. ~~بمعنى: بكاء. ويكون أصله بكويا. كجلس يجلس جلوسا. ثم نقل ورد إلى ~~الياء، على أصل اجتماع الواو والياء. والأول ساكن، ويكسر ما قبلها، لأنه ~~ليس من كلامهم ياء ساكنة قبلها ضمة، ومن كسر أوله، اتبع الكسر الكسر ~~والياء. ويجوز أن يكون جمع باك على فعول، كما قالوا شاهد وشهود. فأما ~~العتي والجثي فهما جمع جاث وعات على فعول، ثم غير على ما تقدم في " مرضي ~~". لأن لامه واو. فهو مخالف لبكيا. إذ لامه ياء، ولام جثيا وعتيا واو، ~~لأن ذلك من بكى يبكي، وهذين من جثا يجثو، وعتا يعتو، فقس على هذا ياءات ~~هذه السورة وغيرها. # وقرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه سورة " مريم " فسجد فقال " هذا السجود، ~~فأين البكي " وهذا يدل على أنه مصدر لا جمع يريد به فأين البكاء. ### || [19.59-61] # قوله تعالى: { فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلوة ~~}. # إلى قوله: { وعده مأتيا }. # المعنى: فخلف من بعد من ذكرنا من الأنبياء، خلف سوء خلفوهم في الأرض. # يقال في الردئ " خلف " بإسكان اللام، وفي الصلاح " خلف " بتحريك ~~اللام. وعن أبي إسحاق ضد هذا. والأول أشهر. # ثم قال: { أضاعوا الصلوة واتبعوا الشهوت } أي ~~أخروا الصلاة عن مواقيتها، ولم يتركوها، ولو تركوها لكان كفرا. # قاله عمر بن عبد العزيز: وهو معنى قول ابن مسعود. وكذلك قال ابن مسعود: ~~في قوله تعالى ذكره: # الذين هم عن صلاتهم ساهون # [الماعون: 5] إنه تأخيرها عن وقتها. # قال مسروق: لا يحافظ على الصلوات الخمس أحد فيكتب من الغافلين. # وروى الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " الخلف من بعد ستين سنة ". # قال أبو محمد مكي رضي الله عنه: وقد ذكر الجعفي في تفسيره عن محمد بن ~~كعب القرظي أنه قال: هم ناس يظهرون في آخر الزمان من قبل المغرب، وهم شر ~~من يملك، وذكر اسمهم. # وعن ms1491 مجاهد، أن الخلف هنا النصارى بعد اليهود. رواه ابن وهب، وهو ظاهر ~~الآية لأن بعده " إلا من تاب وآمن " فذكره لشرط الإيمان مع التوبة يدل ~~على أنهم لم يكونوا مؤمنين. # وقوله: { واتبعوا الشهوت } قيل: معناه: اتبعوا شهواتهم فيما ~~حرم الله عليهم. # وقال القرظي: أضاعتهم لها، تركها وهذا القول اختيار الطبري لقوله بعد ~~ذلك: { إلا من تاب وآمن وعمل صالحا } فلو كان المضيعون ~~مؤمنين لم يقل: " إلا من تاب وآمن " ولكنهم كانوا كفارا بتركهم للصلاة ~~والزكاة. # وقال مجاهد: هؤلاء قوم يكونون عند قيام الساعة، وذهاب صالحي أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم، ينزو بعضهم على بعض في الأزقة زنا. # وقال عطاء: هم من أمة محمد عليه السلام. # ثم قال تعالى: { فسوف يلقون غيا }. # يعني: واديا في جهنم قاله ابن عمر. وعنه أنه قال: هو نهر في جهنم، خبيث ~~الطعم بعيد القعر. # وقال ابن عباس: غيا: خسرانا. # وقال ابن زيد: " غيا " شرا. # والتقدير: فسوف يلقون جزاء الغي، كما قال يلق آثاما أي: جزاء الآثام. # وقيل: سمي الوادي غيا لأن الغاوين يصيرون إليه. # وقيل: المعنى: " فسوف يلقون غيا ". أي: خيبة من الجنة، والثواب الذي ~~يناله المؤمنون، وعذابا في النار. # و " الغي " في اللغة " الخيبة. # ثم استثنى فقال: { إلا من تاب وآمن وعمل صالحا ~~فأولئك يدخلون الجنة } دون أولئك. # { ولا يظلمون شيئا }. # أي: ولا ينقصون من جزاء أعمالهم شيئا. ثم بين موضع الدخول فقال: " ~~جنات عدن " أي: إقامة. # { التي وعد الرحمن عباده بالغيب } أي: وعدهم بها، ~~وهم لم يروها فصدقوا بذلك. # { إنه كان وعده مأتيا }. # الوعد هنا بمعنى الموعود. كما قالوا: الخلق بمعنى المخلوق. # و " مأتيا " أي: يأتيه أولياؤه، وأهل طاعته. # وقيل " مأتيا ": هو مفعول بمعنى فاعل. قاله ابن قتيبة واستبعده النحاس، ~~وهو عنده / مفعول من الإتيان، لأن كل ما وصل إليك فقد وصلت إليه. ### || [19.62-64] # قوله تعالى ذكره: { لا يسمعون فيها لغوا } إلى قوله { وما ~~كان ربك نسيا }. # أي: لا يسمعون في الجنة لغوا وهو الهدر والباطل من القول. # { إلا سلاما } أي: تحييهم ms1492 الملائكة من كل باب بالسلام. # وقوله: " إلا سلاما " استثناء ليس من الأول. # وقيل: هو بدل من لغو. # ثم قال تعالى: { ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا }. أي: ~~لهم ما يشتهون من المطاعم، قدر وقت البكرة ووقت العشي من نهار الدنيا. إذ ~~لا ليل في الجنة ولا نهار. # قال مجاهد: ليس " بكرة " ولا " عشي " ولكن يؤتون به على ما كانوا يشتهون ~~في الدنيا. # خاطبهم الله بأعظم ما كان في أنفسهم من العيش. # وكانت العرب إذا أصاب أحدهم الغداء والعشاء عجب به فأخبرهم الله أن لهم ~~في الجنة ذلك الذي يعجبهم. # وقال زهير بن محمد: " ليس في الجنة ليل. هم في نور أبدا ولهم مقدار ~~الليل والنهار. يعرفون مقدار الليل بإرخاء الحجب وإغلاق الأبواب. ويعرفون ~~مقدار النهار برفع الحجب وفتح الأبواب ". # وقيل: معنى الآية: { ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا }. ~~مقدار ما يكفيهم لكل ساعة ولكل وقت يريدون فيه الأكل. # ثم قال تعالى: { تلك الجنة التي نورث من عبادنا من ~~كان تقيا }. # أي: الجنة التي وصفت، هي التي تورث مساكن أهل النار فيها. " من مكان ~~تقيا " أي من اتقى عقاب الله، فأدى فرائضه واجتنب محارمه. # قال إبراهيم بن عرفة: وعد الله بالجنة كل من اتقى، وأرجو أن يكون كل ~~موحد من أهل التقية - إن شاء الله - ولن يهلك مؤمن بين توحيد الله، ~~وشفاعة نبيه صلى الله عليه وسلم. # وقيل: " التقي ": الذي قد أكثر من اتقاء معاصي الله ومحارمه. # ثم قال تعالى: { وما نتنزل إلا بأمر ربك }. # هذه الآية نزلت لما استبطأ النبي صلى الله عليه وسلم الوحي. # قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه السلام: # " ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا، فنزلت { وما نتنزل ~~إلا بأمر ربك } ". # وعن ابن عباس أيضا أنه قال: احتبس جبريل عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالوحي فيما سأله المشركون عنه من خبر الفتية وخبر الطواف، وعن الروح، ~~وقد كان قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم سأخبركم غدا، ولم يستثن. ~~فأبطأ عنه الوحي ms1493 أربعين يوما. ثم نزل جبريل عليه السلام: # ولا تقولن لشاىء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن ~~يشآء الله # [الكهف: 23-24]، فوجد النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك، وحزن فأتاه ~~جبريل عليه السلام، فقال: يا رسول الله { وما نتنزل إلا ~~بأمر ربك } الآية. # وكذلك قال قتادة ومجاهد والضحاك باختلاف لفظ واتفاق معنى. # ثم قال تعالى: { له ما بين أيدينا وما خلفنا وما ~~بين ذلك }. # معناه عند أبي العالية: ما بين أيدينا من الدنيا وما خلفنا من الآخرة " ~~وما بين ذلك " ما بين النفختين. # وقال ابن عباس: " ما بين أيدينا " الآخرة " وما خلفنا " من الدنيا. # وكذلك قال قتادة، إلا أنه قال: " وما بين ذلك " ، ما بين الدنيا ~~والآخرة. # وروي عن معمر: " ما بين ذلك " ما بين النفختين. وكذا قال الضحاك. # وقال ابن جريج: " ما بين أيدينا " ما مضى أمامنا من أمر الدنيا، " وما ~~خلفنا، " ما يكون بعدنا من الدنيا والآخرة، " وما بين ذلك " ما بين ما ~~مضى أمامهم وما بين ما يكون بعدهم. # وقال الأخفش " ما بين أيدينا ": ما كان قبل أن نخلق " وما خلفنا " ما ~~يكون بعد أن نموت " وما بين ذلك " منذ خلقنا إلى أن نموت. # وقال ابن جبير: " ما بين ذلك " ما بين الدنيا والآخرة، يعني البرزخ. # فيكون المعنى: فلا استبطاء يا محمد في تخلفنا عنك، فإنا لا ننتزل إلا ~~بأمر ربك لنا بالنزول بما هو حادث من أمور الآخرة، وما قد مضى من أمر ~~الدنيا، وما بين هذين الوقتين. # وقوله: { وما كان ربك نسيا } أي ذا نسيان، فيكون تأخر ~~نزولنا من أجل نسيانه إياك. # قال مجاهد: { وما كان ربك نسيا } أي ما نسيك. ### || [19.65-69] # قوله تعالى ذكره: { رب السموت والأرض وما بينهما ~~} إلى قوله: { أشد على الرحمن عتيا }. أي: وما كان ربك ~~- رب السماوات والأرض وما بينهما - ذا نسيان، " فاعبده " أي: الزم طاعته. # { واصطبر لعبادته } أي: اصبر نفسك على العمل بطاعته. # { هل تعلم له سميا } أي: مثلا وشبها في جوده وحلمه وكرمه ~~وطوله. قاله ابن عباس وقتادة ms1494 / ومجاهد وابن جبير. # وعن ابن عباس أن معناه: هل تعلم يا محمد أحدا يسمى الرحمن سواه. # وقيل: هل تعلم أحدا يقال له الله غيره. # وقيل المعنى: هل تعلم أحدا يقال له رب السماوات والأرض وما بينهما ~~غيره. # وقيل: المعنى: هل تعلم أحدا يجوز أن يكون إلها معبودا غيره. # ثم قال تعالى: { ويقول الإنسان أءذا ما مت لسوف ~~أخرج حيا }. # أي: ينكر الإنسان الكافر البعث، فيقول: أنبعث، إذا ما مت، إنكارا منه ~~للبعث. # فقال الله تعالى لنا: { أولا يذكر الإنسن أنا خلقناه ~~من قبل ولم يك شيئا } أي: فكما خلقناه من غير شيء، وأوجدناه ~~من عدم، كذلك نحييه بعد مماته. وهذا مثل قوله تعالى: # وضرب لنا مثلا ونسي خلقه # [يس: 78] فكان الجواب # قل يحييها الذي أنشأهآ أول مرة # [يس: 79] والرؤية بمعنى العلم في هذا. أي: أولم يعلم الإنسان ذلك من ~~حدوثه قبل أن لم يكن شيئا. ولا يجوز أن تكون من رؤية البصر، لأن الإنسان ~~لم ير نفسه وقت خلقه. # والوقف على " حيا " بعيد، لأن " أولا " معطوف، دخل عليه ألف الاستفهام ~~للتوبيخ. # وقيل: إن الآية نزلت في الوليد بن المغيرة وأصحابه. ثم هي في كل من كان ~~مثلهم من الكفار المنكرين للبعث. ودخلت اللام في " لسوف " للتأكيد جوابا ~~لقول قيل للإنسان، كان النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (إذا ما مت لسوف ~~تبعث حيا). فقال إنكارا للبعث، وجوابا لما قيل له: " أئذا ما مت لسوف ~~أبعث " فأتى باللام في الجواب، كما كانت في القول ولو كان مبتدئا بذلك ~~لم تدخل اللام، لأن اللام للتأكيد والإيجاب، وهو منكر للبعث، فلا يصلح ~~دخول اللام في غير منكر لخبره، فإنما دخلت في هذا لمجازاة ما قيل له. ~~أدخل اللام في الجواب كما دخلت في القول الذي أجاب عنه. # ثم قال: { فوربك لنحشرنهم والشياطين }. # أي: لنحشرن هؤلاء المنكرين للبعث مقرنين بأوليائهم من الشياطين. # { ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا }. # أي: على ركبهم، وهو جمع جاث. وأصله جثو، مثل: قاعد وقعود، ثم أبدل من ~~الواو ياء ms1495 لأنها ظرف على ما تقدم في " مرضيا ". # وقيل: " جثيا " قعودا لا يقدرون على القيام لشدة هول ما يرون. # روى ابن جبير عن ابن عباس أنه قال: # " سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إنكم [ملاقو] الله حفاة عراة ~~مشاة عزلا " # قال ابن جبير: يحشرون حفاة عراة، فأول من يكسى خليل الله إبراهيم عليه ~~السلام. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " كأني أراكم جاثين بالكوم دون جهنم " # ثم قال تعالى: { ثم لننزعن من كل شيعة أيهم ~~أشد على الرحمن عتيا }. # أي: ثم لنأخذن من كل جماعة أشدهم على الرحمن عتوا وتمردا. يعني ~~الأكابر فالأكابر جرما. والجبار فالجبار. # والمعنى: نبدأ بتعذيب أعظمهم جرما ثم الذي يليه ثم الذي يليه. # قال مجاهد: " من كل شيعة ": من كل أمة. والشيعة: الجماعة المتعاونون على ~~الأمر: فالتقدير: لنأخذن من كل أمة تعاونت على الكفر أشدهم كفرا ثم الذي ~~يليه. # " وأيهم " رفع عند الخليل على الحكاية. أي لننزعن الذي يقال له من أجل ~~عتوه أيهم أشد. # ومعناه: لننزعن من كل فرقة الأعتى فالأعتى، يعذب أولا أشدهم كفرا ثم ~~الذي يليه. # ومذهب يونس أن " لننزعن " معلق. " وأيهم " رفع بالابتداء وليس هذا الفعل ~~مما يجوز أن يعلق عند غيره. # ومذهب سيبويه أن " أيهم " مبنية على الضم، لأنها خالفت أخواتها في ~~الحذف، لأنك لو قلت رأيت الذي أفضل منك، ومررت بمن أفضل منك قبح، وذلك ~~حسن في " أيهم " فخالفت أختها بحسن حذف الصلة بعدها، فبنيت على الضم. # وقد خطيء سيبويه في هذا القول، لأن مذهبه أنه إنما أعرب " أيا " إذا ~~انفردت من أجل أنها تضاف. فكيف يعربها من أجل أنها تضاف ويبينها وهي ~~مضافة. # وقال الكسائي: " لننزعن " واقع على المعنى. كما تقول: لبست من الثياب، ~~وأكلت من الطعام. فترفع " أيهم " بالابتداء. # وقال الفراء: المعنى: " لننزعن " بالنداء، فيكون معنى " لننزعن ": ~~لننادين. وهذا يتعلق، ولا يتعدى، فحسن الرفع بالابتداء، إذ هو في موضع ~~فعل يجوز أن يعلق عن العمل. أعني " لننزعن " وقع موقع " لننادين ". ونادى ~~/ فعل يعلق عن العمل إذا ms1496 كان بعده جملة. فلا يعمل في اللفظ ويعمل في ~~المعنى كظننت وحسبت. # وقال بعض الكوفيين في " أي " معنى الشرط والمجازاة فلذلك لم يعمل فيها ~~ما قبلها. # وقال المبرد: " أيهم " متعلقة بشيعة لا بننزعن. والمعنى: ثم لننزعن من ~~الذين تشايعوا أيهم. أي: من الذين تعاونوا فنظروا أيهم أشد. فيكون المعنى ~~على هذا ثم لننزعن من هؤلاء الذين فعلوا هذا الذي وصف عنهم. ### || [19.70-72] # قوله تعالى ذكره: { ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى ~~بها صليا } إلى قوله { فيها جثيا }. # أي: ثم لنحن أعلم بالذين ننزعهم من كل شيعة فيقدمهم إلى العذاب فيصلونه. # " وصليا " مصدر صلى يصلي صليا، على فعول وأصله صلوي: ثم أعل وكسرت ~~اللام. # ثم قال: { وإن منكم إلا واردها كان على ربك ~~حتما مقضيا }. # المعنى: وإن من هؤلاء القوم، الذين هذا القول المتقدم قولهم في البعث، ~~إلا وارد جهنم. # { ثم ننجي الذين اتقوا }. # أي: اتقوا الشرك، وآمنوا بالبعث، فهي مخصوصة فيمن تقدم ذكره على هذا ~~القول. # وقيل: هي عامة. والمعنى: ما منكم أحد إلا يرد جهنم. كان ذلك على ربك يا ~~محمد قضاء مقضيا في أم الكتاب. # وقال ابن مسعود وقتادة معناه: قضاء واجبا. # قال ابن عباس: الورود، الدخول. واحتج بقوله تعالى: { إنكم وما ~~تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها ~~واردون } وبقوله تعالى: { يقدم قومه يوم القيامة ~~فأوردهم النار } وقل محتجا للدخول: دخل هؤلاء؟ أم لا؟. وقاله ~~ابن جريج. # وقاله ابن عباس: يردها البر والفاجر. # وقيل: إنهم يردونها وهي خامدة. # وعن كعب أنه قال: تمسك النار للناس كأنها متن أهالة، حتى تستوي عليها ~~أقدام الخلق، برهم وفاجرهم. ثم ينادي بها مناد امسكي أصحابك ودعي ~~أصحابي. فتخسف بكل ولي لها. فلهي أعلم بهم من الرجل بولده، وخرج المؤمنون ~~ندية ثيابهم. # وقال كعب: ما بين منكبي الخازن من خزنة جهنم مسيرة سنة. # وقال ابن مسعود: الورود: الدخول. # وقال قتادة: هو الممر عليها. # وقيل: الورود هو الجواز على الصراط. والصراط على شفير جهنم مثل حد ~~السيف. فتمر الطبقة الأولى كالبرق، والثانية ms1497 كالريح، والثالثة، كأجود ~~الخيل، والرابعة كأجود البهائم. ثم يمرون، والملائكة يقولون: اللهم سلم ~~سلم. # وعن ابن عباس، أن الورود الدخول، ولكن المخاطبة للكفار خاصة. وكذلك قال ~~عكرمة. # وقال ابن زيد: الورود عام، للمسلم والكافر، إلا أن ورود المؤمن المرور. # ودل على هذا أن ابن عباس وعكرمة قرآ: وإن منهم إلا واردها يريدان الكفار ~~برد الهاء والميم على ما تقدم من ذكر الكفار. # وقرأ ابن عباس وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما: { ثم ننجي ~~الذين } بفتح التاء. إلا أن عليا قرأ " تنحى بالحاء " وكذلك قرأ ~~ابن أبي ليلى بفتح التاء. # فورود المؤمن على الجسر بين ظهريها، وورود الكافر الدخول. وعن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: # " الزالون والزالات يؤمئذ كثيرة وقد أحاط بالجسر سماطان من الملائكة، ~~دعواهم يومئذ يا الله سلم سلم ". # وقال مجاهد: " الحمى حظ كل مسلم من النار. # وقال أبو هريرة: # " خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يعود رجلا من أصحابه وعك، وأنا ~~معه. فقال: إن الله جل ذكره يقول: هي ناري أسلطها على عبدي المؤمن لتكون ~~حظه من النار في الآخرة ". # وقال السدي: يردونها كلهم، ثم يصدر عنها المؤمنون بأعمالهم. # وروت حفصة، # " أن النبي صلى الله عليه وسلم: قال إني لأرجو أن لا يدخل النار أحد شهد ~~بدرا والحديبية. قالت: فقلت: يا رسول الله، أليس الله جل وعز يقول: " ~~وإن منكم إلا واردها؟ " قال لها: أولم تسمعيه يقول: " ثم ننجي الذين ~~اتقوا " ". # وقيل: المعنى: وإن منكم إلا وارد القيامة. وهذا اختيار الطبري ودل على ~~هذا قوله: # لا يسمعون حسيسها # [الأنبياء: 102] وقوله: # أولئك عنها مبعدون # [الأنبياء: 101]. # ودل على هذا أيضا قوله تعالى / قبل الآية " { فوربك ~~لنحشرنهم والشياطين } فالحشر إنما هو في القيامة. # وروى ابن وهب عن زيد بن أسلم أنه قال في تفسير الورود: " وإن منكم يا ~~أهل هذا القول إلا وارد جهنم ". يعني: الذين أنكروا البعث فقالوا: أإذا ~~متنا لسوف نخرج أحياء إنكارا منهم بالبعث. # وقوله: { ثم ننجي الذين اتقوا } أي: ننجيهم من ورودها ~~فلا ms1498 يردونها. # وقيل: معناه: وإن منكم إلا يحضر جهنم ويعاينها، لا يدخلها إلا من وجب ~~عليه دخولها. ودليله قوله: # ولما ورد مآء مدين # [القصص: 23] فهو لم يدخل الماء، إنما حضر قرب الماء وعاينه، لم يدخله ~~فكذلك هذا، يحضرون كلهم جهنم ويعاينونها وينجي الله من دخولها المتقين ~~وهو قوله تعالى: { ثم ننجي الذين اتقوا }. # ثم قال: { ثم ننجي الذين اتقوا }. # أي: ننجي من النار بعد الورود الذين اتقوا الله وأدوا فرائضه، واجتنبوا ~~محارمه. # ثم قال: { ونذر الظالمين فيها جثيا } أي: وندعهم في ~~النار بروكا على ركبهم. كذا قال قادة. وقال: إن الناس يردون جهنم وهي ~~سوداء مظلمة، فأما المؤمنون فأضاءت لهم حسناتهم فأنجوا منها، وأما الكفار ~~فأوبقتهم أعمالهم واحتبسوا بذنوبهم. # قال ابن زيد: لا يجلس الرجل جاثيا إلا عند كرب ينزل به. ### || [19.73-75] # قوله تعالى ذكره: { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينت } ~~إلى قوله { وأضعف جندا }. # المعنى: أن الكفار من قريش كانوا إذا تلا عليهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم آيات القرآن، قالوا للذين آمنوا (أي الفريقين منا ومنكم خير مقاما) ~~أي: خير موضع إقامة، وهي مساكنهم " وأحسن نديا " أي [مجلسا]. # يتركون التفكير في آيات الله والاعتبار بها ويأخذون في التفاخر بحسن ~~المسكن وحسن المجلس. # قال ابن عباس: " المقام " المسكن. و " الندي " المجلس. # يقال: ندوت القوم أندوهم ندوا، إذا جمعتهم في مجلس [واحد]. ومنه دار ~~الندوة المتصلة بالمسجد الحرام، لأنهم كانوا يجتمعون فيها إذا كربهم أمر. ~~ومنه قوله: # وتأتون في ناديكم المنكر # [العنكبوت: 29] ومنه # فليدع ناديه # [العلق: 17] أي أهل مجلسه. ويقال: هو في ندي قومه، وفي ناديهم بمعنى: ~~مجلسهم وندي: جمع أندية. # ثم قال تعالى ذكره: { وكم أهلكنا قبلهم من قرن }. أي: ~~وكثيرا يا محمد أهلكنا من القرون هم أحسن أثاثا ورئيا قبل هؤلاء ~~القائلين للمؤمنين: أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا. # قال ابن عباس: " الأثاث ": المتاع. " والرئي: المنظر. # أي: أحسن متاعا وأحسن مرئى ومنظرا من هؤلاء فأهلك الله أموالهم، وأفسد ~~صورهم وكذلك قال ابن زيد ومجاهد: " الأثاث ": المتاع و " الرئي ": ~~المنظر. # وقال ms1499 معمر: أحسن أثاثا: أحسن صورا. ورئيا: أموالا. # وروي عن ابن عباس: " أحسن أثاثا وزيا " بالزاي. # وقرأ طلحة " وريا " خفيفة الياء من غير همز. # ومن شدد الياء، جعله من رأيت، ولكن خفف الهمزة، فأبدل وأدغم. ويجوز أن ~~يكون من رويت روية ورياء فيكون معناه أيضا منظرا، لأن العرب تقول: ما ~~أحسن روية فلان في هذا الأمر؟.. إذا كان حسن النظر فيه، والمعرفة به. # ويجوز أن يكون من ري الشارب. فيكون المعنى أن جلودهم مرتوية من النعمة. # وأجاز الأخفش أن يكون من ري المنظر. # ومن همز جعله من رؤية العين. # " والأثاث " جمع واحده أثاثة كالحمام والسحاب. هذا مذهب الأخفش. # وقال الفراء: لا واحد له كالمتاع. # ثم قال تعالى: { قل من كان في الضللة فليمدد له ~~الرحمن مدا }. # أي: قل يا محمد لهؤلاء القائلين - إذا تتلى عليهم آياتنا بينات - أي ~~الفريقين خير مقاما وأحسن نديا من كان منا ومنكم في الضلالة فليمدد له ~~الرحمن مدا. فهو لفظ أمر، ومعناه الخبر. أي جعل الله جزاء ضلالته في ~~الدنيا أن يطول له فيها، ويمد له كما قال تعالى: # ونذرهم في طغيانهم يعمهون # [الأنعام: 110]. لأن لفظ الأمر يؤكد معنى الخبر، كأن المتكلم يلزمه ~~نفسه، كأنه يقول: أفعل ذلك وآمر نفسي به، فهو أبلغ. # فلذلك أتى به على الخبر. # ومعناه: فليعش ما شاء، وليوسع لنفسه في العمر، فإن مصيره إلى الموت ~~والعذاب. # قال ابن نجيح معناه: فليدعه في طغيانه. # ثم قال تعالى: { / حتى إذا رأوا ما يوعدون إما ~~العذاب }. # يعني به النصر، فيعذبوا بالقتل والسبي. # " وإما الساعة " يعني يوم القيامة، فيصيرون إلى النار. و " إما " ~~للتخيير. وهي عند المبرد إن زيدت عليها " ما ". واستدل على ذلك أن الشاعر ~~إذا اضطر، جاز له حذف " ما ". وليست عند غيره إلا حرفا واحدا. ولم ~~يختلفوا فيها في العطف أنها حرف واحد. # وقال أبو العباس: إذا قلت ضربت إما زيدا وإما عمرا، فالأولى دخلت ~~لبنية الكلام على الشك، والثانية للعطف. # وقال ابن كيسان: " إما ": للشك والتخيير، والواو هي العاطفة. # وأجاز الكسائي: ms1500 إما زيد قائم على النفي بجعل " إما " بمنزلة " ما ". # وأجاز الفراء أن تأتي " إما " مفردة بمنزلة " أو ". قوله: { ~~فسيعلمون من هو شر مكانا }. # أي: مسكنا، منكم ومنهم. # { وأضعف جندا } أهم؟ أم أنتم؟ يعني: إذا نصر الله المؤمنين. # فأما قراءة طلحة، فإنما يجوز على تقدير. القلب وإلقاء حركة الهمزة على ~~الياء بعد القلب. ### || [19.76-80] # قوله تعالى ذكره: { ويزيد الله الذين اهتدوا هدى } إلى ~~قوله: { ويأتينا فردا }. # أي: ويزيد الله المؤمنين هدى، لأنهم يؤمنون بكل ما أنزل إليهم من ~~الفرائض، ويصدقون بها، ويعملون بها، فهم في زيادة إيمان وهذا مثل قوله ~~تعالى: # أيكم زادته هذه إيمانا # .. [التوبة: 124] الآية. # وقيل: يزيدهم هدى بإيمانهم بالناسخ والمنسوخ. # وقيل: هو زيادة في اليقين بجعل جزائهم في الدنيا أن يزيدهم في يقينهم ~~هدى. # ثم قال تعالى: { والباقيات الصالحات خير عند ربك ~~ثوابا }. # يعني: الأعمال الصالحات هي خير عند ربك جزاء لأهلها. # { وخير مردا } عليهم من مقامات هؤلاء المشركين في أنديتهم، ~~وافتخارهم بها في الدنيا. وقد تقدم ذكر الباقيات الصالحات، واختلاف ~~العلماء في معناها في " الكهف ". # وقد قيل: " الباقيات الصالحات " الإيمان والأعمال الصالحة وسماها باقية، ~~لأنها تنفع أهلها في الدنيا والآخرة ولا تبطل كأعمال الكفار الذين لا ~~يريدون بها ما عند الله. # وروي # " أن النبي صلى الله عليه وسلم جلس ذات يوم فأخذ عودا يابسا فحط ورقه، ~~ثم قال: إن لا إله إلا الله والله أكبر والحمد لله وسبحان الله يحططن ~~الخطايا كما تحط ورق الشجر الريح، خذهن يا أبا الدرداء قبل أن يحال بينك ~~وبينهن، هن الباقيات الصالحات، وهن من كنوز الجنة. فكان أبو الدرداء، إذا ~~ذكر هذا الحديث قال: لأهللن الله، ولأكبرن الله، ولأسبحن الله حتى إذا ~~رآني الجاهل حسب أني مجنون ". # وإنما سميت هذه الكلمات بالباقيات الصالحات لأنها تبقى لأهلها حتى يردوا ~~عليها في الجنة. # وروى أبو هريرة # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خذوا جنتكم خذوا جنتكم فقالوا: يا ~~رسول الله، أمن عدو قد حضر؟ قال: لا، ولكن من النار. قولوا سبحان الله، ms1501 ~~والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فإنهن يأتين يوم القيامة ~~مقدمات ومعقبات ومنجيات، هن الباقيات الصالحات ". # ثم قال تعالى: { أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال ~~لأوتين مالا وولدا }. # هذه الآية نزلت في العاص بن وائل السهمي. # قال خباب: كنت قينا - والقين الحداد - قال: وكان لي على العاص بن وائل ~~دين، فأتيته أتقاضاه، فقال لي: والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم. قلت: والله لا أكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم حتى تموت ثم ~~تبعث. # قال: وإني لمبعوث؟ قلت: نعم. قال: فإنه سيكون لي ثم مال وولد، فأقضيك. ~~فأنزل الله جل ثناؤه { أفرأيت الذي كفر بآياتنا... } ~~الآيات إلى {... فردا }. # وكذلك قال مجاهد: # وقال ابن عباس: كان رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يطلبون ~~العاص بن وائل السهمي بدين، فأتوا يتقاضونه فقال: ألستم تزعمون أن في ~~الجنة فضة وذهبا وحريرا ومن كل الثمرات؟ قالوا: بلى. # قال: فإن موعدكم الآخرة، فوالله لأوتين مالا وولدا، ولأوتين مثل ~~كتابكم الذي جئتم به، فضرب الله تعالى مثله في القرآن في قوله: { ~~أفرأيت الذي كفر بآياتنا }. إلى { فردا }. # ثم قال تعالى: { أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن ~~عهدا }. # أي: اعلم هذا القائل الغيب أفقال ذلك عن علم / غيب عنده؟ أم اتخذ عند ~~الرحمن عهدا؟ أي: أم آمن بالله ورسوله وعمل بطاعته فكان له بذلك عهد عن ~~الله فيؤتيه ما يقوله له في الآخرة؟. # قال قتادة: " عهدا " عملا صالحا قدمه. وقاله: سفيان. # وقيل: " العهد " التوحيد: " لا إله إلا الله ". # وقيل: " العهد: الوعد. # وقال عبد الله بن عمر: يقول الله تعالى يوم القيامة: من كان له عندي ~~عهد، فليقم، فقالوا: يا أبا عبد الرحمن، فعلمنا. فقال قولوا: اللهم فاطر ~~السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، إني أعهد إليك عهدا في هذه ~~الحياة الدنيا، إنك إن تكلني إلى عملي تقربني من الشر، وتباعدني من ~~الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاجعلها لي عندك عهدا تؤديه إلى يوم ~~القيامة، إنك لا تخلف الميعاد. # ثم قال تعالى: ms1502 { كلا سنكتب ما يقول } المعنى: ليس الأمر كما ~~قال أنه يؤتى في القيامة مالا وولدا. # قال أبو محمد ول " كلا " كتاب مفرد في القرآن، قد ألفناه وكتب عنا، ~~ولذلك لم نشبع الكلام فيها ها هنا. # ثم قال: { كلا سنكتب ما يقول }. # أي: سنكتب قوله، فنجازيه عليه، فنمد له من العذاب مدا. أي: نزيده زيادة ~~من العذاب على قوله هذا. أي: نطول له العذاب غير ما له من العذاب على ~~كفره. # ثم قال: { ونرثه ما يقول }. # أي: نرث منه ماله وولده يوم القيامة { ويأتينا فردا } أي: وحده ~~لا مال له ولا ولد. # وقوله: " ونرثه " هو، فعل من فعل يفعل بالكسر فيهما، كما جاء بالضم في ~~الفعلين في مثل: ظرف يظرف. ونظيره: ورم يرم وومق يمق، ووري الزنديري، ~~ووفق بأمره يفق، وورع يرع ووثق، يثق، ومنه وسع يسع ووطيء يطأ. وإنما فتح ~~من أجل حرف الحلق، والدليل على أنه يفعل بالكسر في الأصل، حذف الواو منه ~~في المستقبل. وبعدها فتحة، ولم يعتد بالفتحة، إذ هي غير أصلية، إنما ~~أحدثها حرف الحلق، والكسر هو الأصل، فلذلك حذفت الواو في المستقبل على ~~أصل حذفها في: يزن، ويعد وشبهه. # وقد أتت أربعة أفعال من السالم على يفعل ويفعل باللغتين في المستقبل ~~وهي حسب يحسب، ونعم ينعم، ويبس يبس ويئس ييأس. # وحرف الجر، مقدر محذوف من المفعول الأول في " ونرثه " أي ونرث منه قوله. # وفي حرف ابن مسعود، و " نرثه ما عنده ". # وقال ابن زيد: " ونرثه ما يقول " ما جمع من الدنيا، وما عمل ~~فيها. # وقيل: معناه: ويبقى عليه الإثم. ### || [19.81-87] # قوله تعالى ذكره: { واتخذوا من دون الله آلهة ~~ليكونوا لهم عزا }. # إلى قوله: { عند الرحمن عهدا }. # المعنى: واتخذ هؤلاء المشركون من دون الله آلهة يعبدونها، لتكون لهم ~~منعة من عذاب الله. # ومعنى " كلا " أي: ليس الأمر على ذلك، لا تمنعهم من عذاب الله. # ثم قال: { سيكفرون بعبادتهم }. # أي: ستجحد الآلهة يوم القيامة عبادتهم لها. وهو قوله تعالى: # تبرأنآ إليك ما كانوا إيانا يعبدون # [القصص: 63] فتبرؤها ms1503 منهم هو جحدها لعبادتهم إياها. # ثم قال: { ويكونون عليهم ضدا }. # قال ابن عباس: " ضدا ": أعوانا. يعين على عذابهم. # وقال مجاهد: عونا عليهم، تخاصمهم وتكذبهم. # قال قتادة: " ضدا " قرناء في النار، يلعن بعضهم بعضا، ويتبرأ بعضهم من ~~بعض. # وقال الضحاك: " ضدا " أعداء. # وقال ابن زيد: معناه: ويكونون عليهم بلاء. # وقيل: معناه أن آلهتهم التي عبدوها من دون الله [يوم القيامة] تلعنهم ~~وتدعو عليهم، لأنهم عبدوا الملائكة، فهي تلعنهم وتتبرأ منهم. # وقيل: بل هي الأصنام يحييها الله تعالى [لهم] يوم القيامة لتوبخهم ~~وتكذبهم. # " والضد " في كلام العرب " المخالف ". ووحد " ضد لأنه في معنى عونا. ~~وعون مصدر، فلذلك لم يجمع. # ثم قال تعالى: { ألم تر أنآ أرسلنا الشياطين على ~~الكافرين تؤزهم أزا }. # أي: تزعجهم على المعاصي، وتقودهم إليها قيادا، وتغويهم بها. # وقال ابن عباس: تغويهم أغواء. # وقال ابن زيد: تشليهم إشلاء على المعاصي. ومنه أزيز القدر، وهو صوت ~~غليانها. وهذا يؤكد تحقيق القدر. # ثم قال تعالى: { فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم ~~عدا } أي: فلا تعجل يا محمد، على هؤلاء الكافرين بطلب العذاب لهم ~~والهلاك، إنما نعد أعمالهم وأنفاسهم لنجازيهم على جميعها ولم نترك تعجيل ~~هلاكهم لخير نريده بهم، ولكن ليزدادوا إثما. # قال ابن عباس: " إنما نعد لهم عدا " يعني نعد أنفاسهم في الدنيا كما ~~نعد سنيهم وآجالهم. # ثم قال تعالى: / { يوم نحشر المتقين إلى الرحمن ~~وفدا }. # التقدير: إنما نعد أعمالهم لنجازيهم عليها يوم نحشر المتقين. # فالعامل في " يوم " ما دل عليه الكلام الأول وهو " نجازيهم " يوم كذا. # ومعنى الآية: يوم يجمع الله الذين اتقوا في الدنيا، وخافوا عقابه إلى ~~جزاء الرحمن ووعده. # " وفدا " هو بمعنى جمع وافد، ونصبه على الحال، ووحد لأنه مصدر، " ~~والوفد ": الركبان. # قال علي رضي الله عنه: اما والله ما يحشر الوفد على أرجلهم، ولا يساقون ~~سوقا، ولكنهم يوتون بنوق، ولم تر الخلائق مثلها، عليها رحال الذهب، ~~أزمتها الزبرجد، فيركبون عليها حتى يضربوا أبواب الجنة. # وقال أبو هريرة: " وفدا " على الإبل. # وروى محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة: ms1504 # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يبعث الله الأنبياء يوم القيامة إذا ~~حشروا، على الدواب، ويبعث صالح نبي الله على ناقته، حتى يوافوا بالمؤمنين ~~من أصحابهم المحشر، ويبعث أبنائي الحسن والحسين على ناقتي العضباء ~~والقصواء وأبعث أنا على البراق، وخطوها عند أقصى طرفها. ويبعث بلال على ~~ناقة من نوق الجنة، ينادي بالأذان، غضا، حتى إذا بلغ. أشهد أن محمدا ~~رسول الله، شهد بها جميع الخلائق من المؤمنين والكافرين، فيقبل ذلك من ~~المؤمنين، ويرد على غيرهم من أهل الشك والتكذيب ". # وقيل: معنى " وفدا " أي: وافدين على ما تحبون. من كان يحب ركوب الخيل، ~~وفد على الله على خيل لا تروث، ولا تبول، لجمها من الياقوت الأحمر، ومن ~~الزبرجد الأخضر ومن الدر الأبيض، وسرجها من السندس والاستبرق. ومن كان ~~يحب الإبل، فعلى نجائب لا تبعر ولا تبول، أزمتها الياقوت والزبرجد، ومن ~~كان يحب السفن، فعلى سفن من زبرجد أخضر، وأمواج مثل ما بين السماء والأرض ~~قد أمنوا الغرق والأهوال. # وروى عمرو بن قيس الملائي أن المؤمن إذا خرج من قبره، استقبله أحسن صورة ~~وأطيبه ريحا. فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا، إلا أن الله عز وجل قد طيب ~~ريحك، وحسن صورتك، فيقول: كذلك كنت في الدنيا، أنا عملك الصالح، طالما ~~ركبتك، فاركبني أنت اليوم، وتلا { يوم نحشر المتقين إلى ~~الرحمن وفدا }. # قال قتادة: " وفدا " إلى الجنة. # وقال ابن جريج: على النجائب. # وقال الثوري: على الإبل والنوق. # وفي هذا الخبر إيماء إلى الجزاء والثواب، لأن الوفد هم الواردون على ~~الملوك، المنتظرون العطاء والبر والإكرام منهم. # وروي أن المؤمن يستقبله عند خروجه من قبره أحسن صورة رآها وأطيبه ~~ريحا، فيقول: من أنت؟ فيقول: أما تعرفني؟ فيقول لا، إلا أن الله تبارك ~~وتعالى [قد] طيب ريحك، وحسن وجهك، فيقول: أنا عملك الصالح، هكذا كنت في ~~الدنيا حسن العمل، طيبه، فطالما ركبتك في الدنيا، فهلم اركبني، فيركبه. ~~فذلك قوله تعالى: { يوم نحشر المتقين إلى الرحمن ~~وفدا } قال: ويستقبل الكافر أو قال الفاجر عند خروجه من قبره ms1505 أقبح ~~صورة رآها، وأنتنها ريحا فيقول: من أنت؟ فيقول: أما تعرفني؟ فيقول: لا، ~~إلا أن الله تبارك وتعالى قد قبح وجهك، وأنتن ريحك. فيقول: أنا عملك ~~الخبيث، هكذا كنت في الدنيا خبيث العمل منتنه، فطالما ركبتني في الدنيا ~~فهلم أركبك، فيركبه، فذلك قوله تعالى: # وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم # [الأنعام: 31]. # ثم قال تعالى ذكره: { ونسوق المجرمين إلى جهنم ~~وردا }. # أي: عطاشا، قاله ابن عباس وأبو هريرة والحسن وقتادة والثوري. فيكون ~~تقديره: ذي ورد يقال للواردين الماء ورد ورودا، مصدر وصف به الجمع، ~~فلذلك لم يجمع. # وروى المقدام بن معد يكرب: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يحشر المؤمنون يوم القيامة فيحشر ~~السقط إلى الشيخ الفاني أبناء ثلاث وثلاثين سنة، في مثل خلق آدم، وحسن ~~يوسف وقلب أيوب، مرداء مكحلين، فسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الكافر ~~فقال: يعظم للنار حتى يصير غلظ جلده أربعون ذراعا وحتى يصير ناب من ~~أنيابه مثل أحد ". # ثم قال تعالى { لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ ~~عند الرحمن عهدا }. # أي: لا يملك أحد من المجرمين الشفاعة لأحد، لكن من اتخذ عند الرحمن ~~عهدا بالإيمان، فإنه يملك الشفاعة. # ف " من " في موضع نصب على الاستثناء المنقطع. # وقيل: هي في موضع رفع على البدل من الضمير في " يملكون ". فيكون ~~التقدير: لا يملك الشفاعة إلا المؤمنون، فإنهم يشفعون. # وقيل: التقدير: لا يملك أحد من المتقين الشفاعة إلا لمن اتخذ عند الرحمن ~~عهدا، أي: من آمن في الدنيا، فلما حذفت اللام، صارت " من " في موضع نصب. # وقال ابن عباس: " العهد " شهادة أن لا إله إلا الله، ويتبرأ إلى الله من ~~الحول والقوة، ولا يرجو إلا الله. # وقال ابن جريج: " عهد " عمل صالح. # وقال الليث: " العهد " حفظ كتاب الله. # وقال مقاتل: " عهدا " صلاة. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن الشهيد ليشفع في سبعين من أهل بيته ". # وأنه قال: # " إن من أمتي رجلا ليدخلن الله بشفاعته الجنة أكثر من بني تميم ". # وقال صلى الله عليه ms1506 وسلم: # " إن شفاعتي لمن مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا ". # فيكون قوله: " لا يملكون ".. وما بعده. في موضع نصب حال من المجرمين، أو ~~من المتقين. ### || [19.88-96] # قوله تعالى ذكره: { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا * ~~لقد جئتم شيئا إدا } إلى قوله: { سيجعل لهم ~~الرحمن ودا }. # معناه: وقال هؤلاء الكفار بالله: اتخذ الرحمن ولدا، فقال لهم جل ذكره: ~~{ لقد جئتم شيئا إدا }. أي: عظيما. أي: قلتم قولا ~~عظيما. قاله: ابن عباس ومجاهد وقتادة. # ويقال: أد واد واد على فاعل بمعنى واحد. # ثم قال تعالى: { تكاد السموت يتفطرن منه }. # أي: يتشققن مما قلتم. # { وتنشق الأرض } أي: تتصدع. # { وتخر الجبال هدا } أي: يسقط بعضها على بعض سقوطا. # وقال ابن عباس: " هدا " هدما. # والهد الأنقاض. # وقال ابن عباس: إن الشرك فزعت منه السماوات، والأرض، والجبال، وجميع ~~الخلائق، إلا الثقلين، وكدن أن يزلن منه لعظمة الله. وكما لا ينفع مع ~~الشرك إحسان المشرك كذلك نرجو أن يغفر الله ذنوب الموحدين مع التوحيد. # قال القرظي: لقد كاد عباد الله أن يقيموا علينا الساعة. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله. من قالها عند موته وجبت له ~~الجنة، قالوا: يا رسول الله، فمن قالها في صحته؟ قال: تلك أوجب وأوجب. ثم ~~قال: والذي نفسي بيده، لو جيء بالسماوات والأرض وما فيهن وما بينهن، وما ~~تحتهن، فوضعن في كفة الميزان، ووضعت شهادة أن لا إله إلا الله في الكفة ~~الأخرى، لرجحت بهن ". # قال كعب: غضبت الملائكة، واستعرت جهنم حين قالوا ما قالوا. # ثم قال تعالى جل ثناؤه: { أن دعوا للرحمن ولدا }. أي: من ~~أجل أنهم جعلوا له ولدا. # قال أبو ذؤيب: " دعوا " بمعنى " جعلوا. # ثم قال تعالى: { وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا ~~}. أي ما يصلح له أن يتخذ ولدا، لأن كل ولد يشبه أباه، والله لا يشبهه ~~شيء. # ثم قال: { إن كل من في السموت والأرض إلا آتي ~~الرحمن عبدا }. # أي: إلا هو عبد لله، خاضعا، ذليلا. # وهذه الآية تدل على ms1507 أن الرجل لا يملك، ولده، فإذا صار إليه بشراء أو إرث ~~أو هدية عتق عليه، إن شاء أو أبى. # ومعنى: { وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا } أن ~~الرحمن لا شبيه له، والولد يشبه والده ومن جنسه يكون. فلو كان له ولد ~~لأشبهه، ولكان من جنسه، وهو لا شبيه له ولا مثل، فهذا أمر لا يتمكن، ولا ~~ينبغي أن يكون، فهو مستحيل ممتنع سبحانه لا إله إلا هو. # ثم قال: { لقد أحصاهم وعدهم عدا }. # أي: علمهم، وعدهم أجمعين، فلا يخفى عليه مبلغ جميعهم { وكلهم ~~آتيه يوم القيامة فردا }. أي: جميع الخلائق يعرضون على الله ~~يوم القيامة منفردين، لا ناصر لأحد منهم، فيقضي الله فيهم ما هو قاض. # ثم قال تعالى ذكره: { إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا }. # أي: إن الذين صدقوا الله ورسله، وعملوا بما أمرهم، وانتهوا عما نهاهم، ~~سيجعل لهم / الرحمن في الدنيا في صدور عباده المؤمنين محبة، قاله ابن ~~عباس. # وقال مجاهد: يحبهم ويحببهم إلى المؤمنين، وكذا قال ابن جبير عن ابن ~~عباس. # وكان هرم بن حيان يقول: ما أقبل عبد بقلبه إلى الله عز وجل، إلا أقبل ~~الله تعالى بقلوب المؤمنين إليه حتى يرزقه مودتهم ومحبتهم. # وكان عثمان بن عفان رضي الله عنه يقول: " ما من الناس أحد يبذل خيرا أو ~~شرا، إلا كساه الله رداء عمله. # ويروى أن هذه الآية نزلت في عبد الرحمن بن عوف، وذلك أنه لما هاجر إلى ~~المدينة، وجد في نفسه على فراق أصحابه بمكة، فأنزل الله جل وعز، الآية ~~يعزيه بها ويخبره أنه سيحدث له في قلوب المؤمنين الذين هاجر إليهم محبة. # وقيل: إن الله تعالى جعل [له] في قلوب المؤمنين محبة، فلا ترى مؤمنا ~~إلا يحبه. ### || [19.97-98] # قوله تعالى ذكره: { فإنما يسرناه بلسانك } إلى آخر ~~السورة. # أي: فإنما سهلنا يا محمد، هذا القرآن بلسانك، وبلغتك لتبشر به من آمن ~~وتنذر من كفر من قومك. # ومعنى: { قوما لدا } أي: أشداء في الخصومة، لا يقبلون الحق. # قال ابن عباس: " قوما ms1508 لدا " أي: ظلمة. # وقال أبو صالح: لدا: عوجا عن الحق. # وقال مجاهد: اللد ": الظالم الذي لا يستقيم. # وقال قتادة: " لدا " جدلا بالباطل. # وقال حسن: " لدا " صما. # وقال أبو عبيدة: " اللد " الذي لا يقبل الحق، ويدعي الباطل. # وعن مجاهد: " قوما لدا " فجارا. # ثم قال تعالى: { وكم أهلكنا قبلهم من قرن }. أي: ~~وكثير من القرون أهلكنا قبل هؤلاء المشركين، بسلوكهم مسلك قومك في الكفر ~~والخصومة في الدين. # { تحس منهم من أحد }. # أي: هل ترى منهم من أحد أو تعاينه { أو تسمع لهم ركزا }. ~~أي: صوتا. بل بادوا وهلكوا، ولقوا ما عملوا، وكذلك، قومك يا محمد صائرون ~~إلى ما صار إليه أولئك، إن ماتوا على ما هم عليه من الكفر، يقال: أحسست ~~فلانا: أبصرته، وحسسته أحسه قتلته. # قال قتادة: معناه: هل ترى عينا أو تسمع صوتا. # والركز في كلام العرب الصوت الخفي. ### | [20 - سورة طه] ### || [20.1-6] # قوله تعالى ذكره: { طه * مآ أنزلنا } إلى قوله: { وما تحت ~~الثرى }. # قد قدمت علة الإمالة في هذه الحروف في أول " مريم ". # وأتى أول هذه السورة على غير ترتيب أوائل السور، لأن جميع أوائل السور ~~يحتمل أن يكون ما بعدها خبرا لها، ولا يجوز أن يكون ما بعد " طه " خبرا ~~لها، لأنه نفي، فلذلك تأولوه بمعنى " يا رجل " و " يا إنسان ". # وقيل: هو أمر من وطيء. # وروي عن بعضهم أنه قرأ " طه " بإسكان الهاء. وهي قراءة مروية عن الحسن ~~وعكرمة، وفيها تقديران أحدهما أنه أراد الأمر من وطيء. أي: طأ الأرض. ~~ولكن أبدل من الهمزة هاء، كما قالوا: إياك وهياك. # وقيل: إنه أبدل من الهمزة ألفا، ثم حذف الألف لدلالة الفتح عليها، وأتى ~~بهاء للسكت. # وقيل: الهاء هاء الكناية عن المكان. أي: طأ يا محمد المكان الذي تصلي ~~فيه برجليك، ولا تقف على رجل واحدة فتتعب. ودل على هذا المعنى قوله: { ~~مآ أنزلنا عليك القرآن لتشقى } فأسكنت هاء الكناية ~~على نية الوقف، أو على التشبيه بهاء السكت. # وقد قيل: إن الهاء في قراءة الجماعة تعود على الأرض، أي: ms1509 طأ الأرض يا ~~محمد برجليك في صلاتك، والألف في طأ بدل من همزة ساكنة. # ومن قرأ " طه " بحذف الألف، وإسكان الهاء فهو أمر بالوطء لكنه أبدل من ~~الهمزة ألفا قبل الأمر، ثم حذف الألف للأمر، والهاء تعود على المكان على ~~ما ذكرنا، أو هي هاء سكت كما ذكرنا، أو هي بدل من همزة ساكنة على ما ~~قدمنا، فهذه ثلاثة أقوال في الهاء في قراءة من قرأ " طه " بحذف الألف، ~~وإسكان الهاء، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لي عند ربي جل وعز عشرة أسماء " # " فذكر أن منها " طه " و " يس " إسمان له. # قال ابن عباس: " طه " بالنبطية: يا رجل. وهو قول الضحاك. # وقال أبو صالح: هي بالنبطية أيطأ. # وقال ابن جبير: هي بالنبطية أيطه: أي يا رجل. # وقال ابن جبير: طه بالسريانية: يا رجل. وهو قول قتادة. # وقال عكرمة: " طه " بالنبطية: يا إنسان. # وعن ابن عباس: أنه اسم من أسماء الله تعالى أقسم [الله به]. # وهذه الآية نزلت فيما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنعه من السهر ~~والتعب والقيام بالليل. # قال الضحاك: كانوا يقومون حتى تتشقق، أقدامهم، فقال المشركون: ما نزل ~~هذا القرآن إلا للشقاء، فأنزل الله تعالى ذكره: { مآ أنزلنا ~~عليك القرآن لتشقى } { إلا تذكرة لمن يخشى ~~}. # أي: ما أنزلناه إلا تذكرة لمن يخشى. # وقيل: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعب في صلاته، ويقف على رجل واحدة، ~~فأنزل الله: { مآ أنزلنا عليك القرآن لتشقى }. # قال مجاهد: هذا في الصلاة. قال: هي مثل قوله تعالى: # فاقرءوا ما تيسر منه # [المزمل: 20]. # قال قتادة: " أنزل الله كتابه، وبعث رسوله رحمة، رحم بها الله العباد، ~~ليتذكروا، وينتفع رجل بما سمع منه. # ونصب تذكرة على البدل من " لتشقى ". # وقيل: هي مفعول من أجله. # وقيل " نصبها على المصدر. # وقال الكوفيون: هي تكرير. # وقيل: من حروف الهجاء. # وقيل: هي حروف مقطعة، يدل كل حرف منها على معنى، وقد تقدم ذكر ذلك. # وقال الطبري: " طه ": يا رجل، لغة معروفة في عك. قال ms1510 الشاعر: # هتفت بطه في القتال فلم يجب # فخفت عليه أن يكون موائلا # وقال آخر: # إن السفاهة طه من خلائقكم # لا بارك الله في القوم الملاعين # والتقدير على هذا: يا رجل، ما أنزلن عليك القرآن لتشقى بإنزاله عليك. ~~ولا يوقف على " طه " على هذا القول، لأن النداء تنبيه على ما بعده. ومن ~~جعلها افتتاحا وقف عليها، وهو مذهب أبي حاتم. # ثم ابتدأ فخاطب النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: { مآ أنزلنا ~~عليك القرآن لتشقى } وكذلك لا يقف عليها على قول من جعلها ~~قسما، لأن القسم يحتاج إلى جواب، وجوابه: { مآ أنزلنا }. # وأجاز أبو حاتم الوقف على " طا " ويبتدئ ها. وليس عليه عمل عند أهل ~~النقل من المقرئين. # وقيل: تقدير الكلام: ما أنزلنا عليك القرآن إلا تذكرة، لا لتشقى. # ثم قال تعالى: { تنزيلا ممن خلق الأرض والسموت ~~العلى }. # أي: نزلناه تنزيلا من الله الذي خلق الأرض والسماوات العلى. " والعلى " ~~جمع " عليا ": كالفضلى. والفضل. # ثم قال: { الرحمن على العرش استوى }. # أي: على عرشه، ارتفع وعلا. # قال أبو عبيدة: استوى: علا. # وقال القتبي: استقر. # وقيل: معناه: استولى. # وأحسن الأقوال في هذه " علا " والذي يعتقده أهل السنة، ويقولونه في هذا: ~~إن الله جل ذكره، سماواته على عرشه دون أرضه وأنه في كل مكان بعلمه، وله ~~تعالى ذكره كرسي وسع السماوات والأرض كما قال جل ذكره. وكذلك ذكر شيخنا ~~أبو محمد بن أبي زيد رحمه الله. # وقد سأل رجل مالكا عن هذا، فقال له: كيف استوى؟ فاحمرت وجنتا مالك، ~~وطأطأ رأسه، ثم رفع رأسه فقال: الاستواء منه غير مجهول، والكيف منه غير ~~معقول، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، وإني أخاف أن يكون ضالا. ~~أخرجوه، فأخرج، فناداه الرجل، يا أبا عبد الله، والله الذي لا إله غيره، ~~لقد سألت عن هذه المسألة أهل البصرة، وأهل الكوفة، وأهل العراق، إلى أن ~~وردت عليك، فلم أجد أحدا وفق لما وفقت له. # وروي أن خباب بن الأرت قرأ " طه " على عمر بن الخطاب إلى قوله: " فتردى ~~" فأسلم عمر عند ms1511 ذلك. # و " العلى " تمام إن رفعت " الرحمن على الابتداء، أو على إضمار مبتدأ، ~~فإن جهلته بدلا من الضمير في " خلق " لم تقف عليه. # و " استوى " تمام إن جعلت " الرحمن " بدلا من الضمير في " خلق " أو على ~~إضمار مبتدأ، فإن جعلت " له ما في السماوات " في موضع خبر الرحمن، لم تقف ~~على استوى. # ثم قال: { له ما في السموت وما في الأرض وما ~~بينهما }. # أي: هو يملك ذلك كله ويدبره /. # وقوله: { وما تحت الثرى }: الثرى: التراب المبتل الندي يعني: ~~وما تحت الأرضين السبع. # وقال محمد بن كعب: الثرى: سبع أرضين. # وقال ابن عباس: الأرض على نون، ونون على البحر، والبحر على صخرة وهي ~~الصخرة التي ذكر الله تعالى في قوله: # فتكن في صخرة أو في السموت # [لقمان: 16] والصخرة على قرن ثور، والثور على الثرى، وما يعلم ما تحت ~~الثرى إلا الله. # وروي عن وهب بن منبه أنه قال: على وجه الأرض سبعة أبحر والأرضين سبعة ~~بين كل أرضين بحر، فالبحر الأسفل مطبق على شفير جهنم، ولولا عظم ذلك ~~البحر، وكثرة مائة وبرده، لأحرقت جهنم كل شيء فوقها. قال: وجهنم على متن ~~الريح ومتن الريح على حجاب من ظلمة لا يعلم غلظه إلا الله، وذلك الحجاب ~~على الثرى، وإلى الثرى انتهى علم الخلائق، لا يعلم ما تحت الثرى إلا ~~الله. # وقال الضحاك: الأرض السابعة على الحوت، والحوت على الماء، والماء على ~~الصخرة، والصخرة على قرن ثور، والثور على الثرى، ولا يعلم ما تحت الثرى ~~إلا الله. # وسئل كعب ما تحت الأرض؟ قال ماء، قيل: فما تحت الماء؟ قال أرض. قيل فما ~~تحت الأرض؟ قال: ماء، حتى بلغ سبع أرضين. قيل: له: فما تحت الأرض ~~السابعة. قال: ماء. قيل فما تحت الماء. قال صخرة، قيل فما تحت الصخرة؟ ~~قال: هي على منكب ملك. قيل: فما تحت الملك؟ قال: هو قائم على وسط حوت ~~معلق طرفاه بالعرش. قيل له: فما تحت الحوت قال: هواء وظلمات وانقطع ~~العلم. # وروى ابن وهب عن رجاله أن كعب ms1512 الأحبار قال: إن إبليس يقلقل للحوت الذي ~~على ظهره الأرض كلها. قال: فألقى في قلبه. فقال: هل تدري ما على ظهرك يا ~~لوبيا من الأمم والشجر والدواب والناس والجبال، لو هضتهم فألقيتهم عن ~~ظهرك كلهم. قال: فهم لوبيا بفعل ذلك، فبعث الله تعالى دابة، فدخلت في ~~منخره حتى دخلت في دماغه فعج إلى الله منها، فخرجت. # قال: وكان كعب يقول: والذي نفسي بيده، إنه لينظر إليها، بين يديه وتنظر ~~إليه، إن هم بشيء من ذلك عادت حيث كانت. # وروى عاصم عن زر عن ابن مسعود أنه قال: ما بين سماء الدنيا والتي تليها ~~مسيرة خمس مائة عام، وما بين سماء إلى سماء مسيرة خمس مائة عام، وما بين ~~السماء السابعة والكرسي خمسة مائة عام، وما بين الكرسي وبين الماء مسيرة ~~خمس مائة عام، والعرش فوق ذلك، والله جل ذكره فوق العرش. # وعن ابن عباس: أيضا أنه قال: حملة العرش ما بين كعب أحدهم إلى أسفل ~~قدميه مسيرة خمس مائة عام، وذكر أن خطوة ملك الموت ما بين المشرق إلى ~~المغرب. ### || [20.7-10] # قوله تعالى ذكره: { وإن تجهر بالقول فإنه يعلم ~~السر وأخفى } ، إلى قوله: { أو أجد على النار هدى }. # أي: وإن تجهر بالقول يا محمد، فإن الله تعالى يعلم ما أسررت في نفسك، ~~وأخفى منه. # قال الحسن ومجاهد وعكرمة: " السر ": ما أسررته إلى غيرك، " وأخفى " ما ~~حدثت به نفسك. # وقال الضحاك: " السر " ما حدثت به نفسك، و " أخفى " ما لم تفعله وأنت ~~فاعله " ، وكذلك، روي عن ابن عباس. # قال ابن عباس: و " أخفى " ما تعمل غدا. # وقال ابن جبير: " السر ": ما أسره الإنسان في نفسه، " وأخفى ": ما لم ~~يعلم الإنسان مما هو كائن. # وقيل: معنى: " وأخفى ": ما ليس في نفس الإنسان. وسيكون ذلك في نفسه، فهو ~~لا إله إلا هو يعلم ما سيجري في نفس الإنسان قبل أن يجري. # وقال ابن زيد: " يعلم السر " أسرار العباد وأخفى سره. وقاله أبوه زيد بن ~~أسلم. أي: يعلم سر عباده، وأخفى سره، فلا يعلمه ms1513 أحد جل وعز، وهذا ~~اختيار النحاس. وأنكر هذا القول الطبري. # وقوله: { يعلم السر وأخفى } ، أتى على غير ظاهر، جواب قوله ~~" وإن تجهر بالقول، إنما هو جواب لمن قيل له وأن تستر بالقول، فإن الله ~~يعلم السر وأخفى، ولكنه محمول على المعنى، كأنه قال: ما حاجتك إلى الجهر، ~~والله يعلم السر وأخفى من السر. # ثم قال: { الله لا إله إلا هو له الأسمآء ~~الحسنى }. # من جعل الله بدلا من الضمير في " يعلم " لم يقف على " أخفى " ، ومن ~~جعله مبتدأ، وقف على أخفى. # أي: معبودكم واحد، لا معبود غيره، ولا إله إلا هو { له الأسمآء ~~الحسنى } /. هي تسعة وتسعون اسما على ما روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وفي ألفاضها اختلاف. # قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " لله تسعة وتسعون اسما: مائة إلا واحدة من أحصاها دخل الجنة " # أي: من حفظها. # وقيل: من آمن بها. # وقيل: من قالها معتقدا لصحتها. # ثم قال تعالى ذكره { وهل أتاك حديث موسى } { إذ رأى ~~نارا }. # معناه: أن الله يخبر نبيه صلى الله عليه وسلم بما مضى من أخبار الأنبياء ~~عليهم السلام قبله، وما مضى عليهم ليتعزى بذلك مما يناله من قريش. # ذكر: أن موسى عليه السلام أضل الطريق في شتاء ليلا، فلما رأى ضوء ~~النار، قال لأهله: امكثوا لعلي أتيكم بخبر نهتدي به على الطريق أو آتيكم ~~بقبس توقدونه في هذا البرد. # قال ابن عباس: لما قضى موسى الأجل، سار بأهله فضل الطريق. # قال وهب بن منبه: لما قضى موسى الأجل. خرج ومعه غنم له، ومعه زندله ~~وعصاه في يده، يهش بها على غنمه نهارا، وإذا أمسى اقتدح نارا فبات ~~عليها هو وأهله وغنمه، فإذا أصبح غدا بغنمه وبأهله يتوكأ على عصاه، فلما ~~كان الليلة التي أراد الله جل وعز بموسى كرامته، وابتدأه فيها بنبوته، ~~أخرج زنده ليقدح نارا لأهله ليبيتوا عليها ويصبح ويعلم وجه سبيله، فقدح ~~حتى إذا أعياه لاحت النار فرآها. { فقال لأهله امكثوا ~~إني آنست نارا } ، أي أبصرتها، لعلي آتيكم منها... الآية... ms1514 # وقيل: معنى: " آنست " علمت ووجدت. # و " القبس " النار في طرف العود أو قصبة. # { أو أجد على النار هدى }. # أي: دلالة تدلني على الطريق، قاله ابن عباس. # وقال مجاهد: " هدى " أي: هاديا يهدي إلى الطريق. # وقال وهب: " أو أجد على النار هدى " أي: علما من أعلام الطريق يدلني ~~عليه. ### || [20.11-15] # قوله تعالى ذكره: { فلمآ أتاها نودي يموسى * إني ~~أنا ربك } إلى قوله: { بما تسعى }. # أي: فلما أتى النار موسى، ناداه ربه: يا موسى، إني أنا ربك فاخلع نعليك. # قال وهب: خرج موسى نحو النار، فإذا هي في شجرة من العليق. (وبعض أهل ~~الكتاب يقول في عوسجة) فلما دنا، استأخرت عنه، فلما رأى تأخرها عنه، رجع ~~وأوجس في نفسه خيفة، فلما أراد أن يرجع دنت منه ثم كلم من الشجرة، فلما ~~سمع الصوت، استأنس فقال له الله { فاخلع نعليك إنك ~~بالواد المقدس طوى } فخلعهما وألقاهما. # قال كعب: " كانتا من جلد حمار ميت، فأمر بخلعهما، وأراد الله أن يمسه ~~القدس، وكذلك قال عكرمة وقتادة. # وكذلك روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " كانت على موسى يوم كلمه الله جبة صوف، وكساء صوف، وسراويل صوف، ~~ونعلاه من جلد حمار غير ذكي ". # وقال الحسن: كانتا من جلد بقر، ولكن الله تعالى أراد أن يباشر بقدميه ~~بركة الأرض. وكان قد قدس الوادي مرتين. وكذلك قال ابن جريج. وهذا القول ~~اختيار الطبري، لأن الحديث لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنهما من ~~جلد حمار غير ذكي. # وقوله: { إنك بالواد المقدس }. # أي: المطهر. # وقال ابن عباس: " المقدس ": المبارك. # وقال مجاهد: { المقدس طوى }: بورك فيه مرتين. # ويروى أن موسى صلى الله عليه وسلم لما خرج من مدين ومعه امرأته بنت شعيب ~~يريد مصر أخطأ الطريق، وكان صلى الله عليه وسلم رجلا غيورا، فكان يصحب ~~الناس بالليل، ولا يصحبهم بالنهار، فأخطأ الطريق عند انفراده لما سبق في ~~علم الله من أمره. فرأى نارا. فقال لأهله امكثوا، إني أبصرت نارا لعلي ~~آتيكم منها بقبس أو أجد على ms1515 النار هدى. أي: من يهديني إلى الطريق، وكانت ~~ليلة مظلمة، فلما توجه نحو النار فإذا النار في شجر عناب، فوقف متعجبا ~~من ضوء تلك النار وشدة خضرة تلك الشجرة. فلا شدة النار تغير خضرة تلك ~~الشجرة، ولا كثرة ماء الشجرة يغير حسن ضوء النار. فلما أتى الشجرة سمع ~~النداء، يا موسى، إني أنا ربك، فاخلع نعليك، وكانتا من جلد حمار ميت. # وقال ابن عباس /: في معنى " طوى " أن موسى طواه الليل إذ مر به فارتفع ~~إلى أعلى الوادي. # فيكون على هذا مصدرا عمل فيه ما هو من غير لفظه. كأنه قال: إنك يا موسى ~~بالواد الذي طويته طوى: أي: تجاوزته فطويته بسيرك. # وقال قتادة: معناه: قدس مرتين، أي طهره وهو قول الحسن. # وقال مجاهد وابن أبي نجيج: " طوى " اسم الوادي. # وروي ذلك أيضا عن ابن عباس. وقاله ابن زيد. # وعن ابن عباس: أنه أمر من الله تعالى لموسى أن يطأ الوادي بقدمه. ~~فالمعنى: اخلع نعليك. طأ الوادي. # وقال ابن جبير: معناه: طأ الأرض حافيا كما تدخل الكعبة حافيا. وكذلك ~~روي أيضا عن مجاهد. # ومن فتح الهمزة في " إني أنا " فعلى تقدير: " نودي بأني ". ومن كسرها ~~فعلى الاستئناف، لأن النداء وقع على موسى فاستؤنفت " إن بعده، فكسرت. # وقيل: كسرت لأنها حكاية بعدها. # معناه: القول، لأن نؤدي مثل قيل. # ومن صرف " طوى " جعله اسما للوادي مذكرا، فصرفه، وجعله مصدرا. # والأكثر في المصدر من هذا أن يكون مكسور الأول مثل ثنى. ومن لم يصرفه ~~جعله اسما للبقعة. # وقيل: هو معدول عن طاوي. كعمر، معدول عن عامر، وقد ذهب الكسائي في صرفه ~~إلى أنه صرف لخفته. وكان حقه ألا ينصرف. ولكن سمع صرفه من العرب. وعلة ~~صرفه قلة حروفه وخفته. # ثم قال تعالى ذكره: { وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى }. # أي: وأنا اجتبيتك لرسالتي، فاستمع لما يوحى وعه بقلبك، واعمل به. # { إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني }. # أي: إني أنا المعبود، لا معبود غيري يستحق العبادة فاعبدني. # { وأقم الصلاة لذكري } ، أي: أقم الصلاة ms1516 فإنك إذا أقمتها ~~ذكرتني. فتقديره: أقم الصلاة، لأن تذكرني بها، هذا معنى قول مجاهد. # وقيل: معناه: أقم الصلاة حين تذكرها. # وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها " # ، قال الله عز وجل: { وأقم الصلاة لذكري } وزاد فيه قتادة ~~" لا كفارة لها إلا ذلك ". # وقيل: المعنى: أقم الصلاة لأن أذكرك بالمدح. # وقيل: المعنى: أقم الصلاة إذا ذكرتني. # وقيل: المعنى: أقم الصلاة لتذكرني فيها. # وشاهده أن ابن عباس وأبا عبد الرحمن السلمي قرآ: { وأقم الصلاة ~~لذكري } بلامين، مشددة الذال. أي: لتذكرني فيها. # وقرأ الأعرج وأبو رجا والشعبي: " لذكرا " أبدلوا من الياء ألفا. ~~كما يقال: يا غلاما. # ثم قال تعالى ذكره: { إن الساعة آتية أكاد أخفيها }. ~~أي: إن القيامة جائية أكاد أسترها. # وقال ابن عباس معناه: لا أظهر عليها غيري. # وقال مجاهد وابن جبير: أكاد أخفيها من نفسي. وقاله قتادة والضحاك. # وقرأ ابن جبير بفتح همزة " أخفيها ". وكذلك روى عن مجاهد والحسن، بمعنى ~~أظهرها. يقال خفيت الشيء وأخفيته بمعنى: أظهرته. ومنه قيل للنباش ~~المختفي، لأنه يظهر الموتى ويقال: أخفى بمعنى ستر. هذا هو المشهور في ~~كلام العرب. وإنما حسن أن تتأول الآية في قراءة من ضم الهمزة على أخفيها ~~من نفسي - والله لا يخفى عليه شيء - لأنه تعالى خاطب العرب على ما تعرف، ~~وتستعمل فيما بينها من المخاطبات. # وقد كان الرجل منهم إذا تبالغ في الخبر عن إخفاء شيء هو له مسر، قال: ~~كدت أخفيه من نفسي. فخوطبوا على أبلغ ما يعقلون. # وقيل: إن: " أكاد " بمعنى أريد. وذلك معروف في اللغة. فيكون المعنى أريد ~~أخفيها. أي أسترها لتجزي كل نفس بما تسعى. # وقيل: إن تمام الكلام " أكاد " أي: أكاد أن آتي بها، ثم ابتدأ فقال ~~أخفيها أي: ولكني أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى. # وقيل: أكاد زائدة. وهو قول الأخفش. قال: ومنه قوله تعالى: # لم يكد يراها # [النور: 40] وإنما هو لم يرها. # وقيل: معنى قول من قال: معناها أكاد أخفيها من نفسي، أي من قبلي ms1517 ومن ~~عندي. # وقيل: إن المعنى أن الله تعالى قد أرسل الرسل بخبر أن الساعة آتية، وكذب ~~بها الأمم فقال: " أكاد أخفيها " أي: أكاد لا أجعل لها دليلا، فتأتي ~~بغتة. فلم يخفها تعالى ذكره لأنه قد أرسل الرسل ينذرون الناس ويحذرونهم ~~من قيامها، وإنما احتاج العلماء إلى هذه التأويلات، لأن القائل إذا قال: ~~كدت أخفيه " كان معنى قوله: أنه أظهره، فيجب أن يكون معنى " أكاد أخفيها ~~" أظهرها. وذلك صحيح، لأن الله عز وجل قد أظهر علاماتها وأشراطها. # واختار النحاس أن يكون المعنى: أن الساعة آتية أكاد " تم الكلام أي: " ~~أكاد آتي بها. ودل " آتية " على " آتي بها ". ثم قال " أخفيها " على ~~الابتداء. فصح المعنى، لأنه الله تعالى قد أخفى وقتها. # وقوله: { لتجزى كل نفس بما تسعى } اللام متعلقة ب " ~~آتية ". # وقيل: ب { وأقم الصلاة لذكري }. أي: لتثاب كل نفس من ~~المكلفين بما تعمل من خير وشر. # و " السعي " العمل. وأجاز أبو حاتم الوقف على " أخفيها ". ويبتدئ بلام { ~~لتجزى } بجعلها لام قسم. وذلك غلط ظاهر. ### || [20.16-21] # قوله تعالى ذكره: { فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها ~~} إلى قوله: { سيرتها الأولى }. # أي: فلا يردنك عن العمل للساعة من لا يؤمن بها. أي: من لا يؤمن بالبعث. ~~{ واتبع هواه } أي: هوى نفسه، وخالف أمر الله. # { فتردى } أي: فتهلك إن فعلت ذلك. # وقيل المعنى: فلا يصدنك يا موسى، عن الإيمان بالساعة من لا يؤمن بها، ~~وهذا خطاب لموسى عليه السلام، والمراد به الجميع. # ثم قال تعالى: { وما تلك بيمينك يموسى }. # " ما " لفظها، لفظ الاستفهام، ومعناها [معنى] التنبيه والتثبيت والتقرير ~~لما يريد الله منها من إحالتها عما هي عليه. فإذا نبهه وقرره على ~~حقيقتها، لم يقدر بعد استحالتها وكونها حية أن يقول: كذا كانت. # وقال الزجاج: " تلك " هنا موصولة بمعنى التي. أي: وما التي بيمينك. # وقال الفراء: " تلك " بمعنى هذه. يوصلان كما يوصل الذي. # وقوله: { قال هي عصاي أتوكأ عليها }. # أي: اتكىء عليها في قيامي وقعودي. # { وأهش بها على غنمي }. # أي: أضرب بها الشجر، فيسقط ورقها ms1518 فترعاه الغنم. فالمعنى: وأهش بها ~~الورق. يقال: هش الشجر. إذا خبطه بالعصا. قال ذلك قتادة وعكرمة والضحاك ~~وابن زيد. # ثم قال تعالى: { ولي فيها مآرب أخرى }. # أي: ولي في عصاي حاجات أخرى. والمآرب جمع واحدة مأربة ومآربة وماربة. ~~بضم الراء وفتحها وكسرها. وهي من قولهم: لا إرب لي في هذا. أي: لا حاجة ~~لي فيه. # وقال: " أخرى " ولم يقل " أخر ". لأن المآرب جماعة، فأتت على ذلك. # قال السدي: " حاجات أخر، أحمل عليها المزود والسقاء. # ثم قال تعالى: { قال ألقها يموسى }. # أي: ألق عصاك. { فألقاها فإذا هي حية تسعى }. # قال ابن عباس: ألقاها فصارت حية تسعى، ولم تكن قبل ذلك حية. قال فمرت ~~بشجرة فأكلتها، ومرت بصخرة فابتلعتها، فجعل موسى يسمع وقع الصخرة في ~~جوفها فولى مدبرا. فنودي يا موسى، خذها فلم يأخذها. ثم نودي ثانية فلم ~~يأخذها، ثم نودي ثالثة { خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها ~~الأولى }. أي: هيئتها الأولى، عصا كما كانت، فأخذها. # وقال السدي: ألقاها فإذا هي حية تسعى، فلما رآها تهتز كأنها جان، ولى ~~مدبرا ولم يعقب، فنودي يا موسى، لا تخف إني لا يخاف لدى المرسلون. # وقيل: إنما أراد الله جل ذكره أن يريه الآية الكبرى من العصا لئلا ~~يفزع منها إذا ألقاها عند فرعون ولا يولي مدبرا منها كما فعل عند ~~الشجرة. # وقيل: إنها عصا آدم، نزل بها من الجنة، طولها اثنى عشر ذراعا بذراع ~~موسى. # ويروى أن العصا كانت من ورقة آس الجنة، وهي من وسط الورقة الخط الثاني ~~في وسط ورقة الآس " والآس " الريحان وكانت من ريحان الجنة من الخط الثاني ~~في وسط الورقة المستطيل /، فما ظنك بحسن ريحان يكون الخط الثاني في وسط ~~ورقه [منها] عصا في طولها اثنى عشر ذراعا. # ويروى أن موسى صلى الله عليه وسلم أمره الله أن يدخل يده في فيها فيقبض ~~عليها، فأدخل يده في فيها وقبض عليها، فصارت يده بين الشعبتين اللتين ~~كانتا في العصا، وصارت الحية في يده عصا على ما كانت عليه قبل ذلك؟. وكان ms1519 ~~للعصا شعبتان في رأسها، فصارت الشعبتان فم الحية، ثم عادت إلى حالتها. ### || [20.22-35] # قوله تعالى ذكره: { واضمم يدك إلى جناحك } إلى قوله: { ~~إنك كنت بنا بصيرا }. # المعنى: واضمم يا موسى يدك، فضعها تحت عضدك. # وقال مجاهد: " إلى جناحك " كفه في عضده. # يقال لآخر العضد، إلى مبتدأ الإبط جناح. # وقيل: أمر أن يدخل يده في ثيابه مما يلي صدره وعضده، ففعل، ثم أخرجها ~~بيضاء لها شعاع ونور. # وقال أبو عبيدة: " إلى جناحك " إلى ناحية جنبك. والجناحان الناحيتان. # وقيل: " إلى جناحك " إلى صدرك، ففعل، فخرجت يده نورا ساطعا تضيء ~~بالليل كضوء الشمس والقمر، فهي له آية أخرى مع العصا. أي: علامة على قدرة ~~الله وصحة نبوته. # ومعنى: { من غير سوء } من غير برص. # وقال مجاهد: كان موسى رجلا آدم، فأدخل يده في جيبه ثم أخرجها بيضاء من ~~غير سوء أي من غير برص مثل الثلج، ثم ردها فخرجت كما كانت على لونه. # وقوله: { آية أخرى } أي: دلالة أخرى على العصا. # وقوله: " بيضاء " نصب على الحال. " وآية " بدل من بيضاء عند الأخفش. # وقال الزجاج: هي نصب بإضمار فعل تقديره " آتيناك آية أخرى ". # وقيل: " آية " حال أيضا، لأنه بمعنى مبينة. # ثم قال تعالى: { لنريك من آياتنا الكبرى }. # أي: لنريك من آياتنا العجائب. # ثم قال: { اذهب إلى فرعون إنه طغى }. # أي: تجاوز قدره، وتمرد على ربه. وفي الكلام حذف. والتقدير: اذهب إلى ~~فرعون إنه طغى فادعه إلى توحيد الله وطاعته، وإرسال بني إسرائيل معك. # وقوله: { قال رب اشرح لي صدري * ويسر لي أمري }. ~~أي: افسح لي صدري لأعي عنك ما تودعه من وحيك، وأجترئ به على خطاب فرعون. # { ويسر لي أمري }. # أي: سهل علي القيام بما كلفتني من الرسالة والطاعة. # { واحلل عقدة من لساني }. # أي: واطلق لساني للمنطق. # قيل: كانت في لسانه عجمة عن الكلام من أجل الجمرة التي كان ألقاها إلى ~~فيه يوم هم فرعون بقتله. # قال ابن جبير: " عقدة من لساني " عجمة بجمرة نار أدخلها في فيه عن أمر ~~امرأة فرعون، ترد به ms1520 عنه عقوبة فرعون حين أخذ موسى بلحيته، وهو لا يعقل. ~~فقال فرعون: هذا عدو لي فقالت له امرأته: إنه لا يعقل. وكذلك قال مجاهد. # وقال السدي: لما تحرك الغلام - يعني موسى صلى الله عليه وسلم - أرته أمه ~~آسية. فبينما هي ترضعه وتلعب به، إذ ناولته فرعون وقالت: خذه. فلما أخذه، ~~أخذ موسى بلحيته فنتفها. فقال فرعون: علي بالذباحين. فقالت آسية: لا ~~تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا. إنما هو صبي لا يعقل، وإنما صنع ~~هذا من صباه، وقد علمت أنه ليس في أهل مصر أحلى مني. # أنا أضع له حليا من الياقوت وأضع له جمرا. فإن أخذ الياقوت فهو يعقل ~~فاذبحه، وإن أخذ الجمرة فإنما هو صبي, فأخرجت له ياقوتا ووضعت له طستا ~~من جمر، فجاء جبريل عليه السلام فطرح في يده جمرة، فطرحها موسى صلى الله ~~عليه وسلم في فيه فأحرقت لسانه. فهو الذي يقول الله { واحلل عقدة ~~من لساني * يفقهوا قولي } أي يفهموا عني ما أقول لهم، ~~وأبلغهم عنك. ففعل الله به ما سأل. # وقيل: إنه إنما زال بعض ما كان في لسانه من الحبسة ولم يزل كله بدلالة ~~قول فرعون # أم أنآ خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد ~~يبين # [الزخرف: 52] وقد يجوز أن يكون كان هذا قبل أن يزيل الله ما كان به، ثم ~~أزاله كله بعد ذلك. والله أعلم. # وقوله تعالى: # قد أوتيت سؤلك يموسى # [طه: 36]. # يدل على أنه أزال عنه كل ما سأل، وأعطاه كل ما سأل. # ثم قال تعالى: { واجعل لي وزيرا من أهلي } { هارون ~~أخي } /. # وكان هارون أكبر من موسى. # والوزير هو الذي يلجأ إليه في الأمور. مشتق من الوزر، وهو الملجأ. ~~والجبل وزر. # وقيل: " الوزير " الذي يتقلد خزائن الملك وأمتعته. فيكون مشتقا من ~~الوزار، وهي الأمتعة، ومنه قوله { ولكنا حملنآ أوزارا ~~من زينة القوم } أي: آنية الفضة والذهب. # وقيل: " الوزير ": الذي يتحمل أثقال الملك، ومنه قيل للذنب: وزره، ~~فمعنى: { واجعل لي وزيرا } أي: صاحبا ألجأ إليه وأعتمد عليه. # وقوله: ms1521 { اشدد به أزري }. # أي: ظهري: وقيل للظهر أزر، لأنه محل الأوزار. # وقوله: { وأشركه في أمري }. # أي: اجعله نبيا مثلي، وأرسله إلى فرعون معي. هذا على قراءة من جعله كله ~~طلبا بفتح همزة " وأشركه " ، فأما من جعله جوابا للطلب، وضم الهمزة، ~~فمعناه: أن يجعل لي وزيرا أشدد أنا به ظهري وأشركه أنا في أمري. # ثم قال: { كي نسبحك كثيرا } أي: نعظمك بالتسبيح. { ~~ونذكرك كثيرا } ، فنحمدك. { إنك كنت بنا بصيرا } أي: ~~كنت بنا ذا بصر منا، لا يخفى عليك من أفعالنا شيء. # وقيل: المعنى: إنك كنت عالما بما يصلحنا. # وروى زيد بن أسلم أن نبي الله صلى الله عليه وسلم موسى قال: يا رب، قد ~~أنعمت علي كثيرا، فدلني على أن أشكرك. قال: اذكرني كثيرا فإنك إذا ~~ذكرتني فقد شكرتني. وإذا نسيتني فقد كفرتني. قال: لي مواطن ينبغي أن ~~أذكرك فيها. قال: اذكرني كثيرا. قال: فكان موسى عليه السلام إذا دخل ~~الغائط، قال: سبحانك ربي كما توقني الأذى. من رواية ابن وهب. ### || [20.36-44] # قوله تعالى وجل ثناؤه: { قال قد أوتيت سؤلك يموسى } إلى ~~قوله { وفتناك فتونا }. # أي: قد أعطيتك ما سألت من شرح صدرك وتيسير أمرك، وحل العقدة من لسانك، ~~وتصيير أخيك هارون عونا لك. # ثم قال تعالى: { ولقد مننا عليك مرة أخرى }. # أي: تطولنا عليك قبل هذه المرة مرة أخرى، ثم بين المرة الأخرى ما هي ~~فقال: { إذ أوحينآ إلى أمك } أي: إذا ألهمنا أمك. # وقيل: كانت رؤيا رأتها. # وقيل: بل أوحى إليها ما شاء. # وقال ابن إسحاق: لما ولدت أم موسى موسى صلى الله عليه وسلم، أرضعته حتى ~~إذا أمر فرعون بقتل من ولد سنته تلك، عمدت إليه، فصنعت به ما أمرها الله ~~تبارك وتعالى. # روي أنها رؤيا رأتها، ففعلت ما أمرت به في رؤياها. وكان فرعون يذبح ذكور ~~أولاد بني إسرائيل لأجل أنه بلغه أنه سيكون زوال ملكه وهلاكه على يدي ~~واحد من أولاد بني إسرائيل فخافت أم موسى من فرعون على ولدها. فأراها ~~الله ما أمرها به في ms1522 منامها، فجعلته في تابوت صغير، ومهدت له فيه، ثم ~~عمدت إلى النيل فقذفته فيه، وهو اليم، فأصبح فرعون في مجلس له كان يجلسه ~~على شفير النيل كل غداة، فبينما هو جالس، إذ مر النيل بالتابوت فقذف به، ~~وآسية بنت مزاحم امرأته جالسة إلى جنبه. فقال: إن هذا لشيء [عجيب] في ~~البحر، فآتوني به، فخرج إليه أعوانه حتى جاءوا به ففتح التابوت، فإذا فيه ~~صبي في مهد، فألقى الله عز وجل عليه محبته فعطف عليه نفسه. فهو قوله: { ~~أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه ~~اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له }. يعني ~~فرعون. # ثم قال تعالى: { وألقيت عليك محبة مني }. أي: حببتك ~~إلى عبادي. # وقال عكرمة معناه: إني حسنت خلقك، أي: جعلت لك حسنا وملاحة. # وقيل معناه: حببتك إلى [كل] من رآك. # وقيل: إن الله جل ذكره جعل في موسى عليه السلام ملاحة، فكان لا يراه ~~أحد إلا أحبه واستحلاه ومال قلبه إليه. # وذكر ابن الإعرابي عن قتادة في قوله: { وألقيت عليك محبة ~~مني }. قال: ملاحة في عينيك، لا يراك أحد إلا أحبك. # وعن عكرمة أنه قال: حسن وملاحة. # وقيل معناه: جبلت القلوب على محبتك، اختصاصا لك. # وقال مجاهد: مودة في قلوب المؤمنين. # ثم قال: { ولتصنع على عيني } أي: ولتغذى على عيني، قاله ~~قتادة. # وقال ابن زيد: معناه: إني جعلتك في بيت الملك تنعم وتترف غذاؤه عندهم ~~غذاء الملك. # وقال ابن زيد. معناه: وأنت بعيني إذ جعلتك أمك في التابوت ثم في البحر ~~ثم إذ تمشي أختك. # و " اللام " في " ولتصنع " متعلقة ب " ألقيت " أي: ألقى المحبة لتصنع. # ثم قال: / { إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على ~~من يكفله }. # أي: ولتصنع على عيني حين تمشي أختك. # وفي الكلام حذف. والتقدير: إذ تمشي أختك تتبعك حتى وجدتك ثم يأتي من ~~يطلب المراضع لك فتقول: هل أدلكم على من يكفله؟ # قال السدي: لما ألقته أمه في اليم، قالت لأخته: قصيه، فلما التقطه آل ~~فرعون، أرادوا له المرضعات، فلم يقبل أحدا من ms1523 النساء، وجعل النساء يطلبن ~~ذلك لينزلن عند فرعون في الرضاع، وأبى أن يأخذه فقالت أخته: هل أدلكم على ~~أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون. فأخذوها وقالوا لها: إنك قد عرفت هذا ~~الغلام، فدلينا على أهله. # قالت: ما أعرفه ولكني إنما قلت: هم للملك ناصحون. # ومعنى: يكفله: يضمه إليه ويرضعه. # وروي أن موسى عليه السلام لما خرج من التابوت بكى وطلب اللبن فطلب له ~~النساء، فلم يقبل أحدا، فشق ذلك على فرعون، واغتم له، وقلق، وجعل يبعث ~~إلى كل مرضعة، ولم يقبل أحدا، فعند ذلك، جاءت أخت موسى صلى الله عليه ~~وسلم، فقالت: هل أدلكم على من يرضعه؟ فقيل لها: هاتها، فجاءت بأم موسى، ~~فقبل ثديها، فطابت نفس فرعون ومضت به معها، آمنة عليه مما كانت تخافه، ~~وذلك وعد الله لها، وقوله لها: { إنا رآدوه إليك } وهو قوله: ~~{ فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها } أي رددناك إلى ~~أمك بعد أن كنت في أيدي آل فرعون كي تقر عينها، أي: تقر عينها بسلامتك ~~من القتل والغرق، ولا تحزن عليك من الخوف ومن فرعون أن يقتلك. # قال ابن إسحاق: لما قالت أخت موسى ما قالت، قالوا: هاته، فأتت أمه ~~فأخبرتها، فانطلقت معها حتى أتتهم فناولتها إياه فوضعه في حجرها، وأخذ ~~ثدييها، فسروا بذلك، وردوه إلى أمه تكفله، لطفا من الله لها، وصار ~~موسى وأمه كأنهم من أهل بيت فرعون في الأمان من القتل وغيره. وكان على ~~فراش فرعون وسريره متغذيا بما يتغذى به الملك. وهذا من بديع لطفه، لا ~~إله إلا هو. # ويروى عن ابن عباس أنه قرأ: (تقر) بكسر القاف، وهي لغة. # ثم قال: { وقتلت نفسا فنجيناك من الغم }. # يعني: قتله القبطي إذ استغاثه عليه الإسرائيلي: { فنجيناك من ~~الغم } أي: من غمك بقتلك النفس إذا أرادوا أن يقتلوك. فخلصناك منهم ~~حين هربت إلى أهل مدين. # روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ ". # ثم قال: { وفتناك فتونا } قال ابن عباس: ms1524 معناه: اختبرناك ~~اختبارا. وعنه ابتليناك ابتلاء. # وعن ابن عباس أيضا: أنه إنجاؤه موسى من القوم. ومن اليم ومن الذبح حين ~~أخذ بلحية فرعون، ومن القتل حين قتل القبطي. # وذكر ابن جبير عن ابن عباس حديثا طويلا في قصة موسى عليه السلام ~~معناه: أن فرعون تذاكر هو وجلساؤه، ما وعد الله إبراهيم أن يجعل في ذريته ~~أنبياء وملوكا، فخافوا ذلك فأتمروا بينهم أن يذبح كل مولود ذكر من بني ~~إسرائيل، فذبحوا كل من وجدوا، وتمادوا على ذلك، فقال بعضهم: يوشك أن يفنى ~~بنو إسرائيل لذبحكم الصغار وموت الكبار بآجالهم فتبقون لمباشرة الأعمال ~~والخدمة التي تكفيهم إياها بنو إسرائيل، فأجمعوا رأيهم على أن يقتلوا ~~عاما ويتركوا عاما لئلا يفنى بنو إسرائيل، ولئلا يكثروا، فحملت أم موسى ~~هارون في السنة التي لا يذبح فيها أحد فولدته علانية آمنة. وحملت بموسى ~~في العام الثاني، وفيه الذبح، فوقع في قلبها الهم والحزن. قال ابن عباس: ~~فذلك من الفتون مما دخل على موسى في بطن أمه. فأوحى الله تعالى ذكره ~~إليها ألا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين. وأمرها ~~إذا ولدته أن تجعله في تابوت، ثم تلقيه في اليم، ففعلت ذلك، ثم أتاها ~~إبليس، فوسوس إليها، وقال: لو ذبح ولدك في بيتك لكنت توارينه وتسترينه ~~كان أحب إليك مما ألقيته بيدك إلى حيتان البحر ودوابه، فانطلق به الماء ~~حتى أوفى به عند فرضة مستقى جواري آل فرعون، فرأينه، فأخذنه، فهممن بفتح ~~التابوت ثم خفن أن يكون في التابوت مال فلا يصدقن عليه /، فمررن به على ~~حاله إلى امرأة فرعون، ففتحت التابوت، فإذا بغلام، فألقى الله عليه منها ~~محبة لم يلق مثلها على أحد، وأصبح فؤاد أم موسى فارغا من ذكر كل شيء إلا ~~من ذكر موسى، فأتى الذباحون إلى امرأة فرعون ليذبحوه، فصرفتهم حتى ~~تستوهبه من فرعون، فوهبها فرعون إياه، ومنعهم من ذلك. وذلك من الفتون. # وذكر ابن عباس، أنها لما أتت به إلى فرعون قالت: قرة عين لي ولك. قال ~~فرعون: يكون ms1525 لك، وأما أنا فلا حاجة لي فيه. فروي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: # " والذي حلف به، لو أقر فرعون أن يكون له قرة عين كما أقرت هي به لهداه ~~الله به كما هدى به امرأته. ولكن الله تعالى حرمه ذلك ". # وروي أن امرأة فرعون كان لها جوار لا تشرب الماء إلا من استقائهن، فأتين ~~يوما إلى ساحل النيل ليأخذن الماء، فوجدن التابوت، فاتفقن على أن لا ~~يفتحن التابوت، وأن يمضين به إلى مولاتهن على حاله، فذهبن به إلى امرأة ~~فرعون ففتحته، فوجدت فيه صبيا لم تر مثله قط، فألقى الله في قلبها ~~المحبة له، فأخذته ودخلت به على فرعون، وقالت له: قرة عين لي ولك فقال ~~فرعون: أما لك فنعم، وأما لي، فلا. # قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " لو قال فرعون نعم هو قرة عين لي لآمن ". # فقالت له: فهبه لي، لا تقتله. فوهبه لها، فطلبت له المراضع فلم يقبل على ~~ثدي امرأة، وكان من أمره ما قص الله علينا. # قال ابن عباس في حديث طويل معناه: أن امرأة فرعون طلبت له الرضاعة، فلم ~~يقبل على ثدي أحد فغمها ذلك حتى أخرجته إلى السوق تطلب له مرضعة، فأتت ~~أخته فقالت: هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون. فأخذوها ~~وقالوا: ما نصحهم له؟ هل تعرفونه، فشكوا في ذلك. # قال ابن عباس: وذلك من الفتون. فقالت: نصحهم له وشفقتهم عليه رغبتهم في ~~القرب من فرعون ورجاء منفعته، فتركوها، فانطلقت إلى أمه، فجاءت معها، ~~فلما وضعته في حجرها ترامى إلى ثديها حتى امتلأ جنباه، وانطلقت البشرى ~~إلى امرأة فرعون أن قد وجدنا لابنك مرضعة فوجهت وراءها، وجيء بها وبه ~~فقالت لها: امكثي عندي ترضعين ابني هذا، فإني لم أحب حبه شيئا قط، فأبت ~~أم موسى وتعاسرت عليها في القيام عندها، وتذكرت ما وعدها الله من رده ~~عليها، وأن الله منجز وعده، بابنها إلى بيتها من يومها، فأنبته الله ~~نباتا حسنا، فكان بنو إسرائيل يمتنعون من الظلم ms1526 والسخرة بذمام موسى، ~~فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لأم موسى: أرني ولدي، فوعدتها بالإتيان به ~~ليوم بعينه، فقالت امرأة فرعون لخواصها وقهارمتها: لا يبقين أحد منكم إلا ~~استقبل ابني بهدية وكرامة، فلما أتت به أمه، لم تزل الهدية والكرامة ~~والتحف تستقبله من حين خرج من بيت أمه إلى أن دخل على امرأة فرعون، ~~فأكرمته هي أيضا ونحلته وأعجبها ما رأت من حسن أثرها عليه، وانطلقت به ~~إلى فرعون ليكرمه وينحله، فدخلت به عليه، وجعلته في حجره فتناول موسى ~~لحية فرعون حتى مدها، فقال عدو من أعداء الله لفرعون: هذا من وعد الله ~~إبراهيم أنه سيصرعك ويعلوك فأراد ذبحه. قال ابن عباس: وذلك من الفتون. ~~فقالت امرأته: قد وهبته لي فما بدا لك منه. قال: ألا ترينه يزعم أنه ~~سيصرعني ويعلوني. فقالت: اجعل بيني وبينك أمرا تعرف به الحق. ائت ~~بجمرتين ولؤلؤتين، فقربهن إليه، فإن بطش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين فهو ~~يعقل، وإن تناول الجمرتين ولم يرد اللؤلؤتين [فهو لا يعقل] ففعل ذلك، ~~فتناول الجمرتين، فصرفه الله تعالى عن قتله، فأقام حتى بلغ مبلغ الرجال، ~~وانتفع به بنو إسرائيل وامتنعوا به من السخرة والظلم. فبينما هو يمشي في ~~ناحية / من المدينة إذ هو برجلين يقتتلان، أحدهما من آل فرعون، والآخر من ~~بني إسرائيل، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني. وقد ضرب الفرعوني ~~الإسرائيلي، فغضب موسى واشتد غضبه لمعرفته لمنزلة الإسرائيلي وظلم ~~الفرعوني له، فوكز موسى الفرعوني فقتله. ولم يرهما أحد إلا الله، فقال ~~موسى صلى الله عليه وسلم حين قتله: هذا من عمل الشيطان، ثم استغفر الله ~~من قتله، فغفر له. # وأصبح موسى خائفا يستمع الأخبار، فبحث القوم عن قاتل الفرعوني فما ~~وجدوا أحدا يخبر به. فمر موسى بذلك الإسرائيلي يقاتل رجلا آخر ~~فرعونيا، فاستغاثه أيضا الإسرائيلي، فقال موسى للإسرائيلي: إنك لغوي ~~مبين. ثم مد يده للفرعوني ليبطش به، فظن الإسرائيلي أنه إياه يريد، لما ~~سمعه قال: إنك لغوي مبين. فقال: يا موسى، أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا ~~بالأمس، فانطلق الفرعوني إلى قومه، ms1527 فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي، ~~فخرجوا في طلب موسى. وجاءه رجل من شيعة موسى من أقصى المدينة فاختصر ~~طريقا حتى سبقهم، فأنذر موسى، قال ابن عباس: وذلك من الفتون. # وقال الضحاك: { وفتناك فتونا }: أي: بلاء على بلاء. # وقال مجاهد: هو إلقاؤه في التابوت، ثم في اليم، ثم التقاط فرعون إياه، ~~ثم خروجه خائفا. # قوله تعالى ذكره: { فلبثت سنين في أهل مدين } إلى ~~قوله: { يتذكر أو يخشى }. # في الكلام حذف واختصار. والتقدير: وفتناك فتونا، فخرجت خائفا إلى ~~مدين، فلبثت سنين فيهم. # قال: عشر سنين، كان فيهم في خدمة أجرة مهر زوجته. # وقوله: { ثم جئت على قدر يموسى }. # أي: جئت للوقت الذي أردنا إرسالك إلى فرعون فيه. هذا معنى قول ابن عباس ~~ومجاهد وقتادة وغيرهم. # ثم قال: { واصطنعتك لنفسي }. # أي: قويتك لتبلغ عبادي أمري ونهيي. # وقيل معناه: أخبرتك لتبلغ رسالتي. # ثم قال: { اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري ~~}. # أي: اذهبا بأدلتي وحججي ولا تفترا ولا تضعفا في أن تذكراني فيما أمرتكما ~~ونهيتكما، فذكركما إياي يقوي عزيمتكما. # قال ابن عباس: " لا تنيا ": لا تبطئا. # وقال مجاهد وقتادة والضحاك: لا تضعفا. # وقال ابن زيد: الوافي: الغافل المفرط. # ثم قال: { اذهبآ إلى فرعون إنه طغى }. # أي: تجاوز في الكفر. { فقولا له قولا لينا }. أي: كنياه. ~~قاله مجاهد والسدي. # وعن السدي أنه قال: قال له موسى عليه السلام: هل لك أن يرد الله عليك ~~شبابك، ويرد عليك مناكحك ومشاربك، وإذا مت دخلت الجنة؟ وتؤمن. فهذا هو ~~القول اللين. فركن فرعون إليه وقال: مكانك حتى يأتي هامان. # وقيل: إن فرعون دخل إلى آسية فشاورها فيما قال له موسى. فقالت: ما ينبغي ~~لأحد أن يرد هذا. فقال له هامان: أتعبد بعدما كنت تعبد، أنا ~~أردك شابا. فخضب لحيته بالسواد. فكان فرعون أول من خضب بالسواد. ودخل ~~إلى آسية فقالت له: حسن إن لم ينصل. # وقيل: إن موسى عليه السلام قال له: إن ربنا أرسلنا إليك لتؤمن به وتعبده ~~وتطيعه، فينسئ في أجلك أربع مائة سنة، ويملكك ms1528 في أرضه ولا تبؤس ساعة من ~~نهار، ثم تصير إلى الجنة، لا يضرك ما كنت فيه من نعيم الدنيا وسرورها ~~ونضارتها جناح بعوضة. # فقال فرعون: دعوني أستشير فاستشار هامان. فقال له: لا ترض. أبعد أن كنت ~~مالكا تصير مملوكا. وبعد أن كنت ربا تصير مربوبا. فلم يؤمن لما سبق ~~له في علم الله من الشقاء. # وقوله: { لعله يتذكر أو يخشى }. قيل: معنى " لعل " ~~هنا الاستفهام. والمعنى: فقولا له قولا لينا، فانظرا هل يتذكر فيراجع، ~~أو يخشى الله فيرتدع عن طغيانه. قاله: ابن عباس. # وقيل: معنى " لعل " هنا: كي. أي: قولا له قولا لينا كي يتذكر. كما ~~تقول: اعمل لعلك تأخذ أجرك. أي: كي تأخذ أجرك. # وقال الحسن: " لعله يتذكر " هو إخبار من الله عن قول هارون، وذلك أنه ~~تعالى لما قال له: قولا له قولا لينا. قال هارون لموسى: لعله يتذكر أو ~~يخشى. # وقيل: إن " لعل " على بابها، ترج وطمع من المرسلين. والتقدير عند ~~سيبويه: اذهبا أنتما على رجائكما / وطمعكما ومبلغكما من العلم أن يتذكر، ~~وقد علم الله تعالى أنه لا يتذكر ولا يخشى إلا أن الحجة لا تجب إلا ~~بالإبانة وخروج الفعل إلى الظاهر. # وقيل: إن " لعل " و " عسى " في القرآن لم يقعا إلا وقد كانا. فتذكر ~~فرعون وخشيته قد كانت حين أدركه الغرق. ### || [20.45-53] # قوله تعالى: { قالا ربنآ إننا نخاف أن يفرط علينآ ~~}. إلى قوله: { خلقه ثم هدى }. # أي: قال موسى وهارون: يا ربنا إننا نخاف فرعون إن نحن دعوناه إلى ما ~~أمرتنا به أن يفرط علينا بالعقوبة. أي يعجل علينا ويقدم علينا. وأصله من ~~التقدم. ومنه حديث النبي صلى الله عليه وسلم # " أنا فرطكم على الحوض ". # ثم قال تعالى: { لا تخافآ إنني معكمآ أسمع وأرى }. ~~أي: إنني أعينكما عليه وأبصركما. أسمع ما يجري بينكما وبينه، فألهمكما ما ~~تجاوباه وأرى ما تفعلان ويفعل، فلا أخلي بينكما وبينه. # قال ابن جريج: " أسمع وأرى ما يحاوركما، فأوحي إليكما، فتجاوباه. ثم ~~قال: { فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا ~~بني إسرائيل ms1529 }. # أي: أرسلنا ربك إليك، يأمرك أن ترسل معنا بني إسرائيل، ولا تعذبهم بما ~~تكلفهم من الأعمال الصعبة. # { قد جئناك بآية من ربك }. # أي بمعجزة تدل على أنا أرسلنا إليك بذلك إن أنت لم تصدقنا فيما نقول ~~أريناكها { والسلام على من اتبع الهدى }. أي: والسلامة ~~لمن اتبع الهدى. # وليس السلام هنا تحية. # ثم قال: { إنا قد أوحي إلينآ أن العذاب على من ~~كذب وتولى }. # هذا متصل بما قبله. أي: فقولا لفرعون: إنا رسولا ربك، وقولا له: إنا قد ~~أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى. أي: إن عذاب الله الذي لا انقطاع ~~له على من كذب برسله وكتبه، وتولى عن طاعته. # ثم قال تعالى: { فمن ربكما يموسى }. # هذا كلام فيه حذف واختصار. والتقدير: فأتياه [فقالا] له ما أمرهما به ~~ربهما. فقال لهما فرعون: { فمن ربكما يموسى } اكتفى بخطاب ~~موسى من خطاب أخيه من آخر الكلام. وقد خاطبهما جميعا قبل ذلك في قوله: " ~~ربكما " وإنما جاز ذلك لأن الخطاب إنما يكون من واحد، فرد الخطاب إلى ~~واحد مثله. وقريب منه " نسيا حوتهما " ولم ينسه إلا فتى موسى وحده. دل ~~على ذلك قوله: { فإني نسيت الحوت }. # ثم قال تعالى: { ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم ~~هدى }. أي: قال موسى: ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه. أي: جعل لك ذكر ~~نظير خلقه من الإناث. ثم هداهم لموضع الوطء الذي فيه النماء والزيادة من ~~الخلق. فهدى كل حي كيف يأتي الوطء فيكون التقدير: أعطى كل شيء مثل خلقه. ~~ثم حذف المضاف. # قال ابن عباس. معناه: خلق لكل شيء زوجه ثم هداه لمنكحه ومطعمه ومشربه ~~ومسكنه ومولده. وكذلك قال السدي. # وقال الحسن: معناه: تمم لكل شيء خلقه، ثم هداه لما يصلحه. # القرون الماضية وكيف تبعث، فأجابه موسى / بعلمها فقال: علمها عند ربي. ~~ثم قال: { في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى } أي علمها في ~~أم الكتاب و { لا يضل ربي ولا ينسى }. # نعتان لكتاب. أي: في كتاب غير ضال الله، أي: غير ذاهب عن ms1530 الله وغير ناس ~~الله له. # وقيل: إن الكلام قد تم عند قوله: " في كتاب " ثم ابتدأ فقال: " لا يضل ~~ربي " أي: لا يهلك. # وقيل: معنى الآية: لا يضل عن ربي علم شيء، ولا ينسى شيئا. # وقال ابن عباس: لا يخطئ ربي ولا ينسى شيئا. # وقال ابن عباس وقتادة: لا يخطئ ربي ولا ينسى شيئا. # وقال قتادة: قوله: { فما بال القرون الأولى } أي فما أعمار ~~القرون الأولى. فوكلها موسى إلى الله فقال: { علمها عند ربي }. # وقرأ الحسن وقتادة وعيسى وعاصم الجحدري: { لا يضل } بضم الياء ~~وكسر الضاد. أي: لا يضيعه. يقال: ضل فلان منزله يضله إذا أخطأه. وكذلك ~~يقال في كل شيء ثابت، لا يبرح فيخطئه. فإذا ضاع ما يزول بنفسه مثل: دابة، ~~وناقة، وفرس مما ينفلت فيذهب بنفسه، فإنه يقال: أضل فلان بعيره يضله. # ثم قال تعالى: { الذي جعل لكم الأرض مهدا }. # أي: فراشا يتمهدها الناس، ولم يجعلها خربة خشنة. # ومن قرأ " مهدا " فهو: مصدر وصفت الأرض به. أي: ذات مهد. # وقيل " مهدا " اسم وصفت الأرض به، لأن الناس يتمهدونها فهي لهم كالمهد ~~الذي يعرف. # وقيل: هما لغتان، كاللبس واللباس، والريش والرياش. # ثم قال تعالى: { وسلك لكم فيها سبلا } أي: طرقا. # ثم قال: { وأنزل من السمآء مآء } أي: مطرا. # { فأخرجنا به أزواجا } خرج إلى الإخبار عن الله جل ذكره، ~~لأن كلام موسى مع فرعون انتهى إلى قوله: " من السماء ماء ". ثم أخبر الله ~~تعالى عن نفسه بجميل صنعه لخلقه في معاشهم ومعاش أنعامهم فقال: " فأخرجنا ~~به ". # وقيل: كله من كلام موسى، أخبر موسى عن نفسه، ومن معه بالزراعة والمعالجة ~~في الحرث. فالماء هو سبب خروج النبات وبه تم وكمل. والمعالجة في الحرث ~~وغيره لبني آدم بعون الله لهم وأقداره إياهم على ذلك. فلذلك أخبر عن نفسه ~~فقال: فأخرجنا به أزواجا. وقد قال تعالى: # أفرأيتم ما تحرثون # [الواقعة: 63] فأضاف الحرث إلى الخلق، وهو الزارع المنبث للحرث لا إله ~~إلا هو. أي: أخرجنا بالمطر من الأرض أشباها وضروبا من نبات شتى. " وشتى ms1531 ~~": نعت للنبات أو للأزواج. ومعناه: مختلفة الأطعمة والرائحة والمنظر. ### || [20.54-59] # قوله تعالى: { كلوا وارعوا أنعامكم } إلى قوله: { وأن ~~يحشر الناس ضحى }. # أي: كلوا من طيبات ما أخرجنا لكم بالغيث وارعوا أنعامكم فيه. { إن ~~في ذلك لآيات لأولي النهى } أي: إن في قدرة الله وسلطانه ~~لعلامات لأولي العقول. أي: لأصحاب العقول. # قال قتادة: " لأولي النهى " لأولي الورع. # " والنهى " جمع نهية. يقال: فلان ذو نهية. أي ذو عقل. وخص أهل النهى ~~بذلك، لأنهم أهل التفكير والاعتبار والتدبر والاتعاض. # ثم قال تعالى: { منها خلقناكم وفيها نعيدكم }. # أي: من الأرض خلقنا أصلكم. وهو آدم، وفي الأرض نعيدكم بعد الموت، ومن ~~الأرض نخرجكم عند البعث في القيامة أحياء كما كنتم " تارة أخرى " أي: مرة ~~أخرى. # قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: " إذا قبض الملك روح المؤمن عرج به ~~إلى السماء فقال: قد قبضت روح فلان. فيقول الله عز وجل: رد بها. أي: قد ~~وعدته { منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها ~~نخرجكم تارة أخرى }. قال: فإنه ليسمع صوت نعالهم (إذا ولوا ~~مدبرين). # ثم قال تعالى: { ولقد أريناه آياتنا كلها } أي: أرينا ~~فرعون أدلتنا وحججنا التي أعطينا موسى وهارون كلها عيانا، فكذب بها وأبى ~~أن يؤمن، استكبارا وعتوا. # ثم قال: { قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك ~~يموسى } أي: قال فرعون لموسى لما رأى الآيات: { أجئتنا ~~لتخرجنا من أرضنا بسحرك يموسى * فلنأتينك ~~بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا ~~نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى } أي: مكانا عدلا نصفا ~~لنا / ولك، قاله قتادة. # وقال مجاهد: " مكانا منصفا بينهم ". # وقال ابن زيد: مكانا مستويا يتبين للناس ما فيه لا صبب ولا نشز، فيغيب ~~بعض ذلك عن بعض. # وقيل: معناه: مكانا سوى ذلك المكان الذي كانوا فيه، فيكون الأحسن على ~~هذا المعنى كسر السين. وعلى المعاني المتقدمة الضم. والكسر في السين ~~لغتان بمعنى، وفي العدل لغة أخرى، وهي فتح السين والمد، ومنه قوله: # إلى كلمة سوآء بيننا # [آل عمران: 64] أي: عدل. # ثم قال تعالى: { قال موعدكم يوم الزينة وأن ms1532 يحشر ~~الناس ضحى }. # أي: قال موسى لفرعون - حين سأله فرعون الاجتماع - موعدكم يوم الزينة. ~~يعني يوم عيد كان لهم. # وقيل: يوم سوق كان لهم يتزينون فيه. # { وأن يحشر الناس ضحى } أي يساق الناس ويجمعون من كل فج ~~وناحية. والتقدير: وقت موعدكم يوم الزينة. # وقد قرأ الحسن " يوم " بالنصب على الظرف على غير حذف. أي: موعدكم في هذا ~~اليوم. أي: موعدكم يقع يوم الزينة " وأن يحشر الناس ". # إن في موضع رفع عطف على يوم على قراءة من رفع. أي: وقت موعدكم يوم ~~الزينة، ووقت حشر الناس. واختار النحاس أن تكون " وإن " في موضع خفض ~~عطفا على الزينة. # قال السدي: " يوم الزينة يوم عيد لهم ". # وقال ابن جبير: " هو يوم سوق لهم ". # وقوله: { وأن يحشر الناس ضحى } أي يجتمعون في ذلك الوقت في ~~الموضع. # وعن ابن عباس أنه قال: " يوم الزينة، كان يوم عاشوراء. وكذلك روى ~~الأعمش. # والضحى، مؤنثة. وتصغيرها بغير هاء، لئلا تشبه تصغير ضحوة. # وقرأ الحسن: { وأن يحشر الناس ضحى } بفتح الياء وضم الشين، ~~ونصب الناس، على تقدير: وأن يحشر فرعون الناس ضحى. ### || [20.60-64] # قوله تعالى ذكره: { فتولى فرعون فجمع كيده ثم ~~أتى }. إلى قوله: { وقد أفلح اليوم من استعلى }. # أي: فأدبر فرعون معرضا عن موسى وعما جاءه به من الحق، فجمع مكره ~~وسحرته، ثم أتى للموعد. قال لهم موسى لما أتوا: { لا تفتروا على ~~الله كذبا }. { ويلكم } نصب على المصدر. وقيل على إضمار فعل. ~~أي: ألزمكم الله ويلا. وقيل: نصبه على النداء المضاف. # { لا تفتروا } أي: لا تختلقوا الكذب على الله. أي: لا تقولوا: إن ~~الذي جئتكم به من عند الله سحر، { فيسحتكم بعذاب }. # قال ابن عباس: معناه: " فيهلككم ". # وقال ابن زيد: معناه: (فيهلككم هلاكا ليس فيه بقية). # وقال قتادة: " فيستأصلكم بالهلاك ". وفيه لغتان: سحته واسحته، إذا أهلكه ~~وأمحقه، وقد قرئ بهما جميعا. # ثم قال: { وقد خاب من افترى }. # أي: خاب من الرحمة والثواب، من اختلق الكذب. # ثم قال تعالى: { فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا ~~النجوى }. # أي: تنازع السحرة فيما ms1533 بينهم. # قال قتادة: " قال السحرة بعضهم لبعض: إن كان هذا ساحرا، فسنغلبه وإن ~~كان من السماء، فله أمر " وهو قوله: { وأسروا النجوى }. # قال وهب: " جمع كل ساحر حباله وعصيه، وخرج موسى، معه أخوه يتكئ على عصاه ~~حتى أتى الجمع، وفرعون في مجلسه، معه أشراف أهل مملكته، فقال موسى للسحرة ~~حين جاءهم: { ويلكم لا تفتروا على الله كذبا } فترادد ~~السحرة بينهم، وقالوا: ما هذا بقول ساحر. وهو قوله: { وأسروا ~~النجوى } أي أسر السحرة المناجاة بينهم. # وقال وهب: كان سرهم: { إن هذان لساحران } إلى قوله: { من ~~استعلى }. وكذلك قال السدي. # ثم قال تعالى ذكره: { قالوا إن هذان لساحران يريدان ~~أن يخرجاكم من أرضكم }. # أي: قالت السحرة في سرهم وتناجيهم: إن موسى وهارون ساحران يريدان أن ~~يخرجاكم من أرضكم بسحرهما. # وفي حرف ابن مسعود " إن هذان / إلا ساحران ": أي: ما هذان يخفف " إن " ~~يجعلها بمعنى ما. # ومن شدد " إن " ورفع " هذان " ، فقد خرج العلماء فيها سبعة أقوال: ~~فالأول: أن يكون بمعنى نعم. حكى سيبويه أن " إن " تأتي بمعنى أجل. واختار ~~هذا القول المبرد وإسماعيل القاضي والزجاج وعلي بن سليمان. # واستبعد الزجاج قراءة أبي عمرو " إن هذين " لمخالفتها للمصحف. # وقال علي بن أبي طالب: لا أحصي كم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على منبره يقول: إن الحمد لله نحمده ونستعينه، يعني يرفع الحمد يجعل " ~~إن " بمعنى " أجل ". ومعنى: أجل: نعم. ثم يقول: أنا أفصح قريش كلها، ~~وأفصحها بعدي سعيد بن إبان بن العاصي. # وكذلك كانت خطباء الجاهلية تفتتح خطبها ب " نعم " ، وكذلك وقعت في ~~أشعارها. قال الشاعر: # قالت غدرت، فقلت: إن وربما # نال العلي وشقى الخليل الغادر # وقال ابن قيس الرقيات: # بكرت على عواذ لي # يلحينني وألومهنه # ويقلن شيب قد علاك # وقد كبرت فقلت إنه # وأنشد ثعلب: # ليت شعري هل للمحب شفاء # من جوى حبهن إن اللقاء. # أي: نعم. # فهذا قول حسن لولا دخول اللام في الخبر. # وقد قيل: إن اللام يراد بها التقديم، وهو أيضا بعيد، إنما يجوز التقديم ~~في اللام ms1534 وهي مؤخرة في الشعر. # لكن الزجاج قال: التقدير: نعم هذان لهما ساحران. فتكون اللام داخلة على ~~الابتداء في المعنى، كما قال: أم الحليس لعجوز شهربة. # وقيل: إن اللام يراد بها التقديم. # وقيل: هي في موضعها، و " لعجوز " مبتدأ، وشهربة الخبر، والجملة خبر عن ~~اللام. # والقول الثاني: ما حكاه أبو زيد والكسائي والأخفش والفراء أنها لغة لبني ~~الحارث بن كعب، يقولون: رأيت الزيدان ومررت بالزيدان، وأنشدوا. # - فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى # مساغا لنا باه الشجاع لصمما # وأنشدوا أيضا: # - تزود منا بين أذناه طعنة على # رأسه تلقى العظام من الفم. # وحكى أبو الخطاب أنها لغة لبني كنانة. # وحكى غيره أنها لغة خثعم. وهذا القول قول، حسن، لا نطعن فيه لثقة ~~الناقلين لهذه اللغة، وتواتر نقلهم واتفاقهم على ذلك، وقد نقلها أبو زيد، ~~وكان سيبويه إذا قال حدثني من أثق به، فإياه يعني. # ورواه الأخفش، وهو ممن روى عنه سيبويه، وقول سيبويه في ألف التثنية أنها ~~حرف الأعراب، يدل على أن حكمها لا تتغير عن لفظها، كما لا تتغير الدال من ~~زيد، فجاءت في هذه الآية على الأصل، كما جاء " استحوذ " على الأصل. # والقول الثالث: قاله الفراء. قال: الألف في " هذان " دعامة، ليست بلام ~~الفعل، فزدت عليها نونا ولم أغيرها، كما قلت " الذي " ثم زدت عليه ~~نونا، ولم أغيرها، فقلت " الذين " في الرفع والنصب والجر. # والقول الرابع: يحكى عن بعض الكوفيين أن الألف في هذان مشبهة بألف ~~يفعلان، فلم تغير كما لا يغير ألف يفعلان. # والقول الخامس: حكاه الزجاج. قال: القدماء يقولون: الهاء مضمرة ها هنا، ~~والمعنى: أنه هذان لساحران، ويعترض هذا القول دخول اللام في الخبر. # والقول السادس: قاله ابن كيسان، قال: سألني إسماعيل ابن إسحاق عنها، ~~فقلت: القول عندي، أنه لما كان يقال هذا في موضع الرفع والنصب والجر، ~~وكانت التثنية يجب ألا تغير، أجريت التثنية مجرى الواحد. فقال إسماعيل: ~~ما أحسن هذا، لو تقدمك أحد بالقول به، حتى تؤنس به. فقلت: فيقول القاضي ~~به حتى يؤنس به، فتبسم. # والقول السابع: ms1535 حكاه أبو عمرو وغيره، أنه من غلط الكاتب. # روي أن عثمان وعائشة / رضي الله عنهما قالا: إن في الكتاب غلطا ستقيمه ~~العرب بألسنتها. # وعنهما: إن في الكتاب لحنا ستقيمه العرب بألسنتها. وهذا القول قد طعن ~~فيه، لأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قد أجمعوا على صحة ما بين ~~اللوحين، فلا يمكن أن يجتمعوا على غلط. # فأما من خفف " إن " فإنه رفع ما بعدها، لنقصها عن وزن الفعل ويجوز أن ~~يكون أعملها مخففة على الثقيلة، كما يعمل الفعل محذوفا عمله وهو غير ~~محذوف، إلا أنه أتى ب " هذان " ، على الوجوه التي ذكرنا، فأتى بالألف في ~~النصب. # فأما من شدد نون " هذان " ، فإنه جعل التشديد عوضا مما حذف من هذا في ~~التثنية. # وعن الكسائي والفراء في: " إن هذان " قولان تركنا ذكرهما لبعد تأويلهما ~~في ذلك. # ثم قال تعالى: { ويذهبا بطريقتكم المثلى }. # أي: يغلبكم على ساداتكم وإشرافكم. يقال للسيد: هو طريقة قومه. ولفظ ~~الواحد والجمع والتثنية سواء. وربما جمعوا فقالوا: هؤلاء طرائق قومهم، أي ~~أشرافهم وساداتهم. ومنه قوله: { كنا طرآئق قددا }. # والمثلى: نعت للطريقة، وهو تأنيث أمثل، وجاز نعت الجماعة بلفظ التوحيد. ~~كما قال: # هو له الأسمآء الحسنى # [طه: 8]. # ويجوز أن تكون " المثلى " أنثت لتأنيث الطريقة. # قال ابن عباس: { بطريقتكم المثلى } أي أمثلكم، وهم بنو ~~إسرائيل. # وقال مجاهد: " أولي العقول والشرف والأنساب ". # وقال قتادة: " كانت طريقتهم المثلى يومئذ بني إسرائيل، كانوا أكثر الناس ~~عددا وأموالا وأولادا ". # وقيل: المعنى: ويذهبا بدينكم وسنتكم التي أنتم عليها. # وقال ابن وهب: " يذهبا بالذي أنتم عليه من الدين، وقرأ قول فرعون # إني أخاف أن يبدل دينكم # [غافر: 26] قال: فهذا قوله: { ويذهبا بطريقتكم المثلى ~~}. # وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن المعنى: ويصرفان وجوه الناس ~~إليهما. # ويكون التقدير: ويذهبا بأهل طريقتكم، ثم حذف، مثل: # وسئل القرية # [يوسف: 82]. # ثم قال تعالى: { فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا }. # أي: اعزموا على أمركم واحكموه. هذا على قراءة من همزة وكسر الميم. فأما ~~من فتح الميم ووصل الألف - وهي قراءة أبي ms1536 عمرو - فمعناه: فاجمعوا كل كيد ~~لكم وحيلة، فضموه مع صاحبه. ويشهد له قوله: { فجمع كيده }. وقطع ~~الألف أحسن، لأن السحرة لم يؤمروا بهذا إلا في اليوم الذي اجتمعوا فيه، ~~والوقت الذي أظهروا فيه سحرهم، واستعدوا بما يحتاجون من السحر، فبعيد أن ~~يؤمروا بجمع ما قد جمعوه واستعدوا به، وإنما يؤمر بذلك من لم يجمع ما ~~يحتاج إليه ولم يستعد به، وليس ذلك اليوم إلا يوم استعلاء وفراغ مما ~~يحتاجون إليه من الكيد. # ويحسن قطع الألف، لأن معناه: اعزموا على أمركم وأحكموه. # وقوله تعالى: { ثم ائتوا صفا }. أي: جيئوا المصلى، وهو الموضع ~~الذي يجتمعون فيه يوم الوعيد. # فيكون { صفا } مفعولا ب { ائتوا }. ويجوز أن يكون المعنى: ائتوا ~~مصطفين، ليكون أعظم لأمركم، وأشد لهيبتكم، فيكون حالا. ووحد لأنه مصدر. ~~فهو مصدر في موضع الحال. # ثم قال: { وقد أفلح اليوم من استعلى }. # أي: قد ظفر بحاجته اليوم من علا على صاحبه فقهره. # قال وهب: " جمع فرعون الناس لذلك الجمع، ثم أمر السحرة فقال: { ائتوا ~~صفا وقد أفلح اليوم من استعلى } ، أي: من علا على ~~صاحبه بالغلبة ". ### || [20.65-70] # قوله تعالى: { قالوا يموسى إمآ أن تلقي وإمآ أن ~~نكون أول من ألقى } إلى قوله: { هارون وموسى }. # أي: قال السحرة: { يموسى إمآ أن تلقي وإمآ أن نكون ~~أول من ألقى }. # وفي الكلام حذف، والتقدير: فأجمعت السحرة كيدهم ثم أتوا صفا، فقالوا: { ~~يموسى إمآ أن تلقي }. وكان السحرة يومئذ فيما ذكر ابن أبي ~~بزة سبعين ألفا، مع كل ساحر منهم حبل وعصا. فألقوا سبعين ألف / عصا، ~~وسبعين ألف حبل. # وقيل: كانت حبالهم وعصيهم حمل ثلاث مائة بعير، فصار جميع ذلك في بطن ~~الحية، ثم رجعت عصا كما كانت في يد موسى فألقى موسى عصاه، فإذا هي ثعبان ~~مبين، فابتلع حبالهم وعصيهم، فألقي السحرة عند ذلك سجدا، فما رفعوا ~~رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار وثواب أهلها، فعند ذلك قالوا: لن نؤثرك على ~~ما جاءنا من البينات. # وقال السدي: " كانوا بضعا وثلاثين ألفا، مع كل واحد حبل وعصا ". # وقال ms1537 وهب بن منبه: " كانوا خمسة عشر ألفا مع كل ساحر حباله وعصيه ". # وقال ابن جريج: كانوا تسع مائة: ثلاث مائة من العريش، وثلاث مائة من ~~الفيوم، وثلاث مائة من الاسكندرية. # ثم قال تعالى: { قال بل ألقوا فإذا حبالهم ~~وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى }. ~~أي: قال لهم موسى: بل ألقوا أنتم أولا: ما معكم إن كنتم على حق. # وفي الكلام حذف. أي: فألقوا ما معهم من الحبال والعصي، فإذا حبالهم ~~وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى. # قيل: " إن السحرة سحروا أعين الناس، وعين موسى قبل أن يلقوا حبالهم ~~وعصيهم، ثم ألقوها، فخيل إلى موسى صلى الله عليه وسلم حينئذ أنها تسعى " ~~قاله وهب بن منبه. # وقوله تعالى: { فأوجس في نفسه خيفة موسى }. # أي: أحس ووجد موسى خوفا في نفسه. # قيل: إنه خاف أن يفتن الناس بما صنعوا قبل أن يؤمر بإلقاء عصاه. # وكان السحرة في ناحية بالبعد من الناس، وكان فرعون وجنوده في ناحية، ~~وموسى وهارون صلى الله عليهما وسلم في ناحية. # وقيل: إنما خاف لما أبطأ عليه الوحي بالأمر بإلقاء العصا، فخاف أن ينصرف ~~الناس قبل أن يؤمر بإلقاء عصاه فيفتتنون، فأوحى الله تعالى إليه: { لا ~~تخف إنك أنت الأعلى } أي: لا تخف على انصراف الناس ~~وافتتانهم قبل أن تلقي عصاك فأنت الغالب. # ثم قال: { وألق ما في يمينك } يعني العصا { تلقف ما ~~صنعوا } ، فألقاها فتلقفت حبالهم وعصيهم، وكانت حمل ثلاث مائة بعير، ~~ثم عادت عصا لا يعلم أحد أين ذهبت الحبال والعصي، إلا الله. وهذه آية ~~تشتمل على آيات، منها: انقلاب العصا ثعبانا، ومنها: ابتلاعها لحمل ثلاث ~~مائة بعير من حبال وعصي. # وأعظمها: أنها عادت عصا يحملها موسى في يده كما كانت أولا، وتلاشى وقر ~~ثلاث مائة بعير بقدرة الله، فلا أثر لذلك، فسبحان من لا يقدر على هذه ~~القدرة أحد سواه، لا إله غيره. # ثم قال: { إنما صنعوا كيد ساحر } ما " بمعنى الذي ومع { ~~صنعوا } " هاء " محذوفة. و { كيد } خبر " إن " و " الذي " اسمها. # فإن ms1538 جعلت " ما " كافة ل " إن " عن العمل، نصبت كيدا ب { صنعوا } ~~و " الكيد ": المكره أي: مكر الساحر وخدعه لا على حقيقة. # ثم قال: { ولا يفلح الساحر حيث أتى } أي: لا يظفر بسحره ~~أين كان. # وقيل: المعنى: يقتل الساحر حيث وجد. # وفي حرف ابن مسعود: أين أتى. # ثم قال تعالى: { فألقي السحرة سجدا }. # في الكلام حذف والتقدير، فألقى موسى ما في يده فتلقفت ما صنعوا فألقي ~~السحرة سجدا. # قال ابن جبير: لما ألقى [موسى] ما في يده، صار ثعبانا مبينا، قال: ~~ففتحت فما لها مثل الرحى ثم وضعت مشفرها على الأرض ورفعت الآخر، فاستوعبت ~~كل شيء ألقوا من السحر ثم جاء موسى إليها، فقبض عليها، فإذا هي عصا، فخرت ~~السحرة سجدا، وقالوا: آمنا برب هارون وموسى. # وروي أن رئيس السحرة قال لهم: إن كان هذا سحرا من موسى فأين مضى حمل ~~ثلاث مائة بعير من حبال وعصي، وأين ذهب ذلك، هذا أمر من فعل الله، وليس ~~هو سحرا، فاخلصوا التوحيد لله جل ذكره وآمنوا وخروا سجدا. ### || [20.71-73] # قوله تعالى ذكره: { قال آمنتم له قبل أن ءاذن لكم } ~~إلى قوله { خير وأبقى }. # المعنى: قال فرعون للسحرة الذين خروا سجدا: { آمنتم له قبل ~~أن ءاذن لكم } يهددهم ويوعدهم أي: أصدقتم بموسى: إن موسى لكبيركم ~~الذي علمكم السحر، { فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من ~~خلاف } فكان فرعون أول من قطع الأيدي والأرجل من خلاف. # { ولأصلبنكم في جذوع النخل }. # أي: عليها. وكان أول من صلب في جذوع النخل. # ويقال: إن فرعون شبه على الناس بما قال. وذلك أنه لما رأى ما نزل به، ~~قال للسحرة: إن موسى لكبيركم الذي علمكم السحر فواطيتموه على ما صنعتم ~~وعاملتموه على ذلك ليشكك الناس في الآيات التي ظهرت، فقطع أيديهم ~~وأرجلهم من خلاف وصلبهم حتى ماتوا، ومعنى " خلاف " أن يقطع يمين اليدين ~~ويسرى الرجلين، أو يسرى اليدين ويمنى الرجلين. # ثم قال تعالى: { ولتعلمن أينآ أشد عذابا وأبقى ~~}. أي: أنا أشد عذابا أو موسى. يخاطب بذلك السحرة. # ومعنى: { وأبقى } وأدوم. # ثم قال: ms1539 { قالوا لن نؤثرك على ما جآءنا من ~~البينات }. # أي: قال السحرة لفرعون لما توعدهم: لن نفضلك على ما رأينا من الحجج ~~والبراهين فنتبعك ونكذب موسى. # ثم قال: { والذي فطرنا }. # أي: لن نفضلك على الذي جاءنا وعلى الذي فطرنا. # وقيل: الواو، واو قسم. و { فطرنا } خلقنا. # { فاقض مآ أنت قاض }. # أي: افعل ما أنت فاعل. # ثم قال: { إنما تقضي هذه الحياة الدنيآ }. # أي: قال له السحرة ذلك. والمعنى: إنما تقضي في متاع هذه الحياة الدنيا. # و " ما " كافة ل " إن " عن العمل. ولو جعلت " ما " بمعنى " الذي " رفعت ~~" هذه الحياة الدنيا " أي: إن الذي تقضيه هذه الحياة الدنيا. # وقيل: معنى الكلام إنما يجوز أمرك في هذه الحياة الدنيا. # ثم قال: { إنآ آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا ~~ومآ أكرهتنا عليه من السحر }. # أي: ليغفر لنا خطايانا من السحر. { ومآ أكرهتنا عليه من ~~السحر }. ف " ما " نافيه. أي: لم تكرهنا على السحر، نحن جئنا به ~~طائعين، فهو ذنب عظيم، نطمع أن يغفره الله لنا إذا متنا، فتكون { من } ~~لإبانة الجنس. # وقيل: المعنى: ليغفر لنا ربنا خطايانا، ويغفر لنا الذي أكرهتنا عليه من ~~السحر. فتكون { من } للتبيين، موضعها نصب، ولا موضع لها في القول ~~الأول. # وهذا القول روي عن ابن عباس، قال: " ذلك غلمان دفعهم فرعون إلى السحرة ~~يعلمهم السحر ". # وقال ابن زيد: " أمرهم بتعلم السحر " # وقال الحسن: " كانوا إذا نشأ المولود فيهم، أكرهه على تعلم السحر. # ثم قال: { والله خير وأبقى } أي: خير ثوابا وأبقى عذابا. # قال محمد بن كعب: معناه: " خير منك ثوابا أن أطيع، وأبقى منك عذابا إن ~~عصى " وهذا جواب منهم لقوله: { ولتعلمن أينآ أشد ~~عذابا وأبقى }. ### || [20.74-77] # قوله تعالى ذكره: { إنه من يأت ربه مجرما } إلى قوله: { ~~ولا تخشى }. # والمعنى: إن السحرة قالوا لفرعون { إنه من يأت ربه ~~مجرما } أي مكتسبا الكفر، فإن له جهنم أي: مأواه [جهنم ومسكنه] جزاء ~~على كفره. { لا يموت فيها } فتخرج نفسه { ولا يحيى } فتستقر ~~نفسه في مقرها، ولكنها تتعلق بالحناجر. وعلق الإتيان بالله ms1540 مجازا في ~~هذا. والمعنى: من يأت موعد ربه " كما قال إبراهيم: # إني ذاهب إلى ربي سيهدين # [الصافات: 99] أي: إلى موعد ربي. وليس الإتيان إلى الله إتيان مقاربة ~~منه، لأنه قريب في كل أوان لا يبعده مكان ولا يقربه مكان، ولا يحويه مكان ~~دون مكان، ولا يحتاج إلى مكان لأنه تعالى لم يزل قديما قبل المكان ولا ~~تجوز صفة القرب بالمكان إلا على الأجسام، لأنها محدثة بعد حدوث المكان، ~~وكان الله ولا مكان. فالإتيان إلى الله إنما هو إتيان من الخلق يوم ~~القيامة إلى ثواب الله وجزائه، وكذلك المعنى فيما كان مثله. # ثم قال: { ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات }. # أي: ومن يأت ربه موحدا له قد عمل ما أمره به، وانتهى عما نهى عنه: { ~~فأولئك لهم الدرجات العلى } أي: لهم درجات الجنة ~~العلى. ثم بين تلك الدرجات ما هي، فقال: { جنات عدن } أي: جنات ~~إقامة لا ظعن عنها ولا نفاذ لها ولا فناء { تجري من تحتها ~~الأنهار } أي: / تجري من تحت أشجارها ماء الأنهار. خالدين فيها. أي: ~~ماكثين فيها أبدا. # ثم قال: { وذلك جزآء من تزكى }. # هذه الإشارة ب " ذلك " هي إلى جميع ما تقدم بعد أولئك. أي: ذلك جزاء ~~من تطهر من الذنوب. # ثم قال تعالى: { ولقد أوحينآ إلى موسى أن أسر ~~بعبادي }. # أي: أوحينا إلى موسى إذ أبى فرعون أن يستجيب له، أن أسر بعبادي، يعني ~~بني إسرائيل. # { فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا }. # أي: اتخذ لهم طريقا في البحر يبسا. أي: يابسا. وهو مصدر نعت به ~~الطريق. والمعنى: ذا يبس. # ثم قال: { لا تخاف دركا ولا تخشى }. # أي: لا تخاف من فرعون وجنوده أن يدركوه، ولا تخشى غرقا من بين يديك. # قال ابن جريج: " قال أصحاب موسى: هذا فرعون قد أدركنا وهذا البحر قد ~~غشينا. فأنزل الله تعالى ذكره: { لا تخاف دركا } من أصحاب فرعون، ~~{ ولا تخشى } من البحر وحلا. # وتقديره عن الأخفش: لا تخاف دركا فيه. ثم حذف " فيه ". # ومن قرأ { لا تخاف } بالرفع جعله في ms1541 موضع الحال من موسى. # وقيل: هو نعت لطريق على تقدير: لا تخاف فيه. # وقيل: هو مستأنف على معنى: لست تخاف وتخشى، عطف عليه في الوجوه الثلاثة. # ومن قرأ: لا تخف بالجزم، جعله جوابا للأمر في قوله: { فاضرب }. # وقيل: هو جزم على النهي. نهى أن يخاف فرعون. ويكون { ولا تخشى } ~~مقطوعا من الأول. # وأجاز الفراء أن يكون معطوفا على { لا تخاف } وثبتت الألف في ~~الجزم كما ثبتت الياء والواو وهذا غلط عند جميع البصريين لأن الألف لا ~~تتحرك فيقدر فيها حركة. والياء والواو يتحركان فيجوز أن تقدر فيهما حركة ~~محذوفة. وأيضا فإن ذلك لا يجوز في الياء والواو إلا في الشعر. ### || [20.78-82] # قوله تعالى ذكره: { فأتبعهم فرعون بجنوده } إلى قوله: ~~{ ثم اهتدى }. # في الكلام حذف، والتقدير: فسرى موسى بهم فاتبعهم فرعون بجنوده. # والسرى، سير الليل. وكان فرعون ظن أن موسى ومن معه لا يفوتونه لأن البحر ~~بين أيديهم. فلما أتى موسى البحر، ضربه بعصاه، فانفلق منه اثني عشر ~~طريقا. وبين الطريق والطريق الماء قائما كالجبال فأخذ كل سبط طريقا، ~~فلما أقبل فرعون، ورأى الطريق في البحر، أوهم من معه أن البحر فعل ذلك ~~لمشيئته. فدخل هو وأصحابه فانطبق البحر عليهم. # وروي أنهم لما تراءوا وطمع فرعون في موسى ومن معه أرسل الله ضبابة فسترت ~~بعضهم من بعض حتى دخل موسى وقومه في البحر، فلما أمعنوا في البحر، انجلت ~~الضبابة، فنظر أصحاب فرعون فلم يروا منهم أحدا، فتقربوا حتى أتوا البحر، ~~فرأوه منفلقا. فيه طرق قائمة واضحة يابسة والماء قائم بين الطريق ~~والطريق بمنزلة الجبل العظيم لا يتحرك ولا يزول، فشاهدوا هذه الآيات ~~العظيمة، وأوهمهم فرعون أن البحر إنما انفلق من هيبته ومخافته فدخل خلف ~~بني إسرائيل ليلحقهم، فلما استكمل هو وجنوده في داخل البحر، انطبق عليهم، ~~فهلكوا أجمعين. # وقوله: { فغشيهم من اليم ما غشيهم }. # أي: ما غرقهم. وفيه معنى التعظيم، ولذلك كنى عن الغرق بغشيهم. # قال أبو النجم: أنا أبو النجم وشعري شعري. # أي: شعري ما قد عرفتموه. فكنى عنه ليعظمه. ms1542 # ثم قال: { وأضل فرعون قومه وما هدى }. # أي: وجار فرعون بقومه عن سواء السبيل. { وما هدى } أي: ما سلك بهم ~~الطريق المستقيم. يعني في الإيمان والكفر، لأنه نهاهم عن اتباع الرسول ~~فأطاعوه. # ثم قال: { يبني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم ~~}. # يعني فرعون وهذا خطاب لهم بعد هلاك فرعون وجنوده في البحر. # ثم قال: { وواعدناكم جانب الطور الأيمن ونزلنا ~~عليكم المن والسلوى }. # يذكرهم بنعمه عندهم وأياديه لديهم، وقد مضى تفسير هذا كله في البقرة. # { كلوا من طيبات ما رزقناكم }. # أي: من شهية وحلاله. # { ولا تطغوا فيه }. # أي: لا يظلم بعضكم بعضا. # والمعنى: لا يحملنكم السعة والخصب / على الطغيان فتظلموا فيحل عليكم ~~غضبي. أي: ينزل بكم ويجب. # { ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى }. # أي: شقى وهلك، أي: صار إلى الهاوية وهي قعر جهنم، نعوذ بالله منها. # ثم قال تعالى: { وإني لغفار لمن تاب وآمن }. # قال ابن عباس: { لمن تاب } من الشرك و { وآمن } وحد الله { ~~وعمل صالحا }: أدى الفرائض. # والتقدير: وإني لستار لذنوب من تاب من الشرك. # وقال قتادة: وإني لغفار لمن تاب من ذنبه وآمن بربه وعمل صالحا فيما ~~بينه وبين الله جل ذكره. # وقوله: ثم اهتدى. معناه عند ابن عباس: لم يشكك. # وقال قتادة: ثم لزم الإسلام حتى يموت عليه. # وقال أنس بن مالك: { ثم اهتدى }: أي: أخذ بسنة نبيه صلى الله ~~عليه وسلم. # وقال ابن زيد: { ثم اهتدى } ثم أصاب العمل. # وقال الفراء: " ثم اهتدى " ثم علم أن لذلك ثوابا وعليه عقابا. ### || [20.83-87] # قوله تعالى ذكره: { ومآ أعجلك عن قومك يموسى } إلى قوله: ~~{ فكذلك ألقى السامري }. # أي: وأي شيء أعجلك يا موسى وتركت قومك خلفك، وذلك أن الله عز وجل أنجى ~~موسى وقومه من فرعون وقطع به البحر وأهلك فرعون وقومه، ووعد موسى ومن معه ~~جانب الطور الأيمن، فتعجل موسى إلى ربه، وترك قومه مع هارون يسير بهم في ~~أثر موسى. # وقال ابن إسحاق: وعد الله موسى وقومه بعد أن أنجاه وقومه ثلاثين ليلة ~~وأتمها بعشر فتم ميقات ربه ms1543 أربعين ليلة تلقاه فيها بما شاء، واستخلف موسى ~~على قومه هارون ومعه السامري يسير بهم على أثر موسى ليلحقه بهم. فلما كلم ~~الله موسى. قال له: ما أعجلك عن قومك يا موسى. قال هم أولاء على أثري، ~~وعجلت إليك رب لترضى. # وقيل: المعنى: أن الله تعالى ذكره وعد موسى أن يأتيه في جماعة من بني ~~إسرائيل، ويترك باقيهم مع هارون. فخرج بجماعة من خيارهم، فتقدمهم موسى ~~إلى الموضع الذي وعد بالإتيان إليه. فلذلك قال له تعالى ذكره { ومآ ~~أعجلك عن قومك يموسى } أي: عن القوم الذين أتوا معك ~~للميعاد. # قيل: وعدهم أن يسمعوا كلام الله، فلذلك قال: هم أولا على أثري أي: ~~قريب، مني سائرون إلي. وإنما تقدمتهم لترضى عني. # ثم قال تعالى: { قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك ~~وأضلهم السامري }. # أي: قد ابتلينا قومك من بعدك بعبادة العجل وإضلال السامري لهم، دعاؤه ~~إياهم إلى عبادة العجل. # قيل: إن السامري كان من القبط، آمن بموسى، فترك الإيمان فهو قوله { ~~فنسي } أي: فترك العهد، وأكثر الأقوال أنه من بني إسرائيل. وأنه ابن ~~خالة موسى، ويكون قوله: " فنسي " يريد أنه من قول السامري. قال لهم: إن ~~موسى نسي إلهكم عندكم ومضى يطلبه. يريد العجل. # وأراد بقوله: " قومك من بعدك " الذين تأخروا مع هارون لا الذين صحبوا ~~موسى ومضوا معه للميقات. وهم الذين اختارهم موسى للميقات، وهم سبعون. ~~فلذلك قال موسى لما أخذتهم الرجفة فماتوا: # أتهلكنا بما فعل السفهآء منآ # [الأعراف: 155]. يعني الذين تأخروا مع هارون وعبدوا العجل. # ثم قال: { فرجع موسى إلى قومه غضبن أسفا }. # أي: فانصرف موسى إلى قومه من بني إسرائيل بعد تمام الأربعين ليلة غضبان ~~على قومه لاتخاذهم العجل من بعده. # { أسفا } أي: حزينا لما أحدثوا من الكفر. والأسف: يكون الحزن، ويكون ~~الغضب. ومن الغضب، قوله تعالى: # فلمآ آسفونا # [الزخرف: 55] أي: أغضبونا. # ثم قال تعالى ذكره: { قال يقوم ألم يعدكم ربكم ~~وعدا حسنا }. # أي: قال موسى عليه السلام لبني إسرائيل لما رجع إليهم غضبانا حزينا: ~~ألم يعدكم ربكم ms1544 وعدا حسنا. وذلك الوعد، قوله: { وإني لغفار ~~لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى }. # وقيل: وعدهم إنزال التوراة عليهم. # وقيل: وعدهم الجنة إذا أقاموا على الطاعة. # وقيل: وعدهم أن يسمعهم كلامه /. # ثم قال: { أفطال عليكم العهد }. # أي: طال عليكم إنجاز الوعد. # وقوله: { فأخلفتم موعدي }. # كان قد وعدوه أن يقيموا على طاعته ويسيروا في أثره للموعد إلى جانب ~~الطور الأيمن، فعبدوا العجل بعده وأقاموا، وقالوا لهارون: { لن ~~نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى }. # ثم قال تعالى: { مآ أخلفنا موعدك بملكنا }. # من ضم الميم في " بملكنا ": فمعناه: ما أخلفنا موعدك بسلطاننا. أي: لم ~~نملك الصواب ولا القدرة على ترك الأخلاف، بل كان ذلك خطأ منا. # ومن كسر الميم: فمعناه: ما أخلفنا موعدك بأن ملكنا الصواب. ومن فتح ~~الميم فمعناه: بقوتنا. # وقيل: هي لغات يرجعن إلى معنى واحد. # وقيل: إن هذا من قول الذين لم يعبدوا العجل، أي: لم نملك ردهم عن عبادة ~~العجل، ولا منعهم من ذلك، فتبرءوا منهم واعتذروا. # ثم قال: { ولكنا حملنآ أوزارا من زينة القوم ~~فقذفناها }. # قال ابن عباس: كان مع بني إسرائيل حلي من حلي آل فرعون، فهو الأوزار من ~~زينة القوم، أي قوم فرعون. # ويقال: إن بني إسرائيل لما أراد موسى أن يسير بهم ليلا من مصر بأمر ~~الله، أمرهم أن يستعيروا من أمتعة آل فرعون وحليهم، وقال لهم: إن الله ~~مغنمكم ذلك، ففعلوا، فذلك الزينة الذي حملوا من زينة القوم. # وقوله: { فقذفناها }. # أي: في النار لتذوب. # وقوله: { فكذلك ألقى السامري }. # أي: فألقى السامري الحلي مثل ذلك، أي: ألقى ما كان معه من تربة حافر فرس ~~جبريل صلى الله عليه وسلم فالكاف في موضع نصب لمصدر محذوف. ### || [20.88-90] # قوله تعالى ذكره: { فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار }. ~~إلى قوله: { وأطيعوا أمري }. # أي: أخرج لهم السامري من الحلي الذي قذفوه في النار، وألقى هو عليه ~~التربة التي كانت معه، عجلا مجسدا، أي: له جسد لا روح فيه. # وقيل: كان لا رأس له، فلذلك قيل جسدا. # وقوله: " له ms1545 خوار " ، أي: له صوت مثل البقر. # قال قتادة: " كان الله جل ذكره وقت لموسى ثلاثين ليلة، ثم أتمها بعشر، ~~فلما مضت الثلاثون، قال عدو الله السامري: إنما أصابكم ما أصابكم بالحلي ~~الذي كان معكم، (يعني إنما أبطأ عليكم موسى عقوبة من أجل الحلي، ثم قال ~~لهم): فهلموا وكانت حليا تعوروها من آل فرعون، فساروا وهي معهم، فدفعوها ~~إليه، فصورها صورة بقرة، وكان قد صر في عمامته أو ثوبه قبضة من أثر فرس ~~جبريل صلى الله عليه وسلم فقذفها في الحلي والصورة فأخرج لهم عجلا جسدا ~~له خوار، فجعل يخور خوار البقرة، فقال: هذا إلهكم وإله موسى. # وقال السدي: إن هارون قال لهم: يا بني إسرائيل، إن الغنيمة لا تحل لكم، ~~وإن حلي القبط إنما هو غنيمة، فاجمعوها جميعا واحفروا لها حفرة ~~فادفنوها، فإن جاء موسى فأحلها أخذتموها، وإلا كان شيئا لم تأكلوه. ~~فجمعوا ذلك الحلي في حفرة، فجاء السامري بتلك القبضة التي من حافر فرس ~~جبريل عليه السلام، فقذفها فأخرج الله من الحلي عجلا جسدا له خوار، ~~وعدت بنو إسرائيل موعد موسى، فعدوا الليلة يوما واليوم يوما، فلما ~~كان العشرون خرج لهم العجل، فلما رأوه، قال لهم السامري: هذا إلهكم وإله ~~موسى، { فنسي } ، فعكفوا عليه يعبدونه، وكان يخور ويمشي. # وقوله: { فنسي } يعني فنسي السامري دينه، أي تركه حين أمرهم بعبادة ~~العجل. # قال ابن عباس: { فنسي }: أي: ترك السامري ما كان عليه من الإيمان، ~~فيكون { فنسي } من قول الله جل ذكره، إخبارا عن السامري. # وعن ابن عباس أيضا: { فنسي } أي: فنسي موسى إلاهه عندكم وذهب ~~يطلبه، فأضله ولم يهتد إليه. # فيكون { فنسي } من قول السامري لبني إسرائيل، وهو قول مجاهد وقتادة ~~والسدي والضحاك وابن زيد. # وقيل: معناه: فنسي موسى الطريق وضل عنه. # وقيل: فنسي السامري العهد الذي عهد إليه في الإيمان، فيكون / { فنسي ~~} على هذا القول من الترك. وعلى القولين الأولين من النسيان. # ثم قال تعالى: { أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ~~}. أي: أفلا يرى هؤلاء الذين عبدوا العجل أنه لا ms1546 يكلمهم ولا يرد عليهم ~~جوابا. وهذا توبيخ لهم. # { ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا }. # أي: لا يقدر لهم على ضر ولا نفع، فكيف يكون من هذه حاله إلها يعبد؟!. # ثم قال: { ولقد قال لهم هارون من قبل يقوم إنما ~~فتنتم به } أي قال لهم هارون من قبل رجوع موسى إليهم: يا قوم، { ~~إنما فتنتم به } أي: إنما أخبركم الله به لينظر محافظتكم على ~~الإيمان بهذا العجل الذي أحدث فيه الخوار، فيعلم صحيح الإيمان من مريض ~~القلب الشاك في دينه. # ثم قال: { وإن ربكم الرحمن فاتبعوني ~~وأطيعوا أمري } أي: إن معبودكم الذي يستحق العبادة هو الرحمن، ~~فاتبعوني ولا تعبدوا غيره. وأطيعوا أمري في ترك عبادة العجل. ### || [20.91-104] # قوله تعالى ذكره: { قالوا لن نبرح عليه عاكفين } إلى ~~قوله: { إن لبثتم إلا يوما }. # أي: قال بنو إسرائيل لهارون لما نهاهم عن عبادة العجل: لن نفارق عبادة ~~العجل حتى يرجع إلينا موسى. # ثم قال: { يهرون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا * ألا ~~تتبعن } في الكلام حذف. والتقدير: لما رجع موسى، قال: يا هارون: ما ~~منعك أن تتبعني بمن لم يعبد العجل على ما كان بيني وبينهم. # قال ابن عباس: لما قال القوم: { لن نبرح عليه عاكفين ~~حتى يرجع إلينا موسى } ، أقام هارون بمن معه من المسلمين ~~ممن لن يفتتن، وأقام من يعبد العجل على عبادة العجل، وخشي هارون إن مضى ~~في أثر موسى بمن معه من المسلمين أن يقول له موسى: فرقت بين بني إسرائيل، ~~ولم ترقب قولي. وكان هارون لموسى مطيعا. # وقال ابن جريج: أمر موسى هارون أن يصلح ولا يتبع سبيل المفسدين فذلك ~~قوله: ما منعك ألا تتبعني أفعصيت أمري أي: ألا تتبع ما أمرتك به من ~~الصلاح عليهم. # ثم قال تعالى: { قال يبنؤم لا تأخذ بلحيتي ولا ~~برأسي }. # في الكلام حذف، والتقدير: فأخذ موسى بلحية هارون يجره إليه، فقال هارون: ~~{ يبنؤم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي }. # وقيل: المعنى: لا تفعل هذا، فيتوهموا أنه منك استخفاف وعقوبة. # وقيل: إن موسى إنما فعل هذا ms1547 على غير استخفاف ولا عقوبة، كما يأخذ ~~الإنسان بلحية نفسه. # وقوله: { إني خشيت أن تقول فرقت بين بني ~~إسرآءيل ولم ترقب قولي }. # قال ابن زيد: خشي هارون أن يمضي في أثر موسى بمن بقي معه من المسلمين ~~الذين لم يعبدوا العجل، ويترك الذين قالوا: لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع ~~إلينا موسى، فيقول له موسى فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي. أي: جئت ~~بطائفة وتركت طائفة. وهو قول ابن عباس. # وقال ابن جريج: معناه: خشيت أن نقتتل فيقتل بعضنا بعضا. # ومعنى: { ولم ترقب قولي } أي: ولم تحفظ قولي. # ثم قال: { فما خطبك يسامري }. # أي: فما شأنك، وما الذي دعاك إلى ما صنعت؟ قال: { بصرت بما لم ~~يبصروا به }: أي: علمت ما لم يعلموا. # قال ابن جريج: لما قتل فرعون الولدان، قالت أم السامري: لو نحيته حتى لا ~~أراه ولا أرى قتلته. فجعلته في غار، فأتى جبريل عليه السلام فجعل كف نفسه ~~في فيه، فجعل يرضع العسل واللبن، فجعل يختلف إليه حتى عرفه، فمن ثم ~~معرفته إياه حين قبض قبضة من أثر فرس جبريل عليه السلام. # وقيل: معنى: { بصرت بما لم يبصروا به } أي: أبصرت ما لم ~~يبصروا يعني: فرس جبريل. # ومن قرأ بالياء، جعله إخبارا عن بني إسرائيل. # ومن قرأ بالتاء. جعله خطابا لموسى وبني إسرائيل. # ثم قال: { فقبضت قبضة من أثر الرسول }. # أي: من أثر حافر فرس جبريل عليه السلام. # وقرأ الحسن وقتادة: فقبصت قبصة بالصاد غير المعجمة، وذلك الأخذ بأطراف ~~الأصابع. # " والقبضة " على قراءة الجماعة قبضك على الشيء بملء كفك مرة واحدة. # " والقبضة " بضم القاف، مقدار ما يقبض كالغرفة والغرفة. # وقوله: { فنبذتها }. # أي: ألقيتها في العجل ليخور. # { وكذلك سولت لي نفسي }. # أي: زينت لي نفسي أن الحلي إذا سبك وألقيت فيه القبضة أنه يصير عجلا ~~جسدا. # وروى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال /: " لما خرج موسى عليه السلام ببني ~~إسرائيل السبعين رجلا، أمرهم أن ينتظروه في أسفل الجبل، وصعد موسى الجبل ~~وكلمه الله أربعين يوما وليلة، ms1548 وكتب له في الألواح وأن بني إسرائيل عدوا ~~عشرين يوما وعشرين ليلة، فاستبطأوا موسى بعد ذلك، فاتخذوا العجل من ~~بعده، قال: فبلغنا - والله أعلم - أن الله قال لموسى عند ذلك أن قومك قد ~~اتخذوا العجل من بعدك، قال: عجلا جسدا له خوار. فقال موسى: رب، من جعله ~~لهم؟ فقال: السامري، فقال موسى: رب، السامري جعل لهم العجل وأنت فتنت ~~قومي بالخوار، وجعلت الروح فيه، فما أصنع؟ فرجع موسى إلى قومه معه ~~السبعون رجلا، ولم يخبرهم موسى بالذي أحدث بنو إسرائيل بعده من عبادة ~~العجل، وبالذي قال له ربه، فلما غشي موسى ومن معه محلة قومه، سمع اللغط ~~حول العجل، فقال السبعون الذين معه: ما هذا في المحلة؟ أقتال؟ فقال موسى ~~صلى الله عليه وسلم: ليس بقتال، ولكنه صوت الفتنة، فلما دخل موسى، ونظر ~~إلى ما يصنع بنو إسرائيل حول العجل، غضب، فألقى الألواح، فتكسرت، وصعد ~~عامة الذي كان فيها من كلام الله وأخذ موسى برأس أخيه يجره إليه، فقال له ~~هارون: يا أخي { لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني ~~خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرآءيل ولم ~~ترقب قولي } ، فأرسله ثم أقبل على السامري، فقال: ما خطبك يا ~~سامري، ولم صنعت ما أرى، فقال له ما نص الله علينا، فأمر موسى بالسامري ~~أن يخرج من محلة بني إسرائيل، وأن لا يخالطهم في شيء، وأمر بالعجل فذبح، ~~ثم أحرقه بالنار، ثم ذراه في اليم، ثم أتاهم موسى بكتاب ربهم فيه الحلال ~~والحرام، والفرائض والحدود فلما نظروا إليه قالوا: لا حاجة لنا في الذي ~~آتيتنا به، فإن العجل الذي حرقت كان أحب إلينا من الذي آتينا به فلسنا ~~بقابليه ولا آخذين بما فيه. فقال موسى: رب إن عبادك بني إسرائيل قد ردوا ~~كتابك وكذبوا نبيك، فأمر الله تعالى الملائكة فرفعوا الجبل فغشوا به بني ~~إسرائيل حتى ظلوا به عسكرهم، فحال بينهم وبين السماء، فقال موسى صلى الله ~~عليه وسلم: إما أن تأخذوا هذا الكتاب بما فيه، وإما أن يلقى عليكم الجبل، ~~فقالوا: ms1549 سمعنا وعصينا الذي جئتنا به، ثم أخذوا ولم يجدوا من أخذه بدا، ~~فرفع عنهم الجبل فنظروا في الكتاب، فبين راض وكاره ومؤمن وكافر فعفا الله ~~تعالى عنهم، فهو قوله: { ثم عفونا عنكم من بعد ذلك ~~لعلكم تشكرون }. # [ثم قال: وكذلك سولت لي نفسي]. # وقال ابن زيد: كذلك حدثتني نفسي. # ثم قال تعالى جل ذكره: { قال فاذهب فإن لك في الحياة ~~أن تقول لا مساس }. # أي: قال موسى للسامري: فاذهب فإن لك في حياة الدنيا: أي: أيام حياتك أن ~~تقول لا مساس، أي لا أمس، أي: عقوبتك في الدنيا أن لا تكلم ولا تخالط. # وقيل: معناه: لك في [الحياة] الدنيا أن تعيش مع البهائم والسباع والوحوش ~~في البرية، مستوحشا لا تقرب أحدا ولا تمس أحدا ولا يمسك أحد. # وروي أن موسى عليه السلام أمر بني إسرائيل ألا يؤاكلوه، ولا يخالطوه ولا ~~يبايعوه، فلذلك قال له: أن تقول لا مساس وذلك فيما يذكر في قبيلته إلى ~~الآن. # وقال قتادة: كان السامري عظيما من عظماء بني إسرائيل من قبيلة يقال لها ~~سامرة ولكن عدو الله نافق بعدما قطع البحر مع بني إسرائيل. # وقال ابن جبير: كان من أهل كرمان. # وقوله: { لا مساس } منصوب على التبرئة ك (لا رجل في الدار). # ويجوز: { لا مساس } بكسر السين وتبنيه على الكسر. # ثم قال: { وإن لك موعدا لن تخلفه } يعني القيامة. # ومن كسر اللام، أراد لن تغيب عنه، وهو قول قتادة، أي: تأتي إليه طائعا ~~أو كارها وفيه معنى التهديد والوعيد، ولفظه لفظ الخبر. # ومن فتح اللام، أراد لن يخلفكه الله، ثم رد إلى ما لم يسم فاعله. # ثم قال: { وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا ~~}. # أي: انظر إلى العجل الذي عبدته من دون الله، وأقمت بعدي على عبادته ~~لنحرقنه بالنار قطعة بعد قطعة، لأن في التشديد معنى التكثير. # وقرأ الحسن: بتخفيف الراء على معنى: لنحرقنه / مرة واحدة. # وقرأ أبو جعفر القارئ: { لنحرقنه } بفتح النون وضم الراء، ~~بمعنى لنبردنه بالمبارد، يقال: أحرقه وحرقه بالنار، يحرقه ويحرقه: ms1550 ~~إذا نحته بمبرد أو غيره. # وقراءة أبي جعفر تروى عن علي وابن عباس. # قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أمر موسى بالعجل فبرد في البحر فلم ~~يشرب منه أحد ممن عبد العجل إلا اصفر لونه، فقالوا: ما توبتنا قال: أن ~~يقتل بعضكم بعضا، فأخذوا السكاكين، فكان الرجل يقتل أباه وأخاه حتى ~~قتل منهم سبعون ألفا، فأوحى الله إليه: مرهم فليرفعوا القتل، فقد ~~رحمت من قتل منهم، وقد تبت على من بقي. # وقوله: { ثم لننسفنه في اليم نسفا } أي: لنذرينه في ~~البحر ذروا. # ثم قال تعالى ذكره: { إنمآ إلهكم الله الذي لا ~~إله إلا هو وسع كل شيء علما }. # أي: إنما معبودكم الذي تجب له العبادة والإخلاص لله الذي لا معبود إلا ~~هو، وسع كل شيء علما أي: أحاط بكل شيء علما فلا يخفى عليه شيء. # قال قتادة: معناه: ملأ كل شيء علما. # يقال: فلان يسع هذا الأمر، إذا أطاقه وقوي عليه. # ثم قال تعالى: { كذلك نقص عليك من أنبآء ما قد ~~سبق }. # أي: كما قصصنا عليك يا محمد خبر موسى وقومه، كذلك نقص عليك من أخبار من ~~قد سبق قبلك مما لم تشاهده ولا عاينته. # ثم قال: { وقد آتيناك من لدنا ذكرا }. # أي: وقد أعطيناك يا محمد من عندنا ذكرا تتذكر به وتتعظ. وهو القرآن. # { من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة ~~وزرا }. # أي: من لم يؤمن به ويعمل بما فيه، فإنه يحمل يوم القيامة إثما عظيما { ~~خالدين فيه } أي: [ماكثين] في عقوبته في النار. # ثم قال تعالى وجل ثناؤه: { وسآء لهم يوم القيامة حملا ~~}. # أي: وساء لهم الوزر حملا. أي: بئس الوزر لهم. يعني ذنوبهم. # ثم قال تعالى: { يوم ينفخ في الصور }. # { يوم } بدل من يوم الأول، والمعنى: يوم ينفخ ملك الصور فيه. ثم رد ~~إلى ما لم يسم فاعله، وكانت الياء أولى عند من قرأ بها، لأن النفخ في ~~الصور لا يتولاه الله جل ذكره، إنما يتولاه الملك، بأمره وقدرته. ولا حجة ~~في " ونحشر " لأن النافخ ms1551 الملك والحاشر الله. # ومن قرأه بالنون، فلأن بعده، ونحشر فأتى بالفعلين على الإخبار عن الله ~~جل ذكره للمطابقة لأن الله تعالى هو الفاعل لجميع الأحوال المقدر لها. # ثم قال تعالى: { ونحشر المجرمين يومئذ زرقا }. # أي: زرق الأعين من العطش الذي يكون بهم في الحشر. # وقال ابن عباس: يكونون يوم القيامة في حال عميا، وفي حال زرقا. # وقال جماعة زرقا: عميا. # ويروى: أنهم يقومون من قبورهم يبصرون، ثم يصيرون عميا. # ويروى: أنهم لا يبصرون شيئا إلا جهنم. # وقيل: زرقا شعثين متغيرين كلون الرماد. # ثم قال: يتخافتون بينهم. أي: يسرون القول بينهم، يقولون بعضهم لبعض، إن ~~لبثتم في الدنيا إلا عشرا. # وأصل الخفت في اللغة السكون. أي: ما لبثتم من النفخة الأولى إلى البعث، ~~إلا عشرا، وبين النفختين أربعون سنة. # ثم قال: { نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم ~~طريقة إن لبثتم إلا يوما } أي: نحن أعلم بسرهم إذ يقول: ~~أمثلهم طريقة أي: أعلمهم في أنفسهم إن لبثتم إلا يوما، وذلك من شدة هول ~~المطلع، ينسون ما كانوا فيه في الدنيا من النعيم وطول العمر حتى يتخيل ~~إليهم من شدة ما هم فيه أنهم لم يعيشوا في الدنيا إلا يوما واحدا. # وقيل: ذلك تقديرهم فيما بين النفختين. # وقيل: عني بذلك إقامتهم في القبور، ظنوا أنهم لم يلبثوا فيها إلى يوما ~~بعد انقطاع العذاب عنهم في القبور، لأنهم في طول مكثهم يعذبون، ثم ينقطع ~~عنهم العذاب فيما بين النفختين. ### || [20.105-110] # قوله تعالى ذكره: { ويسألونك عن الجبال } إلى قوله: { ~~ولا يحيطون به علما }. # المعنى: ويسألك يا محمد قومك عن الجبال، فقل يذريها ربي تذرية. وهو ~~تصييرها هباء منبثا، فيذرها قاعا. أي: فيذر أماكنها قاعا، أي: ~~أرضا ملساء صفصفا: أي: مستويا لا نبات فيها ولا نشز ولا ارتفاع. # وقيل: معناه يجعلها رملا، ثم يرسل عليها الرياح تنسفها وتفرقها حتى ~~يصير مواضعها قاعا مستويا. فالصفصف، المستوى. # قال ابن عباس: قاعا صفصفا /: مستويا، لا نبات فيه. # والقاع في اللغة، المكان المنكشف. # والصفصف: المستوى الأملس. # وقال بعض أهل ms1552 اللغة: القاع: مستنقع الماء. والصفصف الذي لا نبات فيه. # ثم قال: { لا ترى فيها عوجا ولا أمتا }. # معناه عند ابن عباس: لا ترى فيها واديا ولا رابية. # والأمت عند أهل اللغة، أن يكون في الموضع ارتفاع وانهباط وعلو وانخفاض. # وقال قتادة: { لا ترى فيها عوجا } أي: صدوعا، { ولا ~~أمتا } أي: دوعا، { ولا أمتا } أي: أكمة. # وعن ابن عباس أيضا: { عوجا }: ميلا، والأمت: الأثر: مثل الشراك. # ثم قال تعالى { يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له } ~~أي: يومئذ إذ يتبع الناس صوت الداعي الذي يدعوهم إلى موقف القيامة، { لا ~~عوج له } أي: لا عوج لهم عنه، ولكنهم يأتمون به، ويأتونه. # قال محمد بن كعب القرظي: يحشر الناس يوم القيامة في ظلمة، تطوى السماء ~~وتتناثر النجوم، وتذهب الشمس والقمر، وينادي مناد فيتبع الناس الصوت ~~يؤمونه. # وقوله: { وخشعت الأصوات للرحمن }. # أي: وسكنت أصوات الخلائق للرحمن. فلا تسمع إلا همسا. # أي: حس الأقدام إلى المحشر، قاله: ابن عباس وعكرمة والحسن. # وقيل: هو الصوت الخفي الذي يوجد لتحريك الشفتين، وأصله الصوت الخفي. # يقال: همس فلان إلى فلان بحديث، إذا أسره إليه وأخفاه. # وعن ابن عباس أيضا: { همسا } صوتا خفيا. وهو قول مجاهد. # ثم قال: { يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن ~~له الرحمن }. # أي: لا تنفع الشفاعة، إلا شفاعة من أذن له الرحمن في الشفاعة، { ~~ورضي له قولا } أي: قال: لا إله إلا الله. # { يومئذ } بدل من الأولى. وإن شئت جعلته متعلقا به { يتبعون ~~} فتبتدئ به إن شئت، ولا تبتدئ به في القول الأول. # ثم قال تعالى: { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم }. # قال قتادة: " ما بين أيديهم من أمر الشفاعة وما خلفهم من أمر الدنيا ". # وقيل: معناه: يعلم ما بين أيدي هؤلاء، الذين يتبعون الداعي من أمر ~~القيامة، وما الذي يصيرون إليه من الثواب والعقاب، وما خلفهم أي ما خلفوه ~~وراءهم من أمر الدنيا. # { ولا يحيطون به علما } أي: لا يحيط خلقه به علما، وهو يحيط ~~بهم علما. # وقيل: المعنى، لا يحيطون بما بين أيديهم ms1553 وما خلفهم علما. فتكون الهاء ~~تعود على " ما ". # وقال الطبري: الضمير في أيديهم وخلفهم، يعود على الملائكة، وكذلك هو في ~~يحيطون. أعلم الله بذلك الذين كانوا يعبدون الملائكة، وأن الملائكة لا ~~تعلم ما بين أيديها وما خلفها يوبخهم بذلك. وإن من كان هكذا، كيف يعبد، ~~وأن العبادة إنما تصلح لمن لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. وهو ~~الله لا إله إلا هو. ### || [20.111-114] # قوله تعالى ذكره: { وعنت الوجوه للحي القيوم } إلى ~~قوله: { زدني علما }. # قال ابن عباس: { عنت }: ذلت أي: استسلمت. # وقال مجاهد: { عنت } خشعت. # وقال طلق بن حبيب: هو وضعك جبهتك وأنفك وركبتك وكفيك وأطراف قدميك في ~~السجود. فهذا يراد به أنها عنت في الدنيا، والأقوال غير هذا يراد بها ~~الآخرة. # وقال ابن زيد: { عنت } استأسرت للحي القيوم. أي: صاروا أسارى. # وقال الفراء: { عنت } الوجوه نصب وعملته، والعاني الأسير. # وهذا قول أهل اللغة، أن العاني الأسير، سمي بذلك لأنه يذل ويخضع. # ومنه الحديث: # " النساء عندكم عوان " # ومنه: افتتحت الأرض عنوة، ومنه: عنيت فلانا. # ثم قال تعالى: { وقد خاب من حمل ظلما }. # أي: قد خسر من حمل يوم القيامة شركا بالله، قاله: قتادة وابن زيد ~~وغيرهما. # ثم قال تعالى: { ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن ~~فلا يخاف ظلما ولا هضما }. # أي: من يؤد الفرائض التي افترض الله عليه، وهو مصدق بالله وملائكته ~~وكتبه ورسله، فلا يخاف ظلما، أي: لا يخاف أن تحمل عليه سيئات غيره ~~ويعاقب عليها. # { ولا هضما } أي: نقصا من ثوابه. قاله قتادة وغيره. # ومن قرأ: فلا يخف بالجزم، جعله نهيا، نهاه الله جل ذكره عن الخوف من أن ~~يصيبه ظلم أو هضم. # وقال ابن جريج /: { الصالحات } هنا: الفرائض. # وقال الضحاك: { ولا هضما }: هو أن يقهر الرجل الرجل بقوته وأصل ~~الهضم، الانتقاص. يقال: هضمني فلان حقي، أي: نقصني، ومنه امرأة هضيم ~~الكشح، أي: ظاهرة البطن. وهذا دواء يهضم الطعام. أي: ينقصه، فيزول ثقله. # ثم قال تعالى ذكره: { وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا ~~وصرفنا فيه من الوعيد ms1554 }. # المعنى: كما رغب أهل الإيمان في صالح الأعمال فوعدهم ما وعدهم، كذلك حذر ~~بالوعيد أهل الكفر، فقال: { وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا ~~} أي: أنزلناه بلغتكم أيها العرب لتفهموه. { وصرفنا فيه من ~~الوعيد } أي: وخوفناهم بضروب من الوعيد { لعلهم يتقون } ~~ما فيه من الوعيد أو يحدث لهم ذكرا فينقلبون عما هم مقيمون عليه من ~~الكفر بالله، يعني: أو يحدث لهم القرآن ذكرا. # قال قتادة: " ذكرا ": ورعا. # وقيل: معناه: أو يحدث لهم شرفا بإيمانهم به، كما قال: { لقد ~~أنزلنآ إليكم كتابا فيه ذكركم } أي: شرفكم إن آمنتم ~~به. روي ذلك أيضا عن قتادة. # ثم قال تعالى ذكره: { فتعلى الله الملك الحق } أي: ~~فتعالى الله الذي له العبادة من جميع خلقه، ملك الدنيا والآخرة جميعا ~~على ما يصفه به المشركون من خلقه. # ثم قال تعالى: { ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى ~~إليك وحيه }. # أي: لا تعجل بالقرآن فتقرئه أصحابك أو تقرأه عليهم من قبل أن يقضى إليك ~~وحيه، أي: بيان معانيه فأمر النبي صلى الله عليه وسلم ألا يكتب القرآن أو ~~يتلوه على أحد حتى يبينه له، قاله: ابن عباس وقتادة. # وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستعجل القراءة من قبل أن يفرغ ~~جبريل مما يأتيه به، خوف النسيان. ومنه # لا تحرك به لسانك لتعجل به # [القيامة: 16]. # { وقل رب زدني علما } أي: زدني علما إلى ما علمتني. أمره ~~الله تعالى أن يسأل ذلك. # وذكر ابن وهب أن الحسن قال: أتت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقالت: " إن زوجي لكم وجهي " قال لها: بينكما القصاص، فأنزل الله تعالى: ~~ولا تعجل بالقرآن... الآية. فأمسك النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزلت: # الرجال قومون على النسآء بما فضل الله ~~بعضهم على بعض # [النساء: 34]. ### || [20.115-119] # قوله تعالى ذكره: { ولقد عهدنآ إلى ءادم من قبل } إلى ~~قوله: { ولا تضحى }. # المعنى: أن يترك هؤلاء المشركون أمري، ويتبعوا أمر عدوهم إبليس، فقديما ~~فعل أبوهم آدم ذلك. فلقد عهدنا إليه أن إبليس عدوه، فنسي، وأطاعه، أي: ~~فترك ms1555 ما عهد إليه، وأطاع إبليس إذ وسوس إليه. # قال ابن عباس ومجاهد: " نسي " ترك أمر الله. # وقال الحسن: " نسي ": ترك، ولو كان من النسيان، لم يكن عليه شيء. # وقال ابن زيد: العهد الذي عهد الله جل ذكره إلى آدم هو قوله: { إن ~~هذا عدو لك ولزوجك } أي: نسي العداوة التي أعلم بها. # وقيل: قول عدوه، فيكون نسي من النسيان على هذا القول لا من الترك. # وقال ابن عباس: إنما سمي الإنسان إنسانا لأنه عهد إليه فنسي. # ثم قال تعالى: { ولم نجد له عزما }. # قال قتادة: { عزما }: صبرا. # وقال عطية: { عزما } حفظا لما أمر به. وروي ذلك عن ابن عباس. # وقال ابن زيد: " العزم ": المحافظة والتمسك بأمر الله. # وعن ابن عباس: { ولم نجد له عزما } أي لم نجعل له عزما. # قال أبو أمامة: لو أن أحلام بني آدم، يعني: عقولهم جمعت منذ خلق الله ~~آدم إلى أن تقوم الساعة، وضعت في كفة ميزان. ووضع حلم آدم في الكفة ~~[الأخرى] لرجح حلمه بأحلامهم. وقد قال الله تعالى ذكره { ولم نجد ~~له عزما }. # وقيل: المعنى: " ولم نجد له عزما " على ترك المعصية. وأصل العزم في ~~اللغة، اعتقاد القلب على الشيء، فيكون المعنى على هذا، ولم نجد له عزم ~~قلب على الصبر على الوفاء لله بما عهد إليه. # ثم قال تعالى: { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لأدم } ~~أي: واذكر يا محمد، إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم: أي اجعلوه قبلة لأنهم ~~أمروا بالعبادة له والسجود له دون الله، فسجدوا إلا إبليس أبى. وهذا ~~تذكير من الله تعالى لنبيه بما كان من قصة آدم، وأن أولاده لن / يعدوا ~~أن يكونوا على مناهجه في ارتكاب المعاصي إلا من عصمه الله. # ثم قال تعالى: { فقلنا يآءادم إن هذا عدو لك ~~ولزوجك }. # ولذلك لم يسجد لك وخالف أمري. # { فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى }. # أي: لا تطيعاه فيما يأمركما به فيخرجكما من الجنة. أي: فيكون عيشك من كد ~~يمينك، فهو من شقاء الدنيا لا من شقاء الآخرة. # قال ابن جبير: أهبط ms1556 إلى آدم ثور أحمر، فكان يحرث عليه ويمسح العرق عن ~~جبينه، فذلك قوله: " فتشقى " فكان ذلك شقاؤه. # وجرى الخطاب لآدم وحده، إذ قد علم أن حكم حواء حكمه، ولأن ابتداء الخطاب ~~كان لآدم وحده في قوله " يا آدم إن هذا عدو لك " ولأن التعب في المعيشة ~~في الدنيا على الرجل يجري أكثره، فخص بالخطاب لذلك. # ثم قال تعالى: { إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى * ~~وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى }. # أي: إن لك الشبع في الجنة والكسوة والري والسترة. # ومعنى " ولا تضحى " لا يصيبك حر الشمس، ولا تظهر إليها، لأن الشمس ~~جعلها الله دون الموضع الذي كان فيه، فليس في الجنة شمس ولا في السماء ~~السابعة. " والظمأ " العطش، مقصور مهموز. والظمى مقصور غير مهموز سعة في ~~الشفتين. # وقد قال ابن عيينة في الآية، أنه يراد بها الأرض. # فالهاء في " فيها " في الموضعين تعود على الأرض، وهي في القول الأول ~~تعود على الجنة. ### || [20.120-128] # قوله تعالى ذكره: { فوسوس إليه الشيطان } إلى قوله: { ~~معيشة ضنكا }. # أي: فألقى إلى آدم الشيطان، فقال له: { يآدم هل أدلك على ~~شجرة الخلد } أي: على شجرة من أكل منها خلد فلم يمت، { وملك ~~لا يبلى } أي: لا ينقضي. وقال السدي: على شجرة الخلد: أي: على شجرة ~~إن أكلت منها كنت ملكا مثل الله عز وجل، أو تكونا من الخالدين " ، لا ~~تموتان أبدا. # ثم قال تعالى: { فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما } ~~أي: فأكل آدم وحواء من الشجرة التي نهيا عنها، وأطاعا أمر إبليس، فبدت ~~لهما سوءاتهما. أي ظهرت وانكشفت لهما عورتهما، وكانت مستورة عن أعينهما. # قال السدي: إنما أراد إبليس اللعين أن يظهر لهما سوءاتهما، لأنه علم أن ~~لهما سوأة، لما كان يقرأ من كتب الملائكة، ولم يعلم ذلك آدم، وكان ~~لباسهما الظفر، فأبى آدم أن يأكل منها، فتقدمت حواء فأكلت منها. ثم قالت: ~~يا آدم، كل [فإني] قد أكلت، فلم يضرني، فلما أكل آدم منها بدت لهما ~~سوءاتهما. # ثم قال: { وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ms1557 } ~~أي: أقبلا. # وقيل: معناه: جعلا يخصفان عليهما ورق التين. قاله السدي. # وقال قتادة: { يخصفان } يوصلان. # ثم قال تعالى: { وعصى ءادم ربه فغوى }. # أي: وخالف آدم أمر به، فتعدى إلى الأكل من الشجرة فغوى. # ثم قال: { ثم اجتباه ربه فتاب عليه }. # أي: اصطفاه [واختاره] ربه بعد معصيته وهداه للتوبة ووفقه لها. # ثم قال: { قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو ~~}. أي: قال الله لآدم وحواء اهبطا من الجنة جميعا إلى الأرض، أي: انزلا. ~~وهذا يدل على أن الجنة في السماء. # { بعضكم لبعض عدو }. # أي: أنتم عدو إبليس وذريته، وإبليس عدوكما، وعدو ذريتكما. # قال الضحاك: أهبط آدم بالهند على جبل يقال له الوسي على رأسه إكليل من ~~ريحان الجنة، وفي يده قبضة من حشيشها فانتثر في ذلك الجبل، فكان منه ~~الطيب، وأهبطت حواء بجدة وأهبط إبليس بالبصرة. # ثم قال تعالى: { فإما يأتينكم مني هدى }. # يعني: آدم وحواء وإبليس. أي: بيان لسبيلي وما اختاره لخلقي من ديني. { ~~فمن اتبع هداي } أي: بياني وعمل به. # { فلا يضل } أي: ليس يزول عن محجة الحق. # { ولا يشقى } أي: في الآخرة بعذابها. # قال ابن عباس: فضمن الله لمن قرأ القرآن، واتبع ما فيه، أن لا يضل في ~~الدنيا، ولا يشقى في الآخرة. أي: وقاه الله من الضلالة في الدنيا، ووقاه ~~يوم القيامة سوء الحساب. ثم تلا هذه الآية. # وقال ابن جبير: من قرأ القرآن واتبع ما فيه، عصمه الله من الضلالة ~~ووقاه. # ثم قال: { ومن أعرض عن ذكري }. # أي: من لم يؤمن بالقرآن، { فإن له معيشة ضنكا }. # قال ابن عباس /: هي الشقاء. # وقال مجاهد: معيشة ضيقة. وهو قول قتادة. # وذلك في جهنم، لأنه جعل طعامهم فيها الضريع والزقوم. قاله: الحسن وابن ~~زيد وقتادة. # وقيل: عني بذلك أكلهم في الدنيا الحرام، فالحرام ضيق بسوء عاقبته وإن ~~اتسع في الظاهر. قاله: عكرمة والضحاك. # وعن ابن عباس أنه: كل ما أنفق في غير ذات الله فهو معيشة ضنك. # وعن أبي سعيد الخدري أنه: عذاب القبر يضيق عليه في قبره، حتى ms1558 تختلف ~~أضلاعه، وقاله السدي: وهو مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم. # روي عنه أنه قال: # " أتدرون ما المعيشة الضنك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال عذاب الكافر ~~في قبره، والذي نفسي بيده، إنه يسلط عليه تسعة وتسعون تنينا، أتدرون ما ~~التنين؟ تسعة وتسعون حية لكل حية سبعة رؤوس ينفخن في جسمه ويلسعنه ~~ويخدشنه إلى يوم القيامة ". # وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن المؤمن إذا ألحد في قبره أتاه ملكان أزرقان أسودان، فيأتيانه من ~~قبل رأسه، فتقول صلاته لا يؤتى من قبلي، فرب ليلة قد بات فيها ساهرا ~~حذارا لهذا المضجع فيوتى من قبل رجليه، فتقول رجلاه لا يؤتي من قبلنا، ~~فقد كان ينصب ويمشي علينا في طاعة الله حذارا لهذا المضجع فيؤتى من قبل ~~يمينه فتقول صدقته لا يؤتى من قبلي، فقد كان يتصدق حذارا لهذا المضجع، ~~فيؤتى من قبل شماله، فيقول صومه لا يؤتى من قبلي، فقد كان يجوع ويظمأ ~~حذارا لهذا المضجع، فيوقظ كما يوقظ النائم، ثم يسأل ". # قوله تعالى: { ونحشره يوم القيامة أعمى } إلى قوله: { ~~لأولي النهى }. # قال مجاهد: أعمى عن حجة، لا حجة له يهتدي بها، وقاله أبو صالح. # وقيل: معنى ذلك، أنه لا يهتدي إلى وجه ينال منه نفعا ولا خيرا، كما لا ~~يهتدي الأعمى إلى جهات المنافع في الدنيا. # وقيل: " أعمى " من عمى البصر، كما قال: ونحشر المجرمين يومئذ زرقا. # ثم قال تعالى: { قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت ~~بصيرا }. # قال مجاهد، معناه: لم حشرتني ولا حجة لي، وقد كنت عالما بحجتي بصيرا ~~بها عند نفسي في الدنيا. # وقال إبراهيم بن عرفة: كلما ذكر الله جل وعز في القرآن من العمى، فذمه ~~فإنما يريد به عمى القلب. قال الله تعالى: { فإنها لا تعمى ~~الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور }. # وقيل: معناه، وقد كنت ذا بصر أنظر به الأشياء في الدنيا. # وقيل: معنى الآية: ونحشره يوم القيامة أعمى عن حجته، ورؤية الأشياء، لأن ~~الآية عامة. ms1559 # وقوله: " لم حشرتني أعمى " ، أي: أعمى عن حجتي وعن رؤية الأشياء وقد كنت ~~بصيرا، أي: بصيرا بحجتي في الدنيا رائيا للأشياء. # وهذا سؤال من العبد لربه أن يعلمه الجرم الذي استحق ذلك عليه، لأنه ~~جهله وظن أنه لا ذنب له، فقال الله جل ذكره: { قال كذلك أتتك ~~آياتنا فنسيتها } أي: فعلت ذلك بك كما أتتك آياتنا، وهي ما أنزل ~~في كتابه من فرائضه. # { فنسيتها }. أي فتركتها، أي: أعرضت عنها، ولم تؤمن بها. # { وكذلك اليوم تنسى }. # أي: كما نسيت آياتنا في الدنيا، ولم تؤمن بها، كذلك تترك اليوم في ~~النار. # وقال قتادة: { وكذلك اليوم تنسى } أي: تنسى من الخير، ولم ~~تنسى من الشر. # ثم قال: { وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ~~ربه }. # أي: وهكذا نتيب من أسرف فعصى ربه، ولم يؤمن برسله وكتبه، فنذيقه معيشة ~~ضنكا في البرزخ { ولعذاب الآخرة أشد وأبقى }. أي: ~~ولعذاب الله إياهم في الآخرة أشد من عذاب القبر " وأبقى " أي: أدوم. # ثم قال: { أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من ~~القرون }. # أي: أفلم يهد يا محمد لقومك كثرة ما أهلكنا قبلهم من القرون الماضية، ~~يمشون في مساكنهم وآثارهم، ويرون آثار العقوبة التي أحللنا بهم لما ~~كفروا، فيؤمنون بالله وكتبه ورسله خوفا أن يصيبهم بكفرهم مثل ما أصاب ~~القرون قبلهم، فيكون " كم " فاعلة ليهد على هذا التقدير، كأنه قال: أفلم ~~يهد لهم القرون التي هلكت. " ويهد " بمعنى، يبين، وشاهد هذا التقدير أن ~~في حرف / ابن مسعود: أفلم يهد لهم من أهلكنا قبلهم فكم في موضع " من ". # وقيل: " كم " استفهام، فلا يعمل ما قبلها فيها، وهي في موضع نصب ب " ~~أهلكنا ". وهذا القول هو الصحيح عند البصريين، لا يعمل ما قبل " كم " ~~فيها خبرا كانت أو استفهاما، إنما يعمل فيها عندهم ما بعدها، كأي في ~~الاستفهام. # وكانت قريش تسافر إلى الشام، فيرون آثار عاد وثمود ومن هلك بكفره قبلهم ~~وبعدهم، فحذرهم الله أن يصيبهم مثل ما عاينوا. # وقيل: التقدير: أفلم يهد لهم الأمر، بإهلاكنا من أهلكنا، فالفاعل مضمر. ms1560 # وقال المبرد: الفاعل المصدر، ودل " يهدي " عليه، كأنه قال: يهدي الهدى. # ثم قال تعالى: { إن في ذلك لآيات لأولي النهى }. # أي: إن في ما يعاين هؤلاء من مساكن القرون الهالكة التي كذبت رسلها ~~قبلهم، لدلالات وعبرا ومواعظ لأولى العقول. # وقال ابن عباس: { لأولي النهى }: لأولي التقى. # وقال قتادة: لأولي الورع. ### || [20.129-131] # قوله تعالى ذكره: { ولولا كلمة سبقت من ربك } إلى ~~قوله: { خير وأبقى }. # أي: ولولا أن الله قدر أن كل من قضى له أجلا، فإنه لا يخترمه قبل بلوغ ~~ذلك الوقت، والأجل المسمى " لكان لزاما " أي: لكان العذاب لزاما لهم. # وقيل: المعنى: لولا أنه قد سبق في علم الله تأخير عذاب هذه الأمة إلى ~~يوم القيامة لكان العذاب لازما لهم على كفرهم. # وقيل: معنى: { كلمة سبقت من ربك } أي: أنه لا يعذبهم حتى ~~يبلغوا آجالهم. # ومعنى: { وأجل مسمى } هو يوم القيامة. # وقال مجاهد: " الأجل المسمى هو الدنيا. # وقال قتادة: الأجل المسمى، الساعة، يقول الله تعالى: # بل الساعة موعدهم # [القمر: 46]. # قال ابن عباس: " لكان لزاما " لكان موتا. # وقال ابن زيد: اللزام: القتل. # ثم قال: { فاصبر على ما يقولون }. # أي: اصبر يا محمد على قول هؤلاء المكذبين بآيات الله، بأنك ساحر وأنك ~~مجنون، وأنك شاعر، ونحو ذلك. # ثم قال: { وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس ~~وقبل غروبها }. # وقال ابن عباس: هي الصلاة المكتوبة أي: وصل بثنائك على ربك. # وقيل: قوله: { بحمد ربك } معناه: بحمدك ربك، وقوله: { قبل ~~طلوع الشمس } يعني بعد صلاة الصبح وقبل غروبها، صلاة العصر وقوله ~~{ ومن آنآء الليل } أي: ومن ساعات الليل فسبح، يريد صلاة ~~العشاء الآخرة. وأطراف النهار يعني: صلاة الظهر والمغرب لأن صلاة الظهر ~~في آخر طرف النهار الأول وفي أول طرف النهار الآخر فهي في طرفين منه، ~~والطرف الثالث غروب الشمس، وعند ذلك تصلي المغرب، فلذلك قيل أطراف ~~النهار، لأن للنهار أربعة أطراف، عند طلوع الشمس وعند غروبها وعند زوال ~~الشمس وعند وقوفها للزوال. # وقيل: إنه جمع في موضع تثنية. كما قال: فقد صغت قلوبكما. # وقيل: ms1561 قوله { ومن آنآء الليل } أوله وأوسطه وآخره قاله الحسن: ~~يعني: به النافلة. # وقال ابن عباس: " هو جوف الليل ". # وقوله: { لعلك ترضى } أي: في الآخرة. ولعل من الله واجبة. # ثم قال تعالى: { ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا ~~به أزواجا منهم }. # أي: لا تنظر يا محمد إلى ما جعلناه لهؤلاء المعرضين عن آيات الله ~~وأشكالهم من متعة متعوا بها في الدنيا { لنفتنهم فيه } أي: ~~لنختبرهم فيما متعناهم به. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على إبل لبعض العرب قد سمنت فتقنع ~~ثم مر ولم ينظر إليها، لقول الله تعالى: { ولا تمدن عينيك ~~إلى ما متعنا به أزواجا منهم... } الآية. # " وزهرة " منصوبة بمعنى: متعنا، لأن " متعنا " بمعنى: جعلنا، أي: جعلنا ~~لهم الحياة الدنيا زهرة. # ثم قال تعالى ذكره: { ورزق ربك خير وأبقى }. # أي: وعده لك بما يعطيك في الآخرة خير لك " وأبقى " أي: " وأدوم ". # ويروى أن هذه الآية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم من قبل أنه بعث ~~إلى يهودي يستسلف منه طعاما، فأبى أن يسلفه إلا برهن فحزن النبي لذلك، ~~فأنزل الله تعالى: { ولا تمدن عينيك إلى ما ~~متعنا... } الآية، ونزلت # ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم ~~* لا تمدن عينيك... # [الحجر: 87-88] الآية. # وقوله: { زهرة الحياة الدنيا } يعني: زينتها. # وقوله: { لنفتنهم فيه }. # أي: / لنبتليهم فيه. وقيل: لنجعل لهم ذلك فتنة. ### || [20.132-135] # قوله تعالى ذكره: { وأمر أهلك بالصلاة } إلى آخر السورة. # أي: وأمر أهلك بالدوام على الصلاة، واصطبر على القيام عليها والإتيان ~~بها بحدودها. { لا نسألك رزقا } أي: أن ترزق نفسك ولا ترزق ~~أحدا من العباد. وكان عمر رضي الله عنه إذا قام من الليل صلى، فإذا كان ~~من السحر أيقظ أهله فقال: الصلاة الصلاة. وتأول هذه الآية، وامر أهلك ~~بالصلاة... الآية. # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل بأهله ضيق أو شدة، أمرهم ~~بالصلاة ثم قرأ { وأمر أهلك بالصلاة }... الآية. # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حز به أمر يصلي. # وقال صلى الله ms1562 عليه وسلم في رواية عثمان بن عفان عنه: # " من توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى ركعتين غفر له ". # قال محمد بن كعب: وكنت إذا سمعت الحديث طلبت تصديقه في كتاب الله عز ~~وجل، فطلبت تصديق هذا فوجدته في كتاب الله عز وجل في قوله: لنبيه # إنا فتحنا لك فتحا مبينا * ليغفر لك الله ~~ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته ~~عليك # [الفتح: 1-2] فجعل تمام النعمة أن غفر له ذنبه، وقوله: # يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ~~فاغسلوا وجوهكم # [المائدة: 6] إلى قوله: # وليتم نعمته عليكم # [المائدة: 6] فعلمت حين جعل تمام النعمة على النبي صلى الله عليه وسلم ~~المغفرة أنها هنا، مثل ذلك حين قال: وليتم نعمته عليكم فهو المغفرة. # ثم قال: { والعاقبة للتقوى }. # أي: والعاقبة الصالحة من عمل كل عامل لأهل التقوى. # ثم قال تعالى: { وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه ~~}. # أي: وقال المشركون هلا يأتينا محمد بآية من ربه، كما أتى صالح قومه ~~بالناقة من ربه، وعيسى بإحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص. # ثم قال الله تعالى جوابا لهم: { أولم تأتهم بينة ما في ~~الصحف الأولى }. # أي: ما في الكتب التي قبل هذا الكتاب من أخبار الأمم من قبلهم التي ~~أهلكناهم لما سألوا الآيات. فكفروا بها لما أتتهم كيف عجلنا لهم العذاب. # فالمعنى: فما يؤمنهم إن أتتهم آية أن يكون حالهم كحال أولئك. # قال مجاهد: { ما في الصحف الأولى }: التوراة والإنجيل. # وقال قتادة: { الصحف الأولى } الكتب التي خلت من الأمم التي ~~يمشون في مساكنهم. # ثم قال تعالى: { ولو أنآ أهلكناهم بعذاب من قبله ~~}. # أي: ولو أنا أهلكنا هؤلاء المشركين الذين يكذبون بهذا القرآن بعذاب من ~~قبل ننزله عليهم. # وقيل: من قبل أن نبعث داعيا يدعوهم إلى ما فرضنا عليهم. فالهاء تعود ~~على القرآن، أو على النبي. # ثم قال: { لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا ~~}. # أي: لقالوا يوم القيامة إذا وردوا على الله تعالى، فأراد عقابهم: ربنا ~~هلا أرسلت إلينا رسولا يدعونا إلى طاعتك فنتبع آياتك، أي: حججك وأدلتك ms1563 ~~وأمرك ونهيك من قبل أن تذل بتعذيبك لنا ونخزي بها. # روى الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " يحتج على الله عز وجل يوم القيامة ثلاثة: الهالك في الفترة، والمغلوب ~~على عقله، والصبي الصغير. فيقول المغلوب على عقله: لم يجعل لي عقلا ~~أنتفع به، ويقول الهالك: لم يأتني رسول ولا نبي، ولو أتاني لك رسول أو ~~نبي لكنت أطوع خلقك لك، وقرأ { لولا أرسلت إلينا رسولا } ~~ويقول الصغير: كنت صغيرا لا أعقل قال فترفع لهم النار فيقال لهم ردوها. ~~قال: فيردها من كان في علم الله أنه سعيد، ويتلكأ عنها من كان في علم ~~الله أنه شقي. فيقول: إياي عصيتم، فكيف برسلي لو أتتكم ". # ثم قال: { قل كل متربص فتربصوا }. # أي قل يا محمد: كلكم أيها المشركون متربص، أي: منتظر دوائر الزمان، ~~فتربصوا، أي: فترقبوا، وانتظروا { فستعلمون من أصحاب ~~الصراط السوي }. # أي: من أهل الطريق المعتدل المستقيم، أنحن أم أنتم؟. # { ومن اهتدى }. # أي: وستعلمون حينئذ من المهتدي الذي هو على سنن الطريق القاصد، غير ~~الجائر عن قصده منا ومنكم. # " ومن " استفهام في موضع رفع، / لا يعمل فيها ستعلمون. # وأجاز الفراء: أن تكون في موضع نصب بقوله: ستعلمون. بمنزلة # والله يعلم المفسد من المصلح # [البقرة: 220]. # فإن جعلت " من " غير استفهام، جاز أن يعمل فيها ما قبلها. # وقرأ يحيى بن يعمر وعاصم الجحدري: " السوى " بتشديد الواو من غير ~~همز على " فعلى " أراد السوأي. ثم سهل الهمزة على البدل والإدغام وأنثها ~~لأن الصراط يؤنث، والتذكير فيه أكثر. ### | [21 - سورة الأنبياء] ### || [21.1-3] # قوله تعالى ذكره: { اقترب للناس حسابهم } إلى قوله: { ~~وأنتم تبصرون }. # معناه: دنا حساب الله للناس على أعمالهم ونقمته منهم { وهم في ~~غفلة معرضون } يعني: في الدنيا. # روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " في غفلة في الدنيا ". # وروي أن أصحاب النبي عليه السلام كان يقول بعضهم لبعض كل يوم، ما ~~الخبر؟. أي: ما حدث؟. فمر رجل برجل يبني حائطا له، فقال له: ما الخبر؟ ~~فقال: نزلت: ms1564 " اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون ". فنزل وترك ~~البناء، فلم يبن ذلك الحائط بعدها. # فالمعنى: قرب [من الناس حسابهم] وهم قد غفلوا عما يراد بهم من محاسبة ~~ربهم لهم على أعمالهم. # قال ابن عباس: " عنى بذلك الكفار " دليله، قوله: ما يأتيهم من ذكر من ~~ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون. # ومعنى الآية ما يأتي الكفار. # وقال ابن عباس: " اقترب للناس حسابهم " معناه: قرب عذابهم. # قوله: { ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث }. # أي: ما يأتيهم من قرآن يذكرهم الله به ويعظمهم إلا استمعوه وهم يلعبون، ~~لا يعتبرون ولا يتفكرون في وعده ووعيده. # ومعنى " محدث " أي: محدث عند النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه لم يكن ~~يعلمه فعلمه بإنزال جبريل صلى الله عليهما وسلم إياه عليه فهو محدث في ~~علم النبي عليه السلام ومعرفته. غير محدث عند الله تعالى ذكره. # وقد قيل: عني بذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكرهم ويعظهم ~~فتذكيره لهم محدث على الحقيقة. # وقال: { من ربهم } لأنه لا ينطق إلا بما يؤمر به، قال تعالى ~~ذكره: # وما ينطق عن الهوى # [النجم: 3] فالله أمره بوعظهم، وتذكيرهم، فلذلك قال: " من ربهم ". # ثم قال: { لاهية قلوبهم }. # أي: غافلة، لا يتدبرون حكمه ولا يتفكرون فيما أودعه كتابه. # ثم قال تعالى: { وأسروا النجوى الذين ظلموا }. # أي: أسر هؤلاء الناس الذين اقترب حسابهم، النجوى بينهم، أي: أظهروا ~~المناجاة بينهم، فقالوا: هل محمد إلا بشر مثلكم، وهو يزعم أنه رسول من ~~عند الله إليكم. # وقيل: { وأسروا النجوى } أي: قالوا ذلك سرا. # وقال أبو عبيدة: " هو من الأضداد ". # وقوله: # قال ربي يعلم القول في السمآء والأرض # [الأنبياء: 4]. # الآية يدل على أنه بمعنى أخفوا. # ثم قال: { أفتأتون السحر وأنتم تبصرون }. # زعموا أن محمدا صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم ساحر، وأن ما جاء به سحر. ~~أي تقبلون ما جاءكم به وهو سحر وأنتم تبصرون أنه بشر مثلكم. # وفي الضمير الذي أتى بلفظ الجمع في قوله تعالى: { وأسروا ~~النجوى الذين ظلموا } مع الكلام على موضع ms1565 " الذين " من ~~الإعراب ستة أقوال: # الأول: أن يكون { الذين ظلموا } بدلا من الواو في { ~~وأسروا }. # فيكون التقدير: { وأسروا النجوى الذين ظلموا }. # والثاني: أن يكون { الذين ظلموا } رفعا بابتداء مضمر، ~~والتقدير: " هم الذين ظلموا ". # والثالث: أن يكون { الذين ظلموا } رفعا بفعلهم. والتقدير: يقول ~~الذين ظلموا هل هذا. # والرابع: أن يكون { الذين ظلموا } في موضع نصب بإضمار، أعني. # والخامس: أن يكون على لغة من جمع الفعل مقدما، كما حكي: أكلوني ~~البراغيث، وهو قول الأخفش. # والسادس: أن يكون { الذين ظلموا } بدلا من الناس أو نعتا. ~~كأنه قال: اقترب للناس الذين ظلموا حسابهم. # والوقف على { وأسروا النجوى } حسن على القول الثاني والثالث ~~والرابع. ### || [21.4-10] # قوله تعالى: { قال ربي يعلم القول في السمآء ~~والأرض } إلى قوله: { فيه ذكركم أفلا تعقلون }. # أي: قل يا محمد: ربي يعلم قولكم بينكم، { أفتأتون السحر ~~وأنتم تبصرون } ويعلم غير ذلك في السماوات والأرض وهو السميع ~~لجميع ذلك /، العليم بجميع خلقه، فيجازي كلا على قدر أعمالهم. # ثم قال تعالى: { بل قالوا أضغاث أحلام }. # أي: بل قال المشركون: الذي جاء به محمد أضغاث أحلام. أو هم أضغاث أحلام. ~~أي: لم يصدقوا بالقرآن، ولا آمنوا به ولكن قالوا: هو أضغاث أحلام، أي ~~رؤيا رآها في النوم. # " والأضغاث " الأخلاط. ومنه { وخذ بيدك ضغثا }. # وقال بعضهم: بل هي فرية واختلاق من عند نفسه. # وقال بعضهم: بل محمد... شاعر، فنقض بعضهم قول بعض. # ثم قالوا بعد ذلك. ونقضوا قولهم كلهم ورجعوا عن ما قالوا، فقالوا: { ~~فليأتنا بآية كمآ أرسل الأولون } أي: بل يأتينا محمد ~~بآية تدل على صدقه، كما جاءت به الرسل قبل محمد؟ من مثل الناقة، وإحياء ~~الموتى وشبهه. وذلك منهم تعنت، لأن الله تعالى قد أعطاه من الآيات ما لهم ~~فيها كفاية، وإنما دخلت " بل " في هذا وليس في الكلام جحد لأن الخبر عن ~~أهل الجحود والتكذيب، فدخلت " بل " لذلك. # ثم قال تعالى ذكره: { مآ آمنت قبلهم من قرية ~~أهلكناهآ }. # في هذه الآية بيان لإثبات القدر، لأن المعنى: أن امتناع من تقدم من ~~الكفار ms1566 من الإيمان حتى هلكوا لا يوجب امتناع من بعدهم، لكن كل ذلك بقدر ~~من الله جل ذكره؛ وتحقيق المعنى على قول المفسرين، ما آمن قبل هؤلاء ~~الذين كذبوا محمدا من أهل قرية عذبناها بالهلاك في الدنيا إذ كفروا بعد ~~مجيء الآية. # { أفهم يؤمنون } استفهام معناه التقرير. أي: فهؤلاء المكذبون ~~محمدا السائلون الآية، يؤمنون إن جاءتهم آية. فلم يبعث الله تعالى إليهم ~~آية لعلمه أنهم يكذبون بها، فيجب عليهم حلول العذاب. وقد تقدم في علمه أن ~~ميعادهم الساعة. # قال تعالى: # بل الساعة موعدهم # [القمر: 46]. فلما كان أمر هذه الأمة وعقوبتها، أخرها الله إلى قيام ~~الساعة، لم يرسل إليها آية مما اقترحوا به من الآيات التي توجب حلول ~~العذاب عليها إذ كفرت بعد ذلك كما فعل بالأمم الماضية. # ثم قال: { ومآ أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي ~~إليهم } أي: وما أرسلنا قبلك يا محمد من الرسل إلا رجالا مثل الأمم ~~المرسل إليها. يوحي الله إليهم ما يريد. أي: لم يرسل ملائكة، فما أنكر ~~هؤلاء من إرسالك إليهم وأنت رجل مثلهم؟ # وهذا جواب لقول المشركين: { هل هذآ إلا بشر مثلكم }. # ثم قال: { فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ~~}. # أي: اسألوا: أهل الكتب التي نزلت قبل كتابكم، يخبرونكم أنه لم تكن الرسل ~~التي أتتهم بالكتب إلا رجالا مثلهم. # قال سفيان: " يريد: اسألوا من أسلم من أهل التوراة والإنجيل ". # ويراد بالذكر: التوراة والإنجيل. # وروي عن عبد الله بن سلام: أنه قال: " نزلت في { فاسئلوا أهل ~~الذكر } فهذا يدل على أن " الذكر " التوراة. # وقال قتادة: { أهل الذكر }: " أهل التوراة ". # وقيل: { أهل الذكر } " أهل القرآن " من آمن منهم. # وقال علي: " نحن أهل الذكر ". # وقال ابن زيد: " الذكر: القرآن. لقوله: { إنا نحن نزلنا ~~الذكر } ". # ثم قال تعالى: { وما جعلناهم جسدا لا يأكلون ~~الطعام }. # أي: وما جعلنا الرسل الذين أرسلنا في الأمم الخالية، جسدا لا يأكلون ~~الطعام. أي: لم نجعلهم ملائكة، ولكن جعلناهم مثلك، يأكلون الطعام. # وقال قتادة: معناه: " ما جعلناهم جسدا إلا ليأكلوا الطعام ". # وقال الضحاك: معناه: " لم ms1567 أجعلهم جسدا لا روح فيه، لا يأكلون الطعام، ~~ولكن جعلناهم أجسادا فيها أرواح يأكلون الطعام ". والجسد وحد ~~وقبله جماعة، لأنه بمعنى المصدر، كأنه قال: وما جعلناهم خلقا لا ~~يأكلون الطعام. # والتقدير: ذوي جسد. وهذا جواب لقولهم # وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام # [الفرقان: 7]. فأعلمهم [الله] أن الرسل تأكل الطعام، وأنهم يموتون. وهو ~~معنى قوله: وما كانوا خالدين. # ثم قال تعالى: { ثم صدقناهم الوعد }. # أي: صدقنا الرسل الوعد بإهلاك قومهم إذ سألوا الآيات، فأتتهم وكذبوا ~~بها. كقوله تعالى: # فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه # [المائدة: 115]. # { فأنجيناهم }. # أي: أنجينا الرسل لما أتى العذاب لأممها. { ومن نشآء } أي: ~~وأنجينا من نشاء، يعني: من آمن بالرسل، { وأهلكنا المسرفين } ~~يعني: الذين أسرفوا / على أنفسهم فكذبوا الآيات بعد أن أتتهم، فازدادوا ~~كفرا بذلك، فهو إسرافهم. # ثم قال تعالى: { لقد أنزلنآ إليكم كتابا فيه ~~ذكركم }. يخاطب قريشا. أي: فيه شرفكم إن آمنتم به، لأنه عليكم نزل، ~~وبلغتكم. وهو قوله: { وإنه لذكر لك ولقومك } قاله ابن ~~عباس. # وقال مجاهد: { فيه ذكركم } أي: حديثكم. # وقال سفيان: " نزل القرآن بمكارم الأخلاق " ، فهو شرف لمن اتبعه وآمن ~~به. # والذكر: يستعمل بمعنى الشرف: يقال فلان مذكور في هذا البلد، إذا كان فيه ~~رفيعا مذكورا بالشرف والفضل. # وقيل: معناه: فيه [ذكركم أي]: ذكرناكم به أمر دينكم وأمر ~~آخرتكم ومعادكم فجعله ذكرهم، إذ كان به يذكرهم ما وصفنا. وقد قال الله ~~تعالى: # إنآ أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار # [ص: 46]. أي اخترناهم ليذكروا أمر معادهم وآخرتهم. وفيه قول آخر، تراه ~~في موضعه. # وقوله: { أفلا تعقلون }. # تقرير توبيخ وتنبيه على فهم ذلك وقبوله [أي]: أفلا تعقلون أن ذلك على ما ~~أخبرناكم به. ### || [21.11-23] # قوله تعالى: { وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة } إلى ~~قوله: { عما يفعل وهم يسألون }. # المعنى: وكثيرا أهلكنا من أهل القرى كانوا ظالمين بكفرهم ف " كم " في ~~موضع نصب بقصمنا، وهي خبر، وفيها معنى التكثير. وانقصم أصله الكسر. يقال ~~انقصم سنه، وقصمت ظهر فلان، أي: كسرته. # وروى ابن وهب عن بعض رجاله، أنه كان باليمن ms1568 قريتان، فبطر أهلها وأترفوا ~~حتى ما كانوا يغلقون أبوابهم، فبعث الله تعالى إليهم نبيا فدعاهم، ~~فقتلوه، فألقى الله في نفس بخت نصر غزوهم، فبعث إليهم جيشا، فهزموه، ثم ~~بعث آخر فهزموه. فخرج إليهم بنفسه، فهزمهم، فخرجوا يركضون فسمع مناد ~~يقول: { لا تركضوا وارجعوا إلى مآ أترفتم فيه ~~ومساكنكم }. فرجعوا، فسمعوا صوتا يقول: يا لثارات النبي فقتلوا ~~كلهم. فهي التي عنى الله في هذه السورة حصدوا بالسيف. # قال مجاهد: " قصمنا ": أهكلنا. وجرى الخبر عن القرية والمراد أهلها، لأن ~~المعنى مفهوم. # ثم قال: { وأنشأنا بعدها قوما آخرين } أي: أحدثنا بعد ~~إهلاك هؤلاء الظالمين قوما آخرين سواهم. # ثم قال: { فلمآ أحسوا بأسنآ إذا هم منها ~~يركضون }. # أي: فلما عاين هؤلاء الظالمون من أهل القرى العذاب، ووجدوا مسه، إذا هم ~~مما أحسوا يركضون. أي: يهربون سراعا يعدون. وأصله من ركض الدابة إذا ~~حركت رجليك عليها فعدت. # فقوله: { فلمآ أحسوا بأسنآ }. # لا يرجع إلى قوله: { قوما آخرين } لأنه لم يذكر لهم ذنبا يعذبون ~~من أجله، لكنه راجع إلى قوله: { وكم قصمنا من قرية كانت ~~ظالمة }. # ثم قال: { لا تركضوا }. # أي: لا تفروا ولا تهربوا. { وارجعوا إلى مآ أترفتم ~~فيه }. أي: إلى ما أنعمتم فيه من عيشكم وإلى، { ومساكنكم ~~لعلكم تسألون } أي: تسألون عن دنياكم شيئا. على وجه السخرية ~~بهم والاستهزاء. قاله: قتادة. # وقال مجاهد: { لعلكم تسألون } أي: تنتهون. # وقيل: معناه: لعلكم تسألون شيئا مما شغلكم عما لكم فيه الصلاح، على ~~التهدد. # وقيل: معناه: لعلكم تسألون عما نزل بكم من العقوبة وعاينتموه من العذاب. # ثم قال تعالى: { قالوا يويلنآ إنا كنا ظالمين }. # أي: قالوا لما حل عليهم العذاب: يا ويلنا. وهي كلمة يقولها من وقع في ~~هلكة وتقال لمن وقع في هلكة. # { إنا كنا ظالمين } بكفرنا بربنا. # ثم قال تعالى: { فما زالت تلك دعواهم }. # أي: فما زالت تلك الكلمة دعواهم وهي الدعاء بالويل، والإقرار بالظلم. # { حتى جعلناهم حصيدا خامدين }. # أي: حتى هلكوا فحصدوا من الحياة كما يحصد الزرع فصاروا مثل الحصيد من ~~الزرع. { خامدين } أي: قد ms1569 سكنت حركتهم كما تخمد النار فتطفأ. # قال الضحاك ومقاتل ومجاهد: " حصدوا قتلا بالسيف ". # قال قتادة: " لما عاينوا العذاب، لم يكن لهم هجيري إلا قولهم: يا ~~ويلنا، إنا كنا ظالمين. # حتى دمر الله تعالى عليهم فأهلكهم. # قال ابن عباس: " خامدين خمود النار، أي طفئت ولم ينتفعوا بالإيمان ~~والندم / عند معاينة العذاب، لأنه وقت قد رفع عنهم فيه التكليف. وإذا رفع ~~التكليف، ارتفع القبول. وإنما القبول منوط بالتكليف. # ثم قال تعالى: { وما خلقنا السمآء والأرض وما ~~بينهما لعبين }. # أي: ما خلقناهما لعبا وعبثا، إنما خلقناهما حجة عليكم أيها الناس، ~~لتعتبروا وتعلموا أن الذي خلقهما ودبرهما لا يشبهه شيء، وإنه لا تكون ~~العبادة إلا له. # وقيل: المعنى، ما خلقناهما وما بينهما لعبا ولا باطلا، أي: ليظلم بعض ~~الناس بعضا، ويكفر بعضهم، ويخالف بعضهم ما أمر به، ثم يموتوا فلا يجازون ~~بأفعالهم. # وقيل: المعنى: ما خلقناهما لعبا، بل خلقناهما ليؤمر الناس بحسن وينهوا ~~عن قبح. # ثم قال تعالى: { لو أردنآ أن نتخذ لهوا }. # أي: زوجة وولدا، { لاتخذناه من لدنآ } أي: من عندنا. أي ~~مما نخلق. لكنا لا نفعل ذلك، ولا يصلح لنا فعله. # قال الحسن: اللهو: المرأة. وقاله مجاهد. # وقال قتادة: اللهو بلغة أهل اليمن - المرأة. # وقال ابن عباس: " لهوا: ولدا ". # وقيل: لهوا: نكاحا. # وقوله: { إن كنا فاعلين }. # أي: ما كنا فاعلين. قاله قتادة. # وقيل: إن: للشرط. والتقدير: إن كنا فاعلين، ولسنا ممن يفعله. # وقال ابن جريج: " قالوا: مريم صاحبته، وعيسى ولده. تعالى الله عن ذلك ~~علوا كبيرا. فأنزل الله: { لو أردنآ أن نتخذ } الآية. # ومعنى: " من لدنا " عند ابن جريج: " من عندنا من أهل السماء ولم نتخذه ~~من أهل الأرض الذين تلحقهم الآفات والنقص ". # { إن كنا فاعلين } أي: ما كنا نفعل ذلك. # ثم قال تعالى: { بل نقذف بالحق على الباطل }. # قال مجاهد: الحق: القرآن، والباطل الشيطان. وكذلك كل ما في القرآن من ~~الباطل فهو الشيطان عنده. وتقديره في العربية ذو الباطل فتقديره: بل ننزل ~~القرآن على الكفر وأهله { فيدمغه } أي: فيهلكه. ولذلك قيل ms1570 للشجة ~~التي تبلغ الدماغ: (الدامغة) وقيل من سلم منها. # قوله { فإذا هو زاهق }. # أي: ذاهب مضمحل. # ثم قال تعالى: { ولكم الويل مما تصفون }. # أي: ولكم الويل من وصفكم ربكم بغير صفته بقولكم: إنه اتخذ ولدا وزوجة. # وقيل: معناه: ولكم واد في جهنم يستعيذ أهل جهنم منه. # ثم قال تعالى: { وله من في السموت والأرض ومن ~~عنده }. # أي: كيف يجوز أن يتخذ ولدا من له من في السماوات والأرض، ومن عنده من ~~الملائكة الذين ادعيتم أنهم بنات الله لا يستكبرون عن عبادتهم إياه { ~~ولا يستحسرون } أي: ولا يعيون ولا ينقطعون عن عبادته. # " وعند " في هذا بمعنى: قرب المنزلة عند الله لهم، وليس بمعنى قرب ~~المسافة، لأنه لا تحويه الأمكنة فقد علمتم أنه ليس يستعبد والد ولده، ولا ~~صاحبته، وكل من في السماوات والأرض عبيده، فكيف يكون له صاحبة وولد، أفلا ~~تتفكرون فيما تفترون من الكذب على ربكم. # ثم قال تعالى: { يسبحون اليل والنهار لا يفترون }. ~~أي: لا يكلون من تسبيحهم. # قال كعب: " التسبيح لهم بمنزلة النفس لبني آدم ". # وعنه أنه قال: " ألهموا التسبيح كما ألهمتم الطرف والنفس ". # وذكر علي بن معبد أن عمر بن الخطاب قال لكعب: خوفنا يا كعب. فقال: " إن ~~لله عز وجل ملائكة من يوم خلقهم قيام، ما ثنوا أصلابهم، وآخرين ركوعا ما ~~رفعوا أصلابهم، وآخرين سجودا ما رفعوا رؤوسهم حتى ينفخ في الصور النفخة ~~الآخرة، فيقولون جميعا: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك كما ينبغي لك أن ~~تعبد ثم قال: والله لو أن رجلا عمل عمل سبعين نبيا لاستقل عمله من شدة ~~ما يرى يومئذ، والله لو دلي من غسلين دلو واحد من مطلع الشمس، لغلت منه ~~جماجم قوم في مغربها والله لتزفرن جهنم زفرة ولا يبقى ملك مقرب إلا خر ~~جاثيا على ركبتيه ". # وروى ابن المبارك في حديث عن بعض شيوخه: " أن ملكا لما استوى الرب جل ~~ذكره على عرشه سجد فلم يرفع رأسه ولا يرفعه إلى يوم القيامة. فيقول يوم ~~القيامة: لم أعبدك حق عبادتك، إلا ms1571 أني لم أشرك بك شيئا، ولم أتخذ من ~~دونك وليا ". # وعن عبد الله بن عمرو أنه قال: " إن الله جزأ الخلق عشرة أجزاء، فجعل ~~الملائكة تسعة أجزاء، وسائر الخلق جزء. وجزأ الملائكة / عشرة أجزاء فجعل ~~تسعة أجزاء يسبحون الليل والنهار لا يفترون وجزءا لرسالته. وجزأ سائر ~~الخلق عشرة أجزاء فجعل الجن تسعة أجزاء، وسائر بني آدم جزءا. وجزأ بني ~~آدم عشرة أجزاء، فجعل يأجوج ومأجوج تسعة أجزاء، وسائر بني آدم جزءا ". # وعنه أيضا أنه قال: " الملائكة عشرة أجزاء، تسعة أجزاء منهم الكروبيون ~~الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وجزءا واحدا لرسالته ولما شاء ~~من أمره ". # وقال ابن عباس: " كل تسبيح في القرآن، يعني: به الصلاة ". # ثم قال تعالى: { أم اتخذوا آلهة من الأرض }. # أي: اتخذ هؤلاء المشركون آلهة من الأرض: { هم ينشرون } أي: هذه ~~الآلهة تحيي الموتى. بل الله هو الذي يحيي الموتى. # وقرئ { هم ينشرون } بفتح الياء. والمعنى: هم يحيون فلا يموتون ~~أبدا، كالله الحي الذي لا يموت. # ثم قال تعالى: { لو كان فيهمآ آلهة إلا الله ~~لفسدتا }. # أي: لو كان في السماوات والأرض آلهة غير الله. و " إلا " بمعنى: غير: ~~فاعرب الاسم الذي بعد " إلا " كإعراب " غير " لو ظهرت فرفع. # هذا مذهب البصريين وسيبويه. # وقال الفراء: " إلا " بمعنى سوى. ومعنى الآية: لو كان المعبود آلهة أو ~~إلهين لفسد التدبير، لأن أحدهما يريد ما لا يريد الآخر، فإذا تم ما أراد ~~أحدهما، عجز الآخر. والعاجز لا يكون إلها. وإذا فسد وجود إلهين أو آلهة، ~~ولم يكن بد من خالق مقدر للأشياء، يقدم المقدم منها، ويؤخر المؤخر منها، ~~ويوجدها بعد عدمها، ثبت أنه واحد. # ثم قال تعالى: { فسبحان الله رب العرش عما يصفون ~~} أي: فتنزيه لله تعالى وتبرئة له عما يفتري عليه هؤلاء المشركون من ~~الكذب. # ثم قال تعالى: { لا يسأل عما يفعل وهم يسألون }. # أي: لا سائل يتعقب عليه فيما يفعله بخلقه من حياة وموت وصحة ومرض، وغير ~~ذلك وجميع الخلق. مسؤولون عن أفعالهم، ومحاسبون عليها. ### || [21.24-30] # قوله تعالى ms1572 ذكره: { أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا ~~برهانكم } إلى قوله: { كل شيء حي أفلا يؤمنون }. # المعنى: اتخذ هؤلاء المشركون من دون الله آلهة تنفع وتضر، وتحيي وتميت. ~~قل لهم يا محمد هاتوا برهانكم إن كنتم تزعمون أنكم محقون في أقوالكم أي: ~~هاتوا حجة ودليلا على صدقكم. # وقيل: معناه: بل اتخذوا آلهة. وهو بعيد لقوله: " هم ينتشرون " لأنه يصير ~~أنه أوجب ذلك لهم. وذلك لا يجوز. # ثم قال: { هذا ذكر من معي وذكر من قبلي } ، أي: هذا ~~الذي جئتكم به من القرآن خبر من معي مما لهم من ثواب الله على إيمانهم، ~~وما عليهم من عقاب الله على معصيتهم إياه، وكفرهم به. " وذكر من قبلي " ~~من الأمم التي سلفت قبلي. أي خبرهم، وما فعل الله بهم في الدنيا، وما هو ~~فاعل بهم في الآخرة. # قال قتادة: " ذكر من معي " القرآن فيه الحلال والحرام. " وذكر من قبلي " ~~ذكر أعمال الأمم السالفة وما صنع الله بهم، وما هو صانع بهم وإلى ما ~~صاروا. # وقال ابن جريج: معناه: هذا حديث من معي، وحديث من قبلي. # وقيل: المعنى: " وذكر من قبلي " يعني الكتب المتقدمة. أي: هذا القرآن ~~وهذه الكتب المتقدمة لا يوجد في شيء منها. أن الله اتخذ ولدا، ولا كان ~~معه إله. فالمعنى على هذا أنه جواب ورد لقوله: { أم اتخذوا من ~~دونه آلهة }. # وقوله: { لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا } أي: ~~هذا ذكر من معي وهو القرآن وذكر من قبلي وهو التوراة والإنجيل هل فيهما ~~أن العبادة للآلهة أو فيهما أن الله تعالى أذن لأحد أن يتخذ إلها من ~~دونه. وهل فيهما إلا أن الله إله واحد. ودل على ذلك كله أيضا قوله بعد ~~ذلك: { ومآ أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي ~~إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون }. # وقرأ يحيى بن يعمر " هذا ذكر " من معي " وذكر " من قبلي بالتنوين وكسر ~~الميم من " من " وتقديره: هذا ذكر مما أنزل إلي وذكر مما قبلي. # وأنكر أبو حاتم هذه القراءة، ولم ms1573 يعرف لها وجها. # ثم قال: { بل أكثرهم لا يعلمون الحق } أي: لا يعلمون ~~الصواب من الخطأ. فهم معرضون عن الحق جهلا به. # وقال قتادة: " معناه: فهم معرضون عن كتاب الله. # وقرأ الحسن: " الحق " بالرفع، على معنى: هذا الحق، أو هو الحق. # ثم قال تعالى: { ومآ أرسلنا من قبلك من رسول إلا ~~نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون }. # أي: ما أرسلنا الرسل من قبلك يا محمد إلا بالتوحيد وإلا بالعبادة لله ~~وحده، فهذا الأصل الذي لا بد منه /، والشرائع بعد ذلك تختلف، في التوراة ~~شريعة، وفي الإنجيل شريعة، وفي القرآن شريعة. # كما قال تعالى: # لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا # [المائدة: 48]. # ثم قال تعالى: { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا }. # أي: قال الكافرون بربهم اتخذ الرحمان ولدا من ملائكته " سبحانه " ينزه ~~نفسه ويبرؤها مما قالوا: { بل عباد مكرمون }. # أي: بل هم عباد مكرمون، أي: بل الملائكة الذين جعلوهم بنات الله عباد ~~مكرمون. # وقيل: عنى به، الملائكة وعيسى عليهم السلام. # قال قتادة: " قالت اليهود إن الله جل ذكره صاهر الجن، فكانت منهم ~~الملائكة، فقال الله تكذيبا لهم: " بل هم عباد مكرمون ". # وعنه أيضا أنه قال: قالت اليهود وطوائف من الناس ذلك. # ثم قال: { لا يسبقونه بالقول }. # أي: لا يتكلمون إلا بما أمرهم به قاله قتادة. { وهم بأمره ~~يعملون } أي: لا يأمرون حتى يأمر. # وقيل: يعملون ما أمروا به. # ثم قال تعالى: { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم }. # أي: يعلم ما بين أيدي ملائكته مما لم يبلغوه وهم قائلون وعاملون. { ~~وما خلفهم } أي: وما مضى قبل اليوم مما خلفوه وراءهم من الأزمان ~~والدهور وما عملوا فيه. # قال ابن عباس: معناه: " يعلم ما قدموا وما أضاعوا من أعمالهم ". # ثم قال تعالى: { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى }. # أي: لا يشفع الملائكة إلا لمن رضي الله عنه. # قال ابن عباس: " إلا لمن ارتضى " أي: ارتضى له بشهادة أن لا إله إلا ~~الله وهذا من أبين الدلالة على جواز الشفاعة بشرط الرضا من الله عز وجل ~~وقال مجاهد: ms1574 " لمن رضي عمله ". # ثم قال: { وهم من خشيته مشفقون }. # أي: من خوف الله وحذر عقابه حذرون خائفون. # ثم قال: { ومن يقل منهم إني إله من دونه ~~فذلك نجزيه جهنم }. # أي: من يقل من الملائكة إني إله من دون الله فثوابه جهنم. # وقيل: عنى به إبليس، لأنه كان من الملائكة، ولم يقل ذلك أحد من الملائكة ~~غيره. قاله: ابن جريج وقتادة. # ثم قال: { كذلك نجزي الظالمين }. # أي: كذلك نجزي كل من عبد غير الله، أو ادعى ما لا يجب له من الألوهية. # ثم قال تعالى: { أولم ير الذين كفروا أن ~~السموت والأرض كانتا رتقا ففتقناهما }. # أي: أو لم يعلم هؤلاء المشركون بقلوبهم فيعلمون أن السماوات والأرض كان ~~كل واحد منهما لا صدع فيه. لا تمطر السماء ولا تنبت الأرض، { ~~ففتقناهما }. أي: فصدعهما الله بالماء والنبات، فأنزل الله من ~~السماء الماء، وأخرج من الأرض النبات. هذا معنى قول عكرمة. قال: " فتقت ~~السماء بالمطر، وفتقت الأرض بالنبات وهو قوله: # والسمآء ذات الرجع * والأرض ذات الصدع # [الطارق: 11-12] وهو أيضا قول عطية وابن زيد. وهذا القول اختيار ~~الطبري، لأن بعده: { وجعلنا من المآء كل شيء حي } أي: ~~من الماء الذي فتقنا السماء به. ووحد رتقا، لأنه مصدر. يقال: رتق فلان ~~الفتق. إذا سده، فهو يرتقه رتقا. # وقيل: معنى الآية كانتا ملتصقتين ففصلنا بينهما بالهواء، قاله: الحسن ~~وقتادة. # وقال مجاهد: " كانت السماء مرتتقة طبقة واحدة، ففتقها الله سبع سماوات. ~~وكذا الأرض. وهو قول أبي صالح والسدي. # وعن ابن عباس أن المعنى: " أن السماء والأرض كانتا ملتصقتين بالظلام لأن ~~الليل خلق قبل النهار، ففتقهما الله تعالى بضوء النهار ". # وقوله: " إن السماوات " تدل على قول مجاهد. # وقد قيل: إنما قال السماوات يريد به السماء، لأن كل قطعة منها سماء. # وقيل: إنما قال " السماوات " لأن المطر روي أنه ينزل من السماء السابعة. ~~وروي أنه ينزل من الرابعة. وقد قالوا: ثوب أخلاق، فجمعوا لأن كل قطعة منه ~~خلقة، فجمع لأن فيها قطع كثيرة. # وقوله: " كانتا " ، ولم يقل " كن " ، فإنما ms1575 كان ذلك لأنهما صنفان، كما ~~قال تعالى: # يمسك السموت والأرض أن تزولا # [فاطر: 41] وقيل: إنما كان ذلك لأن السماوات كانت سماء واحدة، فعبر على ~~الأصل. # وقوله تعالى: { وجعلنا من المآء كل شيء حي }. # أي: كل شيء له حياة وموت كالإنسان والبهيمة والزرع والشجر، لأن لها ~~موتا إذا جفت ويبست فحياة جميع ذلك بالماء. # وقيل: هو حياة جميع الحيوان، إنما جيء بالماء الذي بنباته يعيش كل [شيء] ~~حي. # وقيل: عنى بالماء هنا، النطفة خاصة. ### || [21.31-37] # قوله تعالى ذكره: { وجعلنا في الأرض رواسي }. إلى قوله { ~~فلا تستعجلون }. # أي: وجعلنا الأرض جبالا لئلا تميد بالناس. # قال قتادة /: " كانوا على الأرض تمور بهم، ولا يثبت عليها بناء فأصبحوا ~~وقد خلق الله الجبال أوتادا حتى لا تميد الأرض ". والميد التحرك ~~والدوران. # ثم قال تعالى: { وجعلنا فيها فجاجا سبلا }. # قال قتادة: " فجاجا ": إعلاما. " سبلا ": طرقا. # قال ابن عباس: " وجعلنا فيها فجاجا " أي: في الرواسي. # وعنه: " الفجاج " كل شعب في جبل أو واد له منفذ. # وعنه أيضا: " فجاجا " بين الجبال. # والفج في اللغة، الطريق بين الجبلين. # وقيل: الضمير في فيها يعود على الأرض، وهو اختيار الطبري لقوله تعالى: { ~~لعلهم يهتدون }. أي: يهتدون إلى السير في الأرض. والأرض تؤنث ~~وتذكر. والتأنيث أكثر. وحكى أبو زيد أرضون وأراض وأروض في جميع الأرض. ~~ويجوز في القياس أرضات. # ثم قال تعالى: { وجعلنا السمآء سقفا محفوظا }. أي: ~~سقفا للأرض محفوظا بالملائكة من الشياطين. # وقيل: معناه: محفوظا من أن يقع على الأرض. # وقيل: محفوظا بالنجوم من الشياطين. وهو أولى، ودليله قوله تعالى ذكره: # وحفظا من كل شيطان مارد # [الصافات: 7]. # وقال ابن جبير: السماء بحر مكفوف. ورفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم. # وروى الحسن البصري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " السماء موج مكفوف ". # قال قتادة: { سقفا محفوظا } أي: مرفوعا، وموجا مكفوفا. # ثم قال تعالى: { وهم عن آياتها معرضون }. # أي: وهم عن شمسها وقمرها ونجومها وغير ذلك من آياتنا، معرضون عن التفكر ~~فيها، وتدبر ما فيها من الحجج والدلائل على توحيد الله ms1576 وقدرته. # ثم قال تعالى: { وهو الذي خلق الليل والنهار ~~والشمس والقمر }. # أي: ابتدعها. فمن ابتدع هذه الأشياء وخلقها، فله تجب العبادة لا لغيره. # قال عكرمة: سئل ابن عباس عن الليل أكان قبل النهار أم قبل الليل؟ فقال: ~~أرأيتم السماوات والأرض حين كانتا رتقا، أكان بينهما إلا ظلمة ذلك ~~لتعلموا أن الليل قبل النهار. # والليلة اسم للزمان من غروب الشمس إلى الانفجار الثاني. # واليوم: اسم للزمان من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. وكذلك النهار، واليوم ~~ألزم لهذا الوقت من النهار، لأن بعض العرب يجعل النهار من طلوع الشمس إلى ~~غروبها. # حكى ذلك عن بعضهم أبو حاتم في كتابه صفة البرد والحر وصفة أوقات الليل ~~والنهار. # وقد يقع اليوم، اسما للزمان، من طلوع الشمس إلى غروبها. وذلك مما جرت ~~به العادات من الاستجارات ونحوها مما تعارف ذلك بين الناس، والأصل في ~~اليوم، أنه اسم للزمان الذي تعبد الله به خلقه بالصيام والنهار مثله ~~في أكثر اللغات. # وأصل الليل والنهار أنهما صفتان لزمانين معلومين على ما ذكرنا. # وقد قال الخليل: النهار ما بين الفجر إلى الغروب. # ثم قال تعالى: { كل في فلك يسبحون }. # قال مجاهد: " الفلك " كهيئة حديدة الرحى. وقاله ابن جريج. # وقال الضحاك: " الفلك " هو سرعة جري الشمس والقمر والنجوم وسيرها. # وقيل: " الفلك ": موج مكفوف تجري الشمس والقمر والنجوم فيه. # وقيل: " الفلك " القطب الذي تدور به النجوم. # وقال ابن عباس وقتادة: " في فلك السماء ". # وقال ابن زيد: " الفلك " الذي بين السماء والأرض من مجاري النجوم والشمس ~~والقمر. وقرأ: # تبارك الذي جعل في السمآء بروجا وجعل فيها ~~سراجا وقمرا منيرا # [الفرقان: 61]. وقال: فلك البروج بين السماء والأرض، وليست في الأرض. # وعن الحسن أن الفلك طاحونة كهيئة فلكة المغزل. # وقال: " يسبحون " لأنه أخبر عنها كما يخبر عمن يعقل. فأتى بالواو والنون ~~في فعلها. # ومعنى: " يسبحون " يجرون وينصرفون ويدورون. # ثم قال تعالى: { وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد }. # أي: ما خلدنا أحدا من بني آدم في الدنيا، فنخلدك يا محمد فيها. أفئن مت ~~فهؤلاء المشركون ms1577 خالدون بعدك في الدنيا. وتقديره: أهم الخالدون إن مت. # ثم قال تعالى: { كل نفس ذآئقة الموت }. # أي: كل نفس معالجة غصص الموت، ومتجرعة كأسه. # { ونبلوكم بالشر والخير فتنة }. # أي: ونختبركم أيها الناس بالرخاء والشدة وبما تحبون وما تكرهون، لننظر ~~صبركم عند البلاء وشكركم عند الرخاء. # وقال ابن عباس: معناه: نبتليكم بالشدة والرخاء، والصحة والسقم والغنى ~~والفقر والحلال والحرام والطاعة / والمعصية والهدى والضلالة. # ثم قال تعالى: { وإلينا ترجعون }. # أي: تردون فتجازون بأعمالكم. والرجوع إلى الله في هذا وفي كل ما في ~~القرآن، إنما معناه: إلى حكمه وإلى قضائه وعدله، وليس برجوع إلى مكان ~~الله، ولا إلى ما قرب منه، لأنه لا تحويه الأمكنة، إنما هو بمنزلة قولك: ~~رجع أمرنا إلى القاضي وإلى الأمير. فقرب المسافة لا يجوز على الله جل ~~ذكره، فافهمه. # ثم قال تعالى: { وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك ~~إلا هزوا }. # أي: يسخرون منك يا محمد إذا رأوك. يقول بعضهم لبعض: { أهذا الذي ~~يذكر آلهتكم } بسوء ويعيبها، تعجبا من ذلك. فيعجبون يا محمد من ~~ذكرك آلهتهم وهي لا تضر ولا تنفع. وهم بذكر الرحمان الذي خلقهم، وأنهم ~~عليهم كافرون. # ثم قال تعالى: { خلق الإنسان من عجل }. # يعني: آدم خلق من العجلة وعلى العجلة. # وقال ابن جبير: " لما نفخ في آدم الروح إلى ركبتيه ذهب لينهض فقال الله ~~تعالى: { خلق الإنسان من عجل }. # وقال سلمان الفارسي: " لما خلق الله من آدم وجهه ورأسه، جعل ينظر، وهو ~~يخلق، قال وبقيت رجلاه. # فلما كان بعد العصر قال: يا رب عجل قبل الليل. فقال: { خلق ~~الإنسان من عجل }. ذكره ابن وهب عن رجاله. # وقال قتادة: " معناه: خلق الإنسان عجولا. # وقال السدي: لما نفخ الله في آدم الروح فدخل في رأسه، عطس، فقالت له ~~الملائكة: قل الحمد لله. فقال: الحمد لله. فقال الله تعالى له: رحمك ربك. ~~فلما دخل الروح في عينيه. نظر إلى ثمار الجنة. فلما دخل في جوفه اشتهى ~~الطعام، فوثب قبل أن ينتهي الروح رجليه عجلان إلى ثمار الجنة فذلك حين ms1578 ~~يقول: { خلق الإنسان من عجل }. # وقيل: معناه: خلق آدم آخر النهار من يوم الجمعة قبل غروب الشمس فكان ~~خلقه على استعجال. قاله ابن جريج: وغيره. # قال ابن جريج: خلق الله آدم بعد خلق كل شيء آخر النهار من يوم خلق ~~الخلق. فلما أتى الروح عينيه ولسانه ورأسه، ولم يبلغ أسفله، قال: يا رب، ~~استعجل بخلقي قبل غروب الشمس، فذلك قوله: { خلق الإنسان من ~~عجل }. # وقد قال ابن زيد: معناه: خلق الإنسان على عجل. خلق آدم آخر النهار من ~~يوم الجمعة، فخلقه الله على عجل وجعله عجولا. # وقال الأخفش: إنما خلق الإنسان من عجل، لأنه خلق على تعجيل من الأمر، ~~لأنه إنما قال له كن فكان. فخلق على استعجال وقال جماعة من النحويين: هو ~~مقلوب. والمعنى: خلق العجل من الإنسان. # وقيل: المعنى: خلق الإنسان من طين، لأن العجل من الطين. # ثم قال: { سأوريكم آياتي فلا تستعجلون }. # أي: سأوريكم أيها المستعجلون ربهم بالآيات، القائلون لنبيه " فليأتنا ~~بآية " فلا تستعجلون بالآيات فستأتيكم. ### || [21.38-46] # قوله تعالى: { ويقولون متى هذا الوعد } إلى قوله: { ~~يويلنآ إنا كنا ظالمين }. # أي: ويقول المشركون متى يأتنا هذا الذي تعدنا يا محمد والوعد بمعنى ~~الموعود. كما قيل: الخلق بمعنى المخلوق. والوزر بمعنى الموزور. { إن ~~كنتم صادقين } يخاطبون النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. # و " متى " في موضع رفع عند البصريين. وفي موضع نصب عند الكوفيين وكذلك ~~الجواب عند الكوفيين إذا كان معرفة، نصب. يقول: متى وعدك؟ فالجواب عندهم ~~يوم الجمعة بالنصب، فإن كان الجواب نكرة، كان نكرة مرفوعا. لو قلت يوم ~~قريب ونحوه رفعت. # وحكى الفراء: اجتمع الجيشان: المسلمون جانب، والكفار جانب صاحبهم برفع ~~الأولى لأنه نكرة. ونصب الثاني لأنه معرفة. والرفع عند البصريين، في جميع ~~هذا الوجه، إذا كان الظرف متمكنا تقول: موعدك غدوة وبكرة فترفع. ~~فإن قلت موعدك بكرا. نصبت لأن بكرا غير متمكن. ويدل على صحة قول ~~البصريين إجماع القراء المشهورين على الرفع في قوله: # موعدكم يوم الزينة # [طه: 59]. # ثم قال تعالى: { لو يعلم الذين كفروا حين ms1579 لا ~~يكفون عن وجوههم النار }. # أي: لو يعلم هؤلاء المستعجلون عذاب الله ماذا لهم من البلاء حين تلفح ~~وجوههم النار وظهورهم ولا يقدرون أن يكفوا ذلك عن أنفسهم، ففي " يكفون " ~~ضمير " المشركين ". { ولا هم ينصرون } أي: ولا ناصر لهم من عذاب ~~الله يستنقذهم منه /. # وفي الكلام حذف. قيل: التقدير: لو علموا ذلك، ما أقاموا على كفرهم. # وقيل: التقدير: لو علموا ذلك ما سألوا العذاب واستعجلوه. فقالوا: متى ~~هذا الوعد، فهو جواب " لو " محذوف لعلم السامع. # وقيل: التقدير: لو يعلمون ذلك، لاتعظوا وازدجروا عن كفرهم. # وقيل: هو تنبيه على تحقيق وقوع الساعة. # فالمعنى: لو يعلمون ذلك علم يقين، لعلموا أن الساعة آتية لا ريب فيها. ~~ودل على هذا المعنى قوله: " بل تأتيهم بغتة " هذا قول الكسائي ومثله، # لو تعلمون علم اليقين # [التكاثر: 5]. # أي: لو علمتم ذلك يقينا ما ألهاكم التكاثر. # ثم قال: { أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا }. # أي: ألهؤلاء المستعجلون ربهم بالعذاب آلهة تمنعهم من دون الله إن حل ~~عليهم العذاب. # ثم وصف تعالى ذكره الآلهة بالضعف، فقال: { لا يستطيعون نصر ~~أنفسهم } فمن لا يقدر أن ينصر نفسه، فكيف يقدر أن ينصر غيره. # وقوله: { ولا هم منا يصحبون }. # أي: لا تصحب آلهتهم من الله تعالى بخير. قاله قتادة. # وقال مجاهد: { يصحبون }. أي: ينصرون. # وعن مجاهد أيضا: { يصحبون } يحفظون. # وعن ابن عباس: { يصحبون } يمنعون. # وعن ابن عباس: { ولا هم منا يصحبون } أي: ولا الكفار منا ~~يجارون من قوله: { وهو يجير ولا يجار عليه } وهذا القول: ~~اختيار الطبري ليكون الضمير يعود على الكفار. # ويحتمل قول من قال: يحفظون ويمنعون وينصرون أن يكون الضمير يعود على ~~الكفار. # ثم قال تعالى: { بل متعنا هؤلاء وآبآءهم حتى ~~طال عليهم العمر }. # أي: متعناهم بالحياة، ومتعنا آباءهم من قبلهم، حتى طال عليهم العمر. وهم ~~على كفرهم مقيمون. # { أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من ~~أطرافهآ }. # أي: أفلا يرى هؤلاء المشركون أنا نأتي الأرض نخربها من نواحيها بقهرنا ~~أهلها وقتلهم بالسيف، فيتعظوا بذلك، ويحذروا أن ينزل بهم مثل ms1580 ذلك. # وقال عكرمة وقتادة: { ننقصها من أطرافهآ } يعني بالموت. # وقال الحسن والضحاك: يعني فتح البلدان والأرض، يراد بها أرض مكة. # ثم قال تعالى: { أفهم الغالبون }. # هذا تقريع وتوبيخ: أي: ليس هم الغالبون. ولكن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الغالب. # ثم قال تعالى: { قل إنمآ أنذركم بالوحي }. # أي: بالقرآن. # { ولا يسمع الصم الدعآء }. # أي: من أصم الله قلبه عن قبول الذكر، فليس يسمع سماعا ينتفع به، إنما ~~ينتفع به المؤمن. فعني بالصم هنا المعرضون عن ذكر الله. فمن أعرض عن ~~قبول شيء، فهو بمنزلة من لا يسمعه، وقت ما ينذر به. # ثم قال تعالى: { ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ~~}. # أي: ولئن مسهم نصيب وحظ من عذاب ربك، " يقال: نفح فلان لفلان من عطائه ~~إذا أعطاه قسما أو نصيبا من المال. # وقال قتادة: نفحة: عقوبة. # وقيل: النفحة ها هنا: الجوع الذي أخذهم الله به بمكة. # وقيل: " نفحة " ، أقل شيء من العذاب، وأدنى شيء منه. { ليقولن ~~يويلنآ إنا كنا ظالمين }. # أي: ظلمنا في عبادتنا الأصنام وتركنا عبادة الله الذي خلقنا، وأنعم ~~علينا. ### || [21.47-59] # قوله تعالى: { ونضع الموازين القسط } إلى قوله: { إنه ~~لمن الظالمين }. # أي: ونضع الموازين العدل في يوم القيامة. " اللام " بمعنى: " في ". ~~وقيل: " اللام " على بابها. والتقدير لأهل يوم القيامة. # { فلا تظلم نفس شيئا }. # أي: لا يؤخذ / أحد بذنب غيره، أو بذنب لم يعمله، أو يسقط له ما عمله من ~~خير. # قال ابن عباس: هذا بمنزلة قوله: # والوزن يومئذ الحق # [الأعراف: 8]. # وروي أن الميزان له كفتان، وأن الأعمال تمثل بما يوزن. # ويروى أنه إنما يوزن خواتمها. # وقال سلمان الفارسي: توضع الموازين يوم القيامة، فلو وضع في إحدى ~~الكفتين السماوات والأرض، لوسعتهن. فتقول الملائكة: ربنا لمن وضعت هذا؟ ~~فيقول: لمن شئت من عبادي. # فيقولون: سبحان ربنا ما عبدناك حق عبادتك. # وعن حذيفة: أن صاحب الميزان يوم القيامة جبريل صلى الله عليه وسلم وشرف ~~وكرم. # وعن مجاهد: " الموازين ": العدل. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا يذكر أحد حميمه عند الميزان ". # وقوله: ms1581 { وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها ~~}. # أي: إن كان له عمل من الحسنات أو [عليه] عمل من السيئات وزن حبة من ~~خردل، جئنا بها، فوفينا كلا ما عمل. # وقال ابن زيد: " أتينا بها " أي كتبناها، وأحصيناها له وعليه. # وقرأ مجاهد: " أتينا بها، بمعنى: جازينا بها. # { وكفى بنا حاسبين }. # أي: وكفينا حاسبين. أي: حسب من شهد الموقف ذلك اليوم بنا حاسبين. إذ لم ~~يغب عنا من أعمالهم شيء. " وحاسبين " نصب على الحال، أو على التمييز. # وروى أحمد بن صالح عن قالون عن نافع: " القصط " بالصاد، لأجل الطاء ~~والأصل، السين. # ثم قال تعالى: { ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان ~~وضيآء وذكرا للمتقين }. # أي: أعطيناهما الكتاب الذي يفرق بين الحق والباطل. وهو التوراة، قاله ~~قتادة. # قال ابن زيد: الفرقان: الحق أتاه الله موسى وهارون، ففرق به بينهما وبين ~~فرعون. قضى بينهم بالحق، وهو مثل: # ومآ أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان # [الأنفال: 41] يعني: يوم بدر. وهذا القول اختيار الطبري لقوله: وضياء. ~~فالضياء هو التوراة، أضاءت لهما ولمن اتبعهما أمر دينهم. وفي دخول الواو ~~في " وضياء " دليل على أن الضياء غير الفرقان. # وقوله: { وذكرا للمتقين } أي: وذكرا لمن اتقى الله بطاعته، ~~وخاف ربه بالغيب أن يعاقبه في الآخرة. # { وهم من الساعة مشفقون }. # أي: من قيام القيامة حذرون أن تقوم عليهم، فيردوا على ربهم مفرطون فيما ~~يجب عليهم من طاعته. # وقرأ ابن عباس: " الفرقان ضياء " بغير واو. # فيكون الفرقان على هذه القراءة التوراة بغير اختلاف. # ثم قال تعالى: { وهذا ذكر مبارك }. # يعني القرآن. # { أفأنتم له منكرون }. # تقرير وتوبيخ للمشركين الذين أنكروه وقالوا: { أضغاث أحلام بل ~~افتراه بل هو شاعر }. # ثم قال: { ولقد آتينآ إبراهيم رشده من قبل }. # أي: ولقد وفقنا إبراهيم فأعطيناه هداه من قبل موسى وهارون. # قال مجاهد: " معناه: هديناه صغيرا ". # وقال ابن عباس: لما خرج وهو صغير من الموضع الذي جعل فيه، رأى كوكبا في ~~السماء، وهي الزهرة تضيء فقال: هذا ربي. فلما غابت، قال: لا أحب الآفلين. ~~ثم فعل ذلك مع الشمس ms1582 والقمر. ثم قال: # إني وجهت وجهي للذي فطر السموت والأرض ~~حنيفا ومآ أنا من المشركين # [الأنعام: 79]. # وقوله: { وكنا به عالمين }. # أي: عالمين أنه ذو يقين وإيمان بالله. إذ قال لأبيه: " أي حين { قال ~~لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها ~~عاكفون }. # أي: ما هذه الصور التي أنتم عليها مقيمون. يعني أصنامهم التي كانوا ~~يعبدون. # ثم قال: { قالوا وجدنآ آبآءنا لها عابدين }. # أي: قالوا لإبراهيم إنما عبدنا هذه الأصنام لأنا وجدنا آباءنا لها ~~عابدين. # قال لهم إبراهيم صلى الله عليه وسلم: { لقد كنتم أنتم ~~وآبآؤكم في ضلال مبين } أي: في ذهاب عن الحق بعبادتكم هذه ~~الأصنام. # " مبين " أي: ظاهر. قالوا لإبراهيم { أجئتنا بالحق أم أنت ~~من اللاعبين } أي: أحق ما تقول. أم أنت لاعب من اللاعبين. # قال لهم إبراهيم: { بل ربكم رب السموت والأرض ~~الذي فطرهن } أي: بل جئتكم بالحق لا باللعب. " ربكم رب السماوات ~~والأرض الذي فطرهن " أي: خلقهن. { وأنا على ذلكم من ~~الشاهدين } أي: أنا شاهد من الشاهدين أن ربكم رب السماوات والأرض / ~~دون التماثيل التي تعبدون. # ثم قال: { وتالله لأكيدن أصنامكم }. # أقسم إبراهيم بهذا في نفسه سرا من قومه، لم يسمعه منهم أحد إلا الذي ~~أفشاه عليه. إذ قال: # سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم # [الأنبياء: 60]. # قال مجاهد: قال ذلك إبراهيم حين استأذنه قومه إلى عيد لهم فأبى وقال: " ~~إني سقيم " ، فسمع منه وعيد أصنامهم رجل منهم استأخر وهو الذي يقول: " ~~سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم ". # ثم قال تعالى ذكره: { فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم }. # أي: فجعل الأصنام حطاما إلا صنما كبيرا لهم، فإنه تركه لم يحطمه، ~~وعلق الفأس في عنقه ليحتج به عليهم إن فطنوا به، وهو صنم كبير في الصورة. # وقيل: هو أكبرها عندهم، لا أكبرها في صورته. # وقوله: { لعلهم إليه يرجعون }. # أي: لعلهم يؤمنون به إذا رأوها مكسرة لم تدفع عن أنفسها ضر من أرادها، ~~ولم يدفع عنها كبيرها شيئا. # قال السدي: " قال أبو إبراهيم له، إن لنا عيدا لو خرجت معنا، والله ms1583 قد ~~أعجبك ديننا. فلما كان يوم العيد خرجوا إليه، معهم إبراهيم فلما كان ببعض ~~الطريق، ألقى نفسه وقال: إني سقيم أشتكي رجلي وهو صريع. # فلما مضوا، نادى في آخرهم وقد بقي ضعفاء الناس { وتالله ~~لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين } فسمعوها ~~منه. ثم رجع إبراهيم إلى بيت الآلهة، فإذا هن في بهو عظيم، مستقبل باب ~~البهو صنم عظيم إلى جنبه أصغر منه، بعضها إلى جنب بعض يليه أصغر منه حتى ~~بلغوا باب البهو، وإذا هم قد جعلوا طعاما فوضعوه بين يدي الآلهة. قالوا: ~~إذا كان حين نرجع، رجعنا وقد باركت الآلهة في طعامنا، فأكلنا. فلما نظر ~~إليها إبراهيم، وإلى ما بين أيديها من الطعام. قال: { فقال ألا ~~تأكلون }. فلم تجبه. فقال: { ما لكم لا تنطقون } فأخرج ~~حديدة فنقر كل صنم في حافتيه، ثم علق الفأس في عنق الصنم الأكبر، ثم خرج، ~~فلما رجعوا، قالوا: { قالوا من فعل هذا بآلهتنآ إنه ~~لمن الظالمين }. # " والجذاذ " بالضم جمع جذاذة، كزجاجة وزجاج. وقيل: هو مصدر كالحطام ~~والرفات. ومن كسر جعله جمع جذيذ وجذيذ معدول عن مجذود كجريح بمعنى مجروح، ~~فيكون ككبير وكبار وصغير وصغار وثقيل وثقال. # وقال قطرب: هو مصدر ضم أو كسر أو فتح، وهي لغات فيه بمعنى والجذاذ. أي: ~~الحطام والفتات، ومنه الجذيذة. ### || [21.60-70] # قوله تعالى: { قالوا سمعنا فتى يذكرهم } إلى قوله: { ~~فجعلناهم الأخسرين }. # أي: قال الذين سمعوه [حين] قال: { وتالله لأكيدن ~~أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين } ، { سمعنا فتى ~~يذكرهم } أي: يذكرهم بسوء. # وقيل: يذكرهم: يسبهم ويعيبهم. # { يقال له إبراهيم } أي: يقال له يا إبراهيم. # وقيل: التقدير: يقال له: هو إبراهيم، أو المعروف به إبراهيم: { قالوا ~~فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون }. # أي: قال بعضهم لبعض: فجيئوا به على رؤوس الناس لعلهم يشهدون عليه أنه هو ~~الذي فعل هذا. # قال قتادة: كرهوا أن يأخذوه بغير بينة. # وقيل: معناه: لعلهم يعاينون العقوبة التي تختص به. # ثم قال: { قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا ~~يإبراهيم }. في الكلام حذف والتقدير: فأتوا به، فلما أتوا قالوا: ms1584 ~~أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال لهم: { بل فعله كبيرهم ~~هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون } إنه غضب من أن تعبد ~~معه هذه الصغار، وهو أكبر منها فكسرها. # وقيل: التقدير: بل فعله كبيرهم هذا، إن كانوا ينطقون فاسألوهم. أي: إن ~~كانت الآلهة المكسرة تنطق، فإن كبيرهم هو الذي كسرهم غضبا أن تعبد معه ~~وهو كبيرهم. # وقد أتت الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن إبراهيم عليه ~~السلام لم يكذب إلا ثلاث كذبات كلها في الله. قوله تعالى: بل فعله كبيرهم ~~هذا. وقوله: " إني سقيم " وقوله في سارة: " إنها أختي " وهذا عند أهل ~~العلم غير مكروه، لأنه يجوز أن يكون الله تعالى أذن له في ذلك كما أذن / ~~ليوسف أن يقول مؤذنه لأخوته " إنكم لسارقون " ولم يكونوا سرقوا شيئا. # وقد خرج العلماء لإبراهيم عليه السلام في هذه الأشياء الثلاثة وجوها ~~تخرج إلى غير الكذب. فسارة أخته في الدين، وقوله: " إني سقيم " معناه: ~~مغتم بضلالكم حتى أنا كالسقيم. # وقيل معناه: إني سقيم عندكم. وقيل: يجوز أن يكون ناله من ذلك الوقت مرض. # وقيل: معناه: إني سأسقم، لأن كل من كان مصيره إلى الموت، فلا بد من أن ~~يسقم. # وقيل: لا يكون الكاذب إلا الآثم، وما ليس فيه إثم، فليس بكذب. دل على ~~ذلك قول الملكين # بغى بعضنا على بعض # [ص: 22] ولم يكونا خصمين ولا كان بغي ولكن عرضا بذلك لداود للقصة التي ~~جرت له في المرأة التي تزوجها. # وقال المبرد: معناه إذا كنا خصمين فبغى أحدنا على صاحبه فما الحكم؟. # ثم قال تعالى: { فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم ~~أنتم الظالمون }. # أي: ففكروا حين قال لهم إبراهيم، بل فعله كبيرهم هذا. ورجعوا إلى عقولهم ~~ونظر بعضهم إلى بعض فقالوا إنكم أيها القوم الظالمون هذا الرجل في ~~مسألتكم إياه وقيلكم له " من فعل هذا بآلهتنا يا إبراهيم ". # فهذه آلهتكم حاضرة فاسألوها. # ثم قال تعالى: { ثم نكسوا على رءوسهم لقد علمت ~~ما هؤلاء ينطقون }. # أي: ثم [غلبوا] في الحجة واحتجوا على إبراهيم ms1585 بما هو حجة له عليهم، ~~فقالوا: لقد علمت ما هؤلاء الأصنام ينطقون. أي: لا تتكلم فتخبرنا من فعل ~~بها هذا. # وقال قتادة: " نكسوا عن رؤوسهم ": " انقطعت حجتهم ". يقال: نكس الرجل ~~على رأسه إذا انقطعت حجته، كأنه طأطأ رأسه استحياء. # وعن قتادة أيضا أنه قال: " أدركت القوم حيرة سوء " ، يعني: حين قال لهم ~~إبراهيم: فاسألوهم إن كانوا ينطقون. # وقيل: المعنى: نكسوا في الفتنة والشرك بعد المعرفة: قاله: ابن عباس ~~والسدي فيكون معناه: ثم رجعوا كما عرفوا، وتيقنوا من حجة إبراهيم عليهم ~~السلام. فقالوا: لقد علمت ما هؤلاء ينطقون. # ثم قال تعالى: { قال أفتعبدون من دون الله ما لا ~~ينفعكم شيئا ولا يضركم }. # أي: قال إبراهيم لقومه لما أقروا أن آلهتهم لا تنطق، أفتعبدون من دون ~~الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم، لأن من لا ينفع نفسه فيدفع عنها ~~الضرر، فليس ينفع غيره. # ثم قال لهم إبراهيم: { أف لكم }. # أي: قبحا لكم، وشرا لكم وللآلهة التي تعبدون من دون الله، أفلا تعقلون ~~خطأكم في عبادتكم ما لا ينفع ولا يضر، وترككم عبادة الذي بيده النفع ~~والضر. وقد تقدم شرح أف في " سبحان ". # ثم قال تعالى: { قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن ~~كنتم فاعلين }. # أي: قال بعضهم لبعض، حرقوا إبراهيم بالنار وانصروا آلهتكم إن كنتم ~~ناصريها ولم تريدوا ترك عبادتها. # روي أن الذي قاله: رجل من أكراد فارس. # وروي أن الله تعالى ذكره خسف به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم ~~القيامة. # وقال ابن عمر: الذي أشار بذلك، رجل من أعراب فارس. وهم الكرد، فأعراب ~~فارس يقال لهم الكرد. # ثم قال تعالى ذكره: { قلنا ينار كوني بردا وسلما على ~~إبراهيم }. # في الكلام حذف، والتقدير: فأوقدوا له نارا وألقوه فيها، فقلنا يا نار ~~كوني بردا وسلاما. # قال السدي: حبسوه في بيت، وجمعوا له حطبا، حتى إن كانت المرأة لتمرض، ~~فتقول: إن عافاني الله، لأجمعن حطبا لإبراهيم. فلما جمعوا وأكثروا، بنوا ~~بنيانا وأوقدوا النار حتى أن الطير لتمر بها فتحترق من شدة وهجها وحرها. ~~ثم ms1586 عمدوا إلى إبراهيم صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم، فرفعوه على ~~رأس البنيان، فرفع إبراهيم عليه السلام رأسه إلى السماء فقالت السماء ~~والأرض والجبال والملائكة: ربنا إبراهيم يحرق فيك. فقال جل وعز: أنا أعلم ~~به، وإن دعاكم فأغيثوه. وقال إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين رفع راسه ~~إلى / السماء: اللهم أنت الواحد في السماء وأنا الواحد في الأرض ليس في ~~الأرض من يعبدك غيري حسبي الله ونعم الوكيل. # فقذفوه في النار فناداها " يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم ". ~~فكان جبريل، هو الذي ناداها ". # وقال أرقم " إن إبراهيم عليه السلام حين جعلوا يوثقونه ليلقوه في النار ~~قال: لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين، لك الحمد ولك الملك لا شريك لك ~~". # قال كعب: " ما انتفع أحد من أهل الأرض يومئذ بنار، ولا أحرقت النار ~~يومئذ شيئا إلا وثاق إبراهيم عليه السلام. # قال ابن عباس: " لو لم يتبع بردها سلاما لمات إبراهيم من بردها. فلم ~~تبق يومئذ نار في الأرض. إلا طفئت ظنت أنها هي تعنى. فلما طفئت النار، ~~نظروا إلى إبراهيم عليه السلام، فإذا هو ورجل آخر معه، وإذا رأس إبراهيم ~~صلى الله عليه وسلم في حجره يمسح عن وجهه العرق. وذكر أن ذلك الرجل هو ~~ملك الظل. وأنزل الله تعالى نارا فانتفع بها بنو آدم وأخرجوا إبراهيم ~~صلى الله عليه وسلم فأدخلوه على الملك نمرود ولم يكن قبل ذلك دخل عليه ". # قال كعب: ما أحرقت النار منه إلا وثاقه. # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: " لولا أنه قال: " وسلاما " لقتله ~~بردها ". # قال بكر بن عبد الله: لما أرادوا أن يلقوا إبراهيم في النار، قالت ~~الخليقة: يا رب، خليلك يلقى في النار؟ فأذن لنا حتى ننصره. فقال الله عز ~~وجل: هو خليلي، ليس لي خليل غيره. وأنا إلهه ليس له إله غيري، فإن استغاث ~~بكم فأغيثوه. فجاء ملك القطر فقال: يا رب، إئذن لي فلأطفينها عنه. فقال ~~الله عز وجل هو خليلي ليس لي خليل غيره، وأنا إلهه، ms1587 ليس له إله غيري إن ~~استغاث بك فأغثه. فقال الله عز وجل: { قلنا ينار كوني بردا ~~وسلما على إبراهيم }. فما أحرقت ذلك اليوم عراكا. # وقال قتادة: " كانت الدواب كلها تطفئ عن إبراهيم النار إلا الوزغ ". # وروي عن إبراهيم صلى الله عليه وسلم أنه قال: ما كنت أياما قط أنعم مني ~~من الأيام التي كنت فيها في النار. # ولما رفع عن إبراهيم الطبق ورآه والده يرشح جبينه، قال عند ذلك: نعم ~~الرب ربك يا إبراهيم، فكان ذلك أحسن شيء قاله: أبو إبراهيم. # قال: ألقي إبراهيم في النار وهو ابن ست عشرة سنة وذبح إسحاق هو ابن سبع ~~سنين، وكان مذبحه من بيت إيليا على ميلين ولما علمت سارة بما أراد بإسحاق ~~بطنت يومين وماتت في اليوم الثالث. # وروى معتمر بن سليمان أن جبريل صلى الله عليه وسلم لما جاء إبراهيم وهو ~~يوثق ويقمط ليلقى في النار. # قال يا إبراهيم: ألك حاجة؟ قال: أما إليك. فلا. # ويروى أن إبراهيم كان في زمان نمرود، فلما كسر إبراهيم صلى الله عليه ~~وسلم أصنامهم كما قص الله علينا في كتابه بنى نمرود بناء طوله ثمانون ~~ذراعا في عرضه أربعون ذراعا، وأوقد فيه النيران، ثم جعل إبراهيم في ~~منجنيق فقذف به في النار، فقال الله جل ذكره للنار كوني بردا وسلاما ~~على إبراهيم فبردت ذلك اليوم، فلم ينتفع بها أحد. ولولا ما قال تعالى " ~~وسلاما " لآذت إبراهيم ببردها. # وروي أن جبريل عليه السلام أتى إبراهيم وهو في المنجنيق، فقال يا ~~إبراهيم، سلني حوائجك، إن كنت تريد أن أجعل الأرض عليهم عاليها سافلها ~~فعلت. فقال إبراهيم عليه السلام: إني رفعت حوائجي إلى الله، ولست أسأل ~~أحدا غيره. فقال جبريل صلى الله عليه وسلم: لو كان ينبغي لله أن يتخذ ~~خليلا، لاتخذك خليلا. فاتخذ الله إبراهيم خليلا، فلما رمي إبراهيم في ~~النار، أشرف نمرود ينظر إلى النار فرأى فيها عدة يذهبون ويجيئون، فدعا ~~حاجبه، وفتح بابه، وأدخل عليه أشراف قومه فقال لهم: كم طرحتم في النار؟ ~~فقالوا: إبراهيم ms1588 وحده. قال فهو هذا معه عدة قد صار الجحيم عليهم مثل ~~الأرض، فركب نمرود حتى أتى النار فصاح: يا إبراهيم، فقال إبراهيم: ما ~~تشاء. قال: إنك لحي، قال نعم والحمد لله. قال: فمن هؤلاء النفر معك؟ قال: ~~ملائكة ربي. قال: تقدر أن تخرج؟ قال: نعم. قال: فاخرج. فانفرج / له ~~الجحيم فخرج صلى الله عليه وسلم وقد زاده الله جمالا ونورا. فقال ~~نمرود: إنك لكريم على ربك. فقال إبراهيم: كذا هو لمن أطاعه. فقال نمرود: ~~أتراني إن تقربت إليه بقربان يقبله مني؟ فقال إبراهيم: إنما يتقبل الله ~~من المتقين. فذبح نمرود أربعة آلاف كبش. فأكل الناس منها حتى أكل الطير ~~والسباع والهوام. ثم قال يا إبراهيم أرني جند ربك الذي تهددني بهم فقال ~~إبراهيم صلى الله عليه وسلم: اللهم أره أضعف جندك. فنزلت سحابة فقال ~~إبراهيم: في هذه جند ربي فقال: أرنيهم. فانتشر منها بعوض فما برح نمرود ~~حتى رأى عظام من حضر من أصحابه، وعظام خيلهم قد أكلتهم البعوض إلا ~~العظام. # ثم وقعت واحدة في شفة نمرود السفلى فصاح حتى أمر بها فقطعت، فارتفعت إلى ~~شفته العليا، فاستغاث فقطعت، ثم دخلت في منخره، فما كان يهدأ ليلا ولا ~~نهارا. وكان يضرب رأسه بمرزبة من حديد، فأقام في ذلك أربع مائة سنة. # وقال الحسن: لما ألقي إبراهيم صلى الله عليه وسلم في النار، لم يؤذه ~~حرها، فقالوا: سحرها فما لها حر. # ويروى أنهم بنوا له بنيانا ارتفاعه أربعون ذراعا وطوله على وجه الأرض ~~ثمانون ذراعا، فأوقدوا فيه النار، ووضعوا إبراهيم عليه السلام في ~~المنجنيق وألقوه في الجحيم، فقال الله تعالى للنار: كوني بردا وسلاما ~~على إبراهيم، ولو لم يقل تعالى ذكره " وسلاما " لمات إبراهيم من البرد ~~في وسط النار، فكان إبراهيم جالسا في النار على زرابية من الجنة. # قال الحسن: فلما رأوه لا يؤذيه حرها، قالوا: سحرها. فقال لهم إبراهيم ~~صلى الله عليه وسلم: جربوها برجل منكم. فألقوا فيها رجلا فأكلته. # ويروى عنه أنه قال: لما أوثقوه ليلقوه في النار، قال: ms1589 لا إله إلا أنت ~~سبحانك رب العالمين لك الحمد ولك الملك لا شريك لك. # وذكر الشعبي عن عبد الله بن عمر أنه قال: لما ألقي إبراهيم في البنيان ~~والنار، قال حسبي الله ونعم الوكيل. فقال الله: يا نار كوني بردا ~~وسلاما على إبراهيم. # وقال زيد بن أسلم: قال إبراهيم حين أرادوا أن يلقوه في النار: اللهم أنت ~~إلهي، الواحد في السماء وأنا عبدك الواحد في الأرض حسبي الله ونعم ~~الوكيل. فقال الله تعالى للنار: كوني بردا وسلاما على إبراهيم. # ثم قال: { وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين } ~~أي: الهالكين. ### || [21.71-73] # قوله تعالى ذكره: { ونجيناه ولوطا } إلى قوله: { لنا ~~عابدين }. أي: ونجينا إبراهيم ولوطا من أعدائهما نمرود وقومه، من ~~أرض العراق إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين. وهي أرض الشام قاله ~~قتادة والحسن، وقاله أبي بن كعب وغيرهم. وكان لوطا ابن أخي إبراهيم. # ويروى أن سارة زوج إبراهيم أخت لوط، يريدون أخت لوط لأمه، إذ لا يحل ~~تزوج أخت ابن الأخ لأب أو لأب وأم. ولوط هو ابن هارون بن بارح أبي ~~إبراهيم. وهارون هو أخو إبراهيم. وكان نمرود إله أريكوثا من أرض العراق ~~فهاجرا إلى أرض الشام، خرجا إليها مهاجرين. # ويروى أن جميع الأمواه العذبة تخرج من تحت الصخرة التي ببيت المقدس. # ويقال: هي أرض المحشر والمنشر. وبها يجتمع الناس وبها ينزل عيسى، وبها ~~يهلك الله مسيح الضلالة الكذاب الدجال. # قال ابن إسحاق: خرج إبراهيم مهاجرا إلى ربه، وخرج معه لوط مهاجرا، ~~وتزوج إبراهيم سارة بنت عمه، فخرج بها معه يلتمس الفرار بدينه والأمان ~~على عبادة ربه، حتى نزل حران، فمكث بها ما شاء الله أن يمكث. ثم خرج منها ~~مهاجرا حتى قدم مصر، ثم خرج من مصر إلى الشام، فنزل السبع من أرض فلسطين ~~وهي برية الشام ونزل لوط بالمؤتفكة. وهي من السبع على مسيرة يوم وليلة ~~وأقرب من ذلك، فبعثه الله نبيا. # وقيل: إن سارة إنما هي بنت ملك حران، تزوجها واشترط لها ألا يغيرها. ~~وكان لوط ابن أخت ms1590 إبراهيم. وكان مسكن لوط بحران. # وقال ابن عباس قوله: { إلى الأرض التي باركنا فيها ~~للعالمين }. مكة ونزول إسماعيل البيت، ودل على ذلك قوله: # إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة # [آل عمران: 96]. # ثم قال تعالى: { ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة } ~~أي: ولد الولد / فالنافلة يعقوب. قاله: ابن عباس وقتادة. # وقال ابن جريج: النافلة: إسحاق ويعقوب. # ومعنى النافلة: عطية. أي: وهبناهما له عطية من عندنا وكذلك قال مجاهد. ~~فعلى القول الأول، يقف على " إسحاق " وعلى هذا القول، لا تقف عليه. # ثم قال تعالى: { وكلا جعلنا صالحين }. # أي: وكلهم جعلنا عاملين بطاعة الله. # ثم قال: { وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا }. # أي: أئمة يهتدى بهم في أمر الله، قاله قتادة. # وقيل: جعلهم أئمة يؤتم بهم في الخير. # وقيل: المعنى: يهدون الناس بأمر الله إياهم بذلك، ويدعونهم إلى الله ~~وإلى عبادته. # { وأوحينآ إليهم فعل الخيرات }. # أي: أن افعلوا الخيرات وأقيموا الصلاة وأتوا الزكاة، أي: أمرناهم بذلك. ~~فالمصدر، يقدر بأن والفعل. # ثم قال تعالى: { وكانوا لنا عابدين }. # أي: خاشعين لا يستكبرون عن عبادتنا. # و " عابدين " وقف إن نصبت " ولوطا " بإضمار فعل. أي: واذكر لوطا. ### || [21.74-80] # قوله تعالى: { ولوطا آتيناه حكما وعلما } إلى قوله: { ~~فهل أنتم شاكرون }. # المعنى: وآتينا لوطا آتيناه حكما وهو فعل القضاء بين الخصمين وعلما ~~بأمر دينه. { ونجيناه من القرية التي كانت تعمل ~~الخبائث } ، أي: من العذاب الذي نزل بالقرية، وهي قرية سدوم التي ~~بعث لوط إلى أهلها، والخبائث هو إتيان الذكور في أدبارهم وإظهار المنكر ~~في مجالسهم، فأخرجه الله مع ابنتيه ومن آمن إلى الشام حين أراد الله ~~إهلاك قومه، لأنهم كانوا قوم سوء " فاسقين ". أي: خارجين عن طاعة الله ~~تعالى مخالفين لأمره. # ثم قال: { وأدخلناه في رحمتنآ }. # أي: أنجيناه من العذاب فدخل في الرحمة. # وقال ابن زيد: هو دخوله في الإسلام. # { إنه من الصالحين }. # أي: من العاملين بطاعة الله. # ثم قال تعالى ذكره: { ونوحا إذ نادى من قبل }. # أي: واذكر نوحا إذ نادى ربه من قبلك. ومن قبل إبراهيم ولوط، وسأل أن ms1591 ~~يهلك قومه الذين كذبوه فاستجبنا له دعاءه، ونجيناه وأهله. يعني أهل ~~الإيمان من ولده وحلائله من الكرب العظيم، وهو الغرق الذي حل بقومه، ~~وبجميع من في الأرض. # ثم قال: { ونصرناه من القوم الذين كذبوا ~~بآياتنا }. # أي: ونصرناه على القوم المكذبين، فأنجيناه منهم وأغرقناهم أجمعين، لأنهم ~~كانوا قوم سوء، يعصون الله، ويكذبون رسوله. ف " من " بمعنى " على ". # ثم قال: { وأدخلناه في رحمتنآ } أي: بالنجاة. # وقيل: في الإسلام. # " إنه من الصالحين " من العالمين بطاعة الله. # ثم قال تعالى: { وداوود وسليمان إذ يحكمان في ~~الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم }. # أي: واذكر داود وسليمان حين يحكمان في الحرث. # قال قتادة: ذكر لنا أن غنم القوم وقعت في كرم ليلا. # وقال ابن مسعود: كان ذلك الحرث كرما قد أنبت عناقيده. # يقال: نفشت الغنم، إذا رعت ليلا. فهي نفاش ونفاش ونفش وإذا رعت النهار ~~قيل: سرحت وسربت وهملت. # قال الزهري: النفش بالليل والهمل بالنهار. # وقوله: { وكنا لحكمهم شاهدين } أي: لحكم داود وسليمان ~~والقوم الذين حكما بينهم شاهدين، لا يخفى علينا منه شيء، ولا يغيب. # ثم قال تعالى: { ففهمناها سليمان } أي: ففهمنا القضية ~~سليمان دون داود، { وكلا آتينا حكما وعلما } أي: وكلهم، ~~يعني داود وسليمان والرسل المذكورين في هذه السورة. { آتينا حكما } ~~يعني النبوة وعلما بأحكام الله. # قال ابن عباس: دخلت الغنم ليلا، فأفسدت الكرم، فاختصموا إلى داود. فقضى ~~بالغنم لصاحب الكرم، فمروا على سليمان، فأخبروه فقال: كان غير هذا الحكم ~~أرفق بالجميع. فدخل صاحب الغنم، فأخبر داود، فقال لسليمان: كيف الحكم ~~عندك. فقال: يا نبي الله، تدفع الغنم إلى صاحب الحرث، فيصيب من ألبانها ~~وأصوافها وأولادها، وتدفع الكرم إلى صاحب الغنم يقوم به حتى يرجع إلى ~~حاله. # فإذا رجع إلى حاله، سلم الكرم إلى صاحبه والغنم إلى صاحبها. وكذلك قال ~~مجاهد وشريح وقتادة وجماعة من الكوفيين يزعمون أن هذا الحكم منسوخ، وأن ~~البهائم إذا أفسدت زرعا ليلا أو نهارا أنه لا يلزم أصحابها شيء /. # قال: هو منسوخ بقوله صلى الله عليه وسلم: # " العجماء جبار " ولم ms1592 يقل بهذا أحد غير أبي حنيفة. # وقد حكم بالضمان لما أفسدت البهائم بالليل ثلاثة من الأنبياء: داود ~~وسليمان ومحمد صلى الله عليه وسلم. قضى النبي أن على أهل الثمار حفظها ~~بالنهار، وضمن أصحاب الماشية ما أصابت ماشيتهم بالليل. # وقال أبو حنيفة: لا ضمان. # ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: " جرح العجماء جبار " إنما يعني به ما ~~أصابت البهيمة فلا أرش فيه إذا لم يكن على صاحبها حفظها، لأن العلماء قد ~~أجمعوا على أن على راكب الدابة ما أصابت بيديها، إذ عليه حفظها ولا خلاف ~~فيها إلا خلاف من لا يعد خلافا. فإذا لزم ما أصابت بيديها الدابة فليس ~~بجبار إلا إذا لم يكن على صاحبها حفظها وتضمين أصحاب الماشية ما أصابت ~~بالليل. وهو قول مالك والشافعي. # فالذي يحكم به في مثل هذه القضية في الإسلام أن يقوم ما أفسدته الماشية ~~من الكرم، ويغرمه أرباب الماشية لأهل الكرم، لأن حفظ الليل كان عليهم ~~لازما، فلما فرطوا ضمنوا الجناية. # ويروى أن ناقة للبراء بن عازب رعت نباتا لقوم، فقضى رسول الله عليه ~~السلام أن على أهل الثمار حفظها بالنهار، وضمن أصحاب المواشي ما أصابت ~~مواشيهم بالليل. # وخالف أبو حنيفة هذا الحكم، وزعم أنه منسوخ بقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: العجماء جبار. والرواية عند أهل الحديث: العجماء جرحها جبار. وقد ~~أجمع أن على راكب الدابة ما أصابت بيديها، فدل ذلك أن ما أصابت جبار إذا ~~لم يكن صاحبها معها أو قائدها. فخالف أبو حنيفة، في هذا داود وسليمان ~~ومحمدا صلى الله عليه وسلم وجميع العلماء. " وجبار " مشتق من جبرت ~~العظم، إذا لامته، وجبرت الرجل، إذا نعشته فكان صاحبها يجبر وينعش ~~بإسقاط ما جنته الدابة عنه من غير أن يكون له فيه فعل. # ويجوز أن يكون من أجبرت الرجل على الشيء، إذا قهرته عليه، فتكون الدابة ~~كلها مجبرة من حيث عليه أن لا يأخذ في الجناية بشيء. # وقد قيل: إن الذي أفسدت الماشية كان زرعا فقضى فيه سليمان أن يأخذ صاحب ~~الزرع الماشية ms1593 ينتفع بألبانها. وأصوافها إلى أن يأتي حول ثاني، ويزرع له ~~صاحب الماشية مثل زرعه. فإذا بلغ الحد الذي كان عليه وقت رعته الماشية، ~~دفعه إلى صاحب الزرع، وأخذ ماشيته. # وقيل: كانا نبيين يحكمان في وقت بأمر الله ووحيه. # فكان داود يحكم بحكم أمره الله به. فيحكم به في الزرع، ثم نسخه الله، ~~فأوحى إلى سليمان نسخه فحكم به في ذلك. فكل حكم بحكم الله تعالى وأمره ~~له. وحكم سليمان ناسخ لحكم داود بأمر الله له ووحيه إليه. ولذلك قال: ~~وكلا آتينا حكما وعلما. # ثم قال تعالى: { وكلا آتينا حكما وعلما }. # قال زيد بن أسلم: الحكم، أو الحكمة العقل. # وقال مالك: وإنه ليقع بقلبي أن الحكمة، الفقه بدين الله عز وجل، ولين ~~يدخله الله القلوب من رحمته وفضله. # ثم قال: { وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن }. # أي: يسبحن معه إذا سبح. # وقال قتادة: " معنى " يسبحن هنا، يصلين معه إذا صلى. " والطير " يجوز أن ~~يدخلن في التسبيح مع الجبال، وهو الأولى، ويجوز أن يدخلن في التسخير لا ~~غير. # ثم قال: { وكنا فاعلين }. # أي: فاعلين بقدر ما نريد. # وقيل: المعنى: وكنا فاعلين للأنبياء مثل هذه الآيات. # وقيل: معناه: وكنا قضينا أن نفعل ذلك به في أم الكتاب. # ثم قال تعالى: { وعلمناه صنعة لبوس لكم }. # أي: وعلمنا لداود صنعة سلاح وهو الدرع هنا. واللبوس في كلام العرب: ~~السلاح كله: الدرع والسيف والرمح وغير ذلك. وكان أول من صنع هذه الحلق ~~والسرد داود. # وقوله: { لتحصنكم } أي: ليحرزكم إذا لبستموها، ولقيتم أعداءكم ~~من القتل، فهل أنتم أيها الناس شاكرون الله على نعمه عندكم. ### || [21.81-84] # قوله تعالى: { ولسليمان الريح عاصفة } إلى قوله: { ~~وذكرى للعابدين }. # أي: وسخرنا لسليمان الريح عاصفة. وعصوفها، شدة هبوبها، تجري بأمر سليمان ~~إلى الأرض التي / باركنا فيها، يعني إلى أرض الشام. وكانت تجري به ~~وبأصحابه إلى حيث شاء، ثم تعود به إلى منزله بالشام. # وقال وهب بن منبه: كان سليمان إذا خرج من مجلسه عكف عليه الطير وقام له ~~الإنس والجن، حتى يجلس على سريره. ms1594 وكان امرأ غزاء، قلما يقعد عن الغزو، ~~ولا يسمع في ناحية من الأرض بملك إلا تاه حتى يذله، وكان إذا أراد الغزو، ~~أمر بعسكره فضرب له بخشب، ثم نصب له على الخشب، ثم حمل عليه الناس ~~والدواب وآلة الحرب كلها، حتى إذا حمل معه ما يريد، أمر العاصف من الريح ~~فدخلت تحت ذلك الخشب فاحتملته، حتى إذا استفلت، أمر الرخاء، فمرته شهرا ~~في روحته وشهرا في غدوته إلى حيث أراد. وهو قوله تعالى ذكره: { ~~فسخرنا له الريح تجري بأمره رخآء حيث أصاب } ~~وقوله: { ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها ~~شهر }. # ثم قال تعالى: { وكنا بكل شيء عالمين }. # أي: بصلاح كل الخلق، وبما أعطينا سليمان مما فيه صلاح له وللخلق، عالمين ~~بذلك، لا يخفى علينا منه شيء. # ثم قال تعالى: { ومن الشياطين من يغوصون له }. # أي: وسخرنا له من الشياطين قوما يغوصون له في البحر، " ويعملون عملا ~~دون ذلك " يعني البنيان والتماثيل والمحاريب وغير ذلك من الأعمال. # قال الفراء: دون ذلك: أي: سوى ذلك. # فإن قيل: كيف تهيأ للجن هذه الأعمال من البنيان العظيم واستخراج الدر من ~~قعور البحار وغير ذلك، وأجسامهم رقيقة ضعيفة لا تقدر على حمل الأجسام ~~العظام ولا تقدر على ضر الناس إلا بالوسوسة لضعفهم ورقة أجسامهم. فالجواب ~~أن الذين سخروا لهذه الأعمال أعطاهم الله قوة على ذلك، وذلك من إحدى ~~المعجزات لسليمان. فلما مات سليمان، سلبهم الله تعالى تلك القوة، وردهم ~~على خلقتهم الأولى، فلا يقدرون الآن على حمل الأجسام الكثيفة ونقلها. ولو ~~أظهروا ذلك، وقدروا عليه، لدخلت على الناس شبهة من جهتهم وتوهينا ~~لمعجزات الرسل. وكذلك سخر الطير له بأن زاد في فهمها عنه وقبولها لأمره، ~~وخوفها عقابه، وذلك من معجزات سليمان. فلما مات، زال ذلك عنها، ورجعت إلى ~~ما خلقت عليه. # ثم قال تعالى: { وكنا لهم حافظين }. # أي: لأعمالهم وأعدادهم وطاعتهم له، حافظين. # وقيل: المعنى: وكنا لهم حافظين، أن يفسدوا ما عملوا. # وقيل: حافظون لهم أن يهربوا منه ويمتنعوا عليه فحفظهم بما شاء من ملائكة ~~أو ms1595 جن مثلهم طائعين لله. # ثم قال تعالى: { وأيوب إذ نادى ربه أني مسني ~~الضر }. أي: واذكر يا محمد أيوب حين نادى ربه، وقد مسه الضر والبلاء. # رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين فاستجبنا له دعاءه فكشفنا ما به من ~~ضر. ويروى أنه ما نادى إلا بعد تسع سنين، وكان الضر الذي نزل به اختبارا ~~من الله تعالى له، وامتحانا. وكان الله قد وسع عليه في دنياه، وأعطاه ~~ولدا وأهلا، فاختبره الله بهلاك ماله فشكر وعلم أنه من عند الله. ثم ~~ابتلاه بذهاب أهله وولده فصبر وشكر، ثم ابتلاه بالبلاء في جسمه، فتناثر ~~لحمه، وتذود جسمه وعظم عليه البلاء حتى أخرجه أهل بلده من قريتهم، ورموه ~~على تل من الأرض خارج القرية وكان إبليس في خلال تلك المحن يتصور له ~~ويستفزه أن يكفر بنعم الله أو يغضب لما حل عليه، ولم يجد فيه إحالة عن ~~شكره وذكره، ولم يبق من أهله إلا امرأة واحدة تقوم عليه وتكسب له، وإبليس ~~اللعين يتلطف أن يستفز أحدهما بزلة أو كفر، فلم يقدر على ذلك. # قال وهب بن منبه: فبلغني أنها التمست له يوما من الأيام ما تطعمه، فما ~~وجدت شيئا حتى جزت قرنا من رأسها فباعته برغيف فأتته فعشته إياه. قال ~~وهب: فلبث في ذلك البلاء ثلاث سنين. # وقال الحسن البصري: مكث في ذلك البلاء تسع سنين وستة أشهر ملقى على رماد ~~في جانب القرية، فلما اشتد بلاؤه وعظمت مصيبته أراد الله تعالى أن يفرج ~~عنه، فقيل له: يا أيوب، اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب فيه شفاؤك وقد ~~وهبت لك أهلك ومثلهم معهم وولدك، ومثلهم معهم، وعمرك ومثله معه، لتكون ~~لمن خلفك آية، وتكون عبرة لأهل البلاء، وعزاء للصابرين. فركض برجله، ~~وانفرجت له عين فدخل فيها فاغتسل. فأذهب الله عنه كل ما كان به من ~~البلاء، ثم خرج وجلس، وأقبلت امرأته تلتمسه في مضجعه، فلم تجده، وقامت ~~كالواهلة ملتدمة، ثم قالت: يا عبد الله، هل لك علم بالرجل المبتلى الذي ~~كان ها ms1596 هنا؟ قال: لا، ثم تبسم فعرفته واعتنقته. # قال ابن عباس: فوالذي نفسي بيده، ما فارقته من عناقه حتى موجها كل مال ~~لهما وولد. # ويروى أن الله جل ذكره رد عليه أهله ومثلهم معهم، وأمطر عليه فراشا من ~~ذهب، فجمع حتى ملأ كل ما أراد، وأقبل يشحن في ثيابه فأوحى الله إليه، أما ~~يكفيك ما جمعت حتى تشحن في قميصك؟ فقال أيوب: وما يشبع من خيرك؟ # ويروى أن إبليس اللعين تمثل لامرأة أيوب صلى الله عليه وسلم في هيئة ~~شريفة ومركب له هيبة، وقال [لها]: # أنت صاحبة أيوب المبتلى؟ فقالت: نعم. قال: هل تعرفينني؟ قالت: لا. فقال: ~~أنا إله الأرض، وأنا الذي صنعت بصاحبك ما صنعت لأنه عبد إله السماء ~~وتركني. ولو سجد لي سجدة واحدة لرددت عليك وعليه كل ما كان لكما من مال ~~وولد. # ثم مثل لها أباهم ببطن الوادي الذي لقيها فيه وقال إن صاحبك أكل طعاما ~~ولم يسمنى عليه لعوفي مما به من البلاء، فرجعت امرأة أيوب إليه، فأخبرته ~~بما قال لها وما أراها فقال لها أيوب، قد أتاك عدو الله ليفتنك عن دينك. ~~ثم أقسم أن الله عافاه ليضربنها مائة ضربة. # قال ابن عباس: لما ابتلاه الله بما ابتلاه [ولم يشأ] الدعاء في أن يكشف ~~عنه ما به من ضر، غير أنه كان يذكر الله كثيرا ولا يزيده البلاء في الله ~~إلا رغبة وحسن إيمان، فلما انتهى الكتاب أجله أذن له في الدعاء فدعا، ~~فكشف ما به، ورد عليه مثل أهله وماله الذين ذهبوا، ولم يرد عليه الذي ~~هلك، لكن وعده أن يوليه إياهم في الآخرة، قال مجاهد. قال: خير أيوب ~~أن يرد عليه أهله ومثلهم معهم في الدنيا، أو يعطى في الدنيا مثل أهله، ~~ويرد عليه في الآخرة أهله، فاختار أن يردوا عليه في الآخرة ويعطى في ~~الدنيا مثلهم، وقال ابن عباس. # وقال الحسن: رد عليه ماله الذي ذهب ومثلهم معهم من النسل. # ثم قال: { رحمة من عندنا وذكرى للعابدين }. # أي: ورحمناه رحمة ليتذكروا بذلك ms1597 ويتعظوا. # وروى أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " مكث أيوب به بلاؤه ثمانية عشر سنة. فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من ~~إخوانه كانا يغدوان ويروحان عليه، فقال أحدهما لصاحبه ذات يوم: تعلم، ~~والله لقد أذنب أيوب ذنبا ما أذنبه أحد من العالمين، له ثمان عشر سنة ~~بهذا الضر، لم يرحمه الله فيكشف ما به، فأخبر الذي يقول أيوب بقول صاحبه ~~بحضرتهما، فقال أيوب: ما أدري ما تقولان، غير أن الله يعلم إن كنت أمر ~~بالرجلين يتنازعان فيذكران الله ويحلفان، فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما ~~كراهية أن يذكر الله إلا في حق ". # وروي عن الليث أنه قال: كان الذي أصاب أيوب أنه دخل مع أهل قريته على ~~ملكهم جبار من الجبابرة في بعض ما كان من ظلمة للناس، فكلموه، فأبلغوا في ~~كلامهم، فرفق أيوب في كلامه مخافة منه على زرعه، فقال الله له: يا أيوب ~~أتقيت عبدا من عبيدي من أجل زرعك، فنزل به ما نزل ذكره ابن وهب. # وعن الليث أنه قال: بلغني أنه قيل لأيوب صلوات الله عليه: ما لك لا تسأل ~~الله العافية؟ قال: إني لأستحي من الله أن أسأله العافية حتى يمر بي من ~~البلاء ما مر بي من الرخاء. # وقيل: إن الذي كان حدث به داء يقال له الأكلة، فكان جسمه يتآكل ويتساقط ~~حتى شغل عن القيام بماله، فذهب ماله وزال جميع ملكه، وحتى أن قومه أخرجوه ~~من جوارهم، فصار في طريق من أطراف البلاد بحيث لا يجد فيه غذاء إلا ما ~~يجده الفقراء الزمناء، وهو صابر مع ذلك، يحتسب، عارف بعدل الله في ذلك ~~أنه لم يختر له، ولا فعل به إلا ما حسن نظره في باب الدين أو أنه فعل ذلك ~~به ليعوضه من نعيم الجنة ما هو أنفع له وأصلح مما سلبه من ماله وصحة ~~جسمه، فكان إبليس اللعين يؤذيه بالوسوسة، ويؤذي أهله بذلك، ويوسوس إلى ~~جيرانه في إخراجه عنهم، وإبعاده منهم. # فعند ذلك دعا ms1598 الله في كشف ما به، فاستجاب له لا إله إلا هو، فكشف ضره، ~~ورزقه من المال والأهل أكثر مما كان قبل ذلك. # قوله: { وذكرى للعابدين } قيل: معناه: ليتعظ العابدون فيما ~~يصيبهم من المحن بأيوب، فيصبروا ويحتسبوا ذلك عند الله، كما فعل أيوب. ~~ولا يجوز لأحد أن يتأول في قوله تعالى: { أني مسني الشيطان ~~بنصب وعذاب } فهو الذي أمرضه، وألقى الضر في بدنه، ولا يكون ذلك ~~إلا من عند الله وبأمره وإرادته يفعل ما يشاء، ويبتلي عباده بما يشاء، ~~ليكفر عنهم سيئاتهم، وليثيبهم بما أصابهم. ففي كل قدر قدره الله على ~~العبد المؤمن خير له، إما في عاجل أمره أو آجله، فعلى هذا يعبد الله من ~~فهم عنه. # وقيل: إن الذي أصابه إبليس، إنما هو ما وسوس إليه به وإلى أهله، فكان ~~ذلك الذي شكا به إلى الله. ### || [21.85-88] # قوله: { وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من } إلى ~~قوله: { ننجي المؤمنين } أي: واذكر يا محمد إسماعيل وإدريس وذا ~~الكفل. ذو الكفل رجل تكفل بكفالة من الطاعة لله فأتمه. # روي أن نبيا من الأنبياء قال: من يتكفل لي أن يصوم النهار ويقوم الليل ~~ولا يغضب. فقام شاب فقال: أنا. فقال: اجلس. ثم قال: من يتكفل لي أن يقوم ~~الليل ويصوم النهار ولا يغضب. فقام ذلك الشاب فقال: أنا. فقال: اجلس فجلس ~~ثم عاد الثالثة فقام ذلك الشاب فقال: أنا. فصام النهار وقام الليل ثم مات ~~ذلك النبي، فجلس ذلك الشاب مكانه فقضى بين الناس، فكان لا يغضب، فجاءه ~~الشيطان في صورة إنسان ليغضبه وهو صائم يريد أن يقيل، فضرب الباب ضربا ~~شديدا، فقال: من هذا؟ فقال: رجل له حاجة فأرسل معه رجلا فرجع فقال: لا ~~أرضى بهذا الرجل، فأرسل معه آخر فقال: لا أرضى بهذا الرجل، فخرج إليه ~~فأخذ بيده فانطلق حتى إذا كان في السوق خلاه وذهب فسمي ذا الكفل. # وقال مجاهد: لما كبر اليسع قال لو أني استخلفت رجلا على الناس يعمل ~~عليهم في حياتي حتى أنظر كيف يعمل. قال: فجمع ms1599 الناس فقال: من يتكفل ~~بثلاثة أستخلفه؟ يصوم النهار ويقوم الليل ولا يغضب. قال: فقام رجل تزدريه ~~العيون فقال: أنا وقال مثلها في اليوم الثاني، فقام ذلك الرجل فاستخلفه ~~فجعل إبليس يقول للشياطين: عليكم بفلان، فأعياهم فقال: دعوني وإياه، ~~[فأتاه] في صورة شيخ كبير قبيح الصورة فقير. وأتاه حين أخذ مضجعه ~~للقائلة، وكان لا ينام بالليل والنهار إلا تلك السويعة فدق الباب، فقال: ~~من هذا؟ فقال: شيخ كبير مظلوم. قال: ففتح الباب وجعل يقص عليه ويطول ~~عليه، حتى حضر الرواح وذهبت القائلة وقال له: إذا رحت فأتني وآخذ لك ~~بحقك. فانطلق وراح وكان في مجلسه فجعل ينظر هل يرى الشيخ فلم يره فقام ~~يتبعه، فلما كان الغد جعل يقضي بين الناس فنظره فلم يره، فلما رجع إلى ~~القائلة وأخذ مضجعه، أتاه فدق الباب، فقال: من هذا؟ فقال: الشيخ الكبير ~~المظلوم. ففتح له، فقال: ألم أقل لك إذا قعدت فآتني؟ فقال: إن خصمي قوم ~~أخبث قوم إذا عرفوا أنك قاعد قالوا نحن نعطيك حقك، وإذا نمت جحدوني. قال: ~~فانطلق فإذا رحت فأتني فأتته القائلة وراج، وجعل ينظر فلا يراه، وشق عليه ~~النعاس. فقال لأهله من الغد: لا تدعن أحدا يقرب هذا الباب حتى أنام، ~~فإني قد شق علي النوم فلما كان تلك الساعة جاء فقال له الرجل: وراءك، ~~فقال: إني قد أتيته بالأمس، وذكرت له أمري فقال: لا والله، لقد أمرنا ألا ~~ندع أحدا يقربه، فلما أعياه نظر فرأى كوة فتسور منها، فإذا هو في البيت، ~~وإذا هو يدق الباب من داخل، فاستيقظ الرجل، فقال: يا أبا فلان، ألم آمرك؟ ~~فقال: أما / من قبلي والله فلم تؤت، فانظر من أين أوتيت. # فقام إلى الباب، فإذا هو مغلق كما أغلقه. وإذا الرجل معه في البيت، ~~فعرفه، فقال: يا عدو الله. قال: نعم. أعييتني في كل شيء، ففعلت ما ترى ~~لأغضبك، فسمي ذا الكفل، لأنه تكفل بأمر فوفى به. # قال مجاهد: كان رجلا صالحا غير نبي. وكذا قال أبو موسى الأشعري وقوله: ~~{ كل من ms1600 الصابرين } أي: كلهم من أهل الصبر فيما نابه في الله، ~~وعلى تبليغ رسالاته وعلى شدائد الدنيا، وعلى القيام بعبادة الله، وعلى ~~الصبر على الأذى في الله. # { وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين }. # أي: ممن عمل بطاعة الله. # وقيل: إن ذا الكفل إنما سمي بذلك لأن الله تكفل له في عمله وسعيه بضعف ~~عمل غيره من الأنبياء الذين كانوا في زمنه. # ثم قال تعالى ذكره: { وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن }. # أي: واذكر [يا محمد] صاحب الحوت. وهو يونس إذ ذهب مغاضبا. # قال ابن عباس والضحاك: ذهب غاضبا على قومه. # وعن ابن عباس أنه خرج مغاضبا على ربه لما رد العذاب عن قومه وصرفه ~~عنهم. وهذا قول مردود، لا تغضب الأنبياء على ربها، لأن الغضب على الله ~~معاداة له. ومن قصد الله بالعداوة كفر. ونعيذ الله تعالى يونس صلى الله ~~عليه وسلم من ذلك. وكذلك لا يجوز أن تتأول في قوله تعالى: { فظن أن ~~لن نقدر عليه }. # إنه من القدرة عليه، وأنه يفوت الله. كان صلى الله عليه وسلم أعلم بالله ~~من ذلك، إنما هو من التقدير الذي هو التضييق. ظن أن الله لا يضيق عليه ~~مسلكه في خروجه عنهم. طمع برحمة الله له في ترك التضييق عليه. وقد فسرنا ~~هذا المعنى. # وقيل: إنما نقم الله عليه أنه خرج عن قومه فارا من نزول العذاب بهم من ~~غير أن يأمره الله بالخروج، وهي صغيرة والله يغفر الصغائر لغير الأنبياء، ~~فكيف للأنبياء. فنادى في بطن الحوت { لا إله إلا أنت ~~سبحانك إني كنت من الظالمين }. # أي: من الظالمين لنفسي في خروجي عن قومي قبل أن تأمرني بالخروج. فاستجاب ~~الله له، وأخرجه من بطن الحوت. وتلك معجزة وآية له: تدل على نبوته وفضله. # وقيل: إن الله غفر له صغيرته، ولم يحبسه في بطن الحوت بذنبه إنما أراد ~~أن يريه قدرته، ويجعل ذلك آية. وخروجه من بطن الحوت عاقلا حيا معجزة ~~له، ودليلا على توبته، لأن الصغائر تغفر باجتناب الكبائر. والكبائر تغفر ~~بالتوبة. وذلك ms1601 أنهم كذبوه فيما جاءهم به فأوحى الله تعالى إليه أني مرسل ~~إليهم العذاب يوم كذا، فأخرج من بين أظهرهم. # فأعلم قومه بالعذاب الذي يأتيهم، فقالوا: ارمقوه، فإن هو خرج من بين ~~أظهركم فهو والله كائن ما وعدكم، فلما كان الليلة التي وعدوا بالعذاب في ~~صبيحتها، أدلج ورآه القوم فحذروا وخرجوا من القرية إلى براز من أرضهم، ~~وفرقوا بين كل دابة وولدها، ثم عجوا إلى الله جل وعز واستقالوه فأقالهم. # قيل: خرجوا إلى موضع يقال له تل الرماد، ففرقوا بين الصبيان وأمهاتهم، ~~وبين الرجال ونسائهم، وعجوا إلى الله تعالى ذكره وخرجوا بالبهائم، فرفع ~~الله عنهم العذاب، وانتظر يونس الخبر عن القرية وأهلها حتى مر به مار ~~فقال: ما فعل أهل القرية، فقال: فعلوا أن نبيهم لما خرج عنهم عرفوا أنه ~~قد صدقهم ما وعدهم به من العذاب، فخرجوا من قريتهم إلى براز من الأرض ~~وفرقوا بين ذات كل ولد وولدها، ثم عجوا إلى الله وتابوا إليه، فقبل منهم ~~وأخر عنهم العذاب. فقال يونس عند ذلك وغضب: والله لا أرجع إليهم كذابا ~~أبدا، وعدتهم العذاب في يوم ثم رد عنهم. ومضى على وجهه مغاضبا. # قال الحسن: بلغني أن يونس لما أصاب الذنب، انطلق مغاضبا لربه، فاستزله ~~الشيطان. وقاله الشعبي. # فقيل: إنه إنما لم يرجع إليهم لأنه استحيا منهم أن يجدوا عليه الخلف ~~فيما وعدهم به /. # وقيل: كان من سنتهم قتل من كذب، فخاف أن يظنوا أنه كذبهم فيقتلوه. # وقيل: معناه: مغاضبا أي: مغاضبا من أجل ربه. أي: غضب على قومه لكفرهم ~~بربه. # وقال الحسن: أمر بالسير إلى قوم لينذرهم بأس الله، ويدعوهم إليه، فسأل ~~ربه أن ينظره ليتأهب للشخوص إليهم. فقيل له الأمر أسرع من ذلك، ولم ينظر ~~حتى سأل أن ينظر إلى أن يأخذ نعلا يلبسها. وكان رجلا في خلقه ضيق. # فقال: أعجلني ربي أن آخذ نعلا فذهب مغاضبا. # وقال وهب اليماني: إن يونس بن متى كان عبدا صالحا وكان في خلقه ضيق. ~~فلما حملت عليه أثقال النبوة - ولها أثقال لا ms1602 يحملها إلا قليل من الناس - ~~تفسخ تحتها تفسخ الربع تحت الحمل فقذفها من يديه، وخرج هاربا ~~منها. # وقال الأخفش: إنما غاضب بعض الملوك. # واختار الطبري أن يكون المعنى مغاضبا لربه. # واختار النحاس أن يكون مغاضبا لقومه. # وقال ابن عباس: إنما أرسل يونس بعدما نبذه الحوت، لقوله: # فنبذناه بالعرآء وهو سقيم # [الصافات: 145]. ثم قال: # وأرسلناه إلى مئة ألف أو يزيدون # [الصافات: 147]. # وقوله: { فظن أن لن نقدر عليه } أي: فظن أن لن نعاقبه ~~بالتضييق عليه. يقال: قدرت على فلان: ضيقت عليه. ومنه قوله: # ومن قدر عليه رزقه فلينفق ممآ آتاه الله # [الطلاق: 7]. # قال ابن عباس: معناه: فظن أن لن نأخذه بالعذاب الذي أصابه. # وعنه أيضا: أن المعنى: ظن أن لن نقضي عليه عقوبة، ولا بلاء فيما صنع ~~بقومه إذ غضب عليهم وفر منهم. # وقال مجاهد وقتادة والضحاك: المعنى: فظن أن لن نعاقبه. # وهذه الأقوال: هي الاختيار لبعد إضافة تعجيز الله جل ذكره إلى نبي، وقد ~~قاله: جماعة، وقولهم مرغوب عنه. # قال سعيد بن أبي الحسن: استزله الشيطان حتى ظن أن لن يقدر عليه، وكان له ~~سلف عبادة وتسبيح، فأبى الله أن يدعه للشيطان فأخذه فقذفه في بطن الحوت، ~~فأقام فيه أربعين بين يوم وليلة وأمسك الله نفسه، فلم يقتله هناك، فتاب ~~إلى ربه في بطن الحوت وراجع نفسه. وقال: { سبحانك إني كنت من ~~الظالمين } فاستخرجه الله من بطن الحوت برحمته لما كان سلف له من ~~العبادة والتسبيح، فجعله من الصالحين. # وقال ابن زيد: معنى الآية على تقدير الاستفهام، التقدير أفظن أن لن نقدر ~~[عليه]. # ثم قال تعالى: { فنادى في الظلمات أن لا إله إلا ~~أنت سبحانك إني كنت من الظالمين }. # يعني: فنادى يونس في ظلمة الليل وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت. قاله: ~~ابن عباس وابن جريج وقتادة ومحمد بن كعب. # وقيل: إن الحوت الذي ابتلع يونس ابتلعه حوت آخر. فتلك الظلمات بطن حوت ~~في بطن حوت في ظلمة البحر. # وقوله: { إني كنت من الظالمين } اعتراف منه بذنبه وتوبته ~~منه. # قال عوف الأعرابي: ms1603 لما صار يونس في بطن الحوت، ظن أنه قد مات، ثم حرك ~~رجليه، فلما تحركت، سجد مكانه، ثم نادى: يا رب، اتخذت لك مسجدا في موضع ~~ما اتخذه أحد. # وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لما أراد الله حبس يونس في بطن الحوت، أوحى الله جل وعز إلى الحوت أن ~~خذه، ولا تخدش له لحما، ولا تكسر له عظما. فأخذه ثم هوى به إلى مسكنه، ~~فلما انتهى به إلى أسفل الأرض، سمع يونسا حسا، فقال: ما هذا؟ فأوحى ~~الله إليه وهو في بطن الحوت: هذا تسبيح دواب البحر. فسبح وهو في بطن ~~الحوت. # قال: فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا: يا ربنا، إنا لنسمع صوتا ضعيفا ~~بأرض غريبة. قال ذلك عبدي يونس، عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر. ~~قالوا: العبد الصالح الذي كان يصعد إلينا منه كل يوم وليلة عمل صالح؟ ~~قال: نعم. قال: فشفعوا له عند ذلك، فأمر الحوت فقذفه في الساحل، كما قال: ~~" وهو سقيم " ". # ثم قال تعالى: { فاستجبنا له ونجيناه من الغم } ~~أي: من بطن الحوت. # وقيل: من غمه بخطيئته. # وقيل: / منهما جميعا. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " دعوة يونس في بطن الحوت لن يدعو بها رجل قط إلا استجيب له ". # قوله: { وكذلك ننجي المؤمنين } أي: إذا استغاثوا. # قال سعيد بن مالك: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " اسم الله جل وعز الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى دعوة يونس بن ~~متى. قال: قلت: يا رسول الله: هي ليونس بن متى خاصة أم لجماعة المسلمين؟ ~~قال: هي ليونس خاصة، وللمسلمين عامة إذا دعوا بها، ألم تسمع قول الله جل ~~ذكره: # { فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت ~~سبحانك إني كنت من الظالمين * فاستجبنا له ~~ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين } فهو ~~شرط الله تعالى لمن دعاه به ". # وروي عن ابن مسعود أنه قال: لما خرج يونس من بطن الحوت مر بغلام يرعى ~~غنما فقال له: ms1604 ممن أنت يا غلام؟ فقال: من قوم يونس. قال له: فإذا رجعت ~~إليهم فأخبرهم أنك لقيت يونس فقال له الغلام: إن تكن يونس فقد تعلم أنه ~~من كذب ولم تكن له بينة على قوله يقتل، فمن يشهد لي. فقال يونس تشهد لك ~~هذه الشجرة وهذه البقعة. فقال الغلام: فمرها بذلك. فقال لها يونس: إن ~~جاءكما هذا الغلام فاشهدا له أني يونس. قالتا: نعم. فرجع الغلام إلى قومه ~~وكان له أخوة، وكان في منعة. فأتى الملك فقال: إني لقيت يونس، وهو يقرأ ~~عليك السلام. فأمر به الملك أن يقتل، فقالوا: إن له بينة، فأرسل معه إلى ~~الشجرة والبقعة، فشهدتا له أن يونس لقيه. فرجع القوم مذعورين مما رأوا، ~~فأعلموا بذلك الملك، فتناول الملك بيد الغلام فأجلسه مجلسه، وقال: " أنت ~~أحق بهذا المكان مني. فأقام لهم ذلك الغلام أمرهم أربعين سنة ". ### || [21.89-92] # قوله تعالى ذكره: { وزكريآ إذ نادى ربه } إلى قوله: { ~~فاعبدون }. # أي: واذكر يا محمد زكريا حين نادى ربه { رب لا تذرني فردا } ~~أي وحيدا، لا ولد لي ولا عصبة، فارزقني وارثا من آل يعقوب: { وأنت ~~خير الوارثين } ، فاستجبنا له دعاءه، ووهبنا له يحيى وارثا. ثم ~~قال: { وأصلحنا له زوجه }. # أي: جعلناها ولودا بعد أن كانت عقيما. # وقال عطاء: كانت سيئة الخلق طويلة اللسان، فأصلحها الله وصيرها حسنة ~~الخلق، وهو قول محمد بن كعب وعون بن عبد الله. # ثم قال تعالى: { إنهم كانوا يسارعون في الخيرات }. ~~يعني زكريا وزوجته ويحيى، أي: يسارعون في طاعة الله، والعمل بما يقرب ~~إليه. # ثم قال تعالى: { ويدعوننا رغبا ورهبا }. # أي: رغبة فيما يرجون من ثوابه ورهبة مما يخافون من عقابه. # قال قتادة: رغبا في رحمة الله ورهبا من عذاب الله. # والدعاء في هذا الموضع: العبادة. كما قال: # وأدعو ربي عسى # [مريم: 48] أي: أعبد ربي. # قال ابن زيد: معناه: خوفا وطمعا. # قال ابن جريج: رغبا في رحمة الله ورهبا من عذاب الله. # ثم قال تعالى: { وكانوا لنا خاشعين } أي: متواضعين متذللين لا ~~يستكبرون عن العبادة والدعاء ms1605 والتضرع. # قال سفيان: هو الحزن الدائم في القلب. # ثم قال: { والتي أحصنت فرجها }. # أي: واذكر يا محمد التي أحصنت فرجها، يعني مريم: وأحصنت، حفظت ومنعت. ~~وعنى بالفرج جيبها وقيل: فرج نفسها. # وقوله: فنفخنا فيها من روحنا: أي: من جبريل صلى الله عليه وسلم، لأنه ~~روح الله، نفخ في جيب ذراعها بعد أن منعته منه إذ لم تعرفه. # وقيل: أمر الله تعالى جبريل صلى الله عليه وسلم، فنفخ الروح الذي هو روح ~~عيسى في فرجها فحيي بذلك. # ثم قال تعالى: { وجعلناها وابنهآ آية للعالمين } أي: ~~عبرة لعالم زمانهما. والتقدير على مذهب سيبويه: وجعلناها آية وابنها آية، ~~ثم حذف الأولى. أي: علما وحجة على العالمين والمعنى: جعلها آية إذ ولدت ~~من غير فحل، وجعله آية إذ ولد من غير نطفة، وإذ نطق في يوم ولد، وتكلم ~~بالحكمة في ذلك اليوم. # ثم قال تعالى ذكره: { إن هذه أمتكم أمة واحدة }. # أي: وإن هذه ملتكم ملة واحدة، وأنا ربكم أيها الناس فاعبدون، دون ~~الأصنام والأوثان. # قال مجاهد وابن عباس: " أمتكم أمة واحدة " أي: دينكم دين واحد. وأمة ~~نصبت على الحال /. ### || [21.93-96] # قوله تعالى ذكره: { وتقطعوا أمرهم بينهم } إلى قوله: ~~{ وهم من كل حدب ينسلون }. # أي: وتفرقوا في دينهم الذي قضى الله به عليهم ودعاهم إليه فصاروا فيه ~~أحزابا، فتهودت اليهود وتنصرت النصارى، وعبدت الأوثان. # ثم قال تعالى: { كل إلينا راجعون }. # أي: كلهم على اختلاف أديانهم، إلينا يرجعون. أي: إلى حكمنا فيهم، فنجازي ~~كلا بما صنع. وهذا كلام فيه تهديد ووعيد. # قال ابن زيد: " وتقطعوا أمرهم " أي: اختلفوا في الدين. ثم قال: { فمن ~~يعمل من الصالحات وهو مؤمن }. # أي: فمن يعمل من هؤلاء الذين تفرقوا في دينهم بما أمره الله، وهو مقر ~~بتوحيد الله. { فلا كفران لسعيه }. # أي: فإن الله يشكر عمله الذي عمل ويثيبه عليه في الآخرة. # ومعناه: إذا لم يكفر بنبي بعث إليه ولا بمن قبله من الأنبياء ولا بكتاب ~~نبيه ولا بكتاب من تقدم من الأنبياء. ف " من " للتبعيض. أي: من يعمل ms1606 ~~شيئا من الصالحات وهو مؤمن. # وقيل: " من " زائدة. والأول أحسن. إذ لا يحكم على الزيادة إلا بدليل ~~ظاهر. ولا دليل يدل على ذلك. وأيضا: فإن في تقدير زيادة " من " تكليف ~~غاية العمل. وهذا لا يقدر عليه ولا يكلف الله نفسا فوق طاقتها، فمن ذا ~~الذي يقدر على عمل الصالحات كلها؟. # ثم قال تعالى: { وإنا له كاتبون }. # أي: نكتب أعماله الصالحة لنجزيه على صغيرها وكبيرها. ومعنى كتبت: جمعت. # ثم قال تعالى: { وحرام على قرية أهلكناهآ أنهم ~~لا يرجعون } أي: وحرام على قرية أهلكهم الله بالطبع على قلوبهم، ~~والتمادي على الكفر، أن يرجعوا إلى الإيمان والتوبة. هذا معنى قول عكرمة ~~وهو اختيار الطبري. # وقيل: المعنى: وحرام على [أهل] قرية أمتناهم أن يرجعوا إلى الدنيا. و " ~~لا " زائدة. ومعنى " وحرام ": وجب أن لا يرجعوا وعزم أن لا يرجعوا إلى ~~توبة، ولا بعد موت. # قال ابن عباس: في معنى: { وحرام على قرية... } الآية. # وجب أنهم لا يرجعون. # وقال أبو عبيدة: " لا " زائدة. " وحرام ": على بابها. بمعنى المنع. # وقال أبو إسحاق: " لا " غير زائدة. و " حرام ": على بابها. والتقدير: ~~حرام على أهل قرية، أهلكناها أن يتقبل منهم عمل لأنهم لا يرجعون ولا ~~يتوبون. # ثم قال تعالى ذكره: { حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج }. # أي: فتح سد يأجوج ومأجوج. # روى حذيفة بن اليمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أول الآيات الدجال ونزول عيسى عليه السلام ونار تخرج من قعر عدن أبين ~~تسوق الناس إلى المحشر تقيل معهم إذا قالوا والدابة ثم يأجوج ومأجوج. قال ~~حذيفة: قلت يا رسول الله، ما يأجوج ومأجوج. قال: يأجوج ومأجوج أمة. كل ~~أمة مائة ألف أمة لا يموت الرجل منهم حتى يرى ألف عين تطرف بين يديه من ~~صلبه وهم ولد آدم فيسيرون إلى خراب الدنيا ويكون مقدمتهم بالشام، وساقتهم ~~بالعراق، فيمرون بأنهار الدنيا فيشربون الفرات ودجلة وبحيرة طبرية حتى ~~يأتوا بيت المقدس فيقولون: قد قتلنا أهل الدنيا فقاتلوا من في السماء، ~~فيرمون بالنشاب إلى السماء، فترجع نشابهم مخضبة بالدم. ms1607 فيقولون: قد ~~قتلنا. من في السماء. وعيسى والمسلمون بجبل طور سنين، فيوحي الله جل وعز ~~إلى عيسى أن أحرز عبادي بالطور وما يلي أيلة. ثم إن عيسى عليه السلام ~~يرفع يده إلى السماء ويؤمن المسلمون فيبعث الله عليهم دابة يقال لها ~~النغف تدخل في مناخرهم فيصبحون موتى حتى تنتن الأرض من جيفتهم فيجأر ~~الناس والأرض إلى الله تعالى منهم، فيأمر الله السماء فتمطر كأفواه ~~القرب، فتغسل الأرض من جيفهم ونتنهم فعند ذلك طلوع الشمس من مغربها ". # قال أبو العالية: إن يأجوج ومأجوج يزيدون على سائر الأنس الضعف. وأن ~~الجن يزيدون على الإنس الضعف، وأن يأجوج ومأجوج رجلان اسمهما يأجوج ~~ومأجوج. # قال عمر البكالي: إن الله جل وعز جزأ الملائكة والإنس والجن عشرة أجزاء. ~~فتسعة منهم الكروبيون وهم الملائكة الذين يحملون العرش، ثم هم أيضا ~~الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون قال: ومن بقي من الملائكة لأمر ~~الله ووحيه ورسالته، ثم جزأ الجن والإنس / عشرة أجزاء، فتسعة منهم الجن، ~~لا يولد من الإنس ولد إلا ولد من الجن تسعة، ثم جزأ الإنس عشرة أجزاء، ~~فتسعة منهم يأجوج ومأجوج، وسائر الناس جزء [واحد]. # وقال ابن عباس: يأجوج ومأجوج أمتان، في كل أمة أربعمائة ألف أمة، لا ~~يموت الرجل منهم حتى ينظر إلى ألف من صلبه فصاعدا؟ # وعنه أنه قال: الأرض سبعة أجزاء، ستة منها فيها يأجوج ومأجوج وجزء ~~[واحد] فيه سائر الخلق. # ومن جعل يأجوج ومأجوج مشتقا، أجاز همزة، وهو مشتق من أجة النار، وهو ~~حرها. ومنه أجة الحر، ومنه ملح أجاج. ولم يصرفه لأنه جعله اسما للقبيلة ~~وهو معرفة، ووزنها: فاعول ومفعول، ويجوز في قراءة من لم يهمز أن يكونا ~~أعجميين، وأن يكونا مشتقين. وخففت الهمزة. # وقال الأخفش: يأجوج من يججت ومأجوج من مججت وقوله: { وهم من كل ~~حدب ينسلون }. # قيل: يعني بني آدم يخرجون من كل موضع دفنوا فيه، يعني الحشر. قاله ~~مجاهد. # وقال ابن عمر عنى به يأجوج ومأجوج، يخرجون من كل مكان يفسدون في الأرض. ~~ومعنى: " من كل ms1608 حدب " أي: من كل نشز، ومن كل شرف وأكمة. # قال ابن زيد: هو مبتدأ يوم القيامة. و " ينسلون ": يمشون مسرعين كنسلان ~~الذئب. # يقال: نسل ينسل وينسل، إذا أسرع وتقارب خطوة. # قال عطية الحوفي: يأجوج ومأجوج أمتان، في كل أمة أربع مائة ألف أمة، لا ~~يشبه بعضهم بعضا، لا يموت الرجل منهم حتى ينظر في مائة عين من ولده. # وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: إن الرجل منهم ليموت فيدع لصلبه من ~~الذرية ألفا فصاعدا، وإن من ورائهم لثلاث أمم ما يعلم عدتهم إلا الله ~~تعالى مسنك وتأريس وتأويل، وخروجهم بعد خروج الدجال ونزول عيسى عليه ~~السلام. # قال كعب الأحبار: عرض أسكفة باب يأجوج ومأجوج السفلى أربعة وعشرون ~~ذراعا، فتفتحها حوافر خيلهم، والعليا عرضها إثنا عشر ذراعا، فتفتحها ~~أسنة رماحهم. ### || [21.97-104] # قوله تعالى ذكره: { واقترب الوعد الحق } إلى قوله: { ~~إنا كنا فاعلين }. # الواو زائدة في " واقترب " عند الكسائي والفراء. # قالا: اقترب جواب " إذا " في قوله: " حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج " اقترب ~~الوعد. # وأجاز الكسائي أن يكون جواب إذا، { فإذا هي شاخصة أبصار }. # وقال أبو إسحاق: الجواب: قالوا يا ويلنا، ثم حذف " قالوا " كقوله: # والذين اتخذوا من دونه أوليآء ما نعبدهم # [الزمر: 3] أي: قالوا: ما نعبدهم وحذف القول كثير في القرآن، ومعنى ~~الآية: وقرب بعث الأموات للجزاء لا شك فيه بعد خروج يأجوج ومأجوج. # قال حذيفة: لو أن رجلا افتلى فلوا بعد خروج يأجوج ومأجوج لم يركبه حتى ~~تقوم الساعة. # وقوله: { فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا }. قيل: ~~هي عماد. وقيل: هي إضمار الأبصار، والأبصار الثانية تبيين لها أي: فإذا ~~أبصار الكافرين قد شخصت عند مجيء الوعد. يقولون { يويلنا قد ~~كنا } قبل هذا الوقت في الدنيا { في غفلة من هذا } الذي ~~نرى ونعاين، { بل كنا ظالمين } أي: بمعصيتنا ربنا وطاعتنا إبليس ~~وجنوده. # ثم قال تعالى ذكره: { إنكم وما تعبدون من دون الله ~~حصب جهنم }. # أي: إنكم أيها الكفار والأوثان التي تعبدونها من دون الله وقود جهنم، ~~قاله ابن عباس. # وقال مجاهد: ms1609 حصب جهنم: حطبها. # وقال قتادة وعكرمة: حصب جهنم: يقذفون فيها. # وقال الضحاك: إن جهنم إنما تحصب بهم، أي: يرمى بهم فيها، وقرأ علي ~~وعائشة رضي الله عنهما حطب بالطاء. # وعن ابن عباس: { حصب } بالضاد معجمة. والحضب: ما دكيت به النار ~~وأججتها، والحصب بالصاد غير معجمة: اسم المرمى به في النار. # وقوله تعالى: { إنكم وما تعبدون من دون الله } يخرج ~~منه عزير والمسيح والملائكة، لأن " ما " لما لا يعقل، فهي للأصنام ~~والأوثان /. # وروي عن ابن عباس أنه قال: لما نزل: { إنكم وما تعبدون من ~~دون الله } الآية، قال المشركون: أليس قد عبد عزير والمسيح ~~والملائكة وأنت تقول يا محمد أنهم قوم صالحون. فأنزل الله { إن ~~الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها ~~مبعدون }. # وقيل: إن الذي قال هذا هو ابن الزبعري، وأنزل الله تعالى: # ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه ~~يصدون # [الزخرف: 57]. # ثم قال تعالى: { لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها }. # أي: لو كان هؤلاء الذين تعبدون من دون الله آلهة ما وردوا جهنم. يقول ~~الله ذلك لهم. فلو كانت آلهة كما تزعمون لدفعت عن أنفسها وعمن عبدها في ~~الدنيا. # ثم قال: { وكل فيها خالدون }. # يعني الآلهة والذين عبدوا ماكثين في النار. # ثم قال تعالى: { لهم فيها زفير }. أي: للآلهة، وللذين عبدوها في ~~جهنم زفير { هم فيها لا يسمعون }. # أي: لا يسمعون ما يسرهم، لأنهم صم. # وقال ابن مسعود: إذا بقي في النار من خلد فيها، جعلوا في توابيت من ~~حديد، فلا يرى أحدهم أنه يعذب في النار غيره. ثم قرأ الآية. # ثم قال تعالى ذكره: { إن الذين سبقت لهم منا ~~الحسنى أولئك عنها مبعدون }. # يعني: كل من سبقت له من الله السعادة من خلقه. أنه مبعد من النار، وهو ~~مذهب علي بن أبي طالب. # وروي عنه أنه قرأ الآية وقال: عثمان منهم وأصحابه، وأنا منهم. # وقيل: عني به كل من عبد من دون الله، وهو لله طائع، ولعبادة من يعبده ~~كاره مثل عيسى وعزير والملائكة. وهو مذهب مجاهد ms1610 وعكرمة والحسن وأبي صالح. ~~وهو قول ابن عباس والضحاك. # و " الحسنى ": الجنة والسعادة. # { أولئك عنها مبعدون } أي: عن جهنم. # ثم قال تعالى: { لا يسمعون حسيسها }. # أي: حسها وصوتها إذا دخلوا الجنة. # وقيل: معناه: إن ذلك في موطن من المواطن، وإلا، فلا بد من سماع زفيرها. # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن جهنم يؤتى بها يوم القيامة تزفر زفرة فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي ~~مرسل إلا جثا على ركبتيه خوفا منها ". # وقال أبو عثمان النهدي: على الصراط حيات تلسع أهل النار فيقولون: حس، ~~حس. # ثم قال: { وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون }. # أي: ماكثون فيما تشتهيه أنفسهم من نعيمها، لا يخافون زوالا عنها ولا ~~انتقالا. # ثم قال تعالى: { لا يحزنهم الفزع الأكبر }. # يعني: النار إذا أطبقت على أهلها وذبح الموت بين الجنة والنار قاله ابن ~~جريج. # وقال ابن عباس: هو النفخة الآخرة. # وقال الحسن: هو وقت يؤمر بالعبد إلى النار. # ثم قال: { وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي ~~كنتم توعدون }. # أي: تتلقاهم بالبشرى، وتقول: لهم: هذا يوم كرامتكم التي وعدتم في ~~الدنيا على طاعتكم، وهذا، قبل أن يدخلوا الجنة. # ثم قال تعالى: { يوم نطوي السمآء كطي السجل } أي: لا ~~يحزنهم الفزع الأكبر يوم نطوي السماء كطي السجل، والسجل في قول عبد الله ~~بن عمر ملك اسمه السجل قاله السدي. # والمعنى: نطوى السماء كما يطوي هذا الملك الكتاب. # وقال ابن عباس: هو رجل كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم. # وعن ابن عباس: أنه اسم الصحيفة التي يكتب فيها. والتقدير: كطي الصحيفة ~~على الكتاب. وقاله: مجاهد، وهو اختيار الطبري. قال: واللام بمعنى: " على ~~". والتقدير: نطوي السماء كما تطوى الصحيفة على ما فيها من الكتاب. # وقيل: التقدير: كطي الصحيفة من أجل ما كتب فيها. كما تقول: إنما أكرمك ~~لفلان، أي: من أجله. # ثم قال تعالى: { كما بدأنآ أول خلق نعيده }. # أي: نعيد الخلق عراة حفاة غرلا يوم القيامة، كما خلقناهم في بطون ~~أمهاتهم. # قاله مجاهد. # وقال النبي صلى ms1611 الله عليه وسلم لإحدى نسائه: تأتون حفاة عراة غلفا، ~~فاستترت بكم ذرعها وقالت: واسوأتاه: قال ابن جريج أخبرت أنها عائشة. ~~وقالت: يا نبي الله، لا يحتشم الناس بعضهم من بعض. فقال: { لكل ~~امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه }. # وقال ابن عباس في معنى: { كما بدأنآ أول خلق نعيده } ~~قال: نهلك كل شيء كما / كان أول مرة. # وقيل: ذلك خلق السماء مرة أخرى بعد طيها وزوالها وإفنائها يعيدها في ~~الآخرة كما بدأها في أول خلق فجعلها سماء قبل أن لم تكن سماء { وعدا ~~علينآ } أي: لا بد من كون ذلك، إنه لا يخلف الميعاد. # وقال ابن مسعود: يرسل الله جل ذكره ماء من تحت العرش كمني الرجل، فينبت ~~منه لحماتهم وأجسامهم كما تنبت الأرض المرعى. # ثم قال تعالى: { وعدا علينآ إنا كنا فاعلين }. # أي: وعدا حقا لا بد منه، إنا كنا قادرين على ذلك، فاستعدوا له ~~وتأهبوا. ### || [21.105-112] # قوله تعالى ذكره: { ولقد كتبنا في الزبور } إلى قوله: { ~~على ما تصفون } آخر السورة. # المعنى: ولقد كتبنا في كتب الأنبياء كلها والقرآن. # وقوله: { من بعد الذكر }. # الذكر: أم الكتاب الذي عند الله في السماء. # قاله: مجاهد وابن زيد. # وقال ابن جبير: الزبور: القرآن. والذكر: التوراة. # وقال ابن عباس: الزبور: الكتب التي أنزلت على الأنبياء بعد التوراة. ~~والذكر: التوراة وقاله: الضحاك. # وقال الشعبي: الزبور، زبور داود، والذكر: التوراة. # وقوله: { أن الأرض يرثها عبادي الصالحون }. # أي: أثبتنا وقضينا في الكتاب من بعد أم الكتاب، أن أرض الجنة يرثها ~~العاملون بطاعة الله. قاله: ابن عباس ومجاهد، وهو قول ابن جبير وابن زيد. # وعن ابن عباس أنه قال: أخبر الله تعالى في التوراة والإنجيل وسابق علمه ~~قبل أن يخلق السماوات والأرض أنه يورث أمة محمد صلى الله عليه وسلم الأرض ~~المقدسة. # وقد قيل: ويدخلهم الجنة، وهم الصالحون. # ويدل على أنها أرض الجنة قوله: { وقالوا الحمد لله الذي ~~صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة ~~حيث نشآء }. # قال ابن زيد: فالجنة مبتدؤها في الأرض، وتذهب درجا علوا، والنار ~~مبتدؤها ms1612 في الأرض وتذهب سفلا طباقا، وبينهما حجاب سور، ما يدري أحد ما ~~ذلك السور، وقرأ # باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب # [الحديد: 13]. قال: ودرج النار تذهب سفالا في الأرض، والجنة تذهب علوا ~~في السماوات. # وقال عامر بن عبد الله: هي الأرض التي تجتمع فيها أرواح المؤمنين حتى ~~يكون البعث. # وعن ابن عباس أيضا أنه قال: هي أرض الكفار ترثها أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم يريد يفتحونها. # وقيل: عني بذلك بنو إسرائيل، وقد وفى لهم في عز وجل بذلك. # وهو قوله: { وأورثنا القوم الذين كانوا ~~يستضعفون... } الآية. # ثم قال تعالى: { إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين }. # أي: إن في هذا القرآن لبلاغا لمن آمن به وعمل بما فيه إلى رضوان الله، ~~أي: يبلغهم القرآن إلى رضوان الله. # وقال أبو هريرة: هم الذين يصلون الصلوات الخمس في المسجد. # وقال سفيان: الثوري: { لقوم عابدين } بلغني أنهم أصحاب الصلوات ~~الخمس. # وقال كعب: { لقوم عابدين } أمة محمد صلى الله عليه وسلم وأنهم ~~لأصحاب الصلوات الخمس، سماهم الله صالحين. # وقال ابن عباس: { عابدين } عالمين. # وقال ابن جريج: { إن في هذا } يعني: هذه السورة. # وقيل: القرآن، فيه تنزل الصلوات الخمس، من أداها كانت له بلاغا. # ثم قال تعالى: { ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين ~~}. # أي: للمؤمن والكافر: فهو صلى الله عليه وسلم رحمة للمؤمن في الدنيا ~~والآخرة، يعافى في الدنيا من السيف، ومن حلول العذاب من الله، وفي الآخرة ~~من النار، وهو رحمة للكافر إذ عوفي في الدنيا مما أصاب الأمم الماضية من ~~الخسف والقذف بكفرها، قاله ابن عباس. # وقال ابن زيد: العالمون من آمن به خاصة، فهو رحمة للمؤمن. # ثم قال تعالى ذكره: { قل إنمآ يوحى إلي أنمآ ~~إلهكم إله واحد } أي: إنما معبودكم الذي تجب له العبادة ~~واحد، لا معبود غيره. { فهل أنتم مسلمون } أي: فهل أنتم أيها ~~المشركون مذعنون لله، تاركون عبادة غيره من الأوثان والأصنام. # ثم قال تعالى: { فإن تولوا فقل ءاذنتكم على سوآء ~~}. # أي: فإن أدبر هؤلاء المشركون عن توحيد ms1613 الله والإقرار بما جئتهم به، فقل: ~~آذنتكم على سواء أي: أعلمتكم أني وإياكم على حرب لا صلح بيننا. يعني بذلك ~~قريشا. # وقال قتادة: { على سوآء } على مهل /. # ثم قال تعالى: { وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون ~~}. # أي: قل لهم يا محمد: ما أدري متى يحل بكم عقاب الله على كفركم. أقريب هو ~~أم بعيد. # ثم قال تعالى: { إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ~~ما تكتمون }. # أي: قل لهم يا محمد: إن الله يعلم سركم وجهركم، لا يخفى عليه من قولكم ~~ولا من أحوالكم شيء. # ثم قال: { وإن أدري لعله فتنة لكم }. # أي: ما أدري لعل تأخير العذاب عنكم وإمهال الله إياكم على كفركم فتنة ~~لكم أي: اختبار لكم { ومتاع إلى حين }. # أي: وأمتعكم بالبقاء وتأخير العذاب إلى انقضاء المدة. # وقال مجاهد: " إلى حين الموت ". # وقال زيد بن أسلم: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في منامه ~~بني أمية يجلسون على المنابر، فأخبر بذلك فخرج الحكم من عند رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فأخبر بذلك بني أمية فقالوا له ارجع فاسأله متى يكون ~~هذا. # فرجع إليه فسأله، فأنزل الله تعالى: { وإن أدري أقريب أم ~~بعيد ما توعدون } إلى آخر الآية، { وإن أدري لعله ~~فتنة لكم ومتاع إلى حين }. # وروى أن الحسن بن علي خطب على الناس إذ سلم الأمر إلى معاوية، وقال في ~~خطبته وهو يلتفت إلى معاوية: قال الله جل ذكره: { وإن أدري ~~لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين }. # ثم قال تعالى: { قال رب احكم بالحق } أي: قل يا محمد: رب ~~افصل بيني وبين من كذبني بإحلال عذابك بهم ونقمتك، وهو الحق الذي أمر ~~الله تعالى نبيه أن يسأله إياه ومثله # ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق # [الأعراف: 89]. # وروى قتادة # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا شهد قتالا يقول: يا رب احكم ~~بالحق ". # وقرأ أبو جعفر يزيد: { قال رب } بالرفع، وهو غلط عند النحويين لا ~~يجوز عندهم رجل أقبل، لأنهم جعلوا يا عوضا ms1614 عن المحذوف والأصل يا أيها ~~الرجل. # وقرأ عكرمة والضحاك: { قال رب } بفتح الياء { احكم } بالرفع ~~والهمز على الابتداء. أو الخبر. واحتجا في ذلك بأن الله تعالى لا يحكم ~~إلا بالحق، فكيف يأمره أن يسأل أن يحكم له بالحق. ومعنى ذلك عند العلماء ~~رب عجل حكمك بالحق. # والتقدير عند أبي عبيد: أحكم بحكمك الحق. # ثم قال تعالى: { وربنا الرحمن }. # أي: وقل يا محمد: { وربنا الرحمن } أي: الذي يرحم عباده ~~المؤمنين. { المستعان على ما تصفون }. # أي: الذي استعينه عليكم فيما تقولون وتصفون من قولكم: # ما هذا إلا بشر مثلكم # [المؤمنون: 24] وقولكم: # بل افتراه بل هو شاعر # [الأنبياء: 5]. وكذبكم على الله جل ذكره في قولكم: # اتخذ الله ولدا # [البقرة: 116] وشبهه من باطلكم. ### | [22 - سورة الحج] ### || [22.1-2] # قوله تعالى ذكره: { يأيها الناس اتقوا ربكم إن ~~زلزلة الساعة } إلى قوله: { ولكن عذاب الله ~~شديد }. # المعنى: يا أيها الناس احذروا عقاب الله وأطيعوه إن زلزلة الساعة شيء ~~عظيم. # قال ابن جريج: زلزلتها: أشراطها في الدنيا. # وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله جل ذكره لما فرغ من خلق السماوات والأرض، خلق الصور، فأعطاه ~~إسرافيل فهو واضعه على فيه، شاخص ببصره إلى العرش ينتظر متى يؤمر. # قال أبو هريرة: وما الصور؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: قرن. قال: ~~وكيف هو؟ قال: قرن عظيم، ينفخ فيه ثلاث نفخات: الأولى نفخة الفزع، ~~والثانية نفخة الصعق، والثالثة نفخة القيام لرب العالمين جل وعز، يأمر ~~الله إسرافيل بالنفخة الأولى، فيقول انفخ نفخة الفزع، فيفزع أهل السماوات ~~الأرض إلا من شاء الله، ويأمره فيطولها، فلا يفتر، وهي التي يقول الله ~~عز وجل: { وما ينظر هؤلآء إلا صيحة واحدة ما لها ~~من فواق } أي: من راحة. فيسير الله الجبال فتكون سرابا، وترج الأرض ~~بأهلها رجا، وهي التي يقول الله: { يوم ترجف الراجفة * ~~تتبعها الرادفة * قلوب يومئذ واجفة } وتكون الأرض ~~كالسفينة الموبقة تضربها الرياح تكفأ بأهلها، أو كالقنديل المعلق بالعرش ~~ترجحه الرياح فيميد الناس على ظهرها، فتذهل المراضع، ms1615 وتضع الحوامل ويشيب ~~الولدان، وتطير الشياطين هاربة حتى تأتي الأقطار فتلقاها الملائكة، فتضرب ~~وجوهها، فترجع، ويولي الناس مدبرين، ينادي بعضهم بعضا، وهو الذي يقول ~~الله { يوم التناد * يوم تولون مدبرين... } إلى قوله ~~{...هاد } فبينما هم على ذلك إذ تصدعت الأرض من قطر إلى قطر. فرأوا ~~أمرا عظيما، فأخذهم لذلك من الكرب ما الله أعلم به. ثم نظروا في ~~السماء، فإذا هي كالمهل، ثم خسف شمسها وقمرها، وانتثرت نجومها ثم كشطت ~~عنهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والأموات لا يعلمون بشيء من ~~ذلك. فقال أبو هريرة: فمن استثنى الله عز وجل حين يقول: { ففزع من ~~في السموت ومن في الأرض إلا من شآء الله } قال: ~~أولئك الشهداء، وإنما يصل الفزع إلى الأحياء، أولئك أحياء عند ربهم ~~يرزقون فرحين وقاهم الله فزع ذلك اليوم، وأمنهم، وهو عذاب الله يبعثه على ~~شرار خلقه، وهو الذي يقول جل ذكره: { يأيها الناس اتقوا ~~ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم... } إلى قوله ~~{...شديد } ". # وقال الحسن: # " بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قفل من غزوة العسر، ومعه ~~أصحابه، فقال: { يأيها الناس اتقوا ربكم إن ~~زلزلة الساعة شيء عظيم... } إلى قوله: {...شديد }. ثم ~~قال: أتدرون أي يوم ذلك؟ قيل له: الله ورسوله أعلم. قال: ذلك يوم يقول ~~الله جل ذكره لآدم: قم فابعث بعث النار، فيقول آدم: يا رب، وما بعث ~~النار؟ فيقول: ابعث لكل ألف تسعة وتسعين وتسع مائة إلى النار، وواحد إلى ~~الجنة قال: فاشتد ذلك على الناس حتى لم يبدوا عن واضحة. فلما رأى ما في ~~وجوههم قال لهم: اعملوا وابشروا، فوالله ما أنتم في الناس إلا كالرقمة في ~~ذراع الدابة، أو كالشامة في جنب البعير، إنه لم يكن رسولان إلا وبينهما ~~فترة من جاهلية، وأهل الجاهلية أهل النار بين ظهراني خليقتين لا يعادهم ~~أحد من أهل الأرض إلا كثروهم، يأجوج ومأجوج، وتكملة العدد من المنافقين ~~". # وروي عن الحسن أنه قال: يخرج من النار رجل بعد ألف عام. فقال الحسن: ms1616 يا ~~ليتني أنا ذلك الرجل. # وقال قوم: يراد بهذا كله يوم القيامة، فمن قال: هو يوم القيامة قال: ~~المعنى: يوم يرون القيامة. ومن قال: هو قبل يوم القيامة قال: المعنى: يوم ~~يرون أشراطها تذهل. وظاهر النص يدل على أن " الهاء " في " ترونها " تعود ~~على الزلزلة. أي: يوم ترون الزلزلة، وذلك من أشراط الساعة، وهو ظاهر ~~النص، لأن يوم القيامة لا حامل فيها ولا مرضعة. إنما ذلك في الدنيا، فهو ~~وقت تظهر فيه الزلازل والأشراط والشدائد الدالة على قيام الساعة فتذهب ~~المرضعات عن أولادها، وتضع الحوامل حملهن لشدة ذلك، وعظيم خوفه وصعوبته ~~ولما يلقى فيه من الهلع والفزع. # وقول من قال: هو يوم القيامة يدل عليه ما رواه عمران بن الحصين قال: # " بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض مغازيه وقد فاوت السير ~~بأصحابه إذ نادى رسول الله بهذه الآية { يأيها الناس اتقوا ~~ربكم... } فحثوا المطي حتى كانوا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: هل تدرون أي يوم ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ذلك يوم ينادى ~~آدم يناديه ربه، ابعث بعثة النار من كل ألف تسع مائة وتسع وتسعون إلى ~~النار، وواحد إلى الجنة. قال: فأبلس القوم، فما وضح منهم ضاحك، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # اعلموا وأبشروا، فإن معكم خليقتين ما كانتا في قوم إلا كثرتاه، فمن هلك ~~من بني آدم ومن هلك من بني إبليس ويأجوج ومأجوج. ثم قال: ألا أبشروا ما ~~أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير أو كالرقمة في ذراع الناقة " # ، وكذلك رواه الخدري وأنس بن مالك، فهذا الحديث أصح من الأول طريقا ~~وزاد الحسن في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم. قال فيه ولم يكن ~~رسولان إلا كان بينهما فترة من الجاهلية، فهم أهل النار، وإنكم بين ~~ظهراني خليقتين لا يعادهما أحد من أهل الأرض إلا كثروهم يأجوج ومأجوج، ~~وهم أهل النار. # وتكمل العدة من المنافقين. # وقال ابن مسعود: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " أترضون ms1617 أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ قلنا: نعم. فقال: " أترضون أن تكونوا ~~ثلث أهل الجنة؟ قلنا: نعم. قال: فوالذي نفسي بيده إني لأرجو أن تكونوا ~~شطر أهل الجنة، وسأخبركم عن ذلك. إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، وإن ~~قلة المسلمين في الكفار يوم القيامة كالشعرة السوداء في الثور الأبيض. ~~وكالشعرة البيضاء في الثور الأسود ". # ثم قال تعالى: { يوم ترونها تذهل كل مرضعة عمآ ~~أرضعت }. # أتت مرضعة بالهاء، لجريانها على الفعل ويجوز مرضع، كما قال: امرأة حائض ~~وطامث وطالق. والأصل: الهاء. ولكن جرى عند سيبويه على معنى شيء حائض ~~وطامث. # وقال الفراء: إنما قالوا: حائض وطامث، لأن المذكر لا حظ له في هذا ~~الوصف. فلم يحتج إلى هاء في المؤنث. وقالوا: قائم وقائمة، فأتوا بالهاء ~~في المؤنث لأنه يقع للمؤنث والمذكر وهذا القول ينتقض على الفراء لأنهم ~~قالوا: ناقة ضامر، وبعير ضامر، وناقة ساغل وبعير ساغل، ورجل عانس وامرأة ~~عانس فلم يدخلوا الهاء في المؤنث، وقد شاركه المذكر في الفعل. وحذف الهاء ~~عند سيبويه في هذا على أصله على تقديره بشيء عانس وساغل ونحوه، وينتقض ~~على الفراء قوله بقولهم: حاضت الجارية وطلقت المرأة. فلو كان حرف الهاء ~~من أجل أنه لا يشترك فيه المذكر مع المؤنث، ولم تدخل علامة التأنيث في ~~حاضت وطمثت وينقض أيضا قوله في قولهم رجل بالغ وامرأة بالغ، ورجل آثم ~~وامرأة آثم. ومعنى تذهل: تنسى وتترك ولدها من هول ثقل ما ترى وتضع الحامل ~~حملها قبل بلوغ وقته. { وترى الناس سكارى } من الخوف { وما ~~هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد }. # قالت عائشة رضي الله عنها: # " كان النبي صلى الله عليه وسلم في حجري فقطرت دموعي على خده، فاستيقظ ~~فقال: ما يبكيك؟ فقلت: ذكرت القيامة وهولها. فهل يذكرون أهلهم يا رسول ~~الله؟ فقال: يا عائشة ثلاثة مواطن لا يذكر فيها أحد إلا نفسه، عند ~~الميزان حتى يعلم أيخف ميزانه أم يثقل. وعند الصحف حتى يعلم ما في صحيفته ~~وعند الصراط حتى يجاوزه ". # وروي عن ابن عباس أنه قال: ms1618 # " نزلت هاتان الآيتان على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يسير فكف ثم ~~قرأهما على الناس ثلاثة مرات ثم قال: " يا أيها الناس، أتدرون أي يوم ~~ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإنه اليوم الذي يقول الله فيه لآدم: ~~ابعث بعث النار من ولدك. فيقول: أي رب، من كل كم؟ فيقول: من كل ألف تسع ~~مائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة. قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: فيسكر الكبير يومئذ من غير شراب، ويشيب الصغير، ثم مضى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل ونزل الناس ثم راحوا إلى نبي الله، ~~فقالوا: يا رسول الله، ما سمعنا شيئا قط أوجع لقلوبنا ولا أشد علينا من ~~شيء حدثتنا به اليوم. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبشروا ~~فإني أرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة، فإن الأمم عرضت علي فرأيت النبي يأتي ~~في الثمانية رهط ويأتي النبي في الأربعة ويأتي الآخر في الاثنين، حتى ~~رأيت النبي وليس يأتي معه أحد من أمته، حتى رأيت أمة أعجبني كثرتها فقلت ~~أي رب، أمتي هذه؟ فقال: لا، بل هذا موسى صلى الله عليه وسلم ومن تبعه، ثم ~~رأيت أمة أخرى أعجبني كثرتها، فقلت: أي رب، أمتي هذه؟ قال: لا. بل هذا ~~يونس ومن تبعه. ثم رأيت أمة أخرى أعجبني كثرتها فقلت: أي رب، أمتي هذه؟ ~~قال: لا، بل هذا عيسى ومن تبعه. فقلت: أي رب، فأين أمتي؟ قال لي: انظر، ~~فنظرت قبل طريق مكة فإذا أنا بناس كثير. ثم قال: انظر: فنظرت قبل طريق ~~الشام، فإذا أنا بناس كثير ثم قال: انظر، فنظرت قبل طريق العراق، فإذا ~~أنا بناس كثير، ثم قال: انظر، فنظرت تحتي، فإذا كل شيء ينتغش من الناس من ~~كثرتهم فقلت: أي رب، قد رضيت. قال: فإن مع هذا سبعين ألفا ليس عليهم ~~حساب ولا عذاب، فقام عكاشة بن محصن الأسدي أخو بني غنم فقال: يا رسول ~~الله، أدع الله أن يجعلني منهم، قال: جعلك الله ms1619 منهم فقام رجل آخر من ~~الأنصار فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: سبقك بها ~~عكاشة ". # وقوله: { وترى الناس سكارى }. # رجع من مخاطبة الجماعة من الناس إلى مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم ~~كما جاز أن يخرج عن مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم إلى مخاطبة الجماعة ~~في قوله تعالى: { يأيها النبي إذا طلقتم }. ### || [22.3-8] # قوله تعالى ذكره: { ومن الناس من يجادل في الله بغير ~~علم } إلى قوله: { ويتبع كل شيطان مريد }. # هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث كان يخاصم ويزعم أن الله جل ذكره غير ~~قادر على إحياء من بلى وعاد ترابا، بغير علم له في ذلك. { ويتبع ~~كل شيطان مريد }. # أي يتبع في قوله ذلك كل شيطان مارد. والمريد والمارد: المتجاوز في الشر ~~القوي فيه. ومنه قيل: صخرة مرداء، أي: ملساء. ومنه: الأمرد. # وقيل: نزلت في أبي جهل بن هشام. # ثم قال تعالى: { كتب عليه أنه من تولاه }. # أي: كتب على الشيطان أي: قضى على الشيطان أنه تولاه. الهاء في " أنه " ~~مجهول تفسره الجملة التي بعده. و " تولاه ". أي: تولى الشيطان. أي: فمن ~~اتبع الشيطان من خلق الله، فإنه يضله. أي: فإن الشيطان يضل من اتبعه، { ~~ويهديه إلى عذاب السعير }. # أي: يسوقه إليه بطاعته له، ومعصيته لله، فالهاء في " عليه " و " تولاه " ~~و " فإنه " تعود على الشيطان. # ثم قال: { يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث ~~}. # أي: إن كنتم في شك من أنكم تبعثون وتعودون كما كنتم فتدبروا خلقكم ~~وابتداءكم، فإنكم لا تجدون فرقا بين الابتداء والإعادة، إذ خلقناكم من ~~تراب، يعني آدم. " ثم من نطفة " يعني ولد آدم، ثم من علقة، ثم من مضغة، ~~ثم يخرجكم طفلا. فإذا تدبرتم ابتداءكم وانتقال أحوالكم، علمتم أن من قدر ~~على هذا أنه قادر على الإعادة، فالنطفة ماء الرجل، والعلقة: الدم، ~~والمضغة: لحمة صغيرة بقدر ما يمضغ. وقوله: { مخلقة وغير ~~مخلقة }. قيل: هو من نعت النطفة. فالمخلقة ما كان خلقا سويا، ~~وغير المخلقة ما ألقت الأرحام ms1620 من النطف قبل أن تكونوا خلقا. قال ابن ~~عمر: إذا وقعت النطفة في الرحم، بعث الله ملكا، فقال: يا رب مخلقة أو ~~غير مخلقة، فإن قال غير مخلقة، مجتها الأرحام دما وإن قال: مخلقة، قال ~~يا رب: ما صفة هذه النطفة؟ أذكر أم أنثى؟ ما رزقها؟ ما أجلها؟ أشقي أم ~~سعيد؟ قال: فيقال: انطلق إلى أم الكتاب، فاستنسخ منه صفة هذه النطفة. ~~قال: فينطلق الملك، فينسخها، فلا تزال معه حتى يأتي على آخر صفتها. # وقيل: معناه، تامة أو غير تامة، وهو قول قتادة. # وقال مجاهد: هو السقط، مخلق وغير مخلق. # وقال الشعبي: بعد المضغة تكون مخلقة، وهو الخلق الرابع، وإذا قذفها ~~الرحم قيل فهي غير مخلقة. # وقال ابن مسعود: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: - وهو الصادق ~~المصدوق - # " يجمع خلق كل أحدكم في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة أربعين ~~يوما، ثم يكون مضغة أربعين يوما، ثم يبعث الله إليه ملكا، فيقول: أكتب ~~عمله وأجله ورزقه واكتب شقيا أو سعيدا ". # وقال عبد الله: والذي نفسي بيده، إن الرجل ليعمل عمل أهل السعادة، فيعمل ~~بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ثم يدركه الشقاء، فيعمل ~~بعمل أهل النار والشقاء، فيدخل النار. # واختار الطبري أن تكون المخلقة المصورة خلقا تاما، وغير مخلقة السقط ~~قبل تمام خلقه فيكون مخلقة وغير مخلقة من نعت المضغة، لأنه ليس بعد ~~المضغة إلا التصوير. # ثم قال تعالى: { لنبين لكم } أي: فعلنا ذلك لنبين لكم قدرتنا ~~على ما نشاء. أي: ذكرنا لكم أحوال الابتداء، لنبين لكم أثر الصنعة ~~والقدرة. فقوله: { لنبين لكم } جواب للقصة المذكورة في خلق ~~الإنسان كلها. أي: أخبرناكم بهذه القدرة في خلقكم لنبين لكم أن البعث حق. # ثم ابتدأ بخبر آخر فقال: { ونقر في الأرحام } ولذلك ارتفع، ~~ولا يجوز نصبه على العطف على " لنبين " ، لأنه لم يذكر القصة في قدرته ~~ليقر في الأرحام ما يشاء، إنما ذكرها ليدل على صحة وقوع البعث بعد الموت. ~~والمعنى: { ونقر في الأرحام ما ms1621 نشآء إلى أجل ~~مسمى } ، أي: ونبقي في الأرحام من نشاء حياته فلا يسقط إلى وقت ~~ولادته فيخرج طفلا. # وقوله: { ثم نخرجكم طفلا }. # أي: يخرج كل واحد منكم طفلا. # وقوله: { ثم لتبلغوا أشدكم } أي: ثم نعمركم لتبلغوا ~~أشدكم. # وقيل: معناه: ثم نخرجكم طفلا لتبلغوا أشدكم. # والأول أحسن، لأن هذا، يوجب زيادة " ثم " ، ولا يحسن زيادتها، بل لا بد ~~لها من فائدة، وهو ما ذكرنا من التعبير ليقع به البلوغ إلى الأشد. ومعنى ~~أشدكم. أي كمال عقولكم { ومنكم من يتوفى }. # أي: من قبل بلوغ أشده فيموت. # { ومنكم من يرد إلى أرذل العمر }. # أي: من ينسأ في أجله فيعمر حتى يهرم، فيرد إلى أرذل عمره. # وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: أرذل العمر، خمسة وسبعون عاما. # ثم قال: { لكيلا يعلم من بعد علم شيئا }. # أي: ليصير لا علم له بالأشياء بعدما كان عالما بها. # ثم قال: { وترى الأرض هامدة }. # أي: يابسة دارسة لا نبات فيها، وأصل الهمود، الدروس والدثور. # { فإذآ أنزلنا عليها المآء اهتزت } أي: تحركت ~~بالنبات. # { وربت } أي: وأضعفت النبات بمجيء الغيث. # قال قتادة: { اهتزت وربت } حسنت وعرف الغيث في ربوعها. # وقيل: التقدير: فإذا أنزلنا عليها الماء ربت واهتزت، فيكون المهتز ~~الزرع، يتحرك إذا نبت على الحقيقة، فيرد المعنى إلى النبات. وظاهر ~~الإخبار عن الأرض. # وقوله: { وترى } رجوع من خطاب جماعة إلى خطاب واحد وهو حسن، قد تقدم ~~نظائره. # وقرأ أبو جعفر القاري: { وأنبتت } بالهمز. أي: ارتفعت حتى صارت ~~بمنزلة الربيئة. # وهو الذي يحفظ القوم على شيء مشرف يقال: هو رأبئ القوم وربيئتهم. وفعيل: ~~للمبالغة. # ثم قال تعالى: { وأنبتت من كل زوج بهيج }. # أي: من كل نوع حسن، يعني من النبات. { بهيج } بمعنى مبهج أي: يبهج من ~~رآه حسنه. # ثم قال تعالى: { ذلك بأن الله هو الحق }. # أي: فعل الله ذلك بأنه الحق، أو الأمر ذلك بأنه الحق. # أي: هذا الذي تقدم ذكره من عظيم القدرة في خلق الإنسان، والأرض وغير ~~ذلك، فعله بأنه الحق الذي لا شك فيه، وإن ms1622 ما سواه باطل لا يقدر على شيء ~~من ذلك. ومن فعل هذه القدرة، فهو قادر على قيام الساعة، وبعث من في ~~القبور، فهو كله مثل بعد مثل في تحقيق قيام الساعة وإحياء الموتى كما ~~أحيا الإنسان من نطفة، ثم نقله من حال إلى حال. وكما أحيا الأرض بعد ~~دروسها، وكذلك احتج في قوله: { ذلك بأن الله هو الحق... ~~} إلى { القبور } / وعلى إعادة الموتى وعلى ما يريد، ولذلك قال: { ~~وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير * ~~وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث ~~من في القبور }. فلا تشكوا في ذلك. # ثم قال تعالى: { ومن الناس من يجادل في الله بغير ~~علم ولا هدى }. # أي: من يخاصم في توحيد الله بغير علم ولا هدى. أي: وبغير هدى وبغير كتاب ~~منير، أي ينير حجته، فتضيء له. # ونزلت أيضا هذه الآية في النضر بن الحارث. ### || [22.9-13] # قوله تعالى ذكره: { ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله } ~~إلى قوله: { ولبئس العشير }. # أي: يخاصم في توحيد الله بغير علم، وبغير هدى وبغير كتاب، { ثاني ~~عطفه }. أي: معرضا عن الحق، متحيرا فنصبه على الحال. # قال ابن عباس: " ثاني عطفه " مستكبرا في نفسه. قال: هو النضر بن ~~الحارث، لوى عنقه مرحا وتعظما. # وقال مجاهد وقتادة: معناه: لاويا رقبته. # وقال ابن زيد: " لا ويا رأسه معرضا، موليا، لا يقبل على ما يقال له " ~~، ومنه قوله: # وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله ~~لووا رءوسهم... # [المنافقون: 5] الآية، وهو قوله: { وإذا تتلى عليه ~~ءاياتنا ولى مستكبرا }. # والعطف: ما انثنى من العنق. # ثم قال: { ليضل عن سبيل الله }. # أي جادل هذا المشرك في توحيد الله ونفى البعث ليضل المؤمنين بالله عن ~~دينهم الذي هداهم الله إليه { له في الدنيا خزي }. # وهو القتل والهوان بأيدي المؤمنين، فقتله الله بأيديهم يوم بدر. { ~~ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق } أي: نحرقه بالنار. # ثم قال: { ذلك بما قدمت يداك } أي: يقال له إذا أذيق عذاب ~~النار. ذلك بما قدمت يداك في الدنيا، وبأن الله ms1623 ليس بظلام للعبيد. # قوله { بما قدمت يداك } وقف، إن جعلت { وأن } في موضع رفع ~~على معنى " والأمر أن الله ". # ثم قال تعالى: { ومن الناس من يعبد الله على حرف }. # هذه الآية نزلت في أعراب كانوا يقدمون على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مهاجرين من باديتهم، فإذا نالوا رخاء من عيش بعد الهجرة وبعد الدخول في ~~الإسلام أقاموا على الإسلام، وإن نالوا بعد ذلك شدة وضيق عيش أو موت ~~ماشية ونحوه، ارتدوا على أعقابهم. فالمعنى: ومن الناس من يعبد الله على ~~شك، فإن أصابه خير - وهو السعة من العيش اطمأن به: أي استقر بالإسلام، ~~وثبت عليه، وإن أصابته فتنة، وهو الضيق في العيش وشبهه انقلب على وجهه ~~أي: رجع إلى الذي كان عليه من الكفر بالله. # قال ابن عباس: " كان أحدهم إذا قدم المدينة، فإن صح جسمه ونتجت فرسه ~~مهرا حسنا وولدت امرأته غلاما، رضي به واطمأن إليه. وقال: ما أصبت منذ ~~كنت على ديني هذا إلا خيرا، وإن أصابه وجع وولدت امرأته جارية، وتأخرت ~~عنه الصدقة أتاه الشيطان فقال: والله ما أصبت مذ كنت على دينك هذا إلا ~~شرا، فذلك الفتنة ". # وقال مجاهد: { على حرف }: على شك. # قال ابن جريج: كان ناس من قبائل العرب ومن حولهم من أهل القرى يقولون: ~~نأتي محمدا عليه السلام، فإن صادفنا خيرا من معيشة الرزق ثبتنا، وإلا ~~لحقنا بأهلنا. # وبهذا القول قال: قتادة والضحاك. # قيل: هم المنافقون، كانوا إذا رأوا النبي صلى الله عليه وسلم مستعليا ~~على أعدائه في أمن وخصب، أظهروا التصديق به، وتصويب دينه، وصلوا معه ~~وصاموا، وهم مع ذلك على غير بصيرة فيما هم عليه، فإذا أصابته فتنة من خوف ~~أو تشديد في العبادة والأمر بالجهاد، انقلب عما كان يظهر من الإيمان ~~والصوم والصلاة، فأظهر الكفر والبراءة من دين الله، فانقلب على وجهه ~~خاسرا دنياه وأخراه. # وقال ابن زيد: " هي في المنافقين، إن صلحت له دنياه أقام على العبادة، ~~وإن فسدت عليه دنياه وتغيرت، انقلب فلا يقيم العبادة إلا لما ms1624 صلح من ~~دنياه، فإذا أصابته فتنة أو شدة أو اختبار أو ضيق، ترك دينه، ورجع إلى ~~الكفر. وهذا التفسير كله يدل على أن السورة مدنية. ومن قال: إنها مكية، ~~قال: نزلت في شيبة بن ربيعة، كان أسلم ثم ارتد. # وقيل: نزلت في النضر بن الحارث. # وتقدير الكلام: ومن الناس من يعبد الله على حرف الدين، أي: على طرفه لا ~~يدخل فيه / ويتمكن. # ومعنى: { انقلب على وجهه } [أي: انقلب] عن دينه. { خسر ~~الدنيا والأخرة } أي: خسر دنياه لأنه لم يظفر بحاجته منها. وقيل ~~معناه: أنه خسر حظه في الغنيمة، لأنه لا حظ لكافر فيها. وخسر الآخرة لما ~~له فيها من العذاب، ولأنه خاسر الثواب. # ثم قال تعالى: { ذلك هو الخسران المبين }. # أي: خسران الدنيا والآخرة. ذلك هو الخسران المبين، أي يبين لمن تفكر فيه ~~وتدبر. # ثم قال تعالى: { يدعوا من دون الله ما لا يضره وما ~~لا ينفعه }. # وإن أصاب هذا الذي يعبد الله على حرف ضر، يدعو من دون الله آلهة لا تضره ~~إن لم يعبدها في الدنيا، ولا تنفعه في الآخرة إن عبدها. { ذلك هو ~~الضلال البعيد }. أي: الطويل: والعرب تقول: لما لا يكون البتة: ~~هذا بعيد. # ثم قال: { يدعوا لمن ضره أقرب من نفعه } تقدير هذا ~~الكلام عند الكسائي والبصريين: يدعو من لضره أقرب من نفعه. أي: يدعو ~~إلها لضره أقرب من نفعه، لأن من عبد الأصنام، فضررها يعود عليه في ~~الدنيا والآخرة، ولا نفع يعود عليه من ذلك، وإنما احتيج إلى تقدير تأخير ~~اللام، لأن " يدعو " فعل لا يعلق، ولا بد أن يعمل، واللام تمنعه من ~~العمل، فأخرت اللام ليعمل الفعل في " من " ولا يعلق. وقيل: مع " يدعو " ~~هاء مضمرة وهو في موضع حال من ذلك. والتقدير: ذلك هو الضلال البعيد ~~يدعوه، فيقف على " يدعو " في هذا القول. # وتقديره: ذلك هو الضلال البعيد في حالة دعائه إياه. ويكون لمن ضره أقرب ~~من نفعه مستأنفا مرفوعا بالابتداء، وخبره: { لبئس المولى ~~ولبئس العشير }. # وقيل: " يدعو " بمعنى يقول، فلا يحتاج ms1625 إلى عمل، وتكون اللام في موضعها و ~~" من " مرفوعة بالابتداء، والخبر محذوف. # والتقدير: يقول لمن ضره أقرب من نفعه إلهي. # وقيل: " يدعو " بمعنى: يسمى. # وقال الزجاج: " ذلك " بمعنى الذي. وهو في موضع نصب ب " يدعو " أو ~~التقدير: يدعو الذي هو الضلال البعيد. ثم ابتدأ: لمن ضره أقرب من نفعه. ~~وخبره: " لبئس المولى " وهذا مثل قوله: " وما تلك بيمينك ". أي: وما التي ~~بيمينك. # وقال الفراء: يجوز أن تكون " يدعو " مكررة تأكيدا ل " يدعو " الأولى، ~~فيقف على " يدعو " على هذا، ويبتدئ " من ضره " على الابتداء والخبر " ~~لبئس المولى ". # وحكي عن المبرد أنه قال: التقدير: يدعو لمن ضره أقرب من نفعه إلها. ~~وهذا لا معنى له، لأن ما بعد اللام مبتدأ، فلا ينصب خبره، فإن جعل الخبر ~~" لبيس المولى " لم يكن للكلام معنى ويصير منقطعا بعضه من بعض. # وقوله: { لبئس المولى } أي: لبيس ابن العم، " ولبيس العشير " ~~أي: الخليط والصاحب. قاله ابن زيد. # وقيل: " المولى ": الولي الناصر. # وقال مجاهد: " لبيس العشير " يعني الوثن. # ولا يوقف على " البعيد " على قول الزجاج، لأن ذلك منصوب ب " يدعو ". # وقد أفردنا لهذه الآية كتابا، وشرحنا ما فيه بأبسط من هذا. ومعنى: " ~~لمن ضره أقرب من نفعه " فأوجب أن عبادة الآلهة تضر، وقد قال قبل ذلك: " ~~ما لا يضره وما لا ينفعه " فنفى عنها الضر. فإنما يراد بذل أنها لا تضر ~~في الدنيا، وأراد بالآية الأخرى ضرها في الآخرة. والمعنى: لمن ضره في ~~الآخرة أقرب من نفعه. والأخرى ما لا يضره في الدنيا. وكذلك معنى ما كان ~~مثله. ### || [22.14-22] # قوله تعالى ذكره: { إن الله يدخل الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات } إلى قوله: { وذوقوا عذاب الحريق ~~}. # أي: إن الله يدخل المصدقين به وبكتبه ورسله العاملين الطاعات بساتين. " ~~تجري من تحتها الأنهار ". أي: من تحت أشجارها. # { إن الله يفعل ما يريد }. فيعطي ما شاء من كرامته أهل ~~طاعته. # ثم قال: { من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا ~~والآخرة }. # أي: من كان يظن أن لن ينصر الله محمدا عليه السلام ms1626 في الدنيا والآخرة، ~~" فليمدد بسبب " وهو الحبل " إلى السماء " يعني سماء البيت، وهو سقفه. " ~~ثم ليقطع " السبب. يعني: الاختناق به. " فلينظر هل يذهبن " اختناقه، ذلك ~~ما يغيظ. أي: ما يجد من في صدره من الغيظ. هذا معنى قول قتادة وهو مروي ~~عن ابن عباس أيضا. # وقال ابن زيد معناه: من كان يظن أن لن ينصر / الله محمدا صلى الله عليه ~~وسلم، فليقطع ذلك من أصله، من حيث يأتيه النصر، فإن أصله في السماء، ~~فليمدد سببه إلى السماء ثم ليقطع الوحي عن النبي صلى الله عليه وسلم { ~~فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ }. # أي: هل يذهب فعله ما يجد في نفسه من غيظ. في نصر الله تعالى محمدا. # وقيل: النصر هنا معناه: الرزق. وحكي عن العرب، من ينصرني نصره الله. أي: ~~من يعطني أعطاه الله. فالتقدير على هذا: من كان يظن أن لن يرزق الله ~~محمدا عليه السلام، فليختنق في حبل في سقف بيته ثم لينظر هل يذهب فعله ~~غيظه. # وقيل: معناه: من كان يظن أن لن يرزق الله تعالى محمدا فليمدد بسبب إلى ~~السماء، فليقطع رزقه إن كان يقدر، فلينظر هل يذهب كيده غيظه. # وكونها عائدة على " من " - وهو قول أبي عبيدة مع طائفة من أهل اللغة - ~~ويكون ينصره بمعنى " ينفعه ". # وقد قيل: إن " الهاء " تعود على الدين. أي: من كان يظن أن لن ينصر الله ~~دينه، فليفعل ما ذكر. # قال ابن عباس: معناه: إن لن ينصر الله محمدا. فالهاء لمحمد عليه ~~السلام. # وقال مجاهد: معناه: من كان يظن أن لن يرزقه الله، فليمدد بحبل إلى سارية ~~البيت فليخنق نفسه. فالهاء على هذا ل " ظن " كأنه قال: من ظن أن الله لا ~~يرزقه، فليقتل نفسه، إذ لا حياة له مع عدم رزق الله له. # وقيل: معناه: من كان يظن أن لن ينصر الله نبيه في الدنيا والآخرة وأنه ~~يتهيأ له أن يغلب نبيه أو يزيل عنه النصر الذي يريده الله به. # فليطلب سببا يصل به إلى السماء، فليقطع نصر الله ms1627 عن نبيه، فلينظر هل ~~يتهيأ له الوصول إلى السماء بكيد وبسبب يحتاله. وهل يتهيأ له أن يقطع ~~النصر عن نبي الله، أو يزيل بكيده وحيلته ما يغيظه من نصر الله لنبيه، ~~فإنما هذا دلالة على ما لا يتهيأ لهم، ولا يقدرون عليه، وفيه إعلام أن ~~النصر لمحمد من عند الله، وتنبيه على أن محمدا منصور لا يغلب. # ثم قال تعالى: { وكذلك أنزلناه آيات بينات وأن ~~الله يهدي من يريد } أي: وكما بينت لكم الحجة على من تقدم ~~ذكره، كذلك أنزلت على محمد آيات واضحات يهتدي بها من وفقه الله للحق. # ثم قال تعالى: { إن الذين آمنوا والذين هادوا ~~والصابئين والنصارى }. # أي: إن هؤلاء على اختلاف أديانهم يفصل بينهم الله يوم القيامة، فيدخل ~~المؤمنين الجنة، ويدخل غيرهم النار، فهذا هو الفصل. # قال قتادة: " والصابون " قوم يعبدون الملائكة، ويصلون إلى القبلة، ~~ويقرأون الزبور. والمجوس، يعبدون الشمس والقمر والنيران " والذين أشركوا ~~" يعبدون الأوثان. والأديان ستة، خمسة للشيطان وواحد للرحمن. # وقوله: { إن الله على كل شيء شهيد }. # أي: شاهد على أعمالهم على اختلاف أديانهم، فإن الثانية تخبر عن الأولى. ~~أي: سدت مسد خبرها، إذ هي داخلة على ابتداء وخبر. والابتداء والخبر يسدان ~~مسد خبر أن في كثير من الكلام. # وقيل: لما طال الكلام، صارت الأولى كأنها ملغاة، فأعيدت تأكيدا ~~وتكريرا. والأول أحسن /. # ثم قال تعالى: { ألم تر أن الله يسجد له من في ~~السموت ومن في الأرض }. # أي: يخضعون وينقادون لله. # وقيل: السجود هنا مما لا يعقل، ومن الموات والكفار إنما هو ظهور أثر ~~الصنعة عليها، والخضوع الذي يدل على أنها مخلوقه. وانقيادها لله وتصريف ~~الله لها فيما شاء. # أن يصرفها فهو مجاز وتوسع. وهذا القول لا يصح، لأنه تعالى قد أخبرنا بأن ~~من الحجارة ما يخشى، وأنه سخر مع داود الجبال والطير يسبحن. وهذا لا ~~يمتنع حمله على الحقيقة، ولا يحسن حمله على معنى ظهور الصنعة فيها، لأن ~~ذلك مع غير داود مثل ما هو مع داود. وإذا لم يكن بد من حمله ms1628 على الحقيقة، ~~حسن حمل السجود في الموات وما لا يعقل على الحقيقة أيضا. # وقيل: سجودها، هو تحول ظلها حين تطلع الشمس وحين تزول، فإذا تحول ظل كل ~~شيء، فهو سجوده. # وقال مجاهد: ظلال هذا كله يسجد. # وقال أبو العالية: ما في السماء نجم ولا شمس ولا قمر إلا يقع لله ساجدا ~~حين يغيب، ثم لا ينصرف حتى يؤذن له، فيأخذ ذات اليمين. # وقوله: { وكثير من الناس } يعني: المؤمنين. { وكثير حق ~~عليه العذاب } يعني ظل الكافر يسجد لله. قاله مجاهد، وهو عنده مع ~~هذا منقاد لله، خاضع وهو ساجد مع ظله، إلا أن سجود ظله ميلانه مع الشمس ~~وسجوده هو انقياده وخضوعه على صحته وسقمه ورزقه ومنعه. # وقوله: " وكثير من الناس ". قيل: معناه: وكثير من الناس في الجنة بدليل ~~قوله: " وكثير حق عليه العذاب " لأن الجنة ضد النار. ولو قال: " وكثير لا ~~يسجد " لكان المعنى. وكثير من الناس. أي: وكثير من الناس يسجد. # وقيل: معنى: " وكثير حق عليه العذاب ": وكثير أبى السجود فحق عليه ~~العذاب فيكون الوقف على هذا القول. " وكثير من الناس " ثم يبتدئ: " وكثير ~~حق عليه العذاب " ولهذا المعنى رفع " كثير ". وقد عطف على ما عمل فيه ~~الفعل. ولولا هذا المعنى، لكان النصب الاختيار. كما قال: # والظالمين أعد لهم عذابا أليما # [الإنسان: 31] " فكثير " الثاني: مبتدأ، وليس بمعطوف على الأول، فإنما ~~هو إخبار عن خلق كثير [وجب عليه] العذاب بكفره. وما قبله إخبار عن كثير ~~من الناس يسجدون لله، وهم المؤمنون. # [ثم قال] { ومن يهن الله فما له من مكرم }. # أي: ومن يشقه الله فيهينه، فما له من مكرم يكرمه بالسعادة. # { إن الله يفعل ما يشآء } يوفق من يشاء لطاعته، ويخذل من ~~يشاء فيكفر. # ثم قال تعالى: { هذان خصمان اختصموا في ربهم }. # يعني: الذين تبارزوا يوم بدر. وقد ذكر ذلك في أول السورة. # وقال ابن عباس: هم أهل إيمان، وأهل كتاب. اختصموا. قال أهل الكتاب ~~للمؤمنين: نحن أولى بالله، وأقدم منكم كتابا ونبينا قبل نبيكم. وقال ~~المؤمنون: نحن أحق بالله، ms1629 آمنا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبنبيكم وبما ~~أنزل الله من كتاب، وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم تركتموه وكفرتم به ~~حسدا. فكان ذلك خصومتهم في ربهم. # وقال الحسن: هم الكفار والمؤمنون، اختصموا في ربهم. وكذا قال مجاهد. # وقال عكرمة: " هذان " إشارة إلى الجنة والنار. اختصما في ربهما، فقالت ~~النار: خلقني الله لعقوبته. وقالت الجنة: خلقني الله لرحمته. فقد قص عليك ~~من خبرهما ما تسمع. # ثم قال تعالى ذكره: { فالذين كفروا قطعت لهم ثياب ~~من نار }. # أي: قمصا من نحاس ونار. # وقال ابن جبير: ليس في الآنية أشد حرا من النحاس. # قال مجاهد: الكافر قطعت له ثياب من نار. والمؤمن يدخله الله جنات تجري ~~من تحتها الأنهار. # ثم قال: { يصب من فوق رءوسهم الحميم } أي: ماء يغلي. # وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الحميم ليصب على رؤوسهم فينفذ الجمجمة حتى يخلص إلى جوفه، فيسلت ما ~~في جوفه حتى يبلغ قدميه. وهو قوله: " يصهر به ما في بطونهم ". ثم يعاد ~~كما كان " # ومعنى يصهر: يذاب ما في بطونهم من الشحوم، وتشوى جلودهم فتتساقط. # قال مجاهد وقتادة: يصهر: يذاب. # قال ابن عباس: يسقون ماء إذا دخل في بطونهم أذابها والجلود مع البطون. # وقال ابن جبير: إذا جاع أهل النار، يعني إذا جاعوا واستغاثوا بشجر ~~الزقوم، فيأكلون منها، فاختلعت جلود وجوههم. فلو أن مارا مر بهم يعرفهم، ~~لعرف جلود وجوههم فيها. ثم يصب عليهم العطش، فيستغيثون فيغاثون بماء ~~كالمهل، وهو الذي انتهى حره، فإذا أدنوه من أفواههم انشوى من حره لحوم ~~وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود، " ويصهر به ما في بطونهم " ، أي: يذاب. ~~يمشون في أمعائهم، وتسقط جلودهم ثم يضربون بمقامع من حديد، يسقط كل عضو ~~على حياله، يدعون بالويل والثبور، نعوذ بالله من ذلك. # وقال عبد الله بن السري: يأتيه الملك بالإناء يحمله بكلبتين، فإذا أدناه ~~إليه يكرهه، فيرفع الملك بقمعة، فيضرب بها رأسه، فيفلق بها دماغه، فيكفي ~~الإناء في دماغه، فيصير إلى جوفه. فذلك قوله: { يصهر ms1630 به ما في ~~بطونهم والجلود * ولهم مقامع من حديد }. # وقوله: { ولهم مقامع من حديد }. # أي: عذاب مقامع أو ضرب مقامع تضربهم بها الخزنة إذا أرادوا الخروج من ~~النار، حتى يرجعوا إليها. # وقوله: { كلمآ أرادوا أن يخرجوا منها } أي: من ~~العذاب، وغم الظلمة. # قال الفضيل بن عياض: والله ما طمعوا في الخروج. إن الأيدي والأرجل ~~لموثقة، ولكن يرفعهم لهبها، وتردهم مقامعها. # قال سلمان الفارسي: النار سواد مظلمة، لا يضيء لهبها ولا جمرها. # قال مالك بن دينار: بلغني أنه إذا أحس أهل النار في النار، بضرب مقامع ~~الحديد، انغمسوا في حياض الحميم، فيذهبون سفالا سفالا مقدار أربعين ~~سنة، كما يغرق الرجل فيذهب في الماء سفالا سفالا. # وروي أن جهنم تجيش فتلقي من فيها إلى أعلى أبوابها، فيريدون الخروج، ~~فتعيدهم الخزان بالمقامع، ويقولون لهم: ذوقوا عذاب الحريق، بمعنى ~~المحروق، كالأليم بمعنى المؤلم. فهو فعيل بمعنى مفعول. ### || [22.23-25] # قوله: { إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات } إلى قوله: { من عذاب أليم }. # أي: " يدخلهم بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار ". # { يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا }. # ومن قرأ بالنصب، فمعناه: ويحلون لؤلؤا. { ولباسهم فيها حرير ~~} أي: ثياب من حرير. # ثم قال: { وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا ~~إلى صراط }. # أي: هداهم ربهم في الدنيا إلى شهادة أن لا إله إلا الله. # وقال ابن زيد: هدوا إلى الكلام الطيب: لا إله إلا الله، والله أكبر، ~~والحمد لله. وهو الذي قال جل ذكره: # إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح ~~يرفعه # [فاطر: 10]. # وقال ابن عباس: هدوا: ألهموا. # وقيل: هدوا إلى قوله: الحمد لله الذي صدقنا وعده. # وقيل: معناه: هدوا إلى البشارات التي تأتيهم من عند الله، بما لهم من ~~دوام النعم وبالسلام والتحية التي يبعثها الله إليهم مع الملائكة. كما ~~قال: { والملائكة يدخلون عليهم من كل باب * ~~سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار }. # ومعنى: { وهدوا إلى صراط الحميد }. أي: إذا صاروا إلى ~~الآخرة، وهدوا إلى صراط الجنة وطريقها، فهو صراط الله عز وجل، يسلكه ~~المؤمنون إلى ms1631 الجنة ويعدل عنه الكافرون والمنافقون إلى طريق النار. # والحميد هو الله. بمعنى المحمود. أي: أن يحمد على نعمه، على عباده. # وقيل: معناه: وهدوا إلى صراط الحميد، أي: وهداهم ربهم في الدنيا إلى ~~طريق الرب الحميد، وهو دين الإسلام. والحميد بمعنى المحمود عند أوليائه ~~وخلقه. فحميد: فعيل بمعنى: مفعول. وصراط العزيز الحميد: الإسلام. # وقيل: " إن قوله: لا إله إلا هو " هدوا إلى ذلك في الدنيا. # ثم قال: { إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله ~~}. # أي: إن الذين جحدوا توحيد الله، وكذبوا رسله ومنعوا الناس الدخول في دين ~~الله وصدوهم عن المسجد الحرام الذي جعله الله للناس المؤمنين كافة لم ~~يخصص به بعض دون بعض، هلكوا. وهذا خبر أن، محذوف من الكلام. # وقيل: الخبر: يصدون. فالواو زائدة. # قال أبو إسحاق: الخبر: نذقه من عذاب أليم. وهذا غلط، لأنه جواب الشرط. # ثم قال: { سوآء العاكف فيه والباد }. # أي: معتدل في النزول فيه، المقيم والبادي. فالبادي [المنتاب إليه من ~~غيره]. والعاكف أهله. أي: ليس أحدهم أحق بالمنزل يكون فيه من الآخر، إلا ~~أن يكون أحد سبق إلى منزل. # قال ابن زيد ومجاهد: ذلك مباح في بيوت مكة. # وروي أن الأبواب إنما عملت على بيوت مكة من السرق، لأن الناس كانوا ~~ينزلون أينما وجدوا. فعمل رجل بابا، فأرسل إليه عمر: اتخذت بابا من ~~حجاج بيت الله؟ فقال: لا، إنما جعلته متحرز متاعهم. واختلف في الآية. ~~فقيل: عني بها المسجد الحرام خاصة. # ليس أحد أولى به من غيره. # وقيل: عني بها مكة، ليس أحد أولى بمسكن فيها من غيره. # والمعنى: والمسجد الحرام. أي: ويصدون الناس عن دخول المسجد الحرام ~~والصلاة فيه، والطواف بالبيت، وهو موضع يستوي فيه المقيم والطارئ، حقهم ~~فيه واحد. وهذا يدل على أن المراد المسجد الحرام، دون بيت مكة، وهو ظاهر ~~اللفظ. وقد ملك الناس دور مكة وتبايعوا من أول الإسلام إلى الآن وهم ~~يتوارثونها من أول الإسلام. فظاهر لفظ الآية إنما يدل على أن العاكف ~~والطارئ حقهما في المسجد سواء، لا فضل ms1632 لأحدهما على الآخر. # وقد قال ابن عباس: ذلك في المسجد الحرام خاصة. # وعن مجاهد وعطاء: أن المعنى: أن أهل مكة والغريب بها، هما في حرمة ~~الإسلام سواء، لا يمنع أحد من دخوله من المؤمنين، ولا يضر أحد منه. وهذا ~~القول يؤيده صدر الآية، لأنه تعالى إنما ذكر [صد] الكافرين المؤمنين عن ~~المسجد الحرام ومنعهم منه. ثم أعلمنا آخر الآية أن أهله والغريب في حرمته ~~سواء، لا يمنع أحد منهم. # ومن قرأ " سواء " بالرفع، جعله مبتدأ. والعاكف فيه خبره. وإن شئت جعلت ~~العاكف مبتدأ وسواء خبر مقدم. فتقف على " للناس " ، على تقدير الوجهين. ~~ويكون: " للناس " ، في موضع المفعول الثاني، تقف على " للناس ". ومن قرأ ~~بالنصب، جعله مفعولا ثانيا ل " جعلنا " ويرتفع العاكف. والأحسن عند ~~سيبويه في مثل هذا: الرفع، لأنه غير جار على الفعل. وقد قرئ " سواء " ~~بالنصب " العاكف " بالخفض، على أن يكون " سواء " مفعولا ثانيا ل " ~~جعلناه " والعاكف والبادي بدلا من الناس، أو نعتا لهم. # ثم قال: { ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه } فالباء ~~في " بإلحاد " زائدة. قاله: الأخفش وأبو عبيدة. وقال الكوفيون: إنما دخلت ~~الباء هنا، لأن معناه: ومن يرد فيه بأن يلحد. والباء تدخل وتحذف مع " أن ~~" كثيرا ومنع المبرد، الزيادة في كتاب الله، والقول عنده: إن يرد. يدل ~~على الإرادة. فيدخل الباء مع الفعل. على تقدير دخولها مع المصدر. ~~فالتقدير عنده. ومن أراد به بأن يلحد، وهو ظالم. كما قال: أريد لأنسى ~~ذكره. فكأنما تخيل لي ليلا بكل سبيل. فأدخل اللام، على تقدير دخولها ~~مع المصدر. أي: إرادتي لكذا. # قال ابن عباس: { بظلم } بشرك. # وقال مجاهد: " من يرد فيه غير الله " وقاله الحسن. # وقال قتادة: من أشرك في بيت الله، عذبه الله. # وعن ابن عباس: أن المعنى: من استحل من الحرام ما حرم الله، أذاقه الله ~~العذاب المؤلم، مثل القتل ونحوه. # وقال مجاهد: معناه: من يعمل فيه عملا [سيئا]. # وهذه الآية تدل على أن الإنسان / يجب عليه العقاب بنيته لفعل الشر في ~~الحرم. # ألا ترى إلى قوله: ms1633 { ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه ~~من عذاب أليم } ولم يقل: من يفعل ذلك. وإنما ذكر العقوبة على ~~الإرادة فقط، فهو ظاهر الآية، وذلك لعظيم حرمة الحرم وجلالة قدره، وكذلك ~~يضاعف فيه الحسنات أكثر مما يضاعف في غيره. # وقال ابن عمر: ما من رجل يهم بسيئة فتكتب عليه، يعني: في غير الحرم وفي ~~غير أهل الحرم، قال: ولو أن رجلا بعدن أبين هم بقتل رجل بهذا ~~البيت إلا أذاقه الله من العذاب الأليم. # وقال الضحاك: إن الرجل ليهم بالخطيئة بمكة وهو في بلد آخر ولم يعملها ~~فتكتب عليه. # وعن ابن عباس أيضا أن المعنى: من يرد استحلاله متعمدا. # وقال حبيب بن أبي ثابت: " ومن يرد فيه بإلحاد بظلم " ، هم: المحتكرون ~~الطعام بمكة. # وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: احتكار الطعام بمكة إلحاد. # وقال مجاهد: بيع الطعام بمكة إلحاد، وليس الجالب كالمقيم. # وقال الضحاك: الإلحاد في هذا الموضع: الشرك. # وقال عطاء: هو عبادة غير الله. # وقيل: إنه كل ما كان منهيا عنه حتى قول الرجل: " لا والله وبلى والله ~~". # وروى مجاهد أن ابن عمر كان له فسطاطان، أحدهما في الحل والآخر في الحرم ~~فإذا أراد أن يعاتب أهله، عاتبهم في الحل. فسئل عن ذلك فقال: كنا نحدث أن ~~من الإلحاد فيه أن يقول الرجل بمكة بلى والله، وكلا والله. وأصل الإلحاد، ~~الميل عن القصد، ومنه سمي اللحد، ولو كان مستويا لقيل ضريح. # ومنه قوله: # وذروا الذين يلحدون في أسمآئه # [الأعراف: 180]. # يقال: لحد وألحد بمعنى واحد. # وحكى الأحمر: ألحد إذا جادل ولحد إذا عدل ومال. ### || [22.26-27] # قوله تعالى ذكره: { وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت ~~}. إلى قوله: { من كل فج عميق }. # أي: واذكر يا محمد إذ وطأنا لإبراهيم ومكنا له مكان البيت. وبوأ تتعدى ~~إلى مفعولين، ولكن دخلت اللام في إبراهيم حملا على معنى: جعلنا ~~لإبراهيم. # وقيل: اللام متعلقة بالمصدر، أي: واذكر تبويئنا لإبراهيم. # وقال الفراء: اللام زائدة مثل # ردف لكم # [النمل: 72]. # وقوله: { أن لا تشرك بي } " أن " بمعنى: ms1634 أي. # وقيل: التقدير: بأن لا تشرك. # وقيل: أن زائدة. مثل # فلمآ أن جآء البشير # [يوسف: 96]. # فالتقدير: واذكر يا محمد نعم الله على قومك وحسن بلائه عندهم، وهم ~~يعبدون غيره، فمما يجب أن يذكر إذ مكنا لأبيك إبراهيم مكان البيت. # قال قتادة: وضع الله البيت مع آدم حين اهبط إلى الأرض، وكان مهبطه بأرض ~~الهند، وكان رأسه في السماء، ورجلاه في الأرض، فكانت الملائكة تهابه فنقض ~~إلى ستين ذراعا. وإن آدم إذ فقد أصوات الملائكة وتسبيحهم، شكا ذلك إلى ~~الله فقال الله عز وجل: يا آدم، إني قد أهبطت لك بيتا يطاف به كما يطاف ~~حول عرشي ويصلى عنده كما يصلى عند العرش فانطلق إليه. فخرج آدم ومد له في ~~خطوه فكان بين كل خطوتين مفازة، فلم تزل تلك المفاوز على ذلك، فأتى آدم ~~البيت، فطاف به ومن بعده من الأنبياء. # وقال السدي: لما عهد الله إلى إبراهيم وإسماعيل " أن طهرا بيتي للطائفين ~~" انطلق إبراهيم حتى أتى مكة، فقام هو وإسماعيل، فأخذا المعاول لا يدريان ~~أين البيت، فبعث الله ريحا يقال لها الخجوج، لها جناحان ورأس في صورة ~~حية، فكنست لهما ما حول الكعبة عن أساس البيت الأول، واتبعاها بالمعاول ~~يحفران حتى وضعا الأساس، فذلك حين يقول: " وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت ~~". # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أقبل إبراهيم من أرمينية ومعه ~~السكينة تدله على البيت حتى تبوأ البيت كما تبوأ العنكبوت بيتا وكان ~~يحمل الحجر من الحجارة يطيقه ولا يطيقه ثلاثون رجلا. # وقال كعب الأحبار: كان البيت غثاءة على الماء قبل أن يخلق الله الأرض ~~بأربعين سنة. ومنه دحيت الأرض. # وقوله تعالى: { أن لا تشرك بي شيئا } أي: عهدنا إليه ألا ~~يشرك في عبادة الله /. # { وطهر بيتي للطآئفين } أي: طهره من عبادة الأوثان. # قال مجاهد: طهره من الشرك. # وقال عبيد بن عمير: من الآفات والريب. # وقال قتادة: من الشرك وعبادة الأوثان. # وقيل: طهراه من ذبائح المشركين، وما كانوا يطرحون حوله من الدماء والفرث ~~والأقذار، وكانوا يطرحون ذلك ms1635 حول البيت. # وقيل: معناه: طهراه من دخول المشركين إياه، ومن إظهار شركهم فيه. # فأمرهما بتطهير البيت من جميع ذلك لمن يطوف ويقوم بأمره من المؤمنين، ~~ولمن يصلي بحضرته " والطائفون " الذين يطوفون به، " والقائمون " المصلون ~~قياما. " والركع السجود " ، يعني في صلاتهم حول البيت. # ثم قال تعالى: { وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا ~~}. # أي: وناد يا إبراهيم في الناس بالحج يأتوك رجالا وركبانا. ورجال: جمع ~~راجل، كقائم وقيام. # وقوله: { وعلى كل ضامر }. # أي: ويأتوك على كل بعير ضامر قد أضمره بعد المسافة من كل فج عميق. ~~والضامر: المهزول. # وقال: " يأتين " يريد به النوق. ولو قلت في الكلام: مررت بكل رجل ~~قائمين، حسن. فكان " ضامرا " في موضع ضوامر ولكن وحد، لأن " كل " تدل ~~على العموم. والعموم والجمع متقاربان. # وروي أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم لما أمره الله تعالى بالتأذين ~~بالحج، قام على مقامه، فنادى: يا أيها الناس، إن الله كتب عليكم الحج ~~فحجوا بيته العتيق. # وقال ابن عباس: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت، قيل له: أذن في الناس ~~بالحج. قال: يا رب، وما. # وعن ابن عباس أيضا ومجاهد: أن إبراهيم لما نادى: أيها الناس، كتب عليكم ~~الحج أسمع من في أصلاب الرجال، وأرحام النساء، فأجابه من آمن ممن سبق في ~~علم الله أن يحج إلى يوم القيامة: لبيك اللهم لبيك. # وعن ابن عباس أيضا أنه قال: إن إبراهيم لما أمر أن يؤذن في الناس ~~بالحج، خفضت له الجبال رؤوسها ورفعت القرى فأذن في الناس. قال ابن عباس ~~عنى بالناس هنا أهل القبلة ألم تسمعه قال: # إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا ~~وهدى # [آل عمران: 96]. # ثم قال: # ومن دخله كان آمنا # [آل عمران: 97] يقول: ومن دخله من الناس الذين أمر إبراهيم أن يؤذن فيهم ~~فكتب عليهم الحج. # قال ابن عباس: { يأتوك رجالا } أي: مشاة. قال: وما آسى على شيء، ~~فإني آسى ألا أكون حججت ماشيا، سمعت الله تعالى يقول: يأتوك رجالا. # وقال مجاهد: حج إبراهيم وإسماعيل ماشيين. # وقال ابن عباس: ms1636 { وعلى كل ضامر }: الإبل. # قال مجاهد: كانوا لا يركبون، فأنزل الله تعالى ذكره: " وعلى كل ضامر " ~~فأمرهم بالزاد ورخص لهم في الركوب. # وقوله: { من كل فج عميق }. # قال ابن عباس وقتادة: من كل مكان بعيد. # والظاهر في هذه الآية والخطاب - عليه أكثر المفسرين - أن هذا كله خطاب ~~لإبراهيم، كان ومضى، أخبرنا الله به. # وقيل: إن قوله تعالى: { أن لا تشرك بي شيئا }... - إلى - { ~~والركع السجود } مخاطبة لإبراهيم، وقوله: " وأذن في الناس وما ~~بعده، خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. أي أعلمهم أن الحج فرض عليهم، فيقف ~~القاري على / هذا القول، على " السجود " ويبتدئ " وأذن ". # وقيل: إن قوله: { أن لا تشرك بي شيئا } وما بعده، خطاب للنبي ~~عليه السلام كله، لأن القرآن عليه نزل، وهو المخاطب به، ولا يخرج عن ~~مخاطبته إلى مخاطبة غيره إلا بتوقيف أو دليل قاطع. وأيضا فإن " أن لا ~~تشرك بي " خطاب لشاهد، وإبراهيم غائب، ومحمد صلى الله عليه وسلم، هو ~~الشاهد الحاضر في وقت نزول القرآن، فيكون المعنى: وإذ بوأنا لإبراهيم ~~مكان البيت، فجعلنا ذلك من الدلائل على توحيد الله، وعلى أن إبراهيم كان ~~يعبد الله وحده، فلا تشرك بي شيئا، وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع ~~السجود، وأذن في الناس بالحج: أي: أعلمهم أنه فرض عليهم. # وقيل: أعلمهم أنك تحج حجة الوداع ليحجوا معك فيكون الوقف على هذا ~~التأويل " مكان البيت " ويبتدئ في مخاطبة النبي عليه السلام " أن لا تشرك ~~" أي وعهدنا إليك ألا تشرك بي شيئا. # ومن جعله كله خطابا لإبراهيم، وقف على { كل ضامر } على أن يقطع " ~~يأتين " مما قبله. قاله: نافع والأخفش ويعقوب، وغيرهم. # والعمق: " في اللغة: البعد. ومنه بنو عميقة أي: بعيدة. # وقرأ عكرمة: يأتوك رجالا، جعله جمع راجل، أيضا مثل راكب وركاب. ويقال ~~أيضا: راجل، ورجله، وراجل، ورجالة. ### || [22.28] # قوله تعالى: { ليشهدوا منافع لهم } إلى قوله: { ~~البآئس الفقير }. # أي: يأتون ليشهدوا منافع لهم: وهي التجارات في الأسواق والمواسم، قاله: ~~ابن عباس وابن جبير. # وقال مجاهد: هي منافع في الآخرة، ومنافع في ms1637 الدنيا، الأجر والربح. # وقيل: هو المغفرة فقط. # ثم قال: { ويذكروا اسم الله في أيام معلومات ~~على ما رزقهم من بهيمة الأنعام } يعني: الهدايا التي ~~أهدوا من الإبل والبقر والغنم. # قال علي بن أبي طالب: الأيام المعلومات: يوم النحر، ويومان بعده، إذبح ~~في أيها شئت، وأفضلها أولها، وهو قول: ابن عمر، وأهل المدينة. # وقال ابن عباس: المعلومات: العشر، يوم النحر منها، والأيام المعدودات: ~~أيام التشريق إلى آخر النفر. وهو قول: عطاء ومجاهد والنجعي والضحاك، وهو ~~قول: الكوفيين. # وقال القتبي: المعلومات: عشر ذي الحجة. والمعدودات يوم التروية ويوم ~~عرفة ويوم الزينة. # ثم قال تعالى: { فكلوا منها } أي: فكلوا من بهائم الأنعام التي ~~ذكر اسم الله عليها هنالك. وهذه إباحة لا إيجاب. واستحب مالك والليث أن ~~يأكل الرجل من أضحيته لقوله: { فكلوا منها }. # وقال الزهري: من السنة أن يأكل أولا من الكبد. # قال بعض العلماء: ذبح الضحايا ناسخ لكل ذبح كان قبله. # وقيل: قوله: " فكلوا منها " ناسخ لفعل المشركين، لأنهم كانوا يحرمون ~~لحوم الضحايا على أنفسهم. # واختار جماعة من الصحابة، وغيرهم من التابعين أن يتصدق الرجل بالثلث ~~ويطعم الثلث، ويأكل هو وأهله الثلث. # ومذهب علي بن أبي طالب وابن عمر أن لا يذخر من الضحايا شيئا من بعد ~~ثلاث، وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. # وقال جماعة من العلماء والصحابة: يذخر منها بعد ثلاث، ورووا: أن الحديث ~~منسوخ بالإذخار، وأن النبي عليه السلام قال: إنما أمرتكم ألا تذخروا من ~~أجل الدافة التي دفت عليكم روته عائشة رضي الله عنها. والدافة: الجماعة. # وقال الحسن البصري: العقيقة واجبة، وهي عند مالك وأكثر العلماء مثل ~~الضحية، منذوب إليها. # وقال أبو حنيفة: الضحية واجبة على كل من وجد إليها سبيلا، وعلى الرجل ~~أن يضحي عن ولده، والجماعة على خلافه لأن الله تعالى لم يوجبها في كتابه، ~~ولا أوجبها رسوله، ولا اجتمعت الأمة على ذلك. # وقوله: { وأطعموا البآئس الفقير } يعني: الزمن المقتر. # وقال مجاهد: هو الذي يمد إليك يده. # وقال عكرمة: البائس: المضطر الذي عليه البؤس، ms1638 والفقير: المتعفف. # والبائس عند أهل اللغة: الذي عليه البؤس من شدة الفقر. # وقيل: البائس الذي يتبين عليه اثر البؤس والضر. ### || [22.29-33] # قوله تعالى ذكره: { ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا ~~نذورهم }. إلى قوله: { محلهآ إلى البيت العتيق } /. # قال ابن عباس: التفث: الحلق والتقصير والرمي والذبح والأخذ من الشارب ~~واللحية ونتف الإبط وقص الأظفار. وهو الخروج من الإحرام إلى الحل. # وقال ابن عمر: التفث: ما عليهم من الحج. # وعنه أيضا: التفث: المناسك كلها. # وعن ابن عباس: التفث: حلق الرأس والأخذ من الشارب، ونتف الإبط وحلق ~~العانة وقص الأظفار والأخذ من العارضين، ورمي الجمار، والموقف بعرفة ~~والمزدلفة ومثله عن قتادة وابن جريج. # وقوله: { وليوفوا نذورهم } يعني: ما نذروا من البدن. # وقال مجاهد: هو نذر الحج والهدي وما نذره الإنسان من شيء يكون في الحج. # ثم قال تعالى ذكره: { وليطوفوا بالبيت العتيق }. # يعني: بيت الله الذي هو مكة، سمي عتيقا لأن الله أعتقه من الجبابرة أن ~~يصلوا إلى تخريبه وهدمه، قاله: قتادة ومجاهد وابن أبي نجيح وهو مروي عن ~~النبي عليه السلام. # وقال ابن جبير: إنما سمي بالعتيق لأنه أعتق من الغرق [في] زمان الطوفان. # وعن مجاهد: أنه إنما سمي عتيقا لأنه لم يملكه أحد من الناس. # وقال ابن زيد: " سمي بذلك لقدمه، لأنه أول بيت وضع للناس، بناه آدم، وهو ~~أول من بناه، ثم بوأ الله موضعه إبراهيم بعد الغرق، فبناه إبراهيم ~~واسماعيل. ومنه قيل: للسيف القديم سيف عتيق. # وعنى بالطواف هنا طواف الإفاضة يوم النحر وبعده، وهو الذي يقال له طواف ~~الزيارة. # ثم قال تعالى: { ذلك ومن يعظم حرمات الله }. # أي: الأمر، ذلك من الفروض. # وقيل: معناه: ذلك الذي أمرتم به من الوفاء بالنذور، والطواف بالبيت ~~العتيق هو الفرض الواجب عليكم في حجكم. # { ومن يعظم حرمات الله } أي: ومن يجتنب مع ذلك ما أمره ~~الله باجتنابه في حال إحرامه تعظيما منه لحدود الله أن يواقعها، فهو خير ~~له عند ربه في الآخرة. # قال مجاهد: { حرمات الله } هي مكة والحج والعمرة، وما نهى الله ms1639 ~~عنه من المعاصي كلها. # وقال ابن زيد: { حرمات الله }: المسجد الحرام والبيت الحرام ~~والبلد الحرام. # ثم قال تعالى: { وأحلت لكم الأنعام } أي: أحلها الله لكم ~~أن تأكلوها إذا ذكيتموها، لم يحرم عليكم بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا ~~حام. # ثم قال: { إلا ما يتلى عليكم } أي: في كتاب الله، وذلك ~~الميته والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، والمنخنقة والموقودة ~~والمتردية والنطيحة وما أكل السبع وما ذبح على النصب، فذلك رجس كله. # وقال قتادة: { إلا ما يتلى عليكم }: الميتة وما لم يذكر ~~اسم الله عليه. # وقيل: هو الصيد المحرم على المحرمين. # فالمعنى: أحل لكم في حال إحرامكم أكل لحم الإبل والبقر والغنم، إلا ما ~~يتلى عليكم من تحريم الصيد عليكم وأنتم محرمون. # ثم قال تعالى: { فاجتنبوا الرجس من الأوثان } أي: ~~النتن، و " من " لبيان الجنس. # وقال الأخفش: هي للتبعيض. أي: فاجتنبوا الرجس الذي هو من الأوثان، أي ~~عبادتها. # وقال ابن عباس: معناه: اجتنبوا طاعة الشيطان في عبادة الأوثان. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " عدلت شهادة الزور بالشرك بالله، ثم قرأ: { فاجتنبوا الرجس ~~من الأوثان واجتنبوا قول الزور } ". # وقال ابن جريج: { قول الزور } الكذب، والفرية على الله جل ثناؤه. ~~وهو قول ابن عباس ومجاهد وغيرهم. # وقيل: { قول الزور }: قولهم: إن الملائكة بنات الله، تعالى الله ~~عن ذلك. # وقيل: معناه: اجتنبوا تعظيم الأوثان والذبح لها. # وسماها رجسا، استقذارا لها. وكانوا ينحرون عندها، ويصبون عليها ~~الدماء. فيقذرونها، وهم مع ذلك يعظمونها، فنهى الله المسلمين عن ذلك كله. # ثم قال تعالى: { حنفآء لله غير مشركين به }. # أي: اجتنبوا ذلك، ما يليق إلى الحق والتوحيد والإخلاص والإيمان بالله. # ثم قال تعالى ذكر: { ومن يشرك بالله فكأنما خر من ~~السمآء }. # أي: مثل من يشرك بالله في بعده من الهدى وإصابة الحق وهلاكه، مثل من خر ~~من السماء { فتخطفه الطير } أي: فهلك، أو مثل من { تهوي ~~به الريح في مكان سحيق } ، أي: بعيد. # وقيل: المعنى: من يشرك بالله يكون يوم القيامة بهذه ms1640 الصفة، لا يملك ~~لنفسه نفعا ولا يملك له أحد من الخلق نفعا، ولا يمكنه امتناع مما يناله ~~من عذاب الله، فكأنه في ذلك بمنزلة من خر من السماء، ومن هوى لا يقدر ~~لنفسه على دفع ما هو فيه، فتخطفه الطير وتقطع جسمه بمخالبها ومناقرها، ~~فهو لا يجد سبيلا إلى دفع ذلك عن نفسه، وهو بمنزلة من تحمله الريح من ~~موضع مرتفع، فترمي به في منحدر بعيد / سحيق، فشبه الله المشرك بمنزلة هذا ~~الذي خر من السماء، فهوت به الريح وتخطفته الطير، فكما لا يملك هذا ~~لنفسه دفع ضر، وهو في الهوي، كذلك المشرك، يوم القيامة لا يقدر على دفع ~~ما نزل له من العذاب. # ثم قال تعالى: { ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها ~~من تقوى القلوب }. # أي: ذلك أمر الله، { ومن يعظم شعائر الله } ، يعني: ~~الوقوف بعرفة وتجميع ورمي الجمار والصفا والمروة، فهذه كلها شعائر، ~~وتعظيمها: الوقوف والعمل بها في الأوقات المفروضة والمسنونة. # " والشعائر " جمع شعيرة، وهي ما جعله الله علما لخلقه. وكذلك الشعائر ~~البدن واحدها شعيرة أيضا، لأنها قد أشعرت، أي: جعلت فيها علامة تدل على ~~أنها هدي، ولذلك قال بعض العلماء: إن الشعائر هنا البدن. # وقوله: { فإنها من تقوى القلوب } أي: فإن الفعلة من تقوى ~~القلوب. أي: فإن التعظيم واجتناب الرجس من وجل القلوب من خشية الله. # ثم قال تعالى: { لكم فيها منافع إلى أجل مسمى }. # أي: لكم في البدن منافع قبل تسميتها بدنة وإشعارها. وذلك لبنها وركوب ~~ظهورها، وما يرزقون من نتاجها وشعرها ووبرها، وقوله: { إلى أجل ~~مسمى } أي: إلى وقت يوجبها صاحبها فيسميها " بدنة " ويقلدها ~~ويشعرها، فإذا فعل ذلك، بطل ما كان له من النفع منها. هذا معنى قول ابن ~~عباس وعطاء. وهو قول قتادة، قال: " إلى أجل مسمى " أي: إلى أن تقلد فإذا ~~قلدت، فمحلها إلى البيت العتيق. # وعن عطاء أن المعنى: لكم في البدن التي أوجبتم هديها منافع، وذلك ركوب ~~ظهروها إذا احتجتم إلى ذلك، وتشربون ألبانها إذا اضطررتم إلى ذلك، ويحمل ~~عليها المضطر ms1641 غير منتهك لها. # وقوله: { إلى أجل مسمى } يعني إلى أن تنحر. # ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالبدن إذا احتاج إليها ~~سيدها أن يحمل عليها ويركب غير منهوكة وإن نتجت أن يحمل عليها ولدها، ولا ~~يشرب من لبنها إلا فضلا عن ولدها. فإن كان في لبنها فضل فيشرب من أهداها ~~ومن لم يهدها. # ومن جعل الشعائر: الأماكن المذكورة، فالمعنى عنده: لكم فيها منافع إلى ~~أجل مسمى، أي: لكم في حضور هذه الأماكن منافع، وذلك تجاراتهم وبيعهم " ~~إلى أجل مسمى " أي: إلى الخروج والانتقال من هذه الشعائر إلى غيرها. هذا ~~معنى قول ابن عباس. # وقال ابن زيد: معناه: { لكم فيها منافع } هو الأجر الذي ربحوا ~~في تلك الأماكن. # ومعنى: { إلى أجل مسمى } أي: إلى أيام معلومة، فإذا ذهبت تلك ~~الأيام، لم يأت أحد تلك الأماكن يبتغي الأجر، مثل عرفة ورمي الجمار ~~ومزدلفة، فإنما منافعها في تلك الأيام بعينها، وهي الأجل المسمى. # ثم قال: { ثم محلهآ إلى البيت العتيق }. # أي: ثم محل البدن أن يبلغ الحرم، فتنحر بها. # وقيل: المعنى: ثم محلكم أيها الناس من مناسك حجكم إلى البيت العتيق إذا ~~طفتم طواف الإفاضة. # وقال ابن زيد: معناه: ثم محل أيام الحج إلى البيت العتيق. أي: إذا طافوا ~~بالبيت طواف الإفاضة انقضت أيام الحج. ### || [22.34-36] # قوله تعالى ذكره: { ولكل أمة جعلنا منسكا }. إلى قوله: ~~{ لعلكم تشكرون }. # أي: ولكل جماعة سلفت قبلكم من أهل الإيمان جعلنا ذبحا يهرقون دمه ~~ليذكروا اسم الله [على ما رزقهم] عند ذبحهم إياه. # وقوله: { من بهيمة الأنعام }. # فخص لأن من البهائم ما ليس من الأنعام، كالخيل والبغال والحمير. وسميت ~~بهائم لأنها لا تتكلم. # وقال مجاهد: منسكا: هو هراقة الدماء. # وقال ابن عباس: منسكا، عيدا. # وقال عكرمة: مذبحا. # والمنسك بالكسر موضع الذبح، كالمجلس موضع الجلوس لأن اسم المكان من ~~فعل يفعل المفعل. # والمنسك بالفتح: المصدر فيكون معنى قراءة من كسر، ولكل أمة جعلنا ~~موضع ذبح. # ومن قرأ بالفتح، فتقديره: ولكل أمة جعلنا أن يتقربوا بذبح الذبائح. ms1642 # وقيل: { منسكا } متعبدا، وهو ما يعبد الله به. # " والمنسك ": العبادة والناسك: العابد. # وأصل المنسك أن يكون اسم المكان الذي يعبد الله فيه. # ثم قال تعالى: { فإلهكم إله واحد }. # أي: فإلهكم إله واحد فلا تذكروا معبودا غيره على ذبائحكم. # وقيل: المعنى: فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور. / # { فإلهكم إله واحد فله أسلموا } ، أي: اخضعوا ~~بالطاعة. # { وبشر المخبتين }. # أي: الخاشعين المطمئنين إلى الله، قاله مجاهد. # قال ابن عيينة: " المخبتين ": المطمئنين. # وقال قتادة: المتواضعين. # وقيل: المخبتون: الذين لا يظلمون الناس، وإذا ظلموا لم ينتصروا. # والخبت في اللغة: المكان المطمئن المنخفض، والزور: الباطل. # وقيل: إنه أريد به في هذا الموضع الكذب. # وقيل: المخبتين: المخلصين. # ثم قال تعالى: { الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ~~}. # أي: خشعت قلوبهم وجلا من عقابه. # قال ابن زيد: وجلت قلوبهم: لا تقسوا { والصابرين على مآ ~~أصابهم } أي: من شدة في أمر الله. { والمقيمي الصلاة } " ~~يعني المفروضة " وما رزقناهم ينفقون، أي: يزكون وينفقون على عيالهم. # ثم قال: { والبدن جعلناها لكم من شعائر الله }. # أي: هي ما أشعرهم الله به، وأعلمهم إياه من أمر دينه. فبين أن ذبح البدن ~~هو مما أعلمهم الله به من أمور دينه والتقرب إليه به. أي: من إعلام الله، ~~أمركم بنحرها في مناسك حجكم إذا قلدتموها وأشعرتموها. # " والبدن " جمع بدنة، كخشبة وخشب، إلا أن الإسكان في " بدن " أحسن، ~~والضم في " خشب " أحسن، لأن بدنا أصله النعت، لأنه من البدانة وهو السمن ~~وخشبة اسم غير نعت. والنعت أثقل من الاسم، فكان إسكانه وتخفيفه أولى من ~~الاسم. # " والبدن ": الإبل. وإنما سميت بدنا لأجل السمانة والعظم. وقوله: # { لكم فيها خير }. # أي: أجر في الآخرة بنحرها والصدقة منها وفي الدنيا: الركوب إذا احتيج ~~إلى ركوبها. # ثم قال تعالى: { فاذكروا اسم الله عليها صوآف } أي: ~~انحروها واذكروا اسم الله عليها قائمة على ثلاثة تعقل اليد اليسرى. # وقال ابن عباس: { فاذكروا اسم الله عليها } قال: الله ~~أكبر، الله أكبر، اللهم منك ولك. { صوآف } قياما على ثلاثة. # وقرأ الحسن والأعرج: صوافي، جمع صافية، ms1643 ومعناها مخلصين في نحرها لله ~~لا شرك فيها لأحد. # وقرأ ابن مسعود: صوافن. جمع صافنة، وهي القائمة على ثلاث. # وروي عن مجاهد أنه قال: " صواف " ، قائمة على أربع مصفوفة. و " صوافن ": ~~قائمة على ثلاث. # قال قتادة: معقولة اليد اليمنى. # وقال مجاهد: " اليسرى ". # ونحر النبي صلى الله عليه وسلم بدنة قياما. ودل على ذلك قوله: { ~~فإذا وجبت جنوبها }. # أي: إذا سقطت على جنوبها. وهو قول: مالك والشافعي وأحمد وأصحاب الرأي. ~~واستحب عطاء أن تنحر باركة معقولة لئلا تؤذي بدمها أحدا. وقد روى جابر ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، كانوا ينحرون البدنة معقولة ~~اليد اليسرى قائمة على ما بقي من قوائمها. # وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا ذبح: # " بسم الله والله أكبر ". # وقوله تعالى: { فكلوا منها }. إباحة، لأن المشركين كانوا لا ~~يأكلون من ذبائحهم، فرخص الله للمسلمين في ذلك. ثم قال: { وأطعموا ~~القانع والمعتر }. # قال ابن عباس: القانع: المستغنى بما أعطيته وهو في بيته، والمعتر: الذي ~~يتعرض لك ويلم [رجاء] أن تعطيه، ولا يسأل. # وقال مجاهد: " القانع " جارك، يقنع بما أعطيته. " والمعتر ": الذي يتعرض ~~لك، ولا يسألك. # وعن ابن عباس: " القانع " الذي يقنع بما عنده ولا يسأل، " والمعتر " ~~الذي يعتريك فيسألك. # وقال قتادة: " القانع ": المتعفف الجالس في بيته، " والمعتر " الذي ~~يعتريك فيسألك. # وقال الحسن: " القانع " السائل، " والمعتر: الذي يتعرض ولا يسأل. # وكذلك قال زيد بن أسلم وابن جبير أن القانع: السائل. # وعن مجاهد: " القانع " جارك وإن كان غنيا. " والمعتر ": الذي يعتريك. # وعن زيد بن أسلم أيضا: " القانع ": المسكين الطواف. " والمعتر ": ~~الصديق الضعيف الذي يزور. # وقال محمد بن كعب القرظي: " القانع ": الذي يقنع بالشيء اليسير يرضى به، ~~و " المعتر " الذي يمر بجانبك ولا يسأل شيئا. # وقيل: " القانع " الذي هو فقير لا يسأل. " والمعتر " الفقير الذي يسأل. # وعن مجاهد: " القانع ": الطامع. " والمعتر " الذي يعتر من غني أو فقير. # وقال عكرمة: " القانع ": الطامع. # وقال ابن زيد: " القانع ": المسكين. " والمعتر ": الذي يتعرض للحم وليس ~~له ذبيحة، يجيء إلى القوم من أجل ms1644 لحمهم. # وقال مالك: أحسن ما سمعت أن القانع هو الفقير، وأن " المعتر " هو ~~الزائر. # يقال: قنع الرجل يقنع قنوعا، إذا سأل، وقنع يقنع قناعة، إذا رضي / " ~~فهو قنع ". # وقرأ أبو رجاء: { وأطعموا القانع } على معنى الذي يرضى بما ~~عنده. # وقرأ الحسن: { والمعتر } وهي لغة فيه، يقال: اعتره واعتراه إذا ~~تعرض لما عنده، وإن طلبه. # ثم قال: { كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون }. # أي: هكذا سخرنا لكم البدن لعلكم تشكرون على تسخيرها أيها الناس. ### || [22.37-40] # قوله تعالى: { لن ينال الله لحومها ولا دمآؤها } إلى ~~قوله: { إن الله لقوي عزيز }. # أي: لن يصل إلى الله لحوم هديكم، ولا دماؤها ولكن يناله اتقاؤكم إياه ~~وإرادتكم بها وجهه وتعظيمكم حرماته. وتقديره: لن يتقبل الله لحوم هديكم ~~ولا دماؤها، وإنما يتقبل إخلاصكم لله وتعظيمكم لحرماته. # وقيل: المعنى: لن يبلغ رضا الله لحومها ولا دماؤها ولا يرضيه ذلك عنكم، ~~ولكن يبلغ رضاه التقوى منكم، ويرضيه ذلك عنكم. # وفي الكلام مجاز وتوسع، إذا أتى " لن ينال الله " في موضع لن يبلغ رضا ~~الله وحسن ذلك، لأن كل من نال شيئا فقد بلغه. # وقال ابن عباس: كانوا في الجاهلية ينضحون بدم البدن ما حول البيت، فأراد ~~المسلمون أن يفعلوا ذلك فأنزل الله الآية. # ثم قال: { كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ~~ما هداكم }. # أي: هكذا سخر لكم البدن لكي تعظموا الله على توفيقه لكم لدينه والنسك في ~~حجكم. # وقيل: معناه: لتكبروا الله على ذبحكم في الأيام المعلومات. # { وبشر المحسنين } أي: وبشر يا محمد الذين أطاعوا الله ~~فأحسنوا في طاعتهم إياه في الدنيا بالجنة إلى الآخرة. # ثم قال تعالى: { إن الله يدافع عن الذين آمنوا }. # أي: يصرف عن المؤمنين مرة بعد مرة غائلة المشركين وما يريدون بالمؤمنين. ~~فيكون " يدافع " على معنى: تكرير الفعل من الله، لا على معنى مدافعة ~~اثنين. وهذا كقوله: فيضاعفه له: فيفاعل للتكرير. أي: يضعف له مرة بعد ~~مرة، لا أن ثم فاعلين مثل: قاتل. # ومن قرأ. يدفع: أراد مرة واحدة. وعدل من يفاعل، لأن أكثر باب ms1645 ~~المفاعلة أن يكون من اثنين، والله تعالى ذكره، لا يمانعه شيء. # وقيل: معناه: أن الله يدفع عن المؤمنين شدائد الآخرة وكثيرا من شدائد ~~الدنيا. # ثم قال: { إن الله لا يحب كل خوان كفور }. # أي: كل من خان الله فخالف أمره ونهيه، وجحد كتبه ورسله. # ومعنى لا يحب كل كفار أي: لا يحب إكرامه وإعزازه، بمعنى لا يريد ذلك كما ~~يريده بالمؤمنين، فعنى الله بهذه الآية دفعه تعالى ذكره كفار قريش عمن ~~كان بين أظهرهم من المؤمنين قبل هجرتهم. # و " خوان " فعال: من الخيانة وهو من أبنية المبالغة وكذلك كفور. # ثم قال تعالى: { أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ~~}. # أي: أذن الله للذين يقاتلهم المشركون أن يقاتلوهم. ففي الكلام حذف على ~~قراءة من فتح التاء. ومن كسر التاء، فمعناه: أذن الله للذين يقاتلون ~~المشركين في سبيله بالقتال لظلم المشركين لهم: فثم حذف أيضا. # وقرأ ابن عباس: { يقاتلون } بكسر التاء. وقال: هي أول آية نزلت في ~~القتال لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة. # وقال: عنى الله بها محمدا وأصحابه إذ أخرجوا من مكة إلى المدينة. يقول ~~الله: { وإن الله على نصرهم لقدير }. قال ابن عباس: ~~لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة، قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم، ~~إنا لله وإنا إليه راجعون، ليهلكن، فأنزل الله: { أذن للذين ~~يقاتلون... } الآية. # قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: فعرفت أنه سيكون قتال، وكذلك قال ~~الضحاك. # وقال ابن زيد: أذن لهم في قتالهم بعدما عفا عنهم عشر سنين. وقرأ: { ~~الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق }. وقال: هؤلاء ~~المؤمنين. # وقيل: إن هذه الآية إذن للنبي صلى الله عليه وسلم بالخروج من مكة وقتال ~~المشركين، لأن الآية نزلت بمكة، وبعقبها خرج النبي من مكة إلى المدينة، ~~ثم بعقب ذلك كانت وقعة بدر، وهو النصر الذي وعدهم الله في قوله: { ~~وإن الله على نصرهم لقدير }. # ومعنى: بأنهم ظلموا " أي: لأنهم ظلموا. فمن أجل الظلم الذي لحقهم أذن ~~لهم في قتال من ظلمهم، فأخرجهم ms1646 من ديارهم ووعدهم بالنصر على من ظلمهم ~~بقوله: { وإن الله على نصرهم لقدير }. # وقال مجاهد: الآية مخصوصة، نزلت في قوم خرجوا مهاجرين من مكة إلى ~~المدينة /، فكانوا يمنعون، فأذن الله عز وجل للمؤمنين بقتال الكفار ~~فقاتلوهم حين أرادوا ردهم عن الهجرة. # قال مجاهد وقتادة: هي أول آية نزلت في القتال. # وقال الضحاك: " كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أستأذنوه في قتال ~~الكفار بمكة قبل الهجرة فأنزل الله: { إن الله لا يحب كل ~~خوان كفور }. فلما هاجر رسول الله وأصحابه إلى المدينة، أطلق الله ~~لهم قتل الكفار وقتالهم فقال: { أذن للذين يقاتلون... } ~~الآية. فالآية ناسخة عند الجميع لكل ما في القرآن من الأمر بالصفح عنهم، ~~والصبر على أذاهم والمنع من قتالهم. # وقال ابن زيد: هذا ناسخ لقوله: { وذروا الذين يلحدون في ~~أسمآئه } وخولف في ذلك، لأن هذا تهدد ووعيد، فلا ينسخ. # ومعنى: " بأنهم ظلموا " بسبب ظلمهم. # ثم قال: { وإن الله على نصرهم لقدير } هذا وعد من ~~الله للمؤمنين بالنصر، فقد فعل تعالى ذلك بالمؤمنين، أعزهم ونصرهم، وأعلى ~~كلمتهم. وأهلك عدوهم. # ثم قال: { الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق }. # تقديره: أذن للذين أخرجوا من ديارهم بغير حق. # فالذين: بدل من الذين الأولى ويجوز أن يكون في موضع رفع على إضمار ~~مبتدأ. أو في موضع نصب على إضمار أعني. # وقوله: إلا أن يقولوا. " إن ": في موضع خفض بدل من حق. هذا قول: الفراء ~~وأبي إسحاق. # وقال سيبويه: هي في موضع نصب استثناء ليس من الأول. فمعنى الآية: أذن ~~للذين يقاتلون الذين أخرجوا من ديارهم. يعني من مكة، أخرجهم كفار قريش ~~بغير حق إلا بتوحيدهم الله، وذلك أن كفار قريش كانوا يسبون المؤمنين، ~~ويعذبونهم ويوعدونهم حتى اضطروهم إلى الخروج عنهم. # ثم قال تعالى: { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض ~~}. # قال ابن جريج: معناه: ولولا دفاع الله المشركين بالمؤمنين. # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إنما نزلت هذه الآية في أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لولا ما يدفع الله بأصحاب ms1647 محمد صلى الله عليه ~~وسلم عن التابعين لهدمت صوامع وبيع. # وقال ابن زيد: المعنى: لولا الجهاد والقتال في سبيل الله. # وقال علي بن أبي طالب: نزلت الآية في أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. فالمعنى: لولا دفاع الله المشركين بأصحاب رسول الله، لهدمت صوامع ~~وبيع. # وقيل: معناه: لولا أن الله يدفع أي يأخذ الحقوق والشهادات لمن أوجب قبول ~~شهادته عمن لا يجوز قبول شهادته، فتركوا المظالم من أجل ذلك، لتظالم ~~الناس، فهدمت صوامع، قاله: مجاهد. # وقال أبو الدرداء معنى: لولا أن الله يدفع بمن في المساجد عمن ليس في ~~المساجد، وبمن يغزو عمن ليس يغزو. لأتاهم العذاب ولاختلفوا، فهدمت صوامع. # قال مجاهد والضحاك: هي صوامع الرهبان يبنونها على الطريق. # وقال قتادة: هي صوامع الصابئين. وقال البيع: بيع النصارى. # وقال مجاهد: البيع: كنائس اليهود. # وقال ابن زيد: البيع: الكنائس. # وقال ابن عباس: الصلوات: الكنائس، يعني: ومواضع صلوات. # وقال الضحاك: هي كنائس اليهود، يسمون الكنائس صلوات، وقاله: قتادة. # وقال أبو العالية: الصلوات: مساجد الصابئين. # وقال مجاهد: هي مساجد لأهل الكتاب، ولأهل الإسلام على الطرق. # وقال ابن زيد: هي صلوات أهل الإسلام، تنقطع إذا دخل العدو عليهم. يعني ~~النوافر. قال: وتهدم المساجد كما صنع بختنصر. # وقوله: " ومساجد " قال قتادة: هي مساجد المسلمين. # وقوله: { يذكر فيها اسم الله }. # يعني: في المساجد، لأنها أقرب إلى الضمير من غيرها. وقيل الضمير في " ~~فيها " يعود على جميع ما ذكره ومعناه: يذكر فيها اسم الله في وقت شرائعهم ~~وإقامتهم للحق. # قال خصيف: أما الصوامع، فصوامع الرهبان وأما " البيع " ، فكنائس ~~النصارى، وأما " الصلوات " فكنائس اليهود، وأما " المساجد " فمساجد ~~المسلمين. # ومعنى: " وصلوات " أي: مواضع صلوات، قاله: أبو حاتم. # وقال الحسن: هدمها: تركها. # وقال الأخفش: التقدير: وتركت صلوات. # وقرأ عاصم الجحدري: " وصلوب " بالباء المعجمة، واحدة من أسفل من غير ~~ألف بعد الواو، وضم اللام، يريد به الصلبان، كأنه اسم للجمع على فعول. # وقرأه جعفر بن محمد، بإسكان اللام، وبالتاء المعجمة، باثنتين من فوق. # ويروى أن مساجد اليهود تسمى صلوات. # وعن ms1648 مجاهد أنه قرأ: وصلويتا، بالياء والتاء، وبكسر الصاد والواو ~~وإسكان اللام، وقال: هي القباب على شاطئ الأنهار. # وقرأ الضحاك، بضم اللام من غير ألف بعد الواو على وزن فعول وبالثاء ~~المعجمة، ثلاثة من فوق. # وروي: أن مساجد الصابئين تسمى صلوثا، وبذلك قرأ الكبي أعني بالثاء ~~المعجمة ثلاثا من فوق. # ومعنى: " لهدمت " لضيعت وتركت. # ومن جعل الضمير في " يذكر فيها " يعود على المساجد خاصة، وقف على صلوات، ~~وهو قول نافع. # ثم قال: { ولينصرن الله من ينصره } أي: وليعينن الله من ~~يقاتل في سبيله فيجعل كلمته العليا، كما أنه إنما يقاتل لتكون كلمة الله ~~هي العليا. # { إن الله لقوي عزيز } أي: قوي على نصر من جاهد في سبيله، ~~ونصر دينه منيع لا يغلبه غالب. ### || [22.41-45] # قوله تعالى ذكره: { الذين إن مكناهم في الأرض ~~أقاموا الصلاة } إلى قوله: { وقصر مشيد }. # المعنى: الذين إن وطأنا لهم في الأرض، فقهروا المشركين وقتلوهم، أقاموا ~~الصلاة بحدودها، وآتوا الزكاة مما يجب عليهم فيه الزكاة من أموالهم، " ~~وأمروا بالمعروف " أي: دعوا الناس إلى توحيد الله والعمل بطاعته. " ونهوا ~~عن المنكر " أي: عن الشرك والعمل بمعاصيه يعني بذلك: أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم، الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق، إلا بتوحيدهم لله وقد ~~تقدم ذكرهم. # وقيل: إن هذه الآية مخصوصة في أربعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وهم الذين أذن لهم بقتال المشركين في الآية الأولى وهم: أبو بكر، وعمر، ~~وعثمان، وعلي رضي الله عنهم. # وقال الحسن: " هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم ". # قال ابن أبي نجيح: " هم الولاة ". # وروي: أن عثمان رضي الله عنه قال للذين أرادوا قتله: فينا نزلت هذه ~~الآية. # { أذن للذين... } إلى { ولله عاقبة الأمور }. وقال: ~~نحن الذين قوتلنا وظلمنا وأخرجنا من ديارنا بغير حق إلا أن قلنا ربنا ~~الله، فنصرنا الله عز وجل، فمكننا في الأرض، فأقمنا الصلاة وآتينا ~~الزكاة، وأمرنا بالمعروف، ونهينا عن المنكر، فهذه لي ولأصحابي وليست لكم. # وقال الضحاك: هذا شرط اشترطه الله على من أعطاه الله ms1649 الملك من هذه ~~الأمة. # ثم قال: { ولله عاقبة الأمور }. # أي: له آخر أمور الخلق، يثيب على الحسنات مع الإيمان، ويعاقب على ~~السيئات مع الكفر. # ثم قال تعالى: { وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم ~~نوح }. # هذه الآية تسلية لمحمد صلى الله عليه وسلم وتعزية له، ليقوى عزمه على ~~الصبر على ما يناله من المكذبين له، فالمعنى: أن يكذبك يا محمد هؤلاء ~~المشركون فيما جئتهم به من الحق، فالتكذيب سنة أوليائهم من الأمم ~~الخالية، كذبت رسلها فأمهلتهم، ثم أحللت عليهم نقمتي، { فكيف كان ~~نكير } أي: انظر يا محمد: كيف كان تغييري ما كان بهم من نعمة، فكذلك ~~أفعل بقريش الذين كذبوك، وإن أمليت لهم إلى آجالهم، فإني منجزك وعيدي ~~فيهم، كما أنجزت ذلك لغيرك من الرسل في الأمم المكذبة لهم. # وقوله: { وكذب موسى } ولم يقل: وقوم موسى، كما قال في نوح وعاد ~~وثمود وإبراهيم، فإنما ذلك، لأن قوم موسى هم بنو إسرائيل وكانوا مؤمنين ~~به وإنما كذبه فرعون وقومه، وهم من القبط ليسوا من قومه فلذلك قال: وكذب ~~موسى ولم يقل وقوم موسى. # قال أبو إسحاق: { فكيف كان نكير } أي: أخذتهم فأنكرت أبلغ ~~إنكار. # ثم قال تعالى: { فكأين من قرية أهلكناها وهي ~~ظالمة } أي: وكثير من القرى أهلكنا أهلها وهم ظالمون. # فعبر عن إهلاك القرية وهو يريد أهلها، مثل # وسئل القرية # [يوسف: 82]. # فالمعنى: فما أهلكنا كثيرا من أهل القرى بظلمهم، كذلك نهلك أهل قريتك ~~يا محمد بظلمهم إذا جاء الأجل. كل هذا تخويف وزجر لقريش / و " كأين " هي ~~كاف التشبيه دخلت على " أي " فصارتا بمنزلة " كم " في الخبر، هذا مذهب ~~الخليل وسيبويه، والوقف على قولهما على الياء، لأنه تنوين دخل على " أي " ~~فأما قراءة ابن كثير " وكائن " يروى عن الخليل أنه قال: من قال كإن ~~فإنه قدم الياء الساكنة قبل الهمزة ثم خلفها بألف، كما قالوا:، إن أصل ~~آية: إية، ثم أبدلوا من الياء الساكنة ألفا، ثم اعتلت الياء الثانية، ~~لأنها بعد متحرك وهو الهمز فصارت كياء قاض ورام. # وقال ابن كيسان: ms1650 هي أي: دخلت عليها الكاف وكثر استعمالها في الكلام حتى ~~صار التنوين فيه بمنزلة النون الأصلية، فقالوا: كأين بنون في الوقف. قال: ~~وفيها لغة أخرى، يقولون: كا إن، كفاعل من كنت، قال: وأصلها في المعنى ~~كالعدد، كأنه قال كشيء من العدد لأن " أيا " شيء من الأشياء، فكأنه قال: ~~كعدد كثير فعلنا ذلك بهم، فخرجت في الإبهام إلى باب " كم " وأكثر ما جاءت ~~" كأي " مفسرة ب " من " نحو: كأين من رجل رأيت فإن حذفت " من " نصبت، ~~فقلت كأي رجلا، كما تقول: عندي كذا وكذا درهما فتنصب، وتقول: عندي كذا ~~وكذا من رهم. وتقول: كم لك من درهم، وكم لك درهما، ولو خفضت فقلت كأين ~~رجل جاز، كما تقول: كم رجل جاءك في الخبر. فتقدير النصب في ذلك أن تجعله ~~بمنزلة عدد فيه نون أو تنوين. وتقدير الخفض أن تجعله بمنزل عدد يضاف إلى ~~ما بعده. # ثم قال تعالى: { فهي خاوية على عروشها }. # أي: فالقرية خالية من سكانها فخربت وتداعت، فتساقطت حيطانها على سقوفها ~~فصارت القرية عاليه سافلها السقوف تحت الحيطان. # ثم قال: { وبئر معطلة }. # أي: تعطلت البير بهلاك أهلها ولا وارد ولا شارب منها، وخفض " البير " ~~على العطف على العروش، وإن كان غير داخل في معنى العروش، لكنه مثل: # وحور عين # [الواقعة: 22] بالخفض كأنه أراد وثم بير وقصر، فلما لم يكن في الكلام ما ~~يرفعه، عطفه على ما قبله، هذا مذهب الفراء. # وقال أبو إسحاق هو عطف على " قرية ". أي: وكم من قرية وكم من بير ومن ~~قصر. # و " البير " مشتق من بأرت الأرض، إذا حفرتها، وابتأرتها، احتفرتها. # وقوله: { وقصر مشيد }. # أي: مجصص، قاله عكرمة. # وقال الضحاك: " مشيد " طويل. # وقال أهل اللغة، شاد القصر يشيده، إذا بناه بالشيد وهو الجص. ومشيد: ~~مفعل بمعنى مفعول، كمبيع بمعنى مبيوع. يقال قد شيد القصر: إذا طوله ~~وأشاده أيضا. # وقال قتادة: " مشيد ": رفيع طويل. # وعن ابن عباس: أن المشيد، الحصين. ### || [22.46-52] # قوله تعالى ذكره: { أفلم يسيروا في الأرض } إلى قوله: { ~~والله عليم حكيم }. # هذا تقرير ms1651 وتوبيخ للكفار من قريش وغيرهم. ومعناه: أفلم يسر هؤلاء ~~المكذبون بك يا محمد، فينظروا إلى مصارع أشباههم من الأمم المكذبة للرسل ~~قبلهم، فيخافوا أن يحل عليهم مثل ذلك بتكذيبهم لك، فيرجعوا عن التكذيب ~~إلى الإقرار والتصديق لك، ويفهموا ذلك بقلوبهم، ويسمعوه بآذانهم. # وقوله: " فتكون " جواب النفي. وقيل: هو جواب الاستفهام والمعنى: قد ~~ساروا في الأرض فلم تكن لهم قلوب يعقلون بها مصارع من كان قبلهم من الأمم ~~الماضية، يخاطب قريشا، لأنهم كانوا يسافرون إلى الشام فيرون آثار الأمم ~~الهالكة، فهو في المعنى: خبر فيه تنبيه وتقرير إخبار عن أمر قد كان. كما ~~قال: # ألم نشرح لك صدرك # [الشرح: 1]. أي: قد شرحنا لك صدرك. # ونصب " فتكون " عند الكوفيين على الصرف، إذ معنى الكلام الخبر، ~~فكأنهم صرفوه عن الجزم على العطف على يسيروا، فلما صرف عن الجزم، رد إلى ~~آخر الجزم وهو النصب، فهذا معنى الصرف عندهم. # ثم قال تعالى: { فإنها لا تعمى الأبصار }. # أي: فإن القصة لا تعمى أبصارهم أن يبصروا بها الأشخاص، ولكن تعمى قلوبهم ~~التي في صدورهم عن إبصار الحق ومعرفته. # قال قتادة: البصر: الناظر بلغة ومنفعة والبصر النافع في القلب. # وقال مجاهد: ليس من أحد إلا له عينان في رأسه وعينان في قلبه فأما ~~اللتان في الرأس فظاهرتان يبصر بهما الظاهر، وأما اللتان في القلب، ~~فباطنتان يبصر بهما الغيب، وذلك قول الله عز وجل: { فإنها لا ~~تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في ~~الصدور }. # وقال ابن جبير: نزل في ابن أم مكتوم وكان أعمى { فإنها لا تعمى ~~الأبصار } الآية. فالمعنى: لا تعمى الأبصار السالمة عن رؤية ما تعتبر ~~به، ولكن تعمى القلوب عن رؤية الدلالات على صحة ما تعاينه الأبصار. # وقوله: { في الصدور } توكيد، لأنه قد علم أن القلب لا يكون إلا في ~~الصدور، ولكن / أكده به كما قال: # يقولون بأفواههم # [آل عمران: 167] وكما قال: # ولا طائر يطير بجناحيه # [الأنعام: 38]. # ثم قال: { ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله ~~وعده }. # أي: ويستعجلك يا محمد مشركوا قومك بما تعدهم به، من ms1652 عذاب الله على شركهم ~~به، وليس يخلف الله وعده الذي وعدك فيهم من إحلال عذابه عليهم. # ثم قال: { وإن يوما عند ربك كألف سنة مما ~~تعدون }. # يعني: أحد الأيام التي خلق الله فيها السماوات والأرض. قاله ابن عباس، ~~وقاله مجاهد وهي ستة أيام، كل يوم مقداره ألف سنة مما تعدون. # وعن ابن عباس أن ذلك هو اليوم من أيام الآخرة في مقدار الحساب. # وروى أبو هريرة أن فقراء المسلمين يدخلون الجنة قبل الأغنياء بمقدار نصف ~~يوم، فقيل له: وما نصف يوم؟ # فقال: أو ما تقرأ القرآن: { وإن يوما عند ربك كألف ~~سنة مما تعدون } فهذا يدل على أن المراد بالآية أيام الآخرة، ~~وهو قول عكرمة. # وروي أيضا عن مجاهد وهو قول ابن زيد. # ومعنى إضافة ذكر اليوم إلى الاستعجال بالعذاب، أنهم استعجلوا العذاب في ~~الدنيا التي أيامها قليلة قصيرة، فاعملوا أن العذاب يحل بهم في وقت ~~اليوم منه كألف سنة من سني الدنيا، فذلك أبقى لعذابهم وأشد. # وقيل: المعنى، أن الله جل ذكره أعلمهم أن الأيام التي بقيت لهم ويحل ~~عليهم العذاب قليلة عنده، إذ اليوم عنده كألف سنة مما تعدون فوقت العذاب ~~عندكم بطيء أيها المشركون، وهو قريب عند الله. وقيل معنى ذلك: وأن يوما ~~في الشدة والخوف في الآخرة كألف سنة من أيام الدنيا فيها شدة وخوف ~~وصعوبة، وهذا قول حسن. # وقيل: المعنى، وإن مقدار يوم واحد من أيام الدنيا يعذب فيه الكافر في ~~الآخرة كمقدار ألف سنة من الدنيا، يعذب فيها الكافر لو عذبه فيها ذلك ~~المقدار. وذلك في كثرة الآلام والغموم، فالشدة على المعذبين، أجارنا الله ~~من ذلك. # قال بعض المفسرين، وكذلك سبيل المنعم عليه في الجنة، ينال فيها من اللذة ~~والنعيم في قدر يوم من أيام الدنيا مثل ما كان ينال في نعيم الدنيا ~~ولذتها في ألف سنة لو نعم فيها منعما مسرورا. # ثم قال: { وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ~~}: أي: وكم من أهل قرية أمهلتهم وأخرت عذابهم " وهم ظالمون " أي: مشركون ~~بالله، ms1653 ثم أخذتهم بالعذاب. واستغنى عن ذكر العذاب لتقدم ذكره، فعذبتهم في ~~الدنيا بعد الإمهال وإلى المصير في الآخرة، فيلقون عذابا لا انقطاع له. ~~وفي الكلام حذف. والتقدير: فكذلك حال مستعجليك بالعذاب يا محمد، فإن ~~أمليت لهم إلى آجالهم، فإني آخذهم بالعذاب في الدنيا بالسيف والمصائب ثم ~~يصيرون إلي في الآخرة فيصل بهم العذاب المقيم. كل هذا تخويف ووعيد وزجر ~~للكفار من قريش وغيرهم. # ثم قال: { قل يأيها الناس إنمآ أنا لكم نذير ~~مبين }. # أي: قل يا محمد لمشركي قومك إنما أنذركم عذاب الله أن يحل بكم في الدنيا ~~والآخرة " مبين " أي: أبين لكم إنذاري وأظهره لتحذروا وتزدجروا ~~وتتوبوا من شرككم لم أملك لكم غير ذلك، فأما استعجالكم بالعذاب، فليس ذلك ~~إلي، إنما هو إلى الله جل ذكره. # ثم وصف من قبل إنذاره وآمن به فقال: { فالذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات }: أي، منكم ومن غيركم { لهم مغفرة } ~~أي، ستر من الله على ذنوبهم التي سلفت، { ورزق كريم } أي: الجنة. # ثم وصف من لم يقبل إنذاره وتمادى على كفره فقال: { والذين سعوا ~~في آياتنا معاجزين } أي: عملوا في الصد عن أتباع النبي عليه ~~السلام، وترك الإقرار بما جاء به ورد آيات الله، والتكذيب بهما. # ومعنى: { معاجزين }: معاندين، قاله: الفراء. # وقال ابن عباس: معاجزين: مشاقين. # وقال قتادة: سابقين، قال: ظنوا أنهم يعجزون الله ولن يعجزوه. # وقيل: معناه معاندين للنبي صلى الله عليه وسلم مغالبين له، يفعلون من ~~ذلك ما يظنون أن النبي صلى الله عليه وسلم يعجز عن رده وإنكاره. # ومن قرأه معجزين بغير ألف مشددا، فمعناه مثبطين مبطئين. تأويله ~~يتبطون الناس ويبطئونهم عن اتباع النبي عليه السلام. # ثم قال تعالى: { ومآ أرسلنا من قبلك من رسول ولا ~~نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ~~}. قوله: " من رسول ولا نبي ": يدل على أن النبي هو المرسل، وأن المرسل ~~نبي، لأنه أوجب في الآية للنبي الرسالة، لأن معنى نبي: أنبأ عن الله، ~~ومعنى أنبأ عن الله: هو أخبر عن الله بما أرسله به، فالنبي ms1654 رسول والرسول ~~نبي. # وقد قال قوم: / كل رسول نبي وليس كل نبي رسول، وهذه الآية تدل على القول ~~الأول. # ومعنى الآية عند أهل القول الثاني: وما أرسلنا من قبلك من رسول إلى أمة ~~ولا نبي محدث ليس بمرسل. # وكان نزول هذه الآية، أن الشيطان ألقى لفظا من عنده على لسان النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فيما كان يتلوه من القرآن، فاشتد ذلك على رسول الله ~~فسلى الله بهذه الآية. # قال محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس: جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في ناد من أندية قريش، كثير أهله، يتمنى ألا يأتيه من الله شيء، فينفروا ~~عنه، فأنزل الله تعالى: # والنجم إذا هوى # [النجم: 1] فقرأها النبي صلى الله عليه وسلم، حتى إذا بلغ. " أفرأيتم ~~اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى " ، ألقى الشيطان في تلاوته كلمتين " ~~تلك الغرانيق العلى وأن شفاعتهم ترجى ". فتكلم بها ثم مضى فقرأ إلى آخر ~~السورة كلها فسجد وسجد القوم معه جميعا ورضوا بما تكلم به وقالوا: قد ~~عرفنا أن الله يحيي ويميت وهو الذي يخلق ويرزق، ولكن آلهتنا تشفع لنا ~~عنده إذا جعلت لها نصيبا فنحن معك. فلما أمسى النبي أتاه جبريل عليه ~~السلام، فعرض عليه السورة، فلما بلغ الكلمتين اللتين ألقى الشيطان عليه ~~قال جبريل صلى الله عليه وسلم: ما جئتك بهاتين. فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: افتريت على الله، وقلت على الله ما لم يقل، فأوحى الله تعالى ~~إليه # وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينآ إليك ~~لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا # [الإسراء: 73] إلى قوله: # ثم لا تجد لك علينا نصيرا # [الإسراء: 75] فما زال النبي صلى الله عليه وسلم مغموما بذلك حتى نزلت: ~~{ ومآ أرسلنا من قبلك } إلى قوله: { والله عليم ~~حكيم } وعلى هذا المعنى ذكره ابن جبير وأبو معاد. # وقال ابن عباس في الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم بينما هو يصلي إذ ~~نزلت عليه قصة آلهة العرب، فجعل يتلوها، فسمعه المشركون، فقالوا: إنا ~~سمعناه يذكر آلهتنا بخير، فدنوا ms1655 منه فبينما هو يتلوها وهو يقول: أفرأيتم ~~اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، ألقى الشيطان أن تلك الغرانيق العلى ~~منها الشفاعة ترتجى فجعل يتلوها، فنزل جبريل عليه السلام فنسخها قال له: ~~{ ومآ أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي } إلى { ~~عليم حكيم } وكذلك رواه ابن شهاب على هذا المعنى وان اختلفت ~~الألفاظ. # وقيل: معنى الآية: هو ما يقع للنبي صلى الله عليه وسلم من السهو والغلط ~~إذ قرأ فينتبه إلى ذلك أو ينبهه الله عليه، فيرجع عنه كما يعرض له من ~~السهو في الصلاة، فنسخ الله لذلك هو تنبيه نبيه عليه. # وقوله: { ثم يحكم الله آياته }. # هو رجوع النبي صلى الله عليه وسلم عن سهوه وغلطه إلى الصواب، كل بلطف ~~الله وتيسيره له. # وقوله: { وألقى الشيطان في أمنيته } أي: وسوس إليه ~~فغلطه في قراءته. وقوله: { ليجعل ما يلقي الشيطان ~~فتنة للذين في قلوبهم مرض }. هو أن المشركين ~~والمنافقين كانوا يطلبون على النبي عليه السلام زلة أو غلطا يطعنون بذلك ~~عليه. فإذا غلط في قراءته أو سهى، تلقوا ذلك بالقبول، وقالوا: رجع عن بعض ~~ما قرأ، فأنزل الله تعالى هذه الآية يبين فيها أن الغلط والسهو لا حجة ~~فيهما على النبي صلى الله عليه وسلم، ولا طعن، لأنه شيء يجوز على جميع ~~الخلق، ولا يمتنع من ذلك أحد إلا رب العالمين، فأخبرهم أن الأنبياء قبل ~~محمد والرسل هكذا كانوا، فلا نقص في ذلك على محمد صلى الله عليه وسلم. # وقد استدل بعض الناس على أن كل نبي رسول وكل رسول نبي بهذه الآية، لأنه ~~قال في النبي والرسول: إذا تمنى، أي قرأ ما أرسل به إلى قومه، فكلاهما ~~مرسل ونبي، وقال: إن الأنبياء إنما يصيرون أنبياء إذا أرسلهم الله إلى ~~عباده، ومن لم يرسله الله إلى عباده فليس بنبي، كما لا يكون رسولا. ~~والذي عليه أكثر الناس، أن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولا. والرسل ~~قليلون، والأنبياء كثيرون. وقد ذكرنا عدة هؤلاء وهؤلاء في غير هذا ~~الموضع، وعلى هذا دلائل كثيرة ms1656 تدل على صحته يطول ذكرها. # ومعنى: " إذا تمنى " إذا تحدث في نفسه. # وقال ابن عباس: " إذا تمنى " إذا حدث. # وقال الضحاك: إذا قال. # وقال مجاهد: إذا تلا وقرأ. # وقيل: إن قوله: (والغرانيق العلى) عنى بها الملائكة، وكذلك الضمير في ~~وأن شفاعتهم ترتجى، هو للملائكة /. # واختار الطبري أن يكون تمنى، بمعنى حدث، إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه. # وقيل: معنى الآية، أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا حدث نفسه، ألقى ~~الشيطان في حديثه على جهة الحيلة فيقول: لو سألت الله أن يغنمك كذا ليتسع ~~المسلمون، ويعلم الله الصلاح في غير ذلك، فيبطل ما يلقى الشيطان. # وحكى الكسائي والفراء " تمنى " بمعنى حدث نفسه. # وقوله: { فينسخ الله ما يلقي الشيطان } أي: يبطله، من ~~قولهم: نسخت الشمس الظل. # وقوله: { ثم يحكم الله آياته } أي يخلصها من الباطل الذي ~~ألقى الشيطان. والله عليم بما يحدث في خلقه من حدث، حكيم في تدبيره ~~إياهم. ### || [22.53-55] # قوله تعالى ذكره: { ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة }. ~~إلى قوله: { يوم عقيم }. # المعنى: فعل ذلك من نسخ ما ألقى الشيطان ليجعله فتنة للذين في قلوبهم ~~مرض، أي: اختبارا للذين في قلوبهم نفاق { والقاسية قلوبهم } ~~هم المشركون الذين قست قلوبهم عن الإيمان فلا تلين ولا ترعوي. # ثم قال تعالى: { وإن الظالمين لفي شقاق بعيد }. # أي: وإن مشركي قومك لفي خلاف لله، في أمر بعيد من الحق. والشقاق: أشد ~~العداوة. # ثم قال: { وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق ~~من ربك }. # أي: نسخ ما ألقى الشيطان ليعلم الذين أوتوا العلم بالله أنه الحق من ~~ربك. أي: أن الذي أنزله إليك هو الحق، لا ما نسخ مما ألقى الشيطان { ~~فيؤمنوا به } أي: فيصدقوا به. { فتخبت له قلوبهم } ~~أي، تخضع للقرآن قلوبهم وتذعن بالتصديق به والإقرار بما فيه. # ثم قال: { وإن الله لهاد الذين آمنوا }. # أي: لمرشد المؤمنين إلى الطريق القاصد والحق الواضح، فينسخ ما ألقى ~~الشيطان في أمنية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يضرهم كيد الشيطان ~~شيئا. # وقيل: المعنى: لهاديهم إلى طريق ms1657 الجنة في الآخرة. # وقيل: المعنى: لهاديهم إلى الثبات على الإيمان في بقية أعمارهم. # وقال ابن جريج: { أنه الحق من ربك } يعني: القرآن. # ويروى: أن قوما من المهاجرين بأرض الحبشة بلغهم أن أهل مكة أسلموا حين ~~تقربوا من النبي عليه السلام لما سمعوا منه ما ألقى الشيطان في تلاوته، ~~فرجعوا إلى عشائرهم، وقالوا هم أحب إلينا، فوجدوا القوم قد ارتكسوا حين ~~نسخ الله ما ألقى الشيطان. # وقوله: " لهاد " حذفت الياء في الوصل لسكونها وسكون اللام بعدها وحذفت ~~من الخط، لأن الكاتب كتبها على لفظ الوصل، ولو كتبها على الوقف لكتبها ~~بالياء كما كتب # بهادي العمي # [النمل: 81] في النمل بالياء على الوقف، وكتب " بهاد العمي " في الروم ~~بغير ياء على الوصل، ولا يحسن الوقف عليه، لأنك إن وقفت بالياء خالفت ~~الخط، وإن وقفت بغير ياء، حذفت لام الفعل لغير علة. # وقد قال يعقوب وسلام: الوقف " لهادي " بالياء على الأصل، والأحسن ألا ~~تقف عليه لما ذكرت لك. ولأنه ليس بتمام ولا قطع، ولأنك تفرق بين المضاف ~~والمضاف إليه، وكلاهما كالشيء الواحد. # وقد روى أبو محمد اليزيدي عن أبي عمرو في " لهاد الذين آمنوا " قال: ~~الوصل بالياء، والوقف على الكتب. وروي ذلك عن اليزيدي أبو عبد الرحمان ~~وأبو حمدون. ومعنى هذا أنه ينوي الياء في الوصل وإن كان لا يلفظ بها، ~~فإذا وقف، وقف بغير ياء اتباعا للخط فكأنه قال: الوصل بنية الياء. وهذا ~~كلام مستقيم. وقد استجهل اليزيدي في هذه الرواية ومجازها ما ذكرنا. # ثم قال تعالى: { ولا يزال الذين كفروا في مرية ~~منه }. # أي: لا يزال الكفار في شك من القرآن. # وقيل: من النبي. # وقيل: من سجوده معهم في آخر النجم. # وقيل: " مما ألقى الشيطان في تلاوة النبي صلى الله عليه وسلم من قوله: ~~تلك الغرانيف العلى " قال هذا القول الأخير ابن جبير وابن زيد. # قال ابن زيد: لا يخرج ذلك من قلوبهم زادهم ضلالة. وكونها تعود على ~~القرآن أبين، لقوله تعالى: { وليعلم الذين أوتوا العلم ~~أنه الحق من ربك } يعني: القرآن ms1658 وهو أقرب إليه. # وقوله: { حتى تأتيهم الساعة بغتة }. # أي: حتى تأتيهم ساعة حشر الناس لموقف الحساب " بغتة " أي: فجأة، وهو ~~مصدر في موضع الحال. # ثم قال تعالى: { أو يأتيهم عذاب يوم عقيم }. # أي: عذاب يوم القيامة، ومعنى عقيم لا ليلة له شبهت / الليلة باليوم، ~~بمنزلة الولد للوالدة، هذا قول الضحاك وعكرمة. # وقيل: عنى به يوم بدر. وسمي عقيما لأنهم لم ينظروا إلى الليل، قال ذلك: ~~مجاهد وابن جبير وقتادة وأبي بن كعب. وهذا القول: حسن لأنه قد تقدم ذكر ~~يوم القيامة في قوله: { حتى تأتيهم الساعة بغتة } فلا ~~يكون يوم القيامة مرة أخرى، وإنما المعنى: لا يزالون في شك من القرآن حتى ~~تقوم الساعة أو يقتلوا يوم بدر. # قال أبي بن كعب: " عذاب يوم عقيم " ، يوم بدر، واللزام: القتال في يوم ~~بدر، # يوم نبطش البطشة الكبرى # [الدخان: 16] يوم بدر، # ولنذيقنهم من العذاب الأدنى # [السجدة: 21]، يوم بدر، فذلك أربع آيات نزلن في يوم بدر. # وقيل: إنما سمي يوم بدر عقيما لأنه عقيم فيه الخير والفرج عن الكفار. # وقيل: هو يوم القيامة، عقم أن يكون بعده يوم مثله، أي: منع من ذلك. ### || [22.56-63] # قوله تعالى ذكره: { الملك يومئذ لله يحكم بينهم }. ~~إلى قوله: { لطيف خبير }. # أي: السلطان لله وحده يوم مجيء الساعة لا ينازعه فيه أحد إذ قد كان في ~~الدنيا ملوك يدعون ذلك، قد ملكهم الله أمر عباده، فيوم القيامة لا يملك ~~الله فيه أحدا شيئا من الأمور، بل هو المتفرد بذلك، والحاكم فيه كله، ~~وقد كان الملك كله لله في الدنيا، إلا أنه تعالى ملك قوما أمور عباده، ~~وليس يكون ذلك في الآخرة، لا يملك أحد أمر أحد. # { يحكم بينهم } أي: بين خلقه، المؤمن والكافر، { فالذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم } يومئذ { ~~والذين كفروا وكذبوا بآيتنا فأولئك لهم ~~عذاب مهين } ، أي: مذل لهم في جهنم. # ثم قال تعالى: { والذين هاجروا في سبيل الله ثم ~~قتلوا أو ماتوا }. # أي: والذين فارقوا أوطانهم وهجروا بلدهم في رضى الله ثم قتلوا في ms1659 ذلك أو ~~ماتوا { ليرزقنهم الله رزقا حسنا } وهو الثواب الجزيل، ~~{ وإن الله لهو خير الرازقين } أي: خير من بسط رزقه ~~على أهل طاعته. # وذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~اختلفوا في حكم من مات في سبيل الله، فقال بعضهم: الميت والمقتول منهم ~~سواء، وقال آخرون: بل المقتول أفضل فأعلمهم الله جل ذكره بهذه الآية أن ~~المقتول في سبيل الله والميت فيه سوا عنده في الثواب. # ثم قال: { ليدخلنهم مدخلا يرضونه }. # يعني: الجنة. وقال: و { وإن الله لعليم حليم } أي: " ~~لعليم بمن هاجر في سبيله ممن خرج لغنيمة أو عرض من أعراض الدنيا ". " ~~حليم " عمن عصاه من خلقه لا يعاجله بالعقوبة ثم قال: { ذلك ومن ~~عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه }. # أي: الأمر ذلك ومن عاقب. # وقيل: معناه: هذا لهؤلاء الذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ~~ولهم مع ذلك القضاء على المشركين الذين بغوا عليهم، وأخرجوهم من ديارهم. # قال ابن جريج في الآية: هم المشركون، بغوا على النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأخرجوه، فوعده الله أن ينصره وقال: إن هذه الآية نزلت في قوم من ~~المشركين، لقوا قوما من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرم، فكره ~~المسلمون القتال في الشهر الحرام، وسألوا المشركين أن يكفوا عن القتال، ~~فأبى المشركون ذلك فقاتلوهم وبغوا عليهم، وثبت المسلمون لهم فنصروا ~~عليهم، فأنزل الله الآية فيكون معنى { ثم بغي }: بدئ بالقتال وهو ~~له كاره لينصرنه الله على من بغى عليه. وسمى الجزاء عقوبة لأنه جزاء ~~على عقوبة فسمي باسمه، كما قال: # الله يستهزىء بهم # [البقرة: 15] و # مكر الله # [آل عمران: 54] وشبهه، ومثل # وجزآء سيئة سيئة مثلها # [الشورى: 40] فالأولى: سيئة والثانية حسنة، إلا أنها سميت سيئة، لأنها ~~وقعت إساءة بالمفعول، لأنه فعل به ما يسوء، كذلك سمي الجزاء على العقوبة ~~عقوبة لأنه عقوبة بالمبتدئ بالشر. # ثم قال تعالى: { إن الله لعفو غفور }. # أي: لذو عفو وصفح لمن انتصر به من ظلمه من بعدما ظلمه ms1660 الظالم، غفور لمن ~~فعل بمن ظلمه. # ثم قال: { ذلك بأن الله يولج الليل في النهار ~~ويولج النهار في الليل } أي: يقول الله جل ذكره: هذا النصر ~~الذي أنصر من بغي عليه بأني القادر على ما أشاء، ومن قدرتي أني أولج ~~الليل في النهار وأولج النهار في الليل. ومعناه: يدخل ما انتقص / من ~~ساعات الليل في ساعات النهار، وما انتقص من ساعات النهار في ساعات الليل، ~~فما نقص من طول هذا، زاد في طول هذا. # فبالقدرة: التي فعل هذا، ينصر محمدا وأصحابه على الذين بغوا عليهم، ~~وأخرجوهم من ديارهم. # ثم قال: { وأن الله سميع بصير } أي، وفعل ذلك بهم أيضا، ~~لأنه ذو سمع لما يقولون من قول خفي وغيره، عليم بكل شيء. # ثم قال: { ذلك بأن الله هو الحق }. # أي: ذلك الفعل الذي فعل من إيلاجه الليل في النهار، والنهار في الليل، ~~ونصره أولياءه على من بغى عليهم، لأنه الحق الذي لا مثل له، ولا شريك، ~~وأن الذي يدعوه هؤلاء المشركون آلهة من دونه، هو الباطل الذي لا يقدر على ~~شيء. # ثم قال تعالى: { وأن الله هو العلي الكبير }. # أي: هو ذو العلو على كل شيء وهو فوق كل شيء، وكل شيء دونه. # " والكبير: " أي: العظيم الذي لا شيء أعظم منه. # قال ابن جريج: " هو الباطل " يعني: الشيطان. # ثم قال: { ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء ~~فتصبح الأرض مخضرة }. # " فتصبح " مرفوع لأن صدر الكلام واجب، وليس استفهام، إنما هو تنبيه، هذا ~~قول الخليل. # وقال الفراء: " ألم تر " خبر، كما تقول في الكلام: أعلم أن الله يفعل ~~كذا فيكون كذا. وخص ذكر الصباح بهذا دون سائر أخواتها، لأن رؤية الخضرة ~~بالنهار أوضح منه بالليل، والمعنى: أن الأرض صارت على هذا بالليل ~~والنهار، فتصبح بمعنى فأصبحت، وهذه أصول من باب صار وأخواتها، وأعلم أن ~~أصل أصبح وأمسى أن تقول: أصبح الرجل وأمسى أي: وافق الصباح ووافق المساء، ~~وكذلك أصبحنا وأمسينا، معناه: دخلنا في الصباح والمساء. # ثم قالوا: أصبح زيد عالما، وأمسى ms1661 جاهلا. أي: تبين ذلك منه في وقت ~~الصباح والمساء ولم يرد أنه يكون في الصباح على حال لا يكون عليها في ~~المساء، وقولهم ظل فلان قائما، فلا يكون ظل إلا بالنهار، كما أن بات ~~بالليل، واشتقاقه من الظل، والظل إنما يكون بالنهار، فلذلك لم يقع " ظل " ~~إلا بالنهار. # وقولهم: صار زيد عالما. أصلها من صرت إلى موضع كذا، أي: بلغته، فالمصير ~~انقطاع البلوغ. ومنه قوله: " إليه المصير " ، أي: غاية البلوغ والانتهاء، ~~ثم اتسع فيها حتى جعلت للخبر، فقيل: صار عبد الله عالما أي: بلغ هذه ~~الصفة، فلذلك كانت للشيء الذي ينقطع إلى وقتك تقول: صار عبد الله رجلا. ~~أي: بلغ ذلك هذا الوقت، وليست بمنزل " كان " التي توجب علمه قبل ذلك، ~~فصارت لانقطاع الغاية، وانقطاع الغاية وقت خبرك، فإن أردت أن تخبر ب " ~~صار " إنما هو كان قبل وقتك، أدخلت " كان " فقلت: كان زيد قد صار عالما، ~~ورأيته أمسى صار عالما. # وأما ما زال فأصلها من زال الشيء عن الموضع، إذا فارقه وما زلت عن موضع، ~~أي: ما فارقته. ثم جعل ذلك للخبر فلزمه الجحد، فثبت الخبر عن الاسم بنفي ~~مفارقته، فقلت: ما زال زيد عالما، فنفيت مفارقته للعلم، ونفي ذلك إيجاب ~~له، فصار المعنى: زيد عالم، ففيه معنى تراخي الزمان، فإذا قلت ما زلت ~~سائرا، فمعناه ما زلت أسير شيئا بعد شيء. ونظير ما زال، ما برح وما ~~انفك، وما فتئ. فأصل ما برح، من برحت من موضع، أي: فارقته. وأصل ما انفك ~~من انفكاك الشيء من الشيء ومفارقته إياه. وأما ما فتئ، فلم ينفرد باسم ~~كظلت. وأما ما دام، فما فيها غير جحد، إنما هي زمان. وأصل دام، من دمت ~~على الشيء، مكثت فيه، وطاولته، ثم جعلت لديمومة الخبر، وجعل الاسم وخبره ~~صلة " ما " التي هي وقت. ولو قلت دام زيد عالما، لم يكن كلاما حتى تأتي ~~الموصول، وهو " ما ". ولو قيل: قد دام زيد أميرا، لجاز في القياس، لأن ~~معناه: طالت إمارته، ولكن لم يستعمل وقوله: { إن ms1662 الله لطيف ~~خبير }. # أي: لطيف باستخراجه النبات من الأرض بالماء الذي ينزل من السماء. " خبير ~~" بما يحدث عن ذلك النبت من الحب وغيره. ### || [22.64-71] # قوله تعالى ذكره: { له ما في السموت وما في الأرض } ~~إلى قوله: { وما للظالمين من نصير }. # أي: له ملك ما في السماوات وما في الأرض، وأن الله لهو الغني عن خلقه. ~~وهم المحتاجون إليه. # { الحميد } أي: المحمود عند / عباده في أفضاله ونعمه عندهم. # ثم قال: { ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض ~~}. # أي: سخر لكم ما في الأرض من الدواب والأنعام وغير ذلك تنتفعون وتأكلون ~~وتركبون وتلبسون منه، وسخر لكم " الفلك لتجري في البحر بأمره " أي: ~~بقدرته وتذليله إياها لكم. # ثم قال: { ويمسك السمآء أن تقع على الأرض إلا ~~بإذنه }. # أي: يمسكها بقدرته لئلا تقع على الأرض. { إن الله بالناس ~~لرءوف رحيم }. أي: لذو رأفة ورحمة بهم. # ثم قال: { وهو الذي أحياكم ثم يميتكم }. # أي: والذي أنعم عليكم هذه النعم المذكورة، هو الذي خلقكم أجساما أحياء ~~بحياة أحدثها فيكم ولم تكونوا شيئا، ثم يميتكم فيفنيكم عند مجيء آجالكم، ~~ثم يحييكم عند بعثكم لقيام الساعة، { إن الإنسان لكفور } أي: ~~إن ابن آدم لجحود لنعم الله عليه، إذ يعبد غير من أنعم عليه بهذه النعم ~~المذكورة وبغيرها. # ثم قال تعالى: { لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه ~~}. # أي: لكل جماعة قوم لنبي خلا قلبك يا محمد، جعلنا مألفا يألفونه، ~~ومكانا يعتادونه لعبادة الله تعالى، وقضاء فرائضه، وعملا يلزمونه. # وأصل المنسك: المكان المعتاد الذي يعتاده الرجل ويألفه لخير أو شر، ~~وإنما سميت المناسك مناسك الحج لتردد الناس إليها للعمل الذي فرض عليهم ~~لعمل الحج والعمرة فألفوه. # وكسر " السين " لغة أهل الحجاز، وفتحها لغة أسد. # قال ابن عباس: جعلنا منسكا. أي: عيدا. # وقال مجاهد: وهو إراقة الدم بمكة. # وقال قتادة: " منسكا " ذبحا وحجا. # وقد روي أن المشركين جادلوا النبي صلى الله عليه وسلم في إراقة الدم ~~أيام النحر. فهذه الآية في ذلك والله أعلم. دل على هذا التأويل قوله: ms1663 { ~~فلا ينازعنك في الأمر } أي: فلا يجادلنك في ذبحك ونسكك ~~قولهم: أتأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتله الله وهو الميتة. # ومعنى: " فلا ينازعنك " ، أي: فلا تنازعنهم لأنهم قد نازعوه في ذلك قبل ~~نزول الآية. # ثم قال: { وادع إلى ربك }. # أي: ادع يا محمد منازعيك من المشركين بالله في نسكك وذبحك إلى اتباع أمر ~~ربك بأن يأكلوا ما ذبحوه بعد اتباعك والتصديق بما جئتهم به. { إنك ~~لعلى هدى مستقيم } أي: طريق غير زائل عن الحق والصواب. # ثم قال تعالى: { وإن جادلوك فقل الله أعلم بما ~~تعملون }. # أي: إن جادلك هؤلاء المشركون في نسكك، { فقل الله أعلم بما ~~تعملون } " لنا أعمالنا ولكم أعمالكم " { الله يحكم ~~بينكم يوم القيامة } أي: يقضي بينكم يوم القيامة فيما كنتم ~~فيه تختلفون من أمر دينكم. # فتعلمون حينئذ المحق من المبطل. # ثم قال تعالى: { ألم تعلم أن الله يعلم ما في ~~السمآء والأرض }. # أي: يعلم ما في السماوات السبع وما في الأرضين السبع، لا يخفى عليه من ~~ذلك شيء، فهو حاكم بين خلقه يوم القيامة على علم منه بجميع ما عملوه في ~~الدنيا، فيجازى المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. { إن ذلك في ~~كتاب } أي: إن علمه بذلك في كتاب، وهو أم الكتاب الذي كتب فيه ربنا ~~جل ذكره قبل أن يخلق الخلق ما هو كائن إلى يوم القيامة. { إن ذلك ~~على الله يسير } أي: سهل. يعني: حكمه بين المختلفين يوم القيامة. # وقيل: معناه: أن كتاب القلم الذي أمره الله أن يكتب ما هو كائن يسير على ~~الله. أي، هين. فصاحب هذا القول رده على الأقرب، وهو: " أن ذلك في كتاب ~~". وصاحب القول الأول رده على " يحكم بينكم ". # قال ضمرة بن حبيب: إن الله جل ذكره كان عرشه على الماء، فخلق السماوات ~~والأرض بالحق، وخلق القلم فكتب به ما هو كائن من خلقه، ثم إن ذلك الكتاب ~~سبح الله ومجده ألف عام قبل أن يبتدئ شيئا من الخلق. # وقال كعب الأحبار: " علم الله تعالى ما هو خالق، وما خلقه ms1664 عاملون ". # وقال ابن جريج: قوله: " إن ذلك في كتاب " يعني: قوله: { الله ~~يحكم بينكم يوم القيامة / فيما كنتم فيه ~~تختلفون }. # ثم قال تعالى: { ويعبدون من دون الله ما لم ينزل ~~به سلطانا }. # أي: يعبد هؤلاء المشركون من دون الله ما لم ينزل لهم به حجة من السماء ~~في كتاب من كتبه التي أنزلها على رسله، وما ليس لهم به علم، أي: لا علم ~~لهم أنها آلهة، فيعبدونها بعد علم، { وما للظالمين من نصير ~~} ينصرهم من عذاب الله. ### || [22.72-78] # قوله تعالى: { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات } إلى ~~قوله: { حق جهاده }. # أي: وإذا تتلى على المشركين آيات القرآن واضحات حججها وأدلتها، { ~~تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر } ، أي: تتبين في ~~وجوههم ما ينكره أهل الإيمان بالله من تغيرها بسماعهم القرآن. # { يكادون يسطون }. # أي: يبطشون بالذين يتلون عليهم كتاب الله من أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وذلك لشدة كراهيتهم أن يسمعوا القرآن ويتلى عليهم. # قال الضحاك: { يكادون يسطون } أي: يأخذون المؤمنين بأيديهم ~~أخذا. # والسطو في اللغة: البطش. # وروى أحمد عن قالون والأعشى عن أبي بكر " يصطون " بالصاد من أجل الطاء. # ثم قال: { قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار }. # أي: قل يا محمد للمشركين أفأنبئكم بشر مما تكرهونه من قراءة القرآن ~~عليكم؟ فقالوا: ما هو فقيل لهم: النار، أي هي النار، وعدها الله الذين ~~كفروا، أي: وعدكم وأمثالكم من الكفار إياها. # وروي: أن المشركين قالوا محمد وأصحابه شر خلق، فقال الله تعالى: قل لهم ~~يا محمد أفأنبئكم بشر من محمد وأصحابه على قولكم وزعمكم، أهل النار فهم ~~أنتم شرار خلق الله تعالى لا محمد وأصحابه. # وقوله: { وبئس المصير } أي: وبيس المكان الذي يصير إليه هؤلاء ~~المشركون يوم القيامة. # ثم قال تعالى ذكره: { يأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا ~~له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ~~ذبابا ولو اجتمعوا له }. # { ضرب } هنا بمعنى: جعل: من قولهم: ضربت الجزية على النصارى، أي: ~~جعلت. وضرب السلطان الخراج على الناس. # أي: جعل، " والمثل " الشبه الذي جعلوه ms1665 لله من الأصنام. # فالمعنى: يا أيها الناس جعل شبه لي في عبادتي، يعني: الأصنام التي ~~جعلوها شبها لله فعبدوها. # ثم قال: فاستمعوا الخبر هذا الذي جعل شبها لي. { إن الذين ~~تدعون من دون الله } من الأصنام والأوثان، لن يخلقوا ذبابا، ~~على صغر الذباب ولطفه، ولو أن الأصنام اجتمعت كلها لم تخلق ذلك ولا ~~استطاعته، على أن الذباب واحد وهي كثيرة. وأن يسلبهم هذا الذباب على ضعفه ~~وكثرتها شيئا مما عليها من طيب وغيره، لا يقدرون بجماعتهم على استنقاذ ~~ذلك الشيء من الذباب الضعيف. # روي أنهم كانوا يطلون آلهتهم بالزعفران، فكانت الذباب تختلس الزعفران، ~~فلا تقدر الأصنام - وهي آلهة لهم - على استنقاذ ما تأخذ الذباب منها. # ثم قال: { ضعف الطالب والمطلوب }. # أي: ضعفت الآلهة عن طلب ما أخذ الذباب منها، وضعف الذباب، قاله: ابن ~~عباس. # وقيل: المعنى: ضعف الطالب من بني آدم إلى الصنم حاجته، والمطلوب إليه أن ~~يعطي سائله من بني آدم ما سأله - فهذا توبيخ من الله لقريش وتنبيه، ~~ومعناه: كيف تجعلون الله في العبادة مثل ما لا يقدر على خلق ذباب. # { وإن يسلبهم الذباب شيئا } لم يمتنع ولا انتصر، والله ~~خالق من في السماوات والأرض. ومالك جميع ذلك، والمحيي جميع ذلك والمفني ~~لهم. # ثم قال تعالى: { ما قدروا الله حق قدره }. # أي: ما عظموه في العبادة حق عظمته حين عدلوا به من يضعف عن الامتناع من ~~أذى الذباب. هذا معنى قول ابن زيد. # وقد قال قوم: قوله تعالى: ضرب مثل، فأين المثل، ليس في الآية مثل ~~والمعنى فيه على ما قدمنا أن معناه، ضربتم لي مثلا، أي جعلتم لي شبها ~~وندا. كما قال: # وجعلوا لله أندادا # [إبراهيم: 30] { فاستمعوا له } أي: / فاستمعوا جواب ما ضربتموه ~~شبها لله وندا، فالضرب إنما هو للمشركين الذين عدلوا الله بالأصنام، ~~فخبرنا الله تعالى عن ضعف الشبه والند الذي جعلوه له. # قال الكلبي: كانوا يعمدون إلى المسك والزعفران، فيسحقونهما جميعا، وهو ~~عطر العرب ويطلون بهما الأصنام، فإذا يبس تشقق فربما وقع عليه الذباب ~~فيأخذ ms1666 منه، فكان يشتد عليهم. # ثم قال: { إن الله لقوي عزيز }. # أي: قوي على خلق ما يشاء من صغير وكبير، " عزيز " أي: منيع في ملكه، لا ~~يقدر أحد أن يسلبه من ملكه شيئا، وليس كآلهتهم التي يدعون من دون الله ~~التي لا تقدر على خلق ذباب، ولا على الامتناع عن الذباب. # ثم قال: { الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن ~~الناس }. # أي: الله يختار من الملائكة رسلا يرسلهم إلى من يشاء من خلقه، كجبريل ~~وميكائيل صلى الله عليهما وسلم. ومن الناس، أي: يختار من شاء من الناس ~~رسلا يرسلهم إلى خلقه. # ويقال: إن هذه الآية جواب لقول المشركين، # أءنزل عليه الذكر من بيننا # [ص: 8] فأنزل الله تعالى: { الله يصطفي من الملائكة ~~رسلا ومن الناس } أي: ذلك إليه، يفعل ما يشاء، لا معقب لحكمه. # ثم قال: { إن الله سميع } أي: يسمع ما يقول المشركون في محمد ~~صلى الله عليه وسلم، وما جاء به وغير ذلك من كلامهم وسرهم، { بصير } ~~بمن يختاره لرسالته. # ثم قال تعالى: { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم }. # أي: ما بين أيدي ملائكته ورسله من قبل أن يخلقهم { وما خلفهم } ~~أي: وما هو كائن بعد فنائهم. { وإلى الله ترجع الأمور } أي: ~~إلى الله ترد أمور الدنيا والآخرة. # ثم قال: { يأيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا ~~واعبدوا ربكم }. # أي: يا أيها الذين صدقوا الله ورسله وكتبه، اركعوا واسجدوا في صلاتكم، { ~~واعبدوا ربكم } ، أي: ذلوا له واخضعوا بالطاعة { وافعلوا ~~الخير } الذي أمركم بفعله { لعلكم تفلحون } أي: تدركون ~~طلباتكم عند ربكم. # وقال الطبري: لعل هنا بمعنى كي، وهي عند غيره على معنى، الرجاء و " لعل ~~" من الله واجبة. ومذهب أهل المدينة، مالك وغيره أن لا يسجد في آخر هذه ~~السورة، وإنما فيها سجدة واحدة عند قوله يفعل ما يشاء. # ورأي جماعة من الفقهاء، السجود في آخر السورة. # وروي عن ابن عباس أنه قال: فضلت سورة الحج بسجدتين على سائر القرآن. # وعن عمر أنه سجد في آخرها. # وعن ابن عباس وابن عمر أنهما لم يعدا ms1667 الثانية في سجود القرآن. # ثم قال تعالى: { وجاهدوا في الله حق جهاده }. # أي: جاهدوا المشركين حق الجهاد. قاله: ابن عباس. # وعن ابن عباس: أن المعنى: لا تخافوا في الله لومة لائم، فذلك حق جهاده. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " المجاهد من جاهد نفسه لله عز وجل ". # وعنه أنه قال: # " أفضل الجهاد، كلمة عدل عند سلطان جائر " # ، ومعنى: " حق جهاده " هو استفراغ الطاقة. يقول الله تعالى: { ~~فاتقوا الله ما استطعتم }. وأكثر الناس على أنه غير منسوخ ~~وواجب على كل مسلم أن يجاهد في الله حق جهاده على قدر استطاعته ويكون ~~قوله: # فاتقوا الله ما استطعتم # [التغابن: 16] بيانا لهذا وليس بناسخ له. # قوله تعالى ذكره: { هو اجتباكم وما جعل عليكم في ~~الدين من حرج } إلى آخر السورة. # أي: هو اختاركم لدينه، واصطفاكم لحرب أعدائه. # وقال ابن زيد: " هو اجتباكم " أي: هداكم. { وما جعل عليكم ~~في الدين من حرج } أي: من ضيق لا مخرج لكم منه، بل وسع عليكم، ~~فجعل التوبة من بعض مخرجا، والكفارة من بعض، والقصاص من بعض. فلا ذنب ~~يذنبه المؤمن إلا وله في دين الإسلام منه مخرج، هذا معنى قول ابن عباس. # " وقد سألت عائشة رضي الله عنها النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: ~~هو الضيق " # يعني أن الحرج: الضيق. # وقيل: معناه، أن الله جعل للمؤمنين / مكان كل شي يثقل في وقت ما هو أخف ~~منه، فجعل للصائم الإفطار في السفر، وتقصير الصلاة وللمصلي إذا لم يطق ~~القيام أن يصلي قاعدا، أو أن يتزوج أربعا وما شاء من ملك اليمين. # وعن ابن عباس أنه قال: هذا في شهر رمضان إذا شك فيه الناس، وفي الحج إذا ~~شك في الهلال، وفي الفطر والأضحى إذا التبس عليكم استهلاله. # وعن ابن عباس أيضا أن معناه: وما جعل عليكم في الإسلام من ضيق بل وسعه ~~عليكم، وهو قول الضحاك. # وقال ابن عباس: وسع الله في الدين ولم يضيقه فبسط التوبة، وجعل الكفارات ~~مخرجا. # ثم قال تعالى: { ملة أبيكم ms1668 إبراهيم هو سماكم ~~المسلمين من قبل } اختلف في " هو " فقيل: ضمير الله جل ذكره. ~~وقيل ضمير إبراهيم صلى الله عليه وسلم أي: الله سماكم المسلمين، هذا قول: ~~قتادة والضحاك ومجاهد. # وقيل: المعنى: إبراهيم سماكم المسلمين، وهو قول الحسن وابن زيد لأن ~~إبراهيم عليه السلام قال: { ربنا واجعلنا مسلمين لك ~~ومن ذريتنآ أمة مسلمة لك }. # وهذا القول يضعفه قوله من قبل. وفي هذا، فيكون إبراهيم سمانا مسلمين من ~~قبل القرآن وفي القرآن، والقرآن إنما نزل بعد إبراهيم، فهذا بعيد، وإنما ~~يجوز قول ابن زيد والحسن على معنى، إبراهيم سماكم المسلمين فيما تقدم وفي ~~هذا، أي: وفي حكمه أن من اتبع محمدا موحد. والأحسن أن يكون الله سمانا ~~بذلك، من قبل القرآن، وفي الكتب المتقدمة وفي القرآن. # قال مجاهد سماكم الله مسلمين في الكتب كلها، وفي الذكر، وفي هذا القرآن. ~~وكل من آمن بنبيه من الأمم الماضية، فإنما سميت بالإيمان ولم يسم ~~بالإيمان والإسلام غير هذه الأمة. # ثم قال: { ليكون الرسول شهيدا عليكم }. أي: اجتباكم ~~وسماكم مسلمين ليكون محمد شهيدا عليكم يوم القيامة، لأنه قد بلغكم ما ~~أرسل به إليكم، وتكونوا أنتم حينئذ شهداء على الرسل أجمعين أنهم قد ~~بلغوا أمتهم ما أرسلوا به إليهم. # قال قتادة: أعطيت هذه الأمة ما لم يعطه إلا نبي كان. يقال للنبي: اذهب ~~فليس عليك حرج، وكان يقال للنبي: إنك شهيد على قومك. وقال الله: { وما ~~جعل عليكم في الدين من حرج } ، وقال: " لتكونوا شهداء ~~على الناس " وكان يقال للنبي: سل تعطه، وقال الله جل ذكره: ادعوني أستجب ~~لكم. # ثم قال: { فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة }. أي: أقيموها ~~بحدودها في أوقاتها، وآتوا الزكاة الواجبة عليكم. # ثم قال: { واعتصموا بالله هو مولاكم } أي: ثقوا بالله ~~وامتنعوا به من عدوكم، وتوكلوا عليه في أموركم، { فنعم المولى } ~~هو لمن فعل ذلك منكم { ونعم النصير } ، أي: نعم الناصر هو على من ~~بغاه بسوء. # وقوله: { من حرج } وقف، إن نصبت ملة، بمعنى اتبعوا ملة فإن نصبته ~~على قول الفراء على معنى ك ms1669 " ملة " إبراهيم لم تقف على " حرج " ~~ويلزم الفراء في النصب عند عدم الكاف أن يقول زيد الأسد، فينصب الأسد، ~~لأن المعنى، زيد كالأسد، وهذا لا يجوز عند أحد. " إبراهيم " وقف، إن جعلت ~~" هو " من ذكر الله جل ثناؤه، وهو مذهب نافع ويعقوب وغيرهما. وإن جعلت " ~~هو " من ذكر إبراهيم لم تقف على " إبراهيم " ، وكان التمام " وفي هذا " ~~إن جعلت اللام من لتكون متعلقة بفعل مضمر، فإن جعلتها متعلقة ب: " ~~اجتباكم " و " سماكم " لم يكن التمام إلا على الناس. ### | [23 - سورة المؤمنون] ### || [23.1-4] # قوله تعالى ذكره: { قد أفلح المؤمنون } إلى قوله: { ~~للزكاة فاعلون }. # قال مجاهد إن الله تعالى وجل ثناؤه غرس جنة عدن بيده، ثم قال حين فرغ، ~~{ قد أفلح المؤمنون... } الآيات، ثم أغلقت فلم يدخلها إلا من ~~شاء الله، ولا تفتح إلا بالسحر مرة، ثم قرأ: قد أفلح المؤمنون. # وعن ابن عباس أنه قال: خلق الله جنة عدن بيده، فتكلمت فقالت: { قد ~~أفلح المؤمنون } / أي: قد سعد المصدقون وبقوا في الجنة. # فالمعنى: قد بقي الذي صدقوا محمدا وما جاء به في النعيم الدائم، وأصل ~~الفلاح، البقاء في الخير. # ثم قال: { الذين هم في صلاتهم خاشعون }. # أي: هم متذللون لربهم إذا قاموا إلى صلاتهم. # يقال أنهم خشعت قلوبهم، فلا يعرف أحدهم من عن يمينه ولا من عن شماله، ~~وكان يستحب أن لا يجاوز المصلي ببصره موضع سجوده إلا بمكة، فإنه يستحب أن ~~ينظر إلى البيت ولم يوقت مالك في ذلك وكان يقال: نزلت أدبا لقوم كانوا ~~يرفعون أبصارهم في الصلاة إلى السماء فنهوا عن ذلك. # قال ابن سيرين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى السماء في ~~صلاته، فلما أنزل الله هذه الآية، جعل رسول الله وجهه حيث يسجد. # وقال مجاهد والزهري: الخشوع: سكون الأطراف في الصلاة. # وقال الحسن: خشوعهم في قلوبهم، فغضوا بذلك البصر، وخفضوا به الجناح. # وقال علي بن أبي طالب: خشوع في القلب، لا تلتفت في صلاتك. # وقال معمر عن الحسن: خاشعون " خائفون. # وعن ابن عباس: ms1670 خاشعون " ، خائفون ساكنون. # وحقيقة الخاشع، المنكسر قلبه إجلالا لله ورهبة منه. # وقال مالك: الخشوع في الصلاة: الإقبال عليها. والسكون فيها. # ثم قال تعالى ذكره: { والذين هم عن اللغو معرضون }. # أي: هم عن الباطل وما يكرهه الله معرضون. # قال ابن عباس: عن الباطل. # وقال الحسن: عن المعاصي. # وقال ابن زيد: هم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، كانوا عن اللغو ~~[معرضين]. # وقال الضحاك: اللغو: الشك. # وقيل: الغناء. # وروى مالك عن محمد بن المنكدر أنه قال: يقول الله جل ذكره يوم القيامة ~~أين الذين كانوا ينزهون أنفسهم وأسماعهم عن اللغو ومزامير الشيطان، ~~أدخلوهم في رياض المسك، ثم يقول للملائكة: أسمعوهم حمدي وثنائي علي ~~وأخبروهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون. # وقال الضحاك: اللغو: الشرك بالله. # " واللغو " في اللغة، ما يجب أن يلغى ويطرح ويترك من اللعب والهزل ~~والمعاصي. والمعنى، والذين شغلهم الجد عن اللغو. # ثم قال تعالى: { والذين هم للزكاة فاعلون }. # أي: مؤدون زكاة أموالهم، فمدح الله مخرجي الزكاة، وإن لم يخرجوا غيرها، ~~وذم الذين يكنزون الذهب والفضة ولا يزكون. ### || [23.5-14] # قوله تعالى ذكره: { والذين هم لفروجهم حافظون } إلى ~~قوله: { أحسن الخالقين }. # أي: والذين يحفظون فروج أنفسهم فلا يستعملونها في شيء إلا في أزواجهم ~~التي أحلها لهم النكاح، أو في ملك أيمانهم، يعني: الإماء، فليس يلامون ~~على ذلك. # ثم قال: { فمن ابتغى ورآء ذلك فأولئك هم ~~العادون }. # أي: فمن التمس لفرجه منكحا سوى زوجته أو ملك يمينه، فهم العادون حد ~~الله، المجاوزون ما أحل الله لهم إلى ما حرم عليهم. # قال ابن عباس: الزاني من العادين. وقاله عطاء. # قال ابن زيد: { فأولئك هم العادون } يقول: الذين يبعدون ~~من الحلال إلى الحرام. # وقال الزهري سألت القاسم بن محمد عن المتعة، فقال: هي محرمة في كتاب ~~الله، ثم تلا. { والذين هم لفروجهم حافظون... } إلى ~~قوله: { العادون } أي: فمن طلب سوى أربع نسوة وما ملكت يمينه فهو ~~متعد إلى ما لا يحل له. وهذه الآية عمت تحليل الأزواج وملك اليمين على كل ~~حال، وفي الجمع ms1671 بين الأختين من ملك اليمين اختلاف، وكذلك الجمع بين ~~المملوكة وعمتها، وبين المملوكة وخالتها، وفيها تخصيص بالتحريم لوطإ ~~الحائض، وتحريم وطئ الأمة إذا زوجت وتحريم وطئ المظاهر منها حتى يكفر. # ثم قال تعالى: { والذين هم لأماناتهم وعهدهم ~~راعون }. # أي: يقومون على حفظ أماناتهم وعهدهم ويرعون ذلك. # قيل: عنى بالأمانات هنا، الصلاة والطهر من الجنابة وجميع الفرائض. # وقيل: هو عام في كل أمانة. # وأصل الرعي في اللغة القيام على إصلاح ما يتولاه الراعي لأحواله. # ثم قال: { والذين هم على صلواتهم يحافظون }. # أي: يحافظون على وقتها وأدائها / بحدودها، لا يفوتهم وقتها. # وقال النخعي: " يحافظون " يداومون على أداء المكتوبة. # ثم قال تعالى: { أولئك هم الوارثون }. # أي: أولئك الذين تقدمت صفتهم هم الوارثون يوم القيامة منازل أهل النار ~~في الجنة. # وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ما منكم أحد إلا له منزلان، منزل في الجنة ومنزل في النار، فإن مات ~~ودخل النار ورث أهل الجنة منزله. قال: فذلك قوله: { أولئك هم ~~الوارثون } ". # قال أبو هريرة: يرثون مساكنهم ومساكن إخوانهم التي أعدت لهم لو أطاعوا ~~الله. # وقال مجاهد يرث [الذي] من أهل الجنة، أهله وأهل غيره، ومنزل الذي من أهل ~~النار. فهم يرثون أهل النار، فلهم منزلان في الجنة وأهلان، وذلك أن له ~~منزلا في الجنة ومنزلا في النار، فأما المؤمن فيبني منزله الذي في ~~الجنة، ويهدم منزله الذي في النار، وأما الكافر فيورث منزله الذي في ~~الجنة، ويبني منزله الذي في النار. # وروى عمر بن الخطاب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لقد أنزلت علي عشر آيات من أقامهن دخل الجنة ". # يعني: من قام عليهن ولم يخالف ما فيهن، يعني: ثمان آيات في أول هذه ~~السورة، وآيتين فيهما فرض الصوم والحج. # ثم قال: { الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون }. # أي: يرثون الجنة، مقامهم دائم فيها. # والفردوس عند العرب، البستان ذو الكرم. # وروى قتادة عن أنس أن الفردوس ربوة الجنة، أو وسطها وأفضلها. # وقال كعب: خلق الله جل ذكره بيده ms1672 جنة الفردوس، وغرسها بيده، ثم قال ~~لها: تكلمي، فقالت: " قد أفلح المؤمنون ". # وقال داود بن بقيع لما خلقها الله قال لها: تزيني، فتزينت. # ثم قال لها: تكلمي، فقالت: طوبى لمن رضيت عنه. # وقال أحمد بن حنبل في كتاب التفسير: إن الله تعالى بنى جنة الفردوس لبنة ~~من ذهب ولبنة من فضة وجعل جبالها المسك الأذفر. # وعن أبي هريرة أنه قال: # " الفردوس جبل في الجنة من مسك تفجر من أصله أنهار [أهل] الجنة ". # وروى مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن معاذ بن جبل قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " الجنة مائة درجة، أعلاها وأوسطها الفردوس، ومنها تفجر أنهار الجنة ". # ثم قال تعالى ذكره: { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة ~~من طين }. # يعني: آدم استل من الطين. والسلالة: القليل منه، وكذلك باب الفعالة، ~~يأتي للتقليل من الشيء، كالقلالة والنخالة، فالسلالة المستلة من كل تربة ~~فكان خلق آدم عليه السلام من تربة أخذت من أديم الأرض، وخلقت حواء من ~~ضلعه. # وقيل: خلقت من فضلة طين آدم. # قال قتادة: استل آدم من الطين، وخلقت ذريته من ماء مهين. # وقيل: معناه، ولقد خلقنا الإنسان، يعني: ولد آدم من سلالة، وهي النطفة ~~استلت من ظهر الرجل " من طين " وهو آدم الذي خلق من طين، وهو قول مجاهد، ~~وهو اختيار الطبري. كأنه قال: ولقد خلقنا ولد آدم من سلالة آدم. وآدم: هو ~~الطين، لأنه منه خلق، ودل على صحة هذا المعنى قوله: { ثم جعلناه ~~نطفة في قرار مكين }. وآدم لم يكن نطفة، إنما كان ولده نطفة، ~~فدل على أن المراد بالإنسان ولد آدم، دون آدم. فالطين كناية عن آدم، كأنه ~~قال: خلقنا ولد آدم من سلالة والسلالة من طين، أي: من آدم. # والعرب تسمى ولد الرجل ونطفته سليلته وسلالته لأنه مسلول منه. # قال ابن عباس: السلالة، صفوة الماء. # وقوله: { ثم جعلناه نطفة في قرار مكين }. # أي: ثم جعلنا الإنسان الذي خلقناه من سلالة من طين نطفة في قرار مكين، ~~يعني: الرحم، وسمي ms1673 " مكين " لأنه مكن لذلك، وهيء له ليستقر فيه إلى بلوغ ~~أمره. # ثم قال: { ثم خلقنا النطفة علقة }. # أي: قطعة من دم { فخلقنا العلقة مضغة } ، وهي القطعة من ~~اللحم، وسميت مضغة لأنها قدر ما تمضغ { فخلقنا المضغة عظاما ~~}. # أي: كل عضو عظم، { فكسونا العظام لحما } أي: ألبسنا كل عظم ~~لحما. # ثم قال: { ثم أنشأناه خلقا آخر }. # أي: أنشأنا الإنسان خلقا آخر. # وقيل: المعنى، ثم أنشأنا / هذا الخلق المتقدم ذكره وانتقاله خلقا آخر، ~~وهو نفخه الروح فيه، فيصير إنسانا، وكان قبل ذلك صورة، هذا قول: ابن ~~عباس وأبي العالية والشعبي وابن زيد. # وقال ابن عباس: هو انتقاله في الأحوال بعد الولادة من الطفولة إلى الصبا ~~إلى الكهولة، ونبات الشعر وخروج السن وغير ذلك من الأحوال. # وقال قتادة قيل: هو نبات الشعر وقيل هو نفخ الروح. # وقال مجاهد: هو استواء شبابه. # وقيل: هو خلقه ذكرا أو أنثى. # وقال ابن مسعود: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق ~~قال: # " إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك، ~~ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه ملك فينفخ فيه الروح ". # وروي: أن النطفة تقيم في الرحم أربعين يوما نطفة، ثم تصير علقة فتقيم ~~أربعين يوما، ثم تصير مضغة فتقيم أربعين يوما، ثم تصير عظاما مكسوا ~~لحما، وذلك في تمام أربعة أشهر، ثم في العشر الأول من الشهر الخامس يصور ~~وينفخ فيه الروح ويتحرك، ولذلك جعل الله عدة المتوفى عنها زوجها أربعة ~~أشهر وعشرا، لأنها تعلم في ذلك هل في جوفها حمل أو لا، إذ مدة تحرك ~~المولود في البطن أربعة أشهر وعشر، فإذا تحرك، انتقلت عدتها إلى أن تضع ~~حملها. # ثم قال: { فتبارك الله أحسن الخالقين } أي: أحسن ~~الصانعين قاله مجاهد. # ويروى: أن هذا مما تكلم به عمر قبل أن ينزل، فنزل على ما قاله عمر و " ~~تبارك " تفاعل من البركة. # وقال ابن جريج: كان عيسى يخلق بأمر الله تعالى فلذلك قال: { أحسن ~~الخالقين }. # وقال مجاهد: ms1674 يصنعون ويصنع الله، والله خير الصانعين، وهذا اختيار ~~الطبري. لأن العرب تسمي كل صانع خالقا. قال الشاعر، وهو زهير: # ولأنت تفري ما خلقت وبع # ض القوم يخلق ثم لا يفري. # أي: ما صنعت. # وقيل: معناه، أحسن المقدرين. فالناس يقدرون. ولا يتم ما يريدون لعجزهم ~~والله يتمم ما يقدر، فهو خير المقدرين. # وقيل المعنى، أن المشركين صنعوا تماثيل ولا ينفخون فيها الروح فخلق الله ~~آدم ونفخ فيه الروح، فهو أحسن الصانعين، إذ لا يطيق أحد نفخ الروح غيره. # وروي: أن عمر بن الخطاب لما سمع الآيات إلى قوله: { ثم أنشأناه ~~خلقا آخر } قال: { فتبارك الله أحسن الخالقين }. ~~فنزلت { فتبارك الله أحسن الخالقين }. ### || [23.15-24] # قوله تعالى ذكره: { ثم إنكم بعد ذلك لميتون * ثم ~~إنكم يوم القيامة تبعثون }. إلى قوله: { في ~~آبآئنا الأولين }. # أي: ثم إنكم يا بني آدم بعد إنشاء الله لكم خلقا آخر تموتون تصيرون ~~رفاتا، ثم إنكم بعد موتكم وتصييركم رفاتا تبعثون فتحيون للحساب والجزاء ~~في القيامة. # ثم قال: { ولقد خلقنا فوقكم سبع طرآئق }. # يعني: سماوات بعضها فوق بعض. # والعرب تسمي كل شيء فوق شيء طريقة. فلذلك قيل للسماوات طرائق، إذ بعضها ~~فوق بعض. # ثم قال تعالى: { وما كنا عن الخلق غافلين }. # أي: لم نغفل عن خلق السماوات أن تسقط عليكم، بل كنا حافظين لهن. وهذا ~~بمنزلة قوله: # وجعلنا السمآء سقفا محفوظا # [الأنبياء: 32] أي: محفوظا أن يسقط عليكم. # وقيل: محفوظا من الشياطين. # وقيل: المعنى، إنا لحفظنا إياكم خلقنا السماوات هذا الخلق، ويجوز أن ~~يكون المعنى: ليس يغفل عن أعمال الخلق، وأحصى أفعالهم مع كون سبع طرائق ~~فوقهم. # ثم قال: { وأنزلنا من السمآء مآء بقدر } ، يعني: مياه ~~الأرض كلها أصلها من السماء، أسكنه الله الأرض لينتفع به خلقه. # قال ابن جريج: " ماء الأرض هو ماء السماء ". فماء الآبار والأدوية ~~والعيون، هو من ماء السماء أصله، أسكنه الله الأرض. # قوله تعالى: { وإنا على ذهاب به لقدرون }. # أي: وإنا لقادرون على أن نذهب بالماء الذي أسكناه الأرض فتهلكوا بالعطش ~~وتهلك مواشيكم وهذا مثل ms1675 قوله: # قل أرأيتم إن أصبح / مآؤكم غورا فمن يأتيكم ~~بمآء معين # [الملك: 30]. فمن نعمة الله على خلقه أن أسكن لهم الماء في الأرض ~~مخزونا يشربونه ويسقون مواشيهم ويسقون زرعهم وأجننهم، ويتطهرون به ~~وغير ذلك من منافعهم به. # وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أنزل الله من الجنة إلى الأرض خمسة أنهار: سيحون وهو نهر الهند وجيحون ~~وهو نهر بلخ ودجلة والفرات وهما نهرا العراق، والنيل وهو نهر مصر أنزلها ~~الله من عين واحدة من عيون الجنة في أسفل درجة من درجاتها، فاستودعها ~~الجبال وأجراها في الأرض، وجعل فيها معايش للناس في أصناف معايشهم، وذلك ~~قوله تعالى ذكره: { وأنزلنا من السمآء مآء بقدر ~~فأسكنه في الأرض } وإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج، أرسل ~~الله عز وجل جبريل صلى الله عليه وسلم، فرفع من الأرض القرآن والعلم وهذه ~~الأنهار الخمسة، فيرفع ذلك إلى السماء، فذلك قوله تعالى: { وإنا ~~على ذهاب به لقدرون } ". # ثم قال تعالى ذكره: { فأنشأنا لكم به جنات من نخيل ~~وأعناب }. # أي: فأحدثنا لكم بالماء بساتين من نخيل وأعناب { لكم فيها } أي: ~~من الجنات فواكه كثيرة، { ومنها تأكلون }. # أي: ومن الفواكه تأكلون. # وقيل المعنى: ومن الجنات تأكلون. # وقيل المعنى: من النخيل والأعناب تأكلون. # وخص ذكر النخيل والأعناب دون سائر الثمار، لأن القوم الذين نزل عليهم ~~القرآن كان عامة فاكهة بلدهم النخيل والأعناب، فخوطبوا بما عندهم من ~~الثمار ليذكروا أنعم الله عليهم، فكان النخيل لأهل الحجاز والمدينة، ~~وكانت الأعناب لأهل الطائف. # ثم قال: { وشجرة تخرج من طور سينآء تنبت بالدهن ~~}. # أي: وأنشأنا لكم ذلك، يعني شجرة الزيتون تخرج من جبل فلسطين. " وطور ~~سيناء " الجبل الحسن. # فالمعنى وأنشأنا لكم شجرة خارجة من هذا الجبل. # ومن كسر السين من " سيناء " جعله فعلالا وليس بفعلاء إذ ليس في الكلام ~~هذا المثال فيه همزة التأنيث، ولم يصرف لأنه اسم للبقعة، ولأنه معرفة. # وقال الأخفش: هو اسم أعجمي. # فأما من فتح السين، فإنه فعلاء، كحمراء، فلم ينصرف للتأنيث وهما لغتان. # وقال أبو ms1676 عمرو: الفتح لغة بني تميم. # وقال الفراء: لم يكسر السين إلا بنو كنانة. # وقال مجاهد: معنى سيناء: المبارك. # وقال ابن عباس: هو جبل بالشام مبارك. # وقال قتادة: معنى " سيناء " و " سينين " ، حسن. # وقال ابن عباس أيضا: سيناء، الجبل الذي نودي منه موسى. # وقال ابن زيد: هو الطور الذي بالشام جبل ببيت المقدس ممدود من مصر إلى ~~أيلة. # وقيل: هو جبل ذو شجر. # والمعنى فيه: أن سيناء اسم معرفة، أضيف إليه الطور فعرف به كما قيل: ~~جبلا طيء، وهو معنى قول ابن عباس: أن سيناء الجبل الذي نودي منه موسى، ~~وهو مع ذلك مبارك. # ويلزم من قال معناه جبل مبارك أو جبل حسن أن ينون طورا ويجعل سيناء له ~~نعتا. # وقوله: { تنبت بالدهن } مذهب أبي عبيدة أن الباء زائدة ~~والتقدير، تنبت الدهن. # ومذهب الفراء وأبي إسحاق أن الباء متعلقة بالمصدر الذي دل عليه الفعل، ~~فالمصدر في كل الأفعال يحسن دخول الحرف معه على المفعول، وإن كان لا يحسن ~~مع الفعل. ألا ترى أنك تقول: هو ضارب لزيد، فتدخل اللام. وتقول: أعجبني ~~أكل للخبز زيد، ولو قلت: هو ضارب لزيد لم يجز، لأن اسم الفاعل أضعف في ~~العمل من الفعل. فكذلك المصدر، هو أضعف في العمل من الفعل. فجاز دخول حرف ~~الجر معه، وإن كان لا يدخل مع الفعل لقوة الفعل في التعدي. # وتنبت وتنبت لغتان بمعنى كما يقال: مطرت السماء، وأمطرت وسرى وأسرى ~~بمعنى والتقدير في العربية تنبت وفيها دهن أو معها دهن. # وقوله: { وصبغ للآكلين } يعني الزيتون. # قال ابن عباس: يصطبغ بالزيت الذي يأكلونه. يعني يأتدمون به /. # ثم قال تعالى: { وإن لكم في الأنعام لعبرة ~~نسقيكم مما في بطونها }. # أي: وإن لكم أيها الناس في الإبل والبقر والغنم والمعز لعبرة تعتبرون ~~بها فتعرفون نعم الله عندكم، وأنه لا يعجزه شيء أراده فهو يسقيكم من ~~اللبن الخارج من بين الفرث والدم، ولكم فيها أيضا مع ذلك منافع كثيرة، ~~كالإبل يحمل عليها، وكالبقر يحرث بها { ومنها تأكلون }. # أي: من لحومها تأكلون. # { وعليها ms1677 وعلى الفلك تحملون } أي: وعلى الإبل والسفن ~~يحملون برا وبحرا. # ثم قال تعالى: { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال ~~يقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره }. # أي: أرسل نوحا إلى قومه داعيا لهم إلى الإيمان بالله وإلى طاعته. فقال ~~لهم: { يقوم اعبدوا الله } أي: ذلوا له بالطاعة لا معبود لكم ~~غيره { أفلا تتقون } أي: تخشون بعبادتكم سواه العقوبة أن تحل ~~بكم. # ثم قال تعالى: { فقال الملأ الذين كفروا من قومه }. # أي: فقال جماعة أشراف قومه الذين جحدوا توحيد الله وكذبوه لقومهم: يا ~~قوم، ما هذا إلا بشر مثلكم. أي: ما نوح إلا ابن آدم { مثلكم ~~يريد أن يتفضل عليكم } أي يريد أن يكون له الفضل عليكم، ~~فيكون متبوعا وأنتم له تبع. # { ولو شآء الله لأنزل ملائكة }. # أي: لو شاء الله ألا نعبد سواه لأرسل إلينا ملائكة تدعونا إلى ذلك. # { ما سمعنا بهذا في آبآئنا الأولين } أي: قالوا ~~لهم: ما سمعنا بهذا الذي يدعونا إليه نوح من أنه لا إله لنا غير الله في ~~القرون الماضية، وهم آباؤهم. ### || [23.25-37] # قوله تعالى ذكره: { إن هو إلا رجل به جنة } إلى قوله: { ~~وما نحن بمبعوثين }. # أي: قال أشراف قوم نوح: ما نوح إلا رجل به جنون { فتربصوا به ~~حتى حين } أي: تمهلوا به إلى وقت ما. # قال نوح: { رب انصرني بما كذبون } أي: بتكذيبهم إياي. دعا ~~صلى الله عليه وسلم واستنصر بالله لما طال عليه أمرهم وأبوا إلا تكذيبه. # ثم قال تعالى: { فأوحينآ إليه أن اصنع الفلك ~~بأعيننا ووحينا }. # أي: فقلنا له حين استنصرنا على كفرة قومه: اصنع الفلك بمرأى منا وتعليم ~~لك بما تصنع. { فإذا جآء أمرنا } أي: قضاؤنا في قومك بالعذاب ~~والهلاك. { وفار التنور } قد تقدم في " هود " ومعنى " فار التنور ~~". وقد قال علي بن أبي طالب: " فار التنور " من مسجد الكوفة. # وعنه أنه قال: " فار التنور " هو تنوير الصبح. # قال الضحاك: كان التنور آية فيما بين الله وبين نوح، قال له: إذا رأيت ~~الماء قد خرج من التنور فاعلم ms1678 أن الهلاك والغرق قد أتى قومك. # ثم قال: { فاسلك فيها من كل زوجين اثنين }. # أي: فادخل في الفلك، يقال سلكته في كذا وأسلكته أدخلته. # { من كل زوجين اثنين وأهلك } أي: وأدخل أهلك في الفلك ~~يعني ولده ونساءه. { إلا من سبق عليه القول منهم } ~~أي: لا تحمل من سبق عليه القول من الله أنه هالك مع أهلك يعني ابنه الذي ~~غرق. # ثم قال تعالى: { ولا تخاطبني في الذين ظلموا }. # أي: لا تسألني في الذين كذبوك أن أنجيهم، { إنهم مغرقون } ~~أي: قضيت أن أغرق جميعهم. # ثم قال تعالى: { فإذا استويت أنت ومن معك على ~~الفلك فقل الحمد لله }. # أي: إذا اعتدلت أنت ومن حملته معك في السفينة، فقل الحمد لله الذي نجانا ~~من القوم الظالمين { وقل } أيضا يا نوح: { رب أنزلني منزلا ~~مباركا } ، إذا خرجت من السفينة وسلمك الله ومن معك. قاله مجاهد. # { وأنت خير المنزلين } أي: خير من أنزل عباده المنزل المبارك ~~ومن قرأ " منزلا " بضم الميم، جعله مصدرا، لأن صدر الكلام قد مضى ~~على: أنزل، فصار بمنزلة # أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق # [الإسراء: 80] يقال: أنزلته إنزالا ومنزلا. # ومن قرأ بفتح الميم جعله اسما لكل ما نزل فيه، فمعناه: أنزلني مكانا ~~مباركا وموضعا مباركا. ويجوز في النحو فتح الميم والزاي بجعله مصدر ~~نزل، كالمدخل مصدر دخل. # ثم قال تعالى: { إن في ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين ~~}. # أي: إن فيما فعلنا بنوح وقومه من إنجائه وإهلاكهم حين كذبوه لعبرا ~~لقومك وغيرهم، فيزدجروا عن كفرهم لئلا يحل عليهم مثل ما حل على قوم نوح ~~من العذاب. # وقوله: / { وإن كنا لمبتلين } أي: وإن كنا لمختبرين لقومك ~~بتذكيرنا إياهم بآياتنا لننظر ما هم عاملونه قبل حلول العقوبة بهم. # وقيل معنى " لمبتلين " لمتعبدين الخلق بالاستدلال على خالقهم بهذه ~~الآيات، فيعرفون شكره ونعمه عليهم، فيخلصون له العبادة. # ثم قال: { ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين }. # أي: ثم أحدثنا من بعد إهلاك قوم نوح قوما آخرين فأرسلنا فيهم رسولا ~~منهم أن يدعوهم إلى الإيمان، فقال لهم: { أن ms1679 اعبدوا الله ما ~~لكم من إله غيره } أي: ما لكم معبود تجب له العبادة غير ~~الله { أفلا تتقون } أي: أفلا تخافون عقاب الله بعبادتكم الأصنام ~~من دون الله. # ثم قال تعالى: { وقال الملأ من قومه الذين كفروا }. # أي: قال أشراف قومه المكذبون، الكفار بالبعث، يعني قوم هود عليه السلام. # وقوله تعالى: { وأترفناهم في الحياة الدنيا }. # أي: ونعمناهم في الدنيا بسعة الرزق حتى بطروا وعتوا، فكفروا وكذبوا ~~الرسل. # { ما هذا إلا بشر مثلكم }. # أي: إنسان مثلكم، يأكل مما تأكلون منه ويشرب مثل ما تشربون، وليس بملك ~~فتصدقه. # (ولئن أطعتم بشرا مثلكم، فاتبعتموه) أي: قالوا ذلك لقومهم وسفلتهم. # { إنكم إذا لخاسرون }. أي: لمغبونون حظوظكم من الشرف ~~والرفعة باتباعكم إياه. # ثم قال تعالى: { أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ~~ترابا وعظاما أنكم مخرجون }. # " أن " الثانية، بدل من الأولى عند سيبويه. المعنى عنده أنكم مخرجون ~~إذا متم. # وقال الفراء والجرمي " أن " الثانية مكررة للتأكيد. وحسن تكريرها لما ~~طال الكلام. # وذهب الأخفش إلى " أن " الثانية في موضع رفع بفعل مضمر، دل عليه إذا، ~~ومعناه عنده: أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما يحدث إخراجكم. ~~كما تقول: اليوم القتال. المعنى عنده اليوم يحدث القتال. # ومعنى الآية أن الأشراف من قوم هود قالوا لقومهم: أيعدكم هود أنكم ~~تبعثون بعد أن تكونوا ترابا وعظاما فتخرجون من قبوركم. # ثم قالوا: { هيهات هيهات لما توعدون }. # مذهب سيبويه والكسائي أن يوقف عليها بالهاء، لأنها واحدة، وفتحت للبناء، ~~وبنيت لأنها لم تشتق من فعل فأشبهت الحروف واختير لها الفتح للأف التي ~~قبلها ولأن هاء التأنيث بمنزلة اسم ضم إلى اسم فصارت بمنزلة عشر في خمسة ~~عشر، وموضعها رفع. معناها: البعد البعد لما توعدون. # وقال الفراء الوقف عليها بالتاء. فأما من كسر التاء فإنه يقف بالتاء عند ~~الجماعة نون أو لم ينون، لأنه جمع كبيضات واحدها هيهة كبيضة، ~~والتنوين في جمع المؤنث لازم. # وقيل: " هو " في هذا فرق بين المعرفة والنكرة وهي عند سيبويه كناية عن ~~البعد، كما يكنى بقولهم " صه " عن السكوت. # فالتقدير: ms1680 البعد البعد لما توعدون من البعث بعد الموت يقوله أشراف قوم ~~هود لقومهم. # قال ابن عباس: " هيهات هيهات ": بعيد بعيد. # ودخول اللام مع هيهات وخروجها جائزان تقول هيهات ما تريد وهيهات لما ~~تريد. فإذا أسقطت اللام رفعت الاسم، كما قال [الشاعر]. # فهيهات هيهات العقيق ومن به # وهيهات خل بالعقيق نواصله # كأنه قال: بعيد العقيق ومن به وأهله. # وقد قيل إنها في موضع نصب على المصدر، كأنه قال: بعدا بعدا لما ~~توعدون. # ثم قال: { إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا ~~وما نحن بمبعوثين }. # أي: قال الإشراف من قوم هود: ما حياتنا إلا حياتنا في الدنيا نموت فلا ~~نرجع، ويحيى آخرون فيولدون أحياء وما نحن بمبعوثين بعد الموت، وهذا مثل ~~قولهم: # هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ~~ممزق إنكم لفي خلق جديد # [سبأ: 7] فتحقيق المعنى أنهم قالوا: نموت نحن ويحيا أولادنا، ولا بعث ~~بعد الموت. # وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: نحيا ونموت فلا نحيا. # وقيل: المعنى: نكون أمواتا نطفا، ثم نحيا في الدنيا. ### || [23.38-50] # قوله تعالى ذكره: { إن هو إلا رجل افترى على الله ~~كذبا } إلى قوله: { ذات قرار ومعين }. # أي: قالوا: ما هود إلا رجل افترى على الله كذبا في قوله: { ما لكم ~~من إله غيره } وفي وعده / إياكم بالخروج بعد موتكم وكونكم ~~ترابا وعظاما. # { وما نحن له بمؤمنين } أي: بمصدقين له فيما قال. # { قال رب انصرني بما كذبون }. # أي: قال، هود يا رب، انصرني بتكذيبهم إياي، وذلك لما يئس من إيمان قومه، ~~فأجابه الله جل ذكره: { عما قليل ليصبحن نادمين } أي: ~~عن وقت قليل ليندمن على تكذيبهم لك وذلك حين ينزل بهم العذاب. # ثم قال تعالى: { فأخذتهم الصيحة بالحق }. # أي: فانتقمنا منهم ونصرناه عليهم، فأرسلنا الصيحة عليهم، فأخذتهم بالحق. ~~أي: باستحقاقهم لذلك. فمعنى " بالحق " باستحقاقهم للهلاك بكفرهم. # وقيل: معنى " بالحق " بالعدل من الله لهم، لم يظلمهم فيما أنزل عليهم من ~~العذاب. # { فجعلناهم غثآء }. # أي: بمنزلة الغثاء، وهو ما ارتفع من السيل ونحوه مما لا ينتفع به ms1681 في ~~شيء، فهو مثل. # وتقدير الكلام: فأهلكناهم، فجعلناهم كالشيء الذي لا ينتفع به. # قال ابن عباس: جعلوا كالشيء البالي من الشجر ". # وقال مجاهد: " كالرميم الهامد الذي يحتمل السيل " ، وهم قوم صالح. # روي أن الله جل ذكره بعث ملكا من ملائكته فصاح بهم صيحة هلكوا ~~بأجمعهم. # وروي أنه جبريل صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين. # وقوله تعالى: { فبعدا للقوم الظالمين }. # أي: أبعد الله القوم الكافرين بهلاكهم إذ كفروا بربهم فأبعدهم من كل خير ~~ومنفعة. # وقال مجاهد أولئك ثمود. # وقيل: هم عاد، لأن عادا كانوا قبل ثمود. # ثم قال: { ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين * ما ~~تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون } أي: ثم خلقنا ~~من بعد هلاك ثمود قرونا آخرين، ما يتقدم هلاك أمة من تلك الأمم قبل مجيء ~~أجلها الذي أجله الله تعالى لهلاكها. # { وما يستأخرون } عن الهلاك بعد مجيء الأجل الذي أجل لهلاكها ~~وهذا كله وعيد لقريش وإعلام منه أن تأخيره في آجالهم مع كفرهم إنما ذلك ~~ليبلغوا الأجل الذي أجل لهم، فتحل بهم نقمته كسنته فيمن قبلهم من الأمم ~~السابقة وفيه دلالة على رد قول من يقول إن الإنسان يجوز أن يقتل قبل أجله ~~الذي سماه الله له وقدره أجلا لموته، وهو قول خارج عن مذاهب أهل الحق، ~~بل كل يموت عند انقضاء أجله بموت أو قتل أو غرق أو حرق أو بغير ذلك. لا ~~تموت نفس قبل أجلها الذي كتبه الله لها، ولا تتأخر في البقاء بعد ذلك ~~الأجل. # ثم قال: { ثم أرسلنا رسلنا تترا }. # أي: ثم أرسلنا إلى الأمم التي أنشأناها بعد ثمود رسلا يتبع بعضها ~~بعضا، وبعضها في أثر بعض، قاله ابن عباس ومجاهد وابن زيد. # ثم قال: { كل ما جآء أمة رسولها كذبوه ~~فأتبعنا بعضهم بعضا } أي: بالهلاك، أهلك بعضهم في آثار ~~بعض. # { وجعلناهم أحاديث } أي: يتحدث بهم من يأتي بعدهم في الشر. ~~ولا يقال: جعلناهم أحاديث في الخير. والأحاديث جمع أحدوثة وقيل جمع حديث. # ثم قال تعالى: { فبعدا لقوم لا يؤمنون }. # أي: فابعد ms1682 الله قوما لا يؤمنون بالله ولا يصدقون رسله. # ثم قال: { ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا } ~~أي: ثم أرسلنا موسى بعد الرسل الذين تقدم ذكرهم وأخاه هارون بأدلتنا { ~~وسلطان مبين } أي: وحجة ظاهرة لمن رآها إنها من عند الله. { ~~إلى فرعون وملئه } ، أي وأشراف قومه من القبط، فاستكبروا عن ~~الإيمان بها، { وكانوا قوما عالين } ، أي: قد علوا على من في ~~ناحيتهم وعلى بني إسرائيل بالظلم وقهروهم. # وقال ابن زيد: { قوما عالين } أي: علوا على رسلهم وعصوا ربهم. # ثم قال تعالى: { فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا ~~وقومهما لنا عابدون }. # أي: لنا مطيعون متذللون، يأتمرون لأمرهم، ويدينون لهم. يقال لكل من دان ~~لملك: هو عابد له. # ثم قال: { فكذبوهما فكانوا من المهلكين }. # أي: فكذب فرعون وملاؤه موسى وهارون فكانوا ممن أهلكهم الله. كما أهلك من ~~قبلهم من الأمم بتكذيبها رسله. # ثم قال تعالى: { ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم ~~يهتدون }. # أي: ولقد أعطينا موسى التوراة ليهتدي بها بنو إسرائيل ويعملوا بما فيها، ~~{ وجعلنا ابن مريم وأمه آية } أي: حجة لنا ودلالة على ~~قدرتنا على / إنشاء الأجسام من غير أصل، كما أنشأنا خلق عيسى من غير أب. ~~وقال آية، لم يقل آيتين، لأن الآية فيهما واحدة. # وقيل في الكلام حذف، مثل والله ورسوله أحق أن يرضوه. تقديره: وجعلنا ابن ~~مريم آية وأمه آية، ثم حذف إحدى الآيتين لدلالة الباقية عليها. فالآية في ~~مريم، ولادتها من غير ذكر، والآية في عيسى، إحياؤه الموتى، وإبراؤه ~~الأكمة والأبرص وإخراجه من الطين طيرا يطير. وكل بإذن الله جل ذكره. # ثم قال: { وآويناهمآ إلى ربوة ذات قرار ومعين } ~~أي وضممناهما إلى ربوة، أي إلى مكان مرتفع عما حوله. # قال أبو هريرة هي الرملة من فلسطين. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: هي الرملة. وقال ابن المسيب هي دمشق، وقاله ابن عباس وقال قتادة هي ~~بيت المقدس. # وكان كعب يقول بيت المقدس أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا. # وقال وهب بن منبه هي مصر وكذلك قال ابن زيد ms1683 عن أبيه زيد. قال ابن زيد: ~~الربوة من ربا مصر. وليس الربا إلا بمصر والماء يرسل فتكون الربا عليها ~~القرى ولولا الربا لغرقت تلك القرى. # قال ابن جبير الربوة: النشز من الأرض. # وقال الضحاك: ما ارتفع من الأرض. # وقال ابن عباس: الربوة المستوى، وكذلك قال مجاهد. وقوله: { ذات ~~قرار ومعين } أي: ذات أرض منبسطة وساحة واسعة وذات ماء طاهر لعين ~~الناظر. # قال ابن عباس " ومعين " هو الماء الجاري، وهو النهر الذي قال الله: { ~~قد جعل ربك تحتك سريا } ". # وقال الضحاك: " ومعين " الماء الظاهر. # وقال قتادة ذات قرار أي ثمار " ومعين " وماء وهي بيت المقدس. # وقوله: " ومعين " هي فعيل بمعنى مفعول على قول من جعله لما يرى بالعين ~~فالميم زائدة. # وقيل: هو فعيل بمعنى مفعول والميم أصلية. # قال علي بن سليمان: يقال معن الماء إذا جرى وكثر، فهو معين وممعون. # وحكى ابن الأعرابي: معن الماء يمعن: إذا جرى وسهل وأمعن أيضا. # وقيل يجوز أن يكون فعيلا من المعنى مشتقا من الماعون والمعن في اللغة: ~~الشيء القليل، والماعون، فاعول وهو الزكاة، مشتق أيضا من المعن، سميت ~~الزكا. ماعونا، لأنها شيء قليل من المال، إذ هي ربع عشرة في العين. ### || [23.51-60] # قوله تعالى ذكره: { يأيها الرسل كلوا من الطيبات } ~~إلى قوله { إلى ربهم راجعون }. # معناه وكلوا من الحلال الطيب دون الحرام { واعملوا صالحا } أي: ~~بما أمرتكم به. # وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله جل ذكره طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر الأنبياء بما ~~أمر به المؤمنين " # فقال: { يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما ~~رزقناكم } وقال: { يأيها الرسل كلوا من ~~الطيبات }. # وقد قيل: إن قوله يا أيها الرسل مخاطبة للنبي وحده كما قال: " الذين قال ~~لهم الناس " يعني نعيم بن مسعود وحده. # وقيل: إنما قيل للنبي وحده { يأيها الرسل } " لتدل بذلك على أن ~~الرسل كلهم أمروا بأكل الطيبات وهو الحلال الذي طيبه الله تعالى لآكله. # وقيل: هو مخاطبة لعيسى، وهو قول الزجاج وهو اختيار الطبري. ms1684 # روى: أن عيسى صلى الله عليه وسلم كان يأكل من غزل أمه. # ثم قال: " وإن هذه أمتكم أمة واحدة " فتح " إن " في هذا على معنى " ولأن ~~هذه ". هذا قول البصريين. # وقال الكسائي والفراء: هي في موضع خفض عطف على ما في قوله: إني بما ~~تعلمون. # وقال الفراء أيضا: تكون في موضع نصب على إضمار فعل، والتقدير: واعلموا ~~أن هذه أمة: نصب على الحال. # وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق: " أمة واحدة " ، بالرفع على إضمار مبتدأ، ~~أي: هي أمة وعلى البدل من أمتكم، أو على أنها خبر بعد خبر، والمعنى أن ~~الأمة هنا الدين: أي: وأن هذا دينكم دين واحد قاله ابن جريج. # ثم قال تعالى: { وأنا ربكم فاتقون }. # أي فاتقون بطاعتي، تأمنوا عقابي. # ثم قال: { فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا }. # أي: فتفرق القوم الذين أمروا بالإيمان / واتباع عيسى ليجتمعوا على الدين ~~الواحد زبرا، أي كتبا قد بان كل فريق منهم بكتاب غير الكتاب الذي بان ~~به الفريق الآخر، كاليهود الذين زعموا أنهم دانوا بحكم التوراة، وكذبوا ~~بحكم الإنجيل والقرآن وكالنصارى الذين دانوا بالإنجيل وكذبوا بحكم ~~القرآن. # قال قتادة: " زبرا " كتبا. # وقال مجاهد: كتبا لله فرقوها قطعا. # والزبر: جمع زبور، كعمود وعمد. # وقيل: المعنى، فتفرقوا دينهم بينهم كتبا أحدثوها يحتجون بها لمذاهبهم. # قال ابن زيد: هو ما اختلفوا فيه من الأديان والكتب، وكل واحد منهم كان ~~له أمر وكتب، وكل قوم يعجبون برأيهم، ليس أهل هوى إلا وهم يعجبون برأيهم ~~وبصاحبهم الذي اخترق ذلك لهم وقرأ الأعمش " زبرا " بفتح الباء جعله جمع ~~زبرة، ومعناه، فتفرقوا عن دينهم بينهم قطعا كزبر الحديد، فصار بعضهم ~~يهود، وبعضهم نصارى. # وقوله: { كل حزب بما لديهم فرحون }. # أي: كل فريق من تلك الأمم بما اختاره من الدين لأنفسهم فرحون معجبون به ~~لا يرون أن الحق سواه. # ثم قال: { فذرهم في غمرتهم حتى حين }. # أي: فذر هؤلاء الذين تقطعوا أمرهم بينهم زبرا في غمرتهم، أي: في ~~ضلالتهم وغيهم. # قال ابن زيد: الغمرة العمى. # { حتى حين }: أي إلى حين ما ms1685 يأتيهم ما وعدوا به العذاب، وقال ~~مجاهد " حتى حين " حتى الموت. # ثم قال تعالى: { أيحسبون أنما نمدهم به من مال ~~وبنين * نسارع لهم في الخيرات }. # أي: أيحسب هؤلاء الأحزاب الذين تفرقوا في دينهم زبرا أن الذي نعطيهم في ~~عاجل الدنيا من مال وبنين " فسارع لهم " " أي نسابق لهم في خيرات الآخرة ~~ونبادر فيها ثم أكذبهم فيما يحسبون، فقال: { بل لا يشعرون } أي: ~~بل لا يعلمون أن امدادنا إياهم ما نمدهم به من ذلك إنما هو إملاء ~~واستدراج لهم. # وقوله: { في الخيرات } معه إضمار، أي: نسارع لهم به في الخيرات، ~~قاله الزجاج. # وقال هشام: تقديره: نسارع لهم فيه، ثم أظهر فقال: " في الخيرات " كما ~~قال: ولا أدى الموت سبق الموت بشيء. وإنما احتيج إلى هذا التقدير لأن ~~الخبر لا بد أن يكون فيه ضمير يعود على اسم " أن ". # وقرأ عبد الرحمن بن أبي بكرة: " يسارع " بالياء رده على الإمداد، فلا ~~يحتاج هذا إلى ضمير محذوف، لأن ما والفعل مصدره ففي " يسارع " ضمير اسم ~~أن، وهو ضمير المصدر. # ومذهب الكسائي أن " إنما " حرف واحد، فلا يحتاج الكلام إلى شيء، من ~~الإضمار والحذف، ويقف على مذهبه على " بنين " ولا يقف عليه على مذهب ~~غيره. # وتقدير الآية أيحسبون الذين نمدهم به من مال وبنين في الدنيا نسارع لهم ~~به في الخيرات، أي: نجعله لهم ثوابا، فليس الأمر كذلك، إنما هو استدراج ~~ومحنة لهم. # ثم قال تعالى: { إن الذين هم من خشية ربهم ~~مشفقون }. # أي: من خوف عذاب ربهم مشفقون، فهم دائمون على طاعته جادون في طلب ~~مرضاته. # ثم قال: { والذين هم بآيات ربهم يؤمنون }. # أي: بكتابه يصدقون { والذين هم بربهم لا يشركون }. # أي: يخلصون عبادتهم لربهم، لا يشركون به فيها أحدا. # ثم قال تعالى: { والذين يؤتون مآ آتوا وقلوبهم ~~وجلة }. # أي يعطون أهل سهمان الصدقة، ما فرض الله لهم من أموالهم فما أتوا معناه: ~~ما أعطوهم إياه من صدقة. # { وقلوبهم وجلة } أي: خائفة من أنهم إلى ربهم راجعون، ~~فيخافون ألا ينجيهم ذلك من عذابه. ms1686 # قال الحسن: إن المؤمن جمع إحسانا وشفقة، وأن المنافق جمع إساءة وأمنا، ~~ثم تلا هذه الآية إلى { ربهم راجعون }. # وقال الحسن: يعملون ما عملوا من أعمال البر وهم خائفون ألا ينجيهم ذلك ~~من عذاب الله. # وقال ابن عباس: مال المؤمن ينفق يتصدق به وقلبه وجل أنه إلى ربه راجع. # وسئلت عائشة: عن هذه الآية فقالت: كانوا يقرأونها، يأتون ما أتوا بألف. # وكذلك روى عنها أنها كانت تقرأه من المجيء، تعني إتيان الذنوب، أي: ~~يأتون الذنوب وهم خائفون. # وقال ابن عمر: " يؤتون ما أتوا ": الزكاة. # وقال مجاهد: المؤمن ينفق ماله وقلبه وجل. # وقال ابن جبير: / يفعلون ما فعلوا وهم يعلمون أنهم صائرون إلى الموت وهي ~~من المبشرات. # وقال قتادة: يعطون ما أعطوا، ويعملون ما عملوا من خير، وقلوبهم وجلة ~~خائفة. # " وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قلت يا رسول الله # { والذين يؤتون مآ آتوا وقلوبهم وجلة } أهم ~~الذين يذنبون وهم مشفقون؟ فقال: لا بل هم الذين يصلون وهم مشفقون، ~~ويصدقون وهم مشفقون، ويصومون وهم مشفقون ". # " وروي عن عائشة أيضا أنها قالت: قلت للنبي: يا رسول الله، # { والذين يؤتون مآ آتوا وقلوبهم وجلة } أي، هو ~~الرجل يزني أو يسرق أو يشرب الخمر، قال: لا يا ابنة أبي بكر، أو قال يا ~~ابنة الصديق، ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف ألا يتقبل منه ". # وقرأ ابن عباس: (يأتون ما أتوا من المجيء). وروى ذلك عن عائشة على ~~تقدير: يعملون ما عملوا وهم خائفون. ### || [23.61-67] # قوله تعالى ذكره: { أولئك يسارعون في الخيرات } إلى ~~قوله { سامرا تهجرون }. # معناه: أولئك يسارعون في الخيرات، أي: الذين [هم] هذه صفتهم " يسارعون " ~~أي: يسابقون في الأعمال الصالحة. # قال ابن زيد: " الخيرات " المخافة، والوجل، والإيمان، والكف عن الشرك ~~بالله. # ثم قال: { وهم لها سابقون }. # أي: قد سبقت لهم من الله السعادة فذلك سبقهم في الخيرات كل من عنده. # قال ابن عباس: " وهم لها سابقون " سبقت لهم من الله تعالى السعادة. # وقيل معناه: وهم إليها سابقون. # وقيل المعنى: وهم من ms1687 أجلها سابقون، أي من أجل اكتسابهم الخيرات يسبقون ~~إلى رحمة الله. # وقيل المعنى: فهم إلى أوقاتها سابقون، لأن الصلاة في أول الوقت أفضل. # ثم قال تعالى ذكره: { ولا نكلف نفسا إلا وسعها }. # أي: إلا ما تطيق من العبادة. { ولدينا كتاب ينطق بالحق ~~} أي: وعندنا كتاب يبين بالصدق عما عملوا من عمل في الدنيا. # { وهم لا يظلمون }. # أي: لا يزاد على أحد من سيئات غيره ولا ينقص من حسناته، وهو الكتاب الذي ~~كتبت فيه أعمال الخلق عند الملائكة تحتفظ به. # ثم قال تعالى: { بل قلوبهم في غمرة من هذا }. # أي في عماية من هذا القرآن. # وقيل: المعنى: بل قلوبهم في غطاء عن المعرفة بأن الذي نمدهم به من مال ~~وبنين، إنما هو استدراج لهم. # وقال قتادة: المعنى، بل قلوبهم في غمرة من وصف أهل البر ببرهم، وهو ما ~~تقدم من صفة المؤمنين. # والغمرة، الغطاء والغفلة. # ثم قال تعالى: { ولهم أعمال من دون ذلك هم لها ~~عاملون }. # أي: ولهؤلاء الكفار أعمال من المعاصي والكفر من دون أعمال أهل الإيمان ~~بالله، قاله قتادة. # قال مجاهد: " من دون ذلك " من دون الحق. # وقال الحسن: معناه: ولهم أعمال لم يعملوها، سيعملونها يعني الكفار. # وقيل: معناه، لهؤلاء الكفار أعمال سبقت في اللوح المحفوظ أنهم سيعملونها ~~وسيعلمونها. # وقال مجاهد: لم يعملوها وسيعملونها. # ثم قال تعالى: { حتى إذآ أخذنا مترفيهم بالعذاب }. # أي: لكفار قريش أعمال من الشر من دون أعمال أهل البر هم لها عاملون إلى ~~أن يأخذ الله أهل النعمة والبطر منهم بالعذاب إذا هم يضجون ويستغيثون. # قال ابن زيد: " المترفين " العظماء. # قال مجاهد: " حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب ". قال: بالسيوف يوم بدر. # وقال الربيع بن أنس: { يجأرون } يجزعون. # قال ابن جريج: " بالعذاب " يعني عذاب يوم بدر، { إذا هم يجأرون ~~} يعني أهل مكة، يعني يضجون ويستغيثون على قتالهم. # قال الضحاك: أهل بدر أخذوا بالعذاب يوم بدر. # ثم قال: { لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون ~~}. # أي: لا تضجوا وتستغيثوا قد نزل بكم العذاب، فلا ناصر لكم منه. ms1688 # وقد قيل: هو عذاب الآخرة. # وعلى القول الأول أكثر الناس. # ثم قال: { قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على ~~أعقابكم تنكصون }. # هنا مخاطبة للمشركين، أي: قد كانت آيات القرآن تتلى عليكم. # قال الضحاك: وذلك قبل أن يعذبوا بالقتل، فكنتم تولون مدبرين / عنها ~~تكذيبا بها وكراهة أن تسمعوها. # تقول العرب لكل من رجع من حيث جاء، نكص فلان على عقبيه. # قال ابن عباس: يعني بذلك أهل مكة. # ثم قال تعالى: { مستكبرين به }. # أي: بالحرم قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك والحسن وأبو مالك. # قال أبو مالك وذلك لأمنهم والناس يتخطفون من حولهم. # وقيل: الهاء عائدة على الكتاب، أي مستكبرين بالكتاب. # أي: يحدث لكم بتلاوته عليكم استكبار. # وقوله: { سامرا تهجرون }. # أي: تسمرون بالليل في الحرم. # يقال لجماعة يجتمعون للحديث " سامر " كما يقال: " باقر " لجماعة البقر، ~~" وجامل " لجماعة الجمال. # وأكثر ما يستعمل " سامرا " للذين يسمرون بالليل، وأصله من قولهم لا ~~أكلمه السمر والقمر أي: الليل والنهار. # وقال الثوري: يقال لظل القمر، السمر، ومنه السمرة في اللون وقرأ أبو ~~رجاء: سمارا، جعله جمع سامر. # قال ابن عباس وابن جبير: معناه: يسمرون بالليل حول الكعبة، يقولون ~~المنكر. # وقال الضحاك: يعني سمر الليل. # قال الطبري: إنما وحد " سامر " ، وهو في موضع جمع، لأنه وضع موضع الوقت، ~~ومعنى الكلام تهجرون ليلا، فوضع السامر موضع الليل فوحد لذلك. # ومن قرأ: تهجرون بالضم في التاء، أخذه من أهجر يهجر، إذا نطق بالفحش. # وقيل: الخنا ومعناه التجاوز ومنه قيل: " الهاجرة، لأنه وقت تجاوز الشمس ~~من الشرق إلى الغرب ". # وأما معناه، فقال ابن عباس فيه: معناه، تسمرون برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وتقولون الهجر. # وقال عكرمة: تشركون. # وقال الحسن: تسبون النبي صلى الله عليه وسلم. # وقال مجاهد: تقولون القول السيء في القرآن. # ومن قرأ بفتح التاء فهو من هجر المريض إذا هذى، هذا قول الكسائي. # ويقال هجر المحموم، إذا غلب على عقله، فيكون معناه: إنكم كالهاذي في ~~مرضه بما لا ينتفع به، وكذلك أنتم تتكلمون في النبي عليه السلام بما ms1689 لا ~~يضره. # وقيل: معناه من هجره، إذا لم يكلمه فمعناه على هذا: تهجرون النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه. # وقد قال الحسن: تهجرون نبيي وكتابي. # وقال ابن عباس: معناه: تهجرون ذكر الله والحق. # وقال السدي: تهجرون البيت. # وقال ابن جبير: تسمرون بالليل وتخوضون في الباطل. # وقال أهل اللغة: يقال هجر وأهجر في كلامه، إذا أفحش غير أن الأصمعي قال: ~~هجر يهجر، إذا هذى، وأهجر إذا تكلم بالقبيح. " ومستكبرين " وقف عند أبي ~~حاتم ثم تبتدئ: " سامرا تهجرون " أي في البيت. # وقيل: " مستكبرون به " الوقف. # وقيل: تهجرون التمام. ### || [23.68-77] # قوله تعالى ذكره: { أفلم يدبروا القول أم جآءهم } ~~إلى قوله: { إذا هم فيه مبلسون }. # معنى هذا القول التوقيف والتقبيح كقول العرب: الخير أحب إليك أم الشر. ~~أي: إنك قد اخترت الشر. ومعناه: أفلم يدبر هؤلاء المشركون كلام الله ~~فيعلموا ما فيه من العبر والحجج { أم جآءهم ما لم يأت ~~آبآءهم الأولين } يعني أسلافهم من الأمم المكذبة قبلهم، بل ~~جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم بمثل ما أتت به الرسل قبله لآبائهم، فواجب ~~عليهم ألا ينكروا ما جاءهم به محمد عليه السلام، لأنه أتى بمثل جاء به ~~غيره من الرسل لآبائهم. وقيل: " أم " هنا بمعنى " بل " ، والتقدير: بل ~~جاءهم ما لم يأت أسلافهم فتركوا تدبره إذ لم يكن عند من سلف لهم مثله ولا ~~أرسل إليهم مثله. # ثم قال: { أم لم يعرفوا رسولهم }. # أي: أم لم يعرفوا صدق محمد وأمانته " فهم لهم منكرون " أي: فينكروا قوله ~~إذ لم يعرفوه بالصدق فكيف يكذبونه وهم يعرفونه بالصدق والأمانة. ثم قال ~~تعالى: { أم يقولون به جنة }. # أي: أيقولون بمحمد مجنون فهو يتكلم بما لا معنى له ولا يفهم. # { بل جآءهم بالحق }. # أي: جاءهم بحق لا تخفى صحته والمجنون لا يتكلم بكلام فيه حكمة ولا يصح ~~له معنى، فكيف يكون مجنونا من يأتي بالحق والحكمة، وإنما نسبوه إلى ~~الجنون لأن الذي جاءهم به بعد عندهم قبولهم له كما يقال لمن سأل ما لا ~~يتمكن فعله هو مجنون أي: ms1690 لا يسأل مثل هذا السؤال إلا مجنون /. # فلما دعاهم مع شرفهم عند أنفسهم إلى اتباعه والقبول لقوله وذلك عندهم ~~متعذر منهم، نسبوه إلى الجنون. # ثم قال: { وأكثرهم للحق كارهون } أي: قد علموا أنه محق ~~فيما جاءهم به، وليس بمجنون، ولكن أكثرهم كاره لاتباع الحق الذي قد صح ~~عندهم وعلموه حسدا منهم له، وبغيا عليه واستكبارا في الأرض. # ثم قال تعالى: { ولو اتبع الحق أهوآءهم }. # أي: ولو اتبع الله عز وجل أهواء الكفار، قاله السدي. # وتقديره على قوله: ولو اتبع صاحب الحق أهواء المشركين { لفسدت ~~السموت والأرض } باتباع آرائهم، لأنهم لا يعلمون العواقب، ~~وأهواء أكثرهم على إيثار الباطل على الحق، والسماوات والأرض وما بينها لم ~~يقمن إلا بالحق. # وقيل: الحق هنا: القرآن، والمعنى: ولو نزل القرآن بما يحبون لفسدت ~~السماوات والأرض ومن فيهن. # وقيل: هو مجاز، والتقدير: ولو وافق الحق أهواءهم، فجعل موافقته اتباعا، ~~مجازا، ويكون التقدير على هذا، لو كانوا يكفرون بالرسل، ويعصون الله، ~~ولا يجازون على ذلك ويعاقبون لفسدت السماوات والأرض. # وقيل: المعنى: لو كان الحق فيما يقولون من اتخاذ آلهة مع الله لتعالت ~~بعضها على بعض واضطرب التدبير ففسدت لذلك السماوات والأرض. # ثم قال: { بل أتيناهم بذكرهم }. # أي: بينا لهم الحق، قاله ابن عباس. # وقيل: معناه: بل آتيناهم بشرفهم إذ نزل القرآن بلغتهم وعلى رجل منهم. { ~~فهم عن ذكرهم معرضون } أي: فاعرضوا عنه فكفروا به، ومثله: # وإنه لذكر لك ولقومك # [الزخرف: 44]. # وقال قتادة: " بذكرهم ": بالقرآن، وتقديره: بل آتيناهم بذكر ما فيه ~~النجاة لو اتبعوه. # ثم قال: { أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير }. # أي: أم تسألهم يا محمد على ما جئت به أجرا فيعرضوا عما جئتهم به من أجل ~~أخذك منهم الأجر عليه، وهو قوله: # قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في ~~القربى # [الشورى: 23]. # ثم قال: { فخراج ربك خير }. # أي: لم تسألهم رزقا على ما جئتهم به. فرزق ربك خير. # قال الأخفش: الخرج والخراج واحد، إلا أن اختلاف الكلام أحسن. # وقال أبو حاتم: الخرج: الجعل والخراج: العطاء. # وقال ms1691 المبرد: الخرج: المصدر، والخراج الاسم. # وأصل الخراج الغلة والضريبة، كخراج العبد والدار وغيرهما. # وقوله تعالى: { وهو خير الرازقين }. # أي: الله خير من أعطى عوضا على عمل ورزق رزقا. # ثم قال تعالى: { وإنك لتدعوهم }. # يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم { إلى صراط مستقيم } وهو ~~دين الإسلام، وسمي مستقيما لأنه يؤدي إلى الجنة والنجاة من النار. # ثم قال: { وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن ~~الصراط لناكبون }. # أي: إن من ينكر البعث والمعاد إلى الآخرة عن محجة الحق وقصد السبيل - ~~وهو دين الله الذي ارتضاه لعباده - لناكبون أي: لعادلون. # قال السدي: { عن الصراط لناكبون }: عن دين الله لمعرضون. # وقيل: عن صراط جهنم لناكبون في جهنم، وذلك في الآخرة. # وقيل: عن طريق الجنة لعادلون إلى طريق النار. # ثم قال: { ولو رحمناهم }. # أي: لو رحمنا هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة، { وكشفنا ما بهم ~~من ضر }. أي: ورفعنا عنهم ما بهم من القحط والجدب، وضر الجوع. { ~~للجوا في طغيانهم يعمهون } أي: لتمادوا في عتوهم ~~وجراءتهم على الله. { يعمهون } أي: يترددون. قال ابن جريج: هو كشف ~~الجوع عنهم. # وقيل: المعنى، لو رددناهم إلى الدنيا ولم ندخلهم النار وامتحناهم للجو ~~في طغيانهم يعمهون. # ثم قال تعالى: { ولقد أخذناهم بالعذاب }. # يعني أهل مكة أحل بهم الجوع والجدب وقتل سراتهم بالسيف، { فما ~~استكانوا لربهم } أي: فما / خضعوا لربهم، فينقادوا لأمره ~~ونهيه: { وما يتضرعون } أي: يتذللون. # ويروى أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخذ الله ~~قريشا بسني الجدب إذ دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قال ابن عباس: # " جاء أبو سفيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد نشدتك الله ~~والرحمن، لقد أكلنا العلهز يعني الوبر بالدم " # ، فأنزل الله { ولقد أخذناهم بالعذاب }. الآية. # وروى في هذا الحديث # " أن أبا سفيان قال للنبي عليه السلام: أليس قد بعثت رحمة للعالمين. ~~قال: نعم قال: فقد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع " # ، فأنزل الله تعالى: { ولقد أخذناهم بالعذاب... } الآية. # قال الحسن: إذا أصاب الناس من ms1692 قبل الشيطان بلاء فإنما هي نقمة، فلا ~~تستقبلوا نقمة الله بالحمية، ولكن استقبلوها بالاستغفار، واستكينوا ~~وتضرعوا إلى الله، وقرأ هذه الآية { ولقد أخذناهم بالعذاب ~~}... الآية. # قال ابن جريج، هو الجوع والجدب. # ثم قال: { حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب ~~شديد }. # قال ابن عباس: هو يوم بدر، وقد مضى، وقاله ابن جريج. # وقال مجاهد: هو الجوع أيضا مثل الأول. # وقال عكرمة: هو باب آخر من أبواب جهنم، عليه من الخزنة أربع مائة ألف، ~~سود وجوههم، كالحة أنيابهم، قد قلعت الرحمة من قلوبهم، ليس في قلب واحد ~~منهم مثقال ذرة من الرحمة، لو يخطر الطائر من منكب أحدهم لطار شهرين قبل ~~أن يبلغ منكبه الآخر، حتى إذا انتهوا إليه فتحه الله عليهم فهو قوله: { ~~إذا هم فيه مبلسون }. # ثم قال تعالى: { إذا هم فيه مبلسون }. # أي: يائسون من الخير. # وقيل: المبلس، الساكت المتحير. # وقيل المعنى: نادمون على ما سلف. ### || [23.78-95] # قوله تعالى ذكره: { وهو الذي أنشأ لكم السمع } إلى ~~قوله: { ما نعدهم لقادرون }. # أي: والله الذي أحدث لكم أيها المكذبون السمع لتسمعوا به والأبصار ~~لتنظروا بها، والأفئدة: أي والقلوب لتفهموا بها فكيف يتعذر على من أنشأ ~~ذلك على غير مثال الإعادة، وقد تقدم المثال. # ثم قال تعالى: { قليلا ما تشكرون }. # أي: قليلا شكركم على ما أعطاكم من النفع بهذه الجوارح وغيرها. # ثم قال تعالى: { وهو الذي ذرأكم في الأرض }. # أي: أنشأكم فيها { وإليه تحشرون } أي: بعد مماتكم، أي تصيرون ~~إلى حكمه فيكم وعدله، وليس هو حشر وصيرورة إلى قرب مكان، لأن القرب ~~والبعد في الأمكنة إنما يجوز على المحدثين الذين تحويهم الأمكنة، والله ~~لا يجوز عليه ذلك، إنما هو حشر إلى وعده وحكمه فيهم، وكذلك كل ما كان في ~~القرآن من قوله: { وإليه ترجعون } { وإليه يرجع ~~الأمر كله } و { وإليه تحشرون } كله معناه تصيرون إلى ~~حكمه ووعده ومجازاته ليس هو صيرورة إلى قرب مكان، سبحانه لا تحويه ~~الأمكنة ولا تحيط به المواضع، وليس كمثله شيء. الأمكنة كلها مخلوقة ~~والأزمنة محدثة وهو ms1693 قديم إلا إله إلا هو، فلا يحوي المحدث إلا محدثا. ~~فافهم هذا واستعمله في كل ما جاءك منه في كتاب الله، ولا تتوهم فيه قرب ~~مكان ولا دنوا من موضع دون موضع ألزم فهمك ونفسك أنه تعالى لا يشبهه شيء ~~ولا مثله شيء. # ثم قال: { وهو الذي يحيي ويميت }. # أي: والله الذي جعل خلقه أحياء بعد أن كانوا نطقا أمواتا فنفخ فيهم ~~الروح، وهو يميتهم بعد إحيائهم. # { وله اختلاف الليل والنهار }. # أي: هو الذي خلق الليل والنهار مختلفين. # ثم قال: { أفلا تعقلون }. # أي: تفهمون ما وصف لكم ونبهتم عليه. # ثم قال تعالى: { بل قالوا مثل ما قال الأولون }. # أي: بل قال المكذبون لك يا محمد من قريش مثل ما قال الأولون من الأمم ~~المكذبة بالبعث /. قالوا: أنبعث إذا كنا ترابا وعظاما. استبعدوا ذلك ~~فأنكروه. # ثم قال: { لقد وعدنا نحن وآبآؤنا هذا من قبل }. # أي: لقد وعدنا ووعد آباؤنا من قبل بالبعث بعد الموت فلم نر له حقيقة، { ~~إن هذآ إلا أساطير الأولين } أي: ما سطره الأولون في ~~كتبهم من الأحاديث والأخبار التي لا صحة لها ولا حقيقة. # ثم قال تعالى: { قل لمن الأرض ومن فيهآ إن كنتم ~~تعلمون }. # أي: قل يا محمد لهؤلاء المنكرين البعث من قومك: لمن ملك الأرض ومن فيها ~~من الخلق إن كنتم تعلمون من مالكها، ثم اعلمه جل ذكره، أنهم سيقولون لله ~~ملكها. فقل لهم إذا جاوبوك { أفلا تذكرون } أي: أفلا تعتبرون أن ~~من خلق ذلك وابتدأه وملكه أنه يقدر على إحيائكم بعد مماتكم وإعادتكم ~~خلقا كما كنتم. # ثم قال: { قل من رب السموت السبع ورب العرش ~~العظيم }. # أي: من خالق ذلك ومالكه، سيقولون لك: ذلك كله لله وهو ربه. # فقل لهم أفلا تتقون عقابه على كفركم به، وتكذيبكم رسله. # ثم قال تعالى: { قل من بيده ملكوت كل شيء }. # أي: من بيده خزائن كل شيء، قاله مجاهد. # { وهو يجير } من عذابه من خلقه من شاء { ولا يجار عليه ~~}. # أي: ولا يجير عليه أحد من خلقه ولا ms1694 من عذابه، ومعنى: # { قل من بيده ملكوت كل شيء } أي: من يملك كل شيء. وذكر ~~اليد في هذا إنما يعني به الملك لا الجارحة تعالى الله عن ذلك. وهذا أتى ~~على لسان العرب. تقول: هذه الدار بيد فلان، أي: في ملكه، لا يريدون أن ~~ذلك مستقر في يده يد الجارحة، إنما يريدون أنه مستقر في ملكه. # وقوله: { إن كنتم تعلمون }. # أي تعلمون من هذه صفته، فإنهم سيقولون أن ذلك هو الله، وملك ذلك كله ~~لله، فقل لهم: { فأنى تسحرون }. # أي: من أي وجه تصرفون عن التصديق بآيات الله والإقرار برسوله. ومن قرأ ~~الثاني والثالث الله الله، جعل السؤال والجواب من جهة واحدة، لأن الله جل ~~ذكره علم بجوابهم وسؤالهم قبل خلقهم، فأخبر عن جوابهم من جهة السؤال. # ومن قرأ: لله لله، أتى بالجواب من عند المسؤول، وهو الأصل. # قال ابن عباس: " تسحرون ": تكذبون. # وحقيقة السحر أنه تخييل الشيء إلى الناظر أنه على خلاف ما هو به من ~~هيئته. فكذلك معنى { فأنى تسحرون } أي: من أي وجه يخيل لكم ~~الكذب حقا، والفاسد صحيحا، فتصرفون عن الإقرار بالحق الذي يدعوكم إليه ~~محمد صلى الله عليه وسلم وفي هذه الآيات دلالة على جواز محاجة الكفار ~~والمبطلين وإقامة الحجة عليهم، وإظهار إبطال الباطل من قولهم ومذهبهم، ~~ووجوب النظر في الحجج على من خالف دين الله وقد أمر الله تعالى نبيه في ~~غير ما موضع بالاحتجاج عليهم وعلمه كيف يحتج عليهم، وكذلك أخبر عن ~~إبراهيم عليه السلام بما احتج به على قومه، وأخبرنا الله تعالى أنها حجة ~~أتاها إبراهيم عليه السلام وعلمه إياها، فاحتج بها عقى قومه وبينا لهم ~~خطأهم فيما يعبدون، وكذلك أخبرنا الله في غير موضع باحتجاج الأنبياء على ~~قومهم، وإقامة حجة الله عليهم، ومناظرتهم لهم، وهو كثير في القرآن، دل ~~على جواز إقامة الحجة على أهل الزيغ الكفر. فأما قوله تعالى: # ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن # [العنكبوت: 46] فقد ذكرنا معناها في موضعها. وليست في هذا الباب، ولها ~~معاني قد ms1695 بيناها. # ثم قال تعالى: { بل أتيناهم بالحق وإنهم ~~لكاذبون }. # أي: ما الأمر كما يقول هؤلاء المشركون أن الملائكة بنات الله أو أن لهم ~~آلهة دون الله، بل أتيناهم باليقين، وهو ما أتاهم به محمد صلى الله عليه ~~وسلم من الإسلام، وأن لا يعبد شيء سوى الله { وإنهم لكاذبون ~~} فيما يضيفون إلى الله من الولد والشريك { ما اتخذ الله من ~~ولد وما كان معه } في القدم حين ابتدع الأشياء. # { من إله } أي: لاعتزل كل إله منهم بما خلق فانفرد به { ولعلا ~~بعضهم على بعض }. أي: ولتغالبوا، فغلب القوي الضعيف، لأن ~~القوي لا يرضى أن يحاده الضعيف، والضعيف لا يصلح أن يكون إلها /، لأنه ~~عاجز بضعفه. والعاجز مذلول مغلوب مقهور، وليس هذه من صفات المعبود ~~الخالق، وإنما هي من صفات المخلوق المملوك. # ثم قال تعالى: { سبحان الله عما يصفون }. # أي: عما يصفون به الله. # ثم قال تعالى ذكره: { عالم الغيب والشهادة }. # أي: يعلم ما غاب عن خلقه من جميع الأشياء. فلم يروه ولم يعلموه وما ~~شاهدوه، فرأوه وعلموه. # والرفع الاختيار عند النحويين البصريين والكوفيين في " عالم الغيب " على ~~إضمار مبتدأ، أو على البعث لله في قوله: { ما اتخذ الله } عالم ~~الغيب، وحجة البصريين في اختيارهم الرفع أن قبله رأس آية، وقد تم الكلام ~~دونه، فاستؤنف على إضمار مبتدأ. # وحجة الكوفيين منهم الفراء أن الرفع أولى به، لأنه لو كان مخفوضا لقال: ~~(وتعالى) بالواو. فدخول الفاء بعده يدل على أنه أراد " هو عالم " واحتج ~~في ذلك بأنك لو قلت: مررت بعبد الله المحسن وأحسنت إليه، جئت بالواو، ~~لأنك خفضت ولم تستأنف، تريد: مررت بعبد الله الذي أحسن وأحسنت إليه. قال: ~~ولو قلت: " المحسن " بالرفع، لم يكن إلا بالفاء، تريد: هو المحسن فأحسنت ~~إليه، فالفاء عنده تدل على انقطاع الكلام. وقد خالف هو نفسه هذا الأصل في ~~المزمل، فاختار: " ورب المشرق " بالخفض، وبعده " فاتخذه " ومن أصله أن ~~الفاء تدل على الاستئناف. # ثم قال تعالى ذكره: { قل رب إما تريني ما يوعدون }. # أي: قل يا ms1696 محمد: رب أن ترني ما يهلك به هؤلاء المشركين، فلا تهلكني بما ~~تهلكهم به، أي: إذا أردت بهم عقوبة فأخرجني عنهم ولا تجعلني في القوم ~~الظالمين، ولكن اجعلني فيمن قد رضيت عنه. # ثم قال تعالى: { وإنا على أن نريك ما نعدهم ~~لقادرون }. # أي: إنا نقدر يا محمد أن نريك تعجيل العذاب في هؤلاء المشركين فلا يحزنك ~~كفرهم وتكذيبهم إياك، فإنما نؤخرهم ليبلغ الكتاب أجله فيستوفوا أيامهم ~~وما قدر لهم من رزق. ### || [23.96-102] # قوله تعالى ذكره: { ادفع بالتي هي أحسن السيئة } إلى ~~قوله: { ولا يتسآءلون }. # أي: ادفع يا محمد فعل هؤلاء المشركين بالخلة التي هي أحسن، وذلك الإغضاء ~~والصفح عن جهلهم، والصبر على أذاهم، وهذا قبل أن يأمره بحربهم. فهو منسوخ ~~بالأمر بالقتال. # والسيئة هنا هي أذى المشركين إياه، وتكذيبهم له. # قال مجاهد: معناه: أعرض عن أذاهم إياك. # وروي عنه أنه قال: هو السلام يسلم عليهم إذا لقيهم. # ثم قال: { نحن أعلم بما يصفون }. # أي: ما يصفون الله به جل ذكره من السوء، وهو مجازيهم عليه. # ثم قال تعالى: { وقل رب أعوذ بك من همزات ~~الشياطين }. # أي: رب استجيرك من وسوسة الشياطين ". # وقال ابن زيد: " همزات الشياطين " خنقهم للناس. # { وأعوذ بك رب أن يحضرون }. # أي: يحضرون في شيء من أموري. # وقيل: " همزات الشياطين " الجنون الذي يعرض للناس والصرع وكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يتعوذ من الشيطان، ويقول: # " من همزه ونفثه ونفخه فقيل: يا رسول الله، وما همزه فذكر هيئة الموتة ~~الذي تأخذ الناس، وهو الجنون والصرع، فقيل له: وما نفثه؟ قال: الشعر. ~~فقيل له: وما نفخه؟ قال: الكفر ". # ثم قال: { حتى إذا جآء أحدهم الموت }. # أي: إذا عاين أحد هؤلاء المشركين الموت ونزل به أمر الله تعالى: { قال ~~} لعظيم ما يعاين من عذاب الله: { رب ارجعون } إلى الدنيا { ~~لعلي أعمل صالحا فيما تركت } قبل اليوم من العمل ~~فضيعته وفرطت فيه. وذلك تندما منه على ما فات وتلهفا. # يقول الجبار: { كلا } أي: لا ترد، وذلك لا ينفعه، لأنه وقت رفع عنه ms1697 ~~حد التكليف، فلا تنفع فيه توبة، وذلك عند اليقين بالموت، والبشارة بما ~~أعد له من العذاب، والإعلام بما كان عليه من الخطأ في دينه، فإذا عاين ~~ذلك كله، لم ينفعه ندم ولم يتقبل منه توبة ولم يقل من ندامته. # وليست " لعل " في هذا للشك، لم يرد لعلي أعمل أو لا أعمل إنما هي ~~لليقين، أي: إن رددت عملت، وهو لا يرد أبدا. # قال ابن زيد: ذلك حين تنقطع الدنيا، ويعاين الآخرة قبل أن يذوق الموت. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا حضر الإنسان / الموت جمع ~~له كل شيء كان يمنعه من ماله من حقه، فجعل بين يديه، فعند ذلك يقول: { ~~رب ارجعون... } الآية. # وروى ابن جريج # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا عاين المؤمن الملائكة، قالوا: ~~نرجعك إلى الدنيا، فيقول: إلى دار الهموم والأحزان، فيقول: بل قدما إلى ~~الله جل ثناؤه، وأما الكافر فيقول: رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت ~~". # قال الضحاك: يعني به أهل الشرك. # وقوله: { رب ارجعون } ، بالتوحيد ثم بالجمع فإنما ذلك لأن الكافر ~~ابتدأ سؤاله إلى الله، ثم رجع إلى خطاب الملائكة الذين يتولون القبض ~~روحه، فأتى بلفظ الجمع لأنهم جماعة، ووحد أولا لأن الله واحد. # وقيل: إنه إنما جمع لأن الجبار يخبر عن نفسه بلفظ الجماعة تعظيما، فإذا ~~خوطب جرى أيضا على ذلك، فجرى أول الكلام على التوحيد وآخره على لفظ ~~الجمع للتعظيم. # وقيل: إنما جاء " ارجعون " بلفظ الجمع، لأنه بمعنى: ارجع ارجع ففيه معنى ~~التكرير، وكذلك قال المازني في قوله: # ألقيا في جهنم # [ق: 24] قال: معناه: الق الق. # ثم قال: { إنها كلمة هو قآئلها }. قال ابن زيد: لا بد كل ~~مشرك أن يقولها. # ثم قال تعالى: { ومن ورآئهم برزخ إلى يوم يبعثون ~~}. # البرزخ هو مقامهم تحت التراب إلى يوم البعث فهو حاجز بينهم وبين الرجوع. # قال ابن عباس: " برزخ " أجل إلى حين. # وقال ابن جبير: برزخ ما بعد الموت. # وحضر أبو أمامة جنازة، فلما وضعت في اللحد قال: ms1698 هذا برزخ إلى يوم ~~يبعثون. # وقال مجاهد: " البرزخ ". ما بين الموت إلى البعث. # وقال الضحاك: " البرزخ " ما بين الدنيا والآخرة. # وحقيقة البرزخ في اللغة أنه كل حاجز بين شيئين. # وقال رجل بحضرة الشعبي رحم الله فلانا صار من أهل الآخرة فقال: لم يصر ~~من أهل الآخرة، ولكنه صار من أهل البرزخ، وليس من الدنيا ولا من الآخرة. # ثم قال تعالى: { فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم ~~يومئذ }. # أي: فإذا نفخ إسرافيل في القرن. # وقال أبو عبيدة: الصور جمع صورة، ومعناه: فإذا نفخ في صور الناس ~~الأرواح. # قال ابن مسعود: " الصور ": قرن. # وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " كيف أنعم وقد التقم صاحب القرن القرن وحنى جبهته وأصغى سمعه، ينتظر ~~متى يؤمر ". # ثم قال: { فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتسآءلون ~~}. وقد قال في موضع آخر: { وأقبل بعضهم على بعض ~~يتسآءلون } فمعنى قول ابن عباس فيه، أنه إذا نفخ في الصور أول ~~نفخة، تقطعت الأرحام، وصعق من في السماوات ومن في الأرض، وشغل بعض الناس ~~عن بعض بأنفسهم، فعند ذلك لا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون فإذا نفخت ~~النفخة الثانية قاموا ينظرون وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون، فذلك في ~~وقتين مختلفين. # وقيل: معناه: لا تفاخر بينهم بالأنساب في القيامة كما يتفاخرون في ~~الدنيا بالأنساب. ولا يتساءلون في الآخرة كما يتساءلون في الدنيا فيقولون ~~من أي قبيلة الرجل. # وعن ابن عباس: أيضا أن رجلا سأله عن الآيتين فقال: أما قوله: { فلا ~~أنساب بينهم يومئذ ولا يتسآءلون } فذلك في النفخة ~~الأولى، لا يبقى على الأرض شيء، فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون، ~~وأما قوله: وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون " فإنهم لما دخلوا الجنة، أقبل ~~بعضهم على بعض يتساءلون، وبذلك قال السدي. # وعن ابن مسعود أن ذلك في الموقف في النفخة الثانية قال: يؤخذ بيد العبد ~~والأمة يوم القيامة على رؤوس الأولين والآخرين قال وينادي مناد: هذا فلان ~~بن فلان فمن كان له حق قبله فليأت إلى حقه. قال: فتفرح ms1699 المرأة يومئذ أن ~~يكون لها حق على أبيها أو على ابنها أو على أخيها أو على زوجها، فلا ~~أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون، فيقول الرب عز وجل للعبد: اعط هؤلاء ~~حقوقهم، فيقول: أي: رب، فنيت الدنيا، فمن أين أعطيهم، فيقول للملائكة: ~~خذوا من أعماله الصالحة وأعطوا كل إنسان مقدار طلبته، فإن كان له فضل / ~~مثقال حبة من خردل ضاعفها الله له حتى يدخله بها الجنة، ثم تلا ابن ~~مسعود: { إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك ~~حسنة يضعفها }. الآية، وإن كان عبدا شقيا قالت الملائكة: ~~ربنا فنيت حسناته وبقي طالبون كثير، فيقول تعالى: خذوا من أعمالهم السيئة ~~فأضيفوها إلى سيئاته، وصكوا له صكا إلى النار. # وقال ابن جريج في الآية: لا يسأل يومئذ أحد شيئا، ولا يمت إليهم برحم، ~~ولا يتساءلون. # وقال قتادة: ليس شيء أبغض إلى الإنسان يوم القيامة من أن يرى من يعرفه ~~مخافة أن يدعى عليه شيئا، ثم قرأ: { يوم يفر المرء من ~~أخيه }... إلى... { يغنيه }. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، نادى مناد من تحت العرش. ~~يا أهل المظالم تداركوا مظالمكم وأدخلوا الجنة ". # ومعنى: { فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتسآءلون } ~~أي: لا يتفاخرون بالأنساب يوم القيامة ولا يتساءلون بها كما كانوا يفعلون ~~في الدنيا. # وقيل: إن يوم القيامة مقداره خمسين ألف عام، ففيه أزمنة فأحوالهم تختلف ~~فيه، فمرة يتساءلون، ومرة لا يتساءلون. ### || [23.102-110] # قوله تعالى ذكره: { فمن ثقلت موازينه فأولئك هم ~~المفلحون }. # إلى قوله: { وكنتم منهم تضحكون }. # أي: فمن ثقلت موازين حسناته، وخفت موازين سيئاته فأولئك هم الباقون في ~~النعيم، ومن خفت موازين حسناته وثقلت موازين سيئاته { فأولئك ~~الذين خسروا أنفسهم } ، أي: غبنوا أنفسهم حظها من رحمة ~~الله في جهنم، { خالدون } أي ماكثون { تلفح وجوههم النار ~~} أي: تنفح وجوههم النار. # ثم قال: { وهم فيها كالحون }. # قال ابن مسعود: " الكالح ": الذي قد بدت أسنانه، وتقلصت شفتاه، كالرأس ~~المشيط بالنار. # وقال ابن عباس: " كالحون " عابسون. # وروي عن النبي صلى ms1700 الله عليه وسلم أنه قال: # " تشوي أحدهم النار فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته ~~السفلى حتى تضرب سرته ". # قال الحسن: لفحتهم النار لفحة، فلم تدع لحما ولا جلدا إلا ألقته عند ~~العراقيب وبقيت العظام بيضاء تلوح. # ثم قال تعالى: { ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم ~~بها تكذبون }. # أي: يقال لهم: ألم تكن آيات القرآن تتلى عليكم في الدنيا فكنتم بها ~~تكذبون. # ثم قال: { قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا }. # أي: غلب علينا ما سبق في سابق علمك وخط لنا في أم الكتاب. # قال مجاهد: شقوتنا التي كتبت علينا. # قال ابن جريج: بلغنا أن أهل النار نادوا خزنة جهنم أن # ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب # [غافر: 49] فلم يجيبوهم ما شاء الله، فلما أجابوهم بعد حين قالوا: # فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال # [غافر: 50]. # قال: ثم نادوا مالكا: # يمالك ليقض علينا ربك # [الزخرف: 77] قال: فسكت عنهم مالك خازن جهنم أربعين سنة ثم أجابهم فقال: # إنكم ماكثون # [الزخرف: 77]، ثم نادى الأشقياء ربهم فقالوا: { ربنا غلبت ~~علينا شقوتنا وكنا قوما ضآلين } { ربنآ ~~أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون }: قال: فسكت ~~عنهم مقدار الدنيا، ثم أجابهم بعد ذلك { اخسئوا فيها ولا ~~تكلمون }. # وروى أن لأهل جهنم أربع دعوات، أولها ما حكى الله جل ذكره في غافر من ~~قولهم: # قالوا ربنآ أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين ~~فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل # [غافر: 11]، والثانية، ما حكى الله عنهم في غافر أيضا قوله: # وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ~~ربكم يخفف عنا يوما من العذاب # [غافر: 49] فأجابتهم الخزنة: { أولم تك تأتيكم رسلكم ~~بالبينات } ، قالوا: " بلى " ، قالت لهم الخزنة: # فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال # [غافر: 50]. # والثالثة ما حكى الله تعالى عنهم في الزخرف من قوله: # ونادوا يمالك ليقض علينا ربك # [الزخرف: 77] فأجابهم مالك فقال: # إنكم ماكثون # [الزخرف: 77]، والرابعة في قد أفلح: قوله: # { ربنآ أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون } ~~فيجيبهم الرب اخسئوا فيها ولا تكلمون، فتصير لهم همهمة كنباح الكلاب. ms1701 # ومعنى: " اخسئوا " ابعدوا من رحمتي وعطفي، يقال: خسأت الكلب، أبعدته، ~~وقال تعالى ذكر، ينقلب إليك البصر خاسئا " أي مبعدا. # وقال / محمد بن كعب: بلغني أن أهل النار استغاثوا بالخزنة: ادعوا ربكم ~~يخفف عنا يوما من العذاب، فردوا عليهم ما قال الله جل ذكره، فلما يئسوا ~~نادوا: يا مالك، وهو عليهم، وله مجلس في وسطها تمر عليه ملائكة العذاب، ~~وهو يرى أقصاها كما يرى أدناها، فقالوا يا مالك ليقض علينا ربك، سألوا ~~الموت فمكثوا لا يجيبهم ثمانين سنة من سني الآخرة، ثم لفظ إليهم فقال: ~~إنكم ماكثون، فلما سمعوا ذلك قالوا: فاصبروا، فلعل الصبر ينفعنا كما صبر ~~أهل الدنيا على طاعة الله قال: فصبروا، فطال صبرهم، فنادوا: { سوآء ~~علينآ أجزعنآ أم صبرنا ما لنا من محيص } ، أي: ~~منجى، فقام إبليس عند ذلك فخطبهم فقال: # إن الله وعدكم وعد الحق # [إبراهيم: 22]، إلى قوله: # أشركتمون من قبل # [إبراهيم: 22]، فلما سمعوا مقالته، مقتوا أنفسهم قال فنودوا: { لمقت ~~الله أكبر من مقتكم أنفسكم } إلى قوله: { من ~~سبيل }... قال فيجيبهم الله جل ذكره فيها: { ذلكم بأنه إذا ~~دعي الله وحده كفرتم } إلى { الكبير }. # قال: فيقولون: ما أيأسنا بعد. قال ثم دعوا مرة أخرى، فيقولون: # { ربنآ أبصرنا وسمعنا }... إلى... { موقنون }. قال: ~~فيقول الرب: # { ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها } إلى قوله: { بما ~~كنتم تعملون }. قال: فيقولون: ما أيأسنا بعد قال: فيدعون مرة ~~أخرى: { ربنآ أخرنآ إلى أجل قريب نجب دعوتك ~~ونتبع الرسل }. قال: فيقول لهم: { أولم تكونوا ~~أقسمتم من قبل ما لكم من زوال }.. الآية. قال: ~~فيقولون: ما أيأسنا بعد ثم قالوا مرة أخرى: { ربنآ أخرجنا ~~نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل }. قال: فيقول لهم: # { أولم نعمركم ما يتذكر فيه } من تذكر... { من ~~نصير }... قال: ثم مكث عنهم ما شاء الله ثم ناداهم: { ألم تكن ~~آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون } ، فلما ~~سمعوا ذلك قالوا: الآن يرحمنا، فقالوا عند ذلك: ربنا غلبت علينا شقوتنا ~~أي: الكتاب الذي تقدم فيه أنا أشقياء، { وكنا قوما ضآلين... } ~~إلى {... ظالمون }. فقال ms1702 لهم عند ذلك: اخسئوا فيها ولا تكلمون قال: ~~فلا يتكلمون فيها أبدا. قال: فانقطع عند ذلك الدعاء والرجاء منهم، وأقبل ~~بعضهم ينبح في وجه بعض، فأطبقت النار عليهم قال عبد الله بن المبارك: ~~فذلك قوله: { هذا يوم لا ينطقون * ولا يؤذن لهم ~~فيعتذرون }. # وروي عن زيد بن أسلم أن أهل النار لا يتنفسون. # وقال أبو الدرداء يلقى على أهل النار الجوع حتى يعدل ما هم فيه من ~~العذاب، فيستغيثون فيغاثون بالضريع ألا يسمن ولا يغني من جوع، فيستغيثون، ~~فيغاثون بطعام ذي غصه، فيغصون به، فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصص في ~~الدنيا بالشراب، فيستغيثون بالشراب فيرفع إليهم الحميم بكلابيب الحديد، ~~فإذا دنا من وجوههم، شوى وجوههم، فإذا دخل بطونهم، قطع أمعاءهم وما في ~~بطونهم، فيدعون خزنة جهنم، فيقولون لهم: ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من ~~العذاب كالحديث الأول. # وقوله: { وكنا قوما ضآلين }. # أي: ضللنا عن سبيل الرشد وقصد الحق. # والشقوة والشقاوة لغتان بمعنى عند الكسائي والفراء. # وقيل: معنى ذلك: غلبت علينا لذاتنا وأهواؤنا، فسميت اللذات والأهواء ~~شقوة، لأنهما يؤديان إليها، كما قال: { إنما يأكلون في ~~بطونهم نارا }. فسمى أكل مال اليتيم نارا لأنه يؤدي إلى النار. ~~ومعنى: " اخسئوا فيها ": تباعدوا تباعد سخط. يقال: خسأت الكلب، إذا زجرته ~~ليتباعد. # ثم قال تعالى: { إنه كان فريق من عبادي يقولون ~~ربنآ آمنا فاغفر لنا وارحمنا }. # أي: كان جماعة من عبادي، وهم أهل الإيمان بالله. # قال مجاهد: هم: صهيب وبلال وخباب وشبههم من ضعفاء المسلمين، كان أبو جهل ~~وأصحابه يهزؤون بهم، وكانوا يقولون ربنا آمنا. فاغفر لنا ذنوبنا، أي: ~~استرها علينا وارحمنا وأنت خير من رحم أهل البلاء. { فاتخذتموهم ~~سخريا } أي جعلتم تهزءون منهم. # هذا على قراءة من كسر السين / ومن ضمها فمعناه فجعلتم تسخرونهم. # هذا مذهب أبي عمرو وأبي عبيدة وقطرب. # وهو قول الحسن وقتادة. وهما لغتان عند الكسائي والفراء. # بمعنى الهزء، فإذا كان بمعنى السخرة والتسخير فهو بالضم لا غير، نحو: # ليتخذ بعضهم بعضا سخريا # [الزخرف: 32]، ثم قال: { حتى أنسوكم ذكري }. # أي: لم ms1703 تزالوا تستهزءون بهم حتى أنساكم ذلك من فعلكم بهم ذكري فألهاكم ~~عنه. # قال ابن زيد: أنساهم الاستهزاء بهم والضحك ذكر الله، وقرأ: # إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا ~~يضحكون # [المطففين: 29]... إلى قوله.. # لضالون # [المطففين: 32]. ومثله في إضافة الفعل إلى غير فاعله قوله # رب إنهن أضللن كثيرا من الناس # [إبراهيم: 36] أي: ضل بهن كثير من الناس لم يكن له صنام فعل يضل به ~~الناس. الناس هم الضالون لعبادتهم الأصنام، فكذلك أنسوكم ذكري، لم ينسيهم ~~المؤمنون ذكر الله بل نسوا ذلك، أي تركوه. ### || [23.111-118] # قوله تعالى ذكره: { إني جزيتهم اليوم بما صبروا }. ~~إلى آخر السورة # أي: إني جزيت الذين اتخذهم الكفار سخريا بصبرهم على دينهم وعلى ما ~~كانوا يلقون في الدنيا من أذى الكفار، الفوز وهو النجاة من النار، ~~والخلود في الجنة. # ثم قال: { كم لبثتم في الأرض عدد سنين } أي: قال الله ~~لهؤلاء الأشقياء الذين كانوا يظنون أنهم لا يبعثون، وأن الدنيا باقية: كم ~~لبثتم في الأرض من الزمان بعد موتكم، فأجابوا وقالوا لبثنا يوما أو بعض ~~يوم، فنسوا عظيم ما كانوا فيه من البلاء وطول مكثهم في القبور في العذاب ~~لما حل عليهم من نقم الله في الآخرة حتى ظنوا أنهم لم يلبثوا في البرزخ ~~إلا يوما أو بعض يوم. # وروي أن الله جل ذكره ينسيهم ما كانوا فيه من العذاب من النفخة الأولى ~~إلى الثانية. # وقوله: { فسئل العآدين }. # أي: قالوا: فاسأل الملائكة الذين كانوا يحفظون أعمال بني آدم ويحصون ~~عليهم ساعاتهم. # قال مجاهد: العادين الملائكة. # وقال قتادة: هم الحساب. # وعنه: يعني أهل الحساب. # وقوله: " عدد سنين " منصوب على التفسير. # وقرأ الأعمش: " عددا " بالتنوين، فيكون " سنين ". # في موضع نصب على التفسير أيضا، أو على البدل من عدد. # ثم قال: { قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم ~~كنتم تعلمون }. # أي: ما لبثتم على قولكم إذا في الأرض إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون ~~مقدار لبثكم فيها، وقد كنتم تزعمون أن الدنيا باقية أبدا، لا بعث ولا ~~حشر، ثم قلتم الآن ms1704 لم نلبث إلا يوما أو بعض يوم، فقد صار الباقي عندكم ~~يوما أو بعض يوم. وجعل الله لبثهم قليلا لفنائه وقلة دوامه، فكل ما ~~يفنى، فبقاؤه قليل وإن تطاول زمانه قال الله جل ذكره: # قل متاع الدنيا قليل # [النساء: 77] أي ما تستمتع به الخلق من طول أيام الدنيا قليل، إذ مصيره ~~إلى الفناء والذهاب. # ثم قال تعالى: { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا }. # أي: أفحسبتم أيها الأشقياء أنا إنما خلقناكم لعبا وباطلا، وإنكم إلى ~~ربكم بعد مماتكم لا ترجعون فتجزون بأعمالكم في الدنيا. # ثم قال: { فتعالى الله الملك الحق }. # أي: فتعالى الله عما يصفه به هؤلاء المشركون من اتخاذه الولد والشريك. # { لا إله إلا هو } أي: لا معبود ولا رب إلا الله الملك الحق ~~{ رب العرش الكريم }. # ثم قال تعالى: { ومن يدع مع الله إلها آخر لا ~~برهان له به }. # أي: ومن يعبد مع الله معبودا آخر، لا حجة له بما صنع ولا بينة { ~~فإنما حسابه عند ربه }. أي: حساب عمله السيء عند ربه ~~فيوفيه جزاءه إذا قدم عليه. # { إنه لا يفلح الكافرون } أي: لا ينجح ولا يدرك البقاء ~~والخلود في النعيم أهل الكفر بالله. وهذا يدل على أن الحق يثبت بالبرهان ~~والحجة، والباطل يذهب بالبرهان، والحجة على بطلانه. فالتقليد لمن قدر على ~~الحجة والبرهان خطأ منه. ثم قال تعالى: { وقل رب اغفر وارحم ~~} أي: استر علي ذنوبي بعفوك عنها، وارحمني بقبول توبتي منها، وأنت خير من ~~رحم من أذنب فقبلت توبته. ### | [24 - سورة النور] ### || [24.1-2] # قوله تعالى ذكره: { سورة أنزلناها } ، إلى قوله: { طآئفة ~~من المؤمنين }. # سورة مرفوعة على إضمار مبتدأ، أي هذه سورة، وأنزلناها نعت للسورة، وقبح ~~رفعها على الابتداء لأنها نكرة، ولا يبتدأ بالنكرات إذ لا فائدة فيها، ~~وقد أجازه أبو عبيدة. # وقرأ عيسى بن عمر بالنصب على معنى: اتل سورة، أو على معنى: أنزلنا سورة ~~أنزلناها. # ومن شدد { فرضناها } جعله بمعنى: فضلناها، فجعلنا فيها فرائض ~~مختلفة. # وقيل: معنى التشديد أنه فرضها على من أنزلت عليهم، وعلى من بعدهم إلى ms1705 ~~يوم القيامة، فشدد ليدل على معنى التكثير من المأمورين. # ومن خفف جعله على معنى: أوجبنا ما فيها من الأحكام فجعلناه فرضا عليكم. ~~وقوله: # قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ~~ملكت أيمانهم # [الأحزاب: 50]، يدل على اختيار التخفيف، لأنه فيه معنى تكثير المأمورين، ~~لأنه فرض علينا وعلى من بعدنا ومن قبلنا، وفيه فرائض مختلفة أيضا، وقد ~~أجمع على تخفيفه. # قال ابن عباس { فرضناها } بيناها. # وقيل { فرضناها } فرضنا العمل بما فيها، وهذا يدل على التخفيف. # وقول ابن عباس يدل على التشديد. # وقوله: { وأنزلنا فيهآ آيات بينات } ، أي دلالات وحجج على ~~الحق، واضحات لمن تأملها وآمن بها. # قال ابن جريج: آيات بينات: يعني الحلال، والحرام، والحدود. # { لعلكم تذكرون } ، أي تذكرون بهذه الآيات التي أنزل ~~عليكم. # ثم قال تعالى: { الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد ~~منهما مئة جلدة }. # كل القراء على الرفع إلا عيسى بن عمر فإنه قرأ بالنصب، وهو اختيار ~~الخليل وسيبويه لأن الأمر بالفعل أولى، وسائر النحويين على خلافهما في ~~هذا الاختيار، واستدل المبرد على خلافهما، بإجماع الجميع على الرفع في ~~قوله: # واللذان يأتيانها منكم فآذوهما # [النساء: 16] وإنما اختار النحويون الرفع لأنه مبهم لا يقصد به شخص ~~بعينه (زنى)، وتقدير الرفع عند سيبويه والخليل " وفيما يتلى عليكم ~~الزانية والزاني، ويحسن الرفع بالابتداء وما بعده خبره، والمعنى من زنى ~~من الرجال والنساء، وهو حر بكر غير محصن فاجلدوه ضربا مائة جلدة. { ~~ولا تأخذكم بهما رأفة } أي رقة، ورحمة عند الجلد في دين ~~الله، أي في طاعة الله فيما أمركم به من إقامة الحدود، فكل من أقام الحد. ~~فهو ممن لا تأخذه رأفة في حدود الله. # والرأفة من الآدميين، رقة القلب، وهي من الله تعالى رحمة وإنعام ولا ~~يجوز عليه رقة القلب. # وقوله: { إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر } لأن ~~لا تقصروا في إقامة الحدود. # { إن كنتم مؤمنين } وهذا يدل على أن إقامة حدود الله من ~~الإيمان بخلاف ما تدعيه المرجئة من أن الإيمان قول بلا عمل. # وقال ابن المسيب والحسن: معناه لا تخففوا ms1706 الضرب ولكن أوجعوا، قالا: هو ~~الجلد الشديد. # وقيل: معناه انزعوا الثياب عنهما قبل الجلد، قاله حماد. # وقال الزهري: يجتهد في حد الزاني والفرية، ويخفف في حد الشارب. # وقال قتادة: يخفف في الشارب والفرية، ويجتهد في الزاني فهذا حد الزاني، ~~وليس في كتاب الله تعالى دلالة على كيفية الجلد، ولكن أجمع العلماء على ~~أن الجلد بالسوط سوط بين السوطين. # وروي أن عمر رضي الله عنه أتي برجل وجب عليه حد فدعا بسوط فقال: إيتوني ~~بألين منه، فأتي بألين منه، فقال: إيتوني بأشد، فأوتي بسوط بين السوطين، ~~فقال: اضرب ولا ترين إبطك، وأعط كل عضو حقه. # والزنا من أعظم الكبائر والفواحش. # قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: بلغنا أنه يرسل يوم القيامة على ~~الناس ريح منتنة حتى تؤذي كل بر وفاجر حتى إذا بلغت من الناس / كل مبلغ، ~~وكادت أن تمسك بأنفاس الناس ناداهم مناد يسمع صوته كلهم: أتدرون ما هذه ~~الريح التي آذتكم؟ فيقولون: لا ندري غير أنها قد بلغت منا كل مبلغ، فقال: ~~ألا إنها ريح فروج الزناة الذين لقوا الله بزناهم لم يتوبوا منه، ثم ~~ينصرف بهم ولم يذكر جنة ولا نارا. # وهذه الآية ناسخة للآيتين اللتين في سورة النساء، قوله تعالى # واللاتي يأتين الفحشة من نسآئكم # [النساء: 15] إلى # رحيما # [النساء: 16]. # ورأى عثمان بن عفان رضي الله عنه، وأبو عبيدة بن الجراح، وابن مسعود ~~والمغيرة ابن شعبة: أن لا يجرد ثوب المضروب، وبه قال الشعبي والنخعي ~~وطاوس وقتادة. # وعن عمر بن عبد العزيز أنه ضرب قاذفا مجردا. # وقال الأوزاعي: الإمام مخير إن شاء نزع، وإن شاء ترك. وقال مالك: لا ~~تجرد المرأة، ويترك عليها ما يسترها. # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: يضرب الرجال قياما، والنساء ~~قعودا، وهو قول الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. # وقال مالك: يضرب المرأة والرجل وهما قاعدان، ومنع ابن مسعود والحسن ~~والثوري وابن حنبل من مد المضروب. # وقال الشافعي: لا يمد ويترك له يد يتقي بها ولا يربط. وأمر عمر بضرب ~~امرأة، ms1707 فقال: اضرباها ولا تحرق جلدها. # وقال الحسن: يضرب السكران ضربا غير مبرح. # وقال مالك: يضرب ضربا لا يشق ولا يضع سوطا فوق سوط. قال الشافعي: لا ~~يبلغ أن ينهمر الدم في شيء من الحدود والعقوبات؛ لأنه من أسباب التلف، ~~وليس يراد بالجلد التلف، إنما يراد به النكال والكفارة. # وقال عمر، وعلي، وابن مسعود، يعطى كل عضو من الضرب حقه. قال الشافعي: ~~ويترك الجلاد في الوجه والفرج. # وقال الشافعي: يجلد العليل المضني بأنكول النخل، ولم يرد ذلك مالك، ولا ~~أرى أنه يبرئ الرجل من يمينه إذا حلف على ضربات وإن كان فيه قضبان كثيرة. # وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: نفي البكر، والزاني بعد جلد مائة، ~~وكذلك فعل أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي. # وروي ذلك عن ابن عمر، وأبي بن كعب، وبه قال عطاء، وطاووس، ومالك، ~~والثوري، وابن أبي ليلى، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور. # وروي عن ابن عمر أنه رأى نفي المملوك البكر إذا زنى، وهو قول الشافعي، ~~وأبي ثور. # وقال الشافعي، وحماد بن أبي سليمان، ومالك، وأحمد، وإسحاق: لا نفي على ~~المملوك. # ونفى عمر إلى فدك. # وقال الشعبي: ينفى الزاني عن عمله إلى عمل غير عمله. # وقال ابن أبي ليلى: ينفى سنة إلى بلد غير البلد الذي فجر فيه. # وقال مالك: يغرب عاما في بلد يحبس فيه لئلا يرجع إلى البلد الذي نفي ~~منه. # ثم قال تعالى: { وليشهد عذابهما طآئفة من ~~المؤمنين }. # قال مجاهد وابن أبي نجيح: أقل الطائفة رجل، وكذلك قال النخعي. # وقال الحسن، والشعبي: الطائفة رجل فما زاد. # وقال عطاء، وعكرمة: أقل الطائفة هما رجلان. # وقال الزهري: الطائفة ثلاثا فصاعدا. # وقال قتادة: هم نفر من المسلمين. # وقال ابن زيد: الطائفة هنا أربعة، وكذا قال: مالك، والليث. وإنما جعلت ~~الطائفة أربعة ليشهدوا أنه محدود على الزنا متى قذفه أحد بالزنا، فسقط حد ~~القذف عن القاذف بتلك الشهادة، والزنا لا يقبل فيه أقل من أربعة، ومنع ~~الزجاج أن تكون الطائفة واحدا، لأن معناها معنى الجماعة، ولا تكون ~~الجماعة لأقل ms1708 من اثنين، واختار الطبري قول من رأى أن أقل الطائفة رجل ~~واحد. # قال: واستحب أن لا يقصر على أربعة عدد، من تقبل شهادته على ذلك لأنه ~~إجماع. # وأجاز جماعة من أهل اللغة أن يقال للواحد طائفة، وللجماعة طائفة، لأن ~~معنى طائفة: قطعة، يقول: أكلت طائفة من الشاة، أي قطعة منها. # واستدل من قال: إن الطائفة تقع على الواحد بقوله تعالى: # فلولا نفر من كل فرقة منهم طآئفة # [التوبة: 123] ولم يختلف أن الواحد إذا نفر من جماعة لطلب العلم والتفهم ~~/ في الدين: أنه يجزئ: فهو طائفة. ### || [24.3] # قوله تعالى ذكره: { الزاني لا ينكح إلا زانية أو ~~مشركة } ، إلى قوله: { على المؤمنين }. # هذه الآية نزلت في قوم من المؤمنين استأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم ~~في نكاح نسوة من أهل الشرك معروفات، كن يكرين أنفسهن للزنا، فأنزل الله ~~تعالى تحريمهن على المؤمنين فقال: الزاني من المؤمنين لا يتزوج امرأة من ~~أولئك البغايا، فإن تزوجها فإنما يتزوج زانية أو مشركة لأنهن كن مشركات، ~~والزانية من أولئك البغايا لا ينكحها إلا زان من المؤمنين أو مشرك مثلها. # { وحرم ذلك على المؤمنين } ، أي حرم الله نكاحهن على ~~المؤمنين. # قال ابن عمر: استأذن رجل من المؤمنين النبي صلى الله عليه وسلم في امرأة ~~يقال لها: أم مهزول كانت تسافح وتشترط له أن تنفق عليه فنزلت الآية. # قال مجاهد: وقتادة، والزهري: نزلت الآية في نساء معلوم منهن الزنا في ~~الجاهلية، فأراد ناس من المسلمين نكاحهن، فالآية على هذا القول مخصوصة ~~محكمة في نساء بأعيانهن. # وروى مالك عن يحيى بن سعيد عن ابن المسيب: هي عامة ولكنها نسخت بقوله: { ~~وأنكحوا الأيامى منكم } الآية، فكل من زنى بامرأة فله أن ~~يتزوجها ولغيره أن يتزوجها بعد الاستبراء، وهو قول ابن عمر، وسالم، وجابر ~~بن زيد، وعطاء، وطاووس، ومالك وأبي حنيفة، والشافعي. # قال الشافعي: الآية منسوخة إن شاء الله، كما قال ابن المسيب. # وروي عن بعض أهل العلم أنه قال: إذا زنى الرجل بالمرأة ثم ظهر له أن ~~يتزوجها فليتعرض لها ms1709 في الزنا فإن قبلت منه، وساعدته فلا يتزوجها، وإن ~~أبته من العودة فليتزوجها إن شاء. وعن ابن عباس: أن النكاح هنا الوطء، أي ~~الزاني من أهل القبلة لا يزني إلا بزانية مثله من أهل القبلة أو مشركة، ~~والزانية من أهل القبلة لا تزني إلا بزان من أهل القبلة مثلها أو مشرك. # { وحرم ذلك على المؤمنين }. # أي وحرم الزنا على المؤمنين، واختار الطبري هذا القول، واحتج في ذلك بأن ~~الزانية من المسلمين لا يحل أن تتزوج مشركا بحال، ولا يجوز للزاني من ~~المسلمين أن يتزوج مشركة وثنية بحال، فيكون المعنى: الزاني من المسلمين ~~لا يزني إلا بزانية من المسلمين لا تستحل الزنا أو بمشركة تستحل الزنا ~~والزانية لا تزني إلا بزان من المسلمين لا يستحل الزنا أو بمشرك يستحل ~~الزنا، وأنكر هذا القول بعض العلماء، لقوله تعالى ذكره: { وحرم ~~ذلك على المؤمنين } لأنه لا يلزم على قول ابن عباس أن يكون ~~المعنى وحرم الزنا على المؤمنين وليس هو محرم على المؤمنين خاصة، وإنما ~~التقدير: حرم هذا النكاح على المؤمنين، أي نكاح البغايا، والزنا محرم على ~~المؤمن والكافر. # وقال الحسن: معنى الآية: الزاني المجلود لا ينكح إلا زانية مجلودة أو ~~مشركة، وكذا الزانية. # وهو مذهبه. # وروي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " الزاني المجلود لا ينكح إلا مثله ". # فعلى قول الحسن تكون المشركة هنا يراد بها الكتابية، وليس على هذا القول ~~أحد من فقهاء الأمصار، والحديث عندهم منسوخ بإنكاح الأيامى في القرآن. # قال أحمد بن يحيى: حقيقة النكاح الوطء. # تقول العرب: أنكحت الأرض الحنطة، وأنكر هذا أبو إسحاق وقال: النكاح ليس ~~هو الوطء، إنما هو عقده. # وقيل الآية محكمة، والمعنى الزاني المشهور ثلاثا لا يحل لمؤمنة أن ~~تتزوجه، والزانية المشهورة بالزنا لا يحل لمؤمن أن يتزوجها. # وقيل: هو منسوخ بإجماع المسلمين، إن المؤمن الزاني لا يحل له نكاح مشركة ~~ولا لغير زان، وكذلك الزانية المؤمنة لا يحل لها نكاح مشرك أي زواجه ~~بإجماع. ### || [24.4-11] # قوله تعالى ذكره: { والذين ms1710 يرمون المحصنات ثم لم ~~يأتوا بأربعة شهدآء } إلى قوله: { له عذاب عظيم }. # أي والذين يشتمون العفائف من الحرائر المسلمات / فيرمونهن بالزنا ثم لم ~~يأتوا على ما رموهن به من ذلك بأربعة شهداء عدول يشهدون عليهن بالزنا، { ~~فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة ~~أبدا وأولئك هم الفاسقون } ، أي الخارجون عن أمر الله ~~وطاعته، ومعنى أبدا مدة حياتهم، ووقع اللفظ على رمي النساء، ورمي الرجال ~~مثل ذلك، كما وقع الحكم على رمي الرجال في قوله: { والذين يرمون ~~المحصنات } ، والنساء كذلك يحددن إن قذفن. # وقيل إن المعنى: والذين يرمون الأنفس المحصنات فهو للرجال والنساء. # وهذه الآية نزلت في الذين رموا عائشة رضي الله عنها بما رموها به من ~~الإفك، قاله ابن جبير. # وقال الضحاك: هي في نساء المسلمين. # وقال ابن زيد: الفاسقون: الكاذبون. # ومعنى الإحصان هنا العفة. # ثم قال تعالى: { إلا الذين تابوا من بعد ذلك ~~وأصلحوا فإن الله غفور رحيم }. # أي إلا من تاب من بعد قذفه، وأخذ الحد منه وهو استثناء من قوله: # { ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا } ، فإذا تاب قبلت شهادته ~~وهو مذهب أكثر الفقهاء منهم: الشعبي، والزهري، وأبو الزناد، ومالك، ~~والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد وهو قول عمر بن الخطاب، ~~وابن أبي طلحة عن ابن عباس، وعطاء، ومجاهد، وطاوس، وبه قال عمر بن عبد ~~العزيز، وعبد الله بن عتبة، وابن المسيب. # وقال شريح: لا تجوز شهادته وإن تاب، يجعل الاستثناء من الفاسقين لأنه قد ~~منع قبول شهادته بالأبد، فلا تقبل أبدا. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لا تجوز شهادة محدود في الإسلام " # ، وبهذا القول يقول ابن عباس في رواية عطاء عنه، وبه قال سعيد بن جبير، ~~والنخعي والثوري، وأصحاب الرأي. فيكون أبدا وقف على قول من قال: لا تقبل ~~شهادته ولا يوقف عليه، وعلى قول من قال: تقبل إذا تاب. # واحتج الشافعي على من منع قبول شهادته إذا تاب بأنهم يقبلونها إذا تاب ~~قبل أن يحد، فينبغي إذا حد أن يكون قبولها ms1711 أولى، لأن الحدود كفارات ~~للذنوب، وهم كلهم يقبلون شهادة المحدود في الزنا، وشرب الخمر، والمسكر ~~إذا تاب، وكذلك الزنديق، والمشرك. # وقد قال تعالى: { إلا الذين تابوا } ، فهو راجع إلى كل من ~~تقدم ذكره، إلا أن يأتي خبر يدل على الخصوص. # ثم قال تعالى: { والذين يرمون أزواجهم ولم يكن ~~لهم شهدآء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع ~~شهادات بالله إنه لمن الصادقين }. # ارتفعت الشهادة بالابتداء، أي فعليه أن يشهد أربع شهادات بالله، وكسرت ~~إن في " إنه لمن " ، و " إنها لمن " لأنها جواب القسم. # وقوله: " أربع " من نصبه أعمل فيه فشهادة أحدهم، لأن التقدير: فإن شهد ~~أحدهما أربع شهادات بالله فهو مصدر ولا يحسن أن يكون مفعولا به، لأن ~~شهد لا يتعدى إلا أن يكون من الحضور نحو: شهدت العيد أي حضرته، ومعنى ~~الآية والذين يرمون نساءهم بالزنا، وليس لهم من يشهد بصحة قولهم فالذي ~~يقوم مقام الشهداء في دفع الحد عنه أن يحلف بالله أربعة أيمان أنه صادق ~~في قوله فيها، يقول: أشهد بالله إني لصادق أربع مرات. # وقيل بل يقول: بالله الذي لا إله إلا هو أربع مرات أنه رأى رجلا جامع ~~امرأته، ويقول في الخامسة: اللهم العني إن كنت كذبت عليها، وقيل: بل ~~يقول في الخامسة: لعنة الله عليه إن كان كاذبا عليها ومن نصب الخامسة ~~عطفها على أربع شهادات، وتقديره: ويشهد الشهادة الخامسة أن لعنة الله ~~عليه إن كان كاذبا فيما رماها به من الزنا، والذي يزيل عنها حد الزنا أن ~~تحلف أيضا بعد يمينه أربع شهادات أنه لكاذب عليها، وتقول في الخامسة: ~~غضب الله / عليها إن كان صادقا في قوله. وهذه الآية نزلت في هلال بن ~~أمية رجل من الأنصار وغيره رأوا زنا نسائهم وتيقنوه فأتوا النبي عليه ~~السلام فأخبروه، فشق ذلك على النبي وهم بحدهم على القذف، فأنزل الله ما ~~يقوم مقام الحد لمن لم يكن عنده شهداء، فدعا رسول الله بامرأة هلال، ~~فتلاعنا بين يديه ففرق رسول الله بينهما، وقضى بالولد لأمه ولا يدعى لأب. # قال ms1712 ابن عباس: ولا يجتمعان أبدا فمن لم يحلف منهما أقيم عليه الحد. # وقوله: { ويدرؤا عنها العذاب } ، يعني الحد أي يدفع عنها ~~حد الزانية شهادتها بالله أربع شهادات أنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب ~~الله عليها إن كان من الصادقين. # وقيل: العذاب هنا: الرجم، ومعناه العذاب الذي عهدتم من فعل نبيكم، ولذلك ~~أتى بالألف واللام. # وقيل: هو الجلد إن كانت غير محصنة، والرجم إن كانت محصنة، ولو امتنعت هي ~~أو هو من الخامسة لوجب الحد، ولا يجب عليها الحد إلا إذا امتنعت من ~~الالتعان بعد التعان الزوج أو من الخامسة، لأن التعان الزوج قد جعله الله ~~يقوم مقام أربعة شهداء، فكما يلزمها الحد لو أتى بأربعة شهداء، كذلك ~~يلزمها إن التعن. # فإن التعنت هي دفع ذلك عنها الحد، ولا يكون لعان إلا أن يقول: رأيت ~~بعيني أو ينكر الحمل، ويدعي الاستبراء قبله، أو ينكر ولدا فإن أنكر ~~الحمل فولدت لأقل من ستة أشهر فلا لعان بينهما وعليها الحد، فإذا تلاعنا ~~فرق بينهما، ولم يلحقه الولد ولا يتزوجها أبدا. فإن اعترف بعد ذلك ~~بالولد لحق به وحد حد الفرية. وإذا امتنعت من الالتعان أو من ~~الخامسة فحدت بالرجم ورثها زوجها وإن كان لم يدخل بها فحدت بالجلد ~~بقيا على نكاحهما، وإنما يسقط الميراث، ويقع الفراق بإكمالها للالتعان. # ثم قال تعالى: { ولولا فضل الله عليكم ورحمته ~~وأن الله تواب حكيم } ، جواب لولا محذوف أي: ولولا فضل ~~الله عليكم ورحمته بكم لعاجلكم بالعقوبة على معاصيكم، لأن الله تواب يتوب ~~على من تاب إليه من الزنا ومن غيره، حكيم في تدبيره. # ثم قال: { إن الذين جآءوا بالإفك عصبة منكم } أي ~~إن الذين جاءوا بالكذب والبهتان جماعة منكم. # { لا تحسبوه شرا لكم } ، أي لا تحسبوا ما جاءوا به من ~~الكذب عليكم شرا لكم عند الله وعند الناس، بل هو خير لكم عند الله وعند ~~المؤمنين، لأن الله يجعل ذلك كفارة لمن كذب عليه، وتطهيرا له، ويجعل له ~~منه مخرجا. # ويروى أن الذي عني بالذين جاءوا بالإفك ms1713 حسان بن ثابت، ومسطح ابن أثاثة، ~~وحمنة بنت جحش. # قال عبد الله بن عباس: عبدالله بن أبي بن سلول المنافق وهو الذي تولى ~~كبره. # والخطاب في هذه الآيات كلها لعائشة رضي الله عنها وأهلها. وقوله تعالى: ~~{ لكل امرىء منهم ما اكتسب من الإثم } ، يعني لكل ~~واحد من الذين جاءوا بالإفك جزاء ما جاء به من الإفك. # ثم قال: { والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم ~~} ، يعني والذي يحمل معظم الإثم، والإفك منهم وهو الذي بدأ بالخوض في ~~ذلك. # روي أنه حسان بن ثابت، وكان قد ذهب بصره في كبره. # وقالت عائشة رضي الله عنها: لعل الله يجعل ذلك العذاب العظيم ذهاب بصره ~~في الدنيا، رحمة ورقة عليه رضي الله عنها. # وقيل: هو عبد الله بن أبي بن سلول، قاله ابن عباس وابن زيد، ومجاهد، ~~وهو ابتدأ الكلام في ذلك. # وحديث الإفك طويل مشهور في أكثر الكتب فتركته لطوله واشتهاره. ### || [24.12-22] # قوله تعالى ذكره: { لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون ~~والمؤمنات } ، إلى قوله: { والله غفور رحيم } / # هذه الآية عتاب " من الله تعالى لأهل الإيمان فيما وقع في أنفسهم من أمر ~~عائشة، فالمعنى: هلا إذ سمعتم أيها المؤمنون ما قال أهل الإفك في عائشة، ~~ظننتم خيرا بمن قذف، ولا تظنوا الفاحشة. # قال ابن زيد معناه: هلا ظن المؤمن أن المؤمن لم يكن يفجر بأمه. # ثم قال: { هذآ إفك مبين } ، أي وقال المؤمنون: هذا الذي جاء ~~به هؤلاء كذب ظاهر. # ثم قال تعالى: { لولا جآءوا عليه بأربعة شهدآء } ، ~~أي هلا جاء هؤلاء المبطلون القائلون في عائشة الكذب بأربعة شهداء على ~~تصحيح قولهم فيها، فإذ لم يأتوا بالشهداء على ما رموها به فأولئك عند ~~الله هم الكاذبون فيما جاءوا به من الإفك. # ثم قال: { ولولا فضل الله عليكم ورحمته } ، يعني ~~الخائضين في الإفك. # { لمسكم في مآ أفضتم فيه عذاب عظيم } ، أي لعجل ~~عليكم بالعقوبة، ولكن تفضل عليكم بتأخيرها، ورحمكم فقبل توبتكم من ذلك. # ثم قال تعالى: { إذ تلقونه بألسنتكم } ، أي لمسكم فيما ~~أفضتم فيه عذاب ms1714 عظيم حين تتلقونه بألسنتكم، أي تتلقون الإفك: أي يأخذه ~~بعضكم عن بعض، ويقبله منه. # روي أن الرجل منهم كان يلقى الرجل فيقول: أو ما بلغك كذا وكذا عن عائشة؟ ~~لتشيع بذلك عليها الفاحشة. # قال مجاهد: { إذ تلقونه } يرويه بعضكم عن بعض. # وقرأت عائشة رضي الله عنها: " إذ تلقونه " بكسر اللام وضم القاف مخففا. ~~يقال: ولق، يلق إذا أسرع في الكذب واشتقاقه من الولق، وهو الخفة والسرعة. # وقوله: { وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم ~~} أي تقولون من الخبر الذي تروونه ولا تعلمون حقيقته ولا صحته. # وقال { وتحسبونه هينا } ، أي وتحسبون أن قول ذلك وروايتكم ~~الكذب والبهتان هينا أي سهلا، لا إثم فيه عليكم، وهو عند الله عظيم؛ ~~لأنكم تؤذون به النبي صلى الله عليه وسلم وحليلته. # ولا يوقف على ذلك { عذاب عظيم } لأنه عامل في " إذا " ، والوقف ~~على { وهو عند الله عظيم }. # ثم قال: { ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنآ ~~أن نتكلم بهذا } ، أي هلا إذ سمعتم الإفك أيها الخائضون فيه ~~قلتم: ما يحل لنا أن نتكلم بهذا سبحانك أي تنزيها لك وبراءة لك من ~~السوء، هذا القول بهتان عظيم. # ثم قال تعالى: { يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا ~~} ، أي يذكركم الله، وينهاكم بأي كتابه لئلا تعودوا لمثله، أي لمثل فعلكم ~~في تلقيكم الإفك، وقبولكم له، وخوضكم فيه { إن كنتم مؤمنين } ، ~~أي إن كنتم تتعظون بعظات الله وتأتمرون لأمره. # ثم قال: { ويبين الله لكم الآيات } أي يبين ما تهلكون ~~بوقوعكم فيه لتجتنبوه. # { والله عليم حكيم } ، أي عليم بخلقه ومصالحهم، حكيم في ~~تدبيره. # ثم قال تعالى: { إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة ~~في الذين آمنوا لهم عذاب أليم } ، أي إن الذين يحبون أن ~~يذيع الزنا في الذين صدقوا الله ورسوله لهم عذاب مؤلم في الدنيا بالحد، ~~وفي الآخرة بعذاب النار إن مات مصرا على ذلك غير تائب منه. # قال ابن زيد: عني به الخبيث عبد الله بن أبي بن سلول المنافق، هو أشاع ~~على عائشة ما أشاع من الفرية. # ثم ms1715 قال تعالى: { والله يعلم وأنتم لا تعلمون } ، أي ~~والله يعلم كذب الذين جاءوا بالإفك وأنتم أيها الناس لا تعلمون ذلك لأنكم ~~لا تعلمون الغيب. # وقيل: المعنى والله يعلم مقدار عظم هذا الذنب، والمجازاة عليه، وأنتم لا ~~تعلمون ذلك. # ثم قال: { ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن ~~الله رءوف رحيم } ، أي ولولا أن الله تفضل عليكم أيها الناس ~~ورحمكم لهلكتم فيما أفضتم فيه، ولكن الله ذو رأفة، ورحمة بخلقه فلم ~~يعاجلكم بالعقوبة. # ثم قال: { يأيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات ~~الشيطان } ، أي لا تسلكوا سبيل الشيطان وطرقه فتشيعوا الفاحشة في من ~~لم يأتها. { ومن يتبع خطوات الشيطان } ، أي من يسلك طرقه ~~وسبله. # { فإنه يأمر بالفحشآء والمنكر } ، أي بالزنا ~~والمنكر من القول. ثم قال: # { ولولا فضل الله عليكم / ورحمته ما زكى ~~منكم من أحد أبدا } ، أي يطهر من يشاء من خلقه. # قال ابن عباس: { ما زكى منكم من أحد أبدا } أي ما اهتدى ~~أحد من الخلائق لشيء من الخير ينفع به نفسه، ولم يتق شيئا من الشر يدفعه ~~عن نفسه. # وقال ابن زيد: " ما زكى " ما أسلم، قال: وكل شيء في القرآن زكى وتزكى ~~فهو الإسلام. # { والله سميع عليم } ، أي سميع لما تقولون بألسنتكم وغير ذلك ~~من كلامكم، عليم بذلك كله وبغيره من سائر الأمور. # وقال الكسائي: { ما زكى منكم } ، جواب لولا الأولى والثانية. # ثم قال تعالى: { ولا يأتل أولوا الفضل منكم ~~والسعة أن يؤتوا أولي القربى } ، أي: ولا يحلف بالله ~~ذو الفضل والجدة أن لا يؤتوا أولي القربى. ويأتل: يفتعل من الآلية، وقرأ ~~أبو جعفر، وزيد بن أسلم: يتأل على يفتعل من الآلية أيضا، عني بذلك أبا ~~بكر رضي الله عنه حلف ألا ينفق على مسطح وهو ابن خالته، وكان مسكينا ~~مهاجرا بدريا، وكان قد خاض في أمر الإفك مع من خاض فيه. # ثم قال: { وليعفوا وليصفحوا } ، أي ليعف أبو بكر عما ~~فعل مسطح من الإشاعة في أمر عائشة، وليترك عقوبته على ذلك. # ثم قال تعالى: { ألا تحبون أن يغفر الله ms1716 لكم } ، أي ~~ألا يحب أبو بكر أن يستر الله عليه ذنوبه { والله غفور رحيم ~~}. # قالت عائشة رضي الله عنها: قال أبو بكر لما نزلت هذه الآية: والله إني ~~لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح نفقته التي كان ينفق عليه. وقال: ~~والله لا أنزعها منه أبدا. # وقال ابن عباس: معناها لا تقسموا ألا تنفعوا أبدا. # وعن ابن عباس أن ناسا رموا عائشة بالقبيح، فأقسم ناس من أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم منهم أبو بكر ألا يتصدقوا عليهم ولا يصلوهم، فنزلت ~~الآية في ذلك فرجعوا إلى الصلة والصدقة هذا معنى قوله. وكذلك قال الضحاك: ~~كان أبو بكر وغيره من المسلمين ينفقون كالأول فلذلك أتى الخطاب بلفظ ~~الجماعة. # وقد قيل: إن معنى { ولا يأتل } ، لا يقصر، من قولهم ما ألوت في ~~كذا أي ما قصرت، فيكون التقدير: ولا يقصر أولو الفضل عن أن يؤتوا أولي ~~القربى، وعلى القول الأول: ولا يحلف بالله أولوا الفضل كراهة أن يؤتوا، ~~ولئلا يؤتوا. ### || [24.23-27] # قوله تعالى ذكره: { إن الذين يرمون المحصنات ~~الغافلات } إلى قوله: { لعلكم تذكرون } ، # أي إن الذين يرمون بالفاحشة المحصنات، أي العفيفات الغافلات عن الفواحش، ~~المؤمنات بالله ورسوله لعنوا في الدنيا والآخرة، أي أبعدوا من رحمة الله ~~في الدنيا والآخرة. # ولهم في الآخرة عذاب عظيم # [المائدة: 33]. # قال ابن جبير: هذا في عائشة خاصة لأن الزنا أشد من قذف المحصنة وقد جعل ~~الله في الزنا التوبة. # وقال الضحاك: ذلك لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم كلهن خاصة. # وقال ابن زيد: هو في عائشة، ولمن صنع ذلك اليوم في المسلمات فله مثل ~~ذلك. # وقال ابن عباس: هي في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم رماهن أهل النفاق ~~فأوجب الله لهم اللعنة والغضب وباءوا بسخط من الله فكان ذلك في أزواج ~~النبي صلى الله عليه وسلم ثم نزل بعد ذلك: # والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا ~~بأربعة شهدآء # [النور: 4]، إلى # فإن الله غفور رحيم # [النور: 5] فأنزل الله عز وجل الجلد والتوبة، فالتوبة تقبل والشهادة ~~ترد. ms1717 فقول ابن عباس، والضحاك يوجب أن من قذف أزواج النبي صلى الله عليه ~~وسلم فهو ملعون في الدنيا والآخرة، ومن قذف غيرهن فهو فاسق. # واختار النحاس أن يكون عاما للمذكر والمؤنث والتقدير: والذين يرمون ~~الأنفس المحصنات، فيدخل فيه المذكر والمؤنث، وإنما غلب المؤنث هنا لأنه ~~إذا قذف امرأة فقد قذف معها رجلا فاستغنى بذكر المرأة عن الرجل. # ثم قال تعالى: { يوم تشهد عليهم ألسنتهم ~~وأيديهم / وأرجلهم بما كانوا يعملون } ، أي ولهم ~~عذاب عظيم في يوم تشهد عليهم جوارحهم بعملهم، يعني: يوم القيامة، ~~وألسنتهم تشهد عليهم بعد الختم على أفواههم. # وقيل: إن ألسنة بعضهم تشهد على بعض. # وقد روى الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا كان يوم القيامة عرف الكافر بعمله فجحد وخاصم، فيقال له: هؤلاء ~~جيرانك يشهدون عليك. فيقول: كذبوا، فيقال: أهلك وعشيرتك. فيقول: كذبوا. ~~فيقول الله عز وجل: أتحلفون؟ فيحلفون ثم يصمتهم الله وتشهد ألسنتهم، ثم ~~يدخلهم النار ". # ثم قال تعالى: { يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق } ~~، أي يوم تشهد عليهم جوارحهم بالحق يوفيهم الله في جزاءهم الحق على ~~أعمالهم، والدين: الجزاء والحساب. # ثم قال: { ويعلمون أن الله هو الحق المبين } ، أي ~~ويعلمون يومئذ أن الله هو الحق، أي هو الذي يبين لهم حقائق ما كان يعدهم ~~في الدنيا من العذاب، فمجازاة الكافر والمسيء بالحق والعدل، ومجازاة ~~المحسن بالفضل والإحسان. # ثم قال تعالى ذكره: { الخبيثات للخبيثين } ، الآية. # قال ابن جبير، وعطاء، ومجاهد: معناها الكلمات الخبيثات للخبيثين من ~~الناس والخبيثون من الناس للخبيثات من القول والطيبات من الكلام للطيبين ~~من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من القول. # وتقديره: الكلمات الخبيثات لا يقولهن إلا الخبيث من الناس، والكلمات ~~الطيبات لا يقولهن إلا الطيب من الناس، ودل على صحة هذا المعنى قوله: # { أولئك مبرءون مما يقولون } أي عائشة وصفوان بن ~~المعطل مبرءون مما يقول الخبيثون والخبيثات، وجمع وهما اثنان كما قال ~~تعالى: { فإن كان له إخوة } يريد أخوين فأكثر وقيل: معناه ~~الخبيثات من الكلام إنما يلصق بالخبيثين والخبيثات من الناس، ms1718 لا بالطيبين ~~والطيبات. # وقيل: المعنى الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من ~~الرجال للخبيثات من النساء، قاله ابن زيد، قال: كان عبد الله بن أبي ~~خبيثا فكان هو أولى بأن تكون له الخبيثة ويكون لها، وكان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم طيبا وكان أولى أن تكون له الطيبة، وكانت عائشة طيبة، ~~فكانت أولى بأن يكون لها الطيب، ولذلك سميت عائشة بالطيبة. # وقيل: سميت بالطيبة لأن الله طيبها لرسول الله صلى الله عليه وسلم. # روي أن جبريل عليه السلام أتاه بها في سرقة من حرير قبل أن تصور في رحم ~~أمها فقال له، هذه عائشة: ابنة أبي بكر زوجتكها في الدنيا، وزوجتكها في ~~الجنة. # وقيل: إن هذه الآية مبنية على صدر السورة في قوله: # الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية ~~لا ينكحهآ إلا زان أو مشرك # [النور: 3]، فبين في هذا أن الخبيثات وهن الزواني للخبيثين من الرجال، ~~وهم الزناة، والخبيثون من الرجال وهم الزناة للخبيثات من النساء وهن ~~الزواني وكذلك الطيبات المؤمنات العفائف للطيبين المؤمنين الأعفاء، فهذا ~~مثل ما في أول السورة، ثم نسخ ذلك كله بما نسخ به ما في أول السورة، وقد ~~مضى ذكره على الاختلاف المتقدم الذكر، وهذا كله هو يرجع إلى قول ابن زيد ~~المذكور، فالمعنى على هذا نكاح الزواني للزناة، ونكاح الزناة للزواني، ~~ونكاح العفائف للأعفاء، ونكاح الأعفاء للعفائف، ثم نسخ ذلك بقوله جل ~~ذكره: # وأنكحوا الأيامى منكم # [النور: 32] فهم جميع الأيامى. # ثم قال: { لهم مغفرة ورزق كريم } ، أي لعائشة، وصفوان ~~ستر من الله على ذنوبهما ولهم الجنة كذلك. # قال قتادة: ثم قال تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا ~~تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا } ، ~~الآية، يعني به البيوت التي لها أرباب، أمر المؤمنين ألا يدخلوها حتى ~~يستأذنوا، ويسلموا على أربابها، ثم أعلمهم أن ليس عليهم جناح أن يدخلوا ~~البيوت التي ليس لها أرباب ولا سكان بغير استئذان / هذا قول ابن جبير. # وروي عن ابن عباس، وعكرمة أن الآية فيها تقديم وتأخير يعني: ms1719 حتى تسلموا ~~على أهلها وتستأذنوا، ثم استثنى البيوت التي على طرق الناس، والتي ينزلها ~~المسافرون فقال: # ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير ~~مسكونة فيها متاع لكم # [النور: 29]، ومعنى متاع لكم أي منفعة لكم، ومنعة من الحر والبرد وغير ~~ذلك. # وعن ابن جبير أنه قال: أخطأ الكاتب إنما هو حتى تستأذنوا، وهذا القول ~~منكر عند أهل العلم، لأن الله قد حفظ كتابه من الخطأ. # ومعنى: حتى تستأنسوا: تستأذنوا، قاله عكرمة. # وقال مجاهد: هو التنحنح والتنخم. # وقال أهل اللغة: معنى تستأنسوا: تستعلموا، من قوله: # فإن آنستم منهم رشدا # [النساء: 6] أي إن علمتم. فالمعنى حتى تستعلموا أيؤذن لكم أم لا؟ # ثم قال: { ذلكم خير لكم } ، أي الاستعلام، والسلام على أهل ~~البيت خير لكم لأنكم لا تدرون لو دخلتموه بغير استئذان على ما تهجمون ~~أعلى ما يسؤكم أم على ما يسركم؟ # ثم قال: { لعلكم تذكرون } ، أي لتذكروا بفعلكم ذلك أمر الله ~~لكم فتطيعوه. ### || [24.28-31] # قوله تعالى ذكره: { فإن لم تجدوا فيهآ أحدا فلا ~~تدخلوها حتى يؤذن لكم } ، إلى قوله: { لعلكم ~~تفلحون } ، # أي فإن لم تجدوا في البيوت التي تستأذنون فيها أحدا يأذن لكم بالدخول ~~فلا تدخلوها، لأن دخولها لا يحل إلا بإذن أهلها، فإن قال لكم أهل البيوت: ~~ارجعوا عنها فارجعوا ولا تدخلوها { هو أزكى لكم } ، أي الرجوع ~~أزكى لكم: أي أطهر لكم عند الله. # ثم قال: { والله بما تعملون عليم } ، أي بما تعملون من ~~رجوعكم إذا قيل لكم ارجعوا، وطاعتكم لما أمركم به. # ثم قال: { ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير ~~مسكونة فيها متاع لكم } ، أي ليس عليكم إثم أن تدخلوا ~~بيوتا لا يسكنها أحد بغير استئذان. # قال محمد بن الحنفية: هي الخانات التي تكون في الطرق، والخانات: ~~الفنادق. # وقال قتادة: هي الخانات وبيوت أهل الأسفار. # وقال الضحاك: هي البيوت التي تكون في الطرق والخربة. # وقوله: { فيها متاع لكم } ، أي منفعة للمسافرين في الشتاء ~~والصيف يأوي إليها. # وعن ابن الحنفية: أنها بيوت مكة. # وقال ابن جريج: سمعت عطاء يقول: هي الخرب، ms1720 ومعنى { فيها متاع ~~لكم } ، يعني الخلاء، والبول، والاستتار فيها. # وقال ابن زيد: هي بيوت التجار فيها أمتعة الناس يعني الحوانيت والتي في ~~القياسير. # وتحقيق الآية: لا حرج على من دخل بيتا لا ساكن له، ولا دافع عنه من غير ~~أن يستأذن، فبيوت التجار مملوكة لهم لا يحسن دخولها إلا بإذنهم إلا أن ~~يكون قد علم منهم أنهم إنما فتحوها ليدخل عليهم فلا يستأذن، لأن فعلهم ~~كالإذن. # ثم قال: { والله يعلم ما تبدون } ، أي ما تظهرون من ~~الاستئذان على أهل البيوت المسكونة { وما تكتمون } ، أي ما تضمرون ~~في صدوركم عند فعلكم ذلك؛ أطاعة الله تريدون أو غير ذلك. # ثم قال تعالى: { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم } ~~، أي يكفوا عن نظر ما لا يحل لهم والنظر إليه { ويحفظوا ~~فروجهم } ، أن يراها من لا يحل له أن يراها. أي يلبسوا ما يسترها عن ~~أبصارهم. # وقيل لا يستمتعون إلا لمن يحل لهم من زوجة أو ملك يمين. ولما كان ~~استعمال الفرج فيما لا يحل منهيا عنه، لم تدخل " من " فلم يقل ويحفظوا ~~من فروجهم، ولما كانت النظرة الأولى لا تملك، قال: { من أبصارهم ~~} فدخلت " من " للتبعيض. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن من خير عين تنشر يوم القيامة عين رجل من بني إسرائيل، بينما هو ~~قائم يصلي نظر إلى امرأة بإحدى عينيه، فهوى إلى الأرض فأخذ عودا ففقأ به ~~العين التي نظر بها إلى المرأة ". # ثم قال: { ذلك أزكى لهم } ، أي حفظها، وغض أبصارهم أطهر لهم ~~عند الله، { إن الله خبير بما / يصنعون } ، أي ذو خبر ~~بما يصنعون مما أمركم به من غض البصر، وحفظ الفرج. # قال أبو العالية: كل فرج ذكر في القرآن فهو من الزنا إلا في هذه الآية، ~~يريد أنه إنما أمروا أن يستروا فروجهم لئلا يراها من لا يحل له رؤيتها. # ثم قال: { وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ~~ويحفظن فروجهن } ، يعني التستر. # قال ابن عباس: يغضوا من أبصارهم عن سوآتهم. # قال ابن زيد: يغض من بصره ms1721 أن ينظر إلى ما لا يحل له، إذا رأى ما لا يحل ~~له، غض بصره، ولا ينظر إليه، ولا يستطيع أحد أن يغض بصره كله، إنما قال: ~~" يغضوا من أبصارهم " ، يريد أن النظرة الأولى لا يقدر أحد أن يملكها، ~~فالنهي إنما وقع على النظرة بعد النظرة الأولى، ولذلك قال: { من ~~أبصارهم } ولم يقل: يغضوا أبصارهم؛ لأن النظرة الأولى لا يقدر على ~~الكف عنها، لأنها فجأة. # قال بعض العلماء: حرم الله على المسلمين نصا أن يدخلوا الحمام بغير ~~مئزر. # وأجمع المسلمون أن السوءتين عورة من الرجل، وأن المرأة كلها عورة، إلا ~~وجهها ويديها، فإنهم اختلفوا فيهما. # وأكثر أهل العلم: على أن من سرة الرجل إلى ركبته عورة، لا يجوز أن ترى. # و # " سأل جرير بن عبد الله النبي صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجأة، فقال: ~~اصرف بصرك، لأنه لو لم يصرف بصره لكان تاركا لما أمره الله به، ناظرا ~~اختيارا ". # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم # " أنه قال لعلي بن أبي طالب يا علي: إن لك كنزا في الجنة، وإنك ذو ~~قرنيها فلا تتبع النظرة النظرة، فإنما لك الأولى، وليست لك الآخرة ". # وروي عن أم سلمة: زوج النبي عليه السلام: أنها قالت: # " استأذن ابن أم مكثوم، وأنا وعائشة عند النبي عليه السلام، فقال لنا: ~~احتجبن فقلنا: أو ليس بأعمى لا يبصرنا، فقال: أفعمياوان أنتما ". # قال أبو محمد: وهذه الآية تضمنت خمسة وعشرين ضميرا بين مرفوع ومخفوض، ~~كلها تعود على المؤمنات، أولها الضمير المرفوع في { يغضضن } وآخرها ~~الضمير المخفوض في قوله تعالى: { من زينتهن } ولا أعلم لهذه الآية ~~نظيرا في القرآن في كثرة ضمائرها فاعلمه. # ثم قال: { ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها } ، ~~أي ولا يظهرن لمن ليس بذي محرم زينتهن في بيوتهن، كالخلخال، والسوارين، ~~والقرط، والقلادة. # ثم قال: { إلا ما ظهر منها }. # قال ابن مسعود: هي زينة الثياب، وكذلك قال النخعي، والحسن. # وقال ابن عباس: هو الكحل، والخاتم. # وقال ابن جبير: هو الوجه والكف. # وقال عطاء: الكفان والوجه. ms1722 # وقال قتادة: الكحل، والسوار، والخاتم. # وعن ابن عباس أنه قال: الزينة الظاهرة الوجه، وكحل العين، وخضاب الكف، ~~والخاتم، قال: فهذا ما تظهر في بيتها لمن دخل عليها من الناس. # وقالت عائشة رضي الله عنها: هو القلب والفتحة، يعني السوار ~~والخاتم. # وقيل: الفتحة حلق من فضة، تجعلها النساء في أصابعهن. # وقول من قال: هو الوجه والكفان أحسنها، لأن العلماء قد أجمعوا أن للمرأة ~~أن تكشف وجهها، وكفيها في صلاتها، وأن عليها أن تستر ما عدا ذلك. # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه أباح لها أن تبدي من ذراعيها ~~إلى قرب النصف، فالكحل، والخاتم، والخضاب، والبنان داخل تحت هذا، فإذا ~~كان لها ذلك مباحا في الصلاة علم أنها ليس بعورة، وإذا لم يكن عورة جاز ~~لها إظهاره، كما أن ما ليس بعورة من الرجل جائز له إظهاره، فيكون هذا مما ~~استثناه الله جل ذكره. # ثم قال تعالى: { وليضربن بخمرهن على جيوبهن } ، ~~أي وليلقين خمرهن، وهو جمع خمار على جيوبهن، ليسترن شعورهن وأعناقهن. # ثم قال تعالى: { ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ~~} ، وما بعد ذلك من القرابة، يعني الزينة التي هي غير ظاهرة كالخلخال ~~والدملج والقرط، وما أمرت أن تغطيه بخمارها من فوق الجيب، وما وراء ما ~~أبيح لها كشفه وإبرازه في الصلاة للأجنبيين من الناس، من الذراعين إلى ما ~~فوق ذلك /. # وقال قتادة: يبدين لهؤلاء الرأس. # قال ابن عباس: الذي يبدين لهؤلاء هو قرطاها، وقلادتها وسوارها، وأما ~~خلخالاها ومعضداها، ونحرها وشعرها، فإنه لا تبديه إلا لزوجها. # وقال ابن مسعود: أي هو الطوق والقرطان. # وقيل: معنى: { وليضربن بخمرهن على جيوبهن } ، أي ~~ليغط شعرها وصدرها وتوائبها، وكلما زين وجهها، ومعنى: { ولا يبدين ~~زينتهن إلا لبعولتهن } ، ومن بعدهم أي لا يضعن ~~جلابيبهن، وهي المقانع التي فوق الخمار، إلا لهؤلاء المذكورين. # وقوله: { أو نسآئهن } يعني بذلك نساء المسلمين، يعني المؤمنات ~~منهن. قاله ابن جريج، قال: ولا يحل لمسلمة أن تري مشركة عورتها، إلا أن ~~تكون لها، فذلك قوله: { أو ما ملكت أيمانهن } ، وكتب عمر ms1723 ~~بن الخطاب إلى أبي عبيدة ابن الجراح رضي الله عنهما " أما بعد فإنه ~~بلغني، أن نساء يدخلن الحمامات، معهن نساء أهل الكتاب، فامنع ذلك وحل ~~دونه " ، ثم إن أبا عبيدة قام في ذلك المقام متبتلا، فقال: اللهم أيما ~~امرأة تدخل الحمام من غير علة، ولا سقم، تريد البياض لزوجها، فسود وجهها ~~يوم تبيض الوجوه. # وقوله تعالى ذكره: { أو ما ملكت أيمانهن } ، يعني ~~المماليك، لها أن تبدي له من الزينة، ما تبدي لغيره من ذوي المحارم، وهو ~~قول عائشة وأم سلمة جعلتا العبد بمنزلة ذي المحرم في هذه الآية، فلا يحل ~~له أن يتزوج سيدته، وهو في ملكها، لأنه ما دام مملوكا فهو بمنزلة (ذوي ~~المحارم)، وهذا هو قوله: # ليستأذنكم الذين ملكت أيمنكم والذين لم ~~يبلغوا الحلم منكم # [النور: 58]. # وقيل: إنه ليس للعبد أن يرى منها إلا ما يرى الأجنبي. # قال ابن عباس: لا ينظر عبدها إلى شعرها ولا إلى نحرها وهو مذهب: ابن ~~مسعود، ومجاهد، وعطاء، فأما الخلخالان عند ابن عباس فلا ينظر إليه إلا ~~الزوج، فيكون التقدير على هذا القول الثاني: أو ما ملكت أيمانهن غير أولي ~~الإربة أو التابعين غير أولي الإربة ثم حذف. # وقيل: { أو ما ملكت أيمانهن } ، إنما هو للإماء خاصة. قال ~~ذلك ابن المسيب. # وقيل: للصغار خاصة. # وقوله: { أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال ~~} ، أي والذين يتبعونكم لطعام يأكلونه عندكم ممن لا أرب له في النساء من ~~الرجال. # قال قتادة: " هو الرجل يتبعك ليصيب من طعامك ". # وقال ابن عباس: هو الأحمق الذي لا حاجة له في النساء، وقاله الزهري. # قال مجاهد: هو الذي يريد الطعام ولا يريد النساء، ولا يهمه إلا بطنه ولا ~~يخاف منه على النساء. وقالت عائشة رضي الله عنها: # " كان رجل يدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا يعدونه من ~~غير أولي الإربة، فدخل عليه النبي يوما، وهو عند بعض نسائه، وهو ينعت ~~امرأة، فقال: إنها إذا أقبلت، أقبلت بأربع، وإذا أدبرت أدبرت بثمان، ~~فقال النبي صلى الله عليه ms1724 وسلم لأرى هذا يعلم ما ها هنا، لا يدخلن عليكم ~~فحجبوه ". # وقال عكرمة: " غير أولي الإربة " ، هو المخنث، الذي لا يقوم له: يريد ~~العنين. # وقيل: هو الشيخ الهرم، والخنتى، والمعتوه، والطفل، والعنين. # والإربة والأرب: الحاجة. ومن نصب غيرا نصبه على الحال. # وقيل: على الاستثناء، ومن خفضه جعله نعتا للتابعين. # وقوله: { أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات ~~النسآء } ، أي الذين لم يكشفوا عن عورات النساء لجماعهن فتطلعوا ~~عليها. # قال مجاهد: الذين لم يدروا ما هي من الصغر قبل الحلم، وقيل: لم يظهروا: ~~لم يطيقوا ذلك، كما يقال: ظهر فلان على فلان: أي قدر عليه وغلبه. والطفل ~~هنا بمعنى الأطفال، دل على ذلك نعته بالذين. # ثم قال تعالى: { ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما ~~يخفين من زينتهن } ، أي لا يجعلن في أرجلهن من الحلي ما إذا ~~مشين أو حركنهن علم الناس ما يخفين من ذلك. # قال ابن عباس: هو أن تقرع الخلخال بالآخر عند الرجال أو يكون في رجليها ~~خلاخل فتحركهن عند الرجال / فنهى الله جل ثناؤه عن ذلك لأنه من عمل ~~الشيطان. # وقال السدي: عن أبي مالك: كانت المرأة تلبس في رجليها الخلاخل، وتمر على ~~المجلس، فتضرب برجليها ليسمع صوت خلاخلها، فنزلت هذه الآية في ذلك. # وعن ابن عباس أنه قال: لا تضرب إحدى رجليها بالأخرى ليقرع الخلخال ~~الخلخال فيظهر صوته. # ثم قال: { وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون } ~~، أي ارجعوا إلى طاعة الله فيما أمركم به ونهاكم عنه من غض البصر، وحفظ ~~الفرج، وترك دخول بيوت غيركم إلا بعد الاستئذان، وغير ذلك من أمره ونهيه. # { لعلكم تفلحون } أي لعلكم تدركون طلباتكم عنده بالنجاة ~~والبقاء في النعيم. # روى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " الندم على الدنيا توبة ". # وروى ابن مسعود: أن النبي عليه السلام قال: # " لله أفرح بتوبة عبده إذا تاب إليه من رجل ضلت منه راحلته بداوية قفر ~~عليها طعامه وشرابه، فطلبها حتى إذا جهده الطلب، قال: أرجع فأموت في موضع ~~رحلي، فجاء موضع رحله فوضع ms1725 رأسه فبينما هو كذلك، إذا هو براحلته عليها ~~طعامه، وشرابه عند رأسه ". ### || [24.32] # قوله تعالى ذكره: { وأنكحوا الأيامى منكم } ، إلى قوله: { ~~واسع عليم } # وزوجوا أيها المؤمنون الأيامى منكم، أي من لا زوج لها من المسلمات ~~الحرائر، ومن لا زوجة له من الرجال، وأهل الصلاح من عبيدكم، ومن ~~مملوكاتكم. # والأيامى جمع أيم مشبهة بيتيمة ويتامى، يقال: أيم وأيامى، وأيايم، وأيام ~~مثل: جيد وجياد. # والأيم عند أهل اللغة: من لا زوج لها كانت بكرا أو ثيبا. حكى ذلك أبو ~~عمرو والكسائي وغيرهما، وهو قول مالك وغيره. # يقال: رجل أيم، وامرأة أيم وأيمة: إذا لم يكن لواحد منهما زوج. # وقرأ الحسن: { والصالحين من عبادكم } وعبيد اسم للجمع. # وروى عكرمة عن ابن عباس: أنه قال: من كانت له جارية فلم يصبها، أو لم ~~يزوجها، أو كان له عبد فلم يزوجه، فما صنعا من فاحشة فإثم ذلك على السيد. ~~وهذا يدل على أن الآية على الحتم والأمر للسادة بذلك. # ثم قال تعالى: { إن يكونوا فقرآء يغنهم الله من ~~فضله } ، أي إن يكن هؤلاء الذين أمرتم بإنكاحهم ذوي فاقة، وفقر يغنهم ~~الله من فضله، فلا يمنعكم فقرهم من إنكاحهم. # وقال ابن عباس: أمر الله سبحانه بالنكاح ورغبهم فيه، وأمرهم أن يزوجوا ~~أحرارهم وعبيدهم، ووعدهم في ذلك الغنى فقال: { إن يكونوا فقرآء ~~يغنهم الله من فضله }. # وقال ابن مسعود: التمسوا الغنى في النكاح، يقول الله سبحانه: # { إن يكونوا فقرآء يغنهم الله من فضله }. # ويروى عن عمر أنه قال: عجبت لامرئ كيف لا يرغب في الباءة، والله يقول: { ~~إن يكونوا فقرآء يغنهم الله من فضله }. # وقيل: معنى الآية: يغنهم الله من فضله بالنكاح، وكذلك: # وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته # [النساء: 130] أي بالنكاح يعني بالتزويج، لأنه لم يجعل كل زوج مقصورا ~~على زوج أبدا. # وقوله تعالى: { والله واسع عليم } ، أي واسع الفضل يغني من ~~يشاء من فضله عليم بمصالح خلقه وأعمالهم. ### || [24.33-35] # قوله تعالى ذكره: { وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا ~~} ، إلى قوله: { والله بكل شيء عليم }. # أي ms1726 وليمتنع عن الحرام الذين لا يجدون ما ينكحون حتى يوسع الله عليهم من ~~فضله، فالنكاح في هذا الموضع: اسم لما ينكح به من المهر، والنفقة فسمي ما ~~ينكح به نكاح، كما قيل: لما يلتحف به كاف ولما يرتدي به رداء، ولما يلبس ~~لباس. # ثم قال: { والذين يبتغون الكتاب مما ملكت ~~أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا } ، هذا ~~ندب ندب الله عباده إليه ومعنى { إن علمتم فيهم خيرا } إن ~~علمتم فيهم مقدرة على التكسب لأداء ما كتب عليه مع القيام بما يلزمه من ~~أمر نفسه، ومع إقامة / فروضهم، فالمكاتبة معلومة ما هي، وولاء المكاتب ~~لمن كاتبه. # وقد قال ابن جريج: فرض على الرجل أن يكاتب عبده الذي قد علم فيه خيرا، ~~إذا سأله العبد ذلك، وقاله عطاء، وروي ذلك عن عمر، وابن عباس، وهو اختيار ~~الطبري لأن ظاهر الآية الأمر بالمكاتبة، وأمر الله فرض، إلا أن يدل على ~~أنه ندب إجماع أو سنة. # ومذهب أهل المدينة مالك وأصحابه: أنه ندب من غير فرض. # وقال الثوري: لا يجبر السيد على المكاتبة. # وكره ابن عمر أن يكاتب العبد إذا لم تكن له حرفة وقال: تطعمني أوساخ ~~أيدي الناس. # قال ابن عباس: { إن علمتم فيهم خيرا } ، أي إن علمتم أن ~~لهم حيلة لا يلقون مؤنتهم على الناس. # وقال مالك: إنه ليقال: الخير القوة والأداء، وهو قول ابن زيد. # وقال الحسن: معناه: إن علمتم فيهم صدقا، ووفاء وأداء الأمانة. # وقال مجاهد وطاوس: مالا وأمانة. # وعن ابن مسعود: الخير إقامة الصلاة، وكذا قال ابن سيرين، وعبيدة. # وقال مالك: الخير القوة على الأداء، وقال أبو صالح وعطاء: إن علمت فيهم ~~خيرا لنفسك يؤدي إليك، ويصدقك ما حدثك فكاتبه. # وقال ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وابن جريج: معناه: إن علمتم لهم مالا. # ويقال: إن هذه الآية نزلت في صبيح القبطي مملوك لحاطب بن أبي بلتعة، ~~وكان صالحا، ثم هي عامة لجميع المسلمين. # قال تعالى: { وآتوهم من مال الله الذي آتاكم } ، ~~يعني هبوههم من مال الكتابة. # قال علي بن أبي ms1727 طالب: ربع الكتابة يحطها عنه. # وقال ابن عباس: ضعوا عنهم مما قاطعتموهم عليه، وكان ابن عمر: يضع عن ~~المكاتب في آخر كتابته ما شاء، وهو قول مالك. # وقال النخعي: هو أمر للمسلمين أن يعطوا المكاتبين من صدقاتهم يتقوون بها ~~على أداء الكتابة، وهو قوله: (في الصدقات وفي الرقاب). # وقيل: إن قوله: " وآتوهم " ترغيب لكل الناس من الموالي وغيرهم حضهم الله ~~أن يعطوا المكاتبين من صدقاتهم ليتقووا بها على أداء كتابتهم. # وقيل: هو خطاب لغير الموالي المخاطبين بالمكاتبة رغب الناس أن يعطوهم ~~من زكواتهم، والضميران مختلفان بمنزلة قوله تعالى: # وإذا طلقتم النسآء فبلغن أجلهن فلا ~~تعضلوهن # [البقرة: 232] هو خطاب للأولياء، وصدر الكلام خطاب للأزواج. # وقال ابن زيد: ذلك من الزكاة. # ثم قال: { ولا تكرهوا فتياتكم على البغآء } ، أي: ~~الزنا { إن أردن تحصنا } أي: تعففا { لتبتغوا عرض ~~الحياة الدنيا } ، أي: ليكسبن لكم من زنائهن. # وقيل قوله: { إن أردن تحصنا } متعلق بقوله: { وأنكحوا ~~الأيامى منكم * إن أردن تحصنا }. # ويقال: إن هذه الآية نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول المنافق، كانت له ~~جاريتا: معاذة وزينب، وكانتا تردان عليه خرجا من زنائهما، قبل أن يسلما، ~~فلما دخلتا في الإسلام، امتنعتا من الزنا فكان يكرههما على الزنا، فنهى ~~الله عن ذلك، وأعلم المكره له أنه له غفور رحيم. # وقوله: { ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن ~~غفور رحيم } ، ومعاذة هذه أم خولة، وخولة هي التي جادلت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في زوجها، وفي ذلك نزل: # قد سمع الله # [المجادلة: 1] الآية. # ويروى أن عبد الله بن أبي: أمر جاريته أن تزني فجاءته ببرد، فأمرها أن ~~تعود إلى الزنا، فأنزل الله جل ذكره: { ولا تكرهوا فتياتكم ~~على البغآء } الآية. # وقال جابر: كانت لعبد الله بن أبي جارية يقال لها مسيكة، وكان يأمرها ~~بالبغاء لتكسب له فنهى الله عن ذلك. # قال مجاهد: معناه: فإن الله للمكرهات من بعد إكراههن غفور رحيم. # وقيل إن معاذة وزينب جاريتا عبد الله بن أبي لما أسلمتا أتيا إلى النبي ms1728 ~~عليه السلام، فشكتا إليه أن مولاهما يكرههما على الزنا فنزلت الآية في ~~ذلك. # ومن قال: إن { فكاتبوهم } ندب، و { آتوهم } حتم، وقف على { ~~خيرا } ثم ابتدأ بالحتم بعد / تقدم الندب، لأنه ليس بمعطوف عليه ~~لاختلاف معنييهما، وهذا قول الشافعي. قال: المكاتبة: ندب، ويجبر السيد أن ~~يضع عن عبده من المكاتبة. # ومن قال: هما واجبان لم يقف إلا على { آتاكم } لأن الثاني معطوف على ~~الأول إذ معناهما جميعا: عنده الحتم. # ومن قال: كلاهما ندب لم يقف أيضا إلا على { آتاكم } لأن الثاني ~~أيضا معطوف على الأول إذ معناهما جميعا الندب وهو مذهب مالك والثوري. # ثم قال تعالى: { ولقد أنزلنآ إليكم آيات مبينات ~~} ، من كسر الياء من { مبينات }. # فمعناه موضحات للأحكام والشرائع، لدلالة قوله: # يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة ~~تنبئهم بما في قلوبهم # [التوبة: 64] فأضاف الفعل إلى السورة، والبيان في الحقيقة إلى الله جل ~~ذكره، ولكن أضيف إلى السورة وإلى الآيات لعلم السامعين بالمراد، فمن كسر ~~الياء جعل الآيات فاعلات، وأما من فتح الياء، فمعناه مفصلات، كما قال ~~تعالى: # أحكمت آياته ثم فصلت # [هود: 1]، ويدل على صحة قوله # قد بينا لكم الآيات # [آل عمران: 118]، فهي الآن مبينة، فالله جل ذكره هو الذي بينها كما قال: # قد بينا لكم الآيات # [آل عمران: 118] فمنه فتح الياء جعل الآيات مفعولا بها والفاعل هو ~~الله، لأنه تعالى بينها وأظهرها، والكسر يدل على أن الآيات فاعلات أي ~~بينات لكم الأحكام والفرائض، والفاعل هو الله في المعنى في القراءة ~~بالكسر على ما ذكرنا فافهم. والمعنى: ولقد أنزلنا إليكم دلالات وعلامات ~~مفصلات أو موضحات، على ما تقدم من الفتح والكسر. # وقوله تعالى ذكره: { مثلا من الذين خلوا من قبلكم } ~~، أي مضوا قبلكم من الأمم. # { وموعظة للمتقين } أي لمن اتقى الله فخاف عقابه. # ثم قال تعالى: { الله نور السموت والأرض }. # قال أبو محمد: قد كثر الاختلاف في معنى هذه الآية ونحن نذكر ما بلغنا ~~فيها. # قيل: المعنى: الله ذو السماوات والأرض مثل # وسئل القرية # [يوسف: 82]. # وقيل: معناه: الله هادي ms1729 أهل السماوات والأرض. قاله ابن عباس ثم استأنف ~~فقال: { مثل نوره كمشكاة فيها مصباح } الآية، أي مثل ~~هداه في قلب المؤمن كالكوة التي هي غير نافذة. { فيها مصباح } وذلك ~~المصباح في زجاجة، الزجاجة صافية اللون كالكوكب الدري، يوقد ذلك المصباح ~~من شجرة زيتونة لا شرقية ولا غربية، يكاد زيتها يضيء من غير نار لصفاه، ~~الكوة التي هي غير نافذة أجمع للضوء فيها إذا كان فيها المصباح، والمصباح ~~إذا كان في زجاجة كان أظهر لضوئه، فإن كانت الزجاجة صافية اللون كان ذلك ~~أظهر للضياء، وإذا كان الزيت الذي فيها صافيا، كان أظهر وأكثر للضوء، ~~فذلك كله مبالغة للضياء والنور، فكذلك الهدى في قلب المؤمن. ومعنى هذا ~~القول مروي: عن ابن عباس فهو مثل ضربه الله لنور الهدى والإيمان في قلب ~~المؤمن. # وعن ابن عباس أيضا، وعن مجاهد: { الله نور السموت ~~والأرض } ، أي مدبرهما: شمسهما وقمرهما ونجومهما. # وقال أبي بن كعب: بدأ الله بنوره وذكره، ثم ذكر نور المؤمن في قوله ~~تعالى: { مثل نوره }. # وقيل المعنى: مثل ما أنار الله من الحق بهذا التنزيل كمشكاة على هذه ~~الصفة، فالهاء في نوره تعود على الله جل ذكره أي مثل هداه في قلب المؤمن ~~وهو القرآن. والتقدير: الله هادي أهل السماوات بآياته البينات، مثل هداه ~~وآياته التي هدى الله بها خلقه في قلوب المؤمنين، كنور هذا المصباح ~~الموصوف بهذه الصفات. وهو قول ابن عباس الذي تقدم ذكره. # وقال: كعب الأحبار: النور هنا لمحمد، والهاء لمحمد عليه السلام والمعنى: ~~مثل نور محمد صلى الله عليه وسلم كمشكاة، وكذلك روي عن ابن جبير. فيكون ~~المعنى: الله هادي أهل السماوات والأرض ثم استأنف فقال: مثل نور محمد إذا ~~كان مستودعا في الأصلاب كمشكاة هذه صفتها، والمصباح عني به قلب محمد صلى ~~الله عليه وسلم، شبه بالمصباح في ضيائه ونوره لما فيه من الإيمان ~~والحكمة. # { المصباح / في زجاجة } ، يعني قلبه في صدره كأنها كوكب دري ~~أي صدره في صفاه ونوره لما فيه من الإيمان والحكمة، { كأنها ~~كوكب دري ms1730 } يعني به الزهرة { يوقد من شجرة مباركة ~~} ، أي استنار نور محمد من نور إبراهيم، فإبراهيم هو الشجرة المباركة ~~ومحمد عليه السلام على ملته ودينه، فمنه استنار ثم مثل الله. إبراهيم ~~فقال: { زيتونة لا شرقية ولا غربية } ، أي إن ~~إبراهيم لم يكن يصلي إلى المشرق ولا إلى المغرب، فهو في الضياء مثل هذه ~~الزيتونة التي لا تصيبها الشمس إذا غربت ولا إذا طلعت فزيتها على هذا ~~أطيب، وأصفى وأضوى. # وهذا التفسير قد روي من طرق وغيره أشهر وأكثر، وقد ذكرناه ونذكره أيضا ~~فيما بعد إن شاء الله. # وقال زيد بن أسلم والحسن: الهاء لله والتقدير: الله نور السماوات والأرض ~~مثل نوره، ونوره القرآن أي مثل هذا القرآن في القلب كمشكاة هذه صفتها. # وعن ابن عباس: إن النور هنا الطاعة سمى طاعته نورا. # وقيل: الهاء تعود على المؤمن أي مثل نور المؤمن والذي في قلبه من ~~الإيمان، والقرآن كمشكاة، قاله: أبي بن كعب. وقال ابن جبير والضحاك: { ~~مثل نوره } ، مثل نور المؤمن كمشكاة والمشكاة كل كوة لا منفذ لها. # وقيل: هو مثل ضربه الله لقلب محمد عليه السلام. # قال كعب الأحبار: المصباح قلب محمد في زجاجة الزجاجة صدره كأنها كوكب ~~دري، شبه صدر النبي عليه السلام بالكوكب الدري، ثم رجع في المصباح إلى ~~قلبه فقال: { يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا ~~شرقية ولا غربية } ، أي لم يمسها شمس المشرق، ولا شمس ~~المغرب { يكاد زيتها يضيء } ، أي يكاد محمد صلى الله عليه ~~وسلم يتميز للناس، ولو لم يتكلم، أنه نبي، كما يكاد ذلك الزيت يضيء ولو ~~لم يتمسه نار { نور على نور }. # وقال ابن عباس: المشكاة كوة البيت. # وقال آخرون: عني بالمشكاة صدر المؤمن، والمصباح القرآن والإيمان ~~والزجاجة قلبه. وهذا المثل ضربه الله للمؤمنين. هذا قول أبي بن كعب. # قال أبي: جعل القرآن والإيمان في صدر المؤمن كمشكاة، فالمشكاة صدره. { ~~فيها مصباح } المصباح القرآن والإيمان اللذان جعلا في صدره. { ~~المصباح في زجاجة } ، قال: فالزجاجة قلبه فيه القرآن والإيمان ~~{ الزجاجة كأنها كوكب دري } قال: ms1731 فمثل ما استنار فيه ~~من القرآن والإيمان كأنه كوكب دري أي مضيء { يوقد من شجرة ~~مباركة } ، فالشجرة المباركة أصله وهو الإخلاص لله وحده وعبادته لا ~~شريك له { لا شرقية ولا غربية } ، أي مثله كمثل شجرة ~~التفت بها شجرة، فهي ناعمة لا تصيبها الشمس على أي حال كانت لا إذا طلعت ~~ولا إذا غربت، وكذلك هذا المؤمن قد أجير من أن يصيبه شيء من الفتن، وقد ~~ابتلي بها فثبته الله فيها فهو بين أربع خلال: إن أعطي شكر، وإن ابتلي ~~صبر، وإن حكم عدل، وإن قال صدق، فهو في سائر الناس كالرجل الحي يمشي في ~~قبور الأموات. # ثم قال تعالى: { نور على نور } ، فهو يتقلب في خمسة من النور ~~فكلامه نور، وعمله نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إلى النور يوم ~~القيامة: إلى الجنة. # وقال ابن عباس: { مثل نوره } مثل هدى الله في قلب المؤمن. # وقال قتادة: مثل نور الله في قلب المؤمن، فالهاء في نوره تعود على الله ~~والنور معنى الهدى. # وقيل: تعود على المؤمن. # وقيل: على محمد عليه السلام. وقد مضى هذا. # قال القتبي: هو مثل ضربه الله تعالى لقلب المؤمن، وما أودعه من الإيمان ~~والقرآن من نوره، لكنه بدأ بنفسه فقال: { الله نور السموت ~~والأرض } ، أي بنوره يهتدي من في السماوات والأرض. ثم قال { مثل ~~نوره } ، يعني مثل نور المؤمن. # وقيل: معناه: مثل نور الله في قلب المؤمن ونور الله الإيمان به. # وكان أبي يقرأ (مثل نور المؤمن) وقد مضى أكثر هذا، فالمعنى على قول ابن ~~عباس وغيره: الله هادي أهل السماوات وأهل الأرض إلى أمور دينهم ومصالحهم ~~/ والكلام فيه توسع ومجاز لأنه قد علم أن الله لا يكون نورا ولا ضياء ~~ولا من جنس النور ولا الضياء، لأن النور والضياء مخلوقان لله جل ذكره، ~~ومعنى { مثل نوره } أي صفة هدى الله للمؤمنين في قلوبهم. وهذا يدل ~~على أن معنى { الله نور السموت والأرض } ، أي هاديهن ~~وليس الله هو النور لأنه قد شبه النور المذكور بالمشكاة الموصوفة، والله ms1732 ~~لا يشبهه شيء، ولا يشبه بشيء، فنوره إنما هو هداه ودلالة خلقه إلى ~~مصالحهم في دينهم ودنياهم، فإنما شبه هداه لخلقه بما يعقلون من المشكاة ~~فيها المصباح الذي هو في زجاجة، تلك الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد بزيت من ~~شجرة صفتها كذا، وذلك كله مبالغة في صفة هدى الله عباده. # وقوله: { لا شرقية ولا غربية }. # قال قتادة: " لا يفيء عليها ظل الشرق ولا ظل الغرب ضاحية، وذلك أصفى ~~للزيت كأنه يقول: إن الشمس لا تفارقها ". # وقال الحسن: ليست من شجر الدنيا. # وعن ابن عباس ومجاهد: أنه مثل للمؤمن، غير أن المصباح وما فيه مثل فؤاد ~~المؤمن، والمشكاة مثل الجوف. # وقال الحسن: معناه مثل القرآن في قلب المؤمن كمشكاة هذه صفتها. # وقال ابن زيد: { مثل نوره } ، نور القرآن الذي أنزله الله على ~~رسوله، فهذا مثل القرآن يستضاء به في نوره، ويعملون به، ويأخذون به، وهو ~~لا ينقص. فهذا مثل ضربه الله لنوره. # وقال مجاهد: المشكاة القنديل. # وقيل: هو الحديد الذي يعلق فيه القنديل: قاله أيضا مجاهد. واختار ~~الطبري أن يكون هذا المثل، مثل ضربه الله للقرآن في قلب أهل الإيمان به، ~~فقال: الذي أنار به لعباده سبيل الرشاد - الذي أنزله إليهم فآمنوا به، في ~~قلوب المؤمنين - مثل مشكاة وهي عمود القنديل الذي فيه الفتيلة وهو نظير ~~الكوة التي تكون في الحيطان التي لا منفذ لها، وإنما جعل ذلك العمود ~~مشكاة لأنه غير نافذ وهو أجوف مفتوح إلى الأعلى، وهو كالكوة في الحائط ~~التي لا تنفذ. # ثم قال: { فيها مصباح } ، وهو السراج، والمصباح، مثل لما في قلب ~~المؤمن من القرآن والآيات البينات. # ثم قال: { المصباح في زجاجة } ، يعني إن السراج الذي في ~~المشكاة، في القنديل وهو الزجاجة وذلك مثل القرآن، يقول: القرآن الذي في ~~قلب المؤمن الذي أنار الله به قلبه في صدره، ثم مثل الصدر في خلوصه من ~~الكفر بالله والشك فيه، واستنارته، بنور القرآن بالكوكب الدري، فقال: { ~~الزجاجة } وذلك صدر المؤمن الذي فيه قلبه { كأنها كوكب ~~دري } ومعنى قراءة من ms1733 قرأ { دري } بالتشديد وضم الدال أنه نسبه ~~إلى الدر ومعناه: أن فضل هذا الكوكب في النور على سائر الكواكب كفضل الدر ~~على سائر الحب، ومن قرأ درئ بكسر الدال والمد والهمز جعله من إندرأ ~~الحريق إذا اندفع. # وحكى الأخفش سعيد: درأ الكوكب بضوئه إذا امتد ضوءه وعلا. # وقيل: هو فعيل من درأت لأن معناه يدفع ويرجم به الشياطين. # وأنكر أبو عبيدة هذه القراءة إن كانت من درأت إذا دفعت وضعفها لأن ~~الكواكب كلها تندفع فلا فضل لأحدهما على الآخر فلا فائدة في وصفه له ~~بالاندفاع لأنها كلها تندفع. # فأما قراءة من قرأ بضم الدال والمد والهمز، فقد أنكرها جماعة، إذ ليس في ~~الكلام. فعيل، وقد جوزها أبو عبيدة وقال: هو فعول مثل سيوح، وأصله درؤ ~~وأبدلوا من الواو ياء كما قالوا: عتي. وأنكر هذا القول على أبي عبيدة ~~لأنه لا يشبع عتي إن كان جمع عات، فالبدل فيه لازم لأن الجمع باب تغيير ~~والواو لا يكون طرفا في الأسماء وقبلها ضمة، فاعتلاله لازم، فإن كان ~~عتيا مصدرا فيجب قلب الواو لأنها ظرف في فعول وليست الواو في دري / إذا ~~جعل أصله دروي ظرفا فلا يشتبهان، ووجه هذه القراءة، عند بعض النحويين ~~أنه فعيل كمريق، على أن مريقا أعجمي، فلا يجب أن يحتج به. والكوكب ~~الذي شبه بالزجاجة، هو الزهرة قاله الضحاك. # ومن قرأ { يوقد } على تفعل جعله فعلا ماضيا خبرا عن المصباح. # وقيل، خبرا عن الكوكب. # ومن قرأ بالياء، على يفعل جعله فعلا مستقبلا لم يسم فاعله راجعا إلى ~~المصباح. # ومن قرأ بالتاء على تفعل جعله فعلا لم يسم فاعله مستقبلا أيضا راجعا ~~على الزجاجة لأنها أقرب إليه، فلما كان الاتقاد فيها جاز أن توصف هي به ~~لعلم السامعين بالمعنى، كما قالوا: ليل نائم، وسر كاتم، وقد نام ليلك، ~~وكقوله: # في يوم عاصف # [إبراهيم: 18] فوصف اليوم بالعصوف والعصوف للريح، لكن لما كان الريح في ~~اليوم جعل وصفا لليوم لعلم السامعين بالمعنى وهو كثير في كلام العرب. ~~وأنشد الفراء: # " يومين غيمين، ms1734 ويوما شمسا " # فجعل الغيمين وصفا لليومين لأنهما في اليومين يكونان، فكذلك وصف ~~الزجاجة بأنها توقد لأن الإيقاد فيها يكون. # ومعنى قوله: { يوقد من شجرة } ، أي توقد من دهن شجرة. # وقوله: { لا شرقية ولا غربية }. # قال ابن عباس: لا شرقية بغير غرب ولا غربية بغير شرق. # وقال الحسن: ليست هذه الشجرة في الأرض، ولو كانت في الأرض لكانت شرقية ~~أو غربية، ولكنه تمثل بالنور. # وقال أبو مالك: لا يصيبها الشمس وقت الشرق ولا وقت الغرب ولكنها بين شجر ~~في فجوة من ذلك فهي في ظل أبدا قد سترها ما حولها من الشجر. # وقيل إنها يصيبها الشمس عند الشروق وعند الغروب، ولم تخلص للشروق فيقال ~~لها شرقية، ولا للغروب فيقال لها غربية، ولكنها قد جمعتهما كما يقال: ~~فلان لا أبيض ولا أسود إذا كان فيه بياض وسواد، ويقال: هذا لا حلو ولا ~~حامض أي لم يخلص له أحد الطعمين، فهذا قول مختار وهو معنى قول ابن عباس ~~المتقدم. # وقال عكرمة: لا تخلو من الشمس وقت الغروب والشروق، وذلك أصفى لذهنها ~~وهذا موافق لمذهب ابن عباس أيضا. # وعن مجاهد أنه قال: لا يكنها جبل ولا وادي. # وقال قتادة: هي شجرة بارزة للشمس. # وقال الضحاك: لا تصيبها الشمس، وعنه مثل قول قتادة. # وعن مجاهد أيضا أنه قال: هي شجرة تكون فوق جبل تطلع عليها الشمس وتغرب ~~عليها. # وقال القتبي: المعنى أنها: ليست بارزة للشمس، لا يصيبها الظل فيقال لها ~~شرقية، وليست في الظل لا تصيبها الشمس فيقال لها غربية. # وقال الطبري: معناه: ليست شرقية تطلع عليها الشمس بالغداة، من الشرق دون ~~العشي، ولا غربية تطلع عليها الشمس بالعشي دون الغداة، ولكن الشمس تشرق ~~عليها وتغرب، فهي شرقية غربية، وهذا أيضا قول ابن عباس بعينه وهو قول ~~عكرمة. # وقوله: { يوقد من شجرة مباركة } ، قال الطبري: معناه أن ~~هذا القرآن من عند الله، وأنه كلامه، فجعل مثله ومثل كونه من عنده، مثل ~~المصباح الذي يوقد من الشجرة المباركة التي وصفها بعده. # وقوله: { يكاد زيتها يضيء } يعني ms1735 أن حجج الله على خلقه تكاد ~~من بيانها ووضوحها تضيء لمن فكر فيها ونظر. # وقوله: { ولو لم تمسسه نار } ، أي ولو لم يزدها الله بيانا ~~ووضوحا، فأنزل القرآن إليهم منبها لهم على توحيده، فكيف وقد نبههم ~~وذكرهم بآياته فزادهم حجة إلى حجة عندهم قبل ذلك. فذلك بيان من الله جل ~~ذكره ونور على البيان. # وقوله: { نور على نور } النور الأول النار، والثاني الزيت الذي ~~يكاد يضيء من صفاه قبل أن تمسه النار، قاله مجاهد. # قال: الطبري: هو مثل للقرآن، أي هذا القرآن نور من عند الله أنزله على ~~خلقه يستضيئون به. # وقوله { على نور } يعني / الحجج والبيان الذي نصبه الله لهم مما ~~يدل على وحدانيته قبل مجيء القرآن. # قال ابن زيد: { نور على نور } ، يضيء بعضه بعضا يعني القرآن. # قوله: { يهدي الله لنوره من يشآء } ، أي يوفق الله لاتباع ~~نوره وهو القرآن من يشاء من عباده. # ثم قال: { ويضرب الله الأمثال للناس } ، أي ويمثل الله ~~الأمثال للناس، يعني به ما مثل لهم من مثل القرآن في قلب المؤمن، ~~بالمصباح في المشكاة، وسائر ما في الآية من الأمثال. # ثم قال: { والله بكل شيء عليم } ، أي عليم بالأشياء ~~كلها، ومن قال: { مثل نوره } أي نور المؤمن جاز له أن يقف على { ~~الله نور السموت والأرض } ، ومن قال المعنى: مثل نور ~~الله لم يقف إلا على مصباح { المصباح في زجاجة } ، تمام، { ~~دري } تمام { تمسسه نار } ، تمام [للناس]، قطع. و [عليم]، ~~تمام إن جعلت في " بيوت " متعلقا بيسبح. فإن جعلته على قول ابن زيد ~~متعلقا بقوله: { فيها مصباح } ، لم تقف إلى { عليم } وكذلك إن ~~جعلته متعلقا { يوقد من شجرة مباركة } وهو قول الطبري. ~~وكذلك إن جعلته حالا مما تقدم لم تقف على { عليم } وهو قول: أحمد بن ~~يحيى. # وفي هذه الآية، قول غريب منه ما يوافق ما تقدم، ومنه ما يخالف. ذكره ~~الدمياطي في تفسيره وهو أن قوله { مثل نوره } أي مثل نور محمد عليه ~~السلام إذ كان مستودعا في صلب عبد المطلب كمشكاة ms1736 يعني كوة غير نافذة على ~~لغة الحبش، { فيها مصباح } يعني قلب النبي، شبهه بالمصباح في ضيائه ~~ونوره لما فيه من الحكمة والإيمان. { المصباح في زجاجة } ، ~~يعني قلبه في صدره { الزجاجة كأنها كوكب دري } ، أي ~~صدره في صفاه ونوره لما فيه من الإيمان والحكمة { كأنها كوكب ~~دري } يعني الزهرة. { يوقد من شجرة مباركة } ، أي ~~استنار نور محمد من نور إبراهيم، فإبراهيم هو الشجرة المباركة، ومحمد ~~عليه السلام على ملته ودينه، فمنه استنار، ثم مثل إبراهيم فقال: { ~~زيتونة لا شرقية ولا غربية } ، أي إن إبراهيم لم ~~يكن يصلي إلى المشرق ولا إلى المغرب فهو في الضياء مثل هذه الزيتونة التي ~~لا تصيبها الشمس إذا طلعت، ولا إذا غربت، فزيتها أضوى وأطيب. # وقيل معنى { لا شرقية ولا غربية } ، أي إن إبراهيم لا ~~يهودي ولا نصراني بل هو حنيف مسلم. وهذا التفسير مخالف في أكثره لجميع ما ~~قدمناه. والله أعلم بحقيقة ذلك، فهذا ما وصل إلينا في تفسير هذه الآية، ~~والله أعلم بصحة معناها وبما أراد فيها. ### || [24.36-39] # قوله تعالى ذكره: { في بيوت أذن الله أن ترفع } ، إلى ~~قوله: { سريع الحساب } ، # أي الله نور السماوات والأرض مثل نوره أي نور القرآن { كمشكاة ~~فيها مصباح } { في بيوت أذن الله أن ترفع } فيكون ~~قوله: { في بيوت } ظرف للمصباح ويتعلق به فيكون على قول ابن زيد: ~~يسبح له فيها: من صفة البيوت. # وقيل: المعنى { يوقد من شجرة مباركة } { في بيوت ~~أذن الله أن ترفع } فيكون متعلقا { يوقد } ويسبح أيضا ~~وما بعده صفة للبيوت. # وقيل: المعنى كمشكاة في بيوت، فيسبح أيضا وما بعده صفة، فلا يقف على ~~هذه الأقوال على ما قبل { في بيوت } # وقيل: المعنى: يسبح له رجال في بيوت فتقف على هذا على ما قبل { في ~~بيوت }. # قال ابن عباس وأبو صالح، ومجاهد، والحسن، وابن زيد: هي المساجد. # قال ابن عباس: نهي عن اللغو فيها. # وقال عمرو بن ميمون: أدركت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: ~~المساجد بيوت الله، وأنه حق على الله أن ms1737 يكرم من زاره فيها. # وقال عكرمة: هي البيوت كلها. # وقال: الحسن: يعني به بيت المقدس. # وعن مجاهد أنه قال: هي بيوت النبي صلى الله عليه وسلم. # وقيل: في الكلام معنى الإغراء والمعنى: صلوا في بيوت أذن الله أن ترفع ~~أي يرفع قدرها وتصان وتجل، وأذن الله أن يذكر فيها اسمه، وهي المساجد. # وروى ابن زيد / عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ما من أحد يغدو أو يروح إلى المسجد يؤثره على ما سواه، إلا وله عند ~~الله منزلا يعد له في الجنة، كلما غدا وراح، كما أن رجلا منكم لو زاره ~~من يحب زيارته لاجتهد في كرامته ". # وقوله: { أذن الله أن ترفع } ، قال مجاهد: ترفع: تبنى. # وقال الحسن: ترفع: تعظم لذكره وتصان. وقول مجاهد أولى لقوله: # وإذ يرفع إبرهيم القواعد من البيت ~~وإسمعيل # [البقرة: 127]، أي يبنيان. # وقوله: { ويذكر فيها اسمه } أي وأذن لعباده أن يذكروا فيها ~~اسمه. # قال ابن عباس: { ويذكر فيها اسمه } ، أي يتلى فيها كتابه. # ثم قال: { يسبح له فيها بالغدو والآصال * رجال } ، ~~أي: يصلي لله في هذه البيوت بالغدوات والعشيات رجال، يعني صلاة الصبح، ~~وصلاة العصر وهما أول ما افترض الله من الصلاة. # وعن ابن عباس: أن كل تسبيح في القرآن فهو صلاة. # قال الحسن: أذن أن تبنى يصلى له فيها بالغدو والآصال. # وواحد الآصال: أصل وواحد الأصل أصيل، والآصال: جمع الجمع. # وذكر ابن أبي مليكة عن ابن عباس أنه قال: إن صلاة الضحى لفي كتاب ~~الله عز وجل وما يغوص عليها إلا غواص ثم قرأ: { يسبح له فيها ~~بالغدو والآصال } ، كأن ابن عباس جعل تسبيح الغدو صلاة الضحى. # ثم قال: { رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر ~~الله } ، أي: لا يشغلهم عن صلاتهم في هذه المساجد شيء. # ونظر سالم بن عبد الله إلى قوم من أهل السوق، قاموا وتركوا أشغالهم ~~يريدون الصلاة فقال: هؤلاء الذين ذكر الله في كتابه: { لا تلهيهم ~~تجارة ولا بيع عن ذكر الله }. # وذكر الله هنا: الصلاة المكتوبة، ms1738 قاله ابن عباس وغيره. # قال عطاء: { عن ذكر الله } ، أي: عن حضور الصلاة المكتوبة. # وعن عبد الله بن عمر، وعن ابن مسعود مثل قول سالم بن عبد الله. في ~~القائمين عن أشغالهم إلى الصلاة. # وروت أسماء بنت يزيد الأنصارية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة نادى مناد يسمع الخلائق ~~كلهم سيعلم الله الجمع من أولى بالكرم اليوم، ثم يرجع فينادي: ليقم الذين ~~كانت: { تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم ~~خوفا وطمعا } الآية قال: فيقومون وهم قليل، ثم يرجع فينادي ليقم ~~الذين كانت { لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر ~~الله } ، إلى قوله: { الأبصار } قال: فيقومون وهم قليل، ثم يرجع ~~فينادي ليقم الذين كانوا يحمدون الله في السراء والضراء، فيقومون وهم ~~قليل. # قال: ثم يحاسب سائر الناس ". # وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في هذه الآية: # " هم الذين يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله. ثم قال: { وإقام ~~الصلاة وإيتآء الزكاة } " # ، أي: ولا يلهيهم شيء عن إقامة الصلاة عند مواقيتها، وعن أداء الزكاة ~~عند وقتها. # وإقام مصدر أقمت وأصله إقواما، ثم قلبت الواو ألفا، فاجتمع ألفان، ~~فحذفت إحداهما لالتقاء الساكنين، فبقي إقاما فدخلت الهاء عوضا من ~~المحذوف، فصارت إقامة، فلما أضيف المصدر: قام المضاف إليه مقام الهاء ~~التي دخلت عوضا من الألف المحذوفة فإذا اضفت هذا المصدر جاز حذف الهاء، ~~لأن المضاف إليه يقوم مقامها. ألا ترى أنك تقول: وعدته عدة فتثبت الهاء ~~لأمها عوضا من الفاء، فإن أضفته جاز حذف الهاء. # قال الشاعر: # إن الخليط أجدوا البين فانجردوا # واخلفوك عدا الأمر الذي وعدوا # يريد عدة الأمر. # وقال ابن عباس: الزكاة هنا طاعة الله جل ذكره، والإخلاص، وكذلك عنده { ~~وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } وقوله: # يأمر أهله بالصلاة والزكاة # [مريم: 55] وقوله: # وأوصاني بالصلاة والزكاة # [مريم: 31]، وقوله: # ما زكى منكم من أحد أبدا # [النور: 21]، وقوله: { وتزكيهم بها } وقوله: # يتلوا عليهم آياته ويزكيهم # [آل عمران: 164]، وقوله تعالى: # وحنانا من لدنا وزكاة ms1739 # [مريم: 13]، هذا كله ونحوه عنده. عني به الطاعة لله والإخلاص. # / ثم قال: { يخافون يوما تتقلب فيه القلوب ~~والأبصار } ، أي: تعرف القلوب فيه الأمر عيانا ويقينا، فتنقلب عما ~~كانت عليه من الشك والكفر إلى اليقين، ويزداد المسلمون يقينا، ويكشف عن ~~الأبصار غطاؤها فتنظر الحق، ومثله # فكشفنا عنك غطآءك فبصرك اليوم حديد # [ق: 22]، وقيل: المعنى. تتقلب فيه القلوب من هوله بين طمع بالنجاة، وحذر ~~من الهلاك، وتنقلب الأبصار في نظرها، أي ناحية يؤخذ بهم لذات اليمين أم ~~ذات الشمال؟ ومن أين يوتون كتابهم، أمن قبل الأيمان أم من قبل الشمائل؟ ~~وذلك يوم القيامة. # وقيل: معناه تنقلب في النار من حال إلى حال، ومن عذاب إلى عذاب مرة ~~إنضاج، ومرة إحراق، ومرة لفح. # وقيل: هو تقلبها على جمر جهنم، كما قال: # يوم تقلب وجوههم في النار # [الأحزاب: 66]، وكما قال: # ونقلب أفئدتهم وأبصرهم كما لم يؤمنوا ~~به أول مرة # [الأنعام: 110]، أي: نقلبها في النار. # ثم قال تعالى: { ليجزيهم الله أحسن ما عملوا } ، أي ~~وأطاعوا، وعملوا ما تقدم ذكره خوف عقاب الله ولكي يثيبهم يوم القيامة ~~بأحسن أعمالهم في الدنيا، ولكي يزيدهم من ثوابه ومن فضله. { والله ~~يرزق من يشآء بغير حساب } ، أي يتفضل على من يشاء بما لم ~~يستحقه من ثواب عمله بغير محاسبة، ولا يوقف على { الآصال } لأن رجالا ~~مرفوعون بيسبح، فأما على قراءة من قرأ يسبح على ما لم يسم فاعله، فيقف ~~على { الآصال } لأن رجالا عند سيبويه: مرفوعون بإضمار فعل، كأنه قيل: ~~من يسبحه؟ فقيل: يسبحه رجال. # ومن رفع رجالا على هذه القراءة بالابتداء، و { في بيوت } الخبر لم ~~يقف على { الآصال }. # ثم قال تعالى: { والذين كفروا أعمالهم كسراب ~~بقيعة } ، هذا مثال ضربه الله لأعمال الكفار، أي والذين جحدوا آيات ~~الله، أعمالهم التي عملوها في الدنيا مثل سراب. والسراب ما لصق بالأرض ~~وذلك يكون نصف النهار، وحين يشتد الحر. وإذا أري من بعد ظن أنه ماء. ~~والآل ما رأيت أول النهار وآخره الذي يرفع كل شيء. # وقوله { بقيعة } هو جمع قاع، ms1740 كالجيرة: جمع جار، هذا قول الفراء. # وقال: أبو عبيدة: قيعة وقاع واحد، والقاع والقيعة ما انبسط من الأرض، ~~ولم يكن فيه نبت، وفيه يكون السراب. # و { يحسبه الظمآن مآء } ، أي يحسب العطشان ذلك السراب ماء ~~حتى إذا جاء السراب ليشرب منه لم يجده شيئا. # وقيل: المعنى: جاء موضع السراب لأن السراب ليس بشيء، وكذلك الكافر ~~بالله، عمله يحسب أنه ينجيه عند الله من عذابه. حتى إذا هلك وجاء وقت ~~حاجته إلى عمله لم يجده شيئا يفعله إذا كان على كفر بالله. # ثم قال: { ووجد الله عنده } ، أي ووجد هذا الكافر وعد الله ~~بالجزاء على عمله بالمرصاد، فوفاه حساب عمله وجازاه عليه. هذا معنى قول ~~ابن عباس وأبي بن كعب، ومجاهد، والحسن، وقتادة، وابن زيد. # فالضمير في لم يجده و { جآءه } للظمآن، والضمير في { وجد } للكافر ~~الذي ضرب الله مثلا بالظمآن. فالمعنى أن الكافر يأتي يوم القيامة أحوج ~~ما كان إلى عمله فلا يجد شيئا، كهذا الظمآن يأتي إلى السراب الذي يظنه ~~ماء أحوج ما كان إليه لشدة عطشه فلا يجد شيئا. وقوله { والله ~~سريع الحساب } ، أي لا يحتاج إلى عقد عند حساب، هو عالم بذلك كله ~~قبل أن يعمله العبد وإنما، سماه حسابا لأنه أعطاه جزاء عمله على قدر ما ~~استحقه. # وقال { سريع الحساب } ، لأن محاسبته لعبد وإعطاءه جزاء عمله لا ~~يشغله عن محاسبة غيره من عبيده، لأنه تعالى لا يشغله شأن عن شأن. ### || [24.40-44] # قوله تعالى ذكره: { أو كظلمات في بحر لجي } ، إلى ~~قوله: { لعبرة } { لأولي الأبصار } ، # الكاف في { كظلمات } ، في موضع / رفع عطف على الكاف في { كسراب ~~} ، والكاف في { كسراب } ، في موضع رفع خبر الابتداء، وهو أعمالهم. # وقيل: التقدير أو هي كظلمات، فتقف على هذا القول على ما قبل { أو ~~كظلمات } ولا تقف على القول الأول لأنه معطوف على ما قبله. وهنا مثل ~~آخر ضربه الله تعالى لأعمال الكفار في أنها عملت على خطأ، وفساد، # وضلالة من، فأعمالهم مثل ظلمات في بحر لجي، أي عميق كثير الماء، ولجة ms1741 ~~البحر معظمه ووسطه. # { يغشاه موج } ، أي يغشى البحر موج، من فوق ذلك الموج موج، من ~~فوق ذلك الموج سحاب. # { ظلمات بعضها فوق بعض } ، فالظلمات مثل لأعمال الكفار، ~~والبحر اللجي مثل لقلب الكافر، أي عمله بنية قلب قد غمره الجهل، وغشيته ~~الضلالة والحيرة. كما يغشى هذا البحر موج من فوقه موج من فوقه سحاب، ~~فكذلك قلب الكافر الذي عمله كالظلمات يغشاه الجهل بالله، إذ الله ختم ~~عليه، فلا يعقل عن الله، وعلى سمعه، فلا يسمع مواعظ الله، وعلى بصره ~~غشاوة، فلا يبصر حجج الله، فتلك الظلمات بعضها فوق بعض. # قال: ابن عباس: الظلمات: الأعمال، والبحر اللجي: قلب الإنسان. وقوله: { ~~يغشاه موج } ، إلى { فوق بعض } ، يعني به الغشاوة التي على ~~القلب والسمع والبصر. # وقال أبي بن كعب: الكافر يتقلب في خمس من الظلم: فكلامه ظلمة، وعمله ~~ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومدخله ظلمة، ومصيره إلى الظلمات يوم القيامة في ~~النار، فأعلمنا الله بهذه الآيات أمثال المؤمنين وأعمالهم، وأمثال الكفار ~~وأعمالهم، وأن المؤمن يجد عمله عند الله فيجازيه عليه، ويزيده تفضلا، ~~وأن الكافر لا يجد شيئا إذ لم يكن معه توحيد تقبل الأعمال معه. # ولا تقف على { يغشاه موج } ، لأن { من فوقه موج } ، نعت ~~له، وكذا { من فوقه موج } ، لا تقف عليه لأن { من فوقه ~~سحاب } ، نعت له، وتقف على { سحاب } على قراءة من رفع " سحابا " و ~~" ظلمات " وإن كسرت التاء، وأضفت سحابا إلى ظلمات لم تقف على سحاب لأنه ~~مضاف إلى الظلمات، فإن نونت وكسرتها، لم تقف على سحاب أيضا، لأن ظلمات ~~بدل من ظلمات الأول. # ثم قال تعالى: { إذآ أخرج يده لم يكد يراها } ، أي إذا ~~أخرج الناظر يده من هذه الظلمات التي وصفت لم يكد يراها، أي رآها بعد تعب ~~وشدة. رؤية خفية، فإن قيل: كيف رآها مع هذه الظلمات المتضاعفة، فالجواب: ~~أنه كقول القائل: ما كدت أراك من الظلمة أي ما رأيتك إلا بعد نظر وشدة، ~~وتعب، فكذلك هذا. # وقيل: المعنى إذا أخرج يده رائيا لها لم يكد يراها، أي لم ms1742 يقرب من أن ~~يراها، فهو لم يرها من شدة الظلمة. # وقيل: المعنى: إذا أخرج يده لم يرها، ويكد داخل كدخول الظل فيما معناه ~~اليقين كقوله تعالى: # وظنوا ما لهم من محيص # [فصلت: 48]. # وقيل: المعنى لم يرها ولم يكد أي لم يقرب من الرؤية لشدة الظلمة. # ثم قال: { ومن لم يجعل الله له نورا فما له من ~~نور } ، أي من لم يرزقه الله إيمانا وهدى من الضلالة، ومعرفة بكتابه ~~فما له من هدى ولا إيمان ولا معرفة. # وقال الزجاج: ذلك في الدنيا: أي من لم يجعل الله له هداية إلى الإسلام ~~في الدنيا لم يهتد. وغيره يتأوله في في الآخرة، أي من لم يجعل الله له ~~نورا إلى الجنة، والنور الإيمان بالله. # ثم قال تعالى ذكره: { ألم تر أن الله يسبح له من في ~~السموت والأرض والطير صآفات } ، أي ألم تر يا محمد ~~بعين قلبك أن الله يصلي له من في السماوات والأرض من ملك، وإنس، وجن، ~~والطير صافات أيضا في الهواء تسبح لله، كل قد علم الله صلاته وتسبيحه، ~~قال مجاهد: الصلاة للإنسان، والتسبيح لما سوى ذلك من الخلق. # وقيل: المعنى كل قد علم صلاة الله. أي الصلاة التي فرض الله وتسبيح ~~الله. # وقوله: { والله عليم / بما يفعلون } ، يدل على قوة قول من ~~قال: معناه: قد علم الله صلاته وتسبيحه. وإظهار اسم الله في { والله ~~عليم } ، يدل على قوة كون الضمير في الموضعين لغير الله، إذ لو كان ~~لله لم يظهر الاسم، لتقدم ذكره في قوله تعالى: { أن الله يسبح ~~} ، وكان يلزم أن يكون " وهو عليم ". وإنما يجوز في هذا لأن المعنى لا ~~يشكل، فلا يظن فيه أن الثاني غير الأول، وهو مثل: # " لا أرى الموت يسبق الموت شيء ". # وقيل: معنى التسبيح من الخلق كلهم، في هذا هو أن ما في الخلق من الدلالة ~~على قدرة الله، تنزيه له من كل سوء، ومن أن يعبد غيره، وليس هو تسبيح على ~~الحقيقة، إذ لو كانت الطير تسبح على الحقيقة لكانت مكلفة ms1743 بالطاعة، ولكانت ~~بمنزلة العقلاء من الناس المكلفين، فهو مجاز في ما لا يعقل. والقول الأول ~~عليه أكثر الناس. ومعنى { عليم بما يفعلون } ، أي هو ذو علم ~~بما يفعل كل مصل ومسبح منهم، لا يخفى عليه شيء. # وتقف على { تسبيحه } ، إذا جعلت الضمير يعود على المصلي والمسبح، ~~ثم تبتدئ { والله عليم بما يفعلون } ، وإن جعلت الضمير ~~يعود على الله أو جعلت الضمير في علم الله، لم تقف إلا على { يفعلون ~~} لأن الاسم قد ظهر وهو أفخم عند سيبويه من إضماره في مثل هذا المعنى لا ~~يشكل. # ثم قال تعالى: { ولله ملك السموت والأرض } ، أي: له ~~سلطانهما وملكهما دون كل من هو دونه من سلطان وملك. # ثم قال: { وإلى الله المصير } ، أي: الله مرجعكم بعد موتكم ~~فيوفيكم أجور أعمالكم فأحسنوا العمل تدركوا الأمل. # ثم قال تعالى: { ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم ~~يؤلف بينه } ، يزجي يسوق السحاب حيث يريد { ثم يؤلف ~~بينه } ، أي: يؤلف قطعه أي يلصق بعضها إلى بعض ويقربها، لأن السحاب ~~يحدث قطعا، قطعا. # وقيل: معناه يؤلف متفرقه لأن السحاب جمع سحابة. # وقال عبيد بن عمر: " الرياح أربع: يبعث الله الريح الأولى: فتقم ~~الأرض قما، ثم يبعث الثانية فتنشئه سحابا، ثم يبعث الثالثة فتؤلف ~~بينه فتجعله ركاما، أي متراكما بعضه على بعض، ثم يبعث الرابعة فتمطره، ~~والودق المطر ". # ومعنى: { من خلاله } ، أي: من بين السحاب، والهاء من { خلاله ~~} تعود على السحاب والخلال جمع خلل. # وقرأ ابن عباس، والضحاك: من خلله بالتوحيد لأنه مثل: جمل وجمال. # ثم قال تعالى ذكره: { وينزل من السمآء من جبال فيها ~~من برد } ، فمن برد صفة للجبال، كما يقول: أعطيتك من طعام من بر، ~~فالجبال هي من برد مخلوقة، وفيها صفة أيضا لجبال، كأنه قال: وينزل من ~~السماء من جبال مستقرة في السماء مخلوقة من برد. # وقيل: المعنى: وينزل من السماء قدر جبال أو أمثال جبال، من برد إلى ~~الأرض. فيكون { من برد } ، في موضع نصب على البيان كقوله: # أو عدل ذلك صياما # [المائدة: 95]. # وقال ms1744 الزجاج: معناه وينزل من السماء من جبال من برد فيها. كما تقول: هذا ~~خاتم في يدي من حديد، أي خاتم حديد في يدي وإنما جئت في (هذا) وفي الآية ~~ب (من) لما فرقت، ولأنك إذا قلت: هذا خاتم من حديد، وخاتم حديد، كان ~~المعنى واحدا، ويجوز أن يكون من برد في موضع نصب كما تقول: مررت بخاتم ~~حديدا على الحال عند سيبويه. وعلى البيان عند المبرد، وإن شئت كان في ~~موضع خفض على البدل كما تقول: مررت بخاتم حديد على البدل. # وقيل: التقدير من جبال برد بتنوينهما، قاله الفراء. كما تقول: الإنسان ~~من لحم ودم، والإنسان لحم ودم، فالجبال عنده هي البرد وليست الآية ~~كالتمثيل الذي مثل، لأن حرف العطف في التمثيل وليس في الآية حرف عطف. # وذهب الأخفش إلى أن من زائدة فيهما، ومن جبال، ومن برد في موضع نصب ~~عنده. # وقوله: { فيصيب به من يشآء } ، أي: فيصيب بالبرد من يشاء ~~فيهلكه أو يهلك به زرعه، ويصرفه عن من يشاء أي عن إهلاك من يشاء. # ثم قال: { يكاد سنا برقه } ، أي: ضوؤه يذهب بالأبصار لشدة ~~لمعانه. وقرأ أبو جعفر يزيد بن القعقاع: { يذهب بالأبصار } ، ~~بالضم وخطأه / الأخفش، وأبو حاتم لأن " الباء " تعاقب الهمزة. # وقيل: إن " جوازه " على زيادة الباء. # وقيل: الباء متعلقة بالمصدر. والتقدير: يذهب إذهابه بالأبصار. وكذلك ~~أجازوا أدخل بالمدخل " السجن " الدار فجمعوا بين الهمزة والباء ~~على أن يتعلق الباء بالمصدر. وهو قول علي بن سلمان عن المبرد. # ثم قال: { يقلب الله الليل والنهار } ، أي: يقلب من ~~هذا في هذا، ومن هذا في هذا. # وقيل: معناه يعقب بينهما: إذا ذهب هذا أتى هذا، فيقلب موضع الليل نهارا ~~وموضع النهار ليلا. # ثم قال: { إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار } ، أي: إن ~~في إنشاء السحاب، ونزول المطر والبرد، وتقليب الليل والنهار لعبرة لمن ~~اعتبر، والكاف من ذلك خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. ### || [24.45-50] # قوله تعالى ذكره: { والله خلق كل دآبة من مآء } ، ~~إلى قوله: { أولئك هم الظالمون } ، # معناه: والله ms1745 خلق كل ما يدب من نطفة، فمنهم من يمشي على بطنه كالحيات، ~~ومنهم من يمشي على رجلين: كبني آدم، والطير، ومنهم من يمشي على أربع ~~كالبهائم. # وجاز أن تأتي { من } هنا لأنه لما خلط من يعقل لمن لا يعقل غلب ما ~~يعقل فقوله: { والله خلق كل دآبة } ، قد يدخل فيه الناس ~~وغيرهم من البهائم ولذلك قال: " فمنهم " ولم يقل: فمنها ولا منهن. # { يخلق الله ما يشآء } ، أي: يحدث من يشاء من الخلق { إن ~~الله على كل شيء قدير }. # ثم قال تعالى: { لقد أنزلنآ آيات مبينات } ، أي: ~~علامات واضحات دالات على طريق الحق. # وقوله: { والله يهدي من يشآء } ، أي: يرشد من يشاء من خلقه ~~إلى دين الإسلام وهو الطريق المستقيم. # وقوله: { على أربع } ، تمام. قوله مبينات، قطع حسن. # ثم قال: { ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ~~} ، أي: ويقول المنافقون: صدقنا بالله وبالرسول وأطعناهما. { ثم ~~يتولى فريق منهم من بعد ذلك } ، أي: ثم تدبر ~~طائفة منهم من بعد قولهم وإقرارهم بالإيمان. # ثم قال تعالى: { ومآ أولئك بالمؤمنين } ، أي: ليس قائلو ~~هذه المقالة بمؤمنين. { من بعد ذلك } قطع. # ثم قال تعالى: { وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم ~~بينهم } ، يعني هؤلاء المنافقين إذا دعوا إلى كتاب الله، وإلى رسوله ~~ليحكم بينهم فيما اختصموا فيه بحكم الله { إذا فريق منهم ~~معرضون } ، أي: يعرضون عن قبول الحق. # ثم قال تعالى: { وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه ~~مذعنين } ، أي: إن يكن لهؤلاء المنافقين حق قبل الذين يدعونهم ~~إلى كتاب الله يأتون إلى رسول الله منقادين لحكمه طائعين غير مكرهين. # يقال: أذعن فلان بالحق إذا أقر به طائعا. # قال مجاهد: مذعنين سراعا. # وقال عطاء: هم قريش. ثم قال: { أفي قلوبهم مرض أم ~~ارتابوا } ، أي: أشكوا في رسول الله أنه نبي ورسول فيأبوا الإتيان ~~إليه أم يخافون أن يحيف الله عليهم، أن يجور عليهم بحكمه فيهم ومعناه: أن ~~يحيف رسول الله، ولكن بدأ باسمه جل ذكره تعظيما. كما يقال: قد أعتقك ~~الله ثم أعتقك، وما شاء الله ثم شئت. ويدل ms1746 على ذلك قوله: { ليحكم } ~~، ولم يقل ليحكما. # ثم قال: { بل أولئك هم الظالمون } ، أي: لم يخافوا أن ~~يحيف رسول الله عليهم فيتخلفون عنه لذلك، بل تخلفوا لأنهم قوم ظالمون ~~لأنفسهم بخلافهم أمر ربهم. ### || [24.51-54] # قوله تعالى ذكره: { إنما كان قول المؤمنين } إلى قوله: { ~~البلاغ المبين }. # قرأ الحسن { قول } بالرفع على اسم كان، وهذه الآية تأديب للمؤمنين ~~ليسارعوا إلى طاعة الله ورسوله إذا دعوا إلى حكم. ولفظه لفظ الخبر ومعناه ~~التحضيض أن يفعل المؤمنون كذلك. # وقوله: { وأولئك هم المفلحون } ، معناه المدركون ~~طلباتهم بفعلهم. ثم قال: { ومن يطع الله ورسوله }. قال ابن ~~أبي كريمة: معناه من يطع الله فيوحده، ورسوله فيصدقه، ويخش الله فيما ~~مضى من ذنوبه، ويتقه فيما بقي من عمره فأولئك هم الفائزون. # الفوز في اللغة: النجاة، والفلاح: البقاء في النعيم. # وقيل: المعنى: من يطع الله فيما أمره به، ونهاه عنه ويسلم لحكمه له / ~~وعليه، ويخشى عاقبة معصية الله، ويتق عذاب الله، فأولئك هم الفائزون أي ~~الناجون من عذاب الله. # ثم قال: { وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن ~~أمرتهم ليخرجن } ، أي: وحلف هؤلاء المعرضون عن حكم الله ~~ورسوله إذا دعوا إليه: جهد أيمانهم، أي أغلظ أيمانهم وأشدها لئن أمرتهم ~~يا محمد بالخروج إلى الجهاد ليخرجن. قل لهم يا محمد: لا تقسموا أي لا ~~تحلفوا هذه طاعة معروفة بينكم فيها التكذيب. # وقيل: المعنى لا تحلفوا طاعة معروفة أمثل: من قسمكم. # وقال مجاهد: معنى طاعة معروفة: أي قد عرفت طاعتكم أي أنكم تكذبون. # ثم قال: { إن الله خبير بما تعملون } ، من طاعتكم له ~~ولرسوله وخلاف أمرهما وغير ذلك من أموركم. # وأجاز الزجاج: { طاعة } بالنصب على المصدر { لا تقسموا } ، ~~تمام. ثم قال: { قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول } ، ~~أي: قل يا محمد لهؤلاء المقسمين ليخرجن معك إذا أمرتهم: أطيعوا الله فيما ~~أمركم به ونهاكم عنه، وأطيعوا الرسول { فإن تولوا } ، يصلح أن ~~يكون ماضيا، ومستقبلا، ولكن هو هنا مستقبلا بدليل قوله: { عليكم ~~ما حملتم } ، ولو كان ماضيا لقال: عليهم ما حملوا. ومعنى: " ~~عليكم ما حملتم " أي ms1747 عليكم فعل ما أمركم به الرسول. وعليه ما حمل أي ما ~~كلف من التبليغ. # ثم قال: { وإن تطيعوه تهتدوا } ، أي: إن تطيعوا الرسول فيما ~~أمركم به، ونهاكم عنه: تهتدوا أي ترشدوا وتصيبوا الحق { وما على ~~الرسول إلا البلاغ المبين } ، أي: ليس على من أرسله الله ~~إلى قوم برسالة إلا أن يبلغهم رسالات الله بلاغا بينا، ويفهمهم ما أراد ~~الله منهم فيما أرسله به إليهم. ### || [24.55-58] # قوله تعالى ذكره: { وعد الله الذين آمنوا منكم } ، إلى ~~قوله: { والله عليم حكيم }. # أي وعد الله المؤمنين منكم أيها الناس، وعملوا الأعمال الصالحات { ~~ليستخلفنهم في الأرض } قيل: أرض المشركين بعد النبي. ~~فأخبر الله نبيه ووعده أنه سيمكن من آمن به من ملك أرض العدو، وأنه ~~سيستخلفهم في تلك آمنين، فكان ما وعده به، وهذا من أدل ما يكون على صحة ~~نبوة محمد عليه السلام لأنه أخبر بما يكون قبل أن يكون، فكان كما أخبر ~~صلى الله عليه وسلم، فلا يكون ذلك إلا عن وحي من الله إليه بذلك، ولا ~~يجوز أن يكون هذا الإخبار من متخرص يصيب ويخطئ، ويصيب بعضا ويخطئ في بعض ~~لأنه قد كان كل ما وعدهم به، لم يمتنع منه شيء، والمتخرص يقع خبره كذبا ~~في أكثر أقواله، وربما وافق بعض ما أخبر به، وأخطأ في بعض، ولا يصيب ~~المتخرص في كل ما وعد به، فلما كان كل ما أخبر به النبي صلى الله عليه ~~وسلم لم يمتنع منه شيء علمنا أنه بوحى، والوحي لا يكون إلا للنبي والرسول ~~الصادق في أخباره، فكان في ذلك دلالة على نبوة محمد عليه السلام. لأن ~~الله تعالى ذكره قد أنجز له وعده. وفيها دلالة على خلافة أبي بكر، وعمر، ~~وعثمان وعلي رضي الله عنهم، وعلى أمانتهم، لأنه لم يستخلف بعد رسول الله ~~أحد ممن خوطب بهذه الآية غيرهم. لأن هذه الآية نزلت قبل فتح مكة. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " الخلافة بعدي ثلاثون سنة " # وهذا موافق للآية # ومعنى: { كما استخلف الذين من قبلهم } ، عني ms1748 به بنو ~~إسرائيل إذ أهلك الله الجبابرة بالشام وجعلهم ملوكها وسكانها، فدل ذلك أن ~~الله هو الذي استخلفهم في الأرض، وبأمره صاروا خلفاء وأئمة، وأنهم كانوا ~~يعبدون الله تعالى لا يشركون به شيئا. # ثم قال تعالى: { وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى ~~لهم } ، أي: ليوطنن لهم دينهم وهو الإسلام الذي ارتضاه لهم وأمرهم به، ~~وإنما جاء { ليستخلفنهم } في جواب { وعد } لأن الوعد قول ~~فصار بمنزلة: قال لهم: ليستخلفنهم. # ثم قال: { يعبدونني } ، أي: يخضعون لي بالطاعة، لا يشركون في ~~عبادتهم في الأوثان والأصنام، و " يعبدون ": حال أي وعدهم في هذه الحال، ~~ويجوز أن يكون مستأنفا على الثناء عليهم. ويروى أن بعض أصحاب النبي عليه ~~السلام شكى إليه ما هم فيه من العدو، وتضييقه عليهم، وشدة الخوف، وما ~~يلقون من الأذى / فنزلت هذه الآية بالوعد الجميل لهم. فأنجزه الله لهم، ~~وملكهم ما وعدهم وأظهرهم على عدوهم. # قال أبو العالية: مكث النبي عليه السلام عشر سنين خائفا، يدعو إلى الله ~~سرا وجهرا ثم أمر بالهجرة إلى المدينة فمكث بها واصحابه خائفين يصبحون ~~في السلاح، ويمسون فيه، فقال رجل: ما يأتي علينا يوم نأمن فيه، ونضع هنا ~~السلاح. # فقال النبي صلى الله عليه وسلم كلمة معناها: لا تغبرون إلا يسيرا، ~~حتى يجلس الرجل منكم في الملإ العظيم محتبيا ليس بيده حديدة، فأنزل الله ~~هذه الآية. # وقوله: { ومن كفر بعد ذلك } ، أي: من كفر بالنعمة لا بالله ~~قاله: أبو العالية. # ثم قال تعالى: { وأقيموا الصلاة } ، أي: بحدودها { وآتوا ~~الزكاة } ، يعني التي فرض الله { وأطيعوا الرسول } ، يعني ~~فيما أمر به ونهى عنه { لعلكم ترحمون } ، أي: لعل ربكم ~~يرحمكم، ولعل من الله خبر واجب يفعله بفضله. # ثم قال تعالى: { لا تحسبن الذين كفروا معجزين في ~~الأرض } ، من قرأه بالياء فالمفعول الأول لحسب محذوف على قول الفراء. ~~والتقدير لا يحسبن الكفار أنفسهم معجزين. # وقال علي بن سليمان: { الذين كفروا } ، في موضع نصب. # والتقدير لا يحسبن الكافر الذين كفروا معجزين. ويجوز أن يكون المعنى: لا ~~يحسبن محمد الذين كفروا معجزين. ms1749 فأما من قرأ بالتاء فهو الأمر الظاهر، ~~والنبي عليه السلام هو المخاطب، وهو الفاعل، و { الذين كفروا } ، ~~في موضع نصب. و { معجزين } ، مفعول ثان. ومعنى الآية لا تحسبن يا ~~محمد الذين كفروا معجزين في الأرض إذا أراد الله هلاكهم، وتم الكلام على ~~الأرض. ثم ابتدأ بخبر آخر عن عاقبة أمرهم، فقال: { ومأوهم ~~النار }. # قيل: هو معطوف على محذوف تقديره: بل هم تحت القدرة ومأواهم النار بعد ~~هلاكهم. { ولبئس المصير } أي: بئس الذي يصيرون إليه. # ثم قال: { يأيها الذين ءامنوا ليستأذنكم الذين ~~ملكت أيمنكم }. # قال ابن عمر: هي محكمة. ودل على ذلك قوله تعالى: # وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا ~~كما استأذن الذين من قبلهم # [النور: 59]، يعني البالغين، أي يستأذن هؤلاء الأطفال إذا بلغوا على كل ~~حال، كما استأذن البالغون في كل وقت، يعني من الرجال خاصة. # وقيل: عني به من ملكته من الرجال والنساء ألا يدخل عليك في هذه ~~الثلاثة الأوقات إلا بإذن.. # وقوله: { والذين لم يبلغوا الحلم منكم } ، يعني من ~~لم يحتلم من الأحرار. # ثم قال: { ثلاث مرات } ، أي: في ثلاث مرات، يعني: بالمرات ثلاث ~~أوقات. ثم بين الثلاث أوقات متى هن فقال: { من قبل صلوة ~~الفجر } ، إلى قوله: { صلوة العشآء } ، ولو حمل الكلام ~~على ظاهره لوجب ألا يدخل إلا بعد استئذان ثلاث مرات، وليس الأمر كذلك ~~إنما هو إذن واحد. # قال ابن عباس: إن الله رفيق حليم رحيم بالمؤمنين يحب السترة عليهم، وكان ~~القوم ليس لهم ستور ولا حجال، فربما دخل الخادم والولد واليتيم على ~~الرجل، وهو مع أهله في حال جماع، فأمر الله تعالى بالاستئذان في هذه ~~الأوقات الثلاث، ثم جاء الله باليسر وبسط في الرزق فاتخذ الناس الستور ~~والحجال، فرأى الناس ذلك قد كفاهم من الاستئذان الذي أمروا به. # وعنه أنه قال: الآية محكمة، والعمل بها لازم، ولكن الناس لا يعملون بها. # وقيل: إنما أمروا بالاستئذان لأنها أوقات يتجرد فيها من الثياب، وتنكشف ~~العورات، ودلت الآية على أن البالغين من ذوي المحارم عليهم الاستئذان في ~~هذه ms1750 الأوقات، وفي غيرها، وهؤلاء المذكورون في الآية إنما يستأذنون في هذه ~~الأوقات خاصة. # وقال ابن المسيب: هي منسوخة: لا يعمل بها اليوم. يعني أن الأبواب قد ~~صنعت، والستور قد منعت من دخول هؤلاء وغيرهم على الإنسان، ودل على ذلك ما ~~قال ابن عباس. # قال ابن عباس: جاء الله باليسر، وبسط الرزق فاتخذ الناس الستور والحجال، ~~فرأى الناس ذلك قد كفاهم من الاستيذان الذي أمروا به. فكأنها على هذا ~~القول ندب. # ثم قال: { ثلاث عورات لكم } ، من نصب ثلاث رده على ثلاث ~~مرات. # وقيل: هو ظرف / والتقدير أوقات ثلاث عورات، والرفع على الابتداء وما ~~بعده الخبر، والعورات الساعات التي تكون فيها العورة، والخلوة سميت عورة ~~لكون ظهور العورة فيها، كما قالوا: ليلك نائم: لكون النوم فيه. # وقيل: التقدير: ثلاث أوقات ظهور عورات. # ثم قال: { ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن } ، ~~أي: ليس عليكم معشر أهل البيوت ولا على الذين ملكت أيمانكم من الرجال ~~والنساء، والذين لم يبلغوا الحلم من أولادكم الصغار إثم في الدخول عليكم ~~بغير استئذان بعد الأوقات. وهذا يدل على أن على الموالي من الاستئذان في ~~الدخول على العبيد في هذه الأوقات، مثل ما على العبيد. لقوله تعالى: { ~~ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن } ، أي: بعد هذه ~~الأوقات في الدخول حرج. ويدل عليه أيضا قوله: { طوفون عليكم ~~بعضكم على بعض } ، أي: يطوفون عليهم، كما يطوفون عليكم في هذه ~~الأوقات، فعليكم من الاستئذان مثل ما عليهم. لكن خص الله الموالي بالخطاب ~~والذكر، لأنهم هم الذين عرفت لهم الخدمة من عبيدهم. # ثم قال تعالى: { طوفون عليكم } ، أي: هؤلاء المماليك والصبيان ~~الصغار: طوافون عليكم: أي يدخلون ويخرجون على مواليهم وأقربائهم في ~~منازلهم غدوة وعشية بغير إذن. # وقوله: { بعضكم على بعض } ، أي: يطوف بعضكم على بعض في سوى ~~هذه الأوقات الثلاثة. # ثم قال: { كذلك يبين الله لكم الأيت } ، أي: كما ~~بين لكم أوقات الاستئذان كذلك يبين لكم جميع أعلامه، وأدلته { والله ~~عليم } ، أي: ذو علم بمصالح عباده، حكيم في تدبيره إياهم. ### || [24.59] # ثم ms1751 قال: { وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم ~~فليستأذنوا } ، أي: إذا بلغ الأطفال من أولادكم وأقربائكم الحلم ~~فليستأذنوا أي إذا أرادوا الدخول عليكم في كل الأوقات. # { كما استأذن الذين من قبلهم } يعني البالغين. # وقيل: يعني الكبار من ولد الرجل وأقربائه الأحرار. # قال ابن عباس: أما من بلغ الحلم، فإنه لا يدخل على الرجل وأهله، إلا ~~بإذن على كل حال. وهو معنى الآية { وإذا بلغ }. # وقال عطاء: واجب على الناس كلهم إذا بلغوا الحلم أن يستأذنوا على من كان ~~من الناس. # وقال الزهري وابن المسيب: يستأذن الرجل على أمه. # ثم قال: { كذلك يبين الله لكم آياته والله ~~عليم حكيم } معناه كالأول. # قوله: { ثلاث مرات } قال يعقوب: هو تمام. وقال غيره: التمام ~~العشاء. لأن ما بعد مرات تبيين لها، فأما من قرأ { ثلاث عورات } ، ~~بالنصب فلا يكون الوقف على قوله إلا ثلاث عورات لكم، (وبعدهن) تمام. ### || [24.60-61] # قوله تعالى: { والقواعد من النسآء اللاتي لا يرجون ~~نكاحا } إلى قوله: { لعلكم تعقلون } ، # أي: واللواتي قعدن من النساء عن التزويج وعن الولد من الكبر، ولا يرجون ~~نكاحا، ولا يرغب في نكاح مثلهن، فلا إثم عليهن، أن يضعن القناع الذي ~~يكون فوق الخمار، والرداء عند أولي المحارم من الرجال غير متبرجات بزينة. ~~خفف الله تعالى عنهن في وضع ثيابهن، إذ لا يرغب في النظر إليهن الرجال، ~~ولا في نكاحهن، والنظر إلى شعورهن وما هو عورة منهن، لا يجوز لأحد فعله ~~بمثل الشابة. # وإنما خفف الله تعالى ذلك عنها ولم يبح للرجال النظر إلى شيء من عوراتهن ~~من شعر وغيره، وإن كن لا يرغب في نكاحهن. واحدتهن قاعد بغير هاء وحذفت ~~الهاء عند البصريين على النسبة. # وقال الكوفيون: لما كان لا يقع إلا لمؤنث حذفت الهاء. # وقيل: حذفت منه الهاء ليفرق بينه وبين القاعدة التي هي الجالسة. # وقوله تعالى: { وأن يستعففن خير لهن } ، أي: ألا يضعن ~~ذلك خير لهن. # وقال مجاهد: معناه: أن يلبسن جلابيبهن فلا يضعنه خير لهن. # { والله سميع } ، أي: يسمع ما تنطق ألسنتهم عليم بما تضمره ms1752 ~~صدورهم. # ثم قال: { ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج ~~حرج ولا على المريض حرج } ، الآية. # هذه الآية نزلت ترخيصا للمسلمين أن يأكلوا مع العميان والعرج / ~~والمرضى، وأن يأكلوا في بيوت غيرهم، وعلى بمعنى " في " وذلك أنهم تحرجوا ~~من ذلك لما نزلت { ولا تأكلوا أموالكم بينكم ~~بالباطل } ، قاله ابن عباس. # وقال الضحاك: كان أهل المدينة قبل النبي صلى الله عليه وسلم لا يخالطهم ~~في طعامهم أعمى، ولا أعرج، ولا مريض على طريق التقزز. # وقيل: على طريق التحرج. لأن المريض لا يستوفي الطعام كما يستوفي الصحيح، ~~والأعرج المحتبس لا يستطيع المزاحمة على الطعام، والأعمى لا يبصر طيب ~~الطعام، فأنزل الله تعالى إباحة ذلك في هذه الآية. # وقيل: نزلت ترخيصا لأهل الزمانة في الأكل من بيوت من سمى الله في هذه ~~الآية. لأن قوما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا إذا لم يكن ~~عندهم في بيوتهم ما يطعمونهم ذهبوا بهم إلى بيوت آبائهم وأمهاتهم أو بعض ~~من سمى الله، وكان أهل الزمانة يتحرجون أن يطعموا ذلك الطعام، قال ذلك ~~مجاهد. وقيل: نزلت ترخيصا لأهل الزمانة أن يأكلوا من بيوت من خلفهم في ~~بيوته من الغزاة. وكان الغزاة يدفعون إليهم مفاتيح أبوابهم ويقولون: قد ~~أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا، فكانوا يتحرجون من ذلك. قاله ~~الزهري. # وقيل: بل عني بذلك الجهاد، أي لا إثم عليهم في التخلف عن الجهاد. ثم ~~ابتدأ كلاما آخر فقال: { ولا على أنفسكم } ، قاله ابن زيد. # وقيل: إنها منسوخة بقوله تعالى: # لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا # [النور: 27]، فإذا فرض عليهم ألا يدخلوا حتى يستأذنوا، فالدخول والأكل ~~آكد ألا يفعل إلا بعد إذن، ولا يأكل حتى يدخل، وقد فرض عليه ألا يدخل إذا ~~لم يجد فيها أحدا، فالأكل ممتنع لامتناع الدخول فهو ناسخ له. # قال ابن زيد في قوله تعالى: { ولا على أنفسكم أن تأكلوا ~~} ، الآية. هذا شيء قد انقطع ونسخ؛ إنما كان هذا في أول الإسلام، ولم تكن ~~لهم أبواب، وكانت الستور مرخاة، فربما ms1753 دخل الرجل البيت ولا أحد فيه، وهو ~~جائع فيجد طعاما فسوغه الله أن يأكله، وقد ذهب ذلك، اليوم البيوت فيها ~~أهلها وإذا خرجوا أغلقوها ولا يحل لأحد أن يفتح باب أحد، فليأكل متاعه ~~بإجماع. وأكثر أهل النظر على أن الآية منسوخة بقوله: # ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل # [البقرة: 188]، وبقوله: # لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم # [الأحزاب: 53] وبقول النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفسه ". # وقيل: نزلت ترخيصا لمن كان يتقي مؤاكلة الزمنى. # فالآية على قول ابن زيد: منسوخة، وهي ناسخة لتحرجهم عن الأكل مع الزمنى ~~على قول ابن عباس المتقدم، وهو قول جماعة من أهل العلم. # وقوله { أو ما ملكتم مفاتحه } ، يعني وكيل الرجل وقيمه ~~في ضيعته أنه لا بأس أن يأكل من الثمر ونحوه. قاله ابن عباس. # قال أبو عبيد: هذا كله إنما هو بعد الإذن لأن الناس توقفوا أن يأكلوا ~~لأحد شيئا بإذن أو بغير إذن لما نزلت: # ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل # [البقرة: 188]. # وقيل: عني به منزل الرجل نفسه. أنه لا بأس عليه أن يأكل منه. # وقال مجاهد: يعني خزائن الرجل ومتاعه. # وقرأ قتادة: { مفاتحه } وهي لغة، ومفتح أكثر من مفتاح والمفتح: ~~الخزانة. # وقرأ ابن جبير: { أو ما ملكتم مفاتحه } ، على من لم يسم ~~فاعله، ومعنى { ولا على أنفسكم } ، ولا عليكم أيها الناس. ولما ~~اجتمع مخاطب وغير مخاطب غلب المخاطب. فقوله { تأكلوا من ~~بيوتكم } ، وما بعده من المخاطبة، يراد به جميع من ذكر من الأعمى، ~~والأعرج، والمريض، وأصحاب البيوت. # وقوله: { أو صديقكم } ، قال قتادة: فلو أكلت من بيت صديقك من غير ~~أمره لم يكن بذلك بأس. # وقوله: { أو بيوت ءابآئكم } ، وما بعده، ولم يذكر بيوت ~~الأبناء يدل على أن بيت الابن داخل في بيت الرجل، فهو داخل في قوله: { ~~أن تأكلوا من بيوتكم } ، فبيت ابن الرجل مثل بيته، فدل ذلك ~~على صحة قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " أنت ومالك لأبيك ". # فمال ابن الرجل كمال الرجل، إلا ما ms1754 أحكمته السنة في غير المأكول في بيت ~~الإبن، وهذه الآية تدل على أن / للرجل أن يأكل من بيت ابنه بغير إذنه، ~~كما يأكل من بيته نفسه، لأن له أن يأخذ ماله ويستحل كسبه، وهو غني عن ~~ذلك، فإن كان الأب فقيرا، فليس له على الابن إلا ما أحكمته السنة من ~~النفقة بالمعروف. # ثم قال: { ليس عليكم جناح } ، أي إثم وحرج أن تأكلوا جميعا ~~أي مع الفقراء والزمنى { أو أشتاتا } أي متفرقين، وأشتاتا نصب على ~~الحال، وكذلك جميعا. # قال ابن عباس: كان الرجل الغني يدخل على الفقير، من ذوي قرابته وصداقته ~~فيدعوه إلى الطعام، فيتحرج أن يأكل معه، لأنه فقير، فأمروا أن يأكلوا ~~جميعا أو أشتاتا. # وقيل: عني بذلك حي من العرب، كان لا يأكل أحدهم شيئا وحده، ولا يأكل ~~إلا مع غيره، فأذن الله أن يأكل من شاء منهم وحده، ومن شاء مع غيره. # وعن ابن عباس أيضا قال: كانوا يأنفون أن يأكل الرجل وحده حتى يكون معه ~~غيره، فرخص الله لهم في ذلك. # وقال ابن جريج: كانت بنو كنانة يستحي الرجل منهم أن يأكل وحده، حتى نزلت ~~الآية. # وقال الضحاك: كانوا لا يأكلون متفرقين دينا لهم فأنزل الله إباحة ذلك. # وقيل: عني به قوم من الأنصار. كانوا لا يأكلون إذا نزل بهم ضيف إلا مع ~~ضيفهم فرخص الله لهم أن يأكلوا كيف شاءوا. روي في ذلك عن أبي صالح ~~وعكرمة. # وروى مطرف عن مالك عن ابن شهاب، عن ابن المسيب: أنه كان يقول في هذه ~~الآية: إنها نزلت في ناس كانوا إذا خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في مغازيه وضعوا مفاتيح بيوتهم عند الأعمى، والأعرج، والمريض، وعند ~~أقاربهم، وكانوا يأمرونهم أن يأكلوا مما في بيوتهم، إذا احتاجوا إلى ذلك، ~~فكانوا يتقون أن يأكلوا منها، ويقولون: نخشى ألا تكون أنفسهم طيبة بذلك، ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية أباح لهم الأكل منها. # وقوله: { من بيوتكم أو بيوت ءابآئكم } ، ولم يذكر ~~الأبناء، يدل على أن بيت الابن بيت الأب ms1755 مع قول النبي صلى الله عليه وسلم # " أنت ومالك لأبيك " # ، ولما كانت بيوت الأب لا يملكها الابن قال: { أو بيوت ~~ءابآئكم } ، لو كان يملكها لكانت كبيته وبيت أبيه. # وقوله عن أم مريم: # إني نذرت لك ما في بطني محررا # [آل عمران: 35] يدل على أن الرجل يملك أمر ابنه وماله حتى يبلغ، إذ لم ~~تنذر أم مريم إلا فيما تملك، فإذا بلغ الولد فعل بنفسه ما شاء بالإجماع ~~على ذلك. # ثم قال تعالى: { فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على ~~أنفسكم } ، أي يسلم بعضكم على بعض، أي سلموا على أهليكم وعيالكم. # قال عمرو بن دينار: فإن لم يكن في البيت أحد فقل السلام على النبي ورحمة ~~الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام على أهل ~~البيت ورحمة الله. # وقال ابن عباس: يقول إذا لم يكن في البيت أحد: السلام علينا من ربنا. # وعن ابن عباس أنه: عني به المساجد تسلم إذا دخلت فإن لم يكن فيها أحد ~~قلت: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. # وقال النخعي: إذا لم يكن في المسجد أحد فقل: السلام على رسول الله، وإذا ~~لم يكن في البيت أحد، فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. # وقال الحسن معناه: إذا دخلتم بيوتا من بيوت المسلمين فليسلم بعضكم على ~~بعض. # وقيل معناه: إذا دخلتم بيوتا لا أحد فيها: فسلموا على أنفسكم. # وقوله: { تحية من عند الله } ، أي ليحيي بعضكم بعضا، ~~والتحية البركة، ويكون في غير هذا الملك نعتت بطيبة لأن سامعها يستطيب ~~سماعها. # ثم قال تعالى: { كذلك يبين الله لكم الآيت } ، أي ~~هكذا يفصل لكم معالم دينكم، لعلكم تعقلون عنه أمره، ونهيه، وأدبه. ### || [24.62-64] # قوله تعالى ذكره: { إنما المؤمنون الذين آمنوا ~~بالله ورسوله } إلى قوله: { عليم } ، آخر السورة، # أي إنما المؤمنون حق الإيمان: الذين صدقوا الله ورسوله وإذا كانوا مع ~~رسوله على أمر يجتمع إليه الجميع من حرب، أو صلاة، أو تشاور في رأي / يعم ~~نفعه لم يذهبوا عنه حتى يستأذنوه. # ثم قال: { إن الذين يستأذنونك أولئك الذين ms1756 ~~يؤمنون بالله ورسوله } أي إن الذين يستأذنونك يا محمد في ~~الانصراف، ولا يمضون عنك بغير رأيك أولئك هم المؤمنون بالله ورسوله حقا. # ثم قال تعالى لنبيه: { فإذا استأذنوك لبعض شأنهم } ~~أي: لبعض حاجاتهم { فأذن لمن شئت منهم } ، في الانصراف عنك ~~{ واستغفر لهم الله } ، أي: وادع لهم الله أن يتفضل عليهم ~~بالمغفرة، إن الله غفور لذنوب عباده التائبين، رحيم بهم أن يعاقبهم عليها ~~بعد توبتهم منها. # وقيل: المعنى: واستغفر لهم الله لخروجهم عن الجماعة إن رأيت لهم عذرا. # ويروى: أن هذه الآية نزلت في عمر بن الخطاب رضي الله عنه: استأذن النبي ~~صلى الله عليه وسلم في العمرة فأذن له ثم قال: # " يا أبا حفص لا تنسنا في صالح دعائك " # ، فأمر الله نبيه بالإذن لمن استأذنه، وأمره، يستغفر لهم، ودل قوله: { ~~أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله } ، على أن ~~العمل بأوامر الله هو من الإيمان، فالعمل بالاستئذان الذي أمرهم به من ~~الإيمان. # ثم قال تعالى يخاطب المؤمنين: { لا تجعلوا دعآء الرسول ~~بينكم كدعآء بعضكم بعضا } ، أي: اتقوا دعاء الرسول ~~عليكم إن مضيتم بغير أمره، فتهلكوا ولا تجعلوا دعاءه عليكم كدعاء بعضكم ~~على بعض، فإن دعاءه مجاب. قاله ابن عباس. # وقال مجاهد: أمروا أن يدعوا الرسول بلين وتواضع، ولا يدعوه بغلظ وجفاء، ~~كما يخاطب بعضكم بعضا. وهذا مثل قوله: # لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي، ولا ~~تجهروا له بالقول كجهر بعضكم # [الحجرات: 2]. # وقال قتادة: أمروا أن يفخموه ويشرفوه، وقول ابن عباس: أليق بما تقدم ~~قبله من المعنى. # ثم قال تعالى: { قد يعلم الله الذين يتسللون ~~منكم لواذا } ، الآية، هذه الآية نزلت في حفر الخندق حول المدينة، ~~وذلك أن اليهود سعت في البلاد على حرب النبي صلى الله عليه وسلم، فأتت ~~قريش وقائدها أبو سفيان، وأتت غطفان من قيس وقائدها عيينة بن حصن، فلما ~~سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب الخندق على المدينة، وذلك في ~~شوال من سنة خمس من الهجرة فعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخندق ~~بيده، ms1757 وعمل معه المسلمون، وتخلف عن العمل رجال من المنافقين، وجعلوا ~~يعتذرون بالضعف ويتسللون إلى أهليهم بغير إذن من رسول الله وجعل المؤمنون ~~يستأذنون النبي عليه السلام إذا عرضت لهم حاجة، فأنزل الله هذه الآية في ~~ذلك. # قال الضحاك: كان يستتر بعضهم ببعض فيقومون. ولواذا مصدر لاوذ ويجوز أن ~~يكون في موضع الحال، أي متلاوذين أي مخالفين، يلوذ بعضهم ببعض، فيستتر به ~~لئلا يرى عند انصرافه. # قال مجاهد: لواذا خلافا. ولم يعتل لواذا، كما اعتل قياما، لأن الواو ~~صحت في الفعل، فقيل لاوذ يلاوذ فصحت في المصدر واعتلت في الفعل من قيام، ~~فقيل: قام يقوم فوجب أن يعتل في المصدر، فقيل: من أجل ذلك قياما فما ~~عرفه. # ثم قال: { فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن ~~تصيبهم فتنة } ، أي ليحذر من يخالف أمر النبي عليه السلام أن ~~تصيبه فتنة وهي: أن يطبع على قلبه فلا يؤمن، أي يظهر الكفر بلسانه فتضرب ~~عنقه. # قال ابن زيد: هؤلاء المنافقون الذين يرجعون بغير إذن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وقال: اللواذ: الروغان، ثم قال: { أو يصيبهم عذاب ~~أليم } ، أي في الدنيا على صنعهم ذلك. # وقال أبو عبيدة: " عن " هنا زائدة. وذلك بعيد، على مذهب سيبويه، وغيره ~~لأن " عن " و " على " لا تزادان. ومعناه يخالفون بعدما أمرهم النبي عليه ~~السلام. # وقال الطبري: المعنى: فليحذر الذين يولون عن أمره، ويدبرون عنه معرضين. # ثم قال: { ألا إن لله ما في السموت والأرض } ، أي ~~ملك ما فيها، فلا ينبغي لمخلوق مملوك أن يخالف أمر مالكه، وخالقه ~~فيستوجب عقوبته. # / { قد يعلم مآ أنتم عليه } من الطاعة والمعصية والمعنى: ~~قد علم ذلك، فيجازيكم على ذلك. # ثم قال تعالى: { ويوم يرجعون إليه } ، أي يرجع الذين ~~يخالفون عن أمر الله { فينبئهم بما عملوا } ، أي يخبرهم ~~بأعمالهم السيئة ويجازيهم عليها. { والله بكل شيء عليم }. # أي ذو علم بكل شيء، من عملكم وغيره، وعمل غيركم لا يخفى عليه شيء من ذلك ~~فهو يجازي كلا بعمله يوم الرجوع إليه وهو يوم القيامة. ### | [25 - سورة الفرقان] ### || [25.1-8] ms1758 # قوله تعالى ذكره: { تبارك الذي نزل الفرقان على ~~عبده } إلى قوله: { رجلا مسحورا }. # قال ابن عباس تبارك من البركة. # وقال الفراء هي في العربية وتقدس واحد وهما العظمة. # وقال الزجاج: تبارك: تفاعل من البركة ومعنى البركة الكثرة من كل خيره. # وقيل: تبارك: تعالى عطاؤه، أي: زاد وكثر. # وقيل: معناه: دام وثبت إنعامه. # وقيل: معناه: دام بقاء { الذي نزل الفرقان على عبده ~~} ، وثبتت نعمه على عباده، وهو كله مشتق من برك الشيء: إذا ثبت ومنه برك ~~الجمل. # وقال النحاس، تبارك: تفاعل من البركة. وهو حلول الخير، ومنه فلان: مبارك ~~أي: الخير يحل بحلوله، مشتق من البرك، والبركة وهما المصدر. # والفرقان: القرآن، سمي بذلك لأنه فرق بين الحق والباطل، والمؤمن ~~والكافر. # وقوله { ليكون للعالمين نذيرا } ، أي: الذي أنزل عليه ~~الفرقان ليكون لجميع الجن والإنس. # { نذيرا } ، أي: منذرا لهم عقاب الله والنذير: المخوف عقاب الله، ~~والنذير هو محمد صلى الله عليه وسلم. # وقيل: هو القرآن. # وقوله: # وإن من أمة إلا خلا فيها نذير # [فاطر: 24] يدل على أنه: محمد صلى الله عليه وسلم ومثله # لأنذركم به ومن بلغ # [الأنعام: 19] وأنذركم بالوحي ونذير بمعنى: منذر ولكن تضمن بناء فعيل ~~للتكثير. # ثم قال: { الذي له ملك السموت والأرض } ، أي: سلطان ~~ذلك كله وملكه. { ولم يتخذ ولدا } ، هذا رد على من أضاف إليه ~~الولد. # ثم قال: { ولم يكن له شريك في الملك } ، هذا رد وتكذيب ~~لمن عبد مع الله غيره، ورد على قول العرب في التلبية: (لبيك لا شريك لك ~~إلا شريك هو لك تملكه وما ملك). # ثم قال: { وخلق كل شيء فقدره تقديرا } ، أي: اخترعه ~~{ فقدره تقديرا } ، أي: هيأه لما يصلح له، فلا خلل فيه ولا ~~تفاوت. # وقيل: معناه: خلق الحيوان وقدر له ما يصلحه ويهيئه. # ثم قال: { واتخذوا من دونه آلهة } ، أي: اتخذ مشركو قريش ~~آلهة يعبدونها من دون الله يقرعهم بذلك، ويعجب أهل النهى من فعلهم ~~وعبادتهم ما لا يخلق شيئا وهو يخلق، ولا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا أي: ~~لا يملك الآلهة دفع ms1759 ضر، ولا استجلاب نفع. ولا يملك إماتة حي، ولا إحياء ~~ميت، ولا ينشره بعد مماته. # وتركوا عبادة من يملك الخير والنفع ويحيي ويميت، خلق كل شيء وهو مالك كل ~~شيء، ينشر الأموات إذا أراد، ويرزق الخلق بمشيئته. # ثم قال: { وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك ~~افتراه } ،: أي: قال هؤلاء المشركون: ما هذا الذي أتى به محمد إلا ~~كذب وبهتان إخترعه واختلقه { وأعانه عليه قوم آخرون } ، ~~يعنون أن اليهود هم يعلمون محمدا صلى الله عليه وسلم. ما يأتي به من ~~القرآن قاله مجاهد. # وعن ابن عباس: أنهم عنوا بقولهم { قوم آخرون } ، يسارا أبا فكيهة ~~مولى الحضرمي وعداسا وجبرا. # ثم قال: { فقد جآءوا ظلما وزورا } ، أي: أتى هؤلاء القائلون: ~~إن الذي أتى به محمد صلى الله عليه وسلم إفك افتران بظلم، وهو وضع الشيء ~~في غير موضعه، إذ وصفوا كلام الله بغير صفته. والزور أصله تحسين الباطل، ~~والمعنى: فقد جاء هؤلاء القائلون: إن القرآن: إفك وزور بكذب محسن. # ثم قال تعالى: { وقالوا أساطير الأولين } ، أي: قال أيضا ~~هؤلاء المشركون: الذي جاء به / محمد صلى الله عليه وسلم: وهو أساطير ~~الأولين أي: أخبارهم، وما سطروا في كتبهم، { اكتتبها } ، محمد { ~~فهي تملى عليه } ، أي تقرأ عليه { بكرة وأصيلا } ، ~~أي: غدوة وعشيا. # ويروى أن هذه الآية نزلت في النضر بن الحرث بن كلدة. # قال ابن عباس، كان النضر من شياطين قريش، وكان يؤذي النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وكان قد قدم الحيرة وتعلم بها أحاديث ملوك فارس، وكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم إذا جلس مجلسا فذكر فيه بالله، وحذر قومه، ما أصاب من ~~قبلهم من الأمم من نقم الله، خلفه في مجلسه إذا قام، ثم يقول: أنا والله ~~يا معشر قريش أحسن حديثا منه، فهلموا فأنا أحدثكم أحسن من حديثه، ثم ~~يحدثهم عن ملوك فارس، ويقول: ما محمد أحسن حديثا مني، فأنزل الله جل ذكره ~~في النضر ثمان آيات كل ما ذكر فيها { أساطير الأولين } ، ففيه ~~نزل. # وقال ابن جريج { أساطير الأولين } ، أشعارهم ms1760 وكهانتهم. # وواحد الأساطير أسطورة مثل: أحدوثة وأحاديث. # وقيل واحدها: أسطار كأقوال وأقاويل. وأسطار جمع سطر، فهو جمع الجمع على ~~هذا القول. # ثم قال تعالى: { قل أنزله الذي يعلم السر في ~~السماوات والأرض } ، أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين أنزل ~~القرآن الذي يعلم سرا من في السماوات والارض، ولا يخفى عليه شيء. # قال ابن جريج: يعلم ما يسر أهل الأرض وأهل السماء. # { إنه كان غفورا رحيما } ، أي: لم يزل يصفح عن خلقه ~~ويرحمهم. # ثم قال: { وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ~~ويمشي في الأسواق }. # أي: ما له يأكل ويمشي، أنكروا عليه ذلك، ثم قالوا: { لولا أنزل ~~إليه ملك فيكون معه نذيرا } ، أي: هلا نزل معه ملك من ~~السماء فينذرنا معه { أو يلقى إليه كنز } ، أي: يطلع على ~~كنز من كنوز الأرض { أو تكون له جنة يأكل منها } ،. أي ~~يحدث الله له جنة يأكل منها. # قال ابن عباس: اجتمع أشراف قريش بظهر الكعبة وعرضوا عليه أشياء يفعلها ~~لهم من تسيير جبالهم، وإحياء آبائهم، والمجيء بالله والملائكة قبيلا، وما ~~ذكر الله في بني إسرائيل. وقالوا له سل ربك يبعث معك ملكا نصدقك بما ~~تقول، وسله يجعل لك قصورا، وجنانا وكنوزا من ذهب وفضة، تغنيك على ما نراك ~~تبتغي، فإنك تقوم في الأسواق، وتلتمس المعاش، كما نلتمسه حتى يعرف فضلك ~~ومنزلتك من ربك، إن كنت رسولا كما تزعم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم، ~~ما أنا بفاعل ذلك، فحكى الله ذلك من قولهم له. # ثم قال تعالى ذكره { وقال الظالمون إن تتبعون إلا ~~رجلا مسحورا } أي: قال ذلك بعضهم لبعض. # وقيل، قالوه للمؤمنين، أي: تتبعون رجلا له سحر، والسحر: الرئة أي: ~~وما تتبعون إلا رجلا مخلوقا مثلكم من بني آدم. ### || [25.9-17] # قوله تعالى ذكره: { انظر كيف ضربوا لك الأمثال } ، إلى ~~قوله: { ضلوا السبيل }. # أي: انظر يا محمد كيف شبه لك هؤلاء المشركون الأشياء بقولهم: هو مسحور، ~~فضلوا بذلك عن قصد السبيل { فلا يستطيعون سبيلا } ، أي: لا ~~يجدون طريقا إلى الحق الذي بعثتك به. قاله ms1761 ابن عباس. # وقال مجاهد: لا يجدون مخرجا يخرجهم عن الأمثال التي ضربوا لك. ومعناه: ~~إنهم ضربوا هذه الأمثال ليتوصلوا بها إلى تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم ~~فضلوا بذلك عن سبيل الحق وعن بلوغ ما أرادوا. # ثم قال { تبارك الذي إن شآء جعل لك خيرا من ذلك ~~} ، أي: خيرا مما قال المشركون لك هلا أوتيته. قاله مجاهد. # وقال ابن عباس: خيرا من ذلك، أي: من مشيك في الأسواق، والتماسك المعاش. ~~ثم بين ما هو الذي يجعل له فقال: { جنات تجري من تحتها ~~الأنهار ويجعل لك قصورا } ، قال خيثمة: # " قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: إن شئت أن يعطوك خيرا من الدنيا ~~ومفاتيحها، ولم يعط ذلك من قبلك، ولا يعطه أحد بعدك، وليس ذلك بناقصك في ~~الآخرة شيئا، وإن شئت جمعنا لك ذلك في الآخرة. # فقال: يجمع لي ذلك في الآخرة " # ، فأنزل الله تبارك وتعالى: { تبارك الذي إن شآء جعل لك ~~/ خيرا من ذلك } الآية. # قال: مجاهد: قصورا بيوتا مبنية مشيدة. وكانت قريش ترى البيت من حجارة ~~قصرا كائنا ما كان. # ثم قال تعالى: { بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن ~~كذب بالساعة سعيرا } ، أي: ما فعل هؤلاء المشركون، ما فعلوا ~~من تكذيب يا محمد إلا لأنهم كذبوا بالبعث، والنشر والقيامة. # ثم قال تعالى ذكره: { وأعتدنا لمن كذب بالساعة ~~سعيرا } ، أي: نارا تسعر عليهم وتتقد. { إذا رأتهم من ~~مكان بعيد } ، أي: إذا رأت النار أشخاصهم من مكان بعيد. { ~~سمعوا لها تغيظا وزفيرا } ، أي: غليانا وفوارا. # يقال، فلان يتغيظ على فلان: إذا غضب عليه فغلى صدره من الغضب عليه. ~~وزفيرا: أي: صوتها حين تزفر، والتقدير سمعوا صوت التغيظ من التلهب ~~والتوقد. # وقيل: معناه: سمعوا لمن فيها من المعذبين تغيظا وزفيرا. # وقال المسيب بن رافع: يكون الناس في صعيد واحد ينفذهم البصر ويسمعهم ~~الداعي، فتخرج عنق من النار. فتقول: إني وكلت بثلاثة بمن دعا مع الله ~~إلها آخر وبالعزيز الكريم، وبكل جبار عنيد. فتنطوي بهم فتدخلهم النار ~~قبل الناس بنصف يوم. ثم ينطلق الفقراء إلى ms1762 الجنة فتقول لهم خزنة الجنة: ~~أن لكم هذا قبل الحساب؟ فيقولون والله ما أعطيتمونا أموالا وما كنا ~~أمراء فتصدقهم الملائكة فتأذن، فيدخلون الجنة قبل الناس بنصف يوم ويبقى ~~الحساب على الأغنياء والأمراء، فيقول الرب تبارك وتعالى: (إياكم أعطيت، ~~وإياكم ابتليت) فيحاسبون. # وقوله: { إذا رأتهم } ، أتى على لفظ التأنيث، والسعير مذكر، ~~فإنما ذلك: لأن التأنيث راجع إلى النار، لأن السعير هي النار وهذا كقول ~~الشاعر: # إن تميما خلقت ملوما # فقال خلقت لأن تميما قبيلة، ثم رجع إلى لفظ تميم فقال: (ملوما) ثم ~~رجع إلى الجماعة فقال: # قوما ترى واحدهم صهميما. # والصهميم: الجمل القوي الشديد النفس. # قال ابن عباس: إن الرجل ليجر إلى النار فتنزوي، وينقبض بعضها إلى بعض، ~~فيقول لها الرحمن مالك؟ قالت: إنه يستجيرك مني فيقول: أرسلوا عبدي. وإن ~~الرجل ليجر إلى النار. فيقول: ما كان ظنك؟ فيقول: أن تسعني رحمتك. فيقول: ~~أرسلوا عبدي، وإن الرجل ليجر إلى النار فتشهق إليه النار شهيق البغل إلى ~~الشعير، وتزفر زفرة لا يبقى أحد إلا جأث. # وقيل: معنى { إذا رأتهم من مكان بعيد } ، إذا رآه ~~خزانها من مكان بعيد { سمعوا لها تغيظا وزفيرا } ، حرصا ~~على عذابهم وغضبا لله عليهم، فأخبر عن النار والسعير، والمراد خزان النار ~~الموكلون بها، كما قال تعالى # وكأين من قرية أمليت لها # [الحج: 48]، يريد أهل القرية، وكما قال # وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك ~~التي أخرجتك # [محمد: 13]، يريد أهل القرية بدلالة قوله بعد ذلك # أهلكناهم فلا ناصر لهم # [محمد: 13] فرجع الخبر عن أهل القرية. # ثم قال تعالى: { وإذآ ألقوا منها مكانا ضيقا ~~مقرنين } ، أي: وإذا ألقي هؤلاء المكذبون بالله من النار ~~مكانا ضيقا، قد قرنت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال، وقرنوا مع ~~الشياطين. { دعوا هنالك ثبورا } ، أي: هلاكا، قاله الضحاك. # وقال ابن عباس: ثبورا: ويلا، وأصل الثبور في اللغة: الانصراف عن الشيء، ~~يقال: ما تبرك عن هذا الأمر؟ أي: ما صرفك عنه. والمثبور المصروف عن ~~الخير. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: # " والذي نفسي ms1763 بيده إنهم ليستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط ~~". # وقال بعضهم، إنها لتضيق عليهم كما يضيق الرمح في الزج، قاله ابن عمر ~~وغيره. # وقيل الثبور هنا دعاء بالندم، على انصرافهم عن طاعة الله في الدنيا، ~~كقول الرجل واندماه، وكقوله، واحسرتاه على ما / فرطت. وفي الحديث أن أنس ~~بن مالك روى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أول من يكسى حلة من جهنم إبليس فيضعها على جنبه ويسحبها، يقول: ~~واثبورا، وتتبعه ذريته تقول، واثبوراه، فإذا وقفوا على النار دعوا ~~بالثبور، فتقول لهم الملائكة خزان جهنم لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا ~~وادعوا ثبورا كثيرا " # وفي هذا دليل على طول مقامهم فيها ويأسهم من النجاة. # ثم قال تعالى: { قل أذلك خير أم جنة الخلد } ، أي قل ~~يا محمد لهؤلاء المكذبين بالساعة أذلك خير، " وذا " إشارة إلى ما تقدم، ~~من ذكر النار والسعير، { أم جنة الخلد } ، والخلد: الذي يدوم ~~ولا ينقطع. # { التي وعد المتقون } أي: وعدها الله من اتقاه فيها أمره ~~ونهاه { كانت لهم جزآء } ، أي: جزاء لأعمالهم في الدنيا { ~~ومصيرا } ، أي: يصيرون إليها في معادهم وإنما جاز التفضيل بين الجنة ~~والنار بالخير، وقد علم أن النار لا خير فيها لأن الجنة والنار قد دخلا ~~في باب المنازل في صنف واحد. # حكى سيبويه: عن العرب الشقاء أحب إليك أم السعادة؟ وقد علم أن الشقاء لا ~~يحبه أحد وإنما جاء ذلك على التنبيه. # وقيل: إنما جاء ذلك في الآية لأن " خيرا " ليس هو أفعل، ولا تأويل فيه ~~لإضمار من، وإنما هو كما يقال، عنده خير، وكما قال: # فشركما لخيركما الفداء. # وقيل: المعنى: { أذلك خير أم جنة الخلد } ، على علمكم ~~وما تعقلون. وقيل: إن قوله: { أذلك خير } ، مردود إلى قوله: # أنزل إليه ملك # [الفرقان: 7]، وما قالوا بعده. # وقيل: هو مردود إلى قوله # إن شآء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من ~~تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا # [الفرقان: 10]، فذلك إشارة إلى هذا المذكور فقال: { أذلك خير ~~أم جنة الخلد } ، فهذا يدل على أن قوله: ms1764 # إن شآء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من ~~تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا # [الفرقان: 10] يعني به في الدنيا التي ينقطع نعيمها، ثم فاضل بين ذلك ~~وبين ما في الآخرة التي لا ينقضي نعيمها. # ثم قال تعالى: { لهم فيها ما يشآءون } ، أي: في الجنة { ~~خالدين } أي: مقيمين فيها أبدا. # { كان على ربك وعدا مسئولا } ، أي: كان إعطاء الله ~~المؤمنين: جنة الخلد في الآخرة وعدا وعدهم على طاعتهم إياه ومسألتهم ~~إياه ذلك، وذلك أن المؤمنين سألوا ربهم ذلك في الدنيا حين قالوا # ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك # [آل عمران: 194] فقال الله تعالى: { كان على ربك وعدا ~~مسئولا } ، قاله ابن عباس وابن زيد. # وقال محمد بن كعب، وعدا مسؤولا: أي: بمسألة من الملائكة للمؤمنين، وهو ~~قول الملائكة # ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم # [غافر: 8]. # وقيل معناه: وعدا واجبا، والعرب تقول: لا أعطينك ألفا وعدا. { ~~مسئولا } ، أي: واجبا أي: هو واجب لك فاسأله. # ثم قال تعالى: { ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون ~~الله } ، أي: واذكر يا محمد يوم نحشر هؤلاء المكذبين بالساعة. { وما ~~يعبدون من دون الله } ، من الملائكة والانس والجن. # قال مجاهد وابن جريج: يعني، عيسى، وعزيرا، والملائكة، فيقول: { ~~أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء } ، أي: أزلتموهم عن طريق ~~الهدى، ودعوتموهم إلى الغي. { أم هم ضلوا السبيل } ، أي: ~~أخطأوا سبيل الرشاد والحق. # وقيل: هي الأصنام والأوثان يحييها الله تعالى يوم القيامة فتجيبه بذلك. ### || [25.18-20] # قوله تعالى ذكره: { قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنآ أن ~~نتخذ من دونك من أوليآء } إلى قوله: { وكان ربك ~~بصيرا } ، # أي قال عيسى صلى الله عليه وسلم وعزيرا، والملائكة تنزيها لك يا ربنا ~~وبراءة مما أضاف إليك هؤلاء المشركون. # { ما كان ينبغي لنآ أن نتخذ من دونك من ~~أوليآء } بل أنت ولينا من دونهم. { ولكن متعتهم } ~~بالمال في الدنيا والصحة { حتى نسوا الذكر } أي: ذكرك. { ~~وكانوا قوما بورا } أي: هلكى. # قيل: إن أعمارهم طالت بعد موت الرسل فنسوا وهلكوا. # قال الحسن: البور الذي ليس فيه خير، وكذلك قال: ms1765 ابن زيد، والعرب تقول ~~لما فسد وهلك أو كسد: بائر ومنه بارت السوق / " ومن في { من ~~أوليآء } زائدة، زيدت للتوكيد بعد النفي، وأولياء في موضع نصب يتخذ، ~~والمعنى: ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك أولياء، فكيف يتخذنا أحد ~~أولياء من دونك، وكيف نرضى بذلك، نحن لا نرضى بذلك لأنفسنا، فكيف نرضاه ~~لغيرنا، ووقع هذا الجواب على المعنى لا على اللفظ، لأنه ليس بجواب لقوله ~~{ أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء } ولكن حمل الجواب على ~~المعنى لأن من عبد شيء فقد تولاه، ومن تولى شيئا فالمتولى ولي للمتولي، ~~فكلاهما ولي للآخر، فلذلك قالوا: { ما كان ينبغي لنآ أن ~~نتخذ من دونك من أوليآء } فجاء الجواب على المعنى هذا ~~يسمى التدريج عند بعض أهل النظر، ومثله قوله: # أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون # [سبأ: 40] فأتى الجواب على المعنى، فقالوا: # سبحانك أنت ولينا من دونهم # فكأنه قال: أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون، اتخذوكم أولياء يعبدونكم فقالوا: ~~{ أنت ولينا من دونهم } وكذلك قوله { أأنتم أضللتم ~~عبادي } معناه: أنتم اتخذتم عبادي أولياء فضلوا. فقالوا: { قالوا ~~سبحانك ما كان ينبغي لنآ أن نتخذ من دونك من ~~أوليآء }. وقرأ الحسن وأبو جعفر { أن نتخذ من دونك من ~~أوليآء } بضم النون وفتح الخاء. # قال أبو عمرو: لو كانت نتخذ لحذفت " من " الثانية: فقلت أن نتخذ من ~~دونك أولياء. وأجازه الفراء والكسائي: على بعد وقبح، وذلك لا يجوز عند ~~البصريين لأن أولياء ليس بمفعول على هذه القراءة واحد في معنى الجمع ~~وإنما تدخل " من " على الواحد الذي في معنى الجماعة، ألا ترى أنك تقول، ~~ما رأيت رجلا، فإن أردت النفي العام قلت: ما رأيت من رجل، وليس { ~~أوليآء } في قراءة من ضم النون واحدا في معنى جماعة، ألا ترى أنك لو ~~قلت: ما اتخذت أحدا وليا لي جاز أن تقول ما اتخذت من أحد وليا، لأن ~~أحدا في معنى الجماعة، أحدا من ولي لم يجز إذ ليس ولي في معنى الجماعة، ~~فكذلك القراءة بضم النون، تقبح مع ثبات " من " قبل أولياء فافهمه. ms1766 # ويتمكن على هذه القراءة عند من جوزها أن يكون المحشورون المسؤولون هم: ~~الأصنام والأوثان، يحييها الله فتقول ذلك. ثم قال تعالى: { فقد ~~كذبوكم بما تقولون } أي: فقد كذبكم أيها الكافرون، من زعمتم ~~أنهم أضلوكم ودعوكم إلى عبادتهم. " بما تقولون " ، أي: بقولكم فمعناه ~~كذبوكم بكذبكم. # وقال ابن زيد معناه، فقد كذبكم أيها المؤمنون هؤلاء الكفار بما جاء به ~~محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله أي: بما تقولون من الحق. # قال: أبو عبيد تقديره فقد كذبوكم فيما يقولون. هذا كله على قراءة من قرأ ~~بالتاء، فأما من قرأ بالياء فمعناه: فقد كذبوكم بقولهم: { سبحانك ~~ما كان ينبغي لنآ } الآية، { فما تستطيعون صرفا ولا ~~نصرا }. # قال: ابن جريج: معناه: صرف العذاب عنهم ولا ينتصرون. # وقيل: المعنى: فما يستطيعون لك يا محمد صرفا عن الحق ولا نصرا لأنفسهم ~~مما هم فيه من البلاء. # وقيل: معناه: فريضة ولا نافلة. # قال ابن زيد: ينادي مناد يوم القيامة: مالكم لا تناصرون، أي: من عبد ~~من دون الله لم ينصر اليوم من عبده. # ثم قال تعالى: { ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا } ~~أي: من يشرك بالله فقد ظلم نفسه بذلك. # قال الحسن وابن جريج: الظلم هنا: الشرك # ثم قال تعالى: { ومآ أرسلنا قبلك من المرسلين إلا ~~إنهم ليأكلون الطعام } ، الآية: رد على المشركين الذين ~~قالوا: { مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في ~~الأسواق } أي: لقد علموا يا محمد أنه ما أرسل من قبلك من رسول إلا ~~أنه ليأكل الطعام لأنه بشر من بني آدم، ويمشي في الأسواق فليس عليك في ~~ذلك لا نقص ولا حجة. # ثم قال تعالى: { وجعلنا بعضكم لبعض فتنة } ، أي: ~~بلاء واختبارا، اختبرنا بعضكم لبعض، فجعلنا هذا نبيا، وهذا ملكا، ~~وهذا فقيرا، وهذا غنيا. # قال الحسن: في معنى الآية، يقول هذا الأعمى: لو شاء الله لجعلني بصيرا ~~مثل فلان، ويقول السقيم: لو شاء الله لجعلني صحيحا مثل فلان. # وقال ابن جريج: يمسك عن هذا، ويوسع على هذا فيقول: لم / يعطين مثل ما ~~أعطى ms1767 فلانا، ويبتلى بالوجع كذلك فيقول: لم يجعلني ربي صحيحا مثل فلان ~~في أشباه ذلك من البلاء، ليعلم من يصبر ممن يجزع وقيل في معنى الآية، إن ~~الشريف كان يريد أن يسلم فيمنعه من ذلك أن من هو دونه قد أسلم قبله ~~فيقول: أعير بسبقه إياي. وإنه بعض الزمنى والفقراء كان يقول لم أكن ~~غنيا صحيحا فأسلم. ثم قال عز وجل: { أتصبرون } ، أي: إن صبرتم ~~فقد علمتم أجر الصابرين. # قال الضاحك: معناه أتصبرون على الحق. # وقيل: معناه: لنعلم أتصبرون، وبه يتم الجواب، لقوله { وجعلنا ~~بعضكم لبعض فتنة }. # ثم قال تعالى: { وكان ربك بصيرا } ، أي: إن ربكم لبصير بمن ~~يصبر، ويجزع. ### || [25.21-26] # قوله تعالى ذكره: { وقال الذين لا يرجون لقآءنا لولا ~~أنزل علينا الملائكة } ، إلى قوله: { على الكافرين ~~عسيرا } ، # أي وقال المشركون الذين لا يخافون العذاب، ولا يؤمنون ببعث ولا حساب ~~لمحمد صلى الله عليه وسلم: هلا أنزل علينا الملائكة فتخبرنا أنك رسول حقا ~~{ أو نرى ربنا } ، فيخبرنا بذلك. قاله ابن جريج وغيره. # غلطوا في صفات الله جل ثناؤه، ولم يعلموا أنه لا يرى في الدنيا فسألوا ~~ما لا يمكن كونه، كما غلط اليهود إذ قالوا # أرنا الله جهرة # [النساء: 153] وهذا مثل قولهم في سورة " سبحان " # أو تأتي بالله والملائكة قبيلا # [الإسراء: 92] ثم قال جل ذكره: { لقد استكبروا في ~~أنفسهم } أي: تعظموا إذ سألوا مثل هذا الأمر الجليل وقوله { ~~ويقولون حجرا محجورا } ، أي: تقول الملائكة لهؤلاء ~~المشركين: حراما محراما عليكم اليوم البشرى، قاله الضاحك وقتادة. وأصل ~~الحجر المنع، ومنه حجر القاضي على فلان، ومنه حجر الكعبة لأنه لا يدخل ~~إليه في الطواف. # وقال: ابن جريج: هو قول من المجرمين، وذلك أن العرب كانت إذا كرهت شيئا ~~قالت: حجرا محجورا. فما رأى المجرمون ما يكرهون يوم القيامة. قالوا حجرا ~~محجورا. يقولون ذلك للملائكة على عاداتهم في الدنيا أي: لا تعرضوا لنا، ~~وذلك لا ينفعهم. وكذا قال: مجاهد: هو من قول المجرمين يستعيذون من ~~الملائكة. # قال أبو عبيدة: في معنى الآية: كان الرجل من ms1768 العرب في الجاهلية إذا لقي ~~رجلا في الشهر الحرام وبينه وبينه ترة أو طلب، قال: حجرا محجورا: أي: ~~حرام عليك دمي وأذاي، قال: فإذا رأى المشركون الملائكة يوم القيامة ~~قالوا: حجرا محجورا: أي: حرام دماؤنا يظنون أنهم في الدنيا، وأن ذلك ~~ينفعهم. وعن ابن عمر أنه قال: إذا كان يوم القيامة تلقت الملائكة ~~المؤمنين بالبشرى، فإذا رأى ذلك الكفار قالوا لهم بشرونا، فتقول لهم ~~الملائكة: حجرا محجورا أي: حراما محرما عليكم البشرى فيأسون من ~~الخير. # ثم قال تعالى: { وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل } ، ~~الآية أي: وعمدنا وقصدنا إلى ما عمل هؤلاء المجرمون، وأتى لفظ / القدوم ~~بمعنى القصد لأنه أبلغ في الخطاب، وذلك أنه يدل على أنه تعالى عاملهم ~~معاملة القادم من سفر لأجل إمهاله لهم كالغائب، ففي لفظ " قدمنا " معنى ~~التحذير من الاغترار بالإمهال. # وقيل: المراد بالقدوم الملائكة لما كان الله تعالى: هو يقدمهم إلى ذلك ~~أخبر عن نفسه به. # وقوله: { فجعلناه هبآء منثورا } ، أي: باطلا لا ينتفعون ~~به. لأنهم للشيطان عملوا، والهباء الذي يرى كهيئة الغبار إذا دخل ضوء ~~الشمس من كوة يحسبه الناظر غبارا، وليس بشيء تقبض عليه الأيدي، ولا ~~تمسه، ولا يرى ذلك في الظل. # هذا قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وابن عباس وعكرمة والحسن، ~~ومجاهد. # وعن ابن عباس أيضا أنه قال: هو ما تسفيه الرياح من التراب وتذروه من ~~حطام الشجر، وكذلك قال قتادة. # وعن ابن عباس: هو الماء المهراق، وهو جمع هبأة فالمعنى أن الله أحبط ~~أعمالهم فلا نفع لهم فيها، كما لا نفع في هذا الغبار. # ثم قال تعالى: { أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا ~~} ، وإنما أتى أفعل في هذا وقد علم أنه لا خير عند أصحاب النار، على معنى ~~أنكم لما كنتم تعملون عمل أصحاب النار صرتم كأنكم تقولون: إن في ذلك ~~خيرا، فخوطبوا على ظاهر أحوالهم، وما يؤول إليه أمرهم. # وقيل: المعنى: خير مستقرا مما أنتم فيه، وقال نفطويه في كتاب التوبة ~~له: العرب تجعل هذا على وجهين أحدهما ms1769 أن يكون في كلا الاسمين فضل والأول ~~أفضل. # والوجه الثاني: أن يكون الكلام إثباتا للأول ونفيا للثاني. # كقوله تعالى { أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا } ~~، فهذا فيه نفي الخير عن النار وأصحابها، هذا معنى كلامه. # ومذهب سيبويه: أنها لا تأتي إلا لتفضيل اثنين يكون أحدهما أزيد من ~~الآخر، إما في فضل، وإما في شر لا بد عنده أن يكون في الذي معه " من " أو ~~الذي يضاف إليه " أفعل " بعض ما في الأول. # تقول: زيد أفضل من عمرو، وعمرو أفضل القوم، فالثاني فيه بعض ما في ~~الأول. # وقيل: خير ليست من أفعل، إنما هي خير التي في قولك: زيد فيه خير، فيكون ~~التقدير { أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا } ، أي: ~~لهم خير، فنصب " مستقر " على هذا، على الظرف، وعلى الأقوال الأول على ~~البيان. والمقيل المقام في وقت القائلة وهو النوم نصف النهار، والتقدير: ~~وأحسن قرارا في أوقات القائلة في الدنيا، وليس في الجنة قائلة ولكن ~~خوطبوا على ما يعقلون. فالمستقر لهم: تحت ظل العرش والمقيل لهم: في ~~الجنة، ويراد بالمقيل المقام، إذ لا في الجنة يوم للقائلة. # وقد روي: أن أهل الجنة لا يمر بهم في الآخرة إلا قدر ميقات النهار، من ~~أوله إلى وقت القائلة حتى يسكنوا في الجنة مساكنهم، فذلك معنى قوله تعالى ~~{ وأحسن مقيلا } ،. # قال ابن عباس: قالوا في الغرف في الجنة، وكان حسابهم أن عرضوا على ربهم ~~عرضة واحدة وذلك الحساب اليسير، فهو قوله جل ذكره: # فسوف يحاسب حسابا يسيرا # [الانشقاق: 8]. # وقال: الأعمش: عن ابراهيم في الآية: كانوا يرون أنه يفرغ من حساب الناس ~~يوم القيامة إلى نصف النهار، فيقيل هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار. # وقال ابن جريرج، لم ينتصف النهار حتى قضي بينهم، فقال أهل الجنة في ~~الجنة، وأهل النار في النار. # وروى ابن جبير عن ابن مسعود وابن عباس: أنه قال: لا ينتصف النهار يوم ~~القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار ثم قرأ: { ~~أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن ~~مقيلا }. # وفي ms1770 بعض الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن يوم القيامة يقصر على المؤمن يكون كما بين العصر إلى غروب الشمس ~~وإنهم ليقيلون في رياض الجنة حتى يفرغ من الناس ". # ثم قال تعالى: { ويوم تشقق السمآء بالغمام } ، الآية ~~أي: تشقق عن الغمام كما يقال: رميت / بالقوسى، وعن القوس، وعلى القوس ~~بمعنى واحد. # قيل: ذلك غمام أبيض، مثل الغمام الذي ظل على بني إسرائيل. # وقال مجاهد هذا الغمام هو قوله تعالى: # هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من ~~الغمام # [البقرة: 210]. # وقال ابن جريج: الغمام الذي يأتي الله فيه هو غمام في الجنة. وقال ابن ~~عباس: إن هذه السماء إذا انشقت نزل منها من الملائكة أكثر من الجن والإنس ~~وهو يوم التلاق، يلتقي أهل السماوات وأهل الأرض، فيقول أهل الأرض: جاء ~~ربنا فيقول لم يجيء، وهو آت، ثم تنشق السماء الثانية سماء سماء، وينزل من ~~كل سماء من الملائكة على قدر ذلك من التضعيف إلى السماء السابعة، وينزل ~~منها من الملائكة أكثر ممن نزل من السماوات ومن الجن والإنس. قال: فتنزل ~~الملائكة الكروبيون ثم يأتي ربنا تعالى ذكره في حملة العرش الثمانية بين ~~كعب كل ملك وركبته مسيرة سبعين سنة. قال: وكل ملك منهم لم يتأمل وجه ~~صاحبه قط. وكل ملك منهم واضع رأسه بين ثدييه، يقول: سبحان الملك ~~القدوس. # وصف الله جل ذكره وثناؤه بالمجيء، والإتيان ليس على جهة الانتقال من ~~مكان إلى مكان، إنما هو صفة له تعالى، # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11]. # وقد قيل: إن معناه: يأتي أمره، ويجيء أمره، والله أعلم بحقيقة ذلك فلا ~~ينبغي لأحد أن يعتقد في صفات الله جل ذكره ما يعتقد في صفات المحدثين، ~~وعليه أن يتذكر قوله تعالى: # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11] ويسلم الأمر إليه، ولا يتعدى في صفات الله بالتشبيه، بما ~~يعقله من صفات المخلوقين، فليس الخالق كالمخلوق سبحانه لا إله إلا هو. # ثم قال: { الملك يومئذ الحق للرحمن } ، أي: الملك ~~الذي هو حق لا دخل فيه، للرحمن يوم ms1771 القيامة، إذ الملك الزائل كلا ~~ملك. وأجاز الزجاج، " الحق " بالنصب على معنى أحق الحق وأعني الحق، ولم ~~يقرأ به أحد. # قوله: { وكان يوما على الكافرين عسيرا } ، أي: كان يوم ~~تشقق فيه السماء بالغمام، وتنزل الملائكة على الكافرين، يوما ضيقا ~~شديدا صعبا. ### || [25.27-32] # قوله تعالى ذكره: { ويوم يعض الظالم على يديه } ، ~~إلى قوله: { ورتلناه ترتيلا }. # أي: واذكر يا محمد يوم يعض الظالم نفسه، المشرك بربه على يديه، تندما ~~وأسفا على ما فرط في جنب الله يقول: يا ليتني اتخذت في الدنيا مع الرسول ~~سبيلا، أي: طريقا إلى الجنة وإلى النجاة من عذاب الله. والظالم هنا: ~~عقبة ابن أبي معيط و (فلانا) كناية عن (أبي بن خلف). قال ابن عباس: ~~كان أبي بن خلف يحضر عند النبي عليه السلام، فزجره عقبة بن أبي معيط، ~~فالظالم: عقبة، وفلانا: أبي بن خلف. # وقال: الشعبي: كان عقبة بن أبي معيط خليلا لأمية بن خلف. فأسلم عقبة، ~~فقال أمية، وجهي من وجهك حرام إن تابعت محمدا فكفر، فهو الذي قال: { ~~يويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا } يعني أمية ~~بن خلف. # وقال: مقسم: اجتمع عقبة بن أبي معيط، وأبي بن خلف وكانا خليلين، فقال ~~أحدهما: بلغني أنك أتيت محمدا، فاستمعت منه، والله لا أرض عنك حتى تتفل ~~في وجهه، وتكذبه، فلم يسلطه الله على ذلك، فقتل عقبة يوم بدر صبرا، وأما ~~أبي بن خلف فقتله النبي يوم أحد في القتال، وهما اللذان ذكرا في هذه ~~الآية. # وقال مجاهد دعا عقبة بن أبي معيط مجلسا فيهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~لطعام، فأبى النبي عليه السلام أن يأكل فقال: لا آكل حتى تشهد أن لا إله ~~إلا الله وأن محمدا رسول الله. فقالها، فلقيه أمية بن خلف، فقال: صبوت، ~~فقال، إن أخاك على ما تعلم، ولكني صنعت طعاما، فأبى أن يأكل حتى أقول ~~ذلك فقلته، وليس من نفسي، فأما عقبة فكان في الأسرى يوم بدر، فأمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم بقتله فقال: أقتل دونهم، فقال: نعم بكفرك ms1772 وعتوك، فقال ~~من للصبية؟ فقال: النار، فقام علي / بن أبي طالب فقتله، وأما أبي بن ~~خلف، فقتله النبي صلى الله عليه وسلم بيده، وكان قد قال: والله لأقتلن ~~محمدا، فبلغ ذلك النبي عليه السلام فقال: أنا أقتله إن شاء الله، فالعاض ~~على يديه هو عقبة. # روي: أنه يعض على يديه يوم القيامة، أسفا على ما فاته من الإسلام، وما ~~فعل من الكفر، فيأكلها حتى يبلغ إلى المرافق ثم تنبت، فلا يزال هكذا كلما ~~أكلها تنبت، ندامة على ما فرط ويقول: { يويلتى ليتني لم ~~أتخذ فلانا خليلا } يعني: أبي بن خلف الذي رده عن الإيمان. # وقيل، عني بالظالم: كل ظالم ظلم نفسه بالكفر بالله، ولذلك قال { ~~يويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا } ، فأتى بلفظ ~~فلان الذي يصلح أيضا لكل إنسان، فالظالم اسم عام، وفلان اسم عام، فالندم ~~والتحسر يكون من كل ظالم لنفسه بالكفر. # ومعنى { لقد أضلني } لقد أضللت بقوله ومساعدته على الكفر ~~واتباعي له. # وقال مجاهد: عني بفلان: الشيطان. وهو قول: أبي رجاء، فالظالم كل من كفر ~~بالله، واتبع خطوات الشيطان فيندم على ذلك يوم القيامة، ويعض على يديه ~~ويقول: { لقد أضلني عن الذكر } أي: أضلني الشيطان عن ~~الإيمان بالقرآن بعد إذ جاءني من عند الله، ودل على هذا التأويل قوله، ~~بعقب الآية. # { وكان الشيطان للإنسان خذولا } ، أي: يسلمه لما ينزله ~~به من البلاء ويخذله فلا ينجيه منه. # وقالت: الرافضة لعنها الله: هما رجلان معروفان، وذكروا رجلين من أجل ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، كذبا منهم وبهتانا. # ثم قال تعالى: { وقال الرسول يرب } ، الآية: أي: يقول الرسول ~~يوم يعض الظالم على يديه: يا رب إن قومي الذين بعثتني إليهم بالقرآن: ~~اتخذوه مهجورا. # قال مجاهد: يهجرون فيه بالقول فيقولون هو سحر. # وقال ابن زيد: مهجورا: أي: لا يريدون أن يسمعوه، أي: هجروه، وأعرضوا ~~عنه فلا يسمعونه. # ثم قال تعالى { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا } الآية، ~~أي: وكما جعلنا لك يا محمد أعداء من مشركي قومك، كذلك جعلنا لكل نبي ~~عدوا، ms1773 فلم نخصصك بذلك من بينهم، فعلم النبي أنه جاعل له عدوا من المجرمين ~~كما جعل لمن قبله. # قال ابن عباس، يراد به: أبو جهل. # ثم قال: { وكفى بربك هاديا } فمن نصب هاديا على الحال أو ~~على البيان، ومعناه، كفاك ربك هاديا يهديك إلى الحق، ويبصرك الرشد، { ~~ونصيرا } ، أي: وناصرا على إهدائك. # ثم قال تعالى: { وقال الذين كفروا لولا نزل عليه ~~القرآن جملة واحدة كذلك } أي: قال مشركوا قريش: هلا نزل ~~القرآن على محمد عليه السلام: جملة واحدة. كما نزلت التوراة والإنجيل. # قال الله تعالى وجل ذكره: { لنثبت به فؤادك } ، أي: فرقنا ~~نزوله، لنثبت به فؤادك فلا بد من إضمار فعل إذا وقفت على كذلك. # وقيل، الوقف على " واحدة " ، ثم تبتدئ { كذلك لنثبت }. # أي نزل متفرقا لنثبت به فؤادك. # وقيل، إن " ذا " من كذلك: إشارة إلى التوراة. أي: لولا نزل عليه القرآن ~~جملة واحدة مثل ذلك أي: مثل التوراة، فتقف على { كذلك } ، وتبتدئ { ~~لنثبت به فؤادك } ، أي: فعلنا ذلك لنثبت، أي: ونزلناه متفرقا ~~لنثبت، فتضمر ما يتعلق به اللام، ويكون الكاف في موضع نصب نعت لجملة. ومن ~~ابتدأ بكذلك جعل الكاف في موضع نصب نعتا لمصدر محذوف أي: نزلناه تنزيلا ~~{ كذلك لنثبت به فؤادك } ، أي: فرقنا نزوله { ~~لنثبت به فؤادك } ، لأنهم سألوا ما الصلاح في غيره، لأن ~~القرآن، كان ينزل متفرقا جوابا عما يسألون عنه، وكان ذلك من علامات ~~النبوة، إذ لا يسألون عن شيء إلا أجيبوا عنه، وهذا لا يكون إلا من نبي. # فكان ذلك تثبيتا لفؤاده وأفئدتهم، وبين الله هذا المعنى بقوله: # ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن ~~تفسيرا # [الفرقان: 33]، فكان في نزوله متفرقا الصلاح، والرشد، ولو نزل جملة ~~لكان قد سبق الحوادث التي ينزل فيها القرآن، ولو نزل جملة واحدة بما فيه ~~من الفرائض لثقل ذلك عليهم، فعلم الله جل ثناؤه ما فيه من الصلاح، فأنزله ~~متفرقا، ولو نزل جملة لزال معنى التثبيت، ولم يكن فيه ناسخ ولا منسوخ، ~~إذ لا يجوز أن يأتي في مرة واحدة ms1774 افعلوا كذا ولا تفعلوا. # قال ابن عباس: / نزل متفرقا على النبي صلى الله عليه وسلم ليعلمه عن ~~ظهر قلب. # وقيل معنى: { لنثبت به فؤادك } لتعيه. لأنه لم يكن صلى الله ~~عليه وسلم: يكتب، فلو نزل مرة واحدة، لصعب عليه حفظه مرة واحدة، ولشق ذلك ~~عليه، فأنزله الله متفرقا شيئا بعد شيء، ليسهل عليه حفظه، وليعيه على ~~وجهه. # و " ذا " من كذلك إشارة إلى التفريق، والمعنى أنزلناه متفرقا { ~~كذلك لنثبت به فؤادك } ، فالوقف على هذا على { واحدة ~~} ،. وقيل: ذا: إشارة إلى التوراة والإنجيل: قاله الفراء وغيره. فيكون ~~الوقف " كذلك " ، وفيه بعد لأنه إشارة إلى ما لم يجر له ذكر، فأما القول ~~الاول: فإن معنى التفريق قد تضمنه قولهم: { لولا نزل عليه ~~القرآن جملة واحدة } ، لأن معناه لم نزل متفرقا؟ فقال الله ~~تعالى نزل: { كذلك لنثبت به فؤادك } ، أي: نزل متفرقا ~~لنثبت به فؤادك يا محمد. # وقيل: إن " ذا " إشارة إلى التثبيت، أي: تثبيتا كذلك التثبيت. # ثم قال: { ورتلناه ترتيلا } ، أي: أنزلناه آية وآيتين، وآيات ~~جوابا لما يسألون عنه، وخبرا ليتعظوا به ووعظا، ليزدجروا به، وكان بين ~~نزول أوله وآخره نحو من عشرين سنة. # قال ابن زيد { ورتلناه } ، بيناه، وفسرناه. ### || [25.33-39] # قوله تعالى ذكره: { ولا يأتونك بمثل إلا جئناك ~~بالحق } ، إلى قوله: { وكلا تبرنا تتبيرا }. # أي: ليس يأتيك يا محمد هؤلاء المشركون بمثل يضربونه لك، ليحتجوا به عليك ~~إلا جئناك من الحق أي: من القرآن بما يبطل ما جاءوا به. { وأحسن ~~تفسيرا } ، أي: أحسن تفصيلا. # ثم قال: { الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم } ~~، أي: الذين يساقون يوم القيامة على وجوههم إلى جهنم شر مستقرا في ~~الدنيا والآخرة، من أهل الجنة في الجنة، وأضل منهم طريقا في الدنيا. # قال مجاهد: الذي أمشاهم على أرجلهم، قادر أن يمشيهم على وجوههم إلى ~~جهنم. # وروى أنس: # " أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه [وسلم]،: كيف يا رسول الله: يحشر ~~الكافر على وجهه فقال: الذي أمشاه على رجليه قادر على أن يمشيه على وجهه ~~". # قال أبو هريرة: ms1775 يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أصناف. صنف على ~~الدواب، وصنف على أقدامهم، وصنف على وجوههم. فقيل له: كيف يمشون على ~~وجوههم قال: إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر أن يمشيهم على وجوههم. # وقيل: إن هذا تمثيل. كما تقول: ستمضي على وجهك أي: كارها. # ثم قال تعالى: { ولقد آتينا موسى الكتاب } ، الآية، أي: ~~آتينا موسى التوراة. كما آتيناك يا محمد القرآن { وجعلنا معه ~~أخاه هارون وزيرا } أي: معينا وظهيرا { فقلنا اذهبآ ~~إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا } يعني فرعون وقومه { ~~فدمرناهم تدميرا } أي: أهلكناهم. وفي الكلام حذف والتقدير: ~~فذهبا فكذبوهما، فدمرناهم، فدخول الفاء تدل على هذا الحذف. # وقال الفراء: المأمور بالذهاب في المعنى موسى وحده، بمنزلة قوله تعالى: # فنسيا حوتهما # [الكهف: 61] والناسي يوشع وحده. وبمنزلة # يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان # [الرحمن: 22] وإنما يخرجان من الملح. وهذا قول مردود لأنه قد كرر في ~~كثير من الآيات إرسال هارون مع موسى إلى فرعون، فلا يحتاج فيه إلى هذا ~~المجاز. # والوقف { بآياتنا } ، وقرئت { فدمرناهم تدميرا } ، على ~~الخبر عن موسى وهارون. وقرئت { فدمرانهم } ، على الأمر لموسى وهارون ~~بتشديد النون، فلا يحتاج في هاتين القراءتين إلى إضمار ولا حذف، وهما ~~قراءتان شاذتان، والوقف على هاتين القراءتين { تدميرا }. # ثم قال تعالى: { وقوم نوح لما كذبوا الرسل ~~أغرقناهم } ، أي: واذكر قوم نوح. # وقيل: هو معطوف على المفعول في { فدمرناهم }. # وقيل: التقدير: وأغرقنا قوم نوح، لما كذبوا الرسل أغرقناهم وهذا حسن. ~~والمعنى: وأغرقنا قوم نوح من قبل قوم فرعون لما كذبوا الرسل { ~~وجعلناهم للناس آية }. # وقوله: { لما كذبوا الرسل } ، قيل: إنهم كذبوا رسلا قبل ~~نوح فلذلك جمع. # وقيل: إن من كذب نبيا، فقد كذب جميع الأنبياء. فجمع على المعنى. # ثم قال { وأعتدنا للظالمين } ، أي: لهم ولمن هو / مثلهم في ~~الظلم والكفر { عذابا أليما } ، في الآخرة سوى الذي حل بهم في ~~الدنيا. # ثم قال: { وعادا وثمودا وأصحاب الرس } ، كل هذا معطوف ~~على قوم نوح أي: واذكر. # وقيل: ذلك معطوف على الضمير في { جعلناهم }. # وقيل: التقدير: وأعتدنا للظالمين عذابا أليما، وعذبنا عادا ms1776 وثمودا. # وقوله: { وكلا تبرنا تتبيرا } ، أي: وتبرنا كلا، أي: ~~أهلكنا كلا وقوله: { وكلا ضربنا له الأمثال } ، أي: ~~وذكرنا كلا، ووعظنا كلا { ضربنا له الأمثال } ، فتضمر هذا ~~ونحوه، لأن ضرب الأمثال وعظ وتذكير. وقيل: وعادا وما بعده معطوف على ~~المفعول في { فدمرناهم } ، أي: دمرنا عادا وثمودا وأصحاب الرس. # قال ابن عباس: أصحاب الرس قرية من ثمود. # وقال قتادة الرس: قرية من اليمامة يقال لها الفلج. # وعن ابن عباس وعكرمة: الرس: بئر. وقاله مجاهد. # قال أبو عبيدة الرس: المعدن، وصاحب الرس: نبي يقال له: حنظلة بن صفوان: ~~قتلوه وطرحوه في البئر. # والرس عند جماعة من أهل اللغة: الركية التي لم تصلو. # وروى محمد بن كعب القرظي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن أول الناس يدخل الجنة يوم القيامة: العبد الأسود وذلك أن الله جل ~~ذكره: بعث نبيا إلى أهل قريته، فلم يؤمن أحد من أهلها إلا ذلك الأسود، ~~ثم إن أهل القرية عدوا على النبي فحفروا له بئرا وألقوه فيها. ثم أطبقوا ~~عليه بحجر ضخم، قال: فكان ذلك العبد الأسود يذهب فيحتطب على ظهره، ثم ~~يأتي بحطبه، فيبيعه فيشتري به طعاما وشرابا، ثم يأتي به إلى تلك البئر ~~فيرفع تلك الصخرة، ويعينه الله تعالى عليها، فيدلي طعامه وشرابه إليه، ثم ~~يرجعها كما كانت، فكان ذلك ما شاء الله أن يكون ثم ذهب يوما يحتطب كما ~~كان يصنع فجمع حطبه، وحزم حزمته وفرغ منها، فلما أراد أن يحتملها، وجد ~~سنة فاضطجع فنام، فضرب الله على أذنه سبع سنين نائما ثم إنه هب فتمطى ~~فتحول لشقه الآخر، فاضطجع، فضرب الله على أذنه سبع سنين أخرى، ثم إنه هب ~~فاحتمل حزمته، ولا يحسب إلا أنه نام ساعة من نهار، فجاء إلى القرية فباع ~~حزمته، ثم اشترى طعاما وشرابا كما كان يصنع، ثم ذهب إلى الحفرة فالتمسه ~~فلم يجده وقد كان بدا لقومه فيه، فاستخرجوه، وآمنوا به وصدقوه، فكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يسألهم عن ذلك الأسود، ما فعل فيقولون ما ندري ~~حتى ms1777 قبض الله النبي، وأتى الأسود بعد ذلك، قال النبي صلى الله عليه وسلم، ~~إن ذلك الأسود لأول من يدخل الجنة فهؤلاء لا ينبغي أن يكونوا أصحاب الرس ~~لأنهم آمنوا " # ، وقد حكى الله عن أصحاب الرس أنه دمرهم، إلا أن يكونوا أحدثوا حدثا ~~بعد نبيهم. # وقوله: { وقرونا بين ذلك كثيرا } ، أي: ودمرنا قرونا بين ~~أضعاف هذه الأمم التي ذكرنا. # وقال: قتادة أصحاب الأيكة وأصحاب الرس أمتان أرسل إليهما جميعا شعيب، ~~فكفرتا فعذبتا بعذابين. # قال قتادة: القرن سبعون سنة. # وقيل: القرن أربعون سنة. ### || [25.40-46] # قوله تعالى ذكره: { ولقد أتوا على القرية التي ~~أمطرت مطر السوء } ، إلى قوله: { قبضا يسيرا }. # أي ولقد أتى هؤلاء الذين اتخذوا القرآن مهجورا على القرية التي أمطرت ~~مطر السوء وهي سدوم قرية قوم لوط و { مطر السوء } ، الحجارة التي ~~أهلكهم الله بها. # وقال ابن عباس خمس قريات أهلك الله أربعا، وبقيت الخامسة واسمها سفن كان ~~أهلها لا يعملون ذلك العمل، وكانت سدوم أعظمها وهي التي نزل لوط، ومنها ~~بعث، وكان إبراهيم صلى الله عليه [وسلم]، ينادي نصيحة لهم يا سدوم يوم ~~لكم من الله أنهاكم أن تتعرضوا للعقوبة من الله، وكان لوط ابن أخي ~~إبراهيم. # ثم قال { أفلم يكونوا / يرونها } ، أي: أفلم يكن هؤلاء ~~المشركون يرون تلك القرية وما نزل بها، فيحذروا أن ينزل بهم مثل ذلك. # ثم قال { بل كانوا لا يرجون نشورا } ، أي: لم يكذبوا ~~محمدا، لأنهم لم يكونوا يرون القرية وما حل بها، ولكنهم كذبوه من أجل ~~أنهم قوم لا يخافون نشورا بعد الموت، أي: لا يؤمنون بالآخرة. # وقيل: المعنى: بل كانوا لا يرجون ثواب الله عند النشور، فاجترأوا على ~~المعاصي. # ثم قال تعالى: { وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا } ~~، أي: وإذا رآك يا محمد هؤلاء المشركون ما يتخذونك إلا هزؤا، أي: سخريا ~~يسخرون منك يقولون: { أهذا الذي بعث الله رسولا } ، من ~~بين خلقه، احتقارا له. { إن كاد ليضلنا } ، أي: قد كاد يضلنا { ~~عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها } ، أي: على عبادتها. # قال الله جل ms1778 ذكره: { وسوف يعلمون حين يرون العذاب ~~من أضل سبيلا } أي: سيتبين لهم حين يعاينون عذاب الله، ويحل ~~بهم، من السالك سبيل الردى والراكب طريق الهدى أنت أم هم. # ثم قال تعالى: { أرأيت من اتخذ إلهه هواه } ، أي: ~~جعل إلهه ما يشتهي، ويهوى من غير حجة ولا برهان على اتخاذه إياه إلها. ~~كان الرجل من المشركين يعبد الحجر فإذا رأى أحسن منه رمى به، وأخذ الآخر ~~فعبده. ثم قال: { أفأنت تكون عليه وكيلا } ، يخاطب النبي ~~صلى الله عليه وسلم أي: أفأنت تجبره على ترك ذلك. # وقيل: معناه: أفأنت تكون عليه حفيظا، في أفعاله مع عظيم جهله. # وقيل: معناه أفأنت يمكنك صرفه عن كفره، ولا يلزمك ذلك، إنما عليك البلاغ ~~والبيان. أي: لست بمأخوذ بكفرهم، ادع إلى الله وبين ما أرسلت به فهذا ما ~~يلزمك لا غير. # ثم قال تعالى: { أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو ~~يعقلون } ، أي: يسمعون ما يتلى عليهم، فيعون أو يعقلون، ما يعاينون ~~من حجج الله فيفهمون { إن هم إلا كالأنعام } ، أي ما هم إلا ~~كالأنعام التي لا تعقل ما يقال لها: { بل هم أضل سبيلا } ، من ~~البهائم لأن البهائم تهتدي لمراعيها، وتنقاد لأربابها، وهؤلاء الكفار، لا ~~يطيعون ربهم ولا يشكرون نعمة من أنهم عليهم. # وقيل، لأن الأنعام تسيح وتجتنب مضارها. # وقيل: لما كانوا لا ينتفعون بما يسمعون، كانوا كأنهم لم يسمعوا ولم ~~يعقلوا. # ثم قال: { ألم تر إلى ربك كيف مد الظل } ،. مد ~~الظل هو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. # وقيل له ممدود، لأنه لا شمس معه، ولذلك قال في ظل الجنة: # وظل ممدود # [الواقعة: 30] أي ليس معه شمس قاله ابن عباس، وابن جبير، وعكرمة ~~والضحاك، وابن زيد. # ثم قال تعالى: { ولو شآء لجعله ساكنا } ، أي: دائما لا ~~تذهبه الشمس ولا تنقصه. قاله ابن عباس، وقتادة، وابن زيد يعنون كظل الجنة ~~الذي لا تذهبه شمس. # وقال مجاهد: لا تصيبه الشمس ولا يزول. وقال الحسن: لو شاء لتركه ظلا ~~كما هو. # وقيل: هو من غيبوبة الشمس ms1779 إلى طلوعها. لأن الظل في هذه المدة يعم الأرض ~~ومن عليها { ولو شآء لجعله ساكنا } ، أي: لأقامه أبدا بمنع ~~طلوع الشمس بعد غيبوبتها، فلما طلعت الشمس دلت على زوال الظل، وبدا فيها ~~النقصان، فبطلوع الشمس يبدو النقصان في الظل، وبغروبها تبدو الزيادة في ~~الظل فبالشمس استدل أهل الأرض على الظل وزيادته ونقصه. وكلما علت الشمس ~~نقص الظل، وكلما دنت للغروب زاد الظل، فهو قوله تعالى: { ثم ~~قبضناه إلينا قبضا يسيرا } ، يعني في وقت علو الشمس في ~~السماء ينقص الظل يسيرا بعد يسير، وكذلك زيادته بعد نصف النهار، يزيد ~~يسيرا بعد يسير حتى يعدم الأرض كلها، فأما زوال الظل كله، فإنما يكون في ~~البلدان المتوسطة في وقت. # وقوله: { ثم جعلنا الشمس عليه دليلا } ، أي: ثم ~~دللناكم بنسخ الشمس إياه عند طلوعهما / عليه، أنه خلق من خلق ربكم يوجده ~~إذا شاء، ويغيبه إذا أراد، أي: ثم جعلنا الشمس على الظل دليلا. # وقيل: معنى ذلك: أنه لو لم يكن شمس تنسخه لم يعلم أنه شيء، إذ كانت ~~الأشياء إنما تعرف بأضدادها، ولولا الشمس ما عرف الظل، ولولا النور ما ~~عرفت الظلمة، ولولا الحق ما عرف الباطل في أشباه لذلك. # وقوله: جل ذكره: { ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا } ، ~~أي: قبضنا ذلك الدليل من الشمس على الظل إلينا قبضا خفيا سريعا بالشمس ~~الذي يأتي بها فتنسخه. # قال مجاهد ثم قبضناه: جري الشمس إياه. # وقيل: إن الهاء في { قبضناه } ، عائدة على الظل، فمعنى الكلام ثم ~~قبضنا الظل إلينا بعد غروب الشمس، وذلك أن الظل إذا غربت الشمس يعود ~~فيقبضه الله بدخول الظلمة عليه قبضا خفيا، ليس يذهبه مرة واحدة، بل ~~يذهب قليلا قليلا. # وقال ابن عباس { يسيرا } ، سريعا. وأصل اليسير أنه فعيل من اليسر ~~وهو السهل اللين. # وقال مجاهد: يسيرا: خفيا. # قال ابن جريج: مثل قول مجاهد وزاد: إنما بين الشمس والظل مثل الخيط. # وقال: { دليلا } والشمس مؤنثة لأنه ذهب إلى الضوء. # وقيل: ذكر لأن الشمس لا علامة فيها للتأنيث. # وذهب أبو عبيدة: أن العرب تقول: ms1780 هي عديلي للتي تعادله، وهي وحيي. ### || [25.47-52] # قوله تعالى ذكره: { وهو الذي جعل لكم اليل لباسا } ، ~~إلى قوله: { جهادا كبيرا }. # أي: والذي مد الظل، ثم جعل الشمس عليه دليلا، هو الذي جعل لكم الليل ~~لباسا أي: سترا وجنة تسكنون فيه: فصار سترا تستترون في ظلمته، كما ~~تستترون بالثياب التي تلبسونها. # وقوله: { والنوم سباتا } ، أي: راحة تستريح به أبدانكم، وتهدأ ~~جوارحكم. # وقوله: { وجعل النهار نشورا } ، أي: يقظة وحياة من قولهم نشر ~~الميت إذا حيي. # ثم قال تعالى: { وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين ~~يدي رحمته } ، أي: أرسل الرياح الملقحة حياة أمام رحمته، وهي ~~المطر، ثم قال: { وأنزلنا من السمآء مآء طهورا } ، ~~الطهور فعول من أبنية المبالغة، والفرق بين طهور وطاهر: أن الطهور يكون ~~طاهرا مطهرا لما فيه من المبالغة، لأن بناء فعول للمبالغة وضع، ولولا ~~معنى المبالغة التي أحدثت بنيته، مما جاز أن يدل على أنه مطهر لغيره، لأن ~~فعله: طهر أو طهر وكلاهما غير متعد، فكذلك يحب أن يكون اسم الفاعل ~~غير متعد، والطاهر لا يدل على أنه مطهر لغيره، إذ ليس فيه مبالغة في ~~بنائه وإذ هو اسم فاعل من فعل غير متعد تقول: طهر الماء، وطهر فلا يتعدى ~~إلى مطهر، فكذلك اسم الفاع لا يجوز أن يتعدى إلى مطهر إلا أن يحدث فيه ~~بناء يدل على المبالغة فيحسن أن يدل على مطهريه فاعرفه. # ثم قال: { لنحيي به بلدة ميتا } ، إنما جاء ميتا على ~~التذكير لأن البلدة والبلد سواء. # وقيل: إنه رده على الموضع لأن البلدة موضع ومكان. # ثم قال تعالى: { ونسقيه مما خلقنآ أنعاما } ، أي: نسقي ~~هذا الماء الذي أنزلنا من السماء { أنعاما وأناسي كثيرا }. # قال الأخفش: واحد الأناسي: إنسي، ككرسي، وكراسي. قاله المبرد، وهو أحد ~~قولي الفراء وله قول آخر. قال واحد الأناسي: إنسان كأن أصله أناسين، ثم ~~أبدل من النون ياء، ثم أدغم الياء التي قبلها فيها. # ثم قال تعالى ذكره ": { ولقد صرفناه بينهم ~~ليذكروا } ، أي: قسمنا هذا الماء بين الخلق ليذكروا نعم الله ~~عليهم ويشكروا ms1781 { فأبى أكثر الناس إلا كفورا } ، أي: ~~فأبى أكثرهم إلا جحودا لنعم الله تعالى عليهم. # وقال ابن عباس: ما عام أكثر من عام مطرا، ولكن الله يصرفه بين خلقه في ~~الأرضين كيف يشاء. ثم قرأ الآية. # وقال ابن مسعود ليس عام أمطر من عام، ولكن الله يصرفه، ثم قرأ الآية. # وقوله: { فأبى أكثر الناس إلا كفورا } ، يقولون مطرنا ~~بنوء كذا. # ثم قال تعالى: { ولو شئنا لبعثنا في كل قرية ~~نذيرا } ، أي: لو شئنا لأرسلنا إلى أهل كل مصر نذيرا ينذرهم بأمر ~~الله / فيخف عنك يا محمد كثير من عبء ما حملناك، ولكن حملناك ثقل نذارة ~~جميع القرى. لتستوجب بصبرك، ما أعد الله لك من الكرامة عنده، فلا تطع ~~الكافرين فيما يدعونك إليه من عبادة آلهتهم. { وجاهدهم به } ، ~~أي: بالقرآن حتى ينقادوا. قاله ابن عباس. # وقيل " به ": الإسلام، قاله ابن زيد. # وقيل: معناه: { وجاهدهم } ، بترك الطاعة لهم، لقوله: { فلا ~~تطع الكافرين }. ### || [25.53-61] # قوله تعالى ذكره: { وهو الذي مرج البحرين هذا عذب ~~فرات } ، إلى قوله: { وقمرا منيرا }. # أي: والله الذي خلط البحرين الحلو والملح في رأي: العين، ومرج بمعنى ~~خلط. # وقيل: معناه: خلى. # وقيل: معناه أدام ماء البحرين جعل إدامته الماء فيهما مرجا وحبسا ~~للماء، { وجعل بينهما برزخا } ، قال مجاهد: محبسا. # وقال ابن زيد: سترا. # { وحجرا محجورا } أي: منعا لئلا يفسد العذب المالح، فبينهما ~~حاجز من قدرة الله تعالى وجل ثناؤه. # ثم قال { وهو الذي خلق من المآء بشرا } ، أي: النطفة: ~~خلق منها الإنسان { فجعله نسبا وصهرا }. # قال ابن عباس: النسب سبع وهي في قوله تعالى ذكره: # حرمت عليكم أمهتكم # [النساء: 23]، إلى # وبنات الأخت # [النساء: 23] والصهر سبع وهي في قوله: # وأمهتكم التي أرضعنكم # [النساء: 23] إلى آخر ذكر الصهر. # وقال الضحاك: النسب: الأقرباء، والصهر ذوات الرضاع. # وقيل: النسب الذكور من الأولاد، والصهر: الإناث من الأولاد لأن المصاهرة ~~من جهتهن تكون. # وقال الأصمعي: الختن كل شيء من قبل المرأة مثل ابن المرأة وأخيها، ~~والأصهار يجمع هذا كله يقال: صاهر فلان إليهم وأصهر. # وقال ابن الأعرابي: ms1782 الأختان: أبو المرأة وأخوها وعمها، والصهر: زوج ~~ابنة الرجل، وقرابته، وأصهاره: كل ذي محرم من زوجته. # وقيل: عني بقوله: { خلق من المآء بشرا } ، آدم خلقه من الأرض ~~التي أصلها مخلوقة من ماء. وقد أخبرنا الله جل ذكره أنه خلق جميع ~~الحيوان من ماء: فقال: # خلق كل دآبة من مآء # وقال: # وجعلنا من المآء كل شيء حي # [الأنبياء: 30]. # ثم قال: { ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا ~~يضرهم } ، أي: يعبد هؤلاء المشركون من دون الله ما لا يجلب لهم ~~نفعا، ولا يدفع عنهم ضررا. # ثم قال تعالى: { وكان الكافر على ربه ظهيرا } ، أي: ~~معينا للشيطان على ربه مظاهرا له على معصيته. # قال ابن جريج: هو أبو جهل ظاهر الشيطان على ربه. وقاله ابن عباس. # وقال عكرمة: الكافر: إبليس وعن ابن عباس أن الكافر يستظهر بعبادة ~~الأوثان على أوليائه. وعنه أنه قال: هو أبو جهل، كان عونا لمن عادى الله ~~ورسوله. # وقيل معناه: إن الكافر يستظهر بعبادته الأوثان، وبمن يعبدها معه من ~~الكفار على الله عز وجل لأنهم يطمعون أن يغلبوا رسول الله صلى الله عليه ~~[وسلم]، والكافر اسم لجنس جميع الكفار. # وقيل: معناه: وكان الكافر على ربه هينا، من قولهم ظهرت به، فلم ألتفت ~~إليه، إذا جعلته خلف ظهرك فلم تلتفت إليه. فكأن الظهير أصله مفعول، ثم ~~صرف إلى فعيل وهو قول أبي عبيدة. # ثم قال تعالى: { ومآ أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا } ، ~~أي: لم نرسلك يا محمد إلا لتبشر أهل الطاعة بالجنة، وتنذر أهل المعصية ~~بالنار. # ثم قال { قل مآ أسألكم عليه من أجر } ، أي: ما أطلبكم ~~على إنذاري لكم بأجر، فتقولون: إنما تطلب أموالنا فيما تدعونا إليه فلا ~~نتبعك. # وقوله: { إلا من شآء أن يتخذ إلى ربه سبيلا } ، ~~هو استثناء منقطع أي: من شاء منكم أن يتخذ إلى ربه طريقا بإنفاقه من ~~ماله في سبيل ربي، فتعطوني من أموالكم وما ينفقه في ذلك، فتتخذوا بذلك ~~طريقا إلى رحمة ربكم، وقيل ثوابه. # ثم قال تعالى: { وتوكل على الحي الذي لا ms1783 يموت } ، ~~أي: توكل يا محمد على الحي الذي له الحياة الدائمة... { وسبح ~~بحمده } ، أي: واعبده شكرا منك له على نعمه / { وكفى به ~~بذنوب عباده خبيرا } ، أي: لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، و { ~~خبيرا } أبلغ من خابر. # ثم قال تعالى: { الذي خلق السموت والأرض وما ~~بينهما في ستة أيام } ، أي: اخترع ذلك في ستة أيام، وقال: ~~{ وما بينهما } ، فأتى بلفظ التثنية وقد تقدم ذكر جمع، لأنه أراد ~~النوعين، والستة الأيام أولها يوم الأحد، وآخرها الجمعة. { ثم ~~استوى على العرش } ، وذلك يوم السبت فيما قيل، ولا يجوز أن ~~يتوهم أحد في ذلك: جلوسا ولا حركة ولا نقلة، ولكنه استوى [على]، العرش ~~كما شاء، لا يمثل ذلك، ولا يحد، ولا يظن له انتقال من مكان إلى مكان، لأن ~~ذلك لمن صفة المحدثات. وقد قال تعالى ذكره: # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11] فلا يحل لأحد أن يمثل صفات ربه - الذي ليس كمثله شيء - ~~بصفات المخلوقين الذين لهم أمثال وأشباه - فكما أنه تعالى لا يشبهه شيء، ~~كذلك صفاته ليست كصفات المخلوقين. فالاستواء معلوم، والكيف لا نعلمه، ~~فعلينا التسليم لذلك. # وقد قيل: استوى: استولى، والمعنى: ثم استولى بمقدرته على العرش، فرفعه ~~فوق السماوات والأرض المخلوقة هي وما بينهما في ستة أيام، والعرش مخلوق ~~بعد السماوات والأرض. ثم استولى بقدرته عليه، على عظمه، فرفعه فوق ~~السماوات والأرض. والله أعلم بمراده في ذلك، فهذا موضع مشكل وإنما ذكرنا ~~قول من تقدمنا لم نأت بشيء من عندنا في هذا وشبهه. # ثم قال: { الرحمن فسئل به خبيرا } ، الرحمن مرفوع على ~~البدل من المضمر في استوى أو على: هو الرحمن، أو على الابتداء والخبر: { ~~فسئل به خبيرا } ، ويجوز الخفض على النعت للحي، ويجوز النصب على ~~المدح، ومعناه: فاسأل عنه خبيرا. الباء بمعنى: عن. # كما قال جل ذكره: # سأل سآئل بعذاب واقع # [المعارج: 1]، أي: عن عذاب، ومعناه عند الأخفش: فاسأل عن الرحمن أهل ~~العلم يخبروك، فخبير مفعول للسؤال. # وقال علي بن سليمان: الباء على بابها. والتقدير: فاسأل بسؤالك الذي تريد ~~أن تسأل ms1784 عنه: خبيرا، فخبير مفعول به مثل الأول. # وقيل: خبيرا: حال من الهاء في به: والتقدير: إذا أخبرتك شيئا يا محمد ~~فاعلم أنه كما أخبرتك أنا الخبير. # وهو قول ابن جريج. # ثم قال: { وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن } ، أي: إذا ~~قيل للكفار اسجدوا للرحمن خالصا قالوا: { أنسجد لما تأمرنا ~~} ، وزادهم هذا القول نفورا من الإيمان، وعن إخلاص السجود لله. ومعنى ~~نفورا فرارا. وقيل: إنما عنوا هنا بالرحمن: رحمان اليمامة: مسيلمة ~~الكذاب لأنه يسمى الرحمن. وقد كانوا مقرين بالرحمن الذي خلقهم. قال الله ~~تعالى عنهم: # لو شآء الرحمن ما عبدناهم # [الزخرف: 20]، وعلى هذا القول يحسن القراءة بالياء، والتقدير: أنسجد لما ~~يأمرنا رحمان اليمامة، ومن قرأه بالتاء: جعله خطابا للنبي صلى الله عليه ~~وسلم. # وقيل: إن قراءة الياء على معنى: قول بعضهم لبعض: { أنسجد لما ~~تأمرنا } محمد صلى الله عليه [وسلم]. # ثم قال تعالى ذكره: { تبارك الذي جعل في السمآء بروجا ~~} ، أي: قصورا. كما قال # ولو كنتم في بروج مشيدة # [النساء: 78]. # وقيل: البروج: منازل الشمس والقمر؛ قاله مجاهد وقتادة، والنجوم كلها هي ~~في البروج. # ثم قال تعالى: { وجعل فيها سراجا } ، يعني الشمس { وقمرا ~~منيرا } أي: مضيئا. ومن قرأ " سرجا " بالجمع جعل البروج: ~~القصور،، والسروج: النجوم. ومن قرأ سراجا بالتوحيد جعل البروج المنازل ~~والسراج: الشمس، والضمير في " فيها " على القراءة، من قرأ: " سرجا " ~~بالجمع يعود على البروج التي هي القصور، ومن قرأ " سرجا " بالتوحيد كان ~~الضمير يعود على السماء، وإن شئت على البروج. # ويكون السراج يؤدي على الجمع كما قال: # يخرجكم طفلا # [غافر: 67] / أي جعل فيها مضيئة. # وقرأ الأعمش و " قمرا " بضم القاف وإسكان الميم، جعله جمعا وهي قراءة ~~شاذة. ### || [25.62-67] # قوله تعالى ذكره: { وهو الذي جعل اليل والنهار ~~خلفة } ، إلى قوله: { وكان بين ذلك قواما }. # أي: جعل كل واحد من الليل والنهار خلفا من الآخر ما فات في أحدهما من ~~عمل الله أدرك قضاؤه في الآخر. قاله عمر رضي الله عنه، وابن عباس والحسن ~~قال مجاهد: معناه أنه جعل كل واحد منهما مخالفا ms1785 لصاحبه جعل هذا أسود ~~وهذا أبيض. # وعن مجاهد أيضا: أن المعنى: أنه جعل كل واحد منهما يخلف صاحبه، إذا ذهب ~~هذا جاء هذا، وكذلك قال ابن زيد، وخلفة: مصدر ولذلك وحد. # قال ابن زيد: لو كان الدهر كله ليلا لم يدر أحد كيف يصوم، ولو كان ~~نهارا لم يدر أحد كيف يصلي. # وقيل: المعنى: جعل الليل يخلف النهار، والنهار يخلف الليل، لمن أراد أن ~~يتذكر نعم الله عليه في ذلك. ويشكره على ما فعل بمعاقبة الليل والنهار، ~~إذ لو كان الدهر كله ليلا لبطلت المعائش والتصرف فيها، ولم يتم زرع ولا ~~ثمر. ولو كان الدهر كله نهارا لبطلت الأجساد عند عدم الراحة، ولبطلت ~~الزراع والثمار: لدوام الشمس عليها، فجعل كل واحد يخلف الآخر لمن أراد أن ~~يتذكر نعمة الله في ذلك على خلقه، وحسن تدبيره لهم في منامهم. # ثم قال تعالى: { وعباد الرحمن الذين يمشون على ~~الأرض } ، عباد رفع بالابتداء، والخبر محذوف عند الأخفش. # وقال الزجاج وغيره: الخبر # أولئك يجزون الغرفة # [الفرقان: 75]. # وقيل: الخبر { الذين يمشون } ، { سلاما } ، منصوب على ~~المصدر، وإن شئت " تعالوا ". # وقوله: { قالوا سلاما } ، منسوخ بالأمر بالقتال: إنما كان هذا قبل ~~أن يؤمروا بالقتال ولم يتكلم سيبويه في شيء من الناسخ والمنسوخ إلا في ~~هذه الآية، وهو من التسلم، لا من التسليم تقول: " سلاما منك " أي: ~~تسلما منك. # قال سيبويه في الآية: ولم يؤمر المسلمون يومئذ أن يسلموا على المشركين، ~~ولكنه على قولك لا خير بيننا ولا شر، وقد ردت على سيبويه هذه العبارة. ~~إنما كان حسبه أن يقول: ولم يؤمر المسلمون يومئذ أن يحاربوا المشركين. ~~ومعنى قول سيبويه على الصحة، ولم يؤمر المسلمون يومئذ أن يسلموا على ~~المشركين، ولكن أمروا أن يسلموا منهم ويتبرءوا ثم نسخ ذلك بالأمر ~~بالحرب. ومعنى الآية: وعباد الرحمن الذين يرضاهم لنفسه عبادا: هم الذين ~~يمشون على الأرض في سكون، وتواضع، وخشوع، واستكانة. وهذا هو ضد مشي ~~المختال الفخور المرح الذي هو مذموم الحال. # ومعنى { وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما } ، أي: ~~إذا خاطبهم ms1786 أهل الجهل من العصاة والكفار بالقبيح صانوا أنفسهم عن ~~مساواتهم في القبيح، قالوا قولا حسنا يسلمون به من مساواتهم في القبيح. # وهم الذين يبيتون لربهم: يصلون ويقولون كذا وكذا، ما حكى الله عنهم. # قال أبو هريرة: هم الذين لا يتجبرون ولا يتكبرون. # وقيل معنى: { يمشون على الأرض هونا } ، أي بالسكينة ~~والوقار، وغير مستكبرين، ولا متجبرين، ولا ساعين بفساد. # قال ابن عباس: يمشون بالطاعة والعفاف والتواضع. # وقال مجاهد: يمشون بالسكينة والوقار والحلم. # وقال زيد بن أسلم: التمست تفسير هذه الآية فلم أجدها عند أحد، فأتيت في ~~النوم فقيل لي: هم الذين لا يريدون يفسدون في الأرض. # وقال ابن زيد هم الذين لا يتكبرون في الأرض، ولا يتجبرون ولا يفسدون، ~~وهو قوله تعالى: # تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون ~~علوا في الأرض ولا فسادا # [القصص: 83]. # وقال الحسن يمشون حلماء، علماء، لا يجهلون، وإن جهل عليهم لم يجهلوا. # { وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما } ، إذا خاطبهم ~~الجاهلون بالله بما / يكرهون من القول أجابوهم بالمعروف والسداد من ~~الخطاب، فقالوا: تسلما منكم وبراءة بيننا وبينكم. # قال الحسن: إن المؤمنين قوم ذلل، ذلت والله منهم الأسماع، والأبصار، ~~والجوارح، حتى يحسبهم الجاهل مرضى، وما بالقوم من مرض وإنهم لأصحاب ~~القلوب، ولكن دخلهم من الخوف ما لم يدخل غيرهم، ومنعهم من الدنيا علمهم ~~بالآخرة، فلما وصلوا إلى بغيتهم قالوا: # الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن # [فاطر: 34] والله ما حزنهم حزن الدنيا، ولا تعاظم في أنفسهم بما طلبوا ~~به الجنة: أبكاهم الخوف من النار، وإنه من لا يتعزى بعزاء الله تقطع نفسه ~~على الدنيا حسرات ومن لم ير لله عليه نعمة إلا في مطعم أو مشرب فقد قل ~~عمله وحضر عذابه. # ثم قال تعالى: { والذين يبيتون لربهم سجدا ~~وقياما } ، أي يبيتون يصلون. # قال فضيل: هم قوم إذا جنهم الليل قاموا على أطرافهم تسيل دموعهم على ~~خدودهم. # ثم قال: { عنا عذاب جهنم } ، أي: يدعون الله أن يصرف عنهم ~~عذابه حذارا منه. { إن عذابها كان غراما } ، أي: دائما لا ~~ينقطع. # قال ms1787 محمد بن كعب القرطبي: إن الله جل ثناؤه سأل الكفار ثمن نعمه فلم ~~يؤدوها إليه فأغرمهم فأدخلهم النار. # وقال الحسن: قد علموا أن كل غريم يفارق غريمه إلا غريم جهنم. فيكون ~~المعنى على هذين القولين، إن عذابهما لازم لمن حل به، لا يفارقه أبدا، ~~ولم ينصرف جهنم للعجمة والتعريف، وإن شئت للتأنيث والتعريف. # ثم قال تعالى: { إنها سآءت مستقرا ومقاما } ، أي: ساءت ~~من المستقرات مستقرا. # ثم قال تعالى: { والذين إذآ أنفقوا لم يسرفوا ولم ~~يقتروا } ، أي: لم يزيدوا في النفقة، ويبذروا ولم يضيقوا. # حكى الأصمعي: قتر يقتر ويقتر وقتر يقتر، وأقتر يقتر: إذا ضيق ~~وقد أنكر أبو حاتم على من جعله من أقتر. وقال: إنما يقال: أقتر إذا ~~افتقر. كما قال: # { وعلى المقتر قدره } وقد غاب عنه وجه ما حكى الأصمعي ~~وغيره. # ثم قال: { وكان بين ذلك قواما } ، أي: وكان الإنفاق قواما ~~بين الإسراف والإقتار أي: عدلا. # وقد أجاز الفراء: أن يجعل بين { ذلك } اسم كان وهو مفتوح، وجاز فتحه ~~في موضع الرفع لأنه أكثر ما يأتي منصوبا، فترك على أكثر أحواله في حال ~~الرفع، ومنه قوله: # ومنا دون ذلك # [الجن: 11]، دون في موضع الرفع لأنه أكثر ما يأتي منصوبا فترك على أكثر ~~أحواله. # قال ابن عباس: الإسراف: النفقة في معصية الله، والإقتار منع حقوق الله. ~~وقاله مجاهد وابن جريج. # وقال إبراهيم: لا يجيع عياله بالتقتير ولا يغرنهم، ولا يوسع حتى يقول ~~الناس: قد أسرف. # وقال يزيد بن أبي حبيب: كانوا يريدون من الثياب ما يستر عورتهم، ~~ويكتنون به من الحر والبرد، ويريدون من الطعام ما يسد عنهم الجوع، ~~ويقويهم على عبادة ربهم، لا يلبسون للجمال، ولا يأكلون للذة. # وقال عون بن عبد الله الإسراف أن تأكل مال غيرك بغير حق. وقيل: الإقتار: ~~التقصير عما يجب عليك { وكان بين ذلك قواما } ، النفقة ~~بالعدل. # وقال مجاهد: لو أنفق رجل ماله كله في حلال، أو طاعة الله لم يكن مسرفا، ~~ولو أنفق درهما في حرام لكان مسرفا. # قال سفيان الثوري: لم يضعوه ms1788 في غير حقه، ولم يقصروا به عن حقه، وكل نفقة ~~في معصية الله فهي سرف، وإن قلت، وكل نفقة في غير معصية الله فليست بسرف، ~~وإن كثرت. ### || [25.68-73] # قوله تعالى: { والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ~~} ، إلى قوله: { صما وعميانا }. # أي: والذين يخلصون لله العبادة، والدعاء، ولا يقتلون النفس التي حرم ~~الله قتلها إلا بالحق، وهو كفر بعد إسلام، أو زنى بعد إحصان، أو قتل نفس ~~فيقتل بها، ولا يزنون فيأتون ما حرم الله. # ثم قال تعالى ذكره: { ومن يفعل ذلك يلق أثاما } ، أي: من ~~يفعل / العبادة لغير الله أو يقتل نفسا بغير حق، أو يزني يلق عذاب ~~الآثام أي: عقابها، وعقابها: مضاعفة العذاب، والتخليد في النار مهانا. ~~قال مجاهد وعكرمة: الآثام: واد في جهنم. وسيبويه وغيره من النحويين: ~~يقدرونه بمعنى يلق جزاء الآثام. # ثم قال تعالى: { إلا من تاب وآمن } ، الآية وروي: أن هذه الآية ~~نزلت في قوم من المشركين، أرادوا الدخول في الإسلام، وقد عملوا في الكفر ~~أشياء من هذه الذنوب فخافوا ألا ينفعهم مع ما سلف من ذنوبهم. فنزلت هذه ~~الآية، ونزل: # قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم # [الزمر: 53] الآية، ونزلت: { إلا من تاب وآمن } ، فهي مخصوصة ~~فيمن أسلم، وقد كان عمل هذه الكبائر في حال كفره، ويدل على أن هذا ~~الاستثناء في الكفار قوله { إلا من تاب وآمن } ، فقرن الإيمان ~~مع التوبة. # وقيل: هذه الآية منسوخة بالتي في النساء قاله زيد بن ثابت وذكر أن آية ~~النساء التي نزلت بعد آية الفرقان بستة أشهر. # وقال الضحاك: بين السورتين ثماني حجج. وذكره تعالى للإيمان مع التوبة ~~يدل على أنه محكم في الكفار، وآية النساء إنما هي في المؤمنين: يقتلون ~~المؤمنين فكلاهما محكم غير منسوخ في وجه النظر. # وعن ابن عباس أنه قال: قرأنا هذه الآية: { والذين لا يدعون ~~مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي ~~حرم الله إلا بالحق } ، الآية، بسنتين حتى نزلت: { إلا ~~من تاب وآمن وعمل عملا صالحا } ، الآية قال: فما علمت ~~رسول ms1789 الله صلى الله عليه وسلم فرح بشيء فرحه بها، وبسورة: # إنا فتحنا # [الفتح: 1]. # ثم قال تعالى: { فأولئك يبدل الله سيئاتهم ~~حسنات } ، قال ابن عباس: معناه: كانوا قبل إيمانهم على السيئات، فرغب ~~الله بهم عن ذلك، فحولهم إلى الحسنات، فأبدلهم الله مكان السيآت حسنات. ~~أي: مكان عمل الحسنات. # وعن ابن عباس أنه قال: يبدل بكل مكان سيئة عملها حسنة يعملها في الدنيا. # وقيل معناه: أولئك يبدل الله قبائح أعمالهم في الشرك بمحاسن الأعمال في ~~الإسلام فيبدله بالشرك إيمانا. # قال ابن جبير: نزلت في وحشي وأصحابه. قالوا: كيف لنا بالتوبة، وقد عبدنا ~~الأوثان وقتلنا المؤمنين، ونكحنا المشركات؟ فأنزل الله تعالى { إلا ~~من تاب } ، الآية. # فأبدلهم الله بعبادة الأوثان عبادة الله، وبقتالهم المؤمنين: قتالهم ~~المشركين، وبنكاح المشركات نكاح المؤمنات. # وروي عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يعطى العبد كتابه بيمينه، فيقرأ سيآته، ويقرأ الناس حسناته ثم يحول ~~صحيفته، فيحول الله سيآته حسنات، فيقرأ هو حسناته ويقرأ الناس من سيئاته ~~حسنات، فيقول الناس: ما كان لهذا العبد من سيئة، قال: ثم يعرف بعمله، ثم ~~يغفر الله له ". # وعن ابن عباس: أبدلوا بالشرك إيمانا، وبالقتل إمساكا، وبالزنا ~~إحصانا. # وقال ابن المسيب: روى عطاء عن ابن عباس: تصير سيآتهم حسنات لهم يوم ~~القيامة. # وروى أبو ذر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إني لأعرف آخر أهل النار خروجا من النار، وآخر أهل الجنة دخولا ~~الجنة. ثم قال: يؤتى برجل يوم القيامة فيقال: نحوا كبار ذنوبه، ~~وسلوه عن صغارها، قال: فيقال له: عملت كذا في يوم كذا، وعملت كذا في يوم ~~كذا، قال: فيقول: يا رب لقد عملت أشياء ما أراها هنا، قال: فضحك رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه. قال: فيقال له: فإن لك مكان كل ~~سيئة حسنة ". # قال الحسن: قوم يقولون التبديل في الآخرة يوم القيامة، وليس كذلك إنما ~~التبديل في الدنيا يبدلهم الله إيمانا من الشرك، وإخلاصا من الشرك، ~~وإحصانا من الفجور. # قال الزجاج: ms1790 ليس يجعل مكان السيئة حسنة، ولكن يجعل مكان السيئة التوبة. # واختار الطبري: أن يكون المعنى: يبدل الله أعمالهم في الشرك حسنات في ~~الإسلام بنقلهم عن ما / يسخطه إلى ما يرضاه. # ثم قال تعالى: { وكان الله غفورا } ، أي: ذا غفر عن ذنوب من ~~تاب من عباده، وراجع طاعته، وذا رحمة به أن يعاقبه على ذنوبه بعد توبته ~~منها. # ثم قال تعالى: { ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى ~~الله متابا } أي: ومن تاب من الشرك بالله، وآمن بالله ورسوله، وعمل ~~صالحا فيما أمره الله به { فإنه يتوب إلى الله متابا } ، ~~أي: توبة مؤكدة لأنه إذا تاب من الشرك، فقد تاب من عظيم، فإذا عمل صالحا ~~فقد أكد توبته. # ثم قال تعالى: { والذين لا يشهدون الزور } ، يعني الشرك، ~~قاله الضحاك. # وقيل: المعنى: فإنه يرجع إلى الله رجوعا فيجازيه على توبته وعمله. ~~والثاني ليس من الأول لأنه يراد به العبث، والأول يراد به الرجوع عن ~~الكفر، والمعاصي. # وقال مجاهد الزور: الغناء، أي: لا يسمعون الغناء، وهو قول محمد بن ~~الحنفية. # وقال ابن جريج: هو الكذب. # وقيل: إنهم كانوا إذا ذكروا النكاح كنوا عنه. # وعن ابن عباس: أن الزور هنا أعياد المشركين وكنائسهم. والزور الباطل. # وعن ابن مسعود أنه قال: عدلت شهادة الزور بالشرك بالله. ثم قرأ الآية، ~~وروي مثل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قالها في خطبة له. # تقديره: يشهدون الشهادة الزور. # وقيل: الزور: الكذب والخنا والسفه، فهو في المعنى: لا يشهدون كل مشهد ~~يكون فيه ذلك، أي: لا يحضرونه، وأصل الزور تحسين الشيء ووصفه بغير صفته، ~~حتى يخيل إلى من سمعه أو رآه أنه بخلاف ما هو به، فالشرك يحسن عند متبعه، ~~والغناء كذلك، وكذلك الكذب. فمعنى الآية على هذا المعنى: والذين لا ~~يحضرون شيئا من الباطل. # ثم قال تعالى: { وإذا مروا باللغو مروا كراما } ، أي: ~~إذا مروا بمن يلغو عليهم من المشركين ويؤذيهم مروا كراما، أي: أعرضوا ~~عنهم وصفحوا. # وقيل معناه: إذا مروا في كلامهم بذكر النكاح كنوا ms1791 عنه، قاله مجاهد. # وقيل: المعنى: إذا مروا بما كان المشركون فيه من الباطل مروا منكرين له. ~~قاله ابن زيد. # وقال الحسن: اللغو هنا المعاصي كلها، واللغو في كلام العرب: كل ما يجب ~~أن يلغى ويطرح من كلام، أو فعل باطل. # وقيل: هذه الآية منسوخة بقتال المشركين، لأنه أمرهم بعد ذلك إذا مروا ~~باللغو الذي هو الشرك أن يقاتلوا أهله، وإذا مروا باللغو الذي هو معصية ~~أن يغيروه، ولم يكونوا أمروا بذلك بمكة. ومعنى { مروا كراما } ، أي: ~~أكرموا أنفسهم عن الجلوس والخوض مع من يلغو. # ثم قال تعالى: { والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم ~~يخروا عليها صما وعميانا }. # أي: والذين إذا ذكرهم مذكر بحجج ربهم وأدلته، لم يقفوا على تلك الحجج ~~صما لا يسمعونها، وعميا لا يبصرونها. ولكنهم أيقاظ القلوب فهماء ~~العقول. # والكافر بخلاف ذلك لأنه لا ينتفع بما يسمع وما يبصر، فصار بمنزلة من لا ~~يسمع ولا يبصر، ومعنى { يخروا } يقيموا على ذلك، كما يقال: شتمت ~~فلانا فقام يبكي، أي: فظل يبكي، ولا قيام هناك، ولعله كان مضطجعا. ~~ويقول: نهيت فلانا فقعد يشتمني أي: فجعل يشتمني، ولعله كان قائما. فجرى ~~ذلك على مخاطبة العرب، ولا خرور ثم، وقيل المعنى: لم يتغافلوا عنها ~~ويتركونها فيكونون بمنزلة من لا يسمع ولا يرى. # وقيل المعنى: لم يسجدوا صما وعميانا بل سجدوا سامعين، فيكون بمنزلة ~~قول الشاعر: # بأيدي رجال لم يشيموا سيوفهم # ولم تكثر القتلى بها حين سلت # أي: إنما أغمدوها بعد أن كثرت القتلى. # وقيل المعنى: إنهم إذا أمروا بمعروف، أو نهوا عن منكر لم يتغافلوا عن ~~ذلك وقبلوه. ### || [25.74-77] # قوله تعالى: ذكره { والذين يقولون ربنا هب لنا / من ~~أزواجنا } ، إلى آخر السورة. # أي: والذين يرغبون إلى الله في دعائهم، ومسألتهم أن يهب لهم قرة أعين، ~~من أزواجهم، وذرياتهم؛ أي: ما تقر به أعينهم من أولادهم، وذلك أن يريهم ~~إياهم يعملون بطاعة الله. # قال الحسن: ذلك في الدنيا وهو المؤمن يرى زوجه وولده مطيعين لله، وأي ~~شيء أقر لعين المؤمن أن يرى زوجته ms1792 وولده مطيعين لله. # قال ابن جريج: معناه: يعبدونك فيحسنون عبادتك. # وقال ابن زيد: يسألون لأزواجهم وذرياتهم الإسلام. # ثم قال تعالى ذكره: { واجعلنا للمتقين إماما } ، أي: ~~اجعلنا يقتدي بنا من بعدنا في الخير، قاله ابن عباس، وعنه أيضا: المعنى ~~اجعلنا أئمة هدى يهتدى بنا، ولا تجعلنا أئمة ضلالة لأنه قال في السعادة # وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا # [الأنبياء: 73]، وقال في أهل الشقاء: # وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار # [القصص: 41]. # قال مجاهد: معناه: واجعلنا أئمة نقتدي بمن قبلنا، ونكون أئمة لمن بعدنا. # وقوله { إماما } وحد لأنه مصدر كالقيام والصيام. # وقيل: هو واحد يدل على الجمع كالعدو. # وقيل: هو جمع آثم وإمام كقائم وقيام. # ثم قال تعالى ذكره: { أولئك يجزون الغرفة بما ~~صبروا } ، أي: هؤلاء الذين تقدم ذكرهم يجزون الغرفة أي يثابون على ~~أعمالهم: الغرفة، وهي منزل من منازل الجنة. # { ويلقون فيها تحية وسلاما * خالدين فيها } ، ~~أي: دائمين المقام، ماكثين فيها. # { حسنت مستقرا ومقاما } ، أي: حسنت تلك الغرفة مستقرا، ~~أي: قرارا { ومقاما } ، أي: إقامة. # ثم قال تعالى: { قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعآؤكم } ~~، أي: قل يا محمد لهؤلاء الذين أرسلت إليهم: ما يعبأ بكم ربي، أي: أي شيء ~~يصنع بكم ربي، لولا دعاؤكم إلى الإيمان؟ # قال ابن عباس: لولا دعاؤكم: لولا إيمانكم، فأخبر جل ذكره الكفار أنه لا ~~حاجة له بهم إذ لم يجعلهم مؤمنين، ولو كان له بهم حاجة لحبب إليهم ~~الإيمان كما حببه إلى المؤمنين. # وقال مجاهد: لولا دعاؤكم: أي: لولا دعاؤكم إلى الله لتعبدوه وتطيعوه. # قال الفراء: لولا دعاؤكم: لولا دعاؤه إياكم إلى الإسلام. ومعنى: ما يعبأ ~~أي: ما يصنع بكم. # قال الزجاج: لولا دعاؤكم. أي: لولا توحيدكم إياه. ومعنى ما يعبأ بكم أي: ~~وزن لكم عنده من قولك: ما عبأت بفلان أي: ما كان له عندي وزن ولا قدر. # قال: وأصل العبء في اللغة: الثقل. # وقوله: { فسوف يكون لزاما } ، هو يوم بدر. # وقيل: هو ما لوزم بين القتلى يوم بدر. والتقدير: فسوف يكون عاقبة ~~تكذيبهم اللزام. # وعن مجاهد أنه قال ms1793 في معناه: لولا دعاؤه إياكم لتطيعوه فقد كذبتم فسوف ~~يكون عذابكم لزاما وقد مضى اللزام وهو يوم بدر. # وقيل: المعنى: لا منفعة لله في خلقه إياكم إذ لا يضره فقدكم، لولا ما ~~أراد من دعائه إياكم إلى طاعته، ليجازيكم على ذلك إن قبلتموه ويعاقبكم إن ~~عصيتموه فقد كذبتم فسوف تعلمون. # وقال القتيبي: المعنى: ما يعبأ بعذابكم ربي لولا دعاؤكم غيره، أي: لولا ~~شرككم به. # وقال الضحاك: لولا عبادتكم إياه. # ثم قال تعالى: { فقد كذبتم فسوف يكون لزاما } ، أي: ~~فقد كذبتم رسولكم فسوف يكون عقاب تكذيبكم لرسولكم لزاما، أي: ملازما ~~لكم، أي: عذابا ملازما وهو ما حل بكم يوم بدر. # وقال ابن مسعود: اللزام: يوم بدر. # وقال أبي بن كعب: هو القتل يوم بدر: وهو قول مجاهد والضحاك، وقال ابن ~~زيد: اللزام: القتل يوم بدر. # وقال ابن عباس: اللزام: الموت. # وقال أبو عبيدة: فسوف يكون لزاما أي: جزاء يلزم كل عامل يعمله من خير ~~أو شر. ### | [26 - سورة الشعراء] ### || [26.1-6] # / قوله تعالى ذكره: { طسم } ، إلى قوله { يستهزئون }. # قال ابن عباس: طسم: قسم، أقسم الله جل ذكره به، وهو من أسماء الله. # وقال قتادة: هو اسم من أسماء القرآن، فالتقدير على قول ابن عباس: ~~والسميع إن هذه الآيات التي أنزلتها على محمد في هذه السورة، آيات الكتاب ~~التي أنزلتها من قبلها الذي يتبين لمن تدبره بفهم وفكر فيه. يعقل أنه من ~~عند الله لم يتخرصه محمد، ولا تقوله من عند نفسه والمعنى في { تلك ~~آيات الكتاب المبين } ، أي: هذه الآية التي كنتم وعدتم بها على ~~لسان موسى، لأنهم قد وعدوا في التوراة والإنجيل بإنزال القرآن. # ثم قال تعالى: { لعلك باخع نفسك } أي: لعلك قاتل نفسك يا ~~محمد لأجل تأخرهم عن الإيمان بك. # ثم قال تعالى: { إن نشأ ننزل عليهم من السمآء ~~آية } ، أي: إن نشأ يا محمد ننزل عليهم لأجل تكذيبهم لك من السماء آية. # { فظلت أعناقهم لها خاضعين } ، أي: فظل القوم خاضعة ~~أعناقهم لها. قال قتادة: معناه لو شاء الله لأنزل ms1794 آية يذلون بها، فلا ~~يلوي أحد منهم عنقه إلى معصية الله. # قال ابن جريج: معناه لو شاء لأراهم أمرا من أمره، لا يعمل أحد بعده ~~بمعصية. # وقيل: المعنى: لو نشاء لأنزلنا عليهم آية تلجئهم إلى الإيمان من غير أن ~~يستحقوا على ذلك ثوابه ولا مدحا، لأنهم اضطروا إلى ذلك، ولم يفعله الله ~~بهم ليؤمنوا طوعا. فيستحقوا على ذلك الثواب، إذ لو آمنوا كرها بآية لم ~~يستحقوا على ذلك الثواب. # وقال مجاهد: أعناقهم: كبراؤهم. # وقال أبو زيد والأخفش: أعناقهم: جماعاتهم، يقال: جاءني عنق من الناس، ~~أي: جماعة، ويقال: جاء في عنق من الناس أي: كبراؤهم. وهذا قول مجاهد. # وقال عيسى بن عمر: خاضعين، وخاضعة هنا واحد وهو اختيار المبرد. فمن قال: ~~خاضعين رده على المضاف إليه. ومن قال: خاضعة رده على الأعناق لأنهم إذا ~~ذلوا ذلت رقابهم، وإذا ذلت رقابهم ذلوا. ثم قال تعالى ذكره { وما ~~يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث } ، أي: ما يأتي ~~هؤلاء المشركين من تذكير يحدثه الله إليك، ويوحيه إليك إلا أعرضوا عنه ~~ولم يسمعوه، فهو محدث عند النبي عليه السلام، وعند من نزل عليه، وليس ~~بمحدث في الأصل إنما سمي محدثا لحدوثه عند من لم يكن يعلمه، فأنزل الله ~~إياه، وهو غير محدث لأنه كلام الله، صفة من صفاته، ولو كان القرآن محدثا ~~لكانت الأخبار التي فيه لم يعملها الله حتى حدثت تعالى الله عن ذلك. ولو ~~كان محدثا لكان قوله: # شهد الله أنه لا إله إلا هو # [آل عمران: 18] الآية، و # قل هو الله أحد # [الإخلاص: 1] السورة محدثا فيكون التوحيد لله محدثا، وتكون صفاته التي ~~أخبرنا بها في القرآن محدثة؛ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. # ثم قال تعالى ذكره: { فقد كذبوا فسيأتيهم أنباء ما ~~كانوا به يستهزئون } ، أي: كذبوا بالذكر الذي أتاهم فسيأتيهم ~~أخبار ما قد كذبوا به واستهزءوا منه، وهذا تهديد من الله لهم أنه سيحل ~~بهم العقوبة على تماديهم على تكذيبهم وكفرهم وإنما أخبر عنهم بالكذب، ~~لأنه أخبر عنهم بالإعراض عن القرآن، ms1795 ومن أعرض عن شيء فقد تركه، ومن ترك ~~قبول شيء فقد كذب به، فلذلك أخبر عنهم بالتكذيب. وهذا من التدريج ~~والإيماء، ودل قوله: { ما كانوا به يستهزئون } ، أن من كذب ~~بشيء فقد استهزأ به، واستخف به. ### || [26.7-22] # قوله تعالى: { أولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها ~~} إلى قوله: { أن عبدت بني إسرائيل }. # المعنى: أولم ير هؤلاء المكذبون بالبعث إلى الأرض كم أنبتنا فيها ~~بعد أن كانت ميتة لا نبات فيها { من كل زوج كريم } ، أي: من كل ~~جنس حسن، فكما أحيينا الأرض بهذا النبات، كذلك نحييهم بعد الموت للبعث / ~~يوم القيامة، لأن أصلهم من الأرض فهم كالأرض. # قال الشعبي: الناس من بنات الأرض فمن صار منهم إلى الجنة فهو كريم، ومن ~~صار إلى النار فهو لئيم. # قال الفراء: الزوج اللون. ثم قال { إن في ذلك لآية } أي: إن في ~~إنباته النبات في الأرض لدلالة لهؤلاء المنكرين للبعث على كون البعث، وأن ~~القدرة التي أنبت الله بها في الأرض ذلك النبات، ليقدر بها على نشر ~~الموتى بعد مماتهم. # ثم قال { وما كان أكثرهم مؤمنين } ، أي: قد سبق في علم ~~الله أنهم لا يؤمنون فأخبر عنهم ما سبق في علمه منهم. # ثم قال تعالى: { وإن ربك لهو العزيز } أي: لا يمتنع عليه ~~شيء يريده { الرحيم } ، أي: ذو الرحمة لمن تاب من كفره. # قال ابن جريج: كل شيء في الشعراء من قوله " عزيز رحيم " فمعناه عزيز حين ~~انتقم من أعدائه، رحيم بالمؤمنين حين أنجاهم ممن أهلك. # ثم قال تعالى: { وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم ~~الظالمين } ، أي: واذكر يا محمد، إذ نادى ربك " موسى " بأن إئت ~~القوم الظالمين، ثم بينهم فقال: { قوم فرعون ألا يتقون } ~~، أي: فقل لهم: ألا يتقون، وجاء باليا، لأنهم غيب عن المخاطبة. # ودل قوله: { ألا يتقون } ، على أنهم كانوا لا يتقون، ودل أيضا ~~على أنه أمر موسى أن يأمرهم بالتقوى، فهذا من باب الإيماء إلى الشيء ~~بغيره، لأنه أمره بأن يأتي القوم الظالمين ولم يبين لأي شيء يأتيهم، ms1796 فدل ~~قوله { ألا يتقون } ، لأي شيء يأتيهم وهو الأمر بالتقوى والتقوى ~~اسم جامع للخير كله من الإيمان والعمل. فكأنه قال: أن إئت القوم الظالمين ~~ومرهم بالتقوى فهذا مفهوم الخطاب. # ثم قال تعالى: حكاية عن قول موسى: { قال رب إني أخاف أن ~~يكذبون } ، أي: أخاف من قوم فرعون أن يكذبون بقولي: إنك أرسلتني ~~إليهم، ويضيق صدري من تكذيبهم إياي، ولا ينطلق لساني بالعبارة عما ترسلني ~~إليهم به للعلة التي في لساني. # ثم قال: { فأرسل إلى هارون } ، يعني أخاه، أي: ليؤازرني ~~ويعينني، فالمعنى اجعله رسولا لك معي. # ثم قال: { ولهم علي ذنب } ، أي: ولقوم فرعون علي ذنب أذنبته ~~إليهم، وهو قتله القبطي بالوكزة { فأخاف أن يقتلون } ، يعني ~~قود بالنفس التي قتلت منهم. { قوم فرعون } ، وقف، و { ألا ~~يتقون } ، التمام و { أن يكذبون } ، وقف إن رفعت { ويضيق ~~} على الاستئناف، فإن رفعت عطفت على { أخاف } ، أو نصبت عطفت على { ~~يكذبون } ، كان التمام { يقتلون }. # ثم قال: { قال كلا فاذهبا بآياتنآ } ، أي: لن يقتلوك انزجر ~~عن الخوف من ذلك فإنهم لا يصلون إليك. فاذهب أنت وأخوك بآياتنا، أي: ~~بإعلامنا، وحججنا { إنا معكم مستمعون } ، ووجه قوله: { ~~مستمعون } أنه بمعنى سامعون لأن الاستماع إنما يكون بالإصغاء، ~~وذلك لا يجوز على الله جل ذكره، وأخبر عن نفسه بلفظ الجماعة وذلك جائز. ~~وقال: { معكم } وهما اثنان لأن الاثنين جمع، كما قال: # فإن كان له إخوة # [النساء: 11] يريد أخوين ويحتمل أن يكون ثم قال: { فأتيا فرعون ~~فقولا إنا رسول رب العالمين } ، وحد رسولا وهما اثنان ~~لأنه أراد به المصدر بمعنى الرسالة. يقول: أرسلت رسالة ورسولا. وتقديره: ~~إنا ذوا رسالة. # وقيل: رسول اسم للجمع كالعدو والصديق، فلذلك أتى موحدا. # ثم قال: { أن أرسل معنا بني إسرائيل } أي: بأن أرسل ~~معنا بني إسرائيل أي: بأن تطلقهم وتخلي سبيلهم. # ثم قال: { قال ألم نربك فينا وليدا } أي: قال فرعون ~~لموسى حين قال له: أرسل معنا بني إسرائيل - ألم نربك ميتا صغيرا، وفي ~~الكلام حذف والتقدير: فلما ذهبا إليه قالا ذلك. # وقوله: / { ولبثت فينا من ms1797 عمرك سنين } ، يمن فرعون على ~~موسى بتربيته عنده إلى أن قتل القبطي. # وروى الخفاف عن أبي عمرو " عمرك " بإسكان الميم، وحكى سيبويه فتح ~~العين وإسكان الميم في القسم في " لعمرك " فلا يستعمل في القسم عنده إلا ~~مفتوحا لخفته، وكثرة استعمالهم له في القسم. # ثم قال تعالى: { وفعلت فعلتك التي فعلت } ، يعني قتله ~~القبطي، يوبخ فرعون موسى بذلك. وقرأ الشعبي { فعلتك } بكسر الفاء ~~يريد به الحال والهيئة كما تقول: هو حسن المشبه والركبة والجلسة. # وقوله: { وأنت من الكافرين }. # قال السدي: معناه: وأنت من الكافرين على ديننا هذا التي تعيب؛ أي: أنت ~~ساتر على ديننا. # قال ابن زيد: معناه: كفرت نعمتنا عليك، وتربيتنا لك فجازيتنا أن قتلت ~~نفسا منا وكفرت نعمتنا. وكذلك قال ابن عباس: يريد كفر النعمة. # وقيل المعنى: وقتلت نفسا منا وأنت الآن من الكافرين لنعمتي، وتربيتي ~~إياك. فقال موسى لفرعون: { فعلتهآ إذا وأنا من الضالين ~~} ، أي: قتلت النفس وأنا من الجاهلين، لأن ذلك قبل أن يأتيه الوحي من ~~الله بتحريم قتله. يقال: جهل فلان الطريق وضل الطريق بمعنى، وفي حرف ابن ~~مسعود من الجاهلين. # وقال ابن زيد: معناه: وأنا من الخاطئين لقتله لم أتعمده، قال أبو عبيدة: ~~من الضالين: من الناسين. # وقال الزجاج: وأنت من الكافرين لنعمتي ويجوز من الكافرين لقتلك الذي ~~قتلت فنفى موسى الكفر، واعترف بأنه فعل ذلك جهلا. # وقيل: معنى: الضالين: أي: قتلت القبطي وأنا ضال في العلم بأن وكزتي له ~~تقتله، لم أتعمد قتله ولا قصدت لذلك. # ثم قال تعالى { ففررت منكم لما خفتكم } ، أي: هربت منكم ~~خوفا أن تقتلوني بقتلي القبطي منكم { فوهب لي ربي حكما } ، ~~قال السدي: نبوة. # وقال الزجاج: الحكم: تعليمه التوراة التي فيها حكم الله. { وجعلني ~~من المرسلين } ، أي إلى خلقه. # ثم قال موسى لفرعون { وتلك نعمة تمنها علي أن ~~عبدت بني إسرائيل } أي وتربيتك إياي، وتركك استعبادي كما ~~استعبدت بني إسرائيل نعمة منك تمنها علي، وفي الكلام حذف، والتقدير: ~~وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل وتركتني لم تستعبدني. ms1798 # وقال الأخفش قيل المعنى: وتلك نعمة على الاستفهام الذي معناه التوبيخ ~~والتقريع. # وقال الفراء: في الكلام حذف والتقدير: هي لعمري نعمة إذ مننت علي فلم ~~تستعبدني، واستعبدت بني إسرائيل. # وقال الضحاك: المعنى إنك تمن علي بما لا يجب أن تمن به. # وقيل: المعنى وتلك نعمة تمنها علي بأن عبدتني وأنا من بني إسرائيل، لأنه ~~روي أنه كان رباه على أن يستعبده. # وقيل المعنى: وأنت من الكافرين لنعمتي، وتربيتي لك فأجابه موسى فقال: ~~نعم هي نعمة أن عبدت بني إسرائيل ولم تستعبدني. وأن في موضع رفع على ~~البدل من نعمة. # وقيل: هي في موضع نصب على معنى: بأن عبدت، يقال عبدت الرجل وأعبدته: إذا ~~اتخذته عبدا. # وقيل: وتلك نعمة تمنها علي أن استعبدت بني إسرائيل فكلفتهم تربيتي. لأن ~~فرعون لم يربه إنما أمر من يربيه من بني إسرائيل أمه وغيرها. فلما من ~~عليه فرعون بتربيته له. قال له موسى أثر بيتك إيأي: باستعبادك بني ~~إسرائيل وتكليفك لهم تربيتي نعمة لك علي لا نعمة لك في ذلك علي؛ لأن بني ~~إسرائيل هم الذين تولوا تربيتي باستعبادك إياهم على ذلك. ### || [26.23-50] # قوله تعالى ذكره: { قال فرعون وما رب العالمين } ، إلى ~~قوله { إنآ إلى ربنا منقلبون } ، # هذا يدل على أن موسى دعاه إلى طاعة رب العالمين. قال فرعون: { وما ~~رب العالمين } ، فهذا حذف، واختصار يدل عليه جواب فرعون. وهذا من ~~إعجاز القرآن، وإيتان اللفظ القليل بالمعاني الكثيرة. ومثل هذا لا يوجد ~~في كلام الناس: أي: قال فرعون: وأي: شيء رب العالمين. قال موسى { قال ~~رب / السموت والأرض } أي: مالكهن { وما بينهمآ إن ~~كنتم موقنين } ، فأجابه موسى بصفات الله التي يعجز عنها ~~المخلوقون، ولم يكن عنده رد على موسى غير أن قال لمن حوله: { ألا ~~تستمعون } ، أي: ألا تستمعون جواب موسى، لأن فرعون سأل موسى عن ~~الأجناس أي: من أي: جنس رب العالمين فلما لم يكن الله جل ذكره جنسا من ~~الأجناس المعلومات ترك جوابه، وأجابه بدلالة أفعال الله، ومحدثاته من ~~السماوات والأرض، ولم يخبره ms1799 أنه جنس إذ لا يجوز، فعجب فرعون قومه من ~~جواب موسى له فقال لمن حوله من القبط: ألا تستمعون إلى قول موسى، فزادهم ~~موسى من البيان ما هو أقرب عليهم من الأول وأقرب إلى أفهامهم، فقال لهم { ~~قال ربكم ورب آبآئكم الأولين } ، أي الذي دعوته إليه ~~وإلى عبادته: { ربكم ورب آبآئكم الأولين } ، أي: ~~خالقكم، وخالق آبائكم الأولين فدل عليه بأفعاله، وترك ظاهر جواب فرعون، ~~لأنه سأل عن الجنس، والأجناس كلها محدثة، فلم يجبه موسى عن ذلك إذ سؤاله ~~ممتنع، وأجابه بأفعاله الدالة على قدرته، وتوحيده، فأتى بدليل يقرب من ~~أفهامهم فلم يحتج فرعون عليه فيما قال بأكثر من أن نسبه إلى الجنون، ~~لأنه قد قرر عند قومه أنه لا رب لهم غيره. # فقال: { إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون } ~~، أي: لمغلوب على عقله، لأنه يقول قولا لا نعرفه ولا نفهمه؛ يلبس بذلك ~~على قومه. يريد فرعون أن موسى مجنون إذ أجابني بغير ما سألته عنه، فلم ~~يجبهم موسى إلا بما يجوز أن يوصف به رب العالمين. فقال موسى عند ذلك ~~محتجا على فرعون وزائدا له في البيان { رب المشرق ~~والمغرب } ، أي: مشرق الشمس، ومغربها وما بينهما من شيء. # { إن كنتم تعقلون } ، ما يقال لكم فأخبرهم أن ملك الله جل ~~ذكره ليس كملك فرعون الذي لا يملك إلا بلدا واحدا، فلما علم فرعون صحة ~~ما يقول موسى وتبين له ولقومه ذلك توعد موسى استكبارا وتجبرا فقال { ~~لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من ~~المسجونين } ، أي: لئن أقررت بمعبود غيري لأسجننك مع من في السجن ~~من أهله، فرفق به موسى، وقال له { أولو جئتك بشيء مبين } ~~، أي: بآية ظاهرة تدلك على صدق ما نقول، وما ندعوك إليه إن قبلت، قال له ~~فرعون: فأت بها إن كنت صادقا، فإني لا أسجنك بعد ذلك { فألقى ~~عصاه فإذا هي ثعبان مبين } ، أي: تحولت ثعبانا ذكرا، ~~وهي الحية. # { ونزع يده } ، أي: أخرج يده من جيبه فإذا هي بيضاء تلمع ~~للناظرين من غير برص. # قيل: كان بياضهما يغلب ms1800 على ضوء الشمس. # وقيل: نزعها من قميصه. # وقال المنهال: ارتفعت الحية في السماء قدر ميل، ثم سفلت حتى صار رأس ~~فرعون بين نابيها فجعلت تقول: يا موسى: مرني بما شئت، فجعل فرعون يقول: ~~يا موسى أسألك بالذي أرسلك قال: فأخذه بطنه، ثم قال فرعون للملا حوله أي ~~للأشراف من قومه { إن هذا لساحر عليم } ، قال ذلك بعدما ~~أراه الآيتين، وأزال عنه ما خاف منه من الثعبان أن يبتلعه فلم يمكنه ~~إنكار ما رأى فقال لقومه، ما قال عند ذلك: { يريد أن يخرجكم ~~من أرضكم بسحره } ، أي: يريد أن يخرج بني إسرائيل من أرضكم ~~إلى الشام بقهره إياكم بالسحر، فالخطاب منه لأشراف قومه من القبط والمراد ~~بنو إسرائيل لأن القبط كانوا قد استعبدوا بني إسرائيل. فالمعنى: يريد أن ~~يخرج خدمكم من أرض مصر إلى الشام، ويبين هذا قوله في طه: # فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم # [طه: 47] وقوله: # أن أرسل معنا بني إسرائيل # [الشعراء: 17]، ثم قال فرعون لأشراف قومه من القبط: { فماذا ~~تأمرون } يشاورهم في أمر موسى فهذان كلامان اتصلا باللفظ، وهما من ~~آيتين ومثله: اتصال كلام يوسف بكلام امرأة العزيز في قولها # وإنه لمن الصادقين # [يوسف: 51] انقضى كلام امرأة العزيز فقال / يوسف # ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب # [يوسف: 52] ومثله اتصال كلام بلقيس بكلام الله جل ذكره في قولها: # وجعلوا أعزة أهلهآ أذلة # [النمل: 34] تم كلامها فقال الله جل ذكره: # وكذلك يفعلون # [النمل: 34] وقد قيل: إنه من كلام سليمان عليه السلام، ولهذا نظائر ~~كثيرة { قالوا أرجه وأخاه } ، أي: أخرهما { وابعث في ~~المدآئن حاشرين } ، يجمعون إليك، كل ساحر علم بالسحر. # ثم قال تعالى: { فجمع السحرة لميقات يوم معلوم } ، ~~أي: فجمع الحاشرون السحرة لوقت معلوم، تواعد فرعون وموسى بالاجتماع فيه ~~وذلك يوم الزينة. # وأن يحشر الناس ضحى # [طه: 59]، { وقيل للناس هل أنتم مجتمعون } ، لتنظروا ~~لمن الغلبة ألموسى أم للسحرة؟ وقيل: المعنى: وقال بعض الناس لبعض: هل ~~أنتم مجتمعون لننظر لمن الغلبة لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين ~~موسى. # وروى: أن الاجتماع ms1801 كان بالاسكندرية قاله ابن زيد. # فبلغ ذنب الحية يومئذ من وراء البحيرة وهربوا وأسلموا فرعون فهمت به ~~فقال: خذها يا موسى، وكان مما يلي الناس به منه أنه لا يضع على الأرض ~~شيئا فأحدث يومئذ تحته، وكان إرساله الحية في القبة الخضراء. فكل ذلك ~~قاله ابن زيد. # وقال ابن لهيعة: كان فرعون لحيته خضراء، وكانت تضرب ساقه إذا رهب، وكانت ~~له جمة خضراء مثل ذلك من خلفه، وكان إذا ركب غطى شعره، من خلفه الظهر، ~~ومن بين يديه لحيته. # ثم قال: { فلما جآء السحرة قالوا لفرعون أإن ~~لنا لأجرا } ، أي: لما جاء السحرة فرعون لموسى قالوا لفرعون أئن لنا ~~لأجرا قبلك على سحرنا إن كنا نحن الغالبين موسى. قال لهم فرعون: نعم لكم ~~الأجر قبلي إن غلبتهم وإنكم إذا غلبتهم لمن المقربين مني، فقالوا عند ذلك ~~لموسى # إمآ أن تلقي وإمآ أن نكون نحن الملقين # [الأعراف: 15]، وحذف هذا لدلالة الكلام عليه وقد نصه تعالى في غير هذا ~~الموضع ولم يحذفه للإفهام وحذفه هنا للاختصار والإيجاز، ودلالة الكلام ~~عليه. فقال لهم موسى { ألقوا مآ أنتم ملقون } ، يعني من ~~حبالهم وعصيهم، فألقوا ذلك. { وقالوا بعزة فرعون } ، أي: ~~أقسموا بعزة فرعون وسلطانه { إنا لنحن الغالبون } ، موسى { ~~فألقى موسى عصاه } ، حين ألقت السحرة حبالها وعصيها { فإذا ~~هي تلقف ما يأفكون } ، أي: تزدري ما يأتون به من القرية ~~والسحر الذي لا حقيقة له. # روي: أن حبالهم وعصيهم كانت حمل ثلاث مائة بعير، فابتلعت العصا جميع ~~ذلك، ثم دنا موسى فقبض عليها بيده فصارت عصا، كما كانت أولا وليس لتلك ~~الحبال والعصي أثر، فألقي السحرة عند ذلك ساجدين مذعنين أي تبين لهم كذب ~~ما أتوا به وصدق ما جاء به موسى وإنه لا يقدر على ذلك ساحر، وقالوا في ~~سجودهم { آمنا برب العالمين } ، الذي دعا موسى إلى عبادته. { ~~رب موسى وهارون } ، والتقدير: فألقي الذين كانوا السحرة ساجدين ~~لأنهم لم يسجدوا حتى آمنوا، وزال عنهم ذنب السحر فلا يسموا سحرة إلا على ~~ما كانوا عليه. وذكر ابن ms1802 وهب عن القاسم بن أبي بزة أنه قال: جمع فرعون ~~سبعين ألف ساحر، فألقوا سبعين ألف حبل، وسبعين ألف عصا، حتى جعل موسى # يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى # [طه: 66] فأوحى الله إليه # أن ألق عصاك # [الأعراف: 117] فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين فاغر فاه يبلع حبالهم ~~وعصيهم، فألقى السحرة عند ذلك ساجدين، فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة ~~والنار وثواب أهلها، فعند ذلك قالوا: لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات، ~~قال: وكانت امرأة فرعون تسأل: من غلب؟ فيقال غلب موسى وهارون. فتقول: ~~آمنت برب موسى وهارون. فأرسل إليها فرعون فقال: انظروا أعظم صخرة ~~تجدونها، فإن مضت على قولها فألقوها عليها، وإن هي رجعت عن قولها فهي ~~امرأته فلما أتوها / رفعت بصرها إلى السماء، فأبصرت بيتها في الجنة، فمضت ~~على قولها وانتزع روحها فألقيت الصخرة على جسد ليس فيه روح. # قوله: قال فرعون { آمنتم له } ، أي: قال فرعون للسحرة آمنتم له أي: ~~بأن ما جاء به حق { قبل أن آذن لكم } ، في ذلك أي: قبل أن ~~آمركم به. # قال ابن زيد: خطاياهم: السحر، والكفر اللذان كانوا عليهما. قال ابن زيد: ~~كانوا يومئذ أول من آمن بموسى، وكان قد آمن بموسى ست مائة ألف وسبعون ~~ألفا من بني إسرائيل، فأول من آمن من عند ظهور الآية السحرة. ### || [26.52] # قال { وأوحينآ إلى موسى أن أسر بعبادي } ، أي: ~~أوحينا إلى موسى إذ تمادى فرعون في غيه، أن اسر ببني إسرائيل من أرض مصر ~~{ إنكم متبعون } أي: يتبعكم فرعون وجنوده ليمنعوكم الخروج من ~~أرض مصر. ### || [26.53] # أي: جامعين يجمعون الناس لطلب موسى ومن معه، والمدائن يجوز أن يكون ~~مفاعل ويكون همزها سماعا على غير أصل، فتكون مشتقة من دان يدين. ويجوز ~~أن يكون فعائل، ويكون همزها على الأصل وتكون مشتقة من مدن، وهذا أحسن من ~~الأول. ### || [26.54] # أي: قال فرعون لمن جمع من الناس: إن موسى ومن معه لشرذمة قليلون. ~~والشرذمة الطائفة، وشرذمة كل شيء بقيته القليلة. # قال أبو عبيدة: كانوا ست مائة ms1803 ألف وسبعين ألفا فوصفهم بالقلة. # قال عبد الله بن شداد بن الهاد: اجتمع يعقوب، وولده إلى يوسف وهم اثنان ~~وسبعون وخرجوا مع موسى وهم ست مائة ألف غير من مات، وخرج فرعون على فرس ~~أدهم حصان في عسكره ثمان مائة ألف. # قال الزجاج: كانت مقدمة فرعون: سبع مائة ألف، كل رجل منهم على حصان على ~~رأسه بيضة. # وقال قيس بن عباد: كانت مقدمة فرعون ست مائة ألف، كل رجل منهم على حصان ~~على رأسه بيضة، في يده حربة وهو خلفهم في الدهم، فلما انتهى موسى ببني ~~إسرائيل البحر، قالت بنو إسرائيل: يا موسى أين ما وعدتنا؟ هذا البحر بين ~~أيدينا، وهذا فرعون وجنوده قد دهمنا من خلفنا، فقال موسى للبحر: إنفلق يا ~~أبا خالد، فقال: لا أنفلق يا موسى، أنا أقدم منك خلقا، فنودي موسى { ~~أن اضرب بعصاك الحجر } فضربه فانفلق البحر، وكانوا اثني عشر ~~سبطا، فسار لكل سبط طريق، فلما انتهى أول جنود فرعون إلى البحر، هابت ~~الخيل البحر، ومثل الحصان منها وديق فرس، فوجد ريحها فاشتد، واتبعته ~~الخيل فلما تتام آخر جنوده في البحر، وخرج آخر بني إسرائيل، أمر البحر ~~فانطبق عليهم، فقالت بنو إسرائيل: ما مات فرعون وما كان ليموت أبدا، ~~فسمع الله تكذيبهم لنبيه، فرمى به على الساحل كأنه ثور أحمر فرآه بنو ~~إسرائيل. # قال مالك: خرج مع موسى رجلان من التجار إلى البحر، فلما أتيا إليه قالا ~~له: ماذا أمرك ربك به؟ قال: أمرني ربي أن أضرب البحر بعصاي هذه فيجف، ~~فقالا / له: إفعل ما أمرك به ربك فلن يخلفك، قال ثم ابتدرا إلى البحر، ~~فألقيا أنفسهما فيه تصديقا به. # قال ابن جريج: أوحى الله جل ذكره إلى موسى قبل أن يسري بهم أن اجمع بني ~~إسرائيل كل أربعة أبيات في بيت، ثم اذبحوا أولاد الضأن فاضربوا بدمائها ~~على الأبواب فإني سآمر الملائكة ألا تدخل بيتا على بابه دم، وسآمرهم ~~بقتل أبكار آل فرعون ثم اخبزوا خبزا فطيرا، فإنه أسرع لكم، ثم أسر ~~بعبادي حتى ms1804 تنهي البحر، فيأتيك أمري، ففعل فلما أصبحوا، قال فرعون: هذا ~~عمل موسى وقومه، قتلوا أبكارنا، فأرسل في أثرهم ألف ألف وخمس مائة ألف ~~وخمس مائة ملك مصور، مع كل ملك ألف رجل، وخرج فرعون في الكرسي العظيم، ~~وقال: { إن هؤلاء لشرذمة قليلون } ، وكانوا ست مائة ~~ألف، منهم أبناء عشرين سنة إلى الأربعين. # وقال ابن عباس كان مع فرعون يومئذ ألف جبار كلهم عليه تاج، وكلهم أمير ~~على خيل. # قال ابن جريج: كان ثلاثون ألفا يعني من الملائكة ساقة، خلف فرعون ~~يحسبون أنهم معهم، وجبريل عليه السلام أمامهم يرد أوائل الخيل على آخرها، ~~فأتبعهم حتى انتهوا إلى البحر. ### || [26.55] # أي: بقتلهم أبكارنا. # وقيل: معناه: { وإنهم لنا لغآئظون } بذهابهم بالعواري التي ~~كانوا استعاروها من الحلي. # وقيل: { لغآئظون } بخروجهم من أرضنا بغير رضانا. # وقال عمرو بن ميمون: قالوا لفرعون: إن موسى قد خرج ببني إسرائيل، فقال: ~~لا تكلموهم حتى يصيح الديك، فلم يصح تلك الليلة ديك فلما أصبح: أحضر شاة ~~فذبحت، وقال: لا يتم سلخها حتى يحضر خمسمائة ألف فارس من القبط فحضروا. ### || [26.56] # من قرأ بألف وبغير ألف فمعناه عند أبي عبيدة واحد، وهو مذهب سيبويه لأنه ~~أجاز أن تعدى بحذرا كما يعدى حاذرا. # وقال الجرمي: لا يجوز: حذر زيدا إلا على حذف (من). # وقال الكسائي والفراء والمبرد: رجل حذر. إذا كان الحذر في خلقته ~~فهو متيقظ منتبه، فلا يتعدى على هذا المعنى كما لا يتعدى كريم وشريف. ~~ومعنى حاذر عندهم: مستعد فيكون المعنى على قراءة من قرأ بغير ألف: وإنا ~~لجميع قد استشعرنا الحذر حتى صار كالخلقة وقيل معناه: وإنا لجميع حاملون ~~السلاح، وإن بني إسرائيل لا سلاح معهم. ومن قرأ بألف فمعناه: مستعدون ~~بالسلاح، فهو أمر محدث فيهم. # قال ابن مسعود حاذرون مؤدون في الكراع والسلاح أي: معهم أداة ذلك. # وقيل حاذرون: شاكون في السلاح: وقرأ ابن أبي عمار حادرون بالدال غير ~~معجمة بمعنى: ممتلئين غيظا. تقول العرب جمل حادر: إذا كان ممتلئا ~~غيظا. # وقيل: حاذرون ممتلئون بالسلاح. ### || [26.57] # أي: ms1805 أخرج الله فرعون وقومه من بساتين وعيون، وكنوز ذهب وفضة. ### || [26.58] # { ومقام كريم } ، أي: حسن، يعني المنابر. # وقال عبد الله بن عمرو: نيل مصر: سيد الانهار، سخر الله له كل نهر بين ~~المشرق والمغرب وذلله له، فإذا أراد الله أن يجري نيل مصر أمر كل نهر ~~يمده، فتمده الأنهار بمائها، فإذا انتهى جريه إلى ما أراد الله، أوحى ~~الله تعالى إلى كل ماء أن يرجع إلى عنصره. # وقال: كانت الجنات بحافتي هذا النيل من أوله إلى آخره في الشقين جميعا ~~من أسوان إلى رشيد. # وقال: المقام الكريم: المنابر، كان بها ألف منبر. # وقيل: المقام الكريم: الفيوم. ### || [26.59-74] # قوله تعال يذكره: { وأورثناها بني إسرائيل } إلى قوله: { ~~كذلك يفعلون } /، # أي: هكذا أخرجناهم من ذلك، كما وصفت لكم في هذه الآية /. # { وأورثناها } ، أي: أورثنا تلك الجنات، والعيون والكنوز، ~~والمقام الكريم: بني إسرائيل. # ثم قال تعالى: { فأتبعوهم مشرقين } ، أي: اتبع فرعون ~~وأصحابه موسى ومن معه وقت الشروق. # وقال أبو عبيدة: نحو المشرق، يقال: أشرقنا: دخلنا في الشروق، كما يقال: ~~أصبحنا دخلنا في الصباح. ويقال: شرقنا، إذا أخذوا نحو المشرق، وغربنا إذا ~~أخذوا نحو المغرب. فعلى هذا لا يصح قول أبي عبيدة إلا لو كان مشرقين. # قال مجاهد: خرج موسى ليلا فكسف بالقمر، وأظلمت الأرض وقال أصحابه: إن ~~يوسف أخبرنا أنا سننجى من فرعون، وأخذ علينا العهد لنخرجن بعظامه ~~معنا: فخرج موسى من ليلته سأل عن قبره، فوجد عجوزا بيتها على قبره، ~~فأخرجته له بحكمها، وكان حكمها أن قالت: احملني فاجر بي معك، فجعل عظام ~~يوسف في كسائه، وجعله على رقبته، وخيل فرعون في ملء أعنتها خضراء في ~~أعينهم، وهي لا تبرح، حبست عن موسى، وأصحابه حين تراءوا. الوقف عند نافع ~~" كذلك " وعند أبي حاتم # ومقام كريم # [الشعراء: 58]. # ثم قال تعالى { فلما تراءى الجمعان } ، أي: رأى بعضهم ~~بعضا: قال أصحاب موسى { إنا لمدركون } ، أي: الملحقون. # وقرأ الأعرج وعبيد بن عمير { لمدركون } بالتشديد وهو مفتعلون، ~~ومعنى التخفيف لملحقون، ومعنى التشديد: لمجتهد في لحاقنا، كما يقال: كسبت ms1806 ~~بمعنى أصبت وظفرت. وأكسبت بمعنى اجتهدت وطلبت. # وروي: أنهم قالوا ذلك تشاءموا بموسى وقالوا: أوذينا من قبل أن تأتينا ~~ومن بعدما جئتنا. # قال: السدي: لما نظرت بنو إسرائيل إلى فرعون، وقد ردفهم قالوا: إنا ~~لمدركون، قالوا: يا موسى أوذينا من قبل أن تأتينا، فكانوا يذبحون ~~أبناءنا، ويستحيون نساءنا، ومن بعد ما جئتنا اليوم يدركنا فرعون فيقتلنا ~~إنا لمدركون، البحر من بين أيدينا، وفرعون من خلفنا. # وعن ابن عباس أنه قال: لما انتهى موسى البحر، هاجت الريح العواصف ~~والقواصف، فنظر أصحاب موسى خلفهم إلى الرهج وإلى البحر أمامهم فقالوا يا ~~موسى: إنا لمدركون. { قال كلا إن معي ربي سيهدين } ، ~~أي: ليس الأمر كما ذكرتم لا يدركونكم، إن معي ربي سيهدين طريقا أنجو فيه ~~من فرعون وقومه. # قال عبد الله بن شداد بن الهاد: لقد بلغني أنه خرج فرعون في طلب موسى ~~على سبعين ألفا من دهم الخيل سوى ما في جنده من شية الخيل، وخرج موسى ~~حتى إذا قابله البحر ولم يكن عنه منصرف، طلع فرعون في جنده من خلفهم ثم ~~قال تعالى { فأوحينآ إلى موسى أن اضرب بعصاك ~~البحر } روي: أن الله جل ذكره: أمر البحر أن لا ينغلق حتى يضربه ~~موسى بعصاه. # قال السدي تقدم هارون فضرب البحر، فأبى البحر أن ينفتح: وقال: من هذا ~~الحبل الذي يضربني حتى أتاه موسى فكناه أبا خالد وضربه فانفلق. # قال ابن جريج انفلق على اثني عشر طريقا، في كل طريق سبط وكان بنو ~~إسرائيل اثني عشر سبطا فكانت الطريق كجدران، فقال كل سبط: قد قتل ~~أصحابنا، فلما رأى ذلك موسى، دعا الله فجعلها لهم بقناطر كهيئة الطيقان ~~ينظر بعضهم إلى بعض، على أرض يابسة، كأن الماء لم يصبها قط حتى عبروا. # وقوله تعالى: { كالطود العظيم } ، أي: كالجبل العظيم. # ثم قال تعالى: { وأزلفنا ثم الآخرين } ، أي: قربنا " ثم " ~~أي: هنالك الآخرين يعني قوم فرعون من البحر، وقدمناهم إليه. # قال ابن عباس: أزلفنا قدمناهم / إلى البحر. # وقال ابن جرير: قربنا، وكذلك قال قتادة. # وقال ms1807 أبو عبيدة: أزلفنا: جمعنا، ومنه ليلة المزدلفة. أي: ليلة جمع. # وقيل: أزلفنا أهلكنا. وقرأ أبي بن كعب: " أزلقنا " بالقاف. قال السدي، ~~دنا فرعون، وأصحابه بعدما قطع موسى ببني إسرائيل البحر من البحر، فلما ~~نظر فرعون إلى البحر منفلقا قال: ألا ترون: أن البحر فرق مني، قد تفتح ~~لي حتى أدرك أعدائي فأقتلهم، فلما قام فرعون على أفواه الطرق أتت خيله أن ~~تقتحم، فنزل جبريل عليه السلام على ما ذيانة فشمت الحصن ريح الماذيانة، ~~فاقتحمت في إثرها حتى إذا هم أولهم أن يخرج ودخل آخرهم، أمر البحر أن ~~يأخذهم فالتطم عليهم. # ثم قال تعالى ذكره { وأنجينا موسى ومن معه أجمعين } ~~، يعني بني إسرائيل { ثم أغرقنا الآخرين } ، يعني فرعون وقومه ~~{ إن في ذلك لآية } ، أي: إن في فعلنا بهم لعلامة، وحجة، ووعظا ~~لقومك يا محمد أن ينالهم مثل ذلك على تكذيبهم لك. { وما كان ~~أكثرهم مؤمنين } ، أن أكثر قومك يا محمد لم يكونوا مؤمنين، في ~~سابق علم الله. { وإن ربك لهو العزيز } ، أي: عزيز في ~~انتقامه ممن كفر به، رحيم بمن أنجاه من الغرق { لآية } ، قطع كاف، و { ~~مؤمنين } تمام، و { الرحيم } تمام. # ثم قال تعالى: { واتل عليهم نبأ إبراهيم * إذ قال ~~لأبيه وقومه ما تعبدون } ، أي: واقصص يا محمد على مشركي ~~قومك خبر إبراهيم، حين قال لأبيه وقومه، أي: شيء تعبدون { قالوا ~~نعبد أصناما فنظل لها عاكفين } ، أي: نثبت خدما ~~مقيمين على عبادتها. # قال ابن جريج: هو الصلاة لأصنامهم. قال إبراهيم: { هل يسمعونكم ~~إذ تدعون } ، أي: هل يسمعون دعاءكم إذ تدعونهم. # قال الأخفش التقدير هل يسمعون منكم أو هل يسمعون دعاءكم ثم حذف، وقرأ ~~قتادة: هل يسمعونكم بضم الياء، أي: هل يسمعونكم كلامهم. # وقيل: المعنى: هل يسمعونكم إذا دعوتموهم لصلاح أموركم، وهل يستجيبون ~~لكم، ويعطونكم ما سألتموهم، وهل ينفعونكم إذ عبدتموهم وهل يضرون من لا ~~يعبدهم، كل ذلك توبيخا لهم وتقريعا. # وقوله: { أو ينفعونكم أو يضرون } ، أي: هل تنفعكم هذه ~~الأصنام فترزقكم شيئا على عبادتكم لها، أو يضرونكم إذا تركتم عبادتها. ms1808 ~~فقالوا: { بل وجدنآ آبآءنا كذلك يفعلون } ، أي: نحن ~~نفعل ذلك، كما فعله آباؤنا وإن كانت لا تسمع ولا تنفع، ولا تضر، إنما ~~نتبع في عبادتها فعل آبائنا لا غير. وهذا الجواب: حائد على السؤال لأنه ~~سألهم: هل يسمعون الدعاء، أو ينفعون أو يضرون، فحادوا عن الجواب وقالوا: ~~{ وجدنآ آبآءنا كذلك يفعلون } ، وليس هذا جوابه، ولكن ~~لما لم يكن لهم جواب، حادوا لأنهم لو قالوا: يسمعون، وينفعون، ويضرون ~~لبان كذبهم عند أنفسهم وعند جماعهم، ولو قالوا: لا يسمعون، ولا ينفعون، ~~ولا يضرون، لشهدوا على أنفسهم بالخطأ والضلال في عبادتهم من لا يسمع، ولا ~~ينفع ولا يضر، فلم يكن لهم بد من الحيدة عن الجواب، فجاوبوا بما لم ~~يسألوا عنه وقالوا: { وجدنآ آبآءنا كذلك يفعلون } ، ولم ~~يسألوا عن ذلك، وهذا من علامات انقطاع حجة المسؤول، ويبين أنهم حادوا عن ~~الجواب، إدخال بل مع الجواب، وبل للإضراب عن الأولى والإيجاب للثاني فهم ~~أضربوا عن سؤاله، وأخذوا في شيء آخر لم يسألهم عنه انقطاعا منهم عن ~~جوابه، وإقرارا بالعجز. ### || [26.75-99] # قوله تعالى ذكره: قال { أفرأيتم ما كنتم تعبدون } إلى ~~قوله: { ومآ أضلنآ إلا المجرمون } /. # أي: ما تعبدون من الأصنام انتم وآباؤكم المتقدمون قبلكم. # { فإنهم عدو لي } ، أي: يوم القيامة كما قال # كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا # [مريم: 82] وأخبرنا الله تعالى عن الأصنام، كما يخبر عن من يعقل. جاز أن ~~يقول هنا: " عدو لي ". وعدو يقع للجمع والمؤنث بلفظ واحد وقد قالوا: عدوة ~~الله بمعنى معادية. # وقيل: هذا من المقلوب، لأن الأصنام لا تعادي أحدا، ولا تعقل، والمعنى ~~فإني عدو لهم أي: عدو لمن عبدهم. وأصل العداوة، من عدوت الشيء، إذا ~~تجاوزته وتخلفته. # ثم قال تعالى ذكره: { إلا رب العالمين } ، هو استثناء ليس من ~~الأول أي: لكن رب العالمين، ويجوز أن يكون من الأول، على أن يكونوا قد ~~كانوا يعبدون الله والأصنام، وتقدير الآية: أفرأيتم كل معبود لكم، ~~ولآبائكم فإني منه بريء لا أعبد إلا رب العالمين. # ثم قال تعالى: { الذي خلقني فهو يهدين ms1809 } ، أي: يهدين ~~للصواب من القول والعمل. { والذي هو يطعمني ويسقين } ، ~~أي: وهو الذي يغذيني بالطعام والشراب، { وإذا مرضت فهو ~~يشفين } ، أي: يبرءني ويعافين { والذي يميتني } ، إذا شاء { ~~ثم يحيين } ، إذا أراد بعد مماتي. # { والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين } ، ~~أي: يوم الجزاء على الأعمال، والطمع ها هنا بمعنى اليقين، كما جاء الظن ~~بمعنى اليقين. # وقيل: الطمع على بابه. لكن أراد أنه يطمع أن يغفر الله للمؤمنين ذنوبهم ~~يوم القيامة بإيمانهم، وهو على يقين من مغفرة الله له، لكن إجراء الخبر ~~عن نفسه، والمراد غيره من المؤمنين. # قال مجاهد: الخطيئة قوله # إني سقيم # [الصافات: 89] وقوله: # بل فعله كبيرهم هذا # [الأنبياء: 63] وقوله في سارة إنها أختي، حين أراد فرعون من الفراعنة أن ~~يأخذها. # وقرأ الحسن: خطاياي: بالجمع، وقال: ليست: خطيئة واحدة، والخطيئة تقع ~~معنى الخطايا كما يقع الذنب بمعنى الذنوب. # قال تعالى ذكره: # فاعترفوا بذنبهم # [الملك: 11] أي: بذنوبهم، وكما قال: # وأقيموا الصلوة # [البقرة: 43] أي: الصلوات. # ثم قال { رب هب لي حكما } ، أي: نبوة { وألحقني ~~بالصالحين } ، أي: أرسلني إلى خلقك حتى أكون ممن ائتمنته على وحيك، ~~{ واجعل لي لسان صدق في الآخرين } ، أي: ذكرا جميلا، ~~وثناء حسنا باقيا فيمن يجيء من القرون بعدي. قاله ابن زيد. # وقيل: ذلك اللسان الصدق: إيمان جميع الأمم به. فأعطاه ذلك؛ فليس يهودي ~~ولا نصراني ولا غيرهما من أهل الكتاب إلا يؤمن به ويحبه ويثني عليه، ~~ويقول: هو خليل الله، وقد قطع الله تعالى ولاية جميع أهل الكتاب منه لما ~~تولوه وادعوه، فقال: # ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان ~~حنيفا مسلما # [آل عمران: 67] ثم ألحق ولايته بهذه الأمة فقال: # إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه ~~وهذا النبي والذين آمنوا # [آل عمران: 68] وهذا كله أجره الذي عجل له وهي الحسنة. إذ يقول { ~~وآتيناه في الدنيا حسنة } وهو اللسان الصدق الذي سأل ربه، ~~هذا كله قول عكرمة. أو معنى قوله. # وقيل: معنى سؤاله، هو أن يجعل الله من ذريته في آخر الزمان من يقوم ~~بالحق، ويدعو ms1810 إليه، وهذا الدعاء هو لمحمد صلى الله عليه وسلم، لأنه الذي ~~قام بذلك في آخر الزمان وهو من ولد إبراهيم، فأجاب الله دعاءه، وبعث ~~محمدا من ولده، فأقام الحق وبين الدين، فهو اللسان الصادق الذي أتى في ~~الآخرين. # ثم قال: { واجعلني من ورثة جنة النعيم } ، أي: أورثني ~~من منازل من هلك من أعدائك من الجنة. # { واغفر لأبي } من شركه بك فلا تعاقبه عليه. # { إنه كان من الضآلين } ، أي: ممن ضل عن سبيل الهدى، وكفر ~~بك. # ثم قال تعالى: { ولا تخزني يوم يبعثون } ، أي: لا تذلني ~~بعقابك إيأي: يوم تبعث عبادك من قبورهم لموقف القيامة. # روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يلقى إبراهيم أباه فيقول: يا رب / وعدتني ألا تخزني يوم يبعثون. فيقول ~~الله جل ذكره: إني حرمت الجنة على الكافرين ". # وروى أبو هريرة أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن إبراهيم رأى أباه يوم القيامة عليه الغبرة والقترة ". # { يوم لا ينفع مال ولا بنون } ، أي: لا ينفع من كفر بك ~~وعصاك في الدنيا، ما كان له من مال وبنين. # { إلا من أتى الله بقلب سليم } ، أي: لا ينفع إلا ~~القلب السليم من الشك في توحيد الله، والبعث بعد الممات. قاله مجاهد. # وقال قتادة: هو السليم من الشرك. # قال ابن زيد: سلم من الشرك، فأما الذنوب فليس يسلم منها أحد. # وقال الضحاك: السليم، الخالص. # وقال سفيان: بلغني في قول الله تعالى { إلا من أتى الله ~~بقلب سليم } ، إنه الذي يلقى ربه وليس في قلبه أحدا غيره. # ثم قال تعالى: { وأزلفت الجنة للمتقين } ، أي: أدنيت ~~وقربت، أي: قرب دخولهم إياها. # { وبرزت الجحيم للغاوين } ، أي: أظهرت النار للذين غووا. # يروى: أن جهنم يؤتى بها يوم القيامة تقاد بسبعين ألف زمام، تتلظى على ~~أعداء الله. { وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون * من ~~دون الله } ، أي: قيل للغاوين: أين الذين كنتم تعبدونهم من دون ~~الله، هل ينصرونكم من عذاب الله، أو ينتصرون لأنفسهم فينحونها مما يراد ~~بها. # ثم قال ms1811 تعالى ذكره: { فكبكبوا فيها هم والغاوون } ، أي: ~~رمي بهم في الجحيم، بعضهم على بعض مكبين على وجوههم. وأصل كبكبوا: كببوا، ~~فأبدل من الباء الثاني كاف، استثقالا لثلاث باءات. # وعن ابن عباس: كبكبوا: جمعوا فيها. # قال ابن زيد: كبكبوا: طرحوا، والمعنى: فكبب هؤلاء الأنداد التي كانت ~~تعبد من دون الله في الجحيم والغاوين. # قال قتادة: الغاوون هنا: الشياطين، فيكون معنى الآية: فكبب فيها الكفار ~~والشياطين. # وقال السدي: فكبكبوا: يعني مشركي قريش، والغاوون الآلهة وجنود إبليس. ~~وحقيقة معنى كبكبوا: تكرير الانكباب، كأنه إذا ألقي ينكب مرة، بعد مرة ~~حتى يستقر فيها نعوذ بالله منها. # ثم قال تعالى: { وجنود إبليس أجمعون } ، أي: وكذلك جاث ~~فيها مع الأنداد جنود إبليس، وجنوده كل من كان من تباعه، ومن ذريته كان ~~أم من غير ذريته. # وقيل: جنود إبليس هنا: كل من دعاه إلى عبادة الأصنام، فساعد إبليس على ~~ما يريد فهم جنوده. # ثم قال تعالى: { قالوا وهم فيها يختصمون } ، أي: في جهنم: ~~يعني قول الغاوين للأنداد، وجنود إبليس، وتخاصمهم في جهنم، { تالله ~~إن كنا لفي ضلال مبين } ، أي: إنا كنا لفي ضلال مبين، أي: ~~في حيرة ظاهرة. # وقال الزجاج: المعنى تالله ما كنا إلا في ضلال عن الحق ظاهر. # { إذ نسويكم برب العالمين } في العبادة والتعظيم. # { ومآ أضلنآ إلا المجرمون } ، يعني إبليس وابن آدم ~~القاتل أخاه. ### || [26.100-138] # قوله تعالى: { فما لنا من شافعين } ، إلى قوله: { وما نحن ~~بمعذبين } ، # أي: فما لنا من شافع يشفع لنا عند الله من الأباعد، ولا صديق من ~~الأقارب. # قال ابن جريج من شافعين: من الملائكة، ولا صديق حميم من الناس. وقال ~~مجاهد: حميم: شقيق. # وقال قتادة: يعلمون والله أن الصديق إذا كان صالحا نفع، وأن الحميم إذا ~~كان صالحا: شفع. # وقال بعض أهل اللغة: الحميم الخاص. # ثم قال تعالى: { فلو أن لنا كرة } ، أي: رجعة إلى الدنيا. # { فنكون من المؤمنين } ، بالله. # { إن في ذلك لآية } ، أي: لعلامة وذا إشارة إلى ما تقدم ذكره، ~~والكاف خطاب النبي صلى الله عليه وسلم، { وما ms1812 كان أكثرهم ~~مؤمنين } ، { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } ، ~~أي: الشديد الانتقام، ممن عبد غيره من دونه ثم لم يتب من، كفره، / الرحيم ~~لمن تاب منهم. # ثم قال: { كذبت قوم نوح المرسلين } ، أي: كذبت جماعة ~~قوم نوح المرسلين. وإنما جمع المرسلين ولم يرسل إليهم إلا نوح، لأن من ~~كذب رسولا بمنزلة من كذب جميع الرسل، ويجوز أن تكون قد كذبت جميع الرسل ~~مع تكذيبها لنوح، ولم تؤمن برسول كان قبله. # وقيل: إنما أخبر عنهم: بتكذيب الرسل، لأنهم كذبوا نوحا فيما أتاهم به ~~عن الله، وكذبوا كل من دعا إلى توحيد الله من سائر المسلمين قبل نوح، ~~الذين بلغهم خبرهم، ودعاتهم إلى توحيد الله، فقد كان قبل نوح رسل، ودعاة ~~إلى الله جل ذكره إدريس وغيره. # ثم قال: { إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون } ، سمي ~~نوح أخاهم لأنه كان من قبيلتهم. # { ألا تتقون } ، أي: تتقون عقاب الله على كفركم. # { إني لكم رسول أمين } ، أي: رسول من الله إليكم، أمين على ~~وحيه إلي، ورسالته إيأي: إليكم. { فاتقوا الله } ، أي: عقابه على ~~كفركم به { وأطيعون } ، وأطيعون في نصيحتي لكم، وأمري إياكم. # { ومآ أسألكم عليه من أجر } ، أي: لا أسألكم على نصحي ~~لكم، من ثواب ولا جزاء. # { إن أجري إلا على رب العالمين } ، أي: ما جزائي ~~وثوابي على دعائي لكم إلا على رب العالمين، دونكم، ودون جميع الخلق. # { فاتقوا الله } ، أي: عقابه على كفركم، وخافوا حلول سخطه بكم ~~على كفركم. # ثم قال: { قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون } ، ~~أي: كيف نؤمن لك، ونصدقك، وإنما اتبعك منا سفلة الناس، دون الأشراف وذوي ~~الأموال. # روي: أنه إنما اتبعه، وآمن به سفلة الناس، وأصحاب الصناعات الخسيسة مثل ~~الحاكة: فاتقوا أن تكونوا مثلهم، وتفعلوا فعلهم تجبرا على الله وكفرا ~~به. { قال وما علمي بما كانوا يعملون } ، أي: إنما لي ~~منهم ظاهرهم دون الباطن. # وقيل: " كان " زائدة. والتقدير: وما علمي بما يعملون الآن، فأما ما ~~كانوا يعملون فقد كان يعلمه. # وقيل: معنى قوله: { وما علمي } ، وما علمي بما يعملون أي: ms1813 لست أسأل ~~عما كانوا يعملون، ولا أطلب علم ذلك. ذلك إلى الله يحاسبهم على أعمالهم، ~~ويجازيهم عليها، فقد أظهروا الإيمان فليس لي إلا ما ظهر، والله المطلع ~~على الباطن، فأما فقرهم فلا يضرهم ذلك عند الله، يغني من يشاء، ويفقر من ~~يشاء. ليس الفقر بضار في الدين، ولا الغنى بنافع في الدين، إنما ينفع ~~الإيمان ويضر الكفر. # قال مجاهد وقتادة: الأرذلون: الحاكة. # وقيل: هم الحجامون. # وقرأ يعقوب: وأتباعك # ثم قال: { إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون } ، ~~يعني إنه تعالى: يعلم سر أمورهم وعلانيتها. # قال ابن جريج: معناه هو أعلم بما في أنفسهم. # ثم قال تعالى: { ومآ أنا بطارد المؤمنين } ، أي: قال لهم ~~نوح: وما أنا بطارد من آمن بي، واتبعني. # { إن أنا إلا نذير مبين } أي: ما أنا إلا منذر لكم عذاب ~~الله، مبين عما جئتكم به. # { قالوا لئن لم تنته ينوح لتكونن من ~~المرجومين } ، أي: لئن لم تنته عما تقول، وتدعونا إليه، وتعيب به ~~آلهتنا لتكونن من المشتومين أي: لنشتمنك. # وقيل: من المرجومين بالحجارة حتى نقتلك. # { قال رب إن قومي كذبون } أي: كذبون فيما أتيتهم به من ~~الحق. # { فافتح بيني وبينهم فتحا } أي: احكم بيني وبينهم ~~حكما. # وقال قتادة: معنى ذلك: فاقض بيني وبينهم قضاء. وكذلك قال ابن زيد. # { ونجني ومن معي } أي: نجني من ذلك العذاب، أي يأتي به حكمك: ~~{ ومن معي من المؤمنين } ، { ونجني ومن معي من ~~المؤمنين } يعني: { في الفلك المشحون } ، والفلك جمع ~~واحده فلك، كأسد وأسد. # وقيل: هو واحد وجمع، بلفظ واحد. # قال ابن عباس: كانوا ثمانين رجلا، فلم يتناسل منهم أحد إلا لولد نوح، ~~عليه السلام. # وهو قوله تعالى: # وجعلنا ذريته هم الباقين # [الصافات: 77] فجميع العالم بعد نوح ليس بنسب إلا لنوح. # ثم قال: { إن في ذلك لآية } ، أي: لعلامة وحجة على قدرة الله، ~~وتوحيده، وذلك إشارة إلى ما تقدم من ذكر ما فعل بنوح، ومن آمن معه، وما ~~فعل بالكفار من الغرق. والكاف خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. # { وما كان أكثرهم ms1814 مؤمنين } ، يعني / قوم نوح. # { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } ، أي: في انتقامه ممن ~~عطاه. # { الرحيم } ، بالتائب منهم أن يعذبه بعد توبته. # ثم قال تعالى: { كذبت عاد المرسلين }. قد تقدم ذكر علة ~~الجمع في { المرسلين }. و " عاد " قبيلة وانصرف لخفته. # وقيل: هو اسم الأب لهم { إذ قال لهم أخوهم هود ألا ~~تتقون } ، أي: تتقون عقاب الله، ونقمته لكم على كفركم. # { إني لكم رسول أمين } ، أي: رسول من عند الله. أمين على ما ~~أرسلني به، فلا أبلغكم إلا ما أرسلت به، ولا أخفي عنكم منه شيئا. # { فاتقوا الله وأطيعون } ، أي: اتقوا عقاب الله، وأطيعوني ~~فيما آمركم به، وأنهاكم عنه. # { ومآ أسألكم عليه من أجر } ، أي: لا أسألكم على ~~تبليغي لكم رسالة الله جعلا ولا ثوابا. [ما] { أجري إلا على ~~رب العالمين } ، أي: ما ثوابي وجزائي على نصحي لكم وتبليغي إياكم ~~ما جئتكم به إلا على الله. # ثم قال تعالى: { أتبنون بكل ريع آية تعبثون } ، أي: ~~قال لهم هود موبخا لهم: أتبنون بكل مكان مشرف من الأرض بنيانا ~~علما. # قال ابن عباس: بكل ريع: بكل شرف. وعنه: بكل طريق. وقال مجاهد: بكل فج، ~~وعنه: الريع: الشية الصغيرة. # وعنه: الفج ما بين الجبلين. # وقال عكرمة: بكل فج وواد # وقال الضحاك: بكل طريق. # وقوله: { آية تعبثون } ، قال مجاهد هي بروج الحمامات، والريع ~~والريع: لغتان. # وقيل الريع: جمع ريعة. ومعنى { تعبثون } تلعبون. # ثم قال تعالى: { وتتخذون مصانع } ، قال مجاهد: هي قصور ~~مشيدة. # وقال قتادة وسفيان: هي مصانع الماء. والمصانع جمع مصنعة، وكل بناء تسميه ~~العرب مصنعة. # وقوله: { لعلكم تخلدون } ، قيل: لعل هنا، استفهام بمعنى ~~التوبيخ والمعنى: أتخلدون ببنياكم لها. # وقيل: هي بمعنى: كما تخلدون أي: كيما تخلدون. # وقيل: هي بمعنى: لأن تخلدوا. قاله الزجاج. # ثم قال: { وإذا بطشتم بطشتم جبارين } ، أي: إذا ~~غضبتم، وسطوتم، سطوتم، قتلا بالسيف وضربا بالسياط. وهذا إنما يكره في ~~الظلم، وهو جائز في الحق. # { فاتقوا الله وأطيعون } ، أي: اتقوا عقاب الله، وأطيعون ~~فيما آمركم به، واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون، يعني بالبنين ms1815 والأموال، ~~والبساتين، والعيون، والأنهار. # { إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } ، يوم القيامة. # { قالوا سوآء علينآ أوعظت أم لم تكن من ~~الواعظين } أي: معتدل عندنا وعظك إيانا، وتركك الوعظ. # { إن هذا إلا خلق الأولين } ، أي: دين الأولين. قاله ~~ابن عباس. # وقال قتادة: معناه خلقة الأولين أي: هكذا كانت خلقتهم يموتون ويحيون، ~~فنحن نعيش كما عاشوا، ونموت كما ماتوا. # وقال الفراء، معناه: عادة الأولين. ومن أسكن اللام فمعناه: تخرص الأولين ~~وكذبهم أن ثم بعثا، وحسابا، وعقابا. # { وما نحن بمعذبين }. ### || [26.139-171] # قوله تعالى ذكره: { فكذبوه فأهلكناهم } ، إلى قوله: { ~~إلا عجوزا في الغابرين }. # فمعنى قوله { فكذبوه فأهلكناهم } ، أي: فكذبوا هودا فيما ~~جاءهم به، فأهلكوا بتكذيبهم. # { إن في ذلك لآية } أي لعبرة: أي: إن في إهلاكنا عادا ~~بتكذيبهم رسلنا لعظة. # { وما كان أكثرهم مؤمنين } ، أي: أكثر عاد لم يكونوا ~~مؤمنين. { وإن ربك لهو العزيز } في انتقامه { الرحيم ~~} بمن تاب وآمن. # ثم قال تعالى: { كذبت ثمود المرسلين } ، ثمود: اسم ~~للقبيلة عند من لم يصرفه، ومن صرفه جعله اسما للأب، وتفسير قوله: { إذ ~~قال لهم أخوهم صالح } ، إلى قوله { رب العالمين } ، ~~قد تقدم نظيره، وهو مثل ذلك. # ثم قال تعالى: { أتتركون في ما هاهنآ آمنين } ، أي: ~~أيترككم ربكم في هذه الدنيا: آمنين لا تخافون شيئا. { في جنات ~~وعيون } ، أي: بساتين تجري فيها العيون. # ثم قال: { ونخل طلعها هضيم } ، قال ابن عباس: هضيم: أي أينع ~~وبلغ فهو هضيم. قال عكرمة: هو الرطب اللين. # قال الضحاك: إذا كثر حمل الثمرة: فتركب بعضه على بعض فهو حينئذ هضيم. # وقال الزهري: هو الرحض اللطيف، أول ما يطلع وهو الطلع النضيد، لأن بعضه ~~فوق بعض. وأصل الهضيم في اللغة انضمام الشيء، وتكسره، للينه، ورطوبته. ~~ومنه: قولهم: هضم فلان فلانا حقه: إذا انتقصه وأبخسه، وهضيم مفعول صرف ~~إلى فعيل. # وقيل: هضيم منه ما قد أرطب ومنه / ما هو مذنب. # وقيل: هضيم أي: هاضم مرئ، فيكون على هذا فعيل، بمعنى: فاعل. # ثم قال تعالى: { وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين } ، ~~أي: تنقبون في الجبال بيوتا ms1816 أشرين بطرين. وقال قتادة: معجبين، وعنه عن ~~الحسن: آمنين. # وقال الضحاك: كيسين. # وقال مجاهد: شرهين # وقال أبو صالح: حاذقين. وكذلك روي أيضا عن الضحاك. وكذلك، قال معاوية ~~بن قرة، ومنصور بن المعتمر. وقد روي ذلك عن ابن عباس أيضا. # وقال ابن زيد: فرهين: أقوياء. # وقال أبو عبيدة: مرحين. ومن قرأ: فارهين: بألف، فقيل: الهاء بدل من حاء. # وقيل: هما لغتان. يقال فره: يفره فهو: فاره، وفره، يفره فهو ~~فره وفاره: إذا كان نشيطا. # { فاتقوا الله وأطيعون } ، قد مضى تفسيره. # ثم قال: { ولا تطيعوا أمر المسرفين } ، أي: المسرفين ~~على أنفسهم، في تماديهم على معصية الله جل وعز. يعني الرهط التسعة ~~بينهم. # فقال: { الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون } ، أي: ~~يسعون في أرض الله بمعاصيه، ولا يصلحون أنفسهم بالعمل الصالح. # { قالوا إنمآ أنت من المسحرين } ، قال مجاهد وقتادة: ~~من المسحرين: من المسحورين. # وقال ابن عباس: من المخلوقين. أي: ممن له سحر، والسحر والسحر: ~~الرئة. # وقيل: السحر: الصدر الذي يجري فيه الطعام إلى المعدة. # وقيل: معناه من المعللين بالطعام والشراب. # { مآ أنت إلا بشر مثلنا } ، أي: أنت من بني آدم: تأكل كما ~~نأكل. # تقول ذلك ثمود لصالح. # { فأت بآية إن كنت من الصادقين } ، أي: فأتنا بدلالة ~~وحجة تدل على أنك محق فيما تقول، فأتاهم بالناقة تدل على صدقه، وقال لهم: ~~{ لها شرب ولكم شرب يوم معلوم }. # روي أنه أخرجها لهم من صخرة. وقال لهم: لها يوم تشرب فيه فلا تعترضوا في ~~شربها، ولكم أنتم شرب يوم آخر، لا تشارككم هي فيه. # وروي: أنهم سألوا صالحا عليه السلام: فقالوا له: إن كنت صادقا فادع ~~الله يخرج لنا ناقة من هذا الجبل. حمراء عشراء فتضع بكرا، ونحن ننظر، ~~ثم ترد الماء فتشربه، وتغدو علينا بمثله لبنا، فجاءهم الله عز وجل ~~بها، وجعل لها شربا في يوم، ولهم شرب في يوم. فكانت يوم ترد الماء لا ~~يردونه هم، ولكنهم تسقيهم مثل ما شربت لبنا، ويوم لا ترد هي يردونه هم ~~فيشربون ويدخرون، فحذرهم صالح عقرها فعقروها ms1817 فأهلكوا. # وروي: أنهم لما سألوه آية قال لهم: أي: آية تريدون؟ فقالوا: أخرج لنا من ~~هذا الجبل الذي تنزل بسفحه: ناقة عشراء حتى نؤمن أنك رسول الله، فأمرهم ~~أن يجتمعوا: ليخرج الله لهم الناقة من الجبل، على ما سألوه، فاجتمعوا ~~ودعا صالح بإذن الله له فتحرك الجبل وانصدع، فخرجت منه ناقة، عظيمة الخلق ~~وهي عشراء حاملة من غير فحل، فولدت فصيلا بعد ذلك، فجعل الله لهم فيها ~~آيات من ذلك خروجها من جبل، وعظم خلقها، وحملها من غير فحل، فلم يؤمنوا ~~مع ما رأوا من الآيات، وأقاموا على كفرهم، ثم نهاهم عن عقرها، فخالفوه ~~فعقروها، فأهلكهم الله أجمعين. والشرب: الحظ والنصيب من الماء. ~~والشرب، والشرب، والشرب مصادر كلها بلغات، والمضموم أشبهها ~~بالمصادر، لأن المفتوح والمكسور يشتركان في شيء آخر. فيكون الشرب: الحظ ~~من الماء، ويكون الشرب جمع شارب، كتاجر وتجر، واختار: أبو عمرو والكسائي ~~الفتح في مصدر شرب. # ثم قال تعالى: { ولا تمسوها بسوء } ، أي: بعقر، وضرب وشبهه. # { فيأخذكم عذاب يوم عظيم } ، أي: يحل عليكم عذاب يوم ~~القيامة. # ثم قال: { فعقروها فأصبحوا نادمين } ، أي: فخالفوا أمر ~~صالح، فعقروا الناقة، فأصبحوا نادمين على عقرهم لها، لما أيقنوا بالعذاب، ~~فأخذهم العذاب الذي كان صالح يوعدهم به فهلكوا. # وقيل: إنهم لما ندموا على عقرها. ولم يتوبوا من كفرهم، طلبوا صالحا ~~ليقتلوه، فتنحى من بين أيديهم، هو ومن آمن معه، فأخذهم العذاب. # ثم قال: { إن في ذلك لآية } ، إلى قوله { الرحيم } ، وقد ~~تقدم تفسيره. # ثم قال تعالى: { كذبت قوم لوط المرسلين } ، / إلى قوله ~~{ رب العالمين } ، قد تقدم تفسيره. # ثم قال: { أتأتون الذكران من العالمين } ، أي: أتنكحون ~~الذكور الذين حرم الله عليكم نكاحهم، وتدعون النساء اللواتي أحل الله ~~لكم نكاحهن. وعن زيد بن أسلم، أن المعنى: أتاتون أدبار الرجال وتدعون ~~النساء. # ثم قال: { بل أنتم قوم عادون } أي: تتجاوزون، ما أباحه الله ~~لكم إلى ما حرم عليكم. # وأكثر أهل التفسير: على أن الإشارة في النساء هنا إنما هي الفروج. # وقيل: عادون: معتدون. # ثم قال: { قالوا ms1818 لئن لم تنته يلوط لتكونن من ~~المخرجين } ، أي: لئن لم تنته عما تقول لنا وتنهانا عنه، لنخرجنك ~~من بين أظهرنا، ومن بلدنا. قال لهم لوط: { إني لعملكم } ، يعني ~~من إتيان الذكور { من القالين } ، أي: من المبغضين المنكرين. ثم ~~قال مستغيثا لما تواعدوه بالإخراج: { رب نجني وأهلي مما ~~يعملون } ، أي: من عقوبتك إياهم على ما يعملون. فاستجاب الله له ~~دعاءه. فنجاه. { وأهله أجمعين }. # { إلا عجوزا في الغابرين } ، أي: في الباقين: أي: فيمن بقي ~~من العذاب، يعني امرأته، لأنها كانت تدل قومها على أضياف لوط عليه ~~السلام. # وقيل: إنما قيل: { في الغابرين } ، بمعنى أنها بقيت حتى كبرت ~~وهرمت. # وقيل: إنما كانت ممن بقي بعد قومها، ولم تهلك معهم في قريتهم، وإنما ~~أصابها الحجر بعدما خرجت من قريتهم مع لوط فكانت من الباقين بعد قومها، ~~ثم أهلكها الله بما أهلك به بقايا قوم لوط من الحجارة. # وقال قتادة: قيل من الغابرين: لأنها غبرت في عذاب الله أي: بقيت فيه. # وأبو عبيد: يذهب إلى أن المعنى: من الباقين في الهرم. أي: بقيت حتى ~~هرمت. ### || [26.172-199] # قوله تعالى ذكره: { ثم دمرنا الآخرين } ، إلى قوله { ما ~~كانوا به مؤمنين } ، # أي: ثم أهلكنا الآخرين: يعني من بقي من قوم لوط. # { وأمطرنا عليهم مطرا } ، يعني من كان غائبا من قوم لوط ~~أرسل عليه حجارة، فأما من كان في المدينة فإنه قلبت عليه عاليها سافلها، ~~وأرسلت الحجارة على من لم يكن في المدينة، فتلقطتهم في الآفاق فأهلكتهم. # وقوله: { إن في ذلك لآية } ، إلى قوله { الرحيم } قد مضى ~~تفسيره. # قوله: { كذب أصحاب لئيكة المرسلين }. # قال أبو عبيد: ليكة اسم قرية. والأيكة اسم البلد كله. وترك الصرف على ~~قراءة نافع ومن تبعه يدل على ما قاله قتادة: أرسل شعيب إلى قوم أهل مدين ~~وإلى أصحاب الأيكة. # والأيكة غيضة من شجر ملتف. وكان عامة شجرهم الدوم وهو شجر المقل وكان ~~شعيب من ولد أبي أهل مدين ولذلك قال: { وإلى مدين أخاهم ~~شعيبا } ، ولم يكن من ولد أبي أصحاب الأيكة. ولذلك قال { إذ ms1819 قال ~~لهم شعيب } ، ولم يقل أخوهم شعيب، كما قال في من تقدم ذكره من ~~الأنبياء: أخوهم نوح، أخوهم هود، أخوهم صالح. لأن هؤلاء كانوا من ولد أبي ~~القوم، وشعيب هو ابن ثوبة من ولد مدين بن إبراهيم. وأصحاب ليكة من صنام ~~من العرب، وأصحاب مدين من ولد مدين بن إبراهيم. # قال الضحاك: خرج أصحاب ليكة. يعني حين أصابهم الحر، فانضموا إلى الغيضة ~~والشجر، فأرسل الله عليهم سحابة، فاستظلوا بها، فلما تتاموا تحتها ~~أحرقوا. # وقوله تعالى: { إذ قال لهم شعيب ألا تتقون } ، أي: ~~تتقون عقاب الله على معصيتكم إياه. # { إني لكم رسول أمين } أي: أمين على ما جئتكم به. # قوله: { فاتقوا الله وأطيعون } ، إلى { رب ~~العالمين } ، قد تقدم تفسيره. # ثم قال تعالى: { أوفوا الكيل ولا تكونوا من ~~المخسرين } ، أي: أوفوا الناس حقوقهم من الكيل، ولا تكونوا ممن ~~ينقصهم حقوقهم. # { وزنوا بالقسطاس المستقيم } ، أي: بالميزان المقوم ~~الذي لا بخس فيه على من وزنتهم لهم به. # { ولا تبخسوا الناس أشيآءهم } أي: لا تنقصوا الناس ~~حقوقهم في الكيل والوزن. # قال ابن عباس ومجاهد: القسطاس: العدل. # ثم قال تعالى: { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } ، أي: لا ~~تكثروا في الأرض الفساد. # { واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين } أي: ~~وخلق الخلق الأولين. وفي الجبلة لغات: جبلة، وجبله، وجبلة ومن هذا ~~قولهم: جبل فلان على كذا: أي: خلق عليه. وقد تقدم تفسير. # { إنمآ أنت من المسحرين } ، إلى الكاذبين. # ثم قال / عز وجل: { فأسقط علينا كسفا من السمآء } ، ~~أي: يقول قوم شعيب له: أسقط علينا جانبا من السماء. ومن قرأ: بفتح السين ~~جعله جمع: كسفة، كسدرة وسدر، وكسرة وكسر. ويجوز أن يكون من أسكن، جعله ~~أيضا جمع كسفة: كثمرة وتمر، فيكون المعنى: فأسقط علينا قطعا من السماء، ~~إن كنت صادقا فيما جئتنا به. # ثم قال: { قال ربي أعلم بما تعملون } ، أي: قال شعيب ~~لقومه: ربي أعلم بما تعملون من عملكم لا يخفى عليه شيء من أعمالكم. # ثم قال تعالى: { فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة } ~~، يعني بالظلة السحابة التي ظللتهم فلما ms1820 تتاموا تحتها التهبت عليهم ~~نارا. # قال ابن عباس: بعث الله عليهم رمدة وحرا شديدا فأخذ بأنفاسهم، فدخلوا ~~البيوت، فأخذ بأنفاسهم، فخرجوا من البيوت هربا إلى البرية، فبعث الله ~~جل وعز عليهم سحابة، فأظلتهم من الشمس فوجدوا لها بردا. فنادى بعضهم ~~بعضا، حتى إذا اجتمعوا تحتها أرسل الله عليهم نارا. ومثل هذا المعنى ~~قال قتادة. وروي: أن الله جل ذكره بعث عليهم سموما فخرجوا إلى الأيكة ~~وهي شجر الدوم، يستظلون تحتها من الحر. فأضرمها الله عليهم نارا ~~فاحترقوا أجمعين. # وقيل: إن الله بعث عليهم حرا شديدا أو بعث العذاب في ظلة، فخرج رجل ~~فوجد بردا تحت الظلة فأنذرهم، فخرجوا بأجمعهم ليجدوا برد الظلة، فأهلكهم ~~الله بها. # ثم قال: { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم } ، إلى ~~قوله { الرحيم } قد تقدم تفسير ذلك. # ثم قال: { وإنه لتنزيل رب العالمين } ، يعني وإن ~~الذكر، قالها: تعود على الذكر من قوله: { من ذكر من ~~الرحمن محدث } وقال قتادة: تعود على القرآن. والمعنى واحد، ~~أي: إن القرآن لتنزيل الله على جبريل. نزل به جبريل عليه السلام. { ~~على قلبك } ، أي: تلاه عليك يا محمد. { لتكون من ~~المنذرين } ، أي: من رسل الله الذين ينذرون الأمم { بلسان ~~عربي مبين } ، أي: تنذر به قومك بلسانهم العربي الظاهر لهم، ~~لئلا يقولوا: إنه نزل بغير لساننا، فلا نفهمه، وهذا تقريع من الله، ~~وإظهار الحجة عليهم، إذ أعرضوا عنه بغير عذر يعتذرون به. # ثم قال: { وإنه لفي زبر الأولين } ، أي: وإن هذا القرآن ~~لفي كتب الأولين. فهذا لفظ عام ومعناه الخصوص، معناه: وإن هذا القرآن لفي ~~بعض كتب الأولين، أي ذكره، وخبره في بعض ما أنزل على الأنبياء من الكتب. # وقد قيل: معناه: وإن الانذار بمن أهلك لفي كتب الأولين. # ثم قال تعالى: { أو لم يكن لهم آية أن يعلمه ~~علماء بني إسرائيل } ، أي: أولم يكن لقريش علامة على صدقك، ~~وحجة على أن القرآن من عند الله، وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، أن علماء بني إسرائيل الذين أسلموا: يجدون ذكر ms1821 محمد مكتوبا عندهم ~~في التوراة والإنجيل. قال ابن عباس: كان ابن سلام من علماء بني إسرائيل، ~~وكان من خيارهم، فآمن بالقرآن فقال لهم الله: { أو لم يكن لهم ~~آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل }. # قال ابن عباس: الأنبياء كلهم من بني إسرائيل إلا أحد عشر: إدريس، ونوح، ~~وصالح، وهود، وشعيب، وإبراهيم، ولوط، وإسماعيل وإسحاق، ويعقوب ومحمد صلى ~~الله عليه وسلم وعليهم أجمعين. # ثم قال تعالى: { ولو نزلناه على بعض الأعجمين } ، ~~أي: ولو نزلنا هذا القرآن على بعض البهائم التي لا تنطق، فنطقت به ما ~~آمنوا، ولقالوا: لولا فصلت آياته حتى نفهمه، والأعجمون جمع أعجم، وهو ~~الذي لا يفصح، وإن كان غير أعجمي في أصله والعجمي هو الذي أصله من العجم، ~~وإن كان فصيح اللسان. ### || [26.200-223] # قوله تعالى ذكره: { كذلك سلكناه في قلوب المجرمين } ~~إلى قوله: { وأكثرهم كاذبون } أي: كما ختم على قلوب هؤلاء ~~أنهم لا يؤمنون بهذا القرآن، ولو نزلناه على بعض الأعجمين، فقرأه عليهم، ~~كذلك سلكه التكذيب / والكفر في قلوب المجرمين، ومعنى: سلكناه: أدخلناه. ~~والهاء في سلكناه، تعود على قوله { ما كانوا به مؤمنين } ، ~~التقدير: كذلك أدخلنا ترك الإيمان في قلوب المجرمين. # قال ابن جريج: سلكناه: يعني الكفر. # وقال ابن زيد: الشرك، فليس يؤمنون حتى يعاينوا العذاب. وكذلك قال الحسن. # ثم قال: { فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون } ، أي: يأتهم ~~العذاب فجأة وهم لا يعلمون بمجيئه. فيقولوا حين يأتهم فجأة: { هل ~~نحن منظرون } ، أي: يؤخر عن هذا العذاب وينسأ في آجالنا لتتوب من ~~شركنا. # ثم قال تعالى: { أفبعذابنا يستعجلون } ، أي: يستعجل هؤلاء ~~المشركون بالعذاب لقولهم لن نؤمن لك حتى تسقط السماء، كما زعمت، علينا ~~كسفا. # ثم قال: { أفرأيت إن متعناهم سنين * ثم جآءهم ~~ما كانوا يوعدون } ، أي أرأيت يا محمد، إن أخرنا في آجالهم سنين ~~ثم جاءهم العذاب الذي كانوا يوعدون. # { مآ أغنى عنهم ما كانوا يمتعون } ، " ما " الأول ~~في موضع نصب بأغنى. و " ما " الثانية: الفاعلة ويجوز أن تكون ما الأولى ~~نافية، والثانية فاعلة، وتقدر حذفها من آخر الكلام. ms1822 والتقدير: لم يغن ~~عنهم الزمان الذي كانوا يمتعونه. # وقال عكرمة: عنى بالسنين: عمر الدنيا. # ثم قال: { ومآ أهلكنا من قرية إلا لها منذرون } ~~أي: وما أهلكنا من قرية من القرى التي تقدم ذكرها، ومن غيرها إلا لها ~~منذرون، ينذرونهم عذاب الله، ويكذرونهم نعمه، " ذكرى " في موضع نصب على ~~المصدر، لأن منذرون بمعنى: مذكرون. فتقف على هذا على " ذكرى " وكذلك إن ~~نصبت " ذكرى " بإضمار فعل: أي جعلنا ذلك ذكرى لهم. # وقيل: " ذكرى " في موضع رفع على إضمار المبتدأ تقديره: تلك ذكرى، وذلك ~~ذكرى، وإنذارنا ذكرى. # { وما كنا ظالمين } ، أي: ما كنا نظلم قرية، فنهلكها من غير ~~إنذار وتذكرة. فتقف على هذا على " منذرون " ثم تبتدئ " ذكرى " أي: هذا ~~القرآن ذكرى للمتذكرين، ودل على هذا الإضمار قوله: { وما تنزلت ~~به الشياطين } الآية، أي: القرآن ذكرى للمتذكرين، لم تنزل به ~~الشياطين { وما ينبغي لهم وما يستطيعون }. # ثم قال تعالى: { وما تنزلت به الشياطين } ، أي: ما تنزلت ~~الشياطين بهذا القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم، ولكن نزل به عليه ~~الروح الأمين وهو جبريل صلى الله عليه وسلم. وقرأ الحسن: الشياطون بالواو ~~وهو غلط لأنه جمع مكسر إعرابه في آخره. # ثم قال تعالى: { وما ينبغي لهم وما يستطيعون } ، أي: ~~وما يتأتى للشياطين أن ينزلوا بالقرآن، ولا يصلح لهم ذلك ولا يستطيعون أن ~~ينزلوا به، لأنهم لا يصلون إلى استماعه في المكان الذي هو به من السماء. # { إنهم عن السمع لمعزولون } ، أي: إن الشياطين عن سمع ~~القرآن في المكان الذي هو به لمعزولون، فكيف يستطيعون ان ينزلوا به، ~~والسمع مصدر في موضع الاستماع. # ثم قال: { فلا تدع مع الله إلها آخر } ، أي: قل يا ~~محمد: لمن كفر لا تدع مع الله إلها آخر. # { فتكون من المعذبين } ، وقيل: هو خطاب للنبي صلى الله ~~عليه وسلم، والمراد به جميع الخلق. ومعناه إنه خوطب بذلك ليعلمه الله ~~حكمه فيمن عبد غيره كائنا ما كان، ودليل هذا قوله: { وأنذر ~~عشيرتك الأقربين } ، فهذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم بلا ms1823 ~~اختلاف، والمعنى: أنذرهم لئلا يتكلوا على نسبهم، وقرابتهم منك فيدعوا ما ~~يجب عليهم. ولما نزلت هذه الآية بدأ النبي صلى الله عليه وسلم ببني جده، ~~وولده فحذرهم. وقالت عائشة رضي الله عنها: # " لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا صفية بنت ~~عبد المطلب، يا فاطمة بنت رسول الله، يا بني عبد المطلب: إني لا أملك لكم ~~من الله شيئا، سلوني من مالي ما شئتم ". # وقال ابن عباس: # " لما نزلت هذه الآية: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصفا ثم ~~نادى: يا صباحاه، فاجتمع الناس إليه فبين رجل يجيء وبين آخر يبعث رسوله، ~~فقال: يا بني هاشم، يا بني عبد المطلب، يا بني فهر، يا بني يا بني / ~~أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل تريد تغير عليكم صدقتموني؟ ~~قالوا: نعم، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب: تبا ~~لكم سائر اليوم، ما دعوتموني إلا لهذا؟.. فنزلت { تبت يدآ أبي ~~لهب } " # السورة. # ثم قال تعالى: { واخفض جناحك لمن اتبعك } ، أي: ألن لهم ~~جانبك. # { فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون } ، أي ~~إن عصاك عشيرتك في إنذارك لهم وأبوا إلا الإقامة على كفرهم أي: من عملكم، ~~وعبادتكم الأصنام. # ثم قال: { وتوكل على العزيز } ، أي العزيز في نقمته من ~~أعدائه، { الرحيم } لمن تاب من كفره. # ثم قال: { الذي يراك حين تقوم } ، أي: تقوم إلى صلاتك. # قال مجاهد: حين تقوم أينما كنت. # ثم قال: { وتقلبك في الساجدين } ، أي: ونرى تقلبك في صلاتك ~~حين تركع وتسجد، وتقوم وتقعد. قاله ابن عباس وعكرمة، وعن ابن عباس معناه: ~~وتقلبك في الطهور من طهر إلى طهر. # { إنه هو السميع العليم } ، أي: السميع دعاءك، وتلاوتك، ~~العليم بما تعمل أنت وغيرك. # ثم قال: { هل أنبئكم على من تنزل الشياطين } ، ~~أي: على من تنزل الشياطين من الناس. # { تنزل على كل أفاك أثيم } ، أي: كذاب أثيم، أي: آثم. # قال قتادة: هم الكهنة تسرق الجن السمع، ثم يأتون به إلى أوليائهم ms1824 من ~~الإنس. # ثم قال: { يلقون السمع وأكثرهم كاذبون } ، أي: يلق ~~الشياطين ما استمعت إلى الكهنة. قاله مجاهد. وأكثر الكهنة كاذبون. وقيل: ~~المعنى يلق الكهنة السمع أي: يسمعونه ويعقلونه { وأكثرهم ~~كاذبون } ،. يعني الكهنة أيضا. # قالت عائشة: كانت الشياطين تسترق السمع فتجيء بكلمة حق فتقذفها في أذن ~~وليها. قالت: وتزيد فيها أكثر من مائة كذبة. ### || [26.224-227] # قوله تعالى ذكره: { والشعرآء يتبعهم الغاوون } ، إلى ~~آخر السورة. # أي: الشعراء يتبعهم أهل الغي، لا أهل الرشد. # قال ابن عباس: الغاوون: رواه الشعر. وقال مجاهد، وقتادة هم الشياطين. ~~وقال عكرمة، هم عصاة الجن. وقيل: هم السفهاء. وعن ابن عباس: أنها نزلت في ~~رجلين: أحدهما من الأنصار، والآخر من غيرهم، تهاجيا على عهد النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وكان مع كل واحد منهما غواة من قومه. أي: سفهاء. وكذلك ~~قال الضحاك. وقيل: الغاوون: ضلال الجن والإنس. وقال ابن زيد: الغاوون: ~~المشركون، والشعراء هنا: شعراء، لأن الغاوون لا يتبع إلا غاويا مثله. ~~قال الطبري: هم شعراء المشركين، يتبعهم غواة الناس، ومردة الشياطين، ~~وعصاة الجن. # ثم قال تعالى: { ألم تر أنهم في كل واد يهيمون }. # هذا مثل ومعناه: أنهم في كل فن من القول الباطل يذهبون، يمدحون هذا بما ~~ليس فيه، ويذمون هذا بما ليس فيه، فهم يذهبون، كالهائم على وجهه، قال ابن ~~عباس: معناه في كل لغو يخوضون. # ثم قال: { وأنهم يقولون ما لا يفعلون } ، أي: يكذبون، ~~ثم قال: { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } ،. ~~فهذا الاستثناء يدل على أن الأول في المشركين نزل والسورة مكية إلا هذه ~~الآيات نزلت بالمدينة في: حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبد الله بن ~~رواحة. وهم شعراء رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم هي لكل من كان مثلهم. ~~هذا قول ابن عباس، وأدخل الضحاك هذه الآيات في الناسخ والمنسوخ. فقال: { ~~إلا الذين آمنوا } ، نسخت ما قبلها. والصحيح أنه استثناء، ~~والاستثناء عند سيبويه بمنزلة التوكيد لأنه يبين به كما يبين بالتوكيد. # قال قتادة: قوله: { إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات } الآية، نزلت في ms1825 حسان، وكعب بن مالك، وعبد الله الأنصاري ~~الذين هاجوا عن النبي صلى الله عليه وسلم. # ثم قال تعالى: { وذكروا الله كثيرا } ، أي: ذكروه في حال ~~كلامهم، ومحاورتهم ومخاطبتهم الناس / قاله ابن عباس. وقال ابن زيد: ~~وذكروا الله كثيرا في شعرهم. وقيل المعنى: لم يشغلهم الشعر عن ذكر الله. ~~إنما ناضلوا من كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أحق الناس ~~بالهجاء { وانتصروا من بعد ما ظلموا } ، أي: هجوا من ~~هجاهم، من شعراء المشركين، وجاوبوهم عن هجائهم. # قال ابن عباس: يردون على الكفار الذين هجوا المسلمين. # قال سالم مولى تميم الداري: لما نزلت: { والشعرآء يتبعهم ~~الغاوون } الثلاث الآيات: جاء حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، ~~وكعب بن مالك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، يبكون فقالوا: قد علم الله ~~حين أنزل هذه الآيات أنا شعراء، فتلا النبي صلى الله عليه وسلم: { إلا ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات } ، إلى { ظلموا }. # وقال: أنتم. ثم قال تعالى: { وسيعلم الذين ظلموا أي ~~منقلب ينقلبون } ، يعنى مشركي مكة، الذين ظلموا أنفسهم بشركهم ~~بالله، سيعلمون أي: مرجع يرجعون، وأي: معاد يعودون بعد مماتهم، وأي منصوب ~~ينقلبون على المصدر، وليس بمفعول به، لأن " ينفعل " لا يتعدى: نحو: ~~ينطلق، فإنما نصبه على أنه نعت لمصدر محذوف عمل ما فيه { ينقلبون } ~~، ولا ينتصب " سيعلم " لأن " سيعلم " خبر، أو " أي " استفهام ولا يعمل ما ~~قبل الاستفهام فيه. ### | [27 - سورة النمل] ### || [27.1-7] # قوله تعالى ذكره: { طس تلك آيات القرآن } ، إلى قوله: { ~~لعلكم تصطلون }. # قال ابن عباس: طس: قسم، وهو من أسماء الله فيكون معناه على هذا التأويل: ~~واللطيف السميع: إن هذه الآيات التي أنزلها الله على محمد صلى الله عليه ~~وسلم لآيات القرآن، وآيات كتاب مبين، أي يتبين لمن تدبره، وتفكر فيه، ~~يفهم أنه من عند الله، لم تتخرصه أنت يا محمد، ولا أحد سواك، من خلق ~~الله، إذ لا يقدر أحد أن يأتي بمثله. # ثم قال تعالى: { هدى وبشرى للمؤمنين } أي هو هدى للمؤمنين ~~به يهديهم إلى سبيل الرشاد ومبشرا ms1826 لهم بالجنة والمغفرة. ثم نعت المؤمنين ~~فقال: { الذين يقيمون الصلاة } ، يعني المفروضة يقيمونها ~~بحدودها في أوقاتها. { ويؤتون الزكاة } ، يعني المفروضة ~~ويخرجونها في أوقاتها إلى مستحقها. { وهم بالآخرة هم يوقنون ~~} ، أي يصدقون بالبعث والحشر بعد الموت والجزاء. # ثم قال: { إن الذين لا يؤمنون بالآخرة } ، أي لا ~~يصدقون بالبعث بعد الموت { زينا لهم أعمالهم } ، أي ~~حببناها لهم يعني الأعمال السيئة. # وقال بعضهم: يعني الأعمال الحسنة: زينها لهم وبينها لهم، فخالفوا، وهذا ~~مذهب المعتزلة، والأول مذهب أهل السنة. وهو ظاهر التلاوة والنص. { فهم ~~يعمهون } ، أي يترددون في ضلالهم، ويتحيرون، ويحسبون أنهم يحسنون ~~صنعا، ثم وصف هذا الجنس أيضا فقال: { أولئك الذين لهم ~~سوء العذاب } يعني في الدنيا، عني به الذين قتلوا يوم بدر من ~~مشركي قريش. # { وهم في الآخرة هم الأخسرون } ، أي أخسر الناس لأنهم ~~اشتروا الضلالة بالهدى، وفي الآخرة تبيين، وليس يتعلق في الأخسرين، ويجوز ~~أن يكون في الكلام حذف، والتقدير: وهم الأخسرون: في الآخرة هم الأخسرون. # ثم قال تعالى: { وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم ~~عليم } ، أي وإنك يا محمد، لتحفظ القرآن وتتعلمه من عند رب حكيم ~~بتدبير خلقه، عليم بمصالحهم، والكائن من أمورهم، والماضي من ذلك. # ثم قال تعالى: { إذ قال موسى لأهله إني آنست نارا } ~~، العامل في: { إذ } اذكر. # وقيل: العامل في { إذ } عليم، والتقدير: عليم، حين قال موسى لأهله: { ~~إني آنست نارا } ، وذلك حين خرج موسى صلى الله عليه وسلم من ~~مدين إلى مصر، وقد آذاهم برد ليلهم، وضاع زنده. { إني آنست نارا ~~} ، / أي أبصرت وأحسست. { سآتيكم منها بخبر أو آتيكم ~~بشهاب قبس } ، في الكلام حذف، والتقدير: إني آنست نارا، فامكثوا ~~سآتيكم من النار بخبر، أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون بها من البرد. # قال ابن عباس: كانوا شاتين، قد أخطأوا الطريق. وأصل الطاء: ثاء، لأنه من ~~صلى النار فهو يفتعلون، فأبدل من التاء طاء لتكون في الإطباق كالصاد، ~~وأصله: يصتليوون، ثم أعل على الأصول، وأبدلت التاء طاء، كما قالوا: ~~مصطفى، وأصله: مصتفى: لأنه مفتعل من الصفوة. ### || [27.8-11] ms1827 # قوله تعالى ذكره: { فلما جآءها نودي أن بورك من في ~~النار } ، إلى قوله: { فإني غفور رحيم } ، # معناه: فلما جاء موسى النار نودي أن بورك: أي بأنه بورك، ويجوز أن يكون ~~(أن) في موضع رفع بنودي ولا يقدر جارا، ومعنى بورك: قدس أي طهر من في ~~النار، قاله ابن عباس. # وعن ابن عباس أنه قال: كان نور رب العالمين في الشجرة. # وقال ابن جبير: ناداه وهو في النور. # وقال الحسن: هو النور. # وقال قتادة: نور الله بورك. # وقيل: من في النار: الملائكة، الموكلون بها، ومن حولها الملائكة أيضا ~~يقولون: سبحان الله رب العالمين. # وعن مجاهد معناه: بوركت النار. حكاه عن ابن عباس. # قال محمد بن كعب: النار: نور الرحمن، والنور هو الله سبحان الله رب ~~العالمين. # وقال ابن جبير: النار: حجاب من الحجب وهي التي نودي منها وذكر الحجب: ~~فقال: حجاب العزة، وحجاب الملك، وحجاب السلطان، وحجاب النار، وحجاب ~~النور، وحجاب الغمام، وحجاب الماء. # قال عبد الرحمن بن الحويرث: مكث موسى عليه السلام، أربعين ليلة لا يراه ~~أحد، إلا مات من نور رب العالمين. يعني إذ تجلى إلى الجبل. # قال الطبري: إنما قال: بورك من في النار، ولم يقل: بورك على من في ~~النار، على لغة الذين يقولون: باركك الله. والعرب تقول: باركك الله، ~~وبارك عليك، حكى ذلك الكسائي عن العرب. # وقوله: { ومن حولها } ، يعني من حول النار من الملائكة. قاله ~~الحسن وغيره. # وقال محمد بن كعب القرطبي: { ومن حولها } ، يعني موسى والملائكة. # ثم قال تعالى: { وسبحان الله رب العالمين } ، أي ~~تنزيها لله مما يصفه به الظالمون. # ثم قال تعالى: { يموسى إنه أنا الله العزيز الحكيم ~~} ، أي إن الآمر أنا الله، العزيز في انتقامه، الحكيم في تدبير أمر ~~خلقه. # ثم قال: { وألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها ~~جآن ولى مدبرا ولم يعقب } ، أخبر عن العصا ها هنا ~~أنها انقلبت كالجان، والجان: صغير الحيات، وأخبر عنها في موضع آخر أنها ~~انقلبت ثعبانا مبينا، والثعبان: كبير الحيات. ومعنى ذلك أن عصا موسى ~~انقلبت ms1828 له على ثلاث حالات، آيات من الله، انقلبت حية تسعى وهي الأنثى، ~~وجان وهو الصغير من الحيات، وثعبان مبين: وهو الذكر الكبير من الحيات. # وقيل: إنها انقلبت ثعبان تهتز كأنها جان ولها عظم الثعبان وخفة الجان ~~واهتزازه، وهي حية تسعى. والعرب تقول: هذه حية، وهذا حية. # وقيل: إن الله أقلب له العصا في أول مرة جانا، وهو الحية الصغيرة لئلا ~~يخاف ويجزع، فلما أنس بها وأخذها وأرسلها. أرسله إلى فرعون، فألقاها في ~~الحال الأخرى بين يدي فرعون فصارت ثعبانا مبينا، والله أعلم، وفي لفظ ~~الآية اختصار وحذف، والتقدير: فألق عصاك، فألقاها: فصارت حية تهتز، فلما ~~رآها تهتز كأنها جان أي حية، والجان جنس من الحيات معروف. # وقوله: { ولى مدبرا } ، أي هاربا خوفا منها، { ولم ~~يعقب } ، أي ولم يرجع. يقال: عقب فلان: إذا رجع على عقبيه إلى حيث ~~بدأ. # قال قتادة: ولم يعقب: لم يلتفت. # قال ابن زيد: لما ألقى موسى صلى الله عليه وسلم العصا صارت حية، فرعب ~~منها وجزع، فقال الله تعالى: { إني لا يخاف لدي ~~المرسلون } ، فلم يركن لذلك فقال الله: # أقبل ولا تخف إنك من الآمنين # [القصص: 31]، قال: فلم يقف أيضا على شيء من هذا حتى قال الله جل ذكره: # سنعيدها سيرتها الأولى # [طه: 21]، قال: فالتفت موسى، فإذا هي عصا كما كانت / فرجع فأخذها، ثم ~~قوي بعد ذلك عليها حتى صار يرسلها على فرعون ويأخذها. # وقوله جل ثناؤه: { لا يخاف لدي المرسلون } ، أي عندي. ثم ~~قال: { إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء } ، أي من ~~ظلم فعمل بغير ما أذن له في العمل به. # قال ابن جريج: لا يخاف الأنبياء إلا بذنب يصيبه أحدهم، فإن أصابه أخافه ~~الله حتى يأخذه منه. # وقال الحسن: في الآية إنما أخيف لقتله النفس، وقال الحسن أيضا: كانت ~~الأنبياء تذنب، فتعاقب ثم تذنب والله فتعاقب. # وقوله: { إلا من ظلم } ، استثناء منقطع عند البصريين، لأن حق ~~الاستثناء أن يكون ما بعده مخالفا لما قبله في المعنى. # وقوله: { إني لا يخاف لدي المرسلون ms1829 } ، يدل على أمنهم. ~~وقوله: { إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء ~~فإني غفور رحيم } ، يدل على أمن من ظلم، ثم فعل ذلك فقد حصل ~~المعنى فيهما واحد، فوجب أن يكون ليس من الأول و " إلا " بمعنى لكن، ~~والتقدير، لكن من ظلم من المرسلين وغيرهم ثم تاب فليس يخاف ومثله من كلام ~~العرب ما اشتكى إلا خيرا، فالخير لا يشتكى. # وقوله: ما اشتكى يدل على أنه قد حل به الخير. وقوله: إلا خيرا قد صار ~~مثل الأول في المعنى، فوجب أن يكون منقطعا، و " إلا " بمعنى لكن خيرا، ~~وكأنه قال: ما أذكر إلا خيرا. # وقال الفراء: الاستثناء من محذوف، والتقدير عنده: { إني لا يخاف ~~لدي المرسلون } ، إنما يخاف غيرهم، إلا من ظلم ثم تاب فإنه لا ~~يخاف، وأجاز الفراء أيضا أن تكون " إلا " بمعنى الواو، ومثله عنده # لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ~~ظلموا # [البقرة: 150] أي والذين، وقد رد عليه القولان، لأن الاستثناء من محذوف ~~لا يجوز، إذ لا يعلم ما هو، ولو جاز هذا، لجاز: إني لأضرب القوم إلا ~~زيدا. على معنى وأضرب غيرهم إلا زيدا. وهذا ضد البيان، ونقض الكلام، ~~ولا يجوز كون " إلا " بمعنى الواو. # لأنه تقلب المعاني، فيلزم إذا قلت له: عندي عشرة إلا أربعة أن تكون قد ~~أقررت بأربعة عشر وهذا محال. # وقوله: { ثم بدل حسنا بعد سوء } ، يريد التوبة. وقرأ: ~~مجاهد { ثم بدل حسنا } ، بالفتح على معنى عملا محسنا. { ~~فإني غفور } ، أي ساتر لذنوبه. { رحيم } ، به إن عاقبته. # وقوله: { ومن حولها } وقف إن جعلت { وسبحان الله } لم ~~ينادي به موسى، وإنما هو من قوله: لما خاف. فإن جعلت { وسبحان ~~الله } من النداء، كان الوقف " { رب العالمين } { وألق ~~عصاك } وقف { ولم يعقب } وقف و { لا تخف } وقف. { ~~المرسلون } وقف، إن جعلت { إلا من ظلم } منقطعا، فإن جعلته ~~مستثنى على معنى: إن المرسلين لا يخافون إلا أن يذنبوا فيخافون العقوبة، ~~كما قال الحسن وغيره. لم تقف إلا على { سوء } ، والتمام { رحيم }. ### || [27.12-18] # قوله تعالى ذكره: ms1830 { وأدخل يدك في جيبك } ، إلى قوله { ~~وهم لا يشعرون }. # قال مجاهد: كانت على موسى يومئذ مدرعة فأمره الله أن يدخل كفه في جيبه، ~~ولم يكن لها كم. # وقيل: أمره أن يدخل يده في قميصه، فيجعلها على صدره ثم يخرجها بيضاء ~~تشبه شعاع الشمس أو نور القمر. # قال ابن مسعود: إن موسى أتى فرعون حين أتاه في زرمانقة يعني جبة صوف. # وقوله: { تخرج بيضآء من غير سوء } ، أي تخرج اليد بيضاء ~~مخالفة للون موسى من غير برص. # وقيل: من غير مرض. وفي الكلام اختصار وحذف. والتقدير: واجعل يدك في ~~جيبك، وأخرجها تخرج بيضاء. # ثم قال: { في تسع آيات } ، أي من تسع آيات، و " في " بمعنى " من ~~". # وقيل: بمعنى " مع ". # وقيل: المعنى: هذه الآية داخلة في تسع آيات. والمعنى في تسع آيات مرسل ~~أنت بهن إلى فرعون، والتسع الآيات: العصا، واليد، والجدب، ونقص الثمرات، ~~والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم. وقد تقدم تفسيرها بالاختلاف ~~بأشبع من هذا. # وقوله: { إنهم كانوا قوما فاسقين } ، يعني فرعون وقومه ~~من القبط. ثم قال: { فلما جآءتهم آياتنا مبصرة قالوا ~~هذا سحر مبين } ، أي لما جاءت فرعون وقومه أدلتنا وحججنا، وهي ~~التسع الآيات مبصرة أي مبينة: أي يبصر بها من نظر إليها ورأى حقيقة ما ~~دلت عليه. # قال ابن جريج: مبصرة، مبينة. # قال فرعون وقومه { هذا سحر مبين } ، أي بين للناظرين فيه أنه ~~سحر. # / ثم قال: { وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم } ، أي ~~كذبوا بالآيات أن تكون من عند الله، وقد تيقنوا في أنفسهم أنها من عند ~~الله، فعاندوا بعد تبينهم الحق: قاله ابن عباس. # وقوله: { ظلما وعلوا } أي اعتداء وتكبرا. والعامل في ظلم ~~وعلو: جحدوا، وفي الكلام تقديم وتأخير. # ثم قال تعالى: { فانظر كيف كان عاقبة المفسدين } ، ~~أي عاقبة تكذيبهم، كيف أغرقوا أجمعين. هذا كله تحذير لقريش أن تحل بهم ما ~~كان حل بمن كان قبلهم. # ثم قال { ولقد آتينا داوود وسليمان علما } ، أي علم ~~منطق الطير، والدواب وغير ذلك. { وقالا الحمد لله الذي ~~فضلنا على كثير من عباده المؤمنين ms1831 } ، أي فضلنا ~~بعلم لم يعلمه أحد في زماننا. وروى مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: # " أوحى الله إلى داود صلى الله عليه وسلم أن العبد من عبيدي ليأتيني ~~بالحسنة، فأحطه في جنتي، قال داود: وما تلك الحسنة، قال: يا داود: كربة ~~فرجها عن مؤمن ولو بتمرة. قال داود: حقيق على من عرفك حق معرفتك أن لا ~~ييأس ولا يقنط منك ". # ثم قال تعالى: { وورث سليمان داوود } ، أي ورث علمه وملكه. # وقال قتادة: ورث منه النبوة والملك. # وروي أن داود كان له تسعة عشر ولدا، فورث سليمان النبوة والملك دونهم. # ثم قال تعالى ذكره: { وقال يأيها الناس علمنا منطق ~~الطير } ، أي فهمنا كلامها، وسماه منطقا لما فهمه عنها كما يفهم ~~بنطق الرجل. قال محمد بن كعب: بلغنا أن سليمان كان في عسكره مائة فرسخ: ~~خمس وعشرون منها للإنس، وخمس وعشرون للجن، وخمس وعشرون للوحش، وخمس ~~وعشرون للطير، وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب فيها ثلاث مائة ~~صريحة، وسبع مائة سرية، فأمر الريح العاصف فرفعته، وأمر الرخاء فسيرته، ~~فأوحى الله عز وجل وهو يسير بين السماء والأرض: أي قد زدت في ملكك، أنه ~~لا يتكلم أحد من الخلائق بشيء إلا جاءت الريح فأخبرتك. # قال وهب بن منبه: أرادت الشياطين كيد سليمان، وتحاوروا بينهم في ذلك، ~~ليخلصوا من السحرة، فأمر الله تعالى الريح ألا يتكلم أحد من الخلائق إلا ~~وضعته في أذن سليمان، فبذلك سمع كلام النملة. # وذكر وهب: أن سليمان مر بجنوده من السماء والأرض، فرآه رجل من بني ~~إسرائيل، كان في حرثه يفجر الماء فقال: لقد آتاكم الله آل داود، فاحتملت ~~الريح قوله فقذفته في أذن سليمان. فقال سليمان للريح: إحبسي فحبست، ونزل ~~سليمان متقنعا ببرد له حتى أتى الرجل فقال له: ما قلت؟ فقال له الرجل: ~~رأيتك في سلطانك الذي آتاك الله، وما سخر لك فقلت: لقد آتاكم الله آل ~~داود. فقال له سليمان: صدقت، ولكن جئتك، خوف الفتنة عليك، ms1832 تعلم والذي نفس ~~سليمان بيده لثواب سبحان الله كلمة واحدة عند الله يوم القيامة أفضل من ~~كل شيء أوتيته آل داود في الدنيا. فقال له الرجل: فرجت همي فرج الله عنك ~~همك. # فقال له سليمان: وما همي؟ قال: أن تشكر ما أعطاك الله، قال: صدقت. ~~وانصرف عنه سليمان إلى مركبه. # ثم قال تعالى: { وأوتينا من كل شيء } ، يعني من كل شيء من ~~الخيرات، يؤتاه الأنبياء والناس، وهذا على التكثير كما تقول: ما لقيت ~~أحدا إلا كلمته. # ثم قال تعالى: { إن هذا لهو الفضل المبين } ، أي إن ~~الذي أوتيناه من الخيرات لهو الفضل على جميع أهل دهرنا الظاهر. # ثم قال: { وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس ~~والطير } ، يقال: إن الجن سخرت له، بأن ملك مضارها ومنافعها، وسخرت ~~له الطير بأن جعل فيها ما تفهم عنه فكانت تستره من الشمس وغيرها. # وقيل: لهذا تفقد الهدهد. ومعنى الآية: وجمع سليمان جنوده في مسير له { ~~فهم يوزعون }. # قال قتادة: أي يحبس أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا. # قال ابن عباس: جعل على كل صنف منهم وزعة يرد أولاها على أخراها، لئلا ~~يتقدموا في المسير كما يفعل الملوك. # وقال ابن زيد: يوزعون: يساقون. # وقال الحسن: / يوزعون: يتقدمون. والوازع في اللغة: الكاف: يقال: وزع ~~فلان فلانا عن الظلم، أي كفه عنه، ومنه قيل للذين يدفعون الناس عن ~~القضاة والأمراء: وزعة لأنهم يكفون الناس عنهم، أي يمنعونهم منهم. # ثم قال { حتى إذآ أتوا على واد النمل } ، يعني أتى ~~سليمان وجنوده على واد النمل، وهو واد كان بالشام نمله على قدر الذباب، { ~~قالت نملة يأيها النمل ادخلوا مساكنكم } أي ~~بيوتكم { لا يحطمنكم سليمان وجنوده } ، أي يكسرنكم. { ~~وهم لا يشعرون } ، أي يكسرونكم بوطئهم غير عالمين بكم. فتكون ~~الجملة في موضع الحال من سليمان وجنوده، والعامل في الحال يحطمنكم، ويجوز ~~أن تكون الجملة حالا من النملة، ويكون العامل في الحال: قالت. أي قالت ~~نملة ذلك في حال غفلة الجنود، كما تقول: قلت خيرا والناس نيام. # وقيل: إن قوله: { وهم لا يشعرون ms1833 } ، راجع إلى النمل. أي والنمل ~~لا يشعر أن سليمان يفهم مقالتها، فتكون حالا من النملة أيضا والعامل ~~فيه: قالت. كما تقول: شتمتك وأنا غير عالم بك. أي شتمتك في حال جهلي بك. ~~ولما فهم سليمان قول النمل وصارت بمنزلة من يعقل في الفهم عنها، أخبر ~~عنها كما يخبر عن من يعقل، فلذلك قال: { قالت } ، وقال: { ادخلوا ~~} ولذلك أضاف إلى الطير منطقا في قوله: { علمنا منطق الطير ~~}. # وروي: أن الله جل ذكره: فهم سليمان كلام الإنس باختلاف لغاتها، وفهمه ~~كلام الطير والبهائم، وكان إذا أراد أن يسير على الأرض أمر بالكرسي فوضع ~~له فجلس عليه، ثم أمر بكراسي فوضعت لأصحابه فأجلس عليها من أراد، فالذين ~~يلونه الإنس، ثم الجن، ثم الشياطين ثم يأمر الريح فتحملهم بين السماء ~~والأرض، وإذا أراد صار على الخيل في الأرض، فبينما سليمان ذات يوم يسير ~~بين أيدي الناس على الأرض، ورجلان معه أحدهما ختنه: زوج ابنته، والآخر عن ~~يساره من أهل مملكته كريم عليه، ولم يكن أحد يسير بين يديه تواضعا لله، ~~إذ مر على واد النمل وهو واد فيه نمل، فسمع نملة تقول: { يأيها ~~النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان ~~وجنوده } وكان قد أعطى الله سليمان زيادة في ملكه ألا يذكره أحد إلا ~~حملت الريح ذلك الكلام إليه حتى يسمعه، فلما فهم سليمان كلام النمل تبسم ~~ووقف فوقف الناس معه، فقال الرجلان: ما يضحك نبي الله؟ فأخبرهما بكلام ~~النملة، فلم يزل واقفا حتى دخلت النمل مساكنها ثم سار. # وروى الأعمش عن نوف أنه قال: كانت نمل سليمان أمثال الذباب، وكانت هذه ~~النملة مثل الذيب في العظم. ### || [27.19-31] # قوله تعالى ذكره: { فتبسم ضاحكا من قولها } ، إلى قوله: ~~{ وأتوني مسلمين } ، # أي فضحك سليمان من قول النملة، وقال: { رب أوزعني أن ~~أشكر نعمتك } ، أي ألهمني الشكر على ما أنعمت به علي وعلى والدي ~~وألهمني أن أعمل عملا صالحا ترضاه. # وقيل: معناه كفني عن الأشياء إلا عن شكر نعمتك. { وأدخلني ~~برحمتك في عبادك الصالحين } ، أي مع عبادك الصالحين، ~~يعني ms1834 الأنبياء، أي أدخلني معهم الجنة. # قال ابن زيد: { عبادك الصالحين }: هم الأنبياء والمؤمنون. ثم ~~قال: { وتفقد الطير فقال مالي لا أرى الهدهد } ، ~~سأل ابن عباس، عبد الله بن سلام: لم تفقد سليمان الهدهد من بين سائر ~~الطير؟ فقال عبد الله: إن سليمان نزل منزلة في مسير له، فلم يدر ما بعد ~~الماء، فقيل: من يعلم ما بعد الماء؟ فقالوا: الهدهد، فذلك حين تفقده. # وروي: أن الهدهد كان يدل سليمان على مواضع الماء في أسفاره، فأخذ الناس ~~عطش في مفازة فسألوا سليمان الماء، فسأل عن الهدهد، فقالوا: غاب ولم يكن ~~معه إلا هدهد واحد. # قال ابن عباس: تفقد سليمان - عند سؤالهم الماء - الهدهد، فسأل عنه، ودعا ~~أمين الطير فسأله عنه، ولم يكن معه إلا هدهد واحد. فقال الأمين: ما أدري ~~/ أين ذهب ولا استأمرني. فكان الهدهد إذا وضع منقاره في الأرض أخبره كم ~~بعد الماء، فغضب سليمان عند ذلك، وتألا لنعذبنه عذابا شديدا، أي ينتف ~~ريشه أو يذبحه أو يأتي بحجة بينة، وكان أشد عذابه الذي يعذب به الطير أن ~~ينتف ريشه حتى يتركه أقرع لا ريش عليه، فلم يكن إلا يسيرا حتى أتى ~~الهدهد بعذر بين، فقال: اطلعت على ما لم تطلع عليه { وجئتك من ~~سبإ } ، أي بخبر صادق. # قال ابن عباس: لما أقبل الهدهد قيل له: إن سليمان قد حلف ليعاقبنك حين ~~فقدك. فقال الهدهد: هل استثنى؟ قالوا: نعم، فأقبل حتى قام بين يديه ~~فأخبره بعذره. # وروي: أن الطير كانت تظله من الشمس في مسيره. فلما غاب الهدهد أصابته ~~الشمس من موضع الهدهد، فسأل عنه إذ فقده. # وقال ابن عباس: كان سليمان يوضع له ست مائة كرسي، ثم يجيء أشراف الإنس، ~~فيجلسون مما يليه، ثم يجيء أشراف الجن فيجلسون مما يلي الإنس، ثم يدعو ~~الطير فتظلهم، قال: ثم يدعو الريح فتحملهم فيسير في الغداة الواحدة مسيرة ~~شهر. قال: فبينما هو في مسيرة إذا احتاج إلى الماء، وهو في فلاة من الأرض ~~قال: فدعا الهدهد، فجاءه فنقر في الأرض فيبصر ms1835 موضع الماء. قال: فتجيء ~~الشياطين فيسلخونه كما يسلخ الإهاب، ثم يستخرجون الماء. فاعترض على ابن ~~عباس نافع بن الأزرق، فقال له: كيف يبصر الهدهد الماء تحت الأرض، ولا ~~يبصر الفخ حتى يقع في عنقه؟ فقال له ابن عباس: ويحك إن القدر إذا جاء حال ~~دون البصر. # وذكر أن الهدهد كان يرى الماء في الأرض، كما يرى الماء في الزجاجة. ~~ومعنى قوله: { مالي لا أرى الهدهد أم كان من ~~الغآئبين } ، أي أخطأه بصري فلا أراه، وقد حضر أم هو غائب فيما غاب ~~من سائر أجناس الخلق؟ " وكان " ها هنا بمعنى صار لأنه لم يستفهم وهو ~~حاضر، إنما استفهم عنه وهو غائب، وإذا حملت " كان " على لفظها صار المعنى ~~أنه استفهم عنه وهو حاضر، ولم يكن كذلك بل كان غائبا وقت الاستفهام فكان ~~محمولة على معنى صار. وبذلك يتم المعنى. # وقيل: إن مثله # ما كان لنبي أن يكون له أسرى # [الأنفال: 67] أي أن يصير له أسرى، لأن الأسرى كانوا بالحضرة لم يكونوا ~~غيبا، ولا متوقعين ولا منتظرين و " يكون " يدل على أنه أمر متوقع منتظر، ~~وليس هو كذلك، بل كانوا بالحضرة، فالمعنى أن تصير له أسرى. # ثم قال: { لأعذبنه عذابا شديدا } ، في الكلام اختصار ~~وحذف، والتقدير: فقيل له غاب، فقال: { لأعذبنه عذابا شديدا ~~} ، أي لأنتفن ريشه، وأشتمه. قاله ابن عباس. # { أو ليأتيني بسلطان مبين } أي بحجة ظاهرة يقوم له ~~بها عذر في غيبته عني. # قوله: { أو ليأتيني } ليس هو بجواب قسم لسليمان. مثل أو ~~(لأعذبنه أو لأذبحنه) هذا جواب قسم لسليمان وليس { أو ليأتيني } ~~بجواب قسم له، لأنه لم يقسم على أن يأتيه بحجة تدفع عنه العذاب، لكنه جرى ~~على لفظ ما قبله من قوله: { لأعذبنه } أو { لأاذبحنه } ~~على باب المجازات لا أنه مثله. # ومثله قوله: # ولو شآء الله لسلطهم عليكم # [النساء: 90] فهذا جواب قسم ثم قال: { فلقاتلوكم } فليس هذا ~~بجواب قسم ولكن دخلت اللام على طريق المجازات، { لسلطهم } لا على ~~الجواب. # ثم قال تعالى: { فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم ms1836 ~~تحط به } ، أي فمكث سليمان غير وقت طويل من حين سأل عن الهدهد، حتى ~~جاء الهدهد فقال له الهدهد لما سأله سليمان عن علة تخلفه وغيبته: أحطت ~~علما بما لم يحط به علمك. # قال ابن زيد: معناه علمت ما لم تعلم. { وجئتك من سبإ بنبإ ~~يقين } ، أي بخبر صحيح، ومن صرف { سبإ } جعله اسما للأب أو للحي ~~أو لرجل أو للبلد. ومن لم يصرفه جعله اسما للقبيلة، أو لامرأة هي أم ~~القبيلة أو للبلدة. # قال أبو إسحاق: سبأ مدينة تعرف بمأرب من اليمن، بينها وبين صنعاء مسيرة ~~ثلاثة أيام. # / وروي: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله رجل عن سبإ فقال: يا رسول الله ~~أخبرني سبإ ما هو أرض أم امرأة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ليس بأرض ~~ولا امرأة، ولكنه رجل ولد عشرة من الولد، فتيامن ستة وتشاءم أربعة، فأما ~~الذين تشاءموا: فلخم، وجذام، وعاملة، وغسان وأما الذين تيامنوا فكندة، ~~والأشعرون، والأزد ومذحج وحمير، وأنمار. فقال رجل: ما أنمار؟ فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: الذين منهم خثعم وبجيلة " # وكذلك رواه ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم. بهذا المعنى فيجب ~~صرفه على هذا القول. وكل النحويين على أنه إن سمي به رجل صرف فدل على أنه ~~مذكر في الأصل. # ثم قال: { إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من ~~كل شيء } ، أي قال الهدهد لسليمان مخبرا بعذره في الغيبة: إني ~~وجدت امرأة تملك شيئا، وأوتيت من كل شيء.. أي من كل شيء يؤتاه الناس في ~~دنياهم. # وقيل: معناه: من كل شيء يؤتاه مثلها من الأموال والعدد والرجال والخصب ~~والنعم، وغير ذلك. فقام له العذر عند سليمان في غيبته لأن سليمان عليه ~~السلام كان لا يرى في الأرض أحدا له مملكة معه، وكان قد حبب إليه ~~الجهاد، والغزو، فلما دله الهدهد على ملك معه ودله على موضع جهاد عذره ~~وترك تعذيبه. # قال قتادة: هي امرأة يقال لها بلقيس بنت شراحيل وكان أحد أبويها من ~~الجن، وكان مؤخر قدمها ms1837 كحافر الحمار. # وقوله: { ولها عرش عظيم } ، يعني ذا سعة، وحسن صنعة يعني به ~~السرير. # قال ابن عباس: عرش عظيم: سرير كريم حسن الصنعة. وكان سريرا من ذهب ~~قوائمه من جوهر ولؤلؤ. # وروي: أنه كان سريرا من ذهب تجلس بلقيس عليه، طوله ثمانون ذراعا، ~~وعرضه أربعون ذراعا، وارتفاعه في السماء: ثلاثون ذراعا، مكلل بالدر ~~والياقوت الأحمر، والزبرجد الأخضر، قوائمه من زبرجد أخضر، وكان اسم ~~المرأة بلقيس ابنة اليشرح الحميرية. روي: أنه كان سريرا عاليا تجلس ~~عليه، وتكلم الناس من فوقه. # وذكر قوم: أن الوقف { ولها عرش } ، ثم تبتدئ { عظيم } { ~~وجدتها } وروي ذلك عن نافع، وليس بشيء لأن " عظيما " من نعت العرش، ~~ولو كان متعلقا بما بعده لقال: عظيم أن وجدتها أي عظيم وجودي لها كافرة. # ثم قال تعالى: { وجدتها وقومها يسجدون للشمس من ~~دون الله } ، أي يعبدون الشمس { وزين لهم الشيطان ~~أعمالهم } ، أي حسن لهم عبادة الشمس من دون الله { فصدهم ~~عن السبيل } ، أي فمنعهم بتزيينه لهم الباطل، أن يتبعوا الطريق ~~المستقيم، وهو دين الله فهم لا يهتدون إلى الحق. # ثم قال: { ألا يسجدوا لله } أن من { ألا } في موضع نصب ~~على البدل من الأعمال عند: اليزيدي. وقال: أبو عمرو والكسائي، " أن " في ~~موضع خفض بدل من السبيل، ويجوز أن يعمل فيها " يهتدون ". # وقرأ الكسائي: ألا بالتخفيف، على معنى: ألا يا هؤلاء اسجدوا، فجعلها: " ~~ألا " التي للتنبيه، ويا: حرف نداء، واحتج الكسائي أن في حرف أبي وابن ~~مسعود: " هلا يسجدوا " فهلا تحقيق وأن اسجدوا أمر، واحتج أيضا أن السجود ~~هنا مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومن شدد لا يلزمه سجود، لأنه خبر ~~عن قوم أنهم لم يسجدوا، وليس هو أمر. # وليس فيه بمعنى الأمر. ومن الدليل على صحة قراءة الجماعة، حذف الألف من ~~يا من الخط، وحذف ألف الوصل من اسجدوا ويدل على ذلك أنه كله من كلام ~~الهدهد وحكايته. ولم يكن في الوقت أحد يؤمر بالسجود فيكون هذا أمرا له، ~~ولا يلزم ترك السجود على قراءة الجماعة، لأنه ms1838 لما أخبر أنهم لا يسجدون، ~~وجب لمن يؤمن بالله أن يسجد لله عند ذكر تركهم للسجود تعظيما لله، ~~وخلافا لما فعلوا من ترك السجود. # وقوله: { ألا يسجدوا } قيل: هو من قول الله جل ذكره ينبه عباده ~~أن السجود لا يصلح إلا لله. # واختلف العلماء في سجود القرآن، ويقال لها: عزائم القرآن. فكان ابن عمر، ~~وابن عباس يقولان: سجود القرآن إحدى عشرة سجدة: في الأعراف، والرعد، ~~والنحل، وبني إسرائيل، ومريم، والحج؛ أولها، والفرقان / والنمل، وآلم ~~السجدة، وص، وحم السجدة، وهذا مذهب مالك. قال مالك في الموطأ من رواية ~~ابن القاسم: أجمع الناس على أن عزائم سجود القرآن إحدى عشر سجدة ليس في ~~المفصل منها شيء. يعني بقوله أجمع الناس: أهل المدينة. # وقد روي عن ابن عباس: أنه أسقط ص وجعلها عشرة. # ومذهب الشافعي: أنها أربع عشرة سجدة زاد في الحج آخرها، وفي والنجم، ~~وإذا السماء انشقت، واقرأ باسم ربك، ونقص سجدة (ص) وكذلك قال: أبو ثور، ~~إلا أنه أثبت السجود في (ص) وأسقطه من والنجم. # وقال إسحاق: سجود القرآن خمس عشرة سجدة، زاد على مذهب الشافعي سجدة أخرى ~~في الحج، واختلفوا في الموضع الذي يسجد فيه في (حم) السجدة. فقال ابن ~~عباس، وابن عمر والحسن البصري، وابن سيرين: يسجد آخر قوله: # إياه تعبدون # [فصلت: 37] وقد حكى ذلك عن مسروق عن أصحاب ابن مسعود، وبه قال مالك ~~والليث بن سعد. # وقال ابن المسيب، والنخعي، والثوري، وابن أبي ليلى وإسحاق: يسجد عند آخر ~~قوله: # وهم لا يسئمون # [فصلت: 38]. وقد روي ذلك أيضا: عن ابن عباس، وابن سيرين، وفي سجود ~~القرآن فضل عظيم. # روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول: يا ويله أمر ~~هؤلاء، أو هذا بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار ". # وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم: # " كان يقول في سجود القرآن: سجد وجهي للذي خلقه، وشق سمعه وبصره بحوله ~~وقوته ". # وكره ms1839 مالك السجود بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا يسجد بعد صلاة الصبح ~~حتى تطلع الشمس، وإذا كان القارئ في الصلاة فسجد، سجد بغير تكبير، ويرفع ~~رأسه بتكبير، فإن كان في غير صلاة لم يكبر في الرفع ولا قبله، وعلى من ~~سمع قراءة السجدة أن يسجد مع الإمام. وقوله: { الذي يخرج ~~الخبء في السموت والأرض } ، أي يخرج المخبوء في السماوات ~~من غيث، والأرض من نبات. # وقال مجاهد: هو الغيث. # وقال ابن زيد: خبء السماوات المطر، وخبء الأرض النبات. # وقال قتادة: الخبء: السر، " وفي " في موضع " من ". # ثم قال: { ويعلم ما تخفون وما تعلنون } ، أي يعلم ما ~~يسرون وما يظهرون. ثم قال: { الله لا إله إلا هو رب ~~العرش العظيم } ، هذا كله من إخبار الله عن قول الهدهد. قاله ابن ~~زيد وابن إسحاق. # ثم قال: { قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين } ~~، أي قال سليمان للهدهد: سننظر أصدقت فيما اعتذرت به لغيبتك أم كنت من ~~الكاذبين فيه. وقوله: { أم كنت } معناه أم أنت، لأن سليمان لم يرد ~~أنه ينظر أن كان فيما مضى من الزمان من الكاذبين، إنما أراد إن كان هو في ~~حاله ذلك الوقت من الكاذبين. ومثله: # كنتم خير أمة أخرجت للناس # [آل عمران: 110]. # ثم قال: { اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم } ، أي قال ~~سليمان للهدهد: اذهب بكتابي إليهم فألقه إليهم، { ثم تول عنهم ~~فانظر ماذا يرجعون } ، أي منصرفا، ففي الكلام تقديم وتأخير ~~تقديره: فألقه إليهم فانظر ماذا يرجعون ثم تول عنهم. # وقيل: الكلام على بابه لا تقديم فيه، وانظر فيما انتظر أي فألقه إليهم ~~فانتظر ماذا يرجعون ثم تول عنهم. # قال ابن زيد: كانت لها كوة مستقبلة الشمس ساعة تطلع الشمس تطلع فيها ~~فتسجد لها، فجاء الهدهد حتى وقع فيها فسدها، واستبطأت الشمس فقامت تنظر، ~~فرمى بالصحيفة إليها من تحت جناحه، وطار حين قامت تنظر إلى الشمس. فهذا ~~التفسير يدل على أنه نظر إليها ماذا ترجع قبل إلقائه الصحيفة، ثم ألقاها ~~ورجع إلى سليمان. # وقيل: المعنى: { ثم تول عنهم } قريبا ms1840 منهم فانظر ماذا ~~يرجعون؟ ودل على هذا سماع الهدهد قولها لأهل مملكتها بعد إلقائه الكتاب ~~إليها، وهذا القول هو اختيار الطبري. # واختار الزجاج القول الأول أن يكون على التقديم والتأخير. ثم قال: { ~~قالت يأيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم } ~~، في الآية اختصار وحذف، والتقدير فذهب الهدهد بكتاب سليمان فألقاه ~~إليها، فلما قرأته قالت: يا أيها الملأ: تريد أشراف قومها. # / قال ابن عباس: كتب سليمان إليها بسم الله الرحمن الرحيم: من سليمان بن ~~داود إلى بلقيس ابنة اليشرح الحميرية: { ألا تعلوا علي ~~وأتوني مسلمين } ، أي لا تتعظموا عن طاعتي وأتوني مسلمين فذهب ~~الهدهد بالكتاب فانتهى إليها ظهيرة وهي قائلة في قصرها، وقد غلقت عليها ~~الأبواب، فلا يصل إليها شيء، والحرس حول قصرها. # وكان لها من قومها اثنى عشر ألف مقاتل، كان كل رجل منهم على مائة ألف ~~سوى نسائهم وذراريهم. وكانت تخرج إلى قومها فتقضي بينهم في أمورهم، ~~وحوائجهم، في كل جمعة يوما، قد جعلت على عرشها أربعة أعمدة من ذهب، ثم ~~جعلت عليه حريرة تجلس خلفها فهي تراهم ولا يرونها، فإذا أراد الرجل منهم ~~قام بين يديها فنكس رأسه ولا ينظر إليها، ثم يسجد ولا يرفع رأسه حتى تأذن ~~له إعظاما لها. فإذا قضت حوائجهم أمرت بأمرها ودخلت قصرها فلم يروها إلى ~~مثل ذلك اليوم. وكان ملكها ملكا عظيما، فلما أتاها الهدهد بالكتاب، وجد ~~الأبواب قد غلقت دونها والحرس حوالي قصرها، فدار الهدهد حوالي القصر يطلب ~~السبيل إليها حتى وصل إليها من كوة في القصر فدخل منها إلى بيت ثم مر من ~~بيت إلى بيت حتى انتهى إليها في أقصى سبعة أبواب على عرشها مستلقية، ~~نائمة ليس عليها إلا خرقة على عورتها وكذلك كانت تصنع إذا نامت، فوضع ~~الكتاب إلى جنبها على العرش ثم تولى فوقع في كوة ينتظرها حتى تقرأ الكتاب ~~فمكث طويلا لا تستيقظ، فلما أبطأ عليه ذلك انحط، فنقرها نقرة فاستيقظت، ~~فبصرت بالكتاب إلى جنبها على السرير فأخذته وفزعت، وجعلت تنظر ما حال ~~الكتاب، وكيف وصل ms1841 الكتاب إليها فإذا الأبواب مغلقة، فخرجت فإذا الحرس ~~حوالي القصر، فقالت هل رأيتم أحدا دخل علي أو فتح بابا؟ قالوا: لا، أما ~~رأيت الأبواب مغلقة كما هي ونحن حوالي القصر، ففتحت الكتاب، وكان مطبوعا ~~فقرأته ولم تشك أنه من السماء سقط عليها فأرسلت إلى قومها وشاورتهم كما ~~قص الله علينا في كتابه. قال وهب بن منبه: كتب سليمان مع الهدهد { بسم ~~الله الرحمن الرحيم }: من سليمان بن داود إلى بلقيس ~~وقومها: أما بعد، فلا تعلوا علي وأتوني مسلمين. فأخذ الهدهد الكتاب برجله ~~فانطلق به حتى أتاها، وكانت لها كوة في بيتها إذا طلعت الشمس نظرت إليها ~~فسجدت لها، فأتى الهدهد الكوة فسدها بجناحه حتى ارتفعت الشمس ولم تعلم ~~من ألقى الكتاب من الكوة فوقع عليها في مكانها الذي هي فيه فأخذته. # وقال قتادة: كان أولو مشورتها ثلاث مائة واثني عشر، كل رجل منهم على ~~عشرة آلاف، وكانت بأرض يقال لها مأرب من صنعاء على ثلاثة أيام. ومعنى ~~وصفها للكتاب بالكريم أنه كان مطبوعا. # وقيل: وصفته بذلك لحسن ما فيه واختصاره. # وقوله: { ألا تعلوا علي } ، أي لا تتكبروا علي، ولا تتجبروا ~~علي، وأتوني مذعنين مستسلمين. وقال: إنما وصفته بالكريم على معنى كتاب من ~~رجل كريم، رفيع القدر يطيعه الجن، والإنس والطير. لأنها كانت قد سمعت ~~بخبر سليمان، فلما رأت اسمه في الكتاب عرفته، وعرفت قدر ملكه، وأخبرتهم ~~أنه من سليمان وأن فيه بسم الله الرحمن الرحيم. # وهذه جملة من علل بسم الله الرحمن الرحيم: فمن ذلك ما روي عن عيسى صلى ~~الله عليه وسلم: أنه قعد بين يدي مؤدب، فقال له المؤدب قل: بسم الله ~~الرحمن الرحيم: فقال عيسى وما بسم الله. فقال المؤدب: لا أدري؟ فقال ~~عيسى: الباء: بهاء الله / والسين سناء الله، والميم ملكه. وكذلك قال ~~الحسن إلا أنه قال: والميم مجده. والباء متعلقة بفعل مضمر، والمعنى: ابدأ ~~بسم الله، فإذا اختلفت الأفعال التي تريد أن تسمي الله عليها، أضمرت لكل ~~معنى فعلا يشاكله، فإذا أردت القيام فقلت بسم ms1842 الله: أضمرت أقوم بسم ~~الله، وإذا أردت القعود قدرت أقعد بسم الله، وكذلك الركوب وشبهه. # وقيل: إن الاضمار في جميع ذلك أبدا وهو أحسن عند الحذاق، وإنما حذف ~~الفعل ولم يذكر إيجازا واختصارا، إذ ما بقي من الكلام يدل عليه، وهذا ~~الحذف كثير في الكلام، وإنما اختيرت الباء لأنها للإلصاق، وأنت تحتاج أن ~~تلصق ابتداءك بالتسمية، فجئت بالباء لأنه موضعها، وإنما سميت الباء، ومن ~~وعن وشبهها بحروف الجر لأنها تجر الأفعال إلى الأسماء: تقول: مررت بزيد ~~وانتهيت إلى عمرو. فلولا الحروف ما انجرت الأفعال إلى الأسماء. وإنما ~~خفضت هذه الحروف الأسماء لأن معناها الإضافة، تضيف فعلا إلى اسم، أو ~~معنى إلى اسم. كقولك: مررت بزيد، وعمرو كزيد. وإنما كسرت الباء. لتكون ~~حركتها مثل عملها؛ هذا قول الجرمي. ولم تكسر الكاف لتفرق بين ما يكون ~~حرفا واسما، وبين ما لا يكون إلا حرفا، وإنما عملت الخفض لأنها لا ~~معنى لها في الأفعال فلزمت الأسماء، فلما لزمت الأسماء عملت إعرابا لا ~~يكون إلا في الأسماء، وهو الخفض، وقد فتحوا لام الجر مع المضمر. # ردت إلى أصلها لأنها إنما كسرت مع المضمر ليفرق بينها وبين لام التأكيد، ~~وتركت الباء على كسرها مع المضمر إذ ليس فيها علة توجب فتحها، وكسرت لام ~~كي لأنها هي لام الجر بعينها، وكسرت لام الأمر للفرق بينها وبين لام ~~التأكيد، والفرق بين لام الجر، ولام الأمر وكلاهما مكسور، أن لام الجر لا ~~تدخل على الأفعال ولام الأمر لا تدخل على الأسماء، فعملت لام الجر ~~إعرابا لا يكون إلا في الأسماء للزومها الأسماء وهو الجر، وعملت لام ~~الأمر إعرابا لا يكون إلا في الأفعال للزومها الأفعال وهو الجزم. وأصل ~~هذه الحروف كلها الفتح، كواو العطف، وفائه، وألف الاستفهام. وكانت في ~~الأصل لا حركة لها ولم يمكن الابتداء بساكن فلم يكن بد من حركة فأعطيت ~~أخف الحركات وهي الفتحة، وإذا قلت: بسم الله فهو الله في المعنى كما قال ~~لبيد: # إلى الحلول ثم اسم السلام عليكما # ومن يبك حولا كاملا ms1843 فقد اعتذر # يريد ثم السلام عليكم فرفع اسما بالابتداء لما قدمه ولم يعمل فيه ~~الإغراء لأنه متأخر لا يتقدم عليه معموله، ومثله قول الشاعر: # يا أيها المائح دلوي دونكا # إني رأيت الناس يحمدونكا # أي هذا دلوي، ويجوز النصب بإضمار فعل تقديره: ثم الزم اسم السلام. وحذفت ~~الألف من بسم لأن الباء كفت منها، فوصلت اللسان إلى النطق بالسين. # وكان الخليل يسمي ألف الوصل سلم اللسان، وحذفت من الخط لكثرة الاستعمال، ~~هذا مذهب الجرمي، والمبرد، والكسائي والفراء. وقال الاخفش: حذفت من الخط ~~لما وصلت إلى السين بالباء فألزمه الفراء أن تحذف الألف من الخط في ~~قولهم: فاضرب واضرب ولا يحسن حذف هذا. # وقال الكسائي: في قوله: # بسم الله مجريها # [هود: 41] إن شئت أثبت الألف في الخط وإن شئت حذفتها. وإنما دخلت ألف ~~الوصل الأسماء، وحقها أن تدخل على الأفعال على التشبيه بالأفعال، كما ~~أضافوا إلى الأفعال وليس بابها أن يضاف إليها على التشبيه أيضا ~~بالأسماء. # وقيل: إنما دخلت هذه الأسماء الألف لأنهم لما حذفوا من أواخرها أرادوا ~~العوض من المحذوف، فلم يمكن أن يعوضوا منه آخرا، فعوضوا منه أولا، ~~وسكنوا السين ليسوغ دخول الألف، والعوض في كلام العرب كثير ألا ترى أنهم ~~يقولون: زنادقة وزناديق. فيعوضون الياء من الهاء، وإنما حذفوا من هذه ~~الأسماء لأن آخرها / حرف علة ياء، أو واو، وقد كان يجب أن ينقلبا ألفا إذ ~~هما ظرفان، فكان الحذف أخف من الإعلال والإقلاب، فلما حذف من آخرها حرف ~~أشبهت الأفعال، لأن الحذف أكثر ما يكون في الأفعال نحو: لم أبل ولا أدر ~~فلما ضارع الاسم الفعل في باب الحذف آخرا ضارعه في باب الزيادة أولا ~~فدخلته ألف الوصل، ولم يمكن أن تدخل على متحرك فسكن أوله، وهذا قول حكي ~~عن الخليل. # والمحذوف من اسم عند البصريين واو وأصله سمو على مثال قنو، دليله قولهم: ~~أسماء كأقناء وكذلك أب وأخ. المحذوف منهما واو يدل على ذلك قولهم: الأبوة ~~والأخوة. وقولهم: أبوان وأخوان. وقد كان يجب أن تدخل ألف الوصل ms1844 على أب، ~~وأخ على ما قدمنا من العلة إلا أنه لما كان في أول أب وأخ همزة ثقل دخول ~~همزة أخرى عليها، والعرب تستثقل الجمع بين همزتين في كلمتين ولا تجيزه في ~~كلمة إلا بالتخفيف، فتركوا ما يستثقلون. # واسم مشتق من السمو. # وقيل: من السمة. # وقيل: هو أمر من قولك اسم فلانا أي أعله وكذلك ابن أصله الأمر من قولك: ~~ابن البناء يا رجل. وقول ما قال: هو من السمة. قول صحيح في المعنى لأن ~~صاحبه يعرف به كالسمة في البعير يعرف بها، لكنه غير جائز في الاشتقاق، ~~والأصول، وذلك أنه ليس في كلام العرب مصدر فعل معتل فاؤه واو تدخله ألف ~~الوصل، فيكون هذا مثله، ألا ترى أنك لا تجد مثل أعد وأزن في وعد ووزن ~~وأيضا فإنه يجب أن يقال في تصغيره وسيم كما تقول في تصغير عدة وعيدة ~~وذلك لا يقال. # وقولك: بسم في موضع نصب عند الكوفيين فبين لأن التقدير أبدأ بسم. # وقال البصريون: موضعه رفع على إضمار مبتدأ، والتقدير أول ابتداء بسم ~~الله، وقد أجاز النحويون: ابتدأت ببسم الله فأدخلوا الباء على الباء، ~~وليس هذا بجائز في غيره، وإنما ذلك، لأن هذه الباء لما لزمت الاسم ولم ~~تفارقه، وكثر الاستعمال بها صارت كأحد حروف الاسم، فدخلت عليها الباء كما ~~تدخل على سائر الأسماء، وإنما خصت الألف بالزيادة والتعويض من المحذوف في ~~اسم لأن أولى الحروف بالزيادة من حروف المعجم الياء والواو والألف، وهنا ~~حروف المد واللين، ولا يكون الإعراب إلا بواحد منها، أو بحركة هي منها. # قالوا: ولا تزاد أولا، وكذلك الياء، فزادوا ألفا، والألف لا تكون إلا ~~ساكنة وبعدها السين ساكنة فكسرت الألف لالتقاء الساكنين وإنما سميت ~~الهمزة ألفا لأن صورتهما واحدة، ولأن الألف تبدل من الهمزة في يأكل ~~ويأتي، والهمزة تبدل من الألف في رسائل وقلائد، وإنما ردت ألف الوصل في ~~قولك امرئ وهو غير محذوف الآخر لأن آخره وهو الهمزة لا تثبت على حال يكون ~~في الرفع واوا، وفي النصب ألفا، وفي ms1845 الخفض ياء، فضعف فصار بمنزلة ~~المحذوف فزيدت الألف في أوله لضعف الآخر. # وقال المبرد: لما كان امرؤ لا يقوم بنفسه حتى يضيفه إلى غيره. فتقول هذا ~~امرؤ سوء، وشبه الأفعال إذ كانت لا تقوم بنفسها ولا بد لها من فاعل ~~فدخلته ألف الوصل لذلك، وإنما لقبت هذه الألف بألف وصل عند الكوفيين ~~لأنها تذهب في الوصل فلقبت بضد حالها كما سمي اللديغ سليما، والمخافة ~~مفازة. وقيل: سميت ألف وصل لأنها تصل الكلام الذي قبلها بالذي بعدها ~~ويستغنى عنها. وهذا القول هو القول الأولى في المعنى. # وقال البصريون: لقبت ألف وصل: لأنه يوصل بها إلى الساكن الذي بعدها. # وحكي عن الخليل: أنه كان يسمي ألف الوصل: سلم اللسان. ### || [27.32-35] # قوله تعالى ذكره { قالت يأيها الملأ أفتوني } ، إلى قوله ~~{ بم يرجع المرسلون } ، # أي قالت بلقيس لأشراف قومها: أشيروا / علي في أمري الذي قد حضرني في أمر ~~هذا الكتاب الذي ألقي إلي. { ما كنت قاطعة أمرا حتى ~~تشهدون } ، أي قالت: ما كنت قاضية أمرا في جواب هذا الكتاب حتى ~~تشهدون أي تحضروني. قال لها أشراف قومها لما شاورتهم في أمرها: { نحن ~~أولو قوة } ، أي أصحاب قوة في القتال { وأولو بأس شديد } ~~أي ذوو بأس في الحرب شديد، والأمر أيتها الملكة إليك في القتال وغيره { ~~فانظري ماذا تأمرين }. # روي: أن قومها كانوا أولي قوة، وأن أحدهم كان يركض الفرس حتى إذا امتلأ ~~في جريه ضم فخذيه عليه فحبسه بقوته. # روى الأعمش عن مجاهد أنه قال: كان مع ملكة سبأ اثنى عشر ألف قيول مع كل ~~قيول مائة ألف. # وعن ابن عباس أنه قال: كان مع بلقيس مائة ألف قيل مع كل قيل مائة ألف، ~~والقيل بلسانهم الملك. # ثم قال تعالى: { قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية ~~أفسدوها } ، أي قالت بلقيس لأشراف قومها: إن الملوك إذا دخلوا قرية ~~عنوة وغلبة أفسدوها. { وجعلوا أعزة أهلهآ أذلة } ، ~~تم كلامها. # ثم قال الله عز وجل تصديقا لقولها في الملوك إذا غلبوا على قرية: { ~~وكذلك يفعلون } ، وقد أجاز بعضهم ms1846 أن يكون ذلك من قولها على ~~التأكيد لصدر ما قالت. # وقيل: هو من قول سليمان. ومثله في اتصال كلامين مختلفين قوله: # وإنه لمن الصادقين # [يوسف: 51] في يوسف، فهو من قول امرأة العزيز فاتصل له كلام يوسف. فقال: # ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب # [يوسف: 52]، ومثله في قصة فرعون. # يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره # [الشعراء: 35]، وانتهى كلام الأشراف من قوم فرعون ثم اتصل به كلام فرعون ~~لهم وهو قوله: { فماذا تأمرون } يخاطب أشراف قومه. # والقرية كل مدينة تجمع الناس مشتقة من قريت الماء: أي جمعته. # ثم قال تعالى عنها: أنها قالت لهم: { وإني مرسلة إليهم ~~بهدية } ، أي إني مرسلة إلى سليمان بهدية، لنختبر بذلك سليمان ~~ونعرف أملك أم نبي؟ فإن يكن نبيا لم يقبل الهدية، ولم يرضه منا إلا أن ~~نتبعه على دينه، وإن يكن ملكا قبل الهدية وانصرف. قال ذلك ابن عباس. # قيل: إنها لما لم يشر عليها قومها برأي رجعت إلى رأيها فأرسلت الهدية. # قال ابن عباس: بعثت إليه بوصائف ووصف ألبستهم لباسا واحدا حتى لا يعرف ~~ذكر من أنثى، فقالت: إن زيل بينهم حتى يعرف الذكر من الأنثى، ثم رد ~~الهدية فإنه نبي، وينبغي لنا أن نترك ملكنا، ونتبع دينه ونلحق به. وكذلك ~~قال ابن جريج، ومجاهد، والضحاك. # وروي عن ابن عباس أنه قال: أهدت إليه اثني عشر غلاما فيهم تأنيث مخضبة ~~أيديهم قد مشطتهم، وألبستهم لباس الجواري، وقالت لهم: إذا كلمكم فردوا ~~عليه كلاما فيه تأنيث، وأهدت إليه اثني عشر جارية فيهن غلظ، واستأصلت ~~رؤوسهن وأزرتهن، وألبستهن النعال، وقالت لهن: إذا كلمكن فردوا عليه ~~كلاما صحيحا وأرسلت إليه بعود يخرج بالمسك والعبير والحرير في الأطباق ~~على أيدي الوصفاء والوصائف، وأرسلت إليه اثني عشر بختية، كل بختية تحلب ~~كذا وكذا من اللبن. # وأرسلت إليه بخرزتين إحداهما مثقوبة ملتوية الثقب، والأخرى غير مثقوبة، ~~وأرسلت إليه بقدح ليس فيه شيء، وأرسلت ذلك كله مع امرأة، وتقدمت إليها أن ~~تحفظ جميع أمره وكلامه حتى تخبرها عنه، وقالت لهم: قوموا بين ms1847 يديه ~~قياما، ولا تجلسوا حتى يأمركم، فإنه إن كان جبارا لم يأمركم بالجلوس ~~وأرضيناه بالمال فيسكت عنا، وإن كان نبيا أمركم بالجلوس، وأمرتها أن ~~تقول له أن يثقب الخرزة الصحيحة بغير حديدة، ولا علاج إنس ولا جان، ~~وأمرتها أن تقول له: أن يميز الغلمان من الجواري، وأمرتها أن تقول له: ~~يدخل في الخرزة المثقوبة المعوجة / خيطا بغير علاج إنس ولا جان، وأمرتها ~~أن تقول له أن يملأ القدح ماء مزبدا ليس من الأرض ولا من السماء. قال: ~~وكتبت إليه تسأله عن ألف باب فانطلقت المرأة بهديتها، حتى أتت بها ~~سليمان، فوضعتها بين يديه، وقاموا قياما ولم يجلسوا، فنظر إليهم سليمان ~~لحظا لم يحرك يدا ولا رجلا، ثم رفع رأسه إلى رسولها فقال: إن الله رفع ~~السماء ووضع الأرض، فمن شاء قام ومن شاء جلس، فجلسوا، فقدمت إليه ~~الخرزتين وقالت: إنها تقول لك: أدخل في هذه الخرزة المثقوبة خيطا ينفذ ~~إلى الجانب الاخر من غير علاج إنس ولا جان، وأن تثقب الأخرى ثقبانا فذا ~~من غير علاج إنس ولا جان، ثم قربت إليه القدح، وقالت: تقول لك أن تملأ ~~هذا القدح من ماء مزبد رواء ليس من الأرض ولا من السماء، ثم قربت إليه ~~الوصفاء والوصائف، وقالت: تقول لك: أن تفرق بين الغلمان والجواري ففرق ~~بينهم بالوضوء فبدأ الجواري بالمرافق، وبدأ الغلمان بالإيدي، وملأ لهما ~~القدح من عرق الخيل، ودخلت دودة الثمرة بالخيط في الخرزة حتى خرجته من ~~الجانب الآخر، وتولت دودة الخشب ثقب الخرزة الأخرى حتى نفذتها، ورد ~~الهدية عليها. # وقال ثابت البناني: أهدت إليه صفائح الذهب في أوعية الديباج، فلما بلغ ~~سليمان ذلك أمر الجن فموهوا له الآجر بالذهب، ثم أمر به فألقي في الطرق، ~~فلما جاءوا رأوه ملقى لا يلتفت إليه، صغر في أعينهم ما جاءوا به. # قال ابن زيد: قالت: إن هذا الرجل إن كانت همته الدنيا فسنرضيه، وإن كان ~~إنما يريد الدين فلن يقبل غيره. # وقال ابن جبير: أرسلت بمأتي وصيف ووصيفة وقالت: إن كان نبيا ms1848 فسيعلم ~~الذكر من الأنثى، فأمرهم فتوضأوا، فمن توضأ منهم، فبدأ بمرفقه قبل كفه ~~قال: هو من الإناث، ومن بدأ بكفه قبل مرفقه قال: هو من الذكور. # وروى أنها: وجهت إليه بمائة وصيف، ومائة وصيفة، وألبست الجواري ثياب ~~الغلمان، وألبست الغلمان ثياب الجواري، وقالت: إن كان ملكا لم يعرف حتى ~~يعريهم، وإن كان نبيا علم ولم يعريهم، فلما قدموا على سليمان أمر فوضع ~~لهم ماء يتوضأون، فكل من بدأ بالمرفق فغسله إلى اليد علم أنها جارية، وكل ~~من بدأ باليد إلى المرفق علم أنه غلام، فأمر بنزع ثياب الغلمان فردها على ~~الجواري، ونزع ثياب الجواري وردها على الغلمان، ثم رد ما أهدت إليه. # وقوله: " إليهم " تريد به سليمان وحده لأن الملوك يخاطبون مخاطبة ~~الجماعة، كما يخبرون عن أنفسهم بلفظ الجماعة. # وقوله: { فناظرة بم يرجع المرسلون } ، أي فأنظر بأي ~~شيء يرجع رسلي بقبول الهدية أم بردها؟ ### || [27.36-40] # قوله تعالى ذكره: { فلما جآء سليمان قال أتمدونن ~~بمال } ، إلى قوله: { فإن ربي غني كريم } ، # أي فلما جاء رسولها سليمان بالهدية، قال سليمان: أتمدونني بمال، فالذي ~~أعطاني الله من الملك في الدنيا { خير ممآ آتاكم بل أنتم ~~بهديتكم تفرحون } ، أي ما أفرح بما أهديتم إلي بل أنتم ~~تفرحون بها، لأنكم أهل مفاخرة بالدنيا، ومكاثرة بها. # روي: أن رسولها لما رجع إليها بالهدية وأخبرها خبر سليمان، قالت لقومها: ~~هذا أمر من السماء لا ينبغي لنا معاندته فعمدت إلى عرشها فجعلته في آخر ~~سبعة أبيات، وأقامت عليه الحرس، ثم أقبلت إلى سليمان فرجع الهدهد وأخبر ~~سليمان بذلك، فقال عند ذلك: { أيكم يأتيني بعرشها } ، أي ~~بسريرها { قبل أن يأتوني مسلمين } ، فيحرم علي ما لهم. # وقوله: { فلما جآء } ، فوحد وقد قال عنها # فناظرة بم يرجع المرسلون # [النمل: 35]، فجمع فمعناه: فلما جاءوها سليمان. # وقيل: إن الرسول كان واحدا، وإنما قالت هي: { المرسلون } ، فجمعت ~~لأن الرسول لا بد له من خدمة وأعوان، فجمعت على ذلك المعنى. # وقد قيل: إن الرسول الذي وجهته إلى سليمان كانت امرأة. # وقيل: بل كانوا جماعة، وإنما ms1849 قال " جاء " فوحد على معنى الجمع ودل / على ~~ذلك أن في حرف ابن مسعود { فلما جآء } بالجمع وقوله: { ارجع ~~إليهم } ، يدل على أنه كان واحدا والله أعلم. # ثم قال تعالى: { ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا ~~قبل لهم بها } ، أي قال سليمان لرسول المرأة: ارجع إليهم بهديتهم ~~فلنأتينهم بجنود لا طاقة لهم بها. # { ولنخرجنهم منهآ أذلة } ، أي لنخرجنهم من بلدتهم ~~صاغرين إن لم يأتوني مسلمين. # ثم قال تعالى: { يأيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها ~~قبل أن يأتوني مسلمين }. # قال ابن عباس: كان إتيان العرش إليه قبل أن يكتب الكتاب إليها. لأنه لما ~~أتاه الهدهد فأخبره بملك سبأ وعرشها، أنكر سليمان أن يكون لأحد سلطان في ~~الأرض غيره، فقال لمن عنده من الجن والإنس: { أيكم يأتيني ~~بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين * قال عفريت من ~~الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني ~~عليه لقوي أمين } قال سليمان أريد أعجل من هذا. { قال ~~الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن ~~يرتد إليك طرفك } ، وهو رجل من الإنس كان عنده علم من ~~الكتاب فيه اسم الله الأكبر، فدعا بالاسم، فاحتمل العرش احتمالا حتى وضع ~~بين يدي سليمان بقدرة الله، فلما أتاه العرش صدق الهدهد في قوله، ووجهه ~~بالكتاب وكذلك روى الضحاك. وقال وهب بن منبه وغيره: بل كتب معه الكتاب ~~قبل أن يأتيه العرش. والكلام في التلاوة على رتبته ووصل إليه العرش بعد ~~رده الهدية. # قال وهب بن منبه: لما رجعت إليها الرسل بالهدية، وأعلموها بما كان من ~~أمر سليمان. # وقوله: قالت: قد والله علمت ما هذا بملك، وما لنا به طاقة وبعثت إليه ~~إني قادمة إليك بملوك قومي حتى أنظر ما أمرك؟ وما تدعو إليه من دينك؟ ثم ~~أمرت بسرير ملكها الذي كانت تجلس عليه، وكان من ذهب مفصص بالياقوت، ~~والزبرجد، واللؤلؤ فجعل في سبعة أبيات بعضها في بعض ثم أقفلت على ~~الأبواب، وكانت إنما يخدمها النساء، معها ست مائة امرأة يخدمنها، ثم قالت ~~لمن خلفت على سلطانها: احتفظ ms1850 بما قبلك، وسرير ملكي فلا يخلص إليه أحد ولا ~~ترينه حتى آتيك، ثم شخصت إلى سليمان في إثني عشر ألف قيل، معها من ملوك ~~اليمن تحت يدي كل قيل منهم ألوف كثيرة، فجعل سليمان يبعث الجن فيأتونه ~~بمسيرها، ومنتهاها كل يوم وليلة، حتى إذا دنت، جمع من عنده من الإنس ~~والجن ثم قال: { يأيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها ~~قبل أن يأتوني مسلمين } ، أي بسريرها، وذلك أنه خشي أن تسلم ~~فيحرم عليه أخذه، وقد وصف له، وأعجب به، فأراد أن يأخذه قبل إسلامها فيحل ~~له. قاله قتادة. # قال قتادة: كان السرير من ذهب وقوائمه من جوهر مكلل باللؤلؤ. قال ابن ~~جريج: كان من ذهب قوائمه من جوهر ولؤلؤ. # وقيل: إنما فعل ذلك ليختبر عقلها به هل تنتبه إليه إذا رأته أم لا؟ قاله ~~ابن زيد. # قال ابن عباس: معنى { مسلمين } ، طائعين أي مستسلمين لي. وقال ابن ~~جريج: معناه قبل أن يدخلوا في الإسلام فتمتنع علي أموالهم. وهو قول قتادة ~~المتقدم. وإنما خص سليمان السرير دون غيره من مملكتها لأنه أعجب به. # فعل ذلك لإعجابها به، واحتياطها عليه، فأراد أن يريها قدرة الله وعجزها، ~~وأن السبعة الأبيات التي قفلت عليه لا تنفع شيئا، فيكون ذلك حجة عليها ~~في نبوته. وقوله: { قال عفريت من الجن أنا آتيك به ~~قبل أن تقوم من مقامك } ، العفريت النافذ في الأمور المبالغ ~~فيها الذي معه خبث ودهاء، وفيه لغات: عفريت وعفرية وعفر وعفارية. # وقرأ أبو رجاء: قال: " عفرية " وجمع عفرية على عفار وجمع: عفريت على ~~عفاريت، وإن شئت عفار لأن التاء زائدة كما تقول في طاغوت طواغ، وإن شئت ~~عوضت فقلت عفاري. # / قال مجاهد: عفريت من الجن: أي ما رد من الجن. # وقال قتادة ومعمر: داهية من الجن. # وقيل: عفريت: رئيس من الجن. # قال وهب: كان اسم العفريت: كودتا. # وعن ابن عباس: أنه صخر الجني. فالمعنى: قوي على حمله، أمين على فرج هذه. # وعن ابن زيد: نحوه. # وقوله { قبل أن تقوم من مقامك } ، قال مجاهد: مقعدك الذي ms1851 ~~تقضي فيه. # وقال قتادة: يقال: مقام ومقامة: للمكان الذي يقام فيه قيل: كان سليمان ~~يجلس للناس إلى وقت نصف النهار، ثم يقوم إلى عبادة ربه، وإلى أهله. # قال ابن عباس: كان من قوة العفريت حين وصف نفسه بالقوة: أنه كان يضع ~~قدمه حيث ينال طرفه، فقال سليمان: أنا أحب أعجل من ذلك: { قال الذي ~~عنده علم من الكتاب } قيل: هو جبريل عليه السلام. وقيل هو ~~سليمان نفسه. # وذهب ابن وهب: أنه الخضر. # وقيل: هو أصف بن برخيا. # وقوله: { وإني عليه لقوي أمين } ، أي لقوي على حمله: ~~أمين على ما فيه من الذهب والجوهر لا أخون فيه. # وعن ابن عباس: أمين على فرج المرأة. # ثم قال: { قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك ~~به قبل أن يرتد إليك طرفك } ، أي قال الإنسي الذي ~~عنده علم من كتاب الله جل ذكره. # قال مجاهد: فتكلم ذلك العالم بكلام دخل العرش تحت الأرض حتى خرج إليهم. # قال الزهري: دعا الذي عنده علم من الكتاب: يا إلهنا وإله كل شيء إلها ~~واحدا لا إله إلا أنت: إيتني بعرشها. قال: فتمثل له بين يديه. # قال قتادة: كان اسمه يلجا. # وقيل: كان اسمه آصف بن برخيا. # وقال النخعي: هو جبريل صلى الله عليه وسلم. # وقيل: هو سليمان نفسه. ودل على ذلك قوله: { هذا من فضل ربي ~~}. ومعنى: { قبل أن يرتد إليك طرفك } ، أي قبل أن يصل ~~إليك من كان منك على مد بصرك، أي قبل أن يأتيك أقصى ما ترى. # وقال وهب معناه: أنا آتيك به قبل أن تمتد عينك فلا ينتهي طرفك إلى مداه ~~حتى آتيك فأمثله بين يديك فدعا فغاص العرش تحت الأرض ثم نبع إليه. # وقال وهب: توضأ آصف، وركع ركعتين، ودعا فنبع السرير من تحت الأرض، فقال ~~سليمان: { هذا من فضل ربي } ، أي هذا النصر من فضل ربي ~~ليختبرني أشكر أم أكفر، ومن شكر فلنفسه يشكر، لأن النفع إليه يرجع، ومن ~~كفر فإن ربي غني عنه، ونفسه ظلم. كريم أي تفضل على ms1852 من كفر ويرزقه. # قال مالك: كانت باليمن وكان سليمان بالشام. # وروى ابن وهب عن ابن لهيعة قال: بلغني أن الذي قال لسليمان { أنا ~~آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك } أنه الخضر. # قال الأعمش: قال الذي عنده علم من الكتاب لا إله إلا أنت رب كل شيء ~~إيتني به. قال: فإذا هو بين يديه. ### || [27.41-45] # قوله تعالى ذكره: { قال نكروا لها عرشها ننظر ~~أتهتدي } ، إلى قوله: { فريقان يختصمون }. # أي قال سليمان لما أتي بالعرش وقدمت إليه بجندها: غيروا سريرها. قاله ~~قتادة. # قال ابن عباس: زيد فيه ونقص منه. وقاله الضحاك. # " ننظر أتهتدي " أي ألها عقل تهتدي به إلى عرشها، أم لا تهتدي إليه؟. # قال الفراء: كان الشياطين قد قالوا لسليمان: إنها لا عقل لها، وإن رجلها ~~كحافر حمار، فأراد أن يعرف صحة ذلك، فغير السرير وصنع الصرح من زجاج تحته ~~ماء فيه حيتان. # وقيل: المعنى ننظر أتهتدي لهذه العظمة التي أتت بسريرها مع عظمه وبعد ~~موضعه، وأن الناس لا يتهيأ لهم حمل مثله، فتعلم أنه لا يأتي به إلا نبي ~~من عند الله، فتدع الضلالة وترجع إلى الإيمان بهذه المعجزة التي رأتها من ~~حمل سريرها من موضعه، وهي لا تشعر به ولا قومها، أم تكون من الذين يجهلون ~~ذلك. # ثم قال: { فلما جآءت قيل أهكذا عرشك } ، أي فلما جاءت ~~بلقيس سليمان أخرج لها العرش، وقال لها: أهكذا عرشك؟ فشبهته به وقالت: / ~~{ كأنه هو } ، ولم تقطع أنه هو، لأنها تركته خلفها وغلقت عليه ~~الأبواب. # وقوله تعالى { وأوتينا العلم من قبلها } ، هذا خبر من قول ~~سليمان، أي قال سليمان: وأعطينا العلم بالله وبقدرته على ما يشاء جل ذكره ~~من قبل هذه المرأة { وكنا مسلمين } ، من قبلها، قاله مجاهد ~~وغيره. # وقيل: العلم هنا التوحيد. # ثم قال: { وصدها ما كانت تعبد من دون الله } ، أي ~~وصدها عبادتها الشمس من دون الله عن أن تعلم ما علمنا، وعن أن تسلم " فما ~~" في موضع رفع بفعلها على هذا التقدير. # وقيل: المعنى: وصدها الله أو وصدها سليمان ms1853 عما كانت تعبد. ثم حذفت " عن ~~" فتعدى الفعل إلى " ما " في موضع نصب على هذا التقدير، ومثله في الحذف ~~ما أنشد سيبويه: # نبئت عبد الله بالجو أصبحت # مواليها لئيما صميمها # أي عن عبد الله. # وقرأ ابن جبير: " أنها كانت " بفتح أن وموضعها نصب على البدل من " ما " ~~على مذهب من جعل " ما " في موضع نصب، ويجوز أن تكون في موضع نصب على حذف ~~اللام، وفي موضع خفض على إرادة اللام. وهو قول الكسائي. وفي موضع رفع على ~~البدل من " ما " على مذهب من جعل " ما " في موضع رفع. # والوقف لمن كسر " إن " { من دون الله } ، ومن فتحها وقف على { ~~كافرين }. # ثم قال تعالى: { قيل لها ادخلي الصرح } ، قال وهب بن منبه: ~~أمر سليمان بالصرح فعملته له الشياطين من زجاج كأنه الماء بياضا، ثم ~~أرسل الماء تحته، ثم وضع له فيه سريره فجلس عليه وعطفت عليه الطير، ~~والجن، والإنس. # وقيل: إنه ألقى في الماء الحوت، فنظرت إلى ماء فيه حوت على ظهره سرير، ~~ولم تر الزجاج لصفائه، فرفعت ثيابها، وكشفت عن ساقيها لتخوض الماء إلى ~~سليمان. # فقيل: { إنه صرح ممرد من قوارير } ، أي من زجاج، ~~والممرد: الأملس، ومنه الأمرد. # وقيل: إنما فعل ذلك ليختبر عقلها بذلك على نحو ما اختبرته يعني في ~~توجيهها إليه الوصائف والوصفاء، ليميز بين الذكور والإناث يعاتبها بذلك. # فقال لها: ادخلي الصرح ليريها ملكا أعز من ملكها، وسلطانا أعظم من ~~سلطانها. { فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ~~ساقيها } ، لا تشك أنه ماء تخوضه، فقيل لها: { إنه صرح ~~ممرد من قوارير } ، فلما وقفت على سليمان دعاها إلى عبادة ~~الله وعابها في عبادة الشمس من دون الله، فقالت بقول الزنادقة، فوقع ~~سليمان ساجدا إعظاما لما قالت، وسجد معه الناس، وسقط في يديها حين رأت ~~سليمان صنع ما صنع، فلما رفع رأسه قال: ويحك ما قلت؟ فأنسيت ما قالت، ~~فقالت: { رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان ~~لله رب العالمين } ، فحسن إسلامها. # وقيل: إن سليمان إنما أمر ببناء الصرح، لأن ms1854 الجن خافت سليمان أن ~~يتزوجها، فأرادوا ان يزهدوه فيها فقالوا: إن رجلها رجل حمار، وإن أمها ~~كانت من الجن. فأراد سليمان أن يعلم حقيقة ما أخبرته الجن به. قاله محمد ~~بن كعب القرظي. # وقال: إن سليمان لما عمل له الصرح سخر فيه دواب البحر: الحيتان ~~والضفادع، فلما نظرت إلى الصرح، قالت: ما وجد ابن داود عذابا يقتلني به ~~إلا الغرق. فحسبته لجة وكشفت عن ساقيها، فإذا هي أحسن الناس ساقا ~~وقدما. قال: فضن سليمان بساقيها عن الموسى، فأحدثت النورة لذلك السبب ~~لسليمان. # قال مجاهد: والصرح: بركة من ماء ضرب عليها سليمان قوارير ألبسها إياه. # قال: وكانت بلقيس هلباء شعراء قدمها كحافر حمار وأمها جنية. # وعن ابن عباس قال: سمعت الجن بشأن بلقيس فوقعوا فيها عند سليمان ~~ليكرهوها إليه، وخافوا أن يتزوجها، فتظهره على أمورهم، وكانت تعلم ذلك ~~لأن أحد / أبويها كان جنيا. فقالوا: أصلح الله الملك إن في عقلها شيئا، ~~ورجلها كحافر حمار، فلما قالوا له ذلك، أراد أن يرى عقلها، ويرى قدميها، ~~فأمر بالصرح وأجرى تحته الماء وجعل فيه الضفادع والسمك، وأمر بعرشها فزيد ~~فيه ونقص منه، فلما نظرت إليه جعلت تعرف وتنكر، وقالت في نفسها: من أين ~~تخلص إلى عرشي، وهو تحت سبعة أبواب والحرس حوله؟ فلم تعرف ولم تنكر وقالت ~~{ كأنه هو } فقيل لها { ادخلي الصرح } ، إلى القصر فظنته ~~ماء، وكشفت عن ساقيها لتخوض الماء إلى سليمان، فرأى سليمان أحسن ساق ~~بخلاف ما قيل له فيها. # روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " كان أحد أبوي صاحبة سبأ جنيا ". # ومعنى: { حسبته لجة } ، أي لما رأت الماء تحت الزجاج الأبيض، ~~ودواب الماء تحته، ظنته لجة بحر وكشفت عن ساقيها لتخوض إلى سليمان. # قال مجاهد: لما كشفت عن ساقيها، فإذا هما شعراوان فقال سليمان: ألا شيء ~~من يذهب هذا؟ قالوا: الموسى، قال الموسى له أثر، فأمر بالنورة، فصنعت، ~~فكان أول من صنع النورة. # وقيل: إنه لما تزوجها قالت له: إني لم يمسني حديد قط، فعملت ms1855 النورة. # ومعنى: " ممرد " أي مشيد. # { من قوارير } ، أي من زجاج. # وقيل: الصرح: القصر. # وقيل الصحن: هو ساحة الدار. # وأصل الممرد: الأملس. ومنه: الأمرد، ومنه قولهم: شجرة مرداء: إذا سقط ~~عنها ورقها. # وقيل: الممرد: الطويل. ومنه قيل لبعض الحصون: مارد. ثم قال تعالى ذكره: ~~{ ولقد أرسلنآ إلى ثمود أخاهم صالحا }. # وقد تقدمت قصة صالح في مواضع، فأغنى عن إعادتها. # وقوله: { فإذا هم فريقان يختصمون } ، إنما جمع لأن كل ~~فريق جمع، ويجوز يختصمان، وفي الكلام حذف، والتقدير: فلما دعاهم صار قومه ~~فريقين يختصمون: مؤمن وكافر، ومصدق له ومكذب يختصمون في أمره فيما جاءهم ~~به. ### || [27.46-52] # قوله تعالى ذكره: { قال يقوم لم تستعجلون بالسيئة ~~} ، إلى قوله: { لقوم يعلمون } ، # أي قال صالح لقومه: لم تستعجلون بعذاب الله قبل رحمته؟. # قال مجاهد: وقيل السيئة: العذاب، والحسنة: العافية، وهذا يدل على أنه ~~طلبوا منه أن يحل بهم العذاب الذي توعدهم به، واستعجلوه لوقوعه أنهم ~~تكذيبا منهم للعذاب، ولما جاءهم به. # قوله: { لولا تستغفرون الله } أي هلا تسألون الله المغفرة ~~من كفركم ليرحمكم. # ثم قال تعالى: { قالوا اطيرنا بك وبمن معك } ،. أي ~~قالت ثمود لصالح تشاءمنا بك وبمن معك لما يصيبنا من القحط والشدة، وقلة ~~نماء الأموال، وذلك من اتباعك، فقال لهم صالح: { طائركم عند ~~الله } ، أي ما يصيبكم مما تكرهون عند الله علمه، ومن عند الله ~~يأتيكم. # قال قتادة: معناه: علمكم عند الله. # وقال الفراء: عند الله، ومعناه: أي في اللوح المحفوظ ما يصيبكم. مثل: ~~قوله # طائركم معكم # [يس: 19]، أي ما يصيبكم من خير وشر لازم لكم في رقابكم. # وقوله: { بل أنتم قوم تفتنون } ، أي تختبرون، أي يختبركم ~~ربكم برسالتي إليكم، فينظر طاعتكم له فيما بعثني به إليكم. # ثم قال تعالى: { وكان في المدينة تسعة رهط } ، أي كان ~~في مدينة قوم صالح تسعة أنفس { يفسدون في الأرض ولا ~~يصلحون } ، أي يكفرون بالله ولا يؤمنون به، وخص هؤلاء بالذكر، وقد ~~علم أن جميعهم كافرون، لأنهم هم الذين سعوا في عقر الناقة، وتعاونوا ~~عليها، وتحالفوا على قتل صالح ms1856 من بين ثمود. # قال ابن عباس: هم الذين عقروا الناقة، وقالوا حين عقروها: نبيت صالحا ~~وأهله فنقتلهم، ثم نقول لأولياء صالح: ما شهدنا من هذا شيئا وما لنا به ~~علم، فدمرهم الله أجمعين. # قال عطاء بن أبي رباح: بلغني عنهم أنهم / كانوا يقرضون الدراهم. # وقال الضحاك: كان هؤلاء التسعة عظماء أهل المدينة، وكانوا يفسدون، ~~ويأمرون بالفساد، فجلسوا تحت صخرة عظيمة على نهر، فقلبها الله عليهم ~~فقتلهم. # ثم قال تعالى: { قالوا تقاسموا بالله } ، أي تحالفوا كأنه ~~أمر بعضهم بعضا أن يتحالفوا بالله، ويجوز أن يكون تقاسموا فعلا ماضيا ~~في معنى الحال والتقدير: قالوا: متقاسمين بالله، والمعنى: قال تسعة ~~الرهط: تحالفوا بالله أيها القوم، أي ليحلف بعضكم بعضا لنبيتن صالحا ~~الليلة، وأهله فلنقتلنه { ثم لنقولن لوليه } ، أي ولي دمه ~~{ ما شهدنا مهلك أهله }. # قال مجاهد: تحالفوا على إهلاكه فلم يصلوا إليه حتى هلكوا هم وقومهم ~~أجمعون. # قال أبو إسحاق: قال التسعة الرهط الذين عقروا الناقة: هلم فلنقتل ~~صالحا، فإن كان صادقا أي فيما يوعدنا به من العذاب بعد الثلاث عجلناه ~~قبلنا، وإن كان كاذبا كنا قد ألحقناه بناقته. فأتوه ليلا ليبيتوه في ~~أهله فدمغتهم الملائكة بالحجارة، فلما أبطأوا على أصحابهم، أتوا منزل ~~صالح فوجدوهم متشادخين قد رضخوهم بالحجارة. # وقوله: { وإنا لصادقون } ، أي نقول لوليه: وإنا لصادقون أنا ما ~~شهدنا مهلك أهله. # ثم قال تعالى: { ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا ~~يشعرون } ، أي مكر هؤلاء التسعة بسيرهم إلى صالح ليلا ليقتلوه، ~~وصالح لا يشعر بذلك. { ومكروا مكرا } أي فأخذناهم بالعقوبة وهم ~~لا يشعرون بمكر الله. فالمعنى: ومكروا مكرا بما عملوه، ومكرنا مكرا أي ~~جازيناهم على مكرهم. # وقيل: مكر الله بهم هو: إعلامه لصالح ومن آمن به بهلاكهم، وأمره لهم ~~بالخروج من بين أظهرهم، ففعلوا، وأخذ العذاب الكفار دون غيرهم. # وقيل: المكر من الله الإتيان بالعقوبة المستحقة من حيث لا يدري العبد. # وقيل: المكر من الله: أخذه من أخذ منهم على غرة وغفلة. # قال إبراهيم بن عرفة: المكر من المخلوقين هو إظهار غير ما ms1857 في النفوس ~~ليوقعوا الحملة، ويبلغوا ما يريدون، والمكر من الله إظهار النظرة وترك ~~العقوبة عاجلا حتى يأخذه على غرة. ألم تسمع إلى قوله: # سنستدرجهم من حيث لا يعلمون * وأملي لهم ~~إن كيدي متين # [الأعراف: 182] أي أطيل لهم المدة. # روي في خبر صالح مع قومه: " أنهم قالوا: زعم صالح أنه يفرغ منا إلى ثلاث ~~فنحن نفرغ منه، ومن أهله قبل ثلاث. وكان لصالح مسجد في الحجر في شعب يصلي ~~فيه فخرجوا إلى كهف وقالوا: إذا جاء يصلي قتلناه، ثم رجعنا إذا فرغنا منه ~~إلى أهله ففرغنا منهم، فبعث الله عليهم صخرة من أهضب جبالهم فخشوا أن ~~تشدخهم فبادروا فطبقت الصخرة عليهم في ذلك، فلا يدري قومهم أين هم؟ ولا ~~يدرون ما فعل بقومهم؟ فعذب الله هؤلاء هنا، وهؤلاء هنا، وأنجى صالحا ومن ~~معه. # ثم قال: { فانظر كيف كان عاقبة مكرهم } ، أي فانظر يا ~~محمد بعين قلبك إلى عاقبة غدر ثمود لنبيهم صالح كيف كان. # { أنا دمرناهم } ، أي أهلكناهم وقومهم أجمعين. # ومن فتح { وإنا } ففيه خمسة أوجه: # الأول: أن يقدر اللام معها ثم يحذفها فتكون " أن " في موضع نصب على حذف ~~حرف الجر منها. # الثاني: أن تكون " أن " في موضع رفع بدل من عاقبة، وكيف خبر كان في ~~الوجهين. # الثالث: أن تكون في موضع نصب على خبر كان: أي كيف كان عاقبة مكرهم، ~~تدميرهم، وتكون " كيف " ظرفا عمل فيه جملة الكلام بعده، كما تقول: اليوم ~~كان زيد منطلقا. # الرابع: أن تكون " أن " في موضع رفع على إضمار مبتدأ للعاقبة والتقدير ~~هي إنا دمرناهم. # الخامس: ذكره الفراء: أن يجعل " أن " بدلا من كيف، وهذا الوجه بعيد. # فأما من كسر " إنا " فإنه يجعل " كيف ": خبر كان و " عاقبة " اسم كان / ~~ثم يستأنف فيكسر. # ثم قال تعالى: { فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا } ، ~~خاوية نصبا على الحال، ويجوز الرفع من خمسة أوجه: # الأول: أن ترفع " تلك " بالابتداء " وبيوتهم " بدل من تلك " وخاوية " ~~خبر الابتداء. # والثاني: أن ترفع " تلك " بالابتداء و " خاوية " و " بيوتهم " خبر ثاني ~~عن ms1858 الابتداء كما يقال هذا حلو حامض. # الثالث: أن ترفع " خاوية " على إضمار مبتدأ: أي هي خاوية. # الرابع: أن تجعل " خاوية " بدلا من بيوتهم كأنك قلت: فتلك خاوية. # الخامس: أن تقدر في بيوتهم الانفصال، فتجعل خاوية نعتا للبيوت تقديره ~~فتلك بيوت لهم خاوية. # والمعنى: فتلك مساكنهم خاوية منهم ليس فيها منهم أحد، قد أهلكوا بظلم ~~أنفسهم. { إن في ذلك لآية لقوم يعلمون } ، أي إن في ~~فعلنا بثمود ما قصصنا عليك لعظة لمن يعلم. # وروي: أن بيوتهم هذه المذكورة: هي بوادي القرى: وهو موضع بين المدينة ~~والشام معروف. ### || [27.53-64] # قوله تعالى: { وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون } ~~، إلى قوله: { إن كنتم صادقين } ، # أي أنجينا من عذابنا، ونقمتنا التي حلت بثمود صالحا والمؤمنين به، ~~وكانوا يتقون العذاب والنقمة، فآمنوا خوفا من ذلك، فكذلك ننجيك يا محمد، ~~ومن آمن بك عند حلول عقوبتنا بمشركي قومك. # وروي: أن صالحا صلى الله عليه وسلم لما أحل الله تعالى ذكره بقومه ما ~~أحل من العذاب، خرج هو والمؤمنين به إلى الشام فنزل رملة فلسطين. # ثم قال: { ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة } ، ~~أي واذكر لوطا وإن شئت، وأرسلنا لوطا: { إذ قال لقومه ~~أتأتون الفاحشة } يعني نكاح الرجال في أدبارهم. { وأنتم ~~تبصرون } ، أي تبصرون أنها فاحشة، إذ قد علمتم أنه لم يسبقكم إلى ما ~~تفعلون أحد. { أإنكم لتأتون الرجال } ، أي في أدبارهم ~~شهوة منكم لذلك، من دون فروج النساء التي أباح الله لكم بالنكاح { بل ~~أنتم قوم تجهلون } ، أي تجهلون حق الله عليكم فخالفتم أمره. # ثم قال تعالى: { فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ~~أخرجوا آل لوط من قريتكم } ، أي فلم يكن جواب قوم لوط ~~له لما نهاهم عن نكاح الرجال، إلا قول بعضهم لبعض: { أخرجوا آل ~~لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون } ، عما نفعله ~~نحن من إتيان الذكران. قال ابن عباس: أي يتطهرون من إتيان النساء والرجال ~~في أدبارهم. وقاله مجاهد. # ثم قال تعالى: { فأنجيناه وأهله إلا امرأته ~~قدرناها } ، يعني أنجاهم من العذاب. { إلا امرأته ~~قدرناها } ، أي ms1859 جعلناها بتقديرنا { من الغابرين } ، أي من ~~الباقين في العذاب. { وأمطرنا عليهم مطرا } ، أي حجارة من ~~السماء، أي أمطرنا الحجارة على من لم يكن حاضرا في المدائن المنقلبة على ~~من فيها منهم. { فسآء مطر المنذرين } أي فساء المطر مطر القوم ~~الذين أنذرهم الله عقابه على معصيتهم إياه. # ثم قال: { قل الحمد لله وسلام على عباده الذين ~~اصطفى } أي قل يا محمد الحمد لله. # وقال الفراء معناه: قل يا لوط الحمد لله على هلاكهم. { وسلام على ~~عباده الذين اصطفى } والقول الأول أحسن لأن القرآن على النبي ~~صلى الله عليه وسلم نزل، فهو المخاطب والمعنى: قل يا محمد الحمد لله على ~~نعمه وتوفيقه لكم. { وسلام على عباده } ، أي وأمنه من عقابه ~~الذي عاقب به قوم لوط، وصالح، على عباده الذين اجتباهم لمحمد صلى الله ~~عليه وسلم فجعلهم له أصحابا ووزراء على الدين الذي بعثه بالدعاء إليه. # قال ابن عباس: { على عباده الذين اصطفى } ، أصحاب محمد ~~عليه السلام وقاله الثوري. # ثم قال: { ءآلله خير أما يشركون } أجاز أبو حاتم تحقيق ~~الهمزتين في " ءالله " ولم يوافقه على ذلك أحد، والمعنى: أثواب الله خير ~~أم ثواب ما تشركون؟ # وقيل: " خير " هنا ليست أفعل. # والمعنى: الله ذو خير أم ما تشركون؟ وقيل: إنما أتى هذا لأنهم كانوا ~~يعتقدون، ويظنون أن في عبادة الأصنام خيرا، وفي عبادة غيرها شرا، ~~فخوطبوا على ما كانوا يظنون، ويعتقدون، لا على غير ذلك. # وقيل: المعنى الخير في هذا الذي تشركونه به في العبادة. # وحكى سيبويه: الشقاء أحب / إليك أم السعادة؟ وهو يعلم أن السعادة أحب ~~إليه. # وقيل: لفظ الاستفهام في هذا مجاز، ومعناه التبيين لهم أن الله خير لهم ~~مما يشركون به من الأصنام، وهذا النص يدل على أن الدعاوى في الديانات لا ~~تصح إلا ببرهان وحجة تدل على صحة ذلك، ولو كان الأمر على غير ذلك لم يطلب ~~من هؤلاء برهان وحجة على ما يدعون. # والمعنى: عند الطبري: قل يا محمد للمشركين، الله الذي أنعم على أوليائه ~~بالنعم التي قصها عليكم: ms1860 { خير أما يشركون } من أوثانكم التي ~~لا تنفعكم، ولا تضركم، ولا تدفع عن أنفسها، ولا عن أوليائها شرا، ولا ~~تجلب نفعا. # ثم قال تعالى: { أمن خلق السموت والأرض وأنزل ~~لكم من السمآء مآء فأنبتنا به حدآئق ذات ~~بهجة } ، أي أعبادة ما تعبدون من أوثانكم خير أم عبادة من خلق ~~السماوات والأرض فهو مردود على ما قبله على المعنى الذي تقدم ذكره. وفيه ~~معنى التوبيخ، والتقريع لهم، وفيه أيضا معنى التنبيه على قدرة الله، ~~وعجز آلهتهم، وكذلك معنى ما بعده في قوله " أمن " ، " أمن " هو كله مردود ~~على الله { خير أما يشركون } ، وفيه من المعاني ما ذكرنا من ~~التوبيخ، والتقريع، والتنبيه فافهمه كله. # والحدائق: جمع حديقة وهي البستان عليه حائط محوط، فإذا لم يكن عليه حائط ~~فليس بحديقة. # وقال قتادة: هي النخل الحسان. # قال عكرمة: الحدائق: النخل، والبهجة: الزينة والحسن. # ثم قال: { ما كان لكم أن تنبتوا شجرها } ، أي لم تكونوا ~~قادرين على إنبات شجرها، لولا ما أنزل الله من الماء { أإله مع ~~الله } ، أي أمعبود مع الله خلق ذلك؟ { بل هم قوم يعدلون ~~} ، أي يعدلون عن الحق ويجورون على عمد منهم لذلك، ويجوز أن يكون المعنى: ~~بل هو قوم يعدلون بالله الأوثان. # ثم قال: { أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالهآ ~~أنهارا } ، أي أعبادة ما تشركون خير أم عبادة من جعل الأرض قرارا أي ~~تستقرون عليها لا تميد بكم. { وجعل خلالهآ أنهارا } ، أي ~~وجعل بين أبنيتها أنهارا. { وجعل لها رواسي } ، وهي الجبال. { ~~وجعل بين البحرين حاجزا } أي بين الملح والحلو، لئلا ~~يفسد أحدهما صاحبه. # { أإله مع الله } ، أي أمعبود يعبد مع الله { بل ~~أكثرهم لا يعلمون } ، أي لا يعلمون قدر عظمة الله جل ذكره، ~~وما عليهم من الضرر في إشراكهم مع الله غيره. # ثم قال: { أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف ~~السوء } ، أي أعبادة ما تشركون خير أم عبادة من يجيب المضطر إذا دعاه ~~ويكشف السوء النازل به؟ # قال ابن جريج: السوء: الضر # ثم قال تعالى: { ويجعلكم خلفآء الأرض } ، أي سيتخلفكم ms1861 بعد ~~أمواتكم في الأرض { أإله مع الله } ، أي أمعبود مع الله { ~~قليلا ما تذكرون } ، أي قليلا ما تذكرون عظمة الله، وقبيح ما ~~تفعلون. # ثم قال تعالى: { أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ~~} ، أي أعبادة أوثانكم خير، أم عبادة من يهديكم في ظلمات البر والبحر، ~~إذا ضللتم فيهما الطريق، وخفيت عليكم السبيل فيهما. { ومن يرسل ~~الرياح بشرا } أي يرسلها حياة للأرض { بين يدي رحمته ~~} ، أي قدام الغيث الذي يحيي الأرض. # ثم قال: { أإله مع الله تعالى الله عما ~~يشركون } ، أي أمعبود مع الله، تعالى الله عن شرككم به. # ثم قال تعالى: { أمن يبدأ الخلق ثم يعيده } ، أي ~~أعبادة أوثانكم خير أم عبادة من يبدأ الخلق من غير أصل، ثم يفنيه، ثم ~~يعيده إذا شاء كهيئته { ومن يرزقكم من السمآء والأرض } ~~، أي بالغيث والنبات. # { قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين } ، أي إن زعمتم ~~أن مع الله إلها غيره يفعل ذلك، فقل لهم يا محمد: هاتوا برهانكم على ذلك، ~~ودليلكم عليه إن كنتم صادقين في دعواكم. # وقد وقعت أمن في السواد موصولة، وكان حقها أن تكون مفصولة، ولكن كتبت ~~على لفظ الإدغام. ### || [27.65-79] # قوله تعالى ذكره: { قل لا يعلم من في السموت والأرض ~~الغيب إلا الله } ، إلى قوله: { إنك على الحق ~~المبين } ، # أي قل يا محمد لمن سألك عن الساعة متى هي: لا يعلم غيبها إلا الله. # وعن عائشة أنها قالت: " من زعم أنه يخبر بما يكون في غد، فقد أعظم الله ~~الفرية، والله يقول: { قل لا يعلم من في السموت والأرض ~~الغيب إلا الله } الآية. # وقوله: { وما كان الله ليطلعكم على الغيب } ويقول: # { علم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا ~~من ارتضى من رسول }. # ثم قال: { وما يشعرون / أيان يبعثون } ، أي لا يدري أحد ~~متى يبعث لقيام الساعة. # ثم قال تعالى: { بل ادارك علمهم في الآخرة } ، أي بل ~~تكامل علمهم في الآخرة، أي يتكامل ذلك يوم القيامة، والماضي بمعنى ~~المستقبل، فالمعنى: أنهم يتكامل علمهم بصحة الآخرة، إذا بعثوا وعاينوا ~~الحقائق. { بل ms1862 هم في شك منها، بل هم منها عمون } ~~يعني في الدنيا لأنهم إذا بعثوا وعاينوا الحقائق يوم القيامة، رأوا كل ما ~~وعدوا به معاينة. # وقيل المعنى: يتابع علمهم اليوم بعلم الآخرة. وفي: بمعنى الباء، ومن ~~قرأه: إدرك على وزن إفعل: فمعناه: كمل في الآخرة كالأولى. # وقيل: معناه: الإنكار، فدل على ذلك قوله: { بل هم منها عمون } ~~، وقيل: المعنى بل إدارك علمهم بالآخرة فأيقنوا بها، وعلموها حين لم ~~ينفعهم يقينهم بها، إذ كانوا بها في الدنيا مكذبين. وقاله ابن عباس وهو ~~اختيار الطبري. في معنى هذه القراءة. # وعن ابن عباس: { بل ادارك علمهم في الآخرة } أي غاب ~~علمهم، وقال ابن زيد: ضل علمهم في الآخرة. أي بالآخرة: فليس لهم فيها علم ~~هم منها عمون. # وقال قتادة: { بل ادارك علمهم } أي لم يبلغ لهم فيها علم، ~~وقال مجاهد: { بل ادارك } معناه: إم إدارك. # وقوله: { بل هم في شك منها } ، أي هؤلاء المشركون في شك من ~~الآخرة لا يوقنون بها. { بل هم منها عمون } ، أي بل هم من ~~العلم بقيامها عمون. # وعن ابن عباس: أنه قرأ " بل أدارك " بلفظ الاستفهام وبلى بالألف، وفيها ~~بعد عند النحويين، لأن بلى إيجاب، والاستفهام في هذا الموضوع إنكار. # وقرأ ابن محيصن: بل بغير ألف أدارك بالاستفهام، وفيها أيضا بعد. ومعنى ~~الاستفهام هنا: التوقيف، وتقديرها: أدرك علمهم في الدنيا حقيقة الآخرة أم ~~لم يدرك. # وفي حرف أبي: " بل تدارك " أتى به على الأصل ولم يدغم التاء في الدال. # ثم قال: { وقال الذين كفروا أإذا كنا ترابا ~~وآبآؤنآ أإنا لمخرجون } ، أي قال الكافرون بالله المنكرون ~~للبعث: أإنا لمخرجون من قبورنا أحياء، لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل ~~محمد، فلم نر لذلك حقيقة. # { إن هذآ إلا أساطير الأولين } أي ما هذا الوعد إلا ~~ما سطره الأولون من الأحاديث في كتبهم، والعامل في إذا فعل مضمر، ~~والتقدير: أنبعث إذا كنا ترابا. # ثم قال تعالى: { قل سيروا في الأرض } ، أي قل يا محمد لهؤلاء ~~المكذبين بما جئتهم به من أخبار الأمم ms1863 قبلهم: سيروا في الأرض فانظروا ~~آثار من كان قبلكم من المكذبين رسل الله مثل ما كذبتم أنتم، واعتبروا ~~بهلاكهم، وقطع آثارهم، واحذروا أن يحل عليكم بتكذيبكم إياي مثل ما حل ~~عليهم. # ثم قال: { ولا تحزن عليهم } ، أي لا تحزن يا محمد على إعراض ~~هؤلاء المشركين عنك وكفرهم بما جئتهم به { ولا تكن في ضيق ~~مما يمكرون } ، أي لا يضيق صدرك يا محمد عن مكرهم بك، فإن الله ~~ناصرك عليهم، ومهلكهم قتلا بالسيف. # ثم قال تعالى: { ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم ~~صادقين } ، أي يقول مشركو قومك يا محمد: متى يأتي هذا الوعد الذي ~~تعدنا به من العذاب الذي يحل بنا على ما تقول؟ { إن كنتم صادقين ~~} ، في ما تعدنا به. # ثم قال: { قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي ~~تستعجلون } أي قل يا محمد لهم: عسى أن يكون اقترب لكم ودنا بعض ~~الذي تستعجلون من عذاب الله. # وقال ابن عباس: ردف لكم: اقترب لكم. # وقال مجاهد: أعجلكم. وعنه أيضا: أزف لكم، وهو قول الضحاك. # وقال أبو عبيدة: جاء بعدكم، وهو من ردفه: إذا جاء في إثره. # وقيل: تقدير الآية: قل يا محمد: عسى أن يكون بعض الذين تستعجلون ردف لكم ~~لأنه ليس من الجائز أن يلي فعل فعلا. # وقيل: إن بعد يكون إضمار القصة، أو الحديث وشبهه. و " بعض " مرفوع بردف، ~~ودخلت اللام في ردف لكم حملا على المعنى لأن معناه: اقترب لكم ودنا لكم. # وقيل: هي زائدة. والمعنى: ردفكم. # وقيل: هي متعلقة بمصدر ردف. # ثم قال: { وإن ربك لذو فضل على الناس }. أي لذو فضل ~~عليهم بتركه معاجلتهم بالعقوبة على / معصيتهم، وكفرهم به. { ولكن ~~أكثرهم لا يشكرون } ، أي لا يشكرون نعمه عندهم، بل كثير منهم ~~يشركون معه في العبادة ما لا يضرهم ولا ينفعهم، ولا فضل له عندهم ولا ~~إحسان. ثم قال تعالى: { وإن ربك ليعلم ما تكن ~~صدورهم } ، أي ما يضمرون فيها، { وما يعلنون }. أي وما ~~يظهرون، فهو يعلم الخفي والظاهر. # ثم قال جل ذكره: { وما من ms1864 غآئبة في السمآء والأرض ~~إلا في كتاب مبين } ، أي وما من مكتوم سر وخفي أمر في السماء ~~والأرض { إلا في كتاب مبين } يعني في أم الكتاب الذي أثبت ~~ربنا فيه كل ما هو كائن من لدن ابتداء الخلق إلى يوم القيامة. # قال ابن عباس: معناه: ما من شيء في السماء والأرض سرا وعلانية إلا ~~يعلمه. # ثم قال تعالى: { إن هذا القرآن يقص على بني ~~إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون } ، أي يخبرهم ~~بالحق في أكثر الأشياء التي اختلفوا فيها، وفي غير ذلك، كاختلافهم في ~~عيسى ونحوه. # ثم قال: { وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين } ، أي وإن ~~القرآن لبيان من الله ورحمة لمن صدق به وعمل بما فيه. # ثم قال تعالى: { إن ربك يقضي بينهم بحكمه } ، أي يحكم ~~بين المختلفين من بني إسرائيل بحكمه، فينتقم من المبطل، ويجازي المحسن، ~~وهو العزيز في انتقامه العليم بالمحق منهم والمبطل. ثم قال تعالى ذكره: { ~~فتوكل على الله } ، أي ثق به في جميع أمورك { إنك على ~~الحق المبين } ، أي الظاهر. ### || [27.80-93] # قوله تعالى ذكره: { إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع ~~الصم الدعآء }. إلى آخر السورة، # المعنى: إنك يا محمد لا تقدر أن تفهم الحق من طبع الله على قلبه فأماته، ~~ولا تقدر أن تسمع ذلك من أصم الله سمعه { إذا ولوا مدبرين } ~~أي إذا هم أدبروا معرضين عنه، فأما قراءة ابن كثير " ولا يسمع " بالياء " ~~الصم " بالرفع، فمعناها: ليس يسمع الصم الدعاء في حال إعراضهم، وتوليتهم ~~عنه. # ثم قال: { ومآ أنت بهادي العمي عن ضلالتهم } ، أي وما ~~أنت يا محمد بهادي من أعماه الله جل ذكره عن الهدى فجعل على بصره غشاوة { ~~إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا } ، أي ما يقدر أن يفهم ~~الحق أحد إلا من يصدق بآياتنا { فهم مسلمون }. # ثم قال تعالى: { وإذا وقع القول عليهم } ، أي إذا وجب على ~~المختلفين من بني إسرائيل والمشركين من العرب وغيرهم، غضب من الله جل ~~ذكره، إذا لم يكن في علم الله منهم راجع عن كفره، ولا تائب ms1865 من ضلاله { ~~أخرجنا لهم دآبة من الأرض تكلمهم }. أي تخبرهم ~~وتحدثهم بأن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون. # وقرأ ابن عباس، وعكرمة، وعاصم الجحدري وطلحة: { تكلمهم } بفتح ~~التاء وتسكين الكاف من كلمه إذا جرحه أي تسمهم. # قال مجاهد: وقع القول: حق القول. # وقال قتادة: وجب القول. # وقال ابن جريج: القول: العذاب. # وقال قتادة: القول: الغضب. # وخروج الدابة في قول جماعة من العلماء، إنما يكون حين لا يأمر الناس ~~بمعروف، ولا ينهون عن منكر. # قال ابن عمر وغيره: وخروجها والله أعلم بعد خروج الدجال، لأن الدجال ~~يخرج فيفتتن الناس به إلا من شاء الله، ثم يقتله عيسى ابن مريم، وتصير ~~الأديان دينا واحدا وهو الإسلام، ثم تحدث الحوادث، وتتغير الأمور بعد ~~موت عيسى عليه السلام، فتخرج الدابة فتسم الكافر بسواد في وجهه، والمؤمن ~~ببياض في وجهه. # وقد قال الضحاك - في صفة الدجال: إنه وافر الشارب، لا لحية له رأسه ~~كالقلة العظيمة طول وجهه ذراعان، وقامته في السماء ثمانون ذراعا، وعرض ~~ما بين منكبيه ثلاثون ذراعا، ثيابه، وخفاه، وسيفه وسرجه، ولجامه: بالذهب ~~والجوهر على رأسه تاج مرصع بالذهب والجوهر، في يده ظبرزين هيئته هيئة ~~المجوس، قوسه الفارسية، وكلامه بالفارسية، تطوى له الأرض ولأصحابه طيا ~~طيا، يطأ مجامعها، ويرد مياهها إلا المساجد الأربعة: مسجد مكة، ومسجد ~~المدينة، ومسجد بين المقدس، ومسجد الطور، فخروج الدابة هو آخر الآيات / ~~وهو معنى قوله تعالى: # يوم يأتي بعض ءايات ربك لا ينفع نفسا ~~إيمانها # [الأنعام: 158] وهو خروج الدابة. # وروي أنه ترفع عند ذلك التوبة، وتخبر الكافر أنه كافر، والمؤمن أنه ~~مؤمن. # وروي: أنه يجعل الله لها من الطول ما تشرف به على الناس لتكلمهم بكلام ~~يفهمونه، ويسمعونه، وتخبرهم أن الناس كانوا بآيات الله لا يوقنون، وينغلق ~~عند ذلك باب العمل ويجهل فلا ترى عالما بالدين، ويحصل كل امرئ على ما ~~قدم من خير أو شر. وهو معنى قوله: { وإذا وقع القول عليهم ~~} أي وجب عمله كل امرئ لنفسه إن خيرا فخير. وإن شرا فشر. # قال ابن عمر: تخرج ms1866 الدابة من صدع في الصفا. # وروى حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " تخرج الدابة من أعظم المساجد حرمة على الله، بينما عيسى بن مريم يطوف ~~بالبيت ومعه المسلمون، إذ تضطرب الأرض تحتهم، تحرك القنديل، وينشف الصفا ~~مما يلي المسعى، وتخرج الدابة من الصفا، أول ما يبدو رأسها، ملصقة ذات ~~وبر وريش، لن يدركها طالب ولا يفوتها هارب، تسم الناس مؤمن وكافر، أما ~~المؤمن فتترك وجهه كأنه كوكب دري، وتكتب بين عينيه نكتة بيضاء مؤمن، وأما ~~الكافر فتكتب بين عينيه نكتة سوداء كافر ". # روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " تخرج الدابة ومعها خاتم سليمان وعصا موسى، فتجلو وجه المؤمن بالعصا، ~~وتختم أنف الكافر بخاتم، ثم إن أهل الدار يجتمعون فيقولون هنا يا مؤمن ~~ويقول هنا يا كافر ". # وقد كثرت في ذلك الأخبار عن حذيفة وابن عمر كلها ترجع إلى معنى هذا ~~الحديث. # ويروى أن موسى صلى الله عليه وسلم: # " سأل الله تعالى أن يريه الدابة، فمكث ثلاثة أيام، وثلاث ليال لا يظهر ~~منها إلا رأسها، وعنقها، وظهرها ". # وعن ابن عمر أنه قال: تخرج الدابة من شعب فيمس رأسها السحاب، ورجلاها في ~~الأرض ما خرجتا، فتمر بالإنسان يصلي فتقول: ما الصلاة من حاجتك فتخطمه. ~~قال: وتخرج ومعها خاتم سليمان وعصا موسى. فأما الكافر فتختم بين عينيه ~~بخاتم سليمان فيسود، وأما المؤمن فتمسح وجهه بعصا موسى فيبيض. # قال ابن عباس: هي والله تكلمهم وتكلمهم، تكلم المؤمن وتكلم الكافر. # ثم قال تعالى ذكره: { ويوم نحشر من كل أمة فوجا } ، ~~أي واذكر يا محمد يوم نحشر من كل قرن وملة فوجا، أي جماعة منهم وزمرة { ~~ممن يكذب بآياتنا } ، أي يجحدها { فهم يوزعون } أي ~~يحبس أولهم على آخرهم فيجتمع جميعهم ثم يساقون إلى النار. # قال ابن عباس: يوزعون: يدفعون. # قال مجاهد: يحبس أولهم على آخرهم. # وقال قتادة: لهم وزعة: ترد أولهم على آخرهم. # ثم قال تعالى: { حتى إذا جآءوا قال أكذبتم بآياتي } ~~، أي جاء الأفواج واجتمعوا، قال لهم ms1867 الله جل ذكره: { أكذبتم ~~بآياتي } ، أي بحججي وأدلتي { ولم تحيطوا بها علما } ، أي ~~ولم تعرفوها حق معرفتها أماذا { كنتم تعملون } فيها من تصديق أو ~~تكذيب. # وقوله: { ولم تحيطوا } ، معطوف على { أكذبتم } فيه معنى ~~التوبيخ والتقدير. على معنى: { ولم تحيطوا بها علما } " أي ~~أكذبتم بها وقد أحطتم بها علما، لأن الألف إذا دخلت على النفي نقلته إلى ~~الإيجاب بمنزلة # ألم نشرح لك صدرك # [الشرح: 1] أي قد شرحناه لك، ودل على حذف الألف من ولم تحيطوا. قوله: " ~~أما ذا كنتم ". ولو لم تقدر الألف ويجري على معنى الإيجاب الذي أصله ~~النفي وردته الألف إلى الإيجاب لكان ذلك عذرا لهم إنهم إنما كذبوا لما ~~لم يحيطوا بعلمها، وليس الأمر كذلك بل كذبوا بعد إحاطتهم بعلمها ونزولها، ~~والدعوة إلى الإيمان بها. # وقد قيل إنه لا إضمار ألف في هذا، والمعنى: أنهم كذبوا وهم غير محيطين ~~بالعلم وبالآيات، دليله قوله: # بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه # [يونس: 39] فإذا أجريته على هذا المعنى: كانت " أم " عديلة الألف في " ~~أكذبتم " فإذا أجريته على المعنى الأول كانت " أم " عديلة الألف المحذوفة ~~في " أولم " ودالة عليها، ومعنى الكلام: التقريع، والتوبيخ، والتقرير على ~~ما قدموا، ولفظه لفظ الاستفهام، ومعناه على غير ذلك. # ثم قال: { ووقع القول عليهم بما ظلموا } ، أي وجب ~~السخط والغضب من الله بظلمهم { فهم لا ينطقون } ، بحجة ولا بعذر. # ثم قال تعالى: { ألم يروا أنا جعلنا الليل / ~~ليسكنوا فيه } ، أي ألم ير هؤلاء المكذبون تصريف الله جل ذكره ~~الليل، والنهار، وجعله الليل يسكنون فيه، أي يهدءون فيه لراحة أبدانهم من ~~تعب التصرف والتقلب نهارا. # ثم قال { والنهار مبصرا } ، أي مضيئا يبصرون الأشياء فيه، ~~ويتقلبون فيه لمعاشهم، فيعلموا أن مصرف ذلك هو الإله الذي لا يعجزه شيء ~~أراده. # ثم قال: { إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون } ، أي إن في ~~تصرف الليل والنهار لعلامات ظاهرة لقوم يؤمنون بالله وقدرته. # ثم قال تعالى: { ويوم ينفخ في الصور } ، أي واذكر يا محمد ~~يوم نفخنا في الصور وهو القرن الذي ينفخ فيه ms1868 إسرافيل. # روى أبو هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " هو قرن عظيم ينفخ فيه ثلاث نفخات: الأولى نفخة الفزع، يفزع من في ~~السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ويأمره الله فيديمها ويطولها فلا ~~يفتر، وهو الذي ذكر الله في قوله: { وما ينظر هؤلآء إلا ~~صيحة واحدة ما لها من فواق } أي ما لها من راحة فيسير ~~الله الجبال فتكون سرابا، وترتج الأرض بأهلها رجا وهي التي يقول: # { يوم ترجف الراجفة * تتبعها الرادفة } فتكون ~~الأرض كالسفينة المرنقة في البحر تضربها الأمواج تكفأ بأهلها أو كالقنديل ~~المعلق بالوتر ترجحه الأرواح فيميد الناس على ظهرها، فتذهل المراضع، وتضع ~~الحوامل، ويشيب الولدان، وتطير الشياطين هاربة، حتى تأتي الأقطار فتلقاها ~~الملائكة فتضرب وجوهها، فترجع ويولي الناس مدبرين يوالي بعضهم بعضا وهو ~~الذي يقول: # { يوم التناد * يوم تولون مدبرين ما لكم من ~~الله من عاصم } فبينما هم كذلك إذ تصدعت الأرض من قطر إلى قطر، ~~فرأوا أمرا عظيما، فأخذهم لذلك من الكرب ما الله أعلم به، ثم نظروا إلى ~~السماء فإذا هي كالمهل، ثم خسف شمسها وقمرها، وانتثرت نجومها، ثم كشطت ~~عنهم. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والأموات لا يعلمون بشيء من ذلك، قال ~~أبو هريرة: يا رسول الله فمن استثنى الله عز وجل إذ يقول: { ففزع من ~~في السموت ومن في الأرض إلا من شآء الله } قال: ~~أولئك الشهداء ". # وإنما يصل الفزع إلى الأحياء { أحياء عند ربهم يرزقون } ~~وقاهم الله فزع ذلك اليوم وأمنهم، وهو عذاب الله يبعثه على شرار خلقه، ~~ويجوز أن يكون العامل في " يوم ينطقون ". وقال مقاتل: إلا من شاء الله ": ~~جبريل وإسرافيل، وميكائيل، وملك الموت صلى الله على جميعهم وسلم، ومعنى ~~داخرين: صاغرين. # ثم قال تعالى: { وترى الجبال تحسبها جامدة } ، أي وترى ~~يا محمد الجبال يومئذ تحسبها جامدة. # قال ابن عباس: قائمة { وهي تمر مر السحاب } ، أي تسير ~~سيرا حثيثا مثل سير السحاب { صنع الله } أي صنع الله ذلك صنعا. # وقيل: المعنى: انظروا { صنع الله ms1869 الذي أتقن كل شيء ~~} ، أي أحكمه وأوثقه. # ومن نصب { صنع الله } على المصدر لم يقف على السحاب، لأن الجملة ~~دلت على الفعل العامل، ومن نصبه على انظروا صنع الله، جاز الوقف على ~~السحاب. # ثم قال تعالى. { من جآء بالحسنة فله خير منها } ، أي ~~من جاء بالحسنة فله من ثواب الله ما هو خير من عمله، وله أفضل من ثواب ~~عمله، لأن الله جل ذكره يعطي من الثواب فضلا لا يستحقه العبد بعمله، ~~زيادة منه وتفضلا وإحسانا. # وقوله: { ومن جآء بالسيئة } ، أي بالسيئات التي فيها الشرك { ~~فكبت وجوههم في النار } ، ولم يذكر زيادة لأنه تعالى إنما ~~يعذبهم على قدر كفرهم. # وقيل: من جاء بالتوحيد والإيمان فله عند الله خير من أجل ما جاء به وهو ~~الجنة. # { وهم من فزع يومئذ آمنون } ، من نون " فزعا " فمعناه: ~~أنهم آمنون من كل فزع؛ فزع ذلك اليوم، وفزع ما يخافون العقوبة عليه من ~~أعمالهم السالفة. # ومن لم ينون فمعناه: وهم من فزع ذلك اليوم آمنون. # ثم قال تعالى. { ومن جآء بالسيئة } ، أي بالشرك / { ~~فكبت وجوههم في النار }. # قال ابن عباس: الحسنة لا إله إلا الله، والسيئة: الشرك. # وقال قتادة: الحسنة: الإخلاص، والسيئة: الشرك. # قال عكرمة: كل شيء في القرآن، السيئة: فهو الشرك # قال علي بن الحسين: أنا في بعض خلواتي حتى رفعت صوتي، أقول لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيى ويميت، بيده الخير وهو ~~على كل شيء قدير. # قال: فرد علي رجل: ما تقول يا عبد الله؟ قال: قلت: أقول ما تسمع، قال: ~~فها إنها الكلمة التي قال الله تعالى. { من جآء بالحسنة فله ~~خير منها }. # قال ابن عباس: { فله خير منها } ، أي فمنها وصل إليه الخير. # وقال ابن زيد: أعطاه الله بالواحدة: عشرا فهدا خير منها. # ثم قال: { إنمآ أمرت أن أعبد رب هذه البلدة } ~~، أي قل ذلك يا محمد. # البلدة: مكة، والذي حرمها نعت للرب: { وأمرت أن أكون من ~~المسلمين } ، أي أمرني ربي بذلك { وأن أتلو ms1870 القرآن } ، ~~أي وأمرني ربي بتلاوة القرآن. { فمن اهتدى فإنما يهتدي ~~لنفسه } ، أي من آمن بي نفع نفسه لدفعه عنها العذاب في الدنيا ~~والآخرة. # ومن ضل فإنما يضل عليها # [يونس: 108] أي ومن كفر بي وجحد نبوتي، وما جئت به فإنما يضر نفسه، إذ ~~يوجب لها العذاب والسخط عند الله بكفره وضلاله عن الهدى. # وقوله: { فقل إنمآ أنا من المنذرين } ، أي إنما أنا ~~ممن ينذر قومه عذاب الله وسخطه، وقد أنذرتكم ذلك. { وقل الحمد ~~لله سيريكم آياته فتعرفونها } ، أي وقل يا محمد لهؤلاء ~~القائلين: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين: الحمد لله على نعمه علينا، ~~وفقنا للإيمان، وللإسلام الذي أنتم عنه عمون { سيريكم آياته } أي ~~آيات عذابه فتعرفونها أي يريكم علامات عذابه فتعرفونها، يعني في أنفسكم، ~~وفي السماء، والأرض، والرزق. # ثم قال تعالى: { وما ربك بغافل عما تعملون } ، أي وما ~~ربك يا محمد بغافل عما يعمل هؤلاء المشركون، ولكن يؤخرهم إلى أجل هم ~~بالغوه. # ومن قرأ بالتاء فجعل المخاطبة للمشركين. ### | [28 - سورة القصص] ### || [28.1-8] # قوله تعالى ذكره: { طسم * تلك آيات الكتاب المبين } ، ~~إلى قوله: { كانوا خاطئين }. # قد تقدم تفسير " طسم " ، والمعنى هذه آيات الكتاب الذي أنزله إليك يا ~~محمد المبين: أنه من عند الله، لم تتقوله ولا تخرصته، وفي هذا إشارة إلى ~~أن الله قد أعلم من قبل محمد من النبيين أنه سينزل على نبي كتابا ~~مبينا، فذلك معنى الإشارة في قوله: { تلك آيات } ، أي هذه الآيات ~~التي وعد الله أن ينزلها وكذلك ما شابهه مثله. # وقال قتادة: المعنى: المبين بركته ورشده وهداه. # وقيل: المعنى: المبين الحق من الباطل، والحلال من الحرام، وقصص ~~الأنبياء، ونبوة محمد عليه السلام. # يقال: أبان الشيء وبان. # ثم قال تعالى: { نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون ~~}. # أي نقرأ عليك يا محمد رسولنا، ونقص عليك من خبر موسى وفرعون { لقوم ~~يؤمنون } ، أي لقوم يصدقون بهذا الكتاب، فيزدادون عند سماع ما لم ~~يكونوا يعلمون تصديقا وإيمانا ويعلمون أن من عاداك مصيره كمصير من ~~عادى موسى. # ثم قال تعالى: { إن ms1871 فرعون علا في الأرض } ، أي تجبر ~~وتكبر، لم يرد علو مكان، وعلى ذلك ما وصف الله بالعلو، ليس هو علو مكان { ~~وجعل أهلها شيعا } ، أي فرقا يذبح طائفة، ويستحيي طائفة، ~~ويعذب طائفة، ويستعبد طائفة. { إنه كان من المفسدين } ، أي ~~ممن يفسد في الأرض بقتله من لا يستحق القتل، واستعباده من ليس له ~~استعباده، وتجبره بغير حق. # قال السدي: رأى فرعون في / منامه أن نارا أقبلت من بيت المقدس حتى ~~اشتملت على بيوت مصر، فدعا السحرة والكهنة والقافة فسألهم عن رؤياه، ~~فقالوا: يخرج من هذا البلد الذي جاء بنو إسرائيل منه، يعنون بيت المقدس ~~رجل يكون على وجهه ذهاب مملكتك، وكان بنو إسرائيل لا يولد لهم غلام إلا ~~ذبحه، ولا يولد لهم جارية إلا تركت. وقال للقبط: انظروا مملوكيكم الذين ~~يعملون خارجا فأدخلوهم، واجعلوا بني إسرائيل يلون تلك الأعمال القذرة، ~~فجعل بنو إسرائيل في أعمال غلمانهم، وأدخلوا غلمانهم، فذلك قوله: { ~~وجعل أهلها شيعا } وواحد الشيع: شيعة، وهي الفرقة التي يشيع ~~بعضها بعضا أي يعاونه. # قال أبو إسحاق: إنما فعل ذلك لأن بعض الكهنة قال له: إن مولودا يولد مع ~~ذلك الحين يكون سبب زوال ملكه. فالعجب من حمق فرعون إن كان الكاهن عنده ~~صادقا فما يغني القتل، وإن كان كاذبا فما يصنع بالقتل. # ثم قال تعالى: { ونريد أن نمن على الذين استضعفوا ~~في الأرض } ، يعني بني إسرائيل الذين استضعفهم فرعون، فكان يذبح ~~أبناءهم ويستحيي نساءهم، وكان بنو إسرائيل اثني عشر سبطا، بالسبط الذي ~~كان منهم موسى الذي كان فرعون يذبح أبناءهم، ويستحيي نساءهم. # وهم سبط النبوة، وكان فرعون جعل على نساء ذلك السبط حفظة من النساء، ~~فإذا حملت المرأة دونها عنده في الدواوين فإن وضعت ذكرا ذبحه، وإن وضعت ~~أنثى تركها، وكان الكهان يأتون فرعون كل يوم فيخبرونه بما يرون في ~~كهانتهم. # قوله: { ونجعلهم أئمة } أي ولاة وملوكا. { ونجعلهم ~~الوارثين } ، قال قتادة: يرثون الأرض من بعد فرعون وقومه. # { ونمكن لهم في الأرض } ، أي نوطئ لهم في أرض الشام ومصر. ~~{ ونري فرعون ms1872 وهامان وجنودهما منهم ما كانوا ~~يحذرون } ، أي نريهم زوال ملكهم على يد الرجل الذي قد حذروا أمره، ~~وقتلوا الولدان من جهته، وهو موسى صلى الله عليه وسلم. # وذكر ابن وهب عن رجاله: أن فرعون ولي بني إسرائيل أربعمائة عام وأربعين ~~عاما، فأضعف الله ذلك لبني إسرائيل، فولاهم على آل فرعون بعده ثمانمائة ~~عام وثمانين عاما. قال: وإن كان الرجل ليعمر ألف سنة في القرون الأولى، ~~وما يحتلم حتى يبلغ عشرين ومائة سنة. # وروى ابن زيد عن أبيه، قال: كان في الزمان الأول يمر بالرجل أربعمائة ~~سنة قبل أن يرى فيها جنازة. فقوله: { أن نمن على الذين ~~استضعفوا } إلى قوله: { الوارثين } هو قوله: { ما كانوا ~~يحذرون } ، فهذا هو الذي كان فرعون يحذر، كان يحذر أن يمن الله على ~~الذين استضعفوا في الأرض عند فرعون، وأن يجعلهم أئمة، وأن يجعلهم ~~الوارثين لأرض فرعون وملكه. # ثم قال تعالى ذكره: { وأوحينآ إلى أم موسى أن ~~أرضعيه } ، أي وقذفنا في قلب أم موسى، إذ ولدته أن ترضعه، وقيل: هي ~~رؤيا رأتها. # قال السدي: أمر فرعون أن يذبح الأولاد من بني إسرائيل سنة ويتركوا سنة ~~فعلت بموسى في السنة التي يذبحون فيها الأولاد، فلما أرادت وضعه حزنت من ~~شأنه فأوحى الله إليها أن أرضعيه. الآية. # قال ابن جريج: أمرت أن ترضعه ما أمنت عليه، فإذا خافت عليه ألقته في ~~البحر. # فلما بلغ أربعة أشهر وصاح، وابتغى من الرضاع أكثره، ألقته حينئذ في اليم ~~إذ خافت عليه. # وقال السدي: وضعته وأرضعته ثم دعت له نجارا فعمل له تابوتا، وجعلت ~~مفتاح التابوت من داخل، وجعلته فيه وألقته في اليم وهو النيل. # ثم قال: { ولا تخافي } ، أي لا تخافي على ولدك من فرعون وجنده أن ~~يقتلوه { ولا تحزني } لفراقه. قال ابن زيد: لا تخافي البحر عليه، ~~ولا تحزني لفراقه. { إنا رآدوه إليك } ، للرضاع فترضعيه أنت { ~~وجاعلوه من المرسلين } أي باعثوه رسولا إلى هذه الطاغية. # ثم قال تعالى: { فالتقطه آل فرعون ليكون لهم ~~عدوا وحزنا } ، يعني التقطه من النيل جواري ms1873 امرأة فرعون آسية. ~~خرجن يغتسلن فوجدن التابوت، فأدخلنه إلى آسية، فوقعت عليه رحمتها ~~وحنينها، فلما أخبرت به فرعون، أراد أن يذبحه، فلم تزل تكلمه حتى تركه ~~لها. # وقال: إني أخاف أن يكون هذا من بني إسرائيل /، وأن يكون هذا الذي على ~~يديه هلاكنا، ولذلك قال تعالى: { ليكون لهم عدوا وحزنا }. # وقال محمد بن قيس: كانت ابنة فرعون برصاء، فجاءت إلى النيل فإذا التابوت ~~في النيل تخفقه الأمواج، فأخذته ابنة فرعون، فلما فتحت التابوت، فإذا هي ~~بصبي، فلما نظرت إلى وجهه برأت من البرص، فجاءت إلى أمها، وقالت: إن هذا ~~الصبي مبارك، لما نظرت إليه برأت. فقال فرعون: هذا من صبيان بني إسرائيل، ~~هلم حتى أقتله فقالت: # قرت عين لي ولك لا تقتلوه # [القصص: 9]. # وقال ابن إسحاق: وأجمع فرعون في مجلس له على شفير النيل، كان يجلسه على ~~كل غداة فبينما هو جالس إذ مر النيل بالتابوت فقذف به، وآسية بنت مزاحم ~~امرأته جالسة إلى جنبه. فقال: إن هذا الشيء في البحر، فأتوني به، فخرج ~~إليه أعوانه، حتى جاءوا به، ففتح التابوت، فإذا فيه صبي في مهده، فألقى ~~الله عليه محبته وعطف عليه نفسه. قالت امرأته آسية: # لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا # [القصص: 9]. # وحكى الكسائي: في تصغير آل: أويل والأكثر على رده إلى الأصل، فيقولون: ~~أهيل وإذا أضيف إلى اسم صحيح ليس بموضوع لمعرفة ردوه إلى الأصل. فقالوا: ~~هم أهل الرجل، وأهل المرأة. وكذلك إن أضافوا إلى مضمر أو إلى بلد. قالوا: ~~هم أهلك، وأهل الكوفة، وقوله: { ليكون لهم عدوا وحزنا }. # اللام لام كي، والمعنى أنه لما كان في علم الله أن يكون لهم عدوا ~~وحزنا، صاروا كأنهم إنما التقطوه لكي يصير لهم عدوا وحزنا، فصاروا ~~كأنهم التقطوه لذلك، وإن لم يقصدوا ذلك إنما آل أمرهم إلى أن كان لهم ~~عدوا وحزنا، صاروا كأنهم التقطوه لذلك، ومثله: # فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري ~~عنهما من سوءاتهما # [الأعراف: 20]. لم يعرف إبليس أنهما إذا أكلا بدت لهما سوآتهما، ولا ms1874 قصد ~~لذلك إنما قصد ليوقعهما في الخطيئة، فبدت لهما سوآتهما عند مواقعة ~~الخطيئة فصار كأنه فعل ذلك ليبدي لهما سوآتهما وإن لم يكن قصده لذلك. وهي ~~لام العاقبة ولام الصيرورة وهذا كما قال: " فللموت ما تلد الوالدة " لم ~~تلد المولود ليموت ولا للموت، ولكن كانت العاقبة إلى الموت، تكون صارت ~~كأنها ولدته لذلك والحزن والحزن لغتان، كالسقم والسقم. # وقيل: الحزن: الاسم، والحزن المصدر. # وقوله تعالى: { كانوا خاطئين } ، أي آثمين بفعلهم، يقال خطئ ~~يخطأ: إذا تعمد الذنب. # ويروى: أن فرعون كان له رجال مخضبة أيديهم بالحناء قد شدوا أوساطهم ~~بالمناطق وفيها السكاكين يذبحون الأطفال، فولدت أم موسى موسى، ولا علم ~~عندهم به، فأوحى الله إليها أن ترضعه، فإن خافت عليه ألقته في اليم يعني ~~النيل، فخافت عليه، فجعلته في تابوت وغلقت عليه، وعلقت المفاتيح في ~~التابوت، وألقته في النيل، وكان لامرأة فرعون جوار يسقين لها الماء من ~~موضع من النيل لا تشرب من غيره، فلما أتى الجواري يستقين وجدن التابوت، ~~فأردن فتحه، ثم قال بعضهم البعض: إن فتحناه قبل أن تراه سيدتنا اتهمنا. ~~وقالت: وجدتن فيه شيئا غير هذا، ولكن دعنه على حاله حتى تكون هي التي ~~تفتحه وهو أحصى لكن عندها، فذهبن بالتابوت إليها، ففتحت التابوت فإذا ~~موسى، فكان من قصته ما ذكره الله لنا، وقد تقدم من قصته في مريم نحو هذا ~~أو أشبع منه. ### || [28.9-14] # قوله تعالى ذكره: { وقالت امرأة فرعون قرت عين لي ~~ولك } ، إلى قوله: { نجزي المحسنين } ، # أي قالت آسية لفرعون: هذا الغلام قرة عين لي ولك، لا تقتلوه. # ومعنى: قرة عين: أي برد لعيني وعينك (لا تستحر) أعيننا بالبكاء، فهو من ~~القر، وهو البرد. # وقيل هو من قر بالمكان أي لم يبرحه. # وروي: أن امرأة فرعون لما قالت له هذا قال: أما لك فنعم، وأما لي فلا، ~~فكان كما قال. # قال ابن عباس: لما أتت امرأة فرعون بموسى فرعون قالت: قرة عين لي ولك، ~~قال فرعون: يكون لك /، وأما لي فلا حاجة لي فيه. فقال ms1875 النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " والذي يحلف به لو أقر فرعون أنه يكون له قرة عين كما أقرت لهداه الله ~~جل ذكره به كما هدى به امرأته، ولكن الله حرمه ذلك " # وقوله تعالى: { لا تقتلوه } ، بلفظ الجماعة إنما ذلك لأنها خاطبته ~~كما يخاطب الجبار، وكما يخبر الجبار عن نفسه بلفظ الجماعة. ويروى: أنها ~~إنما قالت لفرعون ذلك، يوم نتف موسى لحية فرعون، فأراد فرعون قتله. # وقيل: بل قالته له حين التقطه آل فرعون فأراد فرعون قتله. وقوله: { ~~وهم لا يشعرون } ، أي لا يشعرون أن هلاكهم على يديه، وفي زمانه. # قال قتادة. وقال مجاهد: { لا يشعرون } أنه عدو لهم. ~~وقيل: هذا الضمير على بني إسرائيل يعود، والمعنى: وبنو إسرائيل لا يشعرون ~~ذلك. # ثم قال تعالى: { وأصبح فؤاد أم موسى فارغا } أي أصبح ~~فارغا من كل شيء سوى ذكر موسى. قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة والضحاك. ~~وقال ابن زيد: معناه أصبح فارغا من الوحي الذي قال لها الله فيه: # ولا تخافي ولا تحزني إنا رآدوه إليك # [القصص: 7]، فحزنت عليه وخافت. قال: جاءها إبليس فقال: يا أم موسى: كرهت ~~أن يقتل فرعون موسى، فيكون لك أجره، وثوابه، وتوليت قتله، وألقيته في ~~البحر وغرقته. قال الحسن: أصبح فارغا من العهد الذي عهد إليها والوعد ~~الذي وعدت أن يرد عليها ابنها، فنسيت ذلك كله، حتى كادت أن تبدي به لولا ~~أن ربط الله على قلبها بالصبر لأبدت به. # قال ابن إسحاق: كانت أم موسى ترجع إليه حين ألقته في البحر، هل تسمع له ~~بذكر حتى أتاها الخبر بأن فرعون أصاب الغداة صبيا في النيل في التابوت، ~~فعرفت القصة، ورأت أنه قد وقع في يدي عدوه الذي فرت به منه، فأصبح فؤادها ~~فارغا من عهد الله جل ثناؤه إليها فيه، قد أنساها عظيم البلاء، ما كان ~~من العهد عندها من الله فيه. # قال ابن زيد: { إن كادت لتبدي به } ، أي بالوحي. # وقال ابن عباس: كادت تقول: وابناه. # وكذلك قال قتادة. # قال أبو عبيدة: فارغا من الحزن ms1876 لما علمت أنه لم يغرق. # قال السدي: لما أخذ ثديها في الرضاع كادت تقول: هو ابني، فعصمها الله. # وعن ابن عباس: أن معناه: أصبح فؤاد أم موسى فارغا من كل شيء إلا من ذكر ~~موسى، كادت أن تخبر به، فتقول: الذي وجدتموه في التابوت هو ابني، ونسيت ~~ما وعدها الله به أنه يرده عليها، فثبتها الله، وربط على قلبها بالصبر، ~~حتى رجع إليها كما وعدها الله. # وروى ابن وهب، وابن القاسم عن مالك: أنه قال: فارغا هو ذهاب العقل في ~~رأيي، يقول الله تعالى: { لولا أن ربطنا على قلبها }. # وعن ابن عباس: إن كادت لتبدي به، قال: إن كادت لتقول: يا بنياه. # وقال زيد بن أسلم: معناه: فارغا من الوحي الذي أوحى الله إليها حين ~~أمرها أن تلقيه في البحر. # وقال الأخفش: لتبدي به بالوحي، كقول ابن زيد. # وقوله: { لولا أن ربطنا على قلبها } ، أي عصمناها من ~~إظهار خبره. # وقال قتادة: ربطنا على قلبها بالإيمان لتكون من المؤمنين. # ثم قال تعالى: { وقالت لأخته قصيه } أي قصي أثره أي اتبعي ~~أثره، فانظري أخرجه أحد من البحر، ومن التابوت أم لا؟ فإن أخرج فانظري ~~ماذا يفعلون به؟. # وقيل معناه: انظري أحي هو أم أكلته دواب البحر؟ ثم قال: { فبصرت ~~به عن جنب } وفي الكلام حذف، والتقدير: فقصت أخت موسى أثره، فبصرت ~~بموسى عن بعد، ولم تقربه لئلا يعلم أنها من قرابته، يقال: بصرت به ~~وأبصرته، ويقال: عن جنب وعن جنابة، ومنه قولهم: فلان أجنبي. # قيل عن جنب: أي أبصرته عن شق عينها اليمنى. { وهم لا يشعرون } ~~، بها أنها أخته. # وعن ابن عباس: على جنب والجنب أن يسمو بصر الإنسان إلى الشيء البعيد وهو ~~إلى جنبه /، لا يشعر به. # وحكى بعض المفسرين: عن جنب: عن شوق. # قال أبو عمرو: وهي لغة لجذام، يقولون: تجنبت إليك أي تشوقت. وقوله: { ~~وهم لا يشعرون } ، أي وآل فرعون لا يشعرون أنها أخته جعلت تنظر ~~إليه كأنها لا تريده. # وقيل معناه: وهم لا يشعرون ما يصير إليه أمر ms1877 موسى، ولا يعلمون كرامته ~~على الله. # ثم قال تعالى: { وحرمنا عليه المراضع من قبل }. أي ~~ومنعنا موسى المراضع أن يرتضع منهن من قبل رده إلى أمه. وقيل: من قبل ~~أمه. # وقيل معناه: منعناه قبول ذلك. # وقيل: هو من المقلوب. ومعناه: وحرمنا على المراضع رضاعه، والتحريم بمعنى ~~المنع، معروف في اللغة، وواحد المراضع: مرضع، ومن قال: مراضع، فهو جمع: ~~مرضاع، ومفعال، بناء للتكثير، ولا تدخل الهاء في مؤنثه إذ ليس بجار على ~~الفعل، وقد قالوا: مرضاعة، فأدخلوا الهاء للمبالغة لا للتأنيث، كما ~~قالوا: مطرابة. # ثم قال: { فقالت هل أدلكم على أهل بيت ~~يكفلونه لكم }. # قال السدي: أرادوا له المرضعات فلم يأخذ من ثدي أحد من النساء وجعل ~~النساء يطلبن ذلك لينزلن عند فرعون في الرضاع. ويروى: أن فرعون بلغ منه ~~الغم بامتناعه من الرضاع كل مبلغ حتى كان أخذه فرعون على يديه وجعل يطلب ~~له الرضاع بنفسه ويشفق عليه من البكاء، فلما قالت لهم أخته ما قالت ~~استراح فرعون إلى قولها، وطمع أن يقبل موسى رضاعها فقال: جيئني بها، ~~فذهبت إلى أمها فجاءت بها، فأمرها فرعون برضاعه، فقبل ثديها، وسكت، فسر ~~بذلك فرعون وهذا من عجيب لطف الله. ومعنى: يكفلونه: يضمونه. # وقالت: { وهم له ناصحون } ، روي: أنها لما قالت ذلك، قالوا ~~لها: ومن هي؟ قالت: أمي، قالوا لها: أو لأمك لبن؟ قالت: نعم، لبن أخي ~~هارون. # وكان هارون ولد في سنة لم يكن فيها ذبح. # روي: أن فرعون كان يذبح سنة ويترك سنة. # وروي: أنه كان ترك الذبح أربع سنين، فولد هارون في آخرها، فأرسلت امرأة ~~فرعون إلى أم موسى، وقالت لها: هذا الصبي أرضعيه، ولك عندنا الكرامة، مع ~~ما لك من القدر عندنا، ولزوجك، فأخذته وأتم الله وعده لها برده إليها، ~~فلما صار موسى إليها لم يبق أحد من خاصة فرعون إلا أكرمها، وكان زوجها ~~عمران قد احتبسه فرعون عنده، فرده عليها. # ويروى أن فرعون قال لأم موسى: كيف ارتضع هذا الصبي منك؟ ولم يرتضع من ~~غيرك؟ فقالت: لأني امرأة ms1878 طيبة الريح، طيبة اللبن، فلا أكاد أوتى بصبي إلا ~~ارتضع مني. # وروي: أنها لما قالت: { وهم له ناصحون } ، أخذوها، فقيل لها: ~~قد عرفته، فقالت: إنما عنيت أنهم للملك ناصحون، قال السدي وابن جريج. # ثم قال تعالى: { فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ~~ولا تحزن } ، أي رددنا موسى إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن عليه، ~~وليتم الوعد الذي وعدها الله به في قوله جل ذكره: # ولا تخافي ولا تحزني # [القصص: 7]، وهو قوله: { ولتعلم أن وعد الله حق ~~ولكن أكثرهم لا يعلمون } ، أي أكثر المشركين لا ~~يعلمون أن وعد الله حق، ولا يصدقون به. # ثم قال تعالى: { ولما بلغ أشده واستوى } ، أي استكمل ~~نهاية قوة الرجل. # قال مجاهد وقتادة: واستوى: بلغ أربعين سنة. # وقيل: الاستواء: ستون سنة. # وقال ابن عباس: الأشد: ثلاث وثلاثون سنة، وقاله مجاهد وقتادة. # وقيل: هو اثنان وعشرون سنة، فبها تبلغ الزيادة في الطول حدها في ~~الاستواء. # { آتيناه حكما وعلما } ، أي فهما في الدين ومعرفة به. # قال مجاهد: هو الفقه، والعقل، والعمل. وذلك قبل النبوة. { وكذلك ~~نجزي المحسنين } ، أي كما جازينا موسى على طاعته، كذلك نجزي كل ~~من أطاع، وإنما جعل الله إتيانه العبد الحكم والعلم جزاء على الإحسان، ~~لأنهما يؤديان إلى الجنة التي هي جزاء المحسنين. # واختلفت في الأشد: فقيل: هو جمع أشد. # وقيل: لا واحد له. # / وقيل: هو جمع: شدة. ### || [28.15-19] # قوله تعالى ذكره: { ودخل المدينة على حين غفلة من ~~أهلها } إلى قوله: { من المصلحين } ، # أي ودخل موسى منفا من مصر على حين غفلة من أهلها، وهو نصف النهار. # وقيل: بين المغرب والعشاء. # قال السدي: كان موسى حين كبر، يركب مراكب فرعون، ويلبس ما يلبس، وكان ~~إنما يدعى موسى بن فرعون، ثم إن فرعون ركب مركبا وليس عنده موسى، فلما ~~جاء موسى قيل له: إن فرعون قد ركب، فركب موسى في إثره، فأدركه المقيل ~~بمنف فدخلها نصف النهار، وليس بطرقها أحد. # وقال ابن إسحاق: كانت لموسى لما كبر وفيهم شيعة من بني إسرائيل، يسمعون ~~منه، ويقتدون ms1879 به، ويطيعونه، ويجتمعون إليه، فلما اشتد رأيه، وعرف ما هو ~~عليه من الحق، رأى فراق فرعون وقومه على ما هم عليه حقا في دينه، فتكلم، ~~وعادى، وأنكر حتى ذكر ذلك منه، وحتى خافوه، وخافهم، وحتى كان لا يدخل ~~قرية فرعون إلا مستخفيا، فدخلها يوما على حين غفلة من أهلها. # وقال ابن زيد: معناه: على حين غفلة من ذكر موسى، ليس غفلة ساعة، وذلك أن ~~فرعون خاف موسى، فأخرجه عنه، فلم يدخل عليهم حتى كبر، فدخل وقد نسي ذكره، ~~وغفل عن أمره. # قال ابن عباس: دخل نصف النهار وقت القائلة، وعنه: دخل بين المغرب ~~والعشاء. # ثم قال: { فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من ~~شيعته وهذا من عدوه } ، أي أحدهما إسرائيلي من أهل دينه، ~~والآخر قبطي من قوم فرعون وعلى دينه، وذكر أنهما اقتتلا في الدين ~~الإسرائيلي على دين موسى والقبطي على دين فرعون، فعند ذلك حميت نفس موسى ~~في الدين، فوكز القبطي، فأتى عليه ومات من وكزته. # وعدو هنا بمعنى أعداء، وكذلك يقال في المؤنث. ومن العرب من يدخل الهاء ~~يجعله بمعنى: معادية. # ثم قال: { فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من ~~عدوه }. # قال ابن جبير: مر موسى برجل من القبط قد سخر رجلا من المسلمين فلما رأى ~~المسلم موسى استغاث به، فقال: يا موسى، يا موسى، فقال موسى: خل سبيله، ~~فقال القبطي: قد هممت أن أحمله عليك، فوكزه موسى فمات، قال: حتى إذا كان ~~الغد نصب النهار، خرج ينظر الخبر، فإذا ذاك الرجل قد أخذه آخر، فقال: يا ~~موسى، فاشتد غضب موسى على القبطي فأهوى إليه، فخاف المسلم أن يكون إنما ~~أتاه يريده، فقال له: { أتريد أن تقتلني كما قتلت ~~نفسا بالأمس }. # فقال القبطي: يا موسى أراك أنت الذي قتلت بالأمس. # قال ابن عباس: لما بلغ موسى أشده لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد ~~من بني إسرائيل معه بظلم ولا بسخرة، حتى امتنعوا كل الامتناع. # فبينا هو يمشي ذات يوم في ناحية المدينة، إذا هو برجلين يقتتلان: ms1880 أحدهما ~~من بني إسرائيل والآخر من آل فرعون، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني، ~~فغضب موسى، فوكز الفرعوني فقتله، ولم يرهما أحد إلا الله جل ذكره، فقال ~~موسى لما مات: { هذا من عمل الشيطان إنه عدو ~~مضل مبين } ، وفي هذا الحديث اختصار. # قال مجاهد: وكزه بجمع كفه. # وقال قتادة: وكزه بالعصا ولم يتعمد قتله فقضى عليه أي ففزع منه. وروى ~~أنه دفنه لما مات في الرمل. ثم قال تعالى: { قال رب إني ظلمت ~~نفسي فاغفر لي فغفر له }. # أي قال موسى: يا رب إني أسأت إلى نفسي بقتلي القبطي، فاستر علي ذنبي ~~فستره الله عليه. # قال ابن جريج: إنما قال: ظلمت نفسي بقتلي، من أجل أنه لا ينبغي لنبي أن ~~يقتل حتى يؤمر. { إنه هو الغفور الرحيم } ، أي الساتر لذنب ~~من آمن به واستغفره. { الرحيم } ، للتائبين أن يعاقبهم على ذنوبهم ~~بعد أن تابوا منها. # ثم قال: { قال رب بمآ أنعمت علي فلن أكون ~~ظهيرا للمجرمين }. # أي قال موسى: يارب بعفوك عني في قتل هذه النفس فلن أكون عوينا ~~للمجرمين. # وتقدير الكلام عند الفراء أنه بمعنى الدعاء، كأنه قال: اللهم فلن أكون ~~عوينا للمجرمين. # وقيل: معنى الكلام الخبر، وتقديره /، لا أعصيك لأنك أنعمت علي، وهذا ~~معنى قول ابن عباس. # ثم قال تعالى: { فأصبح في المدينة خآئفا يترقب } أي ~~أصبح موسى خائفا من قوم فرعون، يترقب الأخبار، أن يعرفوا القصة فيقتلوخ ~~بالقبطي. { فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه } ~~أي فإذا الإسرائيلي الذي استنصر موسى بالأمس على الفرعوني، يستصرخ موسى، ~~أي يصيح وهو من الصراخ. ثم قال له موسى: { إنك لغوي مبين } ~~يوبخ الإسرائيلي، لأن موسى نادم على ما قد سلف منه من قتله القبطي ~~بالأمس. ومعنى: { لغوي } أي لذو غواية { مبين } أي أبنت غوايتك ~~بقتالك أمس رجلا، واليوم آخر. # قال ابن عباس: أتي إلى فرعون فقيل له: إن بني إسرائيل قد قتلوا رجلا من ~~آل فرعون فخذ لنا بحقنا، ولا ترخص لهم في ذلك، فقال: ابغوا لي قاتله ومن ~~شهد عليه، لا يستقيم أن نقضي ms1881 بغير بينة، ولا ثبت فاطلبوا ذلك. فبينما هم ~~يطوفون لا يجدون شيئا، إذ مر موسى من الغد، فرأى ذلك الإسرائيلي بقاتل ~~فرعوني، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني، فصادف موسى وقد ندم على ما ~~كان منه بالأمس، وكره الذي رأى، فغضب موسى، فمد يده وهو يريد الفرعوني، ~~فقال للإسرائيلي لما فعل بالأمس واليوم { إنك لغوي مبين } ، ~~فنظر الإسرائيلي إلى موسى بعدما قال هذا، فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس، ~~فخاف أن يريده موسى، ولم يكن أراده إنما أراد الفرعوني فقال: { أتريد ~~أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إن تريد إلا ~~أن تكون جبارا } الآية. فسمع كلامه فطلب موسى. # قال السدي: قال موسى للإسرائيلي: { إنك لغوي مبين } ، ثم ~~أقبل لينصره فظن الإسرائيلي أنه إياه يريده فأشهره، هذا معنى كلام السدي. # وقال ابن أبي نجيح: أراد الإسرائيلي أن يبطش بالقبطي فنهاه موسى ففرق ~~الإسرائيلي من موسى، فقال: { أتريد أن تقتلني } الآية. فسعى ~~بها القبطي. وكذلك قال ابن عباس: إن القبطي هو الذي أفشى الخبر على موسى، ~~ورفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم. ### || [28.20-24] # قوله تعالى: { وجآء رجل من أقصا المدينة يسعى } ، ~~إلى قوله: { من خير فقير } ، # أي جاء مخبر لموسى يخبره أن فرعون قد أمر بقتله، وأنهم يطلبونه، وذلك أن ~~قول الإسرائيلي سمعه سامع فأفشاه فأمر فرعون بطلب موسى وقتله. # قال ابن عباس: انطلق الفرعوني الذي كان يقاتل الإسرائيلي إلى قومه ~~فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي حين قال لموسى: # أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس # [القصص: 19]. فأرسل فرعون الذباحين لقتل موسى، فأخذوا الطريق الأعظم وهم ~~لا يخافون أن يفوتهم، فكان رجل من شيعة موسى في أقصى المدينة، فاختصر ~~طريقا قريبا حتى سبقهم إلى موسى، فأخبره الخبر. # قال قتادة: كان الرجل مؤمنا من آل فرعون. # وقيل: كان اسمه شمعون. # وقيل: شمعان. # وقيل: هو حزقيل مؤمن آل فرعون أنذر موسى أن أشراف آل فرعون يطلبونه، ~~فخرج موسى إلى مدين خائف يترقب، وإنما خرج إلى مدين للنسب الذي بينهم ~~وبينه، لأن مدين ولد إبراهيم، وموسى ms1882 من بني يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ~~صلى الله عليهم. ومعنى يسعى: تعجل ويسرع من أقصى مدينة فرعون. # وقوله: { قال يموسى إن الملأ يأتمرون بك ~~ليقتلوك } ، أي إن قوم فرعون يتآمرون بقتلك، أي يأمر بعضهم بعضا ~~بذلك. # قال أبو عبيدة: يأتمرون: يتشاورون في قتلك. # وقيل: معناه: يهمون بك وكذلك قوله تعالى: # وأتمروا بينكم بمعروف # [الطلاق: 6] أي هموا به وأعزموا عليه. # ثم قال: { فاخرج إني لك من الناصحين } ، أي من الناصحين ~~في مشورتي عليك بالخروج، { فخرج منها خآئفا يترقب } ، أي ~~خائفا من قتله النفس أن يقتل به، يترقب: أي ينتظر الطلب أن يدركه. # قال ابن إسحاق: خرج على وجهه خائفا يترقب لا يدري أي وجه يسلك، وهو ~~يقول: { رب نجني من القوم الظالمين }. وقال: { ~~ولما توجه تلقآء مدين } ، أي ولما جعل موسى وجهه قبل ~~مدين قاصدا إليها { قال عسى ربي أن يهديني سوآء / ~~السبيل } ، أي قصد الطريق إلى مدين، ولم يكن يعرف الطريق إلى مدين. # قال: ويروى أنه لما دعا الله بذلك، قيض له ملكا سدده للطريق وعرفه ~~إياها. # قال ابن عباس: خرج موسى متوجها نحو مدين وليس له علم بالطريق إلا حسن ~~ظنه بربه، فإنه قال: { عسى ربي أن يهديني سوآء ~~السبيل }. # قال ابن جبير: خرج موسى من مصر إلى مدين وبينهما مسيرة ثمان، فلم يكن له ~~طعام إلا ورق الشجر. قال: { فخرج منها خآئفا يترقب } ، ~~فما وصل إليها حتى وقع خف قدمه وكان بمدين يومئذ قوم شعيب. # ثم قال تعالى: { ولما ورد مآء مدين } ، أي لما ورد موسى ~~ماء مدين: { وجد عليه أمة من الناس يسقون } ، أي ~~جماعة يسقون غنمهم { ووجد من دونهم امرأتين تذودان } ، ~~أي تحبسان غنمهما عن ورود الماء حتى يسقي الناس غنمهم إذ لم يتهيأ لهما ~~مزاحمة الرجال على الماء. # يقال: ذاد فلان غنمه: إذا حبسها أن تتفرق وتذهب. وكذلك ذاده إذا قاده. ~~ومعنى قاده: حبسه على ما يريد، فكانتا تحبسان غنمهما لأنهما لا طاقة لهما ~~بالسقي، وكانت غنمهما تطرد عن الماء. وقيل: المعنى كانت تذودان ms1883 غنمهما عن ~~الماء حتى يصدر الناس ثم تسقيان لضعفهما. # وقيل: المعنى: كانت تذودان الناس عن غنمهما. { قال ما خطبكما } ~~، أي قال موسى للمرأتين: ما شأنكما وما أمركما في ذودكما غنمكما عن ~~الماء. # قال ابن عباس: قال لهما: ما خطبكما معتزلتين لا تسقيان مع الناس. # قال ابن إسحاق: وجد لهما رحمة ودخلته فيهما خشية لما رأى من ضعفهما، ~~وغلبة الناس على الماء دونهما، فقال لهما: ما خطبكما؟ أي ما شأنكما لا ~~تسقيان غنمكما. { قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعآء } أي ~~حتى يصدر الرعاء مواشيهم. { وأبونا شيخ كبير } أي لا يقدر يحضر ~~فيسقي، فاحتجنا أن نخرج ونحن نساء. # ومن قرأ " يصدر " بفتح الياء: فمعناه يصدر الرعاء عن الماء، ومن ضم ~~فمعناه: حتى يصدر الرعاء مواشيهم عن الماء. # ثم قال تعالى: { فسقى لهما ثم تولى إلى الظل } ، ~~أي فسقى لهما موسى قبل الوقت الذي تسقيان فيه ثم تولى إلى الظل، وهو ~~الموضع الذي لن يكن عليه شمس. # والفيء: الموضع الذي كانت عليه شمس، ثم زالت، والظل ها هنا: ظل الشجرة. # وقال السدي: الشجرة: سمرة. روي أنه فتح لهما عن رأس بئر كان عليه حجر لا ~~يطيق رفعه إلا جماعة من الناس ثم استقى { فسقى لهما ثم } ، ~~قاله مجاهد والسدي. # قال السدي: أروى غنمهما فرجعتا سريعا، وكانتا إنما تسقيان. من فضول ~~الحياض. # قال عمر بن الخطاب: لما فرغ الناس من سقيهم أعادوا الصخرة على البئر، ~~ولا يصير لرفعها إلا عشرة رجال، فإذا هو بامرأتين تذودان: { قال ما ~~خطبكما } ، فحدثتاه، فأتى الحجر فرفعه، ثم لم يستق إلا دلوا واحدا ~~حتى رويت الغنم، ورجعت المرأتان إلى أبيهما فحدثتاه و { تولى إلى ~~الظل فقال رب إني لمآ أنزلت إلي من خير ~~فقير }. # فجآءته إحداهما تمشي على استحيآء # [القصص: 25]، واضعة ثوبها على وجهها # قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا # [القصص: 25]، قال لها: امشي خلفي وصفي لي الطريق، فإني أكره أن يصيب ~~الريح ثيابك فيصف لي جسدك، فلما انتهى إلى أبيها # وقص عليه القصص # [القصص: 25]. # قالت ms1884 إحداهما يأبت استأجره إن خير من ~~استأجرت القوي الأمين # [القصص: 26]. # قال: يا بنية ما علمك بأمانته وقوته؟ قالت: أما قوته: فرفعه الحجر ولا ~~يطيقه إلا عشرة رجال، وأما أمانته، فقال لي: امشي خلفي وصفي لي الطريق، ~~فإني أكره أن يصيب الريح ثيابك، فيصف لي جسدك. # قال عبد الرحمن بن أبي نعيم: قال لها أبوها: ما رأيت من قوته؟ قالت: ~~رأيته يملأ الحوض بسجل واحد، قال: فما رأيت من أمانته؟ قالت: لما دعوته: ~~مشيت بين يديه، فجعلت الريح تضرب ثيابي فتلتصق إلى جسدي فقال لي: كوني ~~خلفي فإذا بلغت الطريق فآذنيني. وروى عبد الله بن الصامت عن أبي ذر أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن سئلت /، أي الأجلين قضى موسى، فقل: خيرهما وأوفاهما، وإن سئلت أي ~~المرأتين تزوج، فقل الصغرى منهما: وهي التي جاءت إليه، وهي التي قالت: { ~~يأبت استأجره } ". # قال ابن عباس: سأل النبي جبريل صلى الله عليهما وسلم: # " أي الأجلين قضى موسى؟ قال: أتمهما ". # وروى عتبة بن المنذر السهمي من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: لما ~~أراد موسى فراق شعيب أمر امرأته أن تسأل أباها من نتاج غنمه، ما يعيشون ~~به فأعطاهما ما وضعت غنمه من قالب لون ذلك العام. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " فلما وردت الحوض، وقف موسى بإزاء الحوض، فلم تمر به شاة إلا ضرب جنبها ~~بعصا، فوضعت قوالب ألوان كلها، ووضعت اثنين وثلاث كل شاة ووصف النبي ~~عليه السلام أنه لا عيب في شيء منها من عيوب الغنم، وقال: إذا فتحتم ~~الشام وجدتم بقايا منها، وهي السامرية ". # قال ابن عباس: فجعل يغرف لهما في الدلو ماء كثيرا حتى كانتا أول ~~الرعاء ريا فانصرفتا إلى أبيهما بغنمهما. # وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لما سقى الرعاء غطوا على البئر صخرة ~~لا يقلعها إلا عشرة رجال، فجاء موسى فاقتلعها، فسقى لهما دلوا واحدا لم ~~يحتج إلى غيرها. # ثم قال تعالى: { فقال رب إني لمآ أنزلت إلي من ~~خير فقير } ، أي ms1885 محتاج، سأل النبي صلى الله عليه وسلم ربه ولم يطلب ~~أجرا على سقيه. # روي أنه كان صلى الله عليه وسلم بجهد شديد فأسمع ذلك المرأتين تعريضا ~~لهما أن يطعماه مما به من شدة الجوع. # والخير هنا شبعة من طعام، قاله ابن عباس وغيره. # قال ابن عباس: جاع موسى عليه السلام حتى كادت ترى أمعاؤه من ظاهر ~~الصفاق. وقال: ورد الماء وإن خضرة البقل لترى في بطنه من الهزال. # قال مجاهد: ما سأل ربه إلا الطعام. # قال ابن عباس: لقد قال موسى { رب إني لمآ أنزلت إلي ~~من خير فقير } ، وما أحد أكرم على الله جل ذكره منه، ولقد افتقر ~~إلى شق ثمرة، ولقد لزق بطنه بظهره من الجوع، والفعل من فقير، فقر، ~~وافتقر. ### || [28.25-29] # قوله تعالى ذكره: { فجآءته إحداهما تمشي على ~~استحيآء } ، إلى قوله: { لعلكم تصطلون } ، # أي فجاءته موسى إحدى المرأتين تمشي على استحياء. # قيل: أتته مستترة بكم ذرعها، واضعة يدها على وجهها. # وقيل: على استحياء منه، وفي الكلام حذف. والتقدير: فذهبتا إلى أبيهما ~~قبل وقتهما، فخبرتاه بخبر موسى وسقيه، فأرسل وراءه بإحداهما فجاءته تمشي ~~على استحياء، فقالت له: { إن أبي يدعوك ليجزيك } ، أي ~~ليثيبك أجر سقيك غنمنا. # { فلما جآءه وقص عليه القصص } ، أي فمضى موسى معها، ~~فلما جاءه وأخبره خبره مع فرعون وقومه من القبط، قال له شعيب: { لا ~~تخف نجوت من القوم الظالمين } ، ولم يكن لفرعون يومئذ ~~سلطان على مدين وناحيتها. # وقيل: إنه لم يكن شعيبا، إنما كان مؤمنا جد أهل ذلك الماء والأول ~~أشهر، وفيه اختلاف سنذكره. # قال ابن عباس: استنكر شعيب سرعة صدورهما بغنمهما، فقال: إن لكما اليوم ~~لشأنا، فأخبرتاه الخبر، فأرسل إحداهما خلفه. # قال السدي: أتته تمشي على استحياء منه فقالت له: # { إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا } ، ~~فقام معها، وقال لها: امشي فمشت بين يديه، فضربتها الريح، فنظر إلى ~~عجيزتها، فقال لها موسى: امشي خلفي ودليني على الطريق إن أخطأت، فلما جاء ~~الشيخ، وقص عليه خبره قال له: { لا تخف نجوت من ms1886 القوم ~~الظالمين }. # وروي: أنه قال لها: إنا لا ننظر في أدبار النساء، فأخبرت أباها بقوله. # قال مالك: مشى خلفها ثم قال لها: امشي خلفي، فإني عبراني لا أنظر في ~~أدبار النساء، فإن أخطأت فصفي لي الطريق، فمشى بين يديها وتبعته، ثم قالت ~~إحداهما لأبيها { يأبت استأجره } ، أي لرعي غنمك، والقيام ~~عليها { إن خير من استأجرت القوي الأمين }. # وروي عن ابن عباس: أنه قال: لما قالت له { القوي الأمين } ~~اختطفته الغيرة فقال لها أبوها: وما يدريك ما قوته، وأمانته؟ فقالت له: ~~أما قوته فما رأيت منه حين سقى لنا لم أر رجلا /، قط أقوى في ذلك السقاء ~~منه، وأما أمانته فإنه نظر حين أقبلت إليه، وشخصت له، فلما علم أني امرأة ~~صوب برأسه فلم يرفعه، ولم ينظر إلي حين بلغته رسالتك، ثم قال لي: امشي ~~خلفي، وانعتي لي الطريق، فلم يفعل ذلك إلا وهو أمين، فسري عنه وصدقها، ~~فمعناه القوي على حفظ ماشيتك وإصلاحها، الأمين عليها، فلا تخاف منه فيها ~~خيانة. # وقيل: إنه رفع عن البئر حجرا لا يرفعه إلا فئام من الناس، فتلك قوته. ~~قاله مجاهد. # وقيل: استقى بدلو لم يكن يرفعه إلا جملة من الناس. # واسم إحدى المرأتين " ليا " والأخرى " صفور " وهي امرأة موسى، وهي ~~الصغيرة. # وقيل: اسمها صوريا. # قال ابن إسحاق: اسم إحداهما صقورة والأخرى شرقا. # ويقال: ليا، واختلف في أبيهما. فقال الحسن: يقولون هو شعيب النبي صلى ~~الله عليه وسلم. # وقال أبو عبيدة: هو بيرون بن أخي شعيب. # وعن ابن عباس: أن اسمه يثرى. # ثم قال تعالى: { قال إني أريد أن أنكحك إحدى ~~ابنتي هاتين }. # أي قال أبو المرأتين لموسى: إني أريد أن أزوجك إحدى ابنتي هاتين { ~~على أن تأجرني ثماني حجج } ، أي على أن تثيبني من ~~تزويجكها رعي ماشيتي ثماني سنين، فجعل صداقها خدمته ثمانية أعوام، وقد ~~استشهد بعض العلماء على أن الاختيار أن يقال في الصدقات أنكحه إياها ~~بقوله: { أنكحك إحدى ابنتي } ، وهو عنده أولى من أنكحها ~~إياه. ومنه قوله تعالى: " زوجناكها " ولم يقل زوجناها ms1887 إياك. وقد قال ~~مالك: إن من غيره نكاح البكر ما في القرآن، قال الله عز وجل: { إني ~~أريد أن أنكحك إحدى ابنتي } ولم يذكر في هذا استشارا. # ثم قال له: { فإن أتممت عشرا فمن عندك } ، أي إن زدتني ~~في الخدمة عامين حتى تصير إلى عشر فبإحسان منك، وليس مما اشترطه عليك { ~~ومآ أريد أن أشق عليك } ، باشتراطي ذلك عليك { ~~ستجدني إن شاء الله من الصالحين } ، أي ستجدني في ~~إتمام ما قلت لك والوفاء به، وفي حسن الصحبة من الصالحين. # وفي هذا النكاح أشياء هي عند أكثر العلماء خصوص لموسى ومن زوجه، من ذلك ~~قوله { إحدى ابنتي } ، ولم يعينها، وهذا لا يجوز إلا بالتعيين. ~~ومن ذلك أن الأجرة لم تعين في خدمة ثمانية أعوام أو عشرة فهذا خصوص لموسى ~~ومن زوجه عند أهل المدينة. # وكذلك النكاح على عمل البدن لا يجوز لأنه غرر، وفيه أنه دخل ولم ينقد ~~شيئا وقد أجازه مالك إذا وقع، والأحسن أن ينقد شيئا من جملة الصداق ~~المعلوم المتفق عليه. # ثم قال تعالى: { قال ذلك بيني وبينك أيما الأجلين ~~قضيت فلا عدوان علي } ، ما من " أيما " زائدة أي مضافة إلى ~~الأجلين، ومعناه أي قال موسى لأبي المرأتين ذلك واجب علي في تزويجي إحدى ~~ابنتيك، فما قضيت من هذين الأجلين فليس لك علي مطالبة بأكثر منه: { ~~والله على ما نقول وكيل } ، هذا من قول أبي المرأة، ~~والتقدير: والله على ما أوجبه كل واحد منا على نفسه شهيد وحفيظ. قال ابن ~~عباس: الجارية التي دعته هي التي تزوج. # قال السدي: أمر أبو المرأتين إحدى ابنتيه أن تعطي موسى عصا، فأتته ~~بعصا كان قد استودعها عنده ملك في صورة رجل، فلما رآها الشيخ قال: لا، ~~إيتيه بغيرها، فألقتها تريد أن تأخذ غيرها، فلا يقع في يدها إلا هي، وجعل ~~يرددها فلا يخرج في يدها غيرها، فأعطاها له، فخرج موسى معه فرعى بها، ثم ~~إن الشيخ ندم وقال: كانت وديعة، وخرج يتلقى موسى، فلما لقيه قال: أعطيني ~~العصا، فقال موسى: هي ms1888 عصاي، فأبى أن يعطيه فاختصما، فرضيا أن يجعلا ~~بينهما أول رجل يلقاهما، فأتاهما ملك يمشي يقضي بينهما، فقال: ضعوها في ~~الأرض، فمن حملها فهي له، فعالجها الشيخ فلم يطقها، وأخذها موسى بيده ~~فرفعها فتركها له الشيخ فرعاها له عشر سنين. # قال ابن عباس: كان موسى أحق بالوفاء. # قال كعب: تزوج موسى التي أتت تمشي على استحياء وقضى أوفى الأجلين. # وقال ابن زيد: قال أبو الجارية لموسى: ادخل ذلك البيت، فخذ عصا تتوكأ ~~عليها، فدخل موسى، فلما وقف على باب البيت، طارت إليه تلك العصا فأخذها، ~~فقال /، الشيخ: أرددها وخذ أخرى مكانها، فردها ثم ذهب ليأخذ أخرى فطارت ~~إليه كما هي، فقال: أرددها حتى فعل ذلك ثلاثا، فقال: أرددها، فقال: لا ~~آخذ غيرها اليوم، فالتفت إلى ابنته، فقال: يا بنية إن زوجك لنبي. # قال عكرمة: كان آدم قد خرج بعصا موسى من الجنة، ثم قبضها بعد ذلك جبريل ~~صلى الله عليه وسلم فلقي بها موسى ليلا، فدفعها إليه. # ثم قال تعالى: { فلما قضى موسى الأجل } ، أي العشر سنين. ~~وروي: أنه زاد مع العشر عشرا. قاله مجاهد، وابن جريج. # وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " سألت جبريل عليه السلام: أي الأجلين قضى موسى؟ قال: أتمهما وأكملهما " # ومعنى { وسار بأهله } أي انصرف بامرأته شاخصا إلى مصر { آنس ~~من جانب الطور نارا } ، أي أحس وأبصر من جانب الجبل الذي اسمه ~~الطور نارا { قال لأهله امكثوا } ، أي تمهلوا وانتظروا لعلي ~~آتيكم من النار بخبر، أي أعلم لم أوقدت { أو جذوة من النار } ~~، أي قطعة غليظة من الحطب فيه نار لكم. { لعلكم تصطلون } ، أي ~~تتسخنون من البرد الذي بكم. # وروي أن موسى عليه السلام كان رجلا غيورا لا يصحب الرفاق، فأخطأ ~~الطريق بالليل للأمر الذي أراده الله، فرأى بالليل نارا فقال لأهله: ~~أقيموا لعلي آتيكم من عند هذه النار بخبر يدلنا على الطريق { أو ~~جذوة من النار لعلكم تصطلون } ، كان بهم برد ~~بالليل، # فلمآ أتاها نودي... يموسى إني أنا الله رب ~~العالمين ms1889 # [القصص: 30]، وأمر أن يلقي عصاه على ما أعلمنا الله به. ### || [28.30-38] # قوله تعالى ذكره: { فلمآ أتاها نودي من شاطىء الوادي } ~~، إلى قوله: { وإني لأظنه من الكاذبين } ، # أي فلما أتى موسى النار، نودي من شاطئ الوادي أي من عدوته وجانبه ~~الأيمن، أي من على يمين موسى { في البقعة المباركة } ، أي ~~المطهرة، لأن الله كلم موسى فيها وقوله { من الشجرة } سئل بعض ~~العلماء عن هذا فقال: كلمة من فوق عرشه، وأسمعه كلامه من الشجرة. # قال قتادة: من عند الشجرة وهي عوسج. # وقال وهب بن منبه: هي العليق. # وقيل: هي سمرة. # وقيل: كانت عصا موسى من عوسج، والشجرة من عوسج. # وقوله: { أن يموسى إني أنا الله رب العالمين } ، ~~أي نودي بهذا ثم قال تعالى: { وأن ألق عصاك } أي ونودي بأن إلق ~~عصاك، فألقاها موسى، فصارت حية تسعى، فلما رآها موسى تهتز، أي تتحرك ~~كأنها جان، الجان نوع معروف من الحيات، وهي منها عظام { ولى ~~مدبرا } ، أي هاربا منها { ولم يعقب } ، أي لم يرجع على ~~عقبيه. # قال قتادة: لم يلتفت من الفرق. # روي أنه لما ألقاها صارت ثعبانا، فلم تدع صخرة ولا شجرة إلا ابتلعتها ~~حتى سمع موسى صريف أسنانها، فحينئذ ولى مدبرا خائفا، فناداه ربه لا إله ~~إلا هو: { يموسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين } ، ~~فذهب عنه الخوف، وكان سنه في ذلك الوقت أربعين سنة، ثم أمر بأن يدخل يده ~~في جيبه، ففعل، فخرجت نورا ساطعا، وأمر بضم يده إلى صدره من الخوف، ~~ففعل فذهب خوفه. # وروي: أنه ليس من خائف يضم يده إلى صدره إلا نقص خوفه، وقوله: { ~~يموسى أقبل ولا تخف } ، أي قال الله: يا موسى أقبل إلي ولا ~~تخف من الذي تهرب منه { إنك من الآمنين } ، من أن تكون تضرك ~~إنما هي عصاك. # قال وهب: قيل له: ارجع إلى حيث كنت، فرجع، فلف ذراعته على يده فقال له ~~الملك: أرأيت إن أراد الله جل ثناؤه أن يصيبك بما تحذر، أينفعك لفك يدك؟ ~~فقال: ولكني ضعيف خلقت من ضعف، فكشف ms1890 يده، فأدخلها في فم الحية، فعادت ~~عصا. # وقيل: إنه أدخل يده في فم الحية بأمر الله فعادت عصا. # ثم قال تعالى: { اسلك يدك في جيبك تخرج بيضآء من ~~غير سوء } ، أي أدخل يدك في جيب قميصك تخرج بيضاء من غير برص، قاله ~~قتادة. # قال الحسن: فخرجت كأنها المصباح، فأيقن موسى أنه لقي ربه. { واضمم ~~إليك جناحك من الرهب } ، قال ابن عباس ومجاهد: يعني يده. # وقال ابن زيد: الجناح: الذراع، والعضد والكف، واليد. # قال الضحاك عن ابن عباس: معناه أدخل يدك فضعها على صدرك حتى يذهب عنك ~~الرعب. # قال /، ابن عباس: فليس من أحد يدخله رعب بعد موسى، ثم يدخل يده فيضمها ~~إلى صدره، إلا ذهب عنه الرعب. # وقال الفراء: الجناح هنا: العصا، وهذا قول شاذ. # وحكى أهل اللغة أن الجناح من أسفل العضد إلى آخر الإبط، وربما قيل لليد: ~~جناح. # وقد قال أبو عبيدة: جناحك: يدك. # وقوله: { من الرهب } أي من الخوف والفزع الذي داخلك من الحية. # ثم قال: { فذانك برهانان من ربك } أي فهذان اللذان ~~أريناك برهانان من ربك، أي آيتان وحجتان إلى فرعون وملإه على نبوتك يعني ~~اليد والعصا. # وحكى بعض أهل اللغة: في " ذا " المد والقصر، ذاء وذا. # ثم قال: { إنهم كانوا قوما فاسقين } ، أي خارجين عن ~~الإيمان. # و " من " في قوله: " من الرهب " متعلقة " بيعقب " أي ولم يعقب من الرهب. # وقيل: هي متعلقة " بولى مدبرا من الرهب ". # ثم قال تعالى ذكره: { قال رب إني قتلت منهم نفسا ~~فأخاف أن يقتلون } ، أي إني أخاف إن آتيتهم فلم أبن عن نفسي أن ~~يقتلون بالنفس التي قتلت، وكانت في لسانه عقدة لا يبين معها ما يريد من ~~الكلام فقال: { وأخي هارون هو أفصح مني لسانا } ، أي ~~أحسن مني بيانا { فأرسله معي ردءا يصدقني } ، أي ~~عونا يصدقني. قاله مجاهد وقتادة، وهو قول أهل اللغة. # يقال أردأته: أي أعنته ومن فتح الدال فعلى تخفيف الهمزة. # وقيل: إنما سأل موسى في إرسال أخيه معه، لأن الاثنين إذا اجتمعا على ~~الخبر كانت النفس ms1891 إلى تصديقهما أسكن منها إلى تصديق خبر الواحد. قاله ابن ~~زيد. # وعن ابن عباس { ردءا يصدقني }: كي يصدقني. # وقال مسلم بن جندب: الردء: الزيادة. # وقال السدي: كيما يصدقني إني أخاف أن يكذبون فيما أرسلتني به إليهم، ومن ~~جزم " يصدقني " جعله جوابا للطلب، ومن رفع فعلى الاستئناف. وتقف على " ~~ردءا " ويجوز الرفع على أن تجعله نعتا لردءا، أي ردءا مصدقا، ويجوز ~~أن تجعله حالا من الهاء في " فأرسله " ولا تقف على هذين الوجهين على ~~ردا. # ثم قال تعالى ذكره: { قال سنشد عضدك بأخيك } ، أي قال ~~الله جل ذكره لموسى: سنشد عضدك بأخيك أي نقويك، ونعينك بأخيك. وذكر العضد ~~لأن قوة اليد بالعضد { ونجعل لكما سلطانا } ، أي حجة فلا ~~يصلون إليكما، أي لا يصل فرعون وقومه إليكما بضر. # وقوله: " بآياتنا " متعلقة " بسلطان " والمعنى: ونجعل لكما حجة بآياتنا ~~يعني العصا واليد. فلا تقف على هذا التقدير على " إليكما ". # وقيل: التقدير فلا يصلون إليكما بآياتنا تمتنعان بآياتنا فلا تقف أيضا ~~على " بآياتنا " إلا أن تقدر الفعل في ابتدائك فتقف على " إليكما ". # وقال الأخفش والطبري: التقدير: أنتما ومن اتبعكما الغالبون بآياتنا، ثم ~~قدمت الآيات، وهذا لا يجوز لأنه تقديم صلة على موصول، وقد أجازه الأخفش، ~~على أن يكون بيانا مثل: { إني لكما لمن الناصحين } فعلى ~~هذا تقف على { إليكما }. # ويروى: أن الله جعل في الحية التي انقلبت من العصا عظما وقوة، ما لو ~~تركت على فرعون وقومه لأهلكتهم، فكانوا من خوف هذه الحية، ولما شاهدوا من ~~عظمها لا يتجرءون على قتل موسى وهارون ولا يطمعون في الوصول إليهما ~~بسوء، فذلك قوله عز وجل: { فلا يصلون إليكما بآياتنآ } ، ~~أي لا يتجرءون على قتلكما مع ما ظهر إليهم من عظم الآيات والخوف منها على ~~أنفسهم، يشغلهم الخوف من عظيم ما عاينوا عن أن يقدروا على أذى موسى ~~وهارون. # ثم قال تعالى: { فلما جآءهم موسى بآياتنا بينات ~~قالوا ما هذآ إلا سحر مفترى } ، أي قال فرعون وقومه: ~~ما هذا الذي جئتنا به يا موسى إلا سحر افتريته، أي ms1892 تخرصته من عند نفسك، ~~وما سمعنا بهذا الذي تدعونا إليه في أسلافنا الأولين. قال لهم موسى: { ~~ربي أعلم بمن جآء بالهدى من عنده } ، أي ربي أعلم ~~بالمحق من المبطل وبمن جاء بالرشاد { ومن تكون له عاقبة ~~الدار } ، أي العاقبة المحمودة في الدار الآخرة منا { إنه لا ~~يفلح الظالمون } ، وهذه مخاطبة جميلة من موسى عليه السلام ~~لفرعون، فترك موسى أن يقول له: بل الذي غر قومه، وأهلك جنده، وأضل ~~أتباعه، أنت لا أنا، ورجع إلى ملاطفته فقال: { ربي أعلم بمن ~~جآء بالهدى من عنده ومن تكون له / عاقبة الدار ~~} ، فبالغ موسى بهذا في ذم فرعون وقومه بخطاب جميل. # ثم قال تعالى: { وقال فرعون يأيها الملأ ما علمت ~~لكم من إله غيري } ، أي قال ذلك فرعون لأشراف قومه لئلا ~~يصدقوا موسى فيما جاءهم به من عبادة الله. # { فأوقد لي يهامان على الطين } ، يريد عمل الآجر، وهو ~~أول من عمله وبنى به { فاجعل لي صرحا } ، ابن لي بنيانا مرتفعا ~~{ لعلي أطلع إلى إله موسى } أي انظر إلى معبود ~~موسى الذي يدعونا إلى عبادته { وإني لأظنه من الكاذبين } ~~، أي أظن موسى فيما يقول: إن له معبودا، كاذبا. والظن هنا شك، فكفر ~~الملعون بالشك. # قال السدي: فبنى له هامان الصرح، وارتقى فوقه فأمر بنشابة، فرماها نحو ~~السماء فردت عليه وهي ملطخة دما، فقال: قد قتلت إله موسى. تعالى الله عن ~~ذلك علوا كبيرا. ### || [28.39-48] # قوله تعالى ذكره: { واستكبر هو وجنوده في الأرض ~~بغير الحق } إلى قوله: { إنا بكل كافرون } ، # أي تجبر فرعون وقومه، في أرض مصر عن تصديق موسى واتباعه على توحيد ~~الله وعبادته بغير الحق أي تعديا وعتوا على ربهم وظنوا أنهم لا يبعثون ~~بعد مماتهم، وأنه لا ثواب ولا عقاب. # ثم قال تعالى: { فأخذناه وجنوده فنبذناهم في ~~اليم } ، أي أخذنا فرعون وجنوده فأغرقناهم في البحر، فانظر يا محمد { ~~كيف كان عاقبة الظالمين } ، أي انظر بعين قلبك، وفكر ~~بفهمك، فكذلك نفعل بمن كذبك فقتلهم الله بالسيف. # ثم قال تعالى: { وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ms1893 } ~~، أي جعل الله فرعون وقومه أئمة للضلال، يأتم بهم أهل العتو على الله، ~~يدعون الناس إلى الضلال الذي هو سبب الدخول إلى النار. { ويوم ~~القيامة لا ينصرون }. أي لا ينصرهم من عذاب الله أحد، وقد كانوا ~~في الدنيا يتناصرون. # ثم قال تعالى: { وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة }. أي ~~ألزمنا فرعون وقومه في هذه الدنيا حزنا وغضبا، وبعدا من الله { ~~ويوم القيامة هم من المقبوحين }. # قال قتادة: لعنوا في الدنيا والآخرة وهو مثل قوله: # وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس ~~الرفد المرفود # [هود: 99]. # قال ابن جريج: { هم من المقبوحين } مستأنف " فأتبعوا في هذه ~~الدنيا لعنة ويوم القيامة لعنة ". فيجب على قوله: أن يقف القارئ على { ~~القيامة } ، والوقف عند نافع: " لعنة ". ومعنى { من ~~المقبوحين } ، أي من الذين قبحهم الله وأهلكهم بتكذيبهم رسوله موسى ~~عليه السلام. # ثم قال تعالى: { ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد مآ ~~أهلكنا القرون الأولى } ،. أي ولقد أعطينا موسى التوراة من ~~بعد ما أهلكنا الأمم التي كانت قبله، كقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط ~~وأصحاب مدين، وغير ذلك من الأمم. { بصآئر للناس } ، أي ضياء لبني ~~إسرائيل في أمر دينهم. { وهدى } ، أي وبيانا { ورحمة } لمن عمل ~~به منهم. { لعلهم يتذكرون } ، أي يتذكرون نعم الله بذلك ~~عليهم فيشكرونه، ولا يكفرون. # قال أبو سعيد الخدري: ما أهلك الله جل ذكره بعذاب من السماء ولا من ~~الأرض بعدما أنزلت التوراة على وجه الأرض، غير القرية التي مسخ أهلها ~~قردة، ألم تر أن الله يقول: { ولقد آتينا موسى الكتاب من ~~بعد مآ أهلكنا القرون الأولى بصآئر للناس ~~وهدى ورحمة }. # ثم قال تعالى: { وما كنت بجانب الغربي إذ قضينآ ~~إلى موسى الأمر } ، هذا الكلام تضمن إضمارا دل عليه المعنى. ~~والمعنى: لم تكن يا محمد في جانب الغربي إذ قضينا إلى موسى أمرك، ~~وذكرناك بخير ذكر، لأن هذا الكلام لا يستعمل إلا في رجل جرى ذكره ~~إما بخير أو بشر، ولا يذكر الله نبيه إلا بخير، ووصى باتباعه إذا ~~بعث، دل على ذلك قوله: { ولكنآ ms1894 أنشأنا قرونا فتطاول ~~عليهم العمر } ، فنسوا الوصية وتركوها لطول الزمان عليهم. # وقوله: { وما كنت من الشاهدين } ، أي لم تكن يا محمد بحاضر ~~لما وصاهم الله به في أمرك. # وقيل: الشهود بمعنى الشهادة أي لم تكن بشاهد عليهم فيما وصاهم به من ~~أمرك /، والإيمان بك. # وقوله: { فتطاول عليهم العمر } ، إيماء إلى نقضهم العهد، ~~وتركهم للوصية بالإيمان بمحمد عليه السلام وما يأتيهم به، وقد أخبرنا أن ~~محمدا تجده اليهود والنصارى في التوراة والإنجيل ويجدون صفته. # يروى: أن الله أعلم موسى صلى الله عليه وسلم أنه يبعث نبيا من ولد ~~إسماعيل يسمى محمدا، وأنه أخذ ميثاقه على أمة موسى أن يؤمنوا به، فطالت ~~عليهم الأزمنة فنسوا ما عهد إليهم به. فالمعنى: أي وما كنت يا محمد بجانب ~~الجبل الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر، أي فرغنا إلى موسى الأمر، يعني ما ~~ألزم الله تعالى موسى وقومه، وعهد إليهم من عهده. { وما كنت من ~~الشاهدين } ، أي لم تشهد يا محمد ذلك ولم تحضره. # قال قتادة وابن جريج: { بجانب الغربي } أي بجانب غربي الجبل. # وقيل: المعنى: لم تكن يا محمد في ذلك المكان إذ أعلمنا موسى أن أمة محمد ~~خير الأمم. # { وما كنت من الشاهدين } ، أي لم تشهد يا محمد ذلك ولم تحضره. ~~وقال أبو عبيدة: { بجانب الغربي } حيث تغرب فيه الشمس والقمر ~~والنجوم. # ثم قال تعالى: { ولكنآ أنشأنا قرونا فتطاول عليهم ~~العمر } ، أي خلقنا أمما من بعد ذلك فتطاول عليهم العمر. { وما ~~كنت ثاويا في أهل مدين } ، أي مقيما فيهم. { تتلوا ~~عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين } ، أي لم تشهد يا ~~محمد شيئا من ذلك، أي ما ابتليت يا محمد بشيء من ذلك بل الثاوي شعيب وهو ~~المبتلى بهم. # ثم قال تعالى: { وما كنت بجانب الطور إذ نادينا } ، ~~أي إذ نادينا موسى بقولنا: # فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة # [الأعراف: 156] إلى قوله: # المفلحون # [الأعراف: 157]. # وقيل: نادى الله جل ذكره: يا أمة محمد أجبتكم قبل أن تدعوني وأعطيتكم ~~قبل أن تسألوني، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني، ورحمتكم ms1895 قبل أن تسترحموني، ~~فقال موسى: يا رب جعلت وفادتي لغيري. وذلك حين اختار موسى قومه سبعين ~~رجلا للميقات. # وقال أبو زرعة: رواه الأعمش عن علي بن مدرك عنه: نادى أمة محمد: أعطيتكم ~~قبل أن تسألوني، وأجبتكم قبل أن تدعوني. وأسند أبو زرعة هذه الألفاظ عن ~~أبي هريرة، وأسنده إبراهيم بن عرفة إلى أبي هريرة أيضا. # ثم قال: { ولكن رحمة من ربك } رحمة نصب على المصدر عند ~~الأخفش والتقدير: ولكن رحمة ربك رحمة، وهو مفعول من أجله عند الزجاج أي ~~فعلنا ذلك للرحمة وهو عند الكسائي خبر كان مضمرة، والتقدير: ولكن كان ذلك ~~رحمة، والمعنى: لم تشهد ذلك يا محمد، فتعلمه، ولكن: عرفناكه، وأنزلناه ~~عليك، واقتصصنا ذلك كله عليك في كتابنا، وابتعثناك بما أنزلنا إليك من ~~ذلك رسولا إلى من ابتعثناك إليه رحمة لك ولهم: { لتنذر قوما مآ ~~أتاهم من نذير من قبلك } ، يعني العرب. # { لعلهم يتذكرون } ، فيظهر لهم خطأ ما هم عليه من الكفر. # ثم قال تعالى: { ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت ~~أيديهم } ، جواب لولا محذوف. والتقدير: لولا أن يقول هؤلاء الذين ~~أرسلناك إليهم يا محمد إذا حل عليهم العذاب على كفرهم قبل إرسالك إليهم، ~~هلا أرسلت إلينا رسولا من قبل أن يحل بنا سخطك { فنتبع آياتك ~~ونكون من المؤمنين } ، لعاجلهم العذاب. # ثم قال تعالى: { فلما جآءهم الحق من عندنا قالوا ~~لولا أوتي مثل مآ أوتي موسى } أي فلما جاء هؤلاء الذين ~~لم يأتهم من قبلك يا محمد رسول الحق من عندنا وهو محمد صلى الله عليه ~~وسلم بالرسالة من الله إليهم. # قالوا تمردا على الله وتماديا في الغي: هلا أوتي محمد مثل ما أوتي ~~موسى من الكتاب، فقال الله جل ذكره لنبيه: قل لهم يا محمد أو لم يكفر ~~الذين علموكم هذه الحجج من اليهود بما أوتي موسى من قبل. # قال مجاهد: يهود تأمر قريشا أن تسأل محمدا مثل ما أوتي موسى عليه ~~السلام. يقول الله جل ذكره لمحمد: قل لقريش تقول لهم: { أولم ~~يكفروا بمآ أوتي موسى ms1896 من قبل }. # وقيل: معنى { مثل مآ أوتي موسى } ، يعنون به العصا وانفلاق ~~البحر /، { قالوا سحران تظاهرا } ، أي قالت اليهود موسى ~~وهارون عليهما السلام ساحران تعاونا على السحر، قاله مجاهد. # وقال الحسن: عيسى ومحمد عليهما السلام. # ومن قرأ: " سحران " فمعناه: التوراة والفرقان. قاله ابن عباس وابن زيد. # وقال عكرمة: التوراة والإنجيل. # وقال الضحاك: الإنجيل والقرآن. # ثم قال تعالى: { وقالوا إنا بكل كافرون } ، أي بما أوتي ~~محمد صلى الله عليه وسلم وغيره نكفر. يقول ذلك أهل الكتاب. ### || [28.49-55] # قوله تعالى ذكره: { قل فأتوا بكتاب من عند الله } ، ~~إلى قوله: { لا نبتغي الجاهلين } ، # أي قل يا محمد للقائلين في التوراة والإنجيل إنهما { سحران ~~تظاهرا } أو محمد وموسى، أو موسى وهارون إنهما ساحران، { فأتوا ~~بكتاب من عند الله هو أهدى } ، من هذين الكتابين أو من ~~هذين الرسولين، وإذا جعلت " منهما " للرسولين، فعلى قراءة من قرأ لساحران ~~لا بد من حذف، والتقدير هو أهدى من كتابيهما { أتبعه إن كنتم ~~صادقين } ، أي إن جئتم بالكتاب أتبعه إن كنتم صادقين في قولكم: { ~~سحران تظاهرا }. # ثم قال تعالى: { فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما ~~يتبعون أهوآءهم } ، أي إن لم يجيبوك إلى ما تدعوهم إليه من ~~الإتيان بكتاب، فاعلم أنهم إنما يتبعون أهواءهم في كفرهم وجحدهم لكتب ~~الله وأنبيائه. # ثم قال تعالى: { ومن أضل ممن اتبع هواه بغير ~~هدى من الله } ، أي من أضل عن طريق الرشد ممن اتبع هواه بغير ~~بيان عنده من الله { إن الله لا يهدي القوم الظالمين ~~} ، أي لا يوفقهم لإصابة الحق، أي لا أحد أضل ممن هذه صفته. # ثم قال تعالى: { ولقد وصلنا لهم القول لعلهم ~~يتذكرون } ، أي ولقد وصلنا يا محمد لقومك من قريش، ولليهود من بني ~~إسرائيل القول بأخبار الماضين، والنبأ عما أحللنا بهم من العقوبات، إذ ~~كذبوا الرسل { لعلهم يتذكرون } ، أي يتفكرون، ويعتبرون. ~~وأصل " وصلنا " من وصل الجبال بعضها ببعض. # قال أبو عبيدة: وصلنا أتممنا. # قال قتادة: معناه: وصلنا لهم خبر من مضى بخبر من يأتي. # وقال ابن عيينة وصلنا: بينا. ms1897 # وقال ابن زيد: وصلنا لهم خبر الدنيا بخبر الآخرة، حتى كأنهم عاينوا ~~الآخرة وشهدوها وهم في الدنيا، بما نريهم من الآيات في الدنيا. # قال مجاهد: وصلنا لهم: يعني قريشا. # وقيل: عني به اليهود. # وقرأ الحسن: " وصلنا " بالتخفيف. # وقيل: معنى { وصلنا لهم القول } أي جعلنا بعضه ينزل إثر بعض ~~مشاكلا بعضه لبعض في باب الحكمة وحسن البيان. # ثم قال تعالى: { الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم ~~به يؤمنون } ، يعني من آمن بمحمد عليه السلام من أهل الكتاب. # قال قتادة: نزلت في ناس من أهل الكتاب، كانوا على شريعة من الحق يأخذون ~~بها وينتهون، حتى بعث الله جل ثناؤه محمدا آمنوا به وصدقوه، فأعطاهم ~~الله أجرهم مرتين بصبرهم على الكتاب الأول، واتباعهم محمدا صلى الله ~~عليه وسلم، وصبرهم على ذلك. # وقيل: أعطاهم الله أجرهم مرتين بإيمانهم ببعث محمد صلى الله عليه وسلم ~~قبل بعثه، وإيمانهم به بعد بعثه، فبصبرهم على ذلك أعطوا أجرهم مرتين. # ويقال: إن منهم سلمان، وعبد الله بن سلام. # قال الضحاك: هم ناس من أهل الكتاب آمنوا بالتوراة والإنجيل، ثم أدركوا ~~محمدا فآمنوا به، فآتاهم الله أجرهم مرتين بإيمانهم بمحمد قبل أن يبعث، ~~وباتباعهم إياه حين بعث، فذلك قوله عنهم: { إنا كنا من قبله ~~مسلمين }. # وقال الزهري: هم النجاشي وأصحابه وجه باثني عشر رجلا، فجلسوا مع النبي ~~عليه السلام، وكان أبو جهل وأصحابه قريبا منهم، فآمنوا بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم، فلما قاموا من عنده، تبعهم أبو جهل ومن تبعه فقالوا لهم: ~~خيبكم الله من ركب، وقبحكم من وفد، لم تلبثوا أن صدقتموه، وما رأينا ~~ركبا أحمق ولا أسفل منكم، فقالوا: سلام عليكم لم نأل أنفسنا رشدا { ~~لنآ أعمالنا ولكم أعمالكم }. # وقوله: { إنا كنا من قبله مسلمين } ، أي من قبل إتيان ~~محمد لأنا وجدنا صفته في كتابنا فآمنا به، ثم بعث فآمنا به. والهاء في " ~~قبله " تعود على /، النبي عليه السلام، أو على القرآن، فالتقدير: وإذا ~~يتلى عليهم القرآن قالوا: آمنا به إنه الحق من ربنا، إنا كنا من ms1898 قبل هذا ~~القرآن - أي من قبل نزوله - مسلمين. # وقيل: نزلت في عشرين رجلا من النصارى، قدموا على النبي عليه السلام وهو ~~بمكة حين بلغهم خبره، فوجدوه في المجلس، فجلسوا إليه، وكلموه وساءلوه. ~~ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة، فلما فرغوا عن مسألتهم له فيما ~~أرادوا، دعاهم النبي عليه السلام إلى الإسلام، وتلا عليهم القرآن، فلما ~~سمعوا القرآن، فاضت أعينهم من الدمع، ثم استجابوا لله وآمنوا، وصدقوا، ~~وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره، فلما قاموا عنه، اعترضهم ~~أبو جهل بن هشام في نفر من قريش، فقالوا لهم: خيبكم الله من ركب بعثكم من ~~وراءكم من أهل دينكم، ترتادون لهم لتأتوهم بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم ~~عنده، حتى فارقتم دينكم وصدقتموه بما قال، ما نعلم ركبا أحمق منكم، ~~فقالوا لهم: سلام عليكم لا نجاهلكم، لنا ما نحن عليه، ولكم ما أنتم عليه ~~لم نأل أنفسنا خيرا. # وقيل: كانوا ثمانين رجلا، منهم أربعون من نصارى نجران واثنان وثلاثون ~~من نصارى الحبشة، وثمانية من الروم، وفيهم نزل من قوله: { الذين ~~آتيناهم الكتاب } إلى قوله: { لا نبتغي الجاهلين }. # ثم قال تعالى: { أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما ~~صبروا } ، وقد تقدم تفسير هذا في الآية التي قبل هذه. # ثم قال: { ويدرؤن بالحسنة السيئة } ، أي ويدفعون ~~بالحسنة من أعمالهم السيئة، أي يدفعون بالاستغفار والتوبة: الذنوب. # وقال الزجاج: ويدفعون بما يعملون من الحسنات ما تقدم لهم من السيئات. # وقوله: { بما صبروا } قال قتادة: صبروا على الكتاب الأول، وعلى ~~اتباع محمد، وهو قول ابن زيد. # وقيل: صبروا على الإيمان بمحمد قبل أن يبعث، وعلى اتباعه بعد أن بعث، ~~قاله الضحاك. # وعن مجاهد: في قوله: { يؤتون أجرهم مرتين } ، أنها نزلت ~~في قوم مشركين أسلموا، فكان قومهم يؤذونهم، فأعطوا أجرهم مرتين بصبرهم. # ثم قال تعالى: { وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه } ، أي ~~وإذا سمع هؤلاء الذين أوتوا الكتاب اللغو: وهو الباطل من القول، أعرضوا ~~عنه. # وقيل: المعنى إذا سمعوا ما زيد في كتاب الله وغير مما ليس منه، ms1899 أعرضوا ~~عنه، قاله ابن زيد. # وقال مجاهد: هم ناس من أهل الكتاب أسلموا، فكان المشركون يؤذونهم، ~~فكانوا يصفحون عنهم ويقولون: { سلام عليكم لا نبتغي ~~الجاهلين } فمعنى { أعرضوا عنه } لم يصغوا إليه ولا ~~التفتوا. # { لنآ أعمالنا } أي قد رضينا بها لأنفسنا { ولكم ~~أعمالكم } ، أي قد رضيتم بها لأنفسكم { سلام عليكم } ، أي ~~أمنة لكم منا أن نسابكم أو تسمعوا منا ما لا تحبون { لا نبتغي ~~الجاهلين } ، أي لا نريد محاورة أهل الجهل. # وقيل: معناه: لا نطلب عمل أهل الجهل. # وقال بعض العلماء: الآية منسوخة، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~الابتداء بالسلام على الكفار. وهذا لا يصح لأن الآية ليست من السلام الذي ~~هو تحية، إنما هو من المتاركة والمباراة. # وقال جماعة: هي منسوخة بالأمر بالقتال. # وقيل: الآية محكمة، وإنما هذا قول حسن ومخاطبة جميلة. ### || [28.56-63] # قوله تعالى ذكره: { إنك لا تهدي من أحببت } إلى قوله: { ~~إيانا يعبدون } ، # أي إنك يا محمد لا تهدي من أحببت هدايته، ولكن الله يهدي من يشاء هدايته ~~من خلقه، فيوفقه للإيمان. { وهو أعلم بالمهتدين } ، أي ~~والله أعلم بمن سبق له في علمه أنه يهتدي للرشاد. ويروى: أن هذه الآية ~~نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم لما امتنع عمه أبو طالب من إجابته إذ ~~دعاه إلى الإيمان. # روى أبو هريرة: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمه أبي طالب عند الموت: قل لا إله ~~إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة. قال: لولا أن تعيرني /، قريش. يقولون ~~ما حمله إلا جزع الموت أقرت عينك بها؟ فنزلت { إنك لا تهدي من ~~أحببت } ، الآية ". # وروى سعيد بن المسيب عن أبيه أنه قال: # " لما حضرت أبا طالب الوفاة أتاه النبي صلى الله عليه وسلم، فوجد عنده ~~أبا جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال رسول الله: يا ~~عم: قل لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله، فقال أبو جهل، وعبد ~~الله بن أبي أمية: يا أبا طالب: أترغب عن ملة ms1900 عبد المطلب؟ فلم يزل رسول ~~الله يعرضها عليه، ويعيد تلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو ~~على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: " أما والله لأستغفرن لك، ما لم أنه عنك " فأنزل الله: { ~~إنك لا تهدي من أحببت } الآية. وأنزل: { ما كان ~~للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ~~} الآيات ". # قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: نزلت في أبي طالب على ما ذكرنا. # ثم قال تعالى: { وقالوا إن نتبع الهدى معك ~~نتخطف من أرضنآ } ، أي وقال كفار قريش: إن نتبع الذي جئتنا ~~به، ونتبرأ من الأنداد والآلهة: يتخطفنا الناس من أرضنا، لاجتماع جميعهم ~~على خلافنا، وحربنا، يقول لهم الله جل ذكره: { أولم نمكن لهم ~~حرما آمنا } أي نوطئ لهم بلدا: حرم فيه سفك الدماء، ومنع من أن ~~يتناول سكانه فيه بسوء، وأمن أهله من أن تصيبهم فيه غارة أو قتل أو سبي. ~~قال ابن عباس: كان من أحدث حدثا في بلد غير الحرم، ثم لجأ إلى الحرم أمن ~~إذا دخله، ولكن لا ينبغي لأهل مكة أن يبايعوه، ولا يطعموه، ولا يسقوه، ~~ولا يؤووه، ولا يكسوه، فإذا خرج من الحرم أخذ وأقيم عليه الحد. قال: ومن ~~أحدث فيه حدثا أخذ بحدثه فيه. # قال مجاهد: إذا أصاب الرجل الحد في غير الحرم، ثم أتى الحرم، أخرج من ~~الحرم، فأقيم عليه الحد، وإن أصاب الحد في الحرم أقيم عليه الحد في ~~الحرم. # وقال ابن جبير: نحوه، وأكثر الفقهاء: على أن الحد يقام في الحرم على من ~~وجب عليه حد أحدثه في الحرم أو غير الحرم، ولا يمنع الحرم من الحق من ~~حقوق الله، ولا من حق أوجبه الله، فالمعنى: أن من مكن لكم حرما آمنا، ~~لا يتعدى على أحد فيه، قادر على أن يمنع منكم من خالفكم في الدين إن ~~آمنتم، لأنهم اعتذروا أنهم يخافون أن تجتمع عليهم العرب، فتقتلهم إن ~~آمنوا أو خالفوا دين العرب، فأعلمهم أن من جعل لكم الحرم ms1901 آمنا يقدر على ~~أن يمنعكم من العرب إن آمنتم. # قال ابن عباس: " الحارث بن نوفل هو الذي قال: { إن نتبع ~~الهدى معك نتخطف من أرضنآ }. # قوله: { يجبى إليه ثمرات كل شيء } ، أي تجبى إليه من ~~كل بلد. { رزقا من لدنا } ، أي رزقا لهم من عندنا. { ~~ولكن أكثرهم لا يعلمون } ، نعم الله عليهم. # ثم قال تعالى: { وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها ~~} ، أي وكثير من القرى أهلكنا أهلها، و { كم } في موضع نصب ب { ~~أهلكنا } ، و { معيشتها } ، نصب على حذف " في ". والتقدير عند ~~" المازني " بطرت في معيشتها، ونصبه عند الفراء على التفسير، ونظيره # إلا من سفه نفسه # [البقرة: 130] # فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا # [النساء: 4]. والبطر: الأشر في النعمة { فتلك مساكنهم } ، أي ~~دورهم: { لم تسكن من بعدهم إلا قليلا } ، أي إلا وقتا ~~قليلا، فتلك إشارة إلى مساكن عاد بناحية الأحقاف واليمن. وإلى منازل ~~ثمود بناحية وادي القرى، ومساكن قوم لوط بالمؤتفكات وغير ذلك من مساكن ~~الأمم المهلكة. وقيل: المعنى لم يسكن منها إلا القليل، وباقيها خراب، ~~والمعنى: إلا قليلا منها فإنه سكن. { وكنا نحن الوارثين } ، ~~أي لا وارث لهم فيها. # ثم قال تعالى { وما كان ربك مهلك القرى حتى ~~يبعث في أمها رسولا } ، أي لم يكن ربك يا محمد مهلك القرى ~~التي حوالي مكة في زمانك وعصرك { حتى يبعث في أمها ~~رسولا } أي في مكة / لأنها أم القرى. # { يتلو عليهم آياتنا } ، أي القرآن، والرسول محمدا صلى الله ~~عليه وسلم. # { وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون } ، ~~أي لم نكن مهلكي القرى وهي بالله مؤمنة، إنما نهلكها بظلمها أنفسها. # ثم قال تعالى: { ومآ أوتيتم من شيء فمتاع الحياة ~~الدنيا } ، أي ما أعطيتم من شيء من مال وأولاد، فإنما هو متاع ~~تتمتعون به في هذه { الحياة الدنيا وزينتها }. # ليس مما يغني عنكم شيئا، ولا ينفعكم شيء منه في معادكم، { وما عند ~~الله خير } ، مما متعتم به في الحياة الدنيا، وإبقاء لأهل طاعته ~~وولايته لأنه دائم لا نفاذ له. # وقيل معناه: خير ثوابا ms1902 وإبقاء عندنا. # { أفلا تعقلون } ، أي أفلا عقول لكم أيها القوم تتدبرون بها ~~فتعرفون بها الخير من الشر، وتختارون لأنفسكم خير المنزلتين. # ثم قال تعالى: { أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه } ~~، أي أفمن وعده الله من خلقه على طاعته إياه أن ينجز له ما وعده { فهو ~~لاقيه } لاق ما وعد به، كمن متعه الله في الدنيا متاعا زائلا { ~~ثم هو يوم القيامة من المحضرين } ، أي من المشهدين ~~عذاب الله وأليم عقابه. # وقال قتادة: هو المؤمن يسمع كتاب الله جل وعز وصدق به، وآمن بما وعده ~~الله فيه. { كمن متعناه متاع الحياة الدنيا } ، وهو ~~الكافر { ثم هو يوم القيامة من المحضرين } ، عذاب ~~الله. قال مجاهد: نزلت هذه الآية في النبي صلى الله عليه وسلم، وفي أبي ~~جهل بن هشام لعنه الله. # وعن مجاهد أيضا: أنها نزلت في حمزة، وعلي، وأبي جهل. وقيل: نزلت في ~~حمزة وأبي جهل. # ثم قال تعالى: { ويوم يناديهم فيقول أين شركآئي ~~الذين كنتم تزعمون } ، أي ويوم ينادي رب العزة الذين أشركوا ~~به في الدنيا، فيقول لهم: { أين شركآئي الذين كنتم ~~تزعمون } ، في الدنيا أنهم لي شركاء، فالمعنى: أين شركائي على قولكم ~~وزعمكم؟ وهذا النداء إنما هو على طريق التوبيخ لهم، وإلا فقد عرفوا في ~~ذلك اليوم بطلان ما كانوا عليه، وعرفوا أن أولئك الشركاء الذين كانوا ~~يعبدون لا ينفعونهم بشيء. # قوله تعالى: { قال الذين حق عليهم القول } ، أي وجب ~~عليهم العذاب والغضب واللعنة. # قال قتادة: هم الشياطين يعني الذين يغوون الناس. # وقيل: { حق عليهم القول } وجبت عليهم الحجة فعذبوا. # { ربنا هؤلاء الذين أغوينآ } ، أي دعوناهم إلى الغي، ~~{ أغويناهم كما غوينا } ، أي أضللناهم كما ضللنا. { ~~تبرأنآ إليك } ، أي تبرأ بعضنا من بعض وعاداه، وهو قوله تعالى: # الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا ~~المتقين # [الزخرف: 67]. # قوله: { ما كانوا إيانا يعبدون } ، أي ما كانوا يعبدوننا. # وقيل: هم دعاة الكفار إلى الكفر من الإنس. ### || [28.64-75] # قوله تعالى ذكره: { وقيل ادعوا شركآءكم } ، إلى قوله: { ~~وضل عنهم ما كانوا يفترون } ، # أي وقيل للمشركين: ادعوا ms1903 شركاءكم الذين كنتم تدعون في الدنيا من دون ~~الله، { فدعوهم فلم يستجيبوا لهم } ، أي لم يجيبوهم ~~بحجة، وأضاف الشركاء إليهم لأنهم اختلقوهم وأضافوهم إلى العبادة. # وقوله: { ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون } ~~، أي فودوا حين رأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون للحق في الدنيا. # وقيل: المعنى لو أنهم كانوا يهتدون لما اتبعوهم لما رأوا العذاب. # وقيل: التقدير لو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا لأنجاهم الهدى. ثم قال ~~تعالى:: { ويوم يناديهم فيقول ماذآ أجبتم ~~المرسلين } ، أي يوم ينادي الله لهؤلاء المشركين فيقول لهم: { ~~ماذآ أجبتم المرسلين } ، الذين أرسلوا إليكم يدعونكم إلى ~~توحيد الله. ثم قال تعالى: { فعميت عليهم الأنبآء ~~يومئذ } ، أي خفيت عليهم الأخبار. # وقيل المعنى: فعميت عليهم الحجج فلم يدروا بما يحتجون. قاله مجاهد. # وقال ابن جريج: { ماذآ أجبتم المرسلين }: بلا إله إلا الله ~~/ هي التوحيد. # وقيل: إنهم تجبروا فلم يدروا ماذا يجيبون لما سئلوا. # وقوله: { فهم لا يتسآءلون } ، أي بالأنساب والقرابة، قاله ~~مجاهد. ثم قال تعالى: { فأما من تاب وآمن وعمل صالحا } ~~، أي من تاب من شركه، وآمن وعمل بما أمره الله ورسوله: { فعسى أن ~~يكون من المفلحين } ، أي من المنجيين المدركين طلبتهم عند ~~الله الخالدين في جنانه، و " عسى " من الله واجب. # ثم قال تعالى: { وربك يخلق ما يشآء ويختار } ، أي ~~يخلق ما يريد، ويختار الرسل، { ما كان لهم الخيرة } أي ليس ~~يرسل الرسل باختيارهم: أي باختيار المشركين، فالوقف على هذا المعنى { ~~ويختار } ، و " ما " نافية. # قال علي بن سليمان: لا يجوز أن تكون " ما " في موضع نصب، لأنه لا عائد ~~عليها. وفي كون ما للنفي رد على القدرية، ولو كانت " ما " في موضع نصب ~~لكان ضميرها اسم كان، في كان مضمرا، وللزم نصب { الخيرة } ، على ~~خبر كان. # وأجاز الزجاج: أن تكون " ما " في موضع نصب بيختار وتقدر حذفا من ~~الكلام، والتقدير: ويختار الذي كان لهم فيه الخيرة، فلإتمام على هذا ~~القول على و { يختار } ، ولا يوقف إلا على { الخيرة }. وجعل " ~~ما " نافية، والوقف على { ويختار }. وهو مذهب ms1904 أكثر العلماء. # وكان الطبري ينكر أن تكون " ما " نافية، ولا يحسن عنده أن تكون " ما " ~~إلا في موضع نصب بمعنى الذي، والتقدير عنده: ويختار لولاية الخيرة من ~~خلقه من سبقت له منه السعادة، وذلك أن المشركين كانوا يختارون خيار ~~أموالهم، فيجعلونها لآلهتهم. فقال الله: وربك يا محمد { يخلق ما ~~يشآء } ، أن يخلقه، ويختار للهداية من خلقه من سبق له في علمه. # السعادة نظير ما كان من اختيار هؤلاء المشركين لآلهتهم خيار أموالهم وقد ~~قال ابن عباس في الآية: كانوا يجعلون لآلهتهم خيار أموالهم. # فالطبري: يجعل " ما " لمن يعقل بمعنى " الذي " ويقدر رفع " الخيرة " ~~بالابتداء { لهم الخيرة } ، والجملة خبر كان وشبهه بقولك: " كان ~~زيد أبوه منطلق " وهذا كلام لا وجه له ولا معنى لأنه عائد يعود على اسم ~~كان، فإن قدرت فيه محذوفة جاز على بعد، وكان هو خبر " الخيرة " ، ولهم. ~~ملغى وأحال الطبري كون " ما " للنفي لأنها لو كانت للنفي لكان المعنى: ~~أنه لم تكن لهم الخيرة فيما مضى قبل نزول الآية، ولهم ذلك فيما يستقبلون، ~~لأنك إذا قلت: " ما كان لك هذا " كان معنى الكلام: لم يكن فيما مضى وقد ~~يكون له فيما يستقبل. # قال أبو محمد مؤلفه رضي الله عنه: وهذا لا يلزم، بل هي نفي عام في ~~الماضي والمستقبل، وقد أجمع أهل اللغة على أن " ما " تنفي الحال ~~والاستقبال كليس. ولذلك عملت عملها. دليله: قوله تعالى: # ما كان لهم أن يدخلوهآ إلا خآئفين # [البقرة: 114]. وقوله: # ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له # [الأحزاب: 38] فهذا نفي عام في الماضي والمستقبل، ولو كان الأمر على ما ~~أصل الطبري لكان لهم دخولها فيما يستقبل غير خائفين، ولكان على النبي ~~الحرج فيما فرض الله له فيما يستقبل، وهذا كثير في القرآن على خلاف ما ~~تأول الطبري وأحاله أيضا، لأنه لم يتقدم كلام يكون هذا نفي له، وهذا لا ~~يلزم لأن الآي إنما كانت تنزل على ما يسأل النبي عليه السلام عنه وعلى ما ~~هم عليه مصرون من الأعمال ms1905 السيئة. وعلى ذلك أكثر أي القرآن، فلا يلزم أن ~~يكون قبل كل آية تفسير ما نزلت فيه ومن أجله. # ثم قال: { وربك يعلم ما تكن صدورهم وما ~~يعلنون } ، أي ما يسرون وما يظهرون، أي يختار من شاء من خلقه ~~للرسالة، لأنه يعلم سرهم وظاهرهم، فهو يختارهم من خلقه على علم بهم. # ثم قال تعالى: { وهو الله لا إله إلا هو } ، أي ~~والمعبود هو الله لا معبود غيره { له الحمد في الأولى ~~والآخرة } ، أي في الدنيا والآخرة { وله الحكم } ، أي فصل ~~القضاء بين خلقه. { وإليه ترجعون } ، أي تردون بعد مماتكم ~~فيقضي بينكم بالحق. # ثم قال تعالى ذكره: { قل أرأيتم إن جعل الله عليكم ~~الليل سرمدا إلى يوم القيامة } ، أي دائما لا نهار ~~إلى يوم القيامة. # والعرب تقول لكل ما كان متصلا لا ينقطع من رخاء أو بلاء: هو سرمد. # وقوله: { من إله غير الله يأتيكم بضيآء } /، أي ~~من معبود غير الله يأتيكم بضياء النهار { أفلا تسمعون } ، ما ~~يقال لكم فتتعظون. # قال أبو إسحاق: بضياء: أي بنهار تتصرفون فيه في معاشكم. وكذلك قوله في ~~النهار فمن { يأتيكم بليل تسكنون فيه } ، أي تهدءون ~~وتستريحون من حركاتكم، فلو كان أحدهما دائما لهلك الخلق، ولكنه تعالى ~~خلق للخلق الليل والنهار رحمة للخلق، وهو قوله: { ومن رحمته ~~جعل لكم اليل والنهار لتسكنوا فيه } ، أي في ~~الليل، ولتبتغوا من فضله، يعني في النهار { ولعلكم تشكرون } ~~، فعل ذلك، أي خلق لكم ذلك لتنتفعوا به ولتشكروا على ما فعل بكم من ~~الرفق. # ثم قال تعالى: { ويوم يناديهم فيقول أين شركآئي ~~الذين كنتم تزعمون } ، أي ويوم يناديهم ربك يا محمد فيقول ~~لهم: أين شركائي الذين كنتم تزعمون في الدنيا أنهم شركائي؟ والمعنى: أين ~~شركائي على زعمكم وقولكم؟. # ثم قال تعالى: { ونزعنا من كل أمة شهيدا } ، أي أخرجنا ~~من أمة شهيدا منهم ليشهد عليهم بأعمالهم. يقال: إنهم عدول الآخرة يشهدون ~~على العباد بأعمالهم في الدنيا. # ويروى: أن كل قرن لا يخلو من شهيد يشهد عليهم يوم القيامة بأعمالهم. # وقيل المعنى: أحضرنا ms1906 من كل أمة نبيها الذي يشهد عليها بما فعلت. # قاله قتادة ومجاهد. # { فقلنا هاتوا برهانكم } ، أي حجتكم على إشراككم بالله مع ~~مجيء الرسل إليكم بالحجج، والآيات { فعلموا أن الحق لله ~~} ، أي أيقنوا أن الحجة لله عليهم { وضل عنهم ما كانوا ~~يفترون } ، أي اضمحل وذهب الذي كانوا يشركون بالله في الدنيا فلم ~~ينتفعوا به بل ضرهم وأهلكهم. ### || [28.76-78] # قوله تعالى ذكره: { إن قارون كان من قوم موسى } ، إلى ~~قوله: { ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون } ، # " قارون " فاعول اسم أعجمي معرفة فلذلك لم ينصرف ومعنى { كان من ~~قوم موسى } أي من عشيرته، وكان ابن عمه لأبيه وأمه، وكان عند موسى ~~من عباد المؤمنين. وهو قارون بن يصهر بن قاهث، وموسى: هو موسى بن عمران ~~بن قاهث. قاله ابن جريج، والنخعي، وقتادة، ومالك ابن دينار. # وقال ابن إسحاق: كان قارون عم موسى لأب وأم. # وقوله: { فبغى عليهم } ، أي تجاوز حده في التكبر عليهم. # وقيل: كان بغيه أنه أحدث زيادة شبر في طول ثيابه، قاله شهر بن حوشب. # وقال قتادة: كان بغيه عليهم بكثرة ماله. # قيل: إنه لكثرة ماله استخف بالفقراء، وازدرى بني إسرائيل، ولم يرع لهم ~~حق الإيمان بالله. # وقيل: إنه كان ابن عم موسى، وكان عالما بالتوراة فبغى على موسى، وقصد ~~إلى الإفساد عليه والتكذيب له، وكان من طلبه للإفساد أن بغيا كانت ~~مشهورة في بني إسرائيل فوجه إليها قارون، وكان أيسر أهل زمانه، فأمرها أن ~~تصير إليه، وهو في ملإ من أصحابه، فتكذب على موسى، وتقول: إن موسى طلبني ~~للفساد، وضمن لها قارون إن هي فعلت ذلك أن يخلطها بنسائه، وأن يعطيها على ~~ذلك عطاء كثيرا، فجاءت المرأة، وقارون جالس مع أصحابه ورزقها الله ~~التوبة، وقالت في نفسها: مالي مقام توبة مثل هذا، فأقبلت على أهل المجلس ~~وقارون حاضر، فقالت لهم: إن قارون هذا وجه إلي يأمرني ويسألني أن أكذب ~~على موسى وأن أقول: قد أرادني للفساد، وأن قارون كاذب في ذلك. فلما سمع ~~قارون كلامها تحير وأبلس، واتصل الخبر بموسى عليه ms1907 السلام فجعل الله أمر ~~قارون إلى موسى، وأمر الأرض أن تطيعه فيه، فورد موسى على قارون، فأحس ~~قارون بالبلاء، فقال: يا موسى ارحمني، فقال: يا أرض خذيه، فخسفت به إلى ~~سرته، ثم قال: يا أرض خذيه، فخسفت به إلى عنقه، واسترحم موسى فقال: يا ~~أرض خذيه، فخسفت به حتى ساخت الأرض به وبداره، وهو قوله جل ذكره: # فخسفنا به وبداره الأرض # [القصص: 81]. # وقوله: { وآتيناه من الكنوز } ، أي كنوز الأموال { مآ إن ~~مفاتحه } ، أي خزائنه. # وقيل: هي التي يفتح بها الأبواب، والواحد في الوجهين: مفتاح، وروى ~~الأعمش عن خيثمة أنه قال: كانت مفاتح قارون تحمل على ستين بغلا، كل ~~مفتاح منها /، لباب كنز معلوم مثل الإصبع من جلود. # قال مجاهد: كانت المفاتيح من جلود الإبل. # وقال أبو صالح: كانت خزائنه تحمل على أربعين بغلا. # وقال الضحاك: مفاتحه: أوعيته. # وقيل: كانت مفاتح أقفال خزائنه لا تنقل من مكان إلى مكان إلا بعشرة أنفس ~~من أهل القوة. # قال ابن عباس: { لتنوء بالعصبة } ، أي لتثقل بالعصبة. # وقال أبو عبيدة: مجازه ما إن العصبة ذوي القوة لتنوء بمفاتح نعمه، ~~والصحيح عند أهل اللغة أنه يقال: نؤت بالحمل: أي نهضت به على ثقل، ونأنى، ~~وأنأني: إذا أثقلني. # وقيل المعنى: لتنيء العصبة: أي تميلهم من ثقلها، كما يقال: ذهبت به، ~~وأذهبته. # والعصبة عند ابن عباس: أربعون، وكذلك قال الضحاك وأبو صالح. # وقال قتادة: هي ما بين العشرة إلى الأربعين. # وقال خيثمة: هم ستون، وقال: كانت مفاتحه تحمل على ستين بغلا. # وقيل: كانت تحمل على ما بين ثلاثة إلى عشرة. # وروى الضحاك عن ابن عباس: { لتنوء بالعصبة } قال: العصبة: ~~ثلاثة، وعنه: العصبة ما بين الثلاثة إلى العشرة. # وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد: العصبة ما بين عشرة إلى خمسة عشر. # وروى ابن جريج عن مجاهد: العصبة خمسة عشر رجلا. # وحكى الزجاج: أن العصبة هنا: سبعون رجلا، والعصبة في اللغة: الجماعة، ~~يتعصب بعضهم لبعض. # وقوله: { أولي القوة } ، أي ذوي الشدة. # قال مجاهد: { أولي القوة } خمسة عشر رجلا. # ثم قال ms1908 تعالى: { إذ قال له قومه لا تفرح إن الله } ~~، أي لا تبطر ولا تأشر { إن الله لا يحب الفرحين } ، أي ~~البطرين الأشرين الذين لا يشكرون على ما آتاهم الله من فضله، أمروا ~~بالتواضع والاستكانة لله. # قال قتادة: { الفرحين } ، المرحين، وكذلك قال ابن عباس. # وقال مجاهد: المتبذخين. # وقيل: { الفرحين } المستهزئين. # وذكر الفراء: أن موسى الذي قال له ذلك وحده، فأخبر عنه بلفظ الجماعة كما ~~قال: # الذين قال لهم الناس # [آل عمران: 173] يعني نعيم بن مسعود. # وفرق الفراء بين الفرحين والفارحين، فقال: الفرحين الذين هم في حال فرح، ~~والفارحين: الذين يفرحون فيما يستقبل، ومثله عنده طمع وطامع، وميت ومايت، ~~وقوله تعالى: # إنك ميت وإنهم ميتون # [الزمر: 30] يدل على خلاف ما قال الفراء، لأن هذا للمستقبل، ولم يكونوا ~~في حال موت إذ خوطبوا بهذا، ولم يقل: مايت ومايتون. # وقال الزجاج: معنى { لا تفرح } أي لا تفرح بالمال فإن الفرح بالمال ~~لا يؤدي فيه الحق. # ثم قال تعالى: { وابتغ فيمآ آتاك الله الدار الآخرة } ~~، أي وقال قوم قارون له: التمس في المال الذي أعطاكه الله الدار الآخرة ~~بالعمل الصالح فيه { ولا تنس نصيبك من الدنيا }. # قال ابن عباس: معناه لا تترك العمل في الدنيا لله بطاعته وهو معنى قول ~~مجاهد وغيره. # قال ابن زيد: لا تنس أن تقدم من دنياك لآخرتك. # وقيل معناه: بل من لذات الدنيا المحللة، لأن ذلك ليس بمحظور عليك. # وقيل: معناه لا تترك أن تطلب بدنياك الآخرة فهو حظك من دنياك. # وقال قتادة: معناه لا تخسر ما أحل الله لك فيها فإن لك فيها غنى وكفاية # وقال الحسن: معناه قدم الفضل وأمسك ما يبلغك. # وقال ابن جريج: الحلال فيها. # وعن مالك رضي الله عنه: أنه الأكل والشرب في غير سرف. # ثم قال تعالى: { وأحسن كمآ أحسن الله إليك } ، أي ~~وأحسن في الدنيا بإنفاق مالك في وجهه، كما وسع الله عليك. { ولا تبغ ~~الفساد في الأرض } ، أي لا تلتمس ما حرم الله عليك من البغي على ~~قومك { إن الله لا يحب ms1909 المفسدين } ، أي لا يحب بغاة ~~البغي والمعاصي. # ثم قال تعالى: { قال إنمآ أوتيته على علم عندي } ، ~~أي قال قارون لقومه لما وعظوه: إنما أوتيت هذا المال: { على علم ~~عندي } أي بفضل علم عندي علمه الله مني، فرضي بذلك عني، وفضلني عليكم ~~بالمال لذلك، فلم يرض بأن يكون الله هو المنعم عليه بذلك، فأضاف اكتساب ~~ذلك إلى نفسه لا بشكر الله عليه، فصار كافرا بذلك، وببغيه على بني ~~إسرائيل، وكان قارون أقرأ الناس للتوراة. # / قيل: كان يعرف عمل الكيمياء، وأنكره الزجاج، وقال: الكيمياء باطل. # ثم قال تعالى: { أولم يعلم أن الله قد أهلك من ~~قبله من القرون من هو أشد منه } ، أي بطشا { ~~وأكثر جمعا } ، أي جمعا للأموال فلم تغن عنه أمواله شيئا، فلا ~~فضل لمن أوتيها. # ثم قال: { ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون }. # قال قتادة: يدخلون النار بغير حساب. # وقيل: المعنى أن الملائكة لا تسأل عنهم لأنهم يعرفونهم بسيماهم، كقوله ~~جل ذكره: # يعرف المجرمون بسيماهم # [الرحمن: 41] قاله مجاهد، وسيماهم: زرقة العيون، وسواد الوجوه. # وقيل: المعنى ولا يسأل هؤلاء عن ذنوب من مضى وأهلك من الأمم الكثيرة ~~الأموال. # وقيل المعنى: لا يسألون سؤال اختيار فيختلف الضمير في ذنوبهم على مقدار ~~المعاني المذكورة. ### || [28.79-88] # قوله تعالى ذكره: { فخرج على قومه في زينته } ، إلى أخر ~~السورة. # قيل: خرج في ثياب الأرجوان. # قال جابر: خرج في القرمز. # وقال مجاهد: خرج في ثياب حمر على براذين بيض عليها سروج الأرجوان عليهم ~~المعصفرات. # قال ابن جريج: خرج على بغلة شهباء عليها الأرجوان، وثلاثمائة جارية على ~~البغال الشهب عليهن ثياب حمر. # وقال الحسن: خرج في ثياب حمر وصفر. # وقال قتادة: ذكر لنا أنهم خرجوا على أربعة آلاف دابة عليهم وعلى دوابهم ~~الأرجوان. # وقال ابن زيد: خرج في سبعين ألفا عليهم المعصفرات. # وقال شهر بن حوشب: زادوا على الناس في طول ثياب أربعة أشبار. # { قال الذين يريدون الحياة الدنيا } ، أي يحبون زينة ~~الدنيا من قوم قارون { يليت لنا مثل مآ أوتي قارون } ، ~~من زينة الدنيا. # { إنه لذو حظ ms1910 عظيم } أي ذو نصيب عظيم في الدنيا. # ثم قال تعالى: { وقال الذين أوتوا العلم } ، أي اليقين ~~والإيمان { ويلكم ثواب الله } ، أي اتقوا الله وأطيعوه، فثواب ~~الله لمن آمن به وبرسله { خير } مما أوتي قارون من زينته وماله. { ~~ولا يلقاهآ إلا الصابرون } أي لا يوفق لقول هذه الكلمة ~~وهي { ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا } ، إلا ~~الصابرون. أي إلا الذين صبروا عن زينة الحياة الدنيا، وآثروا ما عند الله ~~من النعيم على شهوات الدنيا. # ثم قال تعالى: { فخسفنا به وبداره الأرض } أي فخسفنا ~~بقارون وأهل داره الأرض. # روي: أن موسى عليه السلام أمر الأرض أن تأخذه، ومن كان يتبعه من جلسائه ~~في داره، وكان معه جماعة وهم على مثل حاله من النفاق على موسى. # قال ابن عباس: لما نزلت الزكاة أتى موسى قارون فصالحه على كل ألف دينار ~~دينارا، وعلى كل ألف درهم درهما، وعلى كل ألف شاة شاة. ثم أتى قارون ~~بيته فحسبه فوجده كثيرا، فجمع بني إسرائيل، فقال: يا بني إسرائيل إن ~~موسى قد أمركم بكل شيء فأطعتموه وهو الآن يريد أن يأخذ من أموالكم، ~~فقالوا له: أنت كبيرنا وسيدنا، فمرنا بما شئت، فقال: آمركم تجيئوا بفلانة ~~البغي فنجعل لها جعلا فتقذفه بنفسها، فدعوها فجعلوا لها جعلا على أن ~~تقذفه بنفسها، ثم أتى موسى، فقال لموسى إن بني إسرائيل قد اجتمعوا ~~لتأمرهم وتنهاهم، فخرج إليهم وهم في براح من الأرض، فقال يا بني إسرائيل: ~~من سرق قطعنا يده، ومن افترى جلدناه بثمانين، ومن زنى وليس له امرأة ~~جلدناه مائة، ومن زنى وله امرأة جلدناه حتى يموت أو رجمناه حتى يموت. ~~فقال له قارون: وإن كنت أنت، قال: وإن كنت أنا، قال: فإن بني إسرائيل ~~يزعمون أنك فجرت بفلانة، فقال: ادعوها، فإن قالت فهو كما قالت، فلما أن ~~جاءت، قال لها موسى: يا فلانة، قالت: لبيك، قال: أنا فعلت بك ما يقول ~~هؤلاء؟ قالت: لا وقد كذبوا، وقد جعلوا لي جعلا على أن أقذفك بنفسي فوثب ~~وسجد وهو بينهم ms1911 فأوحى الله إليه: مر الأرض بما شئت، فقال يا أرض خذيهم، ~~فأخذتهم /، إلى أقدامهم، ثم قال: يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى ركبهم، ثم ~~كذلك حتى أخذتهم إلى أعناقهم، فجعلوا يقولون: يا موسى، يا موسى، ويتضرعون ~~إليه، فقال: يا أرض خذيهم، فأطبقت عليهم، فأوحى الله إليه: يا موسى، يقول ~~لك عبادي يا موسى، يا موسى لا ترحمهم، أما لو إياي دعوا لوجدوني قريبا ~~مجيبا. # قال ابن عباس: خسف به وبداره إلى الأرض السابعة. # قال ابن جريج: بلغنا أن قارون يخسف به كل يوم قامة، ولا يبلغ إلى أسفل ~~الأرض إلى يوم القيامة. # وقال مالك بن دينار: بلغنا أن قارون يخسف به كل يوم مائة قامة. ثم قال ~~تعالى: { فما كان له من فئة ينصرونه } ، أي من فرقة ترد ~~عنه عذاب الله. وما كان ممن ينتصر من عذاب الله. # ثم قال: { وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس ~~يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشآء من ~~عباده ويقدر } ، أي قال الذين قالوا: { يليت لنا مثل ~~مآ أوتي قارون } لما أن خسف به، وبداره، وأمواله { ويكأن ~~الله }. # قال الخليل، وسيبويه، والأخفش والكسائي: في { ويكأن }: إن القوم ~~تنبهوا أو انتبهوا فقالوا: وي. # والمتندم من العرب يقول في حال تندمه: وي. # قال الخليل: هي " وي " مفصولة من كأن. # والمعنى وقع على أن القوم انتبهوا فتكلموا على قدر علمهم أو نبهوا فقيل ~~لهم أو ما يشبه أن يكون ذلك عندكم هكذا. فالمعنى على هذا القول أن القوم ~~تندموا على ما سلف من قولهم: { يليت لنا مثل مآ أوتي ~~قارون } الآية. # ومن شأن المتندم إذا أظهر ندامته أن يقول " وي " فالوقف على هذا المعنى ~~" وي ". # وقال المفسرون: معناها: ألم تر. # وحكى الفراء: أن أصلها " ويلك " ثم حذفت اللام، فيكون الوقف. # " ويك " ، وهذا بعيد عند كل النحويين، لأن القوم لم يخاطبوا أبدا، ~~ويلزم على قوله أن تكون أن مكسورة إذ لا شيء يفتحها مع أن حذف اللام من " ~~ويلك " غير معروف. وقدره بعض من يقول بقول الفراء " ويلك " إعلم أنه ms1912 وهو ~~بعيد لما ذكرنا، ولأن العرب لا تعلم العلم مضمرا. # وقال بعض الكوفيين: فيه معنى التقرير: ومعناه: أما تروا أنه لا يفلح. # وحكي: أنه سمع أعرابية تقول لزوجها: أين ابنك؟ فقال لها: ويكأنه وراء ~~البيت، على معنى أما ترى أنه وراء البيت؟ # وحكى يونس عن العرب: وي ما أغفله. # وحكى قطرب: " وي " لأمه. # وقال معمر: معناه: أو لا يعلم أنه لا يفلح. # فالمعنى: أن القوم لما عاينوا ما نزل بقارون، قالوا: ألم تر أنه لا يفلح ~~من كفر نعم الله، ألم تر أن { الله يبسط الرزق لمن يشآء ~~من عباده } ويضيقه على من يشاء، ليس يعطي أحد الفضل فيه ولا يمنع ~~أحد لنقص فيه، بل يوسع على من يشاء، ويضيق على من يشاء. # وكتبت " ويكأن " متصلة لكثرة الاستعمال، كما كتبوا يا ابن أم متصلة. ~~وروي عن الكسائي: أنه يقف " وي " ويبتدئ كأن. # وحكي عن أبي عمرو: أنه يقف " ويك ". والمستعمل وصل ذلك اتباعا للمصحف، ~~ولا يوقف على بعضه دون بعض. # ثم قال: { تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا ~~يريدون علوا في الأرض ولا فسادا } ، أي لا يريدون ~~تكبرا عن الحق، ولا ظلم الناس بغير حق. # قال عكرمة: العلو: التجبر. # قال ابن جبير: العلو: البغي. # وقال ابن جريج: علوا، تعظما وتجبرا، { ولا فسادا } ، عملا ~~بالمعاصي. # وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: إن الرجل ليعجبه من شراك نعله أن ~~يكون أجود من شراك صاحبه، فيدخل في قوله: { تلك الدار الآخرة }. # وقوله تعالى: { والعاقبة للمتقين } ،. # قال قتادة والضحاك معناه: والجنة للمتقين: يعني الذين اتقوا المعاصي ~~وأدوا الفرائض. # ثم قال تعالى: { من جآء بالحسنة فله خير منها } ، أي ~~من جاء يوم القيامة بالإخلاص فله منه خير. # قال عكرمة: ليس شيء خيرا من لا إله إلا الله. وإنما المعنى: من جاء بلا ~~إله إلا الله فله منها خير أي حظ خير. # وقيل المعنى: من جاء يوم القيامة بالحسنات فله ما هو خير له من ثوابها، ~~وهو التفضل الذي يزيده الله على ثوابها، لم ms1913 يستحقه لعمله، وإنما هو تفضل ~~من الله عليه، فيكون الثواب على عمله، والتفضل خير له من الثواب وحده. # وقيل: ذلك الخير: الجنة. # { ومن جآء بالسيئة } ، يعني الشرك بالله { فلا يجزى ~~الذين عملوا السيئات إلا ما } ، أي لا يثابون إلا ~~جزاء / أعمالهم لا يزاد عليهم. # ثم قال تعالى: { إن الذي فرض عليك القرآن لرآدك ~~إلى معاد } ،. # هذا مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم، والمعنى: إن الذي أنزل عليك ~~القرآن يا محمد. قاله مجاهد وغيره. # وقيل معنى: فرض عليك العمل بما فيه. # { لرآدك إلى معاد } ، أي إلى الجنة، قاله ابن عباس، والخدري، ~~وأبو مالك، وأبو صالح، لأن أباه منها خرج، فجاز أن يقال للنبي: إلى معاد ~~فيها، وإن كان هو لم يخرج منها. # وقيل: إنما جاز ذلك لأنه دخلها ليلة الإسراء، فالله تعالى يرده إلى ~~الموضع الذي دخله، ويعود به إليه. # وقال عكرمة، وعطاء، ومجاهد: إلى معاد: إلى يوم القيامة. # وكذلك قال الحسن: معاده الآخرة. # وعن ابن عباس: إلى معاد: إلى الموت، وقاله ابن جبير. # وعن ابن عباس أيضا ومجاهد: إلى معاد: إلى مكة، وهو الموضع الذي خرج ~~منه، فكان ذلك بعد مدة، وهذا من دلالات نبوته صلى الله عليه وسلم لأنه ~~أخبر بمكة أنه إذا خرج منها سيعود إليها، فكان ذلك. والسورة مكية ورجع ~~إلى مكة بعد هجرته إلى المدينة وبقائه بها تسعة أعوام أو نحوها، وذلك كله ~~بوحي الله جل ذكره إليه بذلك في كتابه بقوله: { لرآدك إلى ~~معاد }. # واختار الزجاج قول من قال: إلى يوم القيامة، لأن المعنى لرادك إلى ~~الحياة التي كنت فيها. # ثم قال تعالى: { قل ربي أعلم من جآء بالهدى } ، أي: ~~من جاء بالهدى منا ومنكم { ومن هو في ضلال مبين } ، منا ~~ومنكم، أي في جور عن قصد السبيل. # ثم قال تعالى: { وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب ~~} ، أي لم تكن يا محمد تظن أن القرآن ينزل عليك فتعلم به أخبار الأمم ~~قبلك، وما يحدث بعدك، إلا أن ربك رحمك فأنزله عليك ف { إلا رحمة ms1914 ~~} استثناء منقطع، فهذا تذكير من الله لنبيه بنعمه عليه. # { فلا تكونن ظهيرا للكافرين } ، أي عونا لمن كفر بربه ~~على كفره. # ثم قال تعالى: { ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ ~~أنزلت إليك } ، أي لا يصرفك يا محمد الكفار عن تبليغ آيات الله ~~وحججه بعد إذا أنزلت إليك بقولهم: # لولا أوتي مثل مآ أوتي موسى # [القصص: 48]، { وادع إلى ربك } ، أي وادع الناس إلى توحيد ربك ~~وعبادته { ولا تكونن من المشركين } ، أي ولا تترك تبليغ ~~ما أرسلت به، فتكون كالمشركين في ترك ما أمرت به. # ثم قال: { ولا تدع مع الله إلها آخر } ، أي لا تعبد يا ~~محمد صلى الله عليه وسلم مع معبودك الذي له عبادة كل شيء معبودا آخر { ~~لا إله إلا هو } ، أي لا معبود تصلح له العبادة إلا له، الذي ~~{ كل شيء هالك إلا وجهه } ، أي إلا إياه. # وقال سفيان معناه: كل شيء هالك إلا ما أريد به وجهه. # وحكى بعض أهل اللغة أن معناه: إلا جاهه، يقال: فلان وجه القوم أي جاه ~~القوم، فالتقدير: كل شيء في العباد هالك إلا الوجه الذي يتوجهون به إلى ~~الله جل ذكره. # { له الحكم } ، أي بين خلقه دون غيره، { وإليه ترجعون } ~~، أي تردون بعد مماتكم، فيقضي بينكم بالعدل. ### | [29 - سورة العنكبوت] ### || [29.1-10] # قوله تعالى ذكره: # { الم * أحسب الناس أن يتركوا } إلى قوله: { في ~~صدور العالمين }. # معنى الاستفهام هنا التقرير والتوبيخ. # والمعنى أنا الله أعلم. أحسب الذين خرجوا يا محمد من أصحابك من أذى ~~المشركين أن نتركهم بغير اختبار وامتحان. # قال أبو إسحاق: المعنى أحسبوا أن نقنع منهم بأن يقولوا: إنا مؤمنون فقط ~~ولا يمتحنون بما يتبين به حقيقة إيمانهم. # قال مجاهد: لا يفتنون: لا يبتلون في أنفسهم وأموالهم. # وقال قتادة: لا يقتلون. # ثم قال تعالى: { ولقد فتنا الذين من قبلهم ~~فليعلمن الله الذين صدقوا }. # أي ولقد اختبرنا الذين من قبل قومك يا محمد، بإرسال الرسل وبالأذى من ~~المشركين كأذى القبط وفرعون لبني إسرائيل، فليعلمن الله الذين صدقوا في ~~قولهم إنا مؤمنون ms1915 وليعلمن الكاذبين في قتيلهم ذلك. وقد كان الله جل ~~ذكره عالما بهم في كل حال /، ولكن معناه فليظهرن الله ذلك بالابتلاء ~~والاختبار. # وقيل: المعنى: فليعلمن الله الذين ثبتوا في الحرب من الذين انهزموا ~~فيكون " صدقوا " مأخوذا من الصدق وهو الصلب. # وكذبوا من كذب إذا انهزم. # وذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من المسلمين عذبهم المشركون مثل عمار بن ~~ياسر، وعياش بن [أبي] ربيعة، والوليد بن الوليد، وهشام بن عمار، وسمية أم ~~عمارة، وغيرهم، ففتن بعضهم وصبر بعضهم على الأذى حتى فرج الله عنهم. # وقيل: نزلت في قوم أظهروا الإسلام بمكة وتخلفوا عن الهجرة، فالفتنة ~~تخلفهم عن الهجرة. # وقال الشعبي: نزلت في قوم أقروا بالإسلام في مكة فكتب إليهم أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه لا يقبل منكم إقرار بالإسلام حتى تهاجروا، فخرجوا ~~إلى المدينة فاتبعهم المشركون فردوهم، فنزلت هذه الآية فيهم، فكتبوا ~~إليهم أنه قد أنزلت فيكم آية كذا وكذا.. فقالوا: نخرج، فإن اتبعنا أحد ~~قاتلناه، فخرجوا فاتبعهم المشركون فقاتلوهم فمنهم من قتل، ومنهم من نجا ~~فأنزل الله فيهم # ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ~~ثم جاهدوا # [النحل: 110] الآية. # ثم قال تعالى: { أم حسب الذين يعملون السيئات أن ~~يسبقونا } أي: أحسب الذين يشركون بالله أن يعجزونا فلا تقدر عليهم، ~~ساء الحكم الذي يحكمونه وقوله " ساء ما " يجوز أن تكون " ما " نكرة على ~~تقدير ساء شيئا يحكمون، كنعم رجلا زيد. # ويجوز أن تكون معرفة على تقدير ساء الشيء يحكمون. # وأجاز ابن كيسان أن تكون ما والفعل مصدرا، أي: ساء حكمهم. ولكن لا يقع ~~لفظ المصدر بعد ساء وإن كان الكلام بمعنى ذلك، كما نقول عسى أن تقوم، ولا ~~يجوز عسى القيام، وهو بمعناه. فأجاز أن تكون ما زائدة، ولكنها سدت مسد ~~اسم ساء. # ثم قال تعالى ذكره: { من كان يرجوا لقآء الله فإن ~~أجل الله لآت } أي: من كان يخاف يوم لقاء الله. وقيل من كان يخاف ~~الموت فليقدم عملا يقدم عليه. # { فإن أجل الله لآت ms1916 } فهو الموت لا بد منه. وعمل يرجو على ~~بابها بمعنى الطمع. # والمعنى: من كان يطمع في ثواب الله فإن أجل الله الذي أجله لبعث خلقه ~~لآت قريبا، وهو السميع لقولهم آمنا بالله، العليم بصدق قولهم. # ثم قال: { ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه } أي: من جاهد ~~واجتهد في الأعمال الصالحة فإنما ينفع نفسه، ليس لله في ذلك نفع لأنه ~~تعالى ذكره غني عن جميع الخلق. # وقيل: المعنى ومن جاهد عدوه، لنفسه لا لله ولا ابتغاء ثوابه على جهاده، ~~فليس لله في جهاده حاجة لأنه غني عن جميع خلقه. # ثم قال تعالى: { والذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~لنكفرن عنهم سيئاتهم }. # أي: والذين مع إيمانهم عند الاختبار والابتلاء وعملوا الأعمال الصالحة، ~~لنكفرن عنهم ما سلف من ذنوبهم في شركهم. # { ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون } أي: ~~ولنثيبنهم على صالحات أعمالهم في إسلامهم أحسن ما كانوا يعملون في حال ~~شركهم مع تكفير سيئاتهم. # ثم قال { ووصينا الإنسان بوالديه حسنا } أي: وصيناه ~~أن يفعل حسنا. # وقيل: في وصينا مضمر مكرر ناصب لحسن. # وقيل: التقدير: ووصينا الإنسان أن يفعل بوالديه ما يحسن. # ومن قرأ " إحسانا " فمعناه أن يحسن إحسانا. # ثم قال تعالى: { وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به ~~علم فلا تطعهمآ } أي: خالفهما في ذلك. # { إلي مرجعكم } أي: معادكم فأخبركم بأعمالكم في الدنيا من ~~صالح وسيئ، ثم أجازيكم عليها. # روي أن هذه الآية نزلت بسبب سعد بن أبي وقاص لما هاجر قالت أمه: والله ~~لا يظلني ظل بيت حتى يرجع، فأمره الله بالإحسان إليها، وأن لا يطيعها في ~~الشرك. # وقيل: نزلت في عياش بن أبي ربيعة كان قد هاجر مع عمر رضي الله عنهما حتى ~~وصلا المدينة، فخرج أبو جهل بن هشام والحارث بن هشام وهما أخوا عياش لأم ~~وأمهم امرأة من بني تميم. فلما وصلا إلى المدينة قبل هجرة النبي عليه ~~السلام قالا لعياش: ألست تزعم أن من دين محمد صلة الرحم وبر الوالدين، ~~وقد جئناك ونحن / إخوتك وبنو عمك، وأن أمنا قالت ألا تطعم ms1917 طعاما ولا ~~تأوي بيتا حتى تراك وقد كانت لك أشد حبا منا، فاخرج معنا حتى ترضي ~~والدتك، ففي رضاها رضى ربك ورضا محمد، ومع هذا تأخذ مالك. واستشار عمر ~~فقال: هم يخدعونك ويمكرون بك. ومعي مال، ولك الله علي عز وجل، إن أقمت ~~معي ولم ترجع عن هجرتك أن أقسم مالي بيني وبينك نصفين، فما زالوا به ~~حتى أطاعهم وعصى عمر، فقال له عمر: أما إذا عصيتني فخذ ناقتي، فليس في ~~الدنيا بعير يلحقها. # فإن رابك منهم أمر فارجع، فمضى معهم حتى أتى البيداء فقال أبو جهل ~~لعياش: إن ناقتي قد كلت فاحملني معك، قال له: نعم، قال: فانزل حتى ~~أوطئ لنفسي ولك، فلما سار معهم في الأرض وهم ثلاثة كان معهم الحارث بن ~~يزيد العامري شدوه وثاقا، ثم جلده كل واحد منهم مائة جلدة، ثم ذهبوا به ~~إلى أمه، فقالت له: والله لا تزال في العذاب حتى ترجع عن دين محمد فأنزل ~~الله تعالى: { وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به ~~علم فلا تطعهمآ }. الآيات. # ثم قال تعالى: { والذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~لندخلنهم في الصالحين } أي: ندخل الصالحين، وذلك الجنة. # ثم قال: { ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذآ ~~أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله } أي: ~~ومن الناس من يقول أقررنا بالله (فوحدناه)، فإذا آذاه المشركون في ~~إقراره بالله جعل فتنة الناس في الدنيا كعذاب الله في الآخرة فارتد عن ~~إيمانه. # ثم قال: { ولئن جآء نصر من ربك }. # يعني نصر لك يا محمد وللمؤمنين، { ليقولن } أي: ليقول هؤلاء ~~المرتدون عن الإيمان، الجاعلون فتنة الناس كعذاب الله { إنا كنا ~~معكم } أيها المؤمنون ننصركم على أعدائكم، كذبا منهم وإفكا. # يقول الله تعالى: { أو ليس الله بأعلم بما في صدور ~~العالمين } أي: يعلم ما في صدر كل واحد من خلقه، فكيف يخادع من لا ~~يخفى عليه خافية ولا يستتر عنه سر ولا علانية؟ # قال ابن عباس: فتنته أن يرتد عن الإيمان إذا أوذي في الله. # قال مجاهد: هم أناس ms1918 يؤمنون بألسنتهم، فإذا أصابهم بلاء من الله أو مصيبة ~~في أنفسهم افتتنوا فجعلوا ذلك في الدنيا كعذاب الله في الآخرة. # وقال الضحاك وابن زيد: هم منافقون كانوا بمكة إذا أوذوا أو جاءهم بلاء ~~رجعوا إلى الكفر. وقال ابن عباس: كان قوم من أهل مكة أسلموا وكانوا يخفون ~~الإسلام، فأخرجهم أهل مكة يوم بدر معهم فأصيب بعضهم، فقال المسلمون: كان ~~أصحابنا هؤلاء مسلمين وأكرهوا فاستغفروا لهم، فنزلت: # إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم # [النساء: 97]. فكتب بها إلى (من) بقي بمكة من المسلمين فلم يكن لهم عذر ~~فخرجوا فلحقهم المشركون فأعطوهم الفتنة فنزلت فيهم هذه الآية: { ومن ~~الناس من يقول آمنا } الآية، فكتب المسلمون إليهم بذلك فخرجوا ~~ويئسوا من كل خير ونزلت فيهم: # ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ~~ثم جاهدوا وصبروا # [النحل: 110] الآية، فكتبوا إليهم بذلك: إن الله جل ثناؤه قد جعل لكم ~~مخرجا فخرجوا فأدركهم المشركون فقاتلوهم حتى نجا من نجا وقتل من قتل. # وقال قتادة في الآيتين إلى { وليعلمن المنافقين } ، هذه ~~الآيات نزلت في القوم الذين ردهم المشركون إلى مكة، وهذه الآيات العشر ~~مدنية إلى ها هنا وسائرها مكي. # قال مجاهد: جعل فتنة الناس كعذاب الله، أي: جعل أذى الناس له في الدنيا ~~كعذاب الله على معصيته، فأطاعهم كما يطيع الله من خاف عقابه. # وقيل: المعنى: خاف من عذاب الناس كما خاف من عذاب الله. ثم قال { ~~ليقولن } فرده على المعنى فجمع، ورده أولا على اللفظ فوحد. # وقوله: { أو ليس الله بأعلم بما في صدور ~~العالمين } أي: يعلم أنهم لكاذبون في قولهم: إنا كنا معكم. ### || [29.11-19] # قوله تعالى ذكره: { وليعلمن الله الذين آمنوا } إلى ~~قوله: { على الله يسير }. # فمعنى قوله تعالى: { وليعلمن الله الذين آمنوا ~~وليعلمن المنافقين }. # أي: وليعلمن أولياء الله وحزبه أهل الإيمان بالله منكم من أهل النفاق ~~وهو قوله: { وليعلمن المنافقين }. # ثم قال تعالى { وقال الذين كفروا للذين آمنوا ~~اتبعوا سبيلنا } أي: كونوا على ما نحن عليه من الكفر { ~~ولنحمل خطاياكم } إن بعثتم وجوزيتم، ms1919 فنحن نحمل / آثام خطاياكم ~~عنكم. # وذلك قول الوليد بن المغيرة: قال للمؤمنين: كونوا على ما نحن عليه من ~~الكفر ونحن نحمل خطاياكم. # قيل: هو من الحمالة وليس من الحمل على الظهر. فالمعنى اتبعوا ديننا ونحن ~~نضمن عنكم كل ما يلزمكم من عقوبة ذنب، وما هم بحاملين: أي: بضامنين ذلك. # وقيل: ذلك قول كفار قريش لمن آمن منهم: أنكروا البعث والجزاء فقالوا ~~للمؤمنين أنكروا ذلك كما ننكره نحن، فإن بعثتم وجوزيتم فنحن نحمل عنكم ~~خطاياكم. # قال الله تعالى: { وما هم بحاملين من خطاياهم من ~~شيء إنهم لكاذبون } في قولهم. # ثم قال تعالى: { وليحملن أثقالهم وأثقالا مع ~~أثقالهم } أي: وليحملن هؤلاء المشركون أوزارهم وأوزار من أضلوا ~~وصدوا عن سبيل الله. # { وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون } ~~أي: يكذبون. ومثله قوله تعالى # ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن ~~أوزار الذين يضلونهم # [النحل: 25]. # قال قتادة: في حديث رفعه # " من دعا إلى ضلالة كتب عليه وزرها ووزر من عمل بها ولا ينقص ~~منه شيء ". # وقال أبو أمامة الباهلي: " يؤتى بالرجل يوم القيامة يكون كثير ~~الحسنات فلا يزال يقتص منه حتى تفنى حسناته، ثم يطالب فيقول ~~الله جل وعز: اقتصوا من عبدي فتقول الملائكة، ما بقيت له حسنات، ~~فيقول خذوا من سيئات المظلوم واجعلوها عليه. قال أبو أمامة: ثم تلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم: { وليحملن أثقالهم ~~وأثقالا مع أثقالهم } ". # ثم قال تعالى ذكره: { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه ~~فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما }. # وهذه الآية وعيد من الله للمشركين من قريش القائلين للمؤمنين منهم: ~~اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم. فيها تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم مما ~~لحقه من قومه. # فالمعنى تسل يا محمد ولا تحزن فإن مصيرك ومصير من آمن بك إلى النجاة، ~~ومصير من كفر بك إلى البوار والهلاك كفعلنا بنوح وقومه. # ذكر عون بن أبي شداد: أن الله جل ذكره أرسل نوحا إلى قومه وهو ابن ~~خمسين وثلاثمائة سنة، فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما. # ثم عاش بعد ذلك خمسين ms1920 وثلاث مائة سنة. # وروى ابن وهب عمن سمع عبد الوهاب بن مجاهد يقول: مكث نوح يدعو قومه إلى ~~الله ألف سنة إلا خمسين عاما، يدعوهم إلى الله يسره إليهم. # قال: ثم يجهر به إليهم، قال: فيأخذونه، فيخنقونه حتى يغشى عليه فيسقط ~~مغشيا عليه، ثم يفيق فيقول: اللهم اغفر لقومي إنهم لا يعلمون قال: ويقول ~~للرجل ابنه: يا أبه، ما لهذا الشيخ يصبح كل يوم ولا يفيق، فيقول له: ~~أخبرني جدي أنه لم يزل على هذا منذ كان. # وقوله تعالى ذكره: { فأخذهم الطوفان وهم ظالمون }. # أي أهلكهم الماء الكثير في حال كفرهم وظلمهم لأنفسهم. وكل ماء كثير فاش ~~فهو عند العرب طوفان. وكذلك الموت الذريع الكثير، يقال له: طوفان. مشتق ~~من طاف يطوف وهو اسم موضوع لما أحاط بالأشياء. # ثم قال تعالى ذكره: { فأنجيناه وأصحاب السفينة } أي: ~~أنجينا نوحا ومن معه في السفينة من ولده وأزواجهم. { وجعلناهآ ~~آية للعالمين } أي: وجعلنا السفينة عبرة وعظة للعالمين وحجة ~~عليهم. # قال قتادة: أبقاها الله آية للناس على الجودي. # وقيل: المعنى: وجعلنا عقوبتنا آية. # ثم قال تعالى: { وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا ~~الله }. # قال الكسائي: " وإبراهيم " عطف على الهاء في " أنجيناه " وهي: نوح. أي: ~~أنجينا نوحا وإبراهيم. # وقيل: المعنى: وأرسلنا إبراهيم. # وقيل: المعنى: واذكر إبراهيم. # { إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه } أي: اتقوا ~~سخطه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه. # { ذلكم خير لكم } أي: هذا الفعل خير لكم من غيره { إن ~~كنتم تعلمون } ما هو خير لكم مما هو شر لكم. # ثم قال تعالى: { إنما تعبدون من دون الله أوثانا } ~~أي: أصناما. { وتخلقون إفكا } أي: تقولون كذبا. # وقال ابن عباس: معناه: تصنعون كذبا. وعن ابن عباس: تخلقون: تنحتون، أي: ~~تصورون إفكا. وقاله الحسن. # فالمعنى أن الذين تعبدون من دون الله أصنام وأنتم / تصنعونها. # ثم قال: { إن الذين تعبدون من دون الله لا ~~يملكون لكم رزقا } يعني الأصنام التي عبدوها من دون الله لا ~~تقدر لهم على نفع فترزقهم. # { فابتغوا عند الله الرزق } أي: التمسوا من عند الله ms1921 ~~الرزق لا من عند الأوثان. # { واعبدوه } أي: ذلوا له. # { واشكروا له } على رزقه إياكم. # { إليه ترجعون } أي: تردون من بعد مماتكم فيجازيكم على أعمالكم ~~ويسألكم على شكر نعمه عندكم. # ثم قال تعالى: { وإن تكذبوا فقد كذب أمم من ~~قبلكم } أي: إن تكذبوا أيها الناس محمدا فيما دعاكم إليه، فقد كذب ~~جماعات من قبلكم رسلها فيما أتتهم به من الحق، فحل بهم سخط الله، فكذلك ~~سبيلكم سبيل الأمم فيما هو نازل بكم، إذا كذبتم رسولكم. # { وما على الرسول إلا البلاغ المبين } أي: ما على ~~محمد إلا أن يبلغكم من الله رسالته الظاهرة لمن سمعها. # ثم قال تعالى: { أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ~~ثم يعيده } أي: ألم ير هؤلاء المنكرون للبعث كيف يبدئ الله خلق ~~الإنسان من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، ثم ينقله حالا بعد حال حتى أن ~~يصير رجلا كاملا. # فمن قدر على هذا فهو قادر على إعادة المخلوق بعد موته، وذلك عليه هين ~~لأن الإعادة عندكم أسهل من الابتداء، إذ الابتداء كان على غير مثال ~~والإعادة هي على مثال متقدم، فذلك أسهل وأيسر فيما يعقلون. # وقيل: معناه: كيف يبدئ الله الثمار وأنواع النبات فتفنى بأكلها ورعيها ~~وشدة الحر عليها، ثم يعيدها ثانية أبدا أبدا، وكيف يبدئ الله خلق ~~الإنسان فيهلك، ثم يحدث منه ولدا، ثم يحدث للولد ولدا، وكذلك سائر ~~الحيوان يبدئ الله خلق الوالد ثم يعيد منه خلق الولد، ويهلك الوالد، ~~وهكذا أبدا.. فاحتج الله عليهم بذلك لأنه أمر لا ينكرونه، يقرون به فمن ~~قدر على ما تقرون قادر على إعادته بعد موته، وذلك أهون عليه فيما تعقلون، ~~وكل عليه هين. ومعنى { يروا }: يعلموا. ### || [29.20-28] # قوله تعالى ذكره: { قل سيروا في الأرض فانظروا } إلى قوله ~~{ من أحد من العالمين }. # أي: قل يا محمد للمنكرين للبعث: سيروا في الأرض فاستدلوا بأنواع صنع ~~الله، وانظروا إلى آثار كان قبلكم. وإلى ما صاروا إليه من الموت والفناء، ~~فتعلموا أن الله بدأ الخلق في الأرض وأفناهم، ثم أحدثكم بعدهم. ms1922 فكذلك ~~سيفنيكم بالموت ثم يحييكم في الآخرة كلكم. فكما خلقكم في الدنيا بعد أن ~~لم تكونوا كذلك فيها وخلق من كان قبلكم بعد أن لم يكونوا فيها كذلك ~~يحييكم بعد موتكم، فاعلموا أن الله على كل شيء قدير. وانظروا كيف بدأ ~~الله الخلق للأشياء وأحدثها، فكما أنشأها وابتدأها، كذلك يقدر على ~~إعادتها بعد إفنائها. وليس يتعذر الإعادة على من ابتدأ الشيء. # وقوله: { ثم الله ينشىء [النشأة] الآخرة }. يعني البعث ~~بعد الموت. # ومن مده جعله اسما في موضع المصدر كما قالوا: (عطاء) في موضع: (إعطاء). # ولم يمد جعله مصدرا جرى على غير المصدر لأنه لو جرى على المصدر لقال ~~ينشئ الإنشاء الآخر. ولكنه على تقدير: ثم الله ينشئ الخلق بعد موتهم ~~فينشؤون النشأة الآخرة. # { إن الله على كل شيء قدير } أي: إن الله على إنشاء ~~جميع خلقه بعد فنائه كهيئته قبل ذلك قادر، لا يعجزه شيء أراده. وقدير ~~أبلغ من قادر. # ثم قال تعالى: { يعذب من يشآء ويرحم من يشآء ~~وإليه تقلبون } أي: يعذب من يشاء ممن سبق له الشقاء، ويرحم من ~~يشاء ممن سبق له السعادة، وإليه تردون. # وقيل: يعذب من يشاء ممن يستحق العذاب، ويرحم من يشاء ممن يستحق الرحمة. ~~ثم قال: { ومآ أنتم بمعجزين في الأرض ولا في ~~السمآء } أي: وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا أهل السماء بمعجزين في ~~السماء، أي: ليس يفوت الله أحد. وقيل: المعنى: وما أنتم بمعجزين في الأرض ~~ولا في السماء لو كنتم فيها. # وقال المبرد: التقدير: ولا من في السماء، على أن تكون (من) نكرة، وفي ~~السماء من نعتها، ثم أقام النعت مقام المنعوت. # وقد رد عليه هذا / القول علي بن سليمان، وقال: لا يجوز، لأن (من) إذا ~~كانت نكرة فلا بد من صفتها، فصفتها كالصلة، ولا يجوز حذف الموصول وترك ~~الصلة. والمعنى عنده: أن الناس خوطبوا بما يعقلون - ومن في السماء الوصول ~~إليه أبعد - وأما المعنى: وما أنتم بمعجزين في الأرض، ولو كنتم في السماء ~~ما أعجزتم، ومثله: # أينما تكونوا يدرككم ms1923 الموت ولو كنتم في ~~بروج مشيدة # [النساء: 78]. # فالمعنى: لا تعجزونا هربا ولو كنتم في السماء. # قال ابن زيد: معناه: لا يعجزه - تعالى ذكره - أهل الأرض في الأرض ولا ~~أهل السماء في السماء إن عصوه. # فالتقدير على هذا: وما أنتم بمعجزين الله في الأرض ولا من في السماء ~~بمعجزي الله. على حرف (من) مرة واحدة، كما قال: # وما منآ إلا له مقام معلوم # [الصافات: 164] أي: إلا من له مقام. # وقيل: المعنى: وما أنتم معجزين من في الأرض من الملائكة ولا من في ~~السماء منهم، على إضمار (من) في الموضعين، وهو بعيد. # ثم قال تعالى: { وما لكم من دون الله من ولي ولا ~~نصير } أي: ليس يمنعكم من عذاب الله ولي ولا نصير ينصركم إن أراد بكم ~~سوءا. # ثم قال تعالى: { والذين كفروا بآيات الله ولقآئه ~~أولئك يئسوا من رحمتي } أي: كفروا بالقرآن وبالبعث: { ~~أولئك يئسوا من رحمتي } أي: في الآخرة لما عاينوا ما ~~أعد لهم من العذاب. # { وأولئك لهم عذاب أليم } أي: مؤلم موجع. # قال قتادة: إن الله جل ذكره ذم قوما هانوا عليه فقال: { أولئك ~~يئسوا من رحمتي } ، وقال: # إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم ~~الكافرون # [يوسف: 87]. # فينبغي للمؤمن ألا ييأس من رحمة الله، وأن لا يأمن عذابه وعقابه. وصفة ~~المؤمن أن يكون راجيا خائفا. ثم قال: { فما كان جواب قومه } ~~يعني: قوم إبراهيم. # وهذا جواب لقوله عن إبراهيم: إنه قال لقومه اعبدوا الله واتقوه. وجميع ~~ما جرى بين ذلك إنما أتى به تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وعظة لقريش، ~~وتذكيرا لهم وتوبيخا. { إلا أن قالوا اقتلوه أو ~~حرقوه }. أي: قال بعضهم لبعض اقتلوه أو حرقوه بالنار ففعلوا، ~~فأنجاه الله منها ولم يسلط [عليه]، بل جعلها بردا وسلاما. # قال كعب: ما أحرقت منه إلا وثاقه. # { إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون } أي: إن في إنجاء ~~الله إبراهيم من النار وتصييرها عليه بردا وسلاما، لدلالة وحجة لقوم ~~يصدقون بما آتاهم من عند الله. # ثم قال: { وقال إنما اتخذتم ms1924 من دون الله أوثانا ~~} أي: قال لهم إبراهيم: اعبدوا الله واتقوه، وقال لهم: إنما اتخذتم من ~~دون الله آلهة هي أوثانا للمودة بينكم، أي: فعلتم ذلك للمودة. # وهذا على قراءة من نصب. و (ما) مع (إن) حرف واحد. والمعنى: إنما ~~اتخذتموها مودة بينكم، أي: تتحابون على عبادتها وتتواصلون عليها. # فأما من رفع المودة فإنه جعلها خبر إن، وما بمعنى الذي. أو على إضمار ~~مبتدأ، أي: هو مودة أو تلك مودة. أي: إلفتكم وجماعتكم مودة بينكم. وإن ~~شئت جعلت (مودة) مبتدأ، وفي الحياة الدنيا الخبر. ومن أضاف المودة إلى ~~بين أخرجها عن أن تكون ظرفا، ولا يجوز أن تكون ظرفا وهو مضاف. # ثم قال تعالى: { ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ~~ببعض ويلعن بعضكم بعضا } أي: يكون أمركم بعد هذه المودة ~~في الدنيا على عبادة الأوثان إلى أن يتبرأ بعضكم من بعض، ويلعن بعضكم ~~بعضا. # { ومأواكم النار } أي: مصير جميعكم إليها أيها العابدون ~~الأوثان. { وما لكم من ناصرين } أي: ما لكم من نصير من الله ~~فينقذكم من عذابه. # " أوثانا " وقف إن رفعت مودة على الابتداء، أو على إضمار مبتدأ. # ثم قال تعالى: { فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ~~ربي } أي: صدقه لوط وقال إبراهيم: إني مهاجر إلى ربي، يعني إلى ~~الشام. قل ابن عباس: هاجرا جميعا إلى الشام. # قال قتادة: كانا بكوثى قرية من سواد الكوفة فهاجرا إلى الشام. وقيل: ~~الذي قال إني مهاجر إلى ربي هو لوط، لما انفرد بالإيمان بإبراهيم لم يقم ~~بين أظهر الكافرين، فقال: إني مهاجر لقومي وبلدي، أخرج (من) بين أظهر ~~الكفار إلى حيث يأمرني ربي. فهاجر من سواد الكوفة إلى الشام. # ثم قال: { إنه هو العزيز الحكيم } أي: الذي لا يذل من ~~نصره، الحكيم في تدبيره /. # ثم قال: { ووهبنا له إسحاق ويعقوب } أي: وهب الله ~~لإبراهيم ولده إسحاق وولد ولده يعقوب بن إسحاق { وجعلنا في ~~ذريته النبوة والكتاب } أي: والكتب فدل الواحد على ~~الجمع. يعني الكتاب الذي أنزل على موسى وداود وعيسى ومحمد صلى الله ms1925 ~~عليهم، كلهم من ذرية إبراهيم. # { وآتيناه أجره في الدنيا } أي: أعطيناه ثواب بلائه فينا ~~في الدنيا { وإنه في الآخرة لمن الصالحين } أي: في ~~المجازاة لا ينقص من أجره شيء والأجر هنا الثناء الصالح والولد الصالح، ~~قاله ابن عباس. # قال عكرمة: أجره في الدنيا هو أن أهل كل ملة يتولاه وهو عند الله من ~~الصالحين في الآخرة. # وقال قتادة: أجره في الدنيا عافية وعمل صالح وثناء حسن، فلست تلقى أحدا ~~من الملل إلا يرضى إبراهيم ويتولاه. # وقيل: أجره في الدنيا أن الله لم يبعث نبيا بعد إبراهيم صلى الله عليه ~~وسلم إلا من ذريته، وليس من أهل دين إلا (وهم) يتحلون حب إبراهيم صلى ~~الله عليه وسلم ويدعون دينه، وذلك كله لا ينقصه من ثوابه في الآخرة، ~~فلذلك قال: { وإنه في الآخرة لمن الصالحين } أي: إن له ~~في الآخرة منازل الصالحين. ومثله قوله تعالى: # إنآ أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار * وإنهم ~~عندنا لمن المصطفين الأخيار # [ص: 46-47]. يعني في الآخرة لم ينقصهم ما تفضل به عليهم في الدنيا من ~~أجرهم في الآخرة شيئا. # ثم قال تعالى: { ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون ~~الفاحشة } أي: واذكر لوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة، وهي ~~إتيان الذكور. # { ما سبقكم بها من أحد من العالمين } أي: لم ~~يتقدمكم أحد إلى إتيان الذكور. ### || [29.29-41] # قوله تعالى ذكره: { أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون ~~السبيل } إلى قوله: { لو كانوا يعلمون }. # أي: تأتون الرجال في أدبارهم، وتقطعون الطريق على المسافرين. # روي أنهم كانوا يفعلون ذلك بمن يمر بهم من المسافرين، ومن يرد ديارهم ~~من الغرباء، قاله ابن زيد. # روي أنهم كانوا - مع فسقهم - يقطعون الطريق ويقتلون ويأخذون الأموال حتى ~~انقطعت الطريق فلا يسلكها أحد. # وقوله: { وتأتون في ناديكم المنكر }. روي عن عائشة أنه ~~الفراط، يعني أنهم كانوا يتفارطون في مجالسهم. # " وروت أم هانئ أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى ذكره: ~~{ وتأتون في ناديكم المنكر } قال: " كانوا يخذفون أهل ~~الطريق ويسخرون منهم، فهو المنكر الذي كانوا يأتون ms1926 " # ، وقاله عكرمة والسدي. # وقال مجاهد: المنكر هنا أنهم كانوا يجامع بعضهم بعضا في المجالس. وهو ~~قول قتادة وابن زيد. والحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أولى ~~بالاتباع. # وروي ذلك عن ابن شهاب: # " إن على من عمل عمل قوم لوط الرجم أحصن أو لم يحصن ". # قال مالك: إذا شهد على الفاعل والمفعول به أربعة شهداء عدول رجما، ولا ~~يرجمان حتى يرى كما يرى المرود في المكحلة أحصنا أو لم ~~يحصنا إذا كانا قد بلغا الحلم. # وقد روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " اقتلوا الفاعل والمفعول به ". # وقال علي بن أبي طالب: يحرق الفاعل والمفعول به في النار. وروي أن أبا ~~بكر شاور عليا في هذا فأمر بحرقهما. # وفعل ابن الزبير مثل ذلك في أيامه، وفعله هشام ابن عبد الملك. وقيل إنما ~~فعلوا الحرق بعد القتل. # وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم " أمر برجمهما " وأكثر ~~الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك " القتل لهما جميعا " وفي ~~بعض الحديث: # " ومن وقع على ذات محرم فاقتلوه ". # وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا علا الذكر الذكر اهتز العرش وقالت السماوات: يا رب مرنا ~~أن نحصبه، وقالت الأرض: يا رب مرنا نبتلعه، فيقول: ~~دعوه فإن ممره بي ووقوفه بين يدي ". # ثم قال تعالى ذكره: { فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ~~ائتنا بعذاب الله } أي: ما جاوب لوطا قومه لما نهاهم عن ~~المنكر، وخوفهم من عذاب الله إلا أن قالوا: جئنا بعذاب الله الذي توعدنا ~~به إن كنت صادقا في قولك. # { قال رب انصرني على القوم المفسدين } أي: قال لوط ~~مستغيثا لما استعجله قومه بالعذاب: يا رب انصرني على القوم المفسدين /. # ثم قال تعالى: { ولما جآءت رسلنآ إبراهيم بالبشرى ~~} أي: جاءته الملائكة من الله بالبشرى بإسحاق ومن ولده بيعقوب. # { قالوا إنا مهلكو أهل هذه القرية } وهي: سدوم ~~قرية قوم لوط. # { إن أهلها كانوا ظالمين } أي: ظالمين أنفسهم بمعصيتهم ~~الله. # ثم قال ms1927 تعالى: { قال إن فيها لوطا } أي: قال ذلك إبراهيم عليه ~~السلام. # قال ابن عباس: فجادل إبراهيم الملائكة في قوم لوط عليه السلام أن ~~يتركوا، فقال أرأيتم إن كان فيها عشرة أبيات من المسلمين أتتركونهم؟ ~~فقالت الملائكة: ليس فيها عشرة أبيات ولا خمسة ولا أربعة ولا ثلاثة ولا ~~اثنان، فقال إبراهيم: إن فيها لوطا. # { فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من ~~الغابرين } أي: من الباقين في العذاب. # وقيل: المعنى كانت من الذين أبقتهم الدهور والأيام وتطاولت أعمارهم، ~~فإنها هالكة مع قوم لوط. وحسن وصفها بلفظ المذكر، فقال من الغابرين ولم ~~يقل من الغابرات لما كانت مع الرجال، فجعل صفتها كصفتهم. # وروي أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم قال للملائكة: إن كان فيهم مائة ~~يكرهون هذا أتهلكونهم؟ قالوا: لا قال: فإن كان فيهم تسعون قالوا: لا، إلى ~~أن بلغ إلى عشرين. قال: إن فيها لوطا. قالت الملائكة: نحن أعلم بمن ~~فيها. روي أنه كان في المدينة أربع مائة ألف. # ثم قال تعالى: { ولمآ أن جآءت رسلنا لوطا سيء بهم } ~~أي: ساءته الملائكة بمجيئهم إليه، وذلك أنهم تضيفوه فرأى جمالهم وحسنهم ~~فخاف عليهم من قومه، إذ قد علم أنهم كانوا يظلمون مثلهم في حسنهم وجمالهم ~~فساؤوه بذلك. # قال قتادة: ساء ظنه بقومه وضاق بضيفه ذرعا لما علم من حيث فعل قومه. # قال ابن أبي عروبة: كان قوم لوط أربعة آلاف ألف، فلما رأت الرسل غمه ~~وخوفه عليهم من قومه، قالت الرسل للوط: لا تخف علينا أن يصل إلينا قومك ~~ولا تحزن مما أخبرناك من أنا مهلكوهم، فإنا ننجيك وأهلك إلا امرأتك. # ثم قال تعالى: { إنا منزلون على أهل هذه القرية ~~رجزا من السمآء } أي: عذابا بفسقهم. # ثم قال تعالى: { ولقد تركنا منهآ آية بينة } أي: ~~أبقينا فعلتنا بهم عبرة وعظة ظاهرة لقوم يعقلون عن الله حججه وتلك الآية: ~~اندراس آثارهم ومعالمهم. ونتبع الحجارة إياهم حيث كانوا. # ثم قال تعالى: { وإلى مدين أخاهم شعيبا } أي: وأرسلنا ~~إلى مدين أخاهم شعيبا. # فقال لهم يا قوم ms1928 اعبدوا الله وحده وارجوا بعبادتكم إياه اليوم الآخر، ~~أي: جزاء اليوم الآخر وهو يوم القيامة. # { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } أي: لا تكثروا الفساد في ~~الأرض بمعصية الله تعالى وإقامتكم عليها. # { فكذبوه فأخذتهم الرجفة } أي: فكذب أهل مدين شعيبا ~~فيما جاءهم به عن الله جل ذكره، فأخذهم العذاب، فأصبح بعضهم على بعض ~~جثوما موتا في ديارهم. # قال قتادة: أرسل شعيب مرتين إلى أمتين، إلى أهل مدين، وإلى أصحاب ~~الأيكة، وكان شعيب من ولد مدين، وأهل مدين من ولده أيضا، فلذلك قال: ~~أخاهم، ولم يكن بين شعيب وأصحاب الأيكة نسب فلذلك لم يقل أخاهم. # قال قتادة: جاثمين: ميتين. وأصله المد والسكون وقطع الحركة. # ثم قال تعالى: { وعادا وثمودا وقد تبين لكم من ~~مساكنهم } نصب عاد وثمود عند الكسائي على العطف على قوله: # ولقد فتنا الذين من قبلهم # [العنكبوت: 3] وفتنا عادا وثمودا. # وقال الزجاج: التقدير: وأهلكنا عادا وثمودا. # وقال الطبري: التقدير: واذكر عادا وثمودا، وقد تبين لكم من مساكنهم، ~~يعني خرابها وخلاءها منهم. # { وزين لهم الشيطان أعمالهم } أي: حسنها لهم ~~فتمادوا على كفرهم وتكذيبهم. { فصدهم عن السبيل } أي: عن ~~سبيل الله. # { وكانوا مستبصرين } أي: في ضلالتهم، أي: معجبين بها، يحسبون ~~أنهم على هدى وصواب، قاله ابن عباس والضحاك وقتادة. # وقيل: المعنى: كانوا قد عرفوا الحق من الباطل. فهو مثل قوله تعالى ذكره: # وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم # [النمل: 14]. # قال تعالى: { وقارون وفرعون وهامان }. هذا معطوف على عاد ~~على الاختلاف المتقدم. # { ولقد جآءهم موسى بالبينات } أي: الآيات الواضحات. ~~{ فاستكبروا في الأرض } أي: عن التصديق بالآيات. # { وما كانوا سابقين } أي: فائتين بأنفسهم، بل القدرة عليهم ~~غالبة من الله. # ثم قال تعالى: { فكلا أخذنا بذنبه } أي: فأخذنا جميع هذه ~~الأمم المذكورة بذنوبهم وأهلكناهم. # { فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا } أي: حجارة من سجيل ~~والعرب تسمي الريح التي تحمل الحصى حاصبا. وهم قوم لوط. # { ومنهم من أخذته الصيحة } قال ابن عباس: هم ثمود. ~~وقال قتادة هم قوم شعيب. # { ومنهم من خسفنا به الأرض } قال ابن عباس وقتادة: هو ms1929 ~~قارون. { ومنهم من أغرقنا } قال ابن عباس: هم قوم نوح. وقال ~~قتادة هم قوم فرعون. # { وما كان الله ليظلمهم } أي: وما كان الله ليهلك هذه ~~الأمم بغير ذنب. # { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } أي: بعبادتهم غير من ~~ينعم عليهم ويرزقهم. # ثم قال تعالى: { مثل الذين اتخذوا من دون الله ~~أوليآء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا } أي مثل من اتخذ ~~من دون الله آلهة في ضعف ما يرجون منها كمثل العنكبوت في ضعفها وقلة ~~حيلتها اتخذت بيتا ليكنها، فلم يغن عنها شيئا عند حاجتها، فكذلك ~~هؤلاء الذين عبدوا الأوثان لتنفعهم عند حاجتهم إليها. قال ابن عباس: هو ~~مثل ضربه الله لمن عبد غيره. # ثم قال تعالى ذكره: { وإن أوهن البيوت لبيت ~~العنكبوت لو كانوا يعلمون } أي: إن أضعف البيوت لبيت ~~العنكبوت لو علموا ذلك يقينا. ### || [29.42-48] # قوله تعالى ذكره: { إن الله يعلم ما يدعون من دونه } ~~إلى قوله { إذا لارتاب المبطلون }. # أي: يعلم حال ما تعبدون من دون الله أنه لا ينفعكم ولا يضركم، وأن مثله ~~في قلة غنائه عنكم مثل بيت العنكبوت في قلة غنائه عنها. { وهو ~~العزيز } أي: في انتقامه ممن كفر به. { الحكيم } في تدبيره. و " ~~من " في قوله: " من شيء " للتبعيض، ولو كانت زائدة للتوكيد بعد النفي ~~لانقلب المعنى. فما ليست نفيا، وهي بمعنى الذي. # ثم قال: { وتلك الأمثال نضربها للناس } أي: وتلك ~~الأشباه والنظائر نضربها للناس، أي: نمثلها للناس ونحتج بها عليها. { ~~وما يعقلهآ إلا العالمون } أي: وما يعقل الصواب لما ضرب ~~له من الأمثال إلا العالمون بالله وآياته. ثم قال تعالى: { خلق ~~الله السموت والأرض بالحق } أي: انفرد بخلق ذلك للحق. # { إن في ذلك لآية للمؤمنين } أي: لعلامة وحجة على خلقه ~~في توحيده وعبادته لمن آمن به. ثم قال تعالى: { اتل ما أوحي ~~إليك من الكتاب } أي: اقرأ يا محمد ما أنزل عليك من القرآن. { ~~وأقم الصلاة } أي: أدها بفروضها وفي وقتها. { إن الصلاة ~~تنهى عن الفحشآء والمنكر }. # قال ابن عباس: في الصلاة منتهى ومزدجر عن معاصي ms1930 الله جل ذكره. وقال ابن ~~مسعود: من لم تأمره صلاته بالمعروف وتنهه عن المنكر لم يزدد بها إلا ~~بعدا من الله جل ذكره. # وروى الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل قول ابن مسعود. وهو قول ~~قتادة وغيره. وقيل: المعنى: إن الصلاة تنهى من كان فيها عن الفحشاء ~~والمنكر فتحول بينه وبين ذلك لشغله بها. # وروي عن ابن عمر أنه قال: الصلاة هنا: القرآن. قال: القرآن الذي يقرأ في ~~المساجد ينهى عن الفحشاء والمنكر. والفحشاء الزنى، والمنكر المعاصي. # ثم قال: { ولذكر الله أكبر } قال ابن عباس في معناه: ولذكر ~~الله أكبر إذا ذكرتموه عندما أمركم به، ونهى عنه أكبر من ذكركم إياه. وهو ~~قول مجاهد وعكرمة وغيرهما. وروي ذلك عن أبي الدرداء. وقيل: المعنى: ولذكر ~~الله إياكم أفضل من ذكركم إياه. وهو اختيار الطبري. # وقيل: المعنى: ولذكركم الله أفضل من كل شيء. أي: ذكركم الله في الصلاة ~~والدعاء وغير ذلك أفضل من الصلاة وسائر العبادات بلا ذكر. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ليس يتحسر أهل الجنة على شيء إلا على ساعات مرت بهم لم ~~يذكروا الله عز وجل فيها " # وقال ثابت البناني: " بلغني أن أهل ذكر الله يجلسون إلى ذكر الله وإن ~~عليهم من الآثام مثل الجبال، وإنهم ليقومون منها عطلا ما عليهم منها شيء ~~". # وسئل / سلمان عن أي الأعمال أفضل؟ فقال: أما تقرأ القرآن، { ولذكر ~~الله أكبر } لا شيء أفضل من ذكر الله. # وقالت أم الدرداء: إن صليت فهو من ذكر الله، وإن صمت فهو من ذكر الله، ~~وكل خير فعلته فهو من ذكر الله، وكل شيء تجنبته لله فهو من ذكر الله، ~~وأفضل من ذلك تسبيح الله جل وعز. # وقال قتادة: ولذكر الله أكبر، لا شيء أكبر من ذكر الله. وقيل: المعنى: ~~ولذكر الله العبد في الصلاة أفضل من الصلاة. قاله السدي. # وقيل: المعنى: والصلاة التي أنت فيها، وذكرى الله فيها أكبر مما نهتك ~~الصلاة عنه من الفحشاء والمنكر. وقيل: المعنى: ولذكر الله ms1931 الفحشاء ~~والمنكر كبير. # { والله يعلم ما تصنعون } أي: ما تفعلون في صلاتكم من ~~إقامة حدودها وغير ذلك من ترككم الفحشاء والمنكر. # ثم قال تعالى: { ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا ~~بالتي هي أحسن } أي: لا تجادلوا أيها المؤمنون اليهود والنصارى ~~إلا بالجميل من القول، وهو الدعاء إلى الله والتنبيه على حججه. # { إلا الذين ظلموا منهم } هذا بدل من " أهل " ، ويجوز أن ~~يكون استثناء. # والمعنى: إلا الذين امتنعوا من إعطاء الجزية ونصبوا دونها الحرب فلكم ~~قتالهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية. قاله مجاهد وغيره، وهو اختيار ~~الطبري. # وقال ابن جبير: هم أهل الحرب ومن لا عهد له، فلك أن تجادله بالسيف. # وقيل المعنى: لا تجادلوا من كفر منهم بمحمد صلى الله عليه وسلم فيما ~~يخبرونكم به من نص كتابهم إلا بالقول الجميل، وأن تقولوا آمنا بما أنزل ~~إلينا وأنزل إليكم، إلا الذين ظلموا منهم. يعني الذين لم يؤمنوا بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم، وأقاموا على كفرهم. # فالآية محكمة على هذا القول. روي هذا القول عن ابن زيد. # وقال قتادة: هي منسوخة بالأمر بالقتال لأنها مكية. # وقال أبو هريرة: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها ~~بالعربية لأهل الإسلام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا ~~وأنزل إليكم وإلهنا.. " # الآية. # ومعنى: { إلا الذين ظلموا } أي: ظلموكم في منعهم الجزية ~~ومحاربتكم. والكل ظالمون لأنفسهم بكفرهم من أدى الجزية ومن لم يؤد. # { وإلهنا وإلهكم واحد } أي: معبودنا ومعبودكم واحد. # { ونحن له مسلمون } أي: خاضعون ومتذللون بالطاعة له. # ثم قال تعالى: { وكذلك أنزلنآ إليك الكتاب } أي: وكما ~~أنزلنا الكتاب على من قبلك يا محمد، كذلك أنزلنا إليك الكتاب. # { فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به } يعني: من كان ~~من بني إسرائيل قبل محمد صلى الله عليه وسلم. # { ومن هؤلاء من يؤمن به } يعني: الذين كانوا من أهل ~~الكتاب على عهد النبي عليه السلام، منهم من لم يؤمن بما أنزل على محمد. # { وما يجحد بآياتنآ } أي: بأدلتنا وحججنا، { إلا ms1932 ~~الكافرون } أي: إلا الذين جحدوا نعمتنا بعد معرفتهم بها. # قال قتادة: إنما الجحود بعد المعرفة. # ثم قال تعالى: { وما كنت تتلوا من قبله من كتاب } أي: ~~ما كنت يا محمد تقرأ قبل هذا الكتاب كتابا آخر. { ولا تخطه ~~بيمينك } أي: تكتبه، بل كنت أميا لا علم عندك من ذلك حتى أنزل الله ~~عليك الكتاب وعلمك ما لم تكن تعلم، ولو كنت تقرأ قبل ذلك كتابا وتخطه ~~بيمينك. { إذا لارتاب المبطلون } أي: لشك فيك من أجل ذلك ~~القائلون إنه سجع وإنه كهانة وأساطير الأولين، هذا معنى قول ابن عباس ~~وقتادة وغيرهما. # وقال مجاهد: كان أهل الكتاب يجدون في كتبهم أن النبي عليه السلام لا ~~يخط بيمينه ولا يقرأ كتابا، فنزلت هذه الآية. # قال مجاهد: { إذا لارتاب المبطلون } أي: إذا لقالوا إنما ~~هذا شيء تعلمه محمد صلى الله عليه وسلم وكتبه، ويعني بالمبطلين: كفار ~~قريش. فكأن كونه لا يقرأ ولا يكتب، ثم أتاهم بأخبار الأنبياء، والأمم ~~دليل على نبوته وأن ذلك / من عند الله جل ذكره. ### || [29.49-60] # قوله تعالى ذكره: { بل هو آيات بينات في صدور الذين ~~أوتوا العلم } إلى قوله جل ذكره وثناؤه: { وهو السميع ~~العليم }. # قال الحسن: معناه بل القرآن آيات ظاهرات في صدور المؤمنين بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم. # وقرأ قتادة: " آية بينة " بالتوحيد على معنى بل النبي آية بينة في صدور ~~الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب. # وفي حرف عبد الله " بل هي آيات " أي: بل آيات القرآن آيات بينات. # وقال ابن عباس والضحاك وابن جريج: كان الله جل ذكره أنزل بشأن محمد صلى ~~الله عليه وسلم في التوراة والإنجيل لأهل العلم وعلمه لهم وجعل لهم آية ~~فقال: إن آية نبؤته أن يخرج حين يخرج لا يعلم كتابا ولا يخطه بيمينه. ~~والمعنى: بل العلم بأنه لا يقرأ ولا يكتب آيات بينات في صدور العالمين من ~~أهل الكتاب. # وروي ذلك أيضا عن قتادة. وهو اختيار الطبري. # ثم قال تعالى: { وما يجحد بآياتنآ إلا الظالمون } أي: ~~ما يجحد نبوة محمد ms1933 وينكر العلم به إلا الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم بالله ~~ونبيه. # ثم قال تعالى: { وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ~~ربه قل إنما الآيات عند الله }. أي: وقال المشركون من ~~قريش: هلا أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم آيات من ربه. وهو قولهم: # لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا # [الإسراء: 90] إلى قوله: # كتابا نقرؤه # [الإسراء: 93]. # هذا على قراءة من جمع، ويؤكد الجمع أن بعده: { قل إنما الآيات ~~عند الله } فوجب أن يكون السؤال مثل الجواب، ويؤكده أيضا أن الخط ~~بالتاء. فأما من قرأ آية، معناه: هلا أنزل على محمد آية تكون حجة علينا ~~كالناقة لصالح، والمائدة لعيسى، ويؤكد التوحيد إجماعهم على التوحيد في ~~يونس: { لولا أنزل عليه آيات من ربه }. وفي الرعد: { ~~آيات من ربه }. # ثم قال تعالى: { قل إنما الآيات عند الله } أي: لا يقدر ~~على الإتيان بها إلا الله. # { وإنمآ أنا نذير مبين } أي: أنذركم بأس الله وعذابه ~~مبين لكم إنذاره. # ثم قال تعالى ذكره: { أولم يكفهم أنآ أنزلنا عليك ~~الكتاب يتلى عليهم } أي: أو لم يكف هؤلاء القائلين لولا ~~أنزل عليه آيات من ربه من الآيات والحجج. أنا أنزلنا عليك الكتاب يقرأ ~~عليهم. # { إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون } أي: ~~إن في هذا الكتاب لرحمة للمؤمنين وذكرى يتذكرون به ويتعظون. # ويروى أن هذه الآية نزلت في قوم من المؤمنين استحسنوا أشياء من بعض كتاب ~~أهل الكتاب. # ثم قال تعالى ذكره: { قل كفى بالله بيني وبينكم ~~شهيدا يعلم ما في السموت والأرض } أي: قل يا محمد ~~لهم: كفى الله بيننا شهيدا لأنه يعلم المحق من المبطل، ويعلم ما في ~~السماوات والأرض ولا يخفى عليه فيهما شيء. # ثم قال تعالى: { والذين آمنوا بالباطل } أي: بالشرك. # { وكفروا بالله } أي: جحدوا توحيد الله فعبدوا معه غيره. # { أولئك هم الخاسرون } أي: المغبونون في صفقتهم. # ثم قال تعالى ذكره: { ويستعجلونك بالعذاب } أي: يستعجلك ~~يا محمد هؤلاء المشركون بالعذاب، وهو قولهم: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك # [الأنفال: ms1934 32] إلى قوله " # أليم # [الأنفال: 32]. # { ولولا أجل مسمى لجآءهم العذاب } أي: لولا أن ~~لهم وقتا يستوفونه لجاءهم العذاب عاجلا. # { وليأتينهم بغتة } أي: فجأة وهم لا يشعرون بوقت مجيئه. # هذا كله معنى قوله قتادة. # ثم قال تعالى: { يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم ~~لمحيطة بالكافرين } أي: محدقة بالكافرين ولم يبق لهم إلا ~~دخولها. # قال عكرمة: هو البحر محيط بهم. # ثم قال: { يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت ~~أرجلهم } قال قتادة: في النار أي: جهنم محيطة بالكافرين في هذا ~~اليوم. # فلا يوقف على " بالكافرين " على هذا التأويل. # ويجوز أن يتنصب على واذكر يوم يغشاهم فيبتدئ به على هذا القول. # { ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون } أي: جزاء عملكم. # وأصل الذوق باللسان ولكن اتسع فيه فاستعمل في كل شيء يصل إلى البدن منه ~~ألم أو لذة. # ثم قال تعالى: { يعبادي الذين آمنوا إن أرضي ~~واسعة } أي: أنها لم تضق عليكم، فغيروا الموضع الذي لا يحل لكم فيه ~~المقام، ولكن إذا عمل في مكان منها بمعاصي الله فلم تقدروا على تغييره ~~فأهربوا منها قاله ابن جبير. # وقال عطاء: إذا أمرتم بالمعاصي فاهربوا إن أرضي واسعة. # وقال مجاهد: إن أرضي واسعة فهاجروا وجاهدوا. # وقال ابن زيد: يريد بهذا من كان بمكة من المؤمنين. # وقال مطرف بن الشخير: معناه إن رزقي لكم واسع، أي: فابتغوه في ~~الأرض. # وقيل: المعنى: ما خرج لكم من أرضي من الرزق واسع لكم. # وقيل: المعنى: إن أرض الجنة واسعة فأعبدوني حتى أعطيكموها. # وقوله: { فإياي فاعبدون } أي: أخلصوا لي عبادتكم. # ثم قال تعالى: { كل نفس ذآئقة الموت } أي: أخلصوا لي ~~العبادة فإنكم لا بد لكم من الموت والرجوع إلي فأجازيكم على أعمالكم ~~وإخلاصكم. # ثم قال تعالى: { والذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~لنبوئنهم من الجنة غرفا }. # أي: والذين صدقوا بكتبي ورسلي وعملوا الأعمال الصالحة لنسكننهم غرفا ~~جارية من تحتها الأنهار في الجنة. # { خالدين فيها } أي: دائمين فيها. # { نعم أجر العاملين } أي: نعم الجزاء جزاء العاملين بطاعة ~~الله الجنة. # ومن قرأ " لنثوينهم " فمعناه: لنعطينهم ولننزلنهم. # حكى الفراء: بوأته ms1935 منزلا وأثويته منزلا بمعنى: وأصل الثواء الإقامة. # ومعنى: { من تحتها } أي من تحت أشجارها. # ثم قال تعالى: { الذين صبروا } أي: على أذى المشركين في الدنيا. ~~{ وعلى ربهم يتوكلون } أي: في أرزاقهم وجهاد عدوهم. # ثم قال تعالى: { وكأين من دآبة لا تحمل رزقها ~~الله يرزقها وإياكم } هذا تعزية للمؤمنين المهاجرين الذين ~~فارقوا أموالهم في الله، فقيل لهم: وكم من دابة لا تحمل رزقها ولا تدخره ~~من اليوم إلى غد؟ الله يرزقها، فلا تخافوا أنتم عيلة ولا فقرا، فإن الله ~~رازقكم. # { وهو السميع العليم } لأقوالكم: نخشى بفراقنا أوطاننا ~~الفقر والعيلة. # { العليم } بما في أنفسكم وتصير إليه أموركم. وليس يدخر من جميع ~~الحيوان إلا الإنسان والنملة والفأرة. # وهو من الحمالة، أي: لا تحمل لنفسها رزقها، وليس هو من الحمل على الظهر ~~ونحوه. ### || [29.61-69] # قوله تعالى ذكره: { ولئن سألتهم من خلق السموت ~~والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله ~~فأنى يؤفكون } إلى آخر السورة أي: ولئن سألت يا محمد هؤلاء ~~المشركين من قريش، من ابتدع السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر لعباده ~~يجريان دائبين لمصالح الخلق؟ ليقولن الله. # { فأنى يؤفكون } أي: فمن أين يصرفون عن عبادة من فعل ذلك ~~بإقرارهم، فيعبدون معه من لم يخلق شيئا ولا يملك ضرا ولا نفعا. # ثم قال تعالى: { الله يبسط الرزق لمن يشآء من ~~عباده ويقدر له } أي: يوسع على من يشاء من عباده في الرزق، ~~ويضيق على من يشاء منهم فلا تتخلفوا عن هجرة وجهاد عدوكم بخوفكم العيلة ~~والفقر. { إن الله بكل شيء عليم } أي: عليم بمصالحكم ~~فيوسع على من لا يصلحه إلا التوسع في الرزق، ويضيق على من لا يصلحه إلا ~~الضيق في الرزق. # ثم قال تعالى: { ولئن سألتهم من نزل من السمآء ~~مآء فأحيا به الأرض من بعد موتها }. # أي: ولئن: سألت يا محمد هؤلاء المشركين من قريش عن من نزل من ~~السماء مطرا فأحيا بذلك المطر الأرض بعد جدوبها وقحطها { ليقولن ~~الله } ، فقل يا محمد: { الحمد لله } ، أي: على نعمه. # { بل أكثرهم لا يعقلون } أي: لا ms1936 يعقلون ما لهم فيه النفع ~~من أمر دينهم وما لهم فيه الضرر. # ثم قال تعالى: { وما هذه الحياة الدنيآ إلا لهو ~~ولعب } أي: ما يتمتع به هؤلاء المشركون في الدنيا إلا تعليل النفوس ~~بما تلتذ به، ثم ينقضي ويضمحل عن قليل، فهو اللهو واللعب الزائل من ~~ساعته. # ثم قال تعالى: { وإن الدار الآخرة لهي الحيوان } أي: ~~لفيها الحياة الدائمة والنعيم المقيم الذي لا أنقطاع له. والحياة ~~والحيوان واحد، يقال نهر الحيوان ونهر الحياة، وأصل الحيوان: الحييان ثم ~~أبدلوا من إحدى الياءين واوا ومثله حيوة أصله حيية. ثم أبدل. # ويقال حييت حيا كعييت عيا. فالحي المصدر، والحيوان والحياة اسمان. # قال العجاج /: # " وقد نرى إذ الحياة حيي ". يريد: إذ الحياة حياة ". # وقد قيل: إن الحيي جمع على فعول كعصي. # ثم قال تعالى: { فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله ~~مخلصين له الدين } أي: فإذا ركب هؤلاء المشركون في السفينة في ~~البحر فخافوا الغرق والهلاك أخلصوا لله الدعاء، وتركوا آلهتهم التي ~~يعبدون. # { فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون } أي: ~~يعبدون مع الله غيره. # ثم قال تعالى: { ليكفروا بمآ آتيناهم }. # أي: لما نجاهم الله من الغرق إلى البر عبدوا غيره ليجحدوا نعمه ~~عليهم. # فاللام لام كي لأنها شرط لقوله { إذا هم يشركون }. # ثم قال: { وليتمتعوا فسوف يعلمون }. # هذه اللام لام الأمر، فمن كسر لم يعتد بالواو وجعلها كالمبتدأ بها. # ومن أسكن أعتد بالواو. # ويحسن أن تكون عند من كسر، لام كي عطف على { ليكفروا } والأحسن أن ~~تكون لام أمر لأن الكلام فيه معنى التهديد، فالأمر به أولى ليكون وعيد ~~وتهدد يعقبه وعيد وتهدد. # وأيضا فإن تمتعهم بدنياهم ليس من شرط قوله: { إذا هم يشركون } ~~إذا لم يشركوا ليتمتعوا، إنما أشركوا ليكفروا. # فأما من أسكن اللام، فلا يجوز إلا أن تكون لام أمر لأن لام كي لا تسكن، ~~إذ قد حذف معها أن، فلا يحسن حذف حركتها، فيجتمع في الكلمة حذفان وفي حرف ~~أبي: { وليتمتعوا } ، بغير لام، فهذا يدل على التهدد والوعيد. # ثم قال تعالى: ms1937 { أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا } ~~أي: ألم ير هؤلاء المشركون من قريش، ما خصصناهم به من النعم عليهم دون ~~سائر الخلق إذ جعلنا بلدهم محرما على الناس أن يدخلوه بغارة أو حرب، ~~يأمن فيه من سكنه وآوى إليه من السباء والخوف والجذام. # { ويتخطف الناس من حولهم } أي: ويستلب الناس من حولهم ~~قتلا وسبيا. # { أفبالباطل يؤمنون } أي: بالشرك بالله يقرون، وبنعمة الله ~~التي خصهم بها يكفرون، أي: يجحدون. # ثم قال تعالى: { ومن أظلم ممن افترى على الله ~~كذبا } أي: لا أحد أظلم ممن أختلف الكذب على الله، فقال إذا فعل ~~فاحشة: الله أمرنا بها. { أليس في جهنم مثوى ~~للكافرين } أي: منزلا ومسكنا لمن كفر بالله وجحد نعمه عليه. # وهو تقرير وتوبيخ ووعيد. # ثم قال تعالى: { والذين جاهدوا فينا } أي: والذين قاتلوا ~~المشركين في نصر دين الله، # { لنهدينهم سبلنا } أي: لنوفقهم لاصابة الحق والطريق ~~المستقيم، وهو الاسلام. # { وإن الله لمع المحسنين } أي: من أحسن فجاهد أعداء ~~الله. ومع هنا حرف، ويجوز أن تكون اسما، وهي إذا فتحت حسن أن تكون اسما ~~وحرفا وإذا سكنت لم تكن إلا حرفا. ### | [30 - سورة الروم] ### || [30.1-8] # قوله تعالى ذكره: { الم * غلبت الروم * في أدنى الأرض ~~وهم من بعد غلبهم سيغلبون } إلى قوله { بلقآء ~~ربهم لكافرون } قد تقدم ذكر " ألم ". # قال الفراء: في قوله " غلبهم ": الأصل غلبتهم ثم حذفت التاء ~~كما حذفت من " وإقام الصلوة " والأصل وإقامة الصلاة وهذا غلط عند ~~البصريين لأن التاء في وإقامة عوض من الحذف الذي وقع في المصدر لأن أصله ~~إقوام مثل إكرام ثم أعل وحذف، فدخلت التاء عوضا من المحذوف. وليس ~~في غلبهم حذف فيجب أن يكون أصله التاء، يقال غلبته غلبا حكاه الأصمعي ~~وغيره. # وسنين جمع مسلم أتى فيما لا يعقل على الشذوذ. # وقيل: جعل له الجمع المسلم عوضا مما حذف منه. # ويجوز أن يجعل الإعراب في النون كالمكسر. والأول أكثر، وكسرت السين ~~لتدل على أنه جمع على غير بابه وأصله. # والمحذوف من سنة واو، وقيل: المحذوف هاء. # والمعنى ms1938 غلبت فارس الروم على بيت المقدس، والروم من بعد غلب فارس لهم ~~سيغلبون فارسا على بيت المقدس في بضع سنين. وأدنى الأرض، أي في أدنى ~~الأرض من أرض الشام إلى فارس. # وقرأ ابن عمر وأبو سعيد الخدري " غلبت " الروم بفتح الغين. وسئل ابن عمر ~~على أي: شيء غلبت؟ فقال: على ريف الشام. # والبضع عند قتادة أكثر من الثلاث ودون العشر. # وعند الأخفش / والفراء من دون العشرة. # وعند أبي عبيد ما بين ثلاث إلى خمس. # وحكى أبو زيد فتح الباء فيه. # وهو مشتق من بضعه إذا قطعه، ومنه بضعة من لحم. وهو يملك بضع ~~المرأة يريد أنه يملك قطع فرجها. # وقال ابن عباس: # " كان المسلمون يحبون أن تغلب الروم لأنهم أهل كتاب، وكان المشركون ~~يحبون أن يغلب أهل فارس لأنهم أهل أوثانكهم، فذكر المشركون ذلك لأبي ~~بكر رضي الله عنه، فذكره أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي ~~عليه السلام: أما إنهم سيهزمون - يعني فارسا -، فذكر ذلك أبو بكر ~~للمشركين فقالوا أفتجعل بيننا وبينك أجلا فإن غلبوا كان لك كذا وكذا، ~~وإن لم يغلبوا كان لك كذا وكذا، فجعلوا بينهم وبينه أجلا خمس سنين، فمضت ~~ولم يغلبوا، فذكر ذلك أبو بكر للنبي عليه السلام فقال له: أفلا جعلته دون ~~العشرة " # قال أبو سعد الخدري: التقينا مع مشركي العرب يوم بدر، والتقت اليوم ~~الروم فارسا فنصرنا الله على مشركي العرب ونصر الروم على فارس، فذلك ~~قوله جل ذكره: # { يومئذ يفرح المؤمنون * بنصر الله }. # قال ابن عباس: لقي النبي صلى الله عليه وسلم مشركي العرب يوم التقت ~~الروم فارسا فنصر الله أهل الكتاب على العجم. # " وروي أنه جرى بين أبي بكر وبين أمية بن خلف في ذلك كلام حتى وقع ~~بينهما رهان على ثلاث قلائص إلى أجل ثلاث سنين. # قال أبو بكر: إن الروم ستغلب فارسا إلى ثلاث سنين، وأنكر ذلك ابن خلف، ~~فأتى أبو بكر النبي عليه السلام فأعلمه بما جرى بينهما فقال له النبي صلى ~~الله عليه وسلم: " ارجع ms1939 واستزد في القلائص والسنين فصير ~~الرهان إلى سبع قلائص وإلى سبع سنين ". فكان أول رهان في الإسلام ~~وآخره ثم حرم الله الرهان " # ، فأخرج أبو بكر رضي الله عنه في حين عقد الرهان ثمن القلائص، وأخرج ~~أمية بن خلف ثمن القلائص فاشتروا قلائص بنصف المال فنحروها وقسموها ~~جزروا وأخروا نصف المال حتى غلبت الروم فارسا فرجع ذلك إلى أبي بكر. # وروي: # " أنهم جعلوا الأجل ست سنين، فمضت الست، والفرس ظاهرون على ~~الروم، فأخذ المشركون رهان أبي بكر وارتاب ناس كثير وفرح بذلك ~~المشركون. فلما دخلت السنة السابعة ظهرت الروم على فارس فكبر ~~المسلمون تكبيرة واحدة بمكة فآمن عند ذلك خلق كثير من المشركين ". # وإنما تعلق قريش بالفرس لأنهم مثلهم في التكذيب بالبعث، وتعلق المسلمون ~~بالروم لأنهم مثلهم في الإيمان بالبعث. # وقيل: كان ذلك لأن الفرس لا كتاب لهم كالمشركين، والروم لهم كتاب ~~كالمسلمين. # وروي: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الروم ستغلب فارسا، وأنكر ذلك ~~المشركون فخاطرهم أبو بكر على ذلك، وكان الذي خاطره على ذلك أمية بن خلف ~~الجمحي فأعلم النبي بذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر " ارجع ~~فزد في الخطر والأجل " # ففعل. # وضمن أبا بكر عن الخطر ولده عبد الرحمن وضمن أمية بن خلف صفوان ابن ~~أمية، فغلبت الروم فارسا على بيت المقدس، وأخذ الخطر من قريش. # قال ابن مسعود " خمس " قد مضين: الدخان واللزام والبطشة والقمر ~~والروم ". # قال عكرمة: # " اقتتل الروم وفارس في أدنى الأرض، وأدنى الأرض يومئذ أذرعات بها ~~التقوا، فهزمت الروم فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهم بمكة ~~فشق ذلك عليهم وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكره أن يظهر الأميون من ~~المجوس على أهل الكتاب من الروم. وفرح الكفار بمكة فلقوا المؤمنين من ~~أصحاب النبي فقالوا لهم: إنكم أهل كتاب والنصارى أهل كتاب، ونحن أميون ~~وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من أهل الكتاب، وإنكم إن ~~واثبتمونا لنظهرن عليكم، فأنزل الله جل ذكره: { الم * غلبت ms1940 ~~الروم } الآيات، فخرج أبو بكر إلى الكفار فقال: أفرحتم بظهور إخوانكم ~~الكفار على إخواننا، فلا تفرحوا ولا يقرن الله أعينكم، فوالله لتظهرن ~~الروم على فارس، أخبرنا به نبينا صلى الله عليه وسلم، فقال أبي بن خلف: ~~كذبت يا أبا فصيل. فقال أبو بكر: أنت أكذب يا عدو الله، فقال: أناحبك ~~عشر قلائص مني وعشر قلائص منك، فإن ظهرت الروم على فارس غرمت، وإن ظهرت ~~فارس على الروم غرمت إلى ثلاث سنين، فجاء أبو بكر إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فأخبره فقال: ما هكذا ذكرت إنما البضع ما بين ~~الثلاث إلى التسع فزايده في الخطر وماده في ~~الأجل " فخرج أبو بكر فلقي أبيا فقال: لعلك ندمت فقال: لا تعال - ~~أزايدك في الخطر وأمادك في الأجل فأجعلها مائة قلوص بمائة قلوص إلى تسع ~~سنين، قال: قد فعلت ". # قال قتادة وذلك قبل أن ينهي عن القمار. # وقال قتادة: فغلبت الروم فارسا عند رأس التسع سنين. # وكان قد تم الأجل وطلب المشركون قمارهم فزايدهم المسلمون في القمار ~~ومادوهم في الأجل، فغلبت الروم. # وكان ذلك من دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه أخبرهم عما يكون ~~قبل أن يكون بسنين على ما أوحى الله إليه وأعلمه. فكان في ذلك دلالة على ~~صدقه فيما يأتي به وما يقول من أمور الغيب وغيرها، وهذا إنما كان قبل أن ~~تحرم المخاطرة، فأما الآن فقد حرم ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ~~فلا تجوز المخاطرة لأنها من أكل الأموال بالباطل. # وقوله تعالى: { لله الأمر من قبل ومن بعد }. # أي: من قبل غلبة الروم فارس ومن بعد غلبة فارس الروم، يقضي ما شاء في ~~خلقه. # وقوله: { ويومئذ يفرح المؤمنون * بنصر الله } ~~أي: يوم ستغلب الروم فارسا يفرح المؤمنون بنصر الله، لأن في ذلك، دليلا ~~على صحة نبوة من أخبرهم بغلبة الروم فارسا في بضع سنين، ولأن فيه ظفرا ~~بالمشركين إذ كانوا يكرهون أن تغلب الروم فارسا. # ثم قال: { وهو العزيز } أي: الشديد في انتقامه من أعدائه. # { الرحيم } بمن ms1941 ناب من خلقه وراجع طاعته. # ثم قال تعالى ذكره: { وعد الله لا يخلف الله وعده } ~~أي: وعد الله المؤمنين وعدا أن تغلب الروم فارسا، فلا يخلف الله وعده. # { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } أي: أكثر قريش لا ~~يعلمون أن الله سينجز المؤمنين ما وعدهم من غلبة الروم فارسا وأنه لا ~~خلف في وعده. # ثم قال تعالى: { يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا } ~~أي: يعلم هؤلاء المشركون أمر معاشهم وما يصلحهم في الدنيا وتدبير ذلك، ~~وهم في غفلة عن أمر آخرتهم وما فيه النجاة من عذاب الله. # قال ابن عباس: المعنى يعلمون متى يحصدون، ومتى يدرسون، ومتى يزرعون. ~~وقال الحسن. # وقال عكرمة: هم الخرازون والسراجون. # وقيل: ما يزيدهم من الكذب على ما تأتيهم به الشياطين من استراق السمع. # وقيل الظاهر هنا الباطل كما قال تعالى # أم بظاهر من القول # [الرعد: 33] أي: باطل وقيل: الظاهر البادي. # ثم قال تعالى: { أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق ~~الله السموت والأرض وما بينهمآ إلا بالحق ~~}. # أي: أولم يتفكر هؤلاء المكذبون بالبعث في (خلق) أنفسهم وأنهم لم يكونوا ~~شيئا، ثم صاروا رجالا، وينظروا في لطف الصنع وإحكام تدبير خلقهم فيدل ~~ذلك على توحيد الله، وعلى أنه ما خلق السماوات والأرض وما بينهما إلا ~~بالحق، فيعلموا أن الذي فعل ذلك يقدر على أن يعيدهم بعد إفنائهم خلقا ~~جديدا، فيجازيهم بأعمالهم. # وقوله { إلا بالحق } أي: بالعدل وإقامة الحق. { وأجل ~~مسمى } أي: مؤقت معلوم عنده، فإذا بلغ آخره أفنى ما أراد منه، وبدل ~~الأرض غير الأرض والسماوات، وبعث الأموات فبرزوا لله جميعا. # ثم قال تعالى ذكره: { وإن كثيرا من الناس بلقآء ~~ربهم لكافرون }. # أي: لجاحدون منكرون البعث بعد الموت والجزاء على الأعمال، غفلة منهم ~~وتفريطا في أمر معادهم. # قوله تعالى ذكره: { أولم يتفكروا في أنفسهم }. # " في أنفسهم " ظرف للتفكر، وليس بمفعول به للتفكر تعدى إليه بحرف جر. # فالمعنى: أولم يتفكروا في أنفسهم فيعلموا أن ما تقدم ذكره حق. # أي: يسروا التفكر وينصفوا من أنفسهم. لم يؤمروا أن يتفكروا في ~~خلق ms1942 أنفسهم إنما أمروا أن يسروا التفكر في أنفسهم فهما معنيان. # وفي أنفسهم: تمام الكلام. # وقيل: بل ما بعده متصل به أي: يسروا التفكر في أنفسهم أن ما خلق ~~الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق. # فأن مضمرة كما قال: # ومن آياته يريكم البرق # [الروم: 24] أي: أن يريكم، وكما قال: # ومن آياته خلق السموت # [الروم: 22] أي: أن خلق السماوات. ### || [30.9-19] # قوله تعالى ذكره: { أولم يسيروا في الأرض فينظروا } إلى ~~قوله: { وكذلك تخرجون }. # أي: أولم يسير هؤلاء المكذبون بالبعث في الأرض / فينظروا إلى آثار الله ~~فيمن كان قبلهم من الأمم المكذبة رسلها، كيف كان عاقبة أمرها، فقد كانوا ~~أشد من هؤلاء قوة، { وأثاروا الأرض } أي: استخرجوها وحدثوها ~~وعمروها أكثر مدة مما عمر هؤلاء الأرض، { وجآءتهم رسلهم ~~بالبينات } فكذبوهم، فأهلكهم الله وما كان الله ليظلمهم بعقابه ~~إياهم على تكذيبهم رسله، { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ~~} بمعصيتهم ربهم. # ثم قال تعالى: { ثم كان عاقبة الذين أساءوا ~~السوءى أن كذبوا بآيات الله }. # أي: ثم كان آخر من كفر من هؤلاء الذين أثاروا الأرض السوأى: أي الخلة ~~التي هي أسوأ من فعلهم: البوار والهلاك في الدنيا، والنار في الآخرة ~~خالدين فيها. # قال ابن عباس: السوأى جهنم والحسنى الجنة. # قال قتادة: كان عاقبة الذين أشركوا النار. # والسوآى اسم. وقيل مصدر كالتقوى. # قال مجاهد: السوآى: الإساءة. # ثم قال: { أن كذبوا بآيات الله } أي: عاقبتهم النار لأن ~~كذبوا ومن أجل أن كذبوا بحجج الله ورسله. # { وكانوا بها يستهزئون } أي: بحجج الله وأنبيائه يسخرون. # ثم قال تعالى: { الله يبدأ الخلق ثم يعيده } أي: ~~ينفرد بإنشاء جميع خلقه من قدرته، ثم يعيده بعد إفنائه له خلقا جديدا. # { ثم إليه ترجعون } أي: يردون فيجازيهم بأعمالهم. # ثم قال تعالى: { ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون } ~~أي: واذكر يا محمد يوم تقوم الساعة ييأس الكافرون من كل خير. # وأصل الإبلاس: انقطاع الحجة والسكوت والحيرة. # قال قتادة: " يبلس المجرمون " أي: في النار. # وقال ابن زيد: المبلس الذي قد نزل به الشر. # وقال مجاهد: الإبلاس الفضيحة. # { ولم يكن ms1943 لهم من شركآئهم شفعاء }. # أي: ولم يكن للمجرمين من شركائهم في الكفر والمعصية وأذى الرسل شفعاء ~~ينقذونهم من عذاب الله. # وقيل: شركاؤهم هنا الأصنام والأوثان التي عبدوها من دون الله، أضيفت ~~إليهم لأنهم هم اخترعوها وابتدعوا عبادتها. # { وكانوا بشركآئهم كافرين }. # أي: جاحدون ولا يتهم متبرئين منهم وهو معنى قوله # إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا # [البقرة: 166] الآية. # ثم قال تعالى: { ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون ~~} أي: يتفرق المؤمنون من الكافرين. # قال قتادة: فرقة والله لا اجتماع بعدها. # ثم بين تعالى ما يؤول إليه الافتراق. # فقال: { فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم ~~في روضة يحبرون }. # أي: هم في الرياض والنبات الملتف بين أنواع الزهر في الجنات يسرون ~~ويلذذون بطيب العيش والسماع. # وذكر الله جل ذكره الروضة لأنهم لم يكن عند العرب شيء أحسن منظرا ولا ~~أطيب نشرا من الرياض وعبقها. # " أما " عند سيبويه: مهما يكن من شيء فالذين آمنوا. # وقال أبو إسحاق: معناها دع ما كنا (فيه) وخذ في غيره. # وقال أبو عبيدة: الروضة ما كان في سفل، وإن كان مرتفعا فهي ترعة. # وقال الضحاك: " في روضة " في جنة، والرياض الجنان. والحبرة في اللغة كل ~~نعمة حسنة، والتحبير التحسين وقال ابن عباس: يحبرون: يكرمون. # وقال مجاهد: ينعمون. # قال الكسائي: حبرته: أكرمته ونعمته. # ثم قال تعالى: { وأما الذين كفروا } أي: جحدوا توحيد الله ~~وكذبوا رسله، وأنكروا البعث. # { فأولئك في العذاب محضرون } أي: في عذاب الله ~~مجموعون، قد أحضرهم الله إياه. # ثم قال تعالى ذكره: { فسبحان الله حين تمسون وحين ~~تصبحون } سبحان مصدر يؤدي عن معنى سبحوا الله تسبيحا في هذه ~~الأوقات الأربعة، أي: نزهوه من السوء. # وقيل: سبحان مأخوذ من السبحة، والسبحة الصلاة، وسبحة الضحى: صلاة الضحى. # وقرأ عكرمة: " حينا تمسون وحينا تصبحون " ، بتنوين حين ~~ونصبه في الوجهين على الظرف. والتسبيح هنا الصلاة، فالمعنى صلوا أيها ~~المؤمنون حين تمسون صلاة المغرب والعشاء الآخرة، وحين تصبحون صلاة الصبح، ~~وعشيا صلاة العصر، وحين تظهرون صلاة الظهر. # وقوله: { وله الحمد في السموت والأرض }. أي: ms1944 له ~~الحمد من جميع خلقه دون غيره من سكان السماوات والأرض. # قال ابن عباس: هذه الآية في الصلوات الأربع: الظهر والعصر والصبح ~~والمغرب، وصلاة العشاء في قوله تعالى / # ومن بعد صلوة العشآء ثلاث عورات # [النور: 58] هذا معنى قوله. # روي عنه: وعشيا: المغرب والعشاء. # وقال زر: " خاصم نافع بن الأزرق ابن عباس في شيء، ثم قال نافع لابن ~~عباس: هل تجد الصلوات الخمس في كتاب الله؟ قال ابن عباس: نعم ثم قرأ ~~عليه: { فسبحان الله حين تمسون }: المغرب، { وحين ~~تصبحون } الفجر، { وعشيا }: العصر. # { وحين تظهرون }: الظهر، " ومن بعد صلاة العشاء ": العشاء. # وعن ابن عباس قال: جمعت هذه الآية الصلوات الخمس وقال " حين تمسون ": ~~المغرب والعشاء. # وقال مجاهد: " حين تمسون ": المغرب والعشاء، " وحين تصبحون ": الفجر، " ~~وعشيا ": العصر، " وحين تظهرون ": الظهر. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ هذه الآية وقال: # " هذا حين افترض وقت الصلاة " # وأول وقت الظهر زوال الشمس إجماعا. # وآخر وقتها عند مالك: إذا كان ظل كل شيء مثله بعد الزوال وهو قول الثوري ~~والشافعي وأبي ثور. # وقال يعقوب ومحمد بن الحسن: آخر وقتها أن يكون الظل قامة. # وقال عطاء: آخر وقتها إلى أن تصفر الشمس. # وقال طاوس: لا يفوت الظهر والعصر حتى الليل. # وقال النعمان: آخر وقتها ما لم يصر الظل قامتين. # وأول وقت العصر: إذا كان ظل كل شيء مثله. هذا قول مالك والثوري والشافعي ~~وإسحاق وأبي ثور. # وقال النعمان: أول وقتها أن يصير الظل قامتين بعد الزوال. # وآخر وقتها أن يصير [ظل] كل شيء مثليه على الاختيار، فإن صلى بعد ذلك ~~فقد فاته الاختيار ولم يفته وقت الصلاة، قاله الثوري والشافعي وقال أحمد ~~وأبو ثور: آخر وقتها ما لم تصفر الشمس. # وقال إسحاق بن راهويه: آخر وقتها غروب الشمس قبل أن يصلي المرء منها ~~ركعة. # وعن ابن عباس وعكرمة: أن آخر وقتها غروب الشمس على الإطلاق. # ووقت المغرب غروب الشمس وقتا واحدا، هذا مذهب مالك والأوزاعي. ~~والشافعي. # وقال الثوري وأصحاب الرأي: وأحمد وإسحاق: آخر وقتها ms1945 الشفق. # وأول وقت العشاء إذا غاب الشفق إجماعا. # والشفق الحمرة في قول مالك والثوري وابن أبي ليلى والشافعي وأحمد وأبي ~~ثور ويعقوب ومحمد. وهو قول أهل اللغة، يقال ثوب مشفق أي: محمر. # وروي عن أنس وابن عباس وأبي هريرة أن الشفق: البياض وهو قول النعمان ~~وزفر. # وقال النخعي: آخر وقتها إلى ربع الليل. # وعن عمر وأبي هريرة وعمر بن عبد العزيز: أن آخر وقتها ثلث الليل. # وبه قال الشافعي وقد كان يقول آخر وقتها نصف الليل ولا يفوت إلى الفجر. # وعن عمر أيضا أن آخر وقتها نصف الليل، وبه قال الثوري وابن المبارك ~~وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي:. # وعن ابن عباس وعطاء وعكرمة وطاوس: أن آخر وقتها إلى طلوع الفجر. # وأول وقت صلاة الصبح طلوع الفجر إجماعا. # وأجمعوا على أن من صلى بعد الفجر وقبل طلوع الشمس أنه قد صلى الصبح في ~~وقتها. # ثم قال تعالى: { يخرج الحي من الميت ويخرج ~~الميت من الحي } أي: صلوا ما أمرتم به لله الذي يفعل هذا لا ~~يقدر على فعله أحد غيره، يخرج الإنسان الحي من الماء الميت، ويخرج الماء ~~الميت من الإنسان الحي، ويحيي الأرض بالماء فينبتها ويخرج زرعها بعد ~~موتها. # { وكذلك تخرجون } أيها الناس من قبوركم للبعث والمجازاة. # وقال الحسن: معناه يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن. # وذكر أبو عبيد أن سهل بن معاذ بن أنس روي عن أبيه رفعه إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: # " ألا أخبركم لم سمى الله تعالى إبراهيم خليله ~~الذي وفى؟ قال: لأنه كان يقول إذا أصبح: " ~~فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون " حتى ختم الآية ~~". ### || [30.20-26] # قوله تعالى ذكره: { ومن آياته أن خلقكم من تراب } إلى ~~قوله: { كل له قانتون }. # أي: ومن علاماته وحججه على وحدانيته وأنه لا شريك له وأنه يحييكم بعد ~~موتكم، أنه خلقكم من تراب، أي: خلق أصلكم وهو آدم من تراب. # { إذآ أنتم بشر } أي: من ذرية من خلق من تراب. # { تنتشرون } أي: تنصرفون وتنبسطون في الدنيا. # ثم ms1946 قال تعالى ذكره: { ومن آياته خلق السموت والأرض ~~}. # أي: ومن أدلته وحجته / في قدرته على إحيائكم بعد موتكم أنه خلق السماوات ~~والأرض، وهن أعظم خلقا منكم فاخترعها وأنشأها، وجعل ألسنتكم مختلفة في ~~الأصوات واللغات، وجعل ألوانكم مختلفة على كثرتكم، وهذا ألطف خلقا من خلق ~~أجسامكم، فأتى تعالى ذكره بتمثيل الخلق العظيم واللطيف. # { إن في ذلك لآيات للعالمين } أي: لعلامات وأدلة في ~~قدرة الله تعالى ووحدانيته، يعني: الجن والإنس. # وهذا على قراءة من فتح اللام. # ومن كسرها فمعناه لمن علم قدرة الله وأيقن بها. # وقوله تعالى: { ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم ~~أزواجا لتسكنوا إليها }. # أي: خلق لأبيكم آدم من ضلعه زوجة ليسكن إليها. # وقيل: خلق الزوجة من نطفة الرجل. # { وجعل بينكم مودة ورحمة } أي: بالمصاهرة والختونة ~~يعطف بعضهم على بعض. # قال ابن عباس: المودة حب الرجل امرأته، والرحمة رحمته إياها أن لا يمسها ~~بسوء. # وقال مجاهد: المودة الجماع، والرحمة الولد. # { إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون } أي: لمن تفكر في ~~الله ووحدانيته، أي: من قدر على هذا فهو قادر على إحياء الموتى، وأنه ~~واحد لا شريك له. # ثم قال: { ومن آياته منامكم باليل والنهار ~~وابتغآؤكم من فضله } أي: ومن حججه وأدلته على توحيده وقدرته ~~على إحياء الموتى، أنه يقدر الساعات والأوقات، ويخالف بين الليل والنهار، ~~فجعل النهار تبتغون فيه الرزق والمعاش، وجعل الليل سكنا لتسكنوا فيه ~~وتناموا. # وقيل: في الآية تقديم وتأخير، والتقدير: ومن آياته منامكم بالليل ~~والنهار وابتغاؤكم من فضله بالنهار، وحذف حرف الجر من النهار لاتصاله ~~بالليل وعطفه عليه. والواو تقوم مقام حرف الجر إذا اتصلت بالمعطوف عليه ~~في الاسم الظاهر خاصة. # ومثله في التقديم والتأخير قوله: # ومن رحمته جعل لكم اليل والنهار لتسكنوا ~~فيه ولتبتغوا من فضله # [القصص: 73]. # { إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون } أي: فيما نص من ~~قدرته لدلالة وحججا وعبرة وعظة لمن سمع مواعظ الله فيتعظ بها ويعتبر. # ثم قال تعالى: { ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا ~~} أي: ومن آياته أنه يريكم البرق. " وخوفا ms1947 وطمعا " مفعولان من أجلهما. # وقيل التقدير: ويريكم البرق خوفا وطمعا من آياته. # والمعنى: من حججه وأدلته على توحيده وإحياء الموتى أنه يريكم البرق ~~خوفا للمسافر أن يؤذيه المطر، وطمعا للمقيم أن يسقي زرعه وتخصب أرضه. # { وينزل من السمآء مآء فيحيي به الأرض بعد ~~موتها } أي: وينزل من السحاب مطرا فيحيي بذلك الماء الأرض الميتة ~~التي قد يبست ولم تنبت نبتا، فتنبت بعد جدوبها. # { إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون } أي: يعقلون عن ~~الله حججه وأدلته. # ثم قال تعالى: { ومن آياته أن تقوم السمآء والأرض ~~بأمره } أي: ومن حججه وأدلته على توحيده وقدرته قيام السماوات ~~والأرض بأمره خضوعا له بالطاعة بغير عمد. # { ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذآ أنتم ~~تخرجون } أي: إذا دعاكم للبعث خرجتم من بطن الأرض مستجيبين لدعائه ~~إياكم. # روي عن نافع أنه وقف " دعاكم دعوة ". وكذلك قال يعقوب. # ثم يتبدئ " من الأرض ". # { إذآ أنتم تخرجون } أي: إذا أنتم تخرجون من الأرض. # والوقف عند أبي حاتم: من الأرض ". أي: دعاكم وأنتم في الأرض، كما تقول ~~دعوت فلانا من بيته. أي: وهو في بيته. # والأحسن عند أهل النظر أن تقف على " تخرجون " ، لأن إذا الثانية جواب ~~للأولى على قول الخليل وسيبويه، كأنه قال: إذا دعاكم خرجتم. # ثم قال تعالى: { وله من في السموت والأرض } أي: هم عبيد ~~له وملك له، لا إله إلا هو. # { كل له قانتون } أي: مطيعون. وطاعة الكفار منهم انقيادهم على ~~ما شاء من صحة وسقم وفقر وغنى، روى الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " كل قنوت في القرآن فهو طاعة ". # قال ابن عباس: { كل له قانتون } أي: مطيعون في الحياة والنشوز ~~من الموت وإن كانوا عاصين له في غير ذلك. وهو اختيار الطبري وقيل: معناه ~~أنهم كانوا مقرين / كلهم بأنه ربهم وخالقهم، دليله قوله تعالى: # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله # [الزخرف: 87]. # وقيل: معنى الآية الخصوص: يريد بها المؤمنين بالله خاصة. # قال ابن زيد: { قانتون } مطيعون وليس شيء إلا وهو قانت مطيع لله ms1948 إلا ~~ابن آدم، وكان أحقهم أن يكون أطوعهم لله. قال: والقنوات في القرآن الطاعة ~~إلا في قوله جل ذكره: # وقوموا لله قنتين # [البقرة: 238] معناه: ساكتين لا يتكلمون كما يفعل أهل الكتاب. ### || [30.27-32] # قوله تعالى ذكره: { وهو الذي يبدؤا الخلق ثم ~~يعيده } إلى قوله: { بما لديهم فرحون }. # أي: والذي له هذه الصفات هو الذي يبدؤ الخلق من غير أصل وأمثال ثم يفنيه ~~ثم يعيده بعد إفنائه كما بدأ. # { وهو أهون عليه } أي: وإعادته هين عليه، قال ابن عباس. # وقيل: المعنى: الإعادة أهون على المخلوق لأنه يقوم بشرا سويا، وقد كان ~~في الابتداء ينقل من حال إلى حال. # روي ذلك أيضا عن ابن عباس. # وعن ابن عباس: أن معناه: وهو أيسر عليه. وقاله مجاهد. # فيكون هذا بمنزلة قوله: # وكان ذلك على الله يسيرا # [النساء: 30]. # وقال عكرمة: تعجب الكفار من إحياء الله الموتى فنزلت هذه الآية. # فالمعنى عنده: إعادة الخلق أهون عليه من ابتدائه. # وقال قتادة: إعادته أهون عليه من بدايته، وكل شيء عليه هين. # وفي حرف ابن مسعود: " وهو علي هين ". # وقيل أهون على بابها، على معنى أسهل عليه من الابتداء. # وجاز ذلك في صفات الله كما قال: # وكان ذلك على الله يسيرا # [النساء: 30]. # وحسن ذلك كله لأن الله خاطب العباد بما يعقلون، فأعلمهم أنه يجب عندهم ~~أن يكون البعث أسهل من الابتداء، فجعله مثلا لهم لأنهم كذلك يعرفون في ~~عادتهم أن إعادة الشيء مع تقدم مثال أسهل من اختراع الشيء بغير مثال ~~تقدم، فهو مثل لهم على ما يفهمون، ألا ترى أن بعده: { وله المثل ~~الأعلى } ، معناه: أنه لا إله إلا هو لا مثال له. # قال ابن عباس: { وله المثل الأعلى } ليس كمثله شيء. # وقال قتادة: مثله أنه لا إله إلا هو ولا رب غيره. # وقيل: المعنى ما أراد كان. وحقيقته في اللغة أن المثل الوصف. # فمعناه وله الوصف الأعلى من كل وصف. # { وهو العزيز } في انتقامه من أعدائه { الحكيم } في تدبيره ~~خلقه على ما يشاء. # ثم قال تعالى ذكره: { ضرب ms1949 لكم مثلا من أنفسكم } أي: ~~مثل الله لكم أيها القوم مثلا من أنفسكم. # ثم بين ذلك المثل فقال: { هل لكم من ما ملكت ~~أيمانكم من شركآء في ما رزقناكم } أي: هل من ~~مماليككم شركاء في أموالكم أنتم وهم في المال سواء. # { تخافونهم كخيفتكم أنفسكم } أي: تخافون من عبيدكم في ~~أموالكم أن يرثوكم بعد وفاتكم كما يرث بعضكم بعضا. # وقيل: المعنى تخافونهم كما يخاف الشريك شريكه إذا تعدى في المال بغيره - ~~أي: شريكه -. # وقيل: المعنى تخافونهم أن يقاسموكم كما يقاسم الشريك شريكه فإذا لم ~~ترضوا بذلك لأنفسهم فكيف رضيتم أن تكون آلهتكم شركاء لله في العبادة، ~~وأنتم وهم عبيد الله وخلقه، وهو تعالى ذكره مالك الجميع، فجعلتم له ~~شركاء من مماليكه وخلقه، ولا ترضون أنتم أن يكون لكم شركاء من مماليككم. # هذا معنى قول قتادة. # ثم قال تعالى: { كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون } ~~أي: نفصل الآيات تفصيلا، كذلك، أي: نفصلها في كل سورة ونبينها كما فصلنا ~~هذه الآيات في هذه السورة لمن يعقل عن الله حججه. # ثم قال تعالى: { بل اتبع الذين ظلموا أهوآءهم ~~بغير علم } أي: عبدوا الأصنام وأحدثوا لله شركاء اتباعا منهم لما ~~تهوى أنفسهم جهلا منهم بطريق الحق. # { فمن يهدي من أضل الله } أي: من يسدد للصواب ويوفق ~~للإسلام من أضله الله عن الاستقامة والرشاد. # { وما لهم من ناصرين } أي: وما لمن أضل الله من ناصر ينصره ~~من الضلالة. # ثم قال تعالى: { فأقم وجهك للدين حنيفا }. أي: اتبع الذي ~~أمرك الله به حنيفا أي: مستقيما. # { فطرت الله التي فطر الناس عليها } انتصبت " فطرت ~~" على معنى اتبع فطرة الله وقيل: هو مصدر عمل فيه الجملة التي قبله. ~~والمعنى فطر الله الناس / على ذلك فطرة. # فالحنف: الاستقامة، ولذلك قيل للمعوج الرجل: (أحنف) على التفاؤل، ~~كما قيل للمهلكة مفازة، والمفازة: النجاة، وقيل للأعمى بصير على التفاؤل ~~في ذلك. # قيل معنى حنيفا: مائلا عن كل الأديان إلى الإسلام. فيكون الحنف على ~~هذا: الميل، كما قيل للمائل الرجل: أحنف وقيل: على بمعنى اللام، ms1950 ~~والتقدير: التي فطر الناس لها، أي: لاتباعها، أي: دين الله الذي خلق ~~الناس لاتباعه. # كما قال تعالى: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات: 56]. # فالمعنى دين الله المفطور له الناس، أي: المخلوق الناس له أي: خلقوا ~~لاتباع الدين. # قال ابن زيد " فطرت الله " الإسلام، منذ خلقهم يقرون بذلك، وقرأ # وإذ أخذ ربك # [الأعراف: 172] الآية. # وهو قوله: # كان الناس أمة وحدة # [البقرة: 213] وقاله مجاهد أيضا. # وفي الحديث: # " كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه ~~هما اللذان يهودانه أو ينصرانه ". # قال الأوزاعي وحماد بن سلمة: هذا الحديث مثل قوله: { وإذ أخذ ~~ربك من بني ءادم } الآية فالمعنى: كل مولود يولد على العهد ~~الذي أخذ عليه. # وفي الحديث: # " أخرجهم جل ذكره أمثال الذر فأخذ عليهم ~~العهد، فكل مولود على ذلك العهد يولد " # وقيل: معنى الآية: خلقة الله التي لا يعرفونها لا تميز شيئا. # وقال ابن المبارك: هذا لمن يكون مسلما، يذهب إلى أنه مخصوص. # وقال محمد بن الحسن: هذا قبل أن تنزل الفرائض ويؤمر بالجهاد. # وقوله جل ذكره: { لا تبديل لخلق الله }. معناه: لا تبديل ~~لدين الله، أي: لا ينبغي لك أن تفعل ذلك، قاله مجاهد وعكرمة وقتادة ~~والضحاك والنخعي وابن زيد. # وقال ابن عباس: معناه لا تغيير لما خلق الله من البهائم، لا تخصى، وكره ~~خصاء البهائم وقرأ الآية. # ثم قال تعالى: { ذلك الدين القيم } أي: هذا الذي تقدم ذكره ~~هو الدين المستقيم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ذلك. # ثم قال تعالى ذكره: { منيبين إليه واتقوه } أي: أقيموا ~~وجوهكم للدين حنفاء منيبين إليه، أي: راجعين إلى طاعته. # وقوله: { فأقم وجهك للدين } هو خطاب للنبي صلى الله عليه ~~وسلم والمراد به أمته فلذلك جاء الحال بلفظ الجمع. فلا تقف على يعلمون. # وقيل: المعنى فأقم وجهك ومن معك منيبين إليه. # قال ابن عباس: " منيبين إليه ": مقبلين بكل قلوبكم. # قال ابن زيد: المنيب: المطيع. وأصله في اللغة الراجع عن الشيء. # { واتقوه } أي: وخافوه أن تفرطوا في طاعته. # { وأقيموا الصلاة } أي: بحدودها في أوقاتها. # { ولا ms1951 تكونوا من المشركين } أي: ممن عبد مع الله غيره ~~وضيع فرائضه. ثم بينهم فقال تعالى ذكره: { من الذين فرقوا ~~دينهم وكانوا شيعا } يعني اليهود والنصارى، قاله قتادة. # وقال ابن زيد: هم اليهود. # وقالت عائشة رضي الله عنها وأبو هريرة: هي في أهل القبلة. # ومعنى { وكانوا شيعا } أي: أحزابا. # { كل حزب بما لديهم فرحون } أي: كل طائفة تفرح بما هم ~~عليه من الدين وتظن أن الصواب معها. # وهذا أمر من الله جل ذكره بلزوم الجماعة وترك تفريق الكلمة وتنبيه منه ~~أن الفرقة معها الضلالة. ### || [30.33-42] # قوله تعالى ذكره: { وإذا مس الناس ضر } إلى قوله { ~~أكثرهم مشركين }. # أي: وإذا مس هؤلاء المشركين وغيرهم ضر من مرض أو جدب ونحوه { دعوا ~~ربهم منيبين إليه } أي: أخلصوا له الدعاء والتضرع، { ثم ~~إذآ أذاقهم منه رحمة } ، أي: فرج عنهم الضر { إذا ~~فريق منهم بربهم يشركون } يعني المشركين. # ثم قال تعالى: { ليكفروا بمآ آتيناهم }. # إن جعلت اللام لام كي لم تقف على " يشركون " ، ولكن تقف على { ~~آتيناهم } ، وإن جعلتها لام أمر لأن الكلام فيه معنى التهديد ابتدأت ~~بها إن شئت، ووقفت على { يشركون } ، ولم تقف على { آتيناهم }. # وقوله: { فتمتعوا فسوف تعلمون } يدل على أنها لام أمر ~~لأن هذا وعيد وتهديد لا شك فيه، فحمل الكلام على معنى واحد أحسن. والمعنى ~~على الأمر: اكفروا وتمتعوا بالصحة والرخاء فسوف تعلمون عاقبتكم إذا ~~أوردتم على ربكم. # ثم قال تعالى: { أم أنزلنا عليهم سلطانا } أي: كتابا ~~وحجة في عبادتهم الأوثان. # { فهو يتكلم بما كانوا به يشركون } أي: فذلك ~~الكتاب ينطق بصحة شركهم. # فالمعنى: لم ننزل عليهم شيئا من ذلك إنما اختلفوا من عند أنفسهم ~~اتباعا لأهوائهم. # قال ابن عباس: كل سلطان في القرآن فهو عذر وحجة /. # ثم قال تعالى: { وإذآ أذقنا الناس رحمة فرحوا بها } ~~أي: وإذا مس الناس خصب ورخاء وصحة فرحوا بذلك. # { وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم } أي: وإن ~~تصبهم شدة جدب أو مرض أو إتلاف مال بذنوبهم المتقدمة { إذا هم ~~يقنطون } أي: يئسون من الفرح، والقنوط: ms1952 اليأس. # ثم قال تعالى: { أولم يروا أن الله يبسط الرزق ~~لمن يشآء } أي: ألم ير هؤلاء الذين ييأسوا عند الشدة ويفرحون عند ~~الرخاء أن الله يوسع على من يشاء في رزقه، { ويقدر } أي: ويضيق على ~~من يشاء في رزقه. # { إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون } أي: إن في توسيعه ~~الرزق على بعض خلقه وتضييقه على بعض، لدلالات وحججا على قدرة الله لمن ~~آمن بالله. # ثم قال تعالى: { فآت ذا القربى حقه } # قال مجاهد وقتادة: هو قريب الرجل، صلة الرحم له فرض من الله جل ذكره. # وقال مجاهد: لا تقبل صدقة من أحد ورحمه محتاجة. # وقال قتادة: إذا لم تعط ذا قرابتك وتمش إليه برجليك فقد قطعته. # وقيل: القربى هنا قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم. منزلة ~~منزلة قوله تعالى ذكره: # واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه ~~وللرسول ولذي القربى # [الأنفال: 41] فيكون المعنى: فأعط يا محمد ذا القربى منك حقه عليك. # وقوله: { والمسكين وابن السبيل } أي: وفيهم حقهم إن كان ~~يسر، وإن لم يكن عندك شيء فقل لهم قولا معروفا. وابن السبيل: الضيف. # ثم قال تعالى: { ذلك خير للذين يريدون وجه الله } ~~أي: إتيان هؤلاء حقوقهم التي ألزمها الله جل ذكره عباده خير للذين يريدون ~~بما يعطون ثواب الله. # { وأولئك هم المفلحون } أي: الباقون في النعيم ~~الفائزون. # ثم قال تعالى: { ومآ آتيتم من ربا ليربوا في ~~أموال الناس فلا يربوا عند الله } أي: وما أعطى بعضهم ~~بعضا ليرد الآخذ على المعطي أكثر مما أخذ منه فلا أجر فيه للمعطي لأنه ~~لم يبتغ في إعطائه ثواب الله، إنما ابتغى الازدياد من مال الآخذ، فذلك ~~حلال لكم ولا أجر لكم فيه. # وهو محرم على النبي عليه السلام خاصة بقوله تعالى # ولا تمنن تستكثر # [المدثر: 6] أي: لا تعط عطية لتأخذ أكثر منها. # قال ابن عباس: هو الرجل يهدي الهدية فيطلب ما هو أفضل منها. # فليس له أجر ولا عليه إثم، وهو معنى قول مجاهد والضحاك وقتادة. # وقيل: هو الرجل يعطي الرجل ms1953 العطية ليخدمه ويعينه لا لطلب أجر. # وقيل: هو الرجل يعطي الرجل ماله ليكثر مال الآخذ لا للثواب. # وقيل: هو الربا المحرم. # ومعنى: { فلا يربوا عند الله } عند من قال: هو المحرم، لا ~~يحكم به لأحد، بل هو للمأخوذ منه. # قال تعالى: { ومآ آتيتم من زكاة تريدون وجه الله ~~فأولئك هم المضعفون } أي: وما أعطيتم من صدقة تريدون بها ~~ثواب الله لا الازدياد من مال الآخذ ولا الثناء عليها، فأولئك الذين يكون ~~لهم الأضعاف من الأجر، يضاعف لهم الحسنات. # وقيل: المعنى يضاعف لهم الخير والنعيم. # ويلزم من قال هذا التفسير أن يكون اللفظ: { المضعفون } بفتح العين ~~لأنهم مفعول بهم. لكن تحقيق المعنى مع كسر العين: فأولئك هم الذين أضعفوا ~~لأنفسهم حسناتهم، أي: هم المضعفون لأنفسهم الحسنات، لأن من اختار عمل ~~الحسنة فقد اختار عمل عشر حسنات لنفسه، ويضاعف الله لمن يشاء أكثر من عشر ~~على الحسنة الواحدة. # ثم قال تعالى: { الله الذي خلقكم } أي: اخترعكم ولم تكونوا ~~شيئا، ثم رزقكم وخولكم ولم تكونوا تملكون شيئا، ثم هو يميتكم ثم هو ~~يحييكم ليوم القيامة، فالعبادة لا تصلح إلا لمن هو هكذا. # { هل من شركآئكم من يفعل من ذلكم من شيء } ~~أي: هل يفعل شيئا من خلق أو موت أو بعث أو رزق أو ضر أو نفع، آلهتكم ~~التي تعبدون، فلا بد لهم أن يقروا أنها لا تفعل شيئا من ذلك فيعلمون ~~أنهم على باطل. # ثم قال: { سبحانه وتعالى عما يشركون } أي: تنزيها ~~لله وبراءة له عما يشركون به. # ثم قال تعالى: { ظهر الفساد في البر والبحر بما ~~كسبت أيدي الناس } أي: ظهرت المعاصي لله في الأرض وبحرها بذنوب ~~الناس. # قال مجاهد وعكرمة: البحر هنا الأمصار، والبر: الفلوات، ظهرت / فيها ~~معاصي ابن آدم. # وقال قتادة: هذا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، امتلأت الدنيا ~~ضلالة وظلمة، فلما بعث النبي عليه السلام رجع راجعون من الناس، قال ~~أما البر فأهل العمود وأما البحر فأهل القرى والريف. # والتقدير على هذه الأقاويل: ظهر الفساد في ms1954 مواضع البر والبحر. # وقيل: المعنى ظهر الفساد في مدن البر ومدن البحر. # والفساد: الجدب بذنوب بني آدم. # وقيل: الفساد ظهور المعاصي فيها وقطع السبيل والظلم. # وعن مجاهد: أن البر القرى والأمصار، والبحر بحر الماء المعروف قال: في ~~البر: ابن آدم الذي قتل أخاه، وفي البحر: الذي كان يأخذ كل سفينة غصبا. # وهو قول ابن أبي نجيح. # وقال قتادة: الفساد الشرك. # وعن ابن عباس أنه قال: الفساد نقصان البركة بأعمال العباد حتى يتوبوا. # فالمعنى على هذا: ظهر الجدب في البر والبحر، وظهور الفساد في البحر ~~انقطاع مادة صيده وذلك بذنوب بني آدم. # وقال الحسن: أفسد الله بذنوبهم بر الأرض وبحرها بأعمالهم الخبيثة ~~لعلهم يرجعون، أي: يرجع من يأتي بعدهم. # ثم قال تعالى: { ليذيقهم بعض الذي عملوا } أي: ليصيبهم ~~بعقوبة بعض ذنوبهم. # { لعلهم يرجعون } أي: ينيبون إلى ترك المعاصي ويتوبون. # ثم قال تعالى ذكره: { قل سيروا في الأرض فانظروا } الآية. ~~هي مثل " أولم يسيروا في الأرض " في أول السورة. وقد تم ~~تفسيرها. # ومعنى { كان أكثرهم مشركين } أي: مثلكم يا قريش. ### || [30.43-53] # قوله تعالى ذكره: { فأقم وجهك للدين القيم } إلى قوله: ~~{ فهم مسلمون }. # أي: اتبع يا محمد الدين الذي أمرك الله به فهو المستقيم. # فالمعنى: أسلم على الدين القيم واعمل به أنت ومن اتبعك من قبل أن ينقطع ~~وقت العمل بالموت وقيام الساعة. والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ~~والمراد أمته. # { من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله } أي: ~~لا بد من إتيانه وهو يوم القيامة. # { يومئذ يصدعون } أي: يتفرقون في ذلك اليوم، فريق في الجنة ~~وفريق في السعير. # يقال: تصدع القوم إذا تفرقوا، ومنه الصداع لأنه تفرق شعب الرأس. # ثم قال تعالى ذكره: { من كفر فعليه كفره } أي: إثم وزره. # { ومن عمل صالحا } أي: من آمن وأدى ما افترض الله عليه. # { فلأنفسهم يمهدون } أي: فلأنفسهم يستعدون ويوطئون. # قال مجاهد: يمهدون في القبر. # ثم قال: { ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من ~~فضله } أي: يومئذ يتفرقون ليجزي المؤمنين من فضله، أي: ms1955 يتفرقون لهذا ~~الأمر، فيخص بالجزاء المؤمنين خاصة لأنه لا يحب الكافرين. # ثم قال تعالى ذكره: { ومن آياته أن يرسل الرياح ~~مبشرات } بالغيث. # { وليذيقكم من رحمته } أي: ولينزل عليكم من رحمته، وهي ~~الغيث الذي يحيي به البلاد. # { ولتجري الفلك بأمره } أي: السفن في البحر بأمره إياها. # { ولتبتغوا من فضله } أي: تلتمسوا من رزقه الذي قسمه لكم في ~~سفركم في البحر. # { ولعلكم تشكرون } أي: تشكرون على هذه النعم. # ثم قال تعالى: { ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى ~~قومهم فجآءوهم بالبينات } هذه الآية تسلية للنبي صلى ~~الله عليه وسلم إذ كذبه قريش، فأعلمه الله أنه قد أرسل من قبله رسلا ~~إلى قومهم كما أرسله إلى قومه، وأن أولئك الرسل أتوا أقوامهم ~~بالبينات، أي: بالحجج الظاهرة كما جئت أنت يا محمد قومك بذلك. # { فانتقمنا من الذين أجرموا } في الكلام حذف والتقدير ~~فكذبوا الرسل فانتقمنا من المكذبين، فكذلك نفعل بقومك يا محمد في تكذيبهم ~~إياك. # { وكان حقا علينا نصر المؤمنين } أي: ونجينا المؤمنين ~~إذ جاء بأسنا، وكذلك نفعل بك يا محمد ومن آمن بك. # وقيل: المعنى: وكان حقا علينا نصر المؤمنين على الكافرين، فكذلك ننصرك ~~ومن آمن بك على الكافرين من قومك. # وفي الحديث: # " من رد على عرض صاحبه رد الله عنه نار جهنم ~~ثم تلى رسول الله: " وكان حقا علينا نصر ~~المؤمنين " # والتمام عند نافع آخر واو. # وقف بعض الكوفيين، " وكان حقا " أي: فكان انتقامنا / حقا، ثم ~~يبتدئ " علينا نصر المؤمنين ". نصر ابتداء، وخبره علينا. # والوقف عند أبي حاتم: " نصر المؤمنين ". # ثم قال تعالى: { الله الذي يرسل الرياح فتثير ~~سحابا } أي: ينشئ الرياح سحابا، { فيبسطه في السمآء ~~كيف يشآء } ويجمعه. # قال قتادة: يبسطه: يجمعه. # ثم قال تعالى: { ويجعله كسفا } أي: ويجعل الله السحاب في ~~السماء قطعا متفرقة، وهو جمع كسفة، وهي القطعة منه. # ومن أسكن السين فمعناه: أنه يجعل السحاب قطعة واحدة ملتئمة. # ويجوز أن يكون معناه كالأول على التخفيف. # ثم قال تعالى: { فترى الودق يخرج من خلاله } أي: المطر ~~يخرج من بين السحاب. ms1956 # قال عبيد بن عمير: الرياح أربع: يبعث الله جل ذكره ريحا فتعم الأرض ~~قما، ثم يبعث الريح الثانية فتثير سحابا فتجعله كسفا، أي: قطعا ~~متفرقة، ثم يبعث الريح الثالثة فتؤلف بينه فتجعله ركاما، ثم يبعث ~~الرابعة فتمطر. # ومعنى { من خلاله }: من خلال الكسفة، لأن كل جمع بينه وبين واحده ~~الهاء فالتذكير فيه حسن. # وخلال جمع خلل. # وقد قرأ الضحاك: " يخرج من خلله ". # ثم قال تعالى: { فإذآ أصاب به } أي: بالمطر { من يشآء } أي: ~~أرض من يشاء من عباده استبشروا وفرحوا. # ثم قال تعالى: { وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم } ~~أي: وإن هؤلاء الذين أصاب بالغيث أرضهم كانوا يئيسين من الخير قبل أن ~~ينزل عليهم الغيث. # وقوله: { من قبله } تأكيد للأول عند الأخفش. # وقال قطرب: التقدير: وإن كانوا من قبل التنزيل من قبل المطر. # وقيل: التقدير من قبل تنزيل الغيث [من قبل رؤية السحاب. # وقيل: المعنى وإن كانوا من قبل تنزيل الغيث] عليهم من قبل أن يزرعوا ~~لمبلسين، ودل المطر على الرزع لأنه خرج بسبب المطر، ودل على ذلك أيضا { ~~فرأوه مصفرا } يعني الزرع. # ثم قال تعالى: { فانظر إلى آثار رحمت الله } أي: انظر يا ~~محمد إلى أثر المطر في الأرض كيف حييت بعد موتها، وأنبتت بعد قحطها، ~~واهتزت بعد جدبها، فكذلك يحيي الله الموتى بعد فنائهم. # ومن قرأ " أثر رحمة الله " بالتوحيد رده على التوحيد في: " ~~فيبسطه " ، و " يجعله " ، و " من خلاله " ، " وأصاب ~~به " ، " ومن قبله ". # ومن قرأ بالجمع رده على الأسباب المتقدمة وهي: إرسال الله الريح، ~~وإثارتها السحاب، وبسطه آياه في السماء، وجعله إياه كسفا، وإخراجه ~~الودق، فهذا كله آثار جليلة وليست بأثر واحد فجمع على ذلك. # ثم قال: { إن ذلك لمحي الموتى } أي: إن الذي يحيي هذه ~~الأرض بعد موتها لمحيي الموتى بعد موتهم. # { وهو على كل شيء قدير } أي: لا يمتنع عليه فعل شيء ~~أراده. # والمضمر في " يحيي الأرض " يجوز أن يكون للمطر، ولله جل ذكره، وللأثر. # وقرأ محمد اليماني " كيف تحيي " بالتاء رده على الرحمة، ms1957 أو على ~~الآثار. # ثم قال تعالى ذكره: { ولئن أرسلنا ريحا } أي: ولئن أرسلنا ~~ريحا مفسدة لما أنبت الغيث فرأوا ما أنبت الغيث مصفرا قد فسد بتلك ~~الريح. # { لظلوا من بعده يكفرون } أي: لصاروا من بعده فرحهم ~~واستبشارهم بالغيث يكفرون، أي: يجحدون نعم الله، فالهاء في " رأوه " ~~للنبات من زرع وغيره. # وقيل: الهاء للسحاب. # وقيل: للريح. # ثم قال تعالى: { فإنك لا تسمع الموتى } الآية. # أي: إنك يا محمد لا تقدر أن تسمع من مات قلبه، ولا من أصم الله أذنه عن ~~سماع الإيمان وهو الكافر لأنه كالميت الأصم. وهذا مثل [ضربه] الله ~~للكفار. # ثم قال تعالى: { ومآ أنت بهاد العمي عن ضلالتهم } ~~الآية. # أي: لست يا محمد تقدر أن تهدي من أعماه الله تعالى عن الهدى. # { إن تسمع إلا من يؤمن } أي: تسمع إلا من وفقه الله ~~للإيمان، وقد تقدم تفسير الآيتين بأشبع من هذا في " الأنبياء ". ### || [30.54-60] # قوله تعالى ذكره: { الله الذي خلقكم من ضعف } إلى آخر ~~السورة. # هذه الآية احتجاج على من أنكر البعث، فتقرر عندهم أنه تعالى خلقهم من ~~ضعف وهو النطفة، فجعلهم بشرا قويا، ثم رد القوي إلى الضعف وهو الهرم ~~والشيب، فمن فعل هذا يقدر على إحيائكم بعد موتكم. # والضعف بالفتح: المصدر، والضعف بالضم الاسم. # وروى عطية عن ابن عمر أنه قال: # " " قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم الذي خلقكم ~~من ضعف " فقال لي: " من ضعف " ". # وقرأ عيسى بن عمر " من ضعف " بضمتين /. # وأجاز الكوفيون ضعف بفتح الضاد والعين لأجل حرف الحلق. # ثم قال: { يخلق ما يشآء }. # أي: يخترع ويحدث ما يشاء. # { وهو العليم } أي: بخلقه، { القدير } أي: القادر عليهم. # ثم قال تعالى: { ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون } ~~أي: ويوم تجيئ ساعة البعث فيبعث الله الخلق، يحلف الكفار ما لبثوا في ~~قبورهم غير ساعة واحدة. # قال قتادة: لما عاينوا الآخرة هان عندهم ما لبثوا. # { كذلك كانوا يؤفكون } أي: كما كذبوا في قولهم في الآخرة ما ~~لبثنا في قبورنا غير ساعة، كذلك كانوا في الدنيا يكذبون، ms1958 أي: يصرفون ~~الصدق إلى الكذب. # وقيل معنى ذلك: أن الكفار لا بد لهم من خمدة بين النفختين فلم يدروا ~~مقدار ذلك فقالوا: ما لبثنا غير ساعة. # وقيل معناه: ما لبثنا في الدنيا غير ساعة، هان عليهم مكثهم في الدنيا ~~لانقطاعه وزواله، فادعوا أنهم ما لبثوا فيها غير ساعة. # ثم قال تعالى: { وقال الذين أوتوا العلم والإيمان ~~لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث }. # هذا رد من المؤمنين على الكفار يوم القيامة دعواهم أنهم ما لبثوا غير ~~ساعة، تقديره عند قتادة: وقال الذين أوتوا العلم والإيمان في كتاب الله ~~لقد لبثتم إلى يوم البعث. # وقال ابن جريج: تقديره: وقال الذين أوتوا العلم بكتاب الله والإيمان ~~بالله وبكتابه لقد لبثتم إلى يوم البعث. # وقيل: المعنى على غير تقدير ولا تأخير، والتقدير: وقال الذين أعطاهم ~~الله العلم به والإيمان لقد لبثتم في اللوح المحفوظ إلى يوم البعث، فهذا ~~يوم البعث، أي: يوم يبعث الناس من قبورهم، ولكنكم كنتم لا تعلمون في ~~الدنيا أنه يكون وأنكم تبعثون بعد الموت، ولذلك كذبتم به. # وقيل: التقدير: لقد لبثتم في حكم الله وتقديره إلى يوم البعث. # ثم قال تعالى: { فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا ~~معذرتهم }. # أي: لا ينتفعون بعذر يعتذرون به من كفرهم وجحودهم ونفيهم للبعث. # { ولا هم يستعتبون } أي: لا يقيمون في أنفسهم ولا يسترجعون. # روي أنه لما رد المؤمنون عليهم سألوا الرجوع إلى الدنيا واعتذروا فلم ~~يعذروا ولا استعتبوا. # ثم قال تعالى: { ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن ~~من كل مثل } أي: مثلنا للناس في القرآن من كل مثل يدلهم على ~~الهدى احتجاجا عليهم وتنبيها لهم. # ثم قال تعالى: { ولئن جئتهم بآية } أي: وإن جئتم يا محمد ~~بدلالة على صدق ما تقول لهم. # { ليقولن الذين كفروا } أي: الذين جحدوا آيات الله ~~ورسله. # { إن أنتم إلا مبطلون } فيما جئتم به. # ثم قال تعالى: { كذلك يطبع الله على قلوب الذين ~~لا يعلمون }. # أي: كتم الله على قلوب الذين لا يعلمون حقيقة ما تأتيهم به يا محمد ms1959 من ~~عند الله. # ثم قال جل ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: { فاصبر إن وعد ~~الله حق }. # أي: اصبر على أذاهم وتكذيبهم إياك، إن وعد الله الذي وعدك من النصر ~~عليهم والظفر بهم حق لا بد منه. # { ولا يستخفنك الذين لا يوقنون } أي: لا يستخفن ~~حلمك هؤلاء المشركون بالله الذين لا يوقنون بالمعاد، ولا يصدقون ~~بالبعث. ### | [31 - سورة لقمان] ### || [31.1-6] # قوله تعالى ذكره: { الم * تلك آيات الكتاب الحكيم } إلى ~~قوله: { عذاب مهين }. # أي: هذه الآيات آيات الكتاب المحكم هاديا وراحما الله به من آمن بالله ~~وكتبه ورسله. وإن رفعت " رحمة ". فالتقدير هو هدى ورحمة لمن أحسن لنفسه ~~فآمن بالله وكتبه ورسله. # ثم قال: { الذين يقيمون الصلاة } أي: يقيمونها بحدودها في ~~أوقاتها. # { ويؤتون الزكاة } أي: التي افترض الله عليهم. # { وهم بالآخرة هم يوقنون } أي: يصدقون بالبعث بعد الموت ~~والجزاء. # ثم قال تعالى: { أولئك على هدى من ربهم } أي: على ~~إيمان. # { وأولئك هم المفلحون } أي: الباقون في النعيم / ~~الفائزون. # ثم قال جل ذكره: { ومن الناس من يشتري لهو الحديث ~~ليضل عن سبيل الله بغير علم }. # قال قتادة: معناه: من يختاره ويستحسنه يعني الغناء. # وروي عنه أنه قال: لعله لا ينفق فيه مالا ولكن اشتراؤه استحبابه. وكذلك ~~قال مطرف. # وقال ابن مسعود في الآية: " الغناء والله الذي لا إله إلا ~~هو، يرددها ثلاث مرات ". # " والغناء ينبت في القلب النفاق ". # وقال ابن عباس: " هو الرجل يشتري الجارية المغنية ~~تغنيه ليلا ونهارا ". # وروى أبو أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لا يحل بيع المغنيات ولا شراؤهن ولا ~~التجارة بهن ولا أثمانهن، وفيهن نزلت هذه ~~الآية " ومن الناس... " ". # روى أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من جلس إلى قينة يستمع منها صب في أذنيه ~~الآنك يوم القيامة ". # وروى مالك عن ابن المنكدر أنه قال: # " إن الله تبارك وتعالى يقول يوم القيامة: " ~~أين الذين كانوا ينزهون أسماعهم وأنفسهم عن ~~اللهو ومزامير الشيطان، أدخلوهم في رياض ~~المسك. ثم يقول للملائكة: أسمعوهم ms1960 حمدي ~~وثناء علي وأخبروهم ألا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون " ". # روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من مات وعنده جارية مغنية فلا تصلوا ~~عليه " # رواه مكحول عنها. # وقال ابن عمر: هو الغناء، وكذلك قال عكرمة ومكحول وغيرهم. # والتقدير على هذا: ومن الناس من يشتري ذات لهو أو ذا لهو. # وعن الضحاك: إن لهو الحديث: الشرك. ورواه عنه جويبر أنه قال: الغناء ~~مهلكة للمال مسخطة للرب معماة للقلب. # وسئل القاسم بن محمد عنه فقال: الغناء باطل، والباطل في النار. # وقال معمر: هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث كان يشتري الكتب التي ~~فيها أخبار فارس والروم، ويقول: محمد يحدثكم عن عاد وثمود وأنا أحدثكم عن ~~فارس والروم، ويستهزئ بالقرآن إذا سمعه. # وروى ابن جريج عن مجاهد في لهو الحديث: أنه الطبل. # ثم قال: { ليضل عن سبيل الله } أي: عن دين الله، وما يقرب ~~إليه. # وقال ابن عباس: عن القرآن وذكر الله، وهو رجل من قريش اشترى جارية ~~مغنية. # وقوله: { بغير علم } أي: جعلا منه بأمر الله فعل ذلك. # ثم قال: { ويتخذها هزوا } أي: ويتخذ سبيل الله هزؤا. قاله ~~مجاهد. # وقال قتادة: ويتخذ الآيات هزؤا. # { أولئك لهم عذاب مهين } أي: في الآخرة. ### || [31.7-14] # قوله تعالى ذكره: { وإذا تتلى عليه ءاياتنا ولى ~~مستكبرا } إلى قوله: { إلي المصير }. # أي: وإذا يتلى على الذي يشتري لهو الحديث القرآن أدبر يستكبر عن سماع ~~الحق، { كأن في أذنيه وقرا } أي صمما وثقلا فهو لا ~~يستطيع أن يسمع ما يتلى عليه. # { فبشره بعذاب أليم } أي: مؤلم، يعني في يوم القيامة، وذلك ~~عذاب النار. # ثم قال تعالى: { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~لهم جنات النعيم }. # أي: إن الذين صدقوا محمدا وما جاء به وعملوا الأعمال الصالحة، لهم ~~بساتين النعيم ماكثين فيها إلى غير نهاية. # { وعد الله حقا } أي: وعدهم الله ذلك [وعدا] حقا لا خلف فيه. # { وهو العزيز } أي: الصنيع الشديد في انتقامه من أهل الشرك. # { الحكيم } في تدبيره لخلقه. # ولا يحسن الوقف ms1961 على: " خالدين فيها " عند سيبويه، لأن الجملة عاملة في: ~~" وعد الله " إذ هو عنده مصدر مؤكد. # وأجازه أبو حاتم لأنه يضمر فعلا ينصب به " وعدا الله " ، وتقديره: ~~وعدهم الله بذلك وعدا حقا. # ثم قال تعالى ذكره: { خلق السموت بغير عمد ترونها ~~}. # قال ابن عباس: عمدها قاف، وهو الجبل المحيط بالدنيا، وهو من زبرجدة ~~خضراء. من زبرجد الجنة، وخضرة السماء منه، وخضرة البحار من السماء، ~~والسماء مقبة على الجبل الذي اسمه قاف، ولكنكم لا ترونه. # وروي عنه أنه قال: لعلها بعمد لا ترونها. وقاله عكرمة. # فيكون ترونها على هذا القول في موضع خفض نعتا للعمد، والتاء متعلقة ~~بخلق. # وقال الحسن: لا عمد لها البتة. فيكون " ترونها " على هذا القول في موضع ~~نصب على الحال من السماوات، والباء متعلقة بترونها. # ويجوز أن يكون " ترونها " مستأنفا، أي أنتم ترونها / فتقف على: " بغير ~~عمد " ولا تقف على القولين الأولين إلا على: " ترونها " ، فإذا كان ~~الضمير في ترونها للعمد، فترونها نعت للعمد، وليس ثم عمد، والمعنى فلا ~~عمد مرئية البتة ويحتمل على هذا الوجه، فلا عمد مرئية لكم، أي ثم عمد ~~ولكن لا ترونها. # [فإذا جعلت الضمير في ترونها يعود على السماوات، كان ترونها] حالا من ~~السماوات. # والمعنى ترون السماوات بغير عمد تمسكها، فلا عمد ثم البتة، كالتأويل ~~الأول. # ثم قال تعالى: { وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم ~~} أي: أن تحرك بكم يمينا وشمالا، أي: حمل على ظهر الأرض جبالا ثوابت ~~لئلا تميد بكم. # قال قتادة: لولا ذلك ما أقرت عليها خلقا. # { وبث فيها من كل دآبة } أي فرق في الأرض من كل أنواع ~~الدواب، ثم قال تعالى: { وأنزلنا من السمآء مآء } أي مطرا. # { فأنبتنا فيها } أي في الأرض بذلك الماء. # { من كل زوج } أي: نوع من النبات. # { كريم } قال قتادة: حسن. # وقال ابن عباس: من كل لون حسن. # وتأوله الشعبي على الناس لأنهم مخلوقون من الأرض، فمن كان منهم إلى ~~الجنة فهو الكريم، ومن يصير إلى النار فهو اللئيم. # وتأوله غيره في النطفة ms1962 لأنها مخلوقة من تراب في الأصل. # ثم قال تعالى ذكره: { هذا خلق الله } أي: هذا الذي تقدم ذكره ~~خلق الله الذي لا تصلح العبادة والألوهية إلا له، فأروني أيها المشركون ~~أي شيء خلق الذين عبدتم من دونه. # ثم قال تعالى: { بل الظالمون في ضلال مبين } أي: هؤلاء ~~المشركون في عبادتهم الأصنام في جور عن الحق وذهاب عن الاستقامة ظاهر لمن ~~تأمله. # ثم قال تعالى: { ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر ~~لله }. # قال مجاهد: كان لقمان رجلا صالحا ولم يكن نبيا. # وروي عنه أنه كان لقمان الحكيم عبدا حبشيا غليظ الشفتين مصفح القدمين ~~قاضيا على بني إسرائيل. # وقال سعيد بن المسيب: كان لقمان أسودا من سودان مصر. # وقال ابن عباس: كان عبدا حبشيا. # وروي أنه كان في وقت داود. # وعن عكرمة أنه قال: كان نبيا. # قال مجاهد: الحكمة التي أوتي لقمان: الفقه والعقل، والإصابة في القول في ~~غير نبوة. # وقال قتادة: الحكمة التي أوتي: الفقه في الإسلام. # قال قتادة: لم يكن نبيا ولم يوح إليه. # وعن مجاهد: أن الحكمة التي أوتي: القرآن. # وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: قال لقمان لابنه: إن الناس قد تطاول ~~عليهم ما يوعدون، وهم إلى الآخرة سراعا يذهبون، وإنك قد استدبرت الدنيا ~~منذ كنت، واستقبلت الآخرة، وإن دارا تصير إليها أقرب إليك من دار تخرج ~~عنها، يا بني ليس غنى كصحة ولا نعيم كطيب نفس. # وروى أشهب عن مالك: أن لقمان كان يقول لابنه: اتق الله جهد نفسك. قال: ~~وكان يقول له: يا بني لا تجالس الفجار ولا تماشهم، (اتق لا ينزل) عليهم ~~عذاب من السماء فيصيبك معهم، يا بني جالس العلماء وماشهم عسى أن تنزل ~~عليهم رحمة فتصيبك معهم. # وروي عنه: أنه كان عبدا حبشيا نجارا. وقيل: كان خياطا. # وقيل: كان راعيا، فقال له مولاه: اذبح لنا هذه الشاة فذبحها، فقال له: ~~أخرج أطيب مضغتين فيها، فأخرج اللسان والقلب، ثم مكث ما شاء الله، ثم قال ~~له: اذبح لنا هذه الشاة فذبحها، فقال له: ms1963 أخرج أخبث مضغتين فيها فأخرج ~~اللسان والقلب، فقال له مولاه في ذلك منكرا عليه وممتحنا له: [أمرتك أن ~~تخرج أطيب مضغتين فأخرجتهما وأمرتك أن تخرج أخبث مضغتين فيها فأخرجتهما]، ~~فقال لقمان: ليس شيء أطيب منهما إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خبثا. # وروي أنه أتاه رجل وهو في مجلس أناس يحدثهم فقال: ألست الذي كنت ترعى ~~معي الغنم في موضع كذا؟ قال: نعم. # [قال]: فما بلغ بك ما أرى؟ قال: صدق الحديث، والصمت عما لا يعنيني. # قال وهب بن منبه: قرأت من حكمته أرجح من عشرة آلاف باب. # وقوله: { أن اشكر لله } أن بمعنى أي: لا موضع لها. # وأجاز سيبويه أن تكون في موضع نصب على معنى بأن أشكر، كما تقول كتبت ~~إليه أن قم، أي: بأن قم. # والمعنى: أن أحمد الله على ما آتاك من الحكمة، فقوله: " أن أشكر " ~~بيان عن الحكمة، لأن من الحكمة التي أوتيها شكر الله على ما آتاه. # ثم قال: { ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه } أي: من شكر ~~نعم الله عليه فإنما يشكر لنفسه لأنه يتزيد لنفسه من / النعم بالشكر، ~~ويؤدي ما على نفسه من الشكر، ويكتب له الأجر والذخر، بالشكر فلنفسه يعمل ~~وإياها ينفع. # ثم قال: { ومن كفر فإن الله غني } أي: ومن كفر نعمة ~~الله فلنفسه أساء، إذ الله تعالى معاقبه على ذلك، وهو غني عن شكره، ولا ~~يزيده شكر العبد في سلطانه ولا ينقص تركه منه. # { حميد } أي: محمود على كل حال. # ثم قال تعالى: { وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه ~~يبني لا تشرك بالله } أي: واذكر يا محمد إذ قال لقمان ~~لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك، أي: لا تعبد معه غيره. # { إن الشرك لظلم عظيم } أي: لخطأ كبير. # وروي أن اسم ابنه ثاران. # ثم قال: { ووصينا الإنسان بوالديه } أي: ببرهما. # { حملته أمه وهنا على وهن } أي: ضعفا على ضعف وشدة ~~على شدة، ومنه: " وهن العظم مني ". # قال ابن عباس: شدة بعد شدة وخلقا بعد خلق. # وقال الضحاك: ضعفا على ms1964 ضعف. # وقال قتادة: جهدا على جهد. # فهذا كله يعني به الحمل، يعني: ضعف الحمل، وضعف الطلق، وضعف النفاس. # وعن ابن عباس أنه قال: مشقة وهن الولد على وهن الوالدة وضعفها. # والوهن في اللغة الضعف: يقال: وهن يهن ووهن يوهن، ~~ووهن يهن مثل ورم يرم. # ثم قال تعالى: { وفصاله في عامين } أي: وفطامه من الرضاع في ~~انقضاء عامين مثل وسئل القرية. # { أن اشكر لي } أن بمعنى أي: أو في موضع نصب على ما تقدم. # وكونها بمعنى (أي) أحسن. # والمعنى: وعهدنا إليه أن أشكر نعمتي عليك، وأشكر لوالديك تربيتهما لك، ~~ومحنتهما فيك. # { إلي المصير } أي: مصيرك فسائلك عن شكرك لي ولهما وعن غير ذلك. ~~وروي أن هذه الآية نزلت في شأن سعد بن أبي وقاص وأمه، وذلك أن أمه حلفت ~~أن لا تأكل ولا تشرب حتى يتحول عن دينه، فأبى عليها، فلم تزل كذلك حتى ~~غشي عليها فلما أفاقت دعت عليه، فنزلت الآية. ### || [31.15-22] # قوله تعالى ذكره: { وإن جاهداك على أن تشرك بي } إلى ~~قوله: { وإلى الله عاقبة الأمور }. # أي: وإن جاهداك أيها الإنسان والداك على أن تشرك بي في العبادة ما لا ~~تعلم أنه لي شريك، فلا تطعهما فيما أراداك عليه من الشرك. # { وصاحبهما في الدنيا معروفا } أي: بالطاعة لهما فيما لا ~~إثم عليك فيه. # { واتبع سبيل من أناب إلي } أي: واسلك طريق من تاب ~~ورجع عن شركه إلى الإسلام. # قال قتادة: " من أناب إلي " أقبل إلي. # قال الليث: نزلت هذه الآية في سعد بن أبي وقاص، كان برا بأمه، فلما ~~أسلم كلمها بعض قومها أن تكلمه أن يرجع إلى دينه، فقالت: أنا أكفيكموه، ~~فكلمته في ذلك، فقال: أما في هذا فلا أطيعك ولكن أطيعك فيما سوى ذلك. # قال الليث: فصارت له ولغيره وأن لا يطاع أحد في شرك ولا في معصية لله. # وروي أنها نزلت في أبي بكر رضي الله عنه فهو الذي أناب إلى الله، وأمر ~~الله أن يتبع سبيله، وذلك أن أبا بكر حين أسلم أتاه عبد الرحمن ms1965 بن عوف، ~~وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وأتاه قبل ذلك عثمان وطلحة والزبير رضي ~~الله عنهم، فسألوه هل أسلم؟ فقال: نعم، فنزلت # أمن هو قانت آنآء اليل ساجدا وقآئما يحذر ~~الآخرة # [الزمر: 10] الآية إلى قوله: # أولوا الألباب # [الزمر: 10]. فلما سمعوا ما نزل الله في أبي بكر أتوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فآمنوا وصدقوا فنزلت فيهم: # والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا ~~إلى الله لهم البشرى # [الزمر: 17] إلى قوله: # أولوا الألباب # [الزمر: 18]. # قوله: { ثم إلي مرجعكم } أي: مصيركم بعد مماتكم. # { فأنبئكم بما كنتم تعملون } أي: فأخبركم بجميع ما ~~كنتم تعملون في الدنيا من خير وشر، ثم أجازيكم عليه. # وهذه القصة كلها معترضة فيما بين كلام لقمان لابنه، وإنما جاز الاعتراض ~~هنا لأنها أيضا مما كان وصى به لقمان ولده، فجعلها الله جل ذكره خبرا ~~من عنده لنا لنتبعها ونعمل بها، مما دل على ذلك قوله تعالى عن لقمان أنه ~~قال لولده: { يبني إنهآ إن تك مثقال حبة } أي: إن ~~القصة التي سألتني عنها / أو المسألة. # روي أنه كان يسأل والده عن ذلك، فجرى الإضمار عن سؤال ولده له. # وقيل: التقدير: إن الخطيئة أو المعصية إن تكن مثقال حبة. هذا على قراءة ~~من نصب " مثقال حبة " فأما من رفع. فلا إضمار في " كان " عنده، ورفع ~~إلقاء ثبت في " تك " حملا على المعنى لأن المقصود الحبة، فكأنه قال: ~~إنها إن تك حبة. يقال: عندي حبة فضة ومثقال حبة فضة بمعنى واحد، وقد ~~قالوا: اجتمعت أهل اليمامة. # فالمعنى على الرفع: إن الخطيئة إن تك حبة، أي إن وقعت حبة من خرذل. ~~ويجوز أن يكون الخبر محذوفا -، والتقدير: إن تك حبة خرذل في موضع يأت ~~بها الله. # والتقدير في هذا كله: زنة حبة من خير أو شر. # ثم قال: { فتكن في صخرة أو في السموت أو في ~~الأرض }. # روي أن ابن لقمان سأل لقمان فقال: أرأيت الحبة تكون في مثل البحر أمن ~~يعلمها الله فأعلمه أنه يعلمها في أخفى المواضع لأن ms1966 الحبة في الصخرة أخفى ~~منها في السماء. # وهذا مثل لأعمال العباد، أن الله يأتي بأعمالهم يوم القيامة. # روي أن لقمان لما وعظ ابنه هذه الموعظة أتى بحبة خرذل فألقاها في ~~اليرموك - في عرضه -، ثم مكث ما شاء الله ثم ذكرها وبسط يده فأقبل بها ~~ذباب حتى وضعها في راحته. من رواية ابن وهب وروي عن ابن عباس [أنه] وزن ~~رطل لحم وجعله للذر حتى اسود من كثرة الذر عليه، ثم أخذه بما عليه من ~~الذر ووزنه فلم يزد شيئا، فقال: أيها الناس إن الله جل ذكره أراد أن ~~يرغبكم وأن يحضكم على ثواب الآخرة، وأما الذر والخرذل. فلا مثاقيل لها، ~~ولكن في عظمة الله وقدرته وعلمه ما يعلم به مثاقيل الذر والخرذل. # ويروي أن عائشة رضي الله عنها: " تصدقت بحبة عنب فقالت لها مولاتها ~~بريرة يا أم المؤمنين: أي شيء حبة عنب؟ فقالت لها عائشة: كم ترين ~~فيها من مثقال ذرة ". # ويقال: إن الصخرة هنا هي الصخرة الخضراء التي على ظهر الحوت وهو النون ~~الذي ذكره الله عز وجل في قوله: نون والقلم والحوت في السماء والسماء على ~~ظهر صفاة، والصفاة على ظهر ملك والملك على صخرة، والصخرة في الريح، وهي ~~الصخرة التي ذكر لقمان ليست في السماء ولا في الأرض. # وقال قتادة: " فتكن في صخرة " أي: في جبل من الجبال. # وقيل: معنى { يأت بها الله } بعلمها الله. # { إن الله لطيف } أي: باستخراجها. # { خبير } أي: بمكانها ومستقرها لا يخفى عليه شيء. # ثم قال تعالى: { يبني أقم الصلاة } أي: بحدودها في أوقاتها. # { وأمر بالمعروف } أي: آمر الناس بطاعة الله. # { وانه عن المنكر } أي: إنه الناس عن معصية الله. # { واصبر على مآ أصابك } أي: من أذى الناس ومحن الدنيا في ~~ذات الله إذا أنت أمرتهم بالطاعة ونهيتهم عن المعصية. # { إن ذلك من عزم الأمور } أي: إن الصبر على ذلك مما أمر ~~الله له من الأمور عزما. # ثم قال تعالى: { ولا تصعر خدك للناس } أي: لا تعرض ~~بوجهك، على من كلمك تكبرا واستخفافا. ms1967 # وأصله من الصعر وهو داء يأخذ الإبل في أعناقها. # ورؤوسها، تلتوي منه أعناقها فقيل هذا للمتكبر لأنه تكبر لوى عنقه على من ~~تكبر عليه. # قال ابن عباس: معناه لا تتكبر فتحقر عباد الله وتعرض عنهم بوجهك، إذا ~~كلموك وهو معنى قول مجاهد والضحاك. # وعن مجاهد أنه قال: هو الرجل يكون بينه وبين أخيه إحنة فيراه فيعرض ~~عنه فنهاه عن ذلك. # وقال النخعي: هو التشدق. # ثم قال: { ولا تمش في الأرض مرحا }. # قال الضحاك: لا تمش بالخيلاء. # وقال قتادة: نهاه عن التكبر. # { إن الله لا يحب كل مختال فخور } أي: كل متكبر ~~مفتخر بما أعطي وهو لا يشكر الله. # ثم قال تعالى ذكره: { واقصد في مشيك } أي: تواضع في مشيك إذا ~~مشيت، ولا تستكبر ولا تستعجل ولكن اتئد. # قال مجاهد: واقصد في مشيك التواضع. # وقال قتادة: نهاه عن الخيلاء. # وقال يزيد بن أبي حبيب: نهاه عن السرعة. # ثم قال: { واغضض من صوتك } أي: اخفض منه واجعله قصدا إذا / ~~تكلمت. # وقيل: معناه إذا ناجيت ربك لا تصح، وبالخفاء دعا زكرياء ربه. # قال قتادة: أمره بالاقتصاد في صوته. # ثم قال: { إن أنكر الأصوات لصوت الحمير }. # قال مجاهد والضحاك والأعمش وقتادة: معناه إن أقبح الأصوات. # قال قتادة: أوله زفير وآخره شهيق. # قال عكرمة: معناه إن شر الأصوات. # وقال الحسن: معناه إن أشد الأصوات. # قال ابن زيد: لو كان رفع الصوت خيرا ما جعله للحمير. # ووحد الصوت لأنه مصدر. # وفي الحديث: # " ما صاح حمار ولا نبح كلب إلا أن يرى شيطانا ". # ثم قال: { ألم تروا أن الله سخر لكم ما في ~~السموت وما في الأرض } يعني: شمسها وقمرها ونجومها وجبالها ~~وعيونها وبحرها وجميع منافعها التي هي صلاح للعباد في أنفسهم وفي معاشهم ~~وتصرفهم. # ثم قال تعالى: { وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ~~}. # [من جمع النعم جعل ظاهرة وباطنة حالا]. ومن وحد جعلها نعتا. # وقال ابن عباس في توحيد النعمة: هي الإسلام. # وقال مجاهد: هي لا إله إلا الله. # وروي ذلك أيضا عن ابن عباس. # فيكون المعنى: ms1968 ظاهرة على الألسن وعلى الأبدان والجوارح عملا، وباطنة في ~~القلوب اعتقادا ومعرفة. # وروى الضحاك، عن ابن عباس أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ~~فقال: # " الظاهرة الإسلام وما أحسن من خلقك، والباطنة ما ستر عليك من ~~سيئ عملك ". # ثم قال تعالى: { ومن الناس من يجادل في الله }. # أي: يخاصم في توحيد الله وإخلاصه العبادة له بغير علم عنده لما يخاصم به ~~{ ولا هدى } أي: ولا إيمان يبين به صحة ما يقول { ولا كتاب ~~منير } أي: ولا تنزيل من الله عنده بما يدعي يبين به صحة دعواه. # قال ابن عباس: هو النضر بن الحارث. # ثم قال تعالى: { وإذا قيل لهم اتبعوا مآ أنزل الله ~~} أي: وإذا قيل لهؤلاء المجادلين في الله بغير علم: اتبعوا ما أنزل الله ~~على رسوله من القرآن. # { قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آبآءنا } من عبادة ~~الأوثان. # قال الله جل ذكره: { أولو كان الشيطان يدعوهم إلى ~~عذاب السعير }. هذا على التوبيخ لهم: أي: أولو كان الأمر هكذا ~~أكان يجب لهم أن يتبعوه. # ثم قال تعالى: { ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن ~~} أي: من يتذلل إلى الله بالعبادة وهو مطيع لما أمره الله به فقد استمسك ~~بالأمر الأوثق الذي لا يخاف معه، أي: يمسك من رضى الله تعالى بما لا يخاف ~~معه غدا عذابا. # قال ابن عباس: العروة الوثقى: لا إله إلا الله. # { وإلى الله عاقبة الأمور } أي: إليه ترجع أمور الخلق ~~فيجازيهم بأعمالهم. ### || [31.23-34] # قوله تعالى ذكره: { ومن كفر فلا يحزنك كفره } إلى آخر ~~السورة. # أي: لا يغمك يا محمد كفر من كفر ولم يؤمن، فإن رجوعه إلى الله فيخبره ~~بسوء عمله ويجازيه عليه، وهذا مثل قوله " # فلا تذهب نفسك عليهم حسرات # [فاطر: 8] ". # ثم قال: { إن الله عليم بذات الصدور } أي: يعلم ما تكنه ~~صدورهم من الكفر بالله. # ثم قال تعالى: { نمتعهم قليلا } أي: يمهلهم في الدنيا إمهالا ~~قليلا ووقتا قليلا. # { ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ } أي: يلجئهم إلى الدخول ~~في عذاب النار - نعوذ ms1969 بالله منها -. # ثم قال تعالى ذكره: { ولئن سألتهم من خلق السموت ~~والأرض ليقولن الله } أي: إن سألت يا محمد هؤلاء المشركين ~~من قومك من خلق السماوات والأرض؟ أقروا بأنه الله، فقل يا محمد عند ~~إقرارهم بذلك: الحمد لله: أي الذي خلق ذلك وتفرد به لأنهم لم يخلقوا ~~شيئا. # { بل أكثرهم لا يعلمون } أي: لا يعلمون من يجب له الحمد ~~والشكر. # ثم قال تعالى: { لله ما في السموت والأرض } أي يملكها. # { إن الله هو الغني }: أي: عن خلقه. { الحميد } أي ~~المحمود على نعمه. # ثم قال تعالى: { ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام ~~}. أي: ولو أن شجرة الأرض كلها بريت أقلاما، والبحر لها مداد، ويمدها ~~سبعة أبحر مدادا - أي الأقلام - { ما نفدت كلمات الله }. # وفي الكلام حذف، والتقدير: يكتب بذلك كلام الله لتكسرت الأقلام وجفت ~~وفرغ المداد ولم تنفذ كلمات الله. ومن رفع " البحر " فعلى الابتداء، أو ~~على موضع أن. # " وما " عملت فيه، أو على موضع " ما " ، إذ لم يظهر فيه الإعراب. # قال قتادة: قال المشركون: هذا الكلام يوشك أن ينفد / فنزلت هذه الآية. ~~وروي أن هذه الآية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم في سبب مجادلة كانت ~~من اليهود له. # قال ابن عباس: # " قالت أحبار يهود للنبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة: يا محمد أرأيت ~~قولك " وما أوتيتم من العلم إلا قليلا إيانا ~~تريد أم قومك؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " كلا " ، ~~قالوا: ألست تتلو فيما جاءك أنا قد أوتينا التوراة فيها ~~بيان كل شيء؟ فقال النبي عليه السلام: " فإنها في علم الله قليل، ~~وعندكم من ذلك ما تكفيكم " فأنزل الله في ذلك: " ولو إنما في الأرض من ~~شجرة " # إلى تمام الثلاث الآيات. # وهذا معنى قول عكرمة. # ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: # " وقد أتاكم الله ما أن عملتم به انتفعتم وهو في ~~علم الله قليل ". # ثم قال تعالى: { إن الله عزيز } أي: ذو عزة في انتقامه ممن ~~أشرك به وادعى معه إلها غيره، { حكيم ms1970 } في تدبيره خلقه. # ثم قال تعالى: { ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس ~~واحدة } أي: ما خلقكم إلا كخلق نفس واحدة ولا بعثكم إلا كبعث نفس ~~واحدة، لأنه إنما يقول للشيء كن فيكون قليلا كان أو كثيرا. هذا معنى ~~قول مجاهد. # ثم قال: { إن الله سميع } أي: سامع لما يقوله المشركون وغيرهم، ~~{ بصير } بأعمال الخلق كلهم. # ثم قال تعالى: { ألم تر أن الله يولج الليل في ~~النهار ويولج النهار في الليل }. أي يزيد من كل واحد ~~في الآخر، فينقص من أحدهما بمقدار ما زاد في الآخر. # ثم قال تعالى: { وسخر الشمس والقمر } أي: سخرهما لمصالح ~~العباد. { كل يجري إلى أجل مسمى } أي: يجري بإذن الله ~~إلى وقت معلوم، إذا بلغاه كورت الشمس والقمر. # { وأن الله بما تعملون خبير } أي: ذو خبر بأعمالكم لا ~~يخفى عليه شيء منها. والمراد بهذا الخطاب المشركون. # ثم قال تعالى: { ذلك بأن الله هو الحق }. أي: هو الخالق ~~الحق لا ما تعبدون. { وأن ما يدعون من دونه الباطل } ~~أي: ما تعبدون من الأصنام والأوثان هو الباطل الذي يضمحل ويفنى. # ثم قال تعالى: { وأن الله هو العلي } أي: ذو العلو على كل ~~شيء، وكل من دونه متذلل منقاد له، { الكبير } أي: الذي كل شيء يتصاغر ~~له. # ثم قال تعالى: { ألم تر أن الفلك تجري في البحر ~~بنعمة الله } أي: السفن تجري في البحر بنعمة الله على خلقه. { ~~ليريكم من آياته } أي: من حججه وقدرته فتتعظوا. # وقد قيل: نعمة الله ها هنا الريح التي تجري السفن بها. # { إن في ذلك لآيات } أي: إن في جري الفلك في البحر لعلامات ~~وحججا على قدرة الله وضعف ما تدعون من دونه. # { لكل صبار } أي: لكم من صبر نفسه عن محارم الله وشكر على ~~نعمه. قال مطرف: إن من أحب عباد الله إليه الصبور الشكور. # وقال الشعبي: الصبر نصف الإيمان والشكر نصف الإيمان، واليقين الإيمان ~~كله. # وقال قتادة: إن من أحب عباد الله إليه من إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر. # ثم قال ms1971 تعالى: { وإذا غشيهم موج كالظلل }. أي: وإذا ~~غشي هؤلاء الذين يشركون بالله غيرهم في حال ركوبهم البحر موج كالظلم، شبه ~~سواد كثرة الماء وتراكب بعضه على بعض بالظلم، وهي الظل جمع ظلة. # وقال الفراء: الظل هنا: السحاب. # { دعوا الله مخلصين له الدين } أي: إذا غشيهم الموج ~~فخافوا الغرق فزعوا إلى الله بالدعاء مخلصين له لا يشركون به هنا لك ~~شيئا، ولا يستغيثون بغيره. # { فلما نجاهم إلى البر } أي: نجاهم من ذلك الموج والغرق ~~فصاروا في البر. # { فمنهم مقتصد } أي: في قوله وإقراره بربه، وهو مضمر للكفر ~~بعد ذلك، وقال أبن زيد: المقتصد على صلاح من الأمر. # وفي الكلام حذف، كأنه قال: ومنهم كافر بربه الذي نجاه من الغرق. ودل على ~~ذلك قوله: { وما يجحد بآياتنآ إلا كل ختار كفور } ~~أي: وما يكفر بأدلتنا وحججنا إلا كل غدار عنيد. فدل الجحود المذكور على ~~الكفر المحذوف. # وقيل: التقدير: ومنهم جائر لأن الاقتصاد ضده الجور، فدل على ضده، قال ~~معنى ذلك مجاهد والحسن وقتادة والضحاك /. # والختر عند العرب أشد. # ثم قال { يأيها الناس اتقوا ربكم }. أي: اتقوه في قبول ~~طاعته والعمل بمرضاته، { واخشوا يوما لا يجزي والد عن ~~ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا } يعني: ~~وخافوا يوم القيامة فإنه يوم لا يشفع فيه أحد لأحد إلا بالإيمان والأعمال ~~الصالحة. # { إن وعد الله حق } أي: إن مجيء هذا اليوم الذي يجازي الناس ~~فيه بأعمالهم حق. # { فلا تغرنكم الحياة الدنيا } أي: لا يخدعنكم ~~نزهتها ولذاتها فتميلوا إليها، وتدعوا الاستعداد لما فيه خلاصكم من ~~عذاب الله تعالى ونعيمكم أبدا. # { ولا يغرنكم بالله الغرور }. أي: ولا يخدعكم بالله ~~خادع، فالغرور هو كل ما غر من إنسان أو شيطان. ومن ضم الغين جعله مصدرا. # وقيل: هو أن تعمل المعصية وتتمنى المغفرة، قاله أبن جبير. # ثم قال تعالى ذكره: { إن الله عنده علم الساعة }. أي: ~~يعلم متى تكون، فاتقوا أن تأتيكم بغتة. # { وينزل الغيث }: أي: لا يعلم متى ينزله. # { ويعلم ما في الأرحام } أي: لا يعلم ذلك ms1972 غيره. # { وما تدري نفس ماذا تكسب غدا } أي: ما تعمل من خير ~~وشر. # { وما تدري نفس بأي أرض تموت } أي: في أي مكان يلحقها ~~أجلها فتموت فيه، كل ذلك لا يعلمه إلا الله. # { إن الله عليم } أي: ذو علم بكل الأشياء، { خبير } بما هو ~~كائن وما كان. وقال النبي صلى الله عليه وسلم # " مفاتح الغيب خمسة. ثم قرأ هذه الآية.. ". ### | [32 - سورة السجدة] ### || [32.1-10] # قوله تعالى ذكره: { الم * تنزيل الكتاب } إلى قوله: { بل ~~هم بلقآء ربهم كافرون }. # من رواية أبن وهب: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من قرأ آلم تنزيل السجدة، وتبارك الذي بيده ~~الملك فكأنما وافق ليلة القدر ". # وعنه أنه قال: # " آلم تنزيل السجدة وتبارك يفضلان على السور ~~بستين حسنة ". # وقال جابر بن عبد الله: # " ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام حتى يقرأ ~~آلم تنزيل السجدة وتبارك الذي بيده الملك " # قد تقدم ذكر { الم }. # وقوله: { تنزيل } رفع بالابتداء، و { لا ريب فيه } الخبر. ~~ويجوز أن يكون خبر الابتداء محذوف، أي: هذا المتلو تنزيل الكتاب. ويجوز ~~أن يكون [التقدير]: هذه الحروف تنزيل الكتاب، و { الم } بدل من الحروف ~~دالة عليها فهي موضع الابتداء، و { تنزيل } الخبر. ويجوز: " تنزيل " ~~بالنصب على المصدر. والمعنى: تنزيل الكتاب المنزل على محمد لا شك فيه أنه ~~من رب العالمين، وليس بسحر ولا سجع ولا كهانة ولا كذب. وهذا تكذيب لمن ~~قال ذلك في القرآن من المشركين. # ثم قال: { أم يقولون افتراه }. # قال أبو عبيدة: معناه: بل يقولون. وهو خروج من حديث إلى حديث. # وقال الزجاج: التقدير: أيقولون. والتقدير عند الطبري: أيقولون، يعني ~~المشركين أيقولون اختلق محمد صلى الله عليه وسلم هذا القرآن من قبل نفسه، ~~وأم عنده تقرير كالألف. # ثم أكذبهم الله في قولهم فقال: { بل هو الحق من ربك } أي: ~~هو الصدق من عند ربك أنزله عليك، لتنذر قوما بأس الله أن يحل بهم على ~~كفرهم لم يأتهم نذير من قبلك. # { لعلهم يهتدون } أي: يهتدون إلى طريق النجاة من ms1973 عذاب الله. ~~أجاز بعض النحويين الوقف على { ربك } ، على أن تكون اللام متعلقة ~~بفعل محذوف، والتقدير: وأنزله عليك لتندر. وأجاز أبو حاتم الوقف على { ~~افتراه }. # ثم قال تعالى ذكره: { الله الذي خلق السموت والأرض ~~وما بينهما في ستة أيام } الآية. # أي: المعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له هو الله الذي خلق السماوات ~~والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم استوى على العرش في اليوم / السابع، ~~قاله قتادة. # ثم قال [تعالى]: { ما لكم من دونه من ولي }. # [أي]: يلي أمركم [فينصركم] منه إذا أراد بكم ضرا، { ولا شفيع } ~~أي: يشفع لكم إن عاقبكم على كفركم، فاتخذوه أيها الناس وليا واستعينوا ~~بطاعته على أموركم. # { أفلا تتذكرون } أي: تتذكرون هذه الموعظة فتعلموا أنه لا ~~معبود لكم غيره / فتفردوا له العبادة وتخلصوا له العمل. # (في) ستة أيام تمام عند نافع، وعلى العرش أتم منه. # ثم قال تعالى [ذكره]: { يدبر الأمر من السمآء إلى ~~الأرض }. # أي: هو يدبر الأمر من السماء إلى الأرض. # { ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة ~~}. # قال مجاهد: يعني نزول الأمر من السماء إلى الأرض ومن الأرض إلى السماء ~~في يوم واحد، وذلك اليوم مقداره ألف سنة لأن ما بين السماء إلى الأرض ~~مسيرة خمس مائة عام. # وهو معنى قول قتادة والضحاك وعكرمة، وقاله ابن عباس. وهو اختيار الطبري. # وقال ابن عباس: إن المعنى أن هذا اليوم من الأيام الستة التي خلق الله ~~فيها السماوات والأرض وما بينهما كألف سنة من سني الدنيا. # وعن ابن عباس: أن المعنى ثم تعرج إليه الملائكة بالأمر في يوم مقدار ذلك ~~اليوم ألف سنة من سني الدنيا. # وعن مجاهد: أن المعنى: كان مقدار ذلك التدبير ألف سنة من أيام الدنيا. # وقيل: التقدير: كان مقدار ذلك العروج ألف سنة من أيام الدنيا. # وقيل: المعنى: يدبر الله أمر الدنيا وما حدث فيها مما يجازي عليه الناس ~~وغيرهم من أهل السماء إلى أن تقوم الساعة ويبعث الناس إلى الحساب، ثم ~~يعرج إليه ذلك الأمر فيحكم ms1974 فيه في يوم كان مقداره ألف سنة، وهو يوم ~~القيامة. # وقيل: معناه يدبر الشمس في طلوعها من المشرق وغروبها في المغرب ومدارها ~~في العالم من السماء إلى الأرض لأنها على أهل الأرض تطلع، وفوق الأرض ~~تطلع إلى أن تغرب وترجع إلى موضعها من الطلوع في يوم [كان] مقداره في ~~المسافة ألف سنة. # والهاء في يعرج إليه: قيل تعود على السماء لأنها تذكر. # وقيل: تعود على الله جل ذكره. فأما قوله في " المعارج ". # في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة # [المعارج: 4]. # فمعناه على قول ابن عباس: أنه يوم القيامة يراد [به] قال: جعله الله على ~~الكفار مقدار خمسين ألف سنة /. # وقال وهب بن منبه: [ما] بين أسفل الأرض إلى العرش مقدار خمسين ألف سنة ~~من أيام الدنيا. # وقيل عنه: الدنيا من أولها إلى آخرها خمسون ألف سنة لا يدري أحدكم [كم] ~~مضى منها ولا كم بقي. # وقيل: يوم القيامة أيام، فمنه ما مقداره ألف سنة، ومنه ما مقداره خمسون ~~ألف سنة. # واليوم في اللغة بمعنى الوقت. # فالمعنى تعرج الملائكة والروح إليه [في وقت مقداره ألف سنة و] في وقت ~~آخر مقداره خمسون ألف سنة. # " إلى الأرض " تمام عند الأخفش. # ثم قال تعالى: { ذلك عالم الغيب والشهادة }. أي: الذي ~~تقدمت صفته في قدرته وسلطانه هو علم الظاهر والباطن والسر والجهر، وهو ~~الله (الذي) لا إله إلا هو. { العزيز } أي: الشديد في انتقامه ممن ~~كفر به، { الرحيم } بمن تاب من كفره. # ثم قال تعالى: { الذي أحسن كل شيء خلقه }. أي: وهو ~~الذي أعطى كل شيء خلقه، الإنسان للإنسان، والفرس للفرس، فقرن كل جنس ~~بشكله. # قاله مجاهد. # " وأحسن " على هذا القول بمعنى أعلم، تقول [العرب] فلان يحسن كذا إذا ~~كان يعلمه. هذا على قراءة من أسكن اللام من " خلقه " فيكون " خلقه " ~~مفعولا به. # ويجوز عند سيبويه أن ينتصب على المصدر المؤكد. مثل # صنع الله الذي أتقن كل شيء # [النمل: 88] وقيل: هو منصوب، على التفسير، كقولك: زيد أوسعكم دارا، ~~والتقدير: أحسن كل شيء خلقا. # وقيل: ms1975 أحسن على هذه القراءة بمعنى أعلم وألهم. فيكون خلقه مفعولا به. # وهو القول الذي ذكرنا عن مجاهد أولا. ومن فتح اللام جعله فعلا ماضيا. ~~والمعنى الذي أتقن كل شيء خلقه وأحكمه. والهاء في موضع نصب، والفعل في ~~موضع خفض على النعت لشيء. # فالمعنى على قول ابن عباس: الذي أحكم كل شيء خلقه. أي: جاء به على ما ~~أراد لم يتغير عن إرادته. # وروي عنه أنه كان يقرأ بفتح اللام، ويقول: أما إن أست القرد ليست ~~بحسنة ولكنه أحكمها. # وعن مجاهد في الفتح: أحسن بكل شيء خلقه. # وعن ابن عباس: في معنى الإسكان أحسن كل شيء في خلقه، أي: جعل كل شيء في ~~خلقه حسنا. # وأجاز الزجاج " خلقه " بالرفع على معنى: ذلك، خلقه، ولم يقرأ به أحد. # ثم قال تعالى: { وبدأ خلق الإنسان من طين } يعني: آدم صلى ~~الله عليه وسلم. # { ثم جعل نسله من سلالة من مآء مهين } أي: جعل ~~ذريته من سلالة، والسلالة ما ينسل من الشيء. فالمعنى جعل / ذريته من ~~الماء الذي ينسل منه / ومعنى { مهين } حقير ضعيف. # ثم قال تعالى: { ثم سواه } يعني آدم، أي سوى خلقه معتدلا ~~سويا. # { ونفخ فيه من روحه } أي: من روحه الذي يحيى به [الموتى] ~~فصار حيا ناطقا. # ثم قال [تعالى]: { وجعل لكم السمع والأبصار ~~والأفئدة } أي أنعم عليكم بسمعكم وأبصاركم وقلوبكم تنتفعون بها ~~وتسمعون وتبصرون وتفهمون. ووحد السمع لأنه مصدر. # ثم قال [تعالى]: { قليلا ما تشكرون } أي: أنعم عليكم بهذه ~~النعم، وشكركم قليل عليها. # ثم قال [تعالى]: { وقالوا أءذا ضللنا في الأرض } أي: ~~وقال المشركون: أئذا صارت لحومنا وعظامنا ترابا في الأرض أنبعث؟ ~~إنكارا للبعث. # وقال مجاهد: " ضللنا ": هلكنا، لأن كل شيء غلب عليه غيره حتى تلف وخفي ~~فقد هلك. # وقرأ أبو رجاء وطلحة: " ضللنا " بكسر اللام، وهي لغة شاذة. # وقرأ الحسن: " صللنا " بالصاد غير معجمة وفتح اللام. # وروي عنه بكسر اللام. والمعنى أنتنا، وكسر اللام شاذ، يقال صل اللحم ~~وأصل إذا أنتن وتغير، وكذلك. خم وأخم. # ثم قال الله تعالى ms1976 { بل هم بلقآء ربهم كافرون } أي: ~~جاحدون للبعث بعد الموت والرجوع إلى الله (جل وعز). ### || [32.11-17] # قوله تعالى ذكره: { قل يتوفاكم ملك الموت } إلى قوله: { ~~جزآء بما كانوا يعملون }. # أي: قل يا محمد لهؤلاء المنكرين للبعث: يتوفاكم ملك الموت. # أي: يستوفي عددكم بقبض أرواحكم، ثم إلى ربكم بعد قبض أرواحكم تردون يوم ~~القيامة فيجازيكم بأعمالكم. # قال قتادة: ملك الموت يتوفاكم ومعه أعوان من الملائكة. ودليله قوله ~~تعالى: # توفته رسلنا وهم لا يفرطون # [الأنعام: 61]. وملك الموت اسمه: عزرائيل، وهو بالعربية عبد الجبار صلى ~~الله عليه وسلم، وعلى جميع الملائكة والنبيئين والمرسلين. # قال مجاهد: جوبت لملك الموت الأرض، فجعلت له مثل الطست يتناول منها حيث ~~يشاء. # ثم قال تعالى: { ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا ~~رءوسهم عند ربهم }. # أي: لو رأيت يا محمد هؤلاء المنكرين للبعث ناكسوا رؤوسهم عند ربهم حياء ~~منه للذي سلف من كفرهم وإنكارهم للبعث يقولون: { ربنآ أبصرنا ~~وسمعنا }. # أي: أبصرنا ما كنا نكذب به من عذابك، ومعادنا إليك، وسمعنا منك، وتصديق ~~ما كانت الرسل تأتنا به وتأمرنا به. # { فارجعنا نعمل صالحا } أي: أرددنا إلى الدنيا نعمل فيها / ~~بطاعتك. # { إنا موقنون } أي: قد أيقنا الآن ما كنا به في الدنيا جهالا من ~~توحيدك وإفرادك بالعبادة. # وقيل: المخاطبة هنا للمجرمين. # والمعنى: قل يا محمد للمجرم: لو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ~~لندمت على ما كان منك. # وجواب لو محذوف، والتقدير: لرأيت ما تعتبر به اعتبارا شديدا. # ومعنى: { ربنآ أبصرنا } أي: يقولون يا ربنا أبصرنا ما كنا نكذب ~~به. # ثم قال تعالى: { ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها } أي: ~~رشدها وتوفيقها إلى الإيمان، وهذا مثل قوله: # لهدى الناس جميعا # [الرعد: 31]. و # لجعل الناس أمة واحدة # [هود: 118]. # { ولكن حق القول مني } أي: وجب العذاب مني. # { لأملأن جهنم من الجنة والناس } يعني: من أهل ~~الكفر والمعاصي. # وروى ابن وهب وابن القاسم عن مالك أنه قال: سألني رجل أمس عن القدر؟ ~~فقلت له: نعم قال الله عز وجل في كتابه { ولو شئنا لآتينا ms1977 كل ~~نفس هداها } إلى (قوله): { أجمعين } حقت كلمة ربك لأملأن جهنم ~~منهم، فلا بد أن يكون ما قال: # قال قتادة: لو شاء الله لهدى الناس جميعا، لو شاء لأنزل عليهم آية من ~~السماء تضطرهم إلى الإيمان. فالمعنى: لو شئنا لأعطينا كل إنسان توفيقا ~~يهتدي إلى الإيمان في الدنيا. # وقيل المعنى: لو شئنا لرددناهم إلى الدنيا كما سألوا فيعملوا بالطاعة. ~~ولكن حق القول مني لأعذبن من عصاني، وقد علم الله أنهم لو ردوا ~~لعادوا إلى كفرهم كما قال في " الأنعام ". # ثم قال تعالى (ذكره): { فذوقوا بما نسيتم لقآء يومكم ~~هذآ } أي ذوقوا عذاب الله بترككم العمل للقاء يومكم. # { إنا نسيناكم } أي: تركناكم في النار. # وقيل: إن الأول من النسيان لأنهم لما لم يعملوا / ليوم القيامة كانوا ~~بمنزلة الناسي له. # ثم قال [تعالى]: { وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم ~~تعملون }. # أي: ويقال لهم: ذوقوا عذابا تخلدون فيه إلى ما لا نهاية له بما ~~كنتم تعملون في الدنيا من المعاصي. # ثم قال [تعالى ذكره]: { إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ~~ذكروا بها خروا سجدا } أي: إذا ذكروا ووعظوا خروا لله ~~سجدا تذللا واستكانة لعظمته وإقرارا له بالعبودية. # { وسبحوا بحمد ربهم } أي: سبحوا لله في سجودهم بحمده ~~وبرؤوه مما وصفه به الكافرون. # { وهم لا يستكبرون }: أي: عن السجود له والتسبيح. # وروي أن هذه الآية / نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم لأن قوما من ~~المنافقين كانوا يخرجون من المسجد إذا أقيمت الصلاة. # ثم قال تعالى: { تتجافى جنوبهم عن المضاجع } أي: ترتفع ~~وتنبوا جنوب هؤلاء الذين تقدم ذكرهم من المؤمنين عن مضاجعهم. # { يدعون ربهم خوفا وطمعا } أي: خوفا من عذابه وطمعا ~~في رحمته. قاله قتادة. # و { تتجافى }: تتفاعل من الجفاء [وهو] النبؤ. # { ومما رزقناهم ينفقون } أي: يزكون ما يجب عليهم في ~~أموالهم. # قال أنس في قوله: # كانوا قليلا من الليل ما يهجعون # [الذاريات: 17]. قال: كانوا يصلون بين المغرب والعشاء. وكذلك { ~~تتجافى جنوبهم عن المضاجع }. # وقال عطاء بن أبي سلمة: عني بذلك صلاة العتمة. # وقال الحسن: عني بذلك ms1978 قيام الليل. # وقاله الأوزاعي. # وهو قول مالك بن أنس. # وعن أنس: أنه عني بذلك أيضا صلاة العتمة. # وقال ابن عباس: عني بذلك ملازمة ذكر الله، فكلما انتبهوا ذكروا الله، ~~إما في صلاة، وإما في قيام، وإما في قعود، أو على جنوبهم لا يزالون ~~يذكرون الله. # وهو قول الضحاك. # وروى معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: # " ألا أدلك على أبواب الخير؟ [قال]: الصوم جنة، ~~والصدقة تكفر الخطيئة، وقيام العبد في جوف ~~الليل، وتلا هذه الآية: { تتجافى جنوبهم } ". # ثم قال تعالى: { فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من ~~قرة أعين }. # أي: ما خبئ لهؤلاء الذين تقدمت صفتهم في الآيتين مما تقر به أعينهم ~~في الجنة جزاء بأعمالهم. # وقرأ ابن مسعود: " ما نخفي لهم " بالنون. فهذا شاهد لقراءة حمزة ~~بإسكان الياء، فالقراءتان جرتا على الإخبار عن الله جل ذكره، و " ما " ~~في موضع نصب ب " تعلم " إن جعلتها بمعنى الذي في جميع القراءات وإن ~~جعلتها استفهاما كانت في موضع رفع على قراءة الجماعة، وفي موضع نصب على ~~قراءة حمزة وابن مسعود بأخفي. # وروى أبو هريرة: أن النبي صلى الله عليه [وسلم] " قرأ " (من قرات ~~أعين) بالجمع ". # وروى أيضا عن النبي عليه السلام أنه قال: # " قال ربكم: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين ~~رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب. بشر، ~~فاقرؤوا إن شئتم: فلا تعلم نفس ما أخفي (لهم) الآية ~~". # وقال ابن مسعود: " مكتوب في التوراة: لقد أعد الله ~~تبارك وتعالى للذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع ~~ما لم تر / عين، ولم يخطر على قلب بشر، ولم ~~تسمع أذن وما لا يعلمه ملك مقرب. قال: ونحن ~~نقرؤها: { فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة ~~أعين }. # وروى الشعبي عن المغيرة بن شعبة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " سأل موسى ربه فقال: أي رب أخبرني بأدنى أهل الجنة ~~منزلة فقال: رجل أتى بعدما أنزل، أهل الجنة ~~منازلهم وأخذوا أخذاتهم، فقيل له: ادخل الجنة، فقال: أي ~~رب، وقد ms1979 نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم، فقيل له: ~~أترضى مثل ملك ملك من ملوك الدنيا؟ قال: رضيت أي رب، ~~فقال: فإن لك ما اشتهت نفسك، ومثله [معه]، ~~ومثله ومثله إن رضيت، فقال: رضيت أي رب، قال: فإن لك ~~ما اشتهت نفسك ولذت عينك، قال: أي رب، فأخبرني بأعلى أهل الجنة ~~منزلة، فقال: أولئك الذين أردت وسوف أخبرك عنهم، ~~إني غرست كرامتهم بيدي وختمت عليها، ولم تدر نفس ~~ولم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب ~~بشر ومصداق ذلك في كتاب الله عز وجل { فلا تعلم ~~نفس مآ أخفي لهم } الآية ". # وقيل: إن معنى الآية في ثواب الجهاد، أي: لا تعلم نفس ما أخفي لها من ~~ثواب الجهاد في سبيل الله، ذكره ابن وهب عن رجاله. # قال سليمان بن عامر: الجنة مائة درجة فأولها درجة من فضة، أرضها فضة ~~ومساكنها فضة، وآنيتها فضة، وترابها مسك، والثانية ذهب، وأرضها ذهب، ~~ومساكنها ذهب وآنيتها ذهب وترابها مسك، والثالثة لؤلؤ (و) أرضها لؤلؤ ~~ومساكنها لؤلؤ وآنيتها لؤلؤ وترابها مسك، وسبعة وتسعون درجة بعد ذلك ~~ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، قال الله تعالى: { ~~فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم } الآية. # وعن ابن سيرين أنه قال في الآية: إنه النظر إلى الله عز وجل. ### || [32.18-26] # قوله تعالى ذكره: { أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا } إلى ~~قوله: { أفلا يسمعون }. # أي: أيكون الكافر المكذب كالمؤمن المصدق، لا يستوون عند الله. # قال قتادة: لا والله ما يستوون في الدنيا ولا في الآخرة ولا عند الموت. ~~وإنما جمع يستوون لأن " من " تؤدي عن جمع فحمله على المعنى. # وقيل: إن المراد به اثنان بأعيانهما، وذلك أن الآية نزلت في قول ابن ~~عباس وعطاء وغيرها في المدينة في علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والوليد ~~بن عقبة بن أبي معيط قال عطاء: كان بين الوليد وعلي كلام، فقال / ~~[الوليد] " أنا أبسط منك لسانا وأحد منك سنانا، فقال له علي ~~[اسكت] فإنك فاسق، فنزلت ms1980 { أفمن كان مؤمنا } الآية فيهما. # فيكون يستوون على هذا قد جمع في موضع التثنية، لأن التثنية جمع في ~~الأصل. ويجوز أن تكون لما نزلت في اثنين بأعيانهما، ثم هي عامة في جميع ~~الكفار والمؤمنين حمل الكلام على معنى العموم، فجمع يستوون لذلك. # ثم قال تعالى [ذكره] { أما الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات فلهم جنات المأوى } أي: الذين صدقوا الله ~~ورسوله وعملوا ما أمرهم الله ورسوله فلهم بساتين المساكن التي يسكنونها ~~في الجنة ويأوون إليها. # ويجوز أن يكون التقدير: فلهم بساتين جنة المأوى. # { نزلا بما كانوا يعملون } أي: أنزلهم الله فيها نزلا ~~بعملهم. # ثم قال: { وأما الذين فسقوا } أي: كفروا بالله. # { فمأواهم النار } أي: مساكنهم في النار في الآخرة. # ثم قال: { كلمآ أرادوا أن يخرجوا منهآ أعيدوا ~~فيها }. قد تقدم هذا في " الحج ". # ثم قال: { وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم ~~به تكذبون } أي: في الدنيا. # ثم قال [تعالى]: { ولنذيقنهم من العذاب الأدنى } ~~أي: لنذيقن هؤلاء الفسقة من مصائب الدنيا في الأنفس والأموال في الدنيا ~~دون عذاب النار في الآخرة. قاله ابن عباس وأبي بن كعب والضحاك. # وقال ابن مسعود: " العذاب الأدنى " يوم بدر. # وقال مجاهد: هو الجوع والقتل لقريش في الدنيا. روي أنهم جاعوا حتى أكلوا ~~العلهز، وهو القرد يفقأ دمها في الوبر ويحمل على النار فيؤكل. # وعن ابن عباس أيضا: أنه الحدود. # وعن مجاهد أيضا: أنه عذاب القبر وعذاب الدنيا. # وأكثرهم على أن العذاب الأكبر عذاب يوم القيامة في النار. # وقيل: هو القتل يوم بدر. # ثم قال تعالى: { ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم ~~أعرض عنهآ }. # أي: لا أحد أظلم لنفسه ممن وعظ بحجج الله وآي كتابه فأعرض عن ذلك وكذب ~~به. # ثم قال: { إنا من المجرمين منتقمون } أي: من الذين ~~اكتسبوا السيئات منتقمون في الآخرة. # وقيل: عني بالمجرمين [هنا] أهل القدر، وكذلك قوله: # إن المجرمين في ضلال وسعر # [القمر: 47] الآيات في أهل القدر أيضا. # [وقال] / معاذ بن جبل: سمعت النبي صلى الله عليه [وسلم] يقول # " ثلاث من ms1981 فعلهن فقد أجرم: من اعتقد لواء في غير ~~حق، أو عق والديه، أو مشى مع ظالم ينصره فقد ~~أجرم، يقول الله جل ذكره { إنا من المجرمين ~~منتقمون } ". # ثم قال تعالى [ذكره]: { ولقد آتينا موسى الكتاب } أي ~~التوراة. # { فلا تكن في مرية من لقآئه } أي: في شك من أنك لقيته ~~أو تلقاه ليلة الإسراء، قاله قتادة. # وبذلك أتى الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لقيه ليلة الإسراء، ~~روى ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم/ قال: # " أريت ليلة أسري [بي] موسى بن عمران رجلا آدم طوالا ~~جعدا، كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى رجلا مربوع ~~الخلق، إلى الحمرة والبياض سبط الرأس، ورأيت ~~مالكا [خازن] النار والدجال " # فالهاء لموسى، وقيل: الهاء عائدة على الكتاب. # والتقدير: فلا تكن في شك من تلقي موسى الكتاب بالقبول، وتكون المخاطبة ~~على القول الأول للنبي خاصة، وعلى القول الثاني لجميع الناس. # وعن الحسن أنه قال في معناه: ولقد آتينا موسى الكتاب، فأوذي وكذب فلا ~~تكن في شك يا محمد من أنه سيلقاك مثل ما لقيه موسى من التكذيب والأذى. # فالهاء عائدة على معنى محذوف كأنه قال: من لقاء ما لاقى، والمخاطبة على ~~هذا للنبي عليه السلام خاصة. # ويجوز أن يكون هذا خطابا للشاك في إتيان الله موسى الكتاب، وقيل: في ~~الكلام تقديم وتأخير، والهاء في { لقآئه } تعود على الرجوع إلى ~~الآخرة والبعث، والتقدير: قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ~~ترجعون، { فلا تكن في مرية من لقآئه } أي: من لقاء البعث ~~والرجوع إلى الحياة بعد الموت فهو خطاب للنبي عليه السلام، والمراد به من ~~ينكر البعث. # وقوله: { فلا تكن في مرية من لقآئه } كلام اعترض بين ~~كلامين. # ثم قال بعد ذلك: { وجعلناه هدى لبني إسرائيل }. # أي: الكتاب جعله الله هاديا لهم من الضلالة إلى الهدى. # وقال قتادة: { وجعلناه } أي: جعلنا موسى هدى لهم. # ثم قال (تعالى ذكره) { وجعلنا منهم أئمة يهدون ~~بأمرنا }. # أي: وجعلنا من بني إسرائيل قادة في الخير يؤتم ms1982 بهم. # قال قتادة: { أئمة } رؤساء الخير. # { يهدون بأمرنا }: أي يرشدون أتباعهم بإذننا هم وتقويتنا إياهم ~~على ذلك. { لما صبروا } أي: حين صبروا على طاعة الله وعلى أذاء ~~فرعون لهم، فيكون المعنى: إنهم إنما جعلوا أئمة حين وجد منهم الصبر. # ومن قرأ " لما " بكسر اللام فمعناه فعلنا بهم ذلك لصبرهم على طاعة ~~الله. # فيكون المعنى: فهل بهم ذلك جزاء لهم لصبرهم المتقدم في الله. # ثم قال (تعالى): { وكانوا بآياتنا يوقنون } أي: بحججنا ~~وكتابنا يصدقون. # وفي قراءة أبي: " كما صبروا ". # وفي قراءة أبن مسعود: " بما صبروا ". فهذا شاهد لمن كسر اللام، وهو ~~حمزة والكسائي. # ثم قال: { إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة ~~}. # أي: يحكم بين جميع خلقه فيما اختلفوا فيه في الدنيا من أمور الدين، ~~فيوجب للمحسن الجنة وللمسيء النار. # ثم قال تعالى [ذكره]: { أولم يهد لهم كم أهلكنا من ~~قبلهم من القرون }. # قال الفراء: كم في موضع رفع فاعل ليهدي. # ولا يجيزه البصريون لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. # وقال المبرد: الفاعل المصدر محذوف لأن يهدي يدل على ~~مصدره، تقديره: أو لم يهد الهدى لهم. # وقيل التقدير: أولم يهد الله لهم. وهذا إن شاء الله أحسنها. ويقوي ذلك ~~أن أبا عبد الرحمن السلمي وقتادة قرأ: أو لم نهد بالنون. # وكم في موضع نصب " أهلكنا ". ومعنى الآية على قول ابن عباس: أولم ~~يتبين لهم، أي لقريش كم أهلكنا من قبلهم من القرون فيتعظوا ويزدجروا. ~~وقدر بعض النحويين الآية على قول الفراء فقال: التقدير: أو لم يتبين لهم ~~كثرة من أهلكنا من قبلهم من الأمم فيتعظوا. # ثم قال تعالى: { يمشون في مساكنهم } أي: تمشي قريش في مساكن ~~الأمم الخالية، فكيف لا تتعظ وتزدجر وتعلم أن مصيرها إن كفرت إلى ما صارت ~~إليه هذه الأمم. # ثم قال تعالى: { إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون } أي: إن ~~في خلاء مساكن من مضى، وإهلاك الله إياهم لعبرا وحججا لقريش، أفلا ~~يسمعون عظات الله وتذكيره إياهم وتعريفه مواضع حججه عليهم. # وقيل: { أفلا يسمعون } ، معناه: أفلا ms1983 يعقلون، مثل " سمع الله ~~لمن حمده ". ### || [32.27-30] # قوله تعالى [ذكره]: { أولم يروا أنا نسوق المآء إلى ~~الأرض الجرز } إلى آخر السورة. # ألم ير هؤلاء المكذبون بالبعث [بعد الموت] أنا بقدرتنا نسوق الماء ~~إلى الأرض اليابسة الغليظة التي لا نبات فيها /. # وأصل الجرز من قولهم: رجل جروز، إذا كان لا يبقي شيئا إلا أكله. # وحكى الفراء وغيره فيه أربع لغات: أرض جرز، وجرز وجرز ~~وجرز، وكذلك حكوا في البخل والرعب والرهب، هذه الأربع على أربع ~~لغات، قال ابن عباس: هي أرض باليمن. يروى أنه ليس فيها أنهار وأنها بعيدة ~~من البحر يأتها كل عام واديان عظيمان بسيل عظيم من حيث لا يعلمون فيزرعون ~~عليه ثلاث مرات في السنة. # وقال مجاهد: هي أبين. # وقال عكرمة: هي الظمأى. # وقال ابن عباس: الجرز: التي لا تمطر إلا مطرا لا يغني عنها شيئا. # وقال الضحاك: هي الميتة العطشى. # وقال أهل اللغة: هي التي لا نبات فيها. # ثم قال [تعالى] { فنخرج به زرعا } أي: بالماء. # { تأكل منه أنعامهم } أي: ترعاه مواشيهم، ويأكلون منه هم. # وقوله: { وأنفسهم } أي: وهم يأكلون منه. والنفس يراد بها جملة ~~الشيء وحقيقته، ومنه قوله تعالى # تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك # [المائدة: 116]، أي: تعلم ما أعلم ولا أعلم ما تعلم. وتكون النفس الجزء ~~من الإنسان كقولك [خرجت] نفسه. # ثم قال: { أفلا يبصرون } أي: أفلا يرون ذلك بأعينهم فيعلمون أن ~~من قدر على ذلك هو قادر على إحيائهم بعد موتهم. # ثم قال [تعالى]: { ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم ~~صادقين }. # أي: يقول لك يا محمد هؤلاء المشركون: متى يجيئ هذا الحكم بيننا وبينك، ~~أي: متى يكون هذا الثواب والعقاب. # قال قتادة: قال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: إن لنا يوما يوشك أن ~~نستريح فيه ونتنعم، فقال المشركون: { متى هذا الفتح إن ~~كنتم صادقين }. # وقال القتبي: يعني بذلك فتح مكة. # وقال مجاهد وغيره: هو يوم القيامة. # وقوله تعالى [ذكره]: { قل يوم الفتح لا ينفع الذين ~~كفروا إيمانهم } يدل على أنه ms1984 يوم القيامة لأنه قد نفع من آمن ~~من الكفار إيمانهم يوم فتح مكة. # وروي أن المؤمنين قالوا: سيحكم الله بيننا يوم القيامة فيثيب المحسن ~~ويعاقب المسيء، فقال الكفار على التهزي: متى هذا الفتح؟، أي: هذا الحكم. # يقال للحاكم فاتح وفتاح لأن الأحكام تنفتح على يديه. وفي القرآن: # ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق # [الأعراف: 89] أي احكم. # ثم قال تعالى: { قل يوم الفتح } أي: قل لهم يا محمد: يوم الفتح ~~لا ينفع من كفر بالله وآياته إيمانه في ذلك الوقت، وذلك يوم القيامة. # قال ابن زيد " يوم الفتح " ، أي: إذا جاء العذاب. # وقوله: { ولا هم ينظرون } أي: يؤخرون للتوبة / والرجوع إلى ~~الدنيا. # ثم قال تعالى: { فأعرض عنهم } أي: عن هؤلاء المشركين. # وهذا منسوخ نسخة آية السيف قوله جل ذكره # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة: 5] الآية، قاله ابن عباس وغيره. # ثم قال: { وانتظر إنهم منتظرون } أي: انتظر ما الله صانع ~~بهم. إنهم منتظرون ما تعدهم من العذاب ومجيئ الساعة. ### | [33 - سورة الأحزاب] ### || [33.1-4] # قوله تعالى ذكره: { يأيها النبي اتق الله } إلى قوله: ~~{ وهو يهدي السبيل }. # النبي عند جميع النحويين نعت لأي، إلا الأخفش فإنه جعله صلة لأي. وهو ~~غلط لأن الصلة لا تكون إلا في جملة. # وأكثر النحويين على منع جواز النصب في { النبي } لأنه نعت لا بد ~~منه، فهو المقصود بالنداء. # وأجاز بعضهم النصب على الموضع، وهذا في الكلام لا في القرآن. # والمعنى: يا أيها النبي اثبت على تقوى الله، لأنه كان متقيا. # وقيل: هو مخاطبة للنبي والمراد به أمته. # ثم قال تعالى: { ولا تطع الكافرين والمنافقين }. # إن جعلته خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة فمعناه: لا تطعهم في ~~قولهم لك: اصرف عنا أتباعك من فقراء المؤمنين حتى نجالسك، ولا تطع ~~المنافقين الذين يظهرون لك الإيمان والنصيحة وهم لا يسألونك وأصحابك ~~خبالا فلا تقبل لهم رأيا. # ومن جعله خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به أمته فمعناه: لا ~~تطيعوهم فيما نهيتم عنه فتفعلوه / ولا فيما أمرتم به فتتركوه. # { إن ms1985 الله كان عليما } أي: بخلقه وما في نفوسهم واعتقادهم. # { حكيما } في تدبيره إياهم. # ثم قال: { واتبع ما يوحى إليك من ربك } أي: اعمل بما ~~ينزل إليك من وحي الله. # { إن الله كان بما تعملون خبيرا } أي: ذو خبر وعلم ~~بأعمالكم في هذا القرآن وفي غيره. ومن قرأه بالياء رده على المنافقين ~~والكافرين، أي بما يعمل هؤلاء خبيرا. # ثم قال تعالى ذكره { وتوكل على الله } أي: فوض أمرك إلى ~~الله. # { وكفى بالله وكيلا } أي: وحسبك بالله في أمرك حفيظا. # ثم قال تعالى: { ما جعل الله لرجل من قلبين في ~~جوفه }. # هذا تكذيب لقوم من المنافقين زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم ذو ~~قلبين. قاله ابن عباس. # وعن ابن عباس أيضا أنه نزلت في رجل من قريش يسمى من حدة ذهنه ذا ~~القلبين فنفى الله ذلك عنه. # وقال مجاهد: قال رجل من بني فهر: إن في جوفي قلبين، أعقل بكل واحد منهما ~~أفضل من عقل محمد، فكذبه الله. # وقال الحسن: كان رجل يقول: لي نفس تأمرني ونفس تنهاني، فأنزل الله فيه ~~ما تسمعون. # وقال قتادة وعكرمة: كان رجل يمسى ذا القلبين، فأنزل الله فيه هذه الآية. # وعن قتادة أنه قال: كان رجل لا يسمع شيئا إلا وعاه، فقال الناس: ما يعي ~~هذا إلا أن له قلبين، فكان يسمى ذا القلبين فأنزل الله ذلك ونفاه. # وقال الزهري: نزلت في زيد بن حارثة. ضرب الله له مثلا يقول: ليس ابن ~~رجل هو ابنك يا محمد. # وقيل: المعنى: ما جعل الله لرجل قلبا يحب به، وقلبا يبغض به، وقلبا ~~يكفر به، وقلبا يؤمن به. # ثم قال: { وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن ~~أمهاتكم }. # أي: ولم نجعل أزواجكم بقولكم: هي علي كظهر أمي أمهاتكم، بل جعل ذلك من ~~قولكم كذبا، فألزمكم الكفارة عليه عقوبة على كذبكم. # ثم قال تعالى: { وما جعل أدعيآءكم أبنآءكم }. # أي: ولم يجعل ابن غيرك هو ابنك بدعواك ذلك وقولك. # ونزل هذا على النبي صلى الله عليه وسلم لأجل تبنيه لزيد بن ms1986 حارثة، قاله ~~مجاهد وغيره. # ثم قال: { ذلكم قولكم بأفواهكم } أي: دعواكم يا بني ~~لمن ليس هو ابن لكم قول منكم لا حقيقة له. # { والله يقول الحق } أي: الصدق. # وقيل: المعنى قولكم لأزواجكم: هي علي كظهر أمي، قول منكم لا حقيقة له ~~لأنها ليست بأم لكم. # ثم قال: { وهو يهدي السبيل } أي: يبين لعباده طريق الحق ~~والرشاد. ### || [33.5-7] # قوله تعالى ذكره: { ادعوهم لآبآئهم هو أقسط عند الله ~~} إلى قوله: { ميثاقا غليظا }. # أي: انسبوا أدعياءكم إلى آبائهم فهو أعدل عند الله. # { فإن لم تعلموا آباءهم } أي: تعرفوا أسماء آبائهم ~~فتنسبوهم إليهم. # { فإخوانكم في الدين } أي: فهم إخوانكم في الدين إذا كانوا ~~أهل ملتكم. # { ومواليكم } أي: وهم مواليكم أي: أوليائهم، أي بنو عمكم. # ثم قال تعالى: { وليس عليكم جناح فيمآ أخطأتم به ~~} أي: لا إثم عليكم في الخطإ يكون منكم في نسب من تنسبونه إلى غير أبيه ~~إن كنتم ترون أنه أبوه، وليس بأبيه. # { ولكن ما تعمدت قلوبكم }. أي: ولكن الإثم عليكم فيما ~~تعمدتم من ذلك فنسبتم الرجل إلى غير أبيه متعمدين ذلك، هذا معنى قول ~~قتادة ومجاهد وغيرهما. # و " ما " في موضع جر عطف على " ما " الأولى. # ويجوز أن تكون في موضع رفع على خبر ابتداء محذوف، والتقدير: ولكن الذي ~~تأثمون فيه ما تعمدت قلوبكم. # وقد أجرى بعض الفقهاء الفتيا في غير التعمد على ظاهرة هذه الآية، فجعلها ~~عامة في كل شيء لم يتعمده فاعله. # قال عطاء: إذا حلف رجل أنه لا يفارق غريمه حتى يستوفي حقه، فأخذ منه ما ~~يرى أنه حقه فوجدها زائدة أو ناقصة، إنه لا شيء عليه لأنه لم يتعمد. وكذا ~~إذا حلف أنه لا يسلم على فلان فسلم عليه وهو لا يعلم، إنه لا حنث عليه ~~لأنه لم يتعمد ذلك. وأكثر الفقهاء على خلافه، فالآية عندهم مخصوصة في هذا ~~بعينه. إنما كان هذا قبل النهي عندهم، أو في دعاء الرجل الرجل لغير أبيه ~~مخطئا. فهي مخصوصة في أحد الحكمين لا عامة في كل ما لم يتعمد الإنسان، ms1987 ~~دليله ما أوجبه الله جل ذكره / على القاتل خطأ. # ثم قال: { وكان الله غفورا } أي ذا ستر على ذنب من دعا إنسانا ~~بغير اسم أبيه وهو لا يعلم. # ومن قال: إن الآية مخصوصة فيما كان قبل النهي، أو هي مخصوصة في أن يدعو ~~الإنسان الرجل إلى أب وهو عنده أبوه، وليس هو كذلك، لم يقف على " ~~ومواليكم " لأن ما بعده متصل به، ومن جعل { وليس عليكم جناح ~~فيمآ أخطأتم به } عاما في هذا وغيره جعله مستأنفا، حسن الوقف ~~على { ومواليكم } ، ثم استأنف ما بعده لأنه عام. # فإذا جعلت (ما) في موضع خفض لم تقف على { فيمآ أخطأتم به } ~~[لأن ما بعده معطوف عليه. # فإن جعلت (ما) في موضع رفع على ما تقدم وقفت على " أخطأتم به " ]. # ثم تستأنف: { ولكن ما تعمدت قلوبكم }. # ثم قال تعالى ذكره: { النبي أولى بالمؤمنين من ~~أنفسهم }. # أي: أولى بهم من بعضهم لبعض، مثل: # فاقتلوا أنفسكم # [البقرة: 54] # تقتلون أنفسكم # [البقرة: 85] وقيل: المعنى: أمر النبي أولى بالاتباع مما تأمر به النفس. # وقال ابن زيد: المعنى: ما قضى فيهم النبي من أمر جاز، كما كلما قضيت على ~~عبدي جاز. # وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا ~~والآخرة، اقرؤوا إن شئتم: " النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ~~" ، فأيما مؤمن ترك مالا فلورثته ولعصبته ~~من كانوا، ومن ترك دينا أو ضياعا فليأتني فأنا ~~مولاه ". # وحكى قتادة والحسن: بأنه كان يقرأ في بعض القراءات: " من أنفسهم ~~وهو أب لهم " ، ولا ينبغي أن يقرأ بذلك الآن لمخالفته المصحف ~~والإجماع. # ثم قال تعالى: { وأزواجه أمهاتهم } أي: في الحرمة كالأم، ~~فلا يحل تزوجهن من بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم كما لا يحل تزويج ~~الابن الأم، وهن في الحق والتعظيم والبر كالأم. # ويروى أنه إنما فعل ذلك بهم لأنهن أزواجه في الجنة. # ثم قال تعالى: { وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض ~~في كتاب الله } أي: وأولوا الأرحام الذين ورثت يا محمد بعضهم ms1988 من ~~بعض أولى بالميراث من أن يرثهم المؤمنون والمهاجرون بالهجرة دون الرحم. ~~هذا قول الطبري. # قال قتادة: لم يزل المؤمنون زمانا يتوارثون بالهجرة، والأعرابي المسلم ~~لا يرث من المهاجر شيئا، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فخلط المسلمون ~~بعضهم ببعض فصارت المواريث بالملل. # وقيل: التقدير: وأولوا الأرحام من المؤمنين والمهاجرين أولى بالميراث من ~~غيرهم ممن لا رحم بينهم من المؤمنين المهاجرين. # وقال ابن زيد: كان النبي صلى الله عليه وسلم قد آخى بين المهاجرين ~~والأنصار أول ما كانت الهجرة، فكانوا يتوارثون على ذلك. قال فلما ظهر ~~الفتح انقطعت الهجرة وكثر الإسلام وتوارث الناس على الأرحام، فنسخ ~~التوارث بالهجرة، قال ذلك في كلام طويل تركته إذ الفائدة فيما ذكرت منه. # فمعنى الآية على هذا التأويل: وأولوا الأرحام من المهاجرين والأنصار ~~بعضهم أولى ببعض بالميراث من أن يتوارثوا بالهجرة. # ثم قال تعالى: { إلا أن تفعلوا إلى أوليآئكم ~~معروفا }. # أي: إلا أن توصوا لقرابتكم من غير أهل الإيمان والهجرة، قاله قتادة ~~والحسن وعطاء وابن الحنفية. # وقال مجاهد: معناه إلا أن تمسكوا بالمعروف والإحسان بينكم وبين حلفائكم ~~من المهاجرين والأنصار. # وقيل: المعنى: إلا أن توصوا لمن حالفتموه وواخيتموه من المهاجرين ~~والأنصار، قاله ابن زيد. # وقوله تعالى: { كان ذلك في الكتاب مسطورا }. # أي: كان أولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في اللوح المحفوظ مكتوبا، قاله ~~ابن زيد وغيره. # وقيل: المعنى: كان منع أن يرث المشرك المسلم مكتوبا في الكتاب، قاله ~~قتادة. # ثم قال تعالى: { وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ~~ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم ~~}. # المعنى عند الطبري: { كان ذلك في الكتاب مسطورا } ، أي ~~كتبنا ما هو كائن في اللوح المحفوظ، { وإذ أخذنا من ~~النبيين ميثاقهم } ، كان ذلك أيضا، في الكتاب مسطورا، يعني ~~العهد والميثاق. # فالعامل في " إذ " على هذا: " كان ". # والعامل فيها عند أبي إسحاق / " اذكر " مضمرة، أي: واذكر إذ أخذنا. # قال ابن عباس: أخذ منهم الميثاق على قومهم. # وقال ابن أبي بن كعب: هو مثل: # وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ms1989 ~~ذريتهم # [الأعراف: 172] الآية فأخذ ميثاقهم على الأنبياء منهم الذين كانوا ~~كالسراج، ثم أخذ ميثاق النبيئين خاصة على الرسالة. # روى قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " كنت أول الأنبياء في الخلق وآخرهم في البعث ". # فلذلك وقع ذكره هنا مقدما قبل نوح وغيره لأنه أولهم في الخلق. # وقيل: المعنى: إن الله جل ذكره أخذ الميثاق على النبيئين أن يصدق بعضهم ~~بعضا. # قال مجاهد: { ومنك ومن نوح }: في ظهر آدم، فالمعنى أخذ الله ~~عليهم الميثاق إذ أخرجهم من ظهر آدم عليه السلام كالذر. ### || [33.8-10] # قوله تعالى ذكره: { ليسأل الصادقين عن صدقهم } إلى ~~قوله: { بالله الظنونا }. # أي: أخذنا من النبيئين ميثاقهم ليسأل الله المؤمنين منهم عما أجابتهم به ~~أمهاتهم. # ومعنى سؤال الله جل ذكره عن ذلك الرسل، وهو عالم به، أنه على التبكيت ~~والتوبيخ للذين كفروا كقوله لعيسى: # أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي # [المائدة: 116] الآية. # ثم قال: { وأعد للكافرين عذابا أليما } أي: أعد ~~للمكذبين الرسل عذابا مؤلما، أي موجعا. # ثم قال تعالى: { يأيها الذين آمنوا اذكروا نعمة ~~الله عليكم } أي: اذكروا تفضل الله عليكم فاشكروه على ما فعل ~~بكم. # { إذ جآءتكم جنود } يعني جنود الأحزاب من قريش وغطفان. ويهود ~~بني قريظة وغيرهم. # { فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها } كانت ~~الريح التي نصر بها النبي صلى الله عليه وسلم: الصبا. # قال عكرمة: قالت الجنوب للشمال ليلة الأحزاب: انطلقي تنصري رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فقالت الشمال: إن الحرة لا تسري بالليل. قال: فكانت ~~الريح التي أرسلت عليهم الصبا. # قال أبو سعيد الخدري: # " قلنا يوم الخندق يا رسول الله بلغت القلوب ~~الحناجر فهل من شيء نقوله، قال: قولوا اللهم ~~استر عوراتنا وآمن روعاتنا. قال: فضرب الله وجوه ~~أعدائه بالريح، وهزمهم الله بالريح ". # قال ابن عمر: كانت معي يوم الخندق ترس وكان فيها حديد فضربتها الريح ~~حتى وقع بعض ذلك الحديد. # قال مجاهد: أرسلت على الأحزاب يوم الخندق ريح حتى كفأت قدورهم على ~~أفواهها ونزعت فساطيطهم حتى أظعنتهم. # قال قتادة: { وجنودا لم تروها } يعني: ms1990 الملائكة، قال: نزلت ~~هذه الآية يوم الأحزاب وقد حصر رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا، ~~فخندق رسول الله حوله وحول أصحابه خارج المدينة، وأقبل أبو سفيان بقريش ~~ومن تبعه من الناس حتى نزلوا بعصرة رسول الله. # [وأقبل عيينة بن حصن أحد بني بدر ومن تبعه من الناس حتى نزل بعصرة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم]. وكاتبت اليهود أبا سفيان وظاهروه بذلك، حيث ~~يقول تعالى ذكره: { إذ جآءوكم من فوقكم ومن أسفل ~~منكم } فبعث الله عليهم الرعب والريح فذكر لنا أنهم كل ما بنوا بناء ~~قطع الله أطنابه، وكلما ربطوا دابة قطع الله رباطها، وكلما أوقدوا نارا. ~~أطفأها الله حتى لقد ذكر لنا أن سيد كل حي يقول: يا بني فلان هلم ~~إلي، حتى إذا اجتمعوا عنده قال: النجاء أتيتم، لما بعث الله ~~عليهم من الرعب. # قال ابن إسحاق: كانت الجنود قريشا وغطفان وبني قريظة، وكانت الجنود ~~التي أرسل الله عليهم مع الريح: الملائكة، وكانت الريح مع قوتها شديدة ~~البرد، وكان في ذلك أعظم آية النبي صلى الله عليه وسلم. # وكان سبب الأحزاب: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أجلى بني النضير إلى ~~خيبر، وكانوا قد سادوا العرب وعرفوا بكثرة المال، وهم من بني هارون النبي ~~عليه السلام، فلما انتقلوا إلى خيبر، وحول خيبر من العرب أسد وغطفان حزبت ~~اليهود على النبي العرب من أسد وغطفان وغيرهم. # وخرجوا في ستة آلاف، ثم تدرج كبراء اليهود إلى مكة فحزبوا قريشا على ~~النبي عليه السلام، وأتبعتهم كنانة واجتمعوا في نحو عشرة آلاف وأتوا ~~المدينة، فنزلوا عليها، فخندق النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة، ~~وكان إخوة بني / النضير من قريظة وادعوا النبي عليه السلام فلم يزل ~~بهم بنو النضير حتى نقضوا العهد وعاونوهم على النبي عليه السلام، وفيهم ~~نزل: # وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من ~~صياصيهم # [الأحزاب: 26]، أي من حصونهم فأرسل الله على جميعهم الريح فزعزعتهم ~~وانقلبوا خائبين، ثم نهض النبي صلى الله عليه وسلم إلى محاصرة قريظة ~~الذين ms1991 أعانوا عليه ونقضوا عهده فحاصرهم ونزلوا على حكم سعد، وكانوا ست ~~مائة، فقتل مقاتلهم وسبى ذراريهم وقسم عقارهم بين المهاجرين دون الأنصار. # قال مالك: كانت وقعة الخندق سنة أربع. # وقال ابن إسحاق: فكانت وقعة الخندق وهي الأحزاب في شوال سنة خمس. # قال مالك: كان الخندق وقريظة في يوم واحد، انصرف النبي صلى الله عليه ~~وسلم من وقعة الخندق، وقد انصرف المشركون، فاغتسل فأتاه جبريل صلى الله ~~عليه وسلم، فقال له: أوضعت اللأمة ولم تضعها الملائكة، إن الله ~~يأمرك أن تخرج إلى بني قريظة، فخرج إليهم، فحكموا سعدا فيهم، فحكم بسبي ~~الذراري وقتل الرجال ففعل بهم ذلك. # وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: كانت وقعة أحد على رأس أحد وثلاثين شهرا ~~من الهجرة، وعند منصرف النبي عليه السلام من أحد خرج إلى بني النضير ~~وأجلاهم إلى خيبر وإلى الشام على صلح وقع بينهم قد ذكر في غير هذا ~~الموضع. # ثم قال: { وكان الله بما تعملون بصيرا } أي: بأعمالكم ~~في ذلك اليوم وغيره، بصير لا يخفى عليه شيء. # ثم قال تعالى: { إذ جآءوكم من فوقكم ومن أسفل ~~منكم }. # العامل في إذ عند الطبري { تعملون } ، أي: وكان الله بصيرا بعملكم ~~إذ جاؤوكم. # وقيل: التقدير: اذكر إذ جاؤوكم. # وقيل: هي بدل من إذ الأولى. # والاختيار لمن قرأ " الظنونا " و " الرسولا " و " السبيلا " بألف أن يقف ~~عليها لأنها إنما جيئ بالألف في هذا على التشبيه بالقوافي والفواصل التي ~~يوقف عليها بالألف فيجب أن تجري مجرى ما شبهت به. وهي مع ذلك تمام ووقف ~~حسن. # وقيل: إن هذه الألفات إنما جيئ بها لبيان حركة ما قبلها كهاء السكت، ~~فهذا مؤكد الوقف عليها لمن أثبتها في الوصل والوقف. ويدل على قوة الوقف ~~عليها لمن أثبتها، قراءة الكسائي وابن كثير وحفص بألف فيهن في الوقف دون ~~الوصل. # ومعنى الآية: واذكروا إذ جاءتكم جنود الأحزاب من فوقكم ومن أسفل منكم. # قال يزيد بن رومان: الذين جاؤوهم من فوقهم بنو قريظة، والذين جاؤوهم من ~~أسفل منهم قريش وغطفان. ومعنى ms1992 { ومن أسفل } من ناحية مكة. # " وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أقر بني قريظة ولم يؤذهم وكتب لهم ~~عهودا، وكتبوا له في الموادعة والصلح، فنقضوا العهود وجمعوا عليه الجموع ~~ونافقوا [عليه] مع قريش، وكان المتولي لذلك حيي بن أخطب، استمد على ~~النبي صلى الله عليه وسلم بقريش ومن اتبعه من العرب، واستمدت قريش بعيينة ~~بن بدر فأقبل بمن أطاعه من غطفان. # واستمدت غطفان بحلفائهم من بني أسد، واستمدوا الرجال من بني سليم فخرجوا ~~في جمع عظيم، فهم الذين سماهم الله الأحزاب، فلما بلغ النبي صلى الله ~~عليه وسلم خروجهم أخذ في حفر الخندق، فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده ~~في العمل فعملوه مستعجلين يبادرون قدوم العدو، ورأى المسلمون أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم بطش معهم في العمل ليكون أجد لهم وأقوى بإذن الله. ~~فذكر أنه عرض لهم حجر في محفرهم، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~معولا من أحدهم فضرب به ثلاثا، فكسر الحجر في الثالثة، فذكر أن سلمان ~~الفارسي أبصر عن كل ضربة برقة ذهبت ثلاثة وجوه، كل مرة ~~يتبعها سلمان بصره، فذكر ذلك سلمان لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ~~قد رأيت كهيئة البرق وموج الماء عند كل ضربة ضربتها يا رسول الله، ذهبت ~~إحداهن نحو المشرق، والأخرى نحو اليمن، والأخرى نحو الشام، فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: " أوقد رأيت ذلك يا سلمان؟ قال: ~~نعم رأيت ذلك / قال: فإنه ابيض إحداهن ~~مدائن كسرى ومدائن تلك البلاد، وفي الأخرى مدينة ~~الروم والشام، والأخرى مدائن اليمن وقصورها، والتي ~~رأيت [بالبصر] تبلغهن الدعوة إن شاء الله ". # وكان حفر الخندق في شوال في سنة أربع من الهجرة، فلما تم الحفر أقبل أبو ~~سفيان ومن معه من المشركين فنزلوا بأعلى وادي [فينا] من تلقاء الغابة ~~فحاصروهم قريبا من عشرين يوما. وقيل أكثر من ذلك. # فلما اشتد البلاء على المسلمين نافق كثير من الناس وتكلموا بكلام قبيح، ~~فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما الناس فيه من ms1993 البلاء جعل يبشرهم ~~ويقول: " والذي نفسي بيده ليفرجن عنكم ما ~~ترون من الشدة، وإني لأرجو أن أطوف بالبيت ~~العتيق آمنا، وأن تدفع إلي مفاتيح الكعبة، ~~وليهلكن الله قيصرا ولننفقن أموالهم في ~~سبيل الله ". فقال رجل من المنافقين: ألا تعجبون من محمد يعدنا أن ~~نطوف بالبيت العتيق، وأن نقسم كنوز فارس والروم ونحن هاهنا لا يأمن أحدنا ~~أن يذهب لغائط، ما يعدنا إلا غرورا. وقال آخرون منهم: يا أهل يثرب لا ~~مقام لكم فارجعوا، وقال آخرون: إئذن لنا فإن بيوتنا عورة، فوجه النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلى بني قريظة ليذكرهم حلفهم ويناشدهم، فسبوا الرسل ~~وعندوا عن الحق وأبوا إلا نقض العهد والخلاف عليه فشق ذلك على النبي ~~عليه السلام والمسلمين، فلما اشتد الأمر على المسلمين قال النبي عليه ~~السلام: " اللهم إني أسألك عهدك ووعدك، اللهم إن ~~تشاء لا تعبد ". # وأقبل نوفل بن عبد الله المخزومي، من المشركين على فرس له ليقحمه على ~~الخندق، فوقع في الخندق فقتله الله وكبت به المشركين، وعظم في صدورهم، ~~فأرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسألونه أن يعطوه الدية على أن ~~يدفعه إليهم ليدفنوه فأبى أن يأخذ منهم شيئا، ولم يمنعهم من دفنه. ورمي ~~يومئذ سعد بن معاذ رمية قطعت الأكحل من عضده، فقال: اللهم اشفني ~~من بني قريظة قبل الممات، فرقا الدم بعدما انفجر. وكان هو الذي وجهه ~~النبي عليه السلام إلى بني قريظة يذكرهم العهد ويناشدهم الله فيما عقدوا ~~مع النبي، فسبوه وأبلغوا فيه، فرجع إلى النبي مغضبا عليهم، فلما فرج ~~الله تعالى عن المسلمين وتفرقت الأحزاب عنهم، أمر الله نبيه بقتال بني ~~قريظة، فخرج النبي عليه السلام إليهم فقاتلهم، فتحصنوا في حصونهم، ~~فحاصرهم بضع عشر ليلة فعظم عليهم البلاء، فسألوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يحكم فيهم رجلا، وأن يختاروا من شاؤوا من أصحابه، فاختاروا ~~سعدا فنزلوا على حكمه، فحكم فيهم سعد بأن يقتل مقاتلهم وتسبى نساؤهم ~~وذراريهم وتقسم أموالهم، فروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسعد: ms1994 " ~~حكمت فيهم بحكم الله ". فقتل رسول الله مقاتلهم - وكانوا ست ~~مائة مقاتل -، وسبى ذراريهم، ثم أعقب الدم على سعد فلم يرقأ حتى مات ~~رضي الله عنه، فروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أتاني ~~جبريل عليه السلام حيث قبض سعد من جوف الليل ~~معتجرا بعمامة من استبرق فقال: يا محمد من ~~هذا الحبيب الذي فتحت له أبواب السماء واهتز له ~~العرش، فقام النبي صلى الله عليه وسلم سريعا يجر ~~ثوبه إلى سعد فوجده قد مات، وقال حملة نعش ~~سعد: إن كان لبادنا وما حملت جنازة أخف منه، ~~فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن له ~~حملة غيركم والذي نفسي بيده لقد استبشرت ~~الملائكة بروح سعد واهتز له العرش ". # ابن القاسم عن مالك قال: حدثني يحيى بن سعيد: لقد نزل لموت سعد سبعون ~~ألف ملك ما نزلوا إلى الأرض قبلها. # ثم قسم رسول الله أموالهم بين من حفر من المسلمين المهاجرين خاصة، وكان ~~جميع الخيل التي مع النبي صلى الله عليه وسلم ستة وثلاثين فرسا، فقسم ~~لكل فرس سهمين، وأخرج حيي بن أخطب فقال له النبي عليه السلام /: " هل ~~أخزاك الله؟ فقال: قد ظهرت علي، وما لمت نفسي ~~في جهادك والشدة عليك، فأمر به النبي صلى الله ~~عليه وسلم فضربت عنقه، كل ذلك بعين سعد بن ~~معاذ " ". # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كاتبهم، وذلك أنه دس على الأحزاب من ~~قال لهم: إن بني قريظة أرسلوا إلى النبي يدعونه إلى الصلح على أن يرد بني ~~النضير إلى دورهم وأموالهم ويدفعون إليه الرهن الذي عندهم من رجال قريش، ~~وذلك أن بني النضير قالت لقريش: لا نقاتل معكم حتى تعطونا سبعين رجلا ~~منكم رهنا عندنا، فلما بلغ ذلك قريشا عظم عليهم الأمر ووجهوا إلى بني ~~النضير أن يقاتلوا معهم، فقالت بنو النضير: وجهوا إلينا الرهن، ونقاتل، ~~فتحقق الأمر عند قريش، فعملوا على الانصراف [عن] النبي عليه السلام مع ما ~~حل بهم من الريح، وما دخل قلوبهم من الرعب، فكان ms1995 ذلك كله من سبب تفرقهم ~~عن النبي لطفا من الله بالمؤمنين. # وروي أن الرجل الذي مضى بذلك إلى قريش هو نعيم بن مسعود، فلما قضى الله ~~قضاءه في بني قريظة وصرف المشركين عن النبي نزل القرآن يعرف الله ~~المؤمنين نعمته التي أنعم عليهم من الريح والجنود التي أرسل على عدوهم. # وقوله: { وتظنون بالله الظنونا } هو ما كان المنافقون ~~يخوضون فيه في أمر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقولهم: ما وعدنا ~~الله ورسوله إلا غرورا، وقولهم: لا مقام لكم، فأمر بعضهم بعضا ~~بالانصراف عن نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر الله تعالى ~~المسلمين وصبرهم على البلاء، وأن منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، ولم ~~يبدلوا دينا ولا نية على ما كانوا عليه. # وروي أن قوله: { من المؤمنين رجال } ، نزلت في قوم من ~~المؤمنين تخلفوا عن بدر لعذر منعهم، فعاهدوا الله لئن جاءهم مثل يوم ~~بدر ليرين مكانهم، فلما كان يوم أحد قاتل بعضهم حتى مات، ووفى بعهده، فهو ~~قوله جل ذكره: { فمنهم من قضى نحبه } ، وبقي بعضهم سالما، ~~وهو قوله: { ومنهم من ينتظر } ، ثم أخبر عنهم أنهم ما بدلوا، ~~يعني: عهدهم بم ينقضوه. # ثم ذكر أنه تعالى رد الكافرين بغيظهم لم ينالوا خيرا، وأنه كفى الله ~~المؤمنين قتالهم، ثم ذكر بني قريظة ونصره للمؤمنين عليهم، فقال: { ~~وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب } أي: عاونوا ~~قريشا ومشركي العرب على حرب النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه. { من ~~صياصيهم } أي: من حصونهم، يعني بني قريظة، وأنه قذف في قلوبهم ~~الرعب. # { فريقا تقتلون وتأسرون فريقا } أي تقتلون المقاتلة، ~~وتسبون النساء والأطفال، وأنه أورث المؤمنين أرضهم وديارهم وأموالهم ~~وأنزل الله في ذلك تسعا وعشرين آية أولها: { يأيها الذين ~~آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم }. # ومعنى: { زاغت الأبصار }: شخصت من الخوف. # والبصر الناظر، وجملة العين المقلة وهي شحمة العين: البياض والسواد، وفي ~~المقلة الحدقة، وهي السواد الذي في وسط المقلة، وفي الحدقة الناظر، وهو ~~موضع البصر يسمى الإنسان، والعين كالمرآة يرى فيها ms1996 الوجه وفيها الناظر، ~~وهما عرقان على حرفي الأنف يسيلان من المؤقين إلى الوجه، وفيها أشياء ~~كثيرة قد ذكرت في خلق الإنسان. # وقوله: { وبلغت القلوب الحناجر } أي نبت عن أماكنها من ~~الرعب. # قال قتادة: لولا أن الحلوق ضاقت عنها لخرجت. # والمعنى كادت تبلغ الحناجر. # وقيل: المعنى بلغ وجفها من شدة الفزع الحلوق، فهي بالغة الحلوق ~~بالوجيف. # ثم قال تعالى: { وتظنون بالله الظنونا } أي: ظننتم أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يغلب. # هذا خطاب للمنافقين، ظنوا ظنونا كاذبة فأخلف الله ظنهم بنصره للمؤمنين. ### || [33.11-21] # قوله تعالى ذكره: { هنالك ابتلي المؤمنون } إلى قوله { ~~وذكر الله كثيرا }. # هنالك ظرف زمان، والعامل فيه " ابتلي ". # والتقدير: وقت ذلك اختبر المؤمنون فعرف المؤمن من المنافق، والابتداء به ~~حسن على هذا. # وقيل: إن العامل فيه " { وتظنون } " أي: وتظنون بالله الظنون ~~الكاذبة هنالك /، والابتداء به على هذا التقدير. # ثم قال تعالى: { وزلزلوا زلزالا شديدا } أي: حركوا وأزعجوا ~~بالفتنة إزعاجا شديدا. # ثم قال: { وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم ~~مرض } أي: شك في الإيمان وضعف في الاعتقاد. # { ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا }. # يروى أن قائل ذلك معتب بن قشير، قاله يزيد بن رومان، وقد تقدم ذكر هذا. # ثم قال تعالى: { وإذ قالت طآئفة منهم يأهل يثرب ~~لا مقام لكم } أي: قال طائفة من المنافقين: يا أهل يثرب لا تقيموا ~~مع النبي وارجعوا إلى منازلكم، ويثرب اسم أرض ومدينة النبي صلى الله عليه ~~وسلم في ناحية من يثرب. # ثم قال: { ويستأذن فريق منهم النبي } أي: يستأذن ~~طائفة من المنافقين النبي في الانصراف إلى منزلهم اعتلالا بالخوف على ~~منزله من السرق، وليس به إلا الفرار والهرب. # قال ابن عباس: هم بنو حارثة قالوا: بيوتنا مخلاة نخاف عليها السرق. # قال قتادة: يقولون بيوتنا مما يلي العدو وإنا نخاف عليها السرق. # ففضحهم الله، وقال: { وما هي بعورة إن يريدون إلا ~~فرارا } أي: ما يريدون إلا الهرب. # يقال: أعور المنزل إذا ضاع ولم يكن له ما يستره أو سقط جداره. وقرأ يحيى ~~بن ms1997 يعمر وأبو رجاء " عورة " بكسر الواو، فمعنى عورة: ضائعة. # وقيل: معنى قراءة الإسكان: إن بيوتنا ذات عورة، يقال للمرأة: عورة، ~~فالمعنى ذات نساء نخاف عليهن العدو. # ويجوز أن تكون عورة مسكنة من " عورة ". # ويجوز أن تكون مصدرا. # ويجوز أن تكون اسم فاعل على السعة، كما يقال: رجل عدل أي عادل. # ثم قال تعالى: { ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم ~~سئلوا الفتنة لآتوها }. [أي: لو دخلت المدينة على هؤلاء ~~القائلين: إن بيوتنا عورة من جوانبها قاله قتادة. # { ثم سئلوا الفتنة لآتوها } ] أي: لو سئلوا الشرك لأعطوه ~~من أنفسهم طائعين، ومن قطر لأتوه، فمعناه: لجاؤوا الكفر طوعا. # وقيل: المعنى: ولو دخلت عليهم البيوت من نواحيها ثم سئلوا الشرك لقبلوه ~~وأتوه طائعين. # ثم قال تعالى: { وما تلبثوا بهآ } أي بالمدينة. قاله القتبي. ~~وقيل: المعنى: وما تلبثوا بالفتنة. # ثم قال تعالى: { ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا ~~يولون الأدبار } أي: ولقد كان هؤلاء الذين يستأذنون رسول الله ~~في الانصراف عنه عاهدوا الله من قبل لا يولون عدوهم الأدبار فما أوفوا ~~بعهدهم. # { وكان عهد الله مسئولا } أي: يسأل الله ذلك من أعطاه إياه ~~من نفسه. وذكر أن ذلك نزل في بني حارثة لما كان من فعلهم، وهم الذين هموا ~~أن يفشلوا يوم أحد مع بني سلمة، وهو قوله جل ذكره: # إذ همت طآئفتان منكم أن تفشلا # [آل عمران: 122]، ثم عاهدوا الله لا يولون العدو الأدبار ولا يعودون ~~لمثلها فذكر الله لهم ما قد أعطوا من أنفسهم ولم يفوا به. # قال قتادة: كان ناس غابوا عن وقعة بدر ورأوا ما أعطى الله أصحاب بدر من ~~الكرامة والفضل فقالوا: لئن أشهدنا الله قتالا لنقاتلن، فساق الله إليهم ~~ذلك حتى كان ناحية المدينة. # ثم قال تعالى: { قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من ~~الموت أو القتل } أي: قل لهم يا محمد لا ينفعكم هروبكم إن ~~هربتم من الموت أو القتل لأن ذلك إن كان كتب عليكم فلا ينفعكم فراركم ~~شيئا، لا بد لكم مما كتب عليكم. # { وإذا ms1998 لا تمتعون إلا قليلا } أي: لا يزيد لكم فراركم ~~في أعماركم شيئا بل إنما تمتعون في هذه الدنيا إلى الوقت الذي كتب لكم، ~~لا تجاوزوه، هو قليل لأن الدنيا كلها متاع قليل، فما بقي من أعماركم أقل ~~من القليل. # ثم قال تعالى: { قل من ذا الذي يعصمكم من الله } أي: ~~يمنعكم من الله إن أراد بكم سوءا في أنفسكم أو عاقبة وسلامة، فليس الأمر ~~إلا ما قدر الله. # ثم قال: { ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا ~~نصيرا } أي: لا يجدون لأنفسهم من يليهم بالكفالة مما قدر الله عليهم ~~من سوء، ولا نصيرا ينصرهم مما أراد بهم. # ثم قال تعالى: { قد يعلم الله المعوقين منكم } أي: ~~قد يعلم الله الذين يعوقون الناس فيصدونهم عن رسول الله في حضور الحرب. ~~وهو مشتق من عاقني عن كذا، أي: صرفني عنه ومنعني، وعوق على التكثير لعاق ~~فهو معوق. # ثم قال: { والقآئلين لإخوانهم هلم إلينا } أي ~~تعالوا إلينا ودعوا محمدا فإنا نخاف عليكم الهلاك. # { ولا يأتون البأس إلا قليلا } أي: الحرب والقتال، لا ~~يشهدون ذلك إلا تعذيرا، ودفعا للمسلمين عن / أنفسهم ورياء، وهذا كله ~~في المنافقين. # قال قتادة: هؤلاء ناس من المنافقين كانوا يقولون لإخوانهم ما محمد ~~وأصحابه إلا أكلة رأس ولو كانوا لحما لالتهمهم أبو سفيان وأصحابه ~~دعوا هذا الرجل فإنه هالك. # وقال ابن زيد: نزلت في أخوين أحدهما مؤمن والآخر منافق، جرى بينهما كلام ~~في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال المنافق للمؤمن: هلم إلى ~~الطعام فقد نعق بك وبصاحبك والذي يحلف به، لاستقبلها محمد أبدا، فقال له ~~المؤمن: كذبت والذي يحلف به، ثم أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، ~~فنزلت: { والقآئلين لإخوانهم هلم إلينا }. # ثم قال تعالى: { أشحة عليكم }. # قال الفراء: هو منصوب على الذم، وأجاز نصبه على الحال، وقدره: يعوقون ~~أشحة. # وقيل: هو حال، والتقدير: والقائلين لإخوانهم أشحة. # وقيل: التقدير: ولا يأتون البأس إلا قليلا، يأتونه أشحة، أي أشحة على ~~الفقراء بالغنيمة جبناء. # وقال الطبري: التقدير ms1999 هلم إلينا أشحة. # وقال السدي بنصبه على الحال، والتقدير: ولا يأتون البأس إلا قليلا ~~بخلا عليهم بالظفر والغنيمة. # ومن جعل العامل في أشحة " المعوقين " أو " القائلين " فقد غلط ~~لأنه تفريق بين الصلة والموصول. # قال قتادة: معنا أشحة عليكم في الغنيمة. # وقال مجاهد: أشحة عليكم في الخير. # وقيل: التقدير: أشحة عليكم بالنفقة على الضعفاء منكم. # والتأويل: جبناء عند الناس أشحاء عند قسم الغنيمة. # وقال يزيد بن رومان: أشحة عليكم للضغن الذي في أنفسهم. # ثم قال تعالى: { فإذا جآء الخوف رأيتهم ينظرون ~~إليك تدور أعينهم } أي: فإذا جاء يا محمد القتال وخافوا ~~(الهلاك) رأيتهم ينظرون إليك لواذا عن القتال تدور أعينهم خوفا من ~~القتال. # { كالذي يغشى عليه من الموت } أي: تدور أعينهم كدوران ~~عين الذي يغشى عليه من الموت النازل به. # ثم قال تعالى: { فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة ~~حداد } أي: فإذا زال القتال عفوكم بألسنة ذربة. # يقال للرجل الخطيب: مسلق ومسلاق وسلاق بالسين والصاد فيهن، ~~أي: بليغ. والمعنى: أنهم عند قسم الغنيمة يتطاولون بألسنتهم لشحهم على ما ~~يأخذ المسلمون، يقولون: أعطونا أعطونا، فإنا شهدنا معكم، وهم عند البأس ~~أجبن قوم، هذا معنى قول قتادة. # ويدل على صحة هذا التأويل قوله بعد ذلك: { أشحة على الخير } ~~أي: على الغنيمة إذا ظفر المسلمون. # وقيل: بل ذلك أذى المنافقين للمسلمين بألسنتهم عند الأمان. قاله ابن ~~عباس ويزيد بن رومان. # ثم قال تعالى ذكره: { أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله ~~أعمالهم } أي: هؤلاء المنافقون الذين تقدمت صفتهم لم يصدقوا بالله ~~ورسوله بقلوبهم فأحبط الله أعمالهم، أي: أذهبها وأبطلها. # ويروى أن الذي وصف بها كان بدريا فأحبط الله عمله، قاله ابن زيد. # { وكان ذلك على الله يسيرا } أي: وكان إحباط أعمالهم على ~~الله هينا حقيرا. # وتقف على " { إلا قليلا } " إذا نصبت " أشحة " على الذم، ولا تقف ~~عليه على غير هذا التقدير. # قال تعالى: { يحسبون الأحزاب لم يذهبوا } أي: يحسب ~~هؤلاء المنافقون من جبنهم وخوفهم أن الأحزاب لم ينصرفوا وأنهم باقون ~~قريبا منهم. # ثم قال تعالى: { وإن يأت ms2000 الأحزاب يودوا لو أنهم ~~بادون في الأعراب } أي: وإن يأتكم الأحزاب لحربكم ود هؤلاء ~~المنافقون لو أنهم في البادية غيب عنكم يسألون عن أخباركم من بعيد جبنا ~~منهم وهلعا من القتل، يقولون: هل هلك محمد وأصحابه؟ يتمنون أن يسمعوا ~~هلاكهم. # وقرأ طلحة: " لو أنهم بدى " في الأعراب مثل: غزى. # ثم قال تعالى: { ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا ~~قليلا } أي: لو كانوا معكم لم يقاتلوا معكم إلا تعذيرا لكم لأنهم لا ~~يحتسبون في ذلك ثوابا ولا جزاء. # ثم قال تعالى: { لقد كان لكم في رسول الله أسوة ~~حسنة } هذا عتاب من الله للمستخفين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالمدينة من المؤمنين، أي: كان لكم أن تتأسوا به، وتكونوا معه حيث كان ~~ولا تتخلفوا عنه. # ثم قال: { لمن كان يرجوا الله } / أي: ثواب الله في الآخرة. # { واليوم الآخر } أي: ويرجو عاقبة اليوم الآخر. # { وذكر الله كثيرا } أي: وأكثر ذكر الله في الخوف والشدة ~~والرخاء. ### || [33.22-24] # قوله تعالى ذكره: { ولما رأى المؤمنون الأحزاب } إلى ~~قوله: { غفورا رحيما }. # أي: ولما عاين المؤمنون جماعة من الكفار، وقالوا تسليما منهم لأمر الله ~~وتصديقا بكتابه: { هذا ما وعدنا الله ورسوله } يعنون ~~قوله تعالى ذكره: # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل ~~الذين خلوا من قبلكم # [البقرة: 214]. # ثم قال: { وما زادهم إلا إيمانا وتسليما } أي: ما ~~زادتهم الرؤية لذلك إلا إيمانا بالله وتسليما لأمره، وإنما ذكر " ~~زادهم " لأن تأنيث الرؤية غير حقيقي. ودل " رأي " على الرؤية، هذا قول ~~الفراء وعلي بن سليمان. # وقال غيرهم: التقدير: وما زادهم اجتماع المشركين عليهم إلا إيمانا، هذا ~~كله مأخوذ من قول ابن عباس وقتادة وغيرهما. # قال الحسن: معناه ما زادهم البلاء إلا إيمانا بالرب وتسليما إلى ~~القضاء. # ثم قال تعالى: { من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا ~~الله عليه } أي: أوفوا بالصبر على البأساء والضراء إذ قد عاهدوا ~~الله أن يصبروا إذا امتحنوا. # ثم قال: { فمنهم من قضى نحبه } أي: فرغ من العمل الذي ~~قدره الله وأوجبه له على ms2001 نفسه، فاستشهد بعض يوم بدر وبعض يوم أحد ~~وبعض في غير ذلك من المواطن. # { ومنهم من ينتظر } قضاءه والفراغ منه على الوفاء لله بعهده. # وأصل النحب في كلام العرب النذر، ثم يستعمل في الموت والخطر العظيم، ~~وقيل: النحب: العهد. # قال الحسن: { فمنهم من قضى نحبه } موته على الصدق. # وقال قتادة: على الصدق والوفاء. # قال ابن عباس: نحبه هو الموت على ما عاهد الله، ومنهم من ينتظر الموت ~~على ما عاهد الله عليه. # ويروى أن هذه الآية نزلت في قوم لم يشهدوا بدرا، فعاهدوا الله إن لقوا ~~قتالا للمشركين مع رسول الله أن يبلوا من أنفسهم، فشهدوا ذلك مع رسول ~~الله، فمنهم من وفى فقضى نحبه، ومنهم من بدل وهم الذين قال الله عز وجل ~~فيهم: # ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل # [الأحزاب: 15] الآية، ومنهم من وفى ولم يقض نحبه فهو منتظر للموت. # قال أنس: تغيب أنس بن النضر عن قتال بدر فقال: تغيبت عن أول مشهد ~~شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم، لئن رأيت قتالا ليرين الله ما أصنع، ~~فلما كان يوم أحد وهزم الناس لقي سعد بن معاذ فقال: والله إني لأجد ريح ~~الجنة فتقدم فقاتل حتى قتل، فنزلت هذه الآية: { من ~~المؤمنين } ، وقال أنس: فوجدناه بين القتلى به بضعا وثمانين جراحة ~~من ضربة بسيف وطعنة برمح ورمية بسهم، فما عرفناه حتى عرفته أخته. # وقيل: معنى { صدقوا ما عاهدوا الله عليه } الإسلام. # وقوله: { وما بدلوا تبديلا } أي: ما غيروا العهد ولا الدين ~~كما غيره المعوقون القائلون لإخوانهم هلم إلينا. # قال قتادة: معناه ما شكوا ولا ترددوا في دينهم ولا استبدلوا به غيره. # ثم قال تعالى: { ليجزي الله الصادقين بصدقهم } أي: ~~صدقوا ليثبت أهل الصدق منهم بصدقهم الله على ما عاهدوا عليه. # { ويعذب المنافقين إن شآء } بكفرهم ونقضهم ما عاهدوا ~~الله عليه، أو يتوب عليهم، أي يخرجهم من النفاق إلى الإيمان به. # ومعنى الاستثناء في هذا أن المعنى: ويعذب المنافقين بأن لا يتوب عليهم، ~~ولا يوفقهم للتوبة، فيموتوا على ms2002 نفاقهم إن شاء، فيجب عليهم العذاب، فعذاب ~~المنافق لا بد منه لأنه كافر، والاستثناء إنما هو من أجل التوفيق لا من ~~أجل العذاب، ويبين ذلك قوله: { أو يتوب عليهم } فالمعنى ويعذب ~~المنافقين إن لم يهدهم للتوبة، أو يتوب عليهم فلا يعذبهم. # ثم قال: { إن الله كان غفورا رحيما } أي: أن الله لم يزل ~~ذا ستر على ذنوب التائبين، رحيما بهم أن يعذبهم بعد توبتهم. ### || [33.25-29] # قوله تعالى ذكره: { ورد الله الذين كفروا بغيظهم } ~~إلى قوله: { أجرا عظيما }. # أي: ورد الله الأحزاب بغيظهم أي بكربهم وعمهم لفوتهم ما أملوا من ~~الظفر لم ينالوا من المسلمين مالا ولا غيره. # { وكفى الله المؤمنين القتال } بالريح / والجنود التي ~~أنزل الله من الملائكة. # روى عبد الرحمن بن أبي سعدي الخدري عن أبيه أنه قال: # " حبسنا يوم الخندق عن الصلاة فلم نصل الظهر ~~ولا العصر ولا المغرب ولا العشاء حتى كان بعد ~~العشاء بهوي فكفينا فأنزل الله تعالى: { وكفى ~~الله المؤمنين القتال } الآية " فأمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بلالا فأقام الصلاة وصلى الظهر ~~فأحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها، ثم ~~صلى العصر كذلك، ثم صلى المغرب كذلك، ثم ~~صلى العشاء كذلك، لكل صلاة إقامة ". # وقوله: { وكان الله قويا عزيزا } أي: قويا في أمره عزيزا ~~في نقمته. # ثم قال تعالى: { وأنزل الذين ظاهروهم من أهل ~~الكتاب من صياصيهم } يعني بني النضير وبني قريظة عاونوا ~~المشركين على النبي وأصحابه، فأنزلهم الله من حصونهم { وقذف في ~~قلوبهم الرعب فريقا تقتلون } يعني المقاتلة. # { وتأسرون فريقا } يعني النساء والصبيان كما حكم فيهم سعد، ~~لأنهم حكموه في أنفسهم لحلف كان بينهم وبين قوم سعد فطمعوا أن يميل معهم، ~~فلم تأخذه في الله لومة لائم، وحكم بقتل مقاتلهم وسبي ذراريهم، وقد مضى ~~ذكر ذلك. # وأصل الصيصة ما تمتنع به، فلذلك قيل للحصن صيصية لأنه يمتنع به، ~~ولذلك يقال لقرون البقر صياصي لأنها يمتنع بها. # وذكر قتادة وغيره: " أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذهاب الأحزاب عنه ~~دخل بيت زينت ms2003 بنت جحش يغسل رأسه، فبينما هو يغسله إذ أتاه جبريل صلى الله ~~عليه وسلم، فقال: عفا الله عنك، ما وضعت الملائكة سلاحها منذ أربعين ~~ليلة، فانهض إلى بني قريظة فإني قد قطعت أوتادهم وفتحت أبوابهم وتركتهم ~~في زلزال وبلبال فاستلأم صلى الله عليه وسلم، ثم سلك شق بني غنم، ~~فاتبعه الناس، فأتاهم رسول الله فحاصرهم، وناداهم يا إخوة القرود، ~~فقالوا: يا أبا القاسم ما كنت فاحشا، فنزلوا على حكم سعد فحكم بقتل ~~مقاتلهم - وكانوا ست مائة -، وسبي ذراريهم، وقسم عقارهم بين المهاجرين ~~دون الأنصار، فقال قومه: أأثرت المهاجرين بالعقار علينا، قال: فإنكم ~~كنتم ذوي عقار وأن المهاجرين لا عقار لهم ". # ثم قال تعالى: { وأورثكم أرضهم وديارهم ~~وأموالهم } أي: ملككم ذلك بعد مهلكهم. # ثم قال: { وأرضا لم تطئوها }. # قال الحسن: هي أرض فارس والروم ونحوهما من البلاد. # وقال قتادة: هي مكة. # وقال يزيد بن رومان: هي خيبر. وكذلك قال ابن زيد. # ثم قال: { وكان الله على كل شيء قديرا } أي: لا يتعذر ~~عليه ما أراد. # ثم قال: { يأيها النبي قل لأزواجك إن كنتن ~~تردن الحياة الدنيا } الآية أي: إن كنتن تخترن الحياة ~~الدنيا على الآخرة. # { فتعالين أمتعكن } بما أوجب الله على الرجال لنسائهم من ~~المتعة عند مفارقتهن بالطلاق. # ومعنى { وأسرحكن سراحا جميلا }: أطلقكن طلاقا جميلا، ~~أي: على ما أذن الله به وأدب به عباده، وهو قوله # فطلقوهن لعدتهن # [الطلاق: 1]. # ثم قال: { وإن كنتن تردن الله ورسوله } رضى الله ~~ورسوله، { فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا ~~عظيما } أي: للعاملات منكن بأمر الله ورسوله أجرا عظيما. # روي أن هذه الآية نزلت من أجل عائشة سألت رسول الله شيئا من عرض ~~الدنيا، واعتزل رسول الله لذلك نساءه شهرا، ثم أمره الله أن يخيرهن بين ~~الصبر والرضى بما قسم لهن والعمل بطاعة الله، وبين أن يمتعهن ويفارقهن. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم " لم يخرج لصلوات فقالوا: ما شأنه؟ ~~فقال عمر: إن شئتم لأعلمن لكم ما شأنه، فأتى النبي فجعل ~~يتكلم ويرفع صوته، حتى ms2004 أذن له، قال: فجعلت أقول في نفسي: أي شيء أكلم ~~به رسول الله لعله ينبسط؟ قال: فقلت يا رسول الله لو رأيت ~~فلانة وسألتني النفقة فصككتها صكة، فقال: ذلك حبسني عنكم، ~~فأتى عمر حفصة فقال لها: لا تسألي رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا، ~~ما كانت لك من حاجة فإلي، ثم تتبع نساء النبي فجعل / يكلمهن، فقال ~~لعائشة: أيغرك أنك امرأة حسناء وأن زوجك يحبك، لتنتهين أو لينزلن ~~الله فيكن القرآن، فقالت له أم سلمة: يا ابن الخطاب أو ما بقي لك إلا أن ~~تدخل بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين نسائه، من يسأل المرأة إلا ~~زوجها، ونزل القرآن: { يأيها النبي قل لأزواجك } إلى ~~قوله { أجرا عظيما } ، فبدأ بعائشة وخيرها، وقرأ عليها القرآن، ~~فقالت: هل بدأت بأحد من نسائك قبلي؟ قال: لا، قالت: فإني أختار الله ~~ورسوله والدار الآخرة، ولا تخبرهن بذلك، ثم تتبعهن فجعل يخبرهن ويقرأ ~~عليهن القرآن ويخبرهن بما صنعته عائشة فتتابعن على ذلك ". # قال قتادة والحسن: خيرهن بين الدنيا والآخرة والجنة والنار في شيء ~~كن أردنه من الدنيا. # وقال عكرمة: في غيرة كانت غارتها عائشة، وكان تحته يومئذ تسع نسوة، ~~خمس من قريش: عائشة، وحفصة، وأم حبيبة ابنة أبي سفيان، وسودة بنت زمعة، ~~وأم سلمة بنت أبي أمية، وكانت تحته صفية بن حيي الخيبرية، وميمونة بنت ~~الحارث الهلالية، وزينب بنت جحش الأسدية، وجويرية بنت الحارث من بني ~~المصطلق، فبدأ بعائشة فاختارت الله ورسوله، فرئي الفرح في وجه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فتتابعن كلهن على ذلك. # قال الحسن وقتادة: فلما اخترن الله ورسوله شكرهن الله على ذلك فقال: " ~~لا يحل لك النساء من بعد " الآية، فقصره الله عليهن. # وقال ابن زيد: كان سبب ذلك الغيرة. # وقد روي في ذلك أخبار كثيرة يختلف لفظها والمعنى يرجع إلى ما ذكرنا في ~~جميعها. # قال ابن شهاب: امرأة واحدة اختارت نفسها فذهبت وكانت بدوية. # قال ربيعة: فكانت البتة. # قيل كان اسمها عمرة بنت يزيد الكلابية، اختارت الفراق ms2005 وذهبت، فابتلاها ~~الله تعالى بالجنون. ويقال: إن أباها تركها ترعى غنما له فصارت إحداهن، ~~فلم يعلم ما كان من أمرها وخبرها إلى اليوم. # ويقال: إنها كندية، ويقال: إنها لم تختر، وإنما استعاذت من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فردها، وقال: " لقد استعذت بمعاذ ". # ويقال إنه دعاها، فقالت: إنا قوم نؤتى ولا نأتي. # وإذا خير الرجل امرأته فاختارت نفسها فهي البتة، وإن اختارت واحدة أو ~~اثنتين أو لم تختر شيئا، أو قالت: اخترت زوجي، فلا شيء في ذلك كله ~~بالمدخول بها، وهي زوجة على حالها. # قال ابن عبد الحكم: معنى خيرهن: قرأ عليهن الآية. ولا يجوز أن يخيرهن ~~بلفظ التخيير لأن التخيير إذا قبل ثلاثا، والله أمره أن يطلق النساء ~~لعدتهن، وقد قال: سراحا جميلا، والثلاث ليس مما يجمل منه، ~~فالسراح الجميل هو واحدة لا الثلاث التي يوجبهن قبول التخيير. ### || [33.30-33] # قوله تعالى ذكره: { ينسآء النبي من يأت منكن ~~بفاحشة مبينة } إلى قوله: { ويطهركم تطهيرا }. # قال الطبري: الفاحشة هنا الزنا. # { يضاعف لها العذاب } أي: على فعلها، وذلك في الآخرة. # { ضعفين } أي: على عذاب أزواج غير النبي عليه السلام إذا أتين ~~بفاحشة. وقيل: إذا أتت الفاحشة المبينة فهي عصيان الزوج ومخالفته، وكذلك ~~معناها في هذه الآية لا الزنى. # فإذا أتت الفاحشة بالألف واللام فهي الزنى واللواط. # وإذا أتت نكرة غير منعوتة ببينة فهي تصلح للزنا وغيره من الذنوب. # قال قتادة: يعني عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. # وقال ابن عباس: يعني به عذاب الآخرة. # وقال أبو عبيدة: { يضاعف لها العذاب ضعفين } يجعل ثلاثة ~~أضعاف، أي: ثلاثة أعذبة. # وقال أبو عمرو: { يضاعف } للمرار الكثيرة ويضعف مرتين. # ولذلك قرأ " يضعف ". # وأكثر أهل اللغة على خلافها لأن يضاعف ضعفين ويضعف ضعفين واحد، بمعنى ~~مثلين كما تقول: إن دفعت إلي درهما دفعت إليك ضعفيه، أي مثليه يعني ~~درهمين، ويدل على صحة هذا قوله: { نؤتهآ أجرها مرتين } ~~فلا يكون العذاب أكثر من الأجر، وقد قال تعالى: # [ربنآ] آتهم ضعفين من العذاب # [الأحزاب: 68] أي مثلين. # ثم قال تعالى: { ومن ms2006 يقنت منكن لله ورسوله } أي: ومن ~~/ يطع منكن الله ورسوله وتعمل بما أمرها الله به، { نؤتهآ أجرها ~~مرتين } أي ثواب عملها مثلي ثواب غيرها من نساء المؤمنين. # { وأعتدنا لها رزقا كريما } أي في الآخرة، يعني به: في ~~الجنة. # ثم قال تعالى: { ينسآء النبي لستن كأحد من ~~النسآء إن اتقيتن } أي: لستن في الفضل والمجازاة كأحد من ~~نساء هذه الأمة، إن اتقيتن الله بالطاعة له ولرسوله. # ووقع أحد في موضع واحدة لأنه أعم إذ يقع على المؤنث والمذكر الواحد ~~والجمع بلفظ واحد. # فقوله: { فلا تخضعن بالقول } أي: لا تلن القول للرجال. # { فيطمع الذي في قلبه مرض } أي: شك ونفاق، أي يطمع في ~~الفاحشة استخفافا بحدود الله. # قال عكرمة { في قلبه مرض } أي شهوة الزنا. # قال قتادة: { مرض } نفاق. # ثم قال تعالى: { وقلن قولا معروفا } أي: قولا أذن الله ~~لكن فيه وأباحه لكن. # قال ابن زيد: معناه: قولا جميلا معروفا في الخير. # ثم قال: { وقرن في بيوتكن } أي: اثبتن في بيوتكن. # هذا على مذهب من قرأ بكسر القاف، يكون عند الفراء وأبي عبيد من الوقار، ~~يقال وقر يقر وقورا إذا ثبت في منزله. # وقيل: هو من قر في المكان إذا ثبت أيضا، فيكون الأصل: واقررن ~~فحذفت الراء الثانية استثقالا للتضعيف، وألقيت حركة الأولى الباقية على ~~القاف فاستغني عن ألف الوصل، فصار وقرن كما تقول ظلت أفعل بكسر ~~الظاء. # فأما قراءة من فتح القاف، وهي قراءة نافع وعاصم، فهي لغة لأهل الحجاز، ~~يقولون: قررت بالمكان أقر، بمنزلة قررت به عينا أقر، ~~حكاه أبو عبيد في " المصنف " عن الكسائي. # فيكون التقدير: واقررن [في بيوتكن]، ثم أعل في الأولى فيصير: ~~وقرن. # ويجوز أن يكون من قرة العين هذا على الحذف، والاعتلال أيضا، وشاهده ~~قوله: # ذلك أدنى أن تقر أعينهن # [الأحزاب: 51] فيكون التقدير: واقررن عينا في بيوتكن. # وروي أن عمارا قال لعائشة رضي الله عنها: إن الله قد أمرك أن تقري ~~في منزلك، فقالت: يا أبا اليقظان، ما زلت قوالا بالحق، فقال: الحمد ~~لله الذي جعلني ms2007 كذلك على لسانك. # ثم قال تعالى: { ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ~~} أي: إذا خرجتن من بيوتكن. # قال قتادة: التبرج في هذا الموضع التبختر والتكسر، وكانت الجاهلية ~~الأولى مشية فيها تكسير وتغنج فنهاهن الله عن ذلك. وقيل التبرج إظهار ~~الزينة للرجال. وحقيقتها إظهار ما ستر الله، وهو مأخوذ من السعة. يقال في ~~أسنانه برج إذا كانت متفرقة. # والجاهلية الأولى ما بين عيسى ومحمد عليهما السلام. # وروي أن هذه الفاحشة كانت ظاهرة في هذا الوقت، وكانت ثم بغايا يقصدن ~~للفاحشة. # وقيل: ما بين نوح وآدم عليهما السلام كان بينهما ثمان مائة سنة، وكان ~~نساؤهم أقبح ما يكون، ورجالهم أحسن ما يكون، فكانت المرأة تريد الرجل على ~~نفسه. # وقال ابن عباس هو ما بين إدريس ونوح عليهما السلام، وكان ذلك ألف سنة، ~~وأن بطنين من ولد آدم أحدهما يسكن السهل والآخر يسكن الجبل، وكان رجال ~~الجبال صباحا والنساء قباحا، وكان نساء السهل صباحا والرجال ~~قباحا، وأن إبليس أتى رجلا من أهل السهل في صورة غلام فأجر نفسه منه ~~فكان يخدمه، واتخذ إبليس شيئا من الذي يزمر فيه الرعاء فجاء فيه بصوت ~~لم يسمع الناس مثله، فبلغ ذلك من حولهم فانتابوهم يستمعون إليه، واتخذوا ~~عيدا يجتمعون له في السنة، فتبرج الرجال حسنا، وتبرج النساء للرجال وإن ~~رجلا من أهل الجبل هجم عليهم، وهم في عيدهم فرأى النساء وصباحتهن فأتى ~~أصحابه فأخبرهم بذلك فتحولوا إليهن، فنزلوا معهن، فظهرت الفاحشة فيهم فهو ~~قوله جل ذكره: { ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ~~}. # وقوله: { الجاهلية الأولى } يدل على أن ثم جاهلية أخرى في ~~الإسلام، دل على ذلك / قول النبي صلى الله عليه وسلم " ثلاث من ~~عمل أهل الجاهلية لا يدعهن الناس: الطعن ~~بالأنساب، والاستمطار بالكواكب والنياحة ". # (وقال ابن عباس لعمر لما سأله عن الآية، فقال له: وهل كانت الجاهلية إلا ~~واحدة؟)، فقال ابن عباس: وهل كانت أولى إلا ولها آخرة؟ فقال له عمر: لله ~~درك يا ابن عباس /، كيف قلت؟ فأعاد ابن عباس الجواب. وقال النبي صلى ~~الله عليه ms2008 سلم لأبي الدرداء وقد عير رجلا فوعاه يا ابن فلانة، فقال له: # " يا أبا الدرداء إن فيك جاهلية، فقال ~~أجاهلية كفر أو إسلام؟ قال: بل جاهلية كفر " ، ~~قال أبو الدرداء: " فتمنيت لو كنت ابتدأت ~~إسلامي يومئذ " ". # ثم قال [تعالى]: { وأقمن الصلاة } أي: المفروضة. # { وآتين الزكاة } يعني الواجبة في الأموال. # { وأطعن الله ورسوله } أي: فيما أمركن به ونهاكن عنه. # ثم قال (تعالى): { إنما يريد الله ليذهب عنكم ~~الرجس أهل البيت } أي: الشر والفحشاء يا أهل بيت محمد. # { ويطهركم } أي من الدنس والمعاصي تطهيرا. # قال ابن زيد: الرجس هنا الشيطان. # وقيل: عني بأهل البيت هنا النبي صلى الله عليه وسلم وعلي وفاطمة ~~والحسن والحسين عليهم السلام، رواه الخدري. عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال # " نزلت الآية في خمس: في وفي علي وحسن وحسين ~~وفاطمة " # وهو قول جماعة من الصحابة. # وقال عكرمة: عني بذلك أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. # ويلزم عكرمة أن يقرأ عنكن. # وقيل عني بذلك: نساؤه وأهله. ### || [33.34-37] # قوله تعالى (ذكره): { واذكرن ما يتلى في بيوتكن ~~من آيات الله والحكمة } إلى قوله: { وكان أمر ~~الله مفعولا }. # أي: واذكرن نعمة الله عليكن إذ جعلكن في بيوت تتلى فيهما (آيات) الله ~~والحكمة، أي: اشكرن الله على ذلك. # والحكمة هنا: ما أوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم من أمر دينه مما لم ~~ينزل به قرآن، وذلك السنة. # قال قتادة: الحكمة السنة امتن (الله) عليهن بذلك. # وقيل: معناه الحكمة من الآيات. # ثم قال: { إن الله كان لطيفا } أي (ذا) لطف بكن إذ جعلكن في ~~البيوت التي يتلى فيها القرآن والسنة. # { خبيرا } بكن إذ اختاركن لرسوله أزواجا. # ثم قال تعالى (ذكره) بعقب (ذكر) ما أمر به أزواج نبيه صلى الله ~~عليه وسلم. # { إن المسلمين والمسلمات } الآية، أي: (المتذللين) ~~بالطاعة والمتذللات. # وأصل الإسلام / التذلل والانقياد والخضوع. # { والمؤمنين والمؤمنات } أي: المصدقين الله ورسوله ~~والمصدقات. # وأصل الإيمان التصديق. # { والقانتين والقانتات } أي: والمطيعين والمطيعات الله ~~ورسوله، فيما أمروا به ونهوا عنه. وأصل القنوت الطاعة. # { والصادقين والصادقات ms2009 } أي صدقوه فيما عاهدوه عليه. # { والصابرين والصابرات } أي: صبروا لله في البأساء والضراء ~~على الثبات على دينه. # { والخاشعين والخاشعات } أي خشعوا لله وجلا من عقابه ~~وتعظيما له. # { والمتصدقين والمتصدقات } أي: تصدقوا بما افترض الله ~~عليهم في أموالهم. # { والصائمين والصائمات } أي: صاموا شهر رمضان الذي افترضه ~~الله عليهم. # { والحافظين فروجهم والحافظات } أي: حفظوها إلا عن ~~الأزواج أو ما ملكت أيمانهم. # { والذاكرين الله كثيرا والذاكرات } أي: ذكروه ~~بألسنتهم وقلوبهم. # { أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما } أي: سترا ~~لذنوبهم وثوابا في الآخرة من أعمالهم وهو الجنة. # قال مجاهد: لا يكون ذاكرا لله حتى يذكره قائما وجالسا ومضطجعا. # وقال أبو سعيد الخدري: من أيقظ أهله وصليا أربع ركعات كتبا من ~~الذاكرين الله كثيرا والذاكرات. # قال قتادة: دخل نساء على نساء النبي صلى الله عليه وسلم، فقلن قد ذكركن ~~الله في القرآن ولم نذكر بشيء، أما فينا من يذكر؟ فأنزل الله جل ذكره: { ~~إن المسلمين } الآية. # وقال مجاهد: قالت أم سلمة: يا رسول الله، يذكر الرجال ولا يذكر النساء؟ # فنزلت الآية: " إن المسلمين " الآية. # ثم قال تعالى: { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى ~~الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من ~~أمرهم } أي: أن يتخيروا من (أمرهم غير) الذي قضى الله ورسوله، ~~ويخالفوا (ذلك) فيعصونهما، { ومن يعص الله ورسوله } أي: ~~فيما أمر أو نهي. # { فقد ضل ضلالا مبينا } أي: جار عن قصد السبيل، وسلك غير ~~طريق الهدى. # ويروى أن هذه الآية نزلت في زينب بنت جحش حين خطبها رسول الله على فتاه ~~زيد بن حارثة فامتنعت من إنكاحه (نفسها). # قال ابن عباس: خطبها رسول الله على فتاه زيد بن حارثة فقالت: لست ~~بناكحته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بلى فانكحيه، ~~فقالت يا رسول الله / أؤامر نفسي؟ فبينما هما يتحدثان أنزل الله هذه ~~الآية على رسوله فقالت رضيته / لي يا رسول الله منكحا، قال: نعم، ~~قالت: إذا لا أعصي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد أنكحته نفسي ~~". # قال قتادة: لما خطب رسول ms2010 الله زينب بنت جحش، وهي بنت عمته، ظنت أنه ~~يريدها لنفسه، فلما علمت أنه يريدها لزيد امتنعت، فأنزل الله: { وما ~~كان لمؤمن } الآية، فأطاعت وسلمت. # وقيل: نزلت في [أم كلثوم] بنت عقبة بن أبي معيط وذلك أنها وهبت نفسها ~~للنبي فزوجها زيد بن حارثة، قاله ابن زيد. # قال: وكانت أول من هاجر من النساء، فوهبت نفسها للنبي صلى الله عليه ~~وسلم، فقال: قد قبلت، فزوجها زيد بن حارثة، فسخطت هي وأخوها وقالا: إنما ~~أردنا رسول الله فزوجنا عبده، فنزلت الآية. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خطبها لزيد قالت: لا أرضى به، وأن ~~أيم نساء قريش، فقال لها النبي عليه السلام: قد رضيته لك، فأبت عليه ~~فنزلت الآية، فرضيت به وجعلت أمرها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فأنكحها من زيد بن حارثة، فمكثت عند زيد ما شاء الله، ثم أتاه رسول الله ~~زائرا له فأبصرها قائمة فأعجبته، فقال: سبحان الله مقلب القلوب، فرأى ~~زيد أن رسول الله قد هويها، فقال: يا رسول الله ائذن لي في طلاقها، فإن ~~بها كبرة وأنها تؤذيني بلسانها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~اتق الله وأمسك عليك زوجك " ، وفي قلبه ما في قلبه، ثم إن زيدا طلقها ~~بعد ذلك، فلما انقضت عدتها أنزل الله نكاحها من السماء على رسوله وأنزل ~~عليه الآيات: { وإذ تقول للذي أنعم الله عليه } ~~إلى: { مقدورا }. # وعن عائشة أنها قالت: " لو كتم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا مما ~~أنزل عليه لكتم هذه الآية. # قال أنس: # " لما انقضت عدة زينب من زيد قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لزيد: اذكرني لها، فانطلق زيد إلى زينب فقال ~~لها: أبشري أرسل رسول الله يذكرك، فقالت: ما أنا ~~بصانعة شيئا حتى أؤامر ربي فقامت إلى مسجدها ~~وصلت، ونزل القرآن على رسوله: { فلما قضى زيد ~~منها وطرا زوجناكها } الآيتان. فجاء إليها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حتى دخل عليها بغير إذنها ". # وروي أنها كانت تقول لرسول ms2011 الله: لست كأحد من النساء لأن الله زوجنيك. # ثم قال تعالى: { وإذ تقول للذي أنعم الله عليه ~~وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله } ، ~~هذا عتاب من الله للنبي صلى الله عليه وسلم، أي: واذكر يا محمد إذ تقول ~~للذي أنعم الله عليه بالإسلام، وأنعمت عليه بالعتق - وهو زيد بن حارثة ~~مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم - أمسك عليك زوجك واتق الله في ~~مفارقتها للفرار. # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى زينب بنت جحش وهي ابنة عمته بعد أن ~~تزوجها زيد فأعجبته، فألقى الله في نفس زيد كراهتها لما علم ما وقع في ~~نفس النبي منها، فأراد زيد فراقها فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، ~~فقال له النبي: " { أمسك عليك زوجك واتق الله } فيما ~~عليك لها " وهو يحب لو قد بانت منه لينكحها، وهو الذي أخفى غي نفسه، فقد ~~أبداه الله كما ذكره. # ثم قال تعالى: { وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه } ~~أي: وتخاف أن يقول الناس أمر رجلا بطلاق امرأته ثم نكحها حين ~~طلقها، والله أحق أن تخشاه من الناس، هذا كله معنى قول قتادة وابن ~~زيد. # قال الحسن: ما أنزلت عليه آية أشد منها، ولو كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كاتما شيئا من الوحي لكتمها. # وقال علي بن الحسين: كان الله جل ذكره أعلم نبيه عليه السلام أن ~~زينب ستكون من أزواجه، فلما أتاه زيد يشكوها، قال: { أمسك عليك ~~زوجك واتق الله } ، وهو يخفي في نفسه ما قد أعلمه الله من ~~تزويج زينب، والله مبديه، أي مظهره بتمام التزويج، وطلاق زيد لزينب. # ثم قال تعالى: { فلما قضى زيد منها وطرا } أي حاجته ~~وإربه. # { زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في ~~أزواج أدعيآئهم إذا قضوا منهن وطرا } أي ~~لئلا يكون على المؤمنين ضيق / وإثم في نكاح أزواج من تبنوا بعد ~~طلاقهم إياهن، إذا قضوا منهن حاجتهم، وهو قوله جل ذكره: # وحلئل أبنائكم الذين من أصلبكم # [النساء: 23]، فدل على أن اللاتي من الأبناء ms2012 من غير الأصلاب حلال ~~نكاحهن. # وفي قوله: { فلما قضى زيد منها وطرا } إشارة إلى إيقاع ~~الطلاق، وكذلك في قوله: { إذا قضوا منهن وطرا }. # ثم قال: { وكان أمر الله مفعولا } أي: ما قضى الله من قضاء ~~كائنا لا محالة، ذلك ما قضى الله من تزويج النبي صلى الله عليه وسلم من ~~زينب بنت عمته. # وقال الشعبي: كانت زينب تقول للنبي عليه السلام: إني لأدل عليك ~~بثلاث ما من نسائك امرأة تدل بهن: إن جدي وجدك واحد، ~~وإني أنكحنك الله من السماء، وإن السفير جبريل صلى ~~الله عليه وسلم. # وروى أنس بن مالك أن زيدا كان مسببا من الشام ابتاعه حكيم بن حزام بن ~~خويلد، فوهبه لعمته خديجة زوج النبي، فوهبته خديجة للنبي صلى الله عليه ~~وسلم فتبناه النبي. ### || [33.38-49] # قوله تعالى: ذكره { ما كان على النبي من حرج } إلى ~~قوله: { سراحا جميلا }. # أي ليس على محمد صلى الله عليه وسلم إثم في نكاح امرأة من تبناه بعد ~~فراقه إياها. # قال قتادة: ما فرض الله له، أي ما أحل الله. وفي الكلام معنى المدح ~~كقوله: # ما على المحسنين من سبيل # [التوبة: 91] ثم قال: { سنة الله في الذين خلوا من ~~قبل }. انتصبت " سنة " على المصدر، والفاعل فيه ما قبله لأنه بمعنى ~~سن الله له ذلك سنة، والمعنى لا إثم عليه في ذلك كما لا إثم فيه على من ~~خلا قبله من النبيئين فيما أحل الله لهم. # قال الطبري في معناه: لم يكن الله ليؤثم نبيه فيما أحل الله له ~~مثال فعله بمن قبله من الرسل. ثم قال: { وكان أمر ~~الله قدرا مقدورا } أي: قضاء مقضيا. [وقيل: قدر أحد ~~قدره وكتبه قبل خلق الأشياء كلها مقدورا] أي أنه ستكون ~~الأشياء على ما تقدم في علمه. ولا تقف على: { فرض الله له } لأن ~~" سنة " انتصبت على عامل قام ما قبلها مقامه. # ثم قال تعالى: { الذين يبلغون رسالات الله ~~ويخشونه } أي: سنة الله في الذين خلوا من قبل محمد من الرسل الذين ~~يبلغون رسالات الله إلى ms2013 من أرسلوا إليه. { ويخشونه }: أي: ~~يخافون الله. # { ولا يخشون أحدا إلا الله } أي: لا يخافون غيره، فمن ~~هؤلاء فكن يا محمد، فإن الله يمنع منك وينصرك كما فعل بمن قبلك من ~~الرسل. # " الذين " بدل من " الدين " في قوله: { سنة الله في الذين } ~~أو نعت لهم أو عطف بيان. # ثم قال: { وكفى بالله حسيبا } أي: وكفاك يا محمد حافظا ~~لأعمال خلقه ومحاسبا لهم عليها. # ويجوز أن يكون (حسيب) بمعنى محاسب، كما تقول آكيل وشريب، معنى ~~مواكل ومشارب. ويجوز أن يكون بمعنى محسب، أي مكف كما قالوا السميع ~~بمعنى المسمع وأليم بمعنى مؤلم. يقال: أحسبني الشيء بمعنى كفاني. # ثم قال تعالى: { ما كان محمد أبآ أحد من رجالكم } ~~أي: لم يكن محمد أبا زيد ابن حارثة، ولا أبا لغيره لأنه لم يكن له ابن ~~وقت نزول هذه الآية. # قال قتادة: نزلت في زيد بن حارثة أنه لم يكن بابنه، ولعمري لقد ولد له ~~ذكور وإنه لأبو القاسم وإبراهيم والمطهر. فالمعنى على هذا: لم يكن محمد ~~أبا لمن تبنى من رجالكم، ولكنه أبو أمته في التبجيل والتعظيم. # ثم قال تعالى: { ولكن رسول الله } أي: ولكن كان رسول الله. ~~{ وخاتم النبيين } أي: آخرهم. هذا على قراءة من فتح التاء. ومن ~~كسرها فمعناها: أي طبع على النبوة فلا تفتح لأحد بعده. # روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أنا خاتم ألف نبي أو أكثر " # والخاتم الذي يلبس، فيه أربع لغات: خاتم وخاتم وخاتام ~~وخيتام. # ثم قال تعالى ذكره: { يأيها الذين آمنوا اذكروا الله ~~ذكرا كثيرا } أي: اذكروه بقلوبكم وجوارحكم ولا تخلوا أنفسكم من ~~ذكره في حال من أحوال طاقتكم. # ثم قال: { وسبحوه بكرة وأصيلا } أي: صلوا له غدوة وعشيا، ~~يعني صلاة الصبح وصلاة العصر، والأصيل العشي وجمعه أصائل. والأصيل ~~بمعنى الأصل وجمعه آصال، هذا لفظ المبرد. وقال غيره: أصل عنده جمع ~~أصيل كرغيف ورغف. # ثم قال تعالى: { هو الذي يصلي عليكم وملائكته } ~~أي: ربكم الذي أمرتم بذكره كثيرا هو الذي يرحمكم ويثني عليكم ms2014 فيشيع عنكم ~~الذكر الجميل وملائكته تدعو لكم. # روي أنه لما نزل /: # إن الله وملائكته يصلون على النبي # [الأحزاب: 56] أتاه المؤمنون يهنؤونه بذلك، فقال أبو بكر يا رسول الله: ~~هذا لك خاصة فما لنا؟ فأنزل الله جل ذكره: { هو الذي يصلي ~~عليكم وملائكته } ، أي: يدعون لكم بالرحمة. # وروى الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث طويل: # " إن الله قال لموسى: أخبر بني إسرائيل أن صلاتي ~~على عبادي لتسبق رحمتي غضبي ولولا ذلك ~~لأهلكتهم ". # وقال عطاء بن أبي رباح: " صلاته على عباده: سبوح قدوس ~~لتسبق رحمتي غضبي ". # وفي حديث آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " سبوح قدوس، رحمتي تغلب غضبي ". # ثم قال: { ليخرجكم من الظلمات إلى النور } أي: تدعو ~~ملائكة الله ليخرجكم الله من الكفر إلى الإيمان. وأصل الصلاة في اللغة: ~~الدعاء. وسمي الركوع والسجود صلاة للدعاء الذي يكون في ذلك. # وقال المبرد: أصل الصلاة الترحم، فالصلاة من الله رحمة لعباده، ومن ~~الملائكة رقة لهم واستدعاء للرحمة من الله لهم، والصلاة من الناس سميت ~~صلاة لطلب الرحمة بها. # قال أبو عبيدة: الأصيل ما بين العصر إلى الليل: وقال: { يصلي ~~عليكم وملائكته } أي: يبارك عليكم. # قال ابن عباس: لا يقضي الله على عباده فريضة إلا جعل لها حدا معلوما، ~~ثم عذر أهلها في حال العذر، غير الذكر، فإن الله لم يجعل له حدا ~~ينتهي إليه، ولم يعذر أحدا في تركه إلا مغلوبا على عقله. # ثم قال: { وكان بالمؤمنين رحيما } أي: ذا رحمة أن يعذبهم ~~وهم له مطيعون. # { تحيتهم يوم يلقونه سلام } أي: تحية بعض هؤلاء ~~المؤمنين في الجنة سلام، أي أمنة لنا ولكم من عذاب الله. # قال البراء بن عازب: معناه يوم يلقون ملك الموت يسلم عليهم لا يقبض روح ~~مؤمن حتى يسلم عليه. # قال قتادة: تحية أهل الجنة السلام. # وقال البراء بن عازب في معناه: إن (ملك) الموت لا يقبض روح المؤمن / حتى ~~يسلم عليه. # قال الزجاج: هذا في الجنة، واستشهد عليه بقوله تعالى: و # تحيتهم فيها سلام ms2015 # [إبراهيم: 23] ودليله أيضا قوله جل ذكره: # يدخلون عليهم من كل باب * سلام عليكم # [الرعد: 23-24]. # وفرق المبرد بين التحية والسلام، فقال: التحية تكون لكل دعاء، والسلام ~~مخصوص، ومنه # ويلقون فيها تحية وسلاما # [الفرقان: 75]. # ثم قال تعالى ذكره: { وأعد لهم أجرا كريما } أي: أعد لهم ~~الجنة على طاعتهم له في الدنيا. # ثم قال تعالى ذكره: { يأيها النبي إنآ أرسلنك ~~شهدا ومبشرا ونذيرا } أي: أرسلناك يا محمد شاهدا على أمتك ~~بإبلاغك إياهم ما أرسلت به، ومبشرا لمن أطاعك بالجنة، ونذيرا لمن عصاك ~~بالنار، قاله قتادة وغيره. # ثم قال: { وداعيا إلى الله بإذنه } أي: إلى توحيد الله، ~~وطاعته. قال قتادة: " وداعيا الى الله " إلى شهادة أن لا إله إلا ~~الله. # { بإذنه } أي: بأمره إياك بذلك. { وسراجا منيرا } أي: ~~مضيئا للخلق يبين لهم أمر دينهم ويهتدون به كما يهتدى بالسرج ~~المضيء. # ثم قال تعالى: { وبشر المؤمنين بأن لهم من الله ~~فضلا كبيرا } أي: من ثواب الله أضعافا كثيرة. وقيل: المعنى: وذا ~~سراج: أي ذا كتاب بين مضيء. # قال ابن عباس: # " لما نزلت هذه الآية: { يأيها النبي إنآ أرسلنك ~~شهدا } الآية، دعا النبي صلى الله عليه وسلم عليا ومعاذا فقال: " ~~انطلقا فيسرا ولا تعسرا فإنه قد نزل علي: { ~~إنآ أرسلنك شهدا } الآية وقرأ الآية ". # ثم قال: { ولا تطع الكافرين والمنافقين } أي: لا تسمع ~~دعاءهما إليك على التقصير في تبليغ رسالات الله. # { ودع أذاهم }. قال مجاهد أعرض عنهم. وقال مجاهد: دع الأذى لا ~~تجازهم عليه حتى تؤمر فيه بشيء. وقيل: المعنى لا تؤذيهم، وكان هذا قبل أن ~~يؤمر بالقتال، ثم نسخ ذلك بالقتال. # قال قتادة: معناه: اصبر على أذاهم. # ثم قال تعالى: { وتوكل على الله } أي: فوض إلى الله أمرك ~~وثق به، فإن الله كافيك. { وكفى بالله وكيلا } أي: وحسبك ~~بالله فيما يأمرك به حافظا لك وكالئا. # ثم قال تعالى ذكره: { يأيها الذين آمنوا إذا نكحتم ~~المؤمنات } الآية، أي إذا تزوجتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل ~~الدخول بهن والمجامعة - والنكاح هنا العقد - فلا عدة لكم عليهن ms2016 / { ~~فمتعوهن } أي: أعطوهن ما يستمتعن به من عرض أو عين. # { وسرحوهن سراحا جميلا } أي: خلوا سبيلهن تخلية بمعروف. # قال ابن عباس: إذا طلق التي لم يدخل بها واحدة بانت منه ولا عدة عليها، ~~تتزوج من شاءت، فإن كان سمى لها صداقا فلها نصفه، وإن كان لم يسم متعها ~~على قدر عسره ويسره. # وقيل: المتعة منسوخة بقوله جل ذكره: # فنصف ما فرضتم # [البقرة: 237]، قاله ابن المسيب وقتادة: وهذه الآية خصصت آية البقرة ~~وبينتها وهي قوله تعالى: # والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء # [البقرة: 228] فظاهر الآية أن ذلك في كل مطلقة. فبينت آية الأحزاب أن ~~آية البقرة في المدخول بها. وكذلك آية الأحزاب خصصت وبينت آية الطلاق، ~~وهي قوله: # واللائي يئسن من المحيض من نسآئكم إن ~~ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم ~~يحضن # [الطلاق: 4] فبينت آية الأحزاب أن الثلاثة الأشهر لهذين الصنفين، إنما ~~ذلك للمدخول بها، كذلك أيضا آية الطلاق خصصت وبينت أن آية البقرة في غير ~~الصنفين المذكورين في سورة الطلاق فصار في آية البقرة تخصيصان وبيانان من ~~سورتين. وصارت آية الأحزاب مخصصة ومبينة لآيتين من سورتين فآية الأحزاب ~~أحكم إذ لا تخصيص فيها. # فالإعتداد للرجال، أي: هم يستوفون من النساء ما عليهن من العدة. فالعدة ~~على النساء، والاعتداد للرجال لأن العدة التي على النساء حق للأزواج ~~ليستبرءوا أرحامهن لئلا يلحق أولادهم بغيرهم، أو يلحق بهم غير أولادهم. ### || [33.50-52] # قوله تعالى ذكره: { يأيها النبي إنآ أحللنا لك ~~أزواجك } إلى قوله: { على كل شيء رقيبا }. # أي: أحل لك يا محمد أزواجك اللاتي أعطيتهن صدقاتهن، وأحل لك ما ملكت ~~يمينك من السبي، وأحل لك بنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك ~~من هاجر منهن معك دون من لم يهاجر. هذا معنى قول الضاحك. # قال ابن زيد: كل امرأة أتاها مهرها فقد أحلها الله له. # وروى أبو صالح عن أم هانئ أنها قالت: # " خطبني رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتذرت إليه ~~فعذرني، ثم أنزل الله تعالى: { إنآ أحللنا لك ~~أزواجك } إلى قوله: { هاجرن ms2017 معك } ، ولم أكن هاجرت ~~وإنما كنت من الطلقاء، فكنت لا أحل له ". # وفي قراءة ابن مسعود: " واللاتي هاجرن معك " بالواو فهذا يدل على أنه ~~قد أحل له من هاجر ومن لم يهاجر. # وقوله: { وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي } ~~أي: وأحللنا له امرأة مؤمنة إن وهبت نفسها له بغير صداق. { إن وهبت ~~} شرط، وجوابه محذوف، والتقدير: إن وهبت نفسها حلت له، أي: إن تهب نفسها ~~تحل. # ويجوز أن يكون الجواب هو المحذوف الناصب لامرأة. # وقرأ الحسن: " أن وهبت " بفتح أن. أي لأن وهبت، أي: من أجل أن ~~وهبت. # وقيل: هي بدل من " امرأة " على بدل الاشتمال. # وفي قراءة ابن مسعود: " وامرأة مؤمنة وهبت " بغير إن. ~~والمعنى على ما مضى نقول: كل طعاما إن ملكته، وكل طعاما ملكته، أي: ~~ملكته في ما مضى. # ثم قال تعالى: { إن أراد النبي أن يستنكحها } أي: ~~ينكحها فحلال له نكاحها إذا وهبت له نفسها بغير مهر. # { خالصة لك } أي: لا يحل ذلك لأحد غيرك. # قال قتادة: ليس لأمرأة أن تهب نفسها لرجل بغير أمر ولي ولا مهر إلا ~~للنبي صلى الله عليه وسلم كانت له خالصة دون سائر أمته. وروي أنها نزلت ~~في ميمونة بنت الحارث وهبت نفسها للنبي عليه السلام، قاله الزهري وعكرمة ~~ومحمد بن كعب وقتادة. وقيل: لم يكن عند النبي أمرأة وهبت له نفسها بغير ~~صداق، وإنما المعنى: إن وقع ذلك فهو حلال لك يا محمد قاله مجاهد وابن ~~عباس. وقال علي بن الحسين وعروة والشعبي: هي أم شريك وقيل: هي زينب بنت ~~خزيمة ولا تكون إلا مكسورة على قول ابن عباس ومجاهد لأنها بمعنى: إن وقع ~~ذلك فيما يستقبل. ويجب أن تكون مفتوحة على قول غيرهما لأنه شيء قد وقع ~~وكان على قولهم. # وقوله: { خالصة لك } يرجع على المرأة التي وهبت نفسها دون ما ~~قبلها من قوله: { إنآ أحللنا لك } / وما بعده. # وإنما قال تعالى للنبي ولم يقل لك، لئلا يتوهم أنه يجوز ذلك للغير كما ~~جاز ذلك في: { وبنات عمك ms2018 وبنات عماتك }. أي: بنات العم ~~والعمة والخال والخالة يحللن للناس. # وقيل: إنما جاز ذلك لأن العرب تخبر عن الحاضر بأخبار الغائب ثم ترجع ~~فتخاطب. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قبل نزول الآية يتزوج أي النساء ~~شاء فقصره الله على هؤلاء، فلم يعداهن وقصر سائر أمته على مثنى وثلاث ~~ورباع. # ثم قال: { قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم ~~} يعني المؤمنين لا يحل لأحد نكاح إلا بولي وعقد وصداق وشهود عدول، وأن ~~لا يزوج الرجل أكثر من أربع وما ملكت اليمين، قاله قتادة وغيره (فالمعنى) ~~قد علمنا ما في ذلك من الصلاح. # وقال أبي بن كعب في معناها: هو مثنى وثلاث ورباع. # ثم قال تعالى: { لكيلا يكون عليك حرج } أي: أحللنا لك ما ~~تقدم ذكره لئلا يكون عليك إثم وضيق في نكاح من نكحت من هؤلاء الأصناف ~~المسميات لك في هذه الآية. # ثم قال: { وكان الله غفورا رحيما } أي: غفورا لك ولأهل ~~الإيمان بك، رحيما بك وبهم أن يعاقبهم على ذنوب تابوا منها. # ثم قال تعالى: { ترجي من تشآء منهن } أي: تؤخر يا محمد من ~~تشاء من أزواجك وتضم من تشاء. # يقال: أرجأت الأمر: أخرته. ومن ترك الهمزة في " ترجي " ~~فيحتمل أن يكون أبدل من الهمزة ثم أسكنها استثقالا للضمة. # وقيل: هي لغة، يقال: أرجيت بمعنى أرجأت. كما يقال قريت. بمعنى ~~قرأت. # وقال المبرد: هو من رجا يرجو، يقال: رجاء وأرجيته إذا جعلته ~~يرجو. # قال مجاهد في معنى الآية: تعزل يا محمد بغير طلاق من أزواجك من تشاء ~~وتؤوي إليك من تشاء، أي تردها إليك. # قال قتادة: جعله الله في حل من ذلك أن يدع من يشاء منهن بغير قسم وكان ~~صلى الله عليه يقسم. # وقال أبو رزين: لما أشفق النبي صلى الله عليه وسلم أن يطلقهن، قلن يا ~~رسول الله: اجعل لنا في مالك ونفسك ما شئت فكان ممن أرجأ منهن سودة بنت ~~زمعة وجويرية وصفية وأم حبيبة وميمونة، وكان ممن أوى عائشة وأم سلمة ~~وحفصة وزينب. ms2019 فالمعنى على هذا القول أنه صلى الله عليه أخر هؤلاء فلم ~~يقسم لهن ولم يطلقهن، وضم هؤلاء فقسم لهن، وهو قول الضحاك. # وعن ابن عباس أن المعنى من شئت خليت سبيله منهم ومن شئت أمسكت منهن. # وقال الحسن: المعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خطب امرأة لم ~~يكن لرجل أن يخطبها حتى يتركها أو يتزوجها. # فالمعنى: اترك نكاح من شئت من أمتك، وانكح من شئت. # وقال ابن زيد في ذلك كلاما معناه: إن الله جل ذكره أمر نبيه أن يخير ~~نساءه بين الدنيا والآخرة في قوله: # قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا # [الأحزاب: 28] إلى قوله: # أجرا عظيما # [الأحزاب: 29] فلما اخترن الآخرة واخترنه أبيح له أن يعزل من شاء منهم ~~فلا يقسم لها، ويضم من شاء فيقسم لها، ومن ابتغى ممن عزل عن نفسه، فله أن ~~يرجع ويقسم لها، فخيرهن أيضا في الرضى بهذا أو يفارقهن فرضين بذلك إلا ~~امرأة بدوية ذهبت. # فقال الله جل ذكره: { ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا ~~يحزن ويرضين بمآ آتيتهن كلهن } أي: أن يسكن ولا ~~يغرن ويرضين كلهن بما فعلت من ضم أو عزل، إذ ذلك كله من حكم الله لك ~~فيهن، وذلك إشارة إلى ما تقدم مما أباحه الله لرسوله عليه السلام فيهن. # قال قتادة: ومن ابتغيت " أي: لك أن تأتي من شئت منهم لا إثم عليك ~~في ذلك، وهو قول الحسن. # وقال ابن عباس: معناه من مات من نسائك اللواتي عندك، أو خليت سبيله فلا ~~إثم عليك في أن تستبدل عوضها من اللاتي أحللت لك، ولا يحل أن تزداد على ~~عدة نسائك اللاتي عندك شيئا. # قال الزجاج: معناه إن أردت أن تؤوي إليك من عزلت فلا جناح عليك. وهو ~~القول الأول بعينه، وهو أحسنها إن شاء الله تعالى. # ثم قال تعالى: { والله يعلم ما في قلوبكم } أي: من ميلكم ~~إلى بعض من عندكم من النساء دون بعض بالهوى والمحبة فلذلك وضع عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الحرج ms2020 في ذلك لأن القلب لا يملك، والهوى سلطان ~~غائب عن الإنسان. # ثم قال: { وكان / الله عليما } أي: ذا علم بأعمالكم وغيرها. { ~~حليما } أي: ذا حلم عن عباده أن يعاجل أهل الذنوب بالعقوبة. # ثم قال تعالى: { لا يحل لك النسآء من بعد } أي: من بعد ~~من عندك من النساء. # قال قتادة: لما اخترن الله ورسوله قصره عليهن وهن تسع. # وقيل: المعنى: لا يحل لك النساء بعد اللواتي أحللنا، يعني في قوله: { ~~إنآ أحللنا لك أزواجك } إلى قوله: { من دون ~~المؤمنين } قاله أبي بن كعب والضحاك. # وقال مجاهد: المعنى: من بعد المسلمين، فحرم عليه نكاح اليهوديات ~~والنصرانيات. وهو قول ابن جبير وعكرمة. # وروي عن عائشة أنها قالت: # " ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل الله له ~~النساء " # ، فتكون الآية منسوخة بالسنة. # وقد روي ذلك عن أم سلمة، وهو قول علي وابن عباس والضحاك. وقيل: الآية ~~محكمة، ولا يحل له النساء بعد نزول هذه الآية، وهو قول أبي بن كعب، ~~واختيار الطبري. # ثم قال تعالى: { ولا أن تبدل بهن من أزواج } أي: ولا ~~يحل لك أن تستبدل من عندك غيرهن من المسلمات، قاله الضحاك. # وقال مجاهد: لا تستبدل بمن عندك من المسلمات كتابية. # وقال ابن زيد: لا تبدل زوجتك بزوجة رجل آخر، وهو فعل كان في الجاهلية ~~وقوله: { إلا ما ملكت يمينك } أي: فذلك حلال. # وقال ابن زيد: إلا ما ملكت يمينك، فلك أن تبادل غيرهن ولا تفعل ذلك في ~~الحرائر. ### || [33.53-56] # قوله تعالى ذكره: { يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا ~~بيوت النبي } إلى قوله: { وسلموا تسليما }. # المعنى: أن الله جل ذكره أمر أصحاب النبي عليه السلام ألا يدخلوا عليه ~~إلا أن يأذن لهم إلى طعام لم يكونوا منتظرين وقته وإدراكه. # وإناه مصدر أنى يأتي إنا وإنيا وأنا ممدود، وفيه لغة ~~أخرى، يقال: أن يئين أنيا، ويقال في معناه: نال لك وأنال لك. ~~ومعنى آن: حان. " وغير " منصوب على الحال من الكاف والميم في " لكم " ، ~~ولا يحسن خفضه على النعت لطعام ms2021 لأنه لا يلزم منه إظهار الضمير، فتقول: ~~غير ناظرين أنتم إناه، لأن اسم الفاعل إذا جرى صفة على غير من هو له، أو ~~خبرا لم يكن بد من إظهار الضمير الذي فيه. والمعنى غير منتظرين حينه ~~ونضجه. # ثم قال: { ولكن إذا دعيتم فادخلوا } أي: إذا دعاكم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته لطعام فادخلوا. # { فإذا طعمتم فانتشروا } أي: فتفرقوا إذا أكلتم من بيته. # { ولا مستأنسين لحديث } أي: لا متحدثين بعد فراغكم من ~~أكلكم. # وكان نزول هذه الآية في قول أكلوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~وليمة زينب بنت جحش، ثم جلسوا يتحدثون في مجلس رسول الله، ولرسول الله ~~إلى أهله حاجة، فمنعه الحياء أن يأمرهم بالخروج من منزله. # روى معنى ذلك أنس بن مالك، قال أنس: وكان قد أولم رسول الله بتمر ~~وسويق. # وكان أنس ذلك اليوم ابن عشر سنين. # وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر نساء النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالحجاب، فقالت زينب: يا ابن الخطاب إنك لتغار علينا والوحي ينزل في ~~بيوتنا، فأنزل الله جل ذكره: { وإذا سألتموهن متاعا ~~فاسألوهن من ورآء حجاب }. # وهذا أدب لأصحاب النبي عليه السلام ولمن بعدهم. # وقال قتادة: كان هذا في بيت أم سلمة أكلوا وأطالوا الحديث، فجعل النبي ~~صلى الله عليه وسلم يدخل ويخرج، ويستحي منهم والله لا يستحي من الحق. # ثم قال: { إن ذلكم كان يؤذي النبي } أي: دخولكم في ~~بيت النبي من غير أن يؤذن لكم، وجلوسكم فيها مستأنسين لحديث بعد فراغكم ~~من أكل الطعام الذي دعيتم له كان يؤذي النبي فيستحي منكم أن يخرجكم منها. ~~وأن يمنعكم من الدخول إذا دخلتم بغير إذن مع كراهته لذلك منكم. { ~~والله لا يستحيي من الحق } أن يبينه لكم. # ثم قال: { وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من ~~ورآء حجاب } أي: وإذا سألتم أزواج النبي صلى الله عليه وسلم طعاما ~~أو غيره فخاطبوهن من وراء حجاب، أي: من وراء ستر / ولا تدخلوا عليهن ~~بيوتهن. # ثم قال ms2022 جل ذكره: { ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن } ~~أي: مخاطبتكم لهن من وراء حجاب أطهر لقلوبكم، وقلوبهن من عوارض الفتن. # وذكر مجاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطعم ومعه بعض أصحابه ~~فأصابت يد رجل منهم يد عائشة فكره ذلك النبي، فنزلت آية الحجاب. # وروى أنس أن عمر قال: # " قلت لرسول الله إن نساءك يدخل عليهن البر ~~والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن، قال فنزلت آية ~~الحجاب " # وروي: # " أن سودة خرجت ليلا للبراز عشاء، وكانت طويلة فناداها عمر ~~بصوته الأعلى: " قد عرفناك يا سودة حرصا على أن ~~ينزل الحجاب فنزلت آية الحجاب ". # ثم قال تعالى: { وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا ~~أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا } أي: ما ينبغي ولا ~~يصلح لكم أذى نبيكم ولا نكاح أزواجه من بعده لأنهن أمهاتكم، فلهن حرمة ~~الأمهات. # روى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال: لما نزلت آية الحجاب قال رجل من ~~أصحاب رسول الله: أينهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ندخل على بنات ~~عمنا، أما والله لئن مات رسول الله وأنا حي لأتزوجن عائشة، فأنزل الله ~~تعالى وجل ذكره: { ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده ~~أبدا } إلى: { عليما }. فأعلمهم أنه يعلم ما يخفون في أنفسهم وما ~~يبدون. # قال قتادة: قال رجل من أصحاب رسول الله عليه السلام: إن مات رسول الله ~~تزوجت فلانة، امرأة من أزواج النبي. # قال معمر: الذي قال هذا طلحة لعائشة. # ثم قال: { إن ذلكم كان عند الله عظيما } أي: إن أذاكم ~~نبيكم ونكاحكم أزواجه من بعده عند الله عظيما من الإثم. # ثم قال تعالى: { إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله ~~كان بكل شيء عليما } أي: إن تظهروا شيئا بألسنتكم من جميع ~~الأمور أو تخفوه في قلوبكم فلا تظهروه، فإن الله كان بكل شيء ذا علم لا ~~يخفى عليه شيء. # ثم قال تعالى: { لا جناح عليهن في آبآئهن } أي: لا ~~إثم على أزواج النبي في الظهور إلى آبائهن ولا إلى من ذكر بعد ذلك من ms2023 ذوي ~~المحارم. قال مجاهد: معناه: لا إثم عليهن في أن تضع الجلباب ومعها من ~~ذكر. وقال قتادة: رخص لهؤلاء أن لا يحتجبن منهم. # وهذا القول أليق بسياق الآية. والآية عامة في أزواج النبي عليه السلام ~~وأزواج المؤمنين ألا يحتجب من الآباء ولا من الأبناء ولا من الإخوة ولا ~~من أبناء الإخوة. # قال الشعبي: ولم يذكر في ذلك العم حذارا من أن يصفهن لأبنائه. # وكره الشعبي وعكرمة أن تضع خمارها عند عمها وخالها، لأنهما يصفانها إلى ~~ابنيهما، ونكاحها إلى كل واحد من ابنيهما يحل. وقيل: إنما لم يذكر العم ~~والخال لأنهما يجريان مجرى الوالدين. وقوله: { ولا نسآئهن } أي: ~~ولا يحتجبن من نساء المؤمنين. # وقال ابن زيد: هذا كله في الزينة، وقوله: { ولا نسآئهن } يعني ~~المؤمنات الحرائر، قال: ولا يجوز للمرأة أن تنظر إلى شيء من عورات ~~المرأة. # ثم قال تعالى: { ولا ما ملكت أيمانهن } يعني المماليك. # قال ابن زيد: كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لا يحتجبن من ~~المماليك. # قيل: إن ذلك في النساء من المماليك خاصة. # وقيل: في النساء والرجال من المماليك. # ثم قال تعالى: { واتقين الله } أي: وخفن الله أن تتحدين في ~~ما حد الله لكن في الحجاب. # { إن الله كان على كل شيء شهيدا } هو شاهد على ما ~~تفعلنه من حجابكن وغير ذلك من أموركن. # ثم قال تعالى ذكره: { إن الله وملائكته يصلون على ~~النبي }. أجاز الكسائي رفع الملائكة. وأجاز: إن زيدا وعمرو ~~متطلقان. ومنعه جميع النحويين في البسملة. # وأجازه بعضهم في الآية على حذف، والتقدير: إن الله يصلي على النبي ~~وملائكته يصلون على النبي، ثم حذف من الأول لدلالة الثاني وقد قدر بعض ~~النحويين هذا التقدير في الآية مع النصب، وقال: يبعد أن يجتمع ضمير الله ~~جل ذكره مع غيره إجلالا له وتعظيما، ثم استدل على ذلك بإنكار النبي صلى ~~الله عليه وسلم على الذي قال: ما شاء الله وشئت فقال: " ما شاء الله، ~~ثم شئت " فالواو كالجمع. فالمعنى /: إن الله وملائكته يباركون على ~~النبي، قاله ms2024 ابن عباس. # وقيل: التقدير: إن الله يرحم على النبي وملائكته يدعون له، فهذا التقدير ~~أيضا مما يقوي تقدير الحذف من الأول، ويكون يصلون للملائكة خاصا لأن ~~الصلاة من غير الله دعاء، وقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم كيف نصلي ~~عليه، فقال: # " قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت ~~على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما ~~باركت على إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، ~~والسلام كما قد علمتم ". ### || [33.57-73] # قوله تعالى ذكره: { إن الذين يؤذون الله ورسوله } ~~إلى آخر السورة. # أي: إن الذين يؤذون أولياء الله، قاله الشعبي. # روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " قال الله عز وجل: " شتمني عبدي ولم يكن له أن ~~يشتمني، وكذبني عبدي ولم يكن له أن يكذبني ~~فأما شتمه إياي فقوله: إني اتخذت ولدا، ~~وأنا الأحد الصمد. وأما تكذيبه إياي فإنه ~~زعم أن لن يبعث - يعني بعد الموت - " # وقال عكرمة: هم أصحاب التصاوير. # وقيل: إنهم يعصون الله ويركبون ما حرم عليهم فذلك أذاهم. # ثم قال تعالى: { والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات ~~بغير ما اكتسبوا }. # قال مجاهد: يقفون فيهم بغير ما عملوا. # وقيل: إنها نزلت في الذين طعنوا على النبي صلى الله عليه وسلم حين نكح ~~صفية بنت حيي. # ثم قال: { لعنهم الله في الدنيا والآخرة } أي: أبعدهم ~~من رحمته. # ثم قال: { فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا } أي: ~~وزر كذب وفرية شنيعة، { وإثما مبينا } أي: بين لسامعه أنه ~~إثم وزور. والبهتان أفحش الكذب. # ثم قال تعالى: { يأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ~~ونسآء المؤمنين } الآية. أي: قل لهن يرخين عليهن أرديتهن لئلا ~~يشتبهن بالإماء في لباسهن إذا خرجن لحاجتهن فيكشفن شعورهن ووجوههن، ولكن ~~يدنين عليهن من جلابيبهن لئلا يعرض لهن فاسق. # قال ابن عباس في معناها: أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في ~~حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب، ويبدين عينا واحدة. # وعنه أيضا أنه قال: كانت الحرة تلبس لباس الأمة، فأمر الله نساء ~~المؤمنين ms2025 أن يدنين عليهن من جلابيبهن، وإدناء الجلباب أن تقنع به وتشده ~~على جبينها. # وقال أبو مالك والحسن: كان النساء يخرجن بالليل في حاجاتهن فيؤذيهن ~~المنافقون ويتوهمون أنهن إماء فأنزل الله الآية. وكان عمر رضي الله إذا ~~رأى أمة قد تقنعت علاها بالدرة. # وقال ابن سيرين: سألت عبيدة عن قوله: { يدنين عليهن من ~~جلابيبهن } فقال: تغطي حاجبها بالرداء أو ترده على أنفها حتى يغطي ~~رأسها ووجهها وإحدى عينيها. # وقال مجاهد: يتجلببن حتى يعرفن فلا يؤذين بالقول. # وقال الحسن: { ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين } أي: ~~يعرفن حرائر فلا يؤذين. # قال ابن عباس وابن مسعود: الجلباب الرداء. # وقال المبرد: الجلباب كل ملحفة تستر من ثوب أو ملحفة. # ثم قال: { وكان الله غفورا } لما سلف منهن من ترك إدنائهن ~~جلابيبهن عليهن، { رحيما } بهن أن يعاقبهن بعد موتهن. # ثم قال تعالى: { لئن لم ينته المنافقون والذين في ~~قلوبهم مرض } أي: لئن لم ينته الذين يسرون الكفر. # { والذين في قلوبهم مرض } أي: شهوة من الزنى من ~~المنافقين. # { والمرجفون في المدينة } أي: أهل الإرجاف في المدينة ~~بالكذب والباطل يشيعون ما يخوفون به المؤمنين، وهم من المنافقين، أيضا ~~هم أجناس قد جمعوا هذه الأسماء كلها. # قال قتادة: أراد المنافقون أن يظهروا ما في قلوبهم من النفاق فتوعدهم ~~الله بهذه الآية فكتموا نفاقهم وستروه. # ثم قال تعالى: { لنغرينك بهم } أي لنسلطنك عليهم، وقد أغراه ~~بهم بقوله جل ذكره: # ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم ~~على قبره # [التوبة: 84] وأمره بلعنهم. # وقال المبرد: قد أغراه بهم في قوله: { أينما ثقفوا أخذوا ~~وقتلوا تقتيلا } قال: وهذا فيه معنى الأمر بقتلهم وأخذهم، أي: ~~هذا حكمهم إذ قاموا على النفاق والإرجاف في المدينة. وهو مثل قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم: # " خمس يقتلن في الحرم " # ففيه معنى الأمر ولفظه خبر. # وقيل: إنهم انتهوا عن الإرجاف /. # وقيل: إنه لقوم بأعيانهم. # قال ابن عباس: " لنغرينك " لنسلطنك. # وقال قتادة: لنحرشنك. # وقد استشهد من قال بجواز ترك إنفاذ الوعيد بهذه الآية، وقال: قد تواعدهم ms2026 ~~الله بأن يغري نبيه عليهم ولم يفعل. # وقال من يخالفه: قد أغراه بهم، وأنفذ وعيده فيهم. وبقاء المنافقين مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة إلى أن توفي يدل على أن الله لم ~~ينفذ الوعيد فيهم لأن من تمام وعيده فيهم: قوله: { ثم لا ~~يجاورونك فيهآ إلا قليلا } وهو مذهب أهل السنة. إذ المعروف ~~من عادات الكرماء وأهل الفضل والشرف إتمام وعدهم وتأخير إنفاذ وعيدهم ~~بالعفو والمعروف بالإحسان، ولا أحد أكرم من الله ولا أبين فضلا وشرفا ~~منه فهو أولى بالعفو والإحسان وترك إنفاذ وعيده في المؤمنين. # ثم قال: { ثم لا يجاورونك فيهآ إلا قليلا } أي: إن لم ~~ينتهوا عن الإرجاف سلطتك عليهم ولا يقيموا معك في المدينة إلا وقتا ~~قليلا. وهذا وقف إن جعلت { ملعونين } نصبا على الذم. فإن جعلته ~~حالا وقفت على { ملعونين }. وهو قول الأخفش وغيره وهو حال من ~~المضمر في { يجاورونك }. # وأجاز بعض النحويين أن يكون حالا من المضمر في { أخذوا } ، وذلك لا ~~يجوز لأن ما بعد حرف الشرط لا يعمل فيما قبله. ولا يحسن الوقف على " ~~تقتيلا " ، لأن " سنة " انتصبت على فعل دل عليه ما قبله، فما قبله ~~يقوم له مقام العامل. # ومعنى { ملعونين } أي: مطرودين ومبعدين. # { أينما ثقفوا } أي: وجدوا، { أخذوا وقتلوا } لكفرهم ~~بالله. # ثم قال تعالى: { سنة الله في الذين خلوا من قبل } ~~أي: سن الله ذلك سنة في الذين ينافقون على الأنبياء ويرجفون بهم أن ~~يقتلوا حيث ما وجدوا. # ثم قال: { ولن تجد لسنة الله تبديلا } أي: ولا تجد يا ~~محمد لسنة الله التي سنها في خلقه تغييرا. # ثم قال تعالى: { يسألك الناس عن الساعة } أي: عن قيامها ~~ومتى تكون. # { قل إنما علمها عند الله } أي: علم وقت قيامها عند الله ~~لا يعلمها إلا هو. # ثم قال: { وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا } أي: ~~وما يشعرك يا محمد، لعل قيام الساعة يكون منك قريبا قد دنا وحان. وذكر ~~قريبا على معنى الوقت والقيام. # ثم قال تعالى: { إن الله لعن الكافرين وأعد ms2027 لهم ~~سعيرا } أي: أبعدهم من كل خير وأعد لهم في الآخرة نارا ماكثين فيها ~~أبدا، لا يجدون وليا يمنعهم منها، ولا نصيرا ينصرهم فيخرجهم من ~~عذابها. # ثم قال: { يوم تقلب وجوههم في النار } أي: لا يجدون ~~وليا ولا نصيرا في هذا اليوم الذي تقلب فيه وجوههم في النار. قائلين: { ~~يليتنآ أطعنا الله وأطعنا الرسولا } أي: في الدنيا، ~~ندامة وحسرة على ما فات. # ثم قال: { وقالوا ربنآ إنآ أطعنا سادتنا ~~وكبرآءنا } أي: وقال هؤلاء الذين تقدمت صفتهم في النار: يا ربنا ~~إنا أطعنا في الكفر سادتنا، أي أئمتنا وكبراءنا. # { فأضلونا السبيلا } أي: أزالونا عن محجة الحق وطريق الهدى. # { ربنآ آتهم ضعفين من العذاب } أي: عذبهم مثلي ~~عذابنا. # { والعنهم لعنا كبيرا } أي: أخزهم خزيا كبيرا. # ففي هذه الآية زجر عن التقليد لأنهم لو نظروا لظهر لهم أنهم على ضلال، ~~ولكنهم قلدوا ضلالا فضلوا. # ثم قال تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تكونوا ~~كالذين آذوا موسى } أي: لا تؤذوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بقول يكرهه، فتكونوا أمثال بني إسرائيل الذين رموا موسى بعيب كذب، ~~فبراءة الله مما رموه به. # { وكان عند الله وجيها } أي: ذا منزلة ودرجة رفيعة كلمه ~~تكليما. # روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " كان موسى رجلا حييا فكان لا يرى متجردا، فقال ~~بنو إسرائيل: إنه آدر، فذهب موسى يغتسل فوضع ~~ثيابه على حجر فمر الحجر يسعى بثيابه فتبعه ~~موسى فقال: ثيابي حجر! ومر بمجلس بني إسرائيل فرأوه ~~فبرأه الله مما قالوا " # وكذلك ذكر ابن عباس وابن زيد وغيرهما. # وعن أبي هريرة أنه رموه بالبرص فبرأه الله من ذلك. # وروي عن النبي عليه السلام أنه قال: # " إن موسى كان رجلا حييا ستيرا لا يكاد يرى من جلده ~~شيء استحياء منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل /، وقالوا: ما ~~استتر هذا إلا من عيب بجلده، إما أدرة وإما برص، ~~وإما آفة، فبرأه الله مما قالوا بالحجر ". # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: # " صعد موسى ms2028 وهارون الجبل فمات هارون، فقالت بنو إسرائيل: أنت قتلته وكان ~~أشد حبا لنا منك وألين لنا منك، فآذوه بذلك فأمر الله الملائكة ~~فحملته، حتى مروا به على بني إسرائيل وتكلمت الملائكة بموته حتى عرف بنو ~~إسرائيل أنه قد مات، فبرأه الله من ذلك فانطلقوا به فدفنوه فلم يطلع أحد ~~من خلق الله على قبره إلا الرخم فجعله الله أصم أبكم ". # ثم قال: { يأيها الذين آمنوا اتقوا الله } أي: لا ~~تعصوه. # { وقولوا قولا سديدا } أي: قولوا في رسول الله قولا عدلا ~~حقا. قاله مجاهد. # وقال عكرمة: " قولا سديدا " لا إله إلا الله وما أشبهها من الصدق. # ثم قال: { يصلح لكم أعمالكم } أي: يوفقكم لصالح الأعمال. # { ويغفر لكم ذنوبكم } أي: لا يعذبكم عليها بعد توبتكم ~~منها. # { ومن يطع الله ورسوله } أي: فيما أمر به ونهى عنه. # { فقد فاز } أي: نجا وظفر بالكرامة. # { فوزا عظيما } أي: نجا نجاة عظيمة. # { إنا عرضنا الأمانة على السموت والأرض } ~~الآية. # قال ابن جبير والحسن الأمانة: الفرائض التي افترضها الله على عباده، فلم ~~تقدر على حملها، وعرضت على آدم فحملها. { إنه كان ظلوما } أي ~~لنفسه، { جهولا }. أي جاهلا بالذي له فيه الحظ. قال جويبر: فلما عرضت ~~على آدم، قال: أي رب [وما الأمانة]؟ فقيل له: إن أديتها جزيت وإن ~~أضعتها عوقبت، قال أي رب، حملتها بما فيها، قال: فما مكث في الجنة ~~إلا قدر ما بين العصر إلى غروب الشمس حتى عمل بالمعصية فأخرج منها. # وروي هذا القول عن ابن عباس، قال ابن عباس: عرضت الفرائض على السماوات ~~والأرض والجبال فكرهن ذلك وأشفقن من غير معصية، ولكن تعظيما لدين الله ~~ألا يقمن به، ثم عرضها على آدم فقبلها. والحمل ها هنا من الحمالة ~~والضمان، وليس من الحمل على الظهر ولا في الصدر. # وقيل: الأمانة ها هنا أمانات الناس والصلاة والصوم والوضوء. وهذا القول ~~كالأول لأنه كله فروض وأداء أمانات الناس فرض فهو القول الأول بعينه. # وقيل: هو ائتمان آدم ولده قابيل على أخيه هابيل فقتله، رواه السدي عن ms2029 ~~ابن عباس في حديث مرسل. # وقيل: المعنى: إنا عرضنا الأمانة على أهل السماوات وأهل الأرض وأهل ~~الجبال من الملائكة والجن والإنس، فأبين أن يحملنها، أي يحملن وزرها، ~~وحملها الإنسان، يعني الكافر والمنافق. # وذكر القتبي: أن الله جل ذكره عهد إلى آدم وأمره وحرم عليه وأحل له فعمل ~~بذلك، فلما حضرته الوفاة سأل الله أن يعلمه من سيخلفه بعده ويقلده من ~~الأمانة ما قلد، فأمره أن يعرض ذلك على السماوات والأرض والجبال بالشرط ~~الذي شرطه الله عليه من الثواب إن وفى والعقاب إن عصى، فأبين أن يقبلن ~~ذلك شفقا من عقاب الله، ثم أمره أن يعرض ذلك على ولده فقبله بالشرط ~~لجهله لعاقبة ما تقلد. ولذلك ظهر إيمان المؤمن ونفاق المنافق وكفر ~~الكافر، ولذلك قال تعالى بعد ذلك: { ليعذب الله ~~المنافقين والمنافقات } إلى آخر السورة. # فقال أبو إسحاق في الأمانة: إن الله جل ذكره ائتمن بني آدم على ما ~~افترضه عليهم من طاعته، وائتمن السماوات والأرض والجبال على طاعته ~~والخضوع له، فأما السماوات والأرض والجبال فأعلمتا بطاعتهن له، قال ~~تعالى: # ثم استوى إلى السمآء # [فصلت: 11] الآية، # قالتآ أتينا طآئعين # [فصلت: 11]. وأعلمنا أن من الحجارة ما يهبط من خشية الله، وأن الشمس ~~والقمر والنجوم (والملائكة) يسبحون لله، فأعلمنا أن السماوات والأرض ~~والجبال أبين أن يحملن الأمانة وتأديتها، - وأداؤها طاعة الله فيما أمر ~~به وترك المعصية - وحملها الإنسان. # قال الحسن: الكافر والمنافق حملا الأمانة، أي: خاناها ولم يطيقاها. ~~وتصديق ذلك قوله: { ليعذب الله المنافقين } الآية. # وقيل: المعنى: أن الله جل ذكره عرض على السماوات أن ينزل قطرها في ~~إبانه بلا ملائكة يوكلون بها، وعلى أن لها الثواب وعليها العقاب فأبت، ~~وعرض على الأرض أن يخرج نباتها وأنهارها وما يكون / منها في آجاله بلا ~~ملائكة يوكلون بها، وعلى أن لها الثواب وعليها العقاب فأبت، وعرض على ~~الجبال أن تفجر أنهارها وتخرج ثمارها وأشجارها على أن لها الثواب وعليها ~~العقاب فأبت وأشفقت الجميع من العقاب، وعرض على آدم أداء الفرائض على أن ~~له الثواب وعليه ms2030 العقاب، فقال: بين أذني وعاتقي فوكل معه ملائكة يسددونه ~~ويوفقونه. # ثم قال تعالى: { إنه كان ظلوما جهولا }. # قال الضحاك: ظلوما لنفسه، جاهلا فيما احتمل بينه وبين ربه. # وقال قتادة: ظلوما لها - يعني الأمانة - جهولا عن حقها. # ثم قال: { ليعذب الله المنافقين والمنافقات } ~~إلى آخر السورة، أي: حملها الإنسان كي يعذب الله هؤلاء، ويتوب على هؤلاء. ~~وقرأ الحسن: " ويتوب " بالرفع. # ثم قال: { وكان الله غفورا } أي: ساترا لذنوب المؤمنين ~~والمؤمنات. # { رحيما } أن يعذبهم عليها بعد توبتهم منها. # قال قتادة: " ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ": ~~هما اللذان خاناها اللذان ظلماها - يعني الأمانة - هما المنافق والكافر " ~~ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات " هما اللذان أدياها. وكذلك كان الحسن ~~يقول. ### | [34 - سورة سبإ] ### || [34.1-9] # قوله تعالى ذكره: { الحمد لله الذي له ما في ~~السموت } إلى قول: { لكل عبد منيب } معناه: جميع ~~الحمد من جميع الخلق لله الذي هو مالك السماوات السبع والأرضين السبع ~~والذي له الحمد في الآخرة كالذي له في الدنيا. # وقيل: معناه: هو قوله: # وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين # [يونس: 10]. # وقيل: هو قول أهل الجنة: # الحمد لله الذي صدقنا وعده # [الزمر: 74]. # ثم قال: { وهو الحكيم الخبير } أي: الحكيم في تدبير خلقه، ~~الخبير بهم. # ثم قال: { يعلم ما يلج في الأرض } أي: ما يدخل فيها من قطر ~~وغيره. # [ { وما يخرج منها } أي: من نبات وغيره. # { وما ينزل من السمآء } أي من وحي ومطر وغيره]. # { وما يعرج فيها } أي: من أمر وملائكة وغير ذلك. ويعرج: يصعد، ~~ويلج: يدخل. # فالمعنى في ذلك: أنه تعالى ذكره العالم بكل شيء، لا يخفى عليه شيء في ~~السماوات ولا في الأرض مما ظهر ومما بطن. # ثم قال: { وهو الرحيم } أي: بأهل التوبة من عباده، لا يعذبهم بعد ~~توبتهم. { الغفور } لذنوبهم إذا تابوا منها. # ثم قال تعالى { وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة ~~} أي: لا نبعث بعد موتنا، إنكارا منهم للجزاء وتكذيبا. # ثم قال تعالى: { قل بلى وربي لتأتينكم } أي: قل لهم ~~يا محمد: بلى وحق ربي لتأتينكم ms2031 الساعة ولتبعثن للجزاء بأعمالكم. # ثم قال تعالى: { عالم الغيب } أي: هو عالم الغيب، أي: ما غاب ~~عنكم من إتيان الساعة وغيرها. # ومن رفعه. فعلى إضمار مبتدأ، أي: هو عالم الغيب. ومن خفضه. جعله نعتا ~~لربي. # ثم قال: { لا يعزب عنه مثقال ذرة } أي: لا يغيب عنه شيء ~~وإن قل أو جل، وهو قوله: { ولا أصغر من ذلك ولا ~~أكبر } أي: لا يغيب عنه ما هو أصغر من زنة ذرة ولا ما هو أكبر منها ~~أين كان ذلك. # ثم قال: { إلا في كتاب مبين } أي: كل ذلك (مثبت) في كتاب ~~بين للناظر فيه أن الله قد أثبته وأحصاه وعلمه، فلم يغب عنه منه شيء. # وأجاز نافع الوقف على: قل بلى. # وقال الأخفش: الوقف " لتأتينكم " على قراءة من رفع " عالم " ومن ~~قرأ بالخفض في " عالم " لم يقف على " لتأتينكم ". # ثم قال: { ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات } ~~أي: لا يغيب عنه شيء من الأشياء إلا وهو في كتاب مبين، ليجزي المؤمنين ~~الذين عملوا الأعمال الصالحة. # وقيل: التقدير: لتأتينكم ليجزي المؤمنين. # ثم قال: { أولئك لهم مغفرة } أي: ستر على ذنوبهم التي ~~تابوا منها. # { ورزق كريم } أي: وعيش هنيء في الجنة. # ثم قال: { والذين سعوا في آياتنا معاجزين }. # قال قتادة: ظنوا أنهم يعجزون الله ولن يعجزوه. # فالمعنى: ظنوا أنهم يفوتونه ويسبقونه فلا يجازيهم. # يقال عاجزه وأعجزه إذا غلبه وسبقه. # ومن قرأ " معجزين ". فمعناه: مثبطين للمؤمنين، قاله ابن الزبير. # فالمعنى: أثبت الله ذلك في الكتاب ليثيب المؤمنين، وليجزي الذين سعوا ~~في آيات معاجزين، أي: سعوا في إبطال / أدلته وحججه مفاوتين يحسبون أنهم ~~يسبقون الله فلا يقدر عليهم. # وقيل: معاندين مشاقين. # قال ابن زيد: معجزين: جاهدين في بطلان آيات الله، وهم المشركون، وهو ~~قوله تعالى عنهم: أنهم قالوا: # لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم ~~تغلبون # [فصلت: 26]. # ثم قال تعالى ذكره: { أولئك لهم عذاب من رجز أليم ~~}. # قال قتادة: الرجز: سوء العذاب، والأليم: الموجع. # ثم قال تعالى ذكره: { ويرى الذين أوتوا العلم الذي ~~أنزل إليك من ربك ms2032 هو الحق } أي: أثبت ذلك في كتاب ~~مبين ليجزي المؤمنين وليرى الذين أوتو العلم أن الذي أنزل إليك يا محمد ~~هو الحق، وهو القرآن، وهم المسلمون من أهل الكتاب كابن سلام وأصحابه ~~الذين قرءوا الكتب التي أنزلها الله قبل القرآن كالتوراة والإنجيل. # قيل: عني بالذين أوتوا العلم: أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قاله ~~قتادة. # ثم قال: { ويهدي إلى صراط العزيز الحميد } أي: وهو ~~يهدي إلى طريق الله ودينه. # ولا يحسن أن يعطف " يهدي " على " ويرى " ، لأنه لم يثبت ذلك ليهدي جميع ~~الخلق إلى دين الله. # ثم قال تعالى: { وقال الذين كفروا هل ندلكم على ~~رجل } الآية أي: قال بعض الكفار لبعض، متعجبين من البعث بعد الموت، ~~منكرين له، هل ندلكم أيها الناس على رجل يخبركم بالبعث بعد الموت، وكونكم ~~ممزقين بعد قد أكلتكم الأرض وصرتم عظاما ورفاتا. والعامل في " إذا " ~~فعل مضمر، أي: إذا مزقتم تبعثون. # وقيل: العامل " مزقتم " على أن يكون هذا للمجازاة فلا تضاف إلى ما ~~بعدها. # وإذا لم تقف عمل ما بعدها فيها. وأكثر ما يجازى بإذا في الشعر، ولا ~~يجوز أن يعمل فيها " ينبئكم " لأنه لا ينبئهم ذلك الوقت، ولا يعمل ~~فيها ما بعد أن، لأن " أن " لا يتقدم عليها ما بعدها ولا معمولة. # ثم قال: { أفترى على الله كذبا } أي: قال المشركون: افترى ~~محمد في قوله: إنا نبعث. # { على الله كذبا } أي: اختلق هذا القول من عند نفسه وأضافه إلى ~~الله { أم به جنة } أي: به جنون، فتكلم بما لا يكون ولا معنى له. # ثم قال تعالى: { بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في ~~العذاب } أي: ما الأمر كما قال هؤلاء المشركون في محمد، ولكن هم في ~~عذاب الآخرة وفي الضلال البعيد عن الحق، فمن أجل ذلك يقولون هذا المنكر. # ثم قال تعالى: { أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما ~~خلفهم من السمآء والأرض } أي: ألم ينظر هؤلاء المكذبون ~~بالبعث إلى ما قدامهم من السماء والأرض وما خلفهم من ذلك، فيعلموا أنهم ~~حيث كانوا فإن ms2033 الأرض والسماء محيطان بهم من كل جانب، فيرتدوا عن جهلهم ~~وتكذيبهم بآيات الله حذارا أن يأمر الله الأرض فتخسف بهم، أو يسقط عليهم ~~قطعة من السماء فتهلكهم، وهو قوله: { إن نشأ نخسف بهم ~~الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السمآء } هذا كله ~~معنى قول قتادة. # ثم قال تعالى: { إن في ذلك لآية لكل عبد منيب } ~~أي: إن في إحاطة السماء والأرض لجميع الخلق لدلالة على قدرة الله لكل عبد ~~أناب إلى الله بالتوبة. # قال قتادة: المنيب: المقبل التائب. # وقيل: المعنى: أو لم يتأملوا ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض ~~من عظيم القدرة في خلق ذلك فيعلموا أن الذي خلق ذلك يقدر على بعثهم بعد ~~موتهم، وعلى أن يخسف بهم الأرض أو يسقط عليهم قطعة من السماء. ### || [34.10-13] # قوله تعالى ذكره: { ولقد آتينا داوود منا فضلا } إلى ~~قوله: { من عبادي الشكور }. # أي: ولقد أعطينا داود منا فضلا، وقلنا للجبال { يجبال أوبي ~~معه } أي: سبحي معه إذا سبح، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك ~~وابن زيد. # والتأويب في كلام العرب: الرجوع، ومبيت الرجل في منزله وأهله، وأصله من ~~سرعة رجع أيدي الإبل وأرجلها في السير الحثيث، وهو التأويب. # وقرئت " أوبي " بالتخفيف. من آب يؤوب، بمعنى تصرفي معه. # ثم قال: { والطير } فمن نصب فعلى معنى: سخرنا له الطير، هذا قول ~~أبي عمرو. # وقال الكسائي: هو معطوف على " داوود " أي: وآتيناه الطير. # ونصبه عند سيبويه على موضع يا جبال. # ويجوز أن يكون مفعولا معه، فيكون المعنى: يا جبال أوبي معه ومع الطير. # وقد قرئ بالرفع / على العطف على لفظ الجبال أو على المضمر في " أوبي " ~~وحسن ذلك لما فرقت ب معه. # وقوله: { أن اعمل } أن لا موضع لها بمعنى أي، ويجوز أن تكون في ~~موضع نصب على معنى: لأن اعمل. # وقيل: التقدير: وعهدنا إليه بأن أعمل، وقاله الطبري. # ثم قال: { وألنا له الحديد }. # قال قتادة: سخر الله له الحديد بغير نار، فكان يسويه بيده ولا يدخله ~~نارا ولا يضربه بحديد. # وروي أنه ms2034 كان في يده بمنزلة الطين. وهو أول من سخر له الحديد. # وقيل: أعطاه الله قوة يثني بها الحديد. # قال الحسن: كان داود يأخذ الحديد فيكون في يده بمنزلة العجين. # وقوله: { أن اعمل سابغات } أي: دروعا كوامل توام. # قال قتادة: كان داود أول من صنع الدروع، وكانت قبل ذلك صفائح. # ثم قال تعالى: { وقدر في السرد }. # قال قتادة: كان يجعلها بغير نار ولا حديد، والسرد: المسامير. # وقال ابن عباس: السرد حلق الحديد. # وقاله ابن منبه. # والسرد في اللغة كل ما عمل متسقا متتابعا يقرب بعضه من بعض ومنه سرد ~~الكلام. ومنه قيل للذي يعمل الدروع زراد وسراد. # قال وهب بن منبه: كان داود يخرج متنكرا يسأل عن سيرته في الناس فيسمع ~~حسن الثناء عليه، فيزداد تواضعا لله، وعلى الخير حرصا، قال: فخرج ذات ~~يوم وبعث الله ملكا إليه في صورة آدمي، فقال له داود: كيف ترى سيرة هذا ~~العبد داود - صلى الله عليه وسلم -، وهو يظن أنه آدمي، فقال له الملك: ~~نعم العبد داود، ما أنصحه لربه وأقربه من المساكين، لولا خصلة في داود ~~ما كان لله عبد مثل داود، قال له داود: وما تلك الخصلة؟ قال: إنه يأكل من ~~بيت المال وما من عبد أقرب إلى الله جل ذكره من عبد يأكل من كد يمينه، ~~فانصرف داود ودخل محرابه وابتهل إلى ربه وسأله أن يرزقه عملا بيده يغنيه ~~عن بيت المال، فعلمه الله صنعة الدروع، فكان أول من عمل الدروع وألان ~~الله له الحديد فكان في يده بمنزلة العجين. # والمعنى على قول مجاهد: وقدر المسامير في حلق الدرع حتى تكون بمقدار لا ~~يضيق المسمار وتضيق الحلقة فتقسم الحلقة، ولا توسع الحلقة وتصغر المسمار ~~وتدقه فتسلس الحلقة. # ثم قال: { واعملوا صالحا إني بما تعملون بصير } ~~أي اعمل يا داود أنت وأهلك عملا صالحا، إني بعملكم بصير. # والطير وقف ولا تقف على الحديد أن ما بعده متعلق به. ولا تقف على " بصير ~~" إلا على قراءة من رفع. " الريح ". فإن نصبته فهو معطوف ms2035 عند الكسائي، ~~على " وألنا ". # والتقدير عند الزجاج: سخرنا له الريح. # ثم قال: { غدوها شهر } أي: سيرها به إلى انتصاف النهار مسيرة ~~شهر، وسيرها به من انتصاف النهار إلى الليل مسيرة شهر، قاله قتادة وغيره. # قال ابن زيد: كان لسليمان مركب من خشب، وكان له فيه ألف ركن، في كل ركن ~~ألف بيت، يركب معه فيه الإنس والجن، تحت كل ركن ألف شيطان يرفعون ظل ~~المركب هم والعصار - والعصار الريح العاصف - فإذا ارتفع ظله أتت ~~الرخاء فسارت به وصاروا معه، يقيل عند قوم بينه وبينهم شهر، ويمسي عند ~~قوم بينهم وبينه شهر فلا يدري القوم إلا وقد أظلم معه الجيوش والجنود. # ثم قال تعالى: { وأسلنا له عين القطر } أي: وأذبنا له عين ~~النحاس كانت بأرض اليمن، قاله قتادة، قال: وإنما ينتفع الناس اليوم مما ~~أخرج الله لسليمان. # ثم قال: { ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ~~ربه } أي: منهم من يطيعه، يأتمر لأمره فيعمل بين يديه لما يأمره به ~~طاعة لله جل ذكره. # فمعنى { [بإذن] ربه }: أمر الله له بذلك، وتسخيره له إياه. فأمن ~~في موضع رفع بالابتداء، والمجرور المتقدم الخبر ويجوز أن تكون " من " في ~~موضع نصب على العطف على ما قبله. # والتقدير: وسخرنا له من الجن من يعمل. فتقف على " القطر " في القول ~~الأول، ولا تقف عليه في القول الثاني. # ثم قال: { ومن يزغ منهم عن أمرنا } أي: ومن يزل ويعدل من ~~الجن عما أمر به من طاعة سليمان. # { نذقه من عذاب السعير } في الآخرة وهو عذاب النار ~~المتوقدة. # ثم قال تعالى: { يعملون له ما يشآء من محاريب } أي: من ~~كل شيء مشرف. # والمحراب في اللغة كل شيء مشرف مرتفع، وكل موضع شريف، ومنه قيل / للموضع ~~الذي يصلي فيه الإمام محراب لأنه يعظم ويشرف ويرفع. وقيل: المحراب مقدم ~~كل بيت ومسجد ومصلى. # قال مجاهد: المحاريب في الآية: بنيان دون القصور. # وقال قتادة: " محاريب ": قصور ومساجد. # قال الضحاك: " محاريب ": مساجد. # وقال ابن زيد. محاريب مساكن وقراء قوله: # وهو قائم يصلي ms2036 في المحراب # [آل عمران: 39]. أي: في مسكنه، وقد تقدم ذكره. # ثم قال: { تماثيل } قال مجاهد: تماثيل من نحاس. # وقال الضحاك تماثيل: تماثيل الصور. # وهذا عند أكثر العلماء منسوخ بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن عمل ~~الصورة، وتوعده لمن عملها أو اتخذها. وكان في ذلك صلاح في الدين أنه بعث ~~على الله عز وجل والصور تعبد، فكان الأصلح إزالتها. # وقد قال قوم: عمل الصور جائز بهذه الآية وبما صح عن (المسيح) عليه ~~السلام. # ثم قال تعالى: { وجفان كالجواب } أي كالحياض. كانوا ينحتون له ~~ما يشاء من جفان كالحياض، وهو جمع حابية يجبى فيها الماء، أي يجمع. # وروي عن مجاهد أن الجوابي جمع جوبة وهي الحفرة الكبيرة تكون في الجبل ~~يجتمع فيها الماء. # وقاله أيضا ابن عباس. # وعنه: كالحياض. # وهو قول الحسن وقتادة والضحاك. # وقيل: إنها كانت تعمل له كهيئة الطير. # ثم قال: { وقدور راسيات } أي: ثابتات لا تحرك من موضعها لعظمها ~~قال ابن القاسم: قال مالك: " وجفان كالجواب: " كالجوبة من الأرض. # قال: " وقدور راسيات " هي قدور لا تحمل ولا تحرك. # والجوبة من الأرض: الموضع يستنقع فيه الماء. # قال ابن زيد: قدور أمثال الجبال من عظمها يعمل فيها الطعام لا تحرك ولا ~~تنقل، كما قال للجبال راسيات. # وعن ابن زيد أيضا: أنها قدور من نحاس تكون بفارس. # وقال الضحاك: هي قدور كانت تعمل من الجبال حجارة. # ثم قال تعالى: { اعملوا آل داوود شكرا } أي: اعملوا لله ~~الشكر، أي: من أجل الشكر على نعمه عليكم، فيكون شكرا مفعولا من أجله. # ويجوز أن يكون مصدرا على معنى: اشكروا له شكرا، وقام " اعملوا " مقام ~~اشكروا. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد يوما إلى المنبر قائلا: # " " اعملوا آل داود شكرا " فقال: ثلاثة من أوتيهن فقد أوتي مثل ما ~~أوتي آل داود: العدل في الغضب والرضى، والقصد في الفقر والغنى، وخشية ~~الله في السر والعلانية ". # وقال مجاهد: لما قال الله جل ذكره: { اعملوا آل داوود شكرا ~~} ، قال داود لسليمان: إن الله قد ذكر الشكر، ms2037 فاكفني صلاة النهار أكفك ~~صلاة الليل، قال: لا اقدر، قال: فاكفني صلاة الظهر قال: نعم، فكفاه. # قال الزهري: اعملوا آل داود شكرا، قولوا: الحمد لله. # وروي أن داود عليه السلام كان قد جزأ الصلاة على أهل بيته وولديه ونسائه ~~وأهله، فلم تكن تأتي ساعة من الليل والنهار إلا وإنسان من آل داود يصلي ~~فعمتهم هذه الآية { اعملوا آل داوود شكرا }. # وروي أن محراب داود صلى الله عليه كان لا يخلو من مصل، فإذا أراد المصلي ~~حاجة لا يخرج حتى يأتي غيره من آل داود يصلي في المحراب. # وقال محمد بن كعب: الشكر تقوى الله والعمل بطاعته. وقيل: كل عمل من ~~الخير شكر. # وروي أن داود صلى الله عليه قال: إلهي كيف لي أن أشكرك ولا أصل إلى شكرك ~~إلا بمعونتك، فأوحى الله إليه: يا داود، ألست تعلم أن الذي بك من ~~النعم مني؟ قال بلى يا رب، قال: [فإن الرضى بذلك منك، شكر]. # ثم قال تعالى: { وقليل من عبادي الشكور } أي: قليل منهم ~~الموحدون المخلصون العمل لله. # وذكر أبو عبيد في كتاب " مواعظ الأنبياء " أنه لما نزل على داود { ~~اعملوا آل داوود شكرا } قال داود: يا رب كيف أشكرك وأنت الذي ~~تنعم علي ثم ترزقني على النعمة الشكر، فالنعمة منك والشكر منك، فكيف أطيق ~~شكرك؟ قال: يا داود الآن عرفتني حق معرفتي. # قال أبو عبد الرحمن الحبلي: الصلاة شكر والصوم شكر، وكل عمل يعمل لله ~~شكر، وأفضل الشكر الحمد. # قال محمد بن كعب: كل عمل يبتغى به وجه الله فهو شكر. # وأجاز أبو حاتم الوقف على " داوود " ، ويبتدئ / ب " شكرا " ، على ~~معنى: أشكروا شكرا. # ولا يجوز عند غيره لأن اعملوا قام مقام اشكروا فلا يفرق بينهما. ### || [34.14-20] # قوله تعالى ذكره: { فلما قضينا عليه الموت } إلى قوله: ~~{ إلا فريقا من المؤمنين }. # أي: فلما جاء أجل سليمان فمات، ما دل الجن على موته إلا دابة الأرض، ~~وهي الأرضة وقعت في عصاه التي كان متكئا عليها فأكلتها، وهي المنسأة. # قال قتادة: أكلت عصاه ms2038 حتى خر. # وهو قول ابن عباس ومجاهد وغيرهما. # وأصل المنسأة الهمز لأنها مشتقة من نسأت الدابة إذا ضربتها بعصا أو ~~غيرها لتسير. # ولكن نافعا وأبا عمرو أبدلا من الهمزة ألفا لغة مسموعة. وليس البدل في ~~نحو هذا بالمطرد إلا في الشعر. # وقد كان أبو عمرو يقول: لست أدري مم هي إلا أنها غير مهموزة. فرأى ~~ترك همزها على طريق الاحتياط مع نقله ذلك عن أئمته أولا وإنما كان ترك ~~الهمزة للاحتياط، إذ جهل الاشتقاق لأن كل ما يهمز يجوز ترك همزه، وليس كل ~~ما لا يهمز يجوز همزه. # ثم قال: { فلما خر تبينت الجن } أي: فلما سقط سليمان ~~عند انكسار العصا تبينت الجن. # { أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في ~~العذاب المهين } أي: علم أن الجن لم تكن تعلم الغيب، لأنها لو ~~كانت تعلم الغيب ما بقيت في العمل والتعب لسليمان وهو ميت. # قال قتادة: كانت الجن تخبر الإنس أنهم يعلمون الغيب، فلما مات سليمان ~~ولم تعلم الجن بموته وبقيت في السخرة بجهد طائعة لميت عاملة له، فعند ذلك ~~تبينت الجن للإنس أنهم لا يعلمون الغيب. وروى ابن عباس أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " كان سليمان نبي الله إذا صلى، رأى شجرة نابتة بين يديه فيسألها ما ~~اسمك؟ فإن كانت تغرس غرست وإن كانت لدواء كتبت، فبينما ~~هو يصلي ذات يوم إذا شجرة نابتة بين يديه فقال: ما اسمك؟ قالت الخروب ~~فقال لأي شيء أنت؟ قالت: لخراب أهل هذا البيت، فقال: اللهم عم على الجن ~~موتي حتى تعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب، فنحتها عصا فتوكأ عليها ~~حولا، ومات وهو متوكئ وهم لا يعلمون، فسقطت فعلم أن الجن لا يعلمون ~~الغيب، فنظروا مقدار ذلك فوجدوه سنة فشكرت الجن الأرضة ". # وفي مصحف عبد الله: " تبينت الإنس أن لو كان الجن يعلمون الغيب ما ~~لبثوا في العذاب المهين ". # وأن في قوله: " أن لو كانوا " في موضع رفع على البدل من الجن. وقيل: هي ~~في موضع نصب على معنى ms2039 بأن. # قيل: المعنى: فلما خر تبين أمر الجن، فأن بدل من الأمر على المعنى. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث طويل: # " أن سليمان كان يتجرد في بيت المقدس السنة والسنتين والشهر ~~والشهرين وأقل وأكثر، يدخل طعامه وشرابه، فأدخله في المرة التي مات ~~فيها، فمات متكئا على عصاه لا يعلم أحد بذلك، والشياطين يعملون له ~~يخافون أن يخرج فيعاقبهم، وكانت الشياطين تجتمع حول المحراب، وكان ~~المحراب له كوى بين يديه ومن خلفه فدخل شيطان من أولئك فمر، ولم يكن ~~شيطان ينظر إلى سليمان في المحراب إلا احترق، فمر ولم يسمع صوت سليمان ثم ~~رجع ولم يسمع ثم رجع فوقع في البيت ولم يحترق، ونظر إلى سليمان قد سقط ~~ميتا، فخرج فأخبر الناس أن سليمان قد مات ففتحوا عليه فأخرجوه ووجدوا ~~منسأته - وهي العصا بلسان الحبش - قد أكلتها الأرضة. ولم يعلموا ~~منذ كم مات، فوضعوا الأرضة على العصا فأكلت منها يوما وليلة ثم ~~حسبوا على ذلك النحو، فوجدوه قد مات منذ سنة ". # وروي أن الجن كانت تظن أن الشياطين كانوا يعلمون الغيب، فأحب الله أن ~~يبين لهم أن الغيب لا يعلمه غيره، فمات سليمان صلى الله عليه وسلم وهو ~~متكئ على عصاه، والشياطين دائبة في العمل له وفي الطاعة، فأقام أربعين ~~يوما متكئا على العصا فبعث الله عز وجل الأرضة - وهي السوسة - فأكلت ~~العصا فانكسرت فخر سليمان، فلما خر تبينت الجن أن الشياطين لا يعلمون ~~الغيب، إذ لو كانوا يعلمون الغيب لعلموا وقت موت سليمان، ولم يتمادوا في ~~العمل والسخرة له وهو ميت. # ويروى أن الشياطين قالت للأرضة لو كنت تأكلين الطعام أتيناك بأطيب ~~الطعام، ولو كنت تشربين الشراب سقيناك أطيب الشراب /، ولكننا سننقل إليك ~~الماء والطين، فهم ينقلون لها ذلك حيث كانت، وذلك هو الطين الذي يكون في ~~جوف الخشب تأتيها به الشياطين شكرا لها. # وذكر ابن وهب عن أبي شهاب: أنه لما توفي داود عليه السلام أقبلت ~~الطير فصفت عليه حتى حبست عن الناس الروح، ووجدوا غما ms2040 شديدا، ~~فقالوا لسليمان: يا نبي الله هلكنا الغنم، وأمر سليمان الطير فقبضت ~~جناحا وأرسلت جناحا فدخل عليهم الروح. # ثم قال تعالى: { لقد كان لسبإ في مسكنهم آية ~~جنتان عن يمين وشمال }. # أي: كان لهم في ذلك دلالة وعلامة انه لا رب لهم إلا الذي أنعم عليهم تلك ~~النعم " وجنتين " بدل من آية. # " وسبأ فيما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أبو اليمن، كان له ~~عشرة من الولد، تيامن منهم ستة: كندة وحمير والأزد ~~والأشعريون ومذحج وأنمار الذين منهم بجيلة وخثعم، وتشاءم ~~منهم أربعة: عاملة وجذام ولخم وغسان ". # قال قتادة: كانت لهم جنتان بين جبلين، وكانت المرأة تخرج بمكتلها على ~~رأسها تمشي بين جبلين، فيمتلئ مكتلها وما مست بيدها شيئا، فلما طغوا ~~بعث الله عليهم دابة يقال لها حدب فنقبت عليهم - يعني السد - فغرقتهم، ~~فما بقي لهم إلا أثل وشيء قليل من سدر. # وقيل: إن قريتهم كان لا يرى فيها ذبابة ولا بعوض ولا برغوث ولا عقرب ~~ولا حية، وكان الركب يأتون في ثيابهم القمل والذباب فما هو إلا أن ~~ينظروا إلى بيوتهم فيموت ذلك، قاله ابن زيد قال: وإن كان الإنسان ليدخل ~~الجنتين فيمسك القفة على رأسه فيخرج حين يخرج وقد امتلأت القفة بأنواع ~~الفاكهة ولم يتناول شيئا بيده. # ثم قال: { كلوا من رزق ربكم واشكروا له } إي: كلوا ~~مما أنعم عليكم به من هاتين الجنتين وغيرهما، واشكروا نعمه على ذلك. # ثم قال: { بلدة طيبة } أي: هذه بلدة طيبة لا سبخة. { ورب ~~غفور } لذنوبكم إن أطعتموه. # ثم قال تعالى: { فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل ~~العرم } أي: فأعرضت سبأ عن طاعة الله وقبول ما أتاهم به الرسل، ~~فأرسلنا عليهم سيل العرم. # قال وهب بن منبه: بعث الله جل جلاله إلى سبأ ثلاثة عشر نبيا، فكذبوهم ~~فأرسل عليهم سيل العرم. # قال ابن عباس: " العرم " الشديد السيل. # وقال عطاء اسم الوادي. # وروي ذلك عن ابن عباس قال: واد كان باليمن وكان يسيل إلى مكة. قال ~~قتادة: ذكر لنا أن العرم وادي بسبأ كانت ms2041 تجتمع إليه مسايل من الأودية ~~فعمدوا فسدوا ما بين الجبلين بالقار والحجارة، وجعلوا عليه أبوابا ~~وكانوا يأخذون من مائة ما احتاجوا ويسدون ما لا يحتاجون. قال الضحاك: ~~كانت أودية اليمن تسيل كلها إلى واد سبأ وهو العرم فسدوا ما بين ~~الجبلين فحجزوه بالصخر والقار، فاستد زمانا من الدهر. # قال قتادة: فأرسل الله عليهم جرذا فهدم عرمهم، أي سدهم، ومزق الله ~~جناتهم وخرب أرضهم عقوبة لهم. # وقيل: بل كثر الماء عليهم وغلب حتى هدم السد فغرق الجنات وأفسدها. # وعن ابن عباس: أنه إنما حاد السيل الذي كان يسقي جنتيهم عن مجراه فلم ~~يسقها فهلكت. # وروي أن العرم مما بنته بلقيس صاحبة سليمان، وذلك أن قومها اقتتلوا على ~~الماء فاعتزلتهم، فسألوها الرجوع على أن يطيعوها فرجعت وأمرتهم فسدوا ~~ما بين الجبلين فحبست الماء من وراء السد، وجعلت له أبوابا بعضها فوق ~~بعض، وبنت من دونه بركة ضخمة، وجعلت فيها اثني عشر مخرجا على عدة ~~أنهارهم، فإذا أتى المطر احتبس السيل من وراء السد، فأمرت بالباب الأعلى ~~ففتح فيجري ماؤه في البركة، ثم كذلك حتى ينتفعوا بجميع الماء. # والعرم بكلام اليمن المسناة. # وقال المبرد: العرم كل ما حاجز بين شيئين. # وروي أن الله جل ذكره أرسل عليهم ماء أحمر فشق السد وهدمه وحفر الوادي، ~~فارتفعت حفتاه عن الجنتين فغاب عنهما الماء فيبستا، ولم يكن الماء الأحمر ~~من السد، إنما كان عذابا أرسله الله عليهم من حيث شاء. # ثم قال تعالى: { وبدلناهم بجنتيهم جنتين } أي: ~~جعلنا / لهم مكان الجنتين اللتين كانتا تثمر عليهم أطيب الفواكه { ~~جنتين ذواتي أكل خمط }. # قال ابن عباس: هو الأراك. وهو قول الحسن ومجاهد وقتادة والضحاك. وقال ~~ابن زيد: أبدلوا مكان العنب أراكا، ومكان الفاكهة أثلا، وبقي لهم ~~شيء من سدر قليل. فالأثل على هذا ثمر الأراك. # وقال الخليل: الخمط الأراك، فهذا يدل على قطافه كأنه قال ثمر أراك. ~~ومن نون جعل الثاني بدلا من الأول. # قال المبرد: الخمط كل ما تغير إلى ما لا يشتهى، يقال خمط اللبن إذا ms2042 ~~حمض. # وقال أبو عبيدة: الخمط كل شجرة فيها مرارة ذات شوك. # وقال القتبي: يقال للحامضة خمطة، وقيل: الخمطة التي قد أخذت شيئا من ~~الريح. # والأثل: الطرفاء، قاله ابن عباس. # وقيل: هو شجر يشبه الطرفاء. # وقيل: هو السمر. # ثم قال: { ذلك جزيناهم بما كفروا } أي: عاقبناهم بكفرهم ~~بالله ورسله، أي: هذا الذي فعلنا بهم جزاء منا لهم بكفرهم. # وقيل: التقدير: وجزيناهم ذلك بكفرهم. # ف { ذلك } في موضع نصب على هذا، وفي موضع رفع على القول الأول على ~~الخبر للابتداء المحذوف. # ثم قال: { وهل نجزي إلا الكفور } أي: وهل يكافأ إلا من ~~كفر بالله، فأما جزاء المؤمنين فهو تفضل من الله لا مكافأة، لأنه جعل لهم ~~بالحسنة عشرا، فذلك تفضل منه، وجعل للمسيء بالواحدة واحدة مكافأة له على ~~جرمه، فالمكافآت لأهل الكبائر والكفر، والمجازاة لأهل الإيمان مع التفضل. # قال مجاهد: { نجزي } يعاقب. # قال قتادة: إذا أراد بعبد كرامة يقبل حسناته، وإذا أراد بعبد هوانا ~~أمسك عليه ذنوبه حتى يوافى بها يوم القيامة. # وقيل: المعنى: ليس يجازى بمثل هذا الجزاء الذي هو الاصطلام والهلاك ~~إلا من كفر. # وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من حوسب هلك، قالت: فقلت يا نبي الله، فأين قوله: { فسوف ~~يحاسب حسابا يسيرا؟ } قال: إنما ذلك العرض، ومن نوقش ~~الحساب هلك ". # ثم قال تعالى ذكره: { وجعلنا بينهم وبين القرى التي ~~باركنا فيها قرى ظاهرة } أي: ومما أنعم الله به على هؤلاء، ~~أي: جعل بينهم وبين القرى التي بارك فيها - وهي الشام - قرى ظاهرة، قاله ~~مجاهد وقتادة. # قال ابن عباس: هي الأرض المقدسة. # وقوله: { قرى ظاهرة } أي: متصلة متقاربة تتراءى، من كان في قرية ~~رأى القرية التي تليها لقربها منها. # قال الحسن: كان أحدهم يغدو فيقيل في قرية ويروح إلى قرية أخرى. # قال الحسن: كانت المرأة تضع زنبيلها على رأسها تشتغل بمغزلها فلا تأتي ~~بيتها حتى يمتلئ من كل الثمار، يرقد من غير أن تحترف شيئا، بل يمتلئ ~~الزنبيل مما يتساقط من الثمار في ms2043 حال مسيرها تحت الثمار لاتصال بعض ~~الثمار ببعض. # وقال ابن عباس: { قرى ظاهرة } أي: عربية بين المدينة والشام، وهو ~~قول الضحاك. # وقال ابن زيد: كان بين قريتهم وبين الشام قرى ظاهرة. # قيل: وإن كانت المرأة لتخرج ومعها مغزلها ومكتلها على رأسها، تروح من ~~قرية إلى قرية وتغدوا أو تبيت في قرية، لا تحمل زادا ولا ماء فيما ~~بينها وبين الشام. # وقال المبرد: الظاهرة: المرتفعة. # ثم قال: { وقدرنا فيها السير } أي: جعلنا بين قراهم والقرى ~~التي باركنا فيها مسيرا مقدرا من منزل إلى منزل، لا ينزلون إلا في قرية ~~ولا يغدون إلا من قرية. # وقال الفراء: جعل الله لهم بين كل قريتين نصف يوم. # ثم قال: { سيروا فيها ليالي وأياما آمنين } أي: سيروا ~~في هذه القرى التي قدرنا فيها المسير إلى القرى التي باركنا فيها - وهي ~~بيت المقدس - آمنين، لا تخافون ظلما ولا جوعا ولا عطشا. # قال قتادة: آمنين لا يخافون ظلما ولا جوعا، إنما يغدون فيقيلون في ~~قرية ويروحون، فيأتون قرية أهل خير ونهر، حتى لقد ذكر لنا: أن المرأة ~~كانت تضع مكتلها على رأسها وتمتهن بيدها فيمتلئ مكتلها من الثمرة قبل أن ~~ترجع إلى أهلها من غير أن تحترف بيدها شيئا، وكان الرجل يسافر لا يحمل ~~معه زادا ولا سقاء مما بسط الله للقوم. # فهذا الذي ذكر الله من قصة سبأ وغيرها، إنما ذكره لنا ليبين لنا إحسان ~~المحسن وثوابه، وإساءة المسيء وعقوبته /، ليتجافى الناس عن المعاصي ~~ويرغبوا في الطاعة ويسارعوا إلى ما رغبهم فيه، ويزدجروا عن ما نهاهم ~~عنه ويخافوا أن يحل بهم ما حل بمن قص عليهم عقوبته، ويبادروا إلى فعل من ~~قص عليهم كرامة لهم، فهي مواعظ وأمثال تكرر في القرآن ليتنبه لها الغافل ~~ويجتهد المتنبه إحسانا من الله تعالى ونعمة علينا، قال الله تعالى: # ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل # [الروم: 58]. وقال: # وضربنا لكم الأمثال # [إبراهيم: 45]. وهذا كثير مكرر للإفهام في القرآن. # ثم قال تعالى: { فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا }. # قرأ ابن ms2044 عباس ومحمد بن الحنفية وأبو صالح: (ربنا) بالرفع " باعد ~~بالفتح وألف على الخبر. # وقرأ يحيى بن يعمر وعيسى بن عمر: (ربنا) بالرفع " بعد " ~~بالتشديد وفتح العين والدال. وقد رويت عن ابن عباس وهو خبر أيضا. # وقرأ سعيد بن أبي الحسن أخو الحسن: " ربنا " بالنصب " بعد " بضم ~~العين وفتح الدال بين بالرفع. # ورواه الفراء وأبو إسحاق الزجاج بفتح بين وهو خبر أيضا، ومعانيها ~~ظاهرة، والمعنى على قراءة من جزم الفعل أنهم بطروا وجهلوا قدر النعمة ~~عليهم، فسألوا أن يجعل بينهم وبين الشام فلوات ومفاوز ليركبوا فيها ~~الرواحل ويتزودوا لها، فعجل لهم الإجابة كما عجل للقائلين: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك # [الأنفال: 32] الآية فقتلهم يوم بدر، فكذلك هؤلاء مزقوا بين الشام وسبأ. # قال الشعبي: فلحقت الأنصار بيثرب وغسان بالشام، والأزد بعمان وخزاعة ~~بتهامة، وفرقوا أيادي سبا وتقطعوا في البلدان بظلمهم لأنفسهم وكفرهم ~~بنعمة الله. # ثم قال: { إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور } أي: ~~فيما تقدم من النعم على هؤلاء والانتقام منهم لما بطروا النعمة وكفروا، ~~لدلالات وعظات لكل من صبر على طاعة الله ومحبته وشكر على نعمته. # قال مطرف: نعم العبد الصبار الشكور، الذي إذا أعطى شكر وإذا ابتلي ~~صبر. وصبار شكور بناءان للمبالغة. # ثم قال تعالى: { ولقد صدق عليهم إبليس ظنه } أي: ~~صدق عليهم في ظنه، وذلك أنه ظن ظنا على غير يقين فكان ظنه كما ظن بكفر ~~بني آدم وطاعتهم له، منهم أهل الجنتين وغيرهم. # ومن شدد " صدق " ونصب " ظنه " بوقوع صدق عليه، لأن ظنه كان غير يقين، ~~فصدقه بكفر بني آدم واتباعهم له. # قال الحسن: ما ضربهم بسوط ولا بعصا، وإنما ظن ظنا فكان كما ظن بوسوسته ~~لهم. # والمعنى: أن إبليس لما أنذره الله قال: لأغوينهم ولأضلنهم ولأحتنكن ذرية ~~آدم، وذلك ظن منه أنه يكون، لم يتيقن ذلك. فلما وصل من بني آدم إلى ما ~~أراد من إضلالهم صدق ظنه فيهم. # وقرئ " صدق " بالتخفيف، و " إبليس ظنه " بالرفع فيهما على أن الظن بدل ~~الاشتمال من ms2045 إبليس. # وقوله: { إلا فريقا من المؤمنين } أي: لم يصدق فيهم ظنه ~~ولا أطاعوه، وثبتوا على طاعة الله ومعصية إبليس. # قال ابن عباس: هم المؤمنون كلهم. # وقيل: هم بعض المؤمنين لقوله: " إلا فريقا " ولم يقل إلا المؤمنين. ~~وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: ولقد اتبعوا إبليس فصدق عليهم ~~(ظنه) لأنه لم يصدق عليهم ظنه حتى اتبعوه. # ومن خفف صدق ونصب الظن فعلى تقدير حرف الجر، أي في ظنه. ### || [34.21-24] # قوله تعالى ذكره: { وما كان له عليهم من سلطان } إلى ~~قوله: { في ضلال مبين }. # أي ما كان لإبليس على أصحاب الجنتين وغيرهم ممن اتبعه من حجة يضلهم بها ~~إلا سلطناه عليهم لنعلم من يطيعه فينكر الجزاء والبعث ممن يعصيه فيؤمن ~~بالجزاء والبعث، وذلك أمر قد علمه الله جل ذكره، ولكن المعنى: لنعلم ذلك ~~علم مشاهدة، فعليها يقع الجزاء والثواب. # وقيل: المعنى: إلا لنعلم ذلك عندكم كما قال: # أين شركآئي # [القصص: 62]، أي على / قولكم وزعمكم. # فقوله: " إلا لنعلم " ليس في الظاهر بجواب لقوله: { وما كان له ~~عليهم من سلطان } أي: من حجة لكنه محمول على المعنى، لأن معنى ~~{ وما كان له عليهم من سلطان }: ما جعلنا له عليهم من ~~سلطان إلا لنعلم. فبهذا يتصل بعض الكلام ببعض ويظهر المعنى. # ثم قال تعالى: { وربك على كل شيء حفيظ } أي: وربك يا ~~محمد على أعمال هؤلاء الكفرة وغير ذلك من الأشياء كلها حفيظ لا يغرب عنه ~~علم شيء، مجاز جميعهم بما كسبوا، أي في الدنيا من خير وشر. # ثم قال تعالى: { قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله ~~} أي: قل يا محمد لهؤلاء الجاحدين من قومك: ادعوا من زعمتم أنه شريك لله ~~فاسئلوهم يفعلوا بكم بعض ما فعل بهؤلاء الذين تقدم ذكرهم من خير ونعمة ~~فإنهم لا يملكون زنة مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، { وما لهم ~~فيهما من شرك } أي: فليس يملكون شيئا على الانفراد ولا على ~~الشركة، فكيف يكون من هذه حاله شريكا لمن يملك جميع ذلك، وإذا لم تقدر ~~ألهتكم على ms2046 شيء من ذلك، فأنتم مبطلون في دعواكم. فمفعول زعمتم جملة ~~محذوفة دل عليها الخطاب، والتقدير: الذين زعمتم أنهم ينصرونكم من دون ~~الله، يعني الملائكة لأنهم عبدوهم من دون الله وزعموا أنهم ينصرونهم. # ثم قال: { وما له منهم من ظهير } أي: وما لله جل ذكره من ~~آلهتهم من عوين على خلق شيء. # ثم قال تعالى: { ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن ~~أذن له } أي: لا تنفع شفاعة شافع لأحد إلا لمن أذن الله له في ~~الشفاعة، والله لا يأذن بالشفاعة لأحد من أهل الكفر، وأنتم أهل كفر فكيف ~~تعبدون من تعبدون من دون الله زعما منكم أنكم تعبدونه ليقربكم إلى الله ~~وليشفع لكم عند ربكم، " فمن " على هذا التأويل للمشفوع له، والتقدير: ~~إلا لمن أذن له أن يشفع فيه. # وقيل: هي للشافع - يراد به الملائكة، أي لمن أذن له أن يشفع في غيره من ~~الملائكة مثل قوله: # ولا يشفعون إلا لمن ارتضى # [الأنبياء: 28]. # قيل: من قال لا إله إلا الله. # ودل على ذلك قوله: { حتى إذا فزع عن قلوبهم }. # ثم قال تعالى: { حتى إذا فزع عن قلوبهم } أي: كشف عنها ~~الفزع. ومن فتح فمعناه: إذا كشف الله عن قلوبهم الجزع. # وقرأ الحسن: " فزع " الراء والعين غير معجمة. # وروي عنه بالراء وعين معجمة. # والمعنى أزيل عن قلوبهم الفزع. # قال ابن عباس: " فزع عن قلوبهم " جلي. # وقال مجاهد: كشف عنهم الغطاء. وهم الملائكة، وذلك أن ابن مسعود قال: إذا ~~حدث أمر عند ذي العرش، سمع من دونه من الملائكة صوتا كجر السلسلة على ~~الصفا فيغشى عليهم، فإذا ذهب الفزع عن قلوبهم نادوا ماذا قال ربكم؟ فيقول ~~من شاء الله: قال الحق وهو العلي الكبير. # وروى أبو هريرة أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا ~~لقوله كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ~~ربكم؟ قالوا: الحق وهو العلي الكبير ". # وقال ابن جبير: ينزل الأمر من عند رب العزة إلى ms2047 سماء الدنيا فيسمعون مثل ~~وقع الحديد على الصفا، فيفزع أهل السماء الدنيا حتى يستبين لهم الأمر ~~الذي نزل فيه فيقول بعضهم لبعض ماذا قال ربكم؟ فيقولون: قال الحق وهو ~~العلي الكبير. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إذا أراد الله جل ذكره أن يوحي بالأمر، تكلم بالوحي، أخذت السماوات ~~منه رجفة - أو قال رعدة شديدة - خوفا من الله، فإذا سمع ذلك أهل ~~السماوات صعقوا وخروا لله سجدا فيكون أول من يرفع رأسه جبريل صلى ~~الله عليه وسلم، فيكلمه الله جل وعز من وحيه بما أراد، ثم يمر جبريل ~~على الملائكة صلى الله عليهم، كلما مر بسماء سألته ملائكتها ماذا قال ~~ربنا يا جبريل؟ فيقول جبريل صلى الله عليه وسلم: قال الحق وهو العلي ~~الكبير. قال: فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل، فينتهي جبريل عليه السلام ~~بالوحي حيث أمره الله عز وجل ". # قال قتادة: يوحي الله جل ذكره إلى جبريل / صلى الله عليه وسلم فتفرق ~~الملائكة مخافة أن يكون شيئا من أمور الساعة، فإذا أجلي عن قلوبهم ~~وعلموا أن ذلك ليس من أمور الساعة، قالوا: ماذا قال ربكم. # وقال الضحاك: زعم ابن مسعود أن الملائكة المعقبات يختلفون إلى أهل الأرض ~~يكتبون أعمالهم، فإذا أرسلهم الرب وانحدروا سمع لهم صوت شديد فيحسب الذين ~~هم أسفل منهم من الملائكة أنه من أمر الساعة فيخرون سجدا، وهذا كلما ~~مروا عليهم يفعلون ذلك من خوف الله. # وذكر ابن سحنون محمد. حدثنا بسنده إلى ابن عباس أنه قال: إن الله تبارك ~~وتعالى إذا تكلم بالوحي سمع أهل السماوات صوتا كصوت الحديد وقع على ~~الصفا فيخرون سجدا، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: ~~الحق وهو العلي الكبير. # وروى محمد حدثنا بسنده إلى ابن مسعود أنه قال: إذا تكلم الله بالوحي سمع ~~أهل السماوات صلصلة كجر السلسلة على الصفا فيصعقون، فلا يزالون كذلك حتى ~~يأتيهم جبريل صلى الله عليه وسلم، فإذا جاءهم فزع عن قلوبهم فإذا قاموا ~~نادوا يا جبريل ماذا قال ms2048 ربكم؟ فيقول: الحق، فينادون الحق الحق وهو ~~العلي الكبير. وقال ابن زيد: هذا في بني آدم عند الموت أقروا بالله حين ~~لم ينفعهم الإقرار. # فالمعنى فزع الشيطان عن قلوبهم وفارقهم وما كان يضلهم، أي: قالوا: ماذا ~~قال ربكم، فيكون هذا الكلام مردودا على من تقدم ذكره من الذين صدق عليهم ~~إبليس ظنه، وتكون الأقوال المتقدمة مردودة على { إلا لمن أذن ~~له } أي لمن أذن له من الملائكة أن يشفع. و { العلي } الجبار و { ~~الكبير } السيد. # ثم قال تعالى: { قل من يرزقكم من السموت والأرض ~~} أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين من يرزقكم من السماوات والأرض؟، أي: من ~~ينزل عليكم الغيث من السماء ويخرج النبات من الأرض لأقواتكم ومنافعكم؟ # ثم قال تعالى: { قل الله } وفي الكلام حذف، أي: فإن قالوا لا ندري ~~فقل: الله، وكذلك كل ما كان مثله قد حذف منه الجواب لدلالة الكلام عليه. # ثم قال تعالى: { وإنآ أو إياكم لعلى هدى أو في ~~ضلال مبين } أي: أحدنا على خطأ في مذهبه، والتقدير: وإنا لعلى هدى ~~أو في ضلال مبين أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين، ثم حذف " هدى " وقد ~~علم المعنى في ذلك كما تقول، أنا أفعل كذا وأنت تفعل كذا وأحدنا مخطئ، ~~وقد عرف من هو المخطئ. # و { لعلى هدى } خبر عن إياكم، وخبر الأول محذوف لدلالة الكلام ~~عليه، ويجوز أن يكون خبرا للأول، وهو اختيار المبرد. # فيكون خبر الثاني هو المحذوف. # ولو عطفت على الموضع فقلت: وأنتم لكان لعلى هدى خبرا للأول لا غير. # وقيل: المعنى، وإنا لعلى هدى وإياكم لفي ضلال مبين. " أو " بمعنى الواو. ~~وهو قول أبي عبيدة. # وقال البصريون: أو على بابها: وليست للشك، وإنما تكون في مثل هذا في ~~كلام العرب تدل على أن المخبر لم يرد أن يبين، وهو عالم بالمعنى لكنه لم ~~يرد أن يبين من هو المهتد. # وقيل: أو على بابها، ولكن معنى الكلام الانتقاص للمشركين والاستهزاء ~~بهم، أي: قد بين أن آلهتهم لا ترزق شيئا ولا ms2049 تنفع ولا تضر، وهو مثل قولك ~~للرجل: والله إن أحدنا لكاذب، وقد علمت من هو الكاذب، ولكن أردت ~~توبيخه واستنقاصه وتكذيبه فدللت عن ذلك بلفظ غير مكشوف. فأمر الله النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن يكذبهم ويعيرهم في دينهم بلفظ غير مكشوف. ### || [34.25-37] # قوله تعالى ذكره: { قل لا تسألون عمآ أجرمنا } إلى ~~قوله: { في الغرفات آمنون }. # أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: لا تسئلون أنتم عن ذنوبنا ولا نسأل عن ~~ذنوبكم، وقل لهم يا محمد: يجمع بيننا ربنا في الآخرة ثم يفتح بيننا ~~بالحق، أي يحكم ويقضي بيننا بالحق فيظهر عند ذلك المهتدي هنا من الضال. # ثم قال: { وهو الفتاح العليم } أي: والله الحاكم القاضي بين ~~خلقه لا يخفى عليه حالهم ولا يحتاج إلى شهود، العليم بجميع الأمور /. # ثم قال تعالى: { قل أروني الذين ألحقتم به شركآء ~~كلا } أي: قل لهم يا محمد أروني الذين جعلتم لله شركاء في عبادتكم ~~إياه هل خلقت شيئا، أو رزقتكم شيئا، أو نفعتكم، فعرفوني ذلك وإلا ~~فلم عبدتموها؟ # { كلا } أي: كذبوا، ليس الأمر كما ذكروا من أن لله شركاء في ملكه، بل ~~هو الله المعبود وحده، العزيز في انتقامه، الحكيم في تدبيره خلقه. # وقيل: إن " كلا " رد لجوابهم المحذوف، كأنهم قالوا هي هذه الأصنام، فرد ~~عليهم قولهم، أي: ليس الأمر كما زعمتم، أي: ليست شركاء له بل هو (الله) ~~العزيز الحكيم. وأروني هنا من رؤية القلب. والمعنى عرفوني ذلك، فشركاء ~~مفعول ثان، ويجوز أن يكون من رؤية العين، فيكون شركاء حالا. # ثم قال: { ومآ أرسلناك إلا كآفة للناس } أي: ما ~~أرسلناك يا محمد إلا جامعا لإنذار الناس وتبشيرهم، العرب والعجم. ومعنى ~~كافة في اللغة الإحاطة. # ثم قال تعالى: { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } أي: ~~لا يعلمون أن الله أرسلك كذلك إلى جميع الخلق. # قال قتادة: أرسل الله جل ذكره محمدا صلى الله عليه وسلم إلى العرب ~~والعجم فأكرمهم على الله أطوعهم له. # قال قتادة: ذكر لنا أن النبي عليه السلام قال: # " أنا سابق العرب، ms2050 وصهيب سابق الروم، وبلال سابق الحبشة، وسلمان ~~سابق فارس ". # ثم قال تعالى: { ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم ~~صادقين } أي: متى يأتي العذاب الذي تعدنا به يا محمد؟ قل لهم يا ~~محمد: لكم أيها القوم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون، أي: ~~لا يؤخرون للمؤنة إذا جاءكم ولا يتقدم العذاب إليكم قبله. # ثم قال: { وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا ~~القرآن ولا بالذي بين يديه } أي: لن نؤمن بما جاء به ~~محمد ولا بما أتى قبله من الكتب، أي لا نصدق بذلك كله. # ثم قال تعالى: { ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ~~ربهم } أي: لو تراهم يا محمد موقوفين يتلاومون يحاور بعضهم بعضا، ~~يقول الذين استضعفوا في الدنيا للذين كانوا يستكبرون عليهم في الدنيا: ~~لولا أنتم لكنا في الدنيا مؤمنين. # { قال الذين استكبروا } أي: في الدنيا للذين استضعفوا فيها. # { أنحن صددناكم عن الهدى } أي: منعناكم من اتباع الحق ~~بعد إذ جاءكم من عند الله. # { بل كنتم مجرمين } بإيثاركم الكفر بالله على الإيمان. # ثم قال تعالى: { وقال الذين استضعفوا } أي: في الدنيا ~~للذين استكبروا فيها عليهم. # { بل مكر اليل والنهار إذ تأمروننآ } أي: بل مكركم ~~بالليل والنهار صدنا عن الهدى إذ تأمروننا أن نكفر بالله. # { ونجعل له أندادا } أي: أمثالا وأشباها في العبادة ~~والألوهية. # وأضيف المكر إلى الليل والنهار على الإتساع، لأن المعنى معروف لا يشكل ~~كما يقولون: نهارك صائم وليلك قائم. # وقال ابن جبير: معناه بل مر الليل والنهار فغفلوا. # وقال الأخفش: رفعه على معنى بل هذا مكر الليل. # ثم قال تعالى: { وأسروا الندامة لما رأوا العذاب ~~} أي: أظهروها. وقيل: المعنى: تبينت الندامة في أسرار وجوههم لأن الندامة ~~إنما هي في القلوب فلا تظهر، إنما تظهر بما تولد عنها. # والمعنى: ندموا على ما فرطوا فيه من طاعة الله في الدنيا حين عاينوا ~~عذاب الله الذي أعده لهم. # وقال قتادة: وأسروا الندامة بينهم لما رأوا العذاب. # ثم قال: { وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا ~~} أي: أغللنا أيدي الكافرين بالله ms2051 في جهنم إلى أعناقهم جزاء بما كانوا في ~~الدنيا يكفرون بالله. # قال الحسن: إن الأغلال لم تجعل في أعناق أهل النار لأنهم أعجزوا الرب، ~~ولكن إذا طفى بهم اللهب ترسبهم في النار. # ثم قال تعالى: { ومآ أرسلنا في قرية من نذير إلا ~~قال مترفوهآ } أي: ما بعثنا في أهل قرية نذيرا ينذرهم بأس الله ~~أن ينزل بهم على كفرهم. # { إلا قال مترفوهآ } أي: كبراؤها ورؤوسها في الضلالة. # { إنا بمآ أرسلتم به كافرون } كما قال لك مشركوا قومك ~~يا محمد. # ثم قال: { وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا } أي: ~~وقال أهل الاستكبار على الله ورسله من كل قرية أرسلنا فيها نذيرا: نحن ~~أكثر من الأنبياء أموالا وأولادا وما نحن في الآخرة بمعذبين /، لأن ~~الله لو لم يكن راضيا عنا في ديننا لم يعطنا ذلك ويفضلنا به، كما قال ~~قومك يا محمد لك. # ثم قال تعالى ذكره لنبيه: { قل إن ربي يبسط الرزق لمن ~~يشآء ويقدر } أي: يوسع على من يشاء في رزقه ويضيق على من يشاء. ~~وليس التوسع في الرزق بفضل ومنزلة وقربة لمن وسع عليه، ولا التضييق في ~~الرزق لبغض ولا مقت ولا إهانة لمن ضيق عليه، بل ذلك كله لله تعالى، يفعل ~~ما يشاء محنة لعباده وابتلاء منه ليعلم الشاكر من الكافر، علما يجب عليه ~~الجزاء، وقد كان علمه قبل أن يبتلي أحدا بذلك، ولكن يريد أن يعلمه علم ~~مشاهدة يقع عليه الجزاء. # ثم قال تعالى: { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } أي: ~~لا يعلمون أن الله إنما يفعل ذلك اختبارا وامتحانا فيظنون أنه إنما وسع ~~على قوم لفضلهم ومحبتهم، وضيق على قوم لبغضهم ومقتهم. # ثم قال: { ومآ أموالكم ولا أولادكم بالتي ~~تقربكم عندنا زلفى } أي: ليس ما كسبتم من الأموال والأولاد ~~مما تقربكم إلى الله، إنما يقرب من الله تعالى الإيمان والعمل الصالح، ~~فلا فائدة لكم في احتجاجكم أنكم أكثر أموالا وأولادا من الرسل. # وقوله: { إلا من آمن } نصب بالاستثناء. # وقال الزجاج: من في موضع نصب على البدل من الكاف ms2052 والميم في تقربكم. وهو ~~غلط لأن الغائب لا يبدل من المخاطب. لو قلت: رأيتك زيدا، لم يجز. وهو ~~معنى قول الفراء. # وأجاز الفراء أن تكون " من " في موضع رفع بمعنى ما هو إلا من آمن. وهو ~~بعيد في المعنى، وإنما وحد " التي " وقد تقدم ذكر أموال وأولاد لأنه على ~~حذف، والتقدير: وما أموالكم بالتي تقربكم ولا أولادكم بالتي تقربكم، ثم ~~حذف الأول لدلالة الثاني. # وقال الفراء: التي تكون للأموال والأولاد جميعا. # ثم قال تعالى: { فأولئك لهم جزآء الضعف بما ~~عملوا } أي: إلا من آمن وعمل صالحا وأنه تقربه أمواله وأولاده ~~بطاعتهم لله في ذلك وأدائهم حق الله فيه دون أهل الكفر، فيضاعف لهم ~~الحسنة بعشرة أمثالها وفي سبيل الله إلى سبع مائة ضعف. # وقال ابن زيد: إلا من آمن فلن تضره أمواله ولا أولاده في الدنيا، وقرأ: # للذين أحسنوا الحسنى وزيادة # [يونس: 26]. وقال: الحسنى: الجنة والزيادة: ما أعطاهم الله في الدنيا لا ~~يحاسبهم كما يحاسب الكفار. # ثم قال تعالى: { وهم في الغرفات آمنون } أي: من العذاب، ~~ومعنى " زلفى " قربى، قاله مجاهد وغيره. ### || [34.38-48] # قوله تعالى ذكره: { والذين يسعون في آياتنا معاجزين ~~} إلى قوله: { علام الغيوب }. # أي: والذين سعوا في إبطال حجج الله وأدلته معاجزين، أي: يظنون أنهم ~~يفوتون الله ويعجزونه فلا يجازيهم على فعلهم. # { أولئك في العذاب محضرون } أي: في عذاب جهنم يوم ~~القيامة. # ثم قال تعالى: { قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشآء ~~من عباده } أي: يوسع في الرزق لمن يشاء ويضيق على من يشاء، وليس ~~ذلك لفضل في أحد ولا لنقص ولا لمحبة ولا لبغض. # ثم قال تعالى: { ومآ أنفقتم من شيء فهو يخلفه } أي: ~~ما أنفقتم في طاعة الله فإن الله يخلفه عليكم. # قال ابن جبير: ما كان في غير إسراف ولا تقتير. # قال ابن عباس: في غير إسراف ولا تقتير. # وقال الضحاك: يعني النفقة على العيال وعلى نفسه، وليس النفقة في سبيل ~~الله. # قال مجاهد في قوله { فهو يخلفه }: أي: إن كان خالفا فمنه، ~~وربما أنفق ms2053 الرجل ماله كله ولم يخلف حتى يموت. # قال مجاهد: إذا كان بيد الرجل ما يقيمه فليقتصد في النفقة، ولا تؤول ~~هذه الآية فإن الرزق مقسوم، ولا يدري لعل رزقه قليل. يعني: وأجله قريب. # ثم قال تعالى: { وهو خير الرازقين } أي: خير من يرزق. وجاز ~~ذلك لأن من الناس من يسمى برازق على المجاز، أي: رزق غيره مما رزقه الله، ~~والله يرزق عباده لا من رزق رزقه غيره، فليس رازق مرزوق كرازق غير مرزوق. # ثم قال تعالى: { ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول ~~للملائكة } الآية أي: واذكر يا محمد يوم نحشر هؤلاء الكفار، ثم ~~نقول للملائكة: أهؤلاء الكفار كانوا يعبدونكم من دوني؟ فتبرأ منهم ~~الملائكة، فقالوا: { سبحانك أنت ولينا من دونهم } أي: ~~تنزيها لك وبراءة من السوء الذي أضافه هؤلاء إليك، " أنت ولينا من دونهم ~~" أي: لا نتخذ وليا من دونك. # { بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم } أي: بالجن. # { مؤمنون } أي: مصدقون، أي بعبادتهم. # وقيل: المعنى: أكثر هؤلاء الكفار بالملائكة مصدقون أنهم بنات الله. # قال قتادة في قوله تعالى للملائكة: { أهؤلاء إياكم كانوا ~~يعبدون } هو كقوله لعيسى: # أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون ~~الله # [المائدة: 116]. # ثم قال تعالى /: { فاليوم لا يملك بعضكم لبعض ~~نفعا ولا ضرا } أي: لا تملك الملائكة للذين كانوا يعبدونهم في ~~الدنيا ضرا ولا نفعا. # ثم قال: { ونقول للذين ظلموا } أي: عبدوا غير الله. # { ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون } أي: ~~في الدنيا. # ثم قال تعالى: { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات } ~~أي: وإذا تقرأ على هؤلاء الكفار آيات القرآن ظاهرات الدلائل والحجج في ~~توحيد الله وأنهن من عنده. # { قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما ~~كان يعبد آبآؤكم } أي: قالوا لا تتبعوا محمدا فما هو إلا رجل ~~يريد أن يصدكم عما كان آباؤكم يعبدون من الأوثان ويغير دينكم. # ثم قال تعالى: { وقالوا ما هذآ إلا إفك مفترى } أي: ~~وقال بعضهم ما هذا الذي أتانا به محمد إلا كذب مختلف متخرص. # ثم قال تعالى: { وقال ms2054 الذين كفروا للحق لما ~~جآءهم } يعني به محمدا صلى الله عليه وسلم وما جاء به: هذا سحر ~~مبين، أي: ما جاء إلا بسحر ظاهر. # ثم قال تعالى: { ومآ آتيناهم من كتب يدرسونها } أي: ~~لم يعط هؤلاء الكفار كتبا قبل كتابك يا محمد يقرؤونها وفيها ما يقولون ~~لك من البهتان. # { ومآ أرسلنا إليهم قبلك من نذير } أي: لم نبعث ~~إليهم قبلك من ينذرهم من عذاب الله. # قال قتادة: ما أنزل الله جل ذكره على العرب كتابا من قبل القرآن ولا ~~بعث إليهم رسولا قبل محمد صلى الله عليه وسلم. # ثم قال تعالى: { وكذب الذين من قبلهم } يعني من الأمم ~~الماضية كعاد وثمود كذبت رسلها، ولم يبلغوا هؤلاء معشار ما أوتي إليك من ~~القوة والبطش والنعم أي عشر ذلك. # وقيل عشر عشر ذلك. # والمعشار قيل هو عشر العشر جزء من مائة. # أي: لم يبلغ قومك يا محمد في القوة والبطش والأموال عشر عشر من كان ~~قبلهم، فقد أهلك من كان قبلهم بكفرهم، فكيف تكون حال هؤلاء الذين هم أقل ~~قوة وبطشا من أولئك. وهذا كله تهديد ووعيد وتنبيه لقريش، فالمعنى: فلم ~~ينفع أولئك ذلك وأهلكهم الله بكفرهم وتكذيبهم الرسل. # فإذا كان أولئك الأمم على ما فضلهم الله به من القوة والبطش والأموال ~~والدنيا قد أهلكوا لما كذبوا الرسل، فكيف تكون حال هؤلاء على ضعفهم وقلة ~~أموالهم ووهنهم إذا كذبوا الرسل. # وقوله: { فكيف كان نكير } أي: كيف كان إنكاري لهم بالهلاك ~~والاستئصال. # ثم قال تعالى: { قل إنمآ أعظكم بواحدة } أي قل يا محمد ~~لهؤلاء الكفار من قومك: إنما أعظكم بواحدة. # قال مجاهد: " " بواحدة " بطاعة الله. # وروى ليث عنه " بواحدة ": بلا إله إلا الله. # وقيل: المعنى: إنما أعظكم بخصلة واحدة، وهي: " أن تقوموا لله مثنى ~~وفرادى " أي: اثنين اثنين وواحدا واحدا، فأن بدل من واحدة، وهو قول ~~قتادة واختيار الطبري. # قال قتادة: الواحدة التي أعظكم بها أن تقوموا لله. # وقيل: " أن " في موضع رفع على معنى: وتلك الواحدة أن تقوموا لله ~~بالنصيحة وترك الهوى ms2055 اثنين اثنين وواحدا واحدا، أي: يقوم الرجل منكم مع ~~صاحبه، ويقوم الرجل وحده فيتصادقوا في المناظرة فيقولوا: هل علمتم بمحمد ~~صلى الله عليه جنونا قط؟ [هل علمتموه ساحرا قط؟]، هل علمتموه كاذبا ~~قط؟ # وقيل: " مثنى " ، أي: يقوم كل واحدة مع صاحبه فيعتبرا هل علما بمحمد ~~جنونا أو سحرا أو كذبا؟. # ومعنى " فرادى ": أي ينفرد كل واحد بعد قيامه مع صاحبه فيقول في نفسه هل ~~علمت بمحمد شيئا من جنون أو سحر أو كذب؟ فإنكم إذا فعلتم ذلك وتصادقتم ~~علمتم أن الذي ترمونه به من الجنون والسحر والكذب باطل، وأن الذي أتى به ~~حق، فاعتبروا ذلك وتفكروا فيه فتعلموا حينئذ أنه نذير لكم لا جنون به. # وقوله: { ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة } أي: ~~تفكروا فيه في أنفسكم فتعلموا - إذا أعطيتم الحق من أنفسكم - أنه ليس به ~~جنون، وأنكم مبطلون في قولكم إنه مجنون. # ثم قال: { إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب ~~شديد } أي: ما محمد إلا ينذركم على كفركم بالله عقابه. # وروي عن نافع أنه وقف " بواحدة ". # وهو جائز على معنى: وتلك الواحدة أن تقوموا، أو هو أن تقوموا، ولا يجوز ~~على غير هذا التقدير /. # والوقف عند أبي حاتم " ثم تتفكروا ". # وخولف في ذلك لأن المعنى: ثم تفكروا هل جربتم على محمد كذبا أو رأيتم ~~به جنة، فتعلمون أنه نبي. # ثم قال تعالى: { قل ما سألتكم من أجر فهو لكم } أي: ~~قل يا محمد لهؤلاء الذين ردوا إنذارك: الذي سألتكم - على إنذاري لكم عذاب ~~الله - هو لكم لا حاجة بي إليه، إني لم أسألكم جعلا على ذلك فتتهموني ~~وتظنوا أني إنما أنذركم لما آخذه منكم من الجعل. قال قتادة: المعنى: ~~لم أسألكم على الإسلام جعلا. # ثم قال تعالى: { إن أجري إلا على الله } أي: ما ثوابي على ~~إنذاري لكم إلا على الله. # { وهو على كل شيء شهيد } أي: والله على حقيقة ما أقول ~~لكم شهيد، شهد به لي وعلي غير ذلك من الأشياء كلها. # ثم قال تعالى: { قل ms2056 إن ربي يقذف بالحق } أي: يأتي ~~بالحق وهو الوحي ينزله من السماء فيقذفه إلى نبيه. # { علام الغيوب } أي: ما غاب عن الأبصار. ### || [34.49-54] # قوله تعالى ذكره: { قل جآء الحق وما يبدىء الباطل } ~~إلى آخر السورة. # أي: قل لهم يا محمد جاء الحق وهو الوحي. { وما يبدىء الباطل } ~~أي: وما يبتدي الشيطان خلقا ولا يعيد خلقا بعد موته. والباطل هنا ~~الشيطان، وهو إبليس اللعين، أي ما يخلق إبليس أحدا ولا يعيد خلقا بعد ~~موته. والوقف على " الحق " حسن إن رفعت " علم " على إضمار مبتدأ أو نصبته ~~على المدح وهي قراءة عيسى بن عمر. # فإن رفعت على أنه خبر، أو خبر بعد خبر، أو على النعت على الموضع، أو على ~~البدل من المضمر، لم تقف على " بالحق ". # ثم قال تعالى: { قل إن ضللت فإنمآ أضل على نفسي } ~~أي: على نفسي يعود ضرره. # { وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي } فبالذي يوحيه ~~إلي من الهدى اهتديت، وإن شئت جعلت ما والفعل مصدرا. # والتقدير: وإن اهتديت إلى الحق فبوحي ربي اهتديت. # { إنه سميع } أي: سميع لما أقول لكم، حافظ له مجاز لي عليه، { ~~قريب } أي: قريب مني غير بعيد لا يتعذر عليه سماع ما أقول لكم ولا ~~غيره. # ثم قال { ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت } اختلف في وقت هذا ~~الفزع، فقيل: ذلك في الآخرة، وقيل: في الدنيا. # فالمعنى على قول ابن عباس: أي لو ترى يا محمد إن فزع هؤلاء المشركون ~~عند نزول العذاب بهم فلا فوت لهم من العذاب. # { وأخذوا من مكان قريب } أي: من الدنيا بالعذاب. # قال ابن عباس: هذا من عذاب الدنيا. # قال ابن زيد: هؤلاء قتلى المشركين من أهل بدر، وهم الذين بدلوا نعمة ~~الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار. # وقال ابن جبير: هم الجيش الذين يخسف بهم بالبيداء، يبقى منهم رجل يخبر ~~الناس بما لقي أصحابه. # وروى حذيفة بن اليمان # " أن النبي صلى الله عليه وسلم " ذكر فتنة " تكون بين أهل المشرق ~~والمغرب، قال: فبينما هم كذلك إذ خرج ms2057 عليهم السفياني من ~~الوادي اليابس في فورة ذلك حتى ينزل دمشق فيبعث جيشين، جيشا إلى المشرق، ~~وجيشا إلى المدينة، حتى ينزلوا بابل في المدينة الملعونة والبقعة ~~الخبيثة، فيقتلون أكثر من ثلاث آلاف، ويبقرون فيها أكثر من مائة امرأة، ~~ويقتلون بها ثلاث مائة كبش من بني العباس، ثم ينحدرون إلى الكوفة ~~فيخربون ما حولها، ثم يخرجون متوجهين إلى الشام، فتخرج راية هدى من ~~الكوفة فتلحق ذلك الجيش منها على ليلتين فيقتلونهم لا يفلت منهم مخبر، ~~ويستنفذون ما في أيديهم من السبي والغنائم، ويحل جيشه ~~الثاني بالمدينة فينتهبونها ثلاثة أيام ولياليها، ثم يخرجون ~~متوجهين إلى مكة حتى إذا كانوا بالبيداء بعث الله عليهم جبريل عليه ~~السلام، فيقول: يا جبريل اذهب فأبدهم، فيضربها برجله ضربة يخسف ~~الله بهم، فذلك قوله تعالى ذكره: { ولو ترى إذ فزعوا فلا ~~فوت وأخذوا من مكان قريب } فلا يفلت منهم إلا رجلان، ~~أحدهما بشير والآخر نذير وهما من جهينة، فذلك جاء المثل: " وعند ~~جهينة الخبر اليقين " ". # وقال الحسن وقتادة: معنى الآية: ولو ترى يا محمد إذ فزع المشركون يوم ~~القيامة حين خرجوا من قبورهم. # قال قتادة: " وأخذوا من مكان قريب " حين عاينوا العذاب. # وجواب لو محذوف والتقدير: لو رأيت ذلك يا محمد لعاينت أمرا عظيما ~~ولرأيت عبرة. # وقوله { فلا فوت } / أي: فلا سبيل لهم أن يفوتوا بأنفسهم وينجوا من ~~العذاب. # قال ابن عباس " فلا فوت " فلا نجاة. # وقال علي بن سعيد: " فلا فوت " قال: جالوا جولة. # وقال إبراهيم بن عرفة: " فلا فوت " أي: لم يسبقوا ما أريد منهم. # وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: ولو ترى إذ فزعوا وأخذوا من ~~مكان قريب فلا فوت، أي: فلا يفوتونا. # وقال الضحاك: " فلا فوت " فلا هرب. # { وأخذوا من مكان قريب } أي: أخذوا بعذاب الله من مكان ~~قريب لأنهم حيث كانوا فهم من الله قريب. # وقال مجاهد: أخذوا من تحت أقدامهم. # ثم قال: { وقالوا آمنا به }. قال مجاهد: " به " بالله. # وقيل: بمحمد صلى الله عليه وسلم، وذلك حين عاينوا العذاب. وقال ابن ms2058 زيد: ~~ذلك بعد القتل قالوه. # ثم قال: { وأنى لهم التناوش } أي: من أي وجه لهم تناول ~~التوبة. { من مكان بعيد } أي: من الآخرة. # وقيل: من بعد القتل. # ومن همز " التناوش " ، أخذه من النئيش وهو الحركة في إبطاء. # فيكون المعنى: ومن أين لهم الحركة فيما قد بعد ولا حيلة فيه، ويجوز ~~أن يكون همز الواو لانضمامها، فيكون من ناش ينوش إذا تناول كقراءة من لم ~~يهمز. # قال أبو عبيدة: " وأني لهم " أي: كيف ومن أين. # وقيل: من مكان فوتت من تحت أقدامهم. # قال ابن عباس: { وأنى لهم التناوش } يسألون الرد وليس بحين ~~رد. # وقال مجاهد وقتادة: التناوش تناول التوبة. # وقال ابن زيد: التناوش من مكان بعيد وقرأ # ولا الذين يموتون وهم كفار # [النساء: 18]. وقال: ليس لهم توبة. وقرأ # ولو ترى إذ وقفوا على النار # [الأنعام: 27] ": الآية، وقرأ: # ربهم ربنآ أبصرنا وسمعنا فارجعنا # [السجدة: 12] الآية. وقال الضحاك: التناوش: الرجعة. # قال مجاهد: " من مكان بعيد ": من الآخرة. # ثم قال تعالى: { وقد كفروا به من قبل } أي بمحمد، من قبل ~~في الدنيا قبل موتهم. # وقيل: وقد كفروا بما يسألون ربهم عند نزول العذاب بهم. # قال قتادة: " كفروا به " أي بالإيمان في الدنيا. # ثم قال تعالى: { ويقذفون بالغيب من مكان بعيد } أي: ~~يقذفون محمدا اليوم بالظنون والأوهام، فيطعنون عليه وعلى ما جاءهم به، ~~فيقول بعضهم: ساحر وبعضهم: شاعر. قاله مجاهد وقتادة. # وقال ابن زيد: { بالغيب } أي بالقرآن. # والعرب تقول لكل من يتكلم بما لا يحقه ولا يصح عنده: هو يقذف بالغيب ~~ويرجم بالغيب. # وقوله: { مكان بعيد } مثل لمن يرجم ولا يصيب ويقول ويخطئ. # ثم قال تعالى ذكره: { وحيل بينهم وبين ما يشتهون } ~~أي: وحيل بين هؤلاء المشركين وبين الإيمان في الآخرة لأنها ليست بدار عمل ~~إنما هي دار جزاء، فلا سبيل لهم إلى توبة ولا إلى إيمان. قال ذلك الحسن. # وقال مجاهد: حيل بينهم وبين الرجوع. # وقال قتادة: عمل الخير. # وقيل: حيل بينهم وبين أموالهم وأولادهم وزهرة الدنيا، روي ذلك عن مجاهد ~~أيضا. # وقيل: المعنى: ms2059 وحيل بينهم وبين النجاة من العذاب. # ثم قال تعالى: { كما فعل بأشياعهم من قبل } أي كما فعل ~~بهؤلاء المشركين من قومك يا محمد في المنع من الرجوع والتوبة كما فعل ~~بنظرائهم من الأمم المكذبة لرسلها من قبلهم، فلم تقبل منهم توبة ولا رجوع ~~عند معاينة العذاب. # والأشياع جمع شيع، وشيع جمع شيعة، فهي جمع الجمع. # ثم قال: { إنهم كانوا في شك مريب } أي: كانوا في الدنيا ~~في شك من نزول العذاب بهم. # { مريب } أي: يريب صاحبه. # يقال أراب الرجل إذا أتى ريبة وركب فاحشة. ### | [35 - سورة فاطر] ### || [35.1-9] # قوله تعالى ذكره: { الحمد لله فاطر السموت والأرض ~~} إلى قوله: { كذلك النشور }. أي: الشكر الكامل والثناء الجميل ~~لله الذي ابتدع خلق السماوات والأرض وابتدأهما. # قال ابن عباس: ما كنت أدري ما فاطر حتى اختصم أعرابيان في بئر، فقال ~~أحدهما: أنا فطرتها، أي ابتدأتها. # ثم قال: { جاعل الملائكة رسلا } أي: أرسلهم إلى من شاء من ~~خلقه وفيما شاء وبما شاء من أمره ونهيه، والرسل هم هاهنا: جبريل وميكائيل ~~وإسرافيل وملك الموت صلى الله عليه وسلم. # ومعنى { أولي أجنحة } أي: أصحاب أجنحة، منهم من له اثنان، ~~ومنهم من له ثلاثة، ومنهم من له أربعة، أربعة من كل جانب، وهو قوله /: { ~~مثنى وثلاث ورباع } ، قاله قتادة وغيره. # وإنما تتصرف هذه الأعداد لعلتين، وذلك أنه معدول عن اثنين اثنين وثلاثة ~~ثلاثة، والثانية أنه عدل في حال النكرة. وقيل: العلة الثانية أنه صفة. # ثم قال تعالى: { يزيد في الخلق ما يشآء } أي: يزيد في خلق ~~الملائكة وفي عدد أجنحتها وغير ذلك ما يشاء. # وقال الزهري: هو حسن الموت. فيكون { ورباع } وقفا كافيا على ~~القول الأول، وتماما على القول الثاني. # وقال قتادة: هو ملاحة في العينين. # وروي عن ابن شهاب أنه قال: # " سأل رسول الله جبريل صلى الله عليه وسلم أن يتراءى له في صورته، ~~فقال له جبريل: لا تطيق ذلك، إني أحب أن تفعل فخرج رسول ~~الله إلى المصلى فأتاه جبريل في صورته فغشي على رسول الله ms2060 صلى الله ~~عليه وسلم حين رآه. ثم أفاق وجبريل صلى الله عليه وسلم مسنده واضع ~~إحدى يديه على صدره والأخرى بين كتفيه، فقال رسول الله: سبحان الله ما ~~كنت أرى شيئا من الخلق هكذا. فقال جبريل صلى الله عليه وسلم: ~~فكيف لو رأيت إسرافيل صلى الله عليه وسلم، إن له لاثني عشر جناحا ~~منها جناح في المشرق وجناح في المغرب، وإن العرش لعلى كاهليه وأنه ~~ليتضاءل الأحيان من عظمة الله حتى يعود مثل الوصع - والوصع ~~عصفور صغير - حتى ما يحمل عرشه إلا عظمته " # ذكر هذا الحديث علي بن سعيد. # وقال ابن عباس في قوله: # يوم يقوم الروح والملائكة صفا # [النبأ: 38]: إن الروح ملك يقوم وحده صفا مثل جميع ملائكة السماوات، ~~له ألف وجه، في كل وجه ألف لسان، كل لسان يسبح الله بثنتين وسبعين لغة، ~~ليس منها لغة تشبه الأخرى، لو أن الله تعالى أسمع صوته أهل الأرض ~~لخرجت أرواحهم من أجسامهم من شدة صوته، ولو سلط على السماوات السبع ~~والأرضين السبع لأدخلهن في فيه من أحد شدقيه، يذكر الله في كل يوم مرتين ~~فإذا ذكر الله خرج من فيه من النور قطع كأمثال الجبال العظام، لولا أن ~~الملائكة الذين من حول العرش يذكرون الله لاحترقوا من ذلك النور الذي ~~يخرج من فيه، موضع قدميه مسيرة سبعة آلاف سنة، له ألف جناح، فإذا كان يوم ~~القيامة قام هو وحده صفا وقامت الملائكة صفا واحدا فيكون مثل صفوفهم. # وقد روى مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله أذن لي أن أتحدث عن ملك من الملائكة: إن ~~ما بين شحمة أذنيه وعاتقه ليخفق الطير سبعين ~~عاما ". # ثم قال: { إن الله على كل شيء قدير } أي: يقدر على ما ~~يشاء من الزيادة في الخلق والنقص منه وعلى غير ذلك من الأشياء كلها. # ثم قال تعالى: { ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ~~ممسك لها } أي: ما يعطي الله للناس من خير فلا ممسك له، وما يحبس ~~من ذلك فلا مرسل ms2061 له من بعده، له الأمر ومفاتح الخير بيده يفعل ما يشاء. ~~وقيل: هو في المطر يرسله متى يشاء. # وقيل: هو في الدعاء. # ثم قال: { العزيز } أي: في نقمته ممن انتقم منه من خلقه بحبسه رحمته ~~عنه. # { الحكيم } في تدبيره خلقه. وقيل: الرحمة هنا الغيث. # ثم قال: { يأيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم ~~} هذا خطاب للمشركين، أي: اذكروا تفضل الله عليكم وتدبروا أنه لا ~~يرزقكم من السماء والأرض أحد غيره فيجب لكم ألا تعبدوا غيره. { لا ~~إله إلا هو } أي لا معبود غيره، يرزقكم المطر من السماء ~~والنبات من الأرض. ومن رفع " غير " جعله نعتا لخالق " على الموضع. # وقد ذكر اليزيدي أنه على التقديم والتأخير، وأن المعنى: هل غير الله ~~من خالق. ويجوز أن يرفع " غير " بفعله فيكون تقدير الكلام: هل من خالق ~~إلا الله. فلما جعلت " غير " موضع إلا، رفعت كإعراب الاسم الذي بعد ~~إلا. # ومن خفض جعله نعتا ل " خالق " على اللفظ. ويجوز النصب على ~~الاستثناء. # ثم قال: { فأنى تؤفكون } أي: فمن أي وجه تصرفون عن خالقكم ~~ورازقكم، أي: من أين يقع لكم التكذيب بتوحيد الله وإنكار البعث. # قال حميد الطويل: قلت للحسن: من خلق الشر؟ فقال: سبحان الله / هل ~~من خالق غير الله. قال: خلق الخير والشر. # ثم قال تعالى: { وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من ~~قبلك وإلى الله ترجع الأمور } هذا تسلية للنبي صلى الله ~~عليه وسلم، أي: إن يكذبك يا محمد هؤلاء المشركون بالله من قومك، فإن ذلك ~~سنة أمثالهم من كفرة الأمم من قبلهم في تكذيبهم الرسل. # قال قتادة: يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم كما تسمعون. # ثم قال: { وإلى الله ترجع الأمور } أي: يرجع أمرك وأمرهم ~~فيجازيهم على فعلهم. # ثم قال: { يأيها الناس إن وعد الله حق فلا ~~تغرنكم الحياة الدنيا } أي: إن وعد الله لكم بالعذاب ~~على كفركم حق فلا يغرنكم ما أنتم فيه من العيش والمال في الدنيا، أي: ~~لا يخدعنكم ذلك. # ثم قال: { ولا يغرنكم بالله الغرور } أي: لا يخدعنكم ~~بالله ms2062 الشيطان فيعنيكم بأن لا حساب ولا عقاب ولا بعث، فيحملكم ذلك ~~على الإصرار على الكفر، قاله ابن عباس وقتادة. # وقال ابن جبير: الغرور الحياة الدنيا ونعيمها، يشتغل الإنسان بها عن عمل ~~الآخرة حتى يقول: # يقول يليتني قدمت لحياتي # [الفجر: 24]. وقرئ " الغرور " بالضم على أنه جمع غار، كما يقال ~~جالس وجلوس فيكون معناه كمعنى الأول. # وقيل: هو جمع غر وغر مصدر. # وقيل: هو مصدر، وفيه بعد لأن الفعل متعد ولم يأت في مصدر ~~المتعدي فعومل إلا في أشياء مسموعة مثل لزمته لزوما ونهكه المرض ~~نهوكا. # ثم قال تعالى: { إن الشيطان لكم عدو } أي: إن الشيطان ~~الذي نهيتكم ألا يخدعكم ويغركم لكم عدو. # { فاتخذوه عدوا } أي: أنزلوه منزلة العدو لكم واحذروه ولا ~~تطيعوه، فإنما يدعو من أطاعه وهم حزبه. # { ليكونوا من أصحاب السعير } أي: من المخلدين في نار ~~جهنم. # ويقال: السعير: الطبقة السادسة من جهنم لأنها سبع طباق، وطبقة تحت طبقة، ~~لكل طبقة باب، كما قال: لها سبعة أبواب. فكل باب تحت الباب الذي فوقه ~~أعاذنا الله منها. # وعدو هنا بمعنى معاد، فيجوز تثنيته وجمعه وتأنيثه، فإن جعلته بمعنى ~~النسب لم تجمع ولم تثن ولم يؤنث. # وعلى هذا قال تعالى: # فإنهم عدو لي # [الشعراء: 77]. # ثم قال تعالى: { الذين كفروا لهم عذاب شديد } يعني ~~عذاب النار. # ثم قال تعالى: { والذين آمنوا وعملوا الصالحات } ~~الآية، أي: آمنوا بالله ورسله وكتبه وعملوا بطاعته. { لهم مغفرة ~~} أي: ستر على ذنوبهم. { وأجر كبير }: الجنة، قاله قتادة وغيره. # ثم قال تعالى: { أفمن زين له سوء عمله [فرآه حسنا ~~} من: رفع بالابتداء، وخبره محذوف، والتقدير: أفمن زين له سوء عمله] ~~فرآه حسنا ذهبت نفسك عليهم حسرات. # والمعنى: أن الله نهى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يغتم بمن كفر به ~~وألا يحزن عليهم، وهذا مثل قوله: # فلعلك باخع نفسك # [الكهف: 6] أي: قاتلها. # وقال الأصمعي في قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " أهل اليمن هم أرق قلوبا وأبخع طاعة " # إن معنى " أبخع ": أنصح، قال: وباخع نفسك من هذا، كأنه من ms2063 شدة نصحه ~~لهم قاتل نفسه. # وقيل: التقدير في خبر الابتداء: أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا كمن ~~هداه الله، ودل على هذا المحذوف قوله بعد ذلك: { يضل من يشآء ~~ويهدي من يشآء }. # ويدل على المحذوف في القول الأول: { فلا تذهب نفسك }. فلا ~~يحسن الوقف على هذين القولين على " حسنا " ، وتقف على القول الثاني على ~~{ ويهدي من يشآء }. # ولا تقف على القول الأول إلا على { حسرات }. والمعنى زين له ~~الشيطان سوء عمله فأراه إياه حسنا. # ثم قال تعالى: { إن الله عليم بما يصنعون } أي: ذو علم ~~بعملهم ومحصيه عليهم ومجازيهم به. # ثم قال تعالى: { والله الذي أرسل الرياح فتثير ~~سحابا } أي: الله الذي أرسل الرياح فتجمع سحابا وتجيء به وتخرجه، ~~قاله أبو عبيدة. # ثم قال تعالى: { فسقناه } أي نسوقه. # { إلى بلد ميت } أي: مجدب لا نبات فيه. { فأحيينا به ~~الأرض بعد موتها } أي: فنحيي به الأرض بعد جدوبها وننبت فيها ~~الزرع بعد المحل. # { كذلك النشور } أي: كذلك ينشر الله الموتى بعد بلائهم في ~~قبورهم فيحييهم. # روى أبو الزعراء عن عبد الله أنه قال: يكون بين النفختين ما شاء الله أن ~~يكون، فليس من بني آدم خلق إلا وفي الأرض منه شيء، قال فيرسل الله جل ~~ذكره ماء من تحت العرش منيا كمني الرجل فتنبت أجسادهم ~~ولحمانهم / من ذلك ما تنبت الأرض من الثرى، ثم قرأ: # الله الذي يرسل الرياح # [الروم: 48] الآية. قال: ثم يقوم ملك الصور بين السماء والأرض فينفخ ~~فيها فتنطلق كل نفس إلى جسدها فتدخل فيه. ### || [35.10-12] # قوله تعالى ذكره: { من كان يريد العزة فلله العزة ~~جميعا } إلى قوله: { ولعلكم تشكرون }. # أي: من كان يريد العزة بعبادة الأوثان والأصنام فإن لله العزة جميعا، ~~قاله مجاهد. # وقال قتادة: معناه: من كان يريد أن يتعزز فليتعزز بطاعة الله. وقال ~~الفراء: معناه من كان يريد علم العزة فإنها لله جميعا، أي: كلها له. # وقيل المعنى: من كان يريد العزة التي لا ذلة تعقبها فهي لله، لأن ~~العزة إذا أعقبتها ذلة فهي ms2064 ذلة إذ قصاراها للذلة. # و " جميعا " منصوب على الحال. أي: إن العزة في حال اجتماعها، له في ~~الدنيا والآخرة. # ثم قال تعالى ذكره: { إليه يصعد الكلم الطيب ~~والعمل الصالح يرفعه } أي: إلى الله يصعد ذكر العبد ربه، ~~ويرفع ذكر العبد ربه العمل الصالح، وهو العمل بطاعة الله. # ويقال: الكلم الطيب هو لا إله إلا الله، يرفعه عمل الفرائض، فإذا قال ~~العبد لا إله إلا الله نظرت الملائكة إلى عمله، فإن كان عمله موافقا ~~لقوله صعدا جميعا ولهما دوي كدوي النحل حتى يقف بين يدي الله تعالى، ~~فينظر إلى قائلها نظرة لا يبؤس بعدها أبدا، وإذا كان عمله مخالفا ~~لقوله، وقف حتى يموت من عمله. # قال عبد الله: إنا إذا حدثناكم بحديث أتيناكم بتصديق ذلك من كتاب الله ~~عز وجل، إن العبد المسلم إذا قال: سبحان الله وبحمده الحمد لله لا إله ~~إلا الله والله أكبر تبارك الله، أخذهن ملك فجعلهن تحت جناحه ثم يصعد ~~بهن إلى السماء فلا يمر بهن على جمع من الملائكة إلا ~~استغفروا لقائلهن، ثم قرأ عبد الله: # { إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح ~~يرفعه }. # وقال كعب: إن لسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ~~لدويا حول العرش كدوي النحل يذكرن بصاحبهن. والعمل في الخزائن. # قال ابن عباس: { الكلم الطيب } ذكر الله، و { والعمل ~~الصالح } أداء فرائضه فمن ذكر الله في أداء فرائضه، حمل عمله ذكر ~~الله فصعد به إلى الله سبحانه. # ومن ذكر الله ولم يؤد فرائضه رد كلامه على عمله فكان أولى به. وكذلك ~~قال الحسن وابن جبير ومجاهد وأبو العالية والضحاك وقال شهر بن حوشب: " ~~الكلم الطيب " القرآن، و " العمل الصالح " يرفع القرآن. أي التوحيد يرفع ~~القرآن. # روي عن ابن مسعود أنه قال: إذا حدثناكم بحديث آتيناكم بتصديقه من كتاب ~~الله عز وجل: خمس ما قالهن عبد مسلم إلا قبض عليهن ملك فجعلهن تحت ~~جناحه فيصعد بهن لا يمر بهن على جمع من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن ~~حتى يجيء بها الرحمن: ms2065 الحمد لله وسبحان الله ولا إله إلا الله والله ~~أكبر وتبارك وتعالى، ثم قرأ: { إليه يصعد الكلم الطيب ~~والعمل الصالح يرفعه }. # وعن قتادة أنه قال: العمل الصالح يرفعه الله. ويجب على هذا القول أن ~~يكون الاختيار نصب " والعمل الصالح ". # وقيل: إن المعنى: والعمل الصالح يرفعه الكلم الطيب. ويجب أيضا على هذا ~~التأويل أن يكون الاختيار نصب " العمل الصالح " ، ولم يقرأ به أحد غير ~~عيسى بن عمر. # وما تقدم عند هذين من التأويلات لا يلزم فيها نصب " العمل " لأن الضمير ~~لا يعود على العمل. # ثم قال: { والذين يمكرون السيئات } أي يكتسبونها. # { لهم عذاب شديد } يعني عذاب جهنم. # ثم قال: { ومكر أولئك هو يبور } أي: وعمل هؤلاء المشركين ~~هو يبطل ويهلك لأنه لم يكن لله. # قال قتادة: يبور: يفسد. يقال بار، يبور إذا هلك. # وقال شهر بن حوشب: هم أصحاب الرياء. # وقال أبو اسحاق: وقد بين الله مكرهم في سورة الأنفال فقال: # وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو ~~يقتلوك أو يخرجوك # [الأنفال: 30]. # " الكلم الطيب " وقف إلا على قراءة من نصب " والعمل ". # ثم قال تعالى: { والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ~~} أي: خلق آدم الذي هو أبوكم من تراب، ثم خلقكم يا ذريته من نطفة الرجل ~~والمرأة { ثم جعلكم أزواجا } أي أجناسا. / وقيل: معناه: زوج ~~الأنثى للذكر. قاله قتادة وغيره. # ثم قال تعالى: { وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا ~~بعلمه } أي: هو عالم بوقت حمله ووقت وضعه وما هو أذكر أم انثى. # ثم قال: { وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره ~~إلا في كتاب } أي: ما يطول في عمر أحد ولا ينقص غيره من مثل ما ~~عمره إلا في كتاب قبل أن تحمل به أمه، وقبل أن تضعه، يجعل عمر هذا ~~طويلا وعمر هذا أنقص منه، فلا يزاد في ذلك ولا ينقص منه. # وقال ابن عباس قولا معناه: ليس أحد قضى الله له طول عمر ببالغ دون ذلك، ~~ولا أحد قضى الله له قصر عمر ببالغ أطول من ذلك، ms2066 كل في كتاب مبين. يعني ~~اللوح المحفوظ، وهذا هو القول الأول بعينه. # وكذلك قال الضحاك وابن زيد. # قال ابن زيد: ألا ترى أن الإنسان يعيش مائة سنة، والآخر يموت حين يولد. # وهو مذهب الفراء، فالهاء تعود على غير المعمر، والمعنى: وما يعمر من ~~إنسان تعمر ولا ينقص من ذلك العمر من عمر إنسان آخر إلا وهو في كتاب ~~مبين. # ويجوز أن تكون تعود على المعمر على حذف، والتقدير: وما يعمر من معمر ~~ولا ينقص آخر من مثل عمر المعمر الأول إلا في كتاب. وقال ابن عباس وابن ~~جبير: المعنى: ما يعمر من إنسان ولا ينقص من عمر ذلك الإنسان إلا في ~~كتاب، أي كلما نقص من عمر ابن آدم فهو في كتاب، أي يكتب نقص من عمره ~~يوم، نقص شهر، نقص سنة، في كتاب آخر إلى أن يستوفي أجله فيموت. # قال ابن جبير: ما مضى من عمره فهو النقصان، وما يستقبل فهو الذي يعمره، ~~وهذا اختيار أبي إسحاق وقوله. # وكان كعب الأحبار يذهب إلى أن الإنسان يجوز أن يزاد في عمره ما لم يحضر ~~الأجل. # وروي أنه لما طعن عمر رضي الله عنه قال: لو شاء الله لزاد في أجله ~~فأنكر عليه ذلك المسلمون، وقالوا: إن الله جل ذكره يقول: # فإذا جآء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون # [النحل: 61]، فقال: وإن الله يقول: { وما يعمر من معمر ~~ولا ينقص من عمره إلا في كتاب }. # وقيل: إن معنى الآية: لن يكون بحكم أن عمر الإنسان مائة سنة إن أطاع ~~الله وتسعون إن عصاه فأيهما بلغ فهو في كتاب. # ثم قال تعالى: { إن ذلك على الله يسير } أي: إحصاء أعمار ~~خلقه عليه يسير سهل. # ثم قال تعالى ذكره: { وما يستوي البحران هذا عذب ~~فرات سآئغ شرابه وهذا ملح أجاج }. أي ما يعتدلان. ~~والفرات: أعذب العذب، والملح الأجاج: ماء البحر. # والأجاج: المر وهو أشد المياه ملوحة في مرارة. # ثم قال: { ومن كل تأكلون لحما طريا } أي: ومن كل ~~البحار، يعني لحم الحوت وغيره ms2067 من صيد البحرين. # ثم قال تعالى: { وتستخرجون حلية تلبسونها } يعني ~~اللؤلؤ والمرجان. # فقال: { ومن كل } ، فعم، وهما إنما يخرجان من الملح، كما قال: # يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان # [الرحمن: 22] أي من أحدهما، هذا قول أبي اسحاق. # وقيل: إن الأصداف التي منها الدر وغيره إنما تستخرج من المواضع التي ~~فيها الماء العذب والملح نحو العيون. # وقال المبرد: قوله: { ومن كل } يراد بها الملح خاصة كما قال تعالى: # جعل لكم اليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا ~~من فضله # [القصص: 73]، وكما تقول: لو رأيت الحسن والحجاج لرأيت خيرا كثيرا تريد ~~به الحسن خاصة. # والمعنى على قول المبرد: ومن كل الملح تستخرجون. # ثم قال تعالى: { وترى الفلك فيه مواخر }. # قال قتادة: تجري مقبلة ومدبرة. يقال: مخرت السفينة مخرا إذا خرقت ~~الماء. # قال ابن عباس: " مواخر " جواري، يعني في الملح خاصة، فلذلك قال " فيه ". # والفلك جمع فلك كأسد وأسد، ووثن ووثن. # ثم قال تعالى: { لتبتغوا من فضله } أي: في السفن يطلبون ~~الرزق بالأسفار فيها. # { ولعلكم تشكرون } أي: تشكرون على تسخيره إياها لكم وعلى ~~غير ذلك. ### || [35.13-23] # قوله تعالى ذكره: { يولج الليل في النهار ويولج ~~النهار } إلى قوله: { إن أنت إلا نذير }. # أي: يزيد من الليل في النهار، ومن النهار في الليل. وأصل الإيلاج ~~الدخول. فالمعنى يدخل من هذا في هذا، ومن هذا في هذا. # قال ابن عباس: هو انتقاص أحدهما من الآخر. # ثم قال: { وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل ~~مسمى } أي: سخرهما في الجري نعمة منه وفضلا لتعلموا عدد السنين / ~~والحساب، والليل من النهار، يجريان لوقت معلوم لا يتقدمانه ولا يتأخران ~~عنه. # قال قتادة: لا يقصر دونه ولا يتعداه. # وقيل: الأجل المسمى هنا: القيامة. # ثم قال: { ذلكم الله ربكم } أي: الذي يفعل هذه الأفعال هو ~~الله معبودكم الذي لا تصلح العبادة إلا له. # ثم قال: { له الملك } أي: له الملك التام، كل في سلطانه وملكه ~~يفعل ما يشاء. # ثم قال: { والذين تدعون من دونه ما يملكون من ~~قطمير } أي: الأوثان والأصنام التي تعبدون من دون الله ms2068 لا تملك شيئا ~~من ذلك ولا مقدار قطمير فما فوقه، وهي القشرة الرقيقة التي على النواة. # وقال ابن عباس: قطمير هو الجلد الذي يكون على ظهر النواة. # وقال مجاهد: لفافة النواة كسحاة البيضة. # وقال قتادة: هو الذي على رأس النواة. # وقال جويبر عن بعض رجاله: هو القمع الذي على رأس الثمرة ثم قال: { إن ~~تدعوهم لا يسمعوا دعآءكم } يعني الأصنام لأنها جمادات لا ~~روح لها. # ثم قال: { ولو سمعوا ما استجابوا لكم } أي: لو كان لها ~~روح فسمعت لم تستجب، إذ هي ليست ممن ينطق وليس كل سامع ينطق. فكيف تعبدون ~~من هذه حاله وتتركون عبادة من خلقكم وأنعم عليكم بتسخير الليل والنهار ~~والشمس والقمر وغير ذلك من نعمه. # قال قتادة: { ولو سمعوا ما استجابوا لكم } أي: ما قبلوا ~~ذلك عنكم ولا نفعوكم فيه. # ثم قال: { ويوم القيامة يكفرون بشرككم } أي: تتبرأ ~~آلهتكم التي كنتم تعبدون في الدنيا من أن تكون لله شركاء. # قال قتادة: معناه يكفرون بشرككم إياهم، ولا يرضون به ولا يقرون به. وهو ~~قوله: # ما كنتم إيانا تعبدون # [يونس: 28]. # ثم قال: { ولا ينبئك مثل خبير } فالله جل ذكره هو الخبير ~~أن هذا سيكون في القيامة. # ثم قال: { يأيها الناس أنتم الفقرآء إلى الله ~~والله هو الغني الحميد } أي: أنتم ذووا الحاجة إلى الله ~~فإياه فاعبدوه، والله هو الغني عن عبادتكم إياه وعن غير ذلك، (المحمد) ~~على نعمه فله الحمد والشكر بكل حال. # { إن يشأ يذهبكم } أي: يهلككم لأنه أنشأكم من غير حاجة به ~~إليكم. { ويأت بخلق جديد } أي: بخلق سواكم يطيعونه. # { وما ذلك على الله بعزيز } أي: وما ذهابكم والإتيان بخلق ~~جديد بعزيز على الله، أي شديد عليه، بل ذلك هين سهل. # ثم قال تعالى: { ولا تزر وازرة وزر أخرى } أي: لا تحمل ~~نفس حاملة حمل نفس أخرى، يعني من الذنوب والآثام. # روي أن هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة المخزومي، قال لمن أسلم من ~~بني مخزوم: ارجعوا إلى دينكم القديم وأنا أحمل عنكم أوزاركم. وفيه ms2069 نزلت: # أم لم ينبأ بما في صحف موسى * وإبراهيم الذي ~~وفى * ألا تزر وازرة وزر أخرى # [النجم: 36-38]. # ثم هذا كله عام في كل من ادعى أن يحمل ذنب غيره لا يجوز له شيء من ذلك ~~ولا ينتفع به المحمول عنه. # ثم قال: { وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل ~~منه شيء } أي: إن تدع نفس مثقلة بالأوزار والذنوب إلى أن يحمل ~~غيرها عنها من ذلك شيئا، لا يحمل أحد عنها من ذلك شيئا، ولو كان المدعو ~~ذا قرابة من الداعي. # قال ابن عباس: لا يؤخذ أحد بذنب أحد. # قال عكرمة: بلغني أن اليهودي والنصراني يرى الرجل يوم القيامة فيقول: [ ~~" ألم أكن قد أسديت إليك يدا؟]، ألم أكن قد أحسنت إليك؟، فيقول: بلى، ~~فيقول: انفعني، فلا يزال المسلم حتى ينقص من عذابه، وإن الرجل ليأتي إلى ~~أبيه يوم القيامة فيقول: ألم أكن بك بارا وعليك مشفقا وإليك محسنا؟ ~~وأنت ترى ما أنا فيه، فهب لي حسنة من حسناتك أو تحمل عني سيئة، فيقول: ~~إن الذي سألتني ليسير ولكني أخاف مثل ما تخاف، وإن الأب ليقول لابنه مثل ~~ذلك، فيرد عليه نحوا من هذا، وإن الرجل ليقول لزوجته: ألم أكن حسن ~~العشرة لك؟ فتحملي عني خطيئة لعلي ألحق، فتقول: إن ذلك ليسير ولكني ~~أخاف مما تخاف منه، ثم تلا عكرمة: { وإن تدع مثقلة إلى ~~حملها } الآية. وهذا القول أيضا هو قول مجاهد وقتادة. # ثم قال تعالى: { إنما تنذر الذين يخشون ربهم ~~بالغيب } أي: إنما تنذر يا محمد الذين يخافون / عقاب الله يوم ~~القيامة من غير معاينة منهم لذلك، لكن آمنوا بما جئتهم به من الخير بذلك ~~عن الله وصدقوا به. # قال قتادة: معناه يخشون النار والحساب، وإنما خص هؤلاء بالإنذار، وإن ~~كان صلى الله عليه وسلم نذيرا لجميع الخلق لأنهم هم الذين ينتفعون بذلك. # ثم قال تعالى: { وأقاموا الصلاة } أي: أدوا فروضها في أوقاتها ~~بحدودها. # ثم قال: { ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه } أي: ومن ~~تطهر من دنس الكفر والمعاصي بالتوبة إلى ms2070 الله، فإنما يتطهر لنفسه، أي على ~~نفسه يعود نفع تزكيته لأنه يكسبها رضى الله جل ذكره والفوز بالنجاة من ~~النار والحلول بالجنة. # قال قتادة: ومن يعمل صالحا فإنما يعمل لنفسه، فهو مثل قوله: # من عمل صلحا فلنفسه ومن أسآء فعليها # [فصلت: 46]. # ثم قال: { وإلى الله المصير } أي: رجوع كل عامل عملا إلى ~~الله تعالى فيجازيه عليه. # ثم قال تعالى ذكره: { وما يستوي الأعمى والبصير } أي: ~~الكافر والمؤمن. # أي: { ولا الظلمات ولا النور } الكفر والإيمان. # { ولا الظل ولا الحرور }. أي: الجنة والنار. # قال الأخفش: لا زائدة في " ولا النور " و " لا الحرور ". # وقيل: إن " لا " لها فائدة في دخولها مع الواو خلاف خروجها وذلك أنها ~~تدل على أن كل واحد من الاثنين لا يتساويان، فإذا قلت لا يستوي الأعمى ~~ولا البصير، فمعناه لا يساوي الأعمى البصير ولا البصير الأعمى. # وإذا قلت [لا يستوي الأعمى والبصير، فمعناه لا يساوي الأعمى البصير]. # وليس فيه دلالة على أن البصير لا يساوي الأعمى، وهذا القول فيه دخل. ~~لأن من لم تساوه لم يساوك، فدخول لا مثل خروجها. # قيل: معنى الآية: لا يستوي الأعمى عن دين الله الكافر به، والبصير في ~~دين الله المتبع له، ولا ظلمات الكفر ونور الإسلام. # وقال ابن عباس: الظل الجنة، والحرور: النار، والظلمات: الضلالة، والنور: ~~الهدى. # وقيل: الظل ضد الحر، والحرور الحر الدائم، والسموم لا يكون إلا ~~بالنهار، والحر بالنهار والليل، هذا قول الفراء. # وقال رؤبة: الحرور بالليل، والسموم بالنهار. # قال: { وما يستوي الأحيآء ولا الأموات } أي: الأحياء ~~القلوب بالإيمان، والأموات القلوب بغلبة الكفر عليها، فلا تعقل عن الله ~~شيئا.. # قال ابن عباس: هذا كله مثل ضربه الله لأهل الطاعة والمعصية. # ثم قال: { إن الله يسمع من يشآء } أي: يوقف من يشاء لقبول ~~كتابه فيتعظ به. # { ومآ أنت بمسمع من في القبور } أي: لست يا محمد تسمع ~~الموتى كتاب الله فتهديهم به، فكذلك لا تقدر أن تسمعه من أمات قلبه الكفر ~~فيهتدي به. # ثم قال تعالى: { إن أنت إلا نذير } أي: ms2071 تنذر من أرسلت إليه ~~ليس عليك غير ذلك. ### || [35.24-32] # قوله تعالى ذكره: { إنآ أرسلناك بالحق بشيرا ~~ونذيرا } إلى قوله: { الفضل الكبير }. # أي: أرسلناك يا محمد بالدين الحق بشيرا بالجنة لمن أطاعك فآمن، ونذيرا ~~تنذر بالنار من عصاك فكفر بك. # ثم قال تعالى: { وإن من أمة إلا خلا فيها نذير } أي: ~~وما من أمة كانت قبلك يا محمد إلا وقد جاءها نذير ينذرها عذاب الله على ~~الكفر. # قال قتادة كل أمة كان لها رسول. # ثم قال تعالى: { وإن يكذبوك فقد كذب الذين من ~~قبلهم } أي: إن يكذبك يا محمد مشركوا قومك فقد كذب الذين من قبلهم ~~من الأمم رسلهم، جاءتهم الرسل بالبينات، أي بحجج الله الواضحة { ~~وبالزبر } أي: بالكتاب من عند الله. # { وبالكتاب المنير } أي: منير لمن تبينه وتدبره. # ثم قال: { ثم أخذت الذين كفروا } اي: أهلكتهم بكفرهم. # { فكيف كان نكير } أي انظر يا محمد كيف كان تغييري بهم وإنكاري ~~لكفرهم، وحلول عقوبتي بهم. # ثم قال تعالى: { ألم تر أن الله أنزل من السمآء ~~مآء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها } أي: ~~منها الأحمر والأسود والأصفر. # ثم قال: { ومن الجبال جدد بيض } أي: طرائق، وهي الجدد جمع ~~جدة، وهي الطريقة في الجبل. # قال الأخفش: ليس جدد يجمع على جديد لأنه يلزم أن تقول فيه جدد ~~بالضم، قال: والجدد جمع جدة. # والجدد الخطوط تكون في الجبال بيض وسود وحمر. فلذلك قال: { ~~مختلفا ألوانها } أي: ألوان الجدد. # ثم قال /: { وغرابيب سود } أي: وسود غرابيب، فهو مؤخر يراد به ~~التقدم. # والعرب تقول: هو أسود غربيب إذا وصفوه بشدة السواد. # ثم قال: { ومن الناس والدوآب والأنعام مختلف ~~ألوانه } أي: خلق مختلف ألوانه. # { كذلك } أي: مثل الجدد، أي كما اختلفت ألوان الطرائق في الجبال، ~~كذلك تختلف ألوان الناس والأنعام وغيرهم، قدرة من الله تعالى ينبه خلقه ~~عليها. # ومن أجل حذف الموصول قال: " ألوانه " ، أي: خلق مختلف ألوانه، ولم يقل ~~ألوانهم ولا ألوانها. # ثم قال تعالى: { إنما يخشى الله من عباده العلماء ~~} أي: إنما يخاف الله ويتقي عقابه ms2072 العلماء بقدرته على ما يشاء وأنه يفعل ~~ما يريد، لأن من علم ذلك أيقن بالمعاقبة على المعصية فخاف الله واتقاها. # قال ابن عباس: هم الذين يعلمون أن الله على كل شيء قدير. # وقال قتادة: كفى بالرهبة علما. # قال مجاهد: إنما العالم من خشي الله. # وقال ابن مسعود: كفى بخشية الله علما والاغترار به جهلا. # قال ابن منصور بن زاذان: نبئت أن بعض من يلقى في النار يتأذى ~~الناس بريحه، فيقال: ويلك ما كنت تعمل؟ أما يكفي ما نحن فيه من الشر حتى ~~ابتلينا بك وبنتن ريحك؟ فيقول: كنت عالما فلم أنتفع بعلمي. # وقال عمران القصير: بلغني أن في جهنم واديا تستعيذ منه جهنم كل يوم ~~أربع مائة مرة مخافة أن يرسل عليها فيأكلها، أعد الله ذلك الوادي ~~للمرائين من القراء. # ثم قال: { إن الله عزيز } أي: عزيز في انتقامه. # { غفور } للذنوب لمن تاب وأطاع. # { كذلك } تمام حسن عند الجميع، و { ألوانها } تمام، و { ~~العلماء } تمام. # ثم قال تعالى: { إن الذين يتلون كتاب الله ~~وأقاموا الصلاة } أي: يقرؤون القرآن ويدومون على أداء الصلاة ~~لمواقيتها بحدودها. ومعنى أقاموا: يقيمون. # ثم قال: { وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية } ~~يعني: الزكاة المفروضة يعطونها خفية وجهارا. وأنفقوا بمعنى ينفقون. # وقيل: المعنى أنهم يتصدقون بعد أداء الفرض الواجب عليهم. # ثم قال تعالى: { يرجون تجارة لن تبور } أي: يطلبون بفعلهم ~~تجارة لن تبور، أي: لن تكسد ولن تهلك. # ثم قال: { ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله } ~~أي: طلبوه ذلك ورجوه لكي يوفيهم أجورهم على فعلهم ذلك ويزيدهم من فضله، ~~وهو ما زاد على الحسنة بحسنة، وذلك تسع حسنات إلى ست مائة وتسع وتسعين، ~~هو تفضل من الله على عباده. # قال قتادة: كان مطرف إذا مر بهذه الآية: { إن الذين ~~يتلون كتاب الله } قال: هذه آية القراء. # ثم قال: { إنه غفور شكور } أي: غفور لهؤلاء الذين تقدمت ~~صفتهم، شكور لحسناتهم، قاله قتادة. # ثم قال تعالى: { والذي أوحينآ إليك من الكتاب } أي: ~~من القرآن، يخاطب محمدا صلى الله عليه وسلم. { هو ms2073 الحق } ، أي: ~~هو الحق عليك وعلى أمتك، أن تعملوا به وتتبعوا ما فيه دون غيره من الكتب ~~التي نزلت قبله. # ثم قال: { مصدقا لما بين يديه } أي: يصدق ما قبله من ~~الكتب: التوراة والإنجيل وغيرها. # ثم قال: { إن الله بعباده لخبير بصير } أي: ذو خبر ~~بهم وعلم، بصير بما يصلحهم. # ثم قال تعالى: { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا ~~من عبادنا } أي: الذين اخترنا، يعني أمة محمد صلى الله عليه وسلم. ~~واختلف في هذه الثلاثة الأصناف المذكورين في هذه السورة وفي سورة " ~~الواقعة ". # فقيل: الأصناف في هذه السورة هم الأصناف في سورة " الواقعة " ، فالسابق ~~بالخيرات هو المقرب، والمقتصد هم أصحاب الميمنة، والظالم لنفسه هم أصحاب ~~المشئمة. وأكثر الناس على أن الثلاثة الأصناف في هذه السورة، هم أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه قال تعالى: { ثم أورثنا ~~الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا } ، وأصحاب المشئمة ~~المكذبين الضالين لم يورثوا كتابا، ولا اصطفاهم الله ولا اختارهم، وقد ~~أخبرنا في هذه السورة أنه إنما أورث الكتاب من اختاره واصطفاه. فالظالم ~~لنفسه ليس هو من أصحاب المشئمة، والثلاثة الأصناف في " الواقعة " يراد ~~بها جميع الخلق من الأولين والآخرين، والثلاثة الأصناف في هذه السورة في ~~أمة محمد صلى الله عليه وسلم خاصة لقوله: / { أورثنا الكتاب } ~~ولقوله: { الذين اصطفينا من عبادنا } ، ولما نذكره من قول ~~الصحابة والتابعين، وما روي في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. # من ذلك قول ابن عباس، قال: { ثم أورثنا الكتاب الذين ~~اصطفينا من عبادنا } أي: الذين اخترنا من عبادنا، قال: معناه ~~اخترنا منهم، فالظالم لنفسه هو الذي يموت على كبيرة لم يتب منها، ~~والمقتصد هو الذي مات على صغائر - ولم يصب كبيرة - لم يتب منها، والسابق ~~هو الذي مات تائبا من كبيرته وصغيرته، أو لم يصب ذلك فيحتاج إلى توبة. ~~ولا يسلم من الصغائر واحد إلا يحيى بن زكريا، فأما الكبائر فالأنبياء ~~معصومون منها، وسائر الخلق غير معصومين منها إلا من شاء الله أن يعصمه. ~~ومعنى " اصطفينا ": اخترنا منهم، يعني أمة ms2074 محمد صلى الله عليه وسلم، ~~أورثهم الله تعالى كل كتاب أنزله، فظالمهم يغفر له، ومقتصدهم يحاسب ~~حسابا يسيرا، وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب. # وروى ابو الدرداء: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يجيء هذا السابق بالخيرات فيدخل الجنة بلا ~~حساب، ويجيء هذا المقتصد فيحاسب حسابا يسيرا، ~~ثم يتجاوز الله عنه، ويجيء هذا الظالم فيوقف ~~ويعير ويجزى ويغرف ذنوبه ثم يدخله الله ~~الجنة بفضل رحمته فهم الذين قالوا (الحمد لله ~~الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور) أي ~~غفر الذنب الكبير وشكر العمل القليل ". # وروى أيضا أبو الدرداء: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أما السابق فيدخل الجنة بغير حساب، ~~والمقتصد يحاسب حسابا يسيرا، وأما الظالم ~~فيحبس في طول المحبس ثم يتجاوز الله عنه ". # وقال عمر رضي الله عنه: سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له. # وقال ابن مسعود: هذه الأمة ثلاثة أثلاث يوم القيامة، ثلث يدخلون الجنة ~~بغير حساب، وثلث يحاسبون حسابا يسيرا، وثلث يجيئون بذنوب عظام فيقول ~~تعالى ذكره: ما بهؤلاء؟ وهو أعلم، فتقول الملائكة: هؤلاء جاءوا بذنوب ~~عظام إلا أنهم لم يشركوا بك، فيقول الرب جل ثناؤه: أدخلوا هؤلاء في ~~سعة رحمتي. ثم تلا عبد الله هذه الآية. # وقال كعب لما قرأ هذه الآية أو قرئت عليه: دخلوها ورب الكعبة. وقال: ~~الظالم لنفسه من هذه الأمة والمقتصد والسابق بالخيرات كلهم في الجنة. ألم ~~تر أن الله يقول: { ثم أورثنا الكتاب الذين ~~اصطفينا من عبادنا } الآية، ثم قرأ: { جنات عدن ~~يدخلونها } إلى قوله: { كل كفور }. # وقال محمد بن الحنفية: إن أمة محمد صلى الله عليه وسلم مرحومة: الظالم ~~مغفور له، والمقتصد في الجنات عند الله جل ذكره وثناؤه، والسابق ~~بالخيرات في الدرجات عند الله جل ذكره. # وروي عن عمر وعثمان وأبي الدرداء وعقبة بن عمرو وعائشة رضي الله عنها ~~أنهم قالوا: الثلاثة في الجنة ما لم يكن الظالم كافرا أو فاسقا، أو ~~منافقا. # وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: الكتاب الذي أورث هؤلاء: شهادة أن ms2075 لا ~~إله إلا الله وهو قول مجاهد. # وروي أن كعب الأحبار لما أسلم قالت يهود: ما حملك على رأيك الذي رأيت؟ ~~ألم تكن سيدنا وابن سيدنا في أنفسنا؟، قال لهم: أتلوموني إن كنت من أمة ~~وجدت مجتهدهم يدخل الجنة بغير حساب، ووجدت مقتصدهم يحاسب حسابا يسيرا، ~~ووجدت ظالمهم يغفر له ذنبه. # وعن عائشة أنها قرأت هذه الآية: { ثم أورثنا الكتاب ~~الذين اصطفينا } فلما بلغت: { جنات عدن يدخلونها } ~~، قالت: دخلت - ورب الكعبة - هذه الأصناف الثلاثة الجنة، فلما دخلوها ~~واستقروا بها قالوا: { الحمد لله الذي أذهب عنا ~~الحزن } ، أي: حزن ما عاينوه من أهوال الموقف. وقيل: قالوا ذلك حين ~~أيقنوا بذهاب الموت وأمنوه، فذهاب الموت وفقده حسرة على أهل النار وفرحة ~~لأهل الجنة. # وقيل: الحزن أنهم عملوا أعمالا في الدنيا كانوا في حزن ألا تقبل منهم، ~~فلما قبلت زال الحزن. # وقال ابن عباس: المصطفون / أمة محمد صلى الله عليه وسلم. # قال: فالظالم لنفسه: المنافق وهو في النار، والمقتصد والسابق في الجنة. # وروي عن ابن عباس أيضا أنه قال: جعل الله أهل الآية على ثلاث منازل، ~~كقوله: # وأصحاب الشمال مآ أصحاب الشمال # [الواقعة: 41]. # وأصحاب اليمين مآ أصحاب اليمين # [الواقعة: 27]. # والسابقون السابقون * أولئك المقربون # [الواقعة: 10-11] قال عكرمة: اثنان في الجنة وواحد في النار. # وقال مجاهد والحسن وقتادة: " فمنهم ظالم لنفسه ": هذا المنافق، " ومنهم ~~مقتصد ": هذا صاحب اليمين، و " منهم سابق بالخيرات ": هذا المقرب. وروى ~~ابن وهب أن عثمان بن عفان قال: سابقنا أهل الجهاد منا. ومقتصدنا أهل ~~حضرنا، وظالمنا أهل بدون. # وقال قتادة: الناس ثلاث منازل في الدنيا، وثلاث منازل عند الموت، وثلاث ~~منازل في الآخرة. أما الدنيا فمؤمن ومنافق ومشرك، وأما عند الموت فمقرب ~~وصاحب يمين وضال. وقرأ: # فأمآ إن كان من المقربين # [الواقعة: 88] إلى: # وتصلية جحيم # [الواقعة: 94]، وأما في الآخرة فصاحب يمين وصاحب شمال وسابق. ثم قرأ: # فأصحاب الميمنة مآ أصحاب الميمنة * وأصحاب ~~المشأمة مآ أصحاب المشأمة * والسابقون ~~السابقون * أولئك المقربون # [الواقعة: 8-11]. # فالضمير المرفوع في { يدخلونها } على هذه الأقوال يعود ms2076 على ~~المقتصد والسابق. وعلى الأقوال الأولى يعود على الأصناف الثلاثة. # وقد قيل: إن المصطفين هنا: الأنبياء، والظالم لنفسه: المكتسب منهم ~~الصغائر، وهذا قول شاذ، والأول أشهر. # قال المبرد: المقتصد: الذي يعطي الدنيا حقها والآخرة حقها. # وقيل: الظالم هنا صاحب الكبائر، والمقتصد الذي لم يستحق الجنة بزيادة ~~حسناته على سيآته، فيكون ضمير يدخلونها يعود على السابقين بالخيرات لا ~~غير. # وروي عن ابن عباس: أن الكتاب هنا كل كتاب أنزل. # ثم قال: { ذلك هو الفضل الكبير } أي: هو الذي وفق هذا، له ~~من عمل الخيرات فضل كبير من الله عليه. # ويجوز أن يكون المعنى هذا الذي أورث الله هؤلاء من الكتاب فضل كبير من ~~الله عليهم. ### || [35.33-37] # قوله تعالى ذكره: { جنات عدن يدخلونها يحلون } إلى ~~قوله: { من نصير }. # أي: بساتين إقامة لا زوال منها، يدخل هؤلاء المتقدمون ذكرهم، على ما ~~ذكرنا من الاختلاف في الآية التي قبلها، ورجوع الضمير على الكل أو على ~~البعض. # ثم قال: { يحلون فيها من أساور من ذهب } أي: يلبسون ~~ذلك في هذه البساتين. وأساور جمع الجمع واحده أسورة، وواحد أسورة ~~سوار وسوار لغتان فيه. وحكي إسوار، وجمعه أساوير. وفي حرف أبي: ~~" أساوير " على هذا المعنى. # وقال بعض أهل اللغة: قوله { من عبادنا } عام في النساء والرجال، ~~وقوله: { يحلون فيها } يعني به النساء خاصة، وهو غلط لأنه كان ~~يجب أن يقول يحلين، ولكن هو للرجال. # ويجوز أن يكون لهما جميعا فيغلب المذكر على المؤنث. # ثم قال: { ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير } من خفض فعلى ~~العطف على " أساور ". ومن نصب فعلى موضع " أساور ". # وروي أن كل واحد يحلى في يده ثلاث أسورة: واحد من فضة، وآخر من ذهب، ~~وآخر من لؤلؤ، والذهب في الوسط في كل يد. # ثم قال تعالى: { وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا ~~الحزن }. # قال ابن عباس: الحزن: حزن دخول النار، وهو قول الحسن. وقال عطية ~~الحزن: الموت. # وقال شمر: الحزن: حزن الخبر. # وقال قتادة: كانوا في الدنيا يعملون وينصبون وهم في حزن فحمدوا الله على ~~ذهاب ms2077 ما كانوا فيه. # وروى أبو الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أما الظالم لنفسه فيصيبه في ذلك المكان من ~~الغم والحزن، فذلك قولهم: الحمد لله الذي أذهب ~~عنا الحزن " # يعنون ما كانوا فيه - في الموقف - من الخوف. # وقال الزجاج: معناه الذي أذهب عنا الغم بالمعيشة، والخوف من العذاب ~~وتوقع الموت. وقيل: هو عام في جميع الحزن. # وقيل: الحزن هو أعمال عملوها من الخير فكانوا تحت خوف منها أن تقبل منهم ~~أو لا تقبل، فلما قبلت حمدوا الله على ذلك. # وروى زيد بن أسلم عن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم ~~ولا يوم نشورهم، وكأني بأهل لا إله إلا الله ~~ينفضون التراب / عن رؤوسهم يقولون: الحمد لله ~~الذي أذهب عنا الحزن ". # ثم قال: { إن ربنا لغفور شكور } قيل: إنه من قول الثلاثة ~~الأصناف. # قال قتادة: غفور لذنوبنا شكور لحسناتنا. # قال شمر: غفر لهم ما كان من ذنب وشكر لهم ما كان من عمل. وقيل: هو من ~~قول الظالم لنفسه، أي: غفر الذنب الكثير وشكر العمل القليل. # رواه أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتقدم ذكره ~~في قوله: { أورثنا الكتاب }. # وذكر ابن وهب عن أبي رافع أنه قال: بلغنا أنه يجاء لابن آدم يوم ~~القيامة بثلاثة دواوين، ديوان فيه الحسنات، وديوان فيه النعم، وديوان ~~فيه السيئات، فيقال لأصغر تلك النعم: قومي فاستوفي ثمنك من الحسنات ~~فتستوعب عمله ذلك كله فتبقى ذنوبه والنعم كما هي، فمن ثم يقول العبد: { ~~إن ربنا لغفور شكور }. # وعن ابن عباس أنه قال: السابق بالخيرات يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد ~~يحاسب حسابا يسيرا، والظالم لنفسه يحاسب حسابا شديدا ويحبس حبسا ~~طويلا. فإذا أدخل هؤلاء الظلمة لأنفسهم الجنة قالوا: الحمد لله الذي ~~أذهب عنا الحزن - الذي كنا [فيه] حين حبسنا - إن ربنا لغفور شكور، ~~غفر الذنوب العظيمة وشكر العمل القليل. # ثم قال تعالى ذكره: { الذي أحلنا دار المقامة ms2078 من ~~فضله } أي: أنزلنا وأدخلنا دار الإقامة. والمقامة والإقامة سواء، وهي ~~الجنة. { لا يمسنا فيها نصب } أي: تعب ولا وجع. # { ولا يمسنا فيها لغوب } أي: عياء. يقال: لغب يلغب ~~لغوبا. # قال ابن عباس: اللغوب: العياء. والنصب بفتح النون والصاد التعب ~~والنصب بضم النون وتسكين الصاد: الشر، والنصب بضمتين: ما ~~ينصب لذبح أو غيره. # وقرأ أبو عبد الرحمن: " لغوب " بفتح اللام جعله مصدرا كالوقود ~~والطهور. # وقيل: هو ما يلغب منه. # ثم قال تعالى: { والذين كفروا لهم نار جهنم لا ~~يقضى عليهم فيموتوا } قال قتادة: لو ماتوا استراحوا، ولكن ~~لا يموتون. # ثم قال: { ولا يخفف عنهم من عذابها } أي: لا ينقص ~~عنهم من النوع الذي هم فيه من العذاب. # ثم قال: { كذلك نجزي كل كفور } أي: نكافئ كل جحود لنعمة ~~ربه يوم القيامة. # ثم قال تعالى: { وهم يصطرخون فيها } أي: يستغيثون فيها ~~ويضجون، يسألون الرجعة إلى الدنيا ليعملوا صالحا، فيقال لهم: { أولم ~~نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر }. # قال ابن عباس: هو أربعون سنة أعذر الله فيه لابن آدم، وقاله مجاهد. # وقال مسروق: إذا بلغ أحدكم أربعين سنة فليأخذ حذره من الله جل ثناؤه. # وقيل: وهو ثماني عشر سنة. # وعن ابن عباس أيضا: إنها ستون سنة، وهو قول علي بن أبي طالب. # وروي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا كان يوم القيامة نودي أين أبناء الستين ~~وهو العمر الذي قال الله تعالى ذكره: أو لم ~~نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر ". # وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لقد أعذر الله في العمر إلى صاحب الستين سنة ~~والسبعين ". # ثم قال: { وجآءكم النذير }. # قال ابن زيد: هو محمد صلى الله عليه وسلم، وقرأ: # هذا نذير من النذر الأولى # [النجم: 56]. وقيل: هو الشيب. # والمعنى عمرتهم هذا العمر فلم تتعظوا ولم تعملوا ولم تؤمنوا. # ثم قال: { فذوقوا } أي: عذاب جهنم. # { فما للظالمين من نصير } أي: ما لهم من ينصرهم من عذاب ~~الله فيستنقذهم منه. ### || [35.38-43] # قوله تعالى ms2079 ذكره: { إن الله عالم غيب السموت } إلى ~~قوله: { لسنت الله تحويلا }. # أي: يعلم ما يخفي جميع الخلق وما يسرون، وما لم يخفوه. # { إنه عليم بذات الصدور } أي: ما تخفون في أنفسكم. # ثم قال: { هو الذي جعلكم خلائف في الأرض } أي: ~~استخلفكم في الأرض بعد الأمم الماضية. # قال قتادة: أمة بعد أمة وقرنا بعد قرن. # وفيه معنى التنبيه والتخويف أن يصيبهم مثل ما أصاب الأمم قبلهم. # ثم قال تعالى: { فمن كفر فعليه كفره } أي: على نفسه ضرر ~~كفره راجع، مثل: # ومن أسآء فعليها # [فصلت: 46]. وقيل: معناه: فعليه جزاء كفره. # ثم قال تعالى: { ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ~~ربهم إلا مقتا } أي: بعدا من الله ورحمته. # { ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا } أي: ~~هلاكا. # والمقت / عند أهل اللغة أشد البغض. # ثم قال تعالى: { قل أرأيتم شركآءكم } أي: قل يا محمد ~~لهؤلاء المشركين: أخبروني عن شركائكم الذين تدعون من دون الله، { ماذا ~~خلقوا من الأرض } ، أي: هل خلقوا شيئا، { أم لهم شرك ~~في السموت } - إن لم يكونوا خلقوا في الأرض شيئا - أم أعطاكم ~~الله كتابا أن تشركوا بها، وتعبدونها من دون الله، فأنتم على حجج من ~~عبادتكم لها إن كان معكم شيء من ذلك، فهل عبدتموها لأمر من هذه الأمور: ~~فيقوم لكم بذلك عذر، أم عبدتموها لا لمعنى، فتظهر لكم خطاياكم. وكذلك ~~فعلوا، ألا ترى أنهم لم يجدوا حجة من عبادتهم لها إلا أن # قالوا وجدنآ آبآءنا لها عابدين # [الأنبياء: 53]. # ومعنى " أرأيتم " عند سيبويه: أخبروني عن كذا، على (معنى) التوقيف، ~~وأجاز سيبويه: " قد علمت زيد أبو من هو " بالرفع لأن زيدا في ~~المعنى مستفهم عنه، ولو جعلت موضع علمت أرأيت، لم يجز الرفع لأنه بمعنى ~~أخبرني عن زيد، فلا يصلح أن يعلق، إذ خرج عن حد ما يدخل على الابتداء ~~والخبر، وحسن تعليق علمت لأنها داخلة على الابتداء والخبر. # ثم قال: { بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا ~~غرورا } أي: ليس لآلهتهم شيء من هذه الخلال، فقولهم: ما نعبد آلهتنا ~~إلا لتقربنا إلى ms2080 الله زلفى خداع من بعضهم لبعض، وحسن إضافة الشركاء إليهم ~~لأنهم هم اختلقوها وجعلوها شركا لله. # و " بينت " في الخط بالتاء، وذلك يدل على أنه جمع لأنه لو كان واحدا ~~لم يكتب بالتاء لأنه منون، وإن ما وقع بالتاء من هذا النوع ما كان ~~غير منون نحو " رحمت ربي ". و [...] الله وشبه ذلك. # وأيضا فإن كثيرا من المصاحف كتبت " بينات " فيه بألف قبل التاء ~~فمن قرأ بالتوحيد فلا يخلو من أن يكون خالف الخط، ومخالفته لا تجوز، أو ~~تكون قراءة على لغة الذين قالوا في طلحة: طلحت فوقفوا بالتاء، وهي لغة ~~شاذة. # ثم قال: { إن الله يمسك السموت والأرض أن ~~تزولا } أي: لئلا تزولا عن مكانهما. # { ولئن زالتآ } قال الفراء: " لئن " بمعنى لو. # والمعنى: ولو زالتا. وحسن ذلك عنده لأن: (لئن ولو) تجابان بجواب واحد ~~فشبيهتان في المعنى. # قال قتادة: " أن تزولا ": أي من مكانهما. # وروي أن رجلا جاء إلى عبد الله، فقال له: من أين جئت؟ فقال من الشام، ~~فقال: من لقيت؟ قال: لقيت كعبا، قال: ما حدثك كعب؟ قال: حدثني أن ~~السماوات تدور على منكب ملك، قال: فصدقته أو كذبته؟ قال: ما صدقته ولا ~~كذبته، قال: لوددت أنك افتديت من رحلتك إليه براحلتك ورحلها، كذب كعب، إن ~~الله يقول: { إن الله يمسك السموت } الآية. # وروي عنه أن الرجل قال له: قال كعب: إن السماء في قطب كقطب الرحى، ~~[والقطب عمود]، والعمود على منكب ملك. # وقيل: إن المعنى أن النصارى لما قالت: إن المسيح ابن الله، وقالت اليهود ~~عزير ابن الله كادت السماوات أن تنفطر، وكادت الجبال أن تزول، وكادت ~~الأرض أن تنشق، فأمسك الله جل ذكره ذلك حلما منه وأناة وتفضلا، وهو ~~قوله تعالى: # تكاد السموت يتفطرن منه وتنشق الأرض ~~وتخر الجبال هدا * أن دعوا للرحمن ولدا # [مريم: 90-91]. # وقوله جل ذكره: { ولئن زالتآ } يعني به يوم القيامة لأنها تزول ~~فيه. س # وقيل: إن المعنى: لو وقع هذا، على ما ذكرنا عن الفراء. # ثم قال: { إنه كان حليما ms2081 غفورا } أي: حليما عن من عصاه ~~أن يعاجله بالعقوبة، فإمساكه السماوات والأرض والجبال عند قولهم ذلك، ~~وإضافتهم الولد إليه من حلمه، غفورا لمن تاب من كفره. # ثم قال تعالى: { وأقسموا بالله جهد أيمانهم } أي: ~~أقسم هؤلاء المشركون أشد الأيمان وأبلغها. # { لئن جآءهم نذير } ينذرهم بأس الله { ليكونن أهدى ~~من إحدى الأمم } أي: ليكونن أسلك لطريق الحق واتباع الرسول من ~~إحدى الأمم الماضية، فلما جاءهم نذير وهو محمد صلى الله عليه وسلم ~~ازدادوا في كفرهم وغيهم ونفروا عن الأيمان أكثر مما كانوا قبل أن يأتيهم، ~~استكبارا منهم في الأرض وأنفة أن يقروا بنبوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم. # ثم قال تعالى: { ومكر السيىء } أي: وخدعة سيئة، وذلك أنهم صدوا ~~الضعفاء عن اتباعه مع كفرهم به. # قال قتادة: " ومكر السيء " هو الشرك. # وأصل المكر السيء في اللغة الكذب / والخديعة بالباطل. وقوله " جهد " ~~نصبه على المصدر، أي: جهدوا في مبالغة الإيمان جهدا. " واستكبارا " " ~~ومكرا " انتصبا على أنهما مفعولان من أجلهما، أي فعلوا ذلك لهذا أي ~~للاستكبار والمكر. # وأكثر النحويين على رد قراءة حمزة بإسكان همزة " السيء في الوصل ". # وقال قوم: هو جائز في كلام العرب سائغ، وإنما فعل ذلك في الوقف، فوصل ~~على نية الوقف كما أثبت هاء السكت وألف " أنا " في الوصل من أثبتهما على ~~نية الوقف. # وقال قوم: إنما أسكن استخفافا لأنه قد اجتمع في الكلمة ياءان: الثانية ~~مكسورة، والكسرة مقام ياء، وبعد ذلك همزة، وهي ثقيلة، فأسكن لاجتماع هذا ~~الثقل. # وقد خففت العرب كسرتين نحو: " إبل " " وإطل " ، فقالوا: إبل ~~وإطل، وخففوا ضمتين فقالوا: " رسل وسبل ". فشبهوا حركة الإعراب ~~بحركة البناء عند اجتماع كسرتين على حرفين ثقيلين قبلهما حرف ثقيل. # وقيل: إنه إنما كان يخفي الحركة وليس يسكن. # ثم قال تعالى: { ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله ~~} أي: لا يحل مكروه الباطل وعقوبته إلا بمن فعله. # ثم قال: { فهل ينظرون إلا سنت الأولين } أي: سنتنا ~~في إهلاكه الأمم الماضية على كفرهم. # { فلن تجد لسنت الله تبديلا } أي: لا تجد يا محمد ms2082 ~~لعادة الله في إهلاك الكفار تغييرا. # { ولن تجد لسنت الله تحويلا } أي: انتقالا، بل ينتقم ~~منهم، وينزل عليهم سخطه، فإن أمهلهم وأملى لهم فلا بد من عادة الله فيهم ~~بالانتقام كما مضت فيمن كان قبلهم من الأمم. ### || [35.44-45] # قوله تعالى ذكره: { أولم يسيروا في الأرض } إلى آخر السورة. # أي: أولم يسر هؤلاء المشركون من قومك يا محمد في الأرض، فينظروا عاقبة ~~الأمم الذين كذبوا الرسل من قبلهم، فيتعظوا ويزدجروا عن إنكارهم لنبوتك ~~وتكذيبك فيما جئتهم به، ويخافوا أن يحل بهم مثل ما حل بأولئك الأمم من ~~العقوبات. # والمعنى: أنهم قد ساروا ونظروا لأنهم كانوا تجارا إلى الشام، فيمرون ~~على مدائن قوم لوط وغيرها من المدن التي أهلك الله قومها لكفرهم بالرسل، ~~كما تقول للرجل ألم أحسن إليك؟ أي: قد أحسنت إليك. # ثم قال: { وكانوا أشد منهم قوة } أي: وكان أولئك الأمم ~~أشد من هؤلاء قوة في الأبدان والأموال والأولاد، فلم ينفعهم ذلك إذ ~~كفروا، فأحرى أن لا ينتفع هؤلاء بقوتهم وكثرة أموالهم وأولادهم إذ هم دون ~~أولئك. # ثم قال: { قوة وما كان الله ليعجزه من شيء في ~~السموات ولا في الأرض } أي: لم يكن شيء يفوت الله بهرب ولا ~~غيره، بل كل تحت قبضته فلا محيص عنه ولا مهرب في السماوات ولا في الأرض. # بل هذا وعيد وتهديد وتخويف لمن أشرك بالله وكذب محمدا عليه السلام. # ثم قال: { إنه كان عليما قديرا } أي: بخلقه وما هو كائن، ~~ومن المستحق منهم تعجيل العقوبة، ومن هو راجع عن ضلالته ممن يموت ~~عليها. { قديرا } أي: قادرا على جميع ذلك لا يتعذر عليه شيء. # ثم قال تعالى: { ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا } ~~أي: لو عجل الله عقوبة بني آدم الآن بظلمهم لم يبق أحد إلا هلك، ولكن ~~يؤخر عقابهم إلى وقت معلوم، وهو الأجل المسمى الذي لا يتجاوزونه ولا ~~يتقدمون قبله. # قال قتادة: فعل الله ذلك بهم مرة في زمن نوح فأهلك ما على ظهر الأرض من ~~دابة، إلا ما حمل نوح في ms2083 السفينة. # قال أبو عبيدة: " من دابة " يعني الناس. # وقيل: هو الناس وغيرهم مما يدب. # قال ابن مسعود، كاد الجعل يعذب بذنب بني آدم ثم تلا: { ولو ~~يؤاخذ الله الناس } الآية. # وذكر ابن وهب عن الليث بن سعد أنه قال: إن رجلا زنى بامرأة في عهد ~~(موسى) عليه السلام فمات في تلك الليلة لذنبهما مائة ألف من بني إسرائيل، ~~فدل الله هارون على مكانهما فانتظمهما بحربة، ثم أقبل بهما على بني ~~إسرائيل، وأقبل الدم حتى إذا دنا من يد هارون استدار حتى عاد كالترس ولم ~~يصب الدم من يد هارون. # ثم قال: { فإن الله كان بعباده بصيرا } أي: إذا جاء ~~وقتهم فهو تعالى بصير بمن يستحق العقوبة ومن يستوجب الكرامة. ### | [36 - سورة يس] ### || [36.1-8] # قوله تعالى (ذكره): { يس * والقرآن الحكيم } إلى قوله: { ~~فهم مقمحون }. # قال ابن أبي ليلى: لكل شيء قلب وقلب القرآن يس، من قرأها نهارا كفي ~~همه، ومن قرأها ليلا كفي ذنبه. # وقال شهر بن حوشب: يقرأ أهل الجنة طه ويس فقط. # روي عن عقبة بن عامر أنه كان يحدث: (أن) النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من قرأ يس فكأنما قرأ القرآن عشر مرات " # من رواية ابن وهب. # قرأ عيسى بن عمر: " ياسين " بفتح النون، جعله مبنيا على الفتح، ~~ويجوز أن يكون فتح لالتقاء الساكنين، وأراد به الوصل واختار الفتح، كما ~~قالوا: كيف وأين. # وأجاز سيبويه أن يكون مفعولا به على معنى: اقرأ ياسين، أو: اذكر ياسين. ~~لكنه لم ينصرف لأنه اسم للسورة، فهو اسم أعجمي عنده كهابيل. # وذكر الفراء: كسر النون لالتقاء الساكنين كما قالوا: جير لا أفعل. # قال ابن عباس: " يس " قسم أقسم الله به وهو من أسمائه تعالى ذكره. # وعنه أيضا: " يس " يا إنسان، يريد محمدا صلى الله عليه وسلم. # وروى عكرمة عنه: " يس ": يا إنسان، بالحبشية. # وقال مجاهد: " يس " مفتاح كلام افتتح الله جل ذكره به كلامه. # وقال قتادة: (كل هجاء) في القرآن فهو اسم من أسماء القرآن. # وقال الزجاج: جاء في التفسير " يس ms2084 " معناه: يا إنسان، وجاء (يا) رجل، ~~وجاء: يا محمد. # وقوله: { والقرآن الحكيم } قسم، والحكيم: المحكم آياته. # { إنك لمن المرسلين } جواب القسم، (أي) لمن المرسلين بوحي ~~الله إلى عباده. # { على صراط مستقيم } أي: على طريق لا اعوجاج فيه، وهو ~~الإسلام، قاله قتادة. # وقيل: على طريق الأنبياء قبلك. # والوقف على { يس } جائز إذا جعلته اسما للسورة، أو تنبيها. # ولا يحسن الوقف على { المرسلين } لأن ما بعده متعلق به. # و (قد) أجازه أبو حاتم. وهو غلط. # ثم قال (تعالى): { تنزيل العزيز الرحيم } من رفعه جعله خبرا ~~ثانيا لإن. ويجوز رفعه على إضمار مبتدأ، أي: هذا القرآن تنزيل المنيع ~~بسلطانه وقدرته، الشديد في انتقامه ممن كفر به الرحيم بخلقه. # ومن نصب " تنزيل " فعلى المصدر، أي: نزله تنزيلا. # ولا يحسن الوقف على " الرحيم " ، لأن اللام بعده متعلقة بما قبله، أي ~~نزله تنزيلا لتنذر. # ويجوز أن يتعلق بالمرسلين، أي: إنك لمن المرسلين لتنذر. # (والمعنى لتنذر) يا محمد قوما لم ينذر آباؤهم من قبلهم، قاله قتادة ~~فما جحد. # وقال عكرمة: قد أنذر آباؤهم. فتكون " ما " والفعل مصدرا [أي ~~إنذارا مثل إنذار آبائهم. ويجوز أن تكون " ما " بمعنى الذي على هذا ~~القول]، أي لتنذر قوما الذي أنذر آباؤهم، أي: الذي أنذروا. # { فهم غافلون } أي: غافلون عن دين الله وما الله صانع بهم إن ~~ماتوا على كفرهم به. # وهذا يدل على أن (ما) نافية، لأنهم لو كان آباؤهم أنذروا لم يكونوا ~~غافلين. ويدل على ذلك أيضا قوله (تعالى): # ومآ أرسلنا إليهم قبلك من نذير # [سبأ: 44]. # ثم قال: { لقد حق القول على أكثرهم } أي: وجب عليهم ~~في أم الكتاب أنهم لا يؤمنون. # وقيل: معناه: وجب (عليهم العذاب)، كما قال: # ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين # [الزمر: 71]. # وهذا إثبات للقدر، وأن الأمر كله قد قدره الله وفرغ منه، فحق وقوعه على ~~ما قدره وعلمه. # وكذلك: # وجعلنا من بين أيديهم سدا # [يس: 9] الآية. كله يدل على أن القدر قد سبق في علم الله، يضل من يشاء ~~فيخذله، ويهدي من يشاء فيوفقه. # ثم ms2085 قال تعالى: { إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهى ~~إلى الأذقان } قال الضحاك: معناه: منعناهم من النفقة في سبيل الله ~~(كما) قال: # ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك # [الإسراء: 29]. # وقيل: ذلك يوم القيامة إذا دخلوا النار. # فجعل (بمعنى يجعل). # قال الطبري: التقدير: إنا جعلنا أيمان هؤلاء الكفار مغلولة إلى أعناقهم ~~بالأغلال فلا تنبسط لشيء (من) الخير. # وفي قراءة ابن / عباس وابن مسعود: ((إنا جعلنا) في أيمانهم ~~أغلالا) وقرأ بعضهم: " في أيديهم ". # والكناية في (فهي) ترجع إلى الإيمان، (لأن) الكلام دل على الأيمان، لأن ~~الغل لا يكون في العنق دون اليد ولا في اليد دون (العنق). # فالمعنى: فالأيدي إلى الأذقان. والذقن مجتمع اللحيين. ثم ~~قال: { فهم مقمحون }. # قال مجاهد: رافعوا رؤوسهم [و] أيديهم على أفواههم. # وقال قتادة: { مقمحون } مغللون عن كل خير. # (و) قال أبو عبيدة: (هو الذي) يحدث وهو رفع رأسه. # قال الفراء: هو الرافع رأسه الغاض بصره. # وقيل: المقمح: الرافع رأسه لمكروه نزل به. # وأراهم علي بن أبي طالب الإقماح فجعل يديه تحت لحييه وألصقهما ورفع ~~رأسه. # (وحكى) الأصمعي: أكمحت الدابة إذا أخذت لجامها لترفع رأسها / ~~والكاف بدل من القاف وقالوا: (الكانونين) شهرا قماح لرفع الإبل ~~فيهما رؤوسها عند الماء لبرده. ### || [36.9-19] # قوله (تعالى ذكره): { وجعلنا من بين أيديهم سدا } إلى ~~قوله { قوم مسرفون } قد تقدم ذكر السد والسد في الكهف، ~~والمعنى: جعلنا من بين أيدي هؤلاء الكفار حاجزا ومن خلفهم حاجزا. # { فأغشيناهم } أي: جعلنا على أعينهم غشاوة. # وروي عن ابن عباس وعكرمة ويحيى بن يعمر: " فأعشيناهم " ، بالعين ~~غير معجمة من عشى العين. # قال الطبري في " سدا ": من فتح كان من فعل بني آدم، وإذا كان من فعل ~~الله كان بالضم. # وقيل: معناه أنهم زين لهم سوء أعمالهم فهم يعمهون فلا يبصرون شيئا. # قال مجاهد: سدا عن الحق فهم يترددون. # وقال ابن زيد: جعل هذا السد بينهم وبين الإسلام والإيمان فهم لا يخلصون ~~إليه. وقرأ: { وسوآء عليهم أأنذرتهم أم لم ~~تنذرهم لا يؤمنون } ، وقرأ: # إن الذين حقت عليهم كلمت ربك ms2086 لا يؤمنون # [يونس: 96]، وقرأ شبه ذلك. # وقيل: هو تمثيل، والمعنى: أنه تعالى منعهم من الهدى بالضلال فلم ينتفعوا ~~بالإنذار. # قال ابن إسحاق: جلس عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل وأمية بن خلف ~~يرتصدون النبي صلى الله عليه وسلم ليبلغوا من أذاه، فخرج عليهم فقرأ أول ~~{ يس } وفي يده تراب فرماهم به، وقرأ: { وجعلنا من بين ~~أيديهم سدا } إلى رأس العشر، فأطرقوا حتى مر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. # وقال ابن عباس: أقسم أبو جهل لئن رأيت محمدا يصلي لأدمغنه، فأخذ حجرا ~~والنبي عليه السلام يصلي ليرميه به، فلما أومأ به إليه رجعت يده إلى عنقه ~~والتصق الحجر بيده، فهو قوله: # إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا # [يس: 8]. # قال عكرمة: كانوا يقولون: هذا محمد، فيقول أبو جهل: أين هو؟ أين هو؟ لا ~~يبصره. # ثم قال: { وسوآء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم ~~لا يؤمنون } أي: الإنذار وتركه على هؤلاء الذين حق عليهم القول ~~سواء، فهم لا يؤمنون لما سبق لهم في أم الكتاب، وهو قوله: # ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس # [الأعراف: 179]. # قال ابن عباس: ما آمن منهم أحد، يريد من القوم الذين تقدم ذكرهم. # ثم قال: { إنما تنذر من اتبع الذكر } أي: من آمن ~~بالقرآن. # { وخشي الرحمن بالغيب } أي: وخاف الله حين يغيب عن أبصار ~~الناس لأن المنافق يستخف بدين الله إذا خلا. # ويجوز أن يكون المعنى: وخاف الله من أجل ما أتاه من الأخبار التي غابت ~~عنه فلم يعاينها، ولكنه صدقها فخاف من عواقبها، فهو مثل قوله: # الذين يؤمنون بالغيب # [البقرة: 3]. # ثم قال: { فبشره بمغفرة } أي: بستر من الله لذنوبه إذا اتبع ~~الذكر وخاف الله. # { وأجر كريم } أي: وثواب في الآخرة حسن، وذلك الجنة. # ثم قال: (تعالى ذكره: { إنا نحن نحيي الموتى } يعني في ~~الآخرة للنشور. # { ونكتب ما قدموا } أي: من أعمالهم في الخير والشر. ~~وتقديره: ونكتب ذكر ما قدموا. # { وآثارهم } أي: ما أخروا بعدهم من الأعمال والسنن التي يتبعون ~~عليها (ويقتدى بهم فيها). فهو ما أبقى الرجل بعده ms2087 من عمل يجري عليه ثوابه ~~أو إثمه. وقيل / هو تصرفهم وتقلبهم في (الدنيا) وخطاهم مكتوب (كله). # وروي أن هذه الآية نزلت في قوم أرادوا أن يقربوا من مسجد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ليقرب عليهم. فيكون المعنى: ونكتب ثواب خطاهم ومشيهم إلى ~~المسجد على بعد مساكنهم وقربها. # قال ابن عباس: كانت (منازل) الأنصار متباعدة من المسجد فأرادوا أن ~~ينتقلوا إلى قرب المسجد، فنزلت { ونكتب ما (قدموا) ~~وآثارهم } فقالوا: نثبت مكاننا. # وقال جابر: أراد بنو سلمة قرب المسجد، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " يا بني سلمة دياركم إنها تثبت آثاركم ". # وقال مجاهد و (الحسن) وقتادة: آثارهم خطاهم. # قال جابر بن عبد الله: # " هممنا أن ننتقل إلى قرب المسجد، واستشرنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " امكثوا (مكانكم)، ~~فإن لكم فضيلة على من هو أقرب منكم بكل ~~خطوة درجة ". # وروى جابر # " أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول ~~الله أردنا أن نتحول إلى قرب المسجد، فقال ~~النبي: " لا تفعلوا فإن بكل خطوة (حسنة) " ". # وروى عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " يكتب له برجل حسنة ويحط عنه برجل سيئة ~~/، ذاهبا وراجعا إذا خرج إلى المسجد ". # ثم قال (تعالى): { وكل شيء أحصيناه في إمام مبين } ~~أي: ما كان وما هو كائن أثبتناه في أم الكتاب. ومعنى { مبين } أي: ~~بين عن حقيقة ما أثبت فيه، وهو اللوح المحفوظ. قاله مجاهد وقتادة وابن ~~زيد. # ثم قال (تعالى): { واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ ~~جآءها المرسلون } أي: اذكر لهم يا محمد مثلا ومثل لهم مثلا. # يقال هذا من ضرب هذا، أي: من أمثاله وجنسه. # أصحاب القرية بدل من مثل، والتقدير مثل أصحاب القرية. # قال عكرمة: هي أنطاكية. # وقاله الزهري. # وهو مروي عن ابن عباس أيضا. # قال قتادة: ذكر لنا أن عيسى بن مريم عليهما السلام بعث رجلين من ~~الحواريين إلى أنطاكية مدينة الروم فكذبوهما، فقواهما الله بثالث ~~فكذبوهم. # وقال وهب بن منبه: كان بمدينة ms2088 أنطاكية فرعون من الفراعنة يعبد الأصنام، ~~يقال له: أنطيخس بن أنطيخس بن أنطيخس، فبعث الله (إليه) المرسلين وهم ~~ثلاثة صادق وصدوق وشلوم، فقدم الله إليه وإلى أهل مدينته اثنين ~~منهم فكذبوهما، وهو قوله: { قالوا مآ أنتم إلا بشر ~~مثلنا } أي: لستم بملائكة، إنما أنتم بنو آدم مثلنا فلا نقبل منكم، ~~{ ومآ أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا ~~تكذبون } قالت الرسل: { ربنا يعلم إنآ إليكم ~~لمرسلون }. # (أي من عنده)، { وما علينآ إلا البلاغ المبين } أي: ~~ليس يلزمنا إلا أن نبلغ إليكم ما أرسلنا به (إليكم) ونبينه لكم. قال ~~وهب: ثم عزز الله بثالث، فلما دعته الرسل ونادته بأمر الله وعابت دينه ~~قالوا لهم: { إنا تطيرنا بكم } أي: تشاءمنا بكم، { ~~لئن لم تنتهوا لنرجمنكم } ، أي: لئن لم تسكتوا عما ~~تقولون لنقتلنكم رجما ولنعذبنكم عذابا (أليما). # وتأول الفراء: أن الثالث أرسل قبل الاثنين، وأنه شمعون ولو كان كما قال ~~لكان القرآن: فعززنا بالثالث. # ومعنى: { فعززنا } فقوينا وشددنا، وأصله من عزني إذا غلبني، ~~ومنه قوله: # وعزني في الخطاب # [ص: 23]، أي غلبني. # ثم قال (تعالى): { قالوا طائركم معكم } أي: قالت لهم الرسل ~~لما تشاءموا بهم: أعمالكم معكم وحظكم من الشر والخير معكم ليس ذلك من ~~شؤمنا، أمن أجل أنا ذكرناكم بالله وبعقابه تطيرتم بنا. # وقيل: التقدير: قالوا طائركم معكم أئن ذكرتم فمعكم طائركم، يقدره على ~~التكرير، وهو مذهب بعض البصريين. # وقرئت { أئن ذكرتم } بهمزتين مفتوحتين. # والمعنى: لأن ذكرتم تطيرتم بنا فهو على ما مضى، وقراءة الجماعة على ~~ما يأتي. # { بل أنتم قوم مسرفون } أي: في المعاصي. ### || [36.20-31] # قوله (تعالى ذكره): { وجآء من أقصا المدينة رجل ~~(يسعى) } إلى قوله: { إليهم لا يرجعون }. # قال ابن إسحاق فيما بلغه عن ابن عباس وعن كعب الأحبار وعن وهب بن منبه: ~~أن رجلا من أهل أنطاكية، اسمه حبيب النجار، (كان) يعمل الجرير، وكان ~~سقيما (قد أسرع فيه) الجذام /، وكان منزله عند باب من أبواب المدينة ~~(قاصيا)، وكان مؤمنا ذا صدقة يجمع كسبه إذا أمسى فيقسمه نصفين، فيطعم ~~نصفه عياله ms2089 ويتصدق بنصفه فلم يهمه سقمه ولا عمله ولا ضعفه عن عمل ربه، ~~فلما اجتمع قومه - يعني أهل أنطاكية - على قتل الرسل بلغ ذلك حبيبا وهو ~~على باب المدينة الأقصى فجاء يسعى إليهم ويذكرهم الله ويدعوهم إلى اتباع ~~المرسلين، فقال لهم ما قص الله علينا. # قال قتادة: ذكر لنا أن اسمه حبيب وكان يعبد ربه في غار. # ويروى أنه كان نجارا، وقيل: (إنه) كان حطابا، لما بلغه أمر الرسل أتى ~~مسرعا بحزمته فآمن، وقال للناس: { يقوم اتبعوا المرسلين ~~}. # ثم أقبل على المرسلين فقال: أتريدون مالا نعطيكم، فقالوا: لا، فأقبل ~~على الناس يقول: { اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم ~~مهتدون } فقيل له: أفأنت تتبعهم، فقال: { وما لي لا ~~أعبد الذي فطرني } ، إلى قوله: { ضلال مبين } ، ثم ~~أقبل على المرسلين فقال لهم: { إني آمنت بربكم } فتألب عليه ~~الناس فقتلوه. # قال ابن عباس: هو حبيب النجار. # ويروى أنه لما سمع بخبر الرسل جاء يسعى فقال لهم: أتطلبون (على) ما جئتم ~~به أجرا، قالوا: لا، فأقبل على قومه فقال: { يقوم اتبعوا ~~المرسلين } إلى قوله: { إني آمنت بربكم فاسمعون } ~~يقول هذا للرسل. # قال قتادة: فرجمه قومه، فقال: اللهم اهد قومي، أحسبه قال: فإنهم لا ~~يعلمون، فقتلوه رجما، فأدخله الله الجنة، فلم ينظر الله قومه حتى ~~أهلكهم. # روي أن جبريل صلى الله عليه وسلم وضع جناحا في أقطارها فقلبها عليهم ~~فبقوا خامدين ساكتين. # وعن كعب الأحبار أنه قال: الرسولان والذي جاء يسعى خد لهم أخدود ~~وحرقوا بالنار فيه. # وأكثر الناس على أن الرسل كانوا من حواريي عيسى عليه السلام، تنبأهم ~~الله بعد / عيسى، وأرسل منهم اثنين إلى أنطاكية فكذبوهما وضربوهما ~~وحبسوهما، فقواهم الله برسول ثالث. # وقد قيل: إن الثالث شمعون، (وهو) من أصحاب عيسى، وأنه أرسل قبل الاثنين ~~إلى أنطاكية فكذبوه، وإلى ذلك ذهب الفراء. # قال كعب ووهب: وثبوا على الذي جاء يسعى وثبة رجل واحد فقتلوه. وقوله: { ~~وهم مهتدون } أي: على استقامة من الحق، فاهتدوا بهداهم. # ولا يحسن الوقف على " المرسلين " لأن من بدل " من " المرسلين ms2090 بإعادة ~~الفعل. # وقوله: { وما لي لا أعبد الذي فطرني } (أي): وأي شيء ~~لي في ترك عبادة خالقي. # { وإليه ترجعون } أي: تصيرون أيها القوم. # قال ابن إسحاق على روايته عن ابن عباس وكعب ووهب: فنادى قومه بخلاف ما ~~هم عليه وأظهر لهم دينه، وعاب آلهتهم فقال: { أأتخذ من دونه ~~آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني ~~شفاعتهم شيئا ولا ينقذون }. # أي: لا تشفع لي آلهتكم عند ربي إذا عذبني على الكفر ولا ينقذون من ~~عذابه، ولا تدفع عني ضرا ولا تجلب إلي نفعا. # ثم قال (تعالى): { إني إذا لفي ضلال مبين } أي: لفي جور ~~عن الحق ظاهر، إن اتبعت آلهتكم وعبدتها من دون الله. # ثم قال: { إني آمنت بربكم فاسمعون }. # قال ابن إسحاق: هذا مخاطبة لقومه. # والمعنى: أني آمنت بربكم الذي كفرتم به فاسمعوا قولي. # [وقيل بل خاطب بذلك الرسل قال لهم: اسمعوا قولي فاشهدوا لي] بما أقول ~~لكم عند ربي، فعندما قال هذا وثبوا عليه فقتلوه. # قال ابن مسعود وابن عباس وكعب ووهب: وثبوا عليه فوطؤوه بأقدامهم على ~~سقمه ومرضه حتى مات. # ثم قال: { قيل ادخل الجنة قال يليت قومي يعلمون ~~* بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين } قال هذا ~~بعد أن قتل. # وقوله: { فاسمعون } هو آخر قوله لقومه في الدنيا، وبه تم كلامه. ثم ~~حكي الله عنه حاله في الآخرة وما قال وما قيل له بقوله: { قيل ادخل ~~الجنة }. # وقد قيل: إنه إخبار من الله عما يقال له يوم القيامة وما يقول، (أي): ~~فلما قتلوه قيل له: ادخل، (فلما) دخلها وعاين ما أكرمه (الله به)، قال: ~~يا ليت قومي يعلمون بغفران ربي لي، وجعله إياي من المكرمين. (أي): فعل ~~ذلك على إيماني، فلو عاينوا ذلك لآمنوا واستوجبوا مثل ما استوجبت. # قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " نصح قومه حيا وميتا ". # قال قتادة: فلما دخلها، قال ذلك، فلا تلقى المؤمن إلا ناصحا. # (فما) والفعل مصدر، ويجوز أن تكون بمعنى الذي. # ثم قال (تعالى): { ومآ أنزلنا على قومه من بعده ms2091 من ~~جند من السمآء } أي: من رسالة ولا نبي بعد قتله، قاله قتادة ~~ومجاهد. # وعن ابن مسعود: أن المعنى: أن الله غضب لقتله غضبة فعجل لهم النقمة بما ~~استحلوا منه فلم يبعث إليهم جنودا من السماء بعد قتله، وما كانت إلا ~~صيحة واحدة فلم يبق منهم باقية قال قتادة: فلا والله ما عاتب الله قومه ~~بعد قتله حتى أهلكهم. وقوله: { وما كنا منزلين } ظاهر الكلام أن ~~" ما " نافية. # وقال بعض أهل النظر: " ما " اسم في موضع خفض على " جند " على اللفظ، أو ~~في موضع نصب عطف على موضع جند لأن " من " زائدة. وتقديره: وما أنزلنا على ~~قومه من جند من السماء، وما كنا منزلين على الأمم الكافرة من نحو الحجارة ~~والغرق والمسخ والريح وغير ذلك، إنما أخذتهم صيحة فهلكوا. # وقوله: { إن كانت إلا صيحة واحدة } أي: ما كانت عقوبتهم ~~على قتله إلا صيحة واحدة. # وقيل: التقدير: وما كانت هلكتهم إلا صيحة. # وقرأ أبو جعفر: برفع الصيحة الواحدة، على أنه اسم كان، والتقدير: إن ~~كانت عليهم إلا صيحة واحدة. # وقيل: التقدير: إن وقعت إلا صيحة. # ومنعه أبو حاتم لأجل التأنيث الذي مع الفعل، وقال: لا يجوز: ما جاءتني ~~إلا جارياتك وإنما يقال: ما جاءني (لأن التقدير ما جاءني) أحد. وهذا الذي ~~منع جائز على أن يكون التقدير: ما جاءتني امرأة إلا جاريتاك. # وقول أبي حاتم أولى لأنه نفي عام فلا يضمر إلا أحد. # وفي حرف ابن مسعود: " إن كانت إلا زقية واحدة " بالرفع. ~~(وزقية) في موضع صيحة. # والمعروف في اللغة: زقا يزقو زقوة: إذا صاح، ولا يقرأ به لأنه مخالف ~~لخط المصحف. # وقوله: { فإذا هم خامدون } أي: هالكون وساكتون بمنزلة الرماد ~~الخامد. # ثم قال (تعالى): { يحسرة على العباد } أي: تعالي يا حسرة ~~فهذا إبانك / ووقتك يتحسر بك العباد على أنفسهم. هذا مذهب ~~سيبويه. ونصبت لأنها نكرة. # وقال الطبري: معناه: يا حسرة من العباد على أنفسهم وتندما وتلهفا في ~~استهزائهم برسل الله. # وذكر أن في بعض القراءات: " يا حسرة على العباد على ms2092 أنفسها ". # روي عن قتادة: يا حسرة العباد على أنفسها ما ضيعت من أمر ربها وفرطت في ~~جنب الله. # قال ابن عباس: " يا حسرة على العباد " معناه: يا ويلا على العباد. # وقال أبو العالية: العباد هنا الرسل. والمعنى أن الكفار لما رأوا العذاب ~~قالوا: يا حسرة على العباد، أي: على الرسل الثلاثة الذين أرسلوا إليهم، ~~تحسروا عليهم أن يؤمنوا بهم. # ثم قال الله جل ذكره: { ما يأتيهم من رسول إلا كانوا ~~به يستهزئون }. # وقال بعض أهل اللغة: (المعنى): يا لها حسرة على العباد. وحقيقة الحسرة ~~أن يلحق الإنسان من الندم ما يصير به حسيرا، أي منقطعا. # ثم قال (تعالى): { ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من ~~القرون } أجاز الفراء أن تكون " كم " في موضع نصب يروا، واستدل على ~~ذلك أن في حرف ابن مسعود: " ألم يروا من أهلكنا ". # ولا يجوز هذا عند البصريين لأن " كم " استفهام، ولا يعمل فيها ما قبلها. ~~والعامل فيه أهلكنا، وأنها عند سيبويه بدل من كم. ورد ذلك عليه المبرد، ~~والتقدير عنده: بأنهم. # والمعنى: الم ير هؤلاء المشركون من قومك يا محمد كم أهلكنا قبلهم من ~~القرون بتكذيبهم الرسل، فيخافوا أن ينزل بهم مثل ما نزل بأولئك، أي: ألم ~~يعلموا ذلك. # وقرأ الحسن: " إنهم " بالكسر على الاستئناف. # { لا يرجعون }: لا يعودون بعد موتهم وهلاكهم. ### || [36.32-40] # قوله (تعالى ذكره): { وإن كل لما جميع لدينا ~~محضرون } إلى قوله: { في فلك يسبحون }. # أي: الكل محضرون يوم القيامة. # و " ما " زائدة عند أبي عبيدة، والتقدير: وإن كل لجميع محضرون. # و " إن " مخففة من الثقيلة، وكل مبتدأ، (والجميع) الخبر. # ويجوز / أن يكون جميع بدلا من ما، أو نعتا لها، والتقدير: وإن كل لخلق ~~أو لبشر جميع، وحسن كون " ما " لذلك لأن من يعقل وما لا يعقل أن يحضر يوم ~~القيامة من بهيمة وإنسان. # ومن شدد فهي بمعنى إلا، حكى سيبويه: سألتك بالله لما فعلت، بمعنى: إلا ~~فعلت. # وأنكر الكسائي هذا. # وقال الفراء: المعنى لمن ما جميع، ثم أدغم وحذفت إحدى الميمات ~~تخفيفا كما ms2093 يقال: (علماء بنو فلان). فيحذفون ويدغمون، والأصل: على ~~الماء. # ثم قال (تعالى): { وآية لهم الأرض الميتة أحييناها ~~} أي: دلالة لهؤلاء المشركين على قدرة الله وتوحيده: إحياؤنا للأرض ~~الميتة بالمطر، { وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون }. # ثم قال: { وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب } أي: ~~في الأرض التي أحييت بالمطر، { وفجرنا فيها من العيون ~~} أي: عيون الماء ليشربوا منها ويسقوا ثمارهم. # ثم قال: { ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم } ~~الهاء في ثمره تعود على ماء العيون، لأن الثمر من الماء اندرج ~~وتكون، فأضيف إليه، أي: فعلنا لهم ذلك ليأكلوا ثمرة النخيل ~~والأعناب. ووحد الثمر في قوله { ثمره } فوحد الضمير، لأن العرب تأتي ~~بالاثنين وتقتصر على خبر أحدهما. # ومن فتح الثاء جعله جمع ثمرة وثمر كخشبة وخشب. # ومن ضم جمع ثمرة على ثمار، ثم جمع ثمارا على ثمر كحمار وحمر، ~~ويجوز أن يكون جمع ثمرة أيضا كخشبة وخشب. # وقوله (تعالى): { وما عملته أيديهم } أي: ومن ثمر الذي ~~عملته أيديهم، يعني الذي غرسوا وزرعوا. # ويجوز أن تكون " ما " نافية، أي لم يعمل ذلك الذي أحياه المطر أيديهم. # ومن حذف الهاء في " عملته " جعل " ما " والفعل مصدرا، او نافية، أو ~~بمعنى الذي لا غير. # ومن أثبتها جعلها بمعنى الذي لا غير. # { أفلا يشكرون } أي: يشكر هؤلاء على هذه النعم. # ثم قال (تعالى): { سبحان الذي خلق الأزواج كلها } ~~(أي): تنزيها وتبرئة لله جل ذكره مما يضيف إليه هؤلاء المشركون من ~~الشركاء، وهو الذي خلق الألوان كلها والأجناس كلها من نبات الأرض. # { ومن أنفسهم } ، أي: وخلق من أولادهم ذكورا وإناثا. # { ومما لا يعلمون } ، أي: وخلق أجناسا من الأشياء التي لم ~~يطلعهم الله عليها. # ثم قال (تعالى): { وآية لهم اليل نسلخ منه النهار ~~} ، أي: وعلامة أيضا لهم على قدرة الله وتوحيده: الليل ينزع منه ضياء ~~النهار. # { ومن } هنا بمعنى (عن)، أي: ينزع عنه ضياء النهار، ومثله: # فانسلخ منها # [الأعراف: 175] أي /: عنها وتركها. # وقوله: { فإذا هم مظلمون } أي: صاروا في ظلمة. # وقال قتادة: معناه: يولج الليل في النهار ويولج ms2094 النهار في الليل. # وهذا بعيد في التأويل ليس هذا موضعه ولا يدل عليه الكلام. وحقيقة سلخت: ~~أزلت الشيء من الشيء وخلصته منه حتى لم يبق منه شيء. # ثم قال: { والشمس تجري لمستقر لها } أي: لموضع ~~قرارها. # قال القتبي: مستقرها أقصى منازلها في الغروب لا تتجاوزه، يعني إلى أبعد ~~مغاربها ثم ترجع. # وروى أبو ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " عند غروب الشمس يا أبا ذر أتدري أين تذهب ~~الشمس؟ فقلت: الله ورسوله أعلم، فقال، إنها تذهب ~~فتسجد بين يدي ربها جل ثناؤه, ثم تستأذن ~~بالرجوع فيؤذن لها، وكأنها قد قيل لها: ارجعي ~~من حيث جئت، فتطلع من مكانها وذلك مستقرها ~~". # وروى أبو ذر أيضا قال: # " سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله تعالى: { ~~والشمس تجري لمستقر لها } فقال: مستقرها تحت العرش ". # قال قتادة: لمستقرها وقت واحد لا تعدوه. # وقيل: المعنى: (إنها) تجري إلى أبعد منازلها في الغروب ثم ترجع فلا ~~تتجاوزه، وذلك أنها لا تزال تتقدم كل ليلة حتى تنتهي إلى أبعد مطالعها ثم ~~ترجع. # وعن أبي ذر قال: # " قلت (يا) رسول الله { والشمس تجري لمستقر / ~~لها } قال: بين يدي العرش ". # وروي عن ابن عباس أنه قرأ: " لا مستقر لها " ، على معنى: هي ~~جارية لا تثبت في موضع واحد: أي هي كل ليلة في موضع لا تكون فيه في ~~الليلة التي تليها تتقدم أو تتأخر. # ثم قال: { ذلك تقدير العزيز العليم } أي: هذا الذي تجري ~~عليه الشمس من التقدير، هو تقدير العزيز في انتقامه العليم بمصالح خلقه. # ثم قال (تعالى): { والقمر قدرناه منازل } [أي: وآية لهم ~~القمر قدرناه منازل. # وقيل: التقدير: قدرنا له منازل، ثم حذفت اللام واتصل الضمير، كمنزلة: # كالوهم أو وزنوهم # [المطففين: 3]، والمعنى: قدرناه منازل في النقص والزيادة والتمام، فهو ~~منذ يطلع كل ليلة في منزلة - ومنازله ثمانية وعشرون منزلة (معروفة) - ثم ~~يستتر ليلتين فلا يرى. # { حتى عاد كالعرجون } أي: في النقص كالعذق اليابس من القدم ~~لأن العذق كلما قدم يبس وتقوس وانحنى، ولا ms2095 يوجد مستويا أبدا لا أخضر ~~ولا يابس، فكذلك القمر في آخر الشهر ينقص ويتقوس وينحني. هذا قول ابن ~~عباس وقتادة والحسن وغيرهم. # والعذق بكسر العين هو الكباسة والقنو. وأهل مصر يسمونه الإسباطة. # والعذق بفتح العين هو النخلة. # ثم قال (تعالى): { لا الشمس ينبغي لهآ أن تدرك القمر } ~~أي: لا ينبغي ولا يمكن للشمس أن تدرك القمر فيذهب ضوؤه بضوئها (فتكون ~~الأوقات كلها نهارا. # { ولا اليل سابق النهار } أي: ليس يفوته بظلمته). فتكون ~~الأوقات كلها مظلمة ليلا. وفي هذا - لو كان - إبطال التدبير الذي بنيت ~~عليه الدنيا، ألا ترى أن الدنيا إذا ذهبت، وزال تدبير الشمس والقمر جمع ~~بينهما. قال الله جل ذكره في حال يوم القيامة: # وجمع الشمس والقمر # [القيامة: 9]، ففي جمعهما زوال تدبير الدنيا بنهار بعد ليل وليل بعد ~~نهار، فليس في الآخرة ليل يدخل على النهار، ولا شمس ولا قمر، وذلك تدبير ~~آخر، تبارك الله أحسن الخالقين. # قال الضحاك: معناه: إذا طلعت الشمس لم يكن للقمر ضوء، وإذا طلع القمر لم ~~يكن للشمس ضوء. وهو معنى قول ابن عباس. # قال قتادة: لكل (حد) وعلم لا يعدوه ولا يقصر دونه، إذا جاء سلطان ~~هذا ذهب هذا. # وعن ابن عباس في الآية: إذا اجتمعا في السماء كان أحدهما بين يدي الآخر، ~~وإذا غابا غاب أحدهما بين يدي الآخر. # وقيل: المعنى: إن القمر في السماء الدنيا والشمس في السماء الرابعة فلا ~~يدرك أحدهما الآخر. # وقيل: المعنى: إن سير القمر سير سريع، والشمس سيرها بطيء فهي لا تدركه. # وسئل ابن عمر، فقيل له: ما بال الشمس تصلانا أحيانا، وتبرد ~~أحيانا؟ فقال: أما في الشتاء فهي في السماء السابعة تحت عرش الرحمن، ~~وأما في الصيف فهي في السماء الخامسة، قيل له: ما كنا نظن إلا أنها في ~~هذه السماء، قال: لو كانت كذلك ما قام لها شيء إلا أحرقته. # وقوله: { ولا اليل سابق النهار }. استدل به بعض العلماء على ~~أن النهار مخلوق قبل الليل، وأن الليل لم يسبقه بالخلق. # وقيل: المعنى: إن كل ms2096 واحد / منهما يجيء في وقته ولا يسبق صاحبه. # ثم قال: { وكل في فلك يسبحون } (أي): وكل ما ذكرنا من ~~الشمس والقمر والليل والنهار في فلك يجرون. # قال ابن عباس: في فلك كفلك المغزل. وجاء يسبحون بالواو لأنه لما ~~أخبر عنهن بلفظ من يعقل أجرى ضميرهم مجرى ضمير من يعقل ولم يقل يسبحن، ~~ولو قيل لحسن، ولكن جاء على هذا المعنى. ### || [36.41-51] # قوله (تعالى ذكره): { وآية لهم أنا حملنا ذريتهم ~~(في الفلك) } إلى قوله: { إلى ربهم ينسلون }. # أي: وآية لأهل مكة أنا حملنا ذريات نوح في الفلك المشحون، أي: الموقر. ~~فالضميران على هذا مختلفان. # وقد قيل: إن المعنى: وآية لأهل مكة أنا حملنا أولادهم وضعفاءهم ومن لا ~~يقدر على المشي في السفينة في البحر. فالضميران متفقان، والفلك في القول ~~الأول سفينة نوح واحد في المعنى. # وقيل: المعنى: إن الآباء يسمون ذرية. فالمعنى: وآية لأهل مكة أنا حملنا ~~آباءهم في الفلك المشحون، وهي سفينة نوح. وإنما جاز ذلك لأن الذرية من: ~~ذرأ الله الخلق. (فسمي الولد / ذريه لأنه ذري من الأب، ويسمى الأب ~~ذرية لأن الابن ذري منه. فكما جاز أن يقال للابن ذرية لأبيه) لأنه ذري ~~منه، فكذلك يجوز أن يقال للأب ذرية للابن لأن ابنه ذري منه. # فالمراد بها سفينة نوح، ويراد بها في القول الثاني: سفينة من السفن، وهي ~~المركب، فيجوز أن يكون واحدا وجمعا، فإذا كان جمعا فواحده فلك ~~كوثن ووثن. # قال الحسن: (المشحون) المحمول. # وقيل: الممتلئ، قاله ابن عباس. # ثم قال (تعالى): { وخلقنا لهم من مثله ما يركبون ~~}. # قال ابن عباس: هي السفن الصغار، ودل على ذلك: { وإن نشأ ~~نغرقهم }. # وقال الضحاك: يعني السفن التي اتخذت بعد سفينة نوح. # وقاله قتادة وابن زيد وأبو صالح وغيرهم. # وعن ابن عباس: أنها الابل، قال: فالإبل سفن البر. # وقال مجاهد: يعني الأنعام. # وقال الحسن أيضا: هي الإبل. # واختيار الطبري قول من قال هي السفن، لقوله (تعالى): { وإن نشأ ~~نغرقهم } إذ لا غرق في البر، والمعنى: إن نشأ نغرق هؤلاء ~~المشركين ms2097 إذا ركبوا الفلك في البحر. # { فلا صريخ لهم } أي: لا مغيث لهم إذا نحن أغرقناهم. # { ولا هم ينقذون } أي: ينجون من الغرق. # وصريخ بمعنى مصرخ: أي مغيث. يقال صرخ الرجل إذا صاح، وأصرخ إذا أغاث ~~وأعان، فهو مصرخ والأول صارخ. # ثم قال تعالى: { إلا رحمة منا }. # فنصب " رحمة " عند الزجاج لأنه مفعول من أجله. # وهي عند الكسائي نصب على الاستثناء. # والمعنى: ولا هم ينقذون إلا لأجل الرحمة والإمتاع بالحياة إلى وقت، هذا ~~التقدير على قول الزجاج. والتقدير على قول الكسائي: ولا هم ينقذون إلا أن ~~يرحمهم فيمتعهم إلى أجل. # قال قتادة: { إلى حين } إلى الموت. # ثم قال: { وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم ~~[وما خلفكم } أي: إذا قيل لهؤلاء المشركين من قومك يا محمد اتقوا ~~ما بين أيديكم]، أي: احذروا ما تقدم قبلكم من نقم الله في الأمم الماضية ~~بكفرهم وتكذيبهم الرسل أن يحل بكم مثل ذلك. { وما خلفكم } أي: ~~وما أنتم لاقوه من عذاب الله تعالى إن هلكتم على كفركم وتكذيبكم. # { لعلكم ترحمون } أي لتكونوا على رجاء من الرحمة. هذا قول ~~سيبويه، وقال الطبري: معناه: ليرحمكم ربكم. # قال قتادة: " ما بين أيديكم ": وقائع الله جل ذكره فيمن خلا من الأمم، " ~~وما خلفكم " أي: من أمر الساعة. # وقال مجاهد: ما بين أيديهم، ما مضى من ذنوبهم، وما خلفهم: (قال): ذنوبهم ~~التي (هم) عاملوها. # وقال ابن جبير: " ما بين أيديكم " الآخرة. " وما خلفكم ": الدنيا. # وجواب إذا محذوف، والتقدير: إذا قيل لهم ذلك أعرضوا. # ثم قال (تعالى): { وما تأتيهم من آية من آيات ربهم ~~إلا كانوا عنها معرضين } أي: ما يأتي هؤلاء المشركين من ~~حجة من حجج ربهم إلا أعرضوا عنها لا يفكرون ولا يتدبرون. # ثم قال (تعالى): { وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم ~~الله } أي: أدوا زكاته لأهل الضعف منكم. # { قال الذين كفروا } أي: كفروا بالله ورسوله { للذين ~~آمنوا } بهما. # { أنطعم من لو يشآء الله أطعمه } قالوه على التهزي. # وقوله: { إن أنتم إلا في ضلال مبين } يجوز أن يكون من ms2098 ~~قول الكفار للمؤمنين. # ويجوز أن يكون من قول الله جل ذكره (وثناؤه) للمشركين الذين قالوا: { ~~أنطعم من لو يشآء الله أطعمه }. # قال الحسن: { وإذا قيل لهم أنفقوا } هم اليهود. # [ثم قال تعالى: { ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم ~~صادقين } أي: متى نبعث ونعذب، استعجالا بالعذاب وتكذيبا للبعث، ~~يقوله المشركون للمؤمنين وللنبي صلى الله عليه وسلم]. # ثم قال (تعالى ذكره): { ما ينظرون إلا صيحة واحدة } أي: ~~ما ينتظر هؤلاء المشركون الذين يستعجلون وعيد الله إلا صيحة واحدة، وذلك ~~نفخة الفزع عند قيام الساعة، وهي النفخة الأولى تأخذهم وهم في بيعهم ~~وشرائهم. # { فلا يستطيعون توصية } أي: لا يقدرون أن يوصوا ولا يرجعوا ~~إلى أهلهم. # وقوله: { ونفخ في الصور } قيل: هي النفخة الثالثة، وقيل: هي ~~الثانية يقوم بها الأموات. # وقيل: هي ثلاث نفخات، و (قد) ذكرناها في غير موضع من كتابنا هذا، روى ~~أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله جل ثناؤه لما فرغ من خلق السماوات والأرض خلق ~~الصور فأعطاه إسرافيل، فهو واضعه على فيه شاخص ببصره ~~إلى العرش ينتظر متى يؤمر ". # قال أبو هريرة: " يا رسول الله، وما الصور؟ قال: قرن. قال: وكيف ~~هو؟ قال: قرن عظيم ينفخ فيه ثلاث نفخات، الأولى: ~~نفخة الفزع، والثانية: نفخة الصعق، والثالثة: ~~نفخة القيام لرب العالمين جل ذكره، ويأمر ~~الله إسرافيل بالنفخة الأولى، فيقول: انفخ نفخة ~~الفزع، فيفزع أهل السماوات وأهل الأرض إلا ~~من شاء الله، ويأمره الله فيديمها ويطولها فلا ~~تفتر، وهي التي يقول: ما ينظر هؤلاء إلا صيحة ~~واحدة ما لها من فواق ثم يأمر الله إسرافيل ~~بنفخة الصعق، فيقول: انفخ نفخة الصعق، ~~فيصقق: أهل السماوات والأرض إلا من شاء الله ~~فإذا هم فيها خامدون، ثم يميت من بقي فإذا لم ~~يبق إلا الله الواحد الصمد بدل الأرض غير ~~الأرض والسماوات، فيبسطها ويسطحها ويمدها ~~مد الأديم العكاظي لا ترى فيها عوجا ولا أمتا، ~~ثم يزجر الله الخلق زجرة فإذا هم في (هذه) ~~المبدلة في مثل مواضعهم من الأولى ما ms2099 كان في ~~بطنها وما كان على ظهرها ". # قال قتادة: ذكر لنا أن نبي (الله) صلى الله عليه وسلم كان ~~يقول: # " تهيج الساعة بالناس والرجل يسقي ماشيته، ~~والرجل يصلح حوضه، والرجل يقيم سلعته في ~~سوقه، والرجل يخفض ميزانه ويرفعه، وتهيج ~~بهه وهم كذلك { فلا يستطيعون توصية ولا إلى ~~أهلهم يرجعون } ". # قال عبد الله بن عمر: ولينفخن في الصور، والناس في ~~طرقهم وأسواقهم ومجالسهم، (و) حتى إن الثوب ~~ليكون بين الرجلين يتساومان فما يرسله ~~أحدهما من يده حتى ينفخ في الصور، وهي التي ~~قال الله عز وجل: # { ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم ~~يخصمون } الآية. # ومعنى قوله: { ولا إلى أهلهم يرجعون } أي: لا يرجعون إلى ~~أهلهم بعد موتهم أبدا. # وقيل: لا يرجعون من أسواقهم إلى أهلهم، يموتون مكانهم، وهو اختيار ~~الطبري. # وهو قول قتادة. # وقيل: المعنى: ولا إلى أهلهم يرجعون قولا، يشغلون بأنفسهم. # ومعنى { فلا يستطيعون توصية } أي: لا يمهلون حتى يوصوا بما ~~في أيديهم. # ثم قال (تعالى): { ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث ~~إلى ربهم ينسلون }. # قال قتادة: الصور هنا جمع صورة، أي: نفخ في الصور ~~الأرواح. # وهو قول أبي عبيدة كبسرة وبسر. # وقرأ ابن هرمز " في الصور " جعله كظلمة وظلم. # وقيل: هو القرن على ما تقدم. وهذه النفخة هي الثالثة، وهي نفخة البعث. # والأجداث: القبور، يقال جدث وجدف. # ومعنى: { ينسلون }: يخرجون سراعا. والنسلان: الإسراع في ~~المشي. # وقال الحسن في الآية: وثب القوم من قبورهم لما سمعوا الصرخة ينفضون ~~التراب عن رؤوسهم يقول المؤمنون: سبحانك وبحمدك ما عبدناك حق عبادتك. # قال وهب بن منبه: (يبلون) في قبورهم، فإذا سمعوا الصرخة عادت الأرواح ~~إلى الأبدان، والمفاصل بعضها إلى بعض، فإذا سمعوا النفخة الثانية، وثب ~~القوم قياما على أرجلهم ينفضون التراب عن رؤوسهم. ### || [36.52-64] # (قوله تعالى ذكره): { قالوا يويلنا من بعثنا من ~~مرقدنا } إلى / قوله: { بما كنتم تكفرون }. # أي: يقول ذلك المشركون إذا نفخ في الصور نفخة البعث. # قال أبي بن كعب: ناموا نومة قبل البعث. وكذلك قال قتادة. # قال مجاهد: ms2100 يهجع الكفار قبل يوم القيامة هجعة يذوقون فيها النوم، فإذا ~~قامت القيامة قالوا: { يويلنا من بعثنا من مرقدنا }. # ثم قال: { هذا ما وعد الرحمن }. # قال قتادة: قال لهم أهل الهدى: { هذا ما وعد الرحمن ~~وصدق المرسلون }. # وقال مجاهد: قال ذلك لهم المؤمنون (المرسلون). # وقال ابن زيد: هو من قول بعضهم لبعض، صدقوا الرسل لما عاينوا ما أخبروهم ~~به من البعث بعد الموت. # وقال الفراء: هو من قول الملائكة لهم. # وهذا القول موافق لقول قتادة، لأن الملائكة أهل هدى. وكذلك يتأول قوله: # إن الذين آمنوا / وعملوا الصالحات أولئك ~~هم خير البرية # [البينة: 7]. # وكذلك الحديث: # " المؤمن عند الله خير من كل ما خلق " # وهو قول القتبي. # والوقف على " مرقدنا " إجماع إلا ما حكى أحمد بن جعفر أنه يوقف على ~~" هذا " ، ثم يبتدئ: { ما وعد الرحمن } ، أي: بعثكم ما وعد ~~الرحمن. # وقرأ ابن عباس: " من بعثنا " بكسر الميم وخفض البعث. # فالوقف على { يويلنا } جائز إلا على هذه القراءة لأن من متعلقة بما ~~قبلها. # ثم قال (تعالى): { إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم ~~جميع لدينا محضرون } أي: قد حضروا للعرض على الله. وقد تقدم ~~ذكر هذا. # ثم قال (تعالى): { فاليوم لا تظلم نفس } لا ينقص من ~~أجرها ولا يحمل عليها وزر غيرها. # { ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون } ولا تكافؤون إلا ~~مكافأة أعمالكم في الدنيا. # ثم قال (تعالى): { إن أصحاب الجنة اليوم في شغل ~~فاكهون }. # قال مجاهد: شغلهم افتضاض (الأبكار). # [وقال ابن مسعود: افتضاض العذارى]. # وهو قول ابن المسيب. # وقال أبو قلابة: بينما الرجل من أهل الجنة مع أهله إذ قيل له تحول إلى ~~أهلك. # وقيل: " في شغل " في نعمة. # وقيل: في شغل عما فيه أهل النار. # والشغل والشغل لغتان كالبخل والبخل. # وقرأ أبو جعفر: (فكهون). # وهو عند الفراء مثل فاكهين في المعنى كحذر وحاذر. # وقال أبو زيد: رجل فكه إذا كان طيب النفس ضحوكا. # وقال قتادة: " فكهون " معجبون. # قال ابن عباس: " فاكهون " فرحون. # وقال بعض أهل اللغة: الفاكه الكثير الفاكهة، وكذلك تامر ms2101 ولاحم ~~وشاحم إذا كثر ذلك عنده. # وقرأ طلحة بن مصرف: " فاكهين " بالنصب على الحال، وجعل في شغل ~~الخبر. # ثم قال: { هم وأزواجهم في ظلال } يعني أزواجهم من أهل ~~الجنة. # وظلال جمع ظلة كقلة وقلال، ويجوز أن يكون جمع ظل. # ومن قرأ " ظلل " جعله أيضا جمع ظلة. كغرفة وغرف، وظلمة ~~وظلم، وحلة وحلل. # وقوله: { على الأرآئك } أي: على السرر في الحجال، واحدها ~~أريكة. # وقيل: (كل) فراش أريكة. # والقول الأول هو قول ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة. # قال أبو إسحاق: { الأرآئك } الفرش في الحجال، (وقيل الفرش)، وقيل: ~~الأسرة. واختار أن تكون الفرش كانت في حجال أو في غير حجال. # وقيل: الأرائك أسرة الذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت. # والأريكة الواحدة مثل ما بين صنعاء إلى أيلة، وليس في الجنة ~~نوم، إنما هو الاتكاء عليها. # ثم قال: { لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون } أي: ~~يتمنون، ويدعون: يفتعلون من دعا، و " ما " في موضع رفع بالابتداء، و " ~~لهم " الخبر. # ثم قال: { سلام قولا من رب رحيم } سلام بدل من " ما " ، ~~ومعناه: ولهم أن يسلم الله عليهم، وذلك غاية أمنيتهم. # ويجوز أن تكون " ما " نكرة، " وسلام " نعت لها، بمعنى مسلم لهم. # ويجوز أن يكون " سلام " خبرا عن " ما ". # وفي حرف ابن مسعود: " سلاما " ، نصب على المصدر أو في موضع الحال ~~بمعنى مسلما لهم. " وقولا " مصدر، أي: يقولونه قولا يوم القيامة، أو ~~يقوله الله لهم قولا. # قال محمد بن كعب القرظي لعمر بن عبد العزيز: إذا فرغ الله (من) أهل ~~الجنة وأهل النار، أقبل في ظل من الغمام والملائكة إلى أول درجة، فيسلم ~~عليهم فيردون السلام /، وهو في القرآن { سلام (قولا) من رب ~~رحيم } ، فيقول: اسألوا، فيقولون: ما نسألك وعزتك وجلالك لو أنك قسمت ~~بيننا أرزاق الثقلين لأطعمناهم وسقيناهم وكسوناهم، (فيقول: سلوني)، ~~فيقولون: نسألك رضاك، فيقول: رضائي أحلكم دار كرامتي. فيفعل ~~ذلك بأهل كل درجة. قال: ولو أن امرأة من الحور تطلعت لأهل ~~الأرض لأطفأ ضوء سوارها الشمس والقمر، فكيف بالمسورة. # وأجاز أبو حاتم الوقف على: " سلام ms2102 " ، وهو لا يجوز، لأن الجملة التي قبل ~~قول عملت فيه فقامت مقام العامل. # ثم قال (تعالى): { وامتازوا اليوم أيها المجرمون } ~~(أي): اعتزلوا وانفردوا أيها الكافرون عن المؤمنين. # قال قتادة: عزلوا عن كل خير. # وروى محمد بن كعب القرظي، عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " إذا كان يوم القيامة أمر الله جل ذكره جهنم، ~~فيخرج منها عنق ساطع مظلم، ثم يقول /: { ألم ~~أعهد إليكم يبني ءادم أن لا تعبدوا الشيطان ~~إنه لكم عدو مبين * وأن اعبدوني هذا صراط ~~مستقيم * ولقد أضل منكم جبلا كثيرا } إلى ~~[قوله: { كنتم] توعدون } ثم يقول: { وامتازوا اليوم ~~أيها المجرمون } ، فيتميز الناس ويجثون، وهو قوله ~~(تعالى ذكره): { وترى كل أمة جاثية } (كل أمة) { ~~تدعى إلى كتابها } ". # وقوله: { ألم أعهد إليكم } أي: (ثم قال): ألم أوصيكم وآمركم ~~في الدنيا ألا تطيعوا الشيطان في المعاصي، وأعلمتكم أنه لكم عدو مبين، ~~وأنه أخرج أبويكم من الجنة لعداوته لهما. # ثم قال: { وأن اعبدوني } أي: ألم أعهد إليكم أن اعبدوني وأخلصوا ~~العبادة لي. # { هذا صراط مستقيم } أي: عبادتكم إياي خالصا هو الصراط ~~المستقيم. # ثم قال (تعالى): { ولقد أضل منكم جبلا كثيرا } أي: ~~أضل الشيطان منكم خلقا كثيرا فأطاعوه، وجبلا بكسر الجيم، والتشديد ~~جمع جبلة. # و (من) قرأ بضم الجيم والباء والتخفيف جعله جمع جبيل كسبيل ~~وسبل. # وجبيل معدول عن مجبول كجريح بمعنى مجروح. # وكذلك قراءة من أسكن الباء وضم الجيم وخفف، إنما أراد الضم ولكن أسكن ~~استخفافا. # ثم قال: { أفلم تكونوا تعقلون } أي: تفهمون أنه لا ينبغي ~~أن يطاع من هو عدو، والكلام كله بمعنى التوبيخ والتقرير، أي قد عهدت ~~إليكم ذلك. # ثم قال: { هذه جهنم التي كنتم توعدون } أي: في ~~الدنيا، فتكذبون (بها). (و) جهنم أول باب من أبواب النار. # ثم قال: { اصلوها اليوم } (أي): احترقوا فيها، وردوها جزاء ~~بكفرهم في الدنيا بها وبالله ورسله. ### || [36.65-83] # قوله (تعالى ذكره): { اليوم نختم على أفواههم } إلى ~~آخر السورة. # أي: نطبع (على) أفواه المشركين. # { وتكلمنآ أيديهم } أي: بما عملوا في ms2103 الدنيا. # { وتشهد أرجلهم } أي: بما سعت فيه من المعاصي. # روي أن الذي ينطق (من) أرجلهم أفخاذهم من الرجل اليسرى. # قال أبو موسى: يدعى المؤمن للحساب يوم القيامة، فيعرض عليه ربه عمله ~~فيما بينه وبينه، فيعترف فيقول: نعم إني عملته، قال: فيغفر الله (منه) ~~ذنوبه ويستره منها. ويدعى الكافر والمنافق للحساب فيعرض عليه ربه عمله، ~~فيجحده فيقول: أي: ربي وعزتك لقد كتب علي هذا الملك ما لم أعمل، ~~فيقول له الملك: أما عملت كذا يوم كذا؟ فيقول: (لا) وعزتك، (أي): رب ~~ما عملته، فإذا فعل ذلك ختم الله على فيه. قال أبو موسى: فإني أحسب أول ~~ما ينطق منه لفخذه اليمنى ثم تلى الآية: { اليوم نختم... }. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " أول شيء يتكلم من الإنسان يوم يختم على ~~الأفواه فخذه من رجله اليسرى " # ، رواه عقبة بن عامر عنه. # ثم قال (تعالى): { ولو نشآء لطمسنا على أعينهم } ~~أي: لأعميناهم عن الهدى فلا يهتدون إلى طريق الحق أبدا. قاله ابن عباس. # وقال الحسن: (معناه): لو شاء لتركهم عميا يترددون. # وكذلك قال قتادة. # وهو اختيار الطبري، لأن القوم كانوا كفارا، فلا معنى لعماهم (عن) الهدى ~~وهم كذلك كانوا، والمعنى عنده: لو نشاء لعاقبناهم على كفرهم فأعميناهم ~~فلا يبصرون طريقا في تصرفهم إلى منازلهم ولا إلى غيرها. # وقيل معنى: { فاستبقوا الصراط } أي: فبادروا إذا حدث بهم ~~العمى إلى منازلهم / ليلحقوا بأهلهم. # والأطمس هو الذي لا يكون بين عينه شق. # وحكى الكسائي طمس يطمس ويطمس. # ثم قال (تعالى): { ولو نشآء لمسخناهم على ~~مكانتهم } أي: لأفقدناهم جزاء على كفرهم، فلا يستطيعون أن يمضوا ~~إلى أمامهم ولا يرجعون إلى ورائهم، هذا قول الحسن وقتادة. # وقال ابن عباس: معناه: لأهلكناهم في منازلهم. # وقيل: المعنى: لو شاء الله لمسخهم في الموضع الذي اجترؤوا فيه على معصية ~~الله، فلا يقدرون على المضي ولا على الرجوع. # وقال ابن سلام: هذا كله في القيامة، قال إذا كان يوم القيامة مد ~~الصراط، ونادى مناد ليقم محمد صلى الله عليه وسلم ms2104 وأمته، ~~فيقومون برهم وفاجرهم يتبعونه فيتجاوزوا الصراط فإذا صاروا ~~عليها، طمس الله أعين فجارهم، فاستبقوا الصراط فمن / أين يبصرونه حتى ~~يجاوزوه، (قال): ثم ينادي مناد ليقم عيسى وأمته فيقومون فيتبعونه ~~برهم وفاجرهم فيكون سبيلهم تلك السبيل، وكذلك سائر الأنبياء. ~~والعرب تقول مكان ومكانة، ودار ودارة. # وحتى ابن الأعرابي: أن العرب تجمع مكانا على أمكنة ومكنات. # ثم قال (تعالى): { ومن نعمره ننكسه في الخلق } أي: ~~نرده إلى مثل حاله الأولى من الضعف وقلة العلم والفهم، بمنزلة قوله: # لكي لا يعلم بعد علم شيئا # [النحل: 70]. # ثم قال: { وما علمناه الشعر } أي: لم نعلم محمدا ~~الشعر، بل علمناه القرآن، وليس هو شعر كما قال المشركون. # { وما ينبغي له } أي: ما ينبغي له أن يكون شاعرا. # وقيل: معناه: ما يسهل له قول الشعر. # وقالت عائشة: " لم يتمثل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ببيت شعر قط إلا ببيت طرفة فجعل آخره ~~أوله وأوله آخره، وهو قول طرفة: " ستبدي لك ~~الأيام ما كنت جاهلا " البيت. فكان يقول: ويأتيك من ~~لم تزود بالأخبار. # فأما ما روي عنه من قوله صلى الله عليه وسلم: # " " أنا النبي لا كذب * أنا ابن عبد المطلب " ". # فإنه فيما ذكر أنه كان يعرب: (كذبا) و (المطلب)، وإذا أعربها لم يكن ~~شعرا. # ثم قال: { إن هو إلا ذكر وقرآن مبين } أي: ما هذا ~~القرآن إلا ذكر وليس بشعر، أنزله على محمد لينذر من كان حيا، وهو ~~المؤمن، مثل قوله: # إنما تنذر من اتبع الذكر # [يس: 11]. # وقال الضحاك: من كان حيا هو العاقل. # ثم قال: { ويحق القول على الكافرين } أي: ويجب عليهم ~~العذاب الذي تقدم لهم في علم الله أنهم صائرون إليه بكفرهم. # ثم قال: { أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت ~~أيدينآ أنعاما } أي: أو لم ير هؤلاء المشركون أنا خلقنا لهم من ~~خلقنا أنعاما، وهي المواشي والإبل، ومعنى { أيدينآ } أي: بقوتنا ~~وقدرتنا كان خلقنا لهم. # [ثم قال: { فهم لها مالكون } أي: مصرفون لهم كيف شاؤوا]. # ثم قالوا: { وذللناها لهم } (أي): سهلناها لهم ms2105 فلا تعدو ~~عليهم. # { فمنها ركوبهم } أي: ما يركبون. # وقرأت عائشة " ركوبتهم ". # قال أبو عبيدة: الركوبة تكون للواحدة والجماعة، والركوب لا يكون إلا ~~للجماعة. # قال البصريون: حذفت الهاء من " ركوبهم " على النسب، والأصل الهاء. # قال الكوفيون: العرب تفرق في فعول بين ماله الفعل، وبين ما الفعل واقع ~~عليه، فيقولون: امرأة صبور وشكور، بغير هاء، ويقولون: شاة حلوبة ~~وناقة ركوبة. ثم قال (تعالى): { ومنها يأكلون } (أي): ~~لحوم الإبل والمواشي. # (ثم قال تعالى): { ولهم فيها منافع } يعني في أصوافها ~~وأوبارها وجلودها وغير ذلك. # ثم قال: { ومشارب } يعني ألبانها. # { أفلا يشكرون } أي: يشكرون الله على هذه النعم التي خلق (لهم). # ثم قال [تعالى: { واتخذوا من دون الله آلهة } ] يعني: ~~هؤلاء المشركين اتخذوا الأصنام آلهة. # { لعلهم ينصرون } ، (أي): طمعا أن ينصروهم من عقاب الله. # { لا يستطيعون نصرهم } أي: من عقاب الله، أي لا تستطيع ~~الآلهة نصر هؤلاء المشركين ولا غيرهم. # ثم قال: { وهم لهم جند محضرون } [أي: هؤلاء المشركون] ~~لآلهتهم جند محضرون عند الحساب، قاله مجاهد. # وقال قتادة: معناه محضرون في الدنيا يغضبون إذا ذكرت / آلهتهم بسوء. # وقيل: المعنى: أنه يمثل لكل قوم ما كانوا يعبدون يوم القيامة فيتبعونه ~~إلى النار، فهم جند لهم محضرون معهم في النار. # ثم قال (تعالى): { فلا يحزنك قولهم } يقول لنبيه صلى الله ~~عليه وسلم: لا تحزن من قولهم: إنك شاعر، ولا من تكذيبهم لك. # { إنا نعلم ما يسرون } أي: نعلم إنما يدعوهم إلى ذلك الحسد ~~وأنهم يعلمون أنك جئتهم بالحق، ونعلم ما يعلنون من كفرهم وجحودهم لما ~~جئتهم به. # ثم قال (تعالى ذكره): { أولم ير الإنسان أنا خلقناه ~~من نطفة } قيل: عني به أمية بن خلف أتى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بعظم حائل، ففته ثم ذراه في الريح، فقال: من يحيي العظام وهي ~~رميم، قاله قتادة ومجاهد. # وروى قتادة # " أن النبي صلى الله عليه وسلم أجابه، فقال له: " الله يحييك، ~~ثم يميتك، ثم يدخلك النار " ، فقتله رسول الله ~~يوم أحد ". # وقال ابن جبير: وهو العاصي بن وائل ms2106 السهمي. # وقيل: عني به عبد الله بن أبي. قاله ابن عباس. # وفي هذا نزلت: { وضرب لنا مثلا ونسي خلقه } إلى آخر ~~السورة. # قال ابن عباس: # " جاء أبي بن خلف إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم حائل بال فكسره ~~وفته بيده، ثم قال: يا محمد، كيف يبعث الله هذا (وهو رميم)؟ (فقال له) ~~(النبي صلى الله عليه وسلم): " يبعث الله هذا ثم يميتك ~~ثم يدخلك جهنم " ". # وكذلك ذكر ابن جبير في العاصي بن وائل. # وروى ابن وهب: أن الذي قال ذلك هو أبي بن خلف الجمحي. وهو الذي قتله ~~النبي صلى الله عليه وسلم بيده فمات من طعنة رسول الله بالحربة بعد أن ~~رجع إلى مكة. # وعن ابن عباس: أنه عبد الله بن أبي. والسورة مكية وعبد الله بن أبي لم ~~[يكن بمكة إنما كان بالمدينة، فأبي بن خلف أشبه به لأنه بمكة] كان ~~معاندا للنبي صلى الله عليه وسلم. # فالمعنى: ألم ير هذا الذي قال: من يحيي العظام وهي رميم، أنا خلقناه ~~من نطفة، وهي أضعف من العظم، فسويناه بشرا سويا، فيعلم أن من فعل هذا ~~قادر على إحياء العظام بعد كونها رميما. # وقوله: { فإذا هو خصيم مبين } أي: ذو خصومة لربه، يخاصمه ~~فيما قال له ربه: إني فاعله، فينكره. # ثم قال: [تعالى: { وضرب لنا مثلا ونسي خلقه } ]. # أي: ضرب مثلا بالعظم الرميم، فقال من يحييه؟ وأنكر إحياءه، ونسي أنه ~~خلق من نطفة من ماء معين حقير، فجعله الله بشرا سويا ناطقا. # ثم قال (تعالى): { قل يحييها الذي أنشأهآ أول مرة ~~} أي: قل له يا محمد: الذي خلق هذه العظام من ماء حقير مهين، هو الذي ~~يحييها بعدما تكون رميما. # ثم قال (تعالى): { وهو بكل خلق عليم } أي: ذو علم بجميع ~~خلقه، يحيي ويميت، ويبدئ ويعيد، لا يخفى عليه شيء. يعلم ما تنقص ~~الأرض (من) لحومهم وعظامهم وسائر جثمانهم، فيعيدها كما كانت أول مرة. # ثم قال (تعالى ذكره): { الذي جعل لكم من الشجر ~~الأخضر نارا } يعني: المرخ والعفار، يستعمل ms2107 منه الأعراب ~~الزنود. فالذي خلق النار واستخرجه لكم من شجر أخضر مائي - والماء ضد ~~النار بحره ويبسه - هو الذي يقدر على أن يحيي العظام وهي رميم. # وهذه الآية تدل على جواز القياس لأنه جعل خلق الشيء دليلا على خلق ~~غيره. # ثم قال (تعالى): { أوليس الذي خلق السماوات والأرض ~~بقادر على أن يخلق مثلهم }. # هذا كله تنبيه للمنكر للبعث، والمعنى: أوليس الذي خلق السماوات ~~والأرضين على عظمهن وسعتهم، وما في السماوات من الآيات كالشمس والقمر ~~والنجوم، وما في الأرض من الآيات كالبحار والجبال والشجر بقادر على أن ~~يعيد مثل هؤلاء الذين قد صاروا رميما، فليس إعادة الخلق بعد الموت بأعظم ~~من (خلق) السماوات والأرض وما فيهن من الآيات، فمن لم يتعذر عليه خلق ~~العظيم كيف يتعذر عليه خلق اليسير؟! # ثم قال (تعالى): { بلى وهو الخلاق العليم } أي: بل يخلق ~~مثلهم، وهو الخلاق لما يشاء، العليم بكل (ما) خلق. # ثم قال تعالى: { إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول ~~له كن فيكون } قال قتادة: ليس من كلام العرب شيء هو أخف من كن ~~ولا أهون، فأمر الله كذلك. # ثم قال تعالى: { فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء ~~وإليه ترجعون } أي: فتنزيه للذي بيده ملك / كل شيء وخزائنه ~~(يفعل) ما يشاء وإليه تردون بعد مماتكم وتصيرون. # قال قتادة: ملكوت كل شيء: مفاتيح كل شيء. وملكوت وملكوتي في كلام العرب ~~بمعنى ملك. # قال نافع: " بلى " تمام. # وكذلك قال محمد بن عيسى والقتبي. # وقيل: " مثلهم " التمام، والأول أحسن. # (و) " فيكون " تمام. ### | [37 - سورة الصافات] ### || [37.1-12] # قوله (تعالى ذكره): { والصافات صفا } الى قوله: { (بل ~~عجبت) ويسخرون }. أي: ورب الصافات، وهي الملائكة بإجماع. وهو ~~جمع صافة، كأنها جماعات مصطفة لذكر الله وتسبيحه. # قال ابن عباس: الملائكة صفوف، لا يعرف كل منهم من إلى جانبه لم يلتفت ~~منذ خلقه الله. يسبحون ويهللون ويحمدون الله (ويمجدونه). # والزاجرات: جمع زاجرة، أي: تزجر عن معاصي الله، وهي الملائكة، قال ذلك ~~ابن مسعود والسدي. # وقيل: الزاجرات: الملائكة تزجر السحاب، تسوقه إلى المواضع ms2108 التي يريد ~~الله سقيها، قاله مجاهد والسدي أيضا. # وقال قتادة: الزاجرات: ما زجر الله (عنه) في القرآن. فهي أي القرآن التي ~~زجرنا الله بها. # قال قتادة: الزاجرات كل ما زجر عنه. # ثم قال (تعالى): { فالتليت ذكرا }. # يعني: الملائكة تتلو ذكر الله وكلامه، قاله مجاهد والسدي. # وقال قتادة: هو يتلى عليكم في القرآن من أخبار الأمم قبلكم. # ثم قال: { إن إلهكم لواحد } أي: إن معبودكم واحد. وإن ~~جواب القسم. # ثم قال: { رب السموت والأرض وما بينهما } أي: ~~مالك ذلك ومدبره. # { ورب المشارق } أي: ومالك مشارق الشمس، ومدبرها في الشتاء ~~والصيف، وحذف ذكر المغارب لدلالة الكلام عليه لأن ذكر المشارق يدل على أن ~~ثم مغارب. # قال السدي: المشارق ستون وثلاث مائة مشرق، والمغارب مثلها عدد أيام ~~السنة. # قال ابن عباس: للشمس كل يوم مشرق، وكل يوم مغرب، فتلك المشارق والمغارب، ~~وللصيف مشرق ومغرب، وللشتاء مشرق ومغرب، فذلك كقوله: # رب المشرقين ورب المغربين # [الرحمن: 17]. # ثم قال تعالى: { إنا زينا السمآء الدنيا بزينة ~~الكواكب } من أضاف زينة فمعناه تتزين الكواكب، أي بحسنها. ومن نون ~~زينة وخفض " الكواكب " ، جعل الكواكب بدلا من زينة. ومن نون زينة ونصب " ~~الكواكب " أعمل زينة في الكواكب، وإن شئت جعلت " الكواكب " بدلا (من ~~زينة) على الموضع. # وإن شئت نصبت على إضمار: أعني. # وقرئت بتنوين " زينة " ورفع " الكواكب " ، على تقدير بأن زينتها ~~الكواكب. # ثم قال: { وحفظا من كل شيطان مارد } أي: وحفظناها ~~حفظا. فحفظ نصب على المصدر. # وقال بعض الكوفيين: هو مفعول من أجله، والواو زائدة. # والتقدير عنده: إنا زينا السماء الدنيا حفظا لها، أي للحفظ. ومعنى: { ~~السمآء الدنيا } السماء التي تليكم، وهي أدنى إليكم من غيرها من ~~السماوات، ودل ذلك على أن سائر السماوات ليس فيها من الكواكب ما في هذه ~~السماء القريبة منا. والمارد: العاتي الخبيث. # ثم قال (تعالى): { لا يسمعون إلى الملإ الأعلى } أي: ~~لا يميلون بسمعهم إلى ما تقول الملائكة (في) السماء للحفيظ الذي في ~~السماء. تقول: سمعت إليه يقول كذا، أي أملت بسمعي إليه. # قال ابن ms2109 عباس: (هم) لا يسمعون وهم (لا) يتسمعون. # فهذا شاهد للتخفيف. # ويدل على قوة قراءة التخفيف قوله تعالى: # إنهم عن السمع لمعزولون # [الشعراء: 212] ولم يقل عن التسمع. # ومن قرأ بالتشديد فمعناه: أنهم منعوا من السمع ومن التسمع، ~~وإذا منعوا من السمع فهم عن التسمع أعظم منعا. فالتسمع في النفي ~~أبلغ. # قال ابن عباس: " كانت للشياطين مقاعد في السماء، وكانوا يسمعون الوحي، ~~وكانت النجوم لا تجري وكانت الشياطين لا ترمى. قال: فإذا سمعوا الوحي ~~نزلوا إلى الأرض فزادوا في الكلمة تسعا. قال: فلما بعث الله محمدا صلى ~~الله عليه وسلم، جعل الشيطان إذا قعد مقعده جاءه شهاب فلم / يخطئه حتى ~~يحرقه. قال: فشكوا ذلك إلى إبليس فقال: ما هو إلا من حدث. قال: " ~~فبث جنوده فإذا رسول الله قائم يصلي. قال: فرجعوا إلى إبليس ~~فأخبروه، فقال: هذا الذي حدث ". # ثم قال (تعالى): { ويقذفون من كل جانب * دحورا } أي: ~~ويرمون من كل جانب من السماء دحورا، ودحورا مصدر دحرته (أي) دفعته ~~وأبعدته، يقال اللهم ادحر (عنا) الشيطان، أي: ادفعه عنا ~~وأبعده. # قال قتادة: " دحورا " قذفا بالشهب. # وقال مجاهد: من كل مكان مطرودين. # فيقذفون مستأنف، وليس بمعطوف على يسمعون، لأنه نفي ويقذفون أيجاب. # ثم قال: { ولهم عذاب / واصب } أي: وللشيطان من الله عذاب دائم، ~~قاله ابن عباس وقتادة ومجاهد وابن زيد. # وقال أبو صالح والسدي: " واصب " موجع. وعلى القول الأول أهل اللغة. # ثم قال: { إلا من خطف الخطفة } من في موضع رفع على البدل ~~من المضمر في " يسمعون " ، أو في موضع نصب على الاستثناء من المنفي عنه ~~السمع، والبدل أحسن. # وقيل: هو في موضع نصب على الإستثناء من قوله: " ويقذفون " ، لأنه إيجاب. ~~ويجوز أن تكون في موضع (رفع) على معنى: لكن من خطف. # ومعنى الآية: من استرق السمع من الشياطين. # { فأتبعه شهاب ثاقب } أي: مضيء متوقد. # قال ابن عباس: تحرقهم الشهب من غير موت ولا قتل. # قال السدي: يحرقه حين يرمى به. # قال الضحاك: للشياطين أجنحة بها يطيرون إلى السماء. # يقال: إذا أخذ الإنسان ms2110 الشيء بسرعة خطفه وخطفه واختطفه ~~وتخطفه. وأصله: اختطفه، ثم أدغمت التاء في الطاء (وألقيت حركتها ~~على الخاء فاستغني عن ألف الوصل، ويقال: خطفه وأصله أيضا اختطفه ~~وأدغمت التاء في الطاء) وحذفت حركتها. ثم حركت الخاء إلى ~~الكسر لإلتقاء الساكنين واستغني عن ألف الوصل أيضا، ويقال: خطفه على هذا ~~التقدير، إلا أنه كسر الطاء اتباعا لكسرة الخاء. # أجاز يعقوب (أن نقف على:) " من كل جانب ". # ومنعه غيره لأنه قام مقام العامل في دحورا. والتمام " دحورا ". # والشهب التي يرمون بها ليست من الكواكب الثابتة، لأنا نراها ونرى ~~حركتها، فهي أقرب إلينا من الكواكب الثابتة، ولذلك لا نرى حركات الكواكب ~~الثابتة، وهي تجري بلا شك، لكن لا يرى جريها لبعدها منا. # ثم قال (تعالى): { فاستفتهم أهم أشد خلقا [أم من ~~خلقنآ] } أي: سل يا محمد هؤلاء المشركين المنكرين للبعث، أهم أشد ~~خلقا أم من تقدم ذكره من الملائكة والسماوات والأرضين والجن؟. وفي قراءة ~~ابن مسعود " (أم) من عددنا ". # ثم قال (تعالى): { إنا خلقناهم من طين لازب } أي: لاحق ~~علك، يعني آدم لأنه خلق من ماء وتراب و (نار) وهواء. والعرب تقول للذين ~~يلزق هو لازب، ولازم، ولابث. # قال ابن عباس: اللازب الحر الجيد اللازق. # وقال ابن جبير: اللازب الجيد. # وقال قتادة: اللازب اللزق الذي يلتزق باليد. # وهو قول ابن زيد. # ثم قال (تعالى ذكره): { بل عجبت ويسخرون } أي: عجبت يا محمد ~~مما يأتون به من إنكارهم للتوحيد وللبعث، وهم يسخرون. ودليل إضافة العجب ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم قوله: # وإن تعجب فعجب قولهم # [الرعد: 5]. فأما من ضم التاء فإنه أضاف العجب إلى الله جل ذكره، والعجب ~~منه تعالى ذكره مخالف للعجب من عباده، لأن العجب من الخلق إنما هو أن ~~يطرأ عليهم ما لم يكونوا يظنون فيعجبون منه، وهذا لا يضاف إلى الله لأنه ~~تعالى عالم بجميع الأشياء، ولكن معناه (من الله) جل ذكره، بل جعلته عجبا ~~ورأيت من أفعالهم ما يتعجب منه وظهر منه عجب، ودليله قوله: # فعجب قولهم # [الرعد: 5]، أي: ms2111 فقولهم مما يجب أن يعجب منه. # وقيل: المعنى: قل يا محمد: بل عجبت. فيكون مضافا إلى النبي كفتح ~~التاء. والمعنى على قول قتادة: عجب محمد من هذا القرآن حين أعطيه، وسخر ~~منه الكفار. ### || [37.13-44] # قوله (تعالى ذكره): { وإذا ذكروا لا يذكرون * وإذا ~~رأوا آية يستسخرون } إلى قوله { على سرر ~~متقابلين }. # أي: وإذا ذكر هؤلاء / الكفار بالله وأياته وخوفوا عذابه، لا ~~يذكرون ولا يخافون، وإذا رأوا آية من آيات القرآن يهزؤون. # ثم قال: { وقالوا إن هذآ إلا سحر مبين } أي: وقال ~~المشركون ما هذا الذي جئتنا به إلا سحر مبين لمن تأمله ورآه أنه سحر. # ثم قال: { أءذا متنا وكنا ترابا وعظاما أءنا ~~لمبعوثون } أي: قالوا: أنبعث إذا كنا ترابا، وعظاما في ~~التراب. # { أو آبآؤنا الأولون } أي: أو يبعث آباؤنا الماضون، ~~أنكروا البعث فقال (الله) جل ذكره لنبيه. # { قل نعم وأنتم داخرون } أي: قل يا محمد لهم: نعم تبعثون ~~من قبوركم وأنتم صاغرون. # ثم قال (تعالى): { فإنما هي زجرة واحدة } أي: صيحة ~~واحدة، وذلك هو النفخ في الصور. # { فإذا هم ينظرون } أي: شاخصة أبصارهم / ينظرون إلى ما كانوا ~~يوعدونه من قيام الساعة. # وقيل: " ينظرون " معناه: ينظر بعضهم بعضا. # وقيل: معناه ينتظرون ما يفعل بهم. # ثم قال: { وقالوا يويلنا هذا يوم الدين } أي: وقال ~~هؤلاء المكذبون بالبعث لما عاينوا ما كانوا يوعدون: يا ويلنا هذا يوم ~~الجزاء والحساب - وقد تقدم ذكر معنى الويل -، فقالت لهم الملائكة: { ~~هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون } أي: يوم ~~القضاء بين الخلق. والوقف على: " الدين " حسن لأن ما بعده من قول ~~الملائكة لهم. # وأجاز أبو حاتم أن نقف على " يا ويلنا " ، على أن يكون " هذا يوم الدين ~~" وما بعده قول الملائكة لهم. # ثم قال: { احشروا الذين ظلموا وأزواجهم } أي: فيقال: ~~اجمعوا الذين ظلموا في الدنيا وأشياعهم على الكفر بالله. # { وما كانوا يعبدون } من دون الله من الأصنام والأوثان. # قال ابن عباس: " وأزواجهم " نظراؤهم وأتباعهم في الظلم. # وقال قتادة وأبو العالية: ( " وأزواجهم " ) أشياعهم، الكفار مع الكفار. # وقال ms2112 ابن زيد: " وأزواجهم " في الأعمال. # وقال مجاهد: " وأزواجهم " أمثالهم. # وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: الزاني مع الزاني، وشرب الخمر مع شارب ~~الخمر، وصاحب السرقة مع صاحب السرقة. # وقال أهل اللغة: أزواجهم قرناؤهم، (و) منه زوجت الرجل، (أي) قرنته ~~بامرأة. # ثم قال (تعالى): { فاهدوهم إلى صراط الجحيم } أي: ~~فأرشدوهم ودلوهم إلى طريق جهنم. والجحيم: الباب الرابع من أبواب النار. # ثم قال (تعالى): { وقفوهم إنهم مسئولون } أي: واحبسوهم ~~أيها الملائكة إنهم مسؤولون. # روي عن ابن مسعود أنه قال: يقال لهم: هل يعجبكم ورود الماء؟ فيقولون: ~~نعم، فيريهم جهنم وهي كهيئة السراب. # وقيل: المعنى أنهم مسؤولون عما كانوا يعبدون من دون الله. # ثم قال: { ما لكم لا تناصرون } أي: لا ينصر بعضكم بعضا كما ~~كنتم تعملون في الدنيا. # { بل هم اليوم مستسلمون } أي: مستسلمون لأمر الله ~~وقضائه، فهم موقنون بعذابه. # ثم قال: { وأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون }. # قال قتادة: أقبل الإنس على قرنائهم من الجن يتساءلون، قال الإنس للجن: { ~~إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين } أي: من قبل الدين ~~(والحق) فتخدعوننا بأقوى الوجوه. # واليمين: القوة والقدرة في كلام العرب. # وقيل: معنى { (عن) اليمين } من جهة أيماننا لأن إبليس اللعين قال: # ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن ~~أيمانهم وعن شمآئلهم # [الأعراف: 17]. فمن أتاه الشيطان (من) عن يمينه أتاه من قبل الذين فيلبس ~~عليه الحق، ومن أتاه (من) عن شماله أتاه من جهة الشهوات، ومن أتاه من بين ~~يديه أتاه من جهة التكذيب بالجزاء والبعث، ومن أتاه من خلفه أتاه من جهة ~~الفقر على نفسه وعلى من يخلفه بعده. وعن اليمين: من قبل الدين أيضا. # (وهو أيضا) قول مجاهد والسدي وابن زيد. # وقال قتادة أيضا: " عن اليمين ": من قبل الخير فتنهوننا عنه. # وقال السدي: " عن اليمين ": من قبل الدين، به يزينون لنا بالباطل ~~ويصدوننا عن الحق. وليس هذا بمناف لقوله: # فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتسآءلون # [المؤمنون: 101]، لأن معنى هذا: لا يتساءلون بالأنساب والأرحام كما ~~كانوا في الدنيا فيقول بعضهم لبعض: أسألك ms2113 بالله والرحم. # وقيل: معنى قوله: { وأقبل بعضهم على بعض } عنى به ~~المشركين، يقول بعضهم لبعض: كنتم تأتوننا عن اليمين، أي: من الجهة التي ~~نحبها ونتفاءل بها. # والعرب تتفاءل / بما جاء عن اليمين وتسميه السانح. # وقيل: معناه: تأتوننا إتيان من إذا حلف لنا صدقناه. فأجابوهم فقالوا ~~(لهم) { بل لم تكونوا مؤمنين } أي: مقرين بتوحيد الله. # { وما كان لنا عليكم من سلطان } أي: من قدرة ولا حجة ~~فنصدكم بها عن الحق والأيمان، { بل كنتم قوما طاغين } (أي ~~طاغين) على الله، متعدين إلى ما ليس لكم بحق (من) معصية الله. # قال قتادة: هو من قول الجن للإنس. # ثم قال (تعالى): { فحق علينا قول ربنآ إنا ~~لذآئقون } أي: فوجب علينا / عذاب ربنا إنا لذائقون نحن وأنتم ~~العذاب، هذا خبر من الله جل ذكره عن قول الجن للإنس. # ثم قال: { فأغويناكم إنا كنا غاوين } أي قالت الجن ~~للإنس: فأضللناكم عن الحق بالوسوسة والاستدعاء والتزيين، أي كنا ضالين. # قال الله جل (ثناؤه) وذكره: { فإنهم يومئذ في العذاب ~~مشتركون } أي: كما اشتركوا في الدنيا في الكفر بالله والضلال، كذلك ~~يشتركون في الآخرة والعذاب. # قال ابن زيد: اشترك المشركون والشياطين في عذاب جهنم. # ثم قال (تعالى): { إنا كذلك نفعل بالمجرمين } أي: ~~يقول الله جل ذكره: إنا هكذا نفعل بالذين اكتسبوا الكفر والمعاصي في ~~الدنيا، ثم بين أن من كفرهم أنهم كانوا إذا قيل لهم: لا إله إلا ~~الله، يستكبرون، أي: إذا قيل لهم في الدنيا: قولوا لا إله إلا الله، ~~يستكبرون عن قولها، أي: يتعظمون، وحذفت قولوا لدلالة الكلام عليها. # قال السدي: يعني بذلك المشركين خاصة. # قال عمر بن الخطاب: احضروا موتاكم ولقنوهم: لا إله إلا الله، فإنهم يرون ~~ويسمعون. # ثم قال (تعالى): { ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا ~~لشاعر مجنون } أي: وكانوا في الدنيا - يعني المشركين - ~~(يقولون): أنترك عبادة الأصنام والأوثان، لما يأمر به شاعر مجنون من أن ~~نقول: لا إله إلا الله، يعنون بذلك محمدا صلى الله عليه وسلم. # قال الله جل ذكره: { بل جآء بالحق وصدق المرسلين ms2114 ~~} أي: بل جاء محمد صلى الله عليه وسلم بالحق ولم يأت بشعر، وصدق بما ~~جاء به المرسلون، أي: كتبهم، لأن في كتب المرسلين قبله أنه سيبعث بكتاب ~~من عند الله، وفي ما جاء به محمد ذكر المرسلين وتصديقهم بما أتوا به من ~~الكتب. # ثم قال (تعالى): { إنكم لذآئقو العذاب الأليم } أي: ~~إنكم أيها القائلون لمحمد صلى الله عليه وسلم: (شاعر مجنون، والمتعظمون ~~عن قول: لا إله إلا الله)، لذائقوا العذاب الموجع في الآخرة. # { وما تجزون إلا ما كنتم تعملون } أي: ثواب عملكم ~~في الدنيا. # ثم قال: { إلا عباد الله المخلصين } أي: إلا عباد الله ~~الذين أخلصهم يوم خلقهم لرحمته، فإنهم لا يذوقون العذاب الأليم. # ومن قرأ بكسر اللام فمعناه: إلا عباد الله الذين أخلصوا له العمل ~~والتوحيد. # ثم قال: { أولئك لهم رزق معلوم }. # قال قتادة: هو الجنة. # وقيل: هو الفواكه التي خلقها (الله) لهم في الجنة. # ثم قال: { فواكه وهم مكرمون * في جنات النعيم } ~~أي: الرزق المعلوم كونهم ذوي فواكه، وإكرام الله لهم بكرامته في جنات ~~(النعيم). # قال مالك بن دينار: بلغني أن جنات النعيم بين جنان الفردوس وبين جنان ~~عدن، وأن فيها جواري خلقن من ورد الجنة، وأن سكانها (الذين) إذا هموا ~~بالمعاصي ذكروا عظمة الله فراقبوه، والذين تنثني أصلابهم من خشية الله، ~~والذين يجوعون ويعطشون من مخافة الله، وأنه يصرف العذاب عن الناس بهم. # ثم قال: { على سرر متقابلين } أي: بعضهم يقابل بعضا، لا ~~ينظر بعضهم إلى قفا بعض، والسرر جمع سرير. ### || [37.45-57] # قوله (تعالى ذكره): { يطاف عليهم بكأس من معين } إلى ~~قوله: { من المحضرين }. # أي: يطوف عليهم الخدم بكأس من خمر جارية، قاله قتادة وغيره. وحكى أهل ~~اللغة أن العرب تقول للقدح إذا كان فيه خمر: كأس، فإذا لم يكن فيه خمر ~~فهو قدح. # وقال بعضهم: كل إناء فيه شراب فهو كأس، فإذا لم يكن فيه شراب فهو إناء. ~~كذلك الخوان إذا كان عليه طعام قيل له مائدة، فإذا لم يكن عليه طعام ~~قيل له خوان. ومثله ms2115 الهودج يقال له: ظعينه، إذا كانت فيه امرأة، فإذا لم ~~تكن / فيه قيل له هودج. # قال الضحاك: / كل كأس في القرآن فهو خمر. # وهو قول السدي. # وقال ابن عباس: هو الخمر. # وقال مجاهد: هي خمر بيضاء. # قال الزجاج: " من معين " أي: تجري كما تجري العيون على وجه الأرض. # وقوله: { بيضآء }: يعني به الكأس، وهو مؤنثة، { لذة ~~للشاربين } أي: ذات لذة، والمعنى: يلتذ بها شاربها. # ثم قال (تعالى ذكره): { لا فيها غول } أي: لا تغتال هذه الخمر عقل ~~شاربها كما تفعل خمر الدنيا. # وقال ابن عباس: " لا فيها غول " (أي): ليس في الخمر صداع. وعنه: ليس ~~فيها وجع بطن. وكذلك قال مجاهد. # وقال ابن زيد: ليس فيها وجع البطون، وشارب الخمر يشتكي بطنه. # وقال السدي: لا تغتال عقولهم. # وقال ابن جبير: لا فيها أذى ولا مكروه. # وقيل معناه: لا فيها إثم. # وذكر الليث: أن ابن عباس أشكل عليه تفسير الغول حتى سمع إعرابيا يقول ~~لصاحبه: إني لأجد في بطني غولا فقال ابن عباس: جاءت والله ~~(الغول): الوجع يجده في بطنه. # ثم قال (تعالى): { هم عنها ينزفون } من فتح الزاي فمعناه لا ~~تذهب عقولهم. قاله ابن عباس ومجاهد والسدي. # وقال قتادة: لا تغلبهم على عقولهم. تقول العرب: نزف الرجل فهو ~~منزوف إذا ذهب عقله، (ونزف دم فلان إذا ذهب). فنفى الله جل ذكره عن ~~خمر الجنة الآفات من الصداع والسكر اللذين يحدثان من خمر الدنيا. # فأما من قرأ بكسر الزاي، فمعناه: لا يفنى شرابهم. يقال أنزف الرجل ~~إذا نفد شرابه. # وحكى الفراء: أنزف الرجل إذا نفد شرابه، وأنزف إذا ذهب عقله. فيكون ~~على هذا القول الأخير كقراءة من فتح الزاي. # ثم قال (تعالى ذكره): { وعندهم قاصرات الطرف عين } أي: ~~وعندهم حور قصرن طرفهن على الأزواج فلا يبغين غيرهم، قاله ابن عباس ~~ومجاهد ومحمد بن كعب القرظي. # قال عكرمة: " قاصرات الطرف " أي: محبوسات على أزواجهن. # وقال ابن زيد: " قاصرات الطرف " (لا ينظرن إلا) إلى أزواجهن، ليس كما ~~يكون نساء أهل الدنيا. # وقوله: { عين ms2116 }: يعني به النجل العيون لعظامها، وهو جمع عيناء، ~~والعيناء المرأة الواسعة العين العظيمة العين، (وهي) أحسن ما يكون من ~~العيون. وسألت أم سلمة رضي الله عنها النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: # " يا رسول الله، أخبرني عن قول الله جل ذكره: " ~~وعندهم قاصرات الطرف عين " ، (قال): العين: الضخام ~~العيون (شفر) الحوراء بمنزلة جناح النسر ". # وقال (تعالى): { كأنهن بيض مكنون }. # قال ابن جبير: كأنهن بطن البيض. يريد: أنه شبههن في بياضهن ببطن البيض. # وقال السدي: كأنهن البيض حين يقشر قبل أن تمسه الأيدي. وهو قول قتادة. # وهو اختيار الطبري، شبهن ببياض البيضة قبل أن تمسه الأيدي، إذ هن لم ~~يمسسهن قبل أزواجهن إنس ولا جان، فشبهن في صفاء اللون (وبياضه) (و) ~~في صيانتهن ببياض البيضة في قشره، وبياض البيض عند الطبري هو القشر ~~الرقيق الذي على البيضة من داخل القشر. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأم سلمة، إذ سألته عن ذلك: # " رقتهن كرقة الجلدة التي رأيتها في داخل ~~البيضة التي تلي القشرة وهي الغرقىء ". # وقال ابن زيد: كأنهن البيض الذي يكنه الريش مثل بيض النعام، فهي إلى ~~الصفرة تبرق. # وقال ابن عباس: " كأنهن بيض مكنون " يعني: اللؤلؤ المكنون في الصدف. # ثم قال (تعالى): { فأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون ~~} أي: أقبل أهل الجنة يسأل بعضهم بعضا، قاله قتادة وابن زيد. # ثم قال تعالى عنهم: إنهم قالوا في مساءلتهم: { قال قآئل منهم ~~إني كان لي قرين * يقول أءنك لمن المصدقين * ~~أءذا متنا [وكنا ترابا وعظاما أءنا لمدينون } ~~]. # [فقوله: " إنا لمدينون " جواب للاستفهامين في قوله: " أ.نك لمن ~~المصدقين أ إذا متنا " ]. # أي: قال قائل من أهل الجنة إني كان لي صاحب ينكر البعث بعد الموت ويقول ~~لي: أتصدق بأنك تبعث بعد أن تكون عظاما ورفاتا، وتجزى بعملك؟ هذا ~~معنى قول ابن عباس. # وقال مجاهد: القرين كان شيطانا /. # قال ابن عباس: لما صار المؤمن إلى الجنة ذكر ذلك فرأى صاحبه في سواء ~~الجحيم، أي: في وسطه، قال: { تالله إن كدت لتردين }. أي: ms2117 ~~والله إنك قاربت أن تهلكني لو قبلت / منك، ولولا نعمة ربي إذ ثبتني على ~~الإيمان لكنت من المحضرين معك في النار. # وروي أنه كان شريكان، وكان أحدهما له حرفة والآخر ليس له حرفة، فقال ~~الذي له حرفة للآخر: ليس عندك حرفة ولا أراني، إلا مفارقك ومقاسمك، ~~فقاسمه وفارقه. # ثم إن الرجل صاحب الحرفة اشترى دارا بألف دينار كانت لملك مات، ~~فدعا صاحبه الذي لا حرفة له فأراه الدار، وقال: كيف ترى هذه الدار ~~ابتعتها بألف دينار؟ قال: ما أحسنها. # فلما خرج قال: اللهم إن صاحبي هذا قد ابتاع هذه الدار بألف دينار وإني ~~أسألك دارا من دور الجنة، فتصدق بألف دينار، ثم مكث ما شاء الله ~~أن يمكث ثم تزوج امرأة بألف دينار، ثم دعا الذي لا حرفة معه وصنع له ~~(طعاما) فلما أتاه قال: إني تزوجت هذه المرأة بألف دينار، (فقال: ما ~~أحسن هذا! فلما انصرف قال: يا رب إن صاحبي تزوج امرأة بألف دينار وإني ~~أسألك امرأة من الحور العين، فتصدق بألف دينار، ثم مكث ما شاء الله ~~أن يمكث ثم اشترى بستانين بألفي دينار، ثم دعاه) فأراه ذلك، وقال: إني ~~ابتعت هذين البستانين بألفي دينار، (قال: ما أحسن هذا! فلما خرج قال: يا ~~رب إن صاحبي هذا اشترى بستانين بألفي دينار)، وإني أسألك بستانين من ~~الجنة، فتصدق بألفي دينار، ثم إن الملك أتاهما فتوفاهما، ثم انطلق ~~بهذا المتصدق فأدخله دارا معجبة فإذا امرأة تطلع يضيء منها ما تحتها ~~من حسنها ثم أدخله بستانين وشيئا الله (به) عليم، فقال المتصدق عند ~~ذلك: ما أشبه هذا برجل كان من أمره كذا وكذا، قال: فأنت ذلك ولك هذان ~~البستانان والمرأة. قال: فإنه كان لي صاحب يقول: أئنك لمن المصدقين؟ قيل ~~له: فإنه في الجحيم، فقال: هل أنتم مطلعون؟ فاطلع فرآه في سواء الجحيم، ~~فقال عند ذلك: " تالله إن كدت لتردين، ولولا نعمة ~~ربي لكنت من المحضرين " أي: من المحضرين في النار معك. ذكر ~~هذه الحكاية بن ثعلبة البهراني. # وهو تأويل ms2118 يوجب أن تكون القراءة: من " المصدقين " بالتشديد للصاد ~~من الصدقة. وقراءة الجماعة إنما هي من التصديق بالحساب والبعث والمجازاة ~~بالأعمال. # قال ابن عباس: " لمدينون " لمجازون بالعمل. # وقال مجاهد: لمحاسبون. # قال قتادة: سأل ربه أن يطلعه (فأطلعه) فأطلع فرأى صاحبه في وسط النار. # قال مطرف بن عبد الله: لولا أن الله عرفه به ما عرفه لتغير حبره ~~وسبره بعده. # وروي أنه أطلع فرأى جماجم القوم تغلي. # وروى ابن المبارك عن معمر عن عطاء الخرساني مثل الحكاية بعينها إلا أن ~~فيها اختلاف ألفاظ، قال: كان رجلان شريكان بينهما ثمانية آلاف دينار ~~فاقتسماها، فعمد أحدهما فاشترى دارا بألف دينار وأرضا بألف دينار، ~~وتزوج امرأة بألف دينار واشترى أثاثا بألف، فقال الآخر: اللهم إني أشتري ~~منك في الجنة دارا وأرضا وامرأة وأثاثا بأربعة آلاف دينار، ثم تصدق ~~بها كلها، ثم احتاج فتعرض لشريكه أن ينيله مما عنده، فقال له: أين مالك؟ ~~فأخبره بما فعل، فقال له: وإنك لمن المصدقين بهذا، اذهب فوالله لا أعطيك ~~شيئا. وطرده فنزلت فيهما (هذه) الآيات، فتذكر المتصدق أمر شريكه وهو في ~~الجنة فاطلع ليراه في وسط الجحيم. # قال قتادة: رأى جماجم (القوم) تغلي. # قال ابن المبارك: وبلغنا أنه سأل ربه أن يطلعه عليه. # قال أبو محمد مؤلفه (نضر الله وجهه) نقلت معنى الحكاية واختصرت بعض ~~لفظها. # ويروى أن الله جل ذكره جعل بين أهل الجنة وأهل النار كوى ينظر إليهم ~~أهل الجنة إذا أحبوا ليعلموا قدر ما أنجاهم الله منه وقدر ما أعطاهم، ودل ~~على ذلك قوله (تعالى): { فاطلع فرآه في سوآء الجحيم } ~~أي: أطلع من الكوى فرآه في وسط الجحيم. ### || [37.58-82] # قوله (تعالى ذكره): { أفما نحن بميتين * إلا موتتنا ~~/ } إلى قوله: { ثم أغرقنا الآخرين }. # أي: قال المؤمن ليس نحن بميتين إلا موتتنا / (الأولى في الدنيا). { ~~وما نحن بمعذبين } قال ذلك سرورا منه واغتباطا منه بما ~~أعطاه الله من كرامته. # ثم قال: { إن هذا لهو الفوز العظيم } أي: إن ما ~~أعطانا الله من أنا لا نعذب ولا نموت لهو ms2119 النجاء العظيم. # قال قتادة: هذا قول أهل الجنة. # { لمثل هذا فليعمل العاملون } أي: لمثل هذا الذي ~~أعطي هذا المؤمن من الكرامة في الآخرة فليعمل في الدنيا لأنفسهم ~~العاملون. # قال قتادة: آخر كلام المؤمن: " لهو الفوز العظيم " ، ثم قال الله جل ~~ذكره: " لمثل هذا فليعمل العاملون ". # ثم قال (تعالى ذكره): { أذلك خير نزلا أم شجرة ~~الزقوم } أي: الذي تقدم من ذكر النعيم للمؤمنين خير أم ما أعد الله ~~لأهل النار من الزقوم. والنزول: الرزق الذي له سعة، ومعناه في الأصل: أنه ~~الطعام الذي يصلح أن ينزلوا معه ويقيموا فيه. ولما ذكر الله هذه الآية، ~~قال المشركون: كيف ينبت الشجر في النار، والنار تحرق الشجر؟ فقال الله جل ~~ذكره: { إنا جعلناها فتنة للظالمين } يعني المشركين ~~الذين قالوا في ذلك ما قالوا، ثم أخبرهم الله بصفة هذه الشجرة، فقال (جل ~~ذكره): { إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم }. # قال قتادة: غذيت بالنار ومنها خلقت. # قال السدي: قال أبو جهل لما نزلت هذه الآية: إن شجرة الزقوم: أتعرفونها ~~في كلام (العرب)؟ أنا آتيكم بها، فدعا جاريته فقال: إيتني بزبد وبتمر، ~~فقال: دونكم تزقموا فهذا الزقوم الذي يخوفكم به محمد صلى الله عليه وسلم، ~~فأنزل الله تعالى ذكره تفسير هذا: { أذلك خير نزلا } إلى آخر ~~الآيات. فالظالمون هنا أبو جهل وأصحابه. وهي مشتقة من التزقم، وهو البلع ~~على جهد وشدة، فقيل لها شجرة الزقوم أنهم يتزقمونها (أي) يبتلعونها من ~~شدة جوعهم، فيبتلعونها على جهد وتقف على حلوقهم يختنقون بها لخشونتها ~~ومرارتها وكراهتها ونتنها فيتعذبون بها على أن تصل إلى أجوافهم فيملؤون ~~بطونهم من ذلك من شدة الجوع ثم لا ينفعهم ذلك ولا يجدون له نفعا ولا ~~لذة. # ثم قال (تعالى ذكره): { طلعها كأنه رءوس الشياطين } ~~أي: طلعها في قبحه وسماجته كرؤوس الشياطين، وهذا تمثيل لأنهم لم يكونوا ~~يرون الشياطين، ولكن من شأن العرب أنها إذا تبالغت في صفة القبح والسماجة ~~قالت: كأنه رأس شيطان، فخوطبوا بما يعقلون وما يجري بينهم ويفهمون. # وقيل: بل مثل لهم الطلع ms2120 بما يعرفون، وذلك أن ضربا من الحيات قباح ~~الصور والمناظر يقال لها شيطان، فشبهت لهم الطلع (بذلك). # (وقيل): الشياطين نبت باليمن قبيح المنظر، يقال له: الأستن والشيطان ~~شبه الطلع به، وطلعها ثمرها كأنه أول ما يخرج. # ثم قال (تعالى): { فإنهم لآكلون منها } أي: فإن هؤلاء ~~المشركين لآكلون من هذه الشجرة فمالئون منها البطون، ثم إن لهم على ما ~~يأكلون منها لشوبا من حميم، أي: خلطا من ماء قد انتهى حره. # وحميم فعيل مصروف عن مفعول، والشوب مصدر شاب طعامه إذا خلطه يشوبه ~~شوبا وشابة وشيابا. # وقال ابن عباس: لشوبا لمزجا. # وقال قتادة: لمزاجا. # وقال السدي: حميم يشاب لهم بغساق بما يغسق أعينهم وصديد من قيحهم ~~ودمائهم. # ثم قال (تعالى): { ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم }. # قال قتادة: فهم (في) عناء وعذاب من نار جهنم، وتلا: " يطوفون ~~بينها وبين حميم - ان ". # قال بعض المفسرين: هذا النص يدل على أنهم في وقت أكلهم للزقوم وشربهم ~~للحميم ليسوا في النار المتوقدة، هم في عذاب آخر، ثم يردون إلى الجحيم، ~~والجحيم النار المتوقدة. # قال ابن مسعود: والذي نفسي بيده لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل ~~أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، ثم تلا: " أصحاب ~~الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا ". # ثم قال (تعالى): { إنهم ألفوا آبآءهم ضآلين } أي: ~~وجودهم على الضلال والكفر بالله وعبادة الأصنام. # { فهم على آثارهم يهرعون } أي: فهم مسرعون في اتباع ما ~~كان عليه آباؤهم من الكفر. # قال مجاهد / وقتادة: { يهرعون } يسرعون. # وقال ابن زيد: يستعجلون. # قال (الفراء: الإهراع: الإسراع فيه شبيه) بالرعدة. # قال المبرد: المهرع المستحث. يقال: جاء فلان يهرع إلى النار إذا ~~استحثه البرد إليها. # وحكى الزجاج: هرع وأهرع / إذا استحث وأزعج، كأنهم يزعجون من ~~الإسراع إلى اتباع آبائهم. # ثم قال (تعالى): { ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين } ~~أي: ولقد ضل عن الإيمان والرشد قبل مشركي قريش أكثر الأمم الخالية. # { ولقد أرسلنا فيهم منذرين } أي: في الأمم الخالية ~~رسلا منذرين تنذرهم بأس الله وعقابه على الكفر والتكذيب، فكذبوهم، ms2121 وحذف ~~فكذبوهم لدلالة الكلام عليه. # ثم قال: { فانظر كيف كان عاقبة المنذرين } أي: ~~فتأمل يا محمد كيف كان عاقبة الأمم الذين قبلك إذ كذبوا رسلهم ~~كيف أهلكهم الله فصيرهم عبرة لمن اغتر وعظة لمن اتعظ. # ثم قال: { إلا عباد الله المخلصين } أي: إلا من آمن ~~بالرسل من الأمم فأخلص لله العمل والإيمان بما جاء به الرسل. هذا على ~~قراءة من كسر اللام. ومن فتحها فمعناه: إلا من آمن بالرسل، وأخلصه الله ~~في سابق علمه الإيمان والتصديق فوفقه له. # ثم قال (تعالى): { ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون } ~~أي: نادى فقال: # رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا # [نوح: 26]، وبقوله: # دعوت قومي ليلا ونهارا # [نوح: 5] وما بعده، فلنعم المجيبون كنا له إذ دعانا فأجبناه وأهلكنا ~~قومه. # { ونجيناه وأهله من الكرب العظيم } أي: من الأذى ~~والمكروه الذي كان فيه (من الكافرين) من قومه. # وقيل: من الطوفان والغرق قاله السدي. # ثم قال: { وجعلنا ذريته هم الباقين } أي: هم الذين ~~بقوا في الأرض بعد هلاك قومه، وذلك أن الناس كلهم من ذرية نوح بعد الغرق. # قال ابن المسيب: فجميع الخلق من ذرية سام وحام ويافت. # [ورواه سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " " هم الباقين " هم حام وسام ويافت] ". " فالعرب كلهم والروم ~~والفرس من ولد سام، وجميع أجناس السودان من السند والهند والزغاوة ~~والنؤبة وغيرهم من البربر من ولد حام، والصقالبة والترك ويأجوج ومأجوج من ~~ولد يافت، والخير في ولد سام " ". # ثم قال: { وتركنا عليه في الآخرين }. # قال قتادة: أبقى الله عليه الثناء (الحسن) في الآخرين، وهو قول السدي. # وقيل: في " الآخرين ": أمة محمد صلى الله عليه وسلم، لأنها آخر الأمم ~~فهي تثني على نوح وتصلي عليه وتترحم عليه. # ثم قال (تعالى): { سلام على نوح في العالمين } أي: يقال: ~~سلام على نوح، (أي): أبقينا عليه في الآخرين أن يقال ذلك، يعني في أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم، ولذلك رفع " سلام " لأنه محكي. # وقيل: التقدير: " في الآخرين " تم الكلام، ثم ابتدأ ms2122 " سلام " على نوح ~~ابتداء وخبر. # وفي حرف ابن مسعود: " سلاما " بالنص، أعمل فيه تركنا فنصبه، ومعناه في ~~الرفع أمنة من الله لنوح في العالمين أن يذكره أحد بسوء. # قال أبو إسحاق معناه: وتركنا عليه أن يصلى عليه إلى يوم القيامة. وقيل: ~~(معناه): أبقينا (عليه) الثناء الحسن في الآخرين. # ثم قال: { إنا كذلك نجزي المحسنين } أي: إنا كما فعلنا ~~بنوح ومن آمن معه، كذلك نجزي من أحسن فآمن بالله وصدق الرسل. # ثم قال: { إنه من عبادنا المؤمنين } أي: إن نوحا من ~~الذين صدقوا وأخلصوا العبادة لله والتوحيد له. # ثم قال: { ثم أغرقنا الآخرين } أي: بعد أن أنجينا نوحا ومن ~~آمن معه أغرقنا الذين بقوا بعده ممن كفر به وكذبه. # قال قتادة: أنجاه الله ومن معه في السفينة وأغرق بقية قومه. ### || [37.83-101] # قوله (تعالى ذكره): { وإن من شيعته لإبراهيم } إلى قوله: ~~{ بغلام حليم }. # أي: وإن من تباع نوح وعلى منهاجه لإبراهيم. # قال ابن عباس: { من شيعته }: من أهل دينه. # وهو معنى قول قتادة ومجاهد. # فالهاء تعود على نوح. # وقال الفراء: الهاء لمحمد صلى الله عليه وسلم، أي: وإن من شيعة محمد ~~لإبراهيم، وهو عنده مثل: # وآية لهم أنا حملنا ذريتهم # [يس: 41] يعني ذرية من سبقهم. # ثم قال: { إذ جآء ربه بقلب سليم }. # أي: من الشركة، قاله مجاهد وقتادة. # وقال عروة بن الزبير: لم يلعن شيئا قط. # وقال ابن سيرين: القلب السليم الناصح لله في خلقه. # وقيل: / القلب السليم الذي يحب للناس ما يحبه لنفسه /، قد سلم جميع ~~الناس من غشه وظلمه وأسلم لله بقلبه ولسانه ولا يعدل به غيره. # ثم قال: { إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون } أي: ~~أي شيء تعبدون. # { أإفكا آلهة دون الله تريدون } أي: أكذبا معبودا غير ~~الله تعبدون، والإفك منصوب ب " تريدون " ، و " آلهة " بدل منه. # قال المبرد: (الإفك) أسوأ الكذب. # ثم قال: { فما ظنكم برب العالمين } أي: أي شيء تظنون ~~بربكم أيها القوم أنه يصنع بكم إن لقيتموه وقد عبدتم غيره، قاله قتادة. # ثم قال: { فنظر نظرة ms2123 في النجوم }. # ذكر أن قوم إبراهيم صلى الله عليه وسلم كانوا أهل نجوم وكانوا يهربون ~~من الطاعون، فطمع أن يتركوا بيت آلهتهم ويخرجوا فيخالفهم إليها فيكسرها، ~~فرأى نجما قد طلع فعصب رأسه (وقال إني مطعون). # قال ابن عباس: قالوا له وهو في بيت آلهتهم: اخرج معنا، فقال: إني مطعون، ~~وتركوه مخافة الطاعون. # وقال الضحاك: تركوه لما قال إني مطعون مخافة أن يعديهم. # وقال ابن زيد: أرسل إليه ملكهم أن غدا عيدنا فاحضر معنا. قال: فنظر ~~نظرة إلى النجوم، فقال: إن ذلك النجم لم يطلع قط إلا طلع بسقم لي، فقال: ~~إني سقيم. # قال ابن عباس: " سقيم ": مريض. # وقال الحسن: " فنظر نظرة في النجوم ". أي: فكر فيما يعمل إذا كلفوه ~~الخروج، فالمعنى على هذا القول: فنظر نظرة فيما نجح له من الرأي، أي: ~~فيما طلع له. يقال نجم القول والنبت إذا طلعا. أي: فكر فعلم أنه ~~لا بد لكل حي أن يسقم، فقال: إني سقيم. # قال الخليل: يقال للرجل إذا فكر في الشيء كيف يدبره: نظر في النجوم. # وقيل: المعنى: فنظر فيما نجم من الأشياء، أي: طلع منها، فعلم أن لها ~~خلقا ومدبرا، (وعلم) أنها تتغير، وعلم أن ذلك يلحقه، فقال: إني سقيم. # فتكون النجوم في هذين القولين مصدرا. (و) على القول الأول جمع نجم. # وقيل: إنهم كانوا يعرفون أن نجما إذا طلع يطلع بالطاعون، فكان إذا طعن ~~رجل منهم هربوا منه، فطلع ذلك النجم، فقال إبراهيم: إني سقيم، أي: مطعون، ~~فهربوا منه، وكان غلاما أمرد، فهو معنى قوله: { فتولوا عنه ~~مدبرين }. # وقيل: إنه كان يحم في ساعة قد اعتاده ذلك، فنظر في الأوقات، (وقت) ~~الساعة التي تأتيه الحمى فيها، فوجدها تلك الساعة التي دعي إلى الخروج ~~معهم إلى جمعهم فقال: إني سقيم. أي: إن هذه الساعة أسقم فيها بالحمى التي ~~اعتادتني، فجعل ذلك علة لتخلفه عنهم، وكان فيما قال صادقا، لأن الحمى ~~كانت تأتيه في ذلك الوقت، فكان قد أضمر كسر أصنامهم إذا تخلف بعدهم ~~وغابوا ففعل ذلك. # وقيل: معنى ms2124 قوله: " إني سقيم " أي: سأسقم لأن من كان في عقبه الموت ~~سقيم، وإن لم يكن في وقته ذلك سقيما كما قال تعالى ذكره لنبيه: # إنك ميت وإنهم ميتون # [الزمر: 30]. # أي: ستموت ويموتون. # وقيل: إن ذلك (من) إبراهيم كان تحيلا عليهم في ذات الله. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " " لم يكذب إبراهيم عليه السلام غير ثلاث كذبات، ~~اثنتين في ذات الله ": قوله: " إني سقيم " ، وقوله: " بل ~~فعله كبيرهم هذا " ، وقوله في سارة: " هي أختي " ". # ثم قال: { فتولوا عنه مدبرين } أي: مضوا عنه خوفا أن ~~يعديهم السقم الذي ذكر أنه به، وذلك أنهم كانوا يفرون من الطاعون. # ثم قال: { فراغ إلى آلهتهم } أي: مال إليها بعدما خرجوا عنه، ~~{ فقال ألا تأكلون * ما لكم لا تنطقون }. # في الكلام معنى التعجب، وفي الكلام حذف، والتقدير: فقرب إليها طعاما ~~فلم تأكل، فقال لها: ألا تأكلون، فلم تجاوبه، فقال: ما لكم لا تنطقون؟ ~~مستخفا بها مستهزئا. # وقيل: إنهم جعلوا لآلهتهم الطعام قبل أن ينصرفوا عنه، فلما انصرفوا ~~ورآها لا تأكل قال: ألا تأكلون، فلما لم تكلمه قال: ما لكم لا تنطقون؟ ~~وإنما خاطبها مخاطبة من يعقل، لأنهم أجروها في العبادة وجعل الطعام لها ~~مجرى من يعقل. # ثم قال: { فراغ عليهم ضربا باليمين }. # روي أنه أخذ فأسا / فضرب بها حافتيها ثم علقها في عنق [أكبرها /. # و { باليمين }: بالقوة. # وقيل: باليمين: بقسمه في قوله: # وتالله لأكيدن أصنامكم # [الأنبياء: 57] بعد أن تولوا مدبرين، فبر بيمينه بفعله. # وقال (ابن) عباس: جعل يضربها بيمينه، ليقيم عليهم الحجة بأن الأصنام إذا ~~كانت لا تنفع أنفسها فتدفع الضر عن أنفسها فهي أبعد من ألا تنفع غيرها، ~~فعبادة من لا ينفع نفسه ولا غيره من أعظم الخطأ وأبينه. # ثم قال: { فأقبلوا إليه يزفون } أي: يمشون سراعا. # يقال: زف يزف زفيفا، إذا أسرع، وأصله من زفيف النعام، وذلك ~~أول عدوه. # قال ابن زيد: " يزفون ": يستعجلون. # ومن قرأ بضم الياء فمعناه: جعلوا أنفسهم يسرعون. # يقال: أطردت الرجل أي: صيرته إلى ذلك، وطردته: ms2125 نحيته. فيكون المعنى: ~~وجاء على هذه الهيئة بمنزلة المزفوفة على هذه الحال. وقد أنكر أبو حاتم ~~هذه القراءة، وأجازها غيره على هذا التأويل. # (وقرئت) " يزفون " بالتخفيف، لغة بمعنى يسرعون، يقال: وزف يزف ~~إذا أسرع. # ولم يقرأ بها الفراء ولا الكسائي. # وقيل: معنى يزفون: يمشون بجمعهم في رجوعهم مشيا على مهل، لأنهم كانوا ~~آمنين أن يصيب أحد آلهتهم بضر. # ثم قال (تعالى): { أتعبدون ما تنحتون }. # في (هذا) الكلام حذف، والتقدير: قالوا له: لم كسرتها؟ قال: أتعبدون، ~~أي: قال إبراهيم لقومه: أتعبدون ما تنحتون بأيديكم من الأصنام، والله ~~خلقكم وعملكم. # وأجاز النحويون أن تكون ما بمعنى الذي، وأن تكون وما بعدها مصدرا، وهو ~~أحسن. # وأجازوا أن تكون نافية بمعنى: وما تعملون شيئا ولكن الله خالقه. # ثم قال (تعالى): { قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في ~~الجحيم }. # الجحيم عند العرب جمر النار بعضه على بعض، والنار على النار. يقال رأيت ~~جحمة النار، أي تلهبها. # والمعنى: أنه لما أقام عليهم الحجة في عبادتهم ما لا ينفع ولا يضر لم ~~يجدوا لحجته مدفعا، فتركوا جوابه، وقالوا: ابنو له بنيانا فألقوه في ~~الجحيم، فعملوا نارا عظيمة لا يقدر أحد أن يتقرب منها لشدة حرها، ~~فاحتالوا (له) في رميه فيها فعملوا المنجنيق ورموه فيها، فجعلها الله ~~بردا وسلاما على إبراهيم. وقد مضى تفسير هذا في " سورة الأنبياء " ~~بأشبع من هذا. # ثم قال (تعالى): { فأرادوا به كيدا } أي أراد قوم إبراهيم ~~عليه السلام به كيدا، وهو طرحهم إياه في النار. # قال الله جل ذكره: { فجعلناهم الأسفلين } أي: الأذلين حجة، ~~فلم يضره ما فعلوا به. # ثم قال (تعالى): { وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين } ~~أي: وقال إبراهيم بعد أن نجاه الله من كيد قومه وأعلى حجته عليهم، إني ~~مهاجر إلى ربي من بلد قومي إلى الأرض المقدسة. # وقال قتادة: معناه: ذاهب إلى ربه بعقله وقلبه ونيته. # وقيل: إنما قال ذلك حين أرادوا أن يلقوه في النار. # وروي أن النار (لما) لم تضره قال ابن لوط أو ابن أخي لوط: إن ms2126 النار لم ~~تحرقه من أجلي، وكان بينهما قرابة، فأرسل الله عز وجل (عنقا من النار) ~~فأحرقته. # ثم قال: { رب هب لي من الصالحين } أي: هب لي ولدا صالحا ~~من الصالحين. # قال الله جل ذكره: { فبشرناه بغلام حليم }. # أي: حليم إذا كبر، وهو إسحاق في قول عكرمة وقتادة. # وهو قول ابن مسعود وكعب. # وقال أبو هريرة وابن عمر والشعبي وابن جبير ومجاهد: هو إسماعيل، واختلف ~~في ذلك عن ابن عباس. # قال قتادة: لم يثن الله على أحد بالحلم غير إبراهيم وإسحاق. # وذكر ابن وهب عن عطاء بن أبي رباح: أن عبد الله بن عباس قال: المفدى ~~إسماعيل. # وزعمت اليهود أنه إسحاق، وكذبت اليهود، وقد ذكرنا الاختلاف في الذبيح ~~بحجج كل فريق في كتاب مفرد فلم نعده هنا لطوله. ### || [37.102-107] # قوله (تعالى ذكره): { فلما بلغ معه السعي } إلى قوله: { ~~وفديناه بذبح عظيم }. # قال ابن عباس: السعي العمل. # وقال مجاهد: لما شب حتى أدرك سعيه سعي [على] إبراهيم في العمل. وقال ~~قتادة: لما مشى مع إبراهيم. # وقال ابن زيد: السعي هنا العبادة. # ثم قال /: { يبني إني أرى في المنام أني أذبحك ~~} أي: سأذبحك. # روي أنه أمر في المنام بذبحه. # وذكر أنه حين بشر به نذر أن يجعله إذا ولد له ذبيحا. فلما ~~ولد وبلغ (معه) السعي - مع أبيه -، أري في المنام فقيل له: فد لله ~~بنذرك. ورؤيا الأنبياء يقين. # قال السدي: لما قال جبريل / صلى الله عليه وسلم لسارة أبشري بولد اسمه ~~إسحاق، ضربت وجهها عجبا، وقالت: أألد وأنا عجوز، وهذا بعلي شيخا، إن ~~هذا لشيء عجيب، فقالت سارة لجبريل صلى الله عليه وسلم: ما آية ذلك؟ فأخذ ~~جبريل عليه السلام عودا يابسا فلواه بين أصابعه فاهتز خضرة، فقال ~~إبراهيم: هو لله إذا ذبيحا، فلما كبر إسحاق أتي إبراهيم في النوم، فقيل ~~له: أوف لله بنذرك الذي نذرت، إن الله رزقك غلاما من سارة، فقال ~~لإسحاق: انطلق نقرب قربانا إلى الله عز وجل، وأخذ سكينا وحبلا، ثم ~~انطلق معه حتى إذا ذهب بين ms2127 الجبال قال له الغلام: يا أبت أين قربانك؟ ~~قال: با بني إني رأيت في المنام أني أذبحك فانظر ما ترى؟، { قال ~~يأبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شآء الله من ~~الصابرين }. # ثم قال له إسحاق: يا أبت أشدد رباطي حتى لا أضطرب، واكفف عني ثيابك حتى ~~لا ينضح عليها من دمي بشيء فتراه سارة فتحزن، وأسرع مر السكين على حلقي ~~ليكون أهون للموت علي، فإذا أتيت سارة فاقرأ عليها مني السلام، فأقبل ~~عليه إبراهيم يقبله وقد ربطه وهو يبكي وإسحاق يبكي، حتى استنقع الدموع ~~تحت خد إسحاق، ثم إنه جر السكين على حلقه فلم تحك السكين، وضرب الله صفحة ~~من نحاس (على حلق إسحاق)، فلما رأى ذلك صوب به على جبينه وحز في قفاه، ~~فذلك قوله (تعالى): { فلما أسلما } (أي): أسلما الأمر لله ورضيا ~~بالذبح، الذابح والمذبوح، وتله: صرعه. والجبين: ما عن يمين الجبهة و (عن) ~~شمالها. # قال قتادة: تله: كبه وحول وجهه إلى قفاه. # قال ابن عباس: كبه على جبهته. # (قال السدي): فنودي أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا بالحق، فالتفت فإذا ~~بكبش فأخذه وخلى عن ابنه، وأكب على ابنه يقبله، وهو يقول: اليوم يا بني ~~وهبت لي، فهو قوله تعالى: { وفديناه بذبح عظيم } ، فرجع ~~إلى سارة فأخبرها الخبر فجزعت، وقالت: يا إبراهيم أردت أن تذبح ابني ولا ~~تعلمني. # قال عكرمة في معنى { وتله للجبين }: قال له الغلام: (يا أبت) ~~اقذفني للوجه كي لا تنظر إلى وجهي فترحمني [وأنظر أنا إلى الشفرة فأجزع. # قال مجاهد: " وتله للجبين " وضع وجهه على الأرض]، فقال له: يا أبت لا ~~تذبحني وأنت تنظر إلى وجهي عسى أن ترحمني، فلا تحن علي، اربط يدي إلى ~~(المرفقين)، ثم ضع وجهي في الأرض. # ومن قرأ (ترى) بفتح التاء والراء، فمعناه: ماذا عندك من الرأي فيما ~~قلت لك، على معنى الامتحان لإسحاق، لا (على) معنى الاستشارة له في أمر ~~الله. # ومن ضم التاء، فمعنى قراءته: ماذا ترى [من صبرك أو جزعك. وقيل: معنى ~~الكلام: ماذا] تشير، امتحانا ms2128 له. # وغلط أبو عبيد وأبو حاتم في هذا فجعلاه من رؤية العين، وليس كذلك، إنما ~~هو في معنى الرأي. تقول أريت فلانا الصواب وأريته رشده. # قال ابن عباس: إن الله لما أمر ابراهيم بالمناسك، عرض له الشيطان عند ~~المسعى، فسابقه، فسبقه إبراهيم، ثم ذهب به جبريل صلى الله عليه وسلم إلى ~~جمرة العقبة، فعرض له الشيطان فرمى بسبع حصيات حتى ذهب، [ثم عرض له عند ~~الجمرة الوسطى فرماه بسبع حصيات حتى ذهب]. ثم تله للجبين وعلى إسماعيل ~~قميص أبيض، فقال (له): يا أبت إنه ليس لي ثوب تكفنني فيه غير هذا، فاخلعه ~~عني فكفني فيه، فالتفت إبراهيم صلى الله عليه وسلم فإذا بكبش أعين أبيض ~~أقرن فذبحه. # قال ابن عباس: لقد رأيتنا نتبع هذا الضرب من الكباش. # وجواب لما محذوف، والتقدير: فلما أسلما سعدا وأجزل لهما الثواب. # وقال الكوفيون: الجواب: ناديناه، والواو زائدة. # وقوله: { قد صدقت الرؤيآ } التي أريناك في منامك أن تذبح ~~ولدك. # ثم قال: { إنا كذلك نجزي المحسنين } أي: كما خلصنا ~~الذبيح والذابح من الشدة والكرب، كذلك نخلص من أحسن بالعمل الصالح من ~~الشدة والكرب. # ثم قال: { إن هذا لهو البلاء المبين } أي: إن أمرنا ~~لك بذبح ابنك لهو الاختبار الظاهر. # وقال ابن زيد: / البلاء في هذا الموضع الشر والمكروه. # وقيل: المعنى: إن هذا الفداء الذي فديناه به من الذبح لهو النعمة ~~الظاهرة. # وقيل: لا يقال في الاختبار إلا الابتلاء. يقال أبلاه الله إذا أنعم عليه ~~أو امتحنه وبلاه إذا اختبره. # والذبح بالكسر المذبوح، والذبح بالفتح المصدر. # وقال كعب الأحبار /: لما أري ابراهيم صلى الله عليه وسلم [ذبح إسحاق قال ~~الشيطان] [والله لئن لم أفتن عند هذا آل إبراهيم] لا أفتن منهم أحدا ~~أبدا (فتمثل الشيطان لهم رجلا يعرفونه، فأقبل حتى خرج إبراهيم بإسحاق ~~ليذبحه، دخل على سارة، فقال لها: (أين أصبح) إبراهيم غاديا بإسحاق؟ قالت ~~سارة: غدا لبعض حاجته. قال الشيطان: (لا) والله ما لذلك غدا، قالت سارة: ~~فلم غدا به؟ قال: غدا به ليذبحه، قالت سارة: ms2129 ليس من ذلك شيء، لم ~~يكن ليذبح ابنه، قال الشيطان: بلى والله. # قالت سارة: فلم يذبح؟ قال: زعم أن ربه أمره بذلك. قالت: فهذا أحسن أن ~~يطيع ربه إن كان أمره بذلك. فخرج الشيطان من عند سارة حتى أدرك إسحاق، ~~وهو يمشي على إثر أبيه، فقال له: أين أصبح أبوك غاديا بك؟ قال: غدا بي ~~لبعض حاجته، قال الشيطان: لا والله ما غدا بك لبعض حاجته، ولكنه غدا بك ~~ليذبحك، قال إسحاق، ما كان أبي ليذبحني، قال: بلى، قال: لم؟ قال: زعم ~~أن ربه أمره بذلك. قال إسحاق: فوالله لئن أمره بذلك ليطيعنه. فتركه ~~الشيطان وأسرع إلى إبراهيم، فقال: أين أصبحت غاديا بابنك؟ قال: غدوت به ~~لبعض حاجتي، قال: أما والله ما غدوت به إلا لتذبحه، قال: لم أذبحه؟ ~~قال: زعمت أن ربك أمرك بذلك، قال إبراهيم: فوالله (إن) كان أمرني بذلك ~~لأفعلن. # قال كعب: أوحى الله إلى إسحاق أني أعطيتك دعوة استجبت لك فيها، قال: ~~إسحاق: اللهم إني أدعوك أن تستجيب لي، أيما عبد لقيك من الأولين والآخرين ~~لا يشرك بك شيئا فأدخله الجنة. # وروي أن الكبش الذي فدي به هو الكبش الذي تقبل من ابن آدم حين ~~قربه. # وقال ابن عباس: " بذبح عظيم " (بكبش قد) رعى في الجنة أربعين سنة. # وقال الحسن: ما فدي إلا بتيس من الأروي أهبط عليهما من ثبير. # وقيل: فدي بوعل. والوعل: التيس الجبلي. # وأجاز بعض العلماء نسخ الشيء قبل فعله، واستدل بأن هذه الآية قد نسخ ~~الله فيها الأمر بالذبح بالفداء (له) بالكبش قبل فعله. ومثله عنده أمر ~~الله النبي صلى الله عليه وسلم بفرض خمسين صلاة، ثم رده إلى خمس. ومثله ~~الأمر بالصدقة قبل مناجاة النبي صلى الله عليه وسلم في سورة المجادلة، ثم ~~نسخه بالترك. # [وقال غيره: لا يجوز في هذا نسخ لأنه بداء، لو قلت: قم، ثم قلت لا تقم ~~لكان] بداء، وذلك لا يجوز على الله جل ذكره بل فعل إبراهيم ما أمر به من ~~أخذ السكين والإضجاع وغير ms2130 ذلك. # وهذا عند الحذاق من العلماء، إنما هو من تأخير البيان. # ومن قال: إنه نسخ، فإنما فعل ذلك لأن تأخير البيان لا يجوز عنده، وهو ~~(الغاساني). # ولو جاز أن يقال: إن هذا منسوخ لجاز في قوله: # إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة # [البقرة: 67] ثم بينها بعد ذلك فيكون البيان ناسخا لما تقدم، وهذا ~~لم يقله أحد. # ويدل على جواز تأخير البيان قوله: # ثم إن علينا بيانه # [القيامة: 19]. وثم تدل على التراخي. # وقد بينا هذا في كتاب " الناسخ والمنسوخ " بأبين من هذا. # ويروى أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يذبح ابنه قال له: ~~اربطني، فلما أسلما لأمر الله ووضع السكين على حلقه، بعث الله نحاسا ~~فكان على حلقه فجر على النحاس، ثم نودي فالتفت فرأى الذبح وراءه، فقال ~~إبراهيم: يا بني إنك نبي وإن لك لدعوة أعطيتها كما أعطي الأنبياء ~~فاسأله، فقال إسماعيل: وإني أسأل أن يغفر لكل عبد مات ولا يشرك به شيئا. ### || [37.108-142] # قوله تعالى (ذكره): { وتركنا عليه في الآخرين } إلى قوله: ~~{ وهو مليم }. # أي: وأبقينا على إبراهيم ثناء حسنا في الآخرين من الأمم، قاله قتادة. ~~وقال ابن زيد: سأل إبراهيم عليه السلام ربه فقال: # واجعل لي لسان صدق في الآخرين # [الشعراء: 84]، أي الثناء الحسن، فأبقى الله عليه أن يقال: { سلام ~~على إبراهيم } أي: أمنة / من الله أن يذكر الإنجيل. # ثم قال: { كذلك نجزي المحسنين } أي: كما جزينا إبراهيم على ~~طاعته، كذلك نجزي من أطاع الله وأحسن عبادته. # ثم قال: { وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين } ~~أي: بشرناه - بعد أن فدينا إسماعيل بالذبح - بإسحاق مقدرا له النبوة ~~والصلاح. # ومن قال: إن الذبيح إسحاق فمعناه عنده: (وبشرنا إبراهيم) / بعد الفداء ~~بنبوة إسحاق نبيا. وفيه بعد لأنك (لو) قلت: بشرتك بقدوم زيد قادما، ~~لم يكن للحال فائدة، ولم يوضع لغير فائدة. # قال قتادة: بشر بنبوته بعدما جاد لله بنفسه. # ثم قال: { وباركنا عليه وعلى إسحاق } أي: ثبتنا عليهما ~~النعمة. # { ومن ذريتهما محسن } وهو المطيع. # { وظالم لنفسه } وهو الكافر. # وذكر ms2131 الطبري عن السدي أنه قال: كان إبراهيم كثير الطعام يطعم الناس ~~ويضيفهم، فبينما هو يطعم الناس إذ رأى شيخا كبيرا يمشي في الحرة، فبعث ~~إليه بحمار فركبه حتى أتاه فأطعمه فجعل الشيخ يأخذ اللقمة يريد أن يدخلها ~~في فيه فيدخلها في أذنه مرة وفي عينه مرة ثم يدخلها في فيه، فإذا أدخلها ~~في فيه، خرجت من دبره. وكان إبراهيم صلى الله عليه وسلم قد سأل ربه ألا ~~يقبض روحه حتى يكون هو الذي يسأله الموت. فقال إبراهيم للشيخ حين رأى ~~حاله: ما بالك يا شيخ تصنع هذا؟ قال يا إبراهيم الكبر، قال له: ابن كم ~~أنت؟ فزاد على عمر إبراهيم بسنتين، فقال إبراهيم: إنما بيني وبينك سنتين، ~~فإذا بلغت ذلك صرت مثله، قال نعم، فقال إبراهيم: اللهم اقبضني إليك قبل ~~ذلك، فقام الشيخ فقبض روح إبراهيم. وكان ملك الموت قد تمثل في صورة شيخ ~~لإبراهيم، ومات إبراهيم وهو ابن مائتي سنة. # وقيل: ابن مائة وسبع وتسعين سنة. # ثم قال (تعالى): { ولقد مننا على موسى وهارون } أي: ~~تفضلنا عليهما بالنبوة والرسالة. # { ونجيناهما وقومهما } أي: ومن آمن معهما، يعني بني ~~إسرائيل. # { من الكرب العظيم } أي: من الغرق. # ثم قال (تعالى): { ونصرناهم فكانوا هم الغلبين } أي: ~~ونصرنا موسى وهارون وقومهما على فرعون وآله بتغريقنا إياهم فكانوا هم ~~الغالبين. # وقال الفراء: الضمير في { ونصرناهم } و { فكانوا } { هم ~~الغلبين } يعود على موسى وهارون وأن التثنية ردت إلى الجمع. ودل ~~على ذلك قوله (جل ذكره). # { وآتيناهما الكتاب المستبين * وهديناهما ~~الصراط المستقيم * وتركنا عليهما في الآخرين * ~~سلام على موسى وهارون }. # وقال قوم: إنما جمع في موضع التثنية لأنهما عظيما الشأن جليلا القدر. ~~والعرب تخبر عن الواحد من هذا النوع بلفظ الجمع، فالإخبار عن اثنين منهما ~~بلفظ (الجمع) آكد وأحسن. # ومعنى { المستبين }: المتبين هداه وفضله وأحكامه، يعني التوراة، ~~والصراط المستقيم: الإسلام. # { وتركنا عليهما في الآخرين } أي: أبقينا عليهما الذكر ~~الجميل والثناء الحسن، فكذلك نفعل بمن أحسن في طاعتي وأدى فرائضي. وفيه ~~من الاختلاف ما تقدم في قصة نوح، ms2132 وهو يقتضي قوله: # واجعل لي لسان صدق في الآخرين # [الشعراء: 84]. # (ثم قال): { إنهما من عبادنا المؤمنين } أي: الذين ~~أخلصناهم واخترناهم للطاعة وهديناهم للإيمان. # ومن كسر اللام فمعناه: إنهما من عبادنا الذين أخلصوا العمل ولم يشركوا ~~فيه غيري. # قال (تعالى): { وإن إلياس لمن المرسلين }. # قال ابن إسحاق: (وهو إلياس) (بن) ياسين بن فنحاص بن العزار بن هارون بن ~~عمران. وكان إلياس من سبط يوشع بن نون، بعثه الله تعالى إلى أهل بعلبك، ~~(وكانوا يعبدون صنما) يقال له بعل. # وقيل هو إدريس. قاله قتادة. # والمعنى: (إنه) لمن الذين أرسلهم الله إلى الخلق، فقال لقومه: ألا ~~تتقون الله فتخافون عقابه على عبادتكم ربا غيره. (و) هو قوله: { ~~أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين }. # والبعل: الرب لغة أهل اليمن مشهورة، قاله عكرمة ومجاهد وقتادة والسدي. # وروي ذلك عن ابن عباس. وقال الضحاك: هو صنم لهم يسمى بعلا. # وقال ابن زيد: هو صنم كانوا يعبدونه ببعلبك مدينة وراء دمشق. # وقيل: إن بعلا تيس كانوا يعبدون. # وقال ابن إسحاق: بلغني أن بعلا امرأة كانوا يعبدونها / من دون الله جل ~~ذكره. # قال وهب بن منبه: بعث الله إلياس إلى بني إسرائيل حين نسوا ما عهد الله ~~إليهم، حتى (نصبوا) الأوثان وعبدوها من دون / الله، فجعل إلياس يدعوهم ~~إلى الله عز وجل، وجعلوا لا يسمعون منه شيئا. وكان (له ملك) من ملوك ~~بني إسرائيل يطيعونه يقال له: جاب. وكان إلياس يقرب من الملك، وكان الملك ~~يطيع إلياس (فيما) يقول له، ويراه الناس على هدى. وكانت ملوك بني إسرائيل ~~قد افترقت في البلاد وأخذ كل واحد ناحية يأكلها، ويعبدون الأصنام، فقال ~~الملك يوما لإلياس: والله ما أرى ما تدعو إليه إلا باطلا، والله ما أرى ~~(فلانا) وفلانا - يذكر ملوكا من ملوك بني إسرائيل - إلا قد عبدوا ~~الأوثان من دون الله، وهم (على) نحو ما نحن عليه (من النعيم)، يأكلون ~~ويشربون ويتنعمون مملكين، ما تنقص دنياهم عبادتهم الأوثان التي تزعم أنها ~~باطل وما نرى لنا عليهم من فضل، فعظم الأمر على ms2133 إلياس، واقشعر جلده وخرج ~~عنه، ففعل ذلك الملك فعل أصحابه وعبد الأوثان، فقال إلياس: اللهم إن بني ~~إسرائيل قد أبوا إلا الكفر بك والعبادة لغيرك فغير ما بهم من نعمة! # أو كما قال: # (قال) ابن إسحاق: فذكر لنا أنه أوحي إليه أنا قد جعلنا أمر أرزاقهم بيدك ~~وإليك حتى تكون أنت الذي تأذن في ذلك. # فقال إلياس: اللهم أمسك عنهم القطر، فحبس عنهم ثلاث سنين حتى هلكت ~~الماشية والدواب والشجر، وجهد الناس جهدا شديدا، وكان إلياس حين دعا ~~عليهم قد استخفى شفقا على نفسه منهم. وكان حيث ما كان وضع له رزق، ~~وكانوا إذا وجدوا ريح الخبز في دار أو بيت قالوا: قد دخل إلياس هذا ~~المكان فطلبوه ولقي أهل ذلك المنزل شرا. # ثم إنه أوى ليلة إلى امرأة من بني إسرائيل لها ابن يقال له: اليسع بن ~~أخطوب به ضر، فآوته وأخفت أمره فدعا إلياس لابنها فعوفي من الضر الذي كان ~~به واتبع اليسع إلياس. فآمن به وصدقه ولزمه، وكان يذهب معه حيث ما ذهب، ~~وكان إلياس قد أسن وكبر، وكان اليسع غلاما شابا، فذكر أن الله جل ~~ذكره أوحى إلى إلياس: إنك قد أهلكت خلقا كثيرا بخطايا بني إسرائيل من ~~البهائم والدواب والطير والهوام والشجر. فذكر - والله أعلم - أن إلياس ~~قال: أي رب، دعني أكن أنا الذي أدعوا لهم به، وأكن أنا الذي آتيهم بالفرج ~~مما هم فيه من البلاء الذي أصابهم لعلهم يرجعون عن عبادة غيرك، فقيل له: ~~نعم، فأتى إلياس إلى بني إسرائيل، فقال لهم: إنكم قد هلكتم جهدا وهلكت ~~البهائم والدواب والطير والشجر بخطاياكم، وإنكم على باطل وغرور، أو كما ~~قال لهم، فإن كنتم تحبون (علم) ذلك، وتعلمون أن الله عليكم ساخط فيما ~~أنتم عليه، والذي أدعوكم إليه الحق، فاخرجوا بأصنامكم هذه التي تبعدونها ~~وتزعمون أنها خير مما أدعوكم إليه، فإن استجابت لكم فذلك كما تقولون. فإن ~~هي لم تفعل علمتم أنكم على باطل فنزعتم ودعوت الله يفرج عنكم ما أنتم فيه ~~من البلاء، قالوا: ms2134 أنصفت، فخرجوا بأوثانهم وما يتقربون به إلى الله من ~~أحداثهم، فدعوها فلم تستجب لهم ولم تفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء، ~~فعرفوا ما هم فيه من الضلال والباطل، فقالوا لإلياس: يا إلياس إنا قد ~~هلكنا، فادع الله لنا، فدعا إلياس لهم بالفرج مما هم فيه، وأن يسقوا، ~~فخرجت سحابة مثل الترس بإذن الله على ظهر البحر وهم ينظرون، ثم ترامى ~~إليهما السحاب ثم أدحيت، ثم أرسل الله المطر فأغاثهم، فحييث بلادهم ~~وفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء. فلم يرجعوا ولا نزعوا، وأقاموا على ما ~~كانوا عليه، فلما رأى ذلك إلياس من كفرهم، دعا ربه يقبضه إليه فيريحه ~~منهم، فذكر أن الله عز وجل أوحى إليه: أخرج إلى بلد كذا وكذا فما جاءك من ~~شيء فاركبه ولا تهبه، فخرج إلياس وخرج معه اليسع حتى إذا كانا بالبلد ~~الذي ذكر له في المكان الذي أمر به أقبل فرس من نار حتى وقف بين يديه، ~~فوثب عليه فانطلق به (فناداه) اليسع يا إلياس (يا إلياس) ما تأمرني به؟ ~~فكان آخر عهدهم به، فكساه الله الريش، / وألبسه النور، / (وقطع) عنه لذة ~~المطعم والمشرب، وكان في الملائكة إنيسا ملكيا أرضيا سماويا. # قال أبو محمد رضي الله عنه: وهذا الخبر إذا صح فإنما يصح على قول من ~~قال: إنه إدريس صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى ذكره في إدريس # ورفعناه مكانا عليا # [مريم: 57]. # وقوله: { وتذرون أحسن الخالقين } أي: خالقكم الذي هو أحسن ~~المقدرين للأشياء. # { الله ربكم ورب آبآئكم الأولين } أي الماضين. # [ثم قال: { فكذبوه فإنهم لمحضرون } أي: محضرون في ~~عذاب الله]. # ثم قال: { إلا عباد الله المخلصين } أي: الذين اختارهم ~~(الله) فأنجاهم من العذاب بتوفيقه إياهم. # ثم قال: { وتركنا عليه في الآخرين * سلام على إل ~~ياسين } أي: وأبقينا عليه الثناء الحسن بعده، فيقال: " سلام على آل ~~ياسين " ، أي: سلام على أهل دينه، فيسلم على أهله من أجله، فهو داخل في ~~أفضل الثناء. # ومن قرأ " الياسين " غير مقطوع. فقال ابن أبي إسحاق: هو اسمه مثل ms2135 ~~ابراهيم. # وذهب أبو عبيد إلى أنه جمع جمع السلامة على معنى أنه وأهل مذهبه ~~يسلم عليهم. # وقال علي بن سليمان: العرب تسمي قوم الرجل باسم الرجل الجليل منهم، ~~فيقولون: المهالبة لأصحاب المهلب، كأنهم سموا كل واحد بالمهلب فعلى هذا ~~قيل الياسين، يريد قومه المؤمنين كأنه سمى كل واحد منهم بإلياس. # وذكر سيبويه أن هذا المعنى إنما يجيء على معنى النسبة، حكى الأشعرون، ~~يريد به النسب. # واحتج أبو عمرو وأبو عبيد على تركه لقراءة آل ياسين، أنه ليس في السور ~~سلام على آل فلان من الأنبياء، فكما سمي الأنبياء في هذا المعنى سمي هو. ~~ولا حجة في هذا لأنه إذا أثني على قومه المؤمنين من أجله فهو داخل في ذلك ~~وله منه أوفر الحظ، وهو أبلغ في المدح ممن أثني عليه باسمه، وأيضا فإن ~~الخط مثبت بالانفصال. # وقال الفراء: هو مثل # طور سينآء # [المؤمنون: 20] و # وطور سينين # [التين: 2]، والمعنى واحد. # ومعنى ذلك: أن إلياس اسم أعجمي، [والعرب إذا استعملت الأسماء الأعجمية ~~في كلامها غيرتها بضروب من] التعبير، فيقولون: إبراهيم وإبراهام وإبرهام، ~~وميكائيل وميكائيل وميكاين وميكال، وإسماعيل وإسمعيل، وإسرائيل ~~وإسرائين، وشبهه. فكذلك إلياس وإلياسين هو واحد. قال السدي: " سلام على ~~الياسين " هو: إلياس. # قال الفراء: إن أخذته من الأليس صرفته، فيكون وزنه على هذا إفعال ~~مثل إخراج. # وقرأ الحسن بوصل الألف (بجعله الألف) واللام اللتين للتعريف دخلتا على ~~ياسين. # ثم قال: { إنا كذلك نجزي المحسنين } أي: كما فعلنا ~~بإلياس كذلك نفعل بأهل الطاعة والإحسان. # ثم قال: { إنه من عبادنا المؤمنين } أي: من الذين آمنوا ~~وأطاعوا ولم يشركوا. # ثم قال (تعالى): { وإن لوطا لمن المرسلين } أي: لمن ~~الذين أرسلهم الله بالإنذار والإعذار. # ثم قال (تعالى): { إذ نجيناه وأهله أجمعين } أي: من ~~العذاب الذي أحللنا بقومه على كفرهم. # وفي الكلام حذف، والتقدير: وإن لوطا لمن المرسلين إلى قومه بالإنذار ~~فكذبوه فنجيناه وأهله. # ثم قال: { إلا عجوزا في الغابرين } أي: في الباقين، يعني ~~امرأة لوط. # قال الضحاك: يعني امرأته تخلفت فمسخت حجرا. # وقال السدي: " في ms2136 الغابرين " في الهالكين. # وقيل: في " الغابرين ": في الذين بلغوا العمر الطويل، وقد تقدم هذا ~~بأشبع شرحا. # ثم قال: { ثم دمرنا الآخرين } أي: أهلكناهم بالحجارة. # ثم قال: { وإنكم لتمرون عليهم مصبحين } هذا ~~خطاب لقريش، أي: إنكم لتمرون في أسفاركم على آثارهم وديارهم وموضع هلاكهم ~~في النهار وفي الليل، فلا تتعظون، لا تزدجرون وتخافون أن يصيبكم مثل ما ~~أصابهم، ولا تعقلون ما يراد بكم، وأنه من سلك مثل ما سلكوا من الكفر ~~والتكذيب أنه صائر إلى مثل ما صاروا إليه. # " وبالليل " وقف كاف، و " تعقلون " التمام. # ثم قال (تعالى): { وإن يونس لمن المرسلين } أي: لمن ~~الذين أرسل إلى قومه بالإنذار والإعذار. # { إلى الفلك المشحون } (أي): هرب. # وقال المبرد: أصله تباعد. # وقيل له /: آبق لأنه خرج بغير أمر الله عز وجل مستترا من الناس إلى ~~الفلك وهي السفينة. والمشحون: المملوء الموقر. " فساهم " أي: فقارع. # قال السدي: فاحتبست بهم السفينة فعلموا أنها إنما احتبست من / حدث ~~أحدثوه، فتساهموا فقرع يونس فرمى بنفسه، فالتقمه الحوت. # وقوله: { فكان من المدحضين } أي: من المقروعين. # قال طاوس، لما ركب السفينة ركدت فقالوا: إن فيها رجلا مشؤوما، فقارعوا ~~فوقعت القرعة عليه ثلاث مرات فرموا به، فالتقمه الحوت، وأصل دحضت من ~~الزلق في الماء والطين. # يقال: أدحض الله حجته ودحضت، وحكي: دحض الله حجته، وهي قليلة وقوله: { ~~فالتقمه الحوت } أي: ابتلعه. # { وهو مليم } أي: وهو قد أتى ما يلام عليه (من) خروجه بغير أمر ~~(من) الله. يقال: ألام الرجل إذا أتى ما يلام عليه. والملوم: الذي ~~يلام باللسان (إن) استحق ذلك أو لم يستحقه. # قال مجاهد: { مليم }: مذنب. ### || [37.143-149] # قوله (تعالى ذكره): { فلولا أنه كان من المسبحين } ~~إلى قوله: { ألربك البنات ولهم البنون }. # أي: لولا أنه كان من المصلين قبل البلاء والعقوبة للبث في بطن الحوت إلى ~~يوم القيامة. # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن يونس حين بدا له أن يدعو الله وهو في بطن ~~الحوت، قال: اللهم لا إله إلا أنت سبحانك إني ~~كنت من ms2137 الظالمين. فأقبلت الدعوة نحو العرش، ~~فقالت الملائكة: يا رب هذا صوت ضعيف معروف من ~~بلاد غريبة، فقال: أما تعرفون ذلك؟ فقالوا: يا ~~رب، ومن هو؟ قال: ذلك عبدي يونس، قالوا: أعبدك ~~يونس الذي لم يزل يرفع له عمل متقبل ودعوة ~~مجابة! أفلا يرحم بما كان يصنع في الرخاء ~~فتنجيه من البلاء؟ قال: بلى، فأمر الحوت ~~فطرحه بالعراء ". # قال ابن عباس وابن جبير والسدي: " من المسبحين ": من المصلين. # وكان الضحاك بن قيس يقول على منبره: اذكروه في الرخاء يذكركم في الشدة، ~~إن يونس كان عبدا ذاكرا فلما أصابته الشدة دعا الله فذكره الله بما كان ~~منه، ففرج عنه، وكان فرعون طاغيا باغيا فلما أدركه الغرق قال: آمنت، ~~(الآن وكنت)، من المفسدين، فلم يسمع قوله. # قال الحسن: فوالله ما كانت إلا صلاة أحدثها في بطن الحوت. # قال ابن جبير: لما قال في بطن الحوت: # لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من ~~الظالمين # [الأنبياء: 87] قذفه الحوت. # قال قتادة في قوله: { للبث في بطنه إلى يوم يبعثون ~~}: أي: لصار له بطن الحوت قبر إلى يوم القيامة. # قال السدي عن أبي مالك: لبث يونس في بطن الحوت أربعين يوما. # ثم قال: { فنبذناه بالعرآء } أي: ألقاه الحوت في المكان ~~الخالي، هذا قول أهل اللغة. # وقال ابن عباس: " بالعراء ": بالساحل. # وقال قتادة: بأرض ليس فيها شيء ولا نبات. # وقال السدي: " بالعراء ": بالأرض. # وقوله: { وهو سقيم }. # قال السدي: كهيئة الصبي. # قال ابن عباس: لفظه الحوت بساحل البحر، فطرحه مثل الصبي المنفوس، لم ~~ينقص من خلقه شيء. # قال ابن عباس: كانت رسالة يونس بعد أن ألقاه الحوت. # وقال ابن مسعود: أرسل قبل وبعد إلى قومه بأعيانهم الذين صرف عنهم ~~العذاب، وهو قول مجاهد والحسن. # وروي عن ابن مسعود وغيره: أن يونس وعد قومه العذاب وأخبرهم أنه يأتيهم ~~إلى ثلاثة أيام ففرقوا بين كل والدة وولدها، وخرجوا فجاروا إلى الله ~~واستغفروه فكف عنهم العذاب. ولم يكف عنهم العذاب بعد معاينته، إنما رأوا ~~مخايله وعلامات له ذكرهما لهم يونس صلى ms2138 الله عليه وسلم، فآمنوا وتابوا ~~وتضرعوا (إلى الله) قبل معاينة العذاب، ولو عاينوه لم ينفعهم الإيمان لأن ~~من عاين العذاب نازلا به سقط عنه حد التكليف، ولم يقبل منه الإيمان ~~كفرعون لما آمن عند معاينة الغرق. # وكقوله تعالى: # يوم يأتي بعض ءايات ربك لا ينفع نفسا ~~إيمانها # [الأنعام: 158]. # فمن عاين العذاب لم يقبل منه توبة ولا إيمان، كذلك من عاين الموت وغرغر ~~لم تقبل منه توبة. إنما قبلت توبة قوم يونس، وإيمانهم قبل معاينتهم لنزول ~~العذاب لما فقدوا يونس، وقد أوعدهم العذاب / وعلموا صدقه ورأوا مخايل ~~العذاب وأماراته، أيقنوا بنزول العذاب، فقبل الله توبتهم. ولو فعلوا ذلك ~~فور معاينة العذاب لم ينفعهم ذلك كما لم ينفع ذلك فرعون / وأشباهه لأن ~~معاينة العذاب تسقط التكليف، وإذا سقط التكليف لم يقبل ما يتكلفه العبد ~~من العمل. فاعرف هذا الأصل. # ويروى أن قوم يونس لما عاينوا العذاب قام رجل منهم فقال: اللهم إن ~~ذنوبنا عظمت وجلت وأنت أعظم منها وأجل، فافعل فينا ما أنت أهله [ولا تفعل ~~فينا ما نحن أهله]. فكشف الله عنهم العذاب فخرج يونس ينتظر العذاب فلم ~~ير شيئا، وكان حكمهم أنه من كذب ولم تكن له بينة قتل، فخرج يونس ~~مغاضبا على قومه، فأتى قوما في سفينة فحملوه، فلما دخل السفينة ركدت، ~~والسفن تسير يمينا وشمالا، فقالوا ما لسفينتكم؟ قالوا: لا ندري: فقال ~~يونس صلى الله عليه وسلم: إن فيها عبدا آبقا من ربه وإنها لن تسير حتى ~~تلقوه. قالوا: أما أنت يا نبي الله فإنا لا نلقيك، قال: فاقترعوا فمن قرع ~~فليقع، فاقترعوا فقرع يونس ثلاث مرات فوقع، فوكل الله جل ذكره حوتا ~~فابتلعه فهو يهوي به إلى قرار الأرض. فسمع يونس تسبيح الحصى، # فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك ~~إني كنت من الظالمين # [الأنبياء: 87]. يعني ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت. # قال: { فنبذناه بالعرآء وهو سقيم }. قال كهيئة الفرخ ~~الممعوط الذي ليس عليه ريش. # فروي أنه طرح على شاطئ البحر وهو ضعيف كالطفل ms2139 المولود، فلما طلعت عليه ~~الشمس نادى من حرها، فأنبت الله عليه شجرة من يقطين وهو القرع، وهو جمع ~~يقطينة، وقيل: هو كل شجرة لا تقوم على ساق كالقرع والبطيخ ونحوهما. # وقال المبرد: كل شجرة لا تقوم على ساق فهي يقطينة، فإن قامت على ساق فهي ~~شجرة. # واشتقاق يقطين: من قطن بالمكان إذا أقام به. # وعلى أنها القرع: ابن عباس وقتادة والضحاك وابن جبير وابن زيد. # وقيل: هي شجرة أظلته سماها الله يقطينا، وليست بالقرع. # وقيل: هو البطيخ، روي ذلك عن ابن عباس أيضا. # قال ابن جبير: أرسل الله على الشجرة دابة فقرضت عروقها فتساقطت ورقها ~~(فلحقته الشمس فشكاها، فقيل له جزعت من حر الشمس). # ولم تجزع لمائة ألف أو يزيدون تابوا فتاب الله عليهم. # روي أنهم لما رأوا علامات إتيان العذاب خرجوا وتابوا، وأفردوا الأطفال ~~والبهائم، وضجوا إلى الله مستغيثين تائبين فصرف عنهم العذاب وتاب عليهم. # قال ابن مسعود في حديثه: فكان يستظل بها ويصيب منها فيبست فبكى عليها. ~~فأوحى الله (إليه) أتبكي على شجرة يبست ولا تبكي على مائة ألف أو يزيدون ~~أردت أن تهلكهم، قال: وخرج يونس فإذا هو بغلام يرعى، فقال يا غلام: من ~~أنت؟ فقال: من قوم يونس عليه السلام، قال: فإذا جئتهم فأخبرهم أنك قد ~~لقيت يونس، فقال له الغلام: إن كنت يونس فقد علمت أنه من كذب قتل ~~إذا لم تكن له بينة، فمن يشهد لي؟ قال: هذه الشجرة وهذه البقعة، قال: ~~فمرهما، قال لهما يونس: إذا جاءكما هذا الغلام فاشهدا له، قالتا: ~~نعم، فرجع الغلام إلى قومه وكان في منعة، وكان له إخوة فأتى الملك ~~فقال: إني (قد) لقيت يونس وهو يقرأ عليك السلام. # قال: فأمر به أن يقتل، فقالوا: إن له بينة، فأرسلوا معه فأتى الشجرة ~~والبقعة فقال لهما: نشدتكما الله أشهدكما يونس؟ قالتا: نعم، فرجع القوم ~~مذعورين، يقولون: شهدت له الشجرة والأرض، فأتوا الملك فأخبروه بما / ~~رأوا. قال عبد الله: فتناول الملك يد الغلام وأجلسه مجلسه وقال: أنت أحق ~~بهذا المكان ms2140 مني. قال عبد الله: فأقام ذلك الغلام أمرهم أربعين سنة. # ثم قال (تعالى): { وأرسلناه إلى مئة ألف أو ~~يزيدون }. # قال أبو عبيدة: أو هنا بمعنى بل. ومثله عنده: # ساحر أو مجنون # [الذاريات: 52] أي: بل مجنون، فليست أو للشك في هذا، إنما هي (بمعنى) بل ~~وهو قول الفراء. # وروي عن ابن عباس ذلك. # وقال القتبي: أو بمعنى الواو. # وقال المبرد: أو على بابها. والمعنى: وأرسلناه إلى جماعة لو رأيتموهم ~~لقلتم هم مائة ألف أو يزيدون على ذلك. # فخوطب العباد بما يعرفون. # وقيل: أو على بابها لكنه بمنزلة قولك: جاءني زيد أو عمرو، (و) أنت تعرف ~~من جاءك منهما إلا أنك أبهمت على المخاطب. # وقيل: " أو " للإباحة. # قال ابن عباس: / كانوا مائة ألف وثلاثين ألفا. # وقال ابن جبير: يزيدون سبعين ألفا. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " يزيدون عشرين ألفا ". # قال ابن جبير: كان العذاب قد أرسله الله إليهم، فلما فرقوا بين النساء ~~وأولادهن والبهائم وأولادها، وعجوا إلى الله جل وعز، كشف عنهم العذاب ~~ومطرت السماء عليهم (ماء). # وقوله: { فمتعناهم إلى حين } أي: أخرنا عنهم العذاب ~~ومتعناهم بالحياة إلى بلوغ آجالهم. # ثم قال: { فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون ~~} أي: سل يا محمد مشركي قريش مسألة تقرير وتوبيخ عن ذلك، لأنهم جعلوا ~~الملائكة بنات الله. # قال السدي: كانوا يعبدون الملائكة. ### || [37.150-175] # قوله (تعالى ذكره): { أم خلقنا الملائكة إناثا } إلى ~~قوله: { فسوف يبصرون }. # أي: أم شهد هؤلاء القائلون: إن الملائكة بنات (الله)، خلق الله الملائكة ~~إناثا. هذا كله على التقرير والتوبيخ. # ثم قال: { ألا إنهم من إفكهم ليقولون * ولد ~~الله } أي: ألا إن هؤلاء المشركين من كذبهم ليقولن ولد الله، وهو ~~جعلهم الملائكة بنات الله. # ثم قال: { أصطفى البنات على البنين } هذا أيضا توبيخ ~~لهم، والمعنى عند الزجاج: سلهم هل اصطفى البنات على البنين. # ثم قال: { ما لكم كيف تحكمون }. هذا أيضا تقريع وتوبيخ ~~ومعناه: بئس الحكم تحكمون أيها القوم، أن يكون لله البنات ولكم البنون، ~~فأنتم لا ترضون البنات لأنفسكم ms2141 فتجعلون لله ما لا ترضون به لأنفسكم. # ثم قال: { أفلا تذكرون } أي: تتدبرون ما تقولون فتعرفون خطأه ~~فتنتهون عنه. # { أم لكم سلطان مبين } أي: حجة ظاهرة على ما تقولون. # قال قتادة: " سلطان مبين " عذر بين. # { فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين } أي: فأتوا بحجتكم ~~من كتاب جاءكم من عند الله بما قلتم من الإفك إن كنتم صادقين فيما قلتم. # ثم قال: { وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا }. # قال ابن عباس: زعم أعداء الله أنه جل ثناؤه وإبليس أخوان. # وكذلك قال الضحاك. # وقال غيرهما: الجنة هنا الملائكة، جعلهم كفار قريش بنات الله جل عن ~~ذلك وتعالى، وهو قول مجاهد والسدي. # وروي أن أبا بكر قال لقريش: من أمهاتهن؟ فقالوا: سروات الجن. # وقال قتادة: قالت اليهود: إن الله جل ذكره تزوج إلى الجنة فخرج بينهم ~~الملائكة. فسميت الملائكة جنة لأنهم لا يرون. # وقال السدي: سموا بذلك لأنهم على الجنان. # [ثم قال تعالى: { ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون ~~} أي: ولقد علمت الملائكة أن الذين قالوا هذا لمشهدون الحساب والنار ~~ومعذبون]. # ثم قال: { سبحان الله عما يصفون } أي: تنزيها له وبراءة ~~عما يقولون ويفترون. # ثم قال: { إلا عباد الله المخلصين } أي: إلا عباد الله ~~الذين أخلصهم لرحمته، فإنهم لا يحضرون العذاب. # ثم قال (تعالى): { فإنكم وما تعبدون * مآ أنتم ~~عليه بفاتنين * إلا من هو صال الجحيم } أي: فإنكم ~~أيها المشركون وما تعبدون من الآلهة ما أنتم على ما تعبدون من ذلك ~~بفاتنين، أي: بمضلين من أحد إلا من هو صال الجحيم، أي: من سبق له في علم ~~الله أنه يضل فيدخل النار. # وقيل: " عليه " في قوله " ما أنتم عليه " بمعنى له. هذا كله معنى قول ~~ابن عباس والحسن / وقتادة والسدي وابن زيد. # والتقدير عند جميعهم: لستم تضلون أحدا إلا من سبق في علم الله أنه من ~~أهل الشقاء وأهل النار. # وفي هذه الآية رد على القدرية لأن الضلال والهدى كل بمشيئة الله وقضائه، ~~خلق هؤلاء للجنة وهؤلاء للشقاء، فالشياطين لا تضل إلا من كتب الله عليه ms2142 ~~أنه لا يهتدي. فأما من تقدم له في علم الله الهدى فإنه تعالى يحول بينهم ~~وبينه فلا يصلون إلى إضلاله. # قال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله أن لا يعصى لم يخلق إبليس وإنه ~~لبين في كتاب الله في آية علمها من علمها وجهلها من جهلها، ثم قرأ: { ~~فإنكم وما تعبدون * مآ أنتم عليه بفاتنين * ~~إلا من هو صال الجحيم }. # وقوله: " صال الجحيم " أصله صالي بالياء، ولكن كتب على لفظ الوصل، ولا ~~يحسن الوقف عليه، فإن وقف عليه واقف، فمن القراء من يكره مخالفة الشواذ ~~فيقف بغير ياء. # ومذهب سلام ويعقوب: أن يقف عليه بالياء / على الأصل، لأن العلة التي من ~~أجلها حذفت الياء قد زالت بالوقف. # وقرأ الحسن: " صال الجحيم ". على أن يرده على معنى " من " فيجمع بالواو ~~والنون، وتحذف النون للإضافة والواو لالتقاء الساكنين في الوصل. ولا تجوز ~~هذه القراءة على غير هذه الأشياء. ذكر بعض النحويين: أن يكون قرأه على ~~القلب كأنه رد لام الفعل، وهي الياء في الواحد قبل اللام، فصار الإعراب ~~(في اللام)، فضمت ثم حذفت الياء، وهذا بعيد. # ثم قال (تعالى): { وما منآ إلا له مقام معلوم }. # التقدير عند الكوفيين: وما منا إلا من له مقام، ثم حذفت من. # ولا يجوز هذا عند البصريين لأنه حذف موصول وترك صلته. # والتقدير عند البصريين: وما منا ملك إلا له مقام. # وهذا خبر من الله جل ذكره عن قول الملائكة، أي قالوا: وما منا معشر ~~الملائكة إلا ملك له مقام معلوم في السماء. # ثم قال تعالى حكاية عن قول الملائكة: { وإنا لنحن الصآفون ~~} روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ما في السماء موضع قدم إلا عليه (ملك) ~~ساجد أو قائم ". # فالمعنى أنهم قالوا: وإنا لنحن الصافون لله بعبادته. # { وإنا لنحن المسبحون } أي: المصلون له. # قال عبد الله بن مسعود وابن عباس: ما من السماوات سماء إلا وما فيها ~~موضع شبر، إلا وعليه جبهة ملك، أو قدماه، ثم قرأ: { وإنا لنحن ms2143 ~~الصآفون * وإنا لنحن المسبحون }. # ومعنى الكلام من أوله: أن الملائكة استعظمت فعل من يعبدها وتعجبت من ذلك ~~وتبرأت منه، فقالت: " وما منا إلا له مقام معلوم { وإنا لنحن ~~الصآفون } { وإنا لنحن المسبحون } " ، فكيف ~~يعبد من هو على هذه الحال. # ثم قال (تعالى): { وإن كانوا ليقولون * لو أن عندنا ~~ذكرا من الأولين * لكنا عباد الله المخلصين } ~~أي: قالت قريش قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم لو أن عندنا ذكرا من ~~الأولين، أي: كتابا من السماء فيه ذكر الأمم الماضية كالتوراة والإنجيل، ~~فلما جاءهم ذلك كفروا به. # ثم قال: { لكنا عباد الله المخلصين } (أي): الذين ~~أخلصوا لله الطاعة. هذا على قراءة من كسر اللام. # ومن فتحها فمعناه: لكنا عباد الله الذين أخلصهم الله واختارهم لطاعته. # قال قتادة: قالت هذه الأمة ذلك قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، فلما ~~جاءهم الكتاب والنبي كفروا به. # قال الضحاك: هذا قول مشركي أهل مكة، فلما جاءهم ذكر الأولين والآخرين ~~كفروا به، فسوف يعلمون، (أي: يعلمون) ما لهم من العقاب على كفرهم. فالهاء ~~في " به " تعود على القرآن وهو الذكر. وقيل: على محمد صلى الله عليه ~~وسلم. # ثم قال (تعالى ذكره): { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا ~~المرسلين * إنهم لهم المنصورون } أي: سبق القضاء في ~~أم الكتاب ووجب القول من الله أن المرسلين هم المنصورون على من ناوأهم ~~بالحجج والغلبة، قاله قتادة والسدي. # وقال الفراء: لهم المنصورون بالشفاعة. # ثم قال: { وإن جندنا لهم الغالبون } أي: حزب الله هم ~~الغالبون حزب الشيطان بالحجج والغلبة والظفر. # ثم قال: { فتول عنهم حتى حين }. # قال / قتادة: " حتى حين ": إلى الموت. # وقال السدي: إلى يوم بدر. # ثم قال: { وأبصرهم فسوف يبصرون } أي: انظرهم وأخرهم ~~فسوف يرون ما يحل بهم من العقاب. ### || [37.176-182] # قوله (تعالى ذكره): { أفبعذابنا يستعجلون } إلى آخر ~~السورة. # أي: أفبنزول عذابنا يستعجلون، وهذا قولهم للنبي صلى الله عليه وسلم، متى ~~هذا الوعد. # ثم قال: { فإذا نزل بساحتهم } أي: نزل بهم العذاب. # والعرب تقول نزل بساحة فلان العذاب وبعقوته إذا نزل ms2144 به، والساحة ~~فناء الدار. # وقوله: { فسآء صباح المنذرين } أي فبئس الصباح صباح القوم ~~الذين أنذروا بأس الله فلم يتعظوا. # قال السدي: " بساحتهم " بدارهم. # قال أبو إسحاق: كان عذاب هؤلاء بالقتل. يعني (يوم) بدر. # وقيل: الحين الأول: إلى حين ينصرك الله عليهم فيهلكهم بأيدي أصحابك، ~~والحين الثاني: قيام الساعة بعذابهم في الآخرة. فهو قوله: " فإذا نزل ~~بساحتهم فساء صباح المنذرين " ، أي: إذا نزل العذاب بالسيف عليهم، ثم قال ~~له بعد نزول السيف " فتول / عنهم حتى حين " أي: إلى الوقت. # ثم قال: { وتول عنهم حتى حين } أي: أعرض عنهم يا محمد ~~حتى يأذن الله بهلاكهم يوم بدر. وقيل: بالموت. وقيل: في الآخرة. # [ثم قال: { وأبصر فسوف يبصرون } أي: أنظرهم وأخرهم فسوف ~~يرون ما يحل بهم في الآخرة]. # ثم قال: { سبحان ربك رب العزة } أي: تنزيها وبراءة ~~لربك يا محمد من السوء، { رب العزة } أي: رب القوة والبطش، عما ~~يصفونه من اتخاذ الأولاد وشركهم وافترائهم على ربهم. # وسئل محمد بن سحنون عن قوله تعالى: { رب العزة } - والعزة صفة ~~من صفات ذاته تعالى كالقدرة والعلم، ولا يقال: رب القدرة ولا رب العلم - ~~فقال: إن العزة تكون صفة فعل وصفة ذات نحو قوله: (فلله العزة) فهذه صفة ~~ذات، ونحو قوله: " رب العزة " فهذه صفة فعل، أي العزة التي يتعازز ~~بها الخلق فيما بينهم الله خلقها. # فرب العزة معناه: خالق العزة التي يتعزز بها الناس فيما بينهم. # قال محمد بن سحنون: وجاء في التفسير أن العزة في قوله: # " رب العزة ": الملائكة، فصارت مربوبة، وكل ما كان مربوبا فهو فعل لله. # فالعزة في هذا الموضع: الملائكة كما قال أهل العلم. # قال محمد: وقال بعض علمائنا: من حلف بعزة الله، فإن أراد عزة الله التي ~~(هي) صفته ففيه الكفارة إن حنث، وإن أراد العزة التي جعلها الله بين ~~العباد عزة فحنث فلا كفارة عليه ولا يجور رب القدرة، ولا رب العظمة لأنها ~~صفات ذات غير مربوبة. هذا معنى قول محمد بن سحنون مشروحا مبينا. # قوله: { وسلام على المرسلين ms2145 } أي: وأمنة من الله جل ذكره ~~للمرسلين من فزع العذاب الأكبر. # روى قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا سلمتم علي فسلموا على المرسلين، ~~فإنما أنا رسول من المرسلين ". # ثم قال: { والحمد لله رب العالمين } أي: الحمد من جميع ~~الخلق لله خالصا، رب الثقلين: الإنس والجن. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من قال: { والحمد لله رب العالمين } { سبحان ~~ربك رب العزة عما يصفون * وسلام على ~~المرسلين } فقد اكتال بالجريب الأوفى ". # يعني من الأجر والثواب. # وروى الخدري عنه أنه كان يقولها في دبر صلاته. ### | [38 - سورة ص] ### || [38.1-5] # قوله تعالى ذكره: { ص والقرآن ذي الذكر } - إلى قوله - { ~~إن هذا لشيء عجاب }. # روي أن ابن المسيب كان لا يدع كل ليلة قراءة صاد. وسئل ولده عن ذلك ~~فقال: بلغني: أنه ما من عبد يقرأها كل ليلة إلا اهتز العرش لها. # وقرأ الحسن بكسر الدال لالتقاء الساكنين على نية الوصل. # وقيل: هو فعل للأمر من صادى يصادي إذا عارض، ومنه " # فأنت له تصدى # [عبس: 6] والمعنى: صاد القرآن بعملك، أي: قابله به. # وقد روي هذا التفسير عن الحسن أنه فسر قراءته به. # وقرأ عيسى بن عمر بفتح الدال على معنى: اتل صاد. فنصب بالإغراء ولم ~~ينصرف لأنه اسم للسورة. وكل مؤنث سميته بمذكر - قلت حروفه أو كثرت - لا ~~ينصرف. # ويجوز أن يكون فتح لالتقاء الساكنين على نية الوصل، واختار الفتح ~~للإتباع. # ويجوز أن يكون منصوبا على القسم، إذ قد حذف حرف الجر، كما تقول: الله ~~لأفعلن. # وقرأ ابن أبي إسحاق بالخفض والتنوين على إضمار حرف القسم، وإعماله على ~~مذهب سيبويه. # وقيل: إنه كسر لالتقاء الساكنين، وشبهه بما لا يتمكن من الأصوات ~~فنونه. # قال ابن عباس: ص قسم أقسم الله جل ذكره به، وهو من أسماء الله عز وجل. # فعلى هذا القول يكون، والقرآن عطف على صاد، أي: اقسم بصاد، وبالقرآن. # وقال قتادة: هو اسم من أسماء القرآن أقسم به. وقال الضحاك: صاد: " صدق ~~الله سبحانه ". # وعن ابن عباس ms2146 أيضا: صاد صدق محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن ذي الذكر. ~~فتكون صاد: جواب القسم قبله، أقسم الله جل ذكره أن الذي جاء به محمد صلى ~~الله عليه وسلم صدق من عنده. # وقوله: { ذي الذكر } ، أي: " ذي الشرف " قاله ابن عباس وابن جبير ~~والسدي. # (وقيل معناه: ذي التذكير لكم. وهو اختيار الطبري). # وقيل معناه: ذكركم الله فيه، مثل قوله: " فيه ذكرهم ". # وقيل: ذي الذكر: فيه ذكر الأمم وغيرها. # ثم قال تعالى: { بل الذين كفروا في عزة وشقاق } ، ~~أي: في تكبر وامتناع عن قبول الحق، مثل / قوله: # وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم # [البقرة: 206]. # ومعنى: " وشقاق ": ومخالفة، كأنهم في شق والمسلمون في شق. وجواب القسم: ~~" بل الذين كفروا " ، قاله قتادة. # فعلى هذا القول يكون: والقرآن عطف على صاد، أي: اقسم بصاد وبالقرآن وقال ~~قتادة: هو اسم من اسماء القرآن اقسم به وقال الضحاك: صاد صدق الله ~~سبحانه. # عن ابن عباس أيضا: صاد صدق محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن ذي الذكر ~~فتكون صاد جواب القسم قبله، أقسم الله جل ذكره أن الذي جاء به محمد صلى ~~الله عليه وسلم صدق من عنده. # صدق الله والقرآن، وهو قول الضحاك. # وقيل: الجواب محذوف، والتقدير: صاد والقرآن ذي الذكر، ما الأمر كما يقول ~~هؤلاء الكفار، ودل عليه قوله: { بل الذين كفروا في عزة ~~وشقاق }. وهذا اختيار الطبري وهو مستخرج من قول قتادة. # ثم قال: { كم أهلكنا من قبلهم من قرن } ، أي كثير من ~~القرون أهلكنا قبل هؤلاء المشركين الذين كذبوا رسلهم. # { فنادوا } ، أي: فضجوا إلى ربهم وعجوا واستغاثوا بالتوبة حين ~~نزل بهم العذاب. # { ولات حين مناص } ، أي: وليس ذلك الوقت حين فرار ولا هرب من ~~العذاب بالتوبة لأنه أوان لا تنفع فيه التوبة. # " ولات " حرف مشبه بليس، والاسم في الجملة مضمر. (أي: ليس) حينكم حين ~~مناص. هذا مذهب سيبويه. والتاء دخلت لتأنيث الكلمة، وحكي أن من العرب من ~~يرفع بها. وهو قليل على حذف الخبر. # والوقف عليها عند سيبويه والفراء وابن كيسان ms2147 وأبي إسحاق بالتاء لشبهها ~~بليس، ولأنها كذلك في المصاحف، وهو مذهب الفراء. # والوقف عليها عند الكسائي والمبرد بالهاء كربه وثمه. # ومناص: مفعل من ناص ينصوص إذا تأخر. فالنوص التأخر، والبوص التقدم. # ثم قال تعالى ذكره: { وعجبوا أن جآءهم منذر منهم } ، ~~أي: عجب مشركو قريش أن جاءهم منذر منهم ينذرهم بأس الله على كفرهم ولم ~~يأتهم ملكه. # ثم قال: { وقال الكافرون } ، أي: المنكرون توحيد الله عز وجل { ~~هذا ساحر كذاب }. " هذا " إشارة إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم. # ثم قال تعالى عنهم: إنهم قالوا: { أجعل الآلهة إلها ~~واحدا } أي: أجعل محمد المعبود معبودا واحدا؟! # { إن هذا لشيء عجاب } ، أي: عجيب. # قال قتادة: عجب المشركون أن دعوا إلى الله وحده وقالوا: يسمع لحاجاتنا ~~جميعا إله واحد، ما سمعنا بهذا (في الملة الآخرة). # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمشركين: # " أسألكم أن تجيبوني إلى واحدة تدين بها لكم العرب، وتعطيكم بها الخرج ~~العجم. فقالو: ما هي؟! قال: تقولون لا إله إلا الله. فعند ذلك قالو: ~~أجعل الآلهة إلها واحدا، تعجبا من ذلك ". # وذكر ابن عباس أنه # " لما مرض أبو طالب دخل عليه رهط من قريش فيهم أبو جهل، فقالوا إن ابن ~~أخيك يشتم آلهتنا ويفعل ويفعل، ويقول ويقول، فلو بعثت إليه فنهيته. فبعث ~~إليه فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فدخل البيت وبينهم وبين أبي طالب قدر ~~مجلس رجل، فخشي أبو جهل إن جلس إلى جنب أبي طالب أن يكون أرق له عليه، ~~فوثب فجلس إلى جنب أبي طالب. فلم يجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مجلسا قرب عمه فجلس عند الباب فقال له أبو طالب. أي ابن أخي، ما بال ~~قومك يشكونك ويزعمون أنك تشتم آلهتهم وتقول وتقول. قال: فأكثروا عليه ~~القول. وتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا عمي إني أريدهم على ~~كلمة واحدة يقولونها تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم بها العجم الجزية. ~~ففزعوا لكلمته ولقوله. وقال القوم كلمة واحدة: نعم، وأبيك عشرا، قالوا: ~~فما ms2148 هي؟! قال أبو طالب: أي كلمة هي يا ابن أخي؟ قال: لا إله إلا الله " # قال: فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم وهم يقولون: { أجعل الآلهة ~~إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب }. فنزلت هذه الآية ~~إلى قوله: # لما يذوقوا عذاب # [ص: 8]. # وفرق الخليل بين العجيب والعجاب، فالعجيب، العجب، والعجاب: الذي ~~قد تجاوز حد العجب، وكذلك عنده الطويل الذي فيه طول، والطوال الذي ~~قد تجاوز حد الطول. # وقيل: هما بمعنى، يقول: طويل وطوال، وجسيم وجسام، وخفيف وخفاف، ~~وسريع وسراع، ورقيق ورقاق، بمعنى. ### || [38.6-16] # قوله تعالى ذكره: { وانطلق الملأ منهم أن امشوا } - إلى ~~قوله - { قبل يوم الحساب }. # أي: وانطلق الأشراف من مشركي قريش القائلين: { أجعل الآلهة ~~إلها واحدا } ، يقولون للعوام: أمشوا واصبروا على عبادة آلهتكم، ~~أي: اصبروا على دين آبائكم. # وكان لهم يومئذ ثلاث مائة صنم وستون صنما / يعبدونها من دون الله ~~سبحانه وروي أن قائل ذلك كان عقبة بن أبي معيط. # وقوله: { أن امشوا } ، معناه: تناسلوا، كأنه دعا لهم بالنماء وهو ~~من قول العرب: مشى الرجل وأمشى إذا كثرت ماشيته، وأمشت المرأة: ~~كثر ولدها. # قال الشاعر: # ........................ # * والشاة لا تمشى على الهملع # أي: لا تنهى عن الذنب. (والهملع: الذئب). # ثم قال عنهم إنهم قالو: { إن هذا لشيء يراد } ، أي: لشيء ~~يريد بنا محمد - صلى الله عليه وسلم - يطلب علينا الاستعلاء به، وأن يكون ~~له فينا اتباع. # ثم قالو: { ما سمعنا بهذا فى الملة الآخرة }. # قال ابن عباس: يعنون النصرانية دين عيسى. أي: لم نسمع في دين عيسى صلى ~~الله عليه وسلم أن محمدا يبعث رسولا إلينا ولا يأتينا بكتاب. # { إن هذا إلا اختلاق } ، أي: ما هذا إلا كذب. # وعن ابن عباس أن المعنى: لو كان هذا القرآن حقا لأخبرنا به النصارى. # وقال مجاهد: معناه ملة قريش. # وقال قتادة: معناه في زماننا وديننا. # قال أبو اسحاق: { فى الملة الآخرة }: في النصرانية ولا في ~~اليهودية ولا فيما أدركنا عليه آباءنا. # ثم قال: { إن هذا إلا اختلاق } ، أي: ما هذا الذي أتانا به ~~محمد صلى الله عليه ms2149 وسلم إلا كذب اختلقه وتخرصه وابتدعه حسدا منهم ~~لمحمد صلى الله عليه وسلم. ودل على أنه حسد منهم قوله عنهم: # { أءنزل عليه الذكر من بيننا } ، أي: كيف خص محمد ~~بنزول القرآن عليه من بيننا. وهذا كقولهم: # وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31] أي: من إحدى القريتين، يعنون: مكة والطائف، يعنون: الوليد ~~بن المغيرة المخزومي من أهل مكة، وعروة بن مسعود الثقفي من أهل الطائف. # والمعنى: على أحد رجلين من إحدى القريتين. # ثم قال تعالى: { بل هم في شك من ذكري } ، أي: في شك من ~~القرآن. # { بل لما يذوقوا عذاب } ، أي: لم يذوقوا العذاب، ولو ذاقوه ~~لأيقنوا حقيقة ما هم فيه وعلموا أن الذين كذبوا به حق. # ثم قال: { أم عندهم خزآئن رحمة ربك العزيز ~~الوهاب } ، أي: أم عند هؤلاء المكذبين مفاتح ربك وعطاياه، ~~فيخصوا من شاءوا بالرسالة. العزيز في سلطانه، الوهاب لمن يشاء من ~~خلقه ما يشاء من رسالته وكرامته. # ثم قال جل ذكره: { أم لهم ملك السموت والأرض وما ~~بينهما فليرتقوا فى الأسباب } ، أي: إن كان لهم ملك ~~ذلك فليصعدوا في أبواب السماء أو طرفيها، لأن من كان له ملك ذلك لم يتعذر ~~عليه الصعود فيه، هذا معنى قول مجاهد وقتادة وابن زيد وقال الضحاك: ~~فليرتقوا إلى السماء السابعة. # وقال الربيع بن أنس: الأسباب أرق من الشعر وأشد من الحديد، وهو ~~مكان ولكن لا يرى. # والسبب هو: كل شيء يوصل به إلى المطلوب من حبل أو جبل أو ستر أو رحم أو ~~قرابة أو طريق أو باب. يقال: رقي يرقى رقيا إذا صعد، كرضي ~~يرضى. ومثله: ارتقى يرتقي إذا صعد ويقال: رقى يرقي رقيا من الرقية مثل: ~~رمى يرمي رميا. # ثم قال: { جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب }. # يعني بقوله: { جند ما هنالك }: الذين قال فيهم: { بل لما ~~يذوقوا عذاب } وهم أشراف قريش الذين هزموا وقتلوا يوم بدر. # والتقدير: هم جند مهزوم هنالك. # ومعنى { من الأحزاب }: من القرون الماضية. # قال قتادة: وعد الله تعالى ms2150 نبيه صلى الله عليه وسلم وهو بمكة أنه سيهزم ~~جندا من المشركين، فجاء يوم بدر تأويلها. # وقال الفراء: معناه: هم جند مغلوب أن يصعد السماء. # وقيل: هم الأحزاب الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتوا ~~إلى المدينة فهزمهم الله عز وجل بالريح والخوف. فأعلم الله عز وجل نبيه ~~صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين أنه سيتحزب عليهم المشركون، ~~وأنهم سيهزمون. فكان في ذلك أبين دلالة لهم على نبوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم وصدقه في جميع ما يعدهم به، ولذلك قال تعالى: # ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما ~~وعدنا الله ورسوله # [الأحزاب: 22] الآية لأنه أخبرهم بذلك وهم في مكة ثم جاءهم ما أخبرهم به ~~وهم في المدينة. # ثم قال تعالى ذكره: { كذبت قبلهم قوم نوح } ، أي: قبل ~~قريش، وكذلك عاد { وفرعون ذو الأوتاد }. # فرعون هو: الوليد بن مصعب. # وقيل هو: مصعب بن الديان. # وقيل: كان يسمى كل من ملك مصر فرعون، كما يسمى كل من ملك اليمين ~~تبعا، ومن ملك فارس كسرى، ومن ملك الروم قيصر وهرقل. # قال المبرد: كسرى بالفتح. وقال غيره: بالكسر. # وإنما نعت فرعون بالأوتاد لأنه كانت له أوتاد يلعب له عليها؛ قاله ~~ابن عباس وقتادة وابن جبير. # وقال السدي: كان يعذب الناس بالأوتاد؛ يعذبهم بأربعة أوتاد، ثم يرفع ~~(الصخرة تمد بالحبال) ثم تلقى عليه فتشدخه. # وقال الضحاك: { ذو الأوتاد }: ذو البنيان. # وقد تقدم ذكر الأيكة في الشعراء. # وقوله: { أولئك الأحزاب } ، أي: الجماعة المتحزبة على معاصي ~~الله تعالى والكفر به سبحانه وتعالى. # ثم قال: { إن كل إلا كذب الرسل } ، أي: ما كل هؤلاء ~~الأمم إلا كذب الرسل فيما جاؤهم به. # { فحق عقاب } ، أي: وجب عليهم عقاب الله تعالى ثم قال تعالى: { ~~وما ينظر هؤلآء إلا صيحة واحدة ما لها من ~~فواق } ، أي: وما ينتظر هؤلاء المشركون بالله سبحانه إلا صيحة واحدة - ~~وهي النفخة الأولى في الصور - ما لها من فتور ولا انقطاع. # وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ms2151 قال: # " لما فرغ الله من خلق السماوات والأرض خلق الصور ~~وأعطاه إسرافيل. فهو واضعه على فيه، شاخص بصره ~~إلى العرش ينتظر متى يؤمر. قال أبو هريرة: يا رسول الله، ~~وما الصور؟ قال: قرن. قال: وكيف هو؟ قال: قرن عظيم ينفخ ~~فيه ثلاث نفخات: نفخة الفزع، فيفزع أهل السماوات ~~وأهل الأرض إلا من شاء الله. ويأمره الله فيديمها ~~ويطولها فلا تفتر. وهي التي يقول الله جل وعز: ~~{ وما ينظر هؤلآء إلا صيحة واحدة ما لها من ~~فواق } ". # وقال ابن عباس: { فواق }: ترداد. وعنه: من رجعة وقال مجاهد: " من ~~رجوع ". # وقال قتادة: من مثنوية ولا رجوع (ولا ارتداد). # وقال السدى: معناه: ما لهؤلاء المشركين بعد ذلك من إفاقة ولا رجوع إلى ~~الدنيا. # وقال ابن زيد معناه: ما ينتظر هؤلاء المشركون إلا عذابا يهلكهم. # فالصيحة عنده: العذاب. # { ما لها من فواق } ، أي لا يفيقون منها كما يفيق الذي يغشى ~~عليه. # وأصل هذا من فواق الناقة، وهو ما بين الحلبتين من الراحة. فالمعنى: ما ~~لها من راحة، أي: لا يروحون حتى يتوبوا ويرجعوا عن كفرهم. # ثم قال تعالى: { وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل ~~يوم الحساب } ، أي: وقال هؤلاء المشركون من قريش: عجل لنا كتابنا ~~قبل يوم القيامة. # والقط في كلام العرب: الصحيفة المكتوبة. # فإنما سألوا تعجيل حظهم من العذاب، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة. فهو ~~مثل قولهم: " # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك # [الأنفال: 32] " الآية. # وقال السدي: إنما سألو تعجيل رؤية حظهم من الجنة ورؤية منازلهم ليعلموا ~~حقيقة ما يعدهم به محمد صلى الله عليه وسلم. # وقال ابن جبير: سألو تعجيل حظهم من الجنة يتنعمون به في الدنيا. # وقيل: إنما سألو تعجيل رزقهم قبل وقته. # وقيل: إنما سألو تعجيل كتبهم التي تؤخذ بالإيمان والشمائل، لينظروا ~~أبأيمانهم يعطونها أم بشمائلهم، فيعلمون أمن أهل الجنة هم أم من أهل ~~النار، استهزاء منهم بالقرآن وبوعد الله جل ذكره. ### || [38.17-31] # هذا قوله تعالى ذكره: { اصبر على ما يقولون } - إلى قوله - { ~~وقليل ما هم } منسوخ بالأمر ms2152 بالقتال، أمر الله جل ذكره نبيه صلى ~~الله عليه وسلم بالصبر على قول المشركين والاحتمال منهم، وقد علم تعالى ~~أنه سيأمره بقتالهم في وقت آخر، فينسخ الآخر الأول. # ثم قال: { واذكر عبدنا داوود ذا الأيد } ، أي: ذا القوة ~~والبطش الشديد في ذات الله عز وجل والصبر على طاعته. # يقال: أيد وآد للقوة, كما يقال: العيب والعاب # قال قتادة: " أعطي داود قوة في العبادة وفقها في الإسلام، وذكر ~~أنه كان يقوم الليل ويصوم نصف الدهر. # وقوله: { إنه أواب } ، أي: رجاع عما يكره الله عز وجل إلى ~~ما يرضاه أواب وهو فعال للتكثير من آب يئوب إذا رجع. # قال مجاهد: أواب: رجاع عن الذنوب. # قال قتادة: كان مطيعا لله عز وجل كثير الصلاة. # وقال السدى: الأواب: المسبح. # ويروى أنه قام ليلة إلى الصباح فكأنه أعجب بذلك فقيل لضفدع كلميه في ~~أصل محرابه، فقالت له: يا داود، تعجب لقيام ليلة! هذا مقامي منذ ~~عشرين سنة شكرا لله عز وجل حين سلم / بيضي. # قال وهب: كان داود قد قسم الدهر أثلاثا، فيصير: يوم للعبادة، ويوما ~~للقضاء بين الناس، ويوما لقضاء حوائج أهله. # ثم قال تعالى: { إنا سخرنا الجبال معه يسبحن ~~بالعشي والإشراق } ، أي: يسبحن مع داود من وقت العصر إلى ~~الليل، ومن صلاة الصبح إلى وقت صلاة الضحى. # يقال: أشرقت الشمس: إذا أضاءت وصفت، وشرقت إذا طلعت. # قال قتادة: كان داود إذا سبح سبحت الجبال معه. # واستدل ابن عباس على نص صلاة الضحى في القرآن بهذه الآية { بالعشي ~~والإشراق } ، لأنه من أشرقت الشمس إذا صفت وأضاءت. فإذا صلى داود ~~العصر وسبح سبحت الجبال معه، وإذا صلى الضحى (سبح وسبحت) الجبال معه. # ثم قال: { والطير محشورة } ، أي وسخرنا الطير مجموعة تسبح ~~معه. # { كل له أواب } ، أي: رجاع لأمره ومطيع له. فالهاء لداود ~~وقيل: إلهاء لله عز وجل. والمعنى كل لله مطيع، مسبح له. فكل " في القول ~~الأولى للطير، وفي هذا الثاني: يجوز أن يكون للطير، ويجوز أن يكون لداود ~~والجبال والطير. # وروي أنه كان إذا ms2153 سبح أجابته الجبال واجتمعت إليه الطير فسبحت معه. # وقال قتادة: محشورة: مسخرة. # ثم قال: { وشددنا ملكه }. # قال السدي: كان حرسه في كل يوم وليلة أربعة آلاف. # وذكر ابن عباس أن الله جل ذكره شدد ملكه هيبة لقضية قضاها في بنى ~~إسرائيل وذلك أن رجلا استعدى على رجل من عظمائهم فاجتمعا عند داود، فقال ~~المستعدى: إن هذا غصبني بقرا لي. فسأل الرجل عن ذلك فجحده، فسأل ~~الآخر البينة فلم تكن له بينة، فقال لهما: قوما حتى أنظر في أمركما ~~فقاما. # فأوحى الله عز وجل إلى داود في منامه أن يقتل الرجل الذي ستعدي عليه. ~~فقال: هذه رؤيا ولست أعجل حتى أتثبت، فأوحى إليه مرة أخرى أن يقتله، ~~وأوحى إليه ثالثة (أن يقتله) أو تأتيه العقوبة من الله عز وجل، فأرسل ~~داود إلى الرجل أن الله قد أوحى إلي أن أقتلك، فقال الرجل: تقتلني بغير ~~بينة ولا تثبت! فقال له داود: نعم، والله لأنفذن أمر الله عز جل فيك. ~~فلما عرف الرجل أنه قاتله قاله له: لا تعجل علي حتى أخبرك، إني والله ما ~~أخذت بهذا الذنب ولكني كنت اغتلت ولد هذا فقتلته فبذلك قتلت. ~~فأمر به داود، فقتل. فاشتدت هيبته في بني إسرائيل لذلك وشد الله به ~~ملكه. # ثم قال تعالى: { وآتيناه الحكمة }. # قال السدى: هي النبوة. # وقال قتادة: الحكمة: السنة. # وقوله: { وفصل الخطاب }. # قال ابن عباس ومجاهد والسدي: فصل الخطاب: الفهم في علم القضاء. # وقال ابن زيد: أعطي فصل ما يتخاطب الناس به بين يديه في الخصومات. # وقال شريح: فصل الخطاب: الشاهدان على المدعي، واليمين على المنكر، وهو ~~قول قتادة. # وقال الشعبي: يمين وشاهد، وعن الشعبي: هو: أما بعد. # ثم قال تعالى: { وهل أتاك نبؤا الخصم إذ تسوروا ~~المحراب } ، أي: وهل أتاك يا محمد خبر الخصم. # والخصم هنا يراد به الملكان، لكن لا تظهر فيه تثنية ولا جمع لأنه مصدر ~~من خصمته خصما. والأصل فيه: وهل أتاك نبأ ذوي الخصم ويجوز أن يثنى ~~ويجمع، ودل على ذلك قوله: خصمان. # وقوله: ms2154 { إذ تسوروا المحراب } ، أي إذ دخلوا عليه من غير ~~بابه. والمحراب: مقدم كل شيء ومجلسه وأشرفه. # ثم قال تعالى: { إذ دخلوا على داوود } ، أي: لما دخلوا على ~~داود المحراب. # { ففزع منهم } ، أي: فراعه دخولهما من غير مدخل الناس عليه. ~~وقيل: إنما فزع لأنهما دخلا عليه ليلا من غير وقت نظره بين الناس. { ~~قالوا لا تخف خصمان بغى } ، أي: قال الملكان: لا تخف منا ~~نحن خصمان. # { بغى بعضنا على بعض } ، أي: تعدى أحدنا على صاحبه. # { فاحكم بيننا بالحق } ، أي: فاقض بيننا بالعدل. # { ولا تشطط } ، أي: لا تجر، وقال قتادة ولا تمل، وقال السدى: لا ~~تخف. # وقرأ الحسن وأبو رجاء: " ولا تشطط " بفتح التاء وضم الطاء الأولى. ~~بمعنى: ولا تبعد عن الحق. يقال: أشط يشط إذا جار في القول ~~والحكم، وشط يشط إذا بعد. # ثم قال تعالى: { واهدنآ إلى سوآء الصراط } /، أي: وارشدنا ~~إلى قصد الطريق المستقيم في الحق. # ثم قال تعالى: { إن هذآ أخي له تسع وتسعون نعجة } ~~، الآية. # هذا مثل ضربه الملكان لداود، وذلك أن داود كان له تسع وتسعون امرأة، ~~وكانت للرجل الذي أعزاه داود حتى قتل، امرأة واحدة، فلما قتل تزوجها ~~فيما ذكر. # قال وهب بن منبه: إن هذا أخي، أي على ديني. # والعرب تكني عن المرأة بالنعجة والشاة. # وقرأة الحسن بفتح التاء من " تسع وتسعين " وهي لغة قليلة. # وقرأ ابن مسعود: " تسع وتسعون نعجة أنثى " على التأكيد، ~~كقولهم: رجل ذكر؟. # ولا يؤنث بهذا التأنيث إلا ما تأنيثه وتذكيره في نفسه كالرجل والمرأة، ~~فإن كان تأنيثه وتذكيره في اسمه (لم يقل) فيه أنثى ولا ذكر، نحو: دار، ~~وملحفة، وشبه ذلك. # وقيل: عنى بذلك أنها حسنة. فأنثى تدل على أنها حسنة. # ثم قال تعالى ذكره: { فقال أكفلنيها } ، أي: أنزل عنها ~~وضمها إلي. # قال ابن زيد: أكفلنيها: أعطنيها، أي: طلقها لي أنكحها. # { وعزني في الخطاب } ، أي: صار أعز مني في مخاطبته إياي ~~لأنه إن تكلم فهو أبين مني، وإن بطش كان أشد مني فقهرني وغلبني. # قال قتادة: وعزني في الخطاب: ms2155 ظلمني وقهرني. # وقرأ ابن مسعود: " وعازني ". # يقال: عازه (إذا غالبه، وعزه): إذا غلبه، ومنه قولهم: " من ~~(عز بز) ". # ثم قال تعالى: { قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى ~~نعاجه } ، أي: # قال داود للمتكلم منهما: لقد ظلمك صاحبك بسؤاله إياك أن يضم نعجتك إلى ~~نعاجه. # { وإن كثيرا من الخلطآء ليبغي بعضهم على ~~بعض } ، أي: وإن كثيرا من الشركاء ليتعدى بعضهم على بعض { ~~إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما ~~هم }. # قوله تعالى ذكره: { وظن داوود أنما فتناه } - إلى قوله ~~- { الصافنات الجياد } # أي: وأيقن داود أنما اختبرناه. # { فاستغفر ربه } ، أي: سائل ربه المغفرة. # { وخر راكعا } ، أي: ساجدا لله. # { وأناب } ، أي: رجع عن خطيئته وتاب منها. # وكان سبب اختبار الله عز وجل له - فيما ذكر ابن عباس - أن داود قال: يا ~~رب، قد أعطيت إبراهيم وإسحاق ويعقوب من الذكر ما لوددت أنك أعطيتني ~~مثله. فقال الله جل ذكره له: إني ابتليتهم بما لم أبتلك به، فإن شئت ~~ابتليتك بمثل ما ابتليتهم به، وأعطيتك كما أعطيتهم، قال: نعم، فأقام ما ~~شاء الله أن يقيم وطال ذلك حتى كاد أن ينساه. فبينما هو في محرابه إذ ~~وقعت عليه حمامة فأراد أن يأخذها فطارت إلى كوة كانت في المحراب، فذهب ~~ليأخذها، فطارت. فاطلع من الكوة فرأى امرأة تغتسل. فنزل نبي الله صلى ~~الله عليه وسلم من المحراب وأرسل إليها، فجاءته، فسألها عن زوجها وعن ~~شأنها، فأخبرته أن زوجها غائب، فكتب إلى أمير تلك السرية أن ~~يؤمره على السرايا ليهلك زوجها، ففعل. فكان يصاب أصحابه وينجو ~~وربما نصروا. وإن الله لما رأى الذي وقع فيه داود أراد أن يستنفذه، ~~فبينما داود ذات يوم في محرابه إذ تسور عليه الخصمان من قبل وجهه. # فلما رآهما وهو يقرأ فزع وسكت، وقال: لقد استضعفت في ملكي حتى إن ~~الناس يتسورون علي في محرابي، قالا له: لا تخف، خصمان بغى بعضنا على بعض ~~فلم يكن لنا بد من أن نأتيكا فاسمع منا. قال أحدهما. { إن هذآ أخي ~~} - إلى { وعزني في الخطاب }. # قال ms2156 له داود: أنت كنت أحوج إلى نعجتك منه، لقد ظلمك بسؤاله إياك نعجتك ~~ونسي نفسه صلى الله عليه وسلم. فنظر الملكان أحدهما إلى الآخر حين قال ~~ذلك، فتبسم أحدهما إلى الآخر فرآه داود فعلم أنه فتن، فاستغفر ربه وخر ~~راكعا وأناب أربعين ليلة حتى نبتت الخضرة من عينيه ثم شدد الله له ملكه. # روى ابن أبي الدنيا أن وهب بن منبه قال: لم يرفع داود عليه السلام رأسه ~~من السجود حتى قال له الملكان: أول أمرك ذنب وآخره معصية، ارفع رأسك، ~~فرفع رأسه. # وعن وهب أنه قال: لما رفع داود رأسه من (السجدة رفع رأسه) وقد زمن ~~ورعش. قال: فاعتزل نساءه ثم بكى حتى خددت الدموع وجهه. # وقال عطاء الخراساني: " إن داود نقش خطيئته في كفه لكي لا ينساها، فكان ~~إذا رآها اضطربت يداه. # وقال وهب بن منبه: كتب داود في كفه: داود الخطاء. # وقال يحيى بن أبي كثير لما أصاب داود الخطيئة نفرت / الوحوش من حوله، ~~فنادى: إلهي، رد علي الوحش كي آنس بها فرد الله تبارك وتعالى عليه ~~الوحش فأحطن به وأصغين بأسماعهن نحوه. قال: ورفع صوته يقرأ الزبور ~~ويبكي على نفسه فنادته هيهات هيهات يا داود، ذهبت الخطيئة بحلاوة صوتك. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " مثل عيني داود عليه السلام مثل القربتين ~~تنظفان بالماء. لقد خددت الدموع وجه داود خديد ~~الماء في الأرض ". # وروى أبو مسهر عن سعيد بن عبد العزيز أنه قال: قالو: لو جمعت دموع أهل ~~الأرض إلى دموع آدم صلى الله عليه وسلم لكانت دموع آدم أكثر، ولو جمعت ~~دموع أهل الأرض ودموع آدم إلى دموع ابن آدم الذي قتل أخاه لكانت دموع ابن ~~آدم أكثر، ولو جمعت دموع أهل الأرض، ودموع آدم، ودموع ابن آدم إلى دموع ~~يعقوب لكانت دموع يعقوب أكثر، ولو جمعت دموع أهل الأرض ودموع آدم ودموع ~~ابن آدم ودموع يعقوب إلى دموع داود لكانت دموع داود أكثر. # قال سعيد: " كان داود يجلس على ستة أفرشة ms2157 فيبكي فيبل الأول فيرفع حتى ~~يبللها كلها، كلما بل واحدا رفع؛ وإن كان ليؤتى بالإناء ليشرب فما ~~يفرغ منه حتى يتدفق من دموعه وروى إسماعيل بن عبيد الله: " إن داود النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان يعاتب في كثرة البكاء، فيقول: ذروني أبكي قبل يوم ~~البكاء، قبل تحريق العظام واشتعال اللحى، وقبل أن يؤمر بي # ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله مآ أمرهم ~~ويفعلون ما يؤمرون # [التحريم: 6]. # قال محمد بن المنكدر مكث آدم صلى الله عليه وسلم في الأرض أربعين سنة ما ~~يبدي عن واضحة ولا ترقئ له دمعة. فقالت له حواء: إنا قد استوحشنا إلى ~~أصوات الملائكة فادع ربك فيسمعنا أصواتهم. فقال لها: ما زلت مستحييا من ~~ربي عز وجل أن أرفع طرفي إلى أديم السماء مما صنعت. # وقال محمد بن خوات: إن داود النبي صلى الله عليه وسلم لما أطال البكاء ~~على نفسه، قيل له: اذهب إلى قبر زوج المرأة فاستوهبه ما صنعت، فأتى ~~القبر، وأذن الله لصاحب القبر أن يتكلم، فناداه: أنا داود ولك عندي ~~مظلمة، قال: قد غفرتها لك، قال: فانصرف داود وقد طابت نفسه، فأوحى الله ~~عز وجل إليه أن ارجع فبين له الذي صنعت فرجع، فأخبره، فناداه صاحب القبر ~~يا داود، هكذا يفعل الأنبياء! # قال بكر بن عبيد الله المزني: مكث داود النبي عليه السلام ساجدا ~~أربعين يوما يبكي على خطيئته حتى نبت البقل من دموعه، ثم زفر زفرة فهاج ~~العودة فاحترق، فنودي أظمآن أنت فتسقى؟ أجائع فتطعم؟ أعاري فتكسى؟ ~~قال: لا، ولكن خطيئتي أثقلت ظهري، فلم يرجع إليه بشيء، فازداد بكاء ~~حتى انقطع صوته، فكان لا يسمع له إلا كهيئة الأنين، فعند ذلك غفر ~~له. # وقال الحسن: بكاء داود عليه السلام بعد ما غفرت له الخطيئة أكثر من ~~بكائه قبل المغفرة، فقيل له: أليس قد غفر لك يا نبي الله؟! قال: فكيف ~~بالحياء من الله عز وجل. # قال كعب: كان داود عليه السلام يختار مجالسة المساكين، ويكثر البكاء ~~ويقول: رب اغفر للمساكين والخطائين ms2158 حتى تغفر لي معهم، وكان قبل ذلك يدعو ~~على الخطائين. # قال أبو عبد الرحمن الحبلي: ما رفع داود رأسه إلى السماء بعد خطيئته حتى ~~مات. # وروي أنه كان إذا ذكر عقاب الله عز وجل تخلعت أوصاله، فإذا ذكر رحمة ~~الله تراجعت. # وروى أشهب عن مالك أنه قال: بلغني أن تلك الحمامة أتت فوقعت قريبا من ~~داود وهي من ذهب، فلما رآها أعجبته فقام ليأخذها، فكانت قرب يده، ثم طارت ~~فأتبعها بصره، فوقعت عينه على تلك المرأة وهي تغسل ولها شعر ~~طويل. # فبلغني أنه أقام أربعين ليلة ساجدا حتى نبت العشب من دموع عينيه. # ويراد بالركوع في هذا الموضع: السجود. # قال السدي: كان داود قد قسم الدهر ثلاثة أيام: يوما يقضي فيه بين الناس ~~ويوما يخلو فيه لعبادة ربه عز وجل، ويوما يخلو فيه لنسائه، وكان له تسع ~~وتسعون امرأة، وكان فيما يقرأ من الكتب: فضل إبراهيم وإسحاق ويعقوب صلى ~~الله عليهم وسلم. # فلما وجد ذلك فيما يقرأ من الكتب قال: يا رب، إن الخير قد ذهب / به ~~آبائي، فأعطني مثل ما أعطيتهم. فأوحى الله إليه أن آباءك ابتلوا ببلاء لم ~~تبتل به، ابتلي إبراهيم بذبح ابنه فصبر، وابتلي إسحاق بذهاب بصره، وابتلي ~~يعقوب بحزنه على يوسف، وإنك لم تبتل أنت من ذلك الشيء. فقال: يا رب، ~~ابتلني بمثل ما ابتليتهم وأعطني مثل ما أعطيتهم. # قال: فأوحى الله عز وجل إليه أنك مبتلى فاحترس، قال: فمكث ما شاء الله ~~أن يمكث إذ جاءه الشيطان وقد تمثل له في صورة حمامة من ذهب حتى وقع عند ~~رجليه وهو قائم يصلي قال: فمد يده ليأخذه فتنحى، فتبعه فتباعد حتى وقع في ~~كوة، فذهب ليأخذه، فطار من الكوة فنظر أين (يقع فيبعث) في أثره، قال: ~~فأبصر امرأة تغتسل في سطح لها، فرأى امرأة من أجمل الناس خلقا، فحانت ~~منها التفاتة فأبصرته، فألقت شعرها فاستترت به. قال: فزاده ذلك فيها ~~رغبة. قال: فسأل عنها فأخبر أن لها زوجا وأن زوجها غائب بمسلحة كذا ~~وكذا. (قال: ms2159 فبعث إلى صاحب المسلحة وأمره أن يبعث به إلى عدو كذا وكذا). ~~قال فبعثه ففتح له قال: فكتب إليه بذلك. قال فكتب إليه أن أبعثه إلى عدو ~~كذا وكذا - أشد منهم بأسا - قال: فبعثه ففتح له أيضا، ثم كتب إليه ~~ثالثة فبعثه فقتل. قال: وتزوج امرأته، فلما دخلت عليه لم تلبث عنده إلا ~~يسيرا حتى بعث الله ملكين في صورة إنسيين فطلبا أن يدخلا عليه، فتسورا ~~عليه المحراب. قال: فما شعر وهو يصلي إلا وهما بين يديه جالسين قال: { ~~ففزع منهم } ، فقالا: { لا تخف } لا تخف، إنما نحن { ~~خصمان بغى بعضنا على بعض } - إلى قوله - { سوآء ~~الصراط } ، قال: قصا قصتكما قال: فقال أحدهما: إن هذا أخي له تسع ~~وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة، وهو يريد أخذ نعجتي فيكمل بها نعاجه مائة! # فقال للآخر: ما تقول؟ فقال: إن لي (تسعا وتسعين) نعجة ولأخي هذا نعجة ~~واحدة. قال: فأنا أريد أن آخذها منه فأكمل بها نعاجي مائة؟! قال: (وهو ~~كاره). قال: إذا (لا ندعك) وذلك. قال: ما أنت على ذلك بقادر. قال: فإن ~~ذهبت تروم ذلك (أو لم ترد ذلك ضربنا منك هذا وهذا وهذا يريد طرف الأنف، ~~وأصل الأنف، والجبهة قال: يا داود، أنت أحق أن يضرب منه هذا وهذا وهذا ~~حيث لك تسع وتسعون امراة ولم يكن لاوريا إلا امرأة واحدة، (فلم تزل) ~~تعرضه للقتل حتى قتل، وتزوجت امرأته. قال: فنظر داود الرجلين فلم ير ~~شيئا فعرف ما قد وقع فيه فخر ساجدا. - وهو موضع السجود عند مالك. # وروي أن رجلا من الأنصار - على عهد النبي صلى الله عليه وسلم - كان ~~يصلي من الليل مستترا بشجرة وهو يقرأ " ص " ، فلما بلغ السجدة سجد وسجدت ~~معه الشجرة، فسمعها وهي تقول: اللهم أعظم لي بهذه السجدة أجرا، وارزقني ~~بها شكرا، وضع عني بها وزرا، وتقبلها مني كما تقبلت من عبدك داود ~~سجدته. # فلما أصبح الرجل ذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال رسول ~~الله: نحن أحق أن يقول ذلك. فكان ms2160 صلى الله عليه وسلم إذا سجد يقول ذلك. # قال عقبة بن عامر الجهني: من قرأ (ص) ولم يسجد فيها فلا عليه ألا يقرأ ~~بها. # قال: فبكى أربعين يوما لا يرفع رأسه إلا لحاجة، ثم يقع ساجدا يبكي حتى ~~نبت العشب من دموع عينيه، قال: فأوحى الله عز وجل إليه بعد أربعين يوما: ~~يا داود، ارفع رأسك فقد غفرت لك. قال: يا رب، كيف أعلم أنك قد غفرت لي ~~وأنت حكم عدل لا تحيف في القضاء، إذا جاء أوريا يوم القيامة آخذ رأسه ~~بيمينه، أو بشماله، تشخب أوداجه دما، يقول: يا رب، سل هذا فيم قتلني؟ # قال: فأوحى الله عز وجل إليه: إذا كان ذلك (دعوت أوريا). # فاستوهبتك منه، فيهبك لي، فأثيبه بذلك الجنة. قال: رب، الآن علمت أنك قد ~~غفرت لي. قال: فما استطاع ان يملأ عينيه من السماء حياء من ربه حتى قبض ~~صلى الله عليه وسلم. # وقيل: اسم الرجل أوريا بن حيان. # وقال الحسن: جزأ داود الدهر أربعة أجزاء: يوما لنسائه، ويوما لعبادة ~~ربه، ويوما لقضاء بني إسرائيل، ويوما لبني إسرائيل يذاكرهم ويذاكرونه، ~~ويبكيهم ويبكونه. # قال: فلما كان يوم بني إسرائيل، قال: ذكروا فقالو: هل أتى على ~~الإنسان يوم / لا يصيب فيه ذنبا؟ فأضمر داود في نفسه أنه سيطيق ذلك. # فلما كان يوم عبادته أغلق أبوابه وأمر ألا يدخل عليه أحد، وأكب على ~~التوراة. فبينما هو يقرؤها إذا حمامة من ذهب، فيها من كل لون (حسن، قد ~~وقعت بين يديه، فأهوى إليها ليأخذها، قال: فطارت فوقعت غير بعيدة من غير ~~أن تؤيسه من نفسها. قال: فما زال يتبعها حتى أشرف على امرأة تغتسل فأعجبه ~~خلقها وحسنها. قال: فلما رأت ظله في الارض جللت نفسها بشعرها فزاده ذلك ~~إعجابا بها. وكان قد بعث زوجها على بعض جيوشه، فكتب إليه أن يسر إلى ~~مكان كذا وكذا - مكان إذا صار إليه لم يرجع - قال: ففعل، فأصيب، فخطبها، ~~فتزوجها. # قال قتادة: بلغنا أنها أم سليمان. # قال الحسن: فبينما هو في المحراب إذ ms2161 تسور الملكان عليه - وكان الخصمان ~~إذا أتوه يأتونه من باب المحراب - ففزع منهم حين تسوروا المحراب، فقالا: ~~لا تخف، خصمان بغى بعضنا على بعض. # وذكر نحو الحديثين المتقدمين. # وقيل: إن خطيئته هي قوله: لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه من غير ثبت ~~بينة ولا إقرار من الخصم ولا سؤال لخصمه: هل كان هذا هكذا أو لم يكن. وهو ~~قول شاذ. # وقال ابن الأعرابي: قال كعب: سجد داود نبي الله صلى الله عليه وسلم ~~أربعين ليلة لم يرفع رأسه حتى رقأ دمعه ويبس رأسه. فكان من آخر دعائه وهو ~~ساجد أن قال: يا رب رزقتني العافية، فسألتك البلاء، فلما ابتليتني لم ~~أصبر فإن تعذبني فأنا أهل ذلك، وإن تغفر لي فأنت أهل ذلك - يقولها في ~~نفسه - فعلم الله عز وجل ما قال فإذا جبريل عليه السلام على رأسه قائم ~~يقول له: يا داود، إن الله قد غفر لك فارفع رأسك فلم يلتفت إليه، وناجى ~~ربه وهو ساجد فقال: يا رب، وكيف تغفر لي وأنت الحكم العدل، وقد فعلت ~~بالرجل ما فعلت؟ قال: فنزل الوحي عليه: صدقت يا داود أنا الحكم العدل، ~~ولكن إذا كان يوم القيامة دفعتك إلى أوريا سلما، ثم استوهبتك منه، فيهبك ~~لي، فأثيبه الجنة. قال داود: الآن أعلم أنك قد غفرت لي. قال: فذهب داود ~~يرفع رأسه فاذا هو يابس لا يستطيع. قال: فمسحه جبريل عليه السلام بريشة ~~فانبسط. قال: فأوحى الله عز وجل إليه بعد ذلك: يا داود: قد أحللت لك ~~امرأة أوريا فتزوجها، فتزوجها داود صلى الله عليه وسلم، فولدت له سليمان ~~عليه السلام، لم تلد قبله شيئا ولا بعده. # قال كعب: فوالله لقد كان داود بعد ذلك ليظل صائما في اليوم الحار فيقرب ~~إليه الشراب فإذا قربه إلى فيه ذكر خطيئته فيبكي في الشراب حتى يفيض ثم ~~يرده ولا يشربه. # وروى الأوزاعي عن بعض أهل المدينة أنه قال: مثل عيني داود كمثل القربتين ~~تنطفان الماء، لقد خدد الدمع في وجهه كخديد الماء في الأرض. # ويروى ms2162 أن داود بات لربه عز وجل مصليا حتى أصبح فذهب الى نهر ليتوضأ، ~~فقال: الحمد لله، لقد عبدت الله الليلة عبادة ما عبده أحد إياها من أهل ~~الأرض. # فكلمه ضفدع من الماء فقالت: جلا يا أبا سليمان، فوالله إن لي ~~لثلاثا من الدهر ما جمعت بين فقمي تسبيحا لله. # وروي عن ابن مسعود وابن عباس أن داود عليه السلام ما زاد على أن قال ~~للرجل: انزل لي عن امرأتك، فعاتبه الله على ذلك ونبهه عليه. # ثم قال تعالى: { فغفرنا له ذلك } ، أي ذلك الذنب. # { وإن له عندنا لزلفى } ، أي: لقربة يوم القيامة. قال ~~الضحاك: لمنزلة رفيعة. # ثم قال: { وحسن مآب } ، أي: حسن مصير. # قال السدي: حسن منقلب. # وقال الضحاك: حسن مرجع. # وقال مجاهد: يبعث داود النبي عليه السلام وذكر خطيئته، ووجله منها في ~~قلبه، منقوشة في كفه. # فإذا رأى أهاويل الموقف لم يجد منها متعوذا وا محرزا إلا برحمة الله ~~تبارك وتعالى وقربه، فيلجأ إليه تبارك وتعالى، فيشار إليه أن هاهنا عن ~~يسار العرش، ثم يعلق فيقال له هاهنا عن يمين العرش. وذلك قوله تعالى: { ~~وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب }. # وقال مالك بن دينار: يقام داود عليه السلام يوم القيامة عند ساق العرش، ~~ثم يقول: يا داود، مجدني بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني به / ~~في الدنيا. # فيقول يا رب، كيف وقد سلبتنيه؟! فيقول: إني سأرده عليك. # قال: فيدفع داود بصوت يستفرغ به نعيم أهل الجنان. # { فغفرنا له ذلك }: تمام حسن. # ثم قال تعالى: { يداوود إنا جعلناك خليفة في الأرض ~~} ، أي: فغفرنا له ذلك الذنب، وقلنا له: يا داود، إنا جعلناك خليفة في ~~الأرض، أي استخلفناك في الارض من بعد من كان قبلك من رسلنا حكما بين أهل ~~الارض. # { فاحكم بين الناس بالحق } ، أي: بالعدل والإنصاف. # { ولا تتبع الهوى } ، أي: لا توثر هواك في قضائك على العدل ~~فتجور في الحكم فيضلك هواك عن سبيل الله. # { إن الذين يضلون عن سبيل الله } ، أي: يميلون عن ~~الحق الذي أمر الله ms2163 به. # { لهم عذاب شديد } ، أي: يوم القيامة. # { بما نسوا يوم الحساب } ، أي: بتركهم العمل ليوم القيامة. # قال عكرمة: هذا من التقديم والتأخير. # والتقدير عنده: لهم يوم الحساب عذاب شديد بما نسوا أي: بما تركوا أمر ~~الله والقضاء بالعدل. # فالعامل في " يوم " في القول الأول: " نسوا " هو مفعول به والعامل فيه ~~في القول الثاني " لهم " وهو ظرف. # وكان ابن عباس يسجد عند قوله: " وأناب " ، ويقول: { أولئك ~~الذين هدى الله فبهداهم اقتده }. # ثم قال تعالى: { وما خلقنا السمآء والأرض وما ~~بينهما باطلا } ، أي: عبثا ولعبا بل خلقا ليعمل فيهما ~~بالطاعة. # ثم قال تعالى ذكره: { ذلك ظن الذين كفروا } ، أي: خلق ~~السماء والأرض وما بينهما لغير حساب ولا بعث ولا عمل، هو ظن الذين كفروا ~~فويل لهم من النار. # ثم قال: { أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~كالمفسدين في الأرض }. هذا رد لقول الكفار، لأنهم كانوا ~~يقولون: ليست ثم عقوبة ولا نار، فالكافر والعاصي يسعدان باللذات، ~~والمطيع يشقى، ومصيرهما إلى شيء واحد فرد الله عليه بأنه لم يجعل المتقين ~~كالفجار في الآخرة، ولا الصالح كالمفسد. # ثم قال: { كتاب أنزلناه إليك مبارك } ، (أي: هذا القرآن ~~كتاب أنزله الله إليك يا محمد مبارك) على من آمن به، أنزله: { ~~ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب } ~~ليعتبروا آياته وليتذكر به أولوا العقول. # ثم قال: { ووهبنا لداوود سليمان } ، أي: ولد إليه. # { نعم العبد } ، أي: ممدوح في طاعة ربه. # { إنه أواب } ، أي: رجاع إلى طاعة الله عز وجل تواب إليه ~~سبحانه، وقيل: الأواب: الكثير الذكر. # وقال ابن عباس: الأواب: المسبح. # وقال قتادة: مطيعا كثير الصلاة. # وقال ابن المسيب: هو الذي يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب. # وقيل: هو الذي يذكر ذنبه في الخلاء، ثم يتوب منه ويستغفر. # ثم قال تعالى: { إذ عرض عليه بالعشي الصافنات ~~الجياد } ، أي: هو تواب في هذا الوقت. # والصافنات: جمع صافن من الخيل، والأنثى: صافنة. # والصافن: الذي يجمع بين يديه، ويثني طرف سنبك إحدى رجليه. # وقيل: هو الذي يجمع بين يديه. # وزعم الفراء أن الصافن ms2164 هو القائم. # وقال مجاهد: صفون الفرس: " رفع إحدى يديه حتى تكون على طرف الحافر ". # وقال قتادة: صفونها: قيامها وبسطها قوائمها. # وقال ابن زيد: الصافنات: الخيل، أخرجها الشيطان لسليمان من مرج من مروج ~~البحر. # والصفن أن تقوم على ثلاث وترفع رجلا واحدة تكون على طرف الحافر على ~~الأرض. قال ابن زيد: وكانت لها أجنحة. # (والجياد: السريعة. روي أنها كانت عشرين فرسا ذات أجنحة). ### || [38.32-40] # قوله تعالى ذكره: { فقال إني أحببت حب الخير } - إلى ~~قوله - { لزلفى وحسن مآب }. # قال ابن عباس: كان مما ورث سليمان من أبيه داود ألف فرس لا يعلم في ~~الأرض مثلها. وكانت أحب إليه من كل ما ورث، وكان معجبا بها، فجلس مجلسه ~~وقال: اعرضوا علي خيلي، فعرضت عليه بعد الظهر إلى غيبوبة الشمس وأغفل ~~صلاة العصر: فقال: ما صليت العصر! ردوها علي فطفق يعرقبها ويضرب رقابها ~~وكان الذي عرض عليه تسع مائة، وبقيت مائة لم تعرض عليه. فقال: هذه المائة ~~التي لم تلهني عن صلاتي أحب إلي من التسع مائة. # في الآية حذف دل عليه الكلام، والتقدير: إنه أواب إذ عرض / عليه بالعشي ~~الصافنات الجياد، فلهى عن الصلاة حتى فاتته فغابت الشمس ولم يصل، وهو ~~قوله { حتى توارت بالحجاب }. # { فقال إني أحببت حب الخير } ، أي: الخيل. والعرب ~~سمي الخيل: الخير، والمال أيضا يسمونه الخير. # وفي الحديث: # " الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة ~~" # ولما ورد زيد الخيل على النبي صلى الله عليه وسلم قال له: أنت زيد ~~الخير. وهو زيد بن مهلهل الشاعر. # وقيل: المعنى، إنى أحببت حب الخير عن ذكر ربي، وذلك أنه كان في صلاة ~~فجيء إليه بخيل لتعرض عليه قد غنمت، فأشار بيده أنه يصلي. # { حتى توارت بالحجاب } ، أي: توارت الخيل، فسترها جدر ~~الإصطبلات، فلما فرغ من صلاته قال: # { ردوها علي فطفق مسحا بالسوق } ، أي: يمسحها مسحا. ~~فالضمير في " توارت " على هذا القول للخيل. # وأكثر الناس على أنه للشمس وإن (لم يجر) لها ذكر، ولكن لما قال بالعشي ~~دل على أن بعده غياب ms2165 الشمس. # قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه التي فاتته هي صلاة العصر وهو قول ~~قتادة والسدي. # وقيل: المعنى: إنى آثرت حب الخير عن ذكر ربي، أي: على ذكر ربي، ومنه ~~قوله: # فاستحبوا العمى على الهدى # [فصلت: 17]، أي: آثروا الضبه على الهدى. # وقيل: معنى أحببت: قعدت وتأخرت. # يقال أحب الجمل وأحببت الناقة، إذا بركت وتأخرت. # فالمعنى: إني قعدت عن ذكر ربي لحب الخير { حتى توارت ~~بالحجاب }. # إنى قعدت عن صلاة العصر حتى غابت الشمس. # فيكون حب الخير مفعولا به على قول من جعل أحببت بمعنى آثرت. ويكون ~~مفعولا من أجله على قول من جعل أحببت بمعنى تأخرت وقعدت. ولا يحسن أن ~~ينصب على المصدر لأن المعنى على غير ذلك. # ثم قال: { ردوها علي } ، أي: ردوا الخيل علي التي شغلتني على ~~الصلاة. # { فطفق مسحا بالسوق والأعناق } ، أي: طفق يضرب أعناقها ~~وسوقها. # قال الحسن: قال سليمان: لا، والله لا تشغلني عن عبادة ربي فكشف عراقيبها ~~وضرب أعناقها. # ولم يكن له فعل ذلك إلا وقد أباح الله ذلك له. # وقال ابن عباس: " جعل يمسح أعراف الخيل وعراقيبها حبا لها ". # قال بعض أهل العلم: هذا القول أحسن، لأنه نبي، ولم يكن ليعذب حيوانا ~~بغير ذنب ويفسد مالا بلا سبب. # قال وهب بن منبه: كانت الريح تحمل سليمان وجنوده، وكانت تأتيه تسمعه ~~كلام كل متكلم، ولذلك سمع كلام النملة. # قال: وإنه لمسير ذات يوم بجنده والريح تحمله (إذ مر برجل) من بني ~~إسرائيل وهو في حرث له يثير على مسحاة له يفجر في حرث له من نهر له إذ ~~التفت فرأى سليمان وجنده بين السماء والأرض تهوي به الريح. فقال: لقد ~~آتاكم الله آل داود. قال: فاحتملت الريح كلامه فقذفته في أذن سليمان عليه ~~السلام فقال سليمان للريح: احبس، فحبست. فنزل متقنعا ببرد له حتى ~~أتى الرجل فقال له: ماذا قلت؟! قال: رأيتك في سلطان الله الذي أتاك وما ~~سخر لك، فقلت: لقد آتاكم الله آل داود. فقال: صدقت، كذلك قلت، كذلك سمعت ~~ولذلك ms2166 حينئذ تخوفا عليك من الفتنة. تعلم، والذي نفس سليمان بيده، لثواب ~~" سبحان الله " كلمة واحدة عند الله يوم القيامة أفضل من كل شيء رأيته أو ~~أوتيه آل داود في الدنيا. # قال له الرجل: فرجت همي، فرج الله همك. # فقال له سليمان: وما همي؟ # قال: أن تشكر ما أعطاك الله عز وجل. # قال له سليمان: صدقت. وانطلق الى مركبه. # ثم قال تعالى ذكره: { ولقد فتنا سليمان } ، أي: اختبرناه ~~وابتليناه. # { وألقينا على كرسيه جسدا } ، أي: شيطانا مثل ~~بإنسان. # ذكر أن اسمه صخر الجني، قاله ابن عباس، قال: الجسد: الجني الذي دفع ~~إليه سليمان خاتمه فقذفه في البحر. وكان ملك سليمان في خاتمه. وهو قول ~~الحسن وابن جبير ومجاهد. # قال مجاهد: فقعد الجني على كرسي سليمان، ومنعه الله من نساء سليمان فلم ~~يقربنه وأنكرنه. # قال مجاهد: قال له سليمان: كيف تفتنون الناس؟ قال: أرني خاتمك / أخبرك. ~~فلما أعطاه إياه نبذه في البحر فساح سليمان وذهب ملكه. فكان سليمان ~~يستطعم الناس فيقول: أتعرفوني؟! أطعموني، أنا سليمان! فيكذبونه حتى ~~أطعمته امرأة يوما حوتا فوجد خاتمه في بطنه فرجع إليه ملكه وفر الجني ~~في البحر. وكان مدة ذلك فيما ذكر: أربعين يوما. # وقال قتادة: " أمر سليمان ببناء بيت المقدس، فقيل له: ابنه، ولا يسمع ~~فيه صوت حديد. فطلب (علم ذلك فلم يقدر عليه، فقيل له: إن شيطانا في ~~البحر يقال له صخر، سيد الماردين. قال: فطلبه). وكانت عين في البحر ~~يردها ذلك الشيطان في كل سبعة أيام مرة فنزح ماؤها وجعل فيه خمر. فجاء ~~يوم وروده فإذا هو بالخمر، فقال: إنك لشراب طيب، إلا أنك تصبين ~~الحليم، وتزيدين الجاهل جهلا! (قال: ثم رجع حتى عطش عطشا شديدا، ثم ~~أتاها فقال: إنك لشراب طيب، إلا أنك لتصبين الحليم وتزيدين الجاهل ~~جهلا!) ثم شربها حتى غلبت على عقله. # قال: فأري الخاتم، أو ختم به بين كتفيه فذل - وكان ملك سليمان في ~~خاتمه - فقال: إنا قد أمرنا ببناء هذا البيت، وقيل لنا: لا يسمعن فيه ~~صوت حديد. قال: فأتى ms2167 إلى بيض الهدهد فجعل عليه زجاجة، فجاء الهدهد فدار ~~حولها، فجعل يرى بيضه ولا يقدر (عليه فذهب فجاء) بالماس فوضعه على ~~الزجاجة فقطعها به حتى أفضى إلى بيضه. فأخذوا الماس فجعلوا يقطعون به ~~الحجارة. فكان سليمان إذا أراد أن يدخل الخلاء لم يدخل بخاتمه، فانطلق ~~يوما إلى الحمام وذلك الشيطان معه - وذلك عند مقارفة ذنب قارفه بعض ~~نسائه - قال: فدخل الحمام، وأعطى الشيطان خاتمه، فألقاه في البحر ~~فالتقمته سمكة، ونزع ملك سليمان منه، وألقي على الشيطان شبه سليمان ~~فجاء فقعد على كرسيه، وسلط على ملك سليمان كله غير نسائه. فكان يقضي ~~بين الناس ينكرون منه أشياء حتى قالوا: لقد فتن سليمان نبي الله. وكان ~~(فيهم رجل فيه قوة)، فقال: والله لأجربنه فقال له: يا نبي الله - وهو لا ~~يرى إلا أنه نبي - أحدنا تصيبه الجنابة (من الليل) في الليلة الباردة ~~فيدع الغسل مستعمدا حتى تطلع الشمس، أترى عليه بأسا؟ قال: لا. # قال: فبينما هو كذلك أربعين ليلة حتى وجد نبي الله سليمان خاتمه في بطن ~~سمكة فأقبل فجعل لا يستقبله جني ولا طير إلا سجد له حتى انتهى إليهم ". # وذكر السدي في هذه القصة مثل ذلك إلا أنه قال: " كانت لسليمان مائة ~~امرأة، امرأة منهن يقال لها جرادة - وهي أعز نسائه عنده وآمنهن ~~- وكان يترك الخاتم عندها إذا دخل الخلاء، فجاءته يوما (من الأيام) ~~فسألته أن يقضي لأخيها في خصومة بينه وبين رجل، فقال لها: نعم، ولم يفعل، ~~فابتلي. فأعطاها خاتمه ودخل الخلاء فأتاها الشيطان في صورة سليمان فأعطته ~~الخاتم فذهب ملك سليمان وجلس الشيطان على كرسي سليمان أربعين يوما يحكم ~~بين الناس، فأنكر الناس أحكامه، فاجتمع علماء بني إسرائيل فدخلوا على ~~نساء سليمان فقالوا: إنا قد أنكرناه. فإن كان هذا سليمان فقد ذهب عقله! ~~فبكى النساء عند ذلك فأقبلوا يمشون حتى أتوه فأحدقوا به ثم نشروا التوراة ~~فقرؤوا، فطار بين أيديهم حتى وقع على شرفة والخاتم معه، ثم طار حتى ذهب ~~إلى البحر فوقع الخاتم منه، فابتلعه حوت. قال: ms2168 وأقبل سليمان في حاله ~~التي كان فيها وهو جائع حتى انتهى إلى صياد من صيادي البحر فاستطعمه من ~~صيده. فقال: إني أنا سليمان، فقام إليه بعضهم فضربه بعصا فشج وجهه، فجعل ~~يغسل دمه وهو على شاطئ البحر. # فلام الصيادون صاحبهم الذي ضربه، ثم أعطوا سليمان سمكتين مما قد مذر ~~عندهم - أي: نتن - فلم يشغله ما كان به من الضرب حتى قام إلى شاطئ البحر ~~فشق بطونهما، فجعل يغسل، فوجد خاتمه في بطن إحداهما فأخذه ولبسه فرد ~~الله عليه بهاءه وملكه. وجاءت الطير حتى حامت عليه فعرف / القوم أنه ~~سليمان فقاموا يعتذرون مما صنعوا فقال: (ما أحببكم) على عذركم ولا ألومكم ~~على ما كان منكم، كان هذا الأمر لا بد منه. فجاء حتى أتى ملكه، فأرسل ~~إلى الشيطان فجيء به - وسخر له الريح والشياطين يومئذ (ولم يسخر) له قبل ~~ذلك - فجعل الشيطان في صندوق من حديد، ثم أطبق عليه وقفل عليه بقفل وختم ~~عليه بخاتمه ثم أمر، فألقي في البحر، فهو فيه حتى تقوم الساعة " ~~وقيل: أنه ولد له ولد ميت، وذلك أنه طاف على (جوار له) وقال: أرجو أن ~~تلد كل واحدة منهن (ذكرا، ولم يقل: إن شاء الله، فلم تحمل إلا واحدة ~~منهن) ومات الولد وألقي على كرسيه. # وقوله: { ثم أناب } ، أي: أناب سليمان فرجع إلى ملكه بعد زواله ~~عنه. # قال الضحاك: دخل سليمان على امرأة تبيع السمك فاشترى منها سمكة فشق ~~بطنها فوجد خاتمه، فجعل لا يمر على شجرة ولا صخرة (ولا شيء) إلا سجد له، ~~ثم أوتي ملكه وأهله، فذلك قوله تعالى: { ثم أناب } ، أي: رجع. # وقيل: " أناب ": [تاب ورجع عما كان عليه. # ثم قال تعالى: { قال رب اغفر لي } ، أي: استر علي ذنبي الذي ~~أذنبت]. بيني وبينك. # { وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد } ، أي: لا تسلبنيه كما ~~سلبنيه هذا الشيطان. قاله قتادة. # وقيل: المعنى: لا يكون مثله لأحد من بعدي. # { إنك أنت الوهاب } ، أي: تهب ما تشاء لمن تشاء. # وقيل: المعنى: أعطني فضيلة ومنزلة. # روى أبو ms2169 عبيد في كتابه مواعظ الأنبياء أن سليمان عليه السلام لما بنى ~~مسجد بيت المقدس ودخله خر ساجدا شكرا لله عز وجل وقال: يا رب، من دخله ~~من تائب فتب عليه، أو مستغفر فاغفر له، أو سائل فأعطه. # قال: ولما مات داود عليه السلام أوحى الله إلى سليمان أن سلني حاجتك. ~~قال: أسألك أن تجعل قلبي يخشاك كما كان قلب أبي، وأن تجعل قلبي يحبك كما ~~كان قلبي أبي. فقال الله جل ذكره: أرسلت إلى عبدي أسأله حاجته، فكانت ~~حاجته أن أجعل قلبه يخشاني، وأن أجعل قلبه يحبني! لأهبن له ملكا ~~لا ينبغي لأحد من بعده. فوفقه الله إلى أن سأل ذلك فأعطاه ذلك، وفي ~~الآخرة لا حساب عليه فيه. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " أرأيتم سليمان وما أعطي من ملكه فإنه لم يرفع رأسه إلى السماء تخشعا ~~حتى قبضه الله عز وجل ". # وروى أبو عبيد أن نملة قالت لسليمان: إني على قدري أشكر لله منك! وكان ~~على فرس ذنوب فخر عنه ساجدا: (ثم قال: لولا أن أبخلك لسألتك أن تنزع عني ~~ما أعطيتني). # ثم قال تعالى: { فسخرنا له الريح تجري بأمره رخآء ~~} ، أي: فاستجبنا دعاءه وأعطيناه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فسخرنا له ~~الريح تجري بأمره رخاء. # قال الحسن: إن نبي الله سليمان لما عرضت عليه الخيل شغلته عن صلاة ~~العصر، فغضب لله، فأمر بها فعقرت، فأبدله الله مكانها أسرع منها، فسخرت ~~له الريح تجري بأمره رخاء. # { حيث أصاب }: حيث شاء. # قال مجاهد: رخاء: طيبة. # وقال قتادة: رخاء: طيبة سريعة ليست بعاصف ولا بطيئة. # وقال ابن زيد: الرخاء: اللينة. # وقال ابن عباس: رخاء: مطيعة، وقاله الضحاك. # وقال السدي: رخاء: طوعا. # وقوله: { حيث أصاب } ، أي: حيث أراد: قاله ابن عباس والحسن وقتادة ~~والسدي وابن زيد من قولهم: أصاب الله بك خيرا، أي: أراده الله بك خيرا. # وقال مجاهد: " حيث أصاب: حيث شاء ". # ثم قال { والشياطين كل بنآء وغواص } ، أي: كل بناء ~~يبني له ما يشاء من ms2170 المحاريب والتماثيل، وكل غواص يستخرج له الحلي من ~~البحار، وسخر له كل من ينحت له جفافا وقدورا، وآخرين مقرنين في ~~الأصفاد، وهم: المردة من الشياطين. هذا كله قول قتادة. # والأصفاد: السلاسل، قال السدي: مقرنين: تجمع يداه إلى عنقه. # وواحد الأصفاد: صفد، كحجر. وقيل: واحدها: صفد. كعدل. وهي: الأغلال ~~والسلاسل من الحديد، وكل من شددته شدا وثيقا بالحديد فقد صفدته، وكذلك ~~لكل من أعطيته عطاء جزيلا كأنك أعطيته ما يرتبط له. واسم العطية / ~~الصفد. # قال الضحاك: أعطى الله سليمان ملك داود وزاده الريح والشياطين. # ثم قال تعالى ذكره: { هذا عطآؤنا فامنن أو أمسك ~~بغير حساب } ، أي: هذا الملك عطاؤنا فاعط ما شئت منه وامنع ما ~~شئت لا حساب عليك. # وقيل: المعنى: فاحبس ما شئت من الشياطين في وثاقك وسرح ما شئت منهم. # وعن ابن عباس أن هذا إشارة إلى ما أعطي سليمان من القوة على الجماع. ~~قال: كان في ظهره مائة مائة رجل، وكان له ثلاث مائة امرأة، وتسع مائة ~~سرية. # فالمعنى: فجامع من شئت، واترك جماع من شئت بغير حساب عليك. # وقال ابن مسعود: في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: هذا عطاؤنا بغير ~~حساب، فامنن أو أمسك، فالمعنى: هذا عطاؤنا بغير منة عليك. # ثم قال تعالى ذكره: { وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب ~~} ، أي: وإن لسليمان في الآخرة عند الله لقربة منه وحسن مرجع ومصير. ~~وإنما رغب سليمان إلى الله في هذا الملك ليعلم منزلته عند الله، ودرجته، ~~وقبول توبته، ومقدار إجابته له، لا لمحبته في الدنيا ورغبته فيها وجلالة ~~قدرها عنده، بل كانت أهون عنده من ذلك. # ويجوز أن يكون سأل ذلك ليقوى به على الجهاد في سبيل الله عز وجل، لا ~~لمحبته في الدنيا وملكها. # وقوله: { لا ينبغي لأحد من بعدي } ، الأحسن في تأويله: ~~(لا أسلبه) كما سلبت ملكي قبل هذا، لا أنه بخل على من بعده أن يكون ~~له مثل ملكه بعد موته. # وقيل: معناه: لا ينبغي لأحد من أهل زماني فيكون ذلك لي واختصاصي به دون ~~غيري، ms2171 حجة لي على نبوتي وأني رسولك إليهم. # وإذا أتى بمثل ملكي غيري من أهل زماني لم يكن له حجة على من أرسلت إليه، ~~إذ قد أوتي غيري مثل ما أوتيت. # فانفرادي بذلك يدل على نبوتي وصدقي. إذ كانت الرسل لا بد لها من أعلام ~~تفارق بها سائر الناس. # وذكر ابن وهب عن ابن شهاب أن سليمان عليه السلام كان إذا رأى ما هو فيه ~~مما أعطاه الله قال: نموت وننسى. ### || [38.41-44] # قوله تعالى ذكره: { واذكر عبدنآ أيوب إذ نادى ربه ~~} - إلى قوله - { إنه أواب } ، أي: واذكر يا محمد أيوب إذ نادى ~~ربه مستغيثا به مما نزل به. # { أني مسني الشيطان بنصب وعذاب }. # قال قتادة: هو ذهاب المال والأهل، والضر الذي أصابه في جسده، ابتلي سبع ~~سنين وأشهرا ملقى على كناسة بني إسرائيل تختلف الدواب في جسده، ففرج ~~الله عنه، وعظم له الأجر، وأحسن عليه الثناء. # قال السدي: معناه: بنصب في جسدي، وعذاب في مالي. # وروى الطبري عن وهب بن منبه أنه قال: كان أيوب صلى الله عليه وسلم رجلا ~~من الروم من ذرية عيصا بن إسحاق بن إبراهيم. ومن الرواة من يقول في عيصا: ~~العيص بن إسحاق. # وروي أن أيوب تزوج ابنة يعقوب واسمها ليا؛ وهي التي أقسم أيوب ليضربها ~~مائة ضربة، فبر الله عز وجل يمينه. وكانت أم أيوب بنت لوط. # وقيل: كانت زوجة أيوب: رحمة ابنة أفريق بن يوسف بن يعقوب. # قال وهب: إن إبليس اللعين سمع تجاوب ملائكة السماوات بالصلاة على أيوب ~~حين ذكر ربه وأثنى عليه، فأدرك إبليس الحسد والبغي، فسأل الله عز وجل ~~أن يسلطه عليه ليفتنه عن دينه، فسلط على ماله دون جسده وعقله، فأذهب الله ~~ماله كله، فشكر أيوب ربه عز وجل ولم يغيره ذلك عن عبادة ربه سبحانه. فسأل ~~إبليس الله عز وجل أن يسلطه على ولده، فأهلك ولده، فشكر أيوب ربه ولم ~~يغيره ذلك عن عبادة ربه تعالى. فسأل إبليس الله أن يسلطه على جسده، فسلط ~~عليه دون لسانه وقلبه وعقله، ms2172 فجاءه وهو ساجد فنفخ في منخره نفخة اشتعل ~~منها جسده؛ فصار أمره إلى أن تناثر لحمه، فأخرجه أهل القرية من القرية ~~إلى كناسة خارج القرية، فلم يغيره ذلك عن ذكر (ربه وعبادته). قال ابن ~~عباس: لما أصاب أيوب البلاء، أخذ إبليس تابوتا وقعد على الطريق يداوي ~~الناس. فجاءته امرأة أيوب، فقالت له: أتداوي رجلا به علة كذا وكذا؟ # قال: نعم، بشرط على أني (إن شفيته قال لي): أنت شفيتني لا أريد منه / ~~أجرا غير هذا. فجاءت امرأة أيوب إلى أيوب، فقال: ذلك الشيطان! والله لئن ~~برأت لأضربنك مائة فلما برأ أخذ شمراخا فيه مائة عرجون فضربها به ~~ضربة. # فيكون " النصب " على هذا، ما ألقاه الشيطان إليه ووسوس به إلى ~~امرأته. # وقرأ الحسن: " بنصب " بفتح النون والصاد. وهما لغتان، كالحزن ~~والحزن. # وقيل: من ضم النون جعله جمع نصب، (كوثن ووثن). # فأما قوله: # وما ذبح على النصب # [المائدة: 3] " ، فهو جمع نصاب. # وقوله { اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب }. # في الكلام حذف، والتقدير: فاستجبنا له إذ نادى، وقلنا له اركض برجلك ~~الأرض، أي: حركها وادفعها برجلك. والركض: حركة الرجل. # قال المبرد: الركض: التحريك، ولهذا قال الأصمعي: يقال: ركضت الدابة، ~~ولا يقال: ركضت (هي، لأن الركض حركة الرجل من راكبها، ولا فعل ~~لها في ذلك الوقت. # وحكى سيبويه: (ركضت) الدابة فركضت، مثل جبرت العظم فجبر. # قوله: { هذا مغتسل بارد وشراب }. قال قتادة: " ضرب ~~برجله أرضا يقال لها الجابية، فإذا عينان تنبعان، فشرب من إحداهما ~~واغتسل من الأخرى ". # قال وهب: فركض برجله فانفجرت له عين فدخل فيها فاغتسل فأذهب الله عز وجل ~~عنه كل ما كان فيه من البلاء. # قال الحسن: فركض برجله فنبعت عين فاغتسل منها، ثم مشى نحوا من أربعين ~~ذراعا ثم ركض برجله، فنبعت عين، فشرب منها فذلك قوله: { هذا ~~مغتسل بارد وشراب } فالموضع الذي يغتسل فيه يسمى مغتسلا. # ثم قال تعالى: { ووهبنا له أهله ومثلهم معهم }. # قال مجاهد: رد الله عليه أهله وأعطاه مثلهم معهم في الآخرة. # وقال الحسن وقتادة: فأحيا ms2173 الله جل وعز له أهله بأعيانهن وزاده في الدنيا ~~مثلهم. (وهو قول ابن مسعود). # وقيل: إنما رد الله عليه من غاب من أهله وولده مثل من مات منهم، وأعطي ~~من نسلهم مثلهم. # وقوله: { رحمة منا } أي: رحمناه رحمة. # وقال الزجاج: نصب رحمة على أنه مفعول له. # ثم قال: { وذكرى لأولي الألباب } ، أي: فعلنا به ذلك للرحمة ~~وليتذكر وليتعظ به أولوا العقول إذا ابتلوا فيصبرو كما صبر أيوب. # وروي أن أيوب كان نبيا في عهد يعقوب النبي صلى الله عليه وسلم. وكان ~~عمر أيوب ثلاثا وتسعين سنة، وذا الكفل هو ولد أيوب، واسمه شبر بن أيوب. ~~وفيه اختلاف، وقد ذكرناه في غير هذا الموضع. # وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن نبي الله أيوب لبث به بلاؤه ثماني عشر سنة فرفضه القريب والبعيد ~~إلا رجلين من إخوانه، كانا من أخص إخوانه به، كانا يغدوان إليه ويروحان. ~~فقال أحدهما لصاحبه: تعلم، والله لقد أذنب أيوب ذنبا ما أذنبه أحد من ~~العالمين! قال له صاحبه: وما ذاك؟! قال: منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه ~~الله فيكشف ما به. فلما راحا إليه لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له. فقال له ~~أيوب: ما أدري ما تقول، غير أن الله عز وجل يعلم أني كنت أمر على الرجلين ~~يتنازعان فيذكران الله - أي: يحلفان به - فأرجع إلى بيتي (فأكفر عنهما) ~~كراهية أن يذكر الله إلا في حق. قال: وكان يخرج إلى حاجته، فإذا قضاها ~~أمسكت امرأته بيده حتى يبلغ، قال: فلما كان ذات يوم أبطأ عليها وأوحى ~~الله جل ذكره إلى أيوب في مكانه أن اركض برجلك، هذا مغتسل بارد وشراب. ~~فاستبطأته فتلقته وأقبل عليها قد أذهب الله ما به من البلاء وهو على خير ~~ما كان. فلما رأته قالت: بارك الله فيك، هل رأيت نبي الله، هذا المبتلى؟ ~~فوالله - على ذلك - ما رأيت رجلا أشبه به منك إذ كان صحيحا! قال: فإني ~~أنا هو!! # قال: وكان له أندران: أندر القمح، وأندر الشعير ms2174 قال: فبعث الله عز وجل ~~سحابتين، فلما كانت إحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض، ~~وأفرغت الأخرى على أندر الشعير الورق حتى فاض ". # وقوله تعالى: { وخذ بيدك ضغثا } الضغث: ما يجمع من شيء من ~~الرطب ويحمل الكف من الحشيش أو الشماريخ ونحو ذلك. قال ابن عباس، أمر أن ~~يأخذ حزمة من رطبة بقدر ما حلف عليه فيضربها به. # قال الحسن مكث أيوب مطروحا على كناسة سبع سنين وأشهرا، ما يسأل الله ~~أن يكشف ما به. قال: وما على الأرض أكرم على الله من أيوب. فقال بعض ~~الناس: لو كان لرب هذا فيه حاجة ما ضيع هذا. قال: فعند ذلك / دعا أيوب ~~ربه فكشف ما به. # قال قتادة: كان إبليس قد تعرض لامرأته فقال لها: لو تكلمت كذا وكذا ~~شفيته. فحلف أيوب لئن شفاه الله ليجلدنها مائة جلدة. فأمر أن يأخذ أصلا ~~فيه تسعة وتسعون قضيبا، والأصل تكملة المائة، فيضربها به ضربة واحدة ~~فيبر من يمينه ويخفف الله بذلك عن امرأته. # قال الضحاك: ضغثا، يعني: من الشجر الرطب. كان حلف على يمين فأخذ من ~~الشجر عدد ما حلف عليه فضرب به ضربة واحدة فبرت يمينه، وهو في الناس ~~اليوم: يمين أيوب. من أخذ بها فهو أحسن. # قال عطاء: هذا لجميع الناس، وقال مجاهد وغيره: هو خاص لأيوب، لا يعمل به ~~غيره ولا يجزيه، وهو قول مالك، وهو قول جماعة العلماء إلا الشافعي فإنه ~~أجاز لمن حلف على عشر ضربات فضرب بشمراخ فيه عشر قضبان مرة فأصابت ~~المضروب أنه يبر قال ابن جبير: يعني بالضغث قبضة من المكانس. # ثم قال تعالى: { إنا وجدناه صابرا }. أي: على البلاء. # { نعم العبد إنه أواب } ، أي: رجاع عن معصية الله إلى ~~طاعته. # قال ابن عباس: اتخذ إبليس تابوتا وقعد على الطريق يداوي الناس، فأتته ~~امرأة أيوب، فقالت: إن هاهنا إنسانا مبتلى من أمره كذا، هل لك أن ~~تداويه؟ قال: نعم، على أني إن شفيته أن يقول كلمة واحدة. يقول: أنت ~~شفيتني؛ لا أريد منه ms2175 أجرا غيرها. فأخبرت بذلك أيوب. فقال: ويحك! ذلك ~~الشيطان! لله علي إن شفاني الله أن أجلدك مائة جلدة. فلما شفاه الله ~~أمره أن يأخذ ضغثا (فيضربها به). فأخذ شماريخ قدر مائة فضربها به ضربة ~~واحدة. # وقال غير ابن عباس، إنما نذر أن يضربها حين باعت شعرها بالطعام فافتقده ~~وخافها على نفسها. # ويروى أن أيوب عليه السلام لم يدع في بلائه، وصبر حتى نال ثلاثة أشياء، ~~فعند ذلك دعا الله عز وجل: وذلك أن صديقين له بالشام بلغهما خبره فتزودا ~~ومضيا لزيارته فوجداه في منزله لم يبق منه إلا عيناه، فقالا له: أنت ~~أيوب! فقال: نعم فقالا له: لو كان عملك - الذي رأيناه - يفضى به إلى ~~الله عز وجل ما لقيت الذي نرى. فقال لهما: وأنتما تقولان ذلك لي! ~~فبلغ ذلك منه. # والثانية أن امرأته قطعت ثلاثة ذوائب لها وباعتها في طعامه. فلما علم ~~ذلك، عظم عليه، وبلغ ذلك منه. فهذه ثانية والثالثة: قبول امرأته من ~~إبليس إذا أراد أن يحتال عليها، فعند ذلك تواعدها، وأقسم لئن شفاه الله ~~ليضربنها مائة ضربة. وعند ذلك دعا إلى الله فشفاه الله. ### || [38.45-56] # قوله تعالى ذكر: { واذكر عبادنآ إبراهيم } - إلى قوله - { ~~فبئس المهاد } ، # أي: اذكر إبراهيم وولده إسحاق، وولد ولد يعقوب. ومن قرأ " عبادنا " ~~بالجمع، أدخل الجمع في العبودية وجعل ما بعده بدلا منه. # ومن قرأ بالتوحيد خص إبراهيم بالعبودية وجعل ما بعده معطوفا عليه. # وقوله: { أولي الأيدي }. # قال ابن عباس: يقول: أولى القوة والعبادة. والأبصار: الفقه في الدين. ~~قال: مجاهد: أولي الأيدي: القوة في أمر الله عز وجل والأبصار: العقول. # وقال قتادة: أعطوا قوة في العبادة وبصرا في الدين. # وقال السدي: الأيدي: القوة في طاعة الله، والأبصار: البصر بعقولهم في ~~دينهم. # وقيل: الأيدي: جمع يد، من النعمة، أي: هم أصحاب النعم التي أنعم الله عز ~~وجل عليهم بها. # وقيل: " هم أصحاب النعم والإحسان، لأنهم قد أحسنوا وقدموا خيرا ". # وأصل " اليد " أن تكون للجارحة، ولكن لما كانت القوة فيها، سميت القوة ~~يدا. والبصر هنا ms2176 عني به بصر القلب الذي به تنال معرفة الأشياء. # وأجاز الطبري أن يكون المعنى أنهم أصحاب الأيدي عند الله عز وجل ~~بالأعمال الصالحة التي قدموها تمثيلا باليد تكون عند الرجل الآخر. وقرأ ~~عبد الله: " أولي الأيدي " بغير ياء على معنى أولي التأييد والمعونة من ~~الله لهم. # ويجوز أن يكون مثل الأول لكن أسقط الياء واكتفى بالكسرة. # وذكر الطبري عن السدي أنه قال: تزوج (إسحاق بامرأة) فحملت بغلامين في ~~بطن، فلما أرادت أن تضع، اقتتل الغلامان في بطنها أيهما يخرج أولا. فقال ~~أحدهما للآخر: لئن خرجت قبلي لأعترضن في بطن أمي فلأقتلنها! فتأخر الآخر ~~وخرج القائل ذلك، فسمي عيصا لعصيانه في بطن أمه، وخرج الثاني فسمي يعقوب ~~لأنه خرج آخرا بعقب عيصا. وكان يعقوب أكبرهما في البطن لكن عيصا خرج ~~قبله. والروم من ذرية عيصا. # ثم قال: { إنآ أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار }. # من نون " خالصة " / جعل " ذكرى " بدلا من " خالصة ". # والمعنى: إنا اخترناهم واختصصناهم بأن يذكروا معادهم ويعملوا له. (فلا ~~هم لهم غيره). هذا قول مجاهد والسدي، وهو اختيار الطبري. # والاختيار عنده على قراءة من أضاف أن يكون المعنى: بخالصة ما ذكر في ~~الدار الآخرة. # ويجوز أن يكون رفع " ذكرى الدار " على إضمار مبتدأ. # وقيل: المعنى: اختصوا بأن يذكروا الناس الدار الآخرة ويدعوهم إلى طاعة ~~الله عز وجل، قاله قتادة. # ومن قرأ بالإضافة فمعناه: إنا اختصصناهم بأفضل ما في الآخرة؛ قاله ابن ~~زيد. # وقال مجاهد أيضا: المعنى في الإضافة: إنا أخلصناهم بأن ذكرنا الجنة لهم. # وقال الفضيل: هو الخوف الدائم في القلب. # وقال ابن جبير: معناه: عقبى الدار. # وعن مجاهد أيضا - في الإضافة - معناه: بخالصة أهل الدار. # ثم قال تعالى: { وإنهم عندنا لمن المصطفين ~~الأخيار } ، أي: لمن الذين صفوا من الذنوب (ومن الأدانس) ~~واختيروا. # والأخيار، جمع خير، على التخفيف كميت وأموات. # ثم قال تعالى ذكره: { واذكر إسماعيل واليسع وذا ~~الكفل وكل من الأخيار } ، أي: أذكرهم يا محمد وما أبلوا ~~فيه من طاعة الله عز وجل فتأس بهم، وأسلك منهاجهم في الصبر ms2177 على ما ~~نالك في الله جل ذكره. # وسمي ذو الكفل بذلك، لأنه تكفل بعمل رجل صالح يقال، إن ذلك الرجل كان ~~يصلي في كل يوم مائة صلاة، فتوفي؛ فتكفل ذو الكفل بعمله. # وقيل: إنه تكفل بإمر أنبياء من أنبياء الله عز وجل فخلصهم من القتل فسمي ~~ذا الكفل. والكفل في كلام العرب: الحظ والنصيب. # وقيل: تكفل لبعض الملوك بالجنة فكتب له كتابا بذلك وقيل: لم يكن نبيا ~~وقوله { وكل من الأخيار } ، أي: كل هؤلاء من الأخيار ~~المذكورين. # ثم قال تعالى: { هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مآب ~~} ، أي: هذا القرآن ذكر لك يا محمد ولقومك. # وقيل: معناه: هذا ذكر جميل لهؤلاء في الدنيا، وإن لهم في الآخرة مع هذا ~~لحسن مرجع. # وقيل: معنى: وإن للمتقين لحسن مئاب، أي: لمن اتقى الله فأطاعه لحسن مرجع ~~ومنقلب. # ثم بين ذلك فقال: { جنات عدن } ، أي: جنات إقامة وثبات، قال ~~قتادة: سأل عمر كعبا: ما عدن؟ فقال: يا أمير المؤمنين، قصور في الجنة من ~~ذهب يسكنها النبيئون والصديقون والشهداء وأئمة العدل. # وقال ابن عمر: " جنة عدن: قصر في الجنة، له خمسة آلاف باب، على كل باب ~~خمسة آلاف خيرة، لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد ". # وقوله { مفتحة لهم الأبواب } ، أي: تفتح لهم الأبواب ~~منها بغير فتح سكانها لها بيد، أو بمعاناة، ولكن تنفتح بالأمر دون ~~الفعل. # قال الحسن: " تكلم، فتتكلم، انفتحي، انغلقي ". # و " مفتحة ": نعت ل " جنتات " ، والضمير محذوف، والتقدير: مفتحة لهم ~~الأبواب منها. # ثم قال تعالى: { متكئين فيها } ، أي: في الجنات { يدعون ~~فيها بفاكهة كثيرة وشراب } ، أي: بفاكهة وشراب من الجنة ~~فيأتيهم على ما يشتهون. # ثم قال تعالى: { وعندهم قاصرات الطرف أتراب } ، أي: ~~وعند هؤلاء الذين تقدم ذكرهم نساء قصرن أطرافهن على أزواجهن فلا يردن ~~غيرهم، ولا يمددن أعينهن إلى سواهم، قاله قتادة وغيره. # وقال السدي: قصرت أطرافهن وقلوبهن وأسماعهن على أزواجهن فلا يردن ~~غيرهم. # قال مجاهد: " أتراب: أمثال ". وقال السدي: مستويات. وقيل: معناه: على سن ~~واحد. وقيل: معناه: أحباب لا يتباغضن ms2178 ولا يتعادين ولا يتغايرن ولا ~~يتحاسدن. روي ذلك (أيضا عن السدي). # وأصله في اللغة، أنهن أقران. # { هذا ذكر } تام عند أبي حاتم على أن يكون " المتقون " عام لا ~~يراد به من تقدم ذكره. # فإن أردت به من تقدم ذكره من النبيين - على معنى: هذا ذكر جميل لهؤلاء ~~الأنبياء في الدنيا، وإن لهم لحسن مصير في الآخرة - (لم تقف) على ذكر " ~~لأنه جملة واحدة في معنى واحد ". ثم قال: { هذا ما توعدون ~~ليوم الحساب }. # من قرأه بالياء، فمعناه: هذا ما يوعد هؤلاء المتقون ليوم الجزاء. # ومن قرأ بالتاء / جعله على المخاطبة، أي: هذا الذي تقدم ذكره من النعيم ~~هو ما توعدون ليوم تجزى كل نفس بما كسبت. # ثم قال: { إن هذا لرزقنا ما له من نفاد } ، أي: إن ~~ما تقدم ذكره لرزق الله عز وجل المتقين كرامة لهم ليس له من فراغ ولا ~~انقطاع، وذلك أنهم كلما أخذوا ثمرة عادت مكانتها أخرى. # ثم قال: { هذا وإن للطاغين لشر مآب } ، أي: لشر ~~مرجع ومصير ومنقلب. # ثم بين ذلك ما هو فقال: { جهنم يصلونها فبئس ~~المهاد } ، أي: فبيس الفراش الذي افترشوه لأنفسهم بأعمالهم السيئة. # والوقف على " هذا " حسن، ثم يبتدئ ب: { وإن للطاغين } ، على ~~معنى: الأمر هذا، أو على معنى: هذا الذي وصفته للمتقين. ثم يستأنف خبر ~~الطاغين وما لهم عند الله عز وجل. ### || [38.57-70] # (قوله تعالى ذكره): { هذا فليذوقوه } إلى قوله - { نذير ~~مبين }. # " هذا " مرفوع بالابتداء، و " حميم " الخبر. فلا تقف على هذا إلا على " ~~أزواج ". # ويجوز أن يكون الخبر " فليذوقوه " ، فتقف على " فليذوقوه " ويجوز أن ~~يكون (خبر ابتداء محذوف، أي: الأمر هذا)، فتقف على " هذا " إن شئت. ويجوز ~~أن يكون " هذا " في موضع نصب (بإضمار قول يفسره " فليذوقوه " ، مثل): ~~زيدا فاضربه فتقف على هذا التأويل " فليذوقوه " وترفع " حميم وغساق " ، ~~على معنى: هو حميم، أو منه حميم. # والحميم: الذي قد انتهى حره. قاله السدي. # وقال ابن زيد: الحميم: دموع أعينهم تجمع في حياض النار فيسقونه. # قال قتادة: الغساق، ما يسيل من بين ms2179 جلده ولحمه. # قال السدي: الغساق: الذي يسيل من أعينهم ودموعهم يسقونه مع الحميم. # وقال ابن زيد: هو الصديد الذي يخرج من جلودهم مما تصهرهم النار، يجمع في ~~حياض في النار فيسقونه، وقال مجاهد: الغساق: أبرد البرد. # وقال ابن عمر: هو القيح الغليظ؛ لو أن قطرة منها تهراق في المغرب لأنتنت ~~أهل المشرق، ولو تهراق بالمشرق لأنتنت أهل المغرب. # وقال كعب: " الغساق: عين في جهنم يسيل إليها حمة كل ذات حمة من ~~حية أو عقرب فتستنقع فيؤتى بالآدمي فيغمس غمسة واحدة فيخرج وقد سقط ~~جلده ولحمه عن العظام حتى يتعلق جلده إلى كعبيه وعقبيه، ويجر لحمه جر ~~الرجل ثوبه ". # وروى الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لو أن دلوا من غساق يهراق في الدنيا لأنتن ~~أهل الدنيا ". # وقيل: هو ماء قد انتهى في البرودة ضد الحميم، يحرق كما يحرق الحميم. ~~والعرب تقول: غسقت عينه، إذا سالت. # فمن شدد جعله مثل سيال، ومن خفف جعله مثل سائل. # فهو على هذا الاشتقاق ما سيل من أجسام أهل النار. ولم يعرف الكسائي ما ~~هو. ومن شدد جعله صفة، ومن خفف أجاز أن يكون صفة واسما. # ثم قال تعالى: { وآخر من شكله أزواج }. # من جمع { وآخر } حمله على لفظ " أزواج ". ومن وحد حمله على " شكله " ~~ولم يقل شكلها، فالمعنى لمن جمع { وآخر من شكله } ما ذكرنا. # وقيل: المعنى: من شكل الغساق. # وقوله: (أزواج) يريد به الحميم والغساق والآخر، فذلك ثلاثة. # قال ابن مسعود: هو الزمهرير. # والمعنى: من ضربه ومن نحوه، ومعنى " أزواج ": أنواع وألوان. # ثم قال تعالى: { هذا فوج مقتحم معكم } ، أي: هذه فرقة ~~مقتحمة معكم " في النار، وذلك دخول أمة من الكفار بعد أمة. # والتقدير: يقال هذا فوج يدخل معكم في النار، فهو قول الملائكة لأهل ~~النار حين أتوهم بفوج يدخلونه معهم. # ثم قال: { لا مرحبا بهم }. # هذا خبر من الله جل ذكره عن قول أهل النار لما قيل لهم: " هذا فوج مقتحم ~~معكم " فقالوا: لا مرحبا بهم. فهذا مثل قوله تعالى: ms2180 # كلما دخلت أمة لعنت أختها # [الأعراف: 38]. # ومعنى: { لا مرحبا بهم }: لا اتسعت مداخلهم ومنازلهم في النار. # ثم قال: { إنهم صالوا النار }. # هذا أيضا من قول المتقدمين في النار للداخلين عليهم، أي: قالوا لا ~~مرحبا بهم إنهم واردوا النار. # وقيل: هو من قول الملائكة الذين قالوا لأهل النار: " هذا فوج مقتحم معكم ~~إنهم صالو النار ". # ثم قال تعالى: { قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم } ، أي: ~~قال الفوج الداخلون على من تقدمهم لما قالوا لهم لا مرحبا بهم: بل أنتم ~~لا مرحبا بكم، أي: لا اتسعت أماكنكم بكم. # { أنتم قدمتموه لنا } ، أي: أنتم أوردتمونا هذا / العذاب ~~بإضلالكم إيانا ودعائكم إيانا إلى الكفر فاتبعناكم فاستوجبنا سكنى جهنم. # ثم قال تعالى { قالوا ربنا من قدم لنا هذا فزده ~~عذابا ضعفا في النار } ، أي: قال الفوج المقتحم: ربنا من قدم ~~لنا هذا بدعائه إيانا إلى العمل الذي أوجب لنا النار فزده عذابا ضعفا ~~في النار، أي: أضعف لهم العذاب الذي هم فيه. # وقيل: المعنى: أضعف له العذاب مرتين: عذابا بكفره، وعذابا بدعائه ~~إيانا. # ثم قال تعالى: { وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا ~~نعدهم من الأشرار } ، أي: وقال الكافرون الطاغون الذين ~~تقدمت صفتهم - وقيل: هم أبو جهل والوليد بن المغيرة وذووهما - قالوا في ~~النار: ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار، أي: كنا نعدهم في ~~الدنيا من أشرارنا - قيل: (عنوا بذلك صهيبا وخبابا) وبلالا وسلمان: ~~قاله مجاهد. # ثم قال تعالى: { أتخذناهم سخريا }. # من ضم: فمعناه: كنا نسخرهم في الدنيا ونستذلهم، ومن كسر فمعناه: كنا ~~نسخر منهم في الدنيا، وقيل: هما لغتان بمعنى الهزء والسخرية. # فالمعنى: أهم في النار لا نعرف مكانهم، أم لم تقع أعيننا عليهم؟ # ومن قرأ بقطع الألف من " اتخذناهم " ابتدأ به، ومن وصل الألف لم يبتدئ ~~به لأنه صفة للرجال، هذا قول أبي حاتم. # وتكون " أم " عديلة لاستفهام مضمر، تقديره: أمفقودون هم أم زاغت عنهم ~~الأبصار. # ويجوز أن تكون معادلة ل " ما " في قوله: " ما لنا " ، كما قال تعالى: # مالي ms2181 لا أرى الهدهد أم كان من الغآئبين # [النمل: 20]، وقال: # ما لكم كيف تحكمون * أم لكم # [القلم: 36-37]، فذلك جائز حسن. # وقد وقعت " أم " معادلة ل " من " في الاستفهام، قال الله جل ذكره: # فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من ~~يكون # [النساء: 109]. # ثم قال تعالى: { إن ذلك لحق تخاصم أهل النار } ، أي ~~إن هذا الذي أخبرتك به من خبر أهل النار لحق هو تخاصم أهل النار. # ويجوز أن تكون " تخاصم " خبرا ثانيا ل " إن " أو بدلا من " لحق " ~~أو من المضمر في " لحق ". فإن جعلته خبرا ثانيا (أو بدلا) لم تقف ~~على " لحق ". وإن جعلته مرفوعا على إضمار مبتدأ، أي: هو تخاصم، وقفت ~~إذا شئت على " لحق ". # ثم قال تعالى: { قل إنمآ أنا منذر } ، أي: نذير لكم بين يدي ~~عذاب شديد. # { وما من إله إلا الله الواحد القهار } ، أي: ~~وما من معبود تجب له العبادة إلا الله الواحد، أي: المنفرد بالعبادة ~~القهار لكل ما دونه بقدرته. # { رب السموت والأرض }: أي: ما لكهما ومالك ما بينهما من ~~الخلق. # { العزيز } ، أي: المنيع في نقمته. # { الغفار } لذنوب من تاب من كفره، وأطاع ربه. # ثم قال تعالى: - { قل هو نبأ عظيم * أنتم عنه ~~معرضون } ، أي: قل يا محمد لقومك: هذا القرآن الذي قلتم فيه: " إن ~~هذا إلا ختلاق " ، نبأ عظيم، أي: خبر عظيم، أنتم عنه معرضون، أي: ~~قد كفرتم وانصرفتم عن الإيمان به والعمل بما فيه، وقيل: المعنى: هو خبر ~~جليل، وقيل: معناه: خبر عظيم المنفعة. # ثم قال: { ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ ~~يختصمون } ، أي: قل يا محمد للمشركين الذين ينكرون ما جئتهم به ~~ويكذبونك: ما كان لي من علم بالملائكة إذ اختصموا في آدم إذ شوروا في ~~خلق آدم فاختصموا فيه، وقالوا: # أتجعل فيها من يفسد فيها # [البقرة: 30] الآيات، قاله ابن عباس وغيره. # أي: لولا (ما أوحاه) إلي ربي وأعلمني به. فإعلامي ذلك لكم دليل على صدقي ~~ونبوتي بأن هذا القرآن من عند الله عز وجل. وهذا كله معنى قول ms2182 قتادة ~~والسدي وغيرهما. # وفي الحديث: # " يختصمون في الكفارات وفي إسباغ الوضوء في ~~المكاره وانتظار الصلاة بعد الصلاة ". # قال الحسن: # " لما صعد بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء ليلة الإسراء به مر ~~في سماء منهن، فإذا هو بأصوات الملائكة يختصمون، (قال لجبريل: يا جبريل، ~~ما هذه الأصوات؟ قال: أصوات الملائكة يختصمون) في كفارات بني آدم. فقال ~~النبي عليه السلام: وما يقولون فيها؟ قال: يقولون: هي نقل الأقدام إلى ~~الجماعات (والصلوات، وإسباغ) الوضوء عند المكروهات، والتعقيب في المساجد ~~بعد الصلوات. قال: ثم أوحى الله عز وجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~ما كان لي من علم بالملأ الأعلى " # الآيتين. # وعن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " قال لي ربي: فيم يختصم الملأ الأعلى / يا محمد؟ (فقلت: أنت أعلم يا ~~رب، فقالها ثانية، فقلت: أنت أعلم يا رب. فوضع يده بين كتفي فوجدت بردها ~~بين ثديي، فعلمت ما في السماء والأرض. فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى يا ~~محمد؟ قلت: في الكفارات، فقال: وما الكفارات؟ فقلت: المشي ونقل الأقدام ~~إلى الجماعات، وإبلاغ الوضوء أماكنه في المكروهات، والجلوس في المساجد ~~خلف الصلوات قال: من فعل ذلك يعيش بخير ويموت بخير، ويكون من خطيئته كيوم ~~ولدته أمه ". # وأجاز النحاس أن يكون المعني بالاختصام قريشا لأن منهم من قال: ~~الملائكة بنات الله سبحانه وتعالى. فالمعنى على هذا: ما كان لي من علم ~~بالملائكة إذ يختصم فيهم قريش. وأجاز أن يراد بالملأ الأعلى أشراف قريش ~~يختصمون فيما بينهم فيخبر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم (بما شاء ~~من ذلك فيعلمهم النبي بذلك). # ثم قال: { إن يوحى إلي إلا أنمآ أنا نذير مبين ~~} ، أي: ما يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين عن الله عز وجل وحيه، و " ~~أنما " اسم ما لم يسم فاعله. ### || [38.71-88] # قوله: تعالى ذكره: { إذ قال ربك للملائكة } ، إلى آخر ~~السورة - أي ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون حين قال ربك ms2183 ~~للملائكة { إني خالق بشرا من طين } ، يعني بذلك خلق آدم صلى ~~الله عليه وسلم. # ثم قال: { فإذا سويته } ، أي: سويت خلقه وصورته ونفخت فيه من ~~روحي، قال الضحاك: من روحي: من قدرتي. # والأحسن في هذا وما جانسه أن يقال: إنه تعالى أضاف الروح إلى نفسه لأنه ~~إضافة (خلق إلى خالق). فالروح خلق الله أضافه إلى نفسه، على إضافة الخلق ~~إلى الخالق، كما يقال: # هذا خلق الله # [لقمان: 11] و # أرض الله # [النساء: 97] و " سماء الله " ، وشبهه كثير في القرآن، فهو كله على هذا ~~المعنى. هذا قول أهل النظر والتحقيق فافهمه. # قوله: { فقعوا له ساجدين } ، أي: خروا له سجودا. # { فسجد الملائكة كلهم أجمعون } ، يعني: ملائكة ~~السماوات والأرض. # { إلا إبليس استكبر } ، أي: تعاظم وتكبر عن السجود. # { وكان من الكافرين } ، أي: ممن كفر في علم الله السابق، قاله ~~ابن عباس. # ثم قال: { قال يإبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت ~~بيدي } ، أي: قال الله عز وجل لإبليس: (يا إبليس)، أي: شيء منعك من ~~السجود لآدم الذي خلقته بيدي. # قال ابن عمر: خلق الله أربعة بيده: العرش وعدن والقلم وآدم، ثم قال لكل ~~شيء كن فكان. # والذي عليه أهل العلم والمعرفة بالله أن ذكر اليد وإضافتها إلى الله ~~سبحانه ليست على جهة الجارحة، تعالى الله عن ذلك، ليس كمثله شيء. # وذكر اليد في مثل هذا وغيره صفة من صفات الله لا جارحة. # وقد اختلف في الترجمة عن ذلك: # فقيل: معناه: لما خلقت بقدرتي. # وقيل: بقوتي. وقيل: معناه: لما خلقته. # وذكر اليدين تأكيد، والعرب إذا أضافت الفعل إلى الرجل ذكروا اليدين. ~~تقول لمن جنى: هذا ما جنيته، وهذا ما جنته يداك. # وقد قال الله عز وجل: # فبما كسبت أيديكم # [الشورى: 30] بمعنى: بما كسبتم. (فيضاف الفعل إلى اليد والمراد صاحب ~~اليد). وإنما خصت اليد بذلك لأن بها يبطش وبها يتناول. فجرى ذلك على ~~عادة العرب. # وقوله: { أستكبرت أم كنت من العالين } ، أي: أتعاظمت ~~عن السجود لآدم أم كنت ذا علو وتكبر على ربك سبحانه ومعنى الكلام ~~التوبيخ. ms2184 # قال ابن عباس: كان إبليس من أشراف الملائكة وكان خازن الجنان، وكان ~~أمينا على السماء الدنيا والأرض ومن فيها، فأعجبته نفسه ورأى أن له ~~فضلا على الملائكة، ولم يعلم بذلك أحد إلا الله عز وجل يعني: علمه في ~~سابق علمه قبل خلقه للأشياء، وعلمه متى يكون، وعلمه وقت حدوثه في نفس ~~إبليس. فلما أمر الله عز وجل الملائكة بالسجود لآدم امتنع وتكبر. # ثم قال تعالى حكاية عن قول إبليس: { أنا خير منه خلقتني ~~من نار وخلقته من طين } ، أي: لم أترك السجود استكبارا ~~عليك، ولكن تركته لأني أفضل منه وأشرف، إذ خلقي من نار وخلقه من ~~طين، والنار تأكل الطين. # وهذا كله تقريع من الله جل ذكره وتوبيخ للمشركين إذ أبوا الانقياد ~~والإذعان لما جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم واستكبروا عن أن يكونوا ~~تبعا له، فأعلمهم الله عز وجل قصة إبليس وهلاكه باستكباره وترك إذعانه ~~لآدم. # ثم قال تعالى: { قال فاخرج منها فإنك رجيم } ، أي: ~~أخرج من الجنة فإنك مرجوم، أي ملعون، وقيل: مرجوم بالكواكب والشعب. # { وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين } ، / أي: عليك ~~إبعادي لك وطردي لك من الرحمة ومن الجنة إلى يوم يدان الناس بأعمالهم. # { قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون } ، أي: قال: ~~إبليس: يا رب أخرني ولا تهلكني إلى يوم بعث خلقك من قبورهم. # قال الله: { فإنك من المنظرين } ، أي: من المؤخرين { إلى ~~يوم الوقت المعلوم } ، فأخره الله عز وجل إلى وقت هلاكه وهو ~~يوم يموت جميع الخلق ولم يؤخر إلى وقت بعث الخلق كما سأل. فأخره الله ~~سبحانه تهاونا له لأنه لا يضل إلا من تقدم في علم الله ضلاله. # ثم قال تعالى حكاية عن قول إبليس: { قال فبعزتك ~~لأغوينهم أجمعين } ، أي: قال إبليس: فبقدرتك وسلطانك، ~~لأضلنهم باستدعائي إياهم إلى المعاصي. # { أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين } ، أي: إلا ~~عبادك الذين أخلصتهم لعبادتك وطاعتك، فلا سبيل لي إليهم. # ومن كسر اللام، فمعناه: إلا عبادك الذين أخلصوا دينهم لك. # ثم قال تعالى: { قال فالحق والحق أقول ms2185 } ، أي: قال الله: ~~فاتبعوا الحق، (أو: فاستمعوا) الحق. فهو مفعول به. ونصب " والحق أقول " ~~على إعمال " أقول " ، أي: وأقول الحق وقيل: نصبه على معنى: أحق الحق. # وأجاز الفراء وأبو عبيد أن ينتصب على إعمال " لأملأن " ، كأنه قال: ~~لأملأن جهنم حقا. ومنعه غيرهما لأن ما بعد اللام لا يعمل فيها قبلها، ولا ~~يجوز عند أحد: زيدا لأضربن. ومن رفع " فالحق " فعلى الابتداء، ~~والخبر محذوف، أي: فالحق مني. أو على إضمار مبتدأ، أي: فأنا الحق. ويجوز ~~أن يكون خبره " لأملأن ". # وأجاز الفراء " فالحق " بالخفض على حذف حرف القسم كما تقول: الله ~~لأفعلن، وأجازه سيبويه، وقيل: الفاء بدل من حرف القسم، قال مجاهد: معناه: ~~أنا الحق والحق أقول. # وقال ابن جريج: الحق مني والحق أقول. # وقال السدي: " هو قسم أقسم الله به ". # { لأملأن جهنم منك } ، أي: من نفسك ومن ذريتك، وممن تبعك من ~~بني آدم كلهم. # ثم قال تعالى: { قل مآ أسألكم عليه من أجر } ، أي: قل ~~يا محمد لمشركي قومك: ما أسألكم على ما جئتكم به من القرآن ثوابا ~~وجزاء. # { ومآ أنآ من المتكلفين } ، أي: ممن يتكلف القول من عند ~~نفسه ويتخرصه. # { إن هو إلا ذكر للعالمين } ، أي: ما هذا القرآن الذي ~~جئتكم به من عند الله إلا ذكر من الله يتذكر به جميع الخلق من الجن ~~والإنس. # { ولتعلمن نبأه بعد حين } ، أي: ولتعلمن يا قريش ~~وغيرهم من المشركين خبر هذا القرآن وحقيقته وما فيه من الوعد والوعيد يوم ~~القيامة. # قال ابن زيد: نبأه، أي: صدق ما جئتكم به من القرآن والنبوة. # قال قتادة: بعد حين: " بعد الموت ". # قال الحسن: " ابن آدم، عند الموت يأتيك الخبر اليقين " ، وعن السدي: بعد ~~حين: يوم بدر، قال ابن زيد: بعد حين: " يوم القيامة ". ### | [39 - سورة الزمر] ### || [39.1-7] # قوله تعالى { تنزيل الكتاب من الله } - إلى قوله - { ~~بذات الصدور }. # " تنزيل " رفع بالابتداء، والخبر " من الله ". # ويجوز أن يكون خبر ابتداء محذوف، أي هذا تنزيل الكتاب. # وأجاز الكسائي والفراء نصبه على أنه مفعول به، أي: اقرؤوا تنزيل واتبعوا ms2186 ~~كتاب الله تنزيل. وعلى الإغراء مثل: # كتب الله عليكم # [النساء: 24]، أي الزموا كتاب الله. # والمعنى: الكتاب الذي أنزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم هو: من ~~الله العزيز في انتقامه، الحكيم في تدبيره. # ثم قال تعالى: { إنآ أنزلنآ إليك الكتاب بالحق } ، ~~أي: أنزلنا إليك القرآن بالعدل. # روى ابن جبير عن ابن عباس أنه قال: فصل القرآن من الذكر، يعني اللوح ~~المحفوظ. قال: فوضع في بيت العزة في سما الدنيا، فجعل جبريل ينزله على ~~النبي صلى الله عليه وسلم تنزيلا. # قال سفيان: خمس آيات ونحوها، ولذلك قال تعالى: # فلا أقسم بمواقع النجوم # [الواقعة: 75] (يعني نجوم) القرآن. # قال أبو قلابة: نزل القرآن لأربع وعشرين ليلة من شهر رمضان، والتوراة / ~~لست، والإنجيل لاثنتي عشرة. # ثم قال: { فاعبد الله مخلصا له الدين } أي: فاخشع لله ~~بالطاعة وأخلص له العبادة ولا ترائي بها غير الله. # روي أنه يؤتى بالرجل يوم القيامة للحساب وفي صحيفته أمثال الجبال من ~~الحسنات، فيقول رب العزة تبارك وتعالى: أصليت يوم كذا وكذا ليقال: ~~صلى فلان! أنا الله لا إله إلا أنا لي الدين الخالص. # أتصدقت يوم كذا وكذا ليقال تصدق فلان! أنا الله لا إله إلا أنا لي ~~الدين الخالص. فما يزال يمحو بعد شيء حتى تبقى صحيفته ما فيها شيء فيقول ~~ملكاه: يا فلان، ألغير الله كنت تعمل؟. # قال السدي: الدين هنا التوحيد. # وروى أبو هريرة # " أن رجلا قال: يا رسول الله، إني أتصدق بالشيء، وأصنع الشيء أريد به ~~وجه الله وثناء الناس (!) فقال النبي: " والذي نفسي بيده، لا ~~يقبل الله تعالى شيئا شورك فيه، ثم تلا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: { ألا لله الدين الخالص } ". # قال قتادة: إلا لله الدين الخالص: شهادة إلا إله ألا الله. # ثم قال: { والذين اتخذوا من دونه أوليآء } ، أي: من ~~دون الله آلهة يتولونهم ويعبدوهم من دون الله يقولون: { ما نعبدهم ~~إلا ليقربونآ إلى الله زلفى } أي: قربة شفاعتهم ~~لنا. # وفي قراءة أبي: " ما نعبدكم ". وفي قراءة ابن مسعود: " قالوا ما ms2187 ~~نعبدهم ". # قال مجاهد: قريش تقوله للأوثان. قال قتادة: قالت قريش: ما نعبدهم إلا ~~ليشفعوا لنا عند الله، وهو قول ابن زيد. # ثم قال: { إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه ~~يختلفون } ، أي: يفصل بينهم فيما اختلفوا فيه من عبادة الأوثان. # ثم قال: { إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار } ، ~~أي: لا يهدي إلى الحق من هو مفتر على الله الكذب كافر لنعمته. # ثم قال: { لو أراد الله أن يتخذ ولدا } ، أي لو أراد ~~الله اتخاذ ولد - ولا ينبغي له ذلك - لاختار من خلقه ما يشاء. # { سبحانه } ، أي: تنزيها له أن يكون له ولد. # { هو الله الواحد } ، أي: المنفرد بالألوهية، لا شريك له في ~~ملكه. { القهار } لخلقه بقدرته. # ثم قال تعالى: { خلق السموت والأرض بالحق } ، أي ~~ابتدع ذلك بالعدل. # { يكور الليل على النهار ويكور النهار ~~على الليل } قال ابن عباس: يحمل هذا على هذا (وهذا على هذا). # وقال قتادة: يغشي هذا على هذا. # وقال السدي: يذهب هذا بهذا وهذا بهذا، وهو قول ابن زيد. # وقال أبو عبيدة: هو مثل: # " يولج الليل في النهار " # [الحج: 61]. # وأصل التكوير في اللغة: اللف والجمع. # ثم قال تعالى ذكره: { وسخر الشمس والقمر } ، أي: سخر ذلك ~~لعباده ليعلموا عدد السنين والحساب، ويتصرفوا في النهار لمعايشهم ومصالح ~~أمورهم، ويسكنون في الليل. # ثم قال: { كل يجري لأجل مسمى } إلى قيام الساعة فتكور ~~الشمس وتنكدر النجوم. # وقيل: المعنى، إن لكل واحد منازل لا يعدوها في جريه ولا يقصر دونها. # ثم قال تعالى: { ألا هو العزيز الغفار }: أي: ألا إن الله ~~الذي فعل هذه الأفعال وأنعم على خلقه بهذه النعم هو العزيز في انتقامه ~~ممن عاداه، الغفار لذنوب التائبين من عباده. # ثم قال تعالى: { خلقكم من نفس واحدة ثم جعل ~~منها زوجها } ، أي: من آدم عليه السلام وخلق حواء من ضلعه. # وإنما ذكر الخلق قبل حواء وهي قبلهم في الخلق، لأن العرب ربما أخبرت عن ~~رجل بفعلين. فترد الأول منهما على المعنى " بثم " إذا كان من خبر المتكلم ~~يقال: ms2188 قد بلغني ما كان منك اليوم ثم بما كان منك أمس أعجب. # وقيل معناه: # " ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم إن الله جل ذكره لما خلق آدم مسح ~~ظهره وأخرج كل نسمة هي كائنة إلى يوم القيامة ثم أسكنه بعد ذلك الجنة، ~~(فخلق بعد ذلك) حواء من ضلع من أضلاعه ". # وقيل المعنى: خلقكم من نفس وحدها ثم جعل منها زوجها. ثم قال تعالى: { ~~وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج } وهي المفسرة ~~في سورة الأنعام: الإبل والضأن والمعز والبقر كل زوجين ذكر وأنثى. # وإنما أخبر عنها بالنزول، لأنها إنما نشأت وتكونت بالنبات، والنبات إنما ~~نشأ وتكون بالمطر، فالمطر هو المنزل، فأخبر عما اندرج وتكون منه ~~بالإنزال. وهذا من التدريج وله نظائر كثيرة، ومنه قوله: # يبني ءادم قد أنزلنا عليكم لباسا # [الأعراف: 26] فاللباس لم ينزل لكنه تكون عما نبت بالمطر الذي هو ~~منزل، فسمي ما تكون عن المطر: منزل. # ثم قال { يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد ~~خلق } ، / أي: يبتدئ خلقكم في بطون أمهاتكم نطفه ثم علقة ثم مضغة ثم ~~عظاما، ثم يكسو العظام لحما ثم ينشئه خلقا آخر فتبارك الله أحسن ~~الخالقين، هذا قول جماعة المفسرين إلا ابن زيد فإنه قال: معناه، يخلقكم ~~في بطون أمهاتكم خلقا من بعد الخلق الأول في الأصلاب. # وقوله: { في ظلمات ثلاث } ، يعني به ظلمة البطن وظلمة ~~الرحم وظلمة المشيمة، هذا قول جميع المفسرين إلا أبا عبيدة فإنه ~~قال: هي ظلمة الصلب ثم ظلمة الرحم ثم ظلمة البطن. # ثم قال: { ذلكم الله ربكم } ذا: إشارة إلى اسم الله جل ~~ذكره، والكاف والميم للمخاطبة. # والمعنى: الذي فعل هذه الأشياء الله ربكم لا الأوثان التي تعبدونها لا ~~تضر ولا تنفع. # { له الملك لا إله إلا هو } ، أي: لا ينبغي أن يكون ~~معبودا سواه، له ملك كل شيء. # { فأنى تصرفون } ، أي: كيف تصرف عقولكم عن هذا ومن أين ~~تعدلون عن الحق بعد هذا البيان. # ثم قال تعالى: { إن تكفروا فإن الله غني عنكم }. # قال ابن عباس: ms2189 هو خاص (عنى به الكفار الذين) لم يرد الله أن يطهر ~~قلوبهم. # وقوله: { ولا يرضى لعباده الكفر } ، أي: لعباده الذين ~~أخلصهم لطاعته وحبب إليهم الإيمان. # وقيل: هو عام للجميع, وهو الاختيار، إذ ليس يرضى الله الكفر لأحد من ~~خلقه. # فإن جعلت " يرضى " بمعنى: يريد حسن القول الأول، وفيه نظر. # ثم قال تعالى: { وإن تشكروا يرضه لكم } ، أي: إن تطيعوه ~~يرضه لكم. # ثم قال: { ولا تزر وازرة وزر أخرى } ، أي لا يحمل أحد ~~ذنبا عن أحب، ولا يؤخذ أحد بذنب أحد. # ثم قال تعالى { ثم إلى ربكم مرجعكم } ، أي: مصيركم ~~إليه في الآخرة فيخبركم بما كنتم تعملون في الدنيا من خير وشر فيجازيكم ~~عليه، ولا يخفي عليه من أمركم شيء. # { إنه عليم بذات الصدور } ، أي: عليم بما أضمرتم في ~~الصدور وغير ذلك مما ظهر وبطن، فلا يخفي عليه شيء من أعمالكم بل يجازيكم ~~بها: المحسن بالإحسان، والمسيء بما يستحقه ويجب عليه. ### || [39.8-13] # قوله تعالى: { وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه } - إلى ~~قوله - { عذاب يوم عظيم }. # أي: إذا مس الإنسان ضر في بدنه أو شدة أو ضيق استغاث بربه الذي خلقه في ~~كشف ما نزل به، تائبا إليه مما كان عليه قبل ذلك من الكفر والشرك. ~~قال قتادة: منيبا إليه: مخلصا. # وقوله { ثم إذا خوله نعمة منه } ، أي: أعطاه عافية ~~وفرجا مما نزل به. # يقال لمن أعطي غيره عطية: قد خوله كذا وكذا. # وقوله: { نسي ما كان يدعو إليه من قبل } ، أي: ترك ~~دعاءه الذي كان يدعو إلى الله من قبل أن يكشف ما كان به، و " ما " والفعل ~~مصدر، والمعنى: ترك كون الدعاء منه إلى الله عز وجل. ومن جعلها بمعنى " ~~الذي " جعل " ما " لمن يعقل فيكون لله سبحانه. # والمعنى: ترك ما كان يدعو الله من قبل كشف الضر عنه. # ثم قال تعالى: { وجعل لله أندادا } ، أي: شركاء. قال السدي: ~~هذا كله في الكافر خاصة. # قال السدي: الأنداد هنا من الرجال يطيعونهم في معاصي الله جل ذكره. ~~وقيل: الأنداد: الأوثان. # ثم ms2190 قال: { ليضل عن سبيله } من ضم الياء، فمعناه: فعل ذلك ~~ليزيل الناس عن توحيد الله سبحانه والإقرار به والدخول في دينه، ومن فتح ~~الياء، فمعناه: ليضل في نفسه عن دين الله سبحانه. # والتقدير: إنه لما كان أمره لعبادة الأوثان يؤول إلى الضلال كان كأنه ~~إنما فعل ذلك ليصير ضالا. وقد تقدم شرح هذا بأبين من هذا. # ثم قال تعالى: { قل تمتع بكفرك قليلا إنك من ~~أصحاب النار } ، أي: قل يا محمد لهذا الكافر (لنعم الله) تمتع ~~بكفرك إلى أن تستوفي أجلك إنك في الآخرة من الماكثين في النار. # وهذا لفظ معناه التهدد والوعيد، مثل قوله: # فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر # [الكهف: 29]. # ثم قال: { أمن هو قانت آنآء اليل ساجدا وقآئما } ~~من خفف " من " جعله نداء أو رفعه بالإبتداء، ويكون الخبر محذوفا. ~~والتقدير: أهذا أفضل (أومن) جعل لله أندادا. # ومن شدد ف " من " في موضع رفع بالابتداء والخبر محذوف على ما قدمنا في ~~التخفيف. # وقيل التقدير: أهذا المذكور أفضل أم من هو قانت لأنه ذكر من جعل لله ~~أندادا ليضل عن سبيله. # ثم قال: { أمن هو قانت } ، أي: أهذا المذكور أفضل أم من هو ~~قانت؟ ودل على ذلك قوله: # قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون # [الزمر: 9]. # وقيل: " أم " بمعنى / الألف، كأنه قال: أمن هو قانت، ويكون الجواب ~~مضمرا بعده كأنه قال: أم من هو قانت كمن مضت صفته من الكفار. # قال ابن عباس: القنوت هنا: قراءة القرآن. # وآناء الليل: ساعاته، واحدة، أني كمعي وفيه وجوه قد تقدم ذكرها. # وقيل القنوت: الطاعة، وهو أصله. # وروى الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " كل قنوت في القرآن فهو طاعة لله عز وجل ". # وروى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: # " أي الصلاة أفضل؟ قال: طول القنوت " # فتأوله جماعة من أهل العلم أنه طول القيام. # وسئل ابن عمر عن القنوت، فقال: " ما أعرف القنوت إلا طول القيام، وقراءة ~~القرآن. # وقال مجاهد: من القنوت: طول الركوع، وغض الطرف. # ويروى أن ms2191 هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه. # وعن ابن عمر: إنها نزلت في عثمان رضي الله عنه. # وكانوا يستحبون حسن الملبس في الصلاة. # روى نافع أن ابن عمر قال له: قم فصل. قال نافع: فقمت أصلي - وكان علي ~~ثوب خلق - فدعاني ابن عمر فقال لي: أرأيتك لو وجهتك في حاجة وراء الجدار، ~~أكنت تمضي هكذا؟! قال: فقلت: كنت أتزين! قال: فالله جل وعز أجل أن يتزين ~~له!!. # قوله: { ساجدا وقآئما } ، أي: يقنت ساجدا أحيانا وقائما ~~أحيانا { يحذر الآخرة }. # أي: عذاب الآخرة. # { ويرجوا رحمة ربه } ، أي: يرجو أن يرحمه ربه فيدخله ~~الجنة. # ثم قال تعالى: { قل هل يستوي الذين يعلمون والذين ~~لا يعلمون }. أي: قل يا محمد لقومك: هل يستوي الذين يعلمون ما لهم ~~في طاعة الله عز وجل من الثواب وما عليهم في معصيته من العقاب، والذين لا ~~يعلمون ذلك. # يعني: من يؤمن بالبعث والحساب والجزاء والذين لا يؤمنون بذلك. فالمعنى: ~~لا يستوي المطيع والعاصي. # وقيل: الذين يعلمون هم الذين ينتفعون بعلمهم، والذين لا يعلمون هو من لا ~~ينتفع بعلمه، ومن لا علم عنده. # ثم قال: { إنما يتذكر أولوا الألباب } ، أي: إنما ~~يعتبر حجج الله عز وجل فيتعظ بها ويتدبرها أصحاب العقول والبصائر. # ويقف القارئ على " رحمة ربه " إن شدد الميم، لأن الخبر المحذوف مقدر ~~قبل " قل هل ". # ومن خفف وجعل " من " مرفوعة بالابتداء وقف أيضا على " ربه " ويقدر ~~الخبر أيضا محذوفا قبل " قل هل ". # ومن جعله نداء لم يقف على " ربه " ، لأن " قل هل " متصل بالمنادي. # والمعنى: يا من هو قانت قل هل، فإن قدرت محذوفا تتم به فائدة النداء، ~~وقفت على " ربه ". # والتقدير: " يا من هو قانت أبشر، ثم تبتدئ " قل هل ". # ثم قال تعالى: { قل يعباد الذين آمنوا اتقوا ربكم ~~}. # روى الشموني عن الأعمش عن أبي بكر: " يا عبادي " بياء مفتوحة. # والمعنى: قل يا محمد لعبادي المؤمنين: يا عباد الذين آمنوا، أي: صدقوا ~~بالله ورسوله. # { اتقوا ربكم } ، أي: اتقوه بطاعته واجتناب معاصيه. # ويروى أن ms2192 هذه الآية نزلت في جعفر بن أبي طالب (الطيار في الجنة) ~~وأصحابه من المؤمنين لما قيل لهم: { وأرض الله واسعة } ، ~~خرجوا مهاجرين من مكة إلى أرض الحبشة، وقيل لهم: { إنما يوفى ~~الصابرون أجرهم بغير حساب } ، يعني: الصابرين على دينهم ~~يفرون به من بلد إلى بلد. # ثم قال: { للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة } ، ~~أي: للذين أطاعوا الله في الدنيا، حسنة في الدنيا وهي العافية والصحة، ~~قاله السدي. # وقيل: الحسنة التي لهم في الدنيا: موالاة الله إياهم وثناؤه عليهم. # وقيل: المعنى: للذين أطاعوا الله في الدنيا حسنة في الآخرة، وهي الجنة. # وقوله: { وأرض الله واسعة } ، يعني: أرض الجنة. # وقيل: المعنى: أرض الدنيا واسعة، فهاجروا من أرض الشرك إلى أرض السلام. # قال مجاهد في قوله تعالى: { إن أرضي واسعة } أي: أرض الدنيا ~~واسعة فهاجروا واعتزلوا الأوثان. # وقيل: المعنى: أرض الجنة واسعة لمن طلبها وعمل لها. # ثم قال تعالى: { إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير ~~حساب } ، أي: إنما يعطي الله أهل الصبر على طاعته أجرهم في الآخرة ~~بغير حساب. # قال قتادة: ما هناكم مكيال ولا ميزان، وقال السدي: ذلك في الجنة. # قال مالك، " هو الصبر على فجائع الدنيا وأحزانها، وقد بلغني أن الصبر من ~~/ الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ". # " وروى نافع عن ابن عمر أنه قال: لما نزلت { مثل الذين ~~ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة } ~~الآية: قال النبي صلى الله عليه وسلم: رب زد أمتي. فنزلت: { من ذا ~~الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضعفه له } فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: يا رب زد أمتي، فنزلت: { إنما يوفى ~~الصابرون أجرهم بغير حساب } ". # وقيل " بغير حساب ": بغير تقدير. # وقيل: المعنى، يزاد في أجره بغير مطالبة على ما أعطي كما يطالب بالشكر ~~على نعيم الدنيا. # ويقال: (فلان صابر): إذا صبر عن المعاصي، فإن أردت أنه صابر على ~~المصيبة، قلت: صابر على كذا. # ثم قال تعالى: { قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا ~~له الدين } ، أي قل يا محمد لقومك: إن الله أمرني أن أخلص ms2193 له ~~العبادة والطاعة، ولا نشرك في عبادته أحدا من أوثانكم وآلهتكم ولا من ~~غيرها. # { وأمرت لأن أكون أول المسلمين } ، أي: وأمرني الله ~~لأن أكون أول من أسلم منكم، وأخضع له بالتوحيد، وأخلص له العبادة. # واللام في " لأن " تدل على محذوف تقديره: وأمرت بذلك لأن أكون أول من ~~أسلم. # ثم قال تعالى: { قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب ~~يوم عظيم } ، يعني: يوم القيامة - أي، إن عصيته فيما أمرني به ~~عذبني. ### || [39.14-21] # قوله تعالى ذكره: { قل الله أعبد مخلصا له ديني } - ~~إلى قوله - { لأولي الألباب } ، أي: قل يا محمد لقومك: أعبد الله ~~مخلصا له عبادتي لا أشرك في عبادتي له، بل أفرده بالعبادة من الأنداد ~~والشركاء. # ثم قال: { فاعبدوا ما شئتم من دونه } ، هذا تهدد أيضا ~~ووعيد. # والمعنى: اعبدوا ما أحببتم ستعلمون وبال عاقبة عبادتكم إذا لقيتم ربكم. ~~وهذا كله قبل أن يؤمر بالقتال. # ثم قال تعالى: { قل إن الخاسرين الذين خسروا ~~أنفسهم وأهليهم يوم القيامة } ، (أي: قل يا محمد ~~لهؤلاء المشركين: إن الخاسرين في الحقيقة هم الذين خسروا) أنفسهم ~~بإيرادهم إياها في العذاب الدائم، وخسروا أهليهم، فليس لهم أهل. # قال ابن عباس: هم الكفار، خلقهم الله للنار وخلق النار لهم، فخسروا ~~الدنيا والآخرة. # وعن ابن عباس أنه قال: ليس من أحد إلا وقد خلق الله له زوجه في الجنة، ~~فإذا دخل النار خسر نفسه وأهله، وكذلك قال قتادة. # ثم قال تعالى ذكره: { ألا ذلك هو الخسران المبين } ، ~~أي: ألا إن خسارة هؤلاء المشركين (لأنفسهم وأهلهم) يوم القيامة، هو ~~الخسران الظاهر. # ثم قال تعالى: { لهم من فوقهم ظلل من النار ومن ~~تحتهم ظلل } أي: لهؤلاء في جهنم ما يعلوهم مثل الظل، وما يسفل ~~عنهم مثل الظل، وهو مثل قوله: # لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش # [الأعراف: 41]. # وقيل: هو توسع، أصل الظلة: ما كان من فوق دون ما كان من أسفل. # وقيل: إنما سمى ما تحتهم: ظلل لأنها ظلل لمن تحتها ففوقهم ظلل لهم، وهي ~~ظلل لمن فوقهم أيضا سميت لمن ms2194 هو فوقهم ظلل لأنها ظلل لمن تحتهم. # وقيل: إنما سمي الأسفل باسم الأعلى، على نحو قوله: # وجزآء سيئة سيئة مثلها # [الشورى: 40] سمي المجازي به باسم الأول، كذلك سمى الأسفل باسم الأعلى ~~على طريق المجازاة لما كان الأسفل نارا مثل الأعلى سمي باسمه لأنه كله ~~نار يحادي الأخرى. # ثم قال: { ذلك يخوف الله به عباده } ، أي: هذا الذي ~~أخبرتم به أيها الناس يخوف الله به عباده ويحذرهم به. # { يعباد فاتقون }. # روى عصمة أن أبا عمرو أثبت الياء في " يا عبادي " ساكنة، وروى عياش بفتح ~~الياء. # والمعنى: يا عباد فاتقون بأداء الفرائض واجتناب المحارم. # ثم قال تعالى: { والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها ~~} ، أي: والذين اجتنبوا عبادة الطاغوت وهو كل ما يعبد من دون الله. # وقيل: هو إبليس اللعين. # قال الأخفش: " الطاغوت جمع. ويجوز أن يكون واحدة مؤنثة " وقال الزجاج: ~~الطاغوت: الشياطين. # ويروى أن هذه الآية نزلت في عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وسعد ~~وسعيد وطلحة والزبير رضي الله عنهم لما آمن أبو بكر بالنبي صلى الله عليه ~~وسلم وصدقه أتاه هؤلاء فسألوه فأخبرهم بإيمانه فآمنوا وصدقوا، فنزل ~~فيهم: { والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها } الآية. # / ونزل فيهم: # { فبشر عباد * الذين يستمعون القول ~~فيتبعون أحسنه }. # قال مالك: الطاغوت: (ما يعبد) من دون الله. # ثم قال تعالى: { وأنابوا إلى الله } ، أي: تابوا ورجعوا عن ~~معاصيه وأجابوا داعيه. # لهم البشرى: قال السدي: لهم البشرى في الدنيا بالجنة في الآخرة. # ثم قال تعالى: { فبشر عباد * الذين يستمعون القول ~~فيتبعون أحسنه }. # روى أبو عبد الرحمن وأبو حمدون عن اليزيدي " عبادي " بياء مفتوحة في ~~الوصل، وبغير ياء في الوقف اتباعا للخط، وحكى ذلك أيضا ابن واصل عن ~~اليزيدي، (وكذلك حكى إبراهيم بن اليزيدي (وابن سعدان) كلاهما عن ~~اليزيدي). # ولم يذكر ابن سعدان الوقف ولا ابراهيم. # وأنكر أبو عبد الرحمن الوقف بغير ياء، وقال: لا بد من الوقف بالياء ~~لتحركها. # وقد روى الشموني عن الأعمش عن أبي بكر " عبادي " بياء مفتوحة. # ومعنى الآية: فبشر يا محمد عبادي الذين ms2195 يستمعون القول فيتبعون أرشده ~~وأهداه الى الحق وأدله على توحيد الله عز وجل والعمل بطاعته. # وقال السدي: معناه: فيتبعون أحسن ما يؤمرون به فيعملون به. # وقال الضحاك: القول هنا: القرآن. # ومعنى: { فيتبعون أحسنه } ، أي: يتبعون ما أمر الله به ~~الأنبياء من طاعته فيعملون به أي: يستمعون العفو عن الظالم والعقوبة، ~~فيتبعون العفو ويتركون العقوبة وإن كانت لهم. وإنما نزل ذلك فيما وقع في ~~القرآن في الإباحة فيفعلون الأفضل مما أبيح لهم فيختارون العفو على ~~القصاص والصبر على الانتقام اقتداء بقوله تعالى: # ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور # [الشورى: 43]. # وقيل: المعنى: يستمعون القرآن وغيره فيتبعون القرآن. # ثم قال: { أولئك الذين هداهم الله } ، أي: وفقهم الله ~~للرشاد وإصابة الحق { وأولئك هم أولوا الألباب } ، أي: ~~العقول. ولب كل شيء: خالصه. # وروي أن هذه الآية نزلت في رهط معروفين وحدوا الله وتبروا من عبادة كل ~~ما دون الله قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم وهم فيما روى زيد بن ~~أسلم: زيد بن عمرو بن نفيل وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي كانوا في ~~الجاهلية يقولون: لا إله إلا الله. # فيكون المعنى: والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها في جاهليتهم وأنابوا ~~إلى الله سبحانه، أي: رجعوا إلى توحيد الله عز وجل. # وقوله: { فيتبعون أحسنه } ، هو: لا إله إلا الله. # { أولئك الذين هداهم الله } ، أي: أرشدهم بغير كتاب ~~ولا نبي. # وقوله: { فبشر عباد } تمام عند أبي حاتم وغيره، لأنه رأس آية. # ورفع " الذين " بإضمار رافع، أو بنصبهم على إضمار ناصب. # ثم قال تعالى: { أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت ~~تنقذ من في النار } أي: أفأنت تنقذه. # ودخلت الألف في الخبر للتأكيد. # وقيل: الخبر محذوف، والتقدير: أفمن حق عليه كلمة العذاب يتخلص أو ينجو، ~~أي: أفمن سبق في علم الله أنه يدخل النار ينجوا أو يتخلص. # قال قتادة معناه: أفمن حق عليه كلمة العذاب بكفره أفأنت يا محمد تنقذه ~~من العذاب. # وقيل: هو جواب لقصة محذوفة، كان النبي صلى الله عليه وسلم، دعا لقوم من ms2196 ~~الكفار أن يرزقوا الإيمان. فقيل له: أفتدعو لمن حق عليه العذاب، أفأنت ~~تنقذ من في النار. # ثم قال: { لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من ~~فوقها غرف } ، أي: اتقوه بأداء فرائضه واجتناب محارمه لهم في ~~الجنة غرف { فوقها غرف }. # قال الزجاج: معناه: لهم في الجنة منازل رفيعة فوقها منازل أرفع منها. # { تجري من تحتها الأنهار } ، أي: من تحت أشجارها. # ثم قال تعالى: { وعد الله لا يخلف الله الميعاد } ، ~~أي: وعد الله ذلك وعدا. # وسيبوية يسميه مصدرا مؤكدا بمنزلة: صنع الله وكتاب الله. # وأجاز أبو حاتم الوقف على " الأنهار " وهو غير جائز على مذهب سيبوية لأن ~~ما قبل " وعد " يعمل فيه لقيامه مقام العامل. # ثم قال تعالى: { ألم تر أن الله أنزل من السمآء ~~مآء فسلكه ينابيع في الأرض } ، أي: أنزل من السماء مطرا ~~فأجراه عيونا. # قال الحسن: هو العيون، وقال الشعبي: كل عين في الأرض من السماء نزل ~~ماؤها. # وقيل، المعنى: أنزل من السماء مطرا فأدخله في الأرض فجعله الينابيع، ~~أي: عيونا. # والمعنى / كالأول سواء، وواحد الينابيع ينبوع. # ثم قال { ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه } ، أي: ~~يخرج بالماء أنواعا من الزرع من بين شعير وحنطة وسمسم وأرز ونحو ذلك من ~~الأنواع، هذا قول الطبري واختياره. # وقال غيره: معنى مختلفا ألوانه: أخضر وأسود وأصفر وأبيض. # وقوله: { ثم يهيج } ، أي: يجف عند تمامه. # قال الأصمعي: يقال للنبات إذ تم، قد هاج يهيج هيجا. # وحكى المبرد عنه: هاجت الأرض تهيج إذا أدبر نبتها وولى. # وقوله: { فتراه مصفرا } ، أي: قد يبس فصار أصفر بعد خضرته ~~ورطوبته.. # { ثم يجعله حطاما } ، أي: فتاتا، يعني: تبن الزرع والحشيش. # ثم قال تعالى: { إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب } ، ~~اي: إن في فعل ذلك والقدرة عليه لتذكرة وموعظة لأصحاب العقول فيعلمون أن ~~من قدر على ذلك لا يتعذر عليه ما شاء من إحياء الموتى وغير ذلك. ### || [39.22-28] # قوله تعالى ذكره: { أفمن شرح الله صدره للإسلام } - ~~إلى قوله - { لعلهم يتقون }. # في هذه الآية حذف واختصار لدلالة الكلام عليه على ms2197 مذاهب العرب. # والتقدير: أفمن شرح الله صدره فاهتدى، كمن طبع على قلبه فلم يهتد ~~لقسوته. ثم بين ذلك بقوله: { فويل للقاسية قلوبهم من ~~ذكر الله } ، أي: عن ذكر الله عز وجل فلا يثبت ذكر الله سبحانه ~~فيها. # وقيل: الجواب والخبر: { أولئك في ضلال مبين }. # وقوله: { فهو على نور من ربه } معناه: على بصيرة ويقين ~~من توحيد ربه. # ويروى أن قوله: { أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو ~~على نور من ربه } نزلت في حمزة وعلي رضي الله عنهما. # وقوله: { فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله } ~~نزلت في أبي لهب وولده قال قتادة: { فهو على نور من ربه } ~~، يعني به: كتاب الله عز وجل، المؤمن به يأخذ وإليه ينتهي. # " وروي أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالو له: " أو ينشرح ~~القلب "!؟ # قال: نعم. إذا أدخل الله فيه النور انشرح وانفسح. # قالوا: فهل لذلك من علامة تعرف؟ # قال: نعم، التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى ~~دار الخلود والاستعداد للموت قبل الموت ". # قال المبرد، يقال: (قسا وعتا) إذا صلب، وقلب قاس لا يلين ولا يرق. # فالمعنى: فويل للذين جفت قلوبهم عن قبول ذكر الله عز وجل وهو القرآن ~~فلم يؤمنوا به ولا صدقوه. # قال الطبري: " من " هنا، بمعنى: " عن " ، أي: عن ذكر الله. # فيكون المعنى: غلظت قلوبهم وصلبت عن قبول ذكر الله. # وقيل: " من " على بابها. # والمعنى: كلما تلي عليهم من ذكر الله قست قلوبهم. # ثم بين حالهم فقال: { أولئك في ضلال مبين } ، أي: في ~~ضلال عن الحق ظاهر. # ومن جعل جواب: { أفمن شرح } محذوفا وقف على { نور من ~~ربه }. # ومن جعل الجواب: { أولئك في ضلال } لم يقف عليه. # ثم قال: { الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها ~~مثاني } ، أي: يشبه بعضه بعضا لا اختلاف فيه ولا تضاد، هذا قول ~~قتادة والسدي. # وقال ابن جبير: يشبه بعضه بعضا ويصدق بعضه بعضا ويدل بعضه على بعض. # وقوله: { مثاني } معناه: ثنى فيه الأخبار والقصص والأحكام والحجج. # وقال الحسن وعكرمة: " ثنى الله عز وجل فيه القضاء ". # وقال ms2198 قتادة: ثنى الله فيه ذكر الفرائض والقضاء والحدود. # وقال ابن عباس: ثنى الله عز وجل (الأمر فيه) مرارا. # وقيل: مثاني: ثنى فيه ذكر العقاب والثواب والقصص. # وقيل: المثاني، كل سورة فيها أقل من مائة آية أي: ثنى في الصلاة. # ثم قال تعالى: { تقشعر منه جلود الذين يخشون ~~ربهم } ، أي: تقشعر من سماعه إذا تلي وذكر فيه العذاب والعقاب خوفا ~~وحذرا. # وقوله: { ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ~~ذكر الله } ، أي: إلى العمل بما في كتاب الله عز وجل والتصديق به. # وقيل: تلين إلى ذكر الثواب والرحمة والمغفرة، وتقشعر إلى ذكر (العقاب ~~والعذاب). # روى ابن عباس أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله، ~~لو حدثتنا. فنزلت: { الله نزل أحسن الحديث كتابا ~~متشابها مثاني } الآية. # ثم قال تعالى: { ذلك هدى الله } ، أي: ما يصيب هؤلاء القوم من ~~اقشعرار جلودهم عند سماع العقاب ولينها عند سماع الثواب هو هدى الله / ~~وفقهم لذلك. # { يهدي به من يشآء } ، أي: يهدي بالقرآن من يشاء. # وقيل: ذلك هدى الله إشارة إلى القرآن، فيكون المعنى: ذلك القرآن بيان ~~الله يوفق به من يشاء. # ثم قال تعالى: { ومن يضلل الله فما له من هاد } ، أي: ~~من يخذل الله عن التوفيق فما له من موفق. # وقوله: (مثاني) وقف إن قطعت " تقشعر " مما قبله. # وإن جعلته نعتا " للكتاب " لم يجز الوقف على " مثاني ". # ثم قال تعالى: { أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم ~~القيامة } " من " بمعنى " الذي " مرفوعة بالابتداء والخبر محذوف. # والتقدير عند الأخفش: أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب أفضل، أم من يتقيه. # وقيل: التقدير: أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب خير أم من ينعم في الجنان. # وقيل: التقدير: كمن يدخل الجنة، وقيل: التقدير: كمن هداه الله فأدخله ~~الجنة، وقيل: التقدير: كمن لا يصيبه العذاب. # وهذه المعاني كلها قريب بعضها من بعض وإن اختلفت الألفاظ. # (وقيل معنى) الآية: أفمن يرمى به مكبوبا على وجهه في جهنم. # قال مجاهد: " يجر على وجهه في النار ". # وقيل: المعنى: إنه ينطلق به إلى ms2199 النار مكتوفا ثم يرمى به فيها. فأول ما ~~تمس النار وجهه، روى ذلك عن ابن عباس. # وقيل: يرمى بالكافر في النار مغلولا فلا يقدر أن يتقي إلا بوجهه. # وقيل: الإتقاء في هذا بمعنى الاستقبال كرها. # وخص الوجه لأنه أعز ما في الإنسان على الإنسان وفيه الحواس الخمس. # تقول العرب: اتقيت فلانا بحقه، أي: استقبلته به. # وقد كان الإنسان في الدنيا يتقي عن وجهه السوء بجميع جوارحه لشرفه وعزته ~~عليه. فأعلمنا الله عز وجل أن الوجه هو أعز الجوارح به يتقي الكافر سوء ~~العذاب يوم القيامة، فما ظنك بجميع الجوارح التي هي دون الوجه، أعاذنا ~~الله من ذلك ونجانا منه. # ثم قال تعالى: { وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم ~~تكسبون } ، أي: وقيل للظالمين أنفسهم ذوقوا عقاب كسبكم في الدنيا ~~معاصي الله سبحانه. وهذا فعل ماض عطف، وليس قبله ما يعطف عليه، ~~لكنه محمول على المعنى والحكاية. والتقدير: ويقال ذلك يوم القيامة. # ثم قال: { كذب الذين من قبلهم فأتاهم العذاب ~~من حيث لا يشعرون } أي: كذبت الأمم رسلهم من قبل هؤلاء ~~المشركين فجاءهم عذاب الله من حيث لا يعلمون بمجيئه. # { فأذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا } ، أي: ~~عجل لهم الهوان والعذاب في الدنيا قبل الآخرة، ولعذاب الله إياهم في ~~الآخرة أكبر من العذاب الذي نالهم في الدنيا لو كانوا يعلمون ذلك. # والخزي، أصله: المكروه، وهو أشد الهوان وأبلغه. # قال المبرد: " يقال لكل ما نال الجارحة من شيء قد ذاقته، أي: وصل إليها ~~كما تصل الحلاوة والمرارة إلى الذائق لهما ". # ثم قال تعالى: { ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن ~~من كل مثل } ، أي: ولقد مثلنا للناس، يعني: المشركين في هذا ~~القرآن من كل مثل من مثال القرون الخالية تخويفا وتحذيرا { لعلهم ~~يتذكرون } فيرجعون عما هم عليه من الكفر والشرك. # ثم قال: { قرآنا عربيا غير ذي عوج }. # نصب " قرآنا " عند الأخفش على الحال. # وقال علي بن سليمان: " عربيا " هو الحال، " وقرءانا " توطئة للحال ~~(كما تقول مررت بزيد رجلا صالحا، " فصالح " هو المنصوب على الحال ~~ورجلا ms2200 توطئة للحال). # قال الزجاج: " عربيا ". منصوب على الحال، " وقرآنا " توكيد. # وقوله: { غير ذي عوج }. قال مجاهد: معناه، " غير ذي لبس " # وقال الضحاك غير مختلف. # وقال ابن عباس: غير مخلوق. # ثم قال: { لعلهم يتقون } أي: يتقون ما حذرهم الله عز وجل ~~من بأسه وعذابه. ### || [39.29-35] # قوله (تعالى ذكره): { ضرب الله مثلا رجلا فيه شركآء ~~} - إلى قوله - { بأحسن الذي كانوا يعملون }. # هذا مثل للمؤمن والكافر، فالكافر يعبد أربابا كثيرة مختلفين من ~~الشياطين والأصنام. فهو بينهم مقسم وجميعهم مشتركون فيه. # والمؤمن يعبد الله وحده لا شرك لأحد فيه، قد سلم له عبادته فهو سالم من ~~الإشراك. # قال الفراء: متشاكسون: مختلفون: هذا معنى قول قتادة وهو قول ابن عباس، ~~وقال مجاهد والضحاك هو مثل للحق والباطل، والشركاء: الأوثان. # قال الزجاج: ضرب هذا المثل لمن وحد الله عز وجل (ولم يجعل معه شريكا). # فالذي وحد الله / مثله مثل السالم لرجل لا يشركه فيه غيره. # ومثل الذي عبد غير الله مثل صاحب الشركاء المتشاكسين، أي: المختلفون ~~العسرون. # وحكى المبرد: متشاكسون: متعاسرون، من شكس يشكس وهو شكس، مثل عسر ~~يعسر فهو عسر. يقال: رجل شكس أي: عسير لا يرضى بالإنصاف. # وقوله: { هل يستويان مثلا } ، أي: هل يستوي من يخدم جماعة هم ~~فيه شركاء قد اختلفت مراداتهم فيلقى من (التعب والنصب ما لا قوام) له به ~~من غير أن يبلغ رضى الجميع، أو الذي يخدم واحدا لا ينازعه فيه منازع، ~~إذا أطاع عرف موضع طاعته فأكرمه، وإذا أخطأ صفح له عن خطئه. # فالمعنى: أي هذين أحسن حالا وأروح جسما. # قال ابن عباس: هل يستويان مثلا، أي: هل يستوي من اختلف فيه ومن لم ~~يختلف فيه. # ثم قال { الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون } ، أي: ~~الشكر لله كله والحمد كله له دون من سواه، بل أكثر هؤلاء المشركين لا ~~يعلمون الفرق بين من فيه أرباب مشتركون ومن ليس له إلا رب واحد. فلجهلهم ~~يعبدون آلهة شتى. # ومعنى: ضرب الله مثلا " (مثل الله مثلا). # وقال " مثلا " ولم يقل " مثلين " لأنهما ms2201 كليهما ضربا مثلا واحدا فجرى ~~المثل فيهما بالتوحيد لذلك كما قال تعالى: # وجعلنا ابن مريم وأمه آية # [المؤمنون: 50]. # ولم يقل آيتين إذ كان معناهما واحدا في الآية. # ثم قال: { إنك ميت وإنهم ميتون } ، أي: إنك يا محمد ~~ستموت عن قليل، وإن هؤلاء المكذبين لك من قومك والمؤمنين منهم سيموتون. # { ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون } ~~، (قال ابن عباس يخاصم الصادق الكاذب، والمظلوم الظالم، والمهتدي الضال). # وقال ابن زيد وابن جبير: يختصم أهل الإسلام وأهل الكفر. # وقال ابن عباس: بلغ من الخصومة يوم القيامة حتى إن الروح ليخاصم الجسد. ~~فيقول الروح: رب، هذا الذي عمل العمل فخلد عليه العذاب. # فيقول الجسد: رب، وما كنت أنا، به كنت أبسط، وبه كنت أقبض، وبه كنت ~~أعمل، وبه كنت أقوم وأقعد، فخلد عليه العذاب. # فيقال لهما: أرايتما لو أن اعمى وصحيحا دخلا حائطا مثمرا، فقال ~~البصير: لا أناله. فقال الأعمى: أنا أحملك على عنقي (حتى تناله ~~فتأخذ): فحمله حتى أخذ من التمر، فأكلا جميعا، على من يكون العذاب؟ ~~فيقول: عليهما جميعا!. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " أول ما يقضى فيه بين الناس يوم القيامة في ~~الدماء ". # وقيل: هو اختصام أهل الإسلام فيما بينهم. # وروي عن ابن عمر أنه قال: نزلت هذه الآية (وما ندري ما تفسيرها حتى وقعت ~~الفتنة، فقلنا: هذا الذي وعدنا ربنا أن نختصم فيه. وقال النخعي: لما نزلت ~~هذه الآية) قالوا ما خصومتنا بيننا ونحن إخوان؟ # قال: فلما قتل عثمان رضي الله عنه قالوا: هذه خصومتنا بيننا. # قال: أبو العالية: هم أهل القبلة يختصمون يوم القيامة في مظالم بينهم. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الآية: # " يختصمون في الدماء في الدماء " # قاله مرتين). # " وروي عن الزبير أنه قال: يا رسول الله، أنختصم يوم القيامة بعدما كان ~~بيننا؟ قال: " نعم، حتى يؤدى إلى كل ذي حق حقه ". قال الزبير: إن الأمر ~~إذن لشديد ". # وفي الحديث المسند: # " أول ما تقع فيه الخصومات الدماء ". # وقوله: " مثلا ms2202 " تمام عند أبي حاتم وغيره. # وليس ذلك بمختار لأن الممثل به لم يذكر بعد فهو متصل بما قبله. # وقيل: إن " مثلا " تقديره أن يكون مؤخرا بعد " سلما لرجل " ، أي: ضرب ~~الله هذا مثلا وفي الكلام حذف، والتقدير: ضرب الله مثلا لمن أشرك به ~~غيره. # وقوله: { هل يستويان مثلا }: المثل في هذا بمعنى الصفة كما ~~قال: # مثل الجنة # [الرعد: 35]، أي: صفة الجنة. # ثم قال تعالى { فمن أظلم ممن كذب على الله } ، أي: لا ~~أحد أظلم ممن كذب على الله فجعل له ولدا وصاحبة. # و " من " استفهام، معناه: الجحد، أي: لا أحد أظلم منه. # { وكذب بالصدق } ، أي: بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وسلم إذ ~~جاء رسولا. # ثم قال تعالى: { أليس في جهنم مثوى للكافرين } ، ~~أي: أليس فها مأوى ومسكن لمن كفر بالله عز وجل ورسله صلوات الله عليهم، ~~وكتبه بل فيها مأوى ومسكن لهم. # ثم قال تعالى: { والذي جآء بالصدق وصدق به } " الذي " ~~هنا واحد يدل على الجمع. # وقيل: كان أصله: " الذين " ، فحذفت النون لطول الاسم. # وقيل: " الذي " للواحد وهو النبي صلى الله عليه وسلم، جاء ب " لا إله ~~إلا الله " وصدق بذلك: هذا قول ابن عباس. # وقال مجاهد: جاء محمد بالقرآن وصدق به، وقاله الشعبي. # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الذي جاء بالصدق رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وصدق به أبو بكر رضي الله عنه. # وقال قتادة: الذي جاء بالصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بالقرآن ~~والإسلام وصدق به يعني المؤمنين، وكذلك قال ابن زيد وقال السدي: الذي) ~~جاء بالصدق: جبريل صلى الله عليه وسلم، جاء بالقرآن من عند الله وصدق ~~به، يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم. # وقال مجاهد: { والذي جآء بالصدق وصدق به } هم: ~~المؤمنون يجيئون بالقرآن يوم القيامة، يقولون: هذا الذي أعطيتمونا قد ~~اتبعنا ما فيه ". # وعن مجاهد أيضا: (والذي جاء بالصدق) يعني محمدا صلى الله عليه وسلم " ~~وصدق به " يعني علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقيل: هو أبو بكر ms2203 رضي الله ~~عنه وأصحابه. # فمن جعله لجماعة استدل بقوله: { أولئك هم المتقون }. # ومن جعله لواحد حسن عنده (أولئك) بعد الواحد، لأن الجليل القدر يخبر عنه ~~بلفظ الجماعة. # وقرأ أبو صالح: (وصدق به) بالتخفيف، (يعني به النبي صلى الله عليه وسلم. # والباء بمعنى: في. والمعنى: جاء بالقرآن وصدق فيه. # واختار الطبري أن يحمل على العموم، فيكون معنى: والذي جاء بالصدق كل من ~~دعا إلى توحيد الله عز وجل والعمل بطاعته، ويكون الصدق: القرآن والتوحيد ~~والشرائع، والمصدق: المؤمنون والأنبياء وغيرهم من جميع من صدق به. # ودل على هذا العموم ما قبله من العموم في قوله: { فمن أظلم ~~ممن كذب على الله وكذب بالصدق } فهذا عام في جميع ~~المكذبين بالقرآن والتوحيد والشرائع، وفي جميع الكاذبين على الله سبحانه ~~فكذلك يجب أن يكون التصديق عقيبه عاما في جميع المصدقين والصادقين فيترتب ~~الشيء وضده على نظام واحد لأن الذين كانوا عند بعث النبي صلى الله عليه ~~وسلم قوم مكذبون لما أتاهم به كاذبون على الله سبحانه، ثم أعقبهم ممن آمن ~~قوم مصدقون بما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم صادقون في قولهم. # وفي قراءة ابن مسعود: " والذين جاءوا بالصدق وصدقوا به بالجمع. # ثم قال تعالى { لهم ما يشآءون عند ربهم } يعني، يوم ~~القيامة لهم ما تشتهيه أنفسهم. # ثم قال: { ذلك جزآء المحسنين } ، ذلك: إشارة إلى قوله: لهم ~~ما يشاءون. # والكاف في " ذلك " للنبي صلى الله عليه وسلم، أي: هذا الذي لهم عند ربهم ~~جزاء كل محسن في الدنيا بطاعة الله عز وجل. # ثم قال: { ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا } ~~، أي: فعل بهم ذلك لكي يكفر عنهم أسوأ ما عملوا في الدنيا مما بينهم وبين ~~ربهم { ويجزيهم أجرهم } ، أي: في الآخرة. # { بأحسن الذي كانوا يعملون } في الدنيا (لا بأسوئه). ### || [39.36-44] # قوله تعالى ذكره: { أليس الله بكاف عبده } - إلى قوله - { ~~ثم إليه ترجعون } ، أي أليس الله بكاف محمدا صلى الله عليه ~~وسلم أمر أعداء المشركين. # قال مجاهد: بكافيه الأوثان. # وروي أنهم قالوا للنبي صلى الله ms2204 عليه وسلم: لئن لم تنته عن سب آلهتنا ~~لنأمرنها فتخبلك. # فالمعنى: يخوفك يا محمد هؤلاء المشركون بالأوثان أن تصيبك بسوء، أليس ~~الله بكافيك؟! أي: هو كافيك ذلك. # ومن قرأ " عباده " بالجمع أدخل فيه النبي صلى الله عليه وسلم ومن تقدمه ~~من الأنبياء صلوات الله عليهم الذين توعدتهم أممهم بمثل ما توعدت به أمة ~~محمد محمدا صلى الله عليه وسلم. # قال مجاهد: نزلت هذه الآية حين قرأ النبي صلى الله عليه وسلم سورة " ~~والنجم " عند باب الكعبة. # ثم قال تعالى { ومن يضلل الله فما له من هاد * ومن ~~يهد الله فما له من مضل } ، أي: من يخذل الله فيضله عن ~~طريق الحق فما له سواه من مرشد، ومن يوفقه الله إلى طريق الحق فما له من ~~مضل. # ثم قال تعالى { أليس الله بعزيز ذي انتقام } ، أي: أليس ~~الله يا محمد بعزيز في انتقامه ممن / كفر به، ذي انتقام منهم. # ثم قال: { ولئن سألتهم من خلق السموت والأرض ~~ليقولن الله } ، (أي: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين من خلق ~~السماوات والأرض ليقولن الله) خلقهن، فإذا أقروا بذلك فقل لهم يا محمد: ~~أفرأيتم هذه الآلهة التي تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر، أي: سقم ~~أو شدة في معيشتي هل هن كاشفات عني ما أصابني، وإن أرادني الله عز وجل ~~برحمة، أي بصحة وسعة في الرزق هل هن ممسكات عني ما أعطاني. # والجواب في هذا محذوف لعلم السامع بالمعنى. # والتقدير: فإنهم سيقولون لا نقدر على شيء من ذلك، فإذا قالوا ذلك فقل يا ~~محمد حسبي الله، أي: كافيي الله مما سواه من الأشياء. # { عليه يتوكل المتوكلون } ، أي: من هو متوكل فليتوكل ~~عليه لا بغيره. # وقال قتادة: ولئن سألتهم من خلق السماوات، يعني: الأصنام فيكون المسؤول ~~في هذا القول: الأصنام. والقول الأول عليه أكثر المفسرين. # ثم قال تعالى ذكره: { قل يقوم اعملوا على مكانتكم ~~إني عامل فسوف تعلمون } معنى الكلام التهدد والوعيد، أي: ~~اعملوا على تمكنكم من العمل الذي تعملونه مثل قوله: # فمن ms2205 شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر # [الكهف: 29]. # وقال مجاهد: معناه اعملوا على ناحيتكم، (أي: على) ناحيتكم التي ~~اخترتموها وتمكنت عندكم، إني عامل على ناحيتي. # وقيل: المعنى إنى عامل على عمل من سلف من الأنبياء عليهم السلام قبلي. # { فسوف تعلمون } أي سوف تعلمون من يهان ويذل ممن يكرم وينعم ~~إذا جاءكم بأس الله عز وجل فيظهر لكم المحق منا من المبطل وهو معنى قوله: ~~{ من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم ~~}. # ثم قال تعالى { إنآ أنزلنا عليك الكتاب للناس ~~بالحق } ، أي: أنزلناه تبيانا بالحق. # { فمن اهتدى فلنفسه } ، أي من آمن به واتبعه فلنفسه عمل، ~~لأنه أكسب نفسه باتباعه الحق وإيمانه الفوز والرضى من الله عز وجل ~~والخلود في النعيم المقيم. # ثم قال: { ومن ضل فإنما يضل عليها } ، أي: ومن جار عن ~~ما أنزل إليك فإنما يجور على نفسه، لأنه أكسبها بكفره وجوره عن الحق ~~العطب والخزي الدائم، والخلود في نار جهنم. # ثم قال: { ومآ أنت عليهم بوكيل } ، أي: ما أنت يا محمد على ~~من أرسلناك إليهم برقيب ترقب أعمالهم وتحفظ أفعالهم، إنما أنت رسول وما ~~عليك غير البلاغ المبين وحسابهم علينا، قال قتادة، والسدي: بوكيل: بحفيظ. # ثم قال تعالى: { الله يتوفى الأنفس حين موتها ~~والتي لم تمت في منامها } (أي يقبض الأرواح عند فناء ~~آجالها وانقضاء مدة حياتها ويقبض أيضا التي لم تمت في منامها) كما يتوفى ~~التي ماتت عند مماتها فيرسل نفس النائم ويمسك نفس الميت، فإذا جاء وقت ~~أجل النائم قبض نفسه ولم يردها إليه. # قال ابن جبير: يقبض الله عز وجل أرواح الأحياء النائمين وأرواح الموتى ~~فتلتقي أرواح الأحياء وأرواح الموتى، ثم يرسل الله أرواح الأحياء ~~النائمين، ويمسك أرواح الموتى. # وعن ابن عباس أنه قال: يلتقي أرواح الموتى وأرواح النائمين فيتساءلون ~~بينهم، ثم يمسك الله عز وجل أرواح الموتى ويرسل أرواح الأحياء إلى ~~أجسادها إلى أجل مسمى، وهو الموت. # قال الفراء: المعنى: ويقبض التي لم تمت في منامها عند انقضاء أجلها، ~~قال: وقد يكون توفيها نومها، فالتقدير عنده: ms2206 والتي لم تمت، نومها: ~~وفاتها. # وقال ابن جبير: معناه أن الله جل ذكره يجمع بين أرواح الأحياء والموتى، ~~فيتعارف منهما ما شاء الله أن يتعارف فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل ~~الأخرى إلى أجسادها. # وقال السدي: يقبض الله عز وجل روح النائم في منامه فتلقى الأرواح بعضها ~~بعضا أرواح الموتى وأرواح النيام (فتلتقي فتسأل). # قال فيخلي الله عز وجل عن أرواح الأحياء فترجع إلى أجسادها إلى أجل مسمى ~~- أي: إلى بقية آجالها - وتريد الأخرى أن ترجع فيحبس التي قضى عليها ~~الموت، وهو قول ابن زيد. # وقال بعض أهل اللغة: النفس على معنيين: نفس التمييز، ونفس الحياة. ونفس ~~التمييز هي من نفس الحياة وليس / نفس الحياة هي نفس التمييز لوجودنا ~~النائم معه نفس الحياة ولا تمييز له. # فنفس التمييز ترتبط بنفس الحياة في حال وتفارقها في حال. # فتنفرد نفس الحياة، وليس تنفرد نفس التمييز بالبقاء البتة في الجسد، ~~وتنفرد نفس الحياة بالبقاء في البدن. # فالتي تقبض عند النوم هي نفس التمييز لا نفس الحياة، والتي تقبض عند ~~الموت هي نفس الحياة، (فذهاب نفس الحياة) لا عودة بعده في الدنيا، وذهاب ~~نفس التمييز له رجعة في الدنيا. # ونفس الحياة بها يكون التمييز والحركة والنفس، ونفس التمييز لا تكون إلا ~~تابعة لنفس الحياة فهي جزء منها. ألا ترى أن التمييز يذهب والحياة والنفس ~~والحركة باقية، ولو ذهبت نفس الحياة لم يبق (تمييز ولا نفس) ولا حركة. ~~فالجملة نفس واحدة إلا أنها تنقسم في المنافع. # فصاحب هذا القول ينحو إلى أن النفس التي هي التمييز هي العقل، كأن ~~التمييز هو العقل الذي تميز به الأشياء فهو مرتبط بالحياة، فسمي نفسا ~~لارتباطه بالنفس والحياة. # وقيل: إن المعنى على هذا التأويل: الله يتوفى الأنفس حين موتها بإزاله ~~أرواحها وتمييزها ويتوفى التي لم تمت في منامها بإزالة تمييزها دون ~~حياتها، وهذا هو القول الذي قبله مختصرا. # ثم قال: { إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون } ، أي: ~~في قبض الله عز وجل نفس النائم وردها عليه، وقبضه نفس الميت ms2207 ومنها من ~~الرد عليه، لعبرا وعظات لمن تفكر وتدبر، وبيانا أن من فعل هذا يقدر ~~على أن يحيى الموت إذا شاء. # ثم قال تعالى ذكره وجل ثناءه: { أم اتخذوا من دون الله ~~شفعآء } ، أي اتخذ هؤلاء المشركون من دون الله آلهتهم التي يعبدون ~~(شفعاء) تشفع لهم عند الله. # ثم قال: { قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا ~~يعقلون } ، أي: قل لهم يا محمد: أتتخذونهم آلهة وإن كانوا لا يملكون ~~لكم ضرا ولا نفعا ولا يعقلون عنكم شيئا. # ثم قال تعالى: { قل لله الشفاعة جميعا له ملك ~~السموت والأرض } ، أي: قل يا محمد: لله الشفاعة جميعا ~~فاعبدوه ولا تعبدوا ما لا يملك لكم شفاعة ولا غيرها. # { له ملك السموت والأرض } ، أي: له سلطان ذلك وملكه، ~~فما تعبدون أيها المشركون داخل في ملكه وسلطانه فاعبدوا المالك دون ~~المملوك، فإليه ترجعون بعد موتكم فيجازيكم على أعمالهم. # قال قتادة: أم اتخذوا من دون الله شفعاء، يعني: الآلهة. قل أو لو كانوا ~~لا يملكون شيئا يعني: لا يملكون الشفاعة. # قال مجاهد: قل لله الشفاعة جميعا، أي: " لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه ". ### || [39.45-59] # قوله تعالى ذكره: { وإذا ذكر الله وحده اشمأزت } - ~~إلى قوله - { وكنت من الكافرين } ، أي: إذا أفرد الله عز وجل ~~بالعبادة والذكر فقيل: لا إله إلا الله نفرت وانقبضت قلوب الذين لا ~~يؤمنون بالبعث. # { وإذا ذكر الذين من دونه } ، يعني: الأصنام. # { إذا هم يستبشرون } ، أي: يفرحون. # عنى بذلك ما ألقى الشيطان على لسان النبي صلى الله عليه وسلم في سورة " ~~والنجم " إذ قرأ: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهم لترتجى. # قال قتادة: " اشمأزت، أي: كفرت واستكبرت ". # وقال مجاهد: اشمأزت انقبضت وهو قول المبرد. # وقال مجاهد: وذلك يوم قرأ عليهم " والنجم " عند باب الكعبة. # وقال السدي: اشمأزت: نفرت، وهو قول أبي عبيدة. # ثم قال تعالى: { قل اللهم فاطر السموت والأرض ~~عالم الغيب والشهادة } ، أي: قل يا محمد: يالله، يا خالق ~~السماوات والأرض، يا عالم ما غاب وما ظهر. # { أنت تحكم بين عبادك } ، أي: تفصل بينهم ms2208 يوم القيامة فيما ~~اختلفوا فيه من تقبضهم عند توحيدك، واستبشارهم عند ذكر الأوثان وفي غير ~~ذلك. # ثم قال تعالى: { ولو أن للذين ظلموا } ، أي: كفروا بالله ~~عز وجل، { ما في الأرض جميعا } يعني: يوم القيامة. # { ومثله معه } لفدو به أنفسهم لو قبل ذلك منهم، فكيف وهم لا ~~يكون لهم شيء من ذلك يوم القيامة، ولو كان لهم لم يقبل منهم. # ثم قال: { وبدا لهم من الله ما لم يكونوا ~~يحتسبون } ، (أي: وظهر لهؤلاء الكفار يوم القيامة من عذاب الله ما ~~لم يكونوا يحتسبون) انه أعده لهم. # وقال مجاهد: معناه: أنهم عملوا / أعمالا توهموا (أنها حسنات، فإذا هي ~~سيئات. # وقيل: معناه: أنهم " عملوا أعمالا توهموا) أنهم يتوبون قبل الموت منها ~~فأدركهم الموت قبل أن يتوبوا، وقد كانوا ظنوا أنهم ينجون بالتوبة ". # وقيل: معناه أنهم توهموا أنهم يغفر لهم من غير توبة فبدا لهم من الله ~~دخول النار على ما قدموا. # وقيل: معناه أنهم عملوا أعمالا توهموا أنها تنفعهم فأحبطها الشرك. # قال محمد بن المنكدر: وعملوا أعمالا كانوا يظنون أنها تنجيهم (فإذا ~~بها) قد أهلكتهم وأوبقتهم. # ثم قال: { وبدا لهم سيئات ما كسبوا } ، أي: وبدا لهم ~~عقاب سيئات أعمالهم. # وقيل: المعنى: وظهر ذكر سيئات عملهم في كتبهم إذا أعطوها بشمائلهم. # ثم قال تعالى: { وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون } ، ~~أي: وجب عليهم العذاب الذي كانوا في الدنيا يستهزءون به إذا ذكر لهم، ~~وخوفوا به تكذيبا له وإنكارا. # ثم قال: { فإذا مس الإنسان ضر دعانا } ، أي: إذا أصابه ~~بؤس وشدة دعا الله مستغيثا به، فإذا خوله نعمة منه وفرج عنه { قال ~~إنمآ أوتيته على علم } ، أي: قال: إنما الرخاء والسعة في ~~المعيشة والصحة في البدن على علم من الله بأني له أهل ومستحق لشرفي، ~~ورضاه بعملي. # وقيل: المعنى: أوتيته على علم عندي بالتجارة والطلب وغير ذلك. # وقيل: المعنى: أوتيته على علم عندي، أي: إذا أوتيت هذا في الدنيا إن لي ~~عند الله منزلة. فرد الله تعالى عليه ذلك فقال تعالى: # أولم يعلم أن ms2209 الله قد أهلك من قبله من ~~القرون من هو أشد منه قوة # [القصص: 78] وقد مضى ذكر هذا في " القصص ". # وقوله: { بل هي فتنة } ، معناه: بل أعطينا إياهم تلك النعمة ~~ابتلاء ابتليناهم بها واختبارا. # { ولكن أكثرهم لا يعلمون } ، أي: لا يعلمون أنه ~~ابتلاء واختبار لسوء رأيهم وجهلهم. # ثم قال تعالى: { قد قالها الذين من قبلهم فمآ أغنى ~~عنهم ما كانوا يكسبون } ، أي قد قال في نعم الله عز وجل ~~عليه، أي: إنما أوتيته على علم الذين كانوا من قبل هؤلاء من القرون ~~الخالية لرسلهم تكذيبا لهم واستهزاء، فلم يغن عنهم حين أتاهم بأس الله ~~عز وجل ما كانوا يكسبون من الأعمال، يعني: عبادتهم الأوثان لم تغن عنهم ~~شيئا، ولم تشفع لهم كما يقول هؤلاء أنها تشفع لهم عند الله سبحانه، ~~ولكنها أسلمتهم لما أتاهم من العذاب. # ثم قال تعالى: { فأصابهم سيئات ما كسبوا } ، أي: فأصاب ~~الأمم الخالية الذين قالوا مثل مقالة هؤلاء وبال عملهم فعذبوا في الدنيا، ~~يعني: قارون وشبهه حين قال: إنما أوتيته على علم عندي فخسف به وبداره ~~الأرض. # ثم قال تعالى: { والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم ~~سيئات ما كسبوا } ، أي: والذين كفروا من قومك يا محمد سيصيبهم ~~أيضا وبال عملهم السيء كما أصاب أولئك. # { وما هم بمعجزين } ، أي: بفائتين ربهم هربا في الأرض من ~~عذابه إذا نزل بهم فأحل الله عز وجل عليهم عذابه فقتلوا بالسيف يوم بدر. # ثم قال تعالى: { أولم يعلموا أن الله يبسط ~~الرزق لمن يشآء } ، أي: أولم يعلم هؤلاء الذين قالوا إنما ~~أوتينا المال والصحة وغير ذلك على علم أن الله يوسع على من يشاء من عباده ~~في الرزق، ويضيق على من يشاء. # ثم قال: { إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون } ، أي: إن ~~في توسيع الله عز وجل على خلق، وتقتيره على خلق لحججا ودلالات لقوم ~~يؤمنون، أي: يصدقون بالحق. # ثم قال تعالى ذكره: { قل يعبادي الذين أسرفوا على ~~أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله ~~يغفر الذنوب جميعا }. # قال ابن عباس: قال ms2210 بعض أهل مكة: يزعم محمد أنه من عبد الأوثان، ودعا مع ~~الله إلها آخر، وقتل النفس لم يغفر له، فكيف نهاجر ونسلم وقد عبدنا ~~الآلهة وقتلنا النفس ونحن أهل شرك، فأنزل الله عز وجل { قل يعبادي ~~الذين أسرفوا } الآية. # وقيل: إنها نزلت في نفر من المشركين خلا الإيمان في قلوبهم فقالوا في ~~أنفسهم: ما نظن أن الله عز وجل يقبل توبتنا وإيماننا وقد صنعنا بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم كل شر: أخرجناه، وقتلنا أصحابه، وقاتلناه. فأباح الله ~~تعالى لهم التوبة ونهاهم أن يقنطوا من رحمته. # / قال مجاهد: الذين أسرفوا على أنفسهم هو قتل النفس في الجاهلية. وقال ~~عطاء بن يسار: نزلت هذه الثلاث الآيات في وحشي وأصحابه، وروى ذلك عن ابن ~~عباس، قال: فكان النبي لا يطيق أن ينظر إليه لأنه قتل حمزة فظن وحشي أن ~~الله عز وجل لم يقبل إسلامه فنزلت هذه الآيات. # وقيل: نزلت في قوم أسلموا بمكة وخلفوا بعد هجرة النبي صلى الله عليه ~~وسلم فأقاموا بمكة يفتنهم المشركون عن دينهم فافتتنوا، فكان بعضهم يقول: ~~إن رجعت إلى الإسلام لم يقبلني محمد صلى الله عليه وسلم ولم يقبل الله ~~توبتي فأنزل الله عز وجل هذه الآيات فيهم. # فمعنى أسرفوا على أنفسهم على هذا القول، أي: أسرفوا على أنفسهم بإقامتهم ~~مع الكفار بمكة، وظنهم أن الله عز وجل لا يقبل توبتهم ورجوعهم عن دينهم. # وقال قتادة: ذكر لنا أن قوما أصابوا ذنوبا عظاما في الجاهلية فلما ~~جاء الإسلام أشفقوا إن لم يتب عليهم، فدعاهم الله بهذه الآية. # قال السدي: هي في المشركين، كقول ابن عباس: وهو قول ابن زيد. # وكان ابن مسعود يقول: إن أكثر آية فرجا في القرآن: { يعبادي ~~الذين أسرفوا } الآية. # وروي عن عمر رضي الله عنه أنها نزلت في أهل الإسلام. قال: كنا نقول: لمن ~~افتن من توبة. وكانوا يقولون: ما الله بقابل منا شيئا، تركنا الإسلام ~~ببلاء أصابنا بعد معرفته. فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ~~أنزل فيهم: { يعبادي الذين ms2211 أسرفوا } الثلاث الآيات. # قال عمر: فكتبتها بيدي وبعثتها إلى هشام بن العاصي. قال هشام: فجعلت ~~أقرؤها ولا أفهمها فوقع في نفسي أنها نزلت فينا لما كنا نقول، قال: ~~فجلست على بعيري ثم لحقت بالمدينة. # وروي عن ابن عمر: أن هذه الآيات نزلن في عياش بن أبي ربيعة، والوليد ابن ~~الوليد ونفر من المسلمين كانوا أسلموا، ثم فتنوا وعذبوا فافتتنوا، فكنا ~~نقول: لا يقبل الله من هؤلاء صرفا ولا عدلا أبدا، قوم أسلموا ثم تركوا ~~دينهم بعذاب عذبوا به! فنزلت هذه الآيات. # وقال ابن عمر: هذه أرجى آية في القرآن. فرد عليه ابن عباس وقال: بل أرجى ~~آية في القرآن. # وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم # [الرعد: 6]. # وروى شهر عن أسماء أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في هذه ~~الآية: # " إن الله يغفر الذنوب جميعا ولا يبالي، إنه هو الغفور الرحيم ". # وقال القرظي هي للناس أجمع. # وقيل: المعنى: يغفر الذنوب جميعا لمن تاب. # (وهذا لجماع) من تاب من كفره أو من ذنوبه فالله يغفر له ما تقدم من ~~ذنوبه كلها. # وقيل: هذه الآية منسوخة بقوله: # ومن يقتل مؤمنا متعمدا # [النساء: 93] الآية، وبقوله # إن الله لا يغفر أن يشرك به # [النساء: 48 و 116]. # والصواب أن الآية خبر لا يجوز نسخه فهي محكمة على ما بينا من المعنى ~~الذي ذكرنا. # وقوله: { وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له } يدل على ~~أن الآية نزلت فيمن هو على غير الإسلام، وأن بالإسلام تغفر الذنوب كلها ~~التي اكتسبت في الكفر. # وروى ثوبان مولى رسول صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية. فقال رجل: يا رسول الله، ~~ومن أشرك؟! فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: ألا ومن أشرك (ألا ~~ومن أشرك) - ثلاث مرات ". # وروي عن ابن عمر أنه قال: كنا معشر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~نقول: إنه ليس من حسناتنا إلا وهي مقبولة حتى نزلت هذه الآية: ms2212 # أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا ~~أعمالكم # [محمد: 33] فلما نزلت هذه الآية قلنا ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: ~~الكبائر والفواحش. قال: فكنا إذا رأينا من أصاب شيئا منها، قلنا: قد ~~هلك، حتى نزلت هذه الآية: { إن الله يغفر الذنوب جميعا ~~} و # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء # [النساء: 48 و 116]. # فلما نزلت هذه الآية كففنا عن القول في ذلك، فكنا إذا رأينا أحد أصاب ~~منها شيئا خفنا عليه، وإن لم يصب منها شيئا رجونا له. # وعن عبد الله بن مسعود أنه قال: القنوط من رحمة الله من الكبائر. واختار ~~الطبري أن / تكون الآية عامة في أهل الإيمان وأهل الشرك لأن الله عز وجل ~~عم المسرفين ولم يخصص به أحدا، فالشرك أعظم الذنوب وهو مغفور مع ~~التوبة منه والرجوع عنه. # وكان ابن عباس يقرأ: " يغفر الذنوب جميعا لمن شاء ". # وقد قيل: إن قوله: { يغفر الذنوب جميعا } منسوخ بقوله: # ومن يقتل مؤمنا متعمدا # [النساء: 93]، وقيل: بقوله: # إن الله لا يغفر أن يشرك به # [النساء: 48 و 116]. # والصواب أنها محكمة لأنها خبر، والأخبار لا تنسخ، والله يغفر كل الذنوب ~~لمن يشاء من المؤمنين، فلا نسخ فيه. # ومعنى " لا تقنطوا ": لا تيئسوا. # { إن الله يغفر الذنوب جميعا } ، أي: يستر على الذنوب ~~كلها بعفوه عن أهلها إذا تابوا منها. # { إنه هو الغفور } ، أي: الساتر لذنوب التائبين. # { الرحيم } بهم أن يعاقبهم عليها بعد توبتهم منها. # ثم قال تعالى: { وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له } ~~، أي: ارجعوا إلى طاعة ربكم، وأقبلوا على عبادته، واخضعوا له، وأجيبوا ~~داعيه. # { من قبل أن يأتيكم العذاب } على كفركم. # { ثم لا تنصرون } ، أي: لا ينصركم ناصر فينقذكم من عذاب الله عز ~~وجل. # والإنابة هنا: الإيمان والتوبة من الكفر. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن الإيمان إذا وقع في القلب انفسح له وانشرح. فقيل له: يا رسول الله، ~~فهل لذلك من آية يعرف بها؟ فقال: الإنابة إلى دار الخلود. والتجافي عن ~~دار ms2213 الغرور، والاستعداد للموت قبل نزول الموت ". # ثم قال: { واتبعوا أحسن مآ أنزل إليكم من ~~ربكم } ، أي: اعملوا بما في كتاب الله. # وقيل: معناه: إن الله أباح الانتصار بعد الظلم وأعلمنا أن العفو أحسن. # وقيل: المعنى: إن الله عز وجل قد أخبر عن قوم أنهم عصوا، وعن قوم أنهم ~~أطاعوا فأمر أن تتبع الطاعة دون المعصية. # وقيل: المعنى: إن الله عز جل قد نسخ أحكاما بما شاء فأمرنا أن نتبع ~~الناسخ دون المنسوخ. # وقوله: { من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة } ، أي: ~~فجأة. # { وأنتم لا تشعرون } ، أي: لا تعلمون، وهذا توعد من الله جل ~~ذكره لمن لم يتب. # ثم قال تعالى: { أن تقول نفس يحسرتا على ما فرطت ~~في جنب الله } " أن " مفعول من أجله. والأصل في " حسرتا ": يا ~~حسرتي، ثم أبدل من الياء ألف. # والفائدة في نداء الحسرة أن حرف النداء يدل على تمكن القصة من صاحبها ~~وملازمتها له. فذلك أبلغ في الخبر. # وأجاز الفراء في الوصل: " يا حسرتاه " بضم الهاء وكسرها. # ولا يجيز النحويون إثبات الهاء في الوصل وقد جاء ذلك في الشعر. والمعنى: ~~اتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن تصيروا إلى حال الندامة ~~غدا. # ومعنى { على ما فرطت في جنب الله } ، أي: على ما ضيعته ~~من العمل بما أمرني الله به، وقصرت فيه في الدنيا. # قال مجاهد والسدي " في جنب الله " ، أي: في أمر الله. # وقال الضحاك: " في ذكر الله، قال: يعني القرآن والعمل به ". # وقال أهل اللغة: المعنى: في جنب الله. # وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ما جلس رجل مجلسا ولا مشى ممشى ولا جلس اضطجع مضطجعا لم يذكر ~~الله فيه إلا كانت عليه ترة يوم القيامة، أي: حسرة ". # وقال إبراهيم التيمي: من الحسرات يوم القيامة أن يرى الرجل ماله الذي ~~آتاه الله عز وجل يوم القيامة في ميزان غيره قد ورثه وعمل فيه بالحق كان ~~له أجره وعلى الآخر وزره. ومن الحسرات أن يرى الرجل عبده الذي خوله ms2214 ~~الله في الدنيا (أقرب منه) منزلة من الله جل ذكره، أو يرى رجلا يعرفه في ~~الدنيا أعمى قد أبصر يوم القيامة وعمي هو. # وأصل الحسرة الندامة التي تلحق الإنسان حتى يصير معها حسيرا، أي: ~~معيبا. # وروى مجاهد عن عبد الله بن عمر أنه قال: ما تفرق قوم قط من مجلسهم، ولم ~~يذكروا الله فيه إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة. # وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ما جلس رجل ولا قوم مجلسا، ولا مشى رجل ممشى، ولا اضطجع مضطجعا لا ~~يذكر الله فيه، إلا كانت عليه يوم القيامة حسرة ". # وقوله: { وإن كنت لمن الساخرين } ، أي: وما كنت إلا من ~~الساخرين، أي: كنت من المستهزئين بأمر الله سبحانه وكتابه. # قال قتادة: (لم يكفه) أن ضيع طاعة الله عز وجل حتى جعل يسخر بأهل طاعة ~~الله سبحانه. # قال قتادة: هذا قول صنف منهم /، فقال صنف آخر: { لو أن الله ~~هداني... } الآية، وقال صنف آخر: { لو أن لي كرة.. } ~~الآية، أي: رجعة. # قال ابن عباس: أخبر الله جل ذكره ما العباد قائلون قبل أن يقولوا، وما ~~هم عاملون قبل أن يعملوا (فقال # ولا ينبئك مثل خبير # [فاطر: 14] وقال: # ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه # [الأنعام: 28]. وقال: # ونقلب أفئدتهم وأبصرهم كما لم يؤمنوا ~~به أول مرة # [الأنعام: 110]. # ومعنى: { لو أن الله هداني } ، أي: وفقني للرشاد. # ثم قال: { بلى قد جآءتك آياتي فكذبت بها } دخلت (هنا ~~" بلى " ) لأن معنى لو أن الله هداني (ما هداني). ودخلت جوابا للنفي ~~حملا على المعنى: (بلى هداني). # ومعنى الآية أنها تكذيب من الله جل ذكره للقائل: " لو أن الله هداني " ، ~~{ لو أن لي كرة } ، فأعلمهم أن كتابه وحججه قد أتاهم فكذبوا ~~واستكبروا عن الإيمان به وكانوا من الكافرين به. # وروت أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: { جآءتك آياتي ~~فكذبت بها واستكبرت } بكسر الكاف والتاء على مخاطبة ~~النفس. وبذلك قرأ الجحدري. # وقرأ الأعمش: " بلى قد جاءته " بالهاء. # وقيل: يلزم من كسر التاء والكاف ms2215 (أن يقرأ وكنت) من الكوافر ~~والكافرات. وهذا لا يلزم لأنه يحمل على المعنى. ### || [39.60-67] # قوله تعالى ذكره: { ويوم القيامة ترى الذين كذبوا } ~~- إلى قوله - { وتعالى عما يشركون }. # أي: يوم القيامة يا محمد ترى الذين زعموا أن لله سبحانه ولدا وأن له ~~شريكا. # { وجوههم مسودة }: يقال: مسودة ومسوادة، لغتان، وأسواد ~~وجهه وأسود وأحمر وأحمار. # ثم قال: { أليس في جهنم مثوى للمتكبرين } ، أي: ~~أليس في جهنم مأوى ومسكن لمن تكبر على الله تعالى، وامتنع من طاعته ~~جلت عظمته. # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يحشر المتكبرون يوم القيامة كالذر يلحقهم الصغار حتى يؤتى بهم إلى سجن ~~في جهنم ". # وقال صلى الله عليه وسلم في تفسير الكبر: # " هو سفه الحق وغمط الناس " # ، اي: احتقارهم. # قال عطاء بن يسار: يقال: إن في جهنم سجنا يقال له بولس يحشر فيه ~~المتكبرون يوم القيامة ويأتون يوم القيامة على صور الذر. # ومن رواية ابن وهب يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " المتكبرون في الدنيا يحشرون يوم القيامة أشباه الذر في صور الناس ~~يعلوهم كل شيء من الصغار، ثم يساقون حتى يدخلوا سجنا يقال له بولس في ~~نار الأنيار يسقون من عصارة أهل النار من طينة الخبال " # ، يعني: من صديد أهل النار وما يخرج منهم # . ثم قال تعالى: { وينجي الله الذين اتقوا ~~بمفازتهم } ، أي بفوزهم. # قال السدي: بمفازتهم، بفضيلتهم. # وقال ابن زيد: " بأعمالهم ". # وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يحشر الله عز وجل مع كل امرئ عمله، فيكون عمل المومن معه في أحسن صورة ~~وأطيب ريح. فكلما كان من رعب أو خوف قال له: لا ترع، فما أنت (بالمراد ~~ولا أنت بالمعني به). فإذا كثر عليه قال له: ما أحسنك! فمن أنت؟! فيقول: ~~أما تعرفني؟! أنا عملك الصالح! حملتني على ثقلي فوالله لأحملنك اليوم ~~ولأدفعن عنك " # فهي التي قال سبحانه. { وينجي الله الذين اتقوا ~~بمفازتهم } الآية. # ثم قال تعالى ذكره: { الله خالق كل شيء وهو على ~~كل شيء وكيل ms2216 } ، أي: الذي له الألوهية والتفرد هو خالق كل شيء ~~وهو على كل شيء وكيل، أي قيم بالحفظ والكلأة. # ثم قال تعالى: { له مقاليد السموت والأرض }. # قال ابن عباس وقتادة: مقاليد: مفاتيح. # والمعنى: له مفاتيح خزائن السماوات والأرض، يمسك ما يشاء ويفتح ما يشاء، ~~وقال السدي: " المقاليد: الخزائن " ، واحدها مقليد، وقيل: مقلد، وقال أبو ~~عبيدة: (واحد المقاليد مقليد)، وواحد الأقاليد إقليد. # ثم قال تعالى: { والذين كفروا بآيات الله أولئك ~~هم الخاسرون } ، أي: هم المغبونون حظوظهم من خيرات خزائن الله ~~التي بيده مفاتيحها. # " وروي أن رهطا من اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا ~~محمد: هذا الله خلق الخلق، فمن خلقه؟!. # فغضب النبي صلى الله عليه وسلم حتى انتقع لونه، ثم شاورهم غضبا لربه عز ~~وجل فجاءه جبريل صلى الله عليه وسلم يسكنه. وجاءه من الله تعالى جواب ما ~~سألوه عنه، فقال: يقول الله: { قل هو الله أحد } السورة فلما ~~تلا عليهم النبي عليه السلام، قالوا: صف لنا ربك، كيف هو خلقه، وكيف هو ~~عضده، وكيف ذراعه؟ فغضب النبي صلى الله عليه وسلم أشد من غضبه الأول ثم ~~شاورهم. فأتاه جبريل صلى الله عليه وسلم فقال مثل مقالته، وأتاه بجواب ما ~~سألوه عنه: { وما قدروا الله حق قدره } - إلى - { ~~يشركون } ". # وقيل: معنى { والأرض جميعا قبضته يوم القيمة } ~~، أي: يملكها، لا مدعي لملكها ذلك اليوم غيره، كما تقول: هذا في قبضتي. # وقال المبرد: بيمينه: بقوته. وهذا القول هو قول علماء أهل السنة. # " وذكر ابن وهب أن ناسا أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول ~~الله، هاتان القبضتان، فأخبرنا عن سائر العظمة. # قال: " فكروا في خلق ممن خلق الله عز وجل: إسرافيل، رجلاه في التخوم ~~السابعة، والعرش على جمجمته. ما بين قدميه إلى ركبته مسيرة خمسين ألف ~~سنة. وما بين عاتقه إلى رأسه مسيرة خمسين ألف سنة " ". # ويروى أن إسرافيل مؤذن أهل السماء، يؤذن لاثني عشرة ساعة من النهار ~~ولاثنتي عشرة ساعة من الليل، لكل ساعة تأذين يسمع تأذينه من ms2217 في السماوات ~~السبع، ومن في الأرضين السبع إلا الثقلان: الجن والإنس. ثم يتقدم بهم ~~عظيم الملائكة فيصلي بهم. / # وذكر أن ميكائيل يوم الملائكة في البيت المعمور. هذا كله من حديث ابن ~~وهب عن الليث عن رجاله. # " وروى ابن عباس عن عائشة رضي الله عنها أنها سألت النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن قوله: { والأرض جميعا قبضته يوم القيمة ~~} قالت له: فأين الناس يومئذ؟ قال: على الصراط ". # وقال أبو أيوب الأنصاري: # " أتى النبي صلى الله عليه وسلم حبر من أحبار اليهود فقال: أرأيت إذ ~~يقول الله عز وجل في كتابه: { والأرض جميعا قبضته يوم ~~القيمة والسموت مطويات بيمينه } فأين الخلق ~~عند ذلك؟ قال: " هم كرقم في الكتاب " ". # وروى أبو الجوزاء عن ابن عباس أنه قال: إن السماوات السبع والأرضين ~~السبع وما بينهما في يد الله تبارك وتعالى كخردلة في يد أحدكم. # قال أبو محمد مؤلفه (رحمه الله): ويجب على أهل الدين والفضل والفهم أن ~~يجروا هذه الأحاديث التي فيها ذكر اليد والإصبع ونحوه على ما أتت، وألا ~~يعتقد في ذلك جارحة (ولا تشبيه، فليس كمثل ربنا) شيء. ومن توهم في ذلك ~~جارحة فقد شبه الله سبحانه وعدل عن الحق # ثم قال: { سبحانه وتعالى عما يشركون } ، أي: تنزيها ~~له وتبرية من السوء والشرك. ### || [39.68-70] # قوله تعالى ذكره { ونفخ في الصور فصعق } - إلى قوله - { ~~وهو أعلم بما يفعلون } ، أي: ونفخ إسرافيل في القرن فمات ~~من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله. وهذه هي النفخة الثانية. # وقيل: الصور جمع صورة. # فالمعنى: ونفخ إسرافيل في صورة بني آدم فماتوا. والأول أكثر. # وقوله: { إلا من شآء الله }. قال السدي وغيره: هو جبريل ~~وميكائيل وملك الموت. # وكذلك روى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا يموتون في هذه النفخة (صلوات الله عليهم) ثم يموتون بعد ذلك، فلا ~~يبقى إلا الله الحي القيوم، ثم يحيي الله تعالى إسرافيل عليه السلام ~~ويأمره أن ينفخ في القرن لإحياء الخلق بإذن الله عز وجل. والله المميت ~~للخلق ms2218 بالنفخة التي هي نفخة الصعق وهو المحيي للخلق بالنفخة التي هي نفخة ~~الأحياء ". # قال ابن جبير: عنى بذلك (شهداءهم) حول العرش (متقلدو السيوف). # وقيل: استثناء الشهداء، إنما هو في [نفخة الفزع. وهي الأولى. # وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ينفخ في الصور ثلاث نفخات]: النفخة الأولى، نفخة الفزع، والثانية: ~~نفخة الصعق، والثالثة: نفخة القيام لرب العالمين، يأمر الله جل ذكره ~~إسرافيل بالنفخة الأولى فيقول: انفخ نفخة الفزع، فيفزع أهل السماوات وأهل ~~الأرض إلا من شاء الله، فقال أبو هريرة: يا رسول الله، فمن استثنى حين ~~يقول: { ففزع من في السموت ومن في الأرض إلا من ~~شآء الله }؟ # قال: أولئك الشهداء. (وإن ما يصير) الفزع إلى الأحياء. أولئك أحياء عند ~~ربهم يرزقون (ووقاهم الله) فزع ذلك اليوم وأمنهم. # ثم يأمر الله عز وجل إسرافيل بنفخة الصعق فيقول: نفخة الصعق، فيصعق أهل ~~السماوات وأهل الأرض إلا من شاء الله فإذا هم خامدون. # ثم يأتي ملك الموت إلى الجبار فيقول: يا رب، قد مات أهل السماوات وأهل ~~الأرض إلا من شئت، فيقول له وهو أعلم: من بقي؟ فيقول بقيت أنت الحي الذي ~~لا تموت، وبقي حملة عرشك، وبقي جبريل وميكائيل وإسرافيل. # (وينظر الله العرش، فيقول: يا رب، تميت جبريل وميكائيل وإسرافيل!). # فيقول له جل وعز: اسكت، إني كتبت الموت على من كان تحت عرشي. # ثم يأتي ملك الموت فيقول: رب، مات جبريل وميكائيل فيقول الله عز وجل وهو ~~أعلم: فمن بقي؟ فيقول: بقيت أنت الحي الذي (لا تموت وبقي) حملة عرشك ~~وبقيت أنا، فيقول له: فليمت حملة عرشي، فيموتون، ويأمر الله عز وجل العرش ~~فيقبض الصور. # ثم يأتي ملك الموت، فيقول: يا رب، قد مات حملة عرشك، فيقول: ومن بقي؟ - ~~وهو أعلم - فيقول: بقيت أنت الحي الذي لا يموت وبقيت أنا، فيقول: أنت خلق ~~من خلقي خلقت لما رأيت فمت، فيموت ". # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أتاني ملك الموت فقال: يا محمد، اختر: نبيا ملكا، أو ms2219 نبيا عبدا. ~~فأومأ إلي جبريل أن تواضع. # قال: فقلت: نبيا عبدا. فأعطيت خصلتين: جعلت أول من تنشق عنه الأرض، ~~وأول شافع، فأرفع رأسي فأجد (موسى آخذا) بالعرش فالله أعلم، بعد الصعقة ~~الأولى أم لا ". # وفي حديث آخر: # " ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، فأكون أول من يرفع رأسه. فإذا ~~بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أرفع / رأسه قبلي أو كان ممن ~~استثنى الله عز وجل ". # وفي حديث آخر: # " فلا أرى أحدا إلا موسى متعلقا بالعرش، فلا [أدري، أممن استثنى] الله ~~جل ثناؤه ألا تصيبه النفخة أو بعث قبلي ". # وقوله: { ثم نفخ فيه أخرى } ، يعني: نفخة البعث. # { فإذا هم قيام ينظرون } روى أبو هريرة أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " أنا أول من يرفع رأسه بعد النفخة الأخيرة فإذا أنا بموسى متعلق ~~بالعرش، فلا أدري أكذلك كان أم بعد النفخة ". # عن أبي هريرة أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ما بين النفختين [أربعون]، ثم ينزل الله جل ذكره من السماء ماء ~~فينبتون كما ينبت البقل. قال: وليس من الإنسان شيء إلا يبلى، إلا ~~عظم واحد وهو عجب الذنب ومنه يركب الخلق يوم القيامة ". # وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يتأولون الأربعين أربعين سنة. # وقال الحسن: لا أدري، أهي أربعون سنة، أم أربعون شهرا، أم أربعون ليلة، ~~أم أربعون ساعة. # قال قتادة: ذكر لنا أنه يبعث في تلك الأربعين مطر يقال له مطر ~~الحياة، حتى تطيب الأرض وتهتز وتنبت أجساد الناس نبات البقل، ثم ينفخ فيه ~~الثالثة فإذا هم قيام ينظرون. # قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " يبعث الله المؤمنين يوم القيامة جردا مردا بنو ثلاثين سنة ". # وقال أبو الزعراء عن عبد الله أنه قال: يقوم ملك بالصور بين السماء ~~والأرض فينفخ فيه، فلا يبقى خلق الله بين السماوات والأرض - إلا من شاء ~~الله - إلا مات. ثم يرسل الله من تحت العرش منيا كمني الرجال فتنبت ~~جسمانهم ولحمانهم من ذلك كما تنبت الأرض، ثم ms2220 قرأ عبد الله # والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا # [فاطر: 9] - إلى قوله - # كذلك النشور # [فاطر: 9] قال: ويكون بين النفختين ما شاء الله ثم يقوم ملك فينفخ فيه ~~فتنطلق كل نفس إلى جسدها. # ثم قال تعالى ذكره: { وأشرقت الأرض بنور ربها } ، أي: ~~أضاءت. # يقال: أشرقت الشمس إذا أضاءت وصفت، وشرقت إذا طلعت. # وذلك حين يجيء الرحمان لفصل القضاء بين خلقه. # وروي أن الأرض يومئذ أرض من فضة تضيء وتشرق بنور ربها لا بشمس ولا بقمر. # والمعنى: أضاءت الأرض بنور (خلقه الله). # فإضافة النور إليه تعالى على طريق خلقه له مثل قوله: { هذا خلق ~~الله } تبارك وتعالى. # وقيل: معناه: أشرقت بعد الله عز وجل وحكمه الحق تبارك وتعالى لأن له ~~نورا كنور الشمس وضياء القمر، هو أعظم وأجل من ذلك، ليس كمثله شيء. وهذا ~~كقوله عز وجل: # الله نور السموت والأرض # [النور: 35]، أي: بهداه يهتدي أهل السماوات والأرض. لم يرد ~~النور الذي هو الضياء، ولو كان ذلك، لم يوجد ظلام لأنه باق في الليل ~~والنهار. # وقد ثبتت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " تنظرون إلى الله سبحانه لا تضامون في رؤيته ". # وقد اختلف في هذه اللفظة على أربعة أوجه: # - لا تضامون - مخففا -، أي: لا يلحقكم ضيم كما يلحق في الدنيا في ~~النظر إلى الملوك. # - والوجه الثاني: لا تضامون - مشددا -، أي: لا ينضم بعضكم لبعض ~~ليسأله أن يريه إياه. # - والوجه الثالث: (لا تضارون) - مخففا -، أي: لا يلحقكم ضير في ~~رؤيته، من ضاره يضيره. # - والوجه الرابع: (لا تضارون) - مشددا، أي: لا يخالف بعضكم بعضا في ~~صحة رؤيته. يقال: ضاررته مضارة، أي: خالفته. # ثم قال تعالى ذكره: { ووضع الكتاب } ، يعني: كتاب أعمال العباد ~~وحسابهم. # وقيل: هو اللوح المحفوظ. # { وجيء بالنبيين والشهدآء } ، أي: جيء بالنبيين ~~ليسألهم ربهم عما أجابت به] أممهم وردت عليهم في الدنيا. # والشهداء، يعني: الذين يشهدون على الأمم. وهو قوله تعالى: # وكذلك جعلناكم أمة وسطا # [البقرة: 143]، أي: عدلا # لتكونوا شهدآء على الناس # [البقرة: 143]. # وقيل: عنى بالشهداء هنا: الذي قتلوا في ms2221 سبيل الله. والأول (أولى وأبين). # وقال السدي: الشهداء: الذين استشهدوا في طاعة الله عز وجل. # وقال ابن زيد: هم الحفظة يشهدون على الناس بأعمالهم. # وقوله: { وقضي بينهم بالحق } ، أي: قضى / بين النبيئين ~~وأممهم بالحق؛ فلا يحمل أحد ذنب أحد، ولا يظلم أحد فينقص من عمله. ثم قال ~~تعالى: # { ووفيت كل نفس ما عملت } ، أي: جزاء عملها من خير ~~وشر. # { وهو أعلم بما يفعلون } في الدنيا من طاعة له أو معصية. ~~فيثيب المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، ولا تظلم نفس شيئا. ### || [39.71-75] # قوله تعالى ذكره: { وسيق الذين كفروا إلى جهنم ~~زمرا } - إلى آخر السورة. # أي: وحشر الذين كفروا بالله عز وجل إلى ناره يوم القيامة. # { زمرا } ، أي جماعة جماعة. حتى إذا جاءوا جهنم فتحت أبوابها لهم ~~ليدخلوها. # { وقال لهم خزنتهآ } ، أي خزنة جهنم. # { ألم يأتكم رسل منكم } ، أي: بشر مثلكم. # { يتلون عليكم آيات ربكم } ، أي: كتب الله سبحانه. # { وينذرونكم لقآء يومكم هذا } ، أي: مصيركم إلى هذا ~~اليوم (وما تلقون فيه. # { قالوا بلى } ، أي: بلى قد جاءتنا الرسل وأنذرتنا لقاءنا هذا ~~اليوم). # { ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين } ، أي: ~~وحقت كلمة الله أن عذابه لاحق بمن كفر به. بكتبه ورسله. # ثم قال تعالى { قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين ~~فيها } ، أي: قالت لهم الخزنة ادخلوا أبواب جهنم) السبعة على قدر ~~منازلكم فيها ماكثين فيها لا تنقلون عنها إلى غيرها. # { فبئس مثوى المتكبرين } ، أي: فبيس مسكن المتكبرين على ~~الله سبحانه جهنم يوم القيامة. # ثم قال تعالى: { وسيق الذين اتقوا ربهم إلى ~~الجنة زمرا } ، أي: حشروا إلى دخول الجنة جماعة جماعة. # { حتى إذا جآءوها } ، أي: جاؤا الجنة. # { وفتحت أبوابها }. قال الكوفيون: " فتحت " جواب " إذا " ~~والواو زائدة. # وقال بعضهم: الجواب: قال لهم خزنتها، والواو في " وقال " زائدة. # وقال المبرد: الجواب محذوف، والتقدير: حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها ~~سعدوا. # وقال الزجاج: تقدير الجواب المحذوف: " طبتم فادخلوها خالدين، دخولها. # ودلت الواو في " وفتحت " أن الجنة كانت مفتحة لهم الأبواب منها قبل أن ~~يجيؤها. # (ودل حذف الواو في قصة أهل ms2222 النار من " فتحت " أنها مغلقة قبل أن يجيؤها) ~~ففتحت عند مجيئهم. # ثم قال تعالى: { وقال لهم خزنتها سلام عليكم } ، ~~(أي: قال للذين اتقوا ربهم خزنة الجنة سلام عليكم)، أي: أمنة من الله ~~لكم. # وقوله { طبتم فادخلوها خالدين } ، أي: طابت أعمالكم في ~~الدنيا فطاب اليوم مثواكم. # وقال مجاهد: معناه: " كنتم طيبين (بطاعة) الله عز وجل ". فادخلوا أبواب ~~الجنة خالدين، أي: ماكثين أبدا لا انتقال لكم عنها. # ويروى أن حشر المتقين في الآخرة يكون على نجائب من نجائب الجنة. # وحشر الكفار يكون بالدفع والعنف. قاله ابن زيد وغيره. # وقرأ ابن زيد في الكفار: # يوم يدعون إلى نار جهنم دعا # [الطور: 13]. وقرأ في المتقين # يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا # [مريم: 85]. ويروى عن علي رضي الله عنه أنه قال في المتقين: يساقون إلى ~~الجنة فيجدون عند بابها شجرة، في أصل ساقها عينان تجريان، فيعمدون إلى ~~إحداهما فيغتسلون فيها، فتجري عليهم نضرة النعيم، فلن تشعث رؤوسهم بعدها ~~أبدا، ولن تغير جلودهم بعدها أبدا كأنما دهنوا بالدهان. # ويعمدون إلى الأخرى فيشربون منها فيذهب ما في بطونهم من قذى وأذى، ثم ~~يأتون باب الجنة فيستفتحون فيفتح لهم فتتلقاهم خزنة الجنة فتقول: سلام ~~عليكم، ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون. # قال: وتتلقاهم الولدان المخلدون يطوفون بهم كما يطوف ولدان أهل الدنيا ~~بالحميم إذا جاء من الغيبة، يقولون: أبشر، أعد الله لك كذا وأعدلك كذا. ~~فينطلق أحدهم إلى زوجته فيبشرها به، فيقول قدم فلان - باسمه الذي كان ~~يسمى به في الدنيا - قال: فيستحفها الفرح حتى تقوم على أسكفة ~~بابها، فتقول: أنت رأيته، (أنت رأيته) قال: فيقول: نعم، فيجيء حتى يأتي ~~منزله. قال: أصوله من جندل اللؤلؤ بين أصفر وأخضر وأحمر... قال الله جل ~~ذكره: # وأكواب موضوعة * ونمارق مصفوفة * وزرابي ~~مبثوثة # [الغاشية: 14-16]. قال: ثم يدخل إلى زوجته من الحور العين، فلولا أن ~~الله أعدها له لا ليمتع بصره من نورها وحسنها. فاتكأ عبد الله ويقول: # الحمد لله الذي هدانا لهذا # [الأعراف: 43]. فتناديهم الملائكة أن تلكم الجنة أورثتموها بعملكم. # وقال ms2223 السدي: لهو أهدى إلى منزلة في الجنة منه إلى منزله في الدنيا. ثم ~~قرأ السدي: # ويدخلهم الجنة عرفها لهم # [محمد: 6]. # ثم قال تعالى ذكره: { وقالوا الحمد لله الذي صدقنا ~~وعده } ، أي: له الحمد خالصا إذ صدقنا ما كان وعدنا في الدنيا على ~~طاعته. { وأورثنا الأرض } ، أي: أرض الجنة. # وقيل: أورثوا الأرض التي لأهل النار لو كانوا مؤمنين. # وقوله: { نتبوأ من الجنة حيث نشآء } ، أي: نسكن منها ~~حيث نحب. فنعم أجر العملين، أي فنعم ثواب المطيعين العاملين له في ~~الدنيا: الجنة في الآخرة. # ثم قال تعالى ذكره: { وترى الملائكة حآفين من حول ~~العرش } ، أي: وترى يا محمد يوم القيامة الملائكة محدقين من حول ~~العرش. # والعرش: السرير. وواحد حافين: حاف، قاله الأخفش. # وقال الفراء: لا يفرد. # ودخلت " من " في قوله: { من حول العرش } لأنه ظرف، والفعل ~~يتعدى إلى الظرف بحرف وبغير حرف. ومثله قوله: # وإلى الذين من قبلك # [الزمر: 65، والشورى: 3]. # وقال بعض البصريين: دخلت " من " في الموضعين توكيدا. # ثم قال: { يسبحون بحمد ربهم } ، أي: يصلون حول عرش ربهم ~~شكرا له. # والعرب تدخل الباء مع التسبيح وتحذفها. تقول: سبح بحمد ربك وسبح حمد ~~ربك. كما قال: # سبح اسم ربك الأعلى # [الأعلى: 1] وقال: # فسبح باسم ربك العظيم # [الواقعة: 74 و 96]. # { وقضي بينهم بالحق } ، أي: وقضى الله بين النبيئين ~~والأمم والشهداء بالعدل. # { وقيل الحمد لله رب العالمين } ، أي: وختمت خاتمة ~~القضاء بينهم بالشكر الذي ابتدأ خلقهم ووفقهم للعمل بطاعته. # قال قتادة: فتح أول الخلق بالحمد لله فقال: # الحمد لله الذي خلق السموت والأرض # [الأنعام: 1] وختم بالحمد فقال: { وقيل الحمد لله رب ~~العالمين }. ### | [40 - سورة غافر] ### || [40.1-10] # قوله (تعالى ذكره): { حم * تنزيل الكتاب من الله } - إلى ~~قوله - { إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون }. # من رواية ابن وهب روى أن ابن عباس كان يقول: " لكل شيء لباب وأن لباب ~~القرآن الحواميم ". # ويقال: من ديباج القرآن. # وعن ابن مسعود أنه قال: من أراد رياضا فليقرأ الحواميم. من رواية ابن ~~وهب. # قرأ عيسى بن عمر: حاميم بفتح الميم. نصبه بإضمار ms2224 فعل. # والتقدير: اقرأ حاميم. ولكن لا ينصرف لأنه اسم لمؤنث، إذ هو اسم السورة. # وقيل لم ينصرف لأنه بمنزلة أبنية بعض الأسماء الأعجمية (كهابيل) وقابيل. # ويجوز أن تكون فتحة الميم فتحت بناء (لالتقاء) الساكنين. # قال ابن عباس (الر وحم ونون) مقطعة من الرحمن. وعنه أيضا أن حم: اسم ~~من أسماء الله عز وجل وهو قسم. # وعنه أن حم اسم الله الأعظم. # وقال قتادة: حم اسم من أسماء القرآن. # وقال الضحاك: حم: قضى هذا القرآن. # جعله مأخوذا من حم الامر إذا وجب. # والمعنى: حم تنزيل هذا الكتاب من عند الله عز وجل. # { العزيز } في انتقامه من أعدائه. # { العليم } ، أي: العالم بما يعمل خلقه وبغير ذلك. # ثم قال تعالى: { غافر الذنب وقابل التوب }. # { غافر } خفض على البدل ولا يحسن أن يكون نعتا لأنه نكرة إذ هو ~~لما يستقبل ومثله: { وقابل التوب }. فإن جعلتهما. لما مضى ~~حسن، لأنه تعالى ذكره لم يزل غفارا لذنوب عباده قابلا للتوبة ممن ~~تاب منهم. فيحسن على هذا أن يكونا نعتين لله جل ذكره، ويحسن أن يكونا ~~بدلا. # والتوب: جمع توبة كدومة ودوم. ويجوز أن يكون التوب مصدرا كتوبة يقال: ~~تاب توبة وتوبا. # فأما قوله { شديد العقاب } فهو نكرة، فلا يجوز أن يكون إلا ~~بدلا. # فأما قوله: { ذي الطول } فيحسن أن يكون معرفة لأنه لم يزل كذلك، ~~فيجوز (على ذلك أن يكون) نعتا وبدلا. # وقوله: { لا إله إلا هو } جملة في موضع النعت. # ومعنى { شديد العقاب } ، أي: لمن عاقبه من أهل العصيان. # ومعنى { ذي الطول }: ذي الفضل المبسوط على من يشاء من خلقه. # قال ابن عباس: ذي الطول: " ذي السعة والغنى ". # وقيل معناه: ذي الطول على أوليائه يضاعف لهم الحسنات ويعفو عن السيئات. # وقيل: معناه: ذي الغناء عمن لا يقول: " لا إله إلا الله " ودل على هذا ~~المعنى قوله بعد ذلك: لا إله إلا هو. # وقال قتادة: " ذي الطول: ذي النعم ". # وقال ابن زيد: الطول: القدرة. # ومعنى { لا إله إلا هو إليه المصير } ، أي: لا معبود ~~غيره، إليه ms2225 المرجع. # ثم قال تعالى: { ما يجادل في آيات الله إلا الذين ~~كفروا } ، أي: ما يجادل في حجج الله وأدلته وينكرها إلا الذين جحدوا ~~توحيده (ورسالتك). # { فلا يغررك } يا محمد { تقلبهم في البلاد } في ~~البلاد، أي: لا يغررك يا محمد تصرفهم وبقاؤهم مع كفرهم فتحسب أنهم على ~~شيء من الحق، إنما أمهلهم ليبلغ الكتاب أجله. # قال قتادة: { تقلبهم } في البلاد تصرفهم في أسفارهم. # ثم قال تعالى: { كذبت قبلهم قوم نوح } ، أي: كذبت قبل ~~قومك يا محمد قوم نوح. # { والأحزاب من بعدهم } ، يعني عادا وثمودا وقوم صالح وقوم ~~لوط وقوم فرعون. كذبوا كلهم بعد نوح وغيرهم. فكما كان عاقبة أولئك إذ ~~كذبوا الهلاك، كذلك يكون عاقبة هؤلاء على تكذيبهم لك. # ثم قال تعالى: { وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه ~~}. قال قتادة: ليقتلوه. # ثم قال تعالى: { وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق ~~} ، أي: وخاصموا رسولهم بالباطل من الخصومة ليبطلوا بجدالهم الحق الذي ~~جاء به من عند الله. # وأصل الدحض، الزلق. # ثم قال تعالى: { فأخذتهم فكيف كان عقاب } ، أي فأخذهم ~~عقاب الله. فجعلهم عبرة وعظة لمن بعدهم. # ثم قال تعالى ذكره: { وكذلك حقت كلمة ربك على ~~الذين كفروا } ، أي: وجبت وهو قوله جل ذكره: { لأملأن ~~جهنم من الجنة والناس أجمعين }. # والمعنى: كما وجب العذاب على الأمم السالفة بتكذيبهم الرسل، كذلك وجب ~~على من كذبك يا محمد. # ثم أخبر تعالى ذكره أن الملائكة إنما يستغفرون للمؤمنين: { الذين ~~يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ~~ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا } ، أي: ~~يحملون عرش الله جل ذكره، وعز وجهه. # والذين حول عرشه من ملائكته يصلون لربهم بحمده وشكره. # { ويؤمنون به } ، أي: يقرون بالله أنه لا إله لهم سواه، ويسألون ~~ربهم أن يغفر للذين أقروا بمثل إقرارهم. # وقال قتادة: ويستغفرون للذين آمنوا: أهل لا إله إلا الله. # ثم قال: { ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما } ، أي: ~~ويقولون: ربنا، وسعت رحمتك وعلمك كل شيء من خلقك فعلمت كل شيء لا يخفى ~~عليك شيء، ورحمت خلقك فوسعتهم رحمتك، فرزقتهم على كفر من ms2226 كفر منهم بك ~~برحمتك، برزقك قد وسعت الكافر والمؤمن، ووسعت المؤمنين في الآخرة ~~فأنقذتهم من النار وأدخلتهم الجنة. # ثم قال عنهم أنهم قالوا: { فاغفر للذين تابوا }: أي: تابوا ~~من الشرك. # { واتبعوا سبيلك } ، أي: وسلكوا الطريق الذي أمرتهم أن يسلكوه ~~وهو الإسلام. # قال قتادة: اتبعوا سبيلك، أي طاعتك ". # { وقهم عذاب الجحيم } ، أي: اصرف عنهم عذاب النار يوم ~~القيامة. # وسؤال الملائكة الله عز وجل في المغفرة للمؤمنين وإدخالهم الجنة هو قوله ~~تعالى # كان على ربك وعدا مسئولا # [الفرقان: 16]، أي: إدخال المؤمنين الجنة والمغفرة لهم هو وعد من الله ~~للملائكة فيهم إذ (سألوه هم) ذلك، وهو سؤالهم الله في هذه السورة. قال ~~جميع ذلك القرطبي. # وجاز أن يسألوا الله عز وجل ما قد وعد به سبحانه وتعالى على طريق ~~التعجيل بذلك لهم لا على طريق الوفاء لهم بما وعدهم، فالله لا يخلف ~~الميعاد، فلا يسأل في وفاء وعده إنما هو سؤال أن يعجل لهم ذلك. # ثم قال تعالى: { ربنا وأدخلهم جنات عدن التي ~~وعدتهم } ، أي: ويقولون يا ربنا وأدخل هؤلاء الذين تابوا عن الشرك ~~جنات إقامة. # قال كعب: جنات عدن: قصور من ذهب في الجنة يدخلها النبيئون والصديقون ~~والشهداء. وأئمة العدل. # ثم قال تعالى: { ومن صلح من آبآئهم } ، أي: وأدخل جنات عدن ~~من صلح من آباء هؤلاء التائبين وأزواجهم وذرياتهم. # قال قتادة: يدخل الرجل الجنة فيقول أين أبي؟ أين أمي؟ أين ولدي؟ أين ~~زوجتي فيقال: لم يعملوا مثل عملك، فيقول: كنت أعمل لي ولهم! فيقال: ~~أدخلوهم الجنة، ثم قرأ: { جنات عدن التي وعدتهم } ~~الآية. # وقوله: { إنك أنت العزيز الحكيم } ، أي: العزيز في ~~انتقامك من أعدائك، الحكيم في تدبير خلقك. # ثم قال تعالى: { وقهم السيئات ومن تق السيئات ~~يومئذ فقد رحمته } أي: ويقولون يا ربنا وقهم عقاب السيئات ~~التي عملوها في الدنيا، ومن تقه عقاب السيئات يوم القيامة فقد رحمته. # { وذلك هو الفوز العظيم } ، أي: النجاة من النار. # وقال نفطويه: معنى السيئات، أنها ما يسوء صاحبها. # فمعنى: { وقهم السيئات }: وقهم ما يسوءهم من عقابك ms2227 وغضبك، ~~ومنه قوله: # وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى # [الأعراف: 131]، أي: إن يصبهم ما يسوءهم يطيروا بموسى: وكذلك قوله: # ومآ أصابك من سيئة فمن نفسك # [النساء: 79]، معناه: ما أصابك من سوء فبذنبك. # قال مطرف: وجدنا أنصح العباد للعباد الملائكة، وأغش العباد للعباد ~~الشياطين، ثم تلا الآية { الذين يحملون العرش }. # ثم قال تعالى: { إن الذين كفروا ينادون لمقت ~~الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى ~~الإيمان فتكفرون }. # قال الحسن، يعطون كتابهم، فإذا نظروا في سيئاتهم مقتوا أنفسهم فيقال ~~لهم: لمقت الله إياكم في الدنيا إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبر من ~~مقتكم أنفسكم اليوم. # فمن الآية تقديم وتأخير على قوله. # قال مجاهد: إذا عاينوا أعمالهم مقتوا أنفسهم فنودوا: لمقت الله إياكم ~~أكبر من مقتكم أنفسكم. # قال قتادة: معناه: لمقت الله لكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبر من ~~مقتكم أنفسكم إذا عاينتم النار - مثل قول الحسن - وهو قول الكسائي وغيره. # وقيل: معناه: (كبر مقتكم أنفسكم) أكبر من مقت بعضكم بعضا يوم القيامة، ~~لأن بعضهم يمقت بعضا ويلعن بعضهم بعضا يوم القيامة. # وقيل: الآية فيها تقديم وتأخير لأن النداء بالمقت لهم يكون في الاخرة ~~ووقت دعائهم للإيمان هو في الدنيا. # والتقدير: ينادون (يوم القيامة)، لمقت الله لكم إذ تدعون إلى الإيمان في ~~الدنيا فتكفرون أكبر من مقتكم أنفسكم عند الحساب. # وفي هذا التقدير تفريق بين الصلة والموصول بخبر الابتداء وهو " أكبر " ~~وما اتصل به، فلا يحسن ذلك عند النحويين. ### || [40.11-20] # قوله تعالى: { قالوا ربنآ أمتنا اثنتين } - إلى قوله - ~~{ السميع البصير }. # قال ابن عباس والضحاك: هذا مثل قوله تعالى: # وكنتم أموتا فأحيكم # [البقرة: 28] الآية. # وقال قتادة: كانوا أمواتا في أصلاب أبائهم فأحياهم الله عز وجل في ~~الدنيا، ثم أماتهم الموتة التي لا بد منها، ثم أحياهم للبعث، فهاتان ~~حياتان وموتتان. # وقال السدي: أميتوا في الدنيا، ثم أحيوا في قبورهم فسئلوا وخوطبوا ثم ~~أميتوا في قبورهم، ثم أحيوا في الآخرة. # وقال ابن زيد: خلقهم من ظهر آدم حين أخذ عليهم الميثاق، وأماتهم، ثم ~~خلقهم ms2228 في الأرحام، ثم أماتهم في الدنيا، ثم أحياهم في الأخرة. # وقوله تعالى: { فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من ~~سبيل } ، أي: فأقررنا بذنوبنا، فهل إلى خروج من النار لنا سبيل، فهل ~~إلى كرة فنرجع إلى الدنيا فنعمل غير الذي كنا نعمل. # ثم قال تعالى: { ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده ~~كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا }. في الكلام حذف؛ ~~والتقدير: فأجيبوا أن لا سبيل إلى الخروج، ذلكم العذاب بأنه إذا دعي الله ~~وحده كفرتم، أي: إذا وحده موحد أشركتم وإن أشرك به مشرك صدقتموه. # وذكر ابن وهب عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: لأهل النار خمس دعوات، ~~يكلمهم الله في الاربعة فإذا كانت الخامسة سكتوا: { قالوا ربنآ ~~أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا ~~بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل }. قال: فيراجعهم بهذه ~~الآية: { ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم } ~~الآية. # ثم يقولون: # ربنآ أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا ~~إنا موقنون # [السجدة: 12] قال: فيرد عليهم: # ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها # [السجدة: 13] - إلى - # أجمعين # [السجدة: 13]. # ثم يقولون: # ربنآ أخرنآ إلى أجل قريب نجب دعوتك ~~ونتبع الرسل # [إبراهيم: 44]. قال: فيراجعهم بهذه الآية: # أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال # [إبراهيم: 44]. # قال: ثم يقولون: # ربنآ أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا ~~نعمل # [فاطر: 37] فيراجعهم: # أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر ~~وجآءكم النذير # [فاطر: 37]. # قال: ثم يقولون: # ربنا غلبت علينا شقوتنا # [المؤمنون: 106]، قال: فيراجعهم: # اخسئوا فيها ولا تكلمون # [المؤمنون: 108]. # قال: فكان آخر كلامهم ذلك. # قال أبو محمد: وفي بعض رواية هذا الحديث تقديم وتأخير فيما ذكرنا. # ثم قال تعالى: { فالحكم لله العلي الكبير }. أي ~~فالقضاء لله، لا لما تعبدونه، العلي على كل شيء، الخبير الذي كل شيء دونه ~~متصاغر له. # ثم قال تعالى: { هو الذي يريكم آياته } ، أي: الله هو الذي ~~يريكم أيها الناس حججه وأدلته على وحدانيته. # { وينزل لكم من السمآء رزقا } ، يعني: الغيث، يخرج به ~~أقواتكم وأقوات أنعامكم. # { وما يتذكر إلا من ينيب } ، أي: ما يتذكر حجج الله عز ~~وجل ms2229 وأدلته على قدرته ووحدانيته فيتعظ ويعتبر إلا من يرجع إلى توحيد الله ~~سبحانه وطاعته جلت عظمته. # ثم قال: { فادعوا الله مخلصين له الدين } ، أي: ادعوا ~~الله أيها المؤمنون مخلصين له الطاعة ولو كره ذلك منكم الكافرون. # ثم قال تعالى: { رفيع الدرجات ذو العرش } ، أي: هو رفيع ~~الصفات ذو السرير المحيط بما دونه. # { يلقي الروح من أمره على من يشآء من عباده } ~~أي: ينزل الوحي على من يشاء، يختص بذلك من يشاء من خلقه. # وقيل: " من " بمعنى الباء. والمعنى: يلقي الروح بأمره أي: يلقي الوحي ~~بأمره على من يشاء. # وقيل: معنى { رفيع الدرجات } (هي الدرجات) التي يعطيها الله عز ~~وجل للأنبياء صلوات الله عليهم والمؤمنين في الجنة. # فالمعنى: رفيع الثواب والمجازاة للأنبياء والمؤمنين. # وسمي الوحي روحا لأن الناس يحيون به من الضلالة، والمهتدي حي، والضال ~~(ميت في) التمثيل. # قال مجاهد: الروح هنا: الوحي، وقال قتادة: هو الوحي والرحمة. # وقال ابن عباس: الروح: النبوة. # وقال: الضحاك: الروح: الكتاب الذي ينزله على من يشاء ومثله قوله: { ~~وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا } ، يعني: ~~القرآن في قول جميع المفسرين. # والروح: جبريل أيضا، وهو قوله: # نزل به الروح الأمين # [الشعراء: 193] سمي روحا لأنه ينزل من عند الله تعالى بما يحيي به من ~~أنزل عليه. # فأما قوله تعالى: # يوم يقوم الروح والملائكة صفا # فقال ابن زيد: الروح هنا القرآن. وفيه اختلاف سيذكر إن شاء الله. # والضمير في " لينذر " يعود على الله جل ذكره، وقيل: يعود على الروح وهو ~~الوحي، وقيل: يعود على النبي. # وقد قرأ الحسن " لتنذر " بالتاء على المخاطبة. # وقوله: { يوم التلاق } ، أي: يوم يلتقي أهل السماوات وأهل الارض، ~~والأولون والآخرون. # ثم قال: { يوم هم بارزون } " يوم " بدل من " يوم " الأول. # وقيل العامل فيه: " لا يخفى على الله منهم شيء { يوم هم بارزون ~~}. # والمعنى أن جميعهم بمرأى منه، أي: لا يخفى عليه من أعمالهم شيء. # وقيل معناه: بارزون من قبورهم. # ثم قال تعالى: { لمن الملك اليوم } ، أي: يقول الله جل ~~ذكره: لمن الملك اليوم؟. # فيجيب ms2230 نفسه: { لله الواحد } ، أي: المنفرد / بالوحدانية ~~والقدرة. { القهار } لكل شيء سواه. # وروى أبو وائل عن ابن مسعود (أنه قال): يحشر الناس على أرض بيضاء مثل ~~الفضة لم يعص الله عز وجل عليها. فيؤمر منادى أن ينادي: لمن الملك اليوم؟ ~~فيقول العباد: لله الواحد القهار المؤمن منهم والكافر. # ثم أول ما ينظر من الخصومات في الدماء بمحضر القاتل والمقتول. فيقول: سل ~~هذا: لم قتلني؟ فإن قال: قتلته لتكون العزة لفلان، قيل للمقتول: اقتله ~~كما قتلك، وكذلك إن قتل جماعة أذيق القتل كما أذاقهم في الدنيا وهو قوله ~~تعالى: # { اليوم تجزى كل نفس بما كسبت } الآية. # أي: تثاب بما عملت في الدنيا لا يظلم أحد فيعاقب بما لم يفعل ولا يضيع ~~ظلمه (عند من ظلمه). # { إن الله سريع الحساب } ، أي: ذو سرعة في محاسبته عبادة ~~يومئذ على أعمالهم. # روي أن ذلك اليوم لا ينتصف حتى يقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في ~~النار قد فرع الله عز وجل من حسابهم والفصل بينهم. # فالمعنى: إنه تعالى لا تشغله محاسبة أحد عن محاسبة أحد. # وقد روي أنه تعالى يحاسب الخلق كلهم في مقدار حلب شاة، وإنما هو تعالى ~~يريد حساب كل نفس ويحدثه فيحدث لكل واحد منهم محاسبة في الحال التي يحدث ~~فيها المحاسبة والمساءلة لأن بعض كلامه لا يشغله عن بعض، وكذلك بعض خلقه ~~لا يشغله عن بعض، وهذه هي الصفات التي لا يشاركه فيها أحد، ليس كمثله ~~شيء. ولا يجوز لأحد أن يتأول أو يتخايل إليه في محاسبة الله سبحانه خلقه ~~أنه يحاسبهم بكلام أو لسان. تعالى الله عن الجوارح وعن مشابهة المخلوقين، ~~إنما يحدث لكل إنسان محاسبة في الحال التي يريد محاسبته فيها. فافهم هذا ~~ونزه الله عن التشبيه بالمخلوقين. # ثم قال تعالى: { وأنذرهم يوم الأزفة } ، أي: وأنذر يا محمد ~~مشركي العرب وحذرهم من يوم الآزفة، يعني: يوم القيامة. وسميت آزفة ~~لقربها. يقال أزف الشيء إذا قرب. # ثم قال: { إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين }. # قال قتادة: ارتفعت القلوب في الحناجر ms2231 من المخافة. # فلا هي تخرج ولا تعود في أمكنتها. # و { لدى } ، بمعنى: عند. # { كاظمين }: مفتاظين لا شيء يزيل غيظهم. # { ما للظالمين من حميم } ، أي: من قريب (ولا صديق) يحتج ~~عنهم فيزيل عظيم ما نزل بهم. # { ولا شفيع } يشفع لهم عند ربهم عز وجل فيما يشفع فيه. # قال الحسن: استكثروا من الأصدقاء المؤمنين، فإن الرجل منهم يشفع في ~~صديقه وقريبه، فإذا رأى الكافر ذلك قال: ما لنا من شافعين ولا صديق حميم. # ثم قال تعالى: { يعلم خآئنة الأعين وما تخفي ~~الصدور } ، أي: يعلم الله جل ذكره خائنة أعين عباده وما أخفته ~~صدورهم، لا يخفى عليه شيء من أمورهم حتى يتحدث به في نفسه ويضمره في ~~قلبه. # ومعنى " خائنة الأعين " هو أن الله تعالى يعلم ما أراد بنظره إذا نظر ~~وما ينوي بذلك في قلبه. # قال ابن عباس: { يعلم خآئنة الأعين وما تخفي ~~الصدور }: يعلم إذا نظرت إلى المرأة أتريد بذلك الخيانة أم لا. " وما ~~تخفي الصدور " ، أي: إذا قدرت عليها أتزني أم لا. # وقوله: { والله يقضي بالحق } ، أي: يقدر أن يجزي بالحسنة ~~الحسنة وبالسيئة السيئة. # وروى ابن وهب عن رجاله عن ابن عباس أنه قال: هو الرجل تمر به المرأة ~~فيري القوم أنه يغض بصره، فإذا أغفلوا نظر إليها: ويريهم (أنه يغض) ~~بصره ويود لو أنه يطلع على عورتها ويقدر عليها. # وعن ابن عباس أنه قال في " خائنة الأعين ": إنه الرجل ينظر إلى المرأة ~~فإذا نظر أصحابه إليه غض بصره، (وقد علم الله عز وجل منه أنه يود لو نظر ~~إلى عورتها، فإذا رأى منهم غفلة تدسس النظر، فإذا نظر إليه أصحابه غض ~~بصره). # قال مجاهد: خائنة الأعين: نظر العين إلى ما نهى الله عز وجل عنه. # وقال قتادة: يعلم همزه بعينه، وإغماضه فيما لا يحب الله جل ذكره ولا ~~يرضى به. # قال الفراء: " خائنة الأعين ": النظرة الثانية و { وما تخفي ~~الصدور } النظرة الأولى " { والله يقضي بالحق } ، أي: ~~يجازي من غض بصره عن محارمه حذر الموقف بين يديه، ومن ردد النظر ms2232 وعزم ~~قلبه على مواقعة الفواحش إذا قدر عليها. # قال الزجاج: " خائنة الأعين " نظر ونيته الخيانة. # ثم قال: { والذين يدعون من دونه } ، أي: والأوثان التي ~~يدعو هؤلاء (المشركون) من قومك من دون الله. # { لا يقضون بشيء } ، أي لا تقدر على شيء ولا تعلم شيئا، ~~فاعبدوا الله الذي هو { السميع } لما تنطق به ألسنتكم { البصير } ~~بما تعملون من الأفعال، المحيط بكل ذلك. ### || [40.21-29] # قوله تعالى: { أولم يسيروا في الأرض } - إلى قوله - { ~~إلا سبيل الرشاد } ، أو لم يسر هؤلاء المشركون في الأرض ~~فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم من الأمم المكذبة لرسلهم فيحذروا ~~أن يصيبهم بتكذيبهم لك يا محمد مثل ما أصاب من كان قبلهم من الأمم / ~~الذين كانوا أشد من هؤلاء قوة وأعظم أجساما وأكثر آثارا في الأرض من ~~البناء والحرث. # { فأخذهم الله بذنوبهم } فأهلكهم، ولم تنفعهم شدة قوتهم، ~~ولا كثرة آثارهم، ولا وقاهم أحد عذاب الله إذ جاءهم، بل حل بهم ذلك. ~~فهؤلاء الذين أضعف أجساما وأقل آثارا أحرى أن يأتيهم عذاب الله إن ~~تمادوا على كفرهم. # ثم قال تعالى { ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان ~~مبين }: هذه الآية تعزية للنبي صلى الله عليه وسلم أعلمه الله عز وجل ~~أن موسى قد لقي من فرعون وقومه أمرا عظيما مثل ما لقي النبي صلى الله ~~عليه وسلم من قومه، وأنه صبر على ذلك. فواجب أن تصبر أنت على ما نالك يا ~~محمد فإنك العالي عليهم ولك العاقبة الحسنى كما كان ذلك لموسى على فرعون. # والسلطان (هنا: الحجة)، أي: حجة بينة لمن رآها. # أرسل الله عز وجل موسى إلى فرعون وهامان وقارون بالآيات الواضحة فما كان ~~جوابهم إلا أن قالوا هو ساحر كذاب. # ثم قال تعالى: { فلما جآءهم بالحق من عندنا قالوا ~~اقتلوا أبنآء الذين آمنوا معه } ، أي: فلما جاء موسى ~~الذي أرسل إليهم بالحق من عند الله عز وجل، أي: بالحجة والبرهان على ~~توحيد الله عز وجل وطاعته وإقامة الحجة عليهم قالو: اقتلوا أبناء الذين ~~آمنوا معه، أي: اقتلوا أبناء بني إسرائيل ms2233 الذين آمنوا معه. # { واستحيوا نسآءهم } ، أي: استبقوهم لخدمتهم لكم. وهذا أمر ~~من فرعون بعد أمره الأول، لأنه كان قد أمر بقتل الولدان من بني إسرائيل ~~خوفا من مولود يولد منهم يكون هلاكه على يديه، وكان ذلك قبل ولادة موسى ~~عليه السلام - وقد تقدم ذكر ذلك - ثم إن موسى لما دعاه إلى الله وأتاه ~~بالآيات الظاهرات، ورأى أن بني اسرائيل آمنوا بموسى وصدقوه، أمر بأن يقتل ~~أبناء من آمن بموسى ليعيد عليهم العذاب وينكل بهم إذ آمنوا بموسى. # قال قتادة: " هذا قتل غير القتل الأول الذي كان ". # وقوله: { وما كيد الكافرين إلا في ضلال } ، أي: وما ~~احتيال أهل الكفر لأهل الإيمان بالله عز وجل إلا في جور عن الحق. # ثم قال تعالى: { وقال فرعون ذروني أقتل موسى ~~وليدع ربه } ، أي: خلوا بيني وبين قتله، وليدع ربه أن ينجيه ~~مني. # { إني أخاف أن يبدل دينكم } بما أتاكم به. # { أو أن يظهر في الأرض الفساد } ، أي: أخاف هذين ~~الأمرين. # ومن قرأه " أو " ، فمعناه: أخاف أحد هذين الأمرين. # وقيل: إن " أو " بمعنى الواو. # ثم قال تعالى: { وقال موسى إني عذت بربي وربكم ~~من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب }: وقال موسى ~~لفرعون وقومه لما تواعدوه بالقتل: إني استجرت بربي وربكم { من كل ~~متكبر } ، أي: عن توحيد الله عز وجل وطاعته سبحانه لا يؤمن بالبعث ~~والجزاء. # وإنما خص موسى الاستجارة بالله سبحانه من هذا الصنف إنما خاطب فرعون ~~وقومه لأنهم كانوا لا يؤمنون بالله سبحانه ولا بالبعث. # ثم قال تعالى: { وقال رجل مؤمن من آل فرعون ~~يكتم إيمانه }. # قيل إنه رجل من بني عم فرعون ولكنه آمن بموسى وكتم إيمانه خوفا من ~~فرعون. قاله السدي. # وقيل: بل كان الرجل (إسرائيليا، ولكنه) كان يكتم إيمانه من آل فرعون ~~خوفا على نفسه، فيكون في الكلام تقديم وتأخير على هذا القول. # والتقدير: وقال رجل مؤمن يكتم إيمانه فرعون. # " فمن " متعلقة ب " يكتم " في موضع مفعول ثان " ليكتم " ، فهو في موضع ~~نصب. # وعلى القول الأول " من " متعلقة بمحذوف في ms2234 موضع رفع وهي صفة لرجل كما ~~تقول: مررت برجل من بني تميم. # والتقدير في المحذوف - على القول الأول -: وقال رجل مؤمن منسوب إلى آل ~~فرعون، ونحو ذلك. # والأول هو اختيار الطبري لأن فرعون، أصغى إلى قوله وقبل منه، ولم يقل ~~موسى وقال له: { مآ أريكم إلا مآ أرى ومآ أهديكم ~~إلا سبيل الرشاد } ، ولو كان إسرائيليا لعاجله بالعقوبة كما ~~فعل (في قتل) أبنائهم حين آمنوا بموسى. # وقوله: { أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله } ، أي: ~~أتقتلون موسى من أجل قوله: الله ربي. # { وقد جآءكم بالبينات من ربكم } ، أي: بالحجج ~~الظاهرات على صحة ما يقول لكم من توحيد الله عز وجل وطاعته سبحانه وذلك: ~~عصاه ويده. # ثم قال: { وإن يك كاذبا فعليه كذبه } ، أي: إن يك موسى ~~كاذبا في قوله إن الله أرسله إليكم فإثم كذبه عليه. # { وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم } ، أي: ~~وإن يك موسى صادقا في قوله أصابكم بعض الذي يعدكم من العقوبة - إن ~~قتلتموه -، فلا حاجة لكم إلى قتله فتزدادوا غضبا من ربكم على غضبه عليكم ~~لكفركم. # و " بعض " عند أبي عبيدة في موضع " كل " ، لأن كل ما واعدوا به كائن لا ~~/ بعضه. # وقيل: المعنى فيه: إنه قال لهم: إن، أصابكم ما يعدكم / موسى هلكتم فضلا ~~عن الكل. # وهذا تأكيد لإلزام الحجة عليهم والتخويف، لأن البعض إذا كان فيه هلاكهم ~~فالكل أعظم ضررا، وأشد هلاكا. # وقيل: معناه إن موسى توعدهم بعذاب الدنيا معجلا وعذاب الآخرة مؤخرا، ~~فقال لهم المؤمن: يصيبكم بعض الذي يعدكم أي: عذاب الدنيا معجلا. # ثم قال: { إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب } ، ~~أي: لا يوفق للحق من هو معتد إلى ما ليس له فعله، كذاب (فيما يقول). # قال قتادة: المسرف هنا: المشرك، أسرف على نفسه بالشرك. # وقال السدي: المسرف هنا: القتال بغير حق. # ثم قال لهم المؤمن: { يقوم لكم الملك اليوم ظاهرين ~~في الأرض } قوله: " يا قوم " يدل على أنه من آل فرعون. يعني بذلك أرض ~~مصر، أي: لكم السلطان فيها غالبين ms2235 على أهلها من بني إسرائيل وغيرهم ~~فوعظهم وقال: # { فمن ينصرنا من بأس الله إن جآءنا } ، أي: لا أحد ~~يرفع عنا عذاب الله إن جاءنا. فقال فرعون مجيبا له: # { مآ أريكم إلا مآ أرى } ، أي: ما أريكم أيها الناس من ~~الرأي الا ما أرى لنفسي. # { ومآ أهديكم إلا سبيل الرشاد } ، أي: وما أدعوكم إلا ~~إلى الحق في أمر موسى وقتله. # وقرأ معاذ بن جبل: " سبيل الرشاد " بالتشديد. يعني أن فرعون قال لقومه: ~~ما أهديكم إلا إلى طريق الله جل ذكره. # وهذه القراءة بعيدة في اللغة لأن " فعالا " لا يكون من " أفعل " وإنما ~~يكون من الثلاثي للتكثير. فإن أردت التكثير من الرباعي جئت " بمفعال ". # وقد أجاز قوم أن يكون الرشاد بالتشديد بمعنى المرشد، (لا على أنه) جار ~~على أرشد ولكنه مثل لال من اللؤلؤ في معناه وليس منه في الاشتقاق. # وقد أجاز قوم أن يكون من رشد، فيكون معناه: { ومآ أهديكم } إلا ~~سبيل صاحب رشاد كما قال: كليني لهم يا أميمة ناصب. ### || [40.30-37] # قوله تعالى: { وقال الذي آمن يقوم إني أخاف ~~عليكم } - إلى قوله - { إلا في تباب }. # أي: وقال الرجل الذي آمن من آل فرعون وكتم إيمانه: يا قوم إني أخاف ~~عليكم إن قتلتم موسى ولم تؤمنوا بما جاءكم به. # { مثل يوم الأحزاب } ، يعني: الذين تحزبوا على رسلهم. # { مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود } ، أي: مثل عادة الله ~~عز وجل فيهم وانتقامه منهم حين كفروا برسلهم. # قال ابن عباس: مثل دأب قوم نوح: مثل حالهم، وقال ابن زيد: معناه، مثل ما ~~أصابهم. # وقوله: { والذين من بعدهم } ، يعني به: قوم إبراهيم وقوم ~~لوط، وهم أيضا من الأحزاب. # وقوله: { وما الله يريد ظلما للعباد } ، أي: ليس الله ~~جل ذكره بمعذب قوما بغير جرم. # ثم قال تعالى ذكره حكاية عن قول المؤمن لقومه: { ويقوم إني ~~أخاف عليكم يوم التناد * يوم تولون مدبرين } ~~، أي: إني أخاف عليكم إن قتلتم موسى ولم تؤمنوا بما جاءكم به عقاب الله ~~يوم التنادي، أي: يوم القيامة، أي: يوم يتنادى أصحاب ms2236 الجنة والنار كما ~~ذكر في سورة الأعراف وغيرها فقال: # ونادى أصحاب الجنة # [الأعراف: 44]، # ونادى أصحاب الأعراف # [الأعراف: 48]، # ونادى أصحاب النار # [الأعراف: 50] قاله قتادة وابن زيد. # وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يأمر الله عز وجل إسرافيل عليه السلام بالنفخة الأولى فيقول: انفخ ~~نفخة الفزع فيفزع أهل السماوات والأرض إلا من شاء الله، ويأمره فيديمها ~~ويطولها فلا تفتر - وهي التي يقول الله عز وجل: " { وما ينظر ~~هؤلآء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق } - فيسير ~~الله عز وجل الجبال فتكون سرابا، وترتج الأرض بأهلها رجا - وهي التي ~~يقول الله عز وجل { يوم ترجف الراجفة * تتبعها ~~الرادفة * قلوب يومئذ واجفة } - فتكون (الأرض كالسفينة) ~~المزنقة في البحر تمر بها الأمواج تكفأ بأهلها، وكالقنديل (المعلق ~~بالعرش) ترجحه (الأرواح فيميل الناس على ظهرها فتذهل المراضع وتضع ~~الحوامل (وتشيب الولدان) وتطير الشياطين هاربة حتى تأتي الأقطار فتلقاها ~~الملائكة فتضرب وجوهها، فترجع، ويولي الناس مدبرين ينادي بعضهم بعضا، ~~وهو اليوم الذي يقول الله عز وجل: { يوم التناد * يوم ~~تولون مدبرين } ". # فعلى هذا الحديث يكون التنادي في النفخة الأولى في الدنيا. # وقرأ الضحاك: يوم التنادي بتشديد الدال، جعله من ند البعير إذا مر على ~~وجهه هاربا. فهذا يراد به ما يكون يوم القيامة من حال الناس. # ويسعد هذه القراءة ويقويها ما روى عبد الله بن خالد قال: # يظهر للناس يوم القيامة عنق (من النار فيتولون) هاربين منها حتى تحيط ~~بهم، فإذا أحاطت بهم قالوا: أين المفر؟ # ثم أخذوا في البكاء حتى تنفد الدموع فيكون دما، ثم يشخص الكفار فذلك ~~قوله: # مهطعين مقنعي رءوسهم # [إبراهيم: 43] ". # ويقويها أيضا / ما رواه الضحاك، قال: " إذا كان يوم القيامة أمر الله ~~عز وجل السماء الدنيا فتشققت بأهلها، فنزل من فيها من الملائكة فأحاطوا ~~بالأرض ومن عليها، ثم الثانية، ثم الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، ثم ~~السادسة، ثم السابعة، فصفوا صفا دون صف، ثم ينزل الملك الأعلى، على ~~مجنبته اليسرى جهنم، فاذا رآها أهل الأرض ندوا، (فلا يوافقون) قطرا من ms2237 ~~أقطار الأرض إلا وجدوا سبعة صفوف من الملائكة فيرجعون إلى المكان الذي ~~كانوا فيه - فذلك قوله: " { إني أخاف عليكم يوم ~~التناد * يوم تولون مدبرين }. وذلك قوله # وجآء ربك والملك صفا صفا * وجيء يومئذ ~~بجهنم # [الفجر: 22-23] وقوله: # يمعشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من ~~أقطار السموت والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا ~~بسلطان # [الرحمن: 33] وذلك قوله: # وانشقت السمآء فهي يومئذ واهية * والملك ~~على أرجآئهآ # [الحاقة: 16-17]. # وقال قتادة: يوم تولون مدبرين، أي: منطلقا بكم إلى النار. # وقال مجاهد: يوم تولون " فارين غير معجزين ". # { ما لكم من الله من عاصم } ، أي: ما لكم من عذاب الله ~~سبحانه من مانع يمنعكم منه وينصركم. # ثم قال تعالى: { ومن يضلل الله فما له من هاد } ، أي: ~~من يخذله الله فلا يوفقه للرشاد، فما له من موفق يوفقه له. # ثم قال تعالى: { ولقد جآءكم يوسف من قبل ~~بالبينات } ، أي: ولقد جاءكم يوسف بن يعقوب من قبل موسى بالآيات ~~الواضحات من حجج الله عز وجل. # قال وهب بن منبه: فرعون موسى هو فرعون يوسف. # (قال مالك): عمر (أربعمائة سنة). # وقال غيره: هو غيره. # قيل: هو يوسف بن إبراهيم بن يوسف بن يعقوب. والله أعلم بذلك. # روي أنه أقام فيهم عشرين سنة يدعوهم إلى الإيمان ثم مات. # وقيل: إن هذا من قول موسى، وقيل: هو من قول (مؤمن آل) فرعون. # ثم قال تعالى: { فما زلتم في شك مما جآءكم به } ، ~~أي: فلم تزالوا مرتابين فيما أتاكم به يوسف من عند ربكم { حتى إذا ~~هلك } ، (أي: مات يوسف). # { قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا } ، أي: قلتم لن ~~يأتينا من بعد يوسف رسول يدعونا إلى الحق. # ثم قال تعالى: { كذلك يضل الله من هو مسرف ~~مرتاب } ، أي: هكذا يصد الله عز وجل عن إصابة الحق من هو كافر شاك ~~في الحق. # ثم قال تعالى: { الذين يجادلون في آيات الله بغير ~~سلطان أتاهم } (أي: كذلك يضل الله الذين يجادلون في حجج الله ~~وآياته بغير حجة أتتهم) من عند الله ms2238 عز وجل. # ثم قال: { كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا } ~~أي: كبر جدالهم مقتا عند الله وعند الذين آمنوا. # { كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار ~~} أي: كما طبع الله على قلوب المسرفين المجادلين في آيات الله بالباطل، ~~كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر على الله سبحانه أن يوحده. # { جبار } ، أي: متعظم عن اتباع الحق. # { آتيهم }: وقف عند الجماعة. # ثم قال تعالى: { وقال فرعون يهامان ابن لي صرحا ~~لعلي أبلغ الأسباب } ، (أي: وقال فرعون - لما وعظه المؤمن ~~وزجره عن قتل موسى - لوزيره هامان: ابن لي بناء لعلي أطلع عليه فأبلغ ~~(أبواب السماء) وطرقها، وكان أول من بنى بهذا الأجر. # قال ابن عباس: أسباب السماوات: منازل السماوات. # والأسباب في اللغة: كلما تسبب به إلى الوصول إلى المطلوب. # وقيل: لعلي أبلغ من أسباب السماوات أسبابا أتسبب بها إلى (رؤية إله) ~~موسى. # { وإني لأظنه كاذبا } ، أي: أظن موسى فيما يدعى كاذبا. # أشهب عن مالك قال: سمعت أن فرعون عاش (أربعمائة سنة) وأنه أقام (بعدما) ~~أتاه موسى بالآيات وقال: # ما علمت لكم من إله غيري # [القصص: 38] أربعين سنة. # قال مالك قال الله عز وجل: # إنما نملي لهم ليزدادوا إثما # [آل عمران: 178]. # وقال: لم يكن فرعون من بني إسرائيل. # ويروى أن فرعون مكث أربع مائة سنة لم يصدع له رأس، يغدو عليه الشباب ~~ويروح. # قال ابن لهيعة: كان فرعون من أبناء مصر واسمه، الوليد بن مصعب بن معان. # ثم قال تعالى: { وكذلك زين لفرعون سوء عمله } ، ~~أي: هكذا زين الله عز وجل لفرعون قبيح عمله لما كفر حتى سولت له نفسه ~~بلوغ أسباب السماوات والتطلع إلى (رب العزة). # ثم قال: { وصد عن السبيل } ، أي: منع من الاهتداء إلى الحق، ~~أي: منعه الله عز وجل من ذلك لكفره وعتوه. # ثم قال: { وما كيد فرعون إلا في تباب } ، أي: وما ~~احتيال فرعون ومكرره إلا في خسارة وذهاب وضلال وباطل لا ينتفع بحيلته ~~ومكره. ### || [40.38-48] # قوله تعالى: { وقال الذي آمن يقوم اتبعون } - إلى ~~قوله - { نصيبا ms2239 من النار }. # أي: وقال لفرعون / المؤمن من قومهم: اتبعون فقولوا مثل قولي تهتدوا إلى ~~الحق والرشاد والصواب. # وقال لهم: { يقوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع ~~} تستمتعون به إلى أجل ثم تفارقونه بالموت. # { وإن الآخرة هي دار القرار } ، أي: هي الدار التي ~~تستقرون فيها وتخلدون ولا تموتون فيها، فاعملوا لها. # ثم قال تعالى حكاية عن قول المؤمن: { من عمل سيئة فلا ~~يجزى إلا مثلها، ومن عمل صالحا من ذكر أو ~~أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ~~يرزقون فيها بغير حساب } ، أي: من عمل بمعصية الله سبحانه ~~في هذه الحياة الدنيا، جوزي بذلك في الآخرة، ومن عمل بطاعة الله عز وجل ~~وهو مؤمن بالله سبحانه فأولئك يدخلون الجنة في الآخرة يرزقهم الله عز وجل ~~فيها بغير حساب. # قال قتادة: لا، والله ما هنالك مكيال ولا ميزان. # قال قتادة: من عمل سيئة: شركا بالله عز وجل، ومن عمل صالحا: خيرا. # وقال بعض أهل التأويل: إن المؤمن في هذه الآية هو موسى، قال لهم: { ~~يقوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد } ، إلى أخر ~~الآيات. # وأكثر المفسرين على أنه مؤمن آل فرعون. والله أعلم. # ثم قال تعالى حكاية عن المؤمن أنه قال لهم: # { ويقوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني ~~إلى النار } ، أي: إذا آمنتم به وصدقتم رسوله، وأنتم تدعونني إلى ~~عمل أهل النار وهو الكفر بالله عز وجل وبرسوله صلى الله عليه وسلم. # قال مجاهد: إلى النجاة إلى " الإيمان بالله ". # ثم قال تعالى: { تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ~~ليس لي به علم } ، أي: تدعونني للكفر والشرك في عبادة الله ~~سبحانه فأعبد أوثانا لم يأمرني بعبادتها من له الملك والقدرة. # { وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار } ، أي: أدعوكم ~~إلى عبادة العزيز، أي: العزيز في انتقامه ممن كفر به، الغفار لمن تاب ~~إليه من الشرك وعمل بطاعته. # ثم قال: { لا جرم أنما تدعونني إليه ليس له ~~دعوة في الدنيا ولا في الآخرة } ، أي: لا محالة أن الذي ~~تدعونني إلى عبادته - وهم الأصنام والأوثان والشياطين - ليس له دعوة (في ms2240 ~~الدنيا) ولا في الآخرة، أي: لا ينفذ له أمر ولا نهي ولا شفاعة في ~~الدارين. # { وأن مردنآ إلى الله } أي: في الآخرة، منقلبنا ومرجعنا ~~إليه. # { وأن المسرفين } يعني: من أسرف فكفر بخالقه سبحانه وعبد معه ~~غيره هو من أصحاب النار. # " وأن " في الثلاثة المواضع في موضع نصب بإسقاط الباء. # وذكر سيبويه أنه سأل الخليل عن لا جرم فقال: لا رد لكلام. # والمعنى: وجب أن لهم النار وحق أن لهم النار. # فالمعنى على هذا: وجب بطلان دعوة ما تدعونني إلى عبادته. # قال مجاهد (وابن جبير والشعبي وغيرهم): المسرفون هم السافكون الدماء ~~بغير حق. # وقال قتادة (وابن سيرين) وغيرهما: " المسرفون: المشركون ". # ثم قال: { فستذكرون مآ أقول لكم } ، هذه حكاية من الله ~~(عز وجل) عن مؤمن آل فرعون أنه قال ذلك لفرعون وقومه. # والمعنى: فستذكرون أيها القوم إذا عاينتم عقاب الله عز وجل وحل بكم، صدق ~~ما أقول لكم من أن المسرفين هم أصحاب النار. # ثم قال { وأفوض أمري إلى الله }. # قيل: إنهم تواعدوه بالقتل فقال: أفوض أمري إلى الله، أي: أسلمه إليه ~~وأتوكل عليه. # { إن الله بصير بالعباد } ، أي: عالم بأمور عباده، ~~بالمطيع منهم والعاصي فيجازي كلا على ما يجب له. # ثم قال تعالى: { فوقاه الله سيئات ما مكروا } ، أي: ~~فوقى الله المؤمن عقاب سيئات، كفرهم في الآخرة. # { وحاق بآل فرعون سوء العذاب } ، أي: حل بهم ذلك ونزل ~~بهم. # وقيل: الهاء في " فوقاه الله " تعود على موسى. # ورجوعهما على مؤمن آل فرعون عليه أكثر المفسرين واسم المؤمن حزقيل بن ~~حبال. # روي أنه لما خاطبهم بذلك خاف منهم فهرب إلى الجبل فقصده رجلان ليوقعا ~~به المكروه فلم يقدرا عليه. # ثم بين تعالى سوء العذاب ما هو فقال: النار { يعرضون عليها ~~غدوا وعشيا } ، أي: في قبورهم. # قال قتادة: كان قبطيا من قوم فرعون فآمن. قال: وذكر لنا أنه كان بين ~~يدي موسى يومئذ يسير ويقول أين أمرت يا نبي الله؟ # (فيقول: أمامك، فيقول له المؤمن: وهل أمامي إلا البحر؟! فيقول له موسى): ~~أما والله ms2241 ما كذبت ولا كذبت، ثم يسير ساعة (ثم يقول) مثل ذلك ويجاوبه ~~موسى بمثل جوابه الأول حتى انتهى إلى البحر فضربه موسى فانفلق اثنى عشر ~~طريقا، لكل سبط طريق. # وقوله: { وحاق بآل فرعون سوء العذاب } يدل على أن ~~فرعون في أشد ما في العذاب لأن من كان على دينه إذا حل به أشد العذاب فهو ~~أحرى أن يحل عليه أشد من ذلك. # قال السدي: بلغني أن أرواح قوم فرعون في أجواف طير سود تعرض على النار ~~غدوا وعشيا حتى تقوم الساعة. # { غدوا } مصدر جعل ظرفا. # وقال حماد بن محمد الفزاري وسأله رجل فقال: رحمك الله، رأينا طيورا ~~تخرج من البحر تأخذ ناحية الغرب - بيضا - فوجا فوجا لا يعلم عددها إلا ~~الله، / فإذا كان العشي رجع مثلها سودا؟! # قال: وفطنتم إلى ذلك! قال: نعم. # قال: إن تلك الطيور في حواصلها أرواح آل فرعون يعرضون على النار غدوا ~~وعشيا، فترجع إلى وكورها وقد احترقت رياشها وصارت سودا، فتنبت عليها من ~~الليل رياش بيضاء، وتتناثر السود، ثم تغدو " يعرضون على النار غدوا ~~وعشيا " ثم ترجع إلى وكورها، فذلك دأبها في الدنيا. فإن كان يوم القيامة ~~قال الله: " أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ". # وكانوا يقولون: كانوا ست مائة ألف مقاتل. # قال قتادة: يعرضون على النار صباحا ومساء. يقال: هذه منازلكم، توبيخا ~~ونقمة وصغارا لهم، قال مجاهد: غدوا وعشيا ما كانت الدنيا. # ويدل على أن هذا العرض يكون في الدنيا قوله بعد ذلك: { ويوم تقوم ~~الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب }. # فمن وصل الألف نصب " آل فرعون " على النداء المضاف. # ومن قطعها نصبهم " بأدخلوا ". # وقوله: { سوء العذاب } وقف حسن إن رفعت " النار " على إضمار ~~مبتدأ أو على الابتداء. # وأجاز أبو حاتم الوقف على " وعشيا " ، وهو بعيد، لأن " ويوم تقوم ~~الساعة " منصوب بيعرضون " ، أي: يعرضون على النار في الدنيا، يوم تقوم ~~الساعة. # ومن نصبه " بأدخلوا " حسن أن يقف على " وعشيا " وهو حسن. " والعذاب " ~~وقف إن نصبت " وإذ يتحاجون " على معنى: واذكر إذ يتحاجون. وعليه التفسير ~~وهو ms2242 حسن جيد. # وإن نصبته على العطف على # وأنذرهم يوم الأزفة # [غافر: 18] لم تقف دونه، وهو بعيد لبعد ما بينهما. وقد قال به قوم. # وقوله تعالى: { وإذ يتحآجون في النار فيقول ~~الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا ~~فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار } ، أي: واذكر ~~يا محمد إذ يتخاصم في النار الضعفاء من الكفار - وهم التابعون - مع ~~المستكبرين هو المتبعون على الشرك فيقول التابعون للمتبوعين: إنا ~~كنا لكم في الدنيا تبعا على الضلالة والكفر بالله سبحانه، فهل أنتم ~~دافعون عنا حظا من النار، فقد كنا نسارع في محبتكم وطاعتكم في الدنيا، ~~ولولا أنتم لكنا مؤمنين فنسلم من هذا العذاب. # فأجابهم المتبعون: { إنا كل فيهآ } ، أي: في النار، فلا نقدر أن ~~ندفع عن أنفسنا شيئا منها ولا عنكم. # { إن الله قد حكم بين العباد } ، أي: أسكن أهل الجنة ~~الجنة وأهل النار النار. فلا نحن - مما نحن فيه من البلاء - خارجون ولا ~~هم مما هم فيه من النعيم - منتقلون. ### || [40.49-56] # قوله: { وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ~~ربكم } - إلى قوله - { هو السميع البصير } ، أي: وقال أهل ~~جهنم لخزنتها: (ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب)، أي: قدر يوم من ~~أيام الدنيا. # فأجابتهم الخزنة: { أولم تك تأتيكم رسلكم ~~بالبينات } ، أي: بالحجج الظاهرات الدالات على توحيد الله عز وجل. # { قالوا بلى } قد أتتنا بذلك. # قالت لهم الخزنة: { فادعوا } ، أي: فادعوا ربكم الذي أتتكم الرسل ~~(من عنده) بالدعاء إلى الإيمان به. # { وما دعاء الكافرين إلا في ضلال } ، أي: في خسران، ~~لأنهم لا ينتفعون به ولا يجابون، بل يقال لهم: # اخسئوا فيها ولا تكلمون # [المؤمنون: 108]. # وروى أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " يلقى على أهل النار الجوع حتى يعدل ما هم فيه من العذاب، ويستغيثون ~~فيغاثون بالضريع { لا يسمن ولا يغني من جوع } فيأكلونه فلا ~~يغني عنهم شيئا، ويستغيثون فيغاثون بطعام ذي غصة فيغصون به فيذكرون ~~أنهم كانوا في الدنيا يجيزون الغصص بالماء، فيستغيثون بالشراب، فيرفع لهم ~~الحميم بالكلاليب فإذا ms2243 دنا من وجوههم شواها، فإذا وقع في بطونهم قطع ~~أمعاءهم وما في بطونهم. ويستغيثون بالملائكة فيقولون: { ادعوا ~~ربكم يخفف عنا يوما من العذاب } فيجيبونهم: { ~~أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات }. إلى آخر الآية ~~". # ثم قال تعالى: { إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في ~~الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد } ، أي: إنا لنعلي ~~كلمة الرسل والمؤمنين وحجتهم على من خالفهم من دينهم بإهلاك من خالفهم ~~والانتقام منهم في الدنيا. # قال السدي: كانت الأنبياء والمؤمنون يقتلون في الدنيا فلا تذهب تلك ~~الأمة الظالمة حتى يبعث الله عز وجل قوما فينتصر بهم لأولئك المقتولين. # وقيل: معنى الآية الخصوص ولفظها عام. # والمعنى: إنه تعالى ينصر من أراد من الأنبياء والمؤمنين ويعطيهم الظفر ~~في الدنيا على من خالفهم. # وامتنعت الآية من العموم لوجودنا أمما قد قتلت المؤمنين والأنبياء. # قال أبو العالية: " ينصرهم بالحجة ". # (وعن أبي الدرداء) يرفعه: " من رد عن عرض أخيه المسلم كان حقا على الله ~~أن يرد عنه نار جهنم، ثم تلا هذه الآية. { إنا لننصر رسلنا ~~والذين آمنوا }. # وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من حمى مؤمنا من منافق يغتابه بعث الله تعالى ملكا يحمي لحمه يوم ~~القيامة من النار. ومن ذكر مسلما بشيء يشينه به وقفه الله جل وعز على ~~جسر جهنم حتى يخرج مما قال ". # ومعنى /: { ويوم يقوم الأشهاد }. أي: وينصرهم يوم القيامة، ~~يوم يقوم الأشهاد من الملائكة والأنبياء والمؤمنين (على الأمم) المكذبة ~~بأن الرسل قد بلغتهم وأن الأمم كذبتهم، هذا قول قتادة، وقال مجاهد: ~~الأشهاد الملائكة. # ثم قال تعالى: مفسرا يوم " يقوم الأشهاد " ما هو فقال: { يوم لا ~~ينفع الظالمين معذرتهم } ، أي: لا ينفع الكفار اعتذارهم ~~إذ لا يعتذرون إلا بباطل لأن الله قد أعذر إليهم في الدنيا بالرسل والكتب ~~والحجج. فلا حجة لهم إلا الكذب وقولهم والله # والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام: 23] ". # ثم قال: { ولهم اللعنة } ، أي: وللكافرين اللعنة من الله عز ~~وجل وهي البعد من رحمته سبحانه. ولهم مع اللعنة { سوء الدار } ، ~~أي: عذاب الآخرة. # وأجاز ms2244 أبو حاتم الوقف على: " في الحياة الدنيا " على أن تنصب " ويوم ~~يقوم الأشهاد " بإضمار فعل. فإن جعلته بدلا أو عطفا لم تقف دونه. # وقال غيره الوقف: " الأشهاد ". # ثم قال تعالى: { ولقد آتينا موسى الهدى } ، أي: البيان ~~للحق الذي بعثناه به. # { وأورثنا بني إسرائيل الكتاب } ، أي: التوراة، أي: ~~علمناهم إياها وأنزلناها عليهم. # { هدى وذكرى } ، أي: بيانا وتذكيرا، { لأولي الألباب } ~~أي: لأصحاب العقول. # ثم قال تعالى { فاصبر إن وعد الله حق } ، أي فاصبر يا ~~محمد لأمر ربك وأنفذ ما أرسلت به. # { إن وعد الله حق } ، أي: إن الذي وعدك الله من النصر ~~والتأييد لدينك حق لا بد منه، فربك منجز لك ما وعدك. وقد فعل به ذلك. # ثم قال تعالى: { واستغفر لذنبك } ، أي: واسأل ربك أن يستر ~~عليك ذنبك بعفوه ورحمته. # { وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار } ، أي: وصل ~~بالشكر منك لربك بالعشي وذلك من زوال من زوال الشمس إلى الليل. والإبكار ~~من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس. # وقيل: الإبكار هنا: من طلوع الشمس إلى ارتفاع الضحى. والأول أعرف عند ~~العرب. # والعشي والإبكار مصدران جعلا ظرفين على السعة، وواحد الإبكار: بكر. ~~والتقدير: في العشي وفي الإبكار. # ثم قال تعالى: { إن الذين يجادلون في آيات الله ~~بغير سلطان أتاهم } ، أي: يخاصمونك يا محمد فيما أتيتهم به ~~من عند ربك من الآيات بغير حجة أتتهم في مخاصمتك. # { إن في صدورهم إلا كبر } ، أي: ما في صدورهم إلا كبر ~~يتكبرون من أجله عن اتباعك وقبول ما جئتهم به حسدا وتكبرا. # { ما هم ببالغيه } ، أي: ليس ببالغين الفضل الذي أتاك الله عز ~~وجل فحسدوك عليه. # وقيل: المعنى: ما في صدورهم إلا عظمة، ما هم ببالغين تلك العظمة، لأن ~~الله عز وجل مذلهم ومخزيهم، قاله مجاهد. # وقال الزجاج: معناه: ما هم ببالغين إرادتهم في محمد صلى الله عليه وسلم. ~~مثل رسل القرية. # وقيل: المعنى: ما هم ببالغين الكبر. # فالمعنى: إنهم قوم رأوا أن اتباعهم لمحمد صلى الله عليه وسلم نقص لجاههم ~~ومخالفته رفعة لهم، فأعلم الله عز ms2245 وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أنهم لا ~~يبلغون الإرتفاع الذي قصدوه بالتكذيب. # ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: { فاستعذ بالله } ، أي: تعوذ ~~يا محمد بالله من شرهم وبغيهم وحسدهم، وذلك أنها نزلت في اليهود. # قال قتادة: معناه: فاستجر بالله يا محمد من شر هؤلاء الذين يجادلون في ~~آيات الله بغير سلطان، ومن كبرهم. # { إنه هو السميع البصير } ، أي: السميع لما يقولون، ~~البصير بأعمالهم. ### || [40.57-67] # قوله تعالى: { لخلق السموت والأرض أكبر من خلق ~~الناس } - إلى قوله - { ولعلكم تعقلون } أي: لابتداع ~~خلق السماوات والأرض أعظم عندكم من خلق الناس (إن كنتم تستعظمون خلق ~~الناس). # { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } أي لا يعلمون أن ~~خلق جميع ذلك هين على الله عز وجل، وفي هذا تنبيه من الله عز وجل لمن كذب ~~بالبعث فنبههم أن خلق السماوات والأرض أعظم من خلق الناس بعد موتهم ~~وإعادتهم. # فمن قدر على إحداث السماوات والأرض، ورفع السماوات بغير عمد، وتسخير ~~شمسها وقمرها ونجومها واختلاف ليلها ونهارها وتسخير سحابها وإنزال غيثها ~~وتصريف رياحها، فكيف لا يقدر على خلق الناس وبعثهم بعد موتهم، فذلك أهون ~~على الله وأصغر!. # قال تعالى: { وما يستوي الأعمى والبصير والذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء } ، أي وما يستوى ~~الكافر الذي لا يؤمن، والمؤمن في التدبر في آيات الله عز وجل والإعتبار ~~في وحدانيته وقدرته، ولا يستوي المؤمن الذي يعمل الصالحات والمسيء، وهو ~~الكافر الذي يعمل بما لا يرضى الله عز وجل به. # { قليلا ما تتذكرون } ، أي: قليلا تذكرهم حجج الله سبحانه ~~وآياته وقيل: المعنى: لا يستوى العالم المستدل بآيات الله سبحانه وقدرته ~~على بعث الأموات، والجاهل الذي قد عمي عن الاستدلال بذلك / وجهل معرفة ~~الاستدلال والبرهان على قدرة الله سبحانه، كما لا يستوي الأعمى والبصير. # ثم قال تعالى: { إن الساعة لآتية لا ريب فيها } ، أي: ~~لا شك فيها، { ولكن أكثر الناس لا يؤمنون } ، أي: لا ~~يصدقون بقيام الساعة. # ثم قال تعالى ذكره { وقال ربكم ادعوني أستجب لكم } ~~، أي: اعبدوني وأخلصوا العبادة لي أجب ms2246 دعاءكم فأعفو عنكم وأرحمكم. # قال ابن عباس: ادعوني استجب لكم ووحدوني أغفر لكم. # وروى النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " الدعاء هو العبادة وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم { وقال ~~ربكم ادعوني } " # الآية. # ويدل على أن الدعاء العبادة قوله تعالى: { إن الذين ~~يستكبرون عن عبادتي } ، ومعناه: إن الذين يتعظمون عن إفرادي ~~بالعبادة والإخلاص لي. # { سيدخلون جهنم داخرين } ، أي صاغرين، قاله السدي وأبو ~~عبيدة. # وقال السدي: يستكبرون على عبادتي، أي: عن دعائي. # ثم قال تعالى: { الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا ~~فيه والنهار مبصرا }. هذا تذكير من الله عز وجل لخلقه على ~~نعمه أنه جعل لهم الليل لتسكن فيه جوارحهم وتهدأ حركاتهم، وجعل النهار ~~مبصرا ليتصرفوا في معايشهم ومنافعهم. # ولم يجعل الليل دائما فيمتنعوا من التصرف (في منافعهم) فيضيعوا، ولا ~~جعل النهار دائما فيمتنعوا من السكون والراحة، بل دبر أحسن تدبير وأتقن ~~أحسن إتقان. # فلا تصلح الألوهية والعبادة (إلا له) لا إله إلا هو. # ثم قال تعالى: { إن الله لذو فضل على الناس } ، أي: لذو ~~تفضل عليهم وإحسان بما أمتعهم به من المنافع وحسن التدبير. # { ولكن أكثر الناس لا يشكرون } ، أي لا يشكرونه ~~بالطاعة وإخلاص العبادة والشكر على نعمه. # ثم قال تعالى: { ذلكم الله ربكم خلق كل شيء ~~لا إله إلا هو } ، (أي: الذي) فعل هذه المصالح لكم وأحسن ~~إليكم هو الله ربكم خالقكم وخالق كل شيء. # { لا إله إلا هو } ، أي: لا معبود غيره تصلح له العبادة. # { فأنى تؤفكون } ، أي: فمن أي وجه تقلبون عن الحق، وإلى أي ~~وجه تذهبون عنه فتعبدون سواه. # ثم قال تعالى: { كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله ~~يجحدون } ، أي كذهابكم عن محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به، ~~وانصرافكم عنه إلى الباطل، ذهاب الذين كانوا من قبلكم يكذبون بحجج الله ~~فسلكتم أنتم معشر قريش مسلكهم في الضلال. # { يؤفك } ، بمعنى: أفك، لأنه أمر قد مضى، ودل على ذلك قوله: { ~~كانوا بآيات الله يجحدون }. # ومعنى " يوفك ": يغلب ويصرف عن الحق. ms2247 # ثم قال: { الله الذي جعل لكم الأرض قرارا ~~والسمآء بنآء } ، أي جعل لكم الأرض قرارا تستقرون عليها، ~~وتسكنون فوقها، وجعل لكم السماء بناء فرفعها فوقكم بغير عمد ترونها ~~لمصالحكم وقوام دنياكم إلى بلوغ آجالكم. # { وصوركم فأحسن صوركم } ، أي: وخلقكم فأحسن خلقكم. # { ورزقكم من الطيبات } ، أي: من حلال الرزق وطيبه ~~ولذيذه، هو الله ربكم الذي لا تصلح (الألوهية إلا له ولا تحسن) العبادة ~~لغيره. # ثم قال: { ذلكم الله ربكم } ، أي الذي خلق هذه الأشياء لكم ~~وأحسن إليكم، هو الله ربكم لا تصلح الربوبية (إلا له). # { فتبارك الله رب العالمين } ، أي: مالك جميع الخلق. # ثم قال تعالى { هو الحي لا إله إلا هو } ، أي: لا ~~معبود غيره يستحق العبادة. # { فادعوه مخلصين له الدين } ، أي: مفردين له (العبادة ~~والألوهية). # { الحمد لله رب العالمين } ، أي: الشكر العام لله مالك ~~جميع الخلق. وكان جماعة من المفسرين يأمرون من قال لا إله إلا الله أن ~~يتبع ذلك الحمد (لله رب العالمين)، امتثالا بهذه الآية لأنها أمر من ~~الله جل ذكره أن يقال ذلك. # قال ابن عباس: " من قال لا إله إلا الله، فليقل على إثرها الحمد لله رب ~~العالمين " وكذلك قال ابن جبير. # { فادعوه مخلصين له الدين }: قولوا الحمد لله رب ~~العالمين. # وقرأ أبو رزين: " صوركم " بكسر الصاد، وأصلها الضم. وعلة ذلك عند سيبويه ~~أن جميع فعلة وفعلة قد اشتركا في الإسكان للعين. # في الجمع المسلم. قالو: ركبة وركبات، فاسكنوا، وأصل الكاف الضم، وقالو: ~~هند وهندات، فأسكنوا، وأصل النون الكسر. فلما اشتركا في ذلك اشتركا في ~~التكسير في الضم والكسر فقالوا: صورة وصور وصور ورشوة ورشا فأدخلوا ~~فعلة في الضم وهو (الفعلة، وكذلك) (أدخلوا فعلة) في الكسر وهو الفعلة. # ثم قال تعالى { قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون ~~من دون الله } ، أي: قل يا محمد إني نهيت أن أعبد الأوثان والأصنام ~~التي تعبدونها أنتم من دون الله سبحانه. # { لما جآءني البينت من ربي } ، إني نهيت عن ذلك لما ~~أتتني آيات الكتاب الذي نزل علي من ms2248 عند ربي. # { وأمرت أن أسلم لرب العلمين } أي: أمرت في ~~الكتاب (الذي أنزل) أن أخلص العبادة والخضوع بالطاعة لرب الخلق ومالكهم ~~وخالقهم ورازقهم. # ثم قال تعالى { هو الذي خلقكم من تراب } ، يعني آدم. # { ثم من نطفة ثم من علقة } - إلى آخر الآية، يعني به ~~ذرية آدم وقوله: { ثم لتكونوا شيوخا } هذا جمع للعدد الكثير ~~وحكم القليل فيه " أشيخ " كفلس وأفلس. إلا أنهم استثقلوا الضمة على ~~الياء. فشبهوا باب فعل بفعل. وحق فعل في القليل أن يجمع على أفعال كجمل ~~وأجمال فجمعوا فعلا عند الاستثقال بضمة الياء على " أفعال " فقالوا: ~~أشياخ ". والأصل (أشيخ، ومثله زيد) وأزياد، والأصل أزيد. فإن اضطر شاعر ~~جاز أن يأتي به على أفعال فيقول أزيد وأشيخ كما قالوا: عين وأعين وإنما ~~حسن في أعين في غير الشعر لأنها مؤنثة. والشيخ ما جاوز الأربعين. # وهذه الآية حجة على المشركين وتنبيه لهم على قدرة الله عز وجل. # وأن من قدر على هذه الأشياء قادر على إحياء الموتى، فضرب ذلك لهم ونبههم ~~عليه لعلهم يعقلون ما دعوا إليه فيتوبون من الكفر. # وقوله: { ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا } ~~متعلق بمضمر إذ ليس بمتصل بما قبله في اللفظ. # والتقدير: ثم من علقة، ثم يعمركم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا. # { ومنكم من يتوفى من قبل } ، أي قبل هذا كله، وهو السقط ~~وشبهه، نحو الإزلاق وهو ما سقط نطفة، ومثل الإجهاض وهو ما سقط مضغه، ~~والإسقاط ما سقط تام الخلق. # وقد قال الخليل: (الإجهاض: التام) الخلق. وعلى الأول أكثر الناس. # وقوله: { أجلا مسمى } ، يعني به أجل الموت للكل، أي: يعمركم ~~لتبلغوا أجل الموت. # وقوله: { أشدكم } ، قيل: (ثمان عشرة) سنة. وقال ربيعة (ومالك: ~~الأشد الخلق). وقيل: الأشد: ثلاثة وثلاثون سنة. ### || [40.68-77] # قوله تعالى: { هو الذي يحيي ويميت فإذا قضى أمرا ~~} - إلى قوله - { فإلينا يرجعون }. # { فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } ، أي: ~~فإذا أراد تكوين شيء وحدوثه فإنما يقول له كن، فيكون ما أراد تكوينه ~~موجودا بغير معاناة ولا كلفة. ولا مؤنة. # ثم قال ms2249 تعالى: { ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات ~~الله أنى يصرفون } ، (أي: ألم تر) يا محمد إلى هؤلاء ~~المشركين الذين يخاصمونك في حجج الله عز وجل وأدلته من أي وجه يصرفون عن ~~الحق، ويعدلون عن الرشد. # قال ابن سيرين: (إن لم) تكن هذه الآية نزلت في القدرية فإني لا أدري ~~فيمن نزلت. # وروى هذا المعنى عقبة بن عامر الجهني عن النبي صلى الله عليه وسلم. # وقال ابن زيد وغيره (من المفسرين): هم المشركون. # يدل على هذا قوله بعده: { الذين كذبوا بالكتاب وبمآ ~~أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون } فهذا من صفتهم وهو ~~تهدد ووعيد للمكذبين بكتاب الله سبحانه وبما جاء به الرسل. # ثم قال تعالى: { إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل ~~يسحبون * في الحميم } ، المعنى: فسوف يعلمون إذا ثبتت الأغلال ~~في أعناقهم ماذا ينزل بهم بعد ذلك من العذاب. # وجاءت " إذ " وهي لما مضى مع " سوف " وهي لما يستقبل، لأن أفعال الله جل ~~ذكره بعباده في معادهم كالكائنة الحالة بهم لصحة وقوع ذلك وكونه. فأخبر ~~عنها وهي لم تكن بلفظ ما قد كان، لصحة وقوعها وثبات كونها، فهي كالكائنة، ~~فلذلك اجتمعت " إذ " و " سوف ". # ولا يجوز هذا المعنى إلا من الله جل ذكره لأنه يعلم ما يكون في غد ~~كعلمه بما كان في أمس. # قال الحسن: ما في جهنم واد ولا صغار ولا غل ولا قيد ولا سلسلة إلا ~~واسم صاحبه عليه مكتوب. # ومن رفع السلاسل عطفها على الأغلال. ويتم الكلام على السلاسل. ويكون ~~يسحبون مستأنفا. فإن جعلته حالا جاز، ولم تقف على السلاسل. # وقرأ ابن عباس: والسلاسل بالنصب. " يسحبون " بفتح الياء والتقدير أنه ~~نصب السلاسل يسحبون. # قال ابن عباس: وذلك أشد عليهم، يكلفون أن يسحبوها ولا يطيقون. # وأجاز بعضهم والسلاسل بالخفض، عطف على " الأعناق " ، يحمله على المعنى. ~~(لأن المعنى: أعناقهم في الأغلال والسلاسل، كما حمل على المعنى) قول ~~الشاعر: # قد سالم الحيات منه القدما # الأفعوان والشجاع الشجعما # لأن ما سالمك فقد سالمته، فكذلك الأعناق في الأغلال والسلاسل هو مثل ~~الأغلال والسلاسل ms2250 في الأعناق. # وعلى هذا أجاز الكوفيون: قاتل زيد عمرا العاقلان والعاقلين، يرفع ~~العاقلين على النعت لهما، وينصبهما لأنهما فاعلان في المعنى مفعولان. # وأجازوا أيضا: قاتل زيد عمرو برفعهما. وفي كتاب الزجاج أن التقدير في ~~جواز خفض السلاسل وفي السلاسل يسحبون والحميم على تقدير: يسحبون في ~~الحميم والسلاسل. ثم يقدم المعطوف على المخفوض. وهو غلط لأن المعطوف على ~~ما فيه حرف الجر لا يقدم. لم يجز أحد مررت وزيد بعمرو. إنما أجازوا هذا ~~/ في المرفوع، نحو: قام وزيد عمرو. استقبحوه في المنصوب، نحو: رأيت ~~وزيدا عمرا، ولم يجيزوه في المخفوض البتة لأن الفعل غير دال عليه. # ثم قال تعالى { ثم في النار يسجرون } ، قال السدي: يسجرون: ~~يحرقون. وقال ابن زيد: توقد عليهم. # وأصله من الملء، يقال: سجرت الشيء إذا ملأته ومنه # والبحر المسجور # [الطور: 6]. فيكون المعنى على هذا. ثم تملأ بهم النار، ومعناه، ثم تملأ ~~بهم النار كما يملأ التنور بالحطب. # ثم قال تعالى: { ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون * ~~من دون الله } ، أي: يقال لهم أين الذين كنتم تشركون بعبادتكم ~~إياهم من دون الله ينقذونكم مما أنتم فيه من العذاب؟! يقال لهم ذلك ~~تقريعا وتوبيخا على ما سلف منهم في الدنيا من عبادة غير الله سبحانه. # فأجاب المشركون عند ذلك { ضلوا عنا } ، أي: عدلوا عنه فأخذوا ~~غير طريقنا وتركونا في العذاب. # ثم استدركوا فقالوا: { بل لم نكن ندعوا من قبل شيئا ~~} ، أي: لم نكن نعبد في الدنيا شيئا. # قال الله جل ذكره: { كذلك يضل الله الكافرين } ، أي: ~~كما أضل هؤلاء الذين ضل عنهم في الآخرة ما كانوا يعبدون في الدنيا من دون ~~الله، كذلك يضل الله أهل الكفر به عنه وعن طاعته. # ثم قال تعالى: { ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض ~~بغير الحق وبما كنتم تمرحون } ، أي: ذلكم الذي حل بكم ~~من العذاب بفرحكم في الدنيا بغير ما أمر الله عز وجل به من المعاصي ~~وبمرحكم فيها، والمرح: الأشر والبطر. # قال ابن عباس: الفرح هنا والمرح: الفخر والخيلاء والعمل ms2251 في الأرض ~~بالخطيئة وكان ذلك في الشرك، وهو مثل قوله في قارون: # لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين # [القصص: 76]. # ثم قال: { ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها } ، أي: ~~أبواب جهنم السبعة ماكثين فيها إلى غير نهاية. # { فبئس مثوى المتكبرين } ، أي: فجهنم بئس مثوى من تكبر ~~في الدنيا عن عبادة الله عز وجل وطاعته. # ثم قال تعالى: { فاصبر إن وعد الله حق } ، أي: فاصبر يا ~~محمد على ما تلقى من مشركي قومك ومجادلتهم لك بغير الحق وتكذيبهم، إن ~~الله منجز لك ما وعدك به من الظفر والنصر عليهم، وإحلال العذاب بهم. # { فإما نرينك } يا محمد في حياتك، { بعض الذي ~~نعدهم } من العذاب، { أو نتوفينك } قبل أن يحل بهم ذلك، ~~{ فإلينا يرجعون } ، أي: إلينا مصيرهم، فنحكم بينك وبينهم ~~بالحق فنخلدهم في النار ونخلدك ومن اتبعك ومن آمن بك في (النعيم المقيم. ~~وهذا كله وعيد من الله عز وجل لقريش وتعزية للنبي صلى الله عليه وسلم ~~وتصبير له. ### || [40.78-85] # قوله تعالى: { ولقد أرسلنا رسلا من قبلك } - إلى آخر ~~السورة) أي: ولقد أرسلنا (يا محمد من قبلك) رسلا إلى أممهم، منهم من ~~أنبأناك بخبره، ومنهم من لم ننبئك بخبره. # روي عن أنس أنه قال: عدة الرسل ثمانية آلاف، بعث النبي صلى الله عليه ~~وسلم بعدهم. منهم أربعة آلاف من بني إسرائيل. # وروى سلمان الفارسي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " بعث الله عز وجل أربعة آلاف نبي ". # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه في الآية: بعث الله عز وجل عبدا ~~حبشيا وهو الذي لم يقصص خبره على نبيه صلى الله عليه وسلم. # ثم قال تعالى: { وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا ~~بإذن الله } ، (أي: ليس لرسول ممن تقدمك يا محمد أن يأتي إلى قومه ~~بآية فاصلة بينه وبينهم إلا بإذن الله له) بذلك فيأتيهم بها. # وهذا تنبيه من الله عز وجل لنبيه عليه السلام أنه ليس له أن يأتي قومه ~~بما يسألونه من الآيات دون إذن الله عز وجل ms2252 له بذلك. # ثم قال تعالى: { فإذا جآء أمر الله قضي بالحق } ، ~~(أي: فإذا (جاء قضاء) الله بين الأنبياء والأمم قضي بينهم بالعدل، فينجي ~~رسله والمؤمنين، ويهلك، هنالك، المبطلون، أي: الكاذبون على الله سبحانه. # ثم قال تعالى: { الله الذي جعل لكم الأنعام ~~لتركبوا منها } أي: خلق لكم الإبل والبقر والغنم والخيل ~~والحمير وغير ذلك من البهائم لتركبوا منها، يعني: الخيل والإبل والحمير ~~والبغال. # { ومنها تأكلون } ، يعني: الإبل (والغنم والبقر). # التقدير عند الطبري: لتركبوا منها بعضا، ومنها بعضا تأكلون ثم حذف ذلك ~~استغناء بدلالة الكلام على ما حذف. # ثم قال { ولكم فيها منافع } ، يعني: الأنعام، وذلك جعلهم من ~~جلودها بيوتا ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين. # وذكر الزجاج أن الأنعام هنا: الإبل، يركبونها ويأكلون لحومها ويستمتعون ~~بجلودها وأوبارها. وهذه الآية. تدل على إباحة أكل لحوم الإبل عند من ~~جعلها خصوصا في الإبل. # وقد قال تعالى في غيرها مما لا يؤكل: # والخيل والبغال والحمير لتركبوها # [النحل: 8] ولم يذكر إباحة أكلها. # ثم قال تعالى { ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم } ، ~~أي: ولتبلغوا بالحمولة على بعضها - يعني: الإبل - حاجة في صدوركم لم ~~تكونوا لتبلغوها لولا هي إلا بشق الأنفس، كما قال: # " وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه ~~إلا بشق الأنفس " # [النحل: 7]. # ثم قال: { وعليها وعلى الفلك تحملون } ، أي على الإبل. # وما شابهها من الأنعام في البر، وعلى السفن في البحر تحملون. # { ويريكم آياته } ، أي حججه / وأدلته على وحدانيته. # { فأي آيات الله تنكرون } ، أي: فأي حجج الله التي يريكم ~~أيها الناس في السماء والأرض - تنكرون صحتها فتكذبوا - من أجلها فسادها - ~~بتوحيد الله سبحانه. # ثم قال تعالى: { أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف ~~كان عاقبة الذين من قبلهم } ، أي: أفلم يسافر قومك - يا ~~محمد - من قريش فينظروا آثار الأمم التي كذبت الرسل من قبلهم كيف بادوا ~~وهلكوا، فيخافون أن ينزل بهم بتكذيبهم إياك فيما جئتهم به مثل ما نزل بمن ~~كان قبلهم من الأمم المكذبة لأنبيائها. # { كانوا أكثر منهم وأشد قوة } ، أي: كانت الأمم ~~المهلكة ms2253 قبلهم بالتكذيب أكثر من قريش. # { وأشد قوة وآثارا في الأرض } ، أي: أكثر عددا وأكثر ~~آثارا بالبناء والحرث والعمل من قريش. # { فمآ أغنى عنهم } ، أي: عن الأمم الماضية. # { ما كانوا يكسبون } من الأموال والأولاد والبناء والعمل بل ~~أهلكوا ودمروا بتكذيبهم الرسل وكفرهم. (فماذا ينتظر) قومك يا محمد مع ~~تكذيبهم بما جئتهم به، وهم دون أولئك في القوة والكثرة والآثار في الأرض ~~من البناء (والتصرف والحرث) وغير ذلك. وهذا كله تنبيه وتهدد لقريش. # ثم قال تعالى: { فلما جآءتهم رسلهم بالبينات } ، ~~يعني: الأمم الماضية، جاءتهم رسلهم بالآيات الواضحات. { فرحوا بما ~~عندهم من العلم } لجهالتهم. # { وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون } ، أي: وحل بهم ~~عقاب استهزائهم بما جاءتهم به الرسل واستعجالهم للعذاب. # والمعنى: فرح الكفار بما عندهم من علم الدنيا، نحو قوله تعالى: # يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا # [الروم: 7]. # وقيل: الضمير في " فرحوا " للرسل، أي: فرح الرسل بما عندهم من العلم أن ~~الله مهلك من كفر بهم وكذبهم، وناصر دينه، فينجي الأنبياء ومن آمن بهم ~~ويهلك الكفار. # وقيل: في الكلام حذف. والتقدير: فلما جاءت الرسل قومها كذبوهم فأوحى ~~الله عز وجل إليهم أنه معذبهم، ففرحوا بما أوحى إليهم من هلاك من كذبهم، ~~فالضمير للرسل في " فرحوا " ، والضمير في " حاق بهم " للمكذبين للرسل. # ثم قال تعالى: { فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا ~~بالله وحده } ، أي: لما رأت الأمم المكذبة للرسل عذاب الله عز ~~وجل وانتقامه الذي وعد الرسل بإيقاعه على من كذبهم، قالوا أمنا بالله ~~وحده، أي: أقررنا بتوحيد الله وكفرنا بما كنا به مشركين من الأصنام ~~والأوثان). # قال الله جل ذكره: { فلم يك ينفعهم إيمانهم لما ~~رأوا بأسنا } أي: لم ينفعهم التوحيد عند معاينتهم العذاب. # { سنت الله التي قد خلت في عباده } ، أي: سن الله ~~ذلك سنة فيمن تقدم من عباده أنه من آمن عند معاينة العذاب لم ينفعه ذلك. # { وخسر هنالك الكافرون } ، أي: وهلك عند معاينة العذاب من ~~تمادى على كفره حتى حل به العذاب، فلم ينفعهم إيمانهم عند معاينة العذاب ~~لأنهم مضطرون إلى ms2254 ذلك حين عاينوا العذاب وإنما كان ينفعهم الإيمان لو ~~آمنوا قبل معاينتهم ما يلجئهم إلى الإيمان ويضطرهم. # فكذلك فعل الله عز وجل فيمن خلا من عباده، لا يقبل إيمانهم عند معاينتهم ~~العذاب واضطرارهم إلى الإيمان، فهو قوله تعالى { سنت الله التي ~~قد خلت } في عباده ". ### | [41 - سورة فصلت] ### || [41.1-9] # قوله تعالى: { حم * تنزيل من الرحمن الرحيم } - إلى ~~قوله - { ذلك رب العالمين }. قد تقدم القول في حم. # وقوله: { تنزيل } ، أي: هو تنزيل، يعني: هذا القرآن تنزيل من الله ~~الرحمن الرحيم على عبده محمد صلى الله عليه وسلم. # ثم قال: { كتاب فصلت آياته } ، أي: هو كتاب فصلت آياته ~~بالحلال والحرام، والفرائض والأحكام. وهو قول قتادة. # (وقال الحسن): فصلت بالوعد والوعيد. # وقال مجاهد: فصلت: فسرت. # وقيل: " كتاب " ارتفع على أنه خبر لتنزيل. # وقيل: معنى فصلت آياته: أنزلت شيئا بعد شيء، ولم تنزل إلى الدنيا مرة ~~واحدة. # ثم قال تعالى: { قرآنا عربيا } ، نصب " قرآنا على الحال، أي: ~~فصلت آياته في حال جمعه، وقيل: نصبه على المدح، والمعنى أنه ليس بأعجمي ~~بل هو عربي. # وهذا يدل على بطلان قول من قال: إن فيه من لغة العبرانية والنبطية ما لم ~~تعرفه العرب. بل الذي فيه من ذلك قد أعربته العرب وغيرته بلسانها فصار من ~~لغتها. (فصار كل) القرآن عربيا. # ويدل أيضا هذا على بطلان قول من قال: إن فيه معاني باطنة لا تعلمها ~~العرب فكيف ينزل بلغتها وهي لا تفهمه. # ثم قال تعالى: { بشيرا ونذيرا } ، أي: يبشرهم - إن آمنوا وعملوا ~~بما أمروا - بالخلود في الجنة وينذرهم - إن عصوا أو كفروا - بالخلود في ~~النار. # وقوله: { لقوم يعلمون } ، معناه: لقوم يعقلون ما يقال لهم. # وهذا يدل على أن الله جل ذكره إنما خاطب العقلاء البالغين، وإن من أشكل ~~عليه شيء من أمر دينه وجب عليه أن يسأل من يعلم. # ثم قال تعالى: { فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون } ، ~~أي: فأعرض كثير منهم عن الإيمان واستكبروا عن قبول ما جاءهم به محمد عليه ~~السلام؛ فهم لا يصغون له فيسمعون ما ms2255 فيه، استكبارا. # وقيل: معنى لا يسمعون، لا يقبلون ما جاءهم من عند الله عز وجل. # " ويروى أن قريشا اجتمعت في أمر النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهم ~~عتبة بن ربيعة - وكان مقدما في قريش، قد قرأ الكتب وقال الشعر وعرف ~~الكهانة والسحر - أنا أمضي إلى محمد فاستخبر أمره لكم. فأتى النبي صلى ~~الله عليه وسلم وهو عند المقام بمكة، فقال: يا محمد، إن كنت فقيرا جمعنا ~~لك من أموالنا ما نغنيك به، وإن أحببت الرياسة رأسناك علينا... وعدد ~~عليه، والنبي صلى الله عليه وسلم ساكت. فلما فرغ عتبة من كلامه قرأ النبي ~~صلى الله عليه وسلم: " { بسم الله الرحمن الرحيم حم * ~~تنزيل من الرحمن الرحيم * كتاب فصلت آياته } ~~- إلى - { فهم لا يسمعون } ، فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم { ~~فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة ~~عاد } - حتى بلغ - { وثمود } ، فلما سمع عتبة ذلك وثب خائفا فوضع ~~يده على فم النبي صلى الله عليه وسلم وناشده بالرحم إلا سكت، فسكت النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وانصرف عنه إلى منزله، وأبطأ على قريش. # فقالت قريش: صبأ عتبة إلى دين محمد! امضوا بنا إليه. فجاؤوا منزل عتبة ~~فدخلوا وسلموا وسألوه. فقال: يا قوم، قد علمتم أني من أكثركم مالا ~~وأوسطكم حسبا، وأني لم أترك شيئا إلا وقد علمته وقرأته وقلته، والله يا ~~قوم، لقد قرأ علي محمد كلاما ليس بشعر (ولا رجز) ولا سحر ولا كهانة، ~~ولولا ما ناشدته الرحم ووضعت يدي على فمه لخفت أن ينزل بكم العذاب ". # قال أبو محمد: وهذا يدل على إعجاز القرآن، فلو كانوا يقدرون على مثله أو ~~على شيء منه لعارضوه به ولاحتجوا عليه بذلك. # ثم قال تعالى: { وقالوا قلوبنا في أكنة مما ~~تدعونا إليه } ، أي: وقال المشركون لمحمد صلى الله عليه وسلم: ~~قلوبنا في أوعية قد تغطت بها فلا تفهم عنك ما تقول لها كقول اليهود للنبي ~~صلى الله عليه وسلم: قلوبنا غلف وواحد الاكنة كنان. # { وفي آذاننا وقر } ، أي: صمم، فلا تسمع منك ما ms2256 تقول كراهة ~~لقولك. # قال مجاهد: في أكنة: " كالجعبة للنبل " ، وقال السدي: في أكنة: في ~~أغطية. # ثم قال تعالى: حكاية عنهم: { " ومن بيننا وبينك حجاب } " ~~، أي: حاجز فلا نجامعك على شيء مما تقول، نحن نعبد الأصنام وأنت تعبد ~~الله سبحانه. فهذا هو الحاجز الذي بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم. # ثم قالوا له: { فاعمل إننا عاملون } ، أي: فاعمل يا محمد ~~بدينك، إننا عاملون بديننا، ودع ما تدعونا إليه من دينك وندع دعاءك إلى ~~ديننا. # وقيل: المعنى: فاعمل في هلاكنا وضرنا إنا عاملون في مثل ذلك منه. # ثم قال الله جل ذكره لنبيه عليه السلام: قل لهم يا محمد جوابا لهم على ~~قولهم لك: { قل إنمآ أنا بشر مثلكم يوحى إلي ~~أنمآ إلهكم إله واحد } " ، أي: إنما أنا من ولد آدم ~~مثلكم في الصورة والحال، أوحى الله عز وجل إلي أن معبودكم الذي تجب له ~~العبادة والخضوع واحد لا إله غيره. # { فاستقيموا إليه } ، أي استقيموا على عبادته ولا تعبدوا ~~غيره. # { واستغفروه } على ما سلف من فعلكم في عبادتكم الأصنام من دونه ~~وتوبوا إليه من ذلك. # ثم قال تعالى: { وويل للمشركين * الذين لا يؤتون ~~الزكاة } ، أي: (وقيوح) وصديد أهل النار لمن ادعى أن لله شريكا لا ~~إله إلا هو. # وقوله: { الذين لا يؤتون الزكاة } ، (معناه: الذين لا ~~يعطون لله طاعة تطهرهم من الذنوب وتزكي أعمالهم، وهذا معنى قول ابن عباس ~~وروي عنه أنه قال: الذين لا يؤتون الزكاة، أي): لا يشهدون ألا إله إلا ~~الله. # وقال عكرمة: معناه: الذين لا يقولون لا إله إلا الله. # وقال قتادة: معناه: الذين لا يقرون بفرض زكاة أموالهم ولا يؤمنون بفرض ~~ذلك عليهم، وكان يقال: إن الزكاة قنطرة الإسلام، فمن قطعها نجا، ومن تخلف ~~عنها هلك، وقد قاتل أبو بكر الصديق رضي الله عنه أهل الردة على منعهم ~~الزكاة مع إقرارهم بالصلاة. وقال رضي الله عنه: والله لو منعوني عقالا ~~مما فرض الله ورسوله لقاتلتهم عليه. # قال السدي: لو زكوا وهم مشركون لم تنفعهم. # وروى نافع ms2257 عن ابن عمر: الذين لا يؤتون الزكاة: التوحيد. # وقال الربيع بن أنس: معناه، الذين لا يزكون أعمالهم فينتفعون بها. # قال الحسن: " عظم الله عز وجل شأن الزكاة فذكرها. فالمسلمون يزكون ~~والكفار لا يزكون، والمسلمون يصلون والكفار لا يصلون ". # وقال الزجاج: معناه: لا يؤمنون بأن الزكاة حق واجب عليهم. # ثم قال تعالى: { وهم بالآخرة هم كافرون } ، أي: وهم مع ~~تركهم لإخراج زكاة أموالهم وكفرهم بأن الزكاة واجبة لا يصدقون بالبعث ~~والجزاء. # ثم قال تعالى: { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~لهم أجر غير ممنون } ، أي: إن الذين صدقوا / الله ورسوله ~~وعملوا بما أمرهم الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم وانتهوا عما ~~نهوا عنه لهم الجنة. # قال ابن عباس: غير ممنون: غير منقوص، وقال مجاهد: " غير محسوب ". # وقيل: غير مقطوع، بل نعيمهم أبدا لا ينقطع. # يقال: (مننت الحبل) إذا قطعته، (وقد منه السفر إذا) قطعه. # وقيل معناه: لهم أجر لا يمن عليهم به من أعطاهم إياه، لأنه قد وعدهم به، ~~ووعده تعالى ذكره حق عليه إتمامه. فلا منة تلحقهم في إتمام ما وعدهم به. # ثم قال تعالى: { قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق ~~الأرض في يومين }. هذا تقرير وتوبيخ للمشركين. # والمعنى: أتكفرون (بالله الذي) ابتدع خلق الأرضين السبع في يومين. # { وتجعلون له أندادا } ، أي: أمثالا تعبدونهم (من دون الله) ~~{ ذلك رب العالمين } ، أي: الذي ابتدع خلق الأرضين السبع في ~~يومين مع غلظها وعظمها، وطولها وعرضها، وثبتها تحت أقدام الخلق حتى ~~تصرفوا عليها، فهو خالق جميع الخلق ومالكهم، وله تصلح العبادة لا لغيره، ~~واليومان هما: يوم الأحد والإثنين. # قال النبي صلى الله عليه وسلم لليهود حين سألوه عن ذلك: # " خلق الله الأرض يوم الأحد ويوم الاثنين) وخلق الجبال وما فيهن من ~~منافع يوم الثلاثاء وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والمدائن والعمران ~~والخراب. فهذه أربعة أيام " وهو قوله " { وجعل فيها رواسي من ~~فوقها وبارك فيها وقدر فيهآ أقواتها في ~~أربعة أيام سوآء للسآئلين } " # ، أي: لمن سأل عن ذلك. " وسواء " مصدر عند سيبويه، أي: استوت ms2258 استواء. # وقد (قرئ " سواء " ) بالخفض على النعت لأربعة أيام، رويت عن الحسن على ~~معنى مستويات ومثله: رجل عدل، أي عادل. # وقرأ أبو جعفر بالرفع على معنى: هي سواء. ### || [41.10-11] # قوله تعالى: { " وجعل فيها رواسي من فوقها } - إلى قوله ~~- { طآئعين " }. # أي: وجعل في الأرض جبالا تثقلها أن تميل) بمن فوقها، وذلك يوم الثلاث ~~على ما تقدم ذكره عن النبي صلى الله عليه وسلم. # وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لليهود حين سألوه: # " وخلق يوم الخميس السماء، وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر ~~والملائكة إلى ثلاث ساعات (بقين) منه، (فخلق في أول ساعة من الثلاث: ~~الآجال حين يموت من مات)، وفي الثانية ألقى الآفة على كل شيء مما ينتفع ~~به الناس، وخلق في الثالثة آدم وأسكنه الجنة وأمر إبليس بالسجود له، ~~وأخرجه منها في آخر ساعة ". # وروي عنه صلى الله عليه وسلم # " أن اليهود قالت له بعدما أجابهم بهذه الجوابات، ثم ماذا يا محمد؟ قال: ~~ثم استوى (على) العرش قالوا (قد أصبت) لو أتممت فقلت: ثم استراح! فغضب ~~النبي صلى الله عليه وسلم من قولهم غضبا شديدا وأنزل الله عز وجل عليه: # { ولقد خلقنا السموت والأرض وما بينهما في ~~ستة أيام وما مسنا من لغوب * فاصبر على ما ~~يقولون } ". # وقال ابن عباس: خلق الله يوما واحدا سماه الأحد، ثم خلق ثانيا سماه ~~الأثنين، ثم خلق ثالثا سماه الثلاثاء، ثم رابعا (سماه الأربعاء)، ثم ~~خامسا سماه الخميس. قال: فخلق الله عز وجل الأرض في يومين الأحد ~~والأثنين، وخلق الجبال يوم الثلاثاء - فلذلك يقول الناس: هو يوم ثقيل - ~~وخلق الأنهار والأشجار يوم الأربعاء، وخلق الطيور والوحوش والهوام ~~والسباع يوم الخميس، وخلق الإنسان - وهو آدم - يوم الجمعة ففرغ من خلق كل ~~شيء يوم الجمعة. # وقال أبو هريرة: # " أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال: " خلق الله عز وجل ~~التربة يوم السبت وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، ~~وخلق المكروه، يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الأربعاء، وبث الدواب يوم ms2259 ~~الخميس، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة آخر خلق في آخر ساعة من يوم ~~الجمعة " # ، وعن ابن عباس وعبد الله بن سلام أنهما قالا: ابتدأ الله جل ذكره خلق ~~الأرض يوم الأحد، فخلق سبع أرضين في يوم الأحد ويوم الإثنين، ثم جعل في ~~الأرض رواسي، وشق الأنهار، وخلق الأشجار، وجعل المنافع في يومين: يوم ~~الثلاثاء ويوم الأربعاء، ثم استوى إلى السماء فجعلها سبع سماوات في يوم ~~الخميس ويوم الجمعة # . قال ابن عباس: ولذلك سميت يوم الجمعة لأنها اجتمع فيها الخلق. # قال ابن سلام: فقضاهن سبع سماوات في آخر ساعة من يوم الجمعة، ثم خلق آدم ~~فيها على عجل وهي الساعة التي تقوم فيها القيامة. # قال مجاهد: كل يوم كألف سنة مما تعدون. # قال بعض العلماء: لو أراد الله تعالى ذكره لخلقها كلها في وقت واحد، ~~ولكنه أراد ما فيه الصلاح، وذلك لتتبين ملائكته أثر الصنعة شيئا بعد شيء ~~فتزداد في بصائرها. # وقوله تعالى / { وبارك فيها } ، معناه: جعلها دائمة الخير لأهلها. # وقال السدي: بارك فيها، أي أنبت شجرها. # وقيل: معناه: زاد فيها من صنوف ما خلق من الأرزاق وثبته فيها. # والبركة: الخير الثابت. # وقوله: { وقدر فيهآ أقواتها } ، أي قدر فيها أرزاق أهلها ~~ومعايشهم قاله الحسن وابن زيد. # وقال قتادة: أقواتها: صلاحها. # وعن قتادة أيضا: وقدر فيها أقواتها، أي: خلق فيها جبالها وأنهارها ~~وبحارها وشجرها وساكنها من الدواب كلها. # وقال مجاهد: وقدر فيها أقواتها، يعني: من المطر (الذي به تنبت) الأقوات ~~لجميع الخلق. # وقال عكرمة: " وقدر فيها أقواتها " ، معناه: قدر في كل بلد منها ما لم ~~يجعله في الآخر منها ليعيش بعضهم من بعض بالتجارة من بلد إلى بلد، ينقل ~~من بلد إلى بلد ما ليس في أحدهما من المتاع والطعام وغيره. # وروي مثل هذا عن مجاهد أيضا، وهو قول الضحاك. # وقوله: { في أربعة أيام } ، أي: خلق (ذا وذلك) في أربعة ~~أيام؛ أي: خلق الأرض والجبال، وبارك في الأرض وقدر فيها أقواتها، كل ذلك ~~خلقه في أربعة أيام، أولها يوم الأحد، وآخرها ms2260 يوم الأربعاء. # وقد غلط قوم فأضافوا أربعة أيام كاملة إلى اليومين المتقدمين. وهذا ~~كقولك: بنيت الدار في يومين وأتممتها وفرغت من جميع إصلاحها في ثمانية ~~أيام، فاليومان داخلان في الثمانية وبهما تمت الثمانية (لأنها) (كلها ~~كشيء) واحد كما كانت الأرض وما فيها من مصالحها شيئا واحدا. فدخلت ~~العدة الأولى في الثمانية. # ولو قلت: اشتريت الدار في يومين، والعبيد والثياب في أربعة أيام، لم ~~تدخل اليومان في الأربعة لاختلاف أنواع المشترى، ولا يكون ذلك إلا ستة ~~أيام. فاعرف الفرق. # وقوله: { سوآء للسآئلين } " ، أي: سواء لمن سأل عن مبلغ الأجل ~~الذي خلق الله فيه الأرض والجبال والشجر والأنهار والبحار وقدر الأقوات ~~وغير ذلك من المنافع، قاله قتادة والسدي، وهو معنى قول ابن عباس. # وقيل: معناه: سواه لمن سأل ربه شيئا مما به الحاجة إليه من الأرزاق، ~~فإن الله قدر له من الأقوات في الأرض على قدر مسألته، وكذلك قدر لكل ~~سائل؛ قاله ابن زيد. # وقال الفراء: في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: وقدر فيها أقواتها سواء ~~للمحتاجين. وإليه نزع ابن زيد في قوله. وهو اختيار الطبري. # فالمعنى: وقدر فيها أقواتها سواء لسائليها على ما بهم الحاجة إليه وما ~~يصلحهم، وقد تقدم الكلام في إعراب " سواء " وقراءته. # ولو شاء جل ذكره لخلق جميع ذلك وأضعافه في وقت واحد، وهو الوقت الذي لا ~~وقت أسرع منه، ولا أقل تقضيا منه، فهو على ذلك قادر، وإنما خلق جميع ذلك ~~شيئا بعد شيء لتستدل ملائكته استدلالا بعد استدلال على قدرته. والله ~~أعلم بذلك. # ثم قال تعالى: { " ثم استوى إلى السمآء وهي دخان } ، ~~أي: ثم ارتفع إلى السماء ارتفاع قدرة لا ارتفاع نقلة. # " وهي دخان " ، روي أن الدخان كان من تنفس السماء. # { فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتآ ~~أتينا طآئعين } ، أي: قال لهما جيئا بما خلقت فيكما. أما أنت يا ~~سماء فأطلعي ما خلقت فيك من الشمس والقمر والنجوم، وأما أنت يا أرضي ~~فأخرجي ما خلقت فيك من الأشجار والثمار والنبات وتشقق عن الأنهار، ~~فقالتا: أتينا ms2261 طائعين بما أحدث فينا من خلقك؛ هذا معنى ما روى مجاهد عن ~~ابن عباس. # ومعنى إخباره تعالى عن السماء والأرض بالقول أنه جعل تبارك وتعالى فيهما ~~ما يميزان به ويجيبان عما قيل لهما وذلك لا يعجزه تعالى إذا أراده. # وقال المبرد: هذا إخبار عن الهيئة، أي: صارتا في هيئة من قال ذلك ~~بتكوينه تعالى لما أراد فيهما، كقول الشاعر: امتلأ الحوض، وقال: قطى، أي: ~~صار في هيئة من يقول ذلك. # وقيل: معناه أنه أخبرنا الله (عز وجل) بما نعرف من سرعة الإجابة فخبر عن ~~السماوات والأرض بسرعة التكوين على ما أراد وأما قوله: { طآئعين } ، ~~فقال الكسائي معناه: أتينا بمن فينا طائعين. # وقيل: إنما جاء ذلك بالياء والنون لأنه أخبر عنهما كما يخبر عمن يعقل من ~~الذكور فجاء على لفظ الإخبار عمن يعقل. # قال ابن عباس: خلق الله الأرض أولا، ثم خلق السماء، ثم دحا الأرض، ~~فلذلك قال: # والأرض بعد ذلك دحاها # [النازعات: 30]. # قال وهب بن منبه: خلق الله تعالى الريح فسلطها على الماء فضربت الماء ~~حتى صار أمواجا وزبدا، فجعل يفور من الماء دخان ويصعد في الهواء، فأمر ~~الله تبارك وتعالى الزبد فجمد فمنه الأرض، وأمر الأمواج فجمدت فجعلها ~~جبالا رواسي، { ثم استوى إلى السمآء وهي دخان ~~فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتآ ~~أتينا طآئعين / فقضهن سبع سموت في يومين } ~~". وكانت السماء ملتصقة بالأرض فأمرها فارتفعت من الأرض على الهواء. { ~~وأوحى في كل سمآء أمرها }. وقال للسماء الدنيا: كوني ~~زمردة خضراء، وللثانية كوني فضة بيضاء، والثالثة كوني ذرة حمراء، ~~وللرابعة كوني ذرة بيضاء وللخامسة: كوني ذهبة حمراء، وللسادسة: كوني ~~ياقوتة صفراء، وللسابعة: كوني نورا على نور يتلألأ، وفي كل سماء ملائكة ~~قد طبقها بهم بين راكع وباك ومسبح وقائم. ### || [41.12-18] # قوله تعالى: { فقضهن سبع سموت في يومين } - إلى ~~قوله - { وكانوا يتقون } ، أي: فأحكمهن، وفرغ من خلقهن سبع ~~سماوات في يومين، وذلك: يوم الخميس ويوم الجمعة. # قال السدي: ثم استوى إلى السماء وهي دخان من تنفس الماء حين تنفس ms2262 فجعلها ~~سماء واحدة، ثم فتقها، فجعلها سبع سماوات في يوم الخميس ويوم الجمعة، ~~وإنما سمي يوم الجمعة لأنه جمع فيها خلق السماوات والأرض. # وقوله: { وأوحى في كل سمآء أمرها } ، معناه: وألقى. في ~~كل سماء ما أراد. من الخلق. قال مجاهد، معناه: وألقى في كل سماء ما أمر ~~به وأراده. # وقال السدي: معناه: وخلق في كل سماء من الملائكة والبحار والجبال ما ~~أراد مما لا يعلم. # وقال قتادة: معناه: وخلق فيها شمسها وقمرها ونجومها وصلاحها. # وقيل: المعنى: وأوحى في كل سماء من الملائكة بما أراد من أمرها. # ثم قال تعالى: { وزينا السمآء الدنيا بمصبيح } ، ~~يعني: بالكواكب. # قال السدي: جعل النجوم زينة وحفظا من الشياطين. # وانتصب " حفظا " على المصدر. قال الأخفش: معناه: وحفظناها حفظا. لأن ~~جعله فيها الكواكب يدل على أنه حفظها، لأنه اسم عطف على فعل فلا بد من ~~إضمار فعل لتعطفه على الفعل الذي قبله وتنصب به حفظا. # وقيل: التقدير: وجعلنا المصابيح حفظا من استراق السمع. وهذا كله مردود ~~على أول الكلام في المعنى. والتقدير: قل ائنكم لتكفرون بمن هذه قدرته، ~~وتجعلون له أمثالا وأشكالا تعبدونها من دونه. # وقوله: { ذلك تقدير العزيز العليم } ، أي: جميع ما ذكر ~~من الخلق والآيات من تدبير العزيز في نقمته من أعدائه العليم بسرائر خلقه ~~وبكل شيء، لا إله إلا هو. # ثم قال تعالى: { فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة ~~مثل صاعقة عاد وثمود } ، أي: فإن أعرض قومك من قريش يا ~~محمد عنك وعما جئتهم به، فلم يؤمنوا به، فقل لهم: أنذرتكم أيها الناس ~~صاعقة تهلككم مثل صاعقة عاد (وثمود. # وقرأ أبو عبد الرحمن والنخعي: صعقة مثل صعقة عاد). # والصعقة: كل ما أفسد الشيء وغيره عن هيئته. وكذلك الصاعقة. # قال قتادة: معناه: فقل (لهم يا محمد): أنذركم وقيعة مثل وقيعة عاد ~~وثمود. # وقال السدي: معناه: أنذركم عذابا مثل عذاب عاد وثمود. # { إذ جآءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ~~}. # العامل في " إذ: " الصاعقة. # والمعنى: حين جاءتهم الرسل من بين أيدي الرسل ومن خلف الرسل (يعني: جاءت ms2263 ~~الرسل أبناء الذين أهلكوا بالصاعقة ومن خلف الرسل) الذين بعثوا إلى ~~آبائهم. وذلك أن الله جل ذكره بعث إلى عاد: هودا، فكذبوه من بعد رسل قد ~~كانت تقدمت إلى آبائهم أيضا فكذبوها فأهلكوا. # قال ابن عباس: معناه: أنه يريد الرسل التي كانت قبل هود، (والرسل التي ~~كانت بعد هود)، بعث الله عز وجل قبله رسلا، (وبعده رسلا) بأن لا يعبدوا ~~إلا الله، فقالوا: لو شاء ربنا لأنزل ملائكة يدعوننا إلى الإيمان به ولم ~~يرسلكم وأنت بشر مثلنا، ولكنه رضي بعبادتنا، فنحن بما أرسلتم به كافرون. # وقال الضحاك: الرسل الذين من بين أيديهم: من قبلهم، والذين من خلفهم، ~~يعني: الذين بحضرتهم. # فيكون الضمير الذي في " خلفهم " يعود على الرسل، وهو مذهب الفراء. # وقيل: الذين بين أيديهم، يعني: الذين بحضرتهم، (والذين من خلفهم، يعني:) ~~الذين من قبلهم. # وقيل: هذا على التكثير، والمعنى: جاءتهم الرسل من كل مكان بأن لا يعبدوا ~~إلا الله. # وقوله تعالى: { فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير ~~الحق وقالوا من أشد منا قوة } أي: استكبروا عن أمر ~~ربهم وتجبروا وأعجبهم بطشهم وقوتهم، وما أعطاهم الله من عظم الخلق وشدة ~~البطش، ونسوا أن الذي خلق ذلك فيهم وأعطاهم إياه هو أشد منهم قوة، فجحدوا ~~بآيات / الله عز وجل وكفروا بها. # فقوله: { وكانوا بآياتنا يجحدون } معطوف على " فاستكبروا " ~~" وقالوا " وما بينهما اعتراض. # قال الله جل ذكره: { فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا }. # قال مجاهد: أرسل ريحا شديدة (السموم) عليهم. # وقال قتادة والسدي: ريحا صرصرا: باردة)، وزاد السدي: ذات صوت. وقال ~~أبو عبيدة: ريحا شديدة الصوت عاصفة. # وأصل الصر في كلام العرب: البرد. # قال ابن القاسم: قال مالك: سئلت امرأة من بقية قوم عاد يقال لها: هرطة: ~~أي عذاب الله أشد؟ قالت: كل عذاب الله شديد، وسلامته ورحمته: ليلة لا ريح ~~فيها، ولقد رأيت العير تحملها الريح فيما بين السماء والأرض. # ويقال: ما فتح عليهم إلا مثل حلقة الخاتم، ولو فتح عليهم مثل منخر الثور ~~لأكسبت الأرض. # وقوله: { في أيام نحسات }. # قال ابن عباس: ms2264 نحسات: متتابعات. وقال مجاهد: نحسات: مشائم. # وقال قتادة: نحسات: (مشائم نكدات). # وقال ابن زيد: نحسات: ذات شر، ليس فيها من الخير شيء. # وقال الضحاك: نحسات: شداد. # { لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا } ، أي: ~~عذاب الهوان في الدنيا. # { ولعذاب الآخرة أخزى } ، أي: أشد (هوانا). # { وهم لا ينصرون } ، أي: لا ينصرهم ناصر من عذاب الله فينقذهم. # ثم قال تعالى: { وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا ~~العمى على الهدى } ، أي: وأما ثمود) فبينا لهم سبيل الحق وطريق ~~الرشاد. # قال ابن عباس: " فهديناهم: بينا لهم ". # (وقال قتادة: فهديناهم: بينا لهم سبيل الخير) والشر. # وقال ابن زيد: فهديناهم: أعلمناهم الهدى والضلالة ونهيناهم أن يتبعوا ~~الضلالة، وأمرناهم أن يتبعوا الهدى فاستحبوا الضلالة على الهدى ~~واختاروها. # وقال الضحاك: فهديناهم: أخرجنا لهم الناقة تصديقا لما دعاهم إليه صالح، ~~فاستحبوا الكفر على الإيمان. # وقال السدي: فاختاروا الضلالة والعمى على الهدى، وهو قول ابن زيد وغيره. # والرفع في " ثمود " عند سيبويه مثل: زيد ضربته. # وقيل: إن النصب الإختيار، لأن " أما " فيها معنى الشرط. # والشرط بالفعل أولى، وبه يكون، فلا بد من إضماره، فيعمل في ثمود فينصبه. # وقرأ ابن أبي إسحاق بالنصب. ورويت أيضا عن الأعمش وعاصم وذلك على إضمار ~~فعل مثل: زيدا ضربته. # ثم قال: { فأخذتهم صاعقة العذاب الهون } ، أي: فأخذهم ~~العذاب (المذل المهين)، فأهلكهم بما كانوا يكسبون من الكفر. # ثم قال: { ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون } ، ~~أي: ونجينا المؤمنين من العذاب الذي نزل بالكفار من عاد وثمود. ### || [41.19-24] # قوله تعالى: { ويوم يحشر أعدآء الله إلى النار } - ~~إلى قوله - { من المعتبين } ، أي: واذكر يا محمد يوم نحشر هؤلاء ~~المشركين وغيرهم من أعداء الله إلى نار جهنم. # { فهم يوزعون } ، أي: يحبس أولهم على آخرهم قاله السدي وقتادة ~~وغيرهما. # قال أبو الأحوص: " فإذا تكاملت العدة بدئ بالأكابر فالأكابر جرما ". # قال أبو عبيدة: يوزعون: يدفعون. # يقال: وزعه يزعه، ويزعه، إذا كفه وحبسه. # ثم قال تعالى: { حتى إذا ما جآءوها شهد عليهم ~~سمعهم وأبصارهم وجلودهم }. هذا الكلام فيه حذف مفهوم، ~~واختصار بليغ، (وهذا أمر معجز) القرآن. ms2265 # والتقدير: حتى إذا جاءوا النار سئلوا عن كفرهم وجحودهم، فأنكروا بعد أن ~~شهد عليهم النبيئون والمؤمنون، فعند ذلك تشهد عليهم جوارحهم بما كانوا ~~يعملون في الدنيا. # وأكثر المفسرين على أن الجلود هنا: الفروج. كنى عنها كما كنى عن النكاح ~~بالمس. # وقيل عنى بها الجلود بعينها، وهو اختيار الطبري لأنه الأشهر المستعمل في ~~كلام العرب، ولا يحسن نقل المعروف في كلامها إلى غيره إلا بحجة ودليل يجب ~~له التسليم. # قال ابن مسعود (رضي الله عنه) يجادل المنافق عند الميزان ويدفع الحق ~~ويدعي الباطل فيختم على فيه، ثم تستنطق جوارحه فتشهد عليه، ثم يطلق عنه ~~فيقول: بعدا لكن وسحقا، إنما كنت أجادل عنكن. # ثم قال تعالى: { وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا } ~~، (أي: وقال المشركون للجلود لما أنطقها الله بالشهادة عليهم لم شهدتم ~~علينا) فأجابتهم. # { أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء } فنطقنا. # " روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحك ذات يوم حتى بدت نواجذه، ثم ~~قال: " ألا تسألوني مم ضحكت؟ قالوا: مم ضحكت يا رسول الله؟ قال: عجبت من ~~مجادلة العبد ربه سبحانه يوم القيامة: قال: يقول: أي رب، أليس وعدتني ألا ~~تظلمني؟! قال: فإن (ذلك لك) قال: فإني لا أقبل علي شاهدا إلا من نفسي. ~~قال: أوليس كفى بي شهيدا وبالملائكة الكرام الكاتبين! قال: فيختم على ~~فيه وتتكلم أركانه بما كان يعمل. قال: فيقول لهم بعدا وسحقا، عنكم، كنت ~~أجادل " ". # " وروى حكيم بن معاوية عن أبيه أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: ~~وأشار بيده إلى الشام فقال: " من (هاهنا) يحشرون / ركبانا ومشاتا وعلى ~~وجوههم يوم القيامة، على أفواههم الفدام. توفون سبعين أمة أنتم آخرها ~~وأكرمها على الله، وإن أول (ما يعترف من أحدهم) فخذه " ". # وعن عقبة بن عامر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " أول عظم يتكلم من الإنسان (يوم يختم على الأفواه: فخذه من رجل الشمال ~~" # ، وفي حديث آخر) # " فخذه وكفه ". # ثم قال: " { وهو خلقكم أول مرة } ، أي خلق الخلق الأول ~~ولم يكونوا شيئا. # { وإليه ترجعون ms2266 } ، أي: تردون بعد مماتكم. # ثم قال تعالى: { وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم ~~سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم }. # قال السدي: معناه: وما كنتم تستخفون من جوارحكم. # وقال مجاهد: معناه: " وما كنتم تتقون " ، وقال قتادة: معناه: وما كنتم ~~تظنون. # قال قتادة: والله إن عليك يا ابن آدم لشهودا غير متهمة من بدنك فراقبهم ~~واتق الله في سر أمرك وعلانيتك، فإنه لا تخفى عليه خافية، الظلمة عنده ~~(ضوء، والسر) عنده علانية من استطاع أن يموت وهو بالله حسن الظن فليفعل، ~~ولا قوة إلا بالله. # ثم قال: { ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا ~~مما تعملون } أي: ولكن حسبتم أيها العاصون حين ركبتم المعاصي في ~~الدنيا أن الله لا يعلم أعمالكم فلذلك فعلتموها). # قال ابن مسعود: كنت مستترا بأستار الكعبة فدخل ثلاثة نفر: ثقفيان وقرشي ~~أو قرشيان وثقفي، كثير شحوم أبدانهم، قليل فقه قلوبهم، فتكلموا بكلام لم ~~أفهمه. فقال أحدهم، أترون أن الله يسمع ما نقول. فقال الرجلان: إذا رفعنا ~~أصواتنا سمع، وإذا لم نرفع أصواتنا لم يسمع. فأتيت النبي صلى الله عليه ~~وسلم فذكرت له ذلك، فنزلت هذه الآية: { وما كنتم تستترون... } ~~الآية. # ثم قال تعالى: { وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم ~~أرداكم } أي: وذلك الذي جنيتم في الدنيا على أنفسكم من معاصي الله ~~هو من ظنكم الذي ظننتم أن الله لا يعلم ما تعملون، أهلككم ذلكم الظن ~~فأصبح في الآخرة من الذين خسروا أنفسهم. # وقرأ الحسن هذه الآية ثم قال: قال الله جل ذكره: " عبدي، أنا عند ظنه ~~بي، وأنا معه إذا دعاني ". ثم نظر الحسن فقال: إنما عمل الناس على قدر ~~ظنونهم بربهم، فأما المؤمن فأحسن بالله الظن وأحسن العمل، (وأما الكافر ~~والمنافق فأساء الظن وأساء العمل). # وذكر معمر أنه بلغه أنه: " يؤمر برجل إلى النار فيلتفت فيقول: يا رب، ما ~~كان هذا ظني بك. قال: (وما كان ظنك) قال: كان ظني بك أن تغفر لي ولا ~~تعذبني قال: فإني عند ظن عبدي ". # وقال قتادة: الظن ظننان: ظن مرد، وظن منج، ms2267 فأما الذين يظنون ~~أنهم ملاقوا ربهم، ومن قال: # إني ظننت أني ملاق حسابيه # [الحاقة: 20] فهذا الظن المنجي - ظن ظنا يقينا - قال: وقال هاهنا: { ~~وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم } فهذا ~~ظن مرد. # وقوله عن قول الكافرين: # إن نظن إلا ظنا # [الجاثية: 32] مثله. # قال قتادة: وذكر لنا أن نبي الله عليه السلام كان يقول ويروي عن ربه عز ~~وجل: # " عبدي أنا عند ظنه بي وأنا معه إذا دعاني ". # فمعنى الآية: وهذا الظن الذي ظننتم بربكم أنه لا يعلم كثيرا مما تعملون ~~هو الذي أهلككم لأنكم من أجل هذا الظن الخبيث تجرأتم على محارم الله ~~سبحانه، وركبتم ما نهاكم عنه فأهلككم ذلك وأصبحتم في القيامة من الذين ~~خسروا أنفسهم فهلكوا. # وقد روى جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " " من استطاع منكم ألا يموت إلا وهو يحسن الظن بالله فليفعل. ثم تلا: " ~~{ وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم } " # الآية. # واستحب العلماء للرجل المؤمن أن يكون الخوف عليه في صحته أغلب من ~~الرجاء، فإذا مرض وحضرت وفاته استحبوا أن يكون الرجاء في عفو الله أغلب ~~عليه من الخوف. # ثم قال تعالى: { فإن يصبروا فالنار مثوى لهم } ، ~~المعنى فإن يصبروا على النار أولا يصبروا فالنار مسكن ومأوى لهم. # { وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين } ، أي: وإن ~~يسألوا الرجعة إلى الدنيا والتخفيف من العذاب فما هم ممن يخفف عنهم ما هم ~~فيه ولا يرجعون إلى الدنيا. # وقيل: المعنى: فإن يصبروا في الدنيا على أعمال أهل النار فالنار مسكن ~~لهم في الآخرة كما قال: # فمآ أصبرهم على النار # [البقرة: 175]. # وقيل: المعنى: وإن يستعتبوا في الدنيا وهم مقيمون على كفرهم فما هم من ~~المعتبين. # والاستعتاب إنما يكون من الجزع. فهذا يدل على أنه في النار يكون ذلك. # وقيل: المعنى: " فإن يصبروا فالنار أو يجزعوا فالنار مسكن لهم ". وقيل: ~~المعنى: إن يصبروا في الدنيا على تكذيبك واتباع آلهتهم، فالنار مثوى لهم ~~يوم القيامة. # ويقال: إن هذا جواب لقولهم: # أن امشوا واصبروا على آلهتكم # فقال الله ms2268 تعالى جل ذكره إن يصبروا على آلهتهم، أي: على عبادتها { ~~فالنار مثوى لهم } ، وإن يستعتبوا يوم القيامة / فلن يعتبوا. ### || [41.25-32] # قوله تعالى: { وقيضنا لهم قرنآء } - إلى قوله - { من ~~غفور رحيم }. # أي: ونصبنا لهم نظراء من الشياطين فجعلناهم لهم قرناء يزينون لهم قبائح ~~أعمالهم. # قال ابن عباس: القرناء هنا: الشياطين. # وحقيقة قيضنا سببنا لهم من حيث لم يحتسبوا. # وقوله: { فزينوا لهم ما بين أيديهم }. # يعني: من أمر الدنيا فحسنوا ذلك، وحببوه لهم حتى آثروه على أمر الآخرة. # وقوله: { وما خلفهم } قال مجاهد: حسنوا لهم أيضا ما بعد مماتهم ~~فدعوهم إلى التكذيب بالمعاد، وأنه لا ثواب ولا عقاب، وهو أيضا قول ~~السدي. # وقيل: معنى: { وقيضنا لهم قرنآء } ، يعني: في النار فزينوا ~~لهم أعمالهم في الدنيا. # والمعنى: قدرنا عليهم ذلك أنه سيكون وحكمنا به عليهم. # وقيل: المعنى: أخرجناهم إلى الاقتران فأحوجنا الغني إلى الفقير ليستعين ~~به، وأحوجنا الفقير إلى الغني لينال منه، فحاجة بعضهم إلى بعض تقيض من ~~الله عز وجل لهم ليتعاونوا على طاعته فزين بعضهم لبعض المعاصي. # قال ابن عباس: ما بين أيديهم هو تكذيبهم بالآخرة والجزاء والجنة والنار، ~~وما خلفهم: الترغيب في الدنيا والتسويف بالمعاصي وقيل: المعنى إنهم زينوا ~~لهم مثل ما تقدم لهم من المعاصي فهو ما بين أيديهم، وما خلفهم: ما يعمل ~~بعدهم أو بحضرتهم. # وقيل: ما بين أيديهم: ما هم فيه، وما خلفهم: ما عزموا أن يعملوه. # ثم قال تعالى: { وحق عليهم القول } ، أي: وجب لهم العذاب ~~بكفرهم وقبولهم ما زين لهم قرناؤهم من الشياطين. # وقوله: { في أمم قد خلت من قبلهم من الجن ~~والإنس } ، معناه: ووجب عليهم القول في أمم قد مضت قبلهم. # (أي ووجب عليهم من العذاب مثل ما وجب على أمم مضت قبلهم) من الجن والإنس ~~لكفرهم وعملهم مثل عملهم. # وقيل: " في " هنا، بمعنى: " مع ". # فالمعنى: ووجب عليهم العذاب بكفرهم مع أمم مضت قبلهم بكفرهم أيضا، أي: ~~هم داخلون فيما دخل فيه من قبلهم من الأمم الكافرة. { إنهم كانوا ~~خاسرين } ، أي: مغبونين ببيعهم رضاء ms2269 الله عز وجل بسخطه، ورحمته ~~بعذابه. # ثم قال تعالى: { وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا ~~القرآن والغوا فيه } ، أي: قال الملأ من قريش لأهل طاعتهم من ~~العامة: لا تسمعوا لقارئ هذا القرآن إذا قرأه ولا تتبعوا ما فيه. وألغوا ~~فيه بالباطل (من القول). إذا سمعتم قارئه يقرأه لا تسمعوا ولا تفقهوا) ما ~~فيه. هذا قول ابن عباس. # وقال مجاهد: اللغو هنا: المكاء والتصفيق والتخليط (في المنطق) على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، إذا قرأ القرآن أمروا سفهاءهم بذلك. # وقال قتادة: والغوا فيه، أي: اجحدوه وأنكروه وعادوه. # يقال: لغى يلغى، (ويلغو لغوا، ولغى ولغي يلغى لغى) وبهذه جاء القرآن. # وقرأ ابن أبي إسحاق: " والغوا فيه " على لغا يلغو، واللغو في الكلام ما ~~كان على غير وجهه مما يجب أن يطرح ولا يعرج عليه. واللغو أيضا مما لا ~~يفيد معنى من الكلام. # قال ابن عباس: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قرأ رفع صوته فتطرد ~~قريش عنه الناس ويقولون: لا تسمعوا والغوا فيه لعلكم تغلبون، وإذا خافت ~~لم يسمع من يريد، فأنزل الله تعالى: # ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها # [الإسراء: 110]. # وعن ابن عباس أيضا أن أبا جهل هو الذي قال هذا: إذا رأيتم محمدا يصلي ~~فصيحوا في وجهه وشدوا أصواتكم بما لا يفهم حتى لا يدري ما يقول. # وروي أنهم إنما فعلوا ذلك لما أعجزهم القرآن، ورأوا من (يكرهه) يؤمن به ~~لإعجازه بفصاحته، وكثرة معانيه وحسنه ورصفه. # ومعنى قوله { لعلكم تغلبون } ، أي: لعلكم تصدون من أراد ~~استماعه عن فهمه فلا ينتفع به فتغلبون محمدا صلى الله عليه وسلم أي في ~~الآخرة على فعلهم. # { ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون } " ، أي ~~ولنجازينهم على قبيح أعمالهم في الدنيا. # ثم قال تعالى: { ذلك جزآء أعدآء الله النار لهم ~~فيها دار الخلد } ، أي: جزاء المشركين في الآخرة النار، لهم فيها ~~دار المكث أبدا. # { جزآء بما كانوا بآياتنا يجحدون } ، أي: فعلنا بهم ذلك ~~جزاء لهم بجحودهم في الدنيا بآياتنا، وكفرهم بها. # ثم قال تعالى: { وقال ms2270 الذين كفروا ربنآ أرنا ~~الذين أضلانا من الجن والإنس } ، أي: وقال الكفار يوم ~~القيامة بعد دخولهم النار: ربنا أرنا اللذين أضلانا من خلقك من جهنم ~~وإنسهم نجعلهما تحت أقدامنا في النار، لأن أبواب / جهنم بعضها تحت بعض ~~فكل ما سفل كان أشد عذابا مما علا، نعوذ بالله منها. # قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: هما إبليس الأبالسة وابن آدم الذي ~~قتل أخاه. وهذا قول قتادة والسدي. # ثم قال تعالى: { إن الذين قالوا ربنا الله ثم ~~استقاموا } ، إن الذين وحدوا الله وعلموا أنه لا رب لهم غيره، ثم ~~استقاموا على التوحيد والطاعة إلى الوفاة. # " روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: { إن الذين قالوا ~~ربنا الله ثم استقاموا } - الآية " فقال: " قد قالها ~~الناس ثم كفر أكثرهم. فمن مات عليها فهو ممن استقام " ". # وقيل: معناه: ثم لم يشركوا به شيئا. قاله أبو بكر الصديق رضي الله عنه. # وروي عنه أن هذه الآية قرئت عنده فقال: هم الذين لم يشركوا به شيئا، ~~فقالوا: لم يعصوا الله؟ فقال أبو بكر: لقد ضيقتم الأمر، إنما هو: ثم ~~استقاموا (على ألا يشركوا به شيئا). # وعنه أنه قال: ثم استقاموا: لم يرجعوا إلى عبادة الأوثان. # وقال مجاهد: استقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله، ثم لم يشركوا حتى ~~لقوه. # وروى الزهري أن عمر رضي الله عنه تلا هذه الآية فقال: استقاموا - والله ~~- على طاعة الله ولم يروغوا روغان الثعلب. # وقال قتادة: استقاموا على طاعة الله عز وجل. # وكان الحسن إذا قرأها قال: اللهم أنت ربنا فارزقنا الإستقامة. # وقال ابن زيد: استقاموا على (عبادة الله وعلى طاعته). # وقيل: لم يحدثوا بعد إيمانهم كفرا. لأن المشركين قالوا: ربنا الله ~~وعبدوا الأصنام وقالوا: الملائكة بنات الله سبحانه، وقالت اليهود: ربنا ~~الله، ثم كفروا فقالوا: عزير ابن الله سبحانه وكفروا بمحمد، (وقالت ~~النصارى: ربنا الله ثم كفروا وقالوا عيسى ابن الله، وقال بعضهم هو الله، ~~وقال المسلمون: ربنا الله ولم يعبدوا معه غيره وآمنوا بمحمد وبجميع ms2271 ~~الأنبياء. # وقوله { تتنزل عليهم الملائكة } ، معناه: تتهبط عليهم ~~الملائكة من عند الله عند نزول الموت بهم. قاله مجاهد والسدي. # يقولون لهم: لا تخافوا مما قدامكم، ولا تحزنوا على ما خلفكم، وأبشروا ~~بالجنة التي وعدكموها الله عز وجل، نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي ~~الآخرة. # وقرأ ابن مسعود: { تتنزل عليهم الملائكة } لا تخافوا، ~~أي: قائلة لهم: لا تخافوا مما تقدمون عليه، ولا تحزنوا على ما تخلفونه ~~وراءكم. # وقال السدي: معناه: لا تخافوا مما أمامكم ولا تحزنوا على ما بعدكم. # وقال مجاهد: معناه: ألا تخافوا مما تقدمون عليه من أمر الآخرة ولا ~~تحزنوا على ما خلفتم من دنياكم من أهل، وولد، ودار فإنا نخلفكم في ذلك ~~كله. # قال زيد بن أسلم: البشارة في ثلاثة مواطن: عند الموت، وعند القبر، وعند ~~البعث. # وعن ابن عباس أن هذه البشرى في الآخرة تكون لهم من الملائكة. # فالمعنى: تقول لهم الملائكة: نحن كنا نتولاكم في الدنيا وهم الحفظة ~~الكتبة، قاله السدي، قال: هم الحفظة وهم أولياء المؤمن في الآخرة كما ~~كانوا أولياءه في الدنيا. # { ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم } ، أي: لكم ذلك في ~~الجنة. # { ولكم فيها ما تدعون } ، أي ما تريدون، وتدعون ما شئتم ~~يأتكم. # وقوله: { نزلا من غفور رحيم } ، أي: أنزلهم الله عز وجل ~~ذلك نزلا، فهو مصدر، وقيل: هو في موضع الحال. والمعنى: منزلين { نزلا ~~من غفور } للذنوب لمن تاب منها، { رحيم } بمن آمن وتاب. # قال ثابت البناني: بلغنا أن المؤمن يتلقاه ملكاه - اللذان كانا معه في ~~الدنيا - إذا بعث من القبر - فيقولان له: لا تخف ولا تحزن { ~~وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون * نحن ~~أوليآؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة } - إلى قوله ~~- { ما تدعون } فيؤمن الله خوفه، ويقر عينه. ### || [41.33-38] # قوله تعالى ذكره { ومن أحسن قولا ممن دعآ إلى الله ~~} - إلى قوله - { وهم لا يسئمون } معناه: لا أحد أحسن قولا ممن ~~هذه صفته، أي: ممن قال: ربنا الله ثم استقام على الإيمان به والقبول ~~لأمره ونهيه، ودعا عباد الله إلى ما قال به وما ms2272 عمل. وقرأ الحسن يوما ~~هذه الآية فقال: هذا حبيب الله، هذا ولي الله، هذا صفوة الله، هذا خيرة ~~الله، هذا أحب الخلق إلى الله، أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما ~~أجاب الله من دعوته، وعمل صالحا في إجابته، وقال إنني من المسلمين؛ فهو ~~خليفة الله سبحانه. # فالآية عند الحسن لجميع المؤمنين. # وقال قتادة: هذا عبد صدق قوله عمله، ومولجه مخرجه، وسره علانيته وشاهده ~~مغيبه، ثم قال: وإن المنافق عبد خالف قوله عمله ومولجه مخرجه، وسره / ~~علانيته، وشاهده مغيبه. # قال السدي: عنى بهذه نبي الله محمدا صلى الله عليه وسلم، دعا إلى الله ~~جل ذكره، وعمل صالحا، وقاله ابن زيد وابن سيرين). # روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: نزلت في المؤذنين. # وقال عكرمة: قوله: { ممن دعآ إلى الله } ، يعني: المؤذنين. { ~~وعمل صالحا } ، قال: صلى وصام. # وذكر في حديث يرفعه: # " أول من (يقضي) الله له بالرحمة يوم القيامة المؤذنون، وأول المؤذنين ~~مؤذنو مكة. قال: والمؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة. والمؤذنون ~~إذا خرجوا من قبورهم أذنوا فنادوا بالآذان، والمؤذنون لا يدودون في ~~قبورهم ". # وعن عمر رضي الله عنه أنه قال: " قالت الملائكة: لو كنا نزولا في الأرض ~~ما سبقنا إلى الآذان أحد ". # وقال قيس بن أبي حازم: { ممن دعآ إلى الله } ، قال: هو ~~المؤمن { وعمل صالحا } ، قال: الصلاة بين الأذان إلى الإقامة. # وهذه الآية تدل على أنه جائز أن يقول المسلم: أنا مسلم بلا استثناء، أي: ~~قد استسلمت لله عز وجل وخضعت له بالطاعة جلة عظمته. # ثم قال تعالى { ولا تستوي الحسنة ولا السيئة } " لا ~~" الثانية زائدة للتأكيد. # والمعنى: لا يستوي الإيمان بالله عز وجل، والعمل بطاعته سبحانه، والشرك ~~بالله عز وجل والعمل بمعصيته تعالى. # قال عطاء: الحسنة هنا: لا إله إلا الله، والسيئة الشرك. # ثم قال { ادفع بالتي هي أحسن } ، أي: ادفع بالحالة التي هي ~~أحسن السيئة. والمعنى: ادفع يا محمد بحلمك جهل من جهل عليك، وبعفوك إساءة ~~من أساء إليك، وبصبرك على مكروه من تعدى عليك. ms2273 # وقال ابن عباس في الآية: أمر الله عز وجل المسلمين بالصبر عند الغضب ~~والحلم والعفو عند الإساءة. فإذا فعلوا ذلك عصمهم الله من الشيطان وخضع ~~لهم عدوهم حتى يصير كأنه ولي حميم. # وقال مجاهد: معناه: ادفع بالسلام إساءة من أساء إليك، تقول له إذا لقيته ~~السلام عليكم، وقاله عطاء. # وعن ابن عباس أيضا أنه قال: هما الرجلان يسب أحدهما الآخر، فيقول ~~المسبوب للساب: إن كنت صادقا فغفر الله لي، وإن كنت كاذبا فغفر الله ~~لك، فيصير الساب كأنه صديق لك، قريب منك. والحميم: القريب. # قال المبرد: " الحميم: الخاص ". # ثم قال تعالى جل ذكره { وما يلقاها إلا الذين صبروا } ~~، أي: وما يعطى دفع السيئة بالحسنة إلا الذين صبروا - لله - على المكاره ~~والأمور الشاقة { وما يلقاهآ إلا ذو حظ عظيم } ، أي: ~~وما يعطى ذلك إلا ذو نصيب وافر من الخير. # وقيل: المعنى: ما يلقى شهادة ألا إله إلا الله إلا الذين صبروا على ~~المكاره والأذى في الله عز وجل، وما يلقى ذلك إلا ذو حظ عظيم في الآخرة. # ونزل هذا كله بمكة والمؤمنون يؤذون على الإيمان، ويمتحنون ويعذبون حتى ~~فروا إلى أرض الحبشة. # وقيل: إنها والتي قبلها نزلتا في أبي بكر رضي الله عنه. ثم هي عامة في ~~كل من كان على طريقته ومنهاجه. # وقال قتادة: الحظ العظيم هنا: الجنة: وقاله ابن عباس أيضا. # " وروي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه شتمه رجل ورسول الله صلى الله ~~عليه وسلم شاهد فعفا عنه ساعة؛ ثم إن أبا بكر جاش به الغضب فرد عليه، ~~فقام النبي صلى الله عليه وسلم، فاتبعه أبو بكر وقال: يا نبي الله شتمني ~~الرجل فعفوت عنه وصفحت وأنت قاعد؛ فلما أخذت أنتصر قمت! فقال له النبي ~~صلى الله عليه وسلم " إنه كان يرد عليه ملك من الملائكة، فلما أخذت تنتصر ~~ذهب الملك وجاء الشيطان، فوالله ما كنت لأجالس الشيطان يا أبا بكر " ". # ثم قال تعالى { وإما ينزغنك من الشيطن نزغ ~~فاستعذ بالله } ، أي: وإما يلقين الشيطان - يا محمد ms2274 - في نفسك ~~وسوسة من العزيمة على مجازاة المسيء بإساءته فاستجر بالله واعتصم به من ~~عمل الشيطان. # { إنه هو السميع } لاستعاذتك واستجارتك به. # { العليم } بما ألقى الشيطان في نفسك من نزعاته هذا قول السدي وقال ~~ابن زيد: هو الغضب. # ثم قال تعالى: { ومن آياته اليل والنهار والشمس ~~والقمر } ، أي: ومن علاماته وأدلته التي تدل على وحدانيته وقدرته ~~وحجته على خلقه وعظيم سلطانه اختلاف الليل والنهار، ومعاقبة كل واحد ~~منهما الآخر. والشمس والقمر مسخرات لا يدرك أحدهما الآخر. # ثم قال تعالى: { لا تسجدوا للشمس ولا للقمر ~~واسجدوا لله الذي خلقهن } ، فإنما هما خلق مثلكم خلقا ~~لمنافعكم بهما. # وقوله: { خلقهن } جاء بلفظ التأنيث، والجمع رد على الليل والنهار ~~والشمس والقمر وأنثن، كما يؤنث جمع ما لا يعقل وإن كان مذكرا إذا كان من ~~غير بني آدم. # وقيل: الضمير يعود على الشمس والقمر، وأتى الجمع في موضع التثنية لأن ~~الاثنين جمع. وقيل: الضمير يعود على معنى الآية. # وقوله: { إن كنتم إياه تعبدون } ، أي: أخلصوا لله وحده إن ~~كنتم / إياه تعبدون، وهذا موضع السجدة عند مالك. # " وقد روي أن رجلا من الأنصار على عهد النبي صلى الله عليه وسلم استتر ~~بشجرة يصلي من الليل فقرأ " ص " فلما بلغ السجدة سجد وسجدت معه الشجرة ~~فسمعها وهي تقول: اللهم أعظم لي بهذه السجدة أجرا، وارزقني بها شكرا ~~وضع عني بها وزرا، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داوود (عليه ~~السلام). فذكر الرجل ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " نحن أحق ~~أن نقول ذلك ". فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول ذلك في سجوده ". # ثم قال تعالى { فإن استكبروا فالذين عند ربك ~~يسبحون له باليل والنهار } ، أي: فإن استكبر هؤلاء ~~الذين أنت - يا محمد - بين أظهرهم، عن السجود والخضوع لله الذي خلقهم ~~وخلق الشمس، فإن الملائكة الذين عند ربك لا يستكبرون عن ذلك: على جلالة ~~قدرهم، بل يسبحون له ويصلون ليلا ونهارا. # { وهم لا يسئمون } ، أي: لا يفترون ولا يملون. # ومعنى { عند ربك } ، أي: في طاعته ms2275 وعبادته، لم يعن القرب من مكانه ~~لأن المكان على الله تعالى لا يجوز ولا يحتاج إلى مكان لأن المكان محدث ~~وقد كان تعالى ذكره ولا مكان. فالمعنى: فالذين في طاعة ربك وعبادته ~~يسبحون له. ### || [41.39-44] # قوله: { ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة } - إلى قوله ~~- { من مكان بعيد }. # أي: ومن علاماته وحججه وأدلته على توحيده وقدرته على نشر الأموات وبعثهم ~~أنك - يا إنسان - ترى الأرض. وقيل: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. ~~ومعنى خاشعة: دارسة غبراء لا نبات فيها ولا زرع. # { فإذآ أنزلنا عليها المآء } ، يعني: المطر. # { اهتزت } يعني: بالنبات. # { وربت } ، أي: انتفخت وارتفعت. قال قتادة: خاشعة، أي: غبراء ~~متهشمة. وقال السدي: يابسة متهمشة. وأصل الاهتزاز: التحرك. # ثم قال تعالى: { إن الذي أحياها لمحى الموتى } ، ~~أي: إن الذي أحيى الأرض الدراسة فأخرج منها النبات وجعلها تهتز بالزرع ~~بعد يبسها، قادر على أن يحيي أموات بني آدم بالماء أيضا بعد مماتهم. # قال السدي إنه كما يحيي الأرض بالمطر، كذلك يحيي الموتى بالمطر أيضا ~~وذلك مطر ينزله الله بين النفختين. # { إنه على كل شيء قدير } ، أي: لا يعجزه شيء إذا أراده. # ثم قال تعالى: { إن الذين يلحدون في آياتنا } ، أي: ~~يميلون عن الحق في حججنا وأدلتنا ويعدلون عنه تكذيبا وجحودا لا يخفون ~~على الله سبحانه، بل هو عالم بأعمالهم فيجازيهم عليها يوم القيامة. # قال مجاهد يلحدون في آياتنا يعني: المكاء والصفير واللغو عند القرآن، ~~استهزاء منهم به، ومعارضة منهم للقرآن. # وقال قتادة: يلحدون: يكذبون. # وقال السدي: يلحدون: " يعاندون ويشاقون ". # وقال ابن زيد: هم أهل الكفر والشرك بآيات الله سبحانه. # وقال ابن عباس: هم الذين يبدلون آيات الكتاب فيضعون الكلام في غير ~~موضعه. # وأصل الإلحاد: الميل عن الحق، ومنه سمي اللحد لحدا لميله في جانب ~~القبر. # ثم قال تعالى: { أفمن يلقى في النار خير أم من ~~يأتي آمنا يوم القيامة }. # قال عكرمة: أفمن يلقى في النار: هو: أبو جهل: ومن يأتي آمنا، هو: عمار ~~ابن ياسر). # وقيل: هو حمزة رضي الله عنهما. وقيل هو ms2276 عام. # والمعنى: الكافر خير أم المؤمن؟ وخوطبوا بذلك على دعواهم. ولا يجوز أن ~~يخاطب بهذا المؤمنون، لأنهم قد علموا أنه لا خير في الكافر. # والمعادلة " بأم " لا تكون إلا بين شيئين متقاربين في المدح أو في الذم، ~~ولا قرب بين الكافر والمؤمن في مدح ولا ذم. الذم كله للكافر، والمدح كله ~~للمؤمن. فإنما جاءت هذه الآية وما أشبهها خطابا للكفار، لأنهم كانوا ~~يدعون أن فيهم خيرا وفضلا. فخوطبوا على المناقضة لدعواهم. # ثم قال تعالى: { اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون ~~بصير } ، هذا وعيد وتهدد وليس بإباحة لهم أن يعملوا ما يريدون، إنما ~~هو تواعد وإعلام أن الله عز وجل ذو خبر وعلم بما يعملون لا يخفى عليه ~~شيء. # ثم قال تعالى: { إن الذين كفروا بالذكر لما ~~جآءهم } ، يعني القرآن. # وخبر " إن " عند الكسائي قد سد مسده ما تقدم من الكلام قبل " إن " ~~وهو قوله: " أفمن يلقى في النار " ونحوه. # وقيل: الخبر: { أولئك ينادون من مكان بعيد }. # وقيل: الخبر محذوف، والتقدير: إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم خسروا ~~وكفروا بمعجزه، ونحوه. # ودل على هذا اللفظ قوله: { وإنه لكتاب عزيز } (وهذا مذهب ~~الفراء. # وقيل: التقدير في المحذوف: أهلكوا. # ومعنى الآية: إن الذين جحدوا بهذا القرآن وكذبوا بما فيه خسروا أخراهم، ~~وإن القرآن لكتاب عزيز) بإعزاز الله عز وجل إياه وحفظه له من كل من أراد ~~به تبديلا أو تحريفا. # قال قتادة: وإنه لكتاب عزيز أعزه الله لأنه كلامه وحفظه من الباطل. # وقيل: معنى النفي في (هذه: التكثير). والمعنى: لا يأتيه الباطل البتة. # وقال الطبري: معناه: لا يقدر (ذو باطل بكيده بتغيير ولا تبديل، وذلك هو ~~الإتيان من بين يديه. ومعنى: " ولا من خلفه " ، أي: ولا يستطيع ذو باطل ~~أن يلحق فيه) ما ليس فيه. # وقيل: المعنى: لم يتقدمه كتاب يبطله، ولن يأتي بعده كتاب يخالفه. وهذا ~~قول حسن. # ثم قال تعالى { تنزيل من حكيم حميد } ، أي: من عند ذي حكمة ~~بتدبيره عباده، محمود على نعمه على خلقه. # ثم قال تعالى: { ما يقال ms2277 لك إلا ما قد قيل للرسل ~~من قبلك }. # هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم على ما قابله به المشركون من قولهم: ~~كذاب وساحر ومجنون ونحو ذلك. فأعلمه الله جل ذكره أن الذي قابلوه به من ~~التكذيب والقول القبيح قد قابلت الأمم قبله رسلها بمثل ذلك فصبروا حتى ~~جاء نصر الله فكذلك يجب عليك يا محمد أن تصبر. # وقيل: عزيز، أي قاهر لا يقدر أحد أن يأتي بمثله. # وقوله تعالى: { لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا ~~من خلفه } قال / قتادة: الباطل الشيطان، لا يستطيع أن ينتقص منه ~~حقا، ولا يزيد فيه باطلا ". # وقال السدي: الباطل: الشيطان، لا يستطيع أن يزيد فيه حرفا ولا ينقص. # وقال الضحاك وابن جبير: " معناه: لا يأتيه كتاب من قبله فيبطله ولا من ~~بعده ". # فيكون الباطل على هذا القول بمعنى: (البطول). وفاعل يقع بمعنى المصدر ~~مثل: عافاه الله عافية. # وقيل: المعنى: لا يأتيه الباطل من بين يديه، أي: من قبل أن يتم نزوله، ~~ولا من خلفه، أي: ولا من بعد تمام نزوله. # وقيل: معنى " من بين يديه ": بعد نزوله كله " ولا من خلفه " قبل تمامه. # وقيل: المعنى: لا يأتيه الباطل من قبل أن ينزل، لأن الأنبياء قد بشرت به ~~فلم يقدر الشيطان أن يدحض ذلك. # ولا من خلفه بعد أن أنزل. # قال قتادة في الآية: إن الله جل ذكره يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم ~~بهذا. ومثله قوله: # كذلك مآ أتى الذين من قبلهم من رسول إلا ~~قالوا ساحر أو مجنون # [الذاريات: 52]. # ثم قال تعالى: { إن ربك لذو مغفرة } ، أي: لذو ستر على ~~ذنوب التائبين من الكفر، العاملين بأمره، المطيعين له. # { وذو عقاب أليم } لمن دام على كفره. # فالناس يلقون الله تبارك وتعالى على طبقات أربع: مطيع مؤمن، يدخله ~~الجنة، وتائب مؤمن، يقبل توبته ويدخله الجنة؛ ومصر على المعاصي، هو في ~~مشيئة الله عز وجل إن شاء عاقبة، وإن شاء عفا عنه؛ وكافر يدخله النار ~~حتما، لقوله: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ms2278 ما دون ~~ذلك لمن يشآء # [النساء: 48]. # هذا مذهب أهل السنة والاستقامة فاعرفه واعتقده ولا تعرج عنه! فله لا إله ~~إلا هو أن يفعل في أهل الذنوب ما شاء من مغفرة أو معاقبة لا يسأل عما ~~يفعل وهم يسألون كما كان له في الأزل أن يخلق خلقا للنار وبعملها ~~يعملون، وخلقا للجنة وبعملها يعملون: قال جل ذكره: # ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس # [الأعراف: 179]. # أي: خلقناهم لها. # ثم قال تعالى { ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا ~~لولا فصلت آياته ءاعجمي وعربي } ، أي: ولو جعلنا ~~هذا القرآن أعجميا (لقال قومك: يا محمد هلا بينت آياته فنفهمه، أقرآن ~~أعجمي ونبي عربي. أي: لكانوا يقولون ذلك إنكارا له. # قال ابن جبير: معناه: لو كان هذا القرآن أعجميا لقالوا: القرآن أعجمي ~~ومحمد عربي). # وقال السدي: معناه: لو كان هذا القرآن أعجميا لقالوا، نحن قوم عرب، ما ~~لنا وللعجمة. # وهذا كله على قراءة من قرأ بالاستفهام في " أعجمي ". فأما على قراءة من ~~جعله خبرا " فمعناه: لو جعلنا القرآن أعجميا لقالوا: هلا فصلت آياته، ~~فجاء بعضها عربي وبعضها عجمي، (فنحن نعرف العربي) ويعرف العجم العجمي. # قال ابن جبير: قالت قريش: هلا أنزل هذا القرآن أعجميا وعربيا فأنزل ~~الله عز وجل " لقالوا { لولا فصلت آياته ءاعجمي ~~وعربي }. # والأعجمي: المنسوب الى اللسان الأعجمي، يقال: رجل أعجمي إذا كان لا يفصح ~~- كان من العرب أو من العجم، ويقال رجل عجمي إذا كان من الأعاجم فصيحا ~~كان أو غير فصيح. # ثم قال تعالى: { قل هو للذين آمنوا هدى وشفآء } ، أي: ~~قل يا محمد: هذا القرآن للذين آمنوا به وصدقوا بما فيه " هدى " ، أي: ~~بيان للحق " وشفاء " ، (أي: دواء) من الجهل. # ثم قال تعالى: { والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر } ~~، أي: والذين لا يؤمنون به وبما فيه في آذانهم صمم عن استماع لا ينتفعون ~~به. # { وهو عليهم عمى } ، أي: وهذا القرآن على قلوب المكذبين به ~~عمى لا يبصرون حججه وما فيه من المواعظ. # قال قتادة: عموا وصموا عن القرآن، فلا ينتفعون به، ms2279 ولا يرغبون فيه. # وقال السدي: عميت قلوبهم عنه. # قال ابن زيد: (العمى: الكفر). # وقرأ ابن عباس ومعاوية وعمرو بن العاص: " وهو عليهم عم " على فعل. # ثم قال تعالى { أولئك ينادون من مكان بعيد }. # هذا تشبيه لبعد قلوبهم عن قبول الحق والموعظة. # والعرب: تقول للرجل البعيد الفهم: " إنك لتنادي من بعد " ويقولون ~~للفهيم: إنك لتأخذ الأمر من قريب. # قال مجاهد: معناه " بعيد من قلوبهم " ، وقاله الثوري أيضا وقال ابن ~~زيد: ضيعوا أن يقبلوا الأمر من قريب (ويتوبون ويؤمنون فيقبل) منهم ~~فماتوا. # وقال الضحاك: هذا يوم القيامة، ينادون بأشنع أسمائهم ليفضحوا على رؤوس ~~الخلائق / فيكون أعظم في توبيخهم. ### || [41.45-51] # قوله تعالى: { ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه } ~~- إلى قوله - { فذو دعآء عريض }. # والمعنى: ولقد أعطينا موسى التوراة كما آتيناك يا محمد القرآن فاختلف ~~بنو إسرائيل في العمل بما في التوراة كما اختلف قومك في الإيمان بما جئتم ~~به. # { ولولا كلمة سبقت من ربك } يا محمد فيمن كفر (بك، ~~وهو أنه تقدم في علمه وقضائه تأخير عذابهم إلى يوم القيامة. # { لقضي بينهم } أي لجاءهم العذاب فيفصل بينهم فيما اختلفوا فيه ~~فيهلك المبطلين، وينجي المؤمنين. # قال السدي: أخروا إلى يوم القيامة. # قال الزجاج: " الكلمة: وعدهم بالساعة، قال (الله تعالى # بل الساعة موعدهم # [القمر: 46] ". # ثم قال تعالى: { وإنهم لفي شك منه مريب } ، أي: وإن ~~الفريق المبطل منهم لفي (شك مما قالوا) فيه مريب يريبهم قولهم فيه، لأنهم ~~قالوه بغير ثبت وإنما قالوه ظنا. # ثم قال تعالى: { من عمل صلحا فلنفسه ومن أسآء ~~فعليها } ، أي: من عمل صالحا في هذه الدنيا فلنفسه عمل لأنه يستوجب ~~من الله في الميعاد الجنة والنجاة من النار، ومن عمل بمعاصي الله (فعلى ~~نفسه جنى) لأنه أكسبها بذلك سخط الله. # ثم قال تعالى: { وما ربك بظلم للعبيد } أي: وما ربك ~~يا محمد يحمل ذنب مذنب على غير مكتسب بل لا يعاقب أحدا إلا على جرمه. # ثم قال تعالى: { إليه يرد علم الساعة } ، (أي: إلى الله ~~يرد العالمون به علم الساعة)، لأنه ms2280 لا يعرف متى قيامها غيره. # ثم قال تعالى: { وما تخرج من ثمرات من أكمامها } ، ~~أي: (وما يظهر) من ثمرة (الشجرة من الموضع) الذي هي مغيبة فيه إلا بعلمه. # قال السدي: من أكمامها: من طلعها. # قال المبرد: هو ما يغطيها. وواحد الأكمام. كم. ومن قال في الجمع أكمة ~~قال في الواحد كمام. # ثم قال تعالى: { وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا ~~بعلمه } ، (أي: ما تحمل من ولد حين تحمل، ولا تضع حملها حين تضع إلا ~~بعلمه)، فلا شيء يخفى عليه من جميع أمور خلقه. # ثم قال تعالى: { ويوم يناديهم أين شركآئي } ، أي: واذكر ~~يا محمد يوم ينادي الله عز وجل هؤلاء المشركين فيقول لهم أين شركائي ~~الذين كنتم تشركونهم في عبادتي؟ # والمعنى: أين شركائي على قولكم. # ثم قال تعالى: { قالوا آذناك ما منا من شهيد } ، أي: ~~أجابوه عن سؤاله لهم، فقالوا: أعلمناك ما منا من شهيد أن لك شريكا. # ثم قال تعالى: { وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل } ~~، أي: وضل عن هؤلاء المشركين يوم القيامة آلهتهم التي كانوا يدعونها في ~~الدنيا فأخذ بها عن طريقتهم فلم تدفع عنهم شيئا من عذاب الله سبحانه. # ثم قال تعالى: { وظنوا ما لهم من محيص } ، أي: وأيقنوا ~~أنه لا محيص لهم من عذاب الله عز وجل ولا ملجأ منه جلت عظمته. # قال أبو عبيدة: يقال: حاص يحيص إذا حاد. # وقيل: " المحيص: المذهب الذي ترجى فيه النجاة ". # وأجاز أبو حاتم الوقف على " وظنوا " يجعل الظن بمعنى الكذب، أي: قالوا: ~~آذاناك ما منا من شهيد، وكذبوا في قولهم، بل كانوا يدعون أن له شريكا. ~~تعالى الله عن ذلك. # والوقف عند غيره على " محيص " لأن المعنى: وأيقنوا أنه لا ينفعهم ~~الفرار. # ثم قال تعالى { لا يسأم الإنسان من دعآء الخير } ، ~~أي، لا يسأم الكافر من دعائه بالخير ومسألته إياه ربه عز وجل. # والخير هنا: المال وصحة الجسم، (فهو لا يمل) من طلب ذلك والاستزادة منه. # { وإن مسه الشر } ، أي: ضر في نفسه أو جهد في معيشته. ms2281 # { فيئوس قنوط } ، أي: فهو يئوس من روح الله عز وجل وفرجه، قنوط ~~من رحمته، أي: لا يؤمل أن يكشف عنه ذلك. # ويقال: إن هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة. # وفيه نزلت { ولئن أذقناه رحمة منا } - الآية إلى قوله ~~- { للحسنى } وقيل نزل ذلك كل في عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة ~~وأمية بن خلف من كفار قريش. # وقال السدي وغيره: الإنسان هنا: الكافر. # وفي قراءة عبد الله " من دعاء بالخير ". # ثم قال تعالى جل ذكره: { ولئن أذقناه رحمة منا من ~~بعد ضرآء مسته ليقولن هذا لي } ، أي: ولئن كشفنا ~~عنه الشر الذي نزل به ليقولن هذا لي عند الله لأن الله راض عني وعن عملي. # قال مجاهد: " ليقولن هذا لي، أي: بعملي. فأنا محقوق بهذا ". # { ومآ أظن الساعة قآئمة }: شك الكافر في قيام الساعة. # ثم قال: { ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده ~~للحسنى } ، أي: إن كان ثم بعث وحشر - على طريق الشك - فلي الحسنى ~~عند ربي، أي: لي عنده - إن حشرت بعد موتي - غنى ومال. # فالمعنى أنه قال: لست أؤمن بالبعث ولا أصدق به، فإن كان الأمر على خلاف ~~ذلك وبعثت بعد موتي، فلي عند ربي مال وغنى أقدم عليه. # ثم قال تعالى { فلننبئن الذين كفروا بما عملوا } ~~، أي: فلنخبرنهم بما قصوا / من (الأباطيل وما عملوا من المعاصي). # { ولنذيقنهم من عذاب غليظ } على فعلهم وهو النار، ~~والخلود فيها، لا يموتون (ولا يحيون). # ثم قال تعالى: { وإذآ أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى ~~بجانبه } ، أي: وإذا كشفنا الضر والضيق عن الكافر أعرض عن ما جاءه ~~من عند الله عز وجل ولم يؤمن به وبعد من الإجابة إلى ما دعي إليه. # ومعنى " بجانبه ": قال السدي: أعرض: صد بوجهه، ونأى بجانبه: تباعد عن ~~القبول. # ثم قال: { وإذا مسه الشر فذو دعآء عريض } ، أي: وإذا ~~مسه الضر والفقر والجهد ونحوه فهو ذو دعاء (كثير إلى ربه. فإن الرجل إذا ~~كان في نعمة تباعد عن ذكر الله ودعائه، فاذا مسه الشر فهو ذو دعاء) عريض، ms2282 ~~أي كثير. ### || [41.52-54] # قوله: { قل أرأيتم إن كان من عند الله } - إلى آخر ~~السورة. # أي: قل يا محمد للمكذبين للقرآن، أرأيتم إن كان هذا القرآن الذي كذبتم ~~به ولم تؤمنوا به من عند الله ثم كفرتم به ألستم في فراق للحق وبعد من ~~الصواب. وهو معنى قوله: { من أضل ممن هو في شقاق بعيد ~~} إلا أنه جعل الخبر في مكان التقدير وفي الكلام حذف، والتقدير: ثم كفرتم ~~به أمصيبون أنتم أم ضالون. # ثم قال تعالى ذكره: { سنريهم آياتنا في الآفاق وفي ~~أنفسهم } ، أي: سنري هؤلاء المكذبين بما أنزلنا آياتنا في الآفاق، ~~يعني: وقائع النبي صلى الله عليه وسلم بالمشركين. # قال السدي: هي ما يفتح الله للنبي عليه السلام وقوله: { وفي ~~أنفسهم } ، يعني: ما يفتح الله للنبي صلى الله عليه وسلم من مكة وهو ~~اختيار الطبري. # وقال ابن زيد: آياتنا في الأفاق يعني: في السماوات ونجومها وشمسها ~~وقمرها. # وقيل: معنى " وفي أنفسهم " هو: سبيل الغائط والبول وقيل المعنى: سيرون ~~ما أخبرهم به (النبي صلى الله عليه وسلم أنه سيكون من فتن وفساد وغلبة ~~الروم فارس، وغير ذلك مما أخبرهم به) أنه سيكون لهم حتى يتبين لهم أن ~~كلما أخبرهم به أنه هو الحق. # وقيل: " المعنى: سنريهم آثار صنعتنا في الآفاق الدالة على أن لها صانعا ~~حكيما، وفي أنفسهم من أنهم كانوا نطفا ثم علقا ثم مضغا إلى أن بلغوا ~~وعقلوا حتى يتبين لهم أن الله هو الحق لا ما يعبدون من دونه ". # وعن ابن جبير أن معنى " في الآفاق " هو ظهور النبي صلى الله عليه وسلم ~~على الناس سوى قريش، وفي أنفسهم: ظهوره على قريش، وهو اختيار النحاس. # وقيل معنى الآية: سنريهم آثار من مضى من الأمم ممن كذب الرسل قبلهم ~~وآثار خلق الله عز وجل في البلاد، وفي أنفسهم، يعني: أنهم كانوا نطفا ثم ~~علقا ثم مضغا ثم عظاما ثم كسيت لحما، ثم نقلوا إلى التمييز والعقل. ~~وذلك كله (يدل على) توحيد الله عز وجل وقدرته حتى يعلموا أن ما ms2283 أنزلنا ~~على محمد صلى الله عليه وسلم حق. # ثم قال تعالى { أولم يكف بربك أنه على كل شيء ~~شهيد } ، أي: أو لم يكف ربك أنه شاهد على كل شيء مما يفعله خلقه لا ~~يعزب عنه علم شيء منه. # و " أنه " في موضع رفع بدل من " ربك " على الموضع. # ويجوز أن يكون في موضع خفض على البدل من " ربك " على اللفظ. ويجوز أن ~~يكون في موضع " أن " نصبا على معنى الآية. # ومعنى الآية: أو لم يكف ما دل من قدرته وحكمته، ففي ذلك كفاية. # (وقيل: المعنى: أو لم يكف ربك في معاقبة الكفار وقيل: المعنى: أو لم ~~(يكف ربك يا محمد) أنه شاهد على أعمال هؤلاء الكفار ففي ذلك كفاية لك. # ثم قال تعالى { ألا إنهم في مرية من لقآء ربهم } ~~، أي: في شك من البعث بعد الموت، والمجازاة على الأعمال. # ثم قال تعالى { ألا إنه بكل شيء محيط } ، أي: ألا إن ~~الله محيط علمه بكل شيء خلقه، لا يعجزه علم شيء منه. ### | [42 - سورة الشورى] ### || [42.1-3] # قوله تعالى: { حم * عسق * كذلك يوحي إليك } إلى قوله: { ~~العزيز الحكيم }. # قد تقدم إعراب أوائل السور وتفسيرها. # وقد روى عطاء والضحاك كلاهما عن ابن عباس في تفسير { حم * عسق } أن ~~معناه: قذف ومسخ وخسف وسنون، الله أعلم ما سيكون فيها. # وقوله: { كذلك يوحي } الكاف في موضع نصب نعت لمصدر محذوف ولا ~~موضع للكاف الثانية، واسم الله رفع " بيوحي ". # وقيل: معنى الآية: إنه لم ينزل كتاب من عند الله إلا وفيه حم عسق. # فالمعنى على هذا: كالذي أوحي إليك من هذه السورة، أوحي إلى الذين من ~~قبلك من الرسل. وهذا مذهب الفراء. # وقرأ ابن كثير: { كذلك يوحي إليك } (على ما لم) يسم فاعله. # فيكون الوقف على هذه القراءة: { من قبلك } ثم يبتدئ: { الله ~~العزيز الحكيم } على الابتداء، والخبر، وإن شئت على الابتداء ~~والصفة، أو يكون { له ما في السموت } الخبر. # وروى الشموني عن أبي بكر: " نوحي " بالنون. فتقف أيضا على { من ~~قبلك } ، ثم يبتدئ " الله ms2284 " على ما قدر ذكرنا. # وقد يجوز على قراءة ابن كثير أن يرتفع على فعل مضمر كأنه قيل: من يوحي؟ ~~فقيل: يوحي الله كقول الشاعر: # ليبك يزيد ضارع لخصومة. # كأنه قال: ليبك يزيد. قيل: من يبكيه؟ / قيل: يبكيه ضارع لخصومة. # قال قتادة: حم عسق اسم من أسماء الله. # وروى حذيفة أنها نزلت في رجل يكون من بني هاشم من أهل بيت ابن عباس يقال ~~له عبد الله ينزل على نهر من أنهار المشرق يبنى عليه مدينتان، يشق النهر ~~بينهما شقا، فإذا أذن الله في زوال ملكهم، وانقطاع دولتهم ومدتهم بعث ~~على إحداهما نارا ليلا فتصبح سوداء مظلمة قد احترقت كأنها لم تكن مدينة ~~مكانها وتصبح صاحبتها متعجبة كيف أفلتت فما هو إلا بياض يومها ذلك حتى ~~يجمع الله فيها كل جبار منهم ثم يخسف الله بها وبهم جميعا فذلك قوله: { ~~حم * عسق } ، يعني: عزيمة (من الله) وقضاء. # سين، يعني: سيكون. قاف، يعني: واقعا بهاتين المدينتين. # وروى عن ابن عباس أنه قرأ " حم سق " بغير عين، وكان يقول: إن السين كل ~~فرقة كائنة، وأن القاف كل جماعة كائنة. # ويقول: إن عليا رضي الله عنه إنما كان يعلم الفتن بها. # وفي مصحف عبد الله: { حم * عسق } بغير عين كقراءة ابن عباس. # ومعنى { العزيز } ، أي: العزيز في انتقامه من أعدائه { الحكيم ~~}: في تدبيره خلقه. ### || [42.4-9] # قوله تعالى: { له ما في السموت وما في الأرض وهو ~~العلي العظيم } ، إلى قوله: { وهو على كل شيء ~~قدير } ، أي: له ملك ما فيها من جميع الأشياء كلها. # { وهو العلي } أي: ذو علو وارتفاع على كل الأشياء، ارتفاع ~~ملك وقدرة وسلطان، لارتفاع انتقال. # { العظيم }: وله العظمة والكبرياء. # ثم قال تعالى: { تكاد السموت يتفطرن من فوقهن } ~~، أي: تكاد تشقق من فوق الأرضين من عظمة الرحمن وجلالته. هذا قول جميع ~~المفسرين. # وقيل: المعنى: تكاد السماوات يتشققن من أعلاهن من عظمة الله فيكون ~~الضمير في { فوقهن } (على القول) الأول يعود على الأرضين. # وعلى هذا القول الثاني يعود على السماوات. # وكان علي بن ms2285 سليمان يقول: الضمير في فوقهن للكفار، أي: من فوق الكفار. ~~وهذا قول بعيد، لا يجوز في المذكرين من بنى آدم: " رأيتهن ". # وقيل: المعنى: يكاد السماوات يتفطرن من فوق الأرضين من قول المشركين ~~وكفرهم. # { والملائكة يسبحون بحمد ربهم } تعظيما لله ~~سبحانه وتعجبا من مقالة المشركين وهم مع يستغفرون لمن في الأرض، يعني ~~المؤمنين. # ثم قال تعالى: { والملائكة يسبحون بحمد ربهم } ~~أي: يصلون بطاعة ربهم شكرا له وجلالة وهيبة، هذا قول الطبري. # وقال الزجاج: معناه: والملائكة يعظمون الله وينزهونه عن السوء. # ثم قال تعالى: { ويستغفرون لمن في الأرض } ، أي: ويسألون ~~ربهم المغفرة لذنوب من في الأرض من المؤمنين. وهذا اللفظ عام ومعناه ~~الخصوص قاله السدي وغيره. # ولا يجوز أن يكون (عاما فيدخل) في ذلك الكفار لأنه تعالى قد قال: # أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس ~~أجمعين # [البقرة: 161] فغير جائز أن يستغفر لهم الملائكة. # وروي عن وهب بن منبه أنه قال: هي منسوخة (نسختها الآية) التي في سورة ~~المؤمن. # قوله تعالى جل ذكره: # ويستغفرون للذين آمنوا # [غافر: 7]. # وهذا عند أهل النظر لا يجوز فيه نسخ لأنه خبر، ولكن تأويل قول وهب ابن ~~منبه في هذا أنه أراد أن هذه الآية نزلت على نسخ تلك الآية. # ثم قال: { ألا إن الله هو الغفور الرحيم } ، أي: ~~الغفور لذنوب مؤمني عباده، الرحيم بهم أن يعذبهم بعد توبتهم. # وأجاز أبو حاتم الوقف على " من فوقهن ". وذلك جائز إن جعلت ما بعده ~~منقطعا منه. فإن جعلته في موضع الحال لم يجز الوقف دونه. # ثم قال تعالى: { والذين اتخذوا من دونه أوليآء ~~الله حفيظ عليهم } ، أي: والذين اتخذوا يا محمد من قومك آلهة ~~يعبدونها من دون الله، الله حفيظ لأعمالهم، محصيها عليهم ومجازيهم ~~بها يوم القيامة. # { ومآ أنت عليهم بوكيل } ، أي: ولست يا محمد بالوكيل عليهم ~~تحفظ أعمالهم، إنما أنت منذر ومبلغ ما أرسلت به إليهم، فعليك ~~البلاغ وعلينا الحساب. # ثم قال تعالى: { وكذلك أوحينآ إليك قرآنا عربيا ~~لتنذر أم القرى ومن حولها } ، أي: أوحينا إليك يا ~~محمد قرآنا ms2286 بلسان العرب لتنذر عذاب الله أهل أم القرى، وهي مكة. سميت ~~بذلك لأن الأرض دحيت منها. # وقيل: سميت (أم القرى لأنها أول ما عظم وشرف من القرى. وقيل: ~~سميت) بذلك لأنها أول ما وضع. كما قال: # إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا # [آل عمران: 96]. # وقوله: { ومن حولها } ، أي: ومن حول أم القرى من سائر الناس. # ثم قال تعالى: { وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه } ، أي: ~~وتنذرهم عقاب الله الكائن في يوم الجمع لا شك فيه، وهو يوم القيامة. وهذا ~~في الحذف مثل قوله تعالى / # يخوف أولياءه # [آل عمران: 175]، أي: يخوفكم بأوليائه، فكذلك المعنى: وتنذرهم عقاب الله ~~الكائن يوم الجمع، ثم حذف. # فيكون " يوم " على هذا نصبا على الظرف. # ويجوز أن يكون النصب على المفعول به كما قال: # وأنذرهم يوم الحسرة # [مريم: 39] وكما قال: # وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب # [إبراهيم: 44] فكل هذا انتصب على أنه مفعول به وليس بظرف للإنذار، لأن ~~الإنذار لا يكون يوم القيامة إنما الإنذار في الدنيا. # ثم قال تعالى: { فريق في الجنة وفريق في السعير } ، ~~أي: منهم فريق في الجنة وهم المؤمنون، وفريق في السعير - وهي جهنم - وهم ~~الكفار. وسميت جهنم بالسعير لأنها تسعر على أهلها. وروي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه: # " خرج يوما على أصحابه وفي يده كتابان، فقال: ~~هل تدرون ما هذا؟ فقلنا: لا، إلا أن (تخبرنا يا ~~رسول الله). قال: هذا كتاب من رب العالمين، فيه ~~أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم، ~~ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص ~~منهم أبدا (وهذا كتاب أهل النار بأسمائهم ~~وأسماء آبائهم، ثم أجمل على آخرهم فلا ينقص ~~منهم أبدا) فقال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: ~~ففيم العمل إذا كان هذا أمر قد فرغ منه؟ فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل سددوا وقاربوا، فإن ~~صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة، وإن ~~عمل أي عمل، وإن صاحب النار يختم له بعمل ~~أهل النار، وإن عمل أي عمل. فرغ ربكم ms2287 من ~~العباد، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ~~فنبذهما. فرغ ربكم من الخلق، فريق في الجنة، ~~وفريق في السعير قالوا: سبحان الله، فلم نعمل ~~وننصب؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: العمل إلى ~~خواتمه ". # وكان ابن عمر يقول: " إن الله جل ثناؤه لما خلق آدم نفضه نفض المزود ~~فأخرج منه كل ذرية، فخرج أمثال النغف فقبضهم قبضتين، وقال: شقي ~~وسعيد، ثم ألقاهما، ثم قبضهما فقال: فريق في الجنة وفريق في السعير ". # ثم قال تعالى: { ولو شآء الله لجعلهم أمة واحدة } ~~، أي: على دين واحد. # { ولكن يدخل من يشآء في رحمته } ، أي يوفقه إلى ~~الإيمان والطاعة فيرحمه. # ثم قال: { والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير } ، ~~أي: والكافرون ما لهم يوم القيامة من ولي يتولى معونتهم، ولا نصير ينصرهم ~~من عقاب الله سبحانه. # ثم قال تعالى: { أم اتخذوا من دونه أوليآء } ، أي بل ~~اتخذ هؤلاء المشركون من دونه أولياء يعبدونهم من دونه. # { فالله هو الولي } ، أي: هو الولي لأوليائه (لأنه يضر ~~وينفع) { وهو يحيي الموتى }: (بعد موتهم يوم القيامة. # { وهو على كل شيء قدير } ، أي: قادر على إحياء الموتى ~~وعلى غير ذلك مما يريد. ### || [42.10-14] # قوله تعالى: { وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى ~~الله } إلى قوله: { منه مريب } ، أي: وما تنازعتم أيها الناس ~~فيه من شيء فحكمه إلى الله، أي: هو يقضي فيه بما يشاء إما بنص في كتابه، ~~وإما بدليل على النص. # ثم قال تعالى: { ذلكم الله ربي عليه توكلت } ، أي: ~~ذلكم الذي ذكرت لكم هو ربي وإلهي وإلهكم. { عليه توكلت } في ~~أموري. # { وإليه أنيب } ، أي: وإليه أرجع في أموري، وأتوب من ذنوبي. # ثم قال: { فاطر السموت والأرض } ، أي: هو (خالقهما ~~ومبتدعهما). # { جعل لكم من أنفسكم أزواجا } ، أي: زوجكم ربكم من ~~أنفسكم أزواجا، يعني: خلق حواء من ضلع آدم. # ثم قال تعالى: { ومن الأنعام أزواجا } يعني: من الضأن اثنين، ~~ومن المعز اثنين، ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين. # ثم قال: { يذرؤكم فيه } (أي: بخلقكم فيما ms2288 جعل لكم من أزواجكم، ~~وبعيشكم فيما جعل لكم من الأنعام). # قال مجاهد: { يذرؤكم فيه } (فيه، نسل بعد نسل من الناس والأنعام ~~". # وقال السدي: يذرؤكم: يخلقكم. # وقال ابن عباس: " جعل الله فيه معيشة تعيشون بها ". # قال قتادة: يذرؤكم فيه، قال: " عيش من الله جل ثناؤه يعيشكم فيه ". # وقال الزجاج: " يذرؤكم فيه أي: يكثركم فيه " (ف " في " ) عنده في موضع ~~الباء. # والمعنى على قوله: يكثركم، يخلقكم أزواجا. # وقال القتبي: يذرؤكم فيه، أي: في الزوج. # (فالمعنى: يخلقكم في بطون الإناث. # وقال علي بن سليمان: " يذرؤكم: ينبتكم من حال إلى حال ". # وحكى أبو زيد) وغيره عن العرب، ذرأ الله الخلق يذرؤهم، أي: خلقهم. # ثم قال تعالى: { ليس كمثله شيء } الكاف في " كمثله " زائدة ~~للتوكيد لا موضع لها. وموضع " كمثله " كله موضع نصب خبر " ليس ". # وقيل المعنى: ليس هو شيء، ولكن دخلت " المثل " في الكلام للتوكيد. # ثم قال: { وهو السميع البصير } ، أي: السميع لما ينطق به من ~~خلقه من قول، البصير بأعمالهم، لا يخفى عليه منها شيء. # ثم قال تعالى: { له مقاليد السموت والأرض } ، أي: له ~~مفاتيح خزائن السماوات والأرض. وواحد المقاليد إقليد وجمع على مقاليد على ~~غير قياس كمحاسن، والواحد حسن. وقيل: واحدها مقليد. فهذا على لفظ الجمع. # فتحقيق المعنى: بيده خزائن الخير والشر. فما يفتح من رحمته فلا ممسك ~~لها، وما يمسك فلا مرسل له من بعده /. # قال مجاهد: مقاليد: مفاتيح بالفارسية. # وقوله: { يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر } ، أي: يوسع ~~الرزق على من يشاء من عباده، ويضيق على من يشاء، يفعل ما يريد، ويعلم ~~مصالح خلقه فيوسع على من لا تصلح حاله إلا (بالتوسيع) (ويضيق على من لا ~~تصلح حاله إلا بالتضييق). # { إنه بكل شيء عليم } ، أي: عالم بأحوال خلقه وما يصلحهم. # ثم قال تعالى: { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا } ~~(أي: بين الله لكم أيها الناس من الدين ما وصى به نوحا) أن يعمله. # { والذي أوحينآ إليك } يا محمد، أي: وشرع لكم من الدين ~~الذي أوحينا إليك يا محمد، وهو ms2289 كتاب الله عز وجل. # ثم قال تعالى: { وما وصينا به إبراهيم وموسى ~~وعيسى أن أقيموا الدين } ، أي: وشرع لكم من الدين أن أقيموا ~~الدين. # " فأن " في موضع نصب على البدل من " ما " في قوله: { ما وصى به ~~نوحا }. فالتقدير: شرع لكم أن أقيموا الدين. # ويجوز أن يكون " أن " في موضع (رفع على معنى هو: أن أقيموا الدين. # ويجوز أن تكون في موضع خفض على البدل من الهاء في " به " ) قال أبو ~~العالية: الذي وصى به نوحا الإخلاص لله عز وجل، وعبادته لا شريك له. # قال الحكيم: جاء نوح بالشريعة وتحريم الأمهات والبنات والأخوات. # وقال قتادة: جاء نوح بالشريعة بتحليل الحلال وتحريم الحرام. # وقوله: { أن أقيموا الدين }: معناه: اعملوا به على ما شرع لكم ~~وفرض عليكم. # وقال السدي: اعملوا ولا تتفرقوا فيه (فتختلفوا فيه) كما اختلف الأحزاب ~~من قبلكم. # فتحقيق المعنى في [الآية: { شرع لكم } ] أن أقيموا [لله الدين] ~~الذي ارتضاه لأنبيائه، ولا تتفرقوا فتؤمنوا ببعض الرسل وتكفروا ببعض. ~~وهذا الدين هو الإسلام. # ومذهب أكثر المفسرين أن نوحا صلى الله عليه وسلم أول من جاء بالشريعة ~~من تحريم الأمهات، والبنات، والأخوات، والعمات. # ثم قال تعالى: { كبر على المشركين ما تدعوهم إليه ~~} ، أي: عظم يا محمد على المشركين من قومك ما تدعوهم إليه من الإخلاص ~~لعبادة الله عز وجل، والإقرار له بالألوهية، والبراءة مما سواه من ~~الآلهة. # وقال قتادة: كبر على المشركين شهادة ألا إله إلا الله. # ثم قال تعالى: { الله يجتبي إليه من يشآء } ، أي: يصطفي ~~لدينه من يشاء من خلقه، ويختار لولايته ودينه من أحب، قال السدي: يستخلص ~~من يشاء، وقال أبو العالية: يخلص من الشرك من يشاء. # والتقدير: الله يجتبي إليه من يشاء أن يجتبيه. # ثم قال تعالى: { ويهدي إليه من ينيب } ، أي: ويوفق للعمل ~~بطاعته من يتوب إليه من الشرك. # وقوله: { وعيسى } وقف إن جعلت " أن أقيموا " في موضع رفع على ~~الابتداء، فإن جعلت " أن " بدلا مما قبله لم تقف إلا على { فيه } أو ~~على: { إليه }. # ثم قال ms2290 تعالى: { وما تفرقوا إلا من بعد ما جآءهم ~~العلم بغيا بينهم } ، أي: وما تفرق المشركون في أديانهم ~~فصاروا أحزابا إلا من بعد ما جاءهم العلم، أي: إن الذي جاءتهم به ~~الأنبياء هو الدين الحق، فتفرقوا من أجل البغي (من بعدما جاءهم الحق. # وقيل: المعنى: ما تفرق قريش عن الإيمان بما جئتم به يا محمد إلا من أجل ~~البغي عليك) من بعد ما جاءهم القرآن دلالة على صحة ما جئتهم به. # وقيل معنى: بغيا بينهم، أي: بغيا من بعضهم على بعض وحسدا وعداوة على ~~طلب الدنيا. # وقيل: المعنى: ما تفرق مشركو قريش إلا من بعد ما جاءهم العلم وذلك أنهم ~~كانوا يتمنون أن يبعث إليهم نبي. فلما بعث إليهم محمد صلى الله عليه وسلم ~~كفروا به. وهو مثل قوله: # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جآءهم نذير ~~ليكونن أهدى من إحدى الأمم.. # [فاطر: 42] الآية. # ثم قال تعالى: { ولولا كلمة سبقت من ربك إلى ~~أجل مسمى لقضي بينهم } ، أي: لولا أن الله عز وجل أخر ~~عذابهم - في سابق علمه - إلى يوم القيامة لقضي بينهم فيما اختلفوا فيه، ~~فيهلك الكافر وينجي المؤمن. # قال الزجاج: الكلمة: { بل الساعة موعدهم }. قال السدي: يوم ~~القيامة. # وقال الطبري: معناه: لولا قول سبق: يا محمد من ربك ألا يعاجلهم بالعذاب ~~لقضي بينهم، ولكنه أخر ذلك إلى يوم القيامة. # ثم قال: { وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم } ، ~~أي: وإن الذين أورثوا الكتاب من بعد هؤلاء المختلفين في الحق لفي شك منه، ~~يعني: اليهود والنصارى. # والكتاب هنا: التوراة والإنجيل. # ومعنى: { لفي شك منه } أي: لفي شك من الدين الذي وصى الله عز ~~وجل به نوحا وأوحاه إليك يا محمد وأمرك بإقامته مريب. # وقيل، المعنى: إن اليهود والنصارى الذين أورثت قريش الكتاب من بعدهم، ~~أي: من بعد اليهود والنصارى - لفي شك منه، أي: من القرآن. # وقيل: من محمد صلى الله عليه وسلم. فالشك على هذا لليهود والنصارى. # وقيل: هو لقريش، الذين أورثوا الكتاب من بعد اليهود والنصارى وهم في شك ~~من القرآن. ms2291 ### || [42.15-18] # قوله تعالى: { فلذلك فادع واستقم } إلى قوله: { لفي ~~ضلال بعيد } ، أي: فإلى ذلك الدين يا محمد فادع الناس واستقم. # فاللام في " فلذلك " / بمعنى " إلى " كما قال: # بأن ربك أوحى لها # [الزلزلة: 5]، أي: إليها. # { واستقم كمآ أمرت } أي: واستقم يا محمد على العمل بذلك ~~الدين، واثبت عليه كما أمرك ربك. # (وقيل: " ذلك " بمعنى: هذا. والتقدير: فلهذا القرآن فادع الناس يا محمد ~~واستقم على العمل به كما أمرك ربك. # وقيل: اللام) على بابها، والمعنى: ومن أجل ذلك الذي تقدم ذكره فادع إلى ~~عبادة الله واستقم على (ما أمرك) ربك. # وفي الكلام تقديم وتأخير. والتقدير فيه: كبر على المشركين ما تدعوهم ~~إليه فلذلك فادع، أي فإلى ذلك (الدين فادع) عباد الله واستقم كما أمرت. # ثم قال: { ولا تتبع أهوآءهم } ، أي: ولا تتبع أهواء ~~المشركين في الحق الذي شرعه الله لكم من الدين. # { وقل آمنت بمآ أنزل الله من كتاب } أي: وقل يا محمد ~~صدقت بما أنزل الله من كتاب، كائنا ذلك الكتاب ما كان لا أكذب ~~بشيء منه، كما كذبتم أيها المشركون ببعضه، وصدقتم ببعضه. # ثم قال تعالى: { وأمرت لأعدل بينكم } ، أي: وأن أسير فيكم ~~أجمعين بالحق الذي بعثني (الله به). # قال قتادة: " أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعدل، فعدل، حتى ~~مات صلى الله عليه وسلم. والعدل ميزان الله في الأرض، به يأخذ المظلوم من ~~الظالم، والضعيف من الشديد " وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ثلاث من كن فيه أنجينه: القصد في الفاقة ~~والغنى، والعدل في الرضى والغضب، والخشية في ~~السر والعلانية. # وثلاث من كن فيه أهلكته: شح مطاع، وهوى ~~متبع، وإعجاب المرء بنفسه. # وأربع من أعطيهن فقد أعطي خير الدنيا ~~والآخرة: لسان ذاكر، وقلب شاكر، وبدن صابر، ~~وزوجة موافقة ". # ثم قال تعالى: { الله ربنا وربكم } ، أي: مالكنا ~~ومالككم. وهذا كله خطاب لجميع الأحزاب من أهل الكتابين. # { لنآ أعمالنا ولكم أعمالكم } ، أي: لنا ثواب ما ~~اكتسبنا من الأعمال، ولكم ثواب ما اكتسبتم منها. # { لا حجة بيننا ms2292 وبينكم } ، أي: " لا خصومة ": قاله مجاهد ~~وابن زيد. وقيل: (المعنى: لا خصومة بيننا) لأن الحق قد تبين لكم ~~صوابه. فاحتجاجكم إنما هو عناد في أمر قد تبين لكم صوابه (فاحتجاجكم إنما ~~هو فيما قد علمنا أنكم) تعلمونه وتنكرونه بعد علمكم بصحته. # ثم قال تعالى: { الله يجمع بيننا وإليه المصير } ، ~~أي: يجمع بيننا في موقف يوم القيامة فيقضي بيننا بالحق فيما اختلفنا فيه، ~~وإليه مصيرنا أجمعين. # ثم قال تعالى: { والذين يحآجون في الله من بعد ما ~~استجيب له } ، أي: والذين يخاصمون في دين الله عز وجل الذي بعث به ~~محمدا صلى الله عليه وسلم، من بعد ما استجيب له الناس ودخلوا فيه. # { حجتهم داحضة عند ربهم } أي: خصومتهم باطلة ذاهبة عند ~~ربهم. # { وعليهم غضب } من ربهم. # { ولهم عذاب شديد } في الآخرة، وهو عذاب النار. # وقيل المعنى: والذين يخاصمون الناس في دين الله، من بعد ما استجيب ~~للنبي. فتكون " الهاء " للنبي صلى الله عليه وسلم في هذا القول. وهي لله ~~عز وجل في القول الأول. # ومعنى: استجيب له - في هذا القول - استجيب دعاؤه، لأنه دعا على أهل بدر ~~فاستجيب له، ودعا على أهل مكة ومضر. بالقحط فاستجيب له، ودعا للمستضعفين ~~أن ينجيهم الله من قريش فاستجيب له في أشباه لهذا. # وقال مجاهد: هم قوم من الكفار خاصموا المؤمنين في وحدانية الله سبحانه ~~من بعدما استجيب له المؤمنون. # وذكر الطبري أن هذه الآية " نزلت في قوم من اليهود خاصموا أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم في دينهم وطعموا أن يصدوهم عنه إلى الكفر " ، وهو قول ~~ابن عباس. # وقال قتادة: نزلت في اليهود والنصارى، قالوا: ديننا قبل دينكم، ونبينا ~~قبل نبيكم، ونحن خير منكم. # ثم قال: { الله الذي أنزل الكتاب بالحق ~~والميزان } ، أي: الله الذي أنزل هذا الكتاب - يعني: القرآن - بالحق ~~وأنزل الميزان. # قال مجاهد وقتادة: الميزان: العدل، ليقضي بين الناس بالإنصاف بحكم الله. # ثم قال تعالى: { وما يدريك لعل الساعة قريب } ، أي: ~~وأي شيء يعلمك يا محمد لعل الساعة التي تقوم فيها القيامة ms2293 قريب. # وفي الكلام معنى التهديد والتخويف لمن أنزل عليه القرآن - وهو النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأمته. # وذكر " قريب " و " الساعة " مؤنثة على طريق النسب. # وقيل: ذكر ليفرق بينه إذا كان من المسافة والزمان، وبينه إذا كان من ~~النسب والقرابة. # وقال الزجاج: " هو تأنيث ليس بحقيقي فحمل على المعنى. والتقدير لعل ~~البعث قريب ". # وقيل التقدير لعمل مجيء الساعة قريب، ثم حذف مثل # وسئل القرية # [يوسف: 82]. # ثم قال تعالى: { يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها ~~والذين آمنوا مشفقون منها } أي: يستعجلك بمجيئها يا محمد ~~الذين لا يؤمنون بها ينكرون مجيئها، يظنون أنها غير جائية، وذلك قولهم: # متى هذا الوعد إن كنتم صادقين # [الملك: 25]. # فهم يسألون عن حدوث كونها على جهة التكذيب لمجيئها. # والذين آمنوا بها، وعلموا أنها ستأتي مشفقون منها، أي: وجلون خائفون من ~~مجيئها لصحة وقوع ذلك عندهم وكونه، لأنهم لا يدرون ما الله فاعل بهم ~~فيها. # { ويعلمون أنها الحق } ، أي: ويوقنون أن مجيئها حق يقين. ~~ثم قال تعالى: { ألا إن الذين يمارون في الساعة } ، ~~أي: يجادلون الناس فيها أنها لا تقوم. # { لفي ضلال بعيد } ، أي: لفي جور عن الصواب، بعيد عن الحق، ~~لأنهم كفروا معاندة ودفعا للحق. ### || [42.19-23] # قوله تعالى: { الله لطيف بعباده } إلى قوله: { غفور ~~شكور } ، أي: والله ذو لطف بعباده، يرزق من يشاء فيوسع عليه ويقتر على ~~من يشاء. # { وهو القوي } لا يغلبه غالب. # { العزيز } في انتقامه من أعدائه. # ثم قال تعالى: { من كان يريد حرث الآخرة نزد له في ~~حرثه }. الحرث هنا: العمل. # والمعنى: من كان يريد بعمله الآخرة نزد له في حرثه، أي: نوفقه ~~ونضاعف له الحسنات. # { ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها } ، (أي: ومن ~~كان يريد بعمله الدنيا نؤته منها ما يريد، مثل دفع الآفات ونحوها ومثله ~~قوله: # من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشآء ~~لمن نريد # [الإسراء: 18]. # وقيل: المعنى: من كان يريد بفعله الخير ثناء أهل الدنيا تركناه وذلك، ~~ولم يكن له في الآخرة من عمله نصيب. # وقيل نزلت في ms2294 الغزو، والجهاد. والتقدير: من كان يريد بغزوه وجهاده ~~الآخرة وثوابها نعطه ذلك ونزده، ومن كان يريد بذلك الغنيمة والكسب نؤته ~~منها، أي: نخلي بينه وبين ذلك. # وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يمنع المنافقين من أخذ الغنيمة ومن ~~أجلها غزوا معه لا لله سبحانه. ففيهم (وفي أشباههم نزلت الآية) فتكون ~~الآية على هذا القول مخصوصة. # وقال طاوس: " من كان همه الدنيا جعل الله فقره بين عينيه (ولم ينل من ~~الدنيا إلا ما كتب له)، ومن كان همه الآخرة (جعل الله غناه بين ~~عينيه)، ونور قلبه، وآتاه من الدنيا ما كتب الله له ". # وقال الطبري في معناها: من كان يريد بعمله الآخرة نزد له في عمله ~~الحسنى، فنجعل له بالواحد عشرا إلى ما شاء ربنا من الزيادة، ومن كان ~~يريد بعمله الدنيا ولها يسعى، نؤته منها ما قسمنا له وما كتب له منها. # { وما له في الآخرة من نصيب } ، أي: ماله من عمله ذلك في ~~الآخرة حظ. # وقال قتادة: معناه: من آثر آخرته على دنياه نزد له في أجره، ومن آثر ~~دنياه على آخرته لم نجعل له نصيبا في الآخرة إلا النار، ولم نزده في ~~الدنيا شيئا إلا رزقا قد فرغ منه. # وروى الضحاك عن ابن عباس أن قوله: { ومن كان يريد حرث ~~الدنيا نؤته منها }: منسوخ في سورة " سبحان " بقوله: # من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشآء ~~لمن نريد # [الإسراء: 18] وفيه بعد لأن الأخبار لا تنسخ. # ثم قال تعالى: { أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ~~ما لم يأذن به الله } ، أي: بل لهم شركاء اخترعوا لهم دينا ~~لم يأمر به الله سبحانه فعملوا به وقبلوه. # وأضيف " الشركاء " إليهم لأنهم هم أحدثوا عبادتهم من دون الله سبحانه، ~~فأشركوا بينهم وبين الله سبحانه في العبادة، تعالى الله على ذلك علوا ~~كبيرا. # ثم قال تعالى: { ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم } ، ~~أي: ولولا السابق من حكم الله عز وجل أنه لا يعجل لهم العذاب في الدنيا، ~~وأنه مؤخر عذابهم إلى ms2295 يوم القيامة لجاءهم العذاب، فيهلك الكافرون ~~وينجو المؤمنون. # (ثم قال تعالى: { وإن الظالمين لهم عذاب أليم } ، أي: ~~مؤلم والظالمون): الكافرون بالله. # ثم قال تعالى: { ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا ~~وهو واقع بهم } ، أي: ترى يا محمد الكافرين يوم القيامة خائفين ~~من عقاب ما كسبوا في الدنيا من الأعمال الخبيثة أن يحل بهم، وعقابه ~~واقع بهم وحال عليهم. # ثم قال تعالى: { والذين آمنوا وعملوا الصالحات في ~~روضات الجنات }. # والروضة: المكان المونق الحسن، ولا تكون الروضة - عند بعض اللغويين - ~~إلا في المكان المرتفع. # ثم قال تعالى: { لهم ما يشآءون عند ربهم } ، أي: لهم ~~عند ربهم - في الآخرة - ما تشتهيه أنفسهم وتلذ أعينهم. # { ذلك هو الفضل الكبير } ، أي: ذلك الذي أعطاهم الله من ~~النعيم والكرامة هو الفضل الكبير عليهم من الله عز وجل. # ثم قال تعالى: { ذلك الذي يبشر الله عباده الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات } ، أي: ذلك الذي أخبرتكم به من ~~الكرامة هو الذي يبشر الله به عباده الذين / آمنوا في الدنيا، وعملوا ~~الأعمال الصالحات. # ثم قال تعالى جل ذكره: { قل لا أسألكم عليه أجرا إلا ~~المودة في القربى } ، أي: قل لهم يا محمد لا أسال منكم ~~جعلا على ما جئتكم به من الهدى والقرآن والدعاء إلى الإيمان والنصيحة ~~إلا أن (تودوني) لقرابتي منكم، وتصلوا رحمي بيني وبينكم. # قال ابن عباس: لم يكن بطن من بطون قريش إلا وبينهم وبين رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قرابة. # وعن ابن عباس أيضا أنه قال: لما أبو (أن يتابعوه، قال: يا قوم، إن ~~أبيتم أن تتابعوني) فاحفظوا قرابتي فيكم لا يكن غيركم من العرب أولى ~~بحفظي ونصري منكم، وبهذا القول قال في الآية: عكرمة ومجاهد وقتادة ~~والسدي. # قال قتادة: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يسأل الناس على هذا ~~القرآن أجرا إلا أن يصلوا ما بينه وبينهم من القرابة - وكل بطون قريش ~~بينهم وبينه قرابة -. # فيكون المعنى: إلا أن تودوني لقرابتي منكم، (إني لا أسألكم من أموالكم ~~شيئا على ما جئتكم به، إنما ms2296 أسألكم أن تودوني لقرابتي منكم إن أبيتم) أن ~~تؤمنوا بي. # وعن ابن عباس أنه قال: # " قالت الأنصار: " فعلنا وفعلنا... فكأنهم فخروا. فقال بعض قرابة ~~النبي صلى الله عليه وسلم: لنا الفضل عليكم فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه ~~وسلم فأتاهم في مجالسهم، فقال: " يا معشر الأنصار، ألم ~~تكونوا أذلة فأعزكم الله بي؟ قالوا: بلى يا ~~رسول الله. قال: ألم تكونوا ضلالا فهداكم الله بي؟ ~~قالوا: بلي يا رسول الله قال: أفلا تجيبوني؟ قالوا: ~~ما نقول يا رسول الله؟ قال: ألا تقولون: ألم ~~يخرجك قومك فآويناك؟ ألم يكذبوك فصدقناك؟ ~~ألم يخذلوك فنصرناك. فما زال يقول حتى جثوا ~~على الركب. وقالوا: أموالنا وما في أيدينا لله ~~ورسوله قال: " فنزلت: { قل لا أسألكم عليه ~~أجرا إلا المودة في القربى } " الآية " # وبهذا القول قال عمرو بن شعيب. # وهذا يدل على أن الآية مدنية. # وعن ابن عباس أيضا أن معنى الآية: قل يا محمد لقريش: لا أسألكم على ما ~~جئتكم به أجرا إلا أن تتوددوا إلى الله وتتقربوا إليه بالعمل الصالح. # وقال الحسن: معناه: إلا التقرب إلى الله عز وجل والتودد إليه بالعمل ~~الصالح. # وقال الضحاك: الآية منسوخة نسخها قوله: { قل ما سألتكم من ~~أجر فهو لكم }. # واختار الطبري قول من قال: معناه: إلا أن تودوني في قرابتي منكم. # و { إلا المودة } في هذا استثناء منقطع. فالمعنى: لا أسألكم ~~عليه أجرا لكن أسألكم أن تودوني لقرابتي منكم. # ثم قال: { ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا } ، ~~أي: ومن يعمل حسنة نضاعفها إلى عشر حسنات فأكثر. # { إن الله غفور } ، أي: غفور لذنوب عباده المؤمنين { شكور } ~~لحسناتهم يضاعفها لهم. ### || [42.24-29] # قوله تعالى: { أم يقولون افترى على الله كذبا } إلى ~~قوله { إذا يشآء قدير } أي: أيقولون افترى على الله الكذب، أي: ~~اختلقه من عند نفسه. # { فإن يشإ الله يختم على قلبك } ، أي: يطبع على قلبك ~~فتنسى هذا القرآن يا محمد، قاله قتادة والسدي. # وقال الزجاج: معناه: فإن يشأ الله يربط على قلبك بالصبر على أذاهم. # وقيل: المعنى: (إن ms2297 يشاء الله - يا محمد - ختم على قلبك بالصدق واليقين ~~والخير كله. وقد فعل بك ذلك ومحا ضره من قلبك. # وقيل: المعنى) فإن يشاء الله يمنعك من التمييز. # ثم قال: { ويمح الله الباطل } ، أي: ويزيل الله الباطل على ~~كل حال - وهو الشرك - ولذلك رفعه، ولو عطفه على " ما يشاء " لم يجز لأنه ~~يصير المعنى (ولو يشاء) الله يمح الباطل، وذلك لا يجوز لأنه تعالى يمحوه ~~على كل حال. ويدل على رفعه أن بعده " ويحق الله الحق " بالرفع) وهذا ~~احتجاج عليهم لنبوءة محمد صلى الله عليه وسلم وصحة ما جاء به لا المعنى: ~~إن الله يزيل الباطل ولا يثبته. # فلو كان ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم باطلا لمحاه الله عز وجل ~~وأنزل كتابا آخر على غيره. # وهكذا جرت العادة [في جميع المفترين أن الله سبحانه يمحو أباطلهم ويثبت ~~الحق. # ومعنى { ويحق الحق بكلماته } ، أي: ويثبت ما أنزل من ~~كتابه على لسان] نبيه عليه السلام. # وقيل: المعنى ويبين الحق. # وقيل: معناه: يثبت الحق في قلبك بكلماته، أي: بالقضاء الذي قضاه لك قبل ~~خلقك. # ثم قال تعالى: { إنه عليم بذات الصدور } ، أي: إنه ذو علم ~~بما في صدور خلقه وما تنطوي عليه ضمائرهم. # وقيل: إن معناه: لو حدثت نفسك يا محمد بأن تفتري علي كذبا لطبعت على ~~قلبك، وأذهبت الذي أتيتك من وحيي، لأني أحق الحق وأمحو الباطل، فأخبر ~~الله عز وجل الزاعمين أن محمدا صلى الله عليه وسلم اختلق القرآن من عند ~~نفسه - أنه لو فعل ذلك أو حدث به نفسه - ما أخبر في هذه الآية. # وكان أبو عمرو بن العلاء يختار أن يقف القارئ على: " فإن يشاء الله يختم ~~على قلبك " ، لأن ما بعده مستأنف غير معطوف عليه على ما ذكرنا، وهو ~~اختيار الفراء. # ثم قال: { وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ~~ويعفوا عن السيئات } أي: والله الذي يقبل مراجعة عباده إلى ~~الإيمان بعد كفرهم ويعفو عن ما تقدم لهم من السيئات، ويعلم ما يفعل / ~~خلقه من خير وشر، ms2298 لا يخفى عليه شيء من ذلك، فيجازيهم على كل ذلك. # ثم قال تعالى: { ويستجيب الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات } أي: ويجيب الذين آمنوا ربهم فيما دعاهم إليه، كما قال: # فليستجيبوا لي # [البقرة: 186]. # قال المبرد: معناه: فليستدعوا الإجابة. فيكون " الذين " في موضع رفع على ~~هذا التأويل. # وقيل: المعنى: ويستجيب الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم، ~~بمعنى: يستجيب الذين آمنوا إذا سألوه ودعوا إليه، ويزيدهم من فضله، هي ~~زيادة (لم يسألوها)، إحسانا منه. # وتكون اللام محذوفة من الذين، كما قال: { وإذا كالوهم أو ~~وزنوهم }. # أي: كالوا لهم أو وزنوا لهم. # يقال: استجبت بمعنى: أجبته. # فيكون " الذين " في موضع نصب ب " يستجيب " أنشد أهل اللغة. # فلم يستجبه عند ذاك مجيب. # أي: لم يجبه. واستجاب، بمعنى: أجاب، مشهور في كلام العرب. # وقيل: معنى الزيادة (أنه يزيدهم ما دعوه. # وقيل: الزيادة التي ضمن) الله تعالى هنا هي أن يشفعهم في إخوانهم إذا ~~شفعوا فيهم. # وروى قتادة عن النخعي أنه قال في قوله: " ويستجيب الذين آمنوا " ، قال: ~~يشفعون في إخوانهم. (وقال في قوله: { ويزيدهم من فضله }: ~~يشفعون في إخوان إخوانهم). # ثم قال تعالى: { والكافرون لهم عذاب شديد } ، يعني عذاب ~~جهنم. # ثم قال تعالى: { ولو بسط الله الرزق لعباده ~~لبغوا في الأرض }. هذه الآية، روي أنها نزلت في قوم من أهل ~~الصفة تمنوا سعة الدنيا والغناء، فأنزل الله تعالى: { ولو بسط ~~الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض } ، أي: ولو وسع ~~عليهم لجازوا الحد الذي حده الله عز وجل لهم. # { ولكن ينزل بقدر ما يشآء } ، أي: يسهل لهم رزقا ~~مقدرا يصلحهم وتصلح عليه أحوالهم. # { إنه بعباده خبير بصير } ، أي: ذو خبر بهم، وذو علم ~~يعلم من يصلحه التضييق وتفسده السعة (في الرزق، ومن يفسده التضييق ~~وتصلحه السعة) فيعطي كلا على قدر ما يصلحه. # قال قتادة: " كان يقال: خير الرزق ما لا يطغيك ولا يلهيك. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: # " أخوف ما أخاف على أمتي زهرة الحياة الدنيا ~~وكثرتها فقال له قائل: أيأتي الخير بالشر؟ ms2299 قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: إن الخير لا يأتي إلا ~~بالخير.. " # في حديث طويل. # ثم قال تعالى: { وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما ~~قنطوا } ، أي: ينزل المطر من السماء ليحيي به الأرض من بعد ما ~~يئس الخلق من نزوله. # { وينشر رحمته } ، اي: يبثها في عباده، يعني بالرحمة: ~~الغيث الذي أنزله من السماء. ومع القنط يرجى الفرج. # وقيل: لعمر رضي الله عنه: " جدبت الارض وقنط الناس فقال: مطروا إذا ". # وقد قيل في قوله: { وينشر رحمته } ، أي: ظهور الشمس بعد المطر. ~~وهو قول شاذ لم أره عن ثقة. # ثم قال: { وهو الولي الحميد } ، أي: وهو الذي يليكم بإحسانه ~~وفضله، الحميد بأياديه عندكم ونعمه عليكم. # ثم قال تعالى: { ومن آياته خلق السموت والأرض وما ~~بث فيهما من دآبة } أي: ومن حججه (وعلامات أدلته) على ~~وحدانيته وقدرته على إحيائكم بعد موتكم، خلقه واختراعه السماوات السبع ~~والأرضين السبع وخلقه ما نشر فيها من حيوان. # { وهو على جمعهم إذا يشآء قدير } ، أي: وهو يقدر أن ~~يحييهم يوم القيامة فيجمعهم إذا شاء. # وقال الفراء: قوله: { وما بث فيهما } ، يريد به: ما بث في الأرض ~~دون السماء؛ وزعم أن مثله # يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان # [الرحمن: 22] وإنما يخرجان من الملح دون الحلو. وهو قول ضعيف عند ~~البصريين، لا يجوز أن يرجع ضمير اثنين إلى واحد، بل نقول: إن الله قد بث ~~في السماوات والأرض دواب وقد قال: # ويخلق ما لا تعلمون # [النحل: 8] وقال مجاهد: { وما بث فيهما من دآبة } ، يعني: ~~الناس والملائكة والعرب تقول لكل ما تحرك: دب فهو داب والهاء دخلت ~~للمبالغة، وقيل (لتأنيث) الصنعة. ### || [42.30-37] # قوله تعالى: { ومآ أصبكم من مصيبة فبما كسبت ~~أيديكم } إلى قوله: { هم يغفرون }. # أي: والذي أصابكم من مصيبة بما كسبت أيديكم. # وقيل: " ما " للشرط، والفاء مرادة، وحسن حذفها؛ لأن الفعل الأول لم يعمل ~~فيه الشرط، إذ هو ماض. وفي كون " ما " بمعنى " الذي بعد " ، لأنه يصير ~~مخصوصا للماضي. # فكأن ما أصابنا فيما مضى من مصيبة هو بما كسبت أيدينا وما ms2300 يصيبنا فيما ~~نستقبل يحتمل أن يكون مثل ذلك، وأن يكون على خلافه، لغير ما كسبت أيدينا. # وهذا (لا يجوز، بل هو عام فيما مضى وما يستقبل، لا يصيبنا من مصيبة ~~ماضية أو مستقبلة إلا بما كسبت أيدينا. وهذا المعنى لا يتضمنه) إلا الشرط ~~لأنه للعموم. # فمعنى الآية: إن الله جل ذكره أعلمنا أن ما يصيبنا من مصيبة في الدنيا ~~في الأموال والأنفس والأهل فهو عقوبة منه لنا بما اكتسبنا من الآثام. # ثم قال / تعالى: { ويعفوا عن كثير } ، أي: مما اكتسبنا فلا ~~يعاقبنا عليه في الدنيا بالمصائب. # قال قتادة: ذكر لنا نبي الله عليه السلام قال: # " لا يصيب ابن آدم خدش عود، ولا عثر قدم، ولا اختلاج عرق ~~إلا بذنب، وما يعفو عنه أكثر ". # وقال ابن عباس: تعجل للمؤمنين عقوبتهم بذنوبهم في الدنيا ولا يؤاخذون ~~بها في الآخرة. # وقال الحسن: معنى الآية في الحدود، أن الله تعالى جعل الحدود على ما ~~يعمل الإنسان من المعاصي. وهذا يعطي أن " ما " بمعنى " الذي ". # قال إبراهيم بن عرفة: الكثير الذي يعفو (الله عز وجل عنه) لا يحصى. وهذه ~~من أرجى آية في القرآن. # وقال علي رضي الله عنه في هذه الآية: إذا كان يكفر عني بالمصائب ويعفو ~~عن كثير فماذا يبقى من ذنوبي بين كفارته وعفوه. # وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: ألا أخبركم بأرجى آية في كتاب الله؟ ~~قالوا: بلى، فقرأ: " وما أصابكم من مصيبة " الآية. # ثم قال: فالمصائب في الدنيا بكسب الأيدي، وما عفا الله عز وجل عنه في ~~الدنيا فلم يعاقب به في الدنيا فهو أجود وأمجد وأكرم أن (يعذب به) في ~~القيامة. # وروي عنه رضي الله عنه أنه قال: ما أحب أن لي بها الدنيا وما فيها. # (وقال أبو وائل: ما من مسلم يشاك بشوكة فما فوقها إلا رفعه الله بها ~~درجة، وحط عنه بها خطيئة). # ثم قال تعالى: { ومآ أنتم بمعجزين في الأرض } ، أي: وما ~~أنتم أيها الناس بمعتبين ربكم بأنفسكم هربا في الأرض حتى لا يقدر ms2301 ~~عليكم إذا أراد عقوبتكم على ذنوبكم، ولكنكم في سلطانه حيث كنتم، وتحت ~~قدرته أين حللتم، وفي مشيئته كيف تقلبتم. # ثم قال: { وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير } ~~، أي: (ليس لكم) أيها الناس ولي يليكم فيدفع عنكم عقاب الله، ولا ~~نصير ينصركم إذا أراد عذابكم. # قال المبرد: بمعجزين: بسابقين، يقال: أعجز إذا عدا فسبق. # ثم قال تعالى: { ومن آياته الجوار في البحر ~~كالأعلام } ، أي: ومن علامات الله وأدلته، وحججه عليكم أيها الناس ~~أنه قادر على تسيار السفن الجارية في البحر. # و { الجوار } ، جمع جارية وهي: السائرة في البحر. # { كالأعلام }: كالجبال، واحدها علم. # ثم قال تعالى: { إن يشأ يسكن الريح } ، أي: إن يشأ الله ألا ~~تجري هذه السفن في البحر، يسكن الرياح التي (تجري بها). # { فيظللن رواكد على ظهره } ، أي: فيصرن سواكن ثوابت ~~على ظهر البحر لا يجرين. # ثم قال: { إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور } ، أي: ~~إن في جري هذه السفن في البحر وقدرة الله على إمساكها ألا تجري بإسكانه ~~الرياح، لعظة وعبرة وحجة على أن الله قادر على ما يشاء لكل ذي صبر على ~~طاعة الله شكور نعم ربه. # ثم قال تعالى: { أو يوبقهن بما كسبوا } ، أي: يغرق هذه ~~السفن في البحر فيهلكن أي يهلك من فيهن بذنوبهم. # ثم قال: { ويعف عن كثير } ، أي: ويصفح جل ثناؤه عن كثير من ~~ذنوبكم لا يعاقب عليها. # ثم قال تعالى: { ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما ~~لهم من محيص } ، أي: ويعلم الذين يخاصمون محمدا صلى الله عليه ~~وسلم في آيات الله سبحانه [ما لهم من محيل عن عقاب الله إذا أتاهم على ~~كفرهم، قال السدي] ما لهم من محيص: من ملجأ. # قال الزجاج: " ما لهم من معدل ولا ملجأ، يقال: حاص عنه إذا تنحى عنه ". # ثم قال تعالى: { فمآ أوتيتم من شيء فمتاع الحياة ~~الدنيا } ، أي: فما أعطيتم أيها الناس من شيء من رياش الدنيا، ومن ~~المال فهو متاع الحياة الدنيا تستمتعون به في حياتكم، وليس من دار ~~الآخرة، ms2302 ولا مما ينفعكم. # { وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ~~ربهم يتوكلون } ، أي: وما عند الله لأهل طاعته، والإيمان به، ~~والتوكل عليه في الآخرة، خير مما أوتيتم في الدنيا من متاعها. # " وأبقى " ، أي: وأدوم، لأنه لا زوال عنه ولا انقطاع، ومتاع الدنيا (فان ~~وزائل) عن قليل. # ثم قال: { والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش ~~} ، أي: وهو للذين يجتنبون كبائر الإثم. # " روي عن ابن مسعود أنه قال: قلت: يا رسول الله، أي: الذنب أعظم؟ قال: " ~~أن تجعل لله ندا وهو خلقك، قلت: ثم أي؟ قال أن ~~تقتل ولدك خشية أن يأكل معك. قلت: ثم أي: قال: أن ~~تزني بحليلة جارك؛ ثم ذكر أكل مال اليتيم، ~~وقذف المحصنة، والغلول، والسحر وأكل الربا " ". # فهذا حديث مفسر في الكبائر. # وعن ابن مسعود أنه قال: الكبائر: من أول سورة " النساء " إلى رأس ثلاثين ~~آية منها إلى قوله: # وندخلكم مدخلا كريما # [النساء: 31]. # وقال ابن عباس - وقد سئل عن الكبائر - هي كل ما نهى الله تعالى / عنه. # وروي عنه أنه قال: الكبائر: " (كل ما) ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو ~~عذاب ". # وقال الضحاك: هي كل موجبة أوجب الله عز وجل لأهلها العذاب (وكل ما) يقام ~~عليه الحد فهو كبيرة. # وعن ابن عباس: " والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش " ، قال: هو الشرك ~~بالله عز وجل، واليأس من روح الله سبحانه، والأمن من مكر الله جلت عظمته، ~~ومنها: عقوق الوالدين، وقتل النفس التي حرم الله سبحانه، وقذف المحصنات، ~~وأكل (مال اليتيم)، والفرار من الزحف، وأكل الربا، والسحر، والزنا، ~~واليمين الغموس واليمين الفاجرة، والغلول، ومنع الزكاة المفروضة، وشهادة ~~الزور، وكتمان الشهادة، وشرب الخمر، وترك الصلاة عامدا، أو شيئا مما ~~افترض الله سبحانه، ونقض العهد، وقطيعة الرحم. # وقال السدي: الفواحش: الزنا. # وقوله: { وإذا ما غضبوا هم يغفرون } ، أي: إذا غضبوا على ~~من أساء إليهم غفروا وصفحوا له. ### || [42.38-45] # قوله: { والذين استجابوا لربهم } إلى قوله: { في ~~عذاب مقيم } ، أي: أجابوه حين دعاهم رسوله صلى الله عليه وسلم إلى ~~الإيمان به والعمل ms2303 بطاعته. # { وأقاموا الصلاة } يعني: المفروضة أقاموها بحدودها في ~~أوقاتها. # ثم قال: { وأمرهم شورى بينهم } ، أي: إذا عرض لهم أمر ~~تشاوروا فيه بينهم. # { ومما رزقناهم ينفقون } ، يعني: في الصدقات، وفعل الخير، ~~وفي سبيل الله عز وجل، وإخراج الزكاة المفروضة عليهم. # وقال ابن زيد: نزلت { والذين استجابوا لربهم } - الآية ~~" في الأنصار. # ثم قال تعالى: { والذين إذآ أصابهم البغي هم ~~ينتصرون } ، أي: والذين إذا بغى عليهم باغ انتصروا لأنفسهم، يعني: ~~من المشركين، قاله ابن زيد. # وقال السدي: هي في كل باغ أبيح الانتصار منه. # وقال النخعي: " كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم فيجترئ عليهم الفساق ". # وروى حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لا يحل لمسلم أن يذل نفسه. قيل: وكيف ~~يذل نفسه؟ قال: يتكلف من البلاء (ما لا يطيق) ". # ثم قال تعالى: { وجزآء سيئة سيئة مثلها } ، أي: ~~وجزاء سيئة المسيء عقوبته على ما أوجبه الله عليه. # ولهذه الآية ونظيرها أجاز الشافعي وأهل الرأي أن يأخذ الرجل من مال من ~~خانه (مثل ما خانه به من) غير رأيه. # واستدلوا على صحة ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم لهند زوج أبي ~~سفيان: # " خذي من ماله ما يكفيك وولدك ". # وأجاز لها أن تأخذ من ماله ما يجب لها من غير رأيه. # ولم يجز ذلك مالك إلا بعلمه. # وسميت الثانية " سيئة " وليس الذي (يعملها مسيئا) لأنها مجازاة على ~~الأول. فسميت باسمها وليست بها. # وروي أن ذلك: أن يجاب القائل الكلمة القذعة بمثلها. # وقال ابن أبي نجيح: هو مثل أن يقول القائل: أخزاه الله، فيقول له المجيب ~~مثل ذلك. # وقال السدي: إذا شتمك فاشتمه بمثل ما شتمك من غير أن تعدي. # قال ابن زيد: { والذين إذآ أصابهم البغي هم ~~ينتصرون } ، يعني: من المشركين، ثم قال: { وجزآء سيئة ~~سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله ~~} قال: معناه: ليس آمركم أن تعفوا عنهم لأني لا أحبهم، أي: لا أحب ~~الظالمين، يعني: المشركين، فمن فعل فالله يثيبه على ما آذاه به المشركون، ~~قال: ثم نسخ هذا كله، ms2304 وأمر بالجهاد. # والآية على القول الأول محكمة عامة، مثل قوله: # فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما ~~اعتدى عليكم # [البقرة: 194] # والمعنى: فمن عفا عمن أساء إليه فغفر له ابتغاء وجه الله سبحانه وهو ~~قادر على العقوبة فالله مثيبه. # ويكون معنى قوله: { إنه لا يحب الظالمين } على هذا القول، ~~أي: إنه لا يحب من يتعدى على الناس فيسيء إليهم بغير إذن الله عز وجل له. # ثم قال تعالى: { ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما ~~عليهم من سبيل } ، أي: ومن انتصر ممن ظلمه من بعد ظلمه إياه، ~~فلا سبيل للمنتصر منه على المنتصر بعقوبة ولا أذى، لأنهم انتصروا بحق وجب ~~لهم على من تعدى عليهم. # وقال قتادة: " هذا فيما يكون بين الناس من القصاص، فأما لو ظلمك رجل لم ~~يحل لك أن تظلمه ". # وقال الحسن: هذا في الرجل يلقيك فتلقيه، ويسبك فتسبه، ما لم يكن حدا، أو ~~كلمة لا تصلح. # وقال ابن زيد: عنى بذلك، الإنتصار من أهل الشرك. وقال: هو منسوخ. - يريد ~~نسخ بالأمر بالجهاد - قال: ونزل في أهل الإسلام # ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه ~~عداوة كأنه ولي حميم # [فصلت: 34]. # والقول الأول هو أن الآية محكمة / غير منسوخة. عنى بها كل منتصر ممن ~~ظلمه وعليه أكثر العلماء، لأن النسخ لا يحكم عليه إلا بدليل قاطع أو ~~إجماع أو نص من سنة. # ثم قال تعالى: { إنما السبيل على الذين يظلمون ~~الناس ويبغون في الأرض بغير الحق } ، أي: إنما سبيل ~~العقوبة على الذين يظلمون الناس ويتجاوزون في أرض الله عز وجل الحد الذي ~~أباح لهم ربهم فيفسدون فيها بغير الحق. # { أولئك لهم عذاب أليم } ، أي: مؤلم، يعني: في الآخرة ~~بعد عقوبة الدنيا. # وقال ابن زيد عن أبيه: هي في المشركين وهي منسوخة بقوله: # ادفع بالتي هي أحسن # [فصلت: 34]. # وكان مالك لا يرى تحليل الظالم، ويرى تحليل من لك عليه دين ومات لا وفاء ~~له به. وكان ابن المسيب لا يرى تحليله. # وقال عبيد الله بن عمير: ورب هذا البيت لا ms2305 يعذب الله عز وجل إلا مشركا ~~أو ظالما لعباده، ثم قرأ: " إنما السبيل، الآية ". # ثم قال: { ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم ~~الأمور } ، أي: ولمن صبر على إساءة من أساء إليه، وغفر للمسيء إليه ~~جرمه فلم ينتصر منه وهو قادر على ذلك ابتغاء وجه الله عز وجل وجزيل ~~ثوابه، إن ذلك الفعل منه لمن عزم الأمور، لمن أعالي الأمور التي ندب الله ~~إلى فعلها عبادة ومن أجلها، وذلك فعل الوارعين. # ثم قال: { ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده ~~} ، أي: ومن يخذله الله فلا يوفقه إلى الهدى فليس له من ولي يوليه فيهديه ~~من بعد إضلال الله له. # ثم قال: { وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون ~~هل إلى مرد من سبيل } ، هذا مثل قوله: # ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ~~ربهم ربنآ أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل ~~صالحا # [السجدة: 12] استعتبوا في غير حين استعتاب، وسألوا الرجوع إلى الدنيا ~~حين لا يقبل منهم، وبادروا إلى التوبة حين لا تنفعهم. # " ومن " في قوله: { ولمن صبر } مبتدأ، والخبر: " إن ذلك لمن عزم ~~الأمور... " الجملة. وثم محذوف، فيه ضمير يعود على المبتدأ والتقدير: ~~إن ذلك منه لمن عزم الأمور. (ومثل هذا) قول العرب: " البرقفيزان ~~بدرهم " ، أي: قفيزان منه بدرهم. والتقدير: إن ذلك لمن عزم الأمور ~~له. # ثم قال تعالى: { وتراهم يعرضون عليها خاشعين من ~~الذل } ، أي وترى يا محمد الظالمين يوم القيامة يعرضون على النار ~~خاضعين مما بهم من الذلة والخوف. # ثم قال: { ينظرون من طرف خفي } ، أي: ينظر هؤلاء الظالمون ~~إلى النار حين يعرضون عليها من طرف خفي، أي: من طرف ذليل من كثرة الخوف ~~والإشفاق لتيقنهم أنهم داخلون فيها. # قال ابن عباس ومجاهد: { من طرف خفي } ، أي: ذليل وهو اختيار ~~الطبري، قال: " وصفه الله بالخفاء للذلة التي قد ركبتهم حتى كادت أعينهم ~~تغور فتذهب ". وقال ابن جبير، يسارقون النظر من الخوف، وقاله السدي وابن ~~كعب. # وقال بعض أهل العربية: تقديره: من عين ضعيفة النظر والطرف عنده هنا ~~العين. # وقال ms2306 يونس " من " بمعنى الباء. والتقدير: بطرف خفي. # وقال: إنما قال من طرف خفي لأنه لا يفتح عينه، إنما ينظر ببعضها ~~إشفاقا. وقيل: " إنما قيل ذلك لأنهم ينظرون إلى النار بقلوبهم لا ~~بأعينهم لأنهم يحشرون عميا ". # ووقف بعض العلماء على { خاشعين }. ووقف أكثرهم على { خفي }. ~~فتكون { من } في قوله: { من الذل } إن وقفت على { خاشعين } ~~(متعلقة ب { ينظرون } ). # وإن وقفت على { خفي } كانت { من } متعلقة ب { خاشعين }. # ثم قال تعالى: { وقال الذين آمنوا إن الخاسرين ~~الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة } ، ~~أي: وقال المؤمنون يوم القيامة: إن المغبونين، الذين غبنوا أنفسهم ~~وأهليهم يوم القيامة. # قال السدي: غبنوا ذلك في الجنة. # وقال ابن عباس: هم الذين خلقوا للنار وخلقت النار لهم، خلفوا أهليهم ~~وأموالهم في الدنيا، وصاروا إلى النار فحرموا الجنة والدنيا. # وقال قتادة: خسروا أهليهم الذين أعدوا لهم في الجنة لو أطاعوا. # وقيل: لما كان المؤمنون يجتمعون مع أهليهم في الجنة وكان الكفار لا ~~يجتمعون معهم كانوا قد خسروهم. # ثم قال: { ألا إن الظالمين في عذاب مقيم } ، أي: دائم ~~ثابت لا يزول أبدا. ### || [42.46-53] # قوله تعالى: { وما كان لهم من أوليآء ينصرونهم من ~~دون الله } - إلى آخر السورة. # أي: ولم يكن لهؤلاء المشركين أولياء ينصرونهم / من عذاب الله. # ثم قال: { ومن يضلل الله فما له من سبيل } ومن يخذله ~~الله فلا يوفقه إلى الحق فما له من طريق إلى الحق، لأن الهداية والضلال ~~بيده. # ثم قال تعالى: { استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي ~~يوم لا مرد له من الله } ، أي أجيبوا أيها الناس داعي ~~ربكم واتبعوه وآمنوا به من قبل أن يأتيكم يوم لا شيء يرد مجيئه إذا جاء، ~~وهو يوم القيامة. # { ما لكم من ملجأ يومئذ وما لكم من نكير } ، ~~أي: ما لكم يوم القيامة معقل تلجؤون إليه مما نزل بكم، وما لكم من إنكار ~~لما حل عليكم ولا تغيير. # قال مجاهد: { ما لكم من ملجأ } ، أي: " محرز، { وما لكم ~~من نكير } ، أي من ناصر. فيكون نكير بمعنى: ناكر، أو: ms2307 منكر. # وقيل: المعنى في { وما لكم من نكير } ، أي: " لا تنكرون ما ~~وقفتم عليه من أعمالكم ". # قال الزجاج: معناه: ليس لكم مخلص من العذاب، ولا تقدرون أن تنكروا ما ~~توقفون عليه من ذنوبكم، (ولا ما) ينزل بكم من العذاب. # ثم قال تعالى: { فإن أعرضوا فمآ أرسلناك عليهم ~~حفيظا إن عليك إلا البلاغ } ، أي: فإن أعرض هؤلاء ~~المشركون عما جئتهم به يا محمد من الحق فلم يؤمنوا به فدعهم، فإذا لم ~~نرسلك إليهم رقيبا عليهم تحفظ أعمالهم، ما عليك إلا البلاغ لما أرسلت به ~~إليهم، فإذا بلغت قضيت ما يجب عليك. # ثم قال تعالى: { وإنآ إذآ أذقنا الإنسان منا رحمة } ~~، أي: أغنيناه ووسعنا عليه فرح بها. # { وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن ~~الإنسان كفور } ، أي: وإن يصب الإنسان فقر، أو ضيق عيش، أو علة بما ~~قدمت يداه من المعاصي - عقوبة له من الله عز وجل على فعله وعصيانه - جحد ~~نعم الله سبحانه المتقدمة عنده ويئس من الخير. # والتقدير، فإن الإنسان كفور، أي: جحود لنعم ربه، يعد المصائب ويجحد ~~النعم. # والإنسان هنا: واحد للجنس، يدل على الجمع، ولذلك قال: { وإن ~~تصبهم } ، فجمع. # ثم قال تعالى: { لله ملك السموت والأرض يخلق ما ~~يشآء } ، أي: لله سلطان السماوات والأرض يفعل في سلطانه ما يشاء ويخلق ~~ما يشاء، فيهب لمن يشاء - من عباده - الذكور من الأولاد، ويهب لمن يشاء ~~منهم الإناث، ويهب لمن يشاء منهم ذكورا وإناثا، ويمنع من يشاء من ~~الولد. فيجعله أو يجعل امرأته عقيما. # قال ابن عباس يهب لمن يشاء إناثا لا يولد له إلا الجواري، ويهب لمن ~~يشاء الذكور لا (يولد له) إلا الغلمان، أو يزوجهم ذكرانا وإناثا يولد ~~له الجواري والغلمان، فذلك تزويجهم، وهو قول الحسن وقتادة والضحاك ومجاهد ~~وغيرهم. # وقال محمد بن (الحنفية) وابن زيد في قوله (أو يزوجهم) ذكرانا وإناثا، ~~يعني التوأم، يخلق في البطن ذكرا وأنثى ويقال: رجل عقيم لا يولد له، ~~وامرأة عقيم لا تلد، وريح عقيم لا تأتي بمطر ولا خير. # ثم قال تعالى: ms2308 { إنه عليم قدير } ، أي: إن الله ذو علم بما ~~خلق، وقدرة على خلق ما يشاء. # ثم قال: { وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا ~~أو من ورآء حجاب } ، أي: وما ينبغي لبشر من بني آدم أن يكلمه ~~ربه مشافهة، ولكن وحيا يوحي إليه كيف يشاء، إما إلهاما، وإما مع ملك ~~مقرب، أو من وراء حجاب حيث يسمع كلامه ولا يراه كما فعل بموسى صلوات الله ~~عليه. # { أو يرسل رسولا } ، يعني: من الملائكة، كجبريل وشبهه. # { فيوحي بإذنه ما يشآء } ، أي: فيبلغ الملك إلى البشر ~~المرسل إليه بإذن الله عز وجل ما يشاء الله أن يبلغه إليه من أمره ونهيه ~~وخبره وما أراد. # وقال مجاهد { إلا وحيا } ، أي: إلا أن يلقي (في قلبه) ما يشاء، ~~ويلهمه ما يشاء، { أو من ورآء حجاب } كموسى، { أو يرسل ~~رسولا } كجبريل إلى محمد عليهم السلام. # وقيل: المعنى: { إلا وحيا } كما أوحى إلى الأنبياء بإرسال جبريل ~~وشبهه من الملائكة، { أو من ورآء حجاب } كما كلم موسى، { أو ~~يرسل رسولا } - يعني: من البشر - إلى الناس كافة. # وقال القتبي: { إلا وحيا }: في المنام، { أو من ورآء ~~حجاب } كما كلم موسى { أو يرسل رسولا } أي ملكا إلى النبي ~~من بني آدم فيبلغه عن الله (ما يشاء) الله أن يبلغه. # { إنه علي حكيم } ، أي: إن الله عز وجل لذو علو على كل شيء ~~واقتدار، ذو حكمة في تدبيره خلقه. # (وليس العلو في هذا وشبهه من المسافة إنما هو علو اقتدار، ورفعة حال ~~وجلالة). # ثم قال تعالى: { وكذلك أوحينآ إليك روحا من ~~أمرنا } ، أي: كما أوحينا إلى سائر الرسل قبلك، كذلك أوحينا إليك ~~رحمة من أمرنا: وحيا، وهو القرآن. # قال قتادة: روحا: رحمة. وقال السدي: روحا: وحيا. وقال ابن عباس: هو ~~النبوءة. # وقيل: المعنى: أوحينا / إليك ما تحيا به النفوس كما تحيا بثبات الروح ~~فيها، وهو القرآن وما فيه من الإيمان والمواعظ. # ثم قال تعالى: { ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان } ، ~~أي: لم تكن يا محمد تدري أي شيء الكتاب، ms2309 ولا أي شيء الإيمان للذين ~~أعطيناكهما. # ثم قال تعالى: { ولكن جعلناه نورا نهدي به من ~~نشآء من عبادنا } ، أي: ولكن جعلنا القرآن ضياء للناس يستضيء ~~بنوره من يشاء الله عز وجل ومن يوفقه، ونوره هو: العمل بما فيه. # ثم قال تعالى: { وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم } ، ~~أي: وإنك يا محمد لتهدي الناس وتدعوهم وترشدهم إلى طريق مستقيم، أي: الى ~~الحق والإسلام. # وقرأ الضحاك وحوشب: { وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ~~} بضم التاء وفتح الدال على ما لم يسم فاعله. # ثم بين الصراط وفسره فقال: { صراط الله الذي له ما في ~~السموت } ، أي: طريق الله الذي دعا إليه عباده. # وقال الضحاك: إلى صراط مستقيم، الى دين (مستقيم، دين) الله الذي له، وفي ~~ملكه وقدرته وسلطانه جميع ما في السماوات وما في الأرض. # ثم قال: { ألا إلى الله تصير الأمور } ، أي: ترد أمور جميع ~~الخلق إلى الله عز وجل يوم القيامة فيقضى بينهم بالعدل، وأمورهم (أيضا ~~في الدنيا) إلى الله سبحانه. وإنما خص ذكر يوم القيامة - هنا - لأنه يوم ~~لا يدعي فيه أحد لنفسه شيئا ولا يتجبر فيه أحد، ولا يدعي أحد ملكا ولا ~~سلطانا إلا الله سبحانه. # والدنيا فيها الجبارون والملوك والمدعون الباطل، فلذلك خص ذكر يوم ~~القيامة برجوع الأمور إليه تعالى ذكره، وإن كانت في الدنيا بيده وفي ~~حكمه وقبضته وعن مشيئته تكون، لا إله إلا هو. ### | [43 - سورة الزخرف] ### || [43.1-8] # قوله تعالى: { حم * والكتاب المبين } إلى قوله { ومضى ~~مثل الأولين } قد تقدم ذكر حم. # وقوله: { والكتاب المبين }: قسم، أي: المبين لمن تديره وفكر في ~~عبره وعظاته. # ثم قال تعالى: { إنا جعلناه قرآنا عربيا } ، أي: ~~أنزلناه بلسان العرب إذ كنتم أيها المنذرون به من العرب. # " وجعلناه " هنا، يتعدى إلى مفعولين، " فالهاء " الأول، " وقرآنا " ~~الثاني. # وهذا مما يدل على نقض قول أهل البدع: إنه بمعنى خلقنا. إذ لو كان بمعنى ~~خلقنا؟ لم يتعد إلا إلى مفعول واحد. # ومثله قوله تعالى: # الذين جعلوا القرآن عضين # [الحجر: 91]، فلو كان بمعنى " خلق " لصار المعنى أنهم ms2310 خلقوا القرآن، ~~وهذا محال. # ولم يلقهم في هذا الخطأ العظيم، والجهل الظاهر إلا قلة علمهم ~~بتصاريف اللغات وضعفهم في معرفة الإعراب. # وقوله: { لعلكم تعقلون } ، معناه: أنزلنا القرآن بلسانكم ~~لتعقلوا معانيه ومواعظه، ولم ننزله بلسان العجم فتقولوا نحن عرب، ~~وهذا كلام لا نفقه معانيه. # قال قتادة: " والكتاب المبين: مبين - والله - بركته وهداه ورشده ". ~~وقيل: المبين، أي: أبان الهدى من الضلالة، والحق من الباطل. # ثم قال تعالى: { وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي ~~حكيم } ، أي: وإن القرآن في أم الكتاب، يعني: اللوح المحفوظ: وأم ~~الكتاب: أصله. # فالقرآن مثبت عند الله جل وعز في اللوح المحفوظ، ومن اللوح المحفوظ ~~نسخ. # وقوله: { لدينا لعلي حكيم } ، أي: عندنا لذو علو ورفعة وقيل ~~معنى " علي ": قاهر لا يقدر أحد أن يدفعه ويبطله، معجز لا يؤتى ~~بمثله، حكيم أحكمت آياته ثم فصلت، فهو ذو حكمة. # وقيل: حكيم، أي: محكم في أحكامه ووصفه. # قال ابن عباس: " أو لما خلق الله عز وجل القلم: أمره أن يكتب ما يريد أن ~~يخلق. قال: فالكتاب عنده. # روى مالك عن (عمران عن) عكرمة أنه قال " أم الكتاب القرآن ". # ثم قال تعالى: { أفنضرب عنكم الذكر صفحا } " صفحا " ~~مصدر، كأنه قال: أفنصفح عنكم صفحا. # وقيل: هو مصدر في موضع الحال، كأنه قال: أفنضرب عنكم الذكر صافحين. كما ~~تقول: جاء زيد مشيا، أي: ماشيا. # ويجوز أن يكون صفحا بمعنى: ذو صفح، كما تقول: رجل عدل (ورضى أي: عادل ~~وراض)، وذو عدل وذو رضى. يقال: أضربت عنك بمعنى: أعرضت عنك وتركتك. # والمعنى: أفنعرض عنكم أيها الناس ونترككم سدى لا نذكركم بعقابنا من أجل ~~أنكم قوم مشركون. # قال مجاهد: معناه، أفتكذبون بالقرآن ولا تعاقبون. # وقال السدي: معناه: " أفنضرب عنكم العذاب ". # وقال ابن عباس: معناه: " أحسبتم أن نصفح عنكم ولما تفعلوا ما أمرتم به ~~". # وقال قتادة: (معنى): { أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن ~~كنتم قوما مسرفين } ، أي: مشركين /، والله لو كان هذا القرآن ~~" رفع حين رده أوائل هذه الأمة لهلكوا، ولكن الله عاد بعائدته ورحمته ~~فكرره عليهم فدعاهم إليه ms2311 عشرين سنة أو ما شاء الله من ذلك ". # قال الضحاك: الذكر هنا: القرآن، وقال أبو صالح: الذكر: العذاب. وقيل: " ~~الذكر: التذكير ". والمعنى: أفنترك تذكيركم بهذا القرآن فلا نذكركم به ~~عقاب الله وثوابه لأن كنتم قوما مسرفين. وهو مروي عن ابن عباس. # فيكون المعنى: فنهملكم (ونذكركم) سدى ولا نذكركم (لأنكم) كنتم قوما ~~مسرفين. # وهذا كله على قراءة من فتح " أن " ، فأما من كسر " أن " فقد رده أبو ~~حاتم وغيره، لأنهم إنما وبخوا على شيء قد ثبت ومضى؛ فهذا موضع المفتوحة ~~لأنها لما مضى. # والمكسورة معناها لما يأتي. فكيف يوبخون على شيء لم يفعلوه بعد. # والكسر عند الخليل وسيبويه والكسائي والفراء جيد حسن، ومعناه الحال عند ~~الزجاج لأن في الكلام معنى التقرير والتوبيخ. # وقال سيبويه: سألت الخليل عن (قول الشاعر وهو) الفرزدق: # أتغضب أن أذنا قتيبة حزتا # جهارا ولم تغضض لقتل ابن حازم. # فقال: هي مكسورة لأنه قبيح أن يفصل بين أن والفعل، يريد أن " أن " ~~المفتوحة لا يفرق بينها وبين الفعل وهو " حزتا ". # وأن المكسورة يجوز ذلك فيها على إضمار فعل آخر، قال الله جل ذكره: { ~~وإن أحد من المشركين استجارك } (أي: وإن استجارك أحد ~~من المشركين استجارك). فعلى هذا التقدير البيت إن كسرت والتقدير: إن ~~حزت أذنا قتيبة حزتا. # ويجوز عند كثير من النحويين أن تكسر الألف. ويكون المعنى للماضي في ~~البنية واللفظ للاستقبال. وعلى ذلك قرأ أبو عمرو، وابن كثير: # أن صدوكم عن المسجد الحرام # [المائدة: 2] بالكسر. # وعلى ذلك يتأول قول الله جل ذكره # فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا # [الكهف: 6] والكسر في هذا إجماع من القراء وتركهم للإيمان أمر قد ~~تقدم وكان. فهو - لو حمل على نظائره - في موضع المفتوحة. ولم ~~يقرأ به أحد. فدل ذلك على جواز الكسر وحسنه في هذه السورة وفي المائدة ~~(وفي غيرها) على معنى: إن وقع ذلك. وعلى ذلك اختلف القراء في قوله: # وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها # [الأحزاب: 50]. # والمشهورون من القراء على الكسر أجمعوا. # وقد قرئ بالفتح على أنه أمر ms2312 قد كان وانقضى. # والكسر على معنى: إن وقع ذلك فيما يستقبل، وعلى هذا يجوز في البيت الكسر ~~وفي (الآيات المذكورات). # ثم قال تعالى: { وكم أرسلنا من نبي في الأولين } ، ~~أي: وكثيرا أرسلنا من الأنبياء في الأمم الماضية كما أرسلناك يا محمد ~~إلى قومك. # { وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به ~~يستهزئون } ، أي: ما يأتي الأمم الماضية من نبي يدعوهم إلى الهدى ~~إلا كذبوه واستهزءوا به كما استهزأ بك قومك يا محمد. # فلا يعظمن عليك ما يفعل بك قومك، فإنما سلكوا طريق من مضى من الأمم ~~المكذبة لرسلها. # فهذا نص يسلي الله عز وجل به نبيه صلى الله عليه وسلم ويصبره على ما ~~يلقى من المكذبين له، ويعلمه أنه قد فعل ذلك بمن بعث قبله من ~~الأنبياء. # ثم قال تعالى: { فأهلكنآ أشد منهم بطشا } ، أي: فأهلكنا ~~الأمم الماضية على تكذيبهم واستهزائهم بالرسل وهم أشد من قومك قوة ~~وآثارا وتصرفا في الأرض، فلم يمتنعوا من العذاب لما أتاهم. فكذلك نصنع ~~بقومك - على نقص قوتهم عمن تقدمهم - والتقدير: فأهلكنا أمما أشد من قريش ~~بطشا، فقريش أحرى ألا يقدروا على الامتناع إذا حلت بهم العقوبة لضعفهم ~~ونقص حالهم عمن تقدم. # ثم قال: { ومضى مثل الأولين } ، أي: ومضى لهؤلاء المشركين ~~المستهزئين بك، يا محمد مثل (ما مضى للأمم) قبلهم من العقوبات إن أقاموا ~~على شركهم وتكذيبهم لك. قال قتادة: { مثل الأولين }: عقوبتنا ~~لهم. وقال مجاهد: سنتنافيهم. # وقيل: " مثل " هنا، بمعنى: صفة، أي: صفتهم بأنهم أهلكوا على كفرهم. ### || [43.9-15] # قوله تعالى: { ولئن سألتهم من خلق السموت ~~والأرض } إلى قوله: { لكفور مبين }. # أي: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين من قومك، من خلق السماوات والأرض؟ ~~{ ليقولن خلقهن العزيز العليم } ، أي: العزيز في ~~انتقامه وسلطانه، العليم بكل شيء. # ثم قال تعالى: { الذي جعل لكم الأرض مهدا } ، أي بساطا ~~فسهل عليكم / التصرف فيها من بلد إلى بلد. # { وجعل لكم فيها سبلا } ، أي: طرقا. # { لعلكم تهتدون } ، أي: كي تهتدوا في تصرفكم بتلك الطرق ~~فتتوجهوا حيث شئتم. ولولا ذلك (لم يطق) ms2313 أحد براحا من موضعه ومنشئه. # قوله: { الذي جعل لكم الأرض مهدا } ليس بمتصل بما قبله، ~~لأن ما قبله من جواب المشركين - حكاه الله عنهم. # ولو اتصل بما قبله لكان: " الذي جعل لنا الأرض ". # لكن معناه: إن الله جل ذكره وصف نفسه بنعمه بعد جواب المشركين. # فثم إضمار " هو " ، هو الذي جعل لكم الأرض مهادا، ثم وصف نعمه - نعمة ~~(بعد نعمة) - تنبيه وتقرير. # ثم قال تعالى: { والذي نزل من السمآء مآء بقدر } ، ~~أي: مطر بمقدار الحاجة بكم إليه. ولم يجعله كالطوفان فيكون عذابا يغرق، ~~(ولا جعله) قليلا (لا ينبت) به الزرع والنبات، ولكنه جعله بمقدار حاجتكم ~~إليه. # وقوله تعالى: { فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك ~~تخرجون } ، أي: فأحيينا بذلك المطر بلدا لا نبات فيه ولا زرع ~~فأنبت، فهو كالحياة له. # فكما أحيى الأرض بالمطر فأنبتت ولم يكن فيها نبات كذلك يحيي الموتى ~~بالمطر فيخرجون من قبورهم (إلى ربهم). # وروي عن ابن مسعود أنه قال: يرسل الله جل ثناؤه ماء مثل مني الرجال، ~~وليس شيء مما خلق الله من الأرض إلا وقد بقي منه شيء، فينبت بذلك الماء: ~~الجسمان واللحوم، تنبت من (الثرى والمطر)، ثم قرأ ابن مسعود: { والذي ~~نزل من السمآء مآء } - إلى - { تخرجون }. # ثم قال تعالى: { والذي خلق الأزواج كلها } ، أي: الأجناس ~~والأصناف من الخلق. # وقيل: معنى خلق كل شيء فزوجه، بأن خلق الذكور من الإناث أزواجا، وخلق ~~الإناث من الذكور أزواجا. # وواحد الأزواج على " فعل " وكان بابه أن يجمع على " أفعل " إلا ~~أنهم استثقلوا الضمة في الواو فنقلوه إلى جمع " فعل " فجمعوه على " أفعال ~~" (وبابه " أفعال " ) فشبه فعلا بفعل إذ عدد الحروف متساوية، وعلى ذلك ~~(أيضا شبهوا) " فعلا " ب " فعل " وجمعوه على " أفعل " وبابه " ~~أفعال " قالوا: زمن وأزمن. # ثم قال تعالى: { وجعل لكم من الفلك والأنعام ما ~~تركبون } يعني: السفن في البحر، والإبل والخيل والبغال والحمير في ~~البر، تركبون ذلك حيث شئتم. # ثم قال تعالى: { لتستووا على ظهوره } ، (أي: على ظهور) ما ~~تركبون، فلذلك وحدت الهاء. # وقال الفراء: معناه: على ms2314 ظهور هذا الجنس، فهو عنده بمنزلة " كثر ~~الدرهم. # والأحسن أن تكون مردودة على لفظ " ما " في قوله: { ما تركبون } و ~~" ما " مذكرة اللفظ موحدة. ومثله الهاء في قوله: { إذا استويتم ~~عليه }. وإنما أتى " ظهوره " بالجمع، لأنه رد على المعنى الواحد فيه ~~بمعنى الجمع، ورجعت الهاء على " ما " على اللفظ. # وهذا نادر قدم فيه الحمل على المعنى (على الحمل على اللفظ وباب " من " و ~~" ما " أن يقدم فيه الحمل على اللفظ قبل الحمل على المعنى) ونظيره قوله ~~تعالى: # وقالوا ما في بطون هذه الأنعم خالصة ~~لذكورنا ومحرم على أزوجنا # [الأنعام: 139] (فقدم الحمل على المعنى قبل الحمل على اللفظ. وهذا على ~~قراءة من قرأ) خالصة بتاء التأنيث، ونظيره أيضا: # كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها # [الإسراء: 38] فأنث " سيئة " حملا على معنى " كل " ، ثم قال: " مكروها ~~" فذكر، حملا على لفظ " كل ". وهو كله (نادر لم أجد) له نظيرا. # ثم قال تعالى: { ثم تذكروا نعمة ربكم إذا ~~استويتم عليه } ، أي: نعمة ربكم التي أنعم عليكم بها إذا سخر ~~لكم ما تركبون في البر والبحر. # ثم قال: { وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا } ، ~~أي: وتقولوا تنزيها لله (وبراءة له) من السوء الذي سخر لنا هذا الذي ~~ركبناه. # قال قتادة: علمكم الله كيف تقولون إذا ركبتم الفلك: تقولون: # بسم الله مجريها ومرساها إن ربي لغفور ~~رحيم # [هود: 41]، وإذا ركبتم الإبل تقولون: { سبحان الذي سخر لنا ~~هذا وما كنا له مقرنين * وإنآ إلى ربنا ~~لمنقلبون }. # وعلمكم (ما تقولون) إذا نزلتم من الفلك والأنعام جميعا، تقولون: اللهم ~~انزلنا { منزلا مباركا وأنت خير المنزلين }. # وكان طاوس إذا ركب يقول: اللهم هذا من فضلك ومنك ثم يقول: { سبحان ~~الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين * وإنآ ~~إلى ربنا لمنقلبون }. # ومعنى { مقرنين }: مطيقين، قاله ابن عباس وقتادة والسدي وابن زيد، ~~أي لم نطق على الانتفاع بهذه الأنعام إلا بك. # وحكى أهل اللغة: أقرن له، إذا أطاقه. وحكوا أنا مقرن لهذا أي: مطيق له. # وقال أبو عبيدة، مقرنين: ضابطين له. ms2315 # وحكى أنه " يقال: فلان مقرن لفلان، أي: / ضابط له ". # وقد روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كان (إذا جعل رجله في ~~الركاب يقول): بسم الله، فإذا استوى راكبا قال: الحمد لله، ثم يقول: { ~~سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ~~} اللهم لا إله إلا أنت قد عملت سوءا (وظلمت نفسي) فاغفر لي إنه لا يغفر ~~الذنوب إلا أنت. # ثم يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل كفعلي. # وقال مجاهد: من ركب ولم يقل: { سبحان الذي سخر لنا ~~هذا... } الآية، قال له الشيطان تغنه؛ فإن لم يحسن قال له ~~تمنه. # وقوله: { وإنآ إلى ربنا لمنقلبون } ، أي: ويقولون ~~أيضا هذا. ومعناه: راجعون بعد الموت، مبعوثون. # وهذا كله في معنى الأمر بذكر نعم الله عز وجل على خلقه وشكره عليها. # وقد قيل: إن التقدير: ليأمركم إذا استويتم على ظهوره أن تذكروا نعمته، ~~وهو مثل قوله: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات: 56]، أي: لأمرهم أن يعبدون، فقد أمرهم تعالى ذكره بذلك. # ثم قال تعالى: { وجعلوا له من عباده جزءا } ، يعني: ما ~~أضاف المشركون إلى الله جل ذكره من البنات تعالى عن ذلك علوا كبيرا. # ومعنى { وجعلوا } (ها هنا: ) قالوا ووصفوا، وهو قولهم: الملائكة ~~بنات الله سبحانه وتعالى، قاله مجاهد والسدي. # قال قتادة: الجزء هنا: العدل، أي: جعل له المشركون عدلا، وهي الأصنام. # وقال عطاء: جزءا، أي: نصيبا، شريكا وهو قول الضحاك والربيع بن أنس، ~~وهو معنى قول ابن عباس. وقال زيد بن أسلم: هي الأصنام. # وذكر الزجاج أن الجزء هنا: البنات وأنشد: # إن أجزت (حرة) يوما فلا عجب # قد (تجزىء الحرة المذكار أحيانا # أي: إن ولدت إناثا. # وقال المبرد: الجزء: البنت. # وقوله تعالى بعد الآية: { أم اتخذ مما يخلق بنات } ، ~~وقوله: { وجعلوا الملائكة الذين هم عباد ~~الرحمن إناثا } يدل على صحة قول مجاهد والسدي. # وقوله: { إن الإنسان لكفور مبين } ، أي: إن الإنسان لجحود ~~لنعم ربه، يتبين كفرانه للنعم لمن تأمله بفكر قلبه، وتدبر حاله. وهو ms2316 هنا ~~الكافر. ### || [43.16-25] # (قال تعالى: { أم اتخذ مما يخلق بنات } ، إلى قوله: { ~~عاقبة المكذبين } ، معناه: لم يتخذ ذلك فأنتم أيها المشركون ~~مبطلون في قولكم (تعالى عن ذلك علوا) كبيرا. # وهذا لفظ استفهام معناه التوبيخ، أي: كيف يتخذ البنات على قولكم وأنتم ~~(لا ترضونهن) لأنفسكم (أفأصفاكم واختصكم) بالبنين. # ثم قال تعالى: { وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن ~~مثلا } أي: وإذا بشر أحد هؤلاء الجاعلين لله سبحانه من عباده جزءا ~~بما وصف ربه به من اتخاذ البنات سبحانه وتعالى صار وجهه مسودا وهو كظيم، ~~أي حابس لغمه وحزنه وكربه. # قال قتادة: " وهو كظيم، أي: حزين ". # ثم قال: { أومن ينشأ في الحلية وهو في الخصام ~~غير مبين } " من " في موضع رفع بالابتداء. # ويجوز أن يكون في موضع نصب ترده على { أم اتخذ مما يخلق ~~بنات } فتبدله من البنات. # ويجوز أن يكون في موضع خفض (تبدله من " ما " ) في قوله: { وإذا ~~بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا }. # وفي جواز هذين الوجهين في البدل ضعف لدخول ألف الاستفهام قبل " من " فهي ~~تحول بين البدل والمبدل منه. # والمعنى: أجعلتم لله جزءا ممن يرى في الحلية ويتزين بها، وهو في مخاصمة ~~من خاصمه غير مبين لحجته وبرهانه لعجزه وضعفه. ففي الكلام حذف استغني عنه ~~- بدلالة ما ذكر بعده. # والتقدير: أو من ينشأ في الحلية يجعلون لله نصيبا. قال ابن عباس: عنى ~~بذلك المرأة. # وقال مجاهد: " رخص للنساء في الحرير والذهب، وهن الجواري؛ جعلوهن للرحمن ~~ولدا؛ كيف يحكمون ". # قال قتادة: " جعلوا لله البنات وهم إذا بشر أحدهم بهن ولى وجهه مسودا ~~وهو كظيم ". # وقال قتادة: وقوله: { وهو في الخصام غير مبين } يعني ~~النساء فقلما تتكلم امرأة فتريد أن تتكلم بحجتها إلا تكلمت بالحجة عليها. # وقال ابن زيد (عنى) بذلك أوثانهم التي كانوا يعبدونها من دون الله، ~~يضربونها من (فضة وذهب) ويعبدونها، فهم أنشؤوها ضربوها من تلك الحلية ثم ~~عبدوها، وهي لا تتكلم ولا تبين عن نفسها شيئا. # ثم قال تعالى: { وجعلوا الملائكة الذين هم عباد ~~الرحمن إناثا } ، أي: ms2317 ووصفوا الملائكة بهذا الوصف. # فجعل هنا بمعنى " وصف " تقول: جعلت فلان أعلم الناس /، أي: وصفته بهذا. ~~يتعدى إلى مفعول واحد (في الأصل). # ثم قال: { أشهدوا خلقهم } هذا على التقرير والتوبيخ لهم، ~~ومعناه: لم يشهدوا خلق الملائكة، فكيف تجرؤوا على وصفهم بالإناث. # ثم قال تعالى: على التهدد والوعيد لمن فعل ذلك (ولمن يقول ذلك): { ~~ستكتب شهادتهم ويسألون } ، أي: يسألون عن قولهم ~~وافترائهم يوم القيامة، ولن يجدوا إلى الاعتذار من قولهم سبيلا. # ثم قال تعالى: { وقالوا لو شآء الرحمن ما عبدناهم ~~} ، أي: وقال هؤلاء المشركون: لو شاء الرحمن، ما عبدنا أوثاننا من دونه، ~~وإنما لم تحل بنا العقوبة على عبادتنا إياها لرضاه عنا. # قال مجاهد: لو شاء الرحمن ما عبدناهم يعني الأوثان، والمعنى: هو أمرنا ~~بعبادتها، دل على ذلك: قوله: { ما لهم بذلك من علم إن ~~هم إلا يخرصون } ، أي: يكذبون. فهذا الرد عليهم لا يحتمل أن ~~يكون رد الظاهر من قولهم: { لو شآء الرحمن ما عبدناهم ~~} ، لأنه قول صحيح لا يرد ولا ينكر. كما أن قولهم - إذا سئلوا عمن خلق ~~السماوات والأرض فقالوا خلقهن العزيز العليم لا يرد ولا ينكر. # ثم قال تعالى: { ما لهم بذلك من علم } هذا مردود إلى أول ~~الآية. # والتقدير: { وجعلوا الملائكة الذين هم عباد ~~الرحمن إناثا } { ما لهم بذلك من علم } ، أي: ما ~~لهم بقولهم الملائكة إناثا من علم، وقيل: إن ذلك مردود على ما قبله، ~~والتقدير: وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدنا هذه الأوثان، ثم قال الله: ما ~~لهم بذلك من علم، أي: من عذر يقوم لهم في عبادتهم الأوثان لأنهم رأوا أن ~~ذلك عذرهم. فرد الله عز وجل عليهم. # فالمعنى: ما لهم من علم بحقيقة ما يقولون: (من ذلك)، إنما يقولونه ~~تخرصا واختراعا من عند أنفسهم لأنهم لا خبر عندهم من الله عز وجل أن ~~الله سبحانه شاء عبادتهم الأوثان، ورضي بذلك منهم. # ثم قال تعالى: { إن هم إلا يخرصون } ، أي: يخرصون ويكذبون ~~في قولهم: لو شاء الرحمن ما عبدنا هذه الأوثان. # ثم قال ms2318 تعالى: { أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به ~~مستمسكون } أي: آتينا هؤلاء المتخرصين كتابا يدل على حقيقة ما ~~يقولون فيحتجون به. # والهاء في " من قبله " تعود على القرآن. # ثم قال تعالى: { بل قالوا إنا وجدنآ ءابآءنا على ~~أمة } ، أي: لم يأتهم كتاب بعبادتهم الأوثان ولكنهم قالوا: إنا وجدنا ~~آباءنا على دين وملة، فنحن نتبع ما كانوا عليه. # وقرأ مجاهد وعمر بن عبد العزيز " على إمة " بكسر الهمزة قال الكسائي: ~~هما لغتان وقال غيره: هو مصدر أممت القوم إمة. # وحكي عن العرب: " ما أحسن إمته وعمته وجلسته ". # ثم قال: { وإنا على ءاثارهم مهتدون } ، أي: قالوا: ~~وجدنا آباءنا على دين، فنحن متبعون لما كانوا عليه. هذا كله حكاية عن ~~قريش. # ثم قال تعالى: { وكذلك مآ أرسلنا من قبلك في قرية ~~من نذير إلا قال مترفوهآ إنا وجدنآ ءابآءنا ~~على أمة وإنا على ءاثارهم مقتدون } ، أي: كما ~~قال لك (يا محمد قومك) إنهم متبعون في دينهم لما كان عليه آباؤهم كذلك ~~قال من كان قبلهم من مترفي الأمم لرسلهم الذين ينذرونهم من عقاب الله عز ~~وجل. # والمترفون: الرؤساء والأشراف منهم. فسلك قريش فعلهم سبيل من كان قبلهم ~~من الأمم المكذبة. # ومعنى " مقتدون " أي: نقتدي بفعلهم، فاتبعوهم على الكفر. # ثم قال تعالى: { قل أولو جئتكم بأهدى مما ~~وجدتم عليه آبآءكم } ، أي: قل يا محمد لهؤلاء المتبعين ما ~~وجدوا عليه آباءهم من الدين، أولوا جئتكم أيها المشركون - من ~~عند ربكم - بأهدى مما كان عليه آباؤكم من (الدين تتبعون) ما وجدتم عليه ~~آباءكم، وغيره أهدى الى الحق وأصوب منه! # ثم قال تعالى: { قالوا إنا بمآ أرسلتم به كافرون } ~~، أي: فقال محمد صلى الله عليه وسلم ذلك لهم فقالوا: إنا بما أرسلتم به ~~كافرون، أي: جاحدون منكرون. # وجمع في قوله: " أرسلتم " لأن من كذب نبيا فقد كذب جميع الأنبياء. # ثم قال تعالى: { فانتقمنا منهم } ، أي: فانتقمنا من هؤلاء ~~الذين كذبوا رسلهم، فانظر يا محمد كيف كان عاقبة المكذبين، فكذلك ننتقم ~~من قومك إن تمادوا على تكذيبك. ### || [43.26-32] ms2319 # قوله تعالى: { وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني ~~برآء } - إلى قوله - { خير مما يجمعون } ، " براء " مصدر ~~فلا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث. تقول: نحن البراء منك، وهي البراء منك. # والمعنى / أنني ذو البراء منك، ونحن ذو البراء كما تقول: رجل عدل، ~~(وامرأة عدل، وقوم عدل)، أي: ذوو عدل. ونظيره: # ولكن البر من آمن # [البقرة: 177]، أي: ولكن ذو البر. # وقرأ ابن مسعود: " إنني بريء " على " فعيل ". فتجوز التثنية والجمع ~~والتأنيث على هذه القراءة. # وجمعه في التكسير: " برآء " (ك " كرماء " ). # وحكى الكوفيون " براء " على حذف الياء وهو شاذ. # وقوله: { إلا الذي فطرني } ، هذا استثناء من قوله " مما ~~تعبدون ". # ويجوز أن يكون استثناء ليس من الأول منقطعا. # ومعنى الآية: واذكر يا محمد إذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إذ كانوا يعبدون ~~ما يعبد قومك: إنني براء مما تعبدون من دون الله، إلا من الذي فطرني، أي: ~~خلقني، فإني لا أبرأ منه. # { فإنه سيهدين } ، أي سيقونا للحق في ديني. # ثم قال تعالى: { وجعلها كلمة باقية في عقبه }. # قال قتادة: الكلمة هي شهادة ألا إله إلا الله، لم يزل في ذريته من ~~يقولها من بعده، وقاله السدي، وقال ابن زيد: الكلمة: الإسلام، وهو قوله: # أسلمت لرب العالمين # [البقرة: 131]. # وقال: # هو سماكم المسلمين من قبل # [الحج: 78]، وقال: # واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنآ أمة ~~مسلمة # [البقرة: 128]. # والضمير في قوله: { وجعلها } عائد على قوله: { إلا الذي ~~فطرني } وضمير الفاعل يعود على الله جل ذكره، أي: وجعلها الله سبحانه ~~كلمة باقية في عقب إبراهيم، فلا يزال من ولد إبراهيم من يوحد الله. # وقيل: الضمير المرفوع يعود على إبراهيم، أي: وجعل إبراهيم الكلمة باقية ~~في عقبه، أي: عرفهم التوحيد والبراءة من كل معبود سوى الله وأوصاهم به، ~~وهو قوله: # ووصى بهآ إبراهيم بنيه ويعقوب... # [البقرة: 132] الآية. فتوارثوا ذلك فلا يزال من ذريته موحد لله. # ويقال عقب وعقب، بمعنى واحد. والعقب هنا: الولد في قول مجاهد. # وقال ابن عباس: العقب هنا من يأتي بعده. # وقال السدي: في عقب إبراهيم: آل محمد صلى ms2320 الله عليه وسلم. # وقال ابن شهاب: العقب: " الولد، وولد الولد ". # وقال ابن زيد: " عقبه: ذريته ". # وقوله: { لعلهم يرجعون } ، معناه يرجعون إلى طاعة ربهم ~~ويتوبون إليه. # { قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني برآء مما ~~تعبدون * إلا الذي فطرني فإنه سيهدين * ~~وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون } ~~، أي: قال لهم ذلك لعلهم يتوبون عن عبادة غير الله. ففي الكلام تقديم ~~وتأخير. # ثم قال تعالى: { بل متعت هؤلاء وآبآءهم حتى ~~جآءهم الحق ورسول مبين } ، أي: بل متعت يا محمد هؤلاء ~~المشركين من قومك ومتعت آباءهم من قبلهم بالحياة ولم أعاجلهم ~~(بالعقوبة على كفرهم حتى جاءهم الحق، يعني: القرآن، ورسول مبين، يعني: ~~محمد صلى الله عليه وسلم، لم أعاجلهم)، بالعذاب حتى أنزلت عليهم كتابا ~~وبعثت فيهم رسولا يعرفونه، يبين لهم الحجج والبراهين ويبلغ اليهم ما ~~أرسل به. # ثم قال تعالى: { ولما جآءهم الحق قالوا هذا سحر ~~وإنا به كافرون } ، أي: ولما جاء هؤلاء المشركين القرآن ~~إعذارا وإنذارا، ورسول منهم يبين ما أرسل به ويبلغه إليهم، قالوا: هذا ~~الذي جاءنا به سحر، وليس بوحي من عند الله، وقالوا إنا به جاحدون، أي: ~~ننكر أن يكون من عند الله. # ثم قال تعالى: { وقالوا لولا نزل هذا القرآن على ~~رجل من القريتين عظيم } ، أي: وقال مشركو قريش هلا نزل ~~هذا القرآن الذي جاءنا به محمد على رجل من القريتين، (أي: القريتين، ثم) ~~حذف، مثل: # وسئل القرية # [يوسف: 82]، يعنون الوليد بن المغيرة المخزومي من أهل مكة، وحبيب بن ~~عمرو الثقفي من أهل الطائف، قاله ابن عباس. # وقيل: التقدير: من إحدى القريتين، ثم حذف. # وقال مجاهد: هما: عتبة بن ربيعة من مكة، وابن عبد ياليل من الطائف. # وقال قتادة: هما: الوليد بن المغيرة من أهل مكة و (عتبة بن مسعود من أهل ~~الطائف. # وقيل هو) عروة بن مسعود من أهل الطائف، والوليد بن المغيرة من أهل مكة، ~~قاله ابن زيد. # وقال السدي: هما الوليد بن المغيرة من أهل مكة، وكنانة (ابن عبد بن عمرو ~~بن) عمير من أهل الطائف. ms2321 # وعن مجاهد أنهما: عتبة بن ربيعة من أهل مكة، وأبو مسعود الثقفي من أهل ~~الطائف، واسم أبي مسعود (عمير بن عمر) بن مسعود. # وقيل: هما الوليد بن المغيرة من أهل مكة، وأبو سعيد عمر بن عمير الثقفي ~~سيد ثقيف. # ثم قال تعالى: { أهم يقسمون رحمت ربك } (أي: أهؤلاء ~~القائلون هلا نزل القرآن على أحد رجلي القريتين يقسمون رحمة ربك) يا محمد ~~بين خلقه، فيجعلون إكرامه لمن شاءوا، وعند من أرادوا، بل الله يقسم ذلك ~~فيعطيه من أراد، ويحرمه من شاء. # قال ابن عباس: لما بعث الله جل ذكره محمدا صلى الله عليه وسلم أنكرت ~~العرب ذلك، وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله / بشرا مثل محمد، فأنزل ~~الله جل ذكره: # أكان للناس عجبا أن أوحينآ إلى رجل منهم ~~أن أنذر الناس # [يونس: 2] وقال: # ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم ~~فاسألوا أهل الذكر # [النحل: 43]، يعني: أهل الكتب الماضية فيخبرونكم أن الرسل التي كانت ~~تأتي، بشر مثلكم، فلا يجب لكم أن تنكروا إرسال مثل محمد إليكم، إذ هو بشر ~~مثلكم. وقال: # ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم ~~من أهل القرى # [يوسف: 109]، أي ليسوا من أهل السماء كما قلتم فال: فلما كرر (عليهم ~~تعالى) الحجج، قالوا: فإن كان بشرا فغير محمد أحق بالرسالة فلولا نزل ~~هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم، أي: كل واحد منهما أشرف من محمد في ~~المال والذكر، يعنون: الوليد بن المغيرة المخزومي - وكان يسمى ريحانة ~~قريش - من أهل مكة، ومسعود بن عمرو بن عبيد الثقفي من أهل الطائف، فقال ~~الله: { أهم يقسمون رحمت ربك } ، أي: ربك يا محمد يفعل ~~ما يشاء. # قال تعالى: { نحن قسمنا بينهم معيشتهم في ~~الحياة الدنيا } ، أي: نحن نقسم الرحمة بين من شئنا من خلقنا ~~فنجعل من شئنا نبيا، ومن شئنا مؤمنا، ومن شئنا كافرا، كما قسمنا بينهم ~~معيشتهم التي يعيشون فيها في دنياهم، فجعلنا بعضهم أرفع من بعض، فوسعنا ~~على بعض وضيقنا على بعض، وجعلنا بعضهم ملوكا وبعضهم مملوكين. ms2322 # { ليتخذ بعضهم بعضا سخريا } ، أي: جعلنا بعضهم حرا ~~وبعضهم مملوكا، وبعضهم غنيا وبعضهم فقيرا ليستخدم بعضهم بعضا بأجرة ~~وقد كانوا بني آدم كلهم. # وقيل: إنها مخصومة في المماليك، روى ذلك عن ابن عباس، أي: فضل بعضهم على ~~بعض فجعل بعضهم مالكا وبعضهم مملوكا. # ثم قال تعالى: { ورحمت ربك خير مما يجمعون } ، ~~يعني: الجنة خير مما يجمعون في دنياهم من الأموال. ### || [43.33-38] # قوله تعالى: { ولولا أن يكون الناس أمة واحدة } - ~~إلى قوله - { فبئس القرين } ، أي: ولولا أن يكون الناس كلهم ~~(كفارا) لجعل الله لبيوت من يكفر سقفا من فضة، ولكن لم يفعل ذلك ليكون ~~في الخلق مؤمنون وكافرون على ما تقدم في علم الله عز وجل وتقديره فيهم. # وقيل: المعنى: لولا أن يميل الناس كلهم إلى طلب الدنيا ورفض الآخرة لجعل ~~الله لبيت الكافر سقفا من فضة، ومن وحد السقف فعلى إرادة الجمع. # يدل الواحد على الجمع كما نقول: زيد كثير (الدرهم والدينار) وكثير الشاة ~~والبعير. فيرد الواحد على الجنس كله. # وقيل: المعنى عند من وحد: لجعلنا لبيت كل من كفر بالرحمن سقفا. فوحد ~~على المعنى. # وقيل: المعنى: لولا ما قدرنا من اختلاف الأرزاق في الناس فيكون في ~~المؤمنين غني وفقير، وفي الكافرين مثل ذلك لجعلنا من يكفر بالرحمن أغنياء ~~كلهم. # ففي هذا الفعل تنبيه على تحقير الدنيا وتصغير ما فيها. # ومن قرأ بالجمع فإنه حمل على اللفظ، فجمع السقف لجمع البيوت، وجمع السرر ~~والأبواب، وهو جمع سقيفة، كقطيفة وقطف. # وقيل: هو جمع الجمع، كأنه جمع " سقفا " على " سقوف ". كفلس ~~وفلوس. ثم جمع سقوفا على سقف كحمار وحمر. # وقال أبو عبيدة: (سقف جمع كرهن ورهن، ورهن عند أكثر النحويين ~~إنما هو جمع رهان، ورهان جمع رهن فرهن أيضا، جمع جمع. # وجعل الله السقوف للبيوت كما جعل الأبواب للبيوت. # فهو يدل على أن السقف لا حق لرب العلو فيه، وهو قول مالك ~~وأصحابه. # وتحقيق المعنى في الآية أن الله جل ذكره أراد تهوين أمر الدنيا وأنها لا ~~قيمة لها، فقال: لولا أن ms2323 يميل الناس كلهم إلى الدنيا ويتركوا الآخرة ~~لأعطينا الكافر من الدنيا أفضل مراده، وذلك لهوان الدنيا عليه، إذ هي شيء ~~زائل مضمحل. # وقال الكسائي: معناها لولا إرادتنا أن يكون في الكفار غني وفقير، وفي ~~المسلمين مثل ذلك لأعطينا الكفار من الدنيا أن نجعل سقوف بيوتهم من فضة ~~وذلك لهوان الدنيا عند الله، وقال الفراء: لبيوتهم: على بيوتهم. # قال الشعبي: سقفا من فضة، أي: جذوعا. ومعارج، أي: درجا من فضة. ~~عليها يظهرون، أي: يصعدون على السقف والغرف. # وقال ابن زيد وغيره: المعارج: درج من فضة. # وقوله: { ولبيوتهم أبوابا } ، يعني: من فضة. # { وسررا } ، أي: من فضة عليها يتكئون، قاله ابن زيد وغيره. # وقوله: { وزخرفا } ، أي: ولجعلنا لهم مع ذلك زخرفا، يعني: الذهب، ~~قاله ابن عباس والحسن وقتادة والسدي والضحاك وقال ابن زيد: الزخرف: ما ~~يتخذه الناس في منازلهم من الفرش والأمتعة والأثاث. # وقال مجاهد: كنت لا أدري ما الزخرف حتى وجدته في قراءة عبد الله ذهبا. # والزخرف في اللغة: الزينة، يقال: زخرف داره، أي: زينها. والتقدير في ~~الآية عند من جعل الزخرف الذهب: لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا ~~من فضة ومن زخرف. ثم حذف " من " فنصب الزخرف. # قال الطبري: لو كانت القراءة في الزخرف بالخفض لكان حسنا على معنى: / ~~من فضة ومن زخرف. # وقيل التقدير: وجعلنا لهم زخرفا - بغير حذف حرف خفض - وهو أقوى وأحسن. # والمعارج: الدرج، وجمعت على مفاعل وواحدها معراج، وكان حقها معاريج ~~بالياء، كمناديل جمع منديل، لكنها جمعت على الواحد معرج وهي لغة، يقول: ~~(معرج ومعراج) كمفتح ومفتاح. # ولذلك تقول في جمع مفتح: (مفاتح، وإن شئت)، مفاتيح على جمع ~~مفتاح. # ثم قال تعالى: { وإن كل ذلك لما متاع الحياة ~~الدنيا } هذا تقليل وتصغير لأمر الدنيا، إذ هي زائلة عن قليل، ولا ~~خير في شيء لا يدوم. # والمعنى: وما كل ما تقدم ذكره من (الفضة والذهب) والسرر إلا مسافة متاع ~~يستمتع به أهل الدنيا في دنياهم. # { والآخرة عند ربك للمتقين } ، أي: وزينة الآخرة ~~ونعيمها خير عند ربك لمن اتقاه ms2324 فجد في طاعته وتجنب ~~معاصيه. # والمعنى: وثواب الآخرة وجزاء الآخرة خير عند ربك للمتقين. واللام (من و ~~" لما " ) عند الكوفيين بمعنى إلا، وهي لام التوكيد عند البصريين. و " ما ~~". زائدة، وقيل: هي بمعنى: " شيء ". # ثم قال تعالى: جل ذكره: { ومن يعش عن ذكر الرحمن ~~نقيض له شيطانا فهو له قرين } ، أي: ومن يعرض عن ~~الإيمان بما أنزل الله عز وجل من كتابه. هذا قول قتادة، وهو قول الفراء، ~~وقال المبرد: " يعش: يتعامى ". # ومنه قول الشاعر: # متى تأته تعشو إلى ضوء ناره # (تجد خير نار عندها خير موقد) # وقيل: معنى (يعش: يعم)، روي ذلك عن ابن عباس. # ولا يصح على هذا المعنى (إلا بفتح) الشين. # يقال: عشى يعشى عشى، إذ قرب من العمى. # والأعشى: الذي قد ركب بصره ضعف وظلمة. ومنه يقال: جاء فلان إلى ~~فلان يعشو، إذا جاءه ليلا لما يركب بصره من الظلمة. # وعلى ذلك أيضا يتأول قول الشاعر. # متى تأته تعشو إلى ضوء ناره # (تجد خير نار عندها خير موقد) # أي: متى تأتيه ليلا. # وحكى بعض أهل اللغة: عشى عن ذكر الله، إذا لم ينتفع به، كما أن الأعشى ~~لا ينتفع بكل بصره في الضوء. # ويقال: عشى يعشى، إذا صار أعشى. وعشا يعشو إذا لحقه ما يلحق الأعشى، وهو ~~من ذوات الواو لقولهم: امرأة عشواء. فالياء هي عشى منقلبة من واو. ولذلك ~~قال النحويون: العشا في البصر يكتب بالألف. # فتحقيق معنى الآية: ومن لا ينظر في حجج الله عز وجل وأدلته ييسر الله له ~~شيطانا، فهو له قرين. # قال قتادة: إذا أعرض عن ذكر الله سبحانه يقيض له الله عز وجل قرينا من ~~الشياطين. قال السدي: ومن يعش: من يعرض. # وقال ابن عباس وابن زيد: ومن يعش: يعم. # ثم قال تعالى: { وإنهم ليصدونهم عن السبيل } ، أي: ~~وإن الشياطين ليصدون هؤلاء الذين يعرضون عن ذكر الله سبحانه فيحببون لهم ~~الضلالة، ويحسب هؤلاء الكفار الضالون أنهم على هدى في قبولهم ما تأمرهم ~~به الشياطين. # ثم قال: { حتى إذا جآءنا } ، يعني: ms2325 الكافر وقرينه من الشياطين. ~~ومن وحد " جاء " أراد الكافر وحده، وقد علم أن شيطانه ملازم له ~~فاستغنى عن ذكره. # ثم قال تعالى: { يليت بيني وبينك بعد المشرقين } ~~، أي: حتى إذا جاء الكافر وقرينه من الشياطين: قال الكافر للشيطان حين ~~أورده النار: يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين، يعني مشرق الشتاء ومشرق ~~الصيف. # وقيل: عنى بذلك المشرق والمغرب، وثنى بلفظ ( " مشرق " كما) قيل: سيرة ~~العمرين في أبي بكر وعمر. # قال الله جل ثناؤه: { فبئس القرين } ، أي: فبيس الشيطان قرينا ~~لمن قارنه لأنه يورده إلى النار. ### || [43.39-47] # قوله تعالى: { ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم } - إلى ~~قوله: - { فلما جآءهم بآياتنآ إذا هم منها يضحكون ~~} ، أي: ولن ينفعكم اشتراككم في العذاب، (أي: لن يخفف) عنكم ما أنتم فيه ~~من العذاب لاشتراككم فيه، بل كل واحد منكم يناله نصيبه من العذاب. ~~فحرم الله عز وجل أهل النار هذا المقدار من التأسي فلا راحة لهم في ~~شيء، حتى في التأسي لا راحة لهم فيه. # ثم قال تعالى: { أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ~~ومن كان في ضلال مبين } ، أي: أفأنت يا محمد تسمع من أصمه ~~الله عن سماع الهدى على شريطه الانتفاع به، أو تهدي من أعمى الله قلبه ~~وبصره على أن يرى ما يهتدي به، أو تهدي من هو في جور عن الحق بعيد عن ~~الصواب، ليس ذلك إليك يا محمد إنما هو إلى الله عز وجل الذي يوفق من يشاء ~~فيهتدي بتوفيقه إياه، ويخذل من يشاء فيضل بخذلانه إياه. # ثم قال تعالى: { فإما نذهبن بك فإنا منهم ~~منتقمون }. # قال الحسن: هي في أهل الإسلام ممن بقي بعد النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: لقد كانت بعد نبي الله صلى الله عليه وسلم نقمة شديدة فأكرم الله عز ~~وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أن يريه في أمته ما كان من النقمة بعده. # وقال قتادة: لم تقع النقمة، بل قد أذهب الله نبيه ولم ير في أمته إلا ~~الذي تقر به عينه. قال / وليس من ms2326 نبي إلا وقد رأى في أمته ما لا يشتهي. # قال قتادة: ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أري ما يصيب أمته ~~بعده، فما زال منقبضا ما استبسط ضاحكا حتى لقي الله جل ذكره. # وقال السدي: هذه الآية عني بها أهل الشرك من قومه صلى الله عليه وسلم، ~~وقد أراه النقمة فيهم وأظهره عليهم. # فالمعنى: فإن نذهب بك يا محمد من بين أظهر هؤلاء المشركين، فإنا منهم ~~منتقمون كما فعلنا ذلك بالأمم المكذبة قبلهم، أو نريك الذي وعدناهم من ~~النقمة منهم وإظهارك عليهم، فإنا عليهم مقتدرون. # ومعنى: الذي وعدناهم: الذي وعدناك فيهم من النصر. # وقيل: هو راجع إلى قوله: # والآخرة عند ربك للمتقين # [الزخرف: 35]. # فيكون المعنى: أو نريك الذي وعدنا المتقين من النصر. # ثم قال تعالى: { فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك ~~على صراط مستقيم } يعني القرآن، أي: الزمه واعمل بما فيه أنت ~~ومن آمن بك. # ثم قال: { وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون ~~} ، أي: وإن هذا القرآن لشرف لك ولقومك، يعني: قريشا، وسوف تسألون عن ~~الشكر على ما فضلكم به من إنزال كتابه عليكم. # وقيل: المعنى: وسوف تسألون عما عملتم فيه من قبولكم لأوامره ونواهيه. # ثم قال تعالى: { وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنآ ~~أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون } ، يعني: اسأل ~~يا محمد أهل الكتابين عن ذلك. فالتقدير: وأسال من أرسلنا إليهم قبلك ~~رسلنا. و " من " زائدة. # وفي قراءة ابن مسعود: وسئل الذين ارسلنا من قبلك من رسلنا، هذا قول ~~مجاهد والسدي، وقال قتادة: معناه: سل يا محمد أهل التوراة والإنجيل هل ~~جاءتهم الرسل إلا بالتوحيد. وقال الضحاك، أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~أن يسأل مؤمني أهل الكتاب. # وقال ابن زيد: أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يسأل الأنبياء عن ذلك ~~ليلة جمعوا له في الإسراء إلى بيت المقدس. فكان النبي صلى الله عليه ~~وسلم أشد إيمانا ويقينا أن الله عز وجل لم يأمر بعبادة غيره من أن ~~يحتاج أن يسأل احدا. " فمن " على هذا ms2327 القول غير زائدة. # " ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل عليه ذلك قال له جبريل: سل ~~يا محمد الأنبياء الذين أريتهم في الإسراء قال: " لا أسأل قد ~~اكتفيت " ". # فالمعنى: على هذا القول: (إنه يا محمد) سيسري بك ربك فأسأل الرسل هل أمر ~~الله عز وجل أن يعبد غيره. # وقيل: تقدير الآية: واسأل يا محمد أمم من أرسلنا قبلك (من رسلنا)، ثم ~~حذف المضاف. # فيكون المسؤول أهل الكتابين وغيرهم من جميع الأمم، أي: سلهم هل وجدوا في ~~كتبهم أن الله عز وجل أمر أن يعبد معه غيره. # والتقدير في الآية عند ابن قتيبة: واسأل من أرسلنا إليه قبلك رسلا من ~~رسلنا، فحذف " إليه " لأن في الكلام ما يدل عليه فالخطاب عنده للنبي صلى ~~الله عليه وسلم والمراد: المشركون. وحذف رسلا لأن { من رسلنآ } ~~يدل عليه كما قال: # كأنك من جمال بني أقيش. # أي: كأنك جمل من جمال بني أقيش، وحذف " إليه " عند أهل العربية بعيد ~~في القياس. # وقيل: المعنى: " سلنا عن الأنبياء الذين أرسلناهم قبلك ". # ويتم الكلام على " رسلنا " و " عن " محذوفة، ثم ابتدأ بالاستفهام على ~~طريق الإنكار، أي: ما جعلنا آلهة تعبد من دون الله. # وأخبر الآلهة كما يخبر عمن يعقل، فقال: " يعبدون " ولم يقل " تعبد " ولا ~~" يعبدون " ، لأن الآلهة جرت عندهم مجرى من يعقل فعظموها كما يعظمون ~~الملوك فأجرى الخبر عنها مجرى الخبر عن من يعقل. # ثم قال تعالى: { ولقد أرسلنا موسى بآيتنآ إلى ~~فرعون وملإيه فقال إني رسول رب العلمين } ، ~~أي: ولقد أرسلنا موسى بالحجج والآيات إلى أشراف قوم فرعون وآل فرعون كما ~~أرسلناك يا محمد إلى قومك. فقال لهم موسى: إني رسول رب العالمين. # فلما جاءهم موسى بآياتنا وأدلتنا إذا هم منها يضحكون، أي: يهزءون ~~ويسخرون كما فعل بك قومك يا محمد. # وهذا كله تسلية وتصبير للنبي صلى الله عليه وسلم على ما ناله من قومه، ~~فأعلمه أن ما نزل به من قومه قد نزل بمن كان قبله من الأنبياء فندبه ~~تعالى إلى الصبر فقال: ms2328 # فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل # [الأحقاف: 35]. ### || [43.48-54] # قوله تعالى: { وما نريهم من آية إلا هي أكبر من ~~أختها } إلى قوله - { إنهم كانوا قوما فاسقين } ، أي: ~~وما نرى آل فرعون من حجة على صدق ما جاءهم به موسى إلا هي أكبر من أختها، ~~أي: هي أبين وآكد عليهم في الحجة من التي مضت قبلها. # ثم قال: { وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون } ، أي: ~~(وأخذنا آل) فرعون بالجدب والسنين والجراد والقمل والضفادع والدم، لعلهم ~~يتوبون إلى الله عز وجل ويتركون الكفر. / # ثم قال: { وقالوا يأيه الساحر ادع لنا ربك بما ~~عهد عندك إننا لمهتدون } ، أي: وقال فرعون وملأوه لموسى ~~لما مسهم الضر بالجراد والقمل والضفادع والدم والسنين: يا أيها الساحر ~~ادع لنا ربك بعهده الذي عهد إليك إنا آمنا بك واتبعناك إن كشف عنا الرجز. # وإنما خاطبوه بالساحر وهم يسألونه أن يدعو الله لهم ويعدوه بالإيمان، ~~لأن الساحر عندهم: العالم، ولم يكن الساحر عندهم ذما، فكأنهم قالوا له: ~~يا أيها العالم. # وقيل: خاطبوه بذلك على عادتهم معه، ووعدوه أنهم سيؤمنون به فيما يستقبل، ~~ومعنى: إننا لمهتدون، أي: إننا لمتبعوك ومصدقوك إن كشفت عنا العذاب. # ثم قال تعالى: { فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ~~ينكثون }. في الكلام حذف، والتقدير: فدعا موسى ربه أن يكشف عنهم ~~العذاب فكشفه الله عنهم. فلما كشفه عنهم نكثوا وعدهم وتمادوا على كفرهم ~~وتكذيبهم لموسى فنقضوا العهد الذي عاهدوا موسى عليه إن كشف الله عنهم ~~العذاب. # قال قتادة: ينكثون: يغدرون. # ثم قال تعالى: { ونادى فرعون في قومه } الآية، أي: ونادى ~~فرعون في قومه من القبط { قال يقوم أليس لي ملك مصر ~~وهذه الأنهار تجري من تحتي } ، أي: من بين يدي في ~~الجنات. # قال قتادة: تجري من تحتي، قال: كانت له جنات وأنهار ماء. # وقوله: { أفلا تبصرون }: (معناه: أفلا تبصرون أيها) القوم ما ~~أنا فيه من النعيم والملك وما فيه موسى من الفقر وعي اللسان. # وقدره الأخفش: " أفلا تبصرون، أم تبصرون " ، وقدره الخليل وسيبويه: " ~~أفلا تبصرون، أم أنتم بصراء ". # ويكون ms2329 " أم أنا خير " بمعنى: أم أنتم بصراء، لأنهم لو قالو له أنت خير ~~لكانوا عنده بصراء. # وقوله: { أم أنآ خير من هذا الذي هو مهين ولا ~~يكاد يبين } ، أي: قال فرعون لقومه: بل أنا خير من موسى الذي هو ~~مهين لا عز له ولا ملك ولا مال يمتهن نفسه في حاجته. # " ولا يكاد يبين " ، (أي: لا يبين) كلامه، للعقدة التي كانت فيه. # قال أحمد بن جعفر: تقف على " أفلا تبصرون " ، ثم تبتدئ " أم أنا خير " ، ~~بمعنى: بل أنا خير. # قال أبو عبيدة: مجاز " أم " هنا، مجاز " بل ". # وقال يعقوب: الوقف: " أفلا تبصرون أم " ويبتدئ: " أنا خير ". وروى عن ~~مجاهد أنه قال: " أفلا تبصرون أم " انقطع الكلام ثم قال: " أنا خير من ~~هذا الذي هو مهين " ، وكذلك روي عن عيسى بن عمر. # والتقدير على هذا الوقف: أفلا تبصرون أم تبصرون فيتم الكلام. # ثم حذف " تبصرون " الثاني لدلالة الأول عليه فتقف على " أم " لأنها ~~منتهى الكلام. # وقيل: إن من وقف على " أم " جعلها زائدة، وكأنه وقف على " تبصرون " من ~~قوله: " أفلا تبصرون ". # ولا يتم الكلام على " تبصرون " عند الخليل وسيبويه لأن " أم " تقتضي ~~الاتصال بما قبلها. وقوله: " أنا خير من هذا الذي هو مهين " مع " أم " في ~~موضع قوله: أم أنتم بصراء. # ثم قال تعالى: حكاية عن قول فرعون: { فلولا ألقي عليه ~~أسورة من ذهب } ، أي: فهلا كان في يد موسى أساورة ذهبا وواحد ~~الأساورة: إسوار. # وفي قراءة أبي: أساور من ذهب. # فهذا يدل على أن الواحد إسوار. ولكن لما دخلت الهاء في أساورة حذفت ~~الياء لأنهما يتعاقبان في هذا النحو، نحو: دهاقين ودهاقنة، (وجحاجيح ~~وجحاحجة)، وزناديق وزنادقة، الهاء عوض من الياء، والواحد دهقان وجحجاح ~~وزنديق، وحسن انصرافه لدخول هاء التأنيث فيه. # وقال الزجاج: إنما انصرف لأن له في الواحد نظيرا نحو علانية وعباقيه. ~~وفيه ثلاث لغات حكاها الكسائي وغيره، يقال: إسوار وسوار وسوار ~~بمعنى. # وقيل: إن أساورة يجوز (أن يكون) جمع أسورة، وأسورة جمع سوار وسوار. # والعرب تسمي الرجل الحاذق بالرمي ms2330 (بأسوار) إذا كان من رجال العجم. # وقوله: { أو جآء معه الملائكة مقترنين }. # هذا من قول فرعون، أي: لو كان موسى صادقا لجاء معه الملائكة، قد اقترن ~~بعضهم ببعض متتابعين، يشهدون بصدقه فيما يقول. # قال مجاهد: مقترنين: " يمشون معه ". # وقال قتادة: مقترنين: متتابعين، وقال السدي: " يقارن بعضهم بعضا ". # قال الله: { فاستخف قومه فأطاعوه } ، أي: فاستخف فرعون ~~عقول قومه من القبط بقوله، فقبلوا منه فأطاعوه على الكفر وتكذيب موسى. # { إنهم كانوا قوما فاسقين } ، أي: خارجين عن طاعة الله ~~سبحانه بكفرهم وتكذيبهم لموسى وتركهم قبول ما جاءهم به. ### || [43.55-61] # قوله تعالى: { فلمآ آسفونا انتقمنا منهم } - إلى قوله -: ~~{ صراط مستقيم } أي: فلما أغضبونا حلت بهم العقوبة فأغرقوا في ~~البحر / أجمعين. # قال مجاهد وقتادة والسدي وابن زيد: آسفونا: أغضبونا. # وعن ابن عباس: " آسفونا: أسخطونا ". وعنه: أغضبونا. # ثم قال تعالى: { فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين }. ~~السلف، جمع سالف، كخادم وخدم، وتابع وتبع، وغائب وغيب. ~~والعرب تقول: هؤلاء سلفنا. # وقرأ الكسائي وحمزة: " سلفا " بضمتين وهو جمع سليف حكاه الفراء. # وقرأ حميد الأعرج: " سلفا " بضم السين وفتح اللام، وجمع سلفة، ~~والسلفة: الفرقة المتقدمة. # والمعنى: فجعلنا هؤلاء الذين أغرقنا مقدمة يتقدمون إلى النار كما سنفعل ~~بكفار قومك يا محمد. # وقيل: المعنى: فجعلنا قوم فرعون سلفا لكفار قومك يا محمد يتقدمونهم إلى ~~النار: قاله مجاهد. # وقوله: { ومثلا للآخرين } ، أي: عبرة وعظة لمن يأتي بعدهم. # ثم قال تعالى: { ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك ~~منه يصدون } ، أي: ولما شبه الله عز وجل عيسى في إحداثه إياه من ~~غير فحل بآدم إذا قومك يا محمد منه يضحكون ويقولون: ما يريد محمد منا إلا ~~أن نتخذه إلها كما اتخذت النصارى المسيح، قاله مجاهد. # " وقال ابن عباس لما قال الله عز وجل لقريش: { إنكم وما ~~تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها ~~واردون } ، قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم فما ابن مريم؟ فقال: ~~ذلك عبد الله ورسوله: فقالوا: والله ما يريد هذا إلا أن نتخذه ربا كما ~~اتخذت النصارى عيسى ابن مريم ms2331 ربا. فقال الله: { ما ضربوه لك ~~إلا جدلا بل هم قوم خصمون } ". # وقيل: إن الآية نزلت في ابن الزبعرى، وذلك أنه لما أنزل الله جل ذكره # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم # [الأنبياء: 98]. قال فالنصارى تعبد المسيح. فقال الله: { ما ضربوه ~~لك إلا جدلا } أي: قد علموا أنه لا يراد بالآية عيسى، وإنما يراد ~~بها الأصنام. # قال الكسائي والفراء: " يصدون " (بالضم والكسر) لغتان، بمعنى يعرضون. ~~وقال قطرب هما لغتان بمعنى يضحكون. # وقال أبو عبيد: " يصدون " بالكسر: يضجون، وبالضم يعرضون، وهو قول ~~يونس وعيسى الثقفي. # والاختيار في القراءة عند أبي عبيد بالكسر على معنى يضجون لأنها لو كانت ~~بالضم على معنى يعرضون لكان اللفظ: إذا قومك عنه يصدون. # ثم قال تعالى: { وقالوا ءأ لهتنا خير أم هو } ، أي: ~~وقال مشركو قومك يا محمد: أآلهتنا خير أم محمد، فنعبد محمدا ونترك ~~آلهتنا. # وفي حرف أبي: " ءالهتنا خير أم هذا " ، يعني: محمدا صلى الله عليه ~~وسلم. # وقال السدي معناه: أآلهتنا خير أم عيسى قال: وذلك أنهم خاصموه فقالوا: ~~أتزعم أن كل من عبد من دون الله في النار، فنحن نرضى أن تكون آلهتنا مع ~~عيسى ابن مريم وعزير والملائكة، هؤلاء قد عبدوا من دون الله. # قال: فأنزل الله براءة عيسى وشبهه في قوله: # إن الذين سبقت لهم منا الحسنى # [الأنبياء: 101] الآية. # وقوله: { ما ضربوه لك إلا جدلا } ، أي: ما مثلوا لك هذا ~~المثل يا محمد إلا للجدل والخصومة. أي: لم يقولوا هذا على طريق المناظرة ~~ولا على (وجه التثبت)، إنما قالوه طلبا للخصومة في الباطل. # وهذا فرق بين الجدال والمناظرة، لأن المتناظرين كل واحد منهما يطلب ~~الصواب. والمتجادلين إنما يطلبان تثبيت ما لم يتيقنا صحته، أو ما قد علما ~~باطله. فالمجادل يحاول إثبات الباطل عند نفسه، والمناظر يحاول إظهار ~~الصواب عند نفسه. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم (أنه قال): # " ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا ~~الجدل ". # قال سفيان: " بل هم قوم خصمون " ، حدثت أنها نزلت في ابن ms2332 الزبعرى. ~~ثم قال تعالى: { إن هو إلا عبد أنعمنا عليه } ، أي: ~~ما عيسى إلا عبد أنعم الله عليه بالتوفيق والإيمان، وجعله الله آية لبني ~~إسرائيل، وحجة عليهم، وهو قوله، { وجعلناه مثلا لبني ~~إسرائيل }. وقيل معنى مثلا، أي بشرا مثلهم، فضل عليهم. # ثم قال: { ولو نشآء لجعلنا منكم ملائكة في ~~الأرض يخلفون } ، أي: ولو نشاء يا معشر بنى آدم أهلكناكم وجعلنا ~~منكم بدلا في الأرض من الملائكة يعبدون الله، وهو نحو قوله: # إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين # [النساء: 133]، و # إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشآء # [الأنعام: 133]. # وقال ابن عباس: " يخلفون، أي: يخلف بعضهم بعضا " ، وقاله قتادة. وقال ~~غيرهما: " يخلفون " معناه: يكونون خلفا من بنى آدم. # ثم قال تعالى: { وإنه لعلم للساعة } ، أي: وإن ظهور عيسى ~~علم يعلم به قرب قيام الساعة أي: هو من أشراطها، ونزوله إلى الأرض دليل ~~على فناء الدنيا وإقبال الآخرة هذا معنى قول ابن عباس والحسن ومجاهد، وهو ~~قول قتادة والضحاك وابن زيد. # فالهاء في: " وإنه " تعود على عيسى على قولهم. # وقد قرأ مجاهد: " وإنه لعلم " بفتحتين على معنى: وإن نزول عيسى ~~لعلامة لقرب الساعة. # وروي عن الحسن أنه قال معناه: وإن هذا القرآن لعلم للساعة، وحكي مثله ~~عن قتادة. # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لينزلن ابن مريم حكما عدلا فليكسرن ~~الصليب وليقتلن الخنزير ". # وروى مالك عن ابن شهاب عن حنظلة بن علي الأسلمي عن أبي هريرة أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " ليهلن ابن مريم بفج (الروحاء حاجا ~~ومعتمرا) أو ليثنيهما جميعا ". # وروى مالك عن زيد بن أسلم عن أبي هريرة قال: # " لا تقوم الساعة حتى ينزل عيسى ابن مريم حكما ~~عدلا وإماما مقسطا، فيكسر الصليب، ويقتل ~~الخنزير، ويضع الجزية، وتضع الحرب أوزارها، وتكون ~~السجدة واحدة لله رب العالمين ". # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " يقتل ابن مريم الدجال (بباب لد) ". # قال ابن القاسم عن مالك: بينما الناس (بباب لد) إذ يسمعون الإقامة، ~~فتغاشهم غمامة، فإذا عيسى ms2333 ابن مريم قد نزل. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ينزل عيسى عند المنارة البيضاء شرقي دمشق ". # وروي (عن ابن عمر) أنه قال: " يخرج الدجال، ويبعث الله عيسى ابن مريم ~~كأنه عروة بن مسعود الثقفي، فيطلبه ويهلكه. # وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لا تهلك أمة أنا أولها والمسيح آخرها ". # وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: " يموت عيسى (في المدينة) فيدفن مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر وعمر، وقد ترك موضع قبره بينهم. # قال عبد الله بن سلام: نجد في التوراة أن عيسى يدفن مع محمد صلى الله ~~عليه وسلم. # وكان بعض الصحابة يتوقع قرب نزوله. # وروي عن أبي هريرة أنه كان يلقى الغلام الشاب فيقول له: إن لقيت عيسى بن ~~مريم فأقره عني السلام، وقاله أبو ذر لبعض جلسائه. # وقيل: المعنى: وإن محمدا صلى الله عليه وسلم لعلم للساعة لأنه خاتم ~~النبيين. فيكون معناه: يعلم بعثه قرب قيام الساعة. وهي في ~~قراءة أبي: " وإنه لذكر للساعة ". # ثم قال تعالى: { فلا تمترن بها } ، أي: لا تشكن في قيام ~~الساعة أيها الناس. # ثم قال: { واتبعون هذا صراط مستقيم } ، أي: وأطيعون ~~أيها الناس، هذا الذي جئتكم به طريق لا عوج فيه. ### || [43.62-73] # قوله تعالى: { ولا يصدنكم الشيطان } - إلى قوله -: { ~~منها تأكلون } ، أي: ولا يمنعكم الشيطان من اتباع الحق. # { إنه لكم عدو مبين } أي: ظاهر العداوة. # ثم قال تعالى: { ولما جآء عيسى بالبينات قال قد ~~جئتكم بالحكمة } ، أي: ولما جاء عيسى) بني إسرائيل بالآيات ~~الواضحات. يعني: المعجزات. # وقيل: بالبينات: بالإنجيل: قاله قتادة، قال لهم قد جئتكم بالحكمة. # قال السدي: الحكمة ها هنا النبوءة. # وقيل: الحكمة: الإنجيل. # ثم قال: { ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه }. # قال أبو عبيدة: " بعض " بمعنى: " كل " ورد ذلك أكثر العلماء لأن فيه ~~التباس المعاني وفساد الأصول ونقض العربية. # والمعنى عند الزجاج: ولأبين لكم في الإنجيل بعض الذي تختلفون فيه. (فبين ~~لهم) من غير الإنجيل ما احتاجوا إليه. # وقيل معناه: إنه ms2334 يبين لهم بعض الذي اختلفوا فيه من أحكام التوراة على ~~مقدار ما سألوه عنه، ويجوز أن يختلفوا في أشياء غير ذلك لم يسألوه عن ~~بيانها. # قال مجاهد معناه: ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه من تبديل التوراة. # وقيل المعنى: إن بني إسرائيل اختلفوا بعد موسى في أشياء من أمر دينهم، ~~وأشياء من أمر دنياهم، فبين لهم عيسى بعض ما اختلفوا فيه وهو أمر دينهم ~~خاصة، فلذلك قال: { بعض الذي تختلفون فيه }. # ثم قال: { فاتقوا الله وأطيعون } ، أي: فاتقوا الله فيما ~~أمركم به ونهاكم عنه، وأطيعون فيما أقول لكم. # { إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه } ، أي: إن الذي ~~يستوجب الإفراد بالعبادة هو الله. # { هذا صراط مستقيم } ، أي: هذا الذي أمرتكم به هو الطريق ~~المقوم الذي لا يوصل إلى رضى الله إلا باتباعه. # ثم قال تعالى: { فاختلف الأحزاب من بينهم }. # قال قتادة: الأحزاب هنا، هم الأربعة الذين أخرجهم بنو إسرائيل يقولون في ~~عيسى. # ذكر ابن حبيب أن النصارى افترقت في عيسى بعد رفعه على ثلاث فرق: # فرقة قالت: هو الله، هم اليعقوبية قال الله عنهم: # لقد كفر الذين قآلوا إن الله هو المسيح ~~ابن مريم # [المائدة: 17]. # وفرقة ثانية قالت: هو ابن الله، وهم النسطورية. وهم الذين قال الله ~~فيهم: # وقالت النصارى المسيح ابن الله # [التوبة: 30]. # وفرقة ثالثة قالت: هم ثلاثة: الله إله، وعيسى إله، وأمه إله وهم ~~الملكانية. وهم الذي قال الله فيهم: # لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة # [المائدة: 73]. # فالنصارى فيه إلى اليوم على هذه الثلاث فرق. وكانوا فيه - إذ كان بين ~~أظهرهم - على فرقتين: فرقة آمنت به، وفرقة كفرت به - وهم الأكثر - ثم لما ~~رفع اختلفوا / فيه على هذه الأقوال الثلاثة. # وقال السدي: " الأحزاب: اليهود والنصارى ". # ومعنى من بينهم، أي: من بين من دعاهم عيسى إلى ما دعاهم إليه من اتقاء ~~الله والعمل بطاعته. # ثم قال: { فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم ~~} ، أي: فالوادي السائل من القيح والصديد في جهنم للذين كفروا بالله من ~~عذاب يوم أليم، ms2335 وهو يوم القيامة. # ثم قال تعالى: { هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم ~~بغتة } ، أي: هل ينظر هؤلاء الأحزاب المختلفون في عيسى إلا الساعة ~~(بغتة، أي: فجأة). # " وأن " في موضع نصب بدل من " الساعة " بدل الاشتمال. # { وهم لا يشعرون } ، أي: لا يعلمون بمجيئها. # ثم قال تعالى: { الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو ~~إلا المتقين } أي: المتخالون على معاصي الله في الدنيا يوم تقوم ~~الساعة يتبرأ بعضهم من بعض إلا الذين تخالوا فيها على تقوى الله. # قال ابن عباس: " كل خلة في الدنيا هي عداوة يوم القيامة، إلا خلة ~~المتقين ". # وقال مجاهد، معناه: الأخلاء في الدنيا على معصية الله متعادون يوم ~~القيامة. # ثم قال تعالى: { يعباد لا خوف عليكم اليوم ولا ~~أنتم تحزنون } وفي الكلام حذف، أي: إلا المتقين، فإنه يقال لهم ~~يا عبادي لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون على فراق الدنيا، لأنكم ~~قدمتم على ما هو أفضل منها. # وروي (أن الناس) ينادون بهذا النداء يوم القيامة فيطمع فيها من ليس من ~~أهلها، حتى إذ سمع قوله: { الذين آمنوا بآياتنا وكانوا ~~مسلمين } (فييئس منها عند ذلك كل أحد إلا المسلمين ومعنى " وكانوا ~~مسلمين " ، أي: وكانوا أهل خضوع لله عز وجل بقلوبهم. # وقيل: { فلما جآءتهم } الرسل واستسلام له. # وروي عن بعض التابعين أنه قال يخرجون من القبور وكلهم مدعين فيناديهم ~~مناد: { يعباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم ~~تحزنون } فيطمع فيها الخلق كلهم، فيتبعها: { الذين آمنوا ~~بآياتنا وكانوا مسلمين }. فيئس منها الخلق إلا أهل الإسلام. # قال (ابن عباس): يخرجون فينظرون إلى الأرض غير الأرض التي عهدوا، (وإلى ~~الناس غير الناس الذين عهدوا). # وكان ابن عباس يتمثل بعد هذا القول بقول الشاعر: # فما الناس بالناس الذين عهدتهم # ولا الدار بالدار التي كنت تعرف # ثم قال تعالى: { ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم ~~تحبرون } ، أي: تكرمون، قاله ابن عباس. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن تحبرون فقال: # " اللذة والسماع بما شاء الله (من ذكره) ". # " فالذين " يحتمل أن يكون مبتدأ " وادخلوا " الخبر على حذف القول، ms2336 أي: ~~يقال لهم: ادخلوا الجنة. # ويجوز أن يكون نعتا " للعباد " في موضع نصب، يدل على ذلك قوله: { ~~ادخلوا الجنة } وما بعده. فأتى بلفظ الخطاب. # ويدل على الوجه الأول قوله: { يطاف عليهم } وما بعده، فأتى بلفظ ~~الغيبة. فالعباد مخاطبون لأن المنادى مخاطب. # " والذين " لفظهم لفظ غيبة. # فكلا (الوجهين له) دليل. # ثم قال تعالى: { يطاف عليهم بصحاف من ذهب } ، أي: يطاف ~~على هؤلاء الذين آمنوا في الجنة بقصاع من ذهب وأكواب من ذهب، أي: يطوف ~~عليهم بذلك الغلمان. # " والأكواب: التي ليست لها آذان " ، قاله السدي. # وقال قتادة: هي دون الأباريق. وقيل: الكوب الإبريق المستدير الذي لا أذن ~~له ولا خرطوم. # والمعنى: يطاف عليهم في الجنة بصحاف الطعام وأكواب الشراب من ذهب. ~~فاستغنى بذكر الصحاف والأكواب عن ذكر الطعام والشراب لمعرفة السامعين ~~بمعناه. # قال ابن جبير: إن أدنى أهل الجنة منزلة من له قصر فيه سبعون ألف خادم، ~~في يد كل خادم صحفة سوى ما في يد صاحبتها. لو فتح بابه فضافه أهل ~~الدنيا لوسعهم، لا يستعين عليهم بشيء من غيره، وذلك قوله: # لهم ما يشآءون فيها # [ق: 35] { وفيها ما تشتهيه الأنفس }. # قال عبد الله بن عمر: (وما أحد) من أهل الجنة إلا يسعى عليه ألف غلام، ~~(كل غلام على) عمل خلاف ما عليه صاحبه. # وقوله: { وفيها ما تشتهيه الأنفس } ، أي: وفي الجنة ما ~~تشتهي نفوسكم أيها المؤمنون وتلذ أعينكم. { وأنتم فيها خالدون ~~} ، أي: ماكثون أبدا. # " وروى سفيان أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله، ~~إني أحب الخيل، فهل في الجنة خيل؟ فقال له: " إن يدخلك الله ~~الجنة - إن شاء الله - فلا تشاء أن تركب فرسا ~~من ياقوتة حمراء يطير بك في أي الجنة شئت إلا ~~فعلت. فقال الأعرابي: يا رسول الله، إنى أحب الإبل، فهل في الجنة ~~إبل؟ فقال: يا أعرابي، إن يدخلك الله الجنة - إن ~~شاء الله - ففيها ما اشتهت نفسك لك ولذت عينك " ~~". # وقال أبو أمامه: إن الرجل من أهل الجنة ليشتهي الطائر وهو يطير ms2337 فيقع في ~~كفه نضيجا فيأكل منه (حيث تشتهي) نفسه / ثم يطير، ويشتهي الشراب، فيقع ~~الإبريق في يده فيشرب منه ما يريد، ثم يرجع إلى مكانه. # وقال أبو طيبة السلمي: إن الشرب من أهل الجنة لتظلهم السحاب، ~~فقال فتقول: ما أمطركم؟ قال: فما يدعو داع شيئا إلا أمطرتهم، حتى إن ~~القائل منهم ليقول: أمطرينا كواعب أترابا. # ثم قال تعالى: { وتلك الجنة التي أورثتموها بما ~~كنتم تعملون } ، (أي: وتلك الجنة أورثكموها الله عن أهل النار، ~~بما كنتم تعملون) في الدنيا من الخير. # { لكم فيها } ، أي: في الجنة. { فاكهة كثيرة } ، أي: من كل ~~نوع. # { منها تأكلون } ، أي: من الفاكهة تأكلون ما اشتهيتم. # وقد قال ابن خالويه: إنما أشار إلى الجنة بإشارة البعيد فقال: " وتلك " ~~وأشار إلى جهنم في (قوله: هذه) جهنم بإشارة القريب لتأكيد التخويف من ~~جهنم لأن الله عز وجل قد يتفضل على عباده فيدخلهم الجنة بغير عمل ~~كالأطفال والمجانين، ولا يعذب أحدا منهم إلا على ذنب اكتسبه، فحذرهم ~~الله عز وجل في النار وقرب الإشارة إليها، (أكثر مما شوقهم) إلى ~~الجنة، فجعل جهنم كأنه ينظر إليها كالحاضرة، تخويفا منها. ### || [43.74-89] # قوله تعالى: { إن المجرمين في عذاب جهنم } ، إلى آخر ~~السورة، أي: إن الذين اكتسبوا الكفر في الدنيا يوم القيامة في عذاب جهنم ~~ماكثون أبدا، لا يخفف عنهم العذاب. # وهم في العذاب مبلسون، قال قتادة: مستسلمون. # وقال السدي: " مبلسون: متغير حالهم ". # وقال الزجاج: " المبلس: الساكت، الممسك إمساك يائس من فرج ". # وقال الطبري: المبلس: اليأس من النجاة. # وقال النحاس: المبلس: المتحير الذي قد يئس من الخير. # ثم قال تعالى: { وما ظلمناهم ولكن كانوا هم ~~الظالمين } ، أي لم نظلمهم في عذابنا لهم (ولكن هم) ظلموا أنفسهم ~~بكفرهم في الدنيا. # ثم قال تعالى: { ونادوا يمالك ليقض علينا ربك } ~~أي: ونادى المجرمون بعد دخولهم جهنم مالك خازن جهنم فقالوا: يا مالك ~~ليمتنا ربك فيفرغ من إماتتنا. # روي أن مالك لا يجيبهم في وقت دعائهم، ويدعهم ألف عام ثم يجيبهم فيقول: ~~{ إنكم ماكثون } قاله ابن عباس. # وقال ms2338 ابن عمر: إن أهل جهنم يدعون مالكا أربعين عاما فلا يجيبهم ثم ~~يقول: { إنكم ماكثون } ، ثم ينادون ربهم: # ربنآ أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون # [المؤمنون: 107] فيدعوهم مثل الدنيا ثم يرد عليهم # اخسئوا فيها ولا تكلمون # [المؤمنون: 108] فما نفس القوم بعد ذلك بكلمة، إن كان إلا الزفير ~~والشهيق في نار جهنم. # وقال نوف البكالي يتركهم مالك مائة سنة مما تعدون (ثم يناديهم) ~~فيستجيبون له، فيقول: { إنكم ماكثون }. # وقال السدي: يمكثون ألف سنة مما تعدون، ثم يجيبهم بعد ألف عام، إنكم ~~ماكثون. # قال ابن زيد وغيره: ليقض علينا ربك: ليمتنا. القضاء هنا الموت. # ثم قال: { لقد جئناكم بالحق } ، أي: لقد جاءتكم الرسل من ~~عند ربكم. # { ولكن أكثركم للحق كارهون } ، أي أكثرهم لا يقبل ~~الحق فهذا الذي أنتم فيه جزاء فعلكم. # ثم قال: { أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون } ، (أي: أم ~~أبرم) هؤلاء المشركون من قريش أمرا يكبدون به الحق فإنا مبرمون. أي: ~~نخزيهم ونذلهم ونظفرك يا محمد بهم. # قال مجاهد: معناه إن كادوا بشر كدناهم مثله. # وقال قتادة: معناه: (أم أجمعوا) أمرا فإنا مجمعون ". # وقال ابن زيد معناه: (أم أحكموا) أمرهم فإنا محكمون لأمرنا. # وقال الفراء معناه: أم أحكموا أمرا ينجيهم من عذابنا على قولهم فإنا ~~نعذبهم. # يقال: أبرم الأمر إذا بالغ في إحكامه. وأبرم الفاتل إذا أدغم، وهو الفتل ~~الثاني والأول يقال له سحيل كما قال زهير: # ... من سحيل ومبرم # ثم قال تعالى: { أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ~~ونجواهم بلى } ، أي: نسمع ذلك ونعلم ما أخفوا وما أعلنوا. # ثم قال: { ورسلنا لديهم يكتبون } ، أي والحفظة عندهم ~~يكتبون ما نطقوا به. # ويروى " أن هذه الآية نزلت في ثلاثة نفر تدارءوا في سماع الله عز وجل ~~كلام عبادة ". # قال محمد بن كعب القرظي: بينا ثلاثة نفر بين الكعبة وأستارها قرشيان ~~وثقفي، أو ثقفيان، وقرشي، فقال واحد من الثلاثة: ترون أن الله يسمع ~~كلامنا؟! فقال: إذا جهرتم سمع، وإذا أسررتم لم يسمع. # فقال الثاني: إن كان يسمع إذا أعلنتم فإنه يسمع إذا أسررتم ms2339 قال: فنزلت: ~~{ أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم } الآية. # ثم قال تعالى: { قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول ~~العابدين } ، أي: قل يا محمد إن كان للرحمن ولد على زعمكم فأنا أول ~~المؤمنين بالله في تكذيبكم فقولوا ما شئتم، هذا معنى قول مجاهد. # وقال ابن عباس / معناه: " لم يكن ولد فأنا أول الشاهدين " (فمعنى ~~الكلام) على قول ابن عباس: ما كان ذلك ولا ينبغي أن يكون، وهو معنى قول ~~قتادة وابن زيد، وهو قول زيد بن أسلم. ف " إن " بمعنى: ( " ما " التي ~~للنفي). # وقيل معنى: { فأنا أول العابدين } ، أي: أول من يعبد الله ~~عز وجل بالإيمان والتصديق أنه ليس للرحمن ولد، أي: على (هذا عبد) الله ~~سبحانه وقال السدي معناه: " لو كان له ولد كنت أول من عبده (بأن له ~~ولدا) ولكن لا ولد له ". # فجعل " إن " للشرط، وهو اختيار الطبري، لأنك إذا جعلت " إن " بمعنى " ما ~~" أوهمت أنك إنما نفيت عن الله سبحانه الولد فيما مضى دون ما هو آت. # وإذا جعلت " إن " للشرط أخبرت أنه كان له ولد على قولكم فأنا أول من ~~عبده على ذلك ولكن لا ولد، ولا ينبغي أن يكون، وهذا عنده (من الإلطاف) في ~~الكلام، وحسن المخاطبة بمنزلة قوله: # وإنآ أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين # [سبأ: 24]، وقد علم أن الحق معه وأن مخالفيه في الضلال. وقيل معنى " ~~العابدين " الآنفين. # حكى: ما عبد فلان إن فعل كذا، أي: ما أنف. # وهذا قول مردود لأنه يلزم منه أن يقول العابدين. إنما يقال، فلان عبد من ~~كذا، أي: آنف منه. ولا يقال عابد بمعنى: أنف. # وقال: أبو عبيدة مجازها: فأنا أول العابدين، أي: الجاحدين من عبد يعبد ~~إذا حجد. وحكى: فلان عبدني حقا، أي: جحدني. # ثم قال تعالى: { سبحان رب السموت والأرض } ، أي: ~~تبرئة له وتنزيها له من الولد وغير ذلك من الأشياء المذمومة. # وقوله: { رب العرش عما يصفون } ، أي يكذبون. # وحكى أبو حاتم أن قوما يقفون { قل إن كان للرحمن ولد } ~~، ثم ms2340 يبتدؤون: { فأنا أول العابدين } على معنى: قل يا محمد: ~~ما كان للرحمن ولد: وهو قول يعقوب وغيره. # ثم قال تعالى: { فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى ~~يلقوا يومهم الذي يوعدون }. # هذا تهدد ووعيد من الله جل ذكره للمشركين، أي: سيعلمون يوم القيامة جزاء ~~لعبهم وخوضهم في الباطل. # ثم قال تعالى: { وهو الذي في السمآء إله وفي الأرض ~~إله } ، أي: هو المعبود في السماء وفي الأرض، فلا شيء تصلح له ~~الألوهية إلا هو. # قال قتادة: معنى الآية: وهو الذي يعبد في السماء ويعبد في الأرض. # ثم قال: { وهو الحكيم العليم } ، أي: وهو الحكيم في تدبيره ~~خلقه، العليم بمصالحهم. # وفي حرف ابن مسعود: (وهو الذي في السماء الله وفي الأرض الله)، وهي ~~مروية عن عمر وأبي. # ثم قال تعالى: { وتبارك الذي له ملك السموت ~~والأرض وما بينهما } ، أي: وتعالى الذي في ملكه ذلك كله وفي ~~تدبيره وبيده. # وقوله: { وعنده علم الساعة } ، أي: وتفرد بعلم قيام الساعة، ~~{ وإليه ترجعون } ، أي: تردون بعد مماتكم. # ثم قال تعالى: { ولا يملك الذين يدعون من دونه ~~الشفاعة } ، أي، ولا تملك الآلهة التي يعبدها هؤلاء المشركون من دون ~~الله شفاعة لهم ولا لغيرهم. # وقيل المعنى: ولا يملك عزير وعيسى والملائكة الذين عبدوا من دون ~~الله عز وجل شفاعة لمن عبدهم، قاله مجاهد. والقول الأول قاله قتادة. # { إلا من شهد بالحق } ، أي: بالتوحيد لله والطاعة له. # { وهم يعلمون } ، أي: يعلمون (أن ما أقروا به حق). # وقيل معنى { إلا من شهد بالحق } ، يعني: عيسى وعزير ~~والملائكة فإنهم يشفعون لمن أراد الله عز وجل. # قال مجاهد، معناه: لا يشفع المسيح وعزير والملائكة إلا من شهد بالحق، ~~أي: قال لا إله إلا الله. فهذا يدل على أنه استثناء ليس من الأول. # ثم قال تعالى: { ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن ~~الله } ، أي ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين بالله من قومك من خلقهم ~~ليقولن خلقهم الله. # ثم قال: { فأنى يؤفكون } ، أي: فمن أي وجه يصرفون عن عبادة ~~الله الذي خلقهم، ويحرمون اتباع رضاه. # ثم قال ms2341 تعالى: { وقيله يرب إن هؤلاء قوم لا ~~يؤمنون } من نصب " وقيله " عطفه، عند الأخفش على " سرهم ونجواهم " ~~(أي: نسمع سرهم ونجواهم وقيله. # وقيل إنما) يجوز نصبه على المصدر. # وقال الزجاج: هو معطوف على موضع الساعة، (لأن معنى " وعنده علم الساعة " ~~) ويعلم وقت الساعة ويعلم قيله. # وقيل هو معطوف على مفعول " يعلمون " المحذوف، والتقدير: هم يعلمون الحق ~~وقيله. # وقيل معطوف على مفعول " يكتبون " المحذوف، والتقدير: ورسلنا لديهم ~~يكتبون ذلك وقيله. # ومن خفضه عطفه على لفظ " الساعة " ، أي: وعنده علم الساعة وعلم قيله. # والرفع فيه جائز على الابتداء. # والمعنى: ونسمع شكوى محمد وقيله: يا رب، إن هؤلاء الذين أمرتني أن ~~ندعوهم وننذرهم لا يؤمنون. # وهذا قول كان يقوله النبي صلى الله عليه وسلم لما امتنعت عليه قريش من ~~الإيمان فأنزله الله جل ذكره. # قال مجاهد وقتادة: هذا قول نبيكم صلى الله عليه وسلم يشكو / قومه إلى ~~ربه، حكاه الله جل ذكره لنا في كتابه. # والهاء في " وقيله " عائد على النبي صلى الله عليه وسلم وقيل: تعود على ~~عيسى، فترجع على قوله تعالى: # ولما ضرب ابن مريم مثلا # [الزخرف: 57] - الآية. # ثم قال تعالى: { فاصفح عنهم وقل سلام } ، أي: دعهم واغفر ~~لهم قولهم وفعلهم، وقل: مسالمة ومتاركة مني إليكم، وتقديره: وقل أمري ~~سلام. # وهذا كان قبل أن يؤمر بالقتال، ثم نسخ ذلك بالأمر بالقتال. # وقال الفراء: التقدير: وقل سلام عليكم، ثم حذف، وهو بعيد لم يؤمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم بأن يجيبهم، إنما أمر (بأن يسالمهم) حتى يأتيه أمر ~~الله عز وجل. # وقد نهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يبدأ النصارى واليهود بالسلام فكيف ~~يأمره الله بذلك للمشركين وينهاه عنه. # قال ابن عباس: " فاصفح عنهم، أي: أعرض عنهم ". # ثم قال: (فسوف تعلمون). # هذا تهدد ووعيد، أي: سوف تلقون ما يسوؤكم غدا إن تماديتم على كفركم. ### | [44 - سورة الدخان] ### || [44.1-15] # قال تعالى: { حم * والكتاب المبين } - إلى قوله -: { ~~إنكم عآئدون } ، قد تقدم ذكر حم. # وقوله: { والكتاب المبين } معناه، وحق الكتاب الظاهر، يعني: ~~القرآن. # وجواب ms2342 القسم في قوله: { والكتاب المبين } قوله: { إنا ~~كنا منذرين }. وقيل: { إنآ أنزلناه }. # وقيل: لا يجوز أن يكون الجواب { إنآ أنزلناه } لأنه صفة للمقسم ~~به. ولا يكون صفة المقسم به جوابا للقسم. # ثم قال: { إنآ أنزلناه في ليلة مباركة } ، يعني: ~~القرآن أنزل إلى السماء الدنيا جملة ليلة القدر، وهي الليلة المباركة، ثم ~~نزل على النبي صلى الله عليه وسلم في نيف وعشرين سنة نجوما، نجم بعد ~~نجم، وهو معنى قوله تعالى: # والنجم إذا هوى # [النجم: 1]، أي: والقرآن إذا نزل، وهو معنى قوله أيضا: # فلا أقسم بمواقع النجوم # [الواقعة: 75]، اي: أقسم بنزول القرآن و " لا " صلة. # قال قتادة: الليلة المباركة: ليلة القدر. # ونزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، (ونزلت التوراة لست ليال مضين ~~من رمضان، ونزل الزبور لاثنتي عشرة ليلة مضت من رمضان)، ونزل الإنجيل ~~لثماني عشرة ليلة مضت من رمضان، ونزل القرآن لأربع وعشرين مضت من رمضان. # قال ابن عباس: أنزل الله عز وجل القرآن في ليلة القدر إلى السماء الدنيا ~~جملة واحدة، ثم نزل به جبريل في عشرين سنة. # وقيل المعنى: إنا ابتدأنا إنزاله في ليلة القدر. # وقوله: { فيها يفرق كل أمر حكيم }. قال عكرمة: هي ليلة ~~النصف من شعبان فيها يبرم أمر السنة. # وظاهر التلاوة يدل على أنها ليلة قدر تفرق فيها الأرزاق وتقضى الآجال ~~إلى مثلها من قابل. # قال أبو العالية: ليلة القدر بركة كلها، لا يوافقها عبد مؤمن يعمل ~~إحسانا إلا غفر له ما مضى من ذنوبه. # قال عكرمة: يكتب في ليلة النصف من شعبان الحاج حاج بيت الله الحرام فلا ~~يغادر منهم أحدا ولا يزاد فيهم أحد. # والبركة في اللغة: الثبات والدوام والزيادة. # وقوله: { إنا كنا منذرين } ، أي: منذرين خلقنا بهذا القرآن ~~الذي أنزلناه في ليلة القدر أن يحل بهم العذاب بكفرهم. # ثم قال تعالى: { فيها يفرق كل أمر حكيم } ، أي في تلك ~~الليلة المباركة يقضى كل أمر محكم، وهو أمر السنة كلها، من يموت ومن ~~يولد، ومن يعز ومن يذل، وغير ذلك. سئل ms2343 الحسن: هل ليلة القدر في ~~كل رمضان؟ فقال: أي، والله إنها لفي كل رمضان، وإنها الليلة التي يفرق ~~فيها كل أمر حكيم، فيها يقضي الله كل أجل وأمل ورزق إلى مثلها، وهو قول ~~مجاهد وقتادة، وقاله ابن عباس وغيره. # وقيل معنى " يفرق ": يفصل بين المؤمن والكافر والمنافق فيقال للملائكة ~~هذا فيعرفونه. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " " (تقطع الآجال) من شعبان إلى شعبان حتى أن ~~الرجل لينكح ويولد له ولقد خرج اسمه في ~~الموتى " # ، وبه قال عكرمة: إنها ليلة النصف من ~~شعبان. # ثم قال تعالى: { أمرا من عندنآ } ، أي: قضاء قضيناه، أي: ~~أمرا نأمر به تلك الليلة. # وانتصب أمرا على أنه مصدر في موضع الحال عند الأخفش، أي: إنا أنزلناه ~~آمرين أمرا وراحمين رحمة. # وقال المبرد: نصبه نصب المصدر على معنى: أنزلناه إنزالا فالأمر يشتمل ~~على الإخبار. # وقال الجرمي: هو حال من نكرة، وأجاز هذا رجل مقبلا. # وقال الزجاج: هو مصدر: والتقدير: فيها يفرق فرقا / فأمر، بمعنى: فرق. # وقيل: إن " يفرق " يدل على " يؤمر " فانتصب " أمرا " على المصدر وعمل ~~فيه المعنى. # وقوله: { رحمة من ربك إنه هو السميع العليم }. # انتصب الرحمة على الحال - عند الأخفش -، ونصبه الفراء على أنه مفعول ل ~~" مرسلين " ، وجعل " الرحمة " هي النبي صلى الله عليه وسلم وأجاز الزجاج ~~أن تنصبه على أنه مفعول من أجله. وقيل: هي بدل من " أمرا ". # وقيل: نصبها على المصدر. والمعنى: إنا كنا مرسلين رسولا وهو الرحمة. إن ~~الله هو السميع لما يقول المشركون في رسوله، العليم بما ينطق (في علمه) ~~ضمائرهم وغير ذلك من أمورهم. " وإنا أنزلناه جواب القسم. # ثم قال تعالى: { رب السموت والأرض وما بينهمآ إن ~~كنتم موقنين } ، أي: الذي أنزل الكتاب على محمد صلى الله عليه ~~وسلم هو رب السماوات والأرض وما بينهما، أي: هو مالك ذلك كله ومبتدعه ~~ومدبره. # { إن كنتم موقنين } ، أي: إن كنتم توقنون بحقيقة ما أخبرتكم به ~~من أن ربكم رب السماوات والأرض. # وقوله: { لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ms2344 ~~ورب آبآئكم الأولين } ، أي: هو مالككم ومالك من مضى قبلكم ~~من آبائكم الأولين. # ثم قال: { بل هم في شك يلعبون } ، أي ما هم على يقين مما ~~يقال لهم (لكنهم في شك منه، فهم يلعبون لشكهم. # ثم قال تعالى: { فارتقب يوم تأتي السمآء بدخان ~~مبين } أي: فانتظر يا محمد) النقمة منهم وقت يحول بينهم وبين السماء ~~دخان من شدة الجوع. # بلغ بهم الجوع إلى أن كانوا يأكلون الغلهز، والغلهز أن يفقأ القراد في ~~الصوف. ويشوى ذلك الصوف بدم القراد ويؤكل. والقراد: الحلم. فرحمهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم وبعث إليهم بصدقة ومال. # ومفعول: " فارتقب " محذوف، وهو النقمة وشبهها. # وقيل: التقدير هذا عذاب أليم فارتقبه يوم تأتي، وفيه بعد لحذف الهاء ~~من غير صلة ولا صفة، ولأنه رفع " العذاب " مع حذف الهاء، وذلك لا يحسن ~~إلا في الشعر. # " وقد حل (بقريش ذلك كله)، إذ دعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: " اللهم سنين كسني يوسف " ". # فأخذوا بالجوع. فكان الرجل يحول بينه وبين النظر إلى السماء دخان من ~~شدة الجوع، فيصير كهيئة الدخان، هذا قول ابن مسعود وغيره من المفسرين. # وقيل: الدخان آية من آيات الله يرسله الله عز وجل على عباده قبل مجيء ~~الساعة فيدخل في أسماع أهل الكفر ويعتري أهل الإيمان كهيئة الزكام، روي ~~ذلك عن ابن عمر والحسن. # وروى حذيفة بن اليمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أول الآيات الدخان، ونزول عيسى، ونار تخرج من ~~قعر عدن أبين تسوق الناس إلى المحشر تقيل معهم ~~إذا قالوا. قال حذيفة: يا رسول الله وما الدخان؟: فتلا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: { فارتقب يوم تأتي السمآء بدخان ~~مبين } - الآية، ثم قال: (يملك بالدخان) ما بين ~~(المشرق والمغرب)، يمكث أربعين يوما وليلة. ~~أما المؤمن فيصيبه منه كهيئة الزكمة، وأما ~~الكافر فكهيئة السكران، يخرج من منخريه ~~وأذنيه ودبره ". # وقيل: إن الدخان هو ما ينتظر بهم يوم القيامة من العذاب، قاله زيد بن ~~علي. # ثم قال: { يغشى الناس هذا عذاب أليم } ، أي: ms2345 يغشى ذلك ~~الدخان الناس يقولون هذا عذاب أليم. # ثم قال: { ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون } ، ~~أي: يقولون ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون. # ثم قال تعالى: { أنى لهم الذكرى وقد جآءهم رسول ~~مبين } ، أي: من أي وجه لهم التذكر بالإيمان عند حلول العذاب بهم، ~~وقد تولوا عما جاءهم به رسولهم. # { وقالوا معلم مجنون } ، أي: علم هذا الذي جاءنا به ليس ~~هو من عند الله. # ثم قال تعالى: { إنا كاشفوا العذاب قليلا } ، أي: إنا ~~نكشف عنكم العذاب الذي نزل بكم بالخصب والرخاء وقتا قليلا، إنكم عائدون ~~إلى كفركم إذا كشفناه عنكم، (وتنقضون ما عهدتم) به أنكم تؤمنون إذا كشف ~~عنكم. # وقيل معناه: إنكم عائدون في عذاب الله (في الآخرة) إن لم تؤمنوا. # وقيل معناه: عائدون إلى الشرك. ### || [44.16-29] # قوله تعالى: { يوم نبطش البطشة الكبرى } - إلى قوله - ~~{ وما كانوا منظرين } ، أي: ننتقم منكم إن عدتم إلى كفركم عند ~~كشفنا عنكم ما أنتم فيه من الجهد يوم نبطش البطشة الكبرى، وهو يوم بدر ~~عند أكثر المفسرين، قاله ابن مسعود وابن عباس ومجاهد والضحاك وابن زيد ~~وأبو العالية، وهو قول وهو قول أبي بن كعب، أمكن الله عز وجل منهم ~~المؤمنين يوم بدر فقتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين. # والعامل في " يوم نبطش ": " منتقمون ". / # وقيل: العامل فيه فعل مضمر، تقديره: اذكر يا محمد يوم نبطش. وهو الأحسن، ~~لأن الظرف لا يعمل فيه ما بعد أن عند البصريين. # وقيل التقدير: ننتقم يوم نبطش، ودل عليه " منتقمون ". # وفيه أيضا بعد لأن ما بعد " إن " لا يفسر ما قبلها كما لا يفعل ~~(ما بعدها) فيه. # فإضمار " اذكر " أحسن الوجوه، وذلك أن الله جل ذكره كشف عنهم ما كانوا ~~فيه من الجهد فعادوا إلى كفرهم فأهلكهم قتلا بالسيف يوم بدر. فيكون ~~العامل في " يوم نبطش " فعلا مضمرا يفسره " إنا منتقمون ". # ولا يحسن أن يعمل فيه " منتقمون " ، لأن ما بعد " أن " لا يعمل فيما ~~قبلها. ويجوز أن يكون العامل " اذكر " مضمرة. # وقال عكرمة: البطشة الكبرى هي بطشة الله عز ms2346 وجل بأعدائه يوم القيامة. # وكذلك روى قتادة عن الحسن. # ثم قال تعالى: { ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون } ، أي ~~اختبرناهم وابتليناهم قبل مشركي قومك يا محمد. # { وجآءهم رسول كريم } يعني موسى صلى الله عليه وسلم أي " ~~كريم عند ربه عز وجل. وقيل كريم من قومه. وقيل: الفتنة في هذا العذاب. # وفي الكلام تقدير وتأخير، والتقدير، ولقد جاء قوم فرعون رسول كريم. # وفتناهم، أي: عذبناهم بالغرق، لأن العذاب - وهو الغرق - كان بعد مجيء ~~موسى إليهم وإنذاره إياهم وكفرهم # . ثم قال تعالى: { أن أدوا إلي عباد الله إني ~~لكم رسول أمين }. # قال ابن عباس معناه: (أن اتبعوني) إلى ما أدعوكم إليه يا عباد الله ~~فيكون " عباد ": نصب على النداء المضاف على هذا القول. # وقال مجاهد معناه: أن أرسلوا معي عباد الله وخلوا سبيلهم، يعني بني ~~إسرائيل. فينتصب " عباد " على أنه مفعول به " بأدوا " على هذا القول. # قال قتادة: قال موسى لفرعون: (على من) تحبس هؤلاء القوم، قوما أحرارا ~~(اتخدتهم عبيدا، خل) سبيلهم. # قال ابن زيد معناه: أرسل عباد الله معي، يعني بني إسرائيل، وهو مثل ~~قوله: # فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم # [طه: 47]. # وقيل التقدير: وجاءهم رسول أمين يقول لهم: أدوا إلي عباد الله أي: ~~خلوا سبيلهم إني لكم رسول من الله إليكم، أنذركم بأسه إن لم تؤمنوا، أمين ~~على وحيه ورسالته إليكم. # ثم قال: { وأن لا تعلوا على الله إني آتيكم ~~بسلطان مبين } ، أي: وجاءكم رسول كريم بأن أدوا إلي عباد الله ~~وبألا تعلوا على الله، أي: لا تطغوا على ربكم فتكفروا به. # { إني آتيكم بسلطان مبين } ، أي: بحجة ظاهرة تدل على ~~صحة ما جئتكم به. # ثم قال: { وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون * ~~وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون } ، أي: قال لهم موسى ": ~~وإني اعتصمت واستعذت بربي وربكم من أن تشتمون بألسنتكم، قاله ابن عباس ~~والضحاك. # وقال أبو صالح: أن ترجمون معناه: أن تقولوا لي شاعر (أو كاهن) أو ساحر. # وقال قتادة معناه: " أن ترجمون بالحجارة ". # وقال الفراء: " الرجم - هنا - القتل ". استجار ms2347 بالله عز وجل واعتصم به ~~سبحانه من أن يقتلوه. # ثم قال لهم: { وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون } ، أي: إذا ~~أنتم لم تصدقون فيما أقول لكم فخلوا سبيلي (ولا تؤذون). # وقيل معناه: فدعوني كفافا، لا علي ولا لي. # قال: { فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون } ، أي: ~~فدعا موسى ربه إذ كذبوه ولم يؤمنوا وهموا بقتله. وفي الكلام حذف تتصل ~~الفاء به. والتقدير: فكفروا فدعا ربه ولو لم يكن هذا الإضمار لم تتصل ~~الفاء بشيء ومثله الفاء في قوله: { فأسر بعبادي }. # قوله: { أن هؤلاء } ، أي فدعا ربه فقال إن هؤلاء قوم مجرمون لا ~~يؤمنون بما جئتهم به. # ثم قال تعالى: { فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون }. # في هذا الكلام حذف. والتقدير: فأجابه ربه عز وجل بأن قال له: فأسر ~~بعبادي ليلا، يعني: بني إسرائيل، أي: فأسر بعبادي الذين صدقوك وآمنوا بك ~~ليلا إنهم متبعون، أي: إن فرعون وجنوده من القبط يتبعونكم إذا سريتم من ~~عندهم. # ثم قال: { واترك البحر رهوا } ، أي: إذا قطعت البحر (أنت ~~وأصحابك) فاتركه ساكنا على حاله حين دخلته. هذا لفظه لفظ الأمر ومعناه ~~الخبر. # لم يكن في (وسع موسى) ترك ذلك، ولم يكن الله عز وجل ليأمره بما لا يقدر ~~عليه، فهو وعد من الله عز وجل لموسى أن يفعله له، وكأنه قال: ويبقى البحر ~~على حاله ساكنا حتى يدخله فرعون وجنوده فيغرقون. # قال ابن عباس، معناه: واتركه طريقا. وقال الضحاك: سهلا. # وقال مجاهد معناه: واتركه ساكنا لا يرجع إلى ما كان عليه حتى يحصل فيه ~~آخرهم، وهو معنى قول ابن عباس: اتركه طريقا، وروي عن مجاهد أيضا " ~~رهوا ": يابسا، وحكى المبرد: عيش (راه، أي): خفض وادع. # قال: فمعنى رهوا: ساكنا، حتى يحصلوا فيه وهو ساكن فلا (ينفروا منه). # وقيل الرهو: المتفرق ويقال: جاء القوم رهوا، أي: على نظام واحد. # وروي أن الله جل ذكره قال هذا لموسى بعد أن قطع البحر بنو إسرائيل. # فعلى / هذا القول يكون في الكلام حذف. والتقدير: فسرى موسى بعبادي ليلا ~~وقطع بهم البحر ms2348 فقلنا له بعدما قطعه وأراد رد البحر إلى هيئته التي كان ~~عليها قبل انفلاقه: اتركه رهوا، أي: ساكنا على حاله لا ترده إلى (هيئته ~~الأولى) حتى يدخلوا كلهم فيه ويطمئنوا. هذا القول هو قول قتادة. # قال قتادة: لما خرج آخر بني إسرائيل أراد نبي الله موسى عليه السلام أن ~~يضرب بالبحر بعصاه حتى يعود كما كان مخافة أن يتبعه فرعون وجنوده، فقيل ~~له: اتركه ساكنا على حاله إنهم جند مغرقون، فغرقهم الله عز وجل في ~~البحر. # ثم قال تعالى: { كم تركوا من جنات وعيون * وزروع } ، ~~أي: كم ترك آل فرعون - يعني: القبط المغرقين - من بساتين وينابيع ماء ~~تتفجر في بساتينهم وزروع قائمة. # { ومقام كريم } ، يعني: مقام الملوك والأمراء، كانوا يعظمونه ~~ويشرفونه، يعني به المنابر، (قاله ابن عباس وقيل: هي المنازل الحسنة. ~~ومعنى كريم: حسن). # ثم قال: { ونعمة كانوا فيها فاكهين } ، أي: وأخرجوا من ~~نعمة كانوا فيها متفكهين. قال قتادة: فاكهين: ناعمين. وعن ابن عباس: ~~فاكهين: فرحين والنعمة - بالفتح - التنعم. # وقرأ أبو رجاء العطاردي والحسن " فكهين " بغير ألف، على معنى: كانوا ~~فيها بطرين أشرين. # ثم قال: { كذلك وأورثناها قوما آخرين } ، أي: هكذا ~~فعلنا بهم أيها الناس، وأورثنا ما تركوا مما تقدم وصفه قوما آخرين يعني: ~~بني إسرائيل. # ثم قال تعالى: { فما بكت عليهم السمآء والأرض } ، أي: ~~ما بكى عليهم حين هلكوا بالغرق أهل السماء، ولا أهل الأرض. ثم حذف. # وقيل: إن بكاء السماء حمرة أطرافها. # قال السدي: " لما قتل الحسين بن علي عليه السلام بكت السماء عليه ~~وبكاؤها حمرتها ". وقال عطاء: " بكاؤها: حمرة أطرافها ". # وقيل: معنى ذلك أن المؤمن إذا مات بكت عليه السماء والأرض أربعين ~~صباحا، فأعلمنا الله عز وجل أنهم لم يكونوا مؤمنين فتبكي عليهم السماء ~~والأرض. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا، ألا لا غربة ~~على المؤمن [ما] مات مؤمن في غربة غابت عنه ~~فيها بواكيه إلا بكت عليه السماء والأرض. ثم ~~قرأ: { فما بكت عليهم السمآء والأرض } ثم قال: ms2349 ~~إنهما لا يبكيان على الكافر ". # وممن قال أن السماء والأرض تبكيان على المؤمن ولا تبكيان على الكافر، ~~علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) وابن عباس والحسن والضحاك وقتادة. # قال ابن عباس: ليس أحد من الخلائق إلا له باب في السماء (ينزل منه) رزقه ~~وفيه يصعد عمله، فإذا مات المؤمن فأغلق بابه من السماء ففقده بكى عليه، ~~وإذا أفقده مصلاه من الأرض والموضع الذي كان يذكر الله عز وجل فيه بكى ~~عليه. وإن قوم فرعون لم يكن لهم عمل صالح في الأرض ولا في السماء فلم يبك ~~عليهم شيء حين هلكوا هذا معنى قوله. # وقوله: { وما كانوا منظرين } ، معناه: لم يكونوا مؤخرين حين ~~أتاهم العذاب وتم الأجل. ### || [44.30-42] # قوله تعالى: { ولقد نجينا بني إسرائيل } - إلى قوله - ~~{ هو العزيز الرحيم } ، أي: ولقد نجى الله عز وجل بني إسرائيل ~~من العذاب المذل والإهانة التي كان فرعون وقومه يعذبونهم بها. قال قتادة: ~~عذابهم لبني إسرائيل هو قتلهم أبناؤهم واستحياء نساءهم. # ثم قال: { إنه كان عاليا من المسرفين } أي: إن فرعون ~~كان جبارا مستكبرا على ربه سبحانه مسرفا متجاوزا إلى غير ما يحب له ~~من الكفر والطغيان. # قال ابن عباس: من المسرفين: من المشركين. وقال الضحاك: من القتالين. # ثم قال تعالى: { ولقد اخترناهم على علم على ~~العالمين } ، أي: ولقد اخترنا بني إسرائيل على علم منا بهم على عالم ~~زمانهم وقيل معناه: اخترناهم للرسالة والتشريف على علم منا بهم فذكر ~~تعالى أنه أختارهم لكثرة الأنبياء منهم. # قال قتادة ومجاهد معناه: اخترناهم على أهل زمانهم ذلك ولكل زمان عالم. # ثم قال تعالى: { وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء ~~مبين } ، أي: وأعطيناهم من العبر والعظات ما فيه اختبار يبين لمن ~~تأمله أنه اختبار اختبرهم الله عز وجل به. # وقيل المعنى: آتيناهم نعما عظيمة وعبرا ظاهرة. # روي أن الله عز وجل أنزل ببيت المقدس سلسلة معلقة من السماء فكانوا ~~يتحاكمون في حقوقهم وخصوماتهم ودعاويهم إلى السلسلة. فمن كان محقا أدرك ~~بيده مس السلسلة، ومن كان مبطلا لم يدرك ms2350 بيده مسها، فلم يزالوا كذلك حتى ~~مكروا / فرفعت، وذلك فيما روي أن رجلا منهم أودع رجلا مالا فجحده ~~المودع عنده، فتحاكما إلى السلسلة فعمد الذي جحد الوديعة إلى كلخ فقأ ~~داخله، ثم أدخل فيه الوديعة. فلما أتيا إلى السلسة قال الجاحد للوديعة ~~لرب المال: أمسك لي هذه الكلخة (في يدك) حتى أمس السلسة، فأمسكها رب ~~المال وهو لا يعلم بما فيها. ثم تقدم الجاحد بحضرة الناس، وقال: اللهم إن ~~كنت تعلم أني قد وضعت ماله في يده وقبضه مني فأسألك ألا تفضحني ومد ~~يده فأدرك السلسة فأقبل صاحب المال يقول: والله يا بني إسرائيل (إن هذه ~~السلسلة لباطل وزور، فرفع الله السلسلة من ذلك الوقت. # ويروى أنه كان لهم عمودان، فإذا أتهم أحد بزنى فأقر رجم، وإن ~~جحد أدخل بين) العمودين فإن كان كاذبا انضما عليه فقتلاه، وإن (كان ~~بريئا) سلم. # وكان الرجل منهم يعمل الذنب لا يعلم به أحد فيصبح ويجده مكتوبا على ~~بابه. # قال قتادة: البلاء هو أنه (تعالى نجاهم) من عدوهم، ثم أقطعهم البحر وظلل ~~عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى. فيكون البلاء هنا على قول ~~قتادة، النعمة. # وقال ابن زيد: ابتلاهم بالخير والشر، يختبرهم فيما آتاهم من الآيات، من ~~يؤمن بها ومن يكفر. # ثم قال تعالى: { إن هؤلاء ليقولون * إن هي إلا ~~موتتنا الأولى وما نحن بمنشرين } ، أي: إن مشركي قريش ~~يا محمد ليقولن ما هي إلا موتتنا التي نموتها، وما نحن بعد مماتنا ~~بمبعوثين تكذيبا منهم للبعث والثواب والعقاب. # ثم قال: { فأتوا بآبآئنا إن كنتم صادقين } ، أي: قالوا ~~لمحمد عليه السلام ومن آمن به فأتوا بآبائنا، أي: فأحيهم لنا لنسألهم عن ~~صدقكم إن كنتم صادقين. # ثم قال تعالى: { أهم خير أم قوم تبع والذين من ~~قبلهم } ، أي: أهؤلاء المشركون يا محمد خير أم قوم تبع الحميري. # وقالت عائشة رضي الله عنها: كان " تبع " رجلا صالحا، فذم الله قومه ~~ولم يذمه. # قال كعب: كان " تبع " ملكا من الملوك، وكان قومه كهانا، وكان معه ~~قوم من أهل ms2351 الكتاب [فكان قومه يكذبون على أهل الكتاب عنده. # فقال لهم جميعا: قربوا قربانا فقربوا. فتقبل قربان أهل الكتاب] ~~ولم يتقبل قربان قومه فأسلم، فلذلك ذكر الله عز وجل قومه ولم يذكره. # قال أبو عبيدة: " تبع " اسم ملك من ملوك اليمن، سمي بذلك لأنه يتبع ~~صاحبه. # وروى سهل بن سعد الساعدي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لا تلعنوا تبعا فإنه (قد كان) " أسلم " ". # وقوله: { والذين من قبلهم } ، أي: من قبل قوم تبع من ~~الأمم الكافرة بربها. يقول الله جل ذكره: فليس هؤلاء المشركون من قومك يا ~~محمد بخير من أولئك الذين أهلكوا بكفرهم، فطمعوا أن (نصفح عنهم) ولا ~~نعذبهم وننتقم منهم بكفرهم. # وقوله: { أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين } ، أي: ~~أهلكنا قوم تبع والذين من قبلهم من الأمم الكافرة إنهم كانوا قوما ~~مجرمين. فإذا انتقمنا من الأفضل لكفره فما ظنك بالأدون. # ثم قال تعالى: { وما خلقنا السموت والأرض وما ~~بينهما لعبين } ، أي: لم نخلق ذلك لعبا، بل خلقناه لإقامة ~~العمل والحق الذي لا يصلح التدبير إلا به. # ينبه جل ذكره خلقه على صحة كون البعث والثواب والعقاب، وأنه لم يخلق ~~الخلق عبثا، بل خلقهم ليبلوهم أيهم أحسن عملا وأقبل للطاعة، فيجازي ~~المحسن بالإحسان والمسيء بما أراد، وهو قوله: { ما خلقناهمآ ~~إلا بالحق } ، أي للحق والعدل. # { ولكن أكثرهم لا يعلمون } ، أي: أكثر هؤلاء ~~المشركين لا يعلمون أن الله خلق (ذلك لذلك) فهم لا يخافون عقابا (ولا ~~يرجعون لتكذيبهم) بالمعاد والثواب والعقاب. # وذهب أبو حاتم إلى جواز الوقف على " تبع ". يقدر أن قوله: " والذين من ~~قبلهم أهلكناهم " مبتدأ وخبره. كأنه يجعل المهلكين هم الذين كانوا من قبل ~~قوم تبع (لا قوم تبع). والوقف عند غيره " أهلكناهم " على أن يكون الذين ~~عطف على " قوم " وأتم منه " مجرمين ". # (ثم قال: { إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين } ، أي: إن ~~يوم فصل الله بين خلقه وقت لجميع الخلق يجتمعون فيه للفصل بينهم). # ثم قال تعالى: { يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا }. " ~~يوم " بدل من " يوم " الأول. ومعناه ms2352 إن يوم لا يغني ولي عن ولي شيئا وقت ~~لجميع الخلق يجتمعون فيه للفصل بينهم، أي: يوم لا يدفع ابن عم عن ابن عم، ~~ولا صاحب عن صاحب شيئا من العذاب. # { ولا هم ينصرون } ، أي: ولا ينصرهم أحد مما حل بهم من ~~النقمة بكفرهم. # قال قتادة: " انقطعت الأسباب يومئذ يا ابن آدم، وصار الناس يومئذ إلى ~~أعمالهم، فمن أصاب يومئذ / خيرا سعد به، ومن أصاب يومئذ شرا شقي به ~~". # والمولى والولي في اللغة: الناصر. # وقول النبي صلى الله عليه وسلم: # " من كنت مولاه فعلي مولاه " # في تفسيره ثلاثة أقوال: # - أحدها: إن معناه: من كنت أتولاه فعلي يتولاه. # - والثاني: من كان (يتولاني، يتولاه) علي. # - والثالث: إنه كان قوله ذلك في سبب، وذلك أن أسامة بن زيد قال لعلي: ~~لست مولاي، إنما مولاي رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من كنت مولاه فعلي مولاه ". # ثم قال تعالى: { إلا من رحم الله إنه هو العزيز ~~الرحيم } " من " عند الأخفش في موضع رفع على البدل على المعنى كأن ~~التقدير: (ولا ينصر) أحد إلا من رحم الله. # وأجاز أن تكون في موضع رفع على الابتداء. كأنه في التقدير: إلا من رحم ~~الله فيغني عن غيره، أي: يشفع لغيره ممن أراد الله عز وجل له الشفاعة كما ~~قال: # ولا يشفعون إلا لمن ارتضى # [الأنبياء: 28]. # وقيل: " من " رفع لفعلها، أي لا يغني إلا من رحم الله ( " فمن " على هذا ~~القول بدل من " مولى " أي: لا يشفع إلا من رحم الله). # وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن المؤمنين يشفعون. وقال الكسائي " ~~من " في موضع نصب على الاستثناء المنقطع وهو قول الفراء. وتقف على " ~~ينصرون " إن جعلت " من " (ابتداء، ويكون) التقدير: إلا من رحم الله فإنه ~~تغني شفاعته. # فإن جعلت " من " بدلا أو استثناء منقطعا لم تقف على ينصرون. # وروى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن الرجل من المؤمنين يقام في صف أهل ~~الجنة حتى يرى رجلا من الموحدين ms2353 قائما (في ~~صف) أهل النار (قد أحسن إليه) في الدنيا ~~فيذكره ذلك فيذكر، فيشفع فيه فيحول إلى ~~صف أهل الجنة ". # وقوله: { إنه هو العزيز الرحيم } ، أي: العزيز في انتقامه ~~من أعدائه، الرحيم بأوليائه وأهل طاعته. ### || [44.43-59] # قال تعالى: { إن شجرة الزقوم } - إلى آخر السورة أي: إن ~~شجرة الزقوم التي أخبر تعالى أنها تنبت في أصل الجحيم هي طعام الكافر في ~~جهنم، والأثيم: الآثم وهو في هذا أبو جهل ومن كان مثله. # ولما نزلت هذه الآية دعا أبو جهل بزبد وتمر ودعا أصحابه (فقال: ~~تعالوا، تزقموا)، فهذا الذي يعدنا به محمد أنه طعامنا في ~~الجحيم. # وذكر ابن هشام أن أبا جهل لما سمع قول الله جل ذكره { إن شجرة ~~الزقوم * طعام الأثيم } قال: يا معشر قريش هل تدرون ما شجرة ~~الزقوم) التي يخوفكم بها محمد؟، قالوا: لا. قال: هي عجوة يثرب ~~بالزبد. # والعجوة صنف من التمر طيب. # وروي أن أبا الدرداء كان يقرئ رجلا { إن شجرة ~~الزقوم * طعام الأثيم } فكان الرجل يقول: طعام اليتيم. فلما ~~أكثر عليه أبو الدرداء ولم يفهم الرجل، قال له: إن شجرة الزقوم طعام) ~~الفاجر. # فهذه قراءة على التفسير لا يحسن أن يقرأ بها. # وقال ابن عباس: " لو أن قطرة من زقوم جهنم أنزلت على الدنيا لأفسدت على ~~الناس معائشهم ". وقال ابن زيد: الأثيم هنا: أبو جهل. # قال: { كالمهل يغلي في البطون } ، أي: شجرة الزقوم - التي ~~جعلنا ثمرها طعام الكافر في جهنم - كالرصاص أو الفضة المذابة إذا ما ~~تناهت حرارتها. # وقال ابن عباس: " كالمهل: كدردي الزيت ". # (وروي عنه أنه رأى فضة قد أذيبت فقال: هذا المهل وروى) الخدري عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " كالمهل: كعكر الزيت، إذا قرب إلى وجه الكافر ~~سقطت (فروة) وجهه فيه " # وقيل: " المهل " عكر القطران. وقيل: هو الصديد من الحميم. # وقوله: { كغلي الحميم } ، أي: (يغلي) ذلك في بطون الكفار كغلي ~~الماء المحموم، وهو الذي قد أوقد عليه حتى تناهت شدة حره، والحميم بمعنى: ~~(محموم، كقتيل) بمعنى: مقتول. # ثم قال تعالى: ms2354 { خذوه فاعتلوه }: يعني الأثيم، وهو الكافر، يقال ~~للملائكة: خذوا الكافر فاعتلوه، أي: (فادفعوه وسوقوه) على عنف. # يقال عتله: إذا ساقه بالدفع والجذب. # وقوله: { إلى سوآء الجحيم } ، أي: إلى وسطها، أي: ادفعوه إلى ~~وسط النار. # ثم قال: { ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم } ، ~~أي: صبوا على رأس هذا الأثيم - وهو الكافر - من عذاب الجحيم. # ثم قال: { ذق إنك أنت العزيز الكريم } ، أي: يقال له ذق ~~هذا العذاب إنك أنت كنت العزيز في قومك. # قال قتادة: # " نزلت هذه الآية في أبي جهل عدو الله لقي النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم فهزه، ثم قال: " أولى لك يا ~~أبا جهل، ثم أولى لك فأولى " فقال أبو جهل أيوعدني ~~محمد، لأنا أعز من يمشي بين جبليها. فنزلت { ذق إنك أنت ~~العزيز الكريم } أي: المدعي ذلك " # ، وفيه نزلت: # ولا تطع منهم ءاثما أو كفورا # [الإنسان: 24] /، وفيه نزلت: # كلا لا تطعه واسجد واقترب # [العلق: 19]. # فالمعنى: ذق عذاب الله، إنك أنت العزيز عند نفسك، الكريم فيما كنت ~~تقول. # وقوله " ذق " عند من كسر " إن " واقع على محذوف وهو العذاب. فأما من فتح ~~" أن " فمعناه مثل ذلك: ذق العذاب لأنك وبأنك كنت تقول: أنا العزيز ~~الكريم. # وهذا كلام معناه التقريع والتوبيخ وليس بمدح له، إنما هو على طريق ~~الحكاية لما كان يدعي في الدنيا من العزة والكرم، إذ كان يقول: أنا ~~العزيز الكريم، فقرع به عند حلول العذاب به إذ صار في ذلة وهوان. فكأنه ~~قيل له: ذق هذا العذاب إنك كنت تقول: أنا العزيز الكريم، فأنت الآن ~~الذليل المهان. فأين ما كنت تقول في الدنيا. وذلك أشد لنكا له وحسرته. # " وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي أبا جهل فقال له: " إن الله ~~أمرني أن أقول لك { أولى لك فأولى * ثم ~~أولى لك فأولى } فقال له أبو جهل: واللات لا ~~تملك لي نفعا ولا ضرا وإني لأمنع أهل البطحاء، ~~وإني لأعز وأكرم فأنزل الله تبارك وتعالى ما ~~هو صانع به ms2355 يوم القيامة، وما يقال له جوابا ~~لقوله: أنا أعز وأكرم، فقال له: { ذق إنك أنت العزيز ~~الكريم } عند نفسك، وأنت الذليل المهان عند الله ". # ثم قال: { إن هذا ما كنتم به تمترون } ، أي: يقال لهم ~~إن هذا العذاب الذي كنتم تشكون. # ثم قال تعالى: { إن المتقين في مقام أمين } ، أي: إن ~~الذين اتقوا الله عز وجل فأدوا طاعته (واجتنبوا معصيته) في موضع إقامة ~~آمنين فيه من السوء كله. وكل من (تقبل الله) له عملا وإن قل فهو من ~~المتقين بدلالة قوله: # إنما يتقبل الله من المتقين # [المائدة: 27]. # قال علي (بن أبي طالب) رضي الله عنه: ما قل عمل مع تقوى وكيف ~~يقل ما يتقبل. # ويروى أن سائلا سأل ابن عمر فأمر ولده أن يعطيه دينارا فأعطاه وقال ~~له: تقبل الله منك يا أبتاه، فقال ابن عمر: لو علمت أن الله عز وجل تقبل ~~مني سجدة واحدة، أو صدقة درهم واحد، لم يكن غائب أحب إلي من الموت. أتدري ~~ممن يتقبل؟! إنما يتقبل الله من المتقين! ذكر ذلك أبو عبيد في كتاب ~~الشواهد. # ووصف المقام " بأمين " لأنه يؤمن فيه. # والمقام - بالفتح - اسم المكان من قام، وبالضم اسم المكان (من أقام). # ثم بين تعالى ذكره ذلك المقام قال: { في جنات وعيون } ، أي: في ~~بساتين وعيون من الماء متطردا في أصول أشجار الجنات. # ثم قال تعالى: { يلبسون من سندس وإستبرق ~~متقابلين }. # السندس: ما رق من الديباج. والإستبرق: ما غلظ منه: وقيل: السندس: ~~الخز الموشى. # وقوله: " متقابلين، أي: هم على سررهم لا يستدبر بعضهم بعضا. # ثم قال تعالى: { كذلك وزوجناهم بحور عين } ، أي: كما ~~أدخلناهم الجنات، وألبسناهم السندس والإستبرق، كذلك أكرمناهم بأن زوجناهم ~~أيضا فيها بحور عين، وهن النقيات (البياض، والواحدة) حوراء. # وقال مجاهد: { وزوجناهم بحور عين } ، أي: " أنكحناهم حورا. ~~والحور التي يحار فيهن الطرف، باد مخ سوقهن من (وراء ثيابهن). يرى ~~الناظر وجهه في كبد إحداهن كالمرآة من رقة الجلد وصفاء اللون ". # والحور في اللغة: البياض، كما قيل للدقيق الصافي البياض الحوارى ~~وفي ms2356 حرف ابن مسعود: " زوجناهم بعيس عين " ، والعيس جمع عيساء وهي البيضاء ~~من الإبل. والعين جمع عيناء وهي العظيمة العينين من النساء. # ومن العرب من يقول: بحير عين على الاتباع للثاني. ومثله من الحديث رواية ~~من روى # " ارجعن مأزورات غير مأجورات " # والفصيح: ارجعن موزورات. # ثم قال: { فيها بكل فاكهة آمنين } ، أي: يدعو هؤلاء المتقون ~~من في الجنة بكل نوع من الفاكهة اشتهوه آمنين فيها من انقطاع ذلك عنهم، ~~ونفاده، وغائلة (أذاه) (ومن كل) سوء يحذر في الدنيا. # ثم قال تعالى: { لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة ~~الأولى } ، أي: بعد الموتة الأولى، أي: لا يذوقون فيها موتا بعد ~~موتهم في الدنيا. ف " إلا " ها هنا قريبة المعنى من " بعد ". # وقال بعض النحويين " إلا " هنا بمعنى " سوى " أي: لا يذوقون في الجنة ~~الموت سوى الموتة الأولى التي كانت في الدنيا، ومثله عنده # إلا ما قد سلف # [النساء: 22 و 23]. # وطعن في هذا القول، لأن القائل لو قال (لا أذوق) اليوم الطعام إلا ~~الطعام الذي ذقته قبل اليوم بمعنى " سوى " ، لجاز أن يريد أن عنده طعاما ~~من نوع الطعام الذي ذاق بالأمس، وإنه ذائقه اليوم دون سائر الأطعمة. # فيحتمل معنى الآية إذا كانت " إلا " بمعنى " سوى " أن يكون ثم موت من ~~جنس الموت الأول (يحل بهم) / وهذا محال. # وقال النحاس: المعنى لا يذوقون فيها الموت البتة. ثم قال: { إلا ~~الموتة الأولى } على الاستثناء المنقطع. # ولذلك أجاز بعضهم الوقف على " الموت " (لأن ما) بعده منقطع. وأكثرهم على ~~أن " إلا " بمعنى " بعد " ، كما تقول: ما كلمت رجلا اليوم إلا رجلا ~~عندك، أي: بعد رجل عندك. # (والأحسن أن يكون " إلا " بمعنى " غير " ، أي: لا يذوقون فيها موتا غير ~~الموتة الأولى التي كانت في الدنيا). # ثم قال: { ووقاهم عذاب الجحيم } ، أي: نجاهم منه. # ثم قال: { فضلا من ربك } ، أي: تفضلا منه. وهو مصدر والعامل ~~فيه فعل مضمر. # وقيل العامل: { يدعون فيها بكل فاكهة آمنين }. # (وقيل العامل: { إن المتقين في مقام أمين } ). # وقيل العامل: { ووقاهم عذاب الجحيم }. # وقيل: الكلام ms2357 كله الذي قبله عامل فيه، لأنه تفضل منه عليهم إذ وفقهم في ~~الدنيا إلى أعمال يدخلون بها الجنة. # وقيل: سماه " تفضلا " لأنه غفر لهم صغائر لو أخذهم بها لم يدخلوا ~~الجنة. # وقيل: إنما سماه " تفضلا " لأن نعمه عليهم في الدنيا تستغرق حسناتهم ~~فأدخلهم الجنة بفضله ورحمته لا بأعمالهم. # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ما أحد يدخل الجنة بعمله. # قيل: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: (ولا أنا) إلا ~~أن يتغمدني الله برحمته ". # ثم قال تعالى: { ذلك هو الفوز العظيم } ، (أي: هذا الذي ~~تقدم وصفه للمتقين هو النجاء العظيم والظفر) الكبير. # ثم قال تعالى: { فإنما يسرناه بلسانك } أي أنزلنا ~~القرآن بلسان العرب لعلهم يفهمون (فيتذكرون ويتعظون). # ثم قال تعالى: { فارتقب إنهم مرتقبون } ، أي: فانتظر ~~أن يحكم الله بينك وبينهم، إنهم منتظرون بك ريب الحدثان. وقيل المعنى: ~~فانتظر الفتح والنصر فإنهم منتظرون عند أنفسهم قهرك وغلبتك. ### | [45 - سورة الجاثية] ### || [45.1-11] # قوله تعالى: { حم * تنزيل الكتاب من الله } - إلى قوله - ~~{ من رجز أليم } ، قد تقدم ذكر الاختلاف في " حم ". # والمعنى: هذا تنزيل القرآن من عند العزيز في انتقامه من أعدائه الحكيم ~~في تدبيره. # ثم قال تعالى: { إن في السموت والأرض لأيت ~~للمؤمنين } أي: إن فيها لعبرا وحججا للمصدقين بها، أي: إن لها ~~خالقا لم يخلقها عبثا. # ثم قال تعالى: { وفي خلقكم وما يبث من دآبة ءايت ~~لقوم يوقنون } ، أي: وإن في خلقكم أيها الناس، وما ينشر الله عز ~~وجل في الأرض من دابة تدب عليها من غير جنسكم آيات لقوم يوقنون بحقائق ~~الخلق، وأن الله عز وجل اخترع جميع ذلك. # ثم قال تعالى: { واختلاف الليل والنهار ومآ أنزل ~~الله من السمآء من رزق فأحيا به الأرض بعد ~~موتها } ، أي: وإن في تعاقب الليل والنهار، وما ينزل من السماء من ~~مطر يكون عنه من النبات رزقكم. وسمي الماء رزقا لأن عنه يتكون الرزق في ~~الأرض. # وقوله: { فأحيا به الأرض بعد موتها } ، أي: أنزل الماء ~~فاهتزت الأرض بالنبات بعد أن كانت ms2358 لا نبات فيها. # ثم قال: { وتصريف الرياح } ، أي: وكون الرياح مرة شمالا ومرة ~~جنوبا، ومرة صبا ومرة دبورا، ونحو ذلك من اختلافها لمنافع الخلق. # { ءايت لقوم يعقلون } ، أي عبرا وحججا لقوم يعقلون عن ~~الله عز وجل أمره ونهيه، فيتبعون رسله، ويفهمون عنهم وحيه. # وقوله: { وما يبث من دآبة ءايت } النصب في " ءايات " حسن ~~على معنى: وإن في خلقكم آيات. وحسن ذلك لإعادة حرف الجر مع خلقكم. # ويجوز الرفع من ثلاثة أوجه. # أحدها: أن (تعطفها على الموضع) مثل قراءة الجماعة: # وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة # [الجاثية: 32] بالرفع، عطف على موضع { وعد }. # والوجه الثاني: ترفع " الآيات " بالابتداء، وما قبلها خبرها. وتكون قد ~~عطفت (جملة على) جملة منقطعة كما تقول إن زيدا خارج، وأن أجيئك غدا. # والوجه الثالث: أن ترفع على الإبتداء والخبر والجملة في موضع الحال. مثل ~~قوله: # يغشى طآئفة منكم وطآئفة قد أهمتهم ~~أنفسهم # [آل عمران: 154]. # وأما قوله: { واختلاف الليل والنهار } - إلى قوله - { ~~ءايت } ، فالرفع حسن على ما تقدم من الأوجه. # والنصب عند سيبويه (والأخفش والكسائي) جائز على العطف على عاملين وهما " ~~إن " وحرف الجر لأنك لم تعد " في مع " الاختلاف " كما أعدت أولا " في ~~" مع " خلقكم ". فصرت تعطف بالواو على ما عملت فيه " إن " وعلى ما عمل ~~فيه حرف الجر. فتخفض " الاختلاف " وتنصب " الآيات ". # ونظير هذا من الكلام قولك: في الدار زيد والحجرة عمرو فتعطف بالواو على ~~ما عملت فيه " في " وعلى ما عمل فيه الابتداء فتخفض الحجرة وترفع عمرا، ~~فتعطف على عاملين (بحذف واحد. # ولو أعدت " في " لم يكن عطف على عاملين. # ومنع المبرد القراءة بالنصب وقال: لا يجوز العطف على عاملين. # وكان الزجاج يحتج لسيبويه بأن قال: إن من رفع يقول: إنما قطعته مما قبله ~~فرفعته بالابتداء وما قبله رفع فهو أيضا عطف على عاملين لأنه عطف " ~~واختلاف " على " خلقكم " وعطف " آيات " على موضع " آيات " الأولى. # قال: / فقد صار العطف على عاملين إجماعا. # وهذا، لا يلزم، لأن من رفع يقول: إنما قطعته مما قبله فرفعته بالابتداء ms2359 ~~وما قبله خبره. # وحكى الفراء رفع " الاختلاف " ورفع " الآيات ". جعل " الآيات " هو " ~~الاختلاف ". وهذا وجه حسن ظاهر لولا أن القراءة سنة. # وإنما بعد العطف على عاملين (عند المبرد وغيره لأن حرف العطف إنما أتى ~~به لينوب مناب العامل للاختصار. فلم يقرأ أن يجعل ينوب مناب عاملين ~~مختلفين، ولو جاز أن ينوب مناب عاملين) لجاز أن ينوب مناب ثلاثة وأكثر ~~(وهذا لا يقوله أحد) لأنه لو ناب مناب رافع وناصب لكان [رافعا (ناصبا) ~~في حال، وللزوم أن ينوب مناب رافع وناصب وجار فيكون] ناصبا ورافعا ~~جارا في حال. وهذا محال ظاهر على أنهم قد أجمعوا أنه لا يجوز إذا تأخر ~~المجرور، نحو قولك: زيد في الدار وعمرو الحجرة، وإنما أجازه من أجازه إذا ~~كان المجرور يلي حرف العطف. وهذا تحكم بغير علة. # ثم قال تعالى: { تلك ءايت الله نتلوها عليك ~~بالحق } ، أي: تلك حجج الله نتلوها عليك يا محمد، أي: نخبرك عنها ~~بالحق لا الباطل كما يخبر مشركو قريش عن آلهتهم بالباطل يقولون: # ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى # [الزمر: 3]. # ثم قال تعالى: { فبأي حديث بعد الله وءايته ~~يؤمنون } ، أي: فبأي حديث يا محمد بعد قرآن الله عز وجل وكتابه ~~وآياته يؤمن هؤلاء المشركون. # ومن قرأه بالتاء فمعناه: فبأي حديث بعد قرآن الله سبحانه وكتابه تؤمنون ~~أيها المشركون. # ثم قال تعالى: { ويل لكل أفاك أثيم * يسمع ءايت ~~الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا }؟ # روي: أنها نزلت في النضر بن الحارث كان يخلف النبي صلى الله عليه وسلم ~~في مجلسه ويحدث قريشا. بأخبار ملوك العجم ويقول: أنا أحسن حديثا من ~~محمد صلى الله عليه وسلم. # فالمعنى: الواد السائل من صديد أهل جهنم لكل كذاب، ذي إثم سامع لآيات ~~الله تقرأ عليه ثم يتمادى على تكبره وتجبره على ربه سبحانه، فلا يذعن ~~لأمره ونهيه كأن لم يسمع ما قرئ عليه # كأن في أذنيه وقرا # [لقمان: 7]، أي: صمما، فلا يسمع شيئا لإصراره على كفره. # فبشره يا محمد بعذاب مؤلم، أي: موجع يوم القيامة. ms2360 قال ابن عباس نزلت في ~~الحارث بن كلدة ". # ثم قال تعالى: { وإذا علم من ءايتنا شيئا اتخذها ~~هزوا } ، أي: وإذا علم هذا الأفاك الأثيم من آيات الله شيئا اتخذها ~~هزوا، أي: يسخر منها، وذلك كفعل أبي جهل حين نزلت: # إن شجرة الزقوم * طعام الأثيم # [الدخان: 43 و 44]، إذ دعا بزبد (وثمر) فقال: تزقموا من هذا، فما يفزعكم ~~محمد إلا بهذا. # ثم قال: { أولئك لهم عذاب مهين } ، أي: لهم في الآخرة ~~عذاب يهينهم، ويذلهم في نار جهنم. # وجمع في قوله: { أولئك } ردا على قوله: { لكل أفاك }. # ثم قال تعالى: { من ورآئهم جهنم } ، أي: أمامهم جهنم. # { ولا يغني عنهم } من عذابها. { ما كسبوا } في الدنيا من ~~الأموال والأولاد شيئا. # { ولا ما اتخذوا من دون الله أوليآء } أي: ولا تغني ~~عنهم آلهتهم التي اتخذوها أولياء من دون الله فعبدوها، ولا رؤساؤهم الذين ~~أطاعوهم في الكفر فاتخذوهم أولياء على ذلك من عذاب الله شيئا. # ثم قال: { ولهم عذاب عظيم } ، يعني: نار جهنم وما فيها من ~~أصناف العذاب. # ثم قال تعالى: { هذا هدى والذين كفروا بآيت ~~ربهم لهم عذاب من رجز أليم } ، أي: هذا القرآن الذي ~~أنزلنا هدى لمن وفقه الله إلى الإيمان به والعمل بما فيه. والذين جحدوا ~~آيات ربهم ولم يؤمنوا بها، لهم عذاب مؤلم من الرجز. # قال المبرد: " الرجز: أغلظ العذاب وأشده ". ### || [45.12-21] # قوله تعالى: { الله الذي سخر لكم } - إلى قوله - { سآء ~~ما يحكمون } ، أي: الذي تجب له العبادة والخضوع والطاعة هو الله ~~الذي سخر لكم البحر لتجري السفن فيه بأمره وبقدرته فتنتفعون بذلك ~~لمتجركم، ومعائشكم، وتصرفكم في البلدان، وتبتغون من فضله فهو الذي يجب له ~~الشكر على نعمه دون غيره. # ثم قال تعالى: { وسخر لكم ما في السموت وما في ~~الأرض جميعا منه } ، أي: سخر لكم أيضا - أيها الناس - ما في ~~السماوات من شمس وقمر ونجوم وليل ونهار وما في الأرض من دابة وشجر وجبل ~~وغير ذلك لمنافعكم ومصالحكم جميعا منه، أي: نعمة منه عليكم، فإياه ~~فاحمدوا واشكروا. # وقرئت: " جميعا منة ms2361 " ، أي من (عليكم بذلك منة). # ثم قال: { إن في ذلك لأيت لقوم يتفكرون } ، أي: ~~إن في تسخير ما تقدم ذكره لمنافع الخلق ومصالحهم لعبرا لقوم يتفكرون في ~~آيات الله عز وجل وحججه سبحانه وأدلته فيعتبرون بها ويتعظون. # و { جميعا منه } (وقف جيد). # ومن قرأ " منة " وقف على " جميعا " ، ثم ابتدأ " منة " إن في ذلك " ، ~~أي: من عليكم بذلك منة. # ثم قال تعالى: { قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا ~~يرجون أيام الله } ، أي: قل لهم اغفروا يغفروا. فهو جواب أمر ~~محمول على المعنى. # والمعنى: قل يا محمد للذين صدقوك: اغفروا للذين لا يخافون أيام الله، ~~أي: بأس الله ووقائعه فيمن كفر به ونقمه منهم يغفروا. # { ليجزي قوما بما كانوا يكسبون } ، أي: ليجزي الله عز ~~وجل في الآخرة هؤلاء / الذين يؤذون المؤمنين بما اكتسبوا في الدنيا من ~~أذى المؤمنين (ومن غير) ذلك. # وروي عن عاصم أنه قرأ { ليجزي قوما } بنصب قوم والفعل لما لم ~~يسم فاعله. وهذا بعيد جدا لم يجزه سيبويه ولا جميع البصريين. # وإنما تقديره عنده: ليجزي الجزاء قوما. فيقيم المصدر مقام ما لم يسم ~~فاعله ويضمره وينصب الاسم المقصود بالمعنى وهو شاذ بعيد في النظر ~~والقياس. # ولم يجز النحويون: " ضرب الضرب زيدا " برفع الضرب ونصب زيد، ولو ~~جاز هذا لجازت هذه القراءة ولكن لا يجيزونه إلا في شعر على بعد. # قال ابن عباس: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرض عن المشركين إذا آذوه، ~~وكانوا يستهزؤون به ويكذبونه، ثم أمره الله عز وجل أن يقاتلهم كافة. فكان ~~هذا من المنسوخ. وعن ابن عباس أيضا، وهو قول الضحاك: إن الآية نزلت في ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه شتمه رجل من المشركين بمكة قبل الهجرة، فأراد ~~أن يبطش به فنزلت: { قل للذين آمنوا } - يعني عمر - { ~~يغفروا للذين لا يرجون أيام الله } ، ثم نسخ هذا ~~في " براءة " بالأمر بالقتال والقتل للمشركين، وهو أيضا قول قتادة، إلا ~~أنه قال: نسخها قوله: # فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من ~~خلفهم # [الأنفال: 57] وقاله الضحاك. ms2362 # وعن أبي هريرة أنه قال نسخها قوله: # أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا # [الحج: 39]. # وقيل: معنى " لا يرجون أيام الله ": لا يخافون البعث. # ثم قال تعالى: { من عمل صلحا فلنفسه } ، أي: لخلاص نفسه ~~يعمل، والله عز وجل غني عن عمله، إنما عمله له. # { ومن أسآء فعليها } ، أي: ومن عمل عملا سيئا فعلى نفسه جنى ~~وفي عطبها سعى، لا يضر الله سبحانه ذلك ولا ينقصه من ملكه. { ثم ~~إلى ربكم } أيها الناس. # { ترجعون } ، (أي: تردون) في الآخرة فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء ~~بإساءته. # ثم قال تعالى: { ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب ~~والحكم والنبوة } ، أي: ولقد أعطينا بني إسرائيل التوراة ~~والإنجيل. # { والحكم } يعني: الفهم بالكتاب والعلم بما فيه من السنن التي لم ~~تنزل في كتاب. قال مجاهد: " الحكم: اللب ". # وقوله: { والنبوة } ، أي: وجعلنا منهم الأنبياء والرسل إلى ~~الخلق، فأكثر الأنبياء والرسل من بني إسرائيل. # ثم قال: { ورزقناهم من الطيبات } ، يعني: المن ~~والسلوى وغير ذلك من المطاعم. # ثم قال تعالى: { وفضلناهم على العالمين } ، أي: على عالم ~~زمانهم. # ثم قال: { وآتيناهم بينات من الأمر } ، أي: وأعطيناهم ~~واضحات من أمرنا بتنزيلنا التوراة عليهم فيها تفصيل كل شيء. # ثم قال: { فما اختلفوا إلا من بعد ما جآءهم ~~العلم بغيا بينهم } أي: لم يختلفوا في دينهم إلا من بعد { ~~ما جآءهم العلم } ، أي: إلا من بعد ما أنزلت عليهم التوراة ~~فاختلفوا للرياسة بعد علمهم بالحق مما اختلفوا فيه فتنافسوا في الدنيا ~~ورياستها فبغوا بغيا فيما بينهم، وتركوا تبيين ما أنزل الله عليهم. # ثم قال: { إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة } ، ~~أي: يحكم (ويفصل بينهم) فيما اختلفوا فيه يوم القيامة، فيعلي المحق على ~~المبطل. # ثم قال تعالى: { ثم جعلناك على شريعة من الأمر ~~فاتبعها } ، أي: ثم جعلناك يا محمد بعد بني إسرائيل على طريقة وسنة ~~ومنهاج من أمرنا الذي أمرنا به من قبلك من الرسل، فاتبع تلك الشريعة { ~~ولا تتبع أهوآء الذين لا يعلمون } ، أي: ولا تتبع ~~ما يدعوك إليه الجاهلون بالله. # قال ابن عباس: { على شريعة }: " على هدى من ms2363 الأمر وبينة ". # وقال قتادة: " الشريعة: الفرائض والحدود والأمر والنهي ". # وقال ابن زيد: الشريعة: الدين، وقرأ # شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي ~~أوحينآ إليك # [الشورى: 13] فنوح أولهم ومحمد آخرهم صلى الله على جميع النبيين وسلم. # ثم قال تعالى: { إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا } ~~أي إن هؤلاء الجاهلين بربهم لن ينفعوك من الله شيئا إن اتبعت أهواءهم وما ~~يدعونك إليه. # ثم قال تعالى: { وإن الظالمين بعضهم أوليآء بعض } ~~، أي: وإن الكافرين بعضهم أنصار بعض وأعوانهم على أهل الإيمان بالله عز ~~وجل. # { والله ولي المتقين } ، أي: هو ولي من اتقاه بأداء ~~فرائضه واجتناب معاصيه. # ثم قال تعالى: { هذا بصائر للناس وهدى ورحمة } ، ~~أي: هذا القرآن بصائر يبصر به من العمى وهو الضلالة، ويهتدي به من جار عن ~~طريق / الحق، وتاه في ميدان الباطل { ورحمة } ، أي: وهو رحمة لمن ~~آمن به واتبعه. # (وقوله: { لقوم يوقنون } ، أي هو نور ورشاد ورحمة لمن أيقن أنه ~~من عند الله فآمن به واتبعه). # ثم قال تعالى: { أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن ~~نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات } ، أي: ~~أيحسب الكفار بالله عز وجل المكتسبون الكبائر أن يكونوا كالمؤمنين بالله ~~عز وجل المجتنبين للكبائر. # ويدل على أن المراد بالمكتسبين السيئات في هذه الآية الكفار قوله: " ~~كالذين ءامنوا وعملوا الصالحات ". فذكر الإيمان مع العمل، ولو كانوا ~~مؤمنين لقال: كالذين عملوا الصالحات ولم يذكر الإيمان. # ثم قال: { سوآء محياهم ومماتهم سآء ما يحكمون }. # قال مجاهد معناه: إن المؤمن يموت على إيمانه ويبعث على إيمانه والكافر ~~يموت على كفره ويبعث عليه. وقال أبو الدرداء: " يبعث الناس على ما ماتوا ~~عليه ". # هذا معنى قراءة من رفع " سواء " فجعله مبتدأ " ومحياهم " خبر، ومماتهم ~~عطف على " محياهم ". # وإنما حسن الرفع في " سواء " (لأن الفعل) قد استوفى مفعوليه فارتفع " ~~سواء " على الابتداء، كما قيل " سواء العاكف فيه والبادي ". # وإنما اختير الرفع في " سواء " لأنه اسم في معنى المصدر فلم يحسن جريه ~~على الأول فارتفع بالإبتداء إذ الفعل قد تعدى إلى مفعوليه. ms2364 # ولو كان في موضع " سواء " مستو لحسن النصب لأنه يجري على الأول، فينصب ~~مع المعرفة على الحال وهذا هو الاختيار عند سيبويه وجميع النحويين. # ويجوز النصب عند سيبويه وغيره كما أجاز: مررت برجل سواء عليه الخير ~~والشر، فإذا نصبت على الحال، إذ قبله معرفة. # فكما جاز أن يكون صفة للنكرة جاز أن يكون حالا للمعرفة وهو بعيد، لأن ~~الأسماء التي ليست بجارية على الفعل، الرفع الاختيار فيها عند النحويين ~~إذا رفعت ظاهرا بعدها. # وبالنصب قرأ حفص وحمزة والكسائي على الحال من الهاء والميم في " نجعلهم ~~". # وقرأ الأعمش { سوآء محياهم ومماتهم } بالنصب في ذلك كله ~~ينصب " سوا " على الحال، وينصب " محياهم ومماتهم " على تقدير في محياهم ~~ومماتهم كأنه يجعله ظرفا. # ويجوز أن يكون { محياهم ومماتهم } بدلا من الهاء والميم في ~~{ نجعلهم } فيصير المعنى: (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعل ~~محياهم ومماتهم سواء)، أي كمحيى الذين آمنوا ومماتهم. # والوقف على " الصالحات " حسن عند نافع وأبي عبيدة على قراءة من رفع. # وقال غيرهما: من نصب سواء وقف عليه. وهو بعيد لا وجه له، لأن " محياهم " ~~مرتفع " بسواء ". والتمام عند الأخفش: " ومماتهم " وعند غيره " يحكمون ". # ومعنى " ساء ما يحكمون: " بيس الحكم يحكمون إن حسبوا ذلك وظنوه. # و " ما " في موضع رفع إن جعلتها معرفة. وفي موضع نصب على البيان إن ~~جعلتها نكرة. # قال مجاهد في معنى الآية: محيى المسلمين ومماتهم، كلاهما محمود، محيى ~~الكفار ومماتهم مذموم، فلا يستويان. ### || [45.22-29] # قوله تعالى: { وخلق الله السموت والأرض بالحق } ~~- إلى قوله -: { ما كنتم تعملون } ، أي: خلق ذلك للعدل والحق لا ~~لما يحسب هؤلاء الجاهلون بالله عز وجل من أن يجعل من اكتسب السيئات ~~بالكفر كمن آمن بالله تعالى وعمل صالحا في المحيى والممات، لأن هذا من ~~فعل غير أهل العدل والإنصاف. فمن الحق والعدل عند الذي خلق السماوات ~~والأرض لهما، أن يخالف بين حكم من كفر ومن آمن في العاجل والآجل. # ثم قال: { ولتجزى كل نفس بما كسبت } ، أي: وخلق ذلك ~~لتجزى كل نفس في الآخرة ms2365 بما كسبت في الدنيا من خير وشر. { وهم لا ~~يظلمون } ، أي: لا يظلمون جزاء أعمالهم. # وروى أبو هريرة حديثا يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إذا كان يوم القيامة بعث الله عز وجل مع كل ~~امرئ عمله، فلا يرى المؤمن شيئا (يروعه ولا ~~شيئا) يخافه إلا قال له عمله: لا تخف إنك ~~والله ما أنت بالذي هو يراد بالذي ها هنا، ولا ~~أنت المعني به. فإذا قال له ذلك مرارا قال له ~~المؤمن: من أنت رحمك الله، فوالله ما رأيت شيئا ~~قط هو أحسن منك وجها ولا أطيب منك ريحا ولا ~~أحسن منك لفظا. فيقول: / أتعجب من حسني؟ إن ~~عملك والله -، كان حسنا في الدنيا، وإني أنا ~~عملك، وإنك كنت تحملني في الدنيا على ثقلي، ~~وإني والله لأحملك اليوم وأدافع عنك، قال: ~~(وإنها للتي) يقول الله جل ذكره: { وينجي ~~الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ~~ولا هم يحزنون } ". # ثم قال تعالى: { أفرأيت من اتخذ إلهه هواه }. # قال ابن عباس: " ذلك الكافر اتخذ بغير هدى من الله ولا برهان ". # قال قتادة: " لا يهوى شيئا إلا ركبه، لا يخاف الله ". # وقال ابن جبير: " كانت قريش تعبد العزى - وهو حجر أبيض - حينا من ~~الدهر، فإذا وجدوا ما هو أحسن منه طرحوا الأول وعبدوا الآخر فأنزل الله ~~عز وجل: { أفرأيت من اتخذ إلهه هواه }. # قال الحسن: " هو الذي كلما اشتهى شيئا لم يمتنع منه ". # ثم قال تعالى: { وأضله الله على علم } ، أي: وخذ له الله ~~عن طريق الحق في سابق علمه على علم منه بأنه لا يهتدي ولو جاءته كل آية. # قال ابن عباس: " أضله الله في سابق علمه ". # وقال ابن جبير: " أضله على عدم قد علمه منه ". # وقيل المعنى: أضله الله عن الثواب على علم منه بأنه لا يستحقه. # وقيل المعنى: " على علم منه بأن عبادته لا تنفعه ". # ثم قال تعالى: جل ذكره: { وختم على سمعه وقلبه وجعل ~~على بصره غشاوة } ، أي: وطبع على سمعه أن يسمع (مواعظ الله ms2366 ~~وما) ينتفع به، وطبع على قلبه (فلا يعي) شيئا من الخير، وجعل على بصره ~~غطاء أن يبصر به حجج الله عز وجل، يعني: بصر قلبه. فهو لا يهتدي لخير، ~~نسأل الله ألا يخذلنا عما فيه رشدنا عنده. # ثم قال: { فمن يهديه من بعد الله } ، أي: فمن يوفقه لإصابة ~~الحق بعد إضلال الله عز وجل له، وخذلانه إياه. # { أفلا تذكرون } أيها الناس ما يذكر لكم وما توعظون به. # ثم قال تعالى: { وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا ~~نموت ونحيا } ، وقال هؤلاء المشركون ما حياتنا إلا حياتنا الدنيا ~~التي نحن فيها، لا حياة سواها، تكذيبا بالبعث والجزاء. قال قتادة: " هذا ~~قول مشركي العرب ". # وقوله: { نموت ونحيا } أي نموت نحن ويحيى أبناؤنا بعدنا. # وقيل: هو كلام فيه تقديم وتأخير. والتقدير: نحيى ونموت. # وقيل المعنى: نكون أمواتا، يعني: النطق، ثم نحيى، أي: نصير أحياء في ~~الدنيا ثم لا يهلكنا إلا الدهر، أي: إلا مرور الزمان وطول العمر. # وقيل المعنى: نموت (ونحيا على قولكم أيها المؤمنون) - على طريق ~~الاستبعاد للبعث - بعد الموت، قاله علي بن سليمان. # وهؤلاء قوم لم يكونوا يعرفون الله فنسبوا ما يلحقهم من الموت إلى الدهر. # وقيل: بل كانوا يعرفون الله سبحانه، ولكن نسبوا الآفات والعلل التي ~~تلحقهم فيموتون بها إلى الدهر. # جهلوا أن الآفات مقدرة من عند الله عز وجل. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لا تسبوا الدهر، فإن الدهر هو الله ". # ومعنى ذلك: أنهم كانوا يسبون الدهر ويقولون: هو يهلكنا فنهى النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن ذلك. # فيكون معنى نهيه: لا تسبوا الدهر فإن الله هو مهلككم لا الدهر الذي ~~نسبتم ذلك إليه. # وقيل المعنى: لا تسبوا خلقا من خلق الله فيما لا ذنب له، فإن الله عز ~~وجل هو خالق الدهر. فيكون على حذف مثل # وسئل القرية # [يوسف: 82]. # وقيل معنى ذلك، فإن الله مقيم الدهر، أي: مقيم أبدا لا يزول. # ثم قال تعالى: { وما لهم بذلك من علم } ، أي: وما لهم - ~~بقولهم: لا نبعث ms2367 - من علم، إنما ينكرون ذلك ويقولون: ما هي إلا حياتنا ~~الدنيا - تخرصا بغير خبر أتاهم من الله عز وجل. ما هم إلا في ظنون، أي: ~~في شك من ذلك وحيرة. # ثم قال تعالى: { وإذا تتلى عليهم ءايتنا بينات } ~~، أي: وإذا تتلى على هؤلاء المكذبين بالبعث آيات الله عز وجل ظاهرات ~~تخبرهم بالبعث بعد الموت. لم تكن حجتهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلا قولهم: جئ بآبائنا الذين هلكوا وانشرهم لنا إن كنت صادقا في قولك: ~~إنا نبعث بعد الموت. # وروى هارون وحسين عن أبي بكر عن عاصم: " ما كان حجتهم " بالرفع. # ثم قال تعالى: { قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم ~~يجمعكم إلى يوم القيامة } ، أي: قل لهم يا محمد: الله ~~يحييكم ما شاء أن يحييكم في الدنيا ثم يميتكم فيها إذا شاء، ثم يجمعكم ~~إلى يوم القيامة، أولكم وآخركم لا شك في ذلك، فلا تشكوا فيه. # ثم قال: { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } أي: أكثر ~~الناس الذين هم أهل تكذيب بالبعث لا يعلمون حقيقة ذلك. # ثم قال تعالى: { ولله ملك السماوات والأرض } ، أي: ~~سلطان ذلك دون من تدعون من دون الله من الآلهة. # ثم قال تعالى: { ويوم تقوم الساعة } ، أي: وله الملك يوم ~~تقوم الساعة. # والعامل في " يومئذ ": " يخسر ". وقيل: العامل في " يوم تقوم ": " يخسر ~~" و " يومئذ " بدل منه. فيبتدئ ب " يوم تقوم الساعة ". # قوله: { يخسر المبطلون } ، أي: يغبن / ذلك اليوم الذين أبطلوا ~~في الدنيا في أقوالهم ودعواهم أن (لله شريكا) فيخسرون منازلهم في الجنة، ~~ويبدلون بها منازل في النار كانت للمحقين في أقوالهم ودعواهم أن الله لا ~~شريك له فأبدلوا منها بمنازلهم في الجنة. فمفعول " يخسر " محذوف، وهو ~~المنازل. # ثم قال تعالى: { وترى كل أمة جاثية كل أمة ~~تدعى إلى كتابها } ، أي: وترى يا محمد ذلك اليوم أهل كل أمة ~~ودين جاثية على ركبها مجتمعة (مستوفرة) من هول ذلك اليوم. # قال مجاهد: جاثية على الركب (مستوفزين): وهو قول الضحاك وابن زيد ~~وغيرهما. # وعن مجاهد أن " الأمة هنا: ms2368 الواحد ". # ثم قال تعالى: { كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم ~~تجزون ما كنتم تعملون } ، أي أهل كل أمة يدعون إلى كتابهم ~~الذي أملت حفظتهم في الدنيا من أعمالهم وألفاظهم، يقال لهم: اليوم ~~تجزون ثواب أعمالكم في الدنيا، إن خيرا فخير وإن شرا فشر. # فالمعنى: كل يجزى بما تضمنه كتابه من عمله في الدنيا، وهو مثل قوله: # وكل إنسان ألزمناه طآئره في عنقه # [الإسراء: 13]. # ويدل على صحة هذا التفسير قوله بعد ذلك: { إنا كنا نستنسخ ~~ما كنتم تعملون }. # وقيل معنى الآية: كل أمة تدعى إلى كتابها الذي فرض عليها من حلال وحرام ~~فتجازى بما عملت فيه. # قال ابن عباس: يعرض من خميس إلى خميس ما كتبته الملائكة عليهم السلام من ~~أفعال بني آدم. فينسخ منه ما يجزى عليه من الخير والشر، ويلغى سائره. # ثم قال: { هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق } ، أي يقال ~~لهم في ذلك اليوم إذا عرضت عليهم أعمالهم في كتبهم التي أحصتها عليهم ~~الحفظة: هذا كتابنا ينطق عليكم بما أسلفتم في الدنيا من الأعمال، قد ~~أحصته عليكم الحفظة، فاقرؤوه. # { إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون } ، أي: كانت ~~حفظتنا تكتب أعمالهم فتثبتها في الكتب عليكم. # وقال ابن عباس: هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق، (هو أم) الكتاب فيه أعمال ~~بني آدم. # وقوله: { إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون } ، قال هم ~~الملائكة يستنسخون أعمال بني آدم من اللوح المحفوظ قبل أن يعملوها، ثم ~~يقابلون بذلك أعمال بني آدم فلا يزيدون شيئا ولا ينقصون شيئا قد كتب ~~الله عز وجل ذلك قبل خلقهم وعلمه وقضاه. # قال ابن عباس: إن الله جل ذكره خلق النون - وهي الدواة - وخلق القلم ~~فقال: اكتب قال: ما أكتب، فقال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل ~~معمول، بر أو فجور ورزق مقسوم من حلال (أو حرام)، ثم الزم كل شيء من ذلك ~~شأنه: دخوله في الدنيا ومقامه فيها كم، وخروجه منها كم هو، ثم جعل على ~~العباد حفظة، وعلى الكتاب خزانا، فالحفظة ينسخون كل يوم من ms2369 الخزان ~~عمل ذلك اليوم فإذا فنى الرزق وانقطع الأثر، وانقضى الأجل أتت الحفظة ~~الخزنة يطلبون عمل ذلك اليوم (من الخزنة) فتقول لهم الخزنة: ما نجد ~~لصاحبكم عندنا شيئا، فترجع الحفظة فيجدونهم قد ماتوا. # قال ابن عباس: " ألستم قوما عربا تسمعون الحفظة تقول: إنا كنا نستنسخ ~~ما كنتم تعملون، وهل يكون الاستنساخ إلا من أصل ". # وعنه أيضا أنه قال: فرغ الله عز وجل مما هو كائن فتنسخ الملائكة ما ~~يعمل يوما بيوم من اللوح المحفوظ، فيقابل به عمل الإنسان لا يزيد على ~~ذلك ولا ينقص. # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: " إن الملائكة ينزلون في كل يوم ~~بشيء يكتبون فيه أعمال بني آدم ". # وقيل لابن عباس: ما توهمنا إلا أنهم يكتبونه بعدما يعمل. فقال: أنتم قوم ~~عرب والله يقول: إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون " وهل يكون الاستنساخ إلا ~~من نسخة. # وروى مجاهد عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أول شيء خلقه الله عز وجل القلم، فأخذه ~~بيمينه - وكلتا يديه يمين - فكتب: الدنيا وما ~~يكون فيها من عمل (معمول بر) أو فجور، رطب أو ~~يابس، فأمضاه عنده (في الذكر). ثم قال: اقرؤوا ~~إن شئتم: { هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق ~~إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون } فهل تكون ~~النسخة إلا من شيء قد فرغ منه ". ### || [45.30-37] # قوله تعالى: { فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~فيدخلهم ربهم في رحمته } - إلى آخر السورة، أي: فأما ~~الذين وحدوا الله عز وجل وعملوا بطاعته فيدخلهم ربهم في رحمته، يعني: في ~~جنته يوم القيامة. # { ذلك هو الفوز المبين } ، أي: دخولهم في رحمته يومئذ هو ~~الظفر الظاهر. # ثم قال: { وأما الذين كفروا أفلم تكن ءايتى ~~تتلى عليكم } ، / جواب " أما " محذوف، والتقدير: فيقال لهم ألم ~~تكن آياتي تتلى عليكم، أي تقرأ عليكم فاستكبرتم عن اتباعها والإيمان بها. ~~والاستكبار في اللغة: الأنفة عن اتباع الحق. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " قال الله جل ذكره: الكبرياء ردائي، والعظمة ~~إزاري، فمن ms2370 نازعني واحدا منهما ألقيته في ~~جهنم ". # قوله: { وكنتم قوما مجرمين } ، أي: قوما تكسبون الآثام ~~والكفر بالله سبحانه، لا تؤمنون بمعاد ولا بثواب ولا عقاب. # ثم قال تعالى: { وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة ~~لا ريب فيها قلتم ما ندري ما الساعة } ، أي: ويقال ~~لهم يومئذ: وإذا قيل لكم إن وعد الله حق في بعثكم ومجازاتكم على أعمالكم، ~~قلتم مجيبين: ما ندري ما الساعة، أي: ما ندري ما البعث والجزاء تكذيبا ~~منكم بوعيد الله ووعده وإنكار القدرة على إحيائكم بعد موتكم. # { إن نظن إلا ظنا } ، أي: وقلتم (ما نظن) أن الساعة آتية ~~إلا ظنا. # { وما نحن بمستيقنين } أنها جائية. # وتقديره في العربية: إن نحن إلا نظن ظنا ونظيره من الكلام ما حكاه (أبو ~~عمرو) بن العلاء وسيبويه من قولهم: ليس الطيب إلا المسك، (على تقدير: ليس ~~إلا الطيب المسك). هذا مذهب المبرد وتقديره. # وسيبويه يقول (إن " ليس " ) في هذا جرت مجرى " ما " فارتفع ما بعد " إلا ~~" كما يرتفع مع " ما " # وقيل التقدير في الآية: إن نظن إلا أنكم تظنون ظنا. وإنما احتيج إلى ~~هذا التقدير لأنه لا يجوز في الكلام: ما ضربت إلا ضربا، وما ظننت إلا ~~ظنا، إذ فائدة المصدر فائدة الفعل فكما لا يجوز: ما ضربت إلا ضربت، وما ~~ظننت إلا ظننت، كذلك لا يجوز مع المصدر، فكذلك لا تجوز إن نظن إلا نظن. # وإذا لم يجز مع الفعل لم يجز مع المصدر، فلا فائدة في المصدر أن يقع بعد ~~حرف الإيجاب وليس قبله اسم، كما لا فائدة في الفعل أن يقع بعده. فلذلك ~~احتيج إلى تقدير محذوف ليقع بعد الحرف اسم أو فعل قبله اسم. # ثم قال تعالى: { وبدا لهم سيئات ما عملوا } ، أي: وظهر ~~لهؤلاء المكذبين بالبعث عقاب سيئات أعمالهم في الآخرة. # { وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون } ، أي: وحل بهم من ~~عذاب الله عقاب استهزائهم بآيات الله عز وجل في الدنيا. # ثم قال تعالى: { وقيل اليوم ننساكم } ، أي: نترككم في نار ~~جهنم كما تركتم العمل ms2371 للقاء يومكم هذا، وتشاغلتم بلذاتكم في الدنيا، ~~واتبعتم أهواءكم. # ثم قال: { ومأواكم النار } ، أي: ومنزلكم الذي تأوون إليه نار ~~جهنم. # وما لكم من ناصر ينصركم من العذاب فينقذكم منه. # ثم قال تعالى: { ذلكم بأنكم اتخذتم ءايت الله ~~هزوا } ، أي: هذا الذي حل بكم من (العذاب والهوان) باتخاذكم آيات الله ~~- (في الدنيا) - هزؤا تسخرون منها. # ثم قال: { وغرتكم الحياة الدنيا } ، أي: وخدعتكم الحياة ~~الدنيا فآثرتموها على العمل بما ينجيكم من العذاب. # ثم قال تعالى: { فاليوم لا يخرجون منها ولا هم ~~يستعتبون } ، لا يخرجون من نار جهنم، ولا يستعتبون فيردون إلى ~~الدنيا ليعملوا صالحا ويتوبوا من كفرهم. # ثم قال تعالى: { فلله الحمد رب السموت ورب ~~الأرض رب العالمين } ، أي: فلله على نعمه وأياديه عند خلقه ~~الحمد، فإياه فاحمدوا أيها الناس، فهو رب السماوات ورب الأرض، أي: مالكها ~~ومالك العالمين، وهم جميع أصناف الخلائق. # ثم قال تعالى: { وله الكبريآء في السماوات والأرض } ~~، أي: وله العظمة والسلطان والجلال في السماوات السبع والأرضين السبع. # { وهو العزيز الحكيم } ، أي: وهو العزيز في نقمته من أعدائه، ~~القاهر كل ما دونه، الحكيم في تدبيره خلقه وتصريفه إياهم فيما شاء كيف ~~شاء لا يقدر (على ذلك) ولا على شيء منه أحد غيره، لا إله إلا هو. ### | [46 - سورة الأحقاف] ### || [46.1-4] # قوله: { حم * تنزيل الكتاب من الله } إلى قوله { إن ~~كنتم صادقين }. # قد تقدم ذكرهم، والتقدير: هذا تنزيل الكتاب من عند الله العزيز في ~~انتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبيره خلقه. # ثم قال: { ما خلقنا السموت والأرض وما بينهمآ ~~إلا بالحق وأجل مسمى }. # أي: ما أحدثنا ذلك وأوجدناه (بعد أن لم يكن) إلا لإقامة الحق والعدل في ~~الخلق، (وإلا لأجل مسمى)، فكل ذلك معلوم عنده تعالى متى - يفنيه فيصيره ~~معدوما عندكم - أمر بفناء ذلك. # ثم قال: { والذين كفروا عمآ أنذروا معرضون }. # أي: والذين جحدوا توحيد الله سبحانه ولم يؤمنوا بالبعث بعد الموت معرضون ~~عن إنذار الله عز وجل، لا يتعظون ولا يتفكرون في آيات الله سبحانه ~~فيعتبرون ويزدجرون. # ثم قال: ms2372 { قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ~~ماذا خلقوا من الأرض }. # أي: قل لهم يا محمد - لهؤلاء الكفار بالله سبحانه من قومك - أرأيتم أيها ~~الناس الآلهة التي تعبدون من دون الله سبحانه: # أروني أي: شيء خلقوا من الأرض، فإن ربي خلق الأرض كلها. # وقيل " من " بمعنى " في " ، والمعنى أروني { ماذا خلقوا من ~~الأرض } فإن ربي خلق الأرض كلها، فلأي شيء عبدتموها ولأي حجة آثرتم ~~عبادتها على عبادة الله سبحانه الذي خلقها وابتدعها، وخلق كل ما في الأرض ~~من غير أصل. # { أم لهم شرك في السموت }. # أي: أم لآلهتكم شرك في خلق السماوات السبع فيكون لكم بذلك حجة في ~~عبادتكم إياها، فمن حجتي في إفراد الله بالعبادة أنه خلق السماوات ~~والأرضين وابتدع ذلك من غير أصل. # ثم قال: { ائتوني بكتاب من قبل هذآ }. # [أي: جيئوني بكتاب من قبل هذا] القرآن فيه أن آلهتكم خلقت شيئا من ~~السماوات والأرضين، أو جيئوني بأثارة من علم بذلك. # " وأثارة " مصدر كالسماحة. # قال ابن عباس: # هو خط كانت تخطه العرب في الأرض، وروى أن نبيا كان يخط بإصبعيه في ~~الأرض السبابة والوسطى، يخط بهما في الرمل ويزجره. # وقال قتادة معناه: أو خاصة من علم تخبر أن آلهتكم خلقت شيئا أو لها شرك ~~في شيء، وهو قول ابن جبير والحسن. # وقيل معناه: أو علم تثيرونه فتستخرجونه. # وقيل معناه: أو تأثرون بذلك علما عن أحد ممن كان قبلكم، قاله مجاهد. # وعن ابن عباس: " أو أثارة من علم " ، معناه: أو بينة من الأمر. # وقال أبو عبيدة وأبو بكر بن عياش معناه: أو بقية من علم. # ثم قال: { إن كنتم صادقين } /. # أي: إن كنتم صادقين في دعواكم ما تدعون أن آلهتكم مستحقة أن تعبد. # وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، أو أثرة من علم، على فعلة وهما ~~لغتان عند الفراء، وحكى الكسائي لغة ثالثة: أو أثرة على فعلة. # والمعنى عنده: أو بقية من علم، ويجوز أن يكون معناه عنده: أو شيئا ~~مأثورا من كتب الأولين. # وأثرة بمعنى أثر، كقترة وقتر، ms2373 والمأثور هو المتحدث به مما صح سنده عن من ~~يحدث به عنه. ### || [46.5] # قوله: { ومن أضل ممن يدعوا من دون الله }. # [أي: لا أحد أضل ممن يعبد من دون الله] حجرا لا يستجيب له إذا دعاه ~~أبدا، ولا ينفعهم، وتلك الحجارة التي يعبدونها غافلة عن دعاء هؤلاء ~~الكفار، لا تعقل ولا تفهم، ووقعت " من " للأصنام والحجارة، وهي لا تعقل ~~لأنهم جعلوها في عبادتهم إياها بمنزلة من يعقل ويميز، فخوطبوا على مذهبهم ~~فيها. # وقد قرأ ابن مسعود (ما لا يستجيب له) كما قال: # لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر # [مريم: 42]، فأجراه على المعنى، وأتى ب " ما " التي تكون لما لا يعقل، ~~وقد كان يلزم أن يقرأ: " وهي عن دعائهم غافلة لكنه أتى به على لفظ من ~~يعقل، فمرة رد الكلام على المعنى، ومرة رده على ما جرى في مخاطباتهم ومثل ~~قراءة الجماعة هنا: قوله: # ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله # [الزمر: 3] وأتى بالهاء والميم وهما لمن يعقل، فجرى الإخبار عن الأصنام ~~على ما يجري في مخاطباتهم، لأنهم أجروها مجرى من يعقل ومن يميز، ولو أتى ~~الكلام على المعنى لقال: " ما نعبدها إلا لتقربنا ". وهذا كله توبيخ من ~~الله جل ذكره للمشركين لسوء رأيهم وقبح اختيارهم في عبادتهم ما لا يعقل ~~شيئا ولا يفهم، وتركهم عبادة من أنعم عليهم بجميع ما هم فيه من النعم، ~~وإليه يلجئون ويتفرعون عند حاجتهم وضروراتهم. ### || [46.6] # قال: { وإذا حشر الناس كانوا لهم أعدآء }. # أي: وإذا جمع الناس لموقف الحشر كانت آلهتهم لهم أعداء؛ لأنهم يتبرءون ~~منهم، وهو قوله: { وكانوا بعبادتهم كافرين }. # لأن الآلهة تقول يوم القيامة: ما أمرناهم بعبادتنا ولا شعرنا بفعلهم، ~~وهو قوله تعالى: # تبرأنآ إليك ما كانوا إيانا يعبدون # [القصص: 63]. ### || [46.7] # قال: { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات }. # أي: وإذا تقرأ عليهم آيات الكتاب واضحات البرهان أنها حق من عند الله، ~~قالوا للحق لما جاءهم، وهو القرآن: هذا سحر مبين أي: ظاهر لمن تأمله ~~وسمعه، قالوا: هذا القرآن يخدع من سمعه كفعل السحر. ### || [46.8] ms2374 # قال: { أم يقولون افتراه قل إن افتريته فلا ~~تملكون لي من الله شيئا }. # أي: يقول هؤلاء المشركون: اختلق محمد هذا القرآن. فقل لهم يا محمد: إن ~~افتريته؛ أي: إن اختلقته من عند نفسي كذبا على الله سبحانه فلستم تغنون ~~عني من عذاب الله عز وجل شيئا إن عذبني على ذلك. # { هو أعلم بما تفيضون فيه } أي: الله أعلم من كل شيء سواه ~~بما تقولون وما تدعون علي من الكذب. # { كفى به شهيدا بيني وبينكم } أي: كفى الله شاهدا علي ~~وعليكم فيما تقولون وما أقول. # { وهو الغفور الرحيم } أي: والله ذو الستر على ذنوب من تاب ~~إليه، الرحيم بهم أن يعذبهم عليها بعد توبتهم منها /. ### || [46.9] # قال: { قل ما كنت بدعا من الرسل ومآ أدري ما ~~يفعل بي ولا بكم }. # أي: قل يا محمد: ما كنت أول الرسل فتنكرون رسالتي، بل قد كان قبلي رسل ~~كثير وأنا واحد منهم. # قال المبرد: البدع البديع الأول، ومنه يقال: ابتدع فلان كذا، أي: أتى ~~بما لم يتقدمه إليه أحد قبله، ومنه بديع السماوات: أي: مبتدعهما. # وقوله: { ومآ أدري ما يفعل بي ولا بكم }. # قيل أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يقول ذلك للمؤمنين، أي: لست ~~أدري ما نصير إليه يوم القيامة. # ثم بين الله عز وجل حاله فقال: # إنا فتحنا لك فتحا مبينا * ليغفر لك الله ~~ما تقدم من ذنبك وما تأخر # [الفتح: 1-2] وبين للمؤمنين أمرهم فقال: # ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر عنهم ~~سيئاتهم # [الفتح: 5] هذا قول ابن عباس. # وقال عكرمة والحسن: هذه الآية منسوخة نسختها سورة الفتح، قالا: فلما ~~نزلت سورة الفتح خرج النبي صلى الله عليه وسلم فبشرهم بأنه قد غفر له ما ~~تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال له رجل من المسلمين هنيئا لك يا نبي الله ~~قد علمنا ما يفعل بك فما يفعل بنا، فأنزل الله، # وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا ~~كبيرا # [الأحزاب: 47] وأنزل: # ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري ms2375 من ~~تحتها الأنهار # [الفتح: 5] إلى قوله: # حكيما # [الفتح: 7] فبين للمؤمنين ما يفعل بهم أيضا. # قال قتادة: ما أدري ما يفعل بي ولا بكم، ثم درى ما يفعل به في أول ~~الفتح، وعن الحسن: أنها نزلت في المشركين، وأنه صلى الله عليه وسلم ما ~~يدري ما يصير إليه أمره معهم في الدنيا، وما يصير أمرهم، أيؤمنون أم ~~يكفرون، أيعجلون بالعذاب أم يؤخرون وقال: أما في الآخرة فمعاذ الله، إنه ~~قد علم أنه في الجنة حين أخذ ميثاقه في الرسل. # وقيل معناه: ما أدري ما يفترض علي وعليكم في الدنيا من الفرائض. # وقيل المعنى: ما أدري ما يحل علي وعليكم من جدب أو رخاء في الدنيا. # وقيل إنها نزلت في رؤيا رآها النبي صلى الله عليه وسلم، فسرت أصحابه ~~فاستبطئوا تأويلها فأنزل الله عز وجل: { ومآ أدري ما يفعل بي ~~ولا بكم }. # واختار الطبري وغيره أن يكون هذا في أمر الدنيا دون حال الآخرة لأنه لو ~~كان لا يدري ما يفعل به ولا بهم في الآخرة لكان ذلك حجة لهم لأنهم يقولون ~~له: فعلى ما نتبعك إذا كنت لا تدري على أي حال نصير غدا في القيامة. # وقوله: { إن أتبع إلا ما يوحى إلي } أي: ما اتبع فيما ~~أمركم به وفيما أفعله إلا وحي الله عز وجل إلي وأمره إياي. # { ومآ أنا إلا نذير مبين } أي: أنذركم عقاب الله عز وجل ~~على كفركم. # { مبين } أي: قد بينت لكم إنذاري لكم ونصحي إياكم. ### || [46.10] # قال: { قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم ~~به } أي: قل يا محمد لهؤلاء القائلين للقرآن لما جاءهم هذا سحر مبين، ~~إن كان هذا القرآن من عند الله أنزله علي وكفرتم به. # { وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله } يعني ~~موسى عليه السلام شهد على مثل القرآن، فالتصديق أنه من عند الله هو ~~التوراة. # فشهد على التوراة أنها من عند الله سبحانه، والقرآن مثلها. قاله مسروق. # وقال الشعبي: زعم قوم أنه عبد الله بن سلام، وإنما أسلم عبد ms2376 الله ~~بالمدينة، والحواميم مكية، ولكنه موسى عليه السلام، وروى مالك عن أبي ~~هريرة عن عامر بن سعد بن أبي وقاص أنه قال: # " ما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لأحد يمشي على الأرض [إنه] من ~~أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام، قال: وفيه نزلت { وشهد شاهد ~~من بني إسرائيل } ". # وقال ابن عباس: # " كان رجلا من أهل الكتاب آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم [قال]: إنا ~~نجده في التوراة، وكان أفضل رجل فيهم وأعلمهم فخاصم اليهود النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وتراضوا بحكم عبد الله بن سلام وقالوا: إن شهد لك آمنا ~~بك، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أتشهد أني رسول الله مكتوبا في ~~التوراة والإنجيل؟ # فقال: نعم فاعترضت اليهود وأسلم عبد الله، وهو قوله: { فآمن ~~واستكبرتم } ". # قال مجاهد: هو عبد الله بن سلام، وهو قول قتادة وابن زيد والحسن. # وعن الشعبي أنه قال: هو رجل من أهل الكتاب غير عبد الله بن سلام. # وذهب ابن سيرين إلى أن هذه الآية مدنية جعلت في سورة مكية فيصح أنه عبد ~~الله بن سلام لأن إسلامه (كان بالمدينة). # ثم قال: { إن الله لا يهدي القوم الظالمين } أي: جعل ~~جزاءهم على كفرهم ترك توفيقهم للهدى. # وقيل: في الآية تقديم وتأخير، والتقدير: # { قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به ~~وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن ~~واستكبرتم }. # فقوله: " واستكبرتم " معطوف على وكفرتم. وقوله: " على مثله ": ~~معناه عليه، كما قال: # فإن آمنوا بمثل مآ آمنتم به # [البقرة: 137]: أي: فإن آمنوا / بمثل القرآن وجواب " أرأيتم " محذوف. # دل عليه { إن الله لا يهدي القوم الظالمين } ~~والتقدير / أضلكم الله بفعلكم، إن الله لا يهدي القوم الظالمين. # وقيل التقدير فآمن واستكبرتم أليس قد ظلمتم، إن الله لا يهدي [القوم] ~~الظالمين. # و { أرأيتم } لفظ موضوع للسؤال والاستفتاء، ويكون للتنبيه ولذلك ~~لا يقتضي مفعولا به. ### || [46.11-16] # قوله: { وقال الذين كفروا للذين آمنوا } إلى قوله: { ~~الذي كانوا يوعدون }. # من جعل الشاهد عبد الله بن سلام أو ms2377 غيره من مؤمني بني إسرائيل، كان ~~المعنى عنده: وقال الذين كفروا من بني إسرائيل للذين آمنوا بمحمد عليه ~~السلام منهم: لو كان إيمان هؤلاء بمحمد صلى الله عليه وسلم خيرا ما ~~سبقونا إلى ذلك. # ومن جعل الشاهد في هذه الآية موسى صلى الله عليه وسلم كان المعنى عنده: ~~وقال مشركو قريش لمن آمن منهم بمحمد صلى الله عليه وسلم: لو كان الإيمان ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم خيرا ما سبقنا هؤلاء إليه، وهذا التأويل قول ~~قتادة. # قال: ذلك ناس من المشركين، قالوا: نحن أعز به ونحن ونحن، فلو كان ~~الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم خيرا ما سبقنا إليه فلان وفلان يعنون ~~عمارا وبلالا وصهيبا وأصنافهم، فأنزل الله جل ذكره: # يختص برحمته من يشآء # [البقرة: 104]. # قال الحسن: أسلم " أسلم " " وغفار " فقالت قريش: لو كان خيرا ما سبقونا ~~إليه. # وقال الزجاج: أسلمت جهينة ومزينة وأسلم وغفار، فقال بنو عامر وغطفان ~~وأشجع وأسد: لو كان ما دخل فيه هؤلاء من الدين خيرا ما سبقونا إليه، إذ ~~نحن أعز منهم وإنما هؤلاء رعاة البهم. # وفي قوله: { سبقونآ } خروج من خطاب إلى غيبة، ولو جرى على صدر ~~الكلام في الخطاب لقال: ما سبقتمونا، ولكنه كلام فصيح حسن كثير في كلام ~~العرب والقرآن، ويجوز أن يكون قال: { ما سبقونآ } على أن يكون قاله ~~الكفار لبعض المؤمنين، فيكون على بابه لم يخرج من شيء إلى شيء، فقيل: إنه ~~قول وقع في أنفسهم ولم يقولوه ظاهرا بأفواههم. # وقوله: { وإذ لم يهتدوا به }. # أي: بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به { فسيقولون هذآ ~~إفك قديم }. # أي: هذا القرآن أكاذيب من أخبار الأولين قديمة. # ثم قال: { ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة }. # أي: ومن قبل هذا القرآن كتاب موسى أنزلناه عليه، " فالهاء " تعود على ~~القرآن المتقدم ذكره في قوله: # إن أتبع إلا ما يوحى إلي # [الأحقاف: 9] وهو التوراة إماما لبني إسرائيل يأتمون به، ورحمة لهم. # ثم قال: { وهذا كتاب مصدق } يعني: القرآن مصدق للتوراة. # وقيل: مصدق لمحمد صلى ms2378 الله عليه وسلم وما جاء به. # وقوله: { لسانا عربيا } نصبه على الحال من المضمر في { ~~مصدق }. # وقيل: هو حال من { كتاب } لأنه لما نعت قرب من المعرفة فحسنت الحال ~~منه. # وقيل: هو منصوب " بمصدق " ، وفيه بعد؛ لأنه يصير المعنى أن القرآن يصدق ~~نفسه، فيصير التقدير: وهذا القرآن مصدق نفسه؛ لأن اللسان العربي هنا هو ~~القرآن، وهذا المعنى ناقص إذا تأملته. # وقيل: " اللسان " هنا عني به محمد صلى الله عليه وسلم، فعلى هذا المعنى ~~يحسن نصب " لسان " " بمصدق " ، كأنه قال: وهذا القرآن مصدق محمدا صلى ~~الله عليه وسلم. # ويجوز أن يكون في الكلام حذف مضاف. والتقدير: وهذا كتاب مصدق صاحب لسان ~~عربي، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا قول حسن وتأويل صحيح. # ثم قال: { لينذر الذين ظلموا } أي: لينذر [أهل] الكتاب ~~الذين ظلموا. # وقيل معناه: لينذر محمد صلى الله عليه وسلم بالقرآن الذين ظلموا، وهذا ~~التأويل على قراءة من قرأ لينذر [بالياء، فأما على قراءة من قرأ بالتاء ~~فلا يكون إلا لمحمد صلى الله عليه وسلم، والمعنى: لتنذر يا] محمد الذين ~~ظلموا أنفسهم بكفرهم بالله سبحانه. # { وبشرى للمحسنين }. # أي: وهو بشرى للذين أطاعوا الله عز وجل فأحسنوا لأنفسهم في فعلهم. # ثم قال تعالى: { إن الذين قالوا ربنا الله ثم ~~استقاموا }. # أي قالوا: لا إله إلا الله، ثم استقاموا على ذلك فأطاعوا الله عز وجل ~~فأحسنوا لأنفسهم في فعلهم حتى ماتوا فلا خوف عليهم من فزع يوم القيامة، ~~ولا هم يحزنون على ما خلفوا بعدهم في الدنيا. # ثم قال: { أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها }. # أي: هؤلاء الذين تقدمت صفتهم هم أصحاب الجنة ماكثين فيها جزاء لهم من ~~الله عز وجل بأعمالهم الصالحة. # ثم قال تعالى { ووصينا الإنسان بولديه إحسانا ~~حملته أمه كرها ووضعته [كرها] }. # أي: ووصينا ابن آدم بوالديه الحسنى في صحبته إياهما أيام الدنيا، والبر ~~بهما حياتهما وبعد مماتهما لما لقيانه في حمله وتربيته، ثم بين ما لقيا ~~منه من التعب فقال: { حملته أمه كرها } أي: بمشقة، ووضعته ~~بمشقة. # قال ms2379 أبو محمد (مؤلفه رضي الله عنه): فبر الوالدين أعظم ما يتقرب به إلى ~~الله جل ذكره، وعقوقهما من أعظم الكبائر المهلكات، وقد تقدم القول في ~~ذلكما في " سبحان " وبينه الله عز وجل بقوله تعالى: # إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما ~~فلا تقل لهمآ أف # [الإسراء: 23]. # فنهى الله عز وجل الولد أن يقول أف إذا شم منهما رائحة يكرهها، فالنهي ~~لما فوق ذلك أعظم، وهذا باب مختصر في الحض على بر الوالدين. # روى ابن مسعود # " أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أي الأعمال أفضل قال: " الإيمان ~~بالله، والصلاة لوقتها، وبر الوالدين، والجهاد في سبيل الله " ". # وروى مورق العجلي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " هل تعلمون نفقة أفضل من نفقة في سبيل الله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، ~~قال: نفقة الولد على الوالدين ". # وروى أبو هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن، دعوة الوالدين، ودعوة المسافر ~~[ودعوة] المظلوم ". # وفي رواية أخرى: # " ودعوة الإمام العادل في موضع، ودعوة المظلوم ". # قال الحسن: دعاء الوالدين للولد نجاة، ودعاؤهما عليه استيصال. # قال: وعن المسيب # " أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد يوما المنبر فلما وضع رجله على ~~الدرجة الأولى قال: آمين، ثم وضع رجله على الدرجة الثانية فقال: آمين، ثم ~~وضع رجله على الدرجة الثالثة فقال: آمين، فلما فرغ من خطبته ذكروا له ذلك ~~فقال: إن جبريل استقبلني حين وضعت رجلي على الدرجة الأولى، فقال: من أدرك ~~أبويه أو أحدهما فلم يغفر له فأبعده الله، قل آمين، فقلت: آمين، فلما ~~صعدت إلى الثانية قال: من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له فأبعده الله، قل ~~آمين، فقلت: آمين، فلما صعدت إلى الثالثة، قال: ومن ذكرت عنده فلم يصل ~~عليك فأبعده الله قل آمين، فقلت: آمين ". # وروى مجاهد يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " كل شيء بينه وبين الله حجاب إلا شهادة أن لا إله إلا الله، ودعوة ~~الوالدين ". # وعن الحسن # " أن رجلا سأل النبي ms2380 صلى الله عليه وسلم فقال له إني حججت، وإن والدتي ~~قد آذنت لي في الحج، فقال [له]: " لقعدة معها تقعدها على مائدتها أحب إلي ~~من حجتك " ". # وروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه بعده ". # وقال عمر رضي الله عنه " من أراد أن يصل أباه بعد موته فليصل إخوان أبيه ~~بعده ". # وعن النبي عليه السلام أنه قال: # " ودك ود أبيك لا تقطع من كان يصل أباك فيطفأ بذلك نورك ". # وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر: الإشراك بالله وعقوق الوالدين، واليمين ~~الغموس ". # وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن من أكبر الكبائر أن يسب الرجل والديه، قيل: وكيف يسب الرجل والديه، ~~قال: يسب أبا الرجل، فيسب أباه ويسب أمه [فيسب أمه] ". # وروى أبو أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أربعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، عاق، ومنان، ~~ومدمن خمر، ومكذب بقدر ". # قال الحسن: انتهت القطيعة إلى أن يجافي الرجل أباه عند السلطان، يعني ~~يخاصمه، ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " الأم أعظم حق في البر والطاعة من الأب ". # وعن الحسن أنه قال: (ثلثا البر الطاعات للأم والثلث للأب). # وروى أبو هريرة: # " أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله من أحق مني ~~بحسن الصحبة، قال: أمك، قال ثم من، قال: أمك ثلاثا، قال: ثم من؟ قال: ~~أباك ". # وقد قرن الله جل ذكره شكره بشكر الوالدين فقال: # أن اشكر لي ولوالديك # [لقمان: 14]. # وقال كعب الأحبار: قال لقمان لابنه " يا بني من أرضى والديه فقد أرضى ~~الرحمن ومن أسخطهما فقد أسخط الرحمن يا بني إنما الوالدان باب من أبواب ~~الجنة، فإن رضيا مضيت إلى الجنان وإن سخطا حجبت ". # وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوك فيعتقه ". # وقوله: ms2381 { ووصينا الإنسان [بولديه إحسانا] }. # يقال إن الإنسان ها هنا إنسان بعينه، وليس كل إنسان حمله وفصاله ثلاثون ~~شهرا، بل يزيدون وينقصون، وليس كل من بلغ أشده يقول: { رب ~~أوزعني أن أشكر نعمتك }. # وقيل: نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما. والذي عليه ~~أكثر الناس أنها عامة على الأكثر من الناس في الحمل والفصال. # وقوله: { قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك }. # هذه صفة المؤمن وما يجب له أن يقول، فهو وإن لم يقل ذلك فذلك اعتقاده ~~ومذهبه، وذلك ما يجب له أن يقول. # قال (قتادة والحسن ومجاهد): المعنى حملته مشقة ووضعته مشقة، و " حسنا ~~" في مصاحف الحرمين والشام والبصرة بغير ألف قبل الحاء، وعلى ذلك أجمع ~~القراء في سورة " العنكبوت " ، وهو في مصاحف الكوفيين بألف، وعلى ذلك ~~أجمع القراء في قوله: { وبالوالدين إحسانا } ، فالقراءتان ~~متكافئتان، إذ في كتاب الله لكل واحدة مثال، فجمع عليه. # وقرأ عيسى بن عمر " حسنا " بفتح الحاء والسين على معنى فعلا حسنا، ~~ولا يجوز حسنى بغير تنوين؛ لأن هذا لم تتكلم به العرب بألف التأنيث ~~إلا بالألف واللام في أوله نحو الحسنى والفضلى، وإحسان مصدر ~~أحسن، وحسن بمعناه، وكرها مصدر في موضع الحال. # وزعم أبو حاتم أن القراءة بفتح الكاف لا تحسن؛ لأن الكره بالفتح: الغصب ~~والقهر، وبالضم المكروه، فبالضم يتم المعنى عنده، وذكر أن بعض العلماء ~~سمع رجلا يقرأ بفتح الكاف فقال له لو حملته كرها (لرمت به) لأن ~~الكره عنده الغضب والقهر. # وهما عند أكثر العلماء غيره لغتان مشهورتان بمعنى واحد، ومعناه المشقة. ~~والفتح عند المبرد وسيبويه أولى به لأنه المصدر بعينه. # وقد حكى سيبويه والخليل أن كل فعل ثلاثي فمصدره فعل، واستدلا على ذلك ~~أنك إذا رددته إلى المرة الواحدة جاء مفتوحا، تقول: قام قومة، ~~وذهب ذهبة، والذهاب عندها اسم للمصدر، لا مصدر، فكذلك الكره ~~بالضم إنما هو اسم للمصدر، والكره بالفتح هو المصدر. # ثم قال تعالى: { وحمله وفصله ثلثون شهرا }. # أي: ومدة حمل أمه له وفصالها إياه من الرضاع ms2382 ثلاثون شهرا. # وهذا مما استدل به العلماء على أن أقل الحمل ستة أشهر؛ لأنه قد قال ~~تعالى في سورة البقرة: # والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين # [البقرة: 233] فأخبر بمدة الرضاعة الكاملة، فالذي يبقى من الثلاثين ~~شهرا التي ذكر الله هنا هو ستة أشهر فهي للحمل. # وقرأ الجحدري " وحمله وفصله ". ورويت عن الحسن. # والفصال والفصل مصدران. يقال فصله فصالا وفصلا، والفصل ~~على مذهب سيبويه هو المصدر، والفصال اسم للمصدر على ما تقدم. # وهذا النص مخصوص غير عام، إنما هو في أكثر الناس لأن منهم من يقيم في ~~الحمل أكثر من ثلاثين شهرا، والفصل بعد ذلك، وقد قيل إنه إنسان بعينه. # ثم قال تعالى: { حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين ~~سنة } " أشده " عند سيبويه جمع شدة، وقد ذكر شرحه في " يوسف " ~~بأبين من هذا. # قال ابن عباس: الأشد ثلاث وثلاثون سنة، والاستواء أربعون سنة، والعمر ~~الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون سنة. # وقال الشعبي: الأشد بلوغ الحلم، وذلك إذا كتبت لك الحسنات وعليك ~~السيئات. # وقيل: الأشد ثماني عشرة سنة. # ثم قال: { قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي ~~أنعمت علي وعلى والدي (وأن أعمل صلحا) }. # أي: قال هذا الإنسان الذي هداه الله لرشده، وعرف حق الله في بره والديه، ~~أعني على شكر نعمتك التي أنعمت علي، وتعريفي توحيدك وهدايتك إياي للعمل ~~بطاعتك وعلى والدي من قبلي. # وأصل أوزعني: من وزعت الرجل على كذا: إذا دفعته ~~إليه. # وكان أبو بكر بن عياش يقول هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فلم يكفر له ~~أب ولا أم بل أسلما. قال أوزعني: معناه ألهمني، روي " أنه لما بلغ أشده ~~ثماني عشرة سنة صحب النبي صلى الله عليه وسلم والنبي عليه السلام ابن ~~عشرين سنة، وسافر معه إلى الشام في تجارة فنزلا منزلا فيه سدرة، فقعد ~~النبي صلى الله عليه وسلم في ظلها، ومضى أبو بكر إلى راهب بجوار الموضع ~~يقال له بحيرى فسأله أبو بكر رضي الله عنه عن الدين وتحدث معه، فقال له ms2383 ~~الراهب: من الرجل الذي في ظل السدرة؟ فقال له أبو بكر: محمد بن عبد الله ~~بن عبد المطلب فقال له الراهب: هذا والله نبي، والله ما استظل تحتها أحد ~~بعد عيسى ابن مريم إلا محمد صلى الله عليه وسلم، فلما بعث النبي عليه ~~السلام وهو ابن أربعين سنة وأبو بكر ابن ثمان وثلاثين سنة، آمن به وصدقه ~~وصحبه، ففيه نزلت الآيات. # ثم قال تعالى: { وأن أعمل صلحا ترضه }. # أي: وأوزعني أن أعمل عملا صالحا يرضيك عني. { وأصلح لي في ~~ذريتي }. # أي: وأصلح لي أموري في ذريتي الذين وهبتم لي بأن تجعلهم على الهدى ~~واتباع مرضاتك. # { إني تبت إليك } أي: تبت إليك من الذنوب التي سلفت مني. # { وإني من المسلمين } أي: من الخاضعين لك بالطاعة، المسلمين ~~لأمرك ونهيك ثم قال: { أولئك الذين نتقبل عنهم ~~أحسن ما عملوا }. # أي: والذين هذه صفتهم يتقبل الله منهم أحسن أعمالهم فيجازيهم عليها ~~ويصفح عن سيئاتهم... وقوله: { في أصحاب الجنة }. # أي: يفعل بهم ذلك فعله في أصحاب الجنة. # ثم قال: { وعد الصدق الذي كانوا يوعدون }. # أي: وعدهم وعد الحق لا شك فيه أنه موف لهم بذلك. ### || [46.17-25] # قوله: { والذي قال لوالديه أف لكمآ } إلى قوله: { ~~نجزي القوم المجرمين }. # هذه الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر قبل إسلامه عند بعض العلماء، ~~ورد ذلك بعضهم قال: هذا يبطله قوله: { أولئك الذين حق ~~عليهم القول } ، فقد حقت / عليه وعلى أمثاله كلمة العذاب بهذه ~~الآية، وأن عبد الرحمن من أفاضيل المؤمنين. # وقال ابن عباس: نزلت في ابن لأبي بكر الصديق قال له: أتعدني أن أبعث بعد ~~الموت، منكرا لذلك، ولم يذكر اسمه. # وروي أن معاوية لما كتب إلى مروان أن يبايع الناس ليزيد قال عبد الرحمن ~~ابن أبي بكر: جئتم بها هرقلية (فقال له مروان: يا أيها الناس) إن هذا ~~الذي قال الله فيه: { والذي قال لوالديه أف لكمآ } ~~الآية، فغضبت عائشة لما بلغها ذلك وقالت: والله ما هو به، ولو شئت أن ~~أسميه لسميته، ولكن الله لعن ms2384 أباك وأنت في صلبه - تعني الحكم - طريد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، والتقدير في الآية، والذي قال لوالديه إذ دعواه ~~إلى الإيمان بالله والإقرار بالبعث بعد الموت أف لكما، أي: قذرا لكما ~~أتعدانني أن أخرج من قبري بعد الموت. # وقرأ الحسن: أن أخرج، جعل الفعل له. # قال قتادة: هذا عبد سوء عاق لوالديه فاجر. # وقوله: { وقد خلت القرون من قبلي }. # أي: أتعدانني في أن أبعث بعد الموت وقد مضت قبلي القرون فهلكت، ولم يبعث ~~أحد منهم بعد موته، فكيف أبعث أنا ولم يبعث أحد ممن هلك قبلي، فتوهم ~~المخذول أن لما لم يبعث من مات قبله، لا يبعث هو، ولم يدر أن للجميع ~~أجلا ووقتا يبعثون فيه. # ثم قال: { وهما يستغثيان الله ويلك آمن إن وعد ~~الله }. # أي: ووالداه يصرخان الله عليه، ويقولان له ويلك آمن بالله وبالبعث، ~~وصدق بوعد الله ووعيده، إن وعد الله حق، إنه يبعث الموتى ليجازيهم على ~~أعمالهم، فيقول لهما مكذبا لقولهما: ما هذا إلا أساطير؛ أي: ما تقولان ~~لي إلا أخبارا / من أخبار الأولين باطلة. # { يستغثيان الله } تمام عند نافع، ويلك آمن التمام ~~عند يعقوب وغيره " وحق " ، هو التمام عند غيرهما؛ لأنه من تمام القول ~~الذي قالا له وهو الصواب إن شاء الله ". # ثم قال: { أولئك الذين حق عليهم القول }. # أي: وجبت عليهم كلمة العذاب في الآخرة مثل ما وجبت للأمم المتقدمة ~~المنكرة للبعث، الضالة عن الهدى من الجن والإنس كفعل هذا الذي تقدم ذكره. # { إنهم كانوا خاسرين }. # أي: مغبونين ببيعهم الهدى بالضلالة، والجنة بالنار. # وهذه الآية تدل على موت الجن كما يموت الإنس أمة بعد أمة، لأنه قال: { ~~في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس } ، ~~وهي تدل على مجازاة الجن كما يجازي الإنس، ودخول الجن النار والجنة كما ~~يدخلها الإنس، وليس المراد بقوله: { أولئك الذين حق ~~عليهم القول } عبد الرحمن الذي نزلت فيه الآية، وإنما المعنى، ~~من عمل مثل هذا الذي ذكر عنه، إنكارا للبعث فهو الذي حق عليه العذاب، ~~فأول ms2385 الكلام خاص، وآخره عام. # وروى قتادة عن الحسن أنه قال: الجن لا يموتون، قال قتادة: فاحتجت عليه ~~بهذه الآية. # ثم قال: { ولكل درجت مما عملوا } أي: ولكل هذين ~~الفريقين من الجن والإنس من أعمالهم منازل ومراتب عند الله يوم القيامة ~~في الجنة أو في النار. # قال ابن زيد: درج أهل النار يذهب سفالا، ودرج أهل الجنة يذهب علوا. # ثم قال: { وليوفيهم أعملهم } أي: ولنعطي جميعهم أجور ~~أعمالهم من حسن وسيء. # { وهم لا يظلمون } أي: لا يزاد على أحد ذنب غيره، ولا ينقص أحد ~~من حسن عمله. # والوقف عند بعضهم { مما عملوا } ، على أن تكون " اللام " متعلقة ~~بفعل مضمر بعد هذا، والتمام: يظلمون. # ثم قال: { ويوم يعرض الذين كفروا على النار }. # أي: واذكر يا محمد يوم يعرض الذين كفروا على نار جهنم. # وقيل العامل في " يوم " فعل مضمر بعده، والتقدير ويوم يعرض الذين كفروا ~~على النار يقال لهم: { أذهبتم طيبتكم } ، فيقال هو العامل ~~في " يوم " والمعنى: يقال لهم أذهبتم طيباتكم في الدنيا وتطلبون النجاة ~~اليوم. # (وذكر بعض العلماء أن معناه: أذهبتم طيباتكم في الدنيا لأنفسكم، ولم ~~تعطوا منها الحاجة، وتؤثروا أهل الفقر لوجه الله عز وجل. # وأكل الطيبات من المطاعم حلال إذا طاب أصلها، يقول الله جل ذكره: # يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات مآ أحل ~~الله لكم # [المائدة: 87] وقال: # قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ~~والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في ~~الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل ~~الآيات لقوم يعلمون # [الأعراف: 32] فأخبرنا أن الطيبات من الرزق مباحة للمؤمنين في الدنيا، ~~وأنها خالصة لهم يوم القيامة في الآخرة إذ يشاركهم فيها في الدنيا ~~الكفار، فلا شيء فيها للكفار في الآخرة). # ويروى أن عمر رضي الله عنه رأى جابر بن عبد الله ومعه إنسان يحمل عنه ~~شيئا فقال: " ما هذا؟ قال: لحم اشتريته بدرهم فقال: أوكلما قدم أحدكم ~~اشترى لحما بدرهم والله لو شئت أن أكون أطيبكم طعاما، وأينعكم ثوبا ~~لفعلت، ولكن الله يقول: { أذهبتم طيبتكم في ms2386 حياتكم ~~الدنيا } فأنا أترك طيباتي ". # وروى قتادة عن أبي هريرة أنه قال: " إنما كان طعامنا مع نبي الله صلى ~~الله عليه وسلم الأسودين: الماء والتمر، والله ما كنا نرى سراءكم هذه / ~~ولا ندري ما هي ". # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم # " أنه دخل على أهل الصفة، وهو مكان يجتمع فيه فقراء المسلمين وهو يرقعون ~~ثيابهم بالأدم ما يجدون لها رقاعا فقال: أنتم غير من يغدوا أحدهم في حلة ~~ويروح في أخرى، ويغدا عليه بتحفة ويراح عليه بأخرى ويستر بيته كما تستر ~~الكعبة، قالوا نحن يؤمئذ خير قال: بل أنتم اليوم خير ". # ثم قال: { فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم ~~تستكبرون في الأرض بغير الحق }. # أي: بتكبركم في الدنيا على ربكم / ومخالفتكم أمره ونهيه بغير ما أباح ~~لكم وبفسقكم. # ثم قال: { واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف ~~}. # أي: واذكر يا محمد لقومك أخا عاد وهو هود إذ أنذر قومه كما أنذرت أنت ~~قومك. # والأحقاف جمع حقف، وهو ما استطال من الرمل ولم يبلغ أن يكون جبلا. # قول المبرد، " هو رمل مكثتن ليس بالعظيم وفيه أعواج يقال أحقوقف الشيء: ~~إذا اعوج حتى يلتقي طرفاه. كما قال: " سماوة الهلال حتى احقوقف ". # قال ابن عباس: الأحقاف جبل بالشام، وقاله الضحاك. # وعن ابن عباس أنها واد بين عمان ومهرة. # وقال ابن إسحاق. كانت الأحقاف ما بين عمان إلى حضرموت واليمن كلها. وقال ~~مجاهد: الأحقاف: الرمل. # وقال قتادة: هي رمال مشرفة على البحر بالشحر، والشحر ما يقرب من عدن. # وقوله: { وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه ~~ألا تعبدوا إلا الله }. # والنذر جمع نذير، والنذير الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو بمعنى منذر. # وقيل: النذر هنا اسم المصدر بمعنى الإنذار، وليس بجمع. # وقال الضحاك: لم يبعث الله عز وجل رسولا إلا بأن يعبد الله وحده. # ثم قال: { إني أخاف عليكم عذاب يوم [عظيم] }. # قال لهم هود ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم إن عبدتم غير الله ~~سبحانه عذاب يوم عظيم هوله وهو ms2387 يوم القيامة. # ثم قال: { قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا }. # أي: قال قوم هود وهم عاد لهود { أجئتنا لتأفكنا } وتصرفنا عن ~~عبادة آلهتنا إلى عبادة ما تدعونا إليه، فأتنا بما تعدنا من العذاب إن ~~كنت صادقا في قولك أنك تخاف علينا عذاب يوم عظيم. # ثم قال { قال إنما العلم عند الله }. # أي: قال لهم هود إنما العلم بمجيء وقت العذاب إليكم على كفركم عند الله ~~لا علم لي من ذلك إلا ما علمني ربي. # { وأبلغكم مآ أرسلت به } [أي]: وأنا أبلغكم ما أمرت أن ~~أبلغكم إياه، إنما أنا رسول لا علم عندي من الغيب. # { ولكني أراكم قوما تجهلون }. # مواضع حظوظكم فلا تعرفون ما يضركم ولا ينفعكم فتستعجلون العذاب لجهلكم ~~بقدرة الله سبحانه. # ثم قال: { فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم }. # أي: فلما رأت عاد العذاب الذي استعجلته سحابا عارضا مستقبلا نحو ~~أوديتهم. # { قالوا هذا عارض ممطرنا } أي: ظنوه أنه مطر يأتيهم ~~بخير. # قال ابن عباس: كان لقوم عاد واد إذا أمطروا من نحوه وأتاهم الغيم من ~~قبله كان ذلك العام عام خصب متعالم فيهم، فبعث الله عز وجل عليهم العذاب ~~من قبل ذلك الوادي، فجعل هود يدعوهم ويقول: إن العذاب قد أظلكم فيقولون: ~~كذبت هذا عارض ممطرنا، ونزلت الريح فنسفت الرعاة فجعلت تمر على الغنم ~~ورعاتها حتى تغرقها، ثم تحلق بهم في السماء حتى تقذفهم في البحر، ثم نسفت ~~البيوت حتى جعلتها كالرميم. # قال قتادة: ذكر لنا أنه حبس عنهم المطر زمانا فلما رأوا العذاب مقبلا ~~ظنوه مطرا يأتيهم وقالوا: كذب هود، [فلما رآه هود] قال لهم: بل هو ما ~~استعجلتم به من العذاب، هو ريح فيها عذاب أليم، فروي أن الريح كانت تلقى ~~الفسطاط. وتأتي بالرجل الغائب فتلقيه وتحل الظعينة فترفعها حتى ترى كأنها ~~جرادة. # قال ابن عباس: كان لعاد واد إذا جاء المطر أو الغيم من ناحيته كان غيثا ~~فأرسل الله عز وجل عليهم العذاب من ناحيته، فلما وعدهم هود بالعذاب ورأوا ~~العارض قالوا: هذا عارض ممطرنا، فقال لهم هود: ms2388 { بل هو ما ~~استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم }. # ثم قال: { تدمر كل شيء بأمر ربها }. أي: تهلك الريح ~~كل شيء أمرت بهلاكه. # قال ابن عباس: ما أرسل الله عز وجل على عاد من الريح إلا قدر خاتمي هذا ~~ونزع خاتمه /. # ثم قال: { فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم } أي: فأصبح ~~قوم هود لم يبق إلا مساكنهم. # ثم قال: { كذلك نجزي القوم المجرمين } أي: كما جزينا ~~عادا بكفرهم كذلك نجزي قومك يا محمد إن تمادوا في غيهم. ### || [46.26-29] # قوله: { ولقد مكناهم فيمآ إن مكناكم } إلى قوله: { ~~ولوا إلى قومهم منذرين }. # أي: ولقد مكنا عاد الذين أهلكوا بكفرهم فيما لم نمكن لكم أيها القوم فيه ~~من الدنيا. # قال قتادة: أنبأنا الله عز وجل بأنه قد مكنهم / في شيء ولم يمكنا. # قال المبرد: " ما " هاهنا بمعنى " الذي " و " إن " بمعنى " ما " وقيل ~~إن " إن " زائدة، ولا يعرف زيادة " إن " إلا في النفي، وإنما تكون ~~زائدة في الإيجاب " أن " المفتوحة. # ثم قال: { وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة }. # أي: خلقنا لمن تقدم من عاد سمعا يسمعون به مواعظ ربهم وأبصارا يبصرون ~~بها آيات ربهم، وأفئدة أي: قلوب يعقلون بها الحق ويميزونه من الباطل، فما ~~أغنى عنهم ذلك شيئا ولا نفعهم، إذ لم يستعملوه فيما أمروا به مما يقربهم ~~إلى الله عز وجل إذ كانوا يجحدون بآيات الله، أي: لم ينفعهم ما أعطوا من ~~الجوارح ولا وصلوا بها إلى ما يقربهم إلى الله إذ كانوا يكفرون بآيات ~~الله ورسله. # ثم قال: { وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون }. # أي: وحل بهم عقاب استهزائهم بالرسل، وهذا كله تهديد ووعيد من الله جل ~~ذكره لقريش وتحذير لهم، أي: يحل بهم ما حل بعاد. وأن يبادروا بالتوبة قبل ~~النقمة. # ثم قال: { ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى }. # أي: من أهل القرى، هذا مخاطبة لأهل مكة من قريش وغيرهم أعلمهم الله أنه ~~قد أهلك أهل القرى التي حولهم بكفرهم كعاد وثمود، وأنه محل بهم مثل ذلك ~~إن تمادوا على كفرهم. # ثم ms2389 قال: { وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون }. # أي: ووعظناهم بأنواع العظات وذكرناهم بضروب من الذكر ليرجعوا عن كفرهم، ~~فأبوا إلا الإقامة على الكفر فأهلكناهم، ففي الكلام حذف، وهو معنى ما ~~ذكرنا من إقامتهم على الكفر وهلاكهم على ذلك. # ثم قال: { فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون ~~الله [قربانا آلهة }. # أي: فهلا نصر هؤلاء الكفار الذين عبدوا من دون الله] وتقربوا بعبادتهم ~~إلى الله بزعمهم، بل حل بهم الهلاك، ولا ناصر لهم من دون الله، وهذا ~~احتجاج من الله لنبيه عليه السلام على مشركي قومه، أن الآلهة التي ~~يعبدونها من دون الله لا تنفع ولا تنقذ من عبدها من ضر، فكذلك أنتم يا ~~قريش في عبادتكم هذه الأصنام، إن أتاكم بأس الله ونقمته، لم تنقذكم ~~آلهتكم منه كما لم تغن عمن كان قبلكم. # ثم قال: { بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما كانوا ~~يفترون }. # أي: بل تركتهم آلهتهم فأخذت غير طريقهم إذ لم يصبها ما أصابهم من العذاب ~~إذ هي حجارة وجماد فلم يصبها ما أصابهم فذلك ضلالها عنهم. # ثم قال: { وذلك إفكهم }. # أي: وهذه الآلهة التي ضلت عنهم هي كذبهم وافتراؤهم في قولهم أنها ~~تقربنا إلى الله زلفى، و " الإفك " هنا مصدر في موضع المفعول، والمعنى ~~وهذه الآلهة مأفوكهم: أي مكذوبهم لأن الإفك إنما هو فعل الإفك، " ~~وقربانا " منصوب " باتخذوا " و " آلهة " بدل منه، ويجوز أن يكون ~~مصدرا، وأن يكون مفعولا من أجله، وتنصب الآلهة باتخذوا في الوجهين. # وقرأ ابن عباس: (وذلك أفكهم)، جعله فعلا ماضيا، فتكون " ما " ~~في قوله: { وما كانوا } في موضع رفع عطف على المضمر في إفكهم، ~~والمعنى: وذلك أرداهم وأهلكهم هو وما كانوا يفترون؛ أي: أهلكهم ذلك هو ~~وافتراؤهم، وفيه قبح حتى يؤكده المضمر المرفوع. # ويجوز أن تكون " ما " في موضع رفع عطفا على ذلك، والتقدير: وذلك ~~افتراؤهم أهلكهم وأظلهم، " وما " في موضع رفع على قراءة الجماعة عطفا ~~على " إفكهم " وهي وما بعدها مصدر فلا تحتاج إلى عائد فإن قيل جعلتها ~~بمعنى: " الذي " قدرتها محذوفة، والتقدير وما كانوا يفترونه. ms2390 # وحكى الزجاج: وذلك أفكهم بالمد: بمعنى أكذبهم. # ثم قال: { وإذ صرفنآ إليك نفرا من الجن ~~يستمعون القرآن }. # أي: واذكر يا محمد إذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن، وصرفه ~~إياهم هو الرجم الذي حل بهم بالشهب / من السماء عند الاستماع على عادتهم، ~~فلما رجموا بالشهب ومنعوا مما لم يكونوا يمنعون منه قالوا: إن هذا الحادث ~~(حدث في السماء لشيء) حدث في الأرض، فذهبوا يطلبون ذلك الحادث في الأرض ~~حتى رأوا النبي صلى الله عليه وسلم خارجا من سوق عكاظ يصلي بأصحاب ~~الفجر، فسمعوا قراءته وذهبوا إلى أصحابهم منذرين، وهذا قول ابن جبير. # قال ابن عباس: لم تكن السماء تحرس في الفترة بين عيسى ومحمد عليهما ~~السلام، وكانت / الجن تقعد من السماء مقاعد للسمع فلما بعث الله نبيه ~~عليه السلام حرصت السماء حرصا شديدا، فرجمت الشياطين فأنكروا ذلك، ~~وقالوا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا. # فقال إبليس اللعين: لقد حدث في الأرض حدث فاجتمع إليه الجن، فقال: ~~تفرقوا في الأرض فأخبروني ما هذا الخبر الذي حدث في السماء، وكان أول بعث ~~بعثه ركبا من أهل نصيبين وهم أشراف الجن وسادتهم، فبعثهم الله إلى تهامة ~~فاندفعوا حتى بلغوا وادي نخلة فوجدوا نبي الله صلى الله عليه وسلم يصلي ~~صلاة الغداة ببطن نخلة فاستمعوه فلما سمعوه يتلو القرآن قالوا: أنصتوا، ~~ولم يكن النبي عليه السلام يعلم بهم، فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين، ~~قال ابن عباس: وكانوا سبعة من أهل نصيبين فجعلهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم رسلا إلى قومهم. # وقال (زر بن حبيش): كانوا تسعة، قال ابن عباس: لم يشعر بهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. # وقال الحسن: لما أتوا ليستمعوا أعلم الله نبيه عليه السلام بمكانهم. # وقال قتادة: بل أمر رسول صلى الله عليه وسلم أن يقرأ عليهم، وروى عنه ~~أنه قال لأصحابه: # " أمرت أن أقرأ على الجن فأيكم يتبعني فأطرقوا، ثم قالها لهم ثانية ~~وثالثة فأطرقوا فاتبعه ابن مسعود، فدخل رسول ms2391 الله صلى الله عليه وسلم ~~شعبا يقال له شعب (الحجون) ثم خط رسول الله صلى الله عليه وسلم (على عبد ~~الله خطا). قال عبد الله: فجعلت الجن تهوي وأرى أمثال النسور تمشي، ~~وسمعت لغطا شديدا حتى خفت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم تلا ~~القرآن، فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: يا نبي الله ما ~~اللغط الذي سمعت؟ قال: اجتمعوا إلي في قتيل كان بينهم فقضى [فيه] بالحق ~~". # " وروى جابر بن عبد الله وابن عمر: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ عليهم سورة الرحمن فكلما قرأ النبي: ~~{ فبأي آلاء ربكما تكذبان } قالت الجن: لا بشيء من ~~آلاء نعمائك نكذب ربنا فلك الحمد " # ولما قدم ابن مسعود الكوفة رأى شيوخا شمطا من الزط فراعوه فقال: من ~~هؤلاء؟ قالوا: هم نفر من الأعاجم، فقال: ما رأيت للذين قرأ عليهم نبي ~~الله من الجن شبها أدنى من هؤلاء. وروى معمر # " أن النبي صلى الله عليه وسلم خط على ابن مسعود خطا ثم قال له: لا ~~تخرج منه، ثم ذهب إلى الجن فقرأ عليهم القرآن ثم رجع إلى ابن مسعود فقال ~~له: هل رأيت شيئا؟ قال: سمعت لغطا شديدا. قال: إن الجن تدارت في قتيل ~~قتل بينهما فقضى فيه بالحق. # وسألوه الزاد، فقال: كل عظم لكم غداء، وكل روثة لكم خضرة، فقالوا يا ~~رسول الله يقدرها الناس علينا، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يستنجي بأحدهما " # وقد كثر الاختلاف في حديث ابن مسعود، وكثير من العلماء روى أنه لم يكن ~~مع النبي صلى الله عليه وسلم تلك الليلة أحد، وروى ذلك عن ابن مسعود قال: ~~ما شهدها منا أحد، وعنه ما شهدها أحد غيري، وكانت قراءته عليهم بالحجون ~~وقيل بنخلة، وأكثر المفسرين على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلهم ~~إلى قومهم لينذروهم عذاب الله، ومنهم من قال: بل مضوا من غير أمره وما ~~علم عليهم إلا بعد ذلك. ### || [46.30-35] # قوله: { قالوا يقومنآ إنا سمعنا ms2392 كتابا [أنزل] } ~~إلى آخر السورة. # أي: قالت الجن الذين استمعوا القرآن لقومهم إذ رجعوا إليهم يا قومنا إنا ~~سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه، أي: مصدقا للتوراة ~~والإنجيل وغيرهما من كتب الله يهدي إلى الحق؛ أي يرشد مستمعه وقابله إلى ~~الحق وإلى طريق مستقيم لا اعوجاج فيه وهو الإسلام. # قال قتادة: ما أسرع ما عقل القوم، ذكر لنا أنهم صرفوا إليه من نينوى. # ثم قال حكاية عن قول / الجن لقومهم { يقومنآ أجيبوا داعي ~~الله }. # أي: أجيبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ما يدعو إليه من طاعة الله ~~وآمنوا به. { وآمنوا به } أي: وبرسوله، وهو الداعي، فالهاء في " به ~~" تعود على الداعي وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم فحضوهم على الإيمان ~~برسول الله وطاعته ووعدهم بالمغفرة على ذلك. # فقالوا: { أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم ~~من ذنوبكم } أي: يسترها عليكم في الآخرة. # { ويجركم من عذاب أليم } أي: وينقذكم يوم القيامة من ~~عذاب مؤلم إن أجبتموه وآمنتم به. # ثم قال / عنهم: { ومن لا يجب داعي الله }. # يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم، أي: قالوا لقومهم من لا يجب محمدا ~~ولا يؤمن به { فليس بمعجز في الأرض } أي: ليس بمعجز ربه ~~بهربه في الأرض إن أراد عقوبته؛ لأنه حيث كان في قبضة ربه وسلطانه. # { وليس له من دونه أوليآء } أي: ليس لمن لا يجب داعي ~~الله من دون الله أولياء ينقذونه من عذابه. # { أولئك في ضلال مبين } أي: أولئك الذين لا يجيبون داعي ~~الله ولا يؤمنون به في جور ظاهر عن قصد الحق وإصابة الصواب. # ثم قال: { أولم يروا أن الله الذي خلق ~~السموت والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر [على ~~أن يحيي الموتى] }. # أي: أولم يعلم قومك يا محمد أن الله الذي خلق السماوات والأرض ~~وابتدعهما على غير مثال، قادر على أن يحيي الموتى فيردهم أحياء كما ~~كانوا، فخلق السماوات والأرض وإيجادهما على غير مثال أعظم في القدرة من ~~إعادة شيء قد كان له مثال ms2393 على لطافة خلقه. # { بلى إنه على كل شيء قدير } أي: بلى يقدر على ذلك، ~~إنه على كل شيء يريد قادر، لا يمتنع عليه شيء أراده. # وقرأ الأعرج وابن أبي إسحاق والجحدري: يقدر على أن يحيي الموتى. # وقرأ ابن مسعود " قادر " بغير باء. # واختار بعض النحويين " يقدر " على " بقادر "؛ لأن الباء إنما تدخل في ~~النفي، وهذا إيجاب. # وروى ذلك عن أبي عمر والكسائي، والباء " إنما دخلت عند النحويين لدخول ~~لم " في أول الكلام. # وقال علي بن سليمان: تدخل " الباء " في النفي، فإذا دخل على النفي ~~استفهام لم يغيره عن حاله، فتقول: " أما زيد بقائم " كما تقول: " ما زيد ~~بقائم ". # ثم قال: { ويوم يعرض الذين كفروا على النار }. # أي: واذكر يا محمد يوم يعرض الذين كفروا - وأنكروا البعث والجنة والنار ~~- على نار جهنم، فيقال: أليس هذا بالحق وقد كنتم تكذبون به في الدنيا؟ ~~فيجيبون ويقولون: بل هو الحق وربنا، فيقال [لهم]: فذوقوا العذاب الآن ~~بكفركم به وجحودكم إياه في الدنيا. # ثم قال: { فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ~~}. # أي: فاصبر يا محمد على ما تلقاه من قومك كما صبر أولوا العزم من الرسل ~~من قبلك على ما لقوا من قومهم من التكذيب والمكاره، فصبر نبيه على ما ~~يناله من قومه من الأذى والمكروه وعلمه أن ذلك قد لقيه الرسل قبله ~~ليتأسى بهم، وأولوا العزم من الرسل الذين كانوا امتحنوا مع قومهم في ذات ~~الله في الدنيا، فلم تردهم المحن عن تبليغ ما أرسلوا به وإنذار من أرسلوا ~~إليه في الدنيا. # قال عطاء: هم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم. # وقال ابن زيد: كل الرسل كانوا أولي عزم، لم يتخذ الله رسولا إلا كان ذا ~~عزم، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يصبر كما صبروا. # وقال قتادة: هم أربعة: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى صلوات الله عليهم. # وقال مجاهد: هم خمسة كقول عطاء (وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى ~~الله عليه وسلم. # ثم قال: { ولا تستعجل لهم } أي: ms2394 ولا تستعجل لهم يا محمد ~~إتيان العذاب من عند ربك على كفرهم، فإنه نازل بهم لا محالة، وإن متعوا ~~في الدنيا فإنما هو متاع قليل. # ثم قال { كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا ~~إلا ساعة من نهار }. # وذلك أنهم ينسون مقدار لبثهم في الدنيا، وتهون عليهم مدته لهول ما يرون، ~~وشدة ما يلقون، وما يعانون من الأهوال والعذاب وهذا مثل قوله قال: # قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين * قالوا ~~لبثنا يوما أو بعض يوم فسئل العآدين # [المؤمنون: 112-113]، استقلوا لبثهم في الدنيا حتى جعلوه يوما أو أقل ~~من يوم لعظيم ما عاينوا، والعادون: الملائكة. # وقوله: { بلاغ } معناه: كأنهم لم يلبثوا إلا ساعة من نهار، ذلك لبث ~~بلاغ لهم في الدنيا إلى آجالهم، اي: لبث بلاغهم إلى آجالهم، ثم حذف ~~المضاف مثل / # وسئل القرية # [يوسف: 82]. # وقيل المعنى: هذا القرآن، أو هذه التلاوة والإنذار بلاغ لهم، (أي: كفاية ~~لهم) أن تكفروا واعتبروا وتذكروا. وقيل بلاغ: معناه: قليل، تقول العرب: ~~ما معه من الزاد إلا بلاغ؛ أي: قليل، وقيل المعنى: هذا الذي وعظوا به ~~بلاغ. # وقرأ عيسى بن عمر: " بلاغا " بالنصب، جعله نعتا لساعة وقيل نصبه على ~~المصدر. # وقرأ أبو مجلز " بلغ " على الأمر. # ثم قال: { فهل يهلك إلا القوم الفاسقون } أي: فهل ~~يهلك الله بعذابه إلا القوم الذين خرجوا عن طاعة الله، وخالفوا أمره ~~وكفروا به. # وقيل المعنى: فهل يهلك مع تفضل الله ورحمته إلا القوم الفاسقون. # وحكى أبو حاتم عن بعضهم - واستبعده - أن الوقف ولا تستعجل ثم يبتدئ { ~~لهم كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا ~~إلا ساعة من نهار بلاغ } أي: لهم بلاغ، وفيه بعد؛ لأن ~~الخبر قد بعد من الابتداء واعترض بينهما شيء كثير ليس منه. # وقال غيره { ولا تستعجل لهم } وقف تام: وعن الحسن { من ~~نهار } تمام الكلام، وهو قول أبي حاتم أيضا، وقال يعقوب ثم تبتدئ { ~~بلاغ } أي: " ذلك بلاغ ". وكذلك قال نافع /، إلا أنه قال: وإن شئت ~~وقفت على " بلاغ ". ومن نصب فلا يقف ms2395 إلا على بلاغ؛ لأن ما قبله عمل فيه ~~فلا يفرق بينهما، ومن قرأ " بلغ " وقف على " نهار " واستأنف ~~بالأمر. ### | [47 - سورة محمد] ### || [47.1-4] # قوله: # { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله } إلى قوله: { ~~فلن يضل أعمالهم }. # الذين جحدوا بآيات الله ورسوله وعبدوا غيره، وصدوا من أراد أن يؤمن ~~برسوله عن الإيمان، أضل أعمالهم، أي: أتلفها وأبطلها وأحبطها فلا ~~ينتفعون بها في أخراهم. وهي ما كان من صدقاتهم وصلتهم الرحم. # ونحوه من أبواب البر أحبطها الله؛ لأنها كانت على غير استقامة لم يرد ~~بها وجه الله. # قال ابن عباس [هم] أهل مكة. # وقوله: { والذين آمنوا }. # يريد به الأنصار، فالآيتان عنده مخصوصتان، وغيره يقول إنهما عامتان. ~~ويجوز أن [تكونا مخصوصتين] في وقت النزول ثم هما عامتان بعد ذلك لكل من ~~فعل فعلهما. # وأصل الصد: المنع، يقال: صد في نفسه وصد غيره، وحكي أصد غيره، والمصدر ~~في نفسه الصدود، وصد غيره صدا قال الله جل ذكره # يصدون عنك صدودا # [النساء: 61] فهذا غير متعد والمعنى: والذين صدقوا محمدا وما جاء به ~~وعملوا بطاعة الله واتبعوا كتابه. # { كفر عنهم سيئاتهم } أي: غطاها وسترها، فلا يؤاخذهم بها ~~في الآخرة، فشتان ما بين الفريقين قوم أخذوا بسيئاتهم وأبطلت حسناتهم، ~~وقوم غفرت سيئاتهم وتقبلت حسناتهم. # وقوله: { وأصلح بالهم }. # قال ابن عباس: بالهم: أمرهم. # وقال مجاهد: شأنهم. # وقال قتادة وابن زيد: حالهم. # والبال كالمصدر، ولا يعرف منه فعل، ولا تكاد العرب تجمعه إلا في ضرورة ~~شعر فيقولون: بالات. # وقال المبرد: قد يكون للبال موضع آخر يكون فيه بمعنى القلب. # (وقال النقاش: وأصلح بالهم: نياتهم)، يقال: ما يخطر هذا على بالي؛ أي: ~~على قلبي، والمعنى عند الطبري: وأصلح شأنهم وحالهم في الدنيا عند أوليائه ~~في الآخرة بأن أورثهم نعيم الأبد والخلود في جناته، والآية نزلت في أهل ~~المدينة، ثم هي عامة فيمن كان مثلهم. # ثم قال: { ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل } ~~أي: الأمر ذلك، وقيل المعنى: ذلك الضلال والهدى المتقدم ذكرهما، من أجل ~~أن الذين كفروا اتبعوا الباطل، وهو الشيطان ms2396 وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق ~~الذي جاءهم من عند ربهم، وهو كتاب الله ورسوله. # والتقدير عند الطبري: هذا الذي فعلنا بهذين الفريقين من إضلال أعمال ~~الكفار وإبطالها والتكفير لسيئات الذين آمنوا، جزاء منا لكل فريق على ~~فعله، لأن الكفار اتبعوا الشيطان وأطاعوه والمؤمنون اتبعوا كتاب الله ~~وصدقوا رسوله. # قال مجاهد: الباطل هنا: الشيطان. # ثم قال: { كذلك يضرب الله للناس أمثالهم } أي: كما ~~/ بينت لكم أيها الناس سبب تفريقي بين الفريقين، كذلك أمثل لكم الآيات ~~وأشبه لكم الأشباه. # قال الزجاج: معناه كذلك يبين الله للناس أمثال المؤمنين وسيئات الكفار ~~كالبيان الذي ذكر. # ومعنى قول القائل: " ضربت له مثلا: بينت له ضربا من الأمثال " ، أي: ~~صنفا منها. # ثم قال: { فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب ~~}. # أي: فاضربوا رقابهم حتى يؤمنوا. والتقدير: فاضربوا الرقاب ضربا، وهذا ~~المصدر الذي يقوم مقام الفعل يجوز أن ينون وأن يقدم عليه مفعوله ولا صلة ~~له، وإنما تكون له صلة إذا كان بمعنى " إن فعل " و " إن يفعل ". # ثم قال: { حتى إذآ أثخنتموهم فشدوا الوثاق }. # أي: حتى إذا غلبتموهم وقهرتموهم بالقتل، وبقيت منهم بقية أسرى في أيديكم ~~لم يلحقهم قتل، فشدوهم في الوثاق كيلا يهربون. # { فإما منا بعد وإما فدآء }. # أي: فإذا أسرتموهم بعد الإثخان بالقتل، فإما أن تمنوا عليهم منا، ~~فتحرروهم بغير عوض ولا فدية، وإما أن تفادوهم، فتأخذوا منهم عوضا ~~وتطلقوهم. # قال الزجاج: " أثخنتموهم: أكثرتم فيهم القتل، ومنه قول: # ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في ~~الأرض # [الأنفال: 67]. # وقال ابن جريج: هذه الآية منسوخة، لأن أهل الأوثان لا يجوز أن يفادوا ~~ولا يمن عليهم، والناسخ لها عنده # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة: 5] وهي محكمة في أهل الكتاب يجوز أن يمن عليهم وأن يفادوا ~~فكأنه ينحو إلى أنها مخصوصة، فسمى التخصيص نسخا، وهو قول السدي وجماعة ~~من الكوفيين. # وقال بعض / العلماء: هي في جميع الكفار، وهي منسوخة بقوله: # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة: 5] قالوا: وإذا أسر المشرك فلا يجوز أن يمن عليه ولا أن ms2397 يفادى ~~من أهل الكتاب كان أو من أهل الأوثان. قالوا: فإن أسر المسلمون المرأة ~~جاز أن يفادى بها؛ لأنها لا تقتل، وكذلك الصبيان ومن تؤخذ منه الجزية ~~فإنه لا يقتل لأنه في عهد. # قال قتادة: هي منسوخة نسخها # فشرد بهم من خلفهم # [الأنفال: 57]. # وقال مجاهد نسختها # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة: 5]. # وقال الضحاك: الآية ناسخة لقوله: # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة: 5] وقال: لا يقتل المشرك إذا أسر ولكن يمن عليه أو يفادى. كما ~~قال جل ذكره، فالآية أيضا عنده ناسخة لقوله: # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة: 5]. # وكان الحسن يكره قتل الأسير، ويختار أن يمن عليه أو يفادى. # وقال ابن جبير: الآية محكمة، [ولا يكون فداء ولا أسر إلا بعد الإثخان ~~والقتل بالسيف، واستدل بآية الأنفال. # وقال ابن عباس: الآية محكمة] جعل الله للنبي والمؤمنين الخيار في ~~الأسارى، إن شاءوا قتلوا وإن شاءوا استعبدوا، وإن شاءوا فادوهم، فالآيتان ~~عنده محكمتان ومعمول بهما، وهذا القول هو قول أهل المدينة والشافعي وأبو ~~عبيد. # فأما قوله: { حتى تضع الحرب أوزارها }. # فالمعنى والله أعلم: فإذا لقيتم الذين كفروا فاضربوا رقابهم وافعلوا ~~بأسراهم ما بينت لكم حتى يتوب المشركون عن شركهم، فتكون الحرب ألجأتهم ~~إلى الإيمان فتسقط عنهم آثامهم. # وقال مجاهد معناه: " افعلوا هذا الذي أمرتم به (حتى يضع المحارب آلة ~~حربه) بنزول عيسى فيسلم كل يهودي ونصراني وصاحب ملة، وتأمن الشاة الذئب ~~ولا تقرض فأرة جرابا وتذهب العداوة من الأشياء كلها، وذلك عند ظهور ~~الإسلام على الدين كله. # وقال قتادة: معناه حتى لا يكون شرك. # قال الزجاج معناه: فاقتلوهم واسروهم حتى يؤمنوا، وما دام الكفر فالجهاد ~~قائم أبدا. # وقيل المعنى: فاقتلوهم واسروهم حتى تأمنوا فيضعوا السلاح. # والحرب مؤنثة وتصغيرها حريب وكذلك قوس ودود يصغران بغير هاء وهما ~~ثلاثيان مؤنثان سماعا من العرب. # ثم قال: { ذلك ولو يشآء الله لانتصر منهم }. # أي: هذا الذي أمرتكم به أيها المؤمنون هو الحق، ولو يشاء ربكم لانتصر ~~منهم بعقوبة ينزلها بهم، وذلك عليه هين يسير، ولكن أراد أن يختبركم ms2398 ويعلم ~~أهل الطاعة منكم / والمجاهدين في سبيل الله ليجازيهم على طاعتهم ويعذب ~~أعداءه بذنبهم. # ثم قال: { والذين قتلوا في سبيل الله } هذه الآية نزلت ~~في قتلى أحد. # وقرأ الحسن " قتلوا " بالتشديد، على معنى: قتلوا المشركين قتل ~~بعضهم بعض. # وقرأ الجحدري " قتلوا " بالفتح، على معنى: قتلوا المشركين في الله ~~وفي سبيل الله. # { فلن يضل أعمالهم } أي: لن يجعل الله أعمالهم التي عملوها ~~باطلا كما أبطل أعمال الكفار. # وقال قتادة: # " نزلت هذه الآية يوم أحد والنبي صلى الله عليه وسلم في الشعب وقد ~~فشت فيهم الجراحات والقتل وقد نادى المشركون أعلى هبل ونادى المسلمون ~~[الله] أعلى وأجل، فنادى المشركون يوم بيوم [بدر] أن الحرب سجال، أن ~~لنا العزى ولا عزى لكم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قولوا الله ~~مولانا ولا مولى لكم، إن القتلى مختلفون أما قتلانا فأحياء يرزقون، وأما ~~قتلاكم ففي النار يعذبون ". ### || [47.5-15] # قوله: { سيهديهم ويصلح بالهم } إلى قوله: { فقطع ~~أمعآءهم } الآيات. # من قرأ قتلوا أو قتلوا على ما لم يسم فاعله، فالمعنى سيهديهم إلى جنته ~~ويصلح شأنهم فيها بالنعيم المقيم وغفران الذنوب ويدخلهم إياها، ويجوز أن ~~يكون المعنى: سيهدي من بقي منهم حيا كما قال: # قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا # [آل عمران: 146] أي: فما وهن من بقي منهم، ومن قرأ " قاتلوا " فالمعنى: ~~سيوفقهم في الدنيا إلى الرشد والعمل الصالح ويصلح فيها حالهم حتى يتوفاهم ~~على ما يرضاه منهم ويدخلهم الجنة في الآخرة. # { عرفها لهم } أي: زينها لهم، قال أبو سعيد الخدري: إذا نجى ~~الله المؤمنين من النار حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار فاقتص بعضهم من ~~بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا ثم يؤذن لهم بالدخول إلى الجنة، قال: فما ~~كان المؤمن بأدل بمنزله [في الدنيا منه بمنزله] في الجنة حتى يدخلها. # قال مجاهد: يهتدي أهل الجنة إلى بيوتهم ومساكنهم منها لا يخطئون كأنهم ~~سكانها منذ خلقوا لا يستدلون عليها بأحد. # قال ابن زيد: بلغنا عن غير واحد أنه يدخل أهل الجنة وهم أعرف بمنازلهم ~~فيها من ms2399 منازلهم في الدنيا التي يختلفون إليها في عمر الدنيا، فذلك قوله: ~~{ عرفها لهم }. # قال / سلمة بن كهيل معناه: عرفهم طرقها. # وقيل معناه: طيبها لهم، يقال طعام معرف: أي: مطيب. # وقيل معناه: رفعها لهم، مأخوذ من عرف الدابة. # وقيل معناه: عرف المكلفين من عباده أنها لهم. # ثم قال: { يأيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ~~ينصركم ويثبت أقدامكم }. # أي: إن تنصروا دين الله أو أولياء الله أو رسول الله ينصركم على عدوكم ~~ويثبت أقدامكم، إذا لقيتم عدوكم فلا تفروا منه لكثرة عددهم وقلة عددكم. # وقيل معناه: ويثبت أقدامكم في موقف الحساب بأن يجعل الحجة لكم. # ثم قال: { والذين كفروا فتعسا لهم } # قال ثعلب: التعس: الشر، قال: وقيل هو البعد. قال: والنكس: قلب أمره ~~وفساده. # قال ابن السكيت: التعس أن يخر على وجهه، والنكس على رأسه قال: والتعس ~~أيضا الهلاك. # قال الزجاج التعس في اللغة: الانحطاط والعثور. # قال ابن زيد: فتعسا لهم: فشقاء لهم. ودخلت الفاء في " فتعسا لهم " لأن ~~" " الذين " فيه إبهام أشبه به الشرط، فدخلته الفاء في خبر " هم " كما ~~تدخل في جواب الشرط، وجواب الشرط هو " أن " لخبر الابتداء في أكثر ~~أحكامه. # وقوله: { وأضل أعمالهم }. # أي: أبطلها وأتلفها، والمعنى: أن هؤلاء القوم ممن يجب أن يقال لهم ~~أتعسهم الله، أي: أخزاهم الله، وهذا مما يدعى به على العاثر. # وقوله: { وأضل } أتى على الخبر حملا على لفظ { الذين } لأنه ~~خبر في اللفظ فدخلت الفاء حملا على المعنى، وأتى { وأضل } حملا ~~على اللفظ، وهذا يسميه بعض أهل المعاني الإمكان: [أي] يمكن هذا فيه ~~(ويمكن هذا فيه). # ثم قال: { ذلك بأنهم كرهوا مآ أنزل الله } أي: ~~كرهوا قبول ما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم، وهو القرآن فكفروا ~~به فأحبط الله أعمالهم؛ أي: أبطلها وأتلفها أي: هذا الذي فعلنا بهم، ~~لأنهم كرهوا / القرآن وكفروا به. # ثم قال: { أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان ~~عاقبة الذين من قبلهم }. # أي: لو لم يسافر هؤلاء المشركون الذين يكرهون القرآن ويكذبون محمدا إلى ~~الشام ms2400 وإلى غيره من البلدان، فيمرون على ديار من كان قبلهم من الأمم ~~الماضية المكذبة لأنبيائها فينظروا كيف كان عاقبة فعلهم، أن الله أهلكهم ~~ودمر عليهم. # { وللكافرين أمثالها } أي: ولمن تمادى على كفره منكم أمثال ~~هذه الفعلة التي فعلنا بالأمم الماضية من الهلاك والتدمير، وهذا وعيد ~~وتهديد من الله جل ذكره لقريش ولمن ركب طريقتهم في الكفر والتكذيب ~~للأنبياء. # قال الزجاج: " والهاء في أمثالها " تعود على العاقبة، وهو قول الطبري، ~~قال: المعنى: وللكافرين من قريش أمثال عاقبة تكذيب الأمم الذين كانوا من ~~قبلهم. # ثم قال: { ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا } أي: ~~وليهم وناصرهم وموفقهم. # { وأن الكافرين لا مولى لهم } أي: لا ولي ينقذهم من ~~الضلال، وفي قراءة عبد الله بن سعود: ذلك بأن الله ولي الذين آمنوا. # قال ابن عباس: المولى الناصر وأكثر المفسرين على أن المولى هنا: الولي، ~~والمعنى واحد، وعلى هذا يتناول قول النبي صلى الله عليه وسلم # " من كنت مولاه فعلي مولاه " # أي: من كنت وليه وناصره فعلي وليه وناصره. # وقيل معناه: من كان يتولاني وينصرني فهو يتولى [عليا] وينصره. # ثم قال تعالى: { إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار }. # هذا وعد من الله جل ذكره للمؤمنين أنه سيدخلهم بساتين تجري الأنهار من ~~تحت أشجارها (ثم أخبر بالطائفة الأخرى) وهم الكفار فقال: # { والذين كفروا يتمتعون } أي: في الدنيا. # { ويأكلون كما تأكل الأنعام }. # أي: يأكلون ولا يتفكرون في معاد، كما أن البهائم تأكل ولا تفكر في معاد، ~~فهما متساويان في الحال. # ثم قال: { والنار مثوى لهم } أي: مسكن ومأوى لهم في الآخرة. # ثم قال: { وكأين من قرية هي أشد قوة من ~~قريتك التي أخرجتك أهلكناهم }. # أي: وكم من أهل قرية هم أشد قوة من أهل مكة الذين أخرجوك منها أهلكوا ~~على شدة قوتهم وتمكن بأسهم فلم ينصرهم ناصر من الهلاك، فما ظنك يا محمد ~~بأهل قريتك على ضعفهم وعدم الناصر لهم كيف تكون حالهم إن تمادوا على ~~كفرهم بالله وتكذيبك. # قال ابن عباس: ms2401 # " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج من مكة إلى الغار، التفت إلى ~~مكة فقال: أنت أحب بلاد الله إلى الله، وأنت أحب بلاد الله إلي، فلو أن ~~المشركين لم يخرجوني لم أخرج منك " # ، (فأعتى الأعداء من عدا) على الله في [حرمه] أو قتل غير قاتله، أو قتل ~~بدخول الجاهلية / قال: فأنزل الله: { وكأين من قرية هي ~~أشد قوة من قريتك } الآية (وأجرى الخبر للقرية) والمراد ~~أهلها. # ثم قال: { أفمن كان على بينة من ربه كمن زين ~~له سوء عمله واتبعوا أهواءهم }. # أي: أفمن كان على برهان وحجة وعلم ويقين من أمور ربه فهو يعبده على ~~بصيرة كمن حسن له الشيطان قبيح عمله فرآه حسنا، [فتمادى] عليه، وهي ~~عبادتهم الأوثان التي زين لهم الشيطان عبادتها، فتمادوا على ذلك. # { واتبعوا أهواءهم }. # أي: ما دعتهم إليه أنفسهم، وما سول لهم الشيطان بغير حجة ولا برهان ولا ~~علم ولا يقين. # قال قتادة: أفمن كان على بينة من ربه وهو محمد صلى الله عليه وسلم كمن ~~زين له سوء عمله: المشركون. # ثم قال: { مثل الجنة التي وعد المتقون } [أي: صفة ~~الجنة التي وعدها الله] من أتقى معاصيه وعمل بطاعته. # { فيهآ أنهار من مآء غير آسن } أي: غير متغير الريح ولا ~~عكر، وفيها: # { وأنهار من لبن لم يتغير طعمه }. # أي: لم يحمض لطول مقامه، ولا راب ولا غيرته الأيدي بالحلب من الضروع، بل ~~هو كوثر. # وفيها: { وأنهار من خمر لذة للشاربين }. # لا تحيل عقولهم، ولا تلحقهم منه كراهة، ولا صداع، كما تفعل خمر الدنيا ~~التي تحيل العقول وتكره شاربها ويعبس بعد شرابها، ويعرض له / منها الصداع ~~والقيء. # وفيها: { وأنهار من عسل مصفى }. # أي: لا غير فيه ولا ندى فيه، ولا شيء يخالطه، كما يكون في عسل الدنيا. # ثم قال: { ولهم فيها من كل الثمرات }. # أي: من كل ما اشتهت أنفسهم من الثمرات، قال كعب: أربعة أنهار من الجنة ~~وضعها الله في الدنيا. فالنيل: نهر العسل في الجنة، والفرات: نهر الخمر ~~في الجنة، وسيحان: ms2402 نهر الماء في الجنة، وجيحان: نهر اللبن في الجنة. # وقال كعب أيضا: النيل في الآخرة عسل أغور ما يكون من الأنهار التي ~~سماها الله عز وجل، ودجلة في الآخرة لبن أغزر ما يكون من الأنهار التي ~~سمى الله عز وجل، والفرات في الآخرة خمر أغزر ما يكون من الأنهار التي ~~سمى الله عز وجل، وسيحان ماء أغزر ما يكون من الأنهار التي سمى الله عز ~~وجل. # ثم قال: { ومغفرة من ربهم } أي: لهم مغفرة؛ أي: ستر على ~~ذنوبهم، وعفو من الله عليها فلا يجازيهم بها، والتقدير عند سيبويه: وفيها ~~يتلى عليكم مثل الجنة، وفيها يقص عليكم مثل الجنة. # وقال يونس (و) النضر بن شميل والفراء: " مثل " بمعنى صفة ومثله وقد تقدم ~~ذكره: # مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد # [إبراهيم: 18] وهذه الآية هي تفسير لقوله: # إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~جنات تجري من تحتها الأنهار # [الحج: 14] من أي شيء هي، فذكر أنها من ماء ومن لبن ومن عسل ومن خمر. # ويروى أن الماء الذي هو غير آسن هو من تسنيم لا تمسه يد [مجيء] حتى يدخل ~~في فيه. # ثم قال: { كمن هو خالد في النار }. # أي: ماكث أبدا في جهنم، أي: هل يستوي من هو في هذه الجنات والأنهار التي ~~تقدم وصفها مع من هو ماكث في نار جهنم. # ثم قال: { وسقوا مآء حميما } أي: وسقي هؤلاء الذين في النار ~~ماء قد أنتهى حره. # { فقطع أمعآءهم }. # روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في قوله: # " { ويسقى من مآء صديد } قال: " يقرب إليه فيتكرهه فإذا ~~أدني منه شوى وجهه، ووقعت فروة رأسه، فإذا شربه قطع أمعاءه حتى يخرج من ~~دبره " ". ### || [47.16-22] # قوله: { ومنهم من يستمع إليك } إلى قوله { ~~وتقطعوا أرحامكم } الآيات. # أي: ومن هؤلاء الكفار يا محمد من يستمع إلى قراءتك وهم المنافقون. # { حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا ~~العلم ماذا قال آنفا }. # أي: فإذا خرج هؤلاء المنافقون المستمعون إليك، لم يعوا شيئا ولا حفظوا ~~مما ms2403 قلت شيئا، لأنهم حضروا لغير الله، واستمعوا بغير نية، فإذا خرجوا ~~بغير علم ولا فهم، قالوا: لأصحابك المؤمنين ما قال محمد آنفا. أي: منذ ~~ساعة. # قال قتادة: هم المنافقون، دخل رجلان: رجل ممن عقل عن الله، فانتفع بما ~~سمع، ورجل لم يعقل عن الله، فلم ينتفع بما سمع. # وكان يقال: الناس ثلاثة: سامع فعاقل، وسامع فغافل، وسامع فتارك، وكان ~~ابن عباس يقول: { قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال ~~آنفا } أنا منهم، وقد سئلت (فيمن سئل). # قال ابن زيد: " هم الصحابة ". # قال عبد الله بن بريدة: قالوا ذلك لابن مسعود. وقيل إنهم سمعوا النبي ~~صلى الله عليه وسلم يخطب ثم خرجوا فقالوا للمسلمين استهزاء: ماذا قال ~~آنفا، / أي: إنا لم نلتفت إلى ما قال. # ثم قال: { أولئك الذين طبع الله على قلوبهم ~~واتبعوا أهوآءهم }. # أي: أولئك الذين هذه صفتهم هم الذين ختم الله على قلوبهم فهم لا يهتدون ~~للحق، فرفضوا أمر الله واتبعوا ما دعتهم إليه أنفسهم بغير برهان ولا حجة، ~~فهذه في المنافقين. # وقال: { كمن زين له سوء عمله واتبعوا ~~أهواءهم }. # هذه في أهل الشرك، فكلا الفريقين اتبعوا أهواءهم. # ثم قال: { والذين اهتدوا زادهم هدى }. # أي: والذين وفقهم الله لاتباع الحق من المستمعين زادهم الله بما سمعوا ~~منك هدى. ففي { زادهم } ضمير يعود على (الله وقيل هو يعود على) قول ~~النبي، أي: زادهم قول النبي هدى. # وقيل: هو عائد على فعل المشركين، وقولهم: { ماذا قال آنفا } أي: ~~زادهم الله بضلال المنافقين واستهزائهم هدى. # وقوله: { وآتاهم تقواهم } /. # أي: (وأعطى الله هؤلاء المتقين) تقواهم بأن استعملهم بطاعته، وقيل ~~معناه: وألهمهم عمل أهل النعم. # وقيل المعنى: وأعطاهم ثواب تقواهم. # وقيل: إن المؤمنين آمنوا بالقرآن لما نزل، فلما نزل الناسخ [والمنسوخ] ~~زادهم ذلك هدى. # ثم قال: { فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم ~~بغتة }. # أي: فهل ينظر هؤلاء المنافقون إلا إتيان الساعة وقيامها عليهم بغتة. " ~~فأن " في موضع نصب بدلا من " الساعة " بدل الاشتمال. # و " بغتة " نصب على المصدر، أي: تبغتهم بغتة، وقيل: هي مصدر ms2404 في موضع ~~الحال، وحكى أبو عبيد (أن في بعض مصاحف الكوفيين أن تأتيهم، على الشرط)، ~~والجواب: فقد جاء. # وقال أبو جعفر الرواسي قلت لأبي عمرو ما هذه " الفاء " في قوله: { ~~فقد جآء أشراطها }. # فقال: هي جواب للجزاء، قال: فقلت له: إنها أن تأتيهم، فقال: معاذ الله ~~إنما هي أن تأتهم. وهذه القراءة تفسر المعنى لو صحت؛ لأنه يصير المعنى: ~~إنها تأتيهم بغتة، ويجوز: أن تأتيهم غير بغتة؛ لأنه بمعنى الشرط والجزاء، ~~وقد قال الله # لا تأتيكم إلا بغتة # [الأعراف: 187] والأمر المحدود الذي لا بد منه ولا يكون غيره، لا يدخله ~~الشرط، لأن الشرط إنما يدخل في الموضع الذي يجوز أن يكون، ويجوز ألا ~~يكون، ويحسن أن يقع، ويحسن ألا يقع، فليس هذا موضعا للشرط البتة، وجاء ~~قوله: { ينظرون } بمعنى " ينتظرون " وهم لا يؤمنون بالساعة فكيف ~~ينتظرونها، وإنما ذلك بمعنى الوعيد والتهدد، كما تقول لمن أصر على الذنوب ~~والكفر: هل تنتظر إلا العذاب، وكما تقول لعبدك يصر على مخالفتك: هل تنتظر ~~إلا العقوبة، فالمعنى: هل ينتظرون في الحقيقة عندنا وعند المؤمنين إلا أن ~~تأتيهم الساعة بغتة. # وقوله: { فقد جآء أشراطها } أي: فقد جاء هؤلاء الكفار ~~علاماتها ومقدماتها وآياتها. # قال الحسن: موت النبي عليه السلام من علاماتها، وقال غيره: بعث النبي من ~~علاماتها، لأنه نبي بعث لا نبي بعده، وقد قال صلى الله عليه وسلم: # " بعثت أنا والساعة كفرسي رهان " # (وقال أيضا): # " بعثت أنا والساعة كهاتين " # وأشار بالسبابة والوسطى. # ثم قال: { فأنى لهم إذا جآءتهم ذكرهم } أي: فمن أي ~~وجه لهؤلاء الكفار تقع الذكرى إذ جاءتهم الساعة بغتة، أي: ليس ينفعهم ذلك ~~الوقت تذكر ولا ندم، إذ ليس هو وقت عمل ولا استعتاب ولا تأخر، فالتقدير: ~~من أين لهم منفعة التذكر والازدجار عن الكفر إذا جاءت الساعة وانقطعت ~~التوبة. # ثم قال: { فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر ~~لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات } أي: فاعلم يا محمد أنه ~~لا معبود تصلح له العبادة إلا الله، واسئل ربك الستر على ذنبك وعلى ذنوب ~~المؤمنين والمؤمنات. ms2405 # ثم قال: { والله يعلم متقلبكم ومثواكم } [أي]: ~~يعلم أعمالكم في تصرفكم وفي سكونكم لا يخفى عليه شيء. # وقيل المعنى: يعلم متصرفكم ومثواكم في الدنيا والآخرة، ومخاطبة النبي ~~صلى الله عليه وسلم هنا هي مخاطبة لأمته، والفاء في قوله: " فاعلم " جواب ~~المجازات، والتقدير: قد بينا أن الله واحد، فاعلم. # ثم قال: { ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة }. # أي: ويقول الذين صدقوا الله ورسوله هل نزلت سورة من الله تأمرنا بجهاد ~~أعداء الله من الكفار، فإذا أنزل الله سورة محكمة بالفرائض تأمرهم ~~بالجهاد، رأيت الذين في قلوبهم مرض، يعني المنافقين ينظرون إليك [يا محمد ~~نظر المغشي عليه من الموت، أي: ينظرون إليك] نظرا أمثال نظر الذي غشي ~~عليه من حلول الموت به خوفا أن تأمرهم بالجهاد مع المسلمين، وجبنا من ~~لقاء العدو. # قال قتادة: كل سورة ذكر فيها الجهاد فهي محكمة وهي أشد القرآن على ~~المنافقين، والمرض هنا: الشك والنفاق. # وقوله تعالى: { فأولى لهم } هو وعيد لهم. # ثم ابتدأ فقال: { طاعة وقول معروف }. # أي: طاعة وقول معروف أولى بهم، وأمثل لهم، / وأجمل بهم، وفيه معنى الأمر ~~من الله لهم بذلك، فالوقف على هذا: { فأولى لهم } وأولى، عند بعض ~~أهل المعاني: " أفعل " التي للتفضيل كما تقول: هذا أخزى لك وأقبح لوجهك، ~~وهو عنده مشتق من الويل وفيه قلب، قلبت اللام في موضع العين لئلا يقع ~~إدغام، ومعنى { فأولى لهم } أي: وليهم المكروه / بمعنى أولى لهم ~~المكروه. والعرب تقول لكل من قارب الهلكة ثم أفلت: " أولى لك " أي: كدت ~~تهلك. # وعن ابن عباس: قوله تعالى: { لهم * طاعة وقول معروف } ، ~~من قول المؤمنين، أي: لهم طاعة وقول معروف قبل الأمر بالقتال، فإذا أمروا ~~نظروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم نظر الذي غشي عليه من خوف الموت ~~فيكون الوقف على هذا " فأولى " ثم يبتدئ: { لهم * طاعة } أي: يقول ~~المؤمنون للمنافقين لهم طاعة وقول معروف: قبل نزول السورة بالأمر ~~بالجهاد. فإذا نزلت بذلك نظروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم نظر من غشي ~~عليه من الموت. ms2406 # وقيل: هو خبر من الله جل ذكره عن هؤلاء المنافقين أنهم قبل أن تنزل ~~السورة يقولون: سمعا وطاعة، فإذا نزلت السورة بذلك كرهوه فقال لهم الله ~~طاعة وقول معروف قبل وجوب الفرائض عليكم، فإذا أنزلت الفرائض شق ذلك ~~عليكم، وكرهتموه، فالكلام متصل على هذا القول لا يوقف على ما قبل طاعة، ~~والوقف على القول الأول: فأولى لهم " وعليه أكثر العلماء وقد ذكرته. # وقوله: { فإذا عزم الأمر }. # أي: فإذا وجب القتال وفرض كرهتموه، فالجواب محذوف لعلم السامع. # وقيل المعنى: فإذا [جد] الأمر، قاله مجاهد، وعنه: فإذا جاء الأمر ~~بالقتال. # وقيل المعنى: فإذا عزم أصحاب الأمر، يعني: النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه. # ثم قال: { فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم } أي: فلو ~~صدق هؤلاء المنافقون الله وتركوا التعلل والهرب لكان صدقهم الله خيرا ~~لهم. # ثم قال: { فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في ~~الأرض }. # هذه مخاطبة للمنافقين الكارهين للجهاد. أي: فهل عسيتم أيها القوم لعلكم ~~أن توليتم عن ما فرض الله عليكم من الجهاد أن تفسدوا في الأرض؛ أي: أن ~~تعصوا الله ورسوله، وتعودوا لما كنتم عليه من سفك الدم وقطع الرحم، ~~والتفرق بعد ما جمعكم الإسلام وألف بين قلوبكم، هذا معنى قول قتادة ~~وغيره. # وقال محمد بن كعب معناه: فهل عسيتم أن توليتم من أمور الناس شيئا أن ~~يقتل بعضكم بعضا. # وقيل المعنى: فهل عسيتم أن توليتم عن النبي صلى الله عليه وسلم. فكفرتم ~~بما جاءكم به أن ترجعوا إلى ما كنتم عليه من الكفر فتفسدوا في الأرض ~~وتقطعوا أرحامكم، وترجعوا إلى العداوات والحروب التي كانت بين الأوس ~~والخزرج. # وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه: " أن توليتم " على ما لم ~~يسم فاعله أي: إن ولي عليكم غيركم. ### || [47.23-35] # قوله: { أولئك الذين لعنهم الله } إلى قوله: { ولن ~~يتركم أعمالكم } الآيات. # أي: أولئك الذين تقدم وصفهم هم الذين أبعدهم الله من رحمته وثوابه فهم ~~بمنزلة الصم إذ لا ينتفعون بما يسمعون، وهم بمنزلة العمي إذ لا ينتفعون ~~بما يرون من ms2407 آيات الله وأدلته على توحيده. # ثم قال: { أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب ~~أقفالهآ }. # أي: أفلا يتدبر هؤلاء المنافقون كتاب الله وما فيه من الحجج، فيعلموا ~~خطأ ما هم عليه مقيمون من النفاق بل على قلوبهم أقفال أقفلها الله عليهم، ~~فهم لا يعقلون ما يتلى عليهم. # قال خالد بن معدان: ما من آدمي إلا وله أربع أعين: عينان في رأسه لدنياه ~~وما يصلحه من معيشته، وعينان في قلبه لدينه وما وعد الله عز وجل من الغيب ~~فإذا أراد الله بعبد خيرا أبصرت عيناه اللتان في قلبه، وإذا أراد الله ~~به غير ذلك طمس عليهما، فذلك قوله له: { أم على قلوب ~~أقفالهآ }. # وروى هشام بن عروة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا يوما: { ~~أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالهآ } ~~فقال شاب من أهل اليمن: بل عليها أقفالها حتى يكون الله يفتحها ويفرجها، ~~فما زال الشاب في نفس عمر حتى ولي فاستعان به. # ثم قال: { إن الذين ارتدوا على أدبارهم من ~~بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم } أي: ~~إن الذين رجعوا القهقرى كفارا بالله من بعدما ظهر لهم الحق فآثروا ~~الضلالة على الهدى، الشيطان سول لهم ذلك وزينه لهم حتى ركبوه، / وأملى ~~لهم في أعمارهم وأطال لهم ليبلغوا الأجل الذي حد لهم أن يبلغوه. # وقيل معناه: أنه تعالى لم يعاجلهم بالعقوبة وأملى لهم / فتركهم على ~~كفرهم ونفاقهم إلى إتيان آجالهم، ولا يكون الضمير في " أملى " يعود على ~~الشيطان البتة في جميع القراءات، لأنه لا يقدر على أن يمد في عمر أحد ولا ~~ينقص منه، ولم يسلطه الله على شيء من ذلك، ولذلك قرأ أبو عمرو " وأملي " ~~على الإخبار عن الله خوفا أن يتوهم متوهم أن الضمير للشيطان. # وقد أجاز الحسن أن يكون الضمير في " أملي " يعود على الشيطان على معنى ~~أنه مد لهم في الأمل ووعدهم طول العمر. # قال قتادة: هم أعداء الله أهل الكتاب يعرفون نعت النبي عليه السلام ~~وأصحابه عندهم في كتبهم ثم يكفرون ms2408 به. # وقال ابن عباس: عني بذلك أهل النفاق، وقاله الضحاك. # والوقف الحسن المختار: { سول لهم } لأن الضميرين. في { سول ~~لهم } { وأملى لهم } مختلفان. الأول للشيطان والثاني لله، ~~فتفرق بينهما بالوقف، وهو قبول الكسائي والفراء وأبي عبيد وأبي حاتم. # ثم قال: { ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما ~~نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر }. # أي: ذلك الإضلال من الله لهم بأنهم قالوا لليهود سنطيعكم في التظافر ~~والمعونة على عداوة محمد. # قال قتادة وغيره: المنافقون ظاهروا اليهود على عداوة النبي صلى الله ~~عليه وسلم فاليهود هم الذين كرهوا ما نزل الله لأنهم حسدوا محمدا صلى ~~الله عليه وسلم إذ بعث الله نبيا من غير ولد يعقوب، وقد أعلمهم الله في ~~التوراة أنه يبعث نبيا من ولد أبيهم - يعني إبراهيم - فتأولوا أن الأب ~~يعقوب فكفروا على تأويل منهم وحسد وبغي، وكرهوا نزول القرآن بنبوءة محمد ~~صلى الله عليه وسلم، فالمنافقون هم القائلون لليهود: { سنطيعكم في ~~بعض الأمر } أي: في النصر على محمد. # ثم قال: { والله يعلم إسرارهم } أي: يعلم ما يسر ~~الفريقان من عداوة المؤمنين لا يخفى عليه شيء، ومعنى { كرهوا ما ~~نزل الله } أي: كرهوا الفرائض التي أنزلها الله في كتابه: يعني: ~~اليهود عليهم اللعنة. # ثم قال: { فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون ~~وجوههم وأدبارهم } أي: كيف تكون حالهم في الوقت الذي تتوفاهم ~~فيه الملائكة في حال ضربهم وجوه المنافقين وأشباههم. # قال الطبري: المعنى: الله يعلم أسرار هؤلاء المنافقين فكيف لا يعلم ~~حالهم إذا توفتهم الملائكة وهم يضربون وجوههم وأدبارهم، فحالهم أيضا لا ~~يخفى عليه في ذلك الوقت. # ثم قال: { ذلك بأنهم اتبعوا مآ أسخط الله } أي: ~~ذلك جزاؤهم لأنهم اتبعوا الأمر الذي أسخط الله وهو كفرهم بما أنزل الله. # { وكرهوا رضونه } أي: كرهوا اتباع كتابه، ورسوله والدخول في ~~شريعته. # { فأحبط أعملهم } أي: أبطلها بكفرهم فلا ثواب لهم فيها. # ثم قال: { أم حسب الذين في قلوبهم مرض } أي: شرك ~~ونفاق. # { أن لن يخرج الله أضغانهم } أي: أحسبوا أن الله لا ~~يخرج ويظهر ما يسرون ms2409 من النفاق والكبر والعداوة للنبي صلى الله عليه وسلم ~~(وموالاتهم اليهود على النبي صلى الله عليه وسلم) وأصحابه. والأضغان: ~~العداوة. # قال المبرد: الضغن ما يضمر من المكروه. # ثم قال: { ولو نشآء لأريناكهم } أي: ولو نشاء يا محمد ~~لعرفناك بهؤلاء المنافقين وأطلعناك على نفاقهم بأعيانهم. # ثم قال: { فلعرفتهم بسيماهم } أي: بعلامات النفاق الظاهرة ~~فيهم. # { ولتعرفنهم في لحن القول } أي: في فحوى قولهم، وظاهر ~~ألفاظهم وأفعالهم. # قال ابن عباس: هم أهل النفاق وقد عرفه الله إياهم في سورة براءة فقال: # ولا تصل على أحد منهم مات أبدا # [التوبة: 84]. # وقال: # فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي ~~عدوا # [التوبة: 83]. فلولا أنه قد عرفه إياهم ما خصهم بهذا المنع. # وكذلك قال الضحاك. # وقال ابن عباس: فما رآى النبي صلى الله عليه وسلم منافقا فخاطبه إلا ~~عرفه. # ثم قال: { والله يعلم أعمالكم } هذا مخاطبة لأهل الإيمان. ~~أي: يعلم أيها الناس أعمالكم لا يخفى عليه شيء منها فيجازيكم [عليها]. # ثم قال: { ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين ~~منكم والصابرين ونبلوا أخباركم }. # هذا مخاطبة للمؤمنين لنختبركم أيها المؤمنون بالفرائض والجهاد حتى نعلم ~~المجاهدين منكم أعدائي والصابرين على أداء فرائضي فنعرف الصادق منكم من ~~الكاذب / فنجازي كلا بعمله. # ثم قال: { ونبلوا أخباركم }. # ونختبر أعمالكم فيما تعبدتم به، ومعنى: حتى نعلم، وهو قد علم ذلك قبل ~~خلق جميع الخلق أنه أراد به العلم الذي يقع عليه الجزاء، فالمعنى حتى ~~نعلم ذلك منكم علم مشاهدة يقع عليها الجزاء، وقد علم تعالى ذكره ما يكون ~~من عباده من الطاعة والمعصية قبل خلق الخلق. # ثم قال: { إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ~~وشآقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى }. # أي: إن الذين جحدوا توحيد الله وصدوا الناس عن الإيمان بالله وبرسوله ~~وكتابه، وخالفوا أمر الرسول من بعد ما تبين لهم أنه نبي مرسل من عند ~~الله، لن يضروا الله شيئا بكفرهم وصدهم عن سبيل الله، بل ضروا أنفسهم، ~~لأن الله بالغ أمره وناصر دينه ورسوله. # { وسيحبط أعمالهم } أي: أبطلها ويتلفها فلا ms2410 ينتفعون بها في ~~الدنيا ولا في الآخرة. # ثم قال: { يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم }. # أي: أطيعوهما فيما أمراكم به، ولا تخالفوهما فتبطلوا أعمالكم. # ثم قال: { إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ~~ثم ماتوا وهم كفار [فلن يغفر الله لهم] }. # أي: إن الذين جحدوا توحيد الله، وصدوا الناس عن الإيمان بالله ورسوله، ~~ثم ماتوا على هذا المذهب من كفرهم فلن يستر الله على ذنوبهم في الآخرة، ~~بل يعاقبهم عليها، فأعلمنا الله أنه لا يغفر لمن مات على الكفر. # ودلت هذه الآية أنه من مات على خلاف هذه الحال أنه جائز أن يستر الله ~~على ذنوبه فيغفر له ويدخله جنته؛ لأنه أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين، ~~يفعل ما يشاء، وقد قال في موضع آخر # إن الله يغفر الذنوب جميعا # [الزمر: 53]، فهذا مخصوص معناه إلا الشرك لقوله تعالى: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء # [النساء: 48]، فالعمدة التي بها يرتجى الفوز والنجاة من النار، الإيمان ~~بالله وبرسوله وبكتبه واتباع لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولقاء الله ~~جل ذكره على ذلك غير مبدل ولا مغير أماتنا الله على ذلك وحشرنا عليه. # ثم قال: { فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم ~~الأعلون والله معكم } أي: ولا تضعفوا أيها المؤمنون عن قتال ~~عدوكم، وتدعوهم إلى الصلح والمسالمة، وأنتم الغالبون لهم الظاهرون عليهم، ~~والله معكم بالنصر والمعونة عليهم. # وقيل: معنى { وأنتم الأعلون } وأنتم أولى بالله منهم. # وقال ابن زيد: هذا منسوخ نسخه الأمر بالجهاد والغلظة عليهم. # وقوله: { ولن يتركم أعمالكم }. # معناه: ولن يظلمكم الله، فينقصكم أجور أعمالكم، يقال وترت الرجل: إذا ~~قتلت له قتيلا، أو أخذت له مالا غصبا. # قال الفراء: هو مشتق من الوتر: وهو الذحل. # وقيل: هو مشتق من الوتر وهو الفرد، فيكون المعنى ولن يفردكم بغير ثواب ~~أعمالكم، ومنه حديث النبي صلى الله عليه وسلم: # " من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله " # أي أفرد منهما، وقيل معناه: كأنما نقص أهله وماله. ### || [47.36-38] ms2411 # قوله: { إنما الحيوة الدنيا لعب ولهو } إلى آخر ~~السورة الآيات. # أي: ابذلوا أيها المؤمنون أنفسكم وأموالكم في جهاد عدوكم ورضى ربكم، ~~فإنما الحياة الدنيا لعب ولهو، إلا ما كان منها من عمل صالح. # ثم قال: { وإن تؤمنوا وتتقوا } أي: تؤمنوا بربكم، وتتقوا ~~مخالفة أمره يؤتكم أجوركم، وقد عرفهم أن أجورهم الجنة، والنجاة من النار. # ثم قال: { ولا يسألكم أمولكم } أي: لا يطلب منكم ربكم ~~أموالكم، إنما يطلب منكم الإيمان به وجهاد عدوه. # وقيل معناه: ولا يأمركم أن تنفقوا أموالكم كلها في سبيل الله ومواساة ~~الفقراء. # ثم قال: { إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا } [أي: إن ~~يطلب منكم ربكم نفقة أموالكم كلها في جهاد عدوه فيلح عليكم في ذلك ~~تبخلوا] بها وتمنعوه منها ويخرج منكم ما خفي. # وقيل المعنى: ويخرج البخل أضغانكم، أي: ما تضمرونه من امتناع النفقة ~~خوف الفقر يفضحكم. # قال قتادة: قد علم الله أن في مساءلة المال خروج الأضغان. # قال الضحاك: تخسر قلوبكم إذا سألتم أموالكم. # ثم قال: { ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل ~~الله } أي: أنتم أيها المؤمنون تدعون / أي لتنفقوا في سبيل الله /، ~~فمنكم من يبخل بإخراج النفقة في سبيل الله، ومن يبخل بالنفقة في سبيل ~~الله فإنما يبخل عن نفسه، لأنه يمنعها الأجر العظيم والثواب الجزيل فبخله ~~عليها راجع. # ثم قال: { والله الغني وأنتم الفقرآء } أي: لا حاجة ~~به إلى أموالكم لأنه غني عنها وإنما يختبركم ليعلم الطائع من العاصي، ~~ليجازي كلا بعمله، وأنتم أيها الخلق الفقراء إلى الله. # ثم قال: { وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم } أي: ~~وإن تعرضوا أيها الناس عن ما جاءكم به محمد فترتدوا، يستبدل قوما غيركم ~~أي: يهلككم ثم يجيء بقوم آخرين بدلا منكم يعملون ما يؤمرون به. # { ثم لا يكونوا أمثالكم } أي: لا يبخلوا بأموالهم عن ~~النفقة في سبيل الله ولا يضيعوا شيئا من حدود [الله]. # " وروي أنه لما نزلت هذه الآية كان سلمان إلى جنب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: يا رسول الله من هؤلاء القوم، إن تولينا ms2412 يستبدلوا بنا؟ ~~فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على منكب سلمان فقال، هذا وقومه، ~~والذي نفسي بيده لو أن الدين معلق بالثريا لنالته رجال من أهل فارس ". # وقيل: هم أهل اليمن. # وقيل: هم الملائكة، وهو بعيد لأنه لا يقال للملائكة قوم. # وقيل المعنى إن تولى أهل مكة عن الإيمان والجهاد استبدل الله بهم أهل ~~المدينة. ### | [48 - سورة الفتح] ### || [48.1-6] # قوله: { إنا فتحنا لك فتحا مبينا } إلى قوله: { ~~وسآءت مصيرا } الآيات. # المعنى: إنا حكمنا لك يا محمد حكما ظاهرا لمن سمعه أو بلغه أنك الغالب ~~الظافر. # وقال قتادة معناه: إنا قضينا لك يا محمد قضاء بينا. # روى عطاء والضحاك عن ابن عباس ان الله جل ذكره لما أنزل على النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن يقول: # ومآ أدري ما يفعل بي ولا بكم # [الأحقاف: 9]. فلما قالها شمت المشركون وكتبوا إلى اليهود بذلك، وقالوا ~~كيف نتبع من لا يدري ما يفعل به ولا بمن اتبعه، فاشتد ذلك على النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فأنزل الله: { إنا فتحنا لك فتحا مبينا ~~}... الآية. # فأخبره بما يكون من أمره وما كان، وبعاقبة المؤمنين به. والفتح: يراد به ~~ما فتح عليه من الغنائم وأخذ القرى بالحرب وغير الحرب فقوله: { إنا ~~فتحنا لك } منة من الله على نبيه صلى الله عليه وسلم، فجعل المنة ~~سبيلا للمغفرة؛ لأن كل ما يفعله العبد من خير، فالله الموفق له، ثم الله ~~يتفضل بالمجازاة على ذلك الفعل، وهو وفق إليه، وأعان عليه، فكل من عنده ~~لا إله إلا هو، فالحسنة من العبد منة من الله عليه إذ وفقه لها، ثم ~~يجازيه على ذلك تفضلا بعد تفضل ومنة بعد منة، وقد قيل: إن التقدير: إنا ~~فتحنا لك فتحا مبينا تستغفر عنده ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما ~~تأخر. فيكون الغفران من الله جزاء للإستغفار منه عند إتيان الفتح، أعلمه ~~تعالى أنه إذا جاء الفتح واستغفر غفر له (ودليل هذا القول قوله: # إذا جآء نصر الله والفتح... فسبح بحمد ربك ms2413 ~~واستغفره # [النصر: 1-3]. فأمره بالاستغفار عند الفتح. # والفتح في اللغة: الظفر بالمكان بالقرية أو بالمدينة، بحرب أو بغير حرب، ~~عنوة أو صلحا. # قال أنس: # " نزلت، { إنا فتحنا لك } بعد رجوع النبي صلى الله عليه وسلم ~~من الحديبية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد نزلت علي آية أحب إلي ~~من جميع الدنيا لو كانت باقية لي غير فانية، لأن الدنيا لا قدر لها فيقدر ~~بها الأمر العظيم الجليل ثم تلا: { إنا فتحنا لك فتحا ~~مبينا } الآية. # فقال رجل من المسلمين: هنيئا مريئا هذا لك يا رسول الله فماذا لنا؟ ~~فأنزل الله: { ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات ~~تجري من تحتها الأنهار } الآية ". # وهذه الآية نزلت في فتح الحديبية، والحديبية بير، وكان في فتحها آية من ~~الله، وذلك / أن النبي صلى الله عليه وسلم ورد هذه البير وقد نزف ماؤها، ~~فتمضمض صلى الله عليه وسلم وتفل فيها، فأقبل الماء حتى شرب كل من كان ~~معه، ولم يكن بينه وبين المشركين حرب الاتراع، ثم فتح له. # وقيل معناه: إنا فتحنا لك فتحا مبينا باجتناب الكبائر ليغفر لك ~~الصغائر. # وقيل معناه: إنا فتحنا لك بالهداية إلى الإسلام، ولام { ليغفر ~~لك الله }: لام قسم عند أبي حاتم والمعنى: " ليغفرن لك الله ". # وقال ابن كيسان وغيره: هي لام كي، فالمعنى: وقع الفتح لك يا محمد لتقع ~~لك المغفرة. # قال مجاهد: ما تقدم من ذنبك قبل النبوة، وما تأخر بعد النبوة. # قال الشعبي: " وما تأخر ": يعني إلى أن يموت، وقد غلط قوم فظنوا أن ~~الفتح هنا فتح مكة، والصحيح أنه فتح الحديبية كذلك قال ابن عباس والبراء ~~بن عازب وأنس بن مالك. # قال الطبري الفتح هنا: الهدنة التي جرت بين النبي عليه السلام وبين ~~مشركي قريش بالحديبية ونزلت هذه السورة في منصرف النبي عليه السلام عن ~~الحديبية [بعد الهدنة التي جرت بينه وبين قومه. # قال أنس: # " لما رجعنا من غزوة الحديبية] وقد حيل بيننا وبين منسكنا قال: / فنحن ~~بين الحزن والكآبة قال فأنزل الله جل ذكره عليه: { إنا ms2414 فتحنا لك ~~فتحا مبينا } إلى { مستقيما } فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " لقد أنزلت [علي] آية أحب إلي من الدنيا جميعا. # وغزوة الحديبية هي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج معتمرا في ذي ~~القعدة من سنة ست من الهجرة، والحديبية بئر. # وفي الحديبية كانت بيعة الرضوان، فأهلوا بذي الحليفة وأهدي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم البدن هو وطائفة من أصحابه وليس معهم من السلاح إلا ~~السيوف فصدهم المشركون عن البيت فمضى لقتالهم، فبركت به ناقته فقال الناس ~~خلأت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما خلأت، ولكن حبسها حابس ~~الفيل عن مكة، فتخلف عن ذلك، وأراد أن يبعث بالهدي الذي كان معهم، ~~فمنعوه، وجرت بينه وبين قريش مراسلات وقصة فيها طول، ثم أرسل النبي صلى ~~الله عليه وسلم عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى قريش فكلمهم بما أمره به ~~رسول الله عليه السلام فأرسلت معه قريش سهيل بن عمرو ليصالح رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وكان بمكة ناس كثير من المسلمين فدعوا عثمان ليطوف ~~بالبيت، فقال: ما كنت لأطوف بالبيت حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم - فصالح النبي صلى الله عليه وسلم قريشا وكتب بينهم وبينه كتاب على ~~أن يرجع النبي وأصحابه من مكانهم، فإذا كان العام القابل يأتي النبي صلى ~~الله عليه وسلم وعثمان ويخلى بينه وبين الكعبة ثلاثة أيام لا يرد عنها، ~~وعلى ألا يدخلها هو ولا أحد من أصحابه إلا بالسلاح، وكتبوا مع ذلك شروطا ~~كثيرة، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكتاب إلى قريش مع عثمان، ~~وبقي سهيل بن عمرو عند النبي عليه السلام، فوقع بين أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم والمشركين بعض قتال ورمى بعضهم بعضا بالنبل والحجارة، فحبس ~~المشركون عثمان، وحبس المسلمون سهيلا فعند ذلك دعا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم المسلمين إلى البيعة،، وأراد قتالهم فبايعه المسلمون تحت ~~الشجرة على الموت، وهي بيعة الرضوان، إذ كانت بالحديبية، وهي بير، بايعوه ~~وهم ms2415 ألف وست مائة تحت شجرة، وقيل: كانوا ألفا وأربعة مائة بايعوه على ~~الموت، وقيل: بايعوه على ألا يفروا. قال جابر: فبايعناه على ألا نفر ~~وكانت الشجرة سرة وكان المسلمون ألفا وستة مائة فيهم مائة فارس، فلما ~~راى المشركون ذلك خافوا وبعثوا بمن كان عندهم من المسلمين وطلبوا الصلح ~~فتركهم رسول الله والمسلمون على كآبة والمشركون خائفون. # وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه أن ينحروا بدنهم فتوقفوا حتى ~~نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم هديه فنحروا / هديهم وحلق رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وحلقت طائفة من أصحابه، وقصرت طائفة فعند ذلك قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم اغفر للمحلقين [قالوا]: والمقصرين يا ~~رسول الله [فأعادها] ثلاث مرات، ثم قال في الرابعة وللمقصرين " # ، وعند ذلك أنزل الله على رسوله عليه السلام: { وهو الذي كف ~~أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من ~~بعد أن أظفركم عليهم } في آيات فيها ذكر صد المشركين ~~الهدي، وأخبر تعالى لأي شيء كف أيدي المؤمنين عن المشركين فقال: { ~~ولولا رجال مؤمنون ونسآء مؤمنات لم ~~تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة ~~بغير علم }. # يعني: ولولا أن تقتلوا من كان بمكة من المؤمنين لأطلق أيديكم أيها ~~المؤمنون على من بمكة من الكفار، ولكن منعتم من ذلك لئلا تأثموا وأنتم لا ~~تعلمون. وذكر حمية الكفار وذكر تصديق رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~لتدخلوا المسجد الحرام إن شاء الله آمنين، وذلك في العام المقبل على ما ~~قاضاهم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. # فأما قوله: # فجعل من دون ذلك فتحا قريبا # [الفتح: 27]. # فقيل هو دخول النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في العام المقبل مكة ~~آمنا وأصحابه معه للعمرة. # وقيل هو فتح خيبر. وفي فتح خيبر نزلت: { وأثابهم فتحا قريبا ~~} ، ولا اختلاف في ذلك. # وكان فتح خيبر عند مالك على رأس ست سنين من الهجرة بعد منصرفهم من ~~الحديبية، وهو الفتح الذي أثاب الله فيه أهل بيعة الرضوان، فلم يغز خيبر ~~غيرهم. # وقال غير ms2416 مالك: فتحت خيبر في أول سنة سبع من الهجرة وكانت مدة / الصلح ~~الذي صالحهم عليه النبي عليه السلام: سنتين يأمن بعضهم بعضا. ولما ~~صالحهم النبي صلى الله عليه وسلم، على ذلك قال رجل من المسلمين: فمن ~~أتاهم منا يا رسول الله فهم أحق به. # قال: نعم، وأبعده الله وأسحقه ومن أتانا منهم لم نقبله، قال: نعم، فإنه ~~من أراد فراقهم وخلاف دينهم جعل الله له فرجا ومخرجا، وخرجت أم كلثوم ~~مهاجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي عاتق لم تتزوج، فقبل النبي ~~عليه السلام هجرتها ولم يردها إلى المشركين. # وأقبل أبو جندل بن سهيل بن عمرو في الحديد مقيدا قد أسلم، وكان والده ~~سهيل والمشركون قد قيدوه وحبسوه؛ لأنه أسلم، واجتنب الطريق وأخذ الجبال ~~حتى هبط على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية ففرح به المسلمون ~~وتلقوه وآووه فناشدهم والده سهيل إلا ردوا عليه ابنه، فرده عليه النبي ~~صلى الله عليه وسلم وقال: إن يعلم الله من نفسه الصدق ينجه، فرجع سهيل ~~يضرب وجه أبي جندل ولده بعصا شوك، فقال له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: هبه لي أو أجره من العذاب، فقال: " والله لا أفعل فأجاره مكرز ابن ~~حفص وأخذ بيده وأدخله فسطاطه وظهر من آيات النبي صلى الله عليه وسلم ~~علامات معجزات في تلك الغزاة، من ذلك: أن الناس قالوا ليس لنا ماء، فأخرج ~~النبي صلى الله عليه وسلم سهما من كنانته فأمر به فوضع في قعر قليب ليس ~~فيه ماء، فروى الناس حتى ضربوا بعطن، ومن ذلك أن الناس شكوا إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الجهد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للناس: ~~ابسطوا أبضاعكم وعيالكم، ففعلوا، ثم قال: من كان عنده بقية من زاد أو ~~طعام فلينشره ودعا لهم، ثم قال: قربوا أوعيتكم، فأخذوا ما شاء الله وكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأتيه أحد من عند المشركين قد أسلم، ~~فيطلبه المشركون، إلا دفعه إليهم ولا يمضي أحد ms2417 من عند المسلمين إلى ~~المشركين مرتدا إلا تركه المسلمون لهم، فعلى ذلك وقع الصلح / فوفى بما ~~عاهدهم عليه، فخرج قوم أسلموا من مكة، وانعزلوا في موضع يقطعون الطريق ~~على عير قريش، وخرج أبو جندل من مكة هاربا ومعه نفر ممن أسلم فلحقوا ~~بأولئك الذين يقطعون الطريق على عير قريش، ولم يأت منهم أحد النبي صلى ~~الله عليه وسلم خوفا أن يردهم إلى المشركين، فكان أبو جندل يصلي بهم، ~~وكان من لطف الله للمسلمين أنه صعب على المشركين ذلك، فوجهوا إلى النبي ~~يسألونه أن يوجه في القوم ليقدموا عليه، وقالوا: إنا لا نسألكم في ردهم ~~إلينا، ومن خرج إليك منا فأمسكه، ولا ترده بلا حرج عليك، فكتب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى أبي جندل وأصحابه أن يقدموا عليه، وأمر من اتبعهم ~~من المسلمين أن يرجعوا إلى بلدانهم وأهليهم، وألا يعرضوا لأحد مر بهم من ~~قريش ففعلوا. # وقوله: { ويتم نعمته عليك }. # معناه: يرفع ذكرك في الدنيا وينصرك على عدوك، ويغفر لك ذنوبك في الآخرة. # وقوله: { ويهديك صراطا مستقيما } أي: يرشدك دينا لا ~~اعوجاج فيه فيستقيم بك إلى رضا ربك وإلى طريق الجنة. # وقوله: { وينصرك الله نصرا عزيزا } أي: ينصرك على أعدائك ~~نصرا لا يغلبك غالب، وقيل معناه نصرا ذا عز لا ذل معه. # ثم قال: { هو الذي أنزل السكينة في قلوب ~~المؤمنين } أي: جعل السكون والطمأنينة في قلوب المؤمنين إلى ~~الإيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم ليزدادوا إيمانا وتصديقا مع ~~تصديقهم. قال ابن عباس: السكينة الرحمة، وقال: بعث النبي صلى الله عليه ~~وسلم بشهادة أن لا إله إلا الله فلما صدق بها المؤمنون زادهم الصلاة، ~~فلما صدقوا بها زادهم الصيام، فلما صدقوا زادهم الزكاة، فلما صدقوا بها ~~زادهم الحج، ثم أكمل لهم دينهم، فقال: # اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي # [المائدة: 4] الآية. # قال ابن عباس: فأوثق إيمان أهل السماوات والأرض وأصدقه وأكمله شهادة لا ~~إله إلا الله. # ثم قال تعالى: { ولله جنود السموت والأرض } أي: ~~عبيده وخلقه ينتقم ms2418 ممن يشاء من أعدائه. # ثم قال: { وكان الله عليما حكيما } أي: لم يزل ذا علم بما ~~هو كائن قبل كونه وما خلقه عاملون قبل خلقهم، حكيما في تدبيره خلقه. # ثم قال: { ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات ~~تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها } أي: فتح لك يا ~~محمد لتشكر ربك على ما أعطاك وليحمد المؤمنون / ربهم على ما وعدهم به أنه ~~سيدخلهم بساتين تجري تحت أشجارها الأنهار ماكثين فيها أبدا. # { ويكفر عنهم سيئاتهم } أي: يغطيها ويسترها فلا ~~يحاسبهم بها. # { وكان ذلك عند الله فوزا } أي: وكان إدخالهم الجنة ~~الموصوفة وستره على ذنوبهم عند الله ظفرا منهم بما كانوا يأملونه (ونجاة ~~من العذاب كثيرا). # ثم قال: { ويعذب المنافقين والمنافقات ~~[والمشركين والمشركات الظآنين بالله ظن ~~السوء] }. # أي: فتح الله لك يا محمد ليعذب هؤلاء المذكورين وظنهم السوء، وأنهم ~~كانوا يظنون أن لن يعود الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وزين الشيطان ~~ذلك في قلوبهم، فرد الله دائرة السوء عليهم: ومعنى دائرة السوء: (دائرة ~~العذاب والهلاك). # وقال الخليل وسيبويه: السوء هنا: الفساد. # وقال الفراء: الفتح [في السين: الشر في الشر، قال: وقلما تقول العرب ~~دائرة السوء إلا بالضم، واختار الفراء الفتح في السين] لأن العرب تقول: ~~هو رجل سوء، بالفتح، ولا تقوله بالضم. # والسوء بالضم اسم الفعل، وبالفتح الشيء بعينه. # ثم قال: { وغضب الله عليهم } أي: نالهم بغضبه ولعنهم أي: ~~وأبعدهم من رحمته، وأعد لهم جهنم يصلونها يوم القيامة. { [وسآءت] ~~مصيرا } أي: ساءت جهنم منزلا لهم. ### || [48.7-15] # قوله: { ولله جنود السموت والأرض } إلى قوله: { ~~إلا قليلا } الآيات. # أي: ولله كل من في السماوات والأرض عبيدا له وأنصارا له على أعدائه، ~~ولم يزل الله (عزيزا لا يغلبه غالب)، حكيما في تدبيره خلقه. # ثم قال: { إنآ أرسلنك شهدا ومبشرا ونذيرا }. # انتصبت الثلاثة الألفاظ على الحال، وهي حال مقدرة. أي: مقدرين بشهادتك ~~يا محمد (على أمتك يوم القيامة) ومقدرين تبشيرك أمتك بما أعد الله لهم من ~~النعيم. إن أطاعوك ومقدرين إنذارك من كفر بك ما أعد الله له من ms2419 العذاب إن ~~مات على كفره. # ثم قال: { لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه ~~وتوقروه }. # أي: فعل الله ذلك بك يا محمد / ليؤمن بك (من سبق في علم الله) أنه يؤمن. # قال ابن عباس: تعزروه: يعني الإجلال، وتوقروه هو التعظيم. # قال قتادة: وتعزروه: تنصروه، وتوقروه: تفخموه. # وقال عكرمة: تعزروه: تقاتلون معه بالسيف. # وقال ابن زيد: وتعزروه وتوقروه: هو الطاعة لله تعالى. # وقال المبرد: تعزروه: تبالغوا في تعظيمه، ومنه عزر السلطان الإنسان؛ أي: ~~بالغ في أدبه فيما دون الحد. # وقال علي بن سليمان: معنى وتعزروه: تمنعون منه وتنصرونه. # قال الطبري: معنى التعزير في هذا الموضع المعونة بالنصر. # وقرأ الجحدري: تعزروه بالتخفيف. # وقرأ محمد اليماني: وتعزروه بالزاءين، من العز؛ أي: تجعلونه عزيزا ~~ويقال: عززه يعززه جعله عزيزا وقواه، ومنه قوله: # فعززنا بثالث # [يس: 13]. # وقيل إن قوله: وتعزروه وتوقروه لله. وقيل هو للنبي صلى الله عليه وسلم ~~فأما " وتسبحوه " فلا تكون إلا لله. # وتنزهوا الله عن السوء في بعض القراءات وتسبحوا الله. # وقوله: { بكرة وأصيلا } أي: ظرفان تصلون لله في هذين الوقتين. # ثم قال: { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون ~~الله } أي: إن الذين يبايعونك يا محمد بالحديبية، وذلك حين حبس ~~المشركون عثمان بن عفان بايع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على ألا ~~يفروا عند لقاء العدو، ثم صرفهم الله عن المشركين وقتالهم، لئلا يهلك من ~~بمكة من المسلمين ولا يعلم بهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ~~قوله: # ولولا رجال مؤمنون # [الفتح: 25] إلى قوله: # أليما # [الفتح: 25]. # وقوله: { إنما يبايعون الله } أي: إنما يبايعون ببيعتهم ~~إياك الله، لأن الله ضمن لهم الجنة. # وقوله: { يد الله فوق أيديهم } أي: يده فوق أيديهم عند ~~البيعة. # وقيل: قوة الله فوق قوتهم في نصرتهم رسوله. # وقيل: معناه يد الله في الثواب والوفاء لهم فوق أيديهم في الوفاء بما ~~بايعوك عليه. # وقيل: معناه يد الله في الهداية لهم فوق أيديهم في الطاعة. # ثم قال: { فمن نكث فإنما ينكث على نفسه } أي: من ~~نكث البيعة ولم يف بما بايع عليه فإنما ms2420 نكثه راجع عليه لأنه يحرم نفسه ~~الأجر الجزيل، والعطاء العظيم في الآخرة. # ثم قال: { ومن أوفى بما عاهد عليه الله } في إيمانه. # { فسيؤتيه أجرا عظيما } أي: ومن أوفى ببيعتك وما عهد على ~~نفسه من نصرك يا محمد فسيؤتيه [الله] أجرا عظيما وهو الجنة والنجاة من ~~النار. # ثم قال: { سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنآ ~~أموالنا }. # نزلت هذه الآية في الأعراب الذين حول المدينة من مزينة وجهينة وأسلم، ~~وغيرهم تخلفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، فلما رجع النبي ~~/ وظفر وسلم أتوه يسألونه الاستغفار لهم وفي قلوبهم خلاف ذلك، ففضحهم ~~الله. # أي: سيقول لك يا محمد إذا رجعت إلى الحديبية الذين (تخلفوا في أهليهم). ~~وقعدوا عن صحبتك والخروج معك إلى مكة معتمرين كما خرجت، معتذرين عن ~~تخلفهم عنك: شغلتنا عن الخروج معك معالجة أموالنا، وأصلاح معائشنا ~~وأهلينا فاستغفر لنا ربك لتخلفنا عنك، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~أراد الخروج إلى مكة معتمرا استنفر العرب، الذين حول المدينة ليخرجوا ~~معه حذرا من قريش أن يعرضوا له بحرب أو يصدوه عن البيت، ثم أحرم ~~بالعمرة، وساق الهدي ليعلم الناس أنه لم يخرج لحرب فتثاقل عنه كثير من ~~الأعراب فتخلفوا عنه، ففيهم نزل هذا. # وقال مجاهد: هم أعراب المدينة من جهينة ومزينة تخلفوا عن الخروج مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة غداة الحديبية ثم أنزل الله تكذيبهم في ~~عذرهم فقال: { يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ~~} أي: يسألونك يا محمد الاستغفار من فعلهم من غير توبة تنعقد عليها ~~قلوبهم، ولا ندم على فعلهم. # وجاء بلفظ " ألسنتهم " توكيدا وفرقا بين المجاز والحقيقة. # ثم قال: { قل فمن يملك لكم من الله شيئا } أي: قل ~~يا محمد لهؤلاء الأعراب الذين تخلفوا عن الخروج معك إلى مكة، من يملك لكم ~~من الله شيئا. # { إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا } / أي: من ~~يدفع عنكم الضر إذا أراده الله بكم حين عصيتم رسوله وتخلفتم عن الخروج ~~معه، واعتذرتم بما لا تعتقده قلوبكم. ms2421 # ثم قال: { بل كان الله بما تعملون خبيرا } أي: بل [لم] ~~يزل الله ذا خبر بما تعملون وما تعتقدون، لا يخفى عليه شيء من ذلك. # ثم قال: { بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول ~~والمؤمنون إلى أهليهم أبدا }. # هذا خطاب للأعراب الذين تخلفوا عن الخروج مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~إلى مكة لما اعتذروا وكذبوا في اعتذارهم، فأكذبهم الله ثم أعلمهم بما علم ~~من اعتقادهم في رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين فقال: بل ظننتم ~~أيها الأعراب أن النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين لا يرجعون إلى ~~المدينة أبدا من غزوتهم، فلذلك تخلفتم عن الخروج معهم لأنكم شغلتكم ~~أموالكم وأهلوكم كما زعمتم في عذركم. # ثم قال: { وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن ~~السوء } أي: زين لكم الشيطان ذلك، وقال لكم لا يرجع النبي والمؤمنون ~~إلى المدينة أبدا، وأنهم سيهلكون في غزوهم، وظننتم أن الله لا ينصر ~~نبيه ومن أطاعه، وذلك ظن السوء. # ثم قال: { وكنتم قوما بورا } أي: هلكى باعتقادكم وظنكم. # والبور في اللغة: الشيء الذي لا قيمة له ولا فائدة فيه ك لا شيء ". # قال قتادة بوار: فاسدين. # قال ابن زيد البور: الذي لا خير فيه. # قال مجاهد بورا: هلكى. # ثم قال: { ومن لم يؤمن بالله ورسوله [فإنآ ~~أعتدنا للكافرين سعيرا] }. # أي: ومن لم يؤمن منكم أيها العرب ومن غيركم بالله ورسوله فقد كفر، وقد ~~اعتدنا لمن كفر سعيرا من النار يسعر عليهم (في جهنم) إذا وردوها يوم ~~القيامة. # يقال سعرت النار: إذا أوقدتها سعرا، ويقال: سعرتها أيضا إذا حركتها ~~ومنه قولهم أنه (لمسعر حرب): أي: محركها وموقدها. # ثم قال: { ولله ملك السموت والأرض يغفر لمن ~~يشآء ويعذب من يشآء }. # أي: له سلطان ذلك، فلا أحد يقدر على رده عما يريد من تعذيبه من أراد ~~تعذيبه ولا عن ستر من أراد الستر عليه وإدخاله الجنة، وهذا تنبيه وحق ~~لهؤلاء الأعراب الذين تخلفوا عن رسول الله على التوبة والمراجعة إلى أمر ~~الله وأمر رسوله: أي: بادروا إلى التوبة فإن ms2422 الله يغفر لمن تاب، لا يرده ~~عن ذلك راد. # { وكان الله غفورا رحيما } أي: لم يزل ذا عفو عن عقوبة ~~التائبين وذا رحمة لهم. # ثم قال: { سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى ~~مغانم لتأخذوها }. # أي: سيقول لك يا محمد ولأصحابك هؤلاء الأعراب الذين تخلفوا عن محبتك ~~والخروج معك إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها { ذرونا نتبعكم } ~~يعني ما وعد الله به المؤمنين من غنائم خيبر، وعدهم ذلك بالحديبية وهو ~~قوله: { وأثابهم فتحا قريبا } وهو فتح خيبر فأعلم الله نبيه ~~عليه السلام أن المتخلفين عنه سيقولون له إذا خرج إلى فتح خيبر وأخذ ~~غنائمها دعنا نتبعك. # ثم قال: { يريدون أن يبدلوا كلام الله } / أي: يريدون ~~أن يغيروا وعد الله الذي وعده أهل الحديبية، وذلك أن الله وعدهم غنائم ~~خيبر بالحديبية عوضا من غنائم أهل مكة إذا أنصرفوا على صلح. # قال مجاهد: رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مكة فوعده الله مغانم ~~كثيرة فعجلت له خيبر، فأراد المتخلفون أن يتبعوا النبي صلى الله عليه ~~وسلم ليأخذوا من المغانم فيغيروا وعد الله الذي خص به أهل الحديبية. # وقيل إن معنى قوله: { يريدون أن يبدلوا كلام الله } ~~أي: يريدون أن يخرجوا معك في غزوك (وقد قال الله): # فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي ~~عدوا # [التوبة: 83]. # قال ابن زيد: أرادوا أن يخرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم وأن يبدلوا ~~كلام الله الذي قال لنبيه: # فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي ~~عدوا # [التوبة: 83] وذلك حين رجع من غزوة تبوك. # وأنكر هذا القول الطبري؛ لأن غزوة تبوك كانت بعد فتح خيبر وبعد فتح مكة، ~~قال: والصواب الذي قاله قتادة ومجاهد: أنهم يريدون أن يغيروا وعد الله ~~الذي خص به أهل الحديبية، وذلك: مغانم خيبر وغيرها. # وقوله: { قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل ~~} أي: كذلك قال لنا الله من قبل مرجعنا إليكم من الحديبية ان غنيمة خيبر ~~لمن شهد الحديبية / دون غيرهم ممن لم يشهدها، فليس لكم أن تتبعونا لأنكم ~~تخلفتم ms2423 عن الحديبية. # ثم قال: { فسيقولون بل تحسدوننا } أي: تحسدوننا أن نصيب ~~معكم من الغنائم، فلذلك تمنعوننا من الخروج معكم. # ثم قال: { بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا } أي: لا ~~يعقلون عن الله ما له عليهم إلا يسيرا، ولو كانوا يعقلون ما قالوا ذلك. ### || [48.16-24] # قوله: { قل للمخلفين من الأعراب ستدعون } إلى ~~قوله: { بما تعملون بصيرا } الآيات. # أي: قل يا محمد لهؤلاء الذين تخلفوا من الأعراب عن أن يخرجوا معك إلى ~~الحديبية، وطلبوا أن يتبعوك إلى أخذ غنائم خيبر ستدعون إلى قوم أولي بأس ~~شديد تقاتلونهم أو يصلحون. # قال ابن عباس: أهل فارس، وهو قول مجاهد وابن زيد. # وقال الحسن، وابن أبي ليلى: هم فارس والروم. # وقال عكرمة: هم هوازن يوم حنين، وكذلك (قال ابن جبير) هوازن وثقيف. # وقال الزهري: هم بنو حنيفة مع مسيلمة الكذاب. # وقال أبو هريرة: لم تأت هذه الآية بعد. # وقال كعب: هم الروم يقاتلهم هؤلاء القوم أو يسلمون بغير قتال. # ومن قرأ " يسلموا " فمعناه: حتى يعلموا أو إلا أن يسلموا. # ثم قال: { فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا } أي: ~~يعطيكم الله على إجابتكم لقتال هؤلاء القوم الجنة. # { وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم ~~عذابا أليما } أي: وإن تتخلفوا عن قتال هؤلاء القوم كما تخلفتم عن ~~الخروج مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية يعذبكم عذابا أليما ~~في الآخرة. # ثم قال: { ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج ~~حرج ولا على المريض حرج } ليس عليهم ضيق إذا تخلفوا عن ~~الجهاد مع المؤمنين للعذر الذي نزل بهم، قاله ابن عباس وقتادة ومجاهد ~~وغيرهم. # ثم قال: { ومن يطع الله ورسوله يدخله جنت ~~تجري من تحتها الأنهر } أي: تحت أشجارها الأنهار. # { ومن يتول } أي: يعص الله ورسوله، ويدع الجهاد إذا دعي إليه ~~يعذبه عذابا أليما في الآخرة. # ثم قال: { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ ~~يبايعونك تحت الشجرة }. # يعني: بيعة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية سنة ست، وفتح ~~خيبر سنة سبع، وقال مالك: سنة ست ms2424 أو هو الفتح القريب، واعتمر [رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم] سنة سبع، وفتح مكة سنة ثمان، وحج أبو بكر ونادى علي ~~براءة سنة تسع، وحج النبي صلى الله عليه وسلم سنة عشر. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة ". # وقد قال الله عز وجل: { لقد رضي الله عن المؤمنين ~~إذ يبايعونك تحت الشجرة }. # ومن رضي الله عنه لم يدخل النار أبدا، وكانوا بايعوه على منابزة قريش ~~لما حبسوا عثمان، وظن المؤمنون أنه قتل وأشاع إبليس في عسكر الرسول صلى ~~الله عليه وسلم أن عثمان قتل وصدوا النبي عن البيت فبايعوه على ألا يفروا ~~ولا يولوهم الأدبار أسفا على عثمان وكان النبي عليه السلام أرسله إلى ~~المشركين بمكة في عقد الصلح وإعلامهم أنه إنما جاء ليعتمر معظما للبيت ~~وللحرم فأبطأ عثمان، فقيل قد قتل فبايع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه ~~على قتالهم ثم بلغه أن عثمان سالم لم يقتل وهي بيعة الرضوان، وكانت ~~الشجرة سرة فكان الذين بايعوه ألفا وأربع مائة، وقيل ألفا وخمس مائة، ~~وقيل ألف وثلاث مائة، وقيل ألف وست مائة. # وقال ابن عباس: كانوا ألفا وخمس مائة وخمسة وعشرين. # وقوله: { فعلم ما في قلوبهم } أي: علم الله ما في قلوب ~~المؤمنين من صدق النية في مبايعتهم والوفاء بذلك: { فأنزل ~~السكينة عليهم } [أي]: فأنزل الله الطمأنينة عند علمه بصدق ~~فعلهم عليهم. # قال قتادة: / أنزل عليهم الصبر والوقار. # ثم قال: { وأثابهم فتحا قريبا } أي: وعوضهم من غنائم مكة ~~غنائم خيبر بعقب رجوعهم من الحديبية سنة ست عند مالك، والفتح: فتح خيبر ~~قاله قتادة وغيره وعليه أكثر المفسرين. # وقال بعضهم هو فتح الحديبية وذلك سلامة المؤمنين، ورجوعهم سالمين ~~مأجورين /. # ثم قال: { ومغانم كثيرة يأخذونها } (أي: وأثاب هؤلاء ~~الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة بما أكرمهم به من ~~الرضا ورجوعهم سالمين)، وبغنائم كثيرة يأخذونها من أموال اليهود بخيبر. # { وكان الله عزيزا حكيما } أي: لم يزل ذا عزة في ms2425 انتقامه من ~~أعدائه، حكيما في تدبيره خلقه. # ثم قال: { وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها ~~فعجل لكم هذه } يعني: غنائم خيبر عجلها الله لأهل بيعة ~~الرضوان بعد منصرفهم من الحديبية سنة ست. # وقيل أول سنة سبع، وهذه مخاطبة لأهل بيعة الرضوان (خاصة أنهم) سيغنمون ~~مغانم كثيرة. # قال مجاهد: هي من لدن نزلت هذه الآية إلى اليوم. # وحكى ابن زيد عن أبيه: أنها مغانم خيبر. # ثم قال: { فعجل لكم هذه }. # قال قتادة: هي غنائم خيبر عجلت، والمؤخرة كل غنيمة يغنم [المؤمنون] من ~~ذلك الوقت إلى أن تقوم الساعة. # وقال ابن عباس: { فعجل لكم هذه } هو الصلح الذي كان بين ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقريش ودل على ذلك قوله: # { وكف أيدي الناس عنكم } أي: وكف أيدي المشركين عنكم ~~أيها المؤمنون بالحديبية. # روي: # " أن المشركين بعثوا عروة بن مسعود الثقفي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~لما أتاهم عام الحديبية فأكرم النبي عليه السلام إتيانه وأدناه فقال ~~للنبي صلى الله عليه وسلم: أتريد أن تقسم البيعة التي أعزها الله، هذه ~~والله قريش لبست، لك جلود النسور وقلوب السباع تقسم بالله لا تدخل مكة ~~أبدا. هذا خلق على الخيل في كراع الغميم وهذه العوذ المطانيل: يعني ~~النساء التي لهن أطفال، تتعوذ بالله من إتيانك مكة، فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: يا أبا سعود لم نأت لهذا، وإنما أتينا معتمرين نحل من عمرتنا ~~وننحر هدينا، ونرجع إلى بلدنا، فاذهب إلى أخوانك وأعلمهم ذلك، فرجع عروة ~~إلى مكة فقال لهم: إني قد رأيت بختنصر في ملكه، ورأيت كسرى في ملكه ورأيت ~~ملك اليمن، والله ما رأيت ملك قط مثل محمد في أصحابه، والله ما تقع منه ~~شعرة إلا صدوها ولا نخامة إلا ابتلعوها والله ليملكن ما فوق رؤوسكم وما ~~تحت أرجلكم، فابعثوا إليه من يقاضيه على ترك الحرب فيما بينكم وبينه، ~~فبعثوا وقاضوه على أن يرجع ويعتمر في العام المقبل ". # وقال قتادة: كف الله أيدي اليهود عن المدينة حين صار النبي صلى الله ~~عليه وسلم ms2426 إلى الحديبية وإلى خيبر وهو اختيار الطبري، لأن كف أيدي ~~المشركين من أهل مكة عن المؤمنين قد ذكره الله بعد هذه الآية، فقال: { ~~وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ~~ببطن مكة } فدل أن الكف الأول غير هذا، فهو كف أيدي اليهود عن ~~المدينة في غيبة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. # وروي عن ابن عباس والحسن في قوله: { وكف أيدي الناس عنكم ~~} قال: هو عيينة بن حصن الفزاري وقومه وعوف بن مالك النضري ومن معه جاءوا ~~لينصروا أهل خيبر ورسول الله صلى الله عليه وسلم محاصر لهم فألقى الله في ~~قلوبهم الرعب وكفهم عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. # وقوله: { ولتكون آية للمؤمنين } أي: ولتكون المغانم (آية ~~للمؤمنين ودلالة) على صدق النبي صلى الله عليه وسلم لأنه أخبرهم بما ~~سيكون. # وقال الطبري معناه: وليكون كف أيدي اليهود عن عيالكم عبرة للمؤمنين وهو ~~قول قتادة. # ثم قال: { ويهديكم صراطا مستقيما } أي: ويرشدكم الله ~~أيها المؤمنون طريقا واضحا لا اعوجاج فيه وهو أن تتقوا في أموركم كلها ~~ربكم، إذ هو الحائط عليكم ولعيالكم. # ثم قال: { وأخرى لم تقدروا عليها } [أي: وعدكم فتح بلدة ~~أخرى لم تقدروا عليها]. # قال ابن عباس وابن أبي ليلى والحسن: هي فارس والروم. # وعن ابن عباس أيضا: هي خيبر، وقاله الضحاك وابن زيد وابن إسحاق. # وقال قتادة: هي مكة قد أحاط الله بها أي: بأهلها. # { وكان الله على كل شيء قديرا } أي: لم يزل ذا قدرة ~~على كل شيء. # ثم قال: { ولو قتلكم الذين كفروا لولوا ~~الأدبار } أي: ولو قاتلكم يا أهل بيعة الرضوان مشركو مكة لانهزموا ~~عنكم وولوكم أدبارهم، ثم لا يجدون وليا / يواليهم عليكم، ولا نصيرا ~~ينصرهم عليكم. # ثم قال: { سنة الله التي قد خلت } أي: سن الله انهزام ~~المشركين بين يدي المؤمنين سنة قد خلت من قبلكم في الأمم الماضية، " ~~فسنة " مصدر عملت فيه جملة ليت من لفظه، وهي قوله /: { لولوا ~~الأدبار } ولن تجد يا محمد لسنة الله التي سنها في الأمم الماضية ms2427 ~~تبديلا بل ذلك دائم في كل أمة يخذل المشركين وينصر المؤمنين. # ثم قال: { وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم ~~عنهم ببطن مكة }. # والله الذي كف أيدي المشركين عنكم أيها المؤمنون بالحديبية إذ خرجوا ~~ليصيبوا منكم، وكف أيديكم عنهم: أي: أرضاكم بالصلح وترك قتال المشركين. # قال أنس بن مالك: هبط ثمانون رجلا من أهل مكة من جبل التنعيم عند صلاة ~~الفجر على رسول الله عليه السلام وأصحابه ليقتلوهم فأخذهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ثم أعتقهم فنزلت الآية فيهم. # فالله كف أيديهم عن قتل رسول الله وأصحابه وكف أيدي المؤمنين عن قتلهم ~~حين أخذوهم فأعتقوهم وهو قوله. # { من بعد أن أظفركم عليهم } أي: كف أيديكم عن قتلهم من ~~بعد أن أخذتموهم أسرى وظفرتم بهم فأعتقتموهم. # قال قتادة: بعث المشركون أربعين رجلا أو خمسين وأمروهم أن يطوفوا بعسكر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصيبوا لهم من أصحابه أحدا، فأخذوا أخذا ~~فأتي بهم رسول الله فعفا عنهم، وخلى سبيلهم بعد أن رموا في عسكر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بالحجارة والنبل. # قال قتادة: بطن مكة: الحديبية. # ثم قال: { وكان الله بما تعملون بصيرا } أي: لم يزل ~~بصيرا بأعمالكم وأعمالهم لا يخفى عليه منها ولا من غيرها شيء. ### || [48.25-29] # قوله: { هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد ~~الحرام } إلى قوله: { فتحا قريبا } الآيات. # أي: هؤلاء المشركون من قريش هم الكافرون الصادون لكم عن دخول المسجد ~~الحرام، والصادون الهدي محبوسا على أن يبلغ محله. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما منع دخول مكة عام الحديبية، وهي ~~سنة ست قال عمر لأبي بكر رضي الله عنهما: أليس قد وعدنا الله أن ندخل، ~~فقال أبو بكر: أوعدك الدخول في هذا العام، وروى أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال مثل ذلك. والعامل في " أن " { معكوفا أن } ويجوز أن يكون { ~~صدوكم } ، والمعنى صدوكم عن دخول المسجد الحرام لتمام عمرتكم، وصدوا ~~الهدي عن أن يبلغ موضع نحره، وذلك دخول الحرام، وكان النبي صلى الله عليه ms2428 ~~وسلم ساق معه حين خرج إلى مكة في سفرته تلك سبعين بدنة، وكان الناس سبع ~~مائة رجل فكانت البدنة عن عشرة، قال ذلك المسور بن مخرمة ومروان بن ~~الحكم، (وقد تقدم الاختلاف) في عدتهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه خرجوا معتمرين في ذي القعدة ومعهم الهدي حتى إذا كانوا بالحديبية ~~وهي بير بقرب مكة صدهم المشركون عن دخول الحرم فصالحهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم على أن يرجع من عامه ذلك إلى المدينة وذلك سنة ست، ثم يرجع من ~~العام المقبل وهو سنة سبع فيكون بمكة ثلاث ليال ولا يدخلها إلا بسلاح ~~الراكب ولا يخرج بأحد من أهلها، فنحر هديه في مكانه وحلقوا في مكانهم، ~~فلما كان العام المقبل سنة سبع أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه فدخلوا مكة معتمرين في ذي القعدة فعوضهم الله من صدهم في ذي ~~القعدة ودخولهم مكة في ذي القعدة من العام المقبل فهو قوله تعالى: # الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص # [البقرة: 194]. # ثم قال: { ولولا رجال مؤمنون ونسآء مؤمنات لم ~~تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة ~~بغير علم }. # أي: لولا أنه بمكة رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لا تعلمون أيها المؤمنون ~~مكانهم وأشخاصهم فتقتلونهم بغير علم فتأثموا ويعيركم بذلك المشركون ~~وتلزمهم الدية. والباء في " بغير " متعلقة " فتطئوهم " ، " وأن " في قوله ~~" أن تطئوهم " بدل من رجال بدل الاشتمال وقيل هي بدل من الهاء، والميم في ~~" تعلموهم " والمعنى يرجع إلى شيء واحد: لسلطكم الله عليهم، فجواب " لولا ~~" محذوف دل عليه الكلام. / # والتقدير لولا أن تطئوا رجالا مؤمنون (ونساء مؤمنات) لم تعلموهم لأذن ~~الله لكم في دخول مكة، ولسلطكم عليهم ولكنه تعالى حال بينكم وبين ذلك. # { ليدخل الله في رحمته من يشآء } أي: لم يأذن لكم في ~~قتالهم وقتلهم ليسلم من كفار مكة من قدر الله له أن يسلم فيدخل في رحمة ~~الله. # وقيل المعنى: لولا رجال مؤمنون في أصلاب المشركين وأرحام المشركات ونساء ~~مثل ذلك لعذبنا الذين كفروا. # ثم قال /: { لو تزيلوا ms2429 لعذبنا الذين كفروا ~~منهم عذابا أليما } أي: لو زال من بمكة من المؤمنين وخرجوا من ~~بين ظهراني المشركين لقتلنا من بقي بمكة من المشركين بالسيف. # وقال الضحاك: لو تزيلوا: يعني من كان بمكة من المؤمنين المستضعفين. # والمعرة: المفعلة من العر وهو الجرب، والمعنى فيصيبكم من قتلهم ~~ما يلزمكم من أجله كفارة قتل الخطأ، وذلك عتق رقبة مؤمنة على من أطاق، أو ~~صيام شهرين متتابعين. # " وأن " في قوله: { أن تطئوهم } بدل من رجال أو بدل من الهاء ~~والميم في { تطئوهم } وهو بدل الاشتمال. # ثم قال: { إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم ~~الحمية حمية الجاهلية }. # نزلت هذه الآية في سهيل بن عمرو وجهه المشركون إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم ليحضر كتاب الصلح فامتنع أن يكتب في الكتاب { بسم الله ~~الرحمن الرحيم } ، وأن يكتب فيه { محمد رسول الله ~~} ، وقال: لو علمنا أنك رسول الله ما قاتلناك، وامتنع هو وأصحابه من دخول ~~النبي وأصحابه مكة. # قال الزهري: كانت حميتهم أنهم لم يقروا أن محمدا نبي الله ولم يقروا ~~بباسم الله الرحمن الرحيم، وحالوا بينه وبين البيت. # والعامل في قوله: " إذا جعل ": " لعذبنا " فلا يبتدأ بها، ويجوز أن يكون ~~العامل فعلا مضمرا معناه: اذكر إذ جعل، فتبتديء بها إن شئت. # والحمية: الأنفة والإنكار. # ثم قال: { فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى ~~المؤمنين } أي: أنزل عليهم الصبر والطمأنينة. # ثم قال: { وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق ~~بها وأهلها } أي: وألزم الله المؤمنين قول لا إله إلا الله، ~~وكانوا أحق بها من المشركين، وكانوا هم أهلها. # قال علي بن أبي طالب وابن عباس: كلمة التقوى لا إله إلا الله. وكذلك روي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو قول مجاهد وقتادة، والضحاك وعكرمة ~~وعطاء وابن عمر وابن زيد. # وزاد عطاء فقال: هي لا إله إلا الله محمد رسول الله. # وقال الزهري: كلمة التقوى بسم الله الرحمن الرحيم وهو قول المسور ومروان ~~لأن المشركين منعوا علي بن أبي طالب أن يكتب في كتابه الصلح: " بسم الله ~~الرحمن الرحيم ms2430 ". # وعن مجاهد وعطاء أنها: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله ~~الحمد وهو على كل شيء قدير. وفي قراءة عبد الله " وكانوا أهلها وأحق ~~[بها] ". # ثم قال: { وكان الله بكل شيء عليما } أي: لا يخفى عليه ~~شيء من جميع أحوالكم. # ثم قال: { لقد صدق الله رسوله الرءيا بالحق ~~لتدخلن المسجد الحرام إن شآء الله آمنين }. # لقد صدق الله رسوله رؤياه التي أراه في منامه. أراه الله أنه يدخل هو ~~وأصحابه بيت الله الحرام آمنين لا يخافون أهل الشرك، يقصرا بعضهم رأسه، ~~ويحلقا بعضهم. # قال مجاهد: # " رآى النبي صلى الله عليه وسلم في نومه بالحديبية أنه يدخل مكة وأصحابه ~~محلقين، فقال أصحابه حين نحروا بدنهم بالحديبية: أين رؤيا محمد صلى الله ~~عليه وسلم؟ قال ابن زيد: قال النبي لأصحابه: إني رأيت أنكم ستدخلون ~~المسجد الحرام محلقين رءوسكم ومقصرين فلما نزل بالحديبية ولم يدخل ذلك ~~العام طعن المنافقون في ذلك، وقالوا ابن رؤياه فأنزل الله { لقد ~~صدق الله رسوله الرءيا بالحق } فأعلمهم أنهم سيدخلون ~~من غير ذلك العام، وأن رؤيا محمد حق ". # وقوله: { إن شآء الله آمنين }. # فحكى ما جرى في الرؤيا من قول الملك له في منامه. # وقيل: إنما جرى لفظ الاستثناء لأنه خوطب في منامه على ما أدبه الله به ~~في قوله: # ولا تقولن لشاىء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن ~~يشآء الله # [الكهف: 23-24] فخوطب في منامه، وأخبر بها يلزمه أن يقول لأصحابه كما لو ~~كان هو المخبر بذلك لهم من عند نفسه. # وقيل /: إنما وقع الاستثناء على من يموت منهم قبل الدخول لأنهم على غير ~~يقين من بقائهم كلهم حتى يدخلوا، ومثله قوله صلى الله عليه وسلم: # " وإنا إن شاء الله بكم لاحقون " # فوقع الاستثناء على من قد لا يموت على دينه. # [وقيل: بل خاطبهم على ما يعقلون]. # وقيل: بل خاطبهم على ما أدبه الله به وأمره به في قوله: # ولا تقولن لشاىء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن ~~يشآء الله # [الكهف: 23-24] الآية. ms2431 # وقيل: هو استثناء من آمنين، أي: لتدخلن المسجد الحرام آمنين إن شاء الله ~~ذلك، ولا يجوز أن يكون ذلك استثناء من الله، لأن الله عالم بعواقب ~~الأمور، وإنما يكون مثل هذا الاستثناء من المخلوقين الذين لا يعلمون ~~عواقب الأمور، ولا يدرون بأن ذلك الشيء يكون أو لا يكون، والله عالم بما ~~يكون وبما لا يكون. # وقال بعض العلماء: إنما أتى الاستثناء في هذا لأن الله خاطب / الناس على ~~ما يعرفه وعلى ما يجب لهم أن يقولوا. # وقيل معنى " إن شاء الله ": إن أمركم الله بالدخول. # وقال نفطويه المعنى فيه: كائن الدخول إن شاء الله ذلك، فليس فيه ضمان ~~على الله أنه لا بد من الدخول، ولكن لما قال: { فجعل من دون ~~ذلك فتحا قريبا } دل على إنفاد المشيئة، وكان الدخول لأنه أخبر ~~أن دون المشيئة فتحا قريبا فعلم بهذا الوعد أن المشيئة [نافذة] والدخول ~~كائن، فيصير المعنى لتدخلن المسجد الحرام إذا جاءت المشيئة. # قال نفطويه: كانت العدة من الله للمؤمنين بالدخول سنة ست، وصدوا سنة ~~سبع، ودخلوا سنة ثمان، وحج أبو بكر بالناس سنة تسع وفيها نادى على علي ~~رضي الله عنه ببراءة، وفتحت مكة سنة عشر، وحج النبي صلى الله عليه وسلم ~~سنة إحدى عشرة. # والحلق للرجال والتقصير للنساء، وقد يجوز للرجال أن يقصروا. والحلق أفضل ~~ومن أجل جواز التقصير للرجال قال: { ومقصرين } ولم يقل ومقصرات، ~~فغلب المذكر. # وقيل: إن الاستثناء في الآية أنما وقع على من مات منهم أو قتل وقيل إن ~~" إن " بمعنى " إذ ". # ثم قال { لا تخافون } أي: تدخلون غير خائفين. # قوله: { فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك ~~فتحا قريبا } إلى آخر السورة الآيات. # أي: علم الله أن بمكة رجالا ونساء مؤمنين، فلو دخلتموها أيها المؤمنون ~~ذلك العام لقتلتم منهم فتلزمكم الديات ويقرعكم بذلك المشركون، فردكم عن ~~مكة من أجل ذلك. # ثم قال: { فجعل من دون ذلك فتحا قريبا } أي: فجعل الله ~~لكم من دون صدكم عن البيت فتحا قريبا، وهو فتح خيبر فتحها ms2432 النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه في ذلك العام واقتسم أهل الحديبية خاصة مغانمها. # وقال مجاهد: الفتح القريب نحرهم الهدي بالحديبية، ورجعوا فافتتحوا خيبر، ~~ثم قضوا عمرتهم في السنة المقبلة. # وقيل المعنى: فجعل الله من دون رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فتحا ~~قريبا وهو فتح خيبر. # ثم قال: { هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين ~~الحق ليظهره على [الدين كله] }. # يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم أرسله بالرشد إلى الصراط المستقيم، ~~وبالدين القوي الحق وهو الإسلام ليظهره على الدين كله، ليبطل به الملل ~~كلها، فلا يكون دين إلا دينه، وذلك أمر سيكون عند نزول عيسى صلى الله ~~عليه وسلم. # وقيل: إنه قد كان هذا إعلان النبي صلى الله عليه وسلم قد قهر أهل ~~الأديان كلها في وقته، وفي خلافة أبي بكر وعمر. # وقال ابن عباس معناه: ليظهره على أمر الدين كله. # ثم قال: { وكفى بالله شهيدا } أي: كفى به شهيدا على نفسه ~~أنه سيظهرك على أمر الدين الذي بعثك به. هذا قول الحسن، وهو اختيار ~~الطبري. ففي هذا إعلام من الله لنبيه عليه السلام أنه سيفتح مكة وغيرها ~~من البلدان. # ثم قال: { محمد رسول الله والذين معه أشدآء ~~على الكفار رحمآء بينهم } أي: وأتباعه من أصحابه هم ~~أشداء على الكفار، أي: ذوو غلظة عليهم وشدة وذوو رحمة فيما بينهم يرحم ~~بعضهم بعضا ويغلظون على الكفار عداوة في الله. # قال قتادة: ألقى الله في قلوبهم الرحمة لبعضهم من بعض. # ثم قال: { تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من ~~الله ورضوانا }. # أي: ترى أصحاب محمد تارة ركعا وتارة سجدا يلتمسون بذلك من فعلهم في ~~ركوعهم وسجودهم وغلظتهم على الكفار، ورحمة بعضهم لبعض فضلا من الله / أن ~~يدخلهم في رحمته ويرضى عنهم. # ثم قال: { سيماهم في وجوههم من أثر السجود }. # قال ابن عباس معناه: أثر صلاتهم تبدو في وجوههم يوم القيامة. # قال عطية: مواضع السجود في وجوههم يوم القيامة أشد بياضا من اللبن وهو ~~قول مقاتل. # قال الحسن: هو بياض في وجوههم يوم ms2433 القيامة، وعنه هو بياض في وجوههم، وعن ~~ابن عباس: أن ذلك في الدنيا وهو السمت الحسن. # وقال مجاهد: أما أنه ليس الذي ترون، ولكنه سيماء الإسلام، وسمته وخشوعه ~~وتواضعه. # وقال الحسن: هو الصفرة التي تعلو الوجه من السهر والتعب، وهو قول ابن ~~عطية. # وقال ابن جبير وعكرمة: هو أثر التراب (وأثر الطهور). # وقال ابن وهب: أخبرني مالك أنه ما يتعلق بالجبهة من تراب الأرض. # ورواه مطرف عن مالك أيضا. # وأصل السيمي: العلامة. # ثم قال: { ذلك مثلهم في التوراة }. # أي: هذا الذي تقدم من صفاتهم ونعتهم في التوراة. # ثم قال: { ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه ~~فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه }. # أي: وصف أصحاب محمد في الإنجيل ونعتهم فيه كزرع أخرج شطئه، أي: فراخه. # يقال: أشطأ الزرع يشطيء أشطا: إذا أفرخ. # فشبههم الله في الإنجيل بالزرع الذي أخرج فراخه، وذلك أنهم في أول ~~دخولهم الإسلام كانوا عددا قليلا / كالزرع في أول ما يخرج، ثم جعلوا ~~يتزايدون ويكثرون، كالزرع إذا أخرج فراخه فكثر وعظم بها، ونما، فيكون ~~الأصل ثلاثين وأربعين وأكثر بالفراخ فكذلك أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم كانوا قليلا ثم تزايدوا وكثروا فكانت هذه صفتهم في التوراة ~~والإنجيل من قبل أن يخلق الله السماوات والأرض فكان مثلهم في التوراة غير ~~مثلهم في الإنجيل، هذا قول أكثر المفسرين، وهو اختيار الطبري، وروى عن ~~مجاهد أنه قال: المثلان منصوصان فيهم في التوراة والإنجيل. # قوله: { فآزره } أي: قواه، يعني فقوى الشطء الزرع، وذلك أن الزرع ~~أول ما يخرج رقيق الأصل ضعيفا، فإذا أخرج فراخه غلظ. أصله وتقوى فكذلك ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا قلة ضعفاء ومستضعفين، فلما كثروا ~~وتقووا قتلوا المشركين. # ثم قال: { فاستغلظ فاستوى على سوقه } أي: فاستوى الزرع ~~على سوقه لما غلظ وتقوى بخروج الفراخ. # والسوق جمع ساق، وسوقه: أصوله. # وعن ابن عباس أنه مثل للنبي صلى الله عليه وسلم بعثه الله وحده كخروج ~~الزرع مفردا، ثم بعث الله قوما آمنوا به فتقوى بهم كالزرع إذا أخرج ~~فراخه فتقوى ms2434 بها وغلظ. هذا معنى قوله. # وقيام معنى: { فاستوى على سوقه } أي: تلاحق الفراخ بالأصول ~~فاستوى جميع ذلك، كم تلاحق من آمن من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~بعضهم ببعض فاستوى جميعهم في الإيمان. # قال ابن زيد: " فآزره " ، فاجتمع ذلك فالتفت كالمؤمنين كانوا قليلا ثم ~~تزايدوا فتأيدوا. # ثم قال: { يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار } أي: ~~يعجب هذا الزارع حين استغلظ واستوى على سوقه، فحسن عند زارعيه. # وقوله: { ليغيظ بهم الكفار } فاللام متعلقة بمحذوف، ~~والتقدير: فعل ذلك بهم ليغيظ بهم الكفار، والتقدير: فعل ذلك ليغيظ بمحمد ~~وأصحابه الكفار، فالمعنى فعل ذلك بمحمد وأصحابه ليغيظ الكفار. # ثم قال: { وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~} الآية. # أي: وعد الله الذين صدقوا محمدا وعملوا الأعمال الصالحات من أصحاب محمد ~~أجرا عظيما ففضلهم بذلك على غيرهم. # وقيل: معنى وعد الله الذين تثبتوا على الإيمان من أصحاب محمد أجرا ~~عظيما، وسترا على ذنوبهم. # وقد روى سفيان الثوري عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس في قوله: { ~~محمد رسول الله } إلى آخر السورة، أن { الذين معه } ~~أبو بكر { أشدآء على الكفار } عمر بن الخطاب { رحمآء ~~بينهم }: عثمان ابن عفان، { تراهم ركعا سجدا } ، علي بن ~~أبي طالب { يبتغون فضلا من الله ورضوانا }: طلحة ~~والزبير { سيماهم في وجوههم من أثر السجود } / عبد ~~الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص، { ذلك مثلهم في التوراة ~~ومثلهم في الإنجيل }: أبو عبيدة بن الجراح، { كزرع ~~أخرج شطأه فآزره } بأبي بكر الصديق، فاستغلظ بعمر، { ~~فاستوى على سوقه يعجب الزراع } بعثمان، { ليغيظ ~~بهم الكفار } بعلي، { وعد الله الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات } أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. # وقد روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لا يجتمع حب أبي بكر وعمر وعثمان وعلي إلا في قلب مؤمن ". # وسئل: أبو هريرة عن القدر فقال: اكتف منه بآخر سورة الفتح، يريد { ~~محمد رسول الله والذين معه (أشدآء على ~~الكفار) } إلى آخر السورة، ثم قال أبو هريرة: " إن الله نعتهم قبل ~~أن يخلفهم ". ### | [49 ms2435 - سورة الحجرات] ### || [49.1] # قوله: { يأيها الذين آمنوا لا تقدموا } إلى قوله: { ~~بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله ~~سميع عليم } الآية. # روى سفيان عن الأعمش عن خيثمة قال: هل تقرؤون { يأيها الذين ~~آمنوا } إلا وهي في التوراة " يا أيها المساكين ". فالمعنى: يا أيها ~~الذين صدقوا محمدا صلى الله عليه وسلم لا تعجلوا بقضاء أمركم في دينكم ~~قبل أن يقضي الله عز وجل ورسوله لكم فيه. # حكي عن العرب: فلان تقدم بين يدي إمامه؛ أي: تعجل الأمر والنهي دونه. # قال ابن عباس معناه: لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة. # وعنه أنه قال: نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه. # وقال مجاهد معناه: لا تفتاتوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء ~~حتى يقضيه الله عز وجل على لسان رسوله. # وقال قتادة: كان أناس يقولون لو نزل في كذا، أو صنع كذا وكذا، فكره الله ~~عز وجل ذلك. # وقال الحسن: ذبح أناس من المسلمين قبل صلاة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يوم النحر، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيدوا ذبحا آخر ~~لتقدمهم. # ففي هذا دليل أنه لا يجوز أن يؤدى فرض قبل وقته. # قال الضحاك: لا تقدموا بين يدي الله ورسوله: يعني بذلك في القتال، وما ~~كان من أمر دينهم، لا يصلح لهم أن يتقدموا في أمر حتى يأمر فيه النبي صلى ~~الله عليه وسلم. # وروى ابن أبي مليكة: أن الآية نزلت في رأي، أشار به عمر على النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وذلك أن النبي / صلى الله عليه وسلم أراد أن يستخلف على ~~المدينة رجلا إذ مضى إلى خيبر، فأشار عليه عمر برجل آخر. # وقيل: نزلت في سبب كلام دار بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وذلك أن ~~(وفدا من بني تميم) قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له أبو ~~بكر: أمر القعقاع بن معبد، وقال عمر: بل أمر الأقرع بن حابس، فقال له ~~أبو بكر: ما أردت إلا خلافي، فقال له عمر: ما أردت ms2436 خلافك، فتماريا حتى ~~ارتفعت أصواتهما فنزلت هذه الآية في ذلك. # ثم قال: { واتقوا الله إن الله سميع عليم } [أي: ~~يسمع قولكم ويعلم فعلكم فاتقوه وخافوه]. ### || [49.2-8] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا ترفعوا ~~أصواتكم } إلى قوله: { عليم حكيم } الآيات. # أي: لا تسابقوه بالكلام وتغلظوا له في الخطاب. # { ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض }. # أي: لا تنادوه باسمه كما ينادي بعضكم بعضا باسمه، ولكن عظموه ووقروه ~~ونادوه بأشرف ما يحب أن ينادى، قولوا: يا رسول الله، يا نبي الله. وهذا ~~كله أمر من الله عز وجل للمؤمنين بتعظيم النبي صلى الله عليه وسلم ~~وإجلاله، وهو مثل قوله: # لا تجعلوا دعآء الرسول بينكم كدعآء بعضكم ~~بعضا # [النور: 63]. # روي: أن أبا بكر لما نزلت هذه الآية قال: أقسمت بالله ألا أكلم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلا كأخي السرار. # وقد كره جماعة من العلماء رفع الصوت عند قبر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وبحضرة العلماء اتباعا لأدب الله عز وجل وتعظيما لرسول الله بعد ~~موته كما كان يحب في حياته، وتشريفا للعلم، إذ العلماء ورثة الأنبياء. # وقد روى عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ليس منا من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف بعالمنا ". # وروي: أن هذه الآية نزلت في ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري وكان خطيب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم / في مفاخرة بني تميم للأقرع بن حابس وكان ~~في أذنيه صمم، فكان إذا تكلم أعلى صوته، فلما نزلت هذه الآية أقام في ~~منزله، وخشي أن يكون حبط عمله. فعند ذلك شاكى أبو بكر ألا يكلم النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلا كأخي السرار فأنزل الله عز وجل في أبي بكر ومن فعل ~~فعله. # { إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله ~~أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى }. # أي: طهرها من كل دنس وجعل فيها التقوى. وثابت هذا هو الذي وقعت جويرية: ~~أم المؤمنين في سهمه فكاتبته على نفسها. # قالت عائشة رضي الله ms2437 عنها: وكانت جويرية امرأة حلوة مليحة لا يراها أحد ~~إلا أخذت بنفسه، قالت عائشة رضي الله عنها: فأتت إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم تستعينه في كتابتها، قالت عائشة: فوالله ما هو - إلا أن رأيتها على ~~باب حجرتي كرهتها وعلمت أن النبي صلى الله عليه وسلم سيرى منها ما رأيت، ~~تريد من حسنها وحلاوتها. # قالت عائشة: فدخلت جويرية على النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول ~~الله أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه، وقد أصابني من البلاء ~~ما لم يخف عنك، فوقعت في السهم لثابت بن قيس، وكاتبته عن نفسي فجئتك ~~أستعينك على كتابتي، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: فهل (لك خير) من ~~ذلك، قالت: وما هو يا رسول الله، قال: أقض كتابتك وأتزوجك، قالت: نعم يا ~~رسول الله، قال: قد فعلت، فخرج الخبر في الناس أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم تزوج جويرية، فقال الناس: أصهار رسول الله، فأرسلوا ما بأيديهم ~~من الأسرى إجلالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم. # قالت عائشة: فلقد أعتق الناس بتزويجها إياها مائة أهل بيت من بني ~~المصطلق، قالت: فما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها من جويرية. # ثم قال: { أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون }. # أي: مخافة أن تبطل أعمالكم وأنتم { لا تشعرون } أي: لا تعملون. # وقال الزجاج تقديره " لأن تحبط " ، وهو عنده مثل # فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا # [القصص: 8] وسمى هذه اللام لام الصيرورة أي: التقطه ليصير أمرهم إلى ~~ذلك؛ لأنهم قصدوا التصير إلى ذلك ولكنه في المقدر، وفيما سبقه من علم ~~الله، فالمعنى لا ترفعوا أصواتكم فيكون ذلك سببا لإبطال أعمالكم. # وفي قراءة عبد الله: " فتحبط أعمالكم ". # ثم قال: { إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول ~~الله } أي: يكفون رفع أصواتهم عند حضور رسول الله صلى الله عليه وسلم. # { أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى } ~~(أي: اختبرها فاصطفاها) وأخلصها للتقوى كما يمتحن الذهب بالنار فيخلصن ~~جيده ويبطل خبيثه. # قال مجاهد: اختبرها فوجدها ms2438 خالصة للتقوى. # وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: امتحنها للتقوى: أي: أذهب الشهوات ~~منها. # ثم قال: { لهم مغفرة وأجر عظيم } أي: لهم ستر وعفو من ~~الله عز وجل يوم القيامة، ولهم أجر عظيم: وهو الجنة والخلود فيها. # ثم قال:/ { إن الذين ينادونك من ورآء الحجرات ~~أكثرهم لا يعقلون }. # روي: أن هذه الآية نزلت في قوم من الأعراب نادوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من وراء حجراته يا محمد أخرج إلينا. # قال مجاهد: هم أعراب من بني تميم. # وقيل: # " هو الأقرع بن حابس نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء الحجرات ~~وقال: يا محمد (إن مدحي زين وإن ذمي شين)، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: ذلك الله جل ذكره ". # وقوله: { لا يعقلون } أي: لا يعقلون أن فعلهم ذلك قبيح. # ثم قال: { ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم ~~لكان خيرا لهم }. # أي: لو تركوا نداءك من وراء الحجرات، وصبروا حتى تخرج إليهم لكان ذلك ~~عند الله خيرا لهم، لأن الله عز وجل قد أمرهم بتوقيرك وتعظيمك، والله ~~غفور لمن ناداك وجهل أن تاب عن ذلك، رحيم به أن يعذبه بعد توبته /. # وقيل: بل غفر الله لهم فعلهم ورحمهم لأنهم لم يقصدوا بفعلهم الاستخفاف ~~بحق النبي صلى الله عليه وسلم، إنما كان فعلهم سوء أدب منهم. # ثم قال: { يأيها الذين آمنوا إن جآءكم فاسق ~~بنبإ فتبينوا }. # روي عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: أن هذه الآية ~~نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، قالت: بعث النبي صلى الله عليه وسلم ~~رجلا في صدقات بني المصطلق، فسمع بذلك القوم، فتلقوه يعظمون بذلك أمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحدثهم الشيطان أنهم يريدون قتله فرجع إلى ~~(رسول الله صلى الله عليه وسلم) وقال: إن بني المصطلق قد منعوا صدقاتهم، ~~فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبلغ القوم رجوعه، فأتوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فخضعوا له حين [صلوا] الظهر، وقالوا: نعوذ ms2439 بالله من ~~سخط رسول الله، بعث إلينا رجلا مصدقا فسررنا به، وقرت به أعيننا. ثم ~~إنه رجع من بعض الطريق فخشينا أن يكون ذلك غضبا من الله عز وجل ومن ~~رسوله صلى الله عليه وسلم، فلم يزالوا يكلمونه حتى جاء بلال فأذن بصلاة ~~العصر فنزلت: # { يأيها الذين آمنوا إن جآءكم فاسق بنبإ ~~[فتبينوا أن تصيبوا] } الآية. # وكذلك قال ابن عباس ومجاهد وقتادة إلا أن مجاهدا قال: إنه الوليد قال ~~للنبي صلى الله عليه وسلم إنهم ارتدوا عن الإسلام فبعث النبي صلى الله ~~عليه وسلم خالد بن الوليد وأمره أن يتبين ولا يعجل، فانطلق حتى أتاهم ~~ليلا فبعث عيونه فأتوه وأخبروه أنهم مستمسكون بالإسلام وسمع صلاتهم ~~وآذانهم، فلما أصبحوا أتاهم (خالد فرأى) الذي يعجبه فرجع إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأخبره الخبر، فأنزل الله عز وجل الآية، فكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول: # " التبين من الله والعجلة من الشيطان ". # قوله: { أن تصيبوا قوما بجهالة } أي: قوم براء مما قذفوا ~~به فتندموا على ما فعلتم بهم. # ثم قال: { واعلموا أن فيكم رسول الله لو ~~يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم }. # أي: إعلموا أن نبي الله عز وجل بين ظهركم فلا تقولوا الباطل فإن الله ~~يخبره بأخباركم فلو أطاعكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما تقولون له ~~لنالكم عنت وشدة ومشقة، لأنه كان يخطئ في أفعاله كما لو قبل من الوليد ~~قوله في بني المصطلق إنهم ارتدوا ومنعوا الزكاة لغزاهم وأصابهم بالقتل ~~والسباء وهم براء، فكنتم تقتلون وتسبون من لا يحل قتله ولا سباؤه، فيدخل ~~عليكم الإثم والمشقة في إخراج الديات والعنت والفساد والهلاك. # ثم قال: { ولكن الله حبب إليكم الإيمان } أي: ~~وفقكم له وزينه في قلوبكم. # وقيل معناه: أمركم أن تحبوا الإيمان، وزينه في قلوبكم فأحببتموه وهذا ~~قول مردود لأن الكفار قد أمرهم الله بمحبة الإيمان أيضا، فلا فرق بين ~~كافر ولا مؤمن في ذلك. وقيل معناه: فعل بكم أفاعيل تحبون معها الإيمان، ~~وهي التوفيق. # { وكره إليكم الكفر والفسوق ms2440 والعصيان } أي: ~~فعل بكم أفاعيل كرهتم معها ذلك. # قال ابن زيد: حببه إليكم: حسنه في قلوبكم، قال العصيان: عصيان النبي صلى ~~الله عليه وسلم، والفسوق: الكذب. والعصيان: ركوب ما نهى الله عز وجل عنه. # ثم قال: { أولئك هم الراشدون } أي: هؤلاء الذين حبب ~~إليهم الإيمان وكره إليهم الكفر والكذب، وفعل ما نهاهم عنه هم السالكون ~~طريق الحق. # ثم قال: { فضلا من الله ونعمة } أي: فعل ذلك بهم للفضل ~~والنعمة، فانتهيا عند الزجاج على أنهما مفعولان من أجلهما. # ثم قال: { والله عليم حكيم } أي: ذو علم بالمحسن منكم والمسيء ~~/، ومن هو أهل الفضل والنعمة ممن لا يستحق ذلك ذو حكمة في تدبيره خلقه. # قال الزجاج قوله: { وزينه في قلوبكم }: معناه أنه دلهم عليه ~~بالحجج القاطعة، والآيات المعجزات. # ويجوز أن يكون زينه في قلوبهم بتوفيقه إياهم إلى طريق الحق في سبيل ~~الرشاد. ### || [49.9-12] # قوله: { وإن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا } إلى ~~قوله: { تواب رحيم } الآيات. # طائفتان عند البصريين / رفع بفعلهم، والتقدير: وإن اقتتل طائفتان من ~~المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما. # وهما رفع بالابتداء عند الكوفيين، والخبر: اقتتلوا، وله نظائر (كثيرة في ~~القرآن) وقد تقدم ذكرها، وسيأتي نظائرها فيما بعد إن شاء الله والمعنى: ~~أصلحوا بينهما أيها المؤمنون بالدعاء إلى كتاب الله وسنة رسوله. # { فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي ~~تبغي حتى تفيء إلى أمر الله }. # أي: فإن أبت إحداهما الرضا بحكم الله عز وجل وحكم رسوله فقاتلوا الفئة ~~التي أبت وبغت حتى ترجع إلى أمر الله، فإن رجعت الباغية إلى حكم الله بعد ~~قتالكم إياها، فأصلحوا بينها وبين الطائفة الأخرى بالإنصاف والعدل ~~بينهما قال ابن زيد لا يقاتل الفئة الباغية إلا الولاة. # وروي أن هذه الآية نزلت في طائفتين من الأوس والخزرج اقتتلا في أمر ~~تنازعا فيه. # وروي عن أنس أنه قال: قيل للنبي عليه السلام لو أتيت عبد الله بن أبي، ~~قال: فانطلق النبي صلى الله عليه وسلم إليه وركب حمارا وانطلق معه ~~المسلمون، فلما أتاه النبي صلى الله عليه وسلم قال ms2441 عبد الله المنافق: ~~إليك عني، فوالله لقد آتاني نتن حمارك، فقال رجل من الأنصار: والله لحمار ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ريحا منك فغضب لعبد الله بن أبي رجل ~~من قومه فرد عليه وغضب لكل واحد منهما أصحابه فكان بينهما ضرب بالجريد ~~والأيدي والنعال فنزلت هذه الآية فيهم. # وقال السدي: كانت امرأة من الأنصار يقال: لها أم زيد تحت رجل من غيرهم ~~فكان بينها وبين زوجها خصومة، فبلغ قومها فجاؤوا وجاء قومه، فاقتتلوا ~~بالأيدي [وبالنعال]، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فجاء ليصلح بينهم ~~فنزل القرآن في ذلك. # وعن قتادة أنه قال: ذكر لنا أنها نزلت في رجلين من الأنصار كانت بينهما ~~خصومة وكان أحدهما أكثر عشيرة من الآخر فأبى أن يحاكمه إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فتدافعا وتقاتلا بالأيدي والنعال فنزلت الآية فيهما. # قوله: { وأقسطوا إن الله يحب المقسطين }. # [أي: أعدلوا في حكمكم بينهم إن الله يحب المقسطين] العادلين في أحكامهم. # يقال قسط الرجل: إذا جار، وأقسط إذا عدل. # ثم قال: { إنما المؤمنون إخوة }. # أي: إنما المؤمنون إخوة في الدين فأصلحوا بينهم إذا اقتتلوا بأن ~~تحملوهم على حكم كتاب الله عز وجل. # { واتقوا الله } أي: وخافوه في حكمكم فلا تحيفوا. # { لعلكم ترحمون } أي: افعلوا ذلك ليرحمكم ربكم. # ثم قال: { يأيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من ~~قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم }. # أي: لا يهزأ قوم مؤمنون من قوم مؤمنين لعل (المستهزئ منه خير من ~~الهازئ)، وكذلك النساء. # " وقوم " في كلام العرب يقع للمذكرين خاصة، ويجوز أن يكون فيهم نساء على ~~المجاز. # وقال بعض أهل اللغة: إنما قيل لجماعة المذكرين قوم لأنه أريد جمع قائم ~~فهذا أصله ثم استعمل في كل جماعة وإن لم يكونوا قائمين. # فقوم عنده جمع قائم " كزائر وزور، وصائم وصوم، ونائم ونوم ~~". # وقيل: سميت الجماعة قوما لأنهم يقومون مع داعيهم في النوائب والشدائد ~~ومثل ذلك قولهم لقوم الرجل نفره، فهو جمع نافر؛ لأنهم ينفرون معه إذا ~~استنفرهم، قال مجاهد: لا يسخر ms2442 قوم من قوم هو سخرية الغني بالفقير لفقره، ~~ولعل الفقير أفضل عند الله من الغني. # وقال ابن زيد: معناه لا يسخر من ستر الله على ذنوبه ممن (كشف الله ~~سبحانه) في الدنيا ستره، لعل ما أظهر الله عز وجل على هذا في الدنيا خير ~~له في الآخرة من أن يسترها عليه في الدنيا، فلست أيها الهازئ على يقين ~~أنك أفضل منه بستر الله عز وجل عليك في الدنيا هذا معنى قوله. # ويروى أن هذه الآية نزلت في عكرمة بن أبي جهل بن هشام قدم المدينة ~~مسلما فكان يمر بالمؤمنين فيقولون: هذا ابن فرعون هذه الأمة، فشكا ذلك ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنهاهم أن يقولوا ذلك /، ونزلت الآية عامة ~~فيه وفي غيره. # ثم قال: { ولا تلمزوا أنفسكم } / أي: لا يطعن بعضكم على ~~بعض. # وقال: أنفسكم لأن المؤمنين كرجل واحد. # قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إنما المؤمنون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر جسده ~~بالحمى والسهر ". # يقال: " لمزه يلمزه ويلمزه لمزا إذا عابه ~~وتنقمه ". # قال علي بن سليمان: اللمز الطعن على الإنسان بالحضرة، والهمز في الغيبة. # قال المبرد: اللمز يكون باللسان، والعين (تعيبه وتجدد) إليه النظر وتشير ~~إليه بالاستنقاص، والهمز لا يكون إلا باللسان في الحضرة والغيبة وأكثر ما ~~يكون في الغيبة، وقال النبز: اللقب الثابت، والمنابزة: الإشاعة والإذاعة. # قال الطبري: النبز واللقب واحد. # قال الضحاك: نزلت هذه الآية في بني سلمة قدم النبي صلى الله عليه وسلم ~~المدينة وما منهم رجل إلا وله إسمان وثلاثة، فكان إذا دعي الرجل بالاسم ~~قالوا إنه يغضب من هذا، فنزلت { ولا تنابزوا بالألقاب }. # وقيل معناه: قول الرجل للرجل يا فاسق يا زاني، يا كافر يا منافق قاله ~~عكرمة ومجاهد وقتادة وابن زيد. # وقال ابن عباس: هو تسمية الرجل بالكفر بعد الإسلام، وبالفسق بعد التوبة. # وقال الحسن: هو اليهودي والنصراني يسلمان فنهي أن يقال لهما يا يهودي يا ~~نصراني بعد إسلامه. # وقيل: هو دعاء الرجل للرجل بما يكره من إسم ms2443 أو صفة أو لقب، وهذا قول ~~جامع لما تقدم. # ثم قال: { بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان }. # أي: من فعل هذا الذي نهي عنه فسخر من أخيه المؤمن ونبزه بالألقاب فهو ~~فاسق. # وبين الاسم الفسوق بعد الإيمان، فلا تفعلوا ذلك فتستحقوا أن تسموا ~~فساقا، ففي الكلام حذف وتقديره ما ذكرنا. # وقال ابن زيد: معناه بئس أن يسمى الرجل كافرا أو زانيا بعد إسلامه ~~وتوبته. # ثم قال: { ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون }. # أي: ومن لم يتب عن نبزه أخاه وسخريته منه فهو ظالم نفسه. # ثم قال: { يأيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من ~~الظن إن بعض الظن إثم }. # أي: تجنبوا أن تظنوا بالمؤمنين شرا، فإن الظن غير محق، وإنما قال: " ~~كثيرا " ولم يقل: اجتنبوا الظن كله؛ لأن الظن قد يكون في الخير فتظن ~~بأخيك المؤمن خيرا، وذلك حسن، فلو قال: اجتنبوا الظن كله يمنع أن يظن ~~الإنسان بأخيه خيرا، ولذلك قال: إن بعض الظن إثم، أي: إن ظنك بأخيك ~~المؤمن الشر لا الخير إثم لأن الله عز وجل قد نهاك عنه. # روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إياكم والظن فإنه أكذب الحديث فلا ينبغي لأحد أن يظن شرا بمن ظاهره ~~حسن، ولا بأس أن نظن شرا بمن ظاهره قبيح ". # قال مجاهد: خذوا ما ظهر واتركوا ما ستره الله عز وجل. # ثم قال: { ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا }. # أي: ولا يتبع بعضكم عورة بعض، فيبحث عن سرائره ليطلع على عيوبه. قال ابن ~~عباس: نهى الله عز وجل المؤمن أن يتبع عورات المؤمن. # قال مجاهد: ولا تجسسوا: خذوا ما ظهر لكم ودعوا ما ستره الله وهو معنى ~~قول قتادة. # والتجسس والتحسس (سواء في اللغة). # وقوله: { ولا يغتب بعضكم بعضا }. # أي: لا يقل بعضكم في بعض بظهر الغيب ما يكره أن يقال له في وجهه، وسأل ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن الغيبة فقال: # " هو أن تقول لأخيك ما فيه، فإن كنت صادقا فقد اغتبته، وإن كنت كاذبا ~~فقد بهته ms2444 ". # قال مسروق: إذا ذكرت الرجل بأسوأ ما فيه فقد اغتبته، وإن ذكرته بما ليس ~~فيه فقد بهته. # قال الحسن: الغيبة أن تذكر من أخيك ما تعلم فيه من مساوئ أعماله، فإذا ~~ذكرت بما ليس فيه فذلك البهتان. # قال ابن سيرين: إن علمت أن أخاك يكره أن تقول ما أشر سواد شعره ثم قلته ~~من ورائه فقد اغتبته. # وقالت عائشة رضي الله عنها: قلت بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم في ~~امرأة: ما أطول ذراعها، فقال: قد اغتبتها فاستحلي منها. # وروى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " الغيبة أشد من الزنا لأن الرجل يزني فيتوب الله عليه، [والرجل يغتاب ~~الرجل فيتوب، فلا يتاب عليه حتى يستحله] ". # ثم قال: { أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا }. # أي: أنتم تحبون أن تأكلوا لحم الميتة، وتكرهونه فكذلك يجب / أن تكرهوا ~~الغيبة للحي فإن الله حرم غيبة المؤمن حيا كما حرم أكل لحمه ميتا. # قال ابن عباس: معناه كما أنت كاره أكل لحم الميتة المدودة فاكره غيبة ~~أخيك كذلك، فأكل الميتة حرام في الشريعة مكروه في النفوس مستقذر فضرب ~~الله مثلا للغيبة، فجعل المغتاب كآكل لحم / الميتة. # والعرب تقول: ألحمتك فلانا: أي: أمكنتك من عرضه. # وقوله: { فكرهتموه }. # [أتى] بالماضي على تقدير فقد كرهتموه، ففيه معنى الأمر، ودل على ذلك ~~قوله: { واتقوا الله } عطف عليه وهو أمر. # وقال الكسائي: فكرهتموه معناه: فينبغي أن تكرهوه. # قال المبرد: معناه فكرهتم أن تأكلوه. # ثم قال: { واتقوا الله إن الله تواب رحيم }. # أي: وخافوا الله أن تقدموا على فعل ما نهاكم عنه من الظن السوء وتتبع ~~عورات المسلم والتجسس على ما خفي عنك باغتياب أخيك المسلم وغير ذلك مما ~~نهاك عنه، إن الله تواب على من تاب إليه: أي: رجع إليه، رحيم به أن ~~يعاقبه على ذنوبه بعد توبته منها. ### || [49.13-18] # قوله: { يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر ~~وأنثى } إلى آخر السورة الآيات. # أي: خلقناكم من آدم وحواء، يعني من ماء ذكر وماء أنثى. # قال مجاهد: خلق الله ms2445 عز وجل الولد من ماء الرجل وماء المرأة. # ثم قال: { وجعلناكم شعوبا وقبآئل لتعارفوا }. # أي: وجعلناكم متناسبين يناسب بعضكم بعضا فيعرف بعضكم بعضا، فيقال فلان ~~ابن فلان من بني فلان فيعرف قرب نسبه من بعده فالأفخاذ أقرب [من القبائل ~~والقبائل أقرب] من الشعوب. # قال مجاهد: شعوبا هو النسب البعيد، والقبائل دون ذلك. # وكذلك قال قتادة والضحاك. # قال ابن عباس: الشعوب الجماع، والقبائل البطون. # وقال ابن جبير: الشعوب الجمهور، والقبائل الأفخاذ. # وواحد الشعوب شعب بالفتح، والشعب عند أهل اللغة: الجمهور مثل مضر تقسمت ~~وتفرقت، ثم يليه القبيلة لأنها يقابل بعضها بعضا، ثم العمارة ثم البطن ~~ثم الفخذ وهو أقربها. # وقيل: إن الشعوب الموالي، والقبائل العرب. # ثم قال: { إن أكرمكم عند الله أتقاكم }. # أي: أفضلكم عند الله أتقاكم لارتكاب ما نهى الله سبحانه عنه، وأعمالكم ~~لما أمر الله تعالى به ليس فضلكم بأنسابكم إنما الفضل لمن كثر تقاه. # قال النبي صلى الله عليه وسلم وقد سأل عن غير الناس فقال: # " آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأوصلهم للرحم وأتقاهم ". # قال أبو هريرة: ينادي مناد يوم القيامة إنا جعلنا نسبا وجعلتم نسبا إن ~~أكرمكم عند الله أتقاكم ليقم المتقون، فلا يقوم إلا من كان كذلك. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " أخير الناس من طال عمره وحسن عمله ". # وروي عن ابن عباس أنه قرأ: " لتعرفوا أن أكرمكم عند الله بفتح " أن " ~~وتعرفوا على مقال تضربوا، على معنى جعلهم شعوبا وقبائل لكي يعرفوا أن ~~أكرمهم عند الله أتقاهم، ومجاز هذه القراءة: جعلهم كذلك ليعرفوا أنسابهم؛ ~~لأن أكرمهم عند الله أتقاهم؛ لأن: " تعرفوا " عملت في: " أن " لأنه ~~لم يجعلهم شعوبا وقبائل ليعرفوا أن أكرمهم عند الله أتقاهم، إنما جعلهم ~~كذلك ليعرفوا أنسابهم. # وكسر " أن " أولى وأتم في المعنى المقصود إليه بالآية. # ثم قال: { إن الله عليم خبير }. # أي: ذو علم، بأتقاكم عنده وأكرمكم، وذو خبر بكم وبمصالحكم. # ثم قال: { قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن ~~قولوا أسلمنا }. # أي: قالت جماعة الأعراب صدقنا بالله ms2446 وبرسوله، قل لهم يا محمد لم تؤمنوا ~~ولكن قولوا أسلمنا وخضعنا وتذللنا. # والإسلام في اللغة الخضوع والتذلل لأمر الله جل ذكره والتسليم له. # والإيمان: التصديق بكل ما جاء من عند الله. # وللإسلام موضع آخر وهو الاستسلام خوف القتل، قد يقع الإسلام بمعنى ~~الإيمان وقد يكون بمعنى الاستسلام. # والإيمان والإسلام يتعرفان على وجهين إيمان ظاهر / لا باطن معه نحو ~~قوله: # ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر ~~وما هم بمؤمنين # [البقرة: 8] وإيمان باطن وظاهر وهو المتقبل، وإسلام ظاهر لا باطن معه ~~كالذي في هذه السورة. # والإسلام أعم من الإيمان لأن الإسلام ما صدق به باطن [ونطق به الظاهر ~~والإيمان ما صدق به الباطن]، فإن كان الإسلام ظاهرا غير باطن فليس ~~بإيمان إنما هو استسلام ولا هو إسلام صحيح. # وهذه الآية نزلت في أعراب من بني أسد، وهم من المؤلفة قلوبهم أسلموا ~~بألسنتهم خوف القتل والسباء ولم تصدق قلوبهم ألسنتهم. # فرد الله عليهم قولهم " آمنا " إذ لم يصدقوه بقلوبهم، وقال بل قولوا ~~أسلمنا: أي: استسلمنا في الظاهر خوف القتل، فالإسلام / قول، والإيمان قول ~~وعمل. # قال الزهري: الإسلام قول والإيمان عمل. # قال ابن زيد قوله: { قل لم تؤمنوا } أي: لم تصدقوا قولكم ~~بعملكم. # ثم أخبر تعالى بصفة المؤمنين فقال: { إنما المؤمنون الذين ~~آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا }. # قال النخعي: ولكن قولوا أسلمنا: أي: استسلمنا. # وعن ابن عباس: أن هذه الآية نزلت في أعراب أرادوا أن يتسموا باسم الهجرة ~~قبل أن يهاجروا فأعلمهم الله عز وجل أن لهم أسماء الأعراب لا أسماء ~~المهاجرين. # وقيل إنهم منوا على النبي صلى الله عليه وسلم بإيمانهم فأعلمهم الله عز ~~وجل أن هذا ليس من خلق المؤمنين إنما هو من خلق من استسلم خوف السباء ~~والقتل، ولو دخل الإيمان في قلوبهم ما منوا به، ودليله قوله بعد ذلك { ~~يمنون عليك أن أسلموا }. # وقال قتادة: لم تعم هذه الآية كل الأعراب، بل فيهم المؤمنون حقا، إنما ~~نزلت في حي من أحياء العرب امتنوا بإسلامهم على نبي الله ms2447 فقالوا آمنا ولم ~~نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان. # ثم قال تعالى ذكره: { ولما يدخل الإيمان في قلوبكم }. # أي: ولما يدخل العلم بشرائع الإيمان وحقائقه في قلوبكم، وهو نفي قد دخل. # ثم قال: { وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من ~~أعمالكم شيئا }. # أي: إن أطعتم الله ورسوله فيما تؤمرون به لا ينقصكم الله (من ثواب ~~أعمالكم شيئا في الآخرة) ولا يظلمكم. # قال ابن زيد معناه: " إن تصدقوا قلوبكم بفعلكم يقبل ذلك منكم، وتجاوزا ~~عليه ". يقال: ألته ويألته ولآته يليته لغتان بمعنى: ~~نقصه، فمن قرأ " لا يلتكم " فهو من لات يليت، وتصديقها في ~~المصحف أنها بغير ألف بعد الياء، ولو كانت همزة لم تختصر من الخط. # ومن قرأ " يألتكم " فهو من ألت يألت. # فأما قوله: # ومآ ألتناهم من عملهم # [الطور: 21] فهو من ألت يألت، (ولو جاء على اللغة) الأخرى لقيل، ~~وما ألتناهم. # وهذه لغة هذيل. # وبذلك قرأ ابن مسعود وأبي، وهذه القراءة شاهدة لقراءة من قرأ هنا " ~~يلتكم " من لات يليت، لكنها مخالفة للخط؛ لأن الخط في " ~~والطور " بألف قبل اللام، لكن من جعله هنا من لات وفي " الطور من ألت " ~~فإنما جمع بين اللغتين واتبع الخط في الموضعين، ومثله مما أجمع عليه ~~قوله: # فهي تملى عليه # [الفرقان: 5]، فهذا من أملى يملي. # ثم قال في موضع آخر: # فليملل وليه # [البقرة: 282]، فهذا من أمثال، يقال أملى عليه وأمال عليه: ~~لغتان، ومثله قوله: # سوف نصليهم نارا # [النساء: 56] فهذا من أمليت. # وقال في موضع آخر # ثم الجحيم صلوه # [الحاقة: 31] فهذا من صليت. # ومثله قوله: # كيف يبدئ الله الخلق # [العنكبوت: 18] من أبدأ، وقال: # كيف بدأ الخلق # [العنكبوت: 19] من بدأته، يقال: أبدأه وبدأه لغتان. # وقد قرأ ابن كثير: ألتناهم بكسر اللام، وهي لغة أيضا. يقال: ~~ألت يألت وألت يألت. # ثم قال: { إن الله غفور رحيم }. # أي: غفور للذنوب لمن تاب منها رحيم أن يعذب أحدا بعد توبته. # ثم قال: { إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ~~ورسوله }. # أي: صدقوا بما أنزل الله، وبرسول الله بقلوبهم، وأقروا به ms2448 بألسنتهم، ~~وقبلوا ما أمروا به، وانتهوا عما نهوا عنه، ثم لم يشكوا في ذلك. # { وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ~~أولئك هم الصادقون } أي: هم الذين صدقوا في قولهم / إنا ~~مؤمنون. # ثم قال: { قل أتعلمون الله بدينكم } أي: أتعلمونه ~~بطاعتكم وما أضمرت قلوبكم، وهو يعلم ما غاب عنكم في السماوات والأرض. # لا يخفى عليه شيء من ذلك، فكيف يخفى عليه ما تخفي صدوركم. # { والله بكل شيء عليم } أي: ذو علم بجميع الأشياء. # ثم قال: { يمنون عليك أن أسلموا }. # أي: يمنون عليك يا محمد بإسلامهم، قل لهم: لا تمنوا علي إسلامكم بل الله ~~يمن عليكم بهدايته لكم إلى الإيمان، ولولا توفيقه لكم ما أسلمتم، فالمنة ~~له لا إله إلا هو إن كنتم صادقين في قولكم (أنكم آمنتم)، فالمنة في ذلك ~~عليكم لله عز وجل، ولا منة لكم على الله، وذلك # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفضل المهاجرين بالعطاء ليستألفهم ~~على الإسلام فكرهت الأنصار ذلك وتكلمت، فأنزل الله عز وجل { يمنون ~~عليك أن أسلموا } الآية، فلما نزلت أتى الأنصار إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم يبكون فقالوا يا رسول الله جئتنا ونحن ضلال فهدانا الله ~~بك، وجئتنا ونحن أذلة فهدانا الله بك، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~لئن قلتم إنك جئتنا ذليلا فأعززناك ومطرودا فآويناك، فقالت الأنصار بل ~~لله ورسوله المنة علينا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " الناس دثاري ~~وأنتم شعاري، ولو سلك الناس واديا وسلكت الأنصار واديا لسلكت وادي ~~الأنصار ولولا الهجرة لكنت أحدا من الأنصار " ". # ثم قال: { إن الله يعلم غيب السموت والأرض } ~~أي: يعلم ما غاب فيها لا يخفى عليه [شيء]، فهو يعلم الصادق منكم من ~~الكاذب في دعواه، فلا يخفى عليه ما تكنه صدوركم. # ثم قال: { والله بصير بما تعملون } أي: ذو بصر بأعمالكم ~~لا يخفى عليه منها شيء فهو محصيها عليكم حتى يجازيكم بها إن خيرا فخير ~~وإن شرا فشر. ### | [50 - سورة ق] ### || [50.1-14] # قوله تعالى: { ق والقرآن المجيد } إلى قوله: { فحق ms2449 ~~وعيد } الآيات. # روى عطاء والضحاك عن ابن عباس: أن ق اسم جبل محيط بالدنيا من زبرجدة ~~خضراء وأن السماء عليه مقبية أقسم الله جل ذكره به. # وقال ابن عباس: " ق " و " ن " وأشباه هذا قسم أقسم الله به، وهو اسم ~~من أسماء الله. # وقال قتادة: اسم من أسماء القرآن، وعنه: أنه اسم من أسماء السور، والوقف ~~على ق، في هذه الثلاثة تقديرات، حسن. # وقال الفراء: معنى ق، " قفي الأمر والله " ، فاكتفى بالقاف عن ~~الجملة كما قال: " قلت لها قفي لنا، فقالت قاف " ، أي: ~~قد وقفت، أي: فاكتفى بالقاف عن الجملة، وتقف على " قاف " في هذا ~~القول إلا أن تجعله جوابا للقسم بعده فلا تقف عليه، فإن أضمرت ~~الجواب وقفت على قاف، وكذلك التقدير في القول الذي بعده، وهو قول مجاهد. # وقال مجاهد: ق جبل محيط بالأرض، وقيل: إنه من زمردة خضراء وإن خضرة ~~السماء والبحر منه. # وقوله: { والقرآن المجيد } قسم، والمجيد: الكريم. # وقيل: الرفيع القدر. # واختلف في جواب القسم، فقيل: الجواب { بل عجبوا } لأن " بل " ~~تؤكد وتوجب وقوع ما بعدها. مثل " أن " و " اللام " ، وقولك " لقد ~~عجبوا " و " بل عجبوا " واحد. # وقال الأخفش سعيد، الجواب: قد علمنا ما تنقص الأرض، أي: قد علمنا ذلك، ~~وهو قول الكسائي. # وقال الزجاج: الجواب محذوف، والتقدير: والقرآن المجيد لتبعثن. # وقيل التقدير: والقرآن المجيد لتعلمن عاقبة تكذيبكم بالبعث، ودل على ذلك ~~ما حكى الله عنهم من قولهم { أءذا متنا وكنا ترابا ذلك ~~رجع بعيد }. # وقيل الجواب (ق لأنه) بمعنى قفي الأمر والقرآن المجيد. # وقيل الجواب (ق): وعلى تقدير هو " ق " والقرآن المجيد، وهذا على قول ~~ابن زيد ووهب بن منبه لأنهما قالا " قاف " اسم للجبل المحيط بالأرض. # وقيل الجواب { إن في ذلك لذكرى }. # ثم قال تعالى: { بل عجبوا أن جآءهم منذر منهم }. # أي: لم يكذبك قريش يا محمد لأنهم لا يعرفونك بل لتعجبهم وإنكارهم من بشر ~~/ مثلهم ينذرهم بأمر الله عز وجل. # { فقال الكافرون هذا شيء عجيب }. # قال بعض أهل المعاني: (العجب وقع من المؤمنين) ms2450 والكافرين فقيل بل عجبوا ~~أن جاءهم منذر منهم. # ثم ميز الله الكافرين من المؤمنين [فقال تعالى]: { فقال ~~الكافرون هذا شيء عجيب * أءذا متنا } الآية فوصفهم ~~بإنكار البعث، ولم يقل: بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقالوا هذا شيء ~~عجيب. # ثم بين قول الكافرين من جميع من تعجب من إرسال منذر، فآمن المؤمنون ~~مما تعجبوا منه، وكفر الكافرون به. # ثم قال تعالى حكاية عن قولهم أنهم قالوا: { أءذا متنا } ، وإنما ~~هو جواب منهم لإعلام النبي صلى الله عليه وسلم لهم، أنهم يبعثون، فأنكروا ~~ذلك فقالوا: # { أءذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد } أي: ~~أنبعث إذا كنا في قبورنا ترابا؟ وقوله: { أءذا متنا }: إنما ~~هو جواب منهم لإعلام النبي صلى الله عليه وسلم لهم أنهم يبعثون ويجازون ~~بأعمالهم. # ودل على ذلك قوله: { أن جآءهم منذر منهم } لأن المنذر ~~أعلمهم أنهم يبعثون فأنكروا ذلك، فقالوا: أئذا متنا وكنا ترابا، واكتفى ~~بدلالة الكلام على حكاية ما قال لهم المنذر وهو النبي صلى الله عليه ~~وسلم. # وقيل: إنما أتى هذا الإنكار ولم يتقدم قبله شيء للجواب المضمر المحذوف، ~~والتقدير: والقرآن المجيد لتبعثن، ففهموا ذلك فقالوا جزابا: أنبعث إذا ~~كنا ترابا، إنكارا للبعث. # وقيل: أن " أئذا متنا " جواب لما قيل لهم، إذ أنكروا إتيان منذر منهم، ~~وقالوا هذا شيء عجيب، فقيل لهم ستعلمون عاقبة إنكارهم إذا بعثتم بعد ~~موتكم، فقالوا منكرين: أئذا متنا وكنا ترابا نبعث. # ومعنى: { ذلك رجع بعيد } أي: ذلك بعث لا يكون. # { قد علمنا ما تنقص الأرض منهم }. # أي: قد علمنا ما تأكل الأرض من أجسامهم [بعد موتهم، وعندنا كتاب محفوظ ~~بما تأكل الأرض منهم. # قال مجاهد: ما تأكل الأرض منهم أي: عظامهم]. # وقال ابن عباس: من لحومهم وأبشارهم وعظامهم وأشعارهم، وما يبقى، فالذي ~~يبقى من الإنسان هو عجب الذنب ومنه يتركب عند النشور. # وروى أبو سعيد الخدري: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يأكل التراب كل شيء من الإنسان إلا ~~عجب الذنب، فقيل: وما هو يا رسول الله، فقال مثل حبة ms2451 خردل منه ~~تنشرون ". # وقيل معناه: وقد علمنا ما يدخل (في الإسلام من بلدان المشركين). # ثم قال: { بل كذبوا بالحق لما جآءهم } يعني بالقرآن. # { فهم في أمر مريج } أي: مختلط ملتبس لا يعرفون حقه من ~~باطله. # وقال ابن عباس: المريج الشيء المنكر، وعنه مريج: مختلف، وعنه في أمر ~~ضلالة. # وقال (ابن جبير ومجاهد) مريج: ملتبس. # وقال ابن زيد في المختلط: يقال مرج الخاتم في أصبعه: إذا اضطرب من ~~الهزال، فتقديره: فهم في أمر مختلط مختلف، لا يثبتون على رأي: واحد ولا ~~على قول، يقولون مرة ساحر، ومرة معلم، ومرة كاهن، ومرة مجنون /، ثم دلهم ~~جل ذكره على وحدانيته وآياته فقال: # { أفلم ينظروا إلى السمآء فوقهم كيف ~~بنيناها وزيناها }. # أي: أفلم ينظر هؤلاء المنكرون للبعث بعد الموت كيف خلقنا السماء فوقهم ~~بغير عمد يرونها، وكيف زيناها بالنجوم وليس فيها فتوق ولا شقوق فيعلمون ~~أن من قدر على هذا الأمر العظيم الجليل وأحدثه لا يتعذر عليه إحياء ~~الموتى على صغر خلقهم وقد نبه على هذا بقوله تعالى: # لخلق السموت والأرض أكبر من خلق الناس # [غافر: 56]. # ثم قال: { والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي }. # أي: وينظرون إلى الأرض كيف مددناها مسطحة لا اعوجاج فيها وجعلنا على ~~جوانبها جبالا تمسكها لئلا تميد بأهلها، وكيف أنبتنا فيها من كل جنس من ~~النبات فيبهج من رآه ويسره، فمن قدر على اختراع هذا كله كيف يعجز عن ~~إحياء الموتى بعد موتهم. # وقيل بهيج: حسن، قاله ابن عباس. # ثم قال: { تبصرة وذكرى لكل عبد منيب }. # أي: فعل ذلك نعمة منه يبصرها / العباد فيستدلون على عظيم قدرته، وأنه لا ~~يعجزه شيء أراده، ويتذكرون به فيتعظون ويزدجرون عن مخالفة أمره ونهيه. # والمنيب: التائب، قاله قتادة. وقيل منيب: مخبت، قاله مجاهد. # و { تبصرة وذكرى }: مصدران أو مفعولان من أجلهما؛ أي: فعلنا ~~ذلك " ليبصركم الله " القدرة، ولتتذكروا عظمة الله فتعلموا أنه قادر على ~~ما يشاء من إحياء الموتى وغير ذلك. # ثم قال: { ونزلنا من السمآء مآء مبركا } أي: مطرا ~~مباركا فأنبتا به جنات، أي: ms2452 بساتين، و " حب الحصيد " يعني الزرع من البر ~~والشعير وسائر أنواع الحبوب. # قال الفراء: الحصيد: هو إضافة الشيء إلى نفسه، لأن الحب هو الحصيد. # والتقدير عند البصريين، وحب النبت الحصيد. # ثم قال: { والنخل باسقات لها طلع نضيد } أي: وأنبتنا ~~النخل طوالا، وهي حال مقدرة، ونضيد بمعنى منضود أي: مكتنز منضم متراكب. # ثم قال: { رزقا للعباد } " رزقا " مصدر أو مفعول من أجله. # ثم قال: { وأحيينا به بلدة ميتا } أي: أحيينا بالمطر ~~بلدة قد أجذبت وقحطت فلا نبات فيها. # ثم قال: { كذلك الخروج } أي: كذلك تخرجون من قبوركم يبعث الله ~~جل ذكره ماء ينبت به الناس كما [ينبت به الزرع، أي: كما أحيينا هذه الأرض ~~بعد موتها فأخرجنا فيها النبات والزرع بالمطر]. كذلك يبعث عليكم مطرا ~~فتحيون للبعث يوم القيامة. # ثم قال: { كذبت قبلهم قوم نوح } أي: كذبت قبل قومك يا ~~محمد قوم نوح. # { وأصحاب الرس وثمود * وعاد وفرعون وإخوان ~~لوط * وأصحاب الأيكة وقوم تبع كل كذب ~~الرسل فحق وعيد } # أصحاب الأيكة: قوم شعيب. # والرس: بير قتل فيها صاحب يس، قاله الضحاك. # وقال كعب: أصحاب الأخدود، وهم الذين أرسل إليهم اثنان وعزز بثالث، قال: ~~والرس: الأخدود. # قال قتادة: الأيكة: الشجر الملتف. # قال عبد الله بن سلام: كان تبع رجل من العرب ظهر على الناس فاختار فتية ~~من الأحبار فاستبطنهم واستدخلهم حتى أخذ منهم وتابعهم فاستنكر ذلك قومه ~~وقالوا قد ترك دينكم وتابع الفتية فلما فشا ذلك قام الفتية فقالوا ~~بيننا وبينهم النار تحرق الكاذب وينجو منها الصادق ففعلوا فعلق الفتية ~~مصاحفهم في أعناقهم ثم غدوا إلى النار فدخلوها فانفرجت عنهم ثم دخلت ~~الفرقة الأخرى فأحرقتهم فأسلم تبع، وكان رجلا صالحا. # وقوله: { كل كذب الرسل } أي: كلهم كذب الرسل فوجب عليهم وعيد ~~الله عز وجل وهو النقمة بالعذاب، وهو تخويف من الله عز وجل لقريش أنهم إن ~~تمادوا على كفرهم حق عليهم الوعيد أيضا. ### || [50.15-22] # قوله: { أفعيينا بالخلق الأول } إلى قوله: { فبصرك ~~اليوم حديد } الآيات. # هذا توبيخ وتقريع لمن أنكر البعث بعد الموت، ms2453 والمعنى: أفعيينا بابتداع ~~الخلق الذي خلقناه ولم يكن شيئا، فنعيا بإعادتهم خلقا كما كانوا بعد ~~فنائهم. أي: ليس يعيينا ذلك، بل نحن قادرون عليه. # ثم قال: { بل هم في لبس من خلق جديد }. # أي: بل هم في شك من إعادة الخلق بعد فنائهم فلذلك أنكروا البعث بعد ~~الموت. # ثم قال: { ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس ~~به نفسه } أي: ما تحدثه به نفسه لا تخفى عليه سرائره. # وقيل: هو مخصوص بآدم عليه السلام وما وحرمت به نفسه من أكل الشجرة التي ~~نهي عنها، ثم هي عامة في جميع الخلق لا يخفى عليه شيء من وسواس أنفسهم ~~إليهم. # ثم قال: { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } / أي: ~~ونحن أقرب إلى الإنسان من فتل العاتق. # وقيل معناه: ونحن أملك به وأقرب إليه. # وقيل معناه: ونحن أقرب إليه في العلم بما توسوس به نفسه من حبل الوريد. # وهنا من الله جل ذكره زجر للإنسان عن إضمار المعصية. # قال الفراء: الوريد: عرق بين الحلقوم والعلباوين. # وقال ابن عباس: " من حبل الوريد " أي: من عرق العنق. # وقال أبو عبيدة: حبل الوريد: حبل العاتق، والوريد عرق في العنق متصل ~~بالقلب، وهو نياط القلب، والوريد والوتين ما في القلب. # قال الأقرع: هو نهر الجسد يمتد من الخنصر أو الإبهام، فإذا كان في الفخذ ~~أو الساق فهو الساق وإذا كان في البطن فهو الحالب وإذا كان في القلب فهو ~~الأبهر وإذا كان في اليد فهو الأكحل وإذا كان في العنق فهو الوريد وإذا ~~كان في العين فهو الناظر / وإذا كان في القلب فهو الوتين. # ثم قال: { إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن ~~الشمال قعيد }. # العامل في " إذ أقرب " ، أي: ونحن أقرب إليه من حبل الوريد حين يتلقى ~~المتلقيان، وهما الملكان عن اليمين وعن الشمال قعيد أي: قاعد، وتقديره ~~عند سيبويه: " عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد ". ثم حذف الأول لدلالة ~~الثاني عليه. # فلذلك لم يقل، قعيدان، وهو قول الكسائي. # ومذهب الأخفش والفراء: أن قعيدا يؤدى عن اثنين وأكثر ms2454 منهما كقوله: # يخرجكم طفلا # [غافر: 67]. ومذهب المبرد: أن " قعيدا " ينوي به التقديم والتأخير، ~~والتقدير عنده: " عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد " فاكتفى بالأول عن ~~الثاني ومثله # والله ورسوله أحق أن يرضوه # [التوبة: 62]. # وقيل: قعيد بمعنى الجماعة، كما قال: # والملائكة بعد ذلك ظهير # [التحريم: 4]. # قال قتادة وغيره: المتلقيان الملكان الحافظان على الإنسان جميع أعماله ~~وألفاظه. # قال مجاهد: الذي عن اليمين يكتب الحسنات، والذي عن الشمال يكتب السيئات. # ثم قال: { ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد }. # أي: ما يلفظ بكلام من خير أو شر إلا كتب عليه، قاله عكرمة وغيره. # قال الحسن وقتادة: يكتب الملكان ما يلفظ به من جميع الأشياء. # قال سفيان: بلغني أن كاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات فإذا أذنب قال ~~لا تعجل لعله يستغفر. # وروي: أن الله جل ذكره جعل لصاحب اليمين على صاحب الشمال سلطانا يطيعه ~~به، فإذا كان الليل قال: صاحب اليمين لصاحب الشمال ألاقيك، أطرح أنا حسنة ~~واطرح أنت عشر سيئات، حتى يصعد صاحب الحسنات لا سيئات معه. # ويروى أن مجلس الملك على باب الإنسان الذي وكل به، وقلم الملك لسان ~~الإنسان، ومداده ريق الإنسان، وهذا تمثيل في القرب، والله أعلم (بكيفية ~~ذلك). # ويروى أن رجلا قال لبعيره: حل، فقال صاحب الحسنات، ما هي بحسنة ~~فاكتبها وقال صاحب السيئات: ما هي بسيئة فاكتبها، فأوحى الله عز وجل إلى ~~صاحب الشمال: ما ترك صاحب اليمين فاكتب. # (وروت أم حبيبة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " كلام ابن آدم عليه السلام عليه لا له إلا أمر بمعروف أو نهي عن ~~منكر، أو ذكر الله عز وجل) ". # وقال [عمرو بن الحارث]: بلغني أن رجلا إذا عمل سيئة قال كاتب اليمين ~~لصاحب الشمال أكتب فيقول لا بل أنت فيمتنعان فينادي مناديا صاحب الشمال: ~~أكتب ما ترك صاحب اليمين. # وقال أبو صالح: في قول الله جل ذكره: # يمحوا الله ما يشآء ويثبت # [الرعد: 39] أن الملائكة تكتب كل ما تكلم به الإنسان فيمحو الله عز وجل ~~منه ما ms2455 ليس له وما ليس عليه ويثبت ما له وما عليه، وهذا القول موافق لقول ~~الحسن وقتادة أن الملكين يكتبان كل ما يقول الإنسان ويعمل من جميع ~~الأشياء. # وقوله: { رقيب عتيد } معناه حافظ حاضر يكتب عليه ويحفظه. # وقيل: عتيد معناه معد، وفعيل يأتي بمعنى فاعل نحو قدير بمعنى قادر وهو ~~كثير، ويأتي بمعنى مفعول نحو سميع بمعنى مسمع. # وأليم بمعنى مؤلم، ويأتي بمعنى مفعول، نحو قتيل بمعنى مقتول وهو كثير، ~~ويأتي بمعنى الجمع نحو ما ذكرنا من قعيد وله نظائر. # (وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله عز وجل وكل بعبده ملكين يكتبان عمله، فإذا مات قال الملكان ~~اللذان وكلا به: ربنا قد مات عبدك فلان بن فلان فتأذن لنا فنصعد إلى ~~السماء فيقول سمائي مملوءة من ملائكتي، فيقولان ربنا فنقيم في الأرض، ~~فيقول الله عز وجل أرضي مملوءة من خلقي فيقولان ربنا فأين، فيقول قوما ~~عند قبر عبدي فسبحاني واحمداني وكبراني وهللالي واكتبا ذلك لعبدي إلى يوم ~~يبعثون) ". # ثم قال: { وجاءت سكرة الموت }. # أي: وجاءت شدة الموت وغلبته على فهم الإنسان بالحق من أمر الآخرة. # وقيل المعنى: (وجاءت سكرة الموت بحقيقة الموت). # وفي قراءة عبد الله: " وجاءت سكرة الحق بالموت " ، وكذلك [قال] أبو بكر ~~رضي الله عنه في مرضه الذي مات فيه لعائشة رضي الله عنها. # ومعنى هذه القراءة: أن الحق هو الله، فالمعنى وجاءته سكرة الله بالموت. # وقيل: الحق هنا الموت، فالتقدير وجاءت سكرة الموت بالموت فالحق هو الموت ~~الذي / حتمه الله على جميع خلقه. # ثم قال: { ذلك ما كنت منه تحيد } أي: السكرة التي جاءتك ~~أيها الإنسان، والموت الذي أتاك هو الذي كنت منه تهرب، وعنه تروع. # ثم قال: { ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد }. # قد تقدم صفة النفخ في الصور، ومعنى الصور، والاختلاف فيه في غير موضع. # فالمعنى ذلك اليوم الذي ينفخ فيه في الصور، وهو اليوم الذي وعدكم الله ~~عز وجل فيه أن يبعثكم ويجازيكم بأعمالكم. # ثم قال: { وجآءت كل نفس معها ms2456 سآئق وشهيد }. # أي: وجاءت يوم القيامة كل نفس معها سائق يسوقها إلى الله عز وجل حتى ~~يوردها الموقف، وشهيد يشهد عليها بما عملت في الدنيا من خير وشر، قاله ~~الحسين والربيع وقتادة وغيرهم. # قال ابن عباس: السائق من الملائكة، والشهيد شاهد عليه من نفسه. # وقال مجاهد: هما الملكان. # وقال الضحاك: السائق من الملائكة والشهيد من أنفسهم الأيدي والأرجل، ~~والملائكة أيضا تشهد عليهم، والأنبياء يشهدون عليهم. # وقال ابن زيد: يوكل به ملك يحصي عليه عمله، ويشهد به عليه وملك يسوقه ~~إلى محشره. # وقال أبو هريرة: السائق والشهيد نفسه. # وقيل: السائق شيطان النفس يكون خلفها، والشهيد ملكه. # وهذه الآية إلى " حديد " في قول أكثر العلماء يراد بها البر والفاجر، ~~وهو اختيار الطبري. # وقيل: عني بها النبي صلى الله عليه وسلم. # وقيل: عني بها المشركون وهو قول الضحاك، والقول الثاني روي عن زيد بن ~~أسلم: يريد به استنقاذ الله عز وجل النبي صلى الله عليه وسلم مما كان ~~عليه في الجاهلية، ودل على ذلك قوله: # ووجدك ضآلا فهدى # [الضحى: 7] والقول الأول أولى بالصواب والله أعلم. # ثم قال: { لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك ~~غطآءك فبصرك اليوم حديد }. # أي: لقد كنت أيها الإنسان في غفلة في الدنيا عما يراد بك وعما يحصى عليك ~~إذ لم تعاينه، فكشفنا عنك الغطاء الآن فنظرت إلى الأهوال والشدائد فزالت ~~الغفلة. # قال ابن عباس: هذا للكافر خاصة، لأن المؤمن قد آمن بجميع ما يقدم عليه ~~فلم يكن عليه غطاء، وكذلك قال مجاهد وسفيان. # وقال ابن زيد هو للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة أي: كنت مع القوم في ~~جاهليتهم فهديناك إلى الإسلام، وأعلمناك ما يراد بك فكشفنا عنك الغطاء ~~الذي كان عليك في الجاهلية. # وقد احتج زيد بن أسلم في هذه الآيات أنها للنبي صلى الله عليه وسلم # ألم يجدك يتيما فآوى * ووجدك ضآلا فهدى # [الضحى: 6-7] فيكون الكشف على قوله في الدنيا، وعلى قول ابن عباس ومجاهد ~~وسفيان يوم القيامة. # وقيل: بل هذا لجميع الخلق، البر ms2457 والفاجر، لأن المعاينة ليست كالخبر. # وعن ابن عباس: { فكشفنا عنك غطآءك } قال: هو الحياة بعد ~~الموت. # ثم قال: { فبصرك اليوم حديد }. # أي: فأنت اليوم حاد النظر، عالم بما كنت تخبر به علم معاينة لا علم خبر. # والبصر هنا يراد به بصر القلب، كما يقال: فلان بصير بالفقه. ### || [50.23-35] # قوله: { وقال قرينه هذا ما لدي عتيد } إلى قوله: { ~~ولدينا مزيد } الآيات. # أي: وقال قرين هذا الإنسان الذي جاء به ربه يوم القيامة ومعه سائق ~~وشهيد: هذا ما عندي حاضر مما كتبت عليه. # قال ابن زيد: هو سائق الذي وكل به. # قال قتادة قرينه: الملك. # وقيل قرينه: شيطانه. # وقيل معنى عتيد: معد. # وقيل معناه: قال قرين الكافر هذا ما عندي من العذاب له حاضر. # [وقيل معناه: قال قرينه من زبانية جهنم هذا ما عندي من العذاب حاضر]. # ثم قال: { ألقيا في جهنم كل كفار عنيد }. # قال الفراء والكسائي: " ألقيا " مخاطبة للقرين. # قال الفراء: والعرب تخاطب الواحد مخاطبة الاثنين، فتقول: " يا رجل قوما ~~". # وأنشد: # خليلي مرا بي على أم جندب # [لنقضي لبانات] الفؤاد المعذب # وإنما خاطب واحدا، واستدل على ذلك بقوله في القصيدة: # ألم ترياني كلما جئت طارقا # وجدت بها طيبا وإن لم تطب # وقيل: إنما ثني (ألقيا)، لأن قرينا يقع للجماعة والاثنين كقوله: # والملائكة بعد ذلك ظهير # [التحريم: 4]، وكقوله: # عن اليمين وعن الشمال قعيد # [ق: 17]، على قول من رأى ذلك، وقد تقدم ذكره. # وقيل: إنما قال ألقيا على شرط تكرير الفعل كأنه قال: ألق، ألق، ~~فالألف تدل على التكرير /، وهو قول المبرد. # وقيل: هو مخاطبة للملكين، السائق والشهيد، والعنيد: المعاند للحق ~~المجانب له. # وقيل العنيد: الجاحد للتوحيد. # وقوله: { مناع للخير معتد مريب }. # قال قتادة: مناع للخير: أي: للزكاة المفروضة. # معتد: متعد على حدود الله، مريب: شاك في الله وفي قدرته. # وقيل مريب: يأتي الأمور القبيحة. # وقيل الخير هنا: المال، يمنع أن يخرجه في حقه، معتد: متعد على الناس ~~بلسانه وبطشه ظلما. مريب: شاك. # ثم بينه تعالى فقال: { الذي جعل مع الله إلها ms2458 آخر } ~~أي: هو الذي أشرك بالله غيره فجعل معه إلها آخر يعبده. # ثم قال /: { قال قرينه ربنا مآ أطغيته ولكن كان ~~في ضلال بعيد }. # أي: قال قرين هذا الكافر الذي عبد مع الله غيره، وقرينه شيطانه، قاله ~~ابن عباس وغيره. # قال ابن زيد: قال قرينه من الجن ربنا ما أطغيته، تبرأ منه، والمعنى أنه ~~تبرأ من كفره، وقال ما أجبرته على الكفر، إنما دعوته فاستجاب لي، لأنه ~~كان على طريق جائر عن الصواب، فأعلم الله عز وجل عباده بتبري بعضهم من ~~بعض يوم القيامة، وقد مضى ذلك في مواضع. # ثم قال تعالى: { قال لا تختصموا لدي وقد قدمت ~~إليكم بالوعيد }. # (أي: قال لهما عز وجل) لا تختصما إلي اليوم وقد قدمت إليكم في الدنيا ~~بالوعيد على الكفر على لسان رسلي وكتبي. # قال ابن عباس: اعتذروا بغير عذر فأبطل الله حجتهم ورد عليهم قولهم، ~~وإنما قال لهم " لا تختصموا " ولم يتقدم إلا ذكر الاثنين؛ لأن قبله ~~الأخبار عن جماعة في قوله: { كل كفار عنيد } ، وفي قوله: # وجآءت كل نفس # [ق: 21]، وبعده خطاب للجماعة في قوله: { وقد قدمت إليكم }. # فالمراد كل من اختصم مع قرينه، فهم جماعة ليس المراد به اثنين فقط، بل ~~كل كافر اختصم مع قرينه، ويجوز أن يكون جمع تختصموا؛ لأن الاثنين جماعة ~~والأول أبين. # ثم قال: { ما يبدل القول لدي } أي: ما يغير القول الذي ~~قلته لكم في الدنيا، وهو قوله: # لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين # [هود: 118]. # قال مجاهد معناه قد قضيت ما أنا قاض. # وقيل: معناه قد قضيت الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها. # ثم قال { ومآ أنا بظلام للعبيد } أي: لا آخد أحدا بجرم ~~أحد. # ثم قال { يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل ~~من مزيد } أي: يوم يقول لجهنم هل أمتلئت لما سبق من وعيده في قوله: # لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين # [هود: 118] وذلك يوم القيامة. وقوله: { وتقول هل من مزيد }. # قال ابن عباس: إن الله قد سبقت كلمته لأملأن جهنم من الجنة والناس ms2459 ~~أجمعين، فلما بعث الناس يوم القيامة، وسيق أعداء الله إلى النار زمرا، ~~جعلوا يقتحمون في جهنم فوجا، لا يلقى في جهنم فوج إلا ذهب فيها لا ~~يملؤها شيء فقالت: ألست [قد] أقسمت لتملأني من الجنة والناس أجمعين، قال: ~~فوضع قدمه عليها، فقالت حين وضع قدمه عليها: [قد امتلأت فليس من مزيد ~~ولم يكن يملؤها شيء حتى وجدت مس ما وضع عليها] فتضايقت حين جعل عليها ما ~~جعل فامتلأت فما فيها موضع إبرة. # قال مجاهد: وتقول هل من مزيد، قال: وعدها ليملأنها فقال هلا وفيتك (قالت ~~وهل من مسلك)، فمعنى { هل من مزيد } ما من مزيد على هذين القولين. # وحكي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قيل له بمكة: # " ألا تنزل دارا من دورك فقال: " وهل ترك لنا عقيل من دار " " # أي: ما ترك لنا دارا حين باعها وقت. الهجرة فالتقدير: هل في من مسلك ~~(وقد امتلأت). فلا زيادة في. # وقال أنس بن مالك: يلقي في جهنم وتقول هل من مزيد؛ أي: زدني ثلاثا، حتى ~~يضع قدمه فيها فتنزوي بعضها إلى بعض فتقول: قط ثلاثا، وهو قول ابن زيد. # فمعنى { هل من مزيد } على هذين القولين: زدني، تسأله أن يزيد ~~فيها من الخلق، وعلى. القولين الأولين: لا مزيد في قد امتلأت، فلا موضع ~~لأحد في وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لا تزال جهنم تقول هل من مزيد فيقوم رب ~~العالمين فيجعل قدمه فيها فتقول قط قط ". # ومعنى قدمه: أي: من تقدم في علمه أنه يدخله النار، ومنه قوله تعالى # وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ~~ربهم # [يونس: 2] [أي] سابقة خير. # ومن روى الحديث # " حتى يضع الجبار فيها قدمه " # احتمل التفسير الأول، أي: حتى يضع لها من تقدم في علمنه أنه يدخل النار، ~~ويحتمل أن يكون / المعنى: حتى يضع الجبارون المتكبرون على الله فيها ~~أقدامهم بأجمعهم، والواحد يدل على الجمع. # وقال أبو هريرة: " اختصمت الجنة والنار، فقالت: الجنة ~~ما لي إنما يدخلني فقراء المسلمين ms2460 وسقاطهم، وقالت ~~النار: ما لي إنما يدخلني الجبارون والمتكبرون ". # فقال تعالى ذكره: أنت رحمتي أصيب بك من أشاء [وأنت عذابي أصيب به من ~~أشاء] ولكل واحدة منكما ملؤها، فأما الجنة فإن الله ينشئ لها من خلقه ما ~~شاء، وأما النار فيلقون فيها فتقول هل من مزيد ويلقون فيها فتقول هل من ~~مزيد، حتى يضع فيها قدمه، فهناك تملأ وتنزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط. # ثم قال: { وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد } أي: ~~أدنيت الجنة وقربت للذين آتقوا ربهم. # ثم قال { هذا ما توعدون } أي: يقال لهم هذا الذي كنتم توعدونه ~~/ أيها المتقون. # { لكل أواب حفيظ } أي: لكل راجع عن معصية الله عز وجل تائب ~~من ذنوبه. # وقيل هو المسبح، قال أبن عباس، قال: لكل أواب: لكل مسبح، وهو قول ~~مجاهد. وعن مجاهد أنه قال هو الذي يذكر ذنوبه في الخلا، فيستغفر منها، ~~وكذا روى عن الشعبي. # (وقال الحسن: الأواب: الرجل معلق قلبه عند الله). # وقال قتادة لكل أواب حفيظ: أي: لكل مطيع لله عز وجل، كثير الصلاة. # وقال ابن زيد الأواب الثواب. # قال ابن عباس حفيظ: أي: حفظ ذنوبه حتى تاب منها. # وقيل: معناه حفيظ على فرائض الله، أي: محافظ عليها. # وقال قتادة: حفيظ: ما استودعه الله عز وجل من حقه ونعمته. # ثم قال: { من خشي الرحمن } " من " بدل من " أواب " أو من " ~~كل " ، والمعنى: من خاف الرحمن في الدنيا وخشي عذابه. # { وجآء بقلب منيب } قال قتادة: بقلب منيب إلى ربه؛ أي: راجع ~~إلى رضا ربه. # قال فضيل: المنيب: الذي يذكر ذنوبه في الخلا ويستغفر منها. # ثم قال { ادخلوها بسلام ذلك } أي: ادخلوا الجنة بسلامة ~~وبأمان من الهم والنصب والعذاب والموت وجميع المكاره والأحزان. # ثم قال { ذلك يوم الخلود } أي: ذلك اليوم الذي يدخلون فيه ~~الجنة هو يوم المكث في النعيم المقيم. # ثم قال { لهم ما يشآءون فيها } أي: لهم في الجنة ما تشتهيه ~~أنفسهم. # { ولدينا مزيد } أي: وعندنا ما أعطيناهم زيادة، قيل: هو النظر ~~إلى الله جل ذكره. ms2461 وقيل بل يزادون ما لم يخطر على قلوبهم. وروى أنس بن ~~مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " النظر إلى الله في كل يوم " # ، وذكر حديثا طويلا. ### || [50.36-45] # قوله { وكم أهلكنا قبلهم من قرن } إلى آخر السورة ~~الآيات. # أي: وكثيرا من القرون الماضية أهلكنا قبل هؤلاء المشركين من قريش هم ~~أشد من قريش بطشا. # ثم قال: { فنقبوا في البلاد } قال ابن عباس معناه فأثروا في ~~البلاد. وقال مجاهد ضربوا في الأرض. وقيل معناه ضربوا وتوغلوا في البلاد ~~(يلتمسون محيصا) من الموت فلم يجدوا منه مخلصا. والقرن مأخوذ من ~~الأقران وهو مقدار أكثر ما يعيش أهل ذلك الزمان. # قال الفراء: { هل من محيص } (أي: فهل كان لهم من الموت محيص) ~~وحذف " كان " للدلالة. # وقرأ يحيى بن يعمر فنقبوا: على الأمر، ومعناه: التهدد والوعيد لقريش، ~~أي: فطوفوا في البلاد وتوغلوا وفروا بأنفسكم فيها هل تجدون محيصا من ~~الموت. # وقراءة الجماعة إنما هي على الإخبار عما فعلت القرون الماضية فالوقف على ~~(قراءة الجماعة على محيص). وعلى قراءة ابن يعمر على " بطشا ". # ثم قال تعالى: { إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب ~~}. # أي: إن في إهلاكنا القرون الماضية قبل قريش بكفرهم لذكرى يتذكر بها ~~ويتعظ بها من كان له عقل من قريش وغيرهم، فينتهي عن الفعل الذي أهلكت ~~القرون الماضية من أجله وهو الكفر بالله ورسله عليهم السلام وكتبه. # قال قتادة: { لمن كان له قلب } يعني من هذه الأمة. قال: يعني ~~بذلك القلب الحي. فالتقدير لمن كان له عقل يعقل به ما ينفعه وكني عن ~~العقل بالقلب لأنه محله. # ثم قال: { أو ألقى السمع وهو شهيد } (أي: وألقى بسمعه ~~لأخبار الجزاء عن القرون الماضية التي أهلكت بكفرها وعصيانها). # وهو شهيد: أي: متفهم لما يخبر به عنهم معرض عما يخبر به، هذا معنى قول ~~أبن عباس والضحاك وغيرهما. # وقال قتادة: عني بذلك أهل الكتاب، فالمعنى وهو شهيد على ما يقرأ في كتاب ~~الله من نعمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهو قول ms2462 معمر. # وقال الحسن هو منافق استمع ولم ينتفع. # وقال أبو صالح هو المؤمن يسمع القرآن وهو شهيد على ذلك. # ثم قال { ولقد خلقنا السموت والأرض وما ~~بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب } أي: ~~خلقنا جميع ذلك في ستة أيام، أولها الأحد، وآخرها الجمعة وما مسنا من ~~إعياء. # روي: # " أن هذه الآية نزلت في يهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ~~أخبرنا ما خلق الله (من الخلق) في هذه الأيام الستة، فقال (خلق يوم الأحد ~~والاثنين الأرض)، وخلق الجبال يوم الثلاثاء [وخلق المدائن والأقوات ~~والأنهار وعمراتها وخرابها يوم الأربعاء وخلق السماوات] والملائكة يوم ~~الخميس إلى ثلاث ساعات، يعني من يوم الجمعة، وخلق في أول الثلاث ساعات ~~الآجال وفي الثانية الآفات وفي الثالثة آدم، قالوا صدقت إذا أتممت، فعرف ~~النبي / صلى الله عليه وسلم ما يريدون فغضب، فأنزل الله { وما مسنا ~~من لغوب * فاصبر على ما يقولون } ". # قال قتادة: أكذب الله جل وعز اليهود والنصارى وأهل الفراء على الله جل ~~ذكره، وذلك أنهم قالوا: خلق الله جل وعز السماوات والأرض وما بينهما في ~~ستة أيام ثم استراح يوم السابع. وذلك عندهم يوم السبت، وهم يسمونه ~~الراحة. # قال الضحاك: كان مقدار كل يوم ألف سنة مما تعدون. # قال مجاهد: { من لغوب } من نصب. # وقال قتادة: من إعياء. # واللغوب في اللغة: التعب. يقال لغب يلغب لغوبا: إذا تعب. # ثم قال: { فاصبر على ما يقولون } أي: اصبر يا محمد على ~~قولهم لك ثم استراح. # وهذه الآية عند جماعة منسوخة بقوله # قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله # [التوبة: 29]. # وقوله: { وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل ~~الغروب }. # قال قتادة: قبل طلوع الشمس: صلاة الفجر، وقبل الغروب: صلاة العصر، وهو ~~قول ابن زيد. # قال ابن زيد: { ومن الليل فسبحه }: يعني صلاة العتمة. # وقال مجاهد: هي الصلاة بالليل، في أي وقت صلى. # وقوله: { وأدبار السجود }. # قال علي أبي طالب رضي الله عنه: الركعتان بعد المغرب. وكذلك عن عمر رضي ~~الله عنه. # وهو قول ابن عباس وابن ms2463 مسعود والحسن ومجاهد والشعبي وقتادة والضحاك. # وقد روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو اختيار الطبري. وقيل: هو ~~على الندب. # وعن ابن عباس: { وأدبار السجود } هو التسبيح بعد الصلاة، ~~وأدبار النجوم علامة الصبح. # وقال: ابن زيد وأدبار السجود: النوافل بعد الصلوات المكتوبات. # ثم قال: { واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب ~~} أي: واستمع يا محمد حين ينادي المنادي من صخرة بيت المقدس وهو المكان ~~القريب، قاله كعب، قال: ينادي بصوت عال يا أيتها العظام البالية، ~~والأوصال المنقطعة اجتمعي لفصل القضاء. # قال قتادة: كما نحدث أنه من بيت المقدس من الصخرة وهي أوسط الأرض. # قال: وحدثنا أن كعبا قال هي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا. # وقال بريدة: هو ملك يقوم على صخرة المقدس يقول: يا أيها الناس هلموا إلى ~~الحساب قال فيقبلون كما قال الله عز وجل # كأنهم جراد منتشر # [القمر: 7]. [وإنما] قيل له مكان قريب: لأنه يسمع كل أحد. # ثم قال: { يوم يسمعون الصيحة بالحق } أي: يوم يسمع ~~الخلائق صيحة البعث من القبور بالحق أي: بالاجتماع للحساب. # ثم قال: { ذلك يوم الخروج } أي: ذلك يوم خروج أهل القبور من ~~قبورهم. # ثم قال: { إنا نحن نحيي ونميت وإلينا المصير } ~~أي: نحيى الموتى، ونميت الأجبار، وإلينا رجوع جميع الخلق يوم القيامة. # ثم قال: { يوم تشقق الأرض عنهم سراعا } أي: وإلينا ~~مصيرهم في يوم تشقق الأرض عن جميع الخلق، أي: تتصدع عنهم فيخرجون سراعا. # ثم قال: { ذلك حشر علينا يسير } أي: جمعهم جمعا علينا سهل. # ثم قال: / { نحن أعلم بما يقولون ومآ أنت عليهم ~~بجبار } أي: نحن أعلم يا محمد بما يقول هؤلاء المشركون من كذبهم على ~~الله سبحانه، وتكذيبهم بآياته، وإنكارهم للبعث، ولست يا محمد [عليهم] ~~بمسلط على أن تجبرهم على الإيمان، إنما أنت منذر. # قال الفراء: " وضع الجبار في موضع السلطان من الجبرية ". # ثم قال مجاهد: وما أنت عليهم بجبار: أي: لست تتجبر عليهم، وهو معنى قول ~~قتادة. وجبار من أجبرته على كذا، وحكى أهل اللغة أن ms2464 العرب لا تأتي بفعال ~~من أفعلت، إنما تأتي به من فعلت غير حرف، وأخرجا فعال من أفعلت، وهو ~~دراك من أدركت، وهو شاذ. # وحكى عن العرب: جبره على الأمر، فجبار من هذا. # وقد يقال أجبره بمعنى جبره، لكن الجبار من جبره مأخوذ. # ثم قال: { فذكر بالقرآن من يخاف وعيد } أي: فذكر يا ~~محمد بهذا القرآن من يخاف وعيدي الذي أوعدته من عقابي. # قال ابن عباس: قالوا يا رسول الله لو خوفتنا، فنزلت { فذكر ~~بالقرآن من يخاف وعيد }. ### | [51 - سورة الذاريات] ### || [51.1-16] # قوله: { والذاريات ذروا } إلى قوله: { محسنين } الآيات. # المعنى: ورب الرياح الذاريات ذروا. يقال: ذرت الريح الشيء: إذا ~~فرقته، وأذرته فهي مذرية. # ثم قال: { فالحاملات وقرا } ورب السحاب الحاملات وقرا، يعني ~~موقرة من ماء المطر، يعني مثقلة من المطر. # ثم قال: { فالجاريات يسرا } أي: ورب السفن الجاريات يسرا: أي: ~~جريا سهلا. # ثم قال: { فالمقسمات أمرا } أي: ورب الملائكة المقسمات بأمر ~~الله الأمر من عنده بين خلقه. # قال الفراء: { فالمقسمات أمرا } يعني: الملائكة (تأتي بأمر ~~مختلف) جبريل / صاحب الغلظة، وميكائيل صاحب الرحمة، وملك الموت يأتي ~~بالموت، فتلك قسمة الأمر، والجواب عن هذه الأقسام: # { إنما توعدون لصادق * وإن الدين لوقع } يعني: ~~البعث والجزاء، والجنة والنار. # قال أبو الطفيل: شهدت علي بن أبي طالب يخطب وهو يقول: سلوني فوالله لا ~~تسألوني عن شيء يكون إلى يوم القيامة إلا أعلمتكم به، وسلوني عن كتاب ~~الله، فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار، في سهل أم في ~~جبل، فقام إليه ابن الكواء فقال: ما والذاريات ذروا، فالحاملات وقرا، ~~فالجاريات يسرا فالمقسمات أمرا، (فقال علي): ويلك، سل تفقها ولا تسأل ~~تعنتا، والذاريات ذروا: الريح، فالحاملات وقرا: السحاب، فالجاريات ~~يسرا: السفن، فالمقسمات أمرا: الملائكة، وهو قول ابن عباس. # وقد قيل: إن الحاملات وقرا السفن تحمل أثقال بني آدم بأمر الله عز وجل. # وقيل: هي الرياح؛ لأنها تحمل السحاب من بلد إلى بلد فتسوقه. # وقوله { لصادق } معناه لصدقه، فوقع الاسم في موضع المصدر، كما ms2465 يأتي ~~المصدر في موضع الاسم نحو: هو رجل عدل: أي: عادل، ورجل رضى أي: مرضي ~~ودرهم وزن الأمير: أي: موزونه. # ثم قال: { وإن الدين لوقع } أي: وإن الجزاء بالأعمال لواقع ~~يوم القيامة كائن لا محالة فيه. # ثم قال: { والسمآء ذات الحبك * إنكم لفي قول ~~مختلف } أي: ورب السماء ذات الخلق الحسن. # فقال ابن عباس: ذات الحبك: هو حسنها واستواؤها. # وقال أبو مالك: وأبو صالح وعكرمة ذات الحبك: ذات الخلق الحسن. # وقال الحسن: ذات النجوم. قال: حبكت بالخلق الحسن: حبكت ~~بالنجوم. # وقال أبو عبيدة: ذات الحبك: ذات الطرائق، يقال للرمل والماء إذا ضربتهما ~~الريح فصارت فيهما طرائق حبائك. # قال الأخفش: واحد الحبك: حباك. # وقال الكسائي والفراء: يقال حباك وحبيكة، ويقال لتكسر ~~الشعر الجعد حبك، وحباك الحمام: طرائق على جناحيه، وطرائق الماء ~~حبكه. # قال ابن جبير: ذات الحبك: ذات الزينة. # وروى البكالي عن عبد الله بن عمر والسماء ذات الحبك: قال: هي السماء ~~السابعة. # وجواب القسم قوله: { إنكم لفي قول مختلف } ، (أي: منكم ~~مصدق بهذا القرآن مكذب به). # قال الحسن: { لفي قول مختلف }: (أي: في أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم). # قال (ابن زيد): اختلافهم أن بعضهم يقول هو سحر، وبعضهم يقول غير ذلك. # ثم قال: { يؤفك عنه من أفك } أي: يصرف عن الإيمان بهذا ~~القرآن من صرف عنه في اللوح المحفوظ. قاله الحسن. # وقيل: معناه يصرف عن الإيمان ناسا / إذا أرادوه بقولهم وكذبهم من ~~صرف؛ لأنهم يقولون لمن أراد الإيمان هو سحر وكهانة، فيصرف عن الإيمان. # ثم قال: { قتل الخراصون }. # قال ابن عباس: معناه لعن المرتابون. # قال ابن زيد: قتل الخراصون يخرصون الكذب، يقولون شاعر ساحر وكهانة، ~~وأساطير الأولين اكتتبها. # قال مجاهد: معناه قتل الخراصون الذين يقولون لسنا نبعث. # وقال الفراء: معناه: لعن الكاذبون الذين يقولون محمد مجنون وساحر شاعر ~~كذاب يخترصون ما لا يعلمون. # ولا يعرف أهل اللغة " قتل " بمعنى " لعن " ومعناه على قول سيبويه ~~والخليل وغيرهما أن هؤلاء ممن يجب أن يدعا عليهم بالقتل على أيدي ~~المؤمنين أو بعذاب ms2466 من عند الله. # قال ابن عباس: عني به الكهانة. # ثم قال: { الذين هم في غمرة ساهون } أي: هم في غمرة ~~الضلالة، وغلبتها متمادون، وعن الحق ساهون لاهون. # قال مجاهد: { في غمرة ساهون }: قلوبهم في أكنة. # وقال أهل اللغة معناه: في تغطية الباطل والجهل غافلون. # ثم قال: { يسألون أيان يوم الدين } أي: يسألون متى يوم ~~الجزاء والحساب على طريق الإنكار له، يعني به هؤلاء الخراصين الذين تقدمت ~~صفتهم. # ثم قال: { يوم هم على النار يفتنون } أي: يعذبون. # قال الزجاج: " يوم هم " منصوب بإضمار فعل التقدير، يقع الجزاء في يوم هم ~~على النار يعذبون. وعلى " بمعنى " في " ، أي: في النار يعذبون، وحسن ذلك ~~كما وقعت في " بمعنى " على " في قوله: # ولأصلبنكم في جذوع النخل # [طه: 71] أي: على جذوع النخل وقيل " يوم هم " (في موضع رفع على البدل) ~~من يوم الأول، لكنه بني على الفتح لأنه أضيف إضافة غير محضة. # وقيل بني لأنه أضيف إلى شيئين. # وقال سيبويه والخليل: ظروف الزمان غير متمكنة، فإذا أضيفت إلى غير معرب ~~أو إلى جملة بنيت على الفتح. # ثم قال: { ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به ~~تستعجلون } أي: يقال لهم: ذوقوا عذابكم هذا الذي كنتم به في ~~الدنيا تستعجلون إنكارا واستهزاء. # قال قتادة: يفتنون: ينضجون بالنار. # وقال سفيان: يحرقون. # قال المبرد: هو من فتنت الذهب والفضة إذا أحرقتهما ~~لتختبرهما وتخلصهما. فالتقدير عند من قال هذا: يوم هم على النار ~~يفتنون: يختبرون فيقال ما سلككم في سقر. # وعن ابن عباس: فتنتكم؛ أي: تكذيبكم، أي: عقاب تكذيبكم. # ثم قال: تعالى ذكره: { إن المتقين في جنات وعيون } ~~أي: إن الذين اتقوا ربهم بطاعته واجتناب معاصيه في الدنيا في بساتين ~~وعيون ماء في الآخرة. # ثم قال: { آخذين مآ آتاهم ربهم } أي: آخذين في الدنيا، ~~وعاملين بما أفترضه عليهم ربهم من فرائضه وطاعته. # قال ابن عباس: آخذين ما أتاهم ربهم، قال: الفرائض. # وقيل معناه آخذين ما أتاهم ربهم في الجنة، وهو حال من المتقين في ~~القولين جميعا إلا أنك إذا جعلته في ms2467 الجنة، كانت حالا مقدرة. # ثم قال: { إنهم كانوا قبل ذلك محسنين } أي: كانوا في ~~الدنيا قبل دخولهم الجنة محسنين في أعمالهم الصالحة لأنفسهم. # وقال ابن عباس: { قبل ذلك محسنين } أي: قبل أن تفترض عليهم ~~الفرائض. ### || [51.17-19] # قوله { كانوا قليلا } إلى قوله { للسآئل والمحروم } ~~الآيات. # قال قتادة: معناه: كانوا قليلا من الليل ما يهجعون: أي: قليلا الوقت ~~الذي لا يرقدون فيه (فما) بمعنى (لا). # قال قتادة: كانوا يتيقظون فيصلون ما بين هاتين الصلاتين، ما بين المغرب ~~والعشاء. # قال قطرب: معناه ما من ليلة أتت عليهم إلا صلوا فيها. # وقال ابن عباس: معناه أنه لم تكن (تمضي عليهم ليلة) لا يأخذون منها، ولو ~~شيئا. # وقال أبو العالية: معناه كانوا لا ينامون بين (المغرب والعشاء)، وعنه ~~كانوا يصيبون في الليلة حظا. # وقال الحسن: معناه أنهم (كابدوا) قيام الليل، فلا ينامون منه إلا ~~قليلا، وقاله (الأحنف بن قيس). # وروى ابن وهب أنه يراد بها ما بين المغرب والعشاء. قال: كانت الأنصار ~~يصلون المغرب وينصرفون إلى قباء فبدا لهم، فأقاموا حتى صلوا العشاء، ~~فنزلت الآية فيهم. وقوله: { وبالأسحار هم يستغفرون } أي: ~~إنهم يغدون من قباء فيصلون في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم. # وقال الضحاك: { كانوا قليلا } مردود على ما قبله، وهو تمام ~~الكلام، فالمعنى / أنهم كانوا قبل ذلك محسنين، كانوا قليلا، أي: كان ~~المحسنون قليلا من الناس. # ثم ابتدأ { من الليل ما يهجعون } " فما " نافية على هذا ~~القول، " وما " على الأقوال الأول مع الفعل مصدر. # وقال النخعي: معناه: كانوا قليلا ينامون، فيحتمل أن تكون " ما " زائدة ~~على هذا القول، وأن تكون والفعل مصدرا. # والهجوع في اللغة: النوم، وهو قول ابن عباس والنخعي والضحاك وابن زيد. # وروى ابن وهب عن مجاهد أنه قال في معنى الآية: كانوا قل ليلة تمر بهم ~~إلا أصابوا منها خيرا. # وروى ابن وهب أيضا في جامعه عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أن ناسا ~~كانوا ينضحون لناس من الأنصار بالدلاء على الثمار من أول الليل [ثم ~~يهجعون قليلا ms2468 ثم يصلون آخر ذلك قال الله تعالى: { كانوا قليلا ~~من الليل ما يهجعون } ] يعني: في نضحهم. # ثم قال: { وبالأسحار هم يستغفرون } فكأنه تعالى مدحهم ~~أنهم لم يشغلهم في أول الليل، وتعبهم في النضح حتى قاموا يصلون في آخر ~~الليل. # ثم قال: { وبالأسحار هم يستغفرون } ، قال الضحاك: معناه ~~يقومون فيصلون، أي: كانوا يقومون وينامون، وهو قول مجاهد. # وقال الحسن: (مدوا الصلاة وبسطوا) حتى كان الاستغفار في السحر، يعني ~~الاستغفار من الذنوب. # قال ابن زيد: هو الاستغفار، قال وبلغنا أن نبي الله يعقوب صلى الله عليه ~~وسلم حين سأله بنوه أن يستغفر لهم، فقالوا: # قالوا يأبانا استغفر لنا ذنوبنآ # [يوسف:98] قال: # سوف أستغفر لكم ربي # [يوسف: 98]، أنه أخر الاستغفار لهم إلى السحر. # قال: وقال بعض أهل العلم أن الساعة التي تفتح فيها أبواب الجنة هي في ~~السحر. # قال ابن زيد: السحر: السدس الآخر من الليل. # وروى حماد بن سلمة عن الجريري أن داود عليه السلام سأل جبريل عليه ~~السلام أي: ساعة من الليل أسمع، قال: لا أدري إلا أن العرش يهتز في ~~السحر. # قال الجريري: فذكرت هذا لسعيد بن أبي الحسن، فقال: أما ترى أن ريح ~~الرياحين يفوح في السحر. # ثم قال: { وفي أموالهم حق للسآئل والمحروم } ~~أي: وفي أموال المتقين المحسنين الذين تقدمت صفتهم أنهم في جنات وعيون حق ~~لسائلهم المحتاج إلى ما في أيديهم والمحروم. وهذه الآية محكمة. في قول ~~الحسن والنخعي، قالا في المال / حق سوى الزكاة. # وقال الضحاك وغيره: هذه الآية منسوخة بالزكاة. # قال الضحاك نسخت الزكاة كل صدقة في القرآن. # وللعلماء في المحروم ثمانية أقوال: # قال ابن عباس: السائل: الذي يسأل، والمحروم: الذي لا يبقى له مال وعنه ~~أيضا أنه قال: المحروم: المحارف. # وقال محمد بن الحنفية المحروم: الذي لم يشهد الحرب، فيكون له سهم في ~~الغنيمة. # وقال زيد بن أسلم: المحروم الذي لحقته جائحة فأتلفت زرعه. # وقال الزهري: المحروم: الذي لا يسأل الناس إلحافا. # وروى عنه ابن وهب أنه قال: المحروم: المتعفف الذي لا يسأل إلحافا، ms2469 ولا ~~يعرفون مكانه ليتصدقوا عليه، وتصديق قول الزهري ما روى أبو هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه [قيل] له: # " من المسكين يا رسول الله؟ قال: " الذي لا يجد ما يغنيه، ولا يفطن له ~~فيعطى، ولا يسأل الناس " ". # وقال عكرمة: المحروم الذي لا ينمى له شيء. # والقول الثامن: يروى عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنه قال: ~~المحروم: الكلب. # وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: المحروم: الفقير الذي يحرم الرزق. # والوقف عند يعقوب في الآية { كانوا قليلا } على قول الضحاك، ~~وتفسيره أي: كان الناس الذين هم محسنون قليلا. # وكذلك روي عن نافع، وقد تقدم ذكر ذلك. ### || [51.20-28] # قوله: { وفي الأرض آيات للموقنين } إلى قوله: { ~~وبشروه بغلام عليم } الآيات. # أي: وفي الأرض عبر وعظات لأهل اليقين بالله إذا ساروا فيها. # قال قتادة: في الأرض معتبر لمن اعتبر. # وقال ابن جبير: إذا ساروا في الأرض رأوا عبرا، وآيات عظاما. ثم قال: { ~~وفي أنفسكم أفلا تبصرون }. # قال ابن الزبير: معناه وفي سبيل الخلاء، يعني سبيل الغائط [والبول] من ~~أنفسكم أفلا تبصرون، أي: في خلق ذلك وتدبيره وتيسيره عبرة لمن اعتبر. # وقيل في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: وفي الأرض وفي أنفسكم آيات ~~للموقنين أفلا تبصرون. # وقيل: هو على الحذف / لدلالة الأول عليه تقديره وفي الأرض آيات ~~للموقنين، وفي أنفسكم آيات أفلا تبصرون. # وقال قتادة: معناه أن يتفكر الإنسان في نفسه فيعرف أنه إنما لينت مفاصله ~~للعبادة. # وقال ابن زيد: معناه: وفي خلقكم من تراب وجعله لكم السمع والبصر والفؤاد ~~وغير ذلك [عبرة] لمن أعتبر، وهو مثل قوله # ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذآ أنتم ~~بشر تنتشرون # [الروم: 20]. # وقيل: معناه: وتأكلون وتشربون في مدخل واحد ويخرج من موضعين. # ثم قال: { وفي السمآء رزقكم وما توعدون } يعني: المطر ~~الذي يخرج به النبات قاله الضحاك وسفيان ابن عيينة وغيرهما. # وقال الثوري: معناه ومن عند الله الذي في السماء رزقكم. # وقيل: معناه: وفي السماء تقدير رزقكم، أي: فيها مكتوب يرزق فلان كذا ms2470 ~~وفلان كذا. # وقال مجاهد: معنى: { وما توعدون } [يعني من خير وشر. # وقال الضحاك معناه: وما توعدون] من الجنة والنار في السماء هو. # وقال سفيان [بن عيينة]: { وما توعدون }: يعني الجنة. # ثم قال: { فورب السمآء والأرض إنه لحق } هذا قسم ~~الله جل ذكره بنفسه، أن الذي أخبرهم به من أن رزقهم في السماء وفيها ما ~~يوعدون حق، كما أنهم ينطقون حق. # قال الحسن: بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " قاتل الله عز وجل أقواما أقسم لهم ربهم بنفسه فلم يصدقوه " # ومن نصب " مثل " فهو عند سيبويه مبني لما أضيف إلى غير متمكن ونظيره # ومن خزي يومئذ # [هود: 66] في قراءة من فتح. # وقال الكسائي: هو نصب على القطع، ونصبه الفراء على أنه نعت لمصدر محذوف ~~تقديره إنه (لحق كمثل ذلك حقا) مثل نطقكم، وأجاز أن يكون أنتصب على حذف ~~الكاف، والتقدير عنده " أنه لحق كمثل ما أنكم " ، فلما حذف الكاف نصب، ~~وأجاز زيد مثلك بالنصب على تقدير حذف الكاف، ويلزمه على هذا أن يجيز " ~~عبد الله الأسد " بالنصب على تقدير " كالأسد " ، فينصبه إذا حذف الكاف، ~~وهذا لا يجيزه أحد. # وقد امتنع من إجازته الفراء وغيره، واعتذر في جوازه مع " مثل " أن الكاف ~~تقوم مقام " مثل " فأما من رفعه، فإنه جعله نعتا لحق. # ثم قال: { هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين } ~~هذه الآية تنبيه للنبي صلى الله عليه وسلم أنه يحل بقومه إن تمادوا على ~~غيهم ما أحل بقوم لوط، ومذكر قريشا لما فعل بالأمم قبلهم، إذ كفروا ~~وعصوا ليزدجروا ويتعظوا، وإنما قيل لهم " المكرمين " لأن إبراهيم وسارة ~~خدماهم بأنفسهما على جلالة قدرهما. # وقال مجاهد: أكرمهم إبراهيم وأمر أهله لهم بالعجل. # وقيل إنما وصفوا [بذلك] لأن الله أكرمهم واختارهم إذ أرسلهم إلى إبراهيم ~~وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل (صلوات الله عليهم). # ثم قال: { إذ دخلوا عليه } أي: حين دخلوا على إبراهيم: { ~~فقالوا سلاما } أي: سلموا سلاما. # وقال المبرد: معناه / سلمنا سلاما، فهو مصدر عنده. # وأبو حاتم يرى أن " سلاما " وقف كاف، قال ms2471 سلاما كاف أيضا. # قوله: { قال سلام } أي: قال لهم إبراهيم سلام عليكم. ومن قرأ سلام ~~فمعناه قال لهم إبراهيم: أنتم سلام { قوم منكرون } أي: ننكركم ~~ولا نعرفكم. # ثم قال: { فراغ إلى أهله } أي: عدل إليهم، ورجع في خفية. # { فجآء بعجل سمين } جاء أضيافه بعجل مشوي سمين، وكان عامة مال ~~إبراهيم صلى الله عليه وسلم البقر. # ثم قال: { فقربه إليهم قال ألا تأكلون } في هذا ~~الكلام حذف، والتقدير: فقربه إليهم فأمسكوا عن الأكل، فقال: ألا تأكلون؟ # { فأوجس منهم خيفة } أي: أضمر في نفسه منهم خوفا حين ~~امتنعوا من الأكل. # { قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم } أي: عليم إذا ~~كبر. # قال مجاهد: هو إسماعيل، وقال غيره هو إسحاق. # ومذهب الطبري. وهو الصواب إن شاء الله أنها: سارة الحرة، وأم إسماعيل ~~إنما كانت أمة اسمها هاجر. # ويدل على أنه إسحاق قوله في موضع آخر { فبشرناها بإسحاق } ، ~~فهذا نص ظاهر لا يحتاج إلى تأويل. ### || [51.29-37] # { فأقبلت امرأته في صرة } إلى قوله { العذاب ~~الأليم } الآيات. # المعنى: فأقبلت امرأته سارة في صرة أي: في صيحة. # ومعنى أقبلت: أخذت في فعل الأمر، وليس هو بإقبال / نقلة من مكان. # وهو كقول القائل (أقبل فلان يشتمني، أي: أخذ في ذلك). # وقال قتادة: في صرة: في رنة. # وقال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: في صرة: في صيحة. # وقال بعضهم تلك الصيحة هو قوله: " فصكت وجهها ". # قال ابن عباس: لطمته. # وقال السدي: لما بشر جبريل عليه السلام سارة بإسحاق ضربت وجهها تعجبا. # وقال مجاهد: ضربت جبهتها تعجبا. # وقال سفيان: وضعت يدها على جبهتها تعجبا. # وقيل: إنما ضربت وجهها بأصابعها. # ثم قال: { وقالت عجوز عقيم } أي: أنا عجوز عقيم فكيف ألد، ~~والعقيم التي لا تلد. # { قالوا كذلك قال ربك } أي: قالت لها الرسل هكذا قال ربك، ~~أي: كما أخبرناك وقلنا لك. # { قال ربك إنه هو الحكيم العليم } أي: الحكيم في ~~تدبيره خلقه، العليم بمصالحهم، وبما كان وبما هو كائن. # ثم قال: { قال فما خطبكم أيها المرسلون } أي: قال ~~إبراهيم للرسل: ما شأنكم أيها ms2472 الرسل وما نبأكم، قالوا: إنا أرسلنا ربنا ~~إلى قوم مجرمين، أي: كافرين. # { لنرسل عليهم حجارة من طين } أي: من السماء نرسلها ~~عليهم. ومعنى { من طين } من أجر مسومة عند ربك: أي: معلمة. # وقيل: معناه: مرسلة. من سومت الإبل: إذا أرسلتها. # وقال ابن عباس مسومة: مختوم عليها، يكون الحجر أبيض عليه نقطة سوداء، ~~ويكون أسود عليه نقطة بيضاء. { للمسرفين } أي: للمعتدين حدود الله ~~عز وجل. # وعن ابن عباس في " مسومة " أنها المعلمة بعلامة تعرف بها الملائكة أنها ~~للمسرفين في المعاصي. # وقيل: إنه كان مكتوب على كل حجر أسم من يهلك به. # ثم قال: { فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين } أي: من ~~كان في قرية لوط وهي " سدوم " وهم لوط وابنتاه، أنجاهم الله مع لوط. وجاز ~~إضمار القرية ولم يجر لها ذكر؛ لأن المعنى مفهوم. وقيل الهاء في " فيها " ~~للجماعة. { فما وجدنا فيها } أي: في القرية { غير بيت ~~من المسلمين } وهو بيت لوط. # قال ابن زيد: ما كان مع لوط مؤمن واحد، وعرض عليهم أن ينكحوا بناته رجاء ~~أن يكون له منهم عضد يعينه (ويدفع عنه)، { قال يقوم هؤلاء ~~بناتي هن أطهر لكم }: يريد النكاح فأبوا عليه. # قال قتادة: لو كان فيها أكثر من ذلك لأنجاهم الله ليعلموا أن الإيمان ~~عند الله محفوظ فلا ضيعة على أهله. # ثم قال: { وتركنا فيهآ آية للذين يخافون العذاب ~~الأليم } أي: أبقينا في قرية لوط عبرة وعظة لمن خاف عذاب الله؛ لأنها ~~انقلبت بأهلها، فصار أعلاها أسفلها، وأرسلت الحجارة على من غاب منهم عن ~~القرية. # والمعنى عند الفراء: وتركناها آية، " وفي " زائدة. ### || [51.38-46] # قوله: { وفي موسى إذ أرسلناه } إلى قوله: { قوما ~~فاسقين } الآيات. # أي: وفي موسى آية وعبرة أيضا إذ أرسلناه إلى فرعون بمصر. # { بسلطان مبين } أي: بحجة تبين لمن رآها حجة لموسى صلى الله ~~عليه وسلم على صحة ما يدعو إليه، فهو معطوف على " وفي الأرض " (ومثله " ~~وفي ثمود " كله معطوف بعضه على بعض مع الاعتراضات بين المعطوف والمعطوف ~~عليه، وكذلك " وقوم نوح " على قراءة ms2473 من خفضه هو معطوف أيضا على " وفي ~~الأرض " ). # ثم قال: { فتولى بركنه } أي: فأدبر فرعون بجنوده وقومه عن ~~الإيمان لما أتته الآيات البينات. # قال مجاهد: بركنه: بجنده وبأصحابه. # وقال قتادة: بركنه: بقوته. # وقال ابن زيد: بركنه: بجموعه التي معه. # وقرأ: # لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد # [هود: 79] أي: لو أن لي قوة من الناس، أو آوي إلى ركن / أجاهدكم به. # قال الفراء بركنه: بنفسه. # وحقيقة بركنه في اللغة، بجانبه الذي يتقوى به. # ثم قال: { وقال ساحر أو مجنون } أي: قال ذلك فرعون في موسى. # قال أبو عبيدة: إن " أو " بمعنى الواو و " أو " على بابها عند البصريين، ~~ومعناها أنهم قالوا: هو ساحر يسحر عيون الناس أو هو مجنون به جنة. # ثم قال: { فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم } ~~أي: أخذنا فرعون وجنوده بالغضب فألقيناهم في البحر فغرقناهم. وقوله: { ~~وهو مليم } معناه: وفرعون مليم؛ أي: أتى ما يلام عليه. # ثم قال: { وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح } [أي: وفي ~~عاد عبرة أيضا وعناية لكم حين أرسلنا عليهم الريح] التي قد عقمت عن ~~الخير، لا رحمة فيها ولا تلقح / نباتا ولا تثير سحابا. # وروى ابن أبي الدنيا أن الريح كانت تمر بالمرأة في هودجها فتحملها ~~[وبالقوم من عاد فتحملهم وبالإبل والغنم فتحملها]، وتمر بالعادي الواحد ~~بين القوم فتحمله من بينهم والناس ينظرون، (ولا) تحمل إلا عاديا. # قال ابن المسيب: هي الجنوب. # وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور ". # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: هي النكباء. # وقال عبيد بن عمير: الريح العقيم تحت الأرض الرابعة، وإنما أرسل منها في ~~بلاد عاد بقدر منخر الثور. # وقوله: { كالرميم } معناه كالنبت إذا يبس ودرس، وأصل الرميم: العظم ~~البالي المتقادم. # وقال ابن عباس: كالرميم: كالشيء الهالك، وقال مجاهد: وقال قتادة: ~~كالرميم رميم الشجر. # ثم قال: { وفي ثمود } عبرة وعظة. { إذ قيل لهم تمتعوا ~~حتى حين } إلى ثلاثة أيام. # { فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام } وقيل معناه: ms2474 ~~تمتعوا إلى وقت فناء آجالكم. # أي قال: { فعتوا عن أمر ربهم } أي: تكبروا عن طاعة ربهم. # قال مجاهد: عتوا: علوا. وقال ابن زيد العاتي: العاصي التارك لأمر الله. # { فأخذتهم الصاعقة } أي: صاعقة العذاب. # { وهم ينظرون } أي: فجأة، ومعنى ينظرون أي ينتظرون، لأنهم وعدوا ~~بالعذاب قبل نزوله بثلاثة أيام، وجعل لنزوله علامات. فظهرت العلامات في ~~الثلاثة الأيام، فأصبحوا في اليوم الرابع موقنين بالعذاب ينتظرون حلوله. # ثم قال: { فما استطاعوا من قيام } أي: فما استطاعوا من دافع ~~لما نزل لهم من عذاب الله، ولا قدروا على نهوض به. # ثم قال: { وما كانوا منتصرين } أي: وما كانوا يقدرون على أن ~~يستقيدوا ممن عاقبهم. # قال قتادة: معناه: وما كانت لهم قوة يمتنعون بها من العقوبة. # ثم قال: { وقوم نوح من قبل إنهم كانوا قوما ~~فاسقين } من نصب " قوما " عطفه على الهاء، والميم في فأخذتهم ~~الصاعقة أي: أخذتهم وأخذت قوم نوح. # وقيل التقدير: وأهلكت قوم نوح. # وقيل التقدير: وأذكر قوم نوح. # وقيل هو معطوف على الهاء في قوله: { فأخذناه وجنوده } أي: ~~أخذنا فرعون وجنوده وأخذنا قوم نوح؛ لأن الفريقين ماتوا بالغرق. # ومن خفض عطفه على عاد، وفي عاد، وفي قوم نوح، والتقدير على الخفض: وفي ~~قوم نوح أيضا عبرة وعظة لكم إذا أهلكناهم من قبل ثمود لما كفروا وكذبوا ~~نوحا. # { إنهم كانوا قوما فاسقين } أي: خارجين عن الحق مخالفين ~~لأمر الله، فكله معطوف على { وفي الأرض آيات }. ### || [51.47-49] # قوله: { والسمآء بنيناها بأييد } إلى قوله: { لعلكم ~~تذكرون } الآيات. # نصب السماء على فعل مضمر تقديره: " وبنينا السماء بنيناها بأيد " أي: ~~بقوة وقدرة، أي: والسماء رفعنا سقفها بقوة، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة ~~وسفيان وغيرهم. # { وإنا لموسعون } أي: لذوو سعة بخلقها وخلق ما شئنا أن نخلقه. # ثم قال: { والأرض فرشناها فنعم الماهدون } أي: والأرض ~~جعلناها فراشا للخلق ومهادا، فنعم الماهدون نحن لهم. # ثم قال: { ومن كل شيء خلقنا زوجين } التقدير: ومن كل ~~شيء خلقناه زوجين، أي: جنسين ذكرا وأنثى وحلوا وحامضا، قاله ابن زيد ~~والفراء. # وقيل معناه: خلقنا ms2475 نوعين مختلفين كالشقاء والسعادة، والهدى والضلالة ~~والإيمان والكفر، والليل والنهار، والسماء والأرض، والإنس والجن. قاله ~~مجاهد. # وقال الحسن: هو مثل الشمس والقمر. # { لعلكم تذكرون } أي: فعلنا ذلك لعلكم تعتبرون فتعلمون أن ~~القادر على ذلك مستوجب للعبادة / والطاعة. ### || [51.50-60] # قال: { ففروا إلى الله إني لكم } إلى آخر السورة ~~الآيات أي: فاهربوا من عذاب الله إلى الله بالإعمال الصالحات. # { إني لكم منه نذير مبين } أي: أنذركم عقابه، وأبين ~~لكم النذارة. (وقيل معناه: فروا إلى الله من أمر الله). س # ثم قال: { ولا تجعلوا مع الله إلها آخر } أي: لا ~~تعبدوا إلها آخر، إنما هو الله واحد، إني لكم منه نذير مبين كالأول. ~~فالأول تخويف من الله لمن عصاه من الموحدين، والثاني تخويف لمن عبد معه ~~غيره من المشركين، " وكذلك " تمام عند أبي حاتم وأحمد ابن موسى وعند ~~غيرهما " مبين " الثاني، والكاف من " كذلك " إن وقفت عليها في موضع رفع، ~~أي: الأمر / كذلك، ومن ابتدأ بها، فهي في موضع نصب. # أي: فعل قريش مثل فعل من كان قبلهم في قولهم للرسول ساحر أو مجنون، ~~والتقدير كما كذبت قريش محمدا كذلك كذبت الأمم من قبلها رسلهم، وكما ~~قالت في محمد قريش، كذلك قالت الأمم (قبلها، كأنهم تواصوا على ذلك). # ثم قال: { كذلك مآ أتى الذين من قبلهم من رسول ~~إلا قالوا ساحر أو مجنون } أي: كما فعلت قريش بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم وكذلك فعلت الأمم قبلها. # ثم قال: { أتواصوا به } أي: أوصى بذلك بعضهم بعضا. # قال قتادة: معناه: كأن الأول أوصى الآخر بالتكذيب. # ثم قال: { بل هم قوم طاغون } أي: لم يتواصوا بذلك لكنهم ~~اتفقوا في الطغيان والعصيان فركبوا طريقة واحدة في التكذيب لرسلهم، ~~والكفر بالله سبحانه. # ثم قال: { فتول عنهم فمآ أنت بملوم } أي: فأعرض يا ~~محمد عن هؤلاء المشركين حتى يأتيك أمر الله فيهم. # { فمآ أنت بملوم } أي: لا يلومك ربك على إعراضك عنهم. # وقال ابن زيد: معناه: بلغت ما أرسلناك به فلست بملوم. # قال قتادة: ذكر لنا أنه لما نزلت ms2476 هذه الآية اشتد على أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وظنوا أن الوحي قد أنقطع، وأن العذاب قد حضر فأنزل الله ~~بعد ذلك { وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين }. # وقال الضحاك: التوالي منسوخ؛ لأنه قد أمر بالإقبال عليهم، والموعظة لهم، ~~والمعنى وذكر يا محمد من أرسلت إليه، فإن العظة تنفع أهل الإيمان ~~بالله. # وقيل: المعنى: وذكرهم بالعقوبة والهلاك وبأيام الله. # وليس قوله { فمآ أنت بملوم } بوقف؛ لأنه لم يؤمر بالتولي فقط، ~~بل أمر معه بالتذكير. والتمام { تنفع المؤمنين }. # ثم قال: { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ~~يعني: من المؤمنين المتقدم ذكرهم، لم يخلق المؤمن من الجن والإنس إلا ~~للعبادة. # يعني: من علم منهم أنه يؤمن، فخلقه لما علم منه، وهو الإيمان. # وقيل معنى الآية: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعرفوني، فكل الخلق مقر ~~بالله عارف به كما قال: # ولئن سألتهم من خلق السموت والأرض ~~ليقولن الله # [لقمان: 25]. # وقيل المعنى: وما خلقت الجن والإنس إلا لأستعبدهم واختبرهم، فقد استعبد ~~الجميع وأمرهم ونهاهم، فكفر فريق، وآمن فريق على ما علم منهم قبل خلقه ~~لهم. # ويدل على أن الآية ليست على العموم كثرة من يموت قبل وجوب العبادة عليه، ~~نحو الأطفال، وكثرة من يعيش معتوها لا تجب عليه عبادة، فدل ذلك على أن ~~الآية خصوص فيمن علم منه العبادة والطاعة من الجن والإنس خلقه (له) ~~ليعبده كما علم منه ذلك؛ فيجازيه على ذلك، لأن علمه بطاعتهم لا يجازون ~~عليها حتى يخلقهم ويعملون، فخلقهم ليعملوا فتقع المجازات على ما ظهر من ~~طاعتهم، فأخبر أنه خلقهم لذلك، فإنما عني أنه خلق المؤمنين من الجن ~~والإنس الذين تنفعهم الذكرى لعبادته فكانوا كذلك كما قال: # كما بدأكم تعودون # [الأعراف: 29]. # وقد قال تعالى ذكره: # إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا # [الإنسان: 5]. # ثم قال: # عينا يشرب بها عباد الله # [الإنسان: 6] يعني الأبرار خاصة المذكورين ليس يريد كل عباد الله، فهذا ~~مثل ذلك، وقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه في الآية. معناها: ما ~~خلقت الجن والإنس ms2477 إلا لآمرهم بعبادتي اختيارا. (وقيل معناه: ما خلقت أهل ~~السعادة من الفريقين إلا ليوحدون). # وقال ابن عباس: إلا ليعبدون؛ أي: من خلقت منهم لعبادتي خصوصا يعني ~~المؤمنين منهم. # وقال زيد بن أسلم: إلا ليعبدون: هو ما جبلوا عليه من الشقاء والسعادة. # وقال سفيان، معناه: من خلق للعبادة منهم لم يخلق إلا لها. # وقال ابن عباس: لم يخلق الفريقين إلا ليقروا بالعبادة طوعا وكرها، ~~فيكون عاما وعلى الأقوال الأول يكون مخصوصا. # وقيل: المعنى ما خلقهم إلا ليأمرهم بالعبادة، فمن تقدم له منهم في علم ~~الله الطاعة أطاع أمره، ومن تقدم له في علم الله المعصية عصى أمره. # ثم قال: { مآ أريد منهم من رزق ومآ أريد أن ~~يطعمون }. # قال ابن عباس: معناه: ما أريد منهم أن يرزقوا أنفسهم ولا أن يطعموها. ~~وقيل المعنى ما أريد أن يرزقوا أنفسهم، وما أريد أن يطعموا عبادي /. # { إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين } أي: إن ~~الله هو الرزاق خلقه، المتكفل بأقواتهم. ذو القوة المتين: أي: ذو القوة ~~الشديدة. # قال ابن عباس: المتين: الشديد. # ثم قال: { فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب ~~أصحابهم } أي: فإن للذين أشركوا بالله من قريش نصيبا من العذاب ~~مثل نصيب أصحابهم من الأمم الماضية التي أشركت كما أشركوا، وكذبت كما ~~كذبوا. # وأصل الذنوب: الدلو العظيمة، وهي السجل كانوا يقتسمونها على ~~الماء فيستسقى هذا حظه ونصيبه، وهذا حظه ونصيبه، فسمي الحظ والنصيب ~~الذنوب على الاستعارة. # وقوله: { فلا يستعجلون } [أي: فلا يستعجلوا] العذاب فإنه آتيهم ~~كما أتى الأمم الماضية الكافرة مثلهم. # وقال ابن جبير معناه: فإن للذين ظلموا من قريش سجلا من العذاب مثل سجل ~~أصحابهم من الأمم الماضية، فلا يستعجلوا ذلك وهو قول مجاهد وقتادة وابن ~~زيد. # ثم قال: { فويل للذين كفروا من يومهم الذي ~~يوعدون } أي: فقبوح لهم من يومهم. # وقيل المعنى: فالواد السائل في جهنم من قيح وصديد لهم في يوم القيامة. ### | [52 - سورة الطور] ### || [52.1-8] # قوله: { والطور * وكتاب مسطور } إلى قوله: { من دافع } ~~الآيات. # هذه الأقسام أقسم الله ms2478 عز وجل بها أن عذابه لحال واقع لا بد منه. ~~والتقدير: ورب الطور، ورب كتاب مسطور. # فالطور جبل، قال نوف: أوحى الله إلى الجبال إني نازل على جبل منكم ~~فارتفعت وشمخت، إلا الطور فإنه تواضع وقال: أرضى بما قسم الله [لي]، فكان ~~الأمر عليه. # وقيل هو بمدين وهو طور سيناء. # قال مجاهد: الطور الجبل بالسريانية. # وقوله: { وكتاب مسطور } رواه أحمد بن صالح عن نافع بالصاد، ~~وأكثر الرواة عنه بالسين كالجماعة على خط المصحف، والسين هو الأصل، وإنما ~~جاز فيها الصاد لأجل الطاء التي بعدها ليكون النطق (بمطبق مستقر قبل مطبق ~~مجهور) والسين مهموسة وليست بمطبقة، فاللفظ بها قيل: حرف مجهور فيه تكلف ~~واختلاف في عمل اللسان، وإذا قرأت بالصاد لم يكن فيه تكلف، إذ عمل اللسان ~~في الحرفين عمل واحد في تصعد، وإذا قرأت بالسين كان عمل اللسان في تسفل ~~ثم يتصعد بعد ذلك، ففيه بعض المشقة ولهذا نظائر كثيرة قد مضت. # ومعنى المسطور: المكتوب. # { في رق منشور } وهو الصحيفة، قيل يعني به ما تكتب الحفظة ~~وتستنسخ من أعمال بني آدم التي سبقت في علم الله عز وجل قبل خلقه لهم. # ثم قال: { والبيت المعمور } أي: يعمر بكثرة الدعاء والغشيان، ~~روى أنه بيت في السماء بحيال الكعبة من الأرض يدخله كل يوم سبعون ألفا ~~من الملائكة ثم لا يعودون فيه أبدا. # وروي أنه كذلك في كل سماء بيت يقابل الذي تحته، وكلها تقابل الكعبة. # وعن ابن عباس أنه كان يقول: إن لله عز وجل في السماوات والأرضين خمسة ~~عشر بيتا، سبعة في الأرضين وسبعة في السماوات والكعبة محادية كلها. # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " رفع لي البيت المعمور فقلت: يا جبريل ما هذا؟ قال: البيت المعمور ~~يدخله كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا لم يعودوا ". # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: البيت المعمور بيت في السماء يقال ~~له الضراح وهو بحيال الكعبة من فوقها حرمته في السماء كحرمة الكعبة في ~~الأرض يصلي فيه كل ms2479 يوم سبعون ألفا من الملائكة لا يعودون فيه أبدا. # وعنه قال: هو في السماء السادسة. # وعن ابن عباس أنه قال: هو بيت حذاء العرش. # وقوله: { والسقف المرفوع } يعني به السماء. كقوله: # وجعلنا / السمآء سقفا محفوظا # [الأنبياء: 32] وقوله: { والبحر المسجور }. # قال مجاهد: المسجور الموقد، ومثله # وإذا البحار سجرت # [التكوير: 6] أي: أوقدت من شجرة التنور إذا أوقدت، وهو قول ابن زيد. # وسأل علي بن أبي طالب رجلا من اليهود فقال له: أين جهنم، فقال اليهودي: ~~في البحر، فقال علي: ما أراه إلا صادقا. # وقال قتادة: المسجور: المملوء بالماء. وقيل معناه: المملوء بالنار. # وقال ابن عباس: المسجور: الذي ذهب ماؤه، وسجره: ذهب مائه حين يفجر. # وعن ابن عباس أيضا المسجور: المحبوس. # وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: هو بحر تحت العرش. # ثم قال: { إن عذاب ربك لواقع * ما له من دافع } ~~أي: هو كائن ليس له راد يرده عن الكفار يوم القيامة، " وإن " هي جواب ~~القسم. ### || [52.9-23] # قوله: { يوم تمور السمآء مورا } إلى قوله: { ولا ~~تأثيم } الآيات. # معناه أن عذاب ربك يا محمد لحال بالكافرين في يوم تمور السماء مورا: ~~أي: تدور وتتحرك. # قال مجاهد: تمور مورا: تدور دورا. # قال قتادة: مورها: تحركها. # وقال الضحاك: مورها: استدارتها وتحركها لأمر الله عز وجل موج بعضها في ~~بعض. # وقال ابن عباس: مورها: تشققها. # وقيل: معنى تمور: تتكفأ كما تتكفأ السفينة حتى تذهب فلا تكون ~~شيئا، وتسير الجبال عن أماكنها كما تسير السحاب. # وقيل: { وتسير الجبال سيرا } ، أي: تسير عن أماكنها من ~~الأرض، فتصير هباء منبثا. # ثم قال: { فويل يومئذ للمكذبين } أي: فالواد السائل ~~من قيح وصديد في جهنم لهم، ودخلت الفاء في " فويل " لجواب الجملة التي ~~قبلها؛ لأن الجملة فيها إبهام، فشابهت الشرط فجوبت بالفاء كما يجاب ~~الشرط. # ثم قال: { الذين هم في خوض يلعبون } أي: في فتنة واختلاط ~~في الدنيا غافلين لاهين عما هم صائرون إليه. # ثم قال: { يوم يدعون إلى نار جهنم دعا } أي: ~~يدفعون ويرهقون إليها دفعا. # وقوله: { هذه ms2480 النار التي كنتم بها تكذبون } يقال ~~هذه النار التي كنتم تكذبون وتجحدون، أي: تردونها وتصلونها. # ثم قال: { أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون } أي: يقال ~~لهم يوم القيامة حين يعاينون العذاب، [أفسحر هذا الذي وردتموه أم أنتم لا ~~تعاينونه وهذا الكلام معناه التوبيخ والتقريع]، وتحقيق العطف أن معناه: " ~~بل أنتم " فهو خروج من أمر إلى أمر، أي: لا تبصرون الحق، وقد كانوا ~~يبصرون، لكنه توبيخ لهم وتقريع وتوقيف على صحة ما كانوا يكذبوا به من ~~النار، فهو من بصر القلب لا من بصر العين. # ثم قال: { اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا } أي: ذوقوا ~~حر هذه النار فاصبروا على ألمها وشدتها أو لا تصبروا على ذلك، سواء عليكم ~~أصبرتم أم جزعتم، لا بد لكم من الخلود فيها مجازاة لكم بأعمالكم في ~~الدنيا وكفركم بالله سبحانه فلفظه لفظ الأمر، ومعناه الخبر عنهم دليله ~~قوله بعد ذلك: { سوآء عليكم } ، أي: سواء عليكم الجزع والصبر. # ثم قال: { إن المتقين في جنات ونعيم } أي: إن الذين ~~اتقوا الله بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه في بساتين ونعيم في الآخرة. # وقال الحسن: { المتقين } هم الذين اتقوا ما حرم الله عليهم وأدوا ~~ما أفترض عليهم. # وقال ابن عباس: إنما سمي المتقون المتقين لأنهم ذكروا الله عند طاعته ~~فأخذوا بها تقية له، وذكروه عند معصيته فتركوها تقية له. # قال ميمون بن مهران: [لا يكون العبد تقيا حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من ~~الشريك لشريكه]. # وقال الحسن: من اتقى الشرك فهو متق، ولو زاد الحسن في قوله " والكبائر " ~~لكان قولا مختارا. # وقال أبو الدرداء: تمام التقوى أن يتقي العبد الله حتى يتقيه في مثقال ~~ذرة، وحتى يترك بعض ما يرى أنه حلال خيفة أن يكون حراما فيكون حجابا ~~بينه وبين الحرام، فأن الله قد بين للعباد ما هم صائرون إليه. وقال: # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره # [الزلزلة: 7-8]، فلا تحقرن شيئا من الشر أن تتقيه، ولا شيئا من الخير ~~أن تفعله. # وقوله { فاكهين بمآ ms2481 آتاهم ربهم ووقاهم ربهم }. # أي: عندهم فاكهة كثيرة. تقول العرب: هو رجل تامر ولابن: إذا كان عنده ~~تمر كثير ولبن. # وقيل معنى فاكهين: طيبي الأنفس، ضاحكين بما أعطاهم ربهم في الآخرة من ~~النعيم وبما دفع عنهم من عذاب النار. # ثم قال: { كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون * ~~متكئين على سرر مصفوفة } أي: يقال لهم كلوا واشربوا في ~~الجنة هنيئا، لا تخافون انتقالا ولا موتا ولا هرما ولا مرضا جزاء ~~لهم بعملكم في الدنيا. # { متكئين على سرر مصفوفة } [أي]: على نمارق وعلى سرر ~~جعلت صفوفا. وترك ذكر " النمارق " لدلالة الكلام عليها /. # ثم قال: { وزوجناهم بحور عين } أي: جعلنا للذكور من هؤلاء، ~~المتقين أزواجا بحور عين قربناهم بهم. # والحور: جمع حوراء، وهي الشديدة بياض مقلة العين في شدة سواد الحدقة. # والعين: جمع عيناء، وهي العظيمة العين في حسن سعة. # قال الضحاك: { بحور عين } ، بيض حسان العيون /. والحور في ~~اللغة: البياض، ومنه قيل الحواري، وقيل: للقصار حوار، ولصفوة الأنبياء ~~حواريون. # { مصفوفة }: تمام عند نافع. # ثم قال: { والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم ~~بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم }. # قال ابن عباس: هو المؤمن (يرفع الله ذريته) لتقر بذلك عينه وإن كانوا ~~دونه في العمل. # وعن ابن عباس أنه قال: المؤمن تتبعه ذريته بإيمان يلحق الله به ذريته ~~الصغار التي لم تبلغ الإيمان. # وروى عبادة بن الصامت عن كعب الأحبار أنه قال: والذي نفسي بيده إن أطفال ~~المسلمين ليقدسون حول العرش، ويسبحون، ويحمدون الله، وما من أحد أكرم على ~~الله عز وجل منهم، فإذا كان يوم القيامة يقول الله تبارك وتعالى: ادخلوا ~~الجنة فيقولون: ربنا وآباؤنا، فيقال لهم ويقولون ثلاث مرات: وآباؤنا ~~فيقول الله عز وجل في الثالثة: ادخلوا الجنة وآباؤكم معكم. # قوله: { ومآ ألتناهم من عملهم من شيء } أي: ولم ~~ينقص الآباء من عملهم شيئا. # وقال الضحاك معناها: من أدرك ذريته الإيمان فعمل بطاعتي ألحقتهم ~~بآبائهم في الجنة، وأولادهم الصغار أيضا على ذلك. # وقال ابن زيد بمثل هذا القول إلا أنه جعل الهاء، والميم في { ~~ألحقنا بهم ms2482 } من ذكر الذرية، فالمعنى عنده: والذين آمنوا ~~واتبعتهم ذريتهم بالإيمان [ألحقنا بالذرية] أبناءهم الصغار الذين لم ~~يلحقوا الإيمان ولم يبلغوا العمل. # وقيل المعنى: إن الله عز وجل ذكره ليضل (الذرية الجنة) بعمل الآباء إذا ~~كانوا مؤمنين من غير أن ينقص الآباء من أجرهم شيئا، قاله عامر وابن ~~جبير. # وقال النخعي: يعطي الله ذرية الرجل إذا اتبعوه على الإيمان من الأجر مثل ~~ما أعطاه الآباء من غير أن ينقص الآباء شيئا من أجرهم. وقاله الربيع. # وقال قتادة: عملت الذرية بطاعة الله، فألحقهم الله بآبائهم وما نقص ~~الآباء من أجورهم شيئا. # ثم قال: { كل امرىء بما كسب رهين } أي: كل إنسان مرتهن ~~بما عمل من خير وشر، لا يؤاخذ أحد بذنب غيره. # ثم قال: { وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون } ~~أي: أمددنا هؤلاء الذين اتبعتهم ذريتهم بإيمان مع ذرياتهم بفاكهة وبلحم ~~مما يشتهون من اللحمان. # ثم قال: { يتنازعون فيها كأسا } أي: يتعاطون في الجنة كأس ~~الشراب، ويتناولونه بينهم. لا لغو في الكأس: أي: لا يلغو من شربها كما ~~تفعل خمر الدنيا. # { ولا تأثيم } أي: ولا يأثم من شربها كما يأثم من شرب خمر الدنيا. # وقيل: التأثيم هنا: الكذب، واللغو: الباطل. ### || [52.24-49] # قوله: { ويطوف عليهم غلمان لهم } إلى آخر السورة ~~الآيات. # أي: يطوف على هؤلاء الذين تقدمت صفتهم غلمان لهم كأنهم اللؤلؤ المكنون ~~في بياضه وصفائه. والمكنون: المصون، أي: يطوفون عليهم في الجنة بكؤوس ~~الشراب الذي تقدمت صفته. # قال قتادة: ذكر لنا أن رجلا قال: # " يا نبي الله هذا الخادم فكيف المخدوم؟ فقال: والذي نفسي بيده إن فضل ~~الخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب ". # ثم قال: { وأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون } أي: ~~أقبل بعض المؤمنين يسأل عن حال بعض. # قال ابن عباس: يتساءلون حين بعثوا في النفخة الثانية. قيل: إنهم يقول ~~بعضهم لبعض ما صيرك إلى هذه المنزلة الرفيعة. # ثم قال: { قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين } ~~أي: قال بعضهم لبعض: إنا كنا من قبل في الدنيا مشفقين خائفين ms2483 من عذاب ~~الله عز وجل فمن الله علينا بفضله، فغفر الصغائر وترك المحاسبة على ~~النعم المستغرقة للأعمال. # قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " " لا يدخل أحد الجنة بعمله " قيل: ولا أنت يا رسول الله، قال: " ولا ~~أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته " ". # ثم قال: { ووقانا عذاب السموم } أي: (عذاب النار) وأدخلنا ~~الجنة. وقيل معناه إذا أمر الكفار بالانطلاق إلى ظل ذي ثلاث شعب من دخان ~~النار أمر بالمؤمنين إلى ظل من ظل الله، فتقف كل طائفة في الظل الذي أمرت ~~به إليه حتى يفرغ من الحساب، فعند ذلك يقول المؤمنون: { فمن الله ~~علينا ووقانا عذاب السموم } وهو الظل ذو ثلاث / شعب. # ثم قال: { إنا كنا من قبل / ندعوه } هذا كله قول ~~المؤمنين، أي: كنا في الدنيا نعبده، ونخلص العمل له { إنه هو ~~البر } أي: اللطيف بعباده، الرحيم بخلقه أن يعذبهم بعد توبتهم. # ثم قال: { فذكر فمآ أنت بنعمة ربك بكاهن ولا ~~مجنون } أي: فذكر يا محمد من أرسلناك إليهم من قومك وعظهم فلست بفضل ~~ربك عليك بكاهن كما يقول المشركون ولا بمجنون، ولكن رسول الله. # ثم قال: { أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون ~~} أي: بل يقول المشركون في محمد صلى الله عليه وسلم هو شاعر نتربص به ~~حوادث الدهر تكفيناه بموت أو بحادثة متلفة. # قال ابن عباس: إن قريشا اجتمعوا في دار الندوة في أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فقال قائل منهم: احبسوه في وثاق ثم تربصوا به الموت حتى يهلك ~~كما هلك قبله من الشعراء، إنما هو كأحدهم، فأنزل الله عز وجل: { أم ~~يقولون شاعر نتربص به ريب المنون } والمنون: ~~الموت، وهو واحد لا جمع له، قاله الأصمعي. # وقال الأخفش: المنون: جمع لا واحد له. # وقال الفراء: هو الواحد والجمع. والدهر يسمى بالمنون لأنه يذهب بمنة ~~الحيوان، أي: بقوتها. # وقال أبو عبيدة: قيل للدهر " منون " لأنه مضعف من قولهم " حبل منين " ~~إذا كان باليا ضعيفا. # ثم قال: { قل تربصوا فإني معكم من المتربصين ~~} أي: قل لهم يا ms2484 محمد انتظروا وتمهلوا في ريب المنون، فإني متربص معكم ~~حتى يأتي أمر الله تعالى فيكم وفي. # ثم قال: { أم تأمرهم أحلامهم بهذآ } أي: أم تأمرهم ~~عقولهم وألبابهم بأن يقولوا لمن جاءهم بالحق شاعر ومجنون، بل هم قوم ~~طاغون. # وقيل: المعنى: أم تأمرهم عقولهم بأن يعبدوا الأصنام ويتركوا عبادة ~~خالقهم ورازقهم بل هم قوم قد طغوا وبغوا فتجاوزوا أمر ربهم و " أم " في ~~هذا كله بمعنى " بل ". # ثم قال: { فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين } ~~أي: فليأت قائلو ذلك من المشركين بقرآن مثله فيكونوا صادقين في قولهم أن ~~محمدا تقوله. # ثم قال: { أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون } ~~" أم " في موضع الألف، والتقدير: أخلق هؤلاء المشركون من غير آباء ~~وأمهات، فهم كالجماد لا يعقلون ولا يفقهون لله حجة، ولا يتعظون بموعظة. # وقيل المعنى: أخلقوا من غير صانع صنعهم ودبرهم، فهم لا يقبلون من أحد، ~~أم هم الخالقون للأشياء، فلذلك لا يأتمرون لأمر الله سبحانه. وقيل ~~المعنى: أم هم الخالقون لأنفسهم. # وقيل معنى الآية: أم خلقوا لغير شيء؛ أي: أخلقوا عبثا لا يؤمرون ولا ~~ينهون. # ثم قال: { أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون ~~} أي: أفعلوا ذلك فيكونوا هم الخالقون. # ومعناه لم يخلقوا ذلك [بل] لا يوقنون؛ أي: لا يعلمون ما يلزمهم. # وقيل المعنى: لم يتركوا قبول أمر ربهم لأنهم خلقوا السماوات والأرض ~~ولكنهم تركوه لأنهم لا يوقنون بوعيد الله سبحانه، وما أعد من العذاب لمن ~~عصى أمره، فهم يكفرون ويعصون؛ لأنهم لا يوقنون بالعقاب والمجازات. # ثم قال: { أم عندهم خزآئن ربك أم هم المصيطرون ~~} أي: أعندهم عطاء ربك فيستغنوا عنه، فيعرضوا عن أمره ونهيه أم هم ~~المصيطرون. # قال ابن عباس: المصيطرون: المسلطون، وعنه: المتولون. # وقال أبو عبيدة: أم هم الأرباب، يقال: تسيطرت علي، أي: أتخذتني خولا ~~لك. وقيل المعنى: أم هم الجبارون. # ثم قال: { أم لهم سلم يستمعون فيه فليأت ~~مستمعهم بسلطان مبين } أي: ألهم سلم (يرتقون) فيه إلى ~~السماء يستمعون الوحي فيكونوا قد سمعوا صواب ما هم عليه ms2485 من الكفر ~~فيستمسكوا به، فإن كانوا يدعون ذلك، فليأت من يزعم أنه استمع بحجة تبين ~~أنها حق. # ثم قال: / { أم له البنات ولكم البنون } أي: ألربكم ~~أيها المشركون البنات ولكم البنون كما تزعمون، هذه قسمة ضيزى. # ثم قال: { أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون ~~} أي: أتسألهم يا محمد جعلا على دعائك إياهم فتثقل عليهم إجابتك لذلك. # قال قتادة: معناه هل سألت يا محمد هؤلاء القوم أجرا فجهدتهم فلا ~~يستطيعون الإسلام. # ثم قال: { أم عندهم الغيب فهم يكتبون } أي: هم لا ~~يعلمون الغيب فكيف يقولون لا نؤمن برسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ~~ويقولون شاعر نتربص به ريب المنون، فهم يكتبون؛ أي: يكتبون / للناس ما ~~أرادوا ويخبرونهم به. # ثم قال: { أم يريدون كيدا } أي: أراد هؤلاء المشركون بدين الله ~~وبرسوله كيدا، أي: مكرا وخديعة. # { فالذين كفروا هم المكيدون } أي: هم الممكور بهم ~~المهلكون دون محمد ودينه ومن آمن به. # ثم قال: { أم لهم إله غير الله سبحان الله ~~عما يشركون } أي: ألهم معبود يرزقهم ويخلقهم وينفعهم ويضرهم غير ~~الله، سبحان الله عما يشركون. # ثم قال: { وإن يروا كسفا من السمآء ساقطا يقولوا ~~سحاب مركوم } أي: وإن ير هؤلاء المشركون قطعا من السماء ساقطا ~~يقولوا هذا سحاب بعضه فوق بعض وهذا إنما عني به قول المشركين للنبي صلى ~~الله عليه وسلم: لن نؤمن لك حتى تفعل كذا وكذا وتسقط السماء كما زعمت ~~علينا كسفا، فقال جل ذكره لنبيه عليه السلام وإن ير هؤلاء المشركون (ما ~~سألوا من الآيات) لم ينتقلوا عما هم عليه من التكذيب، ولقالوا: إنما هو ~~سحاب مركوم؛ أي: سحاب بعضه فوق بعض. # ثم قال: { فذرهم حتى يلقوا يومهم الذي فيه ~~يصعقون } أي: فدع يا محمد هؤلاء الكفار حتى يلاقوا يوم موتهم، ~~والصعق: الموت وذلك عند النفخة الأولى. # { يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا } أي: لا يغني عنهم ~~مكرهم شيئا، ولا ناصر لهم من عذاب الله عز وجل. # ثم قال: { وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك } قال ~~ابن عباس ms2486 وغيره: هو عذاب القبر. # وقال مجاهد: هو الجوع. # وقال ابن زيد: هو مصائب الدنيا للمؤمن أجر وللكافر تعجيل عذاب. ~~فالمعنى: لهؤلاء المشركين عذاب آخر (قبل يوم القيامة) وهو ما ذكرنا فلا ~~يستعجلون به. # { ولكن أكثرهم لا يعلمون } ذلك أي: لا يؤمنون به ~~فيعلمون أنه حال بهم. # قال ابن الماجشون: سمعت محمد بن المنكدر يقول: بلغني أن الله تبارك ~~وتعالى يسلط على الكافر في قبره دابة عمياء في يدها سوط من حديد في رأسه ~~جمرة مثل غرب الجمل يضربه إلى يوم القيامة لا تراه ولا تسمع صوته فترحمه. ~~ومعنى غرب الجمل: هو الدلو الذي يسقى به الجمل. # ثم قال: { واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا } أي: ~~امض يا محمد لأمر ربك وتبليغ ما أرسلت به فإنك بمرأى منا [ونحن نحوطك] ~~ونحفظك. # { وسبح بحمد ربك حين تقوم } أي: حين تقوم من نومك ~~قال: سبحان الله وبحمده، قاله سفيان. # وقيل المعنى: (إذا قمت إلى الصلاة) المفروضة فقل سبحان الله وبحمده. ~~وقيل: تقول سبحانك اللهم وبحمدك. # وقيل التسبيح هنا تكبيرة الإحرام. # ثم قال: { ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم } يريد ~~به صلاة العشاء الآخرة، وركعتا الفجر. # وعن ابن عباس أنه التسبيح في أدبار الصلوات، وأكثرهم على أن { ~~وإدبار النجوم }: وركعتا الفجر. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " هما خير من الدنيا جميعا ". # وقال الضحاك وابن زيد { وإدبار النجوم }: صلاة الصبح بعينها ~~وهو اختيار الطبري. ### | [53 - سورة النجم] ### || [53.1-18] # قوله: { والنجم إذا هوى } إلى قوله: { من آيات ربه ~~الكبرى } الآيات. # قال مجاهد: النجم: الثريا، إذا هوى: إذا سقطت، فالمعنى: ورب الثريا، ~~وعنه أن النجم هنا: القرآن، إذا هوى: إذا نزل، فالمعنى: والقرآن إذا نزل ~~من السماء الدنيا. # [قال ابن عباس: والنجم إذا هوى يعني به القرآن إذا نزل من السماء ~~الدنيا]. # مثل قوله: # فلا أقسم بمواقع النجوم # [الواقعة: 75] أي: أقسم بنزول القرآن من سماء الدنيا. # وروى قتادة أن عتبة بن أبي لهب قال: # " كفرت برب النجم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أما تخاف ms2487 أن يأكلك ~~كلب الله / فخرج في تجارة إلى اليمن فبينما هم قد عرسوا إذا سمع صوت ~~الأسد، فقال لأصحابه: أنا مأكول فحدقوا به وضرب على أصمختهم فناموا فجاء ~~الأسد حتى أخذه فما سمعوا إلا صوته ". # وقال الحسن: أقسم الله تعالى بالنجم إذا غاب. # وقال الفراء: أقسم بالقرآن لأنه نزل نجوما. # وقيل: يراد به النجم الذي ترمى به الشياطين. # وقوله: { ما ضل صاحبكم وما غوى } أي: ما جار محمد عن الحق ~~ولا مال عنه، بل هو على استقامة وسداد. # ومعنى { وما غوى }: أي: ما خاب فيها طلبه من الرحمة. # وقيل: معناه: ما صار غاويا ولكنه رشيد سديد. # يقال: غوى يغوي من الغي، وغوى الفصيل يغوي إذا لم ~~يرو من لبن أمه حتى يموت هزالا. # ثم قال: { وما ينطق عن الهوى } أي: ليس ينطق محمد صلى الله ~~عليه وسلم بهذا القرآن عن هواه، بل هو وحي أوحي إليه. # وقيل: هو خبر عن القرآن، أي: ما ينطق القرآن عن الهوى، دليله قوله: { ~~إن هو إلا وحي يوحى } فهذا هو القرآن بلا اختلاف، وهو قوله: ~~{ إن هو إلا وحي يوحى } أي: إن هذا القرآن إلا وحي يوحيه ~~الله عز وجل إلى محمد صلى الله عليه وسلم مع جبريل عليه السلام، وبين ذلك ~~بقوله: # { علمه شديد القوى } أي: علم محمدا هذا القرآن ملك شديد ~~القوى هو جبريل صلى الله عليه وسلم. قال الفراء وغيره: قالت قريش إنما ~~يقول من تلقائه فنزل تكذيبهم في هذه الآية وعلى هذا التفسير جميع ~~المفسرين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم في هذه الآية، والقوى جمع قوة، ~~وقيل: شديد الأسباب. # ثم قال: { ذو مرة } قال ابن عباس: ذو منظر حسن. # وقال قتادة: ذو خلق طويل حسن. # وقال مجاهد: ذو مرة: ذو قوة، وكذلك [قال] سفيان وابن زيد يعني به جبريل ~~صلى الله عليه وسلم. # وكان الحسن يقول ذو مرة: هو الله عز وجل. # وتم الكلام عند قوله: ذو مرة، ثم ابتداء بالفاء فقال: { فاستوى } ~~(أي: استوى جبريل ومحمد بالأفق الأعلى. # وقيل: ms2488 هو الله سبحانه: أي: استوى) على العرش، وكذا أهل التفسير غير ~~الحسن على أنه جبريل. # وقيل: ذو مرة: ذو صحة جسم وسلامة من الآفات وهو اختيار الطبري ومنه قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوى ". # وقيل معناه: ذو قوة وشدة يعني جبريل صلى الله عليه وسلم. # روي: أن من قوته اقتلع مدائن لوط الأربع، في كل مدينة مائة ألف من ~~الناس بمساكنهم وأنعامهم بقادمتي جناحه حتى بلغ تخوم الأرض السابعة ~~السفلى، فاقتلع المدائن من أصولها حتى بلغ بهن قرب سماء الدنيا، فسمع أهل ~~السماء صياح الدجاج ونباح الكلاب ونهيق الحمير، ثم أهوى بها إلى الأرض ثم ~~غشاها بالحجارة، وهو قوله: # جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة ~~من سجيل # [هود: 82] وهو قوله في جبريل: # ذي قوة عند ذي العرش مكين # [التكوير: 20]. # وقوله: { فاستوى } أي: فاستوى هذا الشديد القوي بصاحبكم محمد صلى ~~الله عليه وسلم بالأفق الأعلى، وذلك لما أسري به عليهما السلام، استوى هو ~~وجبريل بمطلع الشمس الأعلى، وهو الأفق الأعلى، وهذا القول قال به الطبري ~~والفراء. # وفيه العطف على المضمر المرفوع من غير تأكيد، وهو قبيح عند البصريين. # [لأن وهو بالأفق معطوف على المضمر في فاستوى وكان القياس عند البصريين] ~~فاستوى هو، وهو، أي: جبريل والنبي صلى الله عليه وسلم. # وقال الزجاج: الضمير لجبريل، يعني الضمير في فاستوى، وضمير " هو " ~~كلاهما لجبريل عليه السلام، فلا يلزم في هذا القول عطف على مضمر مرفوع ~~لأن الضميرين لواحد. لكن يكون " وهو بالأفق الأعلى " جملة في موضع الحال ~~من المضمر في " فاستوى " أي: استوى جبريل في حال كونه بالأفق الأعلى. # والمعنى: فاستوى جبريل وهو بالأفق الأعلى على صورته لأنه كان يتمثل ~~للنبي على صورة رجل فأحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يراه على ~~صورته، فاستوى في أفق المشرق فملأ الأفق، فالمعنى: فاستوى جبريل عليه ~~السلام في الأفق الأعلى على صورته على قول الزجاج، وأكثر المفسرين عليه، ~~فالمضمر الذي هو في " استوى " لجبريل وقوله " وهو ms2489 " لجبريل أيضا، وعلى ~~القول الأول الضمير في " استوى " لجبريل. # وقوله: " وهو " / لمحمد صلى الله عليه وسلم، وقد وقع في العدد: " فاستوى ~~وامرأته " فهذا يدل على أن " فاستوى " يتصل بما قبله. # قال قتادة: الأفق: الذي يأتي منه النهار. # وقال الحسن: أفق المشرق الأعلى بينهما. # وقوله: { ثم دنا فتدلى } أي: ثم دنا جبريل من محمد صلى الله ~~عليه وسلم فتدلى إليه. وهو قول قتادة والحسن. # وعن ابن عباس: ثم دنا الله تعالى ذكره من محمد فتدلى إليه؛ أي: أمره ~~وحكمه. # قال أنس: عرج جبريل برسول الله صلى الله عليهما وسلم ليلة الإسراء إلى ~~السماء السابعة ثم علا به بما لا يعلمه إلا الله عز وجل حتى جاء به سدرة ~~المنتهى ودنا الجبار رب العزة (سبحانه وتعالى) فتدلى حتى كان منه قاب ~~قوسين أو أدنى فأوحى (إليه جل ذكره) ما شاء، وأوحى إليه فيما أوحى خمسين ~~صلاة على أمته في كل يوم وليلة ثم ذكر الحديث بطوله. # وقال الفراء: " الفاء " بمعنى " الواو " وتقديره عنده " ثم (دنا وتدلى " ~~، ودنا) يعني جبريل / صلى الله عليه وسلم وهو عنده مثل قوله تعالى: # اقتربت الساعة وانشق القمر # [القمر: 1] [أي: انشق القمر واقتربت الساعة، لأن انشقاق القمر من علامة ~~اقتراب الساعة]. # وقيل: معناه فكان جبريل من محمد صلى الله عليهما وسلم قاب قوسين أو ~~أدنى. وقاب: معناه قدر، أو أدنى: فمعناه أو أقرب منه، و " أو " هنا جيء ~~بها على ما تعقل العرب من مخاطباتها، والمعنى: فكان على مقدار يقدره ~~الرائي منكم قدر قوسين أو أقل [من] ذلك، فأوحى جبريل إلى محمد صلى الله ~~عليه وسلم ما أوحى [الله] إلى جبريل صلى الله عليه وسلم. # قال سفيان: قوسين: ذراعين، وكذلك روي عن ابن عباس. # وقال مجاهد: وقتادة قاب قوسين: مقدار قوسين. # وقيل معناه: كان منه على مقدار مثل، حيث يكون الوتر من القوس أو أقل من ~~ذلك. # قال عبد الله بن عمر: دنا منه جبريل حتى كان قدر ذراع وذراعين. (قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم): # " رأيت جبريل ms2490 له ست مائة جناح " # وقال الكوفيون " أو " بمعنى " الواو ". # وقوله: { فأوحى إلى عبده مآ أوحى } أوحى الله إلى محمد ~~صلى الله عليه وسلم ما شاء. # وقيل: أوحى جبريل إلى عبد الله وهو محمد صلى الله عليه وسلم ما شاء ~~الله. # وقيل معنى الآية: فكان الله جل ذكره من جبريل صلى الله عليه وسلم قاب ~~قوسين أو أدنى فأوحى الله إلى عبده جبريل ما شاء ليبلغه إلى محمد صلى ~~الله عليه وسلم. # وقد تقدم قول من قال هو محمد قرب من ربه سبحانه هذا القرب. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: # " هل رأيت ربك؟ فقال: لم أره بعيني ولكن رأيته بفؤادي. مرتين ثم تلا { ~~ثم دنا فتدلى } ". # عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لما عرج بي مضى جبريل حتى جاء الجنة قال: فدخلت فأعطيت الكوثر ثم مضى ~~حتى جاء السدرة المنتهى فدنا ربك فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى ". # ثم قال: { ما كذب الفؤاد ما رأى } أي: ما كذب فؤاد محمد على ~~محمد فيما رآه ولكنه صدقه، ومن شدد فمعناه: ما كذب فؤاد محمد الذي رأى. # قال ابن عباس: رأى ربه بفؤاده ولم يره بعينه، وقاله عكرمة. # قال ابن عباس: اصطفى الله إبراهيم بالمخلة، واصطفى موسى بالكلام ~~واصطفى محمد بالرؤية. # وقال ابن مسعود: الذي رأى فؤاده جبريل، وقاله الحسن وقتادة. قالوا: وهو ~~الذي أراه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى. # وقوله: { أفتمارونه على ما يرى } أي: أفتجادلونه على ما ~~يرى، وقيل: معناه أفتحاجونه على ما يرى، ومن قرأه بغير ألف فمعناه ~~أفتجحدونه على ما يرى). يقال مراني حقي يمريني مريا، أي: جحدني. # ثم قال: { ولقد رآه نزلة أخرى * عند سدرة ~~المنتهى } أي: رأى محمد جبريل مرة أخرى في هذا الموضع على صورته ~~قاله مجاهد. وقاله الربيع، وهو قول ابن مسعود. # وروي: # " أن عائشة رضي الله عنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رؤية ~~جبريل فقال: لم أره على صورته إلا هاتين المرتين، رأيته منهبطا ms2491 من / ~~السماء سادا عظيم خلقه بين السماء والأرض ". # وقال ابن عباس: رأى ربه بقلبه، فقال له رجل عند ذلك أليس قد قال: # لا تدركه الأبصر وهو يدرك الأبصر # [الأنعام: 103] فقال له عكرمة: أليس ترى السماء؟ فقال: بلى، قال: أفكلها ~~ترى. # ومعنى سدرة المنتهى أي: عند السدرة التي إليها ينتهي علم كل عالم. # وقال كعب: هي سدرة في أصل العرش إليها ينتهي علم كل ملك مقرب أو نبي ~~مرسل ما خلفها غيب لا يعلمه إلا الله. # وعن كعب أنه قال: إنها سدرة على رؤوس حملة العرش فإليها ينتهي علم ~~الخلائق. # وقال عبد الله: هي سدرة في السماء السادسة إليها ينتهي من يعرج من الأرض ~~وإليها ينتهي ما يهبط من فوقها. # وقال الضحاك: في سدرة المنتهى: إليها ينتهي كل شيء من أمر الله جل ذكره ~~لا يعدوها. # وقيل هي الجنة التي آوى إليها آدم عليه السلام وإنها في السماء الرابعة. # وقيل: هي سدرة إليها ينتهي كل من كان على سنة رسول الله، روى ذلك عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأنه لما انتهى إليها ليلة الإسراء قيل له: إلى ~~هذه السدرة ينتهي كل أحد خلا من أمتك على سنتك. # وروى علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " في سدرة المنتهى: نبقها كقلال هجر ". # وقال الربيع بن أنس: إليها تنتهي أرواح الشهداء، فلذلك سميت سدرة ~~المنتهى. # وقال قتادة: أخبرني أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " رأيت سدرة منتهاها في السماء السابعة نبقها كقلال هجر ~~وورقها كأذان الفيلة يخرج من ساقها نهران باطنان ونهران ظاهران فقال: يا ~~جبريل / ما هذا؟ فقال: أما الباطنان ففي الجنة وأما الظاهران فالنيل ~~والفرات ". # وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " في صفتها: يسير الراكب في ظلها سبعين عاما لا يقطعها ". # وقوله: { عندها جنة المأوى } أي: عند سدرة المنتهى جنة مأوى ~~أرواح الشهداء. # قال ابن عباس: هي عن يمين العرش وهي منزل الشهداء، وقاله ms2492 قتادة وغيره. # وقرأ ابن الزبير { جنة المأوى } بالهاء، أي جنه المساء عندها ~~أي: عند السدرة. # جن المساء يجن: أي: ستره. يقال جنه الليل وأجنه. # وأنكر هذه القراءة ابن عباس ودعا على من يقرأ بها، وأنكرتها أيضا عائشة ~~رضي الله عنها. وقال الفراء هي شاذة. # ثم قال: { إذ يغشى السدرة ما يغشى } أي: ولقد رأى محمد ~~جبريل صلى الله عليه وسلم في صورته مرة أخرى حين يغشى السدرة ما يغشى. # قال عبد الله ومسروق ومجاهد والنخعي: غشي السدرة فراش من ذهب. # قال يعقوب بن زيد # " سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: { إذ يغشى ~~السدرة ما يغشى }. # فقال: رأيتها يغشاها فراش من ذهب، ورأيت على كل ورقة من ورقها ملكا ~~قائما يسبح الله ". # وقال ابن عباس: غشيها رب القوة. # قال مجاهد: كانت (أغصان السدرة) لؤلؤا وياقوتا وزبرجدا فرآها محمد ~~ورأى ربه بقلبه. # وقال الربيع بن أنس: غشيها نور الرب والملائكة يقعون عليها كما تقع ~~الغربان على الشجر. # ثم قال: { ما زاغ البصر وما طغى } أي: ما مال بصر محمد صلى ~~الله عليه وسلم عن ما رأى ولا عدل ولا جاوز ما رأى. # قال ابن عباس: معناه ما زاغ بصر محمد يمينا ولا شمالا، وما طغى: ما ~~جاوز أمر ربه. # ثم قال: { لقد رأى من آيات ربه الكبرى } أي: لقد رأى ~~محمد صلى الله عليه وسلم هناك من أعلام ربه سبحانه وأدلته الأدلة الكبرى. ~~إن جعلت " من " زائدة كانت " الكبرى " نعتا للآيات على اللفظ أو على ~~الموضع، وإن جعلت " من " للتبعيض كانت " الكبرى " في موضع نصب برأى، ~~والكبرى في الأصل نعت تقديره: لقد رأى الآية الكبرى من آيات ربه. # قال عبد الله: رأى رفرفا أخضر من / الجنة قد سد الأفق. # وقال ابن زيد: رأى جبريل في خلقته التي خلق عليها في السماوات والأرض ~~بينه وبينه قدر قوسين أو أدنى. ### || [53.19-32] # قوله: { أفرأيتم اللات والعزى } إلى قوله: { أعلم ~~بمن اتقى } الآيات. # رأيت من رؤية العين، ولذلك نصب بها، ولو كانت التي ms2493 للسؤال والاستفتاء لم ~~تتعدد نحو قوله # أرأيت إن كذب وتولى # [العلق: 13] فالمعنى: أفرأيتم أيها المشركون هذه الأصنام التي جعلتموها ~~بنات الله. # { ألكم الذكر وله الأنثى } أي: أتجعلون له البنات ولكم ~~الذكور (أي: هذه إذا). # { قسمة ضيزى } أي: قسمة جائرة على الحق، وذلك أن المشركين أخذوا ~~اسم الباري وهو الله، وزادوا فيه التأنيث وسموا به أصنامهم فقالوا اللات، ~~وكذلك أخذوا العزى من العزيز وأخذوا منات من: منى الله الشيء: إذا قدره، ~~وزعموا أنها بنات الله تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، فجعلوا لله ما لا ~~يرضون لأنفسهم. # قال أبو عبيدة: هي أصنام كانت في جوف الكعبة يعبدونها. # وقرأ مجاهد " اللات " بالتشديد، وكذلك قرأ ابن عباس، وقالا: كان رجلا ~~يلت السويق أيام الحج فلما مات عكفوا على قبره فعبدوه. # وقيل: كان يقوم على ألهتهم ويلت السويق لهم، وكان بالطائف قاله أبو ~~صالح والسدي. وقيل: كان يلت السويق ويبيعه عند ذلك الصنم، فسمى الصنم ~~اللات بتشديد التاء. وحكى خلف عن سليم عن حمزة وأبو عبد الرحمن عن ~~(اليزيدي) عن أبي عمرو أنهما وقفا على اللات بالتاء، اتباعا للمصحف، ~~وكذلك وقف نافع. # وروي عن الكسائي أنه وقف بالهاء، والمشهور عن جميعهم الوقف على التاء ~~اتباعا للمصحف وإبعادا أن يشبه الوقف على الله. # والعزى: حجر أبيض كانوا يعبدونه قاله ابن جبير. # وقال مجاهد: العزى شجرة كانوا يعبدونها. # وقال ابن زيد: العزى بيت بالطائف لثقيف كانوا يعبدونه. # وقال قتادة: هو نبت كان ببطن نخلة، وأما منات فصنم كان لخزاعة. # وقال قتادة: [التقدير] آلهة يعبدونها وهي اللات والعزى ومنات. # قال أبو إسحاق: " منات " صخرة لهذيل وخزاعة كانوا يعبدونها من دون الله ~~/ جل وعز وتعالى عن ذلك. # وقيل: اللات صنم كان لثقيف، والعزى سمرة عبدوها. # وقوله: { تلك إذا قسمة ضيزى } أي: قسمة جائرة ناقصة إذ ~~رضيتم أن تجعلوا لخالقكم ورازقكم ما تكرهونه لأنفسكم وآثرتم أنفسكم بما ~~تحبون. # (وضيزى فعلى) ولكن كسرت، وإنما كان أصلها الضم إذ ليس في الكلام فعلى ~~صفة وفيه (فعلى وفعلى) فكسرت الضاد لتصح الياء، ms2494 كما قالوا بيض وأصله ~~بوض. ومن همزه فهي لغة يقال ضازه يضيزه ويضوزه وضأزه ~~يضأزه. # ويقال: ضزته وضزته إذا نقصته حقه، فيقال على هذا ضئزى ~~بالهمز وضؤزى أيضا. # وجواب الاستفهام محذوف، والتقدير: أفرأيتم هذه الأصنام هل لها من هذه ~~القدرة التي تقدم ذكرها شيء. # وقال أبو عبيدة: التقدير ألكم الذكر وله الأنثى كيف يكون هذا لأنهم ~~قالوا الملائكة بنات الله جل ذكره. # وقيل الجواب: { تلك إذا قسمة ضيزى }. # ثم قال: { إن هي إلا أسمآء سميتموهآ أنتم ~~وآبآؤكم } أي: ما اللات والعزى ومنات الثالثة الأخرى إلا أسماء ~~أحدثتموها أيها المشركون أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بهذه الأسماء من ~~سلطان أي: من حجة في هذه الأسماء. # ثم قال: { إن يتبعون إلا الظن }؛ أي: ما يتبع هؤلاء ~~المشركون في هذه [الأسماء] إلا الظن، وهوى أنفسهم فاخترقوا ما لم يؤمروا ~~به من قبل أنفسهم، ومن ما وجدوا عليه آباءهم الكفار بالله عز وجل. # ثم قال: { ولقد جآءهم من ربهم الهدى } أي: جاءهم ~~محمد من عند ربهم عز وجل بالبيان والوحي الحق. # ثم قال: { أم للإنسان ما تمنى } أي: ليس ذلك فيكون الأمر ~~على ما يشتهون، بل الله عز وجل يعطي من يشاء ما شاء، إذ له الآخرة ~~والأولى. # ثم قال: { وكم من ملك في السموت لا تغني ~~شفاعتهم شيئا } أي: وكثير / من الملائكة في السماوات لا تنفع ~~شفاعتهم لمن شفعوا إلا من بعد أن يأذن الله عز وجل لهم فتنفع شفاعتهم إذا ~~رضي الله سبحانه بها، وهذا توبيخ لعبدة الأوثان والملائكة من قريش وغيرهم ~~لأنهم قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، فأخبر تعالى ذكره أن ~~الملائكة مع فضلهم وكثرة طاعتهم لا تنفع أحدا شفاعتهم إلا من (بعد إذن ~~الله عز وجل لهم) ورضاه، فكيف تشفع الأصنام لكم. # ثم قال: { إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون ~~الملائكة تسمية الأنثى * [وما لهم به من علم] ~~}. # أي: أن الذين لا يصدقون بالبعث ليسمون الملائكة تسمية الإناث لأنهم ~~كانوا يقولون هم بنات الله تعالى (الله عن ms2495 ذلك علوا كبيرا). { وما ~~لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن } أي: ما ~~يقولون [ذلك] إلا ظنا بغير علم، والهاء تعود على الأسماء لأن التسمية ~~والأسماء واحد، { وإن الظن لا يغني من الحق شيئا } ~~[أي] يقوم مقام الحق. # ثم قال: { فأعرض عن من تولى عن ذكرنا } أي: فدع من ~~أدبر عن الإيمان بما جئته به من القرآن. # { ولم يرد إلا الحياة الدنيا } أي: طلب الدنيا ولم ~~يطلب ما عند الله. # { ذلك مبلغهم من العلم } أي: ليس لهم علم إلا علم ~~معائشهم وإلا إيثار الدنيا على الآخرة وقولهم الملائكة بنات الله. # ثم قال: { إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله } أي: ~~هو عالم لهم قد علمهم في سابق علمه أنهم لا يؤمنون، وهو أعلم في سابق ~~علمه بمن يهتدي فيؤمن. # ثم قال: { ولله ما في السموت وما في الأرض ~~ليجزي الذين أساءوا بما عملوا } أي: لله ملكهما وما ~~فيهما. ولام ليجزي (متعلقة بقوله: { إن هو إلا وحي يوحى } ~~{ ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات }. # وقيل المعنى: ولله ما في السماوات وما في الأرض يضل من يشاء ويهدي من ~~يشاء، فهو أعلم بهم ليجزي الذين أساءوا ويجزي الذين أطاعوا. # وقيل هي متعلقة بقوله: { وهو أعلم بمن اهتدى... ~~ليجزي }. # وقوله: { بالحسنى } يعني بالجنة. # قال زيد بن أسلم: { الذين أساءوا }: المشركون، { الذين ~~أحسنوا } المؤمنون. # ثم بين المؤمنين ونعتهم فقال: { الذين يجتنبون كبائر ~~الإثم والفواحش } أي: يبعدون عن ارتكاب الكبائر التي نهى الله ~~عنها، وقد تقدم القول فيها في " النساء ". ويبعدون عن ارتكاب الفواحش ~~التي نهى الله عنها وهي الزنا وشبهه مما أوجب الله فيه حدا. # وقوله: { إلا اللمم } قال ابن عباس: إلا ما سلف منهم في الجاهلية ~~قبل الإسلام. # وقال زيد بن أسلم: الكبائر: الشرك، والفواحش، والزنا، تركوا ذلك حين ~~أسلموا فغفر الله عز وجل لهم ما كانوا أتوا به وأصابوه من ذلك قبل ~~الإسلام. # وقيل: اللمم: الصغائر. / # وقيل: هي أن تلم بالشيء ولا تفعله. وقيل اللمم كنظر العين والتقبيل ~~والجس. # وقال الشعبي: ms2496 هو ما دون الزنا، وقيل: " إلا " بمعنى الواو، وليس بشيء ~~هذا نقض كلام العرب. # وقال أبو هريرة: هو مثل القبلة والغمزة والنظرة والمباشرة. # وعن ابن عباس أن اللمم أن تأتي الذنب ثم تتوب منه ولا تعود. # وعن أبي هريرة أيضا مثله، (وهو قول أهل اللغة قالوا: اللمم بالذنب أن ~~تناول منه ولا تمر عليه، ويقال ألممت أتيت ونزلت عليه). # (وعن ابن عباس وابن الزبير) هو ما بين الحدين، حد الدنيا والآخرة وبه ~~قال عكرمة وقتادة والضحاك. # وروى ابن وهب عن عبد الله بن عمر وابن العاص أنه قال: اللمم ما دون ~~الشرك. # ثم قال: { إن ربك واسع المغفرة } أي: لمن اجتنب ~~الكبائر. { هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض } يعني ~~آدم عليه السلام. # { وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم } أجنة: جمع ~~جنين، أي: أعلم بكم في ذلك الوقت وفي كل وقت، وهو أعلم بمن أتقى. وقيل ~~اللمم هو الذنب [بين] الحدين مما لم يأت عليه حد في الدنيا، ولا توعد ~~عليه بنار في الآخرة تكفره الصلوات الخمس. # والكبائر مثل الزنا وقتل النفس التي حرم الله، وشرب الخمر وعقوق ~~الوالدين، (وأكل مال اليتيم). # وقال نفطويه: اللمم هو أن تأتي ذنبا لم يكن لك بعادة، والعرب تقول: ما ~~تأتينا إلا لماما: أي: في الحين بعد الحين. # قال: ولا يكون اللمم أن تهم ولا تفعل؛ لأن العرب إذا قالت: ألم بنا فلان ~~معناه فعل الإتيان لا أنه هم ولم يفعل، ويدل على أنه فعل الذنب قوله { ~~واسع المغفرة } فهل تكون المغفرة إلا لمن فعل ذنبا /، وهل يغفر ~~ما لم يفعل. # وروى الحسن أنه قال: اللمم هو أن يلم الرجل اللمة من الخمر واللمة من ~~الزنا، واللمة من السرقة ثم لا يعوده. # قال عمرو بن العاص: اللمم ما دون الشرك. # وقوله: # إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه نكفر عنكم ~~سيئاتكم # [النساء: 31] يدل على أن اللمم: الصغائر يغفرها الله لمن اجتنب الكبائر ~~حتما. # وقوله: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك ms2497 لمن يشآء # [النساء: 48] هذه المغفرة ليست بحتم إنما هي إلى مشيئة الله يفعلها لمن ~~يشاء، ومغفرة الصغائر لمن أجتنب الكبائر حتم من الله جل ذكره (فعلها). # ثم قال: { هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض } أي: ~~الله عالم بما تعملون حين خلق أباكم آدم من الأرض، وحين أنتم أجنة في ~~بطون أمهاتكم يعلم ما تصير إليه أموركم، وما أنتم عاملون، فلا تزكوا ~~أنفسكم فإن الله يعلم المتقي من الفساد. وأجنة جمع جنين. ### || [53.33-41] # قوله: { أفرأيت الذي تولى } إلى قوله: { الجزآء ~~الأوفى } الآيات. # أي: أفرأيت يا محمد الذي أدبر عن الإيمان بالله عز وجل وأعرض وأعطى ~~صاحبه قليلا من ماله ثم منعه فلم يعطه وبخل عليه. # هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة وذلك أنه عاتبه بعض المشركين لما ~~أتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما جاء به فضمن له الذي عاتبه إن ~~هو أعطاه شيئا من ماله ورجع إلى شركه أن يتحمل عنه عذاب الآخرة ففعل ~~وأعطى الذي عاتبه على ذلك بعض ما كان ضمن له ثم بخل ومنعه تمام ما ضمن ~~له. # ومعنى وأكدى: قطع العطية ولم يتمها قاله ابن عباس ومجاهد، وقتادة. # ثم قال: { أعنده علم الغيب فهو يرى } أي: أعند هذا ~~الذي ضمن له العذاب أن يتحمله عنه في الآخرة علم الغيب فهو يرى حقيقة ~~قوله ووفائه بما وعده. # وقيل: المعنى أعلم الوليد أن هذا الذي يتحمل عنه العذاب في الآخرة ~~كما قال: ويرى: بمعنى: يعلم. # ثم قال: { أم لم ينبأ بما في صحف موسى } أي: أم لم ~~يخبر هذا المضمون له أن يحتمل عنه العذاب في الآخرة بالذي في صحف موسى. # { وإبراهيم الذي وفى } أي: وفي الرسالة وبلغها إلى من ~~أرسلت إليه. # وقيل معناه: وفى ما عهد إليه ربه من تبليغ الرسالة وهو { ألا ~~تزر وازرة وزر أخرى } أي: بلغ ألا يحمل أحد ذنب أحد. # قال ابن عباس: كانوا قبل إبراهيم يأخذون الولي بالولي حتى كان إبراهيم ~~عليه السلام فبلغ { ألا تزر وازرة وزر ms2498 أخرى } ، { ~~وأن عليه النشأة الأخرى }. # وقال قتادة: وفى طاعة الله ورسوله إلى خلقه. # وقال ابن جبير: بلغ ما أمره به ربه وهو قول (ابن زيد وسفيان) والنخعي. # وعن ابن عباس أيضا: أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم وفى بما أمره ربه ~~عز وجل من الذبح والرؤيا، والذي في صحف موسى: { ألا تزر وازرة ~~وزر أخرى }. # وعن ابن عباس أيضا: أن إبراهيم وفى شرائع الإسلام ثلاثين سهما، وما ~~ابتلي بهذا الدين أحد فأقامه إلا إبراهيم فإنه وفى به. # وقال مجاهد: وفي ما فرض عليه، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ألا أخبركم لم سم الله جل ذكره إبراهيم خليله " الذي وفى ". لأنه ~~كان يقول كلما أصبح وكلما أمسى { فسبحان الله حين تمسون ~~وحين تصبحون * وله الحمد في السموت } الآية ". # وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " وفى إبراهيم بحمد ربه أربع ركعات في النهار ". # وقوله: { ألا تزر وازرة وزر أخرى } أكثر المفسرين على ~~أنه ما في صحف موسى وإبراهيم، وفى بالشرائع والأوامر على ما تقدم من ~~الاختلاف. # قال أبو مالك الغفاري: { ألا تزر وازرة وزر أخرى } إلى ~~قوله: { هذا نذير من النذر الأولى } هذا كله في مصحف ~~إبراهيم وموسى. # وعنى بقوله: / { ألا تزر وازرة وزر أخرى } الذي ضمن ~~للوليد أن يتحمل عنه عذاب الآخرة يقول الله ألم نخبر هذا المضمون. # أي: بهذا الذي في صحف إبراهيم وموسى أن أحدا لا يحمل ذنب أحد. # ثم قال: { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى }. # قال ابن عباس الآية منسوخة لأن الله عز وجل أنزل بعد ذلك # والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ~~ألحقنا بهم ذريتهم # [الطور: 21] فرفع الله الأبناء في درجات الآباء بعمل الآباء، وهو اختيار ~~الطبري. # وروى ابن عباس عن النبي / صلى الله عليه وسلم أنه قال # " إن الله جل ذكره ليرفع ذرية المؤمن معه في درجته إن كان لم يبلغها ~~بعمله لتقربهم عينه ". # وقال قوم: الآية محكمة، ولا ينفع أحدا عمل أحد لا من صدقة ولا من حج ~~ولا صلاة ولا ms2499 غير ذلك، وقد أجمع العلماء أن الصلاة لا يجوز فيها أن يصلي ~~أحد عن أحد وقد أتت أخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم في إجازة الحج عن ~~الحي والميت والصيام عن الميت والصدقة عن الميت. # ومذهب مالك أن عمل الأبدان لا يجوز أن يعمله أحد عن أحد، فإن أوصى بالحج ~~ومات جاز أن يحج عنه. # وقال تعالى: { وأن سعيه سوف يرى } أي: وإن عمل كل عامل ~~سوف يراه الله يوم القيامة، فيجازيه عليه الجزاء الأوفى من خير أو شر ~~يثاب على عمله. ### || [53.42-50] # قوله: { وأن إلى ربك المنتهى } إلى قوله: { أهلك ~~عادا الأولى } الآيات. # أي: وإن إلى ربك يا محمد انتهاء جميع خلقه ومرجعهم، وهو المجازي جميعهم ~~بأعمالهم صالحهم وطالحهم. # ثم قال: { وأنه هو أضحك وأبكى } أي: أضحك أهل الجنة ~~بالجنة، وأبكى أهل النار بالنار. وقيل معناه أضحك من شاء في الدنيا بأن ~~سره، وأبكى من شاء بأن غمه. # ثم قال: { وأنه هو أمات وأحيا } أي: هو أمات من أمات من ~~خلقه، وهو أحيا من أحيا منهم. # ثم قال: { وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى } أي: ~~ابتدع إنشاء الذكر والأنثى. # يقال لكل واحد من الذكر والأنثى زوج. خلقهما: { من نطفة إذا ~~تمنى } أي: إذا أمناها الرجل والمرأة. # وقيل معناه: إذا مناها الله عز وجل، أي: قدرها أن تكون نسمة. # ثم قال: { وأن عليه النشأة الأخرى } أي: عليه إعادتهم ~~بعد موتهم خلقا جديدا. # ثم قال: { وأنه هو أغنى وأقنى } أي: أغنى بالمال من ~~شاء، وأقناه: أي: جعله يقتني الأشياء ويدخرها. # وقيل أقنى: ادخر. وهو قول مجاهد والحسن وقتادة. # وعن ابن عباس (وأقنى: أي: أرضى، وأغنى: وأعطى). # وعن مجاهد أيضا: أغنى: تولى، وأقنى: أرضى. # وقال السدي: اقنى من القنية، يعني ادخار الأشياء. وقال سفيان بن عيينة ~~معناه: أغنى ورضي. # وقال أبو صفوان بن عوانة: أغنى وأقنى: (أخذ من الغنيمة). # وقال المعتمر بن سليمان: أغنى الإنسان وأقنى أي: أفقر الخلق إليه. # وقال ابن زيد " أعنى وأقنى أي: أغنى من شاء من خلقه وأفقر ms2500 من شاء. # ثم قال: { وأنه هو رب الشعرى } أي: وإن ربك يا محمد هو ~~رب الشعرى، وهو نجم يسمى بهذا الاسم كان بعض أهل الجاهلية يعبده. # قال مجاهد: هو الكوكب الذي خلف الجوزاء كانوا يعبدونه، فقيل لهم: اتركوا ~~عبادته واعبدوا ربه وهو الشعرى: العبور الخارج عن المجرة عبدت في ~~الجاهلية، وقالوا: رأينا ما (عبرت عن المنازل) فأعلم الله أنه ربها وأنه ~~خالقها الذي تجب له العبادة. # ثم قال: { وأنه أهلك عادا الأولى } وهو عاد بن آدم بن عوص ~~بن سام بن نوح وعاد الثانية من ولد عاد الأكبر، وكانت عاد الآخرة ساكنة ~~بمكة مع أخوالهم من العمالقة ولد عمليق بن لاود بن سام بن نوح، فلم يصبهم ~~من العذاب ما أصابه عادا الأولى ثم هلكت [عاد] الآخرة بعد ذلك بغى بعضهم ~~على بعض فتفانوا بالقتل، وعاد الأولى هي التي هلكت بالريح. # وقال ابن زيد: إنما قيل لها عاد الأولى لأنها أول الأمم هلاكا بعد نوح. # وقيل: إن عادا الآخرة هي ثمود. # وقد قال زهير: " كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم " يريد عاقر ~~الناقة فسمى ثمود عادا. ### || [53.51-62] # قوله: { وثمود فمآ أبقى } إلى آخر السورة الآيات. # أي: ولم يبق الله ثمودا ولكن أهلكهم بكفرهم. # ثم قال: { وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم ~~وأطغى } أي: ولم يبق الله قوم نوح من قبل عاد وثمود بل أهلكهم ~~بكفرهم بربهم وظلمهم لأنفسهم. # قال قتادة: (لم يكن) قبيل من الناس هم أظلم وأطغى من قوم دعاهم نبي الله ~~تعالى نوح إلى الإيمان ألف سنة إلا خمسين عاما كلما هلك قرن نشأ قرن، ~~حتى ذكر لنا أن الرجل كان يأخذ بيد ابنه ويأت به إلى نوح صلى الله عليه ~~وسلم فيقول: يا بني لا تقبل من هذا فإن أبي مشى بي إلى هذا وأنا مثلك ~~يومئذ وأوصاني بما أوصيتك [به] تتابعا / على الضلالة وتكذيبا لأمر ~~الله. # ثم قال: { والمؤتفكة أهوى } أي: والمقلوب أعلاها أهوى /، ~~وهي سدوم قرية قوم لوط أمر الله جبريل فرفعها من الأرض ms2501 السابعة بجناحه ثم ~~أهواها مقلوبة. يقال: هوى إذا سقط، وأهواه غيره أسقطه. # قال مجاهد: رفعها جبريل صلى الله عليه وسلم إلى السماء ثم أهواها. # قال ابن زيد أهواها جبريل عليه السلام [ثم أتبعها تلك الصخر]. # ثم قال: { فغشاها ما غشى } أي: جلاها الله عز وجل بعد أن ~~انقلبت بالحجارة المنضودة المسومة فأمطرها عليهم حجارة من سجيل. # قال قتادة: غشاها بصخر منضود، وفي قوله { ما غشى } معنى التعظيم. # ثم قال: { فبأي آلاء ربك تتمارى } أي: فبأي نعم ربك يا ~~ابن آدم أنعمها عليك تشك وترتاب وتجادل وهذا لمن شك وكذب. # ومن نصب المؤتفكة بأهوى (أجاز أن يبدأ بها) ومن نصبها على العطف على قوم ~~نوح وثمود لم يبتدئ بها. # ثم قال: { هذا نذير من النذر الأولى } أي: محمد نذير ~~لقومه كما أنذرت الرسل من قبله قاله قتادة. # وقيل المعنى: محمد نذير من النذر الأولى في أم الكتاب. # وقال أبو مالك معناه: هذا الذي خوفتم به من القرآن في هذه السورة نذير ~~لكم من النذر الأولى التي كانت في صحف إبراهيم وموسى، وهو اختيار الطبري. # ثم قال: { أزفت الآزفة } أي: دنت وقربت القيامة، يقال: ~~أزف الأمر إذا دنا وقرب، وسميت القيامة بالأزفة لقربها. # ثم قال: { ليس لها من دون الله كاشفة } أي: ليس تنكشف ~~القيامة فتقوم إلا بإقامة الله إياها وكشفه لها من دون سواه من خلقه؛ ~~لأنه لم يطلع عليها ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا. # وقيل: كاشفة. كما قيل: # فهل ترى لهم من باقية # [الحاقة: 8] أي: من بقاء. # والمعنى: ليس لها من دون الله كاشف لها. # وقيل " الهاء " للمبالغة، وكاشفة بمعنى كشف وتكون على القول الأولى ~~بمعنى أنكشف. # ثم قال: { أفمن هذا الحديث تعجبون * وتضحكون ~~ولا تبكون } هذا خطاب لمشركي قريش؛ أي: أفمن هذا القرآن تعجبون مما ~~نزل على محمد وتضحكون استهزاء به، ولا تبكون لما فيه من الوعيد لمن كفر ~~به. # { وأنتم سامدون } أي: لاهون عما فيه من العبر والتذكر، معرضون ~~عن آياته، والإيمان به يقال: سمد يسمد: إذا لها. ms2502 # وروى شعبة عن المغيرة عن إبراهيم { وأنتم سامدون } قال: القيام ~~[قبل الإمام] إلى الصلاة. # وحكي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنه دخل الصلاة فرأى الناس ~~قياما فقال ما لهم، أو قال ما شأنهم سامدين. # وقال ابن عباس: [سامدون] هو الغناء، وكانوا إذا سمعوا القرآن تغنوا وهي ~~لغة أهل اليمن من خيبر يقولون: أسمد لنا (أي: تغنى لنا). # وقيل: سامدون: شامخون. # قال الضحاك كانوا يمرون على النبي صلى الله عليه وسلم شامخين، والشامخ ~~المتكبر. # وعن ابن عباس: سامدون: لاهون. وقال قتادة: سامدون: غافلون. # وقال مجاهد: سامدون: معرضون، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ ~~هذه الآية لم ير ضاحكا ولا متبسما [حتى مات]. # ثم قال: { فاسجدوا لله واعبدوا } أي: اسجدوا لله في ~~صلاتكم أيها الناس دون من سواه من الآلهة واعبدوه دون غيره. # (قال ابن عباس: سجد النبي صلى الله عليه وسلم بالنجم وسجد معه المسلمون ~~والمشركون والجن والإنس). # (وقال ابن مسعود: أول سورة نزلت فيها السجدة، والنجم، قال: فسجد النبي ~~وسجد من خلفه إلا رجلا رأيته أخذ ترابا فسجد عليه، فرأيته بعد ذلك قتل ~~كافرا وهو أمية بن خلف). ### | [54 - سورة القمر] ### || [54.1-3] # قوله تعالى { اقتربت الساعة } إلى قوله: { وكل أمر ~~مستقر } الآيات. # معناه دنت القيامة وقربت. # روى أنس # " أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب وقد كادت الشمس تغيب فقال ما بقي من ~~دنياكم فيما مضى إلا مثلا ما [بقي] من هذا اليوم فيما مضى وما نرى من ~~الشمس إلا يسيرا ". # وقال كعب ووهب الدنيا ستة آلاف سنة. قال وهب قد مضى منها خمسة آلاف ~~وستمائة، وهذا إنذار من الله بدنو القيامة وقرب فناء الدنيا. # وقوله: / { وانشق القمر } أي: انفلق وكان ذلك على عهد النبي صلى ~~الله عليه وسلم وهو بمكة قبل الهجرة، وذلك أن كفار قريش سألوه آية فأراهم ~~انشقاق القمر، فدل على صحة قوله، فلما أراهم ذلك (أعرضوا وكذبوا). وقالوا ~~هذا سحر مستمر سحرنا له محمد، ففي ذلك يقول الله جل ذكره. ms2503 # { وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر } ~~ومعنى مستمر: أي: ذاهب. وقيل مستمر: شديد. وقيل معناه: يشبه بعضه بعضا. ~~قال أنس: انشق القمر فرقتين. وقال ابن مسعود انشق القمر ونحن مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم حتى ذهبت فرقة منه خلف الجبل فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أشهدوا. # ثم قال: { وكذبوا واتبعوا أهوآءهم } أي: كذبت قريش ~~واتبعت أهواءها. { وكل أمر مستقر } أي: كل أمر يستقر إن ~~خيرا في الجنة، وإن شرا ففي النار. ### || [54.4-20] # قوله: { ولقد جآءهم من الأنبآء ما فيه مزدجر } إلى ~~قوله { يوم نحس مستمر } إلى { منقعر } الآيات أي: ولقد ~~جاء قريشا من الأخبار والقصص والوعد والوعيد ما فيه متعظ لهم. # ثم قال { حكمة بالغة } يعني القرآن. { فما تغن النذر } ~~أي: فليست تغن النذر لإعراضهم عنها. والنذر جمع نذير أو بمعنى الإنذار، ~~ويجوز أن تكون " ما " استفهاما. والمعنى فأي شيء يغني النذر عنهم وهم ~~معرضون عنها. # ثم قال فتول عنهم يوم يدع الداع / إلى شيء نكر أي: فأعرض عنهم: تم ~~الكلام على قوله { فتول عنهم } ، ثم ابتدأ فقال { يوم يدع ~~الداع إلى شيء نكر } أي: منكر يخرجون من الأجداث. " فيوم " ~~منصوب " بأذكر يوم تخرجون. والأجداث: القبور. { كأنهم جراد ~~منتشر } كأنهم في انتشارهم من القبور إلى موقف الحساب جراد منتشر. # وقوله { خشعا أبصرهم } حال من الضمير في (يخرجون من قبورهم) ~~فينتشرون لموقف العرض يوم يدع الداع خشعا إبصارهم، أي هي ذليلة خاضعة، ~~ولا يجوز أن يكون حالا من المضمر في عنهم، لأن الأمر بالتوالي في الدنيا، ~~والإخبار بخشوع أبصارهم بعد بعثهم. # وقوله { كأنهم جراد منتشر } وقال في موضع آخر # يوم يكون الناس كالفراش المبثوث # [القارعة: 3] فذلك صنفان مختلفان، وإنما ذلك لأن كون ذلك في وقتين ~~مختلفين أحدهما عند البعث بالخروج من القبور يخرجون فزعين لا يهتدون أين ~~يتوجهون، فيدخل بعضهم في بعض لا جهة لأحد منهم يقصدها نشبههم عند ذلك ~~بالفراش لأن الفراش لا جهة له يقصدها، وإنما هي بعضها في بعض فلا يزال ~~الناس كذلك حتى ms2504 يسمعوا المنادي يدعوهم فيقصدونه، فتصير لهم وجهة ~~يقصدونها، فشبههم في هذا الوقت بالجراد المنتشر، وهكذا الجراد لها (وجهة ~~تقصدها) وهي منشرة. # ويروى أن مريم سألت ربها أن يطعمها لحما لا دم فيه فأطعمها الجراد فدعت ~~للجراد فقالت: اللهم أعشها بغير رضاع (وتابع بنيها بغير شياع، أي: بغير ~~دعاء بينها). ثم قال { مهطعين إلى الداع } قال قتادة: عامدين. ~~وقال أبو عبيدة: مسرعين مقبلين خائفين. ولا يكون الإهطاع إلا مع خوف، ~~ويقال: هطع وأهطع بمعنى أسرع مقبلا خائفا. # وقال سفيان شاخصة أبصارهم إلى السماء. وقال ابن عباس ناظرين. { يقول ~~الكافرون هذا يوم عسر } أي: شديد هول المطلع. # ثم قال: { كذبت قبلهم قوم نوح } أي: كذب قبل قومك قوم ~~نوحا. { فكذبوا عبدنا } يعني نوحا. { وقالوا مجنون } ~~أي: هو مجنون. وقوله { وازدجر } أي: زجروه بالشتم والوعيد والرجم. # قال ابن زيد اتهموه وزجروه وأوعدوه، وقالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن ~~من المرجومين. وقال الحسن قالوا مجنون وتوعدوه بالقتل. ثم قال { فدعا ~~ربه أني مغلوب فانتصر } أي: قال يا رب قد غلبت وقهرت ~~فانتصر لي منهم بعذاب من عندك. # قال تعالى: { ففتحنآ أبواب السمآء بماء منهمر } ~~أي: مندفع منصب. # ثم قال { وفجرنا الأرض عيونا فالتقى المآء على ~~أمر قد قدر } أي: فالتقى ماء السماء وماء الأرض على أمر قد قدره ~~الله وقضاه في اللوح المحفوظ. ثم قال { وحملناه على ذات ~~ألواح ودسر } / أي: وحملنا نوحا إذا التقى الماء على سفينة ذات ~~ألواح ودسر. والدسر: المسامير، وهو جمع دسار. وقيل الدسر: صدر السفينة ~~لأنها تدفع الماء بصدرها: [أي] تدسره قاله الحسن. # وقال مجاهد: الدسر: أضلاع السفينة. وقال الضحاك الدسر: طرف السفينة، ~~وأصل الدسر: الدفع. # ثم قال { تجري بأعيننا } أي: بمرأى منا ومبصر. # وقوله { جزآء لمن كان كفر } أي: فعلنا بهم ذلك جزاء لنوح ~~للذي كفر بالله فيه. وقيل " من " بمعنى " ما " والمعنى: جزاء لمن كان كفر ~~بنعم الله وأياديه. # وقال مجاهد: معناه (جزاء الله لأنه كفر به). وقيل معناه جزاء لنوح ولمن ~~آمن به لأنهم كفروا ms2505 بهم، فتوحد " كفر " على هذا على لفظ " من ". ثم قال { ~~ولقد تركناها آية } أي: تركنا السفينة آية وعبرة لمن بعد ~~نوح. وقال قتادة رفعت السفينة على الجودي حتى رآها أوائل لهذه الأمة. # قال مجاهد: إن الله جل ذكره حين غرق قوم نوح جعلت الجبال تشمخ، وتواضع ~~الجودي فرفعه الله عز وجل على الجبال، وجعل قرار السفينة عليه. وقيل ~~معناه: ولقد تركنا هذه الفعلة آية. { فهل من مدكر }. # أي: فهل من متعظ يخاف أن يناله من العقوبة مثل ما نال قوم نوح. ثم قال { ~~فكيف كان عذابي ونذر } أي: وإنذاري، وهذا تحذير من الله لمن ~~نزل عليه القرآن وكفر به أن يصيبه مثل ما أصاب قوم نوح. ثم قال { ~~ولقد يسرنا القرآن للذكر } أي: سهلناه وبيناه وفصلناه ~~لمن يريد أن يتذكر به ويعتبر. # وقيل معنى: فهل من مذكر: هل من طالب علم فيعان عليه: وقال محمد بن كعب ~~معناه: هل من مذكر عن معاصي الله. قال ابن زيد يسرنا: بينا. وقال مجاهد: ~~يسرنا: هونا. # وقيل معناه: فهل من طالب علم أو خير فيعان عليه. # ثم قال { كذبت عاد } أي: كذب أيضا عاد هودا نبيهم فيما أتاهم / ~~به. { فكيف كان عذابي ونذر } (أي عذبتهم لذلك، وأهلكتهم، ~~فلتحذر قريش ان يصيبهم بتكذيبهم محمدا مثل ما أصاب قوم هود. # ثم قال { إنآ أرسلنا عليهم ريحا صرصرا } أي: ريحا ~~شديدة العصوف باردة لها صوت، وأصله صرر فأبدل من أحدى الراءات مادا، ~~فكبكبوا من كبب. # قوله { في يوم نحس مستمر } أي: في يوم شر وشؤم لهم (استمر ~~بهم فيه البلاء) والعذاب إلى أن (أوفى بهم العذاب). قال قتادة استمر بهم ~~إلى نار جهنم. # ثم قال: { تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر } ~~أي: تقتلع الناس ثم ترمي بهم على رؤوسهم فتندق رقابهم وتبين من أجسادهم. # قال ابن إسحاق: لما هبت الريح قام سبعة من عاد فقالوا نرد الريح، فأتوا ~~ضم الشعب الذي منه تأتي الريح، فوقفوا عليه، فجعلت الريح تهب وتدخل تحت ~~واحد منهم ثم تقلعه من ms2506 الأرض فترمي به على رأسه فتندق رقبته، ففعلت ذلك ~~بستة منهم كما قال الله { كأنهم أعجاز نخل منقعر } ، ~~وبقي رجل اسمه الخلجان، فأتى هودا فقال يا هود ما هذا الذي أرى في ~~السحاب كهيئة البخاتي، قال تلك ملائكة ربي، [قال مالي إن أسلمت، قال: ~~تسلم!، قال أفينقذني ربك من هؤلاء، قال: ويلك أرأيت ملكا ينقد من جنده]، ~~فقال وعزته لو فعل ما رضيت، قال ثم مال إلى جانب الجبل فأخذ بركن منه ~~يهزه، فاهتز في يده ثم جعل يقول: # ألا لم يبق إلا الخلجان نفسه # يالك من يوم دهاني أمسه. # بثابت الوطء شديد أمسه # لو لم يجئني جئته أجسه. # ثم هبت الريح فحملته، فألحقته بأصحابه. # (وروي عن أبي هريرة أنه قال أن كان الرجل ليغمز قدميه فيدخل في الأرض) ~~من قوم عاد ليتخذ المصراعين من حجارة لو اجتمع عليه خمس مائة من هذه ~~الأمة لم يستطيعوا أن يحملوه، وأن كان الرجل (ليغمز قدميه فتدخل في ~~الأرض). # وقوله { تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر } ~~أي: تنزعهم من الحفر التي كانوا حفروها كأنهم أعجاز نخل منقعر. # قال الطبري في الكلام حذف، والتقدير: تنزع الناس فتتركهم كأنهم أعجاز ~~نخل، " فالكاف " على هذا في موضع نصب بالمحذوف. وقال الزجاج وغيره " ~~الكاف " في موضع الحال، أي: تنزع الناس مشبهين / بأعجاز نخل. ومعنى " ~~منقعر " أي: منقلع من قعره. # (وقال الحسن لما جاءت الريح إلى قوم هود قاموا إليها فاستقبلوها وأخذ ~~بعضهم بيد بعض). # (وركزوا أقدامهم في الوادي، وقالوا لهود من يزيل أقدامنا عن أماكنها إن ~~كنت صادقا، فأرسل الله عليهم الريح فنزعت أقدامهم كأنهم أعجاز نخل ~~منقعر). # قال مجاهد: بانت أجسامهم من رؤوسهم فصاروا أجساما بلا رؤوس. # وقيل التشبيه هنا إنما هو للحفر التي كانوا فيها قياما، صارت الحفر ~~كأنها أعجاز نخل وهذا قول ضعيف، ولزم هذا القائل أن يقول " كأنهن ". ### || [54.21] # أي: فانظر يا معشر كفار قريش كيف كان عذاب قوم هود إذ كذبوا هودا، وكيف ~~كان إنذاري إياكم أن ينزل بكم ما نزل بهم. ms2507 ### || [54.22-31] # قوله { ولقد يسرنا القرآن للذكر } إلى قوله { ~~كهشيم المحتظر } الآيات. # { فهل من مدكر }. # أي: ولقد بينا وسهلنا القرآن لمن أراد أن يذكر ويتعظ، فهل من طالب علم ~~فيعان عليه. # ثم قال { كذبت ثمود بالنذر } [أي] كذب قوم صالح بنذر الله ~~(التي أتتهم) من عنده، فقالوا مكذبين لرسولهم صالح { أبشرا منا ~~واحدا نتبعه } أي: نحن الجماعة الكثيرة كيف نتبع بشرا واحدا. # { إنآ إذا لفي ضلال وسعر } أي: إن أتبعناه لفي ذهاب عن ~~الصواب وسعر: أي: وعناد، قاله قتادة. وقيل: وسعر: وجنون. # ثم قال { أءلقي الذكر عليه من بيننا بل هو ~~كذاب أشر } هذا إخبار من الله جل ذكره عما قاله قوم صالح، أي: ~~قالوا أأنزل الوحي عليه من بيننا على طريق الإنكار. { بل هو كذاب ~~أشر } أي: كذاب لا يبالي ما قال. وأصل الأشر: المرح والبطر، قال الله ~~عز وجل { سيعلمون غدا من الكذاب الأشر }. # أهم أم هو، بل هم الكذابون الأشرون، وهذا تهدد ووعيد من الله لهم ولمن ~~فعل فعلهم. # وقرأ أبو قلابة { الكذاب الأشر } بالتشديد وفتح الشين ولا يجوز ~~مثل هذا في الأولى لأنه لا يقال منه أفعل، وإنما جاز في الثاني لأنه من ~~قولهم: زيد الأشر (ومنذز لشر) كما يقال: (الأخير والخورى). ~~وقرأ ابن جبير ومجاهد: " من الكذاب الأشر " بضم الشين والتخفيف، وهي لغة ~~في الأشر. # كما يقال رجل " خور وخور ". ثم قال تعالى { إنا مرسلوا ~~الناقة فتنة لهم } أي: باعثوا الناقة التي سألها ثمود صالحا ~~آية لهم وحجة (من الله) لصالح ابتلاء لهم واختبارا هل يؤمنون به أو ~~يكذبونه. # ثم قال { فارتقبهم واصطبر }. هذا أمر من الله لصالح، أي: ~~فانتظرهم وتبصر ما هم صانعون بالناقة، واصبر على ارتقابهم ولا تعجل. # وكان ابتلاؤهم في ذلك أن الناقة خرجت لهم من صخرة صماء فآمن بعضهم، ~~وكانت عظيمة كثيرة الأكل /. فشكوا ذلك إلى صالح وقالوا قد أفنت الحشائش ~~والأعشاب ومنعتنا من الماء، فقال ذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها ~~بسوء، ترد الماء يوما وتردون يوما، فكانت هذه الفتنة، ms2508 وهو قوله: { ~~ونبئهم أن المآء قسمة بينهم } أي: وخبر (قومك يا ~~صالح) أن الماء يوم لهم يشربون ويتزودون، ويوم للناقة ترد فيه. وقيل ~~المعنى أن الماء يوم غب الناقة قسمة بينهم يشربون ويتزودون. ثم قال: { ~~كل شرب محتضر } أي: كل حظ من الماء يحضره من هو له. # وقيل المعنى: كل من له الماء يوما يحضره، وتحضره الناقة يوما. وقال ~~مجاهد: يحضرون يومهم، ويحضرون اللبن يوم الناقة. # ثم قال: { فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر } [أي] فنادت ~~ثمود صاحبهم قدارا عاقر الناقة لعقرها فحضوه على ذلك فتناول الناقة ~~فعقرها. # قال ابن عباس تناولها بيده، ويقال إنه كان ولد زينة، وهو من التسعة ~~الذين كانوا يفسدون في الأرض ولا يصلحون، وهم الذين قالوا، لصالح # لنبيتنه وأهله # [النمل: 49]. فمعنى فتعاطى: أي: فتناول الفعل ففعل فقتلها، وهو من ~~قولهم: عطوت: إذا تناولت. كما قال أمرؤ القيس: # (وتعطو برخص غير شتن كأنه # أساريع ظبي أو مساويك إسحل). # وفي الحديث: أن عاقر الناقة كان عزيزا (منيعا كأنه رفعة) / # ثم قال { فكيف كان عذابي ونذر } هذا الخطاب لقريش [أي] ~~فكيف كان عذابي إياهم وإنذاري لهم. # وقيل معناه: وإنذاري لكم أنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة، وقد تقدم خبر ~~عذابهم كيف كان. # وقوله { فكانوا كهشيم المحتظر } أي: فكان قوم صالح لما ~~أخذتهم الصيحة صاروا رفاتا كهيئة الشجر المحتظر بعد (نعمته وغضارته). ~~وقيل معناه: فصاروا كالعظام المحترقة، قاله ابن عباس. # وقيل صاروا كالتراب المتناثر من الحائط في يوم ريح: قاله ابن جبير. # وقال ابن زيد صاروا كهشيم حظيرة الراعي التي تتخذ الغنم فتيبس فتصير ~~هشيما. # وقال مجاهد: صاروا كهشيم الخيمة وهو ما تكسر من (خشبها). # وقال سفيان (هو ما يتناثر من الحصير إذا ضربتها بالعصا. # وحقيقة الهشيم أنه فعيل بمعنى مفعول أي: مهشوم وهو ما يبس وتحات من ورق ~~الشجر، والمحتظر بكسر الظاء: الذي يحتظر على الهشيم، أي: يحوزه ليجمعه ~~ويحظر عليه ليمنع من أخذه، فهو محتظر بكسر الظاء، والهشيم محتظر بفتح ~~الظاء وصف له. ### || [54.33-55] # قوله { كذبت قوم لوط بالنذر } إلى ms2509 آخر السورة الآيات أي: ~~كذبت جماعة قوم لوط بما أنذرهم به لوط من الإيمان والوعد والوعيد. # ثم قال { إنآ أرسلنا عليهم حاصبا } أي: حجارة من السماء ~~وقد تقدم ذكره في غير موضع. # { إلا آل لوط } يعني بناته { نجيناهم بسحر }. # ثم قال { نعمة من عندنا } نصب " نعمة " على أنها مفعول لها، ~~ولذلك لا يتم الوقف على " سحر " أي: أنجيناهم من العذاب للنعمة من الله ~~عليهم. # ثم قال { كذلك نجزي من شكر } أي: كما أنجينا آل لوط من ~~العذاب، كذلك نجزي من شكر الله سبحانه، وآمن بإنذاره واتبع أمره وانتهى ~~عن نهيه. # ثم قال: { ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر ~~} أي: حذرهم لوط قبل حلول العذاب لهم نقمة الله عز وجل لهم، فشكوا فيما ~~توعدهم به وأنذرهم إياه. # ثم قال: { ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنآ أعينهم } ~~أي: راود قوم لوط لوطا في أضيافه ليفعلوا بهم ما كانوا يفعلون بمن دخل ~~قريتهم من الذكور. # { فطمسنآ أعينهم } أي: طمس على أعينهم، أي: غطينا عليها. # وروي أن جبريل عليه السلام استأذن ربه عز وجل في عقوبتهم ليلة أتوا ~~لوطا وأنهم عالجوا الباب ليدخلوا عليه فصفقهم بجناحه فتركهم عميا لا ~~يرون يترددون. # قال ابن زيد: هؤلاء قوم لوط حين أرادوا من ضيفه طمس الله أعينهم. وقد ~~كان ينهاهم عن عملهم الخبيث الذي كانوا يعملون فقالوا له إنه لا نترك ~~عملنا فإياك أن تنزل أحدا أو تضيفه أو تدعه ينزل عندك فإنا لا نتركه، ~~قال فلما جاءه المرسلون خرجت امرأته الشقية فأتتهم فدعتهم وقالت لهم ~~تعالوا فأنه قد جاء قوم لم أر قوما أحسن وجوها ولا أحسن ثيابا ولا ~~أطيب أرواحا منهم، قال فجاءوه يهرعون إليه فقال: " إن هؤلاء ~~ضيفي فلا تفضحون واتقوا الله / ولا تخزون في ~~ضيفي قالوا أو لم تنهك عن العالمين قال ~~هؤلاء بناتي هن أطهر لكم " فقال له جبريل ما يهولك من ~~هؤلاء، قال أما ترى ما يريدون، قال إنا رسل ربك لن يصلوا إليك، لا تخف ~~ولا تحزن إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك، ms2510 قال فنشر جبريل عليه السلام جناحا ~~من أجنحته فاختلس به أبصارهم، وطمس أعينهم، فجعلوا يجول بعضهم في بعض. # وكذلك ذكر مجاهد مثل معنى هذا. # ثم قال { فذوقوا عذابي ونذر } أي: ذوقوا عذابي الذي حل بكم، ~~وعاقبة إنذاري لكم، وقيل إنه من قول الملائكة لهم أي: قالت الملائكة لهم ~~فذوقوا عذاب الله، وعاقبة ما أنذركم به. # ثم قال { ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر } أي: ولقد ~~صبحهم قوم لوط عند طلوع الفجر عذاب ثابت إلى يوم القيامة، وهو أن قلبت ~~عليهم المدينة، وأرسلت الحجارة عليهم وعلى من غاب من المدينة وحلوا في ~~عذاب إلى يوم القيامة. # قال قتادة: استقر بهم العذاب إلى نار جهنم. / # ثم قال { فذوقوا عذابي ونذر * ولقد يسرنا ~~القرآن للذكر فهل من مدكر } قد تقدم تفسير كل هذا. # ثم قال { ولقد جآء آل فرعون النذر } أي: جاء أتباع ~~فرعون إنذارنا بالعقوبة لكفرهم بالله ورسوله. # { كذبوا بئاياتنا كلها فأخذناهم أخذ عزيز ~~مقتدر } أي: كذبوا بكل ما جاءهم به موسى صلى الله عليه وسلم فأخذهم ~~الله بالعذاب أخذ منيع قادر على ما يريد، فأغرقهم أجمعين. # ثم قال { أكفاركم خير من أولئكم } أي: أكفاركم يا ~~قريش، (أي الذين إن يروا آية) يعرضوا ويقولوا سحر مستمر، خير من هؤلاء ~~الذين تقدم ذكرهم، وأخذهم العذاب لكفرهم، فيقولوا إنا ننجوا لشرفنا، بل ~~ليس هم بخير منهم، فإذا كانوا قد هلكوا بكفرهم فما يؤمنكم أن يصيبكم مثل ~~ما أصابهم من العذاب [وهذا] لفظ استفهام معناه التوقيف. حكى سيبويه: ~~الشقاء أحب إليك أم السعادة. # قال ابن عباس معناه ليس كفاركم خيرا من وقوم نوح وقوم لوط. # ثم قال { أم لكم برآءة في الزبر } [أي] أم لكم كتاب فيه ~~براءة لكم من العذاب في كتاب الله عز وجل. { أم يقولون نحن ~~جميع منتصر } أي: أم يقول كفار قريش نحن جماعة ينصر بعضنا بعضا ~~على ما نريده. # قال الله { سيهزم الجمع ويولون الدبر } فصدق الله عز ~~وجل رسوله صلى الله عليه وسلم وعده، وهزم المشركين يوم بدر وولوا هاربين. ms2511 # قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما نزلت { سيهزم الجمع ~~ويولون الدبر } جعلت أقول أي: جمع يهزم، فلما كان يوم بدر رأيت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول سيهزم الجمع ويولون الدبر. وأكثر ~~المفسرين على أنه يوم بدر هزموا فيه وولوا الدبر. # ثم قال { بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر ~~}. # (قالت عائشة رضي الله عنها لقد نزل على محمد صلى الله عليه وسلم بمكة ~~وإني لجارية ألعب. { بل الساعة موعدهم } الآية أي: يوم ~~القيامة موعدهم للعذاب بل ذلك الوقت أدهى وأمر من الهزيمة التي كانت ~~عليهم في الدنيا وتوليتهم الدبر. # وأدهى من الداهية والداهية (الأمر العظيم) الذي لا ينفع فيه دواء. ~~وأمر من المرارة. # ثم قال تعالى { إن المجرمين في ضلال وسعر } أي: في ~~حيرة وتجاوز عن الحق. { وسعر } أي: واحتراق من شدة العناد، والنصب في ~~الباطل وقيل وسعر: وعناد. # { يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس ~~سقر * إنا كل شيء خلقناه بقدر } /. # روى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: # " قال: هم القدرية الذين يقولون الخير والشر بأيدينا ليس لهم في شفاعتي ~~نصيب ولا أنا منهم ولا هم مني ". # وقيل القول هنا محذوف. والمعنى يقال لهم: ذوقوا مس سقر. ومعنى يسحبون: ~~أي: يجرون إلى النار. وفي قراءة ابن مسعود " إلى النار " على ~~التفسير، " وسقى " إسم من أسماء أبواب جهنم أعاذنا الله منها. # وروى ابن جبير عن ابن عباس أنه قال: لوددت أن عندي رجلا من أهل القدر ~~فوجأت رأسه، قال: ولم ذلك لأن الله عز وجل خلق لوحا محفوظا من درة ~~بيضاء، دفتاه ياقوتة حمراء وقلمه ذهب وكتابه نور، وعرضه ما بين السماء ~~والأرض ينظر الله فيه كل يوم ستين وثلاث مائة نظرة يخلق في كل نظرة، ~~ويحيي ويميت ويقدر ويدبر، ويفعل ما يشاء. # وقوله { ذوقوا مس سقر } هو على المجاز، كما يقال وجدت مس ~~الحمى، وذاق طعم الموت. # وقوله { إنا كل شيء خلقناه بقدر } أي: بمقدار قدرناه ~~وقضيناه وفي هذا بيان بالتوعد للقائلين بالقدر. ms2512 # وقال ابن عباس: إني لأجد في القرآن قوما يسحبون في النار وعلى وجوههم، ~~يقال لهم ذوقوا مس سقر لأنهم كانوا يكذبون بالقدر وإني لأراهم فما أدري ~~أشيء [كان] قبلنا أم شيء فيما بقي. # وقال أبو هريرة خاصمت مشركو قريش النبي صلى الله عليه وسلم في القدر، ~~فأنزل الله تعالى { إن المجرمين في ضلال وسعر } إلى ~~قوله { إنا كل شيء خلقناه بقدر }. # (وقال أبو عبد الرحمان السلمي لما نزلت هذه الآية: إنا كل شيء ~~خلقناه بقدر)، قال رجل يا رسول الله ففيم العمل، أفي شيء ~~نستأنفه، أم في شيء قد فرغ منه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أعملوا ~~(فكل ميسر لما خلق له فسنيسره لليسرى وسنيسره للعسرى). وقال محمد بن ~~كعب القرطبي / لما تكلم الناس في القدر نظرت وإذا هو في هذه الآية أنزلت ~~فيهم: { إن المجرمين في ضلال وسعر } إلى { خلقناه ~~بقدر }. قال أبو محمد وقد أملانا الكلام على إعراب هذه الآية، ~~والاستدلال منها على أن الله خلق كل شيء، وأنه لفظ عام لا خصوص فيه في ~~غير هذا الكلام. # ثم قال { ومآ أمرنآ إلا واحدة كلمح بالبصر } [أي ~~وما أمرنا للشيء إذا أمرنا به وأردنا تكوينه إلا قولة واحدة كن فيكون ~~كلمح البصر] من السرعة لا يتأخر ولا مراجعة فيها. # ثم قال تعالى { ولقد أهلكنآ أشياعكم فهل من ~~مدكر } هذا خطاب لمشركي قريش الذين كذبوا محمدا صلى الله عليه ~~وسلم، أي: ولقد أهلكنا نظراءهم من الأمم الماضية المكذبة لرسلها كما ~~كذبتم رسولكم، فما يؤمنكم أن تهلكوا كما هلك من كان قبلكم، فهل من متعظ ~~يتعظ فيزدجر عن كفره. # ثم قال { وكل شيء فعلوه في الزبر } أي: وكل شيء فعله ~~أشياعكم من الأمم الماضية فهو في الكتب كتبته عليهم الحفظة، وكذلك فعلت ~~بكم. # وقيل الزبر هنا أم الكتاب، هو في أم الكتاب من قبل أن يخلقوا. { وكل ~~صغير وكبير مستطر } أي: وكل صغير من الأعمال أو كبير مثبت ~~في الكتاب مكتوب في أسطر. # ثم قال تعالى { إن المتقين في ms2513 جنات ونهر } أي: إن ~~الذين اتقوا عقاب الله وآمنوا برسله، وبما جاءتهم به الرسل، في بساتين ~~يوم القيامة. # والنهر ونهر بمعنى أنهار كما قال: " في حلقكم عظم وقد ~~شجينا " وقيل نهر معناه وضياء وسعة، يقال أنهرته إذا وسعته. وقرأ ~~الأعمش ونهر بالضم جعله جمع " نهار " كقذال وقذال. # وروي أنه ليس في الجنة ليل إنما هو نور كله، إنما يعرفون الليل بإغلاق ~~الأبواب وإرخاء الستور، [والنهار بفتح الأبواب ورفع الستور]. ثم قال { ~~في مقعد صدق } أي: في مجلس حق لا لغو فيه ولا تأثيم. { عند ~~مليك مقتدر } أي: عند ذي ملك يقدر على ما يشاء لا إله إلا هو. ### | [55 - سورة الرحمن] ### || [55.1-13] # قوله: { الرحمن * علم القرآن } إلى قوله: { ~~والريحان * فبأي آلاء ربكما تكذبان } الآيات. # الرحمن اسم من أسماء الله لا يشاركه فيه أحد، ومعناه: الكثير الرحمة ~~بشرط المبالغة، والمعنى: الرحمان أيها الناس برحمته إياكم علمكم القرآن، ~~فبصركم فيه الحلال والحرام. وقيل معناه علم محمدا القرآن، والإنسان " ~~محمدا " [حتى أداه إلى جميع الناس والثاني سهل عليه جميع الناس صلى الله ~~عليه وسلم]. # وقيل لا حذف فيه، والمعنى (الرحمان أيها الناس) جعل القرآن علامة، وآية ~~يعتبر بها. والأول أحسن لقوله { خلق الإنسان * علمه البيان ~~}. # ثم قال: { خلق الإنسان * علمه البيان } يعني آدم صلى الله ~~عليه وسلم. # وقيل هو محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل الإنسان بمعنى الناس. " ~~وعلمه البيان " أي: الحلال والحرام، وقاله قتادة. وقيل معناه: علمه ~~الخير والشر، وما يأتي وما يدع. وقال ابن زيد: معناه علمه الكلام فجعله ~~مميزا. وقيل معناه علمه بيان ما به الحاجة إليه من أمر دينه ودنياه. ~~وقيل (الخط: وهو مأثور). # ثم قال { الشمس والقمر بحسبان } أي: يجريان بحساب ومنازل ~~لا يعدوانها، قاله ابن عباس وقتادة وغيرهما. # وقال ابن زيد حسبانهما الدهر والزمان، لولا الليل والنهار والشمس والقمر ~~لم يدر أحد كيف يحسب. وقال الضحاك معناه: يجريان بقدر. وقال مجاهد: ~~معناه: أنهما يدوران في مثل قطب الرحا. والحسبان مصدر حسبت الشيء حسابا ~~وحسبانا مثل الغفران والكفران. ms2514 # وقيل الحسبان جمع حساب كشهاب وشهبان. # ثم قال: { والنجم والشجر يسجدان } النجم ما نجم من ~~النبات وانبسط على غير ساق، مثل البقل وشبهه، هذا قول ابن عباس وابن جبير ~~وغيرهما، والشجر ما قام على ساق. وقال مجاهد: النجم نجم السماء، وهو قول ~~قتادة والحسن. وقوله / { يسجدان } يعني يسجد ظلهما، وهو اختيار ~~الطبري كما قال: # وظلالهم بالغدو والآصال # [الرعد: 15] وهو قول ابن جبير وغيره. / # وقال قتادة: لم يدع الله عز وجل شيئا إلا عبده له. وقال مجاهد: يسجدان ~~بكرة وعشيا، يريد أن سجوده: دوران ظله. # وقال الحسن النجم نجم السماء، والشجر كله يسجد لله عز وجل. واصل السجود: ~~الاستسلام والانقياد لله سبحانه. فهو من الموات كلها استسلامها لأمر الله ~~[عز وجل] وانقيادها له سبحانه، ومن الحيوان كذلك. # ثم قال { ألا تطغوا في الميزان * وأقيموا الوزن } ~~أي: العدل، فهو خبر فيه معنى الأمر بالعدل ودل على ذلك قوله { ألا ~~تطغوا في الميزان } وقيل هو الميزان الذي يتناصف به الناس. # ثم قال { ألا تطغوا في الميزان } أي: وضع الميزان لئلا ~~تبخسوا وتظلموا في الوزن. # وقال قتادة: اعدل يا بن آدم كما تحب أن يعدل عليك، أوف كما تحب أن ~~يوفى لك فإن بالعدل صلاح الناس. # ثم قال { وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا ~~الميزان } أي: أقيموا الميزان بالعدل ولا تنقصوا الوزن إذا أوزنتم. ~~ثم قال { والأرض وضعها للأنام } أي: والأرض وطأها للخلق. { ~~فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام } أي: في الأرض فاكهة، ~~وفيها النخل ذات الطلع قاله القرظي. وقال الحسن وقتادة والضحاك الأكمام: ~~الليف، وأصل الكم أن يكون غلافا للشيء، ومنه قيل كم القميص لأنه ~~يغطي اليد. ثم قال { والحب ذو العصف والريحان } [أي] ~~وفيها الحب يعني حب البر والشعير، والعصف: ورق الزرع الأخضر الذي قطع ~~رؤوسه يسمى العصف إذا يبس. وقيل هو التبن قاله قتادة والضحاك. وقال ابن ~~جبير العصف: البقل من الزرع. وقوله: (والريحان) يعني والرزق. # قال ابن عباس كل ريحان في القرآن فهو رزق وهو قول مجاهد والضحاك. وعن ~~ابن عباس أيضا ms2515 أنه الريحان الذي يشم، وهو قول الحسن وابن زيد. وعن ابن ~~عباس أيضا أنه خضرة الزرع. # وقال ابن جبير الريحان ما قام على ساق. وحكى الفراء عن بعضهم العصف: ~~المأكول من الحب، والريحان الذي لا يؤكل. وقال الفراء: العصف بقل الزرع، ~~تقول العرب: خرجنا نعصف الزرع: إذا قطعوا منه شيئا قبل أن يدرك، فذلك ~~العصف، (والريحان هو ورق والحب الذي يؤكل). # ثم قال { فبأي آلاء ربكما تكذبان } أي: فبأي نعم ~~ربكما يا معشر الجن والإنس تكذبان وتجحدان، والآلاء: النعم في قول ابن ~~عباس والحسن وقتادة وغيرهم. وقال ابن زيد الآلاء: القدرة، وإنما أضمر ~~الجن والإنس ولم يتقدم للجن ذكر، لأن الأنام واقع على الجميع. وقيل لما ~~أتى بعده وخلق الجان، بين ذلك ما تقدم من التثنية. وقيل إنه مخاطبة ~~للواحد: حكي عن العرب أنهم يقولون: ادخلاها يا غلام. # وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ سورة الرحمن أو قرئت ~~عنده فقال: # " مالي أسمع الجن أحسن جوابا منكم، قالوا وما ذلك يا رسول الله قال ما ~~أتيت على قول الله عز وجل { فبأي آلاء ربكما تكذبان } ~~إلا قالت الجن ولا بشيء من نعمة ربنا نكذب فلك الحمد ". # وقال جابر بن عبد الله تلاها. رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى آخرها ~~فقال: # " مالكم سكوتا الجن كانت أحسن ردا منكم، ما تلوتها عليهم مرة { ~~فبأي آلاء ربكما تكذبان } إلا قالوا ولا بشيء من نعمة ~~ربنا نكذب فلك الحمد ". # ومن رواية جابر بن عبد الله أيضا في حديث آخر أنه قال: قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم # " ما قرأت هذه الآية على الجن من مرة { فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان } إلا قالوا لا بشيء من نعمائك نكذب ربنا ولك الحمد ". ### || [55.14-17] # قوله { خلق الإنسان من صلصال كالفخار } إلى قوله { ~~ورب المغربين } الآيات. # (يعني آدم صلى الله عليه وسلم) من طين يابس لم يطبخ فله صلصة من يبس ~~إذا حرك ونقر كالفخار، فهو من يبسه، وإن لم يكن مطبوخا كالذي ~~طبخ ms2516 بالنار، فهو يصلصل كما يصلصل الفخار الذي قد طبخ من الطين. قال ~~ابن عباس خلق الله جل ذكره آدم صلى الله عليه وسلم من طين لازب. # واللازب: اللزج الطيب من بعد حماء مسنون، وإنما كان حما مسنونا بعد ~~التراب فخلق منه آدم بيده، قال فمكث أربعين ليلة جسدا ملقى، وكان إبليس ~~يأتيه فيضربه برجله فيصلصل، ويصوت. # وقال عكرمة من صلصال /: كالفخار: هو من طين خلط برمل فصار كالفخار. وقال ~~قتادة: الصلصال: التراب اليابس الذي تسمع له صلصلة كالفخار. وعن ابن عباس ~~هو ما عسر فخرج من بين الأصابع. # واصل صلصال: صلال، من صلى اللحم إذا نتن وتغيرت رائحته، كصرصر ~~وكبكب من صر وكب، فأبدل في جميع ذلك من الحرف المكرر الثاني حرفا ~~من جنس الأول. # ثم قال { وخلق الجآن من مارج من نار } المارج ما ~~اختلط بعضه ببعض من بين أصفر وأخضر وأحمر من قولهم: مرج أمر القوم: إذا ~~اختلط. # وقال ابن عباس من أوسط النار وأحسنها، وعنه خلقه من لهب النار من أحسن ~~النار. وعنه من خالص النار، وعنه من لسان النار الذي يكون في طرفها إذا ~~التهبت. # وقال مجاهد: المارج اللهب الأصفر والأخضر الذي يعلو النار إذا أوقدت. / ~~وذكر عنه ابن وهب أن المارج الحمرة التي تكون في طرف النار. ويروى أن ~~الله جل ذكره خلق ناريين فمزج إحداهما بالأخرى، فأكلت إحداهما الأخرى وهي ~~نار السموم، فخلق إبليس اللعين منها، وكل هذا من أول السورة، نعم أنعم ~~الله بها على خلقه ذكرها وعددها فلذلك قال بعد ذلك. { فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان } أي: فبأي نعم ربك تكذب الأنس والجن. فالضمير ~~في { تكذبان } في جميع السورة يعود على الأنس والجن الذين مضى ~~ذكرهما في قوله { خلق الإنسان } { وخلق الجآن } لكنه تقدم ~~فيه ضميرهما قبل ذكرهما في الأول خاصة لأن المعنى مفهوم. # ثم قال { فبأي آلاء ربكما تكذبان } وقد تقدم شرحه. # ثم قال { رب المشرقين ورب المغربين } يريد مشرق ~~الشمس في الشتاء ومشرقها في الصيف وكذلك مغربها، { فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان ms2517 } قد تقدم، وليس ذلك كله بتكرير، لأنه تعالى ~~يذكر لهما غير النعم المتقدمة. ثم ينبه عليها قوله { مرج ~~البحرين يلتقيان } إلى قوله { فلا تنتصران } الآيات. # أي: أرسلهما وخلاهما. # يقال مرج فلان دابته: إذا خلاها وتركها، وهما بحران أحدهما في السماء ~~والآخر في الأرض، قاله ابن عباس، وقال يلتقيان في كل عام. # وقال الحسن: هما بحرا فارس والروم، وقاله قتادة. ### || [55.20-26] # قال { بينهما برزخ لا يبغيان } أي: بين البحرين حاجز لا ~~يصيب أحدهما صاحبه، وكل شيء كان بين شيئين فهو برزخ عند العرب، فما بين ~~السماء والأرض برزخ. وقيل معناه: بينهما بعد لا يبغي أحدهما على الآخر قد ~~حجز المالح عن العذب والعذب عن المالح. # وقال ابن زيد: بينهما بعد الأرض فلا يختلطان. وقيل لا يبغيان: لا يبغي ~~أحدهما على الآخر. # وقال قتادة: لا يبغيان على الناس. قال الحسن: لا يبغيان على الناس ~~فيغرقانهم، جعل بين الناس وبينهما اليبس. وقال ابن زيد: لا يبغيان أن ~~يلتقيا. { فبأي آلاء ربكما تكذبان } ثم قال { يخرج ~~منهما اللؤلؤ والمرجان } أي: يخرج من أحدهما [وهو المالح ~~ثم حذف المضاف مثل " واسئل القرية ". وقيل ما يخرج منهما] جميعا ~~لأن الصدف التي في المالح لا يتكون اللؤلؤ فيها إلا عن قطر السماء، وهو ~~قول الطبري. # وروى معناه عن ابن عباس قال: إن السماء إذا أمطرت فتحت الأصداف أفواهها ~~فما وقع فيها من مطر فهو لؤلؤ. # والمرجان صغار اللؤلؤ، واللؤلؤ ما عظم منه، هذا قول علي بن أبي طالب ~~وابن عباس رضي الله عنهما وقتادة والضحاك وأبي عبيدة وغيرهم (رحمهم ~~الله). # وقال مجاهد: " المرجان ما عظم من اللؤلؤ، وروى ذلك عن ابن عباس. وقال ~~ابن مسعود: المرجان حجر أحمر. وقيل المرجان: جيد اللؤلؤ. ثم قال: { ~~فبأي آلاء ربكما تكذبان } وقد تقدم شرحه. # ثم قال { وله الجوار المنشئات في البحر كالأعلام ~~} أي: ولرب المشرقين والمغربيين السفن الجارية في البحر كأنها الجبال. ~~قال مجاهد: المنشآت ما رفع قلعه من السفن، وما لم يرفع قلعه فليست ~~بمنشآت. # ثم قال { فبأي آلاء ms2518 ربكما تكذبان } ثم قال: { كل ~~من عليها فان } / يعني من على وجه الأرض ومن يكون فيها فأن ~~بالموت، وأضمرت الأرض ولم يتقدم ذكرها لظهور المعنى. ### || [55.27-32] # قال { ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام } أي: ~~معناه ويبقى ربك. ثم قال { يسأله من في السموت والأرض ~~} أي: إليه يفزع من في السماوات والأرض في حوائجهم لا غنى لأحد عنه. ثم ~~قال { كل يوم هو في شأن } قال أهل المعرفة بالله معناه أنه ~~ينفذ ما قدر أن يكون مما سبق في علمه وأثبته في اللوح المحفوظ، وليس هو ~~إحداث أمر لم يتقدم في علمه بل جرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة لا ~~يزاد في ذلك ولا ينقص، لكنه تعالى يثبت ما يشاء ويمحو ما يشاء، وكل ذلك ~~تقدم علمه به بلا أمد. # وقال قتادة: معناه: يحيي حيا ويميت ميتا، ويربي صغيرا، ويفك أسيرا. ~~وقال أبو صالح معناه: يسأله من في السماوات الرحمة، ومن في الأرض المغفرة ~~والرزق. وقال علي بن سليمان معناه: يسأله من في السماوات والأرض عن شأنه ~~كل يوم هو في شأن. # وقال عبيد بن عمر كل يوم هو في شأن يجيب داعيا ويعطي سائلا، ويفك ~~عانيا ويشفي سقيما. وروى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: كل يوم ~~هو في شأن " (أي في شأن) يغفر ذنبا ويكشف كربا، ويجيب داعيا. وقال ~~قتادة: كل يوم هو في شأن: أي: في شأن خلقه وصلاحهم، وتدبير أمورهم. # قال ابن عباس أن لله جل ذكره لوحا محفوظا ينظر فيه كل يوم (ثلاث مائة ~~وستين) نظرة، يعز مع نظرة من يشاء ويذل من يشاء ويغني من يشاء، ويفقر من ~~يشاء. # وقال أبو سليمان الداراني إنما إنفاذ ما قدر أن يكون في ذلك اليوم، وليس ~~شيء من أمره تعالى يحدث إلا قد جرى القلم بما هو كائن. ثم قال { ~~فبأي آلاء ربكما تكذبان } ثم قال { سنفرغ لكم ~~أيه الثقلان } هذا وعيد من الله لعباده وتهدد، ومعناه: سآخذ في ~~مجازاتكم ومحاسبتكم وليس هو تفرغ ms2519 من شغل. # وقيل المعنى سنفرغ لكم من وعيدكم ما وعدت لكم من الثواب والعقاب. ~~والفراغ في اللغة على وجهين: إحداهما الفراغ من الشغل /، والآخر القصد ~~إلى الشيء تقول سأفرغ لك: أي: سأقصد إليك. # قال جرير: (فرغت إلى العبد المقين في الحجل). وقال أبو عبيدة: سنحاسبكم. ~~وقرأ يوما عمر بن ورق # وجآء ربك والملك صفا صفا # [الفجر: 24]، وقرأ { سنفرغ لكم أيه الثقلان } ثم قال ~~أما وعده ربي لقد جاء من غير غيبة، ولقد تفرغ من غير شغل. ### || [55.33-36] # قال { يمعشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا ~~من أقطار السموت والأرض فانفذوا } أي: إن استطعتم] ~~أن تجوزوا أقطار السماوات والأرض فتعجزوا ربكم حتى لا يقدر عليكم فجوزوا ~~فإنكم لا تجوزون لذلك إلا بحجة من ربكم، يقال لهم ذلك يوم القيامة. # والمعنى سنقصد لكم يوم القيامة فيقال لكم إن قدرتم أن تجوزوا أقطار ~~السماوات والأرض فتعجزوا ربكم فلا يصل إلى عذابكم فجوزوا فإنكم لا تقدرون ~~على ذلك إلا بحجة من عند ربكم تنجيكم. # قال الضحاك إذا كان يوم القيامة أمر الله جل وعز السماء الدنيا [فتشققت] ~~بأهلها ومن فيها من الملائكة فأحاطوا بالأرض ومن عليها، ثم الثانية، ثم ~~الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، ثم السادسة، ثم السابعة فصفوا صفا دون ~~صف ثم ينزل الملك الأعلى على مجنبته اليسرى جهنم، فإذا رآها أهل الأرض ~~نادوا فلا يأتون قطرا من أقطار الأرض إلا وجدوا سبعة صفوف من الملائكة ~~فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه فذلك قوله عز وجل # إني أخاف عليكم يوم التناد # [غافر: 32] على قراءة من قرأ بالتشديد # يوم تولون مدبرين # [غافر: 33]، وذلك قوله تعالى: # وجآء ربك والملك صفا صفا * وجيء يومئذ ~~بجهنم # [الفجر: 22-23] وهو قوله { يمعشر الجن والإنس }.. الآية ~~وذلك قوله # وانشقت السمآء فهي يومئذ واهية * والملك ~~على أرجآئهآ # [الحاقة: 16-17]. # وعن الضحاك أيضا أن المعنى: أن استطعتم أن تهربوا من الموت فاهربوا ~~فإنه مدرككم. وقال ابن عباس معناه: إن استطعتم أن تعلموا ما في السماوات ~~والأرض فأعلموا ولن تعلموا إلا بسلطان، ms2520 أي: ببينة من الله تعالى. # وعن ابن عباس أيضا أن معناه: لا تخرجون من سلطاني وقدرتي عليكم. ~~والأقطار جمع قطر وهي الأطراف والنواحي، ويقال فيها الأقتار بالتاء يقال ~~قطر الدار وقترها. قال مجاهد: إلا بسلطان: إلا بحجة. وقال قتادة: إلا ~~بملك / وليس لكم ملك. ثم قال { فبأي آلاء ربكما تكذبان ~~} قد تقدم تفسيره. ثم قال: { يرسل عليكما شواظ من نار ~~ونحاس } قال ابن عباس المعنى يرسل عليكم أيه الثقلان يوم القيامة لعب ~~من نار ودخان. فالشوظ: اللهيب، والنحاس، الدخان، وقال مجاهد والضحاك ~~وقتادة وابن زيد: وعن الضحاك الشواظ: الدخان. قال ابن عباس النحاس: ~~الدخان، وعنه أنه قال النحاس: الصفر يعذبون به. # وقال مجاهد: يذاب الصفر من فوق رؤوسهم. وقال قتادة: النحاس: الصفر ~~يعذبون به، وهو قول الحسن. # وقوله { فلا تنتصران } أي: لا ينصر بعضكم بعضا أيها الجن والأنس. ~~وكسر الشين في شواظ لغة، ومن خفض " نحاس " فعلى معنى يرسل عليكما لهب ~~يتشعب من نار ومن دخان، وهذا التقدير حسن. ### || [55.37-59] # قوله { فإذا انشقت السمآء فكانت وردة كالدهان } ~~إلى قوله { ولا جآن * فبأي آلاء ربكما تكذبان } ~~الآيات. # أي: فإذا انفطرت السماء وذلك يوم القيامة وكان لونها كلون الفرس الورد ~~الأحمر. قال ابن عباس فكانت وردة كالدهان: كالفرس الورد. وقال الضحاك ~~تتغير السماء فيصير لونها كلون الدابة الوردة. ومعنى كالدهان: كالدهن ~~صافية، قاله سجاد والضحاك. وقال أبو الجوزاء تكون كصفاء الدهن. وقال زيد ~~بن أسلم تكون كعكر الزيت. " والدهان " جمع " دهن " ، وقيل الدهان الجلد ~~الأحمر. ثم قال { فبأي آلاء ربكما تكذبان } قد تقدم ~~شرحه. ثم قال: # { فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن } أي: لا ~~تسأل الملائكة أحدا عن ذنوبه، لأن الله عز وجل قد حفظها [عليهم] وأحصاها ~~فليس يؤخذ علمها من عندهم. قال ابن عباس معناه: لا أسألهم عن ذنوبهم، ولا ~~أسأل بعضهم عن ذنوب بعض وهو مثل قوله # ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون # [القصص: 78] وهو مثل قوله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم # ولا تسأل عن أصحاب الجحيم # [البقرة: ms2521 119] على قراءة من رفع. # وقال مجاهد: معناه أن الملائكة لا تسأل عن المجرمين لأنهم يعرفونهم ~~بسيماهم. وقال قتادة: قد كانت مسألة، ثم ختم الله على السنة القوم فتكلمت ~~ايديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، فكأنها مواقف مختلفة على قول قتادة. ~~وقال قتادة: أيضا هم معروفون بسواد وجوههم، وزرقة عيونهم. ودل على صحة ~~(هذا التفسير) أن بعده يعرف المجرمون بسيماهم. والسيماء: العلامة وهو قول ~~الحسن أيضا. # ثم قال { يعرف المجرمون بسيماهم } أي: / تعرف الملائكة ~~المجرمين بعلامتهم وذلك سواد وجوههم، وزرقة الأعين، قاله أهل التفسير ~~كلهم. # وقوله { فيؤخذ بالنواصي والأقدام } أي: مجمع (بين رجلي ~~الرجل) وناصيته حتى يدق ظهره ثم يلقى في النار، فذلك أشد لعذابه وأعظم في ~~التسوية به. # قال ابن عباس يجمع بين ناصيته وقدميه فيكسر كما يكسر الحطب في التنور. # ثم قال { هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون } ~~أي: يقال لهم هذه جهنم التي كنتم (بها تكذبون). وفي قراءة ابن مسعود هذه ~~جهنم التي [كنتما] بها تكذبون، تصليانها لا تموتان فيها ولا تحييان ~~مخاطبة للكفار من الجن والإنس. ثم قال { يطوفون بينها وبين ~~حميم آن } أي: يطوف هؤلاء المجرمون في جهنم بين أطباقها. # { وبين حميم آن } أي: وبين ماء قد أسخن وأغلى حتى انتهى حره ~~ونضجه. [وقال الضحاك: بلغ غليه، وعنه أيضا قد انتهى نضجه منذ خلق الله ~~السماوات والأرض. وقال ابن زيد: الآني: الحاضر. وقال الحسن ما ظنك بأقوام ~~وقفوا في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، فلما انقطعت أعناقهم وأجوافهم من ~~العطش والجوع أمر بهم إلى نار جهنم]. # ثم قال { ولمن خاف مقام ربه جنتان }. # أي: ولمن اتقى الله جل ذكره، وخاف مقامه بين يدي ربه عز وجل فأطاعه ~~بستانان. قال مجاهد: هو الرجل يهم بالذنب فيذكر مقام ربه فينزع منه، وهو ~~قول النخعي وقتادة. # وقال أبو الدرداء # " قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما هذه الآية { ولمن خاف ~~مقام ربه جنتان } فقلت وإن زنا وسرق يا رسول الله [فقلت كذلك ~~إلى ثلاث مرات فقال النبي صلى ms2522 الله عليه وسلم] وإن رغم أنف أبي الدرداء " # قال ابن زيد مقامه حين يقوم العباد بين يديه [يوم] القيامة. فالمعنى ~~ولمن ترك المعصية خوفا من الله جنتان، قيل هما جنة خلقت له وجنة ورثها ~~كما قال تعالى: # وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم ~~تعملون # [الزخرف: 72]. وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " هل تدرون ما الجنتان قالوا الله ورسوله أعلم. فقال بستانان في أرض ~~الجنة، كل بستان مسيرة مائة عام في وسط / كل بستان دار من نور على نور، ~~وليس منها شيء إلا يهتز (نعمة وخضرة) قرارها ثابت وشجرها ثابت. ثم قال { ~~ذواتآ أفنان } هذا نعت للجنتين " # قال ابن عباس: ذواتا ألوان. وقال عكرمة ذواتا أفنان: ظل الأغصان على ~~الحيطان، وهو قول مجاهد والضحاك. # وقال الضحاك ذواتا ألوان من الفاكهة. وعن مجاهد معناه: ذواتا أغصان. وعن ~~ابن عباس أيضا أنه قال يتماس أطراف شجرها، أي: يمس بعضه بعضا ~~كالمعروشات. وقال قتادة: ذواتا أفنان: يعني فضلهما وسعتهما على ما ~~سواهما. وقال معمر ذواتا فضل على ما سواهما. # والأفنان في اللغة: الأغصان، والواحد " فنن " على قول أكثرهم إلا الضحاك ~~فإن الواحد على قوله " فن " ويلزم أن يجمع على قوله على فنون لأنه قال ~~ذواتا أفنان، ذواتا ألوان من الفاكهة. # ثم قال { فيهما عينان تجريان } أي: في الجنتين عينان تجريان ~~يقال إن حصباهما الياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر، وترابهما الكافور، ~~وحصاتهما المسك الأذفر وحافاتهما الزعفران. # (قال مسروق في صفة الجنة أنهارها تجري في غير أخدود، ونخلها نضيد من ~~أسفله إلى فرعه، وثمرها أمثال القلال كلما أخذ منها تمرة عادت مكانها ~~أخرى، طول العنقود اثنى عشر ذراعا). ثم قال { فيهما من كل ~~فاكهة زوجان } أي: في الجنتين من كل نوع من الفاكهة نوعان ~~وضربان. # ثم قال { متكئين على فرش بطآئنها من إستبرق } ~~أي: ينعمون متكئين على فرش، ودل الكلام على هذا الفعل وهو العامل في ~~الحال ذكره المبرد. وقيل العامل معنى الملك في قوله { ولمن خاف ~~مقام ربه جنتان } { متكئين } وهو محمول ms2523 على المعنى، ~~ولو دل على اللفظ لقال متكئا. # والاستبرق عند العرب: الديباج الغليظ الذي يعلو على الكعبة. وقيل هو ~~الخز الموشي هذا هو البطائن. # ولم يذكر تعالى ذكره الظواهر، إذ ليس في الدنيا من يعرف قدرها. قال ابن ~~مسعود قد أخبرتم بالبواطن فكيف لو أخبرتم بالظواهر. وقيل لابن جبير هذه ~~البطائن من استبرق، فما الظواهر؟ قال هذا مما قال الله جل ثناءه فيه # فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين # [السجدة: 17]. # وفي الحديث " ظواهرها بدر يتلالا ". وصغر سيبويه استبرق على أبيرق، وأن ~~السين والتاء زائدتان والألف بمنزلة ميم مستفعل، لأن الهمزة / [تكون] ~~زائدة أولا في بنات الأربعة والخمسة، إنما تكون زائدة أولا في بنات ~~الثلاثة. # وقال الفراء تصغيره " تبيرق " فحذف السين والهمزة. ثم قال { وجنى ~~الجنتين دان } أي: وثمر الجنتين قريب من آخذه ومجتنيه يجتنيه ~~كيف يشاء قائما وقاعدا وراقدا. # قال قتادة: ثمارها دانية لا يرد أيدهم عنده بعد ولا شوك. وقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " والذي نفسي بيده لا يقطع رجل ثمرة من الجنة فتصل إلى فيه حتى يبدل ~~الله جل ثناؤه مكانها خيرا منها ". # وروى ابن جبير عن ابن عباس أنه قال: نخل الجنة خشبها ذهب كرنفها زمرد ~~أخضر وثمرها أمثال القلال أحلى من الشهد، والين من الزبد لا عجم لها. ~~وقال أبو عبيدة عن مسروق أنهار الجنة تجري في غير أخدود نخلها نضيد من ~~أسفله إلى فرعه، وثمرها أمثال القلال. كلما أخذت منها ثمرة عادت مكانها ~~أخرى، طول العنقود منها أثنى عشر ذراعا. # ثم قال { فيهن قاصرات الطرف } أي: في الفرش. وفي بمعنى على، ~~والمعنى: على الفرش حور قاصرات الطرف. # وقيل المعنى: في الجنتين وفيما أعد له قاصرات الطرف: فلذلك جمع " فيهن " ~~ويجوز أن تكون الجنتان تشتمل على جنات، فجمع " فيهن " على المعنى، ألا ~~ترى أن الجنة التي أمد الله عز وجل لأوليائه تشتمل على جنات قد تقدم ~~ذكرها وقد قال تعالى: # يدخلون الجنة # [النساء: 124]. ثم قال # جنات عدن # [الرعد: 23]، فأبدل من الجنة جنات ms2524 لأنها تشتمل على جنات. وقيل هو جمع ~~أتى في موضع التثنية /، كما قال # فقد صغت قلوبكما # [التحريم: 4] وله نظائر تقدم ذكرها. # وقال الفراء كل موضع من الجنتين جنة، فلذلك قال { فيهن }. ومعنى { ~~قاصرات الطرف } أي: قصر أطرافهن على أزواجهن، فلا ينظرن إلى ~~غيرهم من الرجال. قال ابن زيد: لا ينظرن إلا إلى أزواجهن، تقول الحوراء: ~~وعزة ربي وجلاله وجماله ما أرى في الجنة شيئا أحسن منك، فالحمد لله الذي ~~جعلك زوجي وجعلني زوجك. # يقال قصره: إذا حبسه. فالمعنى فيهن حور حابسات طرفهن عن جميع الرجال إلا ~~من أزواجهن. # روى أنه عني بهن الآدميات اللواتي يمتن أبكارا، ودليل هذا قوله { لم ~~يطمثهن إنس } يعني في الدنيا لم يدمهن، لم يفتضضهن إنس قبل ~~أزواجهن في الجنة ولا جان. # حكى الفراء طمثها يطمثها إذا أفتضها، ولا يكون إلا بتدمية، ومنه قيل ~~للحائض: طامث. # وقال غير الفراء يقال طمثها: إذا وطئها على أي الوجوه كان. قال عكرمة: ~~لم يطمثهن: لم ينكحهن، والطمث: الجماع. # قال ابن عباس: لم يطمثهن، لم يدمهن، فإن قيل كيف ذكر الجان في الوطء، ~~فالجواب أن مجاهدا قال إذا جامع الرجل ولم يسم انطوى الجان على ~~إحليله فجامع معه. # واستدل بعض العلماء بهذه الآية على أن الجن يدخلون الجنة، فالإنسيات ~~للإنس والجنيات للجن، قاله (ضمرة بن حبيب). # وهذه الآية أيضا تدل على أن الجن يطئون. ثم قال { كأنهن ~~الياقوت والمرجان } أي: كأن هؤلاء الحور الياقوت في صفائه يرى ~~مخها من فوق لحمها وحللها كما يرى السلك في داخل الياقوتة وكأنهن اللؤلؤ ~~في بياضه، هذا قول ابن عباس والحسن وابن زيد وسفيان وغيرهم. # وقيل المعنى هن في صفاء الياقوت وبياض اللؤلؤ وحمر المرجان من رقة ~~البشر. وروى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أن المرأة من الجنة ليرى بياض ساقها من وراء سبعين حلة من حرير ومخها، ~~وذلك أن الله قال { كأنهن الياقوت والمرجان } فأما ~~الياقوت فإنك لو أدخلت فيه سلك لرأيته من ورائه ". # وعنه صلى الله عليه وسلم ms2525 أنه قال # " من دخل الجنة فله فيها زوجتان يرى مخ ساقهما من وراء ثيابهما ". ### || [55.60-78] # قوله { هل جزآء الإحسان إلا الإحسان } إلى آخر السورة ~~الآيات. # أي: هل جزاء من أحسن لنفسه، فخاف من قام ربه، وأطاع الله إلا أن يحسن ~~إليه في الآخرة بما وصف من الجنس والفرش والحور، وغير ذلك من النعيم. قال ~~قتادة: عملوا خيرا فجوزوا خيرا. قال ابن المنكدر أي معناه هل جزاء من ~~أنعمت عليه بالإسلام إلا الجنة. ورواه مالك عن زيد بن أسلم. وقال عكرمة / ~~معناه هل جزاء من قال لا إله إلا الله إلا الجنة. وقيل المعنى: هل جزاء ~~من أحسن في الدنيا إلا أن يحسن إليه في الآخرة. ثم قال { ومن ~~دونهما جنتان } أي: ومن دون هاتين الجنتين جنتان أخريان والمعنى ~~ومن دونهما في الدرج. وقال ابن عباس ومن دونهما جنتان وهما اللتان قال ~~الله تعالى: # فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين # [السجدة: 17] وهي التي لا يعلم الخلائق ما فيها، تأتيهم كل يوم منها ~~تحفة. # وقال ابن زيد معناه: ومن دونهما جنتان هي أدنى من هاتين لأصحاب اليمين. ~~والتقدير في العربية: وله من دونهما جنتان، أي: لمن خاف مقام ربه جنتان ~~دون الاولتين في الفضل. ثم قال { مدهآمتان } أي: خضراوان يعني من ~~الري. قاله ابن جبير وابن الزبير، وابن عباس، وأبو صالح، وقتادة. وقال ~~مجاهد: معناه مسودتان. والدهمة عند العرب: السواد. ثم قال { فيهما ~~عينان نضاختان } أي: في هاتين الجنتين (عينان من ماء فوارتان)، ~~أي: يفور الماء منهما. والنضخ أكثر من النضح، ولم يسمع منه فعل، قال ~~عكرمة وابن زيد ينضحان بالماء. قال ابن عباس نضاختان: فائضتان. وقال ~~الضحاك ممتلئتان لا تنقطعان. وقال ابن جبير نفاختان بالماء والفاكهة. # وقيل تنفخ على أولياء الله بالمسك والعنبر. # ثم قال { فيهما فاكهة ونخل ورمان } أي: في هاتين ~~الجنتين / ذلك، وأعيد ذكر النخل والرمان وقد دخلا في جملة الفاكهة ~~لفضلهما، كما قال: # من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل ~~وميكل # [البقرة: 97]. وكما قال # حافظوا ms2526 على الصلوت والصلوة الوسطى # [البقرة: 238]. وكما قال # ألم تر أن الله يسجد له من في السموت ومن ~~في الأرض # [الحج: 18]. ثم قال # وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب # [الحج: 18]. فأعيد هذا البيان. وقيل أنهما ليستا من الفاكهة. ثم قال { ~~فيهن خيرات حسان } أي: في الجنتين الأوليين والثانيتين حور ~~خيرات حسان، فأصله التشديد ولكن خفف كميت وهين ولا يستعمل على الأصل ~~لطوله، والمعنى خيرات الأخلاق حسان الوجوه. # وروى ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن جبير نخل الجنة جذوعها ~~من ذهب وعروقها من ذهب وكرانيفها من زمرد، وسعفها كسوة لأهل الجنة، ~~وثمرها كاللؤلؤ أشد بياضا من اللبن (أحلى من العسل وألين من الزبد) ليس ~~له عجم. # ثم قال { حور مقصورات في الخيام } أي: محبوسات في الخيام ~~قصور على أزواجهن فلا يردن غيرهم. وقيل الخيام هنا: الحجال. وقيل الخيام: ~~البيوت. وقال الحسن: محبوسات ليس بطوافات في الطرق. وقال ابن عباس: ~~الخيمة لؤلؤة واحدة أربعة فراسخ في أربعة فراسخ: لها أربعة آلاف مصراع من ~~ذهب. قال عمر بن الخطاب: الخيام در مجوف، وكذلك روى ابن وهب عن ابن مسعود ~~وهو قول ابن جبير ومجاهد والضحاك وهو مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم. # وقال قتادة: مسكن المؤمن في الجنة يسير الراكب الجواد فيه ثلاث ليال ~~وأنهار جناته وما أعد الله له من الكرامة. وقال ابن زيد خيامهم في الجنة ~~من لؤلؤ. قال سعيد بن جبير أدنى أهل الجنة منزلة من له قصر له سبعون ألف ~~خادم في يد كل خادم صفحة فيها لون سوى لون صاحبتها وطعم سوى طعم صاحبتها ~~لو أطابه أهل الدنيا لأوسعهم. # وعن أنس بن مالك يرفعه: قال: أن أسفل أهل الجنة أربعين درجة ليقوم على ~~رأسه عشرة آلاف خادم بيد كل خادم صفحتان، واحدة من ذهب وأخرى من فضة، في ~~كل واحدة لون ليس في الأخرى مثله، يأكل من آخرها مثل ما يأكل من أولها، ~~ويجد لآخرها من اللذة مثل ما وجد لأولها، ثم يكون ذلك ms2527 رشحا كرشح المسك. ~~وحشاؤه مسك لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتمخطون. # وفي حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم # " إن أهل الجنة يلهمون فيها الحمد والتسبيح كما يلهمون النفس " # وعن أبي هريرة قال: إن أدنى أهل / الجنة منزلة وما منهم دان يغدو الحمد ~~عليه ويروح عشرة آلاف خادم، ما منهم خادم إلا ومعه طريقة ليست مع صاحبه. ~~ويروى أن الخيمة من درة بيضاء أو خضراء أو ياقوتة حمراء، أو لؤلؤة جوفاء ~~يرى باطنها من ظاهرها. # (وروى عبد الله بن قيس عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " إن في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة عرضها ستون ميلا في كل زاوية منها ~~أهل ما يرون الآخرين، يطوف عليهم المؤمنون وجنتان من فضة آنيتهما وما ~~فيهما وجنتان وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلى رداء ~~الكبر على وجهه في جنات عدن) ". # ثم قال { لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جآن } أي: لم ~~يمسهن نكاح فيدمهن من إنس ولا جان، وقد تقدم الاختلاف فيه. ثم قال { ~~متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان } أي: يتكئ ~~هؤلاء أصحاب الجنتين الثانيتين على رفرف خضر (وعبقري حسان) وهي رياض ~~الجنة جمع رفرفة قاله مجاهد وابن جبير. # وقال ابن عباس عن المحابس، وهو قول قتادة والضحاك وابن زيد. # وقال الحسن هي البسط. وقيل هي المرافق. روى قتادة عن الحسن أيضا قال هي ~~مرافق خضر، وهو مشتق من رف يرف: إذا أرتفع. والعبقري الطنافس. # وعن مجاهد أنه الديباج وهو جمع، / واحدته عبقرية. وقال ابن ~~عباس: العبقري الزرابي، وهو قول قتادة. وقال ابن جبير هي عتاق الزرابي. ~~وقال ابن زيد هي الطنافس. وسئل ابن عمر عن قول النبي صلى الله عليه وسلم # " فلم أر عبقريا يفري فريه " # فقال هو رئيس القوم وجليلهم. # ثم قال { تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام } أي: ~~تبارك ربك يا محمد ذو العظمة وذو الإكرام من جميع خلقه. # وقرأ ابن عامر: ذو: " بالواو " على النعت للاسم، وكذلك هي في حرف ms2528 أبي ~~وابن مسعود. قال ابن عباس ذي الجلال والإكرام: ذي العظمة والكبرياء. ~~وتبارك: تفاعل من البركة في أسمه، والبركة في اللغة: نماء النعمة ~~وثباتها، فحضهم بذلك على أن يكثروا ذكر اسمه ودعاءه. وأن يذكروه بالإجلال ~~والتعظيم، وفي الحديث # " ألظوا بياذا الجلال والإكرام " # أي: أكثروا بالدعاء به. ### | [56 - سورة الواقعة] ### || [56.1-14] # قوله: { إذا وقعت الواقعة } إلى قوله: { وقليل من ~~الآخرين } الآيات. # المعنى: إذا نزلت صيحة القيام، وذلك حين ينفخ في الصور لقيام الساعة. # والواقعة والآزفة والطاعة والحاقة والقارعة والصاخة، كلها من أسماء يوم ~~القيامة. # قال الضحاك: الواقعة: الصيحة. # وقال الحسن: هي القيامة. # وقوله: { ليس لوقعتها كاذبة }. # أي ليس لقيام الساعة رجعة ولا مثنوية، قاله الحسن. # وقال سفيان: ليس لوقعتها أحد يكذب بها. # وقيل المعنى: ليس في الأخبار بأنها تكون كذب. وكذب وكاذبة مصدر ~~كالعاقبة. ويجوز أن يكون نعتا كأنه قال: جماعة كاذبة. # ثم قال: { خافضة رافعة }. # قال عبد الله بن سراقة خفت أعداء الله إلى النار ورفعت أولياء الله إلى ~~الجنة. # قال قتادة: تخللت كل سهل وجبل حتى أسمعت القريب والبعيد، ثم رفعت أقواما ~~في كرامة الله جل ثناؤه، وخفضت أقواما في عذاب الله سبحانه. # وقال عكرمة والضحاك خفضت فأسمعت الأدنى، ورفعت فأسمعه الأقصى فكان ~~القريب والبعيد من الله سبحانه سواء. / # وقال ابن عباس أسمعت القريب والبعيد. # وقيل المعنى أنها تخفض أقواما كانوا في الدنيا مرتفعين، وترفع أقواما ~~كانوا في الدنيا متضعين. # ثم قال: { إذا رجت الأرض رجا }. إذا زلزلت الأرض فتحركت ~~تحريكا قاله ابن عباس. وقتادة ومجاهد. # ثم قال: { وبست الجبال بسا } أي: وفتت الجبال فتا، قاله ~~ابن عباس والشعبي وأبو صالح فصارت كالدقيق المبسوس وهو المبلول، كما قال # وكانت الجبال كثيبا مهيلا # [المزمل: 14]. # وقال قتادة: كما يبس الشجر تذروه الرياح يمينا وشمالا. # ثم قال: { فكانت هبآء منبثا } أي: فكانت الجبال هباء، وهو ~~الغبار الذي يكون في شعاع الشمس من الكوة كهيئة الغبار، قاله ابن عباس ~~وعطاء ومجاهد. # وقال علي الهباء المنبت: رهج الدواب. # وعن ابن عباس الهباء: الذي يطير ms2529 من النار / إذا اضطرمت، يطير منه الشرر ~~فإذا وقع لم يكن شيئا. # وقال قتادة: هباء منبثا كيبيس الشجر تذروه الرياح يمينا وشمالا. # وقوله { منبثا } يعني به متفرقا. # ثم قال: { وكنتم أزواجا ثلاثة } أي: وكنتم أيها الناس ~~أنواعا ثلاثة. قال ابن عباس أزواجا: أصنافا ثلاثة. # وقال قتادة: هي منازل الناس يوم القيامة ثلاثة منازل. # ثم قال: { فأصحاب الميمنة مآ أصحاب الميمنة } هذا ~~أحد الأزواج الثلاثة. # والثاني قوله: { وأصحاب المشأمة مآ أصحاب المشأمة ~~} والثالث قوله: { والسابقون السابقون } فأتى الخبر عنهم ~~مغنيا عن البيان عنهم لدلالة الكلام على معناه. وفي الكلام بما معنى ~~التعجب، يعجب الله عز وجل نبيه عليه السلام، أي: ماذا لهم، وما أعد لهم ~~من نعيم أو من عذاب. # ومعنى: أصحاب الميمنة: أي: الذين أخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة وهي ~~علامة لمن نجا. # وكذلك أصحاب المشئمة، هم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. # والعرب تقول لليد الشمال الشؤمى، وللجانب الأيسر الأشام، ومنه اليمن ~~والشؤم، وقيل إنما سموا بذلك لأنهم أعطوا كتبهم بإيمانهم أو بشمائلهم. # وقيل إنما سموا بذلك لأن الجنة عن يمين الناس والنار عن شمالهم. # وقيل سموا بذلك لأن أصحاب الميمنة ميامين على أنفسهم، وأصحاب المشئمة ~~مشائيم على أنفسهم، مأخوذ من اليمن والشوم. # وقال أبو العباس ثعلب: العرب تقول: اجعلني في يمينك ولا تجعلني في شمالك ~~" أي اجعلني ضمن المتقدمين عندك ولا تجعلني من المتأخرين. # وقال في قوله تعالى { فأصحاب الميمنة مآ أصحاب ~~الميمنة * وأصحاب المشأمة مآ أصحاب المشأمة ~~} ، قال أصحاب الميمنة هم أصحاب التقدم، وأصحاب المشئمة هم أصحاب التأخر. # وانشدوا لابن الدمينة: # أي بني أخي يمني يديك جعلتني # أم صيرتين في شمالك فأفرح. # معناه: أخبرني أنا من المتقدمين عنك أم من المتأخرين. # وقيل هذا مردود على الخبر الذي أتى: أن الله جل ذكره خلق الطيب من ذرية ~~آدم صلى الله عليه وسلم في الجانب اليمين من آدم، وخلق الخبيث من الجانب ~~الشمال منه، فلذلك ينادون يوم القيامة بأصحاب اليمين وأصحاب الشمال، فذلك ~~ستة أقوال. # وقوله: { والسابقون ms2530 السابقون * أولئك المقربون ~~} والذين سبقوا إلى الإيمان بالله ورسوله وهم المقربون وهم المهاجرون ~~الأولون، وهم المقربون من الله، وقيل هم الذين صلوا إلى القبلتين، قاله ~~ابن سيرين. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال السابقون من الأمم الماضية أكثر ~~من سابقي هذه الأمة. # وقال مجاهد: هم السابقون إلى الجهاد في سبيل الله جل وعز. # وقيل هم أول الناس رواحا إلى المساجد وأسرعهم خفوفا في سبيل الله عز ~~وجل. # { أولئك المقربون } أي: هم الذين يقربهم الله سبحانه منه ~~يوم القيامة ويدخلهم جنات النعيم. # (وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أتدرون من السابقون يوم القيامة: قالوا الله ورسوله أعلم، قال: " ~~الذين إذا أعطوا الحق قبلوه، وإذا سئلوا بذلوه / وحكموا للناس بحكمهم ~~لأنفسهم ". # ثم قال { ثلة من الأولين } أي: جماعة من الأولين، يعني من ~~الأمم الماضية. # { وقليل من الآخرين } وقليل من الأمة الآخرة: يعني أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم، قاله الحسن. # وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " الثلثان جميعا من أمتي ". # وقيل عني بذلك النبيئين والمرسلين ومن يشبههم من الصديقين فقال { ~~وقليل من الآخرين } ، لأن الأنبياء والمرسلين كانوا في الأولين ~~دون الآخرين. # وقال أبو هريرة # " لما نزلت { ثلة من الأولين * وقليل من الآخرين ~~} شق ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت: ثلة من الأولين ~~وثلة من الأخرين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لأرجو أن تكونوا ~~نصف أهل الجنة وتغلبوهم في النصف الباقي ". ### || [56.15-44] # قوله: { على سرر موضونة * متكئين }. إلى قوله: { ~~لا بارد ولا كريم } الآيات. # قوله: على سرر: أي: هم على سرر، والسرر جمع سرير. # ومعنى موضونة عند ابن عباس وغيره: مصفوقة. # قال أبو عبيدة / موضونة: منسوجة مدخل بعضها فوق بعض، والوضين: البطان من ~~السيور: إذا نسج بعضه على بعض مضاعفا كحلق الدرع، فهو فعيل في معنى ~~مفعول. # وقال مجاهد: وعكرمة الموضونة: المرمولة بالذهب. # وقال قتادة: هي المشبكة بالذهب. # وعن عكرمة مشبكة بالدر والياقوت. # وقيل السرير الموضون ms2531 هو الذي سطحه بمنزلة المنسوج، وذلك ألين من الخشب، ~~ويقال وضنت الشيء بمعنى نسجته وضمنته. # ثم قال: { متكئين عليها متقابلين } أي: وجه بعضهم حذاء ~~بعض لا ينظر بعضهم إلى قفاء بعض، يعني به المؤمن وأزواجه. # وقيل يعني المؤمنين بعضهم مع بعض، فوصفهم الله عز وجل بحسن العشرة ~~وتهذيب الأخلاق، كما قال تعالى # إخونا على سرر متقبلين # [الحجر: 47]. # ثم قال: { يطوف عليهم ولدان مخلدون * بأكواب ~~وأباريق } أي: يطوف عليهم بالأكواب غلمان باقون لا يموتون ولا ~~يهرمون على سن واحد كأنهم ولدوا في وقت واحد. # والأكواب جمع كوب، وهو من الأباريق ما اتسع رأسه ولم يكن له خرطوم. # وقال ابن عباس الأكواب: الجرار من الفضة. # وقال مجاهد: الأباريق ما كان لها آذان، والأكواب ما ليس لها آذن. # وعنه الأكواب ما ليس له عرى ولا آذان وهو قول الفراء، وما كان له أذن ~~وعرى فهو إبرايق. # وقال قتادة: الأكواب دون الأباريق وليس له عرى. # وقال الضحاك الأكواب جرار (ليس لها عرى). # وقال أبو صالح الأكواب التي ليست لها عرى، المستديرة أفواهها والأباريق ~~التي لها خراطيم. # ثم قال: الكأس: { وكأس من معين } الكأس: القدح الذي فيه ~~الخمر، لا يقال لها كأس حتى تكون فيه، فإن كان فارغا فهو زجاجة. # وقوله: { من معين } أي: من عيون جارية. # قال ابن عباس وكأس من معين: الخمر. # وقال قتادة: من معين: من خمر جارية ترى بالعين. # ثم قال: { لا يصدعون عنها ولا ينزفون } أي: لا يصدع ~~رؤوسهم شربها. # وقيل معناه (لا يتفرقون عنها عرقا كخمر الدنيا). # ثم قال: { ولا ينزفون } أي: لا تنزف عقولهم، قاله مجاهد. # وقال قتادة: لا تغلب أحدا على عقله. # وقال أبو عبيدة لا يصدعون عنها: لا تصدع رؤوسهم، ولا ينزفون: لا يكسرون ~~ومن قرأ بكسر الزاي فمعناه لا ينفذ شرابهم. # وقيل: لا ينزفون: لا تتغير ألوانهم لشربها، وهو زوال الدم من الوجه. # ثم قال: { وفاكهة مما يتخيرون } أي: يطوف عليهم هؤلاء ~~الولدان بفاكهة مما يتخيرون لأنفسهم من الجنة وتشتهيها قلوبهم. # { ولحم طير مما يشتهون ms2532 } قال بعض المفسرين: يخلق الله ~~جل ذكره لهم لحما على ما يشتهون من (شواء وطبخ) من جنس الطير. # وبعضهم يقول لهم لحم طير من الجنة على الحقيقة. # وروى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ما هو إلا تشتهي الطائر في الجنة وهو يطير فيقع بين يديك مشويا ". # ويروى أن رجلا من أهل الجنة يجني الفاكهة فيخطر على قلبه غيرها، وهي في ~~يده فتحول التي جنى إلى جنس التي خطرت بقلبه، ويخطر على قلبه الطير فيصير ~~ممثلا بين يديه على ما اشتهى. # ثم قال: { وحور عين } من رفع فعلى الابتداء. والتقدير: وحور عين ~~لهم. # ويجوز أن يكون معطوفا على ولدان أي: ويطوف عليهم حور عين، هذا قول ~~اليزيدي، ومذهب سيبويه أن الرفع محمول على المعنى، لأن المعنى: لهم فاكهة ~~أو فيها فاكهة وأباريق وكأس ولحم وحور عين، وأنشد على ذلك أبياتا حمل ~~الآخر على المعنى الأول ولم يحمله على اللفظ. # والرفع اختيار أبي عبيدة والفراء، لأن الحور لا يطاف بهن. # وقد قرأ حمزة والكسائي بالخفض جعلا { وفاكهة } { ولحم طير ~~} معطوفة على { في جنات النعيم } (أي هم في جنات النعيم) وفي ~~فاكهة، وفي لحم طير، وفي (حور) عين وما بين { وفاكهة } " وجنات ~~اعتراض " ودل على ذلك قوله بعد { سدر مخضود } وما ذكر بعده إلى { ~~وفرش مرفوعة }. # ثم قال: { إنآ أنشأناهن إنشآء } فكنى عن الحور ولم يجر لهن ~~ذكر من لدن قوله { في سدر مخضود } ، وإنما ذلك لأنه لما ذكر ~~الفرش استغنى عن ذكر من يفترش عليها من الحور ثم أخرج الكناية عنهن ~~للمعنى / المفهوم في الكلام. # وقال الفراء الخفض على الاتباع / وهو ضعيف. # وقال قطرب هي معطوفة على الأكواب والأباريق، فجعل الحور يطاف بهن. # قال بعض العلماء (أي يطاف بهن عليهم) ويكون لأهل الجنة في ذلك اللذة، ~~لأن فيها ما تشتهي الأنفس. # وقيل الخفض محمول على المعنى، لأن معنى يطوف عليهم بكذا وكذا ينعمون به ~~فيصير المعنى: ينعمون بفاكهة وبلحم وبحور عين. # وقرأ أبي " حورا عينا " [بالنصب حمله ms2533 على المعنى أيضا لأن معنى يطوف ~~عليهم بكذا: يعطون كذا ويعطون حورا عينا]. # وتقدير النصب عند أبي حاتم " ويزوجون حورا عينا ". # وقوله: { كأمثال اللؤلؤ المكنون } أي: هن / في بياضهن ~~وحسنهن كاللؤلؤ المكنون الذي صين في كن. # وقالت أم سلمة قلت يا رسول الله أخبرني عن قول الله تبارك وتعالى { ~~كأمثال اللؤلؤ المكنون } ، فقال: صفاؤهن كصفاء الدر الذي ~~في الأصداف الذي لا تمسه الأيدي. # وسمي نساء الجنة بالحور لبياضهن، ومنه قيل للدقيق الخالص الحواري، ومنه ~~الحواريون لبياض ثيابهم، وقيل كانوا قصارين يبيضون الثياب. والحور في ~~العين: شدة سواد الحدقة مع شدة بياض ما حولها، وسمين { عينا } لشدة ~~سواد الحدقة وشدة بياض ما حولها، وهي المقلتان. # وقيل: " العين " الكبيرات الأعين، يقال: امرأة عينا ورجل أعين: كبير ~~العين. # ثم قال: { جزآء بما كانوا يعملون }. # (أي ثوابا لهم بعملهم في الدنيا، وعوضا من طاعة الله عز وجل). # والحوراء: الشديدة سواد العين (والشديدة بياض) العين، قاله الحسن. # وقال الضحاك: هي عظام العين. # وقال ابن عباس: (سواد الحدقة). # وقال الحسن الحور: صوالح بني آدم. # وقال الليث بن أبي سليمان بلغني أن الحور العين خلقن من الزعفران، وكذلك ~~روى ليث عن مجاهد وعن مجاهد أيضا أنه إنما سمين حورا (لأنهن يحار) فيهن ~~الطرف. # ثم قال: { لا يسمعون فيها } أي: في الجنة { لغوا ولا ~~تأثيما } أي: لا يسمعون في الجنة باطلا من القول، وليس فيها ما ~~يؤثمهم. / # وقيل اللغو: ما يلغى. # ثم قال: { إلا قيلا سلاما سلاما } أي: لا يسمعون فيه ما ~~يكرهون، إنما يسمعون أسلم مما تكره. # وقيل المعنى إلا قيلا يسلم فيه من الإثم. # ثم قال: { وأصحاب اليمين مآ أصحاب اليمين } (أي ماذا ~~لهم من النعيم، وفي الكلام معنى التعجب يعجب الله عز وجل نبيه صلى الله ~~عليه وسلم ما أعده لهم من الفضل، وأصحاب اليمين) هم الذين يؤخذ بهم ذات ~~اليمين يوم القيامة، والجنة عن يمين الخلق، والنار عن يسارهم. # وقيل: هم الذين أعطوا كتبهم بأيمانهم. # وقيل: هم الذين أقسم الله أن يدخلهم الجنة. # (وقال ms2534 عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عمر). هم أطفال المسلمين. # وقيل هم الميامين على أنفسهم إذا عملوا ما أنجاهم من النار، وأدخلهم ~~الجنة، وقيل: هم الذين خلقوا في الجانب الأيمن من أدم صلى الله عليه ~~وسلم. # وقيل: هم المتقدمون في الفضل عند الله تعالى، فذلك سبعة أقوال، وقد تقدم ~~هذا بأشرح منه. # ثم قال: { في سدر مخضود } أي: في ثمر (سدر موقر) من حمله (قد ~~ذهب) شوكه، قاله ابن عباس. # وعن ابن عباس أيضا أنه قال: حصده: وقره من الحمل. # وقال عكرمة وقتادة هو الموقر الذي لا شوك فيه. # وقال الضحاك ومجاهد المخضود: الموقر. # وقال ابن جبير ثمره أعظم من القلال. # ثم قال: { وطلح منضود } وقرأ علي بن أبي طالب " وطلع " بالعين. # وذكر أبو عبيدة أن الطلح: عند العرب شجر عظيم كثير الشوك. # قال الزجاج يجوز أن يكون في الجنة، وقد أزيل شوكه. # وأهل التفسير يقولون: الطلح: الموز، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن ~~زيد. # وهو قول أبي هريرة وأبي سعيد، فهذا مما يجوز أن يكون أهل اللغة قد غاب ~~عنهم اسمه أنه الموز. # وقال مجاهد: كانوا يتعجبون من طلح " وج " فأعلمهم الله تعالى أن في ~~الجنة طلحا. # وأما في قراءة علي فإنه جعله من طلع النخيل بمنزلة لها طلع نفيد. # ونفيد بمعنى منفود، ومعناه قد ضم بعضه إلى بعض. # قال قتادة: / قد ضمنه الحمل الورق. # وقال ابن عباس منفود بعضه على بعض. # قال قتادة: شجر الجنة موقر بالحمل من أسفله إلى أعلاه. # ثم قال: { وظل ممدود } أي: دائم لا تنسخه شمس ولا ليل فيذهبا. ~~وكل ما لا انقطاع له فهو ممدود. # وقال عمر بن ميمون: " وظل ممدود " (خمس مائة ألف سنة). # وعن أبي هريرة أن / النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة لا يقطعها، اقرأوا إن ~~شئتم " وظل ممدود " # فبلغ ذلك كعبا فقال صدق أبو هريرة، والذي أنزل التوراة (على موسى) ~~والفرقان على محمد لو أن رجلا ركب ms2535 حقة أو جدعة ثم دار حول تلك الشجرة ما ~~قطعها حتى يسقط هرما، إن الله جل ذكره غرسها بيده، ونفخ فيها من روحه، ~~وإن أفنانها لمن وراء سور الجنة وما في الجنة نهر إلا وهو يخرج من أصل ~~تلك الشجرة. # وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: " وظل ممدود " هي شجرة ~~في الجنة على ما ساق يسير الراكب في ظلها من نواحيها كلها مائة عام، ~~للراكب المحث. # قال: فينزل أهل الغرف، وأهل الجنة فيجلسون مجالس في ظللها فيتحدثون ~~فيذكرون لهو الدنيا، فيأمر الله عز وجل ريحا من الجنة فتهب فتتحرك الشجرة ~~بكل لهو كان في الدنيا. # ثم قال: { ومآء مسكوب } أي: مصبوب سائل في غير أخدود حصباؤه ~~الياقوت الأحمر، وحماته المسك الأذفر، وترابه الكافور، وحافتا جريه ~~الزعفران. # ثم قال: { وفاكهة كثيرة * لا مقطوعة ولا ممنوعة ~~} أي: لا تنقطع لقلتها ولا تزول في صيف ولا شتاء، ولا عليها مانع يمنع ثم ~~من أخذها ويحول بينهم وبينها ولا عليها شوك [فيتعذر أخذ ثمرتها لشوكها. # قال قتادة: لا يمنعهم منها شوك ولا بعد]. # وروى أن الرجل إذا اشتهى الثمرة وقعت على فيه أو تدنو منه / حتى ~~يتناولها بيده. # ثم قال: { وفرش مرفوعة } أي: طويلة بعضها فوق بعض. # وروى الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # " ارتفاعها كما بين السماء والأرض، وإن ما بين السماء والأرض، لمسيرة ~~خمس مائة عام " # ثم قال: { إنآ أنشأناهن إنشآء * فجعلناهن ~~أبكارا } أي: أنا أنشأنا الحور لأن الفرش دلت على من عليها من الحور. # وقال أبو عبيدة الضمير في { أنشأناهن } يعود على " وحور عين " ~~الأولى، فالمعنى: إنا خلقنا الحور خلقا جديدا فجعلناهن أبكارا. # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " الثيب والأبكار يريد الآدميات ". # وروى أبو هريرة عنه عليه السلام أنه قال: # " منهن العجائز يعني أنهن من بني آدم ". # وقال ابن عباس هن من بني آدم، نساؤكم في الدنيا ينشئهن الله أبكارا ~~عذارى. # { عربا أترابا } أي: أقرانا. # قال مجاهد: خلقهن الله من ms2536 الزعفران. # وقوله: { فجعلناهن أبكارا } أي: صيرناهن عذارى. # وعربا جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها الغنجة وهو قول مجاهد والحسن ~~وعكرمة. وقال أبو صالح هي الشكلة. # وقال زيد بن أسلم هي الحسنة الكلام. # وقال ابن عباس هي المقلة، وعنه: عواشق. # وعن الحسن هي العاتق. # وأصله كله من أعرب: أذا بين، ومنه الإعراب. # وقيل يراد بقوله: إنا أنشأناهن: الحور العين، بمعنى إنشاء لم يولدن. # وقيل يراد به بنات آدم على ما تقدم، أي: أنشأنا الصبية (و) العجوزة ~~إنشاء واحدا. # وقوله: { لأصحاب اليمين } أي: أنشأ هؤلاء لأصحاب اليمين، وهم ~~الذين يؤخذ بهم ذات اليمين من موقف الحساب إلى الجنة. # ثم قال: { ثلة من الأولين * وثلة من الآخرين } ~~أي: جماعة من الأمم الماضية قبل محمد صلى الله عليه وسلم، وجماعة من أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم قاله الحسن. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إني لأرجو أن يكون من يتبعني من / أمتي ربع أهل الجنة فكبر أصحابه، ثم ~~قال: لأرجو أن تكونوا الشطر، فكبر أصحابه، ثم تلا هذه الآية: { ثلة ~~من الأولين * وثلة من الآخرين } ". # وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الآية # " هما جميعا من أمتي ". # ثم قال: { وأصحاب الشمال مآ أصحاب الشمال } أي: ماذا ~~أعد الله لهم من الهوان والعذاب. يعجب نبيه عليه السلام من ذلك، ففيه ~~معنى التعجب وهم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. # وقيل هم الذين أعطوا كتبهم بشمائلهم. # ثم قال: { في سموم وحميم } أي: في سموم جهنم وحميمها. # { وظل من يحموم } أي: من دخان شديد السواد، والعرب تصف الشديد ~~السواد باليحموم. # قال ابن عباس وعكرمة [ومجاهد] هو دخان جهنم، وقاله قتادة وابن زيد. # ثم قال: { لا بارد ولا كريم } أي: ليست ذلك الظل ببارد كبرد ~~ظلال الدنيا، لكنه حار إذ هو دخان. # وقوله: { ولا كريم } أي: ولا حسن لأنه عذاب. قال الضحاك كل شراب ~~ليس بعذب فليس بكريم، والعرب تنفي الكرم عن كل شيء ليس بمحمود. / ### || [56.45-70] # قوله: { إنهم ms2537 كانوا قبل ذلك مترفين } إلى قوله: { ~~فلولا تشكرون } الآيات. # أي إن أصحاب الشمال كانوا (قبل ذلك) في الدنيا منعمين بالحرام. # ثم قال: { وكانوا يصرون على الحنث العظيم } أي: يصرون ~~على الشرك بالله، قال الضحاك وقتادة والفراء وغيرهم، أي: كانوا يتمادون ~~عليه ولا يتوبون (سبحانه عما يصفون) منه، ولا يستغفرون من شركهم بالله عز ~~وجل. # وقال مجاهد: { على الحنث العظيم } على الذنب العظيم، وقاله ابن ~~زيد ثم فسره ابن زيد فقال هو الشرك. # وقيل هو قسمهم أن الله لا يبعث أحدا، ودل على ذلك قوله بعده { ~~وكانوا يقولون أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما ~~أإنا لمبعوثون }. # (أنكروا البعث) فقيل لهم: { قل إن الأولين والآخرين * ~~لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم }. # أي إنكم وأباؤكم ومن بعدكم، ومن قبل أبائكم لا بد من بعثكم يوم القيامة ~~ومجازاتكم على أعمالكم. # ثم قال: { ثم إنكم أيها الضآلون المكذبون * ~~لأكلون من شجر من زقوم }. # أي أنكم بعد البعث أيها الضالون عن الحق لأكلون من شجر جهنم، وهي ~~الزقوم. # { فمالئون منها البطون } أي: من الشجرة، أو من الشجر. # ثم قال: { فشاربون عليه من الحميم } أي: على الزقوم من ~~الحميم، وهو الماء الذي قد بلغ في الحرارة. # { فشاربون شرب الهيم } / [الهيم جمع أهيم، وهي الإبل يصيبها ~~داء فلا تروى من الماء، وقد قيل الهيم] جمع هائم وهائمة. # قال ابن عباس شرب الهيم: شرب الإبل العطاش. # وقال عكرمة هي الإبل المراض تمص الماء معا ولا تروى، وعنه أنها الإبل ~~يأخذها العطش، فلا تزال تشرب حتى تهلك. # (وقال الضحاك) الهيم: الإبل العطاش تشرب فلا تروى يأخذها داء يقال له ~~الهيام. # وقال ابن عباس الهيم: الهيام من الأرض يعني الرمل. # ثم قال: { هذا نزلهم يوم الدين } أي: هذا الذي وصف رزق ~~هؤلاء يوم الجزاء. # ثم قال: { نحن خلقناكم فلولا تصدقون } أي: نحن ~~خلقناكم يا مكذبون بالبعث، ولم تكونوا شيئا، فهل لا تصدقون من أنشأكم ~~أولا، أنه ينشئكم آخرا. # ثم قال: { أفرأيتم ما تمنون * ءأنتم تخلقونه أم ~~نحن الخالقون } أي: أفرأيتم أيها المكذبون بالبعث، ms2538 المنكرون قدرة ~~الله عز وجل على إحيائكم بعد موتكم هذه النطفة التي تمنون في أرحام ~~نسائكم، يقال (أمنى ومنى، وأمنى): أكثر. # [ { ءأنتم تخلقونه } أي: تخلقون ذلك المني حتى يصير فيه ~~الروح]. # { أم نحن الخالقون }. # ثم قال: { نحن قدرنا بينكم الموت } أي: عجلناه على قوم ~~وأخرناه عن قوم إلى وقت مسمى، أي: منكم قريب الأجل ومنكم بعيد الأجل. # { وما نحن بمسبوقين } أي: في أجالكم لا يسبق متقدم فيتأخر، ~~ولا متأخر فيتقدم، بل لا يتقدم أجل قبل وقته ولا يتأخر عن وقته. # ثم قال: { على أن نبدل أمثلكم }. # قال الطبري معناه: نحن قدرنا بينكم الموت على أن نبدل أمثالكم بعد موتكم ~~فنحيي بأخرين من جنسكم. # وقيل التقدير: وما نحن بمسبوقين / على / أن نبدل أمثالكم، (أي إن أردنا) ~~أن نبدل أمثالكم منكم لم يسبقنا إلى ذلك سابق. # وقوله: { وننشئكم في ما لا تعلمون } في أي: خلق شاء. # وقيل: قردة وخنازير. # وقيل يخلق لهم أبدانا للبقاء، لأن هذه للفناء خلقت. # وقيل معناه في عالم لا تعلمون، أو في مكان لا تعلمون. # وقيل المعنى: وننشئكم في غير هذه الصور، فننشئ المؤمنين يوم القيامة في ~~أحسن الصور وإن كانوا في الدنيا قبحا، وننشئ الكافرين في أقبح الصور وإن ~~كان في الدنيا نبلا. # ثم قال: { ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا ~~تذكرون } أي: ولقد علمتم الأحداث الأول، فلقد أحدثناكم ولم تكونوا ~~شيئا، فهلا تذكرون فتعلمون أن من فعل ذلك قادر على إنشاء آخر متى شاء. # وقال قتادة: ولقد علمتم النشأة الأولى (بعد خلق) آدم عليه السلام فلست ~~تسأل أحدا من الناس إلا نبأك أن الله جل ذكره خلق آدم من طين. # ثم قال: { أفرأيتم ما تحرثون * ءأنتم تزرعونه ~~أم نحن الزارعون }. # أي أفرأيتم أيها الناس الحرث الذي تحرثونه أنتم تنبتونه وتصيرونه زرعا ~~أم نحن نجعله كذلك. # وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لا تقل زرعت لكن قل حرثت " # ، ثم تلا أبو هريرة الآية. # ثم قال: { لو نشآء لجعلناه / حطاما } أي: لجعلنا الزرع ~~هشيما ms2539 لا ينتفع به في مطعم ولا ثمر. # ثم قال: { فظلتم تفكهون } أي: فظلتم تتعجبون مما نزل بكم ~~وبزرعكم من المصيبة، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة. # وقال عكرمة معناه فظلتم تلاومون بينكم في تفريطكم في طاعة ربكم بما نزل ~~بكم. # وقال الحسن تفكهون: تندمون على ما سلف منكم من معصية الله جل وعز التي ~~أوجبت عليكم العقوبة، وروي مثل ذلك أيضا عن قتادة. # وقال ابن زيد تفكهون: تفجعون، ومعنى فظلتم: فأقمتم. # ثم قال: { إنا لمغرمون } أي: لمولع بنا، قاله عكرمة ومجاهد. # وعن مجاهد أيضا لمغرمون: لملقون للشر. # وقيل معناه لمعذبون، والغرام عند العرب الهلاك والعذاب. # ثم قال: { بل نحن محرومون } أي: [مجدون لا حظ لنا]. # وقال قتادة: معناه: محارفون. # ثم قال: { أفرأيتم المآء الذي تشربون * أأنتم ~~أنزلتموه من المزن } أي: أنتم أنزلتموه من السحاب إلى قرار ~~الأرض، أم نحن المنزلون. # قال مجاهد: وقتادة وابن زيد المزن: السحاب. # وقال ابن عباس المزن: السماء والسحاب، وهو قول سفيان. # ثم قال: { لو نشآء جعلناه أجاجا } أي: جعلنا الماء مرا ~~مالحا فلا تشربون منه ولا تنتفعون به في زروعكم وكرومكم. # { فلولا تشكرون } أي: فهلا تشكرون الله على ما فعل بكم. ### || [56.71-96] # قوله: { أفرأيتم النار التي تورون } إلى آخر السورة ~~الآيات. # أي أفرأيتم أيها الناس النار التي تستخرجون من زندكم وتقدحون. # { أأنتم أنشأتم شجرتهآ أم نحن المنشئون } أي: ~~أنتم أخترعتم شجرتها أم نحن اخترعنا ذلك. # وتورون من أوريت زنادي وناري أوريتها: إذا أوقدتها. / # وقال أبو عبيدة وأكثر ما يقولون وريت زنادي، وأهل نجد يقولون وريت ~~زنادي. # (ثم قال) { نحن جعلناها تذكرة } يعني النار التي تذكرون ~~بها نار جهنم فتتعظون وتخافون. # وقال مجاهد: تذكرة تذكر النار الكبرى، وكذا قال قتادة: # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # " أن ناركم (جزء من سبعين جزاء) من نار جهنم قالوا يا نبي الله وإن كانت ~~لكافية، قال قد ضربت بالماء ضربتين ليستمتع بها بنو أدم ويدنو منها ". # ثم قال: { ومتاعا للمقوين } قال ابن عباس للمقوين: للمسافرين ~~وقال مجاهد: ms2540 للمقوين: للمستمتعين بها من الحاضر والمسافر. # وقال ابن زيد للمقوين: للجائعين. # والعرب تقول أقويت منه كذا وكذا: (أكلت منه كذا وكذا)، وأصله من أقوت ~~الدار إذا خلت من أهلها، (ويقال أقوى إذا نزل بالقواء في الأرض الخالية. # وقال ابن زيد المقوي: الذي لا زاد ولا مال معه. # وأقوى عند أهل اللغة على ثلاثة معان، يقال أقوى إذا فني زاده، ومنه ~~أقوت الدار إذا فني أهلها، ويقال أقوى إذا سافر أي: نزل القواء. والقين، ~~ويقال أقوى إذا قوى وقوى أصحابه. # والمتاع: المنفعة. # ثم قال: { فسبح باسم ربك العظيم } أي: فنزه ربك يا محمد ~~من السوء. # ثم قال: { فلا أقسم بمواقع النجوم } لا زائدة والتقدير ~~أقسم. # وقيل لا رد الكلام، والتقدير ليس الأمر كما يقول الكافر. # ثم استأنف فقال: أقسم بمواقع النجوم، وقيل " لا بمعنى " إلا للتنبيه ~~ومعنى مواقع النجوم، منازل القرآن، لأن القرآن نزل على النبي صلى الله ~~عليه وسلم نجوما متفرقة. # قال ابن عباس نزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء ~~الدنيا جملة واحدة ثم فرق في السنين بعد وتلا ابن عباس { فلا أقسم ~~بمواقع النجوم } ، قال نزل متفرقا. # وقال عكرمة فلا أقسم بمواقع النجوم، قال أنزل الله القرآن نجوما ثلاث ~~آيات وأربع آيات وخمس آيات، وقال أيضا نزل جميعا فوضع بمواقع النجوم، ~~فجعل جبريل صلى الله عليه وسلم / يأتي بالسورة بعد السورة وإنما نزل ~~جميعا في ليلة القدر. # وقال مجاهد: بمواقع النجوم هو محكم القرآن. # وقال الحسن بمواقع النجوم بمغاربها، وقاله قتادة. # وعن الحسن أيضا بمواقع النجوم هو أنكدارها وانتشارها يوم القيامة. # وعن مجاهد أيضا بمواقع النجوم مطالعها ومساقطها. # ثم قال: { وإنه لقسم لو تعلمون عظيم } أي: وأن هذا ~~القسم عظيم لو تعلمون ذلك. # ثم قال: { إنه لقرآن كريم } أي: أقسم بمواقع النجوم وهو ~~القرآن أن هذا القرآن لقسم عظيم لو تعلمون ذلك أنه لقرآن كريم، والهاء " ~~في " " إنه " من ذكر القرآن. # ثم قال: { في كتاب مكنون } أي: في كتاب مصون عند الله لا يمسه ~~إلا ms2541 المطهرون. # قال ابن عباس هو الكتاب الذي في السماء، قاله الضحاك. # قال ابن زيد زعموا أن الشياطين تنزلت به على محمد صلى الله عليه وسلم. # فأخبرهم الله أنهم لا يستطيعون على ذلك. # قال ابن عباس: إذا أراد الله أن ينزل كتابا نسخته السفرة فلا يمسه إلا ~~المطهرون، يعني الملائكة، وهو قول ابن جبير ومجاهد وقتادة والضحاك، فهو ~~خبر وليس بنهي، وقد يجوز أن يكون إخبارا على الإلزام فيكون فيه معنى ~~النهي كما تقول (جعل كذا) وكقوله # يأيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة ~~تنجيكم من عذاب أليم # [الصف: 10]. # قال المبرد معناه آمنوا بالله. # وقيل هم حملة التوراة والإنجيل، قاله عكرمة. # وقال أبو العالية المطهرون الذين طهروا من الذنوب كالملائكة والرسل قال ~~ابن زيد المطهرون: الملائكة والأنبياء والرسل التي تتنزل به من عند الله ~~المطهرة. # وقال قتادة: معناه لا يمسه عند الله إلا المطهرون، قال وأما عندكم فيمسه ~~المشرك النجس والمنافق الرجس. # وفي حرف ابن مسعود ما يمسه. # وقال مالك بن أنس في قوله عز وجل { لا يمسه إلا ~~المطهرون } إنما هو بمنزلة قوله: # في صحف مكرمة * مرفوعة مطهرة * بأيدي ~~سفرة * كرام بررة # [عبس: 13-16] فهذا من قول مالك يدل على أنه نفي ليس بنهي يراد به ~~الملائكة. # وقال مسلم: لا يمسه إلا طاهرا، وسئل عن آية فقال: سلوني فلست أمسه إنما ~~أقرؤه، وكان قد أحدث ولم يتوضأ. # وفي كتاب عمرو بن حزم: لا يمس القرآن إلا طاهرا، وهو الكتاب الذي كتبه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم. # وروى مالك أن مصعب بن سعد قال كنت أمسك المصحف على سعد بن أبي وقاص ~~فاحتككت، فقال لعلك مسست ذكرك، فقلت نعم، فقال فقم فتوضأ، فقمت فتوضأت ثم ~~رجعت، وروي أنه قال له فقم فاغسل يديك. # وكان ابن عمر لا يمس المصحف إلا طاهرا. / # وقال مالك لا يمس المصحف أحد بعلاقة أو على وسادة إلا وهو طاهر إكراما ~~للقرآن. # وقوله: { تنزيل من رب العالمين } أي: هو تنزيل من عند رب ms2542 ~~العالمين. # ثم قال: { أفبهذا الحديث أنتم مدهنون } أي: أفبهذا ~~القرآن الذي أنبأتكم خبره وأنتم تلينون القول للمكذبين به ممالاة منكم ~~لهم على التكذيب والكفر. # قال مجاهد: أنتم مدهنون: أي: أنتم تريدون أن تمايلوهم [فيه] وتركنوا ~~إليهم. # وقال ابن عباس أنتم مدهنون: مكذبون غير مصدقين. # وقال الضحاك يقال أدهن وداهن: إذا نافق. # ثم قال: { وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون } أي: ~~وتجعلون شكر الله على رزقه لكم التكذيب له، وهذا كقول القائل للآخر: جعلت ~~إحساني إليك إساءة منك إلي، بمعنى جعلت شكر إحساني إليك إساءة منك، ~~فالتقدير وتجعلون رزقي إياكم تكذيبكم لرسلي وكتبي. / # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون قال شكركم، يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا، ~~وبنجم كذا وكذا " # ، وقاله ابن عباس. # وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله ليصبح القوم بالنعمة أو يمسيهم بها فيصبح بها قوم كافرين ~~يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا ". # قال الضحاك في الآية: جعل الله رزقكم في السماء وأنتم تجعلونه في ~~الأنواء. # قال قطرب الرزق هنا: الشكر. # وقيل المعنى: وتجعلون شكر رزقكم ثم حذف مثل، # وسئل القرية # [يوسف: 82]. # ثم قال: { فلولا إذا بلغت الحلقوم } يعني النفس تبلغ ~~الحلقوم عند خروجها. # { وأنتم حينئذ تنظرون } أي: من حضره ينظر ولا يغني عنه ~~شيئا، فهذا خطاب عام والمراد به من حضر الميت. # ثم قال: { ونحن أقرب إليه منكم } أي: ورسلنا أقرب إلى ~~الميت منكم يقبضون روحه ولكن لا تبصرونهم، وهذا كله جواب لمن ادعى أنه ~~يمتنع من الموت ويدفعه. # ثم قال: { فلولا إن كنتم غير مدينين } أي: فهلا أن كنتم ~~غير مجزيين. # { ترجعونهآ إن كنتم صادقين } (أي إن كنتم صادقين) في أنكم ~~تمنعون من الموت، فارجعوا تلك النفس، وامنعوا من خروجها. # قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن غير مدينين: غير محاسبين. # قال ابن زيد كانوا يجحدون أن يدانوا بعد الموت. # وقال الفراء: غير مدينين: غير مملوكين. # وقال الحسن غير مدينين: غير مبعوثين يوم القيامة. # وقيل معناه غير مجزيين بأعمالكم. ms2543 # { ترجعونهآ } أي: تردون تلك النفوس إلى الأجساد بعد إذ صارت في ~~الحلاقيم. # { إن كنتم صادقين } أنكم تمتنعون من الموت والحساب والمجازاة. # وقال الفراء إن كنتم صادقين: إن كنتم غير مملوكين، فالمعنى هل لا ترجعون ~~نفس عزيزكم إن كنتم غير مملوكين ولا مقهورين. # وجواب فلولا في الموضعين جواب واحد على قول الفراء. # وقيل حذف جواب أحدهما لدلالة الآخر عليه. # ثم قال: { فأمآ إن كان من المقربين } أي: إن كان الميت ~~من المقربين أي: من الذين قربهم الله من جواره ورحمته. # { فروح وريحان } (أي فله) روح وريحان. # والروح: الرحمة، والريحان: الرزق. # وقال مجاهد الروح: الفرح. # وقال الحسن الريحان: ريحانكم هذا. # وقال الربيع بن خيثم فروح وريحان هذا عند الموت، والجنة مخبوءة له إلى ~~أن يبعث. # قال ابن عباس فروح وريحان: فراحة ومستريح من الدنيا. # وقال ابن جبير { فروح وريحان }: راحة ومستراح: وعنه يعني ~~بالريحان المستريح من الدنيا. # وقال الضحاك الروح: المغفرة والرحمة. والريحان: الاستراحة. # وعنه: الروح والاستراحة. # وقال القتبي فروح: أي: في القبر له طيب نسيم. # ومن قرأ بضم الراء فمعناه: فحياة له وبقاء. # وقيل الريحان: الراحة. # قال أبو العالية لم يفارق أحد من المقربين وهم السابقون الدنيا حتى يؤتى ~~بغصن من ريحان الجنة فيشمه ثم يقبض. # قال الحسن يقبض الملك نفس المؤمن في ريحانة. # والفاء في " فروح " " جواب " " إن " ، وجواب " أما " هذا قول / الأخفش ~~والفراء. # وقال سيبويه لا جواب " لأن " هنا، لأن بعدها فعلا ماضيا، كما تقول ~~(أكرمك إن جئتني)، " والفاء " جواب " أما ". # وقال المبرد جواب " إن " محذوف، لأن بعدها ما يدل عليه، والفاء جواب " ~~أما " وأما معناها: الخروج من شيء إلى شيء، أي: دع ما كنا فيه وخذ بشيء ~~أخر، ولا يلي فعل فعلا، فمعنى أما: مهما يكن (من شيء). # فوجب أن يليها الاسم، وتقديره أن يكون بعد جوابها، فإذا أردت أن تعرف ~~إعراب الاسم الذي يليها فاجعل موضعها، " مهما " وقدر الاسم بعد الفاء. # تقول أما زيدا فضربت، والتقدير: مهما يكن من شيء فضربت / زيدا. # وقوله: { وأمآ إن كان من ms2544 أصحاب اليمين } أي: من الذين ~~يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، وقيل من الذين يعطون كتبهم بأيمانهم. # { فسلام لك من أصحاب اليمين } أي: فسلام من عند الله، ~~أي: سلام من ذلك وقيل المعنى: يقال سلام لك إنك من أصحاب اليمين. # قال قتادة: معناه سلموا وسلمت عليهم الملائكة. # وقيل المعنى: لك يا محمد منهم سلام، أي: يسلمون عليك. # وقيل المعنى: فسلام لك أنك من أصحاب اليمين. # وقيل معناه فلست ترى فيهم يا محمد إلا ما تحب من السلامة. # ثم قال: { وأمآ إن كان من المكذبين الضآلين * ~~فنزل من حميم }. [أي إن كان الميت ممن كذب بآيات الله وضل عن ~~دين الله فنزل من حميم أي: فرزق من حميم]. # أي له زرق من حميم قد غلي عليه حتى انتهى حره، فهو شرابه. # { وتصلية جحيم } أي: وحريق النار يحرق بها. # ثم قال: { إن هذا لهو حق اليقين } أي: أن هذا الذي ~~أخبرتم به أيها الناس من الخير عن المقربين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال ~~وما تصير أمورهم لهو حق اليقين، أي: لهو من الخبر الحق اليقين. # قال قتادة: إن الله جل ذكره ليس تاركا أحدا من الناس [يوقفه] على ~~اليقين من هذا القرآن، فأما المؤمن فأيقن في الدنيا فينفعه ذلك يوم ~~القيامة وأما الكافر فأيقن في الآخرة حين لا ينفعه ذلك. # (وحق اليقين): محض اليقين، وقيل معناه حق الأمر اليقين، وحق الخبر ~~اليقين مثل " دين القيمة " أي: دين الملة القيمة. # وقيل أصل " اليقين " أن يكون نعتا للحق، ولكن أضيف المنعوت إلى النعت ~~على الاتساع كما قال " ولدار الآخرة " و " وملاة الأولى " و " ~~مسجد الجامع " ، وهو عند أكثر الكوفيين من باب إضافة الشيء إلى نفسه. # ثم قال: { فسبح باسم ربك العظيم } [أي] فنزه ربك ~~العظيم. # وقيل معناه: فسبح بتسمية ربك العظيم. ### | [57 - سورة الحديد] ### || [57.1-10] # قوله: { سبح لله ما في السموت والأرض } إلى قوله: { ~~والله بما تعملون خبير } الآيات. # أي: كل ما دون الله من خلقه يسبح تعظيما له وإقرارا بربوبيته وقيل ~~التسبيح فيما لا ms2545 ينطق هو ظهور أثر الصنعة فيه. # وقيل: بل كل ما لا ينطق والله أعلم بتسبيحه، ودل على ذلك قوله: # ولكن لا تفقهون تسبيحهم # [الإسراء: 44] ولو كان تسبيح ما لا ينطق أثر الصنعة عليه لكان ذلك ~~[شيئا] يفقه (ويعلم ظاهرا عندنا). # وقيل: { سبح } في هذا وما بعده من السور معناه " صلى ". # وقوله: { وهو العزيز الحكيم } أي: العزيز في انتقامه ممن ~~عصاه الحكيم في تدبيره خلقه، لا يدخل في تدبيره خلل. # ثم قال: { له ملك السموت والأرض يحيي ويميت }. ~~الآية. # أي له سلطان ذلك كله، فلا شيء فيهن يقدر على الامتناع منه، يحيي ما يشاء ~~من الخلق بأن يوجده كيف يشاء، ويميت من يشاء من الأحياء بعد الحياة عند ~~بلوغ الأجل الذي قدره الله له قبل أن يخلقه. # { وهو على كل شيء قدير } أي: ذو قدرة لا يمتنع عليه ما ~~يريده من إحياء ميت وموت حي. # ثم قال: { هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو ~~بكل شيء عليم }: أي: هو الأول قبل كل شيء بغير حد، والآخر بعد ~~كل شيء بغير نهاية، وهو الظاهر على كل شيء، فكل شيء دونه، وهو العالي فوق ~~كل شيء، فلا شيء أعلا منه، والباطن في جميع الأشياء، فلا شيء أقرب إلى ~~شيء منه، كما قال: # ونحن أقرب إليه من حبل الوريد # [ق: 16] يعني القرب بعلمه وقدرته وهو فوق عرشه. # قال قتادة: # " ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس في أصحابه إذ ثار ~~عليهم سحاب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم هل تدرون ما هذا، قالوا الله ~~ورسوله أعلم، قال: هذا العنان، هذا / راوي الأرض (يسوقه) الله إلى قوم لا ~~يشكونه ولا يرجونه: ثم قال: هل تدرون ما التي فوقكم؟ قالوا الله ورسوله ~~أعلم. قال: فإنها الرقيع موج مكفوف وسقف محفوظ، قال فهل تدرون كم بينكم ~~وبينها؟ قالوا الله ورسوله أعلم، قال مسيرة خمس مائة عام قال هل تدرون ما ~~فوق ذلك، (قالوا مثل ذلك) قال فوقها سماء أخرى (وبينها خمس مائة عام) ثم ms2546 ~~قال مثل ذلك حتى ذكر سبع سماوات، ثم قال هل تدرون ما فوق ذلك، قالوا مثل ~~ذلك، قال فإن فوق ذلك العرش وبين السماء السابعة وبينه مثل ما بين ~~السمائين، ثم قال هل تدرون ما التي تحتكم؟ قالوا الله ورسوله أعلم. قال ~~فإنما الأرض ثم قال مثل ذلك إلى سبع أرضين، وذكر أن بين كل أرض وأرض ~~مسيرة خمس مائة عام، ثم قال والذي نفسي بيده لو دلى أحدكم بحبل إلى الأرض ~~السفلى لهبط على الله تعالى، ثم قرأ { هو الأول والآخر } الآية ~~". # وقال ابن عباس ظهر فوق الظاهرين بقهره المتكبرين. # وقيل معنى " الظاهر والباطن " /: يعلم ما ظهر وما بطن، ومنه ظهر الإنسان ~~وبطنه، لأن الظهر غير ساتر، والبطن ساتر، ومنه الظهير وهو العوين على ~~الأشياء حق (يستعلي) عليها، ويعين " وظهير " أي: قوي. # ومنه صلاة الظهر لأنها أول ما ظهرت من الصلوات. # وقيل الظهر والظهيرة: شدة الحر، فسميت الصلاة بالظهر لأنها اسم الوقت ~~الذي تكون فيه، ومنه: ظهرت على فلان: أي قهرته. # وقوله: { وهو بكل شيء عليم } أي: لا يخفى عليه شيء ظهر ولا ~~بطن في السماء ولا في الأرض كبر أو صغر. # ثم قال: { هو الذي خلق السموت والأرض في ستة ~~أيام }. # أي: ابتدع ذلك وأنشأه في ستة أيام، مقدار كل يوم ألف عام. # { ثم استوى على العرش } أي: ارتفع وعلا ارتفاع قدرة وتعظيم ~~وجلالة، لا ارتفاع نقلة. # ثم قال: { يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها }: ~~أي: ما يدخل فيها من الماء وغيره. # { وما يخرج منها } أي: من النبات وغيره. # { وما ينزل من السمآء } أي ينزل منها إلى الأرض من القطر ~~وغير ذلك. # { وما يعرج فيها } أي: ما يصعد إليها من الأعمال والملائكة وغير ~~ذلك، لا تخفى عليه خافية في السماوات ولا في الأرض. # { والله بما تعملون بصير } أي: بصير بأعمالكم يحصيها ~~عليكم حتى يجازيكم بها يوم القيامة. # ثم قال: { وهو معكم أين ما كنتم } قال سفيان الثوري: ~~علمه. # ثم قال: { له ملك السموت والأرض } أي: له ms2547 سلطان ذلك ~~وملكه. # { والله بما تعملون بصير } أي: إليه ترد الأمور يوم ~~القيامة فيقضي بين خلقه بحكمه وعدله. # ثم قال: { يولج الليل في النهار ويولج النهار في ~~الليل } أي: يدخل هذا في هذا وإذا في ذا أي ما نقص من هذا زاد في ~~ذا. # ثم قال: { وهو عليم بذات الصدور } أي: هو ذو علم بضمائر ~~صدور عباده، وما عزمت عليه نفوسهم من خير وشر، وفي الحديث أن الدعاء ~~يستجاب بعد هذه (الآيات البينات). # ثم قال: { آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما ~~جعلكم مستخلفين فيه }. # أي صدقوا بتوحيد الله وكتبه ورسله، وأنفقوا في سبيل الله مما خولكم ~~وأورثكم عن من كان قبلكم، فجعلكم خلفا فيه، (أي فالذين آمنوا). صدقوا ~~وأنفقوا في سبيل الله لهم أجر كبير، أي: الجنة. # ثم قال: { وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول ~~يدعوكم } الآية. # أي وأي شيء لكم في ترك الإيمان بالله، والرسول يدعوكم بالحجج والبراهين ~~لتؤمنوا بربكم، لتصدقوا محمدا صلى الله عليه وسلم فيما جاءكم به. # ثم قال: { وقد أخذ ميثاقكم }. # أي أخذ الله عز وجل ميثاقكم في صلب آدم عليه السلام إذا قال لكم ألست ~~بربكم، فقلتم بلى. # وقوله: { إن كنتم مؤمنين }. # أي إن كنتم تريدون أن تؤمنوا يوما من الأيام بالله، فالآن أحرى الأوقات ~~أن تؤمنوا به لتتابع الحجج عليكم. # وقيل معناه: إن كنتم عازمين على الإيمان فهذا أوانه لما خطر لكم من ~~البراهين والدلائل. # ثم قال: { هو الذي ينزل على عبده آيات بينات }. # يعني القرآن. # { ليخرجكم من الظلمات إلى النور }. # أي من الكفر إلى الإيمان. # وقيل معناه: من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان. # ثم قال: { وإن الله بكم لرءوف رحيم } /. # أي لذو رأفة ورحمة بكم، ومن رأفته ورحمته أنزل الله عليكم آيات بينات ~~يخرجكم بها من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان. # ثم قال: { وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله } الآية. # أي: أي عذر لكم في ترك الإنفاق في سبيل الله وأنتم خلف الموت فتخلفون ما ~~تبخلون به ويورث بعدكم، ثم يخلفه من ورثه ms2548 عنكم فيعود الميراث إلى الله عز ~~وجل. # وحضهم على الإنفاق في سبيل الله ليكون ذلك ذخرا لهم عنده من قبل أن ~~يموتوا فلا يقدرون، وتصير الأموال ميراثا لمن له ميراث السماوات والأرض ~~وهو الله جل ذكره. # ثم قال: { لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح ~~وقاتل }. # أي من قبل فتح مكة، وهاجر وقاتل في سبيل الله عز وجل قاله مجاهد وقتادة، ~~أي: لا يستوي في الأجر والفضل من هاجر قبل الفتح وأنفق وقاتل مع من هاجر ~~من بعد ذلك وقاتل وأنفق. # قال قتادة: كان قتالان أحدهما أفضل من الآخر، وكانت نفقتان إحداهما أفضل ~~من الأخرى، كانت النفقة والقتال من قبل فتح مكة أفضل منهما بعد الفتح، ~~وكذلك قال زيد بن أسلم. # وقال الشعبي الفتح هنا فتح الحديبية، فالذين أنفقوا وقاتلوا قبل فتح ~~الحديبية أعظم درجة من الذين أنفقوا وقاتلوا بعد ذلك. # وهذا القول اختاره بعض العلماء، لأن الخدري روى أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " يوم فتح الحديبية يأتي أقوام يحقرون أعمالكم مع أعمالهم قالوا يا رسول ~~الله أمن قريش هم؟ قال لا، هم أهل اليمن أرق أفئدة وألين قلوبا، قلنا يا ~~رسول الله أهم خير منا. قال لو أن لأحدهم جبل / ذهبا ثم أنفقه ما بلغ ~~(مد أحدكم ولا نصيفه) هذا فضل ما بيننا وبين الناس، لا يستوي منكم من ~~أنفق قبل الفتح وقاتل إلى قوله { والله بما تعملون خبير } ~~". # ثم قال: { وكلا وعد الله الحسنى } أي: والذين أنفقوا من ~~قبل ومن بعد وقاتلوا كلهم وعدهم الله الجنة. # ثم قال: { والله بما تعملون خبير } أي: بما تعملون من ~~النفقة في سبيل الله وقتل أعدائه وغير ذلك من أعمالكم، ذو خبر وعلم، لا ~~يخفى عليه شيء من ذلك. ### || [57.11-12] # قال: { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا } إلى قوله: ~~{ هو الفوز العظيم } الآيات. # أي من ذا الذي ينفق في سبيل الله محتسبا في نفقته، فيضاعف له ربه ~~(بالحسنة عشرة أمثالها) إلى سبع مائة ضعف. # { وله أجر كريم } (وهو ms2549 الجنة). # " ومن " مبتدأ و " ذا " خبره، " والذي " نعت ل " ذا ". # وقيل " من " مبتدأ و " ذا " زائدة مع " الذي " ، و " الذي " خبر ~~الابتداء. # وأجاز الفراء أن تكون " ذا " زائدة مع " من " كما جاءت زائدة مع " ما " ~~، ولا يجوز هذا عند البصريين لأن " ما " مبهمة، فجاز ذلك فيها، وليست من ~~كذلك. # ثم قال: { يوم ترى المؤمنين [والمؤمنات] يسعى ~~نورهم بين أيديهم وبأيمانهم }. # أي لهم أجر كريم في يوم ترى المؤمنين، فالعامل في " يوم " معنى الملك في ~~" لهم ". # وقيل العامل فيه { وكلا وعد الله الحسنى } { يوم ~~ترى } فوعد هو العامل فيه. # ومعنى الآية: يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يضيء نورهم بين أيديهم ~~وبأيمانهم. قال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: # " من المؤمنين ما يضيء نوره [من المدينة إلى عدن وصنعاء فدون ذلك حتى إن ~~من المؤمنين من لا يضيء نوره] إلا من موضع قدميه ". # قال ابن مسعود يعطى المؤمنون نورا على قدر أعمالهم، فمنهم من يعطى ~~[نورا كالنخلة السحوق ومنهم من يعطى نورا كالرجل القائم وأدناهم من ~~يعطى نورا] على ابهامه يضيء مرة ويطفى مرة. # وقال الضحاك معنى " وبإيمانهم " أي: وبأيمانهم كتبهم. # وقيل النور هنا: الكتاب لأنهم يعطون كتبهم من بين أيديهم بأيمانهم فلهذا ~~وقع الخصوص. # وقيل المعنى يسعى ثواب إيمانهم وعملهم [الصالح] بين أيديهم وفي أيمانهم ~~كتب أعمالهم نظائر، هذا اختيار الطبري، وهو قول الضحاك المتقدم. # والباء في " وبأيمانهم " بمعنى " في " على هذا التأويل، وعلى القول ~~الأول بمعنى " عن ". # ثم قال: { بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار }. # أي يقال لهم بشراكم اليوم جنات، أي: الذي تبشرون به اليوم هو جنات، ~~فأبشروا بها وأجاز الفراء " جنات " بالنصب على القطع، ويكون " اليوم " ~~خبر الابتداء. # وأجاز رفع " اليوم " على أنه خبر " بشراكم " /، وأجاز أن يكون " بشراكم ~~" في موضع نصب بمعنى يبشرهم ربهم بالبشرى، وأن ينصب جنات بالبشرى، وفي ~~هذه التأويلات بعد وتعسف وغلط ظاهر. # قوله: { خالدين فيها } أي: ماكثين فيها لا يتحولون عنها. # { ذلك هو الفوز العظيم } أي: خلودهم ms2550 في الجنة التي وصفت هو ~~النجاح العظيم. ### || [57.13-18] # قوله: { يوم يقول المنافقون } إلى قوله: { ولهم أجر ~~كريم } الآيات. # أي ذلك هو الفوز العظيم في يوم يقول هؤلاء المنافقون. # { للذين آمنوا انظرونا } أي: تمهلوا علينا. # { نقتبس من نوركم } أي: نستصبح من نوركم. # و { انظرونا } في قراءة من وصل الألف من نظر ينظر: إذا انتظر. # وقرأ حمزة بقطع الألف، جعله من أنظره: إذا أخره، وهو بعيد في المعنى إذا ~~حملته على التأخير، وإنما يجوز على معنى تمهلوا علينا. # يقال أنظرني: بمعنى تمهل علي وترفق، حكاه علي بن سليمان فعلى هذا تجوز ~~قراءة حمزة. # وحكى غيره أنظرني: بمعنى اصبر علي، كما قال (عمرو بن كلثوم): (وانظرنا ~~نخبرك اليقينا) [أي اصبر علينا]، فعلى هذا أيضا تصح قراءة حمزة. # ثم قال: { قيل ارجعوا ورآءكم فالتمسوا نورا }. # يقال لهم ارجعوا من حيث [جئتم] فاطلبوا لأنفسكم هنالك نورا [فإنه] لا ~~سبيل إلى الاقتباس من نورنا. # قال ابن عباس بينما الناس في ظلمة إذا بعث الله جل ثناؤه نورا، فلما ~~رأى المؤمنون النور توجهوا نحوه، وكان النور لهم دليلا من الله جل وعز ~~إلى الجنة، فلما رآى المنافقون المؤمنين قد انطلقوا اتبعوهم فأظلم الله ~~على المنافقين، فقالوا حينئذ: انظرونا نقتبس من نوركم فإنا [كنا] معكم في ~~الدنيا قال المؤمنون ارجعوا من حيث جئتم من الظلمة التمسوا هنالك النور. # ثم قال: { فضرب بينهم بسور } أي: فضرب الله بين المؤمنين ~~والمنافقين بسور وهو حاجز بين أهل الجنة [وأهل] النار. # قال ابن زيد هذا السور هو الذي قال جل وعز # وبينهما حجاب # [الأعراف: 46]. # ويقال أن ذلك السور ببيت المقدس عن موضع يعرف بوادي جهنم. # وروي ذلك عن عبد الله بن عمرو بن العاص وعن ابن عباس. # وكان كعب يقول في الباب الذي يسمى باب الرحمة: في بيت المقدس أنه الباب ~~الذي قال الله عز وجل { له باب باطنه فيه الرحمة } ~~والرحمة هنا الجنة، والعذاب: النار. / # ثم قال: { ينادونهم ألم نكن معكم }. # أي ينادي المنافقون المؤمنين حين حجز بينهم بالسور فبقوا في ms2551 الظلمة ~~والعذاب، ألم نكن معكم في الدنيا نصلي ونصوم ونناكحكم ونوارثكم، قال لهم ~~المؤمنون، بلى، ولكنكم فتنتم أنفسكم فنافقتم والفتنة هنا: النفاق، قاله ~~مجاهد. # قال شريك بن عبد الله فتنتم أنفسكم بالشهوات واللذات وتربصتم قال ~~بالتوبة. # { وارتبتم } أي: شككتم. # { حتى جآء أمر الله } يعني الموت. # { وغركم بالله الغرور } أي الشيطان. # وقال غيره وتربصتم وتثبطتم بالإيمان، والإقرار بالله ورسوله قال قتادة: ~~وتربصتم: أي: بالحق وأهله. # وقيل معناه: وتربصتم بالنبي صلى الله عليه وسلم وبالمؤمنين الدوائر. ~~وقيل تربصتم بالتوبة. # وقوله: { وارتبتم } أي: شككتم في توحيد الله سبحانه وفي نبوة محمد ~~صلى الله عليه وسلم. # قال قتادة: كانوا في شك من الله سبحانه وتعالى. # ثم قال: { وغرتكم الأماني }. # أي وخدعتكم أماني أنفسكم فصدتكم عن سبيل الله. وأضلتكم. # وقيل معناه: تمنيتم أن تنزل بالنبي صلى الله عليه وسلم الدوائر. # { حتى جآء أمر الله }. # { حتى جآء } نصر الله نبيه ودينه. # وقيل حتى جاء أمر الله يقبض أرواحكم عند تمام آجالكم. # قال قتادة وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله، قال: كانوا على خدعة من ~~الشيطان، والله ما زالوا عليها حتى قذفهم الله في النار. # وقوله: { وغركم بالله الغرور }. # أي وخدعكم بالله الشيطان فأطمعكم في النجاة من عقوبته والسلامة من ~~عذابه. # ثم قال: { فاليوم لا يؤخذ منكم }. # (قال ابن سلام وذلك أنهم يعطون الإيمان يوم القيامة فلا يقبل منهم). # هذا قول المؤمنين لأهل النفاق، فاليوم لا يقبل منكم فداء ولا عوض بدلا ~~من عقابكم وعذابكم، ولا يؤخذ من الذين كفروا. # { مأواكم النار }. # أي مثواكم ومسكنكم. # { هي مولاكم } أي: النار أولى بكم. / # { وبئس المصير } أي: المرجع، بئس المصير من صار إلى النار. # قوله: { ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم ~~لذكر الله }. # أي ألم يحن للذين صدقوا الله ورسوله أن تلين قلوبهم لذكر الله (وتذل من ~~خشية الله). # { وما نزل من الحق } وهو القرآن. # قال ابن عباس { أن تخشع قلوبهم لذكر الله } ، قال: ~~تطيع قلوبهم. # روي عن ابن مسعود أنه قال: عاتبنا الله بهذه الآية بعد إسلامنا بسبع ms2552 ~~سنين. وقال غيره بأربع سنين. # وقال قتادة: ذكر لنا أن شداد بن أوس كان يروي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: # " أول ما يرفع الله من الناس الخشوع ". # ثم قال: { ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل ~~} يعني: بني إسرائيل، والكتاب: التوراة والإنجيل. # { فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم }. # والأمد الدهر الذي بينهم وبين موسى عليه السلام. # ثم قال: { وكثير منهم فاسقون } أي: من أهل الكتاب. # ثم قال: { اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد ~~موتها }. # أي بالمطر فتنبت بعد يبسها وموتها، فكما قدر على ذلك، فهو قادر على أن ~~يحيي الموتى بعد إفنائهم. # وقال صالح المري يحيي الأرض بعد موتها: يلين بكم، القلوب بعد قسوتها. # ثم قال: { قد بينا لكم الآيات } (أي الحجج والأدلة). # { لعلكم تعقلون }. # ثم قال: { إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا ~~الله قرضا حسنا }. # أي انفقوا في سبيل الله وفيما ندبهم إليه. # { يضاعف لهم } (أي فيضاعف لهم) الثواب يوم القيامة. # { ولهم أجر كريم }. # أي ثواب كريم وهو الجنة، ومن خفف " المصدقين " فمعناه إن الذين صدقوا ~~محمدا صلى الله عليه وسلم وآمنوا ثم تصدقوا من أموالهم وأنفقوا في طاعة ~~الله عز وجل يضاعف لهم. ### || [57.19-24] # قوله: { والذين آمنوا بالله ورسله } إلى قوله: { ~~فإن الله هو الغني الحميد } الآيات. # أي والذين أقروا بوحدانية الله وإرساله رسله، وصدقوا الرسل { ~~أولئك هم الصديقون } أي: الذين كثر صدقهم وتصديقهم. # ثم قال: { والشهدآء عند ربهم لهم أجرهم ~~ونورهم } أي: لهم أجر أنفسهم ونور أنفسهم. # ومذهب ابن عباس ومسروق والضحاك أن " الشهداء " منفصل من " الصديقين " ~~منقطع منه. # وروى البراء بن عازب قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " مؤمنو أمتي شهداء " # ، ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية. # فهذا يدل على أنه متصل بالصديقين، أي: أولئك هم الصديقون والشهداء عند ~~ربهم لهم أجرهم ونورهم، أي: لهم أجر الشهداء، ونورهم: أي: للمؤمنين أي: ~~من أمة محمد صلى الله عليه وسلم أجر الشهداء ونورهم. # وروى سعيد عن أبيه عن أبي هريرة أنه قال: كلكم ms2553 صديق وشهيد فقيل له انظر ~~ماذا تقول يا أبا هريرة، فقال اقرأوا هذه الآية فذكرها. # وروي # " أن رجلا من قضاعة جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن شهدت أن ~~لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وصليت الصلوات الخمس وصمت شهر رمضان، ~~وآتيت الزكاة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم من كان على هذا كان من ~~الصديقين والشهداء ". # وعن ابن عباس أنه قال يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم # " أنه قال كل مؤمن صديق، ويزكي الله بالقتل من يشاء ثم تلا هذه الآية ". # قال مجاهد: هو متصل، وكل مؤمن شهيد. # وروي ذلك عن ابن عمر، روي عنه أنه / قال في حديث له. والرجل يموت على ~~فراشه هو شهيد، وقرأ هذه الآية. # وقيل " الشهداء " في هذا الموضع: النبيون الذين يشهدون على أممهم وهو ~~قوله تعالى: # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك ~~على هؤلاء شهيدا # [النساء: 41]. # هذا قول الفراء، والقول الأول هو اختيار الطبري، ويكون تمام الكلام: " ~~الصديقون ". # ثم يبتدئ الإخبار عن الشهداء، وإنما سمي المقتول في سبيل الله عز وجل ~~شهيدا، لأنه يشهد له بالجنة. # وقيل سمي شهيدا لأنه يشهد عند الله على الأمم. قال تعالى # وتكونوا شهدآء على الناس # [الحج: 78]. # وقال مجاهد: سمي المؤمن شهيدا، لأنه يشهد عند الله على نفسه بالإيمان. # ثم قال: { والذين كفروا وكذبوا بآياتنآ أولئك ~~أصحاب الجحيم }. # أي جحدوا ما أنزل الله عز وجل وكذبوا بالقرآن هم أصحاب النار. # ثم قال: { اعلموا أنما الحيوة الدنيا لعب ~~[ولهو] } أي /: اعلموا أيها الناس أن ما عجل لكم في الحياة الدنيا ~~لعب ولهو وزينة زائلة مضمحلة، فأنتم تفاخرون بها وتتكثرون بها فمثلكم ~~كمثل مطر أعجب الكفار نباته، أي: أعجبه الزراع نباته فهو على نهاية ~~الحسن. # وقيل الكفار هنا هم المكذبون، لأنهم بالدنيا أشد إعجابا، أي لا يؤمنون ~~بالبعث. # وقوله: { ثم يهيج } أي: يبتدئ في الصفرة. # { فتره مصفرا ثم يكون حطما } أي: متحطما لا نفع ~~فيه لأحد، فضرب الله عز وجل مثلا للدنيا ms2554 وزينتها وزوالها بعد الإعجاب ~~بها. # (ثم أخبر تعالى بما في الآخرة من العذاب لمن ركن إلى الدنيا واختارها ~~على الآخرة بالبعث فقال: # { وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ~~ورضون } لأهل الإيمان بالله ورسوله. # ثم قال: { سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة ~~عرضها كعرض السمآء والأرض }. # أي: سابقوا أيها الناس وسارعوا إلى الأعمال الصالحة التي توجب [لكم] ~~دخول الجنة سعتها كسعة السماوات [والأرض خالدين فيها أعدت للذين آمنوا ~~بالله ورسله. # وقيل عرضها الذي هو خلاف الطول مثل عرض السماوات] والأرضين إذا وصل كل ~~سماء بسماء وكل أرض بأرض، فإن قيل فأين السماوات والأرضون إذا، فالجواب ~~أن الليل إذا أقبل ذهب النهار في علم الله، وإذا أقبل النهار ذهب الليل ~~في علم الله. # قال مكحول في قوله: { سابقوا إلى مغفرة من ربكم } ~~الآية، هو المسارعة إلى التكبيرة الأولى من الصلاة. # ثم قال: { ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء }. # أي: هذه الجنة التي تقدمت صفتها فضل من الله تفضل به على المؤمنين، ~~والله يؤتي فضله من يشاء من خلقه، وهو ذو الفضل [العظيم] عليهم بما وفقهم ~~له من الإيمان به والعمل الصالح وبسط لهم من الرزق، وعرفهم موضع الشكر. # ثم قال: { مآ أصاب من مصيبة في الأرض ولا في ~~أنفسكم إلا في كتب من قبل أن نبرأهآ }. # أي: ما أصابكم أيها الناس من مصيبة في جدب الأرض وقحطها وفساد ثمارها ~~ولا في أنفسكم بالأوصاب والأوجاع إلا هو في كتاب، يعني أم الكتاب. # " من قبل أن نبرأ الأنفس " أي: نخلقها. # قال ابن عباس هو شيء قد فرغ عنه من قبل أن تخلق الأنفس، قال: وبلغنا أنه ~~ليس أحد يصيب خدش عود، ولا نكبة قدم، ولا خلجان عرق، إلا بذنب وما يعفو ~~الله أكثر. # وقال الحسن في معنى الآية: كل مصيبة (من السماء) هي في كتاب الله جل ~~ثناؤه من قبل أن نبرأ القسمة، وهو قول الضحاك وابن زيد. # وعن ابن عباس أيضا هو ما أصاب من مصيبة في الدين والدنيا هي في كتاب ms2555 ~~عند الله من قبل أن تخلق الأنفس. # وقيل الضمير في " نبرأها " بالمصائب، وقيل للأرض. ورجوعها إلى الأنفس ~~أولى لأنه أقرب إليها. # وقوله: { إلا في كتب } معناه: إلا هي في كتاب، ثم حذف الضمير. # قال ابن عباس أمر الله عز وجل القلم فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة. # ثم قال: { إن ذلك على الله يسير } أي: إن خلق الله عز ~~وجل الأنفس وإحصاء ما هي ملاقيته من المصائب على الله سهل، لأنه إنما ~~يقول لشيء كن فيكون. # ثم قال: { لكيلا تأسوا على ما فاتكم }. # أي: أعلمكم الله عز وجل أن الأمور كلها قد فرغ منها، لكيلا تأسوا على ما ~~فاتكم من أمر دنياكم، ولا تفرحوا بما جاءكم منها، وذلك الفرح الذي يؤدي ~~إلى المعصية والحزن الذي يؤدي إلى المعصية. # قال عكرمة: هو الصبر عند المصيبة، والشكر عند النعمة، قال وليس (أحد إلا ~~وهو) يحزن ويفرح، ولكن من أصابته مصيبة فجعل / حزنه صبرا ومن أصابه خير ~~فجعل فرحه شكرا، فهو ممدوح لا مذموم. # فالمعنى: أعلمكم بفراغه مما يكون وتقدم علمه به قبل خلقكم / كيلا تحزنوا ~~حزنا تتعدون فيه على ما [لا] ينبغي، ولا تفرحوا فرحا تتجاوزون فيه ما ~~(ينبغي). # ثم قال: { والله لا يحب كل مختال فخور } أي: لا يحب ~~كل متكبر بما أوتي من الدنيا، فخور به على الناس. # وقيل: معناه: لا يحب كل مختال في مشيته تكبرا وتعظما فخور على الناس ~~بماله ودنياه. # ثم قال: { الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل }. # أي: يبخلون أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، ويأمرون الناس ألا ~~يؤمنوا به. # وقيل معناه: يبخلون بإخراج حق الله عز وجل من أموالهم ويأمرون الناس ~~بذلك، وهذه الآية نزلت في اليهود، عرفوا أن محمدا صلى الله عليه وسلم حق ~~وما جاء به حق، وكانوا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم يحدثون الناس ~~ويبشرونهم بقرب مبعثه، وينتصرون على أعدائهم به، ويقولون: اللهم بحق ~~النبي المبعوث أنصرنا فينتصرون فلما بعث كتموا أمره وكفروا به وبخلوا أن ~~يصدقوه، وأمروا الناس ms2556 بتكذيبه. # قوله: { ومن يتول } أي: يعرض عن قبول ما أمر الله عز وجل به من ~~الإنفاق في سبيل الله، وإخراج الزكاة، والإيمان بالله وبرسوله. # { فإن الله هو الغني الحميد } أي: الغني عن ماله ~~ونفقته وغير ذلك، الحميد إلى خلقه بما أنعم عليهم من نعمة. ### || [57.25-28] # قوله: { لقد أرسلنا رسلنا بالبينات } إلى قوله: { ~~والله غفور رحيم } الآيات. # أي لقد أرسلنا إلى أمم بالآيات المفصلات وأنزلنا معهم الكتاب بالأحكام ~~والشرائع، والميزان بالعدل. # قال ابن زيدا (الميزان) ما يعمل به، ويتعاطون عليه في الدنيا من ~~معائشهم في أخذهم وإعطائهم، فالكتاب فيه شرائع دينهم وأمر أخراهم، ~~والميزان فيه تناصفهم في دنياهم. # { ليقوم الناس بالقسط } أي: ليعمل الناس بينهم بالعدل. # ثم قال: { وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد } أي: قوة ~~شديدة. # { ومنافع للناس } أي: وفيه منافع للناس، وذلك ما ينتفعون به ~~عند لقائهم العدو وغير ذلك من المنافع مثل السكين والقدوم. # قال ابن زيد البأس الشديد: السيوف والسلاح التي يقاتل بها الناس ~~والمنافع هو حفرهم بها وحرثهم بها وغير ذلك. # قال مجاهد: أنزله ليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب، وأرسلنا الرسل ~~وأنزلنا الكتاب والميزان ليعدلوا بينهم وليعلم حزب الله من ينصر دينه ~~ورسله بالغيب منهم. # { إن الله قوي } أي: على الانتصار ممن بارزه بالمعاداة، وخالف ~~أمره عزيز في انتقامه منهم. # قال مجاهد: أنزل الحديد ليعلم من ينصره. # ثم قال تعالى: { ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم } الآية. # أي أرسلهما تعالى إلى قومهما، وجعل في ذريتهما النبوة والكتاب، ولذلك ~~كانت النبوة في ذريتهما، وعليهم أنزل الله كتبه التوراة والزبور والإنجيل ~~وأكثر الكتب. # ثم قال: { فمنهم مهتد } أي: فمن ذريتهما مهتد إلى الحق. # { وكثير منهم فاسقون } أي: ضلال عن الحق. # ثم قال: { ثم قفينا على آثارهم } (أي: اتبعنا آثارهم ~~برسلنا) أي: آثار الذرية، وقيل الضمير يعود على نوح وإبراهيم وإن كانا ~~اثنين لأن الاثنين جمع. # ثم قال: { وقفينا بعيسى ابن مريم } أي: واتبعنا الرسل ~~بعيسى ابن مريم. # { وآتيناه الإنجيل } روي أنه نزل جملة. # ثم قال: { وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه ms2557 رأفة ~~ورحمة } أي اتبعوا عيسى رأفة وهي أشد الرأفة. # { ورهبانية ابتدعوها } وأحدثوا رهبانية أحدثوها. # { ما كتبناها عليهم } أي: ما افترضنا (عليهم الرهبانية). # { إلا ابتغآء رضوان الله } أي: لم تكتب عليهم إلا أن ~~يبتغوا رضوان الله " فابتغاء بدل من الضمير في " كتبناها ". # وقيل هو منصوب على الاستثناء المنقطع. # وقال الحارث المحاسبي: لقد ذم الله قوما من بني إسرائيل ابتدعوا ~~رهبانية لم يؤمروا بها، ولم يرعوها حق رعايتها. # وحكى عن مجاهد أنه قال في الآية معناها كتبناها عليم ابتغاء رضوان الله. # (قال أبو أمامة الباهلي وغيره / معنى الآية: لم نكتبها عليهم ولم ~~يبتدعوها إلا ابتغاء رضوان الله، فعاتبهم الله بتركها. # قال الحارث: وهذا أولى التفسيرين بالحق، يريد قول أبي أمامة قال وعليه ~~أكثر العلماء، وقال الحارث فذمهم الله عليه بترك رعاية ما ابتدعوا، فكيف ~~بمن ضيع رعاية ما أوجب الله عليه). # ثم قال: { فما رعوها حق رعايتها } هذا عام يراد به الخصوص ~~إذ ليس كلهم فرطوا في الرهبانية، وذلك أن (الله كتب) عليهم القتال قبل أن ~~يبعث محمدا صلى الله عليه وسلم فلما قل أهل الإيمان وكثر أهل الشرك ~~وذهبت الرسل وقهروا اعتزلوا في الغيران، فلم يزل ذلك شأنهم حتى كفرت ~~طائفة منهم، وتركوا أمر الله وأخذوا بالبدعة، هذا قول الضحاك. # وقيل الذين لم يرعوها هم قوم جاءوا بعد الأولين الذين ابتدعوا ~~الرهبانية. # ثم قال: { فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم } أي: ~~فأعطينا الذين آمنوا بالله ورسوله من هؤلاء الذين ابتدعوا الرهبانية ~~ثوابهم على فعلهم. # { وكثير منهم فاسقون } أي: أهل معاص وخروج عن طاعة الله. # وقال ابن زيد هم الذين رعوا ذلك الحق. # قال قتادة: الرأفة والرحمة من الله / وهم الذين ابتدعوا الرهبانية. # وقد قيل أن الرهبانية معطوفة على رأفة.، وأنها مما آتاهم الله فابتدعوا ~~فيها وغيروها وبدلوها. # ثم قال: { يأيها الذين ءامنوا } أي: صدقوا بما جاءهم به ~~محمد صلى الله عليه وسلم من أهل الكتابين. # { اتقوا الله } أي: خافوه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه. # { وءامنوا برسوله } يعني محمدا صلى الله عليه وسلم. # { يؤتكم ms2558 كفلين من رحمته } أي: يعطيكم ضعفين من الأجر ~~بإيمانكم بعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، وأصل الكفل: الحظ. # قال ابن عباس كفلين: أجرين بإيمانكم بعيسى ومحمد عليه السلام وبالقرآن ~~والإنجيل. # قال: " بن جبير بعث النبي صلى الله عليه وسلم جعفرا في سبعين راكبا ~~إلى النجاشي يدعوه، فقدم عليه فدعاه فاستجاب له وآمن به، فلما كان عند ~~انصرافه قال ناس ممن آمن به من أهل مملكته وهم أربعون رجلا إئذن لنا ~~فنأتي هذا النبي فنلم به ونركب بهؤلاء في البحر، فأنا أعلم بالبحر منهم، ~~فقدموا مع جعفر على النبي صلى الله عليه وسلم وقد تهيأ النبي صلى الله ~~عليه وسلم لوقعة أحد، فلما رأوا ما بالمسلمين من الخصاصة (وشدة الحال ~~استأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالو يا رسول الله إن لنا أموالا ~~ونحن ما نرى ما بالمسلمين من خصاصة) فأن أنت أذنت لنا انصرفنا فجئنا ~~بأموالنا فواسينا المسلمين بها، فأذن لهم فانصرفوا فأتوا بأموالهم فواسوا ~~بها المسلمين، فأنزل الله عز وجل فيهم # الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون # [القصص: 52] إلى قوله # يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرؤن ~~بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون # [القصص: 54]: أي: يريد النفقة التي واسوا بها المسلمين فلما سمع أهل ~~الكتاب ممن لم يؤمن بالنبي عليه السلام، هذا فخروا على المسلمين فقالوا ~~يا معشر المسلمين أما من آمن [منا] بكتابكم وكتابنا فله أجره مرتين ومن ~~لم يؤمن بكتابكم فله أجره كأجوركم فما فضلكم علينا، فأنزل الله عز وجل: { ~~يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وءامنوا ~~برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم ~~نورا تمشون به ويغفر لكم } فجعل لهم أجرين، وزادهم النور ~~والمغفرة. # قال الضحاك { كفلين من رحمته } أي: أجرين بإيمانكم بالكتابة ~~الأول وبالكتاب الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. # قال ابن زيد " كفلين من رحمته " أجر الدنيا وأجر الأخرة. # وقال ابن عمر " كفلين " ثلاث مائة جزء من الرحمة وستة وثلاثون جزءا ~~رواه عنه نعيم بن حماد. # وقال الشعبي الناس يوم القيامة على أربع ms2559 منازل: رجل كان مؤمنا بعيسى ~~فآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم فله أجران، ورجل كان كافرا بعيسى فآمن ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم فله أجر، ورجل كفر بعيسى وبمحمد عليهما السلام ~~فباء بغضب على غضب، ورجل كان كافرا بعيسى من مشركي العرب فمات بكفره قبل ~~محمد صلى الله عليه وسلم / فباء بغضب واحد. # وسئل سعيد بن عبد العزيز عن الكفل فقال: " ثلاثمائة وخمسون حسنة وقال ~~سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل حبرا من أحبار اليهود فقال له: كم ~~أفضل ما ضعفت له الحسنة، فقال كفل ثلاث مائة وخمسون حسنة. قال: فحمد الله ~~عمر على أنه تعالى أعطانا كفلين فضاعفه لنا الحسنة إلى سبع مائة ضعف. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين رجل آمن بالكتاب الأول والكتاب الآخر، ورجل ~~كانت له أمة، فأدبها، فأحسن تأديبها ثم أعقتها وتزوجها، وعبد مملوك أحسن ~~عبادة ربه عز وجل ونصح لسيده ". # وقال عمر سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " وإنما آجالكم في آجال من خلا من الأمم كما بين صلاة العصر إلى مغرب ~~الشمس، وإنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى كرجل استأجر عمالا فقال من ~~يعمل [من] بكرة إلى نصف النهار على قيراط قيراط فعملت اليهود ثم قال: من ~~يعمل من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط فعملت النصارى ثم قال ~~من يعمل من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين ألا فعملتم ". # ثم قال: { ويجعل لكم نورا تمشون به }. # قال ابن عباس النور: القرآن واتباعهم النبي عليه السلام، وقاله ابن ~~جبير. # وقال مجاهد: { ويجعل لكم نورا } أي: هدى. # وقيل معناه: ويجعل لكم نورا تمشون به يوم القيامة، وهو النور الذي يكون ~~للمؤمنين يوم القيامة. # وقوله: { ويغفر لكم } أي: يصفح عنكم ويستر ذنوبكم. # { والله غفور رحيم } أي: ذو مغفرة ورحمة. ### || [57.29] # قوله: { لئلا يعلم أهل الكتاب } إلى آخر السورة. # قيل معناه ليعلم أهل الكتب، و " لا " زائدة صلة، دل على ذلك أن بعده: / ~~{ وأن ms2560 الفضل بيد الله }. # وقد قرأ ابن عباس ليعلم. وهي قراءة الجحدري. # وقرأ ابن مسعود وابن جبير " لكي يعلم أهل الكتاب " ، وذلك على ~~التفسير، والمعنى فعل ذلك، لكي يعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على شيء ~~من فضل الله الذي خصكم به لأنهم كانوا يرون أن الله فضلهم على جميع خلقه، ~~فأعلمهم تعالى ذكره أنه قد أتى أمة محمد صلى الله عليه وسلم من الفضل ~~والكرامة ما لم يؤتهم من زيادة النور والمغفرة والأجر. # قال قتادة: لما نزلت [هذه الآية يعني: { يؤتكم كفلين من ~~رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم ~~والله غفور رحيم } حسد أهل الكتاب المسلمين عليها] فأنزل الله ~~" لئلا يعلم أهل الكتاب.. [إلى آخرها، أي: فعلت ذلك لكي يعلم أهل الكتاب ~~أنهم لا يقدرون] على شيء من فضل الله، يؤتي فضله من يشاء ويخص به من يشاء ~~من خلقه. # قال قتادة: وذكر أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: # " إنما مثلنا ومثل أهل الكتاب من قبلنا كمثل رجل استأجر أجراء يعملون ~~إلى الليل على قيراط، فلما انتصف النهار سئموا عمله وملوا فحاسبهم ~~وأعطاهم نصف قيراط، (ثم استأجر أجراء يعملون إلى الليل على قيراط فعملوا ~~إلى العصر ثم سئموا وملوا عمله، فاعطاهم على قدر ذلك ثم استأجر أجراء إلى ~~الليل على قيراطين يعملون بقية عمله فقيل له ما شأن هؤلاء أقل عملا ~~وأكثر أجرا؟ قال هو مالي أعطي من شئت ". # وقوله: { وأن الفضل بيد الله } أي: بيده دونهم ودون ~~غيرهم، يؤتيه من يشاء من خلقه، فلذلك أعطى أمة محمد صلى الله عليه وسلم ~~من الأجر على مدتهم القريبة ما لم يعط غيرهم. # { والله ذو الفضل العظيم }. # أي ذو الفضل على خلقه، العظيم فضله. # وقيل أنهم قالوا: الأنبياء منا، كفروا بعيسى وبمحمد صلى الله عليه وسلم ~~فأعلم الله خلقه أن الفضل بيده يؤتيه من يشاء، وليس فضله بموقوف على بني ~~إسرائيل دون غيرهم فلا يرسل رسولا إلا منها يرسل الرسول ممن يشاء على من ~~يشاء، وإلى من ms2561 يشاء، يفعل ما يشاء ويتفضل على من يشاء لا إله إلا هو. ### | [58 - سورة المجادلة] ### || [58.1] # قوله: { قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها ~~وتشتكي إلى الله } إلى قوله: { إن الله سميع بصير ~~}. # هذه الآية نزلت في خولة بنت ثعلبة، وقيل اسمها خويلة. # وقيل اسم أبيها خويلد، وقيل الصامت. # وقيل الذبيح، وهي امرأة من الأنصار. # قال قتادة: كان زوجها أوس بن الصامت. # روي # " أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم وعائشة رضي الله عنها تغسل شق رأسه ~~/، فقالت يا رسول الله طالت صحبتي مع زوجي وظاهر مني، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: حرمت عليه. وكان الظهار في الجاهلية طلاقا بائنا، وكان ~~بينها وبين زوجها قرابة فقالت أشكو إلى الله فاقتي إليه، ثم جعلت تكرر ~~عليه المسألة ويجاوبها بمثل ذلك، فتقول أشكو إلى الله فاقتي إليه، فنزل ~~الوحي وقد قامت عائشة تغسل شق رأسه الآخر، فأومأت إليها [عائشة] أن اسكتي ~~قالت وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه أخذه مثل السبات ~~فلما قضى الوحي قال اذهبي فادعي زوجك، فدعته فتلاها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى قوله: { فتحرير رقبة من قبل أن يتمآسا ~~} ثم قال له: أتستطيع رقبة، قال لا، فتلا عليه { فمن لم يجد ~~فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتمآسا } ، ~~فقال يا رسول الله إني أذا لم أكل في اليوم ثلاث مرات خشيت أن يعشو بصري، ~~فتلا عليه { فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا } ، ~~ثم قال له أتستطيع أن تطعم ستين مسكينا، قال لا يا رسول الله إلا أن ~~تعينني، فأعانه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطعم ". # روى عروة بن الزبير قال، قالت عائشة رضي الله عنها، " الحمد لله الذي ~~وسع سمعه الأصوات، إن خولة تشتكي زوجها للنبي صلى الله عليه وسلم فيخفى ~~(علي أحيانا بعض ما تقول، فأنزل الله جل ذكره: { قد سمع الله ~~قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله ~~والله يسمع تحاوركمآ } الآية. # وروي عن عائشة رضي ms2562 الله عنها أنها قالت: خولة في محاورتها لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: اللهم إني أشكو إليك ذلك فهو قوله وتشتكي إلى الله. ~~وروى أيضا عن عروة عن عائشة أنها قالت: تبارك الذي وسع سمعه الأصوات ~~كلها، إن المرأة لتناجي رسول الله صلى الله عليه وسلم، اسمع بعض كلامها، ~~ويخفى علي [بعضه]، إذا أنزل عز وجل { قد سمع الله قول التي ~~تجادلك في زوجها } الآية. # قال قتادة: أتت خويلة بنت ثعلبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تشتكي ~~إليه زوجها أوس بن الصامت فقالت: يا رسول الله ظاهر مني حين كبرت سني ورق ~~عظمي، فانزل الله عز وجل فيها ما تسمعون، ثم تلا { قد سمع الله ~~قول التي تجادلك } إلى قوله { لعفو غفور }. # وقوله: # ثم يعودون لما قالوا # [المجادلة: 3] أي: يريد المظاهر يغشى (امرأته بعدما ظاهر منها). # وروى أنه لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم أتستطيع أن تطعم ستين ~~مسكينا قال لا يا رسول الله إلا أن تعينني منك بعون وصلاة / يريد ودعاء ~~فأعانه (رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمسة عشر صاعا. # قال ابن عباس كان الرجل إذا قال لأمرأته في الجاهلية: أنت علي كظهر ~~أمي حرمت عليه، فمضى ذلك في الإسلام، وكان أول من ظاهر في الإسلام أوس ~~وكانت تحته ابنة عم له يقال لها خولة بنت خويلد فظاهر منها، فأسقط في يده ~~فقال ما أراك إلا قد حرمت علي، وقالت له مثل ذلك، قال فأتت النبي صلى ~~الله عليه وسلم فوجدت عنده ماشطة تمشط رأسه فأخبرته فقال يا خويلة ما ~~أمرنا في أمرك بشيء فأنزل الله عز وجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قد سمع الله... الآيات، فقال يا خويلة أبشري، قالت خيرا، فقرأ عليها { ~~قد سمع الله } إلى قوله { فتحرير رقبة من قبل أن ~~يتمآسا } ، قالت وأي رقبة لنا، والله ما يجد رقبة غيري، فقرأ عليها: ~~{ فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل ~~أن يتمآسا } فقالت: والله لو لا أنه يشرب ms2563 في اليوم ثلاث مرات لذهب ~~بصره، فقرأ عليها { فمن لم يستطع فإطعام ستين ~~مسكينا } ، فقالت من أين، ما هي إلا أكلة إلى مثلها قال فدعا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بشطر وسق وست ثلاثين صاعا، والوسق ستون صاعا، ~~فقال ليطعم ستين مسكينا وليراجعك. # وقال محمد بن كعب القرطي هي خولة بنت ثعلبة امرأة أوس بن الصامت، وكان ~~رجلا به لهم فقال في بعض هجراته: أنت علي كظهر أمي، ثم ندم على ما قال ~~فقال لها ما أظنك إلا قد حرمت علي، فقالت لا تقل ذلك، فوالله ما أحب ~~طلاقا فقالت إئت رسول الله فسله، فقال: إني أجدني أستحيي منه أن أسأله عن ~~هذا، قالت فدعني أنا أسأله /، فقال، فجاءت إلى رسول الله فقالت يا رسول ~~الله إن أوس بن الصامت أبو ولدي وأحب الناس إلي قد قال كلمة، والذي أنزل ~~عليك الكتاب ما ذكر طلاقا، قال أنت علي كظهر أمي. # فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم ما أراك إلا قد حرمت عليه، فقالت لا ~~تقل ذلك يا نبي الله، والله ما ذكر طلاقا، فرادت النبي مرارا، ثم قالت: ~~اللهم إني أشكو [اليوم] إليك شدة حالتي ووجدي وما يشق علي من فراقه، ~~اللهم فأنزل على لسان نبيك، فأنزل الله مكانها: قد سمع الله... الآيات. # وقوله: { وتشتكي إلى الله } هو ما شكت من تأسفها على فراق ~~زوجها. # وقوله: { والله يسمع تحاوركمآ } أي: يسمع تحاور النبي ~~وخولة. # { إن الله سميع } أي: يسمع ما يتحاور به كل اثنين فأكثر. # { بصير } بما يعملون، فيجازيهم عليه يوم القيامة. ### || [58.2-5] # قوله: { الذين يظاهرون منكم من نسآئهم } إلى قوله: ~~{ عذاب مهين } الآيات. # أي: الذين يحرمون نساءهم على أنفسهم بقولهم: انت علي كظهر أمي. # { ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ~~ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول ~~وزورا }. # أي: وإن الأزواج ليقولون إلى نسائهم (قولا منكرا، وقولا زورا) أي: ~~كذبا. # قال أبو قلابة وغيره: كان الظهار طلاق أهل الجاهلية طلاق بتات، لا يرجع ~~إلى امرأته من قاله ms2564 أبدا. # ثم قال: { وإن الله لعفو غفور } أي: ذو عفو وصفح عن ذنوب ~~عباده إذا تابوا منها، وذو ستر عليهم فلا يعاقبهم عليها بعد التوبة. # ثم قال: { والذين يظاهرون من نسآئهم ثم يعودون ~~لما قالوا } أي: والكفارة على من قال لامرأته: أنت علي كظهر أمي ~~ويريد الرجوع إلى الوطء تحرير رقبة من قبل أن يطأها، فإن لم يجد فعليه ~~صيام شهرين متتابعين أي: متصلين من قبل أن يطأها، فإن لم يستطع فعليه ~~إطعام ستين مسكينا. # وقوله: { ثم يعودون لما قالوا } معناه: ثم يرجعون في تحريم ~~ما حرموا على أنفسهم فيجعلونه حلالا وذلك الوطء. # قال قتادة: يريد أن يغشى بعد قوله. # وقال أهل الظاهر معناه: يعود للفظ مرة أخرى، فلا تلزمه الكفارة عندهم ~~حتى يقول لها مرة أخرى أنت علي كظهر أمي. ولا يلزمه شيء من قوله ذلك لها ~~مرة واحدة. # وقيل المعنى والذين كانوا يظاهرون من نسائهم في الجاهلية ثم يعودون في ~~الإسلام إلى مثل ذلك القول، فعلى من فعل ذلك في الإسلام تحرير رقبة من ~~قبل أن يتماسا. # وقيل معناه: ثم يصيرون لما كانوا يقولون في الجاهلية. # وقيل معناه: ثم يعزمون على إمساك النساء بعد المظاهرة. # وقيل معناه: أن يقيم مدة لا يطلق ثم يعود إلى فعل ما ترك فيخالفه. # وقال طاوس لما قالوا: للوطء. # وقال الأخفش سعيد: في الكلام تقديم وتأخير وتقديره: والذين يظهرون من ~~نسائهم فتحرير رقبة لما قالوا من قبل أن يتماسا، والمعنى يصيرون إلى ما ~~كانوا عليه من الجماع، فعليهم تحرير رقبة من أجل قولهم. # وقال الزجاج معناه ثم يعودون إلى إرادة الجماع من اجل ما قالوا. # وقال الفراء لما قالوا وإلى ما قالوا وفيما قالوا أي: يرجعون عن قولهم ~~وتحريمهم نساءهم / فيريدون الوطء. # وقال القتبي هو أن يعود لمثل ما كان يقال في الجاهلية (ولا تجزيه في ~~الكفارة) عند مالك إلا رقبة مسلمة، ولا يجوز عنده عتق المدبر ~~والمكاتب عن الظهار، ولا عتق أم الولد، فأما عتق الصبي فقد أجازه مالك ~~عن الظهار إذا ms2565 كان ذلك من قصر النفقة، وعتق من يصلي ويصوم أحب إليه، ولا ~~يجزي عن الظهار عتق من يعتق على الإنسان إذا ملكه كالأب والابن والأم ~~والجد والأخ، فإن أعتق عن ظهاره ما في بطن أمه فولدته حيا ثم مات لم ~~يجزه عند مالك، ولا يجزي عند مالك عتق الأعمى ولا المقعد ولا المقطوع ~~اليدين ولا أشلهما أو الرجلين، والمقطوع أحدهما، ولا الأعرج الشديد ~~العرج، ولا الأخرس، ولا المجنون المطبق، ولا الذي يجن ويفيق، ولا عتق من ~~أعتقه قبل ذلك إلى مدة، ولا عتق من اشتري بشرط أن يعتق على الرقاب ~~الواجبة، ولا يجزي عتق الأصم ولا المقطوع الإبهام، ولا المقطوع الأذنين، ~~ولا المفلوج الشق، ولا المقطوع الأصبع الواحدة فأكثر، ولا الأجذم، ولا ~~الأبرص، ولا عتق / كل من فيه عيب يضر به وينقص من ثمنه نقصا فاحشا، ~~ويجزئ عتق الأعور. # وقوله { من قبل أن يتمآسا } أي: فعليه الكفارة من قبل أن ~~يطأها، ولا يحل له وطئها إذا ظاهر منها حتى يكفر عن ظهاره، وإذا علق ~~ظهاره بشرط لم يلزمه الظهار إلا مع فعل ذلك الشرط، وذلك أن يقول لامرأته ~~أنت علي كظهر أمي إن دخلت دار فلان، فهو مظاهر حتى تدخل تلك الدار، فإذا ~~دخلت لزمه الظهار، ولا طلاق في الظهار، ولم ير الحسن بأسا أن يقبل ويغش ~~فيما دون الفرج قبل الكفارة. وقاله الثوري، ومنع مالك من ذلك، ومنعه من ~~النظر إلى شعرها قبل الكفارة. # وقوله { ذلكم توعظون به } أي: أوجب عليكم، ربكم من الكفارة ~~عظة لكم، لتنتهوا عن الظهار وقول الزور. { والله بما ~~تعملون خبير } أي: ذو خبر بأعمالكم لا يخفى عليه منها شيء، ~~فانتهوا عن قول الزور. # وقوله: { فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين } ~~أي: فمن لم يجد ما يشتري به رقبة، فعليه صيام شهرين متتابعين لا يفصل ~~بينهما ولا بين شيء من أيامهما بإفطار وهو متعمد، فإن أفطر لعذر بنى على ~~ما صام ولا شيء عليه، فإن أفطر لغير عذر ابتدأ الصيام، فإن أفطر لسفر ~~أحدثه ابتدأ ms2566 الصوم، فإن ابتدأ الصوم فأيسر أتم صومه، ولا يرجع إلى العتق ~~عند مالك، وإن ابتدأ الصيام أو ابتدأ الإطعام إن لم يقدر على الصيام ثم ~~جامع قبل إكمال الصيام أو الإطعام، ابتدأ الصيام والإطعام، كأن جماعه ~~ناسيا أو عامدا، ويجزيه الصيام بالأهلة وإن كان الشهران ثمانية وخمسين ~~أو ستا وخمسين يوما، فإن ابتدأ الصوم في غير أول الشهر صام ثلاثين ~~يوما، وشهرا على الهلال، وقيل يصوم ستين يوما، وإذا ظاهر وله دار وخادم ~~لزمه العتق عند مالك. وقوله: { فمن لم يستطع فإطعام ~~ستين مسكينا } أي: فمن لم يستطع الصوم فعليه أن يطعم ستين ~~مسكينا مدا من [حنطة] بمد هشام، هذا قول مالك وهو مد وثلثان بمد النبي ~~صلى الله عليه وسلم. # وروى ابن وهب عن مالك أنه يعطي لكل مسكين مدين بمد النبي صلى الله عليه ~~وسلم فإن أعطى مدا بمد هشام أجزأه إذا أعطاهم في جميع الكفارات مما هو ~~أكثر عيش ذلك البلد أجزاه، ولا يجزى في ذلك عرض ولا دارهم ولا دقيق ولا ~~سويق. # قال ابن القاسم فأن أطعم لكفارته ثلاثين مسكينا من حنطة ثم طاق العسر ~~حتى صار عيشهم الثمر أو الشعير، فلا بأس أن يعطي تمام الستين ثمرا أو ~~شعيرا. وقد قال الأوزاعي إن أعطى في الكفارة ثمنها أجزأه، وكذلك قال ~~أصحاب الرأي، ولا يجوز أن يعطي الثلاثين مثل ما يعطي لستين فيكون عليهم ~~العطاء، ولا بد من العدد، وإذا ظاهر فمات أو ماتت ولم يكفر ورثها وورثته. # والظهار عند مالك على كل حر وعبد من المسلمين في كل زوجة حرة كانت أو ~~أمة أو كتابية، إلا أنه إذا ظاهر من امرأته وهي أمة ثم اشتراها فالظهار ~~لازم. ويلزم السكران ظهاره كما يلزمه الطلاق، ولا يلزم المكره الظهار. ~~وفي الظهار من الأمة، الكفارة تامة عند مالك، ويلزم العبد في الظهار ~~صيام شهرين كالحر ولا يعتق إلا بإذن مولاه. وإذا ظاهر الرجل من امرأته ~~مرارا لم تلزمه إلا كفارة واحدة، (وأما المظاهر) من امرأتيه أو ثلاث أو ms2567 ~~أربع في ظهار واحد لم تلزمه إلا كفارة واحدة. وكل من ظاهر من امرأته ~~بامرأة مسن ذوات المحارم من النسب أو الرضاع لزمه، كقوله: أنت علي كظهر ~~أختي (أو كظهر ابنة ابنتي) أو كظهر أختي من الرضاع، وكذلك عند مالك إذا ~~قال لها أنت علي كظهر / أبي: يلزمه الظهار. وكذلك يلزسمه الظهار لو قال ~~لامرأته: أنت علي (كظهر أخي وكقدم أخي) ونحوه من العورات، وإنما خص هذا ~~اللفظ في اليمين بالظهر دون البطن، لأن الظهر موضع الركوب من البهائم، ~~والمرأة مركوبة، إذا غشيت، فكأنه إذا قال أنت علي كظهر أمي، قال: ركوبك ~~للنكاح حرام علي كركوب أبي للنكاح /، فأقام الظهر مقام الركوب، إذ الركوب ~~من غير بني آدم إنما يركب على ظهر، فهو استعارة لطيفة. ثم قال { ذلك ~~لتؤمنوا بالله ورسوله } أي: ألزمت من ظاهر ذلك من ~~الكفارات كي تقروا بتوحيد الله وبرسوله إذا عملتم بما أمرتم به. وقال ~~الزجاج معناه: ذلك التغليظ عليكم لتؤمنوا بالله ورسوله. ثم قال { ~~وتلك حدود الله } أي: فرائضه التي حدها لكم. # { وللكافرين عذاب أليم } أي: ولمن كفر بحدود الله في ~~الآخرة عذاب مؤلم؛ أي: موجع. # ثم قال: { إن الذين يحآدون الله ورسوله كبتوا } ~~أي: إن الذين يخالفون الله في حدوده وفرائضه فيجعلون لأنفسهم حدودا غير ~~حدوده كبتوا، أي: غيظوا وأخزوا كما غيظ الذين من قبلهم من الأمم الذين ~~حادوا الله ورسوله، قاله قتادة. # وقال ابو عبيدة كبتوا: أي أهلكوا، وأصله كبدوا (من قولهم): كبده الله: ~~أي: أصاب الله كبده، ثم أبدلت التاء من الدال، ثم قيل ذلك لكل من أهلك ~~وغيظ وأذل. وقيل معناه: غيظوا يوم الخندق كما غيظ الذين من قبلهم ممن ~~قاتل الأنبياء. ومعنى يحادون: يصيرون في حد أعداء الله ومخالفي أمره. # ثم قال { وقد أنزلنآ آيات بينات } أي: دلالات ظاهرات ~~محكمات. # وللكافرين بتلك الآيات عذاب مهين، أي: مذل يوم القيامة. ### || [58.6-13] # قوله: { يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم } إلى ~~قوله { والله خبير بما تعملون } الآيات. # أي: اذكر يا محمد يوم يبعثهم الله ms2568 جميعا، ويجوز أن يكون العامل " ~~مهينا " فلا يوقف عليه أي: وللكفارين بحدود الله عذاب مهين في يوم ~~يبعثهم الله جميعا، وذلك يوم القيامة يبعثون من قبورهم ليخبرهم الله بما ~~عملوا في الدنيا، أحصى الله أعمالهم فنسوها. # { والله على كل شيء شهيد } أي: هو شهيد على كل شيء ~~عملوه، أي: شاهد على ذلك، محيط علمه بذلك. # ثم قال: { ألم تر أن الله يعلم ما في السموت ~~وما في الأرض } أي: ألم تعلم يا محمد وتنظر بعين قلبك أن الله لا ~~يخفى عليه شيء في السماوات والأرض، فكيف يخفى عليه أعمال هؤلاء الكفارة. ~~وقوله { ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم } ~~" ثلاثة " بدل من " نجوى " على اللفظ، " ونجوى " بمعنى متناجين، ويجوز أن ~~يكون " نجوى " مضافة إلى ثلاثة { إلا هو رابعهم } ، ونجوى ~~بمعنى: (سر، أي: من سر ثلاثة)، وقد يجوز رفع " ثلاثة " على البدل من موضع ~~" نجوى " ، ويجوز نصبه على الحال من المضمر في " نجوى ". # وفي حرف عبد الله: ولا أربعة إلا هو خامسهم، وفيه أيضا إلا الله رابعهم. ~~{ ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ~~ولا أكثر } إلا الله معهم إذا تناجوا. وهذه قراءة على التفسير لا ~~يجوز أن يقرأ بها لمخالفتها للمصحف. # وقرأ أبو جعفر يزيد " ما تكون من نجوى ثلاثة " بالتاء على ~~تأنيث النجوى، كما تقول ما جاءتني من امرأة. وقرأ الحسن ولا أكثر بالرفع، ~~عطف على الموضع. ومعنى هو رابعهم وهو سادسهم أي: هو شاهدهم بعلمه وهو على ~~عرشه قاله الضحاك وغيره. # ثم قال { ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم ~~يعودون لما نهوا عنه } أي: ألم تنظر (بعين قلبك يا محمد) إلى ~~الذين نهوا عن النجوى من اليهود، ثم يعودون إلى النجوى بعد نهي (الله عز ~~وجل لهم) عنها، ويتناجون بينهم بالإثم والعدوان ومعصية الرسول. # قال مجاهد: هم اليهود. وقيل هم المنافقون كان # " النبي صلى الله عليه وسلم يأمرهم بالأمر من أمر الله تعالى، فيقولون ~~سمعا وطاعة، ثم يتحول بعضهم إلى بعض فيتناجون بخلاف ms2569 ما أمرهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم حتى أسرفوا، والله يمهلهم حتى قالوا لولا يعذبنا الله بما ~~نقول، فكانوا يحيون النبي عليه السلام بغير تحية الإسلام، فأنزل الله عز ~~وجل { حسبهم جهنم يصلونها } ". # ثم قال { وإذا جآءوك حيوك بما لم يحيك به الله ~~} [أي: وإذا جاءك هؤلاء الذين نهوا عن النجوى ولم يقبلوا النهي حيوك بما ~~لم يحيك به الله]. # يقولون: السلام عليكم. قالت عائشة رضي الله عنها: # " جاء ناس من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم / فقالوا: السلام ~~عليك يا أبا القاسم فقلت: السلام عليكم فعل الله بكم وفعل، فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم إن الله لا يحب الفحشاء / ولا التفحش، فقلت: يا رسول ~~الله ألست ترى ما يقولون؟ فقال: ألست تراني أرد عليهم ما يقولون، أقول: ~~وعليكم، فنزلت هذه الآية في ذلك ". # ثم قال: { ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله ~~بما نقول } أي: يقول هؤلاء الذين يحيونك بما لم يحيك به الله هلا ~~يعاقبنا الله بقولنا. وقال ابن زيد السام: الموت. قال قتادة: ومجاهد: هم ~~اليهود. وعن ابن عباس أنهم المنافقون. # ثم قال: { حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير } ~~أي: كفاهم دخولهم جهنم يوم القيامة عقوبة لهم فبئس المنقلب والمرجع، فلا ~~يستعجلوا العذاب والعقوبة بقولهم: " لولا يعذبنا الله بما نقول ". # ثم قال: { يأيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا ~~تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول } أي: ~~لا تفعلوا ذلك كما فعله المنافقون، ولكن تناجوا بالبر والتقوى، أي: بطاعة ~~الله عز وجل، وما يقربكم إليه سبحانه وأداء ما كلفكم من فرائضه (جلت ~~عظمته). # { واتقوا الله الذي إليه تحشرون } أي: وخافوا الله ~~الذي إليه مصيركم في معادكم أن تخالفوا طاعته ثم قال: { إنما ~~النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا }. # قال قتادة: كان المنافقون يتناجون بينهم فكان ذلك يغيظ المؤمنين وتكبر ~~عليهم، فانزل الله عز وجل هذه الآية. # ثم أعلمهم أن ذلك لا يضرهم فقال: { وليس بضآرهم شيئا } أي: ~~ليس تناجي المنافقين فيما بينهم بضار للمؤمنين إلا بإذن الله. # { وعلى الله فليتوكل ms2570 المؤمنون } قال ابن زيد: كان ~~الرجل يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسأله الحاجة ليرى الناس أنه ~~قد ناجى النبي صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا ~~يمنع من ذلك أحدا، قال: والأرض يومئذ حرب على أهل هذا البلد، وكان إبليس ~~يأتي القوم فيقول لهم: إنما يتناجون في أمور قد حضرت وجموع قد جمعت لكم، ~~فقال الله عز وجل: { إنما النجوى من الشيطان } الآية. ~~وقال عطية العوفي هي الأحلام التي يراها الإنسان في نومه فتحزنه. # ثم قال: { يأيها الذين آمنوا إذا قيل لكم ~~تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم } ~~أي: إذا قيل لكم توسعوا في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوسعوا ~~يوسع الله عليكم في منازلكم في الجنة. # قال مالك: [نزلت] في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم كان كل رجل منهم ~~يسر بقربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلسه فيمنعه ذلك من ~~التفسح لأخيه. # قال مالك وأرى مجالس العلم من ذلك وهي داخلة في الآية. # { وإذا قيل انشزوا فانشزوا } أي: ارتفعوا وانضموا، فانضموا ~~يرفع الله الذين آمنوا منكم في درجات وقيل المعنى: وإذا قيل ارتفعوا إلى ~~قتال عدوكم فقوموا إلى ذلك أو لصلاة أو لعمل خير فقوموا، قاله ابن عباس ~~ومجاهد. وقال الحسن: هذا كله في الغزو. وقال قتادة: معناه: إذا دعيتم إلى ~~خير فأجيبوا. وقال ابن زيد معناه: وإذا قيل [لكم] ارتفعوا عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فإن له حوائج فارتفعوا عنه. # يقال نشز: إذا تنحى عن موضع، وامرأة ناشزة [أو] متنحية عن زوجها، وأصله ~~من النشز، والنشز هو ما ارتفع من الأرض. # قال قتادة: هو مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم [كانوا إذا رأوا من ~~جاءهم مقبلا ضيقوا مجلسهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم]، فأمرهم ~~الله عز وجل أن يفسح بعضهم [لبعض]. # وقال الضحاك: كان هذا للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة ومن حوله أمروا أن ~~يتوسعوا حتى يصيب كل ms2571 رجل منهم مجلسا من النبي صلى الله عليه وسلم. # قال قتادة: كانوا يتنافسون في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم، فأمروا ~~بالتفسح. # وقال ابن عباس: عني به مجالس القتال إذا اصطفوا للحرب، وقاله الحسن. # ثم قال: { يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين ~~أوتوا العلم درجات } [أي]: درجات في دينهم إذا فعلوا ما أمروا ~~به. وقيل يرفعهم في الثواب والكرامة. وقيل يرفعهم على غيرهم ممن لا علم ~~عنده في الفضل. وقيل الدرجات هنا للعلماء خاصة. / # قال ابن مسعود: معناه: يرفع الله الذين آمنوا منكم، ويرفع الله / الذين ~~أوتوا العلم درجات على الذين آمنوا ولا علم عندهم. # قال مطرف: فضل العلم أحب إلي من فضل العبادة. وخير دينكم الورع. # ثم قال: { والله بما تعملون خبير } أي: ذو خبر بأعمالكم ~~كلها لا يخفى عليه المطيع ربه من العاصي له، فيجازي كلا بما عمل. / # ثم قال { يأيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول ~~فقدموا بين يدي نجواكم صدقة } نهى أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن يناجوه حتى يتصدقوا، تعظيما له، فلم يناجه إلا علي ~~بن أبي طالب بعد أن قدم صدقة دينار، ثم نسخ ذلك بما بعده، فرخص لهم أن ~~يناجوه من غير تقديم صدقة. # قال علي: إن في كتاب الله لآية لم يعمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد ~~بعدي، كان عندي دينار فصرفته بعشرة دراهم فكنت إذا ناجيت رسول الله تصدقت ~~بدرهم فنسخت. # قال قتادة: سأل الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحفوا في ~~المسألة فقطعهم الله بهذه الآية، فكان الرجل تكون له الحاجة إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فلا يستطيع أن يقضيها حتى يقدم بين يديه صدقة، فاشتد ~~ذلك [عليهم]؛ فأنزل الله عز وجل الرحمة في قوله { ءأشفقتم أن ~~تقدموا بين يدي نجواكم صدقات } الآية. # وقال ابن عباس: كان المسلمون يقدمون بين يدي النجوى صدقة، فلما نزلت ~~الزكاة نسخت هذا. # (وروي عن ابن عباس) أنه قال: كان المسلمون يكثرون المسائل على رسول الله ~~صلى الله عليه ms2572 وسلم حتى شقوا عليه، فأراد الله عز وجل أن يخفف عن نبيه ~~عليه السلام، فصبر كثير من الناس وكفوا عن المسألة، ثم وسع الله عليهم ~~بالآية التي بعدها /. # قال ابن زيد: ضيق الله عليهم في المناجات لئلا يناجي أهل الباطل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فشق ذلك على أهل الحق، فقالوا يا رسول الله لا ~~نستطيع ذلك ولا نطيقه، فنزل التخفيف. قال قتادة: ما قامت إلا ساعة من ~~نهار ثم نسخت. ومعنى أشفقتم: أشق ذلك عليكم، ولا يوصف الله عز وجل ~~بالإشفاق، لا يقال يا شفيق. لأن أصله الحزن والخوف. ### || [58.14-22] # قوله: { ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب ~~الله عليهم } الآيات. # أي: ألم تنظر بعين قلبك يا محمد فترى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم. ~~يعني: المنافقين والوا اليهود، ما هم منكم [ولا منهم]، أي: ما المنافقون ~~من أهل دينكم ولا من أهل دينهم، وهذا مثل قوله: # ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم ~~الذين كفروا من أهل الكتاب # [الحشر: 11] الآية. # وهو مثل قوله أيضا: # فترى الذين في قلوبهم مرض # [المائدة: 52] أي: نفاق # يسارعون فيهم # [المائدة: 52] أي: في موالات اليهود # يقولون نخشى أن تصيبنا دآئرة # [المائدة: 52] يعني المنافقين يقولون ذلك. # قال ابن زيد هؤلاء المنافقون قالوا لا ندع حلفاءنا وموالينا فيكونون ~~معنا لنصرتنا وعزنا، نخشى أن تصيبنا دائرة، فقال الله جل ذكره: # فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده # [المائدة: 52] الآيات. # وقوله { ويحلفون على الكذب وهم يعلمون } أي: يحلفون ~~للنبي صلى الله عليه وسلم أنهم يشهدون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~وهو قوله: # إذا جآءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول ~~الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد ~~إن المنافقين لكاذبون # [المنافقون: 1] أي: لكاذبون في ادعائهم أن ذلك إيمان من قلوبهم وإقرار ~~صحيح، إنما ذلك قول بألسنتهم واعتقادهم خلاف ذلك، وهذا مثل قوله: # وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا ~~إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن ~~مستهزئون # [البقرة: 14] وذكر هذه الآية نزلت في ms2573 رجل من المنافقين عاتبه النبي صلى ~~الله عليه وسلم في أمر بلغه عنه، فحلف كاذبا. # وقال ابن عباس: # " كان النبي صلى الله عليه وسلم في ظل شجرة قد كاد الظل يتقلص عنه، إذ ~~قال يجيئكم الساعة رجل ينظر إليكم نظر شيطان، فنحن على ذلك إذ أقبل رجل ~~أزرق، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال علام تسبني أنت وأصحابك؟ ~~فقال دعي أجيئك بهم فمر فجاء بهم فحلفوا جميعا أنه ما كان من ذلك شيء، ~~فأنزل الله: { يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له ~~كما يحلفون لكم } الآية ". # ثم قال: { أعد الله لهم عذابا شديدا } أي: لهؤلاء ~~المنافقين الذين تولوا اليهود. { إنهم سآء ما كانوا ~~يعملون } أي: بئس عملهم في الدنيا لغشهم للمسلمين ونصحهم اليهود. # ثم قال: { اتخذوا أيمانهم جنة } أي: جعلوا حلفهم جنة ~~يمتنعون بها من القتل، ويدفعون بها عن أنفسهم وأموالهم وذراريهم العقوبة، ~~وذلك أنه إذا اطلع على شيء من نفاقهم حلفوا للمؤمنين انهم منهم، فيتركون. # ثم قال: { فصدوا عن سبيل الله } أي: فصدوا المؤمنين ~~بإيمانهم عن أن يقتلوهم، وقتلهم هو سبيل الله فيهم، لأنهم كفار لا يؤدون ~~الجزية. # ثم قال: { فلهم عذاب مهين } أي: فلهؤلاء المنافقين في ~~الآخرة عذاب مذل، وهو عذاب النار. # ثم قال: { لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم ~~من الله شيئا } أي: لن ينتفعوا بها في الآخرة من عقوبة الله / ~~لهم ولن ينقذوا بها من عذاب الهم. # { أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } يعني: ~~المنافقين إنهم ماكثون أبدا في نار جهنم. # ثم قال: { يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له ~~كما يحلفون [لكم] } أي: هم ماكثون في النار / يوم يبعثهم الله ~~جميعا، وذلك يوم القيامة. ويجوز أن يكون تقدير العامل: اذكر يوم يبعثهم ~~الله من قبورهم فيحلفون لله وهم كاذبون كما يحلفون للمؤمنين وهم كاذبون. # قال قتادة: إن المنافق حلف يوم القيامة كما حلف في الدنيا. ثم قال { ~~ويحسبون أنهم على شيء } أي: ويظنون أنهم في أيمانهم ~~وحلفهم لله كاذبين على شيء من الحق. # { ألا إنهم ms2574 هم الكاذبون } أي: في حلفهم. # وأجاز علي بن سليمان " ألا أنهم " بالفتح، فجعل " ألا " بمعنى " حقا ". # ثم قال: { استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر ~~الله } أي: غلب عليهم واستولى على قلوبهم فنسوا ذكر الله. # { أولئك حزب الشيطان } أي: جنده وأتباعه. # { ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون } [أي: جنده ~~وأتباعه هم] الهالكون المغبونون في الآخرة. # ثم قال: { إن الذين يحآدون الله ورسوله } أي: ~~يخالفونه في حدوده، فيصيرون في حد آخر غير الذي حد لهم. وقال المفسرون ~~يحادون: يعادون. وقيل يشاقون، والمعنى واحد. # ثم قال: { أولئك في الأذلين } أي: في أهل الذلة، لأن ~~الغلبة لله ورسوله. # ثم قال تعالى: { كتب الله لأغلبن أنا ورسلي } أي: ~~قضى ذلك في أم الكتاب. # قال قتادة: كتب كتابا فأمضاه. وقال غيره: كتبه في اللوح المحفوظ. # وقال الفراء " كتب " هنا بمعنى: " قال ". # ثم قال: { إن الله قوي عزيز } أي: ذو قوة على كل من حاده ~~ورسوله أن يهلكه، عزيز في انتقامه من أعدائه. # ثم قال: { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم ~~الآخر يوآدون من حآد الله ورسوله } أي: ليس من والى ~~من عادى الله ورسوله مؤمنين بالله واليوم الآخر. # ولو (كان الذي) عادى الله ورسوله أبا له أو ابنا له أو أخا له أو ~~زوجا أو عشيرة له، لا عذر في موالاته بهذه القرابة إذا كان ممن عادى ~~الله ورسوله. # وروي أن هذه الآية / # " نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى أهل مكة يخبرهم بخروج النبي ~~صلى الله عليه وسلم ويأمرهم بالتحرز ثم أعتذر لما اطلع عليه بأهله بمكة، ~~وأنه أحب أن يقدم عندهم يدا يحفظون أهله من أجلها. وفي دعاء النبي صلى ~~الله عليه وسلم " اللهم لا تجعل لأحد أشرك بك في عنقي منة فيكون ذلك سببا ~~للمودة لأنك لا تجد قوما يؤمنون بالله [واليوم] إلى أو عشيرتهم ". # ثم قال: { أولئك كتب في قلوبهم الإيمان } أي: أولئك ~~الذين لا يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا ذوي قربى منهم ونسب، كتب ~~الله عز وجل في ms2575 قلوبهم الإيمان، (أي: غطى قلوبهم بالإيمان). # و " في " بمعنى " اللام " والإخبار عن القلب كالأخبار عن صاحبه.. وقيل ~~معناه: كتب في قلوبهم سمة الإيمان ليعلم أنهم مؤمنون. وقد روي أن أبا ~~عبيدة بن الجراح قتل أباه يوم أحد. وأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قتل ~~خاله العاصي بن هشام يوم بدر، ودعا أبو بكر ابنه للبراز يوم بدر فأمره ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن يقعد، وأن مصعب بن عمير قتل أخاه يوم أحد. ~~وكان علي وعمه حمزة وعبيدة بن الحارث قتلوا يوم بدر عتبة بن ربيعة وشيبة ~~بن ربيعة والوليد بن عتبة وهم أقرباؤهم، (فلم يتوقف) أحد عن قتل أهله ~~وقرابته، فمدحهم الله عز وجل في هذه الآية. # ثم قال { وأيدهم بروح منه } أي: وقواهم ببرهان منه. وذلك ~~النور والهدى الذين يجعلها الله عز وجل في قلب من يشاء. وقيل بروح منه: ~~بجبريل ينصرهم ويؤيدهم ويوقفهم. ثم وعدهم بالجنة. # فقال: { ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها } أي: ماكثين فيها رضي الله عنهم بطاعتهم إياه ورضوا ~~عنه بوفائه إياهم ما وعدهم من الجنة. # ثم قال: { أولئك حزب الله } أي: جنده وأولياؤه. # { ألا إن حزب الله هم المفلحون } أي: الباقون في ~~النعيم المقيم والفلاح والبقاء. ### | [59 - سورة الحشر] ### || [59.1-7] # قوله: { سبح لله ما في السموت وما في الأرض } ~~إلى قوله { شديد العقاب } الآيات. # أي: صلى وسجد لله ما في السماوات وما في الأرض من خلقه، وهو العزيز في ~~انتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبير خلقه. # ثم قال: { هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل ~~الكتاب من ديارهم لأول الحشر } يعني: بني النضير ~~حاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم في منصرفه من أحد، لأنهم أعانوا ~~المشركين على المسلمين ونقضوا العهد، فلما ضيق عليهم صالحهم على أن لهم ~~ما حملت الأبل من رحالتهم سوى الحلقة، والحلقة: السلاح، وأجلاهم إلى ~~الشام، وذلك أول الحشر / [حشر الناس إلى الشام في الدنيا ثم يحشرون إليها ~~في الآخرة، فلذلك قال لأول الحشر]: أي: لأول الحشر ms2576 في الدنيا إلى ارض ~~الشام، ومنهم من جلي إلى خيبر، وبنو النضير حي من اليهود لم يجلوا قط، ~~ولكن قضى الله عز وجل عليهم أنهم لا بد أن يجلوا من ديارهم. وهو قوله: { ~~ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في ~~الدنيا } يعني: بالسيف والسبي. وروى الحسن أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لما أجلى بني النضير إلى الشام قال لهم امضوا هذا أول الحشر وأنا ~~على الأثر. # قال عكرمة: إن شككتم أن الشام أرض المحشر فاقرأوا أول الحشر. # وقال ابن عباس: لأول الحشر، أنهم أول من حشر من أهل الكتاب وأخرج من ~~ديارهم. # ثم قال: { ما ظننتم أن يخرجوا } يقوله للمؤمنين، لم تظنوا ~~أيها المؤمنون أنهم يخرجون من ديارهم / لشدتهم واجتماع كلمتهم. # { وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله } روي ~~أن المنافقين بعثوا إليهم من المدينة لما حاصرهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم يأمرونهم بالثبات في حصونهم ويعدونهم النصرة، وهو قوله: # ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم ~~الذين كفروا من أهل الكتاب # [الحشر: 11] الآية. # وقوله: { لأول الحشر } هو إخراج النبي بني النضير من المدينة ~~إلى خيبر، وآخر الحشر هو إخراجهم من خيبر إلى أريحا وأذرعات، وذلك على يد ~~عمر رضي الله عنه. وقيل آخر حشرهم يوم القيامة. # ثم قال: { فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا } أي: ~~فجاءهم أمر الله، فقذف في قلوبهم الرعب عند نزول النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه بهم، فذهب ما كانوا يظنون أن حصونهم مانعة لهم من النبي ~~عليه السلام وأصحابه. # وقال أبو صالح: معنى: { فأتاهم الله من حيث لم ~~يحتسبوا }: هو قتل كعب ابن الأشرف. # وروى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " نصرت بالرعب على مسيرة شهر ". # ومعنى { يحتسبوا }: يظنوا. وقيل: يعلموا، من قول الناس: حسبه ~~الله: أي: العالم بخبره الله، وهو الذي يجازيه. # وقيل: معناه: كافي إياك الله. من قولهم: أحسب الشيء: إذا كفاه وقيل حسبك ~~الله: معناه: محاسبك، كشريب بمعنى شارب. وقيل: حسبك الله معناه، المقتدر ~~عليك الله، ms2577 ومنه قوله: # كان على كل شيء حسيبا # [النساء: 86] أي: مقتدرا. # ثم قال: { يخربون بيوتهم بأيديهم }. من خفف فمعناه: ~~[يتركونها معطلة، والبيت المعطل خراب، وقيل معناه يهدمونها، ومن يشدد] ~~فمعناه: يهدمونها أيضا: كأذكرت الرجل وذكرته (وأبلغته)، ومعناه: أن ~~المؤمنين كانوا يهدمون الحصون ليدخلوا عليهم البيوت واليهود [يهدمون ~~بيوتهم ويبنون ما هدم المؤمنون من الحصن فهم والمؤمنون يهدمون] مساكنهم ~~وبيوتهم قاله ابن عباس والضحاك. # وقيل: إنهم / لما صولحوا على ما حملت إبلهم كان أحدهم ينظر إلى الخشبة ~~في منزله فيستحسنها والعمود والباب. فينزع ذلك ويهدمه فيحمله معه، ~~والمؤمنون يهدمون ما بقي. # قال قتادة: جعل المؤمنون يخربون من ظاهر وجعلوا هم يخربون من داخل. قال ~~الزهري لما صالحوا كانوا لا تعجبهم خشبة إلا أخذوها، فكان ذلك خرابهم ~~لبيوتهم، وهو معنى قول ابن زيد. # قال قتادة: كان المسلمون يخربون من خارج ليدخلوا على اليهود، واليهود ~~يخربون من داخل. # ثم قال { فاعتبروا يأولي الأبصار } أي: فاتعظوا يا معشر ~~ذوي الأفهام بما أحل الله بهؤلاء اليهود. # وقيل معناه: يا من أبصر بعينه، والأول أحسن. # والاعتبار اشتقاقه من عبر إلى كذا: إذا جاوز إليه، والعبرة منه لأنها ~~متجاوزة من العين إلى الخد. # ثم قال { ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء ~~لعذبهم في الدنيا } أي: لولا أن الله عز وجل (قضى وحتم على ~~هؤلاء اليهود الجلاء) لعذبهم في الدنيا بالسيف [والسبي]، ولهم مع ذلك في ~~الآخرة عذاب النار. # قال الزهري: كان النضير من سبط لم يصبهم جلاء قط فيما مضى، وكان الله عز ~~وجل قد كتب عليهم الجلاء، فأتم فيهم قضاءه، ولولا ذلك لعذبهم بالسيف ~~والسبي في الدنيا. # والجلاء: الانتقال من مكان إلى مكان، يقال جلا القوم من منازلهم ~~وأجليتهم. وحكى أحمد بن يحيى: أجلي القوم من منازلهم. بمعنى: جلوا. # وحكى غيره: جلوا عن منازلهم يجلون، قال ابن عباس كان النبي عليه السلام ~~قد حاصرهم حتى بلغ بهم كل مبلغ فأعطوا ما أراد منهم، فصالحهم على أن يحقن ~~لهم دماءهم، وأن يخرجهم من أرضهم ويسيرهم إلى أذرعات الشام، ms2578 وجعل لكل ~~ثلاثة منهم بعيرا وسقاء. # ثم قال تعالى: { ذلك بأنهم شآقوا الله ورسوله } ~~أي: الأمر ذلك، لأنهم خالفوا أمر الله عز وجل، وأمر رسوله صلى الله عليه ~~وسلم، فصاروا في شق والمؤمنون في شق، ويجوز أن يكون التقدير: فعلنا بهم ~~ذلك لأنهم شاقوا الله ورسوله، " فذلك " على القول [الأول] في موضع رفع ~~خبر الابتداء المضمر، وعلى هذا القول في موضع نصب بالفعل المضمر. # ثم قال تعالى: { ومن يشآق الله فإن الله شديد ~~العقاب } أي: ومن يخالف الله في أمره فإن الله شديد العقاب له في ~~الآخرة. # ثم قال: { ما قطعتم من لينة أو تركتموها قآئمة ~~على أصولها فبإذن الله }. # أي: ما قطعتم من ألوان النخل أو تركتموها قائمة فلم تقطعوها. واللينة ~~جمع ألوان النخل سوى العجوة، قال عكرمة، وقاله يزيد بن رومان وقتادة وهو ~~قول ابن عباس وابن جبير والزهري. # وقال مجاهد: اللينة: النخل كله من العجوة وغيرها، وقال: نهى بعض ~~المهاجرين بعضا عن قطع النخل، وقال: إنما هي مغانم المسلمين، فنزل ~~القرآن بتصديق من نهى عن قطعه وتحليل قطع من قطع، فاعلموا أن ما قطع منه ~~وما ترك بإذن الله كان. # وقال ابن زيد اللينة: النخلة عجوة كانت أو غير عجوة. # وعن ابن عباس: اللينة: لون من النخيل. # وعن سفيان الثوري: اللينة: كرام النخل. # وقال أبو عبيدة: هي ألوان النخل ما لم تكن العجوة والبرني. # وروي: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حاصرهم فتحصنوا [وأبوا أن ~~يخرجوا، قطع نخلهم وأحرقها، فقالوا يا محمد أنت تنهى عن الفساد] فما معنى ~~هذا؟ فوقع في قلوب المسلمين من ذلك شيء فأنزل الله عز وجل { ما ~~قطعتم من لينة } " الآية. # وروى: أن أبا بكر نهى المسلمين عن قطع النخل [حين] وجه بهم لفتح الشام، ~~وإنما ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم [أعلمهم] أن الشام ستفتح عليهم، ~~فلما تيقن بفتحها لم يحتج إلى إخراب ما ينتفع به المسلمون. # والياء في " لينة " منقلبة عن واو / لأنها من اللون، وقيل هي مشتقة من ms2579 ~~لأن يلين، فتكون الياء أصلية غير منقلبة. # ومعنى: { فبإذن الله } أي: فبأمر الله قطعت نقمة من أعدائه ~~وخزيا لهم وهو قوله: { وليخزي الفاسقين } ليذلهم، وهم بنو ~~النضير. # ثم قال: { ومآ أفآء الله على رسوله منهم فمآ ~~أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب } أي: الذي رد الله على ~~رسوله صلى الله عليه وسلم من أموال بني النضير فلم توجفوا على غنيمته ~~وأخذه خيلا ولا إبلا، أي: لم تلقوا في ذلك حربا ولا مئونة، لأنهم معكم ~~في بلدكم. قال قتادة: ما قطعتم إليهم واديا، ولا سرتم مسيرا، إنما كانت ~~حوائط بين النضير طعمة لكم من عند الله. / (وقد قيل إنما عني بذلك) أموال ~~بني قريظة، إذ قتلهم النبي صلى الله عليه وسلم، وسباهم لما استولى عليهم، ~~قاله الضحاك. وأكثر المفسرين على أنهم بنو النضير، لأنهم صولحوا على ~~الجلاء وتركوا أموالهم بغير إيجاف من خيل ولا ركاب. والإيجاف: ضرب من ~~السير سريع. يقال: وجف: إذا أسرع، وأوجفه غيره. # قال مجاهد: في قوله { فمآ أوجفتم عليه من خيل ولا ~~ركاب } ذكرهم ربهم عز وجل أنه نصرهم وكفاهم. # قال ابن عباس: # " أمر الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم بالمسير إلى قريظة والنضير، ~~وليس للمسلمين يومئذ كبير خيل ولا ركاب يوجف عليها فملكوا من ذلك خيبر ~~وفدك وقرى ثم أمر الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم أن يعمد لينبع ~~فأتاها فاحتواها كلها عدة (لنفقته ومصالح) المسلمين ولم يقسمها، فكان ~~يفعل فيها ما يرى فيجعل الباقي بعد مصلحته في السلاح الذي يقاتل به ~~العدو، وفي الكراع، فلما توفي النبي صلى الله عليه وسلم طلبت فاطمة أبا ~~بكر في إرثها من ذلك، فقال أبو بكر أنت أعز علي [غير] أني سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: " لا نورث " ما تركنا صدقة ". # ولكني أقره على ما كان في (عهد رسول الله) صلى الله عليه وسلم فقال ناس: ~~هلا قسمها النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل { مآ أفآء ~~الله على رسوله ms2580 من أهل القرى فلله وللرسول ~~}. # ثم قال تعالى: { ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم ~~عنه فانتهوا }. # ثم قال: { ولكن الله يسلط رسله على من يشآء } ~~أي: يفعل ذلك كما سلط محمدا صلى الله عليه وسلم على بني النضير، فكان له ~~خاصة ما غنم منهم يعمل فيه ما يرى. # ثم قال: { والله على كل شيء قدير } أي: ذو قدرة على كل ~~شيء، لا يعجزه شيء، وبقدرته سلط محمدا صلى الله عليه وسلم على بني النضير ~~وغيرهم. # ثم قال: { مآ أفآء الله على رسوله من أهل القرى ~~فلله وللرسول ولذي القربى }. # أي: الذي رد الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم من أموال مشركي ~~القرى [فلله وللرسول يعني القرى] التي غنمت بقتال وإيجاف خيل وركاب، ثم ~~نسخ ذلك في سورة الأنفال بقوله: # واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله # [الانفال: 41] الآية. # وقيل: أي: هذا فيما غنمتم بصلح من غير إيجاف خيل أو ركاب فيكون مثل ~~الأول في المعنى، إلا أن الأول مخصوص في (بني النضير) خاصة يتفرد به ~~النبي صلى الله عليه وسلم يفعل فيه ما يرى، وكذلك فعل، وهذا الثاني يكون ~~للأصناف التي ذكر الله عز وجل والذي في سورة الأنفال في ما غنم بخيل ~~وركاب وقتال، فالثلاث الآيات محكمات على هذا القول. # وقيل: أن هذا غير الأول لأن هذا إنما هو في ما كان من الجزية. والخراج ~~يكون لهؤلاء الأصناف المذكورين، والأول للنبي عليه السلام خاصة، وما في ~~الأنفال هو ما غنم بإيجاف خيل وركاب وقتال يكون للأصناف المذكورين، وهذا ~~القول قاله معمر. # ثم قال: { كي لا يكون دولة بين الأغنيآء منكم } أي: ~~فعلنا ذلك في هذه الغنائم كي لا يقتسمه الأغنياء منكم ويتداولوه بينهم ~~دون من ذكر الله عز وجل. # ثم قال: { واتقوا الله } أي: اتقوه أن تخالفوا رسوله. ### || [59.8-15] # قوله: { للفقرآء المهاجرين الذين أخرجوا } إلى ~~قوله: { ولهم عذاب أليم } الآيات. # أي ولكن يكون ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى للفقراء المهاجرين، ~~يعني مهاجرة قريش. ms2581 # قال مجاهد: / جعل / الله عز وجل ما أفاء الله على رسوله من قريظة ~~لمهاجرة قريش الذين أخرجهم المشركون من ديارهم وأموالهم، فخرجوا ملتمسين ~~فضلا، أي: ثوابا من الله ورضونا منه عليهم، وناصرين دين الله عز وجل ~~ورسوله صلى الله عليه وسلم. # { أولئك هم الصادقون } أي: صدقوا في فعلهم وقولهم. # ثم قال: { والذين تبوءوا الدار والإيمان من ~~قبلهم يحبون من } أي: الذين سكنوا الدار، وهي المدينة، أي: ~~اتخذوها مسكنا، واتخذوا الإيمان دينا من قبل إتيان المهاجرين، يعني ~~الأنصار يحبون من هاجر إليهم، يعني من مكة وغيرها. # ثم قال: { ولا يجدون في صدورهم حاجة ممآ أوتوا } ~~أي: ولا يجد الأنصار في قلوبهم حسدا مما أعطي المهاجرون دونهم من الفيء. # روي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم أموال بني النضير بين المهاجرين ~~الأولين دون / الأنصار إلا رجلين من الأنصار أحدهما سهل بن حنيف والآخر ~~أبو دجانة سماك بن خرشة ذكرا فقرا فأعطاهما النبي صلى الله عليه وسلم ~~لفقرهما، وإنما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن الله كان قد ~~أعطاه أموالهم يفعل فيها ما يشاء، وقد تقدم ذكر ذلك، قاله عبد الله بن ~~أبزى. # وقال ابن زيد: # " لما خص رسول الله صلى الله عليه وسلم بأموال بني النضير المهاجرين ~~الأولين، تكلم في ذلك بعض الأنصار، فعاتبهم الله عز وجل، فقال: { ومآ ~~أفآء الله على رسوله منهم فمآ أوجفتم عليه ~~من خيل ولا ركاب } " # الآية. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد وخرجوا إليكم، فقالوا أموالنا ~~بينهم قطائع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو غير ذلك قالوا وما ~~ذلك يا رسول الله قال هم قوم لا يعرفون العمل فتكفونهم وتقاسمونهم الثمر ~~فقالوا نعم يا رسول الله ". # قال الحسن: { ولا يجدون في صدورهم حاجة ممآ أوتوا ~~} [يعني الحسنة. ثم قال تعالى:] { ويؤثرون على أنفسهم } ~~هذا من صفة الأنصار، وصفهم الله عز وجل أنهم يعطون المهاجرين أموالهم ~~إيثارا لهم بها على أنفسهم. # { ولو كان بهم ms2582 خصاصة } أي: يؤثرون المهاجرين على أنفسهم بما ~~عندهم، وإن كان بهم فاقة وحاجة. # روى أبو هريرة: # " أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليضيفه، فلم يكن عنده ما ~~يضيفه، فقال ألا رجلا يضيف هذا رحمه الله، فقام رجل من الأنصار يقال له ~~أبو طلحة فأنطلق به إلى رحله فقال لامرأته أكرمي ضيف رسول الله، نومي ~~الصبية أطفئي المصباح وأريه أنك تأكلين معه، واتركيه لضيف رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم برا له، قال: ففعلت فنزلت: { ويؤثرون على ~~أنفسهم ولو كان بهم خصاصة } ". # ثم قال: { ومن يوق شح نفسه فأولئك هم ~~المفلحون }. # أي: ومن وقاه الله عز وجل شح نفسه، فهو من الباقين المخلدين في الجنة. # والشح في اللغة: البخل ومنع الفضل من المال. # وقيل: الشح هنا: أكل أموال الناس بغير حق، قاله ابن مسعود. # وروى أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " برئ من الشح من أدى الزكاة [وقرى] الضيف وأعطى في النائبة ". # ثم قال: { والذين جآءوا من بعدهم يقولون ربنا ~~اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان }. # أي والذين جاؤوا من بعد الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبل المهاجرين ~~الأولين، يقولون ربنا أغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا [بالإيمان] من ~~الأنصار وغيرهم. # { ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا } أي: ~~غمرا وضغنا، يعني به الذين أسلموا من بعد الذين تبوءوا الدار. # قال قتادة: ذكر الله جل ذكره الطائفة الثالثة فقال: { والذين ~~جآءوا من بعدهم... } الآية. # ثم قال: أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولم ~~يؤمروا بسبهم. # وقيل المعنى: والذين جاءوا من بعد المهاجرين والأنصار. # قال ابن أبي ليلى كان الناس / على ثلاث منازل: (المهاجرون الأولون) ~~والذين اتبعوهم بإحسان و (الذين جاءوا من بعدهم). # ثم قال: { ربنآ إنك رءوف رحيم } أي: ذو رأفة ورحمة لمن ~~أطاعك. # ثم قال: { ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون ~~لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن ~~أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا }. # يعني: منافقي المدينة يقولون لبني النضير ms2583 حين نزل بهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وحاصرهم أثبتوا وتمنعوا، فإنا لن نسلمكم، فإن قوتلتم ~~قاتلنا معكم وإن أخرجتم خرجنا معكم، فتربصوا وانتظروا نصرهم، فلم يفوا ~~لهم، وقذف الله في قلوبهم الرعب (فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم) أن ~~يجليهم ويكف عن دعائهم على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم، فصالحهم على ~~ذلك. # قال ابن عباس: الذين نافقوا هنا هم عبد الله بن أبي وأصحابه وعدوا بني ~~النضير بالنصر والخروج معهم، وأنهم لا يطيعون فيهم أحدا أبدا، فأعلمنا ~~الله عز وجل أنهم كاذبون، وأنهم لا يقاتلون معهم، ولا يخرجون معهم، وأنهم ~~/ حتى لو نصروهم لولوا الأدبار منهزمين. # { ثم لا ينصرون } أي: ثم لا ينصر الله عز وجل بني النضير على ~~نبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه، بل يخذلهم. # وقال أبو صالح: { لإخوانهم الذين كفروا من أهل ~~الكتاب } ، هم بنو قريظة. # وقيل معنى: { ولئن نصروهم ليولن الأدبار } أي: ولئن ~~نصر اليهود المنافقون، ومعنى لا ينصرونهم: طائعين، ولئن نصروهم: مكرهين، ~~ليولن الأدبار منهزمين. # وقيل معنى: لا ينصرونهم: أي: لا يدومون على نصرهم كما يقال: فلان لا ~~يصوم ولا يصلي، أي: لا يدوم على ذلك، ورفع (يخرجون وينصرون) وقبله شرط، ~~لأنه قسم، ولا يعمل الشرط في القسم، ولا في جوابه، لكنه سد مسد جواب ~~الشرط. # ثم قال: { لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله } ~~أي: لأنتم أيها المؤمنون أشد رهبة في صدور اليهود بني النضير من الله ~~سبحانه: أي: هم يرهبونكم أشد من رهبتهم من الله عز وجل. # { ذلك بأنهم قوم لا يفقهون } [أي: ذلك الخوف الذي حل ~~بهم، من أجل أنهم قوم لا يفقهون] قدر عظمة الله عز وجل، فهم لذلك ~~يخافونكم أعظم من خوفهم الله (عز وجهه وتعالى جده)، ولذلك ارتكبوا ~~معاصي الله وخالفوه في نقض عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ~~ومعونتهم للمشركين بأحد. # ثم قال تعالى: { لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى ~~محصنة }. # أي: من خوفهم منكم لا يقاتلونكم إلا في قرى قد حصنت، ولا ms2584 يبرزون إليكم ~~أو يقاتلونكم إلا من وراء جدر، أي: إلا من وراء حيطان. # { بأسهم بينهم شديد } أي: عداوة بعضهم لبعض شديدة. # { تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى }. # يعني: المنافقين واليهود، أي: تحسبهم يا محمد مؤتلفي الكلمة مجتمعين على ~~محبة بعضهم بعضا، وقلوبهم شتى: أي: مفترقة (ببغض بعضهم لبعض). # ثم قال: { ذلك بأنهم قوم لا يعقلون } أي: ذلك الذي ~~وصفه الله عز وجل من أمر اليهود والمنافقين من عداوة بعضهم بعضا في ~~الباطل، من أجل أنهم قوم لا يعقلون ما فيه الحظ لهم مما عليهم فيه الضرر. # وقال قتادة: لما قرأ هذه الآية: كذا أهل الباطل مختلفة شهادتهم، مختلفة ~~أهواؤهم، مختلفة أعمالهم، وهم مجتمعون في عداوة الحق. # وقال مجاهد: { تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى }: هم ~~المنافقون يخالف دينهم دين اليهود. # وقال سفيان: هم المشركون وأهل الكتاب. # ثم قال: { كمثل الذين من قبلهم قريبا ذاقوا وبال ~~أمرهم }. # أي: مثلهم كمثل الذين من قبلهم، " فالكاف " في موضع رفع خبر الابتداء ~~المضمر، " وقريبا " نعت لظرف محذوف. والتقدير: وقتا قريبا ذاقوا عاقبة ~~كفرهم وعصيانهم، وكذا التقدير في الكاف من قوله: { كمثل الشيطان ~~} والمعنى: أن الله سبحانه وتعالى أعلمنا أن مثل هؤلاء اليهود والمنافقين ~~فيما الله عز وجل صانع بهم من إحلال عقوبته [بهم] كمثل فعله بالذين من ~~قبلهم يعني [به] بني قينقاع (أمكن الله عز وجل منهم) قبل بني النضير، ~~قاله ابن عباس. # وقال مجاهد: عنى به كفار قريش يوم بدر. # وقيل: هو عام في كل من انتقم منه على كفره قبل بني النضير. # ومعنى: { ذاقوا وبال أمرهم } أي: نالهم عقاب الله عز وجل على ~~كفرهم به، " والوبال ": ثقل المكروه، ومنه: " طعام وبيل ": أي: ثقيل وخم. # ثم قال: { ولهم عذاب أليم } أي: مؤلم، يعني موجعا في الآخرة، ~~يعني المنافقين وإخوانهم من يهود بني النضير وغيرهم ممن عصى الله عز وجل ~~وخادعه سبحانه. ### || [59.16-24] # قوله: { كمثل الشيطان } إلى آخر السورة الآيات. # قد ذكرنا الكاف في { كمثل الذين من قبلهم } والمعنى: مثل ~~هؤلاء المنافقين في وعدهم اليهود بالنصر، وإخلافهم إياهم ms2585 وتبريهم منهم ~~لما أجلوا من ديارهم، كمثل الشيطان الذي غر الإنسان ووعده على كفره النصر ~~ثم تبرأ منه لما كفر وأسلمه. # روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: " إن راهبا تعبد ستين سنة وأن ~~الشيطان أراده وأعياه، فعمد إلى امرأة فأجنها ولها إخوة، فقال ~~لإخوتها عليكم بهذا القس فيداويها، قال فجاءوا به إليها فداواها، وكانت ~~عنده، فبينما هو يوما عندها إذ أعجبته فأتاها فحملت، فعمد إليها فقتلها، ~~فجاء إخوتها، فقال الشيطان للراهب أنا صاحبك، إنك أعييتني، أنا صنعت هذا ~~بك، فأطعني أنجك مما صنعت بك، أسجد لي سجدة، فسجد [له]، فلما سجد له / ~~قال: { إني بريء منك إني أخاف الله رب ~~العالمين }. # / وعن ابن مسعود أنه قال: كانت امرأة ترعى غنما، وكان لها أربعة إخوة، ~~وكانت تأوي بالليل إلى صومعة راهب، فنزل الراهب ففجر بها، فحملت، فأتاه ~~الشيطان فقال: اقتلها ثم ادفنها، فإنك رجل مصدق يقبل قولك، فقتلها ثم ~~دفنها. قال: فأتى الشيطان إخوتها في المنام، فقال لهم: إن الراهب صاحب ~~الصومعة فجر بأختكم، فلما أحبلها قتلها ثم دفنها في مكان كذا وكذا، فلما ~~أصبحوا قال رجل منهم: والله لقد رأيت البارحة رؤيا ما أدري أقصها عليكم ~~أم أترك، فقالوا: لا بل قصها علينا، فقصها، فقال الآخر: وأنا ~~والله لقد رأيت ذلك، وقال الآخر مثل ذلك، فقالوا: والله ما هذا إلا لشيء. ~~فانطلقوا فاستعدوا ملكهم على ذلك الراهب، فأتوه فأنزلوه ثم انطلقوا به، ~~فلقيه الشيطان، فقال: إني أنا الذي أوقعتك في هذا ولن ينجيك منه غيري، ~~فاسجد لي سجدة واحدة وأنجيك مما أوقعتك فيه، قال: فسجد له. فلما أتوا ~~ملكهم تبرأ منه وأخذ فقتل. # وقول الشيطان: { إني أخاف الله (رب العالمين) } إنما ~~هو على طريق التبرؤ من الإنسان، لأنه لا يخاف الله على الحقيقة، لأنه لو ~~خافه ما عصاه، ولو خافه لكان ذلك مدحا له. # وعن ابن عباس: أن راهبا من بني إسرائيل تعبد فأحسن عبادته، وكان يؤتى ~~من كل أرض فيسأل عن الفقه، وكان عالما، وأن ثلاثة أخوة ms2586 كانت لهم أخت ~~حسنة من أحسن النساء، وأنهم أرادوا سفرا، فكبر عليهم أن يخلفوها ضائعة، ~~فجعلوا يأتمرون ما يفعلون بها، فقال أحدهم أنا أدلكم على من تتركونها ~~عنده، قالوا من هو، قال راهب بني إسرائيل إن ماتت قام عليها وإن عاشت ~~حفظها حتى ترجعوا إليها، فعمدوا إليه، فقالوا: إنا نريد السفر، ولا نجد ~~أحدا أوثق منك في أنفسنا، ولا أحفظ لها ولي منك ولما جعل عندك فإن رأيت ~~أن نجعل أختنا عندك، فإنها ضائعة شديدة الوجع، فإن ماتت فقم عليها، وإن ~~عاشت فأصلح إليها حتى نرجع. # فقال: أكفيكم إن شاء الله، فانطلقوا وقام عليها فداواها حتى برئت وعاد ~~إليها حسنها، فأطلع إليها فوجدها متصنعة، فلم يزل به الشيطان يزين له أن ~~يقع عليها حتى وقع عليها، فحملت ثم قدمه الشيطان، فزين له قتلها وقال: إن ~~لم تقتلها افتضحت وعرف شبيهك في الولد، فلم تكن لك معذرة فلم يزل به ~~حتى قتلها. فلما قدم إخوتها قالوا له: ما فعلت فلانة قال ماتت فدفنتها ~~قالوا أحسنت، ثم جعلوا يرون في المنام ويخبرون أن الراهب هو قتلها، وأنها ~~تحت شجرة كذا وكذا، فعمدوا إلى الشجرة فوجدوها تحتها قد قتلت، فعمدوا ~~إليه فأخذوه، فقال له الشيطان: أنا زينت لك الزنا (وقتلها بعد الزنى)، ~~فهل لك أن أنجيك، قال: نعم (قال: أفتطيعني؟ قال: نعم) قال: فاسجد لي سجدة ~~واحدة، فسجد له ثم قتل. # وقال مجاهد: الإنسان هنا عنى به الإنسان كلهم في غرور الشيطان إياهم ~~وتبريه منهم، كما غر المنافقون اليهود ووعدوهم بالنصر، ثم (تبرءوا) منهم ~~وأسلموهم. # ثم قال تعالى /: { يأيها الذين آمنوا اتقوا الله ~~ولتنظر نفس ما قدمت لغد }. # أي اتقوه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، ولينظر أحدكم ما قدم لمماته من ~~العمل الصالح والعمل السيء. # قال قتادة: ما زال ربكم يقرب الساعة حتى جعله كغد، فغد يوم القيامة. # وقاله الضحاك وابن زيد وقالا: الأمس الدنيا، وغدا الآخرة. # ثم قال: { واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ~~} أي وخافوه بإداء فرائضه واجتناب معاصيه، إنه ذو ms2587 خبر بجميع أعمالكم، ~~فيجازيكم عليها، وكرر هذا اللفظ للتأكيد. # ثم قال: { ولا تكونوا كالذين نسوا الله } أي تتركوا ~~أمره ونهيه، فتعدوا حدوده. # { فأنساهم أنفسهم } أي أنساهم حظوظ أنفسهم / من عمل الخيرات، ~~فعلى هذا القول الأول يكون النسيان الأول من الترك، والثاني من النسيان ~~المعروف، وقيل مما من الترك، والمعنى تركوا أمر الله فتركه ثوابهم، وهو ~~عند بعض أهل اللغة غلط، لا يقال أنسي عن الترك، وإنما يصح مثل هذا في ~~قوله # نسوا الله فنسيهم # [التوبة: 67]. # وقيل معنى فأنساهم (وجدهم كذلك)، كما يقال أحمدته، فيكون " أنفسهم " على ~~هذا تأكيدا، وعلى قول الأول مفعولا به. # ثم قال { أولئك هم الفاسقون } أي الخارجون عن طاعة الله ~~(عز وجل). # ثم قال { لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة } ~~أي لا يعتدلون في الجزاء وفي النعيم. # { أصحاب الجنة هم الفآئزون } أي الناجون مما حذروا. # { فكان عاقبتهمآ أنهما في النار خالدين فيها } ~~أي: فكانت عقبى الشيطان والإنسان: الخلود في نار جهنم. # { وذلك جزآء الظالمين } أي: فالخلود في النار جزاء الظالمين ~~المنافقين واليهود [من] بني النضير ومن كان مثلهم. # والنصب في " خالدين " والرفع سواء عند سيبويه، لا يغلب النصب على الرفع ~~لأجل تكرير الظرف. # ومذهب الفراء أن النصب أحسن، لئلا يلغى الظرف مرتين. # وألزم سيبويه من اعتل بتكرير الظرف أن يجيز النصب في قوله " عليك ~~زيد حريص عليك " فينصب حريص لتكرير الظرف، وهذا لا يجوز. / # ثم قال: { لو أنزلنا هذا القرآن على جبل ~~لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله }. # أي: لو أنزل الله عز وجل هذا القرآن على جبل وهو حجر أصم لرأيته يا محمد ~~على قساوته وشدته متذللا متضرعا حذرا من ألا يؤدي حق الله عز وجل ~~المفترض عليه، وقد أنزل على ابن آدم ومعه فهم وإدراك وهو مستخف بحقه لاه ~~عما فيه. # قال / قتادة: فعذر الله عز وجل الجبل الأصم ولم يعذر أشقياء بني آدم، ~~فهل رأيتم أحدا تصدعت جوارحه من خشية الله سبحانه. # وقيل: المعنى: لو أنزلنا هذا القرآن (على جبل) على عظمته وشدته وجعلنا ms2588 ~~فيه ما يميز: لذل وخضع. # ثم قال: { وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم ~~يتفكرون } أي: نمثل لهم لعلهم يتفكرون فيها فيعتبروا ويزدجروا. # ثم قال: { هو الله الذي لا إله إلا هو عالم ~~الغيب والشهادة } أي: (الذي يتصدع الجبل له ويذل من خشيته) هو ~~الله الذي لا معبود تجب له العبادة غيره، يعلم السر والجهر وما غاب وما ~~ظهر، وهو الرحمن الرحيم. # ثم قال: { هو الله الذي لا إله إلا هو } أي: لا ~~معبود بحق غيره. # { الملك القدوس } أي: الذي لا ملك فوقه، والقدوس في قول قتادة: ~~المبارك. # وقيل: { القدوس } القدوس: المطهر مما نسبه إليه المشركون (والقدس: ~~الطهر). # والأرض المقدسة: المطهرة. # وقرأ أبو الدينار الأعرابي: القدوس بفتح القاف كسمور وشبوط. # وقوله: { السلام } أي: ذو السلامة من جميع الآفات. # وقوله: { المؤمن } أي: الذي أمن عباده من جوره. # وقيل: معناه: الذي يصدق عباده المؤمنين إذا شهدوا على الناس. # وقوله: { المهيمن } قال ابن عباس: هو الأمين، وعنه: الشهيد. # وقال أبو عبيدة: الرقيب الحفيظ. # وقال المبرد: أصله المؤيمن ثم أبدل من الهمزة هاء. # وقوله: { العزيز الجبار } أي: ذو العزة والمنع، الذي يجبر خلقه ~~على ما يشاء من " أجبر " ، وهذا قول مردود، لأن " فعالا " لا يكون من " ~~أفعل " ولكنه من " جبر الله خلقه: إذا نعشهم ". # وقيل: هو من جبرت العظم: فجبر. # وقيل: هو من تجبر النخل: إذا علا وفات اليد. # وقوله: { المتكبر } معناه العلي فوق خلقه. # وقال قتادة: المتكبر: تكبر عن كل سوء. # وقوله: { سبحان الله عما يشركون } أي: تنزيها / له، ~~وبراءة مما يقول المشركون. # ثم قال: { هو الله الخالق البارىء } أي: هو الله الذي خلق ~~الخلق، وبرأهم فأوجدهم. { المصور } أي: الذي صورهم في الأرحام كيف ~~يشاء. # وقيل: معنى خلق الخلق: قدره وبرأهم: سواهم وعدلهم، وصورهم بعد ذلك. # ثم قال: { له الأسمآء الحسنى } وهي تسعة وتسعون اسما قد ~~اختلف الناس فيها. # ثم قال: { يسبح له ما في السموت والأرض } أي: يصلي ~~ويسجد له طوعا وكرها كل ما في السماوات والأرض من الخلق. # { وهو العزيز الحكيم } أي: العزيز ms2589 في انتقامه من أعدائه، ~~الحكيم في تدبيره خلقه، وقيل حكيم بمعنى حاكم، وقيل بمعنى محكم. ### | [60 - سورة الممتحنة] ### || [60.1] # { يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي ~~وعدوكم } الآية. # أي: يأيها الذين صدقوا محمدا وما جاء به لا توالوا المشركين ولا ~~تناصحوهم ولا تودوهم، يعني أهل مكة (وهم من) كفروا بما جاءكم من الحق، ~~يعني القرآن. # { يخرجون الرسول وإياكم } يعني: من مكة من أجل إن آمنتم ~~بالله ربكم. # { إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغآء ~~مرضاتي } أي: إن كنتم على صحة ويقين اعتقاد أنكم خرجتم جهادا ~~مجاهدين في الله عز وجل، وابتغاء مرضاته سبحانه فلا تودوا المشركين ~~وتناصحوهم وتسرون إليهم بالمودة. # { وأنا أعلم بمآ أخفيتم ومآ أعلنتم } أي: بسركم ~~وعلانيتكم في مناصحتكم وصحبتكم لهم وغير ذلك. # { ومن يفعله منكم فقد ضل سوآء السبيل } أي: ومن ~~يودهم وينصحهم فقد جار عن قصد الطريق المستقيم. # والباء في " بالمودة " زائدة عند الفراء، وهي متعلقة بالمصدر عند ~~البصريين. # ويروى أن هذه الآية [نزلت] في شأن حاطب بن أبي بلتعة كان قد كتب إلى ~~مشركي مكة يطلعهم على أمر النبي صلى الله عليه وسلم وخروجه إليهم. # قال علي رضي الله عنه: # " بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد فقال ~~انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها، قال ~~فانطلقنا نتعادى حتى أتينا الروضة فإذا نحن بالظعينة فقلنا أخرجي الكتاب، ~~قالت ما معي كتاب، فقلنا لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب، وقال علي لها: ~~والله ما كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فأخرجته من عقاصها فأتينا ~~به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ~~ناس من مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: يا حاطب ما هذا؟ فقال: يا رسول الله لا تعجل علي أني ~~كنت أمرا ملحقا إلى قريش ولم أكن من أنفسها وكان من معك من المهاجرين ~~لهم قرابات يحمون أهليهم، فأحببت ms2590 إذا فاتني ذلك النسب أن أتخذ عندهم ~~يدا يحمونني بها في قرابتي ولم أرد ارتدادا عن ديني ولا رضى بالكفر بعد ~~الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما أنه قد صدقكم، فقال عمر، ~~دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق. فقال: أما أنه شهد بدرا، فقال ~~اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، قال سفيان: # فنزلت هذه الآية: { يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا ~~عدوي وعدوكم أوليآء } إلى قوله: { سوآء السبيل } ~~". # ومعنى: { ومن يفعله منكم } أي: في المستقبل، وقد ذكر معنى هذا ~~الحديث عروة بن الزبير وابن عباس وقتادة ومجاهد (أن مجاهدا قال: نزلت) ~~في ابن بلتعة وقوم معه كتبوا إلى أهل مكة يحذرونهم. # ويروى: أنه كان في كتابه / إلى أهل مكة أن [رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يريد غزوكم مثل الليل والسيل وأقسم بالله] لو غزاكم وحده لنصره الله ~~عليكم فكيف وهو في جمع كثير. # ويروى: # " أنه خاطب أهل مكة يخبرهم بقصد النبي صلى الله عليه وسلم إليهم فقال له ~~النبي صلى الله عليه وسلم ما حملك على هذا، فقال: والله يا رسول الله ما ~~نافقت منذ أسلمت، ولكن لي بمكة أهل مستضعفون ليس لهم من يعرفهم ويذب ~~عنهم، فكتبت كتابي هذا أتقرب به من قلوبهم وأنا أعلم أنه لا ينفعهم وأن ~~الله بالغ أمره، فعذره النبي صلى الله عليه وسلم وصدقه، وأراد عمر ضرب ~~عنقه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ما يدريك يا عمر لعل الله اطلع ~~على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ". # قال أبو حاتم: ليس من أولها وقف تام إلى { ومآ أعلنتم }. # وقال محمد بن عيسى: { أوليآء } وقف، وقال غيره: إن جعلت { ~~تلقون } نعتا " لأولياء " لم تقف على " أولياء " وإن جعلته مبتدأ ~~وقفت على " أولياء ". # وقال القتبي: { بالمودة }: التمام. # [قال يعقوب]: و { وإياكم } وقف كاف. # وقال أبو حاتم: هو وقف بيان. # قال القتبي: هو تمام، ولا يصح هذا لأن " وإن تؤمنوا " معمولة " ~~ليخرجون ". ### || [60.2] # قال: { إن يثقفوكم يكونوا ms2591 لكم أعدآء } أي: أن يصادفكم ~~هؤلاء الذين تودون إليهم بالمودة / يكونوا لكم حربا، ويبسطوا إليكم ~~أيديهم بالقتل وألسنتهم بالشتم، وودوا لو تكفرون فتصيرون مثلهم. ### || [60.3] # قال: { لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم } أي: لن ~~تنفعكم عند الله يوم القيامة أقرباؤكم ولا أولادكم الذين من أجلهم ناصحتم ~~المشركين، وكتبتم إليهم بالمودة فيكون العامل في الظرف: ينفعكم. # وقيل: / العامل فيه " يفصل بينكم " ومعنى يفصل بينكم؛ أي: ~~يدخلكم الجنة ويدخل الكفار النار. # ثم قال: { والله بما تعملون بصير } أي: ذو علم وبصر بجميع ~~أعمالكم، وهو مجازيكم عليها فاتقوا الله في أنفسكم. ### || [60.4] # قال: { قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم ~~والذين معه إذ قالوا لقومهم } الآية. # أي: قد كانت لكم أيها المؤمنون قدوة حسنة تقتدون بها في إبراهيم صلى ~~الله عليه وسلم خليل الرحمن عز وجل والذين معه. # قال ابن زيد هم الأنبياء إذ قالوا لقومهم يعني الكفار: { إنا ~~برءآؤا منكم } أي: متبرئون منكم ومما تعبدون من دون الله من ~~الأصنام. # { كفرنا بكم } أي: أنكرنا ما أنتم عليه من الكفر. # { وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضآء أبدا ~~} أي: وظهرت بيننا وبينكم العداوة والبغضاء على كفركم أبدا حتى تؤمنوا ~~بالله وحده فتفردوه بالعبادة. # ثم قال: { إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن } أي: ~~قد كانت لكم أسوة حسنة في هؤلاء المذكورين إلا في قول إبراهيم لأبيه ~~لأستغفرن لك فإنه لا أسوة لكم في ذلك، لأن ذلك كان من إبراهيم لأبيه عن ~~موعدة وعدها إياه قبل أن يتبين له أنه عدو الله، وذلك أن أبا إبراهيم وعد ~~إبراهيم أن يؤمن، فكان إبراهيم يدعو له ويقول: اللهم اهد أبي، فلما مات ~~على الكفر تبرأ منه وهو قوله: # فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه # [التوبة: 114] وكذلك أنتم أيها المؤمنون يجب لكم أن تتبرءوا من أعداء ~~الله المشركين به ولا تتخذوهم أولياء حتى يؤمنوا. # قال مجاهد: نهوا أن يتأسوا باستغفار إبراهيم لأبيه فيستغفروا لآبائهم ~~المشركين، وهو معنى قول قتادة ومعمر وابن زيد. # وقوله: { إلا قول إبراهيم لأبيه } استثناء ليس من ms2592 الأول. # ثم قال: { ومآ أملك لك من الله من شيء } [أي: ما أدفع ~~عنك عقوبة الله لك على كفرك، ثم قال:] # { ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك ~~المصير }. # أي: عليك توكلنا في جميع أمورنا، وإليك رجعنا وتبنا مما تكره إلى ما تحب ~~وترضى. # { وإليك المصير } أي: مصيرنا يوم القيامة. ### || [60.5] # قال: { ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا } هذا ~~كله حكاية عن قول إبراهيم عليه السلام، أي: لا تعذبنا بأيدي الكافرين، ~~ولا بعذاب من عندك فيفتتن الكفار ويقولون: لو كانوا على حق ما أصابهم ~~هذا. # قال قتادة: معناه لا تظهر الكفار علينا فيفتتنوا بذلك. # وقال ابن عباس: معناه: لا تسلطهم علينا فيفتتنوا. # { واغفر لنا ربنآ } أي: أستر علينا ذنوبنا بعفوك عنها. # { إنك أنت العزيز الحكيم } أي: أنت الشديد الانتقام من ~~أعدائك، الحكيم في تدبيرك خلقك. ### || [60.6] # قال: { لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة } أي: قدوة. # ثم قال تعالى: { لمن كان يرجو الله واليوم الآخر } ~~أي: القدوة بإبراهيم ومن معه إنما هي لمن آمن بالله ورجا ثوابه، وخاف ~~عقابه، وآمن باليوم الآخر فهو بدل بإعادة الجار. # ثم قال: { ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد ~~} أي: ومن يتول عن الاقتداء بإبراهيم والأنبياء معه (صلى الله عليهم ~~وسلم) فيخالف سيرتهم وفعلهم فإن الله هو الغني عن اقتدائه بهم، الحميد ~~عند أهل المعرفة به. ### || [60.7] # قال: { عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين ~~عاديتم منهم مودة }. # [أي]: عسى الله أن يوفق من عاديتم فيه عن المشركين إلى الإيمان فتعود ~~العداوة (مودة) ففعل ذلك سبحانه. # و { عسى } من الله: واجبة، فأسلم كثير منهم، وصاروا إخوانا لمن كان ~~يعاديهم، وكانت المودة بعد الفتح وقبله. # (وروي: أن هذه الآية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم في أبي سفيان، ~~جعل بينه وبين أبي سفيان مودة بأن تزوج ابنته أم حبيبة، بعد العداوة التي ~~كانت بينهما وقبله). # قال ابن عباس: كانت المودة بعد الفتح، تزوج النبي صلى الله عليه وسلم أم ~~حبيبة. / # { والله قدير } أي: ذو قدرة على ms2593 ما يشاء. # { والله غفور رحيم } أي: ذو ستر على ذنوب من أناب وآمن وذو ~~رحمة بهم أن يعذبهم على ذنوبهم بعد أيمانهم وتوبتهم منها. ### || [60.8] # قال: { لا ينهاكم / الله عن الذين لم يقاتلوكم ~~في الدين ولم يخرجوكم... } الآية. # قيل: أن هذه الآية إنما هي في الذين آمنوا بمكة ولم يهاجروا، سمح الله ~~عز وجل للمؤمنين بالمدينة أن يبروهم ويحسنوا إليهم، فهي مخصوصة محكمة ~~قاله مجاهد. وقيل هي منسوخة بآية السيف، قاله قتادة وابن زيد. # وقيل: هي مخصوصة في حلفاء بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد من ~~المشركين لم ينقضوه، وهم خزاعة، قاله أبو صالح. # وقال الحسن: خزاعة وبنو عبد الحارث بن عبد مناف، فسمح لهم أن يبروهم ~~ويحسنوا إليهم، ويفوا لهم بالعهد. # وقيل: الآية عامة محكمة في كل من بينك وبينه قرابة، جائز بره والإحسان ~~إليه إذا لم يكن في ذلك ضرر على المسلمين وإن كان مشركا، ولا يجب قتال ~~من لم يقاتلك من الكفار حتى تدعوه إلى الإسلام فإن أبى فاقتله. ### || [60.9] # قال: { إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في ~~الدين } الآية: إنما ينهاكم الله عن مودة من قاتلكم في الدين، وأخرجك ~~من بيته في الدين، يعني بذلك كفار أهل مكة، قال مجاهد. ### || [60.10] # قال: { يأيها الذين آمنوا إذا جآءكم المؤمنات ~~مهاجرات } (من دار الحرب) { فامتحنوهن الله }. # أي: إذا جاءكم النساء مهاجرات من دار الحرب فامتحنوهن، وكانت محنة النبي ~~صلى الله عليه وسلم لهن أن يحلفن بالله ما خرجت من بغض زوج، وبالله ما ~~خرجت رغبة عن أرض إلى أرض، وبالله ما خرجت التماس الدنيا، وبالله ما خرجت ~~(إلا حبا لله ولرسوله). / # وعن عائشة رضي الله عنها # " أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان يمتحنهن بآخر السورة. # قوله: { على أن لا يشركن بالله شيئا } إلى قوله: { ~~معروف } ". # قالت: فمن أقر بهذا من المؤمنات فقد أقر بالمحنة، وإذا أقررن بذلك قال ~~لهن النبي صلى الله عليه وسلم إنطلقن فقد بايعتكن، قالت ولا والله ما مست ~~يد رسول ms2594 الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة قط غير أنه يبايعهن بالكلام، ~~قالت فما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على النساء إلا ما أمره الله ~~به. # وعن ابن عباس: أن المحنة كانت أن يشهدن أن لا إله إلا الله وأن محمدا ~~(رسول الله). # وقال مجاهد: { فامتحنوهن } أي: سلوهن ما جاء بهن، فإن كان جاء ~~بهن غضب على أزواجهن [أو سخط أو غيره، ولم يؤمن، فارجعوهن إلى أزواجهن]. # قال قتادة: كانت محنتهن أن يستحلفن بالله ما أخرجهن النشوز وما أخرجهن ~~إلا حب الإسلام (وأهله والحرص عليه)، فإن أقررن بذلك قبل منهن. # وقال عكرمة: يقال لها ما جاء بك إلا حب الله ورسوله، وما جاء بك عشق رجل ~~منا، ولا فرار من زوجك، فذلك المحنة. # وروى ابن وهب عن رجاله أن قوله: " إذا جاءكم المؤمنات ~~مهاجرات فامتحنوهن ". # نزلت في امرأة حسان بن الدحداحة وهي أميمة بنت بشر امرأة من بني عمرو ~~ابن عوف، وأن سهل بن حنيف تزوجها حين فرت إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فولدت له عبد الله بن سهل، وأن قوله تعالى: { ولا تمسكوا ~~بعصم الكوافر } نزل في امرأة لعمر بن الخطاب تركها بمكة كافرة ~~ولم يطلقها حتى نزلت هذه الآية فطلقها عمر فخلف عليها معاوية. # وقوله: { الله أعلم بإيمانهن } أي: أعلم بمن جاء للإيمان ~~ممن جاء لغير ذلك. # ثم قال: { فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن ~~إلى الكفار } أي: إن أقررن بالمحنة بما عقد عليه الإيمان فلا ~~تردوهن إلى الكفار /، وإنما قيل ذلك للمؤمنين، لأن العهد كان بينهم وبين ~~مشركي مكة إذ صد النبي صلى الله عليه وسلم عن البيت في صلح الحديبية أن ~~يرد المسلمون إلى المشركين من جاء منهم إلى المسلمين مسلما، فأبطل الله ~~عز وجل ذلك الشرط في النساء إذا جئن مؤمنات ونسخه، وأمرهم ألا يردوا من ~~جاء من النساء مؤمنة، وهذا من نسخ القرآن للسنة. # وقوله: { لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن } أي: ~~لا تحل المسلمة للكافر ولا الكافر للمسلمة. ms2595 # ثم قال: { وآتوهم مآ أنفقوا } [أي وأعطوا المشركين الذين جاءكم ~~نساؤهم مؤمنات ما أنفقوا] على النساء في الصداق، قاله قتادة ومجاهد ~~وغيرهما. # ثم قال: { ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذآ ~~آتيتموهن أجورهن } أي: لا حرج عليكم أيها المؤمنون أن ~~تنكحوا من جاءكم من المؤمنات المهاجرات إذا أعطيتموهن مهورهن. # وكان الزهري: يقول إنما أمر الله جل ذكره برد صدقاتهن إليهن إذا (حبسن ~~عنهم) إذا هم ردوا على المسلمين من حبسن عنهم من / نسائهم. # وقال الشافعي: { وآتوهم مآ أنفقوا } منسوخ، واحتج من قال بهذا ~~القول أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر أن (ترد عليهم) صدقات النساء ~~المهاجرات إليه، المؤمنات قد شرط لهم رد النساء على كل حال، فأمر الله ~~ألا يردهن إليهم إذا أتين مؤمنات، وجعل رد الصداق عوضا من ردهن [ليتم] ~~العهد الذي بينه وبين قريش، فإذا لم يكن عهد مثل ذلك في الرد وأتت امرأة ~~من عند المعاهدين مؤمنة / لم يلزم أن يرد عليهم صداقها، فإن كان العهد ~~مثل عهد النبي صلى الله عليه وسلم لقريش، لم يلزم أيضا أن يرد عليهم ~~صداقها، لأن الشرط في النساء قد أبطله الله، فهو منسوخ باطل ولا عوض ~~للباطل، مع أنه لا يجوز أن يشترط / إمام في العهد رد النساء بحكم الله، ~~وإذا لم يشترط ذلك فلم يلزم رد الصداق، لأن الصداق إنما كان عوضا عن شرط ~~قد وقع، ثم نزل القرآن بعده فنسخه، فإذا لم يجز عقد ذلك الشرط لم يجز ~~العوض منه، فهو كله منسوخ بحكم الله عز وجل في منع رد النساء المؤمنات ~~إليهم. # ومذهب مالك أن الصلح على رد الرجال إليهم جائز. # ومذهب الكوفيين أنه منسوخ ولا يجوز. # ثم قال: { ولا تمسكوا بعصم الكوافر } أي: لا تمسكوا ~~بعقد نكاح الكوافر من غير أهل الكتاب، فهي مخصوصة. # وقيل هو عام نسخ منه أهل الكتاب بقوله: # والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم # [المائدة: 5]. # ولما نزلت هذه الآية طلق المؤمنون كل امرأة مشركة لهم في مكة، منهم عمر ~~وغيره. ms2596 # ثم قال: { واسألوا مآ أنفقتم وليسألوا مآ أنفقوا ~~} هذا خطاب للمؤمنين الذين ذهب نساؤهم إلى المشركين (فأمرهم الله أن ~~يطلبوا صدقات نسائهم من المشركين ويدفعوا إلى المشركين صدقات من جاء من ~~النساء مؤمنات، يعني من تزوج منهن في مكة أو في المدينة، فإذا تزوجت ~~المهاجرة من عند المشركين بالمدينة وجب على زوجها [أن يرد الصداق على ~~زوجها] الذي كان لها بمكة، وإذا تزوجت المرأة التي تخرج إلى المشركين ~~بمكة وجب أن يطلب زوجها المؤمن صداقها الذي دفع إليها من المشركين. # قال ابن شهاب: أقر المؤمنون بحكم الله عز وجل، فأدوا صدقات من تزوجوا ~~ممن جاءهم من النساء مهاجرات مؤمنات، وابى المشركون أن يقروا بحكم الله ~~سبحانه من أداء صدقات من تزوجوا من النساء اللواتي فررن إليهم من عند ~~المسلمين، هذا معنى قوله. # وهذا حكم أطلع الله عز وجل المؤمنين / عليه ولم يأمر به الكفار لأنهم لا ~~يأتمرون (بهذا وهو مثل قوله: # وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم ~~حل لهم # [المائدة: 5] فهو حكم أطلع الله عز وجل المؤمنين عليه) وإن كان الذين ~~أوتوا الكتاب لا يأتمرون بذلك ولا يحلون لأنفسهم طعام المؤمنين. # ثم قال تعالى: { ذلكم حكم الله يحكم بينكم } أي: هذا ~~الذي حكمته بينكم هو حكم الله عز وجل فيكم وفيهم، فاتبع المؤمنون الحكم ~~وامتنع منه المشركون، وطالبوا النبي وأصحابه برد النساء على ما عقد عليه ~~العهد فلما امتنع المشركون من رد صدقات نساء المؤمنين أنزل الله جل ذكره. ### || [60.11] # { وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار ~~فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل مآ ~~أنفقوا }. # هذا قول الزهري، فأمرهم الله عز وجل إذا غنموا من المشركين غنيمة، وصارت ~~لهم على المشركين عقبى خير، أن يدفعوا إلى من ذهبت امرأته إلى المشركين ~~صداقه الذي كان دفع إليها من الغنيمة إذ قد امتنع المشركون من رد الصداق. # وقال مجاهد وقتادة: هذا إنما هو فيمن فر من نساء المؤمنين إلى الكفار ~~الذين ليس بينهم وبين المؤمنين عهد ولا صلح. # ومعنى: { فعاقبتم } أي: ms2597 فأصبتم عقبى خير من غنيمة. # وقال الأعمش: هي منسوخة. # وقيل: معناه: أن الله عز وجل أمر المؤمنين أن يعطوا لمن ذهبت زوجته إلى ~~المشركين من صدقات المهاجرات إليهم من عند المشركين، فإن بقي في أيدي ~~المؤمنين فضل من الصدقات ردوه إلى المشركين، هذا كله معنى قول الزهري. # وقال غيره: إنما أمروا أن يدفعوا إلى من ذهبت زوجته إلى المشركين من ~~غنيمة وفيء إذا افتتح عليهم به، وهو قول (مجاهد وقتادة). وأكثر العلماء / ~~على أن هذا الحكم منسوخ، لأنه إنما كان مخصوصا في ذلك العهد بعينه. # قال الزهري: انقطع هذا يوم الفتح. # وقال قتادة: نسخ الله عز وجل هذا في سورة براءة. / # وقال الثوري: لا يعمل به اليوم. # وعن عائشة رضي الله عنها: أن هذه الآية { واسألوا مآ أنفقتم ~~وليسألوا مآ أنفقوا } لما نزلت كتب المسلمون إلى المشركين أن ~~الله عز وجل قد حكم بكذا وكذا ونصوا الآية، فكتب إليهم المشركون: أما نحن ~~فلا نعلم لكم عندنا شيئا، فإن كان لنا عندكم شيء فوجهوا به، فأنزل الله: ~~" وإن فاتكم شيء "... الآية. ### || [60.12] # قال: # { يأيها النبي إذا جآءك المؤمنات يبايعنك ~~على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا ~~يزنين ولا يقتلن } الآية. أمر الله نبيه عليه السلام أن يقبل ~~من جاءه من المهاجرات من عند المشركين إذا أقررن بأنهن لا يشركن بالله ~~ولا يسرقن ولا يزنين. # وقوله: { ولا يأتين ببهتن يفترينه بين ~~أيديهن وأرجلهن } معنى: بين أيديهن: ما كان من قبلة حرام ~~أو جسة أو أكل حرام. # ومعنى: بين أرجلهن: الجماع ونحوه من حرام. # وقيل: بين أيديهن: يعني ألسنتهن وأرجلهن: فروجهن. # وقيل معناه: ولا يلحقن بأزواجهن ولدا من غيرهم. # { ولا يعصينك في معروف } أي: يطعنك فيما تأمرهن به. # وقيل هو ألا ينحن، قاله ابن عباس، وقال أنس بن مالك. # وقال زيد / بن أسلم: هو ألا يخمشن وجها، ولا يشققن جيبا، ولا يدعون ~~ويلا، ولا ينشدن شعرا. # قال قتادة: ذكر لنا # " أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ عليهن النياحة وألا يحدثن ms2598 الرجال ~~إلا رجال ذوو محرم منهن ". # وروى ابن المنكدر: # " أن نساء جئن إلى النبي صلى الله عليه وسلم يبايعنه فقال في ما استطعتن ~~وأطقتن، فقلن الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا ". # وهذه الشروط كلها ليست على الإلزام، إنما هي على الندب، لأن الإجماع على ~~أنه ليس على الإمام أن يشترط هذا على من أتته مؤمنة، فدل هذا على أنه على ~~الندب، وقد قيل أنه منسوخ بالإجماع. # وقوله: { واستغفر لهن الله } أي: سل الله لهن المغفرة. / # { إن الله غفور رحيم } أي: ذو ستر على ذنوب من أمن وتاب من ~~ذنوبه وذو رحمة به أن يعذبه بعد توبته. ### || [60.13] # قال: { يأيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب ~~الله عليهم } أي: لا توالوا اليهود { قد يئسوا من ~~الآخرة } قد تركوا العمل لها وآثروا الدنيا. # وقيل: معناه: قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار الأحياء من أمواتهم أن ~~يرجعوا إليهم قاله ابن عباس والحسن. # (وقيل: معناه: كما يئس الكفار من الموتى من الآخرة، لذلك يئس هؤلاء ~~اليهود من الآخرة). # وقال قتادة: معناه: قد يئس اليهود أن يبعثوا كما يئس الكفار أن يرجع ~~إليهم من مات. # وقيل: المعنى: قد يئس اليهود أن يرحمهم الله عز وجل حين رأوا النار، ~~وظهر لهم عملهم كما يئس الكفار أن يرجع إليهم من مات. # وقيل: المعنى: كما يئس الكفار الذين ماتوا أن يرحمهم الله عز وجل حين ~~عاينوا ما عملوا، فكذلك يئس هؤلاء اليهود من رحمة الله سبحانه في ~~القيامة، هذا معنى قول مجاهد وابن زيد وعكرمة. # وقيل: المعنى: كما يئس الكفار الذين في القبور أن يرجعوا إلى الدنيا. " ~~فمن " على الأقوال للتعدية، وعلى هذه الأقوال لإبانة الجنس. ### | [61 - سورة الصف] ### || [61.1-12] # قوله: { سبح لله ما في السموت وما في الأرض } ~~إلى قوله: { ذلك الفوز العظيم } الآيات. # معناه صلى وسجد لله طائعا أو كارها ما في السماوات وما في الأرض. # { وهو العزيز الحكيم } أي: العزيز في انتقامه ممن عصاه، ~~الحكيم في تدبيره خلقه. # ثم قال: { يأيها الذين آمنوا لم ms2599 تقولون ما لا ~~تفعلون } هذا تأديب وتوبيخ للمؤمنين، وروي عن ابن عباس أنهم كانوا ~~يقولون قبل أن يفرض الجهاد لو نعلم (أحب الأعمال) إلى الله عز وجل ~~لأتيناه ولو ذهبت فيه أنفسنا وأموالنا فلما كان يوم أحد تولوا عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم حتى شج وكسرت رباعيته، فعذلهم الله عز وجل على ~~ذلك بهذه الآية. # وقوله: { أن تقولوا ما لا تفعلون } " أن " في موضع رفع ~~بالابتداء، كما تقول نعم رجلا زيدا وفي موضع رفع على إضمار مبتدأ. # فالمعنى: لم تقولون / قولا ولا تصدقوه بالفعل، عظم المقت عند الله ~~مقتا قولكم / ما لا تفعلون. # وعن ابن عباس: أن ناسا من المؤمنين كانوا يقولون قبل فرض الجهاد لوددنا ~~أن الله دلنا على أحب الأعمال إليه فنعمل به، فأخبر الله عز وجل نبيه صلى ~~الله عليه وسلم أن أحب الأعمال إليه. إيمان بالله لا شك فيه، وجهاد أهل ~~معصيته الذين لم يقروا به، فلما نزل الجهاد، كره ذلك ناس من المسلمين وشق ~~عليهم أمره، فأنزل الله عز وجل هذه الآية. # وقال أبو صالح: قالوا لو كنا نعلم أي الأعمال أحب إلى الله عز وجل ~~وأفضل، فنزلت: [ { يأيها الذين آمنوا هل أدلكم على ~~تجارة تنجيكم من عذاب أليم } إلى آخر السورة، فكرهوا ~~فنزلت:] { يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا ~~تفعلون }. # وقال مجاهد: نزلت في نفر من الأنصار منهم عبد الله بن رواحة، قالوا: في ~~مجلس لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله عز وجل لعملناها حتى نموت، فأنزل ~~الله عز وجل فيهم هذا، فقال عبد الله بن رواحة: لا أبرح حبيسا في سبيل ~~الله عز وجل حتى أموت فقتل شهيدا رحمه الله. # وقال قتادة: بلغني أنها نزلت في الجهاد، كان الرجل يقول: قاتلت وفعلت ~~ولم يكن فعل، فوعظهم الله عز وجل في ذلك أشد موعظة، وهو قول الضحاك. # وقال ابن زيد: نزلت في قوم من المنافقين كانوا يعدون المؤمنين النصر وهم ~~كاذبون. فيكون التقدير على هذا القول: يأيها الذين حكم لهم بحكم ms2600 الإيمان. # ثم قال: { إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله ~~صفا } المحبة من الله عز وجل قبول الأعمال، والإثابة عليه، أي: إن ~~الله يقبل عمل الذين يقاتلون أعداءه على الدخول في دينه مصطفين كأنهم ~~بنيان مرصوص، كأنهم في اصطفافهم حيطان مبنية / قد رص بناؤها وأحكم ~~في استوائه. # وقيل: { مرصوص }: بني بالرصاص. # قال قتادة: لا يحب صاحب البنيان أن يختلف بناؤه، كذلك تعالى ذكره لا ~~يختلف أمره. # قال ابن زيد: هؤلاء الذين صدقوا قولهم بأعمالهم، والأولون قوم لم يصدقوا ~~قولهم بأعمالهم، لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم نكصوا عنه وتخلفوا. # وقيل: أن الآية تدل على أن القتال راجلا أحب إليه من القتال فارسا. # ثم قال: { وإذ قال موسى لقومه يقوم لم تؤذونني ~~وقد تعلمون أني رسول الله إليكم }. # واذكر يا محمد إذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون حقا أني ~~رسول الله إليكم. # { فلما زاغوا } أي: عدلوا عن الحق، وجاروا عن الهدى، أزاغ الله ~~قلوبهم؛ أي: أمالها عن الحق، وقيل عن الثواب. # وقال أبو أمامة: هم الخوارج. # وعن سعد بن أبي وقاص: هم الحرورية. # ثم قال: { والله لا يهدي القوم الفاسقين } (أي: لا ~~يوفق للصواب) من خرج عن الإيمان إلى الكفر. # ثم قال: { وإذ قال عيسى ابن مريم يبني إسرائيل ~~إني رسول الله إليكم }. # أي: واذكر يا محمد إذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله ~~إليكم { مصدقا لما بين يدي من التوراة } أي: لما ~~نزل قبلي من التوراة على موسى ومبشرا لكم (برسول من الله) إليكم يأتي من ~~بعدي اسمه أحمد. # ثم قال: { فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر ~~مبين } أي: فلما جاء أحمد لبني إسرائيل بالعلامات الظاهرات الدالات ~~على نبوته، قالوا هذا الذي جئتنا به سحر ظاهر، ومن قرأ " ساحر " فمعناه: ~~قالوا هذا الذي جاءنا هو ساحر بين. # ثم قال: { ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب } ~~أي: لا أحد أظلم ممن اخترق على الله سبحانه الكذب، وهو قولهم للنبي صلى ~~الله ms2601 عليه وسلم، ساحر وشاعر إذ دعاهم إلى الإسلام، يقولون له ذلك حين ~~دعاهم إلى الدخول في الإسلام. # ثم قال: { والله لا يهدي القوم الظالمين } أي: لا ~~يوفقهم إلى الهدى. # ثم قال: { يريدون ليطفئوا نور الله بأفوههم } ~~أي: يريد هؤلاء القائلون لمحمد صلى الله عليه وسلم لما دعاهم إلى الإسلام ~~ساحر وشاعر ليبطلوا الحق الذي جاءهم به من عند الله عز وجل بقولهم إنه ~~ساحر وأن ما جاء به سحر. / # ثم قال: { والله متم نوره } أي: معل دينه على سائر الأديان، ~~ومظهر نبيه صلى الله عليه وسلم على من عاداه، وعنى بالنور هنا ~~الإسلام، ولو كره ذلك الكافرون بالله سبحانه فلا بد له من إمضاء مراده في ~~إعلاء كلمته. # ثم قال: { هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين ~~الحق } أي: الله الذي أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى، وهو ~~بيان الحق ودين الحق، وهو دين الله عز وجل يعني به الإسلام. # { ليظهره على الدين كله } أي: ليظهر دينه وهو الإسلام ~~على الأديان كلها ويعليه، وذلك فيما روي عند نزول عيسى / صلى الله عليه ~~وسلم تصير الملة واحدة، فلا يكون دين غير دين الإسلام. # روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: { ليظهره على الدين ~~كله } هو خروج عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم. # وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد ~~اللات والعزى، قالت: فقلت يا رسول الله إن كنت لأظن حين أنزل الله عز ~~وجل { هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ~~ليظهره على الدين كله } أن: ذلك سيكون تاما، فقال أنه ~~سيكون ذلك ما شاء الله ثم يبعث الله عز وجل ريحا طيبة فيتوفى من كان في ~~قلبه مثقال حبة من خردل من خير، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين ~~آبائهم ". # ثم قال: { يأيها الذين آمنوا هل أدلكم على ~~تجارة تنجيكم من عذاب أليم }. # أي: ينجيكم قبولها والعمل بها من عذاب مؤلم، أي: ms2602 موجع، ثم بين التجارة ~~ما هي، فقال: # { تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل ~~الله بأموالكم وأنفسكم } أي: تدومون على الإيمان بالله ~~ورسوله، وتجاهدون أعداء الله بأموالكم وأنفسكم. # ويروى أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: لوددنا أن نجد عملا ~~نعمله يدخلنا الله به الجنة، فنزلت الآية. # ثم قال: { ذلكم / خير لكم إن كنتم تعلمون } أي: ~~قبول ذلك وفعله خير لكم عاقبة إن كنتم تعلمون حسن العاقبة من سوئها. # ثم قال: { يغفر لكم ذنوبكم } جزم " يغفر " لأنه جواب ~~لتؤمنوا بالله لأنه بمعنى الإلزام كأنه قال: آمنوا بالله ورسوله وجاهدوا ~~في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم يغفر لكم ذنوبكم، أي: يسترها عليكم فلا ~~يعاقبكم عليها. # وفي حرف عبد الله: { آمنوا } على الأمر. # وقال الفراء: / { يغفر لكم } جواب الاستفهام في قوله: " هل ~~أدلكم " وهو خطأ، لأنه ليس بالدلالة تجب المغفرة، إنما تجب بالقبول ~~والعمل. # وقد قال علي بن سليمان: " تؤمنون " عطف بيان على " تجارة ". # وقيل: هو مبين عن تجارة، كعطف البيان في الأسماء التي تشبه البدل وهذا ~~قول حسن، فيكون " يغفر " جوابا بالاستفهام (كأنه قال: " بدل تؤمنون " ). # وتجاهدون يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار. # { ومساكن طيبة في جنات عدن } أي: في بساتين إقامة ~~أبدا. # { ذلك الفوز العظيم } أي: ذلك الذي تقدم وصفه لمن آمن وجاهد ~~هو النجاح العظيم خطره. ### || [61.13-14] # قوله: { وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب ~~} إلى آخر السورة الآيات، أي: وهل أدلكم على خلة أخرى تحبونها هي نصر من ~~الله لكم على أعدائكم، وفتح لكم قريب، " فأخرى " في موضع خفض عطفا على " ~~تجارة " عند الأخفش. # وقال الفراء: هي في موضع رفع، والتقدير: ولكم خلة أخرى، وهو اختيار ~~الطبري لأجل رفع " نصر " و " فتح " على البدل من " أخرى " ، فيكون المعنى ~~على قول الفراء أنه وعدهم على أيمانهم وجهادهم بخلتين: واحدة في الآخرة ~~وهي غفران الذنوب ودخول الجنات والمساكن الطيبات في جنات عدن، والأخرى في ~~الدنيا، وهي النصر والفتح والغنيمة، فتقف على مذهب الأخفش على { ~~تحبونها } وتبتدئ { نصر من ms2603 الله } ، أي: هو نصر، ولا تقف ~~على قول الفراء، لأن (نصرا بدل) من " أخرى ". # ثم قال: { وبشر المؤمنين } أي: وبشر يا محمد المؤمنين بنصر ~~من الله لهم وفتح عاجل. # ثم قال: { يأيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله } ~~أي: لأنبيائه ولأوليائه ولدينه، ومن أضاف " أنصارا " إلى الله احتج ~~بقوله: " نحن أنصار الله " وهو اختيار أبي عبيد. فرد ما اختلفوا ~~فيه إلى ما أجمعوا عليه. # وفي حرف عبد الله: " أنتم أنصار الله " بالإضافة والإيجاب، ~~وأيضا فإنه جمع مكسر، وليس مثل ضاربين فيعمل وينون، فكانت إضافته ~~أولى، ومن لم يضف قال بينهما فرق، لأن الأول يراد به الاستقبال فهو مشابه ~~لاسم الفاعل. # وحقه إذا أريد به الاستقبال التنوين، والثاني أمر قد كان، فلذلك أجمع ~~فيه على إضافته. # وقوله: { كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من ~~أنصاري إلى الله } الكاف من " كما " في موضع نصب نعت لمصدر ~~محذوف، والتقدير كونوا كونا [كما]. # وقيل: هي نعت للأنصار، أي: كونوا أنصارا مثل أنصار عيسى. # قال قتادة: كانت لله أنصار من هذه الأمة تجاهد على كتابه وحقه. # ذكر لنا أنه # " بايع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة اثنان وسبعين رجلا من ~~الأنصار، وذكر لنا أن بعضهم قال: هل تدرون على ما تبايعون هذا الرجل، ~~إنكم تبايعونه على محاربة العرب كلها ويسلمون، وذكر لنا أن بعضهم قال يا ~~نبي الله اشترط لربك ولنفسك / ما شئت، فقال أشترط لربي أن تعبدوه ولا ~~تشركوا به شيئا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما منعتم منه أنفسكم وأبناءكم ~~قالوا فإذا فعلنا ذلك فما لنا يا نبي الله، قال لكم النصر في الدنيا، ~~والجنة في الآخرة، ففعلوا، ففعل الله عز وجل بهم ذلك ". # قال معمر: قال الحواريون يعني من أصحاب محمد، نحن أنصار الله، قال كلهم ~~من قريش أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن ابن ~~عوف وأبو عبيدة بن الجراح وجعفر وحمزة وعثمان بن مظعون رضوان الله عليهم. # قال مجاهد: من أنصاري إلى الله: من يتبعني إلى الله. # قال ms2604 ابن عباس: سموا حواريين لبياض ثيابهم. # وقال الضحاك: الحواريون هم الغسالون بالنبطية، فيكونون على هذا في ~~قوله " قال الحواريون " يعني به حواري عيسى. # قال الضحاك: هم غسالون مر بهم عيسى فآمنوا واتبعوه. # وقيل: الحواريون: صفوة الأنبياء، ومنه قيل لما يختار من صفو الدقيق ~~وخالصه: حوارى. # وقال القتبي: { من أنصاري إلى الله } أي: مع الله، وهذا ~~عند بعض العلماء لا يجوز كما لا يجوز " قمت إلى زيد " بمعنى " مع زيد " و ~~" إلى " على بابها، ومعناه: من يضم نصرته إياي إلى نصرة الله إياي، ~~فالمعنى: قال الحواريون نحن أنصار أنبياء الله على ما بعثهم به من الحق. # ثم قال تعالى: { فآمنت طآئفة من بني إسرائيل ~~وكفرت طآئفة } يعني: بعيسى. # قال ابن عباس: لما أراد الله جل ذكره أن يرفع عيسى إلى السماء خرج إلى ~~أصحابه وهم اثنا عشر في بيت، فخرج إليهم من عين في البيت ورأسه يقطر ماء، ~~فقال لهم: إن منكم من سيكفر بي اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن بي، ثم قال: ~~أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل في مكاني ويكون معي في درجتي، قال فقام شاب ~~من أحدثهم سنا، فقال أنا، فقال أجلس ثم أعاد عليهم /، [الثالثة]، فقال ~~أنا قال نعم أنت ذلك، فألقى عليه شبه عيسى ورفع عيسى من زاوية في البيت ~~إلى السماء، قال وجاء الطلب من اليهود فأخذوا شبهه، فقتلوه وكفر به بعضهم ~~اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن به، فتفرقوا ثلاثة فرق، فقالت فرقة: كان الله ~~فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء وهم اليعقوبية، وقالت فرقة كان فينا ابن ~~الله ما شاء ثم رفع إليه وهم النسطورية، وقالت فرقة كان عبد الله ورسوله ~~ما شاء فينا ثم رفعه إليه وهم المسلمون، فتظاهرت الفرقتان على المسلمة ~~فقتلوها، فلم يزل الإسلام طامسا حتى بعثه الله محمدا صلى الله عليه ~~وسلم، فآمنت طائفة من بني إسرائيل بمحمد صلى الله عليه وسلم وكفرت طائفة ~~به. # وقيل: آمنت طائفة بعيسى صلى الله عليه وسلم وكفرت أخرى به. # ثم قال: ms2605 { فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم } يعني: ~~إظهار دين محمد على دين الكفرة. # قال قتادة: فتفرقوا أربع فرق بعد عيسى، قالت طائفة هو الله وهم ~~اليعقوبية. وقالت طائفة منهم هو ابنه (تعالى عن ذلك وجل) وهم ~~الإسرائيلية. # وقالت طائفة منهم: أمه الإله وهو الله وهم النسطورية، وقالت طائفة منهم: ~~وهو عبد الله ورسوله، وهم المسلمون. # ثم قال تعالى: { فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم } ~~أي: قويناهم بالحجة الظاهرة أن عيسى روح الله وكلمته. # قال قتادة: الفرقة المسلمة للفرق: ألستم تعلمون أن عيسى كان ينام وأن ~~الله لا ينام، وأن عيسى كان يأكل وأن الله لا يأكل. # وقيل: المعنى: فقوينا الذين آمنوا من بني إسرائيل على عدوهم الذين كفروا ~~منهم بمحمد صلى الله عليه وسلم بتصديق محمد عليه السلام إياهم أن عيسى / ~~عبد الله ورسوله، وتكذيبه من قال خلاف ذلك. # { فأصبحوا ظاهرين } أي: فأصبحت الطائفة المؤمنة مستعلية ~~بالحجة والبرهان على الكفار. # قال النخعي: أصبحت حجة من آمن بعيسى صلى الله عليه وسلم ظاهرة بتصديق ~~محمد صلى الله عليه وسلم لهم بأن عيسى روح الله وكلمته. # وقيل: فأصبح من آمن مع عيسى عاليا على من كفر به. # يقال: ظهرت على الحائط بمعنى: علوت عليه. ### | [62 - سورة الجمعة] ### || [62.1-11] # / قوله تعالى: { يسبح لله ما في السموت وما في ~~الأرض } ، إلى آخر السورة. # أي: يصلي ويسجد لله ما في السماوات السبع وما في الأرض من الخلق طوعا ~~وكرها. و " يسبح " للحال. # وقوله: { الملك القدوس }. # أي: الذي له ملك كل شيء، [الطاهر] من كل ما يضيفه إليه المشركون. # { العزيز الحكيم }. # أي: الشديد في انتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبيره خلقه. # - ثم قال تعالى: { هو الذي بعث في الأميين رسولا ~~(منهم) }. # أي: الله الذي بعث في العرب - [الذين] لا كتاب عندهم من عند الله - ~~رسولا منهم، يعني [محمدا] صلى الله عليه وسلم. # قال ابن زيد: " سميت أمة محمد أميين لأنه لم ينزل عليهم كتابا قبل ~~القرآن ". # وروى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " نحن ms2606 أمة أمية لا نكتب ولا نحسب " # وذكر الحديث. # [و] إنما قيل، [للذي] لا يكتب: " أمي " ، لأنه نسب إلى أمه، كأنه كما ~~ولد. # وقيل: نسب إليها لأنها في أكثر الأحوال لا تكتب. # وقيل: إن [الأميين] إنما نسبوا إلى أم القرى، وهي مكة. # - وقوله: { يتلوا عليهم آياته ويزكيهم }. # أي: يقرأ عليهم كتاب الله ويطهرهم من دنس الكفر ويمنيهم ~~بالثواب إذا قبلوا منه واتبعوه. # { ويعلمهم الكتاب }. # أي: القرآن. # { والحكمة }: التفقه في الدين. وقيل: الكتاب: القرآن وما فيه من ~~حلال وحرام. والحكمة: (السنة. قاله) قتادة. # - ثم قال تعالى: { وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين }. # أي: وقد كان هؤلاء (الأميون) - من قبل بعث محمد إليهم - في جور ظاهر عن ~~قصد السبيل وعن الهدى والرشاد. وتقديره [في] [الع]ربية: وما كانوا من ~~قبل بعث محمد إلا في ضلال (مبين)، (هذا مذهب سيبويه، وتقديره عند ~~الكوفيين). وإنهم كانوا من قبل بعث محمد لفي ضلال مبين. # - ثم قال تعالى: { وآخرين منهم لما يلحقوا بهم }. # { وآخرين }: عطف على الأميين، أي: بعث في الأميين وفي آخرين منهم، " ~~فهم " في موضع خفض، وقيل: " هم " في موضع نصب عطف على الهاء والميم في " ~~يعلمهم " أو في: " يزكيهم " ، أي: ويعلم آخرين (منهم ~~الكتاب والحكمة، أي: ويزكي آخرين منهم، قال مجاهد: { وآخرين منهم ~~} ) عنى به العجم لأنهم أميون أيضا، وكذلك قال ابن جبير. # قال أبو هريرة: # " لما نزل { وآخرين منهم لما يلحقوا بهم } ، ~~قيل: يا رسول الله، من هم؟ فضرب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم (بيده) على [سلمان] / وقال: لو كان الدين ~~بالثريا لناله هذا وأصحابه ". # وعن مجاهد: " { وآخرين منهم }: هم كل من ردف الإسلام من الناس ~~كلهم ". # وقال ابن زيد: هؤلاء كل من كان بعد النبي عليه السلام إلى يوم القيامة ~~(كل من دخل في الإسلام من العرب والعجم. # وقال الضحاك: " كل من آمن وعمل صالحا إلى يوم القيامة " ). # وقال ابن عمر في أهل اليمن: أنتم هم. # ومعنى: { لما يلحقوا بهم }. # أي: لم يحيوا بعد [وسيحيون]. # ثم قال: { وهو العزيز الحكيم }. # أي: ms2607 وهو العزيز في انتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبيره خلقه. # ثم قال: { ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء والله ذو ~~الفضل }. # أي: هذا الذي تقدم من الخبر على إرسال محمد إلى الأميين وغيرهم هو فضل ~~من الله تفضل به عليهم، لأنه يؤتي فضله من يشاء من عباده، ولا يستحق الذم ~~ممن حرمه إياه لأنه لم يمنعه حقا هو له، ولكنه (علم) من هو له أهل ~~فأودعه (إياه). وعن ابن عباس أن الفضل هنا: الدين. # - ثم قال تعالى: { والله ذو الفضل }. # أي: والله ذو الفضل العظيم على جميع خلقه المحسن منهم والمسيء. # - ثم قال تعالى: { مثل الذين حملوا التوراة ثم لم ~~يحملوها }. # أي: مثل الذين ألزموا العمل بما في التوراة فلم يقوموا به ولا وفوا بما ~~ألزموا فيها من الإيمان بمحمد وغير ذلك من فروضها. يعني بني إسرائيل ~~والنصارى. # - { كمثل الحمار يحمل أسفارا }. # أي يحمل كتبا من العلم لا ينتفع بها ولا يعقل ما فيها، فكذلك الذين ~~أوتوا التوراة فيها بيان أمر محمد وبعثه والأمر بالإيمان به، فلم ينتفعوا ~~بذلك ولا وفوا به، فصاروا في عدم الانتفاع بذلك مثل الحمار الذي يحمل ~~أسفارا. أي: كتبا بها العلم. # والحمل في هذا من الحمالة وليس من الحمل على الظهر ولا في الصدر، أي ~~تحملوا العمل بما فيها فلم يفوا بذلك. ومثله: # فأبين أن يحملنها... وحملها الإنسان # [الأحزاب: 72]. في الأحزاب، ومثله: # ولنحمل خطاياكم # [العنكبوت: 12] وهو كثير. فأما قوله: { كمثل الحمار يحمل } ~~فهو من الحمل على الظهر. # قال الضحاك: " الكتاب بالنبطية يسمى سفرا ". # - ثم قال: { بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات ~~الله }. # (أي: بئس هذا المثل مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله) وحججه. # { والله لا يهدي القوم الظالمين }. # لا يوفقهم (إلى) الهدى عقوبة لهم بكفرهم. # - ثم قال تعالى: { قل يأيها الذين هادوا إن زعمتم ~~أنكم أوليآء لله من دون الناس فتمنوا ~~الموت }. # أي: قل - يا محمد - لليهود: إن كنتم تزعمون أنكم أولياء لله من دون ~~المؤمنين فتمنوا الموت إن كنتم محقين في قولكم: إنكم أولياؤه، ms2608 فإن الله ~~لا يعذب أولياءه، بل يكرمهم [وينعمهم]، فيستريحون من تعب الدنيا وكربها ~~إلى النعيم. # - ثم قال: { ولا يتمنونه (أبدا) بما قدمت أيديهم ~~}. # (أي): ولا يتمنى - يا محمد - اليهود الموت أبدا لمعرفتهم (بما) قدمت ~~أيديهم من الآثام { والله عليم بالظالمين }. # - ثم قال تعالى: { قل إن الموت الذي تفرون منه ~~فإنه ملاقيكم }. # أي: قل لليهود - يا محمد -: إن الموت الذي تهربون منه وتكرهونه - لما ~~قدمت أيديكم من الآثام - لا بد أن يحل بكم { ثم تردون } - إذا ~~متم - { إلى عالم الغيب والشهادة } ، أي: إلى الله ~~الذي يعلم غيب السماوات والأرض، ويعلم ما ظهر من ذلك، ويعلم ما أسررتم من ~~أعمالكم وما أظهرتم فيجازيكم عليها ويخبركم بالذي كنتم تعملون. # ودخلت الفاء في قوله: " فإنه " لتقدم " الذي " وإن كان نعتا، لأن النعت ~~هو المنعوت في المعنى. و " الذي " فيه إبهام، فشابه الشرط بالإبهام الذي ~~فيه، فدخلت الفاء في خبر " إن " لكون اسمها فيه إبهام كما تدخل في جواب ~~الشرط، لأن خبر " إن " كجواب الشرط، فلما شابهه من الإبهام الذي في " ~~الذي " دخل فيه ما يدخل في جواب الشرط. # وقد قيل: إن الخبر ل " إن " هنا هو جملة من ابتداء وخبر، والتقدير: قل ~~إن الموت هو الذي تفرون منه. # - ثم قال تعالى: { يأيها الذين آمنوا إذا نودي ~~للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ~~}. # أي: إذا سمعتم النداء إلى الصلاة في يوم الجمعة) فامضوا إليها، وهو ~~الآذان الذي يكون عند قعود الإمام على المنبر للخطبة. # وقد قرأ ابن مسعود وعمر بن الخطاب: " فامضوا إلى ذكر الله ". # والسعي: [العمل] لا السرعة في المشي، دليله (قوله): # وأما من جآءك يسعى # [عبس: 8] و: # ثم أدبر يسعى # [النازعات: 22] و: # وإذا تولى سعى في الأرض # [البقرة: 205] / # فلما بلغ معه السعي # [الصافات: 102] كل هذا ليس يراد به سرعة مشي ولا جري، إنما هو العمل. ~~ويزيد في بيانه قوله تعالى: # إن سعيكم لشتى # [الليل: 4] أي: إن عملكم لمختلف. # قال الحسن وقتادة: فاسعوا بالنية والإرادة. # قال قتادة: " السعي يا ابن آدم أن ms2609 تسعى بقلبك وعملك، وهو المضي إليها " ~~، وهو قول عكرمة. # (وقال) ابن زيد: إذا سمعتم الداعي الأول فأجيبوا إلى ذلك. # قال: ولم يكن في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم أذان إلا الأذان حين ~~يجلس على المنبر، وأذان حين تقام الصلاة. قال: وهذا الآخر شيء أحدثه ~~الناس بعد في زمان عثمان رضي الله [عنه] فلم ينكره أحد من الصحابة، ~~وذلك حين كثر الناس وتباعدت الدور من المسجد، فمضى عليه العمل. ولا يحل ~~البيع بعد سماع النداء الذي يكون بين يدي الإمام عند الخطبة، وهو قوله: { ~~وذروا البيع }. # أي: دعوا البيع والشراء إذا نودي للصلاة عند الخطبة (يوم الجمعة). ~~والذكر هنا هو موعظة الإمام الناس في خطبته، قاله ابن المسيب وغيره. # - ثم قال: { ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون }. # أي: سعيكم إليها وترك البيع والشراء خير لكم في عقباكم إن كنتم ~~تعلمون مصالح أنفسكم ومضارها، وقد قال الضحاك والحسن وعطاء: إذا زالت ~~الشمس يوم الجمعة حرم البيع والشراء حتى تقضى الصلاة، وكان عمر ~~بن عبد العزيز رضي الله عنه يمنع الناس البيع يوم الجمعة إذا نودي ~~بالصلاة. # وقال مالك: يفسخ البيع إذا وقع في هذا الوقت المنهي عنه، ولم ير الشافعي ~~فسخه لأن الآية ليس فيها فسخه، فقيل له: أرأيت نكاح [المحرم] ونكاح ~~الشغار يفسخان إذا وقعا؟ [فقال: نعم]، قال: فكيف [تفسخهما] وليس في ~~الحديث ذكر الفسخ إذا وقعا؟! إنما فيه النهي عن ذلك كما في الآية النهي ~~عن البيع، فكما لا اختلاف في فسخ النكاح - وإن كان الحديث لم يتضمن ذكر ~~الفسخ - كذلك هذا. وقد ذهب قوم إلى أن البيع جائز في ذلك الوقت، وتأولوا ~~أن الآية على الترغيب لا على الإلزام، واستدلوا (على ذلك) بقوله بعد ذلك: ~~{ ذلكم خير لكم }. فلما قال { خير لكم } دل على أنه ~~على الترغيب. وهذا غلط، لو جاز هذا لكان قوله: # ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم # [النساء: 171] على الترغيب لا على الإلزام، وهذا كفر من قائله. # فإن أعتق أو أنكح بعد الأذان يوم ms2610 الجمعة لم يفسخ، لأنه ليس من البيع ~~الذي نص الله [عليه]، [ولأنه] أمر نادر غير دائم كالبيع الذي هو دائم ~~منتظر، ولأن القوم إنما خرجوا من خلف النبي صلى الله عليه وسلم إلى العير ~~التي أتت من الشام ليروها وليشتروا [مما] جاءت به، فعوتبوا على ذلك ~~ونزل تحريم البيع الذي أخرجهم من خلف النبي عليه السلام. # قال جابر: # " أقبلت عير بتجارة يوم الجمعة ورسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يخطب، فانصرف الناس ينظرون، وبقي رسول الله ~~(يخطب) في (اثني) عشر رجلا، فنزلت هذه الآية ". # فالجمعة لازمة لكل حر محتلم، وغسلها سنة على كل محتلم وقت الرواح ~~إليها. # ولا جمعة على المسافر ولا على النساء، فإن (حضرن) وصلين مع الناس ركعتين ~~أجزتهن عن الظهر. # وكان ابن مسعود يخرج النساء من المسجد يوم الجمعة ويقول: أخرجن إلى ~~بيوتكن (خيرا لكن. وجائز للمسافر السفر) يوم الجمعة ما لم يحضر الوقت ~~عند مالك، ومنعه جماعة من ذلك حتى يصلي الجمعة. # والجمعة يجب أن يأتيها من كان على ثلاثة أميال فأقل من المسجد عند مالك. # وعن الزهري: من كان على (مسافة) ستة أميال فأقل يجب عليه الإتيان. وقيل: ~~لا يجب إلا على من سمع النداء، روي (عن) عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب ~~وبه قال أحمد بن حنبل، لأنه قال تعالى: { إذا نودي للصلاة } ~~فدل على أن ذلك على من سمعه أو كان في موضع يمكن أن يسمعه. # وقال أصحاب الرأي: تجب الجمعة على أهل المصر، من سمع النداء ومن لم ~~يسمع. # وقال ابن المنكدر والزهري: تجب الجمعة على من كان على أربعة أميال. # وروي عن أبي هريرة: أن الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة من ~~بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وبعد صلاة العصر إلى غروب الشمس. # وقال أبو العالية والحسن: (هي) (عند) زوال الشمس. # وقالت عائشة رضي الله عنها: هي عند أذان المؤذن لصلاة الجمعة. # وعن الحسن أيضا أنها ما بين خروج الإمام إلى أن [تقضى] الصلاة. # وقال أبو بردة: هي ms2611 عند نزول الإمام. # وقال أبو السوار: هي ما بين زوال الشمس إلى أن تدخل الصلاة. # وعن أبي ذر: أنها بعد زيغ الشمس شبرا إلى ذراع من يوم الجمعة. # وعن جماعة / من العلماء: أنها آخر ساعة من يوم الجمعة. # - ثم قال تعالى: { فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في ~~الأرض }. # أي: إن شئتم، (وهذه) رخصة بعد [حظر]. وقد روى أنس أن النبي عليه السلام ~~قال: # " { فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله } ~~ليس بطلب دنيا ولكن عيادة مريض وحضور جنازة ~~وزيارة أخ في الله ". # وقوله: { واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون }. # أي: اذكروه بالحمد والشكر على ما وفقكم له لعلكم تنجون وتبقون في النعيم ~~الدائم. # ثم قال تعالى: { وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا ~~إليها }. # التقدير عند المبرد: وإذا رأو تجارة انفضوا إليها، وإذا رأوا لهوا ~~انفضوا إليه (ثم حذف وأخر ضمير الأول. # والمعنى: إذا رأوا ذلك أسرعوا إليه) وتركوك قائما تخطب. يوبخ المؤمنين ~~بذلك من فعلهم (إذ) خرجوا عن رسول الله - وهو يخطب - لرؤية العير التي ~~أتت من (الشام) وكانت تحمل زيتا (أتى) به دحية بن (خليفة) من الشام. # قال الحسن: أصاب الناس جوع و (غلاء) سعر، فقدمت عير والنبي صلى الله ~~عليه وسلم يخطب فخرجوا إليها. # واللهو (هنا): ما يصنع عند النكاح من الدف. وقيل: وهو الطبل. # ثم قال تعالى: { قل ما عند الله خير من اللهو ومن ~~التجارة }. # أي: ما عنده من الثواب والأجر خير من ذلك لمن جلس واستمع الخطبة. # { والله خير الرازقين }. # أي: خير رازق، فارغبوا إليه في توسعة الرزق. ### | [63 - سورة المنافقون] ### || [63.1-11] # قوله تعالى: { إذا جآءك المنافقون قالوا نشهد إنك ~~لرسول الله }. إلى آخر السورة. # أي: إذا جاءك - يا محمد - المنافقون فأقروا أنك رسول الله، فالله يعلم ~~أنك لرسوله، ولكن الله يشهد أن المنافقين لكاذبون في ما أظهروا إليك من ~~الإقرار، لأن باطنهم على خلاف ما أظهروا. وأعيد ذكر الله ثانية ولم يضمر ~~للتفخيم والتعظيم. # ثم قال تعالى: { اتخذوا أيمانهم (جنة) }. # أي: جعلوا ما أظهروا من الإيمان ms2612 جنة يمتنعون به من القتل والسبي، ~~وهي الأيمان المذكورة في سورة براءة، وهو حلفهم بالله [ما قالوا، ~~وحلفهم]: # إنهم لمنكم # [التوبة: 56]. # قال الضحاك: هي حلفهم بالله إنهم لمنكم. # ومعنى { جنة } سترة يستترون بها كما يستتر [المستجن] بجنته ~~في الحرب، فامتنعوا بأيمانهم من القتل والسبي. # - ثم قال تعالى: { فصدوا عن سبيل الله }. # أي: فمنعوا أنفسهم ومن اتبعهم من الناس عن الإيمان. # - { إنهم سآء ما كانوا يعملون }. # أي: بئس عملهم. # - ثم قال تعالى: { ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع ~~على قلوبهم }. # أي: ذلك الحلف والنفاق من أجل أنهم آمنوا بألسنتهم ثم كفروا بقلوبهم، ~~فختم الله على قلوبهم، { فهم لا يفقهون } صوابا من خطأ، ولا ~~حقا من باطل لغلبة الهوى عليهم. # وأعلمنا الله جل ذكره في هذه الآية (أن) النفاق كفر، بقوله: { ثم ~~كفروا }. # - ثم قال تعالى: { وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن ~~يقولوا تسمع لقولهم }. # العامل في " (إذا) " من قوله [ { إذا جآءك } ] و { وإذا ~~رأيتهم } وشبهه: الفعل الذي بعدهما. وفيهما معنى المجازاة، ~~للإبهام الذي فيهما، وإذا كان فيهما معنى المجازاة لم يضافا إلى ما ~~بعدهما. وإذا لم يضافا فأحسن أن يعمل ما بعدهما فيهما، إلا أنه لا ~~يختار أن يجزما للتوقيت الذي فيهما. ففارقا به معنى حروف الشرط من ~~وجه، فقبح العمل في اللفظ، وحسن العمل في المعنى دون اللفظ للإبهام الذي ~~فيهما، فإن قدرتهما مضافين إلى ما بعدهما، لم يعمل فيهما ولا عملا فيه ~~في لفظ ولا معنى. # والمعنى: وإذا رأيت - يا محمد - هؤلاء المنافقين تعجبك أجسامهم لاستواء ~~خلقها وحسن صورتها { وإن يقولوا تسمع لقولهم } كما تسمع ~~كلام غيرهم من أهل الإيمان فتظنه حقا. # - { كأنهم خشب مسندة }. # أي لا خير عندهم ولا علم، إنما هم صور وأشباح [بلا فهم] ولا علم ولا ~~عقل. # ثم قال: { يحسبون كل صيحة عليهم }. # (أي) يظنون - من جبنهم وسوء ظنهم - كل صيحة يسمعونها أنها عليهم. وقيل: ~~المعنى: يحسبون كل صائح يصيح أنه يقصدهم، لأنهم (على) وجل من إظهار الله ~~(ما أخفوا) من من النفاق فيهتك سترهم ويبيح ms2613 للمؤمنين قتلهم وسبي ~~[ذراريهم] وأخذ أموالهم، فهم من خوفهم كلما نزل وحي على النبي ظنوا أنه ~~في أمرهم وفي هلاكهم وعطبهم. # - ثم قال تعالى: { هم العدو فاحذرهم }. # أي: هم الأعداء لك - يا محمد - (وللمؤمنين)، فاحذرهم. # - ثم قال تعالى: { [قاتلهم] الله أنى يؤفكون }. # أي: عاقبهم الله فأهلكهم فصاروا بمنزلة من قتل، من أين يص(رفو)ن / عن ~~الحق بعد ظهور البراهين والحجج. # - ثم قال تعالى: { وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر ~~لكم رسول الله لووا رءوسهم ورأيتهم يصدون ~~}. # أي: وإذا قال المؤمنون لهؤلاء المنافقين: تعالوا إلى رسول الله [يستغفر ~~لكم الله]، تولوا وأعرضوا وحركوا رؤوسهم وهزوها استهزاء برسول الله ~~وباستغفاره { وهم مستكبرون }. # ومن شدد { لووا } فمعناه أنهم [كرروا] هز رؤوسهم وتحريكها. وهذه ~~الآيات - فيما روي - نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول المنافق. وذلك ~~أنه قال لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا (وقال): لئن ~~رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فسمع ذلك زيد بن أرقم فأخبر ~~به النبي صلى الله عليه وسلم (فدعاه النبي فسأله) عن ذلك فحلف ما قاله. ~~فقيل له: لو أت(يت) النبي صلى الله عليه وسلم فسألته أن يستغفر لك. ~~فجعل يلوي رأسه ويحركه استهزاء. يعني بذلك أنه غير فاعل ما قالوا له. ~~ففيه نزلت هذه السورة. # - ثم قال تعالى: { سوآء عليهم أستغفرت لهم أم لم ~~تستغفر لهم لن يغفر الله لهم }. # [أي] مستو الاستغفار منك - يا محمد - لهم وتركه، لأن الله لا يغفر ~~لهم؛ لأنهم على كفرهم مقيمون، وإنما المغفرة للمؤمنين. # (وكان النبي) صلى الله عليه وسلم قد استغفر لهم لأنهم أظهروا له ~~الإسلام. # - ثم قال: { إن الله لا يهدي القوم الفسقين }. # أي: لا يوفق القوم الذين خرجوا عن طاعته. # " قال ابن عباس: { سوآء عليهم أستغفرت لهم } الآية: ~~نزلت بعد الآية (التي) في " براءة " ، قوله: { أستغفرت لهم ~~أم لم تستغفر لهم } الآية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~" سوف أستغفر لهم زيادة على سبعين، فأنزل الله هنا { سوآء عليهم ~~أستغفرت لهم } الآية " # فلم يبق ms2614 للاستغفار لهم وجه. # ثم قال تعالى: { هم الذين يقولون لا تنفقوا على من ~~عند رسول الله حتى ينفضوا }. # هذا قول [عبد] الله بن أبي لأصحابه المنافقين، [قال (لأصحابه]: لا ~~تنفقوا على المهاجرين حتى { ينفضوا }: يتفرقوا عن محمد. # - ثم قال تعالى: { ولله خزآئن السموت والأرض }. # (أي): جميع ما فيهما، وبيده مفاتيح خزائن كل شيء، لا يعطي أحد أحدا ~~شيئا إلا بإذنه، ولا يمنع أحد أحدا شيئا إلا بإذنه. # ثم قال: { ولكن المنافقين لا يفقهون }. # (أي: لا يفقهون) أن كل شيء بيد الله وتحت قدرته. فلذلك يقولون هذا. # - ثم قال: { يقولون لئن رجعنآ إلى المدينة ~~ليخرجن الأعز منها الأذل }. # أي: يقول هؤلاء المنافقون: لئن رجعنا إلى مدينتنا ليخرجن منها العزيز ~~[الذليل]. # وحكى الفراء: " ليخرجن [الأعز منها الأذل] " [بنصب] " ~~الأذل " على الحال وفتح الياء وضم [الراء من " ليخرجن " ]، وهو بعيد. # وقد أجاز يونس: مررت به [المسكين] بالنصب على الحال. # (وحكى سيبويه: دخلوا الأول فالأول، بالنصب على الحال)، وهذه ~~أشياء شاذة لا يقاس عليها القرآن. # - ثم قال: { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين }. # أي: ولله العزة والشدة ولرسوله والمؤمنين. # { ولكن المنافقين لا يعلمون }. # (أي): لا يعلمون ذلك. # روي أن عبد الله بن عبد (الله) بن أبي كان من المؤمنين حقا، وأنه ~~لما [أتي] بأبيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فوبخه على ما بلغه، ~~فأنكر ذلك عبد الله وحلف، قال له ولده (عبد الله): [والله، لا تمر] حتى ~~تقول: إنك الأذل، وإن رسول الله الأعز. فلم يمر حتى قالها. # " وروي أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، بلغني ~~أنك تريد قتل عبد الله أبي فيما بلغك عنه، ~~فإن كنت فاعلا فمرني، فأنا أحمل لك رأسه. ~~فوالله، لقد علمت الخزرج ما كان فيها من رجل ~~أبر بوالده مني، وأنا أخشى أن تأمر به غيري ~~فيقتله فلا تدعني نفسي أن أنظر إلى قاتل أبي ~~يمشي في الناس فأقتله فأقتل مؤمنا بكافر ~~فأدخل النار. فقال له رسول الله: نرفق به ~~ونحسن صحبته ما بقي معنا. ms2615 [ثم كان] بعد ذلك ~~إذا أحدث حدثا عاقبه عليه قومه. وكان عمر قد ~~سأل رسول الله (في قتله، فقال له رسول الله) - ~~لما تولى قومه عقوبته - كيف ترى يا عمر؟! أما ~~والله لو قتلته يوم أمرتني بقتله [لأرعدت ~~له] آنف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته. فقال ~~عمر: والله، قد علمت لأمر رسول الله أعظم بركة ~~من أمري ". # ثم قال تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تلهكم ~~أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله }. # قال عطاء والضحاك: { عن ذكر الله }: عن الصلوات الخمس. # أي: لا يشغلكم اللهو [بها] والمحبة لها، والاشتغال عن الصلوات ~~المفروضات. # وقيل: هو عام، ووقع النهي في الظاهر على الأموال والأولاد. وهو في ~~المعنى واقع على المخاطبين، دل على ذلك قوله: { ومن يفعل ذلك ~~فأولئك هم الخاسرون } وهو كثير في القرآن. # - ثم قال: { ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون ~~}. # أي / ومن يشغله (ماله وولده عما فرض الله عليه من الصلوات وعن ذكر الله ~~فأولئك هم ([المغبونون] حظوظهم من كرامة) الله ورحمته. # - ثم قال: { وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن ~~يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني ~~إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين }. # أي: وتصدقوا أيها المؤمنون (مما رزقناكم)، وأنفقوا في سبيل الله [مما] ~~خولكم الله من أموالكم من قبل أن تموتوا، فيقول أحدكم: يا رب، هلا ~~أخرتني ورددتني إلى الدنيا وقتا قريبا فأتصدق وأكن من الصالحين. فيسأل ~~الرجعة حين لا رجعة. # (وقيل: المعنى: هلا مددت لي في العمر فأتصدق وأكن من الصالحين)، وقيل: ~~[معنى] { وأكن من الصالحين } أحج بيتك الحرام. # قال ابن عباس: ما من أحد يموت ولم يؤد الزكاة ولم يحج إلا سأل الكرة، ثم ~~قرأ هذه الآية. قال: فقوله: [ { فأصدق } ] أي: أؤدي الزكاة، ~~وقوله: { وأكن من الصالحين }: أحج. # قال الضحاك: هو المؤمن ينزل به الموت وله مال كثير لم يزكه ولم يحج منه ~~ولم يعط منه حق الله، يسأل الرجعة عند الموت (ليزكي) ماله. # - قال تعالى: { ولن يؤخر الله نفسا إذا جآء أجلهآ ~~}. # أي: لا يؤخر ms2616 الله في أجل أحد فيمد له [فيه] إذا حضر أجله. # وعن ابن عباس: { وأكن من الصالحين }: أؤدي الفرائض، [وأجتنب] ~~الحرام. والتقدير في العربية: " وأكون صالحا من الصالحين ". # - ثم قال: { والله خبير بما تعملون }. # أي: ذو خبر وعلم بأعمال خلقه، محيط بها فمجازيهم عليها. ### | [64 - سورة التغابن] ### || [64.1-18] # - [قوله تعالى]: { يسبح لله ما في السموت و[ما في] ~~الأرض... } إلى آخر السورة. # معناه: يصلي لله ويسجد جميع من في السماوات السبع والأرض من الخلق طوعا ~~وكرها " ويسبح ": للحال. # - وقيل: معناه [ينزه الله] ويبرئه من السوء كل من في السماوات ~~والأرض. # - ثم قال تعالى: { له الملك وله الحمد... }. # أي: له ملك السماوات والأرض وسلطان ذلك، وله حمد [ما] فيهما من الخلق. # - { وهو على كل شيء قدير }. # أي: ذو قدرة على كل شيء، يفعل ما يريد، لا يعجزه شيء أراده. # - ثم قال تعالى: { هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم ~~مؤمن... }. # [أي: خلقكم على علمه فيكم من قبل أن يخلقكم، فمنكم من كفر، ومنكم من آمن ~~على ما سبق من علمه بكم]، أي: الله الذي خلقكم - أيها الناس - فمنكم من ~~يكفر بخالقه ويجحده، ومنكم من يؤمن بخالقه ويقر به. # - { والله بما تعملون بصير }. # أي: والله الذي خلقكم بصير بأعمالكم، لا يخفى عليه منها شيء، فيجازيكم ~~بها، فاتقوه فيما أمركم به وما نهاكم عنه. # وعن أبي ذر أنه قال: إن المني إذا مكث في الرحم أربعين ليلة أتى ملك ~~النفوس فعرج به إلى الجبار في راحته فقال: يا رب عبدك: ذكر أو أنثى؟ ~~فيقضي الله جل ثناؤه ما هو قاض. ثم يقول: أي رب، شقي أو سعيد؟ فيكتب ما ~~هو [لاق]. # - ثم قال تعالى: { خلق السموت والأرض بالحق ~~(وصوركم) فأحسن صوركم... }. # أي: خلق السماوات والأرض بالعدل [والإنصاف] ومثلكم فأحسن تمثيلكم. # وروي أنه [عنى] به تصوير آدم وخلقه إياه. # (وقال ابن عباس: يعني آدم، خلقه بيده. # - ثم قال: { وإليه المصير }. # أي: المرجع يوم القيامة). # - ثم قال: { (يعلم) ما في السموت والأرض... }. # أي: يعلم كل ما في السماوات ms2617 السبع والأرض من شيء لا تخفى عليه من ذلك ~~خافية، ويعلم ما يسر الخلق من قول وعمل وما يعلنون من ذلك. # - ثم قال: { والله عليم بذات الصدور }. # أي: ذو علم بضمائر صدور العباد وما تنطوي عليه نفوسهم وهذا: (كله) تحذير ~~من الله جل ذكره (لعباده أن يسروا غير الذي يعلنون). # - ثم قال تعالى: { ألم يأتكم نبأ (الذين كفروا من ~~قبل فذاقوا وبال أمرهم) }. # (هو خطاب لقريش أي: ألم يأتكم خبر الذين كفروا من قبلكم كقوم (نوح) وعاد ~~وثمود وقوم إبراهيم وقوم لوط كفروا { فذاقوا وبال أمرهم } )، ~~أي: فمسهم عقاب الله إياهم على كفرهم فتخافوا أنتم أن يحل بكم على كفركم ~~مثل ما حل بهم. # - ثم قال: { ولهم عذاب أليم }. # أي: ولهم بعد ما نزل بهم في الدنيا من العذاب عذاب آخر موجع في الآخرة، ~~وهو / عذاب في النار. # ثم قال تعالى: { ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم ~~بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا ~~وتولوا... }. # أي: ذلك (الذي) [نالهم] على كفرهم والذي أعد لهم ربهم من العذاب من أجل ~~أنه { كانت تأتيهم رسلهم بالبينات }: الآيات الواضحات ~~على حقيقة ما تدعوهم إليه. فيقولون: { [أبشر] يهدوننا } ~~استكبارا منهم أن يكون رسل الله (إليهم) بشر مثلهم. وأتى " ~~يهدوننا " بلفظ الجمع وقبله " بشر " ، " موحد " ، لأنه ~~حمل على المعنى، لأنه عند بعضهم اسم للجمع. # وحكى [المازني] أن النحويين أجازوا أن يقال: [جاءني] ثلاثة نفر وثلاثة ~~رهط، لأن نفرا ورهطا لأقل العدد، [وما دون العشرة يضاف لأقل العدد، ~~فلما وقع موقعه وهو مثله لأقل العدد] جاز، و " بشر " للعدد الكثير، و " ~~قوم " للقليل والكثير، فلما خالف ما يضاف إليه ما دون العشرة (لم يضف ~~إليه كما لا [يضاف] ما دون العشرة) إلى أكثر العدد. # وقال المبرد: إنما لم يضف ما دون العشرة إلى " بشر " ، لأنه يقع للواحد ~~والجمع، وما دون العشرة لا يضاف إلى الواحد. هذا معنى قولهما. واستدل على ~~أن " بشرا " يقع للواحد [بقول] الله # ما هذا بشرا # [يوسف: 31] ثم قال: { فكفروا وتولوا...... }. # (أي): فجحدوا رسالات ربهم، وأدبروا ms2618 عن الإيمان برسلهم { واستغنى ~~الله... } عن إيمانهم إذ [لا يزيد] في ملكه إيمانهم، ولا ينقص منه ~~كفرهم. # { والله غني حميد }. # أي: { غني } عن جميع خلقه، محمود عند جميعهم، إذ ما يهم من نعمة ~~فمنه وبفضله. # ثم قال: { زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا... }. # أي: زعم الكفار من قريش أنهم لا يبعثون من قبورهم بعد مماتهم. وقد كره ~~مجاهد وغيره أن يقول الرجل: زعم فلان. " وزعم " عند النحويين على ضربين: # تكون بمعنى قال، وبمعنى تخرص وتقول. # ثم قال تعالى: { قل بلى وربي لتبعثن... }. # أي: قل لهم يا محمد مجاوبا [لنفيهم] البعث: بلى وربي، لتبعثن من قبوركم ~~يوم القيامة، ثم لتخبرن بما عملتم في الدنيا، ثم [تجازون] على ~~أعمالكم. # { وذلك على الله يسير }. # أي: سهل هين. # ثم قال تعالى: { فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي ~~أنزلنا... }. # أي: فصدقوا بالله أيها المشركون (به)، وصدقوا برسوله وبالقرآن الذي أنزل ~~عليه ربما فيه من إخبار الله إياكم بالبعث والجزاء والجنة والنار وغير ~~ذلك. # ثم قال: { والله بما تعملون خبير }. # أي: ذو خبر وعلم بأعمالكم، لا يخفى عليه منها شيء، وهو مجازيكم على ~~جميعها. # { يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم ~~التغابن... }. # [العامل] في: " يوم يجمعكم ": [ " خبير " ] والمعنى: والله ~~ذو خبر بأعمالكم يجازيكم عليها في يوم يجمعكم ليوم جمع الخلائق كلهم، ذلك ~~يوم يغبن فيه أهل الجنة أهل النار. # قال مجاهد: (يوم القيامة يوم يغبن فيه أهل الجنة أهل ~~النار). # قال ابن عباس: (غبن أهل الجنة أهل النار). # وقيل: العامل في " يوم "... لتنبؤن. # ثم قال تعالى: { ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر ~~عنه سيئاته ويدخله جنات تجري من تحتها ~~الأنهار... }. # أي: ومن يصدق بالله وبما أنزل ويعمل في دنياه عملا صالحا نكفر عنه ما ~~مضى من سيئاته ونمحها عنه ونسترها عليه وندخله في الآخرة بساتين تجري من ~~تحت أشجارها الأنهار خالدين فيها أبدا لا يموتون ولا يخرجون منها. # - { ذلك الفوز العظيم }. # أي: ذلك [النجاء] العظيم. # ثم قال تعالى: { والذين كفروا وكذبوا بآيتنآ ~~(أولئك أصحب النار خلدين فيها وبئس ms2619 ~~المصير) }. # أي: والذين جحدوا توحيد الله وكذبوا بأدلته تعالى وجحدوا كتابه، أولئك ~~أصحاب النار هم فيها ماكثون أبدا لا يموتون ولا يخرجون منها. # { وبئس المصير }. # أي: وبئس الشيء الذي يصار إليه نار جهنم. # ثم قال تعالى: { مآ أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ~~(ومن يؤمن بالله يهد قلبه }. # أي: لم تصب أحدا من الخلق مصيبة إلا بقضاء الله وتقديره ذلك عليه. # وقال الفراء: معناه: إلا بأمر الله). # قال علقمة: هو الرجل تصيبه [المصيبة] فيعلم أنها من قبل الله فيسلم لها ~~ويرضى عن الله، فذلك قوله تعالى: { ومن يؤمن بالله يهد ~~قلبه } ، أي: ومن يصدق بالله وبتوحيده يهد قلبه إلى الإيمان ~~ويوفقه إلى الطريق المستقيم، فيعلم أنه لا تصيبه إلا بإذن الله ~~فيسلم لأمر (الله) ويرضى بقضائه. # قال ابن عباس: يهدي قلبه لليقين فيعلم أن كلا من عند الله، وما أصابه ~~لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. # وقيل: يهدي قلبه إلى التسليم لأمر الله إذا أصيب وإلى الشكر إذا أنعم ~~عليه وإلى الغفران إذا ظلم /. # - ثم قال تعالى: { وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن ~~توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين }. # أي: أطيعوا الله في أمره ونهيه والإيمان به وبرسوله وأطيعوا رسوله، فإن ~~أعرضتم عن الإيمان بذلك فليس على محمد إلا أن يبلغكم ما أرسل [به] إليكم ~~بلاغا ظاهرا، والمحاسبة والمجازاة على الله. # - ثم قال تعالى: { الله لا إله إلا هو وعلى الله ~~فليتوكل المؤمنون }. # أي: الله معبودكم، لا معبود تصلح العبادة إلا له، وعلى الله فليتوكل ~~المصدقون بوحدانيته. # - ثم قال تعالى: { يأيها الذين آمنوا إن من ~~أزواجكم.. } الآية. # روي أن هذه الآية نزلت في قوم أرادوا الإسلام والهجرة، وأسلموا في ~~بلدانهم وأرادوا الهجرة فثبطهم عن ذلك أزواجهم وأولادهم وأبوا أن ~~يدعوهم يخرجون، ثم هاجروا بعد ذلك بأهليهم وأولادهم. فلما قدموا ~~المدينة، وجدوا الناس قد فقهوا وتعلموا القرآن، فهموا [عقوبة] ~~أزواجهم وأولادهم، فأنزل الله هذه الآية. # ولذلك قال: { وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن ~~الله غفور رحيم }. فاعلموا أن من الأزواج والأولاد ms2620 من هو عدو، ~~ولا عدو أعظم ممن منع من الهجرة. هذا معنى قول ابن عباس. # فكان الرجل يضرب أهله إذا ثبطوه عن الهجرة، ويقسم ليفعلن بهم ~~وليعاقبنهم على ذلك، فقال الله: { وإن تعفوا وتصفحوا ~~وتغفروا فإن الله غفور رحيم }. قال عطاء: نزلت [هذه ~~الثلاث آيات] (في عوف بن مالك الأشجعي، كان ذا أهل وولد، فكان إذا أراد ~~الغزو [بكوا] إليه ووقفوه، وقالوا: إلى من تدعنا؟ فيرق ويقيم فنزلت ~~هذه الآيات (فيه)). # قال قتادة: من الأزواج والأولاد من لا يأمر بطاعة الله، ولا ينهي عن ~~معصيته. # وكبرت تلك عداوة للمرء أن يكون صاحبه (لا يأمر بمعروف ولا ينهى عن ~~منكر). # وأكثر المفسرين على أنهن نزلن في من كان [يسلم] ويمنعه أهله وولده من ~~الهجرة. وهو قول الضحاك (وابن زيد). # ثم قال: { إنمآ أموالكم [وأولادكم] فتنة... }. # أي: بلاء عليكم في الدنيا. # " وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى الحسن والحسين عليهما قميصان ~~أحمران يعثران ويقومان، وهو يخطب، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~أخذهما فرفعهما ووضعهما في حجره ثم قال: صدق الله { إنمآ ~~أموالكم وأولادكم فتنة } رأيت هذين فلم أصبر، ثم أخذ في ~~خطبته ". # ثم قال: { والله عنده أجر عظيم }. # أي: ثواب عظيم إذا أنتم خالفتم الأزواج والأولاد في طاعة الله. # قال قتادة: { أجر عظيم }: الجنة. # ثم قال: { فاتقوا الله ما استطعتم... }. # هذا نزل بعد قوله تعالى: # اتقوا الله حق تقاته # [آل عمران: 102] تخفيفا عن الخلق، فقيل: إن هذا ناسخ لذلك، وقيل: " هو ~~تخفيف، ولا بد من التقى. ومعنى { حق تقاته } أن يطاع فلا يعصى. # وكانوا يبايعون النبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، فيقول: ~~فيما استطعتم. # قال ابن مسعود { حق تقاته } أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ~~ويذكر فلا ينسى. # - ثم قال: { واسمعوا وأطيعوا... }. # أي: اسمعوا لرسول الله وأطيعوه فيما أمركم به ونهاكم عنه. # - { وأنفقوا خيرا لأنفسكم... }. # أي: أنفقوا مالا لأنفسكم، فالخير هنا مفعول ل " أنفقوا " ، والخير: ~~المال، كما قال: # وإنه لحب الخير لشديد # [العاديات: 8] يعني: المال. ms2621 # وقيل: " خيرا " هنا بمعنى: أفعل، أي: وأنفقوا في سبيل الله يكن خيرا ~~لكم. # - ثم قال: { ومن يوق شح نفسه فأولئك هم ~~المفلحون }. # أي: ومن يقه الله شح نفسه. وذلك اتباع هواها فيما نهى الله عنه. # قال ابن عباس: " شح نفسه ": " هوى نفسه... ". # قال ابن مسعود: " هو أن يعمد إلى مال غيره فيأكله ". # وقال سفيان بن عيينة: هو الظلم، وليس هو البخل. # { فأولئك هم المفلحون }. # أي: هم الباقون في النعيم المقيم. # قال الحسن: نظرك إلى المرأة لا تملكها من الشح. # وقال ابن عباس: ليس الشح أن يمنع الإنسان ماله، إنما الشح أن [تطمح] عين ~~الرجل إلى ما ليس له. # قال ابن مسعود: إنما الشح الذي ذكر الله تعالى أن يأكل الرجل مال أخيه، ~~وحبس المال [عن] الصدقة هو البخل. # وقال طاوس: إنما الشح أن تشح على ما في [أيدي] الناس. # [قال علي: من أدى زكاته فقد وقي شح نفسه]. # - ثم قال تعالى: { إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه ~~لكم (ويغفر لكم) }. # أي: إن تنفقوا في سبيل الله في الدنيا احتسابا للأجر والثواب يضاعف ~~أجر ذلك لكم ربكم من واحد إلى سبعمائة ضعف إلى أكثر ويستر ~~عليكم ذنوبكم مع تضعيفه / لنفقاتكم. # { والله شكور حليم }. # أي: ذو شكر لأهل الإنفاق في سبيله، حليم عن أهل معاصيه، يترك معاجلتهم ~~بعقوبته. # - ثم قال تعالى: { عالم الغيب والشهادة العزيز ~~الحكيم }. # أي: هو عالم ما غاب عن الأبصار وما ظهر في السماوات والأرضين، وهو ~~الشديد في انتقامه ممن كفر به، الحكيم في تدبيره خلقه. ### | [65 - سورة الطلاق] ### || [65.1] # - قوله تعالى: { يأيها النبي إذا طلقتم النسآء ~~فطلقوهن لعدتهن... } إلى قوله: { بعد ذلك ~~أمرا... }. # هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ويراد به أمته [ودل] على ذلك قوله - ~~بعد ذلك: { إذا طلقتم }. # وقيل: إن هذا من الانتقال من المخاطبة، كما قال: # حتى إذا كنتم في الفلك # [يونس: 22] ثم قال: # وجرين بهم # [يونس: 22]. # وقيل: التقدير: يا أيها النبي قل لهم: إذا طلقتم. # وقيل: إنه كله مخاطبة للنبي، لكن خوطب بلفظ ms2622 الجمع على التعظيم والإجلال، ~~كما يقال للرجل الجليل: أنتم فعلتم. # والمعنى: إذا طلقتم نساءكم المدخول بهن، أي: إذا أردتم طلاقهن { ~~فطلقوهن لعدتهن } أي: لطهرهن [الذي يحصينه من عدتهن ~~ويعتددن به طاهرات من غير جماع كان منكم في ذلك الطهر، ولا تطلقوهن ~~لحيضهن] الذي لا يعتددن به من أقرائهن. ( " فاللام " بمعنى) " في ": أي: ~~[فطلقوهن] في عدتهن. أي: في الطهر (الذي) [يعتددن] به، وهو الطهر [الذي] ~~لم تقرب فيه. [وهذا هو مذهب] مالك وغيره. # وكون اللام بمعنى " في ": [مستعمل]، قال الله جل ذكره عن قول الكافر ~~في الآخرة: # يليتني قدمت لحياتي # [الفجر: 24]، أي: في حياتي، أي: يا ليتني قدمت عملا (صالحا) في حياتي ~~في الدنيا. # فطلاق السنة الذي ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم هو أن يطلق الرجل ~~امرأته وهي طاهر من غير جماع كان منه في ذلك الطهر. دل على ذلك قوله: { ~~فطلقوهن لعدتهن } أي: في عدتهن، أي: في الطهر الذي ~~يعتددن به ويجعلنه قرءا إذا مضى. # وسأل رجل ابن عباس فقال: إنه طلق امرأته مائة، فقال له ابن عباس: عصيت ~~ربك، وبانت منك امرأتك، ولم تتق الله فيجعل لك مخرجا، وقرأ: # ومن يتق الله يجعل له مخرجا # [الطلاق: 2]، وقرأ: (يأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن من قبل ~~عدتهن) هكذا روي أنه قرأ على التفسير. # " وروى مالك أن ابن عمر " طلق امرأته وهي حائض، فسأل عمر عن ذلك ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: مره يراجعها ثم ~~ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر (ثم) ~~إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق من قبل أن ~~يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها ~~النساء " # فهذا طلاق السنة، يطلقها في طهر لم يمسها فيه طلقة، ويدعها [تمضي] في ~~عدتها، فإن بدا له أن يرتجعها (ارتجعها) شاءت أم أبت قبل أن تمضي عدتها، ~~فإن لم يرتجعها حتى مضت عدتها حلت للأزواج غيره وملكت نفسها، وصار ~~خاطبا من الخطاب. وهذا قول ابن عباس وابن مسعود وعطاء وطاوس وابن المسيب ~~وعمرو ms2623 بن دينار وقتادة وربيعة ومالك وأهل المدينة، وبه قال الشافعي ~~وأصحابه وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وأصحاب الرأي، ومضي عدتها ~~عند مالك وأصحابه: أن ترى الدم من الحيضة الثالثة، لأن الأقراء عنده ~~الأطهار، وعند غيره: الحيض. # وأصل [القرء] في اللغة: الوقت. فهو يصلح للطهر والحيض وقد مضى الكلام ~~على الأقراء في سورة البقرة [بأشبع] من هذا. # وقال أبو حنيفة: طلاق السنة أن يطلق في كل طهر طلقة. # قال مجاهد والحسن وابن سيرين: { لعدتهن }: (أي): لطهرهن، أي: ~~إذا طهرت من حيض ولم تجامع - وهو [قول] السدي - ومن طلق ثلاثا لزمه، ~~وبئس ما صنع لمخالفته السنة. # (روي) أن عليا - رضي الله عنه - كان يعاقب من طلق البتة، وكان يقول: ما ~~طلق رجل طلاق السنة فندم. # وروى أنس أن [عمر] كان يؤدب من طلق ثلاثا وينهى عنه. # وروي أن هذا الحكم نزل في سبب طلاق النبي حفصة بنت عمر، طلقها تطليقة، ~~فقيل له: راجعها، فإنها صوامة قوامة، وإنها من نسائك في الجنة. # - وقوله: { وأحصوا العدة... }. # أي: احفظوها لتعلموا متى تحل للأزواج وتملك نفسها، ومتى يبقى لكم عليها ~~حكم بالمراجعة. # - ثم قال: { واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من ~~بيوتهن... }. # أي: خافوه أن تتعدوا حدوده ولا تخرجوا من طلقتم من نسائكم لعدتهن من ~~بيوتهن اللاتي كنتم أسكنتموهن فيما قبل الطلاق حتى تنقضي العدة. # قال ابن عباس: هي المطلقة في الطهر طلقة لا تخرج من بيتها ما دام ~~لزوجها عليها الرجعة / وعليه النفقة، وذلك ما كانت (في) العدة. # وقال قتادة: لا يخرجها إذا طلقها واحدة أو اثنتين حتى تتم العدة، فإن ~~طلقها ثلاثا لم يكن لها سكنى. هذا معنى قوله. والسكنى واجب عند مالك لكل ~~مطلقة دخل بها طلقة ثلاثا أو واحدة. وقال الضحاك: إن خرجت هي فلا سكنى ~~لها ولا نفقة. # - ثم قال: { إلا أن يأتين بفاحشة مبينة... }. # قال قتادة: هي الزنا، إذا زنت في عدتها أخرجها لإقامة الحد عليها. وهو ~~قول الحسن ومجاهد وابن زيد. # قال ابن عباس: الفاحشة هنا: [البذاء] على أهله. ms2624 # وقال قتادة: [الفاحشة] هنا: النشوز، وذلك أن يطلقها على النشوز، فلها أن ~~تتحول من بيت زوجها. # وقال السدي: الفاحشة هنا: خروجها من بيتها في العدة. # وقال ابن عمر: " خروجها قبل انقضاء العدة فاحشة ". # وعن ابن عباس أنه قال: الفاحشة هنا: كل معصية مثل الزنا والسرقة والبذاء ~~على الأهل، وهو اختيار الطبري. # وللرجل أن يطلق الحامل متى شاء عند مالك تطليقة واحدة. # [وكذلك يطلق الآيسة من المحيض واللائي لم يحضن متى شاء تطليقة واحدة، ~~ولا يتبعها] طلاقا حتى تحل. # - ثم قال: { وتلك حدود الله [ومن يتعد حدود ~~الله] فقد ظلم نفسه }. # (أي): وتلك الأمور التي بينت لكم (في الطلاق) حدود الله [لكم] وفرائضه ~~عليكم، ومن يتعد حدود الله فيطلق في غير طهر ويخرج من طلق من بيتها قبل ~~انقضاء العدة ويتجاوز [ما أمره الله به] فقد ظلم نفسه بما ألزمها من ~~الذنوب والعقوبات في آخرته. # - ثم قال: { لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك ~~(أمرا) }. # أي: لعلكم تندمون بعد طلاقكم فتراجعون، فإذا تجاوزتم حدود الله في ~~الطلاق فطلقتم ثلاثا ثم ندمتم لم تكن لكم رجعة أبدا، إنما تكونون ~~خطابا لها بعد زوج. وهذا قول جميع المفسرين. ### || [65.2-4] # قوله تعالى: { فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن ~~بمعروف } إلى قوله: { من أمره يسرا }. # أي: فإذا بلغ المطلقات اللواتي في العدة آخر عدتهن، فأمسكوهن برجعة ~~ترجعونهن إن أردتم ذلك. # ومعنى: { بمعروف } أي: راجعوهن بمعروف، وذلك إعطاؤها الحقوق التي ~~أوجب الله لها عليهم من النفقة والكسوة والسكنى وحسن الصحبة. # - { أو فارقوهن... }. # أي: اتركوهن حتى تنقضي عدتهن فيملكن أنفسهن. # ومعنى { بمعروف... }. # (أي) ": [بإيفائها ما لها] من بقية الصداق والمتعة. قال الضحاك: { ~~فإذا بلغن أجلهن }: إذا انقضت عدتها قبل أن تغتسل من الحيضة ~~الثالثة، أو ثلاثة أشهر، إن لم يكن يحضن، فراجع إن شئت قبل أن تنقضي ~~العدة ([وأمسكها] بمعروف، أي: بحسن الصحبة والقيام عليها { أو ~~فارقوهن } أي: دعوهن حتى تنقضي العدة) بالطهر الثالث أو تمام ~~الثلاثة أشهر { بمعروف } (أن) يعطيها مهرها إن كان لها. # - ثم قال تعالى: { وأشهدوا ms2625 ذوى عدل منكم... }. # أي: أشهدوا - إذا راجعتموهن - ذوي عدل. وهما من يرضى دينه وأمانته. # قال ابن عباس: يشهد عدلين عند الطلاق وعند المراجعة، وقاله السدي. # والإشهاد عند [أكثر] الفقهاء على الندب، وكذلك أكثر ما جاء في القرآن من ~~الأمر بالإشهاد. # قال ابن المسيب: { [ذوى] عدل }: [ذوي] عقل وفهم. # - ثم قال: { وأقيموا الشهادة لله... }. # أي: اشهدوا بالحق. # وإذا جامع أو [قبل] يريد به الرجعة فهو رجعة عند مالك. وكذلك إن ~~[تكلم] بالرجعة ونيته الرجعة فهي رجعة. # - ثم قال تعالى: { ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله ~~واليوم الآخر... }. # أي: هذا (الذي) عرفتكم به من أمر الطلاق عظة لمن يؤمن بالله واليوم ~~الآخر فيتبعه ويعمل به. # - ثم قال تعالى: { ومن يتق الله يجعل له مخرجا }. # أي: ومن يخف الله فيعمل بما أمره به ويجتنب ما نهاه عنه يجعل له من أمره ~~مخرجا، وذلك أنه [يعرفه] أن ما قضاه عليه فلا بد أن يكون. # وقيل: المعنى: ومن يتق الله فيما أمره به (من هذا الطلاق، يجعل له ~~مخرجا إن ابتغت نفسه رد المطلقة بعد انقضاء العدة فيحل له أن يخطبها ~~ويتزوجها. ومن لم يتق الله فيما أمره به) ويطلق ثلاثا، لا يجعل له ~~مخرجا إن ابتغتها نفسه، فلا يحل له أن يخطبها، ولا يتزوجها إلا بعد زوج، ~~هذا قول علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - والشعبي. # وقيل: هو على العموم، (أي: و) من يتق الله في أمره ونهيه يجعل له مخرجا ~~في كل أموره فيرزقه من حيث لا يحتسب، / (أي): [ويسبب] له أسباب الرزق من ~~حيث لا يشعر ولا يعلم. # وعن ابن عباس: { يجعل له مخرجا }: ينجيه (من كل كرب) في ~~الدنيا والآخرة. # قال الربيع: { يجعل له مخرجا } من كل أمر ضاق على الناس. # وروي أن هذه الآية نزلت في عوف بن مالك الأشجعي، كان له ابن قد أسره ~~المشركون، فكان يشكو إلى النبي صلى الله عليه وسلم مكان ابنه وحاله ~~وحاجته، فكان النبي يأمره بالصبر [ويقول له: إن الله سيجعل له ms2626 مخرجا]. ~~فلم يلبث بعد ذلك إلا يسيرا حتى [انفلت] ابنه من [أيدي] المشركين، [فمر ~~بغنم] من أغنام العدو، [فاستاقها] [وجاء بها] إليه، فنزلت: { ومن ~~يتق الله } الآية. # قال ابن مسعود: [المخرج] أن يعلم أن الله هو الذي يعطيه ويمنعه. # - ثم قال تعالى { ومن يتوكل على الله فهو حسبه... ~~}. # أي: فهو كافيه. # قال مسروق: [القضاء] جار على من توكل وعلى من لم يتوكل. # قال بعض الصالحين: المتوكل تعجل البركة والأجر. # - ثم قال تعالى { إن الله بالغ أمره... }. # قال مسروق: الله بالغ أمره بكل حال، [توكل] عليه أو لم يتوكل (عليه)، ~~أي: منفذ قضاءه بكل حال، غير أن المتوكل عليه يكفر عنه سيآته ~~ويعظم له أجرا. # قال ابن مسعود: إن أكثر آية تفويضا في القرآن { ومن يتوكل ~~على الله فهو حسبه }. # - ثم قال تعالى: { قد جعل الله لكل شيء قدرا }. # قال مسروق: " أي: لكل شيء أجلا ومنتهى ". # وقال السدي: هو قدر الحيض في الأجل والعدة. # وقيل: هو عام. # والمعنى: قد جعل الله [لكل شيء من الطلاق] والعدة وغير ذلك حدا وأجلا ~~وقدرا ينتهي إليه. # ولا اختلاف بين العلماء أن المطلقة واحدة أو اثنتين لها النفقة والسكنى ~~وكذلك المطلقة الحامل. # وفي المطلقة ثلاثا اختلاف، فأكثر العلماء على أن لا نفقة (لها) ولا ~~سكنى. وقد روي ذلك [عن النبي صلى الله عليه وسلم]. وقال الحسن وعكرمة ~~والشعبي: لها متاع بالمعروف وسكنى. وهو قول جابر. # وقال الثوري وأصحاب الرأي: (لها النفقة) والسكنى. وهو قول مروي عن عمر ~~وابن مسعود، وبه قال شريح. والقول الأول قول ابن عباس. # وقال مالك والشافعي والأوزاعي وابن أبي ليلى وأبو عبيد: لها السكنى ولا ~~نفقة (لها) وهو قول ابن المسيب وسليمان بن يسار والحسن وعطاء والشعبي ~~وابن مهدي. # - ثم قال تعالى: { واللائي يئسن من المحيض من ~~نسآئكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر ~~واللائي لم يحضن... }. # أي: والنساء اللائي ارتفع طمثهن فلا يرجون أن يحضن فعدتهن ثلاثة أشهر، ~~(وكذلك عدة النساء اللائي لم يحضن أيضا. وقوله: { إن ارتبتم } ~~قيل: معناه: إن ms2627 ارتبتم بالدم الذي [يظهر] منها في كبرها أمن الحيض هو أم ~~من الاستحاضة؟ فعدتهن ثلاثة أشهر). # وقال مجاهد: معناه: إن لم تعلموا عدة التي قعدت عن الحيضة أو اللائي لم ~~يحضن، فعدتهن ثلاثة أشهر. # وقال الزهري: " إن ارتبتم في كبرها أن يكون ذلك من الكبر، فإنها تعتد ~~حين ترتاب ثلاثة أشهر. # فأما إذا ارتفعت حيضة المرأة وهي شابة، فإنها [يتأنى] بها حتى ~~ينظر أهي [حامل] أم غير حامل؟ فإن استبان حملها فحتى تضع حملها، وإن لم ~~يستبن حملها فحتى يستبرئها، وأقصى ذلك سنة، تسعة للاستبراء وثلاثة للعدة، ~~وهو مذهب مالك. # وقال ابن زيد: إن ارتبتم أنها لا تحيض وقد ارتفعت حيضتها وارتاب الرجل ~~وقالت المرأة: تركتني الحيضة، فعدتها ثلاثة أشهر إن ارتاب فخاف أن تكون ~~حيضتها قد انقطعت. # وقيل: المعنى: إن ارتبتم [بحكمهن] فلم تدروا ما الحكم في عدتهن، فإن ~~عدتهن ثلاثة أشهر. # وقال عكرمة: من [الريبة]: المرأة المستحاضة والتي لا تستقيم لها ~~الحيض: تحيض في الشهر مرات، وفي الأشهر مرة، فعدتها ثلاثة أشهر، وهو ~~قول قتادة. # وقيل: هذا متصل بأول السورة، والتقدير: لا تخرجوهن من بيوتهن إن ارتبتم ~~في انقضاء العدة ولا يخرجن. # والاختيار (عند) الطبري أن يكون المعنى على قول من قال: إن ارتبتم فلم ~~تدروا ما الحكم في عدتهن. قال: ولو كان الارتياب إنما هو في الدم، لا ~~يدرى دم حيض أم دم استحاضة؟ لكان اللفظ: إن ارتبتن. لأنهن إذا أشكل الدم ~~عليهن فهن المرتابات بدماء أنفسهن، [لا غيرهن]، فكون [الخطاب] للرجال ~~دليل على أن المعنى: إن ارتبتم في الحكم في عدتهن. وأيضا فإن بعده { ~~(واللائي) لم يحضن } ومحال أن [يرتاب] في دم من لم تحض، وإنما ~~[يرتاب] في حكمها في العدة. # قال الضحاك { واللائي يئسن من المحيض } من القواعد من ~~النساء / { واللائي لم يحضن } من الصغار، لم يبلغن وقد ~~مسسن فعدتهن ثلاثة أشهر. وهو قول قتادة. # - ثم قال تعالى: { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن ~~حملهن... }. # أي: والنساء الحوامل إذا طلقن، فانقضاء عدتهن أن يضعن حملهن. وهذا ms2628 ~~إجماع. # فأما المتوفى عنها زوجها (وهي حامل، فأكثر العلماء على أن وضع حملها ~~انقضاء عدتها ولو كان بعد موت زوجها). # وقد روي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وابن عباس - رضي الله عنه ~~- أن انقضاء عدتها آخر الأجلين. # - ثم قال تعالى: { ومن يتق الله [يجعل له من أمره ~~يسرا]. }. # أي: ومن يتق الله فيتبع في طلاقه ما أمره الله به يجعل له من طلاقه ذلك ~~يسرا. وهو أن يسهل عليه إن أراد الرجعة فيجعل الأمر بيده يرتجعها متى ~~شاء ما كانت في العدة، ويحل له التزويج بعد انقضاء العدة. ومن لا يتق ~~الله - فيطلق ثلاثا بخلاف ما أمره الله - لا يسهل عليه رجعة في عدة ولا ~~في غيرها، ولا يسهل عليه تزويجها بعد العدة ما لم [تتزوج] غيره. ### || [65.5-12] # - قوله { ذلك أمر الله أنزله إليكم... } إلى آخر ~~السورة. # أي: ذلك الذي بينه لكم من حكم الطلاق والرجعة والعدة أمر الله الذي ~~أمركم به، أنزله عليكم لتأتمروا به وتعملوا به. # ثم قال: { ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ~~ويعظم له أجرا }. # أي: ومن (يخف الله) ويتقه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، يمح عنه ذنوبه ~~ويعظم له أجرا يوم القيامة على عمله. # ثم قال تعالى: { أسكنوهن من حيث سكنتم... }. # أي: أسكنوا مطلقات نسائكم من المواضع التي سكنتم من وجدكم، (أي): من ~~سعتكم. # يقال: وجدت في المال وجدا، ووجدت على الرجل وجدا وموجدة، ~~ووجدت الضالة وجدانا. # وروي أن الأعمش قرأ بفتح الواو. وهو غلط؛ لأن الوجد بالفتح إنما هو في ~~الغضب. # وقرأ يعقوب الحضرمي بكسر الواو لغة فيه. # أمر الله الرجال أن يسكنوا المطلقات مما يجدون حتى يقضين عدتهن. # قال السدي: { من وجدكم }: من ملككم ومقدرتكم. # - ثم قال تعالى: { ولا تضآروهن لتضيقوا عليهن... ~~}. # أي: لا تضاروهن في المسكن الذي [تسكنوهن] فيه وأنتم تجدون سعة من ~~المنازل تطلبون التضييق عليهن. # - ثم قال: { وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن ~~حتى يضعن حملهن... }. # أي: أنفقوا على المطلقة الحامل حتى تضع الحمل، وإن أرضعت فحتى تفطم. ms2629 وهو ~~قوله: { فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن... } ، فلها ~~أجرة الرضاع إن أرضعت وهي أحق بما يأخذ غيرها، وإن أبت أن ترضع ~~استرضعت له أخرى. # - ثم قال تعالى: { وأتمروا بينكم بمعروف... }. # قال السدي: معناه: " اصنعوا المعروف فيما بينكم ". # وقيل: المعنى: هموا بالمعروف واعزموا عليه. # وقد قيل: [واتمروا: تشاوروا، وليس بشيء]. # - ثم قال: { وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى }. # أي: إن امتنعت المرأة من الرضاع فلا سبيل له عليها، ولكن يستأجر للصبي ~~مرضعا غير أمه، قاله السدي وغيره. وقال: إذا رضيت الأم من أجرة الرضاع ~~بما يرضي به غيرها فهي أحق. # - ثم قال تعالى: { لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر ~~عليه رزقه فلينفق ممآ آتاه الله... }. # أي: لينفق الذي بانت منه امرأته إن كان ذا سعة من المال الذي بيده على ~~امرأته لرضاعها ولده. ومن ضيق عليه في رزقه فلم يكن ذا سعة من المال ~~فلينفق مما أعطاه الله على قدر ما يجد. # وقيل: معناه: إن كان له ما يبيعه من متاع البيت باعه فأنفقه. # - ثم قال تعالى: { لا يكلف الله نفسا إلا مآ آتاها... ~~}. # أي: لا يكلف الله أحدا من النفقة على من تلزمه نفقته إلا ما أعطاه، أن ~~كان ذا سعة فمن سعته، وإن كان مقدورا عليه (رزقه) فمما رزقه الله. لا ~~يكلف الفقير مثل نفقة الغني. # قال ابن زيد: معناه: لا يكلفه أن يتصدق وليس عنده ما يتصدق به. # - ثم قال تعالى: { سيجعل الله بعد عسر يسرا }. # أي: سيجعل الله للمقل بعد شدة رخاء، وبعد فقر غنى. # وقيل: [اليسر] الذي يجعله الله له إما في الدنيا وإما في الآخرة. # - ثم قال تعالى: { وكأين من قرية عتت عن أمر ~~ربها ورسله... }. # أي: وكثير من أهل القرى عتوا عن أمر ربهم وخالفوه وعصوا رسله. # - { فحاسبناها حسابا شديدا... }. # أي: حاسبنا أهلها على النعم التي أسديت إليهم والشكر عليها حسابا ~~شديدا، أي حسابا ليس فيه عفو / عن شيء. # - { وعذبناها عذابا نكرا }. # أي: منكرا، وهو عذاب جهنم. # وقال الفراء: في الكلام تقديم وتأخير. والتقدير: ms2630 فعذبناها عذابا نكرا ~~في الدنيا، وحاسبناها حسابا شديدا في الآخرة). # والعتو في اللغة: التجاوز في المخالفة والطغيان. # - ثم قال تعالى: { فذاقت وبال أمرها... }. # أي: عقوبة عملها. الوبال: العاقبة. قال ابن عباس ومجاهد: " { وبال ~~أمرها } ": جزاء أمرها. # - ثم قال تعالى: { وكان عاقبة أمرها خسرا }. # أي: غبنا، لأنهم باعوا نعيم الآخرة بخسيس الدنيا وقليله. # - ثم قال تعالى: { أعد الله لهم عذابا شديدا... }. # (أي): في الآخرة، يعني عذاب النار. # - ثم قال تعالى: { فاتقوا الله يأولي الألباب الذين ~~آمنوا... }. # أي: اتقوا الله في أمره ونهيه يا أصحاب العقول الذي آمنوا. # - ثم قال تعالى: { قد أنزل الله إليكم ذكرا... } { ~~رسولا... }. # قال السدي: " الذكر: القرآن، والرسول محمد " فيكون (التقدير على قوله: ~~ذكرا ذا رسول. فيكون نعتا للذكر، قد حذف المضاف) وأقيم المضاف ~~إليه مقامه مثل # (وسئل) القرية # [يوسف: 82] (وقيل: الرسول نصب " بذكر " كأنه قال: " أن تذكروا رسولا " ~~، فهو مفعول به). # وقيل: الرسول نصب بإضمار " أعني ". # وقيل: الرسول ترجمة عن الذكر كأنه بدل منه، ولذلك نصب، فيكون - على هذا ~~القول - الرسول بمعنى الرسالة. وقيل: رسولا منصوب بإضمار فعل، كأنه ~~قال: أرسلنا رسولا. # - ثم قال تعالى: { يتلوا عليكم آيات الله مبينات... ~~}. # أي: يتلو الرسول عليكم آيات الله واضحات، كي يخرج الذين آمنوا بالآيات ~~من الظلمات إلى النور، أي: من الكفر إلى الإيمان. # - ثم قال تعالى: { ومن يؤمن بالله... }. # أي: يصدق به. # - { ويعمل صالحا... }. # أي: يعمل بطاعة الله. # - { يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار... }. # أي: من تحت أشجارها. # - { خالدين فيهآ أبدا... }. # أي: (لا يخرجون منها أبدا) ولا يموتون. # - ثم قال تعالى: { قد أحسن الله له رزقا }. # أي: قد وسع الله له في الجنات رزقا. # - ثم قال تعالى: { الله الذي خلق سبع سموت ومن ~~الأرض مثلهن... }. # أي: الله (الذي) خلق ذلك، لا (ما) يعبده المشركون من الأوثان والأصنام ~~التي لا تقدر على شيء، وخلق من الأرض مثلهن (أي): سبعا. # وعن ابن عباس أنه قال: في كل أرض من الأرضين السبع نحو ما على هذه الأرض ~~من الخلق. ولذلك قال: { ومن ms2631 الأرض مثلهن } لأن في كل سماء ~~خلقا لله. # وعن ابن مسعود أنه [قال]: خلق الله سبع سماوات، غلظ كل واحدة مسيرة ~~خمسمائة عام، وبين كل واحدة منهن والأخرى مسيرة خمسمائة عام، وفوق ~~السماوات السبع [الماء]، والله - جل ذكره - فوق الماء لا يخفى عليه شيء ~~من أعمال بني آدم، والأرض سبع، بين كل أرضين مسيرة خمسمائة عام. ~~وغلظ كل أرض خمسمائة عام. # [وقال] مجاهد: هذه الأرض إلى تلك الأرض مثل الفسطاط ضربته بأرض فلاة. ~~وهذه السماء إلى تلك السماء مثل حلقة رميت (بها) في أرض فلاة. # وقال الربيع بن أنس: " السماء أولها موج مكفوف، والثانية صخرة، والثالثة ~~حديد، والرابعة نحاس، والخامسة فضة، والسادسة ذهب، والسابعة ياقوتة ". # وقال مجاهد: (هذا) البيت الكعبة رابع أربعة عشر بيتا، في كل سماء بيت، ~~كل بيت منها [حذو] صاحبه، لو وقع وقع عليه. # وإن هذا الحرم حرم مثله في السماوات السبع والأرضين السبع. قال ~~أبو عثمان [النهدي]: كنت عند عمر جالسا إذ جاء رجل فقال: يا أمير ~~المؤمنين، إن لي ابنا إذا سجد قال: سبحان ربي الأعلى الأعلى الأعلى، ~~فيكثر من ذلك، فلا أدري أي شيء يريد به. قال: جئني (به)، فجاء ~~الفتى، فقال عمر: ماذا يقول أبوك؟ قال: وما يقول؟ قال: يقول إنك إذا سجدت ~~أكثرت من سبحان ربي الأعلى الأعلى الأعلى، قال: يا أمير المؤمنين، شيء ~~أجراه الله على لساني. قال: وكعب جالس إلى جنبه، فقال كعب: صدق، يا أمير ~~المؤمنين. قال عمر: وكيف ذاك؟ قال كعب: إذا أخبرك، فإن الله خلق الأرضين ~~سبعا، (وجعل غلظ كل أرض خمسمائة عام، وما بين كل أرض إلى أرض خمسمائة ~~عام، وجعل السماوات سبعا)، وجعل غلظ كل سماء خمسمائة عام، وما بين كل ~~سماء إلى سماء مثل ذلك، ولله عز وجل ملائكة يحملون العرش قياما في ماء، ~~غلظ ذلك الماء غلظ السماوات السبع والأرضين السبع، لا يبلغ ذلك الماء ~~أعناقهم، فهو جل وعز الأعلى الأعلى الأعلى. # قال (قتادة): خلق الله سبع سماوات وسبع أرضين، في كل سماء ms2632 من سمائه وأرض ~~من أرضه خلق من خلقه، وأمر من أمره، وقضاء من قضائه جل ثناؤه. # وذكر قتادة قال: التقى أربعة أملاك من الملائكة بين السماء والأرض، فقال ~~بعضهم لبعض: من أين [جئت]؟ فقال أحدهم: أرسلني ربي من المشرق وتركته، ~~(ثم) قال الآخر: أرسلني ربي من الأرض السابعة وتركته، (ثم) قال الآخر: ~~أرسلني ربي من المغرب وتركته. # - ثم قال تعالى: { يتنزل الأمر بينهن... }. # أي: يتنزل الوحي بين السماء السابعة والأرض السابعة. قاله مجاهد. # - ثم قال تعالى: { لتعلموا أن الله على كل شيء ~~قدير... }. # أي: يتنزل قضاء / الله وأمره بين ذلك كي تعلموا أيها الناس كنه قدرته ~~وسلطانه، وأنه قادر على كل شيء، لا يتعذر عليه شيء أراده، ولا يمتنع عليه ~~شيء شاءه. # - ثم قال تعالى: { وأن الله قد أحاط بكل شيء علما ~~}. # أي: ولتعلموا أن الله بكل شيء (من) خلقه محيط علما، لا يعزب عنه ~~مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، فخافوه ~~وأطيعوه تنجوا من عقوبته وتدخلوا جنته. وأعاد الاسم بالإظهار وقد تقدم ~~إظهاره للتفخيم والتعظيم. و { علما } نصب [على التمييز]. أو (على) ~~المصدر، كأنه قال: علم كل شيء علما. ### | [66 - سورة التحريم] ### || [66.1-5] # - قوله تعالى: { يأيها النبي لم تحرم (مآ أحل ~~الله لك)... } ، إلى قوله: { ثيبات وأبكارا }. # نزلت هذه الآية في سبب مارية القبطية أم ولده إبراهيم، سرية النبي ~~صلى الله عليه وسلم، كان النبي قد أصابها في بيت حفصة في يومها، فغارت ~~لذلك حفصة فحرمها النبي على نفسه بيمين أنه لا يقربها طلبا لرضاء حفصة، ~~فعوتب النبي صلى الله عليه وسلم ونبه على أن ليمينه مخرجا. # قال زيد بن أسلم: " أصاب النبي صلى الله عليه وسلم أم ~~إبراهيم في بيت بعض نسائه. فقالت له: يا رسول ~~الله، في بيتي وعلى فراشي! فجعلها عليه حراما. ~~فقالت: يا رسول الله، كيف تحرم عليك الحلال؟! فحلف لها ~~بالله لا يصيبها، فأنزل الله: { يأيها النبي لم ~~تحرم مآ أحل الله... } الآية ". # قال زيد بن أسلم: ms2633 # " قال لها: أنت علي حرام، والله لا أطؤك " # قال الشعبي: حرمها وحلف ألا يقربها فعوتب [في] التحريم، وجاءت الكفارة ~~في اليمين. # قال الضحاك: كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتاة فغشيها، فبصرت ~~[به] حفصة، وكان اليوم يوم عائشة [وكانتا] متعاونتين، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لحفصة: اكتمي علي ولا تذكري لعائشة ~~ما رأيت، فذكرت حفصة لعائشة الخبر، فغضبت عائشة، فلم يزل ~~نبي الله حتى حلف لا يقربها، فأنزل الله الآية، وأمره بكفارة ~~يمينه. # قال ابن عباس: " أمر الله النبي والمؤمنين إذا حرموا شيئا على أنفسهم ~~مما أحل الله لهم أن يكفروا بإطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، ~~ولا يدخل في ذلك طلاق " ، فإنما حرم النبي صلى الله عليه وسلم على نفسه ~~جاريته ولم يحلف. وروى عبيد بن عمير عن عائشة أنها قالت: # " كان النبي صلى الله عليه وسلم يمكث عند زينب بنت جحش [يشرب] عندها ~~عسلا، فتواصيت أنا وحفصة أينا جاءها النبي [فلتقل] له إني أجد منك ريح ~~مغافير، فجاء إلى إحداهما فقالت له ذلك، فقال: بل شربت عسلا، ولن [أعود]، ~~فأنزل الله: { لم تحرم مآ أحل الله } وأنزل { إن ~~تتوبآ إلى الله } يعني عائشة وحفصة ". # ويروى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أصاب جاريته مارية في بيت عائشة ~~وهي غائبة وفي يومها، فاطلعت على ذلك حفصة، فقال لها النبي: لا تخبري ~~عائشة بذلك، فأخبرتها، فغضبت عائشة وقالت: في بيتي وفي يومي! فأرضاها ~~النبي صلى الله عليه وسلم بأن حلف لها ألا يطأها بعد ذلك وحرمها على ~~نفسه، فأنزل الله السورة في ذلك. # - ثم قال تعالى: { قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ~~والله مولاكم... }. # أي: قد بين الله لكم تحلة أيمانكم وحدها (لكم)، { ~~والله مولاكم } أي: يتولاكم بنصره وهدايته - أيها المؤمنون - ~~وهو العليم بمصالحكم، الحكيم في تدبيره خلقه. # - ثم قال تعالى: { وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه ~~حديثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف ~~بعضه وأعرض عن بعض... }. # أي: واذكروا أيها المؤمنون (إذ أ)سر ms2634 النبي إلى بعض أزواجه حديثا، وهو ~~(على) قول ابن عباس وزيد بن أسلم ما أسر لحفصة من تحريمه لمارية وقوله ~~لها: لا تذكري ما رأيت لعائشة. وقال منصور بن مهران: أسر إلى حفصة أن ~~أبا بكر خليفتي بعدي. # وقيل: هو قوله: بل شربت عسلا، على ما مضى من الخبر. # وقيل: هو ما كان من خلوته بمارية في بيت عائشة. # - { فلما نبأت به... }. # أي: أخبرت حفصة بذلك عائشة. # - { وأظهره الله عليه... }. # أي: وأطلع الله نبيه على إعلام حفصة لعائشة بسر النبي. # - { عرف بعضه وأعرض عن بعض... }. # (أي: عرف النبي حفصة بعض ما أخبرت به عائشة ووبخها عليه وأعرض عن بعض) ~~فلم يوبخها عليه. # قال المفسرون: أخبر النبي عليه السلام حفصة ببعض ما أخبره الله عنها ~~أنها قالته لعائشة. # ومن قرأ بالتخفيف في { عرف } ، فمعناه أن النبي عرف لحفصة ما ~~فعلته، [يعني] غضب على ذلك وجازاها عليه بالطلاق. # وقيل: معنى التشديد أنه مأخوذ من قولك للرجل يجني عليك: ~~لأعرفنك فعلك، على طريق التوعد والتهديد. # ثم قال: { فلما [نبأها] به... }. # أي: أخبر حفصة / بأن الله أطلعه على [إفشائها سره] إلى عائشة. # - { قالت من أنبأك هذا... }. # أي: من أخبرك هذا؟! (قال): خبرني به العليم بكل شيء، الخبير ~~بالسرائر والعلانية. # ويروى أن [السر] الذي أسره النبي عليه السلام هو أنه أسر ~~إلى حفصة (أن الخليفة) بعده أبو بكر، وبعده عمر، وأمرها أن تكتم ذلك، ~~فأفشته إلى عائشة، فأعلم الله نبيه ذلك. # و { نبأني } تعدى إلى مفعول واحد، و { أنبأك هذا } ~~تعدى إلى مفعولين. [وقد أصل] النحويون أنه يتعدى إلى ثلاثة، لا يقتصر ~~على اثنين دون الثالث. # (وتفسير ذلك أن " نبأ " و " أنبأ " بمعنى في التعدي، وهما ~~يجريان في الكلام على ضربين: # أحدهما: أن [يدخلا] على الابتداء والخبر، فهناك لا يقتصر على (اثنين) ~~دون الثالث)، كما لا يقتصر على الابتداء دون الخبر، لأن الثالث هو خبر ~~الابتداء في الأصل. # والموضع الثاني: [ألا] يدخلا على الابتداء والخبر نحو الآية، فهناك ~~يكتفى باثنين وبواحد. # - ثم قال تعالى: { إن ms2635 تتوبآ إلى الله فقد صغت ~~قلوبكما... }. # [أي: إن تتوبا إلى الله مما فعلتما فقد مالت قلوبكما إلى ما كرهه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم] من تحريمه جاريته على نفسه. # قال ابن عباس { صغت قلوبكما }: زاغت، أي: أثمت. # قال مجاهد: " كنا نرى أن قوله: { فقد صغت قلوبكما } شيء ~~(هين) حتى سمعت قراءة ابن مسعود " فقد زاغت قلوبكما ". # ثم قال تعالى: { وإن تظاهرا عليه... }. # يعني حفصة وعائشة، أي: وإن تتعاونا على النبي. # - { فإن الله هو مولاه... }. # أي: وليه وناصره عليكما وعلى كل (من) بغاه بسوء، وجبريل أيضا ~~وليه، وصالح المؤمنين أيضا أولياؤه، يعني خيارهم. # وقال الضحاك وغيره: " هم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ". # فيجب أن يكون أصل { وصالح المؤمنين } على هذين القولين ~~بالواو، وحذفت من الخط على اللفظ. # وقال مجاهد: { وصالح المؤمنين } عمر، وعنه: هو علي، فيكون لا ~~أصل للواو فيه. # وقال قتادة: { وصالح المؤمنين }: الأنبياء. فيكون أيضا أصله ~~الواو. وهو قول سفيان. # وقد ذهب أبو حاتم إلى [أن] الوقف (وصالحو) بالواو مثل # سندع # [العلق: 18] # ويدع الإنسان # [الإسراء: 11]. وفي هذا مخالفة للسواد. # والأحسن ألا يوقف عليه، فإن وقف عليه [واقف] (وقف) بغير واو، على قول ~~مجاهد أنه عمر أو علي رضي الله عنهما فيتم له موافقة المعنى ~~وموافقة الخط. # وكان الطبري يقول إن { وصالح المؤمنين } اسم " للجنس: كقوله: # إن الإنسان لفى خسر # [العصر: 2] ونظير ذلك قول الرجل: لا يقربني إلا قارىء القرآن. فهو بلفظ ~~الواحد ومعناه الجنس، فكذلك هذا، فيكون الوقف أيضا بغير واو اتباعا ~~للخط والمعنى. # - ثم قال: { والملائكة بعد ذلك ظهير }. # أي: والملائكة مع جبريل وصالح المؤمنين عوين على نصرة محمد. " وظهير " ~~لفظ واحد، ومعناه جمع. ولو أتى على اللفظ لقال: " ظهرا ". # - ثم قال تعالى: { عسى ربه إن طلقكن أن يبدله ~~أزواجا خيرا منكن... }. # أي: عسى رب محمد إن طلقكن يا أزواج محمد أن يبدله منكن أزواجا خيرا ~~منكن. وهذا تحذير من الله لنساء نبيه لما اجتمعن عليه في الغيرة. # روى أنس بن مالك أن عمر - رضي الله ms2636 عنه - قال: " اجتمع على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم نساؤه في الغيرة، فقلت لهن: عسى ~~ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن، فنزلت كذلك ". قال عمر: " ~~فاستقريتهن امرأة (امرأة) أعظها وأنهاها عن أذى رسول ~~الله وأقول: إن أبيتن أبدله (الله خيرا منكن، حتى ~~أتيت على زينب فقالت: يا ابن الخطاب، أما في رسول الله ما يعظ ~~نساءه حتى تعظهن أنت؟! فأمسكت. فأنزل الله عز وجل { ~~عسى ربه } الآية ". # - وقوله: { مسلمات } ، أي: خاضعات لله بالطاعة { مؤمنات } ~~أي: مصدقات بالله ورسوله { قانتات } أي: مطيعات لله. { تائبات } ~~[أي]: راجعات إلى ما يحبه الله ورسوله. { عابدات } أي: [متذللات] لله ~~بالطاعة. { سائحات } (أي): صائمات. قاله ابن عباس وأبو هريرة وقتادة ~~والضحاك، وقال زيد بن أسلم: { سائحات }: مهاجرات، وهو قول ابن زيد. # ((وقال) ابن زيد): " ليس في (القرآن) ولا في أمه محمد سياحة إلا الهجرة ~~". # وقيل للصائم سائح لأنه لا ينال شيئا بمنزلة السائح في [القفر] لا زاد ~~معه. # وقيل: معناه: ذاهبات في طاعة الله. من: ساح الماء، إذا ذهب. # - وقوله: { ثيبات وأبكارا }. # أي: نساء كبارا قد تزوجن غيره، (ونساء صغارا) لم يتزوجن. ### || [66.6-12] # - قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم ~~(وأهليكم)... }. إلى آخر الآية. # (أي): يا أيها الذين آمنوا اعملوا عملا [صالحا] تقون به أنفسكم من ~~النار، وليعلم [بعضكم] بعضا ما تقون به من تعلمونه ~~من النار، وعلموا أهليكم من العمل ما يقون به أنفسهم من النار. # قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - في [قوله]: { قوا أنفسكم ~~وأهليكم نارا } أي: علموهم وأدبوهم. # قال ابن عباس: معناه: " اعملوا بطاعة الله، واتقوا معاصيه، ومروا ~~أهليكم بالذكر / ينجيكم الله من النار ". # وقال مجاهد: " واتقوا الله، وأوصوا أهليكم بتقوى الله ". # وقال قتادة: مروهم بطاعة الله، وانهوهم عن [معصيته]. # وقيل: المعنى: لا تعصوا فيعصي أهلوكم. # وفي الحديث: " لا تزن [فيزني] أهلك ". # وقوله: { وقودها الناس والحجارة... }. # أي: حطبها بنو آدم وحجارة الكبريت. # { عليها ملائكة غلاظ شداد... }. # (أي): على هذه النار ملائكة غلاظ على أهل النار، شداد عليهم. ms2637 # وقيل: { شداد } بمعنى: أقوياء. # { لا يعصون الله مآ أمرهم... }. # أي: لا يخالفون الله فيما أمرهم به من عذاب الكفار وغيره. # { ويفعلون ما يؤمرون }. # أي: ينتهون إلى ما أمرهم الله به. # - ثم قال تعالى: { يأيها الذين كفروا لا تعتذروا ~~اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون }. # (أي): يا أيها الذين جحدوا وحدانية الله، لا تعتذروا عن كفركم يوم ~~القيامة بما لا ينفعكم، إنما تثابون جزاء على أعمالكم. # ثم قال تعالى: { يأيها الذين آمنوا توبوا إلى الله ~~توبة نصوحا... }. # أي: يا أيها الذين صدقوا الله، ارجعوا من ذنوبكم إلى طاعة الله وإلى ما ~~يرضيه عنكم رجعة نصوحا، أي: لا تعودون معها أبدا. # قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: التوبة النصوح أن يتوب الرجل من العمل ~~السيء ثم لا يعود فيه أبدا ولا يريد أن يعود فيه. وهو قول الضحاك. وقاله ~~ابن مسعود. # وقال قتادة: التوبة النصوح " هي الصادقة الناصحة ". # ومن ضم النون، فيجوز أن يكون جمع نصح. ويجوز أن يكون مصدرا، كرجل ~~عدل، (أي): صاحب عدالة. # وقال ابن زيد: النصوح: الصادقة، ويعلم أنها صدق بندامته على خطيئته وحب ~~الرجوع إلى طاعة الله. # - (ثم قال تعالى: { عسى ربكم أن يكفر عنكم ~~سيئاتكم... }. # أي: يمحوها عنكم. # و " عسى " من الله) واجبة. # { ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار يوم ~~لا يخزى الله النبي والذين آمنوا (معه)... }. # أي: ويدخلكم بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار في يوم [لا يخزي] الله ~~فيه النبي، أي: لا يبعده من إفضاله وإنعامه، ولا يبعد ~~الذين آمنوا معه من ذلك. # - ثم قال: { نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم. # .. }. # قال ابن عباس: يأخذون كتابهم فيه البشرى. # { يقولون ربنآ أتمم لنا نورنا... }. # أي: يسألون ربهم أن يبقي لهم نورهم حتى يجوزوا الصراط، وذلك ~~حين يطفئ نور المنافقين وقت يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا: ~~انظرونا نقتبس من نوركم. قاله مجاهد وغيره. # وقال الحسن: " ليس أحد إلا يعطى نورا يوم القيامة فيطفئ نور ~~المنافقين، فيخشى المؤمن أن يطفئ نوره. فذلك قوله { ربنآ ~~أتمم لنا نورنا } ". # { واغفر ms2638 لنآ... }. # أي: واستر علينا ذنوبنا. # { إنك على كل شيء قدير }. # أي: إنك على إتمام نورنا وغفران ذنوبنا وغير ذلك من الأشياء قدير. # - ثم قال: { يأيها النبي جاهد الكفار ~~والمنافقين واغلظ عليهم... }. # أي: جاهد الكفار بالسيف، والمنافقين بالوعيد والتهدد. # قال قتادة: " أمر الله نبيه أن يجاهد الكفار بالسيف [ويغلظ على ~~المنافقين بالحدود] ". # ومعنى { واغلظ عليهم } أي: اشدد عليهم في ذات الله ولا تلن. # ثم قال تعالى: { ومأواهم جهنم وبئس المصير... }. # أي: ومسكنهم في الآخرة جهنم، وبئس الموضع الذي يصيرون إليه. # ثم قال تعالى: { ضرب الله مثلا للذين كفروا ~~امرأت نوح وامرأت لوط كانتا تحت عبدين من ~~عبادنا صالحين (فخانتاهما)... }. # أي مثل الله للذين كفروا هاتين المرأتين، كانتا تحت { عبدين (من ~~عبادنا) صالحين } ، وهما لوط ونوح [ { فخانتاهما } ]. # قيل: إن خيانة امرأة نوح لنوح أنها كانت كافرة، وكانت تقول للناس إنه ~~مجنون، وخيانة امرأة لوط (له) أنها كانت [تدل قومها] على أضيافه. وكان هو ~~يسترهم. وقيل: كانت توقد نارا إذا نزل بلوط ضيف فيعرف قومه أن عنده ~~ضيفا، فيأتون لأذاه. قال ابن عباس: ما بغت امرأة نبي قط، وإنما كانت ~~إحداهما تقول إنه مجنون، والأخرى تدل على أضيافه. # قال عكرمة: " كانت خيانتهما أنهما كانتا مشركتين " ، وقاله الضحاك. # فلم يغن صلاح زوجيهما عنهما شيئا، بل قيل لهما: أدخلا النار مع من ~~دخلها بخيانتكما. # كذلك من كان كافرا وابنه أو زوجه أو قريبه مؤمن، لا يغني عنه ~~إيمان قريبه شيئا من عذاب الله. # فالفائدة في هذا أن أحدا لا ينفعه إيمان غيره. # وقيل: { مع / الداخلين } يريد: مع القوم الداخلين. # ثم قال تعالى: { وضرب الله مثلا للذين آمنوا ~~امرأت فرعون }. # وهي آسية، آمنت وهي تحت عدو الله فلم يضرها كفره، إذ لا تزر وازرة وزر ~~أخرى. فدعت الله أن [يبني] لها بيتا في الجنة ففعل، [وسألته] أن ينجيها ~~من فرعون وعمله وعمل قومه ففعل، فماتت مسلمة. # قال القاسم بن أبي بزة: " كانت امراة فرعون تقول، تسأل من غلب، فيقال: ~~غلب موسى وهارون، فتقول: آمنت برب موسى ms2639 وهارون، فأرسل إليها فرعون، ~~فقال: أنظروا أعظم صخرة تجدونها، فإن مضت على قولها فألقوها عليها، وإن ~~رجعت عن قولها فهي [امرأتي]. # فلما أتوها رفعت بصرها الى السماء فأبصرت بيتها في الجنة فمضت على ~~قولها، فانتزع الله روحها وألقيت الصخرة على جسدها ليس فيه روح ". # قال قتادة: " كان أعتى أهل الأرض (على الله) وأبعده من الله، فوالله ما ~~ضر امرأته كفر زوجها حين أطاعت ربها لتعلموا أن الله حكم عدل ~~لا يؤاخذ أحدا إلا بذنبه ". # - ثم قال: { ومريم ابنت عمران التي أحصنت ~~فرجها... }. # أي: وضرب الله مثلا للذين آمنوا مريم التي منعت جيب درعها جبريل، ~~وكل ما كان في الدرع من فتق أو خرق فإنه يسمى فرجا (وكذلك كل) ~~[صدع] أو شق في حائط أو سقف فهو فرج. # - ثم قال تعالى: { فنفخنا فيه من روحنا... }. # (أي): فنفخنا في جيب درعها من جبريل عليه السلام. # وقيل: معناه: فجعلنا في الجيب من الروح الذي لنا أي: الذي نملكه. # - ثم قال تعالى: { وصدقت بكلمات ربها... }. # [أي: وآمنت] بعيسى وهو كلمة الله، وبالكتاب الذي أنزل عليه وقبله، وهي ~~كلمة الله، وهي التوراة والإنجيل. # ثم قال: { وكانت من القانتين }. # أي: من المطيعين، أي: # من القوم المطيعين. (داود بن إسحاق). ### | [67 - سورة الملك] ### || [67.1-22] # قوله تعالى: { تبارك الذي بيده الملك وهو على ~~كل شيء قدير } ، إلى قوله: { على صراط مستقيم }. # تبارك: تفاعل من البركة، ولا يقال منه مستقبل ولا اسم فاعل. # ومعناه: تعاظم وتعالى الرب الذي بيده ملك الدنيا والآخرة [وسلطانهما]، ~~نافذ فيهما أمره وقضاؤه. # { وهو على كل شيء قدير }. # أي: وهو ذو قدرة على فعل كل شيء أراده [ { قدير } ]: لا يمنعه مما ~~أراد شيء. # وقيل: معناه: الذي بيده الملك، يعطيه من يشاء، وينزعه ممن يشاء. # - ثم قال تعالى: { الذي خلق الموت والحياة ~~ليبلوكم أيكم أحسن عملا }. # أي: خلق الموت ليميت الأحياء، وخلق الحياة ليحيي الموتى. وفعل ذلك ~~ليختبركم في حياتكم وطول إقامتكم في الدنيا، أيكم أحسن عملا فيجازيه على ~~ذلك في الآخرة. وقد علم تعالى كل ms2640 ما هم عاملون، وعلم الطائع والعاصي / ~~قبل خلقهم، لكن المجازاة إنما تقع بعد ظهور الأعمال، [لا يجازى] أحد ~~(بعلم الله فيه دون ظهور عمله). # فالمعنى: ليختبر وقوع ذلك (منكم) على ما سبق في علمه وقضائه. وتقديره: ~~من خير وشر احتسابا منكم. # قال قتادة: أذل الله ابن آدم بالموت، وجعل الدنيا دار حياة ودار فناء، ~~وجعل الآخرة دار جزاء وبقاء. # - ثم قال: { الذي خلق سبع سموت طباقا... }. # أي: اخترع ذلك طبقا فوق طبق. # { ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت... }. # أي: من اختلاف، يعني في خلق السماوات، وقيل: في كل ما خلق، فكله محكم ~~دال على قادر بارئ حكيم في تدبيره ولطفه. # - ثم قال تعالى: { فارجع البصر هل ترى من فطور }. # أي: هل ترى يا ابن آدم من شقوق أو وهي؟ # - (ثم قال تعالى: { ثم ارجع البصر كرتين ينقلب ~~إليك البصر خاسئا وهو حسير } ). # أي: ثم رد البصر يا ابن آدم مرتين مرة بعد أخرى، هل ترى من شقوق، أو ~~وهي في الخلق أو تفاوت؟! # { ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير } أي: يرجع ~~إليك البصر صاغرا متبعدا عن أن يجد تفاوتا أو شقوقا. من قولهم للكلب: ~~" اخسأ " إذا طردوه، أي: أبعد صاغرا. يقال: خسأته فخسأ. # وقوله: { وهو حسير } أي: معي. # (وقال ابن عباس: " { خاسئا }: ذليلا { وهو حسير } أي: مرجف. # وقال قتادة: معناه: { ينقلب إليك البصر خاسئا وهو ~~حسير } ، أي: معي)، وعنه قول ابن عباس. # يقال: حسير ومحسور للرجل إذا بلغ غاية الإعياء. # - ثم قال تعالى: { ولقد زينا السمآء الدنيا ~~بمصبيح وجعلنها رجوما للشيطين... }. # أي: زينا السماء بنجوم ترجم الشياطين بها إذا [أتوا لاستراق] السمع. # قال قتادة: خلق الله هذه النجوم لثلاث: خلقها للزينة، وترجم الشياطين ~~(بها)، وعلامات يهتدوا بها. # و " رجوم " مصدر على قول من قال: إنما يرجم من [النجوم] بالشهب، ولا ~~تبرح النجوم (بنفسها). # ومن قال: بل يرجم بها نفسها قال: رجوم جمع رجم. # - ثم قال: { وأعتدنا لهم عذاب السعير }. # أي: وأعتدنا للشياطين في الآخرة عذابا يسعر عليهم. # - ثم قال: ms2641 { وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم ~~وبئس المصير }. # أي: وللذين جحدوا توحيد ربهم في الآخرة عذاب جهنم، وبئس المصير عذاب ~~جهنم. # - ثم قال تعالى: { إذآ ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا ~~وهي تفور }. # أي: إذا [ألقي] الكافرون في جهنم سمعوا لجهنم شهيقا، أي صوت الشهيق. ~~والشهيق: الصوت الذي يخرج من الجوف بشدة كصوت الحمار. # { وهي تفور }: تغلي بهم كما تغلي القدر. # - ثم قال تعالى: { تكاد تميز من الغيظ... }. # (أي: تكاد جهنم تتفرق وتتقطع من الغيظ على الكفار). # { كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتهآ ألم ~~يأتكم نذير }. # أي: كلما ألقي في جهنم جماعة سألهم خزنة جهنم فيقولون لهم: ألم يأتكم ~~نذير في الدنيا ينذركم هذا العذاب الذي حل بكم؟ [فيجيبهم] المشركون: # { بلى قد جآءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل ~~الله من شيء... } ، فيقول لهم [الخزنة]. # { إن أنتم إلا في ضلال كبير }. # أي: في ضلال عن الحق بعيد. # " ونذير ": بمعنى منذر. # - ثم قال تعالى: { وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما ~~كنا في أصحاب السعير }. # أي: وقال الفوج لخزنة جهنم: لو كنا نسمع من النذير ما جاءنا به من الحق ~~سماع قبول، أو نعقل عنه ما يدعونا اليه فنفهمه فهم قبول ما كنا اليوم في ~~أصحاب النار. # وقيل: { [نسمع } بمعنى]: نقبل منهم ما يقولون لنا. ومنه قولهم: سمع ~~الله لمن حمده: أي قبل منه. # والقول الأول هو بمنزلة قوله: # صم بكم عمي # [البقرة: 18] لم يكونوا كذلك، ولكن لما لم ينتفعوا بهذه الجوارح في ~~عاقبة أمرهم كانوا بمنزلة الصم والبكم والعمي. # - ثم قال تعالى: { فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب ~~السعير }. # أي: فأقروا بذنبهم، فبعدا لهم. قاله ابن عباس. # وقال ابن جبير: { فسحقا }: هو واد في جهنم. # ثم قال تعالى: { إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم ~~مغفرة وأجر كبير }. # أي: إن الذين يخافون ربهم ولم يروه وقيل: معناه: يخافون ربهم إذا غابوا ~~عن أعين الناس، فمن خاف الله في الخلاء فهو أحرى أن يخافه بحضرة الناس. # { لهم مغفرة }. # أي: ستر على ذنوبهم وصفح عنها. # { وأجر كبير }. # أي: ms2642 وثواب عظيم، وهو " الجنة ". # - ثم قال تعالى: { وأسروا قولكم أو اجهروا به... }. # أي: وأخفوا كلامكم إن شئتم أو أعلنوه إن شئتم، فإنه لا يخفى على الله ~~منه شيء. # { إنه عليم بذات / الصدور }. # أي: عليم بضمائر الصدور. فمن كان لا يخفى عليه ضمائر الصدور كيف يخفى ~~عليه القول سرا كان أو جهرا. # ؟! # - ثم قال تعالى: { ألا يعلم من خلق وهو اللطيف ~~الخبير }. # " من ": في موضع رفع اسم الله جل ذكره. ويقبح أن تكون في موضع نصب لأنه ~~يلزم أن يقال: " ألا يعلم ما خلق " ، لأنه راجع إلى (ذات الصدور). ~~فالمعنى: ألا يعلم من خلق الصدور سرها وعلانيتها، كيف يخفى عليه خلقه وهو ~~اللطيف بعباده، الخبير بأعمالهم؟! وإذا جعلت " من " بمعنى " ما " في موضع ~~نصب، كان فيه دليل قوي) على أن الله خالق ما تكن الصدور من خير وشر. ففيه ~~حجة [قوية] على القدرية الذين يدعون أنهم يخلقون الشر وأن الله لم يخلقه ~~ولا قدره، تعالى أن يكون في ملكه ما لم يخلقه وما لم يقدره، بل لا خالق ~~لكل شيء إلا الله، ولو كان الشر لم يخلقه الله فمن خلق إبليس؟! ومن خلق ~~الأصنام التي تعبد من دون الله؟! ومن خلق نطفة الزاني وولد الزانية؟! ومن ~~خلق قوة الزاني والسارق وقاطع الطريق؟! وهو كله شر من خلق الله كما قال ~~تعالى: # يضل من يشآء ويهدي من يشآء # [فاطر: 8]. # وقال: # ولو شآء ربك ما فعلوه # [الأنعام: 112]، فكل بمشيئته كان، لا شريك له، يفعل ما يشاء، لا معقب ~~لحكمه. # وكذلك يكون المعنى إذا جعلت " من " في موضع رفع اسم الله جل ذكره [ويكون ~~التقدير: ألا] يعلم الخالق خلقه وهو (ما) في الصدور (من خير وشر فيهم ذلك ~~أن الخلق كله لله: ما في الصدور) وغيره. وقل أهل الزيغ: " من " في موضع ~~نصب يراد به الخلق دون ما في الصدور، فهو يدل على خلق أصحاب الأفعال دون ~~الأفعال، وهو خطأ ظاهر على ما قدمنا. # - ثم قال تعالى: { هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا... }. # أي: ms2643 سهلا سهلها لكم. # { فامشوا في مناكبها }. # قال ابن عباس: في جبالها، وقاله قتادة، وعن ابن عباس أيضا: { ~~مناكبها }: أطرافها، وقيل: نواحيها، وقيل: معناه في جوانبها ~~[المذللة] الممهدة. وقال مجاهد: " طرقها وفجاجها ". # { وكلوا من رزقه... }. # (أي: من رزقه) الذي أخرجه لكم من الأرض. # { وإليه النشور }. # أي: وإليه نشوركم من قبوركم. # - ثم قال تعالى: { أءمنتم من في السمآء أن يخسف بكم ~~الأرض... }. # أي: أأمنتم - أيها الكافرون - الله الذي في السماء أن يخسف بكم الأرض ~~عقوبة على كفركم به؟! # { فإذا هي تمور }. # أي: تضطرب. # { أم أمنتم من في السمآء } (وهو الله). # { أن يرسل عليكم حاصبا... }. # وهو التراب فيه الحصباء الصغار فيهلككم بذلك على كفركم. أي: لم تأمنوا ~~[من ذلك]، فما بالكم مقيمين على كفركم؟! # ثم قال: { فستعلمون كيف نذير }. # أي: كيف عاقبة نذيري لكم إذ كذبتموه. # ولا يعمل { فستعلمون } " في { كيف } لأنها استفهام، وهي خبر " ~~نذير ". # - ثم قال تعالى: { ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف ~~كان نكير }. # أي: ولقد كذب الذين كانوا قبل هؤلاء المشركين رسلهم، فكيف كان إنكاري ~~لتكذيبهم؟! ألم نهلكهم بضروب من النقمات؟! # - ثم قال تعالى: { أولم يروا إلى الطير فوقهم ~~صفت... }. # أي: أو لم ير هؤلاء المشركون قدرة الله في الطير فوقهم في الهواء صافات ~~أجنحتهن أحيانا ويقبضنها أحيانا؟!. # { ما يمسكهن إلا الرحمن } ، فيكون لهم بذلك مذكر على ~~قدرة الله وأنه لا يقدر على إمساك الطير على تلك الحال أحد إلا الله. # { إنه بكل شيء بصير }. # أي: إن الله ذو بصر وخبر بكل شيء، لا يدخل في تدبيره خلل ولا في خلقه ~~تفاوت. # - ثم قال تعالى: { أمن هذا الذي هو جند لكم ~~ينصركم من دون الرحمن }. # أي: من ينقذكم من عذاب الرحمن إذا نزل بكم على كفركم؟! # ما { الكافرون إلا في غرور } من ظنهم أن آلهتهم تقربهم إلى ~~الله زلفى وأنها تنفع أو تضر. # - ثم قال تعالى: { أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك ~~رزقه... }. # أي: من يرزقكم أيها المشركون إن أمسك الرحمن رزقه عنكم. أي: من يأتي ~~بالمطر إن أمسكه ms2644 عنكم الرحمن. # ثم قال تعالى: { بل لجوا في عتو ونفور }. # ([أي]: بل تمادوا في طغيان ونفور) [من] الحق استكبارا. # ثم قال تعالى: { أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى ~~أمن يمشي سويا على صراط مستقيم }. # أي: أفمن يمشي في الضلالة أهدى أمن يمشي في الهدى؟! يعني الكافر ~~والمؤمن، فهو مثل ضربه الله لهما في الدنيا. هذا معنى قول مجاهد والضحاك ~~وابن عباس. قال قتادة: هذا في الآخرة، أفمن يمشي مكبا على وجهه وهو ~~الكافر، أكب في الدنيا على [المعاصي] فحشره الله يوم القيامة على وجهه. # - [رواه] عن النبي صلى الله عليه وسلم -، قال: # " فقيل: يا رسول الله كيف يحشر الكافر على وجهه / فقال: إن الذي أمشاه ~~على رجليه لقادر أن يحشره يوم القيامة على وجهه ". # وقيل: الذي يمشي مكبا على وجهه: أبو جهل، والذي هو على صراط مستقيم: ~~حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، ثم هو في كل من كان مثلهما. ### || [67.23-30] # - قوله تعالى: { (قل) هو الذي أنشأكم... } إلى آخر السورة. # أي: قل يا محمد للمكذبين بالبعث: الله الذي ابتدأ خلقكم قبل أن لم ~~تكونوا شيئا. # - { وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة... }. # لتسمعوا وتبصروا وتعقلوا، فكيف تتعذر عليه إعادتكم.. # { قليلا ما تشكرون }. # أي: قليلا شكركم لربكم على هذه النعم التي خولكم. # قال تعالى: { هو الذي ذرأكم في الأرض... }. # أي: خلقكم فيها. # { وإليه تحشرون }. # أي: تجمعون يوم القيامة من قبوركم لموقف الحساب. # - ثم قال تعالى: { ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم ~~صادقين }. # أي: ويقول المشركون المنكرون للبعث: متى يكون هذا البعث الذي تعدوننا به ~~إن كنتم صادقين في قولكم أيها المؤمنون؟! # { قل } يا محمد: { إنما العلم عند الله وإنمآ ~~أنا نذير مبين }. # أي: قل لهم يا محمد إنما علم وقت البعث عند الله، وإنما أنا نذير إليكم، ~~أي: منذر مبين ما أرسلت به إليكم. # - ثم قال: { فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين ~~كفروا... }. # أي: فلما رأى المشركون عذاب الله قريبا وعاينوه، ساء الله وجوه الذين ~~كفروا. # قال الحسن: { رأوه زلفة } ، أي: عاينوه. ms2645 # قال مجاهد: زلفة: " قد اقترب ". # وقال ابن زيد: زلفة: حاضرا، أي: قد حضرهم العذاب. # وقال ابن عباس: { فلما رأوه زلفة } ، أي: فلما رأوا عملهم ~~السيء. # وقيل: فلما رأوا الحشر. ودل عليه: " يحشرون ". # وقيل: الهاء تعود على الوعد لتقدم ذكره. # - ثم قال تعالى: { وقيل هذا الذي كنتم به تدعون }. # أي: وقال الله لهم عند معاينتهم العذاب: هذا الذي كنتم به تدعون ربكم أن ~~يعجله لكم. # وقال الحسن: تدعون أن لا جنة ولا نارا. # وأصل { تدعون } [تدتعيون] - على " تفتعلون " - من الدعاء، ~~ثم أعلي ثم أدغم. # وقال أبو حاتم: { تدعون }: تكذبون. # وقيل: { تدعون }: يدعو بعضكم بعضا إلى التكذيب. # وقرأ قتادة والضحاك: " تدعون " مخففا، وهما بمعنى، كما يقال: قدر ~~واقتدر، وعدا واعتدى، إلا أن في " افتعل ": معنى التكرير، و " فعل " يقع ~~للتكرير ولغير التكرير. # - ثم قال تعالى: { قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن ~~معي أو رحمنا فمن يجير الكافرين من عذاب ~~أليم }. # أي: قل يا محمد للمشركين من قومك: أرأيتم أيها القوم إن أهلكني الله ~~فأماتني ومن معي، أو رحمنا فأخر في آجالنا، فمن يجيركم من عذاب مؤلم (أي: ~~موجع) وهو (عذاب) النار؟! أي: ليس ينجيكم من عذاب الله موتنا ولا حياتنا، ~~فلا حاجة بكم (إلى) أن تستعجلوا قيام الساعة ونزول العذاب، فإن ذلك غير ~~نافعكم بل هو (بلاء) عليكم. # - ثم قال تعالى: { قل هو الرحمن آمنا به (وعليه ~~توكلنا) }. # أي: قل لهم يا محمد: ربنا الرحمن، صدقنا به وعليه توكلنا، أي: اعتمدنا ~~في جميع [أمورنا]. # { فستعلمون من هو في ضلال مبين }. # أي: فستعلمون أيها المشركون من هو في ذهاب عن الحق، نحن أم أنتم. # - ثم قال تعالى: { قل أرأيتم إن أصبح مآؤكم ~~غورا... }. # أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: أرأيتم أيها القوم العادلون عن الحق إن ~~أصبح [ماؤكم غائرا] لا تناله الدلاء، فمن ذا الذي يأتيكم بماء معين غير ~~الله؟! أي: بماء تراه العيون ظاهرا. # وقال ابن عباس: بماء معين: " بماء عذب ". # وقال ابن جبير: بماء ظاهر. # وقال قتادة: المعين: الجاري، وغورا: ذاهبا، ms2646 وكذلك قال الضحاك. # وقال بعض النحويين: يجوز أن يكون " معين " فعيلا من معن الماء إذا كثر، ~~ويجوز أن يكون بمعنى مفعول. والأصل فيه معيون، مثل مبيع. فيكون معناه على ~~هذا: بماء يرى بالأعين. ### | [68 - سورة القلم] ### || [68.1-11] # - قوله تعالى: { [ن] والقلم وما يسطرون } إلى قوله: { ~~مشآء بنميم } الآيات. # قال ابن عباس: " ن هو الحوت. قال: أول ما خلق الله جل ذكره القلم فجرى ~~بما هو كائن، ثم رفع بخار الماء فخلقت منه السماوات، ثم خلق الحوت، فبسط ~~الأرض على ظهر النون، فتحركت النون فمادت الأرض فأثبتت بالجبال، وإن ~~الجبال لتفخر على الأرض. وهو قول مجاهد. # وقال أبو هريرة: الأرضون على نون، ونون على الماء، والماء على الصخرة، ~~والصخرة لها أربعة أركان، على كل ركن منها ملك قائم في الماء. # وعن ابن عباس أيضا من رواية عكرمة عنه: " " ن " حرف من حروف الرحمن. ~~وروى معاوية بن قرة عن أبيه رفعه الى النبي صلى الله عليه وسلم أن نون ~~لوح من نور ". # وروى ثابت البناني عن ابن عباس أيضا أن نون: الدواة والقلم: هو القلم ~~المعروف. قال: خلق الله النون - وهي الدواة - وخلق القلم فقال: اكتب، ~~قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل معمول بر أو ~~فجور، ورزق مقسوم حلال أو حرام، قال: ثم ألزم كل شيء من ذلك شأنه / دخوله ~~في الدنيا ومقامه فيها كم، وخروجه منها كيف، ثم جعل على العباد حفظة، ~~وجعل للكتاب خزانا، والحفظة ينسخون كل يوم من الخزان عمل ذلك اليوم. ~~يريد: قبل أن يعمله العبد، [فيعمل العبد] في ذلك اليوم على ما [نسخته] ~~الحفظة من عند الخزان لا يزيد ولا ينقص. هذا التفسير ليس من كلام ابن ~~عباس، وهو معنى قوله " وقد تقدم نحوه في " الجاثية ". # قال ابن عباس: فإذا فني الرزق وانقطع الأمر [وانقضى] الأجل، أتت الحفظة ~~الخزنة فيطلبون عمل ذلك اليوم، فتقول لهم الخزنة: ما نجد لصاحبكم عندنا ~~شيئا، فيرجع الحفظة فيجدونه قد مات. ثم قال ابن عباس: ms2647 ألستم قوما عربا ~~تستمعون الحفظة؟! يقولون: # إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون # [الجاثية: 29]. وهل يكون الاستنساخ إلا من أصل؟!. # وروى معمر عن الحسن وقتادة أن نون هو الدواة. # وروى ابن جبير عن قتادة أن { [ن] والقلم }: قسم، (قال): يقسم ربنا ~~بما شاء، وهو قول ابن زيد. # وقيل: هو اسم من أسماء السورة. # وقيل: هو تنبيه. # وقيل: التقدير: ورب نون. والقلم هو المعروف، لكن أقسم ربنا بالقلم الذي ~~جرى بأمره [بما] هو كائن إلى يوم القيامة. # وقال زياد بن الصلق لابنه لما حضرته الوفاة: أي بني، اتق الله، واعلم ~~أنك لم تتق الله ولم تبلغ العلم حتى تؤمن بالله وحده، والقدر خيره وشره ~~[حلوه ومره]، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " أول ما خلق الله عز وجل: القلم، فقال له: اكتب، ~~فقال: وما أكتب يا رب؟ قال: اكتب القدر. قال: فجرى القلم في تلك ~~الساعة بما كان (وبما هو [كائن]) إلى الأبد ". # وروى ابن جبير عن ابن عباس أنه قال: إن مما خلق الله لوحا من لؤلؤة [أو ~~درة] بيضاء دفتاه من [ياقوته] حمراء، قلمه وكتابه نور ينظر فيه ستين ~~وثلاث مائة نظرة، في كل نظرة منها يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويعز ويذل ~~ويفعل ما يشاء. # وقوله: { وما يسطرون }. # معناه: والذي يخطون، يعني: يكتبون، كأنه تعالى أقسم بأفعال الخلق هذا ~~على أن تكون " ما " بمعنى " الذي " ، فإن جعلتها والفعل مصدرا كان القسم ~~بالكتاب. # وقال قتادة: { وما يسطرون }: يخطون. # وقال ابن عباس: يكتبون، وكذلك قال مجاهد. # وقيل المعنى: وما تكتب الحفظة من أعمال بني آدم. # وروى أحمد بن صالح عن ورش: [يصطرون] بالصاد لأجل [الطاء]، والأصل ~~(السين). # - ثم قال تعالى: { مآ أنت بنعمة ربك بمجنون }. # " ما " جواب القسم. وهي نفي للجنون عن النبي صلى الله عليه وسلم، لأن ~~المشركين ر(موه) بالجنون مرة، وبالسحر مرة، وبالكهانة (مرة). والجنون ستر ~~العقل. ومنه قيل: جن عليه الليل وأجنه إذا ستره. ومنه: الجنين، لأنه كان ~~مستورا في البطن، ومنه قيل للقبر: جنن. ومنه ms2648 سمي الجن جنا لاستتارهم ~~عن أعين الناس. وسمع من العرب على غير قياس: أجن فهو مجنون. والقياس: ~~مجن. # ثم قال تعالى: { وإن لك لأجرا غير ممنون }. # أي: إن لك، يا محمد، على صبرك على أذاهم لك لثوابا عظيما { غير ~~ممنون } ، أي: غير منقوص ولا مقطوع، ومنه قيل حبل منين، أي: ضعيف. # وقيل: { غير ممنون } أي: لا يمن به عليك. # وقال مجاهد: { غير ممنون } أي: غير محسوب. # - ثم قال تعالى: { وإنك لعلى خلق عظيم }. # أي: لعلى أدب عظيم. وذلك أدب القرآن الذي أدبه الله (به)، وهو الإسلام ~~وشرائعه. # وقال ابن عباس: { لعلى خلق عظيم } ، أي: لعلى دين عظيم، وهو ~~الإسلام. # قال قتادة: سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله، فقالت: كان خلقه ~~القرآن. # وقال علي رضي الله عنه: { خلق عظيم }: أدب القرآن. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " أكمل الناس إيمانا أحسنهم خلقا " # ، تأوله قوم: أحسنهم دينا وطريقة على ما تأول ابن عباس الآية. # وقيل: الخلق العظيم هو ما كان من البشاشة والسعي في قضاء حوائج الناس ~~وإكرامهم والرفق بهم. # - ثم قال تعالى: { فستبصر ويبصرون } { بأييكم ~~المفتون }. # [أي: فسترى يا محمد ويرى المشركون بأيكم المجنون، وهذا تأويل مجاهد. # وقيل: المعنى: " بأيكم الجنون]، فيكون المفعول وقع [موقع] المصدر، كما ~~يقال: ما له معقول، أي: عقل وهو قول ابن عباس والضحاك. # وقيل الباء زائدة، والمعنى: [فسترى] ويرون أيكم المجنون. # وقيل: المعنى: بأيكم فتنة المفتون، قاله المبرد. # وقال مجاهد: { بأييكم المفتون } أي: الشيطان. # وقيل: المعنى: أيكم أولى بالشيطان، فالباء (أيضا زائدة على هذا القول. ~~روي / ذلك عن قتادة. # وقيل: الباء بمعنى " في " ، والتقدير: في أيكم فتن المفتون). # وقال المازني: التمام: فستبصر ويبصرون، وهذا على زيادة الباء، والتقدير: ~~فستبصر ويبصرون يوم القيامة، ثم ابتدأ: أيكم المفتون. # وقال الأخفش: المفتون بمعنى الفتنة. والتقدير: بأيكم الفتنة، وهذا ~~التمام [عنده]. # - ثم قال تعالى: { إن ربك هو أعلم بمن ضل عن ~~سبيله... }. # أي: إن ربك يا محمد هو أعلم بمن جار عن طريق الحق، وهو ms2649 أعلم بمن اهتدى، ~~فاتبع الحق. وهذا من معاريض الكلام، والمعنى: إن ربك يا محمد هو أعلم بك ~~وأنك المهتدي، وأن قومك هم الضالون. وهو مثل قوله: # وإنآ أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين # [سبأ: 24]. # - ثم قال تعالى: { ودوا لو تدهن فيدهنون... }. # أي ود المشركون لو تكفر بالله فيتمادون على كفرهم، قاله ابن عباس ~~والضحاك وسفيان. # وعن ابن عباس أيضا أن معناه: " ود المشركون لو ترخص لهم فيرخصون ". # وقال مجاهد: معناه: ود المشركون لو تركن إلى آلهتهم وتترك ما أنت عليه ~~من الحق (فيمالئوك). # قال الفراء: الادهان: التليين [لمن لا ينبغي التليين] له. فالتقدير: ~~ود المشركون لو تلين لهم في دينك بإجابتك إياهم إلى الركون إلى آلهتهم ~~فيلينون لك في عبادة إلهك، وهو قوله: # ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا ~~قليلا # [الإسراء: 74]، وهو مأخوذ من الدهن، شبه التليين في القول بتليين ~~الدهن. # - ثم قال تعالى: { ولا تطع كل حلاف مهين }. # (أي: لا تطع يا محمد كل ذي إكثار للحلف بالباطل { مهين }: أي: ضعيف. ~~قاله الحسن. # وقال ابن عباس: المهين: الكذاب. # وقال مجاهد: الضعيف القلب. # وقال قتادة: هو المكثار في الشر. # وقيل: معناه: مهين عند الله وعند المؤمنين أي: حقير. # وقيل: مهين بمعنى: مهان، و " فعيل " يأتي بمعنى " مفعل ". # وروي أنها نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي، ثم هي في كل من كان مثله. # - ثم قال تعالى: { هماز }. # أي: يهمز الناس - وأصله الغمز - أي: يعيبهم. # وقال ابن زيد: هو الذي [يغمز] الناس بيده [ويضربهم] وليس باللسان. # واللماز: الذي يذكرهم من ورائهم. # (وقيل: هما جميعا [لمن] يذكر الناس من ورائهم). # قال قتادة: { هماز } (أي) " يأكل لحوم المسلمين ". # قال أبو عبيدة: " بعد ذلك " أي: مع ذلك. وقال: والزنيم (هو) المعلق ~~بالقوم [وليس] منهم. # وعن ابن عباس أيضا أن الزنيم: [الظلوم]. # وقال شهر بن حوشب: " هو [الجلف] الجافي الأكول الشروب من [الحرام]. # وقال عكرمة: " الزنيم: الذي يعرف باللوم كما تعرف الشاة بزنمتها. # وقال أبو رزين: هو الفاجر. # وقيل: نزلت في الوليد ms2650 بن المغيرة. # وسئل ابن عباس عن الزنيم، فقال هو " [الدعي] ". # واشتقاقه: الزنمة التي في حلق الشاة. كما يقال لمن يدخل في قوم وليس. ~~منهم: زعنفة. والزعنفة: الجناح من أجنحة [السمك]. # ذكره المبرد بفتح [الزاي]، وذكره غيره بالكسر. # وعن ابن عباس أيضا أن الزنيم هو رجل من قريش كانت له زنمة مثل زنمة ~~الشاة. # وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: { عتل بعد ذلك } ما عرفناه ~~حتى قال { زنيم } فعرفناه، وكانت له زنمتان [كزنمتي] الشاة. # وروى عنه ابن جبير أن الزنيم الذي يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها، ~~وهو قول الشعبي. # العتل: الجافي الشديد في كفره. وكل قوي شديد [جاف] فالعرب تسميه عتلا. # وقال الفراء: العتل هنا: الشديد الخصومة بالباطل. # قال الشعبي: نزلت في [الأخنس بن شريق]. # وقال مجاهد: نزلت في الأسود بن عبد يغوث أو عبد الرحمن بن الأسود. # - ثم قال تعالى: { مشآء بنميم }. # أي: يسعى بالنمائم بين الناس. # قال ابن عباس: " بنميم: ينقل الكذب. يقال: نميم ونميمة ". # وقال قتادة: بنميم: " بنقل الأحاديث من بعض الناس إلى بعض ". # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا يدخل الجنة قتات " # ، وهو النمام. ### || [68.12-33] # - قوله تعالى: { مناع للخير معتد } إلى قوله: { لو ~~كانوا يعلمون }. # أي: [بخيل] بالمال عن إخراجه في الحقوق، معتد على الناس في معاملته ~~إياهم { أثيم }: مأثوم في أعماله لمخالفته أمر ربه. # وقيل: { أثيم }: ذي إثم. # - قال تعالى: { عتل بعد ذلك }. # - ثم قال تعالى: { أن كان ذا مال وبنين } { إذا تتلى ~~عليه آياتنا قال أساطير الأولين }. # أي: (ألأن) كان صاحب مال وبنين تطيعه / على وجه التوبيخ لمن أطاعه، ~~ثم أخبر عنه أنه يقول: إذا قرئت عليه آيات الله -: هي أساطير الأولين ~~استهزاء أو إنكارا لها أن تكون من عند الله. " فأن " مفعول من أجله ~~متعلقة بما بعدها أي: من أجل أنه ذو مال وبنين يقول:- { إذا تتلى ~~عليه آياتنا قال أساطير الأولين }. # ويجوز أن (تكون) أن " في موضع نصب متعلقة بقوله ": { مشآء ~~بنميم } { أن كان ذا مال وبنين } ، (أي): يفعل ذلك لأن ms2651 ~~كان ذا مال وبنين، فهي أيضا مفعول من أجله. هذا على قراءة من قرأ: " أن ~~كان " بغير استفهام، ومن قرأه بالاستفهام فهو إنكار وتوبيخ " لمن يطيعه ~~أيضا، والمعنى: ألأن كان هذا الحلاف المهين (الهماز) المشاء بنميم ~~القناع للخير، [المعتدي] الأثيم ذا مال وبنين، تطيعه؟! # ويحتمل أن يكون توبيخا وتقريعا لهذا الحلاف المهين. # والمعنى: ألأن كان هذا الحلاف ذا مال وبنين يقول - إذا تتلى عليه ~~آياتنا -: هي أساطير الأولين: فيحسن الابتداء بالاستفهام على هذا الوجه، ~~ولا يحسن الابتداء: " بأن كان ذا مال " في الوجهين الأولين؛ لأنه متعلق ~~بالمخاطب. # ومعنى { أساطير الأولين }: أي: كتبهم وأخبارهم وهو جمع أسطورة. # - ثم قال تعالى: { سنسمه على الخرطوم * إنا ~~بلوناهم كما بلونآ أصحاب الجنة... }. # قال ابن عباس: معناه: سنخطمه بالسيف فنجعل ذلك فيه سمة، أي: علامة، قال: ~~وقد قاتل الذي نزلت فيه هذه الآية يوم بدر فخطم بالسيف في القتال. # وقال قتادة: هو شين لا يفارقه. # وروي عنه: شين على أنفه. # قال المبرد: الخرطوم من الإنسان الأنف. ومن السباع موضع الشفة. # والمعنى عنده: سنسمه على أنفه يوم القيامة بما يشوه خلفه ~~ويعرفه به من شهده في القيامة أنه من أهل النار. # وقيل: معناه: سنعلق به عارا وسبة حتى يكون (بمنزلة من وسم على أنفه). # وقيل: المعنى: سنسود وجهه، فاستعير الأنف في موضع الوجه لأنه منه. # وقيل: الخرطوم هنا: الخمر. # - ثم قال تعالى: { إنا بلوناهم كما بلونآ أصحاب ~~الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين * ولا ~~يستثنون }. # أي: إنا بلونا قريشا، أي: امتحناهم كما امتحنا أصحاب الجنة، إذ حلفوا ~~ليصرمن ثمرها إذا أصبحوا ولا يقولون: إن شاء الله. # قال عكرمة: هم أناس من الحبشة، كانت لأبيهم جنة، وكان يطعم المساكين ~~(منها، فلما مات أبوهم قال بنوه: والله ما كان أبونا إلا أحمق حين يطعم ~~المساكين)، فأقسموا ليصرمنها مصبحين ولا يطعمون مسكينا. # قال قتادة: كان أبوهم يتصدق، وكان بنوه ينهونه عن الصدقة وكان يمسك ~~قوت سنة، وينفق ويتصدق بالفضل، فلما مات أبوهم، غدوا عليها وقالوا: لا ~~يدخلنها اليوم عليكم مسكين. ms2652 # [وقال] ابن عباس: كانوا (أهل) كتاب. # والصرم في اللغة: القطع، وهو الجذاذ. # - ثم قال تعالى: { فطاف عليها طآئف من ربك وهم ~~نآئمون }. # أي: فطرق جنتهم ليلا أمر من الله فأصبحت الجنة كالليل المظلم. قاله ابن ~~عباس. # وروي أن الله أرسل عليها نارا فأحرقت الزرع. # وقيل: الصريم أرض باليمن يقال [لها] [ضروان] من صنعاء، على ستة أميال. # وقيل: (كالصريم) كالزرع الذي حصد. # ويقال: لليل صريم، وللنهار صريم، لأن كل واحد ينصرم عن الآخر. # - ثم قال: { فتنادوا مصبحين * أن اغدوا على ~~حرثكم إن كنتم صارمين }. # (أي): فنادى بعضهم بعضا بعد الصباح أن اغدوا لحصاد زرعكم إن كنتم ~~حاصدين له. # { فانطلقوا وهم يتخافتون }. # أي: فمضوا إلى حرثهم وهم يتسارون بينهم في الخفاء، يقول بعضهم ~~لبعض: لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين. # - ثم قال تعالى: { وغدوا على حرد قادرين }. # أي: وغدوا إلى جنتهم على قدرة في أنفسهم [وجد]. قاله مجاهد. # قال قتادة: غدا القوم وهم محردون إلى جنتهم قادرين عليها في أنفسهم. # قال ابن زيد: " على جد قادرين في أنفسهم ". # وقيل: المعنى: { وغدوا على حرد قادرين } [على] أمر ~~أسسوه بينهم. # وقال الحسن: { على حرد قادرين } أي: على حاجة وفاقة. # وقال سفيان { على حرد } " على حنق ". # وقال أبو عبيدة: { على حرد }: على منع. وقيل " على قصد ". # ومعنى " قادرين " عند الفراء: أي: قد قدروا هذا [وبنوا] عليه. # وقيل: قادرين عند أنفسهم على ما دبروا من حصادها ومنع المساكين منها. # - ثم قال تعالى: { فلما رأوها قالوا إنا لضآلون }. # (أي): فلما رأوا جنتهم محترقا حرثها أنكروها وظنوا أنهم غلطوا، فقال ~~بعضهم لبعض: إنا لضالون الطريق إلى جنتنا، فقال من علم أنها جنتهم: بل ~~نحن أيها القوم محرومون. # قال قتادة: { إنا لضآلون } قد أخطأنا الطريق، ما هذه / جنتنا، ~~فقال بعضهم ممن عرفها: { بل نحن محرومون } أي: قد حرمنا نفعها. # - ثم قال تعالى: { قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا ~~تسبحون }. # أي: قال لهم [أعدلهم] ألم أقل لكم، هلا تستثنون إذ قلتم لنصرمنها ~~مصبحين، فتقولون إن شاء الله؟! # قال مجاهد: لولا تسبحون، ms2653 أي: تستثنون، وكان التسبيح فيهم الاستثناء. # وأصل التسبيح في اللغة: التنزيه، فجعل قولهم " إن شاء الله " معناه ~~تنزيه لله أن يكون شيء إلا بمشيئته. # وظاهر [الآية] [يدل] على التسبيح بعينه، إذ بعده { قالوا سبحان ~~ربنآ إنا كنا ظالمين }. # أي: (ظالمين) في منعنا المساكين أن يأخذوا ما يجب علينا. # - ثم قال تعالى: { فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون ~~}. # أي: فأقبل بعضهم يلوم بعضا على تفريطهم في الاستثناء وإطعام المساكين. # - { قالوا يويلنا إنا كنا طاغين }. # قالوا: [تعال] يا ويل إلينا، فهذا وقت حضورك. وهذا شيء تقوله العرب عند ~~الأمر العظيم: احضر يا ويل، فهذا من إبانك ووقتك. # - { إنا كنا طاغين }. # أي معتدين مخالفين أمر الله. فندموا على ما فعلوا فأبدلهم الله خيرا ~~منها. # (يقال): إن التي أبدلوا الطائف اقتلعها جبريل عليه السلام من الأردن، ~~وطاف بها حول البيت، ثم أنزلها في وادي ثقيف. # - ثم قال { عسى ربنآ أن يبدلنا خيرا منهآ... }. # أي: عسى (ربنا) أن يعطينا بتوبتنا خيرا من جنتنا. # - { إنآ إلى ربنا راغبون }. في ذلك. # - ثم قال تعالى: { كذلك العذاب... }. # أي: كفعلنا بجنة هؤلاء فعلنا بمن كفر وخالف أمرنا في عاجل الدنيا. # - { ولعذاب الآخرة أكبر... }. # عقوبة لمن عصى الله. # { لو كانوا يعلمون }. # (أي لو كانوا يعلمون) أن عقوبة الآخرة أعظم من عقوبة الدنيا. ### || [68.34-50] # - قوله تعالى: { إن للمتقين عند ربهم جنات ~~النعيم } ، إلى قوله: { فجعله من الصالحين } الآيات. # (أي): إن للذين اتقوا عقوبة ربهم [فأطاعوه] بساتين (النعيم) الدائم في ~~الآخرة. # - ثم قال: { أفنجعل المسلمين كالمجرمين }. # أي: أفنجعل - أيها الناس - كرامتي في الآخرة للذين أطاعوني كالذين ~~عصوني؟! # { ما لكم... } أيها الناس { كيف تحكمون }. # إذ تجعلون المطيع كالعاصي؟! # - ثم قال تعالى: { أم لكم كتاب فيه تدرسون }. # أي: ألكم - أيها القوم - بتسويتكم الطائع كالعاصي - كتاب نزل من عند ~~الله أتاكم به رسول أن الطائع كالعاصي فيه تقرؤون؟! # وقيل: المعنى: تدرسون أن لكم فيه لما تخيرون. (فتدرسون) عامل في ~~المعنى في { إن لكم فيه لما تخيرون } ، [لكن] منعت اللام ~~في " لما " من فتح " إن " (بتدرسون]. ومثله: ms2654 { إن لكم لما ~~تحكمون }. والتقدير: أن لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة، فإن ~~لكم لما تحكمون. وهذا كله منقطع عند البصريين غير متصل بما قبله، ولا ~~يجوز عندهم تعلق " تدرسون " ، إنما تعلق أفعال الشك لا غير. # - ثم قال تعالى: { إن لكم فيه لما تخيرون }. # أي: إن لكم في ذلك لما تخيرونه، وهذا توبيخ وتقريع لهم لما كانوا ~~يتقولون من الكذب. # - ثم قال تعالى: { أم لكم أيمان علينا بالغة إلى ~~يوم القيامة }. # أي: هل لكم ذلك، أي: ليس لكم أيمان على الله تنتهي بكم إلى يوم القيامة ~~بأن لكم حكمكم في ما تتقولون. وكسرت الألف من " إن " لدخول اللام في " ~~لما ". # وقيل: " بالغة " [وثيقة]، أي: بالغة النهاية في التأكيد. # - ثم قال تعالى: { سلهم أيهم بذلك [زعيم] }. # أي: سل - يا محمد - هؤلاء المتقولين (المتحكمين) على الله، أيهم كفيل ~~بأن لهم علينا أيمانا بالغة إلى يوم القيامة؟ # وقيل: " زعيم " معناه: ضمين. والزعيم أيضا المتكلم عن القوم. # - ثم قال تعالى { أم لهم شركآء فليأتوا ~~بشركآئهم... }. # أي: ألهم شركاء (يعينونهم) ويشهدون لهم بذلك ويحتجون عنهم فيما يدعون ~~فليأتوا بهم إن كانوا صادقين في قولهم فتكون الحجة على جميعهم أبين و ~~[آكد]. # - ثم قال تعالى: { يوم يكشف (عن ساق) ويدعون إلى ~~السجود فلا يستطيعون }. # أي: اذكر يا محمد يوم يبدو [أمر] عظيم، وذلك يوم القيامة. # قال ابن عباس: يوم يكشف [عن ساق]، هو يوم كرب وشدة وأمر عظيم. # وقرأ ابن عباس: " يوم نكشف " بالنون. # وقرأ ابن مسعود: " يوم يكشف " بفتح الياء وكسر الشين. # وعن ابن عباس أيضا أنه قرأ " يوم تكشف " بالتاء، يريد القيامة تكشف ~~عن أهوالها. # وروى مجاهد عن ابن عباس: " عن ساق " قال: هي أول ساعة من القيامة، وهي ~~[أفظعها] و [أشدها]. # وقال ابن جبير: " عن ساق ": عن شدة الأمر ". # وقال قتادة { عن ساق } عن أمر فظيع / لهم جليل. # وعن ابن مسعود أنه قال: " يتمثل الله للخلق، يعني يوم القيامة، حتى يمر ~~المسلمون فيقول: من تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله لا نشرك به شيئا، ms2655 ~~[فينتهرهم] مرتين أو ثلاثا، فيقولون: هل تعرفون ربكم؟ فيقولون: سبحانه، ~~إذا اعترف لنا عرفناه. (قال): فعند ذلك يكشف عن ساق فلا يبقى مؤمن إلا خر ~~لله ساجدا، ويبقى المنافقون ظهورهم طبق كأنما فيها السفافيد، فيقولون: ~~ربنا! فيقول: قد كنتم تدعون إلى السجود وأنتم سالمون. # قال أبو محمد: فمعنى يكشف لهم عن ساق، أي: عن أمر عظيم وقدرة لا يقدر ~~عليها إلا الله. فيعرفونه تعالى بها [أظهر] من قدرته إليهم. ولا يحل لأحد ~~أن [يتأول] في هذا وما شابهه جارحة، إذ ليست صفات الله كصفات الخلق، كما ~~أنه ليس كمثله شيء، فاحذر أن يتمثل في قلبك شيء من تشبيه الله بخلقه، ~~[فغير] جائز في الحكمة والقدرة أن يكون المخلوق يشبه الخالق في شيء من ~~الصفات، ومن شبه الخالق بالمخلوق فقد أوجب على الخالق الحدث، وكفر وأبطل ~~التوحيد، إذ في ذلك نفي القدم عن الخالق، تعالى الله عما يقول الظالمون ~~علوا كبيرا. # وقال ابن مسعود: ينادي مناد يوم القيامة: أليس عدلا منكم أن ربكم خلقكم ~~ثم صوركم ثم رزقكم ثم توليتم غيره أن يولي كل عبد (منكم ما تولى؟! ~~فيقولون: بلى، قال: فيمثل لكل قوم آلهتهم التي كانوا) يعبدونها، ~~فيتبعونها حتى توردهم النار، ويبقى أهل [الدعوة]، فيقول بعضهم لبعض: ماذا ~~تنتظرون؟ (ذهب الناس)! فيقولون: ننتظر أن ينادى [بنا]. قال: فيجيء في ~~صورة، فذكر منها ما شاء الله، فيكشف عما شاء الله أن يكشف، فيخرون سجدا ~~إلا المنافقين، فإنه يصير فقار أصلابهم عظما واحدا مثل [صياصي] ~~البقر، فيقال لهم: ارفعوا رؤوسكم إلى نوركم. ثم ذكر قصة طويلة. # وذكر أبو سعيد الخدري: عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو ذلك وأطول. # والعرب تقول: انكشف الأمر عن ساق، أي: عن هول وأمر غليظ شديد. وأصل هذا ~~أن الرجل إذا جد في أمر فيه صعوبة وشدة تشمر وكشف عن ساقه، فجعل الساق في ~~موضع الشدة. # وقوله: { ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون }. # أي: [ويدعى] أهل النفاق إلى السجود لله عند ظهور الأمر الشديد فلا ~~يستطيعون السجود. # ودل ms2656 هذا على أن الاستطاعة قبل الفعل، لأن الكلام على أنهم كانوا قبل ذلك ~~يستطيعون السجود فتركوه. ودعاؤهم إلى السجود إنما هو على طريق التوبيخ ~~لهم ليوقفوا على فعلهم في الدنيا إذ دعوا إلى السجود وهم سالمون لينتفعوا ~~به فلم يفعلوا. # روي أن أصلابهم تجف عقوبة فلا يطيقون السجود. # ثم قال: { خشعة أبصرهم ترهقهم (ذلة)... }. # أي: خاضعة ذليلة أبصارهم [تغشاهم] ذلة من عذاب الله. # والعامل في " يوم يكشف " قوله: { فليأتوا بشركآئهم } أي: ~~فليأتوا بالشركاء يوم يكشف، أي يوم القيامة. # لم يرد الإتيان بها في الدنيا لأنهم يقدرون على ذلك في الدنيا، ولا ~~يقدرون عليه في الآخرة، " فيأتوا " هو العامل في " يوم يكشف ". ويجوز أن ~~يعمل فيه فعل [مضمر] أي: اذكر يوم يكشف. # ثم قال تعالى: { وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم ~~سلمون... }. # (أي): وقد كانوا في الدنيا يدعون (إلى) أن يسجدوا لله وهم سالمون ~~الجوارح، لا يمنعهم من ذلك مانع فلم يفعلوا. # وقيل: السجود (الذي) (كانوا) يدعون إليه في الدنيا هو الصلاة المكتوبة. ~~قاله الشعبي. # وقال ابن جبير: كانوا يسمعون النداء للصلاة فلا يجيبون. # قال ابن عباس: هم الكفار، كانوا يدعون إلى السجود في الدنيا وهم آمنون، ~~فاليوم يدعون وهم خائفون. # وروى قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يؤذن للمؤمنين يوم القيامة في السجود فيسجد ~~المؤمنون، وبين كل مؤمنين منافق فيقسو ظهر ~~المنافق عن السجود، ويجعل الله سجود المؤمنين على ~~المنافقين توبيخا وصغارا وذلا وندامة وحسرة ". # - ثم قال تعالى: { فذرني ومن يكذب بهذا الحديث... ~~}. # هذا تهدد ووعيد من الله للمكذبين بكتابه، كما يقول الرجل للرجل يتوعده: ~~دعني وإياك، وخلني وإياه. # وقوله: { سنستدرجهم من حيث لا يعلمون }. # أي: سنكيدهم من حيث لا يعلمون، وذلك أن يمتعهم بمتاع الدنيا حتى يظنوا ~~أنهم إنما متعوا به لخير لهم عند الله فيتمادون في طغيانهم، ثم ~~[يأخذهم] بغتة [وهم] لا يشعرون. # فيكون معنى " سنستدرجهم ": سنمتعهم ونوسع عليهم في الدنيا حتى يتوهموا ~~أن لهم خيرا ويغتروا بالنعم. # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ms2657 قال: # " إن الله يمهل الظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، وقرأ: { ~~وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة } " # وحقيقة الاستدراج أن يأخذه ببأسه قليلا ولا يجاهره، وهو من الدرج ~~الذي يصعد وينزل منه قليلا قليلا. # - ثم قال: { وأملي لهم إن كيدي متين }. # أي أنسىء لهم في آجالهم ملاوة من الزمان، وذلك [برهة] / من الدهر على ~~كفرهم وتمردهم على الله [لتتكامل] حجج الله عليهم. # - وقوله: { إن كيدي متين }. # أي: إن كيدي بأهل الكفر قوي شديد. # - ثم قال تعالى: { أم تسألهم أجرا فهم من مغرم ~~مثقلون }. # أي: أم تسألهم يا محمد على إنذارك لهم ونصحك إياهم جعلا [فهم] مثقلون ~~[مما] يعطونك من الجعل؟ أي: لست تسألهم ذلك، فما بالهم لا يقبلون نصحك. # - ثم قال تعالى: { أم عندهم الغيب فهم يكتبون }. # أي: أعندهم اللوح المحفوظ الذي فيه الغيوب كلها فهم يكتبون منه [ما ~~يجادلونك] به، ويزعمون أنهم على كفرهم أفضل منزلة عند الله من أهل ~~الإيمان به. # - قال تعالى: { فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب ~~الحوت... }. # يعني: يونس، أي فاصبر يا محمد على أداء (الرسالة) لقضاء ربك [فيك وفي ~~هؤلاء] المشركين، ولا تستعجل لهم العذاب فتكن كصاحب الحوت، يعني يونس إذ ~~خرج عن قومه حين تأخر العذاب عنهم. # - واذكر { إذ نادى وهو مكظوم }. # أي: إذ نادى ربه من بطن الحوت وهو مغموم لا يجد من يتفرج إليه. # قال قتادة: ولا تكن كصاحب الحوت في العجلة والغضب، أي: لا تعجل كما عجل ~~ولا تغضب كما غضب. # - ثم قال تعالى: { لولا أن تداركه نعمة من ربه... ~~}. # (أي رحمة - فرحمه) { لنبذ بالعرآء وهو مذموم }. # (أي: لولا أن الله رحمه وسمع دعاءه من بطن الحوت فأجابه لطرح بالفضاء ~~من الأرض وهو مذموم) قال ابن عباس: مذموم " مليم ". # وقيل مذموم: " مذنب ". # - ثم قال تعالى: { فاجتباه ربه... }. # أي: فاختاره واصطفاه. # - { فجعله من الصالحين }. # أي: اختاره للنبوة فجعله صالحا، أي: رفعه للعمل الصالح. # وقيل: معناه: فوصفه من الصالحين. # حكى سيبويه: " جعل " بمعنى " وصف ". ### || [68.51-52] # - قوله تعالى: { وإن يكاد الذين ms2658 كفروا... } إلى آخر ~~السورة. # قال الفراء: هذا من إصابة العين. والتقدير: وإن يكاد الذين كفروا مما ~~عاينوك يا محمد بأبصارهم ليأخذونك بالعين فيرمونك ويصرعونك كما ~~ينصرع الذي يزلق في الطين ونحوه، لأنهم كانوا يقولون: ما رأينا [مثل] ~~حججه ولا مثله. # وقيل: المعنى أنهم كانوا من شدة نظرهم إليه [وتغيظهم] عليه أن يزلقوه من ~~مكانه. # يقال: أزلق الحجام الشعر وزلقه: إذا حلقه. # - ثم قال تعالى: { ويقولون إنه لمجنون }. # أي: ويقول الكفار: إن محمدا لمجنون. # قال ابن عباس: ليزلقونك بأبصارهم: أي ينفدونك من شدة نظرهم، من قولهم: ~~زلق السهم وزهق إذا نفذ. # وقال ابن مسعود: ليزلقونك: ليزهقونك. # وقال مجاهد: " لينفذونك بأبصارهم ". # وقال قتادة: ليصدونك. # - وقوله: { لما سمعوا الذكر... }. # أي: لما سمعوا كتاب الله يتلى. # - ثم قال تعالى: { وما هو إلا ذكر للعالمين }. # أي: ليس الذي جاء به محمد جنونا بل هو ذكر للعالمين، أي: للجن والإنس. ~~وقيل: المعنى: " بل محمد ذكر للعالمين ". ### | [69 - سورة الحاقة] ### || [69.1-11] # قوله تعالى: { الحاقة * ما الحآقة } إلى قوله: { في ~~الجارية }. # كأن الأصل: الحاقة، ما هي؟ لتقدم ذكرها، إلا أن إعادة الاسم بلفظه أفخم ~~إذا لم يشكل المعنى. # و " الحاقة " ابتداء، و " ما " ابتداء ثان، و " الحاقة ": خبر " ما " ، ~~و " ما " وخبرها خبر عن " الحاقة " الأولى، ومثله: { القارعة * ما ~~القارعة }. ومعنى الكلام أنه على التعظيم، والتقدير: الساعة الحاقة: ~~أي شيء هي!، أي: ما أعظمها وأجلها وأشدها. # ومعنى الحاقة: التي تحق فيها الأمور ويجب فيها الجزاء على الأعمال. # قال ابن عباس: " الحاقة اسم من أسماء القيامة، عظمه الله وحذره عباده ". # وقال قتادة: الحاقة: القيامة حقت لكل عامل ما عمله. # - ثم قال تعالى: { ومآ أدراك ما الحاقة }. # أي: وأي شيء يدريك ويعرفك أي شيء الحاقة؟! [وهذا] كله تعظيم ليوم ~~القيامة. # - ثم قال تعالى: { كذبت ثمود وعاد بالقارعة }. # أي: كذبت ثمود قوم صالح، وعاد قوم هود بالساعة التي تقرع قلوب العباد ~~بهجومها عليهم. # قال ابن عباس: { بالقارعة }: بيوم القيامة. # وقال قتادة: بالساعة. # - ثم قال تعالى: { فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية }. # أي: بطغيانهم ms2659 وكفرهم بالله وباليوم الآخر. # قال مجاهد: { بالطاغية } بالذنوب. # قال ابن زيد: { بالطاغية } بطغيانهم، واستدل على ذلك بقوله: # كذبت ثمود بطغواهآ # [الشمس: 11] بالصيحة، كأنها صيحة تجاوزت مقادير الصياح فطغت عليهم. وهو ~~اختيار الطبري؛ لأن الله إنما أخبر عن ثمود بالمعنى الذي أهلكوا به لا ~~الذي أهلكوا من أجله (ودليل ذلك / إخباره تعالى عن عاد بالمعنى الذي ~~أهلكوا به وهو الريح ولم يخبر بالذي هلكوا من أجله). # وقيل: المعنى: بالفئة الطاغية. # (وقيل): بالفعلة الطاغية. # وقيل: بالجماعة الطاغية. # وقيل: المعنى: بالأخذة الطاغية. وسميت الآخذة طاغية لأنها جاوزت القدر ~~في الشدة. فالمعنى: فأهلكوا بالأخذة التي جاوزت القدر [فطغت عليهم]. ~~دليله: قوله في عاد: { بريح صرصر عاتية } ، فذكر الشيء [الذي] ~~أهلكوا به، فكذلك الأول. # وإنما ذكر الشيء الذي أهلكوا به لا الذي أهلكوا من أجله، فإنما وصف ~~العذاب الذي أهلك به الطائفتان، فهو ظاهر اللفظ وكل قد قيل. # - وقوله: { عاتية }. # ليس (هو) من العتو الذي هو العصيان، إنما هو من العتو الذي هو بلوغ ~~الشيء وانتهاؤه في قوته وقدره، من قولهم: عتا: إذا بلغ منتهاه، ومنه ~~قوله: # وقد بلغت من الكبر عتيا # [مريم: 8]. # ثم قال تعالى: { وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر ~~عاتية }. # أي: بريح شديدة العصوف مع شدة بردها. # قال ابن عباس: { عاتية }: أي: " مهلكة باردة عنت عليهم بغير رحمة ~~ولا بركة (دائمة) لا تفتر ". # قال قتادة: " الصرصر: الباردة، عتت عليهم حتى نقبت عن أفئدتهم. قال ابن ~~عباس: ما أرسل الله من ريح قط إلا بمكيال، ولا أنزل قطرة إلا بمثقال إلا ~~يوم نوح ويوم عاد، فإن الماء يوم نوح طغى على خزانه فلم يكن لهم عليه ~~سبيل، ثم قرأ: { إنا لما طغا المآء حملناكم في ~~الجارية } ، قال: وإن الريح عتت على خزانها فلم يكن [لهم] [عليها] ~~من سبيل، وقرأ: { بريح صرصر عاتية }. # وقال علي بن أبي طالب: لم تنزل قطرة من ماء إلا بكيل على يدي ملك، فلما ~~كان يوم نوح أذن للماء دون الخزان، فطغى الماء على الجبال فخرج، فذلك ~~قوله: { إنا لما ms2660 طغا المآء حملناكم في الجارية } ~~، ولم ينزل شيء من الريح إلا بمكيال على يدي ملك إلا يوم عاد، ~~فإنه أذن لها دون الخزان، فخرجت فذلك قوله: { بريح صرصر ~~عاتية } عتت على الخزان. # قال ابن زيد: " الصرصر [الشديدة]، والعاتية: القاهرة التي عتت عليهم ~~فقهرتهم ". # قال الضحاك: { بريح صرصر } يعني: باردة، { عاتية } يعني: عتت ~~عليهم بغير رحمة ولا بركة. # - ثم قال تعالى: { سخرها عليهم سبع ليال وثمانية ~~أيام حسوما... }. # أي: سخر تلك الريح على عاد { سبع ليال وثمانية أيام ~~حسوما }. # قال ابن عباس: { حسوما }: " تباعا ". # وقال مجاهد: متتابعة، [وقاله] عكرمة وقتادة. # (وعن قتادة)؛ متتابعات. وهو قول سفيان. # وقال ابن زيد: { حسوما }: تحسم كل شيء فلا تبقي من عاد أحدا. # وذكر ابن زيد عن عاد أنه كان فيهم ثمانية رجال لهم خلق عظيم، فلما ~~جاءتهم الريح قال بعضهم: قوموا بنا نرد هذا العذاب عن قومنا. # قال: فقاموا وصفوا في الوادي، فأوحى الله إلى تلك الريح أن تقلع كل ~~يوم منهم واحدا وقرأ: { سخرها عليهم سبع ليال ~~وثمانية أيام حسوما } حتى بلغ { خاوية }. # قال ابن زيد: وإن كانت الريح لتمر بالظعينة فتستدير بها وبحمولتها ثم ~~[تذهب] بهم في السماء ثم تكبهم على الرؤوس، ثم قرأ: # فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا ~~هذا عارض ممطرنا # [الأحقاف: 24]. # قال: وكان قد أمسك عنهم المطر، فقرأ حتى بلغ # تدمر كل شيء بأمر ربها # [الأحقاف: 25] الآية. # قال: وما كانت الريح تقلع كل يوم من الثمانية إلا واحدا. # [قال]: فلما عذب الله قوم [هود] أبقى واحدا ينذر الناس. # والعرب تقول: حسمت الداء أي: قطعته (بمتابعة) العلاج (عليه)، وسيف ~~حسام: أي: قاطع. # وقيل: { حسوما } جمع: حاسم، كجالس وجلوس. # وقيل: هو مصدر [أي: ذات] حسوم. # - ثم قال تعالى: { فترى القوم فيها صرعى... }. # أي: فترى يا محمد قوم هود في تلك السبع الليالي والثمانية الأيام الحسوم ~~صرعى قد أهلكوا. # - { كأنهم أعجاز نخل خاوية }. # أي: كأنهم أصول نخل قد خوت وتآكلت. # - ثم قال تعالى: { فهل ترى لهم من باقية }. # أي: فهل ترى - يا محمد ms2661 - لهم من جماعة باقية. # وقيل: من بقاء. # وقيل: (من) بقية. # - ثم قال تعالى: { وجآء فرعون ومن قبله ~~والمؤتفكات بالخاطئة }. # أي وجاء فرعون ومن قبله من الأمم الماضية المكذبة بالفعلة الخاطئة. # ومن قرأ بكسر القاف وفتح الباء فمعناه: ومن معه من القبط. # وقد رد أبو عبيد هذه القراءة لأنه قد كان فيهم مؤمنون. # وهذا لا يلزم، لأنه لفظ / عام معناه الخصوص، أي: ومن قبله من أهل ~~دينه. # - وقوله { والمؤتفكات } يعني قوم لوط الذين ائتفكت عليهم ~~مدائنهم إذ أهلكوا أي: انقلبت عليهم. # قال مجاهد: { بالخاطئة }: " بالخطايا ". # - ثم قال تعالى: { فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة ~~رابية }. # أي: فعصى فرعون وقوم لوط رسول ربهم إليهم، والمعنى: فعصى كل قوم رسول ~~ربهم إليهم. # وقيل: " رسول " هنا بمعنى " رسالة ". # قال ابن عباس: { أخذة رابية } أي: " شديدة ". # قال ابن زيد: رابية في الشر أي زائدة. ومنه الربا، ومنه: أربى فلان ~~عليك إذا أخذ أكثر من حقه. # - ثم قال تعالى: { إنا لما طغا المآء حملناكم في ~~الجارية }. # أي: لما طغى الماء على الخزنة - بإذن الله له فخرج أكثر مما تقدر عليه ~~الخزنة وتجاوز حده. والطغيان مجاوزة الحد. فقيل: إنه طغى على خزنته فلم ~~يعرفوا له قدرا، وذلك بأمر الله له. حملنا آباءكم في السفينة الجارية. # روي أنه زاد [فعلا كل شي] بقدر خمس عشرة [ذراعا] قاله قتادة. # قال ابن جبير: طغى الماء وزاد غضبا لغضب الله. ### || [69.12-34] # [قوله] { لنجعلها لكم تذكرة... } إلى [قوله] { على ~~طعام المسكين }. # أي: فعلنا ذلك لنجعل السفينة لكم عبرة وعظة وآية. # قال قتادة: أبقى الله السفينة تذكرة وعظة وآية حتى نظر إليها أول هذه ~~[الأمة]، وكم من سفينة قد كانت بعد سفينة نوح قد صارت رمددا. # - قال { وتعيهآ أذن واعية }.. # [أي]: [ولتعي] هذه التذكرة أذن حافظة عقلت عن الله ما سمعت. # " وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: { وتعيهآ أذن ~~واعية } ثم التفت إلى علي رضي الله عنه فقال: سالت ~~الله أن يجعلها أذنك. قال علي: فما سمعت شيئا ~~من رسول الله قط ms2662 فنسيته. " # وقال [بريدة]: # " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعلي: [يا علي]، إن الله ~~أمرني أن [أدنيك] ولا أقصيك، [وأن أعلمك] وأن ~~تعي. وحق على الله أن [تعي]. قال: ونزلت: { وتعيهآ أذن ~~واعية } ". # وقال أبو عمران الجوني: { أذن واعية } [يعني]: أذن عقلت عن ~~الله. # - ثم قال: { فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة }. # (أي: فإذا نفخ إسرافيل في الصور نفخة واحدة)، وهي النفخة الأولى. # - { وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة }. # أي [زلزلتا] زلزلة واحدة. # قال ابن زيد: دكتا دكة واحدة: " صارت غبارا ". # - ثم قال تعالى: { فيومئذ وقعت الواقعة }. # أي: قامت القيامة. # - ثم قال تعالى: { وانشقت السمآء فهي يومئذ واهية ~~}. # أي: وانصدعت السماء فهي متشققة يومئذ. # قال الضحاك: إذا كان يوم القيامة أمر الله جل ثناؤه السماء بأهلها ونزل ~~من فيها من الملائكة فأحاطوا بالأرض ومن عليها ثم الثانية ثم [الثالثة] ~~إلى السابعة، فصفوا صفا بين يدي صف ثم نزل الملك الأعلى على مجنبته ~~جهنم، فإذا رآها أهل الأرض ندوا فلا يأتون قطرا من أقطار الأرض إلا ~~وجدوا سعبة صفوف من الملائكة فيه، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، ~~فذلك قوله: # إني أخاف عليكم يوم التناد * يوم تولون ~~مدبرين ما لكم من الله من عاصم # [غافر: 32-33]. # وذلك قوله: # وجآء ربك والملك صفا صفا # [الفجر: 22]. # - وهو قوله: # يمعشر الجن والإنس إن استطعتم [أن تنفذوا من ~~أقطار السموت والأرض فانفذوا لا تنفذون] إلا ~~بسلطان # [الرحمن: 33] (أي) بحجة، وهو قوله: { وانشقت السمآء }. إلى { ~~على أرجآئهآ... }. # أي: على نواحيها وأطرافها حين تشقق. # قال ابن عباس: على حافاتها، وذلك حين تشقق. # وعن ابن جبير: { على أرجآئهآ }: على حافات الدنيا. # وواحد الأرجاء [رجا] مقصور، وهو الناحية، يثنى بالواو. # والرجاء: الأمل، ممدود. # - ثم قال: { ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ~~ثمانية }. # قال ابن عباس هي ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله، وهو ~~قول الضحاك وعكرمة. # وقال ابن زيد: هم ثمانية أملاك. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم (أنه ~~قال): # " يحمله اليوم أربعة، ويحمله ms2663 يوم القيامة ~~ثمانية " # ، وأنه قال صلى الله عليه وسلم: # " إن أقدامهم لفي الأرض السابعة، وإن ~~مناكبهم لخارجة من السماوات عليها العرش " # ، قال ابن زيد: يريد الأربعة. قال ابن زيد: وبلغنا أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " لما خلقهم الله قال: تدرون لم خلقتكم؟ قالوا: خلقتنا ربنا ~~لما شاء، قال لهم: تحملون عرشي، ثم قال: سلوني من القوة ما شئتم ~~أجعلها فيكم، فقال أحدهم: قد كان / عرش ربنا على الماء فاجعلني في ~~قوة الماء، قال: قد جعلت فيك قوة الماء، وقال آخر: اجعل في قوة السماوات، ~~(قال: قد جعلت فيك قوة السماوات. وقال الآخر: اجعل في قوة الأرض والجبال، ~~قال: قد جعلت فيك قوة الأرض والجبال. وقال آخر: اجعل في قوة الرياح)، ~~قال: قد جعلت فيك قوة الرياح. # (ثم) قال: احملوا. قال: فوضعوا العرش على كواهلهم فلم يزولوا. قال: فجاء ~~علم آخر، وإنما كان علمهم الذي [سألوه] القوة. فقال لهم: قولوا: ~~لا حول ولا قوة إلا بالله [العلي العظيم]. فقالوها، وجعل فيهم من الحول ~~والقوة ما لم يبلغوه بعلمهم فحملوا ". # وروى ابن وهب عن أبيه أنه قال: أربعة من الملائكة يحملون العرش على ~~أكتافهم، لكل واحد منهم أربعة أوجه: وجه ثور، ووجه [أسد]، ووجه نسر، ووجه ~~إنسان. ولكل واحد منهم أربعة أجنحة: جناحان على وجهه من أن ينظر إلى ~~العرش فيصعق، وجناحان يقف [بهما]. ليس لهم كلام إلا (أن) يقولوا: قدسوا ~~الله القوي الذي ملأت عظمته السماوات والأرض. # وقال عطاء عن ميسرة [في قوله] { ويحمل عرش ربك ~~فوقهم يومئذ ثمانية } ، قال: " أرجلهم في التخوم لا ~~يستطيعون أن يرفعوا أبصارهم من شعاع النور ". # قال أبو محمد [مؤلفه رضي الله عنه]: ما جاء في القرآن وهذه الأحاديث من ~~النزول والمجيء وشبه ذلك مضافا إلى الله جل ذكره [فلا يجب] أن ~~يتأول فيه انتقال " ولا حركة " على الله، إذ لا يجوز عليه ذلك، إذ ~~الحركة والنقلة إنما هما من صفات المخلوقين. وكل ما جاء من هذا فإنما ~~هو صفة من صفات الله ms2664 لا كما هي من المخلوقين، فأجرها على ما أتت ولا ~~تعتقد ولا تتوهم في ذلك أمرا مما شهدته في الخلق، إذ # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11]. وقد قال جماعة من العلماء في وصف الله جل ذكره بالمجيء ~~والإتيان والتنزل: إنها أفعال يحدثها الله متى شاء، سماها بذلك، فلا ~~تتقدم بين يديه ولا تكيف ولا تشبه، وتقول ~~كما قال وتنفي (عنه) - جل ذكره - التشبيه، ولا تعترض في ~~شيء مما أتى في كتابه من ذلك وما روي عن نبيه (منه) صلى الله عليه ~~وسلم. # - ثم قال تعالى: { يومئذ تعرضون لا تخفى منكم ~~خافية }. # [أي]: ذلك اليوم تعرضون أيها الناس على ربكم فلا يخفى عنه من أعمالكم ~~شيء. # وروي أنهم [يعرضون] ثلاث عرضات: قاله أبو موسى الأشعري وابن مسعود، ~~قالا: فعرضتان فيه الخصومات والمقادير، والثالثة [تطاير] الصحف. قال أبو ~~موسى: " فأخذ بيمينه، وأخذ بشماله ". # وروى مثل ذلك قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم. # - ثم قال تعالى: { فأما من أوتي كتبه بيمينه ~~فيقول هآؤم اقرءوا كتبيه }. # أي: فأما من أعطي كتاب عمله بيمينه فيقول: تعالوا { اقرءوا ~~كتبيه }. # وقال بعض [أهل اللغة]: أصل " هاؤم " " هاكم " ، ثم أبدل من الكاف ~~واو. # - ثم قال تعالى: { إني ظننت أني ملاق حسابيه }. # هذا من الظن الذي هو يقين، قوم ظنوا ظنا: فازوا به، وقوم ظنوا ظنا: ~~شقوا [به]، وهو الظن الذي بمعنى الشك. # والمعنى أن المؤمن يقول يوم القيامة حين آخذ كتابه (بيمينه: أيقنت في ~~الدنيا أني ملاق ما عملت إذا وردت يوم القيامة) على ربي. # قال ابن عباس: ظننت: " أيقنت ". # قال قتادة: ظن ظنا يقينا فنفعه الله به، وقال: " ما كان من ظن ~~الآخرة فهو علم " [يريد] من المؤمنين. # - ثم قال: { فهو في عيشة راضية }. # أي: عيش مرضي، وهو عيش الجنة. # وجعلت " مرضية " نعتا [للعيشة]؛ لأن ذلك مدح [للعيشة]، كما يقال: " ليل ~~نائم " " وسر كاتم " و " ماء دافق " ، بمعنى " مفعول "؛ لأنه فيه بمعنى ~~المدح، فكان نقله من بناء إلى بناء يدل على المدح أو [الذم]، ولو قلت: " ~~رجل ms2665 ضارب " بمعنى " مضروب " لم يجز؛ لأنه لا مدح فيه ولا [ذم]، فلا يقع ~~بناء في موقع بناء إلا لمعنى زائد. # - ثم قال تعالى: { في جنة عالية }. # أي: رفيعة المقدار والمكان. # - ثم قال تعالى: { قطوفها دانية }. # أي: ما يقطف من ثمارها دان، أي: قريب من قاطفه (يقطفه)، فكيف شاء - في ~~حال قيام أو قعود أو اضطجاع - لا يمنعه منه بعد، ولا يحول بينه ~~[وبينه] [شوك]. # - ثم قال تعالى: { كلوا واشربوا هنيئا بمآ أسلفتم ~~في الأيام الخالية }. # أي: كلوا / من ثمرات الجنات غير مكدر ولا منقص عليكم بما تقدم ~~(لكم) من الأعمال الصالحات في الأيام الماضية في الدنيا لأخراكم. قال ~~قتادة: هذه هي الأيام الخالية فانية تؤدي إلى أيام باقية، فاعملوا في هذه ~~الأيام وقدموا فيها خيرا إن استطعتم، ولا قوة إلا بالله. ويقال: من ~~عمل في الزمان الذي لا بقاء فيه أوصله إلى نعيم الزمان الذي لا ~~زوال له. # ويقال: إنه الصيام في أيام الدنيا. روي أنه يوضع يوم القيامة للصوام في ~~الدنيا مائدة يأكلون عليها والناس في الحساب، فيقولون يا رب: نحن في ~~الحساب وهؤلاء يأكلون؟ فيقول: إنهم طالما صاموا في الدنيا وأكلتم، وقاموا ~~ونمتم. # - ثم قال تعالى: { وأما من أوتي كتبه بشماله... }. # أي: كتاب عمله، { فيقول يليتني لم أوت كتبيه * ~~ولم أدر ما حسابيه }. # أي: ولم أدر أي شيء حسابي؟! # - ثم قال: { يليتها كانت القاضية }. # أي: يا ليت الموتة التي متها في الدنيا كانت هي الفراغ من كل ما بعدها ~~ولم يكن بعد ذلك حياة. # قال قتادة: تمنى الموت ولم يكن في الدنيا شيء أكره إليه من الموت. # - ثم قال: { مآ أغنى عني ماليه }. # أي: لم ينفعني [مالي] ولا دفع عني من العذاب شيئا، فتكون " ما " نافية. ~~ويجوز أن تكون استفهاما في موضع نصب والتقدير، أي بشيء أغنى عني مالي. # - ثم قال تعالى: { هلك عني سلطانيه }. # قال [ابن عباس]: ضلت عني كل [بينة] لي (فلم) تغن عني شيئا. قال عكرمة ~~ومجاهد: سلطاني: حجتي. وقال ابن زيد: { هلك عني سلطانيه ms2666 } ~~أي: " سلطان الدنيا " وملكها. # - ثم قال تعالى: { خذوه فغلوه * ثم الجحيم صلوه }. # هذا أمر من الله لخزان جهنم من الملائكة، أي: خذوا هذا الكافر ~~فغلوا يده إلى عنقه، ثم الجحيم فألقوه وأوردوه (فيها). # { ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه }. # أي: ثم اسلكوه في سلسلة طولها سبعون ذراعا. وذلك أن تدخل في دبره وتخرج ~~من منخريه. وقيل: تدخل في فيه وتخرج من دبره. وقال محمد بن المنكدر: لو ~~جمع حديد الدنيا ما مضى منها وما بقي ما عدل حلقة من حلق السلسلة. # قال نوف البكالي: الذراع سبعون باعا أبعد ما بينك وبين مكة وهو يومئذ ~~بالكوفة. قال ابن عباس: { سبعون ذراعا } " بذراع الملك { ~~فاسلكوه } تسلك في دبره حتى تخرج من منخريه حتى لا يقوم على رجليه ~~". # وروى عبد الله بن عمر وابن العاصي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لو أن رصاصة مثل هذا - وأشار إلى مثل جمجمة - أرسلت من ~~السماء إلى الأرض - وهي مسيرة خمس مائة سنة - لبلغت الأرض قبل ~~الليل. ولو أنها أرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفا - الليل ~~والنهار - قبل أن [تبلغ] أصلها أو قعرها ". # وقيل: فاسلكوه، وإنما تسلك السلسلة فيه لأن المعنى مفهوم، مثل قولهم: ~~أدخلت رأسي في القلنسوة، وإنما تدخل [القلنسوة] في الرأس، وشبهه كثير في ~~الكلام. # وقال الفراء: التقدير: فاسلكوه فيها. # وروى نعيم بن حماد عن كعب أنه قال: ينظر الله إلى عبده يوم القيامة ~~فيقول: " خذوه " ، فيأخذه مائة ألف ملك حتى يتفتت في أيديهم، فيقول: أما ~~ترحموننا؟! فيقولون: وكيف نرحمك ولم يرحمك أرحم الراحمين؟!. # - ثم قال تعالى: { إنه كان لا يؤمن بالله العظيم }. # أي: لا يصدق بتوحيد بالله. # { ولا يحض على طعام المسكين }. # ولا يرغب هو ولا يرغب غيره في إطعام أهل المسكنة والحاجة. ### || [69.35-52] # - قوله تعالى: { فليس له اليوم ها هنا حميم } إلى آخر ~~السورة. # أي: فليس لهذا الكافر - يوم القيامة - قريب ولا صديق ينجيه من عذاب ~~الله. وقيل: المعنى: ليس له في جهنم ماء حار ولا طعام ينتفع ms2667 به، قاله ~~قطرب. # وقيل: معناه: ليس له في جهنم طعام إلا من غسلين، أي: من صديد أهل النار، ~~وذلك ما يسيل من صديدهم. وقال بعض أهل اللغة: كل جرح غسلته فخرج منه شيء ~~فهو غسلين، وهو " فعلين " من الغسل. قال ابن عباس: غسلين " صديد أهل ~~النار ". وقال قتادة: غسلين " شر الطعام وأخبثه وأبشعه ". وقال ابن زيد: ~~" الغسلين والزقوم لا يعلم أحد ما هو ". # فأما، قوله تعالى في موضع آخر: # ليس لهم طعام إلا من ضريع # [الغاشية: 6] فقد قيل: إن الغسلين من الضريع كما تقول: ما لي طعام إلا ~~الرطب، ما لي طعام (إلا) النخل. # - ثم قال { لا يأكله إلا الخاطئون }. # أي: لا يأكل الطعام الذي من غسلين إلا الخاطئون (أي): المذنبون [الذين] ~~ذنوبهم كفر بالله. # - ثم قال: { فلا أقسم بما تبصرون * [وما لا ~~تبصرون] }. # أي: أقسم [بذلك]، (و " لا " زائدة. وقيل: " لا " رد لكلامهم. ~~والمعنى: ما الأمر كما تقولون معشر أهل التكذيب بكتاب الله ورسوله، ثم ~~ابتدأ فقال: أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون، أي: أقسم بالأشياء كلها - أي ~~بربها - إن القرآن { لقول رسول كريم }. # أي: كريم على ربه وهو محمد صلى الله عليه وسلم يقرأه ويتلوه عليكم. ~~وقيل: هو جبريل عليه السلام. # - ثم قال: { وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون }. # أي: وما القرآن بقول شاعر، لأن محمدا لا يحسن قول الشعر فتقولون هو ~~شاعر، قليلا إيمانكم، أي إيمانا قليلا إيمانكم أو وقتا قليلا. وهذا ~~كله خطاب من الله جل ذكره لمشركي قريش. # - ثم قال: { ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون }. # أي: وليس هذا القرآن بقول كاهن فيقولون هو من سجع الكهان، قليلا ما ~~يعتبرون و [يذكرون] به. # - ثم قال: { تنزيل من رب العالمين }. # أي: هو تنزيل من رب العالمين تنزل به جبريل على محمد عليه السلام. وقيل: ~~التقدير: لكنه تنزيل من رب العالمين. # - ثم قال تعالى: { ولو تقول علينا بعض الأقاويل }. # أي: لو قال محمد من عند نفسه بعض ما جاءكم به وتخرص علينا. # { لأخذنا منه باليمين }. # قال ms2668 ابن عباس: باليمين: بالقوة. (وقيل باليمين): باليد اليمنى، أي: كنا ~~نذله [ونهينه] كما يقول الملك لمن يريد إذلاله: " خذوا بيده " فاليد ~~هنا في موضع الإهانة. # قال إبراهيم بن عرفة: معناه: لأخذنا بيمينه، أي لقبضناها، فمعناه: ~~التصرف. فالمعنى لأخذنا بيمينه ولقطعنا [وتينه]، وهو نياط القلب، لا حياة ~~بعد انقطاعه. # - ثم قال تعالى: { (ثم) لقطعنا منه الوتين }. # قال ابن عباس: " الوتين: نياط القلب " ، وعنه: " عرق القلب ". وقال ~~مجاهد: هو " حبل القلب الذي في الظهر " ، وهو قول قتادة. وقال الضحاك: هو ~~" عرق يكون في القلب، فإذا قطع مات الإنسان ". وقال ابن زيد: (هو) " نياط ~~القلب الذي القلب متعلق به " ، وهو قول ابن جبير. # والمعنى في الآية: لو كذب علينا ما لم نقل لأهلكناه، فكان بمنزلة من قطع ~~وتينه فلم يعش. # - ثم قال تعالى: { فما منكم من أحد عنه حاجزين }. # أي: فما منكم - أيها الناس - أحد عن محمد صلى الله عليه وسلم يحجزنا إذا ~~أردنا هلاكه وعقوبته. وجمع " حاجزين " على معنى " أحد ". # - ثم قال: { وإنه لتذكرة للمتقين }. # أي: وإن هذا القرآن لتذكرة وعظة [يتعظ] بها المتقون، وهم الذين ~~اتقوا الله بأداء فرائضه واجتناب محارمه. # - ثم قال: { وإنا لنعلم أن منكم مكذبين }. # أي (مكذبين) بهذا القرآن. # - ثم قال: { وإنه لحسرة على الكافرين }. # أي: وإن التكذيب لحسرة وندامة على الكافرين يوم القيامة. # - ثم قال تعالى: { وإنه لحق اليقين }. # (أي): وإن هذا القرآن لمحض اليقين [و] خالصه، أنه من عند الله لم يتقوله ~~(محمد) من عند نفسه وهذا من إضافة الشيء إلى نفسه عند الكوفيين، وأصله ~~عندهم: " الحق اليقين " على النعت، ثم أضيف (المنعوت) إلى نعته، والنعت ~~هو المنعوت في المعنى، فقد صار من إضافة الشيء إلى نفسه. # - ثم قال تعالى: { فسبح باسم ربك العظيم }. # أي: فسبح بذكر ربك - (يا محمد) -، { العظيم } (أي) الذي كل شيء في ~~عظمته صغير. ### | [70 - سورة المعارج] ### || [70.1-7] # - قوله تعالى: { سأل سآئل بعذاب واقع } ، إلى قوله: { ~~ونراه قريبا }. # أكثر المفسرين على أنه من السؤال، ونزلت في (النضر بن الحارث) حين قال: # اللهم ms2669 إن كان هذا هو الحق من عندك... # [الأنفال: 32] الآية. وأصله الهمز. # قال ابن عباس: ذلك سؤال الكفار عن عذاب الله وهو واقع [بهم]. قال مجاهد: ~~{ سأل سآئل } أي: دعا داع بعذاب الله وهو واقع بهم في الآخرة، قال: ~~وهو قولهم { اللهم إن كان هذا هو الحق } الآية. # قال ابن عباس: [هو قول] النضر بن الحارث / بن كلدة. # وقال قتادة: (سأل عذاب الله أقوام، فبين الله على من يقع)، على ~~الكافرين. # (وروى عروة بن ثابت أنه من السيلان وأنه واحد من أودية جهنم يقال له: ~~سائل. فتكون الهمزة بدلا من " يا " في سائل. # وقوله: { بعذاب واقع } معناه بعذاب للكافرين واجب لهم يوم ~~القيامة واقع بهم. وقيل (للكافرين). # معناه: على الكافرين، قاله الضحاك، وكذلك هي في قراءة أبي: " على ~~الكافرين " ). # وقال الفراء: التقدير: بعذاب للكافرين واقع، ولا يجوز عندهم تعلق. # " للكافرين " ب " واقع ". وقال الحسن: أنزل الله جل وعز { سأل ~~سآئل بعذاب واقع } فقالوا: لمن هو؟ وعلى من يقع؟ فأنزل الله: { ~~للكافرين ليس له دافع } ، فهذا يدل (على) تعلق اللام ب " ~~واقع ". # فأما الباء في { بعذاب } فإن المبرد يقول: هي متعلقة بالمصدر الذي ~~دل عليه الفعل. وقال غيره: هي زائدة بمنزلة قوله # ومن يرد فيه بإلحاد بظلم # [الحج: 25]. والباء - في قول من جعله من السؤال - بمعنى " عن " ، وهو ~~قول الحسن، وقاله من أهل اللغة ابن السكيت. # - وقوله { ليس له دافع }. # أي: ليس للعذاب الواقع على الكافرين من الله راد يرده عنهم. # - وقوله { ذي المعارج }: # أي: ذو العلو والدرجات والفواضل والنعم، قاله ابن عباس وقتادة. # وعن ابن عباس: { ذي المعارج } ذي الدرجات. وقيل: إن الملائكة تعرج ~~إليه، فنسب (ذلك إلى نفسه). # - ثم قال تعالى: { تعرج الملائكة والروح }. # أي: تصعد الملائكة والروح - وهو جبريل عليه السلام إلى الله. # { في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة }. # أي: كان مقدار صعودهم ذلك - لغيرهم من الخلق - خمسين ألف سنة، وهم ~~يصعدون في يوم يقدره الله، وذلك أنها تصعد من منتهى أمر الله جل ذكره من ~~أسفل الأرض ms2670 السابعة إلى منتهى أمره من فوق السماوات السبع، هذا معنى قول ~~مجاهد. قال مجاهد: # في يوم كان مقداره ألف سنة # [السجدة: 5] يعني بذلك نزول الوحي من السماء إلى الأرض ومن الأرض إلى ~~السماء في يوم واحد، فذلك مقداره ألف سنة؛ لأن ما بين السماء إلى الأرض ~~مسيرة خمسمائة سنة. # وقال عكرمة: { كان مقداره خمسين ألف سنة } قال: في يوم ~~واحد من القضاء كعدل خمسين ألف سنة. وروى عكرمة عن ابن عباس: { في ~~يوم كان مقداره خمسين ألف سنة } قال: هو يوم ~~القيامة. وهو قول [مجاهد] وقتادة. وقيل: المعنى: لو حكم في ذلك اليوم ~~أعقل الناس وأعدلهم لأقام خمسين ألف سنة قبل أن يحكم بين اثنين. # والروح: جبريل عليه السلام. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير والتقدير: سأل ~~سائل بعذاب واقع في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة للكافرين. أي: ذلك ~~اليوم على الكافرين في صعوبته كقدر صعوبة خمسين ألف سنة. # - ثم قال { تعرج الملائكة والروح إليه... }. # قال ابن عباس: جعل الله يوم القيامة على الكافرين مقدار خمسين ألف سنة، ~~أي: محاسبة الله الخلق [فيه] وإثابتهم أو معاقبتهم مقدار خمسين ألف سنة ~~لو كان غير الله المحاسب والمجازي. ودل على هذا المعنى ما روى أبو سعيد ~~الخدري # " أنه قيل للنبي عليه السلام: ما أطول هذا اليوم! فقال: " إنه على ~~المؤمن أخف من صلاة مكتوبة يصليها " ". # وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال: الدنيا كلها من أولها إلى آخرها ~~خمسون ألف سنة، لا يدري أحد كم مضى منها، ولا كم بقي. وروى (عن) ~~ابن عباس توقف عن تفسيره. # (وقد قال مجاهد (في قوله) تعالى): { تعرج الملائكة والروح ~~إليه } قال: الروح خلق الله مع الملائكة لا تراهم الملائكة كما لا ~~ترون أنتم الملائكة. # - ثم قال: { فاصبر صبرا جميلا }. # أي: فاصبر يا محمد على أذاء هؤلاء المشركين لك، ولا يمنعك ما تلقى منهم ~~من المكروه من تبليغ ما أمرك الله (به) من الرسالة (إليهم). # ومعنى { جميلا }: أي: لا حرج فيه، قال ابن زيد: هذا ms2671 منسوخ، إنما كان ~~قبل الأمر بالقتال، ثم أمر بالقتال والغلظة (عليهم) والشدة، وقيل: هو ~~محكم؛ لأن النبي عليه السلام لم يزل صابرا عليهم محتملا. ويقال: الصبر ~~الجميل في المصائب ألا يعرف صاحب المصيبة بين جماعته [لتجلده] في صبره ~~/ [واحتسابه]. # - ثم قال: { إنهم يرونه بعيدا * ونراه قريبا }. # (أي): إن هؤلاء [المشركين] - الذين سألوا العذاب الواقع عليهم - يرون ~~وقوع العذاب عليهم بعيدا إذ لا يصدقون به، ونحن نراه قريبا؛ لأنه كائن ~~لا بد منه، وكل ما هو كائن فهو قريب. ### || [70.8-28] # - قوله تعالى: { يوم تكون السمآء كالمهل } ، إلى قوله: { ~~غير مأمون }. # أي: ونرى العذاب قريبا (في) يوم تكون (فيه) السماء كالمهل. وقيل: ~~التقدير: يبصرونهم يوم [تكون]. وقيل: التقدير: احذروا يوم تكون السماء ~~كالمهل، قال مجاهد: " كعكر الزيت ". وقال قتادة: تحول لونا آخر إلى ~~الخضرة، وقد تقدم ذكر " المهل " بأشبع من هذا. # ثم قال: { وتكون الجبال كالعهن }. # قال مجاهد: كالصوف. وهو جمع " عهنة " ، وأهل اللغة على أنه لا يقال ~~(للصوف) " عهن " حتى يكون مصبوغا. # - ثم قال: { ولا يسأل حميم حميما }. # أي: ولا يسأل قريب ولا صديق عن قريبه ولا عن صديقه لشغله بنفسه. # ومعنى { يبصرونهم... }. # أي: يبصر كل إنسان قرينه فيعرفه. قال ابن عباس: يعرف بعضهم ~~بعضا، ويتعارفون، ثم يفر بعضهم [من] بعضهم، بعد ذلك، يقول الله: # لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه # [عبس: 37]، وهو قول قتادة. فالهاء والميم - على هذا - للأقرباء، والضمير ~~في [يبصرون] للكفار، فالهاء والميم للأقرباء، أي: يبصر الله الكفار ~~أقرباءهم في القيامة ويعرفهم بهم، فهو تأويل موافق لصدر الآية؛ لأنه قد ~~ذكر القريب وقريبه، وهذا مثل قوله: # يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه # [عبس: 34-35] الآية. وقال مجاهد: معناه: يبصر الله المؤمنين الكفار في ~~القيامة. فيكون الضمير في " يبصرون " للمؤمنين، والهاء والميم ~~للكفار. وقال ابن زيد: معناه: يبصر الله الكفار الذين أضلوهم في الدنيا ~~في النار. فيكون الضمير في { يبصرونهم } للكفار التابعين، والهاء ~~والميم للمتبوعين. # وقد روي عن ابن كثير وأبي جعفر يزيد وشيبة: أنهم قرأوا: " ولا ~~يسأل ms2672 حميم " على ما لم يسم فاعله. ومعناه: لا يقال لقريب: أين ~~قريبك؟، (أي): لا يطلب بعضهم ببعض. ويجوز أن يكون معناه: ولا يسأل ~~إنسان عن ذنب قريبه، مثل قوله: # ولا تزر وازرة وزر أخرى # [الأنعام: 164]. # - ثم قال { يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ~~ببنيه }. # (أي: يتمنى الكافر يوم القيامة لو يفتدي من العذاب ببنيه). # { وصاحبته... } وهي زوجته، { (وأخيه) } { وفصيلته... ~~}: عشيرته، { التي تؤويه } أي: التي تضمه إلى رحلها ومنزلها ~~لقرابة ما بينها وبينه. # - ثم قال: { ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه }. # أي: ويود لو يفتدي بمن في الأرض جميعا ثم ينجيه ذلك من عذاب الله، أي: ~~لو وجد إلى ذلك سبيلا من عظيم ما نزل به لفعله. # وجواب " لو " قوله: { ثم ينجيه } ، وقيل " ثم " بمعنى الفاء ~~أي: فينجيه ذلك، فهو مثل قوله # لو تدهن فيدهنون # [القلم: 9] الفاء جواب " لو ". # قال قتادة: { وفصيلته التي تؤويه } " الأحب فالأحب، ~~والأقرب فالأقرب من أهله وعشيرته. # .. ". قال الخليل: الفصيلة فخذ الرجل من قومه. وقال مجاهد: فصيلته: " ~~قبيلته ". وقال ابن زيد: " عشيرته ". وفاعل " ينجيه " محذوف، ~~والتقدير: ثم ينجيه ذلك الافتداء، ودل " يفتدي " على الافتداء. # " قالت سودة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يحشر الناس حفاة عراة ~~غرلا حتى ألجمهم العرق وبلغ شحم الآذان. قالت: (قلت): واسوءتاه يا رسول ~~الله، أينظر بعضنا إلى بعض؟! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: شغل ~~الناس { لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه } ". # - ثم قال تعالى: { كلا إنها لظى * نزاعة للشوى }. # أي: ليس الأمر على ما يتمنون، ولا يفيدهم (من عذاب الله شيء. ثم ابتدأ ~~بالإخبار عما أعد لهم من العذاب فقال: { إنها) لظى } ، و " لظى ~~" اسم من أسماء جهنم، ولذلك لم تنصرف. ومعنى: " نزاعة للشوى ": تنزع ~~جلدة الرأس وأطراف البدن. # والشوى جمع: شواة، وهي الأطراف. قال ابن عباس: { نزا(عة) ~~للشوى } أي " تنزع أم الرأس ". وعنه: يعني " الجلود والهام ". وقال ~~مجاهد: " [لجلود] الرأس ". وعنه: تنزع اللحم دون العظم. وقال أبو صالح: { ~~للشوى }: " للحم الساقين ". [وقاله] مجاهد أيضا. وقال الحسن: { ~~للشوى ms2673 }: " للهام، / تحرق كل شيء منه ويبقى فؤاده نضيجا ". وقال ~~الضحاك: { للشوى }: " تبدي اللحم والجلد عن العظم حتى لا تترك منه ~~شيئا ". وقال ابن زيد: الشوى: " الأراب العظام، قال: تقطع عظامهم كما ~~ترى ثم تحرق خلقهم وتبدل جلودهم ". قال ابن جبير: { للشوى } " ~~للعصب والعقب ". وعن مجاهد أيضا: { للشوى }: للجلد. وعنه: ~~للأطراف. وقال ثابت البناني: للشوى: لمكارم وجه ابن آدم. # - ثم قال تعالى: { تدعوا من أدبر وتولى }. # أي: تدعو لظى إلى نفسها من أدبر عن طاعة الله وتولى عن الإيمان بالله ~~وبكتبه ورسله، هذا معنى قول قتادة. قال ابن زيد: ليس لها سلطان (إلا ~~على من أدبر وتولى [وكفر وتولى]، فأما من آمن بالله ورسوله فليس له عليه ~~سلطان). قال الخليل بن أحمد " ليس دعاؤها كالدعاء: " تعالوا " و " هلم ". ~~ولكن دعوتها [إياهم] ما تفعل بهم من الأفاعيل، يعنى نار جهنم نعوذ بالله ~~منها. # وقيل: معنى " تدعو " تريد وتطلب، كما قال: # ولهم ما يدعون # [يس: 57] أي: يريدون ويطلبون، فهو " يفتعل " من الدعاء. # ويقال: تداعت الحيطان إذا انقاضت. وتداعى عليه العدو: إذا أتى من كل ~~جانب. وتداعت القبائل على بني فلان، إذا أقبلوا لحربهم. [ودواعي] الدهر: ~~صروفه. # - وقوله: { وجمع فأوعى }. # أي: وتدعو من جمع مالا فجعله في وعائه ومنع حق الله منه. ومعنى " أوعى ~~": أحاط بمنع المال وحفظه، ومنه: وعيت العلم، وأذن واعية. # - ثم قال: { إن الإنسان خلق هلوعا }. # الهلوع - عند أهل اللغة -: الجزوع، وهو هنا الذي يستعمل في حال الفقر من ~~الجزع ما لا يجب أن يستعمله، وفي الغنى ما لا ينبغي أن يستعمله من منع ~~الحق الواجب فيه وقلة الشكر. وقيل: الهلع شدة الجزع مع شدة الحرص والضجر. ~~وقد فسر الله جل ذكره لنا الهلوع من هو فقال: { إذا مسه الشر ~~جزوعا * وإذا مسه الخير منوعا }. # وعن ابن عباس: الهلوع الجزوع: الحريص، وهذا كله في الكفار. قال الضحاك { ~~إن الإنسان } يعني الكافر { خلق هلوعا } أي: بخيلا فهو منوع ~~للخير جزوع إذا نزل به البلاء. قال ابن جبير: { هلوعا } " شحيحا، ~~جزوعا ". وقال عكرمة: ms2674 ضجورا. وقال قتادة وابن زيد: الهلوع: الجزوع. # - وقوله { إذا مسه الشر جزوعا } أي: إذا قل ماله وناله ~~الفقر والعدم فهو جزوع من ذلك لا صبر له عليه. # { وإذا مسه الخير منوعا } أي: إذا كثر ماله فهو بخيل بما ~~في يديه لا ينفقه في طاعة الله ولا يؤدي منه حق الله. # - ثم قال تعالى ذكره: { إلا المصلين }. # (أي): إلا الذين يطيعون الله بأداء فرائضه، [فليسوا] بداخلين في عدد من ~~خلق هلوعا وهو [كافر] بربه. وذكر بعض العلماء أن المصلين هنا الذين ~~كانوا مع رسول الله، وهو قول ابن زيد. # وقال غيره: هي في كل من صلى الخمس: قال النخعي { الذين هم على ~~صلاتهم دآئمون } عني به الصلوات الخمس. وقال [عقبة بن عامر] { ~~دآئمون } لا يلتفتون في صلاتهم خلفهم ولا عن أيمانهم ولا عن شمائلهم. # - ثم قال: { والذين في أمولهم حق معلوم }. # أي: موقت، وهو الزكاة { للسآئل } [أي] للذي يسأل { والمحروم ~~} الذي حرم الغنى وهو فقير لا يسأل. قال قتادة: الحق المعلوم: " الزكاة ~~المفروضة ". وعن ابن عباس أنه حق آخر غير الزكاة. وسئل ابن عمر عن ~~الحق المعلوم أهو الزكاة؟ فقال: " إن عليك حقوقا سوى ذلك ". وقال ~~الشعبي: " إن في المال حقا سوى الزكاة " ، وهو قول مجاهد. وهذا إنما هو ~~على الندب والترغيب لا على الفرض؛ لأن المسلمين قد أجمعوا (على) ألا فرض ~~في المال سوى الزكاة المعلومة، وقد تقدم (ذكر) اختلافهم في المحروم في " ~~والذاريات " وأضفنا الأقوال إلى أصحابها، ونحن نذكره هنا مجملا: # قيل: هو المحارف الذي لا سهم له في الإسلام. وقيل: هو الذي لا سهم له ~~(في) الغنيمة. # وقيل: هو الذي لا ينمى له مال. وقيل: هو الذي اجتيح ماله. وقيل: هو ~~المصاب بزرعه. # وقيل: هو " المتعفف ". # - ثم قال: { والذين يصدقون بيوم الدين }. # أي: يؤمنون بالبعث والجزاء والجنة والنار. # { والذين هم من عذاب ربهم مشفقون }: # أي: هم وجلون في الدنيا خوفا (أن) يعذبهم ربهم في الآخرة، فهم من ~~[خوفه] لا يضيعون فرائضه ولا يتعدون إلى ما حرم عليهم. # - ثم ms2675 قال تعالى: { إن عذاب ربهم غير مأمون }: # أي: لا يؤمن منه من عصى ربه. والوقف على " لظى " جائز حسن في قراءة ~~من رفع " نزاعة " ، على تقدير: هي نزاعة. # ومن جعل { لظى * (نزاعة) } بدلا من اسم " إن " وجعل " ~~نزاعة " " خبر " إن لم يقف على " لظى ". # وكذلك إن رفع { نزاعة } على البدل من { لظى } أو على أنها خبر ~~بعد خبر، وكذلك إن جعل الضمير في " إنها " للقصة لم يقف على " لظى " ~~، / لأن " نزاعة " خبر " لظى ". # فإن نصبت " نزاعة " فعلى الحال من " لظى "؛ لأنها معرفة. [ولا] ~~يوقف أيضا - على هذا القول - على " لظى ". # وقد رد المبرد النصب ومنع جوازه، [قال]: لأنه لا يجوز أن تكون لظى إلا ~~نزاعة للشوى، وليس كذا سبيل الحال. ### || [70.29-44] # - قوله تعالى: { والذين هم لفروجهم حافظون } إلى آخر ~~السورة. # أي: وإلا الذين [يحفظون] فروجهم فلا يطئون إلا أزواجهم أو مملوكاتهم فلا ~~لوم عليهم في ذلك. # - ثم قال تعالى: { فمن ابتغى ورآء ذلك... }. # أي: فمن التمس لفرجه منكحا سوى زوجته ومملوكته فهو متعد إلى ما حرم ~~الله عليه، ملوم على فعله. # - ثم قال { والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون }. # أي: وإلا الذين يحافظون على أداء أماناتهم من فروضهم - التي ألزمهم الله ~~إياها - وأمانات عباده التي ائتمنوهم عليها، والوفاء بعهودهم التي ~~أخذها الله عليهم، وعهود عباده عندهم. # - ثم قال { والذين هم بشهاداتهم قائمون }. # أي: وإلا الذين هم لا يكتمون ما أشهدوا عليه، ولكن يؤدونه حيث يلزمهم ~~أداؤه غير مبدلين ولا مغيرين. # - ثم قال: { والذين هم على صلاتهم يحافظون }. # أي: وإلا الذين يحافظون على أداء صلواتهم بفروضها في أوقاتها، بحدودها ~~لا يضيعون شيئا من ذلك ثم أخبر عن مصير هؤلاء الذين تقدمت صفتهم في ~~الاستثناء من الإنسان الهلوع فقال: # { أولئك في جنات مكرمون }. # أي: الذين تقدمت صفتهم - من قوله: " إلا المصلين " - في بساتين ~~يكرمهم الله بكرامته. # ثم قال تعالى: { فمال الذين كفروا قبلك مهطعين }. # أي: فما شأن الذين كفروا نحوك عامدين: قال قتادة: { مهطعين } " ~~عامدين ". وقال ابن زيد: المهطع " الذي [لا يطرف " ]. وقال ms2676 الحسن: { ~~مهطعين }: " منطلقين ". وقال أبو عبيدة: مسرعين. فالمعنى: فما شأن ~~الذين كفروا مسرعين بالتكذيب لك. وقيل: بالاستماع منك، ليعيبوك. # - ثم قال { عن اليمين وعن الشمال عزين }. # روي عن ابن عباس (أنه قال): [العزون]: العصب من الناس عن يمين وشمال ~~معرضين عن محمد يستهزئون به. وقال مجاهد (عزين: مجالس مجالس). قال قتادة: ~~{ مهطعين } عامدين، { عزين } فرق حول رسول الله لا يرغبون في ~~كتاب الله ولا في نبيه. وقال الضحاك: عزين: (حلقا) وفرقا. قال ابن زيد: ~~عزين: مجالس. # ومعنى { عن اليمين وعن الشمال } أي: عن يمينك وشمالك ~~جماعات متفرقة في أديانهم مخالفين للإسلام. وقال الطبري: { عزين } ~~متفرقين حلقا حلقا ومجالس مجالس، [جماعة جماعة] متفرقين عنك وعن كتاب ~~الله. # - ثم قال { أيطمع كل امرىء منهم أن يدخل جنة ~~نعيم * كلا... }. # [أي]: أيطمع كل إنسان منهم أن ينجو من عذاب الله فيدخل الجنة التي ينعم ~~من دخلها؟! لا يكون ذلك. # - ثم قال: { إنا خلقناهم مما يعلمون }. # أي: من مني حقير لا يستوجب (به) دخول الجنة، إنما يستوجب دخولها ~~بالطاعة لله. قال قتادة: { مما يعلمون } من مني قذر، فاتق ~~الله يا ابن آدم. # وقيل: هو إشارة إلى إعلامهم أنهم كسائر الخلق ليس لهم فضل بأن يؤتى كل ~~أحد منهم ما يريد من دخول الله، بل حكم جميع الخلق ألا يدخل أحد الجنة ~~إلا بالإيمان والعمل الصالح، وأنتم أيها المخاطبون مثل جميع الخلق خلقتم ~~من نطفة. # - ثم قال تعالى { فلآ أقسم برب المشرق والمغرب ~~إنا لقدرون * على أن نبدل خيرا منهم }. # " لا " زائدة، والتقدير: [أقسم برب: مشارق الشمس] وهي ثلاثمائة وستون، ~~وبرب مغاربها، وهي ثلاثمائة وستون. # - { إنا لقدرون }. # على أن نخلق خيرا من هؤلاء المشركين ونهلكهم. # - { وما نحن بمسبوقين }: # أي ما يفوتنا أحد نريد هلاكه ولا أمر نريد إتمامه. # قال ابن عباس: " (إن) الشمس تطلع كل سنة في ثلاثمائة وستين كوة، تطلع ~~كل يوم في كوة لا ترجع إلى تلك الكوة إلى ذلك اليوم من العام المقبل، ولا ~~تطلع إلا وهي كارهة، [تقول]: يا رب، لا ms2677 تطلعني على عبادك، فإني أراهم ~~يعصونك ويعملون بمعاصيك ". وعن ابن عباس أيضا في قوله: { فلآ أقسم ~~برب المشرق والمغرب } أنه قال: " هو مطلع الشمس ومغربها ~~ومطلع القمر ومغربه ". # - ثم قال تعالى: { فذرهم (يخوضوا ويلعبوا) حتى ~~يلقوا يومهم الذي يوعدون }. # هذا تهدد ووعيد لكفار قريش ومن كان على دينهم. أي: دع يا محمد هؤلاء ~~المشركين - المهطعين / عن اليمين وعن الشمال عزين - يخوضوا في [باطلهم] ~~ويلعبوا في هذه الدنيا حتى يلاقوا يوم القيامة الذي وعدوا به. # ثم بين [يومهم] الذي يوعدون فقال: { يوم يخرجون من ~~الأجداث سراعا... } ، فهو يوم بدل من " يوم " الأول. فالمعنى ~~[فذرهم] يا محمد حتى يلاقوا يوم يخرجون من القبور مسرعين إلى ~~الداعي. # - { كأنهم إلى نصب يوفضون }. # أي: كأنهم إلى علم قد نصب لهم يستبقون، [و " نصب " مصدر: نصبت ~~الشيء] نصبا فتأويله كأنهم إلى صنم منصوب (لهم) يسرعون ذليلين. وروي ~~عن عاصم أنه [قرأ: { نصب } ] بضم النون والصاد، جعله [واحدا لأنصاب]، ~~وهي آلهتهم التي كانوا يعبدون، كطنب وأطناب. وقيل: هو جمع نصب، ~~والنصب: الصنم الذي ينصب لهم فيكون كرهن ورهن، وهو قول أبي ~~عبيدة. وقيل: هو جمع نصاب، والنصاب الحجر أو الضم ينصب فيذبح عنده. وقرأ ~~قتادة: { نصب } بضم النون وإسكان الصاد فهو مخفف من " نصب ". # وقد قيل: إن نصبا ونصبا ثلاث لغات بمعنى، كما يقال عمرو ~~وعمرو وعمرو. فأما قوله تعالى # وما ذبح على النصب # [المائدة: 3] فهو جمع نصاب عند كل العلماء، وهو الذي ينصب ليذبحوا ~~لآلهتهم عنده وقد مضى ذكره. قال: أبو العالية { إلى نصب يوفضون ~~} أي: كأنهم إلى غايات يستبقون. وقال ابن عباس: إلى غايات يسعون. وقال ~~الضحاك: إلى ( " علم ينطلقون " ). # وقال ابن زيد: [ { إلى نصب } ]: النصب حجارة طوال يعبدونها ~~يسمونها نصبا، قال: و { يوفضون }: يسرعون إليه. # وقال الحسن: { (كأنهم) إلى نصب يوفضون } أي: يبتدرون ~~نصبهم أيهم يستلمه أول، قال: وذلك إذا طلعت الشمس لا يلوي أولهم على ~~آخرهم. # - وقوله: { خشعة أبصرهم... }. # أي: خاضعة ذليلة لما نزل بهم من الخزي والهوان. # - { ترهقهم ذلة... }. # أي: تغشاهم ذلة. ms2678 والعامل في " خاشعة " " يخرجون " أو " ترهقهم " ، # - ثم قال تعالى: { ذلك اليوم (الذي) كانوا يوعدون }. # أي: هذا اليوم الذي تقدمت صفته هو اليوم الذي كانوا يوعدون به في الدنيا ~~فلا يصدقون به. ### | [71 - سورة نوح] ### || [71.1-4] # - قوله تعالى { إنآ أرسلنا نوحا (إلى قومه) } ، إلى ~~قوله: { لو كنتم تعلمون }. # أي: أرسلنا نوحا منذرا قومه عذاب الله الأليم. # قيل: هو الطوفان. # وقيل: هو عذاب جهنم. # ويروى أن نوحا عليه السلام أرسل إلى قومه وهو ابن مائتي سنة وخمسين ~~سنة، فلبث فيهم يدعوهم إلى الله وإلى عبادته ألف سنة إلا خمسين سنة كما ~~أعلمنا الله عنه، ثم دعا قومه فبلغه الله أمله (فيهم) فغرق بهم كما ~~أعلمنا الله عنه. ثم عاش بعد الغرق مائتي سنة وخمسين سنة فكان عمره ألف ~~سنة وأربع مائة سنة وخمسين سنة، فلما احتضر قال له ملك الموت: يا أطول ~~الأنبياء عمرا وأكثرهم عملا، كيف وجدت الدنيا؟ قال: كبيت له بابان، ~~دخلت من باب وخرجت من باب. # - ثم قال تعالى { [قال] يقوم إني لكم نذير مبين }. # أي: " نذير " أنذركم عقاب الله فاحذروه أن ينزل بكم على كفركم، " ~~مبين ": أي قد بينت لكم إنذاري إياكم. # - ثم قال: { أن اعبدوا الله واتقوه... }. # (أي: مبين بأن اعبدوا الله، لا تعبدوا غيره،) واتقوه فيما أمركم به. # - { وأطيعون }. # أي: انتهوا إلى ما أمركم به، واقبلوا نصيحتي لكم. # قال قتادة: " أرسل الله عز وجل المرسلين بأن [يعبد] الله وحده وأن ~~[تتقى] محارمه، وأن يطاع أمره ". # - ثم قال تعالى: { يغفر لكم من ذنوبكم }. # أي: يسترها عليكم، فلا يعاقبكم بها إن أطعتموني. # و " من " بمعنى " عن " أي: يغفر لكم (عن) ذنوبكم، كما تقول: وجع ~~بطني من الطعام، أي: عن الطعام. وإذا كانت [ " من " ] بمعنى " عن " لم ~~تدل [على] التبعيض، وقيل: " من " للتبعيض والمعنى: يغفر لكم منها ما ~~وعدكم العقوبة عليه وهو معظمها، وهو الشرك به، ولا يحسن أن تكون " من " ~~زائدة؛ لأنها لا تزاد في الإيجاب. # ولا يجوز أن تكون لبيان الجنس؛ لأنه لم يتقدم جنس فتبينه بما ms2679 بعده. # - ثم قال تعالى: { ويؤخركم إلى أجل مسمى... }. # أي: ويؤخركم فلا يعذبكم في الدنيا إلى أن تبلغوا آجالكم المكتوبة لكم في ~~أم الكتاب. # قال مجاهد: { إلى أجل مسمى }. إلى ما قد خط من الأجل، فإذا ~~جاء أجل الله لا يؤخر عن ميقاته، وهو قوله. # - { إن أجل الله إذا جآء لا يؤخر لو كنتم ~~تعلمون }. # (أي): لو كنتم تعلمون لأنبتم. # وقال الفراء: إلى أجل مسمى [عندكم] فلا يلحقكم فيه غرق ولا عذاب. # وقيل: إنهم كان لهم أجلان: أجل للعذاب إن تمادوا على كفرهم / وأجل لقبض ~~أرواحهم (إن آمنوا)، فقال لهم نوح: { ويؤخركم إلى أجل ~~مسمى } وهو الآخر من الأجلين إن آمنوا. ثم قال: { إن أجل ~~الله إذا جآء لا يؤخر } أي: إن الأجل الأول إذا جاء وأنتم ~~كفار لا يؤخر، وهو الغرق، وإن حضر الثاني وأنتم مؤمنون لم يؤخر. ### || [71.5-24] # - قوله تعالى: { قال رب إني دعوت قومي (ليلا ~~ونهارا)... } ، إلى قوله: { إلا ضلالا }. # أي: قال نوح لما بلغ رسالة ربه قومه فعصوه: يا رب إني دعوت قومي إلى ~~توحيدك ليلا ونهارا وحذرتهم عقابك على كفرهم بك فلم يزدهم دعائي (لهم) ~~إلا إدبارا عن قبول ما جئتهم به. قال قتادة: بلغنا أنهم كانوا يذهب ~~الرجل منهم بابنه إلى نوح فيقول لابنه: احذر هذا [لا يغويك] فإن أبي قد ~~ذهب بي إليه وأنا مثلك فحذرني كما حذرتك. # من رواية ابن شعبان عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " يجمع الله الأولين، والآخرين، وينزل الله في ظلل من ~~الغمام فيكون أول من يقضي له نوح وقومه، يقول الله ~~لقوم نوح: ماذا أجبتم المرسلين؟ قال: فيقول نوح: أي رب، ~~بلغتهم رسالتك ودعوتهم ليلا ونهارا فكذبوني واتهموني، ~~فيقول الله لقوم نوح: ماذا تقولون؟ فيقولون: ربنا ما بلغنا ~~الرسالة، وقد كان فينا حتى خلت قرون (بعد قرون)، وقد كتم ~~الرسالة فلم يدعنا ولم ينذرنا، فيقول الله لنوح: ماذا تقول؟ ~~فيقول: رب، لي بينة، فيقول الله: إيت ببينتك. قال ms2680 النبي ~~صلى الله عليه وسلم: فيأتي نوح فيقول: يا محمد، أسألك الشهادة، ~~فإن قومي قد كذبوني عند ربي وجحدوا، قال النبي عليه ~~السلام: فأبعث معه رهطا من أمتي يشهدون له. قال: فينطلق ~~الرهط حتى يقفوا على الرب، فيقول الله لهم: بم تشهدون؟ ~~فيقولون: نشهد أن نوحا قد بلغ قومه ودعاهم ليلا ~~ونهارا وسرا وعلانية فكذبوه واستغشوا ثيابهم ~~وأصروا واستكبروا. # فيقول الله لقوم نوح: ما تقولون؟ (فيقولون): ربنا، كيف يقبلون علينا ~~ونحن أول الأمم وهم آخر الأمم؟ فيقول الله للرهط: ~~أجيبوهم، فيقول (الرهط): ربنا، بعثت إلينا رسولا من أنفسنا ~~فآمنا به وصدقنا ما أنزلت عليه من الكتاب، فكان فيما ~~أنزلت عليه أنك أرسلت نوحا إلى قومه فبلغهم الرسالة ~~ودعاهم ليلا ونهارا وسرا وعلانية فكذبوه، قال: فيقرأون سورة ~~" نوح " ، فيقول قوم نوح: خصمنا فقوموا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~فما من نبي يكذبه قومه إلا يأتينا، فأبعث معه رهطا ~~من أمتي يشهدون له وأنا عليهم [شهيد] ". # - ثم قال: { وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم ~~جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ~~ثيابهم... }. # أي: وإني كلما دعوتهم إلى طاعتك والعمل بمرضاتك لتغفر لهم إذا فعلوا ~~ذلك، أدخلوا أصابعهم في آذانهم لئلا يسمعوا دعائي (إياهم إلى ذلك، ~~واستغشوا، أي تغطوا بها لئلا يسمع دعائي). # - ثم قال { وأصروا واستكبروا (استكبارا) }: # أي: أصروا على كفرهم، أي: تمادوا عليه، واستكبروا عن قبول ما جئتهم به ~~من الحق وقبول الإيمان. # - ثم قال: { ثم إني دعوتهم جهارا * ثم إني ~~أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا }. # أي: ثم إني دعوتهم إلى ما أمرتني به من عبادتك دعاء ظاهرا غير ~~خفي. # قال مجاهد: الجهار: الكلام المعلن (به) ". # { ثم إني أعلنت } أي صرخت وصحت بالذي أمرتني به من ~~الإنذار. # قال مجاهد: أعلنت: " صحت بهم " ، وأسررت لهم (أي): قلت ~~لهم ذلك فيما بيني وبينهم. # - { فقلت استغفروا ربكم... }. # أي: سلوا ربكم المغفرة عن ذنوبكم وتوبوا إليه من كفركم يغفر لكم ذنوبكم. # - { إنه كان غفارا }. # أي: لم يزل غفارا لمن تاب إليه واستغفره. # - ثم قال: { يرسل السمآء عليكم ms2681 مدرارا }. # أي: إن تبتم واستغفرتم من ذنوبكم أرسل السماء عليكم بالمطر متتابعا. # وكان عمر رضي الله عنه إذا [استسقى] ما يزيد على الاستغفار، وسئل عن ذلك ~~فقرأ هذه الآية، وقرأ الآية في هود في قصة هود: # ويقوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه # [هود: 52] الآية. # - ثم قال: { ما لكم لا ترجون لله وقارا }. # (أي: ما لكم لا ترون لله عظمة، ذكر ذلك عن ابن عباس، وهو قول مجاهد. وعن ~~ابن عباس أيضا أن معناه: " ما لكم لا تعظمون الله حق عظمته ". # وقال قتادة: معناه: " { ما لكم لا ترجون لله } عاقبة ". # وقال ابن زيد: معناه: ما لكم لا ترون لله طاعة. # وقال الحسن: معناه ما لكم لا تعرفون لله حقا ولا تشكرون له نعمة. و " ~~ترجون " هنا - في أكثر الأقوال - / بمعنى: تخافون. # - ثم قال: { وقد خلقكم أطوارا }. # أي: خلقكم نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم ثم، وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة ~~والضحاك، إلا أنهم اختلفوا في الترتيب، فمنهم من بدأ بالتراب ثم النطفة ~~حتى بلغ (تمام الخلق. ومنهم من بدأ بالنطفة حتى بلغ) نبات الشعر وحتى بلغ ~~اللحم. # وقيل: معناه: وقد خلقكم مختلفين المناظر والألوان والكلام والصور ~~[والعمر] والهمم وغير ذلك. # وقيل: هو الصحة والسقم، من قولهم: جاز فلان طوره، أي: خالف ما يجب أن ~~يستعمله. # والطور في اللغة: المرة. # فالمعنى: وقد خلقكم مرارا، أي خلقكم ترابا، ثم نقلكم إلى النطفة [ثم ~~إلى العلقة] ثم إلى المضغة، ثم عظاما، ثم يكسو العظام اللحم، ثم أنبت ~~الشعر، ثم أخرجه طفلا، ثم صبيا، ثم بالغا، ثم حدثا، ثم رجلا، ثم ~~كهلا، ثم شيخا. # - ثم قال تعالى: { ألم تروا كيف خلق الله سبع ~~سموت طباقا }. # أي: وقال نوح لقومه: ألم تروا كيف خلق الله فوقكم سبع سماوات طبقا فوق ~~طبق، فيدلكم ذلك من قدرته على وحدانيته وتعتبروا وتزدجروا عن كفركم. # والطباق مصدر من قولهم: [طابقه] (مطابقة) وطباقا. # فالمعنى: ألم تروا كيف خلق الله سماء فوق سماء مطابقة؟!. ويجوز أن يكون ~~" طباقا " [نعتا] ل " سبع ms2682 " ، جمع طبق. # ومعنى ألم تروا كيف [خلق الله]: [اعلموا] أن الله خلق ذلك. ولو كان ~~على غير الأمر، معناه لقالوا ما نرى إلا واحدة، ولكن معناه الأمر كما ~~تقول: غفر الله لك، اللهم اغفر له، لأنك لست تخبره عن أمر [علمته]، إنما ~~هو دعاء يتمنى كونه له. # ومن هذا قول الرجل [للرجل] ألم تر أني لقيت زيدا فقلت له كذا ~~وقال لي كذا؟. معناه: اعلم أني لقيت زيدا فكان من أمره وأمري كذا وكذا. # ومثله: # ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل # [الفيل:1]. # وقيل: معناه: ألم يبلغكم كيف خلق الله سبع (سماوات) طباقا فتتعظوا ~~وتزدجروا؟ وكذلك معنى الآية الأخرى: ألم يبلغك يا محمد كيف فعل ربك ~~بأصحاب الفيل، ولم أوح إليك كيف فعلت بهم؟ # - ثم قال { وجعل القمر فيهن نورا... }. # أي: في السماوات، قال المفسرون: بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام. ~~فقال السائل: نحن نرى الغيم يكون دون القمر فلا نرى نورا، فكيف تضيء ~~السماوات كلها بالقمر على تفاوت ما بينها، وستر بعضها بعضا؟، فقيل في ~~ذلك: إن هذا الكلام [مجاز]، إنما قال: " فيهن " ، [يريد]: في بعضهن، كما ~~تقول العرب: أتيت بني تميم، وإنما أتى بعضهم، [وتقول]: في هذه الدور ~~وليمة، وإنما هي في واحدة منهن. # وتقول: قدم فلان في شهر كذا، وإنما قدم في يوم منه. فلذلك أخبر بالقمر ~~أنه في سبع سماوات وإنما هو في واحدة. # وقيل معناه: وجعل القمر معهن نورا، أي: خلقه نورا مع خلقه للسماوات ~~فيكون مثل: # ادخلوا في أمم # [الأعراف: 38]. # وقال ابن كيسان: إذا جعله في إحداهن فقد جعله فيهن، كما تقول: أعطني ~~من الثياب [المعلمة]، وإن كنت إنما أعلمت أحدها. وقد قال ابن عمر: إن ~~الشمس والقمر وجوههما في السماء وأقفاؤهما في الأرض. # وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: إن ضوء الشمس والقمر ونورهما في ~~السماء، وقرأ: { ألم تروا كيف... } الآية. # وقيل: التقدير: وجعل القمر نورا، ثم قال: " فيهن " بعدما مضى الكلام. ~~وسأل عبد الله بن عمر رجل فقال له: ما ms2683 بال الشمس تصلانا أحيانا وتبرد ~~أحيانا؟ فقال: أما في الشتاء فهي في السماء السابعة تحت عرش الرحمن، ~~وأما في الصيف فهي في السماء الخامسة، قيل له: ما كنا نظن إلا أنها في ~~هذه السماء. قال: لو كان ذلك ما قام لها شيء إلا أحرقته. # - ثم قال: { والله أنبتكم من الأرض نباتا }. # أي: أنبتكم من تراب فخلقكم منه فنبتم نباتا، يعني آدم أبا الخلق ~~خلقه من تراب الأرض. # - { ثم يعيدكم فيها. # .. }. # أي: في الأرض فتصيرون ترابا. # - { [ويخرجكم]... }. # منها إلى البعث. # - ثم قال: { والله جعل لكم الأرض بساطا }. # [هذا] كله [إخبار] من الله جل ذكره لنا عن قول نوح لقومه ووعظه لهم ~~وتنبيهه لهم على آيات الله ونعمه عندهم. # فالمعنى: جعل لكم الأرض بساطا لتستقروا عليها، { لتسلكوا ~~منها سبلا فجاجا }. # أي: طرقا واسعة. # وقال ابن عباس: { سبلا فجاجا } ، أي: " طرقا مختلفة ". # - ثم (قال تعالى): { قال نوح رب إنهم عصوني ~~واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا }. # أي: قال نوح لما عصاه قومه: يا رب، إنهم عصوني فيما بلغتهم عنك فلم ~~يقبلوه واتبعوا أمر من لم يزده ماله وولده إلا خسارا، أي: اتبعوا في ~~معصيتهم إياي من كثر ماله وولده فلم يزده ذلك إلا بعدا منك - يا رب - ~~[وذهابا] عن سبيلك. # ومن قرأ " ولده " بالضم احتمل أن يكون / جمع " ولد " ، ك " وثن " ~~جمع " وثن " ، ويجوز أن يكون واحدا يراد به (غير) الولد: (وقد قال ~~مجاهد: ولده: زوجه وأهله)، وقال أبو عمرو: ولده: عشيرته وقومه. # وقال أكثر (أهل) اللغة: الولد والولد بمعنى واحد. # - ثم قال: { ومكروا مكرا كبارا }. # أي: كبيرا، يقال كبار وكبار بمعنى كبير، كما يقال: " أمر عجيب " ~~، وعجاب بمعنى واحد. ورجل حسان وحسان بمعنى. وجمال وجمال ~~بمعنى جميل. # قال مجاهد: { كبارا } " عظيما ". # - ثم قال: { وقالوا لا تذرن آلهتكم.. }. # أي: وقال بعضهم لبعض: لا تذرن عبادة آلهتكم [لقول] نوح { ولا ~~تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا }. # [ " هذه أسماء أصنام كانوا يعبدونها: أما ود، فكانت لكلب بدومة ~~الجندل، وأما سواع فكانت ms2684 لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف ~~(بالجرف) عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير، لآل ~~ذي الكلاع " ]. # قال محمد بن قيس: [هذه الأسماء] أسماء قوم صالحين بين آدم ونوح وكان لهم ~~تباع يقتدون بهم، فماتوا، فقال تباعهم: لو صورناهم كان أشرف لنا نتذكرهم ~~[فنفعل] مثل ما كانوا يفعلون، فصوروهم ثم ماتوا، وجاء آخرون فدب فيهم ~~الشيطان، فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم، فكان قوم ~~نوح يحض بعضهم بعضا على عبادتهم وترك قبول [قول] نوح. # وقيل: بل [كانوا أصناما] يعبدونها (من دون الله) قاله ابن عباس وغيره. # - ثم قال { وقد أضلوا كثيرا... }. # هذا إخبار عن قول نوح، أي وقد أضلت هذه الأصنام كثيرا من الخلق، أي ضل ~~بعبادتها كثير. # - ثم قال: { ولا تزد الظالمين إلا ضلالا }. # أي: لا توفقهم حتى يموتوا على ضلالتهم فكلما عاشوا ازدادوا إثما ~~وضلالا. ### || [71.25] # - قوله: { مما خطيئاتهم أغرقوا }. # أي: من عقوبة خطيئاتهم أغرقهم الله ثم أدخلهم النار، يعني قوم نوح. # - { فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا }. # أي: فلم يجدوا لأنفسهم ناصرين ينصرونهم من عذاب الله إذ جاءهم. و " ما " ~~زائدة للتوكيد. # وقال الفراء: { مما خطيئاتهم } معناه: من أجل خطيئاتهم، ف " ~~ما " أفادت هذا المعنى، قال: و " ما " تدل على المجازاة، ومنه قوله: حيث ~~ما تكن أكن. وقد قرأ أبو عمرو: " خطاياهم " ، جعله جمعا مكسرا، واختاره ~~لأنه مبني للتكثير، والمسلم الذي بالتاء: الأغلب في كلام العرب أن يكون ~~للقليل، وليس خطايا قوم كفروا ألف سنة بقليلة. # وعلة من قرأ بالجمع المسلم بالتاء أنه يقع للكثير كما يقع للقليل، ~~وتختص الكثرة إذا علم المعنى. وقد قال الله: # وهم في الغرفات آمنون # [سبأ: 37] وقال # لكلمات ربي # [الكهف: 109]، فهل هذا جمع قليل في قول أحد؟ بل هو كثير، إذ قد علم ~~المعنى، فكذلك ذاك، وقد قيل: إن الخطيئات جمع [خطايا] أيضا، فهو جمع ~~الجمع، وجمع الجمع بابه الكثير. ### || [71.26] # - قال: { وقال نوح رب لا تذر على الأرض من ~~الكافرين ديارا }: أي: لا ms2685 تدع على الأرض من يدور فيها ويحيى ~~منهم فيها، والمعنى: من الكافرين أحدا، يعني قومه وغيرهم، دعا عليهم لما ~~أوحى الله إليه # أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن # [هود: 36]، قاله قتادة وغيره. ### || [71.27] # - قال: { إنك إن تذرهم يضلوا عبادك... }. # أي: إنك يا رب إن تدع الكافرين على الأرض ولا تهلكهم / بعذاب من عندك، ~~يضلوا المؤمنين من عبادك فيصدونهم عن سبيلك. # ثم قال: { ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا }. # أي: وليس يلدون إلا فاجرا في دينك، كفارا لنعمتك. # والفاجر في اللغة: المائل عن الحق. ### || [71.28] # - قال: { رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي ~~مؤمنا.. }. # أي: اعف عني واستر علي ذنوبي وعلى والدي وعلى من دخل بيتي. # - أي: مسجدي - { مؤمنا }: أي: مصدقا بك. # قال الضحاك: { بيتي } " مسجدي ". # [وقرأ] ابن جبير: (والدي): يعني أباه. # وقرأ يحيى بن يعمر (ولوالدي) يعني ابنيه. # وقوله (وللمؤمنين والمؤمنات) أي: وللمصدقين بتوحيدك ورسلك وكتبك ~~والمصدقات. روى عكرمة أن ابن عباس قال: إني لأرجو أن يكون من استجاب لنوح ~~فأغرق بدعوته أهل الأرض جميعا أن يستجيب له في كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم ~~القيامة، يعني بدعائه هذا الذي حكاه الله لنا عنه في هذه السورة. # - ثم قال: { ولا تزد الظالمين إلا تبارا }. # أي: ولا تزد الظالمين أنفسهم بكفرهم بك إلا تبارا. قال مجاهد: تبارا: ~~خسارا. # وقال الفراء: تبارا: ضلالا. # وقيل: هلاكا. # ويروي عن سفيان بن عيينة أنه قال لرجل: طب نفسا فقد دعت لك الملائكة ~~نوح وإبراهيم ومحمد صلى الله عليه وسلم [ثم قرأ] # والملائكة يسبحون (بحمد ربهم) ويستغفرون ~~لمن في الأرض # [الشورى: 5] يعني من المؤمنين. # قال أبو محمد [مؤلفه رضي الله عنه]، وقد فسر الله هذا في آية أخرى، ~~فأخبر عن الملائكة أنهم يقولون: # فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم ~~عذاب الجحيم # [غافر: 7]. # قال سفيان: وقال ابراهيم: # ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم ~~الحساب # [إبراهيم: 41] وقال الله جل ذكره لمحمد صلى الله عليه وسلم # واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات # [محمد: 19]. قال أبو محمد: ولا نشك أن ms2686 النبي صلى الله عليه وسلم فعل ما ~~أمره الله به من الاستغفار للمؤمنين والمؤمنات، فهذا دعاء لا نشك إن شاء ~~الله - أن الله قد أجابه لنوح وإبراهيم ومحمد والملائكة، فمن مات على ~~الإيمان فهو داخل تحت هذه الدعوات المذكورات (إن شاء الله)، أماتنا الله ~~على الإيمان وختم لنا بخير. ### | [72 - سورة الجن] ### || [72.1-4] # - قوله: { قل أوحي إلي أنه استمع } ، إلى قوله: { ~~شططا }. # أي: قل يا محمد (لأمتك) أوحى الله إلي أنه استمع نفر من الجن القرآن ~~ومضوا إلى قومهم. # - { فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا * يهدي إلى ~~الرشد }. # أي: إلي ما فيه الرشد لمن قبله { فآمنا به.. } أي: فصدقنا به. # { ولن نشرك بربنآ أحدا }. # أي: ولا نجعل لربنا شريكا في عبادتنا إياه بل نعبده وحده. # قال ابن عباس: كان النبي صلى الله عليه وسلم بحراء يتلو القرآن ~~فمر به نفر من الجن فاستمعوا إلى قراءته وآمنوا به ~~ومضوا إلى قومهم منذرين، فقالوا ما حكى الله عنهم. # وروى جابر بن عبد الله، وابن عمر # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ عليهم سورة الرحمن، [فكلما] ~~قرأ عليهم { فبأي [آلاء ربكما تكذبان] } قالت ~~الجن: لا بشيء من إنعامك نكذب ربنا. ولما قرأها النبي على أصحابه، ~~قال: ما لي أراكم سكوتا، [للجن] كانوا أحسن منكم ردا ". # ومن فتح " أن " في { وأنه } وما بعدها عطفه على الهاء في " به " ~~فصدقنا به وصدقنا أنه تعالى وكذلك ما بعده. # وما لم يحسن فيه " صدقنا " " وآمنا " أضمر له فعل يليق بالمعنى نحو ~~قوله: { وأنا لما سمعنا الهدى } ، { وأنا ظننآ } ~~، { وأنه كان (رجال) } ، { وأنهم ظنوا } وشبهه، كأنه ~~أضمر " شهدنا " ، لأن التصديق شهادة، وأضمر [ألهمنا] ونحوه، فإن في ~~جميع ذلك في موضع نصب لأنه عطف على المعنى في: { فآمنا به } فأما ~~من كسر، فإنه ابتداء " إن " بعد القول في قوله: { إنا سمعنا } ثم ~~عطف (ما) بعدها عليها لأنه كله من قول الجن. # ومما يدل على قراءة الفتح دخول " أن " في قوله { وألو ~~استقاموا } ، لأن " أن " لا [تدخل] مع " لو " في ms2687 الحكاية فلما دخلت ~~أن مع " لو " علم أن ما قبلها وما بعدها لم يحمل على الحكاية أيضا، ~~وإذا لم يحمل على الحكاية لم يجب فيه الكسر، وإذا لم يكسر وجب فتحه. # ولا يحسن أن يعطف من فتح على { أنه (استمع } لأنه ليس كله ~~يحسن فيه ذلك المعنى. لو قلت " وأوحى إلي أنا ظننا " وأوحي إلي) أنه كان ~~(يقول سفيهنا) لم يحسن شيء من ذلك لأنه مما حكى الله جل ذكره لنا من قول ~~الجن، فلا يجوز أن يعطف كلام الجن على ما أوحي الى النبي صلى الله عليه ~~وسلم، لأنه ليس منه. وعلة من كسر الجميع وفتح { وأنه لما قام ~~عبد الله يدعوه } وهو [أبو عمرو] وابن كثير، لأنه ليس من قول ~~الجن فيحمل على الحكاية، فحمله على العطف على قوله: { أنه ~~استمع } ، فهو في موضع رفع عطف على المفعول الذي لم يسم فاعله وهو ~~{ أنه استمع }. # فأما علة (من) فتح " أن " في قوله { وألو استقاموا } وإجماعهم ~~على ذلك فلأنها بعد يمين مقدرة فانقطعت عن النسق، والتقدير: والله أن لو ~~استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا. # وكان سبب استماع الجن للقرآن (ما) قال ابن عباس، قال: # " انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم في طائفة من ~~أصحابه عامدين (سوق) عكاظ وقد حيل بين ~~الشياطين وبين خبر السماء، فأرسلت عليهم ~~الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا: حيل ~~بيننا وبين السماء، وأرسلت علينا الشهب، ~~فقالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا ~~شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها ~~تبتغون ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر ~~السماء. (فانصرف) أولئك النفر الذين توجهوا ~~نحو [تهامة] إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~بنخلة عامدا إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه ~~صلاة الفجر، / فلما سمعوا القرآن استمعوا له، ~~وقالوا: هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر ~~السماء. فهناك حين رجعوا إلى قومهم فقالوا: ~~إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا ~~به ولن نشرك بربنا (أحدا)، فأنزل الله جل ذكره ذلك على ~~نبيه ms2688 ". # قال زر: قدم رهط [زوبعة] وأصحابه إلى مكة على النبي صلى الله عليه ~~وسلم فسمعوا قراءته ثم انصرفوا فهو قوله: { وإذ صرفنآ إليك ~~نفرا من الجن يستمعون [القرآن }. قال]: وكانوا ~~تسعة، منهم [زوبعة]. # قال الضحاك: قوله { قل أوحي إلي أنه استمع نفر ~~من الجن } (هو قوله: { وإذ صرفنآ إليك نفرا من ~~الجن) } ثم ذكر من الخبر (نحو) ما تقدم. # والنفر في اللغة ثلاثة فأكثر. # - ثم قال: { وأنه تعالى جد ربنا (ما اتخذ)... }. # أي: (وآمنا أنه تعالى، على قراءة من فتح. # وعلى قراءة من كسر، فتقديره: وقالوا إنه { تعالى جد ربنا }: ~~أي) أمر ربنا وسلطانه وقدرته. # قال ابن عباس: { جد ربنا }: " فعله وأمره وقدرته ". وهو قول ~~قتادة والسدي وابن زيد. وقال عكرمة ومجاهد: { جد ربنا } جلاله ~~وعظمته. وقال الحسن { جد ربنا } " غنى ربنا ". # وذكر الطبري عن بعضهم أنه قال: جهل الجن فيما قالوا: والجد ~~[أبو] الأب. # وعن مجاهد أيضا { جد ربنا } " ذكره ". وعنه وعن عكرمة وقتادة: { ~~جد ربنا } عظمته. # والجد في اللغة على وجوه، منها: الجد أبو الأب وأبو الأم والجد: ~~الحظ، وهو [البخت] بالفارسية والجد: العظمة. (والجد مصدر ~~[جددت] الشيء جدا، ولا يليق بهذا الموضع من كتاب الله من هذه ~~الوجوه إلا العظمة. # - ثم قال: { وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا ~~}. # أي: وشهدنا أنه (كان على قراءة من فتح " أن " ، ومن كسر كان تقديره: " ~~وقالوا إنه كان يقول ". وكذلك التقدير في جميعها في الفتح أو الكسر، تقدر ~~بالفتح: صدقنا أو آمنا أو شهدنا أو ألهمنا ونحوه. وتقدر في الكسر " ~~القول " لأنه معطوف على { فقالوا إنا سمعنا }. # والمعنى أن الله أخبرنا عن [قول] النفر واعترافهم الخطأ الذي كانوا ~~عليه. # من قبول قول إبليس اللعين فالمعنى: وإن إبليس كان يقول على الله شططا ~~والشطط: الغلو في الكذب. # قال قتادة ومجاهد وابن جريج: السفيه هنا إبليس ورواه أبو بردة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # قال سفيان: سمعت أن الرجل إذا سجد جلس (إبليس) يبكي يا ويله، أمرت ~~بالسجود فعصيت [فلي] النار ms2689 وأمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة. # والسفه [رقة] الحلم. # قال ابن زيد: { شططا } ظلما كبيرا. # وقيل: الشطط: البعد [ومنه]: شط المزار أي: بعد. ### || [72.5-19] # - قوله: { وأنا ظننآ أن لن تقول الإنس والجن على ~~الله كذبا } إلى قوله: { لبدا }. # أي: وإنا حسبنا وتوهمنا أن أحدا لا يقول على الله الكذب. وذلك أنهم ~~كانوا يحسبون أ(ن) إبليس كان صادقا فيما [يدعوهم] إليه من صنوف الكفر. ~~فما سمعوا القرآن أيقنوا أنه كان كاذبا في كل ذلك وسموه سفيها. # [ثم قال]: { وأنه كان رجال من الإنس يعوذون ~~برجال من الجن فزادوهم رهقا }. # هذا أيضا من قول النفر من الجن. # ذكروا أن رجالا من الإنس [كانوا] [يستجيرون] برجال من الجن في أسفارهم ~~إذا نزلوا، فزاد الجن باستجارتهم (لهم) جرأة عليهم وازداد الإنس ~~إثما. # قال ابن عباس: [فزادوهم] إثما. وهو قول قتادة. فازداد الإنس بفعلهم ذلك ~~إثما، وازداد الجن على الإنس جرأة. # وقال مجاهد: ازداد الإنس بذلك طغيانا. # وقال الربيع بن أنس: فازداد الإنس لذلك فرقا من الجن. # وهو قول ابن زيد. # وقال أبو عبيدة: رهقا: سفها وظلما. # والرهق في كلام العرب: الإثم والعيب وإتيان المحارم. ومنه: فلان يرهق ~~بكذا، أي: يعاب به. فيكون التقدير: فزاد الجن الإنس إثما لما ~~[استعاذوا] بهم. وكان ذلك من فعل المشركين. قال ابن عباس وغيره: كان رجال ~~من الإنس يبيت أحدهم في الوادي في الجاهلية، فيقول: أعوذ بعزيز هذا ~~الوادي فزادهم ذلك إثما. # وقال الحسن: كان الرجل إذا نزل في الوادي يقول: أعوذ بعزيز هذا الوادي ~~من سفهاء قومه. # وقال النخعي: كان الرجل إذا نزل [الوادي] يقول: نعوذ بسيد هذا الوادي من ~~شر (ما) فيه، فتقول الجن: ما نملك لكم ولا لأنفسنا ضرا ولا نفعا. # وقال مجاهد: كانوا يقولون إذا هبطوا واديا: نعوذ بعظماء هذا الوادي وهو ~~قول قتادة وغيره. # - ثم قال: { وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث ~~الله أحدا }. # أي: وإن الرجال من الجن ظنوا كما ظن الرجال من الإنس أن الله لا يبعث ~~أحدا، أي: رسولا ms2690 إلى خلقه يدعوهم إلى توحيده. قاله الكلبي. # وقال غيره، معناه: وأن الجن ظنوا كما ظن الكفار من الإنس أن الله لا ~~يبعث أحدا يوم القيامة. # - ثم قال: { وأنا لمسنا السمآء فوجدناها ملئت ~~حرسا شديدا وشهبا / }. # [وقال النفر من الجن إنا طلبنا خبر السماء فوجدناها قد ملئت حفظا ~~مانعا] [وشهبا] نرجم بها إذا أردنا الاستماع. والشهب: النجوم. # وقال ابن جبير: كانت الجن [تستمع]، فلما رجموا قالوا: إن هذا الذي حدث ~~في السماء إنما هو لشيء حدث في الأرض. قال: فذهبوا يطلبون حتى رأوا النبي ~~صلى الله عليه وسلم خارجا من سوق عكاظ يصلي بأصحابه صلاة الفجر، ~~فذهبوا إلى أصحابهم منذرين. # - ثم قال { وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع. # .. }. # أي: وقالوا إنا كنا نقعد من السماء في مقاعد نستمع الأخبار. # - { فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا }. # أي: من أتي يستمع الساعة يرمي بشهاب يرمد به إذا دنا فيرمى به، قال ~~قتادة: لما بعث الله نبيه منعوا الاستماع [فتفقدت] الجن ذلك من ~~أنفسها، قال: وذكر لنا أن أشراف الجن كانوا [بنصيبين] (فطلبوا ذلك) ~~وضربوا إليه حتى سقطوا على نبي الله وهو يصلي بأصحابه عامدا الى عكاظ. # قال ابن زيد: قالوا كنا نستمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا، فلما ~~وجدوا ذلك رجعوا إلى إبليس، فقالوا منع (منا) السمع. فقال: إن السماء ~~لم تحرس إلا على [أمرين]: [إما العذاب] يريد الله عز وجل أن ينزله بغتة ~~على أهل الأرض، وإما نبي مرسل مرشد فذلك قول الله تعالى حكاية عن قولهم { ~~وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد ~~بهم (ربهم) رشدا }. # (أي) قال إبليس لا ندري أعذاب ينزل على من في الأرض بغتة، فمنعتم من ~~أجله الاستماع؟ أم نبي أرسله الله ليرشد من في الأرض إلى الطريق ~~المستقيم؟ هذا معنى قول ابن زيد. # وقال الكلبي: معناه: أنهم قالوا: لا ندري أهذا المنع الذي منعنا، أراد ~~بهم ربهم أن يطيعوا الرسول فيرشدوا أم يعصوه فيهلكهم وهذا كله من ~~علامات نبوة محمد ms2691 صلى الله عليه وسلم. # - ثم قال: { وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك... }. # أي: قال النفر: وإنا منا المسلمون العاملون بطاعة الله، ومنا من هو دون ~~ذلك في الصلاح والعمل. # - { كنا طرآئق قددا }. # أي: كنا أهواء مختلفة وفرقا شتى، الصالح والذي هو دونه، ~~والكافر. # قال ابن عباس: { كنا طرآئق قددا } (أي) أهواء شتى منا ~~المسلم ومنا المشرك. # وقال عكرمة: " أهواء مختلفة ". # وقال قتادة: " أهواء شتى ". # وقال مجاهد: " مسلمين وكافرين " وهو قول سفيان. # والقدد جمع قدة، وهي الضروب والأجناس المختلفة. والطرائق جمع ~~طريقة الرجل أي مذهبه. # - ثم قال { وأنا ظننآ أن لن نعجز الله في ~~الأرض... }. # أي: وإنا علمنا وأيقنا أن لن نفوت الله بالهروب في الأرض ولا ~~بغيره، وصفوه - جل ذكره - بالقدرة عليهم. # - ثم قال: { وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به... }. # أي: لما سمعنا القرآن [يؤدي] من آمن به إلى الهدى صدقنا به. # - { فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا }. # [أي: ومن يصدق بربه فلا يخاف بخسا) أي: أن ينقص من حسناته وثوابه]. # - { ولا رهقا }. # (أي): لا يحمل من سيئات غيره عليه. # قال ابن عباس: { بخسا ولا رهقا } ، أي: " لا يخاف نقصا من ~~حسناته، ولا زيادة في سيئاته ". # قال قتادة: { بخسا }: ظلما، { ولا رهقا }: أن يعمل عليه ذنب ~~غيره. # - ثم قال: { وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون... ~~}. # أي: الجائرون عن الهدى. # - { فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا }. # أي: [تعمدوا الرشد] وأصابوه. # - ثم قال { وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا }. # أي: وأما العادلون الجائرون عن الهدى فكانوا حطبا يوم القيامة لجهنم. # - ثم قال: { وألو استقاموا على الطريقة ~~لأسقيناهم مآء غدقا * لنفتنهم فيه... }. # كل ما تقدم من إخبار الله هو من قول الجن إلا هذا، فإنه من قول الله، ~~أي: لو استقام القاسطون [على] طريقة الحق [أي]: طريقة الإسلام وهي ~~[الطاعة] لله، لوسعنا عليهم في الرزق لنختبرهم فيه فننظر عملهم ~~وشكرهم. قاله ابن جبير وقتادة ومجاهد [قاله مجاهد: الطريقة: الإسلام، ~~والماء: المال، والغدق: الكثير]. # والغدق: الماء الظاهر، والرغد: الكثير، والماء يراد به العيش ~~والرزق. # وقيل: معناه: لو ms2692 استقاموا على طريقة الضلال لوسعنا عليهم في الرزق ~~استدراجا، ذكره الضاحك وقاله الفراء. # (و) القول الأول أصح كما قال: # ولو أن أهل القرى ءامنوا واتقوا لفتحنا ~~عليهم بركت... # [الأعراف: 96] الآية. # - ثم قال: { ومن يعرض عن ذكر ربه... }. # أي: عن القرآن [وقبوله]. # { يسلكه عذابا صعدا }. # أي: ندخله عذابا شديدا قال ابن عباس { عذابا صعدا } ، أي: مشقة ~~من العذاب وقال قتادة { صعدا } أي: صعودا من عذاب الله / لا راحة فيه ~~وقال أبو سعيد الخدري: { عذابا صعدا }: هو جبل في النار، كلما ~~جعلوا أيديهم [عليه] ذابت، وإذا رفعوها عادت ويقال: تصعدني الشيء أي: ~~شق علي. # وقرأ مسلم بن جندب: نسلكه، جعله رباعيا. يقال: سلكه وأسلكه. ~~ويقال: سلك، هو وسلكته مثل رجع ورجعته. # - ثم قال: { وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله ~~أحدا }. # أي: وأوحي الى أن المساجد لله { فلا تدعوا } أيها الناس { مع ~~الله أحدا } أي: لا تشركوا به قال قتادة: كانت اليهود والنصارى إذا ~~دخلوا كنائسهم وبيعهم اشركوا، فأمر الله نبيه أن يوحدوا الله وحده ~~إذا دخلوا المساجد. قال ابن جبير: قالت الجن للنبي: كيف لنا أن نأتي ~~المساجد ونحن [ناءون] عنك، وكيف نشهد الصلاة، فنزلت { وأن ~~المساجد لله } الآية والمساجد جمع مسجد. ومسجد بمعنى السجود، ~~فكأنه قال: وأن السجود لله لا لغيره. ويجوز أن يكون جمع مسجد هو موضع ~~السجود. # وقال الفراء (يقال) { [و]أن المساجد لله } ، يراد به مساجد ~~الرجل، ما يسجد عليه من جبهته ويديه وركبتيه وصدور قدميه. # وأنكر ذلك النحاس وغيره. # وقوله: { فلا تدعوا } خطاب للجماعة. والنون حذفت للنهي. # - ثم قال: { وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا ~~يكونون عليه لبدا }. # أي: لما قام (محمد يدعو الله) يقول: لا إله إلا الله، كاد الجن يكونون ~~على محمد لبدا، أي جماعات بعضها فوق بعض. # وواحد لبد: لبدة. ويقال: لبد - بضم اللام - واحدها لبدة. # فمن كسر [ { وأنه } ] جعله من قول الجن إخبارا من الله لنا عن ~~قولهم ذلك، ويكون المعنى على ما قال ابن جبير أن الجن رأوا النبي صلى ~~الله ms2693 عليه وسلم يصلي وأصحابه يصلون بصلاته فعجبوا من طوعهم له فقالوا ~~لقومهم: وإنه لما قام عبد الله يدعو الله كاد أصحابه يكونون عليه ~~لبدا. # ويجوز الكسر، وهو من كلام الله، لا حكاية عن الجن ويكون المعنى أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لما قام يدعو إلى الله كاد الجن يكونون عليه لبدا. # فأما من فتح فهو من كلام الله أيضا على هذا المعنى، أي: كاد الجن ~~[يركبون محمد من الحرص] لما سمعوه يتلو القرآن فدنوا منه حتى كادوا ~~يركبونه، هذا معنى قول ابن عباس والضحاك، فيكون الضميران في (كادوا ~~يكونون) للجن. # وعن ابن عباس أيضا أن معناه (أن) الجن قالوا لقومهم، إن محمد لما قام ~~يدعو الله كاد أصحابه يركبونه لتقربهم منه وطوعهم له، فيكون الضميران ~~لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهو قول ابن جبير. # [وعن ابن عباس { لبدا }: أعوانا]. # وقال قتادة: معناه أن الله أعلم نبيه أن الجن والإنس يتظاهرون عليه ~~ليبطلوا ما جاءهم (به) لما دعا إلى الله، والله ناصره عليهم. # وقيل: إن ذلك للعرب خاصة أرادوا أن يطفئوا النور الذي جاء به النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وهو اختيار الطبري. ### || [72.20-28] # - قوله: { قل إنمآ أدعوا ربي... } إلى آخر السورة. # أي: قال محمد صلى الله عليه وسلم، # " لما تظاهرت على إنكار ما جاء به العرب، إنما أدعو ربي وأوحده ولا أشرك ~~به " # وهذا يدل على أن معنى { كادوا يكونون عليه لبدا } أنه لما ~~قام محمد صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الله تراكبت العرب (عليه). # وتظافرت ليردوا قوله ويطفئوا النور الذي جاء فقال لهم: { قل إنمآ ~~أدعوا ربي ولا أشرك به أحدا }. ومن قرأ (قل) جعله على ~~الأمر من الله لنبيه، أي: قل لهؤلاء الذين تظاهروا عليك لما دعوتهم إلى ~~التوحيد: إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحدا. # - (ثم قال تعالى: { قل إني لا أملك لكم ضرا ولا ~~رشدا }. # أي: قل يا محمد لمشركي العرب الذين ردوا عليك أني لا أملك [لكم] ضرا في ~~دينكم ولا دنياكم، ms2694 ولا أملك لكم رشدكم، إنما ذلك إلى الله). # - ثم قال: { قل إني لن يجيرني من الله أحد... }. # أي: لن يمنعني من الله أحد إن أرادني بأمر. # وروي أن بعض الجن قال: أنا أجيره، فنزلت هذه الآية ونزلت { ولن ~~أجد من دونه ملتحدا } أي: لا ملجأ ولا ناصرا ألجأ إليه. # - ثم قال: { إلا بلاغا من الله ورسالاته /... }. # أي: لا أملك لكم ضرا ولا رشدا { إلا بلاغا من الله ~~ورسالاته } أي: أملك إلا أن أبلغكم عن الله رسالاته التي أرسلني ~~بها إليكم فأما الرشد والخذلان فبيد الله. # وقيل [إلا] بمعنى " لم " و " إن " منفصلة، والتقدير: قل إني لن يجيرني ~~من الله أحد [إن] لم أبلغ رسالاته إليكم بلاغا، فينتصب بلاغا ~~بإضمار (فعل من الجزاء وتكون للجزاء كما تقول: إلا قياما) فقعودا، وإلا ~~عطاء فردا جميلا. # - ثم قال: { ومن يعص الله ورسوله فإن له نار ~~جهنم خالدين فيهآ أبدا }. # أي: من يعصهما فيما أمرا به فإن له نار جهنم في الآخرة ماكثين فيها ~~أبدا لا يخرجون ولا يموتون. # - ثم قال: { حتى إذا رأوا ما يوعدون... }. # أي: إذا عاينوا ما يعدهم ربهم من العذاب { فسيعلمون } هنالك { ~~من أضعف ناصرا وأقل عددا }. # - ثم قال: { قل إن أدري أقريب ما توعدون... }. # أي: قل للمشركين يا محمد -: ما أدري أقريب قيام الساعة التي وعدكم ~~[الله] بالجزاء فيها على أعمالكم. # { أم يجعل له ربي أمدا }. # (أي): أم هو غير قريب قد جعل له ربي وقتا وغاية تطول مدتها. # - ثم قال: { علم الغيب... }. # أي: ما غاب عن العيون والأسماع. # { فلا يظهر على غيبه أحدا }. # أي: يعلم غيب كل شيء ولا يعلم غيبه أحد. # - { إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين ~~يديه... }. # أي: فإنه يطلعه من غيبه على ما شاء وقيل: الغيب الذي يطلع الرسل عليه ~~كتبه التي أنزلها عليهم. # وقال الضحاك: كان صلى الله عليه وسلم، إذا بعث إليه الملك بعث ملائكة ~~يحفظونه من بين يديه ومن خلفه لئلا يشتبه عليه الشيطان في صورة الملك فهو ~~معنى ms2695 قوله: { فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه ~~رصدا } ، وقاله النخعي. وقال ابن عباس: هي معقبات من الملائكة يحفظون ~~النبي من الشياطين حتى يتبين له الذي أرسل به إليه. # - ثم قال { ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم... ~~}. # أي: ليعلم أهل الشرك أن الرسل بلغوا إليهم رسالة ربهم. # وقيل: المعنى: ليعلم [الرسول] وهو محمد أن الرسل قبله قد بلغوا رسالات ~~ربهم لقومهم ولم يكن للشيطان إليهم سبيل، وهو قول قتادة، وقال مجاهد: ~~ليعلم من كذب الرسل أن قد أبلغ الرسل رسالة ربهم. # وقال: معمر: معناه: ليعلم محمد أن الرسل قد أبلغت عن الله وأن الله ~~حفظها ودفع عنها. وهو مثل قول قتادة. وقال ابن جبير: معناه: ليعلم محمد ~~أن الملائكة قد أبلغوا رسالات ربهم. قال: وما نزل جبريل بشيء من الوحي ~~إلا ومعه أربعة حفظة من الملائكة. ودل على ذلك قوله قبل ذلك { فإنه ~~يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا } قال ابن جبير: ~~أربعة حفظة من الملائكة مع جبريل عليه السلام. # وقيل معنى الآية: ليعلم الله ذلك علما مشاهدا تجب عليه المجازاة فأما ~~الغيب فقد علمه، كقوله # وليعلم الله الذين آمنوا # [آل عمران: 140]. # - وقوله: { وأحاط بما لديهم... }. # أي: وعلم كل ما عندهم يعني الرسل قبل محمد، قال ابن جبير معناه ليعلم ~~الرسل أن ربهم قد أحاط بهم فيبلغوا رسالات ربهم. # - ثم قال: { وأحصى كل شيء عددا }. # أي: وعلم عدد كل شيء، [و { عددا } ] منصوب على التمييز. ### | [73 - سورة المزمل] ### || [73.1-11] # - قوله: { يأيها المزمل * قم اليل } إلى قوله { ~~ومهلهم قليلا }. # معناه: يا أيها الملتف بثيابه، يعني النبي - صلى الله عليه وسلم -. ~~وأصله: المتزمل ثم أدغمت التاء في [الزاي]. # قال قتادة: إنما قيل له: { يأيها المزمل }؛ لأنه كان ~~متزملا في ثيابه، كأنه متأهب للصلاة؛ ودل على ذلك قوله: { قم اليل ~~إلا قليلا }. # قال ابن عباس: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفرق من جبريل ~~فيتزمل بالثياب في أول ما جاءه حتى أنس به. # وقال عكرمة: زمل هذا الأمر، يعني: النبوة والرسالة. # قال: ms2696 الزهري: التف النبي - صلى الله عليه وسلم - بثيابه من [فزع] أصابه ~~أول ما رأى الملك فنودي بصفة فعله. # وقيل: كان يتزمل بالثياب، من شدة ما يلقى من قريش من تكذيبهم له ~~[وتخويفهم] وأذاهم. # قال [النخعي] كان متزملا في قطيفة. # - وقوله: { قم اليل إلا قليلا / }. # أي: قم الليل كله للصلاة إلا قليلا ثم أبدل من الليل بدل البعض من الكل ~~فقال: # - { نصفه أو انقص منه قليلا }. # أي: قم نصفه أو أقل من النصف. # - { أو زد عليه... }. # [أي]: أو زد على النصف. # فهذا كله تخيير من الله لرسوله بين أن يفعل ما شاء من هذه الثلاث ~~المنازل: يقوم النصف أو أقل أو أكثر. # وكان هذا فرضا عليه وعلى المؤمنين فكانوا يقومون ثم خففه عنهم الآيتين ~~في آخر السورة ففسختا هذا، وهو قول أكثر العلماء. # وقيل: إن ذلك كان ندبا ولم يكن فرضا. # وقيل: بل كان فرضا على النبي - صلى الله عليه وسلم - وحده. # قال ابن عباس: كان بين أولها وآخرها سنة. # وقالت عائشة رضي الله عنها: لما نزل { يأيها المزمل } كان ~~الرجل يربط الحبل ويتعلق به فمكثوا بذلك ثمانية أشهر، فرأى الله ما ~~يبتغون من رضوانه فرحمهم فردهم إلى الفريضة وترك قيام الليل. # وقال ابن جبير: مكث النبي - صلى الله عليه وسلم - يقوم الليل كما أمره ~~(الله) عشر سنين ثم خفف عنهم بعد ذلك. # قال عكرمة: { قم اليل إلا قليلا... } الآية نسختها الآية ~~التي في آخرها # علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرءوا ما ~~تيسر من القرآن # [المزمل: 20]. # وقال قتادة: قاموا حولا أو حولين حتى انتفخت سوقهم وأقدامهم، فأنزل ~~الله تخفيفها في آخر السورة. # قال الحسن: لما نزلت: { يأيها المزمل } " قام المسلمون ~~حولا، فمنهم من أطاقه ومنهم من لم يطقه، حتى نزلت الرخصة ". # قال ابن زيد: أول ما افترض الله على رسوله والمؤمنين صلاة الليل وقرأ ~~أول هذه السورة. # - قوله: { ورتل القرآن ترتيلا... }. # أي: وبين القرآن إذا قرأته في صلاتك تبيينا (وترسل فيه ترسلا)، قاله ~~قتادة. # قال الحسن: معناه (اقرأه) قراءة بينة). ms2697 # وقال مجاهد: " اقرأه بعضه على إثر بعض على تؤدة ". # والرتل في اللغة: الضعف واللين، فالمعنى: لين القراءة، ولا تستعجل ~~بانكماش. # والرتل في [الأسنان] أن يكون بينها الفرج ولا يركب بعضها بعضا، يقال: " ~~ثغر ورتل " إذا كان كذلك. # - ثم قال: { إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا }. # أي: ثقيلا العمل به وبحدود(ه) فرائضه أي: صعبا. # قال الحسن: إن الرجل ليعد السورة، ولكن العمل بها ثقيل. # وقال قتادة: " ثقيل والله فرائض القرآن وحدوده ". # وقيل: معناه: إن القول بعينه ثقيل. # وروى عروة # " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - [كان] إذا أوحي إليه وهو على ~~ناقته وضعت جرانها - يعني صدرها - فما تستطيع أن تحرك حتى يسرى ~~عنه ". # وقال ابن زيد: " هو - والله - ثقيل مبارك كما ثقل في الدنيا ثقل في ~~الموازين يوم القيامة ". # - ثم قال: { إن ناشئة الليل هي أشد وطأ... }. # قال ابن عمر وأنس بن مالك وعلي بن الحسين، ناشئة الليل: ما بين المغرب ~~والعشاء. # وقال الحسن والحكم: ناشئة الليل من العشاء الآخرة إلى الصبح، وقال ابن ~~عباس و (ابن) الزبير: الليل كله ناشئة. وهو قول ابن جبير ومجاهد. وأصله ~~من نشأ إذا ابتدأ. فعلى هذا بناه من قال إنه من المغرب إلى العشاء ~~الآخرة. # وقد قال الكسائي: ناشئة الليل أوله. # - قوله: { أشد وطأ... }. # معناه: أثبت قياما. # قال المفسرون: هي أثبت في الخير وأحفظ للقلب، لأن النهار يضطرب فيه ~~الناس لمعاشهم، والليل أخلى وأثبته في القيام. # وقيل: معناه: إن صلاة ناشئة الليل هي أشد (وطئا) على المصلى من صلاة ~~النهار لأن الليل للنوم، فهي وإن كانت أصعب [فهي] أقوم قيلا [أي]: أصوب ~~قولا لأن القارئ لا يشغله عن قراءته في الليل شيء ويشغله في النهار ما ~~يرى من التصرف وما [يعرض] له من الأمور. # وقيل: معنى { أشد وطأ }: أشد أمرا وأشد [مكابدة] واحتمالا ومنه ~~قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: # " اللهم اشدد وطأتك على مضر " # ، وطئت وطأ، مثل شربت شربا ولقمت لقما. # فأما من قرأ " وطاء " فإنه جعله مصدر مواطأة ووطاء. # ومعناه: أشد مواطأة للسمع ms2698 والقلب، أي: يواطئ فيه السمع القلب فلا يشتعل ~~القلب بشيء عن فهم ما يقرأ وسماعه. وقيل: معناه: أشد علاجا. # قال ابن عباس: { أشد وطأ } أي: أجدر أن يحصوا ما فرض الله عليهم ~~من القيام. قال: وكانت صلاتهم أول الليل. # وقال الضحاك: معناه: قراءة القرآن بالليل أثبت منها في النهار. # وقال مجاهد: { أشد وطأ } أي يتواطأ قلبك وسمعك وبصرك بعضه بعضا. # - وقوله: { وأقوم قيلا }. # أي: وأصوب قراءة. # قال / مجاهد: وأثبت قراءة. # وقال ابن عباس: معناه: يقول: أدنى أن يفقهوا في القول. # وقال قتادة: " [أحفظ] للقراءة ". # وقال ابن زيد: " وقوم قراءة لفراغه من الدنيا ". # - ثم قال: { إن لك في النهار سبحا طويلا }. # أي: فراغا طويلا، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة. # وقال ابن زيد: (سبحا لحوائجك) فأفرغ أذنك بالليل. # وقرأ يحيى بن يعمر: " سبخا " بالخاء المعجمة، ومعناه راحة [نوما]. # - ثم قال: { واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا ~~}. # أي: واذكر ربك يا محمد فادعه وانقطع إليه انقطاعا لحوائجك وعبادتك دون ~~سائر الأشياء غيره. يقال: بتلت هذا الأمر قطعته. # ومنه قيل لمريم البتول لانقطاعها إلى الله جل ذكره. # قال ابن عباس: { وتبتل إليه تبتيلا } أي: أخلص له ~~إخلاصا " وهو قول مجاهد والضحاك. # وقال الحسن: أبتل إليه نفسك واجتهد. # وقال قتادة: " أخلص له العبادة والدعوة ". # وقال ابن زيد: تفرغ لعبادته، [تعبد] بالتبتل] إلى الله. # - ثم قال: { رب المشرق والمغرب }. # أي: هو رب ذلك لا معبود تصلح له العبادة غيره. # - { فاتخذه وكيلا }. # أي: فوض (إليه أسبابك) والمعنى: اتخذه كافيا لك. # وقيل معناه: اتخده كفيلا لك بأمورك كلها. # وقيل: المعنى: اتخده ربا. # فالوكيل يكون بمعنى الكافي وبمعنى الكافل وبمعنى الرب. # - ثم قال: { واصبر على ما يقولون... }. # أي: واصبر على ما يقول هؤلاء المشركون من قومك واحتمل أذاهم. # - { واهجرهم هجرا جميلا }. # (أي: اهجرهم في الله هجرا جميلا). # قال قتادة: كان هذا قبل أن يؤمر بالقتال، ثم أمر بقتالهم (وقتلهم) ~~فنسخت آية القتال ما كان قبلها من الترك. # ثم قال: { وذرني والمكذبين أولي النعمة... }. # هذا وعيد وتهدد من الله جل ms2699 ذكره للمشركين أي: ودعني يا محمد ~~والمكذبين بآياتي أصحاب التنعم في الدنيا. # - { ومهلهم قليلا }. # أي: أمهلهم بالعذاب حتى يبلغ الكتاب أجله. # وكان بين نزول هذه الآية وبدر يسير [قالته] عائشة رضي الله عنها. ### || [73.12-20] # - قوله: { إن لدينآ أنكالا وجحيما... } إلى آخر السورة. # أي: إن عندنا لهؤلاء المكذبين قيودا [ونارا] تسعر وطعاما يغص ~~آكله به، فلا هو نازل من حلقه ولا هو خارج منه. # - { وعذابا أليما }. # أي: وصنوفا من العذاب [مؤلمة] موجعة. # وواحد الأنكال نكل. قال حماد { أنكالا } قيودا سودا من نار جهنم ~~". # قال ابن عباس: { وطعاما ذا غصة } قال: " هو شوك يأخذ ~~بالحلق فلا يدخل ولا يخرج ". # وقال مجاهد: هو " شجرة الزقوم ". # وروى حمزة [الزيات] أن [حمران بن أعين] قال: قرأ النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - هذة الآية فصعق - صلى الله عليه وسلم -. # - ثم قال تعالى: { يوم (ترجف) الأرض (والجبال)... }. # أي: أعتدنا هذا العذاب في يوم تضطرب فيه الأرض والجبال، وذلك يوم ~~القيامة. # - ثم قال: { وكانت الجبال كثيبا مهيلا }. # أي: وصارت الجبال ذلك اليوم رملا سائلا. (متناثرا). يقال: هلت ~~التراب إذا [حركت أسفله] (فسقط أعلاه). قاله الفراء. # وقال أبو عبيدة: يقال لكل شيء [أرسلته] إرسالا من رمل أو تراب أو طعام ~~أو نحو ذلك قد هلته [أهيله] هيلا فهو مهيل. # قال ابن عباس: { كثيبا مهيلا }: رملا سائلا. # والأصل في مهيل [مهيول] فألقيت حركت الياء [على الهاء وبقيت] الياء ~~ساكنة وبعدها الواو ساكنة. # فمذهب الخليل وسيبويه أن الواو حذفت لأنها زائدة وكسرت الهاء لمجاورتها ~~الياء فصار مهيلا. # ومذهب الكسائي والفراء والأخفش أن الياء هي المحذوفة لأن الواو جاءت ~~لمعنى فلا تحذف، ولكن الهاء لما جاورت الياء كسرت، فلما حذفت الياء ~~لالتقاء الساكنين انقلبت الواو (ياء) [لانكسار] ما قبلها وسكونها. # وكلهم يجيز أن يأتي على الأصل فيقال: مهيول. ولا يجيز البصريون ذلك في ~~ذوات الواو ولا يجيزون: " كلام مقول " لثقل ذلك. # وكلهم أجاز: " رجل مهول " و " ثوب مبوع " على لغة من قال: بوع الثوب. # - ثم قال: { إنآ أرسلنآ / إليكم رسولا شاهدا ~~عليكم ms2700 }. # يعني محمدا، والخطاب لجميع الخلق أي يشهد لمن آمن به وعلى من كذبه في ~~الآخرة. # - ثم قال: { كمآ أرسلنآ إلى فرعون رسولا }. # أي: أرسلنا محمدا [إرسالا (كما) أي]: مثلما أرسلنا موسى إلى فرعون. # - { فعصى فرعون... } موسى { فأخذناه أخذا وبيلا }. # أي: شديدا، فغرقناه ومن معه في البحر وأقررناه في عذاب مستقر حتى ~~يصير إلى النار يوم القيامة، فكذلك يأخذكم بالعذاب أيها الخلق إن عصيتم ~~رسولكم. # ودخلت الألف واللام في لفظ " رسول " الثاني لتقدم ذكره، وعلى هذا يختار ~~في أول الكتب: " سلام عليك " وفي آخرها: والسلام عليك. ~~وعلى هذا اختار بعض العلماء (في التسليم)، في التسليمة الأولى: سلام ~~عليكم، وفي الثانية: السلام عليكم. # فأعلم الله قريشا أنه أرسل إليهم محمدا رسولا كما أرسل موسى إلى ~~فرعون رسولا. وقد كان أمر موسى ورسالاته مشهورة عندهم ولذلك قال الشاعر ~~في النبي - صلى الله عليه وسلم -. # شهدت بإذن الله أن محمدا # رسول كموسى (أوتي) الصحف والكتبا # له دعوة ميمونة ريحها الصبا # بها ينبت الله [الحصيدة] والأبا # - ثم قال: { فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل ~~الولدان شيبا }. # أي: كيف (لا) تخافون أيها الناس يوما يجعل الولدان الصغار أصحاب شيب من ~~هوله وصعوبته إن كفرتم بالله ولم تصدقوا رسولكم؟!. # قال قتادة: معناه: كيف تتقون يوما هذه صعوبته وأنتم قد كفرتم به. # - { السمآء منفطر به... }. # قال ابن عباس تشقق السماء حين ينزل الرحمن جل ذكره. # وقال مجاهد: السماء مثقلة به أي بيوم القيامة. # وقال الحسن: مثقلة. أي: محزونة بيوم القيامة. # وقال عكرمة: ممتلئة [به]. # وقيل: (به) بمعنى " فيه " ، (أي): السماء منفطرة في يوم القيامة، ~~والضمير في (يجعل) ليوم القيامة، ويجوز أن يكون لله جل ذكره. # - ثم قال: { كان وعده مفعولا }. # أي: ليس لوعده خلف. # قال ابن مسعود: إذا كان يوم القيامة دعا ربنا الملك آدم عليه ~~السلام فيقول: يا آدم، قم فابعث (بعث) النار، فيقول: (أي) رب! لا علم لي ~~إلا ما علمتني، فيقول الله جل ذكره: أخرج من كل ألف تسعمائة وتسعة ~~وتسعين: فيساقون إلى النار سودا ms2701 مقرنين زرقا فيشيب هنالك كل وليد. # قال ابن زيد: يشيب الصغار من كرب ذلك اليوم. # - ثم قال: { إن هذه تذكرة... }. # أي: هذه الآيات - في ذكر هول القيامة - عبرة وعظة لمن اتعظ. # - { فمن شآء اتخذ إلى ربه سبيلا... }. # هذا تهدد، والمعنى: فمن شاء اتخذ إلى (رحمة) ربه طريقا بتركه العصيان ~~وقبوله للإيمان، ومن لم يشاء ذلك فالله له بالمرصاد. # - ثم قال: { إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ~~ثلثي اليل ونصفه وثلثه وطآئفة من الذين ~~معك... }. # هذا حين فرض الله عليهم قيام الليل بقوله: { قم اليل إلا ~~قليلا * نصفه أو انقص منه قليلا * أو زد عليه ~~}. # فالمعنى على قراءة من خفض { ونصفه وثلثه }: إن ربك يا محمد ~~يعلم أنك تقوم للصلاة أحيانا أدنى من ثلثي الليل [وأحيانا أدنى] من نصفه ~~وأحيانا أدنى من ثلثه، فأعلمه أنه [لا] علم له بالمقدار وأن الله هو ~~العالم بمقدار الوقت الذي يقوم فيه. ودل على ذلك { علم أن لن ~~تحصوه } أي: علم الله أنك لا تعرف مقدار قيامك. # فأما من قرأ بنصب (نصفه وثلثه) فمعناه: إن ربك يا محمد يعلم أنك تقوم ~~للصلاة أدنى من ثلثي الليل وتقوم نصفه وتقوم ثلثه، فيكون المعنى أن ~~النبي قد أصاب المقدار في قيامه النصف: (و) الثلث، ويكون قوله { ~~قم اليل إلا قليلا } هو أدنى من الثلثين، { نصفه } هو ~~النصف المذكور هنا، { أو انقص منه قليلا } هو الثلث المذكور ~~هنا، { أو زد عليه } هو أدنى من الثلثين أيضا المذكور هنا. # ويكون على هذا التأويل معنى { أن لن تحصوه } أي تطيقوه. وعلى ~~القول الأول معناه: [أن] لن تعرفوا مقداره. # - وقوله: { فتاب عليكم... }. # أي تاب عليكم من فرض القيام إذ عجزتم وضعفتم عنه أي: رجع لكم إلى ~~التخفيف عنكم. هذا كله ناسخ لفرض القيام في أول السورة. # - ثم قال: { فاقرءوا ما تيسر من القرآن... }. # أي: ما خف عليكم مما هو دون الثلث. # - ثم قال: { علم أن سيكون منكم مرضى... }. # أي: أنه سيكون منكم مرضى (فلا يقدرون) على القيام فخفف عنكم ذلك. ms2702 # ثم قال /: { وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من ~~فضل الله... }. # أي: وعلم أنه سيكون منكم مسافرون للتجارة فيشق عليهم القيام ~~[لشغلهم] مع تعبهم من سفرهم، وعلم أنه سيكون منكم آخرون يجاهدون العدو ~~فيشق عليهم القيام لشغلهم مع عدوهم فخفف عنهم القيام لذلك. # - ثم قال: { فاقرءوا ما تيسر منه... }. # أي: من القرآن، أي ما خف عليكم. # قال الحسن وابن سيرين: صلاة الليل فرض على كل مسلم لو قدر حلب ~~شاة بقوله { فاقرءوا ما تيسر منه } قال الحسن: ولو خمسين ~~آية. # وسئل الحسن عن رجل استظهر القرآن ولا يقوم به فقال: يتوسد القرآن، لعن ~~الله ذلك. # وقال السدي { ما تيسر منه }: " مائة آية ". # وقال الحسن: (من قرأ مائة آية في ليلة لم يحاجه القرآن). # قال كعب: من قرأ مائة في ليلة كتب من القانتين. # وقيل: الآية منسوخة لأنه ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لا ~~فرض إلا خمس صلوات، وعلى ذلك أجمع المسلمون وهو الصواب إن شاء الله. # - ثم قال: { وأقيموا الصلوة وآتوا الزكوة }. # يعني الفرض من ذلك، أي: أقيموا ذلك بحدوده وفروضه في أوقاته. # - ثم قال: { وأقرضوا الله قرضا حسنا... }. # أي: أنفقوا في سبيله من أموالكم. # قال ابن زيد: القرض هنا: النواف سوى الزكاة. # - ثم قال: { وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه ~~عند الله... }. # أي: ما تقدموا في الدنيا من صدقة أو نفقة في سبيل الله أو غير ذلك من ~~فعل الخير لطلب ما عند الله تجدوه في [معادكم] يجازيكم به الله. # - ثم قال: { هو خيرا وأعظم أجرا }. # أي: هو [خير] مما عملتم في الدنيا للدنيا، وأعظم ثوابا عند الله. # - ثم قال: { واستغفروا الله إن الله غفور رحيم ~~}. # أي: واسألوا الله المغفرة، إنه (غفور)، أي: ذو غفران لذنوب المؤمنين ~~وستر عليهم (رحيم) بهم أن يعذبهم [على ذنوبهم] بعد توبتهم منها وغفرانه ~~لهم. ### | [74 - سورة المدثر] ### || [74.1-36] # - قوله تعالى: { يأيها المدثر * قم فأنذر } إلى قوله: ~~{ نذيرا للبشر }. # أي: يا أيها المدثر بثيابه عند نومه. # وروي أن النبي صلى الله عليه ms2703 وسلم [قيل له ذلك] وهو متدثر بقطيفة. ذكره ~~النخعي. # وروي أن هذا أول ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم. # رواه جابر بن عبد الله قال: # " حدثني النبي صلى الله عليه وسلم، قال: جاورت في ~~حراء، فلما قضيت [جواري] هبطت فاستبطنت ~~[الوادي]، فنوديت فنظرت عن يميني وعن شمالي ~~وخلفي (وقدامي) فلم أر شيئا، فنظرت فوق رأسي ~~فإذا هو - يعني الملك - جالس على عرش بين ~~السماء والأرض [فجثثت] منه. فأتيت خديجة ~~فقلت: دثروني، (دثروني)، وصبوا علي ماء. ~~وأنزل علي { يأيها المدثر } ". # وقال الزهري: كان أول شيء أنزل عليه: # اقرأ باسم ربك الذي خلق # [العلق: 1] حتى بلغ # (علم الإنسان) ما لم يعلم # [العلق: 5]. # قال ابن عباس: { يأيها المدثر }: " يأ أيها النائم ". # وقال قتادة: المدثر في ثيابه. # وقال عكرمة: معناه: " دثرت هذا الأمر فقم به " ، يعني النبوة. # - وقوله: { قم فأنذر }. # أي: قم من نومك فأنذر قومك عذاب الله على شركهم بالله. # - { وربك فكبر }. # أي: فعظم. # - { وثيابك فطهر }. # أي: لا تلبسها على معصية ولا [غدرة]. قاله ابن عباس. # وعنه أيضا: فطهرها من الإثم. # وقال النخعي: فطهرها من الذنوب. # والعرب تقول لرجل إذا نكث ولم يف بعهده: إنه لدنس الثياب، وإذا أوفى ~~بعهده وأصلح: إنه لمطهر الثياب. # وقال الضحاك: معناه: " لا تلبس ثيابك على معصية ". # وقال ابن زيد: معناه: " وعملك فأصلحه " ، قال: والعرب تقول للرجل الخبيث ~~العمل: فلان خبيث الثياب. وإذا كان حسن العمل (قالوا: فلان طاهر الثياب. # وعن ابن عباس أيضا أن معناه: " لا تلبس ثيابك) من [مكسب] غير طيب. # وعن مجاهد أن معناه: " لست بكاهن ولا ساحر، فأعرض عما قالوا ". ~~(وقال) ابن سيرين: معناه: اغسل ثيابك من النجاسة. وهو قول ابن زيد، وبهذا ~~احتج الشافعي في وجوب طهارة الثوب (وأنه فرض. # ومذهب مالك أن طهارة الثوب ليس بفرض، وهو قول أهل المدينة وإنما طهارة ~~الثوب) سنة. ولذلك، من صلى بثوب نجس ولا يعلم أعاد في الوقت. ولو كانت ~~طهارة الثوب / فرضا لأعاد أبدا. وكذلك البدن تقع فيه النجاسة ليست ~~طهارته فرضا. يدل ms2704 على ذلك إجماع المسلمين على أن صلاة من استجمر ~~بالحجارة من الغائط جائزة، مع أن موضع خروج الأذى لم يغسل بالماء. # - ثم قال { والرجز [فاهجر] }. # أي: والأوثان فاهجر عبادتها. # والضم والكسر في الراء لغتان عند الفراء. # وقيل: الكسر معناه العذاب. فتكون الأوثان سميت بالعذاب. لأنها سببه. ~~والضم معناه الأوثان. وأول من فرق بينهما الكسائي. # وأكثر الناس على أنه لا فرق بينهما وأنه يراد به الأوثان، [ضممت] ~~الراء أو كسرتها. # قال ابن عباس: الرجز: " السخط، وهو الأصنام ". # وقال مجاهد وعكرمة: الرجز: " الأوثان. وقاله الزهري. # وقال قتادة: " الرجز: صنمان كانا عند البيت: [إساف ونائلة]، يمسح ~~وجوههما من أتى عليهما، فأمر الله نبيه أن [يجتنبهما] ويعتزلهما ". # قال ابن زيد: " الرجز آلهتهم التي كانوا يعبدون، (أمره الله) أن يهجرها ~~[فلا يأتيها ولا يقربها] ". # وقال النخعي: المعنى: والمعصية [فاهجر]. # - ثم قال تعالى { ولا تمنن تستكثر }. # قال ابن عباس: معناه: ولا تعط يا محمد عطية لتعطى أكثر منها. وهو (معنى) ~~قول أكثر [المفسرين]. # وهذا خصوص للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو مباح لأمته إلا أنه لا أجر ~~[لهم] في ذلك. وهو قوله تعالى: # ومآ آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس ~~فلا يربوا عند الله # [الروم: 39] وقد قال الضحاك: هو الربا (في) الحلال [قال]: وهما ربوان: ~~حرام وحلال. فأما الحلال فالهدايا. وأما الحرام فالربا بعينه. # وقال الحسن: معناه: لا تستكثر عملك الصالح. وهو اختيار الطبري. # وقال الربيع بن أنس: معناه: " لا يكثرن عملك في عينك، فإنه فيما ~~أنعم الله [عليك] وأعطاك قليل ". # وعن مجاهد أن معناه: لا تضعف أن تستكثر من الخير من قولهم: " حبل منين " ~~إذا كان ضعيفا. # وفي قراءة ابن مسعود: " ولا تمنن أن تستكثر ". # قال الكسائي: فإذا حذف " أن " رفع، وهو حال (عند) البصريين. # وقال ابن زيد: معناه: لا تمنن بالقرآن والنبوة فتستكثرهم به، تأخذ على ~~ذلك عوضا من الدنيا. # - ثم قال تعالى: { ولربك فاصبر }. # أي: اصبر على ما تلقى من قومك لربك [واحتمل] أذاهم. # وقال ابن زيد: معناه، اصبر على محاربة العرب ms2705 والعجم، قال: " حمل ~~أمرا عظيما، محاربة العرب ثم العجم من بعد العرب في الله ". # وقال النخعي: معناه: ولربك فاصبر على عطيتك، ولا تعطها لتأخذ أكثر منها، ~~بل احتسبها الله. # - ثم قال تعالى: { فإذا نقر في الناقور * فذلك ~~يومئذ يوم عسير }. # يقال: [عسر] الأمر إذا صعب فهو عسير، [وعسر] فهو عسر. ~~والمعنى: فإذا نفخ في الصور فذلك [يوم] شديد صعب غير سهل على الكافرين. # روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن [وحنى] ~~جبهته ليستمع متى يؤمر، ينفخ فيه. قال: ~~فاشتد ذلك على أصحابه فأمرهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن يقولوا { حسبنا الله ونعم الوكيل } { ~~على الله توكلنا } ". # قال عكرمة: الناقور: الصور. قال مجاهد: (هو) شيء كهيئة ~~[البوق]. # - ثم قال: { ذرني ومن خلقت وحيدا }. # أي: كل - يا محمد - أمر هذا الذي خلقته في بطن أمه وحيدا لا شيء ~~له من مال ولا ولد، يعني بذلك الوليد بن المغيرة المخزومي. قال ابن عباس: ~~" أنزل الله في الوليد بن المغيرة { ذرني } { ومن ~~خلقت وحيدا }. [وقوله: # فوربك لنسألنهم أجمعين... # [الحجر: 92] إلى آخرها ". # وقيل: معناه: دعني يا محمد ومجازاة من خلقته وحده، فيكون " وحيدا " ] ~~على القول الأول حالا من الهاء المحذوفة في " خلقته ". وعلى (هذا) القول ~~الآخر حالا من التاء في " خلقته ". وفي هذا الكلام تهدد عظيم ووعيد. ~~والعرب تقول: ذرني وزيدا، أي: كل عقوبته ومطالبته إلي. # فالمعنى: كل - يا محمد - عقوبة هؤلاء إلي، فلست أحتاج [في ذلك] إلى ~~معين ولا ظهير. ويروى أنه كان يقول: أنا الواحد بن الوحيد، ليس لي من ~~العرب نظير ولا لأبي المغيرة نظير. # - ثم قال تعالى: { وجعلت له مالا ممدودا }. # قال مجاهد وابن جبير: هو ألف دينار. وقال سفيان: (بلغني) أنه أربعة آلاف ~~دينار. وقيل: هو الأرض يزرع فيها. قاله النعمان بن سالم. وقال عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه: هو غلة شهر [بشهر]. # - ثم قال تعالى: { وبنين شهودا }. # أي: وجعلت له بنين شهودا، أي: [حضورا]. روي أنه كان ms2706 له عشرة من الولد. ~~وقد قاله / مجاهد وغيره. # وروي أنه ما زاد بعد نزول هذه الآية إلا [ارتكاسا] في ماله وولده ~~ونفسه. # - ثم قال: { ومهدت له تمهيدا }. # أي: بسطت له في العيش بسطا. قاله سفيان. وقال مجاهد: " من المال والولد ~~". # - ثم قال: { ثم يطمع أن أزيد * كلا... }. # ثم يأمل أن أزيده من المال والولد على ما أعطيته { كلا }: أي: ~~ليس الأمر على ما يؤمل، أي: لا يكون ذلك]. # - ثم قال: { إنه كان لآياتنا عنيدا }. # أي: إنه كان لرد حجتنا وآياتنا معاندا، مجانبا. يقال: عند البعير ~~[يعند عنودا]، [وبعير عنود]: إذا مشى مجانبا للإبل لا ~~يمشي معها. قال ابن عباس: { عنيدا } " جحودا ". وهو قول قتادة. وقال ~~مجاهد: " معاندا للحق، مجانبا له ". وقال سفيان: { عنيدا } " مشاقا ~~لنا ". # - ثم قال: { سأرهقه صعودا }. # أي: سأكلفه مشقة من العذاب لا راحة منها. وقيل: الصعود جبل من نار ~~(يكلفون) أن يصعدوه، فإذا وضع يده عليه ذابت، فإذا رفعها عادت، وإذا وضع ~~رجله كذلك. وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " الصعود جبل من نار يصعد فيه سبعين خريفا ثم ~~يهوي كذلك أبدا ". # قال مجاهد: { صعودا }: " عذابا لا راحة منه ". # وقال قتادة: " مشقة من العذاب ". # - ثم قال: { إنه فكر وقدر * [فقتل كيف قدر] }. # أي: فكر فيما أنزل الله على نبيه من القرآن، وقدر فيما يقول فيه، ~~فلعن كيف قدر ما هو قائل، ثم لعن كيف قدر القول فيه. # { ثم نظر }. أي: ثم تأنى في ذلك. # { ثم عبس... }. # أي: قبض ما بين عينيه. # { وبسر }. # أي: كلح وكره وجهه. # قال عكرمة: # " جاء الوليد بن المغيرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقرأ عليه النبي القرآن، فكأنه رق له، فبلغ ذلك أبا جهل. ~~فأتاه فقال: أي عم، إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا. ~~قال: لم؟ قال: يعطونك! فإنك أتيت محمدا تتعرض لما ~~قبله. قال: قد علمت قريش أني أكثرها مالا! قال: فقل فيه قولا ~~يعلم قومك أنك منكر " [لما قال]، وأنك كاره ms2707 له، ~~قال: فماذا أقول فيه؟ فوالله ما منكم رجل أعلم مني ~~بالأشعار ولا أعلم برجزه ولا بقصده، ولا ~~بأشعار الجن، و (الله) لا يشبه الذي يقول شيئا ~~من هذا، والله إن لقوله الذي يقول لحلاوة! ~~وإنه ليحطم ما تحته! وإنه ليعلو وما يعلى! ~~قال أبو جهل: والله لا يرضى قومك حتى تقول فيه. ~~قال: فدعني حتى أفكر فيه. (فلما فكر فيه) ~~قال: هذا سحر يأثره [عن] غيره، فنزلت { ذرني ومن ~~خلقت وحيدا } ". # قال ابن عباس: # " دخل الوليد بن المغيرة على أبي بكر يسأله ~~عن القرآن، فلما أخبره خرج على قريش فقال: يا ~~عحبا لما يقول ابن أبي كبشة! فوالله، ما هو بشعر ~~ولا بسحر ولا [بهذي] من جنون، وإنه لمن كلام ~~الله - جل وعز - فلما سمع بذلك النفر (من ~~قريش) [ائتمروا] بينهم، وقالوا: والله لئن صبأ ~~الوليد لتصبؤن قريش، فلما سمع بذلك أبو ~~جهل بن هشام قال: أنا والله أكفيكم شأنه. ~~فانطلق حتى دخل عليه بيته، فقال: [ألم تر] ~~قومك قد جمعوا لك الصدقة؟! قال: ألست أكثرهم ~~مالا وولدا؟! فقال له أبو جهل: يتحدثون أنك ~~تدخل على ابن أبي قحافة لتصيب من طعامه! قال ~~الوليد: [أقد] تحدثت بذلك عشيرتي؟! فلا وأيم ~~جابر بن قصي، لا أقرب أبا بكر (ولا عمر) ولا ~~ابن أبي كبشة، [وما قوله إلا سحر] يؤثر. ~~فأنزل الله { ذرني ومن خلقت وحيدا... } إلى { لا ~~تبقي (ولا) تذر } ". # قال قتادة: ذكر أنه قال: والله، لقد نظرت [فيما قال هذا الرجل]، [فإذا] ~~هو ليس بشعر، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه ليعلو ~~وما يعلى، وما أشك أنه سحر. وقال الضحاك: دعاه النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلى الإسلام، فقال: حتى أنظر! ففكر، ثم عبس ~~وبسر، ثم أدبر واستكبر، فقال: إن هذا إلا سحر يؤثر، فجعل ~~الله له سقر. # قال أبو رزين (سحر) (أي): يأثره من غيره. # - { إن هذآ إلا قول البشر }. # أي: ما هذا الذي يتلوه محمد إلا قول بني آدم وما هو بكلام الله. [فهذا ~~أول من ms2708 قال: القرآن مخلوق، قاله الوليد بن المغيرة فأدخله الله سقر. قال ~~بعض العلماء: فكذا يفعل بكل من قال: القرآن مخلوق، قاله أحمد بن ~~زيد]. # - ثم قال: { سأصليه سقر }. # أي: [سأورده] سقر، وهو باب من أبواب جهنم. يروى أنه الباب السادس منها، ~~نعوذ بالله منها. # - { ومآ أدراك ما (سقر) }. # أي: وأي شيء أدراك ما سقر؟، ثم بينه وأدراه به [فقال] في صفة ~~سقر. # - { لا تبقي ولا تذر }. # أي: هي نار لا تبقي من فيها حيا، ولا تذر من فيها ميتا، لكنها ~~تحرقهم، كلما احترقوا جدد خلقهم. قال مجاهد: { لا تبقي ~~ولا تذر } أي: لا تحيي ولا تميت وقيل: { لا تبقي ولا ~~تذر }: لا تبقي الكافر حتى يصير فحمة ثم يعاد خلقا جديدا ثم لا ~~تذره حتى يعود / عليه العذاب بأشد مما كان هكذا أبدا، نعوذ ~~بالله من ذلك. # - ثم قال تعالى: { لواحة للبشر }. # أي: مغيرة لبشرة من فيها. قال مجاهد: { لواحة للبشر } ، أي: ~~مغيرة للجلد. وقال قتادة: " خراقة للجلد ". وقيل: معناه: ~~تلوح لأهلها من مسيرة خمسمائة عام. وعلى القول الأول أكثر الناس ~~أنها تغير البشرة. قال [أبو رزين]: تلفح الجلد لفحة تدعه ~~أشد سوادا من الليل. # وقال ابن عباس: " تحرق بشرة الإنسان ". # - ثم قال: { عليها تسعة عشر }. # أي: من الخزنة. ذكر ابن عباس أن هذا لما نزل على النبي صلى ~~الله عليه وسلم، قال أبو جهل لقريش: ثكلتكم ~~أمهاتكم! أسمع ابن أبي كبشة يخبركم أن ~~خزنة النار تسعة عشر. وأنتم [الدهم] أفتعجز ~~كل عشرة منكم أن تبطش برجل من [خزنة] ~~جهنم؟! فأوحى الله إلى نبيه أن يأتي أبا جهل ~~فيأخذ بيده في بطحاء مكة فيقول # أولى لك فأولى * ثم أولى لك فأولى # [القيامة: 34-35]. فلما فعل به ذلك رسول الله قال له ~~أبو جهل: والله، لا تفعل أنت وربك شيئا. ~~فأخزاه - جل ذكره - يوم بدر فقتل. # قال كعب الأحبار: { عليها تسعة عشر }: ما منهم ملك إلا ومعه ~~عمود ذو شعبتين يدفع به الدفعة فيلقي في النار تسعين ألفا. # - ثم قال تعالى: ms2709 { وما جعلنآ أصحب النار إلا ~~ملئكة... }. # أي: لم نجعل أصحاب النار رجالا مثلكم فتطمعوا بالتغلب عليهم كما قال ~~أبو جهل لقريش: أفلا يستطيع كل عشرة منكم أن يغلبوا منهم واحدا؟!. فإذا ~~كانت الخزنة ملائكة، فمن ذا يطيق الملائكة؟!. # - ثم قال: { وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين ~~كفروا }. # أي: لم نجعلهم تسعة عشر فقط لقلة الملائكة؛ ولكن جعلناهم كذلك ليفتتن ~~الذين كفروا ويستقلوا عدتهم ويحدثوا أنفسهم بالتغلب على الخزنة حتى قال ~~[أبو الأشد الجمحي]: أنا [أجهضهم] [عن] النار. وقيل: إن كلدة ~~بن أسيد بن خلف قال: أنا أكفيكم سبعة عشر، واكفوني اثنين. # - ثم قال تعالى: { ليستيقن الذين أوتوا الكتب }. # أي: فعلنا ذلك ليفتتن الذين كفروا [وليتيقن] الذين أوتوا التوراة ~~والإنجيل حقيقة ما في كتبهم من الخبر عن عدة خزنة جهنم، لأنه كذلك عدتهم ~~في التوراة (والإنجيل). هذا معنى قول ابن عباس وغيره. وهو قول مجاهد. # قال قتادة: يصدق القرآن الكتب التي كانت قبله، فيها كلها ~~خزنة النار تسعة عشر. وهو قول الضحاك. وقال ابن زيد: { ~~ليستيقن الذين أوتوا الكتب... } " أنك رسول الله ". # ثم قال تعالى: { ويزداد الذين ءامنوا إيمنا... }. # أي: تصديقا إلى تصديقهم بعدة خزنة جهنم. # - ثم قال: { ولا يرتاب الذين أوتوا الكتب ~~والمؤمنون... }. # أي: ولا يشك أهل الكتاب [و] المؤمنون في حقيقة ذلك. # - ثم قال: { وليقول الذين في قلوبهم مرض... }. # أي: نفاق. # { والكفرون... }. # يعني: مشركي قريش. # - { ماذآ أراد الله بهذا مثلا }. # أي: ماذا أراد الله بهذا حين يخوفنا بهؤلاء التسعة عشر. # - قال الله: { كذلك يضل الله من يشآء ويهدي من ~~يشآء }. # أي: كما أضل هؤلاء المنافقين والمشركين القائلين: أي شيء أراد الله بهذا ~~مثلا؟! كذلك يضل الله من يشاء] من خلقه فيخذله عن إصابة الحق، ~~ويهدي من يشاء فيوفقه للحق. # - ثم قال تعالى: { وما يعلم جنود ربك إلا هو... }. # أي: لا يعلم (مقدار) كثرة جنود ربك يا محمد إلا ربك. روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن لله ملائكة ترعد فرائصهم مخافة منه، ~~وإن منهم من لا ms2710 تقطر من عينيه دمعة إلا ~~وقعت ملكا يسبح، وملائكة سجود منذ خلق الله ~~السموات لم يرفعوا رؤوسهم ولا يرفعونها إلى ~~يوم القيامة، ومنهم [ملائكة] وقوف لم ينصرفوا ~~ولا ينصرفون إلى يوم القيامة. فإذا كان يوم القيامة، تجلى ~~لهم ربهم - جل ذكره - فقالوا: سبحانك! ما ~~عبدناك حق عبادتك! ". # وقال كعب: إن لله عز وجل ملائكة من يوم خلقهم قياما، [ما] ثنوا ~~أصلابهم، وآخرين ركوعا ما رفعوا أصلابهم، وآخرين [سجودا] ما رفعوا ~~رؤوسهم حتى ينفخ في الصور النفخة الآخرة فيقولون جميعا: سبحانك! ما ~~عبدناك كما ينبغي أن تعبد. ثم قال كعب: والله، لو أن رجلا عمل ~~عمل سبعين نبيا، [لاستقل] عمله يوم القيامة من شدة ما يرى ~~يومئذ. والله، لو دلي من [غسلين] دلو واحد من مطلع الشمس، لغلت / منه ~~جماجم قوم في مغربها. # والله، [لتزفرن] جهنم زفرة لا يبقى ملك مقرب إلا خر ~~جاثيا على ركبتيه. # وروى ابن المبارك حديثا - رفعه - أن ملكا سجد لما استوى الرب [تعالى] ~~على عرشه، فلم يرفع رأسه [و] لا يرفعه إلى يوم القيامة، فيقول يوم ~~القيامة: لم أعبدك حق عبادتك، إلا أني لم أشرك بك شيئا، ولم أتخذ من ~~دونك وليا. # وقد وصفهم الله في كتابه فقال: # يسبحون اليل والنهار لا يفترون # [الأنبياء: 20]. # قال كعب: التسبيح للملائكة بمنزلة النفس لبني آدم، ألهموا ~~التسبيح كما ألهمتم الطرف والنفس. # - ثم قال تعالى: { وما هي إلا ذكرى للبشر }. # يعني النار التي وصفها. يقول: ليس ما وصفتها به من تغييرها للبشر وعدة ~~خزنتها إلا عظة وعبرة للناس يتعظون بها. # - ثم قال: { كلا والقمر }. # أجاز الطبري الوقف على " كلا " ، [جعله] ردا لما قبلها. # والمعنى عنده: ليس القول كما يقول من زعم أنه يكفي أصحابه المشركين خزنة ~~جهنم التسعة عشر حتى يجهضهم عنها. وقال الفراء: تقديره: " إي والقمر، ~~وقيل: تقديره: " حقا " (وقيل): " ألا ". # - { والقمر.. }. # أي: ورب القمر ورب الليل إذا أدبر، أي: ولى. # - { والصبح إذآ أسفر }. # أي: أضاء وأقبل. يقال: أسفر الصبح إذا أضاء وانكشف. ومنه: سفرت المرأة ~~عن وجهها إذا ms2711 كشفته. ومنه قيل: " سفر " للكتاب الذي فيه العلم، لأنه يبين ~~ويكشف. ومنه سفرت الريح الغمام: كشفته. ومنه: سفرت البيت: أي كنسته، ومنه ~~قيل: " سفير " للذي يسعى في الصلح، لأنه يكشف المكروه ويزيله. # وحكى بعض البصريين: دبرني إذا جاء خلفي. وأدبر إذا ولى. واختار [أبو ~~عبيد] [إذا ادبر]، لأن بعده: { إذآ أسفر }. وحكي: دبر وأدبر: ~~لغتان بمعنى، يقال: دبر النهار وأدبر. ودبر الصيف وأدبر، وكذلك قبل ~~وأقبل. فإذا قالوا: أقبل الراكب و " أدبر " لم يقل إلا بالألف. # وقيل: معنى { إذ أدبر } أي: إذ أدبر النهار، وكان في آخره. وسأل ~~رجل ابن عباس عن قوله: { والليل إذ أدبر } فقال: امكث، فلما ~~سمع الأذان [الأول] قال: هذا حين دبر الليل. # - ثم قال: { إنها لإحدى الكبر }. # يعني جهنم، أي: هي إحدى الأمور العظام. و (إحدى): فعلى، نعت، وهو ~~قليل، إنما تأتي هذه النعوت غير المصادر بضم الأول أو بفتحه. # - ثم قال: { نذيرا للبشر }. # قال أبو رزين: يقول الله جل ذكره: أنا نذير للبشر. # وقال [ابن زيد]: معناه: محمد نذير للبشر. ونصبها على الحال من المضمر في ~~" إنها " [أو من] " إحدى ". # وهذان القولان يدلان على أن النار هي النذير، وهو قول الحسن. ويجوز أن ~~تكون حالا من " هو " في قوله: { إلا هو } ، أو على إضمار فعل ~~تقديره: صيرها { نذيرا } ، وهذا على قول أبي رزين. وقال الكسائي: ~~هي حال من المضمر في { قم } أي: قم نذيرا، من أول السورة. وهو يرجع ~~إلى قول ابن زيد. وقيل: { نذيرا } بمعنى إنذار، فنصبه على المصدر. ~~(وقيل: نصبه على المصدر) [وقيل: نصبه على أعني]. ومن جعله للنار حذف ~~[الياء] من " نذير " لأنه بمعنى النسب. ### || [74.37-56] # - قوله: { لمن شآء منكم أن يتقدم أو يتأخر... } ، ~~إلى آخر السورة. # أي: نذيرا للبشر لمن شاء منكم أن يتقدم في طاعة الله { أو ~~يتأخر } في معصيته. قاله قتادة. وهو معنى قول ابن عباس. # - ثم قال: { كل نفس بما كسبت رهينة }. # أي: كل نفس بما عملت من معصية الله في الدنيا رهينة في جهنم. # - { إلا أصحاب ms2712 اليمين }. # فإنهم غير مرتهنين، ولكنهم { في جنات يتسآءلون * عن ~~المجرمين }. # قال ابن عباس: { رهينة } أي: " مأخوذة [بعملها] ". وقاله قتادة. قال ~~مجاهد: { إلا أصحاب اليمين } " لا يحاسبون ". [وقال] ابن زيد: ~~أصحاب اليمين لا يرتهنون بذنوبهم، ولكن يغفرها الله عز وجل. وقال الضحاك: ~~(معناه): كل نفس سبقت لها كلمة العذاب يرتهنها الله عز وجل في النار، ولا ~~يرتهن أحدا من أهل الجنة. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: { إلا ~~أصحاب اليمين }: هم " أطفال المسلمين ". وقال ابن عباس: " [هم] ~~الملائكة ". # فمن قال: هم الأطفال [أو هم الملائكة] استدل بقولهم للمجرمين { ما ~~سلككم في سقر } ، وذلك أنهم لم يقترفوا ذنوبا في الدنيا. ولو ~~اقترفوها ما سألوا عن ذلك، وكل من دخل الجنة غير الأطفال فقد كانت لهم ~~ذنوب. وقال الضحاك: هم # الذين سبقت لهم منا الحسنى # [الأنبياء: 101]. # ومعنى { ما سلككم في سقر }: [ما] أدخلكم في سقر؟! # وقرأ ابن الزبير: " يتساءلون عن المجرمين، يا فلان: ما سلككم في سقر ~~". [وهذه] قراءة على التفسير. وقيل: معناه / أن المؤمنين يسألون الملائكة ~~عن قراباتهم من المشركين، (فتسأل الملائكة المشركين) تقول لهم: ما سلككم ~~في سقر؟! فيقول [المشركون] ما حكى الله من قولهم، وإقرارهم على أنفسهم ~~بالجحود والكفر. # ومعنى: { من المصلين }: من الموحدين. # - ثم قال تعالى حكاية عن جواب المشركين: { قالوا لم نك من ~~المصلين }. # أي: لم نكن - في الدنيا - من المصلين لله. # - { ولم نك نطعم المسكين * وكنا نخوض مع ~~الخآئضين }. # أي: نخوض في الباطل مع كل من يخوض فيه. # قال قتادة: نخوض مع الخائضين، أي: (كلما غوى غاو غووا معه). # - { وكنا نكذب بيوم الدين }. # أي: نقول: لا بعث ولا جزاء ولا جنة ولا نار. # - { حتى أتانا اليقين }؟ # أي: الموت. # - { فما تنفعهم شفاعة الشافعين }. # أي: فما يشفع لهم الذين يشفعهم الله في أهل الذنوب من أهل التوحيد ~~فتنفعهم شفاعتهم. ففي هذا دليل بين أن الله يشفع بعض خلقه في بعض. قال ~~ابن مسعود في قصة طويلة في الشفاعة (قال): ثم تشفع الملائكة والنبيون ~~والشهداء والصالحون والمؤمنون، ويشفعهم ms2713 الله فيقول: أنا أرحم الراحمين. # قال ابن مسعود: لا يبقى في النار إلا أربعة. ثم يتلو: { [لم] نك ~~من المصلين } إلى: {...الدين }. # قال أنس بن مالك: " إن الرجل ليشفع للرجلين والثلاثة [والرجل] ". وقال: ~~أبو قلابة: " يدخل الله بشفاعة رجل من هذه الأمة (الجنة) مثل بني تميم - ~~أو قال: أكثر من بني تميم - ". وقال الحسن: " مثل ربيعة ومضر ". # - ثم قال: { فما لهم عن التذكرة معرضين }. # فما لهؤلاء المشركين عن تذكرة الله إياهم بهذا القرآن معرضين لا يستمعون ~~ولا يتعظون؟! # - ثم قال: { كأنهم حمر مستنفرة }. # أي: كأنهم في نفارهم عن القرآن حمر مذعورة خائفة من الرماة [قد] ~~نفرت. ومن قرأ { مستنفرة } - بالكسر - فمعناه: نافرة، ومن فتح ~~[فمعناه]: مذعورة خائفة. قال ابن عباس وعكرمة وقتادة: القسورة: الرماة. ~~وقال معمر: هي [النبل]. وقال ابن جبير: هي رجال القنص. وروي ذلك أيضا عن ~~ابن عباس. [وعنه] أيضا: هي جماعة الرجال، وعنه أيضا: هي أصوات الرجال. ~~وقال أبو هريرة: هي الأسد، روي ذلك أيضا عن ابن عباس. # والقسورة مشتقة من القسر، وهي الغلبة. # - ثم قال: { بل يريد كل امرىء منهم أن يؤتى ~~صحفا منشرة }. # أي: ما بهم في إعراضهم عن الإيمان والقرآن إلا أن يعطى كل إنسان منهم ~~كتابا من السماء ينزل عليه. # - { كلا } ، أي: لا يكون ذلك. # قال قتادة: قال قائلون من الناس: يا محمد، إن سرك أن نتبعك فأتنا ~~بكتاب خاصة إلى فلان وفلان (يؤمر) فيه باتباعك. # وقال مجاهد: يريدون أن ينزل عليهم كتابا إلى فلان من رب العالمين. ~~وقيل: المعنى: بل يريد كل إنسان منهم أن يذكر بذكر جميل، فجعلت الصحف في ~~موضع الذكر على المجاز. # وقيل: قالوا: إن كان الإنسان إذا أذنب كتب عليه، فما بالنا لا نؤتى ~~ذلك؟!. # - ثم قال: { بل لا يخافون الآخرة }. # أي: لكنهم لا يخافون عقاب الله، ولا يرجون ثوابه، فذلك الذي دعاهم إلى ~~الإعراض عن تذكرة الله، وهون عليهم ترك الاستماع لوحي الله وتنزيله. ~~قال قتادة: " إنما أفسدهم أنهم كانوا لا يصدقون بالآخرة، ولا يخافونها ". # - ثم قال: ms2714 { كلا إنه تذكرة }. # أي: ليس الأمر كما يقول هؤلاء المشركون في القرآن: إنه سحر يؤثر وإنه ~~قول البشر، ولكنه تذكرة من الله خلقه. # - ثم قال: { فمن شآء ذكره }. # أي: فمن شاء من عباد الله - الذين ذكرهم بهذا القرآن - ذكره فاتعظ به ~~[واستعمل] ما فيه. (ويحسن أن يكون { كلا } في هذين الموضعين بمعنى " ~~ألا " فيبتدأ بها)، ويحسن أن يكونا بمعنى " حقا ". # - ثم قال: { وما يذكرون إلا أن يشآء الله هو. # .. }. # أي: وما تذكرون هذا القرآن فتتعظون به [وتستعملون] ما فيه إلا أن يشاء ~~الله ذلك، لأنه لا أحد يقدر على شيء إلا بمشيئة الله وبقدرته. والتاء في ~~{ يذكرون } للخطاب. والياء على لفظ الغيبة. # - ثم قال: { هو أهل التقوى وأهل المغفرة }. # أي: الله أهل أن يتقي عباده عقوبته / على معصيتهم إياه فيسارعوا ~~إلى طاعته واجتناب معصيته، والله أهل أن يغفر لمن تاب من ذنوبه وسارع إلى ~~طاعته (ونزع) عن معصيته. # روى أنس # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في قوله: { هو أهل التقوى ~~وأهل المغفرة } ، قال: " يقول ربكم. أنا أهل أن ~~أتقى أن يجعل معي إله غيري، ومن اتقى أن ~~يجعل معي إلها (غيري) فأنا أغفر له " ". # قال قتادة: معناه: " هو أهل أن تتقى محارمه وأهل أن يغفر الذنوب ". # وسئل طلق بن حبيب عن التقوى فقال: اعمل بطاعة الله ابتغاء وجه الله على ~~نور من الله، وتجنب معصية الله مخافة عذاب الله على نور من الله. # وروى أنس # " أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن هذه الآية: { هو أهل ~~التقوى وأهل المغفرة } فقال: " إن الله يقول: أنا ~~أهل أن أتقى فلا يجعل معي شريك. وأنا أهل ~~المغفرة لمن لم يجعل معي شريكا " ". # قال أبو محمد رضي الله عنه: وهذا الحديث خير من الدنيا وما فيها، [وهو] ~~من رواية ابن عباس، حديث صحيح. ### | [75 - سورة القيامة] ### || [75.1-40] # - قوله: { لا أقسم بيوم القيامة } ، إلى آخرها. # من النحويين من قال: " لا " زائدة كزيادتها في قوله: # ما منعك ألا تسجد # [الأعراف: 12]. ولم يمتنع أن ms2715 تزاد في أول الكلام، لأن القرآن كله كسورة ~~واحدة. وقد صح عن ابن عباس وغيره أنه قال: إن الله جل ذكره أنزل القرآن ~~جملة واحدة إلى السماء الدنيا في شهر رمضان في ليلة القدر. ثم نزل ~~متفرقا من السماء على النبي صلى الله عليه وسلم. وقد قال الفراء: " لا " ~~لا تزاد ( " لا " في النفي)، وخالفه غيره فأجاز زيادتها في غير النفي. ~~وقيل: [إن] " لا " من قوله: { لا [أقسم] }: جواب، ثم استأنف فقال: ~~أقسم بيوم القيامة. وكذلك هي زائدة [بلا] اختلاف في قوله: { ولا ~~أقسم بالنفس } ، لأنها متوسطة بلا اختلاف، ولأنها بعد نفي. هذا ~~على قول من جعله أيضا قسما ثانيا. ومن جعله غير قسم جعل " لا " نافية. ~~وهو قول الحسن. وقد قرأ قنبل عن ابن كثير: " لأقسم " بغير ألف بعد ~~اللام، وهو غلط عند الخليل وسيبويه، لأنها لام عند قسم تلزمها النون ~~المشددة. # قال ابن جبير: " { لا أقسم بيوم القيامة } معناه: أقسم ~~بيوم القيامة ". وقال أبو بكر ابن عياش: { لا } تأكيد للقسم، بقولك: لا، ~~والله. # وحكي عن بعض الكوفيين أن { لا } رد لكلام قد مضى من المشركين الذين ~~كانوا ينكرون الجنة والنار. ثم ابتدأ القسم فقال: { أقسم بيوم ~~القيامة }. وكان يقول: كل يمين قبلها رد لكلام فلا بد من تقدم " لا ~~" ليفرق بذلك بين اليمين التي تكون جحدا واليمين التي تستأنف. قال: ألا ~~ترى أنك تقول مبتدءا: والله إن الرسول لحق؟ فإذا قلت: لا، والله إن ~~الرسول لحق، فكأنك كذبت قوما أنكروه. وقيل: " لا " تنبيه بمعنى " ألا ". ~~كما قال امرؤ القيس: # لا وأبيك ابنة العامر[ي] # لا يدعي القوم أني [أفر] # يريد: ألا. # قال ابن عباس: قوله: { ولا أقسم بالنفس } (هو أيضا) قسم. ~~أقسم ربنا بما شاء من خلقه. وهو قول قتادة. وهو اختيار الطبري، فتكون ~~" لا " الأولى ردا لكلام تقدم، و " لا " الثانية زائدة. وقال الحسن: { ~~ولا أقسم بالنفس } ليس بقسم. والمعنى: ولست أقسم بالنفس ~~اللوامة. فتكون " لا " الأولى [ردا] لكلام تقدم أو زائدة، و " لا " ~~الثانية نافية غير زائدة. ms2716 # وتأويل الكلام عند الطبري: لا، ما الأمر. كما تقولون: أيها الناس. كأنه ~~(يقدر) جواب القسم محذوفا. كأنه قال: (لا)، ما الأمر، كما تقولون: إن ~~الله لا يبعث أحدا، أقسم بيوم القيامة ما الأمر كما تقولون. # ودل على ذلك قوله: { بلى قادرين على أن نسوي بنانه ~~} ، وقوله { أيحسب الإنسان ألن [نجمع] عظامه } ، أي: ~~أيحسب أن لن يبعث بعد موته؟! { ألم يك نطفة من مني ~~يمنى * ثم كان علقة فخلق فسوى * فجعل منه ~~الزوجين الذكر والأنثى * أليس ذلك بقادر على ~~أن يحيي الموتى } ، (على خلاف) ظنهم أنهم لا يبعثون. فالمعنى: ~~ما الأمر كما تقولون أيها الناس من أن الله لا يبعث عباده بعد مماتهم، ~~أقسم بيوم القيامة. قال: والمعروف في كلام الناس: إذا قال الرجل: ~~" لا، والله ما فعلت " أن قولهم " لا " رد الكلام. وقولهم: " والله ": ~~ابتداء يمين فكذلك { لا أقسم بيوم القيامة }. # - وقوله: { بالنفس اللوامة }. # أي: بالنفس التي " تلوم على الخير والشر ". قاله ابن جبير. وقال مجاهد: ~~معناه بالنفس التي تندم وتلوم على ما فات. يروى أنه ما من نفس إلا تلوم ~~نفسها يوم القيامة. يلوم المحسن نفسه: ألا ازداد خيرا؟! ويلوم ~~المسيء نفسه (على إساءته / وعلى ما فاته من التوبة. قال الحسن: المؤمن ~~يلوم نفسه ويعاتبها ويقول): [لم] أكلت؟! [لم شربت]؟! لم تحدثت؟! لم ~~تكلمت؟! - يعني: يفعل ذلك في الدنيا - قال: والكافر لا يعاتب نفسه، ~~يمر قدما قدما في الذنوب. وعن الحسن [أيضا] أنه قال: هو المؤمن، إن ~~تلقاه إلا يعاتب نفسه: [ما أردت بكذا]؟! [ما أردت] بنظرك ما أردت ~~بكلمتك؟! وقال قتادة: اللوامة: " الفاجرة ". وعن ابن عباس: هي " المذمومة ~~". # - ثم قال: { أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه * بلى ~~قادرين على أن نسوي بنانه }. # أي: أيظن ابن آدم أن لن نقدر على جمع عظامه بعد تفرقها؟! يعني: أيحسب ~~الكافر أنه لا يبعث بعد تفرق عظامه؟! بل نقدر على أعظم من ذلك، وهو أن ~~نسوي أصابع يديه ورجليه فنجعلها شيئا واحدا [كخف] البعير، وحافر ~~الحمار، فلا يقدر أن يأكل بيديه ويرجع إلى ms2717 الأكل بفمه كالبهائم، ولكن ~~(الله) فرق أصابع يديه ورجليه ليتناول بها ويفضي إذا شاء، هذا معنى ~~قول ابن عباس وغيره من المفسرين. ونصب { قادرين } على الحال، أي: ~~بلى، نجمعها في حال قدرة على تسوية بنانه. هذا قول سيبويه. # وقيل: التقدير: بل نقدر، فلما وقع { [قادرين] } في موضع " نقدر " ، ~~نصب على الحال. # وهذا غلط، لأنه يلزم أن يقول: " قائما زيد " [بنصب] " قائم " إذا رفع " ~~زيدا " بفعله، لأنه في موضع " يقوم ". وقال الفراء: تقديره: بلى، نقوى ~~على ذلك قادرين. # - ثم قال: { بل يريد الإنسان ليفجر أمامه }. # أي: ليس يجهل الإنسان أن ربه يقدر على جمع عظامه وإحيائه بعد موته، ولكن ~~يريد أن يمضي أمامه قدما لا يثنى عن ذنوبه ولا يتوب من كفره، ~~ويسوف بالتوبة. # قال ابن جبير: { ليفجر أمامه } ، يعني الأمل، يقول: أعمل ثم ~~أتوب قبل يوم القيامة. قال مجاهد: يمضي ابن آدم { أمامه } راكبا ~~رأسه. وقال الحسن: لا تلقى ابن آدم إلا تنزع نفسه إلى معصية الله ~~قدما قدما إلا من عصم الله. وقال عكرمة:... " لا ينزع عن فجوره ~~". وقال الضحاك: يركب رأسه في طلب الدنيا دائما، لا يذكر الموت، يقول: ~~أصيب من الدنيا كذا، وأصيب من الدنيا كذا، ولا يذكر الموت. # وعن ابن عباس أن معناه أن الإنسان هنا " الكافر، يكذب بالبعث والحساب ~~" ، وهو قول ابن زيد. فالهاء في { أمامه } للإنسان [في جميع هذه] ~~الأقوال. # وقيل: الهاء ليوم القيامة، والمعنى: بل يريد الإنسان ليكفر بالحق بين ~~يدي يوم القيامة. # وقيل: المعنى: يقدم الذنب ويؤخر التوبة. # - ثم قال: { يسأل أيان يوم القيامة }. # أي: يسأل الإنسان الدائم في معصية الله: متى يوم القيامة؟! تسويفا منه ~~بالتوبة. قال قتادة: [يقول]: " متى يوم القيامة ". قال عمر بن الخطاب: " ~~من سأل عن يوم القيامة فليقرأ هذه السورة ". قال ابن عباس: معناه: يقول ~~الإنسان: سوف أتوب. قال: فبين له، فقيل له: { فإذا برق البصر * ~~وخسف القمر... }. # - وقوله: { فإذا برق البصر }. # من فتح الراء فمعناه: [لمع] عند الموت، ومن كسر فمعناه: حار وفزع ~~[عند الموت]. قال ms2718 قتادة: { برق (البصر) }: شخص، يعني: عند الموت. ~~وقيل: ذلك يوم القيامة عند المبعث. # وسياق الكلام يدل على ذلك، لأن بعده: { وخسف القمر * وجمع ~~الشمس والقمر * يقول الإنسان يومئذ أين ~~المفر } ، فهذا كله يوم القيامة يكون فكذلك { برق البصر }. ~~وقيل: الفتح في الراء والكسر لغتان، بمعنى: لمع وشخص. ويدل على ~~[صحة] ذلك قوله: # لا يرتد إليهم [طرفهم] # [إبراهيم: 43]، فهذا هو الشخوص، [لا تطرف] أعينهم، وذلك من شدة ~~هول يوم القيامة. # - ثم قال: { وخسف القمر }. # أي: ذهب ضوءه. # - { وجمع الشمس والقمر }. # أي: جمع بينهما في ذهاب الضوء، فلا ضوء لواحد منها. # وفي قراءة عبد الله: وجمع بين الشمس والقمر. روي أنهما يجمعان فيكوران ~~كما قال تعالى: # إذا الشمس كورت # [التكوير: 1] (قال مجاهد: كورتا يوم القيامة. وقال ابن زيد: جمعتا ~~فرمي بهما في الأرض. وتأويل # إذا الشمس كورت # [التكوير: 1] أن معناه: كورت في الأرض، [أي] [رمي] بها. فيكون معنى ~~الجمع بينهما هنا: أن يرمى بهما في الأرض. وقال عطاء: يجمعان يوم ~~القيامة ثم يقذفان في البحر [فيكونان] نار الله الكبرى. # وقيل: { وجمع } ، ولم يقل: " وجمعت " ، لأن معناه: وجمع بين الشمس ~~والقمر. # فحمل على تذكيرين. وقيل: لما كان الكلام لا يتم إلا بالقمر، غلب المذكر ~~- وهو القمر -. وقال الكسائي: حمل على المعنى. والتقدير: وجمع / النوران ~~الضياءان. وقال المبرد: ذكر { وجمع } لأنه تأنيث غير حقيقي، [إذ] ~~لم تؤنث الشمس للفرق بين شيء وشيء. فلذلك، تذكيره على معنى: " شخص " و ~~" شيء ". # - ثم قال: { يقول الإنسان يومئذ أين المفر }. # أي: يقول الإنسان - مما يرى من الأهوال يوم القيامة -: أين الفرار؟!، " ~~والمفر " مصدر. عن ابن عباس: " أين المفر " بكسر الفاء، وروي ~~عن عيسى بن عمر وابن أبي إسحاق ويحيى بن يعمر، فهو على هذا: اسم مكان، أي ~~المكان الذي يفر إليه. وأجاز في المصدر الكسر. # - ثم قال: { كلا لا وزر }. # أي: لا، ليس هنالك يا ابن آدم فرار، ولا مكان يلجأ إليه ويفر إليه، ولا ~~جبل ولا معقل. قال ابن عباس: { لا وزر }: " لا حصن (ولا ملجأ ". وقال ms2719 ~~مطرف بن الشخير: { لا وزر }: لا جبل، إن الناس إذا فروا قالوا: عليك ~~بالوزر. وهو قول الحسن ومجاهد وقتادة. وقال الضحاك: { لا وزر }: " لا ~~حصن) وهو قول أبي قلابة. وقال ابن جبير: لا محيص. وقال عكرمة: لا منعة. ~~وأصل هذا أنهم كانوا إذا ضيق عليهم في الحروب والهزائم الشداد لجؤوا ~~إلى الجبال والمعاقل، فأعلموا أنه لا ملجأ من عذاب الله في القيامة إلى ~~جبل ولا إلى غيره. # - ثم قال: { إلى ربك يومئذ المستقر }. # قال ابن زيد: " استقر أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار " وقال ~~قتادة: معناه: إلى ربك يومئذ المنتهى. # - ثم قال: { ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر ~~}. # أي: يخبر الإنسان يوم يجمع الشمس والقمر بما قدم من عمله وما أخر بعده ~~مما يعمل به من أجله. قال ابن عباس: " يخبر الإنسان يوم القيامة بما عمل ~~قبل موته وبما سن فعمل به بعد موته ". وقاله ابن مسعود. وقيل: ~~المعنى: بما قدم من المعصية وأخر من الطاعة. روي ذلك أيضا عن ابن عباس. ~~وقال مجاهد: معناه: يخير الإنسان يوم القيامة بأول عمله وآخره. # وقال قتادة: يخبر بما قدم من طاعة الله وبما أخر، أي: ما ضيع من حق ~~الله. وقال ابن زيد: { وأخر } معناه: بما ترك من العمل بطاعة الله. ~~و { بما قدم } [معناه]: ما قدم من عمل من خير أو شر. وقيل: ما أخر: ~~ما أوصى به بعد موته، وما أبقى من أثر عمله بعده. # - ثم قال تعالى: { بل الإنسان على نفسه بصيرة }. # أي: هو شاهد على نفسه. قال ابن عباس: " يشهد عليه سمعه وبصره ويداه ~~ورجلاه وجوارحه " ، فيكون { الإنسان } ابتداء، و { بصيرة } ~~ابتداء ثان، و { على نفسه } خبر، والجملة خبر [عن] الإنسان. # وقال ابن جبير وقتادة: معناه: أن الإنسان عارف بعيبه، فهو عارف بعيب ~~غيره، متغافل عن عيبه. فيكون { الإنسان } على هذا التأويل ابتداء، و { ~~بصيرة } خبره. ودخلت الهاء في " بصيرة " للمبالغة. وقيل: دخلت حملا ~~على المعنى، [لأن] المعنى: بل الإنسان حجة على نفسه. وقيل: معنى { بل ms2720 ~~الإنسان على نفسه بصيرة }: يعني الكاتبين يكتبان خيره ~~وشره. ودل على ذلك قوله: { ولو ألقى معاذيره } ، أي: ولو سدل ~~ستوره ليخفي صنعه لم ينفعه شيء. # - ثم قال تعالى: { ولو ألقى معاذيره }. # أي: بل الإنسان شاهد على نفسه ولو اعتذر مما أتى من المآثم وجادل ~~بالباطل [لا ينفعه] ذلك شيئا. قال ابن عباس: " { ولو ألقى ~~معاذيره } يعني الاعتذار. ألم تسمع إلى قوله تعالى: # لا ينفع الظالمين معذرتهم # [غافر: 52] يعني قولهم: # ما كنا نعمل من سوء # [النحل: 28]، وقولهم: # ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام: 23]؟! قال ابن زيد: " قوم يؤذن لهم فيعتذرون فلا ينفعهم ~~العذر، وقوم لا يؤذن لهم فيعتذروا ". # وقال مجاهد: { ولو ألقى معاذيره }: " ولو جادل عنها فهو ~~بصيرة عليها ". وقال السدي: " معناه: ولو أرخى الستور وأغلق الأبواب ". # وقال الحسن و [قتادة]: " (معناه): ولو ألقى معاذيره لم تقبل منه " ، إذ ~~هي باطل. # - ثم قال تعالى: { لا تحرك به لسانك لتعجل به }. # أي: لا تحرك يا محمد بالقرآن - إذا نزل عليك - (لسانك) لتعجل به. # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه شيء من القرآن عجل به ~~يريد حفظه [لحبه] إياه، فقيل: لا تعجل به، فإنا سنحفظه عليك. # قال ابن عباس: كان النبي صلى الله عليه وسلم يلقى من ~~التنزيل شدة، يحرك شفتيه كراهة أن يتفلت ~~منه، فأنزل الله - جل ذكره -: { لا تحرك به ~~لسانك لتعجل به * إن علينا جمعه وقرآنه } ، ~~أي: جمعه في صدرك، وأن تقرأه. # { فإذا قرأناه فاتبع (قرآنه) } ، أي: فأنصت ~~واستمع. # { ثم إن علينا بيانه }. # (أي): (إن) علينا أن نبينه بلسانك /، قال: ~~فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه جبريل [استمع]، ~~فإذا انطلق قرأه (كما قرأه). قال الشعبي: " كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي عجل يتكلم به ~~من حبه إياه، فنزل: { لا تحرك به لسانك ~~لتعجل به }. # وقال ابن زيد: " (معناه): لا تكلم بالذي أوحينا إليك حتى نقضي إليك ~~وحيه، فإذا قضينا إليك وحيه فتكلم به ". وقال الضحاك: كان النبي صلى الله ~~عليه ms2721 وسلم إذا نزل عليه القرآن حرك به لسانه مخافة أن ينساه، فقيل له: { ~~لا تحرك به لسانك لتعجل به * إن علينا ~~جمعه } أي: حفظه في [قلبك]. # وأن تقرأه بعد حفظه. وروي ذلك أيضا عن ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة. ~~[وقال قتادة]: معنى { إن علينا جمعه وقرآنه } أي: جمعه ~~في قلبك حتى تحفظه { وقرآنه } أي: [تأليفه]. # يقال: قرأت هذه الفاتحة في بطنها جنينا إذا ضمت رحمها على ذلك. # - وقوله: { فإذا قرأناه فاتبع قرآنه }. # معناه عند ابن عباس: ( " فإذا أنزلناه إليك فاستمع قرآنه ". وعنه أيضا ~~أن [معناه]: " فإذا تلي عليك فاتبع ما فيه ". وقال قتادة: { فإذا ~~قرأناه } " فاتبع) حلاله، واجتنب حرامه ". وقال الضحاك: " فاتبع ما ~~فيه ". # وعن ابن عباس أيضا أن معناه: فإذا بيناه فاتبع قرآنه، أي: اعمل به. # - وقوله { ثم إن علينا بيانه }. # أي: علينا بيان ما فيه من حلال وحرام [وأحكام]، فأعلم الله - جل ذكره - ~~أنه المتولي لحفظ كتابه علينا، ولم [يكل] ذلك إلينا، فسلم من ~~التغيير. [ولو وكله] (إلينا) لم نأمن أن يغيره ويبدله زنادقة هذه الأمة، ~~فالحمد لله على ذلك، وقد وكل الله حفظ التوراة والإنجيل إلى اليهود ~~والنصارى فغيروا وبدلوا. وقد سئل سفيان بن عيينة فقيل له: كيف غيرت ~~التوراة والإنجيل وهما من عند الله؟! فقال: إن الله جل ثناؤه وكل حفظهما ~~إليهما، فقال جل ذكره: # بما استحفظوا من كتاب الله # [المائدة: 44]، ولم [يكل] حفظ القرآن إلى أحد، فقال جل ذكره: # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # [الحجر: 9]، فما حفظه الله علينا لم يغير. وقيل: معنى قوله: { ثم ~~إن علينا بيانه } أي [أن] نبينه بلسانك. # - ثم قال تعالى: { كلا بل تحبون العاجلة }. # أي: ليس الأمر أيها الناس على قولكم: إنكم لا تبعثون ولا تجازون ~~بأعمالكم. ولكن الذي دعاكم إلى ذلك [حبكم] الدنيا وزينتها، وإيثاركم ~~عاجلها على آجل الآخرة، ونعيمها الدائم. فأنتم لذلك تؤمنون بالعاجلة ~~وتكذبون بالآجلة. # (ويجوز أن تكون " كلا " بمعنى " حقا " أو بمعنى " ألا ". قال قتادة: ~~اختار الناس العاجلة إلا من عصم الله). # - ثم قال: ms2722 { وجوه يومئذ ناضرة }. # أي: حسنة ناعمة جميلة من السرور والغبطة. هذا قول جميع أهل التفسير. # - ثم قال: { إلى ربها ناظرة }. # أي: تنظر إلى ربها. قال عكرمة: " تنظر إلى ربها نظرا ". # قال الحسن: { وجوه يومئذ ناضرة }: " أي حسنة: { إلى ~~ربها ناظرة }: قال: تنظر إلى الخالق، وحق (لها) أن [تنضر] وهي ~~[تنظر] إلى الخالق ". # وقال عطية العوفي: هي تنظر إلى الله - جل وعز - لا تحيط أبصارهم به من ~~عظمته، ويحيط بهم، # لا تدركه الأبصر وهو يدرك الأبصر # [الأنعام: 103]. # [وقد] قال بعض أهل البدع: إنه بمعنى منتظرة إلى ثواب ربها، وهذا خطأ في ~~العربية، [(لا) يقال]: " نظرت إليه " بمعنى انتظرته، وإنما يقال: " نظرته ~~" بمعنى انتظرته. وأيضا فإنه لا يجوز " انتظرت زيدا " بمعنى [انتظرت] ~~عطاءه أو غلامه أو ثوابه أو نحوه، لأن فيه تغيير المعاني وإبطال الخطاب. ~~وأيضا، فإن النظر إنما يضاف إلى الوجوه، والانتظار (إنما) يضاف إلى ~~القلوب، فلا يجوز أن يقال: " [وجهي] منتظر لك ". # فلما أتى النص بإضافة النظر إلى الوجوه، لم يجز أن يتأول فيه ~~معنى الانتظار، ولو قال: " قلوب يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة " ، لحسن ~~كونه بمعنى الانتظار لإضافته إلى القلوب. قال الحسن في الآية: نظرت إلى ~~الله [فنضرت] من نوره، أي: نعمة من نوره. # وقد روى عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إني حدثتكم عن المسيح الدجال، إنه قصير ~~أفحج جعد أعور [مطموس] عين اليسرى، ليست ~~بناتئة ولا حجراء، فإن التبس عليكم فاعلموا ~~أن ربكم - عز وجل - / ليس بأعور، وإنكم لن ~~تروا ربكم - جل ذكره - حتى تموتوا ". # وقد (استدل) من أنكر النظر بإضافة النظر إلى الوجه، قال: والعين لا تسمى ~~وجها. وقد [أضاف] النظر إلى الوجه. وهذا غلط ظاهر، لأن العرب من لغتها أن ~~تسمي الشيء (باسم) الشيء إذا قرب منه وجاوره، وقد قال الله تعالى: # وجوه يومئذ ناعمة * لسعيها راضية # [الغاشية: 8-9]، والسعي للأقدام، وقد أضاف السعي [للوجوه]، وهو أبعد من ~~الأقدام من العين إلى الوجه، فإذا جاز أن يضاف سعي الأبدان والأقدام إلى ms2723 ~~[الوجوه] - لالتباس الوجوه بها - كان (إضافة) النظر إلى [الوجه] - يراد ~~به العين - أجوز وأحسن، لأن العين في الوجه، وهي من جملة الوجه. ~~وهذا سائغ جائز في اللغة وفي كثير من القرآن. [وأحاديث] تصحيح النظر ~~إلى الله جل ذكره في الآخرة كثيرة أشهر من أن تذكر ها هنا. ويدل على ~~تصحيح جواز ذلك - من القرآن والنظر - قوله تعالى - حكاية عن موسى عليه ~~السلام -: # قال رب أرني أنظر إليك # [الأعراف: 143]. ففي سؤاله النظر دليل على جوازه، لأن موسى لا يمكن أن ~~يسأل ما لا يجوز وما يستحيل، فأعلمه الله أنه لا يراه في الدنيا أحد. # فأما قوله تعالى: # لا تدركه الأبصر # [الأنعام: 103]، فمعناه: لا تحيط به. ومن قال: إن معناه: لا تراه، فقد ~~[غلط]: لأنه يلزم أن يكون (معنى): # حتى إذآ أدركه الغرق # [يونس: 90]: إذا رآه، وذلك محال! إنما معناه: إذا أحاط به. وكذلك يلزمه ~~أن يكون معنى # إنا لمدركون # [الشعراء: 61]: إنا [لمرئيون]، ولم يخافوا أن يراهم قوم فرعون، إنما ~~خافوا أن يحيطوا بهم، فالمعنى: إنا لمحاط بنا، وكذلك يلزمهم أن يكون ~~معنى: # لا تخاف دركا # [طه: 77]: (لا تخاف) رؤية، وهذا محال، لم يؤمنه الله من رؤية آل فرعون ~~له، إنما أمنه من إحاطتهم به وبمن معه واستعلائهم عليهم، فالمعنى في ~~الآية: لا تحيط به الأبصار في الدنيا ولا في الآخرة. # ومعنى # لن تراني # [الأعراف: 143] أي: لن تراني في الدنيا. فالإحاطة به منفية، والرؤية له ~~في الآخرة غير منفية. كما أن قوله: # ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شآء # [البقرة: 255]، لا يكون نفيا عن أن يعلموه، فكما كانت الإحاطة تدل على ~~نفي العلم، كذلك بقي الإدراك لا يدل على نفي الرؤية. # وكما جاز أن يعلم الخلق أشياء ولا يحيطون بها علما، كذلك جاز أن يروا ~~ربهم ولا تحيط به أبصارهم، فمعنى الرؤية غير معنى الإدراك. فلذلك، لا ~~يجوز أن يكون معنى { لا تدركه الأبصر } لا تراه. # و [قد] قيل: معنى { لا تدركه الأبصر } أي: في الدنيا، على ~~أن يكون { تدركه } بمعنى، ms2724 تراه، وتدركه في الآخرة أي: تراه، بدلالة ~~قوله: { إلى ربها ناظرة } ، وبدلالة قوله: # كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون # [المطففين: 15]. وهذا من أدل ما يكون من النص على جواز الرؤية، لأن ~~المؤمنين لا بد أن يكونوا في الآخرة إما محجوبين [عن الرؤية] أو غير ~~محجوبين، [فإن كانوا محجوبين] فلا فرق بينهم وبين الكفار الذين حكى الله ~~عنهم أنهم محجوبون في الآخرة، ولا فائدة في إعلام الله لنا أن الكفار ~~محجوبون عنه، إذ الكل محجوبون، فلا بد أن يكون المؤمنون غير محجوبين عن ~~رؤيته، بخلاف حال الكفار. وقيل: معنى { لا تدركه الأبصر } ~~أي: بالنهاية والإحاطة. فأما الرؤية فنعم. وقيل: معنى { لا تدركه ~~الأبصر } كإدراكه خلقه، لأن أبصارهم ضعيفة. وقيل: المعنى: لا تدركه ~~في الدنيا ولا في الآخرة، أي: أبصار الخلق التي خلقها الله [فيهم] لا ~~يرونه بها، ولكن يحدث لهم تعالى في الآخر [حاسة] سادسة يرونه بها. وهذه ~~دعوى لا دليل يصحبها من أثر ولا نظر، والله قادر على كل شيء. # وقد روى جماعة من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إنكم ترون ربكم يوم القيامة كما ترون ~~هذا - يعني القمر - لا تضامون في رؤيته " # وفي بعض الرواية: # " لا تضارون في رؤيته " # وفي بعضها: # " كما ترون الشمس في غير سحاب " # ، وفي بعضها: # " كما ترون الشمس نصف النهار وليس في السماء ~~سحابة " # ، وفي بعضها: # " كما ترون القمر ليلة البدر وليس في السماء ~~سحابة ". # وقد ذكر النحاس في " تضارون " و " تضامون " واختلاف ألفاظهما ومعانيهما ~~ثمانية أوجه. # " تضارون " / و " تضامون " مضموم الأول مخففا، قال: ويجوز " ~~تضارون " (و) " تضامون " مضموم الأول مشددا، قال: ويجوز " ~~تضامون " مفتوح الأول مشددا، وأصله: " تتضامون " ، (ثم حذفت ~~إحدى التاءين ك # تفرقوا # [آل عمران: 103] و # تسآءلون # [النساء: 1] قال: ويجوز " تضامون " مفتوح الأول مشدد) الضاد ~~والميم على أن تدغم التاء الثانية [في الضاد]، كما قال: # تظاهرون # [البقرة: 85]، وكذلك يجوز " تضامون " و " تضارون " على ذلك، ~~التقدير في الحذف والإدغام. # والرواية فيها بالتخفيف، ومعناه: لا ينالكم عند رؤيتكم ضير ولا ضيم. ms2725 # ومن رواه مشددا مضموم الأول فمعناه: لا يضار بعضكم بعضا في ~~الرؤية، ولا يضام بعضكم بعضا كما تفعلون في رؤية الهلال في الدنيا ~~إذا [أزدحمتم] لرؤيته. # - ثم قال تعالى: { [و]وجوه يومئذ باسرة }. # أي: متغيرة الألوان كالحة مسودة. قال مجاهد: { باسرة } " كاشرة ". # وقال قتادة: " كالحة عابسة ". # - ثم قال تعالى: { تظن أن يفعل بها فاقرة }. # أي: تعلم وتوقن أنه يفعل بها داهية. قال مجاهد: { فاقرة }: " داهية ~~". وقال قتادة: " تيقن أنها ستدخل النار " ، كأن الفاقرة هي التي إذا حلت ~~بالإنسان كسرت فقاره، أي: ظهره. # - ثم قال: { كلا... }. # أي: ليس الأمر على ما يظن هؤلاء المشركون ألا يعاقبوا على شركهم. فيوقف ~~عليها هذا التأويل، ويجوز أن تكون بمعنى " حقا " ، أو بمعنى " إلا ". ~~فيبتدأ (بها). # - ومعنى { إذا بلغت التراقي }. # يعني النفس عند الموت وحشرج بها. # - { وقيل من راق }. # أي: وقال أهله ومن حوله: (من) يرقيه فيشفيه [لما به]، وطلبوا له ~~الأطباء فلم يغنوا عنه من أمر الله شيئا. هذا معنى قول عكرمة وابن زيد. ~~وقال أبو قلابة: { من راق }: " من طبيب وشاف " ، وهو قول الضحاك ~~وقتادة. وعن ابن عباس أن معناه: وقالت الملائكة - يعني أعوان ملك الموت ~~-: من يرقى بنفسه فيصعدها؟ أملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟ # يقال: رقى يرقي من الرقية. ورقى يرقى من الصعود. ~~واسم الفاعل فيهما راق. # - ثم قال تعالى: { وظن أنه الفراق }. # أي: أيقن: بالموت فليس أحد يدفعه عنه. # - ثم قال تعالى: { والتفت الساق بالساق }. # أي: اختلطت شدة كرب الدنيا وكرب الآخرة، هذا معنى قول ابن عباس. وعنه ~~أيضا أنه يقول: " آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة، فتلتقي الشدة ~~بالشدة ". وقال الضحاك: معناه: " أهل الدنيا يجهزون الجسد، وأهل الآخرة ~~يجهزون الروح ". وقال قتادة: { والتفت الساق بالساق }: " ~~[الشدة] بالشدة، ساق الدنيا بساق الآخرة ". وقيل: " عمل الدنيا بعمل ~~الآخرة ". # وذكر ابن زيد قولين في ذلك، أحدهما: " ساق الآخرة بساق الدنيا " ، ~~والآخر أنه حكي عن بعض العلماء أنهم قالوا: " قل ميت يموت إلا التفت إحدى ~~ساقيه بالأخرى. # و (هو) قول مروي عن قتادة ms2726 وأبي مالك والسدي. واختار القول (الأول) لقوله ~~تعالى: { إلى ربك يومئذ المساق }. وقال الحسن: هو لف ~~ساقيك في الكفن. وعن مجاهد في معناه: [التف] " بلاء ببلاء ". # - ثم قال تعالى: { إلى ربك يومئذ المساق }. # أي: إلى ربك مساقه إذا اشتد كربه وحشرجت نفسه. # - ثم قال تعالى: { فلا صدق ولا صلى }. # أي: لم يصدق ولم يصل، ف " لا " نفي وليست بعاطفة، لأنها لو كانت عاطفة ~~لأشبه [الثاني] الدعاء، والمعنى: فلم يصدق بكتاب الله، ولم يصل لله صلاة. # ولكنه { كذب وتولى }. # أي: كذب بكتاب الله وبنبيه، وأعرض عن القبول والطاعة. # - { ثم ذهب إلى أهله يتمطى }. # أي: [مضى] [منصرفا] [متبخترا] في مشيته. قال قتادة: { يتمطى }: ~~" يتبختر ". قال زيد بن أسلم: { يتمطى }: يتبختر، وهي مشية بني ~~مخزوم. وهو مشتق من المطا، وهو الظهر. كأنه يلوي ظهره متبخترا. ومنه ~~حديث النبي صلى الله عليه وسلم: # " إذا مشت أمتي المطيطاء " # ويجوز أن يكون من مططت، ثم [أبدل] من إحدى الطاءين ياء، كما قالوا: " ~~تظنيت " في " تظننت " ، فيكون المعنى: يمد يديه ورجليه في ~~الخطا [متبخترا]. قال مجاهد وابن زيد: نزلت هذه الآية في أبي جهل. # - ثم قال تعالى: { أولى لك فأولى * ثم أولى لك ~~فأولى }. # هذا وعيد وتهدد لأبي جهل. قال قتادة: # " ذكر لنا أن نبي الله عليه السلام أخذ بمجامع ~~[ثياب] أبي جهل، فقال: { أولى لك فأولى * (ثم ~~أولى لك فأولى) } ، فقال عدو الله: [أيوعدني] ~~محمد؟! والله، ما تستطيع لي أنت ولا ربك شيئا، ~~والله، لأنا أعز من مشى بين جبليها. فلما كان ~~يوم بدر، أشرف عدو الله عليهم، فقال: لا يعبد ~~/ الله بعد اليوم أبدا، فضرب الله عنقه وقتله ~~شر قتلة " # والعرب تقول: " أولى (لك): كدت تهلك ثم (أفلت) ". وتقديره، أولى لك ~~فأولى لك الهلكة، (ثم أولى لك فأولى لك الهلكة)، فهو وعيد بعد وعيد ". ~~وقال بعض أهل المعاني: { أولى لك } هو " أفعل " الذي للتفضيل ~~بمنزلة " أخزى لك " و " أقبح لوجهك " ، وهو مشتق من الويل. وفيه قلب، ~~قدمت [اللام] وهي لام الفعل قبل الياء، وهي عين ms2727 الفعل، قال: وإنما فعلوا ~~ذلك لئلا يلزمهم من الإدغام ما [تتغير] به الكلمة. فلو أتوا به على الأصل ~~للزمهم أن يقولوا: " أيل " ، لأن الواو تدغم فيها [الياء] إذا تقدمت ~~ساكنة، بمنزلة: [ميت] وهين. # - ثم قال تعالى: { أيحسب الإنسان أن يترك سدى }. # أي: مهملا لا يؤمر ولا ينهى، يعني بذلك الكافر. قال ابن عباس: { سدى ~~} مهملا. قال ابن زيد: " لا يفترض عليه عمل ولا يعمل ". يقال: " أسديت ~~الشيء " بمعنى: أعملته. # - ثم قال تعالى: { ألم يك نطفة من مني يمنى }. # أي: (ألم) يك - هذا المنكر قدرة الله على إحيائه بعد موته - ماء ~~قليلا في صلب الرجال (من مني)؟! # - { ثم كان علقة }. ثم دما. # - { فخلق فسوى }. # أي: فخلقه الله إنسانا من بعدما كان نطفة وعلقة ثم [سواه] بشرا ناطقا ~~سميعا بصيرا. # - { فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى }. # أي: فجعل من هذا الإنسان بعد ما سواه بشرا أولادا، ذكورا وإناثا. # - { أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى }. # أي: [أليس] الذي قدر على ذلك واخترعه من غير مثال [قادرا] على أن يحيي ~~الموتى بعد مماتهم؟! وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قرأ آخر (هذه) ~~السورة يقول: بلى. قال قتادة: " كان يقول: سبحانك، وبلى ". # وأجاز الفراء الإدغام في { يحيي } ، وهو غلط عند الخليل وسيبويه، ~~لئلا يلتقي ساكنان. ### | [76 - سورة الانسان] ### || [76.1-2] # - قوله تعالى: { هل أتى على الإنسان حين من الدهر ~~لم يكن شيئا مذكورا } ، إلى قوله: { سميعا بصيرا }. # " هل " [في هذا] الموضع خبر لا جحد. وفي الكلام معنى [التقرير]، كأنه ~~قال: قد أتى على الإنسان [ز] من طويل لم يكن شيئا مذكورا. # وهذا كما تقول للرجل - [تقرره -]: هل أكرمتك؟ وقد [أكرمه]، هل أحسنت ~~إليك؟ وقد أحسن إليه. وتكون " هل " جحودا في غير هذا الموضع، نحو قول ~~الرجل لآخر: هل يفعل هذا أحد؟! بمعنى: لا يفعل هذا أحد، وتكون استفهاما، ~~وهو بابها. # وقد أجاز ابن كيسان أن تكون " هل " في الآية استفهاما على بابها، كما ~~تقول: هل بقيت في أمرك؟. # والإنسان في الآية: آدم عليه السلام، قاله ms2728 قتادة وغيره. قال قتادة: إنما ~~[خلق] الإنسان حديثا، وما نعلم من خليقة الله عز وجل كانت بعد الإنسان، ~~يقول: خلق الإنسان آخر سائر ما خلق الله من الخلق. # والحين (هاهنا) يراد به طول مكث آدم وهو طينة. وذلك أربعون سنة في ما ~~روي. فكان في ذلك الوقت شيئا غير مذكور. # وقيل: الحين هنا غير معلوم، [الله يعلمه]. وقيل: الإنسان هنا يراد به ~~الجنس فأما الإنسان الثاني فهو للجنس [بلا اختلاف]، وقال مالك: الحين ~~هنا: ما مضى قبل ذلك من أمر الدهر كله ومن قبل أن يخلق آدم. # - ثم قال تعالى: { إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج ~~نبتليه }. # أي: إنا خلقنا ذرية آدم من نطفة، أي: من ماء الرجل وماء المرأة. والنطفة ~~كل ماء قليل في وعاء. و (أمشاج): أخلاط. # يقال: مشجت هذا بهذا، أي: خلطته. وواحد الأمشاج: مشيج، مثل شريف ~~وأشراف. وقيل: مشج مثل عدل وأعدال. # وقال ابن عباس: المشجان: ماء الرجل وماء المرأة. وهو معنى قول مجاهد ~~والحسن وعكرمة وأكثر المفسرين. # وعن ابن عباس أيضا أن معنى (أمشاج) هو انتقاله من تراب ثم من نطفة إلى ~~علقة إلى مضغة إلى غير ذلك. وقاله أيضا عكرمة وقتادة. # وقيل: (أمشاج) هي العروق التي تكون في النطفة. روي ذلك عن ابن مسعود. ~~وقاله أسامة بن زيد عن أبيه. # وقيل: الأمشاج هي ألوان النطفة، (نطفة الرجل تكون بيضاء وحمراء، ونطفة ~~المرأة تكون خضراء وحمراء) /، [روي ذلك عن] مجاهد وقاله ابن أبي نجيح. # فمن قال: إن الأمشاج انتقال النطفة إلى علقة، ثم مضغة، ثم غير ذلك، ~~فتقديره: من نطفة ذات أمشاج. # ومعنى { نبتليه } نختبره. # { فجعلناه سميعا بصيرا }. # أي: ذا سمع وذا بصر لتقوم عليه الحجة. وقال الفراء: في الكلام تقديم ~~وتأخير، والتقدير عنده: إنا خلقنا الإنسان سميعا بصيرا من نطفة أمشاج ~~لنختبره. وقد رد [عليه] هذا التقدير، لأن الفاء لا يقع معها التقديم ~~والتأخير. ولأن الكلام تام بغير تقديم وتأخير، فلا يخرج عن ظاهره لغير ~~علة. ### || [76.3-13] # - قوله تعالى: { إنا هديناه السبيل } ، إلى قوله: ms2729 { ولا ~~زمهريرا }. # أي: إنا بينا له طريق الحق وعرفناه. قال مجاهد: { إنا هديناه ~~السبيل }: الشقاوة والسعادة. وقال قتادة: { إنا هديناه ~~السبيل إما شاكرا } لنعم الله { وإما كفورا } لها. وقال ~~ابن زيد: { إنا هديناه السبيل } قال: [ننظر] أي شيء يصنع وأي ~~الطريقين يسلك. ومعنى " إما " في هذا الموضع كمعنى: [ " أو " إلا أنها] ~~تدل على المعنى في أول الكلام. ودليل ذلك قول المفسرين: إن معناه: إما ~~شقيا وإما سعيدا. والشقاوة والسعادة يفرغ منهما وهو في بطن أمه. وقيل: ~~{ شاكرا وإما كفورا }: حالان مقدران. # وأجاز الفراء أن [تكون] " ما " زائدة [و " إن " ] للشرط. # والمعنى على هذا: " إنا هديناه السبيل إن شكر وإن كفر ". وفيه بعد لأن " ~~إن " التي للشرط لا تقع على الأسماء إلا بإضمار فعل، ولا يحسن ذلك هنا. ~~وقيل: تقديره على قول الفراء: " إن كان شاكرا أو كان كفورا ". # - ثم قال تعالى: { إنآ أعتدنا للكافرين سلاسلا ~~وأغلالا وسعيرا }. # أي: إنا أعتدنا لمن كفر (وأعرض عن الإيمان) وجحد النعم [ { سلاسلا } ~~] يوثقون بها في الجحيم { وأغلالا } تغل بها أيديهم إلى أعناقهم { ~~وسعيرا } أي: ونارا تسعر عليهم فتوقد. # فمن لم ينون [ { سلاسلا } ] أتى به على منع الصرف لأنه جمع لا نظير ~~له في الواحد، وهو نهاية الجمع، فثقل فمنع الصرف. ومن وقف عليه بألف مع ~~منعه لصرفه فعلى لغة مسموعة عن العرب. # حكى الرؤاسي والكسائي أن العرب تقف على ما لا يتصرف في حال الفتح بألف ~~[لبيان] الفتحة. وله حجة أخرى: وذلك أنه في بعض المصاحف بألف. فاتبع ~~السواد في الوقف، واتبع أصل الإعراب في الوصل. # فأما من نونه، فعلى لغة مسموعة من بعض العرب. حكى الكسائي وغيره من ~~الكوفيين أن بعض [العرب يصرف كل ما] لا ينصرف إلا " أفعل منك ". وقال بعض ~~أهل النظر: كل ما يجوز في الشعر يجوز في القرآن، لأن الشعر أصل كلام ~~العرب، والعرب تصرف هذا ونحوه في الشعر. وقيل: إنما صرف لأنه أتبع ~~بما بعده، وهو [ { وأغلالا } ]. # وكذلك الحجة في # قواريرا * قواريرا # [الإنسان: 15-16]، عند من منع صرفه ms2730 ووقف بالألف. أو بغير ألف أو صرفه. # - ثم قال تعالى: { إن الأبرار يشربون من كأس كان ~~مزاجها كافورا }. # أي: إن الذين بروا ربهم بطاعتهم في أداء فرائضه واجتناب محارمه يشربون ~~في الآخرة { من كأس } ، وهو كل إناء فيه شراب كان مزاج ما فيها من ~~الشراب { كافورا } يعني أن [طيب] رائحة الشراب كالكافور. # وقيل: الكافور هنا اسم لعين ماء في الجنة. فعلى هذا، تكون { عينا } ~~بدلا من " كافور ". ومن جعل الكافور صفة للشرب نصب { عينا } على ~~الحال من المضمر في { مزاجها }. وقيل: انتصب عين على إضمار أعني، ~~[وقيل: هي مفعول بها بمعنى: يشربون عينا يشرب بها عباد الله. وقيل: هي ~~نصب على المدح] وقيل: التقدير: " من عين " ، قلما حذف الحرف نصب. # وقال الحسن: " الأبرار: الذين لا يؤذون الذر [ولا يرضون الشر] ". # وقال محارب بن دثار: إنما سموا أبرارا لأنهم بروا الآباء والأبناء. ~~فكما أن لوالديك [عليك] حقا، كذلك لولدك عليك حق. # وروى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه ". # قال مجاهد: { كان مزاجها كافورا } تمزج (به). قال قتادة: " قوم ~~تمزج لهم بالكافور وتختم (لهم) بالمسك ". # - (وقوله: { عينا يشرب بها عباد الله... }. # أي: يشربها. وقيل: التقدير: يروي بها عباد الله الذين يدخلهم جنته. ~~وقيل: يعني بعباد الله: الأبرار خاصة الذين تقدم ذكرهم. دليله قوله: # عينا يشرب بها المقربون # [المطففين: 28]، وهم الأبرار تمزج لهم بالكافور وتختم بالمسك). # - ثم قال: { يفجرونها تفجيرا }. # أي: [يفجرون] تلك العين كيف شاؤوا حيث شاؤوا من منازلهم وقصورهم. ~~والتفجير: الإسالة للماء والإجراء له. قال مجاهد: يعدلون بها / حيث شاءوا ~~ويعيدونها حيث شاءوا. ويروى أن أحدهم إذا أراد أن يتفجر [له] الماء شق ~~ذلك الوضع بعود فجرى فيه الماء. # - قال تعالى: { يوفون بالنذر }. # أي: يوفون بكل ما يجب عليهم، نذروه أو لم ينذروه. # وقال الفراء: التقدير كانوا يوفون بالنذر في الدنيا. وكانوا { ~~يخافون يوما كان شره مستطيرا } ، أي: فاشيا ظاهرا ~~منتشرا ممتدا. # قال قتادة: { يوفون بالنذر }: " بطاعة الله ms2731 وبالصلاة وبالحج ~~والعمرة ". # وقال سفيان: { يوفون بالنذر }: " في غير معصية " ، ويخافون عذاب ~~الله في تركهم الوفاء في يوم كان شره ممتدا. # (قال قتادة) " استطار والله شر ذلك اليوم حتى ملأ السماوات والأرض ". # وقال الفراء: { مستطيرا } أي: [مستطيلا]. # يقال: استطار الشيء إذا انتشر. # - ثم قال تعالى: { ويطعمون الطعام على حبه... }. # أي: على حبهم إياه وشهوتهم له، { مسكينا.. } أي: ذا حاجة، { ~~ويتيما } ، وقوله { وأسيرا } قال قتادة: هو المأسور عندك ~~المشرك، قال: وأخوك المسلم أحق منه. وقال عكرمة: الأسير - في ذلك ~~الزمان - المشرك. قال الحسن: " ما كان أسراؤهم [إلا] المشركين ". وقال ~~مالك: يعني أسرى المشركين. وقال مجاهد: الأسير - هنا - المسجون من ~~المسلمين. وهو قول ابن جبير وعطاء. وهذا كله من صفة الأبرار. # - ثم قال: { إنما نطعمكم لوجه الله... }. # أي: يقولون إذا هم أطعموهم: إنما نطعمكم طلب رضاء الله والتقرب إليه. # - { لا نريد... } منكم أيها الناس على إطعامنا لكم. # - { جزآء ولا شكورا }. # و { شكورا } يحتمل أن يكون جمع " شكر " وأن يكون مصدرا. # قال مجاهد: " أما إنهم (ما) تكلموا به، ولكن الله علمه من ~~قلوبهم فأثنى به عليهم ليرغب في ذلك راغب ". ومثل ذلك قال ~~ابن جبير. # وكذلك روى [الفريابي] عن سالم الأفطس عن ابن عمر. # - ثم قال تعالى: { إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا }. # أي: إنما نطعمكم رجاء أن [يؤمننا] الله عقوبته في يوم شديد تعبس فيه ~~الوجوه من شدة هوله وطول بلائه، فهو نعت لليوم بمعنى النسب، كما قال: # في عيشة راضية # [الحاقة: 21] والقمطرير: الشديد، ومثله [القماطر]، وقد اقمطر اليوم ~~[يقمطر اقمطرارا]: إذا اشتد بلاؤه، ومثله يوم عصيب وعصبصب. # قال ابن عباس في قوله: { يوما عبوسا قمطريرا } قال: " يعبس ~~الكافر يومئذ حتى يسيل من [بين] عينيه عرق مثل القطران ". وقال قتادة: " ~~عبست فيه الوجوه وقبضت ما بين أعينها كراهية لذلك اليوم " ، وهو قول ~~مجاهد. وعن ابن عباس أن العبوس: الضيق، والقمطرير: الطويل. # وقال ابن زيد: " العبوس: الشر ". # - ثم قال تعالى: { فوقهم الله شر ذلك اليوم }. # أي: وقاهم ما كانوا يحذرون في الدنيا من ms2732 شر ذلك اليوم بما كانوا يعملون ~~في الدنيا. # - ثم قال تعالى: { ولقاهم نضرة وسرورا }. # قال الحسن: " [نضرة] في الوجوه وسرورا في القلوب " # وكذلك قال قتادة. وقال ابن زيد: نعمة وفرحا. # وروي أن هذا كله نزل في علي بن أبي طالب رضي الله عنه. # ثم هو عام في من كان على [منهاجه في فعله]. # - ثم قال تعالى: { وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا }. # أي: وأثابهم بصبرهم في الدنيا على طاعة الله واجتناب محارمه دخول جنته. ~~واستعمال الحرير في اللباس والفرش. # - { متكئين فيها على الأرائك }. # نصب { متكئين } على الحال من الهاء والميم في { جزاهم }. # " وجزى " هو العامل في الحال. ولا [يحسن] أن يعمل فيه { صبروا } لأن ~~الصبر كان في الدنيا والاتكاء في الآخرة. ويجوز أن ينتصب على النعب ~~للجنة " لأنه قد عاد [عليها] من نعتها عائد (وهو) { فيها }. وقوله: { ~~على الأرائك } ، واحد الأرائك: أريكة وهي [السرر] في الحجال. # - وقوله { لا يرون فيها شمسا [ولا زمهريرا }. # " شمسا " ] في موضع الحال من الهاء والميم، (أو) في موضع النعت لجنة، ~~أي: غير رائين في الجنة شمسا تؤذيهم بحرها، ولا بردا شديدا يؤذيهم ~~[بشدته]. # قال مجاهد: الزمهرير: البرد: المقطع. # وقال قتادة: " علم الله جل ذكره أن شدة البرد [مؤذ]. وشدة الحر مؤذ. ~~فوقاهم إياهما ". # والزمهرير: لون من عذاب جهنم. ### || [76.14-22] # - [قوله تعالى]: { ودانية عليهم ظلالها } إلى قوله: { ~~مشكورا }. # أي: وقربت منهم ظلالها. وانتصب { دانية } على العطف على { جنة ~~}. # والتقدير: وجزاهم جنة دانية. # ويجوز أن يكون [حالا عطفا] على { متكئين } أو على { (لا) ~~يرون } ، ويجوز أن يكون صفة للجنة. # ويجوز أن يكون على المدح مثل: # [والمقيمي] الصلاة # [الحج: 35] فهو - [و] إن كان نكرة - فإنه يشبه المعرفة، إذ قال طال ~~الكلام به. # وقرأ ابن مسعود: { ودانية عليهم } ، حمله على تذكير الجمع ~~وهو ظلالها. # وفي قراءة أبي (ودان)، على أنه [في] موضع رفع مثل: قاض المرفوع. ~~حمله [على] أنه خبر { ظلالها } مقدم. # - ثم قال تعالى: { وذللت قطوفها تذليلا }. # قال مجاهد: معناه: إن قام ارتفعت بقدرة (الله)، (فإن) قعد تذللت حتى ms2733 ~~ينالها، وإن [اضطجع] تذللت حتى ينالها. # وقال قتادة: معناه " لا يرد أيديهم عنها [بعد] ولا شوك ". # قال سفيان: { وذللت قطوفها } قال: " يتناوله كيف شاء، جالسا ~~ومتكئا ". قال مجاهد: أرض الجنة ورق، وتربها مسك، وأصول شجرها ~~ذهب، وورق أفنانها لؤلؤ وزبرجد وياقوت، والثمر تحته. # - ثم قال تعالى: { وذللت قطوفها تذليلا }. # " ويقال: " المذلل الذي قد ذلله الماء أي أرواه ". # " ويقال: المذلل الذي [يفيئه] [أدنى] ريح ". # " ويقال: المذلل: المسوى ". وأهل الحجاز يقولون: [ذلل] نخلك. # أي: سوه. ويقال: المذلل: القريب المتناول. من قولهم: [دابة] ~~ذليل " أي: قصيرة. هذه أقول أهل اللغة. # - ثم قال تعالى: { ويطاف عليهم بآنية من فضة }. # أي: ويطاف على هؤلاء الأبرار في الجنة بآنية في بياض الفضة وصفاء ~~القوارير. قال مجاهد: فيها رقة القوارير في بياض الفضة. وهو قول قتادة. # - وقوله: { وأكواب }. # أي: " ويطاف عليهم مع الأواني بجرار ضخام فيها الشراب. وكل جرة ضخمة لا ~~عروة لها [فهي] كوب ". # وقال مجاهد: الكوب: [الكوز] الذي لا عروة له. وهو قول أكثر المفسرين. ~~وقال قتادة: هو القدح. # - وقوله: { كانت قواريرا * قواريرا }. # [أي]: كانت هذه الأواني والأكواب قوارير فحولها الله فضة. وقيل: إن ~~قوله: { ويطاف عليهم بآنية من فضة } يدل على أن أرض ~~الجنة من فضة. لأن المعلوم في الدنيا المتعارف أن كل آنية (تتخذ) فإنما ~~تتخذ من تربة الأرض التي [هي] فيها، فدل على أن أرض الجنة من فضة بقوله: ~~{ ويطاف عليهم بآنية من فضة }. # قال أبو صالح: كان تراب هذه الأواني فضة. # - وقوله: { قدروها تقديرا }. # أي: قدروا تلك الأواني على قدر [ريهم]، لا تزيد ولا تنقص في ذلك، ~~يعني: [قدرها] الملائكة [الطائفون] بالآنية والأكواب. قال الحسن: " ~~قدرت [لري] القوم. # وهو قول قتادة وابن زيد ومجاهد. # وعن ابن عباس أن معناه (وقدروها) على قدر الكف. والمعنى: [قدرها] لهم ~~السقاة الذين يطوفون عليهم بها، فلذلك نسب إليهم. وقيل: معناه: وجدوها ~~كذا، فنسب الفعل إليهم لمناولتهم إياها لهم. # وقرأ الشعبي وعبيد بن عمير وابن أبزى: " قدروها تقديرا " - بضم ~~القاف - أي: قدرت (عليهم) لا تزيد ولا ms2734 تنقص. # - وقوله تعالى: { ويسقون فيها كأسا }. # أي: ويسقى هؤلاء الأبرار في الجنة شراب (كأس). # والكأس: كل إناء فيه شراب. فإذا كان فارغا من الخمر لم يقل له كأس، ~~ويقال له قدح. كذلك لا يقال للخوان: مائدة حتى يكون [عليه] الطعام. # - قوله: { كان مزاجها زنجبيلا }. # أي: كان مزاج شراب الكأس زنجبيلا. قال قتادة: " تمزج بالزنجبيل ". # وقال (قتادة في رواية ابن جبير عنه): الزنجبيل: اسم للعين يشرب منها ~~المقربون صرفا، وتمزج لسائر أهل الجنة. والعرب تضرب المثل بالخمر إذا ~~مزجته بالزنجبيل، وكانوا يستطيبون ذلك. فخوطبوا على ما يعرفون. هذا يدل ~~على قول قتادة الأول. # - وقوله: { عينا فيها تسمى سلسبيلا }. # { عينا } منتصبة على ما انتصب { عينا } (الأول). (قال) قتادة: ~~معنى { سلسبيلا }. " سلسة يصرفونها حيث شاءوا ". # وقال مجاهد: { سلسبيلا } أي " [سلسة] الجرية ". # وقيل: هو اسم للعين، ويلزم من قال هذا ألا يصرفه. # قال النحاس: هي فعلليل من [السلاسة]. # وهذا غلط، لأنه كان يجب أن يقال: [سلسليل]، ولا يكون فيه [باء]. # [و] حكى سيبويه أن نظيره قفشليل. # - ثم قال تعالى: { ويطوف عليهم ولدان مخلدون }. # " أي: لا يموتون ". وقيل: معناه مسورون. وقيل: مقرطون، وذلك بلغة ~~حمير. يعني بذلك أنهم شباب لا يتغيرون عن ذلك السن. تقول العرب للرجل ~~إذا كبر وثبت سواد شعره إنه لمخلد، وكذلك إذا كبر [وثبتت] ~~أضراسه، يراد به أنه [لثابت] الحال. # - ثم قال تعالى: { إذا رأيتهم حسبتهم / لؤلؤا ~~منثورا }. # أي: إذا رأيت - يا محمد - هؤلاء الولدان، ظننتهم في حسنهم ونقاء بياض ~~وجوههم [وكثرتهم] لؤلؤا منثورا ومجتمعا. # قال قتادة: { لؤلؤا منثورا } يعني من [كثرتهم] وحسنهم. # قال [ابن عمرو]: ما من أهل الجنة من أحد إلا يسعى عليه ألف غلام، وكل ~~غلام على عمل ما عليه صاحبه. # قال سفيان: { حسبتهم لؤلؤا منثورا } قال: " في كثرة ~~اللؤلؤ وفي بياض اللؤلؤ ". # وروى جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن أهل الجنة يأكلون ويشربون ولا يبولون ~~ولا [يتغوطون] ولا يمتخطون، [يصير] طعامهم ~~وشرابهم [جشاء]، ورشح مسك، يلهمون التسبيح ~~والحمد كما تلهمون النفس ms2735 ". # - ثم قال تعالى: { وإذا رأيت ثم رأيت نعيما }. # أي: وإذا رأيت - يا محمد - ما ثم رأيت نعيما. # وأكثر البصريين على أن { ثم } نصبه على الظرف، ولم يعد { ~~رأيت } ، كما تقول: ظننت في الدار " فلا تعدي " ظننت ". # وقال الأخفش: { ثم } مفعول بها، و { رأيت } بمعنى نظرت، و { ~~ثم } إشارة إلى الجنة. # - وقوله: { وملكا كبيرا }. # أي: (و) رأيت مع النعيم ملكا عظيما. روي: أن أدنى أهل ~~الجنة منزلة من ينظر في ملكه في مسيرة ألف ~~عام، يرى أقصاه كما يرى أدناه. # وقيل: الملك الكبير هنا عني به تسليم الملائكة عليهم واستئذانهم عليهم. ~~قاله مجاهد وسفيان. # روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن أدنى أهل الجنة منزلة لينظر في ملكه ~~ألفي عام، ينظر أزواجه وسرره وخدمه، وإن ~~أفضلهم منزلة لينظر في وجه ربه - جل وعز ~~- في كل يوم مرتين ". # قال أحمد بن ثعلبة عن أبيه أنه (قال) في قوله تعالى: { وملكا ~~كبيرا } هو أ[ن] (رسول) رب العزة يأتيه بالتكف واللطف فلا يصل ~~إليه إلا بحجاب، ومن داره إلى دار السلام باب يدخل منه على ربه إذا شاء ~~بلا إذن، فذلك (الملك) الكبير. # وقال الفزاري: لكل مؤمن في الجنة أربعة أبواب، باب يدخل عليه منه زواره ~~من الملائكة، وباب تدخل عليه (منه) أزواجه الحور، وباب مقفل بينه وبين ~~أهل النار يفتحه إذا شاء ينظر إليهم فتعظم النعمة عليه، وباب بينه وبين ~~دار السلام يدخل على ربه إذا شاء. # قال كعب: من الجنة إلى النار كواء يتطلع منها رجال من (أهل) الجنة ~~إلى رجال من أهل النار ينظرون إلى عذابهم. # ثم قرأ كعب: # فاطلع فرآه في سوآء الجحيم # [الصافات: 55] أي: في وسطها. # - ثم قال تعالى: { عاليهم ثياب سندس [خضر] وإستبرق ~~}. # من أسكن الياء في { عاليهم } جعله مرفوعا بالابتداء، وما بعده ~~خبره، وشاهده أن في قراءة ابن مسعود " عاليتهم ثياب ". # ومن فتح الياء جعله ظرفا خبر (ابتداء) مقدم، وهو " ثياب ". ~~وشاهده أن [مجاهدا] قرأ " عليهم ثياب ". # والسندس: رقيق الديباج، والاستبرق: غليظه. # فالمعنى: ms2736 أن الثياب الخضر تعلو ثياب أهل الجنة. هذا على قراءة من رفع ~~الخضر وخفض السندس. # وقيل: معناه أن الثياب الخضر فوق حجالهم لا عليهم. # قال الطبري: { عاليهم } أي: " فوقهم، يعني: فوق هؤلاء الأبرار ثياب ~~سندس ". هذا كله على قراءة من فتح الياء. # ومن أسكنها فمعناه: ظاهرهم ثياب سندس. # وقرأ ابن محيصن: " واستبرق " بوصل الألف وفتح القاف. وهو لحن عند ~~النحوين، لأنه لا يمتنع مثل هذا من الصرف في النكرة. ولأنه لا توصل ألف ~~مثل هذا (في التسمية به)، لو سميت ب " استكبر " لقطعت الألف، ~~لانتقاله من الأفعال إلى الأسماء. # هذا قول الخليل وسيبويه. # - ثم قال تعالى: { وحلوا أساور من فضة }. # أي: وحلاهم ربهم أساور من فضة، وهو جمع أسورة. # - ثم قال: { وسقاهم ربهم شرابا طهورا }. # أي: شرابا يصير رشحا في أبدانهم (كرشح المسك)، لا يصير بولا نجسا ~~كشراب الدنيا. قال النخعي: " إن الرجل من أهل الجنة (يقسم له شهوة ~~مائة رجل من أهل الدنيا) وأكلهم ونعمتهم، فإذا أكل سقي شرابا طهورا ~~فيصير رشحا يخرج من جلده أطيب من المسك الأذفر، ثم تعود شهوته ". # - ثم قال تعالى: { إن هذا كان لكم جزآء وكان ~~سعيكم مشكورا }. # أي: يقال لهم: إن هذا النعيم الذي ذكر في الجنة كان لكم جزاء على ~~أعمالكم في الدنيا وطاعتكم. وإن عملكم متقبلا. قال قتادة: " غفر لهم ~~الذنوب، وشكر لهم الحسن ". وقال مرة أخرى: " لقد شكر سعيا قليلا ". ### || [76.23-31] # - قوله تعالى: { إنا نحن نزلنا عليك القرآن } ، إلى ~~آخر السورة. # أي: إنا / نحن - يا محمد - نزلنا عليك القرآن مع جبريل تنزيلا ابتلاء ~~واختبارا فاصبر لما امتحنك به ربك من فرائضه وتبليغ رسالاته. # - ثم قال تعالى: { ولا تطع منهم ءاثما أو كفورا }. # قال الفراء: " أو " بمعنى الواو. والمعنى: ولا تطع منهم من أثم وكفر. ~~[قال]: ويجوز أن يكون المعنى (و) لا تطيعن من أثم أو كفر بوجه فيكون مثل ~~الواو في المعنى. # والمعنى: (و) لا تطع منهم في معصية الله { ءاثما } يريد بركوبه ~~معاصيه { أو كفورا } أي: جحودا لربه ولنعمه ms2737 عنده. # قال قتادة: نزلت في عدو الله أبي جهل قال: بلغنا أن أبا جهل قال: لئن ~~رأيت محمدا يصلي لأطأن على عنقه، فأنزل الله: { ولا تطع منهم ~~ءاثما أو كفورا }. # قال ابن زيد: الآثم (و) الظالم والكفور كله واحد. # - ثم قال تعالى: { واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا }. # أي: غدوة، يعني: صلاة الصبح { وأصيلا } يعني: وعشيا، يعني صلاة ~~الظهر والعصر. # ثم قال: { ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا ~~طويلا }. # قال ابن زيد: " كان هذا - أول شيء - فريضة، نحو قوله: # قم اليل إلا قليلا * نصفه أو انقص منه قليلا ~~* أو زد عليه... # [المزمل: 2-4]، فخفف الله هذا عن رسوله وعن الناس بقوله: # إن ربك يعلم أنك تقوم # [المزمل: 20] الآية، فجعل ذلك نافلة فقال: # ومن الليل فتهجد به نافلة لك # [الإسراء: 79] وتقدير الكلام: واسجد له من الليل وسبحه ليلا طويلا، ~~فهو منسوخ بزوال فرض صلاة الليل كما ذكرنا وقيل: هو (على) الندب. # وقيل: هو خصوص للنبي صلى الله عليه وسلم. # (وقد) قال ابن حبيب: إن قوله تعالى: { واذكر اسم ربك بكرة ~~} يعني الصبح. وقوله: { وأصيلا } يعني: الظهر والعصر. وقوله: { ~~ومن الليل فاسجد له } يعني به المغرب والعشاء. فالآية محكمة ~~جمعت الأمر بفرض الصلوات الخمس. # - وقوله: { وسبحه ليلا طويلا }. يعني قيام الليل والمنسوخ ~~فرضه. وكذلك قوله تعالى: # وأقم الصلاة طرفي النهار # [هود: 114] فالطرف الأول صلاة الصبح، والطرف الآخر [صلاة] الظهر العصر. # - وقوله: # وزلفا من اليل # [هود: 114] يعني المغرب والعشاء فهذه [الآية] أيضا جمعت فرض الصلوات ~~الخمس وأوقاتها. # ومثل ذلك: # أقم الصلاة لدلوك الشمس # [الإسراء: 78] يعني: ميلها. وهو الظهر والعصر. # وقوله: # إلى غسق اليل # [الإسراء: 78]: (يعني المغرب والعشاء. # - وقوله # وقرآن الفجر # [الإسراء: 78] يعني صلاة الصبح، فهذه أيضا جمعت) فرض الصلوات الخمس ~~وأوقاتها. # وكذلك قوله تعالى: # وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس # [طه: 130] يعني: صلاة الصبح، # وقبل غروبها # [طه: 130] يعني: العصر. # - وقوله: # ومن [آنآء] الليل [فسبح] # [طه: 130] يعني: المغرب والعشاء. # - وقوله: # وأطراف النهار # [طه: 130] يعني: الظهر، لأن وقتها [يجمع] طرفي النهار. # - وأما قوله: # وسبح # [غافر: 55] و ms2738 # بحمد ربك بالعشي والإبكار # [غافر: 55]، فإن ذلك نزل قبل فرض الصلوات الخمس، وكانت الصلاة ركعتين ~~غدوة وركعتين عشية، فرضا بهذه الآية، ثم نسخ ذلك بالصلوات الخمس. # وأول صلاة صليت من الصلوات الخمس: الظهر، وبها بدأ جبريل، ولذلك سميت ~~الأولى. # - ثم قال تعالى: { إن هؤلاء يحبون العاجلة ~~ويذرون ورآءهم يوما ثقيلا }. # أي: إن المشركين بالله - يا محمد - يحبون الدنيا والبقاء فيها، ويدعون ~~خلف ظهورهم العمل للآخرة وما ينجيهم من عذاب الله. وقيل: معنى " وراء ~~" هنا: قدام. وقيل: التقدير: ويذرون عمل يوم ثقيل وراء ظهورهم. # - ثم قال تعالى: { نحن خلقناهم وشددنآ أسرهم }. # أي: " خلقهم ". قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. وقال أبو هريرة: الأسر: ~~المفاصل وقال ابن زيد: هو القوة. وقد قيل: هو موضع خروج الحدث. # - ثم قال تعالى: { وإذا شئنا بدلنآ أمثالهم تبديلا ~~}. # أي: وإذا شئنا أهلكنا هؤلاء وجئنا بآخرين سواهم من جنسهم في الخلق، ~~مخالفين لهم في العمل. هذا معنى قول ابن زيد. # - ثم قال تعالى: { إن هذه تذكرة }. # أي: إن هذه السورة والعظة والأمثال والقصص تذكرة وعظة لمن تذكر بها ~~واتعظ. # - { فمن شآء اتخذ إلى ربه سبيلا }. # هذا تهديد ووعيد. أي: من شاء عمل [عملا] صالحا يوصله إلى رحمة ربه. ~~ومن شاء فليترك ذلك، فسيرى عقابه في الآخرة. # - ثم قال تعالى: { وما تشآءون إلا أن يشآء الله }. # أي: وما تشاءون اتخاذ الطريق إلى رضا الله ورحمته إلا بأن يشاء الله ذلك ~~لكم لأن الأمر إليه لا إليكم. ف " إن " في موضع نصب بحذف الجار. # وقيل: هي في موضع خفض على إضماره. وجاز ذلك مع " أن " خاصة [لكثرة حذف] ~~الجار معها. # وفي حرف عبد الله: " وما تشاءون إلا ما شاء الله ". # - ثم قال تعالى: { إن الله كان عليما حكيما }. # أي: عليما بمن شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا، حكيما في تدبيره، لا يقدر ~~أحد أن يخرج عن مراده ومشيئته. # - ثم قال: { يدخل من يشآء في رحمته }. # أي: يوفق من يشاء إلى التوبة فيدخله بذلك في رحمته. # - ثم قال تعالى: { والظالمين أعد ms2739 لهم عذابا أليما }. # أي: والذين ظلموا أنفسهم فلم يتوبوا من كفرهم حتى ماتوا عليه أعد ~~لهم في الآخرة عذابا مؤلما، أي: موجعا، وهو عذاب النار. # فالمعنى أن الله جل ذكره (أعلمنا في) هذه الآية [أنه يشاء أن] يعذب ~~الكفار وأن يرحم أهل طاعته. وانتصب (الظالمين) على إضمار فعل (في) معنى " ~~(أ)عد " ، كأنه قال: ويعذب الظالمين، [ولا يضمر] " أعد " ، لأنه ~~[لا يتعدى] إلا بحرف، فلا بد من إضمار فعل يتعدى بغير حرف يدل عليه " أعد ~~" ، وهو " يعذب " أو شبهه. ### | [77 - سورة المرسلات] ### || [77.1-34] # - قوله تعالى: { والمرسلات عرفا } ، إلى قوله: { كأنه ~~جملت صفر * ويل يومئذ للمكذبين }. # قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وأبو صالح وقتادة: { (و)المرسلات ~~}: الرياح، { عرفا }: يتبع بعضها بعضا. # وقال مسروق: { والمرسلات }: " الملائكة " { عرفا } أي: ترسل ~~بالعرف. # عن أبي صالح أيضا أنها " الرسل، ترسل بالمعروف ". وقيل: { عرفا } ~~أي: متتابعة كتتابع عرف الفرس. # والتقدير على قول مسروق: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء بأمر ~~الله ونهيه (وذلك هو المعروف. # وعلى قول أبي صالح: ورب الرسل التي أرسلت إلى الناس بأمر الله ونهيه). # ومن قال { عرفا } متتابعة (فتقديره: ورب الملائكة التي أرسلت إلى ~~الأنبياء متتابعة) ورب الرسل الذين أرسلوا إلى الخلق متتابعين. وكذلك ~~التقدير على قول ابن عباس ومن تبعه: هي الرياح. # ويدل (على أنها ليست) الرياح أن يسعدها ذكر الرياح [بلا اختلاف] في ~~قوله: { فالعاصفات عصفا }. # - (ثم قال تعالى: { فالعاصفات عصفا } ). # أي: (ورب الرياح العاصفات) أي: الشديدات الهبوب السريعات المر. وهذا قول ~~علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس، وغيرهم. # - ثم قال تعالى: { والناشرات نشرا }. # قال ابن مسعود ومجاهد [وقتادة]: هي الرياح لأنها تنشر السحاب. # وقال أبو صالح: هي " المطر " ، لأنه ينشر الأرض، أي: [يحييها]. # وروى (السدي) عن أبي صالح أنها الملائكة، (قال): [تنشر] [الكتب]. - ثم ~~قال تعالى: { فالفارقات فرقا }. # قال ابن عباس وأبو صالح وسفيان: هي الملائكة، تفرق بالوحي بين الحق ~~والباطل. وقال قتادة: هو القرآن، فرق الله به بين الحق والباطل، كأنه ~~قال: والآيات الفارقات فرقا. # - ثم قال ms2740 تعالى: { فالملقيت ذكرا * عذرا }. # كلهم قال: هي الملائكة التي تلقي وحي الله إلى رسله، والذكر: القرآن. # ثم قال تعالى: { عذرا أو نذرا }. # أي: تلقي الوحي إلى الرسل إعذارا من الله لخلقه [وإنذارا] منه لهم. ~~قاله قتادة وغيره. # - ثم قال تعالى: { إنما توعدون لوقع }. # يعني أن البعث والجزاء وجميع ما أخبر الله، كائن واقع [وحادث] لا محالة. ~~و { إنما } هو جواب القسم المتقدم. # - ثم قال تعالى: { فإذا النجوم طمست }. # أي: ذهب ضوءها فلم يكن لها نور. # { وإذا السمآء فرجت }. أي: شققت وصدعت. # { وإذا الجبال نسفت }. أي: نسفت من أصلها. # فكانت هبآء منبثا # [الواقعة: 6]. أي: غبارا متفرقا. # { وإذا الرسل أقتت }. # أي: أجلت الاجتماع لوقتها يوم القيامة. # قال ابن عباس: { أقتت } " جمعت ". وقال مجاهد { أقتت } " أجلت ~~". # وهو من الوقت، فمعناه: [حان] وقتها الذي وعدته به، وذلك يوم القيامة. # وقرأ عيسى بن [عمر] " أقتت " بالتخفيف والهمز، وقرأ الحسن. " ~~وقتت " بالواو والتخفيف. # وكله من الوقت، والواو هي الأصل، والهمزة بدل منها. # والتخفيف والتشديد لغتان، إلا أن في التشديد معنى التكرير والمبالغة. # - ثم قال تعالى: { لأي يوم أجلت }. # أي: ما أعظمه وأكثر هوله. ففي الكلام معنى التعظيم لليوم والتعجب منه. ~~ومعنى التعجب في هذا أنه تعالى ذكره يعجب العباد من هوله [وفظاعته]، ثم ~~بينه فقال: # - { ليوم الفصل }. # أي: أجلت الرسل ليوم يفصل الله (فيه) بين خلقه، فيأخذ للمظلوم من الظالم ~~ويجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساته. # - ثم قال: { ومآ أدراك ما يوم الفصل }. # أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما يوم الفصل؟! فمعناه التعظيم لذلك اليوم ~~لشدته وهوله. # - ثم قال تعالى: { ويل يومئذ للمكذبين }. # أي: [الوادي] الذي [يسيل] في جهنم من صديد أهلها للمكذبين / بذلك اليوم. # وقيل: معناه قبوح لهم ذلك اليوم. # فقوله: { ويل يومئذ } هو جواب (إذا) في ما تقدم من الكلام. # - قوله تعالى: { ألم نهلك الأولين }. # يعني قوم نوح وعاد وثمود وشبههم. # - { ثم نتبعهم الآخرين }. # يعني: قوم إبراهيم وأصحاب مدين وقوم فرعون، فيكون { نتبعهم } على ~~هذا مجزوما. والتقدير: " وألم نتبعهم الآخرين ". وبه قرأ ~~الأعرج. # - وقوله: ms2741 { كذلك نفعل بالمجرمين }. # يعني كفار قريش ومن سلك طريقهم من العرب وغيرها. # ورد الجزم أبو حاتم لأنه تأول أن { نتبعهم } يراد به قريش ومن سلك ~~في التكذيب طريقهم. فلا سبيل إلى الجزم على هذا المعنى لأنه منتظر في ~~المعنى. # ولم لا تدخل على فعل معناه الاستقبال، بل ترده إلى الماضي أبدا. # (وقيل): إن { نتبعهم } عطف على المعنى، لأن معنى { ألم ~~نهلك }: قد أهلكنا. # ثم قال تعالى: { كذلك نفعل بالمجرمين }. # أي: كذلك نهلك من أجرم فاكتسب مخالفة الله ورسوله. # [ثم قال: { ويل يومئذ للمكذبين }. # وقد تقدم ذكره، وكذلك معنى كل ما في السورة وغيرها منه]. # - ثم قال: { ألم نخلقكم من مآء [مهين] }. # أي: من نطفة ضعيفة. قال ابن عباس: " المهين: الضعيف ". # - ثم قال: { فجعلناه في قرار مكين }. # أي: في رحم استقر فيه فتمكن. # { إلى قدر معلوم }. # أي: إلى وقت خروجه من الرحم. # - ثم قال تعالى: { فقدرنا فنعم القادرون }. # قال الضحاك: معناه " فملكنا فنعم المالكون ". وهذا التقدير على قراءة من ~~خفف. # وعلة من شدد أنه أراد به التكرير، لأنه تعالى قدر الإنسان نطفة ثم علقة ~~ثم مضغة ثم، [ثم]...، [فدل] التشديد على تكرير [الأحوال]. # ومن خفف أجراه على لفظ " القادرين " إذ فعله: " قدر مخففا، فالتخفيف ~~بمعنى الملك والقدرة على ذلك. # والتشديد بمعنى التقدير. فمن شدد { فقدرنا } جمع بين معنيين: ~~التقدير [بقدرنا]، والملك " بالقادرين ". # ومن خفف جعله كله بمعنى الملك والقدرة. # وقد يستعمل التشديد، وهو بمعنى القدرة أيضا يقال: قدر الله كذا ~~وقدره، لغتان. # فيكون من شدد { فقدرنا } جمع بين اللغتين، بقوله: { القادرون ~~} ، كما قال: # فمهل الكافرين أمهلهم رويدا # [الطارق: 17]، وقد قال تعالى: # نحن قدرنا بينكم الموت # [الواقعة: 60] مشددا. # - ثم قال تعالى: { ألم نجعل الأرض كفاتا * (أحيآء)... ~~}. # أي: ألم نجعل أيها الناس الأرض لكم وعاء، أنتم على ظهرها في مساكنكم ~~مجتمعون أحياء وفي بطنها أمواتا؟! # [يذكرهم] (الله) بنعمه عليهم. # يقال: كفت الشيء إذا جمعته وأحرزته. # روي عن ابن مسعود أنه " وجد قملة في ثوبه فدفنها في المسجد، ثم قال: { ~~ألم نجعل الأرض كفاتا ms2742 * أحيآء وأموتا }. # وقال مجاهد - في الرجل يرى القملة في ثوبه وهو في المسجد - قال: " إن ~~شئت فألقها، وإن شئت [فوارها]. ثم قرأ: { ألم نجعل الأرض ~~كفاتا... } الآية. # قال الشعبي: { كفاتا }: " بطنها لأمواتكم، وظهرها لأحيائكم ". # وقال مجاهد: { كفاتا }: تكفت أذاهم وما يخرج منهم أحياء وأمواتا، ~~أي: تضم ذلك. # ونصب { أحيآء وأموتا } " بكفات " ، أي: تضم أحياء وأمواتا. ~~وقيل: التقدير: كفات أحياء وأموات، أي: ضمهم، [فلما] نون نصب ما بعده، ~~كما تقول: رأيت ضرب زيد. فإن نونت " ضربا " ، نصبت " زيدا " أو رفعته. # - ثم قال تعالى: { وجعلنا فيها رواسي شامخات }. # أي: جبالا شاهقات، أي " طوالا مشرفات. # - ثم قال تعالى: { وأسقيناكم مآء فراتا }. # أي: عذبا قال ابن عباس: وذلك من أربعة أنهار: سيحان وجيحان والنيل ~~والفرات. فكل ما شربه ابن آدم (فهو) من هذه الأنهار، وهي (تخرج من) تحت ~~صخرة عند بيت المقدس. فأما سيحان فهو نهر بلخ، وأما جيحان فهو دجلة ~~بغداد، وأما الفرات فبالكوفة، وأما النيل (فنهر مصر). # - ثم قال تعالى: { انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون ~~}. # أي: يقال لهؤلاء المكذبين بآيات الله ونعمه: انطلقوا إلى ما كنتم تكذبون ~~به في الدنيا من عقاب الله لأهل الكفر. # - { انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب }. # أي: إلى ظل دخان ذي ثلاث شعب. وذلك أنه يرفع وقودها الدخان، فإذا تصعد ~~تفرق على ثلاث شعب، وهو " دخان جهنم ". # [وهو قوله: # وظل من يحموم # [الواقعة: 43]، اليحموم: الدخان. # وقد قيل في قوله " { ذي ثلاث شعب } إنه [ظل] الصليب الذي يعبده ~~النصارى. وهو قول شاذ يوجب أن يكون المأمور بهذا، النصارى خاصة. وليست ~~الآية إلا عامة في جميع الكفار، وليس كلهم عبد الصليب، فإنما أمروا إلى ~~ظل دخان جهنم، دخان قد أنفرق على ثلاث شعب]. قال قتادة: هو كقوله: # نارا أحاط بهم سرادقها # [الكهف: 29]. # - ثم قال تعالى: { لا ظليل ولا يغني من اللهب }. # هذا نعت للظل أي: إلى ظل غير ظليل وغير [غان] من اللهب. # أي: [لا يظلهم / ولا يمنعهم] من لهب جهنم، فلا يمنع عنهم ذلك الظل حرها ~~ولا ms2743 لهبها. وهذا الوصف مطابق لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " أن الشمس تدنو من رؤوس الخلائق يوم القيامة ~~وليس لهم لباس ولا لهم ما يستترون به منها، ~~فينجي الله المؤمنين إلى ظل من ظله، ويقال ~~للكفار: انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون من ~~عذاب الله وعقابه { انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث ~~شعب } فينطلقون إلى دخان جهنم " أفهذا للكفار، لأنه ~~روي: " أن الخلائق إذا اشتد عليهم حر الشمس ودنت من ~~رؤوسهم وأخذت بأنفاسهم وأشتد ذلك عليهم وكثر العرق، ~~واشتد القلق، نجى الله المؤمنين برحمته إلى ظل من ظله، فهناك ~~يقولون: { فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم }. ~~ويقال للكفار المكذبين: انطلقوا إلى ما كنتم تكذبون من عذاب الله ~~وعقابه، انطلقوا إلى ظل من دخان جهنم قد سطع وافترق ثلاث فرق، ~~فينطلقون ويكونون فيه، وهو أشد من حر الشمس الذي كانوا قد قلقوا فيه. ~~فيقيمون في ظل ذلك الدخان حتى يفرغ من الحساب، كذلك أولياء الله ~~في ظل عرش الرحمن، وحيث شاء الله حتى يفرغ من الحساب، ثم يؤمر بكل فريق ~~إلى مستقره من الجنة أو من النار ". # - ثم قال تعالى: { إنها ترمي بشرر كالقصر }. # أي: [إن]: جهنم ترمي ذلك اليوم بشرر كالقصر [المبني]. وقال ابن عباس: " ~~كالقصر العظيم ". # قال الحسن: هو واحد القصور. # وروى حجاج عن هارون { كالقصر } أي: كالخشب الجزل، وهو جمع قصرة، ~~كجمرة وجمر، وثمرة وثمر. # وقرأ ابن عباس: " كالقصر " بفتح الصاد. # وقرأ ابن جبير والحسن: " كالقصر " بكسر القاف وفتح الصاد. # وعن ابن جبير: كقراءة ابن عباس، القصرة: الخشبة تكون [ثلاث] أذرع أو ~~أكثر، فهو على قراءته جمع قصرة كخشبة وخشب. # وقال مجاهد وقتادة: القصر - بالفتح - هو [أصول] النخل. ومن كسر القاف ~~جعله جمع قصرة وقصر، وهي الخشبة أيضا. # وقال المبرد: قيل: القصر: الجزل من الحطب الغليظ، واحدته قصرة، ~~كجمرة وجمر. # والقصر في هذا الموضع إذا جعلته أحد القصور فهو واحد يدل [على ~~الجمع]، ولذلك جعل نعتا ل " شرر " وهي جماعة. # فإن جعلته جمع قصرة جئت به في ms2744 النعت بالجمع كالمنعوت، وقد [قال]: # سيهزم الجمع ويولون الدبر # [القمر: 45]، فوحد (و) لم يقل: " الأدبار "؟ لأن الدبر بمعنى ~~الجمع، وفعل ذلك توفيقا بين رؤوس [الآي] ومقاطع الكلام، إذ كان ذلك شأن ~~العرب، والقرآن بلسانها نزل فجرت [ألفاظه] على عادتها في لغتها ~~وكلامها [وسجعها]، وقد قال تعالى: # تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت # [الأحزاب: 19]، ولم يقل: " كعيون الذين ". وهو المعني لأن المراد في ~~التشبيه الفعل لا العين. # - ثم قال تعالى: { كأنه جملت صفر }. # أي: كأن ذلك الشرر الذي هو كالقصر: نوق سود. فالصفرة هنا بمعنى ~~السواد، وإنما وقعت الصفرة في موضع السواد لأن ألوان الإبل السود تضرب ~~إلى الصفرة، كما سميت [الظباء] " أدما " لما يعلوها في بياضها ~~من الظلمة. # قال الحسن: { جملت صفر } [أينق] سود، وهو قول قتادة ومجاهد. # وقال ابن عباس: عنى بذلك قلوس السفن، يعني حبال السفن. # شبهت الشرر بحبال السفينة. والقلس. الحبل. # وعن ابن عباس أيضا: { جملت صفر }: " قطع النحاس " وهو ~~جمع جمالة [وجمالة]: جمع جمل. # (ومن قرأ (جمالة) جعله جمع جمل). # وقد قرأ (أبو) أيوب: " جمالات " - بضم الجيم - كأنه جمع جملا (على ~~جمال) كما يجمع رخل على رخال. ثم جمع " جمالا " على ~~جمالات، لأن باب " فعل " و " فعل " واحد. # ويجوز (أن) يكون من الشيء المجمل. # - ثم قال تعالى: { ويل يومئذ للمكذبين }. # وقد تقدم ذكره. ### || [77.35-50] # - قوله تعالى: { هذا يوم لا ينطقون } ، إلى آخر السورة. # أي: هذا يوم لا ينطق فيه أهل التكذيب بثواب الله وعقابه، وذلك في موطن ~~دون موطن. ودليله: قوله - حكاية عنهم - # ربنآ أخرجنا (منها) # [المؤمنون: 107] # ربنآ أمتنا اثنتين # [غافر: 11]. # وشبهه. # - ثم قال تعالى: { ولا يؤذن لهم فيعتذرون }. # أي: مما كسبوا في الدنيا من المعاصي. # وقال ابن عباس: يوم القيامة أوقات، فوقت لا ينطقون فيه، وذلك عند (أول) ~~نفخة، يريد: كل هول. وقيل: المعنى لا ينطقون فيه بحجة لهم. تقول العرب ~~لمن أحتج بما / لا حجة فيه: ما جئت بشيء، ولا نطقت بشيء، أي: هم بمنزلة ~~من لا ينطق، إذ لا ينتفعون بمنطقهم. ومثله ms2745 في هذا المعنى قوله: # صم بكم (عمي) # [البقرة: 18]، أي: هم بمنزلة من هو هكذا. # وقد استدل بعض أهل النظر على أنه يراد به بعض أوقات اليوم دون بعض ~~[بإضافة] اليوم إلى الفعل. # قال: والعرب لا تضيف اليوم إلى " فعل " و " يفعل " (إلا) إذا [أرادت] ~~الساعة من اليوم، تقول: آتيك يوم يقدم فلان، وأراك يوم يقدم. # والمعنى: ساعة يقدم، لأنه لا يتمكن أن يكون إتيانه اليوم كله. # - ثم قال تعالى: { هذا يوم الفصل جمعنكم ~~والأولين }. # أي: يقال [لهؤلاء المكذبين بالله ورسله: هذا يوم يفصل الله فيه بين خلقه ~~بالحق، [جعلناكم فيه] لموعدكم الذي كنا نعدكموه في الدنيا، وجمعنا ~~الأولين معكم ممن كان قبلكم من الأمم الماضية والقرون العافية. # - { فإن كان لكم كيد فكيدون }. # أي: فإن كان لكم كلكم اليوم حيلة تحتالون بها في التخلص من العقاب، ~~فاحتالوا بها ولن تجدوا إلى ذلك سبيلا. # - { ويل يومئذ للمكذبين }. # أي: للمكذبين بهذا الخبر. # - ثم قال: { إن المتقين في ظلال وعيون }. # أي: إن الذين اتقوا الله بأداء فرائضه وطاعته في الدنيا { في ظلال } ~~، لا يصيبهم حر ولا قر { وعيون } ، أي: وأنهار تجري في خلال أشجار ~~جناتهم. # - { وفواكه مما يشتهون }. # أي: يأكلون منها متى اشتهوا لا يخافون ضرها ولا عاقبة مكروهها. # - { كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون }. # أي: يقال لهم ذلك، أي كلوا من الفواكه، واشربوا [من] العيون هنيئا [بما ~~كنتم تعملون]. # لا تكدير عليكم، ولا تنغيص في ذلك جزاء لكم بأعمالكم الصالحات في الدنيا ~~وطاعتكم. # وقيل: معناه: هنيئا لكم، لا تموتون. # - ثم قال تعالى: { إنا كذلك نجزي المحسنين }. # أي: كما جزينا هؤلاء المتقين بما ذكرنا، كذلك نجزي من أحسن إلى نفسه ~~فأطاع الله واجتنب معاصيه [وأدى] فرائضه. # - ثم قال تعالى: { ويل يومئذ للمكذبين }. # أي: للمكذبين بما أخبر الله من جزائه المتقين في الآخرة. # ثم قال تعالى: { كلوا وتمتعوا قليلا إنكم ~~مجرمون }. # هذا وعيد وتهديد للمشركين المكذبين بما ذكره الله في هذه السورة وغيرها ~~من مجازاته للمتقين وانتقامه من المكذبين، أي: كلوا في بقية آجالكم أيها ms2746 ~~المكذبون، وتمتعوا بقية أعماركم. # { إنكم مجرمون } أي: مكتسبون لما فيه عطبكم وهلاككم كما فعل ~~من كان قبلكم من الأمم المكذبة. قال ابن زيد: عنى بذلك أهل الكفر. وقيل: ~~إن { كلوا وتمتعوا } [يرجع] إلى أول الكلام في قوله: { ~~جمعنكم والأولين * فإن كان لكم كيد فكيدون } ~~{ كلوا }. # - ثم قال تعالى: { ويل يومئذ للمكذبين }. # (أي للمكذبين) [بخبر] الله عن البعث والجزاء. # - ثم قال تعالى: { وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون }. # قال ابن عباس: " هذا يوم القيامة، يدعون إلى السجود فلا يستطيعون السجود ~~من أجل أنهم لم يكونوا يسجدون لله في الدنيا ". # وقال قتادة: ذلك في الدنيا، كانوا يمتنعون من السجود (لله). # ورأى ابن مسعود رجلا يصلي ولا يركع، وآخر يجر إزاره، فضحك، فقالوا: ما ~~أضحكك؟! قال: أضحكني رجلان، أما أحدهما فلا تقبل له صلاة، وأما الآخر فلا ~~ينظر الله إليه. # وقيل: عني بالركوع هنا الصلاة، قاله مجاهد. # - ثم قال تعالى: { ويل يومئذ للمكذبين }. # أي: الذين كذبوا رسل الله فردوا عليهم فيما بلغوهم عن الله. # - ثم قال تعالى: { فبأي حديث بعده يؤمنون }. # أي: بعد القرآن إذ كذبوا به، فبأي شيء يؤمنون بعده إيمانا ينتفعون به؟! ### | [78 - سورة النبإ] ### || [78.1-14] # - قوله تعالى: { عم يتسآءلون * عن النبإ العظيم } ، ~~إلى قوله: { (مآء) ثجاجا }. # أي: عن أي شيء يتساءل هؤلاء [المشركون] يا محمد؟، عن أي شيء يختصمون؟ # ف { عم } تحتاج إلى جواب، وجوابه { عن النبإ العظيم } ، ~~وكان حقه أن يأتي الجواب من المسؤول، ولكن دل عليه / { عن النبإ ~~العظيم } وقام مقامه، وهو جواب لجوابهم، كأنهم قالوا: عم نتساءل؟ ~~سألوا الجواب من السائل لهم، فقيل لهم: { عن النبإ العظيم }. # ذكر أن قريشا كانت تختصم فيما بينها [وتتجادل] في الذي دعاهم إليه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من الإيمان بكتاب الله، فنزل هذا في اختصامهم. ~~ثم بين - جل ذكره - ما الذي هم فيه يختصمون، فقال: { عن النبإ ~~العظيم } (أي: يتساءلون عن النبأ)، ثم حذف لدلالة الأول [عليه]، فتقف ~~على هذا على { يتسآءلون }. وقيل: [إن " عن " ] متعلقة بهذا الفعل ~~الظاهر. ms2747 # والمعنى: لأي شيء يتساءل هؤلاء عن النبأ العظيم. # فلا تقف على هذا على { يتسآءلون }. # فأما النبأ، فقال مجاهد: " هو القرآن ". وقال: قتادة: " هو البعث بعد ~~الموت ". # وقال ابن زيد: هو " يوم القيامة ". # - ثم قال: { الذي هم فيه مختلفون }. # أي: منهم مصدق و [منهم] مكذب، إما بالقرآن وإما بالبعث. # قال قتادة: [صار] الناس [فرقتين] في البعث بعد الموت، (فمنهم مكذب)، ~~ومنهم مصدق. # - ثم قال تعالى: { كلا سيعلمون }. # أي: ما الأمر كما يزعم هؤلاء أنه لا بعث. ثم قال: { سيعلمون } على ~~الوعيد والتهدد، أي: سيعلم (هؤلاء) المنكرون للبعث [وعيد] الله لهم أحق ~~هو أم باطل. # ثم أكد الوعيد فقال: { ثم كلا سيعلمون }. # أي: ثم ليس الأمر على ما [قالوا] إنه لا بعث، سيعلمون وعيد الله لهم أحق ~~هو أم باطل. # ويجوز أن يكون " كلا " بمعنى " حقا " في الموضعين، وبمعنى " ألا ". # وهذا التفسير إنما هو على قول من قال: إن [النبأ] العظيم: البعث ويوم ~~القيامة. # فأما من قال هو القرآن فيكون معناه: كلا سيعلمون (عاقبة تكذيبهم لهذا ~~القرآن ثم كلا سيعملون) ذلك على التأكيد والوعيد وتكون " كلا " بمعنى ~~(حقا) أو بمعنى " ألا " ، ويجوز أن تكون [بمعنى " لا " ]، أي: [لا، لا ~~اختلاف] (في) القرآن، وهو قول نصير ولم يجزه أبو حاتم. # وقال الضحاك تقديره: كلا سيعلم الكافرون ثم كلا سيعلم المؤمنون. فالوقف ~~[على { سيعلمون } ] الأول وعلى { سيعلمون } الثاني. # والوقف عند أكثرهم على سيعلمون الثاني. # - ثم قال تعالى: { ألم نجعل الأرض مهدا * والجبال ~~أوتادا }. # أي: ألم أنعم عليكم أيها الخلق فجعلت لكم الأرض فراشا تفترشونها، وجعلت ~~الجبال أوتادا للأرض أن تميد بكم؟! # - { وخلقناكم أزواجا }. # - (أي) ذكرانا وإناثا، وطوالا وقصارا؟! # - { وجعلنا نومكم سباتا }. # أي: راحة (لكم ودعة تسكنون كأنكم أموات لا تشعرون؟! والسبات السكون)، ~~وبذلك سمي السبت سبتا لأنه يوم راحة ودعة. # - ثم قال تعالى: { وجعلنا اليل لباسا }. # أي: غشاء لكم يتغشاكم سواده وتغطيكم ظلمته كما يغطي الثوب لابسه. # قال قتادة ": { اليل لباسا } أي: " سكنا ". # - ثم قال تعالى: { وجعلنا النهار معاشا }. # (سمي النهار معاشا لما كان ms2748 يطلب المعاش فيه. وتقديره: وجعلنا النهار ذا ~~معاش. # قال مجاهد: { معاشا } أي: " تبتغون فيه من فضل الله ". # - ثم قال تعالى: { وبنينا فوقكم سبعا شدادا }. # يعني السبع سماوات. وسمي بناء على عادة العرب، لأنهم يقولون لسقف البيت ~~سماء، ويقولون له بناء. # ومعنى " شداد " أي: وثاقا محكمة الخلق، لا صدوع فيهن ولا فطور، ولا ~~يبليهن [مر] الليالي والأيام عليهن. # - ثم قال تعالى: { وجعلنا سراجا وهاجا }. # (أي): شمسا وقادة مضيئة منيرة. # - قال تعالى: { وأنزلنا من المعصرات مآء ثجاجا }. # أي: من السحائب ماء منصبا يتبع بعضه بعضا كثج [دماء]. # البدن كذا قال ابن عباس ومجاهد والربيع: الثجاج المنصب. # وقال ابن زيد: الثجاج: الكثير. # وأكثرهم على أنه المنصب. وهو اختيار الطبري. ومنه قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " أفضل الحج العج والثج ". # [فالعج] رفع الصوت بالتلبية، والثج [صب] دماء الهدايا والبدن، ~~قال ابن عباس: المعصرات " السحاب ". # وهو قول سفيان والربيع. وقال الحسن وسعيد / بن جبير وقتادة: المعصرات: ~~السماء. # وعن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة: المعصرات: الرياح، لأنها تعصر في ~~هبوبها. و (هو) قول ابن زيد. # ويلزم قائل هذا أن تكون القراءة: " وأنزلنا بالمعصرات " ، ~~وبذلك قرأه عكرمة. # والمعصر: المرأة التي قد دنا [حيضها] وإن لم تحض، فشبهت السحاب بها ~~[للمطر] الذي فيها. ### || [78.15-36] # - قوله تعالى: { لنخرج به حبا ونباتا } إلى قوله: { ~~عطآء حسابا }. # أي: أنزلنا الماء لنخرج به من الأرض لكم حبا، يعني القمح والشعير وسائر ~~القطنية، { ونباتا } يعني ما ترعى البهائم. # - { وجنات ألفافا }. # أي: وثمر جنات ملتفة مجتمعة قال ابن عباس: " التف بعضها ببعض ". وهو قول ~~مجاهد وقتادة وغيرهما. وقال الأخفش وأبو عبيدة: واحد الألفاف لف. ~~وقيل: لفيف وحكى الكسائي أنه جمع الجمع، وواحده " لفاء " كحمراء، ~~ثم جمعت لفاء على (لف [كحمر] ثم جمعت " لف " على) ألفاف، [كخف] ~~وأخفاف. # قال ابن مسعود: يرسل الله جل وعز الرياح فتأخذ الماء من السماء فتجريه ~~في السحاب [فتذريه] كما تذر اللقحة. # - ثم قال تعالى: { إن يوم الفصل كان ميقاتا }. # أي: يوم يفصل الله فيه بين خلقه كان ميقاتا ms2749 لما أعد الله للمكذبين ~~بالبعث ولنظرائهم من الخلق. # قال قتادة: هو يوم عظمه الله يفصل فيه بين الأولين والآخرين. # - ثم أبدل من { يوم } للبيان فقال: # - { يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا }. # أي: يوم الفصل بين الخلق يوم ينفخ إسرافيل في الصور فتأتون من قبوركم ~~إلى المحشر { أفواجا } [أي]: زمرا زمرا. # روي أن كل أمة تأتي مع رسولها [يوم القيامة]، وهو قوله: # يوم ندعوا كل أناس بإمامهم # [الإسراء: 71]. # - ثم قال تعالى: { وفتحت السمآء فكانت أبوابا }. # [أي]: وشققت السماء وصدعت (فكانت) طرقا. # وقيل: تصير قطعا كقطع الخشب المشققة لأبواب الدور والمساكن. # والمعنى: وفتحت السماء فكانت قطعا كالأبواب، (فلما سقطت الكاف صارت ~~الأبواب) خبرا. # وكذلك قوله: { وسيرت الجبال فكانت سرابا }. # أي: صارت لا شيء، كما أن السراب لا شيء، وذلك أنها تنسف فتجتث من ~~أصولها فتصير هباء منبثا لعين الناظر كالسراب الذي يظنه (الناظر) ماء ~~وهو في الحقيقة ليس بماء، إنما هو هباء. # - ثم قال تعالى: { إن جهنم كانت مرصادا }. # أي: إن جهنم كانت ذات ارتقاب ترتقب من يجتاز بها وترصدهم، ولم يقل " ~~مرصادة " ، لأنه غير جار على الفعل. فالمعنى ترصد من عصى الله. وفي " ~~مرصاد " معنى التكثير. ولذلك لم يقل: " راصدة " ، ففي وصفها بما لم يجر ~~على الفعل معنى التكثير، ولو قال [راصدة] لثبتت الهاء، لأنه جار على ~~الفعل، ولم يكن فيه (معنى) تكثير، ففي " مرصاد " معنى النسب (كأنه قال: " ~~ذات إرصاد " ، وكل ما حمل على معنى النسب) من الأخبار والصفات ففيه معنى ~~التكثير واللزوم، فالمعنى أنها مركاد لمن كان يكذب بها في الدنيا. # وكان الحسن يقول - إذا قرأ هذه الآية -: ألا إن على النار المرصد، ~~فمن جاء بجواز جاز ومن لم يجئ احتبس. # وروي عنه أنه قال: لا يدخل أحد الجنة حتى يجتاز على النار. # وقال قتادة: [تعلمن] أنه لا سبيل إلى الجنة حتى تقطع النار. # وقال سفيان: على جهنم ثلاث قناطير. # - ثم قال تعالى: { للطاغين مآبا }. # أي: هي لمن طغى في الدنيا فتعدى حدود الله [مرجع] يرجعون إليها ويصيرون ~~إليها. ms2750 # - ثم قال تعالى: { لابثين فيهآ أحقابا }. # قال قتادة: لابثين في جهنم أحقابا (لا انقطاع لها. # وقيل: معناه: { لابثين فيهآ أحقابا) * لا يذوقون ~~فيها بردا ولا شرابا } ، ثم بعد ذلك يعذبون بغير هذا العذاب ~~مما شاء الله، كما قال: # وآخر من شكله أزواج # [ص: 58]. # وقيل: الضمير في { فيها } يعود على الأرض، لأنه قد تقدم ذكرها، ~~والضمير في { يذوقون فيها } لجهنم لتقدم ذكرها. # فعلى [القول] الأول، يكون { لا يذوقون } حالا من { للطاغين ~~} أو ل { جهنم } / أو نعتا للأحقاب. # وعلى هذا القول الآخر، يكون { لا يذوقون } حالا من { جهنم } ~~أو من الطاغين. # وروى أبو أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " الحقب الواحد ثلاثون ألف سنة ". # وهو جمع الجمع، واحده: حقبة، جمعت على حقب، وجمعت حقب على أحقاب. # ويجوز أن يكون أحقاب جمع حقب والحقب ثلاثمائة سنة، كل سنة ثلاثمائة ~~وستون يوما، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا. قاله [بشير] بن كعب. # وقال علي بن أبي طالب: الحقب: ثمانون سنة، كل سنة اثنا عشر شهرا، كل ~~شهر ثلاثون يوما، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا، وهو قول ابن جبير، ~~وقاله الربيع بن أنس. # [وقال] أبو هريرة: الحقب ستون سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوما، كل يوم ~~ألف سنة من سنين الدنيا. # وقال قتادة: " الحقب ثمانون سنة من سني الآخرة ". وقال: هي أحقاب لا ~~انقطاع لها، كلما مضى حقب جاء حقب بعده. # وقال الحسن: أما الأحقاب، فليس لها عدة إلا الخلود في النار، ولكن ذكر ~~أن الحقب سبعون سنة، كل يوم منها كألف سنة مما نعده. # وقال خالد بن معدان: هي في أهل التوحيد من أهل القبلة مثل قوله # إلا ما شآء ربك # [هود: 108]، وهذا التأويل يرده قوله بعد ذلك. # { إنهم كانوا لا يرجون حسابا * وكذبوا ~~بآياتنا كذابا }. # وليس هذه صفة الموحدين. # وقد روي عن مقاتل أنه قال: إنها منسوخة، نسختها قوله: { فلن ~~نزيدكم (إلا) عذابا }. # وهذا لا يكون فيه نسخ، لأنه خبر، والأخبار لا تنسخ. # والحقب عند أهل اللغة مبهم ms2751 كالحين والزمان. والبرد: النوم. # وقيل [الهدوء]. وقيل: برد [الشراب] المستلذ. قال ابن عباس: هو برد ~~الشراب وقيل: البرد: الراحة. # - ثم قال: { إلا حميما وغساقا }. # قال الربيع: " استثنى من الشراب الحميم، ومن البرد الغساق ". # [والحميم الذي قد انتهى [حره] كالمهل [يشوي] الوجوه. # وقال ابن زيد: الحميم: دموع أعينهم، يجمع في حياض ثم يسقونه. والغساق]: ~~الصديد الذي يخرج من جلودهم مما تصهرهم النار، يجمع في حياض النار ~~فيسقونه. # وأصل الحميم الماء الحار، ومنه اشتق الحمام، ومنه الحمى، ومنه ~~[اليحموم]. # قال قتادة: الغساق ما يسيل [من] جلده ولحمه. # وقال سفيان: هو ما يسيل من دموعهم. # وقال النخعي: هو " ما يسيل من صديدهم من البرد ". # وعن ابن عباس أن الغساق: " الزمهرير ". # وقال مجاهد: " الغساق: الذي لا يستطيعون أن يذوقوه (من برده). # وقال عبد الله بن [بريدة]: " هو المنتن ". # وروى الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لو أن دلوا من غساق يهراق في الدنيا لأنتن ~~أهل الدنيا ". # وقال عبد الله بن [عمرو]: " أتدرون أي شيء الغساق؟ قالوا: الله أعلم، ~~قال: هو القيح الغليظ، لو أن قطرة منه تهراق بالمغرب لأنتنت أهل ~~[المشرق]. ولو تهرق [بالمشرق] لأنتنت أهل المغرب ". # - وقوله: { جزآء وفاقا }. # أي: هذا العذاب الذي وصف جزاء للكفار على أفعالهم في الدنيا وافق ~~أعمالهم وفاقا، قاله ابن عباس. قال قتادة: " وافق الجزاء أعمال القوم... ~~". وقال الربيع: " ثوابا وافق أعمالهم ". قال ابن زيد: " عملوا شرا ~~فجوزوا شرا، [وعملوا] حسنا فجوزوا حسنا ". # - ثم قال تعالى: { إنهم كانوا لا يرجون حسابا }. # أي: لا يخافون محاسبة الله (لهم على أعمالهم في الآخرة. # قال قتادة: كانوا في الدنيا لا يخافون محاسبة). # وقال ابن زيد: كانوا لا يؤمنون بالبعث ولا بالحساب فكيف يخافون الحساب ~~وهم لا يوقنون بالبعث بعد الموت؟! # - ثم قال تعالى: { وكذبوا بآياتنا كذابا }. # أي: جحدوا بها جحودا. # - ثم قال تعالى: { وكل شيء أحصيناه كتابا }. # أي: وأحصينا كل شيء من أعمالهم وغير ذلك فكتبناه كتابا، [ف { كتابا ~~} ] مصدر عمل فيه فعل مضمر. # وقيل: العامل فيه (احصينا) ms2752 [لأنه] يعني: كتبنا. # - ثم قال تعالى: { فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا }. # أي: يقال لهم - إذا شربوا الحميم والغساق - ذوقوا العذاب الذي كنتم به ~~تكذبون في الدنيا، فلن نزيدكم على العذاب الذي أنتم فيه إلا عذابا ~~زائدا. # قال عبد الله بن عمرو: لم ينزل على أهل النار آية أشد من هذه، فهم في ~~مزيد أبدا. # وقد روي مثل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. # وروي أنه لا يأتي على أهل الجنة ساعة إلا ويزدادون صنفا من النعيم لم ~~يكونوا يعرفونه، ولا يأتي على أهل النار ساعة إلا وهم مستنكرون لشيء من ~~العذاب لم يكونوا يعرفونه. # - ثم قال تعالى: { إن للمتقين مفازا }. # أي: منجى من النار إلى الجنة ينجون به، وهي حدائق وأعناب. # وقال ابن عباس: { مفازا } ، " متنزها ". وقيل: المفاز: الظفر بما ~~يحبه الإنسان. يقال: فاز فلان بكذا إذا ظفر به. # والحدائق: جمع حديقة، وهي البستان من النخيل والأعناب والأشجار التي قد ~~حوط عليها الحيطان فأحدقت (بها)، فلإحداق الحيطان بها سميت حديقة، ~~ولو لم / تكن الحيطان بها محدقة لم تسم حديقة. # قال ابن عباس: الحدائق: [الشجر] الملتف. وقال الضحاك: الحدائق التي ~~عليها الحيطان. # - وقوله: { وأعنابا }. # معناه: وكروم أعناب، ثم حذف. # - وقوله: { وكواعب أترابا }. # (أي): وحورا نواهد في سن واحدة. قاله ابن عباس وقتادة وغيرهما. # - ثم قال: { وكأسا دهاقا }. # ملأى من الخمر مترعة، وأصله من الدهق، وهو متابعة الضغط على الشيء ~~بشدة وعنف. قال ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد: الدهاق: الملأى. وهو قول ~~ابن زيد. وقال عكرمة: الدهاق: الصافية. وقال ابن جبير: هي " المتتابعة ". ~~وقد روي مثل ذلك أيضا عن ابن عباس ومجاهد. # - ثم قال: { لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا }. # أي: باطلا [من القول]. { ولا كذابا } ، أي: ولا يكذب بعضهم ~~بعضا. # وقال قتادة: { ولا كذابا } ، أي: مأثما. و { لغوا }: باطلا. # - ثم قال تعالى: { جزآء من ربك عطآء حسابا }. # أي: هذا لهم جزاء لأعمالهم في الدنيا، أعطاهم الله ذلك عطاء كافيا. # يقال: أحسبني الشيء، أي: كفاني. وقيل: { حسابا } بمعنى: محاسبة لهم ~~بأعمالهم ms2753 لله في الدنيا، يعطون على قدر أعمالهم. # وقال قتادة: { عطآء حسابا } ، أي: " عطاء كثيرا، جزاهم الله ~~بالعمل اليسير الخير الجسيم الذي لا انقطاع له ". ### || [78.37-40] # - قوله تعالى: { رب السموت والأرض وما بينهما ~~(الرحمن) }. إلى آخر السورة. # [من] رفع { رب } فعلى الابتداء، أو على إضمار مبتدأ. # ومن خفضه فعلى البدل من قوله: من ربك او على النعت. # والمعنى: هو مالك السماوات والأرض وما بينهما من الخلق. # - { الرحمن لا يملكون منه خطابا }. # (أي): لا يقدر أحد من خلقه على خطابه يوم القيامة إلا من أذن له منهم. # قال مجاهد وقتادة: { لا يملكون منه خطابا } ، أي: " كلاما ~~". # - ثم قال تعالى: { يوم يقوم الروح والملائكة صفا }. # أي: يجازيهم في يوم يقوم الروح. قال ابن مسعود: " الروح ملك في السماء ~~الرابعة، هو أعظم من السماوات ومن الجبال ومن الملائكة، يسبح الله كل يوم ~~اثنتي عشرة ألف تسبيحة، [يخلق] الله من كل تسبيحة ملكا من الملائكة ~~فيجيء يوم القيامة صفا [واحدا] ". # وقال ابن عباس: (هو) ملك من أعظم الملائكة خلقا. # وقال الضحاك والشعبي: الروح هنا: جبريل عليه السلام. # وقال مجاهد: [الروح خلق من صورة] بني آدم، يأكلون ويشربون وليسوا ~~(بملائكة). # وقالوا أبو صالح: " يشبهون الناس وليسوا بالناس ". # وقال قتادة: الروح (بنو آدم. وهو قول الحسن. # وعن ابن عباس أيضا [أنه] أرواح) بني آدم تقوم مع الملائكة فيما بين ~~النفختين قبل أن يردها الله إلى الأجسام. # وقال ابن زيد: هو القرآن. وقرأ: # وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا # [الشورى: 52]، فلا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن في الكلام فيتكلم. # روي أنهم يؤذن لهم في الكلام حين يمر بأهل النار إلى النار، وبأهل ~~الجنة إلى الجنة. # وقال عكرمة: يمر بأناس من أهل النار على ملائكة فيقولون: أين تذهبون ~~بهؤلاء؟ فيقال: إلى النار. فتقول: بما كسبت أيديهم، وما ظلمهم (الله). ~~ويمر بأناس من أهل الجنة على ملائكة فيقولون: أين تذهبون بهؤلاء؟ ~~فيقولون: إلى الجنة. فيقولون: برحمة الله دخلتم الجنة. # وعن ابن عباس أنه قال: إلا من أذن لهم الرب ms2754 بشهادة أن لا إله إلا الله. ~~وهو منتهى الصواب. # وقال مجاهد: { وقال صوابا }. # (أي: " وقال حقا في الدنيا وعمل به ". # وقال أبو صالح: { وقال صوابا }. # أي): قال لا إله إلا الله وهو قول عكرمة. # - ثم قال تعالى: { ذلك اليوم الحق }. # أي: يوم يقوم فيه الروح والملائكة صفا هو يوم حق إتيانه لا شك فيه. # - ثم قال تعالى: { فمن شآء اتخذ إلى ربه مآبا }. # أي: فمن شاء في الدنيا اتخذ بالعمل الصالح والإيمان إلى ربه في ذلك ~~اليوم مرجعا ومنجى وسبيلا (وطريقا إلى رحمته. وفي الكلام معنى التهدد ~~والوعيد، أي: من لم يفعل ذلك فسيرى ما يحل به) غدا. # - ثم قال تعالى: { إنآ أنذرناكم عذابا قريبا }. # أي: حذرناكم عذابا قد دنا منكم فقرب، وذلك. # { يوم ينظر المرء ما قدمت يداه }. # في الدنيا من خير وشر فيجازى عليه. ف { ما } بمعنى " الذي " ، أي: ~~ينظر العمل الذي عمل في الدنيا من خير (وشر). # ويجوز أن / تكون { ما } استفهاما، أي: ينظر أي شيء قدمت يداه في ~~الدنيا من العمل، أخير هو أم شر؟ فيجازى عليه. # قال الحسن: " (المرء) هنا: المؤمن يحذر الصغيرة ويخاف الكبيرة ". # - ثم قال: { ويقول الكافر يليتني كنت ترابا }. # أي: ويتمنى الكافر في ذلك اليوم أن يكون ترابا لما يرى من عذاب الله. # قال أبو هريرة: إن الله يحشر الخلق كلهم من دابة وطائر وإنسان، ثم ~~[يقتص] لبعض البهائم من بعض، حتى يقتص [للجماء] من ذات القرن، ثم يقول ~~للبهائم والطير والدواب: كوني ترابا، فعند ذلك يقول الكافر يا ليتني كنت ~~ترابا. # وقال عبد الله بن عمرو: إذا كان يوم القيامة، مد الله عز وجل الأرض مد ~~الأديم، وحشر الدواب والبهائم والوحش، ثم يجعل القصاص بين الدواب حتى ~~يقتص للشاة الجماء من القرناء نطحتها، فإذا فرغ من القصاص بين ~~الدواب قال لها: كوني ترابا، فعند ذلك يقول الكافر: يا ليتني كنت ~~ترابا. ### | [79 - سورة النازعات] ### || [79.1-14] # - قوله تعالى: { والنازعات [غرقا] } إلى قوله: { فإذا هم ~~بالساهرة }. # قال ابن عباس: { والنازعات غرقا } ، هي الملائكة ms2755 تنزع الأنفس. # وقال ابن جبير: هي أرواح الكفار، نزعت أرواحهم ثم غرقت ثم حرقت ثم قذف ~~بها في النار. وقال مجاهد: { والنازعات } الموت ينزع النفوس. # وقال الحسن: هي النجوم تنزع من أفق (إلى أفق). وهو قول قتادة. وقال ~~عطاء: هي القسي تنزع بالسهم. [وقال] السدي: هي النفوس حين تغرق في الصدر. # والتقدير على هذا كله: ورب النازعات. والله جل ذكره يقسم بما شاء. ~~والتقدير في { غرقا }: إغراقا، كما يغرق النازع في [القوس]. # وعن ابن عباس قال: يعني نفس الكافر ينتزعها ملك الموت من جسده من تحت كل ~~شعرة، ومن تحت كل [ظفر]، ثم يغرقها، أي: يرددها في جسده وينزعها. # - ثم قال تعالى: { والناشطات نشطا }. # قال ابن عباس: هي " الملائكة " ، (أي): تنشط نفس المؤمن فتقبضها كما ~~ينشط العقال (من يد البعير إذا [حل] عنها كأنها [تقبض] الأرواح بسرعة. ~~ومنه رجل نشط)، ويقال: نشطه إذا أخذه بسرعة. # قال الفراء: يقال: نشطه: إذا ربطه، وأنشطه: [إذا حله]، وحكى عن ~~العرب: " كأنما أنشط من عقال ". # وهما عند غيره لغتان، يقال: نشطه: إذا حله وأنشطه. # وقال مجاهد: { والناشطات نشطا } هي " الموت " ، ينشط نفس ~~المؤمن. ومثله عن ابن عباس أيضا، (وعنه أيضا) أنه قال: يعني نفس الكافر ~~والمنافق، ينشط كما ينشط العقب [الذي يعقب] (به) السرج. # وقال السدي: " نشطها - يعني النفس - حين تنشط من القدمين. وقال ~~قتادة: " هي النجوم " ، ينشط [أفقا إلى أفق]. # وقال عطاء: (هي الأ) وهاق) " # - ثم قال تعالى: { والسابحات سبحا }. # قال مجاهد: هي " الموت " يسبح في نفس ابن آدم. # وعنه أيضا أنها الملائكة [تسبح] في صعودها وهبوطها بأمر الله جل ذكره، ~~شبه [سيرها] بالسباحة، كما يقال [للفرس الجواد]: " سابح ". # وقال قتادة ومعمر: هي " النجوم ". # وقال عطاء: هي " السفن ". # وقيل: هي نفس المؤمن تسبح شوقا إلى الله وشوقا إلى [رحمته]، فهي تسبح ~~إلى ما [عاينت من السرور]. # - ثم قال تعالى: { فالسابقات سبقا }. # قال مجاهد: هو " الموت ". وعنه أنها الملائكة تأتي تسبق الشياطين بالوحي ~~إلى الأنبياء. # وقال عطاء: هي الخيل السابقة. # وقال قتادة ومعمر: هي ms2756 " النجوم " ، يسبق (بعضها) بعضا في السير. # وقيل: [يعني] نفس المؤمن تسبق إلى ملك الموت فتبادر الخروج (إليه) لحسنه ~~وطيب رائحته شوقا إلى كرامة الله جل ذكره. # - ثم قال تعالى: { فالمدبرات أمرا }. # قال ابن عباس وقتادة والحسن ومجاهد: هي الملائكة تدبر الأمر من عند الله ~~بإذن الله وتدبيره. # وعن ابن عباس: أن هذا كله في الملائكة. # وعن الحسن أنه كله في النجوم إلا { فالمدبرات أمرا } ، فإنه ~~في الملائكة [تنزل] بالحلال والحرام والأمطار وغير ذلك من الأمر المدبر ~~[المحكم] من عند الله جل ذكره. # وجواب القسم محذوف، والتقدير: ورب هذه الأشياء لتبعثن. ودل على ذلك قوله ~~حكاية عن إنكار المشركين للبعث: { يقولون أإنا لمردودون / ~~في الحافرة * أإذا كنا عظاما نخرة }. # وقيل: الجواب: # إن في ذلك لعبرة # [النازعات: 26]. # وقيل: الجواب: { يوم ترجف الراجفة } ، على حذف اللام، أي: ~~ليوم ترجف الراجفة. # وقيل المعنى: فإذا هم بالساهرة والنازعات. # والقول الأول أصحها إن شاء الله. # - ثم قال تعالى جل ذكره: { يوم ترجف الراجفة * تتبعها ~~الرادفة }. # أي: لتبعثن يوم ترجف الأرض والجبال للنفخة الأولى، تتبعها أخرى بعدها، ~~وهي النفخة الثانية [ردفت] الأولى، فقيل لها رادفة، بينهما أربعون سنة، ~~[بالأولى يهلك من في الأرض]، وبالثانية يبعث من في الأرض. # قال ابن عباس: هما النفختان، الأولى والثانية. # قال الحسن: هما النفختان، أما الأولى فتميت الأحياء، (وأما) الثانية ~~فتحيي الموتى. وتلا الحسن: # ونفخ في الصور فصعق من في السموت ومن في ~~الأرض إلا من شآء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا ~~هم قيام ينظرون # [الزمر: 68]. # " وروي أن أبا هريرة سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الصور، فقال: هو ~~قرن، قال: وكيف هو؟ قال: قرن عظيم ينفخ فيه ثلاث ~~نفخات، الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق، والثالثة ~~نفخة القيام [لرب] العالمين، يأمر الله إسرافيل بالنفخة ~~الأولى، فيقول: انفخ نفخة الفزع، فيفزع من في السماوات ومن في الأرض ~~إلا من شاء الله. [ويأمره] الله - جل ذكره - فيديمها ويطولها فلا ~~[تفتر]، وهي التي يقول الله: { وما ينظر هؤلآء إلا ~~صيحة واحدة ما ms2757 لها من فواق } ، فيسير الله - جل وعز - ~~الجبال، فتكون سرابا، فترتج الأرض بأهلها رجا، وهي التي يقول ~~الله عز وجل: { يوم ترجف الراجفة * تتبعها الرادفة ~~} ". # قال قتادة: { يوم ترجف الراجفة * تتبعها الرادفة ~~}: هما الصيحتان، أما الأولى فتميت كل شيء بإذن الله، وأما الأخرى فتحيي ~~كل شيء بإذن الله، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: # " بينهما أربعون [عاما]. قال أصحابه: والله ما زادنا على ذلك " # قال قتادة: وذكر لنا أن نبي الله عليه السلام [كان] يقول: # " يبعث الله في تلك الأربعين مطرا يقال له الحياة حتى تطيب الأرض وتهتز ~~وتنبت أجساد الناس نبات البقل، ثم ينفخ الثانية فإذا هم قيام ينظرون ". # قال الضحاك: الراجفة: النفخة الأولى، والرادفة: الثانية. # وقال مجاهد: { الراجفة } [ترجف الأرض بمن فيها، و] هو رجف الأرض ~~والجبال، وهي الزلزلة والرادفة، وهو قوله: # وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة # [الحاقة: 14]. # وقال ابن زيد: { الراجفة } ترجف الأرض بمن فيها، والرادفة: قيام ~~الساعة. # - ثم قال تعالى: { قلوب يومئذ واجفة }. # أي: قلوب خلق من خلق الله يومئذ خائفة وجلة. # يقال: وجف القلب إذا [خفق]. # - ثم قال تعالى: { أبصارها خاشعة }. # (أي: أبصار أصحاب) القلوب ذليلة من الخوف والرعب من هول ذلك اليوم. # - ثم قال تعالى: { يقولون أإنا لمردودون في الحافرة ~~* أإذا كنا عظاما نخرة }. # { يقولون } ليس بمتصل بما قبله، لأن (ما) قبله من صفة حالهم يوم ~~القيامة. وما بعد القول من قولهم في الدنيا في إنكار البعث. # ولو [أضمرت] " كان " قبل { يقولون } كان متصلا بما قبله، تخبر عما ~~كانوا يقولون في الدنيا. # أي: يقول هؤلاء [المكذبون] بالبعث في الدنيا: أنرد إلى حالنا الأولى ~~بعد الممات فنرجع أحياء بعد أن نصير عظاما [تصوت] فيها الريح. # يقال: رجع [على] حافرته: إذا رجع من حيث أتى. والعرب تقول: " النقد عند ~~الحافرة ". أي: عند أول كلمة. قال ابن عباس: { لمردودون في ~~الحافرة } أي: (في) " الحياة ". وروي عنه: لنحيا بعد موتنا. وقال ~~قتادة: معناه أنرد خلقا جديدا؟! وقال السدي { (في) الحافرة }: " ~~في الحياة ". وقيل: ms2758 الحافرة - هنا - بمعنى المحفورة، بمنزلة قوله: # من مآء دافق # [الطارق: 6] بمعنى: مدفوق. فالمعنى: أنرد في قبورها أمواتا؟! # قال مجاهد: { الحافرة }: الأرض، (أي): أنبعث خلقا جديدا؟! # وقال ابن زيد: { الحافرة }: النار وقال: هي النار، وهي الجحيم، وهي ~~سقر، وهي جهنم، وهي الهاوية، وهي الحافرة، (وهي) لظى، وهي الحطمة. # - وقوله: { أإذا كنا عظاما نخرة }. # قال ابن عباس: النخرة: الذاهبة البالية. يقال: نخرة وناخرة، (لغتان) ~~بمعنى. # وقد قيل: النخرة [المؤتكلة]، (والناخرة) البالية. وقيل: النخرة: ~~البالية. والناخرة: العظم المجوف تمر فيه الريح فتنخر. قاله أبو عبيدة. # - ثم قال تعالى: { تلك إذا كرة خاسرة }. # هذا إخبار من الله لنبيه عن قول المنكرين للبعث أنهم قالوا: تلك / ~~الرجعة - إن كانت رجعة - خاسرة، (أي): [نخسر] فيها، لأنا وعدنا فيها ~~بالنار. # - ثم قال تعالى: { فإنما هي زجرة واحدة * فإذا هم ~~بالساهرة }. # أي: إنما هي صيحة واحدة، وهي النفخة، ينفخ في الصور فإذا هؤلاء المكذبون ~~بالبعث بظهر الأرض أحياء. # والعرب تسمي الفلاة وظهر الأرض " ساهرة " ، لأن فيها نوم الحيوان ~~وسهرهم، فسميت بما يكون فيها. # قال ابن عباس: ( { بالساهرة } " على الأرض ". وهو قول الحسن ~~وعكرمة. # وقال قتادة): { بالساهرة }: بأعلى الأرض، بعدما كانوا في بطنها. ~~وهو قول ابن جبير والضحاك وابن زيد. # وقال سفيان: الساهرة: " أرض بالشام ". # وقال وهب بن منبه: " الساهرة: جبل إلى جنب بيت المقدس ". # وقال قتادة: الساهرة: جهنم. # وقال: الساهرة: أرض من فضة لم يعص الله عليها، وهو قوله: # يوم تبدل الأرض غير الأرض # [إبراهيم: 48]. # قال قتادة: لما تباعد البعث في أعين القوم، قال الله جل ذكره، { ~~فإنما هي زجرة واحدة } ، فإذا هم بأعلى الأرض. ### || [79.15-46] # - قوله تعالى: { هل أتاك حديث موسى } ، إلى آخر السورة. # أي: هل سمعت يا محمد حديث موسى بن عمران وخبره؟ # - { إذ ناداه ربه بالواد المقدس }. # أي: المطهر المبارك. # - وقوله: { طوى }. # قال مجاهد: (هو) اسم الوادي. وقاله ابن زيد. # فمن صرفه على هذا جعله (اسما لمذكر)، اسما لمكان. ومن لم يصرفه جعله ~~اسما للبقعة. # وقال قتادة: " { طوى }: كنا نحدث أنه قدس مرتين ". قال: " واسم ms2759 ~~الوادي: طوى ". # وقال ابن جريج عن مجاهد: { طوى } أي طاء الأرض حافيا. # - وقوله: { اذهب إلى فرعون إنه طغى }. # أي: ناداه ربه، فقال له: اذهب إلى فرعون، إنه تجاوز حده في العدوان ~~والتكبر على ربه وعتا، فقل له. { هل لك إلى أن تزكى }. # أي: هل لك يا فرعون في أن تتطهر من دنس (الكفر) وتؤمن بربك؟ # قال ابن زيد: ([تز]كى): تسلم. قال: والتزكي في القرآن كله: الإسلام. # وقال عكرمة: { إلى أن تزكى } ، أي: تقول لا إله إلا الله وحده ~~لا شريك له. # - ثم قال: { وأهديك إلى ربك فتخشى }. # أي: وهل لك إلى أن أرشدك إلى ما يرضى به ربك عنك، فتخشى عقابه بأداء ما ~~ألزمك من فرائضه واجتناب معاصيه؟ # - ثم قال تعالى: { فأراه الآية الكبرى }. # أي: فأرى موسى فرعون الآية العظيمة الكبيرة، وهي في قول الحسن ومجاهد ~~وقتادة: يده وعصاه. أخرج يده بيضاء للناظرين، وحول عصاه ثعبانا ~~مبينا. # وقال ابن زيد: هي العصا. # - ثم قال تعالى: { فكذب وعصى }. # أي: فكذب فرعون موسى فيما أتى به من الآيات المعجزات، وعصاه فيما أمره ~~به من طاعة الله والإيمان به. # - وقوله: { ثم أدبر (يسعى) }. # أي: ثم ولى معرضا عما [دعا إليه] موسى. قال مجاهد: { ثم أدبر ~~يسعى } ، أي: " يعمل الفساد ". وقيل: [معناه] أدبر هاربا من الحية. # - وقوله: { فحشر فنادى }. # أي: فجمع قومه فنادى فيهم فقال لهم: { أنا ربكم الأعلى } ، ~~تمردا على الله وطغيانا. # - ثم قال تعالى: { فأخذه الله نكال الآخرة والأولى ~~}. # قال ابن عباس ومجاهد والشعبي: الأولى، قوله: # ما علمت لكم من إله غيري # [القصص: 38]، والآخرة: قوله: { أنا ربكم الأعلى }. وكان بين ~~الكلمتين أربعون سنة. وقاله ابن زيد. # وقال أيضا: معناه: عذاب الدنيا والآخرة، عجل له الغرق مع ما أعد له في ~~الآخرة من العذاب. # وعن الحسن أنه قال: معناه: عذاب الدنيا والآخرة. وهو قول قتادة. # وقال أبو رزين: الأولى عصيانه ربه وكفره، والآخرة: قوله: { أنا ~~ربكم الأعلى }. # وعن مجاهد أيضا أن معناه: أخذه الله [بأول عمله] وآخره. " ونكالا " ~~مصدر من معنى " أخذه " ، [لأن ms2760 معنى " أخذه " ] نكل به. # - ثم قال تعالى: { إن في ذلك لعبرة لمن يخشى }. # أي: إن في العقاب الذي عاقب الله به فرعون في عاجل الدنيا والآخرة عظة ~~(و) معتبرا لمن يخاف الله ويخشى عقابه. # - ثم قال تعالى: { ءأنتم أشد خلقا أم السمآء... }. # هذا تقرير وتوبيخ للمكذبين للبعث، القائلين: { أإنا لمردودون ~~في الحافرة * أإذا كنا عظاما نخرة }. يقول لهم: ~~أأنتم أعظم خلقا أم السماء [التي] بناها ربكم فرفعها سقفا للأرض؟! (بل) ~~أنتم أهون خلقا وأيسر، فمن فعل ذلك فهو قادر على خلق ما هو أهون منه ~~وأيسر، فليس خلقكم بعد مماتكم بأصعب من خلق السماء! ومعنى { بناها }: ~~رفعها فجعلها للأرض سقفا. # - ثم قال تعالى: { رفع سمكها فسواها }. # (أي: رفع السماء في الهواء { فسواها } )، أي: جعلها مستوية لا شيء ~~منها / أرفع من شيء، ولا شيء منها أخفض من شيء. # قال مجاهد: " رفع بناءها بغير عمد ". # - ثم قال تعالى: { وأغطش ليلها }. # أي: وأظلم ليلها، أي ليل السماء. فأضاف الليل إلى السماء، لأنه [يأتي ~~بغروب] الشمس ويذهب بطلوعها، والشمس في السماء. كما [قيل]: نجوم الليل. ~~فأضاف النجوم إلى الليل إذ كان فيه طلوعها وغروبها. # - وقوله: { وأخرج ضحاها }. # أي: ضوء النهار. # - ثم قال تعالى: { والأرض بعد ذلك دحاها }. # قال ابن عباس: خلق الله - جل ذكره - الارض بأقواتها من غير أن يدحوها، ~~ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات ثم دحا الأرض بعد ذلك. # وقال عكرمة عنه: وضع الله البيت على الماء على [أربعة] أركان قبل أن ~~[يخلق] السماء بألفي عام، ثم دحيت الأرض من تحت البيت. # وقال مجاهد: معناه: والأرض مع ذلك دحاها، بمنزلة قوله: # عتل بعد ذلك زنيم # [القلم: 13]، أي: مع ذلك. وروي مثل ذلك عن السدي. # والدحو في كلام العرب: البسط والمد. # قال قتادة والسدي: { دحاها } " بسطها ". # وقيل معناه: والأرض قبل ذلك دحاها، أي: قبل خلق السماوات، لأنه قال في ~~موضع آخر: # قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في ~~يومين # [فصلت: 9]، (ثم قال): # وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها [وقدر ~~فيهآ] أقواتها ms2761 في أربعة أيام سوآء للسآئلين # [فصلت: 10]، ثم قال: # ثم استوى إلى السمآء وهي دخان فقال لها ~~وللأرض... # [فصلت: 11]. # - وقوله: { أخرج منها مآءها ومرعاها }. # أي: فجر فيها الأنهار وأنبت نباتها. # - ثم قال تعالى: { والجبال أرساها }. # أي: أثبتها في الأرض. والتقدير: والجبال أرساها (فيها، وحذف فيها لدلالة ~~الكلام عليه. # قال قتادة: { أرساها } ): أثبتها لئلا تميل بأهلها. # وروى أبو عبد الرحمن السلمي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: ~~لما خلق الله الأرض فمضت وقالت: أتخلق آدم وذرياته يلقون علي ~~نتنهم ويعملون علي بالخطايا؟! فأرساها الله بالجبال، فمنها ما ترون ~~ومنها ما لا ترون، وكان أول قرار الأرض كلحم الجزور إذا نحرت يختلج ~~لحمها. # - ثم قال تعالى: { متاعا لكم ولأنعامكم }. # أي: منفعة لكم ومتعة إلى حين. وتقديره: متعكم الله به متاعا. # - ثم قال تعالى: { فإذا جآءت الطآمة الكبرى }. # يعني: قيام الساعة. والطامة: اسم من أسماء يوم القيامة، يقال: طم ~~الأمر: إذا ارتفع وعظم. ويقال: طمت الطامة وصخت الصاخة: للداهية. # - ثم قال تعالى: { يوم يتذكر الإنسان ما سعى }. # أي: فإذا قامت القيامة في يوم يتذكر الإنسان فيه ما عمل في الدنيا من ~~خير وشر، وذلك [إذا قرأ كتابه]. # - ثم قال: { وبرزت الجحيم لمن يرى }. # أي: أظهرت لمن يراها. # - ثم قال تعالى: { فأما من طغى }. # أي: عتا على ربه، واستكبر وآثر (متع) الحياة الدنيا على الآخرة، فعمل ~~للدنيا وترك العمل للآخرة. # - { فإن الجحيم هي المأوى }. # أي: هي مصيره، والتقدير: هي المأوى له. وقيل: التقدير: هي مأواه. # - ثم قال تعالى: { وأما من خاف مقام ربه }. # أي: خاف مسألة ربه إياه عند وقوفه يوم القيامة بين يديه فاتقاه بأداء ~~فرائضه وطاعته واجتناب محارمه، ونهى نفسه [عن] هواها، فإن الجنة هي ~~مأواه. # - ثم قال تعالى: { يسألونك عن الساعة أيان مرسها ~~}. # أي: يسألك - يا محمد هؤلاء [المكذبون بالبعث] عن الساعة متى قيامها، ~~فرسو الساعة قيامها، وليس قيامها كقيام القائم، إنما هو بمنزلة قولهم: ~~قد قام العدل، وقد قام الحق. # - ثم قال تعالى: لنبيه: { فيم أنت من ms2762 ذكرها }. # أي: في أي شيء أنت من ذكر الساعة والبحث عنها؟! # روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: # " لم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يكثر ذكر الساعة ~~[والسؤال] عنها حتى نزلت هذه الآية ". # - وقوله: { إلى ربك منتههآ }. # أي: منتهى علمها، أي: لا يعلم وقت قيامها غيره. # - ثم قال تعالى: { إنمآ أنت منذر من يخشها }. # أي: إنما أنت - يا محمد - رسول مبعوث تنذر بالساعة من يخاف عقاب الله، ~~ولم [تكلف] علم وقت قيامها. # - ثم قال تعالى: { كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا ~~إلا عشية أو / ضحها }. # أي: كأن هؤلاء المكذبين بالساعة يوم يرون الساعة قد قامت لم يلبثوا في ~~الدنيا إلا عشية يوم أو ضحى تلك العشية. والعرب تقول: " أتيتك العشية أو ~~غداتها " ، أو " آتيك الغداة أو عشيتها " ، أي: كأن هؤلاء القوم المكذبين ~~إذا رأوا قيام الساعة وهولها وعظيم أمرها لم يلبثوا إلا عشية يوم أو غداة ~~يوم. روي أنهم يخفتون في قبورهم [خفتة] قبل بعثهم، [فعلى] هذا [يقولون]: ~~لبثنا يوما أو بعض يوم، ويظنون أنهم لم يلبثوا إلا عشية (يوم) أو ضحى ~~يوم. ### | [80 - سورة عبس] ### || [80.1-32] # - قوله تعالى: { عبس وتولى } ، إلى قوله: { ولأنعامكم ~~}. # هذا عتاب من الله جل ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم. قالت عائشة: أتى ~~النبي صلى الله عليه وسلم ابن أم مكتوم وعند النبي عظماء قريش، فجعل ~~(ابن) أم مكتوم [يقول]: أرشدني، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يعرض ~~عنه [ويقبل] على الآخرين يقول لهم: أترون بما أقول بأسا؟ فأنزل الله { ~~عبس وتولى } في ذلك. # قال (ابن عباس): # " بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يناجي عتبة بن ربيعة وأبا جهل بن ~~هشام والعباس بن عبد المطلب، وكان يتصداهم كثيرا رجاء أن يؤمنوا، ~~فأقبل إليه رجل أعمى يقال له: ابن أم مكتوم، (يمشي والنبي صلى الله ~~عليه وسلم يناجيهم، فجعل ابن أم مكتوم) [يستقرئ] النبي صلى الله عليه ~~وسلم آية من القرآن وهو يقول: يا رسول الله، علمني مما علمك الله. ~~فأعرض عنه [رسول الله ms2763 صلى الله عليه وسلم]، وعبس (في) وجهه وتولى عنه ~~وأقبل على الآخرين، فما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم نجواه وأخذ ~~ينقلب إلى أهله، أمسك الله بعض بصره [وخفق] برأسه، ثم أنزل الله: { ~~عبس وتولى }.. [الآيات]. فلما نزل فيه ما [نزل]، أكرمه رسول ~~الله [وكلمه] وقال له: ما حاجتك؟ هل تريد من شيء " # قال قتادة: اسم ابن أم مكتوم: عبد الله بن زائدة، وقيل: اسمه [عمرو بن ~~قيس]، واسم أمه: أم مكتوم عاتكة. قال مجاهد، هو من بني فهر. # وذكر قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم استخلفه في المدينة على الصلاة ~~في غزوتين من غزواته. # وروي أن الذي كان قد اشتغل النبي صلى الله عليه وسلم [به] (عن ابن أم ~~مكتوم هو شيبة ابن [ربيعة]، طمع النبي صلى الله عليه وسلم) بإسلامه. # وقيل: هو أبي بن خلف، كان النبي يقبل عليه ويكنيه، ويقول له: أبا ~~فلان، هل ترى بما أقول بأسا؟ طمعا أن يسلم، فيسلم بإسلامه خلق، فأجابه ~~المشرك فقال له: [والدما]، ما أرى بما تقول بأسا. فأقسم المشرك للنبي ~~صلى الله عليه وسلم بالأصنام وترك أن يقسم بالله. # [والدما] جمع دمية، وهي الصورة من [صور الأصنام]. [فعذل] الله نبيه على ~~ذلك. # وقال ابن زيد: أقبل ابن أم مكتوم ومعه قائده، فلما بصر به النبي صلى ~~الله عليه وسلم - وكان مقبلا على رجل من عظماء قريش قد طمع في إسلامه - ~~أشار إلى قائده (أن كفه)، فدفعه ابن أم مكتوم، فعند ذلك عبس النبي في ~~وجهه، فكان النبي عليه السلام يكرمه بعد ذلك. # وقال سفيان: # " كان النبي صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك - إذا رآه بسط له رداءه، وقال ~~مرحبا [بمن] عاتبني فيه ربي جل وعز ". # قال ابن زيد: كان [يقال]: لو أن رسول الله كتم من الوحي شيئا لكتم هذا ~~على نفسه. # - وقوله: { وما يدريك لعله يزكى }. # أي: وما يدريك - يا محمد - لعل هذا الأعمى الذي أعرضت عنه يتطهر من ~~ذنوبه. # - { أو يذكر فتنفعه الذكرى }. # (أي): [أو] يتعظ ms2764 [فينفعه] الاتعاظ. # - ثم قال تعالى: { أما من استغنى * فأنت له تصدى }. # (أي): أما من استغنى بماله، فأنت تتعرض له رجاء أن يسلم. قال سفيان: " ~~نزلت في العباس ". # وقال مجاهد: " نزلت في عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ". # - ثم قال تعالى: { وما عليك ألا يزكى }. # أي: وأي شيء عليك - يا محمد - ألا يتطهر من ذنوبه وكفره بالإسلام؟! # - ثم قال تعالى: { وأما من جآءك يسعى * وهو يخشى }. # أي: وأما الأعمى جاءك يسعى وهو يخشى الله [ويتقيه]. # - { فأنت عنه تلهى }. # (أي): تعرض وتتشاغل بغيره. # - ثم قال تعالى: { كلا إنها تذكرة }. # أي: ليس الأمر كما تفعل يا محمد. وقيل: المعنى: ألا إنها تذكرة. والوقف ~~عند نافع ونصير على { كلا } على التأويل الأول. # - وقوله: { (إنها) تذكرة }. # قال الفراء: المعنى أن السورة تذكرة. وقيل: المعنى (أن) الأنباء والقصص ~~تذكرة. # (وقيل: المعنى أن القصة التي عوتبت فيها يا محمد تذكرة) وعظة. # - { فمن شآء / ذكره }. # أي: فمن شاء من عباد الله ذكر تنزيل الله ووحيه فاتعظ به. # فالهاء في { إنها } للسورة أو للقصة، والهاء في [ { ذكره } ] ~~للتنزيل والوحي. # - ثم قال تعالى: { في صحف مكرمة }. # أي: هذه العظة والقصة في صحف قد كتبتها الملائكة في صحف مكرمة، أي: ~~عزيزة. # - { مرفوعة مطهرة }. # يعني: مرفوعة في اللوح المحفوظ عند الله. # - وقوله: { بأيدي سفرة }. # يعني: الملائكة. وواحد السفرة: سافر. قال ابن عباس وقتادة: سفرة: " كتبة ~~". # وعن قتادة أن السفرة هم القراء. وعن ابن عباس. # أيضا هي " الملائكة ". قال ابن زيد: هم " الذين يحصون الأعمال ". وسفير ~~القوم: الذي يسعى بينهم بالصلح، فكأن السفرة هم الملائكة الذين يسفرون ~~بين الله وبين رسله بالوحي. وهذا (هو) اختيار الطبري. # - وقوله: { كرام بررة }. # قال وهب بن منبه: السفرة الكرام البررة: أصحاب محمد صلى الله عليه ~~وسلم و { بررة } جمع بار، ككافر، وساحر وسحرة. # والمستعمل في كلام العرب أن يقولوا: " رجل بر " ، و " امرأة برة " ، ~~فإذا جمعوا ردوه إلى جمع (بار، فقالوا: رجال بررة. وقال النحاس: الأبرار ~~جمع) بر، والبررة جمع بار. # - ثم قال تعالى: { قتل الإنسان مآ ms2765 أكفره }. # أي: لعن الكافر [و] أهلك، ما الذي أكفره مع ظهور الآيات وبيا(ن الحق)؟! ~~ف { مآ }: استفهام على طريق التوبيخ والتقرير. # وقيل: إنها نزلت في عتبة بن أبي لهب، كان قد آمن، فلما نزلت سورة: ~~(والنجم)، ارتد، فدعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم فقتله الأسد في قصة ~~طويلة. # وقيل: { مآ }: تعجب، أي: هو ممن يقال فيه: ما أكفره إذ تمادى على ~~كفره مع ظهور الآيات والحجج!. # قال مجاهد: كل شيء في القرآن " قتل الإنسان " أو " فعل الإنسان " فإنما ~~عنى به الكافر، وكل " قتل " في القرآن [فمعناه]: لعن. # - ثم قال تعالى: { من أي شيء خلقه }. # أي: اعجبوا (له)! من أي شيء خلق الله الكافر حتى يتكبر عن طاعة الله. ثم ~~بين الشيء الذي خلقه منه فقال: # - { من نطفة خلقه }. # أي: (من) ماء حقير خلقه فكيف يتكبر من أصله هذا. # - وقوله: { فقدره }. # أي: قدره أحوالا: نطفة ثم علقة، ثم مضغة، ثم، ثم... # وقيل: معناه: قدره حسنا أو قبيحا، ذكرا وأنثى. # - وقوله: { ثم السبيل يسره }. # قال ابن عباس: يعني يسره لطريق الخروج من بطن أمه. # وهو قول السدي وقتادة وأبي صالح، وهو اختيار الطبري، لأن قبله ذكر ~~خلقه من نطفة وانتقاله من (حال إلى) حال في الرحم، فوجب أن يتبعه ~~بذكر خروجه من الرحم ليكون الكلام كله في معنى واحد. # وقال مجاهد: هو طريق الخير والشر كقوله: # إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا # [الإنسان: 3]. وعنه أيضا أنه سبيل الشقاء والسعادة. وقال الحسن: سبيل ~~الخير يسره له. # وقال ابن زيد: هداه إلى الإسلام ويسره له. # - ثم قال تعالى: { ثم أماته فأقبره }. # أي: أماته بعد إحيائه له عند انقضاء أجله وجعل له قبرا ولم يجعله ممن ~~يلقى على وجه الأرض، فهذا كله من نعم الله على ابن آدم. # يقال: " قبرت الرجل ": [إذا] أدخلته في القبر، و " أقبرته ": ~~إذا جعلت له قبرا. والمعنى: فصيره ذا قبر. # - ثم قال تعالى: { ثم إذا شآء أنشره }. # أي: أحياه بعد موته. يقال: أحيا الله الميت وأنشره بمعنى. ونشر ms2766 ~~الميت: حيي هو نفسه. # - ثم قال تعالى: { كلا لما يقض مآ أمره }. # أي: ليس الأمر ما يقول هذا الإنسان من [أنه قد أدى] حق الله في نفسه ~~وماله، لم (يقض) ذلك، ولا يقدر عليه. # قال مجاهد: لا يقضي أحد أبدا ما افترض الله عليه. # - ثم قال تعالى: { فلينظر الإنسان إلى طعامه * أنا ~~صببنا المآء صبا * ثم شققنا الأرض شقا }. # هذا كله تنبيه من الله لعباده على نعمه عليهم. ومن قرأ (أنا) بالفتح، ~~فقال أبو حاتم: هو بدل من الطعام. # وهو قول الفراء و [أبي] عبيد. وتقديره: فلينظر الإنسان إلى صبنا الماء. ~~وهو قول فيه بعد، لأن الثاني [ليس هو الأول] ولا [بعضه] ولا مشتملا ~~عليه. # (وقيل: إنما فتحت على أنها رفع بالابتداء. ولا يحسن سيبويه الابتداء " ~~بأن " المفتوحة، وأيضا فإنه لا خبر لها). # وقيل: (إن) التقدير: لأنا صببنا. وقيل: { أنا } في موضع رفع [على] ~~إضمار مبتدأ، والتقدير: إلى طعامه، طعامه: صب الماء.... # وقيل: { أنا } بدل الاشتمال من طعامه. والمعنى: فليعتبر الإنسان ~~ويعلم قدر نعم الله عليه وكيف سبب له [كمال طعامه] الذي به قوامه، [بأن ~~أنزل] الغيث من السماء فصبه على الأرض صبا، ثم شق للغيث الأرض شقا / ~~فأنبت فيها حبا، يعني الزرع وسائر الحبوب. # - { وعنبا }. # يعني: الكروم، أي: وكروم عنب. # - { وقضبا }. # يعني: القت. وأهل مكة يسمون القت الصغير القضب، كأنه يقطع مرة بعد مرة. ~~يقال: قضبه: إذا قطعه. # وحكى أبو عبيدة أنه الرطبة وقاله الضحاك. # وقال الحسن: " القضب: العلف ". # - { وزيتونا ونخلا * وحدآئق غلبا }. # يعني البساتين التي قد حوط حولها بالبنيان. والغلب: الغلاظ، يعني: ~~وأشجار حدائق غلاظ. [يقال]: رجل أغلب للغليظ الرقبة. # قال ابن عباس: الحدائق الغلب: ما التف من الشجر واجتمع. # وقاله مجاهد. # وعن ابن عباس أيضا: الغلب: الطوال. # (وقال قتادة: هي النخل، الكرام)، وقاله ابن زيد. # - ثم قال تعالى: { وفاكهة وأبا }. # يعني بالفاكهة: ما يأكله الناس، والأب: ما تأكله الأنعام من المرعى. وهو ~~قول ابن عباس ومجاهد وابن زيد وقتادة. وعن ابن عباس أيضا أنه " الثمار ~~الرطبة ". # - ثم ms2767 قال تعالى: { متاعا لكم ولأنعامكم }. # (أي: متعة لكم، يعني الفاكهة ما قبلها، ولأنعامكم). يعني: الأب. ### || [80.33-42] # - قوله تعالى: { فإذا جآءت الصآخة } ، إلى آخر السورة. # أي: فإذا قامت القيامة، والصاخة: اسم من أسماء يوم القيامة. # قال ابن عباس: الصاخة: القيامة. # وقال عكرمة: هي النفخة الأولى. # والطامة الكبرى: النفخة الثانية. فالأولى يموت بها كل حي. والثانية ~~يحيى بها كل ميت. # وقال الحسن: (يصيخ) لها كل شيء، أي: يصمت لها كل شيء. # والصاخة في الأصل الداهية. # قال الطبري: وأحسبها مأخوذة من قولهم: صخ فلان فلانا: إذا أصمه. ولعل ~~الصوت هو الصاخ. قال: فإن يكن ذلك كذلك، فينبغي أن يكون ذلك لنفخة الصور. # - ثم قال تعالى: { يوم يفر المرء من أخيه }. # (أي: فإذا جاءت الصاخة في يوم يفر المرء من أخيه) وأمه وأبيه، وفراره ~~منهم حذر من مطالبتهم إياه بمظالم لهم عليه. وقيل: معنى فراره عنه لئلا ~~يرى ما ينزل بهم. # - ثم قال تعالى: { لكل امرىء منهم يومئذ شأن ~~يغنيه }. # (يعني: لكل واحد من هؤلاء المذكورين ذلك اليوم شأن يغنيه). # عن شأن غيره. # قال قتادة: " أفضى إلى كل إنسان ما يشغله عن الناس ". # " وسألت عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف ~~يحشر الرجال؟ فقال: حفاة عراة، ثم سألته: كيف يحشر ~~[النساء]؟ فقال: كذلك حفاة عراة، فقالت: واسوأتاه من يوم ~~القيامة!! # فقال: عن أي شيء تسأليني؟ إنه قد نزلت علي آية لا يضرك كانت ~~عليك ثياب (أم لا، قالت): أي آية [هي يا نبي الله]؟ # قال: { لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه }. قال: ~~قد شغله عن صاحبه ". # يقال: غنيت بالمكان. أي: أقمت به فيكون معنى { يغنيه } أي: يقيم ~~عليه. # - ثم قال: { وجوه يومئذ مسفرة * ضاحكة ~~مستبشرة }. # أي: وجوه قوم يومئذ مشرقة مضيئة { ضاحكة } من السرور بما أعطاها ~~الله من النعيم، { مستبشرة } [لما] ترجوه من الزيادة وهي وجوه ~~المؤمنين الذين قد رضي الله عنهم. # يقال: أسفر وجه فلان: إذا حسن، وأسفر الصبح: إذا أضاء. وكل مضيء (فهو ~~مسفر. ويقال للمرأة إذا ألقت ms2768 خمارها أو نقابها أو [برقعها] قد سفرت) عن ~~وجهها. # - ثم قال تعالى: { ووجوه يومئذ عليها غبرة }. # وهي وجوه الكفار. روي أن البهائم التي يصيرها الله ترابا يومئذ بعد ~~القصاص يحول ذلك التراب غبرة في وجوه أهل الكفر. # - وقوله: { ترهقها (قترة }. # أي): تغشى [تلك] الوجوه { قترة } أي: ذلة. # ثم بين تعالى من هو، فقال: # - { أولئك هم الكفرة الفجرة }. # أي: الكفرة بالله ورسله وكتبه، الفجرة في دينه لا يبالون ما أتوا من ~~معاصي الله ومحارمه. ### | [81 - سورة التكوير] ### || [81.1-29] # - قوله تعالى: { إذا الشمس كورت } إلى آخرها. # معنى كورت: ذهب ضوءها. # وقال ابن عباس: تكويرها: إدخالها في العرش. # قال أبو العالية: حدثني أبي بن كعب قال: ست آيات قبل يوم القيامة بينا ~~الناس في أسواقهم إذ ذهب ضوء الشمس، وبينا هم كذلك إذ تناثرت النجوم، ~~وبينا هم كذلك إذ وقعت الجبال على وجه الأرض، فتحركت واضطربت وفزعت الجن ~~إلى الإنس والإنس إلى الجن واختلطت الدواب والطير والوحوش وماج بعضهم في ~~بعض. # وقيل: { كورت }: جمع بعضها إلى بعض، ورمي بها كما تجمع العمامة إذا ~~كورت على الرأس ولفت. # - وقوله: { وإذا النجوم [انكدرت] }. # أي: تناثرت وتساقطت من السماء من أيدي الملائكة، لأنهم يموتون. # يروى أنها معلقة بين السماء والأرض، مثل القناديل، بسلاسل من نور، وتلك ~~[السلاسل] بأيدي ملائكة من نور، فإذا كانت النفخة الأولى مات من في ~~السماوات (ومن في) الأرض إلا من شاء الله، فتناثر الكواكب عند صوت ~~الملائكة كيف شاء الله. وأصل الانكدار: الانصباب. # قال قتادة ومجاهد والربيع: { انكدرت }: تناثرت وتساقطت. وقال ابن ~~زيد: { انكدرت }: رمي بها من السماء إلى الأرض. # وقال ابن عباس: " { انكدرت }: تغيرت " ، من قولهم: " ماء كدر " ~~، أي: متغير اللون. # - ثم قال تعالى: { وإذا الجبال سيرت }. # أي: سيرها الله، فكانت سرابا وهباء منبثا. # قال مجاهد: { سيرت } أي: ذهبت. # وقيل: { سيرت }: قلعت من أصلها فصارت بين المشرق والمغرب فصارت ~~كالهباء المنبث. # - ثم قال تعالى: { وإذا العشار عطلت }. # أي: وإذا الحوامل من الإبل التي قد بلغت في الحمل عشرة أشهر، وذلك أعز ms2769 ~~ما تكون عند أهلها لقرب نفعها من الولد واللبن، قد عطلها أهلها وأهملوها ~~فلا يسألون عنها لهول ما فجئهم. والعشار: جمع عشراء، يقال: " ~~ناقة عشراء ": إذا أتى على حملها عشرة أشهر. # - ثم قال تعالى: { وإذا الوحوش حشرت }. # قال ابن عباس: حشر البهائم موتها. # وقال (أبي) بن كعب: { حشرت }: " اختلطت ". # وقال قتادة: { حشرت }: جمعت فأميتت بعد أن يقتص لبعضها من بعض. وهو ~~اختيار الطبري لقوله: # [وأرسل] في المدآئن حاشرين # [الأعراف: 111] أي: جامعين له الناس، ولقوله: # والطير محشورة # [ص: 19]، أي: مجموعة. # - ثم قال تعالى: { وإذا البحار سجرت }. # قال أبي بن كعب: { سجرت }: اشتعلت نارا. # وقد سأل علي بن أبي طالب رضي الله عنه رجلا من اليهود فقال له: أين ~~جهنم؟ فقال: البحر، (فقال): ما أراه إلا [صادقا]، وقرأ: # والبحر المسجور # [الطور: 6]، { وإذا البحار سجرت }. وقال ابن زيد: { ~~سجرت }: أوقدت فصارت نيرانا، وقاله سفيان. وقال الربيع بن ~~[خثيم]: { سجرت }: " فاضت ". # وقال الضحاك: " فجرت ". # ودليله قوله في الانفطار: # وإذا البحار فجرت # [الانفطار: 3]، فكيف يخبر عنها في هذه السورة بأنها تسعر نارا، [و] ~~يخبر عنها في [السورة] الأخرى بأنها تفجر؟! بل الخبر في السورتين عن ~~تفجيرها أولى. # وقال قتادة: { سجرت }: ذهب ماؤها وغار. # وقال الحسن: " يبست " ، وهذا موافق لقول الضحاك وموافق لمعنى ما في ~~السورة الأخرى من ذكر التفجير، لأنها إذا فجرت ذهب ماؤها، وإذا ذهب ماؤها ~~يبست، فالمعنى متفق في ذلك. # وقال ابن عباس: جهنم في البحر الأخضر [تكور] الشمس والقمر فيه، ~~[وتتناثر] الكواكب ثم تسجر فتكون جهنم. وقال معاوية بن سعيد: بحر الروم ~~[وسط] الأرض، أسفله آبار مطبقة بنحاس تسجر يوم القيامة. # وقال (أبو) عمران الجوني: بلغنا أن دون العرش بحارا من نحاس تسجر يوم ~~القيامة. # والمسجور [و] الساحر في اللغة: الملآن، فمعناه - على قول من جعله ~~جهنم - أنها تملأ نارا. # وقيل: هي بحار في جهنم، إذا كان يوم القيامة سجرت بأنواع العذاب، أي: ~~ملئت [بذلك]. [روي أن الأوزاعي وقف على بحر الشام، فقال: هذا بحر، وتحته ~~نار، وتحت النار بحر، وتحت البحر ms2770 نار، حتى أتى على سبعة أبحر وسبعة ~~أنوار. ثم قال: ينصب عليه الماء يوم القيامة، تشتعل نيرانه فتصير جهنم]. # وقوله: { وإذا النفوس زوجت }. # قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: هو الرجلان (يعملان) بعمل أهل الجنة أو ~~بعمل أهل النار. فيقرن كل شكل بشكله. ودليله قوله: # احشروا الذين ظلموا وأزواجهم # [الصافات: 22]، أي: وأشكالهم في الشر. # وقال عكرمة: يقرن الرجل الصالح بقرينه الصالح - في الدنيا - في الجنة ~~[ويقرن] الرجل الطالح بقرينه [الطالح] الذي كان يعينه في الدنيا على ذلك ~~في النار، وكذلك تزوج الأنفس. # وقيل: معناه أن نفوس المؤمنين تقرن / بحور العين. وتقرن نفوس [الكفار] ~~والمنافقين بأنفس الشياطين. # وقال الحسن: { زوجت } " ألحق كل امرئ بشيعته ". # (وقاله قتادة)، (قال): يلحق اليهود باليهود، والنصارى بالنصارى. # وقال عكرمة: معناه: وإذا النفوس ردت إلى الأجساد، فتقرن كل نفس بجسدها. ~~وهو قول الشعبي. # - [ثم قال تعالى]: { وإذا الموءودة سئلت }. { بأى ~~ذنب قتلت }. # أي: طلب منها من قتلها؟ توبيخا له، أي: وقيل لها: من قتلك؟ ولأي شيء ~~قتلت بغير ذنب؟ توبيخا لقاتلها. وأصل الوأد في اللغة: الثقل. يقال: ~~وأده [يئده] وأدا: إذا أثقله، فكأنه يثقل المولودة ~~بالتراب. ومنه: # ولا يؤوده حفظهما # [البقرة: 255] وكان أهل الجاهلية يقتلون بناتهم، فوبخهم الله بذلك. ~~[وقرأ] ابن عباس وجابر ابن زيد: { وإذا الموءودة سئلت * ~~بأى ذنب قتلت } ، أي: سألت قاتلها: بأي ذنب قتلها. # وقيل: معناه: سألت ربها عن ذلك على طريق التوبيخ والتقرير للقاتل. # روي أن الجاهلية لما زعمت أن الملائكة بنات الله، ألقى الله بغض ~~البنات في قلوبهم، فكان بعضهم يكسو بنته جبة صوف [أو شعر] ويجعلها ترعى ~~الغنم بغضا فيها. # وكان بعضهم يدفنها حية، وبعضهم يقتلها، وبعضهم يلقيها في بئر ويلقي ~~التراب عليها. # - ثم قال تعالى: { وإذا الصحف نشرت }. # أي: وإذا صحف أعمال العباد نشرت لهم بعد أن كانت مطوية على ما فيها ~~مكتوب من الحسنات والسيئات. # قال قتادة: " صحيفتك يا ابن آدم تملى [ما] فيها، ثم تطوى، ثم تنشر عليك ~~يوم القيامة ". # وقيل: (المعنى): نشر ما فيها من أعمال ms2771 بني آدم. # روي أن في السماء ملكا (اسمه): " السجل " ، ترفع إليه ~~الملائكة الحفظة [كل يوم] أعمال بني آدم، ما كتبوا بالليل والنهار، ~~فينظر في تلك الكتب فيرى ما لهم وما عليهم، فيطرح منها قول الرجل: ~~اخرج، كل [اشرب]، ونحوه مما ليس فيه ثواب ولا عقاب، ثم تطوى تلك ~~الكتب ويطبع عليها كل يوم وليلة، فلا تفتح إلى يوم القيامة، فتنشر ~~للحساب، وهو معنى قوله تعالى: # يوم نطوي السمآء كطي السجل للكتب # [الأنبياء: 104]. أي: [نطوي] السماء (كما يطوي) ذلك الملك الكتب التي ~~فيها أعمال بني آدم. # - ثم قال تعالى: { وإذا السمآء كشطت }. # قال الفراء: " نزعت وطويت ". وفي قراءة عبد الله: " قشطت " ، ~~بالقاف. وهما لغتان. والأصل الكاف. قال مجاهد { كشطت }: " جذبت ". # وقيل: معناه: { كشطت } عمن فيها (كما) يكشط الجلد عن الكبش. # - ثم قال تعالى: { وإذا الجحيم سعرت }. # أي: أوقد عليها فأحميت لأهلها. # - ثم قال تعالى: { وإذا الجنة أزلفت }. # أي: قربت [وأدنيت] من أهلها. # - ثم قال تعالى: { علمت نفس مآ أحضرت }. # هذا جواب { إذا الشمس كورت } وما بعده. وإلى هذا أتى ~~بالقصة من أولها، أي: إذا وقع كل ما ذكر من الحوادث، علمت (كل) نفس ما ~~أحضرت من خير أو شر، وما أخرت. # قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: " إلى هذا جرى الحديث ". والمعنى: ما ~~وجدته حاضرا، كما يقال: " أحمدت الرجل ": إذا وجدته ~~محمودا. # - ثم قال تعالى: { فلا أقسم بالخنس * الجوار الكنس ~~}. # (لا) زائدة مؤكدة، والمعنى: أقسم بالخنس، وهي النجوم الدراري الخمسة، ~~تخنس في مجراها فترجع وتكنس [فتصير] في بيوتها كما تكنس [الظباء] في ~~الغار وهي بهرام - [وهو] المريخ - وزحل وعطارد والزهرة والمشتري. قال ~~علي: الخنس: " النجوم تخنس بالنهار وتكنس بالليل ". وقال [بكر] بن عبد ~~الله: " هي النجوم الدراري التي تجري تستقبل المشرق ". وهو قول الحسن ~~ومجاهد. # وقال قتادة كقول الحسن، [قال]: هي النجوم تبدو بالليل وتكنس بالنهار. # وقال عبد الله بن مسعود: هي بقر الوحش. وكذلك قال النخعي وجابر بن زيد. # وقال ابن عباس: هي الظباء، وهو قول ابن جبير والضحاك. ms2772 وإنما يقال لبقر ~~الوحش والظباء " خنس " ، لأن الواحد أخنس والأنثى خنساء، أي: ~~قصيرات الأنوف. # وقيل للنجوم " خنس " ، لأنها تخنس، أي: ترجع في مجراها، من قولهم: ~~خنست عن الرجل: إذا تأخرت عنه. # ويقال: خنست عن الرجل: إذا استترت عنه، فلذلك قال الحسن: هي ~~النجوم تخنس بالنهار أي: تستتر فيه، والكنس: المستقرة، والكناس: أن ~~تتخذ البقرة الوحشية من / الشجرة القديمة بيتا تأوي إليه. # وقيل: الكنس سبعة: الشمس والقمر [والمشتري] وعطارد والمريخ وزحل ~~والزهرة. # أقسم الله - جل ذكره - بها، والتقدير: فأقسم [برب] الخنس، والله - ~~جل ذكره - يقسم بما شاء من خلقه. # - ثم قال تعالى: { والليل إذا عسعس }. # (قال ابن عباس رضي الله عنه: { عسعس } ): " أدبر ". وهو قول علي ~~ومجاهد وقتادة. # وقال زيد بن أسلم { عسعس }: ذهب. # وقال الحسن: { عسعس }: إذا غشي الناس بظلامه. وهو قول الفراء. # والعرب تقول: عسعس الليل وسعسع: إذا أدبر فلم يبق منه إلا اليسير. # وقيل: هو من الأضداد. # وقال المبرد: ليس هو من الأضداد، لكن يقال: عسعس إذا لم يستحكم ظلمته، ~~فهذا يصلح لأوله ولآخره. # - ثم قال تعالى: { والصبح إذا تنفس }. # أي: أقبل وتبين. والتقدير: وضوء الصبح إذا أقبل. # - ثم قال تعالى: { إنه لقول رسول كريم }. # هذا جواب القسم المتقدم. # [وأجاز] الكسائي " أنه " بالفتح على معنى: أقسم أنه. # والمعنى: إن هذا القرآن لقول رسول كريم عن الله بلغه، يعني ~~جبريل عليه السلام كريم عند مرسله. # وقيل: الرسول [الكريم: محمد]، ونسب إليه القرآن فجعل من قوله لأنه يعمل ~~بما فيه، ويقول به وهو مذهبه، كما تقول: فلان يقول بقول مالك وبقول ~~الشافعي، أي بمذهبه. فأضاف القول إليه لانتحاله إياه. كذلك من جعله ~~جبريل، أضاف القول إليه؛ لأنه ينزل به من عند الله، فهذه إضافة لفظ دون ~~معنى. # - وقوله: { ذي قوة عند ذي العرش مكين }. # يعني جبريل، أي: صاحب قوة على ما كلف من تبليغ الوحي، مكين عند رب ~~العرش، أي: متمكن الحال والدرجة عند ربه. # - ثم قال تعالى: { مطاع ثم أمين }. # أي: مطاع في السماء، تطيعه الملائكة، [أمين] عند الله ms2773 على وحيه إلى ~~أنبيائه. # قال أبو صالح: { مطاع ثم أمين } قال: " جبريل أمين على أن ~~يدخل سبعين سرادقا من نور بغير (إذن) ". # قال ابن عباس والضحاك: هو جبريل. # - ثم قال: { وما صاحبكم بمجنون }. # يعني [محمد] صلى الله عليه وسلم، أي: ليس (هو) بمجنون كما قال المبطلون. # - ثم قال: { ولقد رآه بالأفق المبين }. # [أي]: ولقد رأى [محمد] جبريل عليه السلام في صورته في الناحية [التي] ~~تتبين فيها الأشياء، فيرى من قبلها وذلك ناحية مطلع الشمس من قبل المشرق. # وقال قتادة: { بالأفق المبين } ، كنا نحدث أن الأفق من حيث ~~تطلع الشمس ويجيء النهار. # قال ابن عباس: رأى محمد جبريل على صورته عند الله. # قال ابن مسعود: رأى جبريل له خمسمائة جناح وقد سد الأفق. # - ثم قال تعالى: { وما هو على الغيب بضنين }. # من قرأه بالضاد غير مرفوعة فمعناه: وما محمد على القرآن ببخيل، بل ~~[يبذله] ويدعو له ويعظ (به). ويذكر به ويعلمه. ومن قرأه بالظاء مرفوعة ~~فمعناه: بمتهم. # أي: ليس هو بمتهم على القرآن، بل هو أمين عليه وعلى تبليغه كما أوحي ~~إليه. # - ثم قال: { وما هو بقول شيطان رجيم }. # أي: وما القرآن الذي جاءكم به محمد { بقول شيطان [رجيم } ، ~~أي]: مرجوم، أي: ملعون، مطرود. ولكنه كلام الله ووحيه. # - ثم قال تعالى: { فأين تذهبون }. # أي: فأين تعدلون عن (هذا) القرآن وعن قبوله وتصديق من جاءكم به؟! # قال قتادة: معناه: فأين " تعدلون عن كتابي وطاعتي "؟!. # وقال: { فأين تذهبون } ، ولم يقل (فإلى أين) تذهبون. كما تقول: ~~ذهبت الشام، وذهبت إلى الشام. وذهبت المشرق وذهبت إلى المشرق. # وحكي عن العرب سماعا: انطلق به [الغور أي إلى الغور]. # ولا يجيزه سيبويه إلا في: " ذهبت الشام " ، سماعا. لا يجوز ~~عنده: " ذهبت مصر ". # - ثم قال تعالى: { إن هو إلا ذكر للعالمين }. # أي: ما هذا القرآن إلا ذكر وعظة للعالمين من الجن والإنس. # ثم بين لمن هو ذكر وعظة، فأبدل من " العالمين " بدل البعض من الكل ~~بإعادة الجار [فقال]: # - { لمن شآء منكم أن يستقيم }. # أي: لمن شاء أن يتبع ms2774 الحق. # (والمعنى: إن هذا القرآن إلا ذكر لمن شاء منكم أن يتبع الحق) ~~[ويستقيم] عليه. # - ثم قال تعالى: { وما تشآءون إلا أن يشآء الله رب ~~العالمين }. # أي: وما تشاءون - أيها الناس - /، الاستقامة على الحق إلا أن يشاء الله ~~ذلك لكم. # وقيل: (معناه) وما تشاءون شيئا من الطاعة والمعصية، إلا أن يشاء الله ~~رب العالمين ذلك منكم، ولو شاء لحال بينكم وبين ما تشاءون. وهذا قول أهل ~~السنة: كل طاعة ومعصية بمشيئة الله كانتا. # وروي أنه لما [نزل] قوله: { لمن شآء منكم أن يستقيم } ، ~~قال أبو جهل: ذلك إلينا، إن شئنا استقمنا وإن شئنا لم نستقم، فأنزل الله: ~~{ وما تشآءون إلا أن يشآء الله رب العالمين }. ~~وفي الكلام معنى التهدد والوعيد. ### | [82 - سورة الإنفطار] ### || [82.1-19] # - قوله تعالى: { إذا السمآء انفطرت } إلى آخرها. # [إذا السماء انفطرت، بمنزلة قوله: # إذا السمآء انشقت # [الإنشقاق: 1]]. # - ثم قال تعالى: { وإذا الكواكب انتثرت }. # أي: تساقطت. وقد تقدم ذكر هذا. # - ثم قال { وإذا البحار فجرت }. # أي: فجر الله بعضها في بعض. # قال قتادة: " فجر عذبها في مالحها، ومالحها في عذبها ". # - ثم قال تعالى: { وإذا القبور بعثرت }. # أي: [أثيرت] فاستخرج من فيها من الموتى أحياء. # يقال: بعثر فلان حوض فلان [وبحثره]: إذا جعل أسفله أعلاه. # قال ابن عباس: { بعثرت }: " بحثت ". # وقال الفراء: بعثرت فألقت ما فيها من الكنوز والموتى. ولا معنى ~~للكنوز في هذا؛ لأنه يوم القيامة، ولا كنز في القبور. # - ثم قال تعالى: { علمت نفس ما قدمت وأخرت }. # هذا جواب { إذا السمآء انفطرت } وما بعده، أي: علمت كل نفس ما ~~قدمت لذلك اليوم وما أخرت من عمل صال أو سيء. # وقيل: معنى (أخرت)، أي: ما سنت من عمل فيعمل به بعده. (قاله القرظي). # وقيل: معناه: ما قدمت من العمل المفروض فعملت به، وما تركت منه. وهو قول ~~[ابن] عباس وعكرمة وقتادة وابن زيد. أي: [ما] عملت مما فرض عليها، وما ~~تركت فلم تعمل (به). # - ثم قال تعالى: { يأيها الإنسن ما غرك بربك ~~الكريم }. # أي: يا أيها الإنسان الكافر ms2775 بربه، أي شيء غرك بربك الكريم حتى كفرت به ~~وجحدت نعمه؟! # قال الطبري: غر الناس عدوهم المسلط عليهم. وقاله قتادة. # - وقوله: { الذي خلقك فسواك فعدلك }. # أي: اخترع خلقك [بعد] إن لم تكن شيئا فسوى خلقك. { فعدلك } أي: ~~فقومك، فجعل خلقك معتدلا، (لا) تزيد رجل (على رجل)، ولا يد على يد. ودل ~~على هذا قوله: # لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم # [التين: 4]. ومن خفف { فعدلك } فمعناه: صرفك إلى أي صورة شاء، إما ~~حسن وإما قبيح، وإما طويل وإما قصير. # وقوله: { في أي صورة ما شآء ركبك }. # يدل على هذا المعنى. فقراءة (التشديد أولى [ليفيد] الكلام فائدتين ~~مجددتين، لأن معنى التخفيف هو ما أفاد). # قوله: { في أي صورة ما شآء ركبك }. و { في } متعلقة ~~ب { ركبك } ، ولا يحسن أن تتعلق ب (عدلك) لأنك إنما تقول: عدلت ~~إلى كذا، ولا تقول عدلته في كذا. # وقد غلط الفراء فمنع قراءة التخفيف واستبعدها لإتيان { في } بعد ~~(عدلك)، فظن أن { في } متعلقة ب (عدلك)، وليست كما ظن. # وقد قيل: إن القراءة بالتشديد هي من هذا المعنى على التكثير، أي: صرفك ~~مرة بعد مرة إلى أي صورة شاء. # وقيل: معنى التخفيف: (أمالك إلى) ما شاء من حسن وقبح وصحة وسقم. # وقال مجاهد: { (في أي صورة) ما شآء ركبك } معناه: في ~~أي شبه أب أو أم أو خال أو عم شاء خلقك. # وقال أبو صالح: معناه: إن شاء في صورة كلب أو خنزير أو حمار. وروي أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها الله كل نسب بينها وبين آدم، ~~أما قرأت في { في أي صورة ما شآء ركبك }؟! ". # والتقدير في الكلام: في أي صورة ما شاء أن يركبك { ركبك }. # وفي حديث آخر أنه قال: # " إن الله - جل وعز - إذا أراد أن يخلق ~~النسمة فجامع الرجل المرأة، طار ماؤه في كل ~~عرق منها، ثم أحضر له آباءه من لدن آدم، ثم ~~صوره في صورة واحد [منهم، فذلك قوله]: { في ~~أي صورة ما ms2776 شآء ركبك } ". # - ثم قال: { كلا بل تكذبون بالدين }. # أي: ليس الأمر - أيها الكافرون - على ما تقولون من أنكم على الحق في ~~عبادتكم غير الله، لكنكم تكذبون بالجزاء والبعث والجنة والنار. ودل على ~~ذلك قوله: { يأيها الإنسن ما غرك بربك الكريم } ~~(أي: ما غرك في عبادتك غير ربك الكريم) الذي خلقك فسواك فعدلك. # وقيل: { كلا } / بمعنى " حقا هذا " ، أو بمعنى " ألا ". ~~ولذلك، لم ير أبو حاتم الوقف (عليها)، وأجازه نصير. # وقيل: المعنى ليس كما غررت به، بل تكذب بالدين. # وقال مجاهد: { بالدين }: " بالحساب ". # وقال قتادة " { بالدين }: " يوم شدة، يوم يدين الله (العباد) ~~بأعمالهم ". # - ثم قال تعالى: { وإن عليكم لحافظين }. # أي: وإن عليكم أيها الناس رقباء حافظين لأعمالكم حتى تدانوا بها يوم ~~القيامة. # ثم وصف الحافظين فقال: # - { كراما كاتبين }. # أي: كراما على الله يكتبون أعمالكم. # قال مجاهد: يوكل بكل إنسان ملكين، ملكا عن يمينه يكتب الخير، وملكا ~~عن شماله يكتب الشر. # - وقوله: { يعلمون ما تفعلون }. # أي: يعلم هؤلاء الحفظة ما تفعلون من خير وشر [فيحصونه] عليكم. # قال أبو عبد الرحمن السلمي: إن الملك يأتي أحدكم كل غدوة بصحيفة بيضاء، ~~فإذا صلى الغدوة [فليمل] فيها خيرا، فإذا طلعت الشمس فليقم لحاجته، فإذا ~~صلى العصر فليمل فيها خيرا. فإنه إذا أملى في أول [صحيفته] وآخرها خيرا ~~(كان) عسى أن يكفر ما بينهما. # - ثم قال تعالى: { إن الأبرار لفي نعيم }. # أي: إن الذين بروا بأداء فرائض الله واجتناب محارمه لفي نعيم الجنان يوم ~~القيامة. # وقيل: إنما سموا أبرارا لأنهم بروا الآباء والأبناء. # - ثم (قال) تعالى: { وإن الفجار لفي جحيم } { ~~يصلونها يوم (الدين) }. # أتى بلفظ التأنيث في { يصلونها } حملا على تأنيث النار، أي: ~~يصلى الفجار الجحيم يوما يدان فيه العباد (بأعمالهم. # وقال ابن عباس: " { يوم الدين } ) من أسماء يوم القيامة، [عظمه] ~~الله وحذره عباده ". # - ثم قال تعالى: { وما هم عنها بغآئبين }. # أي: وما هؤلاء الفجار عن الجحيم بخارجين أبدا [فغائبين] عنها، [لكنهم] ~~مخلدون فيها أبدا. # - ثم قال تعالى: { ومآ أدراك ما يوم الدين * ثم مآ ~~أدراك ms2777 (ما يوم الدين) }. # أي: وما أشعرك، يا محمد، أي شيء يوم الدين!، ثم كرره معظما له محذرا ~~(منه) عباده. # وقيل: إن هذا ليس بتكرير. ومعناه: وما أدراك، يا محمد، ما في يوم الدين ~~من العذاب للفجار!، وما أدراك ما في يوم الدين من النعيم للأبرار!. # ثم فسر بعض شأن ذلك اليوم فقال: # - { يوم لا تملك نفس لنفس شيئا... }. # أي: ذلك اليوم يوم لا تملك فيه نفس لنفس نفعا ولا ضرا. ومن رفع { ~~يوم لا تملك } جعله بدلا مما قبله، أو على إضمار مبتدأ، أي: [هو ~~يوم لا تملك]. # واختار الفراء والكسائي [الرفع فيه] لأنه مضاف إلى مستقبل، ولو كان ~~مضافا إلى ماض لآثروا الفتح، فهو عندهم في الاختيار معرب إذا أضيف ~~إلى معرب، ومبني إذا أضيف إلى مبني. # ويجوز في المستقبل من البناء على الفتح مثل ما جاز في الماضي. ومن فتح { ~~يوم لا تملك } فعلى الظرف، أي: [الدين] في يوم تملك. # ولا يجوز عند الخليل وسيبويه: أن يكون مبنيا وهو [مضاف] إلى معرب، ~~إنما يجوز ذلك إذا أضيف إلى ماض. # وأجاز الفراء أن يكون مبنيا وإن كان مضافا إلى معرب، وأن يكون منصوبا ~~معربا، وأن يكون - إذا كان مبنيا - في موضع نصب على الظرف، وفي موضع رفع ~~على إضمار مبتدأ. # - ثم قال تعالى: { والأمر يومئذ لله }. # أي: والأمر كله - يوم الدين - لله (أي)، ليس لأحد من خلقه أمر ولا نهي ~~يومئذ. # ومن رفع { يوم لا تملك } على البدل من { يوم } مرفوع قبله أو ~~فتحه - وهو في موضع رفع على البدل منه أيضا - أو نصبه على البدل من { ~~يصلونها (يوم الدين) } ، لم يبتدئ به. ومن رفعه على إضمار ~~مبتدأ أو نصبه على إضمار فعل بمعنى: اذكر يوم لا تملك، أو فتحه وهو في ~~موضع رفع على إضمار مبتدأ، ابتدأ به. ### | [83 - سورة المطففين] ### || [83.1-5] # - قوله: { ويل للمطففين } ، إلى قوله: { ليوم عظيم ~~}. # أي: قبوح للمخسرين في كيلهم، الناقصين (الناس) إذا اكتالوا لهم أو وزنوا ~~لهم. # وقيل: { ويل } معناه: الوادي [الذي] في ms2778 أسفل جهنم يسيل فيه صديد ~~أهلها للذين ينقصون الناس ويبخسونهم حقوقهم في كيلهم ووزنهم. # قال ابن مسعود: ويل: (واد) في جهنم. # والمطففون: الناقصون. وأصل ذلك في الشيء الطفيف وهو القليل، النزر. # والمطفف في اللغة: المقلل حق صاحب الحق عما له من ~~الوفاء في كيل أو وزن. # وحكى القتبي: " إناء [طفان] إذا لم يكن ممتلأ ". # وطفف فلان صلاته: إذا لم يجودها. # ويقال للشيء المطرح: طفيف. # و [قيل]: معنى { ويل للمطففين } و # ويل يومئذ للمكذبين # [المرسلات: 15] عند سيبويه أنه دعاء يجري بين الناس، فخوطب العباد بما ~~يجري [بينهم]، وجاء القرآن على لغتهم، فكأنه تعالى قال: هؤلاء ممن يجب ~~هذا القول لهم، لأن هذا الكلام إنما يقال لصاحب الشر والهلكة. وروي عن ~~ابن عباس أنه قال: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة كان ~~أهلها من أخبث الناس كيلا، فأنزل الله: { ويل للمطففين ~~} فأحسنوا الكيل. # وهذا الخبر يدل على أن السورة نزلت بالمدينة. # - وقوله تعالى: { الذين إذا اكتالوا على الناس ~~يستوفون }. # أي: إذا اكتالوا من الناس ما لهم عليهم من حق استوفوا لأنفسهم وافيا. # و { على } بمعنى " من " - في هذا - عند الطبري. # وقيل: إن معنى الكلام ب " على " خلاف معناه ب " من " يقال: ~~اكتلت عليك، بمعنى: أخذت ما عليك من حق. واكتلت منك، بمعنى: استوفيت / ~~منك. # - ثم قال تعالى: { وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون }. # أي: وإذا [كالوا] للناس أو وزنوا لهم ينقصون، ف " هم " في موضع نصب، ~~على هذا يقال: كلتك حقك، وكلت لك حقك. وهو قول أكثر ~~النحويين. ودل على ذلك أن الخط لا ألف فيه بين الضميرين. وقال عيسى بن ~~عمر: الهاء والميم في موضع رفع فيهما، وتقديره عنده: وهم إذا كالوا أو ~~وزنوا يخسرون. # وقيل: " هم " في موضع رفع تأكيد للمضمر [المرفوع] في " كالوا " أو " ~~وزنوا ". # - ثم قال تعالى: { ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون * ~~ليوم عظيم }. # أي: ألا يظن المطففون أنهم مبعوثون ليوم القيامة من قبورهم فيجازون على ~~تطفيفهم وبخسهم الناس حقوقهم. # روي أنها نزلت في رجل من قريش ms2779 كان بالمدينة معه صاعان: واف يقبض به، ~~وناقص يعطي به، ثم هي عامة في كل من نقص الكيل إذا دفع وأوفى إذا قبض. ### || [83.6-17] # - قوله تعالى: { يوم يقوم الناس لرب العالمين } ، إلى ~~قوله { (كنتم) به تكذبون }. # أي: يبعثون يوم يقوم. # ويجوز [أن يكون] بدلا من { ليوم عظيم } على الموضع. # وقال الفراء: هو مبني على الفتح، ولا يحسن عند البصريين بناؤه مع إضافته ~~إلى معرب، إنما يجوز بناؤه إذا أضيف إلى مبني. والمعنى: يوم يقوم الناس ~~على أقدامهم لرب العالمين. # روي أن الناس يقومون يوم القيامة حتى يلجمهم العرق، فيقومون مقدار ~~أربعين عاما. # وقيل: مقدار ثلاثمائة عام. # وروى ابن عمر [عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " يقدم أحدكم في رشحه إلى أنصاف أذنيه " # وروى أبو هريرة] أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبشير الغفاري: # " كيف أنت صانع في يوم يقوم الناس لرب ~~العالمين مقدار ثلاثمائة سنة من أيام الدنيا لا ~~يأتيهم خبر من السماء ولا يأمر فيهم بأمر؟ ~~فقال بشير: الله المستعان يا رسول الله، فقال له ~~النبي صلى الله عليه وسلم: إذا أويت إلى فراشك، فتعوذ ~~بالله من كرب (يوم) القيامة وسوء الحساب ". # وعن ابن عمر أنه قال: # " يقومون مائة سنة ". # وقال ابن مسعود: يمكثون أربعين عاما رافعي رؤوسهم إلى السماء، لا ~~يكلمهم أحد، قد ألجم العرق كل بر وفاجر. قال: [فينادي] مناد: أليس عدلا ~~من ربكم أنه خلقكم ثم صوركم (ثم رزقكم) ثم توليتم غيره أن يولي كل عبد ~~منكم ما تولى في الدنيا؟! فيقولون: بلى " ، ثم ذكر الحديث. # وقال كعب: يقومون قدر ثلاثمائة سنة. # وروى عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " تدنو الشمس يوم القيامة من الأرض، فمن الناس من ~~يعرق إلى كعبيه، ومنهم من يعرق إلى ركبتيه، ~~ومنهم من يعرق إلى عجزه، ومنهم من يعرق إلى ~~خاصرته، ومنهم من يعرق إلى منكبيه، ومنهم من ~~يعرق إلى عنقه، ومنهم من يعرق إلى نصف فمه ~~ملحما به، ومنهم من [يشمله] العرق " # قال ms2780 عمير [بن] هانئ: يحشر الناس يوم القيامة على أرض قد مدها [الله] ~~تبارك وتعالى مد الأديم العكاظي، فهم من ضيق مقامهم فيها كضيق سهام ~~اجتمعت في كنانتها. قال: فالسعيد يومئذ من وجد لقدمه مقاما. قال: وأكثر ~~الأقدام يومئذ بعضها على بعض. قال: فهم فيها مجتمعون ينفذهم البصر ~~ويسمعهم الداعي. فبينما هم كذلك، إذ سمعوا زفرة من زفير جهنم، فلا يبقى ~~ملك مقرب، ولا نبي مرسل إلا خر لركبتيه، حتى إن إبراهيم صلى الله ~~عليه وسلم ليقول: (نفسي)، (رب) نفسي، لا أسألك غيرها. فلا يبقى عند تلك ~~الزفرة دمعة إلا جرت، ثم يسمعون زفرة أخرى فلا يبقى دم في عين إلا جرى، ~~ثم يسمعون زفرة أخرى فلا يبقى قيح إلا سال يتبع بعضه بعضا، ويمد بعضه ~~بعضا حتى يسيل إلى واد يقال (له سائل، فيفرغ في جهنم، فذلك قوله): # سأل سآئل بعذاب واقع # [المعارج: 1]. # - ثم قال تعالى: { كلا إن كتاب الفجار لفي سجين }. # من جعل { كلا } وقفا، كان تقديره: ليس الأمر كما يظن هؤلاء الكفار ~~أنهم غير مبعوثين، إن كتابهم الذي كتبت فيه أعمالهم في الدنيا لفي سجين. # ومن لم يره وقفا، جعل { كلا } بمعنى " ألا " ، افتتاح كلام. # و { سجين }: الأرض السفلى، فيه أعمال الكفار وأرواحهم. # وروي أن إبليس موثق بالحديد والسلاسل في الأرض السفلى. (وسأل ابن عباس ~~كعبا عن { سجين } ، فقال /: هي الأرض السابعة السفلى)، فيها أرواح ~~الكفار تحت خد إبليس. # وروي أنه قال (له): إن أرواح الكفار يصعد بها إلى السماء، فتأبى السماء ~~أن تقبلها، ثم يهبط بها إلى الأرض، فتأبى الأرض أن تقبلها، فيهبط، ~~فتدخل تحت سبع أرضين حتى ينتهى بها إلى سجين، وهو خد إبليس، فيخرج [لها] ~~من سجين من تحت خد إبليس [رق] فترقم وتختم وتوضع تحت خد إبليس. # وقال ابن جبير: { لفي سجين }: " تحت خد إبليس ". # وقال ابن أبي نجيح: { سجين } صخرة تحت الأرض السابعة، تقلب [فتجعل] ~~تحتها. # وقال ابن عباس: " أعمالهم في كتاب في الأرض السفلى ". # وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه ms2781 وسلم قال: " الفلق جب في ~~جهنم مغطى. وأما { سجين } ، فمفتوح ". يعني أنه جب مفتوح. # وقيل: { سجين } من السجل، والنون مبدلة من اللام. # وقال أبو عبيد: { لفي سجين }: لفي حبس. وهو فعيل من السجن. # وقيل: { سجين }: هي الصخرة التي تحت الأرض السفلى وهو صفة، وليس ~~باسم الصخرة، ولو كان اسما لها لم تنصرف. # وروى البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن العبد (الكافر - أو) الفاجر - إذا مات صعدوا ~~بروحه إلى السماء، فيقول الله - جل ذكره -: اكتبوا ~~كتابه في سجين. وهي الأرض السفلى ". # وعن كعب (أيضا) أنه قال: في التوراة أن سجينا شجرة سوداء تحت الأرضين ~~السبع، مكتوب فيها اسم كل شيطان، تلقى أنفس الكفار عندها. # - ثم قال تعالى: { ومآ أدراك ما سجين * كتاب مرقوم ~~}. # أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما سجين؟! على التعظيم لأمره. ثم بين ~~فقال: { كتاب مرقوم }. أي: مكتوب فيه عمل الكفار. # قال قتادة: مرقوم: مكتوب رقم لهم فيه بشر. # - ثم (قال تعالى: { ويل يومئذ للمكذبين }. # قد تقدم تفسيره في مواضع). # - ثم قال: { الذين يكذبون بيوم الدين }. # أي: لا يؤمنون بالجزاء والبعث والنشور. # - { وما يكذب به }. # أي: بالبعث، { إلا كل معتد... } أي: كل من تعدى حدود الله. { ~~أثيم } أي: مأثوم في فعله. # { إذا تتلى عليه آياتنا... }. أي: حججنا وأدلتنا. # { قال أساطير الأولين... }. أي: قال: هذه أخبار الأولين ~~وأحاديثهم وما كتب عنهم وسطر. # - ثم قال تعالى: { كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا ~~يكسبون }. # { كلا } عند أبي حاتم لا يوقف عليها. وهي بمعنى " ألا " [و] بمعنى ~~" حقا ". # ويوقف عليها عند غيره، على معنى: ليس الأمر على ما قال هؤلاء ~~المكذبون بيوم الدين: إن آياتنا أساطير الأولين. # ثم ابتدأ فأخبر عنهم ما نزل بهم حين كفروا بالبعث فقال: { بل ران ~~على قلوبهم ما كانوا يكسبون } ، أي: (بل) ران على ~~قلوبهم إثم ذنوبهم وكفرهم حتى غطاها، فلا يبصرون الصواب من ~~الخطأ. # يقال: رانت الخمر على عقله: إذا غلبت (عليه). وغانت بمعناه. # وروى أبو هريرة عن النبي صلى ms2782 الله عليه وسلم أنه قال: # " إذا أذنب العبد نكت (في) قلبه نكتة سوداء، ~~فإن (تاب) صقل منها، فإن عاد عادت حتى تعظم في قلبه. ~~فذلك قوله تعالى: { كلا بل ران على قلوبهم ~~ما كانوا يكسبون } ". # وقال الحسن: هو الذنب على الذنب حتى يعمى القلب فيموت. # قال مجاهد: القلب مثل الكف. فإذا أذنب انقبض - وقبض مجاهد أصبعا - ~~قال: فإذا أذنب انقبض - وقبض مجاهد أصبعا آخر - ثم كذلك حتى ينقبض كله ~~- وقبض مجاهد أصابعه على الكف - قال: ثم يطبع عليه. فكانوا يرون أن ذلك ~~هو الرين. قال قتادة: هو " الذنب على الذنب حتى يرين على القلب ~~فيسود ". # قال ابن زيد: { بل ران } ، أي: غلبت على قلوبهم ذنوبهم، فلا ~~يخلص إليها معها خير. # - ثم قال تعالى: { كلا إنهم عن ربهم يومئذ ~~لمحجوبون }. # " كلا " عند أبي حاتم بمعنى " ألا ". ولا يوقف عليها. # ويوقف عليها عند غيره، على معنى: ليس الأمر كما يقول هؤلاء المكذبون ~~بيوم الدين: إن لهم عند الله زلفة يوم القيامة لكنهم عن ربهم يومئذ ~~لمحجوبون، فلا يرونه ولا يرون شيئا من كرامته. # وقول أبي حاتم أبين في [هذا الموضع] من " كلا " ، لأن هذا التقدير ~~ليس هو في ظاهر الكلام، ولا في الكلام ما يدل عليه. ففيه تعسف. [ودل ~~الله المؤمنين، بهذه الآية، أنهم لا يحجبون عن ربهم وعن النظر إليه. # قال مالك رحمه الله: في هذا دليل على أن ثم قوما لا يحجبون عن الله ~~وينظرون إليه /. # وبه استدل الشافعي على النظر إلى الله عز وجل يوم القيامة. وقد قدره ~~منكرو النظر إلى الله على معنى أنهم عن كرامة ربهم لمحجوبون. # وهذا لا يجوز عند أحد من النحويين، ولو جاز هذا لجاز: " جاءني زيد " ، ~~تريد غلام زيد أو كرامة زيد. # وفي جواز هذا نقض كلام العرب كله. ولا يجوز إخراج الكلام عن ظاهره إلا ~~لضرورة تدعو إلى ذلك مع امتناع جوازه على ظاهره. فإذا امتنع جواز الكلام ~~على ظاهره، جاز الإضمار الذي يسوغ معه جواز الكلام. ولا ضرورة تدعو إلى ~~أضمار ms2783 هنا على مذهب أهل السنة. # قال الحسن: يكشف (الحجاب) فينظر إليه المؤمنون دون الكافرين، ثم يحجب ~~الكافرون، وينظر إليه المؤمنون كل يوم غدوة وعشية. # - ثم قال تعالى: { (ثم) إنهم لصالوا الجحيم }. # أي: لواردوه مع [حجبهم] عن النظر إلى الله. # - { ثم [يقال] هذا الذي كنتم به تكذبون }. # أي: يقال لهم: هذا العذاب الذي كنتم تكذبون به في الدنيا. ### || [83.18-28] # - قوله: { كلا إن كتاب الأبرار... } ، إلى قوله: { ~~يشرب بها المقربون }. # أي: ألا إن كتاب الأبرار، أي: كتاب أعمالهم لفي عليين. # والأبرار: الذين بروا ربهم بأداء فرائضه واجتناب محارمه. # وقيل: هم المؤمنون الذين بروا الآباء والأبناء. # وقال الحسن: " [هم الذين] لا يؤذون شيئا حتى الذر ". وسأل ابن عباس ~~كعبا عن { عليين } فقال: " هي السماء السابعة، وفيها أرواح ~~المؤمنين ". # روي (عنه أنه قال (له: إن) أرواح المؤمنين إذا قبضت صعد بها ففتحت ~~لها أبواب السماء وتلقتها الملائكة بالبشرى، ثم عرجوا معها حتى ~~ينتهوا إلى العرش فيخرح لها من عند العرش رق [فيرقم] ويختم ~~بمعرفتها النجاة يوم القيامة، ويشهدها الملائكة المقربون. # وقال قتادة ومجاهد: هي " السماء السابعة ". # وقيل: السماء الرابعة، اسمها عليون، وفيها أعمال المؤمنين وأرواحهم. # وقال الضحاك: { لفي عليين } أي: " لفي السماء عند الله ". # وقال قتادة أيضا: { لفي عليين }: " فوق السماء السابعة [عند ~~قائمة] العرش اليمنى ". # وعن ابن عباس: { لفي عليين } لفي " الجنة ". # وروى الأجلح عن الضحاك أنه قال: إذا قبض روح العبد المؤمن عرج به إلى ~~السماء الدنيا، فينطلق معه المقربون إلى السماء الثانية. قال الأجلح: ~~(قلت): وما المقربون؟ قال: أقربهم إلى السماء [الثانية. قال: فينطلق معه ~~(المقربون) إلى السماء] الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، ثم السادسة، ثم ~~السابعة حتى ينتهى به إلى سدرة المنتهى. قال الأجلح: قلت للضحاك: لم ~~سميت سدرة المنتهى؟... قال: لأنه ينتهي إليها كل شيء من أمر الله، ~~[لا يعدوها]. [قال]: فيقولون: [يا رب]، عبدك فلان. وهو أعلم به منهم، ~~فيبعث الله جل ذكره إليه بصك مختوم بأمنه من العذاب، فذلك قوله: { كلا ~~إن كتاب الأبرار لفي عليين * ومآ ms2784 أدراك ما ~~عليون * كتاب مرقوم * يشهده المقربون }. # وعن ابن عباس أيضا: { لفي عليين } لفي السماء عند الله وهو قول ~~الفراء وهي الرواية الأولى عن الضحاك. # وإنما أعرب { عليون } بإعراب الجمع (لأنه) لا واحد له، فأشبه " ~~عشرين ". ومعناه: من علو إلى علو، أي: من سماء إلى سماء، (إلى) السابعة. # وقيل: إن { عليين } (من صفة الملائكة)، فلذلك جمع بالواو والنون. # والتقدير عند الطبري: { لفي عليين } أي: في علو وارتفاع، ~~في سماء فوق سماء، وعلو فوق علو إلى السماء السابعة، أو إلى سدرة ~~المنتهى أو إلى قائمة العرش، على الاختلاف المتقدم. # - وقوله: { ومآ أدراك ما عليون }. # أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما عليون؟! يعجب نبيه صلى الله عليه ~~وسلم من عليين، ثم بينه فقال: # - { كتاب مرقوم }. # أي: مكتوب [بأمان الله للأبرار من العذاب يوم القيامة والفوز بالجنة. # - وقوله: { يشهده المقربون }. # أي: يشهد ذلك الكتاب المكتوب] بأمان الله للبر من عباده من ~~النار والفوز بالجنة المقربون من ملائكة كل سماء. # قال [ابن عباس]: المقربون. أهل كل سماء. وقاله الضحاك. # - ثم قال: { إن الأبرار لفي نعيم }. # [أي]: يتمتعون في الجنان { على الأرآئك ينظرون }. # أي: [السرر] في الحجال من اللؤلؤ والياقوت ينظرون إلى ما أعطاهم الله من ~~الكرامة. # روى الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " (على الأرائك متكئون) [ينظرون] إلى أعدائهم في النار ~~". # قال مجاهد: { على الأرآئك ينظرون }: " من اللؤلؤ والياقوت / ~~". # - ثم قال: { تعرف في وجوههم نضرة النعيم }. # أي: حسن النعيم وبريقه. # - ثم قال تعالى: { يسقون من رحيق مختوم }. # أي: من خمر [صرف لا] غش فيها. # قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: الرحيق: الخمر. وهو قول الحسن، ~~[و] قاله ابن مسعود. # وقال أهل اللغة: الرحيق [صفو] الخمر. # وقال أبو عبيدة: (الرحيق): الخالص من الشراب. # وقال ابن مسعود: مختوم: أي مخلوط. # - { ختامه مسك... }. # أي: خلطه مسك. # وقال علقمة: " طعمه وريحه مسك ". # وقال ابن عباس: { ختامه مسك } أي: تختم الخمر بالمسك، أي: آخر ~~شرابهم مسك. # قال ابن عباس: طيب الله عز وجل (مقدم) ms2785 شرابهم، وكان آخر شيء جعل ~~فيه مسكا ختامه بالمسك. # وقال قتادة: آخره مسك، عاقبته مسك، قوم تمزج لهم بالكافور وتختم لهم ~~بالمسك. # قال الضحاك: " طيب الله لهم الخمر فوجدوا في آخر شيء منها ريح المسك ". # وقال أبو الدرداء: هو شراب أبيض مثل الفضة يختمون به شرابهم لو أن رجلا ~~من أهل الجنة أدخل أصبعه فيه ثم أخرجها إلى الدنيا لم يبق ذو روح إلا وجد ~~طيبها؟ # وعن مجاهد أن معناه أنه مختوم (مطين) بخاتم من مسك، وقاله ابن زيد. # وهذا إنما يكون على قراءة الكسائي، لأنه قد قرأ: (خاتمه مسك). # والقراءة الأولى [معناها]: آخره مسك. وهو اختيار الطبري. قال: لأنه لا ~~وجه للختم إلا الطبع أو الفراغ، ولا معنى للطبع على شراب أهل الجنة، (إذ ~~شرابهم) جار جري المياه في الانهار ولم يكن معتقا في الدنان ~~فيطبق عليه، فلا يصح معناه إلا في الفراغ. فالمعنى: آخره مسك، كما تقول ~~ختمت القرآن، أي: بلغت آخره. # وقراءة الكسائي (تروى) عن علي بن أبي طالب رضي [الله] عنه. والختام: ~~مصدر " ختم يختم ختما وختاما " ، " والخاتم " الاسم. # - ثم قال تعالى: { وفي ذلك فليتنافس المتنافسون }. # أي: وفي ما تقدم وصفه من النعيم فليتنافس المتنافسون، مأخوذ من الشيء ~~النفيس، وهو العالي الشريف الذي تحرص عليه نفوس الناس وتطلبه وتشتهيه. # والمعنى: وفي ذلك فليجد في طلبه المجدون، ولتحرص عليه ~~نفوسهم. # - ثم قال تعالى: { ومزاجه من تسنيم * عينا يشرب بها ~~المقربون }. # أي: ومزاج هذا الرحيق - وهو الخمر التي آخرها مسك - { من تسنيم } ~~أي: من علو ينزل عليهم. # تسنيم: تفعيل، من قول القائل: سنمتهم العين تسنيما، إذا ~~أجريتها عليهم من فوقهم. ويقال: سنمت الماء أسنمه تسنيما، إذا أخرجته ~~من موضع عال. # وقبر مسنم، أي: مرتفع. ومنه سنام البعير، وهو اسم لمذكر وهو ~~الماء. ولذلك انصرف. # وقال ابن زيد: بلغنا أنها عين تخرج من تحت العرش، فهي مزاج هذا الخمر. # وقال الضحاك: " هو شراب اسمه تسنيم، وهو من أشرف الشراب ". وعنه أنه ~~قال: { تسنيم }: عين تتسنم من أعلى الجنة، ليس ms2786 في الجنة عين أشرف ~~منها. # فأما انتصاب " عين " ، ففيه أقوال: # قال الأخفش: هي منصوبة [ب " يسقون " ] عينا، (أي): ماء [عين]. # وقال المبرد: نصبها على إضمار أعني. # وقال الفراء: تقديره: من تسنيم عين، فلما نونت " تسنيما [نصبت] عينا، ~~يقدر نصبه نصب المفعول بمنزلة # يتيما ذا مقربة # [البلد: 15]. وقيل: نصبه على الحال، لأن " تسنيما " اسم ~~للماء، معرفة. و " عين ": نكرة. ومعنى " عين ": جار، كأنه ~~قال: من الماء العالي جاريا، فهي في موضع الحال. ### || [83.29-36] # - قوله تعالى: { إن الذين أجرموا كانوا (من الذين ~~آمنوا يضحكون) } إلى آخر السورة. # أي: إن الذين اكتسبوا المآثم في الدنيا وكفروا بالله كانوا يضحكون في ~~الدنيا من المؤمنين استهزاء بهم. # (قال قتادة: كانوا يقولون في الدنيا: والله إن هؤلاء لكذبة وما هم / على ~~شيء، استهزاء بهم). # - ثم قال تعالى: { وإذا مروا بهم يتغامزون }. # أي: وإذا مروا بالمؤمنين غمز بعضهم بعضا استهزاء بالمؤمنين. # - ثم قال تعالى: { وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا ~~فكهين }. # أي: (وإذا) انقلب المجرمون إلى أهلهم من مجالسهم انقلبوا ناعمين معجبين. # قال ابن عباس: { فكهين }: " معجبين ". # وقال ابن زيد: انقلبوا ناعمين، ثم أعقبهم الله النار في الآخرة. # ويروى أن أبا جهل وأصحابه ضحكوا واستهزءوا بعلي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه وأصحابه. # وحكى أبو عبيد عن أبي زيد أن العرب تقول: رجل فكه أي: ضحوك طيب النفس. # - ثم قال تعالى: { وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء ~~لضالون }. # أي: وإذا رأى المجرمون المؤمنين قالوا: إن هؤلاء لضالون عن محجة الحق. # - ثم قال تعالى: { ومآ أرسلوا عليهم حافظين }. # أي: وما بعث هؤلاء المجرمون القائلون للمؤمنين: إن هؤلاء لضالون حافظين ~~عليهم أعمالهم رقباء عليهم: إنما كلفوا أنفسهم ليؤمنوا بالله [ورسوله] ~~وكتابه [وليعملوا] بطاعة ربهم. # - ثم قال تعالى: { فاليوم الذين (آمنوا) من الكفار ~~يضحكون }. # أي: فيوم القيامة يضحك المؤمنون من الكفار على سررهم في الحجال ينظرون. # (وقال ابن عباس: يفتح في السور الذي بين الجنة والنار أبواب، فينظر ~~المؤمنون إلى أهل النار، والمؤمنون على السرر ينظرون) كيف يعذبون، ~~فيضحكون منهم، فيكون ذلك ms2787 مما أقر الله به أعينهم كيف ينتقم الله ~~منهم. # وروى قتادة عن كعب أنه قال: ذكر لنا أن بين الجنة والنار كواء، إذا ~~أراد المؤمنون أن [ينظروا] إلى عدو لهم كانوا في الدنيا، [اطلعوا] ~~من بعض تلك الكواء [قال الله عز] # فاطلع فرآه في سوآء الجحيم # [الصافات: 55]، أي: في وسط النار، ذكر لنا أنه رأى جماجم القوم تغلي. # قال سفيان: [يجاء بالكفار] حتى [ينظروا] إلى أهل الجنة في الجنة على ~~سرر، فحين ينظرون إليهم تغلق دونهم الأبواب (ويضحك) أهل الجنة منهم، فهو ~~قول الله تعالى ذكره: # - { فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون * ~~على الأرآئك ينظرون }. # - ثم قال تعالى: { هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون ~~}. # (أي: هل جوزي الكفار ثواب ما كانوا يفعلون) في الدنيا بالمؤمنين من ~~سخريتهم بهم وضحكهم بهم. # قال مجاهد: الأرائك لؤلؤ وزبرجد. # وقوله: { ينظرون } تمام، المعنى ينظرون إلى الكفار وليس ينظرون [ ~~{ هل ثوب الكفار } ] أو لم يجازوا. ومعنى { ثوب }: جوزي. ### | [84 - سورة الإنشقاق] ### || [84.1-9] # - قوله تعالى: { إذا السمآء انشقت } ، إلى قوله: { (إلى ~~أهله) مسرورا }. # أي: إذا السماء تصدعت وتقطعت فكانت أبوابا. # قال الفراء: تنشق بالغمام. # - وقوله: { وأذنت لربها وحقت }. # أي: وسمعت السماء (في) تصديعها وتشققها لربها فأطاعت له. والعرب تقول: ~~أذنت إلى هذا الأمر آذن، بمعنى: استمعت. ومنه الحديث عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: # " ما أذن الله لشيء كأذنه لنبي يتغنى بالقرآن " # يعني: ما استمع الله لشيء كاستماعه لنبي يتغنى بالقرآن. # وقال ابن عباس: { وأذنت لربها } أي: " سمعت لربها ". وهو قول ~~مجاهد وقتادة والضحاك وسفيان. # وقوله: { وحقت } ، أي: وحقق الله عليها الاستماع لأمره بالانشقاق. # قال ابن عباس: { وحقت } ، أي: وحقت بطاعة ربها. # وقال ابن جبير: { وحقت } أي: ويحق لها أن تسمع وتطيع. # وقاله أبو عبيدة. # - ثم قال تعالى: { وإذا الأرض مدت }. # أي: بسطت فريد في سعتها. # وروى الزهري عن علي بن حسين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " إذا كان يوم القيامة مد الله - جل ثناءه - الأرض ~~مد الأديم فلا ms2788 يكون لبشر من بني آدم فيها إلا موضع ~~قدمه... ". # - ثم قال تعالى: { وألقت ما فيها (وتخلت) }. # أي: (وألقت الأرض) ما فيها من الموتى علق ظهرها وتخلت منهم (إلى الله ~~جل) ذكره. # قال مجاهد: { (وألقت) ما فيها وتخلت } ، أي: أخرجت ما ~~فيها من الموتى ". # وقال قتادة: " أخرجت (أثقالها) وما فيها ". # - ثم قال تعالى: { وأذنت لربها وحقت }. # أي: وسمعت الأرض أمر ربها في إلقائها ما في بطنها من الموتى على ظهرها ~~وحققها الله للاستماع. # وقيل: معناه وحق لها أن تسمع أمره. # واختلف في جواب { إذا } والعامل فيها. # فقال الأخفش: التقدير: إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه إذا السماء ~~انشقت. فيكون العامل في { إذا } على قوله فملاقيه. # وقيل: التقدير: اذكر يا محمد إذا السماء انشقت. # وقيل: الجواب: { يأيها الإنسن } ، على إضمار الفاء: كما تقول: ~~إذا كان كذا وكذا، فيا أيها الإنسان ترى ما عملت من خير وشر. # وقيل: جواب { إذا } الأولى والثانية: { فأما من أوتي ~~كتبه بيمينه }. # وقيل: التقدير: إنك كادح إلى ربك كدحا إذا السماء انشقت. وهذا لا ~~يجوز لأن الكدح: العمل، فمحال أن يعمل في وقت انشقاق السماء /. # وقيل: الجواب: { وأذنت لربها } ، و [الواو] زائدة، أي: إذا ~~السماء انشقت، (أذنت لربها. # وقيل: الجواب محذوف. والتقدير: إذا السماء انشقت)، رأيت الثواب والعقاب. # وقال المبرد: التقدير: إذا السماء انشقت، فأما من أوتي كتابه بيمينه. # - ثم قال تعالى: { يأيها الإنسن إنك كادح إلى ~~ربك كدحا فملاقيه }. # أي: إنك عامل إلى ربك عملا في دنياك، فأنت ملاقيه خيرا كان أو شرا، ~~فليكن عملك ما ينجيك من عقابه ويوجب لك ثوابه. # قال قتادة: " إن كدحك لك يا ابن آدم [لضعيف]، فمن استطاع أن يكون كدحه ~~في طاعة الله فليفعل، ولا قوة إلا بالله ". [قال] ابن عباس وابن زيد ~~وغيرهما: كادح: عامل. # والوقف في أول هذه السورة على مقدار ما تقدم من جواب { إذا } والعامل ~~فيها، فلا تقف على ما قبل الجواب ولا ما قبل العامل. وقد ذكر الاختلاف في ~~ذلك. # - قال تعالى: { فأما من أوتي كتبه ms2789 بيمينه * ~~فسوف يحاسب حسابا يسيرا }. # أي: من أعطي كتاب عمله [يومئذ] بيمينه ينظر في عمله فيغفر له [سيئه]، ~~ويجازى على حسنه. # قالت عائشة رضي الله عنها: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " اللهم حاسبني حسابا يسيرا، فقلت: يا رسول الله، ما ~~الحساب اليسير؟ قال: (أن) ينظر في سيئاته فيتجاوز عنه، ~~إنه من نوقش الحساب يومئذ هلك ". # وروى ابن (أبي) مليكة عن عائشة أيضا أنها قالت: # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إنه ليس أحد يحاسب ~~يوم القيامة إلا معذبا، قالت: يا رسول الله]، يقول الله جل ~~وعز: { فسوف يحاسب حسابا يسيرا }. قال: ذلك العرض، ~~إنه من نوقش الحساب عذب ". # قال ابن زيد: الحساب اليسير: الذي تغفر ذنوبه وتتقبل حسناته وتيسير ~~الحساب الذي يعفى عنه، وقرأ: # ويخافون سوء الحساب # [الرعد: 21]، وقرأ: # أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ~~ونتجاوز عن سيئاتهم # [الأحقاف: 16]. # والمحاسبة بين العبد و (بين) ربه إنما هي إقرار العبد بما أحصاه كتاب ~~عمله. # وروى ابن وهب # " أن عائشة رضي الله عنها قالت: " يا نبي (الله)، كيف { حسابا ~~يسيرا }؟ قال: يعطى العبد كتابه بيمينه فيقرأ سيئاته ~~ويقرأ الناس حسناته، ثم تحول صحيفته فيحول الله ~~سيئاته حسنات، فيقرأ حسناته ويقرأ الناس سيئاته حسنات، ~~فيقول الناس: ما كان لهذا العبد سيئة. قال: فيعرف ~~بعمله ويغفر له، فذلك قوله تعالى: { يبدل الله ~~[سيئاتهم] حسنات } ". # - وقوله: { وينقلب إلى أهله مسرورا }. # أي: وينصرف بعد محاسبته حسابا يسيرا إلى أهله في الجنة مسرورا بما أعد ~~الله له وما نجاه منه. # وروي أن أول من يأخذ كتابه بيمينه أبو سلمة بن عبد [الأسد]، وهو أول من ~~يدخل الجنة من هذه الأمة، وهو أول من هاجر من مكة إلى المدينة. ### || [84.10-25] # - قوله تعالى: { وأما من أوتي كتبه ورآء ظهره } ، ~~إلى آخر السورة. # (أي): وأما من أعطي كتاب عمله وراء ظهره. وذلك أن تغل يده اليمنى إلى ~~عنقه وتجعل الشمال من يديه وراء ظهره فيتناول كتابه بشماله من وراء ظهره. ~~فلذلك وصفهم أنهم يؤتون كتابهم بشمالهم ms2790 وأنهم يؤتونها من وراء ظهورهم. ~~قال مجاهد: " تجعل يده من وراء ظهره ". # روي أنه يعني به الأسود بن عبد الأسد أخا أبي سلمة هو أول من يأخذ كتابه ~~بشماله. # روي أنه يمد يده ليأخذه بيمينه [فيجتذبه] ملك فيخلع يده فيأخذه بشماله ~~من وراء ظهره. ثم هي عامة في أمثالهما. # - ثم قال تعالى: { فسوف يدعوا ثبورا }. # أي: ينادي بالهلاك (ويقول) (وا) ثبوراه، و " ياويلاه ". تقول العرب دعا ~~فلان لهفه: إذا قال والهفاه. # قال الضحاك: { يدعوا ثبورا } ، أي: " يدعوا بالهلاك ". # - ثم قال تعالى: { ويصلى سعيرا }. # من شدده فمعناه [ويصليهم] الله النار تصلية بعد تصلية [وإنضاجة بعد ~~إنضاجة] كما قال: # كلما نضجت جلودهم بدلنهم جلودا غيرها # [النساء: 56]. # ومن خفف، فمعناه أنهم يصلونها ويردونها [فيحترقون] فيها. # - ثم قال تعالى: { إنه كان في أهله مسرورا }. # أي: إنه كان في الدنيا مسرورا بما هو فيه من خلافه أمر الله وكفره به. # - ثم قال تعالى: { إنه ظن أن لن (يحور * بلى)... }. # (أي): إنه ظن [أنه] لن يرجع بعد الموت ولا يبعث، فركب المعاصي وتمادى ~~على الكفر إذ يرجو ثوابا ولا يخاف عقابا. # - ثم قال: { بلى } أي: بلى يبعث / ويرجع إلى ربه [ويجازى] على عمله. # { إن ربه كان به بصيرا }. # أي: إن ربه لم يزل بصيرا بما يأتي من أعماله قبل خلقه إياه وبعد خلقه. # يقال: حار فلان عن كذا، أي: رجع عنه ومنه الحديث أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان يقول في دعائه: # " اللهم إني أعوذ بك من الحور بعد الكون " # (أي): من الرجوع إلى الكفر بعد الإيمان. # وقيل: معناه: من النقصان بعد الزيادة. # - ثم قال: { فلا أقسم بالشفق }. # لا زائدة مؤكدة. والمعنى فأقسم برب الشفق. # والشفق الحمرة في الأفق من ناحية المغرب من الشمس بعد غروب الشمس. # وقال مجاهد: " الشفق: النهار كله ". # وقيل: الشفق اسم للحمرة والبياض اللذين يكونان في السماء بعد غروب ~~الشمس، وهو من الأضداد. # والشفق الذي تحل بزواله صلاة العتمة هو الحمرة عند أكثر ~~العلماء، وهو اختيار الطبري. # والعرب تقول: ثوب مشفق: ms2791 إذا (كان مصبوغا) بحمرة. ثم عطف على ~~القسم فقال: # { والليل وما وسق }. # أكثر المفسرين على أن معنى { وما وسق }: وما جمع وما آوى وما ~~ستر. # ومنه [يقال]: طعام مسوق: وهو المجموع في غرائر أو وعاء. ومنه الوسق ~~وهو الطعام المجتمع الكثير مما يكال أو يوزن. # ويقال: هو ستون صاعا، وبه (جاء الأثر) عن النبي صلى الله عليه وسلم. # وعن مجاهد: { وما وسق } " وما لف ". # وعنه: " وما جمع... ". # وعنه: " وما أظلم عليه، وما دخل فيه ". # وقال عكرمة: (وما وسق) " وما [ساق] من ظلمة ". # وهو قول الضحاك: # - ثم قال تعالى: { والقمر إذا اتسق }. # قال ابن عباس: { اتسق }: استوى واجتمع. وقاله عكرمة. # وقال الحسن: { إذا اتسق } إذا اجتمع وامتلأ. # وقال ابن جبير: { إذا اتسق } ذلك لثلاث عشرة. # وقال قتادة: { إذا اتسق }. إذا استدار. # - ثم قال تعالى: { لتركبن طبقا عن طبق }. # هذا جواب القسم. والمعنى - على قراءة من ضم الباء - { لتركبن } ~~أيها الناس حالا بعد حال. والإنسان المتقدم ذكره بمعنى الناس، لأنه اسم ~~للجنس، فعليه يعود الضمير في { لتركبن } لأنه قد تقدم ذكرهم في ~~قوله: { فأما من أوتي كتبه بيمينه } وشماله، وتأخر ~~أيضا ذكره في قوله: { فما لهم لا يؤمنون } ، فلا يصرف الخبر ~~عنهم في { لتركبن } إلى غيرهم إلا بدليل. # وقال ابن زيد: معناه { لتركبن } أيها الناس الآخرة بعد الأولى. ~~فأما من فتح الباء، فإنه جعله مصروفا إلى نبينا محمد صلى الله عليه ~~وسلم. # والمعنى: لتركبن - يا محمد - سماء بعد سماء، وهو قول الحسن وأبي ~~العالية والشعبي. # وقيل: التقدير لتركبن - يا محمد - الأمور بتغيرها حالا بعد حال. # [وقيل: المعنى لتركبن الأمور حالا بعد حال فتكون الأمور فاعلة، ~~[والتاء لتأنيث] الجمع. وهو قول مجاهد]. # وقيل: المعنى: لتركبن السماء في تشققها وتلونها حالا بعد [حال]، فيكون ~~الفعل للسماء. وهو قول ابن مسعود. وقال: مرة كالدهان ومرة تشقق. # وكان ابن عباس يقرأ بفتح الباء (ويقول: يعني نبيكم صلى الله عليه وسلم ~~يقول: حالا بعد حال. # وقال ابن زيد: معنى ذلك: لتركبن يا محمد الآخرة بعد الأولى. وقيل: ms2792 ~~القراءة بفتح الباء) على مخاطبة الإنسان على اللفظ، أي: لتركبن أيها ~~الإنسان حالا بعد حال، من مرض وصحة وشباب وهرم. # وقيل: ذلك في يوم القيامة. # فتكون على هذا القراءتان [ترجعان] إلى معنى، إلا أن إحداهما حملت على ~~المعنى فأتت بلفظ الجمع، والأخرى حملت على اللفظ فجاءت بلفظ التوحيد. # وحكى الفراء أنه يقال: وقع في بنات طبق، إذا وقع في أمر شديد. ويقال: ~~مضى طبق من الناس ومضت طبقة وجاءت طبقة. # سموا طبقا لأنهم يطبقون الأرض. # وقد روي عن بعضهم [أنه] قرأ بالياء وضم الباء على الإخبار عن الناس أنهم ~~سيركبون حالا بعد حال من الشدائد والأهوال. # - ثم قال تعالى: { فما لهم لا يؤمنون * وإذا قرىء ~~عليهم القرآن لا يسجدون }. # أي: فما لهؤلاء المشركين لا يصدقون بالبعث بعد الموت؟! # وقد أقسم لهم ربهم أنهم راكبون حالا بعد حال من شدائد القيامة ~~وأهوالها. # { وإذا قرىء عليهم القرآن لا يسجدون }: لا يخضعون ~~ولا يستكينون. # - ثم قال تعالى: { بل الذين كفروا يكذبون }. # أي: يكذبون بآيات (الله)، فلذلك ينكرون البعث. # - { والله أعلم بما يوعون }. # أي: والله أعلم بما توعيه قلوب هؤلاء المشركين من التكذيب بآيات الله. # وقال مجاهد: { بما يوعون } بما يكتمون في صدورهم. # قال الرياشي: يقال أوعى الشيء: إذا كتمه. # وحكى أهل اللغة: أوعيت المتاع في الوعاء، أي: جمعته. فالمعنى على هذا: ~~والله أعلم بما يجمعون في صدورهم من التكذيب، والإثم. # - ثم قال تعالى: { فبشرهم بعذاب أليم }. # أي: الذي يقوم لهم مقام البشرى، عذاب أليم أي: موجع. # والبشارة تكون بالخير والشر. فإذا أفردت كانت خيرا. # يقال: بشرته وبشرته خفيفا. # وقيل: إن البشارة لا تكون إلا للخير / فإن وقعت للشر فهو مجاز، على ~~معنى: الذي يقوم مقام البشارة كذا وكذا. # - ثم قال تعالى: { إلا الذين ءامنوا وعملوا ~~الصلحت لهم أجر غير ممنون }. # أي: إلا الذين تابوا منهم وصدقوا بكتاب الله ورسوله وعملوا الأعمال ~~الصالحة لهم عند الله ثواب غير منقوص. # قال ابن عباس: { غير ممنون } ، أي: " غير منقوص ". # وقال مجاهد: " غير محسوب ". # وقيل: معناه: لهم ms2793 أجر لا يمن عليهم به فيكدر. ### | [85 - سورة البروج] ### || [85.1-22] # قوله تعالى: { والسمآء ذات البروج } إلى آخرها. # أي: ورب السماء ذات القصور. قاله ابن عباس. # قال الضحاك: البروج " [يزعمون] أنها قصور في السماء، ويقال: هي الكواكب ~~". # قال مجاهد: " البروج: النجوم ". وهو قول قتادة. وقيل: المعنى: ذات الرمل ~~والماء. واختار الطبري أن يكون المعنى: ذات منازل الشمس والقمر، على قول ~~مجاهد أن البروج - وهي اثنا عشر برجا - يسير القمر في كل برج (منها ~~يومين وثلثا، فذلك ثمان وعشرون منزلة، ثم يستقر ليلتين وثلثا، وتسير ~~الشمس في كل برج) [شهرا]. وجواب القسم محذوف. # وقيل: الجواب { قتل أصحاب الأخدود } على تقدير حذف اللام، ~~أي: لقتل أصحاب الأخدود. # وقيل: الجواب: { إن بطش ربك لشديد } وهو قول قتادة. # وقيل: الجواب: { إن الذين فتنوا المؤمنين }. # ثم قال تعالى: { واليوم الموعود } يعني يوم القيامة، وعد الله ~~به عباده لفصل القضاء بينهم روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وقاله ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأبو هريرة وقتادة وغيرهم. # ثم قال تعالى ذكره: { وشاهد ومشهود } قال أبو هريرة: " الشاهد ~~يوم الجمعة، والمشهود: يوم عرفة ". وقاله الحسن، وروي (ذلك) عن علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه وابن عباس، وقاله قتادة وابن المسيب وابن زيد. # وعن ابن عباس أيضا: أن الشاهد محمد صلى الله عليه وسلم لقوله: # وجئنا بك على هؤلاء شهيدا # [النساء: 41] والمشهود ": يوم القيامة، لقوله تعالى: # وذلك يوم مشهود # [هود: 103] أي: يشهده الأولون والآخرون لفصل القضاء بينهم. وهو قول ~~عكرمة، وقاله الحسن بن علي أيضا. # وقال مجاهد: " الشاهد الإنسان، والمشهود: يوم القيامة ". فالإنسان لا بد ~~أن يشهد يوم القيامة، ويوم القيامة مشهود لبني آدم، فتكون الشهادة على ~~هذا القول [بمعنى] الحضور. وقد روي مثل ذلك عن الضحاك. وعن عكرمة أيضا و ~~(عن) ابن عباس أن الشاهد: الله جل ذكره، لقوله تعالى: # ثم الله شهيد على ما يفعلون # [يونس: 46] والمشهود يوم القيامة لقوله تعالى: # وذلك يوم مشهود # [هود: 103]. # وقال إبراهيم: الشاهد يوم الأضحى والمشهود يوم ms2794 عرفة. وعن ابن عباس ~~أيضا. رواه عنه مجاهد " أن الشاهد: يوم عرفة، والمشهود: يوم القيامة ". # وروى أبو الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم (قال): # " أكثروا علي [الصلاة] يوم الجمعة، فإنه مشهود تشهده الملائكة " # وقيل: الشاهد: محمد، والمشهود: الذين يشهد عليهم محمد صلى الله عليه ~~وسلم. # ثم قال تعالى: { قتل أصحاب الأخدود * النار ذات ~~الوقود } أي: لعن أهلك أصحاب الأخدود، أخبرنا الله جل ذكره أنه ~~أهلكهم ولعنهم. # ذكر علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنهم كانوا أهل كتاب، وكانت الخمر ~~أحلت لهم، فشربها ملك من ملوكهم حتى [ثمل]، فتناول أخته، [زاد ~~عبد بن حميد: أو ابنته، وذكر القصة، وفيها: فإذا ذهب هذا في الناس بأسره ~~خطبتهم فحرمته عليهم]، فوقع عليها، فلما زال عنه السكر ندم، فقال: لأخته: ~~ويحك، ما المخرج مما ابتليت به؟ فقالت: اخطب الناس فقل: يا أيها الناس، ~~[إن الله] قد أحل نكاح الأخوات. # ففعل، [فتبرأ] الناس منه ومن قوله، وقالوا: ما جاءنا به نبي ولا وجدناه ~~في كتاب! # فرجع إلى أخته نادما فقال لها: ويحك! إن الناس قد أبوا علي أن يقروا ~~بذلك، فقالت: [ابسط] عليهم السياط، ففعل، فأبوا أن [يقروا] له، فرجع ~~إليها فقالت: (اخطبهم، فإن أبوا فجرد فيهم السيف، ففعل فأبوا)، فرجع ~~إليها فقالت: خد لهم الأخدود، ثم اعرض عليها أهل مملكتك، فمن أقر وإلا ~~فاقذفه في النار. ففعل، فمن لم يقروا [له] بتحليل الأخوات قذفه في ~~النار، فلم يزالوا من ذلك الوقت يستحلون الأخوات والبنات والأمهات. # / وبقايا [أصحاب] الأخدود الآن مجوس يعبدون النار. ولذلك، قال بعض ~~العلماء فيهم [أن يسن فيهم] سنة أهل الكتاب. # وقوله: { النار } خفض على البدل من الأخدود، وهو بدل الاشتمال. # وقيل: هو خفض على الجوار، وذلك بعيد. # وفيه تقديران إذا جعلته بدلا. # أحدهما: أن التقدير: النار ذات الوقود نارها. والآخر: النار التي فيها. ~~والأخدود: حفير [مستطيل] كالخندق. يروى أنه كان بموضع يقال له [نجران]، ~~أحرق فيه قوم مؤمنون، أحرقهم ملك من ملوك حمير مشرك، وكان ذلك قبل مولد ~~النبي ms2795 صلى الله عليه وسلم بسبعين سنة. # وروى قتادة أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: هم ناس كانوا بمدارع ~~اليمن اقتتل مؤمنوها وكافروها، فظهر مؤمنوها على [كافريها]، ثم اقتتلوا ~~الثانية فظهر كافروها على مؤمنيها، ثم أخذ بعضهم على بعض عهودا ومواثيق ~~ألا يغدر بعضهم (بعضا)، فغدر بهم الكفار فأخذوهم أخذا، ثم إن رجلا من ~~المؤمنين قال لهم: هل لكم إلى خير؟ توقدون [نارا]، (ثم) تعرضوننا عليها، ~~فمن تابعكم على دينكم فذلك الذي تشتهون، ومن لا، اقتحم النار [فاسترحتم] ~~منه. # قال: [فأججوا] نارا، وعرضوا عليها، فجعلوا يقتحمونها ضنا بدينهم حتى ~~بقيت عجوز منهم كأنها تلكأت، فقال لها طفل في حجرها: يا أمه، امضي ولا ~~تنافقي، فقص الله جل ذكره نبأهم وخبرهم. # وقال ابن عباس: هم ناس من بني إسرائيل، خدوا أخدودا في الأرض ثم ~~أوقدوا فيه نارا ثم أقاموا على ذلك الأخدود رجالا ونساء ثم عرضوا ~~عليها، وزعموا أنه دانيال وأصحابه وكذلك قال الضحاك، إلا أنه قال: فقالوا ~~للرجال والنساء: تكفرون أو نقذفكم في النار (قال). # [ويزعمون] أنه دانيال وأصحابه. # وروى صهيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إنه كان في من كان قبلكم ملك، وكان له ساحر، فأتى الساحر الملك ~~فقال: قد كبرت سني ودنا أجلي، فادفع إلي غلاما أعلمه السحر. فدفع إليه ~~غلاما يعلمه السحر، فكان الغلام يختلف إلى الساحر، وكان بين الساحر وبين ~~الملك راهب. # قال: فكان الغلام إذا مر بالراهب قعد إليه فيسمع كلامه، فأعجب بكلامه، ~~فكان إذا أتى الساحر ضربه الساحر وقال: ما حبسك؟. # وإذا أتى الغلام (إلى) أهله قعد عند الراهب يسمع كلامه، فإذا أتى أهله ~~ضربوه وقالوا: ما حبسك؟ فشكا ذلك إلى الراهب، فقال له الراهب: إذا قال لك ~~الساحر ما حبسك؟ فقل: حبسني أهلي، وإذا قال لك أهلك: ما حبسك؟ فقل: حبسني ~~الساحر. # فبينما هو كذلك، إذ مر في طريق، وإذا دابة عظيمة في الطريق وقد حبست ~~الناس لا تدعهم يجوزون، فقال الغلام: الآن أعلم، أمر الساحر أرضى عند ~~الله ms2796 أم أمر الراهب؟ قال: فأخذ حجرا فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب ~~إليك من أمر الساحر فإني أرمي بهذا الحجر هذا ويمر الناس. قال: فرماها، ~~فقتلها وجاز الناس فبلغ ذلك الراهب، وأتاه الغلام، فقال الراهب للغلام: ~~إنك خير مني، وإن ابتليت فلا تدلن علي. # [قال]: وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الأدواء. (قال: وكان ~~للملك جليس فعمي، قال: فقيل له: إن هاهنا غلاما يبرئ الأكمه والأبرص ~~وسائر الآذاء) فلو أتيته؟ قال: فاتخذ له هدايا، ثم أتاه فقال: يا غلام، ~~إن أبرأتني فهذه الهدايا كلها لك. # فقال: ما أنا أشفيك، ولكن الله يشفي، فإن آمنت دعوت الله أن يشفيك، قال: ~~فآمن الأعمى، فدعا الغلام الله - جل ذكره - فشفاه، فقعد إلى الملك [كما ~~كان يقعد]، فقال له الملك: أليس كنت أعمى؟! فقال نعم، قال: فمن شفاك؟ ~~قال: ربي. قال: ولك رب غيري؟! قال: نعم، ربي وربك الله. قال: فأخذه ~~بالعذاب. وقال: [لتدلنني] على من علمك هذا. # قال: [فدل] على الغلام، قال: فدعا الغلام فقال: / ارجع عن دينك. فأبى ~~الغلام، قال: فأخذه بالعذاب، قال: فدل على الراهب، فأخذ الراهب بالعذاب، ~~وقال له /: ارجع عن دينك. فأبى، قال: فوضع المنشار على هامته فشقه حتى ~~بلغ (إلى) الأرض، ثم قال للغلام: لترجعن أو لأقتلنك. فقال: اذهبوا به حتى ~~تبلغوه ذروة الجبل، فإن رجع عن دينه وإلا [دهدهوه]. فلما بلغ ذروه الجبل ~~قال الغلام: اللهم اكفنيهم. فرجف بهم الجبل فوقعوا فماتوا كلهم. وجاء ~~الغلام يتلمس حتى دخل على الملك فقال: أين أصحابك؟! قال: كفانيهم الله جل ~~ثناؤه. فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقورة فتوسطوا به البحر، فإن رجع عن ~~دينه وإلا فغرقوه. قال فذهبوا، فلما توسطوا به البحر قال الغلام: اللهم ~~فاكفنيهم. فانقلبت بهم السفينة فغرقوا، وجاء الغلام [يتلمس] حتى دخل على ~~الملك، فقال الملك: أين أصحابك؟ قال: دعوت الله فكفانيهم. قال: لأقتلنك. ~~قال: ما أنت بقاتلي حتى تصنع ما آمرك. قال: وما أصنع. قال: اجمع الناس في ~~صعيد واحد ثم أصلبني، ثم خذ سهما ms2797 من كنانتي فارمني وقل: باسم رب ~~الغلام، فإنك ستقتلني. # قال: فجمع الملك الناس في صعيد واحد، قال: وصلب الغلام وأخذ سهما من ~~كنانته فوضعه في كبد القوس ثم رمى به، وقال: باسم رب الغلام. [قال]: فوقع ~~السهم في صدغ الغلام، فوضع الغلام يده على صدغه ومات، فقال الناس: آمنا ~~برب الغلام، فقيل للملك: ما صنعت؟! الذي كنت تحذر قد وقع، قد آمن الناس ~~برب الغلام، فأمر الملك بأفواه الطرق والسكك فأخذت، وخد الأخدود وضرب فيه ~~النيران وأخذهم وقال: [ارجعوا وإلا ألقيتكم] في النار. قال: فكانوا ~~يلقونهم في النار. قال: فجاءت امرأة معها صبي لها. قال: فلما ذهبت تقتحم ~~وجدت حر النار فنكصت. # قال: فقال لها صبيها: يا أمه، امض، فإنك على الحق. فاقتحمت في النار ". # وقال الربيع بن أنس: كان أصحاب الأخدود قوما مؤمنين اعتزلوا الناس في ~~الفترة، وإن جبارا من عبدة الأوثان أرسل إليهم يعرض عليهم الدخول في ~~دينه أو يلقيهم في النار، فاختاروا إلقاءهم في النار على الرجوع عن ~~دينهم، فألقوا في النار، فنجى الله المؤمنين الذين ألقوا في النار من ~~الحريق بأن قبض (الله) أرواحهم قبل أن تمسهم النار. قال: وخرجت النار إلى ~~من على شفير الأخدود من الكفار فأحرقتهم، فذلك قوله: { ولهم عذاب ~~الحريق } أي: لهم عذاب جهنم في الآخرة ولهم عذاب الحريق في الدنيا، ~~وهي (النار) التي خرجت إليهم من الأخدود فأحرقتهم. # وقوله: { ذات الوقود }. # أي: ذات الحطب الجزل، فإن [ضممت] الواو فمعناه ذات التوقد. والأخدود " ~~الحفرة تحفر في الأرض. # وقوله: { إذ هم عليها قعود }. # أي: [إذ الكفار] على النار قعود لحرق المؤمنين، يعني: على حافة الأخدود ~~الذي فيه النار. # وقال قتادة: { إذ هم عليها قعود }. # يعني بذلك المؤمنين. # ثم قال: { وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود }. # يعني: الكفار. حضور يعرضون المؤمنين على الكفر فمن رجع إليه، وإلا القوه ~~في النار. # ثم قال تعالى: { وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا ~~بالله العزيز الحميد }. # أي: وما فعل هؤلاء الكفار بالمؤمنين ما فعلوا من حرقهم إياهم بالنار ms2798 إلا ~~من أجل أنهم آمنوا بالله الشديد في انتقامه من أعدائه، المحمود عند عباده ~~بإحسانه إليهم. # { الذي له ملك السماوات والأرض }. # أي: سلطان ذلك كله. # { والله على كل شيء شهيد }. # أي: والله شهيد على ما فعل هؤلاء الكفار بالمؤمنين وعلى غير ذلك من ~~أفعالهم وأفعال جميع الخلق، فمجازيهم على ما عملوا. # ثم قال تعالى: { إن الذين فتنوا المؤمنين ~~والمؤمنات ثم لم يتوبوا }. # أي: حرقوهم بالنار وعذبوهم ثم لم يتوبوا من كفرهم وفعلهم، فلهم عذاب ~~جهنم في الآخرة، ولهم عذاب الحريق في الدنيا. # هذا قول الربيع بن أنس. # قال محمد بن إسحاق: احترقوا في الدنيا. # وكذلك قال أبو العالية. # { فلهم عذاب جهنم } يعني: في الآخرة، واحترقوا في الدنيا ~~بعذاب الحريق. # ثم قال تعالى: # { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات ~~تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير }. # أي: إن الذين أقروا بتوحيد الله وعملوا الأعمال الصالحات وهم الذين ~~حرقهم أصحاب الأخدود وغيرهم من سائر أهل التوحيد لهم بساتين في الآخرة ~~تجري من تحت أشجارها الأنهار من الماء / والخمر، واللبن والعسل. # { ذلك الفوز الكبير } [أي]: ذلك الذي أعطي هؤلاء هو الظفر ~~الكبير بما طلبوا بإيمانهم بالله في الدنيا وطاعتهم له. # ثم قال تعالى: { إن بطش ربك لشديد }. # أي: إن أخذ ربك يا محمد من أخذ من أعدائه وانتقامه منهم لشديد. وهو ~~تحذير من الله لعباده أن يحل بهم من نقمه على كفرهم وتعذيبهم مثل الذي حل ~~بأصحاب الأخدود. # ثم قال تعالى: { إنه هو يبدىء ويعيد }. # أي: هو ابتدأ الخلق أول مرة، وهو يعيدهم بعد مماتهم للبعث والجزاء. هذا ~~معنى قول الضحاك وابن زيد. وقال ابن عباس: معناه: إنه هو يبدئ العذاب ثم ~~يعيده. (وهو اختيار الطبري)، أي: يبدئ العذاب لأهل الكفر في الدنيا، (وهو ~~عذاب الحريق - ثم يعيده) عليهم في الآخرة - وهو عذاب جهنم. # ثم قال تعالى: { وهو الغفور الودود }. # أي: وهو الغفور لمن تاب من كفره وذنوبه. { الودود } أي: ذو المحبة. # وعن ابن عباس أنه قال: { الودود }: " الحبيب ". # وقال ابن زيد: ms2799 { الودود }: " الرحيم ". # ثم قال تعالى: { ذو العرش المجيد }. وقال ابن عباس: { ~~المجيد }: " الكريم ". # ثم قال تعالى: { فعال لما يريد }. # أي: يفعل ما يشاء، فيوقف من شاء للتوبة فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ~~بأن [يحول] بينه وبين التوفيق فيموت على كفره. # ثم قال تعالى: { هل أتاك حديث الجنود * فرعون ~~وثمود }. # أي: هل جاءك يا محمد حديث الجنود الذين تجندوا على الله ورسوله بأذاهم ~~ومكروههم؟ أي: قد أتاك ذلك وعلمته. فاصبر لأذى قومك كما صبر من كان قبلك ~~من الرسل الذين تجند قومهم عليهم. # ثم بين الجنود من هم فقال: { فرعون وثمود } أي: قوم فرعون ~~وتباعه، وثمود. # ثم قال تعالى: { بل الذين كفروا في تكذيب }. # أي: بل الذين كفروا من قومك في تكذيب بوعيد الله ووحيه { والله من ~~ورآئهم محيط } أي: محيط بأعمالهم محصيها عليهم حتى يجازيهم ~~عليها. # ثم قال تعالى: { بل هو قرآن مجيد * في لوح محفوظ }. # أي: بل ما يقول هؤلاء إنه شعر وسحر [وكهانة]، قرآن مجيد محفوظ من أن ~~يغير، في لوح. # قال ابن جبير: مجيد " كريم " وقاله قتادة. # قال مجاهد: { في لوح محفوظ } قال: " في أم الكتاب ". # ومن رفع { محفوظ } ، جعله نعتا للقرآن، بمعنى أنه محفوظ أن يغيره ~~أحد بزيادة أو نقص. ودل على ذلك قوله: # وإنا له لحافظون # [الحجر: 9]. ومن خفض، جعله نعتا للوح، أي: القرآن في لوح عند الله ~~محفوظ، وهو اللوح المحفوظ. # كما قال مجاهد: هو أم الكتاب. # وقال قتادة: { في لوح محفوظ } " عند الله ". # وقال أنس بن مالك: " إن اللوح المحفوظ الذي ذكر الله في جبهة إسرافيل ". # وقرأ محمد اليماني: بل هو قرآن مجيد، بالإضافة على معنى: بل هو قرآن رب ~~مجيد. # قال ابن عباس: خلق الله اللوح المحفوظ من درة بيضاء، دفتاه [ياقوتة] ~~حمراء، قلمه نور، وكتابه نور، ينظر إليه كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة، ~~يحيي في كل نظرة، ويميت ويعز ويذل، ويفعل ما يشاء، لا إله إلا هو. ### | [86 - سورة الطارق] ### || [86.1-17] # قوله تعالى: { والسمآء والطارق } إلى آخرها. # هذا (قسم) أقسم ms2800 ربنا تعالى بما شاء، وتقديره: ورب السماء والطارق. ثم ~~بين الطارق فقال: { ومآ أدراك ما الطارق * النجم ~~الثاقب } أي: النجم المضيء، يقال: طرقنا فلان: إذا أتى بليل. # قال ابن عباس: معناه: " والسماء وما يطرق فيها ". # قال قتادة: " يطرق بالليل ويخفى بالنهار ". # قال ابن زيد: العرب تسمي الثريا النجم. # وحكى الفراء: ثقب [النجم] إذا ارتفع. وقال: هو زحل. ويقال: ثقب الطائر ~~إذا ارتفع وعلا. # قال مجاهد: { الثاقب }: الذي يتوهج. # ثم قال تعالى: { إن كل نفس لما عليها حافظ }. # من خفف [لما]، فتقديره: إن كل نفس لعليها حافظ، " فما " زائدة مؤكدة، " ~~وإن " مخففة من [الثقيلة]. ومن شدد [لما] جعلها بمعنى " إلا " لغة في ~~هذيل، و { إن } بمعنى " ما ". # والمعنى: ما كل نفس نفس إلا عليها حافظ من ربها يحفظ عملها [و] يحصي ~~عليها ما تكسب من خير وشر. # قال ابن عباس: معناه: كل نفس عليها حفيظ من الملائكة. # وقال قتادة: " حفظة يحفظون عملك ورزقك وأجلك إذا توفيته يا ابن آدم ~~قبضت إلى ربك. # وقال الفراء: كل نفس عليها حافظ يحفظها من الآفات حتى يسلمها إلى ~~المقدور. # ثم قال تعالى: { فلينظر / الإنسان مم خلق * خلق من ~~مآء دافق }. # أي: فلينظر الإنسان المكذب بالبعث بعد الموت، المنكر قدرة الله على ذلك ~~من أي شيء خلق. # { خلق من مآء دافق } أي: مدفوق. فيعلم أن من خلقه من ماء ~~فصوره وسواه [بشرا]، (وهو) قادر أن يعيده بشرا بعد موته، وذل أهون ~~وأيسر فيما تعقلون بينكم. قال الكسائي والفراء: أهل الحجاز أفعل الناس ~~لهذا: يأتون بفاعل بمعنى مفعول إذا كان نعتا، يقولون: سر كاتم وماء ~~دافق، أي: مكتوم ومدفوق. وهذا عند البصريين لا يقاس عليه، وإنما يأتي في ~~ما لا يشكل. ولا يجوز رجل [ضارب] بمعنى مضروب، لأن فيه بطلان الكلام كله ~~وفساد المعاني. # وقوله: { يخرج من بين الصلب والترآئب }. # أي: يخرج الإنسان من بين صلب الرجل وترائب المرأة. وواحد الترائب: ~~تريبة. ومعنى الكلام: [منهما]. # وقرأ عيسى بن عمر: " (بين) الصلب " بضمتين. # وقال إبراهيم بن عرفة: الترائب ms2801 في اللغة: ضلوع الصدر، واحدها تريبة. # قال ابن عباس: الترائب: موضع القلادة من صدر المرأة. # وسئل عكرمة عن الترائب فقال: " هذا ووضع يده على صدره بين ثدييه " وعن ~~ابن عباس: أنها " بين ثديي المرأة ". # وقال ابن جبير: { والترآئب } [الصدر]. وقاله ابن زيد. # وقال مجاهد: { والترآئب }: " ما بين المنكبين والصدر ". # وعنه أيضا: أن الترائب " أسفل من التراقي ". # وقال سفيان: الصلب: صلب الرجل، والترائب: ترائب المرأة فوق الثديين. ~~فالضمير في { يخرج } على هذه الأقوال للإنسان. # وعن قتادة أنه " يخرج من بين صلب الرجل ونحره ". # وعن ابن عباس أن الترائب أطراف الرجل: اليدان والرجلان والعينان. وقاله ~~الضحاك. # وعن ابن جبير أيضا أن الترائب أضلاع الرجل التي أسفل الصلب. # وقيل: الترائب عصارة القلب، ومنه يكون الولد. # فالضمير في { يخرج } على هذه الأقوال الثانية يعود على الماء. # والمعروف في كلام العرب أن الترائب موضع القلادة من المرأة حيث تقع عليه ~~من صدرها. # ثم قال تعالى: { إنه على رجعه لقادر * يوم تبلى ~~السرآئر } أي: إن الله [على] رده هذا الإنسان المنكر للبعث (بعد ~~الموت) بعد موته لقادر في يوم تختبر السرائر. # فالهاء في { رجعه } للإنسان. هذا قول قتادة، وهو اختيار الطبري: لأن ~~بعده: { يوم تبلى السرآئر } أي: على رده حيا في هذا اليوم ~~الذي تختبر فيه سرائر الخلق فيكشف المستور منها. # وهذا التأويل فيه بعد في العربية، لأن العامل على هذا التقدير في { ~~يوم } { رجعه } فهو داخل في صلته. # وقد فرق بين الصلة والموصول بخبر (إن)، وهو { لقادر }. وذلك لا ~~يحسن. ولكن يكون المعنى على ما قال قتادة، ويكون العامل في { يوم ~~تبلى } { ناصر } أي: فما للإنسان من قوة يرد عن نفسه بها ولا ~~ناصر ينصره في يوم تبلى السرائر. # وقال الضحاك: المعنى (أن الله) على رد الإنسان ماء كما خلقه من ماء ~~لقادر فالهاء في { رجعه } أيضا للإنسان. # وقال مجاهد وعكرمة: المعنى أن الله على رد الماء في الإحليل لقادر. # فالهاء في { رجعه } للماء، وهو معنى قول ابن زيد. # وعن الضحاك أيضا أن معناه أن ms2802 الله على رد الإنسان من الكبر إلى الشباب، ~~ومن الشباب إلى الكبر، ومن الصبا إلى النطفة، لقادر. فالهاء في { ~~رجعه } للإنسان. # وروى أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # " ائتمن الله خلقه على أربع: على الصلاة والزكاة والصيام والغسل من ~~الجنابة، وهي السرائر التي يختبرها الله يوم القيامة ". # قال عطاء في قوله: { يوم تبلى السرآئر } قال: ذلك الصوم ~~والصلاة وغسل الجنابة. يقول في الدنيا إذا شاء: قد صمت، ولم يصم، وقد ~~صليت، ولم يصل، وقد اغتسلت ولم يغتسل. # وقال قتادة: " إن هذه السرائر مختبرة، فأسروا خيرا وأعلنوه [إن ~~استطعتم]، ولا قوة إلا بالله ". # وقوله: { فما له من قوة ولا ناصر }. # أي: فما للإنسان الكافر بيوم تبلى السرائر من قوة يمتنع بها من عذاب ~~الله، ولا ناصر ينصره (فيستنقذه من العذاب، وقد كان في الدنيا يرجع إلى ~~قوة من عشيرة يمتنع بها ممن أراده بسوء، وناصر ينصره) مما ظلمه، هذا معنى ~~قول قتادة ومعمر. # ثم قال تعالى: { والسمآء ذات الرجع }. # أي: ورب السماء ذات المطر، أي: ترجع بالغيوث وأرزاق العباد كل عام، ورب ~~الأرض ذات الصدع، أي: ذات الصدع بالنبات. # قال ابن عباس: { ذات الرجع }: " السحاب فيه المطر ". # وقال الحسن: " ترجع بأرزاق الناس كل عام ". وقاله قتادة. # وقال مجاهد: { ذات الرجع }: " السحاب يمطر ثم يرجع بالمطر ". # وقال ابن زيد: { ذات الرجع }: شمسها وقمرها ونجومها، يأتين من ~~هاهنا. والرجع: تجمع على " رجعان " سماعا على غير قياس، وقياسه [أرجع] ~~(ورجوع). # قال ابن عباس: { ذات الصدع } أي: " ذات النبات ". # وقال قتادة: تنصدع عن النبات. # وقال ابن زيد: { ذات الصدع } أي: ذات الانشقاق للنبات. # ثم قرأ: # ثم شققنا الأرض شقا # [عبس: 26] الآية. وقال أيضا: صدعها: الحرق. # ثم قال تعالى: { إنه لقول فصل }. # هذا جواب القسم، أي: إن هذا القول أو الخبر الذي تقدم ذكره لقول ذو فصل، ~~أي: يفصل بين الحق والباطل ببيانه. # وقيل: الجواب: { إن كل نفس } ، لأن " إن " بمعنى " ماء " ، وهو ~~حسن، وهو أقرب من غيره إلى القسم، فهو أليق ms2803 به. # وقيل: الجواب: { إنه على رجعه }. # وقال ابن عباس: { لقول فصل } أي: " لقول حق ". # وقال قتادة: { فصل }: حكم. # ثم قال تعالى: { وما هو بالهزل }. # أي: وما هو بالعبث ولا الباطل ولا اللعب. # ثم قال تعالى: { إنهم يكيدون كيدا }. # أي: إن هؤلاء المكذبين بالله ورسوله ووعده ووعيده يمكرون مكرا، وأمكر ~~مكرا، أي: أجازيهم على مكرهم. فسمى الجزاء مكرا لأنه جزاء المكر، فسمي ~~باسم ما هو مجازاة عنه وإن لم يكن مثله، كما قال تعالى: # وجزآء سيئة سيئة مثلها # [الشورى: 40]، فسمي جزاء السيئة سيئة إذ هي جزاء لها وإن لم يكن الجزاء ~~سيئة، ومكره - تعالى ذكره - بهم: إملاؤه لهم واستدراجه إياهم. والمعنى: ~~أنهم يكيدون النبي وأصحابه كيدا، وأجازيهم على كيدهم جزاء. # ثم قال تعالى: { فمهل الكافرين أمهلهم رويدا }. # أي: فلا تعجل يا محمد على الكافرين بالعقاب، أمهلهم قليلا حتى يأتي وقت ~~حلول النقمة بهم. قال ابن عباس: الرويد: القريب. # وقال قتادة: " الرويد: القليل ". # قال ابن زيد: معناه: أمهلهم ولا تعجل عليهم، تركهم حتى إذا أراد ~~الانتصار منهم أمره بحربهم وقتالهم والغلظة عليهم فأهلكهم ببدر بالسيف. ### | [87 - سورة الأعلى] ### || [87.1-19] # قوله تعالى: { سبح اسم ربك الأعلى } إلى آخرها. # أي: عظم يا محمد اسم ربك. وقيل: معناه عظم ربك الأعلى. وكان بعضهم إذا ~~قرأ ذلك قال: سبحان ربي الأعلى. وقد رواه ابن عباس عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم. وكذلك روى السدي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه. # وقيل معناه: نزه يا محمد اسم ربك أن تسمي به شيئا سواه كما فعل المشركون ~~من تسميتهم آلهتهم باللات والعزى، جعلوا العزى مشتقة من العزيز واللات من ~~الله. # وقيل: معناه: نزهه عما يقول فيه المشركون كما قال: # ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا ~~الله عدوا بغير علم # [الأنعام: 108]. # وقيل: معناه: نزه - يا محمد - تسميتك ربك الأعلى، وذكرك إياه أن تذكره ~~إلا وأنت خاضع متذلل. قالوا: فالاسم هنا موضوع في موضع التسمية، فوضع ~~الاسم مكان المصدر. # وقيل: معناه: [صل] بذكر ربك الأعلى، أي: ms2804 صل [وأنت له ذاكر]. # وقيل: معناه صل يا محمد لربك. # وقيل: معناه: عظم اسم ربك ونزهه على أن تنسبه إلى ما نسبه إليه ~~المشركون. # وهذا مما يدل على أن الاسم هو المسمى، لأن معناه: سبح الله. وليس يجوز " ~~سبحان " اسم الله، ولا سبحان اسم الرب، فدل على أن معنى { سبح اسم ~~ربك } سبح ربك. # وقوله: { الأعلى }. # أي: القاهر لك شيء، العالي عليه. # قال عقبة بن عامر: # " لما نزلت: { سبح اسم ربك الأعلى } قال لنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " اجعلوها في سجودكم ". ولما نزلت: { فسبح ~~باسم ربك العظيم } قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~اجعلوها في ركوعكم " ". # قال الفراء: " سبح اسم ربك " وسبح باسم ربك " ، كل صواب. كأنه جعله مما ~~يتعدى بحرف وبغير حرف، ككلتك وكلت لك. ولا يحسن أن تقدره مما يتعدى بحرف ~~ثم حذفه، إذ لا يجوز: مررت زيدا (على مررت بزيد) إلا في شعر شاذ. وهذا ~~مما يستدل به على أن الاسم هو المسمى، لأنه تعالى لم يأمر نبيه أن يعبد ~~(ويسبح) ويصلي لغيره. # فمعنى: { سبح اسم ربك }: [سبح ربك]، فالاسم هو المسمى، ولو ~~كان غيره لكانت العبادة لغير الرب [سبحانه]، والتسبيح لغيره - [جلت ~~عظمته] - وليس يريد بالاسم هاهنا التسمية، لأنه لا اختلاف [في] أن ~~التسمية غير / المسمى، وهذا باب يحتاج إلى بيان وشرح. # ثم قال تعالى: { الذي خلق فسوى }. # أي: خلق الأشياء كلها، فسوى خلقها وعدلها. والتسوية: التعديل. # ثم قال: { والذي قدر فهدى }. # أي: قدر خلقه فهدى الإنسان لسبيل الخير والشر، وهدى البهائم للمراعي. # قال مجاهد: " هدى الإنسان للشقوة والسعادة، وهدى الأنعام [لمراتعها]. # وقيل: معناه: هدى الذكر لإتيان الأنثى. # وقيل: معناه: فهدى وأضل، ثم حذف لدلالة الكلام عليه، ومن شدد { قدر ~~} ، جعله من التقدير، فمعناه: قدر خلقه كل مخلوق، [وهداه] إلى مصلحته. ~~ودليله: # وخلق كل شيء فقدره تقديرا # [الفرقان: 2]. فأما من خففه، فإنه جعله من القدرة والملك، (فمعناه): ~~الذي أحاطت قدرته [بكل] شيء فهدى وأضل. # ويجوز أن يكون من التقدير مثل الأول، كما ms2805 قال: # يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر # [الرعد: 26]. # ثم قال: { والذي أخرج المرعى }. # أي: الذبات. # { فجعله غثآء أحوى }. # أي: فجعله يبسا أسود بعد أن كان ناعما أخضر. " فأحوى " بمعنى: (أسود)، ~~وهو نعت للغثاء. # وقيل: في الكلام تقديم وتأخير. " وأحوى " بمعنى: أخضر. والتقدير: أخرج ~~المرعى أحوى، أي: أخضر، فجعله غثاء، أي: يبسا. فيكون " أحوى " [بمعنى: ~~أخضر، (وهو [حال] من المرعى. وفي هذا تكلف لغير ضرورة تدعو إليه). # قال ابن عباس: { غثآء أحوى } ، أي: " هشيما متغيرا ". # وقيل: معناه: غثاء، أي: يبسا تنسفه الرياح فيجري به السيل [فصار] غثاء ~~للسيول بعد حضرته وغضارته، هذا معنى قول مجاهد وابن زيد. # وقال (أبو) عبيدة: { غثآء أحوى } ، أي: [هيجه] حتى يبس فجعله ~~أسود من احتراقه { غثآء } أي: هشيما. # ثم قال تعالى: { سنقرئك فلا تنسى }. # أي: سنقرئك - يا محمد - القرآن [فلست] تنساه إلا ما شاء الله أن تنساه. # قال مجاهد: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتذكر القرآن في نفسه مخافة أن ~~ينسى فأعلمه الله أنه ليس ينسى. # وقوله: { إلا ما شآء الله } هو ما أراد الله نسخه فينسيه نبيه ~~فيرفع حكمه وتلاوته، وذلك ما أنزله تعالى على نبيه للصلاح في وقت، وتقدم ~~في علمه [أنه] سينسيه إياه في وقت [آخر]. # وقيل: معنى الآية: سنقرئك - يا محمد - فلا تترك العمل بشيء منه إلا ما ~~شاء الله أن تترك العمل به (مما) ننسخه [فنأمرك] بتركه فتتركه. " ولا " ~~في القولين جميعا [نفي] وليست للنهي. # وقال الفراء: فلست تنسى إلا ما شاء الله أن تنساه، ولا يشاء أن ينسى منه ~~شيئا. ومثله عنده: # خالدين فيها ما دامت السموت والأرض # [هود: 107]، وليس يشاء غير الخلود لهم. # وقيل: معنى الآية: إلا ما شاء الله مما يلحق الآدميين. # وقيل: إلا ما شاء الله أن يرفع حكمه ولا يرفع تلاوته. وقيل: المعنى: ~~فجعله غثاء أحوى إلا ما شاء الله أن يناله بنو آدم والبهائم، وينتفعوا ~~فإنه لا يصير غثاء أحوى. # ثم قال: { إنه يعلم الجهر وما يخفى }. # أي: إنه يعلم ما أظهرته من عملك وما ms2806 أخفيته، أي: يعلم السر والعلانية. ~~وهذا خطاب للنبي، وأمته داخلة في ما خوطب به. # ثم قال تعالى: { ونيسرك لليسرى }. # أي: وسنسهلك (يا محمد) لعمل الخير، وهو اليسرى، والمعنى للحال اليسرى، ~~وهو فعلى، من [اليسر]. # ثم قال تعالى: { فذكر إن نفعت الذكرى }. # أي: ذكر إن نفعت ذكراك وإن لم تنفع، حذف لدلالة الكلام عليه، مثل: { ~~قدر فهدى } ومثله: # سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم # [النحل: 81]. # وقيل: المعنى أن الذكرى تنفع بكل حال. والتقدير: فذكر إن كنت تفعل ما ~~أمرت به. # وقال الطبري: معناه: فذكر عباد الله - يا محمد - عظمته وعظهم، وحذرهم ~~عقوبته، إن الذكرى لا تنفع الذين [آيستك] من إيمانهم. # ثم قال تعالى: { سيذكر من يخشى }. # أي: سيذكر يا محمد من يخشى الله ويخاف عقابه. # { ويتجنبها الأشقى }. # أي: ويتجنب الذكرى (الأشقى) يعني أشقى الفريقين من المؤمنين والمشركين ~~ثم نعته، فقال: # { الذى يصلى النار الكبرى }. # وهم الذين لم تنفعهم الذكرى وتجنبوها. # قال قتادة: قوله { سيذكر من يخشى }: إنه والله ما خشي عبد ~~قط الله إلا ذكره. ولا والله لا يسكت عبد عند الذكرى زهدا فيها وبغضا ~~لأهلها إلا شقي بين الشقاء. والنار الكبرى: نار جهنم، هي كبرى عند نار ~~الدنيا من شدة حرها وألمها. # وقال الفراء: النار الكبرى: " السفلى من أطباق النار ". # وقوله: { ثم لا يموت فيها ولا يحيا }. # روي أن نفس أحدهم تصير في حلقه فلا تخرج فتفارقه [فيموت] ولا / ترجع إلى ~~موضعها من الجسم فيحيا. # وقيل: معناه: لا يموت فيها فيستريح، ولا يحيا حياة تنفعه. وقيل: أريد به ~~شدة الأمر. والعرب تقول [للرجل] يقع في شدة شديدة أو علة مثقلة: لا هو ~~حي، ولا هو ميت. فخوطبوا على ما جرى به كلامهم. # ثم قال تعالى: { قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه ~~فصلى }. # أي: قد أدرك طلبته وظفر ببغيته من تظهر الكفر وعمل بطاعة الله. # قال ابن عباس: من تزكى - يعني - من الشرك. وعنه أنه جعله في زكاة الفطر. # وقال: أخرجوا زكاة الفطر قبل صلاة العيد. # وقال عكرمة: { من تزكى }: من ms2807 قال: لا إله إلا الله. # قال عطاء: { من تزكى } من آمن. # وقال قتادة: من تزكى بالعمل الصالح والورع. # وقال ابن جريج: من تزكى بماله وعمله. # وقال عبد الله: إذا خرجت إلى الصلاة فتصدق بشيء إن استطعت، فإن الله ~~يقول: { قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى ~~}. والتزكي - في اللغة -: التطهر. # قال عمر بن عبد العزيز وابن المسيب وأبو العالية: هي زكاة الفطر، (ثم ~~نسخها زكاة الأموال). # وقيل: هي سنة، وزكاة المال فرض. وعلى هذا أكثر العلماء. # قال ابن عباس: { وذكر اسم ربه فصلى } أي: " ووحد الله ~~سبحانه ". # وقيل: معناه: ودعا إليه وصلى الصلوات الخمس. # وقيل: عني به صلاة العيد. وقيل: الصلاة هنا الدعاء. # (وقيل: معناه: وذكر اسم ربه في صلاته بالتحميد والتمجيد). # ثم قال تعالى: { بل تؤثرون الحياة الدنيا }. # أي: تؤثرون زينتها على الآخرة، والآخرة خير لكم وأدوم نعيما. # ثم قال تعالى: { إن هذا لفي الصحف الأولى }. # أي: إن هذه الآيات في { سبح اسم ربك الأعلى } لفي صحف ~~إبراهيم وموسى. # وقيل: معناه: إن قوله: { بل تؤثرون الحياة الدنيا } ~~الآية، لفي { صحف إبراهيم وموسى }. # وقيل: معناه إن الفلاح لمن تزكى وذكر اسم ربه فصلى لفي صحف إبراهيم ~~وموسى. # واختار الطبري أن يكون معناه أن قوله: { قد أفلح من تزكى * ~~وذكر اسم ربه (فصلى) } إلى قوله { وأبقى } لفي صحف ~~إبراهيم وموسى، فتكون الإشارة إلى ما قرب من هذا. ### | [88 - سورة الغاشية] ### || [88.1-26] # قوله تعالى: { هل أتاك حديث الغاشية } إلى آخرها. # أي: قد أتاك - يا محمد - حديث الغاشية، وهي القيامة تغشى الناس بقيامها ~~وأهوالها. # وقال ابن جبير: الغاشية جهنم. # ثم قال تعالى: { وجوه يومئذ خاشعة }. # أي: ذليلة، وهي وجوه الكفار. قال قتادة: " خاشعة في النار ". # ثم قال: { عاملة ناصبة }. # أي: هي عاملة ناصبة بمعنى: تعمل وتنصب في الدنيا، وهي تصلى نارا حامية ~~في الآخرة. # وهذا القول يروى عن عمر رضي الله عنه. ولا يتم الكلام [على] [ناصبة] أو ~~(على) { خاشعة } ويجوز أن يكون في الكلام تقديم وتأخير على هذا ~~القول، والتقدير: وجوه ms2808 عاملة ناصبة في الدنيا يومئذ خاشعة. # وقيل: الآية نزلت في عبدة الأوثان والرهبان من أهل الكتاب، أنصبوا ~~أنفسهم وأتعبوها بالعمل ولم يتقبل منهم، لأنهم على غير إسلام. # وقال عكرمة: (معناه): عاملة في الدنيا بمعاصي الله، ناصبة في الآخرة في ~~النار. فيتم الكلام على هذا القول على " عاملة ". # وقال الحسن وقتادة: إن الوجوه في القيامة خاشعة عاملة ناصبة، وإنها ~~(لما) لم تعمل في الدنيا لله أعملها الله في النار وأنصبها. فلا يتم ~~الكلام من أوله على { ناصبة } على هذا القول. # قال ابن عباس: " تعمل وتنصب في النار ". # وقال قتادة: " تكبرت في الدنيا عن طاعة الله، فأعملها وأنصبها في النار ~~". # وقال ابن زيد: " لا أحد أنصب ولا أشد من أهل النار ". # وكان عمر رضي الله عنه يتأولها في الدنيا في البرهان وشبههم. يعملون في ~~الدنيا، ويجتهدون، وهم في النار. ويكون الكلام يتم على { خاشعة } ~~لأنه آخر صفتهم في يوم القيامة، ثم ابتدأ بصفتهم في الدنيا. # وقيل: التقدير: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا { يومئذ خاشعة } ~~يعني: في الآخرة. # وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم وسلم ذكر القدرية فبكى، وقال: ~~إن فيهم المجتهد. # وقوله: { تصلى نارا حامية } أي: ترد نارا قد حميت واشتد ~~حرها. والإخبار في جميع ذلك عن الوجوه، والمراد به أصحابها، لأن المعنى ~~مفهوم. # ثم قال تعالى: { تصلى نارا حامية }. # أي: [يسقى] يومئذ أصحاب هذه الوجوه (من عين قد) انتهى حرها فبلغ الغاية ~~في شدة الحر. # وقال مجاهد: من عين قد (أنى / نضجها) منذ خلق الله عز وجل الدنيا. وقال ~~ابن زيد: { من عين آنية } أي: حاضرة. # وقال تعالى: { ليس لهم طعام إلا من ضريع }. # أي: (ليس) لأصحاب هذه (الوجوه) الخاشعة - وهم الكفار - طعام يطعمونه في ~~النار إلا طعام من ضريع. # قال ابن عباس: " الضريع: شجر من نار ". # وقال ابن زيد: الضريع: الشوك من النار، والضريع عند العرب شوك يابس [ولا ~~ورق فيه]. # وقال عكرمة: الضريع: الحجارة. # وقال الحسن: الضريع: الزقوم وعنه أيضا: الضريع: الذي يضرع ويذل من أكله ~~لمرارته ms2809 وخشونته. # وقال عطاء: الضريع: الشبرق. وروي ذلك أيضا عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، ~~وعلى هذا القول كثير من أهل اللغة، والشبرق: [شجر] كثير الشوك تعافه ~~الإبل، وأهل الحجاز يسمونه الضريع إذا يبس، ويسميه غيرهم الشبرق. # وقيل: الضريع واد من جهنم. وقد أخبر الله في هذه الآية بأن لا طعام لهم ~~إلا طعام من ضريع، فأثبت لهم طعاما، وقال في موضع آخر # فليس له اليوم ها هنا حميم * ولا طعام إلا من ~~غسلين # [الحاقة: 35-36]. # فظاهره أنه قد أوجب لهم طعاما من غسلين فهذا خلاف ذلك في الظاهر. ~~والمعنى في ذلك أن التقدير: فليس له اليوم هاهنا شراب حميم إلا من غسلين ~~ولا طعام ينتفع به. # (وقيل): الغسلين من الضريع. # وقيل: الغسلين لقوم والضريع لآخرين. # ثم وصف الله أهل الجنة ونعيمهم بعد وصفه لأهل النار وعذابهم. # فقال تعالى: { وجوه يومئذ ناعمة }. # أي: (غضرة) نضرة ينعمها الله، وهم أهل الإيمان بالله والعمل بطاعته. # ثم قال تعالى: { لسعيها راضية }. # أي: لعملها الذي عملته في الدنيا من طاعة ربها راضية. وقيل المعنى: ~~[لثواب] عملها راضية في الآخرة. # ثم قال تعالى: { في جنة عالية }. # أي: رفيعة القدر عالية المكان. # { لا تسمع فيها لاغية } أي: لا يسمع أحد في الجنة كلمة لغو، ~~واللغو: الباطل. # وقيل للكلمة التي هي لغة: لاغية، كما قيل لصاحب [الدرع: دارع]، ولصاحب ~~الفرس فارس، " ولابن " " وثامر " لصاحب اللبن والثمر. # وقال الفراء: { لاغية } ، أي: [حالفا] يحلف بكذب. # قال ابن عباس: معناه: لا تسمع فيها أذى ولا باطلا. # وقال مجاهد: " شتما ". وقال قتادة: باطلا ولا مأثما. # ثم قال تعالى: { فيها عين جارية } أي: تجري من غير أخدود، ~~والعين تذكر وتؤنث [والتأنيث] أكثر، وقد قال الشاعر: # والعين بالإثمد [الحاري] مكحول. # فقال بعض النحويين: هذا على تذكير العين. # وقال المبرد: ذكره كما يذكر كل مؤنث غير حقيقي التأنيث لا علامة للتأنيث ~~فيه، كما يقال: هذا دار وهذه دار. # وقال الأصمعي: مكحول للحاجب هو، لأنه قد تقدم ذكره، ولا يعرف الأصمعي في ~~العين إلا التأنيث. # ثم قال ms2810 تعالى: { فيها سرر مرفوعة }. # أي: عالية ليرى المؤمن إذا جلس عليها جميع ما خوله ربه من الملك ~~والنعيم، ويلحقه بصره. والسرر جمع سرير. # وقيل: مرفوعة: موضونة. قاله ابن عباس، كقوله: # سرر مصفوفة # [الطور: 20] أي: بعضها فوق بعض. # ثم قال تعالى: { وأكواب موضوعة }. # أي: موضوعة على حافة العين الجارية كلما أراد الشرب وجدها ملأى من ~~الشراب. والأكواب جمع: كوب، وهي الأباريق التي لا آذان لها، وقد تقدم ~~ذكرها بالاختلاف فيها. # ثم قال تعالى: { ونمارق مصفوفة }. # النمارق جمع: نمرقة، وهي الوسادة والمرفقة. وحكي فيها ضم النون والراء ~~وكسرهما، والضم (أكثر). ومعنى مصفوفة أي: بعضها إلى بعض. # وقد قال ابن عباس " النمارق: المجالس " ، وعنه: " المرافق ". # وقال قتادة: هي " الوسائد ". # ثم قال تعالى: { وزرابي مبثوثة }. # قال أبو عبيدة: الزرابي البسط. # وقيل الزرابي: الطنافس التي لها خمل، و { مبثوثة } كثيرة. # وقال قتادة: [زرابي] " مبثوثة " أي " مبسوطة ". # قال ابن عمر: (رأيت عمر) رضي الله عنه يصلى على عبقري، وهي الزرابي. # ثم قال تعالى: { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت }. # هذا كله توبيخ لمنكري القدرة، أي: أفلا ينظر من ينكر قدرة الله على كل ~~ما يشاء مما وصف مما أعده الله للكافرين وللمؤمنين في هذه الآيات - إلى ~~الإبل كيف خلقها الله وسخرها لهم (وذللها)، وإلى (السماء) كيف رفعها / ~~الله فوقهم لا خلل فيها ولا شقوق ولا اختلاف، رفعها بغير عمد ترونها، ~~وإلى الجبال كيف نصبها الله على الأرض لئلا تميد بأهلها، [وأقامها] ~~منتصبة لا تسقط على الأرض. وإلى الأرض كيف سطحها الله، أي بسطها فجعلها ~~مستوية وطيئة ليتصرف عليها الخلق ولا يمتنعون من أسفارهم. # وقال قتادة: لما [نعت] الله ما في الجنة، عجب من ذلك أهل الضلالة، فأنزل ~~الله جل ذكره: { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت } ~~إلى { سطحت }. # قال: وكانت الإبل من عيش العرب. [فخوطبوا] ونبهوا على قدرته على أعظم ما ~~في نفوسهم، فلذلك بدأ بالإبل، فكأنه قيل لهم: من قدر على إحداث هذه ~~الأشياء وغيرها لكم وإحكام أمرها [كيف] لا يقدر على ما وصف من ms2811 (أمر) ~~الجنة والنار. # وقال ابن عباس: الإبل (ها) هنا هي الإبل بعينها، وليس شيء يحمل عليه وهو ~~بارك إلا الإبل، وفي ذلك آية. # وقال المبرد: وقيل: الإبل: القطع العظام من السحاب. # ثم قال تعالى: { فذكر إنمآ أنت مذكر }. # أي: ذكر - يا محمد - عبادي بآياتي، فإنما أرسلت مذكرا لهم. # { لست عليهم بمصيطر }. # أي: بمسلط ولا بجبار تجبرهم على الإيمان. ومصيطرا: أصله السين، وهو ~~مأخوذ من السطر. # وقيل: الآية منسوخة بقوله: # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة: 5] وهو قول ابن زيد. # وقيل: هي محكمة، لأنهم إذا أسلموا تركوا على جملتهم، ولم يسلط عليهم. # قال جابر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا ~~قالوا لا إله إلا الله عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا ~~بحقها وحسابهم على الله. ثم تلا { فذكر إنمآ أنت ~~مذكر * لست عليهم بمصيطر } ". # قال ابن عباس: { بمصيطر } بجبار. # ثم قال تعالى: { إلا من تولى وكفر * فيعذبه الله ~~العذاب الأكبر }. # أي: فذكر يا محمد قومك إلا من تولى عنك فأعرض عن الإيمان وكفر فيكون هذا ~~استثناء من الذين كان التذكير فيهم، فيكون في موضع نصب. # وقيل: الاستثناء منقطع مما قبله. والمعنى: لست عليهم { بمصيطر } ~~إلا من تولى وكفر بعد ذلك، فإنك ستسلط [عليه] إن أسلم أو السيف. # والاستثناء المنقطع [تعتبره] أبدا بأن [تحسن] " إن " معه، فإذا حسنت ~~جاز أن يكون منقطعا، وإذا لم تحسن كان متصلا صحيحا. يقول القاتل: " سار ~~القوم إلا زيدا " ، فلا يحسن دخول " إن " هنا، (لأنه) استثناء صحيح. # ثم قال تعالى: { فيعذبه الله العذاب الأكبر }. # وهو عذاب جهنم في الآخرة. # ثم قال تعالى: { إن إلينآ إيابهم } أي: رجوعهم في الآخرة. # { ثم إن علينا حسابهم } أي: (علينا) حساب أعمالهم ~~[فنجازيهم] (بها) فالله (هو) المحاسب المعاقب لهم وأنت - يا محمد - مذكر ~~مبلغ عن ربك إليهم. ### | [89 - سورة الفجر] ### || [89.1-8] # قوله تعالى: { والفجر * وليال عشر * والشفع }. إلى ~~قوله: { البلاد }. # قال ابن عباس: الفجر " النهار ". وعنه أن الفجر عنى به " صلاة الفجر ms2812 ". # وقال عكرمة: هو " فجر الصبح ". وقيل: هو صبيحة يوم النحر. وهو قسم ~~والتقدير فيه: ورب الفجر. # وقوله: { وليال عشر } أكثر المفسرين على أنها [العشر] الأولى من ~~ذي الحجة. # وروى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: { وليال عشر }: عشر ~~الأضحى. # وإنما جعلها عشر ليال، لأن ليلة يوم النحر دخلت فيها، لأن الله جعل ليلة ~~يوم النحر ليوم عرفة فصار ليوم عرفة ليلتان رفقا بعباده، فلذلك من لم ~~يدرك الوقوف بعرفة يوم عرفة وقف ليلة يوم النحر وتم حجه، لأن ليلة يوم ~~النحر ليلة (يوم عرفة أيضا فصارت ليلة يوم النحر داخلة في حكم يوم) ~~عرفة، يجزي فيها ما فات من الوقوف بعرفة يوم عرفة. ولا يجزئ الوقوف ~~بعرفات - ليلة يوم عرفة - عن يوم عرفة، فصارت ليلة يوم النحر أخص بيوم ~~عرفة من ليلة يوم عرفة (بيوم عرفة)، فاعرفه، فلذلك جعل ليالي العشر عشر ~~ليال وأقسم بها. # وقال مجاهد: ليس عمل في ليالي السنة أفضل منه في ليالي العشر، وهي عشر ~~موسى التي أتمها الله جل وعز له. # وعن ابن عباس أيضا أنها العشر الأواخر من رمضان. وحكى الطبري أن بعضهم ~~قال: [هي] العشر الأول من المحرم. # ثم قال تعالى: { والشفع والوتر }. # قال ابن عباس: " الشفع: يوم النحر، والوتر: يوم عرفة ". وقاله عكرمة. # وقال الضحاك: { وليال عشر * والشفع والوتر } ، أقسم ~~الله بهن لما يعلم من فضلهن على سائر الأيام: فالعشر ذي الحجة، والشفع ~~يوم النحر، والوتر يوم عرفة. # وقال عبد الله بن الزبير: الشفع: اليومان اللذان بعد يوم النحر، والوتر: ~~(اليوم) الثالث /، وهو يوم النفر الآخر، قال الله # فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر ~~فلا إثم عليه # [البقرة: 203]. # وعن ابن عباس أيضا: أن الشفع الخلق كلهم، والوتر الله، هو وتر واحد ~~وخلقه شفع. وقيل: الشفع صلاة الغداة، والوتر صلاة المغرب. # وهو قول مجاهد ومسروق. # وعن مجاهد [أيضا] أن الشفع والوتر: الخلق كلهم منهم [شفع] ([و] منهم) ~~وتر. وهو قول الحسن. # وقال ابن زيد: كان أبي يقول: كل ms2813 شيء خلا الله عز وجل شفع ووتر، فأقسم - ~~جل ذكره - بما خلق مما تبصرون وما لا تبصرون. # وقال قتادة عن عمران بن الحصين أنه كان يقول: الشفع والوتر: الصلاة منها ~~شفع كالظهر والعصر، ومنها وتر كالمغرب. # وقال الربيع بن أنس: الشفع والوتر: صلاة المغرب، فالشفع منها الركعتان ~~الأوليان، والوتر الركعة الثالثة. # وروى عمران بن الحصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: { والشفع ~~والوتر } " هي الصلاة: منها شفع، ومنها وتر. # وروى قتادة أن الحسن كان يقول: الشفع والوتر هو العدد، [منه] شفع ومنه ~~وتر. [وقيل: الشفع آدم صلى الله عليه وسلم وحواء، والوتر: الله عز وجل، ~~وتر كل شيء]. والفتح والكسر في الوتر لغتان: الفتح لغة أهل الحجاز، ~~والكسر لغة بني تميم. # وقال الفراء: والكسر لغة قيس وأسد أيضا. فأما الوتر الذي هو الترة، ~~ففيه أيضا لغتان: الفتح والكسر. أهل الحجاز يفتحون، وغيرهم يكسره. # ثم قال تعالى: { واليل إذا يسر } أي: يسري أهله. # وقيل: معناه: والليل إذا سار وذهب. وهي ليلة جمع، ليلة المزدلفة. # قال ابن عباس: إذا يسري: إذا ذهب. # وقال أبو العالية: إذا سار. # وقال ابن زيد: إذا يسير. وقال عكرمة: إذا جمع. # ثم قال تعالى: { هل في ذلك قسم لذى حجر } أي: إن في هذا ~~القسم لكفاية لذي عقل. عظم الله تعالى جل ذكره هذه الأزمنة التي أقسم ~~بها، وهي عشر ذي الحجة ويوم عرفة ويوم النحر وليلة المزدلفة. وأعيد ذكر ~~[يوم] عرفة، وقد دخل في العشر لشرفه. وقيل: أعيد لأنه أقسم أولا ~~بالليالي، وأعيد ذكر اليوم، لأنه لم يدخل في الليالي. # قال ابن عباس: { لذى حجر }: لصاحب نهى وعقل. # وقال الحسن: " لذي حلم ". # قال قتادة: " لذي عقل ولب " وجواب القسم: { هل في ذلك قسم }. # [وقال مقاتل: " هل " هاهنا في موضع " إن " ، وتقدير الكلام: " إن في ذلك ~~قسما. ذكره الماوردي. فعلى هذا التأويل، تكون " هل " جواب القسم. والله ~~أعلم]. وقيل الجواب: إن ربك لبالمرصاد، وهو الصواب إن شاء الله، لأن " هل ~~" ليست من أجوبة القسم. # ثم قال ms2814 تعالى: { ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ~~ذات العماد }. من صرف عادا جعله للحي أو للأب. وقد قرأ الضحاك ~~بغير صرف، جعله اسما للقبيلة. وقرأ الحسن: " بعاد إرم " بإضافة " عاد " ~~إلى " إرم " ، ولم يصرف { إرم } ، جعل " إرم " اسم مدينة فلم يصرفها. ~~قال محمد بن كعب القرظي: إرم: " الإسكندرية ". # قال [المقبري]: إرم: دمشق، رواه عنه ابن وهب. # وقوله: # واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف # [الأحقاف: 21]، يدل على خلاف هذين القولين، لأن الأحقاف جمع: حقف، ~~والحقف ما التوى من الرمل، وليس كذلك دمشق ولا الإسكندرية، وإنما يجوز ~~هذا التأويل على أن يكون [عاد] [هاهنا] غير عاد أصحاب الأحقاف. # وقال مجاهد: إرم: " أمة ". وعنه أيضا أن إرم معناه: " القديمة ". # وقال قتادة: كنا نحدث أن إرم قبيلة من عاد، مملكة عاد. وهذا قول يصح معه ~~ترك صرف " إرم ". # وقال ابن إسحاق: إرم جد عاد، وإرم هو إرم بن عوص بن سام بن نوح. وليزم ~~على هذا أن يصرف لأنه مذكر. # وعن ابن عباس أن معناه: بعاد الهالك، ويلزم صرفه على هذا، لأنه وصف. ~~وقال بعض أهل النسب: إرم هو سام بن نوح، ويلزم صرفه أيضا لأنه مذكر. # وقيل: إن { إرم ذات العماد } كانت مدينة عظيمة موجودة في ذلك ~~الوقت. # وقوله { ذات العماد } نعت " لعاد " إن جعلته (اسما) للقبيلة أو ~~لإرم فمعناه: ذات الطول لأن العرب تقول للرجل الطويل: معمد، وكانت قبيلة ~~عاد طوال الأجسام. # [قال] ابن عباس: " كان طولهم مثل العماد ". # [وقال] مجاهد: " كان لهم جسم في السماء ". # وقيل: إنما قيل: { ذات العماد } ، لأنهم كانوا أهل عمد ينتجعون ~~الغيوث وينتقلون (إلى) الكلا حيث كان ويرجعون إلى منازلهم. هذا معنى قول ~~مجاهد. # وقال ابن زيد: { ذات العماد } ، قيل لهم ذلك لبناء بناه بعضهم ~~فشيد عمده ورفع بناءه حين كانوا في الأحقاف، وهو قوله: # أتبنون بكل ريع آية تعبثون # [الشعراء: 128] الآية. # وقوله: { التي لم يخلق مثلها في البلاد } أي: مثل تلك ~~الأعماد. وقيل: إنما وصفوا [بذلك] لشدة أبدانهم وقوتهم. والهاء في { ~~مثلها } تعود على ms2815 عاد، لأنها قبيلة أو على إرم لأنها مدينة. # قال قتادة: ذكر / أنهم كانوا اثني عشر ذراعا، وهو قوله: # وزادكم في الخلق بصطة # [الأعراف: 69]. ### || [89.9-30] # قوله تعالى: { وثمود الذين جابوا الصخر بالواد } إلى ~~آخر السورة. # أي: وألم تر - يا محمد - كيف فعل ربك بثمود - وهم قوم صالح - الذين ~~نقبوا الصخر وخرقوه واتخذوه بيوتا؟! وهو قوله: # وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين # [الحجر: 82]. # والعرب تقول: " جاب فلان [الفلاة] يجوبها جوبا " إذا دخلها وقطعها. # قال ابن عباس: { جابوا الصخر } ، أي: خرقوها، يعني: قوم صالح ~~كانوا ينحتون من الجبال (بيوتا). # قال مجاهد: " جابوا الجبال فجعلوها بيوتا ". # ثم قال تعالى: { وفرعون ذى الأوتاد } أي: أو لم تر، يا محمد، ~~فعل ربك بفرعون ذي الأوتاد؟! # قال ابن عباس: الأوتاد هنا " الجنود الذين يشدون له أمره ". # وقيل: معناه ذي الجنود الكثيرة الذين يحتاجون [لضرب] الأوتاد في ~~أسفارهم. # وقال مجاهد: وصف بذلك، لأنه كان [يتد أوتاد] الحديد في أيدي الناس ~~وأرجلهم يقتلهم بها. # وقال قتادة: وصف بذلك، لأنه كانت [له مظال] وملاعب يلعب له تحتها من ~~أوتاد [وحبال]. # وروى ثابت البناني عن أبي رافع أن فرعون " وتد لامرأته (أربعة) أوتاد، ~~ثم جعل على ظهرها رحى عظيمة حتى ماتت ". # وقال ابن جبير: وصف بذلك: لأنه كان يعذب الناس بالأوتاد، قال: [فكان] ~~يجعل رجلا هاهنا ورجلا هاهنا، ويدا هاهنا [ويدا] هاهنا بالأوتاد، ~~وقاله مجاهد أيضا. # وعن ابن جبير أيضا أنه إنما وصف بذلك، لأنه كان له بنيان يعذب الناس ~~عليه، قال: كان له منارات يعذب الناس عليها. # وقوله: { الذين طغوا في البلاد } أي: تجاوزوا حدود الله ~~عتوا على ربهم في البلاد التي كانوا بها فأكثروا في تلك البلاد الفساد ~~بركوبهم المعاصي. # ثم قال تعالى: { فصب عليهم ربك سوط عذاب } أي: فأنزل ~~بهم ربك (يا محمد) عذابه نقمة منه لهم لكفرهم، يعني جميع من تقدم ذكره من ~~الكفرة. والعرب تقول لكل عذاب شديد عذب به المعذب: سوط خزي. # فقوله: { سوط عذاب } ، واقع على أنواع (من العذاب عذب الله بها ~~هذه الأمم) ms2816 المذكورة في الدنيا فأهلكهم بها. [وكذا حكى الماوردي: { ~~سوط عذاب } أي: خلط عذاب لأنه أنواع]. # قال مجاهد: { سوط عذاب } " ما عذبوا به ". وهو قول ابن زيد ~~(وغيره). # ثم قال تعالى: { إن ربك لبالمرصاد } أي: إن ربك يا محمد ~~لهؤلاء الذين قصصت عليك قصصهم ولغيرهم من أمثالهم لبالمرصاد يرصدهم على ~~قناطر جهنم فيكردسهم فيها إذا وردوها يوم القيامة. وقيل: معناه: لا يفوته ~~هارب. # وقال ابن عباس: { لبالمرصاد } أي: " يسمع ويرى ". وقال الضحاك: ~~إذا كان يوم [القيامة] يأمر الله عز وجل بكرسيه فيوضع على النار فيستوي ~~عليه ويقول: " وعزتي لا يجاوزني اليوم (ذو) مظلمة ". # فذلك قوله جل ثناؤه: { لبالمرصاد }. # وقال سفيان: { إن ربك لبالمرصاد } يعني: جهنم عليها ثلاث ~~[قناطر]: قنطرة فيها الرحم، وقنطرة فيها الأمانة، وقنطرة فيها الرب جل ~~ثناؤه. قال [عمرو] بن قيس: بلغني أن على جهنم ثلاث [قناطر] فقنطرة عليها ~~الأمانة إذا مروا بها تقول: (يا رب)، هذا (أمين، يا رب هذا خائن. وقنطرة ~~عليها الرحم إذا مروا بها تقول: هذا) واصل، هذا قاطع. وقنطرة عليها الرب ~~تعالى ذكره { إن ربك لبالمرصاد }. # وقال الحسن: { لبالمرصاد } أي: " مرصاد عمل بني آدم ". قال ابن ~~مسعود: والفجر إن ربك لبالمرصاد. # يعني أنه جواب القسم. # ويروى أن على جسر جهنم (سبع) [قناطر] محابس، بين كل قنطرتين سبعون عاما، ~~وعرض [الجسر] كحد السيف مدحضة مزلقة، في الرقة مثل الشعرة، فيسأل الناس ~~[عند أول] قنطرة من الإيمان، فإن جاء به تاما جاز إلى القنطرة الثانية، ~~ثم يسأل عن [الصلوات] الخمس، فإن جاء بها [تامة] جاز إلى (القنطرة) ~~الثالثة، ثم يسأل عن الزكاة، فإن جاء بها تامة جاز إلى الرابعة، ثم يسأل ~~عن صيام رمضان فإن جاء به تاما جاز إلى الخامسة، ثم (يسأل) عن الحج، ثم ~~(يسأل) عن صلة الرحم. # قال نافع (و) الرؤاسي: { إرم } وقف جيد. وهو بعيد لأن { ذات ~~العماد } نعت لما قبلها أو بدل منه. والوقف عند الأخفش وغيره { ~~أهانن }. والاختيار الوقف على " كلا " وهو قول نصير وأحمد بن موسى /. ~~والمعنى: كلا، [لم ms2817 أهنه بتقديري] عليه رزقه. # وقال الفراء: معناه: كلا، لم يكن ينبغي للإنسان أن يقول هذا، ولكن يجب ~~عليه أن يحمد الله على الأمرين جميعا، على الغنى والفقر. # وقوله تعالى: { فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه ~~فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن }. # أي: فأما الإنسان إذا ما امتحنه ربه بالنعم والسعة فرح بذلك، وقال: ربي ~~أكرمني بهذه الكرامة. # وأما إذا ما امتحنه فضيق عليه رزقه وقتره عليه غمه [وقال]: ربي ~~أهانني وأذلني بالفقر، فلم يشكر الله على ما وهب له من سلامة جوارحه. # قال قتادة: { فيقول ربي أهانن } " ما أسرع ما كفر ابن آدم ~~". # وقوله: { كلا }. # هو إنكار من الله أن يكون سبب كرامته من أكرم [كثرة] المال، وسبب إهانته ~~من أهان قلة المال. # قال قتادة معناه: لا أكرم من أكرمت بكثرة المال ولا أهين من أهنت بقلته، ~~ولكن إنما أكرم من أكرمت بتوفيقه إلى [طاعتي]، وأهين من أهنت بخذلانه ~~وارتكاب لمعصيتي. # (ودل على ذلك قوله: { بل لا تكرمون اليتيم * ولا ~~تحآضون على طعام المسكين } إلى { جما } أي: فبهدا ~~أهين من أهنت، لأنه مرتكب لمعصيتي) مخذول ممنوع عن طاعتي. # وقيل: معناه: لم يكن الإنسان أن يحمد الله على النعم دون الفقر، ولكن ~~ينبغي له أن يحمده على الأمرين جميعا، على الغنى والفقر. # والوقف على { أهانن } حسن، وتكون " كلا " في الابتداء بمعنى " حقا ~~" ، أو بمعنى " ألا ". وهو قول الأخفش وأحمد بن موسى. # وأجاز أبو حاتم الوقف على (أهنن) وعلى (كلا). # والوقف عند نصير والفراء على " كلا " ، وهو الاختيار، لأنها عند أهل ~~التفسير رد لما قبلها. (وقد) قال الحسن: " كلا " معناه: ليس يهان أحد ~~بفقر ولا غنى. وقاله قتادة. # وقوله: { بل لا تكرمون اليتيم } أي: بل إنما أهنت من أهنت، ~~لأنه لا يكرم اليتيم ولا يحض الناس ولا نفسه على طعام المسكين. # ثم قال تعالى: { وتأكلون التراث أكلا لما } أي: ~~وأهنتكم لأنكم تأكلون الميراث أكلا شديدا. # { وتحبون المال حبا جما } أي: كثيرا. # قال ابن عباس: { أكلا لما } ، أي: سفا، وجما: شديدا. # وقال الحسن: معنى ms2818 { لما } ، أي: يخلطون الحلال بالحرام. # وقال ابن زيد: { وتأكلون التراث أكلا لما } ، أي: ~~تأكلون كل شيء تجدونه من الميراث وغيره، لا تسألون عنه، يأكل الذي له ~~والذي لصاحبه. # [قال]: كانوا لا [يورثون] النساء ولا [يورثون] الصغار، وقرأ # ويستفتونك في النسآء قل الله يفتيكم فيهن ~~وما يتلى عليكم في الكتب في يتمى النسآء # [النساء: 127]... إلى قوله # عليما # [النساء: 127]. # فقوله: # والمستضعفين من الولدن # [النساء: 127]، يعني: يستضعفوهم [فلا يؤتونهم]. # قال: وقوله: { وتحبون المال حبا جما } , # أي: وتحبون جمع المال واقتناءه حبا كثيرا. # والعرب تقول: " جم الماء في الحوض ": إذا اجتمع وكثر. # ثم قال تعالى: { كلا إذا دكت الأرض دكا دكا }. # الوقف على " كلا " حسن، ومعناه: ليس هكذا ينبغي أن يكون الأمر أن تأكلوا ~~الميراث أكلا شديدا، وتحبوا جمع المال حبا كثيرا. ولا تكرمون اليتيم ~~بالصدقة، ولا تحضون على طعام المسكين. # وقيل: المعنى: لا يغني عنكم جمع المال شيئا. # وقوله تعالى: { إذا دكت الأرض } ، أي: رجت وزلزلت مرة بعد مرة. # قال ابن عباس: هو " تحريكها ". # ثم قال تعالى: { وجآء ربك والملك صفا صفا } أي: ~~والملائكة صفا بعد صف. # وروى شهر بن حوشب عن ابن عباس أنه قال: إذا كان يوم القيامة، مدت الأرض ~~مد الأديم، وزيد في سعتها كذا وكذا، وجمع الخلائق بصعيد واحد، جنهم ~~وإنسهم، فإذا كان [ذلك] اليوم قيضت السماء الدنيا عن أهلها على وجه ~~الأرض، ولأهل هذه السماء وحدهم أكثر من أهل الأرض، جنهم وإنسهم بضعف، ~~[فإذا مروا] على وجه الأرض فزعوا منهم، فيقولون: (أفيكم ربنا؟ فيفزعون من ~~قولهم، فيقولون) سبحان ربنا، ليس فينا وهو آت ثم تقاض السماء الثانية، ~~فأهل السماء الثانية وحدهم أكثر من أهل سماء الدنيا ومن جميع أهل الأرض ~~بضعف جنهم وإنسهم، فإذا مروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض فيقولون: ~~أفيكم ربنا؟ فيفزعون من كلامهم ويقولون: سبحان الله، ليس فينا، وهو آت ثم ~~تقاض السماوات سماء (سماء)، كلما قيضت سماء عن أهلها كانت / أكثر من ~~أهل السماوات التي تحتها ومن جميع أهل الأرض بضعف، فإذا ms2819 مروا على وجه ~~الأرض فزع إليهم أهل الأرض فيقولون، لهم مثل ذلك، ويرجعون إليهم مثل ذلك، ~~حتى [تقاض السماء] السابعة، فلأهل السماء السابعة أكثر من أهل ست سماوات ~~ومن جميع أهل الأرض بضعف، فيجيء الله عز وجل فيهم وجميع الأمم جثي ~~[صفوف]، وينادي مناد: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، ليقم الحمادون لله ~~على كل حال. # قال: فيقومون فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثانية: ستعلمون اليوم من ~~أصحاب الكرم، أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا ~~وطمعا ومما رزقناهم ينفقون؟ فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثالثة: ~~ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، أين الذين كانوا لا تلهيهم تجارة ولا بيع ~~عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب ~~والأبصار؟ فيسرحون إلى الجنة، قال: فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة، عنق من ~~النار فأشرف على الخلائق له عينان تبصران ولسان فصيح فيقول: إني وكلت ~~منكم بثلاثة: بكل جبار عنيد، [فيلتقطهم] من الصفوف لقط الطير حب السمسم ~~فيخنس بهم في جهنم، [ثم] [يخرج] ثانية [فيقول]: إني وكلت منكم بمن آذى ~~الله ورسوله، [فيلتقطهم] [من الصفوف] لقط الطير حب السمسم [فيخنس] بهم في ~~جهنم. قال شهر ابن حوشب: وأحسب أنه ذكر في الثالثة أهل التصاوير ~~[فيلتقطهم] كذلك. قال: فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة، ومن هؤلاء ثلاثة، نشرت ~~الصحف ووضعت الموازين ودعي الخلائق للحساب. # وقال الضحاك: إذا كان يوم القيامة، أمر الله جل ذكره السماء الدنيا ~~بأهلها، فنزل من فيها من الملائكة فأحاطوا بالأرض ومن عليها، ثم الثانية، ~~ثم الثالثة، كذلك إلى السابعة، فصفوا صفا دون صف، ثم ينزل الملك الأعلى، ~~على مجنبته اليسرى جهنم، فإذا رآها أهل الأرض نادوا، فلا يأتون قطرا من ~~أقطار الأرض إلا وجدوا سبعة صفوف من الملائكة، فيرجعون إلى المكان الذي ~~كانوا فيه، فذلك قوله عز وجل: # إني أخاف عليكم يوم التناد * يوم تولون ~~مدبرين # [غافر: 32-33]. # وقرئ بتشديد الدال من ند البعير: إذا فر. # قال: ذلك قوله: { وجآء ربك والملك صفا صفا * وجيء ~~يومئذ ms2820 بجهنم }. وقوله: # يمعشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا.. # [الرحمن: 33] الآية. # وهو قوله: # وانشقت السمآء فهي يومئذ واهية * والملك ~~على أرجآئهآ # [الحاقة: 16-17]. # روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم (قال): # " توقفون موقفا واحدا يوم القيامة مقدار سبعين عاما لا ينظر إليكم ولا ~~يقضى بينكم، فتبكون حتى ينقطع الدمع، ثم تدمعون دما وتبكون حتى يبلغ ذلك ~~منكم [الأذقان] ويلجمكم وتضجون ثم تقولون: [من] يشفع لنا إلى ربنا فيقضي ~~بيننا؟ فيقولون: من أحق بذلك من أبيكم آدم، قبل الله توبته وخلقه بيده ~~ونفخ فيه من روحه وكلمه [قبلا]، فيؤتى آدم، فيطلب ذلك إليه فيأبى، ثم ~~الأنبياء - نبيا - نبيا - كلما جاؤوا نبيا أبى. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حتى يأتونني فإذا جاءوني خرجت حتى ~~أتي الفحص. # قال أبو هريرة رضي الله عنه: يا رسول الله، وما الفحص؟ قال قدام العرش، ~~قال: فأخر ساجدا، قال: فلا أزال ساجدا حتى يبعث الله إلي ملكا فيأخذ ~~بعضدي فيرفعني، فيقول الله جل وعز [لي]: يا محمد، فأقول: نعم، وهو أعلم، ~~فيقول: ما شأنك؟ فأقول: يا رب، وعدتني الشفاعة، فشفعني في خلقك واقض ~~بينهم، فيقول تعالى: قد شفعتك، أنا آتيهم وأقضي بينهم. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأنصرف حتى أقف مع الناس، فبينما نحن ~~وقوف، سمعنا حسا من السماء شديدا، فهالنا، فنزل أهل سماء الدنيا بمثلي ~~من في الأرض من الإنس والجن، حتى إذا دنوا من الأرض، أشرقت الأرض لنورهم، ~~وأخذوا [مصافهم] [فقلنا] (لهم): أفيكم ربنا؟ [فقالوا]: لا، وهو آت. ثم ~~نزل أهل السماء الثانية بمثلي من نزل من الملائكة وبمثل من فيها من الجن ~~والإنس، حتى إذا دنوا من الأرض، أشرقت الأرض لنورهم وأخذوا مصافهم، فقلنا ~~لهم: أفيكم ربنا؟ فقالوا: لا، وهو آت، ثم ينزل أهل السماوات على قدر ذلك ~~من التضعيف، حتى نزل الجبار في ظلل من الغمام والملائكة لهم زجل من ~~تسبيحهم / يقولون: سبحان الملك ذي الملكوت، سبحان رب العرش ذي الجبروت، ~~سبحان الحي الذي لا يموت، سبحان ms2821 الذي يميت الخلائق ولا يموت، سبوح قدوس ~~رب الملائكة والروح، قدوس قدوس سبحان ربنا الأعلى سبحان ذي الجبروت ~~والملكوت والكبرياء والسلطان والعظمة، سبحانه أبدا أبدا، فينزل تعالى ~~جل ذكره يحمل عرشه يومئذ ثمانية، وهم اليوم أربعة أقدامهم على تخوم الأرض ~~السفلى والسماوات إلى حجزهم والعرش إلى مناكبهم. قال: فيضع الله جل ذكره ~~كرسيه حيث شاء من الأرض، ثم ينادي بنداء يسمع الخلائق فيقول: يا [معشر ~~الجن] والإنس [إني] قد أنصت من يوم خلقتكم إلى يومكم هذا، أسمع كلامكم ~~وأبصر أعمالكم، فأنصتوا إلي، فإنما هي صحفكم وأعمالكم تقرأ عليكم، فمن ~~وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا [يلم] إلا نفسه. # قال: ثم يأمر الله جل وعز جهنم فيخرج منها عنق ساطع [مظلم] يقول: { ~~ألم أعهد إليكم يبني ءادم أن لا تعبدوا ~~الشيطان إنه لكم عدو مبين * وأن اعبدوني ~~هذا صراط مستقيم } إلى قوله: { المجرمون } فيتميز ~~الناس ويجثون، [وهي] التي يقول الله تعالى جل ذكره: { وترى كل ~~أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها } إلى { ~~تعملون }. # قال: فيقضي الله جل ثناؤه بين خلقه الجن والإنس والبهائم، فإنه [ليقيد] ~~يومئذ للجماء من ذات القرن، حتى إذا لم تبق تبعة عند واحدة لأخرى، قال ~~الله تعالى: كوني ترابا. فعند ذلك يقول الكافر: يا ليتني كنت ترابا! ~~[قال]: ثم يقضي الله جل ذكره بين الجن والإنس ". # ووقع [التكرير] في (دكا دكا) و (صفا صفا) على معنى: دكا (بعد دكا) ~~[وصفا] بعد صف. # ثم قال تعالى: { وجيء يومئذ بجهنم }. # قال ابن مسعود: " جيء بها تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ~~ملك يقودنها وقاله ابن وائل. # ثم قال تعالى: { وجيء يومئذ بجهنم يومئذ ~~يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى }. # أي: يتذكر تفريطه في الدنيا في طاعة الله، ومن أي وجه له الذكرى في ذلك ~~اليوم وقد حيل بينه وبين العمل. # ثم قال تعالى: { يقول يليتني قدمت لحياتي }. # أي: يتلهف ويتندم فيقول: يا ليتني قدمت في الدنيا عملا صالحا لحياتي ~~هذه التي لا موت ms2822 بعدها فينجيني ذلك العمل من عذاب الله تعالى وسخطه ~~ويقربني من رضوانه وجنته. # فالمعنى: قدمت لآخرتي (التي) هي الحياة الدائمة، دليله قوله: # وإن الدار الآخرة لهي الحيوان # [العنكبوت: 64] أي: لهي الحياة. # وقيل: المعنى قدمت لأحيا،، لأن أهل النار ليسوا بأحياء ولا أموات، ~~بدلالة قوله: # لا يموت فيها ولا يحيى # [طه: 74]. # قال قتادة: " هناكم والله الحياة الطويلة ". # وقال مجاهد: " لحياتي ": " للآخرة ". # وقيل: الكلام بمعنى في والتقدير: يا ليتني قدمت (في حياتي، أي: قدمت ~~العمل الصالح) في حياتي في الدنيا، مثل: # فطلقوهن لعدتهن # [الطلاق: 1]، أي: في عدتهن. # ثم قال تعالى: { فيومئذ لا يعذب عذابه أحد } { ~~ولا يوثق وثاقه أحد }. # من كسر الذال والثاء من { يعذب } و { يوثق } فمعناه: فلا يعذب - ~~ذلك اليوم - أحد مثل عذاب الله لهم ولا يوثق أحد مثل وثاق الله لهم. # وقيل: (معناه: لا يعذب أحد في الدنيا كعذاب الله يومئذ ولا يوثق أحد في ~~الدنيا كوثاقه يومئذ. # ومن فتح ذلك)، فمعناه: فلا يعذب أحد مثلما يعذب الكافر ولا يوثق مثلما ~~يوثق. # وقال الحسن: قد علم الله أن في الدنيا عذابا (و) وثاقا، فقال: فيومئذ ~~لا يعذبه عذابه أحد (في الدنيا) ولا يوثق وثاقه في الدنيا. # ثم قال تعالى: { يأيتها النفس المطمئنة * ارجعي ~~إلى ربك راضية مرضية }. # هذا خبر من الله - جل ذكره - عن قول الملائكة يوم القيامة لأولياء الله، ~~والمعنى: تقول الملائكة لأولياء الله يوم القيامة، يا أيتها النفس التي ~~اطمأنت إلى وعد الله [و] وعيده، فصدقت بذلك في الدنيا. # قال ابن عباس: المطمئنة: " المصدقة " (وقال قتادة: " هو المؤمن، اطمأنت ~~نفسه إلى ما وعد الله " ، وعنه:): المصدقة بما وعد الله. # وقال مجاهد: المطمئنة: الموقنة إن الله ربها، وعنه أيضا. # المطمئنة التي أيقنت بلقاء ربها. # وفي قراءة أبي: " يا أيتها النفس الآمنة ". # [قال الحسن: المطمئنة إذا أراد الله عز وجل قبضها اطمأنت إلى الله ~~سبحانه واطمأن الله سبحانه إليها ورضيت من الله تعالى ورضي عنها فأمر ~~بقبضها وإدخالها الجنة وجعله من عباده الصالحين]، وروي أن ذلك قول ~~[الملائكة] للعبد ms2823 المؤمن عند خروج نفسه [تبشره] برضاء ربه عنه وإعداد ما ~~أعد له من الكرامة عنده. # قال أبو صالح: { ارجعي إلى ربك راضية مرضية } هذا ~~عند الموت { فادخلي في عبادي } هذا يوم القيامة. # وقيل: إنه كله يوم القيامة. وإن [معنى] { ارجعي إلى ربك } ، ~~أي: إلى صاحبك /. وهو قول ابن عباس. # وقال الضحاك: " يأمر الله الأرواح يوم القيامة أن ترجع إلى الأجساد ~~فيأتون الله كما خلقهم أول مرة " فهو على قوله أيضا كله يوم القيامة، ~~وهو اختيار الطبري. # قال عكرمة: { إلى ربك } إلى جسد صاحبك. [وقاله] ابن جبير. # فيكون أيضا كله يوم القيامة وتكون المخاطبة للنفس ودل على ذلك قوله: { ~~وادخلي جنتي } ودخول الجنة لا يكون إلا في القيامة. # وقال الضحاك: إن معنى [فادخلي في عبادي]، [أي: طاعتي]، { وادخلي ~~جنتي } أي: رحمتي فالمخاطبة - على قوله هذا - للإنسان، لا للنفس في ~~المعنى. وإليه يذهب الفراء، ومعناه عنده أن الملائكة تقول لهم إذا أعطوا ~~كتبهم بإيمانهم هذا، (أي): ارجعي إلى ثواب ربك. ### | [90 - سورة البلد] ### || [90.1-10] # قوله تعالى: { لا أقسم بهذا البلد } إلى قوله: { ~~وهديناه النجدين }. # قال الأخفش: " لا " صلة، وأجاز أن تكون بمعنى " ألا ". # وقد قيل: إن " لا " رد لكلامهم. # ثم ابتداء: (أقسم) بهذا البلد، وهو قول مجاهد والمعنى: أقسم يا محمد ~~بهذا البلد الحرام، وهو مكة، وهو قول أكثر المفسرين. # وقيل: " لا " غير زائدة - والمعنى أن الله جل ذكره يقول لنبيه: لا أقسم ~~بهذا البلد بعد خروجك منه. # ثم قال تعالى: { وأنت حل بهذا البلد }. # يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، (أي): وأنت حلال يا محمد بهذا البلد ~~تصنع فيه [ما شئت] من قتل من أردت قتله وأسر من أردت أسره، [ما شئت من ~~ذلك مطلق لك]، يقال: حل وحلال بمعنى. # قال ابن عباس: { وأنت حل بهذا البلد } يعني بذلك النبي ~~صلى الله عليه وسلم، أحل (الله) (له) يوم دخل مكة أن يقتل من شاء ويستحيي ~~من شاء، فقتل ابن خطل يومئذ صبرا وهو آخذ بأستار الكعبة. ولم يحل لأحد ~~من الناس ms2824 بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتل فيها (أحدا). # قال مجاهد: { وأنت حل بهذا البلد } ، أحل لنبيه أن يصنع ~~ما شاء فيها. # [وقال] ابن زيد: لم يكن [بها أحد] حلالا غير النبي صلى الله عليه وسلم، ~~كان كل من كان [بها]. حراما، لم يحل لهم أن يقاتلوا فيها ولا يستحلوا ~~حرمة فأحله الله جل وعز لرسوله، فقال المشركين (فيه). # وقال عطاء: إن الله حرم مكة لم تحل لنبي إلا لنبيكم ساعة من نهار. # ثم قال تعالى: { ووالد وما ولد }. # قال مجاهد: الوالد: آدم عليه السلام، وما ولد: ولده. وهو قول قتادة وأبي ~~صالح والضحاك وسفيان. # وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: " الوالد: الذي [يلد]. # { وما ولد }: العاقر الذي لا يولد له " فهو عام. # وقال أبو عمران الجوني: عنى بذلك إبراهيم عليه السلام وولده. # وعن ابن عباس أيضا أن الوالد: من ولد له، و (ما ولد): ولده. # فهو عام أيضا على هذا القول، كأنه قال: ووالد وولادته، وهذا اختيار ~~الطبري. # ثم قال تعالى: { لقد خلقنا الإنسان في كبد }. # هذا جواب القسم والمعنى: لقد خلقنا ابن آدم من شدة [وعناء] ونصب. # قال قتادة: { في كبد }: في مشقة لا تلقى ابن آدم إلا يكابد أمر ~~الدنيا والآخرة. # قال الحسن: " لم يخلق الله خلقا يكابد ما يكابد ابن آدم وعن ابن عباس ~~أيضا: (في كبد): " في شدة معيشته وحمله وحياته ونبات أسنانه ". # وقال سفيان: { في كبد }: خروج أسنانه. # وعن ابن عباس أيضا: { في كبد }: في انتصابه، خلق معتدل القامة ~~منتصبا. # وعنه قال: خلق ابن آدم مستويا، وخلق كل دابة على أربع. # وقال عبد الله بن شداد: { في كبد }: معتدل القامة. وقاله أبو صالح. # وقال الضحاك: { في كبد }: " خلق منتصبا على رجلين لم تخلق دابة على ~~خلقه ". # وقال الحسن: { في كبد }: يكابد [مضايق] الدنيا وشدائد الآخرة. # وقال مجاهد: { في كبد } ، يكون نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم...، (فلا ~~يزال) في مكابدة. # وقال ابن زيد: { في كبد } في السماء، خلق آدم في السماء. ms2825 # ثم قال تعالى: { أيحسب أن لن يقدر عليه أحد }. # يروى أنها نزلت في رجل [بعينه] من بني جمح كان يدعى [أبا الأشدين]، وكان ~~شديدا قويا. يروى أنه كان يأخذ الأديم فيجعله تحت قدمه ويجذبه (عشرة) ~~حتى يتمزق ولا تزول قدماه، وكان معاديا لرسول الله صلى الله عليه وسلم. # فالمعنى: أيحسب هذا القوي أن لن يقهره أحد؟! فالله غالبه. # ثم قال: { يقول أهلكت مالا لبدا }. # أي: يقول هذا القوي: أنفقت مالا كثيرا في عداوة محمد، وهو كاذب في ~~قوله. # واللبد: الكثير من التلبد، وهو الكثير بعضه على بعض. # قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: اللبد: المال الكثير. # وقرأ أبو جعفر: " لبدا " - ([بالتشديد]) - جعله جمع " لابد ". # فأما من خفف، فإنه جعله جمع " لبدة ". وقيل: هو واحد، " كحطم ". وقرأ / ~~مجاهد: " لبدا " - بضمتين - جعله جمع لبود. # ثم قال تعالى: { أيحسب أن لم يره أحد }. # أي: أيظن هذا القائل (إني) أنفقت مالا كثيرا في عداوة محمد صلى الله ~~عليه وسلم، أن لم يره أحد في حال إنفاقه ما يزعم أنه أنفقه؟! وإنما قال ~~ذلك تندما على أن أنفق. وقيل: قاله افتخارا. # ثم قال تعالى: { ألم نجعل له عينين * ولسانا ~~وشفتين }. # أي: ألم نجعل لهذا القائل: " أهلكت مالا لبدا " ، عينين يبصر بهما حجج ~~الله عليه، ولسانا وشفتين نعمة من الله عليه؟! # قال قتادة: نعم الله متظاهرة عليك، يعرفك بها كيما تشكر. # ثم قال تعالى: { وهديناه النجدين }. # أي: الطريقين: طريق الخير وطريق الشر، كقوله: # إما شاكرا وإما كفورا # [الإنسان: 3]. هذا قول ابن مسعود. # وقال ابن عباس: { النجدين }: الهدى والضلال. وهو معنى قول مجاهد ~~وعكرمة وابن زيد. # وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. # وعن ابن عباس أيضا: { النجدين }: الثديين، [سبيل] اللبن. # وقال الضحاك، وقاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه. # والنجد في اللغة الطريق المرتفع. ### || [90.11-20] # قوله تعالى: { فلا اقتحم العقبة } إلى آخر السورة. # أي: فلم يقتحم، أي: لم يركب هذا القوي الشديد العقبة فيقطعها ويجوزها ~~بالإيمان والعمل الصالح، فهو خاص يراد به العموم. ms2826 # قال ابن عباس: " العقبة جبل في جهنم ". # وقال الحسن: هي عقبة في جهنم. # وقال قتادة: [للنار] عقبة دون الجسر. # وقال كعب: العقبة " [سبعون] درجة في جهنم ". # وقيل: معناه أنه تمثيل يراد به: لم يفعل ما أمر به، ومثل ذلك بالعقبة ~~لصعوبته وصعوبة جواز العقبة. # وقال ابن زيد: { فلا اقتحم العقبة } [أي]: فلم يسلك الطريق ~~الذي فيه النجاة. # ثم قال تعالى: { ومآ أدراك ما العقبة }. # أي: ما [اقتحام] العقبة؟! [أي]: وأي شيء أشعرك يا محمد ما اقتحام ~~العقبة؟! ثم بين ما هو فقال: # { فك رقبة } أي: اقتحامها والنجاة منها هو فك رقبة من الرق ~~[وأسر] العبودية. # قال الحسن: # " ذكر لنا أنه ليس مسلم يعتق رقبة مسلمة إلا كانت فداءه من النار. وسئل ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن الرقاب أيها أعظم أجرا؟ فقال: " أكثرها ~~ثمنا " ". # وقال صلى الله عليه وسلم: # " من أعتق رقبة مؤمنة فهي فداؤه من النار ". # ثم خير أيضا في اقتحام العقبة، [فقال]: # { أو إطعام في يوم ذي مسغبة * يتيما ذا مقربة ~~}. # أي: وهو أيضا أن يطعم في يوم ذي مجاعة يتيما لا أب له من قرابتك ~~والمقربة والقرابة واحد. قال ابن زيد: { ذا مقربة }. " ذا قرابة ". # ثم قال تعالى: { أو مسكينا ذا متربة }. # أي: ذا [لصوق] بالتراب قال مجاهد: { ذا مقربة }: " ليس له مأوى ~~إلا التراب " ، يعني: المسكين المطروح في التراب ليس له شيء يقيه من ~~التراب. # وقيل: معناه: أو مسكينا ذا فقر، من قولهم " ترب الرجل " إذا افتقر. # وعن ابن عباس: { ذا متربة }: كثير الحاجة، وقاله ابن زيد. # وعن ابن عباس أيضا: { ذا متربة }: ذا عيال وكبر سن ليس بينك ~~وبينه قرابة وقاله ابن جبير. # وقال الضحاك: { ذا مقربة } " ذا عيال لاصقين بالأرض من المسكنة ". # وعن ابن عباس: { ذا متربة }: هو الرجل يخرج إلى حاجته ثم يرد وجهه ~~منقلبا إلى بيته يستيقن أن ليس فيه إلا التراب. # وقال سفيان: هم المطروحون في ظهر الطريق، لا بيت لهم. # [يقال]: تربت يد الرجل: إذا افتقر، أي: ليس يحصل في ms2827 يده إلا التراب. # وقوله صلى الله عليه وسلم: # " فعليك بذات الدين تربت يمينك " # ، معناه: افتقرت يمينك إن فاتتك، أي: لا يحصل في يمينك إلا التراب إن ~~[فاتتك]. # ونظيره: " [وللعاهر] الحجر " ، أي: لا يحصل في يد الزاني بأمة على فراش ~~غيره من الولد إلا التراب، أي: لا شيء (له) فيه. # ويقال: أترب الرجل إذا استغنى، أي: صار المال عنده ككثرة التراب. # ويقال: " فلان ترب فلان " ، [أي: ولدا] في وقت واحد فربا على التراب في ~~وقت. ومن هذا، قيل لضلوع الصدر: ترائب، الواحدة: تريبة، لأنها مستوية ~~ليست منحنية كغيرها. # ثم قال تعالى: { ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا ~~بالصبر }. # قيل: " ثم " بمعنى " الواو " ، والمعنى: وكان من الذين آمنوا [بفعله] ~~هذه الخصال. # وقيل: " ثم " على بابها والمعنى: ثم ضم الإيمان إلى هذا الفعل الذي ~~يفعله المسلم وغيره، لأن فك الرقاب وإطعام الطعام شيء يفعله المشرك كما ~~يفعله المسلم، فإذا ضم الإيمان معه كان نافعا [له]. وقيل: المعنى على ~~هذا، و " ثم " بمعنى الواو. # وقيل: المعنى: ثم كان من الذين يؤمنون أن [هذا] نافعهم عند الله. ~~[ففعله] إنما كان وهو مؤمن بالله، ولم يفعله وهو غير مؤمن ثم آمن، إنما ~~فعله وهو مؤمن ثم (آمن) بعد فعله أنه نافعه، " فثم " على بابها، فتقديره: ~~ثم كان من الذين / آمنوا [بنفع] ما يفعلون من البر لهم عند الله. { ~~وتواصوا بالصبر } ، أي: وتواصوا بالدوام على ذلك الفعل (و) ~~على أنه نافعهم عند الله. # وقيل: بالصبر على ما نالهم في ذات الله. # وقال (الفضيل): بالصبر عن معاصي الله، وقيل: معنى { ثم كان من ~~الذين آمنوا }: ثم أخبرهم بهذا. # (ومعنى) الكلام أنك تقول " أحسنت إلى فلان (وفعلت به) ثم هو يذمني " ، ~~فليس إخبارك بذمه لك كان بعد قولك الآن، إنما هو شيء كان قبل إخبارك الآن ~~بما فعلت به من الإحسان، فذمه لك وقع بعد إحسانك إليه و [قبل " إخبارك ~~الآن. # فالإيمان في الآية ثابت قبل فعله ما تقتحم به العقبة وإن كان الإخبار ~~وقع عنه بعد ذكر الاقتحام. ms2828 وقيل: معناه: ثم ثبت على الإيمان، ففعله كان ~~أولا وهو مؤمن، ثم ثبت على الإيمان ولم يبدله. # وقوله: { وتواصوا بالمرحمة }. # قال ابن عباس: " بمرحمة الناس ". # ثم قال: { أولئك أصحاب الميمنة } أي: ذات اليمين في ~~الجنة. # ثم قال تعالى: { والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب ~~المشأمة }. # أي: هم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. # ثم قال تعالى: { عليهم نار مؤصدة }. # قال ابن عباس: { مؤصدة }: " مطبقة " وقاله مجاهد والضحاك وقتادة. # وقال قتادة: أطبقها الله عليهم، فلا ضوء فيها ولا فروج ولا خروج منها ~~آخر الأبد. # والهمز وتركه في " موصدة " لغتان، يقال: آصدت (الباب) وأوصدته، بمعنى: ~~[أطبقته]. # وقوله: # بالوصيد # [الكهف: 18]، يدل على (معنى) أوصدت، ولو كان من آصدت لكان: " بالأصيد. ### | [91 - سورة الشمس] ### || [91.1-15] # قوله تعالى: { والشمس وضحاها } إلى آخرها. # هذا قسم، يقسم ربنا بما شاء. والتقدير: ورب الشمس. # وقوله: { وضحاها } يعني: ونهار الشمس. قاله قتادة والفراء. # وهو اختيار الطبري. # وكذلك قوله: # والضحى # [الضحى: 1]، هو عند الفراء: النهار كله. # وقال مجاهد: وضحاها: " وضوءها ". # والضحى عند العرب إذا طلعت الشمس بعد ذلك. # وهي مؤنثة مقصورة، فإذا ارتفع النهار قيل: الضحاء. فتح الضاد والمد ~~مذكرا. # ثم قال تعالى: { والقمر إذا تلاها }. # أي: إذا اتبع الشمس. وذلك في النصف الأول من الشهر، إذا غربت الشمس ~~تبعها القمر طالعا. هذا قول مجاهد وغيره. # وقال قتادة: { إذا تلاها } ، يعني " صبيحة الهلال، فإذا سقطت الشمس ~~رئي الهلال ". # وقال ابن زيد: (القمر) يتلو الشمس نصف الشهر الأول، وتتلوه النصف الآخر، ~~فأما النصف (الأول فهو يتلوها وتكون أمامه وهو وراءها، فإذا كان النصف) ~~الآخر كان هو أمامها يقدمها، وتليه الشمس. # وقال الفراء: تلاها: أخذ منها. يذهب إلى أن القمر أخذ من ضوء الشمس. # ثم قال تعالى: { والنهار إذا جلاها }. # أي: جلى الشمس بإضاءته. # وقال قتادة: " جلاها ": " إذا غشيها النهار ". # وقال الفراء: إذا جلى الظلمة، أي: أذهبها بضوء، فأضمر الظلمة في { ~~جلاها } ، ولم يجر لها ذكر، وفيه بعد. وقيل: " جلاها " ، أي: جلى ~~الدنيا. # وقيل: جلى الأرض. # ثم قال تعالى: { والليل إذا يغشاها ms2829 }. # أي: والليل إذا يغشى الشمس. وذلك حين [تغيب] فتظلم الآفاق. # ثم قال: { والسمآء وما بناها }. # قال الطبري: " ما " بمعنى " من " ، كما قال تعالى # ووالد وما ولد # [البلد: 3]، فأتت ( " ما " ) في موضع " من " ، أي: ومن ولد، لأنه أقسم ~~بآدم وولده. # وروي عن مجاهد أنه قال: { وما بناها }: الله جل وعز [بنى] السماء. # وقال المبرد: " [ما] " والفعل: مصدر، أي: والسماء [وبنائها]، ومثله في ~~الاختلاف والتقدير: { والأرض وما طحاها }. # (ومعنى): { وما طحاها }: بسطها يمينا وشمالا ومن كل جانب. وقال ~~ابن عباس): " وما خلق فيها " ، " فما " - على هذا - على وجهها، ليست ~~بمعنى " من " ، ولا [هي] - مع الفعل - مصدر، بل بمعنى: " الذي ". # وقال مجاهد: { طحاها } " دحاها ". # وقال ابن زيد وأبو صالح: { طحاها } " بسطها ". وعن ابن عباس أيضا: { ~~طحاها } " قسمها ". # ثم قال تعالى: { ونفس وما سواها }. # أي: ومن سواها، يعني نفسه جل ذكره، لأنه سوى النفس فخلقها فعدل خلقها، ~~ويجوز أن تكون [ما] والفعل مصدرا أي: ونفسي وتسويتها. # ثم قال تعالى: { فألهمها فجورها وتقواها }. # [أي]: فبين لها ما ينبغي أن تأتي [وتذر] من خير أو شر. # وقال ابن عباس: " بين الخير والشر " ، وعنه: " علمها الطاعة والمعصية ". ~~قال مجاهد: { فألهمها }: " عرفها ". # وقال قتادة: / بين لها ذلك وقال الضحاك وسفيان: " بين لها الطاعة ~~والمعصية ". # [وقال] ابن زيد: معناه: " جعل فيها فجورها وتقواها ". # (و) عن النبي عليه السلام: # " من كان الله خلقه لإحدى المنزلين [يهيئه] (لها). يريد السعادة ~~والشقاء، ثم قال صلى الله عليه وسلم: وتصديق ذلك في كتاب الله جل وعز: { ~~ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها } " # وهذا فيه أعظم حجة على القدرية أن كل امرئ ميسر لما قدر عليه قبل أن ~~يخلق، فمن كان قد قضى الله له السعادة يسر إلى عمل أهل السعادة، ومن كان ~~(قد) قضى (الله) له بالشقاء يسر إلى عمل أهل الشقوة، ولا يكون [ذلك منه] ~~ظلما لخلقه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، قد علم قبل خلقهم ما هم ~~عاملون، فخلقهم على ما تقدم من علمه بهم فجاؤوا على مثل ذلك: مؤمن ms2830 وكافر، ~~وشقي وسعيد. # ثم قال تعالى: { قد أفلح من زكاها }. # أي: قد نجا وفاز من زكى نفسه فطهرها ونماها بالإيمان والعمل الصالح، ~~والزكاة أصلها النماء والزيادة. # وهذا جواب القسم على تقدير حذف اللام، أي: لقد أفلح من زكاها، وهو قول ~~الأخفس. # والتمام عنده على { زكاها }. # وقيل: إنه لا تقدير حذف في هذا، وهو جواب القسم بغير لام على التقديم ~~والتأخير، (والتقدير): قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها، والشمس ~~وضحاها، كما تقول: " قد نام زيد، والله، قد خرج الأمير، والله، وهذا قول ~~أبي حاتم. # و (قد) قيل: معنى الآية: قد أفلح من زكى الله نفسه. # قاله ابن زيد وابن أبي طلحة وفيه بعد في العربية، لأنه لا يعود على " من ~~" [شيء] لصلتها، لأن الضمير المرفوع في " زكى ": " الله " ، والهاء ~~للنفس، ويبعد أن تجعل " من " (للنفس، ولكن يجوز ذلك على حيلة، وهي أن ~~تجعل " من " ) للفرقة أو الطائفة ونحوها، فتكون الهاء في " زكاها " تعود ~~على " من " على المعنى، [فيكون المعنى]: قد أفلحت الفرقة التي [طهرها] ~~الله للتوفيق لطاعته. # والأول هو قول عكرمة وقتادة، وهو حسن، لا يحتاج إلى حيلة، يكون الضمير ~~في " زكى " يعود على " من " ، والهاء تعود على النفس والتقدير: قد أفلح ~~الإنسان الذي طهر نفسه بالعمل الصالح. # وقوله تعالى: { وقد خاب من دساها }. # أي: وقد خسر النجاء والفوز من دسى نفسه بالعمل الخبيث والكفر، فوضع منها ~~وأوردها غضب الله. # وقيل: معناه وقد خسر من [دسى] الله نفسه فخذله حتى مات على كفره. # وتكون " من " (أيضا) - على هذا القول - للفرقة أو الطائفة لتعود الهاء ~~على " من ". وأصله: [دسها]، لأنه من دس [ودست]، ولكن أبدل من إحدى ~~السينين ياء، كما قالوا: " قصيت أظفاري " ، بمعنى: قصصت. وكما قالوا: [ ~~" تظنيت هذا الأمر " بمعنى: تظننته]. وكما قال العجاج: # تقضي البازي إذا البازي كسر. # يريد: تقضض البازي، فأبدل من الضاد الثانية ياء، وكسر الأولى لتصح. # وقال آخر: رأت رجلا أيما إذا الشمس عارضت. # (يريد " أما " ، فأبدل من الميم الأولى ياء). # ثم قال تعالى: { كذبت ms2831 ثمود بطغواهآ }. # أي: كذبت ثمود - وهم قوم صالح - بطغيانهم، أي: بعذابهم الذي أوعدهم به ~~صالح. وسمي العذاب طغيانا، لأنه طغى عليهم وعتا فأهلكهم كما قال: # فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية # [الحاقة: 5]. # [أي: بالعذاب الذي اسمه الطاغية]. ودل على ذلك قوله بعد ذلك: # وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية # [الحاقة: 6]، فذكر العذاب الذي عذب به [الإنسان]، وسماه. # قال ابن عباس: اسم العذاب إلى جاء ثمود: الطغوى، (فقال: كذبت ثمود ~~بعذابها، وتقديره: بعذاب) طغواها. # وقال محمد بن كعب القرظي: معناه: كذبت ثمود بعصيتهم الله. فيكون " طغوى ~~" بمعنى: طغيان، وهما مصدران، لكن أتى هنا على [فعلى]، لأنه أشبه برؤوس ~~الآتي. # وعنه أيضا: [أن] معناه: كذبت ثمود بأجمعها. رواه ابن وهب عنه. # ثم قال تعالى: { إذ انبعث أشقاها }. # أي: إذ ثار أشقى ثمود، وهو قدار بن سالف. # وحكى الفراء أن { أشقاها } [لاثنين]، قدار وآخر، وشبهه بقول ~~(الشاعر): # ألا بكر " الناعي " ، [بخير] بني أسد # بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد # فقال " بخير " ، ثم أتى باثنين، وشبهه (بقولهم): " هذان أفضل الناس، ~~وهذان خير الناس. # وفي هذا بعد / لأن ظاهر الخطاب لا يخرج على حده إلا بدليل، ولا دليل في ~~الآية (يدل) على أنهما اثنان. # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في خبر صالح وناقته: # " انتدب لها رجل " # ولم يقل: رجلان. # وقال في خطبة (له) إذا ذكر الناقة والذي عقرها - قال: { إذ انبعث ~~أشقاها } ، انبعث لها رجل عزيز عارم ممنع في رهطه مثل أبي زمعة. # قال قتادة: " إذا انبعث أشقاها " " احيمر ثمود ". # ثم قال تعالى: { فقال لهم رسول الله ناقة الله ~~وسقياها }. # أي: احذروا ناقة الله وسقياها، أي: [لا تؤذوها] ولا تحولوا بينها وبين ~~شربها لكم يوم، ولها يوم. # قال قتادة: " ناقة الله وسقياها " أي: " [قسم] الله الذي قسم لها من هذا ~~الماء ". # قال تعالى: { فكذبوه فعقروها }. # أي: فكذبوا صالحا في الخبر الذي أخبرهم عن الله أن للناقة شرب، يوم، ~~ولهم شرب يوم (معلوم)، وأن الله ينزل بهم نقمته إن عقروها، وذلك أنهم ~~كانوا سلموا للناقة شرب يوم ms2832 ولهم شرب يوم، ثم بدا لهم فكذبوا صالحا في ~~ما قال لهم، وأجمعوا على عقرها ومنعها الشرب، وعن رضاء جميعهم عقرها من ~~عقرها، فلذلك نسب العقر إلى جميعهم (وإن كان عاقرها واحد.، لأنهم لما ~~رضوا بذلك كانوا كالفاعلين له فنسب التكذيب والعقر إلى جميعهم). # ثم قال تعالى: { فدمدم عليهم ربهم بذنبهم ~~فسواها }. # أي: فسوى الدمدمة عليهم جميعا فلم يفلت منهم أحد. ودل " دمدم " على ~~الدمدمة. # وقال الفراء: { فسواها } [أي]: فسوى بينهم العقوبة، فلم يبق منهم ~~أحدا، ومعنى " دمدم ": دمر. وقال الفراء: أرجف. وذنبهم: هو تكذيبهم ~~لصالح وعقرهم للناقة، ووحدة، لأنه مصدر. # قال قتادة: ذكر (لنا) أن أحيمر (ثمود أبى) أن يعقر الناقة حتى بايعه ~~صغيرهم وكبيرهم، وذكرهم وأنثاهم، فلما [اشترك] القوم في عقرها، دمدم الله ~~عليهم بذنبهم فسواها. # وقال الحسن: " لما عقروا الناقة طلبوا فصيلها، فصار في قارة الجبال، ~~فقطع الله عز وجل قلوبهم ". # ثم قال تعالى: { ولا يخاف عقباها }. # أي: فلا يخاف الله تبعة دمدمته عليهم، قال ابن عباس: " لا يخاف الله من ~~أحد تابعة ". # وقال الحسن: ذلك ربنا لا يخاف منهم تبعة فيما صنع بهم. # وهو قول مجاهد. [فالضمير] في " يخاف " لله جل ذكره. # وقال الضحاك: معناه: [فلم يخف الذي عقرها عقبى فعله. # وهو قول السدي. فالضمير في " يخاف " للعاقر. # وقال إبراهيم بن عرفة: من قرأ بالفاء: " فلا يخاف " فالضمير في " يخاف ~~": الله، [لا غيرة]. ومن قرأ: " ولا يخاف " ، بالواو، فالضمير للعاقر. # وقال غيره: يجوز أن يكون لله أيضا على قراءة من [قرأ] بالواو، فإذا ~~جعلته للعاقر لم تقف على { فسواها } ، وإذا جعلته لله، وقفت على { ~~فسواها } ، وكذلك [يقف] على { فسواها } من قرأ بالفاء، لأن ~~الضمير لله جل ذكره. ### | [92 - سورة الليل] ### || [92.1-21] # قوله تعالى: { والليل إذا يغشى } إلى آخرها. # معناه: ورب الليل إذا غشى النهار بظلمته فأذهب ضوءه. # وقيل: المعنى: يغشى كل شيء بظلمته فيصير له كالغشاء. # ثم قال تعالى: { والنهار إذا تجلى }. # أي: (إذا) أضاء وأظهر للأبصار ما أخفته ظلمة الليل. # وكان قتادة يذهب - فيما أقسم ms2833 الله به من الأشياء - أنه إنما أقسم به ~~لعظم حاله عنده. # (ثم قال تعالى): { وما خلق الذكر والأنثى }. # قيل: " ما " بمعنى " من " ، يريد نفسه تعالى جل ذكره. # وقيل: " ما " والفعل مصدر، أي: وخلق الذكر والأنثى. # (وروى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: والذكر والأنثى) ~~بالخفض بغير " ما ". # وأجاز الفراء: وما خلق الذكر والأنثى بالخفض على البدل من " ما ". # وقال الأخفش: " ما " بمعنى " الذي " ، جعلها لمن يعقل. # وروي عن أبي [عمرو] أنه قال: أهل مكة يقولون للرعد: سبحان من سبحت له. # وقوله: { إن سعيكم لشتى } هذا جواب القسم أي: إن عملكم ~~لمختلف أيها الناس، لأن منكم الكافر والمؤمن، والعاصي والمطيع. # وقوله: { فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى ~~} أي: من أعطى في سبيل الله ومرضاته، واتقى الله فاجتنب المعاصي، وصدق ~~بالجنة. قاله مجاهد. # وقال ابن عباس: من أعطي ما عنده من الفضل واتقى ربه. # وقال قتادة: من أعطى حق الله واتقى محارمه. # وقال عباس: - وهو مروي عن مجاهد أيضا -. # { وصدق بالحسنى } أي: وصدق بالخلف من الله جل وعز على نفقته ~~في ذات الله. # وقال الضحاك: { بالحسنى } " ب لا إله إلا الله " وروي ذلك ~~(أيضا) عن ابن عباس، وقاله [أبو] عبد الرحمن السلمي. # وقال قتادة: { وصدق بالحسنى } [أي]: بموعود الله جل وعز على ~~نفقته، فعمل / لذلك الموعود الذي وعده الله. # وروى أبو الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ما من يوم غربت فيه شمسه إلا [وبجنبيها] ملكان يناديان يسمعهما خلق ~~الله كلهم إلا الثقلين - الجن والإنس - يقولان: اللهم عجل لمنفق خلفا، ~~وأعط ممسكا تلفا وأنزل الله جل وعز في ذلك من القرآن: { فأما من ~~أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره ~~لليسرى } ". # (وروى الزبير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ما من صباح يصبح إلا وصارخ يصرخ: أيها الخلائق، سبحوا القدوس ". # وروى أبو ذر) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ما من يوم ولا ليلة ولا ساعة إلا ولله فيها صدقة يمن بها على من يشاء ~~من عباده. ms2834 وما من الله على عبده بمثل أن يلهمه ذكره ". # وروي أنه ما من يوم إلا وهو ينادي: أنا يوم جديد، وأنا عليكم شهيد (ابن ~~آدم)، إني لن [أمر بك] أبدا، فاتق الله واعمل في خيرا. فإذا هو أمسى ~~قال: اللهم لا تردني إلى الدنيا أبدا. # وروي أن هذه الآية (نزلت) في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، روي عن عامر ~~بن عبد الله بن الزبير قال: (كان) أبو بكر (الصديق رضي الله عنه) يعتق ~~على الإسلام بمكة، فكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال له أبوه: أي ~~بني، أراك تعتق أناسا ضعفاء، ولو أنك أعتقت رجالا جلدا يقومون معك ~~ويمنعونك ويدفعون عنك؟ فقال: إني أريد ما عند الله. # قال: فحدثني بعض أهل بيتي أن هذه الآية نزلت فيه: { فأما من ~~أعطى واتقى } الآية. # وروى محمد بن إسحاق أن أبا بكر رضي الله عنه اشترى تسعة كانوا في أيدي ~~المشركين، فأعتقهم لله جل وعز. فأنزل الله: فأما من [أعطى]... الآية. # و (معنى) { لليسرى }: للحال اليسرى، أو [الخلة] اليسرى، وهي العمل ~~بما يرضاها الله. # ثم قال تعالى: { وأما من بخل واستغنى }. # أي: بخل بالنفقة في سبيل الله، واستغنى عن ربه فلم يرغب [في العمل] ~~بطاعته وما يوجب له رضاء ربه. # قال ابن عباس: هو " من أغناه الله [فبخل] بالزكاة. # وقال قتادة: من بخل عن الله واستغنى في نفسه عن ربه. # والاختلاف في { وكذب بالحسنى } على نحو الاختلاف في: { ~~وصدق بالحسنى }. # وقوله: { فسنيسره للعسرى } أي: [للخلة] العسرى في الدنيا، ~~وذلك العمل بالمعاصي. # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: # " كنا في جنازة في بقيع الغرقد، [فأتانا] رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة، فنكس رأسه، فجعل [ينكت] بمخصرته (في ~~الأرض)، ثم قال: ما منكم من نفس منفوسة إلا وقد كتب مكانها من الجنة أو ~~النار [قيل]: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟! فمن كان منا من أهل ~~السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة (ومن كان منا من أهل ms2835 الشقاء فسيصير ~~إلى عمل أهل الشقاء)، فقال صلى الله عليه وسلم: اعملوا، فكل ميسر، أما ~~أهل السعادة [فييسرون] إلى عمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاء [فييسرون] ~~إلى عمل أهل الشقاء، ثم قرأ: { فأما من أعطى واتقى } ~~الآيتين ". # وقال الضحاك: للعسرى: للنار. # والتيسير إنما يكون في الخير، وإنما جاء هنا للشر على معنى: الذي يقوم ~~لهم مقام (التيسير). العسرى: مثل: " فبشرهم بعذاب أليم ". # ومثله ما أنشد سيبويه: # تحية بينهم ضرب وجيع. # وقال الفراء: لما وقع للخير تيسير جاز أن يقع في الشر مثله، ولا يكون ~~ذلك إلا إذا اجتمع الخير والشر. # ثم قال تعالى: { وما يغني عنه ماله إذا تردى } أي: ~~وأي شيء يغني عنه ماله الذي بخل به إذا هلك وتركه. # قال أبو صالح وقتادة: (إذا تردى)، (أي): إذا سقط في النار فهوى فيها. # وقال قتادة: إذا تردى: إذا مات. # ثم قال تعالى: { إن علينا للهدى }. # (أي): إن علينا بيان الحق من الباطل. قال قتادة: على الله بيان حلاله ~~وحرامه، وطاعته ومعصيته. # بمعنى الآية - على قوله -: إن علينا للهدى والضلالة. ولكن ترك ذكر ~~الضلالة [للدلالة] عليه، كما قال: # وسرابيل تقيكم بأسكم # [النحل: 81]، وترك ذكر البرد لدلالة الحر عليه. ومثله ما أنشد سيبويه: # فما أدري إذا [يممت] / وجها # (أريد) الخير أيهما يليني # فحذف الشر لدلالة الخير عليه. فالأشياء تدل على أضدادها وإن لم تذكر ~~الأضداد، والتقدير: أريد الخير وأكره الشر. # وقيل معنى الآية: إن علينا سبيل من [سلك] (سبيل) الهدى. # أي: من أخذ سبيل فعلى الله سبيله، كما قال: # إن ربك لبالمرصاد # [الفجر: 14] و # هذا صراط علي مستقيم # [الحجر: 41]. # وكما قال: # وعلى الله قصد السبيل # [النحل: 9] أي: من أراد الله عز وجل فهو قاصد للسبيل هذا قول الفراء. # وقال في قوله: { وإن لنا للآخرة والأولى } ، أي: (إن) لنا ~~ثواب هذه وثواب هذه. # وقال غيره: معناه: وإن لنا ملك ما في الدنيا والآخرة، نعطي من نشاء ~~ونحرم من نشاء. # والمعنى أنه يوفق من [يشاء] من خلقه إلى طاعته في الدنيا فيكرمه بذلك ms2836 في ~~الآخرة، [ويخذل] من [يشاء] من خلقه عن طاعته في الدنيا، فيهينه بذلك في ~~الآخرة. # ثم قال تعالى: { فأنذرتكم نارا تلظى } أي: أنذرتكم أيها ~~الناس نارا تتوقد وتتوهج، أعدت لمن عصى الله وكفر به. # ثم قال تعالى: { لا يصلاهآ إلا الأشقى } أي: لا يدخلها ويصلى ~~سعيرها إلا الأشقى الذين كذب بآيات الله وأعرض عنها. # كان أبو هريرة يقول: لتدخلن الجنة إلا من أبى: قالوا: يا أبا هريرة، ومن ~~يأبى أن يدخل الجنة؟! فقال: الذي كذب وتولى. # والمرجئة الذين يقولون: " [الإيمان] قول بلا عمل " ، يتعلقون بهذه ~~الآية، وفي تقديرها أقوال، منها: # أن المعنى لا يصليها إلا الأشقى، (و) { الذي كذب وتولى }. # فتكون الواو مضمرة. # حكى المبرد وغيره أن العرب تقول: أكلت خبزا لحما [تمرا]، فيحذفون حرف ~~العطف. # وأنشد أبو زيد: # كيف أصبحت كيف أمسيت # مما يثبت الود في فؤاد الكريم # وإضمار الواو قبيح ليس بكثير في كلام العرب، وفيه نقض للأصول وخروج عن ~~الظاهر. # (وقيل: التقدير: لا يصلاها إلا) الأشقى من الكفار والفساق، ثم أعاد ذكر ~~الكفار - خاصة - تنبيها عليهم، لأنهم أعظم ذنبا من الفساق. # وقيل: التقدير: فأنذرتكم نارا هذه صفتها. # وقيل: التقدير: لا يصلاها إلا) أشقى أهل النار، وأشقاهم: الكفار. فدل ~~هذا على أن غير الكفار يدخلون النار بذنوبهم. # [وقيل: إن النار طبقات وصفوف مختلفة في شدة العذاب وهوله، فأعلمنا الله ~~في هذه الآية أن هذا الصنف من النار التي تتوهج وتتوقد ولا يدخله إلا ~~الذين كذبوا وتولوا عن الإيمان، وثم أصناف من ذلك عذاب النار دون ذلك ~~يدخلها غير هذا الصنف. # وأقل عذاب النار عذاب أليم، أجارنا الله منها]. وقيل: المعنى: لا يخلد ~~فيها إلا الأشقى الذي كذب وتولى، فهذا [للكفار] بإجماع خاصة. وهذا القول ~~أحسن الأقوال عندي. # وقال الفراء: { الذي كذب } معناه: [الذي] قصر عما أمر به، ليس ~~معناه جحد، وهو مثل قوله: # ليس لوقعتها كاذبة # [الواقعة: 2]، أي، تقصير ولا تخلف. # ثم قال تعالى: { وسيجنبها الأتقى } أي: وسيوقى دخول النار ~~وصليها التقي. " فأفعل " في موضع " فعيل ". # ثم وصف ms2837 التقي فقال: { الذى يؤتي ماله يتزكى } أي: يعطي ~~ماله في الدنيا يتطهر بذلك من ذنوبه. # ثم قال: { وما لأحد عنده من نعمة تجزى } أي: وما لأحد ~~من خلق الله عند هذا الذي يعطي ماله يتزكى به [عند الله] من نعمة يجازيه ~~عليها. # أي: ليس يعطي ما يعطي مجازاة لأحد [على] يد له عنده، ولا مكافأة على ~~نعمة سبقت قبله، لكن يعطي ابتغاء وجه ربه الأعلى و " إلا " في هذا المعنى ~~" لكن ". # وقيل: المعنى: وماله عند أحد في ما أنفق من نعمة يلتمس ثوابها، فيكون ~~على القلب. وهذا أحد قولي الفراء. # ومثله قول النابغة: # وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي # [على وعل من ذي المطارة عاقل] # يريد: حتى ما تزيد مخافة وعل (على) مخافتي. وفيه بعد، لأن كتاب الله لا ~~يحمل على القلب إلا إذا لم يكن حمله إلا عليه. # ويروى أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه. # قال ذلك قتادة وابن جبير وغيرهما. # قال هشام بن عروة عن أبيه: أسلم أبو بكر وله أربعون ألفا فأنفقها، ~~فأنزل الله جل ذكره فيه: { الذى يؤتي ماله يتزكى }... إلى ~~قوله: { يرضى }. # قال ابن جبير: أعتق أبو بكر ناسا ستة أو سبعة لم يلتمس منهم جزاء ولا ~~شكورا. منهم: بلال وعامر بن فهيرة. # وقوله: { ولسوف يرضى } أي: [ولسوف] يرضى في الآخرة هذا الذي ~~يؤتي ماله يتزكى. ### | [93 - سورة الضحى] ### || [93.1-11] # قوله تعالى: { والضحى * والليل إذا سجى } إلى آخرها. # أقسم الله جل ذكره بالضحى، وهو النهار كله عند الفراء. # وعند غيره: هو أول (النهار)، قال قتادة: الضحى: " ساعة من ساعات النهار ~~" ، والمعنى: ورب الضحى، وخالق الضحى، ونحوه. # وقوله: { إذا سجى } قال ابن عباس: { سجى }: أقبل. وعنه أيضا: " ~~سجى ": ذهب. # وقال مجاهد: { سجى } استوى. وقال قتادة: { سجى }: " سكن بالخلق ". # وقال الضحاك: { سجى }: استقر وسكن. وهو قول ابن زيد. # ثم قال تعالى: { ما ودعك ربك / وما قلى }. # هذا جواب القسم، أي: ما تركك ربك يا محمد وما أبغضك. # فالمفعول من " قلى " محذوف. # وروي ms2838 أن الوحي أبطأ على النبي صلى الله عليه وسلم فقالت قريش: قد ودع ~~محمدا ربه وقلاه، فأنزل الله جل ذكره: { ما ودعك ربك / وما ~~قلى }. # وروى هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: أبطأ جبريل عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فقالت له خديجة: أحسب ربك قد [قلاك]، فأنزل الله: { والضحى } ~~إلى آخرها. # وقال ابن عباس: أري النبي صلى الله عليه وسلم ما هو مفتوح على أمته، فسر ~~بذلك، فأنزل الله { والضحى } إلى قوله: { ولسوف يعطيك ~~ربك فترضى } (قال) فأعطاه الله ألف قصر في الجنة، ترابها المسك ~~في كل قصر ما ينبغي (له) من الأزواج والخدم. # ثم قال تعالى: { وللآخرة خير لك من الأولى } أي: ولنعيم ~~الآخرة خير لك من نكد (الدنيا). # (ثم) قال تعالى: { ولسوف يعطيك ربك فترضى } أي: ولسوف ~~يعطيك يا محمد ربك في الآخرة من فواضل نعمه حتى ترضى. # قال ابن عباس: عرض على النبي صلى الله عليه وسلم ما هو مفتوح على أمته ~~من بعده، فسر بذلك، فانزل الله: { ولسوف يعطيك ربك ~~فترضى } ، قال: فأعطاه (الله) ألف قصر من لؤلؤ ترابها المسك، وفيها ~~ما يصلحها. # وعن ابن عباس أنه قال: ما رضي محمد صلى الله عليه وسلم أن يدخل أحد من ~~أهل بيته النار. # وروى جابر بن عبد الله # " أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على بنته فاطمة وعليها كساء (من ~~[جلة]) الإبل وهي تطحن بيدها، فلما رآها دمعت عيناه، وقال: يا فاطمة، ~~تعجلي مرارة الدنيا لحلاوة الآخرة، فأنزل الله: { ولسوف يعطيك ~~ربك فترضى } ". # [وروي عن بعض أن النبي صلى الله عليه وسلم [قال]: # " ليس في القرآن أرجى من قوله: { ولسوف يعطيك ربك ~~فترضى } ]، ولا يرضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدخل أحد من ~~أمته النار ". # هذا معنى قوله المروي عنه. # ثم قال تعالى: { ألم يجدك يتيما فآوى }. # أي: كنت يا محمد يتيما في حجر عمك أبي طالب فجعل الله لك مأوى تأوي ~~إليه، ومنزلا تنزله. # وقيل: كنت يتيما فآواك إلى عمك أبي ms2839 طالب. # { ووجدك ضآلا فهدى }. # أي: ووجدك على غير الذي أنت عليه اليوم فهداك (للذي أنت عليه. وقيل: ~~وجدك ضالا عن النبوة فهداك إليها. وقال الفراء: معناه ووجدك في قوم ضلال ~~فهداك) للإيمان. # وقيل: ضالا عن الشريعة. # وقيل: ضالا، أي: منسوبا إلى الضلالة. وقيل: معنى فهدى: فبين أمرك ~~بالبراهين. # ثم قال تعالى: { ووجدك عآئلا فأغنى }. # أي: فقيرا فأغناك، يقال: عال يعيل عيلة: إذا افتقر، وأعال يعيل: إذا ~~كثر عياله. # وفي مصحف عبد الله: " ووجدك عديما فأغنى ". # وهذه كلها نعم من الله على النبي صلى الله عليه وسلم يذكره بها وينبهه ~~على شكرها ويعددها عليه ليذكرها. # ثم قال تعالى: { فأما اليتيم فلا تقهر }. # أي: لا تظلمه فتذهب بحقه استضعافا منك له. # قال قتادة: { فلا تقهر }: فلا تظلم. وفي مصحف عبد الله: " فلا ~~تكهر ". وقال الأخفش: هما لغتان بمعنى، وقال غيره: معنى [تكهر]: لا تشدد ~~عليه. # ثم قال تعالى: { وأما السآئل فلا تنهر }. # أي: وأما من سألك من ذوي الحاجة فلا تنهره، (ولكن أعطه، أو رده ردا ~~جميلا. قال مجاهد: " فلا تنهر ": فلا تغضبه. # [قال الحسن: ليس سائل الطعام والشراب، ولكنه سائل العلم إذا أتاك، فأنزل ~~الله كيف، ليفهم عنك وتفهم عنه]. # ثم قال تعالى: { وأما بنعمة ربك فحدث }. # قال مجاهد: بنعمة ربك فحدث، أي: بالنبوة التي أعطاكها، فاذكره. # قال [أبو نضرة]: " كان المسلمون يرون أن من شكر النعم أن يحدث بها ". # وفي الحديث: # " إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده ". # فالمعنى: وأما بنعمة ربك يا محمد فحدث الناس بها وأظهرها وأحمد الله ~~عليها، فإن ذلك من الشكر، وهو لفظ خاص للنبي صلى الله عليه وسلم، (عام) ~~في جميع أمته. ### | [94 - سورة الشرح] ### || [94.1-8] # قوله تعالى: { ألم نشرح لك صدرك } إلى آخرها. # هذه ألف استفهام في اللفظ ومعناها التوقيف على النعم والآلاء، والمعنى: ~~ألم نلين لك يا محمد صدرك ونوسعه لك للهدى ووعي الحكمة وقبول الإيمان؟ # ومعنى: نشرح: [نفسح] ونوسع. # وروي أنها [لما] نزلت قيل: # " يا رسول الله، أينشرح الصدر؟ قال: ms2840 نعم / [وينفسح]. قالوا: يا رسول ~~الله، ألذلك علامة؟ قال: نعم، التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار ~~الخلود، والإعداد للموت قبل نزول الفوت ". # والصدر محل العلم والقرآن، بدليل قوله: # بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم # [العنكبوت: 49]. والمراد به القلب، لأنه وعاء الفهم (والعلم). ولكن ذكر ~~الصدر لقربه من القلب وامتزاجه به. # ثم قال تعالى: { ووضعنا عنك وزرك }. # أي: وغفرنا لك ما سلف من ذنبك، فحططنا عنك ثقل آثام الجاهلية. # وفي قراءة عبد الله: وحللنا عنك ذنبك. # { الذي أنقض ظهرك } أي: [أثقل] ظهرك وأوهنه. # قال قتادة: كانت للنبي صلى الله عليه وسلم ذنوب أثقلته، فغفرها الله عز ~~وجل له، يعني بذلك: ما كان قبل أن ينبأ. # وهو قول ابن زيد. # ثم قال تعالى: { ورفعنا لك ذكرك }. # أي: لا أذكر إلا ذكرت معي. وذلك قول المؤمنين: لا إله إلا الله، محمد ~~رسول الله. # قال مجاهد: (وهو) قول المؤذن: أشهد أن لا إله [إلا الله]، وأشهد أن ~~محمدا رسول الله. # وقال قتادة: ورفعنا لك ذكرك في الدنيا والآخرة، فليس خطيب ولا متشهد ولا ~~صاحب صلاة إلا يقول: أشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. # وروى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أتاني جبريل [عليه] السلام فقال: إن ربي وربك يقول: كيف رفعت (ذكرك)؟ ~~قال: الله (أعلم، (قال): إذا ذكرت ذكرت معي ". # ثم قال تعالى: { فإن مع العسر يسرا }. # أي: فإن مع الشدة التي) أنت فيها من جهاد قومك رخاء وفرجا بأن يظفرك ~~الله بهم حتى ينقادوا إلى الحق أو السيف. # ولما نزلت هذه الآية، بشر النبي صلى الله عليه وسلم (بها) أصحابه وقال: ~~لن يغلب عسر يسرين. # قال الحسن: " قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: # " أبشروا، أتاكم اليسر، لن يغلب عسر يسرين ". # قال ابن مسعود: " لو دخل العسر في جحر لجاء اليسر حتى يدخل عليه " ، ثم ~~قرأ الآية. # وإنما كان هذا، لأن العسر (الأول بالألف واللام، ثم كرر كذلك، فهو ~~واليسر نكرة، فلما كرر ms2841 كان الثاني غير الأول، فصار العسر) واحدا، واليسر ~~يسرين. # وقد قيل: إن معنى التكرير التوكيد. # وقيل: الأول للحال، والثاني للاستقبال. # ثم قال: { فإذا فرغت فانصب * وإلى ربك فارغب }. # قال ابن عباس: معناه: فإذا فرغت من صلاتك فارغب إلى ربك في الدعاء، ~~وانصب إليه. # وقال مجاهد: معناه: فإذا قمت إلى صلاتك فانصب في حاجتك إلى ربك. # وقال الضحاك: فإذا فرغت من صلاتك المكتوبة قبل أن تسلم فانصب. # [وقال] قتادة: أمره تعالى إذا فرغ من صلاته أن يبالغ في دعائه. # وقال الحسن: معناه: إن الله أمر نبيه إذا فرغ من جهاد عدوه أن يجتهد في ~~الدعاء والعبادة. وهو قول ابن زيد. # وعن مجاهد أن معناه: فإذا فرغت من أمر دنياك فانصب في عبادة ربك. # وقال ابن مسعود: فانصب في قيام الليل. فيكون هذا على قوله - منسوخا بما ~~نسخ قيام الليل. # وقوله: { وإلى ربك فارغب } أي: واجعل رغبتك إلى ربك دون من ~~سواه من خلقه. # وعن مجاهد: " وإلى ربك فارغب " ، أي: " إذا قمت إلى الصلاة ". # وقيل: معنى الآية: إذا فرغت من فرائضك فانصب في النوافل " وارغب " إلى ~~ربك دون غيره. ### | [95 - سورة التين] ### || [95.1-8] # قوله: { والتين والزيتون }... إلى آخرها. # قال الحسن: هو تينكم هذا الذي يؤكل، وزيتونكم الذي يعصر. # وهو قول عكرمة ومجاهد، وهو اختيار الطبري. # وقال كعب الأحبار: التين مسجد دمشق، والزيتون بيت المقدس. # وهو قول ابن زيد. # وقال قتادة: التين: الجبل الذي عليه دمشق، والزيتون: [(الجبل) الذي ~~عليه] بيت المقدس. # وعن ابن عباس أن " التين مسجد نوح، والزيتون مسجد (بيت المقدس " ). # وعن عكرمة أنهما جبلان بالشام. # وقال محمد بن كعب: التين: مسجد أصحاب الكهف، والزيتون: مسجد) إيلياء. # والتقدير على جميع هذه الأقوال: ورب التين والزيتون. # وقوله: { وطور سينين }. # قال قتادة: طور سينين: مسجد عيسى عليه السلام. # وقال ابن عباس والحسن: هو الجبل، وهو الطور. # وقال عكرمة: الطور: الجبل، و " سينين ": حسن في لغة الحبشة. # وقال مجاهد: هو جبل. وكذلك روي عن عمر رضي الله عنه. # وعن مجاهد أن " الطور " جبل، و ms2842 " سينين ": مبارك حسن. # وقاله قتادة: وقال: هو " جبل بالشام، مبارك حسن ". # ويلزم على هذا التأويل / أن ينون طور، [لأنه لا يضاف إلى نعته]. # وقيل: { سينين } هو قوله: " طور سيناء " أتى بلغتين. # والعرب تغير الأسماء الأعجمية. # والطور في اللغة جبل نو النبات، فيكون قد أضيف إلى سنين للتعريف. # [وبعيد] أن يكون " سينين " نعتا ل " طور ". # وكان الأخفش يقول: " طور ": الجبل، " وسينين ": شجر، [واحده: سينينة]. # فكأنه قال: وجبل شجر. # ثم قال تعالى: { وهذا البلد الأمين }. # يعني: مكة، والأمين: بمعنى الأمن، أي: الأمن من أعدائه أن يحاربوا أهله ~~(فيه) أو يغزوهم. وهو قوله: # أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا # [العنكبوت: 67]. # ثم قال: { لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم }. # هذا جواب القسم، والمعنى: لقد خلقنا الإنسان في أعدل خلق وأحسن صورة. # وقيل: معناه: بلغنا به بعد خلقه استواء شبابه وقوته. # وذلك أحسن ما يكون، وأعدل ما يكون، وأقوى ما يكون. # وقال عكرمة: { في أحسن تقويم } هو " الشاب القوي الجلد ". # وقيل: يعني بالإنسان (ها) هنا (آدم) في أحسن صورة. # { ثم رددناه أسفل سافلين } يعني: الكافر من ولده. # وعن ابن عباس أن معناه أنه خلق معتدلا مقوما، وليس شيء من الحيوان إلا ~~خلق منكبا على وجهه إلا الإنسان. وتقدير الكلام: لقد خلقنا الإنسان في ~~تقويم أحسن تقويم، ثم حذف الموصوف وقامت الصفة مقامه. # ثم قال: { ثم رددناه أسفل سافلين } أي: إلى أرذل العمر ~~من الكبر. [قاله] قتادة والضحاك والنخعي. # وروي أنها نزلت في نفر (كبروا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم) ~~فسفهت عقولهم، فسئل عنهم النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله فيهم: { ~~إلا الذين ءامنوا وعملوا الصلحت فلهم أجر ~~غير ممنون }. # أي: لهم أجرهم [الذي] عملوا قبل أن تذهب عقولهم، ومثله جار عليهم بعد ~~ذهاب عقولهم. # وقال أبو العالية: معناه: ثم رددناه إلى النار في أقبح صورة، في صورة ~~خنزير. وهو قول مجاهد: والحسن وابن زيد. ويكون الاستثناء على هذا القول ~~معناه: إلا الذين آمنوا فلهم الجنة. # والإنسان: اسم للجنس، فلذلك وقع الاستثناء ms2843 منه. ويدل على أنه بمعنى ~~الجماعة قوله: { أسفل سافلين } ولو أريد به الواحد لقال: " أسفل ~~سافل ". تقول: " هذا أفضل قائم " ، ولا تقول: " أفضل قائمين " ، لأن ~~المشار إليه واحد. ولو قلت: " هؤلاء أفضل قائمين " حسن، لأن الأول جمع. # وقال عكرمة: { أسفل سافلين }: أرذل العمر، لكنه قال: من قرأ ~~القرآن لم يرد إلى أرذل العمر. يريد: إذا قرأه وهو كبير هرم، فلم يرد إلى ~~أرذل العمر. واستدل على ذلك بقوله تعالى: # لكي لا يعلم بعد علم شيئا # [النحل: 70]. ومن قرأ القرآن فهو عالم بأشياء، فيكون قوله: " أسفل ~~السافلين " على هذا القول الخاص من الناس. ولذلك، استثنى منهم الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات، فإنهم لا يردون إلى أرذل العمر وإن كبروا وهرموا. # وقيل: إن قوله: { إلا الذين ءامنوا } استثناء منقطع، بدلالة ~~حسن " أن " مع " إلا " وتقديره: إلا (أن) الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~لهم أجر غير ممنون بعد أن [يردوا] (إلى) أرذل العمر، أي: أجرهم جار عليهم ~~على مثال أعمالهم في صحتهم. # قال ابن عباس: { إلا الذين ءامنوا وعملوا الصلحت ~~} الآية: # هو إذا كان الرجل يعمل بطاعة الله جل وعز في شبابه كله ثم كبر حتى ذهب ~~عقله، كتب له مثل عمله الصالح الذي كان يعمل في شبيبته، ولم يؤاخذ بشيء ~~مما عمل في كبره وذهاب عقله من أجل أنه مؤمن كان يطيع الله في صحته ~~وشبيبته. # وقال إبراهيم: إذا بلغ المؤمن أرذل العمر، كتب له أحسن ما كان يعمل في ~~شبابه وصحته، فهو قوله: { فلهم أجر غير ممنون }. # وقال ابن عباس أيضا: معناه: إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فإنهم ~~تكتب لهم حسناتهم ويتجاوز عن سيئاتهم، وقال: هم الذين أدركهم الكبر. لا ~~يؤاخذون بعمل عملوه في كبرهم وهم لا يعقلون. # وروي في معنى هذا الاستثناء أن العبد إذا كان في شبابه كثير فعل الخير، ~~ثم كبر وضعف عما كان يعمل، أجرى الله أجر ذلك العمل عليه تفضلا منه. # ومعنى: { غير ممنون }: غير منقطع. # وقيل: معناه لا يمن بذلك عليهم. # والأول أحسن. # وقال عكرمة: يوفيهم الله ms2844 أجرهم ولا يؤاخذهم إذا ردوا إلى أرذل العمر. # وقال قتادة: معناه: أن من أدركه الكبر والهرم وكان يعمل عملا صالحا، ~~كان له مثل أجره. # وقال ابن عباس: { غير ممنون }: غير منقوص. # وقال مجاهد وإبراهيم: " غير [محسوب] ". وقيل: غير مقطوع. # وقيل: لا يمن عليهم (به). # ثم قال تعالى: / { فما يكذبك بعد بالدين }. # قال الفراء والأخفش: " ما " بمعنى " من " ، والتقدير: فمن يكذبك يا محمد ~~بالجزاء والبعث بعد هذه الحجج والبراهين والآيات؟! وهو اختيار الطبري. ~~كأنه قال: فمن يقدر على تكذيبك - يا محمد - [بأن] الناس يدانون بأعمالهم ~~ويجازون ويحاسبون.؟! # وقيل: " ما " على بابها. والمعنى: فما شيء يكذبك أيها المكذب؟! # أي: فأي شيء يحملك على التكذيب بالجزاء والبعث بعد ظهور الآيات ~~والبراهين؟! فيكون " يكذب - على هذين القولين - لغير النبي صلى الله عليه ~~وسلم. وهو قول مجاهد، وغيره. # وقال قتادة: عني به النبي صلى الله عليه وسلم، وهو معنى القول الأول أنه ~~خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، ومعناه: استيقن - مع ما جاءك من الله من ~~البيان - أني الله أحكم الحاكمين. # قال ابن عباس: (معناه): أليس الله - يا محمد - بأحكم من حكم؟! # قال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله عليه السلام كان إذا قرأ هذا قال: بلى، ~~وأنا على ذلك من الشاهدين، ويقول " بلى " في آخر القيامة، ويقول في آخر " ~~والمرسلات ": آمنت بالله وبما أنزل. # وقال بن جبير: كان يقول: " سبحانك اللهم، وبلى " في آخر " والتين ". ### | [96 - سورة العلق] ### || [96.1-19] # قوله: { اقرأ باسم ربك } إلى آخر السورة. # أي: اقرأ يا محمد بذكر ربك الذي خلق - ثم بين ما خلق، فقال: { خلق ~~الإنسان من علق }. # أي: من الدم والمراد: من علقة. " وعلق " جمع " علقة " ، فجمع: لأن ~~الإنسان بمعنى الجماعة. ومعنى الباء اللزوم، أي: الزم القراءة بذكر ربك. # ثم قال: { اقرأ وربك الأكرم } أي: الأكرم من كل شيء. # روى الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: # " أول ما ابتدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي: الرؤيا ~~[الصادقة]، كانت تجيء مثل فلق ms2845 الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان بحراء ~~يتحنث فيه الليالي ذوات العدد قبل أن يرجع إلى ~~أهله فيتزود لمثلها حتى [فجئه] الحق فأتاه، ~~فقال: يا محمد، أنت رسول الله. قال رسول الله: فجثوت ~~لركبتي وأنا قائم ثم رجعت يرجف فؤادي، ثم ~~دخلت - يريد على خديجة - فقلت: زملوني، زملوني، حتى ذهب ~~عني الروع ثم أتاني فقال: يا محمد، أنت رسول الله. (قال): فلقد هممت أن ~~أطرح نفسي من حالق من جبل، فتبدى لي حين هممت بذلك فقال: يا محمد، أنا ~~جبرائيل، وأنت رسول الله، ثم قال: اقرأ. قلت: ما أقرأ؟ # فأخذني [فغطني] ثلاث مرات حتى بلغ مني الجهد، ثم قال: { اقرأ باسم ~~ربك الذي خلق } فقرأت، فأتيت خديجة فقلت: لقد أشفقت على نفسي، ~~وأخبرتها خبري، فقالت: أبشر، فوالله لا يحزنك الله أبدا. والله إنك لتصل ~~الرحم، وتصدق الحديث، وتؤدي الأمانة، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتصبر على ~~نوائب الحق. قال: ثم انطلقت بي خديجة إلى ورقة بن نفل بن أسد فقالت: اسمع ~~من ابن أخيك. فسألني، فأخبرته خبري. فقال: هذا الناموس الذي أنزل على ~~موسى ابن عمران. ليتني أكون فيها [جذعا]، ليتني أكون حيا [حين] يخرجك ~~قومك. قلت: [أمخرجي هم]؟! قال: نعم، إنه لم يجيء رجل قط بما جئت به إلا ~~عودي. ولئن أدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا. ثم كان أول ما أنزل علي من ~~القرآن - بعد " أقرأ " - { [ن] والقلم وما يسطرون * مآ ~~أنت بنعمة ربك بمجنون }. حتى قرأ (إلى) { فستبصر ~~ويبصرون } ، (و) { يأيها المدثر * قم فأنذر }. # { والضحى * والليل إذا سجى } ". # قال مجاهد وعطاء بن يسار وعبيد بن عمير وأبو رجاء [العطاردي]: أول ما ~~نزل على النبي صلى الله عليه وسلم: { اقرأ باسم ربك الذي ~~خلق } ، كقول عائشة رضي الله عنها. # والرواية أنه إنما عليه من { اقرأ باسم ربك } إلى قوله { ~~علم الإنسان ما لم يعلم } ، ثم نزل باقيها بعد: # يأيها المدثر # [المدثر: 1] و # يأيها المزمل # [المزمل: 1]. # وقوله: { الذى علم بالقلم } أي: علم خلقه الكتاب والخط. # قال قتادة: القلم نعمة من الله ms2846 جل وعز عظيمة، لولا ذلك لم يتم أمر ولم ~~يصلح عيش. # ثم قال: { علم الإنسان ما لم يعلم } أي: علمه الخط بالقلم ~~وغيره، ولم يكن يعلمه. # ثم قال: { كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى ~~}. # قيل: " كلا " ردع ورد، ومعناها: ما هكذا ينبغي أن يكون الإنسان! [ينعم] ~~عليه ربه بتسويته خلقه وتعليمه ما لم يكن يعلم ثم يكفر به! # ثم بين كفره من أين أتاه، فقال: { كلا إن الإنسان ليطغى * ~~أن رآه استغنى }. # أي: إن الإنسان إذا أحس بالغنى طغى واستكبر وكفر. فيوقف على " كلا " ~~[على] هذا التأويل. # قال ابن مسعود: منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب دنيا. # فأما طالب العلم فيزداد خيفة. قال الله /: # إنما يخشى الله من عباده العلماء # [فاطر: 28]، وأما طالب الدنيا فيزداد طغيانا. قال الله: { كلا إن ~~الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى }. # ويجوز أن [يكون] " كلا " بمعنى: " ألا " ، فيبتدأ بها لأن المعنى الذي ~~يكون ردا له لم يظهر لفظه في الآية، [فيبعد] أن [تكون] ردا لما (لم) ينص ~~قبلها. # [ " ورأى " ] هاهنا من رؤية القلب، دل على ذلك [تعدي] [الضمير] إلى ~~المضمر، ولو كان من رؤية العين لم يجز " رآه " ، والفاعل هو المفعول. # وإنما كان يقال: " رأى نفسه " ، " كضرب نفسه ". والمفعول الثاني [ " ~~لرأى " ]: " استغنى ". # ثم قال تعالى: { إن إلى ربك الرجعى }. # أي: إن إلى ربك - يا محمد - مرجع هذا الإنسان، فذائق من أليم عقابه ما ~~لا طاقة لا به. # ثم قال: { أرأيت الذي ينهى * عبدا إذا صلى }. # روي أن هذه الآية نزلت في أبي جهل بن هشام، وذلك أنه قال: لئن رأيت ~~[محمدا] يصلي عند المقام لأطأن رقبته. وكان ينهى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن يطي. # فالمعنى: أرأيت يا محمد أبا جهل الذي ينهاك عن الصلاة؟! يعجب نبيه من ~~جهل أبي جهل وجرأته. هذا معنى قول ابن عباس ومجاهد وقتادة. # قال قتادة: كان يقال: لكل أمة فرعون وفرعون هذه الأمة أبو جهل. # والجواب محذوف (لعلم [السامع]. فالمعنى والتقدير: أرأيت، يا محمد، الذي ~~ينهى عبدا إذا ms2847 صلى، أمصيب هو، أم هو آمن من العقوبة؟! # والمعنى عند سيبويه: أخبروني عن هذا. # وقوله: { أرأيت إن كان على الهدى * أو أمر ~~بالتقوى }. # أي: أرأيت إن كان محمد على الهدى والرشاد في صلاته لربه، أليس الناهي ~~هالكا ملعونا؟! # ثم قال تعالى: { أو أمر بالتقوى }. # أي: أو أمر محمد هذا الذي ينهاه عن الصلاة [بالتقوى] فلم يقبل منه، أليس ~~هو مالكا ملعونا؟! # ثم قال تعالى: { أرأيت إن كذب وتولى }. # أي: إن كذب أبو جهل بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وأعرض عنه وأدبر ~~فلم يصدقه. # { ألم يعلم بأن الله يرى }. # [أي: ألم يعلم] أبو جهل بأن الله يراه فيما صنع من نهيه عن الصلاة ~~وتكذيبه وإعراضه عما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فيخاف أن تنزل به ~~عقوبة من الله؟! # ثم قال تعالى: { كلا لئن لم ينته }. # قيل: " كلا " رد وردع، والمعنى: لا يتهيأ لأبي جهل أن يتم له نهي النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن صلاته وعبادته ربه. # وقال الطبري: المعنى: ليس الأمر كما يقول إنه يطأ عنق النبي صلى الله ~~عليه وسلم، أي: لا يقدر على ذلك ولا يصل إليه، فيوقف على " كلا " على ~~تقدير التقديرين. # ويجوز أن تكون " كلا " بمعنى " حقا ". وبمعنى " ألا " ، فيبتدأ بها، إذ ~~ليس قبلها لفظ ظاهر تكون ردا له، وإنما يحسن الوقوف عليها إذا كان قبلها ~~لفظ منصوص يحسن أن يكون ردا له. والوقف عند القتبي على " كلا " ، وعند ~~أبي حاتم: " يرى " ، وهو الوجه الظاهر. # وقوله: { لئن لم ينته } تهدد ووعيد، أي: لئن لم ينته أبو جهل عن ~~أذى محمد { لنسفعا بالناصية } أي: [لنأخذن] بمقدم رأسه ~~فلنقهرنه (ولنذلنه). # يقال: سفعت بيده، إذا أخذت بها. # وقيل: معناه: لنسودن وجهه، فاكتفى بذكر الناصية من الوجه، إذا كانت ~~الناصية في مقدم الوجه. # وقيل: معناه: لنأخذن بناصيته إلى النار، كما قال تعالى: # فيؤخذ بالنواصي والأقدام # [الرحمن: 41]. # [واللام] في " لئن ": لام توطئة للقسم، وهي من [لامات] التأكيد. # [واللام] في " لنسفعا ": لام قسم. # ومعنى " توطئة " أنها تؤذن ms2848 بإتيان القسم بعدها. # ثم قال تعالى: { ناصية كاذبة خاطئة } أي: كاذب صاحبها خاطئ، ~~وهي بدل من الأول. # ثم قال تعالى: { فليدع ناديه }. # أي: فليدع أبو جهل أهل مجلسه وأنصاره وعشيرته لنصرته. # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم [انتهر أبا] جهل لما نهاه) عن الصلاة، ~~فقال أبو جهل: علام يتوعدني محمد وأنا أكثر أهل الوادي ناديا؟! فأنزل ~~الله: { فليدع ناديه } ، أي: أهل ناديه، فإن دعاهم { سندع ~~الزبانية } (لهم). قال ابن عباس: لو دعا ناديه لأخذته زبانية ~~العذاب من ساعته. # قال أبو هريرة: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ # فقيل: نعم، فقال: واللات والعزى، لئن رأيته يصلي كذلك لأطأن على رقبته. ~~قال: فما [فجئهم] منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه. # قال: [فقيل له: ما لك]؟! قال: إن بيني وبينه خندقا من نار [وهؤلاء]. # قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو دنا مني لاختطفته الملائكة ~~عضوا عضوا. # قال ابن عباس: { فليدع ناديه } ، أي: " ناصره ". # وقال قتادة: عشيرته. # والنادي والندي: المجلس. # / والزبانية: ملائكة، وهم عند العرب الشرط، وهو مشتق من " زبنه " إذا ~~دفعه، كأنهم يدفعون الكفار إلى النار. وواحد الزبانية عند أبي عبيدة: ~~زبنية. # وقال عيسى بن عمر واحدهم: زابن. # وقال الأخفش: واحدهم: زباني. # وقال الكسائي: واحدهم: زبني. # قال عبد الله بن أبي الهذيل: " الزبانية: أرجلهم في الأرض ورؤوسهم في ~~السماء ". # ثم قال: { كلا لا تطعه }. # أي: ليس الأمر على ما يقول أبو جهل في نهيه إياك يا محمد عن الصلاة ~~وطاعة ربك، لا تطعه فيما أمرك به واسجد لربك واقترب منه بالدعاء والعمل ~~الصالح في السجود. # وفي الحديث: # " أقرب ما يكون العبد من ربه إذا كان ساجدا، (فأكثروا من الدعاء في ~~السجود، فقمن أن يستجاب لكم ". # قال مجاهد: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)، ألم تسمعوا إلى قوله: ~~{ واسجد واقترب }. # ويجوز أن تكون " كلا " بمعنى: " حقا " ، وبمعنى: " ألا " فيبتدأ بها. ~~وروى ابن وهب عن رجاله أن أبا جهل كان يقول: لئن رأيت محمدا ms2849 يصلي لأطأن ~~على رقبته، فأمر الله نبيه بالسجود، فقال: { واسجد } ، وقال لأبي ~~جهل: " واقترب " ، على طريق التهدد، أي: اقترب من محمد إن كنت صادقا في ~~قولك: فقيل لأبي جهل: هذا محمد يسجد، فاقترب منه! فقال: ما أستطيعه، إن ~~بيني وبينه كالفحل، لو اقترتب منه لأهلكني. # هذه رواية ابن وهب، وفيها زيادة تفسير لما روي، وفيها بعض اختصار. ### | [97 - سورة القدر] ### || [97.1-5] # قوله تعالى: { إنا أنزلناه في ليلة القدر } إلى آخرها. # أي: إنا أنزلنا القرآن إلى السماء الدنيا جملة [واحدة] في ليلة القدر. ~~فهذا إضمار لم يتقدم له ذكر في السورة، لأنه قد (عرف)، وقيل: إنما جاز ~~ذلك، لأن القرآن كله كالسورة الواحدة. # وقيل: الهاء تعود على المنزل، ودل " أنزلنا " على المنزل، والمنزل هو ~~القرآن. # وليلة القدر [ليلة] الحكم التي يقضي الله جل وعز فيها قضاء (السنة)، ~~والقدر: مصدر [قدر] الله خيرا فهو يقدره قدرا. # يقال: ليلة القدر والقدر، والتقى القوم على قدر وعلى قدر، وهذا قدر الله ~~وقدره. # وسميت ليلة القدر لتقدير الله فيها ما شاء من أمره. # قال ابن عباس: نزل القرآن كله جملة واحدة في ليلة القدر في رمضان على ~~السماء الدنيا، فكان الله - جل وعز - إذا أراد أن يحدث في الأرض شيئا ~~أنزل منه حتى جمعه، وقال الشعبي وابن جبير. # (قال مجاهد: { ليلة القدر }: ليلة الحكم ". # قال ابن جبير: " يؤذن للحاج في ليلة القدر، فيكتبون بأسمائهم وأسماء ~~آبائهم، فلا يغادر منهم أحد ولا يزاد فيهم ولا ينقص منهم ". # قال رجل للحسن: أرأيت ليلة القدر، أفي كل رمضان؟ فقال: نعم، والذي لا ~~إله إلا هو، إنها لفي كل رمضان، وإنها لليلة يفرق فيها كل أمر حكيم، فيها ~~يقتضي الله عز وجل كل أجل وكل عمل ورزق وخلق إلى مثلها. # وقيل: إنما سميت " ليلة القدر " على معنى ليلة الجلالة والتعظيم، من ~~قولهم: لفلان قدر. # وقد [تواترت] الأخبار أنها في العشر الأواخر من رمضان، أخفاها الله عز ~~وجل في العشر [ولم يعينها النبي صلى الله عليه وسلم] لئلا يفرط الناس ms2850 في ~~العمل في غيرها والاجتهاد ويتكلوا على فضل العمل فيها. فهي أبدا في ليلة ~~من العشر الأواخر من رمضان. وهي تختلف، فتكون مرة في [ليلة] سبع، ومرة في ~~ليلة غيرها. # روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " رأيت ليلة القدر، ثم أيقظني بعض أهلي فنسيتها، فالتمسوها في العشر ~~الأواخر ". # (وعنه صلى الله عليه وسلم: # " فالتمسوها في العشر الأواخر " # )، وفي الوتر منها، أو في السبع البواقي " شك الراوي. # وروى ابن عباس عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إلتمسوها في العشر الأواخر من رمضان، في تاسعة ~~تبقى، أو سابعة تبقى، أو خامسة تبقى ". # وقال عبادة بن الصامت: # " خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يريد أن يخبرنا بليلة ~~القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين، فقال رسول الله: " إني خرجت إليكم وأنا ~~أريد أن أخبركم [بليلة] القدر، فكان بين فلان وفلان لحاء فرفعت، وعسى أن ~~يكون خيرا، فالتمسوها في العشر الأواخر في الخامسة والسابعة والتاسعة " ~~". # وقال أبو سعيد الخدري: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الوسط من رمضان، فاعتكف ~~عاما حتى إذا كانت ليلة إحدى وعشرين، وهي التي يخرج فيها من اعتكافه، ~~قال: من اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر، فقد رأيت هذه الليلة ثم ~~أنسيتها. وقد [رأيتني] أسجد من صبيحتها في ماء / وطين، فالتمسوها في ~~العشر الأواخر، والتمسوها في كل وتر. قال أبو سعيد: فمطرت السماء من تلك ~~الليلة وكان المسجد على عريش فوكف. قال أبو سعيد: فأبصرت عيناي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين من صبيحة إحدى ~~وعشرين ". وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنيسا أن يتوخاها ليلة ~~ثلاث وعشرين ". # وروى عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من كان متحريها [فليتحرها] في ليلة سبع وعشرين ". # وعن ابن عباس أنه استدل على أنها ليلة سبع وعشرين بقوله: { سلام هي ~~} فهي الكلمة السابعة والعشرون من أول السورة، فكذلك ليلة القدر ليلة سبع ~~وعشرين ms2851 من الشهر، وهذا استدلال فيه نظر إن صح عنه. # وقال كعب: والذي أنزل الكتاب على محمد صلى الله عليه وسلم أنها ليلة سبع ~~وعشرين، وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم (أخبر) [لها] بآية فقال: # " إن الشمس تطلع غدا تئذ كأنها طست ليس لها شعاع ". # " وأمر النبي صلى الله عليه وسلم عائشة [أن] تدعوا إذا وافقت ليلة القدر ~~فتقول: " اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني " ". # ثم قال تعالى: { ومآ أدراك ما ليلة القدر } أي: وما ~~أشعرك يا محمد أي شيء ليلة القدر، على التعظيم لها. # ثم قال تعالى: { ليلة القدر خير من ألف شهر }. # أي: العمل فيها أفضل من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر قاله ~~مجاهد وغيره. وهو قول قتادة. وهو اختيار الطبري. # وقال مجاهد: كان في بني إسرائيل رجل يقوم الليل حتى يصبح، ثم يجاهد ~~العدو بالنهار حتى يمسي. يفعل ذلك ألف شهر، فأنزل الله في هذه الأمة ليلة ~~القدر خير من ألف شهر، أي: قيام تلك الليلة خير من عمل ذلك الرجل. # وقال الحسن بن علي بن أبي طالب: هي ألف شهر، وليت فيها بنو أمية، وكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم قد أريهم على المنابر [فهاله] ذلك، فأحصيت ولا ~~يتهم بعد ذلك فكانت كذلك. # وقال بعض العلماء: معناه: خير من ألف شهر رمضان بصومه. # وقال: [قم] ليالي رمضان رجاء إصابة ليلة القدر، فإنها خير من ألف شهر ~~رمضان تصومها. # ثم قال: { تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ~~ربهم }. # (الروح: جبرائيل عليه السلام، أي تتنزل الملائكة وجبرائيل معهم فيها ~~بأمر ربهم) من كل أمر، فيه الآجال [والأرزاق] والأعمال إلى السماء ~~الدنيا. وهذا هو التمام عند كثير من النحويين. [ وهو] قول الفراء. وقاله ~~نافع. # وقال قتادة: { من كل أمر } ، قال: يقضي فيها ما يكون في السنة ~~إلى مثلها. فعلى هذا المعنى، / يكون التمام: " من كل أمر ". # وقال ابن عباس: معنى [ذلك]: تنزل الملائكة وجبرائيل معهم في ليلة القدر ~~بإذن ربهم، أي: [نزولهم] بإذن ربهم. # قال ابن ms2852 عباس: لا يلقون مؤمنا ولا مؤمنة إلا سلموا عليه. # وكان ابن عباس: (يقرأ " من) كل امرئ " فيكون معناه: إنهم يتنزلون في ~~ليلة القدر بإذن ربهم من كل ملك لتسلم على المؤمنين والمؤمنات. # (وقال الشعبي: من كل امرئ من الملائكة سلام على المؤمنين والمؤمنات)، ~~على قراءة ابن عباس. # وقيل: " من " بمعنى الباء، أي: تنزل الملائكة والروح فيها بكل أمر بإذن ~~ربهم. # ومعنى: { سلام هي } - على قراءة الجماعة - سلام من الشر كله ليلة ~~القدر إلى طلوع الشمس. # وقال قتادة: { سلام هي } أي خير هي حتى مطلع الفجر. # قال ابن زيد: " ليس: فيها شر، هي خير كلها] حتى مطلع الفجر. وسلام - على ~~قراءة الجماعة -: خير. هي، على معنى: هي ذات سلامة. # و " سلام " على قراءة ابن عباس مرفوع بالابتداء، وما قبله الخبر. # و " المطلع " بالفتح: المصدر، أي إلى طلوع الفجر. # وحكى الفراء كسر اللام عن العرب وهم يريدون المصدر، كما قالوا " أكرمتك ~~كرامة " يريدون إكراما، و " أعطيتك عطاء " يريدون إعطاء. ومثله " المشرق ~~" بالكسر يريدون به المصدر، والعرب تقول: شرقت الشمس مشرقا - بالكسر -، ~~يريدون شروقا، والأصل فيه الفتح، ومثله المغرب والمفرق والمنبت ~~[والمجزر] والمسكن والمنسك والمعشر والمسقط. # هذه الأحد عشر [تقال] بالفتح والكسر في المصدر، والفتح الأصل، [لأن ما] ~~كان (على) " فعل يفعل " بالضم، فالمصدر منه واسم المكان " مفعل " ~~(بالفتح). # وقد كان يجب أن يكون اسم المكان بالضم، / إلا أنه ليس في الكلام " مفعل ~~" بالضم، فرد إلى الفتح، لأنه أخف من الكسر، فاستوى المصدر واسم المكان. # والدليل على أن أصل اسم المكان عنه الضم: أن اسم المكان من فعل يفعل ~~بكسر العين مفعل بالكسر، نحو المجلس، إلا أن العرب قد قالت: " مطلع " ~~بالكسر للمكان الذي تطلع فيه الشمس، سماعا بغير قياس. # وقال بعضهم: " مطلع " أيضا في المصدر بالكسر، والأصل الفتح في ذلك. ### | [98 - سورة البينة] ### || [98.1-8] # قوله: { لم يكن الذين كفروا } إلى آخرها. # معناه: لم يكن الكفار من أهل الكتاب وغيرهم من عبدة الأوثان منتهين عن ~~كفرهم حتى يأتيهم القرآن. # قال مجاهد: معناه: لم ms2853 يكونوا لينتهوا حتى يتبين لهم الحق. # وقيل: معناه: لم يكونوا تاركين ما عندهم من ذكر محمد صلى الله عليه وسلم ~~حتى يظهر، فلما ظهر تفرقوا واختلفوا. # وقال عطاء: لم يكونوا زائلين عما هم عليه حتى [يجيئهم] الرسول (فيبين ~~لهم ضلالهم. # وقيل: معناه: لم يكونوا متفرقين إلا إذا جاءهم الرسول، لأنهم فارقوا ما ~~كان عندهم من صفة الرسول) وكفروا بعد البيان، فيكون { منفكين } على ~~هذا من: انفك الشيء [من الشيء]، إذا فارقه، فلا [يحتاج] إلى خبر، وعلى ~~القول الأول - وهو بمعنى زائلين - [فيحتاج] إلى خبر. وإنما عطف " ~~المشركين " على " أهل " ولم يعطفوا على " الذين كفروا " فيرفعوا، لأن ~~المعنى يتغير، فيصير الصنفان كلاهما من أهل الكتاب الذين كفروا ~~والمشركين، وليس كذلك هما، إنما هما صنفان: كفار من أهل الكتاب ومشركون ~~من عبدة الأوثان، فلا بد من العطف على " أهل " ، فبذلك يتم المعنى، ويكون ~~الذين كفروا (من أهل الكتاب) غير المشركين من عبدة الأوثان. ولو رفعت " ~~المشركين " لصار الجميع كلهم من أهل الكتاب، وليس المعنى على ذلك. # وقوله: { حتى تأتيهم البينة } أي: حتى يأتيهم محمد ~~صلوات الله عليه. وقد بين البينة ما هي، فقال: { رسول من الله } ~~" فرسول " بدل من " البينة ". وفي حرف أبي: " رسول " بالنصب على الحال. # وقوله: { يتلوا صحفا مطهرة } هو من نعت " رسول " ، أي: ~~يقرأ صحفا مطهرة من الباطل، [وهي] القرآن. # ثم قال: { فيها كتب قيمة } أي: في الصحف كتب من الله عادلة ~~مستقيمة لا خطأ فيها. # ثم قال: { وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من ~~بعد ما جآءتهم البينة }. # أمر محمد أنه نبي مرسل إلى [الخلق]، فلما بعثه الله نبيا تفرقوا فيه، ~~فآمن به بعضهم وكفر به بعضهم، وقد كانوا قبل أن يبعث غير متفرقين في أمره ~~أنه نبي صلى الله عليه وسلم. # ثم قال تعالى ذكره: { ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله ~~مخلصين له الدين حنفآء }. # أي: وما أمر أهل الكتاب إلا ليعبدوا الله وحده مفردين له بالطاعة لا ~~يخلطونها بشرك، فأشركت اليهود بربها فقالت: # عزير ابن الله # [التوبة: ms2854 30]، وأشركت النصارى [فقالت: # المسيح ابن الله # [التوبة: 30]. # وجحد جميعهم نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. # ومعنى " حنفاء ": مائلين عن كل دين إلى دين الإسلام. أي: وما تفرق ~~اليهود والنصارى في أمر محمد فكذبوا به إلا من بعدما جاءهم ببيان. # قال ابن عباس: { مخلصين له الدين حنفآء } ، يقول: حجاجا ~~مسلمين، (يقول): ليحجوا ويقيموا الصلاة [ويؤتوا] الزكاة. # قال قتادة: " [الحنيفية] الختان، وتحريم الأمهات والبنات والأخوات ~~والعمات والخالات، والمناسك ". # وقال الضحاك: هو الحج. # وأصل الحنف في اللغة: الميل، فقيل للمائل عن الأديان إلى دين الإسلام ~~ميلا لا خلل فيه: " حنيف " وقد تقدم ذكره. # وقال الفراء: اللام في " ليعبدوا " لام " أن " ، وهي لام " كي " عند ~~البصريين، أي: أمروا بهذا كي يعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء. # و " مخلصين " و " حنفاء " نصب على الحال. # ثم قال: { ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة }. # أي: وأمروا بإقامة الصلاة المفروضة وإيتاء الزكاة المفروضة، يخلصون فعل ~~ذلك لله لا يريدون به غير الله. # روى ابن وهب - (يرفعه) إلى أبي تمامة - قال: [قال] الحواريون لعيسى: ~~أخبرنا من المخلص لله. قال: الذي يعمل (لله)، لا يحب أن يحمده الناس ~~عليه، قالوا: فمن الناصح لله؟ قال: الذي يبدأ / بحق الله قبل حق الناس، ~~ويؤثر حق الله على حق الناس، وإذا عرض له (أمران) أمر الدنيا وأمر الآخرة ~~بدأ بأمر الآخرة، ثم تفرغ لأمر الدنيا. # ثم قال: { وذلك دين القيمة }. # أي: وهذا الذي أمروا به هو دين المهلة المستقيمة ودين الجماعة المستقيمة ~~لا يتم دين الإسلام إلا بذلك. # وهذا نص واضح على أن الإيمان قول وعمل بخلاف ما قاله المرجئة أن الإيمان ~~قول لا غير، وقد قال تعالى: " # إن الدين عند الله الإسلام # [آل عمران: 19] " ، وبين هاهنا أن أقام الصلاة وإيتاء الزكاة وإخلاص ~~العمل لله هو الدين المستقيم العادل. # ثم قال: { إن الذين كفروا من أهل الكتاب ~~والمشركين في نار جهنم }. # أي: إن الذين جحدوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى ~~ومن عبدة الأوثان كلهم في نار جهنم خالدين فيها أبدا لا ms2855 يخرجون ولا ~~يموتون. # { أولئك هم شر البرية }. # أي: هم شر من خلق الله. # ثم قال: { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات }. # [أي]: آمنوا بالله ورسوله من أهل الكتاب وغيرهم وعملوا (الأعمال) ~~الصالحات مخلصين لله حنفاء، أولئك خير من خلق الله. # قال أنس: # " سمعت رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا خير البرية، فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: ذلك إبراهيم صلى الله عليه وسلم " # وقد تعلق من فضل بني آدم على الملائكة { خير البرية } ، وغلط ~~في ذلك، إنما معناه: خير البرية ممن برأ الله في الأرض من الجن والإنس، ~~فالملائكة غير داخلين في ذلك، دليله قوله تعالى حكاية عن إبليس إذا قال ~~لآدم وحواء: # ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن ~~تكونا ملكين # [الأعراف: 20]: أتراه قال لهما: أن تكونا [دون] من حالكما؟! فلو كان ذلك ~~ما رغبا في الأكل منها، وإنما أكلاها طمعا أن يكونا أشرف من حالهما ~~فيكونا ملكين. # وقد قال الله تعالى لنبيه محمد: # قل لا أقول لكم عندي خزآئن الله ولا أعلم ~~الغيب ولا أقول لكم إني ملك # [الأنعام: 50]. # أتراه أمره أن ينفي عن نفسه منزلة جليلة، أو منزلة دون منزلته؟! بل ما ~~[نفى] عن نفسه إلا منزلة رفيعة. # وكذلك قال نوح لقومه: # ولا أقول لكم إني ملك # [الأنعام: 50]، وهو كثير في القرآن ظاهر في فضل الملائكة على بني آدم. # وقد قال (في قصة عيسى: # ولا الملائكة المقربون # [النساء: 172]، فإنما ذكر الله أنه لا يستنكف عنه) أن يكون عبدا له ~~المسيح ولا من هو أشرف منزلة منه وهم الملائكة المقربون. # وأيضا فإن الملائكة صنف من خلق الله، وبنو آدم صنف، فلا يقع التفاضل ~~بين صنفين مختلفين، وإنما يقع التفاضل بين بعض الصنف وبعض. # [ولعمري]، إن هذه المسألة من المسائل التي يكره للعلماء الكلام (فيها)، ~~ولولا ما كثير الكلام فيها ما ذكرتها، ولكان السكوت عنها أحسن من الكلام، ~~لأن الله لم يتعبدنا بذلك، أسأل الله التوفيق والعفو عن [الزلل] بمنه ~~وفضله. # ثم قال: { جزآؤهم عند ربهم جنات ms2856 عدن تجرى من ~~تحتها الأنهار }. # أي: ثواب هؤلاء الذين آمنوا وعملوا [الصالحات] عند ربهم يوم القيامة ~~بساتين إقامة لا زوال منها ولا انتقال، تجري من تحت أشجارها الأنهار ~~خالدين فيها أبدا، لا يخرجون عنها ولا يموتون، { رضى الله ~~عنهم } [بطاعتهم له]، { ورضوا عنه } بما أعطاهم من النعيم ~~وبما نجاهم منه من العذاب. # ثم قال: { ذلك لمن خشي ربه }. # أي: هذا الجزاء الذي ذكر ووصف هو لمن خاف الله في الدنيا سرا وعلانية، ~~واتقاه بأداء فرائضه واجتنابه محارمه. ### | [99 - سورة الزلزلة] ### || [99.1-8] # قوله تعالى: { إذا زلزلت الأرض زلزالها } إلى آخرها. # العامل في " إذا " قوله (زلزلت)، وهي للشرط، فلذلك عمل فيها ما بعدها. ~~ولو لم تكن للشرط لكانت مضافة إلى الجملة التي بعدها، فلا يجوز حينئذ أن ~~يعمل فيها ما أضيفت إليه، إذ لا يعمل المضاف في المضاف إليه، كما (لا) ~~يعمل بعض الشيء في بعضه، وحسن كونها للجزاء، لأن بعدها فعلا غير معرب، ~~فصار الجزاء في المعنى دون العمل في اللفظ. # وقوله: { زلزالها } مصدر، (كما) تقول: " أكرمتك كرامتك " ، / وأضيف ~~[المصدر] إلى ضمير الأرض لتتفق رؤوس الآي. # والكسائي والفراء يذهبان إلى أن الزلزال مصدر بالكسر، والزلزال بالفتح ~~اسم. # وقد قرأ الجحدري { زلزالها } بالفتح، وكذلك: # وزلزلوا زلزالا شديدا # [الأحزاب: 11]. # والمعنى: إذا زلزلت الأرض، أي: حركت ورجت لقيام الساعة. # ثم قال تعالى: { وأخرجت الأرض أثقالها }. # أي: ما في بطنها من الموتى فألقتهم أحياء على ظهرها. قال ذلك ابن عباس ~~ومجاهد وابن جبير وغيرهم. # ثم قال تعالى: { وقال الإنسان ما لها } أي: وقال الكافر: ما ~~بالها؟ ما قصتها؟ # وقال الطبري " الإنسان " هنا يراد به الناس، يقولون: ما قصتها إذا ~~زلزلت؟ # ثم قال: { يومئذ تحدث أخبارها } [أي]: يقول الله جل ذكره ~~لها: قولي: فتقول: إن الله أمرني بهذا وأوحى إلي [ربي] فأخرجت ما في بطني ~~من بني آدم. هذا معنى قول ابن مسعود أنها تتكلم فتقول ذلك. # وكان ابن جبير يقرأ: " يومئذ تبين أخبارها " [على معنى: تبين ما في ~~بطنها فتجعله على ظهرها. # وكان الطبري يختار ms2857 في معناها: يومئذ تبين أخباره] بالزلزلة والرجة ~~وإخراج الموتى من بطنها إلى ظهرها [بوحي] الله إليها وإذنه لها في ذلك. ~~وهو معنى قوله: { بأن ربك أوحى لها }. # وقيل: معناه: يومئذ تكون الزلزلة وإخراج الأرض أثقالها [تحدث] الأرض ~~أخبار من كان عليها من أهل الطاعة وأهل المعصية وما عملوا على ظهرها في ~~الدنيا من خير أو شر. # قال سفيان { تحدث أخبارها } " هو ما عمل عليها من خير أو شر ~~". # قال سفيان: " بأن [ربك] أوحى لها " ، أي: أعلمها بذلك. # قال ابن زيد: { أوحى } ، أي: أوحى إليها. # قال ابن زيد: " تحدث أخبارها " هو " ما كان فيها وعلى ظهرها من أعمال ~~العباد ". # وقال مجاهد: " تخبر الناس بما عملوا عليها ". # ومعنى: { أوحى لها }: أفهمها وألهمها. # (ثم قال تعالى: { يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا ~~أعمالهم }. # (أي): إن ربك) أوحى (لها) ليروا أعمالهم، يرى المحسن جزاء حسناته، ~~والمسيء عقاب سيآته. يومئذ يصدر الناس من موقف الحساب متفرقين، فآخذ ذات ~~اليمين إلى الجنة، وآخذ ذات الشمال إلى النار. # فمعنى: { يصدر }: يرجع. والعامل في " يومئذ " " يصدر " ، واللام في ~~" ليروا " متعلقة " بأوحى " على هذا التقدير. # وقال عباد بن كثير: بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: " ليروا " ~~[بفتح] الياء، (أي) [ليرى] الناس جزاء أعمالهم. # ثم قال تعالى: { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره }. # [خيرا] منصوب على البيان أو على البدل من " مثقال ذرة ". # أي: فمن يعمل في الدنيا وزن ذرة من خير يرى ثوابه في الآخرة. # ومن يعمل في الدنيا وزن ذرة من شر يرى جزاءه في الآخرة. # قال ابن عباس: ليس مؤمن ولا كافر يعمل خيرا ولا شرا في الدنيا إلا ~~أراه الله إياه. فأما المؤمن فيريه حسناته وسيئاته، فيغفر الله له سيئاته ~~ويثيبه على حسناته. وأما الكافر فيرد حسناته ويعذبه على سيئاته. # وقال محمد بن كعب القرظي: من يعمل مثقال ذرة من خير يره، هذا في الدنيا. ~~يعني أن كل كافر يرى ثواب عمله الحسن في الدنيا في نفسه وماله وأهله ~~وولده حتى يخرج من الدنيا وليس ms2858 له (عند الله خير، { ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره } ، هذا في الدنيا، يعني أن كل مؤمن يرى ~~عقوبة سيئاته في الدنيا في نفسه وأهله وماله وولده حتى يخرج من الدنيا ~~وليس عليه) شيء. # وقال أيوب: قرأت في كتاب أبي قلابة قال: نزلت { ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره } وأبو بكر رضي الله عنه يأكل، فأمسك ~~وقال: يا رسول الله، إني [لراء] ما عملت من خير وشر؟ فقال: أرأيت ما رأيت ~~مما تكره؟ فهو من مثاقيل ذرة (الشر، ويدخر مثاقيل ذرة) الخير حتى تعطوه ~~يوم القيامة. وتصديق (ذلك) في كتاب الله: " وما أصابكم من مصيبة [بها] ~~كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير ". # وقال الشعبي: # " قالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله، إن عبد الله بن جدعان كان في ~~الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين، ويفعل... فهل ذلك نافعة؟ قال: لا ~~ينفعه، إنه لم يقل قط رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين ". # وروى قتادة عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله عز وجل لا يظلم المؤمن / حسنة يثاب عليها الرزق في الدنيا ~~ويجازى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بها في الدنيا، [فإذا كان] يوم ~~القيامة لم تكن له حسنة ". # وروى [سلمان] الفارسي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (قال): # " دخل رجل النار في ذباب، ودخل آخر الجنة في ذباب. قال: مر رجل بقوم ~~ولهم آلهة: فقالوا: أقرب لألهتنا شيئا. قرب ولو ذبابا، فقرب [ذبابا]، ~~فدخل النار. ومر رجل آخر فقالوا: [ألا تقرب] لآلهتنا شيئا؟ ولو ذبابا؟! ~~فقال: لا، فقتلوه فدخل الجنة ". # وروى نصير عن الكسائي: أنه كان يقرأ (خيرا يره وشرا يره) بضم. # وإنما قال تعالى ذكره: { فمن يعمل } وهو خبر عما في الآخرة، لأن ~~السامع قد فهم المعنى، ومعناه: فمن عمل. ودل على أن ذلك إنما هو في ~~الآخرة قوله: { يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا ~~أعمالهم }. # وقيل: إنما جاء " يعمل " بلفظ المستقبل للحث لأهل الدنيا على العمل ~~بطاعة الله [والزجر] عن معصيته. # وروي أن ms2859 [سلمان] قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: كيف ينفلت ابن آدم ~~ممن وزن الجبال، وكال المياه، وعد التراب؟! # وقال طاوس: { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره } من أهل ~~الأديان غير الإسلام، ما عمل منهم أحد مثقال ذرة من خير إلا كوفئ بها في ~~الدنيا في بدنه وماله وأهله حتى يموت وما بقي له مثقال ذرة من خير، { ~~فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره } قال: من المؤمنين ~~[قوم] يكافأون في الدنيا بالمصيبة في أبدانهم وأموالهم وأهليهم حتى يموت ~~أحدهم ما بقي عليه مثقال ذرة من شر، فهذا يجعل الآيتين في المجازاة في ~~الدنيا. ### | [100 - سورة العاديات] ### || [100.1-11] # قوله تعالى: { والعاديات ضبحا } إلى آخر السورة. # قال ابن عباس ومجاهد: هي الخيل تعدو وهي [تحمعهم]. # وقال علي بن أبي طالب عليه السلام: هي الإبل تغدو من عرفة إلى المزدلفة ~~ومن مزدلفة إلى منى. # وقال محمد بن كعب القرظي: " العاديات ضبحا ": الدفع من عرفة، { ~~فالموريات قدحا } إلى المزدلفة، { فالمغيرات صبحا } ~~تغير حين تصبح، { فأثرن به نقعا * فوسطن به جمعا } ~~هي يوم منى. # [وممن] قال هي الإبل أيضا: ابن مسعود وإبراهيم وعبيد بن [عمير]. # وقال عكرمة: " والعاديات ضبحا " الفرس يصبح إذا جرى. # وقال عطاء الخراساني: " ليس شيء من الدواب يضبح غير الكلب والفرس ". # وقال قتادة ومجاهد: هي الخيل تضبح. وهو قول سالم والضحاك. وهو اختيار ~~الطبري، قال: " لأن الإبل (لا) تضبح، إنما تضبح الخيل. # وقال أبو صالح: الضبح من الخيل [الحمحمة]، ومن الإبل التنفس. # قال قتادة: [تضبح] إذا عدت، أي: [تحمحم]. # قال الفراء: الضبح صوت أنفاس الخيل إذا عدت. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل سرية إلى بني كنانة، فأبطأ عليه ~~خبرها، فنزلت: { والعاديات ضبحا } بخبرها. # فهذا يدل على (أن) السورة مدنية. # وقيل: إن من قال هي الإبل، جعل [الحاء بدلا] من عين، والأصل " ضبعا " ~~يقال: ضبعت الإبل. # وقوله تعالى: { فالموريات قدحا }. # قال عكرمة: هي الخيل. # [قال الكلبي]: تقدح بحوافرها حتى يخرج من حوافرها النار. # وقال عطاء: " أورت النار بحوافرها ". # وقال ابن ms2860 عباس: سألني علي عليه السلام عن " العاديات ضبحا فالموريات ~~قدحا " فقلت له: الخيل حين تغير في سبيل الله ثم تأوي إلى الليل فيصنعون ~~طعامهم ويورون نارهم. # وعن ابن عباس أن قوله: { فالموريات قدحا } ، عنى بذلك مكر ~~الرجال. # وقاله مجاهد، [جعلاه] مثلا للمكر. # وقال عكرمة: " هي الألسنة ". # وقال عبد الله: هي الإبل تنسف بمناسمها الحصى فتضرب بعضه ببعض [فتخرج] ~~منه النار. # ثم قال تعالى: { فالمغيرات صبحا }. # قال ابن عباس: هي " الخيل تغير في سبيل الله " وقاله مجاهد وعكرمة. # وقال قتادة: " أغار القوم بعدما أصبحوا على عدوهم ". # وقال إبراهيم: هي الإبل حين يقبضون من جمع. # وكان زيد بن أسلم يتوقف عن تفسير هذه الأحرف ويقول: هي قسم أقسم الله ~~بها. # ثم قال تعالى: { فأثرن به نقعا }. # الهاء كناية عن الوادي وإن كان لم يتقدم له ذكر لأنه قد عرف المعنى، ~~وقيل: عن المكان، والنقع؟ الغبار، فقد علم أنه لا يكون إلا في مكان، ~~فأظهر المكان لعلم السامع به. والضمير في " أثرن " للخيل في قول مجاهد ~~وعكرمة. # وقال علي عليه السلام: هي الإبل [تثير] الغبار حين تطأ / الأرض ~~بأخفافها. # ثم قال تعالى: { فوسطن به جمعا }. # أي: فتوسطن بركبانهن جمع القوم، قال عكرمة: " جمع الكفار " قال ابن ~~عباس: " (هو) جمع القوم " وقال عطاء: (هو) " جمع العدو ". # وقال مجاهد: " جمع هؤلاء وهؤلاء ". # وقال الضحاك: جمع الكتيبة. # وقال عبد الله: { فوسطن به جمعا } " يعني مزدلفة ". # وانتصب " ضبحا " ، لأنه مصدر في موضع الحال، وانتصب " قدحا " على ~~المصدر، وانتصب " صبحا " على الظرف. # ثم قال تعالى: { إن الإنسان لربه لكنود } أي: إن الكافر ~~لنعم ربه لكفور. يقال: أرض كنود: التي لم تنبت شيئا. # قال ابن عباس: ومجاهد، والحسن وقتادة: الكنود: الكفور. # قال الحسن: هو الذي يعد المصائب وينسى نعم ربه. # وقال أبو أمامة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أتدرون ما الكنود؟ قلنا: [لا]، يا رسول الله، قال: الكنود: الكفور ~~الذي يأكل وحده، ويمنع رفده، ويضرب عبده ". # وعن الحسن أيضا: الكنود: الأليم لربه، [يعد] المصائب، وينسى الحسنات. # وعنه ms2861 أيضا: الذي يذكر المصائب وينسى نعم ربه. # ثم قال تعالى: { وإنه على ذلك لشهيد }. # أي: وإن الله على كفر الإنسان لربه لشهيد، أي: شاهد. # ثم قال: { وإنه لحب الخير لشديد }. # [أي]: وإن الإنسان لحب الدنيا والمال لشديد الحب. وفي الكلام تقديم ~~وتأخير. والتقدير فيه: إن الإنسان لربه لكنود، وإنه لحب الخير لشديد، ~~وإنه على ذلك لشهيد. # قال قتادة: هذا من مقاديم الكلام. # ثم قال تعالى: { أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور }. # أي: أفلا يعلم الإنسان الذي تقدم ذكره { إذا بعثر ما في ~~القبور } ، أي: أخرج ما فيها من الموتى [وأثير]. # يقال: بعثر وبحثر بمعنى، أي [أثير] وأخرج. # وفي مصحف عبد الله: " وبحث ". # قال ابن عباس: " بعثر ": " بحث ". # ثم قال تعالى: { وحصل ما في الصدور }. # أي: [بين] وميز. # وقال ابن عباس: " حصل " ، (أي): أبرز. # وقال سفيان: " حصل " " ميز " ، أي: بين وميز ما فيها من خير وشر. # ثم قال تعالى: { إن ربهم بهم يومئذ لخبير }. # [أي]: بأعمالهم وأسرارهم يومئذ لذو خبر، وعلم لا يخفى عليه منها شيء، ~~وهو مجازيهم على (جميع) ذلك يومئذ. ### | [101 - سورة القارعة] ### || [101.1-11] # قوله تعالى: { القارعة * ما القارعة } إلى آخرها. # القارعة هي الساعة تقرع قلوب الناس من هولها وعظيم ما ينزل بهم من ~~البلاء عندها، وذلك صبيحة ليلة لا ليل بعدها. قال ابن عباس: القارعة: " ~~" من أسماء يوم القيامة، عظمه الله وحذره عباده ". # وقوله: { ما القارعة } ، " ما " استفهام فيه معنى التعظيم والتعجب ~~من هولها، يعجب سبحانه عباده من عظم [هولها]. والمعنى: أي شيء القارعة يا ~~محمد؟! ما أعظمها وأفظعها وأهولها. # ثم قال تعالى: { ومآ أدراك ما القارعة }. # أي وما أشعرك يا محمد أي شيء القارعة؟! ثم بينها تعالى فقال: { يوم ~~يكون الناس كالفراش المبثوث }. # فالعامل في " يوم " " القارعة " ، أي القارعة يوم يكون (الناس) على هذا ~~الحال. و " القارعة " رفع بالابتداء، " وما " ابتداء ثان. # والقارعة خبر " ما " ، والجملة خبر عن " القارعة " الأولى. # وقوله: { ومآ أدراك ما القارعة } " ما " ابتداء أيضا، و " ~~أدراك " فعل ماضي وضمير مفعول، " ما القارعة ms2862 " ابتداء وخبر في موضع نصب ~~مفعولا ثانيا " لأدراك " ، والجملة خبر " ما " الأولى. # والفراش: (هو) ما تساقط في النار وفي السراج، ليس [بذباب] ولا بعوض. # وقال الفراء: هو غوغاء الجراد يركب بعضه بعضا، [فكذلك] يوم القيامة ~~يجول بعضهم في بعض. # والمبثوث: المنتشر المتفرق. # (وقيل): إنما شبههم بالفراش، لأن الفراش إذا ثار لم يأخذ جهة واحدة، بل ~~يدخل بعضه في بعض، فشبه الناس - إذا بعثوا وفزعوا واختلف مقاصدهم من ~~الحيرة - بالفراش، فإذا سمعوا الداعي استقاموا نحوه، فهم في تلك الحال ~~مشبهون بالجراد. التي تقصد إلى ناحية في طيرانها، وهو قوله: # كأنهم جراد منتشر # [القمر: 7]، فهما صفتان للخلق يوم القيامة في موطنين: إحداهما عند. ~~البعث، والأخرى. عند سماع النداء. # ثم قال تعالى: { وتكون الجبال كالعهن المنفوش }. # أي: كالصوف المنفوش. # وفي حرف عبد الله: " كالصوف " ، وبه قرأ ابن جبير. والعهن: جمع عهنة، ~~كصوفة وصوف. وهو عند أهل اللغة: المصبوغ من الصوف. # ثم قال تعالى: { فأما من ثقلت موازينه * فهو في ~~عيشة راضية }. # أي: فأما من [ثقل] وزنه وزن حسناته. # قال مجاهد /: ليس ثم ميزان، وإنما هو (مثل) ضرب. وأكثر الناس ~~على أن ثم ميزانا توزن به (أعمال) العباد كيف شاء الله وعلى ما شاء. ~~[نقول] كما قال، ونوجب ما أوجب، ونؤمن بما في كتاب الله، ولا نتقدم ~~بين يدي الله، ولا نعترض، ولا نكيف ما لا علم (عندنا) منه، ولا نحده. # ثم قال: { فهو في عيشة راضية }. # أي: في عيش قد رضيه في الجنة. وتقديره في العربية: فهو في عيشة ذات ~~رضى، على النسب. # ثم قال تعالى: { فأما من ثقلت موازينه }. # أي: وزن حسناته. # { فأمه هاوية }. # أي: مأواه ومسكنه الهاوية، وهي جهنم. قيل لها الهاوية، لأنه يهوي فيها ~~على رأسه. # قال قتادة: { فأمه هاوية }: هي النار، وهي كلمة عربية، كان ~~الرجل إذا وقع في أمر شديد قالوا: هوت أمه. # ويروى أن الهاوية اسم للباب الأسفل من النار نعوذ بالله (منها - وهي) ~~الدرك الأسفل، وأبواب جهنم سبعة، بعضها فوق بعض، أولها جهنم، والثاني: ~~لظى، والثالث: ms2863 الحطمة، والرابع: السعير، والخامس: الجحيم، والسادس: سقر، ~~والسابع الهاوية. أعاذنا الله منها. # وروي أن المؤمن إذا مات ذهب بروحه إلى أرواح المؤمنين فيقولون: (روحوا ~~أخاكم، فإنه كان في غم الدنيا، ويسألونه: ما فعل فلان؟ فيقول: مات، أو ما ~~جاءكم؟ فيقولون): ذهبوا به إلى أمه الهاوية ". # وإنما جعلت النار أمه، لأنها صارت مأواه كما تؤوي المرأة (ابنها، فصارت) ~~لهم كالأم، إذ لا مأوى لهم غيرها. # وقال الخفش (سعيد): { فأمه }: مستقره. وقيل: أمه: أصله. ~~وهاوية: بمعنى هالك، وأم الشيء: أصله [ومعظمه]. # ثم قال تعالى: { ومآ أدراك ما هيه }. # أي: وأي شيء أشعرك يا محمد ما الهاوية؟!، ثم بين فقال: { نار ~~حامية } أي: هي نار حامية. ### | [102 - سورة التكاثر] ### || [102.1-8] # قوله تعالى: { ألهاكم التكاثر * حتى زرتم ~~المقابر } إلى آخرها. # أي: ألهاكم أيها الناس المباهاة بكثرة المال والعدد (عن طاعة الله حتى). # تعاددتم وتفاخرتم بأهل المقابر. # روي أن بني عبد مناف وسهما تكاثروا (بالأحياء، فكثر بنو عبد مناف ~~سهما، ثم تكاثروا) بالأموات، (فكثرتهم سهم)، فأنزل الله جل ذكره: { ~~ألهاكم التكاثر * حتى زرتم المقابر } [أي]: حتى ~~تعاددتم وتكاثرتم بالموتى. # قال قتادة: كانوا يقولون: (نحن أكثر من بني فلان، ونحن أعز من بني ~~فلان). وهم كل يوم يتساقطون - أي: يموتون - قال: فوالله ما زالوا كذلك ~~حتى صاروا من أهل القبول كلهم. فمعنى { [حتى] زرتم المقابر ~~} على هذا) القول: حتى صرتم من أهل المقابر ولم تقدموا عملا صالحا. # فالمعنى اشتغلتم بالدنيا والتكاثر من الأموال فيها حتى متم ولم تقدموا ~~لأنفسكم عملا صالحا. # وروى مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه أنه انتهى إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم وهو يقول: # " { ألهاكم التكاثر * حتى زرتم المقابر }: ابن ~~آدم: ليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت ~~فأمضيت ". # وقال أبي بن كعب: كنا نرى أن هذا الحديث من القرآن # " [لو أن] لابن آدم [واديين] من مال لتمنى ثالثا، ولا يملأ جوف ابن ~~آدم إلا التراب، ويتوب الله على من يشاء، حتى نزلت هذه ms2864 السورة: { ~~ألهاكم التكاثر } إلى آخرها ". # ثم قال تعالى: { كلا سوف تعلمون * ثم كلا سوف ~~تعلمون }. # هذا وعيد وتهدد من الله لهم، وفيه دليل على صحة القول بعذاب القبر، لأن ~~الله أخبر عن هؤلاء القوم أنهم سيعلمون ما يحل بهم إذا زاروا المقابر، ~~أي: إذا ماتوا. # قال علي ابن أبي طالب عليه السلام: كنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت هذه ~~السورة. # وقوله: " كلا ": أجاز قوم الوقف عليها على معنى: ما هكذا ينبغي أن ~~يلهيكم التكاثر عن الآخرة! والوقف عند أبي حاتم على " المقابر " ويبتدأ " ~~بكلا " على المعنى: " حقا " ، أو بمعنى: " ألا ". والوقف عند محمد بن ~~عيسى على " كلا " ، والمعنى عنده: لا ينفعكم التكاثر، ثم يبتدأ: { سوف ~~تعلمون } أي: سوف تعلمون عاقبة اشتغالكم ولهوكم في الدنيا عن طاعة ~~الله. # ثم قال تعالى: { ثم كلا سوف تعلمون }. # هذا تكرير فيه تأكيد التهدد والوعيد [والتخويف]، وهو قول الفراء. # والقول في " كلا " - في هذا - كالقول الأول. # وقال الضحاك: { ثم كلا سوف تعلمون } للكفار، { ثم ~~كلا سوف تعلمون } للمؤمنين، [يعني] العصاة من المؤمنين. # ثم قال / تعالى: { كلا لو تعلمون. # .. }. # القول في " كلا " كالقول في الأول والاختلاف كالاختلاف. والمعنى: لو ~~تعلمون أيها الناس علما يقينا أن الله باعثكم يوم القيامة ما ألهاكم ~~التكاثر عن طاعة ربكم. # قال قتادة: " كنا نحدث أن علم اليقين أن نعلم أن الله باعثه بعد الموت ~~". # وجواب " لو " محذوف، والتقدير: لو تعلمون أنكم مبعوثون يوم القيامة ~~[فمحاسبون]، لما [تكاثرتم] في الدنيا بالأموال وغيرها. # قال الكسائي: جواب " لو " في أول (هذه) السورة: لو تعلمون علم اليقين ~~أنكم مبعوثون لما ألهاكم التكاثر. # أي: لترون أيها المشركون نار جهنم يوم القيامة، واللام لام قسم. # { ثم لترونها عين اليقين }. # أي: عيانا لا تغيبون عنها. قال ابن عباس: " يعني أهل الشرك ". # ثم قال تعالى ذكره: { ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ~~}. # أي: ثم ليسألنكم الله عن النعيم الذي كنتم فيه في الدنيا ماذا عملتم ~~فيه؟ من أين وصلتم إليه؟ وفيم أفنيتموه؟. # قال ابن مسعود ومجاهد والشعبي وسفيان: النعيم ms2865 هو " الأمن والصحة ". # وقال ابن عباس: " هو صحة البدن والأسماع والأبصار. قال: يسأل الله عز ~~وجل العباد فيما [استعملوها] وهو أعلم بذلك منهم، وهو قوله: # إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان ~~عنه مسؤولا # [الإسراء: 36]. # [وقال] الحسن: النعيم: " السمع والبصر وصحة البدن ". # وقيل: هو العافية. # وقال [ابن جبير]: هو ما تلذذ به الإنسان من طعام وشراب. # وروي عنه أنه " [أتي] بشربة عسل فشربها وقال: هذا النعيم الذي تسألون ~~عنه. # وقال جابر بن عبد الله: # " أتانا النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما، ~~فأطعمناهم رطبا وسقيناهم ماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~هذا من [النعيم] الذي تسألون عنه ". # وروى أبو هريرة # " (أن النبي صلى الله عليه وسلم) قال لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما: ~~انطلقوا بنا إلى أبي الهيثم بن [التيهان] الأنصاري، [فأتوه]، فانطلق بهم ~~إلى ظل حديقة فبسط لهم بساطا، ثم انطلق إلى نخلة فجاء (بعذق)، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: هلا [تنقيت] لنا من رطبه؟ فقال: [أردت أن ~~تخيروا] من رطبه. [وبسره]. فأكلوا وشربوا من الماء، فلما فرغ رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: والذي نفسي بيده، [إن هذا] من النعيم الذي ~~أنتم مسؤولون عنه يوم القيامة، هذا الظل البارد والرطب البارد عليه الماء ~~البارد " # وروي عنه صلى الله عليه وسلم # " أنه أكل هو وناس من أصحابه أكلة من خبز. شعير - ينخل - بلحم سمين، ثم ~~شربوا من جدول، فقال: هذه أكلة من النعيم تسألون عنها يوم القيامة ". # وروى ثابت البناني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " النعيم المسؤول عنه يوم القيامة: (كسرة) تقوته، وماء يرويه، وثوب ~~يواريه ". # وقال (أبو) أمامة " النعيم المسؤول عنه يوم القيامة خبز البر، والماء ~~العذب ". # وقال مجاهد: هو كل شيء التذ به الإنسان من لذة الدنيا. # وقال قتادة: إن الله جل ذكره (سائل) كل عبد عما استودعه من نعمته وحقه. ~~فظاهر الآية العموم في كل ما تنعم به الإنسان. ### | [103 - سورة العصر] ### || [103.1-3] # قوله تعالى: ms2866 { والعصر * إن الإنسان لفى خسر } إلى ~~آخرها. # قال ابن عباس: العصر: الدهر. # وقال قتادة: العمر ساعة من ساعات النهار، (يعني: العشي). # وقاله الحسن. # وقال الفراء: العصر [و] العصر: الدهر، وهو قسم. وتقديره: ورب العصر، ~~وخالق العصر، ونحوه. # وقوله: { إن الإنسان لفى خسر } جواب القسم. # وقال أبو عبيدة: لفي هلكة ونقصان. وقيل: الخسر: دخول النار، يعني به ~~الكافر. والإنسان اسم للجنس، ولذلك وقع الاستثناء (منه، فقال): # { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا ~~بالحق وتواصوا بالصبر }. # أي: وأوصى بعضهم بعضا (بلزوم العمل بطاعة الله واجتناب معاصي الله. # (قال قتادة: " الحق) كتاب الله ". # ثم قال تعالى: { وتواصوا بالصبر }. # أي: وأوصى بعضهم بعضا) بالصبر على العمل بطاعة الله جل وعز. # وكان علي بن أبي طالب عليه السلام يقرأ: " والعصر ونوائب الدهر، إن ~~الإنسان لفي (خسر)، وإنه فيه إلى آخر الدهر " ، وهذه قراءة مخالفة / ~~للمصحف المجمع عليه، فلا يجوز لأحد أن يقرأ بها فيخالف الإجماع، ~~وإنما هي على معنى التفسير. وروى ابن أبي حماد عن أبي بكر عن عاصم: " ~~لفي خسر " ، بضم السين والخاء. # وروي عن أبي عمرو أنه كان (يقرأ " بالصبر " )، بكسر الباء، وهذا إنما ~~يجوز في الوقف على نقل الحركة. # وكان سلام [أبو المنذر] يقرأ " والعصر " ، بكسر الصاد، وهذا لا يجوز ~~إلا في الوقف أيضا. (وليس في هذه السورة) تمام إلى آخرها. ### | [104 - سورة الهمزة] ### || [104.1-9] # قوله تعالى: { ويل لكل همزة لمزة } إلى آخرها. # أي: قبوح لكل طغان (في الناس، عياب لهم). # وقيل: ويل: واد في جهنم يسيل بصديد أهل النار، وقد تقدم [ذكر هذا]. # والهمزة: الذي يغتاب الناس ويطعن فيهم. # وقال ابن عباس: هو المشاء بالنمائم المفرق بين الناس. # وقال مجاهد: الهمزة: الذي يأكل لحوم الناس، (يعني: يغتابهم). قال: ~~واللمزة: الكافر. # وعنه أيضا أنه قال: " الهمزة الطعان، واللمزة الذي يأكل لحوم الناس. # قال أبو العالية: " الهمزة يهمزه في وجهه، واللمزة من خلفه " وقال قتادة ~~([يهمز] ويلمز بلسانه) وعينه، ويأكل لحوم الناس ويطعن عليهم. # وقال عبد الله بن أبي نجيح: الهمزة باليد والعين، ms2867 واللمزة باللسان. # وقال ابن زيد: الهمزة: الذي يهمز (الناس) بيده وقد يضربهم، واللمزة الذي ~~يلمزهم بلسانه ويعيبهم. # وقيل: إنها نزلت في جميل بن عامر الجمحي. # وقيل: في الأخنس بن شريق. # قال ابن عباس: هو مشرك، كان يهمز الناس ويلمزهم. # وقال مجاهد: هي عامة. # ثم قال تعالى: { الذى جمع مالا وعدده }. # أي: جمعه وأحصى عدده ولم ينفقه في سبيل الله ولا أدى حق الله منه. # وقرأ الحسن: " وعدده " ، بالتخفيف، يريد: عده، ثم أظهر التضعيف، ~~وهو بعيد، إنما يجوز في الشعر، كما قال: # أني [أجود] لأقوام وإن [ضننوا]. # وقيل: إنما قرأ ذلك على معنى: الذي جمع مالا (وجمع) عدده، [أي]: ~~عشيرته، فيكون عطفا على المال، وذلك حسن. # ثم قال تعالى: { يحسب أن ماله أخلده }. # أي: يظن هذا الجامع للمال ولا ينفقه في سبيل الله، ولا يخرج حق الله ~~منه. # وقيل: { عدده } من العدة، أي: [اعتد] به ودفعه ذخيرة، ومنه: # أعتدنا للظالمين # [الكهف: 29]. # وقيل: (إن) معنى (وعدده)، أي: كثره، يحسب أن ماله مخلده في الدنيا فلا ~~يموت. # ووقع { أخلده } في موضع " يخلده " ، كما يقال للرجل يأتي الذنب ~~الموبق: دخل، والله، فلان النار أي سيدخلها. ويقال للرجل يأتي المرء يهلك ~~فيه: عطب، والله، فلان، أي: سيعطب. # وقيل: إن الفعل على حاله ماضيا، والمعنى: يحسب هذا الإنسان أن ماله ~~أحياه في الدنيا فيما مضى من عمره. هذا معنى قول ابن كيسان. # ثم قال تعالى: { كلا... } أي: ليس الأمر كما ظن أن ماله يخلده في ~~الدنيا، وهو التمام عند نافع وأبي حاتم ونصير. # والتمام عند الأخفش: { أخلده }. # ثم قال تعالى: { لينبذن في الحطمة } أي: ليطرحن في النار، ~~وهذا قسم. # والحطمة: اسم من أسماء النار، سميت بذلك لحطمها كل ما ألقي فيها، كما ~~يقال للرجل الأكول: حطمة. # وقيل: الحطمة: اسم للباب الثالث من أبواب جهنم. وهي أبواب بعضها فوق ~~بعض تمضي سفلا سفلا، أعاذنا الله منها. # وقرأ الحسن: " [لينبذان] في الحطمة " ، يعني به الهمزة اللمزة ~~وماله. # وروي عنه: " لينبذن " ، بالضم، على [معنى] الجمع، يعني به الهمزة ~~واللمزة ms2868 والمال. # وقيل: يعني به الهمزة واللمزة والذي جمع مالا. # وفيه بعد، لأن ذلك كله في ظاهر الخطاب يرجع إلى واحد. # ثم قال تعالى: { ومآ أدراك ما الحطمة }. # أي: وأي شيء أشعرك يا محمد أي شيء الحطمة؟! ثم أخبر عنها ما هي فقال: # { نار الله الموقدة }. # (أي: هي نار الله الموقدة)، ثم وصفها فقال: # { التي تطلع على الأفئدة }. # أي: التي تبلغ ألمها ووجعها القلوب. والاطلاع والبلوغ / قد يكونان ~~بمعنى، حكي عن العرب سماعا: متى اطلعت أرضنا (واطلعت أرضي)، ~~بمعنى: بلغت. # قال محمد بن كعب القرظي: تحرقه كله حتى يبقى فؤاده نضيحا. # ثم قال تعالى: { إنها عليهم مؤصدة }. # أي: إن الحطمة على الهمازين اللمازين - الذين جمعوا المال ومنعوا منه ~~حق الله - مطبقة. # قال سعيد: بلغني أن في النار رجلا في شعب من شعابها ينادي مقدار ألف ~~عام: يا حنان يا منان، فيقول رب العزة تعالى ذكره: يا جبريل، أخرج ~~عبدي من النار، فيأتيها فيجدها مطبقة. قال: فيرجع فيقول: يارب، إنها ~~عليهم مؤصدة. فيقول: يا جبريل فكها وأخرج عبدي النار، قال: فيفكها ~~ويخرج مثل الجبل، فيطرح على ساحل الجنة حتى ينبت الله له شعرا ولحما ~~ودما. # عمد جمع عمود عند الفراء، كما قالوا: أديم وأدم. # وقيل: هو اسم للجمع وليس بجمع على الحقيقة. # وقال أبو عبيدة: هو جمع عماد. # وقال قطرب: هو جمع لا واحد له. # فأما من قرأ " عمد " ، بضمتين، فهو جمع عمود على القياس، كعجوز ~~وعجز، وكتاب وكتب، ورغيف ورغف. وفعل وفعال أخوا فعول. # والمعنى: إن جهنم عليهم مطبقة بعمد ممدة عليهم. # وفي قراءة عبد الله: " موصدة بعمد ممدة، أي: مغلقة مطبقة بعمد ~~ممددة. # وقال ابن عباس: (معناه) أنهم أدخلوها في عمد فمدت عليهم بعماد في ~~أعناقهم السلاسل فشدت بها الأبواب. # وقال ابن زيد: (في عمد) [من] حديد مغلولين فيها، وتلك العمد (من) نار قد ~~احترقت من النار، فهي نار ممدودة عليهم، وقال قتادة: كنا نحدث أنها عمد ~~يعذبون بها في النار وهو اختيار الطبري. # وقال أبو صالح: هي القيود. ### | [105 ms2869 - سورة الفيل] ### || [105.1-5] # قوله تعالى: { ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ~~} إلى آخرها. # قوله: { ألم تر }: تكون بمعنى التعجب، وتكون بمعنى التفخيم، وبمعنى ~~التهويل والتعظيم. # والمعنى: ألم تر يا محمد بعين قلبك كيف فعل ربك بأصحاب الفيل؟! وهو ملك ~~اليمن [أبرهة] الحبشي، وكان تحت يد النجاشي، أتى مع جنده إلى بيت الله ~~الحرام ليخربه، وكان سبب إتيانه ما ذكره ابن إسحاق وغيره في حكاية طويلة ~~أنا أذكر معناها، على اختصار إن شاء الله. # وذلك أن أبرهة بنى [لملك الحبشة] كنيسة بصنعاء، وكان نصرانيا، وسماها ~~القليس، وكتب إلى النجاشي ملك الحبشة أني قد بنيت لك أيها الملك كنيسة، ~~ووصفها ومدحها (له) وقال: إني لست بمنته حتى أصرف إليها حاج العرب، فبلغ ~~ذلك العرب من قول أبرهة، فغضب رجل من العرب لذلك، فذهب حتى أتى الكنيسة ~~فأحدث فيها ثم رجع إلى قومه، فأخبر أبرهة بذلك، فقال: من صنع هذا؟! فقيل ~~له: صنعه رجل من أهل هذا البيت الذي يحج إليه بمكة. فغضب عند ذلك أبرهة ~~وحلف [ليسيرن] إلى البيت وليهدمنه. # ثم إن أبرهة وجه رجلا من العرب يدعو العرب لحج الكنيسة التي بنى أبرهة، ~~فقتلته [العرب]، فبلغ ذلك أبرهة فزاده غيظا [وحنقا] على البيت وعلى من ~~قتل رسوله من العرب، فحلف ليغزون قاتلي رسوله، - قيل: هم بنو كنانة -، ~~وحلف ليهدمن البيت. # ثم تأهب (مع) الحبشان وخرج ([لهدم] البيت وغزو بني كنانة. وخرج) معهم ~~بالفيل، فاجتمع عليه بعض العرب لتقاتله وترده عن مذهبه ومراده فهزمهم ~~أبرهة وأسر رئسهم - واسمه ذو نفر - فأراد قتله ثم تركه [وثقفه] معه، ~~ثم خرج إليه نفيل بن حبيب [الختعمي] في قبيلتي ختعم، فقاتله فهزمه أبرهة ~~وأسره وعفا عنه ولم يقتله. # فلما مر بالطائف، خرج إليه مسعود بن معتب في رجال ثقيف وطلبوا منه ~~السلم، فأعطاهم السلام ووجهوا معه أبا رغال، [فخرج معه أبو رغال] حتى ~~أنزله المغمس، ثم مات أبو رغال بالمغمس فدفن هناك، فالعرب ترجم قبره من ~~ذلك الوقت إلى الآن. # ثم إن أبرهة وجه بخيل ms2870 إلى نحو مكة، [فاستاقت] له أموال أهل مكة. وكان ~~لعبد المطلب (فيها) [مائتا] بعير، وكان سيد قريش (يومئذ). # فهمت قريش ومن يقرب منهم من العرب [بقتال] أبرهة، ثم علموا أنهم لا طاقة ~~/ لهم به، فتركوا [ذلك]. # ثم إن أبرهة وجه إلى مكة يقول [لرئيسها]: إني لم آت لحربكم، إنما جئت ~~لهدم البيت، فإن لم تعرضوا دونه [لي] بحرب فلا حاجة لي بدمائكم. وأمره أن ~~يأتيه [بالرئيس] إن كان لا يريد حربه، (فأتى [الرئيس]، وسأل عن [رئيس] ~~القوم فدل على عبد المطلب، فبلغه الرسالة، فقال عبد المطلب: والله، ما ~~نريد حربه)، وما لنا بذلك من طاقة، هذا بيت الله وبيت خليله إبراهيم عليه ~~السلام، فإن يمنعه فهو بيته وحرمه، وإن لم يحل بينه وبينه، فهو الله ما ~~عندنا من دفع عنه. # فقال الرسول لعبد المطلب: (انطلق إلى أبرهة، فإنه قد أمرني أن نأتي بك، ~~فانطلق معه عبد المطلب) ومعه بعض بنيه، فلما أتى عبد المطلب (العسكر، سأل ~~عن ذي نفر - وكان له صديقا - فسأله عبد المطلب) عن [رأي] - أو أمر - ~~[يشير به]، فما وجد عنده فرجا، واعتذر إليه بأنه مثقف محبوس، لكنه قال ~~لعبد المطلب إن سائس الفيل [لي] صديق، [فسأرسل إليه وأوصيه] بك وأعظم ~~عليه حقك، وأسأله أن يستأذن لك على الملك فتكلمه في ما تريد، ويشفع لك ~~عنده إن قدر. # ثم بعث ذو نفر إلى سائس الفيل فأوصاه بما وعد به عبد المطلب، ففعل ~~سائس الفيل ذلك، واستأذن له على أبرهة (وعظمه في عين أبرهة) ومدحه، فأذن ~~له أبرهة، - وكان عبد المطلب رجلا وسيما عظيما -، فلما رآه أبرهة ~~أجله وأكرمه، وكان أمر أن يجلس تحته وكره أن تراه الحبشة [يجلسه] [معه] ~~على سرير ملكه، فنزل أبرهة عن سريره وجلس على بساطه وأجلسه معه عليه إلى ~~جنبه، ثم قال لترجمانه: قل له: ما حاجتك إلى الملك؟ فقال له عبد المطلب: ~~حاجتي أن يرد علي مائتي بعير، فلما قالها الترجمان لأبرهة، قال أبرهة ~~للترجمان: قل له: قد كنت أعجبتني حين رأيتك، ms2871 ثم زهدت فيك حين كلمتني. ~~[أتكلمني] في مائتي بعير أخذتها لك وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك وجئت ~~لأهدمه فلا تكلمني فيه؟! فقال له عبد المطلب: (إني [أنا] رب الإبل، وإن ~~للبيت ربا سيمنعه، فقال أبرهة: ما كان ليمنع مني، قال له عبد المطلب: ~~أنت وذاك، اردد علي إبلي، فرد عليه إبله وانصرف عبد المطلب إلى قريش، ~~فحذرهم وأمرهم بالخروج من مكة والتحرز في شعب الجبال والشعاب تخوفا ~~عليهم من الحبش. # ثم قام عبد المطلب وأخذ بحلقة باب الكعبة، وقام معه نفر من قريش يدعون ~~الله ويستنصرونه على أبرهة وجنده. فقال عبد المطلب وهو آخذ بحلقة باب ~~الكعبة: # يا رب أرجو لهم سواكا # فامنع منهم حماكا # إن عدو البيت من عاداكا # إن عدو البيت من عاداكا # ثم ذهب عبد المطلب ومن معه من قريش إلى شعب الجبال يتحرزون فيها ~~وينتظرون ما أبرهة فاعل. # فلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة [وهيأ] فيله وعبر جيشه وهو مجمع على هدم ~~البيت والانصراف إلى اليمن. # فلما وجهوا الفيل - واسمه: محمود - أقبل نفيل بن حبيب [الختعمي] حتى ~~قام إلى جنب الفيل (وأخذ بأذنه) وقال: أبرك محمود وارجع راشدا من حيث ~~جئت، فإنك في بلد الله الحرام، ثم أرسل أذنه، فبرك الفيل وهرب نفيل حتى ~~اصعد في الجبل، فضربوا الفيل ليقوم فأبى، ثم وجهوه راجعا إلى اليمن فقام ~~[يهرول]، ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ~~ذلك، ووجهوه إلى مكة فبرك، فأرسل الله عليهم طيرا أبابيل، قيل: ~~(كانت) مثل الخطاطيف، أرسلها عليهم من البحر، مع كل طير ثلاثة أحجار، ~~حجر في منقاره وحجران في رجليه، كل حجر مثل الحمص أو العدس، [لا تصيب ~~أحدا منهم] إلا هلك. # ولم [تصبهم] كلهم، بل أصابت من شاء الله منهم، فخرجوا هاربين [يبتدرون] ~~الطريق الذي منه جاؤوا يسألون عن نفيل بن حبيب ليدلهم على الطريق إلى ~~اليمن، فقال نفيل بن حبيب حين رأى ما أنزل الله بهم من نقمته: # أين المفر والإله الغالب # والأشرم المغلوب غير ms2872 الغالب # فهربوا يتساقطون ويهلكون في كل منهل، وأصيب أبرهة في جسده، فخرجوا به ~~[معهم] [تسقط] أنامله أنملة أنملة، كلما سقطت [منها] / أنملة أتبعتها مدة ~~بقيح /، ودم حتى قدموا صنعاء وهو مثل فرخ الطير، فما مات حتى انصدع صدره ~~عن قلبه. وأول ما رئيت الحصبة والجدري بأرض العرب من ذلك العام، وهو أول ~~ما رئي (من) الشجر [المر] مثل الحنظل والحرمل والعشر، فذلك قوله تعالى: # { ألم يجعل كيدهم في تضليل } ، أي: [أدحضه] ومحقه. # ثم قال تعالى: { وأرسل عليهم طيرا أبابيل }. # أي: متفرقة يتبع بعضها بعضا من نواح شتى. # و { وأرسل } معطوف على معنى { ألم يجعل } ، لأن معناه: جعل ~~كيدهم وأرسل. # قال ابن عباس: { أبابيل }: " يتبع بعضها بعضا ". # وقال الحسن: هي " [الكثيرة]. وهو قول قتادة. # وقال غيره: هي المتفرقة. # وقال مجاهد: متتابعة مجتمعة. # وقال الضحاك: متتابعة بعضها في أثر بعض. # وقال ابن زيد: " الأبابيل: المختلفة تأتي من [هاهنا وهاهنا]، أتتهم من ~~كل مكان ". # وقيل: إنها (كانت) بيضا. # وقيل: كانت سودا. # وقيل: كانت خضراء لها خراطيم الطير وأكف الكلاب، وهذا قول ابن عباس. # وعنه [أنها] كانت خضراء خرجت من البحر، لها رؤوس كرؤوس السباع. # وقال عبيد بن عمير: هي طير [سود] بحرية في أظفارها [ومناقيرها] الحجارة. # وقال ابن جبير: " هي طير خضراء لها مناقير صفر تختلف عليهم ". # قال الكسائي: سمعت [بعض] النحويين يقولون: واحد الأبابيل: إبول، مثل ~~عجول وعجاجيل. # وقال الرواسي: واحدها: أبالة. # وحكى الفراء (إبالة مخففا). # وحكى أيضا إيبالة مثل دينار ودنانير. # وقال المبرد: واحدها: إبيل، [مثل] سكين. # وقال أبو عبيدة: لم نر أحدا يجعل لها واحدا. # - وقوله تعالى: { ترميهم بحجارة من سجيل }. # قال ابن عباس: " { من سجيل }: من طين " ، وكذا قال عكرمة، كانت ~~ترميهم بحجارة معها، فإذا أصابت أحدهم خرج به الجدري، (وكان أول يوم رئي ~~فيه الجدري). # قال أبو الكنود: " كانت دون الحمصة وفوق العدسة ". # قال أبو صالح: رأيت في بيت أم هانئ بنت أبي طالب حجارة منها، فرأيتها ~~[سودا] مخططة بحمرة. # قال قتادة: كانت لا تصيب شيئا إلا هشمته. ms2873 # وقال ابن زيد: { من سجيل } من الشقاء الدنيا، اسمها: سجيل، وهي ~~التي أنزل الله على قوم لوط. # وأنكر الطبري (أن يكون) اسم السماء سجيلا. # وقيل: سجيل: (فعيل) من السجل، وهو الدلو. # وقال أبو إسحاق: سجيل مما كتب عليهم أن يعذبوا به، مشتق من السجل وهو ~~الكتاب. # ثم قال تعالى: { فجعلهم كعصف مأكول }. # أي: فجعل الله أصحاب الفيل كزرع أكلته الدواب [فراثته] ويبس وتفرقت ~~أجزاؤه، فشبه تقطع أوصالهم بالعقوبة التي [حلت] (بهم) [بتفرق] أجزاء ~~[الروث] الذي حدث من أكل الزرع. # وقال مجاهد: { كعصف مأكول } " كورق الحنطة ". # وقال قتادة: " هو التبن ". # وقال ابن زيد: هو [ورق] الزرع [وورق] البقل إذا أكلته البهائم وراثته. # قال ابن عباس: هو قشر البر، يعني الغلاف الذي يكون فوق حبة القمح. # فمعنى { مأكول }: قد أكل ما فيه من الحب. # وروي أن الحجر كان يقع على أحدهم فيخرج كل ما في بطنه [فيبقى] كقشر ~~الحبة إذا بقا بعد خروج الحبة منه، فالتقدير: مأكول ما فيه، أو مأكول ~~حبه. # ومن جعله الروث بعينه لم يقدر حذفا، [لأن] المعنى: فجعلهم كورق قد ~~أكلته الدواب وراثته. ### | [106 - سورة قريش] ### || [106.1-4] # قوله تعالى: { لإيلاف قريش * إيلافهم } إلى آخرها. # قال الأخفش: اللام متعلقة بمعنى سورة ألم تر يا محمد كيف فعل ربك بأصحاب ~~الفيل لتألف قريش. # وقيل: التقدير: فعلنا بأصحاب الفيل هذا [منا] على أهل هذا البيت ~~وإحسانا إليهم إلى نعمتنا عليهم في رحلتهم الشتاء والصيف، (فتكون اللام ~~في { لإيلاف } بمعنى " إلى ". # وقيل: التقدير: اعجبوا لإيلاف قريش رحلة الشتاء والصيف)، وتركهم عبادة ~~رب هذا البيت. وهذا مذهب الفراء. # وقال الخليل بن أحمد: المعنى: لأن يؤلف الله قريشا [إيلافا] { ~~فليعبدوا رب هذا البيت } أي: لهذا فليعبدوه فلا تقدير، ~~حذف في هذا القول. # وعن ابن عباس أنه قال في تفسير { لإيلاف قريش } معناه: نعمتي على ~~قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف. قال: كانوا يشتون بمكة ويصيفون ~~بالطائف. # وقوله: { إيلافهم } ، [بدل] من الأول. # وقرأ يزيد بن القعقاع / " إلفهم " جعله مصدر " ألفه إلفا ". وكذلك ذكرت ~~أسماء بنت يزيد ms2874 أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ. # وعن أبي أنه قرأ: [ " إلافهم " ]، وهما مصدران للثلاثي على فعل ~~وفعال، ومثله علم علما، ولقيه لقاء، وصمت صياما، وكتبت كتابا. # وأجاز الفراء " إيلافهم " بالنصب على المصدر. # وروي عن أبي بكر عن عاصم أنه قرأ " لإئلف " بهمزتين مكسورة وساكنة، " ~~إئلفهم " كذلك [أيضا]، أتى بهما على الأصل، وهو بعيد لا يجوز عند كثير ~~من النحويين، وهي لغة شاذة، وهما مصدران لالف يؤلف. # وقد قرأ [ابن عامر] " لإلف " ، جعله مصدر ألف إلافا، مثل: كتب ~~كتابا، وصام صياما. # وقوله: { رحلة الشتآء والصيف } منصوب " بإيلاف ". # وأجاز الفراء الخفض في { رحلة } على البدل من { إيلافهم }. # [وتقديره]: إيلافهم إيلاف رحلة. # قال مجاهد في معنى { إيلافهم رحلة الشتآء والصيف } ~~[معناه]: " إيلافهم ذلك، فلا تشق عليهم رحلة شتاء ولا صيف ". # وقال ابن عباس { لإيلاف قريش } ، أي: " نعمتي على قريش ". وقيل: ~~معناه أن الله عجب نبيه من ذلك، فالمعنى: اعجب - يا محمد - لنعم الله ~~على قريش في إيلافهم رحلة الشتاء والصيف، ثم يتشاغلون بذلك عن الإيمان ~~بالله واتباعك. # ودل على هذا المعنى قوله: { فليعبدوا رب هذا البيت }. # قال ابن زيد: معناه: صنعت بأصحاب الفيل ما صنعت لإلفة قريش، أي: لئلا ~~أفرقها، وهذا (هو) قول الأخفش المتقدم. وقال ابن عباس: { إيلافهم ~~رحلة الشتآء والصيف } ، أي: " لزومهم ". وعنه أيضا (أنه ~~قال): [نهاهم] الله عن الرحلة وأمرهم أن يعبدوا رب هذا البيت وكفاهم ~~المؤنة، وكانت رحلتهم في الشتاء والصيف. # فلم تكن لهم رحلة (في) شتاء ولا صيف، فأطعمهم الله جل وعز [بعد ذلك] من ~~جوع وآمنهم من خوف، [فألفوا] الرحلة، فكانوا إذا شاؤوا [ارتحلوا] وإذا ~~شاؤوا أقاموا. # فكان ذلك من نعمة الله عليهم. # قال عكرمة: كانت قريش قد ألفوا بصرى واليمن، يختلفون إلى هذا في الشتاء، ~~وإلى هذه في الصيف، قال: فقوله: { فليعبدوا } رب هذا البيت، أمرهم ~~أن يقيموا [بمكة]. # قال الضحاك: كانوا ألفوا الارتحال في الغيظ والشتاء: إلى الشام في ~~الغيظ، وإلى اليمن في الشتا. وهذا قول ابن زيد أيضا. # وقال ابن عباس: ms2875 " كانوا يشتون بمكة، [ويصيفون] بالطائف ". # وقوله: { فليعبدوا رب هذا البيت }. # قيل: معناه: فليقيموا بموضعهم ووطنهم، فليعبدوا رب هذا البيت وهو ~~الكعبة. # وقيل: معناه أنهم أمروا أن يألفوا عبادة رب مكة كإلفهم الرحلتين، وهو ~~قول عكرمة. # وقوله: { الذي أطعمهم من جوع } يعني قريشا. # قال ابن عباس: أطعم قريشا بدعوة إبراهيم عليه السلام (حيث قال): # وارزقهم من الثمرات # [إبراهيم: 37]. # وقوله: { وآمنهم من خوف } أي: وآمنهم مما يخاف غيرهم من العرب ~~من [الغارات] والحروب والقتال، فلا يخافون ذلك في الحرم. # وقال ابن عباس: آمنهم من خوف بدعوة إبراهيم عليه السلام حيث قال: # رب اجعل هذا بلدا آمنا # [البقرة: 126]. # قال مجاهد: " آمنهم من كل عدو في حرمهم ". # قال قتادة: كان أهل مكة تجارا يعتادون ذلك شتاء وصيفا آمنين من العرب، ~~وكانت العرب يغير بعضهم على بعض لا يقدرون على التجارة ولا يستطيعونها من ~~الخوف حتى إن كان الرجل من أهل الحرم ليصاب في حي من أحياء العرب، فإذا ~~قيل حزمي خلي عنه وعن ماله تعظيما لذلك. # قال: وكانوا يقولون: نحن من [حرم] الله، فلا يعرض لهم أحد في حرم الله ~~جل وعز وكان غيرهم من قبائل العرب إذا خرج أغير عليه، وهو معنى قول ابن ~~زيد. # وقال الضحاك ومجاهد: { وآمنهم من خوف } أي: من الجذام. # وقاله ابن عباس، ولذلك [لا ترى] بمكة ذا جذام البتة. ### | [107 - سورة الماعون] ### || [107.1-7] # قوله تعالى: { أرأيت الذي يكذب بالدين } إلى آخرها. # يجوز، أن تكون " أرأيت " من رؤية العين، فلا يقدر في الكلام حذف. ويجوز ~~أن يكون من رؤية القلب، فتقدر الحذف للمفعول الثاني، والتقدير على ~~ذلك: أرأيت الذي يكذب بالدين بعد / ما ظهر له من البراهين، أليس مستحقا ~~عذاب الله؟... والمعنى: أرأيت - يا محمد - الذي يكذب بثواب الله وعقابه؟! ~~فلا تطعه في أمره ونهيه. قال ابن عباس: { الذي يكذب بالدين } ~~أي: بحكم الله جل ذكره. وقال ابن جريج { بالدين }: بالحساب. # [والدين] عند أهل اللغة في هذا وشبهه بمعنى الجزاء، كما قال # ملك يوم الدين # [الفاتحة: 4]، أي: يوم الجزاء، ms2876 ومنه قولهم: كما تدين تدان، أي كما تجزي ~~تجازى. # فالمعنى: أرأيت يا محمد هذا الذي يكذب بالجزاء فلا يعمل خيرا ولا ~~ينتهي عن شر، فهو الذي يدع اليتيم، أي: يدفعه، لأنه لا ينتظر عقابا على ~~عمله ولا جزاء. # ثم قال تعالى: { فذلك الذي يدع اليتيم } أي: فهذا الذي ~~يدفع اليتيم [عن] حقه ويظلمه. # [يقال]: دععت فلانا عن حقه، فأنا أدعه دعا. # قال ابن عباس: " { يدع اليتيم } ، أي: " يدفع اليتيم. # وقال مجاهد: { يدع اليتيم } ، أي: يدفع اليتيم فلا يطعمه ". # وقال قتادة: " يقهره ويظلمه ". وقال إبراهيم بن عرفة: يدفع اليتيم عن ~~حقه. # ثم قال تعالى: { ولا يحض على طعام المسكين } أي: لا ~~يحض غيره على طعام المحتاج إلى الطعام. # ثم قال تعالى: { فويل للمصلين * الذين هم عن ~~صلاتهم ساهون } أي: فالوادي الذي يسيل من صديد أهل النار ~~للساهين عن صلاتهم الذين يصلون ولا يريدون بصلاتهم وجه الله. # وقال ابن عباس: [هم] الذين يؤخرونها عن وقتها. وهذه رواية تخالف [قول] ~~جميع المفسرين، وقد رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم. فهي من أشد آية ~~نزلت في المصلين على هذا التأويل إن صح. وعن ابن عباس أيضا أنه قال: هم ~~المنافقون، كانوا يراءون (الناس) بصلاتهم إذا حضروا، ويتركونها إذا ~~غابوا، ويمنعون المؤمنين العارية من الماعون بغضا لهم. # وقال مجاهد: { الذين هم عن صلاتهم ساهون } هو " الترك ~~لها ". وعنه أنه قال: هم لاهون عنها. # وقال قتادة: هم غافلون لا يبالي أحدهم صلى أو لم يصل. # وقال ابن زيد: " يصلون وليس الصلاة من شأنهم ". # وقال [سعد] بن أبي وقاص: # " [سألت] رسول الله صلى الله عليه وسلم عن { الذين هم عن ~~صلاتهم ساهون } فقال: هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها ". # وروى [أبو بزرة الأسلمي] # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال - لما نزلت هذه الآية: الله أكبر ~~هذه خير لكم من [أن لو أعطي] كل رجل منكم مثل جميع الدنيا، هو الذي إن ~~صلى لم يرج خير صلاته وإن تركها لم يخف ربه " # وقال عطاء بن ms2877 يسار: الحمد لله الذي قال: " عن صلاتهم ساهون " ولم يقل " ~~في صلاتهم ساهون ". # ثم قال تعالى: { الذين هم يرآءون } الناس بصلاتهم إذا صلوا، ~~لأنهم لا يصلون رغبة في ثواب، ولا [خوفا] من عقاب، إنما يصونها ليكفوا ~~الناس عن دمائهم وأموالهم وذراريهم، وهم المنافقون الذين كانوا على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى ذلك أكثر أهل التفسير. # ثم قال تعالى { ويمنعون الماعون }. # قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الماعون " الزكاة " وقاله ابن عمر، ~~وقال ابن مسعود: هو المتاع يتعاطاه الناس بينهم. وهو قول ابن الحنفية ~~وقتادة والحسن والضحاك وابن زيد، وذلك نحو الفأس والقدر والدلو. وقال ابن ~~عباس: " هو متاع البيت. وروي ذلك (أيضا) عن علي رضي الله عنه. قال محمد ~~بن كعب: " الماعون: المعروف ". وقال ابن المسيب: " الماعون " بلسان ~~قريش: المال ". وحكى الفراء عن بعض العرب أنه قال: الماعون: الماء. ~~وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عما لا يحل أن يمنع فقال: " الماء والملح ~~". # والماعون في اللغة من المعن، وهو الشيء القليل. ### | [108 - سورة الكوثر] ### || [108.1-3] # قوله تعالى: { إنآ أعطيناك الكوثر } إلى آخرها. # قال [ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما]: الكوثر نهر في الجنة، ~~حافتاه ذهب وفضة يجري على الدر والياقوت، ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى ~~من العسل /. # روى أنس # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال حين عرج به إلى السماء: رأيت نهرا ~~عجاجا مثل السهم يطرد، أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل، حافتاه ~~قباب من در مجوف فقلت: يا جبريل، ما هذا؟ قال: هذا الكوثر الذي ~~أعطاكه ربك، (قال): فضربت [بيدي] إلى حمأته، فإذا هي مسكة ذفرة، ثم ضربت ~~بيدي إلى [رضراضه فإذا هو] در " # وقالت عائشة رضي الله عنها: الكوثر نهر في بطنان الجنة، قيل لها: ~~وما بطنان الجنة؟ قالت: وسط الجنة، حافتاه قصور اللؤلؤ والياقوت، ترابه ~~المسك، وحصباؤه: اللؤلؤ والياقوت. # وعن أنس بن مالك أنه قال: لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم مضى ~~به جبريل عليهما السلام ms2878 في السماء الثانية فإذا هو بنهر عليه قصر من ~~اللؤلؤ والزبرجد فذهب ليشم ترابه فإذا هو مسك. قال: يا جبريل، ما هذا ~~النهر؟ قال: الكوثر الذي خبأ لك ربك. وروى ابن جبير عن ابن عباس أنه ~~قال: الكوثر: " [الخير الكثير] ". # وقال ابن جبير: النهر الذي في الجنة هو من الخير الذي أعطاه الله إياه. ~~وعن ابن عباس أيضا أنه قال: الكوثر هو الخير الكثير والقرآن والحكمة. # وقال عطاء: الكوثر " حوض في الجنة أعطيه النبي صلى الله عليه وسلم ~~". # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " بينما أنا أسير في الجنة إذ عرض لي نهر، حافتاه قباب اللؤلؤ ~~المجوف، فقال الملك الذي معي: أتدري ما هذا؟ [هذا] الكوثر الذي أعطاك ~~الله، وضرب بيده إلى أرضه فاستخرج من طينه المسك ". # ثم قال تعالى: { فصل لربك وانحر }. # أي: [فحافظ] (على الصلوات المكتوبة) في أوقاتها. # وقال أنس: كان النبي صلى الله عليه وسلم ينحر يوم الأضحى قبل الصلاة، ~~فأمر أن يصلي ثم ينحر. وهو قول قتادة. # وقال محمد بن كعب القرطبي: إن ناسا كانوا يصلون لغير الله، وينحرون ~~لغير الله، فأنزل الله هذه السورة. فالمعنى عنده: إنا أعطيناك الكوثر يا ~~محمد، فلا تكن صلاتك ونحرك إلا لله. # وقال ابن جبير: نزلت هذه الآية يوم الحديبية لما صد المشركون النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن البيت، أتاه جبريل وقال: صل وانحر وارجع، فقام رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، [فخطب] خطبة الفطر والنحر، ثم ركع ركعتين، ثم ~~انصرف إلى البدن فنحرها، فذلك قوله { فصل لربك وانحر }. # وهذا القول يدل على أن السورة مدنية، وقال الضحاك: { فصل لربك ~~} ، أي: ادع ربك وأسأله. # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: معنى { وانحر } ، ضع اليمين على ~~الشمال في الصلاة. # وروي عنه: ضع اليمنى على الساعد الأيسر على صدرك. # وعنه أيضا وعن أبي هريرة: يجعل يديه تحت السرة. وهذا مذهب الكوفيين. # وقيل: معنى { وانحر } ارفع يديك إذا استفتحت الصلاة إلى النحر. # وقال ابن جبير: معناه فصل ms2879 لربك المكتوبة، وانحر البدن يمنى. وقاله ابن ~~عباس. # وحكى الفراء { وانحر } استقبل القبلة بنحرك. # ثم قال تعالى: { إن شانئك هو الأبتر } أي: إن مبغضك يا ~~محمد وعدوك هو الأبتر، أي هو الذي لا عقب له، عني بذلك العاصي بن وائل ~~السهمي. # وقال قتادة: { هو الأبتر } أي: هو الحقير الذليل. قال ابن زيد: ~~قال رجل: إنما محمد أبتر ليس له - كما ترون - عقب، فأنزل الله: { إن ~~شانئك هو الأبتر }. # (وقيل: نزلت في عقبة بن أبي معيط، كان يقول: إنه لا يبقى لنبي الله صلى ~~الله عليه وسلم ولد وهو أبتر فأنزل الله جل ذكره: { إن شانئك هو ~~الأبتر } وقال ابن عباس: " لما قدم كعب ابن الأشرف مكة أتوه - يعني ~~قريشا - فقالوا له: نحن أهل السدانة والسقاية، وأنت سيد أهل المدينة، ~~فنحن خير أم هذا [الصبور] [المنبتر] من قومه، (يزعم أنه) [خير] منا، ~~فقال: بل أنتم خير منه، ونزلت: { إن شانئك هو الأبتر } قال: ~~وأنزلت عليه # ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتب ~~يؤمنون بالجبت والطغوت # [النساء: 51] إلى قوله: # نصيرا # [النساء: 52]. # وعن ابن عباس أنها نزلت في أبي جهل قال: والمعنى أن عدوك أبا جهل هو ~~الأبتر. ### | [109 - سورة الكافرون] ### || [109.1-6] # قوله تعالى: { قل يأيها الكافرون * لا أعبد ما ~~تعبدون } إلى آخرها. # روى المفسرون أن المشركين كانوا قد عرضوا على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يعبدوا الله عز وجل سنة / على أن يعبد نبي الله آلهتهم سنة، ~~فأنزل الله جل ذكره جوابهم { قل يأيها الكافرون } إلى آخرها. # والمعنى: قل - يا محمد - { قل يأيها الكافرون } بالله لا ~~أعبد ما تعبدون من الأصنام والأوثان الآن، ولا أنتم عابدون الآن ما ~~أعبد، ولا أنا عابد في ما [أستقبل] ما عبدتم في ما مضى { ولا ~~أنتم عابدون } في ما تستقبلون أبدا ما أعبد أنا الآن (و) في ما ~~أستقبل. # وروي أن ذلك نزل في أشخاص بأعيانهم قد علم الله أنهم لا يؤمنون أبدا، ~~فأمر الله نبيه أن يؤيسهم مما طلبوا وأن ذلك لا ms2880 يكون منه بد ولا منهم، ~~فلا هو يعبد ما يعبدون أبدا ولا هم يعبدون ما يعبد هو أبدا لما سبق في ~~علمه من شقوتهم. # قال ابن عباس: وعد قريش نبي الله عليه الصلاة والسلام أن يعطوه مالا ~~فيكون أغنى رجل بمكة ويزوجوه من أراد من النساء، [وقالوا]: هذا لك عندنا ~~يا محمد، وكف عن شتم آلهتنا، (ولا تذكرها بسوء، فإن لم تفعل فإنا ~~نعرض عليك خصلة واحدة، [فهي] لك ولنا فيها صلاح. قال: ما هي؟ قالوا: تعبد ~~آلهتنا اللات والعزى (سنة)، ونعبد إلهك سنة. قال: حتى أنظر ما يأتي من ~~عند ربي، فجاء الوحي من اللوح المحفوظ: { قل يأيها الكافرون ~~} إلى آخرها وأنزل الله أيضا # قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها ~~الجاهلون # [الزمر: 64] إلى قوله: # وكن من الشاكرين # [الزمر: 66]. # قال المبرد: ليس في هذا تكرير، وإنما جهل من قال إنه يكون في اللغة، ~~وإنما المعنى: { قل يأيها الكافرون * لا أعبد ما ~~تعبدون } في هذا الوقف، وكذا { ولا أنتم عابدون مآ ~~أعبد } وانقضى الكلام، وهو التمام عند أبي حاتم على هذا المعنى. # ومن جعله تكرير للتأكيد كان التمام آخر السورة. # قال المبرد: ثم قال { ولا أنآ عابد ما عبدتم } أي: فيما ~~استقبل { ولا أنتم عابدون مآ أعبد } مثله. وكان في هذا ~~دلالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، لأن كل من خاطبه بهذه الخطابة ~~لم يسلم منهم أحد، وكذا الذين خاطبهم بقوله: # سوآء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا ~~يؤمنون # [البقرة: 6]. # وروي أن الوليد بن المغيرة (و) العاصي بن وائل والأسود [بن المطلب، ~~وأمية بن) خلف لقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا محمد، ~~[هلم]، فلتعبد ما نعبد ونعبد ما تعبد، ونشركك في [أمرنا] كله، فإن كان ~~الذي جئت به خيرا مما في أيدينا كنا قد (شركناك فيه، وأخذنا بحظنا منه، ~~وإن كان الذي بأيدينا خيرا مما في يديك كنت) قد شركتنا في [أمرنا] وأخذت ~~بحظك منه، فأنزل الله جل ذكره: { قل يأيها الكافرون } إلى ~~آخرها. # قوله { لكم ms2881 دينكم ولي دين } أي: لكم دينكم فلا تتركونه ~~أبدا، لأن الله قد قضى (عليكم) ألا تنتقلوا منه وأنتم تموتون عليه، ولي ~~دين لا أتركه أبدا لما (قد) قدر الله علي فيه، فعليه أموت. ### | [110 - سورة النصر] ### || [110.1-3] # قوله تعالى: { إذا جآء نصر الله والفتح } إلى آخرها. # العامل في { إذا جآء } على ما تقدم في { إذا زلزلت }. ~~والمعنى: إذا جاء - يا محمد - نصر الله إياك على قومك { والفتح } أي ~~فتح مكة. # { ورأيت الناس... } في صنوف قبائل العرب { يدخلون في ~~دين الله أفواجا } ، أي: الإسلام الذي بعثتك به { ~~أفواجا } ، أي: زمرا زمرا. # قال ابن عباس: # " بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة إذا قال: الله ~~أكبر، الله أكبر، جاء نصر الله والفتح، جاء أهل اليمن. قيل: يا ~~رسول الله، وما أهل اليمن؟ قال: قوم رقيقة ~~قلوبهم، لينة [طباعهم]، الإيمان يمان والحكمة ~~يمانيه " # [قالت عائشة رضي الله عنها: # " ما صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة بعد أن أنزلت ~~عليه: { إذا جآء نصر الله والفتح } إلا يقول ~~فيها: سبحانك ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي ". # وروي عنها # " أنه عليه السلام كان يقول ذلك في ركوعه وسجودة يتأول القرآن " # وسئل عمر عن قوله { والفتح } ، فقال: فتح المدائن والحصون، فقال ~~لابن عباس: ما تقول؟ قال: أجل، هو مثل ضرب لمحمد، نعيت له ~~نفسه. # وقالت عائشة رضي الله عنها: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر من قول سبحان الله وبحمده، ~~أستغفر الله وأتوب إليه. قالت: فقلت: يا رسول الله، أراك تكثر من قول ~~سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه! فقال: خبرني ربي جل ثناؤه أني ~~سأرى علامة في أمتي، فإذا رأيتها أكثرت من قول سبحان الله وبحمده وأستغفر ~~الله وأتوب إليه، فقد رأيتها، { إذا جآء نصر الله والفتح ~~} ، (فتح) مكة { ورأيت الناس يدخلون في دين الله ~~أفواجا * فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان ~~توابا } ". # وقال ابن عباس: سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن قول الله { إذا ~~جآء نصر الله والفتح ms2882 } ، فقالوا: فتح المدائن والقصور / ~~قال: فأنت يا ابن عباس ما تقول؟ قال: فقلت: هو مثل ضرب لمحمد صلى الله ~~عليه وسلم نعيت له نفسه. # وروي عنه أنه قال: هذه السورة علم وحد حده (الله لنبيه) ونعى له نفسه، ~~(أي) إنك لن تعيش بعد هذا إلا قليلا. # قال قتادة: " والله، ما عاش بعد ذلك إلا قليلا، سنتين، ثم توفي صلى ~~الله عليه وسلم ". وهو قول ابن مسعود ومجاهد والضحاك ومعنى { ~~واستغفره }: واسأله المغفرة. # { إنه كان توابا }. # (أي): إن الله لم يزل ذا رجوع لعبده المطيع إلى ما يحب. وقوله: { ~~واستغفره } وقف كاف عند أبي حاتم. ### | [111 - سورة المسد] ### || [111.1-5] # قوله تعالى: { تبت يدآ أبي لهب وتب } إلى آخرها. أي: ~~خسرت يدا أبي لهب، وقد خسر. فالأول [دعاء] والثاني [خبر]، كما تقول: ~~[أهلكه] الله وقد هلك وفي قراءة عبد الله: " وقد تب " ووقع الإخبار ~~والدعاء عن اليدين على طريق المجاز، والمراد صاحبهما، يدل على ذلك قوله: ~~{ وتب } ولم يقل: وتبتا. # وقيل: هو حقيقة، وذلك أن أبا لهب أراد أن [يرمي] رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فمنعه الله من ذلك، ونزلت: { تبت يدآ أبي لهب ~~وتب } ، فالأولى على الحقيقة لليدين، والثانية لأبي لهب، لأنه إذا ~~خسرت يداه فقد خسر هو. # (قال ابن زيد: التب: الخسران) قال ابن زيد: قال أبو لهب للنبي صلى الله ~~عليه وسلم: وماذا أعطى - يا محمد - إن آمنت بربك؟ قال: كما يعطى ~~المسلمون. قال [فمالي] عليكم فضل! قال: تبا وأي شيء [تبتغي]؟ قال: تبا ~~لهذا من دين، (تبا) أن أكون أنا وهؤلاء سواء، فأنزل الله { تبت ~~يدآ أبي لهب وتب } ، فعلى هذا يكون مجازا، والمراد به عين أبي ~~لهب لا يداه. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم خص عشيرته بالدعوة إذ نزل عليه: # وأنذر عشيرتك الأقربين # [الشعراء: 214] فجمعهم ودعاهم وأنذرهم، فقال له أبو لهب: تبا لك سائر ~~اليوم ألهذا دعوتنا، فأنزل الله { تبت يدآ أبي لهب وتب }. # قال ابن عباس: # " صعد النبي صلى الله عليه وسلم ذات ms2883 يوم [الصفا]، فقال: يا صباحاه، ~~فاجتمعت إليه قريش فقالوا: ما لك؟ فقال: أرأيتكم إن (أخبرتكم) أن العدو ~~[مصبحكم]) أو ممسيكم، أما كنتم تصدقونني؟ قالوا: بلى. قال: فإني نذير لكم ~~بين يدي عذاب شديد. قال [أبو] لهب: تبا لك: ألهذا دعوتنا؟ فأنزل الله: { ~~تبت يدآ أبي لهب وتب } إلى آخر السورة ". # وكان اسم أبي لهب: عبد العزى، فذلك ذكر بكنيته في القرآن. # وقوله: { مآ أغنى عنه ماله وما كسب } إن جعلت ما ~~أستفهاما كانت في موضع (نصب) بأغنى، وإن جعلتها نفيا كانت حرفا، ~~وقدرت مفعولا محذوفا، أي: ما أغنى عنه ماله شيئا. # والمعنى: ما يغني عنه ماله في الآخرة وفي الدنيا إذا جاءه الموت. # وقوله: { مآ أغنى عنه ماله وما كسب } ، يعني ما اقتنى ~~من الموال والأغراض. # وقيل: { وما كسب } عني به ولده، أي ما أغنى عنه ماله وما ولد. وروى ~~أبو الطفيل أن أولاد أبي لهب جاؤوا يختصمون في البيت، فقام ابن عباس يحجز ~~بينهم (وقد كف بصره)، [فدفعه] بعضهم حتى وقع على الفراش ~~فغضب وقال: أخرجوا عني الكسب الخبيث. # قال مجاهد: " وما كسب ولده ". وقيل: معناه: وما كسب من مال وجاه. # ثم قال تعالى: { سيصلى نارا ذات لهب } روي عن أبي بكر عن ~~عاصم أنه قرأ " سيصلى " بضم الياء والمعنى: سيقاسي حر نار ~~ذات توقد وتلهب. # يقال: صليت بالأمر أصلى: إذا قاسيت حره وشدته، ~~وصليته: شويته وفي الحديث شاة مصلية أي: مشوية ~~والمعنى: سيصلى أبو لهب نارا ذات لهب وامراته، وجاز العطف على المضمر ~~المرفوع، [لأنه قد فرق] بينهما فقام التفريق مقام التأكيد. # وقوله: { حمالة الحطب } نعت للمرأة وهي أم جميل أخت أبي سفيان ~~بن حرب عمة معاوية، نعتت بهذا لأنه قد كان له زوجات غيرها. # وقيل: نعتت به على طريق [التخسيس] [لها] عقوبة لأذاها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. # ويجوز أن تكون { وامرأته } [متبدأ] و { حمالة الحطب } ~~نعت، وفي { في جيدها حبل من مسد } ابتداء وخبر في موضع خبر ~~(لامرأة، ويجوز أن يكون { حمالة الحطب } خبرا " لامرأة ms2884 " و { ~~في جيدها حبل من مسد } ابتداء وخبر في موضع خبر ثان، [أو في ~~موضع] الحال. # ويجوز أن ترتفع " حمالة الحطب " على البدل من [ { وامرأته } ~~وتكون (بمعنى) الخبر { في جيدها حبل من مسد } الجملة إن ~~جعلت { وامرأته } [مبتدأ]. # ويجوز أن يكون { حمالة الحطب } / نكرة [يراد] به الاستقبال على ~~ما سنذكره من قول المفسرين في معناه. ويجوز أن يكون معرفة يراد به الماضي ~~على ما سنذكره من قول المفسرين. # فإن جعلت " المرأة " عطفا على المضمر في { سيصلى } كان { في ~~جيدها حبل من مسد } في موضع الحال من المرأة. # ومن [نصب] (حمالة) [نصبه] على الذم. # قال ابن عباس: كانت تحمل الشوك فتجره على طريق النبي صلى الله عليه وسلم ~~ليعقره وأصحابه، فذلك نعتت " بحمالة الحطب ". وهو قول الضحاك وابن زيد. ~~وقال عكرمة: " كانت تمشي بالنميمة ". وعن مجاهد مثله، وقاله قتادة. # [وقيل إن { حمالة الحطب } تمثيل لأذاها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، والعرب تقول: فلان] يحطب على فلان، أي [يغري به] ~~[ويؤذيه] فشبه الحطب [بالعداوة]. # وقيل: معنى { حمالة الحطب } أي: [الخطايا و] الذنوب والفواحش، ~~كما يقال: فلان يحطب على نفسه، إذا كان كثير الاكتساب الذنوب. # وقوله: { في جيدها حبل من مسد } أي: في عنقها، والجيد: ~~العنق. # قال الضحاك: " هو حبل من شجر، وهو الحبل الذي كانت تحتطب به، [وقاله] ~~ابن عباس. وقال ابن زيد: هي حبال من شجر [ينبت] باليمن يقال لها: مسد. # وقيل: { حبل من مسد } ، أي: " حبل من نار في رقبتها ". وقال ~~السدي: المسد: الليف. # وقال عروة: " هو سلسلة من حديد ذرعها سبعون ذراعا ". (وقال ~~سفيان: " حبل في عنقها من النار مثل طوق طوله سبعون ذراعا " وعن مجاهد { ~~من مسد } " من حديد ". # وقال عكرمة: { من مسد } هي: " [الحديدة] التي في وسط البكرة " ~~وروي ذلك أيضا عن مجاهد. # وقال قتادة: { حبل من مسد }: " [قلادة] " من ودع. # فمن جعل هذا إخبار عما يكون في النار من حالها كانت { حمالة ~~الحطب } نكرة لأنه يراد به الاستقبال، فلا يحسن أن يكون صفة ل { ~~امرأته ms2885 }. # ومن جعله بمعنى قد مضى مثل [مشيها] بالنمائم وحملها الشوك لطريق رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ف { حمالة الحطب } معرفة يحسن أن ~~[تكون] صفة ل { امرأته }. والوقف في هذه السورة على مقدار ما ~~تقدر مما تقدم ذكره من النعت والخبر. ### | [112 - سورة الإخلاص] ### || [112.1-4] # قوله تعالى: { قل هو الله أحد } إلى آخرها. # والمعنى: الحديث الذي هو الحق: الله أحد، فهو رفع بالابتداء ~~كناية عن الحديث، و { الله } مبتدأ و { أحد } خبره، والجملة ~~خبر عن { هو }. # ولا يجيز الفراء أن [يكون] { هو } كناية عن الحديث إلا (إذا) ~~تقدمه شيء، وهو عنده كناية عن مفرد الله خبره،. وهو قول ~~الأخفش. # وقال الأخفش: { أحد } بدل من لفظ اسم الله. والمعنى: الله [إله] ~~واحد، أي معبود واحد لا معبود غيره تجب له العبادة. # ثم قال تعالى: { الله الصمد }. # { الله } رفع بالابتداء، و { الصمد } نعته، وما بعد ذلك خبر. ~~ويجوز أن يكون { الصمد } هو الخبر. # ويجوز أن يرفع على إضمار ابتداء و { الصمد } نعت، أي: هو الله ~~الصمد، ويجوز على هذا أن يكون { الصمد } خبرا ثانيا، ويجوز أن يكون ~~{ الله } بدلا من { أحد }. # ويجوز أن يكون { الله } بدلا من { الله } الأول، وفي التكرير معنى ~~التعظيم. # وروي أن اليهود عليهم اللعنة سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يصف لهم ~~ربه عز وجل و (ينسبه) فأنزل الله { قل هو الله أحد } إلى ~~آخرها. # وروي عن أبي عمرو أنه قرأ بحذف التنوين من { أحد } ، حذفه ~~لالتقاء الساكنين. وروي عنه أنه إنما كان يفعل ذلك يريد السكوت عليه ~~فإذا وصل نون، وحسن الوقف عليه لأنه رأس آية. # و { أحد } بمعنى واحد. # وقيل: { أحد } هنا على بابه، بمعنى: أول، كما يقال: اليوم ~~الأحد، أي اليوم الأول، أي: أول الأيام، وذلك مسموع من العرب. # وقال بعض العلماء: في " أحد " من [الفائدة] ما ليس في " واحد " وذلك أنك ~~إذا قلت: فلان لا يقوم به واحد، جاز أم يقوم به اثنان فأكثر. # وإذا قلت: فلان لا يقوم به أحد، تضمن معنى ms2886 " واحد " (فأكثر)، ~~[وأكثر] ما يقع " أحد " إذا كان للعموم بعد النفي، فلذلك بعد أن ~~يكون " أحد " [هنا] على بابه. وجعله أكثرهم بمعنى " واحد " ، لأن واحدا ~~يقع في الإيجاب، [تقول]: مر بنا أحد، أي واحد. # وقوله: { لم يلد ولم يولد } أي: لم يكن له ولد ولا يكون، ولم ~~يكن هو من والد ولا يكون. # وقيل: معناه ليس بفان، لأنه ليس شيء " يلد إلا وهو فان { ~~ولم يولد } ليس بمحدث، لم يكن فكان، لأن كل مولود فإنما وجد ~~بعد أن لم يكن لكنه جل وعز قديم لا يبيد ولا يفنى ليس كمثله شيء. # وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: تفكروا في كل شيء، ولا ~~تفكروا في ذات الله، فإن بين السماء السابعة [إلى الكرسي] سبعة آلاف ~~نور، والله فوق ذلك. # وروي أن المشركين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صفة رب العزة، ~~فأنزل الله عليه هذه السورة جوابا لهم. # وقيل: إن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم /: هذا الله خلق الخلق، ~~فمن خلق الله جل ثناؤه؟ فأنزلت هذه السورة جوابا لهم. # وقال عكرمة: إن المشركين قالوا: يا محمد، [أخبرنا عن ربك]، [صف] لنا ربك ~~ما هو؟ ومن أي شيء هو؟ فأنزل الله جل ذكره { قل هو الله أحد } ~~إلى آخرها. # وقال أبو العالية: [قال قادة الأحزاب] للنبي صلى الله عليه وسلم: ~~انسب لنا ربك، فأتاه جبريل عليه السلام بهذه السورة. # [وقال] ابن عباس: # " دخلت اليهود على نبي (الله) صلى الله عليه وسلم فقالت: ~~يا محمد، لنا ربك [وانسبه لنا]، فقد وصف نفسه في التوراة ~~ونسبها. فارتعد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى خر ~~مغشيا عليه، فقال: كيف تسألوني عن [صفة] ربي ~~ونسبه؟! ولو سألتموني أن أصف لكم الشمس لم ~~أقدر على ذلك، فهبط جبريل عليه السلام فقال له: ~~يا محمد، قل لهم: { الله أحد * الله الصمد * ~~لم يلد ولم يولد } { ولم يكن له كفوا أحد } ، ~~أي ليس بوالد ولا بمولود، و { ولم يكن له كفوا ms2887 أحد } " # ، أي: لم يكن (له) شبيه من خلقه فيوصف به أو ينسب إليه، فهذه صفة ~~ربي ونسبه. # وروى محمد بن إسحاق عن محمد [عن] سعيد # " أن رهطا من اليهود أتوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقالوا: يا محمد، الله خالق الخلق، فمن خلقه؟ ~~فغضب النبي صلى الله عليه وسلم حتى [انتقع] لونه غضبا ~~لربه، فجاءه جبريل عليه السلام فسكنه، وقال: ~~اخفض عليك جناحك - يا محمد - وجاءه من الله ~~جواب ما سألوه عنه، قال: يقول الله - جل ثناؤه - { ~~قل هو الله أحد } إلى آخرها، فلما تلا عليهم ~~النبي - عليه السلام - السورة. قالوا: صف لنا ربك، ~~كيف خلقه؟ وكيف عضده؟ وكيف [ذراعه]؟، فغضب ~~النبي صلى الله عليه وسلم أشد من غضبه الأول، ~~فأتاه جبريل - عليه السلام - فقال له مثل مقالته ~~الأولى، وأتاه بجواب ما سألوه عنه، فقال: { وما ~~قدروا الله حق قدره } إلى قوله: { عما يشركون } ". # وقوله: { الصمد }. قال ابن عباس: { الصمد } الذي لا جوف له. وهو ~~قول مجاهد والحسن. وابن جبير والضحاك. # وقال الشعبي: هو " الذي لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب ". وقال عكرمة: ~~هو " الذي لم يخرج منه شيء { [لم] يلد ولم يولد }. # وقال أبو العالية: { الصمد } الذي لم يلد ولم يولد، لأنه ليس شيء ~~يلد إلا سيورث ولا شيء يولد إلا سيموت، فأخبرهم جل وعز أنه لا يورث ولا ~~يموت، وهو قول أبي بن كعب. # وقال [شقيق]: { الصمد }: (السيد) الذي قد انتهى سؤدده. # وقال ابن عباس: { الصمد } السيد الذي قد كمل [في] ~~سؤدده والشريف الذي قد كمل في شرفه، والعظيم الذي ~~[قد] كمل في عظمته، والحليم الذي قد كمل في [حلمه]، ~~والغني الذي قد كمل في غناه، والجبار الذي قد ~~كمل في جبروته، والعالم الذي قد كمل في علمه، ~~والحكيم الذي قد كمل في حكمته، وهو الذي قد كمل ~~في أنواع الشرف والسؤدد، وهو الله سبحانه، هذه ~~صفته، [لا تنبغي] لأحد إلا له. # وقال قتادة: { الصمد } الباقي الذي لا يفنى، وقال: هذه سورة ~~خالصة ليس فيها شيء من ms2888 أمر الدنيا والآخرة. # وقال [الحسن]: الصمد الدائم. والصمد عند العرب الذي يصمد إليه، الذي لا ~~[أحد] فوقه. # { ولم يكن له كفوا أحد }. # { كفوا } خبر " كان " و { أحد } اسمها. # وكان سيبويه يختار أن يكون الظرف خبرا إذا قدمه [فيختار] إن في ~~الدار زيدا جالسا، فجعل الظرف خبرا لتقدمه وينصب " جالسا " على ~~الحال، فخطأه المبرد [بهذه] الآية، لأنه (قد) قدم الظرف ~~ولم يجعله خبرا. والجواب عن سيبويه أن [سيبويه] لم يمنع [إلغاء] الظرف ~~إذا [تقدم]، إنما اختار أن يكون خبرا ويجوز عنده ألا [يكون] خبرا، ~~[وقد] أشهد شاهدا على [إلغائه] وهو مقدم، وذلك قول الشاعر: # ما دام فيهن فصيل حيا # وأيضا فإنه (قد) يجوز أن يكون (كفؤا) حالا من النكرة [وهي] { أحد } ~~لما تقدم نعتها عليها نصب للحال، فيكون " [له] " الخبر ~~على مذهب سيبويه واختياره، ولا يكون للمبرد على سيبويه حجة على هذا ~~القول. # وقال أبو العالية في [معنى: { ولم يكن له كفوا أحد }: ~~ليس] له [مثل] شبيه ولا عدل، وليس كمثله شيء. # وقال كعب: إن الله جل ذكره [أسس] السماوات السبع والأرضين السبع على هذه ~~السورة: { لم يلد ولم يولد } إلى آخرها، وإن الله جل ذكره لم ~~يكافئه من خلقه أحد. # قال ابن عباس: { ولم يكن له كفوا أحد }: ليس كمثله شيء، ~~فسبحانه هو الله الواحد / القهار. وقال مجاهد: معناه: ولم تكن له صاحبة. ~~والكفء - في كلام العرب - الشبيه والمثل. # وقولهم: لا كفاء له، أي لا مثل له، وقولهم: فلان كفء لفلان معناه: نظير ~~له وشبيه. ومنه: كافأت الرجل، أي فعلت به مثل [ما فعل]. ومنه كفأت ~~[الإناء]، أي جعلت (في) موضع الماء [التفريغ]. وكفأت في [الشعر]: جعلت ~~حرفا نظير حرف. # وقرأ سليمان بن علي الهاشمي: ولم يكن له [كفاء] أحد، وهو بمعنى { ~~كفوا } " ، يقال: كفء [وكفء] وكفاء وكفء بمعنى [فيجمع] [كفء] [كفء] ~~على أكفاء، ويجمع كفاء وكفئ على أكفية. ### | [113 - سورة الفلق] ### || [113.1-5] # قوله تعالى: { قل أعوذ برب الفلق } إلى آخرها. # (قال زر: سألت أبي بن كعب عن المعوذتين، فقال: ms2889 سألت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن ذلك فقال: قيل لي فقلت فنحن نقول كما قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. وقاله ابن مسعود بمثله. ومعنى ذلك - والله أعلم - أنهما ~~سألا النبي صلى الله عليه وسلم عن إثبات " قل " في أولهما، فقال النبي ~~عليه السلام: قيل: لي: " قل أعوذ " ، فقلت: [أي]: قيل لي: اقرأ { ~~قل أعوذ } فقرأها، بإثبات " قل " على أنها أمر به. وكأنه كان يقال ~~في غير هذه السور الثلاث: " قل ألم نشرح " ، " قل إنا أنزلناه ". # وقيل في هذه الثلاثة: اقرأ: { قل أعوذ } ، اقرأ: { قل هو ~~الله } ، هذا بإثبات " قل " في ذلك، وقال أبي بن كعب وابن مسعود: فنحن ~~نقول كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فالمعنى: اقرأ - يا محمد - { ~~قل أعوذ برب الفلق }. # قال ابن عباس: " الفلق: سجن في جهنم ". قال بعض الصحابة: الفلق بيت في ~~جهنم، إذا فتح هرب أهل النار، [كذا في كتاب عبد بن حميد]. وذكر ابن وهب ~~أن كعبا قال: الفلق بيت في جهنم إذا (فتح) صاح جميع أهل النار من شدة ~~حره أعاذنا الله منها. # وقال السدي: الفلق جب " في جهنم ". وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم (قال): # " الفلق جب في جهنم مغطى ". # وقال أبو عبد الرحمن [الحبلي]: هو جهنم. # وقال ابن عباس والحسن وابن جبير ومحمد بن كعب ومجاهد وقتادة وابن زيد: ~~هو فلق النهار، يريدون فلق الصبح، وعن ابن جبير [أيضا] أنه جب في النار. # والعرب تقول: هو أبين من فلق الصبح، ومن [فرق] الصبح يعنون الفجر، ~~ويقولون لكل شيء أضاء من الأرض: فلق. # وعن ابن عباس أيضا: الفلق: [الخلق]. # وقوله: { من شر ما خلق } ، أي: من شر كل ذي شر، أمر الله نبيه ~~أن يتعوذ من شر (كل) ذي شر، لأن ما سواه - تعالى ذكره - مخلوق. # ثم قال تعالى ذكره: { ومن شر غاسق إذا وقب }. # قال ابن عباس والحسن: الغاسق [الليل إذا أظلم]. # وقال محمد بن كعب { غاسق إذا وقب } " النهار إذا دخل ms2890 [في ~~الليل]. # وقال مجاهد: هو الليل [: إذا أظلم، وقال أيضا]: إذا دخل. # وقال أبو هريرة رضي الله عنه: هو " كوكب ". # وقال ابن زيد: كانت العرب تقول: الغاسق سقوط الثريا، وكانت الأسقام ~~والطاعون يكثران عند سقوطهما ويرتفعان عند طلوعها. # وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " النجم هو الغاسق ". # وقالت عائشة رضي الله عنها: # " أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيدي، ثم نظر إلى القمر فقال: يا عائشة، ~~تعوذي بالله من شر غاسق إذا وقب، (هذا غاسق إذا وقب) " # وقال الزهري: الغاسق إذا وقب: " الشمس إذا غربت ". # والمعروف في كلام العرب: وقب بمعنى دخل. # ويقال: غسق: إذا أظلم، فالليل إذا دخل في ظلامه غاسق، وكذا القمر ~~إذا دخل في المغيب للكسوف وغيره، وكذا النجم، [فالاستعاذة] عامة من ~~[كل] هذا، فهو الظاهر. # ويقال: غسق إذا أظلم. # وقال القتبي: { إذا وقب }: هو القمر إذا دخل في ساهوره، وهو ~~كالغلاف له، وذلك إذا خسف. وكل شيء أسود فهو غسق. # قال الحسن ومجاهد وعكرمة وقتادة: الغاسق الليل. # قال الحسن: { إذا وقب }: إذا دخل على الناس. # قال عكرمة: تجلى فيه عفاريت الجن. # ثم قال تعالى: { ومن شر النفاثات في العقد }. # أي: من شر السواحر [اللاتي] ينفثن في الخيط حين [يرقين] عليها. # قال ابن عباس: هو (ما) خلط السحر من الرقى. # قال مجاهد: هو " الرقى في عقد الخيط ". # وقال مجاهد: هو نفث " السواحر في العقد ". # ويقال: إنهن نساء كن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم سواحر، أمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم بالاستعاذة منهن، لأنهن يوهمن / أنهم [ينفعن] ~~أو [يضرن]، فربما لحق الإنسان في دينه مأثم. ويروى أن النبي لما ~~سحر عقدت له إحدى عشرة عقدة، فأنزل الله جل ذكره إحدى ~~[عشرة] آية بعدد العقد، وهي المعوذتان. # والنفث يكون بالفم [شبيه] بالنفخ، والتفل لا يكون ~~إلا مع الريق. # ثم قال: { ومن شر حاسد إذا حسد }. # قال قتادة: معناه: " من شر عينه ونفسه ". # وقال ابن زيد: أمر النبي صلى الله عليه وسلم ms2891 أن [يستعيذ] ~~من شر اليهود الذين حسدوه، لم يمنعهم أن ~~يؤمنوا به إلا [حسدهم]. # وقيل: هو لبيد بن الأعصم وبناته من السواحر. ### | [114 - سورة الناس] ### || [114.1-6] # { قل أعوذ برب الناس } إلى آخرها. # (المعنى: اقرأ يا محمد: { قل أعوذ برب الناس } فأثبت " ~~قل " في قراءته كما أمر، أي): قل [يا] محمد، أستعيذ برب ~~الناس، وهو الله جل ذكره، { ملك الناس } ، وهو الله. # وخص الناس بالذكر وهو تعالى جل ذكره رب جميع الخلق وملكهم، لأن بعض ~~الناس كان يعظم بعض الناس تعظيم المؤمنين ربهم، فأعلمهم [الله] ~~أنه رب من [يعظمونه] وملكهم [يجري] عليهم [سلطانه] وقدرته. # ثم قال تعالى: { إله الناس } أي: معبود الناس، لا تجب العبادة ~~لغيره. # ثم قال: { من شر الوسواس الخناس }. أي الشيطان الخناس، ~~يعني الشيطان يخنس مرة ويوسوس (أخرى، فيخنس إذا ذكره العبد ربه، ويوسوس ~~من صدور الرجل) إذا غفل عن ذكر ربه. # قال ابن عباس: " الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل [وسوس]، ~~[وإذا] ذكر الله خنس، فذلك قوله: { الوسواس الخناس } وقال ~~مجاهد: ينبسط الشيطان فإذا ذكر الله خنس وانقبض، فإذا غفل الإنسان انبسط، ~~وهو قول قتادة. # وقال ابن زيد: يوسوس مرة، (ويخنس مرة) من الجن والانس وكان يقول: شيطان ~~الإنس أشد على الناس من شيطان الجن، لأن شيطان الجن يوسوس (ولا تراه، ~~وشيطان [الانس] يعاينك معاينة). # وعن ابن عباس أن الشيطان يوسوس بالدعاء إلى طاعته في صدور الناس حتى ~~يستجاب له إلى ما دعا من طاعته، فإذا [استجيب] له إلى ذلك خنس. # يقال: خنس: إذا استتر، وخنست عنه: تأخرت، وأخنست عنه حقه سترته. # وقوله جل ذكره: { الذى يوسوس في صدور الناس * من ~~الجنة والناس } قيل: إن { الناس } المتأخر هنا يراد به الجن، ~~وذلك أنهم سموا ناسا كما سموا رجالا في وقوله: # يعوذون برجال من الجن # [الجن: 6]. # وحكي عن بعض العرب أنه قال: جاء قوم [من الجن]، وقد قال الله في ~~مخاطبة الجن لأصحابهم: # يقومنآ # [الأحقاف: 30] فسموا قوما [كما يسمى الأنس]. # والجنة جمع جنى كما يقال: ms2892 إنسي وإنس، والهاء لتأنيث الجماعة مثل: حجار ~~وحجارة. # وقال علي بن سليمان: قوله { والناس } (معطوف) على { الوسواس } ~~، والتقدير: قل اعوذ برب الناس من الوسواس والناس، فيكون { الناس } ~~على هذا القول يعني به الإنس. # وروت عائشة رضي الله عنها # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه، ~~ثم نفث فيهما فقرأ فيهما { قل هو الله أحد } و { قل أعوذ ~~برب الفلق } و { قل أعوذ برب الناس } (ثم) يمسح ~~(بهما) ما استطاع (من جسده) يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، ~~يفعل ذلك ثلاث مرات. ". # صلى الله عليه وسلم (وشرف وكرم ومجد). ms2893