######OpenITI# #META# دراسة وتحقيق: الدكتور مصطفى عليان #META# المؤلف: إبراهيم بن محمد بن زكريا الزهري، من بني سعد بن أبي وقاص، أبو القاسم ابن الإفليلي (المتوفى: 441ه) #META# bkid: 458 #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: شرح شعر المتنبي - السفر الثاني ¶ المؤلف: إبراهيم بن محمد بن زكريا الزهري، من بني سعد بن أبي وقاص، أبو القاسم ابن الإفليلي (المتوفى: 441ه) ¶ دراسة وتحقيق: الدكتور مصطفى عليان ¶ الناشر: مؤسسة الرسالة، بيروت - لبنان ¶ الطبعة: الأولى، 1412 ه - 1992 م ¶ عدد الأجزاء: 2 ¶ [الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع] #META# auth: ابن الإفليلي #META# Lng: إبراهيم بن محمد بن زكريا الزهري، من بني سعد بن أبي وقاص، أبو القاسم ابن الإفليلي #META# الطبعة: الأولى، 1412 ه - 1992 م #META# max: 373 #META# onum: 37327 #META# bk: شرح معاني شعر المتنبي لابن الإفليلي - السفر الثاني #META# authinf: ابن الإفليلي (352 - 441 ه = 963 - 1050 م) ¶ إبراهيم بن محمد بن زكريا الزهري، من بني سعد بن أبي وقاص، أبو القاسم ابن الإفليلي: وزير أندلسي من أئمة اللغة والأدب. ولد ومات بقرطبة. استوزره المستكفي بالله (الأموي) له كتب منها (شرح معاني المتنبي - خ) الجزء الأول منه رأيته في خزانة الرباط (437 د) ورأى ابن حزم نسخة كاملة منه واستحسنه [ثم طبع كاملا] ¶ نقلا عن: الأعلام للزركلي #META# bver: 1 #META# over: 1 #META# ndata: الجزء ال646B217Fلعالمين. #META# bkord: 6391 #META# archive: 3 #META# عدد الأجزاء: 2 #META# الناشر: مؤسسة الرسالة، بيروت - لبنان #META# الكتاب: شرح شعر المتنبي - السفر الثاني #META# seal: 94AF8578 #META# oauth: 2343 #META# authno: 2332 #META# ad: 441 #META# idx: 1 #META# comp: 1 #META# higrid: 441 #META# cat: الأدب والبلاغة - مرقم آليا #META# iso: شرح معاني شعر المتنبي لابن الافليلي السفر الثاني #META# digitization_comments: [الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع] #META# DownloadSource: Abū Yaʿqūb's Shamela database #META# DownloadDate: 2017? #META# ConversionDate: 2020-10-01 #META#Header#End# ### | AUTO الجزء الأول # ورد على سيف الدولة الخبر، آخر ساعة نهار يوم الثلاثاء لست خلون من جمادى ~~الأولى، سنة أربع وأربعين وثلاث مئة، بأن الدمستق وجيوش النصرانية قد نزلت ~~ثغر الحدث في يوم الأحد، ونصبت مكايد الحصون عليه، وقدرت نيل فرصة، لما ~~تداخلها من القلق والانزعاج والوهم في تمام بنائه على يد سيف الدولة؛ لأن ~~ملكهم لزمهم قصدها، وأنجدهم بأصناف الكفر من البلغار والروس والصقالبة ~~وغيرهم، وأنفذ معهم العدد، فركب سيف الدولة لوقته نافرا، وانتقل إلى موضع ~~غير الموضع الذي كان به، فنظر فيها يجب أن ينظر فيه في ليلته، وسار عن حلب ~~غداة يوم الأربعاء، فنزل رعبان، وأخبار الحدث مستعجمة عليه؛ لضبطهم الطرق، ~~فلما أسحر لبس سلاحه، وأمر أصحابه بمثل ذلك، وسار زحفا، فلما قرب من الحدث، ~~عادت إليه الطلائع فأخبرته بأن عدو الله لما أشرفت عليه خيول سيف PageV01P001 ~~الدولة على عقبة يقال لها العيراني، رحل ولم تستقر به دار، وامتنع أهل ~~الحدث من البدار خوفا من كمين يعترض الرسل، فنزل سيف الدولة بظاهرها، وذكر ~~خليفته بها أنهم نازلوه وحاصروه، فلم يمكن الله من نصره عليهم إلا في نقوب ~~نقبوها، فأتتهم طلائع بخبر سيف الدولة في إشرافه على ثغر رعبان، فوقعت ~~الصيحة فيهم وظهر الاضطراب، وولى كل فريق على ودهه، وخرج أهل الحدث فأوقعوا ~~ببعضهم، وأخذوا آلة حربهم فأعدوها في حصنهم، فقال أبو الطيب في ذلك يمدحه: # ذي المعالي فليعلون من تعالى ... هكذا هكذا وإلا فلا لا # شرف ينطح النجوم بروقي ... ه وعز يقلقل الأجبالا # حال أعدائنا عظيم وسيف الد ... ولة ابن السيوف أعظم حالا # كلما أعجلوا النذير مسيرا ... أعجلتهم جياده الإعجالا # فأتتهم خوارق الأرض ماتح ... مل إلا الحديد والأبطالا # خافيات الألوان قد نسج ... النقع عليها براقعا وجلالا # حالفته صدورها والعوالي ... ليخوضن دونه الأهوالا # ولتمضن حيث لا يجد الرم ... ح مدارا ولا الحصان مجالا # لا ألوم ابن لاون ملك الروم ... م وإن كان ما تمنى محالا # أقلقته بنية بين أذنيه ... وبان بغى السماء فنالا # كلما رام حطها اتسع البن ms001 ... ي فغطى جبينه والقذالا # يجمع الروم والصقالب والبل ... - غر فيها، وتجمع الآجالا # وتوافيهم بها في القنا السم ... ر كما وافت العطاش الصلالا # قصدوا هدم سورها فبنوه ... وأتوا كي يقصروه فطالا # واستجروا مكايد الحرب حتى ... - تركوها لها عليهم وبالا PageV01P002 ~~رب أمر أتاك لا تحمد الفع ... عال فيه وتحمد الأفعالا # وقسي رميت عنها فردت ... في قلوب الرماة عنك النصالا # أخذوا الطرق يقطعون بها الرس ... ل فكان انقطاعها إرسالا # وهم البحر ذو الغزارب إلا ... أنه صار عند بحرك آلا # ما مضوا لم يقاتلوك ولكن ... - ن القتال الذي كفاك القتالا # الغوارب: الأمواج، والآل: السراب. # فيقول مخبرا عن الروم، ومخاطبا لسيف الدولة: أخذوا الطرق موكلين بها، ~~وقاطعين عنك للرسل منها، فكان ذلك القطع إشعارا، وقام ذلك الضبط مقام ~~الإرسال إليك، لأنك أنكرت فعلهم، واستربت أمرهم، فأسرعت نحوهم، وبادرت ~~بنفسك وجيشك إليهم. # ثم قال: إنهم كالبحر ذي الغوارب؛ لتكاثف جمعهم، وتكاثر عددهم، إلا أنهم ~~صاروا عند قوتك وعديدك، وبأسك وجنودك، كالآل الذي يتخيل ولا يصدق، ويتمثل ~~ولا يتحقق، ففروا هاربين، وولوا عنك مدبرين. # ثم قال يخاطب سيف الدولة: ما مضى الروم عنك غير مقاتلين لجيشك، ولا ولو ~~غير متيقنين لأمرك. # ثم قال: ولكن القتال عند التأمل، والنزال الشديد عند التبين، ما أسكنت ~~قلوبهم وقائعك من الهيبة، وما أودعتها من مهابة، حتى صار اسمك يهزم ~~عساكرهم، وذكرهم يثني عزائمهم. # والذي قطع الرقاب من الضر ... ب بكفيك قطع الآمالا # والثبات الذي أجادوا قديما ... علم الثابتين ذا الإجفالا # الإجفال: الإسراع. # فيقول مخاطبا لسيف الدولة: والضرب الذي قطعت به كفاك رقاب الروم في PageV01P003 ~~وقائعك، وأفنيت به أبطالهم في ملاحمك، قطع ما أملوه في حصن الحدث من ~~مكايدتك، وأكذب ما حاولوه فيه من مغالبتك. # ثم قال مخاطبا له: والثبات الذي أجاد الروم قديما في قتالك، فأفضى بهم ~~إلى المهالك، وأعقبهم أشد الهزائم، علم الثابتين من رجالهم، وأهل البأس من ~~حماتهم وأبطالهم، الهرب منك، والاجتهاد في الإجفال عنك. # نزلوا في مصارع عرفوها ... يندبون الأعمام والأخوالا # تحمل الريح بينهم شعر الها ... م وتذري ms002 عليهم الأوصالا # تنذر الجسم أن يقيم لديها ... وتريه لكل عضو مثالا # الندب: ذكر الميت بجميل أفعاله، وتذري: تثير وتفرق. # فيقول: نزل الروم على الحدث في مواضع تقدمت معرفتهم بها وبإيقاع سيف ~~الدولة عليهم فيها، فجعلوا يندبون من قتل [أبطالك] من أعمامهم وأخوالهم ~~وأبطالهم وفرسانهم، وامتثلوا تلك الحال في أنفسهم، وتوقعوا أن يحدث ما ~~يشبهها عليهم. # قم قال: تحمل الريح بينهم شعر هام القتلى منهم، وتذري ما تدفق من عظامهم ~~عليهم وأوصالهم، فيخيفهم ويذعرهم، ويقلقهم ويفزعهم. # ثم قال: تنذر تلك الأوصال جسمهم بأن يؤول إلى مآلها، ويقيم لديها في مثل ~~حالها، وتريه لكل عضو من أعضائه مثالا شاهدا، ونظيرا حاضرا، وأشار بما ذكره ~~إلى رفعة سيف الدولة على الروم عند بنيانه لحصن الحدث التي وصفها في قصيدته ~~التي أولها: # على قدر أهل العزم تأتي العزائم # ولم تكن بعيدة من هذه الغزوة، فقال: إن الروم لما اشرفوا على موضع تلك ~~الوقعة، وتذكروا عظم تلك النكبة، أشفقوا من أن يعاودهم سيف الدولة بمثلها، ~~فولوا هاربين، وفروا بين يديه منهزمين. PageV01P004 # أبصروا الطهن في القلوب دراكا ... قبل أن يبصروا الرماح خيالا # وإذا حاولت طعانك خيل ... أبصرت أذرع القنا أميالا # الدراك: التتابع، والخيال: ما ترى على غير حقيقة. # فيقول لسيف الدولة: مثلت هيبتك للروم إيقاعك بهم، وأرتهم طعان رماحك ~~دراكا في قلوبهم، قبل أن يتخيلوا ذلك ويتحققوه، ويتمثلوه ويشاهدوه، فعاذوا ~~بالفرار منك، وولوا منهزمين عنك. # ثم قال: وإذا حاولت خيل طعانك، ومثلت لأنفسها قتالك، أراها الفزع أذرع ~~رماحك أميالا متصلة؛ [لما تتوقعه من طعنها، وتحذره من مخوف فعلها]. # بسط الرعب في اليمين يمينا ... فتوبوا وفي الشمال شمالا # ينفض الروع أيديا تدري ... أسيوفا حملن أم أغلالا # ووجوها أخافها منك وجه ... تركت حسنها له والجمالا # الروع: الفزع، والأغلال: روابط تشد بها الأيدي إلى الأعناق، واحدها غل. # فيقول: بسط الرعب في أيديهم أيديا مثلها، تمنعها من البطش، وتقصرها على ~~الكف، فولوا وقد خذلتهم أعضاؤهم من الفزع، فاستولى على أنفسهم شدة الجزع. # ثم قال على نحو ما قدمه: ينفض الروع ms003 من أيديهم السلاح فيسقطه، ويسلبهم ~~إياه الذعر فيذهبه، حتى كأن سيوفهم في أيديهم أغلال تملكها، وموانع تمنعهم ~~من التصرف بها. # ثم قال على نحو ما تقدم، مخاطبا لسيف الدولة: وينفض الرعب عنهم وجوها قد ~~امتقعها الخوف، وأذهب جمالها الذعر، فهي ترعد متغيرة، وتعبس متوقعة قد ~~أخافها منك وجه أحرز غاية الحسن، وغلبها على الجمال والفضل. # والعيان الجلي يحدث للظن ... زوالا وللمراد انتقالا # وإذا ما خلا الجبان بأرض ... طلب الطعن وحده والنزالا PageV01P005 ~~أقسموا لا رأوك إلا بقلب ... طال ما غرت العيون الرجالا # الجلي: المكشوف. # فيقول مشيرا إلى الروم، وفرارهم عن أرض الحدث بين يدي سيف الدولة؛ بعدما ~~تكلفوه من غزوه، وتعاطوا من حصاره: أن ما تيقنوه من قصد سيف الدولة لهم، ~~وتسابق خيله نحوهم، أكذب ما ظنوه، واراهم الجلية فيما حاولوه، وعرفهم أن ~~حظهم في الانتقال عما أضمروه من الإقدام إلى الفرار والانهزام. # ثم ضرب للروم مثلا في فعلهم فقال: وإذا ما خلا الجبان في أرضه، وبعد عن ~~الأقران بنفسه، طلب الطعن والمنازلة، وتعاطى القتال للمبارزة، فإذا أحس بمن ~~يقاتله، رجع إلى طبعه، واعتصم بالفرا عن قرنه، وكذلك شأن الروم وشأن سيف ~~الدولة، اظهروا الإقدام عليه، فلما أحسوا به، فروا بين يديه. # ثم قال مخاطبا لسيف الدولة: أقسم الروم أنهم لا يرونك إلا بقلوبهم ~~متباعدين عنك، ولا يلحظونك بعيونهم مقربين منك، فطالما اغتروا بموافقتك ~~فأفنيت جيوشهم، وكثرا ما أقدموا في الحرب على معاينتك، فأتلفت نفوسهم. وهذه ~~العبارة وإن كانت تزيد على لفظه، فهي مفهومة من حقيقة [قصده]. # أي عين تأملتك فلا قتك ... وطرف رنا إليك فآلا # ما يشك اللعين في أخذك الجي ... ش فهل تبعث الجيوش نوالا # ما لمن ينصب الحبائل في الأر ... ض ومرجاه أن يصيد الهلالا # الرنو: النظر، وآل بمعنى: رجع، والنوال: العطاء، والحبائل: الأشراك، ~~واحدتها حبالة، ومرجاة: مفعلة من الرجاء. # فيقول لسيف الدولة: أي عين بطل تأملتك فرقاك صاحبها، وأقدم على موافقتك ~~الناظر بها، وأي شجاع مجرب، أو كمي مقدم دنا إليك طرفه، ولاحظتك عينه، فرجع ~~قاصدا إليك، ms004 وتعرض للكر مقدما عليك؟! PageV01P006 # ثم قال، وهو يريد ملك الروم: ما يشك اللعين في أنك تغلب جيشه وتأخذه، ~~وتتحكم فيه وتتملكه، وتشمل أهله بالقتل والأسر، ويتكفل الله لك عليه بأبلغ ~~النصر، أفتراه إنما يجهز الجيوش إليك عطاء لك تقصده، وإتحافا تعتمده. # ثم قال مؤكدا للإزراء على ملك الروم: ما لمن ينصب حبائله في الأرض، ويبث ~~مكائده بين الناس، ورجا التأثير في سيف الدولة، وهو القمر في رفعته، وسبيه ~~[به] في علو منزلته، فكيف لملك الروم أن يؤثر في القمر، ويعترض على سابق ~~القدر؟! # إن دون التي على الدرب والأح ... دب، والنهر مخلطا مزيالا # غضب الدهر والملوك عليها ... فبناها في وجنة الدهر خالا # وحماها بكل مطرد الأك ... عب جور الزمان والأوجالا # الدرب: المدخل إلى أرض العدو من أرض الإسلام، والأحدب: جبل بقرب حصن ~~الحدث، والاختلاط بالشيء: الالتباس به، والزوال عنه: المباعدة، والمخلط ~~المزيال: الذي يلابس الشيء تارة، ويباعده تارة، والغضب: الأخذ بالقهر، ~~والخال: شامة في الوجه، تخالف سائر لونه، والمطرد: المتصل الذي لا عوج غيه، ~~والأكعب: العقد التي تكون بين أنابيب الرمح، واحدها كعب، والأوجال: ~~المخاوف، واحدها وجل. # فيقول مشيرا إلى مدينة الحدث، وإلى سيف الدولة: إن دون المدينة المبنية ~~على الدرب والأحدب والنهر من سيف الدولة، الذي يحمي حريمها، ويقاتل الأعداء ~~دونها، ملكا متيقظا مقتدرا، مزيالا عن أطراف بلاده، واثقا بما يحميها من ~~هيبته، مخلطا بالأعداء فيها عند مرامهم لها، سريعا لا يتأخر من سطوته، فهو ~~وإن بعد، أدنته قوته، وإن انتزح، قربته مقدرته. # ثم قال: غضب الدهر والملوك على هذه المدينة، [وأدخل على كان في أول الكلام PageV01P007 ~~غلب]، والعرب تفعل ذلك، وتحمل الكلام على المعنى إذا تقارب ولم يستحل، ~~فبناها في وجنة الدهر كالخال الذي يزين الوجه مع مخالفته للونه، ويحسنه مع ~~ما يثبت فيه من وسمه، فبين أن هذه المدينة امتنع أمرها، وجل قدرها، فكأن ~~الدهر زين بها وجهه، ووسم برفعتها نفسه. # ثم قال يريد سيف الدولة: وحمى هذه المدينة بكل رمح مطرد الكعوب، جور ~~الزمان وظلمته، ومخاوفه ms005 وصرفه، يشير إلى منعه لها من الروم بمسارعته دونها إليهم. # وهي تمشي مشي العروس اختيالا ... وتثنى على الزمان دلالا # في خميس من الأسود بئس ... يفترسن النفوس والأموالا # وظبا تعرف الحرام من الحل ... فقد أفنت الدماء حلالا # الاختيال: الزهو والتكبر، الدلال: الشكل، والخميس: الجيش، [والبئيس]: ~~الكثير الشجعان، والافتراس: شدة الأخذ، وأصله دق العنق، والظبا: السيوف، ~~والحرام: الممنوع، والحل: الحلال. # فيقول، وهو يريد مدينة الحدث: فهي تمشي مشي العروس اختيالا بمنع سيف ~~الدولة منها، وتثنى على الزمان دلالا بمدافعته عنها، وأتى بهذا القول على ~~سبيل الاستعارة، وأشار إلى أن هذه المدينة من الاعتزاز بسيف الدولة في حال ~~تتيه معها على الدهر، وتفرط في الخيلاء والكبر. # ثم قال: وهي في خميس من جيشه، وكثرة من جمعه، وهم كالأسود الضارية، ~~والسباع العادية، يفترسون نفوس الأعداء، ويأخذون أموالهم، ويقربون حتوفهم ~~وآجالهم. # ثم قال، يريد. . . من سيوف هذا الجيش مشكور فعلها، محمود أثرها، تعرف ~~الحلال والحرام، والمباح والمحظر، فقد أفنت الدماء التي أحل الله سفكها، ومنعت PageV01P008 ~~البلاد التي أوجب حمايتها ومنعتها. # إنما أنفس الأنيس سباع ... يتفارسن جهرة واغتيالا # من أطاق التماس شيء غلابا ... واغتصابا لم يلتمسه سؤالا # كل غاد لحاجة يتمنى ... أن يكون الغضنفر الرئبالا # الأنيس: جماعة الناس، والتفارس: التقاتل، والجهرة: معروفة، والاغتيال: ~~القتل بالخديعة، والغلاب: المغالبة، والاغتصاب: الأخذ بالقهر، والغضنفر ~~والرئبال: اسمان من أسماء الأسد. # فيقول: إنما أنفس الناس كالسباع فيما تبتغيه وتطلبه، من الاستعلاء ~~بالقدرة، فهي تتفارس سرا وجهرة، ومكاشفة وغيلة. # ثم قال: وكل غاد منهم لحاجة، ومعتمد لبغيته، يود أنه الأسد بأسا وشدة، ~~واقتدارا وقوة؛ ليتناول ما يقصده بفضل قوته، ويستظهر عليه ببأسه وشدته. ~~وأشار إلى أن الروم لم يفروا بين يدي سيف الدولة على الخديعة أنفا ومكارمة، ~~وإنما كان فرارهم فرقا ومحاذرة؛ لأن في طبائع الإنس أن يستعملوا فيما ~~يطلبونه غاية قوتهم، [وأن يتناولوا ذلك بأبلغ قدرتهم]. PageV01P009 # وفزع الناس لخيل لقيت سرية لسيف الدولة ببلد الروم، فركب وركب أبو الطيب ~~معه، فوجد السرية قد قتلت بعض الخيل، وأراه بعض العرب سيفه، فنظر ms006 إلى الدم ~~عليه، وإلى فلول أصابته في ذلك الوقت، فتمثل سيف الدولة بيتي النابغة: # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب # تورثن من أزمان يوم حليمة ... إلى اليوم قد جربن كل التجارب # فأنشد ارتجالا: # رأيتك توسع الشعراء نيلا ... حديثهم المولد والقديما # فتعطي من بقى مالا جسيما ... وتعطي من مضى شرفا عظيما # المولد: المتأخر من الشعراء، وبقى: بمعنى بقي، وهي لغة لطيء، يبدلون ~~الكسرة فتحة، إذا كانت بعدها ياء مفتوحة، ويقلبون الياء ألفا، فيقولون في ~~رضي: رضى، وفي ناصية ناصاة. # فيقول لسيف الدولة (. . . . . . .) وتعمهم بنيلك؛ حديثهم المولد في عصرك، ~~وسالفهم المتقدم من قبلك. # ثم بين ذلك فقال: فتعطي (. . . . . . . .) يقنعهم، وتعطي ماضيهم شرفا ~~عظيما يدفعهم. # سمعتك منشدا بيتي زياد ... نشيدا مثل منشده كريما # فما أنكرت موضعه ولكن ... غبطت بذاك أعظمه الرميما # زياد: نابغة بني ذبيان، وغبطت الرجل بحاله: إذا أيدت بصيرته (. . . . . . ~~. .)، والرميم: العظم إذا بلي وتقطع. # فيقول لسيف الدولة: سمعتك تنشد بيتي النابغة نشيدا يشبه كرمه كرمك، ~~[ويماثل صوابك شعره]، فما أنكرت موضع النابغة من (. . . . . .) لما رفعت من ~~قدره، ولكنني غبطت عظامه البالية بتشريفك (. . . . . . . . .). # كمل السفر والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على خاتم النبيين، وعلى آله PageV01P010 ~~أجمعين، وكان الفراغ منه يوم السبت الموفي ثلاثين من شهر ربيع الآخر عام ~~أربع. . . وكتبه بخطه لنفسه عفا الله عنه علي بن محمد بن جعفر. PageV01P011 # اجتاز أبو الطيب برأس عين سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، وقد أوقع سيف الدولة ~~بعمرو بن حابس من بني أسد، وبني ضبة وبني رياح من بني تميم، يمدح سيف ~~الدولة بهذه القصيدة، ولم ينشده إياها، فلما أنشده هذه القصيدة اللامية، ~~أنشده إياها، وألحقت في هذا الموضع، وهي من قوله في صباه: # ذكر الصبا ومرابع الآرام ... جلبت حمامي قبل وقت حمامي # دمن تكاثرت الهموم علي في ... عرصاتها كتكاثر اللوام # فكان كل سحابة وقفت بها ... تبكي يعيني عروة بن حزام # الذكر: جمع ذكرى. والآرام: الظباء، ومرابعها: المواضع التي تقيم فيها مدة ~~الربيع، والحمام: الموت، والدمن: المواضع التي ينزل بها ms007 القوم فتبقى فيها ~~أبعار إبلهم، وآثار نارهم، (وعرصات) الدمن: أوساطها، وعروة بن حزام العذري: ~~أحد العشاق المتقدمين وهو ممن قتله العشق. # فيقول: ذكر الصبا وما فرط من طيبه، والشباب وما سلف من السرور به (. . .) ~~زمن إلمامي على ربع الآرام من الأحبة، جلبت إلي الحمام قبل وقته (. . .). # ثم قال: دمن تكاثرت الهموم علي (. . .) في عرصاتها من دروس رسومها (. . ~~.) كتكاثر اللوام على ما لحقني من الحزن، وأحاط بي من البث والشجن، وكأن ~~سحاب (. . .) الأمطار المغيرة لها تبكي عليها رثاية لتغيرها، وأسفا على ~~دروسها وتبدلها بعيني عروة بن حزام، الذي كان لا يرقا دمعه، ولا يفتر حزنه، ~~فأشار ببكاء السحاب على هذه الدمن إلى ما كانت عليه من الحسن والجلالة، ~~وبمداومة المطر لها إلى ما صارت إليه (. . . .). # ولطالما أفنيت ريق كعابها ... فيها، وأفنت بالعتاب كلامي # قد كنت تهزأ بالفراق مجانة ... وتجر ذيلي شرة وعرام # ليس القباب على الركاب وإنما ... هن الحياة ترحلت بسلام # الكعاب: الجارية التي ينبت ثديها في صدرها. والعتاب: المؤاخذة على الزلة. PageV01P012 # والماجن: الذي لا يبالي بما صنع. والعرام: الشدة، والركاب: الإبل تحمل القوم. # فيقول: ولطالما أفنيت في هذه الدار ريق كعابها، مسرورا بوصلها، مبلغا ~~أبلغ الأمل من قربها، وأفنت كلامي بمعاتبتها لي، واستكثرت من حديثي معجبة بي. # ثم قال مخاطبا لنفسه: قد كنت تهزأ بالفراق آمنا لفجاءته، وتمجن بذكره ~~جهلا بمخوف عاقبته، وتجر في (. . . . .) ذيلي شره وعرام، وتتصرف فيه تصرف ~~شبيبة واغترار. # ثم قال مشيرا إلى فراق أحبته، ورحيل من شغف بألفته: ليس على الركاب في (. . .). # ليت الذي خلق النوى جعل الحصى ... لخفافهن مفاصل وعظامي # متلاحظين نسح ماء شؤوننا ... حذارا من الرقباء في الأكمام # أرواحنا انهملت وعشنا بعدها ... من بعد ما قطرت على القدام # النوى: البعد. وخفاف الإبل: ما تطأ به الأرض من أيديها وأرجلها. والسح: ~~الانسكاب. والشؤون: مجاري الدموع. والانهمال: شدة الجري. والقطر: سقوط ~~المطر الشيء بعد الشيء، ويستعار ذلك فيما قاربه. والمفاصل: ما تتصل عليه ~~الأعضاء. # فيقول: ليت الذي خلق النوى وأنشأها، وابتدعها واخترعها، جعل بتلك القدرة ~~حصى ms008 أحفاف إبل الأحبة عظامي؛ لأصحبها ولا أفارقها، وأقاربها ولا أباعدها. # ثم قال؛ يريد نفسه وأحبته الراحلين عنه: متلاحظين في موقف البين، نسخ ماء ~~شؤونها - وأومأ إلى الدمع - غير معلنين بسكبه، ولا مظهرين لأمره، نسكبه في ~~الأكمام، ونستره عن الرقباء واللوام. # ثم قال: ولم يكن ما بكينا به دموعا نسكبها ونذريها ويرسلها، وإنما كانت ~~أرواحنا قطرت على أقدامنا منهلة، وظعنت عن أجسامنا مرتحلة، وعشنا منها بأنفس PageV01P013 ~~ضعيفة، وحيينا بحشاشات يسيرة. # لو كن يوم جرين كن كصبرنا ... عند الرحيل لكن غير سجام # لم يتركوا لي صاحبا إلا الأسى ... وذميل ذعلبة كفحل نعام # وتعذر الأحرار صير ظهرها ... إلا إليك علي فرج حرام # السجام: الجارية، واحدها ساجم، والأسى: الحزن، والذميل: ضرب من مشي ~~الإبل، والذعلبة: الناقة السريعة. # فيقول: لو كانت (. . .) عند الوداع في حين (. . .) على مثل حال صبرنا؛ ~~لكانت معدومة لا تسجم، ومفقودة لا تسكب. يشير إلى ما كان عليه في تلك ~~الحال، من كثرة الجزع والدمع، وقلة العزاء والصبر. ثم قال، يريد أحبته: لم ~~يتركوا لي صاحبا آنس بقربه، وموالفا أسكن إلى وصله، إلا الأسى الملازم، ~~والكمد المداخل، وسير ذعلبة أركبها؛ رجاء السلوة، وأسير بها متعللا من كمد ~~الفرقة. # ثم قال، وهو يخاطب سيف الدولة: وتعذر الأحرار في الزمن الذي (. . . .) ~~فضلك، وصغر أقدارهم قدرك، صير ظهر تلك الناقة علي فرج حرام لا أقربه (. . .). # أنت الغريبة في زمان أهله ... ولدت مكارمهم لغير تمام # أكثرت من بذل النوال ولم تزل ... علما على الإفضال والإنعام # صغرت كل كبيرة وكبرت عن ... لكأنه، وعددت سن غلام # الغريبة من الأشياء: التي يعدم نظيرها، والمولود لغير تمام: الذي يولد ~~قبل استيفاء مدة حمله، وذلك يخدج المولود، ويضعف خلقه، والنوال: العطاء، ~~والعلم: العلامة، والغلام: الصبي. # فيقول لسيف الدولة: أنت غريبة الزمان بعموم فضله، وجلالة قدره، في زمان PageV01P014 ~~مكارم أهله مخدجة ناقصة، مستقلة مستصغرة، فأنت مستغرب في دهرك، أنك بلغت ~~غاية التمام في أوان النقصان (. . . . . .) فكيف بك وقد تناهت قوتك، وتمكنت ~~شبيبتك. وهذه العبارة وإن كانت تزيد على لفظه، فهي مفهومة منه، ms009 وغير خارجة ~~في جملتها عنه. # ورفلت في حلل الثناء، وإنما ... عدم الثناء نهاية الإعدام # عيب عليك ترى بسيف في الوغى ... ما يصنع الصمصام بالصمصام # إن كان مثلك كان أو هو كائن ... فبرئت حينئذ من الإسلام # رفل الرجل: إذا جر ذيله، والإعدام: الفقر، والوغى: الحرب، والصمصام: السيف. # فيقول لسيف الدولة: ورفلت صغيرا وكبيرا في حلل الثناء والحمد، وأحرزت ~~أبعد غايات الكرم والمجد، وإنما عدم الثناء نهاية الإعدام والفقر، وغاية ~~الإقلال والعسر. # ثم قال مخاطبا له: عيب عليك وأنت السيف نفاذا وحدة، وصرامة وهيبة، أن ~~تتقلد السيف في حربك، ونستعمله (في) بطشك، والسيف يقصر (عن) فعلك، ويتصاغر ~~عن جلالة قدرك، فما تفعل، وأنت الصمصام، بصمصام يعضدك، وما تريد، وأنت ~~السيف، بسيف يعينك ويؤيدك. # ثم قال: إن كان مثلك في نظرائك من الرؤساء، ومن تقدمك من أكبر الكرماء، ~~أو تظنه كائنا في الأغلب من (. . . .) ومنتظرا في غير عصرك، فبرئ حينئذ من ~~الإسلام (. . . . . .). # ملك زهت بمكانه أيامه ... حتى افتخرن به على الأيام # وتخاله سلب الورى أحلامهم ... من حلمه فهم بلا أحلام # وإذا امتحنت تكشفت عزماته ... عن أوحدي النقض والإبرام PageV01P015 ~~الزهو: العجب والكبر، وزهت بمعنى زهيت فأبدل من الكسرة فتحة، وقلب الياء ~~ألفا، وحذفها لالتقاء الساكنين، وهي لغة طيء، وقد تقدم شرحها، والحلم: ~~العقل، والإبرام: الإحكام، والنقض: ضده. # فيقول وهو يريد سيف الدولة: ملك زهيت أيامه بجلالة قدره وأعجبت بتكامل ~~فضله حتى افتخرت به على الأيام كلها، وترفعت بمكارمه على الأزمنة بأسرها. ~~وهذا على التجوز والإشارة إلى الأكثر. # ثم قال: وتخاله لوفور حلمه، وسعة إحاطته وعلمه، قد اجتمعت له أحلام الورى ~~بجملتها، وقصرت عليه بعامتها، وصاروا بمعزل عنها قد سلموها لحلمه، وتصرفوا ~~فيها على حكمه. # ثم قال: وإذا امتحنت أصالة رأيه، وجلالة أمره، تكشفت لك عزائمه على ألمعي ~~في قوله وفعله، وأوحدي في إبرامه ونقصه. # وإذا سالت بنانه عن نيله ... لم يرض بالدنيا قضاء ذمام # مهلا، ألا لله ما صنع القنا ... في عمرو حاب، وضبة الأغتام # لما تحكمت الأسنة فيهم ... جارت، وهن يجرن في الأحكام ms010 # الذمام: الحرمة، وعمرو حاب: أراد عمرو حابس فرخم في غير النداء، وعمرو ~~[بن] حابس بطن من بطون [بني أسد]. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .). # ثم قال: لما تحكمت أسنته فيهم، وتسلطت سلاح جنوده عليهم، جارت بالإسراف ~~في قتلهم، وأفرطت فيما أفنت من جمعهم، وكذلك الرماح وأحكامها جائرة، ~~وأفعالها في العقوبة بالغة. # فتركنهم خلل البيوت كأنما ... غضبت رؤوسهم على الأجسام # أحجار ناس فوق أرض من دم ... ونجوم بيض في سماء قتام PageV01P016 ~~وذراع كل أبي فلان كنية ... حالت فصاحبها أبو الأيتام # الخلل: الفرجة بين الشيئين، والقتام: الغبار، وبيض الحديد معروفة، ~~والواحد بيضة، والذراع: علامة معروفة يسم بها بنو سعد العشيرة. # فيقول لسيف الدولة: فتركت هاتين القبيلتين، وكأن رؤوسهم قد غضبت على ~~أجسامهم ففارقتها، وتسخطت صحبتها فباينتها، وصاروا في خلل بيوتهم أجساما لا ~~رؤوس لها، ورؤوسا لا تتصل الأجسام بها. # ثم قال على نحو ما قدمه: أحجار ناس، يشير إلى كثرتهم، وما قطعه القتل من ~~حركتهم، وأنه أبقاهم جثثا كالأحجار في أرض قد لبسها الدم لكثرته، وستر (. . ~~. . . . . . . . .) فصاروا في معتركهم كالأحجار الساكنة على أرض من لدماء ~~الجارية تحت سماء من القتام؛ مثار سنابك الخيل، ونجومها لوامع البض. # ثم قال وعلامة (. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .). # عهدي بمعركة الأمير وخيله ... في النقع محجمة عن الإحجام # صلى الإله عليك غير مودع ... وسقى ثرى أبويك صوب غمام # وكساك ثوب مهابة من عنده ... وأراك وجه شقيقك القمقام # المعركة: موضع القتال، والنقع: الغبار، والإحجام: التأخر، وهو مقلوب من ~~الإحجام، والصلاة الترحم، والشقيق: الأخ من الأب والأم، والقمقام: السيد ~~الكثير الخير. # فيقول: عهدي بمعركة الأمير سيف الدولة في القوم الذين ذكر إيقاعهم بهم، ~~وخيله في الرهج الذي ثار في تلك المعركة، مقدمة إلى الأعداء غير محجمة، ~~متسابقة إليهم غير متهيبة، تتأخر عن الإحجام، وتقتحم أشد الاقتحام. # ثم قال مخاطبا له: وفر الله حظك من رحمته، ورضي عنك لا بالتوديع عند (. . PageV01P017 # )، وسقى ثرى أبويك غماما يرويه صوبه، وسحابا يتصل عليه سكبه، وكساك من عنده ~~ثوب المهابة، ومتعك بالتأييد والكرامة، وأراك وجه شقيقك، يريد: ناصر الدولة ~~السيد (. . .). # فلقد رمى بلد العدو ms011 بنفسه ... في روق أرعن كالغطم لهام # قوم تفرست المنايا فيكم ... فرأت لكم في الحرب صبر كرام # تالله ما علم امرؤ لولاكم ... كيف السخاء وكيف ضرب الهام # (. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .). # ثم قال يخاطبهم: تالله لولا ما نهجتموه من البذل، وأظهرتموه من الإقدام ~~في الحرب، ما عرف الناس حقيقة السخاء، ولا كيف تجالد الأبطال عند اللقاء. PageV01P018 # وقال يمدحه، أنشدها إياه بآمد، وكان منصرفا من بلاد الروم في آخر نهار يوم ~~الأحد لعشر خلون من صفر سنة خمس وأربعين وثلاثمائة: # الرأي قبل شجاعة الشجعان ... هو أول وهي المحل الثاني # فإذا هما اجتمعا لنفس مرة ... بلغت من العلياء كل مكان # ولربما طعن الفتى أقرانه ... بالرأي قبل تطاعن الأقران # النفس المرة: الأبية التي لا تستعذب (. . .) من أقدم على (. . . . . . . ~~. .) والأقران: الأكفاء، والواحد قرن. # فيقول: (. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .). # لولا العقول لكان أدنى ضيغم ... أدنى إلى شرف من الإنسان # ولما تفاضلت النفوس ودبرت ... أيدي الكماة عوالي المران # لولا سمي سيوفه ومضاؤه ... لما سللن لكن كالأجفان # الضيغم: الأسد، والكماة: أبطال الشجعان، والمران: الرماح التي تجمع اللين ~~مع الصلابة، واحدها مارن، والمضاء: النفاذ. والأجفان: أغماد السيوف. # فيقول مؤكدا للتنبيه على فضيلة الرأي: لولا العقول التي تبعث (على) ~~الرأي، وتدل على مواضع الشجاعة، لكان أقل الأسد حالا، وأوضعها منزلة، أقرب ~~(إلى) شرف الرفعة، وعلو المنزلة (من) الإنسان؛ لأنه يبلغ من ذلك ما لا ~~يبلغه، ويدرك منها أكثر مما يدركه، ولكن الإنسان يفضله بعقله، ويزيد عليه ~~بمعرفته وعلمه. # ثم قال على نحو ما قدمه: ولولا العقول لما فضلت نفوس الإنس نفوس سائر ~~الحيوان، ولا استعملت الكماة السلاح للمنازلة، ولا (استظهرت) به عند ~~المقاتلة ولا دبرت أيدي الفرسان عوالي الرماح، ولا صرفتها فيما تقصده من ~~الطعن، ولكن العقول أفادت ذلك ودلت عليه (. . . . . . . . . .) إليه. # ثم قال، يريد سيف الدولة: لولا سمي سيوفه وهيبته، ومضاؤه في الحرب (. . . PageV01P019 # ). # خاض الحمام بهن حتى ما دري ... أمن احتقار ذاك أم نسيان؟ # وسعى فقصر عن مداه في العلا ... أهل الزمان، وأهل كل زمان # (. . . . . . . . . . . . . . . .) والجموع المكسرة مع ذلك محمولة على ~~التأنيث في الإخبار عنها، يقال: اجتمعت ms012 الرجال وسارت الجمال. # ثم قال، يريد سيف الدولة: خاض غمرات الموت بمن معه من أصحاب تلك السيوف، ~~مبادرا لا يتوقف، ومقتحما لا يتهيب، حتى ما دري إلى أي الحالين ينسب فعله؛ ~~إلى احتقاره لمن قاتله، أم إلى تناسيه لعظيم ما حاوله. # ثم قال: وسعى فيما ابتغاه من المجد، وما قصره على نفسه من الشكر والحمد، ~~فقصر عن إدراك شأوه، ومماثلة فعله، أهل زمانه بجملتهم، والمحاولون لإدراكه ~~بعامتهم، ومن تقدمه من الكرماء في الأزمنة الخالية، ومن كان قبلهم منهم في ~~المدد السالفة. # تخذوا المجالس في البيوت وعنده ... أن السروج مجالس الفتيان # وتوهموا اللعب الوغى والطعن في ال ... هيجاء غير الطعن في الميدان # تخذوا: لغة في اتخذوا. قرئ: (لو شئت لاتخذت عليه أجرا)، و(لتخذت عليه ~~أجرا)، والميدان: موضع يتخذ (. . . . .) الخيل. # فيقول: (. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .). # قاد الجياد إلى الطعان ولم يقد ... إلا إلى العادات والأوطان # كل ابن سابقة يغير بحسنه ... في قلب صاحبه على الأحزان # إن خليت ربطت بآداب الوغى ... فدعاؤها يغني عن الأرسان # الجياد: الخيل العتاق، والأوطان: مواضع الإقامة، والوغى: الحرب. PageV01P020 # فيقول، وهو يريد سيف الدولة: قاد عتاق الخيل، وأشار بها إلى مواضع فرسانها ~~من البأس؛ لأن استجادة الفرسان لها بحسب ملازمتهم للحروب بها. # فيقول: إنه قادها إلى الطعن، واقتحم بها غمرات الحرب، ولم يقدها من ذلك ~~إلا عاداتها السالفة، وأفعالها الفارطة، ولا أراها من تلك الملاحم إلا فيما ~~حولها بطول الاعتياد، كالأوطان التي تلزمها، والمساكن التي تألفها. # ثم قال واصفا لكرم تلك الخيل: كل ابن سابقة معرق في العتق، جار على وراثة ~~من الكرم، يغير بحسن خلقته، وجمال صورته، على الأحزان في قلب صاحبه، ~~فيكشفها عنه، ويطردها منه، ويبعث له السرور بنفسه، وشدة الإعجاب بحسنه. # ثم أكد ما قدمه، فقال: إن خليت تلك الخيل مهملة، وأطلقت مرسلة، ربطتها ~~آداب الحرب، وملكها اعتياد التصرف (. . . . . . . . . . . .) فهي تنقاد إذا ~~دعيت دون أرسان، وتفعل ما يرغب منها دون فرسان. # في جحفل ستر العيون غباره ... فكأنما يبصرن بالآذان # يرمي بها البلد البعيد مظفر ... كل البعيد له قريب دان # فكأن ms013 أرجلها بتربة منبج ... يطرحن أيديها بحصن الران # (. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . . . . . . . . .) يقرب له البعيد إقبال جده، ويدنيه منه تمكن ~~سعده، ثم أكد ذلك فقال: فكأن أرجل خيله بتربة منبج، وأرضه تطرح أيديها بحصن ~~الران الذي أمه بقصده، واعتمده بجيشه، يشير إلى سرعة لحاقه لما قصد نحوه، ~~وهذه (. . . . . . . .) فيمن أراد غزوه، وأن العوائق لم تعترضه دون بغيته، ~~ولا أقدم الروم على مدافعته دون رغبته. # حتى غبرن بأرسناس سوابحا ... ينشرن فيه عمائم الفرسان PageV01P021 ~~يقمصن في مثل المدى من بارد ... يذر الفحول وهن كالخصيان # أرسناس: واد من أودية بلاد الروم، والسابح: العائم، والجمع سوابح، ~~والقماص: التوثب، والمدى: شفار السكاكين، واحدتها مدية. # فيقول على نحو ما قدمه من وصف إسراع خيل سيف الدولة إلى الروم: حتى عبرن ~~- يريد الخيل - أرسناس، وهو النهر، وهي سوابح غير سائرة، وعوائم غير ماشية، ~~تنتشر عمائم فرسانها من شدة نهوضها، وتضطرب بكثرة ازدحامها في (. . . . . . ~~. . . . . .). # ثم قال - يريد الخيل: يقمصن في هذا النهر في مثل المدى # من منعقد ثلجه، وبارد مائه. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # . . . . . . . . . . . . . .). # والماء بين عجاجتين مخلص ... تتفرقان به وتلتقيان # ركض الأمير، وكاللجين حبابه ... وثنى الأعنة، وهو كالعقبان # العجاجة: الغبار الساطع، واللجين: الفضة، وحباب الماء: معظمه، والعقيان: الذهب. # فيقول: ماء ذلك النهر (. . . . . . . . .) على شطيه تنيرهما خيول سيف ~~الدولة المترادفة القادمة (. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . . . . . . .). # ثم قال: ركض الأمير - يريد سيف الدولة - ومعظم هذا النهر كالجين في ~~ابيضاض مائه، وخلوصه وصفائه، وثنى أعنة خيله عابرا غيه، وهو كالعقيان بما ~~سفك عليه من دماء الروم (. . . . . . . . . . . . . . . . . .). # فتل الحبال من الغدائر فوقه ... وبنى السفين له من الصلبان PageV01P022 ~~وحشاه عادية بغير قوائم ... عقم البطون، حوالك الألوان # تأتي بما سبت الخيول، كأنها ... تحت الحسان مرابض الغزلان # الغذائر: الضفائر، واحدتها غديرة، والسفين: جمع سفينة، والصلبان: جمع ~~صليب، وهي آلة معروفة يعظمها النصارى، والعادية: الجارية. والقوائم معروفة، ~~والعقم التي لا تحمل ولا تنتج، واحدتها عقيم، والحوالك: السود ومرابض ~~الغزلان: موضع إقامتها، واحدها مربض. # فيقول، وهو يريد سيف الدولة: فتل الحبال على (. . . . . . . . . .) ~~لغدائر نساء الروم، يشير إلى كثرتهن، وما بهن من الحزن على من قتله من ~~رجالهن، وأنهن قطعن ms014 غدائرهن مظهرات (. . . . . . . . . . . . . . . .)، ~~ومؤذنات بما بهن من شدة الثكل، وإن تلك الغدائر كانت (. . . . . . . . . . .). # ثم قال: تأتي تلك القوارب في ذلك النهر، بما تجلبه خيول سيف الدولة من ~~سبايا الروم تحتهن، فكأنها تحتهن مرابض غزلان، ومكانس ظباء وآرام. # بحر تعود أن يذم لأهله ... من دهره وطوارق الحدثان # فتركته وإذا أذم من الورى ... راعاك واستثنى بني حمدان # المخفرين بكل أبيض صارم ... ذمم الدروع على ذوي التيجان # البحر: الماء الكثير، وأراد به هاهنا النهر الذي ذكره، ويذم: يعطي من ~~نفسه عهدا، والحدثان: ما يحدثه الدهر من طوارفه، والمراعاة: المراقبة، ~~والإخفار: نقض العهد، والذمم: العهود، والواحدة ذمة. # فيقول في النهر الذي قدم ذكره: بحر تعود يجتازه جيش إلى من خلفه، فكان ~~يذم من جاوره على الدهر من أن يغشاه (. . . . . . . . . . . . . . .). # ثم قال، وهو يخاطب سيف الدولة: فتركته وإذا أجار من البرية، وأذم على ~~جميع (. . . . . . . . . . . . . . . .). PageV01P023 # متصعلكين على كثافة ملكهم ... متواضعين على عظيم الشان # يتقيلون ظلال كل مطهم ... أجل الظليم وربقة السرحان # خضعت لمنصلك المناصل عنوة ... وأذل دينك سائر الأديان # التصعلك: الاحتمال على أفعال الصعاليك الذين لا مال لهم ولا نشب يرجعون ~~إليه، فهم يفعلون ما بدا لهم غير (. . . . . .)، والكثافة: الثخن وشدة ~~الاقتحام، والتقيل: القصد والاعتماد، والمطهم: التام الخلق، والظليم: ذكر ~~النعام، والربق والربقة: ما يشد به عنق الشاة، والسرحان: الذئب، والعنوة: ~~القسر والغلبة. # فيقول، - وهو يريد بني حمدان -: إنهم يتصعلكون في حروبهم بالمباشرة لها، ~~والتقدم في النهوض بها على كثافة ملكهم، وجلالة أمرهم، ويتواضعون مع عظيم ~~شأنهم، وارتفاع منزلتهم ومكانتهم. # ثم قال: يتقيلون ظلال خيولهم المطهمة في خلقها، المقدمة في عتقها، ~~فيسكنون إليها، ويألفون الراحة فيها، وتلك الخيل آجال الظلمان؛ لأنها لا ~~يفوتها عند الطلب، وربق السراحين؛ لأنها (. . . . . . . . . . . . . . .)، ~~فأشار بما ذكره من راحتهم في ظلال خيولهم إلى ما هم عليه من مواصلة الغزو ~~والمباشرة (. . . . . . . . . . . . . . . .). # ثم قال لسيف الدولة: خضعت لسيفك سيوف ملوك الأمم عنوة، وأسلم جميعهم ~~لأمرك هيبة، وأذل دين الإسلام سائر أديانهم، وأهان الله بجلالتك ما كان ~~أرفع من شأنهم. # وعلى الدروب وفي الرجوع غضاضة ... والسير ms015 ممتنع من الإمكان # والطرق ضيقة المسالك بالقنا ... والكفر مجتمع على الإيمان # نظروا إلى زبر الحديد كأنما ... يصعدن بين مناكب العقبان # الدروب: المداخل إلى بلاد الروم، والغضاضة: الاحتقار والمهانة، والقنا: ~~الرماح، PageV01P024 ~~وزبر الحديد: (. . . . . . . . . . . .). # فيقول لسيف الدولة: وعلى الدروب في حين اعتراض الروم (. . . . . . . . . ~~. .)، وضعف يتعلق بك، والتوقف لا يحسن والنهوض ممتنع لا يمكن. # ثم قال على نحو ما قدمه: وقد ضاقت مسالكها بالتفاف الرماح، وامتنع السير ~~فيها لتكاثر السلاح، والكفر قد تداعت على الإيمان ضروبه، وتناصرت على ~~الإيقاع به جموعه. # ثم قال: نظروا - يريد الروم - في ذلك الموقف إلى البيض في رؤوس فرسانك، ~~وكأنها زبر حديد ماثلة، تحملها بين مناكبها عقبان طائرة، يصاولونهم ~~فيستعلون عليهم، ويقصدونهم فيتسابقون إليهم. # وفوارس يحيي الحمام نفوسها ... فكأنها ليست من الحيوان # ما زلت تضربهم دراكا في الوغى ... ضربا كأن السيف فيه اثنان # خص الجماجم والوجوه كأنما ... جاءت إليك جسومهم بأمان # الحمام: الموت، والحيوان: ما كان فيه حياة وحركة، والدراك: التتابع، ~~والوغى: الحرب، والجماجم: الرؤوس. # فيقول، - وهو يريد الروم -: ونظروا من فرسان سيف الدولة إلى فوارس كأن ~~الموت يحيي أنفسها لسرورها به (. . . .)، فهم يتبادرون إليه، غير مستوحشين ~~منه، ويقدمون عليه غير منحرفين عنه، حتى كأنهم ليسوا من الحيوان (. . . . . ~~. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .). # فرموا بما يرمون عنه وأدبروا ... يطؤون كل حنية مرنان # يغشاهم مطر السحاب مفصلا ... بمهند، ومثقف وسنان # حرموا الذي أملوا، وأدرك منهم ... آماله من عاذ بالحرمان # الحنية: القوس، والمرنان: التي تصوت عند الرمي، والمثقف: المقوم، وأملوا PageV01P025 ~~بالتخفيف: لغة في أملوا، يدل على ذلك آمل، ومؤمل لا يكون إلا من أمل مثقل، ~~وعاذ: لجأ. # فيقول، - وهو يريد الروم -: فرموا بالقسي التي كانوا يرمون عنها، وولوا ~~هاربين، وأدبروا منهزمين، يطؤون كل حنية مرنان من قسيهم، وينبذون كل ما ~~كانوا يستعملونه من سلاحهم. # ثم قال: يغشاهم من سلاح سيف الدولة ما هو كمطر السحاب في كثرته، وفي ~~تتابعه وسرعته، إلا أنه مفصل بالسيوف المهندة، والرماح (. . . . . . . . . ~~. .) المحدودة. # ثم قال: حرموا الذي أملوه من الظفر في حربهم، والإنجاح في سعيهم، ومن ~~تتبع ذلك (. . . . . . . . . . .) قصاراه، والحتف ماله، ms016 وأدرك آماله منهم ~~من ألجأ إلى الحرمان نفسه، مستنفدا في الفرار جهده، وكان (. . . . . . . . ~~. . . . .) عليه غنما أدركه، ورجاء بلغه. # وإذا الرماح شغلن مهجة ثائر ... شغلته مهجته عن الإخوان # هيهات عاق عن العواد قواضب ... كثر القتيل بها، وقل العاني # ومهذب أمر المنايا فيهم ... فأطعنه في طاعة الرحمان # الثائر: الذي يطلب بدم وليه، والعواد: المعاودة، والقواضب: السيوف ~~القواطع، والعاني: الأسير. # فيقول: وإذا الرماح شغلن مهجة ثائر بمطالبة نفسه، والإشراف على حتفه، ~~شغلته مهجته على إخوانه وأحبته، وألهته عن الأقربين من ذوي مودته و(. . .)، ~~كذلك كان المتخلص بالهرب من الروم في هذه الوقعة، مشغولا بنفسه عمن تخلفه ~~من أهله، ومن أسلمه من قرابته (. . . . . .). # ثم قال: هيهات، عاق الروم عن معاودة سيف الدولة ومناصبته، وأقعدهم عن PageV01P026 ~~معارضته ومبارزته، سيوف قواضب أعملها فيهم، وسلطها عليهم، فكثر فيهم الفناء ~~والقتل، وقل من أسعده البقاء والأسر. # ثم قال: وعاقهم عن المعاودة من سيف الدولة ملك مهذب، جليل معظم، أمر ~~المنايا فيهم فأطعنه، واستجدها عليهم فأجبنه، مطيعات للرحمن بنصرته، ~~متزلفات إليه بإعزاز دعوته. # قد سودت شجر الجبال شعورهم ... فكأن فيه مسفة الغربان # وجرى على الورق النجيع القاني ... فكأنه النارنج في الأغصان # المسفة من الغربان وغيرها: التي تقرب من الأرض في طيرانها، والنجيع: ~~الدم، والقاني: الشديد الحمرة، والنارنج: شجر له ثمر أحمر طيب الرائحة. # فيقول: إن ما نصبه جيش سيف الدولة من رؤوس الروم في أشجار الموضع الذي ~~أوقع (. . . . . .) ذلك الشجر، فكأن ما (. . . . . . . . . . . . . . .) من ~~شعورهم، وتغير فيها من رؤوسهم، غربان مسفة على الأرض، لا تزال ثابتة (. . . ~~. . . . . . . .) طائرة. # ثم قال: وجرى على ورق تلك الأشجار النجيع القاني من دمائهم، فكأنه ~~النارنج في حمرته، وما (. . . .) إلى الأمصار من (. . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .). # إن السيوف مع الذين قلوبهم ... كقلوبهن إذا التقى الجمعان # تلقى الحسام على جراءة حده ... مثل الجبان بكف كل جبان # الحسام: السيف القاطع، والجراءة: النفاذ والإقدام، يقال: جرو الرجل يجرو ~~جراءة وجرأة. # فيقول: أن السيوف إنما تصح نصرتها، وتخلص معونتها للذين قلوبهم كقلوبها ~~في الإقدام والجرأة، والشجاعة والشدة، فإذا التقى الجمعان فالسيوف تنصر من PageV01P027 ~~الطائفتين ms017 أشبههم بقوتها، وأشدهم احتمالا على مثل جرأتها. # ثم قال مؤكدا لما قدمه: تلقى السيف الصارم على جراءة حده، ونفاذه في ~~فعله، إذا صار في كف (. . . .) كالرجل الجبان الذي يحجم ولا يقدم، ويفرق ~~ولا يصدق. وإذا كان السيف في يد الشجاع جل قدره، وبان فضله، ونفذ فيما ~~يستعمل فيه فعله. وهذا يصدق بما ذكره من أن السيوف إنما تنصر أشباهها من ~~أهل الشدة، وتعين (. . .) من المشتهرين بالجرأة. # رفعت بك العرب وصيرت ... قمم الملوك مواقد النيران # أنساب فخرهم إليك وإنما ... أنساب أصلهم إلى عدنان # العماد والعمود: الخشية التي تكون في وسط الخباء فيعتمد عليها، والقمم: ~~أعالي الرؤوس، وعدنان بن أد: إليه ينتسب أكثر العرب. # فيقول: رفعت العرب بك عماد فخرها، وأبانت بك مقدار شرفها، واستعملت ~~بموضعك على من خالفها من الأمم (. . . . . . . . . . . .)، وصيرت في قمم ~~الملوك مواقد نيرانها، وأثافي قدورها، يشير إلى كثرة من قتله سيف الدولة (. ~~. . . . . . . . . . . .). # ثم قال مخاطبا له: أنساب العرب عند تعديد مفاخرهم، والإشارة بمآثرهم ~~مصروفة إليك، مقصورة عليك، وغاية فخر جميعهم الاتصال بنسبك، والترفع بشرفك، ~~وإن كانت أنساب أصولهم (. . . .) عدنان بن أد، فكما أن عدنان (. . . . . . ~~. . . . .). # يا من يقتل من أراد بسيفه ... أصبحت من قتلاك بالإحسان # فإذا رأيتك حار دونك ناظري ... وإذا مدحتك حار فيك لساني # القتل معروف، والحائر: الذي لا يهتدي لسبيله. # فيقول لسيف الدولة: يا من يقتل بسيفه من أراد فيغلبه، (. . . . . . .) ويقهره PageV01P028 ~~بإتلاف حياته، قد قهرني إحسانك فلا أستقل بشكره، وأعجزني فلا أقوم بأيسر ~~حقه، فحالي حال المقتول به لعجزي عن أقل الواجب، وقد استبان من عجزي بتتابع ~~إحسانك، كالذي استبان على من قتلته باستعلاء سلطانك. # ثم قال مخاطبا له، ومؤكدا لما قدمه: فإذا رأيتك حار بصري دون ما أقابله ~~من بهائك وهيبتك، وجلالتك ورفعتك، وإذا مدحتك حار لساني في تعديد فضائلك، ~~وإدراك حقيقة مكارمك (. . . . . . . . . .) بالعجز عما يجب في وصفك. PageV01P029 # تحدث بحضرة سيف الدولة أن البطريق أقسم عند ملكه أنه يعارض سيف الدولة في ~~الدرب، ويجتهد في لقائه، وسأله إنجاده ببطارقته وعدده، ففعل، فخيب الله ~~ظنه، وأتعس جده، ms018 فقال أبو الطيب، وأنشدنا إياه بحلب سنة خمس وأربعين ~~وثلاثمائة: # عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم ... ماذا يزيدك في إقدامك القسم؟ # وفي اليمين على ما أنت فاعله ... ما دل أنك في الميعاد متهم # عقبى الشي وعاقبته: آخره ومآله، والوغى: الحرب. # فيقول، وهو يريد صاحب جيش الروم، ويشير إلى (. . .) على التعرض للقاء سيف ~~الدولة: عقبى اليمين على ما يستأنف في الحرب، ويعتقد أن (. . . . . . . . . ~~. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .) صاحب جيش الروم، فقال: ~~ماذا يزيد القسم في جرأتك، وما الذي تستفيد به من الإقدام (. . . . . . . . ~~. .) في اليمين على ما وعدت به من نفسك، وزعمت أنك تظهره من فعلك، ما يدل ~~على أنك متهم في وعدك، غير مستعد للصدق في قولك؛ لأن ما أقسمت عليه إنما ~~يصدقه الوفاء به، ويحققه الاستكمال له، واليمين عليه. # آلى الفتى ابن شمشقيق فأحنثه ... فتى من الضرب ينسى عنده الكلم # وفاعل ما اشتهى يغنيه عن حلف ... على الفعال حضور الفعل والكرم # آلى الرجل: إذا حلف. # فيقول زاريا (. . . . . . . . . . . .): آلى الفتى ابن شمشقيق على منازلة ~~سيف الدولة ومقاومته، فأحنثه منه فتى ينسي باللعن والضرب، وإقدامه على ~~شدائد الحرب، ما سلف من الكلم، وما تقدم في ذلك من القسم. # ثم أكد ما قدمه فقال: وأحنثه من سيف الدولة فاعل ما يشتهيه باتساع قدرته، ~~واصل إلى ذلك بتمكن سعادته، يغنيه عن الحلف ما يعتقد فعله، والتقدم بذكر ما ~~(. . . . . .) إنفاذه لفعله (. . . . . . . . . . . .) ذلك على حسب (. . . . . PageV01P030 # ) مع كرمه الذي يمنعه من العجب بما يفعله، وشرفه الذي يغنيه عن الفخر بما ~~يبلغه. وهذه العبارة وإن كان فيها زيادة على لفظ الشعر، فهي مفهومة منه، ~~وغير خارجه في الحقيقة عن قصده. # كل السيوف إذا طال الضراب بها ... يمسها، غير سيف الدولة السأم # لو كلت الخيل حتى لا تحمله ... تحملته إلى أعدائه الهمم # السأم: الملل، والهمم: جمع همة، والهمة ما يهم به الإنسان مما يعتقد فعله. # فيقول: كل السيوف إذا طال الضراب بها (. . . . . . . . . .) الاستعمال ~~لها، تسأم وتفتر، وتنتفل وتقصر، غير سيف الدولة (. . . . . . . . . . . .) ~~لا يقصر فعله. # ثم قال: لو كلت الخيل عن الاستقلال بحمله، وعجزت ms019 عن البلوغ به إلى قصده، ~~لأنهضته (. . . . . . . . . . . . .). # أين البطاريق والحلف الذي حلفوا ... بمفرق الملك، والزعم الذي زعموا # ولى صوارمه إكذاب قولهم ... فهن ألسنة أفواهها القمم # نواطق مخبرات في جماجمهم ... عنه بما جهلوا، منه وما علموا # البطاريق: أكابر الروم، والملك: الملك، والمفرق معروف، وأشار به إلى رأس ~~الملك (. . . . . . . . . . .)، والصوارم: السيوف، والقمم: أعالي الرؤوس. # فيقول: أين بطاريق الروم وحلفهم الذي حلفوا لملكهم، وزعمهم الذي زعموا ~~له، وضمانهم الذي ضمنوه عنده انهم يلقون سيف الدولة معتزمين على مبارزته، ~~مستميتين في مدافعته. # ثم قال: ولى سيف الدولة سيوفه إكذاب ما ضمنوه، وحملها إبطال ما زعموه (. ~~. . . . . .). # الراجع الخيل محفاة مقودة ... من كل مثل وبار أهلها إرم PageV01P031 ~~كتل بطريق المغرور ساكنها ... بأن دارك قنسرين والأجم # وظنهم أنك المصباح في حلب ... إذا قصدت سواها عادها الظلم # الراجع: الصارف، والمحفاة: التي أخفاها السير، والمقودة: التي تقاد ولا ~~تركب لشدة إعيائها (. . . . . . . . . .)، وإرم: سكان (. . . .) الهالكون ~~فيها. ويقال: إن عادا هو ابن إرم، وتل بطريق. (. . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .) لسيف الدولة: الراجع ~~الخيل من بلاد الروم موضع غزوة، مستقر عدوه، محفاة (. . . . . . . . . .)، ~~مقودة إعيائها من شدة الركض من كل بلد كوبار الهالكة أهلها، كارم هذه ~~الطائفة الذاهبة. # يريد أن سيف الدولة (. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . . . . . .). # ثم قال: كتل بطريق هذه البلدة التي اغتر ساكنوها (. . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .). # والشمس يعنون إلا أنهم جهلوا ... والموت يدعون إلا أنهم وهموا. # فلم تتم سروج فتح ناظرها ... إلا وجيشك في جفنيه مزدحم # والنقع يأخذ حرانا وبقعتها ... والشمس تسفر أحيانا وتلتثم # سحب تمر بحصن الران ممسكة ... وما بها البخل لولا أنها نقم # جيش كأنك في أرض تطاوله ... فالأرض لا أمم والجيش لا أمم # إذا مضى علم منها بدا علم ... وإن مضى علم منه بدا علم # وشزب أحمت الشعرى شكائمها ... ووسمتها على آنافها الحكم # حتى وردن بسمنين بحيرتها ... تنش بالماء في أشداقها اللجم # وأصبحت بقرى هنزبط جائلة ... ترعى الظبا في خصيب نبته اللمم # فما تركن بها خلدا له بصر ... تحت التراب ولا بازا له قدم PageV01P032 ~~ولا هزبرا له من درعه لبد ... ولا مهاة لها من شبهها حشم # ترمي على شفرات الباترات ms020 بهم ... مكامن الأرض والغطان والأكم # وجاوزوا أرسناسا معصمين به ... وكيف يصمهم ما ليس ينعصم # ولا تصدك عن بحر لهم سعة ... ولا يردك عن طود لهم شمم # ضربته بصدور الخيل حاملة ... قوما إذا تلفوا قدما فقد سلموا # تجفل الموج عن لبات خيلهم ... كما تجفل تحت الغارة النعم # عبرت تقدمهم فيه وفي بلد ... سكانه رمم، مسكونها حمم # وفي أكفهم النار التي عبدت ... قبل المجوس إلى ذا اليوم تضطرم # هندية إن تصغر معشرا صغروا ... بحدها، أو تعظم معشرا عظموا # قاسمتها تل بطريق فكان لها ... أبطالها، ولك الأطفال والحرم # تلقى لهم زبد التيار مقربة ... على جحافلها من نضجه رثم # دهم فوارسها، ركاب أبطنها ... مكدودة وبقوم لا بها الألم # من الجياد التي كدت العدو بها ... وما لها خلق منها ولا شيم # نتاج رأيك في وقت على عجل ... كلفظ حرف وعاه سامع فهم # وقد تمنوا غداة الدرب في لجب ... أن يبصروك فلما أبصروك عموا # صدمتهم بخمسس أنت غرته ... وسمهريته في وجهه غمم # فكان أثبت ما فيهم جسومهم ... يسقطن حولك والأرواح تنهزم # والأعوجية ملء الطرق خلفهم ... والمشرفية ملء اليوم فوقهم # إذا توافقت الضربات صاعدة ... توافقت قلل في الجو تصطدم # وأسلم ابن شمشقيق أليته ... إلا انثنى فهو ينأى وهي تبتسم # لا يامل النفس الأقصى لمهجته ... فيسرق النفس الأدنى ويغتنم # ترد قنا الفرسان سابغة ... صوب الأسنة في أثنائها ديم PageV01P033 ~~تخط فيها العوالي ليس تنفذها ... كأن سنان فوقها قلم # فلا سقى الغيث ما واراه من شجر ... لو زل عنه لوارى شخصه الرخم # ألهى الممالك عن فخر قفلت له ... شرب المدامة والأوتار والنغم # مقلدا فوق شكر الله ذا شطب ... لا تستدام بأمضى منهما النعم # ألقت إليك دماء الروم طاعتها ... فلو دعوت بلا ضرب أجاب دم # يسابق القتل فيهم كل حادثة ... فما يصيبهم موت ولا هرم # نفت رقاد علي عن محاجره ... نفس يفرج نفسا غيرها الحلم # القائم الملك الهادي الذي شهدت ... قيامه وهداه العرب والعجم # ابن المعفر في نجد فوارسها ... بسيفه وله كوفان والحرم # لا تطلبن كريما بعد رؤيته ... إن الكرام بأسخاهم ms021 يدا ختموا PageV01P034 ~~وتوفيت أخت سيف الدولة وورد خبرها الكوفة، فقال أبو الطيب يرثيها، وكتب ~~بالرثاء إليه: # يا أخت خير أخ يا بنت خير أب ... كناية بهما عن أشرف النسب # أجل قدرك أن تسمى مؤبنة ... ومن يصفك فقد سماك للعرب # لا يملك الطرب المحزون منطقه ... ودمعه وهما في قبضة الطرب # الكناية: الإشارة إلى الشيء دون إظهار له، والتأبين: البكاء على الميت ~~بعد موته، والطرب: خفة تغلب الإنسان عند شدة الفرح والحزن. # فيقول وهو يشير بالأخ إلى سيف الدولة، وبالأب إلى أبي الهيجاء أبيه: يا ~~أخت خير الأخوة وأكرمهم، وابنة ارفع الآباء وأفضلهم، كناية بهذه المقابلة ~~عن النسب الذي لا يعادل في شرف منصبه، والحسب الذي لا يماثل في كرم محتده. # ثم قال: أجل قدرك أيتها المؤبنة عن أن أرثيك مصرحا باسمك، وأندبك معليا ~~بذكرك، ومن وصفك فقد سماك بعامة العرب؛ لأن أوصافك عليهم غير ملتبسة. # ثم قال: لا يملك الطرب، الذي غلبه حزنه، والمفجوع الذي قد استولى عليه ~~وجله، منطقه، فيجريه على قصده، ودمعه، [فيرسله] على حكمه، إذا كان المنطق ~~والدمع في قبضة الطرب، واستولى عليه شدة الأسف. وأراد أنه لم يخرجه ~~بالأوصاف التي قامت مقام التسمية بها، والمفاخر الذي عرفت العرب بها، إلا ~~أنه صار من الحزن إلى حال لم يملك معها دمعة، ولا صرف على إرادته نطقه. # غدرت يا موت كم أفنيت من عدد بمن أصبت وكم أسكت من لجب # وكم صحبت أخاها في منازلة ... وكم سألت فلم يبخل ولم تجب # اللجب: اختلاط الأصوات، والمنازلة: المقاتلة. # فيقول: غدرت أيها الموت بهذه المتوفاة، وضيعت ما كان يلزمك من حقها، ~~ومراعاة أمرها، فكم أفنيت بإصابتك لها من عدد قوم كان فضلها يظهرهم ~~ويجمعهم، وكم أسكت من لجب طوائف كان إحسانها يعمهم ويشملهم. PageV01P035 # ثم قال وهو يشير إلى سيف الدولة: وكم صبحت أخاها في منازلته لأعاديه، ~~ومداومته لمغازيه، وكم سألته من نفوس فيما سلف من ملاحمه، وتقدم من وقائعه، ~~فلم يبخل عليك لكثرة من قتله، ولا خبت لديه لعظيم ما فعله. وهذا ms022 من التجوز ~~الذي لا يخفى قصد قائله، ولا يجري على الحقيقة لفظ ناظمه، وإنما أراد ~~المتوفاة كانت من بيان الفضل، وجلالة القدر، على حال لو أن الموت يحفظ لأحد ~~ذمة لحفظ لها ذمتها، ولو راعى وكيد حرمة، لما أخل برعاية حرمتها. # طوى الجزيرة حتى جاءني خبر ... فزعت فيه بآمالي إلى الكذب # حتى إذا لم يدع لي صدقه أملا ... شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بي # تعثرت به في الأفواه ألسنها ... والرد في الطرق والأقلام في الكتب # طي البلاد: قطعها، والجزيرة: بلد يتصل بأرض الموصل، والفزع إلى الشيء: ~~الاعتصام به، والشرق: الغصص، وتعثر الألسن: توقفها عن الإبانة، مستعار من ~~عثار أرجل، والبرد: رجال يحملون الرسائل على دواب تتخذ لهم، الواحد منها بريد. # فيقول: طوى أرض الجزيرة خبر هذه المتوفاة مسرعا غير متوقف، ومبادرا غير ~~متأخر، حتى طرقني بغتة، وورد علي فجأة، ففزعت بآمالي فيه إلى تكذيب صدقه، ~~ومخادعة نفسي بأمره. # ثم قال: حتى إذا لم يدع لي صدقه أملا أتعلل بانتظاره، ورجاء أخدع نفسي ~~بارتقابه، أعلنت بالحزن، واستشفيت بالدمع، فأذريت ما أشرقني تتابعه، ~~وأدهشني ترادفه، حتى كدت أولمه كألمي له، وأشرقه كشرقي به. # ثم قال: تعثرت الألسن بذلك الخبر في الأفواه فلم تبنه لشنعته، ولم تفصح ~~به لجلالته، كذلك تعثرت به البرد في الطرق استثقالا لحمله، والأقلام في ~~الكتب استراها لذكره. PageV01P036 # كأن فعلة لم تملأ مواكبها ... ديار بكر ولم تخلع ولم تهب # ولم ترد حياة بعد تولية ... ولم تغث داعيا بالويل والحرب # فعلة: كناية عن اسم المتوفاة على سبيل التعظيم لها، وديار بكر: بلد كان ~~فيه استقرارها، والويل والحرب: كلمتان يدعو بهما المفجوع. # فيقول: كأن هذه المتوفاة لم تملا ديار بكر بالمواكب من حولها، والجموع من ~~خدمها، ولم تخلع هنالك على من قصدها، ولم تهب الجزيل من العطاء لمن رجاها ~~وأملها. # ثم قال: وكأنها لم تلاقي من يئس عن الجياة بإحسانها وعفوها، ولم تغث من ~~يدعو على نفسه بالويل والحرب بتداركها وفضلها. يشير إلى ما كانت عليه من ~~جلالة القدر، وما عدم ms023 بموتها من الإحسان والفضل. # أرى العراق طويل الليل مذ نعيت ... فكيف ليل فتى الفتيان في حلب # يظن أن فؤادي غير ملتهب ... وأن دمع جفوني غير منسكب # العراق: بلاد معروفة، كان أبو الطيب فيها صناعته لهذا الشعر، وحلب: مدينة ~~من مدائن الشام كان فيها استقرار سيف الدولة، والفؤاد: القلب، والالتهاب: ~~التوقد، والمنسكب: السريع الجري. # فيقول: أراني بالعراق طويل الليل؛ لكثرة السهر، شديد الحزن؛ بكثرة الأسف، ~~مذ نعيت هذه المتوفاة، فكيف ليل سيف الدولة؛ فتى الفتيان، وولي الإحسان في ~~حلب؛ دار ملكه، وموضع مستقره. # ثم قال: أتراه يظن أني لا أشاركه في حزنه، وأساهمه في توجعه ورزئه، وأن ~~فؤادي غير ملتهب لما دهمه، ودمع جفوني غير منسكب لما طرقه. # بلى وحرمة من كانت مراعية ... لحرمة المجد والقصاد والأدب # ومن مضت غير موروث خلائقها ... وإن مضت يدها موروثة النشب PageV01P037 ~~وهمها في العلا والمجد ناشئة ... وهم أترابها في اللهو واللعب # الحرمة: ما لا يضيع من الذمام، والمراعاة: المحافظة، والنشب: المال ~~الثابت. # فيقول: بلى أني على أفضل ما يمكنني من مشاركة سيف الدولة، أقسم على ذلك ~~بحرمة هذه المتوفاة، التي لم أزل مراعية لحرمة المجد، مثنية بالعطاء عن ~~القصد، معظمة للأدب وأهله، عالمة بما يجب من حقه. # ثم قال على نحو ما قدمه من القسم بالمتوفاة: ومضت وخلائقها معدومة غير ~~موروثة، ومفقودة غير موجودة، وإن كانت يدها مضت، وما أفادته هباتها من ~~النشب، موروث لا ينفد، ومشهود لا يفقد. # ثم قال: وهمها من أول نشأتها في العلى والمجد وما تكسبه من الشكر والحمد، ~~لا تدع ذلك ولا تغفله، ولا تتناساه ولا تهمله، وهم أترابها ممن حدث سنه، ~~وتقاصر عمره، في اللهو والنعمة، واللعب والغفلة. # يعلن حين تحيا حسن مبسمها ... وليس يعلم إلا الله بالشنب # مسرة في قلوب الطيب مفرقها ... وحسرة في قلوب البيض واليلب # إذا رأى وراءها رأس لابسه ... رأى المقانع أعلى منه في الرتب # الشنب: بريق الثغر مع ما يجول عليه من رضاب الفم، ومفرق الرأس: معروف، ~~وبيض الحديد: معروفة أيضا، واحدتها بيضة، واليلب: ms024 الدرق، وقيل إنها بيض ~~تتخذ من جلود الإبل، تصرف تصريف بيض الحديد، وصرف الضمير في قوله: لابسه ~~إلى البيض واليلب، وأفرد لأنه أراد هذا الضرب من السلاح، وحمل الكلام على ~~المعنى دون اللفظ، والعرب تفعل ذلك. # [فيقول]، وهو يريد الأتراب اللواتي قدم ذكرهن: يعلمن حسن مبسم المتوفاة ~~من الحجاب، وجلالة النصاب، [ولا] يخبر شنب ذلك المبسم إلا الله الذي أتقن ~~صنعه، وأكمل حسنه، وأشار إلى أنها ارتفعت عن أن تساوى في شرفها فتتزوج، وتماثل PageV01P038 ~~في زمانها فتملك. # ثم قال: مسرة في قلوب الطيب وضروبه، استعمالها له، والتباس مفرقها به، ~~واستعار للطيب قلبا على سبيل التجوز، وجمعه على معنى أن الطيب جنس اشتمل ~~على ضروب كثيرة، وحسرة في قلوب البيض واليلب، ما تبغيه من أن يعلق ذلك ~~المفرق، وتحمل ذلك الموضع. # ثم قال: إذا رأى هذا الضرب من السلاح رأس من يلبسه، ورأى هذه السيدة ~~الجليلة، والعقيلة الكريمة، رأى المقانع التي تستعملها مكانه، وتحلها محله، ~~أعلى منه رتبة، وأظهر جلالة ورفعة. يشير إلى أنها مع التأنيث يتواضع عنها ~~فحول الرجال، ولا يساويها مشاهير الأبطال. # فأن تكن خلقت أنثى لقد خلقت ... كريمة غير أنثى العقل والحسب # وإن تكن تغلب الغلباء عنصرها ... فإن الخمر معنى ليس في العنب # الحسب: الشرف، وتغلب: القبيلة المعروفة، إليها ينسب بنو حمدان، والغلباء ~~الضخمة القوية، والعنصر: الأصل. # فيقول: فإن تكن هذه المتوفاة أنثى في خلقها، وامرأة في حقيقتها، وكان ~~التأنيث من صفات النقصان، فقد خلقت هي كريمة سيدة، فاضلة مقدمة، غير أنثى ~~في عقلها وحسبها، ولا منقصة في رفعتها وشرفها. # ثم قال: وإن تكن تغلب؛ هذه القبيلة، مع جلالتها واشتهار فخامتها، أصل هذه ~~المتوفاة، وكان لها من بين نسائها الشرف الذي لا يعادل، والفضل الذي يماثل، ~~فذلك غير بديع، فالعنب أصل الخمر، وليس فيه ما يوجد في الخمر من توليد ~~الفرح، وإثارة الطرب. يشير إلى أن الفرع قد يشرف أصله، والآخر قد يفضل أوله. # فليت طالعة الشمسين غائبة ... وليت غائبة الشمسين لم تغب PageV01P039 ~~وليت عين التي آب النهار ms025 بها ... فداء عين زالت ولم توب # فما تقلد بالياقوت مشبهها ... ولا تقلد بالهندية القضب # عين الشيء: شخصه، وآب: بمعنى رجع، والقضب: القواطع: الواحد قضيب. # فيقول: فليت طالعة الشمسين غائبة، يريد: المتوفاة، وشمس النهار، والطالع ~~منهما: الشمس المعهود، فتمناها أن تكون غائبة لا تطلع، ومعدومة لا ترجع، ~~وليت هذه الشمس المفقودة طلعت موضعها فلم تعدم، وأقامت مكانها فلم تفقد، ~~وكنى عن المتوفاة بالشمس، مشيرا إلى علو رتبتها، واستبانة شرفها ورفعتها. # ثم قال على نحو ذلك: وليت عين الشمس المعهود التي رجع النهار بها طالعة، ~~وأظهرها بعد الغروب مشرقة، فداء عين الشمس التي غابت، فلم تكن لغيبتها ~~أوبة، وفقدت فلم تكن لفقدها رجعة. # ثم قال مشيرا إلى موضع المتوفاة من الفضل، ومنزلتها من كرم الأصل: فما ~~تقلد بالياقوت من النساء من أشبهها، ولا تقلد بالسيوف الصارمة من الرجال من ~~يعدل بها، يريد: أنها فضلت النساء والرجال من أهل دهرها، وزادت عليهم ~~بشرفها وقدرها. # ولا ذكرت جميلا من صنائعها ... إلا بكيت ولا ود بلا سبب # قد كان كل حجاب دون رؤيتها ... فما قنعت لها يا أرض بالحجب # ولا رأيت عيون الإنس تدركها ... فهل حسدت عليها أعين الشهب! # الصنائع: الأيادي المشكورة، واحدتها صنيعة، والشهب: النجوم. # فيقول: ولا ذكرت جميلا مما كانت توليه، وكثيرا مما كانت تفعله وتسديه، ~~إلا بكيت حزنا ورقة، وأسفت توجعا وشفقة، ولا يكون الود دون سبب يبعث عليه، ~~ولا يتمكن دون موجب يقود إليه، وإحسان هذه المتوفاة أوجب علي ودها، وألزمني ~~أن أنشر فضلها. PageV01P040 # ثم قال: قد كان دون رؤيتها كل حجاب يمنع مثله، وكل شيء من الستر يمكن فعله، ~~فما قنعت لها أيها الأرض حتى حجبتها بسترك، وصيرتها مغيبة مغيبة في تربك. # ثم قال: وقد كنت أيها الأرض آمنة عليها من عيون الإنس، أن تدركها من ~~أبصارهم وأن تلحظها، أفتراك حسدت عليها أعين الكواكب فتضمنتها مغيبة لها؟! ~~واشتملت عليها لبخلك بها؟! وأشار بهذا القول إلى موضع المتوفاة من الستر، ~~وما كانت عليه من جلالة القدر. # وهل سمعت سلاما لي ألم ms026 بها؟ ... فقد أطلت وما سلمت من كثب # وكيف يبلغ موتانا التي دفنت ... وقد يقصر عن أحيائنا الغيب # الكثب: القرب. # فيقول: وهل سمعت أيتها الأرض من سلامي الذي أردده، وذكري الذي أوصله؟ فقد ~~أطلت في ذلك، وما تناولته من قرب، فأستمع من أخاطبه، وأدرك من هذا ما ~~أحاوله. # ثم قال: وكيف يبلغ ما اسلم به موتانا الذين سترهم الدفن وغيبهم الترب، ~~وهو يقصر عن أحيائنا الذين غيبهم عنا انتزاح منازلهم، وتباعدهم منا في ~~مواضعهم. # يا أحسن الصبر زر أولى القلوب بها ... وقل لصاحبه يا أنفع السحب # وأكرم الناس لا مستثنيا أحدا ... من الكرام سوى آبائك النجب # يقول، وهو يريد سيف الدولة، أخا المتوفاة المرثية: يا أحسن الصبر وأوفره، ~~زر أولى القلوب بهذه المتوفاة، يريد: قلب سيف الدولة الذي هو شفيق اخوتها، ~~وأقعد الناس بقرابتها، وقل أيها الصبر لصاحب ذلك القلب، مخاطبا لسيف ~~الدولة، ومرفعا به: يا أنفع السحب الساجمة، وأحمد الغيوث الوابلة. # ثم قال، على نحو ما قدمه، مخاطبا لسيف الدولة: ويا اكرم الناس! لا استثني أحدا PageV01P041 ~~منهم، ولا أخص مذكرا فيهم، سوى آبائك النجب السادة، والرؤساء القادة، فهم ~~الذين بلغوا من الكرم غايته، وأحرزوا من الفضل نهايته، فليس يجوز لأحد أن ~~يبلغ من الكرم ما لم يبلغوه، ويفعل من الجميل ما لم يفعلوه. # قد كان قاسمك الشخصين دهرهما ... وعاش درهما المفدي بالذهب # وعاد في طلب المتروك تاركه ... إنا لنغفل والأيام في الطلب # ما كان أقصر وقتا كان بينهما ... كأنه الوقت بين الورد والقرب # القرب: الدنو من الماء، والورد: الاحتلال به. # فيقول لسيف الدولة، ذاكرا لتتابع وفاة أختيه، وتأخر الكبرى التي رثاها ~~بهذا الشعر بعد الصغرى: قد كان قاسمك الدهر الشخصين اللذين كنت تأنس بهما، ~~وتسكن إليهما، وآثرك بالأحب إليك، وكلاهما كريم في نفسه، رفيع في حاله، ~~وكنت كمن كان له در وذهب؛ فرزي بالذهب ومتع بالدر، ونامت عنه فيه حوادث الدهر. # ثم قال: وعاد الدهر عليك في طلب ما تركه، واسترجاع ما سلمه، يريد: ما حدث ~~عليه بوفاة أخته الكبرى ms027 التي عزاه بها، إنا لنغفل والأيام طالبة، والحوادث ~~في الإسراع نحونا جاهدة. # ثم قال، يريد أختي سيف الدولة المتوفاتين: ما كان أسرع ما كان بينهما من ~~المدة، وأقل ما لحق ذلك من المهملة، كأنه لخفة وقعته، وسرعة جملته، ما بين ~~القرب والورد، اللذين يتصلان بلا تأخر، ويتواليان دون توقف.! # جزاك ربك بالأحزان مغفرة ... فحزن كل أخي حزن أخو الغضب # وأنتم نفر تسخو نفوسكم ... بما يهبن ولا يسخون بالسلب # حللتم من ملوك الناس كلهم ... محل القنا سمر القنا من سائر القصب # يقول لسيف الدولة: جزاك ربك بالأحزان التي تحدث على رزاياك مغفرة تشملك، ~~وتجاوزا يعجله لك، فحزن الحزين باب من الغضب؛ لأنه يتخبط حاله، ويتكره PageV01P042 ~~شأنه، وهذه سبيل صاحبها فقير إلى تجاوز ربه، وتداركه لمغفرة ذنبه. # ثم قال يخاطبه: وأنت وقومك نفر أعزة، وملوك أجلة، تسخو أنفسكم بجليل ~~الهبات، وتسمح بجسيم الصلات، ولا تسمحون لقليل تستلبونه، ويسير تغتصبونه، ~~ومن أصيب بحميم فالحزن مخوف عليه، وشدة الأسف سريعة إليه. # ثم قال يخاطبه: حللت وقومك من بين سائر الملوك في علوكم عليهم، وتقدمكم ~~فيهم، وإن كان الاسم يجمعكم بهم، محل قنا الرماح من سائر القصب التي تشاركه ~~في الاسم، وتنفرد دونه بالغناء والفضل. # فلا تنلك الليالي إن أيديها ... إذا ضربن كسرن النبع بالغرب # ولا يعن عدوا أنت قاهره ... فإنهن يصدن الصقر بالخرب # وإن سررن بمحبوب فجعن به ... وقد أتينك في الحالين بالعجب # النبع: شجر صلب العود تعمل منه القسي، والغرب: شجر ليست له صلابة النبع ~~ولا كرمه، والصقر: طائر من الجوارح كالبازي وما أشبهه، والخرب: ذكر ~~الحبارى. # فيقول داعيا لسيف الدولة: فلا جعل الله الليالي أن تنالك بمكروهها، ~~وتتخطى إليك بمحذورها، فإن أيديها تكسر الأكثر بالأقل، وتحط الأرفع ~~بالأوضع. وجعل النبع والغرب كالمثل في ذلك، وجعل لليالي أيديا على سبيل ~~الاستعارة. # ثم قال على نحو ما قدمه: ولا جعلها اله أن تعين عدوا أنت قاهره، وتظهر ~~عليك مخالفا أنت غالبه، فإن شأنها أن تظهر الدني على السري، وتديل الضعيف ~~على القوي. # ثم قال ms028 على نحو ما قدمه، وهو يريد الليالي، وإن سررن بمحبوب فجعن بفقده، ~~وإن أنسن به أعقبن ببعده، وقد أتينك، يخاطب سيف الدولة، من الحالين؛ في ~~السرور بمن كنت تأنس به، والحزن بما أعقب ذلك من وفاته، والأسف له، بعجب PageV01P043 ~~عجيب، وواعظ بليغ، والسكون إلى مساعدة الدهر غرور، والتمتع بمسرته يسير. # وربما احتسب الإنسان غايتها ... وفاجأته بأمر غير محتسب # وما قضى أحد منها لبانته ... ولا انتهى أرب إلا إلى أرب # الاحتساب: التقدير، واللبانة: الحاجة، والأرب: المراد. # فيقول: وربما احتسب الإنسان ما تصيبه الليالي من صروفها، وتعتمده به من ~~خطوبها، غاية فعلها، ومبلغ جهدها، ثم تفجأه بعد ذلك بما لم يبلغه تقديره، ~~ولا انتهت إليه ظنونه. # ثم قال: وهي مع ذلك مرجوة فائدتها، ومنتظرة عائدتها، لا يقضي أحد منها ~~غاية لبانته، ولا يبلغ فيها جملة إرادته؛ لأن أربه فيها موصول بمثله، وأمله ~~مشفوع لشبهه. # تخالف الناس حتى لا اتفاق لهم ... إلا على شجب والخلف في الشجب # فقيل تخلص نفس المرء سالمة ... وقيل تشرك جسم المرء في العطب # ومن تفكر في الدنيا ومهجته ... أقامه الفكر بين العجز والتعب # الشجب: الموت. # فيقول: تخالف الناس مدة الدهر في مذاهبهم، وتداينوا في مقاصدهم، فليس ~~بينهم اتفاق إلا على الموت الذي لا بد منه، ولا محيص لمخلوق عنه، وهم في ~~الموت مع تيقنهم له، على عادتهم في الاختلاف، وما عهد منهم من قلة ~~الائتلاف. # ثم وصف اختلافهم في الموت فقال: منهم من يذهب إلى أن النفوس بعد مفارقتها ~~الأجسام إلى مواقيتها باقية، ومنهم من يذهب إلى أنها بفناء الأجسام فانية، ~~وكلا القولين قد روي وذكر، وكثر الاختلاف فيه ونقل. # ثم قال: ومن تفكر في الدنيا، وتصرفها في أمور نفسه وتقلبها، أقامه فكرة ~~بين التعب فيما يتدبره، والعجز عما يعاينه ويطلبه. يشير إلى أن علم الإنسان يسير، PageV01P044 ~~وهو على العجز والنقصان مفطور. PageV01P045 # وأنفذ إليه كتابا إلى الكوفة يحصله بأمان، وسأله فيه المسير إليه، فأجابه ~~عنه، وأنفذها إلى ميارفارقين في ذي الحجة من سنة ثلاث وخمسين وثلاث مائة. # فهمت ms029 الكتاب أبر الكتب ... فسمعا لأمر أمير العرب # وطوعا له وابتهاجا به ... وإن قصر الفعل عما وجب # أبر الكتب: بمعنى أصدقها، وسمع: مصدر بمعنى الوقوف عند الأمر. # فيقول لسيف الدولة: قرأت كتابك، أبر الكتب وأكرمها، وأعزها وأفضلها، ~~فسمعا لأمرك يا أمير العرب وسيدهم، وزعيمهم وأوحدهم. # ثم قال: وطوعا لكتابك وابتهاجا، ووقوفا عنده وامتثالا له، وإن قصر فعلي ~~عما يجب من حقك، وعجز كثير شكري عما أحاط به من فضلك. # وما عاقني غير خوف الوشاة ... وإن الوشايات طرق الكذب # وتكثير قوم وتقليلهم ... وتقريبهم بيننا والخبب # وقد كان ينصرهم سمعه ... وينصرني قلبه والحسب # عاقني: بمعنى صرفني، والوشايات: النمائم، والوشاة: الناقلون لها، ~~والتقريب والخبب: ضربان سريعان من المشي، والحسب: الشرف. # فيقول لسيف الدولة: وما عاقني عن قصدك، ولا صرفني عن استيطان أرضك، غير ~~تخوفي من الوشاة وكذبهم، وتوقعي لأهل الحسد وحيلهم، والوشايات طريق أهل ~~الكذب، والنمائم سلاح أهل الحسد. # ثم أكد ذلك فقال: وما توقعته مما عهدته من تكثير أولئك الوشاة في جهتي ~~عند التقرب، وتقليلهم عند قلة الاهتبال بهم، وتقريبهم بيننا، وخببهم بما ~~يختلقونه من إفكهم، واجتهادهم فيما ينقلونه من كذبهم. # ثم قال مخبرا عن سيف الدولة: وقد كان ينصرهم باستماع ما ينقلونه وإظهار ~~التقبل لما يقولونه، وينصرني قلبه بجميل معتقده، ويسعدني شرفه بكريم مذهبه، ~~فكان يسمع منهم في جهتي ما لا يصدقه، ويظهر الإصغاء إليهم فيما لا يحققه. PageV01P046 # وما قلت للبدر أنت اللجين ... ولا قلت للشمس أنت الذهب # فيقلق منه البعيد الأناة ... ويغضب منه البطيء الغضب # اللجين والذهب: معروفان، وبعد الأناة: شدة التثبيت. # فيقول: وما بخست سيف الدولة يسيرا من حقه، ولا قصرت به في شيء من ذكره، ~~ولا وصفته بأقل أوصافه، ولا نسبته إلى أخص أحواله، فأكون كمن مثل البدر ~~بالجين، والشمس بالذهب، فلم يعط التمثيل حقه، ولا في التشبيه قسطه، مع قليل ~~ما فرط فيه، ويسير ما دخل من السهو عليه، ولكنني وصفته غير مقصر في وصفه، ~~ومدحته غير متأخر في مدحه. # ثم قال: ولم يكن فيما ذكرته به ما ms030 يقلق منه مثله، من أهل الأناة البعيدة، ~~والتؤدة الشديدة، وما يغضب منه من يبطئ الحلم بغضبه، ويحمله على التلبث شرف حسبه. # وما لاقني بلد بعدكم ... ولا اعتضت من ري نعماي رب # ومن ركب الثور بعد الجو ... د أنكر أظلافه والغبب # لاق الشيء بالشيء: إذا ضمه ولصقبه، ورب الشيء: مالكه، والأظلاف من الشاة ~~والثور: بمنزلة الحافر من الدابة، وغبب الثور: ما تحت عنقه من الجلدة ~~الرخوة. # فيقول لسيف الدولة: وما لاقني بلد بعدك أستقر فيه، ووطن أعتمد عليه، ولا ~~اعتضت منك وأنت رب نعمتي، وحافظ جملتي، ربا أسند إلى فضله، ومالكا أتعبد ~~نفسي لمثله. # ثم قال: ومن صحبك على جلالتك، وشاهدك مع عظيم سيادتك، ثم فارقك وصحب غيرك ~~ممن يتسمى بالإمرة، وينتسب إلى العلو والرفعة، وأحواله مع ذلك تعقده، ~~وأخلاقه تقصر به وتؤخره، كان كمن ركب الثور مع هجنة خلقه، بعد ركوب الجواد ~~المتقدم في عتقه. وهذه العبارة وإن لم تجر على رتبة لفظه فهي PageV01P047 ~~معربة عن حقيقة قصده. # وما قست كل ملوك البلاد ... فدع ذكر بعض، بمن في حلب # ولو كنت سميتهم باسمه ... لكان الحديد وكانوا الخشب # أفي الرأي يشبه، أم في السخا ... ء، أم في الشجاعة، أم في الأدب؟ # حلب: مدينة من ثغور الشام فيها كان مستقر سيف الدولة. # فيقول: وما قست ملوك البلاد بجملتهم، غير مستثن لأحد من جماعتهم بمن في ~~حلب منهم، يريد سيف الدولة، إلا كانوا لا يساوونه في أقل فضائله، ولا يحكون ~~منه أخصر مكارمه. # ثم قال: ولو كنت سميتهم باسمه، وألحقهم به في اللقب المعرب عن قدره؛ يشير ~~إلى معنى سيف الدولة، هذا الاسم، لكان هو السيف حقيقة في مضائه وجدته، ~~وصرامته وشدته، وكانوا هم من السيوف كالخشبة في نبوهم وكلالهم، وضعفهم ~~ومهابتهم. # ثم قال: وفي أي خصاله يشبهونه، أفي رأيه وصحته، أم في سخائه وكثرته، أم ~~في شجاعته وصرامته، أم في أدبه ونباهته؟! وكل هذه الأحوال تقدمه عليهم، ~~وتحكم له بالشرف فيهم. # مبارك الاسم، أغر اللقب ... كريم الجرشى، شريف النسب # أخو الحرب، يخدم ms031 مما سبى ... قناه، ويخلع مما سلب # إذا حاز مالا فقد حازه ... فتى لا يسر بما لا يهب # الأغر: الفاضل، ولقب الرجل: ما وسم به، والجرشى: النفس. # فيقول في الممدوح، واسمه علي، ولقبه سيف الدولة: مبارك الاسم، فاضل ~~اللقب، كريم النفس، شريف النسب، أخو حروب يداومها، وغزوات يواصلها، فهو ~~يخدم قاصده من الإماء والعبيد، ما سبته رماحه وصوارمه، ويخلع عليه مما أفادته PageV01P048 ~~ملاحمه ووقائعه. # ثم قال: إذا حاز المال وجمعه، واستفاده وتملكه، فقد حازه فيه فتى لا يسر ~~من المال إلا بما وهبه، ولا يغتبط منه إلا بما أعطاه ومنحه. # وإني لأتبع تذكاره ... صلاة الإله وسقي السحب # وأثني عليه بآلائه ... وأقرب منه نأى أو قرب # فإن فارقتني أمطاره ... فأكثر غدرانها ما نضب # التذكار: التذكر، وصلاة الإله: رحمته، والآلاء: النعم، والغدران: مجامع ~~المياة، والنضوب: الجفوف. # فيقول: وإني لأتبع تذكري لسيف الدولة أفضل الدعاء وأبلغه، وأزكاه وأكرمه، ~~وأسأل الله أن يخصه بزلفاه ورحمته، وأن يسقيه من السحاب بحسب رغبته، وأثني ~~عليه بآلائه الشاملة، وأياديه الحديثة السالفة، وأقرب منه بامتثالي له، وما ~~اعتقده من تعلق أملي به، أكان مني بعيدا نائيا، أو كان مني قريبا دانيا. # ثم قال: وإن فارقتني نعمه السابغة، ولم تسقني أمطاره الساجمة، فآثار تلك ~~النعم، وغدران تلك السحب، مشهورة عندي لا تبعد، وكثيرة لدي لا تنفد. # أيا سيف ريك لا خلقه ... ويا ذا المكارم لا ذا الشطب # وأبعد ذي همة همة ... وأعرف ذي رتبة بالرتب # وأطعن من مس خطية ... وأضرب من بحسام ضرب # الشطب: طرائق في متن السيف، واحدتها شطبة، والخطية: واحدة من قنا الرماح، ~~تنسب إلى الخط، وهو بلد معروف. فيقول لسيف الدولة: أيا سيف الله، لا سيف ~~أحد من خلقه، ويا رحمته التي يبسطها في أرضه، ويا ذا المكارم لا ذا الشطب، ~~يريد: إنه وإن وافقه السيف في اسمه، فإنه يفارقه بمشهور فضله. # ثم قال: ويا أبعد ذوي الهمم همة، وأظهرهم علوا ورفعة، ويا أعرف ذوي PageV01P049 ~~المراتب بحقائق الرتب، واقعدهم بكرم الحسب. # ثم قال: ويا أطعن من حمل ms032 رمحا بنفسه، وأضرب من قلب حساما بكفه؛ يشير إلى ~~إنه أعلم الناس بالطعن والضرب، وأشدهم إقداما على مضائق الحرب. # بذا اللفظ ناداك أهل الثغور ... فلبيت والهام تحت القضب # وقد يئسوا من لذيذ الحياة ... فعين تغور وقلب يجب # القضب: السيوف القواضب، واحدها قضيب، والقضب: القطع، ووجيب القلب: شدة ~~خفقانه. # فيقول لسيف الدولة، بعد ما ذكره من فضائله: بمثل ما أقول به في وصفك، ~~وأعدده من فضائلك في مدحك، ناداك أهل الثغور مستصرخين لك، واستعانوا ~~مستجيرين بك، عند نزول الروم عليهم، وتصميم جموعهم إليهم، فلبيتهم مسرعا ~~نحوهم، وأغثتهم مؤمنا ذعرهم، وهامهم تحت السيوف تمتثل وقعها، وأنفسهم في ~~قبض الحتوف وهي ترتقب فعلها. # ثم قال: وقد يئسوا عن لذة الحياة لعظيم ما لحقهم، وتيقنوا مباشرة الهلاك؛ ~~لكثرة من حل من الروم بهم، فعين ثغور لما نالهم من السهر والتعب، وقلب يجب ~~لما اشرفوا عليه من مقاربه العطب. # وغر الدمستق قول الوشا ... ة: إن عليا ثقيل وصب # وقد علمت خيله أنه ... إذا هم وهو عليل ركب # الدمستق: صاحب جيش الروم، والوشاة: الأعداء، والثقيل: الضعيف عن الحركة، ~~والوصب: الشديد المرض. # فيقول: وغر الدمستق عند تحركه إلى ثغور المسلمين قول من كان يواليه على ~~سيف الدولة من أهل تلك البلاد، إنه ثقيل المرض، شديد الشكية والألم، فتحرك ~~وقد أمن إغاثة سيف الدولة للثغر، وتحقق ما كان فيه من الألم والضر. PageV01P050 # ثم قال: وقد علمت خيل سيف الدولة أن علته لا تثني همته، وشكاته لا تعوق ~~عزيمته، وإنه إذا هم عليل ركب غير متوقف، وإذا أراد أمرا أمضاه غير متلوم، ~~وأن تجلده لا تثنيه العلل، واعتزامه لا يصرفه الألم. # أتاهم بأوسع من أرضهم ... طوال السبيب قصار العسب # تغيب الشواهق في جيشه ... وتبدو صغارا إذا لم تغب # ولا تعبر الريح في جوه ... إذا لم تخط القنا أو تثب # السبيب: خصل الذنب، والعسب: جمع عسيب وهو العظم الذي ينبت عليه شعر ~~الذنب، وقصره من الفرس دليل على عتقه، وطول سبائبه من شواهد كرمه، ~~والشواهق: الجبال العالية، واحدها: شاهق، # والجو ms033 ما ارتفع من الهواء. # فيقول، وهو يشير إلى سيف الدولة، وإلى أهل الثغر: أتاهم الدمستق بجيش ~~ضاقت عنه أرضهم، وزادت سعته على سعة بلدهم، كثيرة جموعه، كريمة خيوله؛ ~~سبائب تلك الخيول. . .، تغيب شواهق تلك الجبال في ذلك الجيش لعظمه، وتخفى ~~فيه لكثرة عدده، وما بدا منها فهو صغير في عين مبصره، قليل فيما يسبق إلى ~~متأمله. # ثم قال: يمنع ذلك الجيش الريح من أن تعبره لتكاثف كتائبه، ويعوقها عن أن ~~تسلكه لالتفاف رماح عواليه، فليس تنهض الريح في جوه إلا مستعلية متحيلة، ~~ولا تتخلص منه إلا مرتفعة متوثبة. # فغرق مذنهم بالجيوش ... وأخفت أصواتهم باللجب # فأخبث به طالبا قتلهم ... وأخيب به تاركا ما طلب # الأخفات: الإخفاء، واللجب: اختلاط أصوات أهل العسكر. # فيقول: فغرق الدمستق مدن الثغر في جمعه، وغيبها فيما أحاط بها من حشده، PageV01P051 ~~واخفت أصوات أهلها بلجبه، وغطى عليها بكثرة عدده، فما أخبثه في طلب قتلهم، ~~ومحاولة الظفر بهم، عند معرفته بعلة سيف الدولة، ومسارعته إلى انتهاز تلك ~~الفرصة، ومبادرة تلك الغرة، وما أخيبه في ترك مت طلبه، وإعراضه عما قصده، ~~عند مقاربة سيف الدولة له، ودنوه منه، واعتصامه بالفرار بنفسه، ومعرفته بما ~~له مع سيف الدولة في حربه. # نأيت فقاتلهم باللقاء ... وجئت فقاتلهم بالهرب # وكانوا له الفخر لما أتى ... وكنت له العذر أما ذهب # يقول لسيف الدولة: نأيت عن أهل الثغر، ووقفتك عنهم علتك، فقاتلهم الدمستق ~~بغزو أرضهم، ولقاء خيلهم، وجئت نحوهم فقاتلهم بالهرب عنهم، والفرار منهم. # ثم قال: وكانوا له الفخر بغزوه إليهم، وإقدامه عليهم، وكنت له العذر في ~~انصرافه عما كان أنفذه من قصدهم، وفراره عما اقتحم فيه من أرضهم؛ لأن من ~~عجز عن حربك فهو غير ملوم في عجزه، ومن فر عن لقاك فهو غير مضيق عليه في عذره. # سبقت إليهم مناياهم ... ومنفعة الغوث قبل العطب # فخروا لخالقهم سجدا ... ولو لم تغث سجدوا للصلب # وكم ذدت عنهم ردى بالردى ... وكشفت من كرب بالكرب # ذدت: بمعنى دفعت، والعطب: الهلاك. # فيقول لسيف الدولة: سبقت إليهم مناياهم التي كانت ms034 قد قاربتهم ومهالكهم ~~التي كانت شافهتهم، مسرعا نحوهم غير متوقف، ومبادرا غير متأخر، ومنفعة ~~الغوث أن تكون قبل وقوع العطب، وفائدته أن يسبق به قبل حلول التلف. # ثم قال: فخر أهل الثغر لخالقهم ساجدين لقصدك نحوهم، ونادوك شاكرين على ~~احتلالك أرضهم، ولو لم تغثهم لغلبت الروم عليهم وكانوا يفتنونهم عن دينهم، PageV01P052 ~~ويلزمونهم السجود لصليبهم. # ثم قال يخاطب سيف الدولة: وكم دفعت عن أهل الثغر من وقائع الروم بإيقاعك ~~بهم، وكم صرفت عنهم من رداهم بردى أحدثته عليهم، وكم كشفت من كربهم؛ الكرب ~~التي واليتها على الروم في قتلك لهم، وإيقاعك بهم، فأمنت أهل الثغور ~~بإخافتهم، وأرحتهم بمواصلة نكايتهم. # وقد زعموا إنه إن يعد ... يعد معه الملك المعتصب # ويستنصران الذي يعبدان ... وعندهما إنه قد صلب # ويدفع ما ناله عنهما ... فيا لرجال لهذا العجب # المعتصب: ملك الروم الأعظم الذي يعتصب بالتاج، والاعتصاب بالتاج: حمله ~~على الرأس، موضع العصابة. # فيقول: وقد زعم الروم أن الدمستق إن عاد إلى الثغر عاد معه ملكهم الأعظم ~~المعتصب بالتاج، فحشد مع نفسه جميعهم، وكثر بحضوره عديدهم. # ثم قال: ويستنصران عيسى بن مريم الذي يعتقدون ربوبيته، ولا ينكرون ~~إلهيته، ويزعمون مع ذلك أن اليهود صلبوه واستضعفوه وغلبوه. # فيقول: إنه سيدفع عن الدمستق وعن ملك الروم من القتل ما لم يدفعه عن ~~نفسه، ويملك من أمرهما ما لم يملكه من أمره، فيا للرجال لهذا العجب العجيب، ~~والثناء الغريب. # أرى المسلمين مع المشركين ... إما لعجز وإما رهب # وأنت مع الله في جانب ... قليل الرقاد كثير التعب # كأنك وحدك وحدته ... ودان البرية بابن وأب # الرهب: الخوف. # فيقول: أرى المسلمين مع المشركين يألونهم ويهادنونهم ويتمسكون بهم PageV01P053 ~~ويسالمونهم، إما لعجزهم وضعفهم، وإما لتوقعهم وخوفهم. # ثم قال، يخاطب سيف الدولة: وأنت مع الله في جانب عنهم، وفي معزل منهم، ~~تغاور الروم وقد ضيع المسلمون غزوهم، وبذلهم إذا استعظم من سواك أمرهم، لا ~~تغفل عن ذلك ولا ترقد، ولا تسأم من التعب فيه ولا تسكن. # ثم قال: كأنك وحدك عظمت الله ووحدته، ونصرت دينه وأيدته، ms035 وكان من سواك من ~~المعظمين للروم، المسالمين لهم، دانوا للشرك والتزموه، وقالوا به وانتحلوه. # فليت سيوفك في حاسد ... إذا ما ظهرت عليهم كئب # وليت شكاتك في جسمه ... وليتك تجزي ببغض زحب # فلو كنت تجزي به نلت من ... ك أضعف حظ بأقوى سبب # يقول: فليت سيوفك معملة في حاسد ينكر مشهور فضلك، ولا يعرف لك بكريم ~~سعيك، فإذا أظهرك الله على الروم أسف وحزن، وإذا أظفرك بهم ارتمض واكتأب. # ثم قال: وليت شكاتك في جسم ذلك الحاسد، يكفيك ألمها، وعلتك مقصورة عليه، ~~تنوب عنك في تحملها، وليتك تجزي من أحبك على مقدار حبه، ومن أبغضك بمقدار ~~ما يعتقده لك من بغضه، فتقارض كلا بقسطه، وتجزيه على حقيقة قدره. # ثم قال: فلو كان ذلك رأيك ومذهبك، واختيارك ومعتقدك، لنلت أضعف حظ من ~~تقبلك، بأقوى سبب أمت به من الإخلاص لك. يشير إلى أن سيف الدولة يغمض لكثير ~~ممن حوله، على ما تيقن منه من قلة الخالصة، والبعد من سلامة الناحية، وإنه ~~اغفل أمر أبي الطيب مع ما هو عليه من ثابت البصيرة في مودته ونصحه، وخالص ~~النية في الاعتراف بإحسانه وفضله. # نجز ما قاله أبو الطيب في سيف الدولة علي بن عبد الله بن حمدان، وفي جملة ~~ذلك الأشعار الثلاثة التي كتب بها إليه من العراق، وهي آخرها، أثبتناه من أشعاره PageV01P054 ~~فيه. PageV01P055 ### || AUTO الكافوريات # وفارق أبو الطيب سيف الدولة، وكان سبب مفارقته إياه إنه تغير عليه، وأصغى ~~إلى قول الحساد فيه، فكثر الأذى عليه منه، فرحل من حلب، وركب البرية إلى ~~دمشق. وكاتبه الأستاذ كافور المسير إليه، فسار إليه، فنزل بالرملة، فحمل ~~إليه الأمير الحسن بن عبيد الله بن طغج هدايا وخلعا، وحمله على فرس بموكب ~~ثقيل، وقلده سيفا محلى، وأراد منه أن يمدحه، إليه بالأبيات الرائية: # ترك مدحيك كالهجاء لنفسي # قد تقدمت وألحقت بما قاله في ابن عبيد الله قديما. # ثم فارقه وقدم مصر، فأخلى له كافور دارا وخلع عليه، وحمل إليه آلافا من ~~الدراهم، فقال يمدحه، أنشدها إياه في جمادى ms036 الآخرة من سنة ست وأربعين وثلاث مائة. # كفى بك داء أن ترى الموت شافيا ... وحسب المنايا أن أمانيا # تمنيتها لما تمنيت أن ترى ... صديقا فأعيا أو عدوا مداجيا # المداجاة: المساترة. # فيقول: كفى بك من الداء وشدته، ومن المكروه وبلوغ غايته، أن ترى الموت ~~شفاء تطلبه، وتعتد به دواء ترغبه، وحسب المنايا في الظفر ببغيتها، والتمكن ~~من إرادتها، أن يكن أماني يؤمل ورودها، ورغبات يستبطأ حلولها. # ثم قال يخاطب نفسه، ويبسط في تمنيه للمنايا عذره: تمنيت الموت واستبطأته، ~~وكرهت العيش واستثقلته؛ لفساد الزمان وأهله، واستحالته في جملة أمره، وإني ~~تمنيت أن أرى فيه صديقا فلم أجده، أو مداجيا بالعداوة فلم أبصره، إذ الناس ~~كلهم أعداء غير ساترين، وأضداد غير مجاملين. # وأشار إلى قلة إنصاف سيف الدولة، وإنه أكثر من الإضرار به، وأن ذلك حمله ~~على مفارقته، ودعاه إلى مباعدته ومصارمته. PageV01P056 # إذا كنت ترضى أن تعيش بذلة ... فلا تستعدن الحسام اليمانيا # ولا تستطلن الرماح لغارة ... ولا تسجيدن العتاق المذاكيا # فما ينفع الأسد الحياء من الطوى ... ولا تتقى حتى تكون ضواريا # الحسام: السيف القاطع، واليماني: الذي طبع بأرض اليمن، والعتاق: الخيل ~~الكريمة، والمذاكي: القرح منها، والطوى ضمور البطن من الجوع، والضواري من ~~السباع: العادية، واحدتها: ضار. # فيقول مخاطبا لنفسه، ومنبها في مفارقته لسيف الدولة علة عذره: إذا كنت ~~ترضى أن تعيش ذليلا غير مكرم، ومستضعفا غير معظم، فما لك تستعد بالسيف ~~وتحمله، وتستجيده وتتخيره؟! # ثم قال على نحو ذلك: وما لك تستطيل الرماح للمطاعنة، وتستفره الخيل ~~للمغاورة، إذا كنت لا تستعمل ذلك في المدافعة عن نفسك، وتصرفه فيما يدل على ~~جلالة قدرك؟! # ثم قال: وما ينفع الأسد بما توصف به من الحياء في جوع بطونها، ولا يوجب ~~لها السكون تمكن أمورها، ولا تتقى حتى تكون ضارية، متسرعة عادية. وأشار إلى ~~أن طول بقائه عند سيف الدولة أخل بقدره، وأن استعماله الحياء في مفارقته، ~~منعه من إظهار غنائه وفضله. # حببتك قلبي قبل حبك من نأى ... وقد كان غدارا فكن لي وافيا # وأعلم أن البين ms037 يشكيك بعده ... فلست فؤادي إن رأيتك شاكيا # فإن دموع العين غدر بربها ... إذا كن إثر الغادرين جواريا # النأي: البعد، والغدر والوفاء: معروفان، والبين: الفراق، والفؤاد: القلب، ~~والشاكي: الألم. وأفرد غدرا وهو خبر عن الدموع؛ لأنه مصدر، والمصادر لا ~~تثني ولا تجمع إذا نعت بها، أو أخبر، يقال: امرأة خصم ونساء خصم، ورجل غدر PageV01P057 ~~ورجال غدر، والرب: المالك. # فيقول مخاطبا لقلبه، ومهونا لفراق سيف الدولة على نفسه: حببتك أيها القلب ~~قبل حبك لسيف الدولة الذي نأى عنك، وتباعد منك، وقد كان غدارا في فعله، ~~وغير مقارض لك فيما كنت عليه من وده، فكن أيها القلب راضيا لي بالسلوة عن ~~حبه، والإعراض عن التطلع إلى ذكره. # ثم قال: واعلم أيها القلب أن الذي أنت عليه من الوفاء لمن صحبته، والتعلق ~~بمودة من صافيته، يوجب عليك أن تشجى لبعده، وتستوحش لفقده، فلست فؤادي إن ~~أشكاك ما آثرته في أمره، وما تخيرته من المفارقة لأرضه. # ثم أكد ما قدمه فقال: فإن دموع العين غادرة بربها، ظالمة للباكي بها، إذا ~~كانت جارية في إثر الغادرين به، مستعملة عند ذكر القاطعين له. # إذا الجود لم يرزق خلاصا من الأذى ... فلا الحمد مكسوبا ولا المال باقيا # ولنفس أحوال تدل على الفتى ... كان سخاء ما أتى أم تساخيا # السخاء: معروف والتساخي: استعمال السخاء على غير نية. # فيقول معرضا لسيف الدولة، وبحاله عنده: إذا الجود لم يرزق خلاصا من أذى ~~المستعمل له، حتى يكون سالما غير مكدر، وهنيا غير منغص، فذلك الجود عناء من ~~متكلفه، تعب من متمونه؛ لأنه لا يستفيد به حمدا يدخره، ولا يجر إليه شكرا ~~يكتسبه، وماله مع ذلك ذاهب، وما يسديه من الإحسان ضائع. # ثم قال: وللنفس أحوال ظاهرة، وآثار شاهدة، تدل على الإنسان، سخاؤه إرادة ~~وتطبع، لأن الكريم يغتبط بأياديه؛ فيتابعها ويحتفظها، والمتكلف للكرم يتندم ~~عليه؛ فيضيعها ويفسدها. # أقل اشتياقا أيها القلب ربما ... رأيتك تصفي الود من ليس جازيا # خلقت ألوفا لو رحلت إلى الصبا ... لفارقت شيبي موجع القلب باكيا PageV01P058 ~~يقول مخاطبا لقلبه: أقل ms038 اشتياقا أيها القلب إلى سيف الدولة، وهون عليك ما ~~تكلفته من مفارقته، فقد كان لا يعطيك بحقك، ولا يجزيك بصفاء ودك، وكثيرا ما ~~صفوت لمن لا يصفو لك، وبخلت بمن لا يبخل بك. # ثم قال على نحو ذلك: خلقت ألوفا لمن أصاحبه، خالص الود لمن أداخله، معرضا ~~عن زلته، صابرا على هفوته، حتى إني لما أرعاه من حق الصحبة، وأحفظه من ~~وصائل الخلة، لو رحلت إلى الصبا، مع أثرته، وأسف النفوس على انصرام مدته، ~~لفارقت الشيب موجع القلب لفرقته، باكيا عليه لما أرعاه من ذمة صحبته، مع أن ~~الشيب يؤذن بذهاب القوة، ويشهد على انصرام المدة. # ولكن بالفسطاط بحرا أزرته ... حياتي ونصحي والهوى والقوافيا # وجردا مددنا بين آذانها القنا ... فبتن خفافا يتبعن العواليا # تماشى بأيد كلما وافت الصفا ... نفشن به صدر البزاة حوافيا # الفسطاط مدينة مصر، والجرد: الخيل القصيرة شعر الجلود، وذلك فيها من ~~شواهد الكرم، والقنا: الرماح الخفاف المتسابقة إلى الجري، والصفا: حجارة ~~ملس، واحدتها صفاة، والحوافي: التي لم يبلغن بالحديد. # فيقول: لكن بالفسطاط من كافور ممالكها، بحرا يزخر جوده، ومنعما لا يمطل ~~فضله، أزرته حياتي ونصحي، واعتمدته شعري ومودتي، وأشار بالهوى إلى وده، ~~وبالقوافي إلى شعره. # ثم قال: وازرته خيلا كراما امتطيتها ومن معي إليه، ومددنا القنا بين ~~آذانها حرضا عليه، فباتت خفافا متسرعة، نشاطا متسابقة، تتبع الرماح ~~المتقدمة بها، ولا تتوقف على الناهض بها. # ثم قال، يشير إلى قوة تلك الخيل وكرمها، وإلى نفاذها وجلودها: تماشى ~~بأيد، إذا قرعت الصفا مع قوته، ووافقته مع صلابته وشدته، مقشت به مثل صدور البزاة PageV01P059 ~~وهي حافية منعلة، ومتعبة غير مرفهة، يشير إلى قوة وطئها، وصحة خلقها، وأفرد ~~صدور البزاة وهو يريد الجمع؛ لأنه اسم شائع في نوعه، فواحده يعرف عن جميعه، ~~والعرب تفعل مثل ذلك، أنشد سيبويه: # كلوا في بعض بطنكم تعفوا ... فإن زمانكم زمان خميص # فأقام البطن مقام البطون، كما أقام أبو الطيب الصدر مكان الصدور. # وتنظر من سود صوادق في الدجى ... يرين بعيدات الشخوص كما هيا # وينصبن للجرس ms039 الخفي سوامعا ... يخلن مناجاة الضمير تناجيا # تجاذب فرسان الصباح أعنة ... كأن على الأعناق منها أفاعيا # الدجى: الظلمة، واحدتها دجية، والجرس: الصوت، والمناجاة: السرار، ~~والأفاعي: حيات معروفة. # فيقول: وهو يصف الخيل المذكورة: وتنظر في ظلم الليل من أعين سود المقل، ~~صادقة النظر، يرين الشخوص النائية في الليالي السود الداجية، على حسب ~~حقيقتها، وما هي عليه من شهود هيئتها. وحدة السمع والبصر في الخيل من شواهد الكرم. # ثم قال: وتنصب للجرس من الخفي سوامع صادقة، وآذانا منصبة، تخال لصدق ~~حسها، ونفاذ سمعها، مناجاة الضمير تناجيا لا خفاء به، وإعلانا لا التباس ~~فيه. وأشار إلى كرم الخيل بما ذكره من حدة سمعها، كما أشار إلى ذلك فيما ~~ذكره من قوة نظرها. # ثم قال: تنازع بقوتها على السير، وتبادرها إلى الجري، الفرسان الذين سروا ~~عليها في الليل، وواجهوا عليها ضوء الصباح؛ الأعنة التي يمسكونها ويصرفونها ~~فيها، حتى كأن على الأعناق منها أفاعي تلسعها، وحيات تكف بها. يشير إلى ~~مرحها مع شدة تعبها، ونشاطها مع اتصال سيرها. PageV01P060 # بعزم يسير الجسم في السرج راكبا ... به ويسير القلب في الجسم ماشيا # قواصد كافور توارك غيره ... ومن قصد البحر استقل السواقيا # يقول: إنه امتطى ما ركبه من الخيل المذكورة، هو ومن استضاف إليه، بعزم ~~ثابت، وجد بالغ، يسير القلب بهما ماشيا في الصدر، كما يسير الجسم بهما ~~راكبا في السرج، وأشار بما ذكره من مشي القلب في الجسم إلى ما فسرناه من ~~الصدر؛ لاشتمال الجسم عليه، وأعرب عن قوة نيته فيما قصده، واستفراغه غاية ~~المجهود في إنفاذ ما اعتقده، وأخبر عن القلب بالمشي على طريق التجوز، وطابق ~~بين الركوب والمشي، كما طابق بين الجسم والقلب، وجمع بين الإبداعين في ~~نيته، واستوفاهما مع اختصار لفظه. # ثم قال، مشيرا إلى خيله: قواصد كافور توارك غيره من الملوك الذين منزلة ~~جميعهم بالإضافة إلى قدره، وموازنتهم بما أبانه الله من فضله، منزلة ~~السواقي من البحر، والأجزاء اليسيرة من الكل. يشير إلى استعلائه عليهم، ~~وانفراده بالرئاسة فيهم. # فجاءت بنا إنسان عين زمانه ... وخلت ms040 بياضا خلفها ومآقيا # نجوز عليها المحسنين إلى الذي ... نرى عندهم إحسانه والأياديا # الأماق: جمع موق، وهو طرف العين مما يلي الأنف. # فيقول: فجاءت هذه الخيل بنا من كافور، هذا الملك، إنسان عين الدهر الذي ~~ينظر به، وعماده الذي تسلم الملوك له، وأعرضت عن سائر الملوك الذين منزلتهم ~~منه منزلة بياض العين من سوادها، وموقها من ناظرها. فأشار إلى تفصيل كافور ~~بسواد لونه ألطف إشارة، ودل على تقدمه لبيضان الملوك أوضح دلالة. # ثم قال: نجوز على تلك الخيل من مررنا عليه من الرؤساء الذين قد ظهر ~~إحسانهم، وجلت أحوالهم، إلى كافور، هذا الملك، الذي إحسانهم من إحسانه إليهم، PageV01P061 ~~وسلطانهم من أياديه عليهم. يريد: أن كافور رئيس الرؤساء، والمقدم على من ~~رآه من الأمراء. # فتى ما سرينا في ظهور جدودنا ... إلى عصره إلا نرجي التلاقيا # ترفع عن عون المكارم قدره ... فما يفعل الفعلات إلا عذاريا # يبيد عداوات البغاة بلطفه ... فإن لم تبد منهم لأباد الأعاديا # السرى: وأصلة السير في الليل والنهار، والعون: جمع عوان، وهي المرأة ذات ~~الزوج، والعذراء من النساء: البكر، ويجمع على عذارى وعذار، مثل صحارى ~~وصحار، وقصد أبو الطيب لغة من نون، ورد الياء المحذوفة من عذار؛ لوقوع ~~الاسم غي موضع النصب، وخفة الفتح في الكلام، ثم أشبع الفتحة للقافية وسقط ~~التنوين لاجتلاب الياء التي كان عوضا منها. # فيقول: إن كافورا الملك الذي أمله الناس بفطرتهم، ورجوه بما ركبه الله في ~~جبلتهم، وكأنهم إنما انتقلوه في ظهور أجدادهم، يتسابقون إلى إدراك عصره، ~~ويرجون أن يسعدهم الله بمشاهدة فضله. # ثم قال: ترفع عما سبق إليه من المكارم، وما تمكن مشاركته فيه من فضائل، ~~ففعل من الجميل ما لم يفعل مثله، وأظهر من الكرم ما لم يعهد قبله، فصارت ~~أياديه كالعذارى، لم تكن قبل مدته، ولا عهدت متقدمة لدولته، وأخبر عن ~~المكارم بالعون والعذارى على سبيل الاستعارة. # ثم قال: يبيد عداوات البغاة، ويقطعها بإحسانه إليهم، وتألفه لجميعهم، فإن ~~لم ينجع فيهم طبه، ولم يصرفهم إلى الانقياد لطاعته لطفه، حلوا محل الأعداء، ms041 ~~فأبادتهم سطوته، وأصارتهم إلى التلف عقوبته. # أبا المسك ذا الوجه الذي كنت تائقا ... إليه وذا الوقت الذي كنت راجيا # لاقيت المروى والشناحيب دونه ... وجبت هجيرا يترك الماء صاديا PageV01P062 ~~التائق إلى الشيء: الذي يرغب فيه، وينزع إليه، والمروري: القفر الذي لا شيء ~~فيه، والشناخيب: أنوف الجبال، واحدها شنخوب، قاله أبو عبيدة، وجبت: بمعنى ~~قطعت، والهجير: حر وسط النهار، والصادي: العطشان. # فيقول مخاطبا لكافور: أبا المسك! وجهك الوجه الذي لم أزل تائقا إليه، ~~للمشاهدة له، متلقنا للسعادة به، وهذا الوقت الذي أظفرني الوصول إليه، ~~الوقت الذي كنت أرجوه وأؤمله، وأرقبه وأنتظره. # ثم قال: لقيت دونه ما تمونته من ركوب القفار الموحشة، وما تجشمته من ~~معاناة الجبال الممتنعة، وقطعت فيها من الجواهر ما يحمى به الماء فيعطش ~~بحره، ويتقد عليه فيخرج معه عن طبعه. # أبا كل طيب لا أبا المسك وحده ... وكل سحاب لا أخص الغواديا # يدل بمعنى واحد كل فاخر ... وقد جمع الرحمن فيك المعانيا # الغوادي: السحاب التي تنشأ في الصباح. # فيقول مخاطبا لكافور: أبا كل طيب، لا أخص المسك وحده عند ذكرك، ولا أفرده ~~بالدلالة على ما أظهره الله من فضلك، وأبا كل سحاب من الكرم، وكل جليل من ~~النعم، لا أخص غادي ذلك دون رائحه، ولا أقصد أوله دون آخره. # ثم قال: يدل كل فاخر بمعنى من الفضل قد أحرزه، وموضع من السيادة قد بلغه، ~~وقد جمع الله الفضائل، فقرنها بك، والمكارم فأخلصها لك، فكل ما افترق من ~~المجد في غيرك فقد جمعته، وكل ما امتنع منه على سواك فقد بلغته. # إذا اكتسب الناس المعالي بالندى ... فإنك تعطي في نداك المعاليا # وغير كبير أن يزورك راجل ... فيرجع ملكا للعراقين واليا # المعالي: جوامع الشرف، واحدتها: معلاة، والندى: الكرم، والملك: لغة في ~~الملك، خفف الكسرة لتسكينها، والعرب تفعل ذلك في الضم والكسر، فيقولون في عضد PageV01P063 ~~عضد، وفي ملك ملك، والعراقان: الكوفة والبصرة. # فيقول لكافور: إذا اكتسب الناس الشرف بكرمهم، وأحرزوا المعالي بعطاياهم ~~ومننهم، وكان نيل الشرف غاية قصدهم، وإدراكه مبلغ جهدهم، فأنت ms042 تهب الشرف ~~لمن قصدك، والمعالي لمن أملك، وترفع سائلك فتجعله مرجو الفضل، وتبسط يده ~~حتى يوجد كثير البذل. # ثم قال: وغير بديع فيما شهر عنك، ولا غريب فيما عهد منك، أن يزورك راجل ~~لا مطية له، وساع على قدميه لشدة الفاقة به، فتغنيه وتجبره، وتشرفه وتظهره، ~~حتى يكون ملكا واليا على الأمصار العظيمة، متقلدا للأعمال الرفيعة، لا تبعد ~~العراقان عن ولاية مثله، ولا تستنكر أن تدبر بأمره. # فقد تهب الجيش الذي جاء غازيا ... لسائلك الفرد الذي جاء عافيا # وتحتقر الدنيا احتقار مجرب ... يرى كل ما فيها وحاشاك فانيا # العافي: السائل، وحاشا: حرف يجر به، وفيه معنى التعويذ والاستثناء، وقد ~~يكون فعلا فينصب ما بعده. # فيقول لكافور: فقد يردك العافي من قصدك، فترفعه وتشرفه، وتعليه وتمكنه ~~حتى يكون أمير جيش، يصرفه قائدا له، ويتملكه غازيا به، فيردك فردا عافيا، ~~ويصير بك أميرا عاليا. # ثم قال مخاطبا له: وتحتقر الدنيا احتقار من خبرها بتجربته، وحصرها ~~بمعرفته، فرأى كل ما فيها فانيا لا يدوم، وكل ما شاهد منها راحلا لا يقيم، ~~فسخا بجليل ذلك غير مستعظم، وبذله غير مستكثر، وحاشاك أيها المأمول من ~~معالجة الدنيا لك بالفناء، ونسأل الله لك طول البقاء. # وما كنت ممن أدرك الملك بالمنى ... ولكن بأيام أشبن النواصيا # عداك تراها في البلاد مساعيا ... وأنت تراها في السماء مراقيا PageV01P064 ~~لبست لها كدر العجاج كأنما ... ترى غير صاف أن ترى الجو صافيا # المنى: الأماني، واحدتها أمنية، والنواصي: مقادم شعر الرؤوس، الواحدة ~~ناصية، والمساعي: المطالب، واحدتها مسعاة، والمراقي: الدرجات، والكدر: ~~الغبر، والعجاج: ما سطع من الغبار، واحدتها عجاجة، والجو: ما ارتفع من ~~الهواء. # فيقول لكافور: وما كنت ممن أدرك الملك بجد لم ينصره طلب، واتفاق لم يوجبه ~~تعب، ولكنك أدركته بأيام معلومة، ووقائع على الأعداء مشهودة، شيبت النواصي ~~لشدتها، وانقطعت الآمال عنها ببعد غايتها. # ثم قال: عداك ترى تلك الأيام بعين من يحتسبها مساعي في البلاد يحاولها، ~~ومطالب يتبعها ويتناولها، وأنت تراها مراقي ترفعك في السماء، وتحوز لك أعظم ~~الاعتلاء، فأدركت من ms043 ذلك بمقدار همتك، وبلغت فيه إلى أفضل رغبتك. # ثم قال: لبست لتلك الأيام ووقائعها، ولأهوالها وشدائدها، كدر عجاجات ~~الكتائب، ومظلم ارهاج المواكب، تعتمد بجيوشك من نازعك، وتصول بسيوفك على من ~~خالفك، وتألف ذلك وترغبه، وتؤثره وتفضله، حتى كان غير صاف عندك أن ترى الجو ~~صافيا من الغبار، وتشاهده خلوا من إظلام القتام. # وقدت إليها كل أجرد سابح ... يؤديك غضبانا ويثنيك راضيا # ومخترط ماض يطيعك آمرا ... ويعصي إن استثنيت أو كنت ناهيا # وأسمر ذي عشرين ترضاه واردا ... ويراك في إيراده الخيل ساقيا # الأجرد من الخيل: القصير شعر الجلد، وهو من شواهد الكرم، والسابح: الذي ~~يمد يديه في العدو، ويؤديك: بمعنى: يبلغك، ويثنيك: بمعنى: يصرفك، والمخترط: ~~السيف المسلول. والخرط: السل، والماضي: القاطع، والأسمر: الرمح اليابس، وذو ~~العشرين: الذي فيه عشرون من الكعوب، وهي العقد الناشزة بين أنابيبه، وأشار ~~بهذا إلى طوله، والوارد: الذي قد شرع في الماء. PageV01P065 # فيقول لكافور: وقدت إلى تلك الوقائع كل فرس كريم في خلقه، سريع في جريه، ~~يبلغك غضبان عندما تستفتحه من حربك، ويصرفك راضيا لما يكتفل الله به من نصرك. # ثم قال: وقدت إليها كل سيف ماض في فعله، حسام في قطعه، يطيعك آمرا بنفاذه ~~حين تعمله، ويعصيك مستثنيا بنهيك إياه حين تمسكه، يريد: إنه لا مثنوية ~~لضربته، ولا صارف لنفاذه وحدته، وأخبر عن السبب وهو يريد صاحبه، مقيما ~~للمضاف إليه مقام المضاف. # ثم قال: وقدت إلى تلك الوقائع كل رمح يابس طويل، ترضاه واردا على أعدائك ~~عند المطاعنة به، ويرضاك مقتحما على الفرسان عند سقيك في الدماء له، وأخبر ~~عن الرمح وهو يريد حامله على نحو ما قدمه، وجعل المخاطبة لكافور والإخبار ~~عن كتائبه، والإشارة إليه، والقصد إلى عساكره، واختصر ثقة بفهم من أخبره، ~~وحذف معولا على بيان ما ذكره. # كتائب ما انفكت تجوس عمائرا ... من الأرض قد جاست إليها فيافيا # غزوت بها دور الملوك فباشرت ... سنابكها هاماتهم والمغانيا # الكتائب: الجماعات من الخيل، واحدتها كتيبة، والجوس: التردد في الماكن، ~~والعمائر: البلاد المعمورة، والواحدة عمارة، والفيافي: الفلوات ms044 المقفرة، ~~والهام: الرؤوس، والسنابك: مقادم حوافر الخيل والمغاني: مواضع الحلول، ~~واحدها مغنى. # فيقول مؤكدا لبيان ما قدمه، من ذكر الجيوش التي قادها كافور إلى أعاديه: ~~كتائب لا تزال تقطع البلاد سائرة، وتخترقها غازية، معتمدة لعمارات من الأرض ~~تطؤها، ولوسائط من البلاد تجوسها وتملكها. # ثم قال، غزوت بتلك الكتائب الملوك المخالفين، يريد: المعترضين لحربك، ~~فباشرت سنابك خيلك هاماتهم بعد قتلك لهم، ووطئت مغاني آثارهم بعد إيقاعك PageV01P066 ~~بهم. # وأنت الذي تغشى الأسنة أولا ... وتأنف أن تغشى الأسنة ثانيا # إذا الهند سوت بين سيفي كريمة ... فسيفك في كف تزيل التساويا # ومن قول سام لو رآك لنسله ... : فذى ابن أخي نسلي ونفسي وماليا # الغشيان: المباشرة، وأسنة الرماح: معروفة، والأنفة: الغضب والحمية، ~~والهند أمة محكمة لطبع السيوف، إليهم تنسب السيوف الهندية، والكريهة: شدة ~~الحرب، وسام بن نوح، ومن نسله جميع البيضان، وحام أخوه، ومن نسله جميع ~~السودان. # فيقول مخاطبا لكافور: وأنت الذي تسمو إلى الحرب غير متهيب، وتبادر نحوها ~~غير متوقع، فتغشى الأسنة أولا قبل جيشك، وتقدم عليها مدلا بنفسك، ولا ~~تأتيها ثانيا مقتديا بغيرك، ولا تاليا مسبوقا في فعلك. # ثم قال: إذا الهند سوت بين سيفين في إحكام صنعتهما، وكرامة جوهرهما، ~~فالذي يصير منهما في كفك، فأنت ترفع التساوي عنه، وتوجب الفضل له بثبات ~~ضربتك له، وشدة قوتك. # ثم قال: ومن قول سام بن نوح لنسله، لو رأى تصاغرهم عن قدرك، وتقصيرهم عن ~~بلوغ غايات فضلك: أفدى ابن أخي هذا بنفسي، ومن انسلته، ومالي وما ملكته. ~~فأشار إلى أن فضيلة بني حام بكافور ظاهرة، وزيادتهم على بني سام بموضعه بينه. # مدى بلغ الأستاذ أقصاه ربه ... ونفس له لم ترض التناهيا # دعته فلباها إلى الفضل والعلا ... وقد خالف الناس النفوس الدواعيا # فأصبح فوق العالمين يرونه ... وإن كان يدنيه التكرم نائيا # المدى: الغاية، والأستاذ: كافور، والتناهي في الأمور: بلوغ آخرها، ~~والتلبية: الإجابة بالطاعة، والنأي: البعد. PageV01P067 # فيقول: إن الذي أجرى إليه الأستاذ كافور من الاستيلاء على الفضل، والتقدم ~~في الانفراد باحتياز الشكر، مدى بلغته أقصاه نفس له ms045 كريمة، عالية شريفة، لا ~~ترضى من المكارم إلا ببلوغ غايتها، ولا تقنع من الفضائل إلا باستيعاب ~~نهايتها. # ثم قال: دعته تلك النفس إلى اكتساب المجد، والانفراد بالشكر والحمد، ~~فلباها بأنفذ بصيرة، وساعدها على ذلك بأثبت عزيمة، وقد خالف غيره من الملوك ~~أنفسهم، بالقعود عن مثل ما بدر إليه، وزهدوا في ما أظهر هو الحرص عليه. # ثم قال: فأصبح فوق العالمين يرونه، قد فاقهم بمرتبته، واستعلى عليهم ~~بمنزلته، وإن كان تواضعه يدنيه إليهم، وكرمه يعطفه عليهم. PageV01P068 # وهنأه الناس بالدار الجديدة التي على البركة، فقال: # إنما التهنئات للأكفاء ... ولمن يدني من البعداء # وأنا منك لا يهنئ عضو ... بالمسرات سائر الأعضاء # الأكفاء: الأشكال، ويدني: بمعنى يقترب، وهو مثال يفتعل من الدنو، ~~والبعداء: الأباعد، واحدهم بعيد. # فيقول لكافور: إنما التهنئات بين الأكفاء المشاكلين، والنظراء ~~المتماثلين، أو لبعيد يستعمل التهنئة ليقرب، ويتكلفها ليتقبل، ويجعلها ~~وسيلة تدني موضعه، وذريعة تسهل مطلبه. # ثم قال: وأنا منك لاتصالي بخدمتك، واشتمالي بنعمتك، قد حللت منك محل ~~البعض من الكل، والعضو من سائر الجسم، فكيف أهنئك وأنا عبدك، وأتوددك وأنا بعضك. # وستقل لك الديار واو كا ... ن نجوما آجر هذا البناء # ولو أن الذي يخر من الأم ... واه فيه من فضة بيضاء # الخرير: صوت الماء عند جريه، يقال: خر الماء يخر خريرا. # فيقول لكافور: استقل الديار الجليلة لقدرك، واستصغر المنازل الرفيعة عند ~~عظم حالك، ولو أن البناء الذي استحدثته، والقصر الذي احتللته، يشاكل آجره ~~النجوم بحسنها، ويماثلها في جلالة أمرها، لكنت مستوجبا لأرفع منه بقدرك، ~~وما أحرزه الله لك من عموم فضلك. # ثم قال على نحو ما قدمه: ولو أن المياه التي تخر في هذا البناء ذوب جواهر ~~ناصعة، وفضة بيضاء خالصة، لاستقللت ذلك فيما تستحقه بنفسك، وما رفعه الله ~~في المكارم من ذكرك. # أنت أعلى محلة أن تهنى ... بمكان في الأرض أو في السماء # ولك الناس والبلاد وما يس ... رح بين الغبراء والخضراء PageV01P069 ~~وبساتينك الجياد وما تح ... مل من سمهرية سمراء # السماء: كل مكان تنامى علوه، والغبراء: الأرض، والخضراء: ms046 السماء، ~~والبساتين: الجنات، والجياد: الخيل الكريمة، والسمهرية: القناة الصلبة. # فيقول لكافور: أنت أجل رتبة، وأظهر علوا ورفعة، من أن تهنأ بمكان في ~~الأرض تحله، أو بموضع من العلو تناله؛ لأن جميع ذلك يقل عند سيادتك، ويصغر ~~مع سلطانك ورئاستك. # ثم قال: وكيف لا يكون ذلك والناس حولك، والبلاد ملكك، وما يسرح من الأرض ~~والسماء لك، قد أحرزت ذلك بسعة سلطانك، وارتفاع مكانك. # ثم قال: وأنت مع ذلك على حال من حزمك، ونفاذ من قوتك وعزمك، وبساتينك ~~معها التي تونقك، ورياضك التي تروقك وتبهجك، الخيل والأبطال المصرفون لها، ~~وسمر الرماح والفرسان المطاعنون بها. ودل بما ذكره على ما اجتلبناه مما أضمره. # إنما يفخر الكريم أبو المس ... ك بما يبتني من العلياء # وبأيامه التي انصرمت عن ... ه وما داره سوى الهيجاء # وبما أثرت صوارمه البي ... ض له في جماجم الأعداء # الانصرام: الانقطاع والانقضاء، والهيجاء: الحرب، والصوارم: السيوف ~~القاطعة، والجماجم: الرؤوس. # فيقول: إنما يفخر أبو المسك الكريم النفس، المشهور الفضل، بما يبتنيه من ~~العلياء والمجد، وما يكتسبه من الثناء والحمد، لا ببناء يستحدثه، ولا بعرض ~~من الدنيا يستخلصه. # ثم قال: ويفخر بأيامه التي أسلفها، والحرب داره، ومواقعة الأعداء شأنه، ~~حتى انقادوا لأمره، وسلموا لحكمه. PageV01P070 # ثم قال: ويفخر بما أحدثته بيض صوارمه، ومشهور وقائعه في جماجم أعدائه ~~المخالفين له، وأضداده لمتمرسين به من الضرب الذي أتلف نفوسهم، والجلاد ~~الذي هشم رؤوسهم. # وبمسك يكنى به ليس كالمس ... ك ولكنه أريج الثناء # لا بما تبتني الحواضر في الريف وما يطبي قلوب النساء # الأريج: الفوح، والريف: البلد الواسع المخضب، والإطباء: الاستمالة. # فيقول على نحو ما قدمه: ويفخر أبو المسك بمسك ينسب إليه، من فوح مكارمه، ~~وتضوع آثار محاسنه، ليس كالمسك في حقيقته، ولكنه بناء يفضله بفوحه، ويزري ~~عليه بعبق ريحه. # ثم قال: وليس يفخر أبو المسك بما يبتنيه أهل الحضر من القصور المشيدة، ~~والمنازل المحسنة، وما يطبي قلوب النساء من تلك البساتين وبهجتها، وتلك ~~المباني ورفعتها، حسبه ما يرفع بع عماد الكرم، وما يجدده من سوابغ النعم. ms047 # نزلت إذ نزلتها الدار في أح ... سن متها من السنا والسناء # حل في منبت الرياحين منها ... منبت المكرمات والآلاء # السنا مقصور: الضياء، والسناء ممدود: الاعتلاء في المجد، والرياحين: ما ~~طابت رائحته من النبات، واحدها: ريحان، والآلاء: النعم. # فيقول: نزلت هذه الدار التي ابتنيتها من الضياء والبهجة، والعلو والرفعة، ~~في احسن مما نزلت فيه من مبانيها المتقنة، ومصانعها المحسنة، وأفدتها من ~~التشريف لها، أكثر مما أفادتك من السرور بها. # ثم قال: حل منك في منبت ريحانها، وساحات بنيانها، الملك الذي ينبت ~~المكرمات بفضله، ويجدد الآلاء والمنن بمشكور فعله. # تفضح الشمس كلما ذرت الشم ... س بشمس منيرة سوداء PageV01P071 ~~إن في ثوبك الذي المجد فيه ... لضياء يزري بكل ضياء # إنما الجلد ملبس، وابيضاض الن ... فس خير من ابيضاض القباء # يقال ذرت الشمس: إذا طلعت، والقباء: ثوب معروف. # فيقول لكافور: أن استنارة مكارمك، وما ألبسك الله من ضياء فضائلك، تفضح ~~الشمس وتبهرها، وتزيد عليها وتغلبها، فأنت شمس تنير أفعالها مع سواد لونها، ~~ويشرق إحسانها لمن اعتمد فضلها. # ثم قال: إن في ثوبك الذي يشتمل منك على ولي الحمد، والمقيم لأود المجد، ~~لضياء يصر كل ضياء عن بهجته، ويتواضع عند جلالته ورفعته. # ثم قال على نحو ما قدمه: إنما جلد الإنسان ملبس، لا يحرز الفضل بياض ~~لونه، ولا يوجبه تكامل حسنه، وإنما يوجب ذلك بياض النفس، وكرم جوهرها، ~~وعلوها وشرف عنصرها. يشير إلى أن سواد كافور تضيء منه بياض نفسه، وتشرق ~~عليه شواهد فضله. # كرم في شجاعة، وذكاء ... في بهاء، وقدرة في وفاء # من لبيض الملوك أن تبدل اللو ... ن يلون الأستاذ والسحناء # وتراها بنو الحروب بأعيا ... ن تراه بها غداة اللقاء # الذكاء: الفطنة، والبهاء: حسن المنظر وفخامته، والسحناء: الهيئة، ~~والأعيان: جمع عين. # فيقول: إن كرم كافور مقرون بشجاعته، وذكاءه مصحوب بفخامته، وقدرته متلوة ~~بوفاء عنده، محمولة على صحة عقده. وهذا من باب البديع يعرف بالتقسيم. # ثم قال: من لبيض الملوك أن تبادل الأستاذ بلونه وسحنائه، وتشركه في كرمه ~~واعتلائه. # ثم أكد فقال: من لها ms048 بأن تراها بنو الحرب عند اللقاء بما تراه به من ~~الهيئة، PageV01P072 ~~وتعتقد لها ما من الجلالة والرفعة، فلا تواجهها هناك كما أنها لا تواجهه، ~~ولا تعارضها كما أنها لا تعارضه. # يا رجاء العيون في كل أرض ... لم يكن غير أن أراك رجائي # ولقد أفنت المفاوز خيلي ... قبل أن نلتقي، وزادي ومالي # المفاوز: القفار البعيدة الغايات. # فيقول لكافور: يا رجاء العيون في كل أرض نازحة، ويا غاية أمنيتها في كل ~~بلدة نائية، لم يكن رجائي غير أن أسعد برؤيتك، وأظفر بما بلغته من مشاهدة ~~حضرتك، وأنت رئيس المحسنين، وقبلة آمال الراغبين. # ثم قال، مشيرا إلى ما تمونه في قصده: ولقد قطعت إليك أبعد شقة، ويممتك ~~بأصدق نية، فأفنى خيلي ما اخترقته من المفاوز، وأذهب زادي ومالي ما اقتحمته ~~من المهالك، ولم يقعدني عنك شديد ما تكلفته، ولا منعني منك مخوف ما تمونته. # فارم بي ما أردت مني فإني ... أسد القلب آدمي الرواء # وفؤادي من الملوك وإن كا ... ن لساني يرى من الشعراء # الرواء: المنظر، والقلب والفؤاد: واحد. # فيقول لكافور: فارم بي نحو ما تريده كمي، تجدني مسارعا إلى دعوتك، مجتهدا ~~في مقارضة نعمتك، أنفذ ولا أتكل، وأقدم ولا أعجز، فإني أسد القلب في ~~الاجتراء والشدة، وإن كنت آدمي الشخص في الرواء والخلقة. # ثم قال: وفؤادي من الملوك بشرفه ونزاهته، وان كان لساني من الشعراء بنطقه ~~وصناعته، فوفني جزاء همتي، وتوسمني بحسب حقيقتي، وحملني من فضلك بمقدار ما ~~انشره من شكرك. PageV01P073 # وقال أيضا يمدحه. # أنشدها إياه في انسلاخ شهر رمضان، سنة ست وأربعين وثلاث مائة. # من الجآذر في زي الأعاريب ... حمر الحلي والمطايا والجلابيب # إن كنت تسأل شكا في معارفها ... فمن بلاك بتسهيد وتعذيب؟! # الجآذر: صغار البقر الوحشية، والأعاريب: جمع الأعراب، وهم سكان البادية ~~من العرب، والحلي: جمع حلية، وأكثر ما تستعمل في حلى السيوف، وربما استعمل ~~في حلى النساء، لتقارب الأمرين، والمطايا: الجمال المتخذة للركوب، ~~والجلابيب: ثياب دون الأردية، تتخذ لتغطية الرؤوس والصدر، واحدها: جلباب، ~~والتسهيد: عدم النوم. # فيقول كالمستفخم عن ms049 النساء اللواتي يشب بهن: من النساء اللواتي هن الجآذر ~~في حسنهن، وكحل أعينهن، المشتملات بزي الأعراب؟ فهن حمر الحلي بتحليهن ~~بالذهب، حمر المطايا لتقدم ما ركبنه في الكرم. وحمر المطايا: كرائمها؛ ~~ولذلك يقول القائل من العرب فيما يرفع به: ما وددت أن لي بكذا وكذا حمر ~~النعم. وحمر الجلابيب: حمر ما يتحلين به، وحمر الجلابيب من أحسن الملابس، ~~وآتق المناظر، وقد دل على ذلك بشار بقوله: # وخذي مربس زينة ... ومصبغات فهي أشهر # وإذا خرجت تقنعي ... بالحسن إن الحسن أحمر # فأشار أبو الطيب بما ذكره إلى موضع من وصفه من الرفعة، وتمكنهم في الجدة ~~والنعمة. # ثم قال يخاطب نفسه: إن كنت تسأل؛ اعترضك الشك في معرفة هؤلاء النسوة، ~~وأشكلت عليك أمورهن عند الرحلة، فمن بلاك بالبحث عما يفيدك التسهيد والأرق، ~~ويقصر عليك التعذيب والقلق؟! # لا تجزني بضنى بي بعدها بقر ... تحزي دموعي مسكوبا يمسكوب PageV01P074 ~~سوائر ربما سارت هوادجها ... منيعة بيءن مطعون ومضروب # وربما وخدت أيدي المطي بها ... على نجيع من الفرسان مصبوب # الضنى: المرض المخامر، والبقر: كناية عن النساء، والعرب تكني عنهن ~~بالظباء والبقر، والمسكوب: المصبوب، والهوادج: مراكب النساء، والوخد: ضرب ~~من المشي، والنجيع: الدم. # فيقول: لا جعل الله الأحبة اللواتي أضناني بعدهن، وأسقم جسمي نأيهن، أن ~~يجزينني ضنى؛ بضناي بهن، كما جزينني بكاء ببكائي عليهن. يؤكد أنهن أسعدنه ~~في البكاء عند الرحلة، وأسفن كأسفه عند الفرقة، فدعا لهن ألا يضنين بضناه، ~~كما أبكاهن ما أبكاه. # ثم ذكر موضع عشيرته من القوة، وحالهم في الاستظهار والكثرة، فقال: أنهم ~~ربما عارضهم معارض في رحيلهم، وناصبهم مناصب دون مقصدهم، فأوقعوا بمن ~~عارضهم، واستولوا على من خالفهم، وملكوا بهوادجهم على مواضع وقائعهم، فصارت ~~بين قتيل قد أثبته الضرب، وبين صريع قد أنفذه الطعن. # ثم قال على نحو ما قدمه: وربما وخدت تلك الهوادج أيدي مطيها على دماء من ~~الفرسان سائلة، وبقايا من آثار الحرب ظاهرة. # كم زورة لك في الأعراب خافية ... أدهى، وقد رقدوا، من زورة الذيب # أزورهم وسواد الليل يسفع لي ... وأنثني وبياض ms050 الصبح يغري بي # الدهاء: النفاذ والمعرفة، والانثناء: الانصراف. # فيقول وهو يخاطب نفسه: كم زورة لك إلى أحبتك من الأعراب، وقد سكن سامرهم، ~~واستثقل في النوم راقدهم، وسواد الليل يشفع لي بستره، ويسعدني بما يلقي علي ~~من جنحه، وأنثني والصبح يكشف مذهبي، ويغري بي من يحاول ترقبي. PageV01P075 # قد وفقوا الوحش في سكنى مراتعها ... وخالفوها بتقويض وتطنيب # جيرانها وهم شر الجوار لها ... وصحبها وهم شر الأصاحيءب # فؤاد كل محب في بيوتهم ... ومال كل أخيذ المال محروب # الوحش: ما لا يستأنس مما سكن القفر، والمراتع: المراعي، واحدها مرتع، ~~والتقويض: حط الأبنية ونقلها، والتطنيب: إقامتها ومد طنبها، والطنب: حبال ~~الخباء، والأخيذ: المأخوذ، وهو فعيل بمعنى مفعول، نحو قتيل وجريح، ~~والمحروب: المسلوب. # فيقول واصفا لمن قدم ذكره من الأعراب: قد وافقوا الوحش بالسكنى في ~~مراتعها، والانتقال في مواضع مسارحها، وخالفوها بأنهم ذووا بيوت يقوضونها ~~عند رحيلهم، ويطنبونها عند نزولهم. # ثم قال: فهم جيران الوحوش، إلا أنهم لها شر الجيران؛ لملازمتهم لصيدها ~~وصحبها، وهم شر الأصحاب لإلحاحهم على عقرها. يشير إلى أن من الوحوش ~~أقواتهم، ومن لحومها تقوم حياتهم. # وأشار إلى حسن نسائهم، وكثرة غاراتهم، فقال: فؤاد كل محب في بيوتهم؛ ~~لاستباء نسائهم بالحسن له، ومال كل من ذهب ماله فيها، لرجوعهم من الغارات ~~به. فدل على أن الفلوات منازلهم، والوحوش فيها تجاورهم، والغارات مكاسبهم، ~~والقلوب بحسن نسائهم تتابعهم. # ما أوجه الحضر المستحسنات به كأوجه ... البدويات الرعابيب # حسن الحضارة مجلوب بتطرية ... وفي البداوة حسن غير مجلوب # أين المعيز من الآرام ناظرة في الحسن والطيب # الحضر: خلاف البدو، وأخبر عنه وهو يريد أهله، على سبيل التجوز، والرعابيب ~~من النساء: الطوال القدود، الناعمات الأحسام، الواحدة رعبوبة، والحضارة: سكنى PageV01P076 ~~الحاضرة، والبداوة: سكنى البادية، والتطرية: التجديد والصناعة، والمعيز: ~~ذوات الشعر من الغنم، وهي المعز والمعزى، والمعيز: الواحدة معزاة، ~~والناظرة: المقبلة على الشيء بنظرها، والآرام: الظباء. # فيقول: ما أوجه نساء الحضر المستحسنات فيه، مع بهجتها وحسنها ونضرتها، ~~كأوجه البدويات من الأعراب، ذوات الأجسام الكاملة، والمحاسن الرائعة. # ثم بين ما ذكره فقال: ms051 إن حسن الحضارة تزيده الصناعة، وتحفظه الكفالة، ~~ويجتلب بالتزيين والتهيئة، ويكمل بالتحسين والتطرية، وحسن البداوة إنما ~~يروع النظار بحقيقته، ويروقهم ببنيته، قد استغنى فيه عن التصنيع، واكتفى ~~ببراعته عن التزين، فكم بين التكلف والخلقة، وبين التمويه والحقيقة؟! # ثم أكد ما قدمه فقال: أين معيز الحضر من نظائرها من آرام البدو، في حسن ~~المقل، وفتور النظر، وطيب الروائح وغير ذلك من المحاسن، فبمقدار تفاضلها، ~~وعلى حسب تباينها، يفضل نساء البادية نساء الحاضرة في براعة الدل، وإحراز ~~غايات الحسن. # أفدي ظباء فلاة عرفن بها ... مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب # ولا برزن من الحمام مائلة ... أوراكهن صقيلات العراقيب # ومن هوى كل من ليست مموهة ... تركت لون مشيبي غير مخضوب # الظباء: معروفة من شاء البر، ومضغ الكلام: ترديده دون إبانة، والصقل: ~~الجلاء والتصنيع، والعرقوب: العضلة التي تصل بين الساق وآخر القدم، والجمع ~~عراقيب، والتمويه: المخادعة في الشيء بظاهر لا حقيقة له. # فيقول على نحو ما قدمه من تفضيل نساء الأعراب: أفدي بنفسي ظباء فلاة، ~~معشوقات الدل، متكاملات الحسن، لا يمضغن الكلام لفصاحتهن فيه، ولا يتكلفن ~~صبغ الحواجيب، لاستغنائهن عنه. PageV01P077 # ثم قال: لا يعرفن الحمام ولا يردنه، ولا يحتجن إليه ولا يدخلنه، ولا يبرزن ~~منه ببطون ضخمة وأوراك رخوة، قد حل الحمام أجسامهن، وصقل عراقيبهن، على ما ~~يفعله نساء الحضر، ولكنهن مجدلات الأجسام، معتدلات القوام، قد أغناهن الحسن ~~عن الصنعة، وسقطت به عنهن مؤن الكلفة. # ثم قال: ومن هوى كل من لا تموه حسنها، ولا تحتاج إلى أن تصنع نفسها، رفضت ~~الخضاب محتملا على اجتناب المغالطة، وكرهته لما فيه من المكاذبة، فتركت ~~الشيب ولم أخضبه، وأنست به ولم أغيره. # ومن هوى الصدق في قولي وعادته ... رغبت عن شعر في الوجه مكذوب # ليت الحوادث باعتني الذي أخذت ... مني بحلمي الذي أعطت وتجريبي # فما الحداثة من حلم لمانعة ... قد يوجد الحلم في الشبان والشيب # يقول: ومن هوى الصدق وإيثاري له، وحرصي عليه وإعجابي به، رغبت عن الخضاب ~~الذي يغر مبصره، ويخدع متأمله، فرفضت ذلك مؤثرا للصدق، وأبقت ms052 منه متحملا ~~على الحق. # ثم قال: ليت حوادث الأيام السالفة، وتصاريف المدد الخالية، باعتني ما ~~أعدمتنيه من القوة، وسلبتنيه من الإقبال والشبيبة، بما استفدته بها من ~~المعرفة، وأشرفت عليه بكثرة التجربة. # ثم قال: فما تمنع الحداثة من الحلم، ولا تبعد عن التقدم في العلم، فقد ~~توجد الحلوم الراجحة، والعلوم البالغة، في الكهول والفتيان، والشيوخ ~~والشبان. # ترعرع الملك الأستاذ مكتهلا ... قبل اكتهال، أديبا قبل تأديب # مجربا فهما من تجربة ... مهذبا كرما، من غير تهذيب # حتى أصاب من الدنيا نهايتها ... وهمه في ابتداءات وتشبيب # ترعرع الصبي: إذا تحرك للمشي، والاكتهال: بلوغ سن المشيب، والأديب: PageV01P078 # المدرك للأدب، والتأديب: تعليم الأدب، والمهذب: الخالص من العيوب، ~~والتهذيب: التفعيل من ذلك، والنهاية: الغاية، والهم: الهمة، وتشبيب الشيء: ~~رفعه والزيادة فيه. # فيقول، وهو يريد كافورا: ترعرع الملك الأستاذ، وله من المعرفة في صغره ~~مثل الذي للكهل مع تجربته وكبره، قد استفاد بكرم طبعه، كالذي استفاده الكهل ~~في مدة عمره، وتأدب بجبلته دون تأديب، وعلم دون تعليم، فأدرك في صغره حال ~~التكهل، وتأدب بطبعه قبل معاناة التأدب. # ثم قال على نحو ما قدمه: عالما لما لم يجربه؛ لما هو عليه من صحة فهمه، ~~مهذب دون أن يهذبه أحد؛ بطبيعته وكرمه. # ثم قال: فأدرك من الدنيا أرفع منازلها، وحل منها من أجل مراتبها، حديث ~~السن، مقتبل العمر، وهمته في تشبيب وزيادة، وابتداء من طلب الغاية. # يدبر الملك من مصر إلى عدن ... إلى العراق فارض الروم فالنوب # إذا أضتتها الرياح النكب من بلد ... فما تهب بها إلا بترتيب # ولا تجاوزها شمس إذا شرقت ... إلا ومنه لها أذن بتغريب # مصر: بلد معروف من بلاد المغرب، وعدن: قاعدة بلاد اليمن، وهي في الجنوب، ~~والعراق: بلاد معروفة في المشرق، وأرض الروم: معروفة في المغرب، والنوب: ~~ضرب من السودان، أخبر عنهم وهو يريد بلادهم على سبيل التجوز، والعرب تفعل ~~ذلك، والنكب: جمع نكباء، وهي ريح بين ريحين، وترتيب الشيء تصريفه على رتب ~~معروفة، وشرقت الشمس إذا طلعت، وأشرقت: إذا أضاءت. # فيقول: إن كافورا ملك ms053 جليل المنزلة، بعيد أقطار المملكة، يملك من أقصى ~~المشرق إلى أقصى المغرب، ومن أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال، ويدبر ذلك PageV01P079 ~~تدبير من يعمه بهيبته، ويضبطه بحسن سياسته، وليس بعد أقطار ملكه، يمنعه من ~~أن يشتمل جميعها بحزمه. # ثم قال: فإذا هبت الرياح النكب في هذه البلاد، مع اضطراب هبوبها، وشدة ~~اختلاف سيرها، سبق إلى النفوس أن ضبطه يحصرها، وما يحيط به من الاستقامة ~~يسددها، فتحله من الضبط والحزامة ما لا يمكن. يشير بذلك إلى إنه قد بلغ ~~فيهما غاية ما يمكن، ومثل هذا التجوز متعاهد في لسان العرب؛ فهم إذا أرادوا ~~أن يدلوا على المرأة قد بلغت غاية الحسن، سموها بالشمس، وإذا أرادوا أن ~~الرجل قد بلغ غاية الجود، سموه بالبحر، فيجعلون الكذب شاهدا على الصدق، ~~والمحال إشارة إلى الحق. # ثم قال على نحو ما قدمه: ويسبق إلى النفوس أن كافورا مع ما هو عليه من ~~قوة الملك، وشدة الحزم، لا يخرج في أعماله شيء عن حكمه، ولا يتصرف إلا على ~~حسب أمره، وأن الشمس إذا سامتت تلك الأعمال أدركها ذلك الحكم، وأحاط بها ~~ذلك الحزم، فتجري في الشروق والغروب على ذلك. وهذا وإن كان محالا في نفسه، ~~كذبا في حقيقته، فإنما يتجوز بعلم أهل اللسان المراد فيه، وأن المفهوم منه: ~~أن الممدوح كافورا يبلغ في الضبط أبعد غايته، ويستوفي فيه أقصى نهايته، هذا ~~مفهوم ما قصده، وحقيقة مراده فيما نظمه. # يصرف الأمر فيها طين خاتمه ... ولو تطلس منه كل مكتوب # يحط كل طويل الرمح حامله ... عن سرج كل طويل الباع يعبوب # كأن كل سؤال في مسامعه ... قميص يوسف في أجفان يعقوب # التطليس: إفساد الخط، ويحط: ينزل، واليعبوب: الفرس الطويل السريع، وأجفان ~~العيون: ما يحيط بالمقل. # فيقول: إن كافورا يصرف الأمر في البلد التي تقدم ذكره لها، تصريف مالك لا PageV01P080 ~~يخالف، وقادر لا يعارض، تنفذ فيها كتبه ولو طلس طين خواتمها، ولا تتعرض وإن ~~تغير نقش طوابعها؛ لأن هيبته تمنع من مراجعته، وجلالته تحول دون مخالفته. # ثم أكد ذلك فقال: ms054 يحط حامل تلك الطينة، والمسند إلى تلك القوة، كماة ~~الفرسان عن خيولهم، ويستنزلهم من سروجهم، حتى ينتصف منهم، ويدرك ما يطلبه ~~عندهم، وإن كانوا في غاية الجرأة، وعلى أتم أحوال الرفعة. ودل بطول رماح ~~المذكورين على شجاعتهم، وبفراهة خيلهم على رئاستهم. # ثم قال، مشيرا إلى موضعه من الفضل، وحرصه على العطاء والبذل: كأن السؤال ~~في مسامعه؛ لسروره به، وما يعتقده من الارتياح له، قميص يوسف، الذي أعاد ~~إلى يعقوب بصره، حرصه عليه، وأذهب عنه العمى استبشاره بالنظر عليه. # إذا غزته أعاديه بمسألة ... فقد غرته بجيش غير مغلوب # أو حاربته فما تنجو بتقدمة ... مما أراد ولا تنجو بتجبيب # أضرت شجاعته أقصى كتائبه ... على الحمام فما موت بمرهوب # التقدمة: تفعلة من التقدم، والتجبيب: الهروب، يقال: جبب الرجل: إذا هرب، ~~وأضرت: بمعنى عودت، والكتائب: جمع كتيبة، وهي الجماعات من الخيل، والحمام: الموت. # فيقول: إذا غزت كافورا أعاديه بجيش؛ من خضوعهم وضراعتهم، ورغبتهم ~~ومسألتهم، فقد غزوه بجيش لا يغلبه، وعارضوه بأمر لا يدفعه، يريد: إنه من ~~الفضل في حال يجيب معها من سأله، ولا يضيع من رجاه وأمله. # ثم قال: وإن عدلوا إلى محاربته، وأقدموا على مخالفته، فما يغني عنهم ~~التقدم، لعجزهم عن القيام به، ولا يعصمهم الهرب، لتقصيرهم عن الفوت له، بل ~~هم في كلا الحالين في قبضة ملكه، وعلى الوجهين مسلمون لأمره. PageV01P081 # ثم قال: إن من سكن أقصى ثغوره، وبعد عنه من كتائبه وجيوشه، يتصرفون ~~بأوامره، ويشجعون بشجاعته، ويحتملون على مذاهبه، ويخذون بحظ من صرامته، فما ~~يخاف الموت فيهم ولا يرهب، ولا يهاب ولا يتوقع، وإذا كانت هذه حال من بعد ~~عنه، فكيف الظن بمن شهده وقرب منه. # قالوا هجرت إليه الغيث! قلت لهم: ... إلى غيوث يديه والشآبيب # إلى الذي تهب الدولات راحته ... ولا يمن على آثار موهوب # الشآبيب: الدفع الغزيرة من المطر، واحدها شؤبوب، والدولات: مدد السلطان ~~في الملك، الواحدة: دولة. # فيقول: إن بعض من عذله على اعتماده لكافور في مصر بقصده، ونسبه في ذلك ~~إلى قلة الاختيار لنفسه، فقال له: ms055 أتهجر الشام وتدعها، وتتناسى كثرة الغيوث ~~بها، وما تظهره من ترويض أرضها، وتجدده من بهجة حسنها، وتقصد مصر الذي تعرض ~~السحاب عن سقيها، ولا تمطر شيئا من أرضها، فقال: إنه هجاها إلى غيوث يدي ~~كافور، الذي عمت الأرض بمواهبه، وروتها بشآبيب مكارمه، وأنست السحاب ~~بكثرتها، وزادت عليها بوفور جملتها، فهجرت تلك البلاد، وسيف الدولة مالكها، ~~إلى كافور ملك الملوك، وسيد السادات، الذي يرفع من أحوال قصاده، وأقدار ~~خدامه، حتى يجعلهم ذوي دولات تؤمل، وممالك تهاب وتتوقع، ولا يمن مع ذلك ~~بعظيم ما تفعله، ولا يستكثر جليل ما يبذله. فدل على تقصير سيف الدولة عن ~~كافور أبين دلالة، وأشار إلى ذلك أوضح إشارة، وهذه العبارة التي عبرنا بها ~~عنه، وإن زادت على لفظه، فهي مفهومة من أغراض شعره. # ولا يروع بمغدور به أحدا ... ولا يفزع موفورا بمكوب # بلى يروع بذي جيش يجدله ... ذا مثله في أحم النقع غربيب # الترويع: التفزيع، والموفور: الكثير المال، والمنكوب: المعرض لسقوط الحال، PageV01P082 ~~والأحم: الأسود، والنقع: الغبار، والغربيب: الشديد السواد. # فيقول: إن كافورا وفي لا يخترم، وكريم لا يغدر، يصل إلى ما يطلبه وصول ~~مستقدر، وينفذ مستظهر، ولا يغدر بأحد ليروع الناس بغدره، ولا يغلب ذا مال ~~فينكبه، ليفزع ذوي الوفر بظلمه. وبرأ كافورا من هذه الأحوال معرضا بسيف ~~الدولة فيما كان يواقعه منها. # ثم قال: بلى إن كافورا يروع برئيس جيش يقتله، وزعيم قوم يجدله، يقصده في ~~الحرب ويصرعه في أحم غربيب من النقع، فيجدله هناك غير مساتر، ويعتمده غير ~~مخادع، ويخوف ذا جيش مثل جيشه، ورئيس جمع مثل جمعه، فيغنيه اقتداره عن ~~الغدر، ويدفع عنه كرمه قبيح الذكر. # وجدت أنفع ما كنت أذخره ... ما في السوابق من جري وتقريب # لما رأين صروف الدهر تغدر بي ... وفين لي ووفت صم الأنابيب # فتن المهالك حتى قال قائلها: ... ماذا لقينا من الجرد السراحيب # ذخرت الشيء: إذا صنته مساعدا به، والسوابق: الخيل السريعة، والجري: ~~معروف، والتقريب: ضرب من العدو لا يبلغ الجري، والأنابيب: ما بين كعوب ~~القنا، واحدتها: أنبوب، ms056 والصم: الصلاب، والجرد من الخيل: القصار شعر ~~الجلود، والسراحيب: الطوال العناق، الواحد: سرحوب. # فيقول: وجدت أنفع مال ادخرته، وأقرب معين استغنيته، ما أيدتني الخيل به، ~~عند قصدي لكافور، من تقريبها وجريها، وشدة نهوضها في سيرها، وأشار إلى ما ~~لحقه من طلب خيل سيف الدولة، وحرصها على الظفر به. # ثم قال: لما رأت سوابق خيلي أن الدهر قد غدرت بي صروفه، واعتمدتني خطوبه، ~~وفت لي بما أمدتني من قوة جريها، وشدة عدوها، ووفت لي عند ذلك صم أنابيب ~~الرماح التي امتنعت بموضعها، وتهيبت لمعرفتي بالتصريف لها. PageV01P083 # ثم قال: فاتت بي تلك السوابق المهالك التي طلبتني مجتهدة، وصممت نحوي ~~معتزمة، حتى قالت وقد فتها ونادت وقد أعجزتها: ماذا لقينا من الجرد ~~السراحيب، التي حمت من كنا نطلبه، ومنعت مما كنا نرجوه ونرتقبه؟! # تهوي بمنجرد ليست مذاهبه ... للبس ثوب ومأكول ومشرةب # يرمي النجوم بعيني من يحاولها ... كأنها سلب في عين مسلوب # تهوي: تنصب في العدو، والمنجرد: المجد في الذهاب. # فيقول: والسوابق التي ذكر أنها تهوي منه، بمجد معتزم، ومستبصر مجتهد، ليس ~~مذهبه في أن يستجد الملابس، ويتخير المطاعم والمشارب، وإنما مذهبه في ~~ابتناء المكارم، واحتياز المفاخر، والوصول إلى أجل المراتب. # ثم قال على نحو ما قدمه: يرمي النجوم بعيني من يحاول مواضعها، ويروم ~~تناولها، حنى كأنه لاستبصاره في ذلك ينظر منها إلى سلب سلبه، ومنع منه، ~~وملك كان بيده فدفع عنه. # حتى وصلت إلى نفس محجبة ... تلقى النفوس بفضل غير محجوب # في جسم أروع صافي العقل تضحكه ... خلائق الناس إضحاك الأعاجيب # فالحمد قبل له، والحمد بعد لها ... وللقنا ولإدلاجي وتأويبي # الإدلاج: سير الليل، والتأويب: سير النهار، والأروع: ذو الجسم والهيئة. # فيقول: حتى وصلت إلى كافور، فشهدت منه نفسا محجبة؛ بعلو المرتبة، مستترة ~~بعظم المملكة، وفضلها ظاهر لا يحجب، وجودها قريب لا يمتنع. # ثم قال: وتلك النفس الكريمة العنصر، الرفيعة الموضع، في جسم ملك أروع، ~~صافي الإدراك والعقل، محسن في القول والفعل، تضحكه خلائق الناس؛ بتقصيرها ~~عن التمام، وعدولها إلى النقصان، إضحاك الأعاجيب التي ms057 ينكرها مشاهدها، ~~والغرائب التي يستبعدها معايبها. PageV01P084 # ثم قال: فالحمد قبل كل، لكافور بما أولاني من تفضله، وكريم تقبله، والحمد ~~بعد ذلك لسوابق الخيل التي أدنتني إليه، ووفدت بي عليه، وللرماح التي أدللت ~~بها، ووثنت بامتناعي بحسن التصريف لها، وبجلدي على الإدلاج والتأويب، وشدة ~~الإسراع في المسير. # وكيف أكفر يا كافور نعمتها ... وقد بلغنك بي يا كل مطلوبي # يأيها الملك الغاني بتسمية ... في الشرق والغرب عن وصف وتلقيب # أنت الحبيب ولكني أعوذ به ... من أن أكون محبا غير محبوب # الغاني: الظاهر الغنى، وهو فاعل من غني: يغنى، واللقب: يقرن باسم الرجل ~~مما تؤكد به معرفته. # فيقول: وكيف أكفر يا كافور نعمة السوابق التي أدنتني إليك، وأنجتني من ~~القوم الذين حاولوا تعويقي عنك، وبلغن بي إليك، وأنت الأمل الذي أوضعت ~~نحوه، والملك الذي أصلت فضله، والذي هو كل مطلوب يقصد، وكل رجاء يعتمد. ~~وجانس بين أكفر وكافور، والتجنيس من بديع الكلام. # ثم قال، وهو يخاطب كافورا: يا أيها الملك الجليل قدره، والرئيس المعظم ~~أمره، الذي يحوز له اسمه من كرم الذكر، ويحدد له من الاعتلاء والفخر، ما ~~يغنيه عن الشرف بتلقيب الخلفاء، والاحتمال في ذلك على أحوال سائر الرؤساء. # ثم قال له: أنت الحبيب الذي أصفيته غاية مودتي، وآثرته بأملي وخالصتي، ~~وبه أعوذ وبكرمه، وبما حملني من جليل نعمه، من أن أكون محبا لا يقارض بحبه، ~~ومخلصا لا يجازى بحقيقة وده. PageV01P085 # وقال يمدحه في ذي الحجة من هذه السنة. # أود من الأيام ما لا توده ... وأشكو إليها بيننا وهي جنده # يباعدن حبا يجتمعن ووصله ... فكيف بحب يجتمعن وصده # البين: الفرقة، والصد: المجانبة. # فيقول: إنه يود من الأيام ما لا تود الأيام مثله، ويكالبها بما لا تعتقد ~~فعله، ويشكو إليها من بين أحبته، وفراق أعزته، ما هي جنده الذي يوجبه، ~~وسببه الذي يدنيه ويقربه. # ثم قال: إن الأيام بطبعها، وما هي عليه من معهود أمرها، تبعد من الأحباب ~~من تجامعه، وهو على أتم الوصل، وأكرم المذاهب في القول والفعل، فكيف بها في ~~حبيب ms058 تجامعه، وهو على بصيرة في الصد، ونية في ترك الإقامة على العهد؟! # أبى خلق الدنيا حبيبا تديمه ... فما طلبي منها حبيبا ترده # وأسرع مفعول فعلت تغيرا ... تكلف شيء في طباعك ضده # الخلق: الطبيعة: والطباع: نحو ذلك، والضد: الخلاف في كل شيء. # فيقول: أبت بطبيعتها، وما هي عليه عند تأمل حقيقتها، أن تمتع بالأحبة، ~~وتديم وصلهم، وتعتزم بالفرقة على قربهم، فكيف أطلب منها أن ترد من فقد، ~~وتقرب من بعد؟! # ثم قال: وأسرع شيء فعلته إلى التغير، وأقرب ذلك إلى الاستحالة والتبدل، ~~شيء تتكلفه وأنت مطبوع على ضده، وتظاهر به وأنت مجبول على غيره؛ يريد: أن ~~الدنيا خلقت على تشتيت الفرقة، وقطع وصائل الألفة، وإن أظهرت غير ذلك، ~~أسرعت في إحالته، وعدلت بطبيعتها إلى إزالته. # رعى الله عيسا فارقتنا وفوقها ... مها كلها يولى بجفنيه خده # بواد به ما بالقلوب كأنه ... وقد رحلوا جيد تناثر عقده # إذا سارت الأحداج فوق نباته ... تفاوح مسك الغانيات ورنده PageV01P086 ~~العيس: البيض من الجمال، الواحد أعيس، والمها: بقر الوحش، والولي: المطر ~~الذي يتلو أول أمطار السنة، وذلك المطر يسمى الوسمي، ويولي: يتابع فيه ~~الولي، فاستعار الأسم له معه، وأشار به إلى تتابعه، والجيد: العنق، والعقد: ~~معروف، والأحداج: ضرب من الهوادج، إلا أنها لا تقبب، واحدها: حدج، ~~والتفاوح: التساجل في الفوح، والغانيات: الشواب من النساء، الواحدة غانية، ~~والرند: شجر طيب الريح، ويقال إنه الآس. # فيقول: تولى الله بأكرم ولايته عيسا فارقتنا بمن نحبه، ورحلت عنا بمن ~~نوده، وفوق تلك العيس من أحبتها مها تفوت المها بحسنها، وتزيد عليها بفتور ~~لحظها، وكلها للتأسف على مفارقتنا، والتألم لمباعدتنا، يولي خده بدمعه، ~~ويبعثه على مواصلة البكاء، تمكن وجده. # ثم قال، مشيرا إلى الموضع الذي رحل عنه أحبته: بواد ناله ألم تلك الفرقة، ~~واستيحاش تلك الرحلة، كالذي نال قلوبنا، وأوجع نفوسنا، فكأنه وقد رحل عنه، ~~واستقلت ظغائنهم منه، جيد تناثرت جواهر عقده، وتقطعت جوامع حليه، فتعوض ~~بالعطل من ذلك الحلي، وبالوحشة من ذلك الحسن. ثم قال: إذا سارت الأحداج بين ~~أشجار غياضه، ms059 وارتحلت بين زهرات رياضه، تفاوح مسك الغانيات وريح الرند ~~وأشباهه من ذلك النبات. # وحال كإحداهن رمت بلوغها ... ومن دونها غول الطريق وبعده # وأتعب خلق الله من زاد همه ... وقصر عما تشتهي النفس وجده # الغول والاغتيال: إذهاب الشيء في غير مهملة، والهم والهمة: بمعنى واحد، ~~والوجد: السعة في المال. # فيقول: ورب حال تشبه من وصفه من أحبته في بعد تناولها، وتعذرها على ~~محاولها، أعمل في بلوغها نفسه، واستنفذ في إدراكها جهده، ومن دون ما طلب PageV01P087 ~~منها غول الطريق، وكثرة مخاوفه، وبعده وشدة مكارهه. # ثم قال مقيما لعذره فيما تمونه في السفر، وتكلفه من شدة الغرر: وأتعب خلق ~~الله كلهم، من زادت همته ومعرفته، وقصرت جدته ومقدرته، فهو لا يزال يشتهي ~~ما لا يبلغه، ويمتحن بما يأباه ويكرهه. # فلا ينحلل في المجد مالك كله ... فينحل مجد كان بالمال عقده # ودبره تدبير الذي المجد كفه ... إذا حارب الأعداء والمال زنده # فلا مجد في الدنيا لمن قل ماله ... ولا مال في الدنيا لمن قل مجده # المجد: كرم الفعل، والزند: إحدى قصبتي الذراع، والزندان: القصبتان، ~~وباجتماعهما يكون الساعد، ورأساهما يتصلان بكف الإنسان. # فيقول على نحو ما قدمه من تفصيل المال، وبسط العذر في طلبه، وما يجب من ~~تشييد المجد به: فلا ينحلل في المجد مالك بجملته، ولا تعدم نفسك ما تسند ~~إليه من قوة، فينحل من مجدك ما عقده الغنى والسعة، ويذهب منه ما أوجبه ~~الإكثار والجدة. # ثم قال: ودبر الأمرين في الجمع بهما، والحراسة لحالهما، تدبير من يجعلهما ~~كالكف والزند في احتياج كل واحد منهما إلى صاحبه، وتأيده على التصرف ~~بجانبه. # ثم قال على نحو ما قدمه: فلن تجد مجدا بائنا لمن أغفل ماله وأتلفه، ولن ~~تجد مالا زاكيا لمن ضيع مجده وأهمله. # وفي الناس من يرضى بمسور عيشه ... ومركوبه رجلاه والثوب جلده # ولكن قلبا بين جنبي ما له ... مدى ينتهي بي في مراد أحده # يرى جسمه يكسى شفوفا تربه ... فيختار أن يكسى دروعا تهده # المدى: الغاية، والشفوف: ثياب رقاق، واحدها شف، وتربه: تنميه ms060 وتنعمه، وتهده: PageV01P088 # تحطه وتهدمه. # فيقول: وفي الناس من لا تسمو به همته، ولا تنهض به منته، فيقنعه ما تيسر ~~من عيشه، ويرضيه ما اتفق له من دهره، فيعرى ولا يألم، ويركب رجليه ولا يحزن. # ثم قال: ولكن قلبا بين جنبي بعيدا مرامه، جليلا مراده، ليس لما يبغيه مدى ~~أقف عنده، ولا لما يحاوله طرف أحصر بالوصف حده. # ثم قال: يرى ذلك القلب جسمه في دعة من العيش، وصلاح من الأمر، تربه ~~الشفوف الناعمة، وتتصل له الأحوال الوادعة، فيختار دروعا تهده حملها، ~~ومخاوف لا يأمن عليه مثلها. # يكلفني التهجير في كل مهمه ... عليقي مراعيه وزادي ربده # وأمضى سلاح قلد المرء نفسه ... رجاء أبي المسك الكريم وقصده # هما ناصرا من خانه كل ناصر ... وأسرة من لم يكثر النسل جده # التهجير: المسير في الهاجرة، والمهمة: القفر، والعليق: قضيم الدابة، ~~والربد: النعام، وأسرة الرجل: رهطه وأقاربه. # فيقول مشيرا إلى ما قدمه من ذكر قلبه: يكلفني ذلك القلب يبعد مطالبه، ~~وارتفاع [همته]، وجودة مقاصده، الأسفار البعيدة، والمئون الشديدة، والتهجير ~~في كل مهمه، لا يجد فيه علفا مراعيه، ولا زادا غير ما أصيده من النعام ~~الربد فيه. # ثم قال: وأمضى ما تقلده المرء من السلاح والشكة، وما يستعين به من النفاذ ~~والقوة، رجاء أبي المسك والقصد إليه، وتأميله والتعويل عليه. # ثم قال، يريد الرجاء والقصد اللذين قدم ذكرهما: [هما] ناصرا كل من بعدت ~~عليه النصرة، ومكثرا كل من تعذرت عليه الكثرة، وأسرة من قل نسل جده، وعدم ~~عشيرة تؤيده على أمره. # أنا اليوم من غلمانه في عشيرة ... لنا والد منه يفديه ولده PageV01P089 ~~فمن ماله مال الكبير ونفسه ... ومن ماله در الصغير ومهده # العشيرة: القبيلة، وولده: جمع ولد، يقال: ولد وولد، كما يقال أسد وأسد، ~~والدر: اللبن. # فيقول: أنا اليوم من غلمان كافور وحشمه، والمنتسبين إلى نعمه، في عشيرة ~~حافلة، وجماعة وافرة، لنا منه والد بما شملنا من خيره ورأفته، وله منا بنون ~~نفديه، ونستهلك في طاعته. # ثم قال: فمن ماله مال كبيرنا ونفسه، ومنه در صغيرنا ms061 ومهده، يعمنا بتعهده ~~وإحسانه، ويغذونا بتطوله وإنعامه، فالكبير لا يعد نفسه وماله إلا من عنده، ~~والصغير لا ينشأ ولا يتقلب إلا في فضله. # نجر القنا الخطي حول قبابه ... وتردي بنا قب الرباط وجرده # ونمتحن النشاب في كل وابل ... دوي القسي الفارسية رعده # القنا: الرماح، والخطية منها المجتلبة من الخط، وهو موضع، والرديان: ضرب ~~سريع من العدو، والرباط: الخيل المرتبطة لجهاد العدو. والقب: الضامرة، ~~والجرد: التي قصر شعر جلودها، وذلك من دلائل كرمها، وقد تقدم ذكر ذلك، ~~والوابل: المطر الغزير. # فيقول: نجر القنا الخطي حول قباب كافور مرتقبين لأمره، ونتكاثر في أفنيته ~~متظاهرين على نصره، تردي بنا عتاق الخيل وجردها، وتحملها كرائمها وقبها. # ثم قال: ونمتحن النشاب في أظهر شكة، ونرمي به في أحفل عدة، فكأنه لكثرته، ~~وما يتفق من وفور جملته، وابل؛ دوي قسيه رعده، وعارض؛ قطر سحابه نبله. # فأن لا تكن مصر الشرى أو عرينه ... فإن الذي فيها من الناس أسده # سبائك كافور وعقيانه الذي ... بصم القنا لا بالأصابع نقده # بلاها حواليه العدو وغيره ... وجربها هزل الطراد وجده PageV01P090 ~~الشرى: موضع كثير الأسد، والعرين: مأوى الأسد، والسبائك: قطع تخلص بالإذابة ~~من الذهب والفضة، والعقيان: ذهب يوجد بنفسه دون أن يخلص من تراب المعادن، ~~والقنا: الرماح، وصمها: صلابها، والنقد: تمييز الدراهم والدنانير، وبلاها: ~~بمعنى خبرها، والطراد تجاول الفرسان. # فيقول: فإن لم تكن مصر الشرى، الموضع المعروف بالأسد، وعرينه الذي يأوي ~~أسده إليه، فإن الذين من جند كافور أسد الشرى في بأسهم وشدتهم، ونظيرها في ~~إقدامهم وجرأتهم. # ثم قال: وهم مال كافور الذي ادخره، ووفره من الذهب والعقيان الذي جمعه، ~~ينتقدهم بصم القنا في طرادهم، ويختبرهم بالتصريف لهم في قتالهم، لا ~~بالأصابع التي بها تنتقد الأموال، وتميز الفضة والعقيان. # ثم قال: جربت تلك الأسد حواليه الأعداء في حربه، والأولياء في موادعته ~~وسلمه، وأبان عنها هزل الطراد وجده، وجهد الاختيار وعفوه، فغلبوا من ~~غالبهم، وظهروا على من خالفهم، وخلصت لكافور طاعتهم، وشهرت في أعدائه ~~نكايتهم. # أبو المسك لا يفنى بذنبك عفوه ... ولكنه يفنى ms062 بعذرك حقده # فيأيها المنصور بالجد سعيه ... ويأيها المنصور بالسعي جده # تولى الصبا عني فأخلفت طيبه ... وما ضرني لما رأيتك فقده # لقد شب في هذا الزمان كهوله ... لديك وشابت عند غيرك مرده # الحقد: إضمار العداوة، والجد: البخت، والكهل من الرجال: الذي خالطه الشيب. # فيقول مخبرا عن كافور: أبو المسك لا يفني ذنوبك بكثرتها عفوه، ولا يضيق ~~بتتابعها فضله، ولكن حلمه يفني حقده عليك بأيسر عذر، ويتغمد إساءتك بأهون سعي. # ثم قال مخاطبا له: فيا أيها الملك الذي قرن الله سعيه بإقبال جده فأنجحه، وقرن PageV01P091 ~~جده بمشكور سعيه فمكنه، فلم يخل حزمه من جد يصحبه، ولم يخل جده من حزم ~~يمضيه ويؤيده. # ثم قال مخاطبا له: تولى الصبا عني، بكثرة السن، وفناء أكثر العمر، ~~فعوضتني منه بالمسرات التي تابعتها لي، وجددت عندي ما سلف من طيبه ~~بالكرامات التي وصلتها لي، وما ضرني فقد الشباب لما صرت في جنبتك، ولا عدمت ~~طيبه مع ما تتابع علي من نعمتك. # ثم قال مخاطبا له: لقد شب لديك كهول الرجال بما احيينه من همههم، وأسبغته ~~من نعمهم، وبما يسره الله على يديك من السعادة لهم، وشاب المرد عند غيرك من ~~الملوك، بعجزهم عن ضبط أعمالهم، واضطراب أحوال رعاياهم وأحوالهم. # ألا ليت يوم السير يخبر حره ... فتسأله والليل يخبر برده # وليتك ترعاني وحيران معرض ... فتعلم أني من حسامك حده # وأني إذا باشرت أمرا أريده ... تدانت أقاصيه وهان أشده # المراعي للشيء: الناظر إليه، وحيران معرض: ماء على طريق سلمية، هو منها ~~على أقل من يوم، واعترض دونه أبو الطيب، فغال المعترضين له، واستظهر عليهم، ~~والمعرض: الظاهر، والحسام: السيف القاطع، وحده: معروف. # فيقول لكافور مخبرا عن شدة سيره، وما تجشمه من المخاوف في قصده: ألا ليت ~~نهار سيري نحوك يخبرك بما قاسيت من حره، وليت ليله يعرفك بما لاقيت من ~~برده، فتتبين قدر بداري نحوك، وما تمونته عند قصدي أرضك. # ثم قال: وليت تشهدني وحيران؛ هذا الماء، مغب ظاهر، ومعرض بين، والأعداء ~~يدفعونني عنه، ويمنعونني مجتهدين منه، فتشهد حينئذ ms063 بلائي في مقاتلتهم، ~~ونفاذي في منازلتهم، وتعلم أن مثلي إذا صار في جندك والممتثلين لأمرك، كان ~~من سيفك في موضع حده، ونائب في قوة فعاله. PageV01P092 # ثم قال: وكنت تعلم أني من الصرامة والجزالة، على حال من إذا باشر أمرا ~~يريده، وحاول بعيدا يرومه، تدانى له منه ما بعد؛ لشدة بطشه، وسهل له منه ما ~~صعب؛ لشجاعة نفسه. # وما زال أهل الدهر يشتبهون لي ... إليك فلما لحت لي لاح فرده # يقال إذا أبصرت جيشا وربه ... أمامك رب؛ رب ذا الجيش عبده # واألقى الفم الضحاك أعلم أنه ... قريب بذي الكف المفداة عهده # رب الجيش: الذي يملكه ويدبره. # فيقول مخاطبا لكافور: وما زال أهل الدهر الذين شهدتهم، وملوكه الذين ~~قصدتهم، تتقارب عندي أمورهم، وتتماثل في نفسي أحوالهم، حتى بدوت لي، فعلمت ~~أنك واحد الدهر، والمخصوص بين أهله بأعظم الفضل. # ثم قال: إنه كلما لقي في قصده نحو كافور جيشا كثير أهله، وأميرا رفيعا ~~قدره، قيل له: أمامك من كافور مقصودك أمير، أمير هذا الجيش واحد من حشمه، ~~وتابع من عبيده وخولة. # ثم قال: وألقى الفم الضحاك الذي أضحكه الجذل، وغلب صاحبه الفرح، فأعلم أن ~~ذلك الفم قريب عهده بيد كافور، المفداة لكثرة ما يبذله، المعظمة لجلالة ما يفعله. # فزارك مني من إليك اشتياقه ... وفي الناس إلا فيك وحدك زهده # يخلف من لم يأت دارك غاية ... ويأتي فيدرى أن ذلك جهده # فإن نلت ما أملت منك فربما ... شربت بماء يعجز الطير ورده # الزهد في الشيء: قلة الرغبة فيه، والورد: حلول المشرب. # فيقول لكافور: فزارك مني من لا يشتاق إلا إليك، ولا يحرص إلا عليك، ومن ~~هو زاهد في الناس إلا فيك وحدك، ومعرض عنهم عندما تخيره من قصدك. # ثم قال مخاطبا لكافور: يخلف المتأخر عن إتيان دارك، واعتماد أرضك، غاية PageV01P093 ~~مؤملة، وأمنية منتظرة، ويأتيك فيعلم أنه قد تمكن في السعد، وبلغ في نفسه ~~غاية الجهد. # ثم قال: وإن نلت منك ما أملت، وأدركت ما حاولت، فكثيرا ما شربت بالمياه ~~التي يعجز الطير ورودها، ولا ms064 تدركها بغاية جهدها. يريد أنه إذ ظفر من كافور ~~ببغيته، فليس بستغرب ذلك مع نفاذه وقوته. # ووعدك فعل قبل وعد لأنه ... نظير فعال الصادق القول وعده # فكن في اصطناعي محسنا كمجرب ... يبين لك تقريب الجواد وشده # إذا كنت في شك من السيف فابله ... فإما تنفيه وإما تعده # وما الصارم الهندي إلا كغيره ... إذا لم يفارقه النجاد وغمده # التقريب: ضرب من الجري لا يستفرغ الجهد، وشد الفرس: استيفاء غاية الجري، ~~وبلوت الشيء: إذا اختبرته، وتنفيته: إذا طرحته، والصارم: السيف القاطع، ~~والنجاد: محملة. # فيقول لكافور: ووعدك أيها الرئيس يسابقه فعلك، ويتقدمه نجازك، وكذلك وعد ~~من صدق قوله، وتيقن فضله، يقترن فعله به، ولا يتأخر إنجازه له. # ثم قال يخاطبه: فكن في اصطناعك لي، وما تصنعه من الجميل في، محسنا كمجرب، ~~ومفضلا كمختبر، يتبين لك عفو شكري وجهده، وتقريب امتداحي وشده. وكنى ~~بالجواد عن نفسه، وضرب بحاليه مثلا من جريه. # ثم قال: إذا كنت في شك من السيف وفعله، وصرامته في قطعه، فاختبره ~~بتجربتك، واحمله على محنتك، فإما تنفيه وتطرحه؛ لنبو حده، وإما تعده وتعجب ~~به، لما تشتهده من فعله. # ثم قال: وما السيف الهندي الصارم، والحسام النافذ القاطع، إلا كغيره من ~~متأخر السيوف، إذا لم يفارق السيف غمده، ويشهد بصرامته فعله، لأن صور السيوف PageV01P094 ~~متقاربة، وظواهرها متشابهة، وكذلك الرجال تكشف فضائلهم الخبرة، وتبين ~~غناءهم التجربة. # وإنك للمشكور في كل حالة ... ولو لم يكن إلا البشاشة رفده # وكل نوال كان أو هو كائن ... فلحظة طرف منك عندي نده # وإني لفي بحر من الخير أصله ... عطاياك أرجو مدها وهي مده # البشاشة: الترحيب، والرفد: العون بالعطاء، ومد البحر: زيادته وتكاثره. # فيقول لكافور: وإنك للجدير بالشكر، والمستحق لأكرم الذكر، ولو لم يكن ~~عطاؤك إلا برك، ونوالك إلا ترحيبك وبشرك. # ثم قال: وكل نوال سبق قبلك، أو ما يمكن أن يكون بعدك، فلحظة طرف منك تفي ~~بذلك وتعدله، وتزيد عليه وتفضله؛ لأن مشاهدتك أمان من الفقر، والنظر إليك ~~استظهار على الدهر. # ثم قال: وإني لفي بحر من ms065 مواهبك، وغمرة من فواضلك، وعطاياك مرجوة لمد ذلك ~~البحر، ومتابعة ذلك الفضل، وهي عند أتم ما يبلغه الرجاء من مواصلة ذلك ~~المد، وارتهان أوفر الشكر والحمد. وكنى بالبحر ومده عن متابعة كافور عليه بفضله. # وما رغبتي في عسجد أستفيده ... ولكنها في مفخر أستجده # يجود به من يفضح الجود جوده ... ويحمده من يفضح الحمد حمده # فإنك ما مر النحوس بكوكب ... وقابلته إلا ووجهك سعده # العسجد: الذهب. # فيقول: وما رغبتي في وفر أدخره، ومال أكتسبه، ولكنها في كرامة أستجد ~~فخرها، ورتبة من الشرف أخلد ذكرها. # ثم قال، وهو يشير إلى كافور: يجود لي بتلك الرتبة، ويخصني بتلك الرفعة، من PageV01P095 ~~يفصح كل جود بعظم جوده، ويزيد على كل فضل بجلالة فضله، ويحمد ذلك مني من ~~يفصح حمده حمد الحامدين، ويدني على من تقدم من الشاكرين. # ثم قال، وهو يخاطب كافورا: فإنك ما مرت النحوس بكوكب، ولا أحاطت به في ~~موضع، وقابلته لوجهك، وأقبلت عليه بنفسك، إلا والإقبال ينهضه، والسعادة ~~تكشفه؛ لأن النحوس قد رفعها الله بتمكن سعدك، وأنقذ منها ببركتك وإقبال جدك. PageV01P096 # وشكى إليه إبراهيم بن عباس طول قيامه في مجلس كافور، فقال له ارتجالا: # يقل له القيام على الرؤوس ... وبذل المكرمات من النفوس # إذا خانتك في يوم ضحوك ... فكيف تكون في يوم عبوس؟ # النفوس المكرمات: المعتمدات بالكرامة، والواحدة مكرمة، يقال: أكرمت ~~النفس، فهي مكرمة، واليوم العبوس: الذي يكثر فيه لشدة أهواله. # فيقول لمخاطبه [يقل] أن يقام له على الرؤوس إعظاما لقدره، وأن توضع مواضع ~~الأقدام اعترافا لشكره، وأن يبذل في طاعته من النفوس ما أكرم، ويمتهن له ~~منها ما شرف وعظم. # ثم قال للذي خاطبه: إذا خانتك نفسك في قضاء حقه، ومعارضة فضله، فلم تسعدك ~~على القيام له في يوم سرور وغبطة، وضحك وبهجة، فكيف تظنها في يوم حرب عبوس، ~~يستكره مثله، شديدا لا يؤمن بأسه؟! PageV01P097 # ودخل إليه بعد انتقاله من البركة إلى الدار الثانية، فقال، وأنشدها إياه في ~~المحرم سنة سبع وأربعين وثلاث مائة. # أحق دار بأن تدعى مباركة ... دار مباركة ms066 الملك الذي فيها # وأجدر الدور أن تسقى بساكنها ... دار غدا الناس يستقون أهليها # الملك: الملك، خففت الكسرة فيه من اللام، والعرب تفعل ذلك في مثل هذا ~~الموضع، فتقول في إبل إبل، وفي عضد عضد؛ لأنهم يستثقلون الكسر والضم ~~فيصيرون فيها إلى التخفيف. # فيقول: أحق دار بأن يقضى لها بركة، ويقطع عليها بالسعادة، دار قد قصر ~~الله البركة على الملك الساكن لها، وقضى بالسعادة على الرئيس المستقر بها. # ثم قال: وأجدر الدور بأن تسقيها السحاب بإقبال ساكنها، وتخضب ساحتها بيمن ~~عامرها، دار غدا الناس يستسقون فضل من سكنها، ويعم جميعهم نعم من عمرها. # هذي منازلك الأخرى يهنئها ... فمن يمر على الأولى يعزيها # إذا حللت مكانا بعد صاحبه ... جعلت فيه على ما قبله تيها # يقول: هذه الأخرى من منازلك، يشير إلى الدار التي انتقل عنها، يهنئها ~~بتشرفها بك، وبما اخترته من الرفعة في اشتمالها عليك، فمن يمر على الدار ~~التي أخليتها من نفسك، وأوحشتها إلى أنسك، يسليها عما عدمته، ويصبرها على ~~ما فارقته وحرمته. # ثم قال: إذا حللت في مكان بعد آخر، ترحل عنه، وتطير إلى ذلك المكان، ~~تنتقل منه، أظهرت فيه على المنازل التي فارقتها، وزهوا على الأماكن التي ~~رحلت عنها وتركتها. # لا تنكر الحس من دار تكون بها ... فإن ريحك روح في مغانيها # أتم سعدك من لقاك أوله ... ولا استرد حياة منك معطيها # الحس: الإدراك والمعرفة، والمغاني: مواضع الحلول، واحدها مغنى. PageV01P098 # فيقول لكافور: لا تنكرن ما ذكرته من حس الديار لحلولك وارتحالك، وقطونك ~~وانتقالك، فعبق ريحك في تلك المواضع، وطيب نسميك في تلك المنازل، روح في ~~مغانيها يكسبها الحس، وحياة لها تفيدها العلم، فهي تزهى وتسر بقربك، وتكتئب ~~وتستوحش لبعدك. # ثم قال داعيا له: أتم الله لك السعد كما لقاك أوله، وتابعه لديك ووصل لك ~~أكمله، ولا استرد حياتك كما أعطاها، ممتعا بمدتك، وأطال بقاءك متفضلا ~~ببركتك. PageV01P099 # وقاد إليه فرسا، فقال يمدحه، أنشده يوم الأحد، لأربع عشرة ليلة خلت من ربيع ~~الآخر من هذه السنة. # فراق ومن فارقت غير مذمم ms067 ... وأم ومن يممت خير ميمم # وما منزل اللذات عندي بمنزل ... إذا لم أبجل عنده وأكرم # سجية نفس ما تزال مليحة ... من الضيم مرميا بها كل مخرم # أممت الشيء ويممته: بمعنى قصدته، والتبخيل: التعظيم، والسجية: الخليقة، ~~والمليح: المشفق الحذر، والضيم: الذل، والمخرم: منقطع أنف الجبل. # فيقول وهو يشير إلى مفارقته سيف الدولة، وقصده لكافور: فراق تكلفته، ومن ~~فارقت من سيف الدولة محمود لا يذم، ومشكور لا ينكر فضله، وأم لكافور ~~اخترته، وقصد إليه آثرته، ومن يممت أكرم ميمم، ومن أملت أفضل مرجو ومؤمل. # ثم قال: وما منزل اللذات والسعة، ومحل الرفاهية والدعة، عندي بمنزل يؤثر، ~~ومحل يؤلف، إذا لم يتصل لي بذلك التبخيل والتكريم، والتوقير والتعظيم. يشير ~~إلى أن سيف الدولة وإن كان خصه يسابغ فضله، فإنه لم يوفه حقيقة بره. # ثم قال: وتلك مني سجية نفس كريمة، أبية شريفة، لا تزال تأنف الضيم ~~وتنكره، وترغب العز وتطلبه، متجشمة في ذلك البعيدة، مقتحمة على المخارم ~~المنيعة. # رحلت فكم باك بأجفان شادن ... علي وكم باك بأجفان ضيغم # وما ربة القرط المليح مكانه ... بأجزع من ري الحسام المصمم # فلو كان ما بي من حبيب مقنع ... عذرت ولكن من حبيب معمم # الشادن: ولد الظبية، والضيغم: الأسد، والحسام المصمم: القاضي فيما يضرب ~~به، والقرط من الحلي: معروف. # فيقول: رحلت عن سيف الدولة، فكم فارقت من حبيب أشجيته، فبكى علي بأجفان ~~شادن، يشير إلى من تخلفه بحلب من أهله، وكم خلفت من خليل أحزنته، فبكى PageV01P100 ~~علي بأجفان أسد، يشير إلى سيف الدولة، وأنه أوجعه بفراقه، وأحزنه برحيله. # ثم قال مؤكدا لما قدمه: وما ربة القرط من أهل الظاهرة الملح، البارعة ~~الحسن، بأجزع علي مفارقتها لي من سيف الدولة؛ رب الحسام المصمم في قطعه، ~~النافذ في كرامته وفعله. # ثم قال مشيرا إليه: فلو كان ما أشكوه من الأسف، وأظهره من الشوق والشغف، ~~من حبيب مقنع، يحسن العشق بمثله، ولا يستنكر الشغف بشكله، عذرت نفسي في ~~[ما] أظهره، وسقط اللوم عني فيما أذكره، ولكنه من حبيب معمم، خالص ms068 مودتي له ~~كالشغف، وأسفي على مفارقتي له أشد الأسف. وأشار بما ذكره إلى سيف الدولة، ~~وما هو عليه من الشكر له، وشدة الإعجاب به. # رمى واتقى رميي ومن ما اتقى ... هوى كاسر كفي وقوسي وأسهمي # إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه ... وصدق ما يعتاده من توهم # وعادى محببيه بقول عداته ... وأصبح في ليل من الشك مظلم # يقول، وهو يشير إلى سيف الدولة: رماني بما أظهره من العقوق لي، واستجازه ~~من التقصير بي، واتقى أن أرميه بالذم لفعله، وأجزيه على ذلك بمثله، ومن دون ~~ما حذره واتقاه وتوقعه، هوى مني له صادق، وشكر متمكن خالص، يكسر القوس التي ~~بها يكون الرمي، والكف التي يكون بها الفعل، والسهم الذي يطيش ويرسل، ويسير ~~وينفذ. وكنى بالقوس والكف والسهم عن النية والقول والفعل. # ثم قال: إذا ساء فعل المرء فيما يقدمه، وسبق منه المكروه فيما يتقلده، ~~ساءت ظنونه في مقارضته على فعله، ومجازاته على الظلم بمثله، وصدق في ذلك ما ~~يعن له من الأوهام الخاطرة، والظنون السيئة العارضة. وهذا مثل سائر، والمثل ~~من أرفع أبواب البديع. # [ثم قال]: من تقدم بقبيح الفعل، وأكسبه ذلك سوء الظن، عادى من يحبه بقول من PageV01P101 ~~يبغضه، وتنكر لمن يوده بنمائم من يكرهه، وأصبح من الشك في ليل مظلم، ومن ~~التوقع في أمر مؤلم. # أصادق نفس المرء من قبل جسمه ... وأعرفها في فعله والتكلم # وأحلم عن خلي وأعلم أنه ... متى أجزه حلما على الجهل يندم # فإن بذل الإنسان لي جود عابس ... جزيت بجود التارك المتبسم # يقول: أصادق نفس المرء بمشاكلتي له من قبل جسمه، وأصافيه بمناسبتي إياه ~~من قبل أن يفاتحني بلفظه، وأعرف حال نفسه في فعله وتكلمه، وإشارته وتصرفه. # ثم قال: وهو يشير إلى إعراضه عن مقارضة تقصير سيف الدولة به: وأحلم عن ~~خلي تمسكا بمحبته، وضنانة بما أحرزته من مودته، وأعلم أني إذا جازيته ~~بالحلم على جهله، والصبر على ما قدمه من سوء فعله، أصاره ذلك إلى الندم ~~والإنابة، والإنصاف والاستقامة. # ثم قال، وهو يشير إليه: وإن ms069 بذل الإنسان لي من نفسه جود عابس مستكره ~~لجوده، مستثقل لما يسمح من بذله، جزيته بجود تارك عفيف عما وهبه، معرض زاهد ~~فيما بذله، مستبشرا من ذلك بما افعله، متبسما غير مستثقل لما أؤثره. # وأهوى من الفتيان كل سميدع ... نجيب كصدر السمهري المقوم # خطت تحته العيس الفلاة وخالطت ... به الخيل كبات الخميس العرمرم # ولا عفة في سيفه وسنانه ... ولكنها في الكف والفرج والفم # السميدع: السيد الكريم، والنجيب: الظاهر السيادة، والسمهري: الرمح الصلب، ~~وصدره: أعلاه، وخطت: قطعت بخطوها، والعيس: البيض من الجمال، والبياض فيها ~~من شواهد الكرم، والكبات: القطع العظيمة من الإبل، الواحدة كبة، والخميس: ~~الجيش، والعرموم: الكبير، والعفة: اجتناب المحارم. # فيقول: وآلف من الفتيان كل كريم سيد، نجيب أوحد، جريء نافذ، شجاع صارم، PageV01P102 ~~كصدر الرمح في قوته وإقدامه وشدته. # ثم أكد وصفه بالجلد، فقال: جرب الأسفار وعرفها، وباشر الفلوات وقطعها، ~~ونفذ في الحزومة بقوته، وخالطت به الخيل كبات الجيوش بجرأته. # ثم وصفه بجرأة النفس، وشدة البطش، فقال: إنه لا عفة في سيفه ورمحه؛ ~~لمبادرته إلى الحرب، وتسرعه إلى الطعن والضرب، ولكن العفة في كفه؛ بإمساكه ~~عن مكروه المكاسب، وفي فرجه بتنزهه عن إتيان المحارم، وفي فمه بترفعه عن ~~القول بالمآثم. # وما كل هاو للجميل بفاعل ... ولا كل فعال له بمتمم # فدى لأبي المسك الكرام فإنها ... سوابق خيل يهتدين بأدهم # أغر بمجد قد شخصن وراءه ... إلى خلق رحب وخلق مطهم # الرحب: الواسع، والمطهم: التام. # فيقول: وما كل من يهوى الجميل يفعله، ولا كل من يبتديه يتممه، فرب من يحب ~~الشيء ولا ييسر لفعله، وبتديه ولا يتممه على وجهه. # ثم قال: فدى الله أبا المسك بجميع الكرام، وأولي الفضل والإنعام، فإنهم ~~وإياه كخيل تتسابق في الجري، وتتبارى في العدو، وقد بذها وسبقها، وبرز ~~عليها وتقدمها، أدهم تهتدي بفعله، وتسعى جاهدة على أثره. وأشار بقوله أدهم ~~إلى سواد كافور، وأنه لا يخل به مع فضله وكرمه، كما لا تخل الدهمة بالفرس ~~العتيق مع سبقه وتقدمه. # ثم قال مؤكدا لما ذكره: وذلك الأدهم أغر، ms070 قد وسمه مجده، ورفعه من ~~المتسابقين في الكرم فضله، فشخصت أبصارهم منه إلى خلق رحب معظم، وخلق ~~مستحسن مطهم. وكنى بالخيل وسابقها عن الكرام وفاضلها. # إذا منعت منك السياسة نفسها ... فقف وقفة قدامه تتعلم PageV01P103 ~~يضيق على من راءه العذر أن يرى ... ضعيف المساعي أو قليل التكرم # لمساعي: المطالب، وراءه: مقلوب من رآه، تقول العرب: رأى وراء. # فيقول: إذا منعت السياسة من محاولها نفسها، وصعب عليه أن يدرك علمها، ~~فليقف قدام كافور وقفة، وليشهد أوامره ساعة، يتعلم من ذلك ما يكتفي بعلمه، ~~وينكشف له منه ما يستغني بمثله. # ثم قال: يضيق العذر على من رآه وشهده، ووصل إليه وأبصره، في أن يضعف عن ~~سعي يحاوله، أو يقصر في كرم يتناوله؛ لأن سعادته تقرب المطالب، ومشاهدته ~~تعلم المكارم. # ومن مثل كافور إذا الخيل أحجمت ... وكان قليلا من يقول لها أقدمي # شديد ثبات الطرف والنقع واصل ... إلى لهوات الفارس المتلثم # الإحجام: التأخر، وهو مقلوب من الإحجام، والنقع: الغبار، واللهوات: أقصى ~~الفم، الواحدة: لهاة، والتلثم: التقنع بالعمامة ونحوها. # فيقول: ومن مثل كافور في الرؤساء، والمذكورين من الأمراء، إذا أنفذت ~~الحرب وأحجمت الفرسان عن تقحمها، واضطرمت فجبنت الكماة عن تورطها، وكان ~~قليلا منهم من يقول للخيل أقدمي غير متهيبة، واقتحمي غير متثبطة. يشير إلى ~~نفاذ كافور في الشدائد، واعتياده للتقدم في الملاحم. # ثم قال: إنه شديد ثبات الطرف في تلك المواقف، متمكن النظر في تلك ~~المضائق، لا يعتريه دهش المخافة، ولا يضطرب بصره من المهابة، والرهج ثائر ~~بتطاول الفرسان، والعجاج ساطع بتنازل الأقران، فليس تعتصم منه لهوات الفارس ~~المتلثم لكثرته، ولا تمتنع عليه لتكاثف جملته. # أبا المسك أرجو منك نصرا على العدا ... وآمل عزا يخضب البيض بالدم # ويوما يغيظ الحاسدين وحالة ... أقيم الشقا فيها مقام التنعم PageV01P104 ~~ولم أرج إلا أهل ذاك ومن يرد ... مواطر من غير السحائب يظلم # يقول لكافور: أبا المسك أرجو منك نصرا على من أعاديه، واستظهارا على ما ~~أحاوله وأرتجيه، وأؤمل بك عزا أصل به إلى ما أطلبه، وأظفر ما أحاوله ~~وأرغبه، ms071 وأخضب السيوف بدماء المخالفين لي، وأعملها في قتل المعترضين علي. # ثم قال: وأرجو أن أدرك بك يوما أظهر فيه وأغلب، وأتمكن وأقدر، وأغيظ ~~الحاسدين لي على فضلك، والمنافسين في تقلبك وبرك، وأقيم الشقاء بما أتقلده ~~في ذلك اليوم من الحرب، واحمل نفسي عليه من الكره مقام التنعم واللذة، ~~وأجعله بدل الرفاهية والراحة. # ثم قال: ولم أرج منك إلا أهل ما آمله، والجدير بتحقيق ما أرغبه، ومن يرد ~~المطر من غير السحاب فقد أخطأ رأيه، واستبان لجميع الناس عجزه، وكذلك من ~~يصرف أمله إلى غيرك في استحداث نعمة، واستجلاب سلطان ورفعة، فقد ضل عن ~~رشده، وعمي عن سبيل قصده. # فلو لم تكن في مصر سرت نحوها ... بقلب المشوق المستهام المتيم # ولا نبحت خيلي كلاب قبائل ... كأن بها في الليل حملات ديلم # ولا اتبعت آثارنا عين قائف ... فلم تر إلا حافرا فوق منسم # المشرق: الشديد الشوق، والمستفهام: الذي غلب الحب على عقله، والمتيم: ~~الذي تعبده الحب، والديلم: طائفة معروفة من عجم المشرق، شديد بأسهم، ~~والقائف: الذي يتبع الأثر، والمنسم: مقدم ثفنة البعير، وهي منه بمنزلة ~~الظفر من الإنسان. # فيقول لكافور: فلو لم تكن في مصر ما قصدتها كلفا بقصدها. مشغوفا بالوصول ~~إلى أرضها، أحن نحوها حنين المستهام إلى إلفه، المشوق المتيم إلى حبه. # ثم قال: ولولا ما آثرته من قصدك، وشغفت به من اعتماد أرضك، ما تجشمت PageV01P105 ~~قطع المهامه النائية، والقفار التي لا تنزلها القبائل إلا منفردة، ولا تحل ~~بها إلا مستوحشة، فلكلابها لشدة إنكارها للأنيس على من قاربها منهم، حملات ~~كحملات الديلم في شدتها، وما هي عليه من تمكن قوتها. # ثم قال على نحو ما قدمه: ولا اتبعت آثارنا عين قائف يقفو سبيلنا، ويتحسس ~~خبرنا، فلا يرى إلا حافر فرس على آثار منسم بعير. يشير إلى أنه ومن كان معه ~~جنبوا الخيل مرتجين لها، وركبوا الإبل سائرين بها. # وسمنا بها البيداء حتى تغمرت ... من النيل واستذرت بظل المقطم # وأبلج يعصي باختصاصي مشيره ... عصيت بقصديه مشيري ولومي # فساق إلي العرف غير مكدر ms072 ... وسقت إليه الشكر غير مجمجم # الوسم: العامة، وسمت الشيء: إذا أثبت فيه علامة يعرف بها، والبيد: جمع ~~بيداء، وهي الأرض المقفرة، وغمرة الماء مجتمعه، والتغمر: الدخول في الغمرة، ~~والنيل: نهر معروف، والاستذراء بالشيء: التستر به، والمقطم: جبل يقرب من ~~مصر، والأبلج: الطلق الوجه بالمعروف، والمجمجم من الكلام: الملتبس الذي لا يتبين. # فيقول: وسمنا البيداء بآثار ما ركبناه من الإبل، وجنبناه من الخيل، حتى ~~وردت بنا غمار النيل، نهر مصر، واستذرت بظل جبلها، وأشار إلى أنه اعتمد في ~~سيره القفار المتروكة، والطرق المعهودة، فصار آثار إبله وخيله فيها كالسمات ~~المستغربة، والعلامات المشتهرة. # ثم قال مشيرا إلى كافور: ورب أبلج من الملوك، يعصي المشير عليه بالاقتصار ~~فيما خصني به من بره، ويعرض عنه فيما أسبغه علي من فضله، عصيت من أشار علي ~~بالتأخر عن قصده، وأعرضت عن اللائم لي في الرحلة إلى أرضه. # ثم قال: فساق إلي عرفه كثيرا غير مقلل، وهنيئا غير مكدر، وسقت إليه شكري ~~صريحا لا أجمجم في ذكره، ووافرا لا أقصر في نشره، فقارضته عما أسدى إلي PageV01P106 ~~من الفضل، بما خلدت فيه من بدائع الشعر. # قد اخترتك الأملاك فاختر لهم بنا ... حديثا وقد حكمت رأيك فاحكم # فأحسن وجه في الورى وجه محسن ... وأيمن كف فيهم كف منعم # وأشرفهم من أشرف همة ... وأكثر إقداما على كل معظم # اليمن: البركة، ومعظم الشيء: أعظمه وأكثره. # فيقول لكافور: قد اخترتك من بين الملوك بقصدي لك، واختر لهم بي وبك حديثا ~~كريما فيما تخصني به من إكرامك، وتظهره علي من تفضلك وإنعامك، وقد حكمت ~~رأيك فيما أملته بك، ووثقت بكرمك فيما ضمنته لنفسي عنك، فاحكم غير متهم في ~~حكمك، ولا مقصر فيما ترضاه لي من برك. ثم قال: فأحسن الوجوه وجه محسن، ~~يرتهن جزيل الشكر بفضله، وأيمن الأكف كف منعم، يخلد كريم الذكر ببذله. # ثم قال على نحو ما قدمه: وأحق الناس بالشرف والرفعة، وأجدرهم بعلو ~~الرتبة، من كان أشرفهم نفسا وهمة، وأثبتهم نفاذا وقوة، وأكثرهم إقداما على ~~كل ما عظم من الأمور ms073 فتهيب، وكبر منها فحذر وتوقع. # لمن تطلب الدنيا إذا ترد بها ... سرور محب أو مساءة مجرم # وقد وصل المهر الذي فوق فخذه ... من اسمك ما في كل عنق ومعصم # لك الحيوان الراكب الخيل كله ... وإن كان بالنيران غير موسم # الوسم: العلامة. # فيقول لكافور: لمن تطلب الدنيا جاهدا في طلبها، وتنافس فيها مظهرا ~~للصبابة بها، إذا كنت لا تقصد بها سرور محب تعليه وتظهره، ومساءة عدو تضعه ~~وتخمله؟! وألم بهذا البيت بقول بعض العرب، وقد سئل، فقيل له: ما السرور؟ ~~فقال: رفع الأولياء، وحط الأعداء، وطول البقاء مع القدرة والنماء. PageV01P107 # ثم قال مشيرا إلى المهر الذي قاد إليه: وقد ورد المهر الذي فوق فخذه من ~~اسمك، ومن تعليمك ووسمك، كالذي في الأعناق والمعاصم من آثار نعمك، وشواهد ~~عوارفك ومننك. يريد أنه يسم الناس بالإحسان، كما يسم الخيل بالنيران، ~~واعتمد الأعناق والمعاصم؛ لأنها المواضع المعتمدة من المتملكين بالوسم، وقد ~~تقدم الشاهد على ذلك. # ثم قال: وكل من يركب الخيل معترفون بملكك، مستعدون بما أحاط بهم من فضلك، ~~على نحو ما ركبوه مما حملتهم عليه، وامتطوه مما انفردت عندهم بالإحسان فيه، ~~وقد شهدت لك نعمك بملكهم، وأغنتك عن تكلف وسمهم. # ولو كنت أدري ما حياتي قسمتها ... وصيرت ثلثيها انتظارك فاعلم # ولكن ما يمضي من العمر فائت ... فجد لي بحظ البادر المتغنم # البادر: الفاعل، من بدر إلى الشيء يبدر: إذا أسرع، والمتغنم: المتفعل من ~~طلب الغنيمة. # فيقول: إن الموت لا يؤمن، وطوارق الدهر لا تغفل، وهذا يحفزني إلى استنجاز ~~وعدك، ويسرع بي إلى اقتضاء فضلك، ولو كنت أعلم مدة حياتي، لجعلت أكثرها في ~~انتظار ما ارقبه منك، وأضمنه لنفسي عنك. # ثم قال: ولكن ما يمضي من العمر فائت لا يلحق، وما ينصرم منه ذاهب لا ~~يدرك، فجد لي منك بحظ عاجل، أفوز به فوز البادر إليه، وأسر بموضعه سرور ~~المتغنم الحريص عليه. # رضيت بما ترضى به لي محبة ... وقدت إليك النفس قود المسلم # ومثلك من الوسيط فؤاده ... فكلمه عني ولم أتكلم # المسلم: الراضي بما ms074 يفعل فيه، والوسيط: المتوسط، وهو فعيل بمعنى فاعل، من ~~وسط يسط، والفؤاد: القلب. PageV01P108 # فيقول لكافور: رضيت لنفسي من فضلك بما ترضى به، وسلمت لجميع ما تراني أهلا ~~له، وقدت نفسي إليك قود واثق بفضلك، مسلم لما يتيقنه من اعتلائك ومجدك. ثم ~~قال مشيرا إلى استنجاز وعده، واقتضاء ما أمله من فضله: ومثلك من كان له من ~~قلبه مذكر باعث، ومن كرمه محرك حافز، فقال عني ما أرغبه وإن صمت، وحرك في ~~جهتي إلى ما آمله وإن سكت. PageV01P109 # وجرت وحشة بين الأمير أبي القاسم وكافور مديدة ثم اصطلحا، فقال أبو الطيب ~~في ذلك: # حسم الصلح ما اشتهته الأعادي ... وأذاعته ألسن الحساد # وأرادته أنفس حال تدبي ... رك ما بينها وبين المراد # الحسم: القطع، والإذاعة: الإفشاء. # فيقول: حسم صلح كافور لأبي القاسم بن الإخشيد مولاه، ما كانت أعداء ~~دولتهما تشتهيه وترتغبه، وترتجيه وتؤمله، وانقطع ما كانت ألسن الحساد تذيعه ~~من الأسباب الداعية إلى الفرقة، والموجبة للاختلاف والوحشة. # ثم قال: وانحسم بهذا الصلح ما تطلعت إليه أنفس أعداء، حال تدبيرك، أيها ~~الأستاذ، بينها وبين ما أرادته من إيهان الدولة، وما أجرت إليه من نفوذ ~~دواعي الفتنة. # صار ما أوضع المخبون فيه ... من عتاب زيادة في الوداد # وكلام الوشاة ليس على الأح ... باب سلطانه على الأضداد # إنما تنجح المقالة في المر ... ء إذا وافقت هوى في الفؤاد # الإيضاح في الشيء: الإسراع فيه، والمخب: المجتهد في الشيء، والعتاب: ~~إظهار السخط، والوشاة: النمامون، والأضداد: المختلفون من جميع جهاتهم، ~~والفؤاد: القلب. # فيقول مخاطبا لكافور: صار ما أوضح فيه المخبون، من تسبيب العتاب بينك ~~وبين الأمير أبي القاسم بن الإخشيد، زيادة في وداده لك، وموجبا لاستحكام ~~ثقته بك؛ لأنك أعرضت عما سببوه، ولم يخف عنك كذبهم فيما نقلوه، فاسترضيته ~~بكريم معاملتك، وعذت فيما أنكره بحلمك ومجاملتك. # ثم قال: وكلام الوشاة وسعيهم، واحتيالهم وبغيهم، لا ينجحان في أهل ~~المحبة، ولا سلطان لهما على المعتقدين للمودة، وإنما سلطان ذلك على لأضداد ~~المتنافرين، PageV01P110 ~~والأعداء المتباغضين. فاعتقد تقديم ما أخر، وأضمر ثقة بما ms075 أظهر، وأراد: ~~وكلام الوشاة سلطانه على الأضداد، ليس سلطانه على الأحباب، فحذف ثقة بفهم ~~المخاطب. # ثم قال: إنما تنجح في المرء مقالة الناقل، وتثبت فيه وشاية الحاسد، إذا ~~وفق ذلك هوى قد رسخ في قلبه، وتصديقا قد سبق إلى نفسه، وذلك أيها الأستاذ ~~لا يخاف بينك وبين أبي القاسم الأمير، لأنك ظئره وحافظه، وظهيره وناصره. # ولعمري لقد هززت بما قي ... ل فألفيت أوثق الأطواد # وأشارت بما أبيت رجال ... كنت أهدى منها إلى الإرشاد # قد يصيب الفتى المشير ولم يج ... هد ويشوي الصواب بعد اجتهاد # الأطواد: الجبال، واحدها طود، والإرشاد: الإشارة بالرشد، والمشوي: الذي ~~يخطئ المقاتل، ويصيب الأطراف. # فيقول لكافور: ولعمري لقد هزك الأعداء بقولهم، وراموا أن يستفزوك بإفكهم، ~~فألفوك أوثق الأطواد، برجاحة رأيك، وأبعدها من الخوف بأناتك وحلمك. # ثم قال يخاطبه: وأشارت عليك محاربة الأمير أبي القاسم رجال لم ينصحوك في ~~قولهم، ولا أصابوا في رأيهم، فكنت بما آثرته من الحلم، واحتملت عليه من ~~الصبر، أهدى إلى السداد، وأعلم بطرق الإرشاد. # ثم قال باسطا لبعض عذر الطائفة المشيرة بالحرب، وأن ذلك غاية جهدهم، ~~ومبلغ علمهم، وأن كافورا أربى على جهدهم بعفوه، وعلى رويتهم ببديهة رأيه: ~~قد يصيب المشير دون اجتهاد لنفسه، ويدرك المطلوب من حقيقة الرأي بأيسر ~~سعيه، وقد يخطئ مع الإمعان في النظر، ويحرم الصواب مع شدة البحث والطلب. # نلت ما ينال بالبيض والسم ... ر صنت الأرواح بالأجساد # وقنا الخط في مراكزها حو ... لك والمرهفات في الأغماد PageV01P111 ~~ما دروا، إذ رأوا فؤادك فيهم ... ساكنا، أن رايه في لبطراد # البيض: السيوف، والسمر: الرماح، وقنا الخط: رماح تنسب إلى الخط، وهو موضع ~~معروف. ومراكز الرماح: المواضع التي تغرز فيها، والمرهفات: شفرات السيوف، ~~والطراد: تجاول الفرسان. # فيقول، وهو يخاطب كافورا: نلت بسعة حلمك، وصواب رأيك، من بلوغ مرادك، ~~واستبانة رشادك، ما لا يبلغ مثله بالسيوف والرماح، وصنت الأرواح في أجسادها ~~عن القتل، وفقك الله لمشكور الفعل. # ثم قال مخاطبا له: وقنا الخط في مراكزها حولك ثابتة، والسيوف في أغمادها ~~ساكنة، فأثارت الصلح ms076 مع كثرة أنصارك، وعدلت عن الحرب مع استظهارك بقوة ~~أعوانك، فعرفك الله بركة رأيك، وتكفل لك بإنجاح سعيك. # ثم قال: ماد درى الجيش المحيط بك، إذ رأوك مقيما فيهم، ساكن القلب بينهم، ~~أن رأي قلبك في الطراد، تمتثل وجوه عواقبه، وتتأهب لتصريفه على حقائقه، ~~فآثرت الصلح مع قوتك على الحرب، وتكفل الله لك في ذلك بأجمل الصنع. # ففدى رايك الذي لم تفده كل ... رأي معلم مستفاد # وإذا الحلم لم يكن في طباع لم ... يحام تقدم الميلاد # الطباع: الطبيعة. # فيقول مخاطبا لكافور: ففدى رأيك الذي لم تفده بالدلالة عليه، ولا أدركته ~~بالإرشاد إليه، وأفادك إياه شرف طبعك، وما أنت عليه من سعة حلمك، كل رأي ~~يستفاد بالتعلم، ويستظهر عليه بطول التبين. # ثم قال: وإذا الحلم لم يبعث عليه كرم الخلقة، ولا استفاده صاحبه بشرف ~~الجبلة، لم تبعث عليه الأعمار الطويلة، ولا أرشدت إليه المواليد القديمة. ~~وهذا البيت من الأمثال السائرة، والمثل أرفع أبواب البديع. PageV01P112 # فبهذا ومثله سدت يا كا ... فور واقتدت كل صعب القياد # وأطاع الذي أطاعك والطا ... عة ليست خلائق الآساد # إنما أضنت والد والأب القا ... طع أحنى من واصل الأولاد # اقتدت الشيء، وملكت قياده، إذا ارتهنت طاعته، والحنو: الانعطاف بالمودة. # فيقول: فيما ذكرته من سعة حلمك، ووصفته من قوة حزمك، وبأمثال ذلك من ضروب ~~فضلك، أحرزت السيادة، واستحققت الرئاسة، واقتدت كل من صعب قياده، وأدركت كل ~~ما بعد مثاله. # ثم قال: وبذلك أطاعك من أهل المنعة والإقدام والقوة، فألزمتهم طاعتك، وإن ~~كانت الطاعة ليست بمعهودة من مثلهم، لأنهم آساد، والآساد تحذر صولتها، ~~ويتعذر انقيادها وطاعتها. # ثم قال: وإنما أنت للأمير أبي القاسم كالوالد المشفق، وكالأب الملطف، ~~والأب وإن أظهر القسوة على ابنه، فهو أشد إشفاقا من الابن، وإن أظهر ~~المبالغة في بره. # لا عدا الشر من بغى لكما الشر ... وخص الفساد أهل الفساد # أنتما ما اتفقتما الجسم والرو ... - ح، فلا احتجتما إلى العواد # وإذا كان في الأنابيب خلف ... وقع الطيش في صدور الصعاد # العواد: الزوار في العلل، والأنابيب: ما ms077 بين كعوب القناة، الواحد: أنبوب، ~~والطيش: اضطراب على غير قصده، والصعاد: جمع صعدة، وهي القناة، وصدورها: ~~أعاليها. # فيقول مشيرا إلى كافور وإلى الأمير أبي القاسم: لا عدا الشر، ولا بعد ~~عنه، ولا فاته ولا تخلص منه، من بغى لكما الشر من حساد نعمتكما، وأعداء ~~دولتكما، وخص بالفساد وأصيب به، ولقيه وعرض له، المتسببين للفساد بجهدهم، ~~الحاملين عليه بمذموم سعيهم. PageV01P113 # ثم قال، وهو يريد أبا القاسم وكافورا: أنتما إذا اتفقت مذاهبكما، والتأمت ~~أموركما، كالجسم والروح، اللذين بالتآمهما تكون الحياة والصحة، وباصطحابهما ~~تحرز السلامة والقوة، فلا احتجتما إلى العواد، الذين إنما يعتادون من شكا ~~العلة، ويفتقدون من عدم الصحة. وأشار بهذه العبارة إلى ما رغبه لهما من حسن ~~المؤالفة، واطراح ما حذره عليهما من الاختلاف والمنافرة. # ثم قال: وإذا كانت أنابيب الرماح مختلفة غير متفقة، ومتظافرة غير ملتئمة، ~~طاشت صدورها في الحرب، وقصرت عند ما تستعمل فيه من الطعن، وكذلك يقول ~~لكافور وأبي القاسم بن الإخشيد: وإن اختلفت اراؤكما، وتنافرت اهواؤكما، أخل ~~ذلك بهيبتكما، وعاد بالفساد على دولتكما. وهذا البيت جمع [وجهين]؛ انه مثل ~~سائر، وعجيب من الإشارة نادر، وكلا الوجهين مقدم في بديع الكلام. # أشمت الخلغ_ف بالشراة عداها ... وشفى رب فارس من إياد # وتولى بني اليزيدي بالبص ... - رة حتى تمزقوا في البلاد # وملوكا كأمس في القرب منا ... وكطسم وأختها في البعاد # الخلف: الاختلاف، والشراة: الخوارج، ورب فارس: كسرى ملكهم، ومن ملك شيئا ~~فهو ربه، وإياد بن نزار: أخو مضر وربيعة ابني نزار بن معد، وكان ولده قد ~~كثر عددهم، وقوي أمرهم، واشتدت على الفرس شوكتهم، ثم اختلف ما بينهم، ~~وقاتلتهم الفرس فظهروا عليهم، وأفنوا عددهم، وبنو اليزيدي: كتاب وثبوا ~~بالبصرة في خلافة المقتدر، فعظم شأنهم، وفخم أمرهم، وكانوا اخوة ثلاثة، ثم ~~شجر ما بينهم فقتل أكبرهم أوسطهم، فكان ذلك سببا لانتقاض أمرهم، وتلف ~~جميعهم، وطسم وأختها جديس: قبيلتان من العرب العاربة، هلكتا في قديم الدهر ~~بحروب جرت بينهم. # فيقول لكافور ولأبي القاسم بن الإخشيد، مرغبا في الائتلاف، ومحذرا من عواقب PageV01P114 ~~الاختلاف: ms078 أشمت الاختلاف بالخوارج المهلب وأصحابه، ففل حدهم، وأباد جمعهم، ~~وأشار إلى الاختلاف الذي وقع بين قطري بن الفجاءة وعبد ربه # ثم قال: وكذلك أوجب الاختلاف على بني اليزيدي بالبصرة فساد دولتهم، وذهاب ~~نعمتهم. # ثم قال: وكذلك أصاب الاختلاف ملوكا يكثر ذكرهم، ويطول عددهم، منهم من هو ~~كأمس في قرب عهده، ودنو أمره، ومنهم أمم سالفة، وقرون ماضية، كطسم وجديس ~~أختها، وجميعهم أهلكهم التخالف، وأبادهم التدابر، فحذر كافورا وأبا القاسم ~~بن الإخشيد من الاختلاف الذي [في] تمزقه زوال الدول، وتغيير النعم، ووعظهما ~~بمن تقدمهما من الملوك الأولين، والرؤساء السالفين. # بكما بت عائذا فيكما من ... ه ومن كيد كل باغ وعاد # وبلبيكما الأصيلين أن تف ... رق صم الرماح بين الجياد # أو يكون الولي أشقى عدو ... بالذي تدخرانه من عتاد # العائذ: المستجير، والضمير في منه راجع إلى الاختلاف، والباغي: معروف، ~~والعادي: الظالم، واللب: العقل، والأصيل: الثاقب، # وصم الرماح: صلابها، والجياد: الخيل الكريمة، والذخر: المال المصون، ~~والعتاد: ما اتخذ للدهر عدة. # فيقول لكافور ولأبي القاسم: بكما أيها الرئيسان، وبما بلوته من سعة ~~حلمكما، وتظاهر فضلكما، بت مستجيرا فيكما من كيد كل من يبغي المكروه لكما، ~~ويتعدى فيما ينقله من النمائم بينكما. # ثم قال: وبلبيكما الأصيلين، وطبعيكما الكريمين، أستجير فيكما من أن تؤول ~~أموركما إلى الحرب التي تفرق فيها صم الرماح بين الخيل، بتطارد الفرسان، ~~وتطاعن الأقران. PageV01P115 # ثم قال: ويكون عند ذلك وليكما أشقى عدو لكما، ما تستعملانه في حربكما مما ~~ذخرتماه من عتادكما، وما تستظهران به من خيلكما وسلاحكما، فبكما وبلبيكما ~~استجير فيكما من هذه الحال ووحشتها، ومكروهها وسوء مغبتها. # هل يسرن بعد ماض ... ما تقول العداة في كل ناد # منع الود الرعاية والسؤ ... دد أن تبلغا إلى الأحقاد # وحقوق ترقق القلب للقل ... ب ولو ضمنت قلوب الجماد # النادي: المجلس يجتمع فيه القوم، والرعاية: المحافظة، والحقد: إضمار ~~العداوة، وجمعه أحقاد، والجماد: ما لا يعقل ولا يحس كالصخور والجبال وما ~~أشبهها، وجعل لها قلوبا على سبيل الاستعارة. # فيقول لكافور ولأبي القاسم: هل يسرن من يبقى ms079 منكما بعد صاحبه إذا فارقه ~~على حال مشهورة من المقاطعة، وسبيل مكشوفة من المقاتلة، ما يقول به الأعداء ~~في كل ناد من الأول التي لم أوجبها الشماتة، وتحمل عليها العداوة؟. # ثم قال: منع الود والرعاية، والكرم والسيادة، من أن تبلغا إلى الضغائن ~~والحقد، وتقدح النميمة فيما بينكما من كرم العهد. # ثم قال: ويمنع من ذلك حقوق ترقق القلوب وتعطفها، وتعدل بها عن القطيعة ~~وتصرفها، ولو ضمنت قلوب الجماد في قسوتها، وكانت على ما هي عليه من غلظها ~~وخشونتها. # فغدا الملك باهرا من رآه ... شاكرا ما أتيتما من سداد # فيه لأيديكما على الظفر الحل ... - ووأيدي قوم على الأكباد # الباهر: الغالب، والسداد: الصواب. # فيقول مخاطبا لكافور وأبي القاسم: فغدا الملك بصلحكما وما أنعم الله به ~~من التئام أمركما، باهرا لمن رآه بحسنه، غائظا لمن حاول أن يكيده ببغيه، ~~شاكرا على ما PageV01P116 ~~آثرتماه من الموادعة، مبتهجا بما احتملتما عليه من المسالمة. # ثم قال: قد تواصلت فيه أيديكما على الظفر والنصر، وتوافقت على مشكور ~~الفعل، وأيدي الساعين بالفساد على أكبادهم، لشدة ألمها، وما أودعها الله ~~باتفاقكما من تغيظها وسقمها. # هذه دولة المكارم والرأ ... فة والمجد والندى والأيادي # كسفت ساعة كما تكسف الشم ... س وعادت ونورها في ازدياد # الدولة: مدة سلطان الملك، والرأفة: الرحمة. # فيقول: وهو يشير إلى الدولة الإخشيدية: هذه دولة الكرم والتراحم والمجد ~~والتعطف، والندى والبذل، والأيادي الجليلة والفضل، فكيف يجوز التقاطع على ~~ولي نعمتها، ويظن الاختلاف برئيسي جملتها؟! # ثم قال: كسفت ساعة بما جرى بين كافور وأبي القاسم من الوحشة، وما أظهراه ~~من الاختلاف والموجدة، ثم ذهب ذلك وانقطع، وعدم وارتفع، وعاد كل واحد منهما ~~لصاحبه بأفضل عهده من مودته، وأنزل به أتم ما كان ينزله من ثقته، فعادت ~~الدولة إلى بهجتها، وراقت بحسنها ونضرتها، كالشمس بأثر الانكساف، لم ينقص ~~ضوءها، ولم يختل نورها، بل زاد ذلك وحسن، وخلص وتمكن. # يزحم الدهر ركنها عن أذاها ... بفتى مارد على المراد # متلف، مخلف، وفي، أبي ... عالم، حازم، شجاع، جواد # الزحام: التضاغط والمدافعة، والركن: الناحية ms080 القوية، والأذى: معروف، ~~والتمرد: شدة الإقدام، وواحد المراد: المارد، والأبي: الظاهر الأنفة. # فيقول مشيرا إلى كافور: يزحم ركن هذه الدولة الدهر على ما تكرهه، ~~ويدافعها عما تحذره، بفتى من كافور، مشهور بالبأس والقوة، معلوم الإقدام ~~والنجدة، يوقع بالمتمردين، ويستعلي مقدرته على المخالفين. PageV01P117 # ثم قال، وهو يريده: متلف لكثير ما يجمعه ببذله، مخلف لذلك لتيقظه وحزمه، ~~أبي لا يعلق الضيم به، عالم بالصواب فيما يعن له، حازم لا بفرط ولا يغفل، ~~شجاع لا يجبن وينكل، جواد لا يضن ويبخل، وهذا التصنيف يعرف بالتقسيم، وهو ~~من بديع الكلام. # أجفل الناس عن طريق أبي المس ... ك وذلت له رقاب العباد # كيف لا يترك الطريق لسيل ... ضيق عن آتيه كل واد # الإجفال: الإسراع في الذهاب، والآتي: ما يسوقه السيل، وهو أيضا الخليج ~~يخرج من النهر. # فيقول: تهيب الناس أبا المسك، فأجفلوا بين يديه مسرعين، وعجزوا عن ~~التعرض، له فأذعنوا بطاعته معلنين، وذلت رقاب العباد لملكه، وسلم الناس ~~أجمعون لأمره. # ثم قال: وكيف لا يعجز الناس عن اعتراض سلطان لا يمانع، وسيل لا يدافع، ~~يضيق كل واد عن كثرة اجتلابه، ويضعف كل قوي عن معارضة عبابه، وكنى بالسيل ~~والطريق عن كافور ومقاصده، فأخبر أنه في غاية القوة، وأنه فيما يبتغيه على ~~نهاية القدرة. PageV01P118 # وقال يمدحه، أنشدها في يوم الخميس لليلتين خلتا من شوال سنة سبع وأربعين ~~وثلاث مائة. # أغالب فيك الشوق والشوق أغلب ... وأعجب من ذا الهجر والوصل أعجب # أما تغلط الأيام في بأن أرى ... بغيضا تنئي، أو حبيبا تقرب # يقول: أغالب فيك الشوق بمحاولة ستره، وأدافعه بالاحتيال على كتمه، فيقوى ~~علي ويغلب، ويستبين في ويظهر، وكذلك الحب لا تخفى شواهده، والشوق لا تستتر ~~دلائله، وأعجب من ذا الهجر واتفاقه لي، ومن هذا الاجتناب واغترائه بي، وما ~~أبغيه من الوصل أبعد وأعجب، وأقل وأغرب؛ لأن سبيل المحبوب أن يضن بوصله، ~~وسبيل المحب أن يمتحن بهجره، هذا هو المشهور الذي لا ينكر، والمعهود الذي ~~[لا] يدفع. # ثم قال: أما تغلط الأيام فتسعدني في البدرة، ويغفل عني ms081 وتسعدني في ~~الفلتة، فيبعد مني البغيض، وتريحني ببعده، وتمكن لي الحبيب وتؤنسني بقربه. ~~يشير إلى أن الأيام مغترية بمنافرته، وأن أحكامها جارية على مخالفته. # ولله سيري ما أقل تئية ... عشية شرقي الحدالي وغرب # عشية أحفى الناس بي من جفونه ... وأهدى الطريقين الذي أتجنب # التئية: الرفق والتمهل، والحدالي وغرب: موضعان معروفان، والحفي بالشيء: ~~اللطيف به، المعتني بأمره. # فيقول على سبيل التعجب من سرعة سيره، والإخبار عن حقيقة أمره: ولله السير ~~الذي سرته، والاستعجال الذي تكلفته، عشية كان مني الحدالي وغرب؛ هذان ~~الموضعان في جهة المشرق، وأنا أنفذ ما أقصد له، ولا أعرج على من أكلف به. ~~وأشار إلى رحيله عن سيف الدولة نحو كافور، وما حذره من الطلب، وما تكلفه من ~~الإسراع والعجل. # ثم قال: عشية أحفى الناس بي، وأشدهم إشفاقا علي من جفوته من أحبتي الذين PageV01P119 ~~تركتهم، ومن تخلفته من آلائي الذين فارقتهم، وأهدى الطريقين إلى ما أقصده، ~~وأقربهما فيما أريده واعتمده، الطريق الذي أتجنبه وأتركه. وثنى الطريقين ~~مشيرا إلى الطريق الذي ركبه، والطريق الذي تجنبه، ودل على أنه خرج فارا ~~بنفسه، وأخفى طريقه الذي سلك بمبلغ جهده. # وكم لظلام الليل عندك من يد ... تخبر أن المانوية تكذب # وقاك ردى الأعداء تسري عليهم ... وزارك فيه ذو الدلال المحجب # المانوية: أصحاب مان الثنوي، وهم الذين يقولون إن الأشياء كلها من النور ~~والظلمة، فالخير كله من النور، والشر كله من الظلمة، وردى الأعداء: الهلاك ~~على أيديهم، والسرى: سير الليل، والدلال: الثقة بقبول العاشق وإظهار التحكم عليه. # فيقول مشيرا إلى ما عاناه من التستر في رحلته، وما حاوله من تكلف سير ~~الليل في وجهته: وكم لظلام الليل عندك؛ يخاطب نفسه، من يد مشكورة لا تكفر، ~~ونعمة مشهورة لا تنكر، تخبر أن أصحاب مان، الذين يقولون إن الشر كله من ~~الظلمة، يكذبون في قولهم، ويفرطون في إفكهم. # ثم قال: وقاك ظلام الليل ردى أعدائك في سراك عليهم، وأيدك فيما استعملته ~~من الاحتيال فيهم، وأظفرك في سالف أمرك بمن أحببته، فزارك مسعدا بوصله، ~~وأسعدك على ms082 ما كنت تلتمسه من قربه، ولولا الليل لما أمكنك ذلك، فنعم الليل ~~عليك كثيرة؛ لأنه أنجاك مرارا، وقرب لك ما تبتغيه وترغبه، وكل هذا يشهد بأن ~~مانيا وأصحابه يخطئون في قولهم، ويدفعون المشاهدة برأيهم. # ويوم كليل العاشقين كمنته ... أراقب فيه الشمس أيان تغرب # وعيني إلى أذني أغر كأنه ... من الليل باق بين عينيه كوكب # له فضلة عن جسمه في إهابه ... تجي على صدر رحيب وتذهب PageV01P120 ~~الكمون: الاستتار، وأيان: كلمة تستعمل بمعنى الاستفهام عن الوقت، والإهاب: ~~الجلد، والرحيب: الواسع # فيقول واصفا لحاله، بعدما قدمه من ذكر سراه في ليله، وهو يشير بذلك إلى ~~جملة ما كان عليه مدة رحلته، من الوجل وشدة الحذر: ويوم كليل العاشقين في ~~استطالتي لمدته، وحرصي على انصرام جملته، كمنته احتمالا على الحزم الذي كنت ~~أؤثره، وتوقعا للطلب الذي كنت أحذره، أراقب الشمس مستبطئا لغروبها، ~~وألاحظها متمنيا لمغيبها. # ثم قال: وعيني إلى أذن الفرس الذي كنت أركبه، ألحظهما متأملا لهما، ~~مقتديا بهما. والفرس يضرب به المثل في صدق حسه، ونفاذ سمعه، وأذناه بتحديده ~~لهما يشهدان بما يشير إليه، ويخبران عما يشرف عليه. # ثم ذكر أن ذلك الفرس كان أغر أدهم، فصرح بغرته، وأشار بتشبيهه له بالليل ~~إلى دهمته، فأبدع في الإشارة، وبلغ الغاية في حسن العبارة. # ثم قال دالا على عتق هذا الفرس: له فضله من إهابه عن جسمه، وتمام لا يخفى ~~من خلقه، فتلك الفضلة تجيء على صدره وتذهب، وتجول لرخاوتها وتضطرب، والفرس ~~إذا كان كذلك سمي رخو اللبان، ودلت هذه الصفة على سرعة جريه، وتمكن عتقه. # شقفت به الظلماء أدني عنانه ... فيطغى وأرخيه مرارا فيلعب # وأصرع أي الوحش قفيته به ... وأنزل عنه مثله حين أركب # قفيت الشيء: إذا تلوته متتبعا له. # فيقول: شققت بهذا الفرس الظلماء واثقا بعتقه، مطمئنا إلى سرعة جريه، أدني ~~عنانه فيطغى بعزة نفسه، وأرتخيه فيلعب مستعملا للمرح في مشيه. # ثم قال: وأصرع ما قفيت به من الوحش، لما هذا الفرس عليه من السرعة، PageV01P121 ~~واقتدر على ذلك بما اجتمع فيه من الكرم ms083 والقوة، وأنزل عنه والبهر لا يلحقه، ~~والكلال لا يدركه، على مثل حاله عند ركوبي له، قد بلغ ما طلبه بعفوه، ~~واستظهر على ذلك بأيسر سعيه. # وما الخيل إلا كالصديق قليلة ... وإن كثرت في عين من لا يجرب # إذا لم تشاهد غير حسن شياتها ... وأعضائها فالحسن عنك مغيب # الشيات: العلامات، واحدها شية. # فيقول: وما الخيل في كثرة عدتها، وقلة ما بقي بما يراد من خبرتها، إلا ~~كالصديق الذي ينتحل لك اسمه أكثر من تأتي عليه معرفتك، ومن تتصل به ~~مشاهدتك، فإذا طالبت حقيقة هذا الاسم، ومن يتقلده، واقفا عند شروطه، صار ~~بيدك عدما لا تدركه، وعزيزا لا تكاد تلحقه. فأشار إلى أن العتيق من الخيل ~~قليل بالجملة، كما أن الصديق من الناس عدم عند الخبرة. # ثم أكد ما قدمه، فقال: إذا لم تشاهد من الخيل غير حسن شياتها وأعضائها، ~~ومناظرها وأجسامها، فحسنها مغيب عنك، وما تراه له بعيد منك، وإنما حسن ~~الخيل في كرم خبرتها، وتأتيها للفرسان وسرعتها. # لحا الله ذي الدنيا مناخا لراكب ... فكل بعيد الهم فيها معذب # ألا ليت شعري هل أقول قصيدة ... فلا أشتكي فيها ولا أتعتب # لحا: بمعنى أبعد، وذي: اسم مبهم يشار به إلى المؤنث، كما يشار به إلى ~~المذكر، والمناخ: موضع النزول، والهم والهمة: ما رمى إليه الإنسان بأمله، ~~والقصيدة من الشعر: معروفة، والتعتب: التسخط. # فيقول: لحا الله هذه الدنيا منزلا لراكب يقطع فيها مسافة عمره، ويتقلب ~~بين خطوبها فيما يحاول من أمره، فما تزال غادرة بأهلها، جائزة في حكمها، ~~تعذب البعيد الهمة بقلة الاستعداد له، وتؤمله لشدة الاغترار به. PageV01P122 # ثم قال: ألا ليت شعري هل أقول قصيدة، وآمالي متمكنة، ورغباتي متأتية، لا ~~أشتكي الدهر ولا أظلمه، ولا أتعتب عليه ولا أجوره. # وبي ما يذود الشعر عني أقله ... ولكن قلبي يا بنة القوم قلب # وأخلاق كافور إذا شئت مدحه ... وإن لم أشأ تملي علي وأكتب # يذود: يدفع ويطرد، وابنة القوم: الأشراف، وأشار بإظهار الاستغناء عن ~~ذكرهم إلى ما قصده من الاستغناء عن ذكرهم إلى ما ms084 قصده من الترفيع بأمرهم، ~~والعرب تفعل ذلك، قال بعض الشعراء من همدان: # فإن خزيما إذ رجا أن يردها ... ويذهب مالي يابنة القوم عالم # والقلب: الحسن التقلب في الأمور. # فيقول مشيرا إلى ما قدمه من تشكي زمانه: وبي من اعتراض الدهر لي بصروفه، ~~واعتماده إياي بخطوبه، ما يذود أقله الشعر ويطرده، ويمنع منه ويشرده، ولكن ~~قلبي قلب لا يهن، وجريء لا يجبن، وأخلاق كافور الملك الذي عولت على قصده، ~~واعتقلت آمالي بفضله، تسهل لي سبيل الشعر، وتنتهج لي طريق المدح، فإن حاولت ~~مدحه، واعترضت عنه، فمكارمه تملي علي فأنا أكتب، ونعمه تتابع عندي وأنا أنظم. # إذا ترك الإنسان أهلا وراءه ... ويمم كافورا فما يتغرب # فتى يملأ الأفعال رأيا وحكمة ... وبادرة أحيان يرضى ويغضب # يمم: بمعنى قصد واعتمد، والبادرة: ما يسبق من حده الرجل. # فيقول: إذا ترك الرجل أهله وبلده، وفارق إلافة ووطنه، ويمم كافورا بقصده، ~~وبادر إليه بنفسه، فما يتغرب برحلته، ولا يستوحش لمن بعد عنه من أحبته. # ثم قال، وهو يريد كافورا: يشمل أفعاله برأيه وحكمته، ويملأها ببادرته ~~وقوته، فينفذها على حسب ما يقصد، ويمضيها بمقدار ما يعتقد، في رضاه وسخطه، PageV01P123 ~~وتقبله وغضبه، لا يرد أمره، ولا يعترض رأيه. # إذا ضربت في الحرب بالسيف كفه ... تبينت أن السيف بالكف يضرب # تزيد عطاياه على اللبث كثرة ... وتلبث أمواه السحاب فتنضب # نضوب الماء: ذهابه. # فيقول: إذا ضربت كف كافور في الحرب بسيفه، وأمده بقوة ساعده، تبينت من ~~سرعة قطعه، وبدا لك من نفاذ فعله، ما تعلم به أن السيف إنما يضرب على حسب ~~الكف التي تمسكه، وينفذ بمقدار قوة الساعد الذي تصرفه. # ثم قال: تزيد عطايا كافور مع لبثها كثرة، وتكتسب بإقامتها قوة؛ لأنه ~~يشفعها بمثلها، ولا يغفل عن مواصلتها وحفظها، وأمواه السحاب إذا لبثت تجف ~~وتنضب، وإذا أقامت تعدم وتذهب، فعطاياه لا تقاومها الغيوث الساجمة، وكفاه ~~لا تساجلها السحاب الهاطلة. # أبا المسك هل في الكأس فضل أناله؟ ... فإني أغني منذ حين وتشرب # وهبت على مقدار كفي زماننا ... ونفسي على مقدار كفيك ms085 تطلب # إذا لم تنط بي ضيعة أو ولاية ... فجودك يكسوني وشغلك يسلب # نطت الشيء بالشيء إذا وصلته به، وعلقته منه. # فيقول لكافور: أبا المسك! قد أطربتك بما أهديت إليك من المدح، وسررتك بما ~~نظمت فيك من الشعر، وصرت في ذلك كله كأني أغنيك وأنت تشرب، وأفرحك وأنت ~~تطرب، فهل في كأس سرورك فضل أناله فأرتاح لنيله، وتخصني به فأسكن إلى مثله؟. # ثم قال: وهبت لي من جزيل عطاياك، وخولتني من كثير حبائك، بما غاية الزمان ~~أن تجود كفاه بمثله، وتسمح للطالب ببذله، فإن كنت بلغت فيما بررتني به إلى ~~المعهود من مواهب الرؤساء، وصلات كرائم الأمراء، فأنت أجلهم رتبة، وأثبتهم PageV01P124 ~~رفعة، ولست أقنع من برك بما يبلغه جهد الزمان، ويتعارف من مآثر الإحسان، ~~وإنما أطلب أن يكون ما تهبه على حسب قدرك، وما تجود به كفاك على ما يحسن بمثلك. # ثم قال: إذا لم تنط بي ضيعة استظهر بعلتها، أو ولاية أتشرف برفعتها، ~~فجودك يكسوني ظاهره، ويقوم بحاجاتي حاصله، وشغلي بمدحك يسلبني تلك الكسوة، ~~ويقلل لدي تلك النعمة؛ لأن معاناتي له تعوقني عن التكسب، وعكوفي عليه ~~يمنعني من التصرف، والمؤن في خلال ذلك مترادفة، وتكاليف الزمان جمة ~~متكاثرة. # يضاحك في ذا العيد كل حبيبه ... حذائي وأبكي من أحب وأندب # أحن إلى أهلي وأهوى لقاءهم ... وأين من المشتاق عنقاء مغرب؟ # فإن لم يكن إلا أبو المسك أوهم ... فأنك أحلى في الفؤاد وأعذب # وكل امرئ يولي الجميل محبب ... وكل مكان ينبت العز طيب # التحنين: شدة الشوق، والعنقاء: طائر غلب التأنيث عليه، لا يوقف على شخصه، ~~والمغرب: الذي يبعد في الطيران، ويضرب المثل بهذا لكل ما عدم فلم يوقف ~~عليه، والفؤاد: القلب. # فيقول مشيرا إلى كافور، وانقطاعه إليه بنفسه، واغترابه عن وطنه وأهله: ~~يضاحك حذائي في هذا العيد كل محب حبيبه، ويزور كل قريب قريبه، وأبكي من أحب ~~وأحزن لبعده، وأندبه وأتأسف على فقده. # ثم قال: أحن إلى أهلي حنين الصب إليهم، وأهوى لقاءهم وأظهر الحرص عليهم، ~~وكيف لي بهم مع شدة الشوق، ms086 واستحكام الصبابة والتوق، وهم كعنقاء مغرب في ~~تعذر قربهم، وعلى مثل سبيلها في انتزاحهم وبعدهم؟! # ثم قال: فإن لم يكن إلا الأهل والوطن، والإلاف والسكن، والانقطاع إلى أبي ~~المسك وأرضه، والتقلب في إكرامه وفضله، فإنك، يريد أبا المسك، ألصق بالنفس PageV01P125 ~~وأقرب، وأحلى في القلب وأعذب. # ثم فسر ما ابهمه، وبين ما قدمه، من إيثاره لأبي المسك على اهله، وما رآه ~~في ذلك من الحظ لنفسه، فقال: وكل امرئ يولي الجميل ويفعله، ويتقدم بالإحسان ~~ويبذله، محبوب لا يختلف في حبه، مألوف لا ينتقل عن مثله، وكل مكان ينبت ~~العز ويكسبه، ويعيد الإكرام ويوجبه، مستطاب لا يرغب عنه، مستعذب لا يرتحل منه. # يريد بك الأعداء ما الله دافع ... وسمر العوالي والحديد المذرب # ودون الذي يبغون ما لو تخلصوا ... إلى الشيب منه عشت والطفل أشيب # العوالي: الرماح، والمذرب: المفرط الحدة. # فيقول: لكافور: يريد بك أعداؤك ما الله يكفيه ويدفعه، ويقيك إياه ويصرفه، ~~وما يمنعك منه عوالي الرماح النافذة، وشفرات السيوف الصارمة. # ثم قال: ودون الذي يبغون من الظهور عليك، والتسرع من المكروه إليك، ما ~~يمنع منه خشونة جتنبك، وكثرة ناصرك، وما لو جاز أن يتخلصوا منه إلى عمر ~~المشيب، وسبق لهم في علم الله أن يستكملوا عمر السباب، لعجل الله الشيب ~~لأطفالهم، لتنصرم مدد آجالهم، ولعيشك الله بعدهم ممتعا بما عودك من النصر، ~~مكنوفا بما تكفل لك به من جميل الصنع. # إذا طلبوا جدواك أعطوا وحكموا ... وإن طلبوا الفضل الذي فيك خيبوا # ولو جاز أن يحووا علاك وهبتها ... ولكن من الأشياء ما ليس يوهب # واظلم أهل الظلم من بات حاسدا ... لمن بات في نعمائه يتقلب # الجدوى: العطاء. # فيقول لكافور: إذا طلب حسادك العطاء منك، فاضت عليهم بحار فضلك، وأمطرتهم ~~سحائب بذلك، فأخذوا من ذلك بحسب بغيتهم، وأدركوا منه غاية PageV01P126 ~~رغبتهم، وإن طلبوا التشبيه بك في فضلك، والمساواة لك في جلالة قدرك، خيبوا ~~مما طلبوه، وعجزوا عن ما حاولوه. # ثم قال: ولو جاز أن يحووا علاك لوهبتها، جاريا على عاداتك، وسمحت بها ~~محتملا على ms087 سجيتك، ولكن من الأشياء ما لا تمكن الهبة في مثله، ولا تبلغ ~~طاقة الإنسان إلى بذله. # ثم قال: وأظلم أهل الظلم وأجورهم، وأحقهم باللوم وأجلهم، من بات حاسدا ~~لحائط جملته، مضطغنا على ولي نعمته، فهو يضمر العداوة لمن يتقلب في فضله، ~~ويتربص الدوائر بمن يأمن المكاره في ظله. # وأنت الذي ربيت ذا الملك مرضعا ... وليس أم سواك ولا أب # وكنت له ليث العرين لشبله ... وما لك إلا الهندواني مخلب # الليث: الأسد، والعرين مأواه، وشبله: ولده، والهندواني: السيف الهندي ~~الصارم. # فيقول لكافور: وأنت الذي ربيت ذا الملك، يريد ملك الإخشيد مولاه، وبنيه ~~من بعده، فحفظته من أول مدته، وفخمته بتمكينك لبنيته، وحرسته بعد الإخشيد، ~~فكنت أباه وأمه، وخطته فكنت عماده وأوصله. # ثم قال: وكنت له ولابن الإخشيد الموسوم به، في ذبك عن حوزته، ومدافعتك عن ~~شبله، وما يبذله في منع عرينه من نفسه، وما لك غير السيف مخلب تصول بحدته، ~~ويحذرك الأعداء لمخالفة سطوته، وكنى بالسيف عن المخلب بعد ما صدر به من ~~تشبيهه بالليث، وهذا باب من البديع يعرف (بالمصافاة). # لقست القنا عنه بنفس كريمة ... إلى الموت في الهيجا من العار تهرب # وقد يترك النفس التي تهابه ... ويخترم النفس التي تتهيب # الهيجاء: الحرب، واخترام المنية لمن يصيبه: نزولها به، وإتلافها له. ~~والتهيب: التوقع. PageV01P127 # فيقول لكافور: لقيت القنا عن ذلك الملك بنفس مقدمة كريمة، جريئة على ~~الأهوال أبية، تهرب في الحرب إلى الموت من العار، وتؤثره على قبح الفرار. # ثم قال: وقد يترك الموت النفس التي لا تهابه وتقدم عليه، ولا تحذره ~~وتتسرع إليه، ويخترم النفس التي تتهيبه بغاية جهدها، وتتحرز منه بأبلغ ~~وسعها، فأشار إلى أن الموت لا يستدفع بالحذر، ولا يفضي إليه بالإقدام على الغرر. # وما عدم اللأقوك بأسا وشدة ... ولكن من لاقوا أشد وأنجب # ثناهم، وبرق البيض صادق ... عليهم، وبرق البيض خلب # البيض: السيوف، والبيض جمع بيضة، وهي التي تحصن الرؤوس بها، وثناهم: ~~ردهم، والخلب من البرق: الذي يومض ولا يمطر. فيقول لكافور: وما عدم أعداؤك ~~الذين هزمتهم، ms088 وأضدادك الذين غلبتهم، من أنفسهم بأسا وشدة، وإقداما وقوة، ~~ولكنهم لاقوا منك من هو أشد وأنجب، وأقوى في الحرب وأنفذ، فعجزوا عنك مع ~~قوتهم، وقصروا عن مقاومتك مع شدتهم. # ثم قال: ثناهم منك وهزمهم، واستولى عليهم وغلبهم، الشجاع الذي لا يجبن، ~~والنجيب الذي لا ينكل، وبرق السيوف في البيض صادق فيهم، ممطر للدماء عليهم، ~~وبرق البيض في السيوف خلب غير ماطرة، وكاذب صادق. فأشار إلى أن السيوف قدت ~~البيض، وأسرعت في المتسترين بها، فصدقت بروقها، وعجزت البيض عن تحصينهم، ~~فلم ينتفعوا ببريقها. # سللت سيوفا علمت كل خاطب ... على كل عود كيف يدعو ويخطب # ويغنيك عما ينسب الناس أنه ... إليك تناهى المكرمات وتنسب # وأي قبيل يستحقك قدره؟ ... معد بن عدنان فداك ويعرب # معد بن عدنان: جد مضر وربيعة، وربيعة أبناء نزار بن عدنان، ويعرب: جد ~~جميع اليمن، وهذان الأصلان إليهما مآل جميع العرب. PageV01P128 # فيقول لكافور: سللت في إقامة الدعوة الإخشيدية سيوفا صارمة، منصورة غالبة، ~~ارتهنت لك مخافتها طاعة أكثر الأمصار، وذللت لك وقائعها رقاب الأحرار، ~~فأذعن الناس لأمرك، وخطب على منابر الآفاق باسمك، فعلمت سيوفك الخطباء ~~بالدعاء لك وجه الكلام، وحملتهم بالترفيع بك على حقيقة الصواب. # ثم قال: ويغنيك عن الشرف بالأنساب العربية، والافتخار بشرف الأولية، أنك ~~أرفع من الشرفاء الأولين، الذين إليهم يرتفع الفخر، وعليهم يقتصر بجميل ~~الذكر، وشاهد ذلك أن المكرمات إليك تتناهى وتنسب، ولديك تبتغي وتطلب. # ثم قال: وأي آباء القبائل يستحقك وهم في الفضائل دونك، وبأيهم يمثلك، وهم ~~أجمعون لا يساوونك، والأصلان اللذان إليهما في العرب مآل القبائل، وبشرفهما ~~يفتخر فيهما جميع العشائر، لو شهداك لفدياك بأنفسهما، ولاستصغرا عند كرمك ~~عظيم كرمهما. # وما طربي رأيتك بدعة ... لقد كنت أرجو أن أراك فأطرب # وتعذلني فيك القوافي وهمتي ... كأني بمدح قبل مدحك مذنب # الطرب: خفة تلحق الإنسان فتكشف ما بنفسه من الفرح والحزن، وهي في الفرح أشهر. # فيقول: وما فرحي بمشاهدة حضرتك، ولإفراطي في السرور بالنظر إلى عزتك، ~~بدعة من الفعل، ولا غريبة من الأمر، فما زلت مستحكم الرجاء ms089 في الفرح، بما ~~ألقاه من برك، ثابت اليقين فيما شملني عند رؤيتك، من إكرامك وفضلك. # ثم قال: تعذلني القوافي التي استعملها في غيرك، وهمتي التي أخرت تصريفها ~~في قصدك، حتى كأني بمدح من مدحته قبلك مذنب لا يلتفت إلى عذره، ومقصر لا ~~يعرج على قوله. # ولكنه طال الطريق ولم أزل ... أفتش عن هذا الكلام وينهب PageV01P129 ~~فشرق حتى ليس للشرق مشرق ... وغرب حتى ليس للغرب مغرب # إذا قلته لم يمتنع من وصوله ... جدار معلى أو خباء مطنب # الجدار: الحائط، والخباء: معروف، وتطنيبه: مد حباله. # فيقول معتذرا مما تقدم له من الأشعار، فيمن مدحه قبل اجتماعه لكافور: ~~ولكن الشقة طالت بيني وبينك، والمدة تراخت في لقائك، والملوك يتنافسون في ~~مدحي لهم، ويحرصون على ترفيعي لهم، ولم أزل قبل لقائي لك أطالب بالشعر، ~~وأفتش عن قوله، واضطر إليه، وأحمل على نظمه؛ فينتهبه الملوك بمبلغ جهدهم، ~~ويختارون منه على مقدار وسعهم. # ثم قال: فسار في الناس باختياري للفظه، وطار الرواة به؛ لإبداعي في نظمه، ~~فشرق حتى بلغ من المشرق أقصى غاياته، وغرب حتى بلغ من الغرب أبعد نهايته، ~~فلم يبق لما بلغه من المشارق مشرق يتقدمه، ولا بقي لما أدركه من المغارب ~~مغرب يؤممه. يريد: أنه أدرك أقصى الطرفين، وبلغ أبعد الغايتين. # ثم قال، وهو يشير إلى شعره: إذا قلته وأرسلته، ورويته واظهرته، لم يمتنع ~~من وصوله جدار معلى في قصر، ولا خباء مطنب في قفر، وأشار بذكر الجدار ~~والخباء إلى أن شعره يرويه البادي والحاضر، ويفضله البعيد والشاهد. PageV01P130 # واتصل به أن قوما نعوه في مجلس سيف الدولة، فقال ولم ينشدها كافورا: # بم التعلل؟ لا أهل ولا وطن ... ولا نديم، ولا كأس، ولا سكن # أريد من زمني ذا أن يبلغني ... ما ليس يبلغه في نفسه الزمن # التعلل: التشاغل، والوطن: موضع الاستقرار والإقامة، والنديم: خليط الرجل ~~الذي يكون محادثه ومشاربه، والكأس: القدح وما فيه من الشراب، وقد يكون ~~القدح خاصة، روى ذلك يعقوب، والسكن: الإلف الذي يسكن إليه. # فيقول مخاطبا لنفسه، ومظهرا للتوجع من حاله: ms090 على أي أمر تقبل وتعول، وبأي ~~شيء تشتغل وتتعلل؟! وأنت بعيد الأهل والوطن، ممتنع من النديم والكأس ~~والسكن، غريب بين قوم لا تشاكلهم، منقطع عن معارفك الذين كنت تألفهم، تؤمل ~~من المطالب ما يصعب امره، وتحاول منها ما لا يعرف مثله. وأشار إلى مطل ~~كافور له بالولاية التي ذكرها، وتغافله عنه في الرتبة التي رجاها وأملها. # ثم قال مشيرا إلى تعذر الزمان في تأخير ما طلبه، ويسقط الملامة عنه في ~~امتناع ما رغبه؛ لجلالة ذلك في نفسه، وما عهد به من قلة إسعاد الزمان على ~~مثله: أريد من زمني هذا أن يبلغني ما أحاوله، ويظفرني فيما أطالبه، بما لا ~~يسمح الزمان به لنفسه، ولا يبلغه مع استعماله لغاية وسعه، فكيف يظهرني على ~~ما يمكنه، ويبلغني إلى ما يدركه؟ وأشار بهذا إلى ارتفاع ما طلب، وجلالة ما ~~حاول ورغب. # لا تلق دهرك إلا غير مكترث ... ما دام يصحب فيه روحك البدن # فما يديم سرور ما سررت به ... ولا يرد عليك الفائت الحزن # الاكتراث: الاهتمام. # فيقول مخاطبا لنفسه، ومظهرا لقلة الأسف، وصابرا غير متوجع: ما دامت ~~الحياة متفقة لك، وأسبابها متصلة بك، فحوادث الدهر لا تمطل، وعوارضه لا ~~تغفل، ومن لم يجعل الصبر جنته، والجلد على صروف الدهر عدته، لم يسلك سبيل ~~رشده، ولا أحسن النظر لنفسه. PageV01P131 # ثم قال مؤكدا لما قدمه، وهو يخاطب نفسه: فما يديم سرور لك ما سرك وأنسك، ~~ولا يرد الحزن عليك ما فاتك وأوحشك، فكلا الأمرين سريع الزوال، وما شهد ~~منهما قريب الانتقال، وما كانت هذه حاله، فالسرور منه لا تكثر الغبطة به، ~~والحزن فيه لا يشتد الأسف له. # ممت أضر بأهل العشق أنهم ... هووا وما عرفوا الدنيا ولا فطنوا # تفنى عيونهم دمعا وأنفسهم ... في إثر كل قبيح وجهه حسن # يقول: مما أضر بأهل العشق فأعماهم عن رشدهم، وزين لهم ما تمسكوا به من ~~أمرهم، وقصرهم على الأسف، ووكلهم إلى الوجد والشغف، أنهم هووا جاهلين ~~بالدنيا وتصرفها، غافلين عن التفطن لتقلبها، فاغتروا بالظواهر، وأعرضوا عن ~~النظر في ms091 العواقب. # ثم قال: تفنى عيونهم بما تذرفه من الدمع، وتذهب أنفسهم بما يتعذب به من ~~الحزن في أثر كل حبيب، قليل الإنصاف والود، قبيح المعتقد والعهد، يهجر من ~~يكلف به ويحبه، ويقطع من يواصله ويوده، وهو مع قبيح هذه الخلائق، ومستكره ~~هذه المذاهب، يروق الأبصار بحسنه، ويغلب على القلوب بدله. # تحملوا حملتكم كل ناجية ... فكل بين علي اليوم مؤتمن # ما في هوادجكم من مهجتي عوض ... إن مت شوقا ولا فيها لها ثمن # الناجية: الناقة السريعة، والبين: الفراق، والهوادج: مراكب مقببة، تتخذ ~~للنساء على الرحال. # فيقول مخاطبا لأحبته، ومظهرا للجلد على بعدهم، وقلة الأسف على فقدهم: ~~تحملوا؛ حملتكم كل ناقة سريعة السير، قوية حثيثة المشي؛ ليكون ذلك أقرب ~~فيما تحاولونه من الرحلة، وتتسرعون إليه من الفرقة، فكل بين علي اليوم ~~مأمون لا تحذر عاقبته، محتقر لا تتوقع عاديته. PageV01P132 # ثم قال: يخاطبهم: ما في هوادجكم من الأحبة الذين أذنتم بنأيهم، وأزمعتم على ~~بعدهم، عوض من مهجتي التي أعرضها التلف؛ لتكلف الشوق إليهم، وأشافه بها ~~الموت؛ بملازمة الحزن عليهم، فليسوا في الحقيقة عوضا من نفسي التي أتوقع ~~هلاكها، ولا بهم ثمن لحياتي التي أخاف هلاكها، والحظ لي في السلو عن حبهم، ~~واستشعار اليأس من قربهم. # يا من نعيت على بعد بمجلسه ... كل بما زعم الناعون مرتهن # كم قد قتلت وكم قد مت عندكم ... ثم انتفضت فزال القبر والكفن # نعي الرجل: الإخبار بموته، والمرتهن بالشيء: الموقوف عليه، المتخذ مقام ~~الرهن عنه. # فيقول، وهو يريد سيف الدولة: يا من نعيت بمجلسه، على بعد داري من داره، ~~وانتزاح محلي عن محله، كل واحد منا مرتهن بما ذكره الناعي له من الموت الذي ~~لا بد منه، ولا محيص لأحد عنه، والشمات في ذلك ساقط، والحرص فيه من ~~المتربصين زائد، والناس في الموت إسوة، وليس بهم على استدفاعه قوة. # ثم قال، وهو يريد سيف الدولة: كم قد مت عندكم وفقدت، واخترمتني المهالك ~~وقتلت، ثم انتفضت فزال الكفن والقبر، وكذب ذلك الخبر والذكر. # قد كان شاهد دفني قبل قولهم ms092 ... جماعة ثم ماتوا قبل من دفنوا # ما كل ما يتمنى المرء يدركه ... تجري الرياح بما لا تشتهي السفن # يقول لسيف الدولة معرضا بتربصه به، وما يعتقده من الضغينة له: قد كان ~~شاهد دفني قبل الذين نعوني عندك، وقطعوا على موتي في مجلسك، جماعة حققوا ~~ذلك وقرروه عندك، ثم مات أولئك المخبرون، وبقيت بعدهم، وسلمت، وأكذب الله ~~قولهم، فهلكوا قبل من دفنوه بزعمهم، وتلفوا وما استضررت بكذبهم. # ثم قال: ما كل ما يتمنى المرء يظفر به، ولا كل ما يرتجيه يتيسر له، فقد تشتهي PageV01P133 ~~السفن ما تجري الرياح بغيره، وتتمنى النفوس ما تنفذ الأقدار بضده، وكذلك ~~أنتم في تربصكم بي، وما تستعجلون من المكروه. وأخبر عن السفن وهو يريد ~~أهلها، كما قال عز وجل: (واسئل القرية) وهو يريد أهلها. # رايتكم لا يصون العرض جاركم ... ولا يدر على مرعاكم اللبن # جزاء كل قريب منكم ملل ... وحظ كل محب منكم ضغن # وتغضبون على من نال رفدكم ... حتى يعاقبه التنغيص والمنن # در اللبن: إذا كثر، والضغن: الحقد، والرفد: العطاء. # فيقول لسيف الدولة: رأيتكم تضيعون جاركم ولا تصونون عرضه، وتهينونه ولا ~~تريدون بره، ورأيت عطاءكم لا تمنى به نعمة، وإحسانكم لا تنتقل به إلى ~~الصلاح حالة، وكنى بقوله: ولا يدر على مرعاكم اللبن عن هذه العبارة؛ لأن ~~المرعى قوة الماشية، واللبن فائدته، والدرور مادته. # ثم قال: جزاء من استقريتموه الملل منكم، وحظ من استخلصتموه الاضطغان ~~عندكم، فليس يخلص أحد من تعتبكم، ولا يبعد عن كراهتكم وتسخطكم. # ثم قال: ويغضبكم الذي ينال رفدكم، ويسخطكم بما يناله من فضلكم، حتى يعاقب ~~ذلك التنغيص والكدر، ويتلوه الامتنان والضجر، فليس تسلم لكم عند أحد نعمة، ~~ولا ترتفع بكم لمؤمل رتبة. # فغادر الهجر ما بيني وبينكم ... يهماء تكذب فيه العين والأذن # تحبو الرواسم من بعد الرسيم بها ... وتسأل الأرض عن أخفافها الثفن # مغادرة الشيء: تركه، والهجر، القطيعة، واليهماء: المفازة البعيدة، وتحبو: ~~تزحف في مشيها لشدة إعيائها، والرواسم: الإبل التي تستعمل الرسيم في مشيها، ~~وهو ضرب من السير، والأخفاف للإبل كالحوافر ms093 للدابة، وهي الفراسن، واحدها ~~فرسن، والثفن: ما يقع من الإبل على الأرض عند بروكها. PageV01P134 # فيقول: فغادر ما آثرته من هجركم، واخترته من الفرار عنكم، ما بيني وبينكم، ~~مفازة مقفرة، بعيدة متنائية، تكذب العين فيها صاحبها لبعد مسافتها، ولا ~~تحقق الأذن فيها ما تسمعه، لكثرة تخيل أصواتها. # ثم قال: تحبو الإبل فيها بعد رسيمها، وتزحف معيية بعد شدة مسيرها، وتسأل ~~ثفانها الأرض عن أخفافها الممتحقة، وينحتها عما تطؤها به من فراسنها ~~الذاهبة المتمحقة. # إني أصاحب حلمي وهو بي كرم ... ولا أصاحب حلمي وهو لي جبن # ولا أقيم على مال أذل به ... ولا ألذ بما عرضي به درن # الدرن: الوسخ. # فيقول: إني أصاحب حلمي إذا كان بي كرما وتجاوزا، وأوثره إذا كان إغضاء ~~وتغافلا، ولا أصاحبه إذا كان عجزا وجبنا، ولا أرتضيه إذا كان ذلة وخورا. # ثم قال: ولا أقيم على مال أذل بكسبه، ولا أغتبط بوفرة لا تقترن لي ~~الكرامة بجمعه، ولا ألذ بما يدنس عرضي ويخلقه، ولا أسر بما يحط من قدري ~~ويضعه، فأشار إلى أن مفارقته لسيف الدولة إنما كانت لتقصيره به، وزواله عنه ~~إنما أوجبه قلة إكرامه له. # سهرت بعد رحيلي وحشة لكم ... ثم استمر مريري وارعوى الوسن # وإن بليت بود مثل ودكم ... فإنني بفراق مثله قمن # السهر: معروف، والمرير: الاعتزام، والوسن: النوم، والقمن بالشيء: الخليق ~~به، يقال: فلان قمن لذلك وقمن وقمين: كل ذلك بمعنى واحد. # فيقول، وهو يريد سيف الدولة، سهرت بعد رحيلي عنكم استيحاشا لبعدكم، ~~وارتمضت توجعا لفقدكم، ثم استمر عزمي على مفارقتكم، ووطنت نفسي على ~~مصارمتكم، وارعوى الوسن فراجع نافرة، واطمأن فعاود شارده. PageV01P135 # ثم قال: وإن بليت بعدكم بود مثل ودكم، ورأي في تكدير الفضل كرأيكم، فإنني ~~قمن بفراق مثل فراقي لكم، واحتمال على مآثرته من قلة التمسك بكم. # أبلى الأجلة مهري عند غيركم ... وبدل العذر بالفسطاط والرسن # عند الهمام أبي المسك الذي غرقت ... في جوده مضر الحمراء واليمن # الأجلة: أغطية الخيل، واحدها جل، وهذا الجمع على سبيل التكثير، يقال: جل ~~وجلال، مثل خف ms094 وخفاف، ثم يجمع جلال على أجلة، كما يجتمع عنان على أعنة، ~~والعذر: جمع عذار، وهو ما يستطيل من اللجام على خد الفرس، والهمام: الرفيع ~~القدر، والفسطاط: واسعة مصر، ومضر الحمراء: يريد مضر بن نزار ومن ولده ~~القبائل، وسميت مضر بالحمراء؛ لأن نزار بن معد لما قسم ماله بين بنيه، أعطى ~~مضر قبة له حمراء، وقال: هذه وما جانسها لك، فسميت مضر بمضر الحمراء بذلك، ~~واليمن كل من ولد يعرب بن قحطان، وهذان الأصلان يشتملان على جمهور العرب. # فيقول مخاطبا لسيف الدولة، ومشيرا إلى استطابته لمصر، واغتباطه بصحبة ~~كافور: أبلى مهري الأجلة بطول المقام عند الأستاذ كافور، الذي تخيرته ~~وانقطعت إليه، وآثرته وعولت عليه، وبذلت بالفسطاط عذره وأرسانه، فبطة ~~بالموضع الذي أصبحت مستقرا به، ولاغبة في الرئيس الذي تتابع شكري له، فلم ~~أهم عنه برحلة، ولا أخلاني من إكرام ونعمة. # ثم قال مشيرا إلى ما قدمه من ذكر إقامته: عند الهمام أبي المسك، الذي ~~تتواضع الملوك عند قدره، وتعترف بالتقصير عند جلالته وفضله، وتغرق مضر ~~واليمن، وهم جمهور العرب في جوده وكرمه. # وإن تأخر عني بعض موعده ... فما تأخر آمالي ولا تهن # هو الوفي ولكني ذكرت له ... مودة فهو يبلوها ويمتحن PageV01P136 ~~فما تأخر آمالي: يريد تتأخر، وحذف التاء وهو يريدها، وأبقى الفعل على حسبه ~~معها، والعرب تفعل ذلك، قال الله عز وجل: (تنزل الملائكة والروح)، فحذف ~~التاء وهو يريدها، # يقول: إن تأخر عني بعض موعد كافور في الولاية التي أرغبها منه، والكرامة ~~التي ضمنتها لنفسي عنه، فما تتأخر آمالي فيه ولا تكذب، ولا تضعف ثقتي به ~~ولا تهن. # ثم قال باسطا لعذر كافور في تأخره عن إنجاز ما تقدم عنده من عدته، وتوقفه ~~عن إسفاف ما بذله إليه من رغبته: هو الوفي الذي لا يرتاب في صدقه، وهو ~~الكريم الذي لا يختلف في فضله، ولكنني مننت إليه بمودة قد شهد جملتها، ~~وخالصة قد تيقن صحتها، وهو مع ذلك يبلوها ويمتحنها، ويتبينها ويختبرها. PageV01P137 # وقال أيضا: # صحب الناس قبلنا ذا الزمانا ... وعناهم من ms095 شأنه ما عنانا # وتولوا بغصة كلهم من ... ه وإن سر بعضهم أحيانا # ربما تحسن الصنيع ليالي ... ه ولكن تكدر الإحسانا # عنى فلان الشيء: إذا شغله وأهمه، والغصة: شجى يعترض في الحلق، ويضرب بذلك ~~المثل في كل ما شق على الإنسان، والصنيع: ما يصنعه الصانع، وهو فعيل بمعنى ~~مفعول، نحو قتيل وجريح. # فيقول: صحب الناس هذا الزمان قبلنا، وخبروه متقدمين لنا، وكلهم عناهم ما ~~عنانا من أمره، ونالهم كالذي نالنا من اختلاف شأنه. # ثم قال: وتولوا كلهم منه بغصة حادثة، وفارقوه بعد مصائب عارضة، وإن سر ~~أحيانا بعضهم، وساعد في الفلتات رأيهم. # ثم قال: وربما أحسنت الصنيع لياليه، وسرت بظواهرها [صاديه]، ولكنها تكدر ~~الإحسان بإساءتها، وتعقب الحلاوة بمرارتها، وتسلب ما تعطيه مرتجعة له، ~~وتأخذ ما تؤتيه غير ممتعة به. # وكأنا لم ترض فينا بريب ال ... دهر حتى أعانه من أعانا # كلما أنبت الزمان قناة ... ركب المرء في القناة سنانا # ومراد النفوس أصغر من أن ... تتعادى فيه وأن تتفانى # يقول: إن من نكد الأيام أنها مجبولة على التنكر لأهلها، والاستحالة على ~~من اغتر بها، وأهلها مع آثارها فيهم، يؤيدون على أنفسهم أمرها، ويمتثلون ~~إلى الإساءة فعلها، فيعينونها على أنفسهم باختلاف مذاهبهم، ويسببون على ~~أنفسهم أسباب المكروه باتصال تكالبهم، فكأنهم لم يقنعوا لأنفسهم بريب الدهر ~~وصروفه، حتى أعانوا ذلك بجهدهم، وأيدوه بمبلغ وسعهم. # ثم قال، مؤكدا لما قدمه: كلما أنبت الزمان للإنسان قناة، يعدها لحربه، ~~ويدخرها PageV01P138 ~~لمطالبة نفسه، أعانه الإنسان على مذهبه، فركب في تلك القناة سنانا يحسن ~~القناة بها للمطاعنة، وتتم بما يقصد إليه من المحاربة. فأشار بالقناة إلى ~~ما يسببه الزمان للإنسان من المكروه، وبالسنان إلى ما يؤكده الإنسان به على ~~نفسه مراد الزمان من سوء صنعه، ومذموم فعله. # ثم قال: ومراد النفس أقل وأصغر، ومدة التمتع به إذا تمكن أحقر وأقصر، من ~~أن تستجاز العداوة من أجله، وتتقلد أسباب التفاني إعجابا بأمره، فمال ~~الإنسان ومتاع الدنيا يقاتل عليه، وهو على عجل منه، وينافس غيه، وهو منقول ~~لا محالة عنه؟! # غير ms096 أن الفتى يلاقي تمنايا ... كالحات ولا يلاقي الهوانا # ولو أن الحياة تبقى لحي ... لعددنا أضلنا الشجعانا # وإذا لم يكن من الموت بد ... فمن العجز أن تكون جبانا # كل ما لم يكن من الصعب في الأن ... فس سهل فيها إذا هو كانا # الكلوح: العبوس. # فيقول: غير أن الفتى الموفق لرشده، العالم بحقيقة أمره، يؤثر لقاء ~~المنايا كالحات لشدتها، مؤيسات عن الحياة بمباشرتها، ولا يلاقي الهوان ~~معترفا به، [ولا] يرتضيه مسلما له. # ثم قال: ولو أن الحياة باقية غير فائتة، ومقيمة غير راحلة، لعددنا ~~الشجعان أضلنا عن القصد، وأجهلنا بطريق الرشد، بتعرضهم للمهالك، وتقحمهم في ~~المخاوف. # ثم قال: ولكن إذا كان الموت لا بد منه، والفناء لا محيص لأحد عنه، فمن ~~العجز أن تجبن عما لا ينجيك منه توقعك، ولا يدفعه عنك إشفاقك وتحرزك. # ثم قال مؤكدا لما ذكره من اطراح التوقع لما لا بد من المصير إليه، وإسقاط ~~التكره لما يتيقن الإنسان أنه قادم عليه: كل ما لم يكن من الصعب المستكره ~~في النفوس، والمخوف بالمتوقع في القلوب، سهل فيها إذا وقع أمره، خفيف عليها إذا PageV01P139 ~~نفذ كربه، وليس يجدي على الإنسان إيثار الخوف، ولا يمنعه من المكروه ~~استعمال التوقع. PageV01P140 # واصطنع كافور شبيب بن جرير العقيلي، ورد إليه عمان والبلقاء وما بينهما من ~~البر والجبال، فعلت منزلته، وزادت مرتبته، واشتدت شوكته، وغزا العرب في ~~مشاتيها بالسماوية وغيرها، واجتمعت العرب إليه، وكثرت حواليه، وسولت له ~~نفسه أخذ دمشق، والعصيان لكافور، فسار إليها في عشرة آلاف، وقاتله أهلها ~~وسلطانها، واستأمن إليه جمهور الجند الذين كانوا بها، وغلقت أبوابها، ~~واعتصموا بالنشاب، فترك بعض أصحابه على أبوابها الثلاثة التي تلي المصلى ~~ليشغلهم [بهم]، ودار هو حتى دخل من الحميرين على القنوات، حتى انتهى إلى ~~باب الجابية، وحال بين الوالي والمدينة ليأخذها. # وكان من تقدم أصحابه، فقيل إن امرأة دلت على رأسه صخرة فقتلته. واختلف ~~الناس في أمره، فلم يصح لأحد كيف قتل؛ لأنه لم يوجد في شيء منه أثر لسهم ~~ولا لغيره، ولا نظر أحد ms097 إلى شيء أصابه سوى اعتناقه الفرس وسقوطه إلى الأرض، ~~فانهزم أصحابه لما رأوا ذلك، فلما بقي وحده مطروحا أخذ رأسه، ووردت الكتائب ~~إلى مصر بخبره، فقال أبو الطيب، وأنشدها يوم السبت، لست خلون من جمادى ~~الأخيرة من سنة ثمان وأربعين وثلاث مائة. # عدوك مذموم بكل لسان ... ولو كان من أعدائك القمران # ولله سر في علاك وإنما ... كلام العدا ضرب من الهذيان # القمران: الشمس والقمر، غلب فيهما أخف الاسمين، وهو المذكر فيهما، كما ~~قالوا: العمران في أبي بكر وعمر، فغلبوا الخف، والهذيان: [كلام] لا حقيقة له. # فيقول مخاطبا لكافور: عدوك مذموم بكل لسان يذكره، مبغض في كل قلب يمتثله، ~~ولو كان القمران من أعدائك مع رفعة شأنيهما، وارتفاع مكانيهما، لنالهما ~~أبلغ الذم، وما اعتمد بجميل الذكر، فكيف يظن بغيرهما ممن يقدم على اعدائك، ~~ويتعرض لمخالفة إرادتك؟! ثم قال: ولله في تأييد علاك سر ينفذه على ما سبق ~~في علمه، ويمضيه بالصنع الجميل لك على ما تقدم من حتمه، وكلام الورى فيما PageV01P141 ~~يقدمونه من خلاف ذلك باطل لا يحفل به، وهذيان لا حقيقة له. # أتلتمس الأعداء بعد الذي رأت ... قيام دليل أو وضوح بيان؟! # رأت كل من ينوي لك الغدر يبتلى ... بغدر حياة أو بغدر زمان # الالتماس: الطلب والمحاولة. # فيقول لكافور: يلتمس من يضمر العداوة لك، ويرتقب من يتربص المكاره بك، ~~دليلا في تأييد الله لأمره، وبيانا فيما يتكفل الله به من إعلانك ونصرك، ~~بعد الذي أظهره في شبيب لما شانك وناصبك، وعصاك وخالفك. # ثم قال: رأت أعداؤك كل من قابل وفاءك بالغدر، وإحسانك بالجحود والكفر، ~~يبتلى بغدر حياته، ومعاجلة حتفه له، وإن تخطاه ذلك، اختلفت أحوال الزمان ~~إليه، وصممت بمكارهها إليه. # برغم شبيب فارق السيف كفه ... وكانا على العلات يصطحبان # كأن رقاب الناس قالت لسيفه: ... رفيقك قيسي وأنت يماني # العلات: العوارض المانعة. # فيقول: برغم شبيب أعجل الله الحتف نفسه، وفارق السيف كفه؛ لما كفر أيها ~~الأستاذ نعمتك، وخلع طاعتك، وكان السيف قبل ذلك ينصره على العلات ولا ~~يخذله، ويعضده فيما يجادله ms098 ولا يسلمه، فلما خالفك أغفل نصرته، ولما فارقك ~~كره صحبته. # ثم قال: كأن رقاب الناس بإفراطه في قطعها، وإسرافه في ضربها، طالبته في ~~نفسه، وتمتمت به إلى سيفه، فذكرته بما بين اليمن وبين قيس عيلان من الإحن ~~القديمة، والترات المشهورة، فقالت له: أنت منسوب إلى اليمن، واليهم تنسب ~~السيوف، وشبيب رفيقك من رؤساء قيس عيلان، فما لك لا تدرك فيه لترتك، وتخذله ~~تعصبا لليمن جماعتك؟! فكأن السيف أصغى إلى تلك التماتم، وطالب شبيبا PageV01P142 ~~بتلك الطوائل، فخذله عند حاجته إليه، وأسلمه مع اعتماده عليه. # فإن يك إنسانا مضى لسبيله ... فإن المنايا غاية الحيوان # وما كان إلا النار في كل موضع ... يثير غبارا في مكان دخان # فنال حياة يشتهيها عدوه ... وموتا يشهي الموت كل حبان # يقول كالمتأسف على شبيب فيما أدركه من الخذلان؛ لمخالفته الأستاذ كافورا ~~مع أسلف إليه من نعمته، وأظهره من إكرامه ورفعته، ولم يمنع أبا الطيب ما ~~استجازه شبيب من معصية كافور، من أن يقول عنده بما خبره من فضله، وجربه من ~~شجاعة نفسه، إيثارا للإنصاف، واحتمالا على حسن الاعتراف، فقال: فإن يك شبيب ~~إنسانا أدركه يومه، وأحاط به حينه، فتتقحم فيما أفضى به إلى الهلكة، وسلبه ~~رفيع المنزلة، فإن المنية التي صار إليها غاية كل حي، لا محيص عنها، ولا ~~مفر لأحد منها. # ثم قال: وما كان شبيب في شجاعة نفسه، وضرامته وبطشه، إلا كالنار التي ~~تتلف ما واجهها، وتهلك ما عارضها، وكان يستدل عليه في غاراته، بما تثير ~~خيوله من الغبار، كما يستدل على النار بما يثيره لهيبها من الدخان. # ثم قال: فنال من الحياة أعزها، وأدرك من المراتب أجلها، ثم مات ميتة ~~كريمة تشهي الموت إلى الجبناء، وتبقي عليك أكرم الثناء. وإنما حسن له ~~الثناء على شبيب مع عصيانه لكافور ممدوحه، ما شرحه من أنه مع رفيع منزلته، ~~لما فارق طاعة كافور، عاجله الله بنقمته. # نفى وقع أطراف الرماح برمحه ... ولم يخش وقع النجم والدبران # ولم يدر أن الموت فوق شواته ... معار جناح محسن الطيران # وقد ms099 قتل الأقران حتى قتلته ... بأضعف قرن، في أذل مكان # وقع الشيء ووقوعه: كون ما يحذر منه، والنجم: الثريا، والدبران: كوكب تتصل PageV01P143 ~~به كواكب تتلو الثريا، وهما من منازل القمر، وليس في جميع المنازل منزلتان ~~تتقارب تقاربهما، وتسمي العرب ما بينهما ضيقة، ويتشاءمون بمواجهتها عندما ~~يعاونونه من أمورهم، ولذلك يقول الأخطل، وهو يهجو سعيد بن بيان التغلبي، ~~وكان تزوج برة بنت أبي هانئ التغلبي، وكان الأخطل يشبب بها فقال: # وكيف يداوي الطبيب من الجوى ... وبرة عند الأعور بن بيان # فهلا زجرت الطير إذ جاء خاطبا ... بضيقة بين النجم والدبران # والشواة: جلدة الرأس، والأقران: الأكفاء في الحرب، الواحد: قرن. # فيقول: إن شبيبا نفى برمحه وقع أطراف رماح أعاديه، واستظهر عليهم، وفتح ~~دمشق التي كانوا تحصنوا منه فيها، ولم يعرج على التطير بالنجم والدبران ثقة ~~بنفسه، وإدلالا بشجاعته وبأسه. # ثم قال: ولم يدر مع ما اتفق له من الغلبة، وتمكن له من الظهور والمقدرة، ~~حين فتحه لدمشق، وملكه لها، وظفره بها، أن الموت قد أوفى على شواة رأسه، ~~ينهض إليه بأسرع سعي، ويطلبه بأبلغ جهده، حتى كأنه طار نحوه لشدة مبادرته، ~~واستعان بجناح يستعمله لقوة مسارعته. # ثم قال، وهو يريد شبيبا، ويخاطب كافورا: وقد قتل الأقران بمبارزته لهم، ~~وإقدامه في الحرب عليهم، حتى قتلته بقوة إقبالك، وسعادة أيامك، بأضعف قرن ~~كفاك أمره، وفي أذل مكان لقي به حتفه، وذلك أن شبيبا لما فتح دمشق، وتغلب ~~على من كان فيها من أصحاب كافور، وقف تحت طاق من طيقانها، وانتشر أصحابه في ~~أقطارها، ثم عاودوه فألفوه صريعا ميتا لا يعرف قاتله. فقيل إن امرأة دلت ~~عليه من الطاق رحى، وقيل إنه أصيب بسهم، وقيل إن السرج ضربه بحركة الفرس ~~الذي كان يركبه، والله أعلم بحقيقة ذلك. وإلى هذا أشار أبو الطيب في قوله: ~~بأضعف قرن في أذل مكان. PageV01P144 # أتته المنايا في طريق خفية ... على كل سمع حوله وعيان # ولو سلكت طرق السلاح لردها ... بطول يمين واتساع جنان # الجنان: روح القلب. # فيقول، وهو يريد شبيبا: أتته ms100 المنايا في طريق خفية مستترة، محجوبة عن ~~الأبصار متغيبة، لا تدرك بسمع ولا بصر، ولا يستدفع ما يريد منها بشدة حذر. # ثم قال: ولو سلكت المنايا إليه طرق السلاح على سبيل القتال والمغالبة، ~~والمعهود من الدفاع والمنازلة؛ لردها عن نفسه بيمين تطول ولا تقصر، وجنان ~~يتسع بالحرب ولا يحصر. # توحده المقدار بين صحابه ... على ثقة من دهره وأمان # وهل ينفع الجيش الكثر التفافه ... على غير منصور وغير معان؟ # ودى ما جنى قبل المبيت بنفسه ... ولم يده بالجامل العكنان # الجامل: القطيع من الجمال، والعكنان: الكثير من ذلك. # فيقول: إن شبيبا، وما قدمناه من شرح قتله، توحده المقدار مصمما نحوه، ~~وساق إليه مستعجلا حتفه، وأصحابه مجتمعون، وأنصاره متوافرون، وثقته مستحكمة ~~بما تمكن له من الغلبة، وهو آمن بما أفضى إليه من الهلكة. # ثم قال: وهل ينفع الجيش الكثير التفافه على أمير لا يأذن الله بنصره، ولا ~~تتراخى الأيام به في سابق علمه. # ثم قال: إنه لم يبت ليلته تلك حتى أدى دية جنايته بتلف نفسه، وعجلت له ~~نقمة عصيانه بمواجهة حتفه، ولم تكن دية ما جناه بالجمال الكثيرة، ولا وقعت ~~على السبيل والمعهود. # أتمسك ما أوليته يد عاقل ... وتمسك في كفرانه بعنان؟ # ويركب ما أركبته من كرامة ... ويركب للعصيان ظهر حصان! PageV01P145 # ثنى يده الإحسان حتى كأنها ... وقد قبضت كانت بغير بنان # الحصان: الذكر من الخيل، وثنى: بمعنى قبض، والبنان: أصابع اليد. # فيقول: وهو يخاطب كافورا، ويشير إلى شبيب: أتمسك يد عاقل كالذي كانت يد ~~شبيب تمسكه، وملكتها إياه بعطاياك وإحسانك، ثم تمسك في كفران ذلك بعنان ~~تصرفه في معصيتك، وتستعمله في مخالفة طاعتك؟ ويركب من الكرامة كالذي ~~أركبته، ويصير منها إلى ما ملكته وخولته، ثم يركب بعد ذلك حصانا يستقل به ~~في عصيانك، ويوديه إلى جحود إحسانك! # ثم قال مخبرا عن شبيب: ثنى يده إحسانك، فلم تجبه إلى قبض عنانه، وتصريف ~~حصانه، حتى كأنها عند قبضت ولا بنان لها، وحاولت مساعدته والخير قد أحاط ~~بها، وهكذا النعمة تحكم لصاحبها، وتسرع بالنقمة إلى ms101 جاحدها. # وعند من اليوم الوفاء لصاحب؟ ... وأوفى من ترى أخوان # قضى الله يا كافور أول ... وليس بقاض أن يرى لك ثاني # يقول: وعند من يوجد في زماننا الوفاء؟ ومن يظن به شكر النعمة؟ ومن يقضى ~~بذلك له؟ وشبيب في هذه الحال، وأرفع من ينسبها إليه، ويقدرها عليه، نظيران ~~متساويان، وأخوان متشابهان، وإذا عدم الوفاء في مثل شبيب فهو معدوم في ~~أبناء سائر الدهر، ومن ينتسب إلى الكرم والفضل. # ثم قال: قضى الله يا كافور أنك أول في أهل الفضل، بل مقدم في المنسوبين ~~إلى المكارم، منفرد بجميل الصنع، وأوحد في جلالة القدر، وليس الله بقاض أن ~~يرى لك ملك ثان يعدلك، ويتلوك في سعادتك ويشبهك. # فما لك تختار القسي وإنما ... عن السعد يرمى دونك الثقلان؟ # وما لك تعنى بالأسنة والقنا ... وجدك طعان بغير سنان؟ # ولم تحمل السيف الطويل نجاده ... وأنت غني عنه بالحدثان PageV01P146 ~~الثقلان: الإنس والجن، والجد: البخت، والنجاد: حمائل السيف، والحدثان: ما ~~يقع من الحوادث في الدهر. # فيقول لكافور: فما لك تختار القسي وتعدها، وتستجدها وتستظهرها، وسعادتك ~~تصريف الثقلين في نصرك، وجميعهم يرمي على حسب رغبتك، فمن عصاك فالله يكفه ~~لوجهه، ومن أطاعك فالله يتكفل بإنجاح سعيه. # ثم قال: وما لك تعنى بالقنا وأسنتها، وتتأهب للمطاعنة ومؤونتها، وجدك ~~يطعن أعداءك بغير سنان تستعمله، ويصرعهم بغير قتال تتمونه. # ثم قال: ولم تحمل السيف مستظهرا بحمله، وتعده متأهبا ليله، وأنت غني بما ~~يصنعه الله لك، ويقربه من السعادة بك، فالحدثان لا يمهل من عند عن طاعتك، ~~وصروف الدهر لا تغفل عمن تعرض لمخالفتك. # أرد لي جميلا: جدت أو لم تجد به ... فإنك ما أحببت في أتاني # لو الفلك الدوار أبغضت سعيه ... لعوقه شيء عن الدوران # الفلك: مدار النجوم. # فيقول لكافور: أرد لي الجميل وإن لم تجد ببذله، واعتقده في وإن لم تبدر ~~إلى فعله، فسعادتك تنفذ إرادتك وأنت غير متعرض لها، والله ينجح مطالبك وإن ~~تكثر العناية بها. # ثم قال: لو الفلك الدوار، مع عظيم شأنه، وارتفاع مكانه، لم يشتمل على ms102 ما ~~قضى الله به من إنجاح مطالبك، وتقريب مآربك، لعوق ذلك القضاء جريه، ولأنفذ ~~الله لك إرادته وعلمه. وهذا الكذب من الشعراء، ومثله قد فهم أهل اللغة ~~القصد فيه، وعلم المراد به، وذلك أن الشاعر إذا أراد أن يوجب بصفة بلوغ ~~غاية ما يمكن، نسب إليه في تلك الجهة ما لا يمكن، فعلم السامع عند ذلك أن ~~الشاعر لم يقصد إلى إحالة لفظه، والإزراء على نفسه، ولكنه قصد إلى استيفاء ~~الغاية، وبلوغ أبعد PageV01P147 ~~أسباب النهاية، وسهلت له الثقة بمعرفة قصده، ما يتقلده من المحال في ظاهر لفظه. PageV01P148 # وقال يمدحه # منى كن لي أن البياض خضاب ... فيخفى بتبييض القرون شباب # ليالي عند البيض فوادي فتنة ... وفخر وذاك الفخر عندي عاب # فكيف أذم اليوم ما كنت أشتهي ... وأدعو بما أشكوه حين أجاب # المنى: جمع منية، وهي ما يتمناه الإنسان، والقرون: ما أشرف من جوانب ~~الرأس، الواحد: قرن، والشباب: حداثة السن، والبيض: حسان النساء، والفودان: ~~ناحيتا الرأس، والفتنة: زيادة في المحبة تغلب على الرأي، والعاب: لغة في العيب. # فيقول: أمان تقدمت فيما أسلفته من العمر، وقطعته أيام الشبيبة من الدهر، ~~حملتها أن يكون البياض خضابا فاستعمله، واكتسابا فأتعرض له؛ لأخفي بذلك من ~~شبابي ما كان يروق ويعجب، وأغير منه ما كان يروع ويفتن. # ثم قال: ليالي كانت فوادي عند حسان النساء، بسواد شعرهما وحسن منظرهما، ~~فتنة يستمال بها ودهن، ووسيلة يرتهن بها حبهن، وفخرا يتنافس فيه، ويحرص ~~جميعهن عليه، وذلك الفخر عندي عيب أتحرج منه، ونقصان أرغب بنفسي عنه. يشير ~~إلى أنه تخلق بأخلاق الكهول في صغره، ولم يؤثر التصابي في شيء من مدة عمره. # ثم قال مشيرا إلى سروره بشيبه، واغتباطه في ذلك بحالة: فكيف أذم الآن من ~~الشيء ما لم أزل أوثره وأرضاه، وأرغبه وأتمناه؟! وكيف أشكو منه عند ~~الإجابة، ما لم أزل داعيا فيه، وأكره ما كنت مظهرا لأشد الحرص عليه؟! # جلا اللون عن لون هدى كل مسلك ... كما انجاب عن ضوء النهار ضباب # وفي الجسم نفس لا تشيب بشيبه ms103 ... ولو أن ما في الوجه منه حراب # لها ظفر إن كل ظفر أعده ... وناب إذا لم يبق في الفم ناب # يغير مني الدهر ما شاء غيرها ... وأبلغ أقصى العمر وهي كعاب # جلا: بمعنى كشف، والمسلك: الطريق، وانجاب: بمعنى ارتفع، والضباب: ندى PageV01P149 ~~كالغمام، والناب: السن الذي تلي الرباعية إلى داخل الفم، والكعاب: الجارية ~~التي قد نتأ صدرها. # فيقول: جلا لون شعري الشباب، الذي هو سواده، عن لون من المشيب، أبان كل ~~مسلك من الرشد، وهدى إلى كل مطلب من الحق، وأنقذ من غواية الحداثة، وبصر من ~~جهالة الغرارة، وكان كالضباب الذي ينجاب عن وضح النهار، وينكشف فيبدو ضياؤه ~~للأبصار. # وفي الجسم مني نفس كريمة، صابرة على ريب الخطوب، جليدة لا تشيب بشيب ~~الجسم المتضمن لها، ولا تهرم بهرم الشخص المستقل بها، ولو أن ما في الوجه ~~من شيبة حراب تنكته، وأسنة تطعنه. # ثم قال مشيرا إلى نفسه: لها ظفر إذا فني الظفر المستعز به، وناب من الجلد ~~إذا فني ناب الفم المتفجع له، فأنا اعتاض بها مما يغلبني عليه الدهر، وأصبر ~~بكرمها على ما يتعذر عليه الصبر. # ثم قال: يغير مني الدهر ما شاء بتصرفه، ويبلي ما انصرم عليه بتقلبه ~~غيرها، فإنه لا يبلي جدتها، ولا يضعف جلادتها وقوتها، وأيام الدهر تنصرم ~~وهي كعاب مقتبلة، ومدة تفنى وهي على أخلاق الشباب محتملة. # وإني لنجم يهتدي صحبتي به ... إذا حال من دون النجوم سحاب # غني عن الأوطان لا يستخفني ... إلى بلد سافرت عنه إياب # وعن ذملان العيس إن سامحت به ... وإلا ففي أكوارهن عقاب # الصحبة والأصحاب والصحابة والصحاب: كل ذلك بمعنى، والوطن: محل الإنسان ~~وموضع مستقره، والإياب: الرجوع، والذملان: ضرب من عدو الإبل، والعيس: جمال ~~يغلب على ألوانهن البياض، والأكوار الرحال، واحدها كور. # فيقول: وإني في علو القدر، وبيان التقدم والفضل، لكالنجم أهدي صحبتي إلى PageV01P150 ~~مطالبهم، وأنهج سبل مذاهبهم، إذا خفي عنهم ما يحاولونه، وعمي عليهم ما ~~يقصدونه، وكانوا كمن يهتدي بالنجوم فتستتر عنه، ويعول عليها فتمتنع بالسحاب منه. # ثم قال: إنه ms104 غني عن وطنه إذا فارقه بالبلد الذي يصير فيه، وعن مستقره ~~بالموضع الذي يقدم عليه؛ لأنه شريف الخصال، مشهور الحال، فحيث حل فهو جليل ~~القدر، وحيث كان فهو رفيع الذكر، فليس يستخفه مع ذلك رجوع إلى بلد يخرج ~~عنه، ولا يلحقه أسف على موضع ينتقل منه. # ثم قال مشيرا إلى جلادته، ومخبرا عن نفاذه وصرامته: وأستغني عن ذملان ~~العيس في سيرها، ولا أفتقر إليه في حين رحيلها، فإذا سامحت بذلك فإنما ~~أتقبله دون حاجة، وأعدل إليه عن غير ضرورة، ولو تعوقت علي لكان مني في ~~أكوارها عقاب، لا يبعد عليه مكان يقصده، ولا يفتقر إلى الإبل في شيء مما ~~يعتمده. يريد أنه غني عن ركوب الإبل بقوة جسمه، مساجل للعقاب في طيرانها ~~بسرعة سيره. # وأصدى فلا لأبدي إلى الماء حاجة ... وللشمس فوق اليعملات لعاب # وللسر مني موضع لا يناله ... نديم ولا يفضي إليه شراب # ولخود مني ساعة ثم بيننا ... فلاة إلى غير اللقاء تجاب # الصدى: العطش، واليعملات: النوق المعتملة في السير، الواحدة يعملة، ولعاب ~~الشمس: السراب، والنديم: الشريب، والخود: الجارية الشابة، وتجاب: تقطع. # فيقول: وأعطش في الهواجر الحامية، والقفار البعيدة النائية، فلا أبدي إلى ~~الماء حاجة، ولا أظهر إليه ضرورة، وللشمس فوق اليعملات، بشدة حرها، وتأجج ~~نارها، لعاب من السراب، وما يتخيل منه للأبصار. # ثم قال: وللسر مني، بصيانتي له، وضنانتي به، موضع لا يناله نديم أشركه فيه، PageV01P151 ~~ولا جليس أطلعه عليه، ولا يصل إليه شراب يغلبني عن حفظه، ويخرجني عما ~~أستبصر فيه من كتمه. # ثم قال: وللخوذ مني ساعة ألهو فيها بحسنها، وأعذل إلى مؤانستها ووصلها، ~~ثم أعقب برحلة تفصل بيني وبينها، بفلوات متنائية، وقفارات متباعدة، لا ~~تتكلف مشقتها على سبيل المراجعة، ولا تحمل مئونتها على نية المعاودة، وإنما ~~تقطع إلى فرقة لا يتصل اللقاء بها، ورحلة لا تقرب الأوبة عن المعترض لها. # وما العشق إلا غرة وطماعة ... يعرض قلب نفسه فيصاب # وغير فؤادي للغواني رمية ... وغير بناني للرخاخ ركاب # الغرة: الغفلة، والطماعة والطمع: بمعنى واحد، والفؤاد: القلب، والغواني: ms105 ~~الشواب من النساء اللواتي غنين بأزواجهن، والبنان: أصابع اليدين، والرخاخ: ~~رخاخ الشطرنج، واحدها: رخ. # فيقول: وما العشق إلا غرة على غير تبين، وطمع على غير تأمل، يعرض القلب ~~نفسه للحب فيصيبه برمية، ويمكنه منها فيتملكه بحكمه، ولو نظر بعين الحقيقة ~~لما عمي عن رشده، ولو ملك طريق الصواب لما غلب أباطيل الحب على نفسه. # ثم قال: وغير فؤادي للغواني رمية ترشقه بنبال لحظها، وتفتنه ببدائع ~~حسنها، وغير بناني للرخاخ ركاب تألفها، وآلات تستعملها وتصرفها؛ لأني قد ~~شغلت نفسي بالجد فلا أعدل إلى الهزل، وبالحق فلا أعرج على شيء من اللهو. # تركنا لأطراف القنا كل شهوة ... فليس إلا بهن لعاب # تصرفه للطعن فوق حواذر ... قد انقصفت فيهن منه كعاب # اللعاب: مصدر بمعنى اللعب، والحواذر: ذوات التوقع والحذر، وأشار إلى ~~الخيل، والانقصاف: الانكسار، والكعاب: جمع كعب، وهي العقدة الناشزة بين ~~الأنابيب. # فيقول: تركنا لأطراف الرماح وتصريفها عند مطاردة الفرسان، وإعمالها عند PageV01P152 ~~مجاوزة الأقران، كل راحة وشهوة، وكل إرادة وردة، فليس لنا إلا بهن لعب ~~نستعمله، ولا عمل بغيرهن نقبل عليه ونحاوله. # ثم قال، وهو يشير إلى القنا، وذكر لأنه قصد إلى النوع: نصرفه للطعن فوق ~~خيل حواذر للإصابة بالطعن، معتادة للاقتحام على الحرب، قد انقصفت فيهن كعوب ~~الرماح بتغاور الفرسان لها، وأصابتهن الكلوم الموجعة لتصادم الأقران بها، ~~فهي تحذرها عن خبرة، وتتوقعها عن اعتياد وتجربة. # أعز مكان في الدنى سرج سابح ... وخير جليس في الزمان كتاب # وبحر أبو المسك الخضم الذي له ... على كل بحر زخرة وعباب # تجاوز قدر المدح حتى كأنه ... بأحسن ما يثنى عليه يعاب # الدنى: جمع دنيا، وجمع لأنه جعل كل جهة من جهات الدنيا على حالها، ~~والسابح: الفرس الذي يمد يديه في الجري، والخضم: السيد الجواد، والزخرة: ~~المد والزيادة، والعباب: الارتفاع والكثرة. # فيقول: أعز مكان في جهات الدنيا سرج فرس سابح، كريم سابق، يخترم من ~~الأعداء بمنعته، ويدرك ما يحاول عليه بسرعته، # وخير جليس في الزمان كتاب يمتعك ولا يملك، ويؤنسك ولا يضرك، يريك عقول ~~الأولين، ويؤثر لك ms106 أحوال السالفين، دون مؤونة تتحملها، وبغير مشقة تتكلفها. # ثم عطف الكلام على قوله: وخير جليس، فقال: وبحر، يريد: وخير بحر أبو ~~المسك الذي يربي على السحاب جوده، وعلى البحار فضله، فله على كل بحر زخرة، ~~تزيد على مدة وعبابه، يصغر البحر عند جلالة قدره. # ثم قال: تجاوز قدر المدح بما أظهره من الفضل، وأعيا جهده بما أبداه من ~~السماحة والبذل، فصار المطري له بتقصيره عن وصفه، وعجز مقدرته عما يلزمه من ~~مدحه، كأنه يعيبه بأحسن ذلك غير قاصد، ويبخسه ما يجب له في PageV01P153 ~~المدح غير عامد. # وغالبه الأعداء ثم عنوا له ... كما غالبت بيض السيوف رقاب # وأكثر ما تلقى أبا المسك بذلة ... إذا لم يكن إلا الحديد ثياب # غالبت الرجل: إذا حاولت أن تغلبه، والعنو: الخضوع، والبذلة: اطراح ~~التصاون. # فيقول، وهو يريد كافورا: وغالبه الأعداء مختبرين لمقدار قوته، ودافعوه ~~جاهلين بمبلغ قدرته، ثم عنوا له مسلمين لأمره، وتذللوا راضين بحكمه، فكانوا ~~في مغالبتهم إياه كالرقاب التي تغالب السيوف فتقطعها، وتعارضها فتفريها ~~وتفصلها، وإلى مثل ذلك كان مآل أعدائه في مغالبتهم له، ومصيرهم في تفرسهم به. # ثم قال: وأكثر ما تلقى أبا المسك ابتذالا لنفسه، واطراحا للترفع عن ~~مباشرة أمره، إذا لم يكن ثيابا إلا الدروع السابغة، وجنن الحديد الشاملة، ~~يشير إلى مباشرة الحرب والإقدام على الطعن الضرب. # وأوسع ما تلقاه صدرا وخلفه ... رماء وطعن والأمام ضراب # وأنفذ ما تلقاه حكما إذا قضى ... قضاء ملوك الأرض منه غضاب # يقود إليه طاعة الناس فضله ... ولو لم يقدها نائل وعقاب # الرماء: مصدر المراماة، يقال: رامى الرجل يرامي رماء، وكذلك الضراب مصدر ~~المضاربة، والنائل: العطاء، والعقاب: مصدر المعاقبة. # فيقول: وهو يريد كافورا: وأوسع ما تلقاه صدرا، وأطيب ما تراه خلقا ونفسا، ~~إذا توسط الوقائع وباشرها، واقتحم على الملاحم وواجهها، فخلف وراءه ~~المراماة والطعن برغبته بنفسه عنهما، وأقدم أمامه على الجلاد والضرب لأخذه ~~بأوفر الحظوظ منهما. # ثم قال: وأنفذ ما تلقى حكمه، وأمضى ما تشاهد أمره، إذا قضى قضاء يقصر به ~~ملوك الأرض ويقهرهم، ويضطرهم ms107 إلى التسليم له ويغضبهم، فذلك القضاء أمضى PageV01P154 ~~أقضيته؛ لما صرف إليه من همته، وذلك الأمر أنفذ أوامره، لما يستعمل فيه من قوته. # ثم قال: يقود إليه طاعة الناس ما يعترفون به من فضله، ويرتهنها له ما ~~يظهره من إنصافه وعدله، فلو لم يطعه الناس طمعا في جزيل عطائه، لأطاعوه ~~علما منهم بفضله، ولسلموا له رضى من جميعهم بحكمه. # أيا أسدا في جسمه روح ضيغم ... وكم أسد أرواحهن كلاب # ويا آخذا من دهره حق نفسه ... ومثلك يعطى حقه ويهاب # الأسد: مغروف، والضيغم من صفاته؛ وهو الكثير العض، ويهاب: يعظم. # فيقول لكافور: يا من ظاهره ظاهر الأسد في إقدامه وشدته، وصرامته وقوته، ~~وروحه روح أسد صائل فيما طبع عليه من العزة، وما في جبلته من ارتفاع الهمة، ~~ورب من الملوك في ظاهر هيئتها، وشدة قوتها، وأنفسها أنفس كلاب في رقتها ~~ودناءتها، ولؤمها وجهالتها. # ثم قال يخاطبه: ويا آخذا من الدهر حق نفسه، ومتقدما في إنفاذه غير متأخر، ~~ومثلك يهاب فلا يمطل بحقه، ويتوقع فلا يعارض في إنفاذ أمره. # لنا عند هذا الدهر حق يلطه ... وقد قل إعتاب وطال عتاب # وقد تحدث الأيام عندك شيمة ... وتنعمر الأوقات وهي يباب # ولا ملك إلا أنت والملك فضلة ... كأنك سيف فيه وهو قراب # اللط: اللزوق بالشيء، والإعتاب: الإرضاء، والعتاب: السخط والشيمة: ~~والطبيعة، واليباب: القفر الموحش، والقراب: غمد السيف. # فيقول لكافور: لنا عند هذا الدهر حق يلطه ويمسكه، ويستأثر به ويحسبه، وقد ~~قل إعتابه لنا مما نكره، وإعفاؤه إيانا مما نكرهه، وطال عتابنا في ذلك ~~وتسخطنا، وتشكينا منه وتظلمنا. PageV01P155 # ثم قال يخاطبه: وقد تحدث الأيام عندك شيمة في الإسعاف مشكورة، وتكتسبه حالا ~~في الإحسان مأمولة، وتنغمر بسعادتك الأوقات بعد إقفارها ووحشتها، وتأنس بعد ~~تباعدها وتغربها. يريد أن الزمان في جنبة كافور يطيب لأهله، ويعود الله فيه ~~على ذوي المطالب بفضله، ويقرب عليهم من الزمان ما بعد، ويلين لهم من ~~اختلافه ما استوعر وخشن. # ثم قال يخاطبه: ولا أملك إلا أنت، والملك فضلة بعدك، يريد: أنه يعظم ~~الملك ms108 بنفسه، ويرفع شأنه بجلالة قدره، والملك بعده وآلاته فضول لا يحفل ~~بمثلها، وزيادات لا تدعو حاجة إلى ذكرها، كأنك سيف فيه، وهو قراب يتخذ ~~لصونك، وآلة تستعمل لحفظك، فالملك مضاف إليك، والفضائل فيه مقصورة عليك. # أرى لي بقربي منك عينا قريرة ... وإن قربا بالبعاد يشاب # وهل نافعي أن ترفع الحجب بيننا ... ودون الذي أملت منك حجاب؟! # العين القريرة: الساكنة بنظرها إلى ما تستحسن، والشوب: الخلط. # فيقول لكافور: أرى لنفسي باستقرابك لي، وما تظهره من الأنس بي، عينا ~~قريرة بحسن رأيك، مسرورة اعتنائك، وإن كان ذلك الاستقراب مشوبا بالبعد عنك، ~~منغصا بما احرمه منك. # ثم فسر ما ذكره فقال: وهل ينفعني الوصول إلى حضرتك، وارتفاع حجابك لي، ~~بما تظهره لي من خاصتك، إذا كان دون ما أؤمله منك، حجب مانعة، واعترضت لي ~~فيما أسألك إياه عوائق ظاهرة، فما الغبطة ببر لا ثمرة له، وإكرام لا يتصل ~~الإسعاف به؟! # أقل سلامي حب ما خف عنكم ... وأسكت كيما لا يكون جواب # وفي النفس حاجات وفيك فطانة ... سكوتي بيان عندها وخطاب # وما أنا بالباغي على الحب رشوة ... ضعيف هوى يبغى عليه ثواب PageV01P156 ~~الفطنة والفطانة: صدق الظن، وحسن المعرفة، والرشوة: العطاء يتقرب به طالب ~~الحاجة، والثواب: الجزاء الجميل. # فيقول لكافور: اختصر السلام عليك مؤثرا للتخفيف عنك، والتزم السكوت لكيما ~~لا أمونك باقتضاء جواب منك، واستعمل فيما بيني وبينك أفضل الأدب، وأرغب ~~بنفسي عن مواجهتك بالطلب. # ثم قال: وفي نفسي حاجات لي قد أخرت قضاءها، وفيك فطانة لا غاية وراءها، ~~وضرورتي فيما أرغبه إلى المسألة، وما أنت عليه مع ذلك من ثاقب المعرفة، ~~بيان لا إضمار فيه، وخطاب لا خفاء عليه. يشير إلى الولاية والإقطاع اللذين ~~قدم المسألة فيهما، وتأخر عنه كافور بما رغبه منهما. # ثم قال مشيرا إلى كافور: وما أجعل ما ابتغيه منك جزاء عن محبتي، ولا أسأل ~~ذلك رشوة على موالاتي وطاعتي، فالحب الذي يقصد به الثواب ضعيف في نفسه، ~~والود الذي تبغي عليه الرشوة لا يغتر بمثله، ولكنني أرغب أن يكون تشرفي ms109 بك ~~بحسب ما اعتقده من التأمل لك. # وما شئت إلا أن أدل عواذلي ... على أن رأيي في هواك صواب # وأعلم قوما خالفوني، فشرقوا ... وغربت: أني قد ظفرت وخابوا # يقول: وما أردت فيما رغبته، ولا حاولت فيما سألته، إلا أن أدل عواذلي على ~~قصدك، والمخالفين لي في الرحلة إلى أرضك، على أن رأيي في ذلك صواب لا تدفع ~~صحته، ونجاح لا تمطل غبطته. # ثم قال: ولأعلم قوما خالفوني فيما أظهرته من التأميل لك، ونافروني فيما ~~أنزلته من الثقة بك، فشرقوا راغبين عنك، وغربت راجيا في أن آخذ بحظي منك: ~~أني قد ظفرت بما أملته، وخابوا مما وصلت إليه وأدركته. # جرى الخلف إلا فيك أنك واحد ... وأنك ليث والملوك ذئاب PageV01P157 ~~وأنك إن قويست صحف قارئ ... ذئابا ولم يخطئ فقال ذباب # وإن مديح الناس حق وباطل ... ومدحك حق ليس فيه كذاب # الخلف: الخلاف، تقول العرب: أبيعك هذا الغلام وأبرأ إليك من خلفة فيه، ~~يريدون: مخالفة، والليث: الأسد، والمقايسة: الموازنة والمماثلة، والذئاب: ~~سباع معروفة، والتصحيف: قراءة الشيء على غير حقيقته، والكذاب: لغة في ~~الكذب، يقال: كذاب وكذاب وكذب، كل ذلك بمعنى. # فيقول لكافور: جرى الخلاف بين الناس في تعظيم الملوك وتفضيلهم والترفيع ~~بهم، ولا خلاف في أنك بينهم الأعظم، وزعيمهم الأفضل، وأنهم معك كالذباب مع ~~الأسد، والأتباع مع الملك، يصغرون عنك، وتجل فيهم، ويتواضعون لك، وتقدر ~~عليهم، وإنك إن قويست بهم على حقيقة المقايسة، وسبيل الإنصاف في الموازنة، ~~فإنهم يصغرون عن أن يكون محلهم منك محل الذئاب من الأسد، بل يصحف القارئ ~~الذئاب فيقول ذباب فلا يخطئ مع تصحيفه، ولا يفارق الصواب مع تبديله، وقد ~~يعلم أن زيارتك عليهم أكثر من زيادة الأسد على الذئاب في قوة الأسر، وفوتك ~~لهم أبين من فوت الأسد للذئاب في جملة الأمر. # ثم قال: ومن المعروف الذي لا خلاف فيه، أم ما يمدح الناس به يكون فيه ~~الصدق والكذب، والحق والباطل، ومدحك وإن استعمل فيه المادح جهده، واستنفذ ~~وسعه، صدق ولا طريق للكذب فيه، وحق لا سبيل للباطل ms110 عليه. # إذا نلت منك الود فالمال هين ... وكل الذي فوق التراب تراب # وما كنت لولا أنت إلا مهاجرا ... له كل يوم بلجة وصحاب # ولكنك الدنيا إلي حبيبة ... فما عنك لي إلا إليك ذهاب # المهاجر: الذي يهجر بلده وينتقل إلى غيره، والصحاب: كثير جمع صاحب، يقال: ~~صاحب وصحب، ثم يجمع على صحاب، كما يقال: راكب وركب، ثم يجمع ركب PageV01P158 ~~على ركاب. # فيقول لكافور: إذا نلت رضاك ومودتك، ووافقت مرادك ومسرتك، فالمال قليل في ~~جنب هذه الرفعة، وما استفيد منه حقير عند هذه الأثرة، وجميع ما على الأرض ~~بالإضافة إلى ذلك كالتراب الذي لا يحفل بأمره، ولا يعرج على الاستكثار من جمعه. # ثم قال يخاطبه: وما كنت لولا سروري بقربك، وما تتابعه عندي من إحسانك ~~وفضلك، إلا مهاجرا لا أستوطن بلدة، ومسافرا لا أعدم رحلة، أستجد كل يوم ~~سفرة، وأحدث بقوم معرفة وصحبة. # ثم قال: ولكنك عندي كالدنيا التي طبعت القلوب على حبها، وجبلت على شدة ~~الإعجاب بها، فما لي معول إلا عليك، ولا أعتقد ذهابا عنك إلا إليك. PageV01P159 # نالت أبا الطيب بمصر حمى، كانت تغشاه إذا أقبل الليل، وتنصرف عنه إذا أقبل ~~النهار بعرق شديدة، فقال في ذلك في ذي الحجة سنة ثمان وأربعين وثلاث مائة: # ملومكما يجل عن الملام ... ووقع فعاله فوق الكلام # ذراني والفلاة بلا دليل ... ووجهي والهجير بلا لثام # فإني أستريح بذي وهذا ... وأتعب بالإناخة والمقام # وقع الفعل: كونه وتأثيره، والفلاة: الأرض المقفرة، والهجير: حر نصف ~~النهار، واللثام: القناع الذي يقع على الأنف فيستر ما تحته من الوجه، ~~والإناخة: تعريض الإبل للبروك، والمقام والإقامة: بمعنى واحد. # فيقول لصاحبيه اللذين أنكرا عليه مراده في فراق كافور، والخروج عن مصر: ~~فأنتما أيها العاذلان! لا تلومان مني ما يجل عن الملام، وتعذلان من يرتفع ~~عن العذل، ومن يصدق قوله بما يفعله، وتزيد خبره على ما يذكره. # ثم قال يخاطبهما: ذراني وركوب الفلاة دون دليل استرشده، ومواجهة الهجير ~~دون لثام استعمله، فإني غني عن الدليل لقوتي على اختراق القفر، وعن اللثام ~~لجلدي ms111 على البرد والحر، # ثم أكد ما وصف به نفسه من الشدة، وما هو عليه من النفاذ والقوة، فقال: ~~فإني أستريح بذي، يريد: الفلاة، وهذا، يريد: الهجير، وأتعب بالسكون ~~والإناخة، وآلم للقرار والإقامة. يشير إلى أنه اعتاد الأسفار، فهو يستريح ~~بها، ولم يعرف الإقامة، فهو يستوحش لها. # عيون رواحلي إن حرت عيني ... وكل بغام رازحة بغامي # فقد أرد المياه بغير هاد ... سوى عدي لها برق الغمام # الحائر: الذي لا يهتدي لسبيله، وبغام الناقة: صوتها عند الإعياء، والرازح ~~من الإبل: الذي قد بالغه الكلال، وعده برق الغمام: إشارة إلى ما كانت العرب ~~تفعله، وذلك أنهم كانوا يشيمون البرق، فإذا لمعت سبعون برقة انتقلوا ولم ~~يبعثوا رائدا PageV01P160 ~~لثقتهم بالماء. # فيقول: إنه على مقدرة من الرحلة في القفار النائية، وقوة على التصرف في ~~المهامه الشاسعة، دون ركاب تحمله، وبغير إبل تنقله، لإدلاله بشدته، ونفاذه ~~في الفلوات بمعرفته، فإن حار عند ذلك، فعيون رواحله عينه، وإن أعيي فصوت ~~ركائبه صوته. يشير إلى أنه لا يستعين بالركاب، ولا يفتقر إلى الأصحاب. # ثم أكد ما قدمه فقال: فقد أرد المياه في تلك القفار منقطعا إلى الوحدة، ~~معولا على ما استند إليه من النفاذ والقوة، لا استعين بهاد استرشده، ولا ~~أعول على دليل أقلده، غير البرق الذي أهتدي بلمعانه، وأعرف مواقعه بتتابع ~~خفقانه، يشير إلى أنه من ملازمة الفلوات على مادة متقدمة، ومن الخبرة بها ~~على معرفة متمكنة. # يذم لمهجتي ربي وسيفي ... إذا احتاج الوحيد إلى الذمام # ولا أمسي لأهل البخل ضيفا ... وليس قرى سوى مخ النعام # الذمام: العهد، ومخ النعام: مثل ضربه للعدم؛ لأن النعام لا يكاد يوجد له ~~مخ في عظامها، وإنما هي جوف لا مخ لها، ولذلك لا ينجبر ما انكسر منها. # فيقول: أنه لا يحتاج إلى دمام يمتنع به، ولا إلى جوار ينعقد له، وإنما ~~يذم له ربه بفضله، [ويجيره] سيفه بحده، فهو كثير بنفسه، يمتنع بقوته وبأسه، ~~إذا كان الوحيد ممن سواه مفتقرا إلى ذمام يحفظه، ومحتاجا إلى مجير يمنعه. # ثم قال: ولا ms112 أرضى أن أوجد ضيفا للبخلاء، معولا فيما أحاوله على الأدنياء، ~~يوهمون أنهم ينالونني برفدهم، ويستميلونني بفضلهم، وقراهم لي مخ النعام، ~~الذي هو عدم لا يوجد، ومسمى لا يعهد، وإنما أشار إلى تبخيل كافور وذمته، ~~وإلى استقلال ما صار إليه من عنده. # ولما صار ود الناس خبا ... جزيت على ابتسام بابتسام # وصرت أشك فيمن أصطفيه ... لعلمي أنه بعض الأنام PageV01P161 ~~يحب العاقلون على التصافي ... وحب الجاهلين على الوسام # الخب: [المكر والخديعة] والاصطفاء: الاختيار، والأنام: الخلق، والوسام، ~~جمال المظهر. # فيقول: ولما صار ود الناس خبا لا حقيقة له، وكذبا لا يوثق به، جزيت على ~~الابتسام في اللقاء بايتسام مثله، وقابلت ما أشاهده من النفاق؛ نفاق الناس بشكله. # ثم قال: وصرت فيمن أصطفيه ممن أوده، ومن أسكن إليه ممن أحبه، على شك لا ~~أدافعه، وارتياب لا أنكره؛ لأن علمي بأمر ذلك الذي خبرته واحد من الأنام ~~الذين عم الفساد جملتهم، وملك النفاق عامتهم. # ثم قال: يحب العاقلون على قدر ما يجدونه فيمن أحبوه من المصافاة ~~والمشاكلة، والمؤاخاة والمشاركة، وحب الجاهلين على قدر وسامة من يخصونه ~~بمحبتهم، ويحسب جاه من يعتمدونه بمودتهم، وإنما ذلك لأن مودتهم احتيالات لا ~~يوثق بها، وصناعات لا حقيقة لها. # وآنف من أخي لأبي وأمي ... إذا ما لم أجده من الكرام # أرى الأجداد يغلبها كثيرا ... على الأولاد أخلاق اللئام # ولست بمقتنع من كل فضل ... بأن أعزى إلى جد همام # الأنفة: الغضب والحمية، وأعزى: أنسب، والجد الهمام: العظيم الهمة. # فيقول: [آنف] من استقراب أخي شقيقي، وأكرهه وأنفر عنه وأتجنبه، إذا لم ~~أجده كريما يتزين بفضله، سريا تسكن النفوس إلى مثله، فآلفه لكرم شيمه، ولا ~~آلفه لعدم ذلك؛ لقرب رحمه. # ثم قال: أرى كرام الأجداد يغلبهم كثيرا على أولادهم، ويسبقهم إلى أعقابهم ~~تخلقهم بأخلاق اللئام؛ لكثرة المتخلقين بها، ورغبتهم في مذاهبهم؛ لما ~~يباشرونه من اعتياد الناس لها، وليس الأعقاب محمولين على الأجداد والسلف، ~~ولا يتوارث ما قدموه PageV01P162 ~~من الشرف، وإنما يشرف الإنسان بنفسه، ويرفعه ما يتبين من فضله. # ثم قال: ولست اقنع من ms113 الشرف والفضل، واقتصر من الكرم والشرف، على أن أعزى ~~إلى جد جليل قدره، وأنسب إلى أب رفيع ذكره، حتى أحرز الشرف، بما أحويه من ~~كرم الخلال، واستحقه بما أحوزه من شرف الخصال. # عجبت لمن له قد وحد ... وينبو نبوة القضم الكهام # ومن يجد الطريق إشلى المعالي ... فلا يذر المطي بلا سنام # ولم أر في عيوب الناس شيئا ... كنقص القادرين على التمام # القضم من السيوف: الذي طال عليه الدهر فكسر حده، والكهام: الذي ينبو عند ~~القطع، والسنام: أعلى الظهر. # فيقول: عجبت لمن يؤتى بسطة في جسمه، وجرأة من نفسه، ويعجز عن النفاذ في ~~مطالبه، ويقصر عن التقدم في مذاهبه، فيكون ظاهره ظاهر السيف الكهام، ~~وحقيقته حقيقة الصارم الحسام. وإنما أشار إلى نفسه في مقامه بمصر خاملا مع ~~قدرته في غيرها على الظهور، مقيما مع قوته على التنقل والمسير. # ثم قال على نحو ما قدمه: وعجبت ممن يجد السبيل إلى معالي الأمور فلا يعمل ~~في ذلك نفسه، ويستنفذ فيه جهده. وجعل المطي الذي ذكرها إشارة إلى المعنى ~~الذي قصده. # ثم قال مؤكدا لما ذكره: ولم أر في عيوب الناس عيبا أظهر وأبين، وعجزا ~~أبلغ وأمكن، من نقص من به على التمام أعظم قدرة، وخمول من له على الظهور ~~أوفر قوة. وأشار بجميع هذا إلى نفسه، وإلى ما عليه في المقام بمصر من ~~الإخلال لقدره. # أقمت بأرض نصر فلا ورائي ... تخب بي الركاب ولا أمامي # وملني الفراش وكان جنبي ... يمل لقاءه في كل عام PageV01P163 ~~قليل عائدي، سقم فؤادي ... كثير حاسدي، صعب مرامي # عليل الجسم، ممتنع القيام ... شديد السكر من غير المدام # الخب: ضرب من العدو، والركاب: الإبل تحمل القوم، والمرام: المطلب، ~~والمدام: الخمر. # فيقول: أقمت بأرض مصر لا أهم عنها برحلة، ولازمتها لا أزمع منها على ~~نقلة، وهي نائبة بي غير موافقة، وموحشة لي غير ملائمة. # ثم قال: وملني الفراش لطول العلة، ولازمته مع شدة الضرورة، وما زال جنبي ~~يمله في كل عام بغزوة استقبلها، وغبطة في الحركة أتعرفها. # ثم قال: وهاأنا الآن ms114 في مرضي، قليل من يعودني فآنس بقربه، ويعتقدني فأثق ~~بوده، سقيم بفؤاد بما حصلت عليه من الخيبة، مستوحش النفس لما صرت إليه من ~~الوحدة، كثير من يحسدني على النبل، ويصعب عليه ما أحرزته من الفصل. # ثم قال: وأنا مع ذلك عليل الجسم، لا أستطيع على القيام، متصل السكر، دون ~~أن ألم بالمدام. يشير إلى شدة ضعفه، واستيلاء المرض عليه في جملة أمره. # وزائرتي كأن بها حياء ... فليس تزور إلا في الظلام # بذلت لها المطارف والحشايا ... فعافتها، وباتت في عظامي # يضيق الجلد عن نفسي وعنها ... فتوسعه بأنواع السقام # المطارف: ثياب خز مربعة لها أعلام، [والحشايا]: واحدها حشية، [وهو ما حشي ~~من الفرش مما يجلس عليه]، وتوسعه: بوزن تفعله، من قولهم أوسعت على فلان. # فيقول، وهو يشير إلى الحمى التي كانت تناله: وزائرتي التي تفتقدني، ~~ومعتادتي التي تردني، كأن بها حياء في الزيارة لي، وخجلا عند الإلمام بي، ~~فليس تزور إلا معتمة، ولا ترد إلا مستترة، وذلك أشد لألمها، وأبلغ في ~~وجعها؛ لأنها توجب حينئذ السهر، وتثير البلابل والفكر، فأشار إلى هذا ~~التشكي بوجه، بسطة للحمى من PageV01P164 ~~العذر، ودل عليه بضرب، أظهره لها من الستر، وهذا باب من البديع مزج به ~~الإيماء بالاستعارة، والكناية بمفهوم الإشارة. # ثم قال: بذلت لها المطارف الأنيقة، والحشايا الأثيرة، فعافت بما بذلته، ~~وكرهت ما أعددته، واعتمدت عظامي تزحمها، ولازمتها توجعها وتؤلمها. # ثم قال على نحو ما قدمه: يضيق جلدي عني وعما يحاوله من الاشتمال به، ~~وتطالبه من الاقتحام له، فتوسعه بأنواع السقم، وتغمه بضروب الألم، وكل هذا ~~على نحو ما قدمه من الإشارة الكافية، والكناية المغنية. # إذا ما فارقتني غسلتني ... كأنا عاكفان على حرام # كأن الصبح يطردها فتجري ... مدامعها بأربعة سجام # أراقب وقتها من غير شوق ... مراقبة المشوق المستهام # ويصدق وعدها والصدق شر ... إذا ألقاك في الكرب العظام # العكوف على الشيء: الإقامة عليه، والمدامع: مخارج الدمع، وهي أمواق ~~أربعة، واحدها موق، وهو طرف العين الذي يلي الأنف، لكل عين موقان، وهما ~~أعلى ذلك الموضع وأسفله، والسجام: السائلة. ms115 # فيقول، مشيرا إلى الحمى: إذا ما فارقتني بعد طول المضاجعة، وتاركتني بعد ~~شدة الملازمة، وأعقبتني من العرق ما هو كالغسل، وأحدثت علي به ضربا من ~~الشغل، حتى كأننا عاكفان على حرام، نفترق عنه، ونستأنف الاغتسال منه. # ثم قال: كأن الصبح يطردها عني بما تحذره من الرقبة، ويفصلها بما هو عليها ~~في الزيادة من الريبة، فتفارقني باكية، وتولي عني مشفقة، فتبلني بدمعها، ~~وتوددني بما تظهر لمفارقتي من حزنها. # ثم قال: أراقب وقتها مراقبة الحذر، وأتعهده تعهد المنتظر، ويوجب ذلك شدة ~~الإشفاق والتوقع، لا شدة الاشتياق والتطلع، وهي مع ذلك ملازمة غير متوقعة، PageV01P165 ~~ومعاودة غير متخلفة. # ثم قال: ويصدق ما تعد به من العودة فلا تخلفه، وتلتزم الوفاء فيه فلا ~~تغفله، والصدق في ذلك شر لك؛ لأنه يقودك إلى ما تكرهه، ويورطك فيما تحذره ~~وتتوقعه. # أبنت الدهر عندي كل بنت ... فكيف خلصت أنت من الزحام؟! # جرحت مجرحا لم يبق فيه ... مكان للسيوف ولا السهام # يقول: وهو يخاطب الحمى: أبنت الدهر، الطارقة من حوادثه، وناشئته الواردة ~~من مكارهه، عندي كل بنت من نكباته يحدثها، وكل طارقة من صروفه يبعثها، فكيف ~~خلصت أنت من زحام تلك الحوادث الواردة، وتضايق تلك النوائب القاصدة؟! فسمى ~~الحمى بنت الدهر على سبيل الاستعارة، وأشار بما ذكره إلى اعتماد الدهر له ~~بما يكرهه، وشدة تكرره عليه بما يؤلمه. # ثم قال، وهو يخاطب الحمى، ويشير إلى نفسه: جرحت مجرحا قد نهكته خطوب ~~الدهر، وبالغته بما يقصده من الضر، فلم يبق فيه للسيوف مكان تناله بالضرب، ~~ولا للسهام بقية تعتمدها بالرمي، فأشار إلى سوء حاله، ومبالغة الألم له، ~~وشدة اغتراء الزمان به، وأجرى الكلام على سبيل الاستعارة والتجوز. # ألا يا ليت شعر أتمسي ... تصرف في عنان أو زمام # وهل أرمي هواي براقصات ... محلاة المقاود باللغام # الشعر: مصدر شعرت بالشي، إذا انتبهت له، ونسب ذلك إلى يده على سبيل ~~الاستعارة، والزمام: المقود الذي يصرف به البعير، وهو له كالعنان للفرس، ~~واللغام: ما ترمي أفواه الإبل من الزبد، والراقصات: التي كأنها تتوائب في ms116 ~~سيرها، والإبل توصف بذلك. # فيقول مستبطئا لما كان يهم به من الارتحال عن مصر، ومشيرا إلى تأسفه على PageV01P166 ~~طول المقام بها: ألا ليت شعر يدي هل لها سبيل إلى عدم التضجع في مصر، ~~والتخلص منها بتصريف أزمة الإبل في السير، وأعنة الخيل في العدو، فأصير إلى ~~ما اعتدته، وأعمل نفسي فيما عهدته وعرفته؟! # ثم قال: وهل تؤول الحال بي إلى أن أرمي ما أحاوله وأرغبه، وأهواه وأؤمله، ~~براقصات من الإبل أحثها في السير، وأحهدها وأداومها به، واستعجلها حتى يصير ~~لعابها على أزمتها كأنه حلي يشملها، ونظام يحسنها. # فربتما شفيت غليل صدري ... بسير أو قناة أو حسام # وضاقت خطة فخلصت منها ... خلاص الخمر من نسج الفدام # وفارقت الحبيب بلا وداع ... وودعت البلاد بلا سلام # غليل الصدر: حرارته، والخطة: الحالة، والفدام: آلة تكون على فم الإبريق ~~تصفى بها الخمر. # فيقول: فربتما شفيت صدري من حره، وداويته من سقمه، بسير استعمله في رحلة، ~~وقناة أو سيف أصرفهما في غزوة. # ثم قال: ورب خطة ضيقة، صعبة متعذرة، خلصت منها بعزم نافذ، وأقدمت عليها ~~بقلب صارم، واقتحمت بين شدائدها، ونفذت في مكارهها، وخرجت عنها خروج الخمر ~~من الفدام، التي لا يمسكها بضيق مخارجه، ولا يوقفها بدقة مسالكه. # ثم قال: وفارقت الحبيب عند ذلك على عمل أذهلني عن مرغوب الوداع، وودعت ~~البلاد على شغل عوقني عن معهود السلام، يريد: أنه على عادة من الوقوع تحت ~~مخاوف الطلب، وعلى قوة من التقحم على مكاره الغرر. # يقول لي الطبيب: أكلت شيئا ... وداؤك في شرابك والطعام # وما في طبه أني جواد ... أضر بجسمه طول الجمام # تعود أن يغبر في السرايا ... ويدخل من قتام في قتام PageV01P167 ~~فأمسك لا يطال له فيرعى ... ولا هو في العليق ولا اللجام # الجواد: الفرس الكريم، والجمام: الدعة وقلة التعب، والقتام: الغبار، ~~والعليق: القضيم الذي يعلق على الدابة. # فيقول: يكفني الطبيب في علتي عن الأكل، ويحذرني من الخطأ في التطعيم ~~والشرب، على العادة المعهودة في المعالجة، وما تؤثره الأطباء من الملاطفة. # ثم قال: وما في علم ms117 الطبيب الملم بي، والمعالج المتفقد لي، أني كالجواد ~~الذي أضر الجمام بجسمه، وبعث عليه أسباب سقمه، وهو يصلحه التعب، ويستثير ~~قوته النجاء والطلب، فأشار إلى أنه يألف الأسفار، ويستكره الدعة والقرار. # ثم قال على نحو ما قدمه من ذكر الجواد الذي كنى به عن نفسه: تعود ذلك ~~الجواد أن يثير الغبار في الغارات، ويستعمل الجد في الغزوات، ويخرج من قتام ~~يقطعه، إلى قتام يرهج به ويبعثه، جاهدا لا يفتر، ومعتزما لا يقصر. # ثم قال: فأمسك الآن مقصودا على ما يكرهه، ممنوعا مما يألفه ويرغبه، لا ~~يطال له عند الرعي، ولا يتسع له في العليق والقضم، ولا يتصرف في لجامه ~~غازيا، ولا يختال بتحمله سائرا، فأشار إلى ضبط كافور له بمصر ألطف إشارة، ~~وعبر عن ضيق الحال فيها أحسن عبارة، وضرب لنفسه مثلا بالجواد، أبدع في ~~استعارته، وبلغ فيه غاية البيان بكنايته. # غإن أمرض فما مرض اصطباري ... وإن أحمم فما حم اعتزامي # وإن أسلم فما أبقى ولكن ... سلمت من الحمام إلى الحمام # الحمام: الموت. # فيقول: فإن مرضت وبالغني المرض، وحممت وخامرني الألم، فإن صبري في غاية ~~الصحة، وعلى أفضل ما عهدته عليه من القوة، وإن حممت فإن عزمي نافذ لا تعلق ~~الحمى به، ثابت لا تتعرض العلل له. PageV01P168 # ثم قال: وإن أفضيت من العلة إلى السلامة، ومن المرض إلى الكفاية، فإنما ~~أسلم من الموت ومصيري إليه، وأعدل عنه ولا بد من الورود عليه. # تمتع من سهاد أو رقاد ... ولا تأمل كرى تحت الرجام # فإن لثالث الحالتين معنى ... سوى معنى انتباهك والمنام # السهاد: عدم الرقاد، والكرى: النعاس، والرجام: القبور، الواحد: رجم. # فيقول، وهو يخاطب نفسه: تمتع من النوم واليقظة، ومن السكون والحركة، ولا ~~تأمل النوم في برد أباطيل الدنيا، بعد زيارة لحدك، وانصرام عمركن فإن الموت ~~يهدم اللذات، وينقل عن معهود الراحات. # ثم قال: وتيقن أن بعد اليقظة والنوم معنى ثالثا من الحق، وحالا منتظرة من ~~الجد، هي غير هذه الأباطيل، وخلاف هذه التكاذيب، فلتلك الحال فاعمل بجهدك، ~~وإليها فاقصد بسعيك، فإنما ms118 تطلبك ولا تغفلك، وتعجبك ولا تمطلك. PageV01P169 # قدم أبو شجاع فاتك (المعروف بالمجنون) من الفيوم إلى مصر، فواصل أبا الطيب، ~~وحمل إليه هدية قيمتها ألف دينار، فقال يمدحه، أنشدها لتسع خلون من جمادى ~~الآخرة، سنة ثمان وأربعين وثلاث مائة. # لا خيل عندك تهديها ولا مال ... فليسعد النطق إن لم يسعد الحال # واجز الأمير نعماه فاجئة ... بغير قول ونعمى الناس أقوال # فربما جزت الإحسان موليه ... خريدة من عذارى الحي مكسال # الفاجئ من الأمور: الذي يرد بغتة، والخريدة: الحيية من النساء، والعذارى: ~~الأبكار، والمكسال من النساء: التي لا تكاد تبرح من موضعها. # فيقول مخاطبا لنفسه، ومشيرا إلى ما ابتدأه به فاتك من فضله: لا خيل عندك ~~تقارض بها من تاحفك بخيله، ولا مال تجازي به من وصلك بماله، فإذا قصر بك ~~يسارك ووفرك، فليسعدك على المقارضة لسانك وشكرك. # ثم قال مشيرا إلى فاتك: وأجز الأمير الذي يفجأ إنعامه وفضله، فيسبقان ~~مقاله ووعده، وأكثر نعم الناس أقوال لا حقيقة لها، وعدات لا يتصل الإنجاز بها. # ثم قال: فربما جزت الإحسان الخريدة الحفرة، والعذراء المكسال المستترة، ~~بحسن اعترافها بالفضل، ومقابلته ببذل المجهود في الشكر. ومن قابل الإحسان ~~بنشره، فهو كمن جازى عليه بفعله. # وإن محكمات الشكل تمنعني ... ظهور جري فلي فهن تصهال # وما شكرت لأن المال فرحني ... سيان عندي إكثار وإقلال # لكن رأيت قبيحا أن يجاد لنا ... وأننا بقضاء الحق بخال # المحكمات: المتقنات، والشكل: القيود، الواحد: شكال، والتصهال: صوت الفرس، ~~والسيان: المثلان، والبخال: أهل الشح والضنانة، واحدهم باخل. # فيقول: وإن قيود الإقلال، ومحكمات شكل الإقتار، تمنعني من مجازاة أهل ~~الكرم، ومساواة المتفضلين بالنعم، فلي فيهم بما أنظمه من الشعر، وما أخلده ~~من الشكر، PageV01P170 ~~تصهال يخبر عما أنويه وأضمره، ومقال يعرب عما أريده واعتقده، كما أن الفرس ~~الكريم إذا عاقته الشكل عن جريه، دل صهيله على عتقه. # ثم قال: وما اشكر فرحا بالمال، وارتياحا له، وحرصا عليه، واعتزازا به، ~~فسيان عندي الإكثار والإقلال، والسعة والإقتار؛ لما اعتقده من القناعة، ~~واحتمل عليه من النزاهة، والمكثر والمقل متفقان ms119 في فراق حاليهما على عجل، ~~والمتاركة لهما على غير مهل. فأمور الدنيا فانية، وعواريها منقطعة زائلة. # ثم قال: ولكنني رأيت أن من القبيح الذي لا يجمل، وخلاف الإنصاف الذي لا ~~يحسن، أن يجاد لنا بجزيل العطاء، ولا نقضي حق ذلك بمخلد الثناء. فأشار أن ~~مدحه لفاتك، مع ما ابتدأه به من الفضل، وتابعه له من البر، فرض لا يسمح ~~تركه، وواجب لا يضيع مثله. # فكنت منبت روض الحزن باكره ... غيث بغير سباخ الأرض هطال # غيث يبين للنظار موقعه ... أن الغيوث بما تأتيه جهال # الحزن: ما غلظ من الأرض وارتفع، والسباخ من الأرض: مواضع مالحة ينبع فيها ~~الماء، ولا يكون فيها نبت، واحدتها: سبخة، والغيث: المطر المحمود، والهطال: ~~المتتابع. # فيقول مخبرا عن نفسه: فكنت بما أسداه إلي فاتك من الفضل، وما ابتدأني به ~~من الإحسان والبر، كمنبت روض الحزن إذا باكره الغيث بسقيه، وجاد عليه ~~بصوبه، فآنق وأعجب، وحسن وأبهج. فأراد أن النعمة أصابت منه أهلها، وحلت عند ~~من يستقل بشكرها، وكانت كالغيث يصيب الحزن، ولم تكن كالغيث الذي يصوب على ~~سباخ الأرض، فيضيع ولا ينبت، ويذهب ولا يثمر. # ثم قال، وهو يشير إلى جلالة ما وضع عنده فاتك من إحسانه، وكثرة ما أظهره ~~عليه من إنعامه: إن ذلك الانفصال كان ضربا من الغيث، يبين موقعه للنظار أن PageV01P171 ~~الغيوث لا تحل محله، ولا تبلغ مبلغه، وأنها جاهلة بما يدركه، مقصرة عما ~~يفعله، وأن السحاب لا يماثله في جوده، ولا يساويه فيما يبذله من فضله. ~~فأشار إلى كثرة ما وضع عنده فاتك من العطاء ألطف إشارة، وعبر عنه أحسن عبارة. # لا يدرك المجد إلا سيد فطن ... لما يشق على السادات فعال # لا وارث جهلت يمناه ما وهبت ... ولا كسوب بغير السيف سئال # يقول: لا يدرك المجد ويبلغه، ويجوزه ويكسبه، إلا سيد ثاقب الفطنة، فاضل ~~كريم الجبلة، يفعل من الجميل ما يشق على السادات فعله، ويخلد من الكرم ما ~~يتعذر على ذوي الإحسان مثله. # ثم قال: لا وارث لما وهب فيكون جاهلا بحقيقة ms120 قدره، ولا كسوب بغير السيف ~~فيهون عليه ما يسمح ببذله، ولكنه غصب ما أكتسبه من غير مسئلة، وغلب عليه ~~دون استعمال رغبة، فأعطى المال بعدما عاناه من المشقة من جمعه، وجاد به ~~بعدما تكلفه من المغالبة على كسبه. فأشار إلى أن جمع المال بنفسه، وأدرك ~~الشرف بشجاعته وبأسه، وأعطى بكرم طبعه، ولم يجهل مقدار ما بذله من فضله. # قال الزمان له قولا فأفهمه ... إن الزمان على الإمساك عذال # تدري القناة إذا اهتزت براحته ... أن الشقي بها خيل وأبطال # الأبطال: الشجعان من الرجال، الواحد: بطل. # فيقول: إن الزمان نادى فاتكا فأفهمه، ووعظه فأسمعه وعرفه، أنه على ~~الإمساك عذال لا يفتر عذله، ولائم لا يقلع لومه، فألف الجود لعلمه بحسن ~~عواقبه، وعادى البخل لتيقنه بقبح مصائره، ورأى أن الزمان لا يمتع البخيل ~~بما كسب، ولا يفقد الجواد خلفا فيما وهب وبذل. # ثم قال: تدري القناة عند اهتزازها براحته، وتصرفها على حسب إرادته، أن ~~الشقي بها خيل يعتودها بالطعن، وأبطال يعمهم بالتجريح والقتل. فأشار إلى أن PageV01P172 ~~السلاح أطال صحبته، حتى عرف مذاهبه، ولازمه حتى تيقن مقاصده. # كفاتك ودخول الكاف منقصة ... كالشمس قلت، وما للشمس أمثال # القائد الأسد غذتها براثنه ... بمثلها من عداه وهي أشبال # القاتل السيف في جسم القتيل به ... وللسيوف كما للناس آجال # براثن الأسد: مخالبها، والأشبال: صغار الأسد، والآجال: أوقات الهلاك، ~~الواحد: أجل. # فيقول: والسيد المدرك للمجد هو فاتك، هذا الممدوح، في كرم خصاله، وشرف ~~خلاله، ودخول الكاف في تشبيهه منقص لما أكمله الله من مجده، وأفرده به من ~~جلالة قدره؛ لأنه كالشمس في شرف عنصرها، وعلو موضعها، وما للشمس أشباه ~~تعادلها، ولا أمثال تقارنها. # ثم قال مشيرا إليه: القائد الأسد من اصحابه، والسباع الضارية من أشياعه ~~الذين غذاهم بقتل نظرائهم من الفرسان، وعودهم الإيقاع بأمثالهم من الأقران، ~~وهم كالأشبال التي لم تتكامل قوتها، وصغار السباع التي تتناهى شدتها، ~~فأنسها بالوقائع حتى قوى أسرها، واقتحم بها على المهالك حتى بلغت الأشد من سنها. # ثم قال، وهو يريد فاتكا: القاتل السيف في ms121 جسم من يقتله، والكاسر له في ~~أعضاء من يضربه، والسيوف كالناس في الفناء الذي يدركها، والآجال التي ~~بلغها. فأشار إلى أن فاتكا في غاية الجرأة، وضربه في غاية الشدة والقوة. # تغير منه على الغارات هيبته ... وما له بأقاصي الأرض أهمال # له من الوحش ما اختارت أسنته ... عير وهيق وخنساء وذيال # الأهمال: [الإبل] المتروكة لا يعنى بحفظها، واحدها همل، والمال، الماشية ~~من الإبل والبقر والغنم، والوحش: كل ما لا يستأنس من دواب البر، والعير ~~هاهنا: حمار الوحش، والهيق: ذكر النعام، والخنساء: البقرة الوحشية، والخنس: انخفاض PageV01P173 ~~قصبة الأنف، وعرض أرنبته، والذيال: الثور الوحشي. # فيقول: إن فاتكا لبعد ذكره، وجلالة قدره، تتهيبه الفرسان في غاراتها ~~فتحجم عن مقابلة أعماله، وتحذره فتعرض مولية عن السائمة من ماله، وهي مهملة ~~ر يحفل بأمرها، ومتروكة لا يعرج على حفظها. # ثم قال، يشير إلى ما فاتك عليه، من مواصلة الغارات، وملازمة الفلوات، ~~والتقوت بلحوم الوحش، والمعرفة بصيده، والاقتدار على جميع صنوفه: له من ~~الوحش ما اختاره وقصده، وحاوله واعتمده، لا تفوت رغبته، ولا تسبق أسنته، ~~فحمار الوحش وظليم النعان والذكر والأنثى من البقر، سواء عليه، وضرب واحد ~~عنده، يسبق جميع ذلك بركضه، ويملكه بكرم خيله. # تمسي الضيوف مشهاة يعقوته ... كأن أوقاتها في الطيب آصال # لو اشتهت لحم قاريها لبادرها ... خرادل منه في الشيزى وأوصال # المشهي: الذي يعطي شهوته، والعقوة: ما حول الدار، والآصال: العشايا، ~~الواحدة: أصيل، والقاري: المضيف، والخرادل: القطع، والشيزى: جفن تصنع من ~~الشيزى وهو خشب أسود. # فيقول: تمسي الضيوف إذا احتلت بأفنية دار فاتك مكرمين، لا يمطلون لشهوة، ~~مرفهين لا يستوحشون إلى نعمة، كأن أوقاتهم آصال في برد نسيمها، وما يتصل ~~لهم من مسراتها ونعيمها. # ثم قال: ولو اشتهوا لحم القاري لهم لما تعذر عليهم لانخلاعه في مبرتهم، ~~وحرصه على موافقتهم ومسرتهم، ولبادرهم منه خرادل مقطعة، وأوصال في الشيزى ~~ممثلة، فكيف يظن بسائر ذلك مما يمكن إكرامهم به، وما يقدر استحسانهم له؟! ~~وهذا من الإفراط الذي يخبر فيه بما لا يمكن، إشارة إلى استيفاء غاية ms122 ما يمكن. PageV01P174 # لا يعرف الرزء في مال ولا ولد ... إلا إذا حفز الأضياف ترحال # يروي صدى الأرض من فضلات ما شربوا ... محض اللقاح وصافي اللون سلسال # الصدى: العطش، والمحض: اللبن الذي لم يشبه ماء، واللقاح: جمع لقحة، وهي ~~الناقة الحلوب، والسلسال والسلاسل: الذي يسهل جريه في الحلق، وأراد هاهنا ~~الخمر، وذكرها على المعنى؛ لأن الخمر في معناها شراب، والشراب مذكر، والعرب ~~تؤنثها وتذكرها، والتأنيث أشهر. # فيقول: إن فاتكا ممدوحه كريم الضيافة، مشهور السماحة، مرحب بقاصده، شديد ~~الأنس بزائره، لا يوجعه الرزء لفقدان ماله وولده اللاصقين بنفسه، كايجاع ~~فقدان أضيافه، ولا يوحشه ذلك كإيحاش ترحل زواره. # ثم قال مشيرا إلى سعة ضيافته، وكثرة ما يبذله للزوار من كرامته: يروي صدى ~~الأرض بفضلات ما يسقيه أضيافه من اللبن والخمر، وما يتابع لهم من الألطاف ~~والبر، فيفضل عنهم من ذلك ما يقوم للأرض مقام السقي البالغ، وما يحل محل ~~المطر الساجم. وهذا ما قدمنا تفسيره من استجازة الوصف بما لا يمكن، إشارة ~~إلى بلوغ غاية ما يمكن. # تقري صوارمه الساعات عبط دم ... كأنما الساع نزال وقفال # تجري النفوس حواليه مخلطة ... منها عداة وأغنام وآبال # لا يحرم البعد أهل البعد نائله ... وغير عاجزة عنه الأطيفال # القرى: الضيافة، وعبط الدم: إجراؤه عبيطا، والعبيط: الطري، والساع: جمع ~~ساعة من ساعات الزمان، والنزال والقفال: الأضياف الذين منهم من يقصد فينزل، ~~ومنهم من ينصرف فيقفل، والآبال: جمع إبل على سبيل التكثير، والنائل: ~~العطاء، والأطيفال: صغار الصبيان، وصغر الجمع على لفظه. # فيقول: إن فاتكا يعم ساعات زمانه بدماء يسفكها فيها، وأنفس يتلفها عند ~~ورودها، PageV01P175 ~~حتى كأن ساعات زمانه متضيقة عليه، فهو يقضي بالقرى واجب حقها، ويعتبط ~~الدماء فيها بإجرائها وسفكها. # ثم أكد ذلك وفسره فقال: تجري النفوس حواليه مختلفة، ويكثر إتلافه لها ~~ممتزجة، ومن تلك النفوس نفوس أعداء يتلفها بالقتل، وفيها نفوس أغنام وآبال ~~يذهبها بالذبح والعقر؛ فمن تلك النفوس ما يذهب به الإكرام والضيافة، ومنها ~~ما يذهب به الإيقاع والإخافة، فساعدته مشمولة بالحالتين، مغمورة بهذين ~~الأمرين. # ثم قال: ms123 وهو يشير إلى فاتك: لا يحرم البعد نائله من بعد عنه، ولا يعوق ~~مؤمله عما رجاه؛ لأن جوده يعم عموم الغيث، ويفيض كفيض البحر، فهو يدرك ~~النائي البعيد، كما يشمل الداني القريب، وليس يعجز صغار الأطفال عن ~~الاشتمال به، ولا يخرجها الصغر عن التناول له؛ لأنه عام لا خصوص فيه، ممكن ~~لا يعترض المنع عليه، يدركه الكبير والصغير، ويتقلب فيه القريب والبعيد. # أمضى الفريقين في أقرانه ظبة ... والبيض هادية والسمر ضلال # يريك مخبره أضعاف منظره ... بين الرجال وفيها الماء والآل # وقد يلقبه المجنون حاسده ... إذا اختلطن وبعض العقل عقال # القرن: الند والمثل، والظبة: حد السيف، والهادي إلى الشيء: الذي يقصده ~~بوجهه، والآل: السراب، وهو الذي يتخيل في قيعان الأرض عند شدة الحر، كأنه ~~ماء، والعقال: داء يكون في أرجل الدواب يمنعها من المشي. # فيقول: إن فاتكا شديد البأس، مقدام النفس، وإنه أمضى الفريقين ظبة من ~~أصحابه واعدائه، إذا حميت الحرب واستمر الجلاد والضرب، وقصرت الرماح وضلت، ~~عن مقاصدها، وضاق المجال عن استعمال التطاعن بها، وصار الأمر إلى مباشرة ~~الحتوف والتجالد بالسيوف، فصارت السيوف هادية مبصرة، والرماح متضللة مقصرة، ~~فحينئذ يكون فاتك أمضى الفريقين من أصحابه وأعدائه، وأنفذ PageV01P176 ~~الطائفتين من أوليائه وأضداده. # ثم قال: إن فاتكا وإن كان جمع الجمال والوسامة، والبهاء والجلالة فإنه ~~يريك بما يخبره من فضله، وتؤديه المحبة إليك من كرمه وبأسه، أضعاف ما يؤديه ~~ظاهره في الرجال، وما يتعرف فيه من الوسامة والجمال، وفي الرجال ما هو ~~كالماء الذي يرويك ولا يعطشك، ويصدقك ولا يخذلك، وفيها ما هو كالآل الذي ~~يكذب ولا يصدق، ويخدع ولا ينفع. # ثم قال: وقد يلقبه المجنون حاسده الذي لا يلحقه، وظالمه الذي لا ينصفه، ~~وإنما ألزمه هذا اللقب إقدامه على الطعن والضرب، واقتحامه في غمرات الحرب، ~~وبعض العقل في ذلك الموقف عقال يعقل صاحبه، وسبب من أسباب الضعف يعجز إلفه، ~~وكان فاتك يلقب بالمجنون، ففسر عليه أبو الطيب هذا اللقب تفسيرا أذهب قبحه، ~~وحسن عند المنكر له أن يتقلد مثله. # يرمي بها ms124 الجيش لا بد له ولها ... من شقه ولو أن الجيش أجبال # إذا العدى نشبت فيهم مخالبه ... لم يجتمع لهم حلم ورئبال # فيقول مشيرا إلى السيوف التي قدم ذكرها: يرمي بها الجيش الذي يناصبه، ~~والجمع الذي يتعرض له، ولا بد له ولتلك السيوف المطيفة به من شق ذلك الجيش، ~~وفض ذلك الجمع، ولو كان هضابا عارضة، وأجبالا قاتلة. # ثم قال: إذا العدى المتمرسون، والأضداد المتعرضون له، نشبت مخالبه فيهم، ~~وأظهر سطوته عليهم، لم يجتمع لهم في ذلك الموطن أسد تحذر عاديته، وحلم تؤمن ~~بادرته، فأشار إلى أن الاستسهال للموت، والاقتحام على الحرب، ليس من طريق ~~الحلم، ولا تحمل عليها أحكام العقل. # يروعهم منه دهر صرفه أبدا ... مجاهر وصروف الدهر تغتال # أناله الشرف الأعلى تقدمه ... فما الذي بتوقي ما أتى نالوا PageV01P177 ~~إذا الملوك تحلت كان حليته ... مهند وأصم الكعب عسال # يروعهم: يفزعهم، وصروف الدهر: ما يقع من حوادثه، والمجاهرة بالشيء: ~~الإعلان به، والاغتيال: الإهلاك على غفلة، والشرف: ارتفاع المنزلة في ~~الفضل، والتوقي: التوقع، والمهند: السيف، والأصم: اليابس، والكعب: العقدة ~~الناشزة في آخر كل أنبوب من القناة، والعسال: المضطرب، وأراد الرمح بهذه الصفة. # فيقول مشيرا إلى فاتك، ومخبرا عن أعدائه: يروعهم منه ملك، هو كالدهر في ~~قدرته عليهم، ونفاذ ما يريده فيهم، إلا أن ما يبعثه عليهم من صروفه، إنما ~~يبعثه مجاهرا، ويمضيه على الأعداء مغالبه، والدهر يغتال بصروفه، ولا يؤذن ~~بخطوبه، فجعل لفاتك على الدهر مزية بينة، وزيادة ظاهرة. # ثم قال: أناله من الشرف أعلى منازله، ومن السلطان أرفع مراتبه؛ إقدامه ~~وجرأته، واقتحامه على المهالك وشدته، فما الذي ناله أعداؤه بتوقيهم لما ~~أقدم عليه، وإبطائهم عما تسرع إليه؟ # ثم قال: إذا الملوك تحلت بحسن الملبس، وقدرت لأنفسها الهيبة بجمال ~~المنظر، كان فاتك المذكور حليته سيف مهند يتقلده، ورمح عسال يتحمله، يريد: ~~أنه احتاز الرئاسة مغالبة بسيفه، واستحقها لشجاعة نفسه. # أبو شجاع أبو الشجعان قاطبة ... هول نمته من الهيجاء أهوال # تملك الحمد حتى ما لمفتخر ... في الحمد حاء ولا ميم ولا دال # عليه ms125 منه سرابيل مضاعفة ... وقد كفاه من الماذي سربال # قاطبة: يؤيد جميعا، والهول: ما أخاف وأفزع، والمضاعف من الثياب: الذي ~~يكون عليه مثله، والماذي: الدروع. # فيقول، وهو يريد فاتكا: أبو شجاع كنيته، وهي له صفة ثابتة، وحقيقة ظاهره؛ ~~لأنه أبو الشجعان قاطبة، برئاسته فيهم واستعلائه عليهم، وأنه كبيرهم ~~وقدوتهم، PageV01P178 ~~وقطبهم وعمدتهم، والهول الذي ينميه من الحرب أهوال لا يعهد مثلها، ولا ~~يشارك في شرفها وفضلها. # ثم قال: تملك الحمد وأحاط به، واحتازه وأصبح خالصا له، فما لأحد منه نصيب ~~يعلم، ولا حظ يتبين ويعرف، وجعل ذكر الحاء والميم والدال إشارة [إلى] ~~انفراده بجملته، واحتيازه لعامته. # ثم قال، مؤكدا لما قدمه: عليه من الحمد سرابيل مضاعفة، وحلل متتابعة؛ ~~يشير إلى رغبته فيه، واستكثاره منه، وليس عليه من الدروع إلا سربال واحد؛ ~~لأنه لا يكثر التوقع، ولا يحتفل في التحرز. فأشار إلى أنه مستكثر مما يشتمل ~~به من كريم الذكر، ومستخف بما يدفع به عادية الحرب، فوصفه بالرغبة في ~~الإحسان، وقلة التوقع عند لقاء الأقران. # وكيف أستر ما أوليت من حسن ... وقد غمرت نوالا أيها النال # لطفت رأيك في وصلي وتكرمتي ... إن الكريم على العلياء يحتال # حتى غدوت وللأخبار تجوال ... وللكواكب في كفيك آمال # النوال: العطاء، والنال: الكثير النوال، يقال: رجل نال: إذا كان كثير ~~النوال، كما يقال رجل مال، إذا كان كثير المال، روى ذلك يعقوب، ولطفت: بلغت ~~الغاية من الرفق. # فيقول، وهو يخاطب فاتكا: وكيف استر ما أوليتني من الفضل، وأغفل ما ~~ألزمتني من الشكر، قد أفضت علي بحورا غمرتني من جودك، وحملتني أعباء ~~أثقلتني من برك، يا أيها النال الذي لا ينقطع نواله، ولا يتأخر تطوله ~~وإفضاله. # ثم قال: لطفت رأيك فيما فتحته لي من باب صلتك، وما خصصتني من ظاهر ~~كرامتك، إن الكريم على العلياء محتال لا تعجز حيلته، ومجتهد لا تضعف نيته. # ثم قال: حتى غدوت بما أوليتني من فضلك، وما وجدت لي من إحسانك وبرك، PageV01P179 ~~قد جعلت للأخبار مجالا تستعمل في ذكره، ومكانا تتصرف في مثله، وصيرت ms126 ~~الكواكب مع علو مواضعها، وارتفاع منازلها، تأمل من يديك زيادة في الرفعة، ~~واستكثارا من علو الرتبة. # وهذا من الغلو الذي أشار فيه بذكر ما لا يمكن إلى إحراز غاية ما يجوز ويمكن. # وقد أطال ثنائي طول لابسه ... إن الثناء على التنبال تنبال # إن كنت تكبر أن تختال في بشر ... فإن قدرك في الأقدار يختال # التنبال: القصير من الرجال، والاختيال: إظهار الزهو والعجب. # فيقول مشيرا إلى فاتك: وقد أطال لساني بالثناء، وفتح لب باب المدح ~~والإطراء، جلالة قدر من مدحته، وكثرة فضائل من وصفته، وإنما أنا في ذلك ~~ذاكر لما عاينت، ومخبر عما شاهدت، والثناء إنما يقصر على التقصير الحال، ~~الراغب عن الكرم والإفضال. # ثم قال، يخاطب فاتكا: إن كنت تكبر عن استعمال الاختيال والزهو، وتكلف ~~التعظم والكبر في بشر أنت منهم، ومن قوم أنت فيهم، فقدرك في أقدار الملوك ~~المتشبهين بك، يختا بجلالته، وينفرد برفعته وفخامته. # كأن نفسك لا ترضاك صاحبها ... إلا وأنت على المفضال مفضال # ولا تعدك صوانا لمهجتها ... إلا وأنت لها في الروع بذال # الروع: الفزع. # فيقول: كأن نفسك لا تألفك راضية بفعلك، ولا تصحبك شاكرة لسعيك، حتى يكون ~~كل مفضال إنما يفضل بما تعب له، ويجود بما تعطيه وتبذله. # ثم قال: وكأن نفسك لا تعدك صائنا لمهجتها، ولا تعتقدك ساعيا في مسرتها ~~وغبطتها، إلا إذا ابتذلتها في الروع، بتقحم المهالك، وعرضتها في الحرب ~~لمواجهة المتالف. PageV01P180 # لأولا المشقة ساد كلهم ... الجود يفقر والإقدام قتال # وإنما يبلغ الإنسان طاقته ... ما كل ماشية بالرجل شملال # الشملال: الناقة القوية السريعة. # فيقول مبينا لصواب ما قدم ذكره من أفعال فاتك: لولا المشقة في إيثار ~~المجد، وكثرة التمون في اكتساب الحمد، لساد الناس كلهم، وأدركوا الشرف ~~بأسرهم، ولكن الجود يورث الإقلال والفقر، والشجاعة توجب التلف والقتل، وهذه ~~الشدائد لا يتكلفها إلا من شرف طبعه، ولا يتحملها إلا من وطن على المكاره نفسه. # ثم أكد ما قدمه، فقال: وإنما يبلغ المرء فيما يقصده مقدار طاقته، ويدرك ~~ما يحاوله على حسب استطاعته، فليس كل كريم ms127 يحوز غاية الكرم، ولا كل شريف ~~يبلغ نهاية الشرف، كما أن كل ماشية من النوق برجلها شملال سريعة، وكريمة ~~النجار قوية، وكذلك ليس كل من يتعاطى الكرم من الأمراء، ويوصف بالتقدم ~~والفضل من الرؤساء، يبلغ في ذلك مبلغ فاتك الذي لا يعادل في فضله، ولا ~~يماثل في جلالة قدره. # إنا لغي زمن ترك القبيح به ... من كثر الناس إحسان وإجمال # ذكر الفتى عمره الثاني، وحاجته ... ما قاته، وفضول العيش أشغال # يقول منبها على غرابة فاتك في دهره، وانفراده بالكرم من أبناء عصره: إنا ~~من إدبار خير الزمان، وزهد أهله في الفضل والإحسان، لفي زمن إمساك أهله عن ~~قبيح الفعل، وتأخرهم عن مذموم السعي، [فضل] يؤثر، وإحسان يحمد ويشكر، فكيف ~~أتفق فيه مثل فاتك، وهو رئيس المحسنين، وزعيم الكرماء المنعمين؟!. # ثم قال، مشيرا إلى ما خلده فاتك من الفضل، وأبقى على نفسه من جميل الذكر، ~~وأن التوفيق في ذلك موصول برأيه، والصواب مقصور على فعله: ذكر الفتى بجميل ~~مساعيه، وما يخلده من مكارمه ومعاليه، عمره الثاني التالي لعمره، وحظه PageV01P181 ~~من الدنيا المبقي لذكره، وحاجته فيما عدا هذا قوت يبلغه، وكفاف من العيش ~~يستره، ومن رغب من الدنيا غير ذلك، فإنما يتعلق بفضول تشغله، وأباطيل تموته. # تم السفر بحمد الله وعونه وتأييده وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم ~~تسليما. يتلوه: ومات أبو شجاع فاتك. PageV01P182 ### | AUTO الجزء الثاني # توفي أبو شجاع فاتك بمصر، فقال أبو الطيب يرثيه قبل خروجه من مصر، وأظهر ~~الشعر بعد خروجه منها: # الحزن يقلق والتجمل يردع ... والدمع بينهما عصي طيع # يتنازعان دموع عين مسهد ... هذا يجيء بها وهذا يرجع # النوم بعد أبي شجاع نافر ... والليل معي والكواكب ظلع # الردع: الكف، وعصي: فعيل من العصيان، وفيه معنى المبالغة، والطيع، ~~والمستحكم الطاعة، وانتزاع الشيء: الاعتماد له، والظلع: البطيئة السير، ~~التي كأنها تتوجع في مشيها، الواحد: ظالع. # فيقول: الحزن يقلق المحزون فيغلبه على الصبر، ويدعوه إلى كشف ما يسره من ~~الأمر، والتجمل يكف ذلك ويردعه، ويصرف عنه ويمنعه، والدمع يطيل التجمل ms128 ~~فيتوقف ويذهب، ويغلب عليه الحزن فيفيض ويسكب. # ثم قال، وهو يشير إلى التجمل والحزن: يتنازعان دموع عين محزون مسهد، ~~مفجوع مرزأ، فالتجمل يعوق الدموع ويكفها، والتأسف يجيء بها ويحثها. # ثم قال: النوم بعد أبي شجاع، يريد فاتكا، نافر لا يرجع، وشاد لا يسكن، ~~والليل لطول مدته، ووفور جملته، كالمعيي الذي لا يرحل، والمقيم الذي لا ~~يظعن، والكواكب فيه ظالعة لا تنهض في الذهاب، وثابتة لا تهم بالانتقال. ~~يشير إلى PageV02P001 ~~استطالته لليل بما يهيج له من الحزن، واستبطائه بحركات نجومه لما يقاسي فيه ~~من الوجد. # إني لأجبن من فراق أحبتي ... وتحس نفسي بالحمام فأشجع # ويزيدني غضب الأعادي قسوة ... ويلم بي عتب الصديق فأجزع # الحمام: الموت، والعتب: الموجدة. # فيقول باسطا لعذره، فيما وصف به نفسه من الجزع، واستحكام الهلع لمصاب ~~فاتك: إني لأجبن من فراق من أحبه؛ إيثارا للوفاء، وأضعف عن تحمل ذلك، ~~مراعاة لأذمة الإخاء، وأحس بالموت فأشجع على مواجهته، وأتيقنه فلا أشفق من ~~مباشرته. # ثم أكد ما قدمه فقال: ويزيدني غضب الأعادي أنفة وقسوة، ويبعث مني إعراضهم ~~حمية وجرأة، ويلم بي عتب الصديق فأجزع، وأسلم لأمره، ويتزيد علي فأرضيه، ~~وأقصر نفسي على حكمه. يشير إلى أن جزعه على فاتك لم يكن عن خور وضعف منة، ~~وإنما كان عن كرم ووفاء جبلة. # تصفو الحياة لجاهل أو غافل ... عما مضى فيها وما يتوقع # ولمن يغالط في الحقائق نفسه ... ويسومها طلب المحال فتطمع # يقول: أن الحياة لا تصفو لمن يلحظ الدنيا بعين المعرفة، ويتأملها تأمل ~~الدراية والتجربة، وإنما تصفو لجاهل لا يعرف عواقبها فيتوقعها، أو غافل لا ~~يمتثل تصاريفها فيتذكرها. # ثم قال على نحو ما قدمه: وتصفو الدنيا لمن يكابر فيها عقله، وتحسن عند من ~~يغالط فيها نفسه، ويسومها المحال فتركن إليه، ويمنيها إياه فتعتمد بأملها عليه. # أين الذي الهرمان من بنيانه ... ما قومه ما يومه ما المصرع؟! # تتخلف الآثار عن أصحابها ... حينا، ويدركها الفناء فتتبع PageV02P002 ~~الهرمان: بناءان عظيمان بأرض مصر، لا يكاد يعرف الباني لهما، وهما ثابتان ~~بحسن بنائهما، غير متغيرين لقوتهما ms129 وإتقانهما. # فيقول منبها على أن الدنيا مفنية لأهلها، متنكرة على كل من اغتر بها: أين ~~الذي بنى الهرمين، فدل ببنائهما على قوته، وأبقاهما شاهدين على تمكنه ~~وقدرته؟! كيف تظن بقومه وكثرتهم وتمكنهم وقوتهم؟! وكيف تظن بيومه الذي ~~انصرفت فيه مدته، ومصرعه الذي عجزت عنه قوته؟! أما عفت الدنيا على آثار ~~ملكه، وأفنته ومن استضاف إليه من قومه؟!. # ثم قال مشيرا إلى الهرمين، ونبها على أن الفناء سيدركهما، والخراب ~~سينالهما ويلحقهما: تتخلف الآثار عن أصحابها مدة، فتدل على أحوالهم في ~~القوة ومنازلهم في الاقتدار والبسطة، ثم ينالها ما نالهم من الإنقضاء، ~~ويدركها ما أدركهم من الفناء، فتذهب الآثار كما ذهب المؤثرون لها، وتعدم ~~كما عدم الذين دلوا على أنفسهم بها. هذه حال الدنيا وأهلها، والمعهود من ~~تصرفها وفعلها. # لم يرض قلب أبي شجاع مبلغ ... قبل الممات ولم يسعه موضع # كنا نظن دياره مملوءة ... ذهبا فمات وكل دار بلقع # وإذا المكارم والصواره والقنا ... وبنات أعوج كل شيء يجمع # البلقع: الخالية التي لا شيء فيها، وبنات أعوج: الخيل، وأعوج: فحل معروف. # فيقول: لم يبلغ فاتك من الرفعة مبلغا إلا رآه قليلا لنفسه، متواضعا عند ~~جلالة قدره، وكذلك لم يملك جهة من الأرض إلا ضاقت عن همته، وقصرت مع سعتها ~~عن الوفاء برغبته. # ثم قال: كنا نظن مع كثرة جبايته، وسعة أقطاره وولايته، أن دياره مملوءة ~~بالذهب، وأن حاله في ذلك حال الجامع المكتسب، فمات ومال كل دار أن تكون ~~خالية من ساكنها، بلقعا بعد ذهاب عامرها. PageV02P003 # ثم قال: فلما شهدنا ما اقتناه وجمعه، واكتسبه وذخره، فإذا ذلك هبات قصرت ~~عليه ذكر مكارمه، وسلاح وخيل أعدها بملاحم وقائعه. # المجد أخسر والمكارم صفقة ... من أن يعيش لها الكريم الأروع # والناس أنزل في زمانك منزلا ... من أن تعايشهم وقدرك أرفع # الأروع من الرجال: ذو الجسم التام والمنظر الجميل، والإنزال: التواضع. # فيقول، وهو يشير إلى فاتك: المجد والمكارم أضيع وأخسر، وأتعس وأخيب، من ~~أن يعيش لها فاتك الكريم، الموكل بحفظها، الأروع الجامع لشملها. # ثم قال، وهو يخاطبه: ms130 والناس من أهل زمانك أنزل منزلة، وأوضع مكانا ومرتبة ~~من ان تعايشهم مع مباينتك لهم، وتصحبهم مع قلة اشتباهك بهم؛ لأنك ترتفع ~~عنهم ويتواضعون عنك، وتكبر عن مماثلتهم ويتباينون منك. # برد حشاي إن استطعت بلفظة ... فلقد تضر إذا تشاء وتنفع # ما كان منك إلى خليل قبلها ... ما يستراب به ولا ما يوجع # يقول مشيرا إلى ما بنفسه عليه من شدة الوجد، وما يضمره من الأسف والحزن: ~~برد حشاي أيها المفقود بلفظة أسمعها، وإشارة أتبينها، فقديما كنت تقول ~~فيسمع، وتضر إذا تشاء وتنفع. # ثم قال: ما كان منك إلى أحبتك قبل أن تفجعهم بنفسك، وتطرقهم الأيام ~~بفقدك، فعل ينكرونه فيريبهم، ويكرهونه فيوجعهم، وما زلت تشملهم بفضلك، ~~وتعتمدهم بإحسانك وبرك، وبحسب ذلك أوجعت قلوبهم، وأبكيت بمصابك عيونهم. # ولقد أراك وما تلم ملمة ... إلا نفاها عنك قلب أصمع # ويد كأن نوالها وقتالها ... فرض يحق عليك وهو تبرع # الأصمعي: الذكي، والتبرع: التطوع. # فيقول: وهو يخاطب فاتكا: ولقد بلوتك وما تطرقك ملمة من الدهر، ولا تعن لك PageV02P004 ~~عظيمة من الأمر، إلا نفى عنك وما تحذر من ذلك، قلب ذكي لا تنازعه الغفلة، ~~ونفس جريئة لا تعارضها الهيبة. # ثم قال: ونفى ذلك عنك يد باذلة للنوال، قوية باطشة في القتال، كأن البذل ~~والهبة، والنفاذ والقوة، فرض عليها لا تستبد منه، ولزام لا تجد محيصا عنه. # يا من يبدل كل وقت حلة ... أنى رضيت بحلة لا تنزع؟! # ما زلت تخلعها على من شاءها ... حتى لبست اليوم ما لا يخلع # ما زلت تدفع كل أمر فادح ... حتى أتى الأمر الذي لا يدفع # الحلة: ثوبان يلبسهما الرجل مجتمعين، والفادح: الأمر الذي يثقل حامله. # فيقول، وهو يشير إلى فاتك: يا من يبدل كل وقت حلة يفيتها عن نفسه، بأن ~~يخلعها على زائره، ويهبها لقاصده، كيف رضيت من اكفانك بحلة لا تنزع، ~~واشتملت منها بلبسة لا توهب؟!. # ثم قال: ما زلت تخلع ملابسك خلع مبرة وإكرام، وتبذلها بذل تطول وإنعام، ~~حتى لبست من جهاز الموت ما لا يوهب وأحاط بك منها ms131 ما لا يفارق وينزع. # ثم قال: وهو يريده: ما زلت تدفع كل فادح يطرقك بنفاذك وقوتك، وتستظهر ~~عليه باقتدارك وجرأتك، حتى أتاك من الموت أمر لا يدفع بتصرف وحيلة، ولا ~~يستكف بجلالة وقدرة. # فظللت تنظر لا رماحك شرع فيما ... عراك ولا سيوفك قطع # بأبي الوحيد وجيشه متكاثر يبكي ... ومن شر السلاح الأدمع # وإذا حصلت من السلاح على البكا ... فحشاك رعت بها وخداك تقرع # إشراع الرماح: بسط الأيدي بها، والقرع: الضرب. # فيقول نادبا لفاتك: فظللت تنظر إلى الموت نظر المسلم، وتلحظه بعين ~~المحكم، لا تطيق مدافعته، ولا تمكنك مباطشته، قد عجزت رماحك عن مطاعنته، وقصرت PageV02P005 ~~سيوفك عن مجالدته، فسطا عليك سطوة المالك لك، وغلبك غلبة المحيط بك. # ثم قال مشيرا إليه: بأبي الوحيد من الأنصار مع تكاثر جيشه، المفرد من ~~الأصحاب مع توافر جمعه، الباكي على نفسه عند تيقنه بفناء عمره، ومن شر ~~السلاح عند المدافعة، وأظهره تقصيرا عند المغالبة، البكاء الذي لا ينفع ~~المستعمل له، والدمع الذي لا يغني المستظهر به. # ثم قال مؤكدا لما قدمه، وأجرى قوله مجرى لمثلك وإذا حصلت من سلاحك على ~~الحزن، ومن أنصارك على الدمع، فحشاك تروع بحزنك، وخداك تقرع بدمعك، والبكاء ~~الذي ترتقب نصرته هو الذي يقصر عليك مكروهه وسطوته. # وصلت إليك يد سواء عندها البازي ... الأشيهب والغراب الأبقع # من للمحافل والجحافل والسرى؟ ... فقدت بفقداك نيرا لا يطلع # ومن اتخذت على الضيوف خليفة؟ ... ضاعوا ومثلك لا يكاد يضيع # الباز: معروف، والأشهب: الذي غلب البياض على لونه، والغراب الأبقع: الذي ~~في صدره بياض، ذكر ذلك رواة اللغة، والمحافل: جمع محفل، وهو المجتمع، ~~والجحافل: جمع جحفل، وهو العسكر العظيم، والسرى: سير الليل، والنيران: ~~الشمس القمر. # فيقول، هو يردي فاتكا: وصلت إليك من الموت يد لا يفلتها ما تأخذه، ولا ~~يفوتها ما تقصده، سواء عندها الشريف والمشروف، والقوي والضعيف، فعلها في ~~الباز الأشهب مع كرمه ورفعته، كفعلها في الغراب الأبقع مع قبحه وضعته، ~~وكذلك نالك منها أيها الرئيس المعظم، وأدركك من مكروهها أيها السيد المقدم، ~~كالذي يدرك ms132 الخامل الذي لا قدر له، والساقط الذي لا يحفل به. # ثم قال متفجعا عليه: من للمحافل (في إرشاد جماعتها، والجحافل) في تصريف ~~كتائبها، وللسرى عند انتهاز فرص الحرب، وطلب الغرة من الأعداء في الغزو؟ PageV02P006 # فقدت أيها الرئيس بفقدك المرشد الذي كانت تستمد برأيه، والنير الذي كانت ~~تهتدي بضوئه، فعدمت ما كانت تعهده عنده، وغرب ذلك النير غروبا لا يطلع بعده. # ثم قال متفجعا عليه: ومن اتخذت خليفة على ضيوفك الذين كنت تسر بقربهم، ~~وتلتذ بما تتكلف في برهم؟ ضاعوا بعدك بما لحقهم من فقدك، وعدموا ما عهدوه ~~من فضلك، ومثلك لا يضيع في حياته قاصده، ولا يخيب من مبرته زائرة، ولكن ~~المنايا تغلب العادات، والأيام بتصرفها تفرق الجماعات. # قبحا لوجهك يا زمان! فإنه ... وجه له من كل قبح برقع # أيموت مثل أبي شجاع فاتك ... ويعيش حاسده الخصي الأوكع؟! # أيد مقطعة حوالي رأسه ... وقفا يصيح بها: ألا من يصفع؟ # البرقع: معروف، والأوكع: الأحمق، والصفع: ضرب القفا باليد. # فيقول متظلما من الزمان، ومستنكرا لفعله، ومنبها على جوره: قبح الله وجهك ~~أيها الزمان وأتعبه، وأهانه ولا أكرمه، فإنه وجه متبرقع بضروب من القبح، ~~مستتر بصنوف اللؤم، لا يحمد مثله، ولا يشكر فعله. # ثم قال: أيموت مثل أبي شجاع فاتك، عماد الإفضال والكرم، وولي الآلاء ~~والنعم، وبعيش كافور حاسده اللئيم الأوضع، والخصي المنقوص الأوكع؟!. # ثم قال، وهو يريد كافورا، مشيرا إلى عبوديته، ومخبرا عن سقوطه ودناءته: ~~أيد حواليه لم يبعد عهدها بضربه، وتوجعها بتناول أدبه. وقفا يناديها منه، ~~مع ما صار إليها من الرفعة، وما حصل عليه من الرئاسة والإمرة، استيحاشا ~~للعادة، وترقبا لامتهان العبودية: ألا من يصفع على من عهدت؟ فيصير ويضرب، ~~فأسلم ولا أنكر. # أبقيت أكاذب أبقيته ... وأخذت أصدق من يقول ويسمع # وتركت أنتن ريحة مذمومة ... وسلبت أطيب ريحة تتضوع PageV02P007 ~~التضوع: شدة الفوح. # فيقول مخاطبا للزمان، ومؤكدا لما قدم من ملامته: أبقيت من كافور أكذب من ~~أبقيته من الكاذبين، وأسقط من غادرته من المتأخرين، وأخذت أصدق من يقول فلا ~~ينكر صدقه، وأكرم ms133 من يسمع فلا ينكر فضله. # ثم قال، وهو يخاطب الزمان: وتركت من كافور الأسود، أنتن ريحة وأخبثها، ~~وأحقها بالذم وأكرهها، وسلبت من فاتك أطيل مشموم تعيق ريحه، وأكرم مشهور ~~يتضوع فوحه. # فاليوم قر لكل وحش نافر دمه ... وكان كأنه يتطلع # وتصالحت ثمر السياط وخيله ... وأوت إليها سوقها والأذرع # وعفا الطراد فلا سنان راعف ... فوق القناة ولا حسام يلمع # التطلع: الاستشراف، وثمر السياط: العقد التي تكون فيها، وأوت: سكنت ~~ورجعت، وعفا: درس وذهب، والطراد: التجاول في الحرب، والسنان: سنان الرمح، ~~والراعف: الذي يقطر منه الدم، والحسام: السيف القاطع، ويلمع: يبرق. # فيقول: فاليوم قر بوفاة فاتك دم كل وحش نافر كان يتوقع اقتناصه وتصيده ~~إياه، وكان ذلك الدم كأنه يحس بالسفك ويتطلع إلى الجري. يشير إلى أن فاتكا ~~كان يلازم الصيد بمواصلته للغزوات، وتبديه في المهامه والفلوات. # ثم قال: والآن تصالحت بوفاته ثمر السياط وخيله التي كان يستعجلها في ~~العدو، ويستكرهها على مطاولة الغزو، وأوت إلى تلك الخيل أذرعها وسوقها ~~بغراحتها وصيانتها، وجمامها وإقامتها؛ لأنها تثنيها راقدة، وتصرفها على ~~اختيارها وادعة، وكانت بحياة فاتك لا تنفك من عجل، وكأنها كانت من الخيل بمعزل. # ثم قال: وعفا الطراد بوفاة فاتك ودرس، فلا سنان بعده يرعف باستعماله في ~~المطاعنة، ولا حسام يلمع بتصريفه عند المجالدة. يشير إلى أن فاتكا كان عماد PageV02P008 ~~الأمراء المتمرسين في زمانه بالحرب، والمشهورين بمداومة الطعن والضرب. # ولى وكل مخالم ومنادم بعد ... اللزوم مشبع ومودع # قد كان فيه لكل قوم ملجأ ... ولسيفه في كل قوم مرتع # المخالم: المصادق، والمنادم: المشارب، والمرتع: الموضع السري المتمكن الرعي. # فيقول، وهو يريد فاتكا: ولى عند النهوض به إلى قبره، والتقديم إلى لحده، ~~وكل من أمله وخالمه، وعول عليه ونادمه، مشيعون له غير مؤانسين، ومودعون غير ~~ملازمين. # ثم قال: قد كان فيه لكل من والاه وأطاعه ملجأ يتمسك بعصمته، وكان لسيفه ~~في كل من عصاه وخالفه مرتع يروع القلوب بسطوته. # إن حل في فرس ففيها ربها ... كسرى تذل له الرقاب وتخضع # أو حل في روم ففيها ms134 قيصر ... أو حل في عرب ففيها تبع # يقول: أن فاتكا كان معظما في كل أمة، معترفا بفضله في جل فرقة، فأن حل ~~بين الفرس، لحظته العين التي كانت تلحظ بها كسرى، رب ملكها، والمنفرد ~~بتدبير أمرها، فخضعت الفرس لطاعته، واعترفت برفعته وجلالته. # ثم قال على نحو ما قدمه: وأن حل بين الروم أحلته محل قيصر ملكها المقدم، ~~ومتوجها المعظم، فاحتملت على حكمه، وسلمت لأمره، وأن حل بين العرب كان ~~كتبع، متوج جماعتها، والمتقدم في رئاستها، ولا يدفع فضله، ولا يخالف أمره، ~~فأشار إلى أن فاتكا كان مقدما في جميع الأمم، محرزا لغاية البأس والكرم. # قد كان أسرع فارس في طعنة فرسا، ... ولكن المنية أسرع # لا قلبت أيدي الفوارس بعده رمحا، ... ولا حملت جوادا أربع # يقول: وهو يريد فاتكا: قد كان أسرع الفرسان فرسا إلى الطعن، وأشدهم ~~إقداما على تقحم غمرات الحرب، ولكن المنية أسرع في إدراك ما تقصده، وأقرب إلى PageV02P009 ~~ما تبغيه وتعتمده. # ثم قال، على سبيل الدعاء والتأكيد لما قدمه عليه من الثناء: لا قلبت أيدي ~~الفوارس رمحا بعده، فإنها عاجزة عن سعيه، ولا حملت الخيل قوائمها، فإنها ~~مقصرة عن نكاية العدو لفقده. فأشار إلى أن السلاح والخيل إنما كانا يكرمان ~~بما يظهر فاتك فيهما من رغبته، وما كان يستعملها فيه مما يدعو إليه علو همته. PageV02P010 # وقال أيضا بالكوفة يرثيه، وكتب بها. # حتام نحن نساري النجم في الظلم ... وما سراه على خف ولا قدم؟ # ولا يحس بأجفان يحس بها ... فقد الرقاد غريب بات لم ينم # الكسارات: المفاعلة من السرى، وهو سير الليل، والنجم: واحد النجوم، وقد ~~يراد به الجميع، ويخبر عنه على ذلك، قال الله عز وجل: (والنجم إذا هوى)، ~~قال اكثر أهل التفسير: أنه أقسم بغروب النجوم، والخف للجمل كالقدم للرجل، ~~وكالحافر للدابة. # فيقول مستطيلا لأسفاره، ومنبها على كثرة رحله: إلى متى ترقب النجوم ~~وتصحبها، وتجاريها في قطع الظلام وتمتثلها، وشأننا في ذلك غير شأنها، ~~وسبيلنا غير سبيلها؛ لأنها ليست بذات خفاف فتتألم السير، ولا بذوات أقدام ~~فتتهيب ms135 الليل، فنحن وإبلنا تتشكى من السرى، ما لا تحفل النجوم بمثله، ~~وتتوجع منه لما هي مجبولة على فعله. # ثم قال على نحو ما قدمه: ولا تحس النجوم طول السهر، وفقد النوم في السفر، ~~بأجفان يحس بها غريب شارد النوم، متعب متغير الحال. فأشار بما ذكره من ~~مسارات النجوم إلى اتصال رحله، وبما هو عليه من قلة النوم إلى شدة ألمه. # تسود الشمس منا بيض أوجهنا ... ولا تسود بيض العذر واللمم # وكان حالهما في الحكم واحد ... لو احتكمنا من الدنيا إلى حكم # ونترك الماء لا ينفك من سفر ... ما سار في الغيم منه سار في الأدم # العذر جمع عذار، وهو شعر العرض، واللمم: جمع لمة، وهي ما يكثر من شعر ~~الرأس، فيزيد على الوفرة، والغيم: النوء الذي يكون عن تكاثف السحاب، ~~والأدم: جلود يصنع منها القرب وغيرها. # فيقول: تسود الشمس منا فيما نعانيه من الرحيل، وما تتكلفه من السفر، بياض ~~وجوهنا، وتذهب بنضرة جمالنا، وتبقي الشيب فلا تغيره، وتعرض عنه فلا تسوده PageV02P011 ~~تناقلا عما نأمله، وسرعا إلى ما تكرهه، وإيذانا بفناء العمر، وتنبيها على ~~اقتراب الهرم. # ثم قال مشيرا إلى اتصال أسفاره: ونترك الماء على ما نحن عليه من مداومة ~~الترحل، ومعاناة السفر والتنقل، فما كان منه في السحاب فأودعته الأرض ~~بانسكابها به، وصيرته في بطونها بأمطارها له، تزودنا مستكثرين، وحملناه غير ~~مستبدين، فما كان ينتقل منه في السحاب المستعلية، نقلناه في المزواد ~~والأسقية. # لا أبغض العيس لكني وقيت بها ... قلبي من الحزن أو جسمي من السقم # طردت من مصر أيديها بأرجلها ... حتى مرقن بنا من جوش والعلم # تبري لهن نعام الدو مسرجة ... تعارض الجدل المرخاة باللجم # العيس: الجمال البيض، وهي من كرائم الجمال، ومرقن: يعني خرجن، يقال: مرق ~~السهم من الرمية؛ إذا خرج عنها، وجوش والعلم: موضعان معروفان، وتبري: تعرض، ~~والجدل: أزمة الجمال التي تقاد بها، واحدها جديل. # فيقول مشيرا إلى تخلصه من كافور، ومواصلته بالسير من مصر إلى أرض العراق: ~~لا أبغض العيس ولا أنكر فضلها، ولا أزال أتشكر ms136 فعلها، وقد وقيت بها قلبي ما ~~كان يحبه من الحزن، وكفيت بها جسمي ما كان يتوقاه من السقم. يشير إلى أن ~~الإبل التي تخلص بها من مصر، وفات بها من كافور، استوجبت الشكر؛ لأنها ~~استنقذته مما كرهه، وأدرك عليها ما حاوله ورغبه. # ثم قال مشيرا إلى شدة سيره، واعتزامه على ما حاوله من أمره؛ قرنت أيدي ~~هذه الإبل بأرجلها، استعجلها بغاية الجهد للطلب الذي كنت أحذره، وسوء مذهب ~~كافور الذي كنت أتيقنه، حتى مرقن بنا من جوش والعلم، فأمنت ما حذرت، ~~واستبعدت ما كرهت. # ثم قال: تبري بهذه الإبل الخيل التي جنبناها مسرجة، وتعترض جدلها باللجم PageV02P012 ~~متصرفة، وكنى عنها بنعام الدو، مشيرا إلى ما كانت عليه من سرعة السير، وما ~~كلفها فيه من وجهته من ملازمة القفر، والعرب تضرب المثل بالنعام في السرعة ~~فيقولون لمن أفرط في الهرب: (أشرد من ظلم)، و(شالت نعامة بني فلان)، ~~وللنعام في القوة على ملازمة الفلوات حال لا تجهل، وقوة لا تنكر، فكنى عن ~~الخيل التي جنبها في وجهتها بهذا الاسم، ووسمها لنفاذها في ملازمة القفر ~~بهذا الوسم. # في غلمة أخطروا أرواحهم ورضوا ... بما لقين رضى الأيسار بالزلم # تبدو لنا كلما ألقوا عمائمهم ... عمائم خلقت سودا بلا لثم # بيض العوارض طعانين من لحقوا ... من الفوارس شلالين للنعم # الخطر: الغرر، وأخطر الرجل نفسه: إذا عرضها لذلك، والأيسار: الذين ~~يقترعون في الميسر، والزلم: قدح لا ريش له، وقداح الميسر كذلك، وكل واحد من ~~الأيسار مسلم لما يصيبه بالقدح الذي يخرج له، واللثم: جمع لثام، وهو ما ستر ~~الفم من مقنع أو عمامة، والعوارض: جمع عارض، وهو الذي يصل بين الرأس ~~واللحية من الشعر، والشل: الطرد، والنعم: الإبل تختلط بالغنم وسائر ~~الماشية. # فيقول: أنه قطع القفر الذي قدم ذكره، في غلمة رضي صحبتهم، وخبر إقدامهم ~~وجرأتهم، فأخطروا معه أنفسهم مغررين، وتقحموا مكروه المخافة موطنين، ورضوا ~~بما تجشمته خيلهم وركائبهم غير متسخطين، رضى الأيسار بالزلم الذي لا ~~يخالفونه، وعلى نحو تسليمهم بحكمه الذي لا يتكرهونه. # ثم قال واصفا للقوم ms137 الذين صحبهم بالإقدام والشدة، والاقتبال والقوة: تبدو ~~لنا منهم، كلما ألقوا عمائمهم، وحسروا عن رؤوسهم، عمائم من شعورهم، سود لا ~~يتلثم بمثلها، باقية على حقيقة خلقها. وأشار بسواد شعور رؤوسهم إلى أنهم لم ~~يخلقوا بالشيوخ الذين تضطرب أمورهم، ويقعد بهم السن فتضعف جسومهم. PageV02P013 # ثم أكد ما قدمه فقال: أنهم بيض العوارض مع سواد شعر رؤوسهم. فأشار إلى ~~اكتهال أسنانهم، وإحرازهم الكمال في جملة أحوالهم. ثم وصف غناءهم وشدتهم، ~~وبأسهم وجرأتهم، فقال: أنهم طعانون بمن لحقوه من الفوارس عند حملاتهم، ~~شلالون لما يستاقونه من النعم في غاراتهم. فدل بقوله: (طعانون من لحقوا) ~~على ضعف الأعداء عن موافقتهم، وبما وصفهم به من شل ما يستاقونه، على عجز من ~~أغاروا عليه عن متابعتهم. # قد بلغوا بقناهم فوق طاقته ... وليس يبلغ ما فيهم من الهمم # في الجاهلية إلا أن أنفسهم ... من طيبهن به في الأشهر الحرم # ناشوا الرماح وكانت غير ناطقة ... فعلموها صياح الطير في البهم # القنا: قصب الرماح، واحدها قناة، والهمم: جمع همة، وهي مراد الإنسان، وما ~~تنزع إليه نفسه، والجاهلية: التصرف على غير أحكام الشريعة والشهر الحرم: ~~رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وكانت العرب في جاهليتها لا تستحل ~~القتال في هذه الأشهر، وناشوا: تناولوا، والبهم: جمع بهمة، وهو الشجاع الذي ~~لا يدري من أين يقصد في القتال لهيبته. # فيقول: أن الفرسان الذين قدم ذكرهم قد بلغوا برماحهم، بكثرة استعمالهم ~~لها في الطعن، وتصريفهم إياها في شدائد الحرب، فوق ما تطيقه، واكثر مما ~~تحتمله، فلا تزال في تلك الملاحم تنكسر، وفي تلك الوقائع تنحطم، وهي مع ذلك ~~لا تبلغ الغايات التي تطمح إليها هممهم، والحدود التي ترضى ببلوغها أنفسهم. # ثم قال: أنهم لتمرسهم بالحروب، ومداومتهم للقتال والقتل، في مثل أحوال ~~الجاهلية، إلا أن أنفسهم بتلك الرماح وما تكسبهم من العزة، وما يتيقنون بها ~~من الظهور والقدرة، في مثل الأشهر الحرم التي كان أهل الجاهلية لا ينتهكون ~~بالقتال عظيم حرمتها، ولا يزالون آمنين في مدتها. PageV02P014 # ثم قال: تنالوا الرماح وهي خرس لا أصوات ms138 لها، وصوامت لا يظن الصياح بها، ~~فكسروها عند مطاعنة الأقران، وأكرهوها في أجسام بهم الفرسان فحكت أصوات ~~الطير عند تقصفها، ولم تبعد منها في حين تحطمها. # تخدي الركاب بنا مشافرها ... خضرا فراسنها في الرغل والينم # معكومة بسياط القوم تضربها ... عن منبت العشب تبغي منبت الكرم # وأين منبته من بعد منبته ... أبي شجاع قريع العرب والعجم؟ # الوخد: ضرب سريع من السير، والركاب: الجمال التي يتحمل عليها، والمشافر ~~للإبل كالجحافل للخيل، وهي ما تتناول العلف به من أفواهها، والفراسن: جمع ~~فرسن، وهو (لحم) على خف البعير. والرغل والينم: نبتان، والمعكوم: المغلوب، ~~أستعير له من الذي يجعل الكعام في فمه فلا يتكلم، وقريع القوم: سيدهم. # فيقول: تخدي الركاب بنا مسرعة، ونقطع بها الفلوات مستعجلة، ومشافرها بيض ~~باللغام الذي تقذف به من أفواهها، وفراسنها خضر بالنبت الذي تطؤه في طرقها، ~~فأشار بكثرة ما تقذفه الإبل من اللغام إلى استعجالهم لها، وبكثرة العشب في ~~طرقهم إلى قلة المرور بها. # ثم قال، وهو يشير إلى الإبل: معكومة عن الهدير بشدة السير، مشغولة عنه ~~بسياط القوم تضربها عن منابت العشب، وما تخيم عليه العرب من ذلك في البلد ~~القفر، ونحن نعتمد ملوك الأمصار، أرباب النعم، والذين في أيديهم منابت الكرم. # ثم قال مستطردا إلى ذكر فاتك: وأين منبت الكرم بعد أبي شجاع، منبته ~~ومألفه، وشقيقه ومحالفه، قريع العرب والعجم، والمحرز لغابات الفضل ~~والكرم؟!. # لا فاتك آخر في مصر نقصده ... ولا له خلف في الناس كلهم # من لا يشابهه الأحياء في شيم ... أمسى تشابهه الأموات في الرمم # عدمته وكأني سرت أطلبه ... فما تزيدني الدنيا على العدم PageV02P015 ~~الشيم: الأخلاق، الواحد شيمة، والرمم: العظام البالية، واحدتها رمة. # فيقول: لا فاتك آخر غير المفقود في مصر فترحل إليه وتقصده، وتعول عليه ~~وتعتمده، ولا له عوض في الناس كلهم فتعدل إلى ذلك العوض، تألفه وتقتصر عليه ~~بالشكر والحمد. # ثم قال: من كانت لا تشابهه في شيمه، ولا تساجله في إقدامه وكرمه، وكان ~~بينهم واحدا لا نظير له، وفردا لا يقترن رئيس به، ms139 أمسى في قبره رمة كسائر ~~الرمم، وكواحد ممن أفناه الموت من الأمم. # ثم قال: عدمته بالموت الذي عاجله، والحتف الذي اخترمه وواقعه، ثم سرت ~~مرتحلا عن أرضه، ومؤملا للعوض برئيس مثله، فلم تزدني الدنيا على العدم لما ~~املته، ووقوع البأس عما طلبته. # ما زلت أضحك إبلي كلما نظرت ... إلى من اختضبت أخفافها بدم # أسيرها بين أصنام أشاهدها ... ولا أشاهد منها عفة الصنم # حتى رجعت وأقلامي قوائل لي ... المجد للسيف ليس المجد للقلم # أخفاف الإبل: واحدها خف، وهو فرسن البعير الذي يطأ الأرض بأسفله، ~~والأصنام: تماثيل من خشب وأحجار كانت تعبد في الجاهلية، والعفة: الكف عما ~~لا يحل، والمجد: إدراك الشرف. # فيقول: ما زلت أضحك إبلي وأن كانت لا تعقل، وأطيل عجبها مع أنها لا تفهم، ~~(كلمة) نظرت إلى ملوك الأمصار التي قصدتها، ورؤساء البلاد التي ىختللتها، ~~وتبينت أحوال من اختضبت بالدم في قصده، ولقيت أشد الجهد في ترحلها إلى أرضه. # ثم قال: أسير إبلي منهم تشبه الأصنام (في تعظيمها وطاعتها، ولا تشبهها) ~~بعفتها عما يستجيزونه من الظلم؛ وبراءتها عما يحتملون عليه من البغي. PageV02P016 # ثم قال: حتى رجعت بعد تبيني لأحوالهم، ومعرفتي بحقيقة إقرارهم، وأقلامي ~~تعاتبني جاهدة، وتخاطبني منادية قائلة: المجد للسيف الذي يعيد العز ويوجبه، ~~ويجير المغلوب وينصره، لا للقلم الذي يخذل المستعمل له، ولا يبدو غناءه عن ~~المدافع به. # أكتب بنا أبدا بعد الكتاب به ... فإنما نحن للأسياف كالخدم # أسمعتني ودوائي ما أشرت به ... فإن غفلت فدائي قلة الفهم # من اقتضى بسوى الهندي حاجته ... أجاب كل سؤال عن هل بلم # يقول مخبرا عن أقلامه التي قيد بها عمله، وآدابه التي نظم منها شعره: ~~أنها حضته على أن يقدم السيف في ما يطالبه، ويعول عليه فيما يحاوله؛ فأن ~~الأقلام والآداب كالخدم للأسياف، تتبعها متواضعة لقدرها، وتخدمها ممتثلة ~~لأمرها. # ثم قال مؤكدا لما قدمه، وهو يريد أقلامه: أسمعتني ودوائي لا محالة ~~استعمال السيف الذي أشرت بالعدول إليه، وإيثار البطش الذي ندبت إلى التعويل ~~عليه، فأن غفلت عن إنفاذ قولك، وقصرت عن ms140 امتثال رأيك، فدائي قلة الفهم ~~لصحيح الآراء، وإعراضي عن امتثال أقوال النصحاء. # ثم قال على نحو ما تقدم: من اقتضى بغير السيف حاجته، وحاول من غير طريق ~~الغلبة رغبته، خاب سعيه، واستضعف رأيه، وأجاب المستفهم بها عن أمره؛ بأنه ~~لم يظفر فيه بإسعاد من دهره. # وتوهم القوم أن العجز قربنا ... وفي التقرب ما يدعو إلى التهم # ولم تزل قلة الإنصاف قاطعة ... بين الرجال وإن كانوا ذوي رحم # الرحم: القرابة. # فيقول: توهم القوم المتوثبون على الدول، المتسورون على المدن، أن العجز ~~عن مساجلتهم، والتقصير عن مقاومتهم، ونى بنا عنهم، وقربنا منهم، وفي التقرب PageV02P017 ~~والمسامحة، والإمساك والمجاملة، ما يدعو إلى اتهام ذي القوة، واستضعاف من ~~تشهر بالبأس والنجدة. # ثم قال: ولم يزل ما يغشانا به من نباشره من الولاة والمتوثبين، من قبح ~~المعاملة، وقلة الإنصاف والمجاملة، يقطع ما بين المتواصلين، ويفرق ما بين ~~المتعارفين، وأن كانوا ذوي أرحام واشجة، وقرابات لاصقة. # فلا زيادة إلا تزورهم ... أيد نشأن مع المصقولة الخذم # من كل قاضية بالموت شفرته ... ما بين منتقم منه ومنتقم # صنا قوائمها عنهم فما وقعت ... مواقع اللؤم في الأيدي ولا الكزم # السيوف الخذم: القاطعة، الواحد خذوم، والقاضي: الحاكم، والكزم: قصر ~~الأصابع. # فيقول: فلا بقية لنا عليهم، ولا زيادة بيننا وبينهم، إلا أن تزورهم بأيد ~~باطشة، تصول بسيوف خذم ماضية، واصلتها في قديم النشأة، ووافقتها في حقيقة ~~الجبلة، وأن كان في هذه العبارة زيادة على لفظ الشعر، فهي مفهومة من بنيته، ~~محكوم عليها في حقيقته. # ثم قال على نحو ما قدمه: من كل سيف صارم تقضي بالموت شفرته، وتحكم به ~~حدته، وتتصرف ما بين مطلوب ينتقم منه، وطالب تنطق سيوفه عنه. # ثم قال: صنا قوائم تلك السيوف عن المقصودين بها، وعلينا عليها المعرضين ~~(لها)، وانفرادنا بها دونهم، وسبقنا إليها جميعهم، فلم تقع في أيديهم، في ~~أيد لئيمة المخبر، كزمة قبيحة المنظر، وكزم اليد وخشونتها من دلائل الهجنة، ~~ومقابح الخلقة. # هون على بصر ما شق منظره ... فإنما يقظات العين كالحلم # ولا تشك إلى خلق ms141 فتشمته ... شكوى الجريح إلى الغربان والرخم # وكن على حذر للناس تكتمه ... ولا يغرك منهم ثغر مبتسم PageV02P018 ~~شق الشيء على طالبه: إذا صعب والحلم: معروف. # فيقول مخاطبا لنفسه، ومظهرا للتجلد على ما تصعب من أمره: هون على بصرك ما ~~ساءك أن تبصره، ولم يوافقك أن تشهده، فأن أمور الدنيا بجملتها سريع تنقلها، ~~منتظر تبدلها، وإنما هي وأن كانت يقظة تتيقن، وحقيقة تتبين، كالأحلام ~~العارضة، والخيالات الذاهبة. # ثم قال مخاطبا لنفسه: ولا تشك إلى أحد من الناس فتشمته بنفسك، وتسره بما ~~تعوق من أمرك، وتكون فيما تشكو إليه كالجريح يشكو إلى الغربان والرخم، وهي ~~تستبطئ هلكه، وترقب أن تلتهم جسمه. # ثم قال على نحو ما قدمه: وكن من الناس على حذر تضمره، وتوقع لا تظهره، ~~ولا يغرك منهم من يبتسم في وجهك، ويخدعك بما يبديه من السرور بقربك، فكل ~~ذلك كاذب لا يصدقك، وأباطيل تظاهر بها ولا تنفعك. # غاض الوفاء فما تلقاه في عدة ... وأعوز الصدق والإخبار والقسم # سبحان خالق نفسي كيف لذتها ... فيما النفوس تراه غاية الألم؟! # غاض: ذهب، وأعوز: امتنع. # فيقول: غاض الوفاء، وعدم أهله، وزهد في المعروف، وأنكر فعله، فلست تلقى ~~من يفي لك بوعده، ويخبرك بالحقيقة عن نفسه، وكذلك أعوز الصدق في الأخبار ~~المجملة، والإيمان المؤكدة، فتساوى الأمران، وتماثل المذهبان. # ثم قال مخبرا عن جلده وقوته، ومبينا عن صرامته وشدته: سبحان من جعل نفسي ~~متخلقة بالصبر، متجلدة على نوائب الدهر! تلتذ من ذلك بما سائر النفوس ~~تتألمه، وتسكن فيه إلى ما غيرها من النفوس تستكرهه. # الدهر يعجب من حملي نوائبه ... وصبر نفسي على أحداثه الحطم # وقت يضيع، وعمر ليت مدته ... في غير أمته من سالف الأمم PageV02P019 ~~أتى الزمان بنوه في شبيبته ... فسرهم وأتيناه على الهرم! # الأحداث: التصاريف، والحطم: التي تهلك بشدتها، واحدتها حطوم. # فيقول: الدهر يعجب من صبري على تحمل نوائبه، واستقلالي بما يطرقني من ~~حوادثه، وأن كانت حطما موجعة، وكريهة مؤلمة، تطرق فأصبر، وتتابع فلا أنكر. # ثم قال مبينا لما قدمه: وقت من الدهر يضيع فلا أنتفع ms142 به، وينصرم وما أنا ~~بالشاكر له، وعمر لا أغتبط بتراخي مدته، ولا أسر بتصرف في جملته، أقطعه في ~~أمة لا أنس بقربها، ولا اسكن إلى مثلها وأود أني أفنيت عمري فيمن هدم من ~~الأمم السالفة، وبين ما انصرم من القرون الماضية. # ثم قال: أتى الزمان من تقدمنا من أبنائه وهو شاب غير هرم، وطلق غير ~~متجهم، فسر وأسعد، وأبهج وأغبط، وأتيناه هرما قد كبر، وعابسا قد بسر، ~~فاكتنفتنا صروفه، وتعاورتنا خطوبه، ولم يكنا أن نحيله عن رتبته، ونعدل به ~~عن بنيته. PageV02P020 # دخل على أبي الطيب صديق له بالكوفة، وبين يديه طرائف مما أهدى إليه فاتك ~~بمصر، فنظر إلى تفاحة ند وعليها أسم فاتك منقوشا، فأستحسنها فقال أبو الطيب: # يذكروني فاتكا حلمه وشيء ... من الند فيه أسمه # ولست بناس ولكنني يحدد ... لي ريحه شمه # الحلم: معروف، والند: أخلاط مؤلفة من الطيب. # فيقول: يذكرني فاتكا ما شهدته من حلمه، وبلوته من سعة فضله، وشيء من الند ~~يحضر لي، موسوم باسمه، متفاوح بتضوع نشره، ولست بناس لعهده، ولا بمعرض عن ~~التفجع لرزئه، ولكن شم هذا الند جدد لي ما عهدته من ريحه، وذكرني بما شهدته ~~من فوحه. # وأي فتى سلبتني المنون؟ ... ولم تدر ما ولدت أمه! # ولا ما تضم إلى صدرها ولو ... علمت هالها ضمه # المنون: الموت. # فيقول: وأي فتى سلبتني المنون فيه؟ لم تدر أمه ما ولدت منه في موضعه من ~~الرئاسة والرفعة، ومنزلته من الشجاعة والشدة. # ثم قال: ولا علمت بما تضم فيه إلى صدرها، ومن الذي ترضع منه بثديها، ولو ~~علمت ما له في النجدة وما يبلغه من البأس والجرأة، لهالها إمساكه وضمه، ~~ولأفزعها تقليبه وحمله. # بمصر ملوك لهم ما له ولكنهم ... ما لهم همه # وأجود من جودهم بخله وأحمد ... من حمدهم ذمه # وأشرف من عيشهم موته وأنفع ... من وجدهم عدمه # الهم والهمة: بمعنى، والوجد الغنى والسعة، والعدم: الفقر والعسرة. # فيقول: بمصر رجال يساوونه في المال والسعة، والإكثار والجدة، ولكنهم لا ~~يساوونه في علو همته، وكرم شيمته، فأجود من جودهم ms143 ما يستقل من هباته، PageV02P021 ~~فيحل فيها محل البخل، وأبلغ من حمدهم ما يختصر من ثنائه، حتى يقع لاختصاره ~~موقع الذم. # ثم قال: وأشرف مما يصيرون إليه بالعيش ما أحرزه من الثناء بالموت، وأنفع ~~مما يفعلونه من الإكثار والوجد، ما يفعله مع الإقلال والعدم. ويشير إلى أنه ~~يعجز جهد جميع المحسنين بعفوه، ويتقدمهم بأيسر سعيه. # وإن منيته عنده ... لكالخمر سقيه كرمه # فذاك الذي عبه ماؤه ... وذاك الذي ذاقه طعمه # ومن ضاقت الأرض عن نفسه ... حرى أن يضيق بها جسمه # الخمر: تذكر في الأقل وتؤنث في الأكثر، وأحتمل على لغة من ذكر، والكرم: ~~جمع كرمة، وهي شجرة العنب، وحرى (وحري) بمعنى واحد، يراد بهما ما يراد بحقيق. # فيقول، يريد فاتكا، ويشير إلى شجاعته: وأن منيته عنده، في أنسه بها، وقلة ~~تهيبه لها، لكالخمر تسقاه الكرم فيضرب إلى عنصره وينزع به إلى أوله، والموت ~~لفاتك على هذه السبيل؛ لأنه كان يستصحبه في وقائعه، ويقدم عليه في ملاحمه. # ثم قال نحو ما قدمه: فذاك الذي عبه الكرم من الخمر، ماؤه الذي لا ~~يستنكره، كما أن الموت الذي ذاقه فاتك طعمه الذي لا يستكرهه. فأشار إلى أن ~~فاتكا أنسه بالموت ما سلف له به من طول الصحبة، كما أن الكرم أنسه بالخمر ~~كونه منه في حقيقة الخلقة. # ثم قال: ومن ضاقت الأرض عن نفسه، لعلو همته، وما كان عليه من ارتفاع ~~رتبته، فهو حري أن يضيق فيها جسمه، ويرتفع أن تشتمل الأرض عليه قدره. PageV02P022 # وقال يمدح عبد العزيز بن يوسف الخزاعي، وكانت بينه وبينه صداقة أيام ينزل ~~ببلبيس. # جزى عربا أمست ببلبيس ربها ... بمسعاتها تقرر فذاك عيونها # كراكر من قيس بن عيلان ساهرا ... جفون ظباها للعلا وجفونها # بلبيس: موضع معروف، المسعاة: مفعلة من السعي، وهو الاجتهاد في العمل، ~~والكراكر: الجماعات، الواحدة كركرة، والظبا: جمع ظبة، وهو حد آخر السيف، ~~والجفون: جمع جفن، وهو غطاء مقلة العين. # فيقول: جزى العرب المستقرين ببلبيس، هذا الموضع، ربها بمسعاتها الكريمة، ~~وأفعالها المشكورة؛ لتقر بذلك عيونها، وتبتهج بالجزاء الجميل من ms144 الله ~~نفوسها. # ثم أشار إلى عز هؤلاء القوم وقوتهم، وامتناعهم من الأعداء وكثرتهم، فقال: ~~كراكر من قيس عيلان تسهر جفونهم وجفون سيوفهم في سبيل المجد، ولا ينامون عن ~~ما يستكثرون به من الشكر والحمد. وأجرى الكلام على سبيل الاستعارة. # وخص بها عبد العزيز بن يوسف ... فما هو إلا غيثها ومعينها # فتى زان في عيني أقصى قبيلة ... وكم سيد في حلة لا يزينها # المعين: الماء الجاري على وجه الأرض، والحلة: الموضع الذي ينزله القوم، ~~مجتمع فيه بيوتهم، والقبيلة: الجماعة من الثلاثة إلى ما فوق ذلك، إذا كانوا ~~لأب واحد. # فيقول: وخص الله في هذه الجماعة بحسن الجزاء، وقبول ما قدمته من الدعاء، ~~عبد العزيز بن يوسف؛ فأنه غيثها الذي يعمها فضله، ومعينها الذي ينالها رفده. # ثم قال: فتى زان في عيني أقصى قبيلته، وحسن عندي أحوال جماعته، ورب من ~~يكون في الحلة التي تصغر عند مثلها القبيلة الحافلة، وتقل عند كثرتها ~~الجماعة الوافرة، فلا يزينها بمشكور فعله، ولا يعمها بمرجو فضله. PageV02P023 # ونبتدي بما هجا به كافورا الأسود، فنرتبه على ما قال في أوقاته. فمنه أنه ~~دخل عليه بعد إنشاده: (كفى بك داء أن ترى الموت شافيا)، فلما سلم عليه ضحك ~~في وجهه، وأراد القيام، فنظر إلى شقوق في رجليه لما لبس النعل فقال: # أريك الرضا لو أخفت النفس خافيا ... وما أنا عن نفسي ولا عنك راضيا # أمينا وإخلافا وغدرا وخسة ... وجبنا؟ أشخصا لحت لي أم مخازيا؟! # الخافي من الأشياء: الذي يبدو ويظهر، والخفي: الذي ينطوي ويستتر، والمين: الكذب. # فيقول، وهو يريد كافورا: أريك من نفسي الرضا بقصدك، والاغتباط بما يكون ~~من فعلك، لو أخفت النفس ما هو ظاهر من تكرهي لك، وطوت قدمي على ما ظننته من ~~الجميل بك، وما أنا مع ما أظهره راضيا عنك، للدناءة التي خبرتها منك، ولا ~~عن نفسي لسوء ما تخيرته فيك. # ثم قال: جمعت الإخلاف واليمن والخسة والغدر والدناءة والجبن، فما أدري أن ~~كنت جثة منصوبة أو مخازي مجموعة؟!. # تظن ابتساماتي رضجاء وغبطة ... وما أنا ms145 إلا ضاحك من رجائيا # وتعجبني رجلاك في النعل إنني ... رأيتك ذا نعل وإن كنت حافيا # وإنك لا تدري ألونك أسود ... من الجهل أم قد صار أبيض صافيا # يقول، وهو يخاطب كافورا: أتظن ما أظهره من الفرح والتهلل، وآوي إليه من ~~الضحك والتبسم، رجاء فيك، وغبطة بك، وجنوحا إليك، وإخلاصا لك، وما أنا إلا ~~ضاحك من الرجاء الذي عدل بي إليك، والرأي المخطئ الذي قصر أملي عليك. # ثم قال، وهو يخاطبه: وتعجبني رجلاك وأستغربهما، ويطول ضحكي عند تأملها؛ ~~لأني أراها، وإن كنت حافيا، في نعلين من جفاء جلدتهما، وواقيتين من خشونة ~~خلقتهما. # ثم قال: ورأيتك لا تدري، لشدة جهلك، وما أنت عليه بسبيله من عمى قلبك، PageV02P024 ~~ألونك أسود حالك سواده، أم هو أبيض ناصع بياضه؟ ومن جهل مثل هذا من نفسه، ~~لم تكن به هدية في شيء من أمره. # ويذكرني تخييط كعبك شقه ... ومشيك في ثوب من الزيت عاريا # ولولا فضول الناس جئتك مادحا ... بما كنت في سري به لك هاجيا # فأصبحت مسرورا بما أنا منشد ... وإن كان بالإنشاد هجوك غاليا # تخييط الكعب: ظهور آثار الشقوق الملتئمة فيه كالخيوط في بياضها ~~واندماجها. # فيقول، وهو يريد كافورا: ويذكرني تخبيط كعبك بشقوقه في حين مهنتك، وما ~~كنت عليه زمان عبوديتك، ومشيك عاريا في ثوب من الزيت الذي كنت تواصل ~~الإدهان به، وتكثر الاستعمال له. # وخصيان النوبة في حين جلبهم إلى مصر، يساقون عراة؛ ليس عليهم غير جلود ~~تستر عوراتهم، ويكثرون من الإدهان بالزيت، ليلينوا بذلك ما جف من جسومهم، ~~فأشار أبو الطيب لكافور إلى تلك الحال التي تصرف في بؤسها، وتقلب في ~~دناءتها، وقال: (في ثوب من الزيت) على سبيل الاستعارة؛ لأن الزيت لما شمل ~~جسمه صار كالثوب له. # ثم قال مخاطبا له: ولولا فضول الناس، وأني لا آمن على أن ينبهوك على ما ~~لا تعلمه، ويشرحوا لك ما لا تفهمه، لأنشدتك هجوك على طريق المدح وأنت لا ~~تفهم، وأجزت ذلك عليك وأنت لا تعلم. # ثم قال: فكنت تصبح مسرورا بما أنشده من ms146 هجوك، وأوفق الصدق بذلك في وصفك، ~~وأن كان هجوك غاليا يتكلف (ما) لا تشاكله، ومتواضعا عن إشغال الفكر به. # فإن كنت لا خيرا أفدت فإنني ... أفدت بلحظي مشفريك الملاهيا # ومثلك يؤتى من بلاد بعيدة ... ليضحك ربات الخدور البواكيا PageV02P025 ~~المشفر: إنما يكون للبعير، وهو منه بمنزلة الشفة من الإنسان، فاستعاره في ~~كافور، إشارة إلى عظم شفتيه، وقبح خلقه، وهجنة شخصه، والخدور: جمع خدر، وهو ~~ما تحجب النساء به من الستور في البيوت والهوادج. # فيقول لكافور: وأن كنت لم أفد خيرا في قصدك، ولا حصلت على طائل من برك، ~~فقد أفدت بملاحظة مشفريك أفراحا مسلية، وضروبا من المضحكات مهلية. # ثم قال: وملك يؤتى من بلاد البعيدة، ويتكلف إليه مؤن الأسفار الطويلة، ~~ليسلي ربات الخدور إذا طرقهن الحزن، ويلهيهن إذا عظم عليهن الرزء، فأخبر ~~أنه لا نظير له في قبحه، ولا شبيه له في استكراه الأبصار لشخصه. PageV02P026 # وقال أيضا: # من أية الطرق يأتي مثلك الكرم ... أين المحاجم يا كافور والجلم؟ # جاز الأولى ملكت كفاك قدرهم ... فعرفوا بك أن الكلب فوقهم # لا شيء أقبح من فحل له ذكر ... تقوده أمة ليست لها رحم # الجلم: المقراض، والمعروف فيه أن يقال: جلمان، إلا أنه قد جاء في بعض ~~أشعار المتقدمين، قال بعض الأعراب: ونيرب من موالي السوء ذي حسد يفتات لحمي ~~ولا يشفيه من قرم داويت صدرا طويلا عمره إحنا منه وقلمت أظفارا بلا جلم. # الرحم: وعاء الولد في البطن. # فيقول مخاطبا لكافور: كيف لك بالكرم الذي لا يشبهك؟! ومن أية الطرق يقصدك ~~وهو لا يليق بك؟! وإنما كنت عبدا ساقطا تحلق وتحجم، وتلوم ولا تكرم. # ثم قال: جاز أهل مصر أقدارهم فيما تخلقوا به من الكبر، وأمنوه من حوادث ~~الدهر، فعرفوا بولايتك لأمورهم، وانفرادك بتدبيرهم، أن الكلب مع ضعته ~~يتعالى عنهم، وأنه أرفع منزلة منهم. # ثم قال: لا شيء أقبح من فحل كامل الخلق، سوي جميل الشخص، يقوده متملكا، ~~ويصرفه متلاعبا به، خصي أسود يخرج من الرجال بالخصاء، ويتواضع عن حقيقة ~~النساء. # سادات كل أناس ms147 من نفوسهم ... وسادة المسلمين الأعبد القزم # أغاية الدين أن تحفوا شواربكم ... يا أمة ضحكت من جهلها الأمم؟! # القزم: اللئام المحتقرون، وهي كلمة بمعنى المصدر، تقع للواحد والجمع، ~~وإحفاء الشوارب: استئصال ما فيه من الشعر بالحلق، وكان أهل مصر يفعلون ذلك. # فيقول: سادات كل أمة رجال من أنفسهم، ومقدمون من صميمهم، وسادة المسلمين ~~العبيد الذين لا تعرف أنسابهم، ولا ترضى مذاهبهم وأحوالهم. يشير إلى كافور ~~وغيره ممن تأمر في أمصار المسلمين من الأتراك والديلم، فتممه على غلظ الخلق PageV02P027 ~~في أمرهم وما نفذ في الإسلام من مكرهم. # ثم قال مخاطبا لأهل مصر: أغاية الدين عندكم، وجملة الفضل في معتقدكم ~~إحفاؤكم شواربكم، وتقبيحكم بذلك لمناظركم، وأنتم مع ذلك معرضون عن محنتكم ~~بهذا العبد الأسود الذي ملك رقابكم، وأستذل خياركم، وهذه العبارة وأن كانت ~~تزيد على لفظه، فهي معربة عن حقيقة قصده، ومفهومة عند تأمل شعره. # ألا فتى يورد الهندي هامته ... كيما تزول شكوك الناس والتهم؟ # فإنه حجة يؤذي القلوب بها ... من دينه الدهر والتعطيل والقدم # ما أقدر الله أن يخزي خليقته ... ولا يصدق قوما بالذي زعموا # الهامة: الرأس من جميع الحيوان. # فيقول مشيرا إلى كافور: ألا فتى يورد السيف هامته فيقتله، ويبيع نفسه من ~~الله في ذلك، ويهلكه ليزيل من أنفس الناس ما يلحقهم به من الشكوك والتهم، ~~وتسقط عنهم ما يدركهم من الضلالات والفتن. # ثم قال: فإن تأمر مثل هذا الخصي الأسود، مع سقوطه وضعته، وعبوديته وخسته، ~~حجة لأهل التعطيل والزيغ والقائلين بقدم الدهر، يؤذون القلوب بما في أمره ~~من ظاهر المحنة، ويتسلطون بذلك على أهل التقصير والغفلة. # ثم قال: ما أقدر الله على أن يعاقب خليقته عن ذنوبهم بما شاء، دون أن ~~يعجل لهم ما عجله من الخزي، وأن ينالهم ما نالهم به من الضر، وأن يكفيهم ~~أمر كافور الذي قد صار من فتن الملحدين، وحدث به أشد المكاره على المسلمين. PageV02P028 # وقال أيضا: # أما في هذه الدنيا كريم ... تزول به عن القلب الهموم؟! # أما في هذه الدنيا مكان يسر ... بأهله الجار ms148 المقيم؟! # تشابهت البهائم والعبدى علينا ... والموالي والصميم # البهائم: ذوات الأربع وما أشبهها، والعبدى: جماعة العبيد على غير قياس ~~واحده، والصميم: الخالص من كل شيء. # فيقول: أما في هذه الدنيا كريم يسكن إليه، وذو فضل يعول عليه، تزول ~~بموضعه هموم النفس وتبعد، وتستدفع عنها المكاره وتطرد؟. # ثم قال: أما في هذه الدنيا مكان صالح يسكن العاقل إلى مثله، ويسر بما ~~يباشره من حسنه، ويتأنس الجار المقيم فيه بعوائد فضله، ويغدو ويروح متشكرا ~~لأهله؟!. # ثم قال: تشابهت البهائم فيه والعبدى لعدم العقول، وتساوت الطائفتان في ~~قصر العلوم، وصار صميم القوم ومواليهم أشكالا في تواضع الهمم، وأشباها ~~يعتقدونه بالإعراض عن الكرم. # وما أدري إذا داء حديث ... أصاب الناس أم داء قديم؟! # حصلت بأرض مصر على عبيد كأن ... الحر بينهم يتيم # كأن الأسود اللابي فيهم غراب ... حوله رخم وبوم # اللابي: منسوب إلى اللابة وهي الحرة، والحرة: أرض تلبسها حجارة سود، فنسب ~~السودان إليها على سبيل المجانسة في اللون. روى أبو عبيدة أن العرب تقول في ~~الحرة: لابة ولوبة، وإلى ذلك نسب السودان، وروى غيره لابة، والرخم والبوم: ~~ضربان معروفان من الطير يماثلان الغربان في تكره الناس لهما، واستيحاشهم من ~~أصواتهما. # فيقول: وما أدري أهذا الذي أصاب الناس، من محبتهم برئاسة العبدان، وأهل ~~الزهادة في التفضل والإحسان، داء حديث طرقوا به، أو أمر قديم عرضهم الزمان PageV02P029 ~~له. # ثم قال: حصلت بأرض مصر بين عبيد متغلبين وسوق معتدلين، كأن الحر فيهم ~~يتيم مغلوب على أمره، ضعيف لا يدفع الضر عن نفسه. # ثم قال مشيرا إلى كافور: كأن الأسود اللابي، المتغلب على ملكهم، المنفرد ~~بتدبير أمرهم، بين من يستضيف إليه من أصناف العبيد، اللذين هم أنصار دعوته، ~~وأشباهه في دناءته، غراب يتجند بالبوم والرخم، ولا ينسب هو ولا من حوله إلى ~~شيء من الكرم. # أخذت بمدحه فرأيت لهوا ... مقالي للأحيمق يا حليم # ولما أن هجوت رأيت رأيت عيبا ... مقالي لأبن آوى يا لئيم # فهل من عاذر في ذا وفي ذا ... فمدفوع إلى السقم السقيم # إذا أتت الإساءة ms149 من وضيع ... ولم ألم المسيء فمن ألوم؟! # الحليم: الوافر العقل، الواسع الصدر، وأبن آوى: دويبة ضعيفة حقيرة، ~~واللئيم: الدنيء الساقط. # فيقول مشيرا إلى كافور: دفعتني الأيام إلى مدحه، وامتحنتني بقصد مثله، ~~فرأيت بابا من اللهو، وضربا من ضروب الهزء، أن أصفه بالحلم مع بيان سخفه، ~~وبالرجاحة مع ظهور ضعفه. # ثم قال: ولما أن أخذت في هجوه وعدلت إلى ذمه، رأيت من العي أن أدل من ~~عيوبه على ما لا يجهل، ومن نقصانه على ما لا ينكر فأصير كمن يحتقر أبن آوى ~~ولا أحد يستعظمه، ويسترذله ولا أحد من الناس يستنبله. # ثم قال: فهل من عاذر لي في الأمرين اللذين عاينتهما من مدحه وذمه، ~~وتقريظه وهجوه؟ فلم أك في ذلك إلا في قبض الاضطرار، وغير جار على شيء من ~~وجوه الاختيار. PageV02P030 # ثم قال مشيرا إلى الاعتذار من انحطاطه إلى هجو كافور: إذا أتت الإساءة من ~~وضيع خسيس، قذر، لئيم، حقير أمره، ولم ألمه على سوء فعله، وأعنفه بتقصير ~~عقله، فمن الذي أعتمده باللوم، وأصرف فيه وجوه الهجاء؟!. PageV02P031 # وقال أيضا: # أنوك من عبد ومن عرسه ... كمن حكم العبد على نفسه # وإنما تظهر تحكيمه ليظهر ... الإفساد في حسه # ما من يرى أنك في وعده ... كمن يرى أنك في حبسه # عرس الرجل: زوجه، والحس: إدراك الأشياء بإحدى الحواس. # فيقول مشيرا إلى كافور: أنوك من العبد ومن عرسه الذي هو قيم أمرها، ~~والمطلق على ملكها، من حكم العبد في نفسه، وهو يجد السبيل إلى مفارقة أرضه، ~~والتباعد عن قربه. # ثم قال: وإنما نظهر التسليم لأمره، والوقوف عند رأيه، مغالطين غير ~~محققين، ومظاهرين غير مجدين، لنخدعه عن نفسه، ونبين الإفساد في معرفته وحسه. # ثم قال: وليست حال من توهمه أنك منتظر لفضله، ومرتقب لما أسلف عندك من ~~وعده، كحال من يعتقد أن بقاءك فيما قبله بقاء ضرورة وحبس، وغلبة وقهر، فنحن ~~مضطرون إلى مغالطته في بقائنا عنده، لنستدفع بذلك مخوف فعله، ونأمن ما ~~نحذره من أمره. # العبد لا تفضل أخلاقه ... عن فرجه المنتن أو ضرسه # لا ms150 ينجز الميعاد في يومه ... ولا يعي ما قال في أمسه # وإنما تحتال في جذبه ... كأنك الملاح في قلسه # الملاح: النوتي، والقلس: حبل ضخم من حبال السفينة. # فيقول: العبد بطبعه قصير الهمة، لئيم البنية، ليس في أخلاقه فضل عن فرجه ~~وفمه، يشير إلى النكاح والأكل، واشتغال العبد بهما، وأن همته لا تتجاوزهما. # ثم قال، وهو يؤكد ما قدمه: أن وعد العبد بوعد تناساه في يومه، ولم يستقبح ~~الكذب فيه على نفسه، وأن فاتحك بقول تناساه في ليلته، ولم يضبطه في الأمس ~~بلؤم طبيعته. PageV02P032 # ثم قال، وهو يشير إلى كافور: إنما تحتال في جذبه إلى ما ترغبه وعطفه على ~~(ما) تقصده، باستعمال المخادعة، وإظهار الملاطفة، على نحو ما يتحيل الملاح ~~في جذب قلس السفينة، وما يتحمله في ذلك من المؤونة. # فلا ترج الخير عند امرئ ... مرت يد النخاس في رأسه # وإن عراك الشك في نفسه ... بحالة فأنظر إلى جنسه # يقول، وهو يخاطب نفسه، ويشير إلى كافور: فلا ترج الخير عند متن لئيم ~~محتقر، قد مرت يد النخاس الذي عرض البيع به في ضرب رأسه، وامتهان نفسه، وإن ~~نازعك في لؤم قدره، وتواضع أمره، بحال ينتقل إليها من الثروة، ورتبة يصير ~~إليها من الرفعة، فأنظر إلى جنسه في العبودية، يتبين لك لؤم طبيعته، ولا ~~يستتر عنك تمكن دناءته. # فقلما يلؤم في ثوبه ... إلا الذي يلؤم في غرسه # من وجد المذهب عن قدره ... لم يجد المذهب عن قنسه # الغرس: شيء يخرج من الولد كأنه مخاط، والقنس: الأصل. # فيقول على نحو ما قدمه: فقل من يتحقق منه اللؤم مشاهدة، ويتبين منه ~~معاينة، إلا الذي يكون اللؤم في خلقته، ويلزمه في حين ولادته. # ثم قال على سبيل المثل، مؤكدا لما قدمه: من وجد مذهبا على قدره بنعمة ~~يكتسبها، ومنزلة يستجدها، لم يجد مذهبا عن أصله، الذي إليه ينزع بطبعه، ~~ويستبين عليه في قوله وفعله. PageV02P033 # وسبب له إلى الرملة بمال يقبضه، فأستأذنه في الخروج إليها ليقبض المال، ~~فمنعه من الخروج، وقال له: نحن نوجه لك من يقبضه ms151 فقال: # أتحلف لا تكلفني مسيرا إلى ... بلد أحاول فيه مالا # وأنت مكلفي أنبا مكانا وأبعد ... شقة وأشد حالا # إذا سرنا عن الفسطاط يوما ... فلقني الفوارس والرجالا # لتعلم قدر من فارفت مني ... وأنك رمت من ضيمي محالا # الشقة: المسافة، والفسطاط: قصبة مصر، والضيم: الذل. # فيقول، وهو يريد كافورا: أتحلف على أنك لا تكلفني مسيرا أتمونه، ولا ~~تحملني سفرا أتجشمه، وأن كان ذلك المسير إلى مال أستفيده، ومكسب أستحدثه، ~~مظهرا للصيانة لي، ومحتملا على الضنانة بي. # ثم قال: وأنت تكلفني المقام عندك في أنأى مكان من ذلك واكره، وأسوأ حال ~~وأضيق، وتحملني في ذلك أبعد المسافات المنيعة، وتشملني بأشد الأحوال ~~الموجعة. # ثم قال: إذا ما سرت عنك من الفسطاط يوما، أخرج به عن ضبطك، ويسقط عني ما ~~أحاط بي من حصرك، فلقني فوارسك ورجلك وأجلب في تعويقي عن السير بمبلغ جهدك. # ثم قال: لتعلم قدر من تفارق مني في الإقدام والجرأة، والصرامة والقوة، ~~وأنك قد حاولت من ضمي محالا لا يتمكن لمحاوله، وأمرا لا يقرب على متناوله. PageV02P034 # وقال أيضا: # لو كان ذا الآكل أزوادنا ضيفا ... لأوسعناه إحسانا # لكننا في العين أضيافه يوسعنا ... زورا وبهتانا # فليته خلى لنا طرقنا أعانه ... الله وإيانا # الزور: الكذب، والبهتان: قذفك الإنسان بما ليس فيه. # فيقول، وهو يريد كافورا: لو كان هذا الذي يأكل ما تزودناه، ويتحيف ما ~~جمعناه، بإغفاله أمرنا، واضطرارنا إلى الإنفاق مما عندنا، (ضيفا) نتكلف ~~مؤونته، وسائلا نتيقن ضرورته، لأوسعناه إحسانا ويرا، ولأوليناه إكراما وفضلا. # ثم قال: ولكننا أضيافه في عين الناظر، وقصاده في الشاهد، وهو يوسعنا مع ~~ذلك زورا فيما يعدنا به، وبهتانا فيما يعرضنا له، غير مراع لحق ضيافتنا، ~~ولا آخذ بحق من مجاملتنا. # ثم قال: فليته خلى لنا طرقنا فننصرف عنه، ولم يعترضنا في سلك سبلنا فنريح ~~أنفسنا منه، وفقه الله لما فيه كفايتنا بفضله، وتخلصنا منه بخفي لطفه. PageV02P035 # وقال عند خروجه من مصر في سنة خمسين وثلاث مائة. # عيد بأية حال عدت يا عيد بما ... مضى أم لأمر فيه تجديد # أما ms152 الأحبة فالبيداء دونهم ... فليت دونك بيدا دونها بيد # العيد: ما اعتاد الإنسان من مرض أو حزن، قال الشاعر: # عاد قلبي من الطويلة عيد ... واعتراني من حبها تسهيد # البيداء: المفازة المقفرة، وجمعها بيد، وكسرت الباء من بيد، وهي على وزن ~~فعل، للياء التي بعدها، كما فعل ذلك ببيض. # فيقول مخبرا عن الحزن الذي كان يعتاده باتصال غربته، وتراخي عهده بأحبته: ~~عيد أنت أيها الحزن تتتابع ولا تغفل، وتتكرر ولا تفتر، فبأي حال عدت الآن ~~أيها الحزن المتأكد، والبث المتمكن؟! ألمثل ما مضى وأنصرم، وسلف وتقدم، أم ~~بضرب من الأشواق أحدثته، ونوع من أنواع الأحزان جددته؟!. # ثم قال، يخاطب البث المعتاد له، والحزن المتولع به: أما الأحبة فدارهم ~~نازحة، والبيد المقفرة فيما بيني وبينهم قاطعة، وأنت أيها الحزن قريب لا ~~تبعد، وملازم لا تفقد، فليت بيني وبينك مسافات متراخية، ومفازات بعيدة ~~متنائية. # لولا العلى لم تجب بي ما أجوب بها وجناء ... حرف ولا جرداء قيدود # وكان أطيب من سيفي مضاجعة ... أشباه رونقه الغيد الأماليد # جبت المفازة: إذا قطعتها، والوجناء: الناقة الضخمة القوية، والحرف: ~~الضامرة، والجرداء: القصيرة شعر الجلد، والقيدود: الطويلة، ورونق السيف: ~~ماؤه وصفاؤه، والغيد: الطوال الأعناق، الواحدة غيداء، والماليد، الحسان ~~النواعم، الواحدة أملود. # فيقول: لولا العلى وما أرغبه من إكتسابها، وما أعتقده من الشغف بها، لم ~~أتمون الأسفار الطويلة، ولا تكلفت الرحل البعيدة، ولا قطعت بي الفلوات ~~النازحة، والمهامة الشاسعة، نجائب الإبل وكرائمها، وعتاق الخيل وسوابقها. # ثم قال: وكان أطيب من مضاجعة السيف في الأسفار التي أحاولها، والرحل التي PageV02P036 ~~ألازمها، الخفض والدعة، والسكون والرفاهية، ومضاجعة الحسان اللواتي يشبهن ~~رونق السيف بما هن عليه من الحسن والبهجة، ويتمكن الفلوات بما يبدين من ~~الشباب والنعمة. # لم يترك الدهر من قلبي ومن كبدي ... شيئا يتيمه عين ولا جيد # يا ساقيي أخمر في كؤوسكما ... أم في كؤوسكما هم وتسهيد؟ # أصخرة أنا؟ ما لي لا تغيرني ... هذي المدام ولا هذي الأغاريد! # يتيمه: يستعبده، والتسهيد: ذهاب النوم، والأغاريد: الأصوات المطربة. # فيقول: أن الدهر بكثرة نوائبه، وما طرقه ms153 به من مؤلم حوادثه، أعدمه قلبه ~~وكبده، بتأثير أوجد فيهما، فلم يترك له منهما ما تتيمه العيون الفاترة، ~~وتروق الأجياد الناعمة. # ثم قال: يا ساقيي أهذا الذي تدايرانه في كؤوسكما خمر يلتذ بطعمها، ~~ويستفاد السرور بشربها، أم ذلك هم وسقم، وتسهيد وألم؟ يشير إلى أن الخمر ~~كانت تثير كوامن وجده، وتجدد أسباب حوبه. # ثم قال معجبا بما هو عليه من تعذر السلوة، وقلة الجلد على الغربة: أصخرة ~~أنا فلا تغيرني المدام بما تبعثه من الفرح، والأصوات الغردة بما تثيره من ~~الطرب! فقد خرجت في ذلك عن المعهود، واقتصرت على الأسف الشديد. # إذا أردت كميت اللون صافية ... وجدتها وحبيب النفس مفقود # ماذا أبقيت من الدنيا؟ وأعجبها ... إني بما أنا باك منه محسود! # أمسيت أروح مثر خازنا ويدا ... أنا الغني وأقوالي المواعيد # الكميت من الخمر وغيرها: ما كان فيه حمرة وسواد، والمثري: الكثير المال. # فيقول: إذا أردت الخمر الكميت الصافية ألفيتها قريبة ممكنة، كثيرة ~~متأتية، إلا أن أحبه وأمقه، وأسكن إليه وأتعشقه، بعيد متعذر القرب، معدوم ~~غير متمكن الوصل؛ PageV02P037 ~~وهذه الحال تمنع من السرور بالخمر، وتثير الأحزان في القلب. # ثم قال: ماذا لقيت من الدنيا وتصرفها، ومن الأيام وتقلبها، وأعجب ما خبرت ~~من ذلك وباشرت، وأغرب ما أبصرت منه وشاهدت، أني أحسد على ما هو يبكي ويحزن، ~~وأنافس في ما مثله يوجع ويؤلم. # ثم قال: أمسيت أروح المثرين نفسا وخادما، وأفرغهم يدا وخازنا، لأني غني ~~وأموالي عدات غير حاصلة، ومكثر وذخائري أقوال غير صادقة. # إني نزلت بكذابين ضيفهم ... عن القرى وعن الترحال محدود # جود الرجال من الأيدي وجودهم ... من اللسان فلا كانوا ولا الجود # ما يقبض الموت نفسا من نفوسهم ... إلا وفي كفه من نتنها عود # المحدود: الممنوع. # فيقول مشيرا إلى كافور، ومن كان يستضيف إليه (من) الإخشيدية: إني نزلت ~~بكذابين لا يصدقون في قلوبهم، مذمومين لا يشكرون في فعلهم، يمنعون ضيفهم من ~~أن يقضوا بالقرى حقه، ويعرضون عنه ويطرحون بره، ويحولون بعد ذلك بينه وبين ~~الرحيل من أرضهم، ويتركونه محبوسا على ms154 شرهم. يشير إلى أن كافورا قصر من ~~أمره، ومنعه مع ذلك من الخروج عن أرضه. # ثم قال: جود كرام الرجال بأيديهم وبذلهم، وما يتقدمون به من إحسانهم ~~وفضلهم، وجود كافور وأصحابه من ألسنتهم وقولهم، وما يستجيزونه من كذبهم ~~وإفكهم، فلا كانوا ولا كان الجود المرجو منهم، ولا أعدمهم الله الذم ~~المأثور عندهم. # ثم قال: ما يقبض الموت نفسا من أنفسهم الدنية، ولا يتلف روحا من أرواحهم ~~الخبيثة، إلا والموت يتكره ذلك ويتقذره، ويتفادى منه ويتسخطه، حتى كأنه ~~إنما يتناول تلك النفوس بعود يصونه عن قبح روائحها، ويدفعها به إلى خبيث ~~مصائرها. فبين أنهم أرجاس مهجورون، وسقاط محتقرون. PageV02P038 # من كل رخو وكاء البطن منفتق ... لا في الرجال ولا النسوان معدود # أكلما اغتال عبد السوء سيده ... أو خانه فله في مصر تمهيد # صار الخصي إمام الآبقين بها ... فالحر مستعبد والعبد معبود # الوكاء: الرباط، واغتال: قتل على غفلة، والتمهيد: التوطئة. # فيقول مشيرا إلى كافور: من كل عبد قد نقص الخصاء رباط بطنه، واضطربت لذلك ~~أعضاء جسمه، فهو كالمنفق الذي لا يملك نفسه، والمغلوب الذي لا يضبط أمره، ~~لا يعتد به في الرجال ولا في النسوان، ولا يلحظ إلا بعين النقصان. # ثم قال مشيرا إليه: أكلما اغتال عبد السوء سيده؛ بخيانة وجناية يتقلدها، ~~كان له في مصر عند كافور تمهيد يفزع إليه، وسند يعول إليه، يريد أن لؤم ~~العبودية نسب بينه وبين شرار العبيد، فهم يقصدونه فيأمنون به، ويقتحمون ~~جناياتهم على طريق التأميل له. # ثم قال: صار الخصي كافور في هذه البلدة إمام الآبقين، وملجأ للمذنبين، ~~فالحر فيما قبله مستعبد بحريته، مستذل بعروبيته، والعبد كالمعبود لجلالة ~~قدره، وما يعترف به من تعظيم حقه. # نامت نواظير مصر عن ثعالبها ... فقد بشمن وما تفنى العناقيد # العبد ليس لحر صالح بأخ ... لو أنه في ثياب الحر مولود # لا تشتري العبد إلا والعصا معه ... إن العبيد لأنجاس مناكيد # النواظير: المخترسون، والبشم: غثيان النفس من الإفراط في الأكل، ~~والأنجاس: الأقذار، الواحد: نجس، والمناكيد: المشائيم. # فيقول: نام المخترسون بفوائد مصر، ms155 والمعظمون لحرمتها، والمدافعون عن ~~حوزتها، عن منع العبيد من ملكها، ودفعهم عن التغلب على أرضها، وكنى ~~بالثعالب عن العبيد جنسهم، وضعتها في أنفسها. ثم قال: فقد أبشم تلك الثعالب PageV02P039 ~~كثرة الأكل، وفوائد مصر لا تنفذ، وخيراتها لا تعدم، وكنى بالعناقيد ~~والثعالب عن العبيد والفوائد. # ثم قال: العبد لا يؤاخي الحر الصالح؛ لمخالفته له بطبعه، ومباينته إياه ~~بجنسه، فهو لا يألفه ولا يوده، ولا يضافيه ولا يحبه، لو أنه المشتمل عليه ~~عند ولادته، والحافظ له بالغ حياطته. # ثم قال: لا تشتر العبد إلا وأنت مشتر للعصا معه، لتدخله تحت المخافة، ~~وتحمله على أشد الإهانة، وإلا فإنك لا تستخلص وده، ولا تنتفع بما عنده، ~~فالعبيد أنجاس لا يعدم نكدهم، شرار لا يؤمن تمردهم. # ما كنت أحسبني أحيا إلى زمن ... يسيء بي فيه كلب وهو محمود # ولا توهمت أن الناس قد فقدوا ... وأن مثل أبي البيضاء موجود # وأن الأسود المثقوب مشفره ... تطيعه ذي العضاريط الرعاديد # جوعان يأكل من زادي ويحسبني ... لكي يقال عظيم القدر مقصود # أبو البيضاء: كناية عن سواد اللون على سبيل التفاؤل، كما قالوا للديغ ~~سليم، وللقفر المفازة، والعضاريط: الذين يخدمون بطعام بطونهم، واحدهم ~~عضروط، والرعاديد: الجبناء، واحدهم رعديد. # فيقول: ما كنت أحسبني أستديم العمر، وأصحب الدهر، إلى زمن بشيء بي فيه ~~مثل كافور، وهو الكلب لؤما وضعة، وسقوطا ودناءة، وما اتفق له من السلطان، ~~وأقترن به من إسعاد الزمان، يوجبان مظاهرته بالحمد على سوء فعله، والمساعدة ~~له فيما يتكره من أمره. # ثم قال: ولا توهمت أن الناس قد عدم رؤساؤهم، وفقد زعماؤهم، حتى صار مثل ~~أبي البيضاء موجودا فيمن يؤمل رفده، مذكورا فيمن يحاول قصده. # ثم قال، وهو يريد كافورا: ولا ظننت أن مثل هذا الأسود المثقوب المشفر، اللئيم PageV02P040 ~~المحتقر، يرتهن طاعة المتصلين به من أتباعه السقاط الأرذلين، الأدنياء ~~المستضعفين. وسمى شفته مشفرا على سبيل الإستعارة، وأشار بذلك إلى قبح ~~خلقها، وتفاوت عظمها، والمشافر من الإبل كالشفاة من الناس، ودل بما ذكره من ~~ثقبها على أنه من جفاة السودان، وأهل ms156 الغباوة فيهم والنقصان. # ثم قال: جوعان بلؤم طبعه وما هو عليه من افتقار نفسه، فهو لا يفتقدني ~~بشيء من بره، ويسلبني ما قد تزودت به إلى أرضه، ويمنعني مع ذلك من الرحلة، ~~ولا يوجدني سبيلا إلى النقلة، لكي يقال أنه مقصود مؤمل الفضل، مرجو معظم القدر. # إن امرأ أمة حبلى تدبره ... لمستضام سخين العين مفؤود # ويلمها خطة ويلم قابلها ... لمثلها خلق المهرية القود # وعندها لذ طعم الموت شاربه ... إن المنية عند الذل فنديد # الأمة: المملوكة، والمستضام: المستذل، والسخين: العين الذي يبصر ما يكره، ~~والمفؤود: الذي أصيب فؤاده. والفؤاد: القلب، وقوله: ويلمها: أراد ويل أمها، ~~فحذف الهمزة استخفاف، وبنى الكلمتين: بناء واحدا، وحرك اللام بالكسر على ~~كرحة ما بعدها، كما حركوا الميم في قولهم: أبنم على حركة ما قبلها، حين ~~جعلوا الكلمتين كلمة واحدة، وحذفوا مستخفين، وكل ذلك مسموع من العرب، ~~والمهرية: جمال تنسب إلى مهرة، وهم قبيل من العرب يستفرهون الإبل، ولذ: ~~بمعنى استطاب وأستعذب، والقنديد: شراب يطبخ من عصير العنب يجعل فيه أفاويه. # فيقول، وهو يشير إلى كافور: أن امرأ يدبره خصي كالأمة الحبلى، كثير أكله، ~~منتفخ بطنه، أسود لونه، لمستضام سخين العين، مفجع مصاب القلب، موقوف على ~~غاية ما يكره، مدفوع إلى أشد ما يحذر. # ثم قال: ويلم تلك الخطة، ويلم القابل لها، وأبعدها الله، وأبعد الراضي ~~لنفسه بها، فللفرار من مثلها، وطلب النجاة من نشرها، تكلف السفر البعيد، ~~واستعملت المهرية PageV02P041 ~~القود. # ثم قال: وعند تحمل تلك الخطة، ومباشرة مكروه تلك الرتبة، يلتذ بطعم الموت ~~شاربه، ويستسهل مخوف الحتف مباشره، أن المنية عند الذل قنديد يستطاب طعمه، ~~وأمر لا يتخوف فعله. # من علم الأسود المخصي مكرمة ... أقومه البيض أم آباؤه الصيد؟! # أم أذنه في يد النخاس دامية ... أم قدره وهو بالفلسين مردود # الصيد: الملوك السادة، واحدهم أصيد. # فيقول: من علم كافورا الأسود المخصي، الحقير الدني، إسداء النعم، وآثار ~~الكرم؟ وأقومه البيض المشهورون بالرئاسة، أم آباؤه الصيد المتقدمون في ~~السياسة؟!. # ثم قال: أم علمه المكارم حقيقة أمره، وما عهده ms157 قديما من نفسه، إذ كانت ~~أذنه دامية في يد النخاس يفركها عند معاقبته، ويجبذها مظهرا لإهانته، أم ~~قدره الساقط، وهو بالنزر اليسير بيعه، وبالتافه الحقير يتداول ملكه، فكيف ~~يظن الخير بمثله، وينكر القبيح المذموم من فعله؟!. # أولى اللئام كويفير بمعذرة ... في كل لؤم وبعض العذر تفنيد # وذاك أن الفحول البيض عاجزة ... عن الجميل فكيف الخصية السود؟! # التفنيد: اللوم والتثريب. # فيقول: أولى اللئام بمعذرة في لؤم طبعه، ودناءة نفسه، كويفير، وصغره ~~محتقرا بشأنه؛ لأنه لا سبيل لمثله إلى محمود الشيم، ولا سبب له في شيء من ~~الكرم، وبعض العذر تفنيد لا شك فيه، وتوبيخ لا خفاء عليه. # ثم قال: وذلك أن الفحول الذين تم خلقهم، البيض الذين يروق حسنهم، قد ~~عجزوا عن الجميل في هذا الزمان، الذي قل خيره، وخبث أهله، فكيف يظن ذلك ~~بالخصية السود، مع نقصان خلقهم، وخبث عنصرهم، وإشتمال القبيح على أولهم PageV02P042 ~~وآخرهم؟. PageV02P043 # وقال عند وروده الكوفة، يصف خروجه ومنال طريقه، ويهجو كافورا. # ألا كل ماشية الخيزلى ... فدى كل ماشية الهيدبى # وكل نجاة بجاوية ... خنوف وما بي حسن المشى # ولكنهن حبال الحياة ... وكيد العداة وميط الأذى # الخيزلى: ضرب من مشي النساء فيه تفكك، والهيدبى: ضرب سريع من عدو الخيل، ~~والنجاة من النوق: السريعة، والبجاوية: منسوبة إلى موضع من بلاد النوبة، ~~يستفره أهله الإبل، قال الطرماح يصف ناقة كريمة: # بجاوية لم تستدر حول مشبر ... ولم تتخون درها ضب آفن # المشبر: الموضع الذي تضع فيه الناقة، وتخون الدر: استماحته، والضب: الحلب ~~بجميع اليد، والآفن: الذي يلح في الحلب. # والخنوف: التي بيديها (ميل) إلى ناحية في مشيها لشدة نشاطها، والمشى: جمع ~~مشية، والجبال: العهود والوصائل، والميط: مصدر ماط الشيء يميط، إذا أذهبه ~~عن نفسه. # فيقول مشيرا إلى خروجه عن مصر، وما خلفه من التغرير بنفسه، والإسراع في ~~سيره: ألا جعل الله حسان النساء اللواتي يمشين الخيزالي؛ لعظم خلقهن، ~~وبراعة حسنهن، مع تمكنهن من النفوس، وتحكمهن على القلوب، فداء الخيل التي ~~تهذب في سيرها، وتفوت الطلب بقوة عدوها. # ثم قال: وجعلهن الله ms158 فداء كل ناقة نجاة قوية، بجاوية كريمة، خنوف في ~~مشيها، نشيطة في عدوها، وما بي أن اعتمد من المشي ما يعجب مثله، ويروق ~~الأبصار حسنه. # ثم قال: ولكن الإبل والخيل من الأسباب التي تحرس الحياة، وتقرب النجاة، ~~وتنفذ من الأعداء، وتنفذ الكيد فيهم، وتدفع أذاهم، وتسهل الظهور عليهم. # ضربت بها التيه ضرب القمار ... إما لهذا وإما لذا PageV02P044 ~~إذا فزعت قدمتها الجياد ... وبيض السيوف وسمر القنا # فمرت بنخل وفي ركبها ... عن العالمين وعنه غنى # التيه: قفر لا يكاد يهتدي فيه، والقمار: المخاطرة في الميسر وما أشبهه، ~~والفزع: الفرق، وقدمتها: بمعنى تقدمتها، يقال: قدم وأقدم وأستقدم بمعنى ~~واحد، والجياد: الخيل، ونخل: منزل بالبادية. # فيقول: ضربت بما تحملت عليه من الإبل مجهول القفر، ضرب المقامر، وأقدمت ~~عليه إقدام المخاطر، إما لخلاص أتعجله، وإما لهلاك أتقحمه. # ثم قال: إذا فزعت الإبل لاستيحاش القفر الذي تقطعه، وصعوبة الطريق الذي ~~تركبه، أنستها الخيل بتقدمهم لها، وأنهضتها أسلحة الفرسان لإحاطتهم بها. # ثم قال: فمرت بنخل؛ هذا المنزل من البادية، وفي ركبها، بنفاذ عزمهم، ~~واكتفائهم بأنفسهم، غنى عن العالمين وعن العدول إليه، وقوة تمنعهم من ~~التعريج عليه. # وأمست تخبرنا بالنقاب ... وادي المياه ووادي القرى # فقلنا لها أين أرض العراق؟ ... فقالت ونحن بتربان: ها # وهبت بحسمى هبوب الدبور ... مستقبلات مهب الصبا # النقاب: موضع بعينه، ووادي (المياه) ووادي القرى: منزلان بالبادية بعيدان ~~من النقاب، وتربان: واد معروف، بعيد من أرض العراق، وها: كلمة إجابة، ~~وحسمى: موضع، وهبوب الرياح: انتشارها، والدبور: الريح الغربية، والصبا: ~~الريح الشرقية. # فيقول مشيرا إلى سرعة مسيره، واستقرابه للبعيد من مسافات طريقه: ولما ~~سرنا بالنقاب، كنا كالمشافهين لوادي المياه ووادي القرى؛ لسرعة ورودنا لها، ~~وقصر المدة فيما حاولناه من الاتصال بها. # ثم قال مؤكدا لما قدمه، وهو يشير إلى رواحله، ويخبر عما كانت عليه من سرعة PageV02P045 ~~المشي، وقوة السير: فقلنا لها، ونحن بتربان، أين أرض العراق؟ مستطيلين ~~للشقة، ومستكثرين لتراخي المدة، فكأنها أجابتنا منبهة على مشاهدتها، ومحيلة ~~في ذلك المقام على معاينتها، وبين ما قصد إليه امرؤ ms159 القيس حيث يقول: # وكأنما بدر وصيل كتيفة ... كأنما من عاقل أرمام # قال الأصمعي: يريد أن هذه المواضع كأنها اتصلت له مع تباعد من بينها؛ ~~لسرعة سيرها، فلذلك قال أبو الطيب: (فقالت ونحن بتربان ها)، كأن ركائبه ~~أجابته بالإشارة إلى العراق، استقصارا للمدة، وإخبارا عن قلة المهلة. # ثم قال، وهو يريد ركائبه، مؤكدا لما قدمه من سرعتها، وشدة نفاذها وقوتها: ~~وهبت بحسمى، هذا الموضع، هبوب الريح الدبور إذا استقبلت مهب الصبا، وقصدت ~~ذلك القصد، وأمت ذلك السمت، وشبه سرعتها بريح الدبور؛ لأن مهبها من المغرب، ~~واعتمادها مهب الصبا، وهو حقيقة المشرق، وكذلك كان نهوضه من مصر وهي في ~~المغرب، واعتماده العراق وهي في المشرق، فبلغ الغاية فيما وصفه من استعجال ~~رحلته، وأعرب عن الابتداء والانتهاء في سفرته. # روامي الكفاف وكبد الوهاد ... وجار البويرة وادي الغضا # وجابت بسيطة جوب الرداء ... بين النعام وبين المها # إلى عقدة الجوف حتى شفت ... بماء الجراوي بعض الصدى # الكفاف وكبد الوهاد: موضعان، ووادي الغضا والبويرة: واديان متجاوران، ~~وبسيطة: فلاة معروفة، والجوب: القطع، والمها: صغار بقر الوحش، وعقدة الجوف: ~~موضع بعينه، والجراوي: ماء معروف، والصدى: العطش. # فيقول مشيرا إلى ركائبه، وذاكرا لمشاهير المواضع التي اجتازها في طريقه، ~~ويؤكد لما قدمه من استعجال سيره: الكفاف، هذا الموضع، بقوة العدو، وحقيقة ~~العزم، وفاعلة مثل ذلك في كبد الوهاد، هذا الموضع الآخر، وفي وادي الغضا PageV02P046 ~~والبويرة، هذين الواديين المتجاورين، والموضعين المتقاربين. # ثم قال، وهو يريد ركائبه: وجابت بسيطة، هذه الفلاة، فشقتها شق الرداء، ~~متوسطة لها، ومظهرة لأشد العجلة بها، وهي فيما هنالك بين النعام الشاردة، ~~وصغار بقر الوحش السالمة. يشير إلى أن هذه المفازة بعيدة لا تسلك، ونائية ~~لا تعبر، فوحشها لا يذعر، ونعامها لا ينفر. # ثم قال: أنه واصل السير غير مترفق، وأمضاه غير متثبط، حتى أورد مطاياه ~~عقدة الجوف، فشفى بماء الجراوي بعض عطشها، وأعانها بورده على كد تعبها. # ولاح لها صور والصباح ... ولاح الشغور لها والضحى # ومسى الجميعي دئداؤها ... وغادى الأضارع ثم الدنا # فيالك ليلا على أعكش ... أحم ms160 الرواق خفي الصوى # صور والشغور والجميعي: مواضع بالبادية، والدئداء عدو أسرع من الخبب، ~~والأضارع والدنا: مياه معروفة، وأعكش: موضع، والأحم: الأسود، والرواق: ظلة ~~ترفع على عمود واحد. والصوى: حجارة تجمع في الطريق لتكون هداية فيه، ~~واحدتها صوة. # فيقول مخبرا عن ركائبه: ولاح لها، بعد الماضع التي قدم ذكرها، صور، ~~والصباح ظاهر، والليل ظاعن، ولاح الشغور لها، في ضحى ذلك اليوم. # (ثم قال: ومسى الجميعي) دائداء تلك الإبل، وهي جاهدة غير مفترة، ومسرعة ~~غير مقصرة، وغادى ذلك الدائداء الأضارع والدنا، مع ما بينهما وبين ما ~~تقدمها من طول الشقة، وبعد المسافة. # ثم قال مشيرا إلى الليل الذي قطعه، والإظلام الذي أدرعه: فيا لك ليل ~~غشيني على أعكش، هذا الموضع، فمد علي رواق سدفه، وأخفى عنى الصوى، التي هي ~~الهداية، بشدة ظلمه، فقطعته مشتملا به، ونهضت فيه غير متهيبة له. PageV02P047 # وردنا الرهيمة في جوزه ... وباقيه أكثر مما مضى # فلما أنخنا ركزنا الرماح ... فوق مكارمنا والعلا # وبتنا نقبل أسيافنا ... ونمسحها من دماء العدا # الرهيمة: موضع معروف، وجوز الليل: وسطه، والركز: الغرز. # فيقول: وردنا الرهيمة في وسط الليل، وقد أمنا مخوف الطلب، وتخلصنا من ~~محذور الغرر، والليل قد استقبلنا أكثره، واستبقينا معظمه، فنزلنا مستريحين، ~~وحططنا رحالنا مطمئنين. # ثم قال: فلما أنخنا رواحلنا، وأرحنا ركائبنا، وتركنا الرماح استغناء عن ~~احتمالها، وفارقناها غير محتاجين إلى اعتقالها، فركزناها فوق ما خلدناه من ~~مكارمنا، وأثبتناها فيما اخترناه من المجد بنفاذ عزائمنا. # ثم قال: وبتنا نقبل أسيافنا التي استدفعنا بها ما حذرناه، ونمسحها من ~~دماء القوم الذين حاولوا منا ما كرهنا. # لتعلم مصر ومن بالعراق ... ومن بالعواصم أني الفتى # وأني وفيت وأني أبيت ... وأني عتوت على من عتا # وما كل من قال قولا وفى ... ولا كل من سيم خسفا أبى # فيقول: أن الذي تكلفه بالخروج عن مصر من الخطر، وواقعه في مباينته لكافور ~~من الغرر، إنما كان ليعلم رؤساء البلاد التي ذكرها، وسائر أهلها، أنه الفتى ~~الذي لا يقر على الذل، والكريم الذي لا يصبر على الضيم. # ثم قال: ms161 وليعلموا أجمعون أني وفيت شاكرا على النعمة، وأبيت من احتمال ~~الذلة، وعتوت على من عتا على من عتا علي وتكبر، وفارقت من عدل عن الإنصاف ~~وتنكر، فجازيت المحسن بالاعتراف لفضله، وقابلت المسيء بمقارضته على فعله. # ثم قال: وما كل من يقول يفي بقوله، ويقف عند ما يعد به من نفسه، ولا كل من PageV02P048 ~~يسام الخسف يأباه منكرا له، ويستدفعه غير مرتض به، فأشار إلى أنه فارق ~~كافورا أنفة من الذل، ووفى له بما تقدم له في مفارقته من القول. # ومن يك قلب كقلبي له يشق ... إلى العز قلب التوى # ولا بد للقلب من آلة ورأي ... يصدع صم الصفا # وكل طريق أتاه الفتى على ... قدر الرجل فيه الخطا # التوى: الهلاك، والآلة: الشدة والجرأة، والصفا: الحجر العظيم الأملس، ~~والخطا: معروفة، واحدها خطوة. # فيقول: ومن يكن له قلب كقلبي في ثباته وقوته، وشجاعته وجرأته، يطلب العز ~~وينافس فيه، ويحاوله ويحرص عليه، ويشق إليه الهلاك المحض، الذي لا يكاد ~~يتخلص من مثله، ولا يبعد المنقحم فيه من الإشراف على التلف بنفسه. # ثم قال: ولا بد للقلب من إقدام وجراة، وجلد وشدة، ورأي راجح، وإدراك ~~ثاقب، يدفعان الصفا بقوتهما، وينفذان فيهما بصحة نيتهما. # ثم قال: وكل طريق يأتيه الفتى ويسلكه، ويحتمل عليه ويركبه، على قدر ثبات ~~رجله فيه وتمكنها، تتصل خطاه عند تنقلها. وهذا مثل ضربه لنفسه، وأعرب فيه ~~عن نفاذ فعله، واخبر أن الإنسان إنما يكون تصرفه في قصده بمقدار ما يثبت ~~عليه من صحة عقده. # ونام الخويدم عن ليلنا ... وقد نام قبل عمى لا كرى # وكان على قربنا بيننا ... مهامه من جهله والعمى # الخويدم: تصغير خادم، وهو العبد المحبوب، والكرى: النوم، والمهامة: ~~القفار، الواحد مهمه. # (فيقول) مشيرا إلى كافور، وصغر أسمه على سبيل الاحتقار له: ونام الخويدم ~~عما أنفذناه في ليلنا، وأحكمناه من امرنا، في خروجنا عن ارضه، ونقصنا لما PageV02P049 ~~حاوله في جهتنا من مكره، وقد نام قبل ذلك جهلا بما نديره، وعمى عن معرفة ما ~~نقصده، لا نوم حقيقة تغلبه على عقله، ms162 وتمنعه من التبيين لأمره. # ثم قال: وكان مع قربنا منه في رأي العين، واتصالنا به على ظاهر الحال، ~~يبعد عنا بجهله، ويعمى عما يديره بقصر عقله، حتى كان بيننا وبينه مهامه لا ~~تسلك، لبعد غايتها، وفلوات لا تعبر، لطول مسافتها. # لقد كنت أحسب قبل الخصي أن ... الرؤوس مقر النهى # فلما نظرت إلى عقله ... رأيت النهى كلها في الخصى # النهى: العقل، وهو جمع نهية، والنهية: ما ينتهي في الأمور. # فيقول، وهو يشير إلى كافور: ولقد كنت أحسب قبل مشاهدة الخصي، أن الرؤوس ~~تضم العقول وتجمعها، وتشتمل عليها وتتضمنها. # ثم قال: فلما خبرت كافورا في جملة أمره، وتبينت ما هو عليه من قصر عقله، ~~علمت أن الخصى معدن العقول، وأن عليها مدار التحصيل، فمن عدمها فلا تحصيل ~~له، ومن فقدها فلا يظن شيء من العقل به. # وماذا بمصر من المضحكات ولكنه ... ضحك كالبكا # بها نبطي من أهل السواد ... يدرس أنساب أهل الفلا # وأسود مشفره نصفه يقال ... له أنت بدر الدجى # النبط: صنف ن العجم ينزلون سواد العراق، واحدهم نبطي، وأراد ها هنا ~~الوزير ابن حنزابة، وهو جعفر بن الفضل بن الفرات، وكان على بنت الإخشيد ~~مولى كافور، فعرض به، ونسبه إلى أصله، بنو الفرات من أعقاب من أسلم من ~~النبط. والفلا: جمع فلاة، وهي الأرض المقفرة، والمشفر: الشفة الضخمة، ~~استعارها لكافور من الجمل؛ لأن المشفر من الجمل كالشفة من الرجل. # فيقول: وماذا بمصر من الأمور المضحكة، والأعاجيب المستغربة، وأن كان ذلك PageV02P050 ~~الضحك كالبكاء عند النظر والتبين، والإحتمال على حقيقة التأمل. # ثم قال، وهو يريد ابن حنزابة، وكان مولعا بتتبع أنساب العرب: بها نبطي من ~~أرض السواد قد جعل مطالعة أنساب العرب علمه، وقصر على الاعتناء بها نفسه، ~~فهو يدرس أنساب أهل البادية ويتعلمها، ويبحث عنها بجهده ويتفقدها، والعرب ~~ليسوا من صنفه، والاعتناء بأنسابهم ليس من شأن مثله. # ثم قال: وبها من كافور مدبر أمرها، ومصرف ملكها، أسود، مشفره لعظمه نصف ~~جسمه، وبصر الناظر إليه تقذى لقبحه، وهو مع ذلك يغالط في امره، ms163 ويكذب عن ~~نفسه، ويقال له: أنه إنما يماثل البدر في الحسن والبهجة، ويساويه في العلو ~~والرفعة. # وشعر مدحت به الكركدن ... بين القريض وبين الرقى # فما كان ذلك مدحا له ... ولكنه كان هجو الورى # ومن جهلت نفسه قدره ... رأى غيره منه ما لا يرى # الكركدن: دابة تكون بأرض الهندن مستشنعة الصورة، متفاوتة الخلق، شبه بها ~~كافورا في اضطراب خلقه، وتناهي قبحه، والقريض: الشعر، والرقى: جمع رقية، ~~وهي المعاذة. # فيقول: ومن أعاجيب مصر شعر مدحت به كافورا، الذي هو كالكركدن في قبح ~~صورته، واستكراه العيون لطلعته، وكان ذلك الشعر بين القريض فيما ظاهرت به ~~من مدحه، وبين الرقى فيما استدفعت به من شره. # ثم قال: فما كان ذلك مدحا خلصته له، ولا ثناء أعتد به، ولكنه كان هجوا ~~للورى بجملتهم، واستهجانا لهم بكليتهم، إذ صار مثله فيهم ملكا يغتنم قصده، ~~ومرجوا يؤمل رفده. # ثم قال على سبيل المثل، مشيرا إلى ما كافور عليه بن الجهل لنفسه، والغلط في PageV02P051 ~~مبلغ قدره: ومن جهل نفسه، وتعدى طوره، رأى الناس من أمره ما لا يراه ولا ~~يدركه، وبدا لهم فيه ما لا يبين لهم فيه ولا يعرفه، وكذلك كافور يجهل محله ~~من الدناءة والخسة، ويظن أنه بموضع من الجلالة والرفعة، والناس بما يجهله ~~عالمون، وهم لما يظنه مكذبون. PageV02P052 # وقال أيضا: # وأسود أما القلب منه فضيق ... نخيب وأما بطنه فرحيب # يموت به غيظا على الدهر أهله ... كما مات غيظا فاتك وشبيب # النخيب: الضعيف، وهو فعيل بمعنى مفعول، وفاتك: هو فاتك الإخشيدي الذي ~~رثاه أبو الطيب وامتدحه، وشبيب (هو) ابن جرير العقيلي الذي خرج في الشام ~~على كافور، وهلك بدمشق في خروجه ذلك، ونظم في أمره أبو الطيب قصيدة. # فيقول، وهو يريد كافورا: (وأسود أما القلب منه فضيق)، بعدم حلمه، نخيب ~~لتمكن جبنه، إلا أن بطنه رحيب، لا تكاد يده تشبعه، ولا الكثير من الأكل يقنعه. # ثم قال: يموت أهل الدهر غيظا به وكمدا، وتنقطع أنفسهم استكراها له وأسفا، ~~كما مات من ذلك شبيب وفاتك، مع موضعهما ms164 من الكرم، ورغبتهما في إسداء النعم. # أعدت على مخصاه ثم تركته ... يتبع مني الشمس وهي تغيب # إذا ما عدمت العقل والأصل والندى ... فما لحياة في جنابك طيب # الجناب: الناحية. # فيقول: أعدت الخصاء عليه؛ لنقضي لأمره، وإبطالي لمكره، واجتنابي لأرضه، ~~وتركته فيما عاناه من طلبي، وحاوله من توجيه خيله على أثري، كمن يتبع الشمس ~~عند غروبها، ويريد أن يلحقها في حين مغيبها. # ثم قال يخاطبه: إذا ما عدمت بعبوديتك كرم الأصل، وبعدت بجهالتك عن وفور ~~العقل، ولؤمت بطبيعتك، وكرهت كل جميل بخليقتك، فما للحياة في جنابك طيب ~~تسكن النفوس إلى موضعه، وتستلذ ما تباشر من تطعمه. PageV02P053 # وقال، وأراد بها سيف الدولة: # فارقتكم فإذا ما كان عندكم ... قبل الفراق أذى بعد الفراق يد # إذا تذكرت ما بيني وبينكم ... أعان قلبي على الشوق الذي أجد # فيقول لسيف الدولة: فارقتكم فإذا ما كان أذى عندكم، ومكروها في حين ~~إلمامي بكم، قد صار يدا بعد مفارقتكم، وإنعاما في حين مباعدتكم، فإذا تذكرت ~~عقوقكم الذي كنت أتألمه، وتقصيركم بي الذي كنت أتكرهه، أعان ذلك قلبي على ~~الوجد الذي أجده في التباعد منكم، والأسف الذي أضمره على الانفصال عنكم. PageV02P054 # نزل أبو الطيب في سفره إلى الكوفة بحسمي، وطابت له فأقام بها شهرا، وكان ~~بطيف به رجل من طيء يقال له وردان، فأفسد عليه غلمانه، وكانوا ينقطعون إلى ~~بيته، فوافق غلاما منهم كان أشدهم، على أن يحتال على أبي الطيب، ويسرق سيفا ~~له كان عليه حلية ذهب، فوافق الغلام رفيقا له وأعطاه السيف، واستوى على ظهر ~~فرسه، وأراد الغلام أن يأخذ فرس أبي الطيب، وكان نائما على مقوده، فأنتبه ~~أبو الطيب وأنكر أمر الغلام، فضرب وجهه بالسيف، فرمى برأسه، وأفلت الغلام ~~الآخر بالسيف على الفرس في جوف الليل، فقال أبو الطيب: # لحا الله وردانا وأما أتت به ... له كسب خنزير وخرطوم ثعلب # فما كان منه الغدر إلا دلالة ... على أنه فيه من الأم والأب # إذا كسب الإنسان من هن عرسه ... فيا لؤم إنسان ويا لؤم مكسب # لحا الله: ms165 بمعنى أهان وأبعد، والهن: كلمة تستعمل في الكناية، وأراد بها ~~ها هنا الفرج، وكسب الخنزير العذرة، لأنه يتقوت بها ويحرص عليها، حكى ذلك ~~المؤلفون في الحيوان، وخرطوم الثعلب: ما يتناول به مأكوله، والخراطيم ~~للسباع كالمشافر للإبل والجحافل للخيل. # فيقول: لحا الله وردان وأمحقه، وأهانه وأبعده، ولحا أما ولدته، وحاملة ~~وضعته، فإنه لا يرتفع عن الخنزير في لؤم كسبه، ولا عن الثعلب في دناءة ~~مطعمه، وأشار إلى ما استجازه وردان من سرقته، وما رضي به من الدناءة في وجهته. # ثم قال: فما كان ما عاملني من غدره، وما أشرفت عليه من مذموم فعله، إلا ~~دلالة قاطعة، وشهادة صادقة على أن ذلك اللؤم أورثته إياه أمه بقبح اتصالها ~~بأبيه، وبعدها عن الولادة الصالحة فيه. # ثم قال مشيرا إليه، وإلى ما تقدم من إفساد وردان لغلمانه عليه: إذا كسب ~~الإنسان من هن عرسه، وسهل مثل هذه الفعلة المذمومة على نفسه، فيا لؤم ذلك ~~الإنسان، وأبعد إليه مثله، ولا مرحبا به، وقبح الله فعله. PageV02P055 # أهذا اللذيا بنت وردان بنته ... هما الطالبان الرزق من شر مطلب # لقد كنت أنفي الغدر عن توس طييء ... فلا تعذلاني رب صدق مكذب # اللذيا: تصغير الذي، والتوس: الأصل. # فيقول، وهو يشير إلى وردان، ويخبر عن أبنته: أهذا وردان الذي بنت وردان ~~بنته، وهي الموصوفة بأقبح الصفة، المشهورة بقلة العفة، التي تطلب مع أبيها ~~الرزق من أخبث مطالبه، ويسلكان إليه الأم طرائقه. # ثم قال: لقد كنت قبل ما خبرته من وردان أنفي اللؤم عن طييء هذه القبيلة ~~وأصلها، وأظن الجميل بها في أوائلها ونسلها، فأنا الآن أوجب ما نفيته، ~~وأصدق ما كذبته، ورب صدق لم يتبينه السامع فأنكره، ولا وقف على حقيقته ~~فدافعه. PageV02P056 # وقال أيضا: # فإن تك طييء كانت لئاما ... فألأمها ربيعة أو بنوه # وإن تك طييء كانت كراما ... فوردان لغيرهم أبوه # بنو ربيعة بن جرول: قبيلة من قبائل طييء، كان منهم وردان الذي هجاه أبو الطيب. # فيقول: أن طيئا، هذه القبيلة، أن كانوا لئاما متحققين باللؤم، أدنياء ~~مقصودين بالذم، فألأمهم ms166 ربيعة الذي وردان منهم، ومن نسله أو بنوه الذين ~~شركهم وردان في أصله. # ثم قال: وأن كانت طييء كراما لا ينكر فضلهم، خيارا لا ينتقص مثلهم، ~~فوردان كاذب فيما يدعيه من ولادتهم، مبطل فيما ينسب إليه من قرابتهم. # مررنا منه حسمى بعبد يمج ... اللؤم منخره وفوه # أشذ بعرسه عني عبيدي ... فأتلفهم ومالي أتلفوه # فإن شقيت بأيديهم جيادي ... لقد شقيت بمنصلي الوجوه # حسمى: موضع معروف، ومج الرجل الشراب: إذا رماه من فيه، وأشذ: فرق، ~~والعرس: الزوج، والجياد: الخيل، والمنصل: السيف. # فيقول، وهو يريد وردان: مررنا منه في حسمى، هذا الموضع، بعبد، فيما ~~شاهدناه من فعله، دنيء لا تحسن العروبية بمثله، يمج منخره وفوه اللؤم، لقبح ~~خليقتهما، ويشهدان به عليه لما يظهرانه من هجنتهما. # ثم قال مشيرا إليه: أشذ عني عبيدي بما أباحهم من عرسه، وأتلفهم وأتلف ~~مالي بما استجازه من قلة الصيانة لنفسه. # ثم قال: فإن شقيت جيادي بإباق عبيدي بها، وعدمتها بما حملهم وردان عليه ~~من الانتهاب لها، لقد شقيت بسيفي من العبيد وجوههم، ولقد فللت بمن قتلت ~~منهم عديدهم. PageV02P057 # وقال في العبد الذي قتله: # أعددت للغادرين أسيافا أجدع ... منهم بهن آنافا # لا يرحم الله أرؤسا لهم ... أطرن عن هامهن أقحافا # ما ينقم السيف غير قلتهم ... وأن تضكون المئون آلافا # الجدع قطع الأنف والأذن، والهام: الرؤوس، الواحد هامة، والأقحاف: أعالي ~~الجماجم، الواحد قحف، ونقم: بمعنى أنكر. # فيقول مشيرا إلى قتله العبد الذي حاول الغدر به: أعددت لمن أراد الغدر بي ~~أسيافا صارمة، وعزائم قوية نافذة، وأجدع بتلك السيوف أنوفهم، وأقرب بتلك ~~العزائم حتوفهم. # ثم قال داعيا عليهم: لا يرحم الله أرؤسا لهم اعتقدت الغدر، وأساءت الفعل، ~~فأوجبت بذلك إطارة أقحافها، وتعرضت لما أفضت إليه من إهلاكها وإتلافها. # ثم قال: ما ينكر السيف إلا أنهم قليل لا يدرك بهم رغبة، يسير لا يلحقهم ~~بمثلهم بغية، وبوده أن المئين منهم آلاف متكاثرة، وجماعات مترادفة. # يا شر لحم فجعته بدم وزار ... للخامعات أجوافا # قد كنت أغنيت عن سؤالك بي ... من زجر الطير لي ms167 ومن عافا # وعدت ذا النصل من تعرضه ... وخفت لما اعترضت إخلافا # الخمع: العرج، والخوامع: الضباع، وهي توصف بالعرج، وزجر الطير: التفاؤل ~~بها، والعيافة: التكهن على سبيل الزجر، والنصل: السيف. # فيقول مشيرا إلى العبد الذي قتله. يا شر لحم فجعته بسيفك دمه، وإعدام ~~نفسه، فزار أجواف الضباع، وأصبح من أقوات السباع. # ثم قال، وهو يريده: قد كنت أغنيت عن أن تسأل بي غيرك، وأن تغالط في نفسك ~~بما سلف لك معي من طول الصحبة، وما توليته لي من قديم الخدمة، ثم رجع إلى ~~الاستفهام على سبيل التعجب، فقال: من زجر الطير لي مع ما كان عليه في جهتي PageV02P058 ~~من ثابت المعرفة، ومن تولى العيافة في أمري مع ما سلف له من قديم التجربة. # ثم قال: وعدت سيفي بأعماله فيم ن تعرض له، وإمكانه ممن تمرس به، ووجلت ~~لما اعترضني هذا العبد أن أخالف السيف فيما وعدته، ولا أنفذ له ما قد شرطته. # لا يذكر الخير إن ذكرت ولا ... تتبعك المقلتان تذرافا # إذا أمرؤ راعني بغدرته ... أوردته الغاية التي خافا # التذراف: انحدار الدمع من العين. # فيقول، وهو يريد العبد الذي قتله: لا يذكر الخير عندما يعن من ذكرك، ولا ~~يتأخر الذم عنك بما قدمته من غدرك، ولا تتبعك المقلتان تذراف الدمع، ولا ~~تظهر عليك شيئا من الحزن. # ثم قال: إذا امرؤ فاجأني وحاولني بمكروه فعله، لقيته القتل فصار إلى ما ~~كان يتخوفه، وجاريته به فأفضى إلى ما كان يتوقعه. PageV02P059 # وقال في طريقه: # بسيطة مهلا سقيت القطارا ... تركت عيون عبيدي حيارى # فظنوا النعام عليك النخيل ... وظنوا الصوار عليك المنارا # فأمسك صحبي بأكوارهم ... وقد قصد الضحك فيهم وجارا # بسيطة: فلاة معروفة، والقطار: جمع قطر، والصوار: القطيع من بقر الوحش، ~~والمنار: الصوامع، واحدتها منارة، والأكوار: الرحال، والقصد: الاستقامة في ~~الشيء، والجور: الخروج فيه عن الواجب. # فيقول مخاطبا للفلاة: بسيطة مهلا! فيما كلفتنا من السير، ولازمتنا به من ~~قلة النوم، فقد تركت عيون عبيدي حيارى في نظرها، غير متحققات للمرئيات عند ~~تأملها. # ثم قال: فظن عبيدي ms168 عليك (أن) النعام نخيل؛ بما توالى عليهم من السير، وأن ~~بقر الوحش صوامع؛ بما أتصل لهم من طول السفر. وأشار إلى أنهم يتمنون الخروج ~~من تلك الفلاة إلى القرى المعمورة، لتطاولها عليهم، فكانوا يظنون نعامها ~~نخيلا، وبقرها الوحشية منارا. # ثم قال: فأمسك صحبي بأكوارهم معتصمين بها، وعولوا عليها ملتزمين لها، وقد ~~أخذ الضحك فيهم بحظه، وتجاوزوا فيه إلى أكثر مما عهد من أمره، وأشار بما ~~ذكر إلى أنهم كاد أن يسقطهم الضحك عن رواحلهم، وأن يخرجهم بغلبته عن ~~مواضعهم. PageV02P060 # ونجم ناجم من بني كلاب، وسار إلى الكوفة، فخرج إليه أهلها، وكان فيمن خرج ~~إليه أبو الطيب، وجرى بينهم طراد، فانهزم الخارجي ومن معه من بني كلاب، ~~وجرد الديلمي دلير بن يشكروز إلى الكوفة ومعه جيش، فصادف القوم وقد ~~انهزموا، فواصل أبا الطيب وأنفذ إليه ثيابا من الديباج الرومي والخز ~~والدبيقي، وقاد إليه فرسا بمركب ثقيل، فقال أبو الطيب يمدحه، أنشده في سنة ~~ثلاث وخمسين وثلاث مائة. # كدعواك كل يدعي صحة العقل ... ومن ذا الذي يدري بما فيه من جهل # لهنضك أولى لائم بملامة ... وأحوج ممن تعذلين إلى العذل # تقولين ما في الناس مثلك عاشق ... جدى مثل من أحببته تجدي مثلي # لهنك: كلمة إضمار ومخاطبة معناها: لأنك، فأبدلوا الهاء من الهمزة، كما ~~قالوا: هراق وهم يريدون أراق، وأدخلت لام الإخبار على ذلك. # فيقول مخاطبا لعاذلته، ومشيرا إلى لائمته: مثل الذي تدعينه أيتها العاذلة ~~من صحة العقل، وتظنينه في عذلك من صواب الفعل، يدعيه كل ذي رأي سواك ~~ويعتقده، وكل ذي مذهب يتخيره ويلتزمه، ومن ذا الذي يشعر بمقدار جهله، وينظر ~~بعين الحقيقة من نفسه؟!. # ثم قال: لهنك أيتها العاذلة أحق اللائمين بالملامة، وأبعدهم عن طرق ~~الإصابة، وأحوج إلى العذل من الذي تقصدينه بعد ذلك وتعتمدينه بلومك. # ثم قال مشيرا إليها: تقولين لي ما في الناس عاشق على مثل بصيرتك، ولا محب ~~يحتمل على طريقتك، وقولك في ذلك لا يدفع عن الصدق، ورأيك لا يعدل عن الحق، ~~فجدي مثل من أحببته في ms169 جلالة القدر، تجدي مثلي فيما بلغته من الحب. # محب كنى بالبيض عن مرهفاته ... وبالحسن في أجسامهن عن الصقل # وبالسمر عن سمر القنا غير أنني ... جناها أحبائي وأطرافها رسلي # المرهفات: السيوف، والقنا: الرماح، وجنى الشجرة: (اجتنى) ثمرتها، ويستعار PageV02P061 ~~ذلك في كل ما ترتقب فائدته. # فيقول لعاذلته: والمثل الذي أشير لك إليه؛ هو محب يكنى بالبيض عن مرهفات ~~سيوفه عند ذكرها، وبالحسن في أجسامهن عما يعجب به من صنيعها وصقلها. # ثم قال: ويكني بالسمر عن سمر رماحه كلفا بها، ويجعل ما يظهره من الشغف ~~خالصا لها، ويعتقد أن ما يجتنيه بتلك الرماح، كالأحباب الذين ينحو نحوهم، ~~ويجعل أطرافها إليهم، الرسل الذين يستحفظهم أمرهم. # عدمت فؤادا لم تبت فيه فضلة ... لغير الثنايا الغر والحدق النجل # فما حرمت حسناء بالهجر غبطة ... ولا بلغتها من شكا الهجر بالوصل # الثنايا من الأسنان: معروفة، والغر: البيض، والأعين النجل: الواسعة. # فيقول: أعدمني الله قلبا (لا) تكون فيه فضلة عن الاشتغال بالحب، والتصرف ~~في أسباب لعشق، والكلف بحسان النساء، ذوات الثنايا الغر الواضحة، والعيون ~~النجل الفاترة، ولا مرحبا بقلب ينزع من الأمور إلى أرفعها، ويحن من منازل ~~الشرف إلى أجلها وأكرمها. # ثم أكد ما دقمه، فقال: فما حرمت حسناء بهجرها غبطة يتشرف المحروم بنيلها، ~~ولا منعته كرامة ترتفع منزلته بإدراك مثلها، ولا بلغت إلى ذلك من شكا هجرها ~~بما تبذله من الوصل، ولا من ألم لبعدها بما تسمح له به من القرب. # ذريني أنل ما لا ينال من العلا ... فصعب العلا في الصعب والسهل بالسهل # تريدين لقيان المعالي رخيصة ... ولا بد دون الشهد من إبر النحل # حذرت علينا الموت والخيل تدعي ... ولم تعلمي عن أي عاقبة تجلي # اللقيان: لغة في اللقاء، وإبرة النحل: التي تلدغ بها، وكذلك إبرة العقرب، ~~وجمعها: إبر، والإدعاء في الحرب: الانتساب على طريق الافتخار وطلب ~~الاشتهار، والإجلاء: الكشف. PageV02P062 # فيقول مشيرا إلى عاذلته: ذريني لأنال من العلا ما يصعب نيله، وأدرك منها ما ~~لا يقرب مثله، فليس يدرك من المعالي ما تجل قيمته، إلا بتكلف ما ms170 تعظم ~~مشقته، وما كان منها يقرب تناوله، فبحسب ذلك يكون تسافله. # ثم قال مخاطبا لها: تريدين أن ألقى المعالي وادعا غير متمون، وأدركها ~~ريحا غير متكلف، ولابد دون الشهد والتلذذ بتطعمه من لدغ إبر النحل، والتحمل لألمه. # ثم قال، وهو يريد عاذلته، وأشار إلى الوقعة التي شهدها عند وروده الكوفة، ~~حذرت علينا الموت، والحرب تسعر، والفرسان في غمراتها تدعي وتفتخر، ولم ~~تعلمي ما أجلت عنه من الظهور والغبطة، وما أعقبت به من الكرامة والرفعة. ~~وأشار إلى تشكره له دلير بن يشكروز من اشتهاره في تلك الحروب، وما قارضه به ~~من الإحسان والبر. # ولست غبينا لو شربت منيتي ... بإكرام دلير بن يشكروز لي # تمر الأنابيب الخواطر بيننا ... ونذكر إقبال الأمير فتحلو لي # ولو كنت أدري أنها سبب له ... لزاد سروري بالزيادة في القتل # الغبين: المغبون، وهو فعيل بمعنى مفعول، كما يقال قتيل بمعنى مقتول، ~~وشريت الشيء، بعته، وشريته: ابتعته، وأراد هاهنا الابتياع، والأنابيب: ما ~~بين كعوب القناة، واحدها: أنبوب، وأشار بها إلى الرماح. # فيقول: ولست مغبونا لو ابتعت المنية مغتبطا بها، ولقيتها غير متكره لها، ~~جزاء بما أولاني دلير بن يشكروز من كرامته، ومقارضة لما خصني به من ~~ملاطفته. # ثم قال مشيرا إلى الوقعة التي شهدها بالكوفة، وكانت سبب قدوم دلير بن ~~يشكروز على الناحية: تمر بيننا أنابيب الرماح التي استعملناها في المطاعنة، ~~وضربناها فيما عانيناه من المقاتلة، ونذكر ما يدعو ذلك إليه من قدوم الأمير ~~دلير بن يشكروز، فيحلو لي لنا من ذلك ما مر طعمه، ويحسن عندنا منه ما ~~يستكره أمره. PageV02P063 # ثم قال: ولو كنت أدري دراية تيقن أن ما باشرته في تلك الوقعة سبب إلى قربه، ~~وموجب للنظر إلى وجهه، لزاد سروري بوفور حظي من القتل الذي كنت أحذره، ~~واقتحامي على الهلاك الذي كنت أتوقعه. # فلا عدمت أرض العراقين فتنة ... دعتك إليها كاشف الخوف والمحل # ظللنا إذا أنبى الحديد نصولنا ... نجرد ذكرا منك أمضى من النصل # ونرمي نواصيها من أسمك في الوغى ... بأنفذ من نشابنا ومن النبل # المحل: ms171 الجدب، والعرقان: الكوفة والبصرة، والعراق: شاطئ، ولذلك سميتا، ~~والنصول: السيوف، ونبوها: تأخرها عن النفاذ في القطع، والوغى: أصوات ~~المقاتلين في الحرب. # فيقول مخاطبا لدلير: فلا أعدم الله العراق فتنة قدمت بك إلى أرضها، ~~وصيرتك مدبرا لأمور أهلها، فأنت كاشف الخوف عنها بهيبتك، وبركة سياستك، ~~وصارف المحل بكرمك وجود راحتك. # ثم قال يخاطبه: ظللنا في الوقعة التي قدمت على أثرها إذا نبت السيوف ~~بأيدينا عند المجالدة، وعليها كثرة (جنن) أعدائنا المتظاهرة، نجرد فيهم من ~~ذكرك ما هو أنفذ من السيوف الصارمة، وأشد عليهم من النصول الماضية. # ثم قال، وهو يريده: ونرمي من أسمك نواصي الخيل التي نستقبلنا، ونراكب ~~الفرسان التي تعترض لنا، بأنفذ من نشابنا، وأمضى ما نستعمله من سلاحنا. ~~يريد أنه كان تداعيهم في تلك الحرب باسمه، وإجلابهم على المقاتلين لهم ~~بذكره، أنفذ مما رموه من النشاب عن القسي العجمية، ومما رموا به من نبلهم ~~عن القسي العربية، والنبل: سهام العرب، وصاحبها نابل ونبال، وسائر سهام ~~العرب النشاب. قال الأعشى وهو يذكر عجم الفرس في يوم ذي قار: # لما أمالوا إلى النشاب أيديهم ... ملنا ببيض فظل الهام يختطف PageV02P064 ~~وقال الفند الزماني: # ونبلي وقفاها كعراقيب ... قطى طحل # وقال أمرؤ القيس: # وليس بذي سيف وليس بنبال # هذا المعروف الغالب، وإليه أشار أبو الطيب حين فرق بين النشاب والنبل. # فإن تك من بعد القتال أتيتنا ... فقد هزم الأعداء ذكرك من قبل # وما زلت أطوي القلب قبل اجتماعنا ... على حاجة بين السنابك والسبل # ولو لم تسر سرنا إليك بأنفس ... غرائب يؤثرون الجياد على الأهل # وخيل إذا مرت بوحش وروضة ... أبت رعيها إلا ومرجلنا يغلي # السنابك: مقادم حوافر الخيل، واحدها: سنبك، والسبل: الطرق، واحدها سبيل، ~~والجياد: الكرام، والمرجل: القدر. # فيقول مخاطبا لدلير: فأن كنت أتيتنا على عقب وقعتنا، ولم تشهد ما قصدت له ~~من نصرتنا، فلم نهزم أعداءك قبل ورودك إلا بذكرك، ولا أظهرنا إلا ما أحاط ~~بنا من سعدك. # ثم قال: وما زلت قبل اجتماعي بك، وما حصلت عليه من المشاهد لك، أطوي ~~القلب ms172 على نية في قصدك، وحاجة من النهوض إلى أرضك، قضاؤها والوفاء بها ~~مكتسب بين سنابك الخيل التي تستعمل ركضها، ومناهج الطرق التي تستأنف قطعها. # ثم قال: ولو لم تسر نحونا لبادرنا إليك مسرعين، وليممنا أرضك متسابقين، ~~بأنفس غرائب تؤثر الجياد على الأهل، ولا تأنس إلا بما يوفر حظها من الفضل. # ثم قال: وكنا نقصدك بخيل كرام لا يستنكر سبقها، عتاق لا يستكره خلقها، ~~إذا عنت لها سوانح الوحش، وأحاطت بها خمائل الروض، أبت أن تطمئن راتعة، PageV02P065 ~~وتستقر وادعة، حتى تدرك بها ما تحاوله من الوحش، فنخضب فيما نعفره بعدوها، ~~كإخضابها فيما تستقبله من رعيها. # ولكن رأيت الفضل في القصد شركة ... فكان لك الفضلان بالقصد والفضل # وليس الذي يتبع الوبل رائدا ... كمن جاءه في داره رائد الوبل # وما أنا ممن يدعي الشوق قلبه ... ويحتج في ترك الزيارة بالشغل # الشركة: لغة في الشركة، والوبل: المطر، والرائد: الذي يرسله القوم ليطلب ~~لهم الكلأ. # فيقول مشيرا إلى دلير: ولكنك رأيت القصد لمن يعتقد قصدك، ومن أجمع على ~~الرحلة نحوك، تشريكا بين ضربين من الفضل، واستكمالا لنوعين مشكورين من ~~الفعل، فكان لك الفضل لما تكلفته من قصدك، وأكدت ذلك بما قرنته من إنعامك وفضلك. # ثم قال: وليس الذي يتبع الوبل مقتفيا لأثره، متكلفا للرحلة إلى كلأه، كمن ~~جاءه الوبل وهو ناظر في منزله، وأحاط به الخصب وهو متودع في موضعه، أن فضل ~~دلير كان مضاعفا؛ لأنه كفاه مؤونة الرحلة، وأعتمده بأوفر النعمة. # ثم قال: وما أنا ممن يدعي الشوق ولا يصدق ذلك بظاهر فعله، ويحتج في ترك ~~الزيارة بما يترادف عليه من شغله. يشير إلى أنه لو تأخر عنه دلير، لم يقصر ~~هو عن قصده، ولا كان ممن يقدر التأخر عنه على مثله. # أرادت كلاب أن تقوم بدولة ... لمن تركت رعي الشويهات والإبل؟! # أبى ربها أن يترك الوحش وحدها ... وأن يؤمن الضب الخبيث من الأكل # كلاب: قبيلة معروفة من قيس بن عيلان، كان الخارجي الذي قاتله أبو الطيب ~~قبل إقبال دلير منهم، والضب: دابة تأكلها ms173 الأعراب. # فيقول: أرادت كلاب، هذه القبيلة الضعيفة الحال، المتأخرة القليلة المال، ~~أن تقوم PageV02P066 ~~بسلطان ودولة، وتتسور على ملك وإمرة، فلمن كانت تترك رعي شويهاتها وإبلها، ~~وما هي عليه من إقلالها وجهدها؟!. # ثم قال: أبى ربها أن يظفرها من ذلك بما طلبته، ويعنيها على ما حاولته ~~ورغبته، وأن يترك الوحش في القفر من مجاورتها، عادما لما هو بسبيله من ~~مساكنتها، وأن يؤمن الضب الخبيث من تصيدها، وما هي عليه من استعمالها ~~للتفوت بها. فأشار إلى أن الله قد حكم على بني كلاب بسكنى القفار، والتقوت ~~بالضباب، فكيف لهم مع ذلك بالتسمي بالإمرة، والتعاطي لمنازل الرفعة؟!. # وقاد لها دلير كل طمرة ... تنيف بخديها سحوق من النخل # وكل جواد تلطم الأرض كفه ... بأغنى عن النعل الجديد من النعل # الطمرة: الفرس الكريمة السريعة، والسحوق: النخلة الطويلة. # فيقول، وهو يريد بني كلاب؛ هذه القبيلة: وقاد لها دلير كل فرس طمرة سريعة ~~الجري، كريمة عظيمة الخلق، كأن ما يشرف برأسها من عنقها، سحوق ترفعه، وجذع ~~ينيف به على من تأمله. وأشار بالخدين إلى الرأس؛ لأنهما منه غير منفصلين عنه. # ثم قال: وقاد لها كل حصان جواد، قوي أسره، شديد خلقه، تلطم الأرض كفه ~~لصلابتها وقوتها، وسلامتها وصحتها، بما هو أغنى من نعل الحديد من ذلك النعل ~~عن نفسه، وما هو أثبت منه في حقيقة جنسه. # فمرت تريغ الغيث والغيث خلفت ... وتطلب ما قد كان في اليد بالرجل # تحاذر هزل المال وهي ذليلة ... وأشهد أن الذل شر من الهزل # وأهدت إلينا غير قاصدة به ... كريم السجايا يسبق القول بالفعل # الإراغة: الارتياد والمحاولة، والغيث معروف، وأشار به إلى ما يكون من ~~الخصب والكلأ، والمال: السائمة من الإبل وغيرها، وهزل ذلك: إضاعته حتى PageV02P067 ~~يغلب الضعف عليه، يقال: هزل فلان إبله يهزلها هزلا، إذا أضاعها حتى تهزل، ~~روى ذلك أبو حاتم عن شيوخه، والسجايا: الخلائق، الواحد سجية. # فيقول، وهو يريد بني كلاب، هذه القبيلة: فمرت تريغ الغيث، وتطلب الخصب، ~~وقد خلقت ذلك في البلاد التي نفاها عنها دلير، بخلافها على ms174 السلطان الذي ~~جرده نحوها، وقلد مناصبتها وحربها، فصارت تطلب ما كان في أييدها وملكها وهي ~~وادعة آمنة، بالانتقال والرجل وهي متوقعة خائفة. وأشار باليد والرجل إلى ~~هاتين الحالين، وكنى بهما عن هاتين الطريقتين. # ثم قال: تحاذر على مالها الضياع والهزل، وتستسهل لأنفسها الصغار والذل، ~~وأشهد أن الذل أشد من الهزل، وأن الصغار أوجع لقلوب الحرار من الفقر. # ثم قال: وأهدت إلينا بنو كلاب، بما أظهرته من العصيان، وما عملت به من ~~خلاف السلطان، غير عامدة إلى ما أهدته، ولا قاصدة لما أوجبته من (قدوم) ~~الأمير دلير، كريم الخلائق، مشكور المذاهب، يسبق في الإفضال فعله قوله، ~~ويتقدم في الإحسان إنجازه وعده. # تتبع آثار الرزايا بجوده ... تتبع آثار الأسنة بالفتل # شفى كل شاك سيفه ونواله ... من الداء حتى الثاكلات من الثكل # عفيف تروق الشمس صورة وجهه ... فلو نزلت شوقا لحاد إلى الظل # الرزايا: الفجائع، وآثار الأسنة: الجراح التي تحدثها، والفتل: معروف، ~~واحدها فتيل، والنوال: العطاء، والثاكلات: المفجعات، والثكل: المصاب. # فيقول مشيرا إلى دلير: تتبع آثار الفجائع فسلى عنها بجوده، وتقصى بقايا ~~المكاره فعزى عنها بفضله، وتلافى ذلك كما تتلافى جراح الأسنة بالفتل، التي ~~تجبر خللها، وترفع عواديها وألمها. # ثم قال، وهو يريده: شفى من الداء كل من يتشكاه؛ فأذهب الآجال بسيفه، وقرب PageV02P068 ~~الآمال بجوده، حتى انه أجار الثواكل من الثكل، وأعداهن على مؤونة الحرب. ~~يشير إلى أنه عم بالإحسان والفضل، وأجار بكرمه من نوائب الدهر. # ثم قال، وهو يشير إليه: عفيف يروق الشمس بحسن صورته، ويبهرها بجماله ~~وبهجته، فلو نزلت إليه مشتاقة إلى قربه، لحاد عنها إلى الظل، غير مسعد لها بوصله. # شجاع كأن الحرب عاشقة له ... إذا زارها فدته بالخيل والرجل # وريان لا تصدى إلى الخمر نفسه ... وعطشان لا تروى يداه من البذل # وتمليك دلير وتعظيم شأنه ... شهيد بوحدانية الله والعدل # الريان: الذي قد بلغ غاية الري، والصدى: العطش، والبذل: العطاء. # فيقول، وهو يريده: شجاع كأن الحرب تصبو إليه، وتعشقه وتعجب به، فهو عند ~~زيارته لها، وما يتسرع إليه من الإلمام ms175 بها، تفديه من الخيل والرجل بما ~~يطلبه، وتمكن له من الصنع أفضل الذي يرغبه. # ثم قال: وهو ريان الجوانج بما هو عليه من صيانته، مترفع عن المحارم بما ~~يؤثره من توفير مروءته، فنفسه لا تعطش إلى الخمر، ورأيه لا يعدل به إلى ~~الباطل واللهو، ولكنه عطشان من الكرم، فيداه لا تروى منه، ورغبته تتأكد ~~فيه، ورأيه لا ينصرف عنه. # ثم قال: فتمليك دلير، وتمكين الله لأمره، وتأييده على ما يوجب له تعظيم ~~قدره، مع ما هو عليه من إيثار الإحسان، وما يعتقده من مواصلة التطول ~~والإنعام، شهيد بوحدانية الله وعدله، وما جدد به من لطائفه وصنعه. # وما دام دلير يهز حسامه ... فلا ناب في الدنيا لليث ولا شبل # وما دام دلير يقلب كفه ... فلا خلق من دعوى المكارم في حل # الناب: السن الذي يلي الرباعية، وبه تكون غاية السبع، والليث: الأسد. PageV02P069 # فيقول: أن دلير مادام يهز سيفه في وقائعه، ويمضيه على الأعداء في ملاحمه، ~~فالليوث وأشبالها مستسلمة لا يخاف عاديتها، وأنيابها كليلة لا تتوقع ~~مضرتها. # ثم قال: وما دام يقلب كفه بما يستعملها فيه من الكرم، وما يمطر بها من ~~سحائب النعم، فلا أحد في حل من دعوى المكارم، والانتساب إلى ما انفرد به من ~~الفضائل؛ لأنه المستولي على ذلك، والمنفرد فيه بجميل الذكر، والمشهور به، ~~والمتقدم فيه لأنباء الدهر. # فتى لا يرجى أن تتم طهارة ... لمن لم يطهر راحتيه من البخل # فلا قطع الرحمن أصلا أتى به ... فإني رأيت الطيب الأصل # الطهارة: التبرؤ من الدنس. # فيقول: أن دلير مستبصر في أصل الفضل، محبول على الكرم والبذل، يكره البخل ~~وينافره، ويبغضه ويخالفه، ولا يعد الدنس إلا في الالتباس به، ولا الطهارة ~~إلا في المجانبة (له). # ثم قال: فلا قطع الرحمن أصلا أنجب مثله، وحرس النسل الذي نشر علينا فضله، ~~فأني رأيت الفروع إنما تطيب بحسب طيب أصولها، وتكرم بمقدار كرم من إليه ~~يكون مصيرها. PageV02P070 # وسأله أشراف أهل الكوفة أن يهجو ضبة بن يزيد، وكان فيمن كان مع الخارجي ~~الذي كان ms176 في بني كلاب، فقال هذه القصيدة في الميدان وهو على ظهر فرسه. # ما أنصف القوم ضبه ... وأمه الطرطبه # رموا برأس أبيه ... وناكوا الأم غلبه # فلا بمن مات فخر ... ولا بمن نيك رغبه # وإنما قلت ما قلت ... رحمة ولا محبه # وحيلة لك حتى ... عذرت لو كنت تيبه # وما عليك من القتل ... إنما هي ضربه # الطرطبة: طويلة الثديين، والغلبة: لغة في الغلبة، ونيك: بمعنى نكح، يقال ~~بالباء والنون، وتيبه: بمعنى تشعر. # وما عليك من الغدر، ... إنما هي سبه # وما عليك من العار ... أن أمك قحبه # وما يشق على الكلب ... أن يكون ابن كلبه # ما ضرها من أتاها ... وإنما ضر صلبه # ولم ينكها ولكن ... عجانها ناك زبه # وقلبه يتشهى ... ويلزم الجسم ذنبه # لو أبصر الجذع فعلا ... أحب في الجذع صلبه # يلوم ضبة قوم ... ولا يلومون قلبه # السبة: ما يسب الرجل به، والقحبة: المرأة الفاجرة، والعجان: السوءة من ~~المرأة والرجل، والزب: الذكر، والجذع: عمود النخلة. # يا أطيب الناس نفسا ... وألبن الناس ركبه # وأخبث الناس أصلا ... في أخبث الأرض تربه # وأرخص الناس أما ... تبيع ألفا بحبه PageV02P071 ~~كل الفعول سهام ... لمريم وهي جعبه # وما على من به الداء ... من لقاء الأطبه # وليس بين هلوك ... وحرة غير خطبه # الجعبة: كنانة النشاب، والهلوك: المرأة الفاجرة، والخطبة (والخطبة) لغتان ~~في خطبة المرأة إلى نفسها. # يا قاتلا كل ضيف غناه ... ضيح وعلبه # وخوف كل رفيق ... أباتك الليل جنبه # كذا خلقت ومن ذا الذي ... يغالب ربه # ومن يبالي بذم ... إذا تعود كسبه # أما ترى الخيل في النخل ... سربة بعد سربه # على نسائك تجلو ... فعولها منذ سنبه # الضيح: اللبن يخالطه الماء، والعلبة: قدح ضخم، والسربة: القطعة من الخيل ~~والوحش والنساء وما أشبه ذلك، والسنبة: الدهر. # وهن حولك ينظرن ... والأحيراح رطبه # وكل غرمول بغل ... يرين يحسدن قنبه # فسل فؤادك يا ضبب ... أين خلف عجبه # وإن يخنك فعمري ... لطالما خان صحبه # وكيف ترغب فيه ... وقد تبينت رعبه # ما كنت إلا ذبابا ... نفتك عنه مذبه # الغرمول: الذكر الضخم، والقنب من الفرس والبغل والحمار: وعاء القضيب، ms177 ~~والعجب: الزهو والكبر. # وكنت تنخر تيها ... فصرت تضرط رهبه PageV02P072 ~~وإن بعدنا قليلا ... حملت رمحا وحربه # وقلت ليث بكفي ... عنان جرداء شطبه # إن أوحشتك المعالي ... فإنها دار غربه # أو آنستك المخازي ... فإنها لك نسبه # وإن جهلت مرادي ... فإنه بك أشبه # الليث: الأسد، والجرداء: الفرس القصيرة شعر الجلد، وذلك يدل على كرمها، ~~والشطبة: الطويلة الحسنة، والرهبة: المخافة، والحربة: أقصر من الرمح. # هذا جميع ما قاله أبو الطيب بالكوفة من الشعر. # - PageV02P073 ### || AUTO العميديات # ثم خرج إلى بغداد فراسله ابن العميدي، أبو الفضل محمد بن الحسين بن ~~العميدي، وزير ركن الدولة من أرجان، فسار إليه، وقال يمدحه: # باد هواك صبرت أم لم تصبرا ... وبكاك إن لم يجر دمعك أو جرى # كم غر صبرك وابتسامك صاحبا ... لما رآه وفي الحشى ما لا يرى # أمر الفؤاد لسانه وجفونه ... فكتمنه وكفى بجسمك مخبرا # يقول مخاطبا لنفسه، ومتشكيا لما أعجزه من الاستتار بحبه: باد هواك ووجدك، ~~وظاهر بكاؤك وحسرتك، فصبرت وأظهرت حبك، وتجلدت وأذريت دمعك، فعليك من ظاهرك ~~شاهد لا تدفعه، ومن تغير جسمك دليل لا تنكره، وقوله: (أم لم تصبرا) أراد ~~النون الخفيفة، فحرك الراء بالفتح لالتقاء الساكنين، ثم وقف للقافية، فأبدل ~~من النون ألفا، كما يفعل بالأسماء المنصوبة إذا وقف عليها في النصب؛ لأن ~~التنوين والنون الخفيفة من موضع واحد، وهما حرفان زائدان، كل واحد منهما ~~علامة لما قصد به، فالنون الخفيفة علامة للتوكيد، كما أن التنوين علامة ~~للتمكن، فحملا في الوقف محملا واحدا، وعلى ذلك كلام العرب، قال الشاعر يصف ~~جبلا أحاطت السيول به: # يحسبه الجاهل ما لم يعلما ... شيخا على كرسيه معما # ثم قال: كم غر صبرك وتجلدك، وابتسامك وتحملك، صاحبا معنيا بأمرك، ومشفقا ~~متوجعا لسقمك، وفي حشاك من لواعج الحب ما لا يلحظه، ومن دواعي الوجد ما لا يعلمه. # ثم قال: أمر قلبك لسانه بالإمساك عن شكوى الحب، وألزم جفونه الإعراض عن ~~إسبال الدمع، فأسعدنه على كتمان سره، ووافقته في إخفاء أمره، وكفى بجسمك ~~مخبرا عما تضمره، وبتغيره معربا عما تستره. # تعس المهاري ms178 غير مهري غدا ... بمصور لبس الحرير مصورا PageV02P074 ~~نافست فيه صورة في ستره ... لو كنتها لخفيت حتى يظهرا # تعس الرجل: بمعنى عثر ولم ينعش، والمهاري: إبل كريمة تنسب إلى بني مهرة ~~وهم حي من قضاعة، وكانوا يستفرهون الإبل، والمنافسة: الحسد والتغاير، ~~والمصور: البارع الجمال، ولذلك سمي عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب صاحب شرطة ~~سعيد بن عثمان بالمصور، وتقول العرب للرجل الجميل صير ومصور. # فيقول: أتعس الله المهاري فهي من أسباب الرحلة، وأبعدها فإنها من دواعي ~~الفرقة، وحاشى من ذلك مهريا خصه؛ من احبه بنفسه، وأسعده الزمان بقربه، فأنا ~~أجله عن الإتعاس له، وأتحرج من أن أتربص مكروها به. # ثم وصف حال ذلك المهري، فقال: غدا ممن أحبه بمصور قد تناهى حسنه، ومنعم ~~معدوم مثله، يرفل في الوشي المنمنم، ويتستر بالديباج المصور، فليس يبعد ما ~~يستره عما يلبسه في حسن الهيئة، وجلالة القيمة لمحل هذا المحبوب من الرفعة، ~~ومكانه من الرفاهية والنعمة. # ثم قال: نافست في ذلك المحبوب صورة ممثلة في مثله، دانية متمكنة من قربه، ~~غلبتني عليه، وانفردت دوني بالدنو إليه، ولو كنت تلك الصورة لأخفاني النحول ~~دون ما توليته من ستره، وأظهرني ما حجب ذلك المثال من حسنه، وأشار بما ذكره ~~إلى أنه متمكن السقم، وفي غاية من نحول الجسم. # لا تترب الأيدي المقيمة حوله ... كسرى مقام الحاجبين وقيصرا # يقيان في أحد الهوادج مقلة ... رحلت وكان لها فؤادي محجرا # قد كنت أحذر بينهم من قبله ... لو كان ينفع حائنا أن يحذرا # تربت اليد: إذا خسرت وأفتقر صاحبها، وكسرى: الاسم الذي يخص به ملك الفرس، ~~وقيصر: الاسم الذي يخص به ملك الروم، والهوداج: مراكب النساء، واحدها هودج، ~~ومقلة العين: معروفة، والمحجر: العظم الذي يحيط بأسفل العين، PageV02P075 ~~والبين: الفراق، والحائن: الهالك. # فيقول: لا تترب الأيدي الصانعة لستور هودج من أحبه، المحكمة لآلات مركبه، ~~الممثلة في تلك السجوف المسبلة، وفي تلك الستور المرسلة، كسرى وقيصر قائمين ~~مقام المتحققين به، نازلين منزلة الحاجبين له، وقليل ذلك فيما يستحقه؛ ~~لجلالة قدره، ويستوجبه بتكامل حسنه، ms179 فكأن صناع تلك الستور صنعوها في حين ~~حياكتها على قصد، ومثلوا فيها كسرى وقيصر ليقيموها له مقام الحاجبين على عمد. # ثم قال، وهو يريد صورتي كسرى وقيصر: يقيان في ذلك الخدر ممن أهيم بحبه، ~~وأعلل فؤادي بذكره، من أحله محل مقلة العين التي يستضاء بنورها، ويستنفذ ~~غاية الجهد في صونها، فتولت راحلة، وبانت عن ما كان يستضيء بها ظاعنة، ~~وأبقت لفؤادي لمثالها، كالمحجر للمقلة، الذي هو على حفظها، موضوع للاعتناء ~~بأمرها. # ثم قال: قد كنت أحذر البين من الأحبة قبل طروقه لي، وامتثله قبل نزوله ~~بي، لو كان ينفع الحائن اشتداد مخافته وحذره، أو يغني عنه إفراط توقعه ووجله. # ولو استطعت إذا اغتدت روادهم ... لمنعت كل سحابة أن تقطرا # فإذا السحاب أخو غراب فراقهم ... جعل الصياح بينهم أن يمطرا # وإذا الحمائل ما يخدن بنفنف ... إلا شققن عليه ثوبا أخضرا # الرواد: الذين يتوجهون في طلب الكلأ، واحدهم: رائد، والحمائل: الإبل التي ~~يتحمل عليها، الواحد: حمولة، ويخدن: يسرعن في المشي، والنفنف: المفازة ~~المقفرة. # فيقول: ولو استطعت في حين توجيه الحي الذين منهم أحبتي، الذين أهيم بهم، ~~وأشفق من بينهم بالرواد، الذين يطلبون لهم مواقع الغيث ليرحلوا نحوها، PageV02P076 ~~ويقصدون لرعي ما تنبتها من بقلها، لمنعت السحاب من أن تجوده بقطرها، وتسمح ~~بما يرتقبه الرواد من ويلها، ليكون ذلك عائقا للأحبة على الرحلة، ومانعا ~~مما أحذروه فيهم من الفرقة. # ثم قال: إذا السحاب بما يسمح به من انهماله، وما ظفر به الرواد من تواصل ~~انسكابه، يشاكل حال الغراب الذي ينعب بينهم، ويتطير به فيما يحذر من بعدهم، ~~وكأن أصوات السحاب عند تكاثر صوته يؤذن من فراق الأحبة لمثل ما يؤذن به ~~الغراب بصوته. # ثم قال: وإذا الهوادج المتضمنة لهم، والحمائل الراحلة بهم، لا يخدن بقفر ~~يقطعنه، ونفنف يتجشمنه، إلا شققن عليه من هوادجهم، ومصبغات ركائبهم، ثوبا ~~أخضر يروق مبصره، وملبسا مونقا يعجب متأمله. # يحملن مثل الروض إلا أنها ... أسبى مهاة للقلوب وجؤذرا # فبلحظها نكرت قناتي راحتي ... ضعفا وأنكر خاتماي الخنصرا # أعطى الزمان فما قبلت ms180 عطاءه ... وأراد لي فأردت أن أتخيرا # المهاة: البقرة الوحشية، والجوذر: ولدها، والخنصر: آخر أصابع اليد، وهو ~~أصغرها. # فيقول، وهو يريد الحمائل: يحملن من الهوادج التي يسبل عليها الديباج ما ~~هو كالروض في الحسن والبهجة، وما يشاكل ذلك في الجمال والنضرة، إلا أن ما ~~يتضمنه الديباج من الأحبة المشتملات، والحسان المرسلات له، أملك للعقول، ~~وأقدر على تصريف العقول من مها رياض القفر وجآذرها، وما تتصرف الأقوال فيه ~~من محاسنها. # ثم قال: فلبحظ تلك المها الراحلة، ومحاسن الجآذر الظاعنة، نكرت قناتي ~~راحتي بما صرت إليه من نحول الجسم، وما لا أزال أتشكاه من دخيل النعم، وأنكر PageV02P077 ~~خاتمي خنصري الذي يألفه، وباشر منه غير ما كان يعرفه. وثنى الخاتم مشيرا ~~إلى خنصريه، واستغنى بذكر أحدهما عن ذكر صاحبه، إشارة إلى ما قدمه من تثنية ~~الخاتم، معولا على ما أسند إليه من فهم السامع. # ثم قال: أعطى الزمان فلم أقبل عطاءه الذي بذله، وأراد لي فلم أقنع بمراده ~~الذي مكنه، ورغبت عمن أصحبنيه من الأمراء، وأرشدني إليه من الرؤساء، وتخيرت ~~سيدهم وعمدتهم، وصراحهم وغرتهم، وأشار بذلك إلى ابن العميد الذي اعتمد ~~بمدحه، وآثره بقصده. # أرجان أيتها الجياد فإنه ... عزمي الذي يذر الوشيج مكسرا # لو كنت أفعل ما اشتهيت فعاله ... ما شق كوكبك العجاج الأكدارا # أرجان: بلد من بلد فارس، فيه كان ابن العميد، والجياد: السراع من الخيل ~~والإبل، والوشيج من الرماح: ما التف عند نباته، وكوكب الركب: جماعتهم ~~ومعظمهم، والعجاج: الغبار، والأكدار: المظلم. # فيقول مخاطبا لإبله: أرجان أيتها الإبل! اعتمديها بقصدك، وأسرعي نحوها ~~بجهدك، فإن السابق لك والناهض نحوها بك، عزمي المستحكم الذي يكسر وشيج ~~الرماح بقوته، ويغلبه بنفاذه وشدته. # ثم قال، وهو يخاطب إبله: لو كنت أفعل ما يوافقك مثله، ويكون على حسب ~~اختيارك فعله، ما تجشمت بك ركوب القفر الذي تواصلين قطعه، ومحاولة البعد ~~الذي تعتمدين قصده، ولا يشق كوكبك العجاج الذي تثيرينه في سيرك، وتقتحمينه ~~بمبلغ جهدك. # أمي الفضل المبر أليتي ... لأيممن أجل بحر جوهرا # أفتى برؤيته الأنام وحاش لي ... من ms181 أن أكون مقصرا أو مقصرا # الأم: القصد، والألية: الحلف، والتيمم: الاعتماد. PageV02P078 # فيقول، وهو يريد إبله: أمي أبا الفضل الذي أبره به قسمي الذي قدمته، وحلفي ~~الذي اعتقدته بقصد جوده، واعتماد فضله، وهو البحر الذي يصغر كل بحر عن ~~مماثلته، ويقصر عن مساواته ومكافأته، ولا يتضمن كجواهر علمه، ولا يظهر ~~كالذي يظهره من كرمه وفضله. # ثم قال: أفتى الأنام أجمعون بالبدار إلى رؤيته، وأشاروا فيما خص الجميع ~~عليه، أو مقصرا عن إتيان ما ندب ذوو الألباب إليه. # صغت السوار لأي كف بشرت ... بابن العميد وأي عبد كبرا # إن لم تغثني خيله وسلاحه ... فمتى أقود إلى الأعادي عسكرا؟ # يقول: صغت السوار لتحلية الكف المشيرة إلى ابن العميد، الذي قصدت نحوه، ~~ويممت أرضه، وأعددت نفيس الرغائب، ورفيع المواهب، لأي عبيدي كبر محيلا على ~~رؤيته، مستصحبا بضياء غرته. # ثم قال: إن لم تغشني خيله مغيثة منجدة، وسلاحه ناصرة مؤيدة، فمتى أقود ~~إلى الأعادي عسكرا أتكثر بقوته، وجمعا أسطو عليهم بما أسند إليهم من ~~نصرته؟!. # بأبي وأمي ناطق في لفظه ... ثمن تباع به القلوب وتشترى # من لا تريه الحرب خلقا مقبلا ... فيها ولا خلق يراه مدبرا # خنثى الفحول من الكماة بصبغه ... كا يلبسون من الحديد معصفرا # خنثى: أسم أخذه من خنثى، والخنثى: الذي يكون له ما للرجل والمرأة، ~~والكماة: الشجعان، واحدهم كمي، والمعصفر من الثياب: ما صبغ بالحمرة وما ~~أشبهها. # فيقول، وهو يشير إلى ابن العميد: بأبي وأمي ناطق في براعة نطقه، وما ~~يظهره من البلاغة في لفظه، ثمن تتملك به القلوب فتباع وتشترى بمثله، ويتحكم ~~عليها بما يتضمنه من حسنه. # ثم قال: وهو يريده، من لا تريه الحرب خلقا يقدم فيها على مواجهته، ويقبل PageV02P079 ~~متعرضا لمنازلته، ولا خلق من الناس يراه مدبرا عن حربه، مقصرا عما يحاول ~~فيه من إنفاذ أمره. # ثم قال: (خنثى الفحول من الكماة)؛ أي: صيرهم كالخناثى، لعجزهم عن ~~مجالدته، وضعفهم عن شدة مطاعنته، وبما أجراه من دمائهم عن الدروع التي ~~يتحصنون بالتستر بها، والجواشن التي يقدرون الامتناع بآلاتها، فيعصفرها بما ms182 ~~يجريه من دمائهم، ويحصنها بما يسيل عليها من جراحهم. # يتكسب القصب الضعيف بخطه ... شرفا على صم الرماح ونفخرا # ويبين فيما مس منه بنانه ... تيه المدل فلو مشى لتبخترا # التبختر: الإزهاء في المشي. # فيقول، وهو يريد الممدوح، مشيرا إلى الكتابة التي كانت صناعته: يتكسب ~~ضعيف قصب الأقلام من الشرف بخطه، وما يتقيد به من متخير لفظه، ما يقصر عنه ~~صم الرماح مع شدة أسرها، ولا تبلغ أقله مع جلالة أمرها، وتفخر الأقلام ~~عليها بما يتخيره من الكتاب بها، وما لا يزال عليه من استعماله لها. # ثم قال مشيرا (إلى أقلامه): ويبين فيما مس بنانه من قصب الأقلام تيه ~~المتكبر، ويظهر عليه زهو المتبختر، فلو مشى ذلك القصب لتبختر في مشيه، ولو ~~تصرف لاستبان الاختيال في فعله. # يا من إذا ورد البلاد كتابه ... قبل الجيوش ثنى الجيوش تحيرا # أنت الوحيد إذا ركبت طريقة ... ومن الرديف وقد ركبت غضنفرا # الغضنفر: الأسد. # فيقول، وهو يريد الممدوح: يا من إذا ورد البلاد كتابه ورسله، وأنتشر فيها ~~إرادته وأمره، ثنى تلك الجيوش من قبل أن يردها بجيشه، وفرق جموعها دون أن ~~يقتحم عليها بجمعه. PageV02P080 # ثم قال: أنت الوحيد فيما تحاوله، الذي لا نظير لك، والفريد الذي لا يقترن ~~أحد بك، ومن الذي يكون رديفك فيما تفعله، ورسلك فيما تبلغه، وأنت فيما ~~تركبه من الهول، وتستهله من متعذر الفعل، كراكب الأسد الذي لا تؤمن سطوته، ~~والمستذل له وإن كانت تحذر صولته. # قطف الرجال القول قبل نباته ... وقطفت أنت القول لما نورا # فهو المتبع بالمسامع إن مضى ... وهو المضاعف حسنه إن كررا # وإذا سكت فإن أبلغ ناطق ... قلم لك أتخذ الأصابع منبرا # القطف: القطع والاجتناء، والمنبر: موقف الخطيب. # فيقول، وهو يخاطب الممدوح: تناول الرجال القول من قبل وقته، وقصدوه من ~~غير وجهه، وتناولته أنت وقد نور وحسن، وتكامل وتمكن، يريد: أنه حاوله غير ~~مستكره له، واقتدر عليه اقتدار عالم به. # ثم قال: فهو المتبع بالمسامع حرصا على الاستكثار من حسنه، والمتضاعف ~~البهجة عندما يقع من تكرير لفظه. يشير ms183 إلى أن الناس يجتهدون في تحفظ ذلك ~~الكلام لموضعه من الحكمة والبراعة، ويعجبون بتكريره لتقدمه في الحسن ~~والبلاغة. # ثم قال مخاطبا له: وإذا سكت معولا على كتابتك، وأخذت في تسطير خطابتك، ~~فأن أبلغ خطيب يقله منبره، ومتكلم يشتمل عليه محضره، قلم أقلته في الكتابة ~~أصابعك، ونهضت به في الخطابة أناملك. # ورسائل قطع العداة سحاءها ... فرأوا قنا وأسنة وسنورا # فدعاك حسدك الرئيس وأمسكوا ... ودعاك منصفك الرئيس الأكبرا # خلفت صفاتك في العيون كلامه ... كالخط يملأ مسمعي من أبصرا # السحاء: جمع سحاءة، وهي الحزامة التي يشد بها الكتاب عند ختمه، والسنور: PageV02P081 # الدروع والسلاح. # فيقول على نحو ما قدمه: وأبلغ الكلام رسائل قطع العداة سحاءها، ونشروا ~~مدمج طيها، فتبينوا فيها من فخامة لفظك، وشاهدوا من جزالة قولك، ما قام ~~عندهم مقام السلاح في التهيب لفعله، وناب منابه فيما يتوقع من أمره. # ثم قال، وهو يريده: فدعاك حسدك الرئيس غير مستبدين، وأقروا لك بذلك، فعل ~~مضطرين، ودعاك من أنصفك في قوله، ووفاك حقك في وصفه؛ الرئيس الأكبر غير ~~مدافع، والعميد الأعظم غير منازع. # ثم قال: ونطقت صفاتك بتصديق منصفك، وخلفت أفعالك مقال معظمك، كالخط يملأ ~~مسمعي من أبصره، اعتبارا دون محاورة، ويناديه بما تضمنه تدنوا من غير ~~مكالمة. # أرأيت همة ناقتي في ناقة ... نقلت يدا سرحا وخفا مجمرا # تركت دخان الرمث في أوطانه ... طلبا لقوم يوقدون العنبرا # وتكرمت ركباتها عن مبرك ... تقعان فيه وليس مسكا أذفرا # اليد السرح: الخفيفة، والخف من الجمل: كالحافر من الفرس، والمجمر: الصلب، ~~والرمث: ضرب من أشجار بلاد العرب، والعنبر: معروف، والمسك الأذفر: الذكي ~~الرائحة. # فيقول مشيرا إلى الممدوح: أرأيت كهمة ناقتي في سائر النوق، المجتازة ~~للرحل، والإبل المداومة للسفر، المتنقلة بالأيدي الخفيفة السريعة، ~~والمتصرفة بالأخفاف الشديدة الصلبة. # ثم أشار إلى ناقته، منبها على ارتفاع همتها، وموقفا على جلالة بغيتها، ~~فقال: تركت بلاد العرب رغبة عن ضيق عيشها، وتشحطها لافتقار أهلها، وتكرها ~~لدخان الرمث وما شاكله من الشجر الذي توقد به العرب نيرانها، وتحتطبه في PageV02P082 ~~أوطانها، استدفاعا للقر، وتفاديا من شدة ms184 الضر، واعتمدت قوما يوقدون العنبر ~~مستطرفين لريحه، ويحرقونه متنعمين بفوحه. # ثم قال مشيرا إلى ناقته: وتكرمت ركباتها عن البروك في الرمل، وترفعت عن ~~الوقوع على الترب، فاعتمدت بلادا تقع فيها على المسك الأذفر، وتفوز من ~~سعادتها بالحظ الأوفر. # فأتتك دامية الأظل كأنما ... حذيت قوائمها العقيق الأحمرا # بدرت إليك يد الزمان كأنما ... وجدته مشغول اليدين مفكرا # الأظل: خف البعير وبه يطأ الأرض. # فيقول مخبرا عن ناقته، ومخاطبا للممدوح: فأتتك دامية الأظل، لشدة سيرها، ~~وبعد مسافة أرضها، كأن قوائمها قد حذيت بالعقيق الأحمر. يشير إلى أن ~~أخفافها ألمة حافية، وأسافلها مكلومة دامية. # ثم قال، وهو يريد ناقته، ويخاطب ابن العميد ممدوحه: بدرت إليك يد الزمان، ~~التي تقبض الآمال؛ بتعرض صروفها، وتعوقه عما يقصده بترادف خطوبها، وكأنها ~~وافقت منه غرة، فانتهزت فيه فرصة، ووجدته مشغول اليدين، ففاتته بنفسها، ~~ومقبلا على التفكير، فلم يعقها عما حاولته من أمرها. # من مبلغ أني بعدها ... جالست رسطاليس والإسكندرا # ومللت نحر عشارها فأضافني ... من ينحر البدر النضار لمن قرى # رسطاليس: حكيم معروف من حكماء اليونانيين، والإسكندر: ملك من ملوك الروم ~~دانت له الأرض بجملتها، والعشار: جمع عشراء، وهي الناقة التي قد مضى لحمها ~~عشرة أشهر، والبدر: جمع بدرة، وهي كيس فيه عشرة آلاف درهم، والنضار: الذهب، ~~وقرى: بمعنى أضاف. # فيقول: من مبلغ الأعراب الذين فارقتهم، وفرقهم الذين كنت تألفهم، أني جاست PageV02P083 ~~بعدهم من ابن العميد الذي قصدت نحوه. # وتيممت أرضه، رسطاليس في درايته وحكمته، والإسكندر في تملكه ورفعته. # ثم قال: ومللت ما تعتد به الأعراب من نحر عشارها، وما تفتخر به في ~~الضيافة من عقر جمالها، فأضافني ابن العميد؛ من ينحر لأضيافه بدر الذهب، ~~ويريحهم من كد الطلب، ويعزون بجواره فلا يذلون، ويأمنون بمكانه فلا يخافون. # وسمعت بطليموس دارس كتبه ... متملكا متبديا متحضرا # ولقيت كل الفاضلين كأنما ... رد الإله نفوسهم والأعصرا # نسقوا لنا الحساب مقدما ... وأتى فذلك إذ أتيت مؤخرا # بطليموس: حكيم من حكماء اليونانيين، ومليك من ملوكهم، والمتبدي: الذي ~~يألف البوادي، والمتحضر: الذي يلازم الحواضر، والنسق: الجمع ms185 والنظم. # فيقول: وسمعت من ابن العميد بطليموس في سعة علمه، وبراعة لفظه، وتفقد ~~لدراسة كتبه، متملكا في رفعته وجلالته، متبديا في عروبيته وفصاحته، متحضرا ~~في دقته ولطافته. # ثم قال: ولقيت بلقائي له كل الفاضلين، وجميع الحكماء المتقدمين، حتى كأن ~~الإله أشهدني عصورهم بمشاهدة عصره، وأراني كرم نفوسهم بما رأيته من كرم نفسه. # ثم قال: نسقوا لنا بذكر خصالهم، وما قيدته الأخبار من رفيع أحوالهم، على ~~ما تقدم منهم في الأزمان الخالية، والمدد السالفة، وكانوا كالحساب الذي ~~يقدم الكاتب في الصك ضروب رسومه، ويبين تفاسير وجوهه، ثم يجمع تلك الرسوم ~~بجملتها، والتفاسير مع كثرتها، بقوله: فذلك، مشيرا إلى رأس العدد الذي يحضر ~~ما ذكره، ويشتمل على جميع ما قدمه، فشبه ابن العميد بذلك الرأس، الذي يحيط ~~مع تأخره، بما يتكاثر من الحساب مع تقدمه، وجعل فضائل جميع المتقدمين ~~مشهودة بمشاهدة فضائله، محصورة في تضاعيف محاسنه. PageV02P084 # يا ليت باكية شجاني دمعها ... نظرت إليك كما نظرت فتعذرا # فترى الفضيلة لا ترد فضيلة ... الشمس تشرق والسحاب كنهورا # الشجو: الحزن، والكنهور من السحاب: ما تراكب وصار كأمثال الجبال. # فيقول مخاطبا لأبن العميد، ومشيرا إلى من تخلفه من أهله: يا ليت باكية ~~شجاني عند فراقها ما أذرته من الدمع، وأوجعني ما أبدته من الوجد، نظرت كما ~~نظرت، وأبصرت من فضائلك كالذي أبصرت، فتعذرني فيما تكلفته إليك من الرحلة، ~~وما تحملته من ألم الفرقة. # ثم قال: فكانت تشهد منك الفضل الذي لا يعارض برده، والكرم الذي (لا) عهد ~~لها بمثله، وتعاين من سحاب جودك كنهورا لا يفتر وبله، ومترادفا لا ينقطع ~~سكبه، والشمس مع ذلك لا ينكسر ضوءها، ومشرقة لا ينتقض نورها، فترى السحاب ~~على غير ما عهدته، وانسكابه على خلاف ما باشرته. # أنا من جميع الناس أطيب منزلا ... وأسر راحلة، وأربح متجرا # زحل على أن الكواكب قومه ... لو كان منك لكان أكرم معشرا # زحل: كوكب معروف من السبعة الخنس التي ذكرها الله عز وجل. # فيقول مشيرا باغتباطه بالوفود على ابن العميد: أنا أفضل الناس منزلا بكرم ms186 ~~المنزل الذي تبوأته، وأسرهم راحلة ببركة السفر الذي تكلفته، وأربحهم متجرا ~~بقبول الرئيس الذي وجهن إليه، واقتصرت بآمالي عليه. # ثم قال يخاطب ابن العميد ممدوحة: زحل مع جلالة رتبته، واستبانه رفعته، ~~وأن الكواكب قومه، وبينها شاهد فضله، لو كان منك وإليك، وأقتصر في انتسابه ~~عليك، لكان أشرف من الكواكب معشرا، وأجل منها أولا وآخرا. وهذا من إفراط ~~الشعراء الذين يقصدون منه بذكر ما لا يمكن، إحراز الفضل ببلوغ غاية ما يمكن. PageV02P085 # وقال يمدحه ويهنئه نوروزه، ويصف سيفا قلده إياه، وخيلا حمله عليها، وجائزة ~~وصله بها. # جاء نوروزنا وأنت مراده ... وورت بالذي أراد زناده # هذه النظرة التي نالها منك ... إلى مثلها من الحول زاده # ينثني عنك آخر اليوم منه ناظر ... أنت طرفه ورقاده # النوروز: وقت من الربيع يعظمه الفرس، وتتخذه عيدا لأنفسها، والزناد: ~~عيدان من أشجار معلومة، أشهرها المرخ والعفار، يحك منها العود بصاحبه بها ~~النار، وتقول العرب: ورت الزناد، ووريت الزناد: إذا أخرجت النار على سرعة، ~~وورت زناد فلان بأمر كذا: إذا أصاب منه ما يحب، ووريت كذلك، والطرف: تحرك ~~العين بالنظر. # فيقول، وهو يخاطب ابن العميد: جاء نوروزنا الذي كنا نرتقب وقته وننتظر ~~حينه، وأنت أيها الرئيس مراده الذي قصده، ومرجوه الذي اعتمده، ووردت زناده ~~بالوفود عليك، وأدرك ما أمله من الوصول إليك. # ثم قال مخبرا عن النوروز، ومخاطبا للممدوح: هذه النظرة التي نالها من ~~غرتك، والرفعة التي أحرزها بالوصل إلى حضرتك، زاده إلى مثل هذا الوقت من ~~العام المستقبل، والزمان المنتظر، ويحسب ذلك يسرا ليرضيك بفعله، ويتزين لك ~~ليوافقك بحسنه. # ثم قال على نحو ما قدمه: ينثني عنك عند اقتراب آخره، وانصرام سائره، ناظر ~~منه، أنت طرفه الذي به ينتشر ويبصر، ورقاده الذي إليه يأوي ويسكن، ~~فاستيحاشه إليك بمقدار سروره بالوفود عليك. # نحن في أرض فارس في سرور ... ذا الصباح الذي نرى ميلاده # عظمته ممالك الفرس حتى كل ... أيام عامه حساده # الميلاد: وقت الولادة، والممالك: جمع مملكة، وهي سلطان الملك. PageV02P086 # فيقول: نحن بأرض فارس في سرور قد عم، ms187 وشمل وكمل، وصباح يوم النوروز ميلاد ~~ذلك السرور وأوله، وباعثه وموجبه، فالآمال منبسطة، والفرحات متصلة، والنعم ~~سابغة، وأعين الحوادث نائمة. # ثم قال، وهو يريد النوروز: وقد أوجبت ممالك الفرس تعظيمه، وأظهرت إجلاله، ~~حتى صارت أيام العام تحسده على رفعته، ولا تساويه في شرف رتبته. # ما لبسنا فيه الأكاليل حتى لبستها ... تلاعه ووهاده # عند من لا يقاس كسرى أبو ساسان ... ملكا به ولا أولاده # عربي لسانه فلسفي رأيه ... فارسية أعياده # الأكاليل: العصائب المنظومة بالجوهر، واحدها إكليل، والتلاع: أماكن ~~مرتفعة يجري فيها الماء من الجبال، واحدها تلعة، والوهاد: مطمئنات من ~~الأرض، واحدتها وهدة. # فيقول مشيرا إلى النوروز: ما لبسنا فيه الأكاليل، وما يقع موقعها من ~~معلمات العمائم، ومزينات العصائب، مختلفين في حسن الهيئة، مشتملين بفاخر ~~الكسوة، حتى لبست تلك الملابس تلاع فارس ووهادها، بما أبدته من أزاهير ~~الروض، وأظهرته من بدائع النور. يشير إلى أن النوروز إنما يكون في الوقت ~~الذي تتزين الأرض فيه لمبصرها، وتروق بما تبديه من غرائب زخرفها. # ثم قال مشيرا إلى ابن العميد ممدوحه: عند من لا يقاس به أبو ساسان، ولا ~~سائر الأكاسرة من ولده، في سلطانه وجلالته، ونفاذه وسياسته، وما رفعه الله ~~من قدره، وتكفل به من إعلاء أمره. # ثم قال مشيرا إليه: عربي اللسان فصاحة وإبانة، فلسفي الرأي حكمة ودراية، ~~فارسي الأعياد كرما وسيادة، يشمل من ملكه بفضله، ويرضيه بقوله وفعله. # كلما قال نائل: أنا منه سرف، ... قال آخر: ذا اقتصاده PageV02P087 ~~كيف يرتد منكبي عن سماء ... والنجاد الذي عليه نجاده؟! # الاقتصاد: التوسط في الأمور، والنجاد: محمل السيف. # فيقول مشيرا إلى ابن العميد: كلما قال نائل من بذله، ومشهود من فضله، أنا ~~إسراف فيما قصدت به، وغاية من الكثرة فيما اعتمدت له، أردف ذلك من جوده ما ~~يزيد عليه ويغمره، ويجعله في حيز القصد ويصغره. # ثم قال وهو يريده: كيف يرتد منكبي عن رفيع من المواضع، وجليل من المراتب، ~~والسيف الذي نجاده عليه من عطاياه ومواهبه، وما خصني به من فواضله؟! يشير ~~إلى أنه خلع عليه ms188 سيفا أبان به ما يراعيه من أمره، ووصفه أبو الطيب فيما ~~يتصل بهذا من شعره. # قلدتني يمينه بحسام ... أعقبت منه واحدا أجداده # كلما استل ضاحكته إياة ... تزعم الشمس أنها أرآده # مثلوه في جفنه الفقد ... ففي مثل أثره إغماده # الحسام: السيف الصارم، والأعقاب: مأخوذة من العقب، وهو ولد الرجل، وإياه ~~الشمس: ضوءها، والأرآد: الأنوار، واحدها رأد، وأثر السيف: فرنده. # فيقول، وهو يشير إلى الممدوح، ويذكر السيف الذي وهب له: قلدتني يمينه ~~بسيف، فرند في جنسه، وجيد في جلالة قدره، وأعقبته السيوف المتقدمة منه في ~~الأزمان الخالية، والمده الطوال الماضية، واحدا لا نظير له، وغريبا لا ~~يقترن شيء من السيوف به. # ثم قال منبها على كرم جوهره، وشرف عنصره: كلما أسئل ضاحكته إياة من أراد ~~هذا السيف الظاهرة، وأنواره المشرفة البادية، وأن الشمس، مع أنها أصل ~~الضياء، مضافة إليه، وعيال في الإشراق عليه. # ثم قال مشيرا إلى السيف الذي قدم ذكره: مثلوه في جفنه كلفا به، واستحسانا له؛ PageV02P088 ~~يردي: أن جفن هذا السيف كان محلى بذهب قد أجيد صقاله، وأثبت فيه مثاله، ~~فصار الصقال في جفنه كالفرند المتلألئ في متنه، فكأنما أغمد في ذلك الأثر؛ ~~لما في الذهب الذي حلي به غمده من جودة الصقل. # منعل لا من الحفا ذهبا يحمل ... بحرا فرنده إزباده # يقسم الفارس المدجج لا يسلم ... من شفرتيه إلا بداده # جمع الدهر حده ويديه ... وثنائي فاستجمعت آحاده # المنعل من السيوف: الذي يكون في أسفل غمده من الذهب والفضة، أو ما يقوم ~~مقامهما مما يصان به، والفرند: وشيء السيف، والازباد: الرمي بالزبد، ~~والمدحج: المشتمل بالسلاح، والبداد: لبد السرج، والآحاد: الأفراد. # فيقول: أن السيف الذي ذكره أنه وهب له، كان منعلا بالذهب، لا لحفاء لحقه، ~~ولا لوهن أدركه، ولكن على سبيل الصيانة له، والشح به، وذلك الغمد المنعل ~~يحمل من نصله ما هو كالبحر في رونقه وصفائه، وفرنده عليه كالزبد المتصل بمائه. # (ثم قال): الفارس المدجج في السلاح لا يعتصم منه بشكته، وما استظهر به من ~~آلته وعدته، وينفذ فيه إلى ms189 أن يقد سرجه، ويدرك لبده. يريد أن هذا السيف قد ~~جمع غاية الكرم في فعله ومخبره، كما جمع غاية الحسن في هيبته ومنظره. # ثم قال: جمع هذا السيف لهذا الدهر؛ ما هو عليه من نفاذ حدته، ويدي ابن ~~العميد اللتين يبطشان بقوته، وثنائي الذي دللت به على حقيقة صفته، فاجتمعت ~~له آحاد الزمان التي لا تماثل، ومفرداته التي لا تقاوم، وثنى اليد، وإنما ~~تصرف السيف مفردة؛ لأن الأخرى تعضدها في تصرفها، وتسبب لها أسباب تمكنها. # وتقلدت شامة في نداه ... جلدها منفساته وعتاده # فرستنا سوابق كن فيه فارقت ... لبده وفيها طراده # ورجت راحة بنا لا تراها وبلاد ... نسير فيها بلاده PageV02P089 ~~الشامة: معروفة، وهي التي تكون في الجسد مخالفة لسائر لونه، والمنفسات من ~~المتاع: كل ما ارتفعت قيمته، الواحدة: منفسة، والعتد: ما إدخر لمهمات ~~الأمور، والتفريس: تعليم الفروسية، والسوابق: كرائم الخيل، واللبد: لبد ~~السرج، والطراد: تجاول الفرسان. # فيقول مشيرا إلى السيف الذي ذكره، ومخبرا بأنه كان محتقرا مع جلالته، ~~فيما اقترن به من هبات ابن العميد التي وهبها له: وتقلدت من هذا السيف الذي ~~قدمت وصفه، ما هو فيما استضاف إليه من الهبات المقترنة، كالشاملة التي لا ~~تعتد بها لقلتها، ولا تكاد تتبين في الجلد لصغرها ودقتها، وجملة المواهب ~~التي كان السيف فيها من منفسات المتاع، ومتخيرات العتاد. وكنى عن جملة ~~المواهب بالجلد، وعن السيف الذي قل فيها بالشامة، وحمل الكلام على ~~الاستعارة. # ثم قال: أفادتنا الفروسة سوابق خيل كانت في تلك الهبات، بحسن أدبها ~~وتأتيها في تصرفها، ففارقت لبد الممدوح، وفيها ما حملها عليه من حسن ~~الانقياد في المطاردة، ومحمود الطواعية عند المجاولة. وأشار بما ذكره إلى ~~موضع ابن العميد من الفروسة، وأنه لم يؤثره بخيل في ركوبه، إلا لما أظهر ~~عليه من الكرامة. # ثم قال: ورجت هذه الخيل أن تنال بهبتها لنا، راحة مما كانت عليه من ~~مواصلة الغزو، ومداومة السفر، وهي تحمل منا في بلده أبناء نعمته، ~~والمتصرفين بأمره في إقامته ورحلته. # هل لعذري إلى الهمام أبي الفضل ... قبول ms190 سواد عيني مداده # أنا من شدة الحياء عليل ... مكرمات المعله عواده # ما كفاني تقصير ما قلت فيه ... عن علاه حتى ثناه انتقاده # الهمام: الملك الرفيع الهمة، وثنيك الشيء عن وجهه: إذا صرفته، والانتقاد: ~~الامتحان والتخير. PageV02P090 # فيقول مشيرا إلى تقصيره عن واجب الشكر، وتعديد ما أحاط به من الفضل: هل ~~لعذري عند أبي الفضل الهمام الكبر، والرئيس الأكرم: موضع من تقبله، وحظ من ~~تجوزه، فاجعل مداد كتابي بذلك العذر سواد عيني، إكراما له، وأبدر إلى ذلك ~~وإلى مثله، إعجابا به. # ثم قال على نحو ما قدمه: أنا من شدة الحياء؛ لتأخري عن ما يلزمني لهذا ~~الرئيس، كالعليل المخول الصحة، ردي الألم، المغلوب القوة، إلا أن مكرمات ~~الذي أعلتني فواضله، بعجزي عن وصفها، وأخجلتني بتقصيري عن حقائق حمدها، ~~تعودني متتابعة، وتتعاهدني متوالية، فلست أدري أي طريق أسلك إليها من ~~الشكر، ولا كيف أقاوم كثرتها بجميل النشر؟!. # ثم قال: ما كفاني تقصير شكري عن فضله، وتأخر ما أبدعه من الشعر عن رفيع ~~قدره، حتى أردف ذلك بانتقاده، الذي يقل كل إحسان عنده، وامتحانه الذي يغلب ~~كل اجتهاد عفوه، فكيف لي بما يرضي ثاقب درايته، ويثبت على انتقاده مع سعة ~~إحاطته؟!. # إنني أصيد البزاة ولكنن ... أجل النجوم لا أصطاده # رب ما لا يعبر اللفظ عنه ... والذي يضمر الفؤاد اعتقاده # ما تعودت أن أرى كأبي الفضل ... وهذا الذي أتاه اعتياده # التعبير: الإبانة عن المعنى بظاهر اللفظ. # فيقول: أنني أصيد البزاة؛ يشير إلى أنه يبرز على المبرزين في الشعر، ~~ويتقدمهم في بدائع النظم، وأجرى الكلام على الاستعارة، ثم قال: ولكن البازي ~~مع ما هو عليه من النفاذ في الصيد، والتقدم في ذلك لأكثر صنوف الطير، لا ~~ينال النجوم ولا يدركها، ولا يصيدها ولا يلحقها، وكذلك ابن العميد في فضله، ~~وما آثره الله به من جلالة قدره، ولا يمكنني تعديد مكارمه، وأنا أقاوم ~~بشعري ما أبانه الله من PageV02P091 ~~فضائله. # ثم قال مؤكدا لما قدمه: رب شيء لا تعبر الألفاظ عن مثله، ولا تبلغ إلى ~~حقيقة وصفه، والفؤاد ms191 يشهد له ويصدقه، ويعتقده ويتحققه. فأشار إلى أن في ~~نفسه من إعظام ابن العميد وتفضيله ما لا يعبر عنه بشعره ولا يستوفيه بمبلغ وسعه. # ثم قال باسطا لعذر نفسه، ومعترفا بالتقصير عن وصف فضل الممدوح لشعره: ما ~~تعودت أن أرى كأبي الفضل فيمن رأيته من العلماء، وامتدحته من الرؤساء، وكان ~~امتداحي لهم بحسب أحوالهم، ومبلغ أقدارهم، فأشرت منه غير ما عهدته، ~~واستقللت له من الشعر ما نظمته، والذي أسداه إلي من الفضل، وغمرني به من ~~البذل، عادته التي عهدها، وطريقته التي لا منكر لها، فهو لا يخرج في الكرم ~~عن عرفه، وأنا أحاول غير ما عهدته في وصفه. # إن في الموج للغريق لعذرا ... واضحا أن يفوته تعداده # للندى الغلب أنه فاض والشعر عمادي ... وأبن العميد عماده # يقول مشيرا إلى ما أحاط به من فضل ابن العميد، وتقصيره عن بلوغ الواجب في ~~ذلك: أن ما في موج البحر مع كثرتها، وامتناع الإحاطة بجملتها، ما يبسط عذر ~~الغريق في عجزه عن حصرها بذكره، وإحصائها بعده. فشبه ما تتابع عليه من ~~مواهب ابن العميد بأمواج البحر، وشبه بالغريق فيها؛ لتقصيره عن حقيقة الشكر. # ثم قال: للندى الذي هو خلق ابن العميد، الغلبة في المساجلة، والزيادة عند ~~المماثلة، لأنه فاض علي وهو عماده، والإغراق فيه مراده، فعارضته بما أهديته ~~إليه من الشعر، وأتحفته به من غرائب النظم، وذلك بأن الذي أسند إليه، وأعول ~~عليه، فأعجز قولي بفعله، وزاد على جهدي بعفوه. # نال ظني الأمور إلا كريما ... ليس لي نطقه ولا في آده # ظالم الجود كلما حل ركب ... سيم أن تحمل البحار مزاده PageV02P092 ~~الأيد والآد: القوة، والسوم: تحميل المشقة، والمزاد: القرب، الواحدة مزادة. # فيقول: أدركت الأمور ظنوني البعيدة، وكشفت المعاني العويصة، وقصرت عن أن ~~تدرك كريما كابن العميد يربي على الكرام، ويزيد بفضائله على جميع الأنام، ~~ولست مع ذلك أتعاطى في النطق رتبته، ولا أقوى على قوته، مع تقدمي في إدراك ~~غوامضه، واشتهاري بالغوص على بدائعه. # ثم قال: وهو في كرمه ظالم لسؤاله، ومفرط على ms192 قصاده، يسومهم أن تتضمن ~~أوعيتهم ما يهبه، وتستقل إبلهم بما يبذله لهم، هو في ذلك كمن يكلفهم تضمن ~~البحر في الأوعية، والتحمل به في المزاد والأسقية. # غمرتني فوائد شاء فيها ... أن يكون الكلام مما أفاده # ما سمعنا بمن أحب العطايا ... فاشتهى أن يكون فيها فؤاده # يقول مشيرا إلى ابن العميد: غمرتني منه عطايا متتابعة، وفوائد مترادفة، ~~أراد إفادتي فيها بغرائب الكلام، وإيثاري بنوادر البيان، مع أني رب هذه ~~الصناعة، والمحتفل من هذه البضاعة. # ثم قال مشيرا إليه: ما سمعنا بمثل هذا الرئيس، من كريم أحب العطايا ~~وألفها، وأفرط في شدة الشغف بها، حتى اشتهى أن يكون قلبه وما تضمنه من سعة ~~الإحاطة، وأشتمل عليه من ثاقب الدراية، مما يهبه لمن يطرقه، ويتفضل به على ~~من يقصده. يريد أن الممدوح أفاض عليه من علمه، كما أفاض عليه من جوده. # خلق الله أفصح الناس طرا في ... مكان أعرابه أكراده # وأحق الغيوث نفسا بحمد ... في زمان كل النفوس جراده # مثلما أحدث النبوة في العالم ... والبعث حين شاع فساده # زانت الليل غرة القمر الطالع ... فيه، ولم يشنها سواده # طرا: يريد جميعا، والأعراب: أهل البادية، والعرب: أصحاب الإبل وبيوت PageV02P093 ~~الشعر، والأكراد: صنف من العجم في أطراف بلاد فارس، يذهبون مذاهب الأعراب ~~في مداومة الرحل، واتخاذ بيوت الشعر والإبل، والعالم: جميع الخلق. # فيقول: خلق الله ابن العميد، وهو أفصح الناس كلهم، وأنفذهم في البيان ~~بأسرهم، في مكان من فارس منقطع عن الموسومين بالفصاحة، منتزح عن المتقدمين ~~في حسن الإبانة، أعراب ذلك المكان الأكراد، الذين هم أهل العجمة، ~~والمشهورون بالغباوة والهجنة. # ثم قال: وخلق في ذلك المكان من ابن العميد أحق الغيوث نفسا بحمد، وأهدى ~~الكرماء إلى كل مجد، في زمان قد قل خيره، ودق أهله، وصارت أنفسهم كالجراد ~~في دناءتها وقلتها، وما طبعت عليه من مضرتها، وكذلك إنما تلافى الله الناس ~~بالرسالة الهادية، وأرشدهم بالنبوة الصادفة، حين شاع الفساد فيهم، واستولت ~~أسباب الجاهلية عليهم، وكذلك يتلافاهم الله بأهل الكرم والبذل؛ ليديل بهم ~~عن استيلاء الدناءة والبخل. ms193 يشير إلى أن ابن العميد ممدوحه، أصلح الله به ~~ما فسد من أهل زمانه، وعمهم بتطوله وإحسانه. # ثم قال مبينا أن فضل ابن العميد لا يخل به نقصان أهل داره، وأن ذلك يزيد ~~فيما أبانه الله من فضله: زانت الليل مع شدة سواده، واستكراه النفوس ~~لإظلامه، غره القمر المشرق فيه بنوه، المجلي الظلمة بضوئه، ولم يشنه ذلك ~~السواد ولا نقصه، ولا أخل به ولا وضعه، بل زادت مخالفته لليل في حسنه، ~~وأكدت ما رفعه الله من قدره، وكذلك نقصان أهل الزمان، لا يخل بما جمعه الله ~~لأبن العميد من التمام، بل ذلك يضاعفه ويتممه، ويبين مقدار نعمة الله فيه. # كثر الفكر كيف نهدي كما أهدت ... إلى ربها الرئيس عباده # والذي عندنا من المال والخيل ... فمنه هباته وقياده # فبعثنا بأربعين مهارا كل ... مهر ميدانه إنشاده PageV02P094 ~~الرب: المالك، ورب كل شيء مالكه، والعباد: جمع عبد، والقياد. ما يقتاد به ~~الرجل الشيء إلى نفسه، والمهر: معروف، والميدان: مجال الخيل. # فيقول: كثر تفكيري فيما أهديه إلى هذا الرئيس في نوروزه، ممتثلا لما فعله ~~عبيد نعمته وأبناء دولته، وعلمت أن ما يلزمني من الإتحاف له بحسب ما شملني ~~من السعادة به. # ثم قال: وتأملت ما عندي من المال، وما أملكه من الخيل، فرأيته الذي وهب ~~ذلك وبذله، وقاده نحوي وأرسله، فلم يحصل إتحافي له بهبته، وأطرافي إياه ~~بنعمته. # ثم قال: فبعثت بمهار أربعين؛ يشير إلى أبيات شعره، وما أهداه فيها من ~~مدحه، كل مهر إذا أرسله منشده، وأبان عنه مورده، تمكن في الآذان، وجال في ~~ميدان الإحسان. # عدد عشته يرى الجسم فيه أربا ... لا يراه فيما يزاده # فارتبطها فإن قلبا نماها مربط ... تسبق الجياد جياده # الأرب: المراد، والجياد: عتاق الخيل، ونميت الشيء: رفعته وأظهرته. # فيقول مشيرا إلى بيوت شعره الأربعين التي قدم ذكرها: عدد عشته في تزيد من ~~القوة، وتمكن من الصحة، يرى الجسم فيها لنفسه إرادة لا يراها فيما يستزيده ~~من عمره، ويستقبله من دهره؛ يريد أن الأربعين أمد القوة، ومدة الشبيبة، وأن ~~الإنسان ms194 بعدها منتقص في جسمه، منحط في جملة أمره؛ فلذلك ما تفاءل بالأربعين ~~في عدة بيوت شعره، وأعتقد ذلك لممدوحه، فيما يقربه الله به من مقاصده، ~~وييسره له من مواهبه. # ثم قال مخاطبا (أبن العميد)، ومشيرا إلى ما قدمه: فأرتبط ما قيدت فيك من ~~هذه البيوت النادرة، وما أتحفتك به من هذه البدائع الشاردة، فأن قلبا نماها ~~وأظهرها وهداها وسيرها، مربط تسبق الجياد غرائب فكره، وتتقدمها بدائع لفظه. PageV02P095 # وأنفذت هاتان القصيدتان من أرجان إلى أبي الفتح بن محمد بن العميد بالري، ~~فعاد الجواب يذكر شوقه إلى أبي الطيب وسروره به، وأنفذ أبياتا نظمها، فقال ~~أبو الطيب عند قراءة الكتاب: # بكتب الأنام كتاب ورد ... فدت يد كاتبه كل يد # يعبر عما له عندنا ... ويذكر من شوقه ما نجد # فأخرق رائيه ما رأى ... وأبرق ناقده ما انتقد # أخرق: بمعنى أدهش، وأبرق: بمعنى أبهت. # فيقول: بكتب الأنام كتاب يعدلها بجلالته، وينوب عن جميعها بكرامته، جعل ~~الله كل يد فداء يد كاتبه، ولا أعدم الزمان تزينه به. # ثم قال: يعبر فيه عن مثل ما بأنفسنا من الحرص عليه، ويخبر عن مثل ما ~~نعتقده من النزاع إليه، ويذكر من الشوق كالذي نجده، ويقول فيه ما نعتقده. # ثم قال: فأخرق ذلك الكتاب ما رأى من غرائبه، وأبرق منتقده ما باشره من ~~بدائعه، وأشرف من ذلك على ما يسلب النفوس بحسنه، ويتحكم عليها ببراعة لفظه. # إذا سمع الناس ألفاظه ... خلقن له في القلوب الحسد # فقلت وقد فرس الناطقين ... كذا يفعل الأسد ابن الأسد # الخلق: التقدير في الصناعة، والفرس: دق العيون. # فيقول مشيرا إلى الكتاب الذي قدم ذكره: إذا سمع الناس بدائع لفظه، ~~وتأملوا غرائب حسنه، بعث ذلك في قلوبهم الحسد لكاتبه، وأوجب عليهم المنافسة ~~فيه لصاحبه. # ثم قال مخبرا عن نفسه: فقلت وقد فرس الناطقين بعجزهم عن مقاومته، ووقوع ~~البأس لهم عن مماثلته، هكذا يفعل الأسد ابن الأسد في إدراك ما لا يدرك ~~مثله، والوصول إلى ما يتعذر فعله. PageV02P096 # وأحضرت مجمرة قد حشيت نرجسا وآسا، حتى خفيت نارها، ms195 فكان الدخان يخرج من ~~خلالها، فقال أبو الطيب: # أحب امرئ حبت الأنفس ... وأطيب ما شمه معطس # ونشر من الند لكنما ... مجاره الآس والنرجس # وإن القيام الألى حوله ... لتحسد أرجلها الأرؤس # النشر: الفوح، والند: ضرب من الطيب، والآس: الريحان، والنرجس: نوار ~~معروف، والألى: بمعنى الذين، والعز الأقعس: التمكن الظاهر. # فيقول مشيرا إلى ابن العميد: هذا أحب من تخصه النفوس بحبها، وتعتمده ~~الألسن بشكرها، وحذف هذا، وجعل أحب الذي هو خبر عنه دليلا عليه، والعرب ~~تفعل ذلك، ثم أشار إلى ما كان بحضرته من الطيب، فقال: وأطيب ما سكنت الأنفس ~~إلى ريحه، وشمت المعاطس تضوع فوحه، وحمل آخر الكلام من الحذف على ما حمل ~~عليه أوله. # ثم قال على نحو ذلك: ونشر من الند يسطع دخانه، ويعبق نسيمه، إلا أن مجامر ~~ذلك الدخان يشملها الآس الذي قد جللها، وبعينها النرجس الذي قد أحاط بها. # ثم قال: ولسنا نرى لهبا يؤثر في ذلك الند، ولا نارا تهيج روائح ذلك ~~الطيب. يشير إلى أن الآس والنرجس سترا ذلك اللهب وغيباه، وأحاطا به وشملاه، ~~فهل هاجه أيها الرئيس وأبانه، وأظهره فوح كرمك وأثاره؟!. # ثم قال مخبرا عن الممدوح الذي استفتح بذكره: وأن القيام الذين حوله لتحسد ~~رؤوسهم أرجلهم على ما تتصرف فيه من خدمته، وتنافسها في اعتماد القائمين ~~عليها بحضرته. PageV02P097 # وكتب إليه الملك فنا خسرو عضد الدولة كتابا يستزيره فيه، فقال عند مسيره ~~إليه مودعا: # نسيت وما أنسى عتابا على الصد ... ولا خفرا زادت به حمرة الخد # ولا ليلة قصرتها بقصرتها بقصورة ... أطالت يدي في جيدها صحبة العقد # الخفر في المرأة: إفراط الحياء، والقصيرة والقصورة من النساء: التي تقصر ~~في حجابها، والجيد: العنق. # فيقول: تتناساني من أكلف بحبه، وأكثر الحنين إلى قربه، وما أنسى عتابي له ~~على صده، وتوسلي بإقامتي على عهده، وخفره عند تلك المعاتبة، وخجله لما أورد ~~من تلك المخاطبة، وازدياد حمرته بذلك الخفر، وتمتعي منه بلذة النظر. # ثم قال: ولا أنسى ليلة قصرتها بقصير كثيرة النشر، منعمة رفيعة القدر، ~~أطالت يدي صحبة ms196 العقد في جيدها، ونعمت بمساعدتها وقربها، وأشار بما ذكره من ~~صحبة يده لعقدها إلى المعانقة، ودل بذلك على شدة الملازمة. # ومن لي بيوم كرهته ... قربت به عند الوداع من البعد # وألا يخص الفقد شيئا لأنني ... فقدت فلم أفقد دموعي ولا وجدي # تمن يلذ المستهام بمثله ... وإن كان لا يغني فتيلا ولا يجدي # الفتيل: سحاءة في شق النواة، يضرب المثل في القلة، ويجدي: بمعنى يفيد. # فيقول: ومن لي بيوم كيوم وداعي لمن أحبه، مع تكرهي لكونه، وما أتشكاه من ~~فعله، فقد قرب لي من الدنو إليه ما كان يبعد، ومكن لي ما كان يمنع، فكيف لي ~~بألم يقود إلى مثل تلك اللذة، ومكروه يؤدي إلى مثل تلك الخطوة؟!. # ثم قال: ومن لي بأن يكون الفقد فيما يسوء ويسر، وشاملا فيما ينفع ويضر؟ ~~فإني فقدت من أحبه، ولم افقد الوجد به، وعدمته ولم أعدم الحزن له، فليت ~~الفقد عدل في حكمه، وجرى على العموم في فعله. # ثم قال مشيرا إلى ما قدمه: تمن أتمناه ملتذا بذكره، وقول به المستهام ~~يسكن إلى PageV02P098 ~~مثله، وأن كان لا يجدي على من يستعمله، ولا يغني فتيلا عمن يتكلفه، ~~فالأماني شواغل لا تحمد عواقبها، وأباطيل لا ترتقب عوائدها. # وغيظ على الأيام كالنار في الحشا ... ولكنه غيظ الأسير على القد # فإما تريني لا أقيم ببلدة ... فآفة غمدي في دلوقي من حدي # يحل القنا يوم الطعان بعقوتي ... فأحرمه عرضي وأطعمه جلدي # القد: سير من جلد يشد به الأسير، والدلوق: خروج السيف من الغمد دون ~~استلال، والعقوة: فناء الدار. # فيقول على نحو ما قدمه: وغيظ على الأيام فيما تؤثره من الجور في الحكم، ~~والإساءة في الفعل، يشبه النار في التضرم، وما يثيره في الإحساس من التوقد، ~~ولكنه غيظ الأسير على القد يذله ويقصر ه، ويستولي عليه ويقهره. # ثم قال مقبلا على مخاطبه: فإما تريني موقوفا على الرحل، متحملا لمؤونة ~~السفر، لا أقيم ببلدة، ولا أنفد من رحلة، فآفة ما يشتمل علي من تلك البلاد، ~~أنه لا يقنعني برفده، فأدلق عنه ms197 دلوق السيف الصقيل من غمده. # ثم قال مشيرا إلى موضعه من البأس، وما هو عليه من جرأة النفس: تحل الحرب ~~بساحتي فتساجل فيها الأقران، وتطاعن فيها الفرسان، فأبلغ من الإقدام على ~~شدائدها، والاقتحام في غمرات وقائعها، مبلغا أعرض فيه نفسي، وأظهر فيه جسمي ~~للسلاح غير متوقع، وأباشر غير متهيب، ولا أوجد السلاح سبيلا إلى عرضي ~~بالإحجام عنه، ولا يتعلق على المذمة في الإشقاق منه. # تبدل أيامي وعيشي ومنزلي ... نجائب لا يفكرن في النحس والسعد # وأوجه فتيان حياء تلثموا ... عليهن لا خوفا من الحر والبرد # وليس حياء الوجه في الذنب شيمة ... ولكنه من شيمة الأسد الورد # النجائب: كرائم الإبل، والتلثم: التنقب على الفم، فإذا كان على الأنف فهو ~~التلثم، PageV02P099 ~~والشيمة: الخلق. # (فيقول) مشيرا إلى ملازمته للسفر، وما هو عليه من مداومه الرحل: تبدل ~~أيامي بتخالفها، وعيشي بتصرفه، ومنزلي بتقاربه وتباعده، نجائب نافذات في ~~السير، جريات على تقحم القفر، لا يفكرن فيما يتهيأ لهن من إقبال الجد، ولا ~~يحلفن بما يواجهنه من النحس والسعد. # ثم قال: ويبدل ذلك فتيان أصحبهم، وأنجاد من الأبطال الفهم، وآنس بموضعهم، ~~وأدل ببأسهم وتقدمهم، يستعملون اللثم على وجوههم حياء، يقودهم إليه فضلهم، ~~ويحدوهم عليه وكرمهم، لا ضعفا عن الحر وتحمله، وإشفاقا عن البرد وتموته. # ثم قال: وليس حياء الوجه من شيم الذئاب، وما شاكلها من مخاتلة السباع، ~~ولكنه من شيم الأسد التي تقصد ما تريده مجاهرة، وتأخذ ما تفرسه مغالبة. ~~فأشار إلى أن الحياء الذي وصف به أصحابه موصول فيهم بأشد القوة، مصحوب ~~بأوفر البأس والنجدة. # إذا لم تجزهم دار قوم مودة ... أجاز القنا والخوف خير من الود # يحيدون عن هزل الملوك إلى الذي ... توفر من بين الملوك على الجد # الحائد عن الشيء: الذي يعدل عنه، والتوفر على الشيء: التفرغ له، والجد في ~~الأمور: الاعتزام ومجانبة الهزل. # فيقول مشيرا إلى بأس أصحابه: إذا لم تجزهم ديار من يمرون به في سفرهم ~~المودة والمقاربة، والمحبة والمؤالفة، أجازتهم رماحهم وشدتهم، ونفذ بهم ~~إقدامهم ونجدتهم، والخوف في تقريب المطالب، وتسهيل ms198 المقاصد، أنفذ من ~~المحبة، وأنفع من المعرفة والمودة، ولذلك تقول العرب: (فوق خير من حب). # ثم قال، وهو يريد أصحابه، يحيدون عن هزل الملوك وترفهم، وباطلهم ~~ورفاهيتهم، إلى ابن العميد مقصودهم، وهو الذي وفر نفسه من بين سائر الملوك PageV02P100 ~~على الجد، وصرف اعتياده إلى ما يستكثر به من السيادة والمجد. # ومن يصحب أسم ابن العميد محمد ... يسر بين أنياب الأساود والأسد # يمر من السم الوحي بعاجز ... ويعبر من أفواههن على درد # الأساود: الحيات، والأسد: معروفة في السباع، والسم الوحي: السريع القتل، ~~والدرد: التي قد ذهبت أضراسها. # فيقول: ومن يصحب أسم ابن العميد متبركا به، ويتفاءل بسعادته قاصدا له، ~~يستقرب البعيد، ويسهل عليه العسير، ويسير بين أنياب الأساود والأسد غير ~~متهيب، ويتصرف هنالك غير متوقع. # ثم أكد ما قدمه؛ فيما يكشف قاصد ابن العميد من سعادته، فقال: يمر من السم ~~الوحي بعاجز عن ضره، ويستعمله غير متخوف له على نفسه، ويعبر من أفواه الأسد ~~والأساود على درد لا يتخوف عضها، ومغلوبة لا يتهيب أمرها، وجعل ما ذكره على ~~سبيل المثل، وأشار إلى أن سعادة ابن العميد تحجز قاصده عن كل مضرة، وتحول ~~بينه وبين كل مساءة. # كفانا الربيع العيس من بركاته ... فجاءته لم تسمع حداء سوى الرعد # إذا ما إستحين الماء يعرض نفسه ... كرعن بسبت في إناء من الورد # كانا أرادت شكرنا الأرض عنده ... فلم يخلنا جو هبطناه من رفد # الربيع: مدة ثلاثة أشهر، أولها انصرام ثنتين وعشرين ليلة من شهر آذار، ~~والعيس: الجمال البيض، والكرع: الشرب، والسبت: جلود تدبغ من القرظ، والجو: ~~المطمئن من الأرض، والرفد: المعونة. # فيقول: أن سعادة ابن العميد أوجبت سفره إليه في أوان الربيع، فكفاه ذلك ~~تمون طلب الكلأ والماء، ولم يعدم من الربيع سحابا يرويه، ورياضا معجبة، ~~فجاءت رواحله والرعد يسوقها حاديا بها، والسحاب يرويها متعاهدا لها، كل ذلك ببركة PageV02P101 ~~من قصدته، وسعادة الرئيس الذي اعتمدته. # ثم قال مشيرا إلى رواحله: (إذا ما استحين الماء)؛ لكثرة تعاهده لها، ~~وأردن مقارضته لما يظهره من البر لها، ms199 ألفينه والروض يشمله، وشربنه والزهر ~~يستره، فتناولته بمشافر كالسبت، ووافقته في إناء من الورد؛ فأشار بالورد ~~إلى تروض مشاربها، وبالسبت إلى رقة مشافرها، وكذلك ترق مشافر الإبل إذا ~~كرمت مراعيها، وإذا رعت الشوك جفت وغلظت، وتغيرت وخشنت، وقد ذكر ذلك أبو ~~عبيدة وغيره من الرواة. # ثم قال على نحو ما قدمه: كأنا بما أظهرته لنا الأرض من زخارفها، وطالعتنا ~~من محاسنها، أرادت أن تشكر عند الرئيس الذي قصدناه بفعلها، ونثني عليه بما ~~شهدناه من عونها، فلم يخلنا جو هبطناه، وموضع احتللناه، من رفد ومعونة، ~~وتأثير ومبرة. # لنا مذهب العباد في ترك غيره ... وإتيانه نبغي الرغائب بالزهد # رجونا الذي يرجون في كل جنة ... بأرجان حتى ما يئسنا من الخلد # الرغائب: الأشياء المرغوبة، واحدتها رغيبة، والزهد في الشيء: الإعراض ~~عنه، وأرجان: البلد الذي كان فيه ابن العميد، والخلد: طول البقاء. # فيقول، وهو يريد ابن العميد: لنا مذهب العباد الذين يزهدون في الدنيا ~~وأهلها، ولا يحفلون بشيء من أمرها، لما يرتجون في الآخرة من جزيل الثواب، ~~ويرتقبونه فيها من كريم المآب، وكذلك رجونا نحن من الممدوح بزهدنا في غيره، ~~كالذي رجاه العباد من نعيم الجنة، وأملوه من الراحة والنعمة، حتى ما يئسنا ~~مع ذلك بسعادة الممدوح من بقاء يشبه الخلود بدوامه، ويتكمل بأفضل ما يؤمله ~~من تفضله وإنعامه. وهذا الإفراط من تزيد الشعراء الذين يدعون فيه ما لا ~~يمكن ليظفروا ببلوغ الغاية فيما يمكن. PageV02P102 # تعرض للزوار أعناق خيله ... تعرض وحش خائفات من الطرد # وتلقى نواصيها المنايا مشيحة ... ورود قطا صم تشايحن في ورد # وتنسب أفعال السيوف نفوسها ... إليه وينسبن السيوف إلى الهند # تعريض الفرس لعنقه: أن يولي الناظر صفحته، ويعدل عنه بوجهه، والمشيح: ~~الجري المقدم، وقد تكون الإشاحة بمعنى الحذر، وتكون بمعنى الإعراض، والقطا ~~الصم: الذي لا عهد لها بالأنيس ولا بأصواتهم، وهي تجيب (الماء) لا تسمع ~~صوتا، ولا تذعر فيه، فليس تنثني عن الورود، قال الراجز: # ردي ردي ورد قطاة صما ... كدرية أعجبها برد الما # فوصفها بالصمم لشدة إعتزامها على الورود. # فيقول: ms200 أن خيل ابن العميد تذعر بزواره؛ لاعتيادها أن تكون فيما يهبه لهم، ~~فهي إذا أحست بهم عرضت أعناقها مستشرفة، وأصغت إليهم حذرة متوقعة، كما تفعل ~~الوحش عند إحساسها بصائدها، وتوقعها لعادية طالبها. # ثم قال: وتلقى نواصي تلك الخيل المنايا مقدمة غير محجمة، ومبادرة غير ~~متوقعة، وتردها ورد القطا الصم على مشاربها، وتسرع إليها كإسراعها إلى ~~مواردها. # ثم قال، وهو يريد الممدوح: وتنسب أفعال السيوف أنفسها (إليه)، ولا تعول ~~في نفاذها إلا عليه، مع أن السيوف إلى الهند منسوبة، وهي في تلك البلاد ~~مطبوعة، ولكن أفعالها لهذا الممدوح خالصة، وهي في وقائعه متصرفة نافذة. # إذا الشرفاء البيض متوا بقتوه ... أتى نسب أعلى من الأب والجد # فتى فاتت العدوى من الناس عينه ... فما أرمدت أجفانه كثرة الرمد # وخالفهم خلقا وخلقا وموضعا ... فقد جل أن يعدى بشيء وأن يعدي # القتو: الخدمة، والعدوى: اتصال الداء بغير صاحبه بالمجاورة ما هو أجل من PageV02P103 ~~أنسابهم، وأعلى من أوليتهم وأحسابهم. # ثم قال وهو يريده: فتى فات بكرمه أهل داره، وأربى عليهم برفيع قدره، فلم ~~يعدوه بالنقصان الذي لحقهم، ولا نالوه بالتخلف الذي أحاط بهم؛ وضرب بالرمد ~~مثلا لأهل زمانه، فيما هم عليه من التأخر، وأشار بسلامة الممدوح منه إلى ~~موضعه من الرئاسة والتقدم. # ثم دل على حال الممدوح في أهل الزمان، فقال: وخالفهم بخلقه وخلقه ومنزلته ~~وموضعه، فقد جل أن يعدوه لتواضعهم عنه، أو يعديهم لتباعدهم منه؛ لأنهم ~~يقصرون عن تمامه، ويعجزون عن تفضله وإنعامه. # يغير ألوان الليالي على العدى ... بمنشورة الرايات منصورة الجند # إذا ارتقبوا صبحا رأوا قبل ضوئه ... كتائب لا يردي الصباح كما تردي # ومبثوثة لا تتقى بطلعة ... ولا يحتمى منها بغور ولا نجد # المنشورة الرايات: الجيوش، والكتائب: مواكب الخيل المجتمعة، والرديان: ~~ضرب من العدو شديد، والغور: ما اطمأن من الأرض، والنجد: ما ارتفع منها. # فيقول مشيرا إلى الممدوح، وما هو عليه من كثرة جيوشه التي يوجهها إليهم، ~~وجموعه التي تتواتر عليهم: ومما تتضمنه تلك الجيوش من السلاح الذي يضيء ~~ويشرق، وينير ويتألق، وما يقترن ms201 بذلك من الرايات المنشورة، والكتائب ~~المؤيدة المنصورة. # ثم قال، وهو يريد أعداء الممدوح: إذا ارتقبوا إسفار صبحهم، وانتظروا ~~انصرام ليلهم، رأوا قبل ذلك كتائب سائرة، ومقانب راجعة، تبادر الصباح لسرعة ~~سيرها، وتسابقه برديانها وعدوها. # ثم قال: ورأوا كثرة من الخيل مبثوثة، لا يعتصم من مثلها بطليعة؛ تؤذن ~~بقربها، وتنبه من وراءه على أمرها، ولا يتخلص منها بسهول الأرض والإمعان في PageV02P104 ~~قطعها، ولا بجبالها والترقي في وعرها؛ لأنها تملأ السهول والأوعار، وتعم ~~البسائط والجبال. # يغضن إذا ما عدن في متفاقد ... من الكثر غان بالعبيد عن الحشد # حثت كل أرض تربة في غباره ... فهن عليه كالطريق في البرد # يغضن: يستترن، والمتفاقد: الجيش الذي يضل فيه الرجل صاحبه فلا يجده؛ ~~لكثرة أهله، والكثر والقل: لغتان في الكثرة والقلة، والغاني: ذو الغنى، ~~والحشد ما يستكثر به من الأباعد، وحثت: طرحت، والبرد: ثوب مطرق من ثياب اليمن. # فيقول مشيرا إلى (الكتائب) المبثوثة من الجيش الذي وصفه: يغضن، مع ما هن ~~عليه من كثرتهن، واحتفال عدتهن عند انصرافهن إلى الجيش، في متفاقد لا يهتدي ~~فيه الرجل إلى صاحبه، ولا الطالب إلى بغيته؛ لاحتفال جمعه وكثرة أهله، وهو ~~مع ذلك مستغن بعبيد الممدوح عن الاحتشاد بغيرهم، وبخاصتهم عن الاستكثار بمن ~~لا يدخل في رسمهم. # ثم قال مشيرا إلى كثرة ذلك الجيش، وحفل جماعته، وسعة موضعه، وبعد مسافته: ~~حثت كل بقعة من الأرض في غباره تربة، وأظهرت في عجاجه سمة، فهي في ذلك ~~الغبار كالطرائق في البرد تتبين ولا تكتتم، وتتميز ولا تستتر، وكل بقعة ~~موضعه من الأرض على كثرة ما اشتمل عليه من الجمع. # فإن يكن المهدي من بان هديه ... فهذا، وإلا فالهدى ذا، فما المهدى؟! # يعللنا هذا الزمان بذا الوعد ... ويخدع عما في يديه من النقد # هل الخير شيء ليس بالخير غائب ... أم الرشد شيء غائب ليس بالرشد # المهدي: إمام عادل من أهل البيت، بشر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~يكون في آخر الزمان، فيما ينقله بعض الرواة، والهدى: الاحتمال على الرشد. # فيقول، وهو ms202 يشير إلى الممدوح: فأن يكن المهدي الذي بشر به، إنما استحق هذا PageV02P105 ~~الاسم لبيان رشده، وتكامل فضله، فهذا الممدوح ذلك لا محالة، وإلا فأن الهدى ~~مشهود في صواب فعله، وما أظهره الله من مشكور سعيه، فما المهدي؟ وما ~~الزيادة التي ترتقب منه، والفضيلة الغائبة التي تؤثر عنه؟. # ثم قال: يعللنا هذا الزمان بما يتخاين به عن المهدي، وصلاح الجميع به، ~~وما دخره الله من الفضائل له، ويخدعنا عما نشهده في ابن العميد من تمام ~~خصاله، وجلالة حاله، فيصير في ذلك كمن يدع النقد لدين يرتقبه، والحاصل لأجل ~~ينتظره. # ثم قال مؤكدا لما قاله: فهل يجوز لمن تحقق الخير وشاهده، أن يظن أنه غائب ~~عن حضرته؟ أم يمكن لمن باشر الرشد وعاينه، أن يحتسب أنه بعيد عن مشاهدته؟! ~~فأشار إلى أن ابن العميد تقتضي صفاته جميع ما بشر به في المهدي، وإذا كان ~~ذلك، فهو أحق الناس بهذا الاسم، وأولاهم بإحراز هذا الفضل. # أأحزم ذي لب وأكرم ذي يد ... وأشجع ذي قلب وأرحم ذي كبد # وأحسن معتم جلوسا وركبة ... على المنبر العالي أو الفرس النهد # تفضلت الأيام بالجمع بيننا ... فلما حمدنا لم تدمنا على الحمد # اللب: العقل، والفرس النهد: القوي المشرف. # فيقول، وهو يخاطب ابن العميد، وناداه بالألف وهي من حروف النداء: أأحزم ~~ذوي الألباب فيما يشيره وتفعله. وأكرم ذوي الأيد فيما يسمح به ويبذله، ~~وأشجع ذوي القلوب فيما يقصده، وأرحم ذوي الأكباد من يرعاه فقصر الحزم على ~~اللب؛ لأنه الباعث عليه، والكرم على اليد؛ لأنها المتصرفة فيه، والشجاعة ~~على القلب؛ لأنها منسوبة إليه، والرحمة على الكبد؛ لأنها موصوفة بها في ~~المدح، وبالقسوة التي هي ضدها في الذم. وهذا باب من البديع يعرف بالتقسيم. # ثم قال على نحو ما قدمه: وأحسن المعتمين جلوسا على المنابر العالية، ~~وأجملهم PageV02P106 ~~ركوبا على الخيول العتاق السامية؛ فأشار بذكر العمائم إلى تفضيله على جميع ~~ملوك العرب الذين يختارونها لزيهم، ويتجملون بها في أيام حفلهم، وذل بما ~~وصفه من التمكن على المنابر إلى موضعه من الخطابة، وبما ms203 وصفه به من الحذق ~~بركوب الخيل إلى موضعه من الشجاعة، وأبدع بحسن التقسيم ولطف الإشارة. # ثم قال مؤذنا لرحلته، وقاصدا إلى الممدوح بمخاطبته: تفضلت الأيام ~~لمشاهدتي لك، وما مكنته من الاجتماع بك، فلما حمدت ما فعلته، وسكنت إلى ما ~~مكنته، لم يدم ذلك فأديم حمدها، ولا وصلته فأقول بشكرها، ولكنها ألزمتني ~~الارتحال عنك، وسلبتني غبطة الاقتراب منك. # جعلن وداعي واحدا لثلاثة ... جمالك والعلم المبرح والمجد # وقد كنت أدركت المنى غير أنني ... يعبرني أهلي بإدراكها وحدي # وكل شريك في السرور بمصبحي ... أرى بعده من لا يرى مثله بعدي # العلم المبرح: الذي يشق بالطالب إدراك مثله، والصبح: وقت الصباح. # فيقول مشيرا إلى الأيام، ومخاطبا للممدوح: جعلن وداعي فعلا مني واحدا ~~لخصال منك ثلاث؛ جمالك الذي لا تقاوم بهجته، وعلمك الذي لا تعادل كثرته، ~~ومجدك الذي لا تماثل رفعته. # ثم قال: وقد كنت أدركت منك غاية الرغبة، واشتملت في حضرتك بأوفر النعمة، ~~إلا أن أهلي يعيرونني بالاستئثار عليهم، وينكرون انفرادي بالحظ الجليل ~~دونهم، فأنا أرغب مساهمتهم في فضلك، ومشاركتهم فيما وصله الله عز وجل علي ~~من رفدك. # ثم قال: وكل من يسر من أهلي بمصاحبتي له، ويرتاح عند اختلائي به، أرى منك ~~بعده من لا يعتاض بعدي بمثله، ولا يصل إلى ما أصل إليه من فضله، والنفوس PageV02P107 ~~إلى الأهل جانحة، وفي مشاركتهم بصلاح الحال راغبة. # فجد لي بقلب إن رحلت فإنني ... أخلف قلبي عند من فضله عندي # ولو فارقت جسمي إليك حياته ... لقلت أصابت غير مذمومة العهد # يقول مخاطبا للممدوح: فجد لي بقلب أستمتع به بعد رحيلي عن أرضك، وأسكن ~~إليه بعدما أحرمه من قدرك، فأني أخلف قلبي منك من يخلف عندي فضله، ولا أضن ~~به على ما أستوفي بجهدي شكره. # ثم قال: ولو فارقتني حياتي إليك، وتاركتني بحرصها عليك، لقلت أصابت غير ~~مذمومة العهد، وسلكت أبين مناهج الرشد. PageV02P108 ### || AUTO العضديات # وقال يمدح الملك عضد الدولة أبا شجاع فنا خسرو بن ركن الدولة. # أوه بديل من قولتي واها لمن ... نأت والبديل ذكراها # أوه ms204 أن لا أرى محاسنها ... وأصل واها وأوه مرآها # أوه: كلمة تقال على معنى التذكر والحزن، واها: كلمة تقال عند التلهف ~~والتفجع، قال أبو النجم: # واها لسلمى ثم واها واها # والذكر والذكرى: معروفان، والمرأى: المنظر، وما تعيده الرؤية من حقيقة ~~المرئي. # فيقول: أنه يتداول كلمات التأسف والتفجع، فيستقل من أوه إلى قوله واها، ~~تلهفا على من نأت عنه بعد القرب، وباعدته بعد ما كانت تبذله من الوصل، ~~فاعتاض من السرور بقربها، ما هو عليه من التعلل بذكرها. # ثم قال معيدا لما ابتدأ به من التفجع، ومشيرا إلى ما يتشكاه من شدة ~~التألم: أوه من ألا أرى محاسنها الكاملة، وبدائع خلقها المعجبة الرائقة، ~~وأصل واها وأوه اللتين أشير بهما إلى ما بنفسي من الوجد والأسف، على ما ~~امتحنت به في محبوبتي من البعد بمرآها، الذي يملكني بحسنه، وتبدلت من ~~مشاهدته بذكره. وقد قبل إن (واها) كلمة تأتي بمعنى الاستطابة والتعجب، وهي ~~في التلهف أبين. # شامية طال ما خلوت بها ... تبصر في ناظري محياها # فقبلت ناظري تغالطني ... وإنما قبلت به فاها # فليتها لا تزال آويه ... وليته لا يزال مأواها # المحيا: الوجه، والناظر: سواد العين، والآوي: الذي يصير إلى مكان يستقر ~~فيه، والمأوى: المكان المشتمل على من يأوي إليه. # فيقول: أم محبوبته كانت من أهل الشام، وطال ما نعم بخلوتها، واستوفر الحظ من PageV02P109 ~~محبتها، ولاعبها محيشا لها، ولثمها متصلا بها، فأبصرت في خلال ذلك محياها ~~في ناظره، وقاربته هذه المقاربة إعجابا به. يشير إلى موضعه من نفسها، وما ~~كانت تخصه به من إسعادها ووصلها. # ثم قال: فقبلت ناظري مغالطة بما تظهر في ذلك من الإعجاب بي، وما تبديه في ~~فعلها من الإيثار لي، وإنما رأت في ناظري شخصا فراقها حسنه، وتبينته ~~فأعجبها أمره، فقبلته وفوها المقبل، وصبت إليه ووجهها المتأمل. وأشار بهذه ~~الجملة إلى شدة المقاربة، وأعرب بها عن تمكن الاتصال والملابسة. # ثم قال مؤكدا لما قدمه: فليتها لا تزال من ناظري في مأوى تنزله، وتقيم ~~منه في محل تتخيره، وليت ناظري ذلك المأوى ms205 الذي تكون فيه إقامتها، والمحل ~~الذي تشتمل عليه إرادتها. # كل جريح ترجى سلامته إلا ... فؤادا دهته عيناها # تبل خدي كلما ابتسمت من ... مطر برقه ثناياها # ما نفضت في يدي غدائرها جعلته ... في المدام أفواها # الفؤاد: القلب، ودهته: نالته بغاية الضر، والثنايا: الأضراس الأربعة ~~المتوسطة في أعلى الفم وأسفله، وهي معروفة، والغدائر: جمع غديرة، وهي كل ~~خصلة من الشعر تفتل ثم ترسل وتعقد، والأفواه: أخلاط الطيب، واحدها فوه. # فيقول: كل جريح ترجى سلامته، وتؤمل من جراحه إفاقته، غير قلب سحرته ~~عيناها وتيمته، ورمته بسهامها فأقصدته، فأن ذلك جريح لا يبل من سقمه، وعليل ~~لا يبرأ من كلومه وألمه. # ثم قال: تبل خدي كلما ابتسمت لاهية عما أتشكاه، ومستقلة لما أكابده ~~وألقاه، (وقوله): (من مطر)، أشار به إلى دمعه، وكثرة (ما) بريق منه على خده. # ثم ذكر أن برق ذلك المطر، الذي هو واكف دمعه، ما يبديه من التبسم وميض PageV02P110 ~~ثناياها الواضحة، وما يطلعه من تلألؤ تلك الأنوار الساطعة. وعقد البيت على ~~الإيماء والإشارة التشبيه والاستعارة. # ثم قال مشيرا إلى موضع محبوبته من الرفعة، وما هي عليه من الرفاهية ~~والنعمة: ما نفضت في يدي غدائرها من الطيب والعطر، وما اكتسبتها من الفوح ~~والنشر، جعلته أفواها تتضوع، ومشاما تعبق وتسطع. # لقيننا والحمول سائرة وهن ... در فذبن أمواها # في بلد تضرب الحجال به ... على حسان ولسن أشباها # كل مهاة كأن مقلتها ... تقول: إياكم وإياها # فيهن من تقطر السيوف دما ... إذا لسان المحب سماها # الحمول: الإبل عليهن النساء في هوادجهن، واحدها حمل، والأمواه: جمع ماء، ~~والهمزة (مبدلة من هاء كما) في قولهم هرقت وأرقت وما أشبهه، ويدل على أن ~~همزة ماء مبدلة من هاء قولهم في تصغير ماء مويه، وفي النسب إليه ما هي، وفي ~~جمعه أمواه. # فيقول مشيرا إلى محبوبته والمتصلات بها: لقيننا والحمول سائرة بهن في ~~حسنهن، وتضوع بياضهن كاللؤلؤ المكنون، والدر الرفيع المصون، فذبن أمواها من ~~الخجل، وغيرهن إفراط الأسف والحزن. # ثم قال مشيرا إلى اللواتي قدم ذكرهن: كل مهاة تفتن بحسنها، ms206 وتغلب على ~~القلوب بتكامل دلها، كأن مقلتها بما تضمنته من السحر، وصرفته من فتور ~~اللحظ، تحذر من أبصرها من عواقب الحب، وتسير إلى قسوتها على المتيم الصب. # ثم قال مبينا لمنزلة المذكورات من الرفعة، وموضعهن من جلالة الرتبة: فيهن ~~من لا تتفوه الألسن بذكرها، ولا يتمكن التصريح باسمها، فأن أعلن المحب ~~بذكر؛ لفرط كلفه لها، قطرت السيوف دما عند ذلك إكراما لها. فأشار إلى أن ~~المذكورات PageV02P111 ~~يتصلن بالملك، ويشتمل عزه عليهن بلا شك. # أحب حمصا إلى خناصرة ... وكل نفس تحب محياها # حيث التقى خدها وتفاح لبنان ... وثغري على حمياها # وصفت فيها مصيف بادية ... شتوت بالصحصحان مشتاها # حمص وخناصرة: بلدان من الشام، ولبنان: جبل من جبال الشام، لا نظير لتفاحه ~~في طيب المطعم، وعبق الريح، وحميا الكأس: سورتها وحدتها، والصحصحان: ما ~~استوى من الأرض واتسع، والمحيا والمصيف والمشتى: مصادر بمعنى الحياة والصيف ~~والشتاء. # فيقول: أنه يحب حمص، هذا البلد، إلى خناصرة، هذا الموضع، وما بين هذين ~~المكانين مقر أحبته، وجماع مسرته، وكل نفس تألف حياتها وترغبها، وتؤثرها ~~بالإرادة وتفضلها. # ثم قال مشيرا إلى الجهة التي وصفها، وإلى محبوبته التي رفع بها: حيث ~~التقى خد تلك المحبوبة بلثمي له، وتفاح لبنان بتنقلي به، وحميا الخمر التي ~~نازعت محبوبتي كؤوسها، وقاسمتها مؤانستها وسرورها. واعتمد تفاح لبنان من ~~بين سائر نقله، لمماثلته الخد الذي لثمه في الخلقة، ومقاربته له في اللون ~~والنكهة. # ثم قال، وهو يريد الناحية التي قدم ذكرها: (وصفت فيها مصيف بادية)، يخبر ~~بأنه مدة ذلك المصيف جانب الحواضر، واثقا بجرأته، وتصرف في البادية مسندا ~~إلى نفاذه وشدته، وكذلك قطع الشتاء المتصل بذلك الصيف في صحصحان تلك ~~البادية، غير معتصم ببنيان يسكنه، ولا معرج على حصن يمنعه، معولا على نفسه ~~ومن يألفه من الفتيان، ومستظهرا بمن يستضيف إليه من حماة الفرسان. # إن أعشبت روضة رعيناها أو ... ذكرت حلة غزوناها # أو عرضت عانة مفزعة ... صدنا بأخرى الجياد أولاها PageV02P112 ~~أو عبرت هجمة بنا تركت ... تكوس بين الشروب عقراها # الحلة: البيوت المجتمعة تنزلها القبيلة من ms207 الأعراب في البادية، والعانة: ~~القطيع من حمر الوحش، والهجمة: ما بين التسعين إلى المائة من الإبل، وكوس ~~الدابة: أن تمشي على ثلاث قوائم، يقال من ذلك: كاست تكوس كوسا، وشروب: جمع ~~شرب، وهم القوم يعكفون على الشراب. # فيقول واصفا لحاله، يبديه الذي قدم ذكره: أن أعشبت روضة وردناها غير ~~متوقفين، ورعتها إبلنا وخيلنا غير مدافعين، لا نحذر غارة تطرقنا، ولا نخاف ~~جماعة تنازعنا، وإن ذكرت لنا حلة من حلل العراب غير حلتنا، غزوناها غير ~~مستبقين لها، وأتيناها موقعين بها. يشير إلى ما يتصرف فيه من العزة، وما هو ~~عليه من الاستظهار والقوة. # ثم قال: أو عرضت لنا في خلال ما نحن عليه، عانة من حمر الوحش مذعورة ~~مفزعة، مستنفرة مروعة. يشير بذلك إلى استفراغها لأنفسها في الجري، وبلوغها ~~إلى غاية ما تستطيعه من العدو؛ طردناها طالبين، وتلوناها متبادرين، وقصدنا ~~بأواخر خيلنا أوائلها، وبالمتأخرين من فرسانها سوابقها. فأعرب عن موضع خيله ~~وخيول أصحابه من العتق، ومحلها من الكرم والسبق؛ لأن متأخرها بعفوه أدرك ~~متقدم الحمر، مع ما بذل في العدو من جهده. # ثم قال: وإن عبرت علينا هجمة من الإبل ضربنا سوق كرائمها بسيوفنا، فكاست ~~عقراها بين شروبنا، فعقرناها مطعمين متكرمين، كما صدنا ما طردناه من الوحش ~~منعمين مقتدرين. # فالخيل مطرودة وطاردة ... تجر طولى القنا وقصراها # يعجبها قتلها الكماة ولا ... ينظرها الدهر بعد قتلاها # الطولى والقصرى: بمعنى الطويلة والقصيرة، وكلاهما فعلى، من طال يطول PageV02P113 ~~وقصر يقصر، بمنزلة الحسنى والسرءى، من حسن يحسن، وساء يسوء، والكماة: جمع ~~كمي، وهو الذي يستر من شجاعته أكثر مما يظهر مأخوذة من كميت الشيء: إذا ~~سترته، وينظرها: يمهلها. # فيقول: وخيلنا مطرودة وطاردة، ومطلوبة وطالبة، في قتال من تقصده، ومنازلة ~~من تغير عليه وتعتمده، تجر ما طال من القنا لصحته وسلامته، وما قصر لتكسره ~~في استعمال المطاعنة به. يشير إلى مداومته ومداومة أصحابه للحرب، وتنازعهم ~~لشدة الطعن. # ثم قال مشيرا إلى خيله: يعجبها قتل من تقتله منك كماة الفرسان، ومشاهير ~~الشجعان؛ لما لها في ذلك من الظهور ms208 والظفر، وما يتخلد لها من طيب الخبر، ~~إلا أنها مع ذلك لا يمهلها الدهر فتطول مددها، ولا يتراخى عنها القتل ~~فيتأخر أمدها. وقصد إلى قول بني الحارث بن عبد المدان. # وإنا أناس لا نرى القتل سبة ... إذا ما رأته عامر وسلول # يقرب حب الموت آجالنا لنا ... وتكرهه آجالهم فتطول # فأفتخر بإسراع القتل إلى أصحابه وإليه، وتوطينهم لأنفسهم عليه. # وقد رأيت الملوك قاطبة ... وسرت حتى رأيت مولاها # ومن مناياهم براحته يأمرها ... فيهم وينهاها # أبا شجاع بفارس عضد الدولة ... فناخسرو شهنشاها # قاطبة: كلمة بمعنى المصدر، كأن الذي يقول: رأيت القوم قاطبة، يقول: ~~رأيتهم عامة وجميعا. # فيقول: وقد رأيت الملوك محتفلا في رؤيتهم، وشهدتهم مستوعبا لجماعتهم، ~~وسرت حتى بلغت إلى الملك الممدوح، فرأيت منزلته في المسميين باسمه، منزلة ~~المولى من خادمه، والرئيس من تابعه، وعلمت أنه ملك الملوك لاشك فيه، وعظيم PageV02P114 ~~العظماء لا خفاء عليه. # ثم قال: ورأيت منه الذي منايا الملوك براحته، وتصرفهم في الأمور على حسب ~~إرادته، فمن أرضاه مكنت له السعادة جميع مقاصده، ومن أسخطه أورده الحين ~~أخبت مارده. وهذه العبارة وإن لم تكن على نص لفظه، فهي مفهومة من حقيقة قصده. # ثم قال، يريد الممدوح: أبا شجاع الذي أتيته بفارس، هذه البلدة الجليلة، ~~والناحية المعظمة الكريمة، ثم أردف ذلك بقوله: فناخسرو شهنشاها، فأبان عنه ~~بأسمه، وأتبعه برفيع من وصفه. والكلمتان فارسيتان، ومفهوم الوصف فيهما ~~الإجلال والتعظيم، ومراد التفضيل والتقديم. # أساميا لم تزده معرفة وإنما ... لذة ذكرناها # تقود مستحسن الكلام لنا ... كما تقود السحاب عظماها # هو النفيس الذي مواهبه ... أنفس أمواله وأسناها # العظمى من السحاب هي العظيمة، على وزن فعلى من العظم، وأسنى الأموال ~~أرفعها قيمة. # فيقول فيما قدمه من أسماء الممدوح: تلك الأسماء لم تزده شهرة، ولا أفادته ~~في الناس معرفة، لما عظمه الله من قدره، وأبانه من جلالته وفضله، ولكنه ~~أجتلبها التذاذا بذكرها، وأعلن بها استكثارا من حسنها. # ثم قال: أن تلك الأسماء تقود مستحسن الكلام لنا وتتدقمه، وتشتمل عليه ~~وتتضمنه، كما تقود العظمى من السحاب تواليها، وتتصل ms209 سائرها في النهوض بها. # ثم قال مشيرا إلى الممدوح: هو النفيس الذي عطاياه ومواهبه، ومكارمه ~~وفواضله، أنفس مما يقتنيه ويدخره، وأرفع ما يستفيده ويكتسبه، يريد أنه لا ~~يصون الأموال PageV02P115 ~~على البذل، ولا يلذ بغير ما يظهره من الفضل. # لا تجد الخمر في مكارمه إذا ... انتشى خلة تلافاها # تصاحب الراح أريحيته ... فتسقط الراح دون أدناها # لو فطنت خيله لنائلة ... لم يرضها أن تراه يرضاها # الانتشاء: السكر، والخلة: الوهن والنقصان، والراح: الخمر، والأريحية: ~~اتساع الخلق والانبساط بالمعروف. # فيقول، وهو يريد الممدوح: لا تجد الخمر عند تناوله لها، وانتشائه بها، ~~خلة في كرمه تتلافاها بالزيادة فيما قصر عنه، ولم تبلغ بطبيعته إلى الغاية ~~منه؛ لأن جوده في حين صحوه، لا تمكن الزيادة فيه بسكره. # ثم قال مؤكدا لما قدمه: يصاحب الخمر في حين سكره، وما تزيد عليه من ~~أريحية كرمه في حين صحوه، فيسقط ما يبعث عليه طرب السكر عند أقل ما تبعث ~~عليه طبيعته من الكرم والفضل، وأراد ما سبق إليه أمرؤ القيس حيث يقول: # وتعرف فيه من أبيه شمائلا ... ومن خاله ومن يزيد ومن حجر # سماحة ذا، وبر ذا، ووفاء ذا ... ونائل ذا، إذا صحا وإذا سكر # ثم قال: لو فطنت خيله لعموم بذله فيما يملكه، وسروره بما ناله؛ ما يوافقه ~~ويستحسنه، لما أرضاها أن ترضيه بتقدمها في سبقها، وتروقه بما يشهده من ~~تطهيمها وعتقها؛ لما يدعو إليه ذلك من تقصيرها في جملة ما يبذله، فيما ~~يؤثره من الإنعام والفضل. # ثم أكد ذلك بقوله: # تسر طرباته كرائنه ... ثم تزيل السرور عقباها # بكل موهوبة مولولة ... قاطعة زيرها ومثناها # تعوم عوم القذاة في زبد ... من جود كف الأمير يغشاها PageV02P116 ~~الكرائن: الضوارب بالكران، وهو العود، الواحدة كرينة، والمولولة: المرأة ~~التي ترفع صوتها داعية بالويل على نفسها، والزير والمثنى: معروفان من أوتار ~~العود، والقذاة: اليسير من الأشياء تطفو في الكثير من الماء، والزبد: السير ~~الشديد، او البحر الهائج. # فيقول: (تسر طرباته كرائنه) لما يرتجينه عنده من الحظوة، ويرتقبنه من ~~الاختصاص والأثرة، ثم يعقب ذلك السرور ms210 منهن ما ينقله إلى ضده، ويحيله إلى غيره. # ثم قال مبينا لذلك: بكل موهوبة موهن، تدعو بالويل على نفسها، وتجزع ~~لمفارقة ما تستحقه بخدمته من ارتفاع قدرها، فتقطع أوتار عودها متحزنة، ~~وتنفذ في جملة هباته متأسفة. # ثم أشار إلى الكريمة المذكورة، فقال: تعوم عوم القذاة في جميل مواهبه، ~~وتحفى في ما يبذله من عطاياه وفواضله، وتحل في ذلك محل القذاة في البحر، ~~والخردلة في المهمة القفر، بما وصف به الممدوح، على أن ما حسن موقعه منه ~~يخرجه الكرم بالهبة عنه. # تشرق تيجانه بغرته ... إشراق ألفاظه بمعناها # دان له شرقها ومغربها ... ونفسه تستقل دنياها # تجمعت في فؤاده همم ملء ... فؤاد الزمان إحداها # تشرق: تضيء، والغرة: بياض في الجبهة وما أشرف من الوجه، ودان: اعترف ~~بالطاعة، والهمم: جمع همة، وهي ما انعقدت النية على فعله من رفيع الأفعال. # فيقول مشيرا إلى الممدوح: تشرق تيجانه بجمال وجهه، وتزهى ببهائه وحسنه، ~~إشراق ألفاظه البديعة المتخيرة، بمعانيه الحكيمة المستصوبة، فأقترن له ما ~~اختص به من جلالة المنظر، بما استضاف إلى ذلك من براعة المخبر. PageV02P117 # ثم قال، وهو يشير إلى الدنيا، وأضمر ثقة ببيان ما قصد له: دان له شرقها ~~ومغربها، على بعد ما بين الأمرين، وتراخي الأمد بين الغايتين، ونفسه تستقل ~~الدنيا بجملتها، ولا يقنعها أن تنفرد بإمرتها، لما تتحققه من بيان فضله، ~~وتتيقنه من انقياد الرئاسة لمثله. # ثم قال: تجمعت في فؤاده همم لا تتناهى رفعتها، ومقاصد في السيادة لا ~~تتحصر جملتها، إحدى تلك الهمم تملأ فؤاد الزمان وتذعره، وتعجزه بما يحاوله ~~وتبهره. # ثم قال مشيرا إلى همم الممدوح المذكورة: # فإن أتى حظها بأزمنة أوسع ... من ذا الزمان أبداها # وصارت الفيلقان واحدة تعثر ... أحياؤها بموتاها # ودارت النيرات في فلك تسجد ... أقماره لأبهاها # الحظ: الجد، والفيلق: الكتيبة الشديدة، والنيرات: السيوف والأسنة، استعار ~~ذلك من أسماء الكواكب، والفلك هاهنا: حيث تدور الحرب، شبهة بمدار النجوم ~~على ما قدمه من استعارة أسمها للأسنة والسيوف. # فيقول: فأن أتى حظ همم الممدوح المقرونة بالسعادة، المحروزة لغايات ~~السيادة، بأزمنة هي ms211 أوسع من زمانه المشهور بما يقرب الله للممدوح من ~~المراد، ويقربه بمقاصده من السداد، أبدى تلك الهمم وأظهرها، وصرفها فيما ~~يحاوله وأعملها. # ثم قال مبينا لما قدمه: وصارت الفيلقان، من أصحابه والمقدمين على خلافه، ~~فيلقا واحدا باستيلائه على المناصبين له، وتملكه لمرهم، يعثر الأحياء ~~المتغلبون من أصحابه في جثث القتلى المصرعين من أضداده. # ثم قال مشيرا إلى السلاح ومجال الحرب: ودارت النيرات في فلك تسجد فرسان ~~مغانيه، وتخضع زعماء مواكبه، وهم أقمار ذلك الموقف الطالعة، وكواكبه النيرة ~~الثاقبة، لأبهاها وأرفعها، وأجلها وأكملها، يشير إلى أن الممدوح تخضع له في PageV02P118 ~~حومة الحرب الأمراء، وتسجد له الشجعان والرؤساء. # ثم قال يريد الممدوح: # الفارس المتقي السلاح به المثني ... عليه الوغى وخيلاها # لو أنكرت من حيائها يده ... في الحرب آثارها عرفناها # وكيف تحفى التي زيادتها ... وناقع الموت بعض سيماها # الوغى: الحرب، سميت بذلك لارتفاع الأصوات فيها، وناقع الموت: كثيره ~~وشديده، والسيما: العلامة. # فيقول، وهو يريد الممدوح: الفارس الذي يستكف السلاح بجلالته، ويتقي ~~بإحجام الأبطال عن مواجهته، تثني عليه الوغى باستيلائه على جملتها، ~~واستيفائه غاية حقيقتها، الذي يثني عليه خيلا الحرب من أصحابه وأضداده؛ ~~فأما أصحابه فلاعتصامهم به، وأما أضداده فلاعترافهم له. # ثم قال: لو أنكرت يده آثارها في الحرب، وزيادتها على جميع الشجعان في ~~الطعن والضرب، ترفعا عن التمدح بذلك، وحياء من استجلاب ذكره، لعرفناها ~~بانفرادها دون مماثلة، وتوحدها من غير مشابهة. # ثم قال: وكيف تخفى أفعاله التي تزيد على ما تفعله الفرسان، وتقلل ما ~~يفعله الشجعان، وناقع الموت المرتبط بها، ونفاذه في كل من يتعرض لها، بعض ~~سيماها التي تخصها وتعينها وتظهرها للناس وتبينها. # لو كفر العالمون نعمته لما ... عدت نفسه سجاياها # كالشمس لا تبتغي بما صنعت ... منفعة عندهم ولا جاها # العالمون: جميع الخلائق من الإنس والجن، والسجايا: الطباع، واحدتها سجية، ~~والجاه: ارتفاع المنزلة في الناس. # فيقول مشيرا إلى الممدوح: لو كفر العالمون نعمته الجليلة الشاملة، ~~وأياديه الرفيعة PageV02P119 ~~الظاهرة، لما عدت نفسه سجيتها في الفضل، ومذهبها في إتيان الكرم والبذل؛ ~~لأن نعمه ليست ms212 على سبيل الاستكثار من الشكر، وإنما هي على ما يضمنه عنه شرف الطبع. # ثم قال مؤكدا لما قدمه من وصف الممدوح، وما جبله الله عليه من عموم فضله، ~~والتقدم في الإحسان بطبعه: أنه كالشمس التي تنير بخلقتها، وتريق الخلائق ~~بجبلتها، ولا تبتغي عندهم جزاء تعتقده من الشكر، ولا منزلة تحوزها بجميل ~~الذكر، وأن كرمه خلق جبل عليه، لا لعرض من الدنيا يرغب إضافته إليه. # الواسع العذر أن يتيه على الدنيا ... وأبنائها وما تاها # ول السلاطين من تولاها ... والجأ إليه تكن حدياها # ولا تغرنك الإمارة في ... غير أمير وإن بها باهى # التيه: الكبر، وحديا السلاطين: الذي يساجلهم ويباريهم، والمباهاة: ~~المكاثرة بجمال الحال. # فيقول: أن الممدوح في خلال من الرفعة، ومنزلة من الجلالة والمملكة، ~~يوسعان عذره في التيه على الدنيا وأهلها، والأخذ في ذلك لنفسه (يفي) بحقها، ~~ولكنه يؤثر التواضع ويألفه، وبجانب الكبر ولا يوافقه. # ثم قال: ول ما عدا الممدوح من السلاطين من اعتمدهم بقصده، وما إليهم ~~بتأميله ووده، ودعهم وما آثروه، وسلم إليهم ما تخيروه، والجأ إلى الممدوح ~~تكن موازنا لغيره من السلاطين بنفسك، ومباريا لهم بجلالة حالك، فخدمته تفيد ~~أكثر مما استفادوه، وتتكفل بأوفر ما جاوزه من النعمة. # ثم قال: ولا تغرنك الإمارة ممن ينتحلها وليس باسم لها، ويتقلد أسمها دون ~~أن يتحقق بها، مباهيا في ذلك غير منصف، ومغالطا بباطله غير معترف. # ثم قال مؤكدا لما قدمه: PageV02P120 # فإنما الملك رب مملكة ... قد فعم الخافقين رياها # مبتسم والوجوه عابسة ... سلم العدى عنده كهيجاها # الناس كالعابدين آلهة ... وعبده كالموحد اللاها # الملك والملك والمملكة: سلطان الملك، وفعم: بمعنى سد وملأ، والخافقان: ~~المغرب والمشرق، والريا: الريح الطيبة، والسلم: الصلح، يقال بفتح السين ~~وكسرها، فمن فتح أنث، ومن كسر ذكر، والهيجاء: الحرب، والآلهة: ما عبد من ~~دون الله. # فيقول، وهو يشير إلى الممدوح: فإنما الملك الذي لا يجهل قدره، والمعظم ~~الذي لا يدفع أمره، من كان كالممدوح رب مملكة، قد فعم الخافقين طيب ريحها، ~~وسد ما بينهما تضوعها وفوحها. # ثم قال، وهو يريده: ms213 مبتسم عند شدة الحرب، والوجوه عابسة، والعقول ~~لأهوالها طائشة، وهو لا يحفل بأمرها؛ لاستظهاره فيها، ولا يستوحش منها، ~~لتيقنه بالقدرة عليها، فسلم أعدائه عنده كحربهم؛ لأنه يغلبهم، وطاعتهم ~~كمعصيتهم؛ لأنه يستذلهم ويملكهم. # ثم قال: الناس المعتقلون غيره، كالعابدين آلهة في بعدهم عن رشدهم فضلالهم ~~فيما آثروه بقصدهم، وعبده المتمسك بحبله، المقتصر بأمله على فضله، في صواب ~~ما رآه وتخيره، وصحة ما اعتمد عليه وآثره، كالذي يوحد الله فيتمسك بالحق ~~ويؤمن به، فلا يعدل في ذلك عن الصدق. # تم بحمد الله. . . . ابتداء الزيادة. PageV02P121 # وقال أيضا يمدحه ويذكر شعب بوان: # مغاني الشعب طيبا في المغاني ... بمنزلة الربيع من الزمان # ولكن الفتى العربي فيها ... غريب الوجه واليد واللسان # الشعب: ما انفرج بين الجبلين، وشعب بوان الذي ذكره: موضع معروف ببلاد ~~فارس، والمغاني: مواضع الحلول، واحدها مغنى، والربيع: الفصل الذي يكون بين ~~فصل الشتاء وفصل القيظ، وهو حين يأخذ النهار في الزيادة، والليل في ~~النقصان، وفي هذا الفصل من السنة يقوى النبات وتكثر الزهرات. # فيقول مشيرا إلى شعب بوان: مغاني هذا الموضع في سائر المغاني المألوفة، ~~والمواضع المستحسنة المحبوبة، كالربيع في سائر فصول الزمان التي يفضلها ~~ببهجته، وتألفه النفوس من بينها بجملته، وتظهر الأرض فيه بدائع نورها، ~~وتتصرف الأبصار في غرائب حسنها. # ثم قال مشيرا إلى نفسه، وانقطاعه عند حلوله في تلك المغاني عن أبناء ~~جنسه. ولكن الفتى العربي في هذه الأماكن غريب الوجه؛ بمخالفته الأعاجم من ~~أهلها في الهيئة، غريب اليد؛ بمفارقته لهم في الكتابة والصنعة، غريب ~~اللسان؛ ببعده في الإبانة واللغة. # ملاعب جنة لو سار فيها ... سليمان لسار بترجمان # طبت فرساننا والخيل حتى ... خشيت وإن كرمن من الحران # الملاعب: مواضع اللعب والتجاول، والواحد منها ملعب، الجنة: جمع جني، ~~والهاء لتأنيث الجمع، وسليمان: هو النبي صلى الله عليه وسلم، وسخر الله له ~~الجن وفهمه لغاتها ولغات ما لا يتكلم من الحيوان، وطبت: صرفت وأمسكت، ~~والحران: معروف. # فيقول مشيرا إلى شعب بوان، وإقفاره مع حسنه، واستيحاشه مع طيبه: وأن ~~مغانيه ملاعب جنة، ومواضع عزلة، ms214 فلو سار فيها سليمان لواجه من الجن ما لا يفهم PageV02P122 ~~لغته إلا بمترجم، ولا يتفسر له قوله إلا بمبين، مع أنه قد علم كلام النمل، ~~وتفسرت له لغات ما لا ينطق من الحكل. # ثم ذكر أن تلك المواضع مع تباعدها عن الأسنة، وما هي عليه من الإقفار ~~والوحشة؛ طبت فرسانه وخيلهم بجمالها وطيبها، وحببت إليهم الإقامة فيها ~~ببهجتها وحسنها، حتى خشي على فرسانه التأخر عنه؛ لسرورهم بها، وعلى خيله ~~الحران؛ لإيثارها لها. # غدونا تنفض الأغصان فيه ... على أعرافها مثل الجمان # فسرت وقد حجبن الحر عنا ... وجئن من الضياء بما كفاني # وألقى الشرق منها في ثيابي ... دنانيرا تفر من البنان # الجمان: أمثلة تؤخذ من الفضة كاللؤلؤ، واحدتها جمانة، والشرق: مطلع ~~الشمس، والبنان: أطراف الأصابع. # فيقول: غدونا نسير في هذا الشعب الذي ذكره، بين أشجار متكاثفة الظلال، ~~متدانية الأغصان، تنفض على أعراف خيلنا من الندى المستقر في أوراقها، عند ~~اتصالنا بها وتحريكنا لها، قطرا يشبه الجمان في حسن منظره، ويماثله في صفاء جوهره. # ثم قال: فسرت بين تلك الأشجار، وقد حجبت عني الحر فما أتأمله، وأهدت إلي ~~من الضياء بحسب ما أرغبه، وألقى الشرق على ثيابي من خلل تلك الأغصان، وفرج ~~تلك الظلال لمعا من أنوار الشمس في هيئة الدنانير، تفر من بنان الأيدي فلا ~~تدركها، وتسبقها عند الإيماء إليها فلا تلحقها. يشير إلى أن طريقه إنما كان ~~بين أشجار متدانية، وحدائق متوالية، لا يتشكى الحر من سلك بينها، ولا ~~يتوقعه من تفيأ ظلها. # لها ثمر يشير إليك منه ... بأشربة وقفن بلا أواني PageV02P123 ~~وأمواه يصل بها حصاها ... صليل الحلي في أيدي الغواني # الثمر: حمل الشجر، والصليل: امتداد الصوت، والغواني: الشواب ذوات ~~الأزواج، واحدتها غانية. # فيقول: أن للشجر التي قدم ذكرها ثمرا في غاية النضرة، وعلى أفضل ما يروق ~~ويعجب من النعمة، يكاد ينذاب في فم آكله، ولا يتماسك في يد متناوله، ~~كالشراب المستجد في غير إناء، والقائم بنفسه من دون وعاء. # ثم وصف المياه المطردة في تلك الغياض، والعيون المتفجرة بين تلك ms215 الرياض، ~~فقال: أن تلك الأمواه يصوت حصاها عند تحريكها له، ويصل عند سيلانها به، ~~تصويت جواهر الحلي إذا حركت، وعلى مثل حالها من الحسن والبهجة إذا تؤملت. # ولو كانت دمشق ثنى عناني ... لبيق الثرد صيني الجفان # يلنجوجي ما رفعت لضيف ... به النيران ندي الدخان # يحل به على قلب شجاع ... ويرحل منه عن قلب جبان # دمشق: مدينة في الشام معروفة، واليلنجوج: العود الذي يتبخر به، والند: ~~أخلاط من الطيب يجمع بالعنبر المذاب، ويستعمل ذلك في البخور، والجفان ~~الصينية: جفان تتخذ من حنتم الصين، وهو أرفع ما يكون فيه الطعام. # فيقول: ولو كانت هذه المنازل دمشق، قاعدة الشام التي لم أزل أعتقد ~~التفضيل لها، وأتخير الاستقرار بها، لثنى عناني عنها الممدوح الذي أقصده، ~~والرئيس الذي أعتمده، الجاري على سير العرب في بذل الطعام، والاحتمال من ~~ذلك على سنن الكرام، إلا أن ثرده لبيقة خاصية الصنعة، وجفانه صينية جليلة ~~القيمة، وما يرفعه للضيفان من نيرانه يلنجوجي الوقود، وما يثور عن ذلك من ~~الدخان ندي الوجود. # ثم قال: يحل زواره منه على قلب شجاع، متقدم في برهم، ويرحلون منه عن قلب PageV02P124 ~~جبان محجم عن فقدهم. وطابق ما بين الشجاعة والجبن، وجرى جميع ذلك على غاية الحسن. # منازل لم يزل منها خيال ... يشيعني إلى النوبندجان # إذا غنى الحمام الورق فيها ... أجابته أغاني القيان # ومن بالشعب أحوج من حمام ... إذا غنى وناح إلى البيان # وقد يتقارب الوصفان جدا ... وموصوفاهما متباعدان # الخيال: ما يتمثل في المنام مما تشتغل النفوس به، والنوبندجان: موضع من ~~أرض فارس، والورقة: سواد في غبرة، والقيان: الإماءة المتزينات برفيع الصنع، ~~والشعب: هو شعب بوان الذي قدم ذكره. # فيقول: أن المنازل التي ذكر حسنها، وأحتفل في وصفها، لم يزل يشيعه منها ~~خيال يمتثله، وتذكر يتوهمه، إلى أن صار بالنوبندجان؛ وأشار بهذا إلى ما ~~باشره بالشعب من المحاسن المعجبة، وما شاهده من الأمور المستغربة. # ثم قال: إذا غنت الحمام الورق في هذه المنازل، متداعية في أشجارها، مكثرة ~~من التغريد على مجاري مياهها، أجابت تلك الألحان ms216 أغاني القيان المطربة، ~~وأصواتها الندية المستحسنة. # ثم قال: ومن بالشعب المذكور من أهله وساكنيه، ومستوطنيه وعامريه، أحوج من ~~الحمام إذا غنى وناح، إلى بيان ما يذكره، والتعريف بما يرجعه. يشير إلى ~~لغات أهل تلك البلاد، قد غلبت عليها العجمة، وفشي فيها الاستغلاق واللكنة. # ثم قال مؤكدا لما قدمه، ومشيرا إلى تلك الأغاني والنغم، مفارقة لما عهد ~~من نظائرها في بلاد العرب: وقد تتفاوت الأوصاف وتتماثل، وتتدانى هيئتها ~~وتتشاكل، وأعيان الموصوفات بها متفارقة متنائية، وبعيدة في حقائقها ~~متباينة. # يقول بشعب بوان حصاني ... أعن هذا يسار إلى الطعان؟! PageV02P125 # أبوكم آدم سن المعاصي ... وعلمكم مفارقة الجنان # الحصان: الذكر من الخيل. # فيقول: أن فرسه الذي كان يحمله، ظهر عليه من التثاقل في الخروج عن الشعب، ~~والنشاط إلى الاستقرار به، والحرص على الكون فيه، ما حل محل العاذل لراكبه، ~~واللائم لمزعجه، حتى كأنه قال له: أعن هذه الجنات الظاهرة، والحدائق ~~الملتفة الرائقة، يستعمل الرحلة إلى الملوك الذين لابد عندهم من الطعن ~~والضرب، والطعان والمبارزة للأقرا؟! وكأنه خاطبه في عذله، وما تابع عليه من ~~لومه بأن قال له: أنك من جماعة سن لهم أبوهم المسارعة إلى العصيان، ~~والمفارقة للخلود في الجنان، فليس بعجيب ما تتخيره من التقصير بنفسك، وما ~~تستهله من إتعاب جسمك. # فقلت إذا رأيت أبا شجاع ... سلوت عن العباد وذا المكان # فإن الناس والدنيا طريق ... إلى من ما له في الناس ثان # له علمت نفسي القول فيهم ... كتعليم الطراد بلا سنان # الطراد: التجاول في الميادين على الخيل، والسنان: الحديدة التي تركب في ~~أعلى القناة، وبها يكون الطعن. # فيقول مجيبا لما نسبه من الخطاب إلى حصانه: إذا رأيت أيها الحصان الممدوح ~~أبا الشجاع، الذي أريده وأقصده، وأؤمله وأعتمده، وتقلبت في ذراه، وأحاطت بك ~~عوارفه ونعماه، سلوت عن هذا المكان، وحدث لك زهد في جميع الأنام. # ثم أكد ما قدمه بأن قال: فأن الناس باجمعهم، والدنيا المشتملة عليهم، ~~طريق إلى من فات الناس بفضله، وبذهم بجلالة قدره، فليس له فيهم نظير يشبهه، ~~ولا ثان يدانيه ويقاربه. ms217 # ثم قال: له علمت نفسي ما قدمته من مدح الأمراء، وما نظمته من الشعر في PageV02P126 ~~الرؤساء، لألقاه من ذلك في غاية الدربة، وعلى أفضل ما يرغب في الشعر من ~~النفاذ والقوة، وإنما كنت فيما تقدم لي من الشعر كمن يتعلم الطراد بقناة لا ~~سنان لها، ومطاعنة لا يتأذى بها، فلما أرضاه موضعه من الإحسان، وتقدمه في ~~ذلك الشان، بلغ بالطراد إلى غايته، وأستعمله من حقيقة الحرب في نهايته، ~~وكذلك لما رضيت موضعي من الشعر، اعتمدت من فات أهل زمانه في جلالة القدر. # بعضد الدولة امتنعت وعزت ... وليس لغير ذي عضد يدان # ولا قبض على البيض المواضي ... ولا حظ من السمر اللدان # دعته بمفزع الأعضاء منها ... ليوم الحرب بكر أو عوان # عضد الدولة: هو لقب فناخسرو، وخفف عضدا؛ لأن الضمة والكسرة تخففان في ~~الثلاثي في مثل عضد وإبل، ذكر ذلك سيبويه، وربما قرءوا الكلمة على حسبها ~~قبل التخفيف، وربما قلبوا الضمة والكسرة على ما قبلهما، فيقولون في عضد: ~~عضد، وفي كتف: كتف. والبيض: السيوف، والسمر: الرماح، واللدان منها: كثيرة ~~الاهتزاز، والحرب البكر: التي لم يكن قبلها حرب، والعوان: التي تكون بعد ~~حرب، واستعار ذلك من صفات النساء، فالبكر منهن: التي لم تتزوج، والعوان: ~~التي قد كان لها زوج. # فيقول: بالممدوح عضد الدولة امتنعت الدولة وعزت، وامتدت أطنابها وجلت، ~~وفخمت على سائر الدول، وتواضع لها ملوك الملل، وما كان من الدول مما لم يكن ~~فيه ممن يتغلب بها اللقب من رجال دعوتها، والمتصلين بجملتها، فليس لها يدان ~~تبطش بقوتهما، وتبسط وتقبض بموضعهما؛ لأن اليدين إنما يتصرفان بالعضد، وهو ~~لها أثبت سند. ثم أكد ذلك فقال: ومن لا عضد له فقد عدم حظه من أعمال البيض ~~الصوارم، وتصريف السمر الذوابل. يشير إلى الترفيع بهذا اللقب، ويخبر أن له ~~في السيادة أجل سبب. PageV02P127 # ثم قال زائدا في تأكيد ما قدمه: دعته الدولة بمفزع أعضائها عند الشدائد، ~~وعمدتها في الأمور العظائم، فكأن هذا اللقب إنما اشتق الممدوح من معناه، ~~وأخبر عما تقلده في الدولة وتولاه. ms218 # فما يسمي كفناخسرو مسم ... ولا يكنى كفناخسرو كان # ولا تحصى فضائله بظن ... ولا الإخبار عنه ولا العيان # أروض الناس من ترب وخوف ... وأرض أبي شجاع من أمان # يسمي: بمعنى يسمي، وهو ذكر الرجل بالعلامة التي يعرف بها، يقال سميته ~~وأسميته، والكنية: معروفة. # فيقول: ما يسمي مسم، ولا يكني كان كفناخسرو في نفاذ أمره، وجلالة قدره، ~~وانفراده بالمكارم، وبحمله للعظائم. # ثم قال: ولا تطمح الظنون إلى أن تحصي فضائله، ولا تبلغ الأخبار إلى أن ~~تستوفي محاسنه، ولا يستوعب العيان ذلك ولا يدركه، ولا يأتي عليه ولا ~~يستكمله، إذ هو واحد زمانه في جلالة الشأن، ومقدم أهله في علو المكان. # ثم قال: فإذا كانت أروض الملوك في زمانه من ترب متماثل، وخوف شامل لا ~~يتباين، فأرضه من أمان ودعة، وأهلها في خفض وسعة، قد ضبطها بقوة سياسته، ~~وسكنها بتعاهده ورعايته. # تذم على اللصوص لكل تجر ... وتضمن للصوارم كل جان # إذا طلبت ودائعهم ثقات ... دفعن إلى المحاني والرعان # فباتت فوقهن بلا صحاب ... تصيح بمن يمر أما تراني؟! # تذم: تجير وتعاهد، واللصوص: القاطعون للسبل، ومن يجري مجراهم، والتجر: ~~جماعة التجار، يقال: تاجر وتجر، كما يقال شارب وشرب، والمحاني: معاطف ~~الأودية، والرعان: أنوف الجبال، الواحد رعن. PageV02P128 # فيقول: أن أبا شجاع الممدوح بحسن ضبطه، وقوة سلطانه، تذم أرضه على اللصوص ~~للتجر، ويجيرهم من أذاهم في المهمه القفر، فيأمنون ضررهم بحسن رعايته، ~~ويتصرفون دون مخافة في كنف حياطته، وتضمن الجناة لصوارم السيوف حتى تحكمها ~~فيهم، وتعود بهم إليها حتى يبسطها عليهم ثم قال مؤكدا لما قدمه: فإذا طلب ~~التجار لودائعهم ثقات يحفظونها، وذوي أمانات فيها يؤدونها، اكتفوا بمعاطف ~~أودية بلاده، وأن بعدت، وبأنوف جبالها وأن إنفردت، لا يخاف التجار على ~~أموالهم في أعماله عدوة ظالم،. . . ولا يحوزون مضرة لص خارب. # ثم قال مؤيدا لما ذكره: فتبينت تلك الأموال في القفار النازحة، وتهمل على ~~أنوف الجبال الشامخة، والأيدي عنها منقبضة، ومضرات أهل الاستطالة دونها ~~مرتفعة، حتى كأنها تهتف باللصوص مزرية عليهم، وتناديهم متقدمة بالوعيد إليهم. # رقاه كل أبيض ms219 مشرفي لكل ... أصم صل أفعوان # وما يرقي لهاه من نداه ... ولا المال الكريم من الهوان # الأبيض المشرفي: السيف المنسوب إلى المشارف، وهي قرى بالشام تنسب إليها ~~صوارم السيوف، والأفعوان: ذكر الأفاعي، والصل منها: الشديد العادية، ~~والأصم: الذي لا ينفع الرقي فيه، واللها: دفع العطاء، واحدتها لهوة. # فيقول: أن رقى الممدوح فناخسرو لكل قاطع سبيل، ضرره كضرر الصل الأفعوان، ~~سيف صارم يهلكه به، وحتف عاجل يمكنه له. # ثم قال: وما يرقي الممدوح أبو شجاع أمواله من بذله، ولا يبقى على لهاه ~~بتفريقه لها في تأكيد فضله، ولا يعصم كرائم أمواله من إصابته لها بالبذل، ~~واستهلاكه إياها في سبيل الحمد والشكر. # حمى أطراف فارس شمري ... يخض على التباقي في التفاني # بضرب هاج أطراب المنايا ... سوى ضرب المثالث والمثاني PageV02P129 ~~الشمري: النافذ الماضي من الرجال، والمثالث والمثاني: أوتار معروفة في ~~عيدان الغناء. # فيقول: حمى أطراف بلاد فارس من الممدوح فناخسرو، شجاع صارم، نافذ عازم ~~على استدامة السلامة والبقاء، باستهلال الهلكة والفناء؛ يريد: أنه يعتقد أن ~~الإكثار من القتل في سبيل الحق يعود راحة شاملة، وسلامة لمن يلتزم ~~الاستقامة دائمة. # ثم أكد ما قدمه، فقال: بضرب تطرب المنايا بأصواته، وترتاح عند حلول ~~أوقاته، هو غير ضرب المثالث والمثاني المستعمل لتسلية المكروب، واستجلاب ~~الفرح إلى القلوب. # كأن دم الجماجم في العناصي ... كسا البلدان ريش الحيقطان # فلو طرحت قلوب العشق فيها ... لما خافت من الحدق الحسان # العناصي: خصل الشعر، الواحدة عنصوة، الحيقطان: ذكر الدراج. # فيقول: كأن ما رفعه الممدوح فناخسرو من رؤوس اللصوص والقاطعين للسبل في ~~أقطار بلاد فارس، وما صار في عناصي تلك الرؤوس من دمائها، وما أفضى إليه ~~ذلك من إخافة المفسدين، وتأمين المستورين، مهد البلاد وأمنها، ووطأها ~~وسكنها، حتى كأنها مفروشة بريش الدراج من الطير، الذي هو أوطأ فراش وألينه، ~~وأوثر مهاد وأفضله. # ثم أكد ذلك فقال: لو طرحت في تلك البلاد قلوب العشاق، وهي أضعف القلوب ~~منة، وأكثرها وقارا وروعة، لما خافت من الحدق الحسان، مع نفاذ الحدق عليها ~~فيما تقصده، وقوتها فيما ms220 تدعو إليه وتوجبه. فأشار إلى فناخسرو، بقوة ~~سلطانه، وشدة ضبطه لأعماله، أمن من المخاوف ما لا يؤمن مثله، وفعل في ذلك ~~ما لا يتمكن لأحد فعله. # ولم أر قبله شبلي هزبر ... كشبليه ولا فرسي رهان PageV02P130 ~~أشد تنازعا أصل وأشبه ... منظرا بأب هجان # وأكثر في مجالسه استماعا ... فلان دق رمحا في فلان # الهزبر: الأسد، والشبل: ولده، والرهان: المسابقة بالخيل، والهجان من ~~الرجال: الكريم الفضل، والدق: الكسر. # فيقول: ولم أر قبل ورثة الممدوح فناخسرو شبلي أسد كشبلية، ولا متسابقين ~~إلى مجد كولديه. يشير إلى أنه لما لقيه وأفضى إلى ما شاهده من عظم شأنه، ~~وجلالة سلطانه، أبصر من ولديه من يحذو حذوه، ويمتثل فضله، ورآهما يتسابقان ~~في المجد، ويجريان إلى إحراز غابات الحمد. # ثم قال، وهو يريده: أشد منهما تنازعا لأصل كريم يتلوان فضله، وأثبت شبها ~~بأب جليل يمتثلان فعله، مقتفين لما خلده من المكارم، مستبقين إلى ما شيده ~~من الفضائل. # وأكثر منهما استماعا في مجالسه، لما يتخابر به من أمور الحرب، وما ينسب ~~إلى الأبطال من التقدم في الطعن والضرب، لا يصغيان إلا على مثل ذلك، مما ~~يزيد في الإقدام والبأس، ويحمله تحفظه على قوة النفس. # وأول داية دأيا المعالي ... فقد علقا بها قبل الأوان # وأول لفظة فهما وقالا ... إغاثة صارخ أو فك عان # وكنت الشمس تبهر كل عين ... فكيف وقد بدت معها اثنتان؟! # الداية: الحاضنة التي تتولى تربية الولد دون أمه، والعاني: الأسير، وفكه: ~~إطلاقه، وتبهر: بمعنى تغلب. # فيقول، وهو يريد ولدي الممدوح: وأول داية وليت تربيتهما، واتصلت بهما عند ~~نشأتهما، معالي الأخلاق الذي غذتهما، وشراف الأفعال التي ألفتهما، فقد علقا ~~ذلك قبل أوانه، وجريا على اكرم عادة في استحسانه. PageV02P131 # ثم قال: وأول لفظة تفوها بذكرها، وأحاط علما بحقيقة أمرها؛ إغاثة صارخ يفزع ~~إليهما، وفك أسير يقتصر بأمله عليهما، فلم يعرفا غير الفضل والإحسان، ولا ~~عهدا غير التطول والإنعام. # ثم قال يخاطب الممدوح فناخسرو: وكنت الشمس منفردا بنفسك، متوحدا في ~~جلالتك ومجدك، تبهر العيون ضياء وبهجة، وتغشيها كمالا ورفعة، فكيف ms221 الظن بك ~~إذا قارنك شمسان نيرتان تقفوانك في الجلالة وتماثلانك، وتحكيانك في السياسة ~~وتظاهرانك؟!. # فعاشا عيشة القمرين يحيا ... بضوئهما ولا يتحاسدان # ولا ملكا سوى ملك الأعادي ... ولا ورثا سوى من يقتلان # وكان ابنا عدو كاثراه ... له ياءي حروف أنيسيان # القمران: الشمس والقمر، تسميا بأخف الاسمين كما قيل العمران في أبي بكر ~~وعمر رحمهما الله، وأنيسيان: تصغير إنسان على غير قياس، وياءاه ياء تصغير. # فيقول، وهو يريد ولدى فناخسرو: فعاشا عيشة القمرين في طول بقائهما، وبيان ~~إعتلائهما، يحيا الأنام بنورهما، وتشرق الدنيا بضوئهما، ولا جعلهما الله ~~يتحاسدان فيما منحهما من فضله، ووصل بهما ما أتاهما من جميل صنعه. # ثم قال: ولا جعلهما يستزيدان ملكا غير ملك من عاداهما وخالفهما، ولا أن ~~يرثا مالا غير من أباداه من الأعداء بقتلهما، فلا يزالان ظاهرين على ~~الممالك بإبادتهما لأربابهما، ومحثوثين على أموال أهل الخلاف بغلبتهما ~~لأصحابها. # ثم قال: وجعل الله أبني من كاثراه من الأعداء، ومن نازعهما من أهل ~~البغضاء، له كياءي حروف أنيسيان، يعودان عليه التصغير والذلة، ويجلبان إليه ~~غاية الضعف والقلة. # دعاء كالثناء بلا رياء ... يؤديه الجنان إلى الجنان PageV02P132 ~~فقد أصبحت منه في فرند ... وأصبح منك في عضب يمان # ولولا كونكم في الناس كانوا ... هذاء كالكلام بلا معاني # الفرند: وشيء السيف، وهو الأثر، والعضب: السيف الصارم، واليماني: الذي ~~طبعه أهل اليمن، والهذاء: ما لا يعقل من الكلام. # فيقول: ودعائي الذي قدمته، كالثناء في حسنه، وصحة ما يتأدى من لفظه، لا ~~رياء فيه، ولا سبيل للتصنع عليه، يؤديه مني ضمير خالص، ويتلقاه أيها ~~الممدوح منك ضمير (مخلص). # ثم قال يخاطبه: فقد أصبحت منه في فرند يخبر عن كرم جوهرك، وشاهد عدل يبين ~~عن شرف عنصرك، وقد أصبح منك في سيف صقيل صارم، وفي عضب يمان نافذ، يبدو ~~عليه كما يبدو الأثر على السيف، فيخبر عن كرمه وعتقه، ويتقدم به على سائر جنسه. # ثم قال: ولولا كونك وكون بينك ورهطك ملوكا في عصركم، وأمراء على أبناء ~~دهركم، لكان الناس كالهذاء من الكلام، الذي لا ms222 يعقل لفظه، ولا يعود على ~~السامع له نفعه. PageV02P133 # وقال يمدحه، ويذكر وقعة كانت مع وهسوذان بن محمد بالطرم؛ (حصن من حصون ~~أذربيجان). # إثلث فأنا أيها الطلل ... نبكي وترزم تحتنا الإبل # أو لا، فلا عتب على طلل ... إن الطلول لمثلها فعل # ثلث الواحد الاثنين: إذا صار ثالثا لهما، والطلل: ما أشرف من بقايا ~~الديار، وإرزام الإبل: أصواتها بالرغاء عند الكلال، والعتب: الموجودة. # فيقول مستدعيا لإسعاد الطلل على ما هو بسبيله من الحزن، وما يذريه في ~~رسومه الدارسة من الدمع: كن لنا ثالثا أيها الطلل في البكاء على ما غيرته ~~الأيام من بهجتك، وأذهبته من غضارتك وجدتك، ووصلته من نأي أحبتنا العامرين ~~لك، الجامعين لشمل السرور بك، فإننا نبكي فيك وإبلنا ترزم وتندب ساكنيك، ~~ودموعنا تسجم. # ثم قال: أو لا، فلا عتب عليك في الخرس عن الجواب، والتأخر عن الإطلاب، ~~فالطلول بمثل ذلك فاعلة، وهي في الاحتمال عليه متشاكلة. # لو كنت تنطق قلت معتذرا ... بي غير ما بك أيها الرجل # أبكاك أنك بعض من شغفوا ... لم أبك أني بعض من قتلوا # إن الذين أقمت واحتملوا ... أيامهم لديارهم دول # الشغف: إحراق الحب القلب، والدولة: مدة الإقبال. # فيقول، وهو يخاطب الطلل: لو كنت تنطق أيها الطلل، لقلت صادقا غير مكذب، ~~ومعذورا غير مؤنب؛ إن الذي أشكوه وأظهره يقل عند ما تخفيه وتضمره، وأن ~~دلائل ما تطويه من الأسف بادية، وشواهده وأن صمت مناديه، ولقلت: أني أبكي ~~بكاء من شغفه الراحلون عنك بحبهم، وأوحشوه بما منعوه من قربهم، وأنك تبكي ~~بكاء من قتلوه فلا حراك به، وأياسوه فلا رجاء في البقاء له. # ثم قال، يخاطب الطلل: أن الذين أقمت ورحلوا عنك، وبعدوا بجماعتهم منك، PageV02P134 ~~أيامهم للديار التي يحتلونها، والمنازل التي يتخيرونها، دول سرور مستقبلة، ~~وأيام جذل مستأنفة، والذي صرف عنك من ذلك يوحشك، وما منعت منه لا محالة يؤلمك. # الحسن يرحل كلما رحلوا ... معهم وينزل حيثما نزلوا # في مقلتي رشأ تديرهما ... بدوية فتنت بها الحلل # تشكو المطاعم طول هجرتها ... وصدودها ومن الذي تصل؟ # الحلة: البيوت ms223 المجتمعة للقوم النزول، والرشأ: الصغير من الظباء. # فيقول: الحسن يرحل مع الذين هاجه الحزن لرحيلهم، وينزل من المواضع ~~بالمكان الذي ينزلونه، ولا يفارقهم انقيادا لهم، ولا يتأخر عنهم كلفا بهم. # ثم قال: وجماع ذلك الحسن الذي أرفع بوصفه، وأطنب فيما اجتلب من ذكره، في ~~مقلتي رشأ تديرهما بدوية ساحرة الطرف، ناعمة ظاهرة الظرف، يفتن بها ما تأوي ~~إليه من الحلل، ويقتضي بقربها غاية الأمل. # ثم قال: تشكو المطاعم الرفيعة طول هجرتها لها، ويوحشها قلة إلمامها بها، ~~وكيف لها بتقلبها مع ما هي فيه من الترفه، ومن الذي تصله مع موضعها من ~~الجلالة والرفعة؟!. # ما أسارت في القعب من لبن ... تركته وهو المسك والعسل # قالت: ألا تصحو؟ فقلت لها: ... أعلمتني أن الهوى ثمل # السؤر: ما يبقيه الشارب لغيره، والقعب: القدح الضخم، والثمل: السكر. # فيقول مخبرا عن التي وصفها بالحسن، وأخبر عنها بالدلال والدل: أن الذي ~~أسأرته من اللبن بعد شربها، وغادرته في القعب بعد ملامستها بكفها، تركته ~~وهو المسك في أرجه وفورجه، والعسل في حلاوته وطيبه. # ثم خاطبته فقالت: ألا تصحو عن الحب، وعما أنت بسبيله من اشتغال القلب؟! PageV02P135 # فقلت لها: قد أعلمتني أن الهوى سكر يغلب على العقل، والممتحن به لا يصغي ~~إلى الملامة والعذل. # لو أن فناخسرو صبحكم ... وبرزت وحدك عاقه الغزل # وتفرقت عنكم كتائبه ... إن الملاح خوادع قتل # الغزل: الكلف بأمور النساء، وشدة الحرص عليهن، والكتائب: مواكب الخيل ~~المجتمعة، والوحدة كتيبة، والقتل: اللواتي يقتلن بحبهن، والواحدة: قتول. # فيقول لمحبوبته التي قدم وصفها: لو أن فناخسرو صبح بلادك بجموعه، وأعتمد ~~ناحيتك بجيوشه، وبرزت وحدك، فأبديت له حسنك، ونظر إليك وقد سفرت عن وجهك، ~~لعاقه غزل الحب عما استظهر به من الجموع للحرب. # ثم قال: ولتفرقت كتائبه عنكم، ويئست عما تحاوله منكم، فالملاح خوادع ~~العقول، والكلف بهن من أسباب الذهول. # ما كنت فاعلة وضيفكم ... ملك الملوك وشأنك البخل # أتمنعين قرى فتفتضحي ... أم تبذلين له الذي يسل؟ # بل لا يحل حل به ... بخل ولا جور ولا وجل # ضيف القوم: الذي يأوي ms224 إليهم، والبخل: لغة في البخل، والقرى: ما يتكلف ~~للضيف، والوجل: الخوف. # فيقول مخاطبا لمحبوبته: ما كنت فاعلة وضيفك ملك الملوك، وسيد السادة، ~~وسبيل من حل به أن يظهر إجلاله وأعظامه، وأن يلتزم مبرته وإكرامه، وشأنك ~~الإعراض والبخل، وخلقك التثاقل والكسل. # ثم قال: أكنت تمنعين من قراه، فتفضحي في فعلك، أم تسمحين بذلك فتخرجي عن ~~المعهود من أمرك؟. # ثم قال: بل لا يحل بحيث حل من منازله، ولا يصير فيما يستقل به من مواضعه، PageV02P136 ~~بخل يفارق في البذل، ولا جور يخالف مذهبه في العدل، ولا وجل يعترض فيما بسط ~~الله به من الدعة والأمن. # إن لم يكن من قبله عجزوا ... عما يسوس به فقد غفلوا # حتى أتى الدنيا ابن بجدتها ... فشكا إليه السهل والجبل # شكوى العليل إلى الكفيل له ... ألا تمر بجسمه العلل # أبن بجدة الشيء: الذي يعلم باطنه، والكفيل: الضامن. # فيقول: أن الممدوح فناخسرو ساس الملك أحسن سياسة، وعمرت الأرض به أفضل ~~عمارة، وأربى بإحاطته على الملوك المتقدمين، وزاد على سير الحكماء الأولين، ~~فأن لم يكن من قبله من الملوك عجز عما أبداه في السياسة وأظهره، فقد قصر في ~~أهمل ذلك وأغفله. # ثم قال: حتى تملك الدنيا منه ابن بجدتها، الخبير ببواطنها، ودبر أمورها، ~~الرئيس الجليل البصير بمصالحها، فشكا إليه السهل والجبل ما لحقهما من ~~الخلل، واستنهضاه إلى إزاحة ما نالهما من العلل. # ثم قال: شكوى العليل المنهوك بالعلة إلى الكفيل بالبرء والصحة، فداوى ما ~~شكاه بثابت من علمه، ونهض فيما أملاه بمشكور من عزمه، وأمن القريب والبعيد ~~من مكروه الضرر، وتلاف جميع ذلك بأجمل النظر. # قالت فلا كذبت شجاعته ... أقدم فنفسك ما لها أجل # فهو النهاية إن جرى مثل ... أو قيل يوم وغى من البطل؟ # الوغى: الأصوات في الحرب، والبطل: المتقدم في الشجاعة. # فيقول: قالت شجاعته؛ فيما مثلته لنفسه، وانعقدت عليه حقيقة أمره، فلا ~~أكذبها الله فيما ضمنته له من الفوزة، وصدقها فيما حسنته عنده من الجرأة: ~~أقدم في حروبك، والسلامة مضمونة لك، وأشجع، فالغلبة مقرونة بك، فأجلك مؤخر ms225 لا PageV02P137 ~~تحذره، والمكروه مصروف عنك فلا تتوقعه. # ثم قال: فإذا ضرب المثل بأعلام الفرسان، وهتف في الحروب بأبطال الشجعان، ~~فهو الشجاع الذي لا يعدل أحد به، والبطل الذي تخضع رقاب الأبطال له. # عدد الوفود العامدين له ... دون السلاح الشكل والعقل # فلشكلهم في خيله عمل ... ولعقلهم في بخته شغل # تمسي على أيدي مواهبه هي ... أو بقيتها أو البدل # العقل: جمع عقال، وهو رباط البعير، والشكل: معروفة، والشكل واحدها شكال، ~~والبخت: الإبل الخراسانية، واحدها بختي، والبدل: العوض. # فيقول: أن الوفود القاصدين إليه قد غنوا عن تحمل السلاح في بلاده، لما ~~شمل أهلها من الدعة، وما عمها من السكون والأمنة، وأنهم لا يتحملون إلا ~~بالشكل والعقل، متيقنين لما يختارون في هباته من الخيل وما يصير إليهم بها ~~من البخت. # ثم قال مشيرا إلى صدق ظنون الوفود القادمين عليه فيما يشملهم به من ~~الفضل، ويتابعه عندهم من الإحسان والبذل: فللشكل الذي يجلبونها عمل في ~~خيله، وللعقل التي يتحملون بها نحوه تصرف في بخته. # ثم قال: تمسي تلك الخيل والبخت مقبوضة من قاصديه، محوزة في تملك مؤمليه، ~~نافذة على أيد مواهبه، متصيرة عندهم في جمل فواضله، وأن سبق إلى بعضها ~~المتقدمون من عفاته، والأولون من وفوده، كان لمن تلاهم من قصاده ما بقي من ~~حملها، أو ما حل مما يعتاضه محل بدلها. # يشتاق من يده إلى سبل ... شوقا إليه ينبت الأسل # سبل تطول المكرمات به ... والمجد لا الحوذان والنفل # وإلى حصى أرض أقام بها ... بالناس من تقبيله يلل # إن لم تخالطه ضواحكهم ... فلمن تصان وتذخر القبل PageV02P138 ~~السبل: المطر المنسكب، والأسل: قني الرماح، وكل نبات يتشعب دون ورق فهو ~~أسل، والواحدة أسلة، والحوذان والنفل: ضربان من النبات، والضواحك من أضراس ~~الأسنان: ما ولي الأنياب وأتصل بالطواحن، والليل: قصر في الأسنان، وإذا وصف ~~بذلك الرجل قيل رجل أيل. # فيقول: يشتاق إلى سبل يده التي تنسكب بالنعم، وتفيض بالآلاء والمنن، ~~وينبت الأسل رغبة فيما يتصل بذلك السبل من الحكم، وما يتصرف به في الحرب ~~والسلم. # ثم قال: سبل ms226 يطول به الكرم والمجد، ويكثر عليه الشكر والحمد، وليس ينبت ~~به الحوذان والنفل، ولا ترتعيه الشاء والإبل. # ثم قال: ويكثر الشوق إلى حصى الأرض التي أقام الممدوح فيها، وآثرها ~~وأستوطنها وتخيرها، فبالناس من تقبيل حصاها يلل يبدو ويظهر، ونقصان يتبين ~~في ضواحكهم ولا يستتر. # ثم قال: وإذا لم تباشر الأفواه وضواحكها الحصى إعظاما للممدوح، وإجلالا ~~لقدره، وقضاء بالخضوع لحقه، فلمن يذخر ذلك بعده، وعند من يرتقب الجزاء فيه ~~من الناس إلا عنده؟!. # في وجهه من نور خالقه قدر ... هي الآيات والرسل # فإذا الخميس أبى السجود له ... سجدت له فيه القنا الذبل # وإذا القلوب أبت حكومته ... رضيت بحكم سيوفه القلل # القدر: جمع قدرة، والخميس: الجيش الكثير، والقنا: الرماح، والقلل: ~~الرؤوس، واحدتها قلة. # فيقول: أن الله عز وجل أبقى على وجه الممدوح فناخسرو، من الإشراق ~~والبهجة، والإجلال والمحبة، ما فيه دليل بين على القدرة، وتصديق لما أخبرت ~~به الرسل PageV02P139 ~~عن الله تبارك وتعالى من بالغ الحكمة. # ثم قال: فإذا الخميس توقف أهله عن أن يسجدوا له سجود الإذعان، ويعترفوا ~~بطاعته اعتراف الإقرار، حكمت له القنا الذبل بما يرغبه، وانقادت لأوامره ~~فيما يقصده، فكان ذلك منها كالسجود الذي يؤذن من يستعمله بالإنقياد، ويخبر ~~عنه بالعدول عن مكروه العناد. # ثم قال: وإذا القلوب أبت من الإذعان لحكمه، وانطوت على (العصيان) لما ~~يبغيه من أمره، حكمت السيوف بذلك (الضرب) على قللهم، وقومت ما يظهرون ~~بالعصيان من ميلهم. # أرضيت وهسوذان ما حكمت ... أم تستزيد؟ لأمك الهبل!! # وردت بلادك غير مغمدة ... وكأنها بين القنا شعل # والقوم في أعيانهم خزر ... والخيل في أعيانها قبل # الهبل: الثكل، تقول العرب: لأم فلان الهبل، أي الثكل، والخزر: أن تميل ~~حدقة العين إلى اللحاظ، وهو آخر العين، والقبل: أن تميل إلى الموق، وهو ~~مقدم العين المتصل بالأنف. # فيقول مخاطبا لوهسوذان، بعد أن هزمه جيش ركن الدولة، وهو حسن بن بويه ~~والد فناخسرو: أرضيت ما صنعته بك سيوف فناخسرو، لأن عسكر أبيه عسكره، أم ~~تستزيد لأصحابك من القتل، ولنفسك من الخزي والذل؟ الهبل ms227 لأمك، والهوان ~~والصغار لمثلك!. # ثم قال مشيرا إلى السيوف المذكورة: وردت بلادك مصلته غير مغمدة، ومعملة ~~غير ممسكة، فكأنها بين الرماح شعل نار مضطرمة، وسرج تضيء متقدة. # ثم قال: وردت تلك السيوف بلادك، والرجال الممسكون لها غضاب، في عيونهم ~~خزر، والتخازر من نظر المغضب من الرجال، والخيل في عيونها قبل، والقبل PageV02P140 ~~تشاوس، وهو من نظر المغضب من الخيل. # فأتوك ليس لمن أتوا قبل ... بهم وليس بمن نأوا خلل # لم يدر من بالري أنهم ... فضلوا ولا يدري إذا قفلوا # وأتيت معترفا ولا أسد ... ومضيت منهزما ولا وعل # القبل: الطاقة، والخلل: الوهن في الأمر، والري: مدينة معروفة فيما بين ~~أرض فارس وأرض خراسان، وهي كانت قاعدة ركن الدولة، والفصول: الخروج عن ~~قاعدة الاستقرار إلى العدو، والقفول: الرجوع عن الغزو، والوعل: التيس ~~البري. وحذف العائد على (من)، في قوله: (ليس لمن أتوا)، وهو يريد: أتوه، ~~والعائد على (من) الثانية في قوله: (وليس بمن نأوا) يريد: نأوا عنه، وأسند ~~إلى دلالة ما ذكره على ما حذف. # فيقول مشيرا إلى رجال عسكر ركن الدولة: فأتوك ليس لمن أتوه قبل بهم، وهو ~~يريد وهسوذان وجيشه، وليس بمن نأوا عنه خلل يمنعهم، وهو يعني ركن الدولة ~~وجمعه، وأشار إلى ركن الدولة من كثرة العدد، وسعة العمل، بحيث لا يحفل بمثل ~~الجيش الذي فصل إلى وهسوذان عنه، ولا يلتفت إلى اقترابه منه. # ثم قال مؤكدا لما قدمه، ومشيرا إلى ركن الدولة: لم يدر من بالري، أن ~~الجيش الذي هزم وهسوذان فصل عنه؛ لقلتهم في جمعه، ولا درى أنهم قفلوا إليه؛ ~~لتواضع مقدارهم في نفسه. # ثم قال، وهو يخاطب وهسوذان: وأتيت معتزما، ولا أسد في الإقدام يشبهك، ~~ومضيت منهزما، ولا وعل في الفرار يلحقك. # تعطي سلاحهم وراحهم ... ما لم تكن لتناله المقل # أسخى الملوك بنقل مملكة ... من كاد عنه الرأس ينتقل # الراح: الأيدي، وهو جمع راحة. PageV02P141 # فيقول مخاطبا لوهسوذان، وواصفا لهربه عن جيش ركن الدولة: تعطي سلاحهم ~~وأيديهم من التحكم في جيشك، وبلوغ المراد من تريق جمعك، ما لم ms228 تكن العيون ~~تطمح إلى رؤية مثله، ولا النفوس تطمع بإدراك نيله. # ثم قال: أسخى النفوس بنقل الممالك، وأشجعها على اقتحام المتالف، من جهل ~~في ذلك ما يتقلده، ولم يعرف الحقيقة فيما يقصده، فأشرف على مثل ما أشرف ~~عليه وهسوذان، من توقعه بمفارقة رأسه لجسده، واعتصامه بالفرار عن مملكته وبلده. # لولا الجهالة ما دلفت إلى ... قوم غرقت وإنما تفلوا # لا أقبلوا سرا ولا ظفروا غدرا ... ولا نصرتهم الغيل # الدلوف: الزحف، والتفل: البصق، والغيل: جمع غيلة، وهو القتل على الغفلة. # فيقول: لوهسوذان: لولا جهلك بأمرك، وغلطك على نفسك، لما أقدمت على مزاحفة ~~يوم بصقوا عليك فغرقوك، وأشاروا نحوك فأهلكوك. يشير إلى ركن الدولة ~~وفناخسرو ورهطهما. # ثم قال يريدهم: لا يقصدون إلى الأعداء سرا ومخاتلة، ولا يظفرون بهم غدرا ~~ومخادعة، ولا تعصر عليهم الغيل، ولا تستنقذ الأعداء منهم الحيل. # لا تلق أفرس منك تعرفه ... إلا إذا ما ضاقت الحيل # لا يستحي أحد يقال له ... فضلوك آل بويه أو نضلوا # قدروا عفوا، وعدوا وفوا، سئلوا ... أغنوا، علوا أعلوا، ولوا عدلوا # التناضل: المسابقة في الرمي، ويقال: نضل الرجل، إذا ظهر عليه لكثرة ~~الإصابة. # فيقول مشيرا إلى وهسوذان: لا تلق أفرس منك على ظهور الخيل، وأنفذ منك في ~~شدائد الحرب، إلا إذا ضاقت الحيل بك، وانقطعت طرق النجاة دونك، يعرض ~~بوهسوذان في أنه تعرض لحرب ركن الدولة وأبنه فناخسرو، وهو عاجز عنهما، وترك ~~الخضوع لهما، وهو غير بعيد من جميل عائدتهما، ولو إعترف لهما لقبلاه، PageV02P142 ~~ولو استقام على طاعتهما لما قاتلاه. # ثم قال مؤكدا لما قدمه: وما يستحي أحد من أن يقال له فضلك آل بويه ~~ونضلوك، واستولوا عليك وغلبوك، فيعترف بالتقصير عنهم، ويجعل الإذعان وسيلته ~~في أن يأخذ بخطه منهم. # ثم قال، يريد بني بويه: قدروا لعظم المملكة، فعفوا، وحمدت قدرتهم، ووعدوا ~~من انقاد لهم بسعة الإفضال، فوفوا وأنجزوا عدتهم، وسئلوا التشريف بسلطانهم، ~~والمشاركة في أموالهم، فأغنوا وشرفوا سائلهم، وعلت أحوالهم في الملك وجلالة ~~الأمر، فأعلوا أقدار المتصلين بهم، ورفعوا منازل المؤملين لهم، واتصلت لهم ms229 ~~ولاية أمور الناس، فشملوهم بالإحسان والمعدلة، ودبروا أمورهم، فعمهم ذلك ~~التدبير بالمصلحة، فمن خالفهم فهو ظالم لهم، ومن ناصبهم فهو شديد الاغترار ~~بهم. وهذا التأويل وأن لم تكن جملته في لفظ الشعر، فهو مفهوم منه، وغير ~~خارج عند التأمل عنه. # فوق السماء وفوق ما طلبوا ... فإذا أرادوا غاية نزلوا # قطعت مكارمهم صوارمهم ... فإذا تعذر كاذب قبلوا # لا يشهرون على مخالفهم ... سيفا يقوم مقامه العذل # فيقول، وهو يريد بني بويه على توسع الكلام: فوق السماء منازلهم في العلو ~~والرفعة، وأحوالهم فوق ما طلبوه لأنفسهم من جلالة الرتبة، فإذا أرادوا غاية ~~بعدما بلغوه، لم يجدوا ذلك إلا بالتواضع عما أدركوه والتطأطؤ دون ما أحرزوه ~~وشيدوه. # ثم قال: حكمت مكارمهم على سيوفهم؛ لشمول عفوهم، وعموم فضلهم، فإذا اعتذر ~~إليهم كاذب قبلوا عذره، وإذا استجاز بتجاوزهم مخالف سهلوا بسعة حلومهم أمره. # ثم قال: لا يشهرون على من عارضهم سيفا في حرب، ولا يقصدون له بمساء وضر، ~~مادام العذل يؤثر فيه، وحسن التبصير يحكم عليه، ولا يبعد عنه عفوهم إذا PageV02P143 ~~استدعى فضلهم وعطفهم. # فأبو علي من به قهروا ... وأبو شجاع من به كملوا # حلفت لذا بركات غرة ذا ... في المهد: ألا فاتهم أمل # أبو علي: حسن بن بويه، ركن الدولة، والد فناخسرو، وأبو شجاع: فناخسرو عضد ~~الدولة أبنه. # فيقول، وهو يريد بني بويه: فأبو علي الذي قهروا أعداءهم بقوته، وأذلوا من ~~خالفهم برفعته، واستظهروا على مطالبهم بجلالة منزلته، وأبو شجاع أبنه الذي ~~كملت به مملكتهم، واستبانت على من خالفهم قوتهم، وانقاد لهم ما رغبوه، ~~وأدركوا ما أملوه. # ثم قال، وهو يشير إلى أبي علي ركن الدولة: (حلفت لذا بركات غرة ذا)، وهو ~~يشير إلى فناخسرو، وهو مستقر في مهده، وفي النهاية من صغر سنه، بما ظهر ~~عليه من شواهد البركة والنجابة، ومخايل الإقبال والسعادة: لا يفوت الوالد ~~منهما وولده، ومن كان منهما بقرابة، وجمعه وإياهما اتصال ولادة، أمل ~~يحاولون البلوغ إليه، وألا يمتنع دونهم مراد يعولون بقصدهم عليه. PageV02P144 # وقال أيضا يمدحه ويذكر وهسوذان: # أزائر يا ms230 خيال أم عائد؟ ... أم عند مولاك أنني راقد؟ # ليس كما ظن غشية عرضت ... فجئتني في خلالها قاصد # الخيال: ما يطرق في النوم، فيمثل الشيء على المعهود منه، والعائد: ~~المتفقد لأحوال العليل، والمولى: الولي على جميع وجوه الولاية، وخلال ~~الشيء: أثناؤه وما اشتمل عليه. # فيقول: أزائر أنت أيها الخيال الطارق على الانتزاح والبعد، أم عائد لما ~~يتيقن أني أقاسيه من الصبابة والوجد، أم عند مولاك الذي تدينه وتمثله، ~~وتقربه وتظهره، أني رقدت فتعاهدني بزوره، وأكد ما بنفسي من ذكره؟. # ثم قال مخاطبا للخيال، ومشيرا إلى محبوبه الذي مثله له: ليس الأمر كما ~~قدره مهديك؛ من أن تهويمي تهويم رقاد ودعة، وسكون وراحة، وإنما ذلك لغشية ~~من الألم مذهلة، وغمرة من غمرات السقم مؤلمة، أتيتني في خلالها متفضلا ~~بالقصد، ومبشرا عمن أحبه بإقامته على العهد. # عد وأعدها فحبذا تلف ... ألصق ثديي بثديه الناهد # وجدت فيه بما يشح به ... من الشتيت المؤشر البارد # الثدي الناهد: الذي قد كعب، والشتيت: الثغر الذي ينفصل فيه ما بين ~~الثنيتين والرباعيتين، والأشر: تحزيز يكون في أطراف الأضراس أول ما تنبت، ~~ويصحب ذلك في مدة الشباب. # فيقول، وهو يخاطب الخيال: عد أيها الطيف وأعد تلك الغشية، وصل وأن جددت ~~علي تلك الشدة، فحبذا تلف مثل لي عناق ذلك الثدي الناهد، وأدناني من ذلك ~~الجسد الناعم. # ثم قال، على نحو ما قدمه: وحبذا تلف تجود لي فيه بما يشح به من أنت خياله ~~الزائر، ومثاله المقترب الواصل، من تقبيل الثغر الشتيت المؤشر، البديع المنظر PageV02P145 ~~والمخبر. # إذا خيالاته أطفن بنا ... أضحكه أنني لها حامد # وقال إن كان قد قضى أربا ... منا فما بال شوقه زائد؟ # لا أجحد الفضل ربما فعلت ... ما لم يكن فاعلا ولا واعد # يقول: إذا طافت خيالات من نحبه زائرة، وأنستنا بأنفسها متدانية، فأحمدنا ~~ما ننعم به من قربها، وما نسر به من تداني محلها، أضحكه ذلك وأعجبه، وألهاه ~~كلفنا به وأستغربه. # ثم قال مخبرا عن محبوبه: وقال أن كان قضى أربا منا بالخيال الذي وصله، ~~والطيف ms231 الذي تمثل له، فما له يجرع ولا يصبر، وكمده يزيد ولا يفتر؟!. # ثم قال: لا أدفع فضل خيالاته الطارقة، ولا أنكر الأنس بها، وأن لم تكن ~~بالصادقة، فربما فعلت ما لا يسمح بفعله، وقربت ما لا يسعد على العدة بمثله. # ما تعرف العين فرق بينهما كل ... خيال وصاله نافد # يا طفلة الكف عبلة الساعد ... على البعير المقلد الواخد # زيدي أذى مهجتي أزدك هوى ... فأجهل الناس عاشق حاقد # الطفلة الكف: الناعمة أصابع اليد، والعبلة: الغضة البضة، والساعد: ما بين ~~المرفق والكف من الذراع، والوخد: ضرب سريع من مشي الإبل، والحاقد: الذي ~~ينطوي على الضغينة. # فيقول: ما تعرف العين فوق ما بين الخيال ومرسله، والطيف الطارق وممثله، ~~فكلاهما وصاله اختلاس يتوهم ولا يصدق، ويتذكر ولا يتحقق. # ثم قال مخاطبا لمحبوبته الذي يعتاده طيفها: يا طفلة الكف، البارعة الحسن، ~~العبلة الساعد، الباعثة لي على الحزن، التي يخد بها البعير المزين بالقلائد ~~لكرامته، المقدم في الإبل لنجابته. PageV02P146 # ثم أكد ما قدمه، فقال يخاطب المذكورة: زيدي مهجتي من الأذى والوجع ببعدك، ~~فأنني متزيد من الكلف بحبك، فأجهل الناس من يحقد على من يعشقه، وينكر ما ~~يناله في ذلك من الألم، ويطرقه من السقم. # حكيت يا ليل فرعها الوارد ... فاحك نواها لجفني الساهد # طال بكائي على تذكرها ... وطلت حتى كلاكما واحد # الفرع: الشعر، وفرع كل شيء: أعلاه، والوارد: السابغ الكثير، والساهد: ~~الذي لا يرقد. # فيقول مخاطبا لليل: حكيت أيها الليل فرع التي أشبب بها في سواده وحلكته، ~~وسيوغه وكثرته، فاحك نواها بانصرام مدتك وقلة إقامتك، لجفني الذي سهدته، ~~وطرفي الذي أتبعته وأرقته. # ثم قال: طال بكائي على تذكر التي أحببتها، وطلت أيها الليل بسهري من ~~أجلها، فكلاكما واحد فيما يبعث لي من الأسف، وما يضاعف علي من ألم الشغف. # ما بال هذي النجوم حائرة ... كأنها العمي ما لها قائد؟! # أو عصبة من ملوك ناحية ... أبو شجاع عليهم واجد # إن هربوا أدركوا، وإن وقفوا ... خشوا ذهاب الطريف والتالد # هذي: لغة في هذه، والعصبة: العشرة من القوم فما ms232 فوقهم إلى الأربعين، ~~والحائر: المتردد في مكانه، والواجد هنا: المتغيظ. والطريف: المال الحديث، ~~والتالد: المال القديم. # فيقول، وهو يشير إلى نجوم ليلته: ما بال هذه النجوم حائرة لا تنتقل، ~~وثابتة لا تتزول، كأنها عمي لا قائد لها، ولا مرشد يسلك الطريق بهم. # ثم قال مؤكدا في تشبيه ما قدمه: أو كأن النجوم المذكورة عصبة من ملوك جهة ~~من الجهات، قد أتهم أبو شجاع طاعتهم، وقابل بالتسخط جماعتهم فتيقنوا ~~موجدته، PageV02P147 ~~ولم يأمنوا عقوبته. # ثم قال مشيرا إلى الملوك الذين قدم ذكرهم، فهم أن هربوا أدركهم بسلطانه ~~وقوته، وأن وقفوا خشوا ذهاب طارفهم وتالدهم بعقوبته. # فهم يرجون عفو مقتدر ... مبارك الوجه جائد ماجد # أبلج لو عاذت الحمام به ... ما خشيت راميا ولا صائد # أو رعت الوحش وهي تذكره ... ما راعها حابل ولا طارد # الماجد: الشريف الكريم، والأبلج: النقي ما بين الحاجبين، وذلك من صفات ~~السادة، والحمام: ذوات الأطواق من الطير، وما جرى مجراها كالقماري والقطا ~~والفواخت ونحو ذلك، والوحش: ما لا يستأنس من دواب البر، الذي يصيد الوحش ~~بالحبالة، والطارد: الذي يصيدها بالمطاردة، والعائذ: المستجير. # فيقول، وهو يريد الملوك المشفقين من موجدة الممدوح: فهم يرجون عفو مقتدر ~~لا يدافع إلا بالخضوع له، ولا يعارض إلا بإنزال الثقة به، ميمون مبارك ~~العزة، كريم جواد الرحاة، ماجد مشهور الرفعة. # ثم قال مؤكدا لما ذكره: أبلج لو عاذت الحمام بأمنه، واعتصمت بكنفه وظله، ~~مع تولع الناس بصيدها، وتقوت جوارح الطير بها لضعفها، ما خشيت راميا ~~يقصدها، ولا صائدا يخيفها ويعتمدها. # ثم قال على نحو ما قدمه: أو رعت الوحش معتصمة بذكره، منتسبة إلى رعايته ~~وملكه، لما راعها حابل يصرعها مخادعة، ولا طارد يحتازها مغالبة. # تهدي له كل ساعة خبرا ... عن جحفل تحت سيفه بائد # وموضعا في فتان ناجية ... يحمل في التاج هامة العاقد # تهدي: تبعث، والجحفل: الجيش العظيم، والبائد: التالف، والموضع: والمجتهد ~~في السير، والفتان: غشاء أحمر يتخذ للرحل، والناجية: الناقة السريعة، ~~والعاقد: PageV02P148 # المذكور الذي يعقد التاج على رأسه. # فيقول، وهو يريد الممدوح: تهدي له ms233 كل ساعة من ساعات أيامه فتحا يغبطه، ~~وخبرا عن أوليائه يبهجه؛ يتضمن هلاك جيش من أعدائه، وظفرا يجدد الله ~~لأوليائه. # ثم قال: وتهدي له ساعة رسولا يوضع ملتزما لفتان ناقة ناجية، مستعجلا من ~~ناحية نائية، يتحمل رأس ملك قد عقد التاج على هامته، فأجتلب رأسه في التاج ~~على راحلته. # نلت وما نلت من مضرة وهسوذان ... ما نال رأيه الفاسد # يبدأ من كيده بغايته ... وإنما الحرب غاية الكائد # فيقول مخاطبا لفناخسرو: نلت ما قصدت من الظفر بوهسوذان، وما بلغت منه ~~باستلابك لملكه، وإيقاعك به وبجمعه، أكثر مما بلغه من نفسه، بسوء التدبير، ~~وضعف نظره في عواقب الأمور، وما أصاره إليه فساد رأيه، ومذموم اختياره. # ثم بين ذلك فقال: يجعل غاية كيده أول أمره، وفاتحه ما قصده من العصيان ~~أبعد جهده، فيبدر إلى الحرب وهو يضعف عن القيام بها، ويسارع إليها وهو عاجز ~~عن الصبر لها. # ماذا على من أتى محاربكم ... فذم ما اختار لو أتى وافد # بلا سلاح سوى رجائكم ... ففاز بالنصر وانثنى راشد # يقارع الدهر من يقارعكم ... على مكان المسود والسائد # الوافد: الزائر، والمنثني: الراجع، والمسود: التابع، والسائد: المتبوع. # فيقول مخاطبا لفناخسرو، ومشيرا إلى وهسوذان: ماذا على من تعرض لحربكم، ~~وأقدم على المخالفة لأمركم، فذم ما تخير لنفسه، وتعرف أخبث العواقب في ~~رأيه، لو أتاكم وافدا يستمطر فضلكم، وراغبا متصرفا على قصدكم. PageV02P149 # ثم أكد ما قدمه، فقال: دون سلاح يتحملها سوى قوة الرجاء لكم، ولا عدة ~~يتكلفها غير إنزال الثقة بكم، فيرجع ظافرا بما يطلبه، وينثني راشدا منصورا ~~فيما يرغبه. # ثم قال: يقارع الدهر من يتعرض لحربكم، ويصرع كل من لا يتصل بحزبكم، ويأبى ~~الله إلا أن يجعل السيد منكم، والمسود المغلوب من ينحرف عنكم. # وليت يومي فناء عسكره ... ولم تكن دانيا ولا شاهد # ولم يغب غائب خليفته ... جيش أبيه وجده الصاعد # وكل خطية مثقفة ... يهزها مارد على مارد # سوافك ما يدعن فاصلة بين ... طري الدماء والجاسد # الجد: البخت، والصاعد: المتزايد، والخطية: قناة الرمح، تنسب إلى الخط، ~~وهو موضع معروف، ms234 والمثقفة: المقومة، والمارد: الشديد الجرأة، والجاسد: الدم ~~اليابس. # فيقول مخاطبا لفناخسرو، ومخبرا عن وهسوذان: وليت يومي فناء عسكره اللذين ~~فلت فيهما جيوشك حده، وفر بنفسه وحده، وكنت بعيدا عنه، ولم تكن في تلك ~~المزاحفة دانيا منه، بل عصفت به رياح تدبيرك على البعد، وأذلته لأوليائك ~~طوالع السعد. # ثم قال مبينا لما قدمه: ولم يغب عن مزاحفة عدوه من يخلفه في ذلك؛ جيش ~~أبيه وجنده، وإقبال دولته وجده. # ثم قال: ويخلفه كل رمح خطي مثقف بيد كل مارد في الحرب، متصرف يحمله من ~~الخيل ما يماثله في النفاذ والشدة، ويشاكله في الإقدام والجرأة. # ثم أكد ذلك فقال: سوافك للدماء، معتادة الإيقاع بالأعداء، تتبع طري ~~الدماء بالجاسد، وسائلها بالراكد الجامد. # يا عضدا ربه به العاضد ... وساريا يبعث القطا الهاجد PageV02P150 ~~وممطر الموت والحياة معا ... وأنت لا بارق ولا راعد # إذا المنايا فدعوتها ... أبدل نونا بداله الحائد # العضد: كناية عن القوة، وكان لقب فناخسرو عضد الدولة، والعاضد: المعين، ~~والساري: الذي يسير بالليل، والهاجد: الساكن النائم، والسحاب البارق ~~الراعد: الذي يكثر فيه البرق والرعد، والحائد: المنحرف، وإنما يريد الحائد ~~عن الطاعة. # فيقول مخاطبا لفناخسرو: يا عضد الدولة، ربها قد عضدها به، وأحرز الفخر في ~~ذلك له، ويا ساريا على أعدائه في الفلوات النائية، والمهامه النازحة، التي ~~تنام القطا فيها لبعدها، وتنقطع عن الأنيس بمبلغ جهدها، وجيوشك تطرقها في ~~تلك المواضع لحفلها، وتبعثها من أقاصيها بكثرة أهلها. # ثم قال، على نحو ما قدمه من مخاطبة الممدوح: ويا من يمطر الموت على ~~أعدائه، ويمطر الفضل وأسباب الحياة على مؤمليه، وهو في الحالين لا يبرق ولا ~~يرعد، ولا يتهدد، بل يسبق القول بفعله، وتصحبه السعادة والتأييد في جملة أمره. # ثم قال، وهو يريد الممدوح: إذا المنايا بدت ناصرة له على من خالفه، ~~ومسعدة بما يقصده في من حاربه وناصبه، فدعوتها أن يبدل الحائد عن طاعته، ~~والمنحرف عن جماعته بنون من دال أسمه، حتى يصير حائنا بهلاكه، وفناء عمره، ~~كما كان حائدا عن الاحتمال على أمره. # إذا درى الحصن ms235 من رماه بها ... خر لها في أساسه ساجد # ما كانت الطرم في عجاجتها ... إلا بعيرا أضله ناشد # تسأل أهل القلاع عن ملك ... قد مسخته نعامة شارد # الطرم: حصن معروف من حصون طبرستان، والناشد: الذي يهتف على الضالة. # فيقول، وهو يشير إلى جيوش فناخسرو، والمنايا التي يبعث فيها على الأعداء: ~~إذا درى الحصن الذي تقصده تلك الجيوش، وتيقن الباعث لها، والمصرف لأمورها، PageV02P151 ~~خر له ساجدا في أساسه قبل الحرب، وتداعى بالانهدام قبل تجشم الطعن والضرب، ~~فكيف بنية الممدوح فيه مؤونة المنازلة، وبدر أهله إلى الخضوع بطاعته قبل ~~تكلف المقاتلة؟!. # ثم قال: ما كانت الطرم؛ وهو حصن وهسوذان المتقدم الذكر، لما أحاطت به ~~عجاجة تلك الجيوش، ودارت عليه كتائب تلك الجموع، إلا كبعير ظفر به (ناشده)، ~~فتملكه دون مدافعة، ووصل إليه فأستحقه من غير منازغة. يشير إلى عجز وهسوذان ~~عن منعه، ومبادرته إلى الفرار عنه بنفسه. # ثم قال مؤكدا، وهو يريد الطرم المذكور، ويشير إلى سرعة افتتاح جيوش والد ~~فناخسرو لها، وعجز وهسوذان عن ضبطها: تسأل أهل القلاع التي تماثلها، ~~والمعاقل التي تشابهها وتشاكلها عن وهسوذان ملكها، وقد مسخته بمفارقته لها، ~~وانحطاطه عن الإمارة التي كان ينتحلها به، نعامة شاردا في المهامه القفرة، ~~ومستأنسا فيها بالانفراد والوحشة. # تستوحش الأرض أن تقر به فكلها ... إنه به جاحد # فلا مشاد ولا مشيد حمى ... ولا مشيد أغنى ولا شائد # أشدت البنيان وشيدته: إذا طولته وأعليته، والبنيان مشاد ومشيد، وشدته: ~~إذا علوته بالشيد، وهو الجص والبلاط، والنبيان مشيد. # فيقول، وهو يريد وهسوذان: تستوحش الأرض من الإقرار به؛ لما عليه من ~~الطلب، وتجحده بما يظهر فيها من الفرار والهرب، فكلها يدفعه ولا يتقبله، ~~ويخيفه ولا يؤمنه. # ثم قال: فلم يحمه من الحصون ما ارتفع وطول، ولا عصمه من البنيان ما احكم ~~وأتقن، ولا عاد إلا بالفرار على وجهه، وأن يطلب النجاة بذلك لنفسه. # فاغتظ بقوم وهسوذ ما خلقوا ... إلا لغيظ العدو والحاسد PageV02P152 ~~رأوك لما أتوك نابتة ... يأكلها قبل أهله الرائد # وخل زيا يحققه ... ما كل دام جبنه ms236 عابد # وهسوذ: ترخيم وهسوذان في غير النداء، وذلك جائز في الشعر، والرائد: هو ~~الذي يطلب المرعى لمن وراءه. # فيقول: فأغتظ يا وهسوذان من فناخسرو وأبيه وجماعتهما، بقوم ما خلقوا إلا ~~ليغيظوا أعداءهم بقوة سلطانهم، ويشجوا حسادهم بترادف تفضلهم وإحسانهم. # ثم قال مشيرا إلى فناخسروا وأبيه وجيوشهما، ومن ورد على وهسوذان من ~~قوادهما: رأوك احتقارا لك، وقدروك في قلة الاحتفال بك، بمنزلة المرعى الذي ~~يستمحيه الرائد قبل أن يرد عليه من أرسله، ويستأهله قبل أن يلحق به الحي ~~الذي وجهه؛ لأنك أهلكك طرف من جيشهما، واستولى عليك من لم يخش به من ~~جمعهما. # ثم قال: وخل الملك والتزيي به، والترؤس والتعرض له، لمن يحقق ذلك ~~بفخامته، ويوفيه شروط بمنصبه وجلالته، فليس كل من دمي جبينه ينسب إلى ~~العبادة، ولا كل من انتحل الإمرة يقوم بشروط الرئاسة. # إن كان لا يعمد الأمير لما ... لقيت منه فيمنه عامد # يقلقه الصبح لا يرى معه ... بشرى بفتح كأنه فاقد # الفاقد: الذي يفقد من يكرم عليه، يقال ذلك للرجل والمرأة. # فيقول، وهو يخبر عن فناخسرو، ويخاطب وهسوذان: إن كان لم يتعمد الأمير ما ~~لقيت منه في افتتاح جيوشه لقاعدتك، وإيقاعهم بك وبجماعتك؛ لما قدر عليك من ~~حين الاعتراف، وما تخيرت لنفسك من مكروه الخلاف، فيمنه اعتمد التحين لك، ~~وصالك حتى نفذ الإيقاع بك. # ثم قال، وهو يريد فناخسرو يقلقه صباح يوم ولا يبشر فيه بفتح يقدم عليه، PageV02P153 ~~وسرور بذلك يتجدد فيما لديه، حتى كأنه (فاقد) لما قد ألفه، وممنوع مما سكن ~~إليه وعرفه. # والأمر لله رب مجتهد ... ما خاب إلا لأنه جاهد # ومتق والسهام مرسلة ... يحيد عن حابض إلى صارد # فلا يبل قاتل أعادية ... أقائم نال ذلك أم قاعد # المجتهد: الذي يستعمل في الشيء طاقته، والجاهد: الذي يستسهل في الشيء ~~مشقته، والجابض في السهام: الذي يقع دون الغرض، والصارد: الذي ينفذ في ~~الغرض، ويبل: بمعنى يبالي، حذفت الياء منه للنهي، والألف لكثرة الاستعمال ~~على غير قياس، فقال: فلا يبل، ذكر ذلك سيبويه. # فيقول مشيرا إلى ما ms237 مكنه الله من فتح الطرم، والإيقاع بوهسوذان، دون ~~استعمال ما كان يقتضيه مثل هذا الأمر الكبير من الأهبة، وما عهد في مثله من ~~المؤن والكلفة: والأمر لله فيما ينفذه من الأمور ويمكنه، وما يمضيه فيها ~~ويقدره، ورب مجتهد كان الاجتهاد سبب خيبته، ومرديا إلى تعذر بغيته، ورب ~~مترفق في الطلب قد أدرك بعفوه ما لا يدركه المجتهد بجهده. # ثم قال على نحو ما قدمه: ورب متق للسهام في الحرب يحيد عن حابض متأخر ما ~~كان يدركه إلى صادر نافذ يقضي عليه ويهلكه. يشير إلى أن وهسوذان لو اعتصم ~~بالسلم، لتخلص مما أهلك به نفسه في تخير الحرب. # ثم قال مشيرا إلى فناخسرو وركن الدولة أبيه، وما مكنت لهما السعادة من ~~الظفر بوهسوذان دون تعب ولا تمرن: فلا يبل من ظفر بأعاديه، وأدرك من ذلك ~~غاية أمانيه، أنال ذلك عن تعب ومزاولة، أم قربه السعد له بأيسر محاولة. ~~وجعل القيام والقعود كناية عن هذا التفسير. # ليت ثنائي الذي أصوغ فدى ... من صيغ فيه، فإنه خالد PageV02P154 ~~لويته دملجا على عضد ... لدولة ركنها له والد # الملج: ضرب من الأسورة يستعمله نساء الأعراب في أعضادهن. # فيقول: ليت ثنائي الذي أصوغه في عضد الدولة فداه، وكان مما يحذر عليه ~~بدله، فأن ثنائي خالد لا ينفد عمره، ومحفوظ لا ينقطع ذكره. # ثم قال، وهو يريد شعره: لويته دملجا، والدملج من حلي العضد، على عضد دولة ~~أبوه ركنها، والذي أورثه شرفها وفضلها، فهما متعاقبان في القيام بجملتها، ~~متشاكلان فيما حازاه من جلالتهما ورفعتهما. PageV02P155 # وقال في يوم الجلسان، وقد نثر عليهم الورد وهم قيام بين يديه حتى غرقوا فيه. # قد صدق الورد في الذي زعما ... أنك صيرت نثره ديما # كأنما مائج الهواء به ... بحر حوى مثل مائه عنما # الديم: السحاب الدائمة المطر، واحدتها ديمة، والمائج: الذي يدخل بعضه في ~~بعض، والعنم: شجر من شجر السواك، لين الأغصان لا يعظم، وله زهر أحمر يشبه ~~به وبأغصانه بنان النساء إذا اختضبن، وكنى به عن الورد على المماثلة. # فيقول مخبرا عنه، ms238 ومخاطبا لعضد الدولة: قد صدق الورد فيما زعمه من أمره، ~~وأخبر به عن نفسه، أنك صيرت ما نثرت منه ديما واكفة، وأمطرت به سحائب ~~مترادفة. # ثم قال مشيرا إلى الورد: فكأن الهواء من كثرته، وما اشتمل عليه من وفود ~~جملته، بحر يحوي مثل مائه من العنم، وينسكب على مستمطره بالزهر المنسجم. # ناثره الناثر السيوف دما ... وكل قول يقوله حكما # والخيل قد فصل الضياع بها ... والنعم السابغات والنقما # فليرنا الورد إن شكا يده ... أحسن منه من جودها سلما # يقول مخبرا عن الورد، ومشيرا إلى عضد الدولة: ناثره في مجالسه إكراما ~~للأولياء، ناثر السيوف وقد تغشت بالدم في وقائعه، انتقاما من الأعداء، ~~ومرسل القول حكما بالغة، ونوادر على وجه الدهر سائرة. # ثم قال، وهو الذي ينثر الخيل والضياع بها مفصلة، ومننه فيها على مؤمليه ~~متبينة، ويشفع النعم على من والاه، كما يعتمد بالنقم من خالفه وناوأه. # ثم قال مشيرا إلى عضد الدولة: فليرنا الورد أن أنكر فعله، وشكا منه كرما ~~وبذله، أحسن منه هيئة ومنظرا، وأكرم محتدا وعنصرا، قد سلم من جوده لضنانته ~~به، ولم ينفد في مواهبه لإيثاره له. # فقل له لست خير ما نثرت ... وإنما عوذت بك الكرما PageV02P156 ~~خوفا من العين أن يصاب بها ... أصاب عينا بها يعان عمى # يعان: يصاب بالعين. # فيقول: فلست أيها الورد أفضل ما نثرته يد عضد الدولة المنبسطة بالنعم، ~~المنطلقة بالآلاء والمنن، وإنما عوذت بك كرمها من العيون الحاسدة، وتفاءلت ~~له بالسلامة من الحوادث الطارقة. # ثم قال: وتخيرت ذلك حذرا من نظرة باغية، ونية على الحسد منطوية، أصاب ~~عينا يعان بها صاحب تلك اليد، الذي هو عماد المجد، والمرتهن لضروب الشكر ~~والحمد، عمى يبادرها ولا يمطلها، وتلف يعاجلها ولا يؤخرها. PageV02P157 # وتوفيت عمة عضد الدولة، فقال يرثيها ويعزيه عنها: # آخر ما الملك معزى به ... هذا الذي أثر في قلبه # لا جزعا بل أنفا شابه ... أن يقدر الدهر على غصبه # لو درت الدنيا بما عنده ... لاستحيت الأيام من عتبه # الملك: الملك، خففت الكسرة منه، والكسرات والضمات تخفف ms239 في مثل هذا ~~الموضع، والأنف: الحمية، والعتب: الموجدة. # فيقول: آخر رزء يعزى الملك به، ويعرضه الزمان له، هذا الرزء الذي أثر ما ~~حدث منه في قلبه، وأهدى بمضضه في نفسه. # ثم قال: وليس ذلك المضض من عضد الدولة جزعا ورقة، ولكنه يبعث منه غضبا ~~وأنفة، وإنكارا لأن يكون الدهر يسؤه في أهله، ويقدر في المفقودة على ما ~~حاوله من غصبه، وفي هذا من التزيد فيما يدخل في باب الإفراط الذي تصف ~~الشعراء الشيء فيه بما لا يمكن، إيذانا ببلوغ الموصوف إلى غاية ما يمكن. # ثم قال مشيرا إلى عضد الدولة: لو درت الدنيا بما عنده من الفضل، وما يصله ~~في أهلها من التثبت والعدل، لاستحيت من التعرض لعتبه، وأن تطرقه أيامها بما ~~يهدي الوحشة إلى قلبه. # لعلها تحسب أن الذي ... ليس لديه من حزبه # وأن من بغداد دار له ... ليس مقيما في ذرى عضبه # وأن جد المرء أوطانه ... من ليس منها ليس من صلبه # الذري: الكنف والستر، والعضب: السيف القاطع، والجد: معروف، والصلب إشارة ~~إلى الولادة. # فيقول: لعل الأيام تعتقد أن من بعد عن عضد الدولة من أهله فقد انقطع عن ~~جملته وحزبه، فلذلك أخرجته في المفقودة عما عهده من تأديدها لسعده، وحفظ من ~~إليه (ينسب) بما يمكنه من إقبال جده. PageV02P158 # ثم قال على نحو ما قدمه: ولعل الأيام تعتقد أن من سكن بغداد وقطنها، وأستقر ~~بها وأستوطنها (ليس ممن في كنفه، أو في حماية سيفه)، فأن البعد مع لصوق ~~القرابة عضبة، والحلول بالمحل القريب من قلبه. # ثم قال مشيرا إلى الأيام: ولعلها تظن أن وطن الإنسان أقعد به من جده، وأن ~~تباعده فيه يقطعه عمن يفارقه من أهله، فلذلك خالفت الأيام عضد الدولة في ~~عمته المفقودة ببغداد، فلم يكتنفها ما يكتنف سائر أقاربه المستقرين بدار ~~سلطانه، وموضع استيطانه، من نساء العمر، والتباعد بسعادته عن حوادث الدهر. ~~وهذا على نحو الإفراط المتقدم الذي وصف فيه المعزى بما لا يمكن، إشارة إلى ~~أنه قد بلغ في الإقبال غاية ما يمكن. # أخاف ms240 أن يفطن أعداؤه ... فيجفلوا خوفا إلى قربه # لابد للإنسان من ضجعة ... لا تقلب المضجع عن جنبه # ينسى بها ما كان من عجبه ... وما أذاق الموت من كربه # الإجفال: الإسراع. # فيقول: أخاف أن يفطن أعداؤه لما يصحب المتصلين به من حفظ الله بجملتهم، ~~وحراسته لجماعتهم، فيجفلوا مبادرين إليه، ويترادفوا وافدين عليه، رجاء في ~~أن تحيط بهم سعادة قربه، والاعتصام بتداني محله. # ثم قال مبينا للصدق فيما قدمه، وكاشفا لقناع الحق فيما ظاهر به وموهه، ~~ومخبرا بأن الموت لا منجا منه، ولا محيص لأحد عنه: لابد للإنسان من ضجعة ~~بالمنية لا تقلبه عن جنبه، ولا تملكه شيئا من أمره، تطرقه بأجله، وتسلمه ~~إلى ما قدمه من عمله. # ثم قال مخبرا عن الإنسان: ينسى بتلك الضجعة ما كان عليه من العجب، وما ~~قاساه عند الموت من شدة الكرب، بما يشرف عليه من هول المطلع، وما يكتنفه PageV02P159 ~~عند ذلك من الإشفاق والفزع. # نحن بنو الموتى فما بالنا ... نعاف لابد من شربه؟! # تبخل أيدينا بأرواحنا ... على زمان هي من كسبه # فهذه الأرواح من جوه ... وهذه الأجسام من تربه # نعاف: نكره، يقال: عفت الشيء أعافه عيافة: إذا كرهته، والجو: الهواء. # فيقول: نحن بنو الموتى المطبوعون على الموت، والمخلوقون له، والمطروقون ~~في الغدو والرواح (به)، فما بالنا نعاف ما لا بد لنا من الورود عليه، ونكره ~~ما لا عاصم لنا من المصير إليه. # ثم قال: تبخل أيدينا بأرواحنا فيما نظهره من الشح بها، ونتكلفه في ~~الصيانة لها، وإنما ذلك على زمان نشأت فيه على شرط الفناء، وصحبت أجسامها ~~متيقنة لقلة البقاء، والزمان فيما يستوفيه منها كالطالب لكسبه والمسترجع ~~لما تصرف في حفظه. # ثم قال مشيرا إلى أن الإنسان قطعة من هذه الدنيا الفانية الجملة، ~~المطبوعة على قصر المدة: فليس في الحق أن ينكر جملته، ويتكره خلقته، فنفسه ~~من جوها، وأول جسمه وآخره من تربها، والله عز وجل قد فطر على الموت بعد ~~الحياة أهلها، وجعل إلى الزوال والانقضاء أمرها. # لو فكر العاشق في منتهى ... حسن الذي يسبيه ms241 لم يسبه # لم ير قرن الشمس في شرقه ... فشكت الأنفس في غربه # قرن الشمس: أول ما يطلع منها. # فيقول مؤكدا لما قدمه من أن أمور الدنيا صائرة إلى الزوال، مبنية على ~~سرعة الانتقال: لو فكر العاشق في مآل الذي يسبيه بحسنه، ويفتنه بجمال خلقه، ~~من الموت الذي يعدمه، ويفنيه ويغيره، لخفف ذلك ما استقر له بقلبه، ولحسن له السلو PageV02P160 ~~عن حبه. # ثم قال مؤكدا لما قدمه: لم ير قرن الشمس ظاهرا عند إشراقه وطلوعه، وتزين ~~الدنيا بتزيد نوره، فشكت الأنفس في أنه على عجل معدوم غارب، وظلام الليل له ~~معاقب، وكذلك الدنيا ببهجتها سريعة النقلة، ومسرتها قصيرة المدة. # يموت راعي الضأن في جهله ... ميتة جالينوس في طبه # وربما زاد على عمره ... وزاد في الأمن على سربه # وغاية المفرط في سلمه ... كغاية المفرط في حربه # فلا قضى حاجته طالب ... فؤاده يخفق من رعبه # السرب: الطريق والمذهب، والسلم: الصلح، والخفق: شدة الاضطراب. # فيقول مخبرا بأن الموت لا يستدفع بحيله، ولا يمتنع منه بقوة، وأن العالم ~~والجاهل يتساويان في الاستسلام له، ويتماثلان في الفناء به: يموت راعي ~~الضأن فيما هو عليه من الجهل كميتة جالينوس مع منزلته من العلم والطب، على ~~سبيل واحدة، وطريقة في العجز على استدفاع الموت واضحة. # ثم قال مؤكدا لما قدمه: وربما زاد الجاهل على العالم في طول العمر، وقصر ~~العالم عنه في مداومته لصحبة الدهر. # ثم قال: وغاية المفرط فيما يجنح إليه من السلم، ويؤثر من الدعة بأشد ~~العزم، كغاية المحارب المقدم على اقتحام المهالك، المستسهل لركوب المخاوف، ~~في أن كليهما لا يفوت الموت، ولا يبعد عنه، ولا يدفعه ولا يعتصم منه، فلا ~~بلغ الجبان بغية من حاجته، ولا ظفر بأقل مراد من إدراك إرادته، إذا كان ~~فؤاده يخفق من خوفه، وهو عند أجله مدفوع إلى حتفه. # أستغفر الله لشخص مضى ... كان نداه منتهى ذنبه # وكان من عدد إحسانه ... كأنما أسرف في سبه PageV02P161 ~~يريد من حب العلا عيشه ... ولا يريد العيش من حبه # يقول، وهو يريد المرثية: أستغفر ms242 الله لشخص مضى بالموت وفقد، وغيب في لحده ~~وبعد، ونداه أقل خصاله، والذي يقع منه موقع الذنب؛ لتصاعده عند جليل خلاله. # ثم قال مشيرا إلى الشخص الذي كنى به عن المرثية: وكان من عدد عنده ما ~~يوليه من الأفضال، وواجهه بما يتابعه من الإنعام، يواقع من يكرهه لذلك، ~~(أي) كالذي يواقعه لترفعه عن الإمتنان، وإستقلاله لعظيم ما يوليه من ~~الإحسان. # ثم قال مشيرا إلى الشخص المذكور: يريد العيش لما يكسبه من الحمد، ويعتقد ~~فيه من الشرف والمجد، ولا يريده لاستدامة النعمة، والاغتباط برفاهية ~~العيشة. # يحسبه دافنه وحده ... ومجده في القبر من صحبه # ويظهر التذكير في ذكره ... ويستر التأنيث في حجبه # أخت أبي خير أمير دعا ... فقال جيش للقنا لبه # يقول، وهو يريد الشخص الذي كنى به عن المرثية: يحسبه دافنه مفردا بنفسه، ~~ومتوحدا في لحده، كسائر المقبورين، ومن سواه مم عهد من المدفونين، والمجد ~~مدفون بدفنه، ومغيب معه في لحده. # ثم قال: ويظهر في ذكره التذكير بجلالة وصفه، وما ترفعه أفعاله من قدره، ~~والتأنيث فيما تطويه الأستار من شخصه، وما تشتمل عليه الصيانة من حقيقة أمره. # ثم قال مشيرا إلى المرثية، وأنها عمة عضد الدولة: أخت أبي خير مليك ~~تواضعت الملوك لقدره، وامتثلت الجماعات ما يرد عنه من أمره، ودعا فأجابت ~~الجيوش الحافلة دعوته، وبادرت السيوف والرماح فيها تلبيته. # يا عضد الدولة من ركنها ... أبوه والقلب أبو لبه PageV02P162 ~~ومن بنوه زين آبائه ... كأنها النور على قضبه # فخرا لدهر بت من أهله ... ومنجب أصبحت من عقبه # اللب: العقل والإدراك، والنور: لغة في النوار، وعقب الرجل: ولده ومن ~~يتناسل منهم، وبت: بمعنى أمسيت، والمنجب: الذي ينجب النجباء. # فيقول، وهو يخاطب فناخسرو: يا عضد الدولة الذي أبوه ركنها وعمدتها، ~~وسيفها وعدتها، والقلب أبو العقل ودافعه، ومقر الإدراك وحافظه. # ثم قال مشيرا إلى ما قدمه من نداء عضد الدولة: ومن بنوه بنجابتهم وفضلهم، ~~وسيادتهم ومجدهم، زين آبائه الأولين، وسلفه الكرام المتقدمين، كأنهم النور ~~على قضب الشجر، وما يبديه للروض مونق الزهر. # ثم قال: فخرا ms243 لدهر أمسيت ملكا في أهله، ولمنجب أصبحت أميرا مقدما من ~~عقبه، انسلك وأنت عماد الكرم، وأنجبك وأنت المنفرد بالفواضل والنعم. # إن الأسى القرن فلا تحيه ... وسيفك الصبر فلا تنبه # ما كان عندي أن بدر الدجى ... يوحشه المفقود من شهبه # الأسى: الحزن، والقرن: المثل في الشجاعة، والنابي: الذي لا يقطع، والدجى: ~~جمع دجية، وهي القطعة من الليل، والشهب: النجوم، واحدها شهاب. # فيقول مخاطبا لعضد الدولة: أن الحزن قرنك في هذه الرزية، فلا تغلبه على ~~نفسك بقلة التجلد له، وسيفك الصبر الجميل فلا تفله وتنبه، بترك الاستمساك ~~به، وأحتسب مصابك يعوضك الله بجزيل الأجر، وسلم لله فيه يثبك بكريم الذخر. # ثم قال: ما كان عدني أن بدر الدجى وهو يخلف الشمس بنوره وبهجته، ويتلوها ~~بضيائه ورفعته، يوحشه ما يفقده من شبهه، وما يعدمه من النجوم المتصلة ~~بقربه. يشير بذلك إلى أن منزلة المفقودة من عضد الدولة منزلة النجم من ~~البدر، ومحلها بالإضافة إليه محل الوشل من البحر. PageV02P163 # حاشاك أن تضعف عن حمل ما ... تضحمل السائر في كتبه # وقد حملت الثقل من قبله ... فأغنت الشدة عن سحبه # يدخل صبر المرء في مدحه ... ويدخل الإشفاق في ثلبه # حاشاك: بمعنى أستثنيك وأعيذك، السحب: الجر، وثلب الناس: ذكر عيوبهم. # فيقول مخاطبا لعضد الدولة: أعيذك، وحاشاك، من أن تضعف عن الاستقلال ~~بالرزء الذي استقل بتحميله الرسول الوارد عليك في كتبه، والقادم الناهض به ~~نحوك على ثقله، وأن تجزع والصبر شيمتك، وأن تضعف والقوة نيتك. # ثم قال يخاطب عضد الدولة: وقد حملت الأثقال قبل هذا الرزء، فاستقللت ~~بحملها، وأغنتك شدتك ومقدرتك عن تهيبها وسحبها، فضع هذا الحادث موضع ما ~~كفيته من الخطوب بشكور الفعل، وما حزت بالصبر على ذلك من الشرف والفضل. # ثم قال مؤكدا لما قدمه: يدخل صبر المرء في مناقبه ومدحه، ويدخل إشفاقه في ~~معائبه وثلبه، فلا تختر أيها المعزى إلا أعلى المنزلتين، ولا تعدل بنفسك ~~إلا (إلى) أرفع الصفتين. # مثلك يثني الحزن عن صوبه ... ويسترد الدمع عن غربه # أيما لإبقاء على قلبه ... أيما لتسليم على ms244 ربه # ولم أقل مثلك أعني به ... سواك يا فردا بلا مشبه # يثني: يصرف، والصوب: الاندفاع والترادف، والغرب: واحد الغروب، وهي مجاري ~~الدمع من العين، وأيما بفتح الهمزة وكسرها: بمعنى أما، وقال عمر بن أبي ربيعة: # رأت رجلا أيما إذا الشمس عارضت ... فيضحى، وإيما بالعشي فيحصر # بإثبات الياء وفتح الهمزة وكسرها. # فيقول، وهو يخاطب عضد الدولة: مثلك في نفاذ عزمك، وسعة إحاطتك وعلمك، PageV02P164 ~~يصرف الحزن عند تردافه، ويكفه بحسن السلو عند تكاثره، ويسترد الدمع عند ~~تحرره، ويثنيه عن سبيله بجميل تصبره. # ثم قال على نحو ما قدمه، من مخاطبة عضد الدولة: أيما أن يستعمل السلوة ~~مبقيا بذلك على نفسه، ومنزها عن ضعف الجزع لقدره، وأيما أن يفعل ذلك مرضيا ~~لربه، ومسلما لما نفذ في رزيته من حكمه. # ثم قال مخاطبا لعضد الدولة: (ولم أقل مثلك) وأنا أريد غيرك وأعتقد أن ~~سواك يشاكل قدرك، فأنت المنفرد بكل منقبة، السابق إلى غاية كل مكرمة، ~~والأوحد في ملوك الزمان، والمنفرد فيهم بالتطول والإحسان. PageV02P165 # وخرج أبو شجاع ومعه عدة للصيد، فكان يسير قدام الجيش يمنة وشأمة، فلا يطير ~~شيء إلا صاده، حتى وصل إلى دشت الأرزن، وهو موضع حسن يكون على عشرة فراسخ ~~من شيراز، تحف به الجبال، والأرزن في غاب ومياه ومروج، فكانت الأيائل تصاد، ~~ويقبل ببعضها تمشي والحبل في قرنه، وكانت الوعول تعتصم بالجبال، وتدور بها ~~الرجال، وتأخذ عليها المضائق، فإذا أثخنتها النشاب هوت من رؤوس الجبال إلى ~~الدشت، فتسقط بين يديه، فمنها ما يطيح قرنه، ومنها ما يذبح فيخرج نصول ~~النشاب من كبده، فأقام بذلك المكان أياما على عين حسنة، وأبو الطيب معه، ثم ~~قفل فقال أبو الطيب يمدحه ويصف الحال، وأنشده في رجب سنة أربع وخمسين ~~وثلاثمائة: # ما أجدر الأيام والليالي ... بأن تقول ما له وما لي؟ # لا أن يكون هكذا مقالي ... فتى بنيران الحروب صالي # منها شرابي وبها اغتسالي ... لا تخطر الفحشاء لي ببالي # الصالي للنار: الذي يقاسي شدة حرها، والفحشاء: الإقدام على ما حرمه الله. # فيقول: ما أجدر الليالي ms245 والأيام، التي هي جماع الدهر، ومنها يكون التظلم ~~في جملة الأمر، بأن تتشكاني مشفقة من تأثيري في جملتها، واقتداري على كف ~~عاديتها، فتقول: ما له وما لي! متواضعة بذلك مستعفة، ومعتذرة إلي بذلك ~~مسترضية، لا أن يكون ذلك مقالي، متوقعا لمضرتها، ومتشكيا لسوء صحبتها، قد ~~شهدت مني فتى يصلي بنيران الحروب أنسا بها، ويجعلها شرابه وغسله؛ لقلة ~~تهيبه لها، ولا تخطر الفحشاء بباله؛ لصدق عفته، ولا تتمثل له؛ لما هو عليه ~~من مروءته. # لو جذب الزراد من أذيالي ... مخيرا لي صنعتي سربال # ما سمته سرد سوى سروالي ... وكيف لا وإنما إدلالي # بفارس المجروح والشمال ... أبي شجاع قاتل الأبطال PageV02P166 ~~الجذب: المد، والزراد: صانع الدروع، والأذيال: أسافل الثياب، وما يقع منها ~~على الأرض، واحدها ذيل، والصنعة: ما يحاول من العمل، والسربال: القميص، وقد ~~يسمى بذلك الدرع على الاستعارة، وثنى الصنعة مشيرا إلى عمل السربالين من ~~القميص والدرع، والسرد: مداخلة حلق الدرع بالنسج لها، والسروال: لغة في ~~السرابيل، وهي عجمية معربة، والمجروح والشمال: اسما فرسين لعضد الدولة. # فيقول: لو جاذبني الزراد فضول ثيابي، حرصا على الاتصال بي، ورغبة في ~~الموافقة (لي)، مخيرا في ثوب أصطنعه، وسربال أدرعه من صنعتي الحديد ~~والكتان، وما أستظهر من ذلك على الأقران، ما سمته إلا سرد سروال أتأيده على ~~العفة، وأستعين بذلك على ما أضمره من النية. # ثم قال: وكيف لا يكون ذلك؟! وإنما أدل فيه بموضعي من عضد الدولة، فارس ~~المجروح والشمال، المنفرد بالإنعام والإفضال، قاتل الأبطال ببأسه وشدته، ~~ومستعبد الأحرار بما يسبغ عليهم من نعمته. # ساقي كؤوس الموت والجريال ... لما أصار القفص أمس الخالي # وقتل الكرد عن القتال ... حتى اتقت بالفر والإجفال # فهالك وطائع وجالي ... وأقتنص الفرسان بالعوالي # والعتق المحدثة الصقال # الجريال من الخمر: الشديدة الحمرة، والجريال: صبغ أحمر يشبه الخمر به، ~~والقفص: صنف من عجم طبرستان، والكرد: صنف من العجم، أصحاب أخبية وجولان، ~~يشبهون بالأعراب، والإجفال: الاجتهاد في الهرب، والعوالي: الرماح، والعتق ~~من السيوف: الصارمة الماضية، والمحدثة الصقال: التي تتعاهد بالتصنيع. # فيقول مشيرا إلى الممدوح ms246 عضد الدولة: ساقي كؤوس الخمر من أطاعه ووالاه، ~~وساقي كؤوس الموت من عصاه وعاداه، فهو يلطف وينعم (على) أهل محبته PageV02P167 ~~وطاعته، ويبيد ويتلف من تعرض لمخالفته. # ثم قال: لما أصار القفص، مع احتداد شوكتهم، وما كانوا عليه من كثرتهم ~~وقوتهم، كأمس الذاهب، بسطوته عليهم، وتركهم حديثا يذكر بوقائعه فيهم، وقتل ~~الكرد دون ما حاولوه من قتاله، وأهلكهم قبل تمكنهم فيما قصدوه من خلافه، ~~سطا بهم فأجفلوا من مخافته هاربين، واقتدر عليهم فعاذوا بالفرار مستسلمين، ~~وصيرهم ما بين هالك أتلفه التعرض لحربه، وطائع أنجاه التسليم لأمره، وجال ~~هارب سار في الأرض على وجهه، قد لج في الفرار يطلب خلاصا لنفسه. # ثم عاد إلى الإخبار عن الممدوح، إلى عضد الدولة، فقال: وأقتنص، بعد ~~إيقاعه بالقفص والكرد، فرسان أعاديه بعوالي رماحه، واعمل فيهم صوارم سيوفه، ~~ودان له من قرب وبعد، وأطاعه من اعترف وعند، ولم يبق له مخالف يقصده، ولا ~~عدو يناصبه ويعتمده. # سار لصيد الوحش في الجبال ... وفي رقاق الأرض والرمال # على دماء الإنس والأوصال ... منفرد المهر عن الرعال # من عظم الهمة لا الملال ... وشدة الضن لا الاستبدال # ما يتحركن سوى انسلال ... فهن يضربن على التصهال # الرقاق من الأرض: اللينة الوطيئة، والرعال: قطع الخيل، والواحدة رعلة، ~~لغة في الملل، والضن والضنة والضنانة والمضنة: لغات في الشح، والاستبدال: ~~التصرف في صغائر الأمور، والانسلال في الحركة: المحاولة للاستتار بها، ~~والتصهال: تفعال من الصهيل. # فيقول: أن الممدوح عضد الدولة لما استماح أعداءه بقوته، وقربت له آماله ~~بما مكنه من سعادته، سار ليصيد الوحش المعتصمة بالجبال الشامخة، ويقصرها في ~~أقاصي الفلوات النازحة، موطئا لخيله ورجاله ما سفكه من دماء الإنس في PageV02P168 ~~وقائعه، وما انفصل من أوصال أعاديه في ملاحمه. # ثم وصف سير عضد الدولة في وجهته، فقال: أنه سار منفرد المهر عما يتبعه من ~~رعال الخيل، ومتوحدا من جيوشه التي هي كقطع الليل، وذلك التوحد من عظم ~~همته، وجلالته وهيبته، ولا لملال أدركه، ولا لسآمة لحقته، ولكنه يضن ~~بالمواكبة، وتحميه منزلته عن المقاربة، فيتقدم جيشه ترفعا ms247 وعزة، وليس يتقدم ~~تبذلا وقلة. # ثم قال مؤكدا لما قدمه، وهو يريد الخيل التي تتلو في سيرها عضد الدولة: ~~فما يتحركن إلا انسلالا ومسارقة، ولا يتناجى فرسانها إلا سرارا ومخافته، ~~فهي تضرب لهيبته على الصهيل، وتحمل عند مقاربته على الهدوء والتدليل. # كل عليل فوقها مختال ... يمسك فاه خشية السعال # من مطلع الشمس إلى الزوال ... فلم يئل ما طار غير آل # وما عدا فانغل في الأدغال ... وما احتمى بالماء والدحال # من الحرام اللحم والحلال ... إن النفوس عدد الآجال # المختال: المعجب بنفسه، المتكبر في مشيه، ويئل: يرجع إلى موئل، والآلي: ~~المقصر، والانغلال: الاستتار، والأدغال: الآجام، واحدها: دغل، والدحال: ~~أنفاق كالأسراب في جوانب الآبار، واحدها: دحل. # فيقول: كل عليل على ظهور الخيل المقاربة لعضد الدولة، كبير في نفسه، ~~مختال في حاله، لا يجهر بالسعال إن اعترضه، فاه من المهابة إن حدث له، ~~يتكلف ذلك أكثر النهار، من وقت طلوع الشمس إلى وقت الزوال، إعظاما لعضد ~~الدولة، وإجلالا لقدره، وتوقيرا له، وإكبارا لأمره. # ثم وصف حال الجيش المذكور فيما قصد لصيده، فقال: فلم يرجع إلى موئله ما ~~اعترض من الطير، وإن كان الطيران غير مقصر، ولا نجا ما عدا من الوحش، وانغل ~~في الأدغال فعل المتستر. PageV02P169 # ثم قال: فصيد ما حرم لحمه وما حل، واحتيز ما كثر من ذلك وما قل، وللنفوس ~~آجال تبلغها، ومدد في الحياة تستوفيها وتستكملها. # سقيا لدشت الأرزن الطوال ... بين المروج الفيح والأغيال # مجاور الخنزير والرئبال ... داني الخنانيص من الأشبال # مشترف الدب على الغزال ... مجتمع الأضداد والأشكال # كأن فناخسر ذا الأفضال ... خاف عليها عوز الكمال # فجاءها بالفيل والفيال # الدشت: موضع معروف في بلاد طبرستان، واسمه فارسي، والأرزن: شجر يطول ~~ويعظم، والفيح: المواضع السهلة الواسعة، واحدها أفيح، والأغيال: جمع غيل، ~~والغيل: أجمة الأسد، والخنانيص: جراء الخنازير، واحدها خنوص، والأشبال: ~~جراء الأسد، واحدها شبل، والاشتراف: الإطلال، والعوز: العدم، والفيال: خادم الفيل. # فيقول: سقى الله دشت الأرزن الطوال، ونسب الموضع إلى الأرزن؛ لكثرة هذا ~~الضرب من الشجر فيه، وكان مضطرب عضد الدولة في ms248 المتصيد الذي ذكره بهذا ~~الموضع. # ثم ذكر أنه بين المروج الفيح السهلة، والأغيال الممتنعة الصعبة، وأن ~~السباع تتقارب فيه وتتجاور، وتتوالد وتتناسل، وأن الخنانيص دانية من ~~الأشبال، والدب لا يبعد من الغزال، يشير إلى خلاء هذا الموضع وعزلته، وبعده ~~عن الإنس بجملته، فالأضداد والأشكال فيه متدانية، والسباع والظباء في ~~أكنافه متسالمة. # ثم قال: كأن فناخسرو ممدوحه ذا الإحسان والفضل، والمتقدم في جلالة القدر، ~~خاف على أصناف هذه السباع والوحوش، مع ما هي عليه من الكثرة، واتفاق ~~الأضداد والأشكال فيها بالجملة، خلل النقصان، وأراد أن يحلها من التمام بأرفع PageV02P170 ~~مكان، فجاءها بالفيال وفيله، وأردفهما بمقانب خيوله. # فقيدت الأيل في الحبال ... طوع وهوق الخيل والرجال # تسير سير النعم الأرسال ... معتمة بيبس الأجذال # ولدن تحت أثقل الأحمال ... قد منعتهن من التفالي # لا تشرك الأجسام في الهزال إذا ... تلفتن إلى الأظلال # أرينهن أشنع الأمثال ... كأنما خلقن للإخلال # زيادة في سبة الجهال ... والعضو ليس نافعا في الحال # لسائر الجسم من الخيال # الأيل: جمع إيل، والوهق: حبل يثنى على صناعة تؤخذ به الدابة والإنسان، ~~إذا رام من يقع فيه التخلص منه أشد عليه، والنعم: الإبل والشاء، والأرسال: ~~المتتابعة، والأجذال: أصول الشجر يشبه بها قرون تلك الأيل، ومعتمة: مفتعلة ~~من التعميم، والتفال: التفاعل من الافتلاء، وخبال الجسم: انحلاله وذوبه. # فيقول: فقيدت المسنة من الأيل في الحبال مغلوبة، وفي وهوق الفرسان ~~والرجالة مملوكة، تسير سير النعم متتابعة، وتنقاد لما تحمل عليه متخاضعة، ~~معتمة من قرونها فيما يشبه أصول الشجر العادية، وتتشعب تشعب الأغصان ~~المثنية، فهي مولودة منها تحت أحمال مثقلة، ومتصرفة تحت آلات متعبة، وأن لم ~~تكن كذلك في حين النشأة، فما لها إلى هذه الحال في حقيقة الخلقة. # ثم قال: قد منعتها تلك القرون من التفالي بعظمها، ولم تشرك أجسامها في ~~هزالها وسمنها، فإذا التفتت إلى أظلالها رأت من أنفسها أبشع الأمثلة، ونظرت ~~إلى الشخوص مفزعة، فكأنما ألزمت تلك القرون على سبيل الإذلال لها، وحملتها ~~ليسب جميع الجهال بها. # ثم قال: والعضو إذا تفاحش أمره، وخرج عن ms249 المعهود قدره، فليس يمنع سائر PageV02P171 ~~الجسم من خبال يطرقه، ولا يعصمه من اختلال يلحقه. # وأوفت الفدر من الأوعال ... مرتديات بقسي الضال # نواخس الأطراف للأكفال ... يكدن ينفذن من الآطال # لها لحى سود بلا سبال ... يصلحن للأضحاك لا الإجلال # كل أثيث نبتها متفال ... لم تغذ بالمسك ولا الغوالي # ترضى من الأدهان بالأبوال ... ومن ذكي المسك بالدمال # لو سرحت في عارضي محتال ... لعدها من شبكات المال # بين قضاة السوء والأطفال # الفدر من الوعل: التي قد أسنت وضخمت، والواحد فادر، والضال: شجر السدر ~~البري، والآطال: الخصور، والواحد: أطل، والسلبتان: ما عن يمين الشفة العليا ~~وشمالها من الشعر الممتد، والواحد: سبلة، والجمع: السبال، والأثيث من ~~الشعر: الملتف الكثير، والمتفال: المنتن، والغوالي من الطيب: معروفة، ~~والواحدة: غالية، والدمال: زبل الدواب. # يقول: وأوفت على عضد الدولة فيما صيد له، المسنة من الأوعال، وقرونها في ~~طولها وكبرها، وتمامها وعظمها، كقسي الضال؛ منحنية على ظهورها، قد صارت ~~الأوعال كالمرتدية لها، وأقبلت كالمشتملة بها، قد انعطفت منها على الأكفال، ~~وكادت تنفذ من الخصور والآطال. # ثم زاد في صفة الوعول فقال: لها لحى سود وافرة دون سبال، تبعث على الضحك ~~ولا تبعث على الإجلال، أثيثة منتنة، ريحها كريه، غاليتها وبانها الأبوال، ~~ومسكها وطيبها الدمال، فلو سرح مثلها في عارضي شاهد محتال، لجعلها في طلب ~~المال أوكد وسيلة، وفي التسبب إليه أمكن ذريعة، وللبس بها على قضاة السوء ~~فيمن يلونه من الأطفال، ولبلغ من ذلك أبعد الآمال. PageV02P172 # شبيهة الإدبار بالإقبال ... لا تؤثر الوجه على القذال # فاختلفت في عارضي نبال ... من أسفل الطود ومن معال # قد أودعتها عتل الرجال ... في كل كبد كبدي نصال # فهن يهوين من القلال ... مقلوبة الأظلاف والإرقال # يرقلن في الجو على المحال ... في طرق سريعة الإيصال # ينمن فيها نيمة الكسال ... على القفي أعجل العجال # لا يتشكين من الكلال ... ولا يحاذرن من الضلال # القذال: مؤخر الرأس، والعارض: ما علا من السحاب، والعارضان من النبال: ~~كالسحابتين منها، والطود: الجبل، والمعالي منه: ما علا وأرتفع، والعتل: ~~القسي الفارسية، والرجال: الرجالة، الواحد: راجل، ms250 كما يقال كاتب وكتاب، ~~والكبد: معروفة، والنصال: جمع نصل، وهو الحديدة المركبة في السهم، وكبدها ~~وسطها، وكبداها: عن يمين العين الناشر في وسط تلك الحديدة وشماله، ويهوين: ~~يقلبن، والقلال: رؤوس الجبال، الواحد: قلة، والأظلاف من الوعول: كالحوافر ~~من الدواب، والإرقال: ضرب سريع من مشي الإبل، فاستعار لانصباب الوعول من ~~الجبال، والجو: ما إرتفع من الهواء، والمحال: فقار الظهر، والوحدة: محالة، ~~والنيمة: هيئة النوم، والكسال: العاجزون عن الحركة، الواحد: كاسل، والقفي: ~~جمع قفا، والعجال: جمع عاجل، والكلال: الإعياء، والضلال: العمى عن القصد. # فيقول، وهو يصف الوعول المصيدة: أنها يشبه إقبالها إدبارها في الوحشة، ~~ولا يتباين ذلك في مكروه الخلقة، فوجوهها كأقفائها في الكره، وأواخرها ~~كأوائلها في القبح. # ثم وصف إحاطة الهلع بها، واعتماد الرماة في خلال ذلك فقال: فاختلفت بين ~~عارضين من النبل، وبين طائفتين مطالبتين لها بالقتل من أعالي الجبال ~~وأسافلها، PageV02P173 ~~ومن أواخرها وأوائلها، قد أودعت أكبادها قسي رجالة الرماة، أكباد يصال ~~أيأستها من الحياة، فهن يهوين من رؤوس الجبال مستعجلة، مقلوبة أظلافها ~~محولة، ترقل على محال ظهورها إرقال مكرهة، وتنصب في الجبل على ظهورها غير ~~متخيرة، في طرق تسرع بها على القفي في إعجال العجل، ولا تتشكى مع ذلك ألم ~~الكلال، ولا تحذر في انصبابها مكروه الضلال. # فكان عنها سبب الترحال ... تشويق إكثار على إقلال # فوحش نجد منه في بلبال ... يخفن في سلمى وفي قيال # نوافر الضباب والأورال ... والخاضبات الربد والرئال # والظبي والخنساء والذيال ... يسمعن من أخباره الأزوال # ما يبعث الخرس على السؤال # الترحال: تفعال من الرحلة، والبلبال: وسواس الهموم، وسلمى وقيال: جبلان ~~معروفان من جبال الحجاز، والضباب: صنف من الهوام تكون في بلاد العرب، ~~واحدها ضب، والأورال: نحوها، والواحد ورل، والخاضبات: النعام التي أكلت ~~الربيع فاحمرت سوقها، واحدها خاضبة، والربد: القفر (المربد) الألوان، ~~والريال: صغار النعام، والخنساء: البقرة الوحشية، والذيال: الثور الوحشي ~~الطويل الذنب، والأزوال: الحسان، واحدها زول. # فيقول: فكان سبب الرحلة عن صيد الأيل والوعول التي قدم ذكرها، إقلالها ~~بكثرتها، وتشويقها إلى القلة منها بترادف جملتها. # ثم ms251 قال: فوحش نجد من الممدوح عضد الدولة في إشفاق ووجل على بعد الشقة ~~فيما بينها وبينه، تخافه في سلمى وقيال، على تناء هذين الجبلين منه، ~~وانتزاحهما بطول المسافة عنه، فضبابها وأورالها نافرة، ونعامها وريالها ~~خائفة، وظباؤها وبقر وحشها فازعة، يسمعن من أخبار عضد الدولة العجيبة ~~المستحسنة، وسطواته PageV02P174 ~~المخوفة المتوقعة، ما يبعث الخرس على أن تبحث وتسأل، ويوجب لها أن تتروع وتحذر. # فحولها والعوذ والمتالي يود ... لو يتحفها بوالي # يركبها بالخطم والرحال ... يؤمنها من هذه الأهوال # ويخمس العشب ولا يبالي ... وماء كل مسبل هطال # الفحول: التي لم تحمل، والعوذ: التي تعوذ بها أولادها، والمتالي: نحو ~~ذلك، والإتحاف: إهداء ما يستحسن، والخطم للإبل: كاللجم للخيل، وأستعارها ~~للوحش، والرحال للإبل: كالسروج للخيل والإبل والبغال، واستعارها في هذا ~~الموضع. # فيقول: فحول الوحوش وعوائذها ومتبوعاتها، تود لو يتحفها بوال يملكها، ~~وحائط يصرفها، فيركبها بالرحال والخطم، ويثقفها بالأزمة واللجم، ويؤمنها من ~~هذه الأهوال الحادثة، ويسكنها من روعات هذه الأخبار السائرة، ويخمس العشب؛ ~~بأخذه الخمس مما ترعاه من العشب النابت، وما ترد عليه من ماء السحاب ~~الهاطل، ولا تبالي ذلك ولا تكرهه، ولا تخافه ولا تحذره. # يا أقدر السفار والقفال ... لو شئت صدت الأسد بالثعال # أو شئت غرقت بالعدى بالآل ... ولو جعلت موضع الإلال # لآلئا قتلت بالآلي ... لم يبق إلا طرد السعالي # في الظلم الغائبة الهلال ... على ظهور الإبل الأبال # فقد بلغت غاية الآمال ... فلم تدع منها سوى المحال # في لا مكان عند لا منال # السفار: المسافرون، وليس هذا الجمع واحد من لفظه، والقفال: الراجعون من ~~سفرهم، الواحد: قافل، والثعال: الثعالب على الترخيم في غير النداء، والآل: ~~السراب، وهو ما يتخيل في بطون الفلوات عند شدة الحر، مما يشبه الماء، PageV02P175 ~~والإلال: الحراب، الواحد ألأة، واللآلي: الدر، واحدها: لؤلؤة، والسعالي: ~~جمع سعلاة، وهي الغول التي تتمثل من الجن في الفلوات، والإبل الأبال: التي ~~طال مكثها في المرعى، وهي لا تركب ولا يحمل عليها، وقد صارت كالمتوحشة، ~~الواحدة آبل. # فيقول مخاطبا للممدوح عضد الدولة، ومشيرا إلى الوجهة التي وصفها ms252 في صيده، ~~وإلى إنصرافه عنها: يا أكرم من سافر وقفل، وأفضل من حل ونزل، لو شئت بما ~~حكم الله لك به من السعادة، وقصره عليك من الجلالة والسيادة، لصدت الأسد ~~بالثعالب، انقيادا من جميع الحيوان لك، ولما امتنع عليك ذلك، لما وصله الله ~~من التمكين بك، ولو شئت؛ لقدرتك على الأعداء، ونفاذ إرادتك في جميع ~~الأشياء، لغرقت أعداءك بالآل، تيقنا منهم لقدرتك، ولغلبت أهل الجبر على ~~شجاعتهم، خضوعا لهيبتك. وأن لم تكن هذه العبارة في نص لفظه، فهي مفهومة من ~~حقيقة قصده. # ولو استعملت فيمن يقاتلك مكان الرماح النافذة، حسان اللآلئ الرائقة، ~~لقتلت بها مع بعدها من القتل، ولبلغت بها غاية ما تقصده من الفعل. # ثم قال على نحو ما قدمه من مخاطبة عضد الدولة، والإشارة إلى الوجهة التي ~~انصرف عنها من صيده: لم يبق لك بعد ما ذللت من ملوك البلاد، وبلغت فيهم من ~~غاية المراد، وأظهرت من الاقتدار على الوحوش النافرة، والتملك لها في قلل ~~الجبال الشامخة، غير طرد سعالي الجن التي تتمثل في الفلوات في حناديس ~~الظلم، التي لها فيها أشد السطوات على ظهور الإبل المؤبلة التي لا تركب، ~~فلو فعلت لحكم لك السعد في ذلك بأفضل ما ترغب. # ثم قال: فقد بلغك الله في مقاصدك غاية ما أملته، وقرب لك من ذلك أغبط ما ~~حاولته، فلم تدع شيئا من الأشياء إلا ما يستحيل البلوغ إليه، ولا فاتك إلا ما لا PageV02P176 ~~يشتمل الإمكان عليه. # يا عضد الدولة والمعالي ... النسب الحلي وأنت الحالي # بالأب لا الشنف ولا الخلخال ... حليا تحلى منك بالجمال # ورب قبح وحلى ثقال ... أحسن منها الحسن في المعطال # فخر الفتى والأفعال ... من قبله بالعم والأخوال # العضد: ما بين المنكب والمرفق، وهو عماد اليد التي بها يكون البسط ~~والقبض، ولقب فناخسرو بعضد الدولة من هذا الاشتقاق؛ لنفاسة العضد في ~~الأعضاء، والحلي: ما يتزين النساء به من الجوهر والذهب وما أشبه ذلك، ~~ويستعار أسمه على المشابهة، والحلي: جمع حلية، وهي ما يتزين به من الحلي ~~وغيره، والمعطال: ms253 المرأة العارية من الحلي. # فيقول مخاطبا فناخسرو: يا عضد الدولة! ويا عضد المعالي المنفرد في ذلك ~~بالمجد، والحائز فيه لضروب الحمد، نسبك حلي لك بجلالته ورفعته، وأنت الحالي ~~منه بفخامته وعلو منزلته، وأنت المتزين منه بالآباء السادة، لا بالشنف ~~والخلخال والقلادة، وذلك الحلي يتحلى منك بما تنميه من مناقبك، وتزيد في ~~جماله بمكارمك وفضائلك، ورب شرف لا يشيده وارثه، ولا يزينه بخصاله صاحبه، ~~ورب قبح يحاول ستره بالحلي الفاخرة فتفضحه الحسناء المعطال مع البذاذة ~~الظاهرة، وفخر الفتى بنفسه وأفعاله أوكد من فخره بأعمامه وأخواله، وتمام ~~الشرف أن ينصر آخره أوله، ويزين حديثه متقدمه. PageV02P177 # وقال عند وداعه لعضد الدولة: # فدى لك من يقصر عن نداكا ... فلا ملك إذا إلا فداكا # ولو قلنا فدى لك من يساوي ... دعونا بالبقاء لمن قلاكا # وآمنا فداك كل نفس ... وإن كانت لمملكة ملاكا # فديت الرجل فداء: إذا كنت وقاية له، وبدلا منه فيما يكرهه، وقليت الرجل ~~أقليه قلى: إذا أبغضته، والمملكة: سلطان الملك، وملاك الشيء: عماده. # فيقول مخاطبا لعضد الدولة، وداعيا له: جعل الله فداءك من الملوك من يقصر ~~عن نداك وفضلك، ولا يساويك في كرمك وجودك، فأن الملوك، إذا سمع الله هذا ~~الدعاء فيك، ويفدونك بجملتهم، ويقونك المكاره بجماعتهم؛ لتحقيرهم عنك في ~~مجدهم، وتواضعهم دون منزلتك وقدرك. # ثم قال: ولو دعونا بأن يفديك من يساويك ويماثلك ويوازيك، لكنا قد أحلنا ~~في فدائك على معدوم لا يوجد، وأشرنا إلى مفقود لا يعهد، ولدعونا بالبقاء ~~لمن يقليك ويكرهك، ويتجنبك ويحسدك. # ثم قال: وآمنا فداءك أنفس الخلق أجمعين، وملوكهم المترفعين، وإن كان في ~~تلك النفوس ما هو ملاك مملكة، ومن ينفرد بعلو منزلة، فهم عند إضافتهم إليك، ~~كالعوام الذين لا يحفل بهم، والسوق الذين لا حظ في السلطان لهم. # ومن يظن نثر الحب جودا ... وينصب تحت ما نثر الشباكا # ومن بلغ الحضيض به كراه ... وإن بلغت به الحال السكاكا # فلو كانت قلوبهم صديقا ... لقد كانت خلائقهم عداكا # لأنك مبغض حسبا نحيفا إذا ... أبصرت دنياه ضناكا # يظن: يفتعل من ms254 الظن، أبدلت التاء من الظاء، لتقارب مخرجيهما، ثم أدغمت ~~الظاء الأولى في الثانية كما قال زهير: # هو الجواد الذي يعطيك نائله ... عفوا ويظلم أحيانا فيظلم PageV02P178 ~~والحضيض: قرار الأرض، والسكاك: ما ارتفع من الهواء، وأفرد صديقا وهو خبر عن ~~جميع؛ لأن العرب تفعل ذلك فيه، وفي أشياء مما يكون على وزن فعيل، نحو نعل ~~خصيف، وريح خريق، ورجل صديق، يستوي في ذلك المذكر والمؤنث والجمع والواحد، ~~والحسب: الشرف، والنحيف: الهزيل، والمرأة الضناك: الضخمة المتداخلة الخلق، ~~فاستعار ذلك في الدنيا. # فيقول، وهو يخاطب عضد الدولة، مؤكدا لما قدمه: ولامنا فداءك من الملوك من ~~يظن قليل العطاء جوادا بالغا، ويرصد لمن يبذل له ذلك حتفا قاصدا، تكرها ~~للجود وفعله، ومنافرة للكرم وأهله. وضرب لقلة العطاء مثلا بنثر الحب، وبنصب ~~الشباك لما يبغي بها ناثرها من الكيد. # ثم قال على نحو ما قدمه، مخاطبا لعضد الدولة: ولآمنا فداءك ملوكا قد بلغ ~~الحضيض بهم قصر أفهامهم، وتأخر إدراكهم، وأن كانت أحوالهم قد بلغت بهم ~~السكاك في العلو والرفعة، والتمكن والحظوة. # ثم قال يخاطبه: فلو كانت قلوبهم تعتقد مودتك، وضمائرهم تخلص طاعتك، ~~لعادوك بلؤم خلائقهم، ولأمحضوك مذموم مذاهبهم. # ثم قال مؤكدا لما قدمه: لأنك مبغض من الولاة من دنياه ضناك قوية، وأوليته ~~نحيفة دنية، فهو يتشبه بأهل الشرف، ويقعد به في ذلك لؤم السلف. # أروح وقد ختمت على فؤادي ... بحبك أن يحل به سواكا # وقد حملتني شكرا طويلا ... ثقيلا لا أطيق به حراكا # أحاذر أن يشق على المطايا ... فلا تمشي بنا إلا سواكا # الرواح: السير بعد ذهاب صدر النهار، والختم: الطبع على الشيء، والحراك: ~~لغة في الحركة، يقال: حرك الشيء يحرك حراكا وحركة، والسواك: ضعيف من مشي الإبل. PageV02P179 # فيقول لعضد الدولة: أروح عنك وقد ختمت على قلبي بحبك، واستخلصته بما ترداف ~~علي من برك، فلم يدع حبك فيه لغيرك مكانا ينزله، ولا أفضلت لسواك نصيبا ~~يتناوله. # ثم قال: وقد حملتني من شكرك ما هو طويل لا يتناهى ذكره، وثقيل لا يستخف ~~حمله، لا أطيق به حراكا ms255 لكثرته، ولا يمكنني استقلال بجملته. # ثم قال مؤكدا لما قدمه: فأنا أحاذر أن يشق على المطايا نقله، وأن ينهرها ~~وفوده وثقله، فلا ينهضها إلا متساولة، ولا ترحل بها إلا مغلوبة متهالكة. # لعل الله يجعله رحيلا ... يعين على الإقامة في ذراكا # فلو أني استطعت خفضت طرفي ... فلم أبصر به حتى أراكا # وكيف الصبر عنك وقد كفاني ... نداك المستفيض وما كفاكا # الذرا: الكنف. # فيقول: لعل الله يجعل رحيلي عنك رحيلا يعين على الاستكثار من قربك، ~~والاستزادة من أنعامك وفضلك، ويؤدي إلى الدقوم بالأهل والجماعة عليك، ~~والإقامة معهم فيما لديك. # ثم قال على نحو ما قدمه: فلو أنني استطعت لما اعتقده من عاجل، الأوبة، ~~وأرغبه من سرعة الرجعة، خفضت طرفي فلم أبصر به، حتى أرد على حضرتك، وأكحل ~~جفونه بالنظر إلى غرتك. # ثم أكد ما قدمه فقال: وكيف لي بالصبر عنك، والتجلد على الانفصال منك، وقد ~~كفاني ما غمرني من برك، وأحاط بي من أنعامك وفضلك، وما أجزاك ذلك ولا كفاك، ~~ولا أقنعك ولا أرضاك؟. # أتتركني وعين الشمس نعلي ... فتقطع مشيتي فيها الشراكا؟! # أرى أسفي وما سرنا شديدا ... فكيف إذا غدا السير إبتراكا؟! PageV02P180 # وهذا الشوق قبل البين سيف ... وهاأنا ما ضربت وقد أحاكا! # عين الشمس: قرصها، وعين كل شيء: شخصه، والشراك: سير النعل، والابتراك: ~~السقوط على الركب، وحاك السيف وأحاك: لغتان في قطعه. # فيقول لعضد الدولة: أتتركني وقد أنعلتني الشمس بما أوليتني من برك، وقربت ~~به محلي من نفسك، فأتأخر عنك وأبتذل الكرامة التي شرفتني بها، والرتبة ~~الرفيعة التي رأيتني أهلا لها؛ بصحبة غيرك من الملوك الذين لا يحلون محل ~~خدمتك، فأكون عند ذلك كمن أنعل الشمس فأبتذلها في مشيه، وقطع الشراك فيها ~~بحسب ما اعتاد من ذلك في نعله. # ثم قال يخاطبه: أرى أسفي قبل السير شديدا على مفارقتك، وإشفاقي قبل ~~الرحلة يؤلمني لضعفي عن مباعدتك، فكيف تظن بي إذا كان السير ابتراكا لعثار ~~الإبل، وعجزت عن الإسراع لتطاول السفر. # ثم قال على نحو ما قدمه: وهذا الشوق الذي أمتثله قبل الرحلة، ms256 وإقامتي ~~بسببه أشد اللوعة؛ سيف صارم لم أضرب به وقد قطع، ولا باشرته وقد آلم وأوجع. # إذا التوديع أعرض قال قلبي ... عليك الصمت لا صاحبت فاكا # ولولا أن أكثر ما تمنى ... معاودة لقلت: ولا مناكا # قد استشفيت من داء بداء ... وأقتل ما أعلك ما شفاكا # أعرض الشيء: إذا بدا وظهر، والصمت: السكوت، والمنى: جمع منة، واحدة ما ~~يتمناه الإنسان، والاستشفاء: التعالج من الداء، والشفاء: البرء من السقم. # فيقول: إذا قرب توديعي لعضد الدولة، وعزني ما أخاطبه به عند حلوله، ~~دافعني قلبي عن التفوه لذكر ذلك، وقال لي: الزم الصمت، لا صحبت فاك إن أفصح ~~بالرحلة، ولا استمتعت به أن صرح بذكر الفرقة. # ثم قال مؤكدا لما قدمه، ومخبرا عن قلبه في ملامته له: ولولا علمي بأن ~~أكثر ما PageV02P181 ~~يتمناه لقاء عضد الدولة، ولي نعمتك، ومعلي منزلتك لقلت: ولا صاحبت مناك، ~~مدفوعا عن جملتها، ممنوعا من الاغتباط بمسرتها. # ثم أخبر أن قلبه قال له: قد استشفيت من البعد عن أهلك بمفارقتك لأرفع ~~الناس في نفسك، فصار أشد ما تشكوه من عللك ما قدرت أن فيه الشفاء من ألمك. # فأستر منك نجوانا وأخفي ... هموما قد أطلت لها العراكا # إذا عاصيتها كانت شدادا ... وإن طاوعتها كانت ركاكا # وكم دون الثوية من حزين ... يقول له قدومي ذا بذاكا # ومن عذب الرضاب إذا أنخنا ... يقبل رحل تروك والوراكا # النجوى: (ما) يستتر به من الكلام، والعراك: المحاكة والمزاحمة، والركاك: ~~جمع ركيك، وهو الضعيف المنحل، والثوية: موضع فيما يقرب من الكوفة، والكوفة ~~وطن أبي الطيب، والرضاب: ريق الفم، وتروك: أسم الناقة، والوراك: جلد يكون ~~على مقدم الرحل يثني الراكب عليه رجله. # فيقول مخاطبا لعضد الدولة، ومشيرا إلى منازعة قلبه: وأستر منك أيها الملك ~~ما يقصد بي قلبي إلبه، وما أنطوي من الأسف عليه، وأخفي من ذلك هموما، ~~أعاركها مدافعا لها، وأتحملها وأنا مستحكم الألم. # ثم قال مشيرا إلى الهموم التي قدم ذكرها: إذا عاصيتها بإجرائها على ~~الحقيقة، والنظر إليها بالعين البصيرة، كانت شدادا مؤلمة، وإذا طاوعتها ~~باطراح ms257 الفكر فيملا يبعثها، كانت ركاكا هينة. # ثم قال: وكم دون الثوية التي أقصدها، والكوفة التي أريدها وأعتمدها، من ~~حزين من أهل قد أخل به اغترابي عنه، وبلغ الأسف لذلك كل غاية منه، يقول له ~~قدومي سرورك مني بهذه الأوبة بما كان يحزنك مني من طول الغربة. # ثم قال مشيرا إلى ما قدمه من ذكر أهله: وكم في تلك الحلة من عذب الرضاب، PageV02P182 ~~بارع الحسن، فائق الجمال، مستحسن القرب، يقبل عند قدومي عليه رحل ناقتي ~~ووراكها إعجابا بها، ويفديها بنفسه إكراما لها. # يحرم أن يمس الطيب بعدي ... وقد عبق العبير به وصاكا # ويمنع ثغره من كل صب ... ويمنحه البشامة والأراكا # عبق الطيب: إذا فاح، وصاك العبير: إذا لصق، والبشام والأراك: ضربان من ~~الشجر يستاك بفروعهما. # فيقول مشيرا إلى محبوبه الذي قدم ذكره: يحرم أن يمس الطيب بعد مفارقتي ~~له، وأن يتصنع من الزين، لما يتيقنه من شغفي به، فيلقاني، وقد برت أليته، ~~وكملت بقدومي أمنيته، وفاح الطيب من أردانه وعبق، وصاك العبير في أثوابه ولصق. # ثم قال: ويمنع ثغره من كل من يصبو به، صيانة وعفة، ويمنحه البشامة ~~والأراك، نظافة وترفها. # يحدث مقلتيه النوم عني ... فليت النوم حدث عن نداكا # وأن البخت لا يعرقن إلا ... وقد أنضى العذافرة اللكاكا # وما أرضى لمقلته بحلم ... إذا انتبهت توهمه ابتشاكا # ولا إلا بأن يصغي وأحكي ... فليتك لا يتيمه هواكا # البخت: الجمال الخراسانية، واحدتها بختي، والإعراق: إتيان العراق، وبلد ~~الكوفة الذي كان مستقرة؛ أحد العراقين، والعذافرة: الناقة الصلبة، واللكاك: ~~المكثرة اللحم، والابتشاك: الإسراع. # فيقول مشيرا إلى محبوبه الذي قدم ذكره: يحدث مقلتيه النوم عني، يردي: أنه ~~يتمثل له في نومه، ويتخيله في رقاده؛ لشدة حرصه على قربه، فليت ذلك النوم ~~مثل له ما أحاط بي من فضلك، وما ظهر علي من تشريفك وبرك، فكان له في ذلك ~~أبلغ السلوة، وفي السكون إليه أتم الأنسة. PageV02P183 # ثم قال: وليت النوم حدثه أن البخت لا ترد بي العراق مع ما هي عليه من ~~القوة، وما شهرت به من ms258 وثاقة الخلقة، إلا وقد أنضى الإعراق منها العذافرة ~~الصلبة الخلق، اللكاك المكثرة اللحم، وحذف الإعراق لدلالة يعرقن عليه، كما ~~قال عز وجل: (فاطر السموات والأرض، جعل لكم من أنفسكم أزواجا، ومن الأنعام ~~أزواجا، يذرؤكم فيه، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير)، فرد الضمير إلى ~~الجعل، ولم يذكره لدلالة جعل عليه. # ثم قال مشيرا إلى محبوبه الذي قدم ذكره: وما أرضى لمقلته بحلم تنتبه فلا ~~تتحققه، لعدم رؤيته، ولا تتمتع به لقصر مدته. # ثم قال على نحو ما قدمه من ذكر محبوبه: ولا أرضى له إلا بأن أرد عليه ~~فيصغي إلى ما أورده عنك من ميل الذكر، واحكي ما أسديته إلي من جليل الفضل، ~~فليته عند ذلك لا يتيمه هواك إعجابا بك، وبما جمعه الله من الفضائل لك، ~~وحذف أرضى من لفظه استغناء بما قدم من ذكره. # وكم طرب المسامع ليس يدري ... أيعجب من ثنائي أم علاكا # وذاك النشر عرضك كان مسكا ... وذاك الشعر فهري والمداكا # فلا تحمدهما وأحمد هماما ... إذا لم يسم حامده عناكا # الطرب: خفة تغلب عند شدة الفرح والحزن، والعلا: غايات الشرف والرفعة، ~~والواحدة عليا، والنشر: الفوح، والفهر: الحجر الذي يسحق به الطيب، والمداك: ~~صلاية الطيب التي يداك عليها، والدوك: الدق والسحق، والهمام: الملك العظيم. # فيقول: وكم من فرح المسامع بما أبثه من فضلك، وأنظمه في شعري من مدحك، ~~فليس يدري عند سماعه لذلك أيعجب من علاك، وما تبلغه من الجلالة والرفعة، أم ~~من ثنائي وما يشتمل عليه من الاحتفال والكثرة؟. # ثم قال: وذلك الفوح (الذي) يتضوع عندما أصفه من مجدك، وأذكره من ترادف PageV02P184 ~~فضلك، نشر عرضك الذي هو المسك في كرم جوهره، وفي عبق طيبه ومخبره، وفهر ذلك ~~المسك ومداكه اللذان يستخرجان حقيقة فضله، ويخبران عن جلالة قدره، شعري ~~الذي يسير فيه في البدو والحضر، ويتغنى بذكره عند الحلول والسفر. # ثم قال مخاطبا لنفسه: فلا تحمد النشر وطيبه، ولا تستكثر الشعر وحسنه، ~~وأحمد الهمام الباعث لهما، والمنفرد بما أكمل له الفضل منهما، الذي إذا ~~أضمر شاعره وأضافه ms259 إلى نفسه، وكنى عنه ولم يصرح عن أسمه، علم أنه يقصدك ~~ويعنيك، ولم يشك عند ذلك من يسمعه (أنه) فيك. # أغر له شمائل من أبيه ... غدا يلقى بنوك بها أباكا # وفي الأحباب مختص بوجد ... وآخر يدعي معه اشتراكا # إذا اشتبهت دموع في خدود ... تبين من بكى ممن تباكى # الأغر: البهي الأبيض، والشمائل: الطبائع، والواحد: شمال، والتباكي: ~~استعمال للبكاء. # فيقول، وهو يريد عضد الدولة: أغر، ذو بهاء وجلالة، وجمال ووسامة، له ~~شمائل في الفضل سامية، ومذاهب في الكرم بارعة، هي شمائل أبيه المعروفة، ~~ومذاهبه الجليلة المعلومة. # ثم أقبل بالمخاطبة على عضد الدولة، وترك الأخبار عنه، وجواز ذلك وما ~~يشبهه مشهور في الكلام، قال الله عز وجل: (حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم ~~بريح طيبة) فأجرى المخاطبة والإخبار مجرى واحدا، فيقول لعضد الدولة: وغدا ~~يلقى بنوك أباك بتلك الشمائل، ويحكونه في تلك الفضائل، ويحتذون في ذلك ~~حذوك، ويقفون أثرك وهديك. # ثم قال مشيرا إلى أسفه على مفارقته، وما بنفسه من الألم لمباعدته: وفي من PageV02P185 ~~يدعي وينتحل الإخلاص والمودة، من يخصه ذلك ويلزمه، ويصدق فيما يضمره، وفيهم ~~من يدعي المشاركة في ذلك بلا حقيقة، ويتحمل فيه على طريقة غير قديمة. # ثم قال مشيرا إلى من يخلفه من أهله، وما هم عليه من البكاء والأسف من ~~بعده: إذا اشتبهت دموع في خدود قوم يتشكون ألم الحزن، ويخبرون عن أنفسهم ~~بشدة الوجد، تبين من بكي مجدا في حزنه، ومن تباكى مظاهرا بفعله، يريد: أن ~~فيمن يخلفه من أهله من يصدقه في وده، ولا يغالطه فيما يبديه من التوجع لبعده. # ثم قال مشيرا إلى من كنى عنه من أحبته: # أذمت مكرمات أبي شجاع ... لعيني من نواي على أولاكا # فزل يا بعد عن أيدي ركاب ... لها وقع الأسنة في حشاكا # وأيا شئت يا طرقي فكوني ... أذاة أو نجاة أو هلاكا # الذمة: العهد، وأذم الرجل لغيره إذا عاهده على أمر يلتزمه له، والنوى: ~~البعد، وأولاك: لغة في أولئك، والركاب: الإبل المتحملة بالقوم، والأذاة: ~~فعلة من الأذى، والنجاة: ms260 كذلك من النجا. # فيقول مشيرا إلى من يقصده من أهله وأحبته: أذمت مكرمات أبي شجاع عضد ~~الدولة لعيني على ملاحظة من أقصده في أقرب مدة، والوصول إليه على أتم غبطة، ~~وذمامة مقرون بالوفاء، وعدته لا تتصل بالإبطاء. # ثم قال مخاطبا للبعد الذي حاول قطعه، والسفر الذي عانى أمره: فزل أيها ~~البعد عن أيدي ركاب؛ سعد عضد الدولة يكتنفها، وإقباله ينهض بها، وهي لما ~~تشاهد من غلبتها واقتدارها عليك وقوتها تفعل فعل الأسنة في نفسك، وتستقل ما ~~تستعظمه من جملة أمرك. # ثم قال: وأيا شئت أيها الطرق، فكوني؛ أن شئت متباعدة صعبة، وأن شئت ~~متدانية PageV02P186 ~~سهلة، أذاك وإهلاكك كوقايتك وإنجائك، يعصمني من مضرتك فضل الله عز وجل، ~~وسعد الملك الذي فارقته، وإقبال عضد الدولة الذي اعتلقته وأملته. # فلو سرنا وفي تشرين خمس ... رأوني قبل أن يروا السماكا # يشرد يمن فناخسرو عني ... قنا الأعداء والطعن الدراكا # وألبس من نداه في طريقي ... سلاحا يذعر الأبطال شاكا # تشرين الأول بالسريانية: هو شهر أكتوبر بالرومية، والسماك الأعزل: كوكب ~~معروف من كواكب الأنواء، وهو يطلع بالغداة لخمس يخلون من تشرين المذكور، ~~والطعن الدراك: المتتابع، والسلاح الشاك: الحديد. # فيقول على ما قدمه، من ثقته بما أحاط به من سعادة عضد الدولة: فلو سرنا ~~وقد انصرم لتشرين خمس من لياليه، لرآني من أقصده من أهل، وأحن إليه من ~~الجماعة المتصلة بنفسي، قبل أن يروا السماك الذي هو في هذا الوقت أول طوالع ~~الغداة البداية، وأظهرها إلى العيون الناظرة؛ إشارة إلى سرعة سيره، وما يثق ~~به من تأييد الله تعالى له في جملة أمره. # ثم قال على نحو ما قدمه من إسناده إلى الاعتزاز بعضد الدولة، والتصرف في ~~سعادته: يشرد يمن فناخسرو عني جميع ما أحذره من آفات السفر، وما أتوقع في ~~ذلك من حوادث الضرر، واستظهر به على الأعداء، واستدفع ببركته مكروه ~~اللأواء. # ثم قال: وألبس في طريقي من نداه المترادف، وإفضاله الجزيل المتتابع، ~~سلاحا شاكا، أدعر به حماة الأبطال، وأغنى بهيبته عن التعرض للقتال. # ومن اعتاض منك ms261 إذا افترقنا ... وكل الناس زور ما خلاكا # وما أنا غير سهم في هواء ... يعود ولم يجد فيه امتساكا # حيي من إلهي أن يراني ... وقد فارقت دارك واصطفاكا PageV02P187 ~~الزور: الكذب والباطل، والاصطفاء: الاختيار. # فيقول مخاطبا لعضد الدولة: ومن الذي اعتاضه منك إذا فارقتك، وأتخذه بدلا ~~بعدك إذا باعدتك، والناس ما خلاك زور لا يحفل بهم، وملوكهم بالإضافة إليك ~~سوق لا حظ في الإمارة لهم. # ثم قال مخاطبا له، ومخبرا عما يعتقده في استعمال الانصراف إليه: وما أنا ~~إلا سم أرسلته مستعليا في الهواء فنفذ وأسرع، ثم لما بلغ غايته لم يستمسك ~~فيها هنالك ورجع. # ثم قال: وإني لأستحيي من الله عز وجل أن يراني مفارقا لأرضك، مع ما خصك ~~به من الفضل، ومترحلا عنها مع ما بسط بك على أهلها من العدل. # تم السفر بحمد الله وحسن عونه وصلى الله على مولانا محمد وآله وكان ~~الفراغ من نسخه يوم الاثنين التاسع عشر من المحرم أوائل عام ثمانين ~~وتسعمائة عرفنا الله خيره ووقانا شره ومكروهه آمين يا رب العالمين. PageV02P188 ms262