######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0037065 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: إبراهيم بن محمد بن زكريا الزهري، من بني سعد بن أبي وقاص، أبو القاسم ابن الإفليلي (المتوفى: 441هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 441 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: شرح شعر المتنبي - السفر الأول #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الأدب والبلاغة #META# 022.BookVOLS :: 2 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0037065 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-37065 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/37065 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: الدكتور مصطفى عليان #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1412 هـ - 1992 م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مؤسسة الرسالة، بيروت - لبنان #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | الجزء الأول # بسم الله الرحمن الرحيم # صلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد # قال أبو الطيب يمدح الأمير الدولة أبا الحسن علي بن عبد الله بن حمدان ~~عند نزوله إنطاكية، (ومنصرفه) من الظفر بحصن برزويه، في جمادى الأخيرة من ~~ستة سبع وثلاثين وثلاثمائة، وهي أول ما أنشده. رحم الله الجميع بمنه. # وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه ... بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه # يقول: وفاؤكما لي بالإسعاد على الحب كهذا الربع، الذي أشجاه # PageV01P157 # للنفس ما ذهب من آثاره، وعفا من رسومه، ووفاؤكما كذلك، وإذا عدمت ~~إسعادكما جلست استشف بالدمع الذي هو جنة المحزون. وأشفاه ساجمه كما أن ~~وفاؤكما أشجاه للنفس ذاهبه. # وما أنا إلا عاشق كل عاشق ... أعق خليليه الصفيين لائمه # ثم قال، مبينا لعذره، وطاعنا على صاحبيه في لومه: وما أنا إلا عاشق يريد: ~~أنه كمن تقدمه من العشاق، وكل عاشق خليليه المصافيين الذي يؤثر لومه، ~~ويستجيد عذله، فلا شكر ما أكرهه من لومكما، وأرغبه من إسعادكما. # وقد يتزيا بالهوى غير أهله ... ويستصحب الإنسان من لا يلائمه # ثم أكد ملامة صاحبيه، بأنهما منعاه ما يمكنهما من إسعاده، بظاهر يتكلفانه ~~له وإن لم يعتقداه بالهوى أهله، ويستصحب الإنسان من لا يوافقه على رأيه. # بليت بلى الأطلال إن لم أقف بها ... وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه # ثم دعا على نفسه، مستبصرا في مذهبه، بأن يبلى بلى الأطلال # PageV01P158 # الدارسة، ويتغير تغير الرسوم العافية، إن لم يقف بديار أحبته، متتبعا ~~لها، ومعتنيا بها، وقوف شحيح ضاع خاتمه في الترب. واعتمد خاتمه؛ لأنه صغير ~~الجرم، مهم الأمر، # فلصغره يخفى موضعه، ولاهتمامه يحب تتبعه. واشترط ضياعه في الترب ليكون ~~تطلبه فيه، وهو موضع آثار الديار، ورسوم الأطلال. # كئيبا توقاني العواذل في الهوى ... كما يتوقى ريض الخيل حازمه # ثم يقول: إنه يقف في هذه الأطلال كئيبا محزونا، يتوقاه عاذله، ويتخوفه ~~لائمه، كما يتوقى الذي يحزم الفرس الريض صولته، ويحذر نفرته. # قفي تغرم الأولى من اللحظ مهجتي ... بثانية والمتلف الشيء غارمه # ثم خاطب محبوبته، فاستوقفها ليطلب لحظته الأولى لها، ms001 بمهجته التي ~~أتلفتها؛ لأن المتلف غارم. واشترط اللحظة الأولى، يشير بذلك إلى تناهي # PageV01P159 # حسن محبوبته؛ لأن من أتلف في أول لحظة فهو من الحسن في أرفع مرتبة. # سقاك وحيانا بك الله إنما ... على العيس نور والخدود كمائمه # ثم دعا لمحبوبته بالسقيا، رعاية لها، وتمنى قربها، شغفا بها، ثم مائل ~~شيئين بشيئين أحسن مماثله؛ مثل الخدور المشتملة على أحببته بالأكمام ~~المشتملة على النور، ومثل حسن أحببته بحسن النور، فماثل بين ساترين ~~مستطرفين، ومستورين مستحسنين. # وما حاجة الأظعان حولك في الدجى ... إلى قمر ما واجد لك عادمه # ثم ذكر أن الأظعان حول محبوبته لا تحتاج إلى الاستنارة بقمر؛ لأنها ~~تستغني بضيائها، وتستنير بحسنها، ولا يعدم القمر من وجدها. # إذا ظفرت منك العيون بنظرة ... أثاب بها معي المطي ورازمه # ثم قال: إن العيون إذا ظفرت بلحظة من محبوبته أوجبت من النشاط، وبعثت من ~~الفرج، ما يثوب معه إلى المعي نشطته، وإلى الضعيف قوته. # حبيب كأن الحسن كان يحبه ... فآثره أو جار في الحسن قاسمه # ثم وصف حبيبته بوفور الحظ من الحسن، حتى كأن الحسن أحبه، فخصه بجملته # وآثره في قسمته. # PageV01P160 # تحول رماح الخط دون سبائه ... ويسبى له من كل حي كرائمه # ثم قال: إن محبوبته من قوم أعزة، لا يطرح عدو في أن يسبي فيهم، ولا تعتصم ~~كرائم غيرهم منهم، وإنها تأمن السبي، ويسبى لها كرائم الأحياء. # ويضحى غبار الخيل أدنى ستوره ... وآخرها نشر الكباء الملازمه # ثم ذكر: أن أدنى ستورها ممن أرادها غبار خيول قومها، وأقربها منها دخان ~~بخورها، فوصفها بأشد المنعة، وذكر أنها في غاية النعمة. # وما استغربت عيني فراقا رأيته ... ولا علمتني غير ما القلب عالمه # ثم قال: إنه لم يستغرب ما طرقه به الدهر من فراق أحبته، لما تصرف فيه من ~~حوادث الأيام وفجائعها، وإنما علم ما علم، وطرق بما عهد. # فلا يتهمني الكاشحون فإنني ... رعيت الردى حتى حلت لي علاقمه # ثم قال: فلا يتهم الكاشحون قوله، ولا يستنكروا أمره، فقد تقلب في صروف ~~الدهر وشدائده حتى استحلى مرة، ms002 واستسهل صعبه. # PageV01P161 # مشب الذي يبكي الشباب مشيبه ... فكيف توقيه وبانيه هادمه # ثم ذكر تقلب الدهر بأهله، وتصريفه لهم بطبعه، وأنه الذي سر بالشباب وأبكى ~~بالمشيب، فكيف توقيه! وإنما يهدم ما بناه، ويأخذ ما أعطاه. # وتكملة العيش الصبا وعقيبه ... وغائب لون العارضين وقادمه # ثم قال: إن العمر إنما تكملته بالصبا والكبر، والشباب والشيب، وإنها ~~تتعاقب وتتداول؛ فالصبا أول، والكبر آخر، وسواد الشعر غائب، والشيب قادم. # وما خضب الناس البياض لأنه ... قبيح ولكن أحسن الشعر فاحمه # ثم قال: إن الشيب لم يخضب لقبحه، ولا استحسن سواد الشعر لنفسه، ولكن ~~الشيب ذل على انقضاء العمر فاستكره، وأطمع فاحم الشعر في العيش فاستحسن. # وأحسن من ماء الشبيبة كله ... حيا بارق في فازة أنا شائمه # الحيا: الغيث الذي تحي به الأرض، والبارق: السحاب الملمع، والشائم الذي ~~يرقب موضع الغيث، والفازة القبة. # PageV01P162 # وكان سيف الدولة قد اصطنع فازة ديباج فوصفها أبو الطيب في هذا الشعر، ~~وتسبب، فقال: إن أحسن من ماء الشبيبة الذي اجتمع الناس على الكلف بوقته، ~~والأسف لفقده، جود يشبه الغيث بكثرته، لملك يخلف السحاب بكرمه، نشيمه: أي: ~~نرقبه من قبة، وننتجعه من فازة وأشار بذلك إلى كرم سيف الدولة الممدوح، ~~وجعله حيا على الاستعارة. # عليها رياض لم تحكها سحابة ... وأغصان دوح لم تغن حمائمه # ثم وصف الفازة، فشبه أثوابها بقطع الرياض، إلا أن أمثلة زهراتها لم تحكه ~~أيدي السحاب، وأغصان شجرها مخالفة لأغصان سائر الشجر؛ لأنها لا تتغنى ~~حمائمها، ولا تتجاوب طيورها. فأومى بهذا الاشتراط إلى أنها صور ممثلة، ~~وصناعات مؤلفة، وهذا من البديع يعرف بالإيماء والإشارة. # PageV01P163 # وفوق خواشي كل ثوب موجه ... من الدر سمط لم يثقبه ناظمه # السمط: السلك المغلق المنظوم، والموجه: المستقبل. # ثم ذكر: أن كل ثوب يستقبل من هذه الفازة فوق حواشيه سموط لآلئ تجتمع غير ~~مثقوبة، وتتآلف غير منظومة، يومئ بهذا الاشتراط إلى أنها لآلئ أمثلة لا ~~لآلئ حقيقة. # ترى حيوان البر مصطلحا بها ... يحارب ضد ضده ويسالمه # ثم ذكر ما تشتمل عليه أثواب هذه الفازة من التصاوير، وأن ms003 الأضداد من ~~حيوان البر تبدو فيها إذا سكنت مصطحبة متسالمة، وإذا اضطربت مختلفة ~~متواثبة. # إذا ضربته الريح ماج كأنه ... تجول مذاكيه وتد أي ضراغمه # المذاكي: الخيل المسنة، وتدأي: تتهيأ للوثوب، والضراغم: الأسد. # PageV01P164 # ثم يقول: إذا حركت الريح شيئا من هذه الأثواب، أراك المذاكي من خيله في ~~هيئة المتجاولة، والضراغم من أسده في هيئة المتصاولة. # وفي صورة الرومي ذي التاج ذلة ... لأبلج لا تيجان إلا عمائمه # الأبلج: النقي ما بين الحاجبين، وهو من صفات السادة. # فيقول: إن في أمثلة ذلك الديباج صورة سيف الدولة، وصورة ملك الروم وقد ~~تخاضع له، وتذلل على عادته، وأن ملك الروم، وإن كان متوجا فإن التيجان في ~~الحقيقة العمائم التي هي زي سيف الدولة، وأن أرفع الزي زي من تكون له ~~الغلبة، وتعرف فيه القدرة. # تقبل أفواه الملوك بساطه ... ويكبر عنها كمه وبراجمه # البراجم: رؤوس السلاميات من ظاهرة الكف، إذا قبض القابض يده نشزت ~~وارتفعت، واحدتها برجمة. # ثم أخذ في مدحه، ووصف حاله، فقال: إن الملوك يتواضعون عن تقبيل # PageV01P165 # يده وكمه، ويقتصرون على تقبيل بساطه، إعظاما لقدره، واعترافا بفضله. # قياما لمن يشفي من الداء كيه ... ومن بين أذني كل قرم مواسمه # ثم ذكر أن الملوك يقومون بين يديه إعظاما له، وأن أدبه يبصرهم من جهلهم، ~~ويشفيهم من دائهم، وأن ملكه لقرومهم وذوي الأقدار منهم، يقوم مقام السمة ~~بين آذانهم، والوشم في الأعناق والأيدي غاية استدلال المالك لمن ملكه، وقد ~~فعل ذلك الحجاج بقوم من عجم السواد؛ ولذلك قال الفرزدق في بعض من طعن على ~~نسبه من العرب: # لو كان حيا له الحجاج ما وجدت ... كفاه سالمة من نقش حجاج # قبائعها تحت المرافق هيبة ... وأنفذ مما في الجفون عزائمه # القبائع: رؤوس السيوف، واحدتها قبيعة. # ثم ذكر أن الملوك لإعظامها له، تعتمد بين يديه على قبائع سيوفها، وعزائمه ~~أنفذ مما في جفونها. # PageV01P166 # له عسكرا خيل وطير إذا رمى ... بها عسكرا لم تبق إلا جماجمه # ثم ذكر أن الطير تصحب خيله اعتيادا لكثرة وقائعها، على نحو قول النابغة. # إذا ms004 ما غزوا بالجيش حلق فوقهم ... عصائب طير تهتدي بعصائب # فكأنها لملازمتها عسكره من عديد جيشه وحشمه، فإذا رمى عسكرا بخيله وطيره ~~أهله، ولم يبق منه غير جماجم أهله. # أجلتها من كل طاغ ثيابه ... وموطئها من كل باغ ملا غمه # ثم ذكر قدرته على أعاديه، واستعلاءه على مخالفيه، فقال: إن جلال خيله من ~~ثياب طغاتهم، وماطئها ملاغم أفولههم، مشيرا بذلك إلى قتلهم، والملاغم: ما ~~حول الفم، وليس تتم الصفة التي ذكر إلا بعد الإمعان في قتلهم، وإهلاكه لهم، ~~وبلوغ الغاية في الظهور عليهم. # PageV01P167 # فقد مل ضوء الصبح مما تغيره ... ومل سواد الليل مما تزاحمه # ثم ذكر: أنه لا يزال يغير في الصبح، ويسري في الليل، ويطاعن بالرماح حتى ~~تتكسر صدورها، ويلاطم بالسيوف حتى يملها. # ومل القنا مما تدق صدور ... ومل حديد الهند مما تلاطمه # سحاب من العقبان تزحف تحتها ... سحاب إذا استقت سقتها صوارمه # ثم وصف جيوشه وكثرتها، وصحبة الطير لها وملازمتها، فشبه العقبان لكثرتها ~~بسحائب مستعلية، تحتها سحاب من جيوشه، إذا استسقت سقتها سيوفه من ماء ~~أعدائه، وألحمت طيوره أجسادهم وحذف من هذا في لفظه ما دل عليه بإشارته. # سلكت الدهر حتى لقيته ... على ظهر عزم مؤيدات قوائمه # المؤيدات: المثقلات. # ثم ذكر نفسه: أنه سلك صروف الدهر بتقلبه فيهان حتى لقي سيف # PageV01P168 # الدولة ممتطيا لعزم قد أثقل وفوره قوائمه. وجرى هذا على سبيل. الاستعارة. # مهالك لم تصحب بها الذئب نفسه ... ولا حملت فيها الغراب قوادمه # ثم وصف ما تقلب فيه من خطوب الدهر، قبل لقائه سيف الدولة، التي لا تصحب ~~الذئب فيها نفسه مع جراته عليها، ولا تحمل الغراب فيها قوادمه مع اعتياده ~~لها. # والقوادم: صدور ريش جناح الطائر، أربع في كل جناح. # فأبصرت بدرا لا يرى البدر مثله ... وخاطبت بحرا لا يرى العبر عائم # عبر النهر: شطه. # ثم ذكر: أنه من سيف الدولة؛ ممدوحه، بدر كرم، ومولى نعم، يستعظم البدر ~~أمره، ويقصر دونه، ولا يعهد مثله، وخاطب بحرا لا يبصر العائم شطه، ولا يدرك ~~الناظر ساحله. # غضبت له لما ms005 رأيت صفاته ... بلا واصف والشعر تهدي طماطمة # PageV01P169 # الطماطم: أصوات لا يستبين لفظها. # ذكر: أنه غضب له من جلالة أوصافه، وتقصير وصافه، وشبه ما كان يمدح من ~~الشعر قبله بالطماطم، التي هي أصوات لا تفهم، واختلاطات لا تعلم، فوجه إلى ~~قصده عزمه، وأعمل في امتداحه نفسه. # وكنت إذا يممت أرضا بعيدة ... سريت فكنت السر والليل كاتمه # يقول: إنه لنفاذ عزمه، وشدة جلده، إذا قصد أرضا بعيدة إدرع الليل، ~~والليل، واستتر به، وواصل السرى فيه، وكان موضعه من اشتمال الليل عليه، ~~والخفاء فيه، موضع السر من حامله، والضمير المصون من كاتمه. # لقد سل سيف الدولة المجد معلما ... فلا المجد مخفيه ولا الضرب ثالمه # ثم أخذ في المدح، فقال: إن المجد قد أعلم سيف الدولة، مباهيا بجلالته، ~~وواثقا بصرامته، فلا المجد يخفيه لتزيينه بموضعه، ولا الضرب يتلثمه لحسبه ~~وكرمه. # على عاتق الملك الأغر نجاده ... وفي يد جبار السماوات قائمه # PageV01P170 # ثم أخذ له صفات من اسمه، أبان بها جلالة قدوه، فقال: إنه من الملك في ~~أرفع مواضعه، ومن تأيد الله عز وجل في المحل الذي تمضيه فيه يده، وإذا كان ~~كذلك، اكتنفه نصرهن وساعدته أقداره. # تجاربه الأعداء وهي عباده ... وتدخر الأموال وهي غنائمه # ثم قال: الأعداد تحاربه وهي عباده، والعباد: جمع عبد على قياسه. لأن ~~قدرته عليهم قدرة المالك على عبده، وتدخر الأموال وهي غنائم له؛ لأنها غير ~~ممتنعة عليه. # ويستكبرون الدهر والدهر دونه ... ويستعظمون الموت والموت خادمه # ثم قال: فمالهم يستكبرون الدهر، الدهر دونه؛ لأنه مستعمل بحسي إرادته، ~~تقرب له فيه السعادة بغيته، ويسهل عليه الإقبال رغبته، وكذلك يستعظمون ~~الموت، الموت يخدمه؛ لأنه يفني أعداءه، ويبتر أعمارهم، ويقلل عددهم، وييسر ~~الله ذلك له، وينتقم من أعدائه به. # PageV01P171 # وإن الذي سمى عليا لمنصف ... وإن الذي سماه سيفا لظالمه # ولما ذكر أن الدهر طوعه، والموت معينه، قضى بالظلم على من سماه سيفا؛ ~~لتقصر السيف عنه، وبالإنصاف على من سماه عليا؛ لمشاكلة العلو له، وجعل هذا ~~الاسم، وإن كان عليا علما مخصوصا، صفة مشتقة له، تشاكل ms006 حاله، وتوافق ~~حقيقته. # وما كل سيف يقطع الهام حده ... وتقطع لزبات الزمان مكارمه # ثم أكد ذلك بقوله: أنه لا يوجد سيف غيره يقطع الهام حده، ويوجب الخصب # فضله، وتقطع لزبات الزمان مكارمه، وهي الشدائد، فبين أن فضله على السيف ~~فضل ظاهر، وشرفه عليه شرف بين، وأنه يقصر عنه، ويتواضع دونه. # PageV01P172 # وقال يمدحه، وقد عزم الرحيل عن إنطاكية: # أين أزمعت أيهذا الهمام ... نخن نبت الربا وأنت الغمام # المزمع: المعتزم، والربا: جمع ربوة، وهي الأكمة. # فيقول: أين أزمعت على الرحيل عنا أيها الملك، ونحن الذين أظهرتهم نعمك، ~~إظهار الغمام لنبت الربا، وهو من آنق النبت، ولذلك ضرب الله تعالى المثل ~~به، فقال تعالى: (ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من ~~أنفسهم، كمثل جنة بربوة أصابها وابل). # وهو مع ذلك أقرب النبت موضعا من الغمام، وأشده افتقارا إليه، لأنه لا ~~يقيم فيه، ويسرع الانسكاب عنه، ولهذا شبه أبو الطيب حاله به. # PageV01P173 # نحن من ضايق الزمان له في ... ك وخانته قربك الأيام # ثم ذكر: أن الزمان ضايقه في الاقتراب من سيف الدولة، ولم يسمح له به، ~~وخانته الأيام فيه؛ لاتصال حركاته، وكثرة غزواته. # في سبيل العلا قتالك والسل ... م وهذا المقام والإجذام # السلم: الصلح، وأوله يكسر ويفتح، فمن كسره ذكره، ومن فتحه أنثه، ~~والإجذام: الإسراع. # فيقول: إن قتال سيف الدولة وسلمه، وإقامته ورحلته في طريق المجد وسبيل ~~الكرم، وإنه لا يألف من ذلك إلا ما شرف قدره، وأظهر فضله. # ليت أنا إذا ارتحلت لك الخيل ... وأنا إذا نزلت الخيام # ثم قال: ليت أني ومن يتصل بي نتحمل من مئونتك ما تتحمله الخيل عند رحلتك، ~~وننوب في صيانتك عن الخيام عند إقامتك، رغبة في الشرف بقربك، والقضاء لحقوق ~~فضلك. # كل يوم لك احتمال جديد ... ومسير للمجد فيه مقام # PageV01P174 # ثم ذكر: أنه لا ينفك من مرحلة وغزوة، يرفه المجد فيها بتعبه، ويجمه ~~بتمونه، # فيوجب ذلك انفراده به، واجتيازه له، ولقد أبدع بالمطابقة بين المسير ~~والمقام. # وإذا كانت النفوس كبارا ... تعبت في مرادها الأجسام # ثم ms007 قال: وإذا عظمت النفوس، وارتفعت الهمم، سهل في مرادها الشديد، وقرب ~~البعيد، وتعبت الأجسام، الأجسام، واستكره المقام. # وكذا تطلع البدور علينا ... وكذا تقلق البحور العظام # وكذلك البدور إنما تطلع علينا سائرة، وتبدو لأعيننا راحلة، والبحر يمد ~~ويحشر، ويهيج ويضطرب، فبين أن من عظم شأنه، كثر تمونه، ولم يستقر به موضعه، ~~والبدور جمع بدر، وكأنه جعل بدر كل شهر بدرا على حياله. # ولنا عادة الجميل من الصبر ... لو أنا سوى نواك # ثم يقول: نحن أهل الصبر والحفاظ، والمعتادون لذلك، لو أننا # PageV01P175 # نطرق بغير نواك، ونعرض لغير بعدك، ولكن ذلك مما يخذل الصبر فيه محاولة، ~~ولا يسعد عليه طالبه. # كل عيش ما لم تطبه حمام ... كل شمس ما لم تكنها ظلام # ثم بين ذلك، بأن ذكر: أن العيش في غير جنبته موت، والحياة إذا لم تطب ~~بقربه حمام، والشمس إذا لم تتأيد بضيائه ظلمته، والنهار إذا لم يستمد ~~ببهجته سدفة، ومن كانت هذه حاله، فالصبر معدوم عند فقده. # أزل الوحشة التي عندنا يا ... من به يأنس الخميس اللهام # الخميس: الجيش، واللهام: الذي يلتهم الأرض بكثرته، والالتهام: الابتلاع. # فيقول: أزل بقدومك علينا الوحشة التي أوجبتها رحيلك عنا، يا من بموضعه ~~يأنس الجيش الكثير، والذي يعتد الجيش بشجاعته أكثر من اعتداده بجماعته. ~~وأبدع بالمطابقة بين الأنس والوحشة. # والذي يشهد الوغى ساكن ... القلب كأن القتال فيها ذمام # ثم قال: والذي يشهد الحرب، رابط الجأش، ثابت النفس، غير # PageV01P176 # حافل بشدتها، ولا مشتغل بمخوف عاقبتها، حتى كأن قتاله فيها ذمام يقضيه، ~~وفرض يؤديه. # والذي يضرب الكتائب حتى ... تتلاقى الفهاق والأقدام # الفهاق: جمع فهقة، وهو العلم الذي يكون على اللهاة. # ثم ذكر: أن السيف الدولة يضرب كتائب أعدائه، حتى تطأ الأقدام فهاق ~~فرسانها، فتتلاقى حينئذ. وأشار بذلك إلى قتلهم، وسقوط رؤوسهم عن أجسادهم. # وإذا حل ساعة بمكان ... فأذاه على الزمان حرام # يريد: أن سيف الدولة إذا حل ببلد أقل إحلال، أجاره على الدهر، وكشف عنه ~~صروفه، وحرم عليه أذاه، وأمن ببركته، وجانبه المكروه بسعادته. # والذي تنبت البلاد سرور ms008 ... والذي تمطر السحاب مدام # PageV01P177 # ثم قال: فكأن السرور نبات ذلك البلد لكثرته فيه، وكأن المدام سحابه؛ ~~لظهور فرح أهله به. # كلما قيل قد تناهى أرانا ... كرما ما اهتدت إليه الكرام # يريد: أنه يبلغ في الكرم ما لا ترتقب الزيادة فيه، ويفعل منه كل ما تنتهي ~~المعرفة إليه، فإذا قيل هذا غاية الكرم، أبدع فيه ما لا عهد لأحد بمثله، ~~ولا يبلغه كريم بجهده. # وكفاحا تكع عنه الأعادي ... وارتياحا يحار فيه الأنام # ثم قال: وكذلك يظهر في الحرب جلادا تنكص الأعداء منه على أعقابها، وتفر ~~منه على وجوهها، ثم ذكر أنه يرتاح للكرام ارتياحا، تحار العقول فيه، وتعجز ~~الأنام عنه. # إنما هيبة المؤمل سيف الد ... دولة الملك في القلوب حسام # فكثير من الشجاع التوقي ... وكثير من البليغ السلام # ثم ذكر: أن في القلوب من هيبته، ما يشبه السيف في نفاذه، ثم قال: فالشجاع ~~مقصر عن مباطشته، وكثير له توقيه، والبليغ منقطع عن مفاتحته، ويستعظم لفه ~~أن يسلم عليه. # PageV01P178 # وقال عند مسيره عنها: # رويدك أيها الملك الجليل ... تأي وعده مما تنيل # يقول: تمهل أيها الملك في رحيلك، وترفق في سيرك، واجعل ذلك مما تعتد به ~~في نوالك، عند أهل بلدك، وهباتك للمشتملين بنعمتك. # وجودك بالمقام ولو قليلا ... فما فيما تجود به قليل # وقال: وجودك في أن يقيم، ولو قليلا، فيه بقربك، وإن كان لا قليل فيما ~~تنيله، ولا يسير فيما تسمح به. # لأكبت حاسدا وأري عدوا ... كأنما وداعك والرحيل # يقول له: ترفق في رحيلك؛ لأكبت بذلك حاسدا يشبه وداعك، وعدوا يشله رحيلك، ~~فشبه الحاسد بالوداع، وكلاهما ذو ظاهر ولا حقيقة له، والعدو بالرحيل، ~~وكلاهما معلن بمكروهه، فشبه شيئين بشيئين أصح تشبيه، وهذا أرفع وجوه ~~البديع. # ويهدأ ذا السحاب فقد شككنا ... أتغلب أم حياه لكم # PageV01P179 # ثم سأله انتظار سكون المطر وهدوئه، إذ قد افضل منه ما لا يشبه جود ~~الممدوح، حتى شككه في من يستحقه من الفريقين؛ تغلب قومه أم خيا السحاب الذي ~~هو يشبهه. # وكنت أعيب عذلا في سماح ... فها أنا في ms009 السماح له عذول # ذكر: أنه كان يعيب العذل في السماح حتى رأى جود الممدوح، فرأى من إفراصه، ~~ما أوجب عليه أن يأتي في عذله على جوده، ما كان ينهى عنه # وما أخشى نبوك عن طريق ... وسيف الدولة الماضي الصقيل # ثم قال: إنه لم ينهه عن الرحيل في المطر إلا رغبة في الاستكثار منه، لا ~~خوفا لنبوه عن وحل الطريق وخصوبته، فهو سيف الدولة الماضي حده، الصقيل ~~متنه. # وكل شواة غطريف تمنى ... لسيرك أن مفرقها السبيل # يريد: أن الطريق تتشرف به، وتأتي على جمع الوجوه له. حتى أن رؤوس السادة # تود أن مفارقها بدل من طرقه، لتزداد شرفا بسيره فيها، ورفعة باقترابه ~~منها. # PageV01P180 # ومثل العمق مملوء دماء ... مشت بك في مجاريه الخيول # يقول: ما أخشى نبوك عن هذه الوادي المعترض لك، ولو أنه مليء من دماء ~~وقائعك، فمشت بك خيولك في مجاريه، فكيف أخشى عليك سيله.؟ # إذا اعتاد الفتى خوض المنايا ... فأهون ما يمر به الوحول # ثم قال: إن من اعتاد أن يخوض غمرات المنايا، فأهون ما يعانيه خوض الماء ~~والطين؛ وهما الوحل. # ومن أمر الحصون فما عصته ... أطاعته الحزونة والسهول # قال: من أطاعته الحصون الممتنعة فأفتتحها، والقلاع المتصعبة فتملكها، ~~أطاعته لا محالة حزون الطرق وسهولها، وتمكن له قريبها وبعيدها. # PageV01P181 # أتخفر كل من رمت الليالي ... وتنشر كل دفن الخمول! # قال: أتجير كل من رمته الليالي بصروفها، وقصدته بخصوبها، وتحيي كل من سقط ~~ذكره، ودفنه خموله، فتجير ذلك بحمايتك له، وتحيي هذا بإكرامك إياه. # وندعوك الحسام وهل حسام ... يعيش به من الموت القتيل! # قال وندعوك سيفا، والسيف يعدم الحياة، وأنت تعيده، وهو يتلفها، وأنت ~~تهبها، فكيف نسيمك بما فعلك ضد فعله، وقدرك فوق قدره؟. # وما للسيف إلا القطع فعل ... وأنت القاطع البر الوصول # قال: وما للسيف فعل غير قطعه، وأنت تقطع أعاديك، وتصل مؤمليك وتسر قصادك، ~~وتحوط رعيتك فتشركه في أرفع أحواله، وتنفرد دونه بأرفع أحوالك أجل أوصافك. # PageV01P182 # وأنت الفارس القوال صبرا ... وقد فني التكلم والصهيل # يقول: أنت الفارس الثابت النفس، الرابط ms010 الجأش، الداعي إلى الصبر، إذا ~~طاشت # العقول، وخرست الألسن، فلم يقدر الأبطال على الكلام، ولا الخيل على ~~الصهيل. # يحيد الرمح عنك وفيه قصد ... ويقصر أن ينال وفيه طول # ثم قال: إن في هذا المقام تنهبك الأبطال، فتحيد رماحهم عنك مع استقامتها، ~~وتقصر عن أن تنالك مع طولها؛ يريد: أنه لا يتعاطى الفرسان مطاعنته، ولا ~~تمثيل مقاومته. # فلو قدر السنان على لسان ... لقال لك السنان كما أقول # يقول: فلو أن سنان الرمح ينطق، لصدق ما أصفه من هيبته لك، ولقال بمثل ما ~~أقول من ذلكن لترفيعه بك. # ولو جاز الخلود خلدت فردا ... ولكن ليس للدنيا خليل # يقول: ولو أن الدنيا خلدت أحدا لتزينها بهن وما جمعه الله من الفضائل ~~لكنت أنت ذلك المخلد، لعلو قدرك، وجلاله أمرك، ولكن الدنيا ليس لها خليل ~~تؤاخيه، ولا أحد تبقيه وتصافيه. # PageV01P183 # وتوفيت لأن سيف الدولة بما فارقين، وورد خبرها إلى حلب، وأبو الطيب ~~بإنطاكية، فقال هذه القصيدة، وأنشدها سيف الدولة بحلب في جمادى الآخرة سنة ~~سبع وثلاثين وثلاثمائة. # نعد المشرفية والعوالي ... وتقتلنا المنون بلا قتال # يقول: نعد صوارم السيوف، وعوالي الرماح، لمنازلة الأعداء، ومدافعة ~~الأقران، وتحترمنا المنية دون قتال أو نزال، لا يمكننا حذارها، ولا يتهيأ ~~لنا دفاعها. # ونرتبط السوابق مقربات ... وما ينجين من خبب الليالي # قال: ونرتبط عتاق الخيل وسوابقها، ونكرمها باستقراب مرابطها، وهي مع ذلك ~~لا تعصمنا بجهدها واستفراغها من عقوبة الدهر لنا، وخبب لياليه في آثارنا، ~~بل ذلك العفو يغلب جهدها، ويعجز أبعد غايات سعينا. # ومن لم يعشق الدنيا قديما ... ولكن لا سبيل إلى الوصال # يقول: إن النفوس مجبولة على عشق الدنيا، مع التيقن بسرعة # PageV01P184 # زوالها، والتحقق لامتناع وصالها وإن سرورها يعقبه الحزن، وحياتها يقطعها ~~الموت. # نصيبك في حياتك من حبيب ... نصيبك في منامك من خيال # يقول: إن نصيب الإنسان من وصال حبيبه في حياته، كنصيبه من وصال خياله في ~~منامه؛ لاتفاق الأمرين في سرعة انقطاعهما، واشتباههما في صحة زوالهما، وإن ~~الحالين كلاهما يعدم، ويحدث عنه ويمتثل، فما ظنك بحق يشبه الباطل، ms011 ويقظة ~~يشاكلها النوم.! # رماني الدهر بالأرزاء حتى ... فؤادي في غشاء من نبال # ثم ذكر: أن الدهر قصده بفجائعه، ورماه بمصائبه، واعتمده بسهامه، وأثبت ~~فيه نصاله، حتى صار منها في غشاء يشمله، ووعاء يعمه. # فصرت إذا أصابتني سهام ... تكسرت النصال على النصال # قال: فهو إذا أصابه الدهر بخطب من خطوبه، وصرف من صروفه، # PageV01P185 # فإن ذلك # إنما يوافق مثله، ويفرع شكله، وكنى بنصال السهام عن اجتداد الخطوب، وقال: ~~إن بعضها يكسر بعضا في فؤاده، لتزاحمها فيه، وتكاثرها عليه. # وهان فما أبالي بالرزايا ... لأني ما انتفعت بأن أبالي # قال: وهان، يريد: رمي الدهر له برزاياه، فحذف الرمي لدلالة قوله (رماني ~~الدهر) عليه، وأضمر ثقة بما قدمه من التفسير؛ لأنه لما قدم وصف حاله، ورمي ~~الدهر له، قال (وهان)، يريد: وهان ذلك، وإضمار ما يقدم ذكره حسن في الكلام، ~~ثم ذكر أنه لا يبالي بما طرقه من الرزايا لتتابعها، فهو لا يجزع لها، ~~لتيقنه أن الجزع غير نافع فيها. # وهذا أول الناعين طرا ... لأول ميتة في ذا الجلال # كأن الموت لم يفجع بنفس ... ولم يخطر لمخلوق ببال # ثم قال: إن الناعي لأم سيف الدولة أول من نعى ميتة في شرفها، ومفقودة في ~~مثل منزلتها، وإم المصيبة بها أنست المصائب، وبعثت من الحزن ما أفقد جميل ~~الصبر، وأوجب أشد الجزع، حتى كأن الموت قبلها لم يفجع بنفس، ولا خطر ببال. # PageV01P186 # صلاة الله خالقنا حنوط ... على الوجه المكفن بالجمال # ثم قال: رحمة الله ومغفرته حنوط هذه الميتة التي غيبها الجمال كما غيبها ~~الكفن، وسترها كما سترها القبر. # على المدفون قبل الترب صونا ... وقبل اللحد في كرم الخلال # ثم قال: على التي كانت قبل أن تدفن في الترب دفينة في ستر الصيانة، وقبل ~~أن تشتمل في اللحد مشتملة بالكرم والديانة، وأن شخصها وإن أبلاه الترب، ~~وغيره الموت، فذكر كرمه جديد، وأثر فضله ظاهر، وشاهد إحسانه بين. # فإن له ببطن الأرض شخصا ... جديدا ذكرناه وهو بالي # وقال: (ذكرناه)، فوضع الضمير المتصل موضع الضمير المتصل، وقد ذكر سيبويه ~~أن ms012 ذلك جائز في الشعر، وأنشد عليه: # هم القائلون الخير والآمرونه ... إذا ما خشوا من محدث الأمر معظما # فوضع الهاء في قوله (والآمرونه) موضع المنفصل، كما وضعها المتنبي في قوله ~~(ذكرناه). # PageV01P187 # أطاب النفس أنك مت موتا ... تمنته البواقي والخوالي # يقول: عزى عن عظيم مصابك أن الموت طرقك ولا بد منه، على سبيل من الرفعة، ~~وحال من السلطان والنعمة، يتمنى الموت في مثلها كل من كان قبلك، ومن يتلوك ~~بعدك. # وزلت ولم تري يوما كريها ... يسر الروح فيه بالزوال # رواق العز فوقك مسبطر ... وملك علي ابنك في كمال # ثم إنك لن تري في حياتك يوما تكرهينه، ولا شيئا تسائين به، وعوفيت من ~~خطوب الدهر التي يتمنى لها الموت، فزلت ورواق العز ممدود عليك، وابنك كامل ~~ملكه، جليل قدره. # سقى مثواك غاد في الغوادي ... نظير نوال كفك في النوال # ثم قال: سقى قبرك غيث وابل، يكون موقعه في السحاب، موقع نوال كفك في ~~العطاء، وأشار بذلك إلى أن إعطاءها غاية ما يطلبه المتمني في الكثيرة. # PageV01P188 # لساحيه على الأجداث حفش ... كأيدي الخيل أبصرت المخالي # ثم وصف ذلك الغيث الذي دعا لها به، فقال: لساحيه، وهو وابله وغزيرة، على ~~الأجداث، وهي القبور، وقع يشبه بشدته وقع أيدي الخيل على الأرض، إذا بحثت ~~بها عند نظرها إلى العلف. # أسائل عنك بعدك كل مجد ... وما عهدي بمجد منك خالي # يمر بقبرك العافي فيبكي ... ويشغله البكاء عن السؤال # ثم قال: إن المجد كان مقصورا عليها في حياتها، فصار (معدولا) عنها بعد ~~مماتها، وإن العافي، وهو السائل، إذا مر بقبرها، وتذكر ما كان يشمله منها، ~~وما يناله من فضلها، أذهله الحزن عن الطلب، وشغله البكاء عن السؤال. # وما أهداك للجدوى عليه ... لو أنك تقدرين على فعال # يقول: وما كان أعلمك بطريق الإفضال عليه، لو أن الموت أمهلك، والأفعال ~~تتمكن لك. # بعيشك هل سلوت فإن قلبي ... وإن جانبت ربعك غير سالي # PageV01P189 # يقول: بعيشك هل سلوت عن الحياة، فإني غير سال عن الحزن عليك، أذكرك وإن ~~كنت بعيدا عن موضعك، وأندبك ms013 وإن كنت منتزحا عن أرضك. # نزلت على الكراهية في مكان ... بعدت عن النعامى والشمال # ثم قال: نزلت مكرهة في منزل بعدت فيه عن الرياح مع شدة هبوبها، وقصرت أن ~~تدركك مع سيرها، فدل على أنها في بطن الأرض، وأشار أبدع إشارة إلى اللحد. # تحجب عنك رائحة الخزامى ... وتمنع منك أنداء الطلال # ثم أكد ذلك بأن قال: تحجب عنك رياح الرياض العبقة، وتمنع منك أنداء ~~طلالها المونقة، وأشار بالخزامى والأنداء إلى الرياض أحسن إشارة، ودل على ~~القبر أبين دلالة، واعتمد الطلال من بين سائر الأمطار؛ لأنها أسمحها في ~~الروض، وقطرها برقته يثبت على طاقات النور، ويرسخ بلينه في الأرض. # بدار كل ساكنها غريب ... طويل الهجر منبت الحبال # PageV01P190 # ثم أكد بيان ما أبهمه، فقال: بدار من القبر ساكنها غريب، وقاطنها فقير، ~~من حل فيها امتنع وصالة، ومن صار إليها انبتت حباله. # حصان مثل ماء المزن فيه ... كتوم السر صادقة المقال # ثم قال: إن أم سيف الدولة في شرف نسبها، وعلو منصبها، وطهارة نفسها، ~~وصيانتها في قومها، كماء المزن، قد تناهت صيانتها كتناهي صيانته فيه، ~~وارتفع موضعها كارتفاع موضعه، وطاب عنصرها كطيب عنصره، وهي مع ذلك كاتمة ~~لسرها، صادقة في قولها. # يعللها نطاسي الشكايا ... وواحدها نطاسي المعالي # إذا وصفوا له داء بثغر ... سقاه أسنة الأسل الطوال # أخبر: أنها تعللت بطبيب عالجها، وقد ولدت طيب المكارم، وواحدي الفضائل، ~~وأنه إذا وصفت له علة بثغر شفت من دائها أسنته، وأمنت مخافتها سيوفه، ولكن ~~المنية لا تدفع بقدرة، ولا يعتصم منها بمنعة. # وليست كالإناث ولا اللواتي ... تعد لها القبور من الحجال # ولا من في جنازتها تجار ... يكون وداعها نفض النعال # PageV01P191 # يقول: ليست كالإناث اللواتي تنقص بالجبلة، ويتمنى موتهن للسترة؛ لأنها ~~عاشت ظاهرة الإحسان، وماتت مرتفعة المكان، وولدت ملكها تشرف الملوك بخدمته، ~~ويتصرفون على حسب إرادته، فهم كانوا أهل جنازتها، لا التجار الذين يمتطون ~~إلى المشاهد أقدامهم، وينفضون عند انصرافهم نعالهم. # مشى الأمراء حوليها حفاة ... كأن المرو من زف الرئال # حوليها: بمعنى حولها، تقول العرب: حولك وحوليك ms014 وحوالك وحواليك، كل ذلك ~~بمعنى واحد، والمرو: حجارة بيض براقة تكون فيها النار والزف: صغير الريش، ~~والرأل: ولد النعامة، وجمعه رئال. # فيقول: إن الأمراء مشوا في هذه الجنازة حفاة متحزنين، قد ملكتهم الهيبة، ~~وأفرطت عليهم الجلالة، حتى صاروا يطئون المرو ولا يتألمون به كما لا يتألم # زف الرئال من وطأه. # وأبرزت الخدور مخبآت ... يضعن النفس أمكنة الغوالي # النقس: المداد. # PageV01P192 # وأبرزت الخدور من نوادي هذه الميتة وحشمها، مخبآت غذتهن النعمة، وأنشأتهن ~~الرفاهية، فهن يضعن النفس من وجوههن موضع الغالية. # أتتهن المصيبة غافلات ... فدمع الحزن في دمع الدلال # الدلال: الدالة. # يقول: أتتهن المصيبة على حين غفلة، ولم يكن من المصائب على عادة، فهن ~~يظهرن الدلال مع الحزن، ويبدين الوله مع الحسن. # ولو كان النساء كمن فقدنا ... لفصلت النساء على الرجال # يقول: لو كمل النساء كمال هذه الفقودة، واحتزن ما احتازته من الفضل، لبان ~~فضل النساء على الرجال، فرب تأنيث يقصر التذكير عنه، ولا يبلغ مبلغه، ولا ~~ينال موضعه. # وما التأنيث لاسم الشمس عيب ... ولا التذكير فخر للهلال # ثم بين ذلك بأن الشمس مؤنثة، والفضل لها، والقمر مذكر، وليس يعدل بها. # وأفجع من فقدنا من وجدنا ... قبيل الفقد مفقود المثال # ثم قال: إن أعظم المفقودين فجيعة، وأجلهم مصيبة، من فقد # PageV01P193 # مثاله قبل فقده، وعدم نظيره قبل موته، وهذه المفقودة كذلك؛ إنها لم ~~يماثلها أحد في فضائلها مدة حياتها، فعظمت الفجعة بها عند تمامها. # يدفن بعضنا ويمشي ... أواخرنا على هام الأولي # الأوالي: بمعنى الأوائل، إلا أنه قلب، والعرب تفعل ذلك. # فيقول: إن الإنسان مجبول على السلوة، مطبوع على الإعراض عن الرزية، # فالحي يدفن ساليا، والآخر يطأ قبر الأول ناسيا، والمصير واحد، والاغترار ~~زائد. # وكم عين مقبلة النواحي ... كحيل بالجنادل والرمال # ثم قال: وكم من ذي نعمة نقل عنها إلى لحده، وذي رفاهية أخرج منها إلى ~~قبره، وذي عين محبوبة مزينة عوضت بالبلى من زينها، وبالتراب من كحلها. # ومغض كان لا يغضي لخطب ... وبال كان يفكر في الهزال # الهزال: سوء الحال. # PageV01P194 # ثم قال: ورب من ms015 كان لا يغضي للخطوب لرفعة قدره، قد ثنى الموت طرفه، وغير ~~جسمه، ورب من كان يحذر الضر، ويتوقع الفقر، قد عاجله الموت فأبلاه قبل ما ~~كان يحذره، وإخترمه قبل الذي كان يتوقعه. والإغضاء: تقريب ما بين الجفون. # أسيف الدولة استنجد بصبر ... وكيف بمثل صبرك للجبال # الاستنجاد: الاستعانة. # فيقول لسيف الدولة: استعن بالصبر، وأنت أهله، وأثبت من الجبال فيه. # وأنت تعلم الناس التعزي ... وخوض الموت في الحرب السجال # الحرب السجال: التي تتداول فيها الغلبة، وذلك أدعى إلى شدتها. ثم قال: ~~وأنت أهل العزاء؛ لأن العزاء منك يتعلم، والجدير بالصبر؛ لأن الصبر إليك ~~ينسب، وبك يقتدي في الإقدام على الموت، والنفاذ في غمرات الحرب، والاستقلال ~~بشدائدها، والقيام بها عند تساجلها. # وحالات الزمان عليك شتى ... وحالك واحد في كل حال # فحالات الزمان تختلف عليك بالسراء والضراء، والشدة والرخاء، # PageV01P195 # وحالك لا تختلف في كرم نفسك، ونفاذ عزمك. وما يتكفل الله به من جميل ~~العاقبة لك. # فلا غيضت بحارك يا جموما ... على الغرائب والدخال # غيض: الماء: ذهابه، والجموم: البئر الغزيرة، والعلل: الشرب الثاني، ~~والدخال: هاهنا أن تشرب الإبل ثم تثار فتعرض على الماء، وقد يقال بخلاف ~~ذلك، والغرائب من الإبل: المستضيفة إلى إبل أهل الماء من غيرها. فيقول لسيف ~~الدولة: لا أعدم الله العفاة جزيل عطائك، ومتتابع إحسانك، يا بحر كرم يتدفق ~~مع كثرة الواردين له، ويزيد مع ترادف الشارعين فيه، فينال منه الغريب ~~القاصد، كما ينال القريب القاطن، وضرب لذلك مثلا من السقيا، فشبههة بالمورد ~~الغزير الذي يكثر مع تتابع الشرب فيه، وليس تصير الغرائب من الإبل إلى ~~العلل والدخال إلا عن غزر المورد، وبلوغ إبل الماء إلى غاية الري. # رأيتك في الذين أرى ملوكا ... كأنك مستقيم في محال # فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال # PageV01P196 # ثم قال: إن بيان فضله على الملوك، كبيان فضل الاستقامة على المحال، والحق ~~على الباطل، فإن فاق الأنام وهو منهم، وفضلهم مع مشاركته في الجنس لهم، ~~فالمسك من دم الغزلان في أصله، وسائر دماء الحيوان ms016 يقصر عنه، ولا يشبه بشيء ~~منه، ورب واحد قد بذ أمه، وبعض قد فات جملة. # PageV01P197 # ونجم خارجي يعرف بابن هرة الرماد في كلب ببرية حمص، فأغار على أطراف حمص، ~~وصاحب حربها أبو وائل، تغلب بن داود بن حمدان من قبل سيف الدولة، وكان قد ~~خرج من ذلك اليوم كالمنتزه وحده، فأسره الخارجي، وطالبة بمال، وخيل كانت له ~~سوابق، فوعده بها، واتصل الخبر بسيف الدولة، فسار في جيشه، فما أراح حتى ~~أوقع به، وجعل العرب على مقدمته، فوقعت بابن هرة الرماد فهزمها، إلى أن بلغ ~~إلى سيف الدولة، وكان سيف الدولة في ألفين من غلمانه ووجوه رجاله، فحمل ~~عليه فقتله وجميع أصحابه، واستنقذ أبا وائل، فقال أبو الطيب - أنشدها في ~~شعبان سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة. # إلام طماعية العاذل ... ولا رأي في الحب للعاقل # إلام: هي إلى التي للخفض، دخلت على ما التي للاستفهام، فبنيت # PageV01P198 # معها بناء كلمة واحدة، وسقطت الألف من ما استخفافا، واعتدادا بالي في ~~الكلمة الموصولة بها، وكذلك يفعلون بما التي للاستفهام إذا اتصل بها سائر ~~حروف الجر، ولا يفعلون ذلك بما في الخبر، وأخرجهم إلى ذلك كثرة الاستعمال، ~~لما في الاستفهام، والطماعية: مصدر بمعنى الطمع، كالعلانية والكراهية. # فيقول: إلى أي شيء يصرف العاذل طمعه من سلوان المحب، وما يرجوه من ذلك ~~ممتنع، والمقصد بينه وبين المحب مختلف؛ لأن المحب مغلوب على أمره، والمتعقب ~~العاقل مختار لنفسه، ولا رأي له في الحب الذي يوجع قلبه، ويشغل نفسه. # يراد من القلب نسيانكم ... وتأبى الطباع على الناقل # الطباع والطبيعة: بمعنى واحد، وهما الخليقة. # ثم أكد ذلك بقوله، مخاطبا لأحبته: يريد العاذل من القلب نسيانكم، # PageV01P199 # وقد جرى حبكم منه مجرى الطبيعة، وحل فيه محل الخليقة، والطبيعة لا تنقاد ~~لناقلها، ولا تتأتى لمخالفها. # وإني لأعشق من عشقكم ... نحولي وكل امرئ ناحل # أخبرنا باستبصاره في عشق وأنه لتأكد نيته في ذلك، يعشق نحول جسمه، ويأنس ~~باتصال سقمه، ويعشق كل ناحل، لمشاكلته إياه في حاله. # ولو زلتم ثم لن أبككم ... بكيت على حبي الزائل # ثم ms017 قال: ولو زلتم ولم أبك على نأيكم، وأظهر الأسف لفقدكم، لبكيت لفقد ~~حبكم، وأسفت لعدم عشقكم، اغتباطا بذلك فيكم، واستعذابا لما ألقاه بكم. ~~واستفتاحه بقوله: (ولو زلتم)، وتقفيته بعد ذلك بالزائل، باب من أبواب ~~البديع يعرف بالتصدير. # أينكر خدي دموعي وقد ... جرت منه في مسلك سائل # PageV01P200 # يقول، مؤكدا لما قدمه من استئناسه بوجوده، واستسهاله لحاله: أينكر خدي ما ~~أسيل عليه من الدمع، وهو يسكن من ذلك إلى حال قد عرفها، وعادة قد ألفها، ~~وتجري منه في طريق مسلوك، وسبيل معمور؟ والمسلك السائل: الذي يكثر المرور ~~فيه. # أأول دمع جرى فوقه ... وأول حزن على راحل # ثم أكد، فقال: أهذا الدمع أول دمع أذريته؟ وهذا الحزن أول حزن شكوته؟ هذا ~~الذي لا أعرف غيره، ولا أود فقده. # وهبت السلو لمن لامني ... وبت من الشوق في شاغل # يقول، مستبصرا في حبه، ومعرضا عن المتكلف للومه: وهبت للائم لي السلو ~~الذي يدعوني إليه، والجلد الذي يخضني عليه، وبت من الشوق فيما يشغلني عن ~~لومه، ويزهدني في عذله. # كأن الجفون على مقلتي ... ثياب شققن على ثاكل # ثم شبه قلة التقاء جفونه على مقلته، واشتغاله بما يذريه من عبرته، بثياب ~~مشقوقة على ثاكل موجعة ووالهة مفجعة، وشبه مقلته في حزنها # PageV01P201 # بتلك الثاكل في وجدها، # وتبعيد السهر لما بين جفونه بتشقيق الثاكل لثياب حدادها. وهذا مما شبه به ~~شيئين بشيئين في بيت واحد، وهو من أرفع وجوه البديع. # ولو كنت في غير أسر الهوى ... ضمنت ضمان أبي وائل # ثم خرج إلى وصف أمر أبي وائل احسن خروج، فقال: ولو كنت أسير غير الحب، ~~ومغلوبا في غير سبيل العشق، لاحتلت بحيلة أبي وائل في الاستتار، وضمنت ~~لآسري ضمانه من الفكاك، وسلكت في الاحتيال عليه سبيله. # فدى نفسه بضمان النضار ... وأعطى صدور القنا الذبل # النضار: الذهب. # فيقول: إن أبا وائل ضمن لآسره اعتدادا من الذهب يقتدي بها، وأعطى عن ذلك ~~صدور الرماح، يشير بذلك إلى جيش سيف الدولة الذي استنقذه. # PageV01P202 # ومناهم الخيل مجنوبة ... فجئن بكل فتى باسل # ثم قال: ms018 ومناهم أن يقود إليهم الخيل التي اشترطوا عليه في فدائه. فجاءتهم ~~تحمل إليهم كل فتى باسل. # والباسل: الشجاع. # كأن خلاص أبي وائل ... معاودة القمر الآفل # ثم شبه خلاص أبي وائل من إساره، بخروج القمر من سراره، ومعاودته، وما كان ~~عليه من السيادة، بمعاودة القمر الآفل لضيائه، ومراجعته لبهائه. # دعا فسمعت وكم ساكت ... على البعد عندك كالقائل # ثم قال؛ مخاطبا لسيف الدولة: دعا فسمعت دعوته على بعد محله، وأصرختها على ~~انتزاح مستقره، ورب ساكت عنك لبعده كالمخاطب لك؛ لما يوجبه كرمك من اهتمامك ~~بشأنه، واعتنائك بأمره. # فلبيته بك في جحفل ... له ضامن ويه كافل # PageV01P203 # ثم قال: فلبيته إذ دعاك بنفسك في جحفل، ضامن لفك أسره، كافل بتعجل نصره. # خرجن من النفع في عارض ... ومن عرق الركض في وابل # النفع: الغبار، والعارض: السحاب، والوابل: المطر الكثير. # فيقول: إن خيل سيف الدولة خرجت من العجاج، فيما يشبه السحاب، وعليها من ~~العرق الذي أوجبه الركض، فيما يشله غزير المطر، وأشار بهذا إلى شدة الطلب. # فلما نشفن لقين السياط ... بمثل صفا البلد الماحل # الصفا: الحجر الأملس. # ثم قال: فلما نشق عرق هذه الخيل على ما التبس به من الغبار، لقيت سياط ~~الفرسان من جلودها، بمثل الحجر الأملس، الذي يكون في البلد الممحل، وهو ~~البعيد العهد بالمطر، وذلك أبلغ في يبسه وجفوفه، وهذه الزيادة التي تطلب ~~بها الغاية، وقد كان يتم الكلام دونها، باب من أبواب البديع يعرف بالتتميم. # شفن لخمس إلى من طلب ... ن قبل الشفون إلى نازل # PageV01P204 # الشفون: النظر. # فيقول: إن خيل سيف الدولة أدركت بغيتها، قبل أن ينزل فرسانها عن ظهورها، ~~وأنها نظرت بعد خمس ليال من ركضها إلى من ركضها إلى أن طلبته، قبل نظرها ~~فيها إلى نزول من حملته. وأشار بذلك إلى فرسان هذه الخيل، لم يفتروا في ~~الركض، حتى أوقعوا بالقوم الذين أسروا عليهم. # فدانت مرافقهن البرى ... على ثقة بالدم الغاسل # البرى: التراب # ثم قال: إن هذه الخيل التي جهدت في الطلب، وتدنست جلودها بما تصبب عنها ~~من العرق، وما ms019 التبس بذلك من غبار الرهج، قاربت مرافقهن التراب بإثارتها ~~له، لا بدعتها فيه، وقد تيقنت أن دم من توقع به يغسلها، وخوضها فيه بعد ~~الظفر # يطهرها. # وما بين كاذتي المستغير ... كما بين كادتي البائل # PageV01P205 # الكاذة: لحم مؤخر الفخذ. # ثم ذكر: أن هذه الخيل ركضت المدة التي ذكرها، وبلغت من الظفر إلى الغاية ~~التي وصفها، وهي كالمتفحجة لكرمها ونشاطها، لم تحتك كاذتاها. ولا تدانت ~~عراقيبها. وهذا يحدث على الخيل الهجن عند الركض الشديد، بل كان ما بين ~~كاذتي المغير منها كالذي بين كاذتي البائل، لم تستحل عن خلقها، ولا اضطربت ~~في شيء من أمرها. # فلقين كل ردينية ... ومصبوحة لبن الشائل # الردينية: الرماح تنسي إلى ردينة؛ اسم امرأة كانت تبيع الرماح في ~~الجاهلية، والشائل: الناقة التي ابتدأ حملها فحف لذلك لبنها، والمصبوح من ~~الخيل: الذي يسقى اللبن صباحا لكرامته على صاحبه. # فيقول: إن خيل سيف الدولة بعد جهدها في الطلب، وإغراقها في الركض، لقيت ~~مع الخارجي أشداء الأعراب، الذين يطاعنون بالرماح، وتعدو بهم كرائم الخيل ~~التي تؤثر باللبن عند قلته، ويكون صبوحها مع شدة الحاجة إليه. # PageV01P206 # وجيش إمام على ناقة ... صحيح الإمامة في الباطل # ولقيت جيشا إمامه على ناقة، قد تيقن استهلاك أصحابه دونه، وامتثل أن ~~الغلبة له، فأعرض لذلك عن ركوب الخيل، ووصفه بحالة من كذبه في دعواه ~~واشتهاره بباطله. # فأقبلن ينحزن قدامه ... نوافر كالنحل والعاسل # ثم قال: إن خيل سيف الدولة تهيبت الخارجي في أول لقائه، وانصرفت إلى سيف ~~الدولة منحازة بين يدي الخارجي، كانحياز النحل بين يدي عاسلها، وافتراقها ~~إذا # أحست بسائرها. # فلما بدوت لأصحابه ... رأت أسدها آكل الآكل # يقول: لسيف الدولة: فلما بدوت لأصحاب الخارجي بعد انحياز أصحابك بين ~~يديه، رأت أسد خيله منك أسد الأسود، وآكل الآكل، الذي يغلب الغالب، ويستهضم ~~القادر. # بضرب يعمهم جائر ... له فيهم قسمة العادل # وبدونت لهم بضرب عم جماعتهم، وشمل جملتهم، أبلغ فيهم إبلاغ الجائر، وأفرط ~~إفراط المسرف، وسوى بينهم فيما نالهم منه تسوية العادل، # PageV01P207 # وشمل جميعهم شمول المنصف، وطابق بين الجور ms020 والعدل. # وطعن يجمع شذا نهم ... كما اجتمعت درة الحافل # الشذان: القوم المتفرقون، وشذان الحصى: ما أفترق منه، والحافل من الشياه: ~~التي قد اجتمع في لبنها في ضرعها. # ثم قال: وبدوت لهم جمع شذانهم بشدته. وحصرهم لمخافته، كما يجمع الضرع ~~الحافل درته، ويحصر لبنه. # إذا ما نظرت إلى فارس ... تحير عن مذهب الراحل # يقول لسيف الدولة: إن أصحاب الخارجي لما رأوك، تداخلهم من هيبتك، وأدركهم ~~من مخافتك، ما صار فارسهم معه يعجز عما يبلغه الراجل، وقويهم يقصر عما ~~يفعله الضعيف. # فظل يخضب منها اللحى ... فتى لا يعيد على الناصل # ثم قال: فخضب لحاهم بدمائهم منك فتى، لا يقصد بخضابه قصد التزيين، وإنما ~~يقصد به. قصد الإهلاك، فليس يحفل إذا أتلف النفس بما أخطئه خضابه من الشعر. ~~ونصول الشعر: خروجه خروجه من الخضاب. # PageV01P208 # ولا يستغيث إلى ناصر ... ولا يتضعضع من خاذل # ثم قال: إنه لا يستغيث إلى ناصر ينصره، لاستغنائه بنفسهن ولا يتضعضع ~~لخاذل يخذله، لما يسند إليه من بأسه. # ولا يزع الطرف مقدم ... ولا يرجع الطرف عن هائل # الوزع: الكف، والطرف: الفرس الكريم. # فيقول: إن سيف الدولة لا يكف فرسه عن مقدم لشجاعته، ولا يغض طرفه عن هائل ~~لجرأته. # إذا طلب التبل لم يشأه ... وإن كان دينا على ماطل # التبل: الترة، هائل الشأو: السبق. # ثم قال: إذا طلب ثارا يفته، وإن كان متعذرا أمره، ممتنعا موضعه، وضرب ~~قوله: (وأن كان دنيا على ماطل) مثلا في ذلك. # خذوا ما أتاكم به واعذروا ... فإن الغنيمة في العاجل # ثم قال: هازئا بهم: خذوا ما أتاكم به من هذه الوقعة متجوزين، وتصبروا ~~لذلك عاذرين، فغن الغنيمة فيما استعجل، والغبطة فيما اقتضى. # PageV01P209 # وهذا على طريق الهزء بهم، والتوبيخ بالوقعة التي عجلها سيف الدولة لهم. # وإن كان أعجبكم عامكم ... فعودوا إلى حمص في القابل # يقول، على نحو ما تقدم من هزئه بهم: وإن كنتم مستلقين بما نالكم في هذا ~~العام من سيف الدولة، فعودا إلى عمله في حمص في العام القابل، فإنه يعود ~~بمثل ما أوقعه بكم. ms021 # فإن الحسام الخضيب الذي ... قتلتم به في يد القاتل # ثم قال: فإن السيف الخصيب بدمائكم، المسلمون لقتلكم، في يد الذي قتل ~~جماعتكم، وأذل عزاكم، وأذهب نخوتكم. # يجود بمثل الذي رمتم ... فلم تدركوه على السائل # ثم قال: إنه يجود على سائله بمثل الذي رمتموه فأعجزكم، ويسمح لقاصده بمثل ~~الذي حاولتموه فأهلككم، ولو سألتموه لعمكم فضله، ولو قصدتموه لشملكم عفوه. # PageV01P210 # أمام الكتيبة تزهى به ... مكان السنان من العامل # الزهو: الكبر، والعامل: صدر الرمح. # فيقول: إن سيف الدولة لإقدامه، وجزاء نفسه في صدور خيله، وأوائل كتائبه، ~~تتيه فرسانه به، وتزهى بموضعه، وإنه منها بمكان السنان من صدر الرمح، ~~والسنان الذي له الفعل، وبه يكون الطعن، وسائر الرمح أداة تعضده، وآلة ~~تؤيده. # وإني لأعجب من آمل ... قتالا بكم على بازل # البازل من الإبل: الذي قد ظهر نابه. # ثم رجع إلى الخارجي، فقال: وإني لأعجب بمن يؤمل قتالا بكمه، دون أن يصل ~~شيئا من السلاح بنفسه، ويقتحم الحرب على جمل دون أن يقتحمها على فرس. # أقال له الله لا تلقهم ... لماض على فرس حائل # الحائل من الخيل: التي لم تحمل. # الله أمره بأن لا يأخذ للحرب آلتها، ولا يتأهب فيها بأهبتها، وأن # PageV01P211 # لا يلقى محاربة بسيف ماض صارم، على فرس كريم حائل؟ واشترط الحيال؛ لأنه ~~أمكن للجري. # إذا ما ضربت به هامة ... براها وغناك في الكاهل # الكاهل: أعلى الظهر. # ثم قال: إذا ضرب بذلك السيف هامة براها بحدته، ونفذ فيها بصرامته، وبلغ ~~إلى الكاهل فصوت فيه، وتخطى الهامة بقربها إليه. # وليس بأول ذي همة ... دعته لما ليس بالنائل # يقول: إن هذا الخارجي ليس فيما حاوله من معارضة الدولة، بأول من هم بما # يمتنع عليه، ورام ما لا يجد سبيلا إليه. # يشمر للج عن ساقه ... ويغمره الموج في الساحل # يقول: إنه فيما يتعاطاه من مقاومة جملة جيوشه، وعجزه عن أقلها، وما رامة ~~من التعرض لشدة عزائمه، وهلاكه بأيسرها، كمن يريد أن # PageV01P212 # يخوض لجة البحر، ويضعف عن الوقوف في شطه، ويريد اقتحام معظمه، والموج ~~يغمره في ساحله، ms022 فيتعرض للصعب الكبير، يعجز عن السهل الحقير. # أما للخلافة من مشفق ... على سيف درلتها الفاضل # يقد عداها بلا ضارب ... ويسري إليهم بلا حامل # يقول: أما للحلافة من ضنين بسيف دولتها، ومشفق على حائط جملتها، الذي قد ~~بان فضله، وارتضي سعيه، فهو يقد أعداءها دون ضارب بنهضة، يسري إليهم دون ~~حامل ينقله، فإذا افتقر السيف إلى من يضرب به، كان هو منفردا فعله، وإذا ~~التجأ إلى من يحمله، كان هو مكتفيا بنفسه. # تركت جماجمهم في النقا ... وما يتحصلن للناخل # النقا: الكثيب من الرمل. # PageV01P213 # فيقول: تركت جماجم أصحاب الخارجي في النقا، وقد فترقت أجسادهم، بعد أن ~~أوقعت بها من الضرب ما هشمها، ودقق أجزاءها، حتى التبست بالرمل، ولم تتحصل ~~لناخلها، ولا انفصلت لمتأملها. # وأنبت منهم ربيع السباع ... فأثنت بإحسانك الشامل # ثم قال: وأنبت من أجسادهم ربيع السباع، فأحصبت في لحومها، إخصاب السائمة ~~في بيعها، فأثنت بما عنها من فضلك، وشملها من إحسانك، وأجرى أكثر لفظ هذا ~~البيت على الاستعارة. # وعدت إلى حلب ظاهرا ... كعود الحلي إلى العاطل # ثم قال: وعدت إلى حلب مستقرك ظافرا مستعليا، فحليت بعد العطل بعودتك، ~~وأنست بعد الوحشة بأوبتك. # ومثل الذي دسته حافيا ... يؤثر في قدم الناعل # دست الشيء: إذا وطئته # فيقول: ومثل الذي أدركته بعقوك، وتناولته بأيسر سعيك، يعجز عنه غيرك، وإن ~~أجهد فيه نفسه، ويقصر عنه، أخذ له أهبته، وكنى بالحافي عن المسترسل، ~~وبالناعل عن المتاهب، وحمل الكلام على الاستعارة. # PageV01P214 # وكم لك من خبر شائع ... له شية الأبلق الجائل # الشية: العلامة # ثم قال: وكم لك من خير شائع ذكره، ومن فعل جليل قدره، قد شهره كريم أثرك، ~~كما تشهر الأبلق الجائل شيته، وتبينه، علامته. # ويوم شراب بنيه الردى ... بغيض الحضور إلى الواغل # الواغل: الداجل على القوم في طعام أو شراب دون أن يدعوه. # ثم قال: وكم لك من يوم أقمت فيه سوق الحرب، وتنازع بنوه شراب الردى، ~~وتعاطوا كؤوس الموت، فأبغض حضوره الواغل فيه، وتكره شدته الصالي به، وجرى ~~هذا الكلام على مثل ما تقدم من ms023 الاستعارة، وهي من أبواب البديع. # تفك العناة وتغني العفاة ... وتغفر للمذنب الجاهل # العناة: الأسرى، والعفاة: السؤال. # فيقول: تفك الأسرى ببأسك، وتغني السؤال بكرمك، وتغفر للجاهلين بحلمك. # PageV01P215 # فهنأك النضر معطيكه ... وأرضاه سعيك في الأجل # ثم قال: فهناك الله ما منحك من نصره، وزادك فيما آتاك من فضله، ووصل ما ~~وهب من ذلك في العاجل، بما يرضيه من سعيك في الآجل. # فذي الدار أخون من مومس ... وأخدع من كفه الحابل # وقوله: (فذي الدار أخون من مومس)، ذي حرف يشار به إلى المؤنث، كما يشار ~~بذا إلى المذكر، والدار التي أشار إليها الدنيا، والمومس: المرأة الفاجرة، ~~والحابل: الصائد، وكفته: حبالته. فيقول: هذه الدنيا أخون من الفاجرة التي ~~تحلف من وثق بها، وأخدع من الحبالة التي تصرع من اطمأن إليها. # تفاني الرجال على حبها ... وما يحصلون على طائل # ثم قال: إن الرجال قد تفانوا على حبها، ولم يحصلوا على طائل من أمرها، ~~لأنها تأخذ ما تعطيه، وتهدم ما تبنيه، وتمر بعد حلاوتها، وتعوج بعد ~~استقامته، فمن عرفها رفضها، ومن تدبرها هجرها. # PageV01P216 # وسار سيف الدولة إلى الموصل لنصرة أخيه الحسين بن عبد الله بن حمدان لما ~~قصده من بغداد أحمد بن بويه الديلمي، ليغلبه على أرض الموصل، فلما أحسن ~~الديلمي بإقبال سيف الدولة، قارب الحسن بن عبد الله، وأحبابه إلى أن يبعث ~~إلى حضرة السلطان من خراج الموصل بما جرت به عادته ببعثه، وانصرف عنه إلى ~~بغداد دون حرب. فقال أبو الطيب في ذلك، أنشدها في ذي القعدة سنة سبع ~~وثلاثين وثلاثمائة. # أعلى الممالك ما يبنى على الأسل ... والطعن عند محبيهن كالقبل # الممالك: جمع مملكة، وهي سلطان الملك في رعيته، والأسل: الرماح، والقبل ~~جمع قبلة. # فيقول: أعلى الممالك رتبة، وأطهرها رفعة، ما بني على الحرب، ودفع عنه ~~بالطعن والضرب، وأشار بالأسل إلى هذه العبارة، وما يكون الطعن عند مالكه، ~~والقتال عند محبه كالقبل المستعذبة، واللذات المغتنمة. # وما تقر سيوف في ممالكها ... حتى تقلقل دهرا قبل في القلل # PageV01P217 # التقلقل: دوام الحركة، والقلل: الرؤوس، واحدتها قلة، وقلة ms024 كل شيء: أعلاه. # ثم قال: وما تقر سيوف في دولها، وتسكن في ممالكها، حتى تطول حركتها في ~~ضرب رؤوس المخالفين، وتشهر آثارها في قمع المعترضين، فحينئذ تنوب رهبتها عن ~~استلالها، وتغني هيبتها عن استعمالها، وأشار بذلك إلى انصراف الديلمي دون ~~حر، تهيبا لسيف الدولة. # مثل الأمير بغى أمرا فقربه ... طول الرماح وأيدي الخيل والإبل # يقول، مصدقا لما شرطه، ومحققا لما ذكره: مثل الأمير سيف الدولة بغى حماية ~~الموصل، ودفع الديلمي عنها، فقرب له ذلك طول رماحه في وقائعه، وإسراع خيله ~~وإبله إلى أعاديه. # وعزمة بعثتها همة زحل ... من تحتها بمكان الترب من زحل # ثم قال: وعزمة استعملها نافذة، بعثتها منه همة عالية، يتواضع زحل عن علو ~~موضعها، كتواضع الترب عن علو موضعه. # على الفرات أعاصير وفي حلب ... توحش لملقى النصر مقتبل # PageV01P218 # الفرات: نهر معروف، والأعاصير: الرياح الكثيرة الغبار، واحدها إعصار، ~~والمقتبل: الذي تناهى شبابه، ولا أثر فيه للكبر. # فيقول: إن على الفرات، وهو في حدود أعمال الديلمي، غبرات من العجاج، ~~تثيرها كتائب سيف الدولة، وفي حلب، دار مستقرة من الشام توحش منها لملك، قد ~~عوده الله الظهور على أعاديه، ولقاه النصر في مقاصده، مقتبل في شبيبته، ~~متناه في قوته. # تتلو أستنه الكتب التي نفذت ... ويجعل الخيل أبدالا من الرسل # ثم قال: مشيرا إلى أمر الديلمي: ينذر أعاديه بكتبه، ويعذر إليهم برسله، ~~فإذا قامت حجته عليهم، تلت أسنته كتبه، وعاقبت خيوله رسله، وكان إيقاعه ~~بهم، بدلا من تحذيره لهم. # يلقى الملوك فلا يلقى سوى جزى ... وما أعدو فلا يلقى سوى نقل # النقل: الغنيمة. # فيقول: إن سيف الدولة يلقى الملوك إذا خالفته، فلا يلقى منها # PageV01P219 # إلا جزر سيوفه، وما أعدوه من سلاحهم وآلاتهم، فلا يلقى إلا غنائم جيوشه، ~~لما عوده الله من الظهور عليهم، والنكاية فيهم. # صان الخليفة بالأبطال مهجته ... صيانة الذكر الهندي بالخلل # الخلل: جلود جفون السيوف، واحدتها خلة، والخلة: كل جلد من منقوش. # ثم قال: إن الخليفة لما عليم أنه سيفه الذي يسطو به، صانه بالأبطال الذين ~~أثبتهم في رسمه، ms025 والحماة الذين جردهم لحفظه، كما يصان السيف الكريم بالجفون ~~التي # ينتقل فيها، والأغماد التي يحفظ بها، وجعل هذا الوصف إشارة لما شرفه به ~~الخليفة من تلقيه بسيف الدولة. # الفاعل الفعل لم يفعل لشدته ... والقائل القول لم يترك ولم يقل # يقول: إن سيف الدولة يفعل الذي عنه الفاعلون لشدته، وعظم شأنه في حقيقته، ~~ويقول القول الذي عجز القائلون عنه قبله فلم يقدروا على مثله، ولا قصدوا ~~إلى تركه. # والباعث الجيش قد غالت عجاجته ... ضوء النهار قصار الطهر كالطفل # PageV01P220 # الغول: الإهلاك، والطفل: وقت المساء. # ثم قال: وهو الباعث الجيش الشديد بأسه، الكثير عدده، الذي تذهب عجاجته ~~بضوء النهار، وتطمس إشراق الشمس في وقت الظهر، حتى تصير على مثل حالها في ~~وقت الغروب، وأشار بذلك إلى عظم الجيش. # الجو أضيق ما لاقاه ساطعها ... ومقلة الشمس فيه أحير المقل # الجو: ما بعد من الهواء، والساطع: المنتشر. # فيقول: إن ما بعد من الهواء أضيق بساطع هذا الرهج مما قرب؛ لأن فيما بعد ~~تجتمع جملته، وتتوافى كثرته، وما قرب فإنما يرده الشيء بعد الشيء فيتخلى ~~منه، ولا يجتمع فيه، ومقلة الشمس أحير المقل به؛ لقربها من مستقره، ودنوها ~~من مجتمعه. # ينال أبعد منها وهي ناظرة ... فما تقابله إلا على وجل # ثم قال: إن هذا العجاج بتتابعه، واتصاله وترادفه، يعلو على # PageV01P221 # الشمس مع ارتفاع موضعها، إليه، وهي ناظرة إليه، غير مساوية في العلو له، ~~فتقابله وجله من ذهابه بنورها، وتلاحظه مشفقة من استيلائه على ضوئها، وأشار ~~بما وصف من كثرة هذا العجاج إلى كثرة الجيش الذي يثيره، وعظم الجمع الذي ~~يبعثه. # قد عرض السيف دون النازلات به ... وظاهر الحزم بين النفس والغيل # المظاهرة: المعاونة، والغيل: جمع غيلة: وهي قتل الخديعة. # فيقول: قد عرض السيف دون ما ينزل به، وجرده فيما يحدث عليه، واستعان ~~بالحزم في دفع الغيل عن نفسه، وأقامه حاجزا بينها وبينه. # ووكل الظن بالأسرار فانكشفت ... له ضمائر أهل السهل والجبل # ثم قال: إنه وكل صادق ظنه بما يطويه أهل السهل والجبل دونه، فعلم ما ~~أسروه، ms026 وانكشف له ما أضمروه، وكذلك الألمعي، وهو الحاذق بالأمور، يصيب ~~بظنه، حتى كأنه مبصر لما غاب عنه، ويعلم بتقديره، حتى كأنه شاهد لما يعد ~~منه. # PageV01P222 # هو الشجاع يعد البخل من جبن ... هو الجواد يعد من بخل # البخل والبخل: لغتان، والإغذاذ: الإسراع في السير. # فيقول: إن السيف الدولة الشجاع المتناهي في الشجاعة، فالبخل عنده باب من ~~الجبن؛ لأن من سمح بنفسه لم يبخل بكرائم ماله، وهو الجواد المتناهي الجود، ~~والجود بالنفس غاية الجود، ومن جاد بنفسه لم يجبن عن عدوه، ومن كان كذلك، ~~فالجبن عنده باب من البخل، فدل على أن الشجاعة والجود من طريق واحد، وأجمل، ~~ما فسره أبو تمام بقوله: # وإذا رأيت أبا يزيد في وغى ... وندى ومبدئ غارة ومعيدا # يقري مرجيه حشاشة ماله ... وشبا الأسنة ثعرة ووريدا # أيقنت أن من السماح شجاعة ... وعلمت أن من الشجاعة جودا # فبين أبو التمام وفسر، وجمع أبو الطيب واختصر. # يعود من كل فتح غير مفتخر ... وقد أغذ إليه غير محتفل # ثم قال: إنه يفتح الفتوح العظيمة فلا يفخر بها، ويسرع إليها ولا يحتفل ~~بها، استقلالا لعظيم ما يفعله، وارتفاعا عن تهيب ما يقصده. # PageV01P223 # ولا يجير عليه الدهر بغيته ... ولا تحصن درع مهجة البطل # يقول: إن الله عز وجل قد قرن بسيف الدولة من نصره، وأمده من عونه، بما لا ~~يمنعه الدهر معه من بغية، ولا يجير عليه من اعتقد له معصية، ولا تحصن الدرع ~~دونه مهجة البطل إذا خالفه، ولا تعصمه من الهلاك إذا أراده. # إذا خلعت على عرض له حللا ... وجدتها منه في أبهى من الحلل # ثم قال: إنه إذا خلع عليه حلة من شعره، والبسه ثوبا من مدحه، وجد تلك ~~الحلة متزينة بفضله، وذلك المدح متشرفا بقدره، فهو يرفع الشعر فوق رفعته ~~له، وتزين المدح أكثر من تزينه به. # بذي الغباوة من إنشادها ضرر ... كما تضر رياح الورد بالجعل # ثم قال: إن ذا الغباوة، وهو الجاهل، إذا أنشد ما يمدحه به، وأسمع ما ~~ينظمه فيه، بعد على فهمه، وأثر ذلك ms027 في نفسه، وانكشف له قدر تقصيره، واستضر ~~بحسن قوله، وبديع شعره، كما يستضر الجعل يرياح الورد التي تؤذيه بطيبها، ~~وتقتله بمضادته لها. # لقد رأت كل عين منك مالئها ... وجربت خير سيف خيرة الدول # PageV01P224 # يقال: خير وخير وخيرة، كل ذلك بمعنى واحد، قال الله عز وجل: (فيهن خيرات ~~حسان) بمعنى خيرات. # فيقول: لقد رأت كل عين من جمالك ما بهرها، ومن جلالتك ما ملأها، وجربت ~~خيرة الدولة، أي: أفضل الدول، منك أفضل السيوف. # فما تكشفك الأعداء عن ملل ... من الحروب ولا الآراء عن زلل # ثم قال: فما كشفت الأعداء منك، بطول ممارستها، مللا في حربها، ولا أبدت ~~الآراء منك، مع تزاحمها عليك، زللا في تناولها. # وكم رجال بلا أرض لكثرتهم ... تركت جمعهم أرضا بلا رجل # يقول: وكم جمع جمعة الأعداء لك، تغيب الأرض مع كثرة رجاله، وتخفى عن ~~الأبصار بتزاحم جموعه، حتى كأنهم رجال دون أرض، أفنيت أعدادهم، وقتلت ~~جمعهم، وتركت موضعهم أرضا دون رجال. # ما زال طرفك يجري في دمائهم ... حتى مشى بك مشي الشارب الثمل # PageV01P225 # الطرف: الفرس الكريم، والثمل: السكر. # ثم قال: ما زال طرفك يطأ دماءهم، ويقتحم معتركهم، حتى أزلقته الدماء ~~بكثرتها، فمشى مشي الشارب السكران، الذي لا يثبت بنفسه، ولا يطمئن في مشيه. # يا من يسير وحكم الناظرين له ... فيما يراه وحكم القلب في الجذل # يقول: يا من يسير، وله حكم ناظريه في ألا يريهما الله إلا ما يسره، وحكم ~~نفسه في ألا يعرفها الله إلا ما يجذله، والجذل: الفرح. # إن السعادة فيما أنت فاعله ... وقفت مرتحلا أو غير مرتحل # ثم قال: إن السعادة فيما يقضي به الله لك، والتوفيق فيما تمضي عليه فعلك، ~~مقيما كنت أو ظاعنا، مستقرا أو راحلا، بهذا إلى انصرافه عن الديلمي، وقال ~~إن فعله اله لك من الموادعة التي اختارها محاربك، قد جعل لك فيه السعادة، ~~وقرن لك به الخيرة. # PageV01P226 # أجر الجياد على ما كنت مجريها ... وخذ بنفسك في أخلاقك الأول # يقول: أجر خيلك على ما كنت تجريها عليه، من غزو الروم، ms028 وحماية الثغر، فقد ~~كفاك الله ما كنت تحذره على أخيك من الديلمي، وخذ بنفسك من ذلك فيما تقدم ~~من أخلاقك، وشهر من مذاهبك، واعدل عن السلم إلى الحرب، وعن إلى الجهاد. # ينظرن من مقل أدمى أحجتها ... قرع الفوارس بالعسالة الذبل # الأحجة: جمع حجاج، وهو العضم الذي يحيط بالعين، والعسالة: الرماح التي ~~تهتز لطولها، والذبل اليابسة. # ثم وصف حال خيله في السبيل التي ندبه إليها، فقال: ينظرن من مقل أدمى ~~أحجتها قرع الفوارس لها الرمح في حين الطراد، وأشار بذلك إلى ما حضه عليه ~~من غزو الروم. # فلا هجمت بها إلا على ظفر ... ولا وصلت بها إلا إلى أمل # ثم قال، داعيا له: فلا الله إلا على ظفر يظهرك به على عدوك، ولا أوصلت ~~إلا أمل يقرب لك به مرادك. # PageV01P227 # وأمره سيف الدولة بالمسير معه في هذه السفرة فقال: # سر حل حيث تحله النوار ... وأراد فيك مرادك المقدار # يقول: سر، جعل الله كل محل تحله روضة مونقة، وحديقة ممرعة، وأجرى ~~المقادير بما تريده، أحكامها بما تحبه. # وإذا ارتحلت فشيعتك سلامة ... حيث اتجهت وديمة مدرار # الديمة: السحابة، والمدرار: الغزيرة. # ثم قال: وإذا ارتحلت، فصحبك الله بسلامته حيث توجهت، وسقى بلادك كيف ~~تصرفت. # وصدرت أغنم صادر عن مورد ... مرفوعة لقدومك الأبصار # يقول: ورجعك الله أظفر راجع عن مقصده، وأصدرك أغنم صادر عن موروده، عزيزا ~~نصرك، ممتدة الأبصار نحوك. # وأراك دهرك ما تحاول في العدى ... حتى كأن صروفه أنصار # وأراك دهرك في عدوك ما تحاوله من كبته، وتكفل لك فيه بما تتمناه # PageV01P228 # في أمره، حتى كأن صروفه تنصرك، باعتمادها له، وخطوبه تعينك، في اغترائها ~~به. # أنت الذي بجح الزمان بذكره ... وتزينت بحديثه الأسمار # بجح الرجل بالشيء: إذا كان يهذي به فرحا، والسمر: حديث القوم بالليل. # فيقول: أنت الذي كلف بذكره، وزهي بموضعه، وتزين السمر بحديثه، وحسن بما ~~تضمنه من خيره. # وإذا تنكر فالفناء عقابه ... وإذا عفا فعطاؤه الأعمار # ثم قال: وأنت يقترن الفناء بعقابه إذا غضب، وتستدام الحياة بعفوه إذا ~~رضي، فسخطه هلك، ورضاه ms029 نجاة. # وله وإن وهب الملوك مواهب ... در الملوك لدرها أغبار # الدر: اللبن الكثير، والغبر: بقية اللبن في الضرع، وجمعه أغبار. # فيقول: إن لسيف الدولة، إذا فذوكرت مواهب الملوك، مواهب # PageV01P229 # عظيمة، وعطايا جليلة، كثير مواهب الملوك يقل عندها، وعظيمها يصغر فيها، ~~وضرب الدر مثلا للكثير، والغبر مثلا للقليل. # لله قلبك ما يخاف من الردى ... وتخاف أن يدنو إليك العار # ثم قال: لله قبلك لا تهاب الموت وسطوته، ولا تخاف الردى وشدته، وتخاف دنو ~~العار إليك، وتشفق من وصمته، وتتوقع قبح أحدوثته. # وتحيد عن طبع الخلائق كله ... ويحسد عنك الجحفل الجرار # ثم قال: وتحيد عن جميع ما يدنس الخلق ويعيبه، والجحفل الجرار يحيد عنك، ~~وذو البأس الشديد يفرق منك. # يا من يعز الأعزة جاره ... ويذل في سطواته الجبار # PageV01P230 # يقول: يا أيها الملك الذي تتواضع الأعزة لجاره، وتذل الملوك لأمره، ~~وتعترف لجلالة قدره. # كن حيث شئت فما تحول تنوفة ... دون اللقاء ولا يشط مزار # البتنوفة: الفلاة، ويشط: يبعد. # ثم قال: كن كيف شئت من الطعن والإقامة، والاستقرار والرحلة، فما يمنعني ~~الفلوات وتجشمها من لقائك، ولا يعوقني بعد المزار، ونأي المقصد عن صحبتك. # وبدون ما أنا من ودادك مضمر ... ينضى المطي ويقرب المستار # المستار: موضع المسير. # ثم قال: وبدون ما أضمره من ودك، وأعترف به من فضلك، يهون الشديد، ويستقرب ~~البعيد، وينضى المطي، ويهجر الوطن، ويستسهل السفر، فكيف أمتنع منك أو أتأخر ~~على حال عنك؟ # إن الذي خلقت خلفي ضائع ... ما لي على قلقي إليه خيار # PageV01P231 # يقول: إن الذي خلقت ممن يهمني أمره، ويلزمني حفظه، ضائع بمغيبتي، محتل ~~بمفارقتي، وما لي على قلقي إليه خيار أؤثره، ولا مراد اقصده. # وإذا صحبت فكل ماء مشرب ... لولا العيال وكل أرض دار # ثم يقول: وإذا صحبتك فكل ماء أنزل به مشرب استعذبه، وكل أرض أسير فيها ~~وطن أتخيره، لولا العيال وضيعتهم، والأهل وخلتهم. # إذن الأمير بأن أعود إليهم ... صلة تسير بشكرها الأشعار # ثم قال: وإن الأمير في أن أعود إليهم، وإسعافه في أن أشرف عليهم، صلة ~~تسير ms030 الأشعار بشكرها، وتتقيد بما يضع عندي من فضلها. # PageV01P232 # وقال يرثي أبا الهيجاء عبد الله بن سيف الدولة، وتوفي بميافارقين. # أنشدها في صفر سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة. # بنا منك فوق الرمل ما بك في الرمل ... وهذا الذي يضني كذاك الذي يبلي # يقول: بنا من السقم بعدك، والأسف لفقدك، وضنى الأجسام لمصيبتك، وتغيرها ~~لرزيتك، وإن كنا على ظاهر الأرض، كالذي بك في باطنها، من بلى جسمك، وتغير ~~الترب لحسنك، وهذا الذي يضني أجسامنا كذاك الذي يبلى جسمك. # كأنك أبصرت الذي بي فخفته ... إذا عشت فاخترت الحمام على الثكل # الحمام: الموت، والثكل: فقد الحبيب. # ثم قال: كأنك أبصرت الذي ألقاه من الحزن عليك، وأقاسيه من الوجد بك، ~~وعلمت أن الدنيا مجبولة على فقد الأحبة، وإعدام الأعزة، فآثرت الموت على ~~الثكل، واخترت الحمام على الحزن. # تركت خدود الغانيات وفوقها ... دموع تذيب الحسن في الأعين النجل # PageV01P233 # يقول: تركت خدود الغانيات من نوادبك، والمنعمات من بواكيك، وفوقها دموع ~~مسفوحة عليك، منهملة لمصابك، كأنها ذوب الحسن في العيون الباكيات بها، ~~وصابته في الجفون المذرية لها. # تبل الثرى سودا من المسك وحده ... وقد قطرت حمرا على الشعر الجثل # الشعر الجثل: الكثير الملتف، والعين النجلاء: الواسعة الحسنة، والجمع ~~نجل. # ثم قال: يقطر من الجفون والخدود على الأصداغ، وقد حمرها الدم، وتبل الأرض ~~من الأصداغ، وقد سودها المسك. فأشار إلى حال بواكيه في النعيم والرفعة، وما ~~هن ببسيله من حر المصيبة. # فإن تك في قبر فإنك في الحشى ... وإن تك طفلا فالأسى ليس بالطفل # يقول: فإن تك في قبر تضمنك، ولحد قد سترك، فإن مثالك في القلب ساكن، ~~ومحلك في الحشا لطيف، وإن تك طفلا في سنك، وصغيرا فيما انصرم من # عمرك، فإن الرزء بك ليس بالصغير، والحزن عليك ليس باليسير. # PageV01P234 # ومثلك لا يبكى على قدر سنه ... ولكن على قدر المخيلة والأصل # المخيلة: السحابة التي يتأكد الرجاء في مطرها، وبها سميت الدلالة الصادقة ~~في الشيء مخيلة. # يقول: ومثلك لا يبكى على قدر سنه، وما انصرم من يسير عمره، ولكن على ms031 قدر ~~مخيلة نجابته، وما يتيقن من جليل سيادته، وما يعليه من أصيله الكريم، ويسمو ~~به من نسبه الرفيع. # ألست من القوم الذي من رماحهم ... نداهم ومن قتلاهم مهجة البخل # يقول: ألست من القوم الذين كرمهم من سلاحهم، ونداهم من رماحهم، ومهجة ~~البخل من قتلاهم، فهم يسطون على الأعداء بما يرتهنونهم به من الفضل، ~~ويتكلمونهم بما يشيعون فيهم من الجود. # بمولودهم صمت اللسان كغيره ... ولكن في أعطافه منطق الفضل # عطف الرجل: جانبه من رأسه إلى وركه. # PageV01P235 # ومولودهم إذا أصمتنه الحيلة، ومنعته من الكلام الطفولة، نطقت السيادة من ~~أعطافه منطق فصل، وشهدت له مخايل الكرم شهادة عدل. # تسليهم علياؤهم عن مصابهم ... ويشغلهم كسب الثناء عن الشغل # يقول: يسليهم الكرم عن مصائبهم، ويوجب لهم الصبر في فجائعهم، ويشغلهم كسب ~~الثناء عن الشغل بغيره، فيحتارون من فضله بحسب اعتنائهم بأمره. # أقل بلاء بالرزايا من القنا ... وأقدم بين الجحفلين من النبل # البلاء: المبالاة. # فيقول إن رهط سيف الدولة أقل مبالاة بالرزايا من الرماح المتوقعة، وأنقذ ~~بين الجحفلين المتقاتلين من السهام المرسلة، # PageV01P236 # فشبههم لجرأة أنفسهم، وجلدهم على # الرزايا إذا طرقتهم، بالرماح والسهام، التي تصيب ولا تصاب، وتهاب ولا ~~تهاب. # عزاءك سيف الدولة المقتدى به ... فإنك نصل والشدائد للنصل # ثم قال لسيف الدولة: (عزاءك المقتدى به، فإنك نصل) بمعنى: تعز عزاءك ~~المقتدى به، فأنت الأسوة في صبرك، والأوحد في كرمك فضلك، وأنت سيف، ~~والشدائد للسيف، يكشفها بحدثه، وينفذ فيها بصرامته. # مقيم من الهيجاء في كل منزل ... كأنك من كل الصوارم في أهل # يقول: أنت مقيم في كل منزل الحرب، تأنس بها، ولا تستوحش لها، حتى كأن ~~صوارمها أهلك، وأسلحتها المتوقعة رهطك، تنصرك ولا تخذلك، وتظفرك ولا تظفر ~~بك. # ولم أر أعصى منك للحزن عبرة ... وأثبت عقلا والقلوب بلا عقل # ثم قال: إن عبرته تتعاصى على الحزن؛ لما هو عليه من الجلد والصبر، وإنه ~~أثبت الناس عقلا إذا أذهبت الحرب العقول بشدتها، وأذهلتها بمخافتها، يشير ~~بذلك إلى استسهاله لأمرها، واستقلاله بحملها. # PageV01P237 # تخون المنايا عهده في سليله ... وتنصره بين ms032 الفوارس والرجل # السليل: الولد. # فيقول معجبا بأمره، ومنبها على جلالة قدره: وإن الموت حتم من الله تعالى ~~على جميع خلقه. تخالفه المنايا فتخترم نفس ابنه، وتخون عهده في سليله ~~وتنصره في حربه، وتطيعه عند مواقعته بعدوه، وفي هذا شاهد على أن الموت لا ~~يدفع بقوة، ولا يمتنع منه برفعة. # ويبقى على مر الحوادث صبره ... ويبدو الفرند على الصقل # الفرند: وشيء السيف. # ثم قال: إن الحوادث لا تذهب بصيره، ولا تخل بجلده، ولكنها تبقي ذلك ~~وتظهره، # وتبديه وتبينه، كما يبدي فرند السيف صقله، ويظهر بجلائه فضله. # ومن كان ذا نفس كنفسك حرة ... ففيه لها مغن وفيها له مسلي # ثم قال: ومن كان ذا نفس حرة كنفسك، وذا طبيعة كريمة كطبيعتك، ففي جلالته ~~ما يغني نفسه عن كل حميم يفقده، وفي كرم نفسه ما يسليه عن كل مهم يطرقه. # PageV01P238 # وما الموت إلا سارق دق شخصه ... يصول بلا كف ويسعى بلا رجل # يقول: وما الموت الذي لا يؤمن في حين الغفلة، ولا يدفع بأشد الحيلة، إلا ~~كسارق مختلس، خفي شخصه، شديد أمره، يصول دون كف يظهرها، ويسعى دون رجل ~~ينقلها، وذلك أشد لبطشه، وأسرع لسعيه. # يرد أبو الشبل الخميس عن ابنه ... ويسلمه عند الولادة للنمل # الشبل: ولد الأسد، والخميس: الجيش الكبير. # ثم قال، دالا على أن حوادث الدهر، لا يمتنع منها بقوة، ولا يدفع محتومها ~~بشدة: يرد الأسد الجيش عن ابنه، ويسلمه لأذى النمل عند ولادته، فيحميه من ~~العظيم الكثير، ويسلمه للحقير اليسير، وضرب في ذلك مثلا بقيام سيف الدولة ~~بجليل الأمور، وهو مع ذلك لا يدفع الموت عن ابنه، ولا يمتنع منه بنفسه. ~~يريد أنه يعجز عن المخاتلة من لا يعجز عن المبارزة. # بنفسي وليد عاد من بعد حمله ... إلى بطن أم لا تطرق بالحمل # PageV01P239 # التطريق بالحمل: أن يخرج بعض الولد ويبقى بعضه. # فيقول: بنفسي ولد عاد من بعد حمل أمه إلى بطن أم لا تطرق بحملها، ولا ~~تبدي ما استتر من بطنها. فأشار بذلك إلى الأرض، وأنها لا تبدي قبورها من ms033 ~~أجنته، ولا تطرق بمن تضمنته. # بدا وله وعد السحابة بالروي ... وصد وفينا علة البلد المحل # الروي: الماء الكثير، والغلة: العطش. # ثم قال: بدا ذلك الوليد وشواهد الكرم بادية عليه، ومخايله ظاهرة فيه، ~~فوعد من فضله بمثل ما يعد به السحاب من وبله، ثم صد باخترام الموت له، ~~فأبقى بأنفسنا مثل غلة البلد الممحل، إذا منع من السحاب الممطر. # وقد مدت الخيل العتاق عيونها ... إلى وقت تبديل الركاب من النعل # الخيل العتاق: هي الكرام. # فيقول: وقد مدت الخيل الكرام أعينها إليه، وتنافست عتاقها فيه، # PageV01P240 # وارتقبت أن يصير من السن إلى حال يتعوض فيها بالركاب من النعل، وبركوب ~~الخيل من المشي. # وريع له جيش العدو وما مشى ... وجاشت له الحرب الضروس وما تغلى # جاشت القدر: إذا غلت وهاجت، فاستعار ذلك في الحرب، والضروس: الشديدة ~~الغص، والروع: الفزع. # ثم قال: وفزع له جيش العدو، وهو في سن من لا يمشي؛ لصغره، وغلت الحرب ~~الشديدة باهتياجها، لاعتدادها بموضعه، قبل أن يباشرها بنفسه، وتستعمل فيها ~~ما يرتقب من سعيه، وجرى الكلام في جاشت على الاستعارة، وإن كان ما وصفه غير ~~مشهور الحقيقة. # أيفطمه التوراب قبل فطامه ... ويأكله قبل البلوغ إلى الأكاش # الفطام: منع الصبي من الرضاع، والتوراب: لغة في التراب. # فيقول: أيفطمه التراب باشتماله عليه، قبل بلوغه سن الفطام؟ # PageV01P241 # ويأكل جسمه بإبلائه له قبل بلوغه سن الأكل؟ يشير إلى اخترام الموت له في ~~سن الطفولية. # وقبل يرى من جوده ما رأيته ... ويسمع فيه ما سمعت من العذل # ثم قال، مخاطبا لسيف الدولة: وقبل أن يرى من عموم جوده ما رأيته، ويشهد ~~من # كثرته ما شهدته، ويسمع من العذل فيه كالذي سمعت، ويعرض عنه كما أعرضت. ~~ودل بكثرة العذل عليه، علي قلة إصغائه غليه، وحذف أن من كلامه، وهو يريدها ~~في قوله: (وقبل يسرى). والعرب تفعل ذلك: قال الشاعر وهو طرفه. # (ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى) # يريد: أن أحضر، فحذف لدلالة الكلام على ما أراد. # ويلقى كما تلقى من السلم والوغى ... ويمسي كما تمسي مليكا بلا ms034 مثل # يقول: ويلقى كالذي تلقاه من عظيم سلطانك، وارتفاع شأنك # PageV01P242 # في السلم وجلالة قدرك، ومشهور ظفرك في الحرب، ويصير في حالك ملكا لا ~~يماثل ملكه، وسلطانا لا يعترض أمره. # توليه أوساط البلاد رماحه ... وتمنعه أطرافهن من العزل # ثم قال: توليه رماحه قواعد البلاد، ووسائط الأرض، بتغلبه عليها، وتمنعه ~~أطراف تلك الرماح، برهبة الأعداء لها، من أن يعزل عنها، وطابق بين الولاية ~~والعزل، والأوساط والأطراف، وذلك من البديع. # نبكي لموتانا على غير رغبة ... تفوت من الدنيا ولا موهب جزل # يقول: نبكي على موتانا، ونحزن لهم، ونكثر الأسف لفراقهم، ونحن نتيقن أنهم ~~لا يفوتهم من الدنيا ما يرغب في مثله، ولا يمنعون منها ما يجب أن يتنافس في ~~نيله؛ لأنها بجملتها غرور، وتمنع من بقي فيها بصحبتها يسير. # إذا ما تأملت الزمان وصرفه ... تيقنت أن الموت ضرب من القتل # PageV01P243 # ثم قال: إذا ما تأملت الزمان وصروفه، وتدبرت الدهر وخطوبة، تيقنت أن ما ~~حتم على الإنسان من الموت، كالذي يتوقعه من القتل؛ لأن الأمرين متساويان في ~~مكروههما، متماثلان فيما يشاهد من عدم الحياة بهما، فما ظنك بشيء يكون آخر # مصيره إلى أكره ما يحذر من أموره، وهذا يوجب الزهد في الدنيا، ويدعو إلى ~~الإعراض عنها، وقلة الأسف عليها. # هل الولد المحبوب إلا تعلة ... وهل خلوة الحسناء إلا أذى البعل # التعلة: الشغل. # فيقول: هل الولد المرغوب فيه إلا شغل لوالده، وفتنة لمنسله، وهل خلوة ~~الحسناء التي تدعو إليه إلا أذى للبعل المتعرض لها؛ لأنه غير مستديم ~~للذتها، ولا حامد للنسل في عاقبتها. # وقد ذقت حلواء البنين على الصبا ... فلا تحسبني قلت ما قلت عن جهل # والحلوى: معروفة، واسمها يستعار لكل ما استحلي. # ثم قال: وقد ذقت حلاوة البنين في حين الصبوة، والعدم لحقيقة # PageV01P244 # المعرفة، ثم لحظتهم بعين اليقين، بعد تجربتي لأمرهم، وإحاطتي بعلمهم، فلا ~~تحسبني ذممتهم عن غير معرفة، وزهدت فيهم دون تجربة. # وما تسع الأزمان علمي بأمرها ... ولا تحسن الأيام تكتب ما أملي # يقول، مؤكدا لما قدمه من إحاطته بالأمور، وما خض عليه ms035 من الزهد في ~~الدنيا، وقلة الأسف على التولد: وما تسع الأزمان ما أعلمه من أمرها، ~~وأتيقنه من شدة تكدرها. يريد أنها تضيق عن علمه وتقصر، وتعجز عن الاشتمال ~~عليه وتتأخر، وأنها لا تحسن أن تكتب من ذلك ما يمله، وتضبط ما يعده. # وما الدهر أهل أن تؤمل عنده ... حياة وأن يشتاق فيه إلى نسل # ثم قال: وما يحسن بالدهر المذموم أمره، الشديد تنكره، أن تؤمل عنده حياة، ~~أو يشتاق فيه إلى نسي؛ لأن مآل الحياة فيه إلى الموت، ومآل # PageV01P245 # النسل فيه إلى الفقد بعد طول الشغل والنصب، ومعاناة الكد والطلب، وما كان ~~كذلك، فالسرور يسير بوجوده، والحزن غير واجب عند فقده. # PageV01P246 # وسأله عن صفة فرس ينفذه إليه، فقال ارتجالا. # موقع الخيل من نداك طفيف ... ولو أن الجياد منها ألوف # ومن اللفظ لفظة تجمع ... الوصف وذاك المطهم المعروف # ما لنا في الندى عليك اختيار ... كل ما يمنح الشريف شريف # الطفيف: الحقير، والمطهم من الخيل: التام الخلق. فيقول: موقع الخيل حقير ~~في جودك، والألوف منها يسير في بذلك، ثم قال: ومن اللفظ قليل يجمع الكثير ~~من النعت، ولفظة تشتمل على جملة الوصف، في الخيل، المطهم التام خلقه، ~~المعروف المشهور عتقه، ثم قال: وما لنا في نداك اختيار عليك، أنت الشريف، ~~وشريف ما تهبه، والرفيع، ورفيع ما تبذله. # PageV01P247 # وخيره بين فرسين: دهماء وكميت، فقال ارتحالا: # اخترت دهماءتين يا مطر ... ومن له في الفضائل الخير # الخير: جمع خيرة، وخيرة الشيء: أرفعه. # فيقول لسيف الدولة: اخترت دهماء هاتين الفرسين، وأسقطها التي للتنبيه، ~~كما تقول في المذكر: اخترت أفضل دين، وأنت تريد هاذين، وشبهه بالمطر في ~~عموم جوده، وتدفق كرمه، فقال له: يا مطر، ويا من له من الفضائل أجلها رتبة، ~~وأبينها رفعة. # وربما فالت العيون وقد ... يصدق فيها ويكذب النظر # قال الشيء: إذا أخطأ. # ثم قال: ربما أخطأت العيون فيما تؤثره، وغلطت فيما تتخيره، فالنظر يصدق ~~ويكذب، ولست أبرئ نفسي من ذلك، فيما تخيرته. واستحسنته. # أنت الذي لو يعاب في ملاء ... ما عيب إلا بأنه ms036 بشر # PageV01P248 # يقول أنت الذي لو يعيبه عائب في ملا يحصلون قوله، ويراقبون كذبه وصدقه، ~~ما عيب إلا بأنه بشر يماثل في كرمه وفضله. # وإن إعطاءه الصوارم وال ... خيل وسمر الرماح والعكر # العكر: ثلاث مائة من الإبل، فما زاد على ذلك. # ثم قال: وإن إعطاءه، السلاح التي توجب المنعة، والخيل التي تقرب البغية، ~~والكثرة العظيمة من الإبل التي تضمن الثروة، فعائبه لا يعيبه إلا بيان ~~فضله، وتناهي كرمه. وهذا من البديع باب يعرف بالاستثناء. # فاضح أعدائه كأنهم ... له يقلون كلما كثروا # يريد: أنه يفضح أعداءه، بظهور فضله فيهم، واستحكام غلبته عليهم حتى كأنهم ~~كلما كثروا يقلون له؛ لأنه يحتقرهم، ويملكهم ويستذلهم، ويقهرهم. # أعاذك الله من سهامهم ... ومخطئ من رميه القمر # ثم دعا له، فقال: أعاذك الله مما يرمونك به من كيدهم، ويوجهونه إليك من ~~مكرهم، وإعاذة الله لك مضمونة، وكفايته متيقنة؛ لأنك القمر في بيان فضلك، ~~وعلو قدرك، ومخطئ من رميه القمر؛ لأنه يحاول ما لا يدركه، ويرمي ما لا ~~يبلغه. # PageV01P249 # وأمر سيف الدولة بإنفاذ خلع إليه، فقال: # فعلت بنا فعل السماء بأرضه ... خلع الأمير وحقه لم نقضه # السماء: المطر. # فيقول: فعلت خلع الأمير بنا، فيما ظهر علينا من حسنها وجمالها، فعل المطر ~~بالأرض، فيما يكسوها من الروض، ويظهر فيها من الزهر. # فكأن صحة نسجها من لفظه ... وكأن حسن نقائها من عرضه # ثم وصف تلك الخلع، فقال: فكأن صحة نسجها تحكي من سيف الدولة صحة لفظه، ~~وكأن حسن رونقها يحكي رونق عرضه. # وإذا وكلت إلى كريم رأيه ... في الجود بان مذيقه من محضه # المذيق: المخلوط، والمحض: الخالص. # ثم قال: وإذا وكلت إلى الكريم رأيه في الجود، كشف لك حقيقته، وأبان لك ~~يقينه، وعرفت بما يبديه لك، فضل ما بين المذيق والمحض، وفرق ما بين المشوب ~~والصفو. # PageV01P250 # وقال أيضا يمدحه: # لا الحلم جاد به ولا بمثاله ... لولا ادكار وزياله # الزيال: كالزوال، يقال: زال الشيء زوالا، وزالت الخيل بركبانها زيالا، ~~تقلب الواو ياء للكسرة التي قبلها. # فيقول: إن الأحلام لم يكن في قوتها ms037 أن تجود بمن أحبه فتقربه، ولا بما ~~يشبهه فتمثله، لولا ما يدعو إلى ذلك من وكيد التذكير لوداعه عند فرقته، ~~وزياله عند رحلته. # إن المعيد لنا المنام خياله ... كانت إعادته خيال خياله # ثم قال: إن المحبوب الذي أعاد لنا النوم خياله، كانت تلك الإعادة لخفه ~~وقعتها، وتقاصر مدتها من ذلك الخيال، كالخيال الذي لا حقيقة له، ولا شفاء ~~للعاشق به. # بتنا ينولنا المدام بكفه ... من ليس يخطر أن نراه بباله # ثم وصف حاله عند زيارة الطيف له، وما قرب بذلك من البعيد وأمكنه من ~~العسير، فقال: إنه بات يتناول المدام من كف محبوبه، # PageV01P251 # وذلك المحبوب لا يخطر بباله رؤيته، لتباعده عنه ولا يتوهمها، لانفصاله ~~بالمسافة المتراخية منه. # نجني الكواكب من قلائد جيده ... وتنال عين الشمس من خلخاله # ثم شبه جواهر عقود محبوبه بالكواكب، ولمعان خلاله بعين الشمس، وذكر أنه ~~بات يجني الكواكب من تلك القلائد، بتناوله لها، وينال عين الشمس من تلك ~~الخلاخل، بلمسه إياها، فأحرز صواب التشبيه فيما شبه به، مما لا زيادة عليه ~~في حسن المنظر، وامتناع الموضع. وأشار إلى المعانقة والملامسة أحسن إشارة، ~~وغير عنهما ألطف عبارة. # بنتم عن العين القريحة فيكم ... وسكنتم وطن الفؤاد الواله # فدنوتم ودنوكم من عنده ... وسمحتم وسماحكم من ماله # الفؤاد: القلب، والوله: ذهاب العقل لشدة الحب # فنقول: بنتم عن العين القريحة من مواصلة البكاء لبينكم، وسكنتم وطن ~~الفؤاد الواله بحبكم، المشغول بذكركم، المقصور على تمثلكم، # PageV01P252 # فأدناكم الحلم من عاشقكم في نومه، بذكره لكم، وقربكم الوهم منه في يقظته، ~~لشغفه بكم، فذلك الدنو من عنده، ولا من عندكم، وذلك السماح من ماله، لا من ~~قبلكم. وأجرى ذكر السماح والمال على طريق الاستعارة. # إني لأبغض طيف من أحببته ... إذ كان يهجرنا زمان وصاله # يقول: إنه يبغض طيف محبوبه مع كلفه به، ويكرهه مع ارتياحه له؛ لأنه كان ~~يهجره في زمان الوصل، ولا يطرقه مع التئام الشمل. # مثل الصبابة والكآبة والأسى ... فارقته فحدثن من ترحاله # ثم قال: مثل الصبابة والكآبة والأسى، فارقت من أحب، فحدثن ms038 بفرقته، ~~وعدمته، فشكوتهن بعد رحلته، وكذلك الطيف، إنما زار في زمان الهجر، وطرق عند ~~امتناع الوصل. # وقد استقدت من الهوى وأذقته ... من عفتي ما ذقت من بلباله # البلبال: شدة الوجد. # PageV01P253 # فيقول: وقد أخذت قودي من الهوى، وأذقته من الأسف بالعفة، التي سهلت لي ~~خلافه، كالذي أذاقني من الألم ببلابله، والتحمل للواعجه. # ولقد ذخرت لكل أرض ساعة ... تستجفل الضرغام عن أشباله # الاستجفال: الاستعجال. # ثم قال: ولقد ذخرت للأرض وقعة أوقعها، وساعة أثور فيها، تستعجل الضرغام ~~بشدتها عن شبله، وتجعل له أوكد شغل في نفسه # تلقى الوجوه بها الوجوه وبينها ... ضرب يجول الموت في أجواله # الأجوال: النواحي، واحدها جول. # ثم وصف تلك الساعة، فقال: إن وجوه الأبطال الذين لا ينكصون، يلقى بعضها ~~بعضا، وبينها ضرب شديد، وجلاد وكيد، يكثر الموت فيه، # PageV01P254 # ويجول في نواحيه. وجانس بقوله يجول الموت في جواله؛ لأن حروف الأصل في ~~يجول وفي أجواله واحدة، والمراد بالكلمتين مختلف، واتفاق هذا في الكلام هو ~~التجنيس، وهو من البديع. # ولقد خبأت من الكلام سلافه ... وسقيت من نادمت من جرياله # السلاف والسلافة: ما سال من الخمر دون أن يعصر، والجريال: صيغ أحمر، وما ~~اشتدت حمرته من الخمر، يسمى جريالا على المشابهة. # فيقول: إنه خبأ من الكلام أسهله وأفضله، وما هو منه كالسلاف في ضروب ~~الخمر، وأظهر منه ما لا يدفع فضله، ولا ينكر حسنه، كالجريال في أنواعها، ~~إلا أن الذي أظهره مع تقدمه دون الذي خبأه. يشير بهذا إلى قدرته على الكلام ~~وإحاطته به. # وإذا تعثرت الجياد بسهله ... برزت غير معثر بجباله # ثم قال: وإذا بعد سهل الكلام على أهل الإحسان، وصعب انقياده لهم، صعوبة ~~المقامات التي توجب ذلك، برزت هنالك غير مقصر في # PageV01P255 # غوامض القول، ولا متعثر في بدائع الشعر. وكنى (بالسهل) عما قرب من ~~الكلام، (وبالجبال)، عما غمض منه، (وبالجياد)، عن أهل الإحسان، فاستعار هذه ~~الألقاب أحسن استعارة، وأشار إلى إحسانه أبدع إشارة، وكل ذلك من بديع ~~الكلام. # وحكمت في البلد العراء بناعج ... معتاده مجتابه مغتاله # العراء: الأرض الفضاء التي ms039 لا يستثر فيها، والناعج من الجمال: الأبيض، ~~وذلك من دلائل كرمه، والمجتاب للبلد: الذي يقطعه، والمغتال له: الذي يستوفي ~~غايته. # فيقول: إنه اقتدر على الفقر العراء بجمل معتاد للسير فيه، مستضلع بالقطع ~~له، # مستقل ببلوغ غايته، فحكم في هذا الفقر، بركوبه جملا هذه صقته. # يمشي كما عدت المطي وراءه ... ويزيد وقت جمامها وكلاله # العدو: ضرب من الجري. # PageV01P256 # ثم قال: إن هذا الجمل لقوته يساوي بمشيه جري غيره من المطي، فيستظهر ~~بمشيه على عدوها، وبعفوه على جهدها، فتصير وراءه، ويزيد على ذلك عند كلاله ~~وجمامها، وتعبه وراحتها، فما ظنك به إذا تساوت الحال وذهب عنه الكلال؟ # وتراع غير معقلات حوله ... فيفوتها متجفلا بعقاله # وتراع المطي حول هذا الجمل، وكلها لا عقال عليه، وهو معقول بينها، فتفر ~~هذا الجمل لفراها، فيفوتها مسرعا، وهو بعقاله، وهي مطلقة ويتقدمها موثقا ~~برباطه، وهي مجتهدة. والمتجفل: المسرع. # فغدا النجاح وراح في أخفافه ... وغدا المراح وراح في إرقاله # المراح: النشاط. # يقول: إنه أعمل هذا الجمل في قصد هذا الرئيس، فاقترن الظفر بسيره، والفوز ~~والغبطة بسفره، وبلغه والنجاح يغدو ويروح في أخفاف مطيته، والنشاط يحملها، ~~والقوة تنهض بها. # PageV01P257 # وشركت دولة هاشم في سيفها ... وشققت خيس الملك عن رئباله # الرئبال: الأسد: والخيس: أجمته. # يقول: إنه شرك دولة هاشم في هذا الرئيس، الذي هو سيفها، فاختاره لقصده، ~~كما اختاره الملك لنفسه، ووصل إلى دار سلطانه، ورفيع مكانه، فأبدى له مستقر ~~تلك المنعة، وموضع تلك الرفعة، عن أسد الملك المانع منه، وسيفه المدافع ~~عنه، وكنى بالرئبال عن سيف الدولة، وبالخيس عن بلده. # عن ذا الذي حرم الليوث كماله ... ينسي الفريسة خوفه بجماله # الفريسة: ما اختطفه الأسد، فدق عنقه. # فيقول إنه شق خيس الملك عن الأسد، الذي حرمت الأسد كماله، ومنعت خصاله؛ ~~لأنه يشركها ببأسه، ويفوتها بحسنه، فهي منسوبة إلى القبح، وهو لحسنه ينسي ~~فريسته خوفه بجمال وجهه، ويشغلها ببهائه عما تتوقعه من بأسه. # وتواضع الأمراء حول سريره ... وترى المحبة وهي من آكاله # الآكال: جمع أكل. # PageV01P258 # ثم قال: إنه لشدة هيبته، وارتفاع ms040 رتبته، تتواضع الأمراء حول سريره، ~~وتعتصم بالخضوع له، وتريه محبتها، وليست من أشكاله، وتتودده، وهي من آكاله. # ويميت قبل قتاله، ويبش ... قبل نواله، وينيل قبل سؤاله # البشاشة: الاستبشار. # فيقول إن هذا الممدوح يميت بهيبته قبل أن يقاتل، ويستبشر بنواله قبل أن ~~يعطي، وينيل من يقصده قبل أن يسأل. # إن الرياح إذا عمدن لناظر ... أعناه مقبلها عن استعجاله # ثم ضرب له مثلا، في قوته على ما يقصده، وقدرته على ما يفعل، بالريح في ~~قوة هبوبها، وعجلة مسيرها، فقال: وكذلك الرياح إذا اعتمدت الناظر إليها، ~~أغناه سرعة حلولها عن استعجالها في مسيرها. # أعطى ومن على الملوك بعفوه ... حتى تساوي الناس في إفضاله # يقول: أعطى، فغم بفضله، واقتدر على الملوك المرتفعين عن # PageV01P259 # تقبل العطاء، فمن عليهم بعفوه، وكان صفحه عنهم من أوفر العطاء عندهم، ~~فتساوى، الملوك والسوق فيما شملهم من إفضاله، وتماثلوا فيما أحاط بهم من ~~إحسانه. # وإذا غنوا بعطائه عن هزه ... وإلى فأغنى أن يقولوا واله # ثم قال: وإذا أغنى كرمه عن مسألته، وابتداؤه للعطاء عن هزه وإلى ذلك ~~وتابعه، # وأعاده وواصله، فأغنى احتماله عليه من تحريكه بالمسألة إليه. # وكأنما جدواه من إكثاره ... حسد لسائله على إقلاله # الجدوى: العطاء. # فيقول: وكأنما عطاؤه لكثرته، وما هو عليه من مواصلته، استكراه منه للمال، ~~وحسد للسائل على الإقلال. # غرب النجوم فغرن دون همومه ... وطلعن حين طلعن دون مناله # الهم والهمة بمعنى واحد. # ثم قال: إن النجوم مع ارتفاع مواضعها، وانتزاح مغاربها # PageV01P260 # ومطالعها، تغرب مقصرة عما تبلغه همته، وتطلع متواضعة عما يدركه تناوله. # والله يسعد كل يوم جده ... ويزيد من أعدائه في آله # يقول: والله يمده في كل يوم بكرامة يصلها به، وسعادة يجددها له، ويظفره ~~بمن ناوأه، ويظهره على من عاداه، ويجعلهم بعد العداوة أتباع أمره، وأنصارا ~~لحزبه. # لو لم تكن تجري على أسيافه ... مهجاتهم لجرت على إقباله # ثم قال: لو لم يهلكهم بوقائعه، وتجري مهجاتهم على سيوفه، لتكفل له بذلك ~~إقبال جده، وما أظهره الله من تمكنه وسعده. # فلمثله جمع العرمرم نفسه ... وبمثله انفصمت ms041 عرا أقتال # العرموم: الجيش الكثير، والأقتال: الأعداء، والواحد قتل، والانفصام: ~~الانقطاع # فيقول: فلمثل سيف الدولة جمعت الجيوش أنفسها، وسلمت # PageV01P261 # طاعتها، إعظاما لقدره، بفضله، وبمثله من أهل الحزامة، والمتقدمين في ~~الرياسة، انفصمت عرا أعدائه، وانحل عقدهم، وانفل حدهم. # لم يتركوا أثرا عليه من الوغى ... إلا دماءهم على سر باله # ثم قال، مشيرا إلى استنفاذه لأعدائه، بقتله لهم، وبلوغه المراد منهم: لم ~~يتركوا # عليه للحرب أثرا يظهره، وشاهدا يتكلفه؛ لاستغنائه عن ذلك ببلوغ البغية ~~فيه، إلا ما في ثوبه من دمائهم، التي سفكتها صوارمه، وأجرتها وقائعه، وهذا ~~من البديع يعرف بالاستثناء. # يا أيها القمر المباهي وجهه ... لا تكذبن فلست من أشكاله # يقول: يا أيها القمر الذي يباهي وجه سيف الدولة بنوره، ويساجله بحسنه، لا ~~تكذبن عن نفسك، فهو أبهى منك وأحسن، وأضوء منك وأنور، وله في البأس والكرم ~~رتب لا تبلغها، ومنازل لا تستحقها، فلست ممن يشاكله ويضاهيه، ويماثله ~~ويساويه. # وإذا طما البحر المحيط فقل له ... دع ذا فإنك عاجز عن حاله # ثم قال: وإذا طما البحر المحيط، وطموه: ارتفاعه، فقل له: دع ما # PageV01P262 # تظهره، فكرم سيف الدولة يغمرك، ومواهبه تحقرك، وأنت عاجز عن رتبته، ومقصر ~~عن جلالته ورفعته. # وهب الذي ورث الجدود وما رأى ... أفعالهم للابن بلا أفعاله # ثم قال: (وهب الذي ورث الجدود)، والعرب تسقط حرف الجر مع ورث، فتعمل ~~الفعل، والحرف ثابت في النية، فيقول أحدهم: ورثت أبي ماله، وهو يريد: ورثت ~~من أبي ماله، وأنشد سيبويه: # ورثت أبي أخلاقه: عاجل القرى ... وعبط المهاري كومها وشبوبها # يريد من أبي. # فيقول أبو الطيب: إن سيف الدولة لسعة فضله، وعموم جوده، وهب الذي ورثه من ~~جدوده، وأشار بهذا إلى استنفاذه لجمعه، واستيعابه لكسبه؛ لأن نفقة التالد ~~بعد نفقة الطارف، ولم يقنع بما خلده جدوده من المجد، وأسلفوه من الجود، دون ~~أن يتلوهم بفعله، ويماثلهم، ولا رأى أن أفعال # PageV01P263 # الآباء تشرف الابن، إذا لم تشرفه # أفعاله، وترفعه أحواله، نحو قول الجعدي: # لسنا وإن كرمت أوائلنا ... يوما على الأحساب نتكل # حتى إذا فني ms042 التراث سوى العلا ... قصد العداة من القنا بطواله # قم قال: حتى إذا أفنى البذل تراثه، واستوعب طارفه وتالده، ولم يبق من ذلك ~~إلا العلا التي خلدها، والمكارم التي شيدها، طلب المال مغالبة، فقصد عداه ~~بطوال رماحه، واستعمل فيهم صوارم سيوفه. # وبأرعن لبس العجاج إليهم ... فوق الحديد وجر من أذياله # الرعن: أنف الجبل، والأرعن: الجيش الكبير التي تكون له فضول، كفضول ~~الجبال ورعونها. # PageV01P264 # فيقول: إن سيف الدولة قصد أعاديه بجيش ضخم، له رعون وفضول، يلبس ما يثيره ~~من العجاج فوق ما يلبس فرسانه من السلاح، ويجر أذياله لوفوره، ويسحبها إلى ~~العدو في مسيره. # فكأنما قذي النهار بنقعه ... أو غض عنه الطرف من إجلاله # القذى: ما وقع في العين فعاقها عن النظر، والنفع: الغبار. # ثم قال: إن ذلك العجاج طمس ضياء النهار بشدته، حتى كأنه قذي بغباره، أو ~~غض طرفه عنه، لمخافته وإجلاله. يشير بذلك إلى تغلب الإظلام على نوره، ~~واستيلاء العجاج على ضوئه. # الجيش جيشك غير أنك جيشه ... في قلبه ويمينه وشماله # يقول: الجيش جيشك في امتثاله لأمرك، وتصرفه على إرادتك، وأنت جيشه في أنه ~~إنما يشجع بشجاعتك، ويقدم بك، وتهابه الأعداء من أجلك. هذه حالك في قلبه، ~~ويمينه وشماله، فإذا امتنع الرؤساء بجيوشهم، فأنت تمنع جيشك، وإذا احتموا ~~بجموعهم، فأنت تحمي جمعك. # ترد الطعان المر عن فرسانه ... وتنازل الأبطال عن أبطاله # PageV01P265 # ثم قال: يسبق فرسانه إلى الطعان، فيرد قبلهم مرة، ويسبق أبطاله إلى ~~النزال، فيصلي دونهم حره. # كل يريد رجاله لحياته ... يا من يريد حياته لرجاله # ثم قال: كل الأمراء غيرك يريد الرجال ليستبقي حياته، وأنت تريد الحياة ~~لتسبقيني رجالك، وتحفظ جمعك، جندك. # دون الحلاوة في الزمان مرارة ... لا تخطى إلا على أهواله # يقول: دون حلاوة الظفر، ولذة بلوغ الأمل، مرارة من الغرر، ومشقة من ~~الخطر، لا تتجاوز تلك المرارة إلا بمقارعة أهوال الزمان وشدتها، والتعرض ~~لمحنتها وصعوبتها، وضرب هذا مثلا فيها قدمه، والمثل أرفع وجوه البديع. # فلذاك جاوزها علي وحده ... وسعى بمنصله إلى آماله # ثم قال: فلذلك انفرد علي ms043 بجواز تلك المرارة، وتخطي تلك الصعوبة، وسعي إلى ~~أمله بسيفه، واقتدار على مراده بعزمه. # PageV01P266 # وقال أيضا، يمدحه: # أنا منك بين فضائل ومكارم ... ومن ارتياحك في غمام دائم # الارتياح: انبساط الخلق بالمعروف. # فيقول لسيف الدولة: أنا منك بين فضائل باهرة، ومكارم شاملة، ومن ارتياحك ~~في سحاب لا يقلع، وعطاء لا ينقطع. # ومن احتقارك كل ما تحبو به ... فيما ألا حظه بعيني حالم # ثم قال: وأنا من احتقارك لعظيم ما تفعله، وكثير ما تبذله في شيء ألحظه ~~بعيني حالم غير محقق، ومتوهم غير مصدق. # إن الخليفة لم يسمك سيفه ... حتى بلاك فكنت عين الصارم # الابتلاء: التجربة، وعين الشيء: حقيقته. # فيقول: إن الخليفة لم يمسك سيف دولته حتى جربك، فكنت السيف حقيقة لا ينبو ~~حدك، ولا ينفل عزمك، ولا يطمع فيك عدوك. # PageV01P267 # فإذا تتوج كنت درة تاجه ... وإذا تختم كنت فص الخاتم # ثم قال: فأنت أرفع آلات تاجه إذا تتوج؛ لأنك درته، وأجل ما يشتمل عليه ~~خاتمه إذا تختم؛ لأنك فصه. يشير إلى أنه أرفع ما يترفع الخليفة به، وأجل ما ~~يباهي بموضعه. # وإذا انتضاك على العدى في معرك ... هلكوا وضاقت كفه بالقائم # يقول: إذا جردك على أعاديه في معرك، وعارضهم بك في موقف، أهلك بنفاذك ~~جمعهم، وأذل بابتدارك عزمهم، وضاقت كفه عن قائم سيف أنت حقيقته، وقل هذا ~~الاسم لقدرك، وتواضع لجلالة أمرك. # أبدى سخاؤك عجز كل مشمر ... في وصفه وأضاق ذرع الكاتم # ثم قال: أبدى سخاؤك لكثرته عجز واصفه، وأضاق كرمك بتظاهره ذرع كاتمه، ~~فمحاول وصفه لا يبلغه، لعجزه عنه، ومحاول كتمه لا يمكنه، لما تبين منه. # PageV01P268 # وقال فيه، وقد أمر له بفرس وجارية. # أيدرس الربع أي دم أراقا ... وأي قلوب هذا الركب شاقا # الشعراء تذكر أن الحزن إذا أفرط، والبكاء إذا اتصل، امتزج الدم بالدمع، ~~فتلاه في جريه، وانحدر في فيقول: أيدري هذا الربع أي الركب الوقوف به، أراق ~~دمه، مما كلفه من البكاء فيه، وأكد اشتياقه بما جدده من الجزع عليه؟ # لنا ولأهله أبدا قلوب ... تلاقى في جسوم ما ms044 تلاقا # ثم قال: لنا وللراحلين من أهله قلوب تتلاقى أبدا، بما هي عليه من التذكر ~~لسالف العهد، والامتثال لأيام الوصل، في أجساد متباينة، وأجسام غير ~~متلاقية. # وما عفت الرياح له محلا ... عفاه من حدا بهم وساقا # يقول: وما غير آثار هذا الربع، وعفي رسومه، اختلاف الرياح عليه، وتكررها ~~بالهبوب فيه، وإنما غيره وعفاه، وأخلقه وأبلاه، من رحل بأهله عنه، وأخرج ~~العامرين له منه. # فليت هوى الأحبة كان عدلا ... فحمل كل قلب ما أطاقا # PageV01P269 # ثم قال: فليت هوى الأحبة الراحلين، والآلاف المتحملين، عدل في حكمه، ~~وأنصف من نفسه، فحمل كل قلب ما يطيقه من الحب، وأودعه ما يستقل به من ~~الصبابة والوجد. # نظرت إليهم والعين شكرى ... فصارت كلها للدمع ماقا # العين الشكري: الممتلئة بالدمع، والمآق: طرف العين مما يلي الأنف، وهو ~~مخرج الدمع من العين. # فيقول: نظرت إليهم عند رحلتهم، والعين ممتلئة بدمعها، فصارت كلها مخرجا ~~للدمع، لكثرته فيها، وشدة انحداره منها. يخبر عن غلبة البكاء له. # وقد أخذ التمام البدر فيهم ... وأعطاني من السقم المحاقا # قم قال: وقد أخذ البدر الراجل فيهم حال التمام في حسنه، والكمال في ~~جماله، # وأعطاني المحاق من السقم عليه، والنحول من الوجد به، والتضاؤل بعد الفقد ~~له. وطابق بين المحاق والتمام، وذلك من بديع الشعر. # وبين الفرع والقدمين نور ... يقود بلا أزمتها النياقا # PageV01P270 # الفرع: الشعر، والنياق: جمع ناقة. # فيقول: وبين الفرع والقدمين نور، من ضياء وجه من أحبه، وتلألؤ حسنه، يقود ~~النياق بلا أزمة، ويحدوها على السير بلا مؤونة. # وطرف إن سقى العشاق كأسا ... بها نقص سقانيها دهاقا # الدهاق: الممتلئة. # وفيما هنالك منه، لحظ فاتر، وطرف ساحر، إذا سقى العشاق المغرمين به كأسا ~~من خمرة ناقصة، سقانيها دهاقا مترعة. # وخضر تثبت الأبصار فيه ... كأن عليه من حدق نطاقا # وفيما هنالك أيضا، خصر لطيف، تثبت الأبصار فيه، وتتردد لحسنه عليه، وتكثر ~~الإعجاب منها به، حتى كأن عليه منها نطاقا يشمله ووشاحا يعمه. # سلي عن سيرتي فرسي وسيفي ... ورمحي والهملعة الدفاقا # الهملعة: الناقة الخفيفة القوية، والدفاق: السريعة ms045 # PageV01P271 # فيقول للتي يخاطبها: سلي عن سيرتي في الإقدام على الأهوال، والقوة على ~~الأسفار، والنفاذ في الفلوات، فرسي الذي يحملني في الحرب، وسيفي ورمحي ~~اللذين أبطش بهما في الطعن والضرب، وناقتي التي تحملني في الأسفار، وأقطع ~~عليها الفلوات بالارتحال. # تركنا من وراء العيس نجدا ... ونكبنا السماوة والعراقا # السماوة: فلاة بين الشام والعراق. # ثم قال: تركنا نجدا من وراء رواحلنا، ونكبنا عن السماوة والعراق في ~~سفرنا، # قاصدين سيف الدولة في موضعه من الشام، ومستقره من تلك الأرض. # فما زالت ترى والليل داج ... لسيف الدولة الملك ائتلاقا # الائتلاق: التلألؤ واللمعان. # يقول: فما زالت عيسنا عند دجو ليلها، واعتراض الظلام لها، ترى لسيف ~~الدولة الملك ضياء يقتادها، ونورا يسطع لها، إشارة إلى ما تظاهر في أرضه من ~~فضله، وأشرق فيها من أنوار مجده. # أدلتها رياح المسك منه ... إذا فتحت مناخرها انتشاقا # PageV01P272 # يقول: أدلة عيسنا إليه، تضوع المسك لفوحه، وسطوع روائح طيبه، فإذا فتحت ~~مناخرها، قادها استنشاق ذلك الفوح نحوه، وعرفت بتضوعه أرضه. # أباحك أيها الوحش الأعادي ... فلم تتعرضين له الرفاقا # ثم قال: مخاطبا للوحش المعترضة له: أباحك سيف الدولة، أيها الوحش، ~~العداد، بوقائعه فيهمن وقتله لهم، وإلحامك أجسادهم، فما لك، واعتراض الرفاق ~~التي تعتمده، وأشار بهذا القول إلى كثرة إيقاعه بمن يخالفه، وشده استظهاره ~~على من يعارضه. # ولو تبعت ما طرحت قناه ... لكفك عن رذايانا وعاقا # الرذايا: جمع رذية، وهي ما هزل من الإبل، وانقطع فلم يستطع براحا. # فيقول للوحش المعترضة له: لو تبعت ما طرحت لك قناة، من قتلى وقائعه، ~~وصرعى ملاحمه، لأغناك ذلك عنها، ومنعك بكثرته منها. # ولو سرنا إليه في طريق ... من النيران لم نخف احتراقا # PageV01P273 # ثم قال: ولسنا نرهب أيها الوحش سطوتك، ولا نخاف على ركائبنا مضرتك؛ لأن ~~ما يحيط بنا من سعادة سيف الدولة مقصودنا يكفك، وما نتقلب فيه من إقباله ~~يعوقك، ولو سلكنا إليه طرقا من النيران، لعادت ببركته بردا وسلاما لا ~~نحذرها، # وأمنا وعافية لا نتألمها. # إمام للأئمة من قريش ... إلى من يتقون له شقاقا # إمام القوم: ms046 متقدمهم، والشقاق: الخلاف. # فيقول: إن سيف الدولة بجلالة قدره، وارتفاع أمره، يتخذه الخلفاء من قريش، ~~وهم أئمة الناس، إماما في حروبهم، يقدمونه إلى من يحذرون نفاقه، ويتوقعون ~~خلافه، فيذل لهم عزه، ويسهل عليهم صعبه. # يكون لهم إذا غضبوا حساما ... وللهيجاء حين تقوم ساقا # ساق الشيء: ما قام عليه. # PageV01P274 # ثم قال: يكون لهم سيفا يبطشون به عند غضبهم، وساقا يعتمدون عليها في ~~حربهم، فبموضعه يحتمي سلطانهم، وبمكانه يذل لهم أعداؤهم. # فلا تستنكرن له ابتساما ... إذا نهق المكر دما وضاقا # المكر: مجال الحرب، وفهقه: اتساعه وجري الدم فيه # فيقول لمخاطبه: فلا تنكرن استبشار سيف الدولة بالحرب، واستسهاله لها، ~~وابتسامه عند تضايق مجالها، وانسفاك الدم في مكرها، فهو متيقن لغلبة من ~~نازعه، والظهور على من ناصبه. # فقد ضمنت له المهج العوالي ... وحمل همه الخيل العتاقا # يقول فقد ضمنت له رماحه مهج أعدائه، وتكفل له بما يبغيه منهم، عتاق خيله، ~~وأبطال جيشه. # إذا أنعلن في آثار قوم ... وإن بعدوا جعلنهم طراقا # إنعال الخيل: تصفيح أيديها بالحديد، والطراق: تضعيف جلد النعل. # ثم قال: إذا أنعلت خيله في آثار قوم، وحاول غزوهم، وقصد أرضهم، وإن بعدوا ~~بجهدهم وتحرزوا بطاقتهم، أسرعت تلك الخيل في # PageV01P275 # قتلهم، واستباحة حريمهم، # وغادرت أجسادهم بعد القتل كالطراق، يدوسها الحافر، ويطأها القدم. # وإن نقع الصريخ إلى مكان ... نصبن له مؤللة دقاقا # النقع: ارتفاع الصوت، والصريخ: المستغيث، والمؤللة: المحددة، والدقاق: ~~الرقاق. # فيقول: (وإن نقع الصريخ) أي: ارتفع الصوت باستغاثة إلى مكان قد طرقه عدو، ~~أصاخت خيله إلى ذلك الصوت أصاخت استشعار للحذر، وتسرع إلى الجري. والخيل ~~تحدد آذانها عند مثل هذه الحال. فأشار بهذا الوصف إلى تبادر هذه الخيل نحو ~~الصريخ، ودل بانتصاب آذانها على حذرها، وبدقتها على كرمها. # فكان الطعن بينهما جوابا ... وكان اللبث بينهما فواقا # الفواق: ما بين الحلبتين # ثم قال: فكان الطعن بينهما جوابا، يريد: بين هذه الخيل وبين العدو ~~الطارق، يعني أن جواب ذلك الصريخ، كان بطعن هذه الخيل في نحور # PageV01P276 # الطارقين، وكان اللبث بينهما فواقا، يريد: أنها لم تلبث ms047 العدو إلا فواق ~~ناقة، واستبان ظفرها، ففر الأعداء عنها ناكصين، وولوا منهزمين. # ملاقية نواصيها المنايا ... معاودة فوارسها العناقا # ثم قال: إن خيل سيف الدولة تلقى نواصيها المنايا مقدمة عليها، وتواجهها ~~متسرعة إليها، وتعتاد فوارسها عناق الأقران في الحرب، وتلك غاية الصبر، ~~وأبعد أوصاف البأس؛ لأن الحرب أولها المراماة، ثم المطاعنة، ثم المجالدة ثم ~~المعانقة. # تبيت رماحه فوق الهوادي ... وقد ضرب العجاج لها رواقا # هوادي الخيل: أعناقها. # فيقول: تبيت رماح سيف الدولة معرضة على أعناق خيله في سراه إلى عدوه، ~~والعرب تعرض الرماح على أعناق الخيل في السير، وتسددها في الحرب، فيقول: # إنه يبيت وهذه حال خيله، وما تثيره من الغبار # PageV01P277 # والعجاج كالرواق عليها. يشير إلى أنه يسري إلى أعاديه، ويدرع الليل ~~نحوهم. # تميل كأن في الأبطال خمرا ... عللن به اصطباحا واغتباقا # الخمر والخمار بمعنى، يراد بها بقية السكر، والعل: إعادة الشرب. ثم قال: ~~تميل فرسان تلك الخيل، كأن بها خمارا من مداومة السهر، وغلبة النوم، كأن ~~ذلك الخمار يتكرر لهم اغتباقا بعد اصطباح، يشير بهذا إلى ملازمة هذه الخيل ~~للغارات. # تعجبت المدام وقد حساها ... فلم يسكر وجاد فما أفاقا # ثم قال: تعجبت المدام وقد شربها، فعجزت عن إحالة ذهنه، وقصرت عن مغالبة ~~عقله، واستولى عليه جوده، فلم يفق من طربه له، ولا صحا من ارتياحه به. # أقام الشعر ينتظر العطايا ... فلما فاقت الأمطار فاقا # يقول: أقام الشعر ينتظر زمان الكرم، وأوان العطاء، فلما ظهر منه بسيف ~~الدولة ما فاق الأمطار بكثرته ظهر شعر أبي الطيب، ففاق الشعر ببراعته. # وزنا قيمة الدهماء منه ... ووفينا القيان به الصداقا # PageV01P278 # ثم قال: بعثنا منه إلى سيف الدولة ما كافأ قيمة الدهماء، وهي الفرس التي ~~أهداها إليه. ووفى بصداق القينة التي بعث بها مع الفرس، فأشار إلى أنه قارض ~~بشعره جوده، وكافأ بمدحه هبته. # وحاشى لارتياحك أن يبارى ... وللكرم الذي لك أن يباقى # حاشى: بمعنى التعويذ والتنزيه، والارتياح: الطرب لفعل الجميل، والمباقاة: ~~المداومة. # فيقول، معتذرا مما قدمه في قوله هذا؛ إنه كافأ جود سيف الدولة ms048 بشعره: ~~وأعيذ ارتياحك من أن يجازى، ويماثل، ويساوي ويشاكل، وأعيد كرمك من أن ~~يباقيه # شاكر بشكره، أو يستوفيه شاعر بشعره. # ولكنا نداعب منك قرما ... تراجعت القروم له حقاقا # القرم: الصعب من الإبل، والحقاق: جمع حقة، وهي التي استحقت أن يحمل عليها ~~من النوق. # يقول: ولكنا فيما قدمناه من ذلك مفاكهون لك، مداعبون منك، لملك قرم، عادت ~~له قروم الملوك وصعابها كالحقاق، تخضع لأمره، وتسلم لحكمه. وجرى في القروم ~~والحقاق على سبيل الاستعارة: # فتى لا تسلب القتلى يداه ... ويسلب عفوه الأسرى الوثاقا # PageV01P279 # يقول: إن سيف الدولة يقتل الأقران، ولا يسلبهم، ويطلق الأسرى ولا يوثقهم، ~~إيثارا للإبقاء عند الغلبة، واحتمالا على العفو عند المقدرة. # ولم تأت الجميل إلي سهوا ... ولم أظفر به منك استراقا # ثم قال: ولم تأت ما أوليتنيه من الجميل ساهيا في فعلك، ولا مضيعا في ~~فضلك، ولا ظفرت به منك ظفر المسترق، ولا قبلته قبول المختلس، ولكني كنت ~~أهلا لما أسديته، وكنت مصيبا فيما أوليته. # فأبلغ حاسدي عليك أني ... كبا برق يحاول بي لحاقا # كبا الجاري: إذا سقط لوجهه. # فيقول: فأبلغ من يحسدني عليك، أني الذي لا يدرك، والمتقدم الذي لا يلحق، ~~وأن البرق لو سابقني لكبا وقصر، وعجز وتأخر. # وهل تغنى الرسائل في عدو ... إذا ما لم يكن طبا رقاقا # ثم قال: والرسائل في العدو غير مغنية، والأقوال فيه غير مجزية، إذا لم ~~تكن الرسائل سيوفا ماضية، والزواجر أفعالا واقعة. # PageV01P280 # إذا ما الناس جربهم لبيب ... فإني قد أكلتهم وذاقا # يقول: إذا ما الناس جربهم لبيب، عالم بأمورهم، خبير بأحوالهم، فموقع ذلك ~~مني على ثبات معرفته، موقع الذائق من الآكل، والمتطرف من المستوعب، لإحاطتي ~~بمعرفتهم، وتمكني في اخيبارهم. # فلم أر ودهم إلا خداعا ... ولم أر دينهم إلا نفاقا # قال، فلم أر ما يتجاوزن به من الود إلا خداعا ومكادبة، وما يبدونه من ~~التدين إلا نفاقا وكمظاهرة. # يقصر عن يمينك كل بحر ... وعما لم تلقه ما ألاقا # لاق الشيء بالشيء: إذا لصق به وأمسك فيه. # فيقول: يقصر كل بحر عن ms049 يمينك، لعظم جودك، واتساع كرمك، ويقل ما يمسكه ~~البحر ويجمعه عند ما تهبه وتبذله. # ولولا قدرة الخلاق قلنا ... أعمدا كان خلقك أم وفاقا # ثم قال: ولولا اتساع قدرة الله عز وجل، لقلنا لما اجتمع فيك من # PageV01P281 # ضروب الخير، وتكامل لك من صنوف الفصل، أتيسر هذا أم قصد، واتفق أم اعتمد، ~~ولكنا لا نقول ذلك لاتساع القدرة عليه. # فلا حطت لك الهيجاء سرجا ... ولا ذاقت لك الدنيا فراقا # ثم دعا له، فقال: حطت الهيجاء سرجك، بفقدها لك، ولا زلت مالكا لتدبيرها، ~~ولا ذاقت الدنيا فراقك، وبقيت مصرفا لأمورها. # PageV01P282 # وقال يمدحه، ويرثي أبا وائل تغلب بن داود بن حمدان، أنشدها إياه في جمادى ~~الأولى من سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة. # ما سدكت علة بمورود ... أكرم من تغلب بن داود # السدك: المولع بالشيء. # فيقول: ما ولعت علة بمورود نالته، وعليل داومته، أكرم من هذا الهالك تغلب ~~بن داود. # يأنف من ميتة الفراش وقد ... حل به أصدق المواعيد # ثم قال: يأنف من أن يموت على فراشه، وأن يهلك حتف أنفه، وقد حل به من ~~الموت وما لا يدفعه بأنفته، ولا يرده بشجاعته؛ لأنه أصدق موعود، وختم غير ~~مردود. # ومثله أنكر الممات على ... غير سروج السوابح القود # السوابح في الخيل: التي تمد أيديها في الجري، والقود: الطوال الأعناق، ~~واحدها أقود. # PageV01P283 # فيقول: ومثل أبي وائل من الممارسين للحرب، والمتحققين بها، والمقدمين على ~~شدائدها، أنكر الموت على غير سروج الخيل السوابح في طردها، الدالة على ~~الكرم بقودها وحسن خلقها. # بعد عثار القنا بلبته ... وضربه أرؤس الصناديد # الصناديد: الملوك. # ثم قال، مؤكدا لما قدمه: بعد استهدافه للرماح، وتعثرها بلبته، واعتصامه ~~منها بحصانة سلاحه، وضربه رؤوس الملوك في وقائعه، وإقدامه عليهم في ملاحمه. # وخوضه غمر كل مهلكة ... للذمر فيها فؤاد رعديد # الغمر: مجتمع الماء، فاستعار ذلك من الحرب، والذمر: الشجاع، والرعديد: ~~الجبان. # ثم قال: وبعد خوضه من الحرب أشد مواضعها، واقتحامه على مجتمع مهالكها، ~~حيث يكون قلب الشجاع الجريء، كقلب الجبان الضعيف، أصابه الموت وادعا في ~~حاله، واخترمه آمنا بين ms050 أهله. # PageV01P284 # فإن صبرنا فإننا صبر ... وإن بكينا فغير مردود # يقول: فإن صبرنا على هذا المصاب، فنحن متقدمون في الصبر، مستقلون بمؤلم ~~الرزء، وإن بكينا، فغير مردود من نبكيه، ولا مرجو من نحزن عليه. # وإن جزعنا له فلا عجب ... ذا الجزر في البحر غير معهود # ثم قال: وإن جزعنا على هذا المفقود، فلا عجب في ذلك، ففقده جليل أمره، ~~والمصاب به لم يعهد مثله. وضرب بالجزر الذي ينتقص البحر مثلا في هذا الرزء، ~~وكنى به عن عظيم هذا الخطب. # أين الهبات التي يفرقها ... على الرزافات والمواحيد # الزرافات: الجماعات، والمواحيد: الأفراد واحدها موحد. # فيقول: أين كرم المفقود، وهباته التي كانت تعم وتخص، وتنال الجماعات ~~فتعمهم. والآحاد فتغمرهم.؟ # PageV01P285 # سالم أهل الوداد بعدهم ... يسلم للحزن لا لتخليد # ثم قال: سالم أهل الوداد بعد من يفقدونه منهم، إنما يسلم للحزن والهم ~~والتنغيص والألم، ثم الموت مآلهم، والخلود ممنوع منهم. # فما ترجي النفوس من زمن ... أحمد حاليه غير محمود # ثم قال: فماذا ترجيه النفوس من دهر غشوم، متعسف ظلوم، أحمد حاليه للمتمتع ~~بالحياة فيه مذموم منكد، مكروه منغص، بعد حتف يرصده، وحميم يفقده. # إن نيوب الزمان تعرفني ... أنا الذي طال عجمها عودي # نيوب الزمان: خطوبه، واحدها نائب، والعجم: العض والمضغ. # فيقول: إن نيوب الزمان تعرفه بتكررها عليه، وتعرضها كثيرا له، وإنها طال ~~ما عجمت عوده، وقصدت بمكارهها نحوه. # PageV01P286 # وفي ما قارع الخطوب وما ... أنسني بالمصائب المسود # ثم قال: وفي من الصبر والجلد، والحفاظ والكرم، ما مثله قارع الخطوب ~~فغلبها، وأنسى بسود المصائب وهونها، وهونها، وحذف مما ذكرناه ما في قوة ~~الكلام أن يدل عليه. # ما كنت عنه إذا استغاثك يا ... سيف بني هاشم بمغمود # وكان أبو وائل، هذا المرثي، قد أسره الخارجي بالشام، واستغاث سيف الدولة، ~~فأسرى إلى الخارجي فقتله، واستنفذ أبا وائل، على ما تقدم في القصيدة التي ~~أولها (إلام طماعية العاذل)، فيقول: ما كنت عنه إذ استغاثك من أسر الخارجي، ~~يا سيف خلفاء بني هاشم، بمغمود عن نصره ولا يغافل عن أمره، بل أصرخت ms051 دعوته، ~~وكشفت كربته. # يا أكرم الأكرمين يا أملك ال ... أملاك طرا يا أصيد الصيد # الأصيد: الملك المعظم الذي لا يكاد يلتفت لعزته. # ثم قال مرفعا بسيف الدولة؛ يا أكرم من نذكر من الأكرمين، # PageV01P287 # وأملك الملوك المعظمين، وأصيد الصيد منهم، وأعز ذوي العزة فيهم. # قد مات من قبلها فأنشره ... وقع قنا الخط في اللغاديد # اللغاديد: واحدها لغدود، وهو ما بين أسفل اللحي من آخره، وموصل العنق في ~~الرأس. # فيقول: قد مات أبو وائل قبل هذه الميتة بالأسر، فأحياه غياثك له، وأنشره ~~إسراعك إليه، وطعن فرسانك برماحهم في مقاتل الآسرين له. وكنى باللغاديد عن ~~ذلك. # ورميك الليل بالجنود وقد ... رميت أجفانهم بتسهيد # ثم قال: وإنك رميت الليل ساريا إليهم بجنودك، وقد أسكنت السهاد جفونهم، ~~مسرعا بهم غير متوقف، ومقدما غير متخوف، فلو دوفع الموت لدافعته عنه على ~~عادتك، ولو غولب لاستنقذته منه على سجينك. وهذه العبارة وإن لم تكن في ~~لفظة، فقد دل عليها بإشارته. # فصبحته رعالها شزبا ... بين ثبات إلى عباديد # الرعال: قطع الخيل، والشزب: الضامرة، والثبات: الجماعات المتآلفة، ~~واحدتها ثبة، والعباديد: الجماعة المتفرقة. # PageV01P288 # فيقول واصفا لاستنقاذ سيف الدولة لأبي وائل، وإيقاعه بالخارجي وأصحابه: ~~فصبحتهم رعال الخيل ضامرة، لطول الركض، منها كتائب ثبات مجتمعة، وعباديد ~~مفترقة. # تحمل أغمادها الفداء لهم ... فانتقدوا الضرب كالأخاديد # الأخاديد: حفر في الأرض. # ثم قال: تحمل إليهم عن الفداء الذي طلبوه من أبي وائل، سيوفا مصلتة، ~~ومنايا حاضرة، فانتقد أصحاب الخارجي عما طلبوه من الفداء، ضربا أبقى في ~~أجسادهم جراحا كالأخاديد. يشير إلى شدته وثباته وقوته. # موقعه في فراش هامهم ... وريحه في مناخر السيد # الفراش: طرائق في باطن عظم الرأس، والسيد: الذئب، وأشار به إلى النوع. # ثم قال: موقع ذلك الضرب في فراش رؤوسهم، وريحه في أنوف الذئاب التي ~~تقصدهم. يشير إلى أن هذا الضرب لم يقصر بهم عن القتل، # PageV01P289 # وأن هذه الوقعة غادرتهم جزر السباع، تنهش أجسادهم، وتتقوت لحومهم. # أفنى الحياة التي وهبت له ... في شرف شاكرا وتسويد # يقول: أفنى أبو وائل حياته، التي كانت هبتك ms052 له، في شرف بك وتسويد منك، ~~شاكرا لك على نعمتك، قائلا بفضل منتك. # سقيم جسم، صحيح مكرمة ... منجود كرب غياث منجود # المنجود: المغاث، يقال نجدت الرجل وأنجدته: إذا أغثته، والمنجود: ~~المكروب. # سقيم الجسم بما شكاه من علته، صحيح الكرم بما استبان من سيادته، منجودا ~~بك عند كربه، غياث منجود يستغيث به. # ثم عدا قده الحمام وما ... تخلص منه يمين مصفود # القد: ستر من جلد غير مدبوغ يصفد به الأسير، والتصفيد: ربط اليد إلى ~~العنق. # PageV01P290 # ثم إذا الموت له كالقد الذي يملك الأسير، فلم يمكنك فكه بقدرتك، ولا تأتي ~~لك غياثه مع عظيم مملكتك، والموت قد لا يتخلص المصفود به، وأسر لا يتمكن ~~غياث المعرض له. وجرى في هذا الكلام على الاستعارة، وذلك على ما قدمناه من ~~بديع الكلام. # لا ينقص الهالكون من عدد ... منه علي مضيق البيد # يقول: لا ينقص الهالكون وإن جل أمرهم، وعز فقدهم، من عدد قوم، علي سيف ~~الدولة منهم، وهو الملك الذي تضيق اليد بجمعه، وتغص بجيشه، وكان أبو وائل ~~ابن عمه، فيريد: أن موته لا يوجب نقصا في عشيرته، وسيف الدولة رئيس جمعهم، ~~ومؤثل مجدهم. # تهب في ظهرها كتائبه ... هبوب أرواحها المراويد # الرياح المراويد: التي تطلب غاياتها، واحدها مرواد. والريادة: الطلب. # ثم قال: تهب كتائبه في ظهور تلك البيد، ممتثلة لأوامره، فتشبه الرياح ~~بسرعتها، وتغالبها بكثرتها. # PageV01P291 # أول حرف من اسمه كتبت ... سنابك الخيل في الجلاميد # السنابك: جمع سنبك، وهو مقدم حافر الفرس. # ثم قال: أول حروف اسمه، صورته صورة ما تثبته سنابك الخيل في ظهور ~~الجلاميد. # يشير إلى أول حروف علي، وهو العين، فيقول: إنه كان فألا يؤذن بانقياد ~~الخيل لأمره، وتصرفها على حكمه. # مهما يعز الفتى الأمير به ... فلا بإقدامه ولا الجود # الفتى: الشاب المقتبل. # فيقول: مهما فقده الفتى الأمير فعزي به، يشير إلى رئاسته واقتبال شبيبته، ~~فلن يفقد إقدامه وكرمه، وفيهما الخلف الكريم ممن يفقده، والعوض الجميل ممن ~~يعز به. # PageV01P292 # ومن منانا بقاؤه أبدا ... حتى يعزى بكل مولود # ثم قال: ونحن نتمنى له ms053 بقاء الخلود، حتى يعزي في كل كريم يولد، ويغنى عن ~~كل فاضل يفقد. # PageV01P293 # وركب سيف الدولة لتشييع عبده يماك، لما نفذ في مقدمته إلى الرقة، وهاجت ~~ريح شديدة، فقال أبو الطيب. # لا عدم المشيع ... ليت الرياح صنع ما تصنع # يقول: لا عدم سيف الدولة هذا العبد المحب، والوالي الناصح، ثم أقبل على ~~سيف الدولة، فقال: ليت هذه الريح تحذو حذوك، وتفعل فعلك. # بكرن ضرا وبكرت تنفع ... وسجسج أنت وهن زعزع # وواحد أنت وهن أربع ... وأنت نبع والملوك خروع # السجسج: الريح الطيبة ما بين الحر والبرد، والزعزع: الريح الشديدة ~~المؤذية، والنبع: شجر صلب العود يصنع منه القسي، والخروع: شجر ضعيف العود. # ثم قال: فقد بكرت بضرها، وبكرن بنفعك، وآذات بشدتها، وأحسنت برفقك، فقصرت ~~عنك، وهي أربع، وأنت واحد، وهي كثيرة # PageV01P294 # وأنت مفرد، فمن شبه الريح بك في كرمك، فقد ظلمك، ومن أضافها إليك في ~~فضلك، فقد جهلك، وكذلك أنت، إذا قرنت الملوك بك، كالنبع إذا قرن الخروع به، ~~تضعف عند صلابة عودك، وتصغر عند جلالة أمرك. # PageV01P295 # وسايره وهو يريد الرقة، واشتد المطر في موضع يعرف بالثديين، فقال: # لعيني كل يوم منك حظ ... تحير منه في أمر عجاب # جماله ذا الحسام على حسام ... وموقع ذا السحاب على سحاب # وزاد المطر، فقال: # تجف الأرض من هذا الرباب ... ويخلق ما كساها من ثياب # وما ينفك منك الدهر رطبا ... ولا ينفك غيثك في انسكاب # وتسايرك السواري والغوادي ... مسايرة الأحياء الطراب # وتفيد الجود منك فتحتذيه ... وتعجر عن خلائقك العذاب # الحمالة: علاقة السيف، والرباب، السحاب، والسواري من السحاب: التي تطرق ~~بالليل، للغوادي التي تنشا بالصباح. # فيقول: في كل يوم أردد عيني منك في منظر يعجب بحسنه، ويعجز اللسان عن ~~وصفه، ولا يحط العقل بحقيقته؛ لأنك أجل السيوف، وتشرف السيف بحمله، وجودك ~~أنفع من السحاب: ويعتادك السحاب بوجله، فحملك للسيف إفضال عليه؛ لأنك غني ~~عنه، واستصحابك للسحاب إزراء عليه، لأنك أعم نفعا منه. # PageV01P296 # ثم قال الزيادة: # إن سيف الدولة يعمر السحاب بجوده، ويعلمون بفضله؛ لأن السحاب يمطر ويقشع، ms054 ~~ويسكب ويقلع، وما يظهر على الأرض من زهراته يذوي ويذبل، ويحل ويرحل، وجود ~~سيف الدولة لا يقلع وبلة، ولا يفتر سكبه، وآثار إحسانه ظاهرة لا تعدم، ~~وشواهده دائمة لا تنصرم، ثم قال: تسايرك السحاب على اختلاف أوقاتها، وتصرف ~~أحوالها، مسايرة من يطرب لصحبتك، ويشاق إلى غرتك. ثم قال: فتشهد من جودك ما ~~لا تعلمه، ويتبين لها من كرمك ما لا تبلغه، فتتلوك ممتثلة لك، وتحكيك ~~مقتدية بك، وتعجز عن شرف خلائقك، ولا تبلغ عذاب شمائلك. # PageV01P297 # وأجمل سيف الدولة ذكره، فقال أبو الطيب: # أنا بالوشاة إذا ذكرتك أشبه ... تأتي الندى ويذاع عنك فتكره # وإذا رأيتك دون عرض عارضا ... أيقنت أن الله يبغي نصره # يقول لسيف الدولة: أنا فيما أنشره من فضلك، وأقول به من كرمك، شبيه ~~بالواشي بك؛ لأني أظهر ما تبغي ستره، وأنشر ما تأبى ذكره، وأنت لا تباهي ~~بإنعامك، ولا تريد سمعة بإحسانك، وإنما كرمك طبيعة منك، وفضلك جبلة فيك، ثم ~~قال: وإذا رأيتك معترضا دون عرض تحفظ حرمته، وتحمي جهته، أيقنت أن الله ~~يحميه ويحفظه ويقيه؛ لأنه ناصر من تنصره، حافظ من تحفظه. # PageV01P298 # وأجمل أيضا ذكره، فقال: # رب نجيع بسيف الدولة انسفكا ... ورب قافية غاضت به ملكا # من يعرف الشمس لا ينكر مطالعها ... أو يبصر الخيل لا يستكرم الرمكا # تسر بالمال بعض المال تملكه ... إن البلاد وإن العالمين لكا # النجيع: الدم، والرمك: جمع رمكة، وهي الفرس التي تتخذ للنتاج دون الركوب. # فيقول: رب مخالف عصى سيف الدولة، فسفك دمه، ورب معاند له من الملوك سمع ~~شعري فيه، فغاظه حسنه، ثم ضرب لسيف الدولة مثلا في اختياره لقصده، ومعرفة ~~سيف الدولة بقدره، فقال: من عرف الشمس لم ينكرها، لاختلاف مطالعها، ومن عرف ~~سيف الدولة لم ينكره، لاختلاف مقاصده، وتباين مواضعه، ومن أبصر عتاق الخيل ~~لم يستكرم هجان الرمك، وذلك شأن سيف الدولة في اصطناعه لأبي الطيب، وإعراضه ~~عن حساده؛ لأن موقعه منهم هذا الموقع. # PageV01P299 # ثم قال: تسر بما تهينه من مالك من تهبه له من قصادك وخولهم، وهم في ms055 ~~وقوعهم تحت ملكك، وتصرفهم تحت أمرك، على حسب نهبك وأمرك، كمالك الذي تنفرد ~~بملكه، وتتحكم في أمره، فأنت تسر بمالك مالك، ويوقرك من لا يخرج عن ملكك، ~~فالأرض في قبضتك، وعمروها أهل طاعتك. # PageV01P300 # وسايره وهو يريد آمد، وتوسط الأجبال، فقال له: # يؤمم ذا السيف آماله ... فلا يفعل السيف أفعاله # إذا سار في مهمة عمه ... وإن سار في جبل طاله # وأنت بما نلتنا مالك ... يثمر من ماله ماله # كأنك ما بيننا ضيغم ... يرشح للفرس أشباله # المهمة: القفر، والضيغم: الأسد والفرس: دق العنق، والأشبال: جمع شبل، وهو ~~ولد الأسد، والترشيح: التهيئة. # فيقول: يقصد هذا الملك، الذي يشبه السيف به، إلى ما يريده ويأمله، ~~ويعتقده، فلا يفعل السيف في استعجال ذلك فعله، ولا يلحق في إدراكه كشأوه، ~~فإن سار في مهمة بكثرة جيشه، وإن سار في جبل بعلو مجده. # ثم قال، مخاطبا له: وأنت بما نلتنا به من فضلك، وتابعه لنا من بذلك، مالك ~~يثمر ماله بماله، ويحوط ملكه بملكه؛ لأننا لك في وقوعنا # PageV01P301 # تحت أمرك، وما يحيط بنا من ملكك، كالمال الذي تحويه وتضبطه، وتحوزه ~~وتملكه. # ثم قال: كأنك فيما تسبقنا إليه من مقارعة الأبطال، وما تنفرد به دوننا من ~~مغازلة الأقران، أسد ينهج لأشباله ما يفعله، ويضربها على ما تأتيه وتمثله. # PageV01P302 # ودخل على سيف الدولة بميافارقين في يوم شديد المطر والبرد، وهو على ~~الشراب، فقال له سيف الدولة: عاب عليك يا أبا الطيب إنسان قولك: # ليت أنا إذا ارتحلت الخيل ... وأنا إذا نزلت الخيام # وقال: إنه جعل الخيام فوقك، وأومأ إلى بعض من حضر، فقال أبو الطيب؛ وأراد ~~قطع الكلام: # لقد نسبوا الخيام إلى علاء ... أبيت قبوله كل الإباء # وما سلمت فوقك للثريا ... ولا سلمت فوقك للسماء # يقول: لقد نسبوا الخيام من الرفعة، وأوجبوا لها من علو الرتبة، ما أباه ~~ولا أسلمه، وأنفه ولا أثبته، ثم قال: وما سلمت للثريا أن لا تفوقها بمجدك، ~~ولا للسماء ألا تبلغها بشرفك وفضلك. # وقد أوحشت أرض الشام حتى ... سلبت ربوعها ثوب البهاء # تنفس والعواصم ms056 منك عشر ... فيعرف طيب ذلك في الهواء # يقول: وقد أوحشت أرض الشام برحيلك عنها، وسلبت ربوعها ثوب البهاء بخروجك ~~منها. # PageV01P303 # ثم قال: تتنفس وأنت بأرض الجزيرة، والعواصم منك على سير عشر ليال، فيعرف ~~ذلك أهل الشام في هوائهم، ويتبينون الفوح في بلادهم، ويؤكد لهم أمثال ذلك ~~استشرافهم إلى أوبتك، واشتياقهم إلى غرتك. # PageV01P304 # وذكر سيف الدولة لأبي العشائر جده وأباه، وجد أبي العشائر الحسين ابن ~~حمدان، عم سيف الدولة، فقال أبو الطيب: # أغلب الحيزين ما كنت فيه ... وولي النماء من تنميه # ذا الذي أنت جده وأبوه ... دنية دون جده وأبيه # يقول لسيف الدولة: أغلب فروع نسبك على الشرف الحيز الذي أنت فيه، وولي ~~الكثرة في المفاخر والحسب من تنميه، يريد بذلك: ما عرف به سيف الدولة أبا ~~العشائر من شرف أبيه وجده. ثم قال لسيف الدولة: هذا أبو العشائر، أنت جده ~~وأبوه، لأن شرف ك أنهض به من شرفهما، وسلطانك أظهر عليه من سلطانهما، فأنت ~~بما أحاط به من فضلك، وتجدد له من الشرف بك، جده وأبوه دنية، دون جده ~~وأبيه. # PageV01P305 # وسأله سيف الدولة إجازة بيت، وهو: # وإني الممنوع المقاتل في الوغى ... وإن كنت مبذول المقاتل في الحب # فقال: # فديناك أهدى الناس سهما إلى قلب ... وأقتلهم للدارعين بلا حرب # تفرد بالأحكام في أهله الهوى ... فأنت جميل الخلف مستحسن الكذب # الكذب، والكذاب والكذب كل ذلك بمعنى واحد. # فيقول: فديناك وإن كنت أثبت الناس إصابة للقلوب بسهامك دون رمي، وأقتلهم ~~للدارعين بحبك دون حرب. ثم قال: وكذلك الهوى منفرد بالحكم في أهله، فمن هوي ~~كان جميلا خلقه، ومن عشق كان مستحسنا كذبه. # وإني لممنوع المقاتل في الوغى ... وإن كنت مبذول المقاتل في الحب # ومن خلقت عيناك بين جفونه ... أصاب الحدور السهل في المرتقى الصعب # يقول: وإني وأن استضعفت في الحب فأصيبت مقاتلي به، وقلت # PageV01P306 # مدافعتي فيه، لظاهرة في الحرب قوتي، وشديدة فيه منعتي، وبعيدة على ~~الأقران إصابتي. ثم خاطب محبوبه، فقال: ومن خلقت بين جفونه عيناك، ورشق ~~القلوب بسهامك، سهل عليه ما يصعب ms057 مثله، وقرب له ما يبعد تناوله. # PageV01P307 # وأذن المؤذن، فوضع سيف الدولة القدح من يده، فقال أبو الطيب: # إلا أذن فما أذكرت ناسي ... ولا لينت قلبا وهو قاسي # ولا شغل الأمير عن المعالي ... ولا عن حق خلقه بكاس # وركب سيف الدولة، وركب الجيش معه بالتجافيف والسلاح، فقال أبو الطيب ~~يمدحه، ويصف الجيش: # إذا كان مدح فالنسيب المقدم ... أكل فصيح قال شعرا متيم # يقول: إن الشعراء مجمعون على تقديم النسيب في أشعارهم، والاستفتاح به في ~~مدائحهم، وليس كل فصيح منهم عاشقا، ولا كل شاعر # PageV01P308 # سلف لهم متيما، ولكن أخرهم في ذلك يتلو أولهم، حتى كأن ما يتناصفونه من ~~الحب قد جعلوه فاتحة الشعر. # لحب ابن عبد الله أولى فإنه ... به يبدأ الذكر الجميل ويختم # ثم قال: وإذا كان هذا، فلحب ابن عبد الله، يريد: سيف الدولة، أحق ما ~~استفتح الشعر به، وأولى ما قدم الذكر له، فبسيف الدولة يبدأ الذكر الجميل ~~ويختم، وبمجده يفتح ويتمم. # أطعت الغواني قبل مطمح ناظري ... إلى منظر يصغرن عنه ويعظم # ثم قال: أطعت الغواني في التشبيب بهن، والإيثار لهن، قبل عند يطمح ناظري ~~إلى ما شهدته من مملكه سيف الدولة، التي يقل حسنهن عند حسنها، ويصغر شأنهن ~~عند شأنها. والطموح: الارتفاع. # تعرض سيف الدولة الدهر كله ... يطبق في أوصاله ويصمم # التطبيق: إبانة القطع، والتصميم: النفاذ في الأمر. # PageV01P309 # فيقول: تعرض سيف الدولة الدهر كله متحكما فيه، مستوليا عليه، يطبق منه ~~فيما يقطعه، ويصمم إليه فيما يقصده. يشير إلى أن أموره فيه جائزة، وأحكامه ~~عليه نافذة، وذكر التطبيق والتصميم على سبيل الإبداع فيما استعارة له من ~~ذلك. # فجاز له حتى على الشمس حكمه ... وبان له حتى على البدر ميسم # الميسم: العلامة التي يضعها المالك على ما يملكه. # ثم قال: فجاز حكمه حتى حكم على ما لا يجوز الحكم عليه، وبان وسمه حتى وسم ~~ما لا يبين الوسم فيه، وجعل ذكر الشمس والبدر كناية عن هذه العبارة، والعرب ~~تفعل ذلك، تصف الممدوح بالقدرة على ما لا يقدر أحد عليه في ms058 الحقيقة، ليوجب ~~له بذلك غاية القوة، وأبعد نهايات القدرة. # كأن العدى في أرضهم خلفاؤه ... فإن شاء حازوها وإن شاء سلموا # يقول: كأن أعاديه من الروم وغيرهم، خلفاؤه في بلادهم، وعماله في قواعدهم، ~~فإن أعرض عنهم، استمتعوا بالبقاء فيها، وإن غزاهم # PageV01P310 # سلموها إليه بالخروج عنها. يشير إلى تصرف أعاديه تحت أمره، وعجزهم عن ~~التعرض لحربه. # ولا كتب إلا المشرفية عنده ... ولا رسل إلا الخميس العرمرم # المشرفية: سيوف منسوبة إلى المشارف، وهي مواضع تطبع فيها السيوف، ~~والخميس، والعرمرم: الكثير. # ثم قال مؤكدا لما قدمه، من اقتداره عليهم: إنه لا كتب يستعملها إليهم غير ~~سيوفه، ولا رسل يوجهها نحوهم غير جيوشه، فهم متصرفون على حكمه، عاجزون عن ~~المخالفة لأمره. # فلم يخل من نصر له من له يد ... ولم يخل من شكر له من له فم # يقول مخبرا عن عظيم ملكه، وما ظهر من عموم فضله: فلم يخل من نصره أحد له ~~يد يبطش بها؛ لوقوف جميع الناس عند أمره، ووقوعهم تحت طاعته وملكه، ولم يخل ~~من شكره أحد له فم ينطق به، لما شملهم من إحسانه، وأحاط بهم من إنعامه. ~~فبين أن طاعة الجميع له طاعة وداد ومحبة، لا طاعة استكراه وغلبة. # ولم يخل من أسمائه عود منبر ... ولم يخل دينار ولم يخل درهم # PageV01P311 # ثم قال: ولم يحل من أسمائه عود منبر؛ يريد أن بلاد الأرض مضافة إلى ~~ولايته، مختطب على منابرها له بلزوم طاعته، ولم يحل دينار، ولم يخل درهم؛ ~~يريد: أن دنانير الآفاق ودراهمها مطبوعة باسمه، مسككة بذكره. يشير إلى عظم ~~شأنه، واتساع أعمال سلطانه. # ضروب وما بين الحسامين ضيق ... بصير وما بين مظلم # يقول: إنه شديد الضرب، رابط الجأش، إذا ضاق ما بين الحسامين بتجالد ~~الأبطال، وتقارب ما بين الأقران، وأنه بصير إذا أظلم ما بين الشجاعتين، ~~بتمثل الموت لهما، وتيقن المنية عندهما، فهنالك يثبت نظره لقوة نفسه، ولا ~~يشخص بصره لتمكن بأسه. # تباري نجوم القذف في كل ليلة ... نجوم له منهن ورد وأدهم # نجوم القذف: الشهب التي ترمي بها ms059 الشياطين. # ثم قال: تباري نجوم القذف مع سرعة انصبابها، وشدة انحدارها، خيول له ~~كالنجوم في شدة عدوها، وسرعة جريها، منهن الورد والأدهم. # يطأن من الأبطال من لا حملنه ... ومن قصد المران ما لا يقوم # المران: الرماح، وقصدها: قطعها. # PageV01P312 # ثم قال: يطأن من الأبطال من لا حملنه؛ يريد: أن خيل سيف الدولة تطأ من ~~الأبطال المقتولين في وقائعه من لا جعلها الله أن تحمل من يصير في حاله، ~~ويؤول إلى مآله، وكذا تطأ في تلك الوقائع من قطع الرماح ما قد تدقق فلا ~~يمكن تقويمه، وتكسر فلا يحاول تعديله. # فهن مع السيدان في البر عسل ... وهن مع النينان في الماء عوم # السيدان: الذئاب، واحدها سيد، والعسل: المسرعة، واحدها عاسل، والنينان: ~~الحيتان، واحدها نون. # فيقول: إن خيل سيف الدولة لكثرة غاراته، واتصال غزواته، تقطع الفلوات نحو ~~أعاديه عسلا مع الذئاب التي الفلوات مستقرها، وتعبر الأنهار نحوهم عائمة مع ~~الحيتان التي الأنهار مواضعها. # وهن مع الغزلان في الواد كمن ... وهن مع العقبان في النيق حوم # النيق: ما استعلى من حروب الجبل، والوشيج: الرماح. # PageV01P313 # وكذلك تكمن عليهم مع الغزلان في الأودية التي فيها كنسها، وتقتحم عليهم ~~رؤوس الجبال مع العقبان التي فيها وكورها، فأشار إلى أن سيف الدولة للقوة ~~عزائمه، ونفاذه في مقاصده، قد استوى عند خيله، وفرسان جيشه؛ البر والبحر، ~~والسهل والوعر، لا يبعد عليه مطلب، ولا يمتنع منه موضع. # إذا جلب الناس الوشيج فإنه ... بهن وفي لباتهن يحطم # ثم قال: إذا جلب الناس الرماح على سبيل الجمع لها، وحملوها على طريق ~~التزين بها، فإن سيف الدولة في نحور الخيل يكسرها، وبوقائعه يفنيها يحطمها. # بغرته في الحرب والسلم والحجى ... وبذل اللهى والحمد والمجد معلم # المعلم: الذي يسم نفسه بعلامة يعرف بها، واللهى: العطايا، واحدتها لهوة. # فيقول: إن سيف الدولة معلم بجمال وجهه، ووفور عقله، وعموم جوده، وجلاله ~~مجده، وإجماع الناس على حمده، وإن هذه الخلال # PageV01P314 # تسمه في سلمه وحربه، وينفرد بها من بين أبناء دهره. # يقر له بالفضل من لا يوده ... ويقضي له ms060 بالسعد من لا ينجم # ثم قال: إن من لا يوده يقر بفضله، ولا يدفعه لبيانه، ومن لا ينجم يقضي ~~بسعده، ولا ينكره لاتصاله. # أجار على الأيام حتى ظننته ... تطالبه بالرد عاد وجرهم # ثم قال: إن سيف الدولة أجار على الأيام بكفه للحوادثها، وأنصف منها ~~بإنقاذه من # مكارهها، حتى حسبت عادا وجرهما، هاتين القبلتين الفانيتين، والجماعتين ~~الهالكتين، سيسئلانه ردهما، على بعد العهد، وما انصرم عليهما من تقادم ~~الدهر، وأن سعادته إذا قربت ما كان يبعد، وسهلت ما كان يعسر، فما تمكن له ~~من ذلك يوجب عليه أن يطلب بما لا يمكن فعله، ويسأل ما يمتنع مثله. # ضلالا لهذي الريح ماذا تريده ... وهديا لهذا السيل ماذا يؤمم # PageV01P315 # ثم دعا على الريح، ولم يدع لها، ودعا للسيل، ولم يدع عليه؛ لأن الريح ~~اعترضت سيف الدولة في مسيره، ولم تسعده على شيء من أموره، والسحاب وإن كان ~~رام ثنيه بوبله، ووعر طريقه بسيله، فإنما تلاه متعلما من جوده، وصحبه مسعدا ~~له على رأيه، قاضيا لذمام القبر الذي قصده، ومروضا بسقياه للربع الذي ~~اعتمده. فيقول: ضل سعي هذه الريح، ووفق لهداه هذا السيل، ماذا تريده هذه، ~~وماذا يقصده هذا، حين يعترضان سيف الدولة في مسيره، ويجاهران بالخلاف على ~~أمره. # ألم يسأل الوبل الذي رام تيننا ... فيخبره عنك الحديد المثلم # ثم قال: ألم يسأل الوبل الذي رام ثنينا بسكنه، واعترضنا في طريقنا بسيله، ~~كاشفا عن أمره سيف الدولة، ومستفهما عن حاله، فيخبره الحديد الذي ثلمته ~~وقائعه، وكسرته بالجلاد كتائبه، ويعلمه بأنه الذي لا يرد عزائمه، ولا تواجه ~~بالاعتراض مطالبه. # ولما تلقاك السحاب بصوبه ... تلقاه أعلى منه كعبا وأكرم # فباشر وجها طال ما باشر القنا ... وبل ثيابا طال ما بلها الدم # PageV01P316 # يقول: ولما تلقاك السحاب بصوبه، واعترضك في طريقك بسكبه، تلقاه منك من ~~يعلوه برفعته، ويزري عليه بكرم راحته، فباشر وجها طال ما باشر الرماح، فلم ~~تثنه مباشرتها، وبل ثيابا طال ما بلها الدم، ولم يعقه بللها، فكيف يهاب وقع ~~المطر # من لا يهاب وقع الرماح، ويتألم ms061 بلل الماء من لا يتألم بلل الدم؟ # تلاك وبعض الغيث يتبع بعضه ... من الشام يتلو الحاذق المتعلم # يقول: تلاك الغيث والبعض يتبع كله، والشكل يألف شكله، وأنت الغيث بعموم ~~جودك، وسابغ فضلك، فقفا أثرك من الشام، يتلوك كما يتلو المتعلم الحاذق، ~~ويقفوك كما يقفو المتأخر الأول. # فزار التي زارت بك الخيل قبرها ... وجشمه الشوق الذي تجشم # التجشم: التكلف. # ثم قال: فزار الغيث المتوفاة التي زارت الخيل بك قبرها؛ يريد: أم # PageV01P317 # سيف الدولة، وجشمه شوقه إلى ذلك كالذي جشمك شوقك، وأسعدك الغيث قاضيا ~~لحقك، وتبعك معظما لقدرك، وعلم أن المتوفاة تلزم السحاب زيارتها، وتحق عليه ~~كرامتها؛ لأنها كانت بجودها، وتزيد على صوبه بكرمها. # ولما عرضت الجيش كان بهاؤه ... على الفارس المرخي الذؤابة منهم # الذؤابة: الضفيرة من شعر الرأس، ويسمى بذلك ما سدل من فضل العمامة، وإلى ~~هذا قصد أبو الطيب. # فيقول لسيف الدولة: ولما عرضت الجيش وتصفحته، كان بهاؤه على عظم شأنه، ~~وتكاثر شجعانه، على الفارس المعتم بين جماعة المتجففين، المرخي ذؤابة ~~عمامته من بين سائر المغتفرين. وهذا زي أمراء العرب في الحرب، وأشار بذلك ~~إلى سيف الدولة. # حواليه بحر للتجافيف مائج ... يسير به طود من الخيل أيهم # التجافيف: جمع تجفاف، وهو ضرب من السلاح تلبسه الرجال والخيل، والطود: ~~الجبل، والأيهم: الطويل. # PageV01P318 # ثم قال: حواليه من تلألؤ السلاح، ولمعان التجافيف، ما بشبه البحر بكثرته، # ويحكيه ببريق جملته، ويسير بذلك البحر موكب من الخيل كالجبل الأيهم في ~~اعتلائه وازدحامه، واكتنازه واتصاله. # تساوت به الأقتار حتى كأنه ... يجمع أشتات الجبال # القتر: الغبار. # فيقول: تساوت بهذا الجيش العجابات، فصار ما يثور منها في الجبل الصلد، ~~كالذي يثور منها في القرار الرخو، يشير إلى أن هذا الجيش يسحق الجبال ~~بكثرته، ويحطمها بعظمه، فيستوي الرهج في السهل والوعر، وفي الصلب والرخو، ~~ويشتمل العجاج على الجميع، حتى تصير الجبال كأنها في ذلك العجاج منتظمة، ~~وبما غشيها من الجيش متصلة، وألم بقول النابغة. # جيش يظل به الفضاء معضلا ... يدع الآكام كأنهن صحارى # وكل فتى للحرب فوق جبينه ... من ms062 الضرب سطر بالأسنة معجم # PageV01P319 # العجم: الشكل والنفط. # ثم قال: وكل فتى؛ يريد: كل فتى، قد جرحته الحرب، ووسمه الطعن والضرب، ففي ~~جبينه للسيوف آثار مستطيلة تشبه السطر، وللأسنة فيه نكت مجتمعة تشبه العجم، ~~وأشار باعتماد الجراح لوجوههم، إلى شجاعتهم وبأسهم، وإقدامهم وصبرهم. # يمد يديه في المفاضة ضيغم ... وعينيه من تحت التريكة أرقم # المفاضة: الدرع، والضيغم: الأسد، والتريكة: البيضة، والأرقم: الحية. # فيقول: إن هؤلاء الفتيان الذين ذكرهم، كلهم أسد في شدته، أرقم أفعوان في ~~بسالته، يمد في درعه يدي أسد؛ قوة وشدة، ويمد من تحت تريكته عيني أرقم؛ ~~إقداما وشجاعة. # كأجناسها راياتها وشعارها ... وما لبسته والسلاح المسمم # الشعار: علامة ينادى بها في الحرب، والمسمم المحسن المزين. # PageV01P320 # ثم أشار إلى الخيل التي قدم ذكرها، فقال: كأجناسها في الفضل والكرم أجناس ~~راياتها المؤيدة، وشعارها المنصور، وما لبسته من سلاحها الشاك، وحملته من ~~حديدها الصقيل المحسن. # وأدبها طول القتال فطرفه ... يشير إليها من بعيد فتفهم # يقول: وأدب هذه الخيل طول ممارسة القتال، والتقلب في شدائد الحروب، ~~ففارسها يشير إليها على بعد بما يقصده فتفهمه، ويومئ إليها بما يريده ~~فتفعله. # تجاوبه فعلا وما تسمع الوحى ... ويسمعها لحظا وما يتكلم # الوحى: الاستعجال. # ثم قال: يسمعها فارسها بلحظه دون أن يتكلم، وتجاوبه بفعلها دون أن ~~تستعجل. # تجانف عن ذات اليمين كأنها ... ترق لميافارقين وترحم # PageV01P321 # التجانف: الميل والعدول وميافارقين: مدينة من العواصم، كان عسكر سيف ~~الدولة بقربها، فيقول: إن هذه الخيل تتجانف عن ذات اليمن، وهناك كانت هذه ~~المدينة المذكورة، فكأنها تعدل عنها مشفقة، وتجانبها في سيرها مترحمة. # ولو زحمتها بالمناكب زحمة ... درت أي سوريها الضعيف المهدم # ثم قال: ولو زاحمتها هذه الخيل بمناكبها، وصادمتها بمواكبها؛ لأيقنت أن ~~سور هذه المدينة مع شدة قوته، وشهرة منعته، كان يعجز عن زحام سورة هذه ~~الخيل وينخر، ويضعف دون ذلك ويتهدم. وأشار بهذا الوصف إلى عظم هذا الجيش، ~~وجعل سورا، أخبر عنه على طريق الاستعارة. # على كل طاو تحت طاو كأنه ... من الدم يسقى أو من اللحم يطعم # الطاوي: الضامر البطن. ms063 # فيقول: إن فرسان هذا الجيش، كلهم طاو في خلقه، ضرب في # PageV01P322 # جسمه، على الخيل # كلها طاو بطنه، مجدول خلقه، كأنما يسقى من فهو يتجرعه ولا يستكثر، ويطعم ~~اللحم، فهو يتبلغ به ولا يستبطن. # لها في الوغى زي الفوارس فوقها ... فكل حصان دارع متلتم # وما ذاك بخلا بالنفوس على القنا ... ولكن صدم الشر بالشر أحزم # الحصان: الذكر من الخيل. # ثم قال: وهذه الخيل بالدروع مشتملة، وفي الجواشن متلثمة، وفي زي فرسانها، ~~وعلى حال ركبانها، وليس ذلك فرقا من الموت، وتهيبا للسلاح، ولكن الحزم أن ~~يصدم الشر بمثله، ويتقدم إليه بشكله. # أتحسب بيض الهند أصلك أصلها ... وأنك منها؟ ساء ما تتوهم # يقول: أتحسب سيوف الهند مع جلالتها ورفعتها، ونفاذها وهيبتها، أنك منها، ~~بمشاكلتها لك في الاسم، وموافقتها لك في اللقب؟ ساء ما ظنته، وخاب سعيها ~~فيما توهمته! إن السيوف بعض آلاتك؛ تصرفها ولا تصرفك، وتستعملها ولا ~~تستعملك. # PageV01P323 # إذا نحن سميناك خلنا سيوفنا ... من التيه في أغمادها تتبسم # ثم قال: إذا نحن سميناك بسيف الدولة، خلنا سيوفنا في أغمادها تتبسم، ~~مزدهية بك، وتتكبر بادعائها لك. # ولم نر ملكا قط يدعى بدونه ... فيرضى ولكن يجهلون وتحلم # يقول: ولم نر ملكا قبلك يدعى بدونه، بما يتواضع عن قدره فيرضى ويصبر، ~~ويغضي ويغتفر، ولكنهم يجهلون وتحلم، ويقصرون عن حقيقة وصفك فتكرم. # أخذت على الأرواح كل ثنية من العيش تعطي من تشاء وتحرم الثنية: الطريق في ~~رأس الجبل. # فيقول: أخذت على نفوس الناس بمجاميع الطرق. يشير بذلك إلى قوة ملكه، ~~وتمكن أمره. فأنت تعطي من أطاعك ورجاك، وتحترم من خالفك وعصاك، # عالما بما تفعله، قادرا على ما تقصده، تسعدك الأقدار على إرادتك، وتسهل ~~لك وجوه رغبتك. # PageV01P324 # فلا موت إلا من سنانك يتقى ... ولا رزق إلا من يمينك يقسم # ثم قال: فلسنا نعلم قتلا يتقى، إلا من سلاحك في وقائعك، ولسنا نعلم عطاء ~~يقصد، من غير هباتك ومكارمك. # PageV01P325 # وضرب لسيف الدولة بميافارقين خيمة كبيرة، وأشاع الناس أن المقام يتصل. ~~وهبت ريح شديدة، فسقطت الخيمة، وتكلم الحساد عند سقوطها، ms064 فقال أبو الطيب: # أينفع في الخيمة العذل ... وتشمل من دهرها يشمل # يقول: أينفع في الخيمة أن تلام بفعلها، وتعذل على سقوطها؟ وعذرها بين، ~~والموجب لفعلها ظاهر. كيف لها أن تشمل الدهر بسلطانه، ويجير عليه بإحسانه! # وتعلو الذي زحل تحته ... محال لعمرك ما تسأل # ثم قال: وكيف تعلو من يتواضع زحل عن رفعته، ويقصر دون بلوغ منزلته؟ محال ~~ما تسأله، وممتنع ما تحمله. # فلم لا تلوم الذي لامها ... وما فص خاتمه يذبل # ثم قال: ولم لا تلوم هذه الخيمة لائمها على سقوطها، والرئيس # PageV01P326 # الذي تهيبته، وأعجزها الاشتمال عليه، يقصر يذبل مع عظمه عن فص خاتمه، ~~ويخف عند ركابته كخفته، ويقل عند جلالته كقلته؟ # تضيق بشخصك أرجاؤها ... ويركض في الواحد الجحفل # ثم قال، مخاطبا لسيف الدولة: تضيق أرجاء هذه الخيمة بشخصك إعظاما له، وفي ~~الواحد من تلك الأرجاء يركض الجيش العظيم، ويتصرف الجمع الكبير، فإنما ضاقت ~~بك على طريق الإجلال لك. # وتقصر ما كنت في جوفها ... ويركز فيها القنا الذبل # ثم قال: وتقصر عند كونك في جوفها، مكبرة للاشتمال عليك، وتضطرب مستعظمة ~~للاستعلاء فوقك، وذلك لجلالتك لا لصغرها وقصرها، ولهيبتك لا لتطأطؤها؛ لأن ~~القنا الذبل تركز فيها لعلوها، وتقصر عنها لارتفاعها. # وكيف تقوم على راحة ... كأن البحار لها أنمل # ثم قال، باسطا لعذر الخيمة في سقوطها: وكيف تقوم هذه الخيمة مشتملة على ~~من البحار كالأنمل لراحته، يعمها بأيسر جوده، ويزيد عليها بأقل بذله؟ # PageV01P327 # فليت وقارك فرقته ... وحملت أرضك ما تحمل # ثم قال: فليتك أيها الرئيس فرقت وقارك وقسمته، وشاركت فيه وبعضته، وحملت ~~الأرض منه ما تحمله، وكلفتها ما تبلغه! # فصار الأنام به سادة ... وسدتهم بالذي تفضل # ثم قال: فكان في ذلك ما يصير الأنام به سادة بمثله، ورؤساء بما يصل إليهم ~~من فضله، وكان فيما يفضل عنهم ما تسود به جماعتهم، وتستحق معه رياستهم. # رأت لون وجهك في لونها ... كلون الغزالة لا يغسل # ثم قال: رأت هذه الخيمة لون وجه سيف الدولة في لونها، وتلألؤ حسنه في ~~حسنها، كنور الشمس يشرق ولا ms065 يغسل، ويضيء ولا يغير. # وأن لها شرفا باذخا ... وأن الخيام بها تخجل # ثم قال: ورأت أن لها به شرقا باذخا، واعتلاء ظاهرا، وأنها تخجل الخيام ~~بعجزها، وتحقرها بجلالة قدرها. # PageV01P328 # فلا تنكرن لها صرعة ... فمن فرح النفس ما يقتل # ثم قال: وغير بديع أن يصرعها طربها، ويستخفها فرحها، فمن الفرح ما يقتل ~~بشدته، ومن الطرب ما يضر بزيادته. # ولو بلغ الناس ما بلغت ... لخانتهم حولك الأرجل # ثم قال: ولو بلغ الناس العقلاء ما بلغته هذه الخيمة، من الصيانة لك، ~~والاتصال بك، والاشتمال عليك، لخانتهم أرجلهم، فلم تحملهم، وصرعهم فرحهم، ~~ولم يحملهم. # ولما أمرت بتطنيبها ... أشيع بأنك لا ترحل # ثم قال لسيف الدولة: ولما أمرت بنصب هذه الخيمة، ومد أطنابها، أشاع الناس ~~أن ذلك لأمر وقفك عن الرحيل، وعذر ثبطك عن الغزو. # فما اعتمد الله تقويضها ... ولكن أشار بما تفعل # فلم يكن سقوطها إرادة من الله، لحط ما رفعته منها، ولكن نبهك على الرحيل ~~الذي أعرضت عنه، وأراك رشدك في النهوض الذي أخرت أمره. # PageV01P329 # وعرف أنك من همه ... وأنك في نصره ترفل # ثم قال: وأبان أنه يذكرك راضيا عنك، وينصرك مانعا منك، ففي نصره ترفل، ~~وفي تأييده تتقلب. # فما العاندون وما أثلوا؟ ... وما الحاسدون وما قولوا؟ # ثم قال: وما قدر العاندين وما جمعوه، وما بلغ حسدهم، ومبلغ ما اختلفوه، ~~إذا اقترن ذلك بجلاله سلطانك، واستضاف إلى علو مكانك؟ # هم يطلبون فمن أدركوا؟ ... وهم يكذبون فمن يقيل؟ # ثم قال: هم يجتهدون في الطلب، فسلهم أين منزلة من أدركوه من نظرائهم من ~~منزلتك؟ وأين محلهم من علو رتبتك؟ وهم يكذبون، فسلهم عمن يقبل كذبهم، ويسمع ~~إفكهم إلا طغام لا يحفل بهم، وهمج لا يعرج عليهم؟ # وهم يتمنون ما يشتهون ... ومن دونه جدك المقبل # ثم قال: وهم يتمنون من الظهور عليك، بحسب ما تبلغه شهواتهم، ويعترضهم دون ~~ذلك، إقبال جدك، وتمكن سعدك، وما يتكفل الله به من إعلاء أمرك. # PageV01P330 # وملمومة زرد ثوبها ... ولكنه بالقنا مخمل # يقول لسيف الدولة: ورب كتيبة لك، لباس فرسانها الدروع، حتى ms066 كأنها منها في ~~ثوب شامل، ولباس سابغ، إلا أن ذلك الثوب محتمل بالرماح البادية منه، مشعب ~~بالقنا المتشاجرة فيه. # يفاجئ جيشا بها حينه ... وينذر جيشا بها القسطل # ثم قال: إذا فاجأت تلك الكتيبة جيشا فاجأه بها حينه، وقابله منها حتفه، ~~ويقدمها # عند إيقاعها به من عجاج خيلها، ورهج غبارها، ما ينذر غير ذلك الجيش ~~بأمرها، ويهزمه بتوقع بأسها. # جعلتك بالقلب لي عدة ... لأنك باليد لا تجعل # ثم قال: جعلتك بالقلب لي عدة أعتدها، وعصمة أعتقدها؛ لأنك أرفع من أن ~~تصرف فتنقل، وتتناول باليد فتجعل. # لقد رفع الله من دولة ... لها منك يا سيفها منصل # PageV01P331 # ثم قال: لقد رفع الله شأن دولة صيرك سيفها، وأنت ملك الملوك (وجعلك) ~~منصلها، وأنت أمير الأمراء. # فإن طبعت قبلك المرهفات ... فإنك من قبلها المفصل # يقول: فإن تقدمتك السيوف بزمان طبعها، وسبقتك بوقت صناعتها، فأنت تسبقها ~~بنفاذ أمرك، وتتقدمها بمضاء عزمك. # وإن جاد قبلك قوم مضوا ... فإنك في الكرم الأول # ثم قال: وإن تقدمك أجواد سلفت أعمارهم، وتراخت مددهم، فأنت تتقدمهم بعموم ~~جودك، وتسبقهم بسبوغ كرمك، فإن تقدموك بالزمان، فأنت تتقدمهم بالإحسان. # ثم قال: وكيف تقصر عن غاية من الفضل، ومنزلة من الكرم والبأس، والأسد ~~ولدتك، وثديها أرضعتك؟ # وكيف تقصر عن غاية ... وأمك من ليثها مشبل # PageV01P332 # وقد ولدتك فقال الورى ... ألم تكن الشمس لا تنجل # ثم قال: وقد ولدتك أمك، وهي الشمس في رفعة قدرها، وجلالة أمرها، فاستعظم ~~الناس أن يكون مثلها يلد، ومن صار في مثل منزلتها ينسل، فكيف بك وأمك الشمس ~~جلالة ورفعة، وأبوك الأسد صرامة وشدة؟ # فتبا لدين عبيد النجوم ... ومن يدعي أنها نعقل # ثم يقول: فأهلك الله أصحاب النجوم، والمصدقين بها، وعبيدها المعظمين لها، ~~وأبعد الله القائلين: إنها عاقلة مميزة، وعالية مدبرة. # وقد عرفتك فما بالها ... تراك تراها ولا تنزل # وقد عرفتك وشاهدتك، وأبصرتك وتبينتك، فما بالها تراك تنظر إليها ولا تنزل ~~خاضعة لك، وتنحط من أماكنها متواضعة عنك؟ وهي في الحقيقة لا تبلغ رتبة ~~فضلك، ولا تقارب جلالة قدرك. # ولو بتما ms067 عند قدريكما ... لبت وأعلاكما الأسفل # يقول: ولو بتما، وموضع كل واحد منكما على حسب فضله، ومكانه حيث يستحق ~~بقدره، لبت في مواضع النجوم، وباتت في موضعك، تعلوها وتسفل منك، وتسبقها ~~وتتواضع عنك. # PageV01P333 # أنلت عبادك ما أملت ... أنالك ربك ما تأمل # ثم قال: أنلت عبيدك، وهم العباد، ما أملوه من فضلك، وحققت رجاءهم فيما ~~استدعوه من كرمك، أنالك ربك ما تأمله، وأيدك على ما تقصده، وتكفل لك بتقريب ~~ما تريده. # PageV01P334 # وركب سيف الدولة في بلد الروم، من منزل يعرف بالسنبوس، في جمادى الأولى ~~سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة. وأصبح وقد صف الجيش قاصدا سمندو، وكان أبو ~~الطيب متقدما، فالتفت فرآه وقد خرج من الصفوف يدير رمحا بيده، فرجع إليه، ~~فسايره، وأنشده: # لهذا اليوم بعد غد أريج ... ونار في العدو لها أجيج # الأريج: الفوج، وأجيج النار: اشتعالها. # فيقول: لهذا اليوم بعد غد، بطيب ذكره، وكريم خبره، ومشكور أثر سيف الدولة ~~فيه، فوح يتضوع، وطيب يعبق، ونبأ محمود يؤثر. # تبيت به الحواصن آمنات ... وتسلم في مسالكها الحجيج # الحواصن: العفائف، واحدتهن حصان. # ثم قال: يشير إلى ما يوقعه سيف الدولة في ذلك اليوم بالعدو، وأن ذلك يوجب ~~له من قوة سلطانه، ما تأمن به الحواصن من نساء # PageV01P335 # الثغور، وما يسلم معه السالكون لطرق الحج. # فلا زالت عداتك حيث كانت ... فرائس أيها الأسد المهيج # فريسة الأسد: ما دق عنقه. # فيقول لسيف الدولة: فلا زالت أيها الرئيس، الذي يشبه اهتياجه في حربه ~~اهتياج الأسد عند غضبه، عداتك حيث تصرفت من الجهات، وأين كانت من البلاد، ~~فرائس تصرعهم وقائعك، وتتحكم فيهم صوارمك. # عرفتك والصفوف معبات ... وأنت بغير سيرك لا تعيج # العائج: المكترث، يقال: عاج بعيج إذا اكترث، وعاج يعوج إذا انعطف. # ثم قال: عرفتك مع كثرة عساكرك، وازدحام كتائبك، والصفوف معبئات للحرب، ~~مهيئات للطعن والضرب، وأنت لا تحفل بغير سيرك ولا تكترث للقاء عدوك. # ووجه البحر يعرف من بعيد ... إذا يسجو فكيف إذا يموج # PageV01P336 # يقال: البحر يسجو إذا سكن، ويموج إذا ارتج. # ثم ضرب مثلا، فقال: وكذلك البحر ms068 لا يخفي موضعه مع سكونه، ولا يغيب عن ~~الأبصار مع قراره، فكيف إذا هاج وزحر، وارتج وطمح؟! وأنت كذلك، لا يخفي على ~~البعيد موضعك مع السلم، فكيف بك عند تأهبك للحرب؟! # بأرض تهلك الأشواط فيها ... إذا ملئت من الركض الفروج # الأشواط: جمع شوط، وهو ما بين أول الطلق وآخره. # فيقول: إن هذا الجيش يسير من أرض الروم في أرض بسيطة، بعيد آخرها، نائية ~~نهايتها، وإن ذلك البعد يقرب على هذا الجيش بشدة ركضه، وسرعة سيره، فتهلك ~~الأشواط عند ما هو بسبيله من الإسراع إلى العدو، والجد في قصده. # تحاول نفس ملك الروم منها ... فتفديه رعيته العلوج # ثم قال: تحاول من هذه الأرض نفس ملك الروم، فتيقنا بفراره، ويعتصم منا ~~بهربه، ويجعل فداءه رعيته المغنومة، وعساكره المهزومة. # PageV01P337 # أبا الغمرات توعدنا النصارى ... ونحن نجومها وعس البروج # غمرات الحرب: شدائدها. # فيقول: أبشدائد الحرب تواعدنا النصارى، وهي أوطاننا التي نألفها، ~~ومواضعنا التي نسكنها؟ فانتقالنا فيها كانتقال النجوم في بروجها، وتصرفها ~~في منازلها، فكيف نهاب ما لا نعدمه، ونتوقع ما لا نفقده؟! # وفينا السيف حملته صدوق ... إذ لاقى وغارته لجوج # ثم قال، مؤكدا لما قدمه: وفينا سيف الدولة، وهو السيف صرامة وشدة، ونفاذا ~~وعزيمة، إن حمل صدقت حملته، وإن أغار أبعدت في المقصد غارته. # نعوذه من الأعيان بأسا ... ويكثر بالدعاء له الضجيج # ثم قال: نعوذه من بأس العيون مخافة أن تلقعه، ويكثر الضجيج بالدعاء له ~~شكرا # على ما يفعله. # رضينا والدمستق غير راض ... بما حكم القواضب والوشيج # الدمستق بالرومية: قائد جيوش الروم، والقواضب: السيوف، والوشيج: الرماح. # PageV01P338 # فيقول: رضينا بما حكمت به السيوف والرماح، من استباحة بلاد الروم، وسبي ~~نسائهم، وقتل رجالهم، والدمستق لا يرضى بذلك الحكم؛ لما فيه من هتك ملكه، ~~وإذلال عزه. # فإن يقدم فقد ررنا سمندو ... وإن يحجم فموعده الخليج # سمندو: حصن يتوسط بلاد الروم، والإحجام: التأخر، والخليج: ما انجر إلى ~~القسطنطينية من البحر. # ثم قال: فإن يقدم فيها نحن اؤلاء بسمندو، وهي من وسائط أرضه، فليقدم إن ~~كانت به على ذلك قوة، ms069 وإن يحجم فنحن على أثره لا ننصرف عن الخليج حتى نرده، ~~ولا نتأخر عنه حتى نبلغه. # PageV01P339 # شرح غزاة المصيبة سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة. # ومر سيف الدولة في هذه الغزاة بسمندو، وعبر آلس، وهو نهر عظيم، ونزل على ~~صارخة فأحرق ربضها وكنائسها، وربض خرشنة وما حولها، وأكثر القتل وأقام ~~بمكانه أياما، ثم رحل حتى عبر آلس راجعا، فلما أمسى ترك السواد وأكثر ~~الجيش، وسار حتى جاز خرشنة، وانتهى إلى بطن اللقان في غد ظهرا، فلقي ~~الدمستق، وكان في ألوف من الخيل، فلما نظر إلى أوائل خيل المسلمين ظنها ~~سرية، فثبت لها، وقاتل أوائل الناس حتى هزمهم، وأشرف عليه سيف الدولة ~~فانهزم، وقتل من فرسانه خلق (كثير)، وأسر من بطارقته نيف على ثمانين، وأفلت ~~الدمستق، ولذلك قال أبو الطيب: # PageV01P340 # ذم الدمستق عينسه وقد طلعت ... سود الغمام فظنوا أنها قزع # وعاد سيف الدولة إلى عسكره وسواده، وقفل غانمان فلما وصل إلى عقبة تعرف ~~بمقطعة الأثفار، صافة العدو على رأسها، فأخذ سيف الدولة ساقة الناس يحميهم، ~~فلما انحدر بعد عبور الناس، ركبه العدو، فجرح من الفرسان جماعة، وفي ذلك ~~قال أبو الطيب: # وفارس الخيل من فوقرها ... في الدرب والدم في أعطافها دفع # ونزل سيف الدولة على بردان، وهو نهر، وضبط العدو عقبة السير، وهي عقبة ~~صعبة طويلة، فلم يقدر على صعودها لضيقها، وكثرة العدو بها، فعدل مياسرا في ~~طريق وصفه له يعض الأدلة، وأخذ ساقة الناس، وكانت الإبل كثيرة معيية، ~~واعترضه العدو آخر النهار من # PageV01P341 # خلفه، فقاتله إلى العشاء، وأظلم الليل، وتسلل أصحاب سيف الدولة يطلبون ~~سوادهم، فلما رأى ذلك، وبقي وحده مع نفر يسير، سار حتى لحق بالسواد تحت ~~عقبة قريبة من بحيرة الحدث، فوقف وقد أخذ العدو الجبلين من الجانيين، وجعل ~~سيف الدولة يستنفر الناس، فلا ينفر أحد، ومن تخلص من العقبة نهارا لم يرجع، ~~ومن بقي تحتها لم تكن فيه نصرة، وتخاذل # الناس، وكانوا قد ملوا السفر، فأمر سيف الدولة بقتل البطارقة الزراورة ~~وكل من كان في السلاسل وسار سيف الدولة ms070 واجتاز أبو الطيب العدو آخر الليل ~~بجماعة من المسلمين، يعضهم نائم بين القتلى من التعب، وبعضهم يحركونها ~~فيجهزون على من تحرك؛ فلذلك قال أبو الطيب: # وجدتموهم نياما في دمائكم ... كأن قتلاكم إياهم فجعوا # PageV01P342 # ورجع سيف الدولة إلى حلب، فقال أبو الطيب بعد القفول يصف الحال، أنشدها ~~سيف الدولة في جمادى الأخيرة سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة: # غيري بأكثر هذا الناس ينخدع ... إن قاتلوا جبنوا في حدثوا شجعوا # الناس، اسم من أسماء الجموع يخبر عنه بالإفراد على لفظه، وبالجمع على ~~معناه. # فيقول: غيري ممن يجهل الناس ولا يعرفهم، يغير بأكثرهم فيخدعونه بالدعاء، ~~ويغرونه بالكذب، وشأنهم، وحيلتهم، وحالهم وحقيقتهم، أنهم يشجعون في حديثهم ~~وما يعدون به من أنفسهم، ويجبنون في قتالهم، ويضعفون عند اختبارهم. وأشار ~~إلى ما تظهر من عجز أصحاب سيف الدولة في هذه الغزاة التي سميت بغزاة ~~المصيبة، التي تقدم ذكرها. # أهل الحفيظة إلا أن تجربهم ... وفي التجارب بعد الغي ما يزع # الحفيظة: الأنفة، والوزع: الكف. # PageV01P343 # ثم قال: يظهرون الحفيظة والصبر، والأقدام والجلد، ويتزينون بذلك ما لم ~~تقع التجربة لهم، وفي تجربتهم ما يمنع من الاغترار بكذبهم، وينزع عن الغي ~~في حسن الظن بهم. # وما الحياة ونفسي بعدما علمت ... أن الحياة كما لا تشتهي طبع # الطبع: الدنس. # ثم قال: ليس الجمال لوجه صح ظاهرة، وسلم مارنه # فيقول: وما لنفسي والركون إلى الحياة، والحرص عليها، والاغتزار بها، وهي ~~تعلم أن حياة الإنسان على حال يكرهها، وطريقة لا يستحسنها؛ دنس ودناءة، ~~وسقوط وضعة. # ليس الجمال لوجه صح مارنه ... أنف العزيز بقطع العز يجتدع # المارن: مقدم الأنف وهو ما لان منه. # ثم قال: ليس الجمال لوجه صح ظاهره، وسلم مارنه، واعتمد المارن من بين ~~سائر الوجه؛ لأن العرب تفعل ذلك فتقول: أرغم الله أنف فلان، فتقصد الأنف من ~~بين سائر الوجه. # فيريد: أن جمال الوجه ليس بسلامة ظاهرة، فأنف العزيز يجتدع بالإذلال، ~~وحسنه يستلب بالإخلال به. # PageV01P344 # أأطرح المجد عن كتفي وأطلبه ... وأترك الغيث في غمدي وأنتجع # الانتجاع: طلب الكلأ. # فيقول: أأدع أن أحوز المجد ms071 بالسيف، وأكتسب المال من طريق الحرب، وأتناول ~~ذلك بالطلب، وأتكلف فيه أشد الشعب، فأكون كمن طرح عن كتفه ما يطلبه، وترك ~~في غمده ما ينتجعه. # والمشرفية لا زالت مشرفة ... دواء كل كريم أوهي الوجع # ثم قال: والمشرفية لا زالت مشرفة، فأبدع في المجانسة، ودعا للسيوف بدوام ~~الرفعة؛ لأنها دواء الكريم الذي يستشفي به إذا أسعدته، أو وجعه الذي يتشكاه ~~إذا خذلته. # وفارس الخيل من خفت فوقرها ... في الدرب والدم في أعطافها دفع # الدرب: المدخل إلى بلاد العدو، والعطف: الجانب. # فيقول: وفارس الخيل من وقرها وقد استفزها الخوف، وثبتها # PageV01P345 # وقد استولى عليها # الوجل، فاقتدت بصبره، وشجعت بموضعه، والدم دفع في جوانبها، عضتها الحرب، ~~وأنهكها الطعن والضرب، وأشار إلى سيف الدولة وما ظهر من جلده في هذه ~~الوقعة. # وأوحدته وما في قلبه قلق ... وأغضبته وما في لفظه قذع # القذع: السب. # ثم قال: وأوحدته، يريد: أن الخيل أفردته بتوليها عنه، فلم يحدث ذلك فلقا ~~في قلبه، وأغضبته بما ظهر عليها من قلة الصبر، فلم يوجب ذلك قذعا في لفظه، ~~بل ثبت عند اضطرابها ثبات الواثق بنفسه، وأقدم المعول على شجاعته وبأسه. # بالجيش تمتنع السادات كلهم ... والجيش بابن أبي الهيجاء يمتنع # يقول: إن السادات كلهم، إنما يعدون الجيوش ليمتنعوا بها، ويتعززوا ~~بكثرتها، وسيف الدولة يمنع جيشه، ويعز جمعه، ويحميه ولا يحتمي به، ويشجعه ~~ولا يشجع بموضعه. # قاد المقانب أقصى شربها نهل ... على الشكيم وأدنى سيرها سرع # PageV01P346 # المقنب: ثلاث مائة من الخيل أو نحو ذلك، والجمع مقانب، والنهل: الشرب ~~الأول والشكيم: جمع شكيمة، وهي حديدة اللجام المعترضة في فم الدابة، ~~والسرع: شدة الإسراع. # ثم قال، مبينا لما ذكره عنه: قاد مقانب الخيل إلى أرض العدو مجتهدا في ~~سيره مقتحما على تلك البلاد في غزوه، فسار وأقصى شرب خيله النهل على ~~الشكيم، لا يوجدها السبيل إلى نزع لجمها، واستيفاء الري في شربها، وأدنى ما ~~تتكلفه من السير والسرع الذي هو غاية الجري، وأقصى ما تحاول من العدو، يشير ~~إلى ما كان عليه سيف الدولة في هذه ms072 الغزاة من الجد، وما احتمل عليه من قوة ~~العزم. # لا يعتقي بلد مسراه عن بلد ... كالموت ليس له ري ولا شبع # يعتقي: بمعنى يحبس، وهو مقلوب من عاق يعوق، كان أصله يعتاق، فقلب إلى ~~يعتقي. وخرشنة: اسم مدينة من مدائن الروم. # فيقول: إن سيف الدولة سار مجدا في سيره، مقتحما على الروم في غزوه، لا ~~يعوقه بلد عما بعده، ولا يقنعه حصن يفتتحه عن التماس ما خلفه، كالموت الذي ~~لا يرويه ولا يشبعه كثرة من يفنيه ويهلكه. # PageV01P347 # حتى أقام على أرباض خرشنة ... تشقى به الروم والصلبان والبيع # ثم قال: حتى أقام على أرباض خرشنة، وهي من وسائط تلك البلاد، وقد شقيت ~~الروم بكثرة من قتلة وسباه منها، وشقيت الصلبان والكنائس بكثرة ما أحدثه من ~~التغيير والهدم فيها. # للسبي ما نكحوا، والقتل ما ولدوا ... والنهب ما جمعوا، والنار ما زرعوا # يقول: إن سيف الدولة أهلك تلك البلاد بسبي ما نكحه أهلها، وقتل من ربوه ~~من أولادهم، ونهب ما جمعوه من أموالهم، وإحراق ما رجوه من زروعهم، ومثل هذا ~~التصنيف باب من البديع يعرف بالتقسيم. # مخلى له المرج منصوبا بصارخة ... له المنابر مشهودا بها الجمع # المرج: موضع متوسط في بلاد الروم، وصارخة: مدينة من مدائنهم طال اضطراب ~~سيف الدولة حولها. # ثم قال: مخلى له المرج مع توسطه في بلاد الروم، ولا يمكنهم الظهور فيه؛ ~~لما يحذرونه من عسكر سيف الدولة، منصوبا له المنابر بصارخة، # PageV01P348 # قد اقتدر المسلمون على ملكها، وأطالوا الانتشار في أرضها، وصاروا لذلك في ~~حالة الساكنين بها، فأقاموا الجمع فيها، وخطبوا لسيف الدولة في جهاتها. # يطمع الطير فيهم طول أكلهم ... حتى تكاد على أحيائهم تقع # يقول: إن سيف الدولة قد أدام قتل الروم، وقوت الطير بلحومهم في وقائعه، ~~حتى # نكاد لما اعتادته من ذلك، تقع على أحيائهم فتأكلهم، وتعرضهم في طرقهم ~~فتخطفهم. # ولو رآه حوار يوهم لبنوا ... على محبته الشرع الذي شرعوا # ثم قال: ولو رأى سيف الدولة حواريو الروم، وشهدوا مكارمه وفضله، وإنصافه ~~وعدله، وإقدامه وبأسه، مع موضع الحواريون ms073 من الصدق، واحتمالهم على طرق ~~الحق، لبنوا شريعة الروم على محبته، وألزموهم الاحتمال على طاعته. # ذم الدمستق عينيه وقد طلعت ... سدد الغمام فظنوا أنها قزع # القزع: قطع السحاب، والدمستق: قائد جيوش الروم. # PageV01P349 # فيقول إن موكب سيف الدولة طلعت متتابعة كأنها قطع السحاب، فأشكلت على ~~الدمستق وأصحابه، ولم تنفصل لهم من الفرع، فذم عينيه لذلك، وهو الذي ينظر ~~فلا له نظره ما يبصره. # فيها الكماة التي مفطومها رجل ... على الجياد التي حوليها جذع # ثم وصف تلك الكتائب، فقال: إن فرسانها لتمام خلقهم، وعظم أجسامهم، في حين ~~الفطام على هيئات الرجال، فما ظنك بهم عند الكمال، وبلوغ الأسد؟! وكذلك ~~خيولهم حوليها في هيئة الجذع؛ جسارة وقوة، فكيف تظنها قارحة متكاملة، ~~مستوفية لسن القوة، متناهية؟! # يذري اللقان غبارا في مناخرها ... وفي حناجرها من آلس جرع # اللقام: كوضع معروف في بلاد الروم، وآلس: نهر عظيم من أنهارهم. # فيقول: إن هذه الخيل لسرعة سيرها، وشدة عدوها، وردت اللقان، وصار غبارة ~~في مناخرها وحناجرها لم تجف من ماء آلس، # PageV01P350 # وهو النهر الذي غبر فيه من صارخة، وبين الموضعين مسافة طويلة، فأشار إلى ~~ما كانت عليه هذه الخيل من قوة ركضها، وإسراعها في إغارتها. # كأنما تتلقاهم لتسلكهم ... فالطعن يفتح في الأجوف ما تسع # ثم قال، كأنما تتلقى هذه الخيل الروم لتسلك أجسادهم، وتتخذ طرقا في ~~جسومهم، فطعن فرسانها فيهم يفتح ما يسعهم، ويخرق ما لا يضيق بهم، وليس في ~~الإفراط بأعجب من قول النابغة يصف سيوف بني جفنه. # تقد السلوقي المضاعف نسجه ... وتوقد بالصفاح نار الحباحب # تهدي نواظرها والحرب مظلمة ... من الأسنة نار والقنا شمع # يقول: إن خيل سيف الدولة تهدي نواظرها في وقائعه، # PageV01P351 # والحرب مظلمة، بما يثور فيها من العجاج، ويسطع من الغبار، اتقاد الأسنة ~~التي تشبه المصابيح، بضيائها في رؤوس القنا، التي تشبه الشمع في إشراقها ~~بها، وهذا مما شبه فيه شيئين بشيئين في بيت واحد، أصح تشبيه، وذلك غاية ~~الأبداع. # دون السهام ودون الفر طافحة ... على نفوسهم المقدرة المزع # المقورة: الضامرة، والطافحة: المستعلية، والمزع: ms074 المسرعة. # ثم قال: يريد الروم، دون وقوع السهام فيهم، واتفاق ما حاولوه من الفرار ~~لهم، اقتحمت عليهم المقورة المزع من خيل سيف الدولة فصرعتهم، وأعجلتهم عن ~~الفر فقتلتهم، وطفحت فوقهم تطؤهم حوافرها، وتدوسهم سنابكها. وقصد السهام من ~~بين سائر السلاح، مشيرا إلى غلبة هذه الخيل لهم في أول القتال؛ لأن الرمي ~~في القتال أول الحرب، وقد بين ذلك زهير بقوله: # PageV01P352 # يطعنهم ما ارتموا حتى إذا اطعنوا ... ضارب، حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا # فأخبر بأن هذه الخيل صرعتهم في أول الحرب، ومنعتهم ما راموه من الفر. # إذا دعا العلج علجا حال بينهما ... أظمى تفارق منه أختها الضلع # الأظمى: الأسمر الذابل، وكنى به عن الرمح. # فيقول: إذا دعا العلج علجا يستعينه، وينتصر به، حال بينهما أظمى من ~~الرماح، # تفارق به الضلع أختها، مع تآلفها بالخلقة، فكيف بتفريقه بين العلجين، ~~وإنما تألفهما بالصحبة؟! # أجل من ولد الفقاس منكتف ... إذ فاتهن، وأمضى منه منصرع # ولد الفقاس: الدمستق. # ثم قال: أجل من ولد الفقاس، وهو الدمستق، وهو رئيس جيش الروم، إذ فات ~~الرماح بهربه، مأسور قد ملك فكتف، وأمضى منه # PageV01P353 # في انهزامه، مقتول قد أهلك وصرع؛ لأنه إنما هرب بعد أن قتل جيشه، وأفني ~~جمعه، وأذلت الحرب عزه، فهو وإن كان حيا أعجز ممن قتل، وهو وإن كان أفلت ~~أذل ممن أسر. # وما نجا من شفار البيض منفلت ... نجا ومنهن في أحشائه فزع # يقول: وما نجا من شفار السيوف منفلت، أنجاه فراره، وعصمه من القتل هربه، ~~فهو لا يأمن لشدة فزعه، ولا يسكن لاستحكام توقعه، ومن كانت هذه حاله، ~~فحياته موت، ونجاته هلاك. # يباشر الأمن دهرا وهو مختبل ... ويشرب الخمر حولا وهو ممتقع # الخبل: الجنون، والامتقاع: تغير اللون. # ثم أكد ما قدمه، فقال: يباشر الأمن دهرا، وهو لفزعه مختبل العقل، ويشرب ~~الخمر حولا، وهو لشدة مخافته ممتقع اللون. # كم من حشاشة بطريق تضمنها ... للباترات أمين ما له ورع # الحشاشة: رمق النفس، والباترات: السيوف، والأمين: الذي يصدق في ما وليه، ~~وأراد هاهنا به القيد. # PageV01P354 # فيقول: كم ms075 من بطريق لم يبق منه إلا رمقه، ضمن ذلك الرمق للسيوف أمين من ~~القيد لا ورع له، وحافظ لا يحذر الخيانة عليه. # يقاتل الخطو منه حين يطلبه ... ويطرد النوم عنه حين يضطجع # ثم بين القيد الذي كني عنه، فقال: إذا حاول ذلك البطريق الخطو، منعه ~~القيد منه، وإذا رام المشي، قاتله بتضايقه دونه، وكذلك لا يكنه الاضطجاع ~~به، فيطرد عنه نومه، ولا تتأتى له الحركة معه، فيتضاعف عليه همه. # تغدو المنايا فضلا تنفك واقفة ... حتى يقول لها عودي فتندفع # ثم قال، يريد سيف الدولة: تغدو المنايا فلا تنفك واقفة ترتقب أمره، ~~وتبادر فلا تزال ماثلة تستمطر رأيه، فإن كفها ولت مندفعة، وإن أرسل بها ~~سيوفه سطت مستعجلة، وفي ظاهر لفظه ما يدل على هذه العبارة. # قل للدمستق إن المسلمين لكم ... خانوا الإله فجازاهم بما صنعوا # قوله: (قل للدمستق إن المسلمين لكم)، قال: كان أبو الطيب قد اجتاز في ~~الليل الموضع الذي قتل فيه سيف الدولة من قتله من أسرى # PageV01P355 # الروم، وكان هنالك فيها من المسلمين قوم؛ منهم من أضجعه النوم والتعب، ~~ومنهم من كان يتتبع القتلى فيجهز على من كان فيه منهم رمق، وقد سيف الدولة، ~~وأدرك العدو هذه الطائفة، فأوقع بهم، فقتل فيهم وأسر، فلذلك قال أبو الطيب: ~~قل للدمستق: إن الذين أسلمهم لكم سيف الدولة خانوا الإله بعصيانهم لأميرهم، ~~وانقطاعهم عن جماعتهم، فجازاهم بما صنعوه، وأعقلهم فظفرتم بهم، وضيعهم ~~فظهرتم عليهم. # وجدتموهم نياما في دمائكم ... كأن قتلاكم إياهم فجعوا # ثم قال: وجدتموهم نياما بين قتلاكم، ومن أجهزوا عليه من جرحاكم حتى كأنهم ~~لتقلبهم بينهم مفجوعون بهم، متوجعون لهم. # ضعفى تعف الأعادي عن مثالهم ... من الأعادي وإن هموابهم نزاعوا # PageV01P356 # نزعت عن الشي: إذا أعرضت عنه. # فيقول: للروم: أن أسرتموه من المسلمين إنها كانوا ضعفى لا يحفل بهم، ولا ~~يعرج على من كان في مثل حالهم، بل الأعادي يترفعون عن الانحطاط إلى # نظرائهم من أعاديهم، وإن هموا بهم نزعوا عن ذلك وتركوه، وأنفوا منه ~~واجتنبوه. # لا تحسبوا من أسرتم كان ms076 ذا رمق ... فليس تأكل إلا الميت الضبع # ثم قال: مؤكدا لما قدمه: لا تحسبوا أن من أسرتموه رمقا يطمعكم به، ورقية ~~تبعث لكم رجاء فيه، فلو كان ذلك لضعفتم عن أسره، وعجزتم عن قتله، فإنما ~~أنتم كالضبع التي تهاب الحي وتحذره، وتتسلط على الميت فتأكله، وأنتم كذلك ~~عجزتم عن مقارعة الأبطال، وتسلطتم على الضعفاء والأفسال. # هلا على عقب الوادي وقد صعدت ... أسد تمر فرادى ثم تجتمع # PageV01P357 # العقب: جمع عقبة. # فيقول، مخاطبا للروم: هلا كان ما أظهرتموه من الإقدام على المتخلفين، من ~~ضعفاء الجيش عند تجمعكم على عقب الوادي، وأخذكم بمضائقه، واعتراضكم لجيش ~~سيف الدولة فيه، ثم وليتم ناكصين، وتركتم الطريق صاغرين، وقد صعدت نحوكم من ~~ذلك الجيش أسد تمر فرادى، لا يمكنها الاجتماع لضيق الموضع، ولا يتهيأ لها ~~الترافد لوعورة المسلك، فيمرون أفرادا ثم يجتمعون، ويخطرون آحادا ثم ~~يلتئمون. # تشفكم بفتاها كل سلهبة ... والضرب يأخذ منكم فوق ما يدع # السلهبة من الخيل: الطويلة. # ثم قال تشقكم بفتاها؛ بفتيان جيشه، كل سلهبة من عتاق خيله، يريد: أن ~~الجيش اخترقهم، وأقدمت فرسانه عليهم والجراح قد أثخنتهم، ومن ناله الضرب ~~فيهم أكثر ممن فاته منهم. # PageV01P358 # وإنما عرض الله الجنود بكم ... لكي يكونوا بلا فسل إذا رجعوا # الفسل: الدنيء من الرجال. # ثم قال: وإنما عرض الله الجيوش بكم، يريد: أن الله خلصها من الأدنياء، ~~وطهرها # من الضعفاء والجبناء، فقتلهم بكم، وكفى جيش سيف الدولة مئونتهم على ~~أيديكم، ليكونوا عند رجوعهم صميما لا حشو فيهم، وأبطالا لا فسل بينهم. # فكل غزو إليكم بعد ذا فله ... وكل غاز لسيف الدولة التبع # ثم يقول للروم: إن سيف الدولة قد نهج للناس سبيل غزوكم، وهون على من ~~أرادكم أمركم، فمن غزاكم بعده فإنما يقفو أثره، ومن اقتحم أرضكم فإنما ~~يمتثل سيره. # تمشي الكرام على آثار غيرهم ... وأنت تخلق ما تأتي وتبتدع # PageV01P359 # الخلق: الصناعة # ثم قال لسيف الدولة: تمشي الكرام على آثار من تقدمها، مقتدية بفعله، ~~وتتلوه ممتثلة لسعيه، وأنت تبتدئ ما تأتيه في المجد وتبتدعه، وتسبق إلى ذلك ms077 ~~وتخترعه. # وهل يشينك وقت كنت فارسه ... وكان غيرك فيه العاجز الضرع # الشين: العيب، والضرع من الرجال: الضعيف. # فيقول، مشيرا إلى خذلان أصحاب سيف الدولة له في بعض تلك العزاة: وهل ~~يعيبك وقت أقدمت فيه وأحجم فرسانك، وكررت وقد عجز أصحابك، فبان فضلك وبان ~~نقصهم، وجل قدرك وضاق عذرهم. # من كان فوق محل الشمس موضعه ... فليس يرفعه شيء ولا يضع # ثم قال: ومن حل في الفضائل محلك، واشتهر بالشجاعة اشتهارك، فتواضعت الشمس ~~عن موضعه، وقصر محتدها عن محتده، فلم يبق له في الشرف غاية يبلغها فترفعه، ~~ولا للعيب إليه سبيل فيضعه. # PageV01P360 # لم يسلم الكر في الأعقاب مهجته ... إن كان أسلمها الأصحاب والشيع # الشيع: الأتباع. # فيقول لم يسلم مهجة سيف الدولة بأسه وإقدامه، وكره في أعقاب خيله ~~واستلجامه، # إن كان أسلمها أتباعه وحشمه، وفارقه فرسانه وخوله، بل كان من شجاعته في ~~جيش يمنعه، ومن إقدامه في جمع يتبعه. # ليت الملوك على الأقدار معطية ... فلم يكن لدني عندها طمع # ثم قال، ليت أن الملوك في عطاياها جارية على قدر من تعطيه، وحقيقة من ~~تؤثره وتدنيه، فلم يكن للأدنياء طمع في فضلهم، ولا لأهل الجبن والخور نصيب ~~في بذلهم، وأشار بهذا إلى من فر عن سيف الدولة من فرسانه، الذين كان يؤثرهم ~~بالإحسان، ويخصهم بالتوسع والإنعام. # رضيت منهم بأن زرت الوغى فرأوا ... وإن قرعت حبيك البيض فاستمعوا # الحبيك: طرائق في الماء، واستعار ذلك في البيض، والواحد حبيكة. # PageV01P361 # فيقول لسيف الدولة: رضيت من فرسانك بأن صليت الحرب، فرأوك وشهدوك، وقرعت ~~حبيك بيض الروم بجلادك، فاستمعوا، يشير إلى أنه أقدم وأحجموا، وكر في ~~أعقابهم وانهزموا. # لقد أباحك غشا في معاملة ... من كنت منه بغير الصدق تنتفع # ثم قال يخاطبه: لقد أباحك الغش في معاملته من كذبك عن نفسه، ولبس عليك في ~~أمره، فأراك الشجاعة، والجبن خليقته، وأظهر لك الجلد، والضعف حقيقته، فموه ~~بما لا يبلغه، وتعاطى عندك ما لا يفعله. # الدهر معتذر والسيف منتظر ... وأرضهم لك مصطاف ومرتبع # المصطاف: موضع الإقامة في الصيف، والمرتبع: موضع الإقامة ms078 في الربيع. # فيقول لسيف الدولة: الدهر معتذر مما سمح به للروم في نيلهم من أطراف ~~جيشك، والسيف منتظر لإدراك الثأر فيهم، واستعجال الانتقام منهم، وأرضهم ~~مصطاف لجيوشك، ومرتبع لخيولك، لا تغبهم وقائعك، ولا تنام عنهم عزائمك. # وما الجبال لنصران بحامية ... ولو تنصر فيها الأعصم الصدع # PageV01P362 # الأعصم: الوعل الذي في بدنه بياض، والصدع: الوعل بين الوعلين، لا بالمسن ~~ولا بالصغير. والنصران: واحد النصارى، نحو ندمان وندامى، قال الشاعر: # فكلتاهما خرت وأسجد رأسها ... كما سجدت نصرانة لم تحنف # ثم قال: وما تعصم الجبال متنصرا منك، ولا تحجبهم بامتناعها عنك، ولو أن ~~الأعصم الصدع يتنصر فيها لما امتنع عليك ولأسلمته الأقدار إليك، وضرب المثل ~~بالوعل لقدرته على الصعود في الجبال، والتقحم للأوعار، واشترط الصدع؛ لأنه ~~أثبت قوة، وأشد سرعة، وهذا الاشتراط باب من البديع يعرف بالتتميم. # وما حمدتك في هول ثبت له ... حتى بلوتك والأبطال تمتصع # المصاع: التجالد بالسيوف. # فيقول: وما بلغت حقيقة وصفك، وما يجب في حمدك، مع ما # PageV01P363 # شهدته من ثباتك في الأهوال التي جمعتني بك، حتى بلوتك والأبطال تتماصع ~~سيوفها، وتجتهد في جلادها، ورأيت غناءك وشدة بأسك، ومقاومتك للروم بنفسك، ~~فهناك علمت مقدار صبرك، واستوفيت حقيقة حمدك. # فقد يظن يظن شجاعا من به خرق ... وقد يظن جبانا من به زمع # الخرق: البهت والدهش، والزمع: خفة تعتري الشجاع عند الحرب نحو اشتداد ~~الحمى، وكان البراء بن مالك الأنصاري قد شهر بها. # ثم قال مؤكدا لما ذكر؛ أنه خفي عليه من أمره، وأن المقاتل لا يقضي عليه ~~دون الاختبار لظاهره: فرب من يثبت في الحرب، ويسكن # PageV01P364 # ولا ينصرف، فيظن به الشجاعة، وإنما ثبت عن دهش وخرق، ورب من يخف فيها ~~ويضطرب فيظن به الجبن، وإنما اضطرب عن إقدام وشره. # إن السلاح جميع الناس يحمله ... وليس كل ذوات المخلب السبع # ثم ضرب في ذلك مثلا، فقال: إن السلاح يشترك الناس في حمله، ويتماثلون في # الاشتمال به، وقليل منهم من يستعمله في الجلاد والطعان، ويصرفه في منازلة ~~الأقران يشير إلى سيف الدولة، كما أن ms079 السباع كلها ذوات مخالب، ولكن الأسد ~~يفضلها بقوته، ويزيد عليها بشدته وبأسه، وكذلك، أصحاب سيف الدولة يتزيون ~~بشكله، ويشاركونه في لبس السلاح وحمله، ولكنهم يقصرون عن تصريفه له، ~~ويعجزون عما يبلغه من البطش به. # ورفع كل ذوات المخلب والسبع على الابتداء والخبر، وأضمر اسم (ليس)، كأنه ~~قال: وليس الشأن أن كل ذوات المخلب السبع، وصار الابتداء وخبره في موضع خبر ~~ليس، والعرب تفعل ذلك، فتقول: (ليس # PageV01P365 # خلق الله مثله)، فتضمر الشأن والقصة، ولولا ذلك، لما ولي ليس (خلق)؛ لأن ~~الأفعال لا يلي بعضها بعضا، روى هذا سيبويه عن العرب، وأفرد لهذا النحو ~~بابا في كتابه، وكثر عليه بالشواهد، وشهرة ذلك تغني عن تطويل القول فيه. # PageV01P366 # وتوقف سيف الدولة في غزاة ثانية على إحراق القرى ببقعة عربسوس ثم أصبح ~~صافا، يريد سمندو، وقد اتصل به أن العدو بها معد، جامع في أربعين ألفا، ~~فتهيب جيش سيف الدولة الإقدام عليها، وأحب سيف الدولة المسير إليها، ~~فاعترضه أبو الطيب، وأنشده: # نزور ديارا ما نحب لها مغنى ... ونسأل عنها غير سكانها الإذنا # المغنى: الموضع الذي يحل فيه ويسكن. # فيقول: نزور من بلاد الروم ديارا ما نحبها، ونقصد مواضع لا نألفها، ~~فنزورها على سبيل الإفساد لها، ولسنا نزورها على سبيل الأنس بها، ونستأذن ~~في دخولها أمراء جيوشنا، والمدبرين لأمورنا، فنزورها غير موجبين لحقها، ~~وندخلها غير مستأذنين لأهلها. واستعمل في هذا الإشارة دون التصريح، وذلك من ~~أبواب البديع. # PageV01P367 # نقود إليها الآخذات لنا المدى ... عليها الكماة المحسنون بها ظنا # المدى: الغاية. # ثم قال: نقود إليها من الخيل ما نستصفيه لعتقه، ويحرز لنا الغايات بسبقه، ~~وعلى تلك الخيل منا كماة الفرسان، الذين جربوها فصدقتهم، واختبروها ~~فأرضتهم. # ونصفي الذي يكنى أبا الحسن الهوى ... ونرضي الذي يسمى الإله ولا يكنى # الكماة: الشجعان، واحدهم كمي. # ثم قال: ونصفي المدعو بكنيته، يشير إلى سيف الدولة، صادق ودنا، ونمحض له ~~خالص نصحنا، ونرضي الإله الذي سمي نفسه، وارتفع عن الكنية قدره، بإعزازنا ~~لدينه، وجهادنا لعدوه، وجرى في جميع ذلك على الإشارة التي قدمنا، ms080 وهي من ~~أبواب البديع. # وقد علم الروم الشقيون أننا ... إذا ما تركنا أرضهم خلفنا عدنا # يقول: وقد علم الروم الشقيون بوقائعنا فيهم، وما نحدثه من القتل عليهم، ~~أنا إذا ما تركنا أرضهم بالخروج عنها، عاودناها باستئناف الغزو إليها. # PageV01P368 # وإنا إذا ما الموت صرح في الوغى ... لبسنا إلى حاجاتنا الضرب والطعنا # التصريح: الكشف والإعلان. # ثم قال: وإنا إذا ما الموت في الحرب كشف عن وجهه، وصرح عن نفسه، لبسنا ~~إلى ما تبتغيه الضرب والطعن، وادرعنا إليه الاعتزام والصبر. # قصدنا له قصد الحبيب لقاؤه ... إلينا وقلنا للسيوف هلمنا # ذكر سيبويه أن من العرب من يقول (هلم) وللاثنين والجميع ويجمعه، فيقول ~~للواحد: هلم، وللاثنين: هلما، وللجميع هلموا. فاستعمل أبو الطيب هذه اللغة، ~~وأدخل النون الثقيلة مؤكدا على هلموا، وهو فعل الجماعة، فاجتمع له في واو ~~الجماعة والنون الثقيلة من النون الأولى ساكنان، فأسقط أحدهما وهو الواو، ~~فبقي هلمن، ثم أشبع الفتحة للقافية، فقال: هلمنا. # ثم قال، مؤكدا لما قدمه: نقصد إليه، يريد: الموت، قصد من لقاؤه حبيب ~~إلينا، فنقدم عليه إقدام من لا يكرهه، ونسرع إليه إسراع من لا يتوقعه، ~~ونقول للسيوف هلمنا. قول المستقربين لها، المستعينين على ما نبتغيه بها. # وخيل حشوناها الأسنة بعدما ... تكدسن من هنا علينا ومن هنا # PageV01P369 # تقول العرب: حشوته بالسنان إذا أودعته حشاه، وتكدس الخيل: أن تركب بعضها ~~بعضا، وهنا: كلمة يشار بها إلى موضع قريب. # فيقول: وخيل حشوناها أسنتنا، وتمكنت في فرسانها رماحنا، فكرهتنا بعد ~~تكدسها حولنا، وفرت منا بعد إسراعها نحونا. # ضربن إلينا بالسياط جهالة ... فلما تعارفنا ضربن بها عنا # ثم قال، مبينا لذلك: ضربت تلك الخيل بالسياط مقدمة علينا، واستعجلت مسرعة ~~إلينا، فلما تعارفنا نكص عنا فرسانها مولين، وضربوها بتلك السياط منهزمين. # تعد القرى والنس بنا الجيش لمسة ... نبار إلى ما تشتهي يدك اليمنا # اللمس: معروف، والمباراة: المسابقة. # فيقول لسيف الدولة، مؤكدا لبصيرته فيما اعتقده من منازلته جمع الروم: تعد ~~مدن الروم وهدمها، ورعاياهم وسبيها، والمس بنا جيشهم لمسة، واطراق بنا ~~جمعهم طرقة، نبار إلى ms081 ما تريده من الإقدام عليهم، وما ترغبه من الإيقاع بهم ~~يمنى يديك، طاعة لك، وامتثالا لأمرك. واشترط يمنى اليدين، لأنها أسرع في ~~الفعل، وهذا من التتميم، وقد تقدم. # PageV01P370 # فقد بردت فوق اللقان دماؤهم ... ونحن أناس نتبع البارد السخنا # اللقان: موضع معروف من أرض الروم، كانت فيه وقعه غزاة المصيبة. # ثم قال: فقد بردت دماؤهم التي سفكتها فوق اللقان سيوفك، وأجرتها بالأمس ~~فيما هنالك جيوشك، ونحن أناس نتبع بارد الدم سخنة، وجارية جامده. يشير إلى ~~أن وقائعهم مترادفة، وأيامهم على الروم متوالية. # وإن كنت سيف الدولة العضب فيهم ... فدعنا نكن قبل الضراب القنا اللدنا # العضب: القاطع، واللدن: اللين. # ثم قال: وأن كنت سيف الدولة العضب، إقداما على ما تقصده، ونفاذا فيما ~~تعتقده، فاستفتح بنا حرب هذا الجيش، وضعنا منم موضع الطعن من الضرب، والرمح ~~من السيف، نبدأ الحرب ونحتمها، ونستفتحتها ونتممها. # فنحن الألى لا نأتلي لك نصرة ... وأنت الذي لو أنه وحده أغنى # الائتلاء: التقصير والتأخر. # فيقول: فنحن الذين لا نقصر في نصرك، ولا نتأخر دون ما يلزمنا من # PageV01P371 # امتثال أمرك، وأنت الذي لو انفرد دون جيشه لاستغنى عنهم، ولو قصد الروم ~~وحده لأغنى فيهم. # يقيك الردى من يبتغي عندك العلا ... ومن قال لا أرضى من العيش بالأدنى # ثم قال، داعيا لسيف الدولة: يقيك من الردى، وما تحذره من بأس الأعداء وما ~~تتوقعه، من أعلاه سلطانك، وشمله إحسانك، ومن يبتغي رفيع العيش بك، ويدرك ~~معالي الأمور عندك، فكلهم خليق بصيانتك، جدير بالاستهلاك دون إرادتك. # فلولاك لم تجر الدماء ولا اللهى ... ولم يك للدنيا ولا أهلها معنى # ثم يقول لسيف الدولة: فلولاك لم تسفك دماء الأعداء، ولا اكتسبت رغائب ~~الأموال، ولا كان للدنيا وأهلها معنى يرغب فيه طالبه، وينافس عليه محاوله. # وما الخوف إلا ما تخوفه الفتى ... وما الأمن إلا ما رآه الفتى أمنا # ثم قال: وما الخوف والأمن إلا بمقدار ما يسبق من ذلك إلى الإنسان فيما ~~يطلبه، وإنما ذلك بحسب ما تنعقد عليه نيته فيما يقصده، فمن # PageV01P372 # استسهل الشديد فيما ms082 يريده، استعفه وأمنه، ومن استصعب اليسير فيما يحاوله، ~~استثقله وحذره، وضرب هذا مثلا لسيف الدولة؛ لأنه يقدم على الأهوال إقدام من ~~لا يحذرها، ويقتحم فيها اقتحام من يأمنها ولا يتوقعها. # PageV01P373 # وقال يمدحه، ويذكر هذه الغزاة، وأنه لم يتم قصد خرشنة، بسبب الثلج وهجوم ~~الشتاء: # عواذل ذات الخال في حواسد ... وإن ضجيع الخود مني لماجد # الخود: الفتاة الشابة، والخال معروف. # فيقول: عواذل محبوبتي ذات الخال، على ما تظهره من الإعجاب بي، وتلتزمه من ~~الموافقة لي، حواسد غير نواصح، وكواذب غير صوادق؛ لأن ضجيع الخود مني ماجد ~~سيد، وفاضل أوحد. # يرد يدا عن ثوبها وهو قادر ... ويعصي الهوى في طيفها وهو راقد # ثم قال، مؤكدا لما قدمه: يعف عن ملامسة ثوبها في يقظته، مع القدرة على ~~ذلك، صيانة لها، ويمتثلها في نومه، فيعصي هواه في طيفها ضنانة بها. # متى يشتفي من لاعج الشوء في الحشى ... محب لها في قربه متباعد # لاعج الشوق: حره. # فيقول: متى يشتفي من الشوق ولاعجه، ومن الوجد وألمه، محب يدينه الوصل، ~~فتبعده العفة، ويقربه الإسعاد، فتملكه المروءة. # PageV01P374 # إذا كنت تخشى العار في كل خلوة ... فلم تتصباك الحسان الخرائد # ثم قال، معنفا لنفسه، إذا كنت تملك أربك في خلوتك، ولا تسمح لنفسك عند ~~قدرتك، فما لك وللحسان تصبو بهن؟! وما الذي يدعوك إلى التعرض لهن؟! # ألح علي السقم حتى ألفته ... ومل طبيبي جانبي والعوائد # ثم وصف حاله، فقال: ألفت السقم بطول إلحاحه وملازمته، وسكنت إليه بشدة ~~تكرره ومداومته، أومللت الطبيب، فأعرض عن معالجتي، وأيأست العوائد فاحتملن ~~على مجانبتي. # مررت على دار الحبيب فحمحمت ... جوادي وهل تشجو الجياد المعاهد # المعاهد: المنازل، وحمحمة الفرس: تكرر صوته. # فيقول: إنه مر بدار محبوبته، وهي خالية منت ساكنها، وموخشة من أهلها، ~~فحمحمت جواده، فعل عارفة بها، وحنت إليها حنين متذكرة لها، فعجب من أن ~~تشجوا لخيل ديار الأحبة، وتشوقها منازلهم، وتعطفها معاهدهم. # PageV01P375 # وما تنكر الدهماء من رسم منزل ... سقتها ضريب الشول فيه الولائد # الضريب: اللبن الذي يخلط رقيقه بثخيينه، وذلك إنما يفعل عند قلته، ms083 ~~والشول: جمع شائلة، وهي التي مضى بحملها سبعة أشهر ولبنها يقل عند ذلك، ~~والولائد: الخدم. # ثم قال: وما للدهماء أن تنكر منزلا كانت تعتاده وتألفه، وتزوره وتقصده، ~~وكان أهل ذلك المنزل لكرامتها عليهم، ونفاستها عندهم، يأمرون الولائد ~~فيسقينها ضريب الشول مع قلته، ويؤثرنها باللبن عند انصرام مدته. # أهم بشيء والليالي كأنها ... تطاردني عن كونه وأطارد # المطاردة: المحاولة في الحرب. # فيقول: أهم بأمل آمله، ومراد أرتقبه، والليالي تدافعني عنه، مدافعة ~~المقاتل المطارد، وتعترضني دونه، اعتراض المنازل المجاول. # وحيدا من الخلان في كل بلدة ... إذا عظم المطلوب قل المساعد # ثم قال: وحيدا من خلان الصفاء، وأهل المشاركة والوفاء حيث كنت، وفي كل ~~بلد احتللت، وإذا عظم المطلوب قل المساعد عليه، وإذا جل عدم المؤيد فيه. # PageV01P376 # وتسعدني في غمرة بعد غمرة ... سبوح لها منها عليها شواهد # غمرة الحرب: شدتها، والسبوح: الفرس التي تمد يديها في الجري. # فيقول: وتسعدني في غمرات الحرب، فرس كريمة، سبوح سريعة، لها من حسن خلقها ~~شواهد، تخبر عن كرمها وعتقها. # تثنى على قدر الطعان كأنما ... مفاصلها تحت الرماح مراود # المراود: معروفة. # ثم وصف هذه الفرس بحسن أدبها، وكرم طبعها، وأنها تطيع فارسها، وتساعد ~~راكبها، فقال: تثنى للطعان وتعطف، وتحيد عن الرماح وتنحرف، حتى كأن مفاصلها ~~مراود تتداخل عند انقباضها وتحرزها، ثم تعود متصلة عند انبساطها وتدفعها. # وأورد نفسي والمهند في يدي ... موارد لا يصدرن من لا يجالد يقول: إنه ~~يورد # نفسه، والسيف في يده، موارد لا يصدر عنها من لا يصدق في مجالدته، ولا ~~يتخلص منها إلا من تقدم في صبره ومدافعته. # ولكن إذا لم يحمل القلب كفه ... على حالة لم الكف ساعد # PageV01P377 # ثم قال: ولكن القلب إذا لم يحمل الكف بشجاعته وقوته، وصرامته وشدته، على ~~حالة يفعلها، وطريقة يمتثلها، لم يحمل الكف ساعدها، ولم يبطش بها صاحبها. # خليلي إني لا أرى غير شاعر ... فلم منهم الدعوى ومني القصائد # يقول: خليلي إني لا أرى إلا من يدعي الشعر، ويتعاطى قوله، ويتسمى به ~~ويحاول نظمه، فما بالهم لا يحصلون من ms084 ذلك إلا على دعاوى كاذبة، وأقوال ~~متخرصة، وأنفرد دونهم بالقصائد فأبدعها، وبالنوادر فأخترعها. # فلا تعجبا إن السيوف كثيرة ... ولكن سيف الدولة اليوم واحد # ثم قال لصاحبيه: فلا تعجبا لذلك، فالسيوف كثيرة في ظاهرها، موجودة عند ~~الطلب لها، ولكن سيف الدولة المحامي عن حوزتها، المدافع عن بيضتها، واحد لا ~~يشاكل، ومفرد لا يماثل، فلا تنكرا أن تكثر الأشعار في ظاهرها، وأنفرد في ~~الحقيقة بقولها، كما أن السيوف كثيرة في عدتها، وسيف الدولة منفرد بفعلها. ~~وهذا الخروج باب من البديع يعرف بالاستطراد. # PageV01P378 # له من كريم الطبع في الحرب منتض ... ومن عادة الإحسان والصفح غامد # يقول: أن سيف الدولة يجرده في الحرب كرم طبعه، ويسله على أعدائه اشتهار ~~مجده، فإذا عاذوا بفضله، واعتصموا بتجاوزه وصفحه، نالهم من ذلك ما يكف ~~سطوته، وأحاط بهم منه ما يغمد بأسه وحدته، وأبدع بالمطابقة بين منتض وغامد، ~~والمطابقة أن يقترن الشيء بضده على انتظام من الكلام. # ولما رأيت الناس دون محله ... تيقنت أن الدهر للناس ناقد # ثم قال: ولما رأيت الناس دون محله ورتبته، وشهدتهم يتأخرون عن منزلته ~~ورفعته، تبين لي أن الدهر انتقد أهله وتخيرهم، وامتحن جميعهم وتدبرهم، فقدم ~~سيف الدولة عليهم، لشرف خلاله، ورأسه فيهم، لاشتهار خصاله. # أحقهم بالسيف من ضرب الطلى ... وبالأمر من هانت عليه الشدائد # يقول: أحقهم بأن يملك السيف، من ضرب به الأعناق في الحرب، # PageV01P379 # وتقدم به في مواقف البأس، وأحقهم بتدبير الأمور من هانت الشدائد عليه ~~بجلده، واستسهل الاقتحام فيها بصبره، وأحسن التصريف لها بتدبيره. يشير بذلك ~~إلى سيف الدولة. # وأشقى بلاد الله ما الروم أهلها ... بهذا وما فيها لمجدك جاحد # ثم قال: وأشقى بلاد الله، برئاسة سيف الدولة وإمارته، وما اشتهر من فضله ~~وسيادته، البلاد التي أهلها الروم، وما فيها مع ذلك، وأقبل على مخاطبة سيف ~~الدولة، فقال: وما فيها جاحد لفضلك، ولا منكر لمجدك، بل جميعهم يقول بفضلك، ~~وإن لا يودك، ويعظمك وإن كان لا يحبك. # شننت بها الغارات حتى تركتها ... وجفن الذي الفرنجة ساهد # الساهد: الذي لا ينام. ms085 # فيقول: شننت الغارات في بلاد الروم، حتى تركتها وجفن الذي خلف الفرنجة ~~منهم ساهد لخوفك، متوقع لأمرك، فما ظنك بمن دنا منك وجاوزك، واتصل بأعمالك ~~وقاربك. # مخضبة والقوم صرعى كأنها ... وإن لم يكونوا ساجدين مساجد # PageV01P380 # ثم قال: مخضبة تلك بدماء أهلها، وهم صرعى في عراصها، مكبون على وجوههم ~~بين منازلها، كأنها مساجد، وإن لم يكونوا فيها ساجدين، ومواضع عبادة، وإن ~~كانوا إلى العبادة غير قاصدين. # تنكسهم والسابقات جبالهم ... وتطعن فيهم والرماح المكايد # السابقات: الخيل. # ثم وصف حال أولئك، فقال: تنكسهم والخيول جبالهم، يريد: أنهم لا يتعاطون ~~مقاتلتك بالخيل، وإنما يعتصمون منك بالجبال، فهي خيلهم، واستنزالهم منها ~~تنكيسهم، ونقل الكلام على سبيل الاستعارة، ثم قال: وتطعن فيهم بغير الرماح؛ ~~لأنهم يعجزون عن مبارزتك، فتستعمل فيهم من مكائدك ما تفتح معه حصونهم، ~~وتوجه إليهم من تدبيرك ما تصدع به قلوبهم، فتنزلهم مما ارتفعوا إليه بعزمك، ~~وتطعن فيهم حيث تحرزوا منك برأيك. # وتضربهم هبرا وقد سكنوا الكدى ... كما سكنت بطن التراب الأساود # الهبر: القطع. # PageV01P381 # فيقول لسيف الدولة: وتضربهم ضربا يفصل ما وقع عليه، وقد فروا منك إلى ~~الكدى، فسكنوها معتصمين بها. وحلوها مستترين فيها، كما سكنت الأساود بطن ~~التراب، فلم يسكنوها اعتزازا وقوة، وإنما سكنوها استتارا وذلة، فسبيلهم ~~فيها مع علوها، سبيل الأساود في بطن الأرض مع تسافلها. # وتضحي الحصون، المشمخرات في الذرى ... وخيلك في أعناقهن قلائد # المشمخر: الطويل، وذروة كل شيء أعلاه، والجمع ذرى. # ثم قال: وتضحي الحصون المشمخرات، الرفيعة المكان، المتقنة البنيان، ~~المتحدة في ذرى الأوعار، وقنن الجبال، وخيلك متسابقة إليها، متغلبة عليها، ~~قد أحاطت # بها، إحاطة الأطواق بالأعناق، والقلائد بالأجياد. # عصفن بهم يوم اللقان وسقنهم ... بهنزيط حتى ابيض بالسبي آمد # PageV01P382 # اللقان وهنزيط: موضعان من بلاد الروم، وآمد: بلد يكثر الثلج في جباله. # فيقول: إن هذه الخيل عصفت بالروم يوم اللقان فأهلكتهم، وألحت عليهم ~~بنهزيط فهزمتهم، واجتلبت سبيهم إلى حين سقوط الثلج، ومنع الشتاء من الغزو، ~~وجعل ما ذكره من ابيضاض آمد بالسبي المجتلب عليه، إشارة إلى زمان سقوط ~~الثلج. # وألحقن ms086 بالصفصاف شابور فانهوى ... وذاق الردى أهلاهما والجلامد # الصفصاف وشابور: حصنان من حصون الروم فتحهما سيف الدولة، والانهواء: لحاق ~~الأعلى بالأسفل، وعصفت الريح بالشيء: إذا اقتلعته واشتد ذهابها به، فاستعار ~~ذلك أبو الطيب لهذه الخيل. # ثم قال: وألحقن بالصفصاف شابور فانهوى؛ يريد: أن سيف الدولة خرب شابور ~~كتخريبه للصفصاف، فانهوى كلاهما، وذاق الردى أهلهما، وعم القتل والسبي ~~سكانهما، ونال جلاميد هذين الحصنين من الردى بتخريبهما، ونقض بنيانهما، ~~كالذي نال من سكنهما، وأصاب من اعتصم بهما. # PageV01P383 # وغلس في الوادي بهن مشيع ... مبارك ما تحت اللثامين عابد # التغليس: الخروج في آخر الليل، والمشيع: الشجاع، واللثامان: لثام المغفر ~~ولثام العمامة. # فيقول: وغلس بهذه الخيل من سيف الدولة رئيس مشيع القلب، شديد البأس، ~~مبارك الوجه، عابد لله بما يحتمل عليه من الجهاد في إعزاز دينه، وإذلال ~~عدوه. # فتى يشتهي طول البلاد ووقته ... تضيق به أوقاته والمقاصد # قم قال، يريد سيف الدولة: فتى يشتهي طول البلاد ليبعد فيها أثره، وطول ~~الزمان ليتمكن فيه تصرفه؛ لأن مقاصده تضيق في الغزو عما تبلغه همته وأوقاته ~~تضيق # في المجد عما تنعقد عليه نيته. # أخو غزوات ما تغب سيوفه ... رقابهم إلا وسيحان جامد # سيحان: مهر عظيم. # PageV01P384 # ثم قال: أخو غزوات لا يملها، ووقائع في الروم لا يغبها، حتى يعترضه ~~الشتاء، ويمنعه الثلج، فحينئذ ترتفع عن الروم سيوفه، وتتوقف عن بلادهم ~~جيوشه. وأشار بجمود سيحان إلى ما قصده من كثرة الثلج وإكباب الشتاء. # فلم يبق إلا من حماها من الظبا ... لمى شفتيها والثدي النواهد # اللمى: حمرة الشفتين يغلب عليها السواد. # فيقول: فلم تبق سيوف الدولة من الروم غير النساء اللواتي حماهن من ظبا ~~السيوف حسنهن، وما رغبه أهل الجيش من التمتع بهن. # تبكي عليهن البطاريق في الدجى ... وهن لدينا ملقيات كواسد # البطاريق: أكابر الروم، والكواسد: اللواتي لا يرغب فيهن. # ثم قال: تبكي عليهن البطاريق من أوليائهن، لتقصيرهم عن المنع، وهن ~~بأيدينا كواسد، لا نرغب فيهن لكثرتهن، ولا يعجب بهن لتمكنهن. # PageV01P385 # بذا قضت الأيام ما بين أهلها ... مصائب قوم عند قوم فوائد ms087 # ثم قال، مخبرا عما وصفه من إعوال الروم على ما يستبشر به أهل هذا الجيش: ~~بذا حكمت الأيام بين أهلها، وقضت على من صحبها بتصرفها، أن يكون سرور ~~الغالبين في أسف المغلوبين، ومصائب المنكوبين فوائد عهد قوم آخرين. وهذا ~~مثل سائر، والمثل من أرفع أبواب البديع، قد تقدم تنبيها عليه. # ومن شرف الإقدام أنك فيهم ... على القتل موموق كأنك شاكد # الموموق: المحبوب، والشكد: العطية، والشاكد: المعطي. # فيقول لسيف الدولة: ومن شرف الإقدام أنك على ما تحدثه من القتل في الروم # محبوب منهم، وعلى ما تغشاهم به من المكروه مفضل فيهم، فأنت تقتلهم وكأنك ~~تعطيهم، وتسبيهم وكأنك تحبوهم. # وأن دما أجريته بك فاخر ... وأن فؤادا رعته لك حامد # ثم أكد ذلك، فقال: وإن من قتلته وأجريت دمه، فقد أبقيت له فخرا، لمقاتلته ~~لك، ومن أجليته وروعته، فقد جعلت له عذرا في فراره عنك؛ لأن من قاتلك ~~يستغرب فعله، ومن فر عنك لا يدفع عذره، فهذا # PageV01P386 # يترفع بما أبقيت له من الفخر، وهذا يحمدك بما تضمنت له من العذر. # وكل يرى طرق الشجاعة والندى ... ولكن طبع النفس للنفس قائد # ثم قال: وكل يرى أن الشجاعة والكرم أشرف الخلال، وأجل الخصال، ولكن ~~الطبائع غالبة، والعادات مستولية، وأشار إلى أن الروم يعرفون لسيف الدولة ~~فضل إقدامه، ويعجزون عن مماثلته في جليل أفعاله. # نهبت من الأعمار ما لو حويته ... لهنئت الدنيا بأنك خالد # يقول: نهبت من أعمار الروم بقتلك لهم، وأفنيت منهم بوقائعك فيهم، ما لو ~~حويته لنفسك، ووصلته بعمرك، لهنئت الدنيا بخلودك، ومتعت آخر الأبد ببقائك. # فأنت حسام الملك والله ضارب ... وأنت لواء الدين والله عاقد # يقول: فأنت حسام الملك والله ضارب بك، وأنت لواء الدين والله عاقد لك، ~~وما ضرب الله به لا ينبو حده، وما عقده لا ينحل عقده. # PageV01P387 # وأنت أبو الهيجا بن حمدان يابنه ... تشابه مولود كريم ووالد # أبو الهيجاء: والد سيف الدولة، والذين ذكرهم بعده، أجداده على نسق، فيقول ~~لسيف الدولة: أنت أبو الهيجاء أبوك، في كرمه وبأسه، وجلالته وفضله، ms088 تشابه ~~منكما مولود ووالده، وابن ومنسله. # وحمدان حمدون، وحمدون حارث ... وحارث لقمان، ولقمان راشد # ثم قال: وكذلك حمدان جدك، حمدون أبوه، وحارث لقمان أبوه، ولقمان راشد ~~أبوه، كل آبائك يتشابهون في مجدهم، ويتماثلون في فضلهم، ويتلو في الكرم ~~آخرهم أولهم، ويحكي في البأس والفضل خلفهم سلفهم. # أولئك أنياب الخلافة كلها ... وسائر أملاك البلاد الزوائد # ناب القوم: سيدهم، والجمع أنياب. # ثم قال: أولئك كلهم أنياب الخلافة، وأركان المملكة، وزعماء الدولة، وسائر ~~أملاك البلاد، الزائد بالإضافة إليهم، المتأخرون إذا قرنوا بهم. # أحبك يا شمس الزمان وبدره ... وإن لامني فيك السها والفراقد # السها: نجم صغير يقترن بالوسطى من بنات نعش الكبر. # PageV01P388 # والفرقدان في بنات نعش الصغر، وهما النجمان النيران من النعش، وجمعهما ~~وهما اثنان؛ لأن التثنية ضرب من الجمع، وقد يخبر عنهما كما يخبر عن الجميع، ~~قال الله عز وجل: (وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب، إذ دخلوا على ~~داود ففزع منهم، قالوا لا تخف، خصمان بغي بعضنا) فأخبر عن الاثنين كما أخبر ~~عن الجميع، وذلك كثير في كلام العرب. # فيقول لسيف الدولة: أحبك يأيها الرئيس الذي هو في الملوك كالشمس والقمر ~~بين النجوم، يصغرون وتعظم، ويقلون وتكثر، وإن لامني فيك ممن يتسمى ~~بالرئاسة، من يحسدك على مدحي لك، وينافسك في اعتلاقي بك، ومحل أولئك منك ~~محل الوشل من البحر، وصغار الكواكب من الشمس والبدر. وهذا إن لم يلفظ ~~بجميعه، ففي فحوى خطابه ما يدل عليه. # وذاك لأن الفضل عندك باهر ... وليس لأن العيش عندك بارد # PageV01P389 # ثم قال وليس حبي لك لدعة العيش عندك، ورفاهيته فيما قبلك، ولكنه لبيان ~~فضلك، وكرم نفسك، وارتفاع مجدك، وإنصافك لمن اعتلق بحبلك. # فإن قليل الحب بالعقل صالح ... وإن كثير الحب بالجهل فاسد # ثم ضرب مثلا، أكد به ما قدمه، فقال: فإن قليل المودة صالح إذا بعث عليه ~~العقل، وكثيرها فاسد إذا دعا إليه الجهل. يشير إلى أن القليل من حسن رأي ~~سيف الدولة مع تمامه وفضله، أغبط من كثير ما يبذله غيره، ممن لا تؤمن بوادر ms089 ~~جهله. # PageV01P390 ### | الجزء الثاني # وقال يعزيه بعبده يماك، وقد توفي في سحر يوم الأربعاء، لعشر بقين من شهر ~~رمضان سنة أربعين وثلاثمائة. # لا يحزن الله الأمير فإنني ... لآخذ من حالاته بنصيب # يقول، داعيا لسيف الدولة: لا يحزن الله الأمير فيما فرحه، ولا ساءه فيما ~~سره، فإني كما ألبسني من أفضاله، يوجب أن آخذ بنصيب من أحواله، فأساء ~~بمساءته، وأسر بمسرته. # ومن سر أهل الأرض ثم بكى أسى ... بكى بعيون سرها وقلوب # ثم قال: ومن سر أهل الأرض بما شملهم من إحسانه، وفرحهم بما أفاض فيهم من ~~إنعامه، لزمهم أن يبكي، فتبكي عيونهم عند مصيبته، ويألم فتألم قوبهم عند ~~رزيته، مقارضة لما سلف منه، وحرصا على صرف المكروه عنه. # وإني وإن كان الدفين حبيبه ... حبيب إلى قلبي حبيب حبيبي # ثم قال: وإني وإن كان الدفين مخصوصا بمحبة سيف الدولة، وكان أقعد مني ~~بالتوجع لفقده، والارتماض بأمره، فإن من أحبه حبيب إلى قلبي، شديد لصوقه ~~بنفسي. # وقد فارق الناس الأحبة قبلنا ... وأعيا دواء الموت كل طبيب # PageV02P005 # ثم يقول: إن مما يعزي عن هذا الهالك، أن السالفين قبلنا قد فارقوا ~~أحبتهم، واختر # مت المنية أنفسهم، ثم أعيا دواء الموت الذي أصابهم، كل طبيب رام طبه، وكل ~~عزيز حاول دفعه. # سبقنا إلى الدنيا فلو عاش أهلها ... منعنا بها من جيئة وذهوب # الجيئة: المرة الواحدة من المجيء، والذهوب والذهاب: مصدران بمعنى واحد، ~~ويشير بالجيئة، والذهوب إلى الموت والحياة. # ثم قال: سبقنا إلى الدنيا، فلو عاش من سبقنا إليها، لغبنا بتقدمه عليها، ~~لأمتنع ما نحن فيه من الذهوب والجيئة، ومن الفناء والنشأة. # تملكها الآتي تملك سالب ... وفارقها الماضي فراق سليب # ثم قال، مؤكدا لما قدمه من صفة الدنيا: تملكها الناشئ فيها تملك وارث ~~سالب، وفارقها الخارج عنها فراق مسلوب ظاعن، فهذه حقيقة جبلتها، وجبلة ~~خبرتها، وليس يجب أن يحزن منها على فائت لا يرجع، ولا أن يجزع منها لمحتوم ~~لا يدفع. # ولا فضل فيها للشجاعة والندى ... وصبر الفتى لولا لقاء شعوب # شعوب: اسم من أسماء الموت. # PageV02P006 # فيقول: ms090 ولا فضل في الدنيا للشجاعة والكرم والصبر والجلد، لولا تباين ~~الناس في التوطين على لقاء الموت، وإنما فضل الشجاع الجبان بإقدامه على ~~الموت، وفضل الكريم البخيل بقلة رغبته في المال، الذي هو متاع الحياة، وفضل ~~الصابر الجازع بتجلده للمكاره التي تقود إلى التلف، فبالإقدام على الموت ~~يستبين الفضل، وبالجزع منه يستحق الذم. # وأوفى حياة الغابرين لصاحب ... حياة امرئ خانته بعد مشيب # ثم قال، مزهدا في الحياة: وأوفى حياة الباقين الذين طالت أعمارهم، حياة ~~من لحق سن المشيب، وأدرك زمان الكبير، ثم غايته بعد ذلك لقاء الحتف الذي ~~كرهه، # وحلول الموت الذي حذره، هذه سبيل من متع بحياته، وأسعد بتراخي مدته، ~~والتفاضل في ذلك عند تأمله، قليل لا يجزع لفوته، وقريب لا يفرح بمثله. # لأبقى يماك في حشاي صبابة ... إلى كل تركي النجار جلبيب # النجار: الأصل، والجليب: المجلوب من أرض إلى أخرى. # فيقول: (لأبقى يماك)؛ هذا التركي الهالك في حشاي، لشدة إعجابي به، وقوة ~~أسفي عليه، صبابة إلى كل تركي يشاركه في أصله، ويماثله في جلبه. # PageV02P007 # وما كل وجه أبيض بمبارك ... ولا كل جفن ضيق بنجيب # ثم قال، مشيرا إلى فضل يماك على غيره من الأتراك: وما كل تركي أبيض ~~الوجه، مباركة طلعته، ولا كل من كان منهم ضيق الجفن، مشهورة نجابته، وبياض ~~الوجوه، وصغر العيون، من صفات الأتراك، فيقول، منبها على فضل يماك في أبناء ~~جنسه: إنه ليس كل من أشبهه في خلقه، وشاركه في جنسه، يشاركه في نجابته، ~~ويشبهه في شجاعته وطاعته. # لئن ظهرت فينا عليه كآبة ... لقد ظهرت في حد كل قضيب # القضيب: السيف القاطع. # فيقول: لئن ظهرت فينا الكآبة لموته، واستبان علينا الأسف لفقده، لقد ظهر ~~ذلك في قواطع السيوف، لما سلف من جلاده بها، وتقدم من استعماله في الوقائع ~~لها. # وفي كل قوس كل يوم تناضل ... وفي كل طرف كل يوم ركوب # الطرف: الفرس الكريم. # ثم قال: وكذلك اكتأبت عليه القسي عند التناضل، وعتاق الخيل عند التجاول، ~~لقيامه بشروط الرمي، ومعرفته بركوب الخيل، وأنه جمع مع ms091 الإقدام والشجاعة؛ ~~الحذق بصناعات الحرابة. # يعز عليه أن يخل بعادة ... وتدعو لأمر وهو غير مجيب # PageV02P008 # ثم يقول لسيف الدولة: يعز على هذا الهالك لو أجاب سائله، وأخبر مستخبره، ~~أن يخل بعادته في خدمتك، ويغلب على تصرفه في خدمتك، ويغلب على تصرفه في ~~حضرتك، وتدعوه وهو غير مجيب لدعوتك، ولا قادر على الإسراع إلى إنفاذ رغبتك. # وكنت إذا أبصرته لك قائما ... نظرت إلى ذي لبدتين أديب # اللبدتان: شعر يكون على زبرة الأسد من ناحيتي الزبرة، واحدتها لبدة. # ثم قال: وكنت إذا أبصرته قائما لك، وشهدته متصرفا في مجلسك، رأيت منه ~~أسدا باسلا، وسبعا قاتلا، أدبيا في لفظه، كريما في معتقده وفعله. # فإن يكن العلق النفيس فقدته ... فمن كف متلاف أغر وهوب # ثم يقول لسيف الدولة: فإن كان هذا المفقود علقا نفيسا فقدته، وعبدا مشفقا ~~عدمته، فإنما صدر منك عن كف متلف للأعلاق النفيسة، وهاب للأموال العظيمة، ~~وحسبك أن يكون كغيره مما قدم كرم عليك، فوهبته، وما سواه مما كنت تعتد به، ~~فبذلته. # كأن الردى عاد على كل ماجد ... إذا لم يعوذ مجده بعيوب # ثم قال: كأن الردى لا يعتصم ماجد من عاديته، ولا يستدفع كريم سوء عاقبته، ~~إلا بعيوب متقلدة، وآفات متحملة، وكأن العيوب لأهلها معاذات تحفظهم، وأسباب ~~من أسباب السلامة تعصمهم. # PageV02P009 # ولولا أيادي الدهر في الجمع بيننا ... غفلنا فلم نشعر له بذنوب # ثم يقول: ولولا أيادي الدهر في الجمع بين الأحبة، والتأليف بين أهل ~~الصفاء والمودة، وتغييره لذلك بتفريق ما جمع، وتشتيت ما ألف، غفلنا عنه، ~~ولم نشعر بذنوبه، وأعرضنا عما تقلبنا فيه من صروفه. # وللترك للإحسان خير لمحسن ... إذا جعل الإحسان غير ربيب # الربيب: الموصول، يقال رببت الشيء إذا وصلته. # ثم قال، مؤكدا لما قدمه: وترك الإحسان من المنعم به، والإمساك عنه من ~~المعتقد له، أفضل من أن يبتديه ولا يصله، ويعتقده ولا يشفعه، يشير إلى أن ~~إحسان الدهر في الجمع بين المتآلفين من أهله، لا يقوم بإساءته فيما يعقب ~~ذلك من تفريق جمعهم، وتشتيته لشملهم. # وإن الذي أمست ms092 نزار عبيده ... غني عن استعباده لغريب # ثم يقول، مشيرا إلى سيف الدولة: وإن الذي أمست نزار، ومنها مضر وربيعة، ~~وهما سادات العرب، عبيد طاعته، وأنصار دعوته، # PageV02P010 # وخدام دولته، غني عن غريب من العجم يصطنعه، وجليب منهم يستعبده. يشير إلى ~~أن سيف الدولة، وهو رئيس جماهير العرب، غني عن أن يتكثر بيماك، وهو جليب من ~~أبناء العجم. # كفى بصفاء الود رقا لمثله ... وبالقرب منه مفخرا للبيب # ثم قال: يكفيه من تملك رق العرب، ما أصفوه من ودهم، وبذلوه من نصحهم، ~~ويكفيهم من التشرف به، اختصاصه لهم، واستخدامه بهم، ففي القرب منه للبيب ~~مفخر يرفعه، وشرف يرضيه ويقنعه. # فعوض سيف الدولة الأجر إنه ... أجل مثاب من أجل مثيب # ثم يقول: فعوض الله سيف الدولة من مصابه بجزيل الأجر، وأثابه فيه بكريم ~~الذخر، فإن ذلك أجل ثواب يعلم، والمثيب به أجل مثيب يسأل. # فتى الخيل قد بل النجيع نحورها ... تطاعن في ضنك المقام عصيب # العصيب: الشديد، والضنك: الضيق. # ثم وصف حال سيف الدولة، فقال: هو فتى الخيل الذي يمتثل # PageV02P011 # فعله، وفارسها الذي لا ينكر فضله، إذا أشتد البأس، وضاق مجال الحرب، وبل ~~الدم نحور الخيل. # يعاف خيام الريط في غزاوته ... فما خيمه إلا غبار حروب # والريط: جمع ريطة، وهي الملاءة. # ثم قال: يعاف القباب في غزواته ويكرهها، ويجتنب خيام الريط ويهجرها، ~~ويأنس بعجاج الحرب فيقتحمنه، ويسكن إلى قتامها فيدرعه، ويؤثر شدائد الحرب ~~على خيامه، وغمراتها على قبائه. # علينا لك الاستعاد إن كان نافعا ... بشق قلوب لا بشق جيوب # ثم يقول: علينا أن نسعدك بوجد قلوبنا، وشدة حزننا، وأن نشاركك بما نعتقده ~~ونضمره، لا بما نبديه ونظهره. وجعل ذكر القلوب والجيوب إشارة إلى هذا ~~التعبير. # فرب كئيب لسس تندى جفونه ... ورب كثير الدمع غير كئيب # ثم قال: فرب مكتئب موجع لا تجري دموعه، ولا تندى جفونه، ورب خلي غير ~~مكتئب، يكثر دمعه، ويبدو بتصنعه حزنه. # PageV02P012 # تسل بفكر في أبيك فإنما ... بكيت فكان الضحك بعد قريب # وقوله: في أبيك، يريد: في أبويك، فثنى الأب على ms093 لفظه، ولم يرده إلى أصله، ~~وقد روى الفراء ذلك، وذكر أن من العرب من يقول، إذا ثنى الأب والأخ في ~~الرفع أبان وأخان، وفي النصب والخفض أبين وأخين، ويقول في الجمع في الرفع، ~~أبون وأخون، وفي النصب والخفض أبين وأخين، وأنشد سيبويه في جمع أب جمع ~~السلامة على لفظة لفصيح العرب: # فلما تبين أصواتنا ... بكين وفديننا بالأبينا # وليس تثنية أب على لفظه بأعجب من جمعه جمع السلامة على ذلك. # PageV02P013 # فيقول لسيف الدولة: تسل عن هذا المفقود بالفكر في أبيك، فقد كان حزنك ~~عليهما أشد، وأسفك أبين وأوكد، وقد عاقب بعد قريب بكاءك عليهما ضحكك، وعفى ~~على حزنك بهما سلوك، وإذا كان السلو لا بد منه، فليس في الحق أن تعرض # عنه. # إذا استقبلت نفس الكريم مصابها ... بخبث ثنت فاستدبرته بطيب # ثم أكد ما قدمه، فقال: إذا استقبل الكريم مصابه بالاستكراه له، وإظهار ~~الجزع فيه، عاد عن قريب، فطابت عليه نفسه، وأخرجه إلى السلوان طبعه، وعلم ~~أن الحزن لا ينفعه، فكان الصبر غاية جزعه، والسلو آخر تفجعه. # وللواجد المكروب من زفراته ... سكون عزاء أو سكون لغوب # اللغوب: الإعياء. # ثم قال: ولا بد لذي الوجد المكروب، والشديد الزفرات المحزون، أن يسكن ~~سكون من يعي ويغلب، أو يسكن سكون من يسلو ويصبر. # وكم لك جدا لم تر العين وجهه ... فلم تجر في آثاره بغروب # يقول لسيف الدولة: وكم لك جدا اخترمه الموت، وأفناه الدهر، # PageV02P014 # فلم تبك عليه عينك، ولم تألم له نفسك، وسلاك عن الشغل به علمك؛ بأن الموت ~~غاية الإنسان لا بد منه، ولا محيص لأحد عنه، ومثل هذا يجب أن يسليك عن ~~مصابك، ويسقط عنك مؤونة حزنك. # فدتك نفوس الحاسدين فإنها ... معذبة في حضرة ومغيب # ثم قال لسيف الدولة: فدتك نفوس حاسديك، فإنها معذبة بالخضوع لك في حضرتك، ~~وبالوقوع تحت أمرك في غيبتك. # وفي تعب من يحسد الشمس نورها ... ويجهد أن يأتي لها بضريب # الضريب: الشبيه. # ثم قال: وفي تعب من يحسد الشمس على النور الذي لا تعدمه، ويجتهد في أن ms094 ~~يجد لها شبيها، وذلك لا يمكنه، وكذلك من حسد سيف الدولة على الرئاسة، فإنما ~~يحسده على ما هو في طبعه، ومن طلب ومن طلب له نظيرا فهو يحاول ما ليس # في وسعه. # PageV02P015 # وقال يمدحه، ويذكر بناءه مرعش، في سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة). # فديناك من ربع وإن زدتنا كربا ... فإنك كنت الشرق للشمس والغربا # يقول: فديناك بأنفسنا من ربع موحش، ومنزل مقفر، وإن زدتنا كربا، بدروس ~~رسومك، وتغير طلولك، فإنك كنت للشمس، من حبائبا التي كنا نهتدي بنورها، ~~ونستضيء بوجهها، مشرقا تطلع لنا منك، ومغربا تستتر عنا فيك. # وكيف عرفنا رسم من لم يدع لنا ... فؤادا لعرفان الرسوم ولا لبا # ثم قال: وكيف عرفنا رسم من أذهلنا بعده، وأطاش عقولنا نأيه، فلم يدع لنا ~~فؤادا نهتدي به في سؤال رسومه، ولا لبا نستعمله في معرفة طلوله. # نزلنا عن الأكوار نمشي كرامة ... لمن بأن عنه أن نلم به ركبا # الأكوار وأحدها كور، والإلمام: الزيارة. # PageV02P017 # فيقول: نزلنا عند إلمامنا بهذا الربع عن أكوار ركائبنا، إعظاما لقدر من ~~بان فضله عنه، وإيجابا له، وأكبرناه عن أن نلم به ركابنا، لا نمشي نحوه ~~وزورا لا نخضع عنده. # نذم السحاب الغر في فعلها به ... ونعرض عنها كلما طلعت عتبا # الغر من السحاب: الغزار، والعتب: الموجدة. # ثم قال: نذم غزار السحاب فيما تفعله بهذا الربع، من تغيير معالمه، وتعفية ~~رسومه، ونعرض عنها، عند طلوعها، لذلك عاتبين، ونكثر ملامتها متسخطين. # ومن صحب الدنيا طويلا تقلبت ... على عينه حتى يرى صدقها كذبا # الكذب والكذب والكذاب والكذاب: كل ذلك بمعنى. # ثم قال: ومن صحب الدنيا فأطال صحبتها، وعرفها وتحقق خبرتها، تصرفت به ~~أحوالها، واختلفت عليه أمورها، حتى يصير صدقها عنده كذبا لا يثق به، وحقها ~~باطلا لا يسكن إليه، وضرب هذا مثلا في اختلاف الحال به وبأحبته في القرب ~~والبعد، والقطيعة والوصل. # PageV02P018 # وكيف التذاذي بالأصائل والضحى ... إذا لم تعد ذاك النسيم الذي هبا # النسيم: هبوب الريح. # فيقول: وكيف ألتذ بالأصائل وبردها، وبالغدوات وحسنها، وهذه الأوقات أكرم ~~أوقات الزمان، وسائر الأوقات ms095 تابعة لها، وجارية على حكمها، إذا لم تعد لي ~~هذه الأوقات النسيم الذي هب بوصل الأحبة، ولذ بقربهم، وطاب بتداني محلهم. # ذكرت به وصلا كأن لم أفز به ... وعيشا كأني كنت أقطعه وثبا # ثم قال: ذكرت بذكر ذلك النسيم وصلا انصرم، فكأني لم أفز بنيله، وعيشا ~~ذهب، فكأني وثبا سرت في قطعة؛ يريد: أنه لم ينتفع بما سلف له من الوصل، ~~وأنه يستقصر ما تقدم له من هني العمر. # وفتانة العينين قتالة الهوى ... إذا نفحت شيخا روائحها شبا # نفح الطيب: سطوع ريحه. # PageV02P019 # فيقول: وذكرت فتانة العينين، بفتورهما وسحرهما، قتالة الهوى، بتمكينه من ~~النفوس، واستيلائه عليها، إذا نفحت روائح طيبها شيخا، جددت شبيبته، وصرفت ~~إلى التصابي نيته. # لها بشر الدر الذي قلدت به ... ولم أر بدرا قبلها قلد الشهبا # البشر: جمع بشرة، وهي ظاهر جلد الإنسان، واستعار ذلك في الدر، والشهب: ~~النجوم. ثم قال: إنها تقلدت من الدر ما يشبه النجوم بحسنه، ويماثلها ~~بارتفاعه في جنسه، وإن بشرها بشر ذلك الدر حسنا وبهجة، وصفاء ورقة، ولم ير ~~قبلها بدرا ضمنت الكواكب عقوده، واشتملت عليها قلائده. فأشار بهذه العبارة ~~إلى أن محبوبته هي البدر في حقيقتها، والقمر الطالع عند أهل التأمل لها. # فيا شوق ما أبقى ويالي من الهوى ... ويا دمع ما أجرى ويا قلب ما أصبا # PageV02P020 # قوله: (فيا شوق ما أبقى ويالي من الهوى) ذكر سيبويه أن المنادي إذا أضاف # منادى إلى نفسه أسقط ياء الإضافة، وترك الكسرة دالة عليها، في لغات أكثر ~~العرب، ومنهم من يثبتها، فأستعمل أبو الطيب ما عليه الأكثر من إسقاطها ~~فقال: يا شوق، ويا دمع، ويا قلب، وحذف المنادي وهو ينويه من قوله: (ويالي ~~من الهوى)، والعرب تفعل ذلك مع اللام المكسورة، فيقول قائلهم: يا للعجب، ~~يريد: يا قوم أدعوكم للعجب، روى ذلك سيبويه وغيره، وحذف العائد على ما التي ~~للتعجب، فقال: ما أبقى، وهو يريد: ما أبقاه ثقة بفهم المخاطب، وبدلالة ~~الكلام على ما قصده، والعرب تفعل ذلك في الكلام، وتستعمله كثيرا في الشعر. # فيقول، ms096 معجبا بشدة حاله: فيا شوق ما أبقاه، وأشد مداومته، ويا قوم اعجبوا ~~لي من الهوى الذي لا أعدمه، ويا دمع ما أجراه وأسرعه، ويا قلب ما أصباه ~~وأجزعه. # لعقد لعب البين المشت بها وبي ... وزودني في السير ما زود الضبا # تقول العرب: إن الضب يستنشق الريح فيغنيه عن الماء، وإنه # PageV02P021 # لهذا أصبر الحيوان على العطش، وبحسب حاجته إلى الريح، يرتقبها، وبضرورته ~~إليها يعتني بطلبها. # فيقول: لقد لعب البين بها وبي، يريد: محبوبته، فشتت ما التأم من شملنا، ~~وأبعد ما اتصل من قربنا، وزودني بعد رحلتها وانتزاح دارها، ما يتزود الضب ~~من تنسم الريح، فأنا أستشرف إلى هبوبها، فما هب منها من نحو بلادها أنست ~~به، وسكنت إليه، وارتحت له، وحرصت عليه. وعشاق العرب يفعلون ذلك ويذكرونه ~~كثيرا في أشعارهم، فأشار أبو الطيب بذكره الضب، إلى هذا المعنى أحسن إشارة، ~~ودل عليه أبين دلالة. # ومن تكن الأسد الضواري جدوده ... يكن ليله صبحا ومطعمه غصبا # ولما ذكر انقطاع الأسباب بينه وبين محبوته، وتقلب الأحوال به وبها، ~~وتصريف الزمان له ولها، أخذ في ذكر بعض ما تصرف فيه، فقال: ومن تكن أنجبته # الأسود الضارية، وولدته السباع العادية، كان ليله صبحا لكثرة سراه فيه، ~~ومطعمه غصبا لخفة الاغتصاب عليه. وأشار بهذه الحال إلى نفسه، فأبان عن ~~صرامته وشدتهن ودل على اعتزامه وقوته. # PageV02P022 # ولست أبالي بعد إدراكي العلا ... أكان تراثا تناولت أم كسبا # ثم قال: ولست أبالي إذا أدركت معالي الأمور وحزتها، واشتهرت بها ونلتها، ~~أكان ذلك بميراث احتزته، أم بكسب استفدته، فالمرء إنما يشرف بفعله، ويرتفع ~~بنفسه. # فرب غلام علم المجد نفسه ... كتعليم سيف الدولة الدولة الضربا # ثم قال: فرب غلام اكتسب المجد بنفسه، وتعلم الكرم بطبعه، كسيف الدولة ~~الذي علم الدولة الضرب، ونهج لها الجلاد والطعن، فدبرها، والسيوف مدبرة، ~~وصرفها والسيوف مصرفه. وهذا الخروج باب من البديع يعرف بالاستطراد، وقد ~~تقدم ذكره. # إذا الدولة استكفت به في ملمة ... مفاها فكان السيف والكف والقلبا # يقول: إذا طرقت الدولة ملمة، واعترضتها من الحوادث مهمة، كفاها ms097 ذلك ~~واستقل به، وجلاه وتجرد له، ففعل السيف، وبطش بطش الكف، ودبر تدبير القلب، ~~واكتفى في جميع ذلك بنفسه، ولم يفتقر فيه إلى غيره، وهذا التصنيف باب من ~~أبواب البديع يعرف بالتقسيم. # تهاب سيوف الهند وهي حدائد ... فكيف إذا كانت نزارية عربا # ثم قال: تهاب سيوف الهند وهي حدائد لا تعقل، ومصرفات يفعل بها # PageV02P023 # ولا تفعل، فكيف ظنك بها إذا كانت عربا نزارية، وصريحة في الشرف تغالبية؟ ~~يشير إلى سيف الدولة، لأنه من بني تغلب، وتغلب من ربيعة، وربيعة بن نزار. # ويرهب ناب الليث والليث وحده ... فكيف إذا كان الليوث له صحبا # ثم قال: ويرهب ناب الليث، والليث وحده، وليس له جيش يعضده، ولا جمع # يؤيده، فكيف بأسد تصحبه الأسود، وتمثيل أمره، وتطيعه ولا تخالف رأيه؟ ~~يشير إلى سيف الدولة، وأنه الأسد في بأسه، ويفضله بسلطانه وجيشه. # ويخشى عباب البحر وهو مكانه ... فكيف بمن يغشى البلاد إذا عبا # عباب السيل: مقدمة، وعبه: تدفعه. # فيقول: ويخشى عباب البحر، ويرتقب بأسه، وهو مقصور على مكان لا يتعداه، ~~ومستقر لا يتخطاه، فكيف ببحر إذا عب غشى البلاد فأدرك بعيدها، واستباح ~~منيعها؟ يشير إلى سيف الدولة، وأنه البحر الذي لا تمتنع منه مطالبه، ولا ~~تتعذر عليه مقاصده. # PageV02P024 # عليم بأسرار الديانات واللغى ... له خطرات تفضح الناس والكتبا # ثم قال: إنه عليم بأسرار الديانات، وما يعتقده أهلها، عالم بوجوه ~~اختلافها، وما يقول به المحتجون لها، له خطرات وبدائع تفضح الناس بدقتها، ~~وتدل على ما قصرت الكتب فيه بصحتها. # فبوركت من غيث كأن جلودنا ... به تنبت الديباج والوشي والعصبا # بوركت: أي اعتمدت بالبركة، والعصب،: ضرب من البرد. # فيقول لسيف الدولة: فبوركت من ملك جواد يشبه الغيث بجوده، ويفعل ما يفعله ~~بكرمه، فإذا أنبتت الأرض على الغيث ضروب النبات، وأصناف الزهرات، فإن ~~جلودنا تنبت على عطاياه ضروب الوشي، وأنواع الديباج والعصب. # ومن واهب جزلا ومن زاجر هلا ... ومن هتك درعا ومن ناثر قصبا # PageV02P025 # هلا: كلمة يزجر بها الخيل إذا استدعت القرار والثبات، والقصب: المعي. # ثم قال: وبوركت من ms098 واهب يهب جزلا، ويزجر الخيل عند شدائد الحرب بهلا، ~~ويهتك بطعانه دروع الفرسان، وينثر برماحه قصب الأقران. # هنيئا لأهل الثغر رأيك فيهم ... وأنك حزب الله صرت لهم حزبا # ثم يقول: هنيئا لأهل ثغر الشام حسن رأيك فيهم، وما أظهرته من تهممك بهم، ~~وأنك يا حزب الله ويا ناصر دينه، ومعلي كلمته، صرت لهم حزبا، تحميهم ~~وتمنعهم، وتحوطهم وتعضدهم. # وأنك رعت الدهر فيها وريبه ... فأن شاء فليحدث بساحتها خطبا # ثم قال: (وأنك رعت الدهر فيها)، فأنث، وقد قدم ذكر الثغر، والثغر مذكر، ~~وهذا تفعله العرب إذا تركت اللفظ وحملت على المعنى، قال الله عز وجل (أولئك ~~هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون) والفردوس مذكر، يقولون: ~~الفردوس الأعلى، ولكنه أنث لما أراد # PageV02P026 # الجنة، وهو أعلم. وقال الشاعر: # وإن كلابا هذه عشر أبطن ... وأنت بريء من قبائلها العشر # فأنث البطن، وهو مذكر، لما أراد القبيلة، وكذلك أنث أبو الطيب الثغر لما ~~أراد الأرض والمدن، # فيقول: هنيئا لمدن الثغر، رعت فيها الدهر وأفزعته، وزجرت عنها ريبة ~~وذعرته، فإن أحب أن يعلم مبلغ جهده، فليحدث بساحتها منكرا من فعله، فسيعلم ~~كيف دفعك لخطوبة، وكيف ردك لحوادثه وصروفه. # فيوما بخيل تطرد الروم عنهم ... ويود الفقر والخدبا # ثم قال: فيوفا تحوط أهل الثغر تطرد الروم عنهم، وتمنعهم منهم ويوما ~~تحوطهم بجود تبسطه فيهم، وكرم تمطره عليهم، وتكف # لذلك الفقر عن جميعهم، وتبعد به الجدب عن بلادهم وتعوضهم الخصب من اليسار ~~من العدم. # PageV02P027 # سراياك تترى والدمستق هارب ... وأصحابه قتلى وأمواله نهبى # نهبى: على وزن فعلى، أسم لما نهب. # فيقول: سراياك في بلاد الروم متتابعة، وغزواتك إليهم متصلة، والدمستق ~~هارب # عنك، متوقع لك، وأصحابه قتلى وقائعك، وأمواله أنهاب عساكرك. # أتي مرعشا يستقرب البعد مقبلا ... وأدبر إذ أقبلت يستبعد القربا # مرعش: حصن بناه سيف الدولة في بلاد الروم. # ثم قال، يريد الدمستق: أتي مرعشا مبادرا لك، مغتنما فيها لمغيبك، ويستقرب ~~البعد لشدة سيرى، ويستدنيه بسرعة عدوه، فلما علم بتوجهك نحوه، واعتقادك ~~قصده، أدبر منهزما، والقريب يبعد لفرقه منك، ms099 والداني ينتزح عنه لمخالفته ~~لك. # كذا يترك الأعداء من يكره القنا ... ويقفل من كانت غنيمته رعبا # ثم يقول، من قصد مرعش: كذا يترك الأعداء، ويفر عنهم، من كره # PageV02P028 # الطعان، ولم يصبر على مضضها، وأشفق منها ولم يوطن على ألها. وهكذا يفقل ~~مغلوبا من كان الرعب غنيمته، والفرار من الأعداء غايته. # وهل رد عنه باللقان وقوفه ... صدور العوالي والمطهمة القبا # المطهمة: الحسنة الخلق، والقب: الضامرة البطون، يريد: الخيل. # ثم قال، زاريا عليه، وباسطة لعذره في هزيمته: وهل أغنى عنه وقوفه باللقان ~~وتجلده؟ وهل منع ذلك منه صدور الرماح المسددة، وحملات الخيول القب المطهمة؟ ~~فلا لوم عليه في فراره إذا كان الوقوف لا ينفعه، ولا حظ له في التجلد، إذا ~~كان التجلد لا يعصمه. # مضى بعدما التف الرماحان ساعة ... كما يتلقى الهدب في الرقدة الهدبا # قوله: (بعدها التف الرماحان ساعة)، الرماحان يريد: رماح أصحاب سيف الدولة ~~ورماح الروم، وثنى الجمعين، لأنه جعلهما حيزين، فثناهما، كان كل واحد منهما ~~اسم على حياله، والعرب تفعل # PageV02P029 # ذلك قال الشاعر: # فتنازلا فتوافقت خيلاهما ... وكلاهما بطل اللقاء مخدع # فثنى الخيل وهي جمع، لما جعلها حيزا بنفسه. # فيقول: وهو يريد: الدمستق، مضى بعد أن حميت الحرب، واشتد الطعن، وتشاجرت ~~الرماح، واختلفت بها أيدي الفرسان فتلاقت كما تتلاقى أهداب العين في ~~الرقدة، واختلطت على تناه من الالتفاف والكثرة. # ولكنه ولى وللطعن سورة ... إذا ذكرتها نفسه لمس الجنبا # السورة: البطش والعجلة. # PageV02P030 # ثم قال: ولكنه مع هذه الموافقة، وشدة هذه المقاومة، انهزم وذل، وولى وفر، ~~وللطعن سورة واستعلاء وشدة، إذا تذكرت نفسه ذلك لمس جنبه متفقدا له، وشاكا ~~في أن لا يحل الطعن به. # وخلى العذاري والبطاريق والقرى ... وشعث النصارى والقرابين والصلبا # شعث النصارى: عبادهم. # ثم قال: وخلى العذارى من أهل ملته، والبطاريق من أنصار دعوته، والمدن ~~الجامعة لأهل عمله، والمتبتلين من نضاراه، والصلبان التي يعبدها، والقرابين ~~التي يتوسل إلى آلهته بها، يتحكم المسلمون في جميع ذلك؛ بالسبي والقتل، ~~والتخريب والنهب، والتغير والنسف. # أرى كلنا يبغي الحياة بسعيه ... حريصا عليها، مستهاما ms100 بها صبا # ثم، يقول مشيرا إلى أن الدمستق فر بنفسه، وأقدم عليه سيف الدولة بجنده: ~~أرى كلنا يبغي الحياة بما يفعله، ويسعى لها فيما يقدره، حرصا عليها، ~~وإيثارا لها، وصبابة بحبها. # PageV02P031 # فحب الجبان النفس أورده التقى وحب الشجاع النفس أورده الحربا # ثم بين ذلك، فقال: فحب الجبان لنفسه زين له التقية والإحجام، وحب الشجاع ~~لنفسه زين له التجلد والإقدام، وكلاهما مع اختلاف تناولهما، رأى أنه مصيب ~~في فعله، محتاط على الحياة بسعيه. # ويختلف الرزقان والفعل واحد ... إلى أن ترى إحسان هذا لذا ذنبا # ثم قال: وقد يختلف الرزقان، وتتباين الفائدتان، والفعل واحد، والتناول ~~متفق، حتى يذنب الرجل فيما يحسن غيره به، ويخطئ فيما يصيب سواه في مثله، ~~كركاب البحر الذين يتفق فعلهم، ويختلف في التجارة والهلاك أمرهم، هذه أحوال ~~الزمان، والسبيل في مقاصد الإنسان. # فأضحت كأن السور من فوق بدؤه ... إلى الأرض قد شق الكواكب والتربا # وقوله: (كأن السور من فوق) ضم آخر فوق لما وضعه موضع المعرفة، وقطعه عن ~~الإضافة التي هي أصله، وهي العلة في بناء قبل # PageV02P032 # وبعد على الضم، قال الشاعر في مثل ذلك: # لعن الإله بن مسافر ... لعنا يشن عليه من قدام # فبنى قدام على الضم لما قطعها عما تستحقه من الإضافة في الأصل، واختاروا ~~لهذه الظروف البناء على الضم، وعدلوا عن الفتح والكسر؛ لأن الفتح والكسر ~~يدخلان عليها في حين إضافتها، فاختاروا لها في حين البناء حركة لم تكن لها ~~في حين التمكن. # فيقول، وقد استوفى وصف الحال في هزيمة سيف الدولة للدمستق على مرعش: ~~فأضحت، يريد: هذه المدينة، وكأن سورها ابتدئ من أعلاه، لارتفاع بنيته، وشدة ~~منعته، وعجز الروم عما حاولوه في جهته، فكأنه لما هو عليه من بعد الغاية، ~~وتمكن القوة، قد شق الكواكب وزاحمها، واخترق الأرض وداخلها، فلا سبيل إليه، ~~ولا طمع للعدو فيه. # تصد الرياح الهوج عنها مخافة ... وتفزع فيها الطير أن تلقط الحبا # الهوج من الرياح: الشداد. # PageV02P033 # ثم قال، مؤكدا لما تقدم: تصد الرياح الهوج عن هذه المدينة، مخافة لمعارضة ms101 # سورها لها، وتيقنا أنه يقطع دون غايتها بها، وتفزع الطير من أن تلقط الحب ~~في ذراه، وتتصرف آمنة في أعلاه، وأخبر عن المدينة، وهو يريد السور؛ لأن ~~السور بعضها. # وتردي الجياد الجرد فوق جبالها ... وقد ندف الصنبر في طرقها العطبا # الصنبر: ريح باردة، في غيم، والعطب: القطن، والرديان: ضرب من الجري. # ثم قال: وهذه المدينة، مع ما هي عليه من ارتفاع الشأن، وقوة البنيان، لا ~~تبغها خيول سيف الدولة، بل هي تردي في أوعارها، وعلى قنن جبالها، والصنبر ~~يندف القطن في طرقها، ويجتلب الثلج إلى أرضها، يريد: أنها ممتنعة بقوة ~~البنية، وكثرة الشحنة، وأن الخيل تلازمها في زمان الثلج، وحين امتناع ~~الغزو، وهي فيها قاطنة غير راحلة، ومقيمة ظاعنة. # كفى عجبا أن يعجب الناس أنه ... بنى مرعشا تبا لآرائهم تبا # PageV02P034 # التب: الخسارة. # فيقول: كفى عجبا أن يعجب الناس، منى أن يكون سيف الدولة بنى مرعشا، ~~ويسكنها، ويحميها ويحصنها، ثم دعا على هذا الرأي منهم بالخيبة والخسران، ~~وشهد عليهم فيه بالجهالة والنقصان. # وما الفرق ما بين الأنام وبينه ... إذا حذر المحذور واستصعب الصعبا # ثم قال وما الفرق ما وبين سيف الدولة، وبين من شهدوه من أمره جيوشهم، وما ~~باشروه من المدبرين لأمورهم، وإذا كان يحذر ما حذروه، ويفعل ما فعلوه، ولا ~~يستقرب ما بعد عندهم، وينكشف ما استتر دونهم. # لأمر أعدته الخلافة للعدى ... وسمته دون العالم الصارم العضبا # يقول: لأمر خص به من الفضل، وقدر فيه من النفاذ والعزم، اختارته الخلافة ~~لحماية حوزتها، وأعدته للمدافعة دون بيضتها، وسمته دون العالم بالسيف الذي ~~لا # ينبو حده، والصارم الذي لا يذم فعله. # PageV02P035 # ولم تفترق عنه الأسنة ... رحمة ولم تترك الشام الأعادي له حبا # ثم قال: ولم تفترق عنه أسنة المقاتلين، رحمة له، ولا تجافوا عن معارضته، ~~عناية به، ولا ترك أعداؤه الشام له، مع جلالتها، إسعادا ومحبة، ل آثروه ~~بتملكها، إيجابا ومودة، ولكنهم حذروا بأسه وشدته، وتوقعوا إقدامه وسطوته. # ولطن نفاها عنه غير كريمة ... كريم النثا ما سب قط ولا سبا # النثا: الخبر، ms102 خيرا كان أو غيره. # فيقول: ولكن نفي الأعداء عن أرض الشام، غير كريمة في نفيها، ولا متخيرة ~~في فعلها، كريم النشر، طيب الذكر، لا يسب لعلو قدره، ولا يسب لسعة حمله. # وجيش يثني كل طود كأنه ... خريق رياح واجهت غصنا رطبا # الطود: الجبل الطويل، والخريق: الريح الشديدة. # ثم قال: ونفاها له جيش مخوف بأسه، جليل شأنه، يثني الجبال بكثرته، ~~ويخفضها بجموعه وقوته، ويفعل بها في حط ما ارتفع، وتفريق ما # PageV02P036 # اجتمع، ما يفعله خريق الريح. بالأغصان الرطبة، وشديد العصوف بالحشائش ~~الرخوة. # كأن نجوم الليل خافت مغارة ... فمدت عليها من عجاجته حجبا # ثم يقول: كأن هذا الجيش أخاف نجوم الليل وأفزعها، وهالها بكثرته وذعرها، ~~فاستترت عنه بتكاثر قتامه، واحتجبت عنه يتكاثف عجاجه. # فمن كان يرضي اللؤم والكفر ملكه ... فهذا الذي يرضي المكارم والربا # ثم قال: فمن كان يرضي ملكه اللؤم والكفر من أدنياء المتغلبين، وكفار ~~المنتصرين، فهذا الذي يرضي الله بإقامة شرائعه، ويرضي الكرم بإحيائه ~~لمعالمه. # PageV02P037 # وأهدى إليه سيف الدولة ثياب ديباج رومي، وقناة وفرسا معها مهر لها، ~~فأعجبه المهر، ولم تعجبه الفرس، فقال: # ثياب كريم ما يصون حسانها ... إذا نشرت كان الهبات صوانها # صوان الشيء: ما اتخذ لصيانته. # فيقول: خلع سيف الدولة ثياب كريم، لا يصون حسنها، ولا يذخر رفيعها، إذا ~~نشرها فصوانها عنده أن يهبها، وحفظه لها أن يكسوها ويخلعها. # ترينا صناع الروم فيها ملوكها ... وتجلو علينا نفسها وقيانها # الصناع: المرأة الحاذقة بالعمل. # ثم قال: ترينا الروم، الحاذقة بعملها، العالمة بإقامة صورها، في تلك ~~الثياب، أمثلة ملوكها، وتجلو علينا فيها أنفسها وقيانها، اقتدارا على ما ~~تصنعه، وتقدما في إصابة ما تصوره. # ولم يكفها تصويرها الخيل وحدها ... فصورت الأشياء إلا زمانها # يقول: ولم يكف تلك الصناع أن صورت الخيل مع ما صورته، # PageV02P038 # وصنعتها مع ما صنعته، حتى تصرفت في الأشياء فمثلتها، وكثرت منها ~~وأظهرتها، فلم يعدم المتأمل لتلك الصنائع، والمشاهد لتلك البدائع، إلا ~~الزمان بصورته، ومشاهدته بمثاله، والزمان لا صورة له فدل بقوله؛ أنها لم ~~يفتها إلا ما لا صورة ms103 له، على أنها استوفت الصور بجملتها، ومثلتها بعامتها، ~~وهذا من البديع يعرف بالاستثناء. # وما ادخرتها قدرة في مصور ... سوى أنها ما أنطقت حيوانها # ثم قال: وما ادخرت تلك الصناع قدرة فيما صورته، وحكمة فيما أظهرته، إلا ~~أنها لم تنطق الحيوان من تلك الصور، ولا أظهرت الحياة فيما أبدته من تلك ~~المثل، وما خلا ذلك، فقد استوفته وأكملته، وحسنته وتممته. # وسمراء يستغوي الفوارس قدها ... ويذكرها كراتها وطعانها # السمراء: القناة. # فيقول، معددا لما أهداه إليه: وسمراء يهيج الفوارس حسن قدها على الحرب، ~~ويشوقها إلى المطاردة والطعن، ويذكرها بذلك، ويغريها بفعله، ويحركها إلى ~~إستعمال مثله. # ردينية تمت وكاد نباتها ... يركب فيها زجها وسنانها # الردينية: منسوبة إلى ردينة، وكانت امرأة تتجر بالرماح في الجاهلية: # PageV02P039 # ثم قال: ردينية ثم خلقها، وكمل حسنها، وكادت في حين نباتها، تستدعي الزج ~~والسنان، وتعلم المطاردة والطعان. # وأم عتيق خاله دون عمه ... رأى خلقها من أعجبته فعانها # العتيق: الكريم من الخيل، وأراد الفرس التي أهدى إليه، والمهر الذي كان ~~معها. # فيقول: إن هذه الفرس تأخر خلقها عن خلق مهرها، فكرم وهجنت، وحسن وتأخرت، ~~فيقول، منكرا لأمرها، ومعتذرا لهجنتها وحالها: إنها أم عتيق من الخيل، كرم ~~فحله، وهجنت أمه، فخاله دون عمه، وكأن أمه رآها من أعجبته فلقعها بعينه، ~~فتضاءل لذلك خلقها، ولم يتم على حقيقته حسنها. # إذا سايرته باينته وبانها ... وشانته في عين البصير وزانها # ثم قال: إذا سايرت هذه الفرس مهرها، باينته وباينها، فرفعها ووضعته، ~~وزينها ونقصته. # فأين التي لا تأمن الخيل شرها ... وشري ولا تعطي سواي أمانها # PageV02P040 # يقول: فأين التي عهدتها من كرائم الخيل، التي كانت لا تأمن الفرسان سطوتي ~~عليهم بها، وإقحامي في غمرات الحرب لها، والتي كانت لا تأنس بغيري فيأمنها، ~~ولا تمكن سواي من نفسها فيركبها. # وأين التي لا ترجع الرمح خائبا ... إذا خفضت يسري يدي عنانها # ثم قال: وأين التي كانت لا ترجع الرمح خائبا، من فارس تصيبه، ولا ترده # مقصرا عن مطلوب في الحرب تناله، إذا خفضت يسري يدي عنانها، مستنهضا لها، ~~وأرخته ms104 طالبا للفرسان بها. # وما لي ثناء لا أراك مكانه ... فهل لك نعمى لا تراني مكانها # ثم قال، مخاطبا، لسيف الدولة: ومالي أيها الرئيس ثناء أدخره عنك، ومدح لا ~~أستعمله فيك، وأعتقدك مكانا له، وأهلا للاختصاص به، فهل لك نعمى لا تخصني ~~بها، وتراني أهلا وموضعا لها؟ # PageV02P041 # وكان ربما تأخر مدحه عن سيف الدولة، فيشق ذلك عليه، ويكثر أذاه، ويحضر في ~~مجلسه من يعرض له بالقبيح، ففعل به ذلك مرات، فقال، وأنشدها في محفل من ~~العرب والعجم: # واحر قلباه ممن قلبه شبم ... ومن بجسمي وحالي عنده سقم # وا: حرف ينادي به كما ينادي بيا، وحر قلباه: اسم مضاف منادى، كان أصله ~~واحر قلبي، فأبدل من الياء ألفا، رغبة في الخفة، والعرب تفعل ذلك في ~~النداء، واستجلب هاء السكت، وأثبتها في الوصل كما ثبتت في الوقف، والعرب ~~تفعل ذلك في الشعر، وحرك الهاء، لسكونها وسكون الألف قبلها، وللعرب في ذلك ~~فعلان؛ منهم من يحركها بالضم، تشبيها بهاء الضمير، فيقول: واحر قلباه، أنشد ~~في ذلك يعقوب عن الفراء: # يا مرحباه بحمار عفراء ... إذا أتى قربته لما شاء # من الشعير والحشيش والماء # ومن العرب من يحرك بالكسر، على ما يوجد كثيرا في الكلام، عند التقاء ~~الساكنين، أنشد على ذلك يعقوب: # يا رب يا رباه إياك أسل ... عفراء يا رباه من قبل الأجل # وهذه اللغة التزم أبو الطيب، والشبم: البارد. # PageV02P042 # فيقول: واحر قلبي واحتراقه، واستحكام تهممه، بمن قلبه عني بارد لا عناية ~~له بي، ولا إقبال له علي، ومن بجسمي وحالي من إعراضه سقم يوجب ألمهما، ~~وشكاة تعود باختلالهما. والعرب تكني بحرارة القلب عن الاعتناء والحب، ~~وببرده عن الإعراض والترك. # ما لي أكتم حبا قد برى جسدي ... وتدعي حب سيف الدولة الأمم # المكتم: المبالغ في الكتم، وبري الجسم: إضناؤه وإنحاله. # ثم قال: ما لي أكتم من حب سيف الدولة ما يزيد مضمره على ظاهره، ومكتومه # على شاهده، والأمم تشركني في ادعاء ذلك، والتصنع به بقلوب غير خالصة، ~~ونيات غير صادقة، فيضني جسمي، وينحله تقدمي في ms105 صدق وده، وتأخري فيما يخصني ~~من فضله. # إن كان يجمعنا حب لغرته ... فليت أنا بقدر الحب نقتسم # ثم قال: إن كان يجمعنا حب غرته، والكلف بمودته، فليت أنا نقتسم المنازل ~~عنده، بقدر ما نحن عليه من صحة الخالصة، وما نعتقده من المودة الصادقة، فلا ~~يبخس المخلص حظه، ولا يبذل للمتصنع بره. # PageV02P043 # قد زرته وسيوف الهند مغمده ... وقد نظرت إليه والسيوف دم # ثم يقول: قد زرته في الأمن والسلم، وقد شهدته في شدائد الحرب؛ يريد: أنه ~~خبره في الضيق والسعة، وامتحنه في الأمن والمخافة، فأعجبه كيف تقلب، وحمده ~~على أي حال تصرف. # فكان أحسن خلق الله كلهم ... وكان أحسن ما في الأحسن الشيم # ثم قال: فكان في جميع أحواله أحسن خلق الله شاهدا، وأكرمهم ظاهرا، وكان ~~أحسن من ذلك شيمه المختبرة، وأخلاقه الممتحنة. # فوت العدو الذي يممته ظفر ... في طييه أسف في طيه نعم # الأسف: الحزن. # فيقول: فوت العدو الذي أعجزك بهربه، وفر عنك لاستحكام جزعه، ظفر ظاهر، ~~واستعلاء بين، وإن كان ذلك الظفر في طية منك أسف على ما حرمته من إدراكه، ~~والإثخان بالقتل فيه، وفي طي ذلك الأسف نعم بما صرف الله عنك من مؤونة ~~الحرب، وشدة معاناة اللقاء. # PageV02P044 # قد ناب عنك شديدا الخوف واصطنعت ... لك المهابة ما لا تصنع البهم # البهم: الذين تناهت شجاعتهم من الفرسان، واحدهم بهمة. # ثم قال: قد ناب عنك خوف العدو لك، فغلبه وذعره، وهزمه وروعه، وصنعت لك ~~فيه مهابتك، وبلغت لك منه مخافتك، ما لا تصنعه بهم الشجعان، ولا تبلغه ~~أبطال الفرسان. # ألزمت نفسك شيئا ليس يلزمها ... أن لا تواريهم أرض ولا علم # العلم: الجبل الطويل. # فيقول لسيف الدولة: ألزمت نفسك من نكاته العدو والمبالغة في قتلهم ما لا ~~يلزمك، وكلفتها ما لا يحق عليك، وذهبت إلى ألا تواريهم منك أرض تشتمل ~~عليهم، ولا يسترهم عنك جبل يحول بينك وبينهم. # أكلما رمت جيشا فانثنى هربا ... تصرفت بك في آثاره الهمم # ثم قال: أكلما رمت جيشا من جيوش الروم، فغر منك، وولى هاربا عنك، ms106 تصرفت ~~بك هممك في آثاره، فلم يرضك انهزامهم دون أن ينالهم القتل، ولا فرارهم دون ~~أن يتحكم فيهم السيف. # PageV02P045 # عليك هزمهم في كل معترك ... وما عليك بهم عار إذا انهزموا # ثم يقول لسيف الدولة: عليك أن تهزم الروم في كل معترك يتعاطون فيه لقاءك، ~~ولا عار عليك في أن يغلبهم خوفك، فينهزموا دون قتال، توقعا لك، ويفروا دون ~~لقاء، إشفاقا منك. # أما ترى ظفرا حلوا سوى ظفر ... تصافحت فيه بيض الهند واللمم # ثم قال: أليس يحلو لك ظفر تناله، وأمل في عدوك تبلغه، ما لا يكون ذلك بعد ~~قتل وقتال، ومجالدة ونزال، وبعد أن تصافح سيوفك رؤوسهم، وتباشر سلاحك ~~جسومهم. وأشار بمصافحة السيوف للمم إلى هذا التعبير. # يا أعدل الناس إلا في معاملتي ... فيك الخصام وأنت الخصم والحكم # يقول لسيف الدولة: يا أعدل الناس في أحكامه، وأكرمهم في أفعاله، إلا في # معاملتي، فإنه يخرجني عن عدله، ويضيق علي ما قد بسطه من فضله، فيك خصامي ~~وتعبتي، وأنت خصمي وحكمي، فأنا أخاصمك إلى نفسك، واستعدي عليك حكمك. # أعيذها نظرات منك صادقة ... أن تحسب الشحم في من شحمه ورم # ثم قال: أعيذ نظراتك الصادقة، وظنونك المصيبة، من أن تحسب ما # PageV02P046 # أشكوه من الضرورة سعة، وما أظهر من التجمل حقيقة، فتكون كمن يحسب السقم ~~صحة، والورم سمنا وقوة. # وما انتفاع أخي الدنيا بناظره ... إذا استوت عنده الأنوار والظلم # ثم ضرب في ذلك مثلا، فقال: وما ينتفع أخو الدنيا بنظره، ولا تعود عليه ~~فائدة بصره، إذا استوى عنده الصحة والسقم، والأنوار والظلم. # أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ... وأسمعت كلماتي من به صمم # يقول: أنا الذي استذاع أدبي، واستبان موضعي فيه، فثبت ذلك في العقول، ~~وتمكن في القلوب، ورآه الأعمى وإن كان لا يبصر، وأسمعت كلماتي فيه ذا الصمم ~~وإن كان لا يسمع. # أنام ملء جفوني عن شواردها ... ويسهر الخلق جراها ويختصم # تقول العرب: فعلت هذا من جرى فلان، أي: من أجله. # ثم قال: أنام ساكن النفس، متمكن النوم، لا أعجب بشوارد ما أبدع، ms107 ولا أحفل ~~بنوادر ما أنظم، ويسهر الخلق في تحفظ ذلك وتعلمه، ويختصمون في تعرفه ~~وتفهمه، فاستقل منه ما يستكثرونه، وأغفل عما يغتنمونه. # PageV02P047 # وجاهل مده في جهله ضحكي ... حتى أتته يد فراسة وفم الفرس: دق العنق، # فيقول: ورب جاهل اغتر بمجاملتي له، ومساحتي إياه، وضحكي على جهلة، حتى ~~سطوت به ففرسته، وعضضت عليه فأهلكته. # إذا رأيت نيوب الليث بارزة ... فلا يغرنك أن الليث مبتسم # الناب: الضرس الذي بين الرباعية والطواحن، وجمعه نيوب. # ثم قال، زاريا علي المغتر بضحكة: إذا رأيت الليث قد أبرز أنيابه، فلا ~~يغرنك تبسمه، فإن ذلك أقرب لبطشه، وأدل على ما يحذر من فعله، وكذلك كان ~~ضحكي للمخدوع به سببا قاده إلى صرعته، وأداه إلى هلكته. # ومهجة مهجتي من هم صاحبها ... أدركتها بجواد ظهره حرم # الحرم: الموضع الذي يؤمن فيه، ويمتنع بحرمته. # فيقول: ورب مهجة مقاتل لي، كانت مهجتي من هم ذلك # PageV02P048 # المقاتل وبغيته، فأدركت منه ما كان يحاوله مني، يشير إلى قتله له، وظفره ~~به، بفرس جواد، ظهره حرم لصاحبه، وجريه أمان لراكبه. # رجلاه في الركض رجل واليدان يد ... وفعله ما تريد الكف والقدم # ثم وصف ذلك الجواد فقال: رجلاه لسرعة ركضه، وخفة وقعه، وما هو عليه من ~~تأتي أمره، كالرجل الواحدة، ويداه كاليد المفردة، لا تختلف في وقعها، ولا ~~تتخاذل في نقلها، وفعله في السرعة ما تريده القدم التي بها تستعجل، وفي ~~المواتاة والموافقة ما تريده الكف التي بها يستوقف. # ومرهف سرت بين الموجتين به ... حتى ضربت وموج الموت ملتطم # الموج: ما ارتفع واضطرب من الماء، واستعار ذلك في كتائب الحرب. # فيقول: ورب سيف مرهف، سرت به بين الفئتين المتقابلتين، والطائفتين ~~المتزاحفتين، حتى ضربت وجالدت، واقتحمت وتقدمت، والموت يلتطم موجه، ويزخر ~~بحره. # فالخيل والليل والبيداء تعرفني ... والحرب والضرب والقرطاس والقلم # PageV02P049 # ثم قال: فالخيل تعرفني لتقدمي في فروستها، وحذقي بركوبها، والليل يعرفني # لسراي فيه، وطول ادراعي له، والبيداء تعرفني بمداومتي لقطعها، واستسهالي ~~لأمرها، والحرب والضرب يشهدان بحذقي بهما، وتقدمي فيهما، والقراطيس شاهدة، ~~لإحاطتي بمعرفة ما تتضمنه، والقلم ms108 (عالم) لإبداعي فيما يقيده. # صحبت في الفلوات الوحش منفردا ... حتى تعجب مني القور والأكم # القور: صغار الجبال، والأكم: جمع أكمة، وهي التل المشرف. # ثم قال: صحبت الوحش في الفلوات منفردا بقطعها، مستأنسا بصحبة حيوانها، ~~حتى تعجب مني سهلها وجبلها، وقورها وأكمها. # يا من يعز علينا أن نفارقهم ... وجداننا كل شيء بعدكم عدم # ثم يقول مشيرا إلى سيف الدولة: يا من يعز علينا أن نفارقه، لما أسلف ~~إلينا من فضله، واستوفرناه من الحظ بقربه، وجداننا كل طائل بعدكم، عدم لا ~~نسر به، ومحتقر لا نبتهج له. # PageV02P050 # ما كان أخلقنا منكم بتكرمة ... لو أن أمركم من أمرنا أمم # الأمم: القريب. # ثم قال: ما كان أخلقنا ببركم وتكرمتكم، وإيثاركم وتقدمتكم، لو أن أمركم ~~في الاعتقاد لنا على نحو أمرنا في الاعتقاد لكم، وما نحن عليه من الثقة ~~بكم. # إن كان سركم ما قال حاسدنا ... فما لحرح إذا أرضاكم ألم # ثم يقول، مشيرا إلى سيف الدولة: إن كان ما نقله الحاسد لنا، واختلقه ~~الواشي بنا، مرضيا لكم، مستحسنا عندكم، فما نتشكى الجرح إذا أرضاكم مع شدة ~~وجعه، ولا نتكرهه مع استحكام ألمه، حرصا على موافقتكم، وإسراعا إلى ~~إرادتكم. # وبيننا لو رعيتم ذاك معرفة ... إن المعارف في أهل النهى ذمم # الذمم: العهود، واحدها ذمة، والمعارف: جمع معرفة، والنهى: جمع نهية، وهي ~~العقل. # PageV02P051 # ثم قال: وبيننا وصائل المعرفة، ولنا إليكم شوافع الخالصة، إن أحسنتم ~~المراعاة لذلك، والمحافظة عليه، والمعارف عند أمثالكم من ذوي العقول ~~الراجحة، والأحلام الوافرة، ذمم لا يضيع حفظها، ووسائل لا يستجاز ردها. # كم تطلبون لنا عيبا فيعجزكم ... ويكره الله ما تأتون والكرم # ثم يقول، مشيرا إلى سيف الدولة، ومعنفا له في إصغائه إلى الطاعنين عليه: ~~كم تطلبون لنا عيبا تغضون به منا، وتصغون إليه فيما ينقل إليكم، فيعجزكم ~~ذلك وييئسكم، ويبعد عليكم ولا يمكنكم، ويكره الله من ذلك ما تأتونه، ويسخطه ~~ما تحاولونه، ويكرهه الكرم الذي يلزمكم الإنصاف والعدل، ويوجب عليكم ~~المحافظة والفضل. # ما أبعد والنقصان من شرفي ... أنا الثريا وذان الشيب والهرم ms109 # ثم قال، فاخرا بنفسه، ومشيرا إلى سلامة عرضه: ما أبعد العيب # PageV02P052 # والنقصان من شرفي ورفعته، وعرضي وسلامته، أنا في ذلك الثريا، والعيب ~~والنقصان كالشيب والهرم، لا يعلقان بي، كما لا يعلق الشيب والهرم بها، ولا ~~يعرضان لي كما لا يعرض الشيب والهرم لها. # ليت الغمام الذي عندي صواعقه ... يزيلهن إلى من عنده الديم # الغمام: السحاب، والصاعقة: قطعة من نار تسقط بأثر الرعد الشديد، والجمع ~~صواعق، والديمة: مطر يدوم مع سكون، والجمع ديم. # ثم قال، مشيرا إلى سيف الدولة: ليت هذا الملك الذي يشبه الغمام بجوده، ~~ويخلفه بفضله، وعندي منه صواعقه، وتسرع إلى مكارهه، يزيل بيني وبين ~~الحاسدين لي، فينقل تلك الصواعق إليهم، وينجي بتلك المكاره عليهم، فأشاركهم ~~في بؤسه، كما شاركوني في فضله. # أرى النوى تقتضيني كل مرحلة ... لا تستقل بها الوخادة الرسم # النوى: البعد، والاقتضاء: معروف، والوخد والرسم: ضربان من سير الإبل، ~~والوخادة من الإبل: التي تسير بالوخد، واحدتها واخدة، والرسم منها: التي ~~تسير بالرسم، واحدتها رسوم. # فيقول، معرضا بما اعتقده من الرحيل عن سيف الدولة، لما تشكاه من # PageV02P053 # قلة إنصافه له: أرى النوى التي أريدها، والرحلة التي أعتقدها، تقتضيني ~~تجشم كل مرحلة نائية، وشقة بعيدة، لا تستقل بها الوخادة الرسم من الإبل؛ ~~لبعد منالها، ولا تطيقها لشدة مآلها. # لئن تركن ضميرا عن ميامننا ... ليحدثن لمن ودعتهم ندم # ضمير: اسم جبل. # ثم قال: لئن تركن ضميرا؛ هذا الجبل، يمنة منهن، يريد: رواحله، ليحدثن لمن ~~ودعتهم ندم، على مفارقتي لهم، وأسف على رحيلي عنهم، يشير بذلك إلى سيف ~~الدولة. # إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا ... ألا تفارقهم فالراحلون هم # رحل الرجل: إذا تحول عن منزله، ورحلته أنت، إذا فعلت ذلك به. # ثم قال، موجبا على سيف الدولة الملامة في رحلته، وقائما في ذلك عن نفسه ~~بحجته: إذا رحل الراحل عن قوم وهم قادرون على إزاحة # PageV02P054 # علته، واستقرا به بإسعاف رغبته، وأغفلوه حتى يرحل عنهم، وينقطع بالزوال ~~منهم، فهم الذين رحلوه وأزعجوه، وحركوه وأخرجوه. # شر البلاد مكان لا صديق به ... وشر ms110 ما يكسب الإنسان ما يصم # الشيء يصم الشيء: إذا عابه، والوصم: الصدع، وشبه العيب في الحسب بذلك. # فيقول: شر البلاد بلاد لا يوجد فيها من يؤنس بوده، ويسكن إلى كرم فعله، ~~وشر ما كسبه الإنسان ما عابه ووصمة، وأذله وانتقصه. يريد: أن هبات سيف ~~الدولة # مع كثرتها، وجلالتها، وسعتها، لا تعادل تقصيره به، وإيثاره لحساده عليه. # وشر ما قنصته راحتي قنص ... شهب البزاة سواء فيه والرخم # الاقتناص: التصيد، والشيء المصيد قنص. # ثم قال: وشر ما ظفر به القانص، قنص يشترك فيه البزاة الشهب مع رفعتها، ~~والرخم الساقطة مع دناءتها وضعتها، يشير إلى أن ما أولاه سيف الدولة من ~~بره، وأظهره عليه من إحسانه وفضله، شاركه فيه من حساده أهل الغباوة، ونازعه ~~إياه أهل العجز والجهالة. # PageV02P055 # بأي لفظ تقول الشعر زعنفة ... تجوز عندك لا عرب ولا عجم # الزعنفة: السقاط من الناس، وهذا الاسم مأخوذ من زعانف الجلد، وهي أطرافه ~~وسواقطه. # فيقول لسيف الدولة: بأي لفظ تقول الشعر زعنفة، أرذال يجوزون عندك، ليسوا ~~عربا فصحاء فتحمدهم، ولا عجما لكنا فتعذرهم، يترفعون عن العجم ولا ~~يفوتونهم، ويتشبهون بالعرب ولا يلحقونهم. وهذه العبارة وإن لم تكن في لفظه، ~~فهي مفهومة من حقيقة قصده. # هذا عتابك إلا أنه مقة ... قد ضمن الدر إلا أنه كلم # المقة: المحبة، والكلم: جمع كلمة. # ثم قال لسيف الدولة: هذا عتابك، وهو وإن أمضك، مقه خالصة، ومودة صادقة، ~~فباطنة غير ظاهره، كما أنه قد ضمن الدر بحسنه، وإن كان كلما معهودا في ظاهر ~~لفظه. # PageV02P056 # ولما أنشد هذه القصيدة وانصرف، كان في المجلس رجل يعاديه، فكتب إلى أبي ~~العشائر على لسان سيف الدولة كتابا إلى إنطاكية، يشرح له فيه ذكر القصيدة ~~وأغراه به، فوجه أبو العشائر عشرة من غلمانه، فتوقفوا قريبا من باب سيف ~~الدولة في الليل، وأنفدوا إليه رسولا على لسان سيف الدولة، وسار إليه، فلما ~~قرب منهم، ضرب راجل بين أيديهم بيده إلى عنان فرسه، فسل أبو الطيب السيف، ~~فوثب الراجل عنه، وتقدمت فرسه به الخيل فعبر قنطرة كانت ms111 بين يديه، فأصاب ~~أحدهم نحرة فرسه بسهم فانتزعه، واستقلت الفرس به، وتباعد بهم ليقطعهم من ~~مدد أن كان لهم، ورجع عليهم بعد أن فني النشاب، فضرب أحدهم بالسيف فقطع ~~الوتر وبعض القوس، وأسرع السيف في ذراعه، فوقفوا عليه، وسار وتركهم، فلما ~~يئسوا منه قال له أحدهم: نحن غلمان أبي العشائر، فلذلك قال: # ومنتسب عندي إلى من أحبه ... وللنبل حولي من يديه حفيف # PageV02P057 # هي خمسة أبيات قد تقدمت، وألحقت بمدح أبي العشائر، وقد كنا شرطنا على ~~رأسها أن نشرحها هاهنا. # وعاد أبو الطيب إلى المدينة في الليلة الثانية مستخفيا وأقام عند صديق ~~له، والمراسلة بينه وبين سيف الدولة، وسيف الدولة ينكر أن يكون فعل ذلك، أو ~~أمر به، فعند ذلك قال أبو الطيب هذه الأبيات، وكتب بها إليه. # ألا ما لسيف الدولة اليوم عاتبا ... فداه الورى أمضى السيوف مضاربا # مضارب السيف: ما تشتمل عليه حداه. # فيقول: ألا ما لسيف الدولة اليوم عاتبا على، مع تأميلي له، معرضا عني، مع ~~استحكام ثقتي به، فداه الورى مما يكرهه، ووقاه جميعهم ما يحذره، فإنه أمضى ~~السيوف وأنفذها، وأقطعها وأصرمها. # PageV02P058 # ومالي إذا ما اشتقت أبصرت دونه ... تنائف لا أشتاقها وسباسبا # التنائف: القفار، والسباسب: نحو ذلك. # ثم قال: ومالي إذا ما اشتقت إليه، ألفيت دونه من حجب المخافة، وعوائق ~~المهابة، تنائف لا أشتاق مثلها، وسباسب لا أريد قطعها، وسمي تلك العوائق ~~تنائف وسباسب، على سبيل الاستعارة، وحذف إليه من الكلام وهو ينوي ذكره، لما ~~في الكلام من قوة الدلالة عليه. # وقد كان يدني مجلسي من سمائه ... أحدث فيه بدرها والكواكبا # ثم قال: وقد كان قبل موجدته علي، يدني مجلسي من حضرته، التي هي السماء في ~~رفعتها، فأحدث منه البدر بهاء وجلالة، وأحدث من جلسائه الكواكب علوا ~~ورئاسة، وجرى على نحو ما قدمناه من الاستعارة. # حنانيك مسئولا ولبيك دلعيا ... وحسبي موهوبا وحسبك واهبا # PageV02P059 # الحنان: الرحمة، وحنانيك مصدر بمعنى التحنن، ثني على سبيل المبالغة، كأن ~~المتكلم يقول للمخاطب: تحننا بعد تحنن منك، ولبيك مصدر ثني بمعنى المبالغة ~~أيضا، ms112 وتأويله: مداومة على طاعتك، وهو مأخوذ من قولهم: ألب بالمكان: إذا ~~أقام به. # فيقول لسيف الدولة: حنانيك مسئولا صفحك، ولبيك مرجوا عفوك، وحسبي موهوبا ~~ذلك منك، وحسبك واهبا له، ومتطولا به. # أهذا جزاء الصدق إن كنت صادقا ... أهذا جزاء الكذب إن كنت كاذبا # الكذب: الكذب. # ثم قال لسيف الدولة: أهذا الإعراض منك جزاء الصدق إن كنت صادقا فيما أدلى ~~به من المعذرة، أو جزاء الكذب مع ما أظهره من استدعاء العفو والرحمة. # وإن كان ذنبي كل ذنب فإنه ... محا الذنب كل المحو من جاء تائبا # ثم قال: وإن كنت غير صادق في العذر، ومتقلدا حقيقة الذنب. # PageV02P060 # ففي ما التزمته من التوبة، واستدعيته من المغفرة، ما يمحو الذنب ويذهبه، ~~وينسيه # ويسقطه، فالذنوب ممحوة بالتوبة، مغفورة بالإنابة والرجعة. وهذا الكلام ~~وإن كان فيه زيادة على لفظه، فهو مفهوم من حقيقة قصده. # PageV02P061 # ودخل على سيف الدولة بعد تسع عشرة ليلة، فتلقاه الغلمان، وأدخلوه إلى ~~خزانة الكسوة، فخلع عليه وطيب، ثم دخل على سيف الدولة، فسأله عن حاله وهو ~~مستحيي، فقال له أبو الطيب: رأيت الموت عندك خير من الحياة بعدك، فقال له ~~سيف الدولة: بل يطيل الله بقاءك، ودعا له، ثم ركب أبو الطيب، فأتبعه سيف ~~الدولة خلعا وطيبا كثيرا وهدية، فقال أبو الطيب يمدحه، ويعتذر إليه: # وأنشدها في شعبان سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة. # أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل ... دعا فلباه قبل الركب والإبل # الطلل: ما أشرف من آثار الديار، والتلبية: الإقامة على الإجابة. # فيقول: إنه وقف بدار محبوبته، فأشجاه ما شاهده من دروس # PageV02P062 # رسومها، وتغير طلولها، واستثار ذلك حزنه، واستدعى بكاءه، فأجاب دمعه تلك ~~الدعوة، وأسعد على تلك النية، قبل أن يجيب ذلك بعض الركب بالتأسف. وأشار ~~إلى نفسه وبعض الإبل بالحنين، وأشار إلى ناقته، والشعراء يصفون مطاياهم ~~بالحنين إلى ديار الأحبة، كما يصفون بذلك أنفسهم. وقد كشف أبو الطيب هذا ~~المعنى حيث يقول: # أثلث فإنا أيها الطلل ... نبكي وترزم تحتنا الإبل # ظللت بين أصيحابي أكفكفه ... وظل يسفح بين العذر والعذل ms113 # ظللت أفعل الشيء ظلولا: إذا أخذت فيه وأقبلت عليه. وكفكفت الدمع وغيره: ~~إذا حاولت إمساك ذلك وصرفه، وسفح الدمع يسفح سفحا وسفوحا: إذا سال. # ثم قال: يصف انسكاب دمعه، واستكفافه له متسترا بوجده: ظللت أكف الدمع بين ~~أصحابي، وصغرهم مظهرا للإعجاب بهم، والعرب تفعل ذلك، ثم قال: وظل الدمع ~~يسفح بين ما أبسطه عندهم من العذر، وما يهدونه إلي من العذل. # PageV02P063 # أشكو النوى ولهم من عبرتي عجب ... كذاك كانت وما أشكو سوى الكلل # النوى: البعد، والعبرة: الدمع. # فيقول: إنه يشكو نوى محبوبته وانتزاح دارها، وما يبعث ذلك من وجده بها، # وأصحابه يعجبون من عبرته، ومن بكائه وكثرته، فاستغرب عجبهم، فقال: قد ~~كانت عبرتي على هذا الحال، ولست أشكو مانعا دون من أحبه، إلا الكلل التي ~~تتضمنه، والستور التي تحجبه، والدار واحد، والمنازل متجاورة، فكيف ظنكم بي، ~~وأنا أشكو النوى التي تمنع منه، والبعد الذي يؤيس عنه؟ # وما صبابه مشتاق على أمل ... من اللقاء كمشتاق بلا أمل # ثم قال: وما صبابة مشتاق على أمل من لقاء من يحبه، بقرب الدار، ودنو ~~المحل، كصبابة مشتاق لا أمل له في ذلك، لتباعد محبوبته، و، نأي داره، ~~وانتزاح محله. # متى تزر قوم من تهوى زيارتها ... لا يتحفوك بغير البيض والأسل # البيض هاهنا: السيوف، والأسل: الرماح، والإتحاف: الإطراف بالهدية. # PageV02P064 # ثم يقول: متى تزر قوم محبوبتك التي استقرارها فيهم، لا يتحفوك إلا ~~بالسيوف والرماح، منتهزين لغرتك، وطالبين لمهجتك، ومستريبين لزيارتك. فدل ~~على تعذر زيارة محبوبته، مما هي بسبيله من المنعة، وموضعها من الاعتزاز ~~والرفعة. # والهجر أقتل لي ممن أراقبه ... أنا الغريق فما خوفي من البلل # ثم قال: وهجر من أحبه أقتل لي من سلاح من أراقبه، وموقع ما أحذره من ~~الرقيب، في جنب ما أشكوه من هجران الحبيب، كموقع البلل عند الغريق، الذي هو ~~أقل ما يحذره، وأهون ما يخافه ويتوقعه. # ما بال كل فؤاد في عشيرتها ... به الذي بي وما بي غير منتقل # ثم يقول: إن محبوبته بارعة الحسن، معشوقة الدل، كل قلب في عشيرتها ms114 به ~~الذي بأبي الطيب من حبها، فما بال ذلك لا يخفف عنه من الكلف بها؟ وما بال ~~حبها في قلبه ثابت لا ينتقل، ومقيم لا يرتحل؟ # مطاعة اللحظ في الألحاظ مالكة ... لمقلتيها عظيم الملك في المقل # PageV02P065 # ثم وصف موضع محبوبته من الحسن، فقال: إن ألحاظها مطاعة في الألحاظ # المعشوقة، وأنها في الحسان مالكه لا تماثل، ومقدمة لا تشاكل، وأن ~~لمقلتيها في المقل عظيم الملك، ورفيع المنزلة والقدر. # تشبه الخفرات الآنسات بها ... في حسنها فينلن الحسن بالحيل # الخفرات: الحييات، والواحدة خفرة، والآنسات: الحسان الحديث، الواحدة ~~آنسة. # ثم قال: إن الخفرات الآنسات يتشبهن بها في مشيها، ويرمن حكايتها في دلها، ~~فيكسبهن ذلك نيل الحسن بالتحيل، والوصول إليه بالتعمل. # قد ذقت شدة أيامي ولذتها ... فما حصلت على صاب ولا عسل # الصاب: شجر مر # فيقول: قد ذقت شدة أيامي وصعوبتها، ولذتها ورفاهيتها، فما حصلت على صاب ~~من مرها، ولا عسل من حلوها؛ لأن لذات الأيام ومكارهها منتقلة فانية، ~~ومستحيلة زائلة، تتعاقب ولا تدوم، وتنتقل ولا # PageV02P066 # تقيم، وما كان كذلك، فليس يقطع على استكراه مرة، ولا يحتم على استعذاب ~~حلوه. # وقد أراني الشباب الروح في بدني ... وقد أراني المشيب الروح في بدلي # ثم قال: وقد صحبت الشباب مسرورا به، وأراني الروح في بدني مرتاحا له، ثم ~~صحبت المشيب مستكرها لصحبته، وأراني الروح في بدلي؛ بتغير أحوالي في مدته، ~~فأشار إلى أن حقيقة أمور الإنسان أيام شبيبته وقوته، ثم يتبدل بالانتقال ~~إلى مشيبه وكبرته. # وقد طرقت فتاة الحي مرتديا ... بصاحب غير عزهاة ولا غزل # العزهاة: الذي لا يطرب للسماع، والغزل: الذي يحب اللهو والغزل. # فيقول: وقد طرقت فتاة الحي مرتديا بالسيف، وأشار إليه بما وصفه، فقال: ~~إنه صاحب غير عزهاة، لا يطرب للسماع، ولا غزل يحن إلى اللهو. # فبات بين تراقينا ندفعه ... وليس يعلم بالشكوى ولا القبل # الترقوة: العظم الذي بين المنكب وبين ثغرة النحر، وجمعه تراق. # PageV02P067 # ثم قال: فبات بين تراقينا، يشير إلى ما كان عليه من الحذر والرقبة، ~~والتوقع والمخافة، وأنه لم يخلع السيف ms115 عن نفسه حين معانقته لمحبوبته، ~~وأنهما كانا يدفعانه، وهو لا يعلم بالشكوى المتواصفة بينهما، وما كان يتصل ~~بذلك من الغزل والتجميش والقبل. # ثم اغتدى وبه من ردعها أثر ... على ذؤابته والجفن والخلل # الردع: أثر الخلوق، وذؤابة السيف: رأس قائمه، وذؤابة كل شيء أعلاه، وجفن ~~السيف: غمده، والخلل: جلود منقوشة على أغماد السيوف، واحدها خلة. # ثم اغتدى، يريد: السيف، وبه آثار من طيبها ظاهرة على ذؤابته، وعلى جفنه ~~وخلله، وهذه المواضع منه هي التي وليتها محبوبته في حين دفعها له، وإزاحتها ~~إياه. # لا أكسب الذكر إلا من مضاربه ... أو من سنان أصم الكعب معتدل # كعوب: الرمح: العقد الناشزة بين أنابيبه، والرمح الأصم الكعب: هو الذي ~~تصلب تلك الكعوب منه وتكتنز، وتتداخل ولا تنتشر، وبذلك يعتدل خلقه، ويشتد ~~أسره. # PageV02P068 # فيقول: لا أكسب جميل الذكر إلا من مضارب هذا السيف الذي وصفه، أو من سنان ~~رمح أصم الكعب، معتدل المتن؛ يريد: أنه لا يكتسب الحمد إلا بجرأة نفسه، ~~وشدة بطشه، ومشهور بأسه. # جاد الأمير به لي في مواهبه ... فزاتها وكساني الدرع في الحلل # ثم خرج إلى مدح سيف الدولة، وذكر الهبة التي وهب له، فقال: جاد الأمير لي ~~بالسيف في مواهبه فزانها بموضعه، وكساني الدرع في حلله، وحصني بها في خلعه ~~فحسنها بشرفه، فأشار إلى أن ذلك لعلمه بحال أبي الطيب في الشجاعة، ومنزلته ~~في الإقدام والصرامة. # ومن علي بن عبد الله معرفتي ... بجمله من كعبد الله أو كعلي # ثم يقول: ومن علي ومن علي بن عبد الله؛ يريد: سيف الدولة، معرفتي بحمل ~~الرمح والطعن به، لأني لما صحبته، احتذيت حذوه في الحرب، # PageV02P069 # وامتثلت أفعاله في الطعن والضرب، ومن كعبد الله أو كعلي ابنه في شدة ~~بأسهما، وشهرة مجدهما؟ # معطي الكواعب والجرد السلاهب وال ... بيض القواضب والعسالة الذبل # الكواعب من النساء: اللواتي نبتت ثديهن، والجرد من الخيل: التي يقصر شعر ~~جلودها، وذلك من شواهد كرمها، والسلاهب منها الطوال، والقواضب من السيوف: ~~القواطع الماضية، والعسالة من الرماح، المنعطفة عند هزها، والذبل: اليابسة ~~منها. # ثم ms116 قال، يريد: سيف الدولة، معطي الكواعب المصيبات بحسنهن، والجرد ~~المعجبات بعتقهن، وقواضب السيوف، وطوال الرماح، وأشار بوصفه، بالإكثار من ~~هبة هذه الأصناف، إلى أنه يستصحب كماة الفرسان، وأعلام الشجعان فيعتمدهم في ~~هباته بما يوافقهم، ويقصدهم بما شاكلهم. # ضاق الزمان ووجه الأرض عن ملك ... ملء الزمان وملء السهل والجبل # ثم يقول: إن سيف الدولة لغرابة أفعاله، وانفراده بالفضل في # PageV02P070 # جميع أحواله، وما يتابعه من كثرة وقائعه، ويخلده من جليل مكارمه، وظفره ~~في جميع مقاصده؛ يحمل الزمان من ذلك ما لا يضبطه، ويكلفه ما لا يعهده، ~~فيضيق عن فخامة قدره، ويقصر عن جلالة مجده، وكذلك تضيق الأرض عما يحملها من ~~جيوشه، ويسير فيها من جموعه، فقد ملأ الزمان بمكارمه ومجده، وملأ السهل ~~والجبل بكتائبه وجمعه. # فنحن في جذل والروم في وجل ... والبر في شغل والبحر في خجل # ثم قال: فنحن من الاعتزاز به في جذل دائم، والروم من التوقع له في وجل ~~لازم، # والبر في شغل لتضايقه بجيشه، والبحر في خجل لتقصيره عن جوده. # من تغلب الغالبين الناس منصبه ... ومن عدي أعادي الجبن والبخل # المنصب: الأصل # ثم يقول: إن سيف الدولة أصله من تغلب، هذه القبيلة التي غلبت الناس ~~بعزها، وانقادوا في الجاهلية والإسلام لأمرها، مع أنه منها، # PageV02P071 # (هو) من بني أطواد فخرها، ومعادن مجدها؛ أعادي الجبن والبخل، والمشهورين ~~بالبأس والفضل، وجانس بين تغلب والغالبين، وبين عدي، وأعادي الجبن، ~~والمجانسة اتفاق اللفظ مع اختلاف المعنى، وذلك من أبواب البديع، وقد بيناه ~~فيما تقدم. # والمدح لابن أبي الهيجاء تنجده ... بالجاهلية عين العي والخطل # الخطل: عجلة تبعث على الخطأ، والإنجاد: التأييد والعون. # ثم قال، يريد: سيف الدولة، ويخاطب نفسه: والمدح لأبن أبي الهيجاء تنجده ~~بأخبار الجاهلية، وما سلف له من كرم الأولية؛ عي بين، وخطل ظاهر؛ لأنه غني ~~عن التشرف بغيره ومحرز لغاية ما يبلغه المدح بنفسه، والكرماء بجملتهم ~~يقصرون عن أقل مكارمه، ولا يبلغون أيسر فضائله. # ليت المدائح تستوفي مناقبه ... فما كليب وأهل الأعصر الأول؟ # كليب بن ربيعة: هو رئيس بني تغلب وسيدهم ms117 في الجاهلية، وضربت العرب المثل ~~بعزه، فكانوا يقولون: أعز من كليب بن وائل. # PageV02P072 # فيقول: ليت المدائح تستوفي مناقيب سيف الدولة، وتأتي على ذكر مكارمه، فما ~~كليب وسائر الملوك الأولين عند ما خلده من الفخر، وأبقاه من المكارم على ~~وجه الدهر؟ # خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به ... في طلعة ما يغنيك عن زحل # ثم قال، يخاطب نفسه: خذ ما تراه من فضله، وصف ما تشاهده من مجده، ودع # شيئا سمعت له ولم تشهده، وأخبرت به عنه ولم تبصره، ففضل سيف الدولة على ~~الملوك كفضل الشمس على سائر النجوم، وفيه ما يغني عنهم، وهو أكرم بدل منهم، ~~كما أن الشمس تغني عن زحل، وفيها منه كرم بدل. # وقد وجدت مكان القول ذا سعة ... فإن وجدت لسلنا قائلا فقل # ثم قال: وقد وجدت في سيف الدولة وما يبديه من مجده، ويتابعه من فضله، ~~مكانا للقول، ومجالا واسعا للوصف، فإن كنت ذا لسان قائل، فحسبك وصف فضائله، ~~وذكر ما يخلده من مكارمه. # إن الهمام الذي فخر الأنام به ... خير السيوف بكفي خيره الدول # PageV02P073 # خيرة: تأنيث خير، قال الله عز وجل (فيهن خيرات حسان). الواحد خيرة. # فيقول مشيرا إلى سيف الدولة: إن الهمام الذي يفخر به الفاخرون، ويلهج ~~بذكره الذاكرون، خير السيوف المسلولة بكفي خيرة الدول المعلومة. # تمسي الأماني صرعى دون مبلغه ... فما يقول لشيء ليت ذلك لي # ثم قال: تقصر الأماني عن بلوغ قدره، وتصغر عند جلالة أمره، وتصبح صرعى ~~دون إدراك مجده، فما يتمنى في الرفعة أكثر مما يبلغه، ولا يحاول في الفضل ~~ما يزيد على ما يفعله. وهذه العبارة وإن لم يأت عليها لفظه، فهي مفهومة ~~منه، وغير خارجة عنه. # انظر إذا اجتمع السيفان في رهج ... إلى اختلافهما في الفضل والعمل # يقول: انظر إذا اجتمع سيف الدولة والسيف المعهود في رهج حرب، ومساجله ~~جلاد وضرب، إلى تقصير السيف عن فعله، وتأخره عما يستبين من فضله، ومخالفته ~~له في خلقه وعمله، وزيادته عليه في غنائه وأثره. # PageV02P074 # هذا المعد لريب الدهر منصلتا ... أعد ms118 هذا لرأس الفارس البطل # ثم قال، مشيرا إلى سيف الدولة: هذا المعد لريب الدهر منصلتا على خطوبه، # متجردا لكف صروفه، أعد ذلك، يريد: يريد: السيف المعهود، لرأس الفارس ~~البطل، يضرب به ويصرفه، ويمضيه ويستعمله، ويتخذه آلة يدبرها، ويبطش على حسب ~~إرادته بها، فأبان أن السيف وإن وافقه في الاسم، فهو مقصر عنه في حقيقة ~~الحكم. # فالعرب منه مع الكدري طائرة ... والروم طائرة منه مع الحجل # الكدري: ضرب من القطا. # فيقول: إن عصاة الأعراب لفرقهم من سيف الدولة، يعتصمون منه بما غمض من ~~الرمال، وبعد من المهامه والقفار، وهناك تستقر القطا وتأمن، وتفرخ وتسكن، ~~وكذلك الروم تعتصم منه بالأوعار وقنن الجبال، وتلك مواضع الحجل ومساكنها. ~~وأشار بجمعه بين العرب والكدري، وبين الروم والحجل، إلى مستقر الطائفتين، ~~وما إليه غاية فرار الصنفين، ودل على أن سيف الدولة لا تتعرض الأعداء ~~لحربه، ولا يقاومون شدة بأسه، وإنما يفزعون إلى الاعتصام منه بالفوات ~~النائية، ورؤوس الجبال الشامخة. # PageV02P075 # وما الفرار إلى الأجبال من أسد ... تمشي النعام به في معقل الوعل # الوعول: شياه الجبال، واحدها وعل، ومعقلها: ما ارتفع من الأوعار. # ثم قال، مشيرا إلى الروم: وكيف ينجي الفرار إلى الأجبال من أسد، شديد ~~بأسه، وملك نافذ أمره، تسهل سعادته للنعام التوقل في معاقل الأوعال، حتى ~~كأنها رمال مبسوطة، وسهول موصولة. فدل على أن سيف الدولة في قوة سعده، ~~وتمكن أمره، لا يفوته من طلبه، ولا يمتنع عليه من قصده. # جاز الدروب إلى ما خلف خرشنة ... وزال عنهما وذاك الروع لم يزل # الدروب: المسالك التي تكون في الجبال الحاجزة بين بلاد المسلمين وبلاد ~~الروم، وخرشنة: مدينة من مدائن الروم. # فيقول في سيف الدولة: إنه اقتحم بلاد الروم، وجاز إليها الدروب، وحصر ~~خرشنة، ورحل عنها متوغلا في بلاد الروم، فزال عنها والفزع مقيم بها، ~~وفارقها والتوقع ملازم لها؛ لأن أهلها كانوا يحذرون سطوته، ولا يأمنون ~~كرته. # PageV02P076 # فكلما حلمت عذراء عندهم ... فإنما حلمت بالسبي والجمل # ثم قال: فكلما حلمت عذراء من خرائدهم، ومحجوبة من كرائمهم، فإنما تحلم ~~بالسبي ms119 الذي تحذر وقوعه، وبالجمل الذي تتوقع ركوبه، والجمال إنما يحمل ~~عليها العرب، ولا تعرفها الروم. فأشار إلى أن كثرة ما اجتلبه سيف الدولة ~~على الجمال من سبيهم، ذعر محجبات نسائهم، فاشتغلت بذلك أنفسهن، ومثلته لهن ~~أحلامهن. # إن كنت ترضى بأن يعطو الجزي بذلوا ... منها رضاك ومن للعور بالحول # ثم قال، مخاطبا لسيف الدولة: إن كنت ترضى من الروم بجزيتهم، وتتقبل ما ~~يبذلونه لك من طاعتهم، بادروا في ذلك إلى أمرك، واحتملوا على رأيك، وأني ~~لهم بهذه الحظة، والبلوغ إلى تلك الرتبة، مع أحاط بهم من القتل، واتصل فيهم ~~من السبي؟ والجزية عند ذلك، كالحول. عند العور، والآفة المحتملة عند ذهاب ~~البصر. # PageV02P077 # ناديت مجدك في شعري وقد صدرا ... يا غير منتحل في غير منتحل # الانتحال: الادعاء، والمنتحل من الشعر والمجد: ما ادعي فيه على غير ~~حقيقته. # فيقول لسيف الدولة: ناديت ما خلدته من مجدك، وقيدت ذكره من مدحك، وقد ~~تيقنت أنهما يسيران مسير الشمس، ويبقيان بقاء الدهر، يا خالصا غير منتحل، ~~في صادق غير منتحل. # بالشرق والغرب أقوام نحبهم ... فطالعاهم وكونا أبلغ الرسل # ثم قال: بالشرق والغرب من أحبتنا وخلصائنا وأعزتنا، من نسر بمشاركته في ~~حالنا، ومطالعته بجملة أمرنا، فطالعاهم، وكونا في ذلك أكرم المرسلين، وأعدل # الشاهدين. # وعرفاهم بأني في مكارمه ... أقلب الطرف بين الخيل والخول # الخول: العبيد والحاشية. # ثم قال: وعرفاهم بأني مغمور في مكارم سيف الدولة، متصرف في فواضله، أقلب ~~الطرف بين الخيل الرائعة، والحاشية الحافلة. # PageV02P078 # يأيها المحسن المشكور من جهتي ... والشكر من قبل الإحسان لا قبلي # ثم يقول لسيف الدولة: يأيها المحسن بطبعه، المشكور من جهتي بما حملني من ~~فضله، والشكر من قبل إحسانه ورفده، لا من قبلي فيما أهديه من مدحه. # ماكان نومي إلا فوق معرفتي ... بأن رأيك لا يؤتي من الزلل # يقول: ما كان نومي في حين موجدتك، وطمأنينتي في مدة عتبك وتسخطك، إلا فوق ~~ما كنت أتيقنه من معرفتي، بأن رأيك لا يستزله الساعون ببغيهم، ولا يحيلونه ~~بكذبهم، وكنى بالنوم عن سكون نفسه، وتمهده لمعرفته ms120 بسيف الدولة عن حسن ظنه. ~~فأشار إلى ما قصده ألطف إشارة، وعبر عنه أحسن عبارة. # أقل أنل أطع أحمل عل سل أعد ... زد هش بش تفضل أدن سر صل # PageV02P079 # ثم يقول لسيف الدولة: أقل من استنهضك من عثرته، وأنل من استعان بفضلك على ~~قلته، وأقطع المنازل والضياع من أملك، واحمل على سوابق الخيل من استحملك، ~~وعل وارفع قدر من اعتلق بك، وسل عن كل مفقود بما تجدده من برك، وتسبغه من ~~فضلك، وتابع ذلك وأعده، وأدمه وجددهن وزد في غدك على ما تسلفه في يومك، وهش ~~ورحب بمن قصدك، وأظهر البشاشة لمن اعتمدك، ودم على ما عهد من تفضيلك، وأدن ~~الوافد عليك، وسره بمتابعة إحسانك، وصل الجميع بتطولك وإنعامك. # لعل عتبك محمود عواقبه ... فربما صحت الأجسام بالعلل # ثم قال: لعل ما أوجبه الواشون من عتبك، وأحدثوه من موجدتك، محمود ~~العاقبة، مشكور الخاتمة، يفضي إلي السعادة بحسن رأيك، ويعقب الحظوة بكريم ~~اختصاصك، فرب علة انقادت بعد شدة، وكانت سببا لسلامة وصحة. # وما سمعت ولا غيري بمقتدر ... أذب منك لزور القول عن رجل # PageV02P080 # الزور: الكذب. # فيقول لسيف الدولة: وما سمعت، ولا سمع غيري، بملك مثلك، ومقتدر قبلك، ~~يبلغ مبلغك في دفع الزور عن رجل يمتحن به، ورد الكذب عن مطالب يختلق عليه. # لأن حلمك حلم لا تكلفه ... ليس التكحل في العينين كالكحل # ثم قال: وذلك لأن حلمك حلم قد طبعت عليه فما تتكلفه، وخصصت به، فما ~~تتكسبه، وحسن التكحل غير حسن الكحل، وحلم التكلف غير حلم الطبع. # وما ثناك كلام الناس عن كرم ... ومن يسد طريق العارض الهطل # العارض: السحاب، والهطل منه: الكثير المطر. # فيقول لسيف الدولة: وما ثناك عذل الناس لك، على كثرة العطاء، عن كرمك، ~~ولا أخرجوك، بتكثيرهم عليك عن خلقك، وكيف لهم بذلك وجودك كالسحاب الهطل، ~~الذي لا يرد وبله، ولا تسد طرقه؟ # PageV02P081 # أنت الجواد بلا من ولا كدر ... ولا مطال ولا وعد ولا مذل # المذل: الفترة. # ثم قال له: أنت الجواد بلا من ينقص جودك، ولا كدر يعارض ms121 فضلك، ولا مطال ~~ينازع ذلك، ولا عدة ولا تأخير ولا فترة. # أنت الشجاع إذا ما لم يطأ فرس ... غير السنور والأشلاء والقلل # السنور: السلاح، والأشلاء: بقية أجساد القتلى، واحدها شلو. والقلل: ~~الرؤوس، واحدها قلة. # فيقول لسيف الدولة: أنت الشجاع عند اشتداد القتال، وتجالد الأبطال، وسقوط ~~القتلى عن خيولهم، وانفصالهم عن سلاحهم، والخيل لا تطأ غير أشلائهم ~~ورؤوسهم، وسلاحهم وجسومهم. # ورد بعض القنا بعضنا مقارعة ... كأنه من نفوس القوم في جدل # PageV02P082 # ثم قال: والقنا يرد بعضه بعضا بتخالف الطعان، وتقارع الأقران، حتى كأنه ~~لشدة تلك المعارضة، واتصال تلك المقاومة، في جدل لا يقلع، وخصام لا ينقطع. # لازلت تضرب من عاداك عن عرض ... بعاجل النصر في مستأخر الأجل # العرض: الاعتراض من جانب. # ثم دعا لسيف الدولة، فقال: لا زلت تضرب أعداءك معترضا لهم، وتعتمدهم ~~مقدما عليهم، مكنوفا بنصر يقدمك، معصوما بأجل يستأخر بك. # PageV02P083 # وأنشد أبو الطيب هذه القصيدة سيف الدولة بحضرة جماعة، فلما بلغ إلى قول ~~أقل أنل. . . البيت، رأى من حضر يعد حروفه ويستكثرها، فأنشده: # أقل، أنل، أن، صن، آحمل، عل، سل، أعد ... زد هش، بش، هب، اغفر، أدن، # سر، صل # أن: بمعنى ارفق، فيقول: ارفق فيما تبدر إليه من فضلك، وصن بكرمك من يقصدك ~~عن قصد غيرك، وتفسير سائر البيت على ما تقدم. # فرآهم يستكثرون الحروف، ويستعظمون سرعة خاطره، فقال: # عش، آبق، آسم، سد، قد، جد ... مر، آنه، ره، فه، آسر، نل # غظ، ارم، صب، آحم، آغز، آسب، ... رع، زع، د، ل، آثن، بل. # وريت الرجل: إذا أصبت رئته، وصب: بمعنى أصب، يقال: صاب # PageV02P084 # وأصاب بمعنى، ورع: بمعنى أخف، يقال: راع يروع، بمعنى أفزع وأخاف، وزع: ~~بمعنى كف، وبل: بمعنى أمطر. # فيقول لسيف الدولة: عش منسيا عمرك، وآبق قريرة عينك، واسم بمكارمك، وسد ~~بفضائلك، وقد الجيوش إلى أعدائك، وجد بعطائك على أوليائك، ومر مسموعا أمرك، ~~وأنه غير مخالف نهيك، وره أعداءك بظهورك عليهم؛ أي أصب رئاتهم بإيجاعك لهم، ~~وفه لأوليائك بإحسانك إليهم، واسر إلى أعدائك بجيشك، ونل ما تبغيه بسعدك، ms122 ~~وغظ بظهورك من يحسدك، وارم ببأسك من يخالفك، وصب من تعتمده برميك، واحم ~~ذمارك بهيبتك، واغز الروم بجموعك، واسب بجيوشك ذراريهم، ورع بمخافتك آمنهم، ~~وزع بوقائعك متسلطهم، وأحمل الديات متفضلا بذلك، ول الأمصار مشكورا في ~~ولايتك، وآثن الأعداء عنها بحمايتك، ونل عفاتك بجودك، وأمطر عليهم سحائب ~~فضلك. # وهذا دعاء لو سكت كفيته ... لأني سألت الله فيك وقد فعل # PageV02P085 # يريد: أن جميع ما دعا به لسيف الدولة معهود منه، مضمون له، معلوم فيه، ~~فلو # أمسك عما دعا به لكان قد كفى ذلك؛ لأنه إنما سأل الله ما قد فعله، وأعمل ~~الرغبة إليه فيما قد مكنه. # PageV02P086 # فقال له سيف الدولة: أيمكن أكثر من هذا، فقال: نعم، ولكنه يغمض، فاستحسن ~~سيف الدولة ومن حضر القصيدة وما جرى، وأطنبوا في ذكره ووصفه، فقال: # إن هذا الشعر في الشعر ملك ... سار فهو الشمس والدنيا فلك # الفلك: مدار الشمس والنجوم. # فيقول: إن شعره في سائر الأشعار كالملك في الرعية؛ يعلو عليها وتتواضع ~~له، ويكبر عنها وتصغر عنه، وإنه لحسنه وبراعة وصفه، يسير مسير الشمس، ويبقى ~~بقاء الدهر، والدنيا له كالفلك للشمس، تشتمل على سيره، وتستنير ببراعته ~~وحسنه. # عدل الرحمن فيه بيننا ... فقضى باللفظ لي والمدح لك # ثم قال لسيف الدولة: عدل الرحمن فيه بيني وبينك، فقضي لي بالإبداع في ~~نظمه، وقضى لك بما تخلد من المجد في لفظه. # PageV02P087 # فإذا مر بأذني حاسد ... صار ممن كان حيا فهلك # ثم قال: فإذا مر بأذني شاعر يحسدني، أو ملك يحسدك، صار ذلك الحاسد ممن ~~كان حيا فأهلكه الحسد؛ لأنه لا يقوم للملك أمل في أن يدرك ما خلده لك مدحه، ~~ولا يقوم للشاعر أمل في أن يدرك ما خلده لي نظمه. # PageV02P088 # وحضر مجلس سيف الدولة في شوال سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة، وبين يديه ~~نارنج وطلع، وهو يمتحن الفرسان، فقال سيف الدولة لابن جش، رئيس المصيصة ~~الكاتب: لا تتوهم هذا للشرب، فقال أبو الطيب ارتجالا: # شديد البعد من شرب الشمول ... ترنج الهند أو طلع النخيل # الشمول: الخمر، سميت بذلك لأنها ms123 تشمل القوم بريحها، وترنج الهند: ~~النارنج، وطلع النخيل: أول ما ينعقد فيه من ثمرته، وتنشق عنه أغشيته، فيسمى ~~ذلك العقد حينئذ طلعا، وتسمى الأغشية المنشقة كافورا. # فيقول لسيف الدولة: ترنج الهند، وهو النارنج، أو طلع النخيل، شديد بعدهما ~~في مجلسك عن شرب الشمول، وإن كان غيرك يتخذهما لذلك؛ لأن هذه الحال غير ~~مظنونة بك، وإنما استحضارك لهما ولما يشاكلهما من الرياحين استمتاعا بحسن ~~ذلك، لا مخالفة فيه إلى ما يكره، واستجازة لما لا يحسن. # PageV02P089 # ولكن كل شيء فيه طيب ... لديك من الدقيق إلى الجليل # ثم قال، مؤيدا لما قدمه: ولكن استحضارك للنارنج والطلع، لأنهما طيبان، ~~وكل طيب في حضرتك، وغير معدوم فيما تقع عليه مشاهدتك، مما دق من ذلك إلى ما ~~جل، وما قل من ذلك إلى ما كثر. # وميدان الفصاحة والقوافي ... وممتحن الفوارس والخيول # الميدان: حيث تتسابق الخيول. # ثم قال: وكذلك لديك ميدان السباق في النظم والنثر، والتباري في الفصاحة ~~والشعر، وممتحن الفوارس والخيل بالتسابق والتجاول، والتطارد والتساجل، هذا ~~الذي تعمر به حضرتك، وتنزع إليه همتك. # PageV02P090 # وكان بالحضرة قوم، زعم بعض الرواة أن ابن خالويه اللغوي كان متملكهم، ~~فزعموا أنهم لم يفهموا مقصد أبي الطيب، وأن تعبيره قصر عن بيان ما أراده، ~~وأنكر عليه ابن خالويه ترنج، وزعم أن المعروف أترنج، فاستشهد أبو الطيب بما ~~رواه يعقوب من أن ترنجا وأترنجا مقولان، ثم قال: # أتيت بمنطق العرب الأصيل ... وكان بقدر ما عانيت قيلي # الأصل من كل شيء: الثابت، والقول والقيل: بمعنى واحد، وهذا مما جاء منه ~~فعل وفعل بمعنى، وقلبت الواو ياء في قيل؛ للكسرة التي قبلها. # فيقول: أتيت بمنطق العرب الذي لا ينكر صوابه، ولا تدفع صحته، # PageV02P091 # بل هو الأصيل الثابت، والمشهور البين، وكان قولي بقدر ما عانيت، وعلى حسب ~~ما شاهدت. # فعارضه كلام كان منه ... بمنزلة النساء من البعول # ثم قال: فعارضه كلام ساقط، وإنكار ضعيف؛ موقع ذلك الضعف من قوته، وذلك ~~السقوط من رفعته، موقع النساء من البعول، والرعية من الملك الجليل. # وهذا الدر مأمون التشظي ms124 ... وأنت السيف مأمون الفلول # التشظي: زوال شظايا الشيء؛ وهي شقفه، واحدتها شظية. # فيقول، مشيرا إلى شعره: وهذا الدر الذي لا يخاف تشظيه، ولا يمكن الاعتراض ~~فيه، وأنت تخاطب سيف الدولة؛ السيف الذي يؤمن انفلاله، ولا يخاف نبوه ولا ~~انثناؤه. # وليس يصح في الأفهام شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل # ثم قال: وليس يصح في الأفهام شيء، إذا لم يصح ما أنظمه، ويفهم ما أورده؛ ~~لأن ذلك كالنهار الذي لا تطلب الأدلة عليه، ولا تمكن أحدا المخالفة فيه. # PageV02P092 # الفاترة، وألحاظك الفتانة الساحرة، من أبصرها تمكن العشق به، ومن شاهدها ~~تزين الحب له. # وبين الرضا والسخط والقرب والنوى ... مجال لدمع المقلة المترقرق # النوى: البعد، والدمع المترقرق: الذي يجول في العين ولا ينحدر. # فيقول: وبين ما أرجوه من رضا من أحبه، وأحذره من سخطه، وما أتمناه من ~~اقترابه، وأخافه من بعده، مجال للدموع التي تستكف حذرا للرقيب، وتترقرق في ~~المقل كلفا بالحبيب. # وأحلى الهوى ما شك في الوصل ربه ... وفي الهجر فهو الدهر يرجو ويتقي # رب الشيء: مالكه والمدبر له. # ثم قال، منبها على استبصاره في حبه، واغتباطه بحاله: وأحلى الهوى وأعذبه، ~~وألذه وأطيبه، ما كان صاحبه فيه بين يأس وطمع، ومخافة وأمل، فهو يحذر الهجر ~~ويتقيه، ويؤمل الوصل ويرتجيه. # وغضبي من الإدلال سكري من الصبا ... شفعت إليها من شبابي بريق # PageV02P093 # الإدلال والصبا: معروفان، والريق: المعجب، وهو فيعل من راق يروق. # فيقول: ورب غضبي، غضب إدلال وعجب، لا غضب استكراه وسخط، في سكر من حداثة ~~السن، وتناه في الغنج والحسن، شفع لي إليها من شبابي شافع مطلب، وقابلها ~~منه رائق معجب. # وأشنب معسول الثنيات واضح ... سترت فمي عنه فقبل مفرقي # الأشنب: البراق الثغر، والواضح: الأبيض. # ثم قال: ورب أشنب، عذب مقبله، معسول ثنياته، واضح شخصه، باهر حسنه، سترت ~~فمي عنه ورعا وعفة، فقبل مفرقي كلفا وغبطة. # وأجياد غزلان كجيدك زرنني ... فلم أتبين عاطلا من مطوق # العاطل: الذي لا حلي عليه، والمطوق: الذي يتطوق بالحلي. # ثم قال: ورب أجياد غزلان كجيدك في الحسن والبهجة، ms125 والتلع. # PageV02P094 # ودخل على سيف الدولة في ذي القعدة سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة، وقد جلس ~~لرسول ملك الروم، لما ورد يلتمس الفداء، وركب الغلمان بالتجافيف، وأحضروا ~~لبوءة مقتولة، ومعها ثلاثة أشبال بالحياة، وألقوها بين يديه، فقال أبو ~~الطيب: # لقيت العفاة بآمالها ... وزرت العداة بآجالها # وأقبلت الروم تمشي إلي ... ك بين الليوث وأشبالها # إذا رأت الأسد مسبية ... فأين تفر بأطفالها # العفاة: طلاب المعروف، والليوث: الأسد، وأشبالها: أولادها، واحدها شبل. # فيقول لسيف الدولة: لقيت عفاتك بما أملوه، من جودك، وزرت عداتك بما حذروه ~~من بأسك، فأنصرت في يديك أعمارهم وقربت بزيارتك لهم آجالهم، ثم قال: وأقبلت ~~رسل ملك الروم تمشي إليك بين الأسد المقتولة وبين أشبالها المغنومة، فإذا ~~رأت الأسد لا تمتنع منك، وسبيها عليك لا يتعذر عليك، فأين تفر بأنفسها، ~~وأين تهرب بأطفالها وذريتها. # PageV02P095 # وقال أيضا، يذكر الفداء الذي التمسه الرسول، وكتاب ملك الروم الوارد معه، ~~سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة. # لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي ... وللحب ما لم يبق مني وما بقي # يقول لمحبوبته: لعينيك وما تضمنتا من السحر، وأثارتاه من كوامن الحب، ما ~~يلقاه قلبي من الوجد فيما يستأنفه، وما لقيه من قبل ذلك فيما أسلفه، وللحب ~~الذي أسلمتني إليه، واقتصرت بي عليه، ما لم يبقه السقم من جسمي مما أفنيته، ~~وما بقي منه مما أنحلته وأضنيته. # وما كنت ممن يدخل العشق قلبه ... ولكن من يبصر جفونك يعشق # ثم قال: وما كنت من الكلف بالغزل، والإقبال على اللهو واللعب، في حال من ~~يدخل العشق قلبه، ويتملك الحب أمره، ولكن جفونك # PageV02P096 # والنضرة، زرنني واصلات لي، واعتمدنني معجبات بي، فأعرضت عنهن غير متبين، ~~وغضضت طرفي دونهن غير متتبع، فلم أتبين المطوق الحالي، ولا تحققت المتبذل ~~العاطل. # وما كل من يهوى يعف إذا خلا ... عفافي ويرضي الحب والخيل تلتقي # العفاف: الكف عما لا يحل. # فيقول: وما كل من يهوى يعف عفافي في خلوته، ويبلغ مبلغي في طاعة مروءته، ~~ويرضي الحب متبارية، بظهور بأسه وشجاعة نفسه. # سقى الله أيام الصبا ما يسرها ... ويفعل فعل ms126 البابلي المعتق # البابلي: شراب نسبه إلى بابل، وهو بلد، والمعتق: القديم الاعتصار. # ثم قال، متذكرا لأيام شبيبته، وداعيا بالسقيا لمدة فتوته: سقى الله أيام ~~الصبا ما يسرها به، ولقاها ما يغبطها فيه، ويفعل بها فعل # PageV02P097 # الشراب المصفق، ويطربها إطراب البابلي المعتق. # إذا ما لبست الدهر مستمتعا به ... تخرقت والملبوس لم يتخرق # ثم قال: إذا ما لبست الدهر بطول صحبتي له، واشتملت بكثرة تصرفي فيه، بليت # قبل أن أبلي ما ألبسه، وفنيت قبل أن أفني من أصحبه، وهكذا الدهر يبلي من ~~لبسه، ويخلق من صحبه، وذكر اللبس والتخريق على سبيل الاستعارة، وهي من ~~أبواب البديع. # ولم أر كالألحاظ يوم رحيلهم ... بعثن بكل القتل من كل مشفق # يقول: ولم أر كالألحاظ يوم مفارقتي الذين ألفتهم، ولا كفعلها عند رحيل ~~الذين أحببتهم، بعثت لنا القتل مع إشفاق المديرين لها، وهاجت لنا البث مع ~~إخلاص الملاحظين بها، فأوجعت بتفتيرها غير # PageV02P098 # قاصدة، وقتلت بأسحارها غير عامدة. # أدرنا عيونا حائرات كأنها ... مركبة أحداقها فوق زئبق # ثم قال: أدرنا عيونا حائرات بمتابعة لحظها، متعبات بترادف دمعها، كأنما ~~وضعت أحداقها على الزئبق، فهي حائرة لا تسكن، ومتعبة لا تفتر. # عشية يعدونا عن النظر البكا ... وعن لذة التوديع خوف التفرق # ثم قال: عشية يعدونا عن النظر إلى من نحبه بكاؤنا لرحلته، ويمنعنا من ~~الالتذاذ بالقرب منه عند توديعه مخافتنا لفرقته. # نودعهم والبين فينا كأنه ... قنا ابن أبي الهيجاء في قلب فيلق # القنا: الرماح: واحدتها قناة، وابن أبي الهيجاء: سيف الدولة، والفيلق: ~~الكتيبة الشديدة. # فيقول: نودع من نحبه والبين يفعل بنا فيما يثيره من وجدنا، ويبعثه من ~~حزننا، كفعل رماح سيف الدولة في كتيبة تعترضه، وجماعة تقابله. # قواض مواض نسج داود عندها ... إذا وقعت فيه كنسج الخدرنق # القواضي: الصادقة، والمواضي: النافذة، ونسج داود: إشارة إلى # PageV02P099 # الدروع، والخدرنق: ذكر العناكب. # ثم وصف تلك الرماح، فقال: إنها قاضية على من تقصده، ماضية على من # تعتمده، نسج داود من الدروع، على أنها أحكمها صنعة، وأثبتها قوة، عند تلك ~~الرماح، كنسج العنكبوت في سرعة ms127 خرقها لها، ونفاذها فيها. # هواد لأملاك الجيوش كأنها ... تخير أرواح الكماة وتنتقي # الهوادي: المهتدية، والانتقاء: القصد إلى ما لا عيب فيه، والكماة: ~~الشجعان. # ثم قال: هواد لأملاك الجيوش؛ يريد: أنها عالمة بهم، ميسرة لهم، كأنها ~~تتخير أرواح الكماة على قصد، وتنتقي ملوك الجيوش على عمد. # تفك عليهم كل درع وجوشن ... وتفري إليهم كل سور وخندق # تفك: تحل، وتفري: تقطع. # فيقول: إن رماح سيف الدولة تفك على أعدائه كل درع وكل جوشن، بشدة طعن ~~فرسانه، وشجاعة أنفس أصحابه، وأنها لا يعتصم # PageV02P100 # منها بسور مدينة يعترضها، وخندق حصن يعن لها. # يغير بها بين اللقان وواسط ... ويركزها بين الفرات وجلق # اللقان: واد في بلاد الروم، وواسط: مدينة من مدائن العراق، والفرات: واد ~~بين العراق والشام، وجلق: واد في بلاد الروم. # ثم وصف بعد مغار سيف الدولة بها، وما هو عليه من كثرة الأعمال لها، فقال: ~~يغير بها على عصاة العرب وكفار العجم، ويركزها بين الأرضين، ويأمن به بأس ~~الطائفتين. # ويرجعها حمرا كأن صحيحها ... يبكي دما من رحمة المتدقق # المتدقق: المتكسر. # ثم قال: ويرجعها حمرا من دمائهم، معملة في قتلهم، كأن ما صح منها وسلم، ~~يبكي على ما اندق منها وانكسر، وكأن الدمع في ذلك البكاء ما يقطر عن تلك ~~الرماح من الدماء. # فلا تبلغاه ما أقول فإنه ... شجاع متى يذكر له الطعن يشتق # ثم يقول لصاحبيه: فلا تبلغاه ما أقول من وصف أفعاله، وطعان فرسانه، ~~فإنكما تبعثانه على ذلك؛ لأنه شجاع إذا ذكرت له الطعان اشتاق # PageV02P101 # إليها، وإذا وصفت له الحرب حرص عليها. # ضروب بأطراف السيوف بنانه ... لعوب بأطراف الكلام المشقق # البنان: أطراف الأصابع، والمشقق من الكلام: العويص الغامض. # ثم وصفه بالنفاذ في الحرابة، والعلم بوجوه الخطابة، فقال: إن يده على ~~عادة من إعمال السيوف؛ فبنانه ضروبة بظباتها، ولسانه على عادة من تصريف ~~غوامض الكلام، وهو مدرك لغاياتها. # كسائله من يسأل الغيث قطرة ... كعاذله من قال للفلك آرفق # الفلك: مدار النجوم. # ثم قال: كسائله، مع استغنائه عن سؤاله، بما يسبق إليه من نواله، ms128 من يسأل ~~الغيث قطرة يسيرة، وهو يمطر عليه سحائب غزيرة، وكعاذله، فيما طبع عليه من ~~بأسه، ويسر له من جوده، من يسألا الفلك الرفق في سيره، والخروج عما طبعه ~~الله عليه في خلقه. # لقد جدت حتى جدت في كل ملة ... وحتى أتاك الحمد من كل منطق # PageV02P102 # ثم يقول لسيف الدولة: لقد جدت حتى فاض جودك في كل أمة، وعممت به أهل كل ~~ملة، وأتاك الحمد من جميع ملوك الفرق على حسب نطقهم، وأهدوا إليك الشكر ~~بمبلغ وسعهم. # رأى ملك الروم ارتياحك للندى ... فقام مقام المجتدي المتملق # الارتياح: الطرب، والمجتدي: السائل، والمتملق: المتصنع بإظهار المحبة. # ثم قال: رأى ملك الروم ارتياحك للبذل، وبدارك إلى الإنعام والفضل، فقام ~~يسلك # مقام المجتدي لك، ويتوددك بالملق فعل المستجير بك. # وخلى الرماح السمهرية صاغرا ... لأدرب منه بالطعان وأحذق # السمهرية: الرماح الصلاب. # فيقول، مخبرا عن ملك الروم: أنه عاد بمسألة سيف الدولة، وخضع لطاعته، ~~وخلى الرماح السمهرية له، عالما بأنه أحذق منه بالطعن بها، وأدرب في ~~التصريف لها. # وكاتب من أرض بعيد مرامها ... قريب على خيل حواليك سبق # PageV02P103 # وكاتب من أرض ممتنعة عزيزة، متنائية بعيدة، إلا أن مرامها يقرب على خليك ~~السابقة، واستباحتها لا تمتنع على كتائبك الغالبة. # وقد سار في مسراك منها رسوله ... فما سار إلا فوق هام مفلق # المسرى: الموضع الذي يسار فيه بالليل. # ثم قال: وقد سار رسول ملك الروم، عند قصده لك في مواضع سراك من تلك ~~الأرض، فما سار إلا على هام للروم مفلقة، وأشلاء منهم مقطعة. يشير إلى قرب ~~عهد سيف الدولة بالإيقاع بهم، ومبالغته بالقتل فيهم، وأن ذلك أوجب خضوعهم ~~وذلتهم، واستكانتهم ورغبتهم. # فلما دنا أخفي عليه مكانه ... شعاع الحديد البارق المتألق # التألق: اللمعان. # فيقول إن رسول ملك الروم لما دنا من سيف الدولة، قابله من شعاع سلاح ~~المتزينين بحضرته، ولمعان الحديد على المتصرفين في خدمته، ما أغشاه فلم ~~يتبين مكانه، وأدهشه فلم يتحقق موضعه. # وأقبل يمشي في البساط فما درى ... إلى البحر يمشي أو إلى البدر يرتقي # PageV02P104 # ثم ms129 قال: وأقبل يمشي في بساط سيف الدولة، وقد غشيه من هيبته، وملك قلبه من # جلالته، ما لا يعرض مثله إلا لمن قصد مصمما إلى البحر، أو ارتفع مرتقيا ~~إلى البدر. # ولم يثنك الأعداء عن مهجاتهم ... بمثل خضوع في كلام منمق # التنميق: التحسين. # ثم قال لسيف الدولة: ولم تثنك الأعداء عن إتلاف مهجاتهم، وتسليط القتل ~~على جماعاتهم، بمثل الخضوع لأمرك، وتنميق الكلام في الاستجارة بفضلك، وهذه ~~حال الروم معك، ومبلغ طاقاتهم في الاستدفاع لك. # وكنت إذا كاتبته قبل هذه ... كتبت إليه في قذال الدمستق # القذال: مؤخر الرأس، والدمستق: صاحب جيوش الروم. # ثم قال لسيف الدولة، زاريا على ملك الروم: وكنت قبل استخذائه لك، ~~واستجارته بك، إذا أردت مكاتبته، كتبت إليه بما تؤثره سيوفك في قذال ~~دمستقه. وكان الدمستق قد جرح في بعض وقائع سيف الدولة على الروم (على ~~الروم)، فأشار أبو الطيب إلى ذلك، ودل به على ضرورة ملك # PageV02P105 # الروم، إلى ما أظهره من الخضوع. # فإن تعطه بعض الأمان فسائل ... وإن تعطه حد الحسام فأخلق # ثم قال لسيف الدولة: فإن تعطه بعض ما سأله من الأمان، فإنما تعطيه خاضعا ~~قد أذعن بطاعتك، وضارعا قد صرح بمسئلتك، وإن تعطه حد الحسام غير قابل ~~لمسئلته، ولا مسعف لرغبته، فما أخلقك بذلك. # وهل ترك البيض الصوارم منهم ... حبيسا لفاد أو رقيقا لمعتق # يقول لسيف الدولة: وهل تركت سيوفك من الروم حبيسا يفدي من إساره، أو ~~رقيقا يعتق من رقه، يريد: أن القتل أفنى جملتهم، واستأصل عامتهم، وأن ما ~~رغبوه من السلم لا يتلافون به من أفاته القتل، وأفناه الموت. # لقد وردوا ورد القطا شفراتها ... ومروا عليها رزدقا بعد رزدق # شفرات السيوف: حروفها، والرزدق: الصف. # ثم قال: لقد وردوا على شفرات السيوف في وقائعك عليهم، كما ترد القطا ~~مواضع شربها، ومجامع وردها، ومروا على السيوف صفا # PageV02P106 # بعد صف، وفوجا بعد فوج، مرور الطير على تلك الموارد، وتكاثرها في تلك ~~المشارب. # بلغت بسيف الدولة النور رتبة ... أنرت بها ما بين غرب ومشرق # ثم يقول: بلغت بسيف ms130 الدولة الذي هو نور في دهره، وضياء مشرق في عصره، ~~رتبة من المدح، ومنزلة من جليل الوصف، أضاءت في جميع الأرض، وأنرت بها ما ~~بين الشرق والغرب. ويقال: أنار الرجل المكان: إذا أظهر الضياء فيه. # إذا شاء أن يلهو بلحية أحمق ... أراه غباري ثم قال له الحق # ثم قال، مشيرا إلى سيف الدولة، ومعرضا بمن حوله من الشعراء: إذا شاء أن ~~يلهو بلحية أحمق يتجاوز قدره، ويفحم عليه شعره، أراه طرفا مما قيدته في ~~مدحه، وغير كثير مما نظمته في مجده، وكنى عن ذلك بقوله: (أراه غباري) على ~~سبيل الاستعارة، ثم قال له الحق هذه الغاية من الشعر، واسلك هذه الطريقة من ~~النظم، فيبين عند ذلك من عجزه ما يضحكه، ومن تقصيره ما يلهيه ويطربه. # PageV02P107 # وما كمد الحساد شيئا قصدته ... ولكنه من يزحم البحر يغرق # ثم قال: وما الإزراء على أهل الحسد منهم قصدت بما أبدعته، ولا التعجيز ~~لهم أردت فيما خلدته، ولكني في ذلك كالبحر الذي يغرق من زاحمة غير قاصد، ~~ويهلك من اعترضه غير عامد. # ويمتحن الأمير برأيه ... ويغضي على بكل ممخرق # الرأي: رأي القلب، وما يعتقده الضمير، والممخرق الذي يكذب فيما يظهره. # فيقول: ويمتحن الأمير الناس برأيه فيهم، واختياره لأمورهم، وعلمه الثابت ~~في # أحوالهم، ويغضي للممخرق إغضاء تجاوز وحلم، لا إغضاء غلط وسهو. # وإطراق طرف العين ليس بنافع ... إذا كان طرف القلب ليس بمطرق # الإطراق: السكون والإمساك عن الكلام، وطرف العين: نظرها. # ثم قال: وغض العين لطرفها، وكفها للحظها، لا ينفع المموه # PageV02P108 # المغالط، والمقصر الممخرق، إذا كان طرف القلب يلحظه بقيمته، وينظر إليه ~~بحقيقته. # فيأيها المطلوب جاوره تمتنع ... ويأيها المحروم يممه ترزق # ثم يقول: فيأيها الخائف المطلوب، والمروع المحروب، جاور سيف الدولة تمتنع ~~بعزه، وتأمن من المخاوف بما يمده عليك من ظله، ويأيها المحروم في قصده، ~~والمضيق عليه في رزقه، يممه تسعد بقصده، وتتقدم المكثرين بما يشملك من ~~فضله. # ويا أجبن الفرسان صاحبه تجتريء ... ويا أشجع الشجعان فارقه تفرق # ثم قال: ويا أجبن الفرسان وأضعفهم، صاحب هذا ms131 الملك تشجع نفسك، ويعظم ~~بأسك، وينهضك سعده، ويظفرك بالأعداء جده، ويا أشجع الشجعان وأباسهم، وأشدهم ~~وأصرمهم، فارقه يلزم الفرق طبعك، وتتداخل المخافة قلبك. # إذا سعت الأعداء في كيد مجده ... سعى مجده في جده سعي محنق # PageV02P109 # الجد: البخت، والحنق: الغيظ. # فيقول: إذا اجتهد أعداء سيف الدولة في كيد مجده، واعتراض فضله، اكتنف ~~مجده من سعده، وأحاط به من إقبال جده، ما ينهضه به إنهاض الحنق في إبطال ما ~~راموه، وتكذيب ما ظنوه. # وما ينصر الفضل المبين على العدى ... إذا لم يكن فضل السعيد الموفق # ثم قال، مؤكدا لما قدمه: وما ينصر الفضل المبين، والتقدم الظاهر على ~~الحساد والمعترضين، والأعداء المتربصين، إذا لم يقترن بذلك الفضل سعد ~~ينهضه، # ويحيط به توفيق يؤيده. # PageV02P110 # ودخل عليه، وقد رفع سلاح كان بين يديه، قد عرض عليه، وهو في ذكره ووصفه، ~~فقال له ارتجالا: # وصفت لنا ولم نره سلاحا ... كأنك واصف وقت النزال # يقول لسيف الدولة: وصفت لنا سلاحا غائبا لم نره، ومحجوبا لم نشهده، فكأنك ~~وصفت النزال بوصفه، وأخبرت عنه بذكره؛ لأن مثل ذلك الموصوف لا يعد إلا ~~للنزال، ولا يختبر إلا في القتال. # وأن البيض صف على درع ... فشوق من رآه إلى القتال # ثم قال: وذكرت أن البيض صف على الدروع، فشوق ذلك من سمعه إلى الحرب، ~~وهيجه على الطعن والضرب. # فلو أطفأت نارك تا لديه ... قرأت الخط في سود الليالي # قوله: (نارك تا لديه) تا: كلمة يشار بها إلى المؤنث الحاضر كما يشار بذا ~~إلى المذكر، فيقول لسيف الدولة: فلو أطفأت سرجك التي تستضيء بها في ليلك ~~بحضرة هذا السلاح؛ لأغناك عنها لمعانة، ولأضاء لك بريقه، حتى # PageV02P111 # تقرأ ما يخط في الصحائف في الدياجي المظلمة، والليالي السود الحالكة. # ولو لحظ الدمستق حافتيه ... لقلب رأيه حالا لحال # الدمستق: صاحب جيش الروم. # ثم قال: ولو أبصر الدمستق ذلك السلاح، ولاحظ حافيته، وأشرف بمشاهدته ~~عليه، لأفزعه إفزاعا يقلب الرأي في التخلص منه، ويعمل الحيل في الفرار عنه. # إن استحسنت وهو على بساط ... فأحسن ما يكون على ms132 الرجال # وقوله: (إن استحسنت وهو على بساط)، أراد: إن استحسنته، فحذف الهاء لقوة ~~دلالة الكلام عليها. والعرب تفعل ذلك، أنشد سيبويه في مثل ذلك: # فأقبلت زحفا على الركبتين ... فثوب نسيت وثوب أجر # PageV02P112 # يريد: نسيته وأجره، وحذف الهاء لدلالة الكلام عليها، فيقول: إن استحسنت ~~هذا # السلاح وهو على بساط، فأحسن ما يكون إذا لبسته الرجال، وأظهر فضله ~~القتال. # وإن بها وإن به لنقصا ... وأنت لها النهاية في الكمال # ثم قال: وإن بالرجال إذا خلت منك، وبهذا السلاح إذا انفصل عنك، لنقصا ~~ظاهرا وخللا بينا، وأنت للرجال والسلاح النهاية التي بها تكمل، والفخر الذي ~~به تتجمل. # PageV02P113 # وعرضت عليه سيوف فوجد فيها واحدا غير مذهب، فأمر بلإذهابه، فقال له أبو ~~الطيب ارتجالا: # أحسن ما يخضب الحديد به ... وخاضبيه النجيع والغضب # النجيع: الدم. # فيقول: أحسن ما يخضب به الحديد، وأحسن خاضبيه النجيع والغضب؛ يريد: أحسن ~~ما يخضب به الحديد النجيع، وأحسن خاضبيه الغضب، فجمع بين الخبرين والمخبر ~~عنهما، ثقة بفهم السامع. والعرب تفعل ذلك، قال الله عز وجل: (ومن رحمته جعل ~~لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله) يريد: لتسكنوا في الليل ~~ولتبتغوا من فضله في # PageV02P114 # النهار. وأشار أبو الطيب إلى الحرب؛ لأن فيها يخضب الحديد بالدم، ويكون ~~خاضبه الغضب. # فلا تشيننه بالنضار فما ... يجتمع الماء فيه والذهب # ثم قال: فلا تشيننه، يريد: الحديد بالذهب، فيطمس بريقه، ويذهب فرنده، ~~وذلك شين فيه، ونقص داخل عليه؛ لأن الإذهاب يستر ماءه، ويذهب بهاءه. # PageV02P115 # وأنفذ رجل من أهل بغداد إلى سيف الدولة أبياتا من الرحبة، ذكر أنه رآها ~~في المنام، يشكو فيها الفقر، فأجابه أبو الطيب: # قد سمعنا ما قلت في الأحلام ... وأنلناك بدرة في المنام # يقول: قد فهمنا قولك، وسمعنا حلمك، وأنلناك بدرة في النوم، وأجزلنا لك ~~الصلة في الحلم. # وانتبهنا كما انتبهت بلا شيء ... فكان النوال قدر الكلام # ثم قال: وانتبهنا كانتباهك عن حلم طارق، ووهم عارض، دون شيء تملكه، وأمر ~~تتحققه، فكان نوالنا على نحو مدحك، وجودنا على سبيل قولك. يشير إلى تسفيه ms133 ~~رأيه، وتخطئه فعله، إذ لم يجعل مدحه لسيف الدولة فرضا يقصده، وأمرا واجبا ~~يعتمده. # كنت فيما كتبته نائم العي ... ن فهل كنت نائم الأقلام # PageV02P116 # ثم يقول، زاريا عليه: كنت نائما فيما حلمته، فهل كنت نائما فيما كتبته. ~~يريد: أن كتابه مستجديا، حقيقة لا حلم، وذكر الحلم فيما قصده، يوهن رغبته، ~~ويقبح مسئلته. # أيها المشتكي إذا رقد الإع ... دام لا رقدة مع الإعدام # ثم قال: أيها المشتكي الإعدام في حلمه، والمتوجع للإقلال في نومه، ~~الإقلال يطرد النوم، والإعدام يبطل الحلم. # افتح الجفن واترك القول في النو ... م وميز خطاب سيف الإمام # ثم قال: افتح جفنك، وصحح قولك، ولا تخدع بالأحلام نفسك، وميز ما تخاطب به ~~سيف الإمام، وبقية الكرام. # الذي ليس عنه مغن ولا من ... ه بديل، ولا لما رام حامي # يقول: إن سيف الدولة الذي لا أحد يغني عنه، لعموم فضله، ولا يكون بدلا ~~منه، لجلالة قدره، ولا يحتمي عنه ما رامه؛ لسعة مقدرته عليه، # PageV02P117 # ولا يمتنع دونه؛ لنفاذ # أمره فيه. # كل آخائه كرام بني الدن ... يا ولكنه كريم الكرام # الآخاء: جمع أخ. # ثم قال: إن كرام بني الدنيا آخاء له؛ بموافقتهم إياه في رأيه، ومشابهتهم ~~له في فعله، ولكنه المبرز فيهم، والمقدم عليهم؛ لأنه كريم كرامهم، والمحتوي ~~على جميع خصالهم. # PageV02P118 # وأنفذ سيف الدولة أبياتا إلى أبي الطيب في رد مقالة العذال، وسأله ~~إجازتها، فقال: # عذل العواذل حول قلب التائه ... وهوى الأحبة منه في سودائه # العذل: اللوم، والتائه: الحائر الذي لا يهتدي لأمره، وسوداء القلب ~~وسويداؤه: قطعة دم تكون في داخله، كأنها قطعة كبد. # فيقول: إن عذل العاذل مقصور على قلبه، ملازم لمعارضته في حبه، # PageV02P119 # وقلبه مع ذلك معرض عن ذلك العذل، مشتغل عنه بأوكد الشغل، لأن هوى أحبته ~~منه في سويدائه، التي هي أخفى مواضعه، وهو فيه على أثبت بصائره. # يشكو الملام إلى اللوائم حره ... ويصد حين يلمن عن برحائه # البرحاء: شدة وهج الحر. # ثم قال: إن الملام الذي يعترض به، يشكو إلى اللوائم ما يفجؤه من حر صدره، ms134 ~~ويصد عنه لما يتبينه من برحاء قلبه. # وبمهجتي يا عاذلي الملك الذي ... أسخطت أعذل منك في إرضائه # ثم خرج إلى مدح سيف الدولة، فقال: وأفدي بمهجتي، يا أيها العاذل المكثر، ~~واللائم المسرف، الملك الذي أسخطت في الاعتلاق بحبله، والانقطاع إلى فضله، ~~من الملوك المتشبهين به، والراغبين في مآثره، # PageV02P120 # من القصد له، من كان أبصر منك بالعذل، وأهدى إلى طرق اللوم. # إن كان قد ملك القلوب فإنه ... ملك الزمان بأرضه وسمائه # ثم قال: إن كان ذلك الملك، قد ملك القلوب بإحسانه، واستعبدها بإنعامه، ~~فإنه قد ملك الزمان بأعلاه وأسفله. وكنى بأرضه وسمائه عن ذلك، يريد: أنه قد ~~ملك جملته؛ لأنه رفع من أحمله، وأغنى من أفقره، وعم الناس بإحسانه، وشملهم ~~بإنعامه. وهذا على سبيل التجوز، وما يتزيد الشعراء فيه من القول. # الشمس من حساده، والنصر من ... قرنائه، والسيف من أسمائه # ثم يقول: إن الشمس من حساد سيف الدولة، لزيادته عليها في حسنه، والنصر من # قرنائه؛ لأنه بعض ما يؤيده الله به في قصده، والسيف من أسمائه الدالة على ~~رفعته، وشيء من صفاته المعربة عن علو رتبته. # أين الثلاثة من ثلاث خلاله ... من حسنه وإبائه ومضائه؟ # الإباء: عزة النفس وشدة الأنفة. # ثم قال: أين هذه الثلاثة مع جلالة أمرها، ورفعة قدرها، من # PageV02P121 # جلال خلاله الثلاث، التي هي على نحوها لخلاله الفضل؛ لأن الشمس تطلع ~~وتغرب، والنصر يقل ويكثر، والسيف ينبو ويقطع، وحسنه ثابت لا يعدم، وعزه ~~زائد لا ينقص، ومضاؤه نافذ لا يدفع. # وهذه طريقة من المجاز يحسنها للشعراء ما يحاولونه من بلوغ غايات المدح، ~~وما يتعارف من مثلها في اللغة. # مضت الدهور وما أتين بمثله ... ولقد أتى فعجزن عن نظرائه # ثم قال: مضت الدهور السالفة، والمدد الخالية، وما أتين بمثل سيف الدولة ~~في ظهور فضله، وإحرازه غايات الكمال في جملة أمره، ثم أتى الزمان به، فعجزت ~~المدة المشتملة عليه عن أن تأتي له بنظير يشبهه، أو تعترضه بقرين يعدله. # PageV02P122 # واستزاده سيف الدولة، فقال: # القلب أعلم يا عذول بدائه ... وأحق منك بجفنه ms135 وبمائه # يقول: القلب أيها العاذل المسرف، واللائم المكثر، أعلم منك بمقدار دائه، ~~وأقعد بحقيقة أمره، وأولى بالبكاء الذي تنكره عليه، وتعذله فيه؛ لأنه يسكن ~~وجده، ويبرد حره. وجعل ذكر الجفن والماء إشارة إلى البكاء. # فومن أحب لأعصينك في الهوى ... قسما به، وبحسنه، وبهائه # ثم قال، مخاطبا لعاذله: فوحق من أحبه لأعصينك في الهوى، والتمسك به، وفي ~~الحب والإقبال عليه، قسما بما أعظمه من حقه، وأخضع له من بهائه وحسنه. # أأحبه وأحب فيه ملامة؟ ... إن الملامة فيه من أعدائه # ثم قال، أأحبه، وأحب اللوم فيه، وآلفه وآلف العذل عليه؛ إن الملامة من ~~أعدائه المخالفين، وأضداده المعترضين، وإني إذا أصغيت إليها لضعيف الرأي، ~~مضطرب الأمر. # PageV02P123 # عجب الوشاة من اللحاة وقولهم: ... دع ما نراك ضعفت عن إخفائه # اللحاة: جمع لاح، وهو اللائم. # فيقول: إن الوشاة مع شدة قسوتهم، وما هم عليه من قلة رأفتهم، عجبوا من ~~اللحاة وقولهم لمن غلبه الوجد، وملكه الحب، دع ما نراه قد غلبك فما تدفعه، ~~وضعفت عنه فما تستره، وهذا تكليف ما لا يبلغ مثله، ولا يستطاع حمله. # ما الخل إلا من أود بقلبه ... وأرى بطرف لا يرى بسوائه # ثم قال: ما النصيح المشفق، والخليل المخلص، إلا من يقل خلافه، ويحسن ~~إنصافه، فقلب خليله كقلبه فيما يوده، وطرفه كطرفه فيما يستحسنه ويحبه، ~~موافقة له على رأيه، ومساعدة له في جملة أمره. # إن المعين على الصبابة والأسى ... أولى برحمة ربها وإخائه # الأسى: الحزن، وسواء: اسم ممدود بمنزلة غير، معناه معنى سوى المقصورة. # ثم قال: إن المعين على الصبابة بالرثاية لصاحبها، والتحزن لمن # PageV02P124 # امتحن بها، أولى بالترحم لربها ومؤاخاته، وأحق بمساعدته ومصافاته. # مهلا فإن العذل من أسقامه ... وترفقا فالسمع من أعضائه # ثم يقول، مستدفعا لعاذله، ومستكفا للائمه: كهلا، فإن العذل من أسقام ~~المحب، يوجع قلبه، ويضاعف حزنه، ورفقا به، فسمعه عضو من أعضائه، يوجعه ما ~~أوجعه، ويؤلمه ما آلمه. # وهب الملامة في اللذاذة كالكرى ... مطرودة بسهاده وبكائه # هب: بمعنى ظن واحسب، أنشد الأصمعي: # فكن لي مجيرا أبا خالد ... وإلا فهبني ms136 امرءا هالكا # ثم قال: وهب الملامة مستلذة لا تستكره، ومستحسنة لا تستثقل. واحسبها تبلغ ~~في ذلك مبلغ النوم، وتحل محله، يطردها السهاد الذي طرده، ويبعدها البكاء ~~الذي أبعده. # PageV02P125 # لا تعذر المشتاق في أشواقه ... حتى يكون حشاك في أحشائه # ثم قال: لا يعذر الخلي العاشق، ولا يساوي المشتاق السالي، حتى تكون ~~أحشاؤه كأحشائه، وأحواله كأحواله، فيقاسي ما قاساه، ويشكيه ما أشكاه. # إن القتيل مضرجا بدموعه ... مثل القتيل مضرجا بدمائه # التضريح: التلطيخ. # فيقول: إن القتيل الذي يقتله الحب، ويملكه الحزن، ويتضرج بدموعه فيما ~~يستحقه من الترحم، ويستوجبه من التحنن، كالقتيل الذي تقتله السلاح، ويتضرج ~~بالدم، لا فرق بين الأمرين، ولا خلاف بين الحالين. # والعشق كالمعشوق يعذب قربه ... للمبتلى وينال من حوبائه # الحوباء: النفس. # ثم قال، مبينا لموضع العشق من النفس، واستيلائه على الرأي والعشق ~~كالمعشوق في حرص العاشق عليه، وحنينه إليه، وأنه يعذب قربه للمبتلى به، وهو ~~ينال من نفسه، ويحسن عنده، وهو يبعث على سقمه. # PageV02P126 # لو قلت للدنف الحزين فديته ... مما به لأغرته بفدائه # الدنف: المرض اللازم. # ثم قال، مؤكدا لما قدمه: لو قلت للدنف الذي قد بالغه حزنه، وأنحله سقمه، ~~فديته مما به؛ لأغرته بقولك، وأسخطته بتمنيك، اغتباطا منه بحاله، واستصوابا ~~لرأيه. # وقي الأمير هوى العيون فإنه ... ما لا يزول ببأسه وسخائه # ثم دعا لسيف الدولة، خروجا إلى المدح، ومؤكدا لما قدمه من استعظام الحب، ~~فقال: وقي الأمير هوى العيون الفاترة، فإن ذلك ما لا يعصم منه؛ بأسه وشدته، ~~وسخاؤه وكثرته. # يستأسر البطل الكمي بنظرة ... ويحول بين فؤاده وعزائه # البطل: الشجاع، والكمي: الشجاع المتغيب في سلاحه، والعزاء: الصبر. # ثم قال، واصفا لسلطان هوى العيون: يستأسر البطل الكمي بأول نظرة، ويحول ~~بين قلبه وصبره بأقل لحظة. # إني دعوتك للنوائب دعوة ... لم يدع سامعها إلى أكفائه # PageV02P127 # ثم يقول لسيف الدولة: إني دعوتك للنوائب وصروفها، وللحوادث وخطوبها، دعوة ~~لم أدع سامعها إلى كفؤه، ولا استصرخت المخاطب بها على مثله، وإنما دعوت ~~منك، يريد: سيف الدولة، الكبير للصغير، والجليل لليسير. # فأتيت من فوق الزمان ms137 ... وتحته، متصلصلا وأمامه وورائه # الصلصلة: امتداد الصوت. # ثم قال، مخاطبا له: فأتيت من فوق الزمان وتحته، ومن أمامه وورائه، يشير ~~بهذا # القول إلى إحاطة مقدرته بالزمن، وقسره له، واقتداره عليه، وأنه لا يخيف ~~من منعه، لا يجير من طلبه. # من للسيوف بأن يكون سميها ... في أصله وفرنده ووفائه # فرند: السيف: رونقه. # فيقول: من للسيوف، وهي حدائد لا تعقل، بأن يكون سيف الدولة سميها مع كرم ~~أصله، وبهاء فرنده، وتكامل وفائه، وتقصير السيوف # PageV02P128 # عنه في جميع ذلك، فمن لها بموافقته في لقبه، مع تواضعها عنه في شرفه. # طبع الحديد فكان من أجناسه ... وعلي المطبوع من آبائه # طبع الحديد: صناعته وتصييره على الهيئة المقصودة فيه. # ثم قال، مؤكدا لما قدمه من تقصير السيوف عنه: طبع الحديد وصنع، وكانت ~~السيوف صنفا من أصنافه، وجنسا من أجناسه وطبع سيف الدولة من آبائه بالشرف ~~القديم، والنسب الكريم، والنحر الصميم، فمن للسيوف بمشاكلته، وكيف لها ~~بمساواته ومماثلته. # PageV02P129 # وجاءه رسول سيف الدولة مستعجلا، ومعه رقعة فيها بيتان في كتمان السر، ~~وهما: # أمني تخاف انتشار الحديث ... وحظي في ستره أوفر؟ # ولو لم أصنه لبقيا عليك ... نظرت لنفسي كما تنظر # معناهما: يقول هذا الشاعر لمن خشيه على كشف سره، وإظهار ما كتمه من أمره: ~~أمني تخاف انكشاف سرك، وانتشار حديثك، ووفور الحظ لي في طيه وكتمه، ثم قال: ~~ولو لم أصن سرك إبقاء عليك، أو إنصافا لك، لصنته نظرا لنفسي، وإبقاء على ما ~~فيه حظي، لأن ما يلحقني من الوصمة بإذاعة السر أشد مما أتوقعه في ذلك من ~~الضر. # وسأله سيف الدولة إجازتهما، فقال: # رضاك رضاي الذي أوثر ... وسرك سري فما أظهر # PageV02P130 # يقول، لمن يخاطبه: رضاك رضاي الذي أوثره، وأبدر إليه وألزمه، وأحرص عليه، ~~وسرك سري، فكيف أظهره؟! وأمرك أمري، فكيف أضيعه؟ ! # كفتك المروءة ما تتقي ... وآمنك الود ما تحذر # ثم قال: كفتك مروءتي ما تتقيه من تضييعي لحقك، وآمنك ودي ما تحذره من ~~إفشائي لسرك. # وسركم في الحشا ميت ... إذا أنشر السر لا ينشر # أنشر الشيء: إذا أحيي. ms138 # ثم قال: وسركم ميت في الحشا بكتمه، دفين فيه بحفظه، لا يحيا إذا أحييت ~~الأسرار ولا يظهر، ولا يفشو بينها ولا يذكر. # كأني عصت مقلتي فيكم ... وكاتمت القلب ما تبصر # ثم يقول، واصفا لما هو عليه من كتم السر، وحفظ الغيب: كأني قد عصت مقلتي ~~فيكم القلب، فكاتمته ما تبصر، وساترته ما تشهد، فإذا كان بعضي يكتم عن # بعضي السر، شحا به ويستره عنه، حفظا له، # PageV02P131 # فكيف تظن بي مع غيري ممن يلتمس مني علمه، ويحاول من قبلي إدراكه؟ # وإفشاء ما أنا مستودع ... من الغدر، والحر لا يغدر # ثم قال: وإفشاء ما أودعه من السر غدر بصاحبه، وظلم لمستودعه، والحر يفي ~~ولا يغدر، وينصف ولا يظلم. # إذا ما قدرت على نطقة ... فإني على تركها أقدر # ثم يقول: إذا ما قدرت على النطق فإني أقدر على تركه، وكما أتمكن من إذاعة ~~السر، فكذلك أتمكن من حفظه. # أصرف نفسي كما أشتهي ... وأملكها والقنا أحمر # ثم قال: أصرف نفسي على ما أوثره، ولأحملها على ما أرغبه، وأملكها والقنا ~~أحمر من طعان الفرسان، متخضب من دماء الأقران، ولا أراع في تلك الوقائع، ~~ولا أحول عند تلك الشدائد. # دواليك يا سيفها دولة ... وأمرك يا خير من يأمر # دواليك: اسم يثنى على سبيل المبالغة، معناه: مداولة بعد مداولة. # PageV02P132 # فيقول لسيف الدولة: أدل الدول ناهضا بثقلها، منفردا بتدبير أمرها، ومر ~~أمرك نبدر إليه، ونحتمل عليه، يا خير آمر يأمر، وأفضل ملك يذكر. # أتاني رسولك مستعجلا ... فلباه شعري الذي أذخر # ذخرت الشيء: إذا أعددته لمهمك. # ثم قال: أتاني رسولك مستعجلا في إجازة البيتين اللذين وجهت بهما، فلباه ~~شعري الذي أذخره، وإجابه قولي الذي أتخيره. # ولو كان يوم وغى قاتما ... للباه سيفي والأشقر # الوغى: الحرب، سميت بذلك لكثرة الأصوات فيها، والقاتم: المظلم لكثرة ~~الرهج، # والقتام: الغبار. # فيقول، وهو يخاطب سيف الدولة: ولو كان إتيان كتابك إلي يوم # PageV02P133 # وغى قاتما، للباه سيفي أضرب به، وفرسي أحمل عليه، يشير إلى مسارعته في ~~نصرته، وما هو عليه من مستحكم طاعته. # فلا غفل ms139 الدهر عن أهله ... فإنك عين بها ينظر # ثم قال داعيا له: فلا غفل الزمان عن أهله بعدمهم لك، يشير إلى الموت، ~~فإنك عينه التي بها ينظر، وضياؤه الذي به يبصر. # PageV02P134 # واستبطأ سيف الدولة مدحه، وعاتبه مدة، ثم لقيه في الميدان، فأنكر أبو ~~الطيب تقصيره عما كان عودة من الإقبال إليه، والسلام عليه، فعاد إلى منزله، ~~وكتب إليه بهذه الأبيات من وقته: # أرى ذلك القرب صار ازورارا ... وصار طويل السلام اختصارا # الازورار: الميل والانحراف. # فيقول لسيف الدولة: أرى ما عهدته من استقرابك لي قد صار بعدا عنك، وطول ~~سلامك وإقبالك علي قد صار اختصارا منك. # تركتني اليوم في خجلة ... أموت مرارا وأحيا مرارا # ثم قال: تركتني اليوم في خجلة بإعراضك، وما حرمته من كريم إقبالك، تارة ~~أموت لإشفاقي من صدك، وتارة أحيا باختلاسي النظر إلى وجهك. # أسارقك اللحظ مستحييا ... وأزجر في الخيل مهري سرارا # PageV02P135 # ثم يقول: أسارقك اللحظ في الجماعة مستحييا لما حرمته من برك، وأزجر مهري ~~مستسرا لما أنكرته من أمرك. # وأعلم إذا ما اعتذرت ... إليك أراد اعتذاري اعتذارا # ثم قال: وأعلم أني إذا تعرضت للعذر، وبسطت فيه شيئا من القول، قابلت ذلك ~~بالإنكار والرد، فأواصل العذر بما لا تقبله، وأكثر القول بما لا تسمعه. # كفرت أياديك الباهرا ... ت إن كان ذلك مني اختيارا # الباهر: الغالب. # فيقول لسيف الدولة: كفرت أياديك التي تبهر الشكر، وتستغرق النشر، إن كان ~~ما أنكرته من تأخر مدحي عنك شيئا أردته، واختيارا قصدته. # PageV02P136 # ولكن حمى الشعر إلا القلي ... ل هم حمى النوم إلا غرارا # حميت الشيء: إذا منعت منه، والغرار: النوم القليل. ثم قال: ولكن حمى ~~الشعر ومنعه، إلا قليلا لا أحفل به، ومستكرها لا أنشط له، هم حمى النوم ~~وطرده، # وأبعده وشرده، فما أطعم منه إلا غرارا لا ينفع، ويسيرا لا يقنع. # وما أنا أسقمت جسمي به ... ولا أنا أضرمت في القلب نارا # ثم قال: وما أنا أسقمت نفسي بذلك الهم مختارا للسقم، ولا ألمت نفسي به ~~مؤثرا للألم، ولا أنا أضرمت في قلبي ms140 تلك الجمرة، ولا ألزمت نفسي تلك ~~اللوعة، ولكني دفعت إلى ذلك على غير قصد، وامتحنت به على غير عمد. # فلا تلزمني ذنوب الزمان ... إلي أساء وإياي ضارا # ضرت الرجل وأضررت به: بمعنى واحد. # فيقول لسيف الدولة: فلا تلزمني بالتأخر عن الشعر ذنوبا أحدثها الزمان، ~~بتعاقب خطوبه، وتكرر صروفه، فإلي أساء بكثرتها، وإياي ضار بشدتها. # PageV02P137 # وعندي لك الشرد السائرا ... ت لا يختصصن من الأرض دار # الشرد هاهنا: القصائد، واحدتها شرود، وهي التي لا تستقر في مكان. # ثم قال له: وعندي لك بعد ذلك الأشعار الشاردة بحسنها، السائرة في البلاد ~~ببراعة نظمها، لا تختص من الأرض دارا تألفها، ولا جهة تسكنها، ولكنها تسير ~~في الأرض منتقلة، وتظعن فيها على الألسن مرتحلة. # فإني إذا سرن في مقولي ... وثبن الجبال وخضن البحارا # المقول: اللسان. # ثم قال: فإني إذا سيرتها ناطقا بها، وأظهرتها مرويا لها، وثبت الجبال غير ~~متوقعة، وخاضت البحار غير متهيبة. # ولي فيك ما لم يقل قائل ... وما لم يسر قمر حيث سارا # PageV02P138 # ثم يقول لسيف الدولة: ولي فيك من بدائع الشعر، وغرائب النظم، ما لم يقل ~~مثله قائل، ولا تعاطى نظيره شلعر، وما زاد في السير على القمر، وقصر عنه ~~جميع البشر. # فلو خلق الناس من دهرهم ... لكانوا الظلام وكنت النهارا # ثم قال: فلو أن الناس خلقوا من دهرهم، وركبوا من زمانهم، لكنت كالنهار في ~~بيان فضلك، وكانوا كالظلام في تواضعهم عن قدرك. # أشدهم في ندى هزة ... وأبعدهم في عدو مغارا # هزة الندى: السرور به، والحرص عليه. # ثم قال له: أنت أشدهم في الكرم هزة، لحرصك عليه، وأبعدهم في العدو غارة، ~~بتسرعك إليه. # سما بك همي فوق الهموم ... فلست أعد يسارا يسارا # الهم والهمة بمعنى واحد، واليسار: كثرة المال. # PageV02P139 # فيقول: سمت بك همتي على الهمم، وأحرزت عندك أوفر النعم، فلست أستكثر ~~الكثير لقدرتي عليه، ولا أحفل به لتمكني فيه. # ومن كنت بحرا له يا ... علي لم يقبل الدر إلا كبارا # ثم قال له: ومن كنت يا علي بحره الذي يغترف منه، ومورده ms141 الذي يصدر عنه، ~~لم يقبل الدر إلا كبارا غريبة، ولم تقنعه إلا نفيسة جليلة. # PageV02P140 # رحل سيف الدولة من حلب إلى ديار مضر، لاضطراب البادية بها، فنزل حران، ~~فأخذ رهائن بني نمير وقشير والعجلان، وحدث له رأي في الغزو، فعبر الفرات ~~إلى دلوك، إلى قنطرة صنجة، إلى درب القلة، فشن الغارة على أرض عرقة وملطية. ~~وعاد ليعبر من درب موزار، فوجد العدو قد ضبطه عليه فرجع، وتبعه العدو فعطف ~~عليه، فقتل خلقا من # PageV02P141 # الأرمن، ورجع إلى ملطية، وعبر قباقب، وهو نهر، حتى ورد المخاض على الفرات ~~تحت حصن يعرف بالمنشار، فعبر إلى بطن هنزيط وسمنين، ونزل حصن الران، ورحل ~~إلى سميساط، فورد عليه بها من خبره أن العدو في بلد المسلمين، فأسرع إلى ~~دلوك فعبرها، فأدركه راجعا على جيحان فهزمه وأسر قسطنطين بن الدمستق، وجرح ~~الدمستق في وجهه، فقال أبو الطيب يصف الحال. أنشدها في جمادى الآخرة سنة ~~اثنتين وأربعين وثلاثمائة. # ليالي بعد الظاعنين شكول ... طوال وليل العاشقين طويل # الشكول: جمع شكل، وهو الميل. # PageV02P142 # فيقول: ليالي بعد الظاعنين من أحبتي متشاكلة في طولها، متشابهة في تعذبي ~~بها، وليل العاشقين طويل عليهم، بما يقاسونه من السهر، وما يتجدد لهم فيه ~~من الفكر. # يبن لي البدر الذي لا أريده ... ويخفين بدرا ما إليه سبيل # ثم قال: يبن لي بدر السماء الذي لا أريده، ويظهرنه ويبدينه ولا يسترنه، ~~ويخفين من أحبتي البدر الذي أحرص عليه، ولا أجد سبيلا إليه. # وما عشت من بعد الأحبة سلوة ... ولكني للنائبات حمول # ثم يقول: وما عشت من بعد الأحبة ساليا عن ذكرهم، ولا خاليا من حبهم، ~~ولكني حمول للنائبات، صبور على الخطوب الموجعات. # وإن رحيلا واحدا حال بيننا ... وفي الموت من بعد الرحيل رحيل # ثم قال: وإن رحيلا واحدا غير مضاعف، ومفردا غير مردد، حال بيني وبينهم، ~~وأياسني من قربهم، وفي الموت الذي أباشره بفقدهم، وأشرف عليه من بعدهم، # رحيل يشفع رحيلهم، وبعاد يضاعف بعادهم، ولا دار أبعد من القبر، ولا سبب ~~أقطع من الموت. # إذا كان شم ms142 الروح أدنى إليكم ... فلا برحتني روضة وقبول # الروح: نسيم الريح الشرقية. # ثم يقول، مقبلا بالخطاب على أحبته: إذا كان شم الروح أقرب الأشياء # PageV02P143 # منكم، وأقعدها بالدنو إليكم، وتيقنت أن الرياض في تبديكم ومنازلكم، ~~والمياه التي تقاربها مواردكم، لما يوجب لكم علو الحال من الحلول في كرائم ~~الأرض، فلا برحتني روضة تذكرني منزلكم، وقبول أتنسم منها ريح أفقكم. وأشار ~~بذكر القبول إلى أن رحلة أحبته كانت إلى جهة المشرق. # وما شرقي بالماء إلا تذكرا ... لماء به أهل الحبيب نزول # الشرق: الاختناق. # ثم قال: وما أشرق بالماء إلا لعلمي أن أهل الحبيب الراحلين به، وقومه ~~الحافظين له، يعتمدون ماء ينزلونه، ويستقرون بمنهل يحلونه، فيهيج لي الماء ~~تذكر حلوله، وأغص به أسفا على رحيله. # يحرمه لمع الأسنة فوقه ... فليس لظمآن إليه وصول # ثم قال، واصفا لموضع من يحبه من الرفعة، وما هو بسبيله من العز والمنعة: ~~يحرم هذا الماء الذي يرده لمع أسنة قومه المحتلين به، وامتناع # PageV02P144 # جهتهم، واحتداد شوكتهم، فليس لظمان وصول إليه، ولا لوارد طمع فيه، وأشار ~~بهذا إلى أن من يحبه ممنوع منه، محجوب على القرب والبعد عنه. # أما في النجوم الساريات وغيرها ... لعيني على ضوء الصباح دليل # السرى: مشى الليل، فاستعار ذلك للنجوم، فيقول، مشتكيا لسهره، وما هو عليه ~~من شدة كمدة: أما في النجوم السارية وغيرها مما يعرف به أوقات الليل، دليل ~~لعيني # على ضوء الصباح وتدانيه، وانصراف الليل وتقضيه. # ألم ير هذا الليل عينيك رؤيتي ... فتظهر فيه رقة ونحول # ثم قال: مخاطبا لمحبوبته: ألم ير هذا الليل الجليل خطبه، المتصل طوله، ~~عينيك رؤيتي لهما، ويشهد ما شهدته من سحرهما، فيقل منه ما كثر، ويقصر ما ~~اتصل، ويرق لمن سحرتاه، ولاقي من الضعف والسقم ما ألقاه. # لقيت بدرب القلة الفجر لقية ... شفت كمدي والليل فيه قتيل # درب القلة: موضع في بلاد الروم. # PageV02P145 # فيقول: لقيت بهذا الموضع الفجر لقية على حال من البهجة، وسبيل من الغبطة، ~~شفت كمدي بتطاول الليل، وأظهرتني عليه بالخروج عنه، وهو كالقتيل الذي قد ~~انقضت ms143 مدته، وسقطت عمن يحذره مئونته. # ويوما كأن الحسن فيه علامة ... بعثت بها والشمس منك رسول # ثم قال لمحبوبته مخاطبا: ولقيت بهذا الموضع يوما تلا هذه الليلة تناهت ~~بهجته، وراق منظره، حتى كأن حسنه حسن علامة توجهينها، وكأن الشمس فيه رسول ~~يقدم عنك بها، فجعل صفة هذا اليوم سببا للترفع لمحبوبته، وإبانة عن جلالة ~~قدرها، وعلو محلها. وخرج إلى المدح بألطف سبيل، ووصل إليه أحسن وصول. # وما قبل سيف الدولة اتار عاشق ... ولا طلبت عند الظلام ذحول # اتأر الرجل: إذا أدرك ثأره، وهو افتعل من الثأر، فأبدل من الثاء تاء ~~لتقارب مخرجهما من الفم، ثم أدغم إحدى التائين في الأخرى، فقال اتأر. # فيقول: وما قبل سيف الدولة، وقبل ما أبداه من الفضل، وأظهره من # PageV02P146 # غرائب الفعل، أدرك عاشق في الحب ثأره، ولا طلب عند الليل الطويل ذحله. # ولكنه يأتي بكل غريبة ... تروق على استغرابها وتهول # الهول: المخافة. # ثم قال: ولكن سيف الدولة يأتي بكل غريبة في مجده، وبكل نادرة في كرمه، ~~فيروق ذلك ويعجب، ويهول ويفزع، ويسلي من شهده عما سواه، وينسيه ما لقيه ~~وقاساه. # رمى الدرب بالجرد الجياد إلى العدى ... وما علموا أن السهام خيول # الدرب: المدخل إلى أرض العدو، والجرد: الخيل القصيرة شعر الجلود، وذلك ~~فيها من شواهد الكرم. # فيقول: إن سيف الدولة رمى الدرب، درب الروم، مقدما عليهم، وغازيا إليهم، ~~بكتائب خيله، ومواكب جيشه، فسارت كالسهام مسرعة، ونفذت نفاذها مصممة، ولم ~~تعلم الروم قبل ذلك # PageV02P147 # أن من الخيل ما يفعل مثل هذا الفعل، ولا أن منها من يسير مثل هذا السير. # شوائل تشوال العقارب بالقنا ... لها مرح من تحته وصهيل # الشوائل: التي ترفع أذنابها عند الجري، وذلك فيها من دلائل القوة، ~~والمرح: لعب يبعثه النشاط، والصهيل: معروف. # ثم قال: شوائل بالرماح عند دفع الفرسان لها، وتسديدهم للرماح عليها، ~~تشوال العقارب؛ يشير إلى سرعة سيرها، وكثرة جريها، ورفعها لأذنابها في ذلك ~~الجري، وذلك في الخيل من دلائل قوة ظهورها؛ لأن ذلك التشوال أكثر ما يكون ~~من الخيل في حين ms144 الجري، ثم دل على نشاطها بمرحها، وعلى عزة أنفسها بصهيلها. # وما هي إلا خطرة عرضت له ... بحران لبتها قنا ونصول # حران: مدينة من مدائن الموصل، والتلبية: الإجابة، والقنا والنصول: معروف. # ثم قال: وما كانت هذه الغزوة إلا خطرة عرضت لسيف الدولة # PageV02P148 # بحران، يشير إلى أنها كانت مع جلالتها عن بديهة، وأنه أنفذها مع احتفالها ~~عن غير روية، فلبتها # القنا والنصول، واقترن بها الصنع الجميل. # همام إذا ما هم أمضى همومه ... بأرعن وطء الموت فيه ثقيل # الهمام: الملك، وهم: بمعنى أراد، والهموم: الإرادات، والأرعن: الجيش ~~الكثير الفضول، له رعون كرعون الجبال، والرعن: أنف الجبل. # فيقول لسيف الدولة: أيها الملك الذي ما هم به فعله، وما أراده أنفذه، ~~بجيش حافل، وجمع غالب، تقدمه إلى الأعداء حتوفهم، ويقصدهم فيه هلاكهم، ~~ويطؤهم الموت به أثقل وطأة، ويصرعهم أشد صرعة. # وخيل براها الركض في كل بلدة ... إذا عرست فيها فليس تقيل # براها: أهزلها، والتعريس: النزول في آخر الليل، والقائلة: معروفة. # ثم قال: وخيل يتضمنها ذلك الجيش، براها ما يحملها سيف الدولة من الركض، ~~وما يكلفها من السير في بلاد يقتحمها إلى العدو، ويعرس # PageV02P149 # فيها ولا يقيل، ويسير ولا يريح. # فلما تجلى من دلوك وصنجة ... علت كل طود راية ورعيل # تجلى: ظهر، ودلوك وصنجة: بلدان من بلاد الروم، والطود: الجبل، والرعيل: ~~الجماعة من الناس. # ثم قال: فلما طلع سيف الدولة من دلوك وصنجة، انتشرت جيوشه، وبدت له في كل ~~جبل راية ماثلة تتلوها جماعة ناهضة. # على طرق فيها على الطرق رفعة ... وفي ذكها عند الأنيس خمول # ثم يقول: إن هذا الجيش سلك إلى الروم على طرق كانت ممتنعة لا تسلك، ~~ومجهولة لا تعرف، فكانت مرتفعة على الطرق، متشرفة على سائر السبل، وفي ~~ذكرها عند الناس خمول، لجهلهم بها، وقلة سلوكهم لها. # فما شعروا حتى رأوها مغيرة ... قباحا وأما خلقها فجميل # ثم قال: فما شعرت الروم حتى رأوا هذه الخيل قاصدة إليهم، ومغيرة عليهم، ~~قباحا في أعينهم، لصنيعها فيهم، وهي مع ذلك مطهمة في خلقها، متناهية في ms145 ~~تمام حسنها. # PageV02P150 # سحائب يمطرن الحديد عليهم ... فكل مكان بالسيوف غسيل # ثم وصفها بالكثرة، فقال: سحائب تمطر الحديد عليهم، وتعمل السلاح فيهم، ~~فكل مكان تغسله السيوف؛ بما تسفكه من الدم، وتغشاه بما تحدثه من القتل. # وأمسى السبايا ينتحبن بعرقة ... كأن جيوب الثاكلات ذيول # الانتحاب: البكاء، وعرقة: موضع في بلاد الروم. # فيقول: وأمسى سبايا الروم بعرقة؛ هذا الموضع، ينتحبن باكيات، ويعولن ~~متفجعات، قد شققن جيوبهن، ومزقن ثيابهن، فعادت جيوبهن ذيولا تسحب، وكانت ~~مصونة تحفظ. # وعادت فظنوها بموزار قفلا ... وليس لها إلا الدخول قفول # موزار: موضع في بلاد الروم. # ثم قال: وعادت خيول سيف الدولة، فظنها الروم قفلا منصرفة بموزار، هذا ~~الموضع، وليس لها قفول إلا الدخول إليهم، والاقتحام عليهم، فكانت عودتها ~~إلى موزار لخلاف ما ظنوه، ولغير ما احتسبوه. # PageV02P151 # فخاضت نجيع الجمع خوضا كأنه ... بكل نجيع لم تخضه كفيل # النجع: الدم، والكفيل: الضامن. # فيقول: فخاضت هذه الخيل بموزار دم الجمع، الذي أوقعت به من الروم، خوضا ~~كأنه تكفل بظاهر الغلبة فيه، واقتران النصر به، بما خاضته بعد ذلك من ~~دمائهم، وهزمته من جيوشهم. # تسايرها النيران في كل مسلك ... به القوم صرعى والديار طلول # المسلك: الطريق، والطلول: ما بقي من آثار الديار وأشرف منها. # ثم قال: تساير هذه الخيل هذه النيران التي تضرمها في ديار الروم في كل ~~مسلك أهله صرعى بالقتل، ومنازله طلول بالخراب. يشير إلى ما أحدثته هذه ~~الخيل في بلاد الروم من إحراق نعمهم، وهدم ديارهم، وكثرة القتل فيهم. # وكرت فمرت في دماء ملطية ... ملطية أم للبنين ثكول # PageV02P152 # ملطية: مدينة من مدائن الروم. # فيقول: وكرت هذه الخيل، فمرت في دماء أهل ملطية، وأخبر عن البلد كما يخبر ~~عن أهله، والعرب تفعل ذلك. قال الله عز وجل: (وسئل القرية) يريد أهل ~~القرية. فيقول إنها خاضت تلك الدماء سافكة لها، مستبلغة بالقتل في أهلها، ~~ثم قال: ملطية، هذه المدينة، ثكول لأهلها، مفجعة بالقتل على من سكنها، ~~وأشار بالأم والبنين إلى ذلك على سبيل الاستعارة. # وأضعفن ما كلفنه من قباقب ... فأضحى كأن الماء ms146 فيه عليل # قباقب: واد في بلادهم، والثكول: التي تفقد بنيها. # ثم قال: وأضعفت هذه الخيل قباقب، هذا النهر، عند عبوره؛ بشدة تزاحمها ~~فيه، وكثرة ترادفها عليه، فأضحى ماؤه كالعليل الساقط القوة، والمغلوب ~~الضعيف المنة. # ورعن بنا قلب الفرات كأنما ... تخر عليه بالرجال سيول # الفرات: نهر عظيم معروف. # PageV02P153 # فيقول: وراعت بنا هذه الخيل قلب الفرات وذعرته، وأخافته وأفزعته، حتى ~~كأنما تخر عليه من جماعات الرجال، ومواكب الخيول، سيول طارقة، وأمواج بحر ~~متلاطمة، وجعل للفرات قلبا على سبيل الاستعارة. # يطارد فيه موجه كل سابح ... سواء عليه غمرة ومسيل # السابح: الفرس الذي يمد يديه في الجري، وغمرة الماء: مجتمعة، والمسيل: ~~مجرى ماء المطر. # ثم قال: يطارد موج هذا النهر كل سابح من الخيل، سواء عنده منه الغمرة ~~والمسيل، والكثير والقليل. يشير إلى ما هذه الخيل عليه من شدة الأسر، وما ~~بلغته من قوة الخلق. # تراه كأن الماء مر بجسمه ... وأقبل رأس وحده وتليل # التليل: العنق. # ثم قال: ترى ذلك السابح في الفرات، بكثرة مائه، وتعذر خوضه، وقد استتر ~~جسمه، وخفي أكثره، حتى كأن الماء مر به، فلم يبق منه إلا القليل، ولا ظهر ~~إلا الرأس والتليل. # وفي بطن هنزيط وسمنين للظبا ... وصم القنا ممن أبدن بديل # PageV02P154 # هنزيط وسمنين: موضعان في بلاد الروم، والبطن: ما انخفض من الأرض. # فيقول: وفي بطن هنزيط وسمنين، هذين (الموضعين)، للسيوف والرماح بديل ممن ~~قتلنه، وعوض ممن أتلفنه، يريد: أن وقائع هذه الخيل، من هذين الموضعين، ~~متصلة على الروم، فكلما عمرتها منهم طائفة أفنتها هذه الخيل بوقائعها، ~~وإغارتها عليهم. # طلعن عليهم طلعة يعرفونها ... لها غرر ما تنقضي وحجول # الغرر: معروفة، والحجول: بياض في قوائم الخيل. # ثم قال: طلعت هذه الخيل على من ألفته في هذين الموضعين من الروم طلعة قد ~~عرفوا مثلها، وعهدوا ما يشبهها لها، بجلالتها وعظمها، وشهرتها غرر لا تخفي ~~بها، وحجول لا تستتير معها. # تمل الحصون الشم طول نزالنا ... فتلقي إلينا أهلها وتزول # PageV02P155 # الحصون الشم: المستعلية. # فيقول: تمل الحصون الممتنعة مداومتنا لقتالها، وملازمتنا لحصارها، فتسهل ~~لنا ms147 الظفر بأهلها، ولا تمتنع عما نحاوله من هدمها، وتصبح كالزائلة بتغير ~~بنيتها، واستحالة هيئتها. # وبتن بحصن الران رزحي من الوجى ... وكل عزيز للأمير ذليل # حصن الرام: من حصون الروم، والرزحي: القائمة عن أعياء وكلال، والوجى: ~~الحفي. # ثم قال: وباتت خيل سيف الدولة بحصن الران رزحي متوجئة، بما لاقته من ~~سفرها، وما عاينته من شدة تعبها، وقد خضع ملك الروم لسيف الدولة، فذل ~~عزيزهم، ودان منيعهم، واعترف بعبوديته صغيرهم وكبيرهم. # وفي كل نفس ما خلاه ملالة ... وفي كل سيف ما خلاه فلول # ثم قال: وفي كل نفس من نفوس الجيش ملالة، لطول هذه الغزوة وكثرة وقائع ~~هذه السفرة، ما خلا سيف الدولة، فإنه لا يهن ولا # PageV02P156 # يفتر، ولا يمل ولا يكسل، وكذلك سيف في ذلك الجيش، فله الضراب، وأوهنه ~~الجلاد، وهو السيف الذي لا ينبو عن ضريبة، ولا يضيق بحمل عظيمة. # ودون سميساط المطامير والملا ... وأودية مجهولة وهجول # سميساط: بلد من بلاد الروم، والمطامير: حفر غائرة في الأرض، واحدتها ~~مطمورة، والملا: الفلاة، والهجول: جمع هجل، وهو ما أطمأن من الأرض واتسع. # فيقول: ودون سميساط التي حل جيش سيف الدولة فيها؛ ما اعترضهم من المطامير ~~التي سلكوا بينها، والفلاة التي قطعوا بعدها، وما سلكوا بعد ذلك من الأودية ~~المجهولة، والهجول المتصلة. # لبسن الدجى فيها إلى أرض مرعش ... وللروم خطب في البلاد جليل # مرعش: حصن من حصون الروم، ورد فيه الخبر على سيف الدولة بخروج الروم إلى ~~بلاد الإسلام، فأبعتهم وأوقع بهم. # PageV02P157 # ثم قال: إن خيل ذلك الجيش لبست الدجى في هذه المواضع، وهي تسري إلى العدو ~~وتسرع، وتخب نحوهم وتوضع، حتى أتت أرض مرعش، وخطب الروم في البلاد جليل ~~مستشنع، ومخوف متوقع. # فلما رأوه وحده قبل جيشه ... دروا أن كل العالمين فضول # الفضول: الزوائد. # فيقول: إن الروم لما رأوا سيف الدولة يقدم جيشه، ويقود جمعه، دروا أن ~~العالمين بعده فضول زائدة، ونوافل ساقطة، وأنه يستغني بنفسه، ولا يفتقر إلى ~~جيشه. # وأن رماح الخط عنه قصيره ... وأن حديد الهند عنه كليل # الكليل: الذي ms148 لا يقطع. # ثم أكد ذلك، فقال: ودروا أن رماح الخط تقصر عنه، لإحجام حاملها عن ~~موافقته، وحديد الهند ينبو عنه، لجزع الضاربين به عن مجالدته. يشير إلى ~~إحجام الفرسان عنه، واعتصامهم بالفرار منه. # فأوردهم صدر الحصان وسيفه ... فتى بأسه مثل العطاء جزيل # PageV02P158 # الحصان: الفحل من الخيل. # فيقول، مشيرا إلى لحاق سيف الدولة بالروم، وإيقاعه بهم: فصيرهم موردا ~~لصدر حصانه، ونهبة لحد سيفه، فتى بأسه شديد بالغ، كما أن عطاءه كثير شامل، ~~فبأسه يماثل جوده، وإقدامه يشاكل فضله. # جواد على العلات بالمال كله ... ولكنه بالدارعين بخيل # الغلات: العوائق، والجزيل: الكثير. # ثم قال، مشيرا إليه: جواد على العلات المانعة، والعوائق المعترضة بضروب ~~ماله كله، لا يستأثر بشيء من ذلك ولا يدخره، ولا يمسكه ولا يستكثره، ولكنه ~~ضنين بفرسانه، بخيل أشد البخل بأصحابه. # فودع قتلاهم وشيع فلهم حزون البيض فيه سهول # الحزون: جمع حزن، وهو ما غلظ من الأرض، والفل: المنهزم، والبيض: معروفة. # فيقول، مخبرا عن سيف الدولة: فودع قتلى الروم عند تركهم، # PageV02P159 # وشيع فلهم عند طلبهم، بضرب شديد، وجلاد وكيد، يكسر البيض في رؤوس الفرسان ~~ويسحقها، ويحطها ويبسطها، ويجعل ما نتأ منها وارتفع، كما انخفض واتضع. ~~وطابق بين التوديع والتشييع، والحزون والسهول، واستعار الحزون والسهول من ~~البيض، مبدعا بجميع ذلك. # على قلب قسطنطين منه تعجب ... وإن كان في ساقيه منه كبول # ثم قال: على قلب قسطنطين بن الدمستق، أمير جيش الروم، من ذلك الضرب تعجب ~~شاغل، وتروع غالب، وإن كان لا يستنكر ذلك منه، وهو الذي أصاره إلى الأسر، ~~وأودع حلق الكبل. # لعلك يوما يا دمستق عائد ... فكم هارب مما إليه يؤول # ثم يقول للدمستق؛ صاحب جيش الروم: لعلك عائد إلى مواقفة سيف الدولة، ~~فيوردك القتل الذي فته بهربك، ويحيق بك الهلاك الذي استدفعته بفرارك، فرب ~~هارب مما يؤول إليه، ومتخلص مما يورطه الحين فيه. # PageV02P160 # نجوت بإحدى مهجتيك جريحة ... وخلفت إحدى مهجتيك تسيل # ثم قال، مخاطبا للدمستق: أنت وابنك كالشيء الواحد، ومهجتاكما كالمهجة ~~المفردة، فإن كنت نجوت بمهجتك بعد الجرح الذي نالك، ms149 وخزي الفرار الذي # لحقك، فقد تركت مهجتك الثانية في قبض الأسر سائله، ولحقيقة الهلاك ~~مباشرة، فما أدرك ابنك فقد أدركك، وما لحقه فقد لحقك. . # أتسلم للخطية ابنك هاربا ... ويسكن في الدنيا إليك خليل # ثم يقول للدمستق: أتسلم ابنك للرماح هاربا عنه، وتتركه في قبضة الأسر ~~متبرئا منه، ويسكن بعد ذلك إليك خليل تألفه، وتسر بعيش تستأنفه؟ # بوجهك ما أنساكه من مرشة ... نصيرك منها رنة وعويل # المرشة: (الجراحة) التي يندفع منها الدم، والرنة: رفع الصوت بالبكاء، ~~والعويل: البكاء. # ثم قال، زاريا عليه: بوجهك من الجراحة المرشة التي لحقتك، والالآم ~~الموجعة التي لازمتك ما أنساك فقده، وسهل عليك أمره، ونصيرك من ذلك الإعلان ~~بالرنين، والملازمة للعويل. # PageV02P161 # أغركم طول الجيوش وعرضها! ... علي شروب للجيوش أكول # يقول، مخاطبا للروم: أغركم احتفال جيوشكم، وكثرة عددكم، والجيوش لعلي سيف ~~الدولة، كالغذاء الذي يتقوت به، ويتحكم في استعماله له، فهو يشرب الجيوش ~~ويأكلها، ويتلفها ويهلكها. وذكر الشرب والأكل على سبيل الاستعارة. # إذا لم تكن للبث إلا فريسة ... غذاه ولم ينفعك أنك فيل # الفريسة: ما اختلسه الأسد من الحيوان، فدق عنقه، والفرس: دق العنق، ~~والليث والفيل: معروفان. # ثم قال: إذا كنت فريسة لليث يأكلك، ويتقوتبك، وكنت فيلا من عظمك، غذاة ~~أنك فيل وأشبعه، وسره ضخمك ووافقه، ولم ينفعك أنت عظم خلقك، ولا عصمك من ~~الأكل ضخامة جسمك، وإنما ضرب هذا مثلا للروم، وما كانوا عليه من الكثرة، ~~وغلبه سيف الدولة لهم مع القلة. # إذا الطعن لم تدخلك فيه شجاعة ... هي الطعن لم يدخلك فيه عذول # PageV02P162 # ثم قال: إذا الطعن لم يحملك عليه، ولا يدخلك فيه، شجاعة هي الطعن، وبها ~~يكون البطش والفعل، لم يدخلك فيه عاذل يعذلك على الجبن، ويستقصرك في قبيح ~~الفعل؛ لأن الخلق غالبة، والطبائع للإنسان لازمة. # فإن تكن الأيام أبصرن صوله ... فقد علم الأيام كيف تصول # الصولة: حملة الباطش. # فيقول: فإن تكن الأيام أبصرت بطش سيف الدولة وصوله، ووقائعه وفعله، فقد ~~علمها من ذلك ما لم تعلمه، وكشف لها ما تعرفه، ونهج لها سبيل الصول ms150 ~~والقدرة، ونبهها على حقائق الغلبة، مع أن هذه الأحوال إلى الأيام تنسب، ~~وآثارها فيها تمثل. # فدتك ملوك لم تسم مواضيا ... فإنك ماضي الشفرتين صقيل # المواضي: السيوف. # ثم قال لسيف الدولة: فدتك ملوك تروم مشابهتك، ولم تسم سيوفا مواضي، ~~فتماثلك في اسمك، وتعادلك في قدرك، فإنك السيف اسما # PageV02P163 # وحقيقة، وتلقبا وخبرة، ماضي الشفرتين، صقيل الصفحتين. # إذا كان بعض الناس سيفا لدولة ... ففي الناس بوقات لها وطبول # البوقات والطبول: معروفة. # ثم قال: إذا كانت صفات الناس معربة عنهم، وأسماؤهم مبينة لهم، ونسبوا إلى ~~الدولة بحسب مواضعهم منها، وأقدارهم فيها، فسيفها في أرفع منازلها، وأجل ~~مراتبها، ومنهم لا محالة من يحل فيها محل البوقات والطبول التي تتخذ ~~للتهويل والشنعة، ولاحظ لها في العلو والرفعة. يشير إلى محل المتصرفين في ~~الدولة من علي بن حمدان، محل البوقات والطبول من السيف الصارم الصقيل، ~~واسمه على # ذلك دليل قاطع، وشاهد صادق. # أنا السابق الهادي إلى ما أقوله ... إذ القول قبل القائلين مقول # ثم يقول: أنا السابق إلى ما أبدعه في القول، الهادي إلى ما أغرب به من ~~الشعر، لا اهتدي في ذلك بمن سبقني بعمره، وفاتني بتقدم عصره، إذ كان غيري ~~من القائلين لا يخرج عما قيل قبله، ولا يورد إلا ما قد قاله غيره. # PageV02P164 # وما لكلام الناس فيما يريبني ... أصول ولا للقائليه أصول # ثم قال: وما لكلام حاسدي من الناس فيما أستريبه منهم، ويتصل بي عنهم، ~~أصول ثابتة في الصدق، كما أن ما للقائلين بذلك أصول ثابتة في الفضل، ~~فسقوطهم في أقوالهم كسقوطهم في أحوالهم. وهذه العبارة وإن زادت على لفظه، ~~فهي مفهومة من حقيقة قصده. # أعادي على ما يوجب الحب للفتى ... وأهدأ والأفكار في تجول # ثم يقول، مخبرا عن نفسه، ومتشكيا للمغترين بحسده: أعادي على ما أنفرد به ~~من الفضل، وأبدعه في صناعة الشعر، مع الإنصاف (الذي) يوجب الحب، ويكسب ~~المصافاة والود، وأهدأ منطويا على سلامة الصدر، ومجانبة الحسد والضغن، ~~وأفكار حاسدي في جائله، وأنفسهم متشاغلة. # سوى وجع الحساد داو فإنه ... إذا حل في ms151 قلب فليس يحول # ثم قال على سبيل المثل: غير ما يصطنعه الحاسد، فداوه بلطفك، # PageV02P165 # وتعلقه بحلمك، وأما وجع الحسد فلا طمع فيه، ولا سبيل للعلاج عليه؛ لأنه ~~إذا حل في قلب المتخلق به، ثابت لا يحول، ودائم لا يزول. # ولا تطمعن من حاسد في مودة ... وإن كنت تبديها له وتنيل # ثم قال: ولا تطمعن، ممن تتيقن حسده، في صدق مودة، وخلوص محبة، وإن أظهرت ~~ذلك والتزمته، وأبديته واعتقدته، وبذلت له مع ذلك النيل والمشاركة، # والبر والمكارمة، فالحسد داء لا يبرأ منه، وخلق لا ينفصل صاحبه عنه. # وإنا لنلقى الحادثات بأنفس ... كثير الرزايا عندهن قليل # يقول، مخبرا عما هو عليه من الصبر وقلة الجزع لحوادث الدهر: وأنا لنلقي ~~الحادثات بأنفس صابرة، وعزائم ثابتة، تستقل الرزايا الكثيرة، وتحتقر الخطوب ~~الجليلة. # يهون علينا أن تصاب جسومنا ... وتسلم أعراض لنا وعقول # ثم قال: يهون علينا أن تصاب جسومنا في الحرب، وأن تتعرض # PageV02P166 # للجراح والقتل، إذا كانت أعراضنا وافرة، عقولنا من الخطأ سالمة. # فتيها وفخرا تغلب ابنة وائل ... فأنت لخير الفاخرين قبيل # تغلب وبكر ابنا وائل بن قاسط، ومن ولديهما الجمهور الأعظم من ربيعة بن ~~نزار، وأنث تغلب؛ لأنها قبيلة؛ ومنهم رهط سيف الدولة. فيقول لتغلب؛ هذه ~~القبيلة: فتيهي تهيا، وافخري فخرا، فأنت لسيف الدولة قبيل، وهو خير ~~الفاخرين، وأكرم من يرفع به من الأكرمين. وحذف الفعلين في قوله: (فتيها ~~وفخرا)؛ لدلالة المصدرين عليهما. # يغم عليا أن يموت عدوه ... إذا لم تغله بالأسنة غول # الغول: الإهلاك، والغول: المنية. # ثم قال: يغم عليا، يريد: سيف الدولة، أن يموت عدوه حتف أنفه، مع ما في ~~ذلك له من الكفاية، وبلوغ الرغبة، وسقوط المؤونة، إذا لم تغله أسنته، وتحيط ~~به مقدرته، وتهلكه وقائعه؛ لأنه على يقين من الظفر به، فإذا أفاته الموت ~~ساءه ذلك. وظنه شيئا سبق إليه، ومنع من بلوغ المراد فيه. # PageV02P167 # شريك المنايا والنفوس غنيمة ... فكل ممات لم يميته غلول # الغلول: ما أخذ على سبيل الخيانة من الفيء. # ثم قال: هو شريك المنايا بكثرة ما يحدثه ms152 من القتل، ويتلفه من النفوس في ~~الحرب، والنفوس له كالغنائم المحتازة، والأنهاب المتملكة، فكل ممات لا يشرك ~~المنايا فيه، فهو كالغلول المأخوذة على غير وجوهها، والأمور المقصودة على ~~غير سبيلها. يشير إلى كثرة وقائعه، واتصال ملاحمه. # فإن تكن الدولات قسما فإنها ... لمن ورد الموت الزؤام تدول # الدولة: مدة الظفر، ودولة السلطان من ذلك، وهي بمعنى المصدر، ويقال دالت ~~لفلان دولة فهي تدول. والموت الزؤام: العاجل. # فيقول: فإن تكن الدولات أقساما تستحق، وحظوظا تستوجب، فإن أحق من كانت له ~~فتملكها، وأسعدته فانفرد بها، من ورد الموت الزؤام غير متهيب، وأقدم عليه ~~غير متوقع. # PageV02P168 # لمن هون الدنيا على النفس ساعة ... وللبيض في هام الكماة صليبل # الكماة: الشجعان، والبيض: السيوف، والصليل: امتداد الصوت. # ثم أكد ذلك، فقال: لمن هون الدنيا على نفسه ساعة، والأبطال تتجالد، وكؤوس ~~الموت تتنازع، وأحكام السيوف بين الفرسان نافذة، وأصواتها في رؤوس الشجعان ~~عالية. # PageV02P169 # ودخل عليه يوما يعوده من علة وجدها، وقد كان عاتبا عليه لتأخر مدحه عنه، ~~فقال له. # بأدنى ابتسام منك تحيا القرائح ... وتقوى من الجسم الضعيف الجوارح # القريحة: العقل. # فيقول لسيف الدولة: بأدنى ابتسام منك تحيى العقول الطائشة، وتسكن النفوس ~~الخائفة، ةبأيسر شواهد رضاك تقوى جوارح الجسم الضعيف، ويؤمن من مكاره الأمر ~~المخوف. # ومن ذا الذي يقضي حقوقك كلها ... ومن ذا الذي يرضي سوى من تسامح # ثم قال: ومن ذا الذي يقوم بقضاء حقوقك، ويستقل بشكر نعمك، ويبلغ ما يرضي ~~في ذلك، سوى من تسمح له في ما أغفل، وتتجاوز عنه فيما قصر. # PageV02P170 # وقد تقبل العذر الخفي تكرما ... فما بال عذري واقفا وهو واضح # ثم يقول لسيف الدولة: وقد تقبل بسعة فضلك، ومشهور كرمك، العذر الذي يخفي ~~فيه الصدق، ولا يستتر عليه الحق، فما بال عذري واقفا لديك لا يسمع، وهو من ~~ذلك واضح لا يدفع؟ # وإن محالا إذ بك العيش أن أرى ... وجسمك معتل وجسمي صالح # ثم قال: وإن من المحال إذ كان عيشي بك، ونفسي خالصة لك، أن يصلح جسمي ~~ويعتل جسمك، وتسلم حالي ms153 وتختل حالك، بل آلم لألمك، وأشكو أضعاف ما تشكوه من ~~وجعك. # وما كان ترك الشعر إلا لأنه ... تقصر عن وصف الأمير المدائح # ثم قال: وما تركت الشعر مغفلا لمدحك، ولا تأخرت به مفرطا في شكرك، ولكن ~~الشعر يقصر عن حقيقة وصلك، ويتواضع دون رفعة قدرك، ويبعد فيه ما يليق بك، ~~ويتعذر منه ما ارتضيه لك. # PageV02P171 # وقال أيضا في علته: # أيدري ما أرابك من يريب ... وهل ترقى إلى الفلك الخطوب # راب الشيء وأراب: بمعنى واحد، إذا أوجب الريبة. # فيقول لسيف الدولة: أيدري هذا الألم المطيف بك، وهذا الوجع العارض لك، من ~~يريبه منك فيؤلمه، ويشكيه ويمرضه، ولو تبين ذلك لأعظمه، ولو دراه لتهيبه، ~~فالفلك لا ترقي إليه الخطوب لرفعته، وقدرك من العلو في أبعد غايته. # وجسمك فوق همة كل داء ... فقرب أقلها منه عجيب # ثم قال: وهمم الأدواء تتقاصر عن جسمك، وتتواضع عن قدرك، فقرب أقلها منك ~~غريب مستنكر، وعجيب مستعظم. # يجمشك الزمان هوى وحبا ... وقد يؤذي من المقة الحبيب # PageV02P172 # التجميش: المغازلة والملاعبة، والمقة: المحبة. # ثم قال: ويجمشك الزمان فعل المعجب بك، ويغازلك فعل المتحبب إليك، وقد ~~يؤذي المحب حبيبه غير عامد، ويصيبه بالألم غير قاصد. # وكيف تعلك الدنيا بشيء ... وانت بعلة الدنيا طبيب # ثم يقول: وكيف تعلك الدنيا بطائف يمرضك، وشكية توجعك، وأنت طبيب الدنيا ~~من عللها، والمجير من مخوف ألمها؟ فبالإخصاب في فضلك يستدفع محلها، ~~وبالتصرف في فضلك يستكف ضرها. # وكيف تنوبك الشكوى بداء ... وأنت المستغاث لما ينوب # ثم قال: وكيف تنوبك الشكوى بدائها، وتعتمدك بألمها، وأنت المستغاث في ~~الحوادث الطارقة، والمنتصر به في النوائب العارضة؟ # مللت مقام يوم ليس فيه ... طعان صادق ودم صبيب # ثم قال: مللت إقامتك على حال دعة، وتأخرك عن شن غارة، وانصرام يوم من ~~أيامك دون وقعة على أعدائك، تعمل فيها الطعان الصادقة، وتكثر فيها الدماء # الجارية. # PageV02P173 # وأنت الملك تمرضه الحشايا ... لهمته وتشفيه الحروب # الحشايا: الفرش. # ثم قال: وأنت الملك الجلد الصارم؛ القوي النافذ، الذي يمرضه تمهد الفرش ~~الوثيرة، فيوحشه لزوم القصور المشيدة، لبعد ms154 همته، وكرم نيته، وسروره في ~~الحروب بالإقدام على شدائدها، وتشفيه بتقدمه في وقائعها. # وما بك غير حبك أن تراها ... وعثيرها لأرجلها جنيب # العثير: الغبار، وجنيب: فعيل، من جنبت الدابة: إذا قدتها. # فيقول لسيف الدولة: وما يشكيك إلا تأخرك عن الغزو، وبعد عهدك بطراد ~~الخيل، وأن ترى ما تثيره من الرهج في الغارات، جنيبا لأرجلها، يقفوها ~~ويتبعها، ويتلوها ويصحبها. # مجلحة لها أرض الأعادي ... وللسمر المناخر والجنوب # PageV02P174 # المجلحة: المصممة. # ثم قال، يريد الخيل: مجلحة فيما تقصده، مصممة فيما تعتمده، لها أرض ~~الأعادي تطؤها، وديارهم تتملكها، ولرماحك مناخر فرسانهم تطعنها، وجنوب ~~شجعانهم تخترقها. # فقرطها الأعنة راجعات ... فإن بعيد ما طلبت قريب # تقريط الفرس عنانة: إمكانه في الجري، حتى يحل منه محل القرط من العنق. # ثم قال: فداو شكيتك بتقريط هذه الخيل أعنتها، فإن ذلك مقرون ببرئك، وبعيد ~~ما تطلبه قريب مع سعدك. # إذا داء هفا بقراط عنه ... فلم يعرف لصاحبه ضريب # هفا: بمعنى زل، والضريب: النظير. # فيقول: إذا عرض داء معضل، يعجز بقراط علاجه، وأمر مشكل، # PageV02P175 # لا يستبين لأهل المعرفة صوابه، ولم يعرف لصاحب ذلك الداء نظير، ولا عهد ~~لذلك الأمر شبيه. # بسيف الدولة الوضاء تمسي ... جفوني تحت شمس ما تغيب # فإني أقتدر على علاج ذلك وكشفه، بإقبال سيف الدولة وسعده، وتمسي جفوني ~~يوجهه الوضاء، وشخصه الميمون، تحت شمس منيرة ما تغرب، وفي أنوار قريبة لا ~~تحجب. # فأغزو من غزا وبه اقتداري ... وأرمي من رمى وبه أصيب # ثم قال: فأغزو من غزاه مقتدرا بقدرته، وأرمي من رماه مصيبا له بسعادته. # وللحساد عذر أن يشحوا ... على نظري إليه وأن يذوبوا # ثم يقول: وللحاسدين لي فيه عذر بين، وحجاج بالغ، في أن # PageV02P176 # يشحوا بالنظر إليه، ويذوبوا غيرة منهم عليه. # فإني قد وصلت إلى مكان ... عليه تحسد الحدق القلوب # فإني قد وصلت، بحسن رأيه، وكريم إقباله، إلى مكان من استقرابه، تنافس ~~القلوب الحدق فيه، وتحسد النفوس الأبصار عليه. # PageV02P177 # وقال أيضا: # إذا اعتل سيف الدولة اعتلت الأرض ... ومن فوقها والبأس والكرم المحض # المحض: الخالص. # فيقول: إذا اعتل ms155 سيف الدولة اعتلت الأرض بعلته، واختلت لاختلال حالته، ~~وكذلك من فوقها من الناس، وخالص الكرم والبأس، كل ذلك بألمه، ويشكو ما ~~يشتكيه من وجعه؛ لأنه ولي النعم، والمتفرد بالبأس والكرم. # وكيف انتفاعي بالرقاد وإنما ... بعلته يعتل في الأعين الغمض # ثم قال: وكيف انتفع بالرقاد مع ما شكاه، وآلفه مع ما عراه، وعلته تطرد ~~النوم بالسهر، وتبعث في القلب شواغل الفكر. # شفاك الذي يشفي بجودك خلقه ... فإنك بحر كل بحر له بعض # ثم قال، داعيا لسيف الدولة، ومخاطبا له: شفاك الذي جعل جودك شفاء للخلق، ~~ومادة من مواد الرزق، فإنك بحر من الكرم، كل بحر جزء منه، وكل مجد محمول ~~عنه. # PageV02P178 # وعوفي سيف الدولة، فقال: # المجد عوفي إذ عوفيت والكرم ... وزال عنك إلى أعدائك الألم # يقول لسيف الدولة: المجد عوفي بعافيتك، والكرم صح بصحتك، وزال ألمك إلى ~~أعدائك الذين كان تأخر عنهم غزوك، وأغمد دونهم سيفك. # صحت بصحتك الغارات وابتهجت ... بها المكارم وانهلت بها الديم # الانهلال: الانسكاب، والديم: السحاب. # ثم قال: صحت الغارات بتمام صحتك، وانتظمت الجيوش بانتظام قوتك، وابتهجت ~~بذلك المكارم، وأشرق حسنها، وانهلت الديم، واتصل صوبها. # وراجع الشمس نور كان فارقها ... كأنما فقده في جسمها سقم # PageV02P179 # ثم قال: وراجع الشمس بصحتك، وعاودها بزوال علتك نور، كان فقده كالسقم في ~~جسمها، وعدمه كالنقصان المقصر بحسنها. # ولاح برقك لي من عارضي ملك ... ما يسقط الغيث إلا حين يبتسم # العارضان: شقا الفم. # فيقول لسيف الدولة: ولاح لي ببشرك، وبدا لي بتبسمك، برق لامع، ونور ساطع، ~~لا يسقط الغيث إلا في أثره، ولا يوجد إلا في موضعه. يشير بذلك إلى العطاء ~~الذي يتلو بشره، والنوال الذي يقفو تبسمه. # يسمى الحسام وليست من مشابهة ... وكيف يشتبه المخدوم والخدم # يقال: سميته وأسميته بمعنى، وتسمى: يفعل، من أسميت. # ثم قال: يسمى الحسام، والحسام لا يشبهه، ويوصف به، وهو لا يعدله، وكيف ~~يشتبه المخدوم بخادمه، ويعدل الملك ببعض آلته؟ # تفرد العرب في الدنيا بمحتده ... وشارك العرب في إحسانه العجم # PageV02P180 # المحتد: الأصل. # فيقول: إن سيف الدولة تفردت العرب ms156 بنسبه وأصله، وشاركتها العجم في عطائه # وبذله. # وأخلص الله للإسلام نصرته ... وإن تقلب في آلائه الأمم # الآلاء: النعم. # ثم قال: وجعل الله نصرته خالصة للإسلام، وإن كان قد شمل الأمم بالتفضل ~~والإحسان. # وما أخصك في برء بتهنئة ... إذا سلمت فكل الناس قد سلموا # ثم قال، مخاطبا الدولة: وما أغبطك مفردا بصحتك، ولا أخصك في التهنئة ~~ببرئك، (بل) سلامة الناس موصولة بسلامتك، وكفاية الله لهم متمكنة بكفايتك. # PageV02P181 # وقال في انسلاخ شهر رمضان، يهنئه بالفطر. # الصوم والفطر والأعياد والعصر ... منيرة بك حتى الشمس والقمر # العصر: الدهور، واحدها عصر، كما يقال سقف، واحدها سقف. # فيقول لسيف الدولة: الصوم وحينه، والفطر وقدومه، والأعياد المنتظرة، ~~والعصر المتصرفة، منيرة بسعدك، متلألئة بإقبال جدك، حتى الشمس والقمر؛ فإن ~~ضياءهما يتزايد بحسن أيامك، ويتمكن بيمن سلطانك. # تري الأهلة وجها عم نائله ... فما يخص به من دونها البشر # PageV02P182 # ثم قال: ترى الأهلة منك وجها ينير حسنه، ويشمل العالمين فضله، فتنال ~~الأهلة من التأيد في الضياء بحسنه، كالذي ينال الناس من الارتفاق بفضله. # ما الدهر عندك إلا روضة أنف ... يا من شمائله في دهره زهر # الأنف من الرياض: التي لم ترع، والزهر: النوار. # ثم قال مخاطبا له: ما الدهر عندك إلا كالروضة الأنف؛ حسنا وبهجة، وإشراقا ~~ونضرة، يا من خلائقه في دهره كالزهرات المونقة، وأنوار الرياض المعجبة! # ما ينتهي لك في أيامه كرم ... فلا تنتهى لك في أعوامه عمر # فإن حظك من تكرارها شرف ... وحظ غيرك منه الشيب والكبر # ثم يقول: ما يتناهى كرمك في أيامه، ولا ينحسر قدرك في مقداره؛ فلا انتهى ~~عمرك ولا انقطع، ولا انقضت أعوامه ولا انصرم، فإن # PageV02P183 # حظك من تكرار الأعوام عليك، شرف تستجده وتبينه، وكرم تشمل به وتوليه، إذا ~~كان حظ غيرك من تراخي عمره، وتكرار أعوامه، شيب يلحقه، وكبر يهرمه. # PageV02P184 # ومد قويق؛ وهو نهر بحلب، فأحاط بدار سيف الدولة، فخرج أبو الطيب من عنده، ~~فبلغ الماء إلى صدر فرسه، فقال: # حجب ذا البحر بحار دونه ... يذمها قوم ويحمدونه # حجب: إذا ثقل، تكثير حجب ms157 إذا خفف. # فيقول، مشيرا إلى سيف الدولة: حجب ذا البحر من النهر الذي فاض حول قصره ~~بحار تمنع منه، وتصد قاصديه عنه، فهي تذم لأنها تعوق عن قصده، وهو يحمد لما ~~يبذله من فضله. # يا ماء هل حسدتنا معينه ... أم اشتهيت أن ترى قرينه # المعين: الماء الجاري. # ثم قال: يا ماء هل حسدتنا في بذله، أم ارتجيت أن تقارنه في جلالة # PageV02P185 # قدره؟؟ وكنى بالمعين عن البذل، على سبيل الاستعارة. # أم انتجعت للغني يمينه ... أضم زرته مكثرا قطينه # الانتجاع: الارتحال في طلب المرعى، والقطين: أهل الرجل وماشيته المقيمون ~~معه. # فيقول: أم انتجعت أيها الفيض يمين هذا الملك، لتفيد الغنى بجوده، أم جئته ~~مكثرا لحاشيته وعديده. # أم جئته مخندقا حصونه ... إن الجياد والقنا يكفينه # ثم قال: أم جئته مخندقا لحصينه، وحارسا لقصره، فإن كنت أردت ذلك، فجياده ~~ورماحه يكفينه ما تقصده، وتغنيه عما تفعله. # يا رب لج جعلت سفينه ... وعازب الروض توفت عونه # اللج: البحر، والعازب من الروض: البعيد، والعون: جمع عانة، وهو القطيع من ~~حمر الوحش، وتوفت: أماتت، وهو تفعلت: من الوفاة. # فيقول: يا رب قفر ما للج في إشفاق عابره، وشدة مخافة سالكه، # PageV02P186 # جعلت هذه الخيل # سفينه التي تقرب عبوره، وتسهل على المقتحم له ركوبه؛ ثم قال: ورب روض ~~عازب، ومكان من أرض العدو ممتنع، قد نزلت هذه الخيل فيه مستبيحة له، وحلته ~~مطمئنة به، فصادت وحشه، وعقرت عونه. # وذي جنون أذهبت جنونه ... وشرب كأس أكثرت رنينه # الشرب: اسم للجماعة الذين يشربون، وأخبر عنه تفردا على لفظه؛ لأن لفظه ~~الإفراد، وإن كان معناه معنى الجمع، والرنين: امتداد الصوت بالبكاء. # ورب ذي جنون من الأعداء، مدل بنفسه، مغتر بحاله، قد أوقعت هذه الخيل به ~~فوعظته، وصيرته تحت المخافة فقومته، ورب شرب من الأعداء وطئتهم هذه الخيل ~~فنقلتهم من الفرح والأمن إلى الرنين والحزن، وأبدلتهم بالغناء أنينا، ~~وبالحركات سكونا، يشير إلى القتل الذي نالهم، والجراح التي عمتهم. # وأبدلت غنائه أنينه ... وضيغم أولجها عرينه # PageV02P187 # وملك أوطأها جبينه ... يقودها مسهدا جفونه # الضيغم: الأسد، والعرين: ms158 الغابة التي يستتر فيها. والسهاد: ذهاب النوم، ~~والشؤون: جمع شأن، وهو المذهب. # ثم قال: ورب عدو لسيف الدولة، أوطأ هذه الخيل أرضه، وأولجها داره، وهو ~~كالأسد في شدته، وموضعه كالعرين في منعته، ورب ملك من أعدائه قتله فأوطأ ~~هذه الخيل وجهه، وفرق بها جمعه. وأشار بجبينه إلى ذلك، ثم قال: يقودها قويا ~~لا يكسل، ويقظان لا يغفل، مسهد الجفون، لا يسكن ولا يتأيد بظهير، ولا يتكل ~~على غيره في مهم الأمور. # مباشرا بنفسه شؤونه ... مشرفا بطعنه طعينه # ثم يقول: إن سيف الدولة يشرف من طعنه، ويرفع شأن من قتله؛ لأن الطعن إنما ~~يكون في أغلب الأحوال بعد مجاولة، والقتل بعد مواقفة، وقليل في الفرسان من # يجاوله، ومعدوم فيهم من يوافقه. # PageV02P188 # عفيف ما في ثوبه مأمونه ... أبيض ما في تاجه ميمونه # ثم وصفه بأنه عفيف فرجه، مأمون أمره، وأشار بما في الثوب إلى ذلك، وأنه ~~أبيض الوجه، ميمون الشخص، وأشار بما في التاج إلى ذلك، وسمى ما كان على ~~رأسه تاجا، على سبيل الاستعارة والترفيع. # بحر يكون كل بحر نونه ... شمس تمنى الشمس أن تكونه # النون: الحوت. # ثم قال: إنه البحر الذي يغمر البحار بجوده، ويقيس عليها ببذله، فتغيب ~~البحار في فضله، وتصغر وتقل في كرمه، وتحتقر كما يغيب النون في البحر، ~~ويستتر في الماء الغمر، وهو الشمس الذي أضاءت مكارمه، وزينت الأيام محاسنه، ~~حتى تمنت الشمس قدره، ونفست عليه فضله، وودت أن تكون شخصه. # إن تدع يا سيف لتستعينه ... يجبك قبل أن تتم سسنه # PageV02P189 # يقول: إن من دعا سيف الدولة مستعينا به، وناداه مستغيثا له، أجابه قبل ~~استكمال ذكره، وأغاثه قبل أن يلفظ بالسين من اسمه. # أدام من أعدائه تمكينه ... من صان منهم نفسه ودينه # ثم دعا له، فقال: أدام الله تمكينه من أعدائه، ونصرته عليهم، ومواصلة ما ~~فعل له فيهم، من صان منهم نفسه بحفظه، أمد دينه بتأييده ونصره. # PageV02P190 # وقال يمدحه، ويهنئه بالعيد، أنشدها إياه في ذي الحجة سنة اثنتين وأربعين ~~وثلاثمائة. # لكل امرئ من دهره ما تعودا ... وعادات ms159 سيف الدولة الطعن في العدا # يقول: لكل امرئ أن يحاول في دهره، ما عهده، وأن يطالب ما تعوده، وعادات ~~سيف الدولة الطعن في أعاديه، والظهور على من يعارضه ويناوئه. # وأن يكذب الإرجاف عنه بضده ... ويمسي بما تنوي أعديه أسعدا # وأن يكذب ما يرجف به حاسده، من التربص بضده، من صنع الله له، ويمسي أسعد ~~منهم بالظهور الذي ينوونه، والظفر الذي يتمنونه. # ورب مريد ضره ضر نفسه ... وهاد إليه الجيش أهدي وما هدى # ثم يقول: ورب من رام ضره، فضر نفسه، وخالف أمره، فذم رأيه، ورب من هدى ~~إليه جيشا فأظفره الله به، وقاده نحوه فأظهره الله عليه، فصار مهديا إليه ~~غنيمة بهدايته، ومقربا له أملا بدلالته. # PageV02P191 # ومستكبر لم يعرف الله ساعة ... رأى سيفه في كفه فتشهدا # ثم قال: ورب مستكبر في نفسه، مستبصر في كفره، لم يعرف الله ولا وحده، ولا ~~أقر به ولا عظمة، رأى سيف سيف الدولة في كفه فأسلم ووحد، وأشرف على القتل ~~فعظم الله وتشهد. # هو البحر غص فيه إذا كان ساكنا ... على الدر وأحذره إذا كان مزبدا # ثم يقول: إن سيف الدولة هو البحر في جلالة قدره، وفي كرمه وفضله، فإذا ~~أطعته وياسرته، أصبت منه غاية الفضل، كما أن الذي يغوص في البحر عند سكونه، ~~قد يظفر منه بأنفس الدر، وأحذره عند سورة غضبه، كما يحذر البحر عند تهيجه ~~ورميه بزبده. # فإني رأيت البحر يعثر بالفتى ... وهذا الذي يأتي الفتى متعمدا # ثم أبان أن سيف الدولة أحق من البحر بالهيبة، فقال: فإني رأيت البحر إنما ~~يردي # راكبه عاثرا به، ويسوءه غير متعمد له، وسيف الدولة يردي من عاقبه على ~~قصد، ويناله بالمكروه على معرفة وعمد. # تظل ملوك الأرض خاشعة له ... تفارقه هلكى وتلقاه سجدا # الخاشع: الذي تغض الهيبة بصره، وهلكى: جمع هالك على غير قياس من لفظه، ~~ولكنه لما كان الهالك محمولا على الهلاك، صار بمعنى مفعول فجمع جمع قتيل ~~وجريح، لأن كل واحد منهما بمعنى مفعول، فقيل هالك # PageV02P192 # وهلكى، كما قيل: جريح وجرحى، وقتيل ms160 وقتلى. # فيقول: تظل ملوك الأرض خاشعة لسيف الدولة، تفارقه هلكى من مخافته، وتلقاه ~~بالسجود خاضعة لمهابته. # وتحي له المال الصوارم والقنا ... ويقتل ما يحيى التبسم والجدا # الجدا: الإعطاء. # ثم قال: وتحيى له المال سيوفه ورماحه بالبلاد التي يفتحها، والطوائف التي ~~يتملكها، فتجمع له السيوف والرماح من المال ما تحييه بكثرته، وتظهره بتتابع ~~فائدته، ويقتل ما تحييه من ذلك بشر سيف الدولة بالقاصدين، وجزيل عطائه ~~للزائرين. # ذكي تظنيه طليعة عينه ... يرى قلبه في يومه ما ترى غدا # الذكي: الفطن، والتظني: إعمال الظن، وطليعة القوم: الذي يرقب لهم أمر ~~العدو. # فيقول: إن سيف الدولة ذكي النفس، صادق الحدس، ظنه كالطليعة لعيينه، تبدي ~~له الشيء قبل رؤيته، وتمثله قبل مشاهدته على # PageV02P193 # حقيقته، فيرى قلبه بصادق الظن في يومه، كالذي تراه عينه بحقيقة النظر في ~~غده. # وصول إلى المستصعبات بخيله ... فلو كان قرن الشمس ماء لأوردا # قرن الشمس: أعلى قرصها. # ثم قال: إنه وصول بخيله إلى المستصعبات، مقدم بها على الممتنعات، فلو كان ~~قرن الشمس ماء لأورده خيله، ولو كان منهلا لأوطأه جيشه. # لذلك سمى ابن الدمستق يومه ... مماتا وسماه الدمستق مولدا # ثم قال: بمثل ذلك من أفعاله أسر قسطنطين بن الدمستق، فسمى يوم أسره ~~مماتا، وسماه الدمستق أبوه لخلاصه فيه من القتل مولدا، فأوسعه الدمستق بما ~~أمكنه فيه من الفرار غاية الحمد، وأوسعه قسطنطين بما ناله فيه من الأسر ~~غاية الذم. # سريت إلى جيحان من أرض آمد ... ثلاثا لقد أدناك ركض وأبعدا # جيحان: نهر في بلاد الروم، وآمد: مدينة من مدائن الموصل. # فيقول لسيف الدولة، مشيرا إلى إسراعه نحو الروم: سريت من # PageV02P194 # أرض آمد إلى جيحان في ثلاث ليال، لشد ما أدناك ركضك من مطلبك، ولشد ما ~~أبعدك عن مستقرك. # فولى وأعطاك ابنه وجيوشه ... جميعا ولم يعط الجميع لتحمدا # ثم أشار إلى الدمستق، ووقيعه سيف الدولة عليه، فقال، مخاطبا لسيف الدولة: ~~فولى الدمستق عنك فارا بنفسه، مبقيا على حياته، وترك أبنه في أسرك، وجيشه ~~تتصرف فيه على حكمك، ولم يفعل ذلك مختارا له ms161 لتحمده، ولكنه فعله مضطرا ~~مخافة أن تهلكه. # عرضت له دون الحياة وطرفه ... وأبصر سيف الله منك مجردا # ثم يقول: عرضت للدمستق ما بين بصره وحياته، وأشرفت به على هلكته، وأبصر ~~منك سيف الله مجردا صارما، مسلولا على أعدائه ماضيا. # وما طلبت زرق الأسنة غيره ... واكن قسطنطين كان له الفدا # ثم قال: وما طلبت زرق الأسنة غير الدمستق، ولكنه فدى نفسه بقسطنطين ابنه، ~~واستدفع الهلاك بما أصابه من أسره. # فأصبح يجتاب المسوح مخافة ... وقد كان يجتاب الدلاص المسردا # الاجتناب: التصرف، والمسوح: ثياب سود من شعر يلبسها الرهبان، # PageV02P195 # واحدها: مسح، والدلاص: الدرع الملساء، والمسرد: المداخل المنسوج. # فيقول عن الدمستق: إنه لحزنه على أسر قسطنطين ابنه، وعجزه عن مقاومة سيف ~~الدولة وحربه، عدل إلى المسوح فترهب ولبسها، ورغب عن الدروع فاطرحها ~~ونبذها، وعلم أن صحبة الرهبان أسلم له من مطاعنه الأقران. # ويمشي به العكاز في الدير تائبا ... وما كان يرضى مشي أشقر أجردا # العكاز: عصا في أسفلها زج، والدير: معروف، والأجرد من الخيل: القصير ~~الشعر، وذلك من شواهد العتق والكرم. # ثم قال: ويمشي به العكاز تائبا في ديره، مطرحا لآلات ملكه، وقد كان يحتقر ~~عتاق الخيل لقدره، ويستقل منها الشقر الجرد مع كرمها لنفسه. # وما تاب حتى غادر الكر وجهه ... جريحا وخلى جفنه النقع أرمدا # النقع: الغبار، والرمد: معروف. # ثم قال: وما تاب حتى أعذر في المدافعة، وكر بعد انهزام الروم، فغادر الكر ~~وجهه جريحا، وابنه أسيرا، وباشر الموت وشافهه، وأيقن به وقاربه، وأرمد ~~أجفانه رهج خيل المنهزمين من أصحابه، والمعتصمين بالفرار # PageV02P196 # من فرسانه، ولم يغنه الكر في آثارهم، والمدافعة عن أعقابهم. # فإن كان ينجي من علي ترهب ... ترهبت الأملاك مثنى وموحدا # مثنى وموحد، كأنه قال: اثنين اثنين وواحدا واحدا. # فيقول: فإن كان ينجي من علي؛ سيف الدولة، إظهار الترهب، واستعمال التنسك، ~~فستترهب الأملاك مستجيرين بذلك منه، مثنى وآحادا، وجماعة وأفرادا. # وكل امرئ في الشرق والغرب بعدها ... يعد له ثوبا من الشعر أسودا # ثم قال: وكل امرئ منهم في الشرق والغرب يستجير بمسح ms162 يلبسه، وضرب من ~~الترهب يظهره، يشير بذلك إلى الدمستق وفعله، وما أظهره من استخذائه وذله. # هنئا لك العيد الذي أنت عيده ... وعيد لمن سمى وضحى وعيدا # هنيئا لك: دعاء له بالتهنئة والتسويغ، وهي صفة جرت مجرى المصدر، وجعلت ~~بدلا من اللفظ بالفعل، كأنك قلت: هنالك الله، فنصبت # PageV02P197 # هذه الصفة على هذا المعنى. # فيقول لسيف الدولة: هنيئا لك العيد الذي أنت عيده ورفعته، وزينته وبهجته، ~~كما أنك عيد من سمى الله فيه بالتعظيم آخذا بسنته، وضحى محتملا على شريعته، ~~وعيد متمسكا بملته. فأشار بهذا إلى عامة المسلمين، وأراد: أن سيف الدولة ~~لهم كالعيد الذي يجدد مسرتهم، ويشمل بالفضل جماعتهم. # ولا زالت الأعياد لبسك بعده ... تسلم مخروقا وتعطي مجددا # ثم قال، داعيا له: ولا زالت الأعياد لك كاللبس بعد هذا العيد، تفد إليك، ~~وتتعاقب عليك، فتسلم متصرمها مخلقا لبهجته، وتلقى مجددها مستبشرا بسعادته. # فذا اليوم في الأيام مثلك في الورى ... كما كنت فيهم أوحدا كان أوحدا # يقول مشيرا إلى العيد، ومخاطبا لسيف الدولة: فهذا اليوم في أيام العام، ~~وما خص به من شرف الإسلام، مثلك في أبناء عصرك، وجملة أهل دهرك، الذين ~~عممتهم بسعة فضلك، وتقدمتهم بمشكور سعيك، فكما أن العيد أوحد في أيام ~~العام، فكذلك أنت أوحد في جميع الكرام. # PageV02P198 # هو الجد حتى تفضل العين أختها ... وحتى يكون اليوم لليوم سيدا # ثم قال: هو الجد الذي يرفع من يسر له، والسعد الذي يقدم من اقترن به، حتى ~~تفضل العين العين وهما متجاورتان، ويفضل اليوم اليوم وهما متواليان. # فواعجبا من دائل أنت سيفه ... أما يتوقى شفرتي ما تقلدا # قوله (فواعجبا من دائل): وا: كلمة تستعمل في النداء عند الاستغاثة ~~والتعجب، # فواعجبا: كلمة أدخل عليها حرف النداء، وأبدلت فيها الألف من ياء الإضافة، ~~لما ذهب إليه المتكلم من مد الصوت بلفظ التعجب، والدائل: الذي يصرف الدولة. # فيقول لسيف الدولة: فواعجبا من ذي دولة أنت سيفه، والسيف محمول مستقرب، ~~ومصحوب مستعمل، أما يتوقى حاملك شفرتي ما حمله، ويتوقع مستعملك سطوة ما ~~يستعمله، يريد: أنه ms163 يرتفع عن هذا الاسم مع جلالته، ويكبر عنه مع فخامته. # PageV02P199 # ومن يجعل الضرغام في الصيد بازه ... تصيده الضرغام فيما تصيدا # الضرغام: الأسد. # ثم قال: ومن يتخذ الأسد بازا يصيد به، كان الأسد غير مأمون على أكله، وأن ~~يجعله من الصيد الذي يقصد لختله. # رأيتك محض الحلم في محض قدرة ... ولو شئت كان الحلم منك المهندا # ثم يقول لسيف الدولة: رأيتك محض الحلم مع تمكن قدرتك، واسع العفو عند ~~توقع عقوبتك، ولو شئت كان السيف عوضا من حلمك، والعقاب بدلا من عفوك، ولكنك ~~تأخذ بأرفع الأمرين، وتحتمل على أكرم الحالين. # وما قتل الأحرار كالعفو عنهم ... ومن لك بالحر الذي يحفظ اليدا # ثم قال: وما قتلت الحر بمثل عفوك عن ذنبه، ولا استعبدته بمثل تجاوزك عن ~~جرمه، ولكن الأحرار قليل، وأهل الشكر من الناس يسير، ومن لك بالحر الذي ~~يشكر على الفعلة الصالحة، ويعترف بالنعمة السالفة؟ # PageV02P200 # إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا # التمرد: الإقدام على الشر. # فيقول لسيف الدولة، بعدما قدم من شكره على الحلم، وسعة العفو: إذا أنت ~~أكرمت الكريم ارتهنت شكره، واستوجبت ملكه؛ لأنه يعترف بفضلك، ولا يدفع وجوب ~~حقك، وإذا أنت أكرمت اللئيم زاد إكرامك له في تمرده، وأطغاه ما تحاوله من # تألفه. # ووضع الندى في موضع السيف بالعلا ... مضر كوضع السيف في موضع الندى # ثم أكد ذلك، فقال: ووضع العفو في موضع العقوبة، والندى في موضع السيف، ~~مخل بالسيادة، ومضر بالرئاسة؛ كما يخل بذلك وضع العقوبة في موضع العفو، ~~ووضع الكرم في موضع السيف، وإنما الصواب في وضع الأشياء مواضعها، وحملها ~~على حقيقة مقاصدها، لتحل الصنائع في محلها، وتوضع النعم عند أهلها، ويعدل ~~بها، عمن لا يقوم بشكرها. # ولكن تفوق الناس رأيا وحكمة ... كما فقتهم حالا ونفسا ومحتدا # المحتد: الأصل. # فيقول لسيف الدولة: وليس ما تظهره من صواب الرأي، ومشكور # PageV02P201 # الفعل، بغريب منك، ولا مستنكر لك؛ لأنك تفوق الناس بصواب رأيك، وحكمة ~~فعلك، كما تفوقهم بشرف نفسك، وكرم أصلك، فخلقك يماثل نسبك، وأفعالك تنصر ms164 ~~شرفك. # يدق على الأفكار ما أنت فاعل ... فيترك ما يخفي ويؤخذ ما بدا # ثم قال: تدق على الأفكار حقائق سياستك، وتقصر عن سعة إحاطتك، فيأخذ الناس ~~ظاهر ذلك مرتضين بك، ويعرضون عما خفي عنهم منه مسلمين لك. فقد تيقن الجميع ~~أن الله يمدك بمواد توفيقه، ولا يخليك من إرشاده وتأييده. # أزل حسد الحساد عني بكبتهم ... فأنت الذي صيرتهم لي حسدا # الكبت: الخيبة والخسار. # فيقول لسيف الدولة: أزل حسد الحساد عني، بكتبهم فيما ظنوه، ودفعهم، عما ~~راموه، فإحسانك أوجب حسدهم لي، وإكرامك حملهم على # PageV02P202 # الاغترار بي، وأنت جدير بحفظ ما أسديت، وتتميم ما أوليت. # إذا شد زندي حسن رأيك في يدي ... ضربت بنصل يقطع الهام مغمدا # الزند: أحد عظمي الذراع. # ثم قال: إذا شد زندي في يدي حسن رأيك، وأنهض قوتي كريم اعتنائك، ضربت ~~بسيف من إكرامك، تقطع الهام هيبة ذكره، وتنقد له الرؤوس في غمده، يشير إلى ~~ما هو عليه من الاعتزاز به، والاستغناء بتقبله له، واستعار ما نظمه من ~~لفظه، ليدل بذلك على ما فسرناه من قصده. # وما أنا إلا سمهري حملته ... فزين معروضا وراع مسددا # السمهري من الرماح: الصلب، أخذ ذلك من قوله: اسمهر العود، إذا صلب، ~~وتعريض الرمح: حمله على عنق الفرس، وتسديده: تهيئته للطعن. # ثم قال: وما أنا إلا رمح اخترته لنفسك، واصطحبته في حربك، فزينك معرضا ~~بصحبته، وراع عدوك مسددا بمحمود خبرته. # وما الدهر إلا من رواة قلائدي ... إذا قلت شعرا أصبح الدهر منشدا # PageV02P203 # القلائد: العقود وما أشبهها مما يحمل على الأعناق. # فيقول: وما الدهر إلا من رواة أشعاري التي هي كالعقود والأطواق، والقلائد ~~في الأعناق، فإذا قلت شعرا، فالدهر ينشده معرفا به، ويرويه مقيدا له، ~~ويبقيه ما بقيت الأيام، ويخلده، ما أعلمت الأقلام. # فسار به من لا يسير مشمرا ... وغنى به من لا يغني مغردا # التشمير: النفاذ والاعتزام، والتغريد: الصوت المطرب. # ثم قال مؤكدا لما قدمه: فيسير به من لا يستطيع السير نشاطا مشمرا، ويغني ~~من لا يحسن الغناء كالنشوان مغردا، يشير إلى ما ms165 يفيده شعره من الطرب بكثرة ~~بدائعه، وما يوجبه من السرور ببراعة مقاصده. # أجزني إذا أنشدت شعرا فإنما ... بشعري أتاك المادحون مرددا # الجائزة: الصلة. # فيقول لسيف الدولة: أجزني عما تنشده من الأشعار، فإنها من أشعاري مسترقة، ~~ومما أبدعه فيك مقتطعة؛ لأني قد سبقت فيك إلى بدائع # PageV02P204 # النظم، وقصرت عليك محاسن الشعر، فالمادح، إنما يأتيك بطرف مما قلته، ~~ومسترق مما خلدته. # ودع كل صوت بعد فإنني ... أنا الطائر المحكي والآخر الصدى # الصدى: الصوت من الجبل ونحوه. # ثم قال: ودع أصوات الناس بعد إنشادي إياك. فإني فيهم السابق المتبع، ~~وشعري المحكي به الممتثل، وحالي فيهم حال الطائر الغرد، وهم كالصدى الذي ~~يمتثله ويتلوه، ويتبعه ويقفوه. # تركت السرى خلفي لمن قل ماله ... وأنعلت أفراسي بنعماك عسجدا # السرى: سير الليل، والعسجد: الذهب. # فيقول لسيف الدولة: تركت السرى خلفي لمن قل ماله، أي: للمقلين، وسلمته ~~للمنتجعين، واستغنيت بك عن تكلفه، ولم تبق لي معك حاجة في تمونه، وأحاط بي ~~من فضلك وكرمك، ونعماك وكرمك، ونعماك وتوسعك ما أنعلت خيلي فيه بالذهب، ~~واستغنيت بأقله عن كد الطلب. # وقيدت نفسي في ذراك محبة ... ومن وجد الإحسان قيدا تقيدا # PageV02P205 # ثم قال: وقيدت نفسي في ذراك وأرضك، وقصرتها على إحسانك وفضلك، ومن وجد ~~الإحسان قيدا تقيد به، وألزم نفسه إياه، ولم يختر لها مقصودا سواه. # إذا سأل الإنسان أيامه الغنى ... وكنت على بعد جعلناك موعدا # ثم قال، مخاطبا، له: إذا سأل الإنسان أيامه الغنى والسعة، والخفض والدعة، ~~كنت أنت الموعد الذي تعد الأيام به، والأمل الذي يمثله له، يريد: أن سيف ~~الدولة غرض القاصدين، والمقدم في جميع المحسنين. # PageV02P206 # أنشد أبو الطيب هذه القصيدة سيف الدولة في الميدان، وعاد إلى الدار ~~فاستعادها إياه فأنشدها، وكثر الناس، فقال قائل منهم: إن أكثر الناس ما ~~يسمع، فلو أنشدها قائما لأسمع؛ يريد بذلك كيد أبي الطيب، فقال أبو الطيب: ~~أما سمعت أولها: # لكل امرئ من دهره ما تعودا # فأفحم الرجل ن وضحك سيف الدولة، وجرى ذكر ما بين العرب والأكراد من ~~الفضل، فقال له ms166 سيف الدولة: ما تقول في هذا، وتحكم به؟ فقال له: # إن كنت عن خير الأنام سائلا ... فخيرهم أكثرهم فضائلا # من أنت منهم يا همام وائلا ... الطاعنين في الوغى أوائلا # والعاذلين في الندى العواذلا ... قد فضلوا لفضلك القبائلا # PageV02P207 # وائل بن قاسط؛ أبو بكر بن وائل، وتغلب وبنو تغلب: رهط سيف الدولة، ولم ~~يصرف وائل؛ لأنه اسم قبيلة معرفة. # فيقول، مخاطبا لسيف الدولة: إن كنت تسأل عن خير الأنام، فخيرهم أشهرهم في ~~الفضائل، وأقعدهم بالمكارم، ثم قال: من كنت أنت منهم يا همام وائل؛ هذه ~~القبيلة، فلهم الفضل والرفعة، وفيهم العدد والمنعة، الطاعنين أوائل في ~~الحرب، والمتسابقين إلى الطعن والضرب، والذين يعذلون من عذلهم على الكرم، ~~ويتفضلون بأوفر النعم، ثم قال قد فضلوا يأيها الملك القبائل بفضلك، ~~وانفردوا بالمكارم بما أكسبتهم من مجدك. # PageV02P208 # وجلس سيف الدولة لرسول ملك الروم والروذس، في صفر من سنة ثلاث وأربعين ~~وثلاثمائة، وحضر أبو الطيب، فوجد دونه زحمة شديدة، فثقل عليه الدخول، ~~واستبطأه سيف الدولة، فقال ارتجالا: # ظلم لذا اليوم وصف قبل رؤيته ... لا يصدق الوصف حتى يصدق النظر # يقول: وصفي لهذا اليوم قبل رؤيته، وإخباري عنه قبل مشاهدته، ظلم له، ~~وتقصير به؛ لأن الوصف إنما يصدق بالمشاهدة، ويتصحح بصحة المعاينة. # تزاحم الجيش حتى لم يجد سببا ... إلى بساطك لي سمع ولا بصر # ثم قال، مخاطبا لسيف الدولة: تزاحم الجيش وتكاثر، وتبادر وتضاغط، حتى لم ~~أجد إلى بساطك سببا موصلا بسمع ولا بصر، ولا إخبار ولا نظر. # فكنت أشهد مختص وأغيبه ... معاينا، وعياني كله خبر # يقول: فكنت لشدة اهتبالي بالحال، أقرب المختصين منك، وبما # PageV02P209 # منعني من مشاهدتها، أثبتهم مغيبا عنك، وصار عياني كله أمرك؛ ما أحدث به ~~من جلالة حفلك، وما ينقل إلي من فخامة قدرك. # اليوم يرفع ملك الروم ناظره ... لأن عفوك عنه عنده ظفر # ثم يقول: اليوم يرفع ملك الروم ناظره، بما بذلت له من السلم، وتسكن ~~مخافته، بما شملته به من العفو، فعفوك عنه ظفر يناله، وإمساكك عن حربه أمل ~~يبلغه. # وإن أجبت بشيء ms167 عن رسالته ... فما يزال على الأملاك يفتخر # ثم قال: وإن أجبته بأيسر جواب عن رسالته، فما يزال مفتخرا على الأملاك ~~بمكاتبتك ومتشرفا بما ربيته من مراسلتك. # قد استراحت إلى وقت رقابهم ... من السيوف وباقي الناس ينتظر # PageV02P210 # ثم يقول لسيف الدولة: قد استراحت رقاب الروم من سيوفك بصلحك لهم، وأمنوا ~~معرة جيوشك بعفوك عنهم، وغيرهم من الأعداء ينتظرون ما صرفت عنهم من سطوتك، ~~ويحذرون ما أمنتهم من عقوبتك. # وقد تبدلها بالقوم غيرهم ... لكي تجم رؤوس القوم والقصر # القصر: أصول الأعناق. # ثم قال: وقد تبدل سيوفك في الروم بغيرهم، وتعوضها منهم # PageV02P211 # بسواهم، لكي تجم رؤوسهم وقصرهم، ويكثر للسبي أهلهم وولدهم. # تشبيه جودك بالأمطار غادية ... جود لكفك ثان ناله المطر # ثم يقول لسيف الدولة: تشبيه جودك بالأمطار الغادية، وتمثيله بالغيوم ~~الساجمة، جون ثان من كفك على المطر، بمماثلته إياها، وفضل ظاهر عليه، ~~بمقاربته معناها. # تكسب الشمس منك النور طالعة ... كما تكسب منها نوره القمر # ثم قال: تكسب الشمس النور في طلوعها من ضياء وجهك، كما يكتسب القمر من ~~الشمس نوره، ويستعيره منها ضياءه وحسنه. # PageV02P212 # وقال أيضا، يصف دخول الرسول: # دروع لملك الروم هذي الرسائل ... يرد بها عن نفسه ويشاغل # يقول لسيف الدولة: رسائل ملك الروم إليك دروع تمنعه، وحصون تكتنفه، لأنه ~~يرد بها جيوشك عن أرضه، ويشغل بها عزائمك عن نفسه. # هي الزرد الضافي عليه ولفظها ... عليك ثناء سابغ وفضائل # ثم قال: هي عليه كالزرد الذي يشمله، والسلاح الذي يعصمه، ولكن ألفاظ تلك ~~الرسائل فضائل لك، وثناء يتخلد عليك، لأنها خضوع منه يرتفع به قدرك، ~~واستسلام إليك يجل معه أمرك. # وأني اهتدي هذا الرسول بأرضه ... وما سكنت مذ سرت فيها القساطل # ثم يقول: وأني لهذا الرسول بالهداية في أرضه، والتحقيق لطريق يسلكه في ~~قصده، وما سكنت في تلك البلاد عجاجات خيلك، ولا فترت فيها قساطل جيشك؟ # PageV02P213 # ومن أي ماء كان يسقي جياده ... ولم تصف من مزج الدماء المناهل # ثم قال: وعلى أي مياه البلاد كان ينزل؟ ومن أيها كان يسقي؟ وهي بما سفكت ms168 ~~عليها من الدماء ممتزجة، وبما عممتها به من ذلك آجنة متغيرة. يشير بجميع ~~هذا إلى قرب عهد سيف الدولة بغزو الروم، وتدويخه لأرضهم، وسفكه لدمائهم. # أتاك يكاد الرأس يجحد عنقه ... وتنقد تحت الذعر منه المفاصل # ثم يقول لسيف الدولة: أتاك ملك الروم متخاضعا لهيبتك، متضائلا لجلالتك، ~~قد صير رأسه بين منكبيه، وهي فعلة المتخوف للقتل، كأن عنقه لامتثاله وقوع ~~السيف عليه يكاد يجحد رأسه، ويغيبه بالجملة خوفه، وتكاد مفاصله يقدها ذعره، ~~ويقطعها فرقه. # يقوم تقويم السماطين مشيه ... إليك إذا ما عوجته الأفاكل # PageV02P214 # ثم قال: إن ذلك الرسول لهيبته لسيف الدولة، كان لا يستقيم مشيه، ولا ~~تستقر نفسه، فكانت الأفاكل إذا عدلت به قومته الصفوف الماثلة، وإذا عوجت ~~مشيته # صرفته الجماعات القائمة. # فقاسمك العينين منه ولحظه ... سميك والخل الذي لا يزايل # ثم يقول له: فقاسمك عيني رسول الروم ولحظه، سيفك الذي تدعى باسمه، وخلك ~~الذي تأنس بقربه، الذي تأنس بقربه، الذي تألفه فما يزايلك، وتصحبه فما ~~يفارقك. أراد: أن رسول الروم ملكه من هيبة سيف الدولة، ما ملكه من هيبة ~~سيفه، واستعظم من أمر الملك كالذي استعظم من أمر السيف، فأجال لحظه متهيبا ~~للحالين، وقسم نظره متعجبا بين الأمرين. # وأبصر منك الرزق والرزق مطمع ... وأبصر منه الموت والموت هائل # ثم قال: وأبصر منك بعموم جودك الرزق المحيي فأطعمه، وأبصر من سيفك الموت ~~الهائل فأفزعه، فلاحظك بين اليأس والطمع، وقسم عينيه بين التأمل والفزع. # وقبل كما قبل الترب قبله ... وكل كمي واقف متضائل # ثم قال: وقبل الترب قبل تقبيله لكمك، وخضع فيه قبل وصوله إلى # PageV02P215 # قربك، والكماة من أبطال رجالك وقوف متضائلون، والرؤساء، من خدامك مثول ~~متهيبون. # وأسعد مشتاق وأظفر طالب ... همام إلى تقبيل كمك واصل # ثم يقول: إن أسعد مشتاق بنيل ما أمله، وأظفر طالب ببلوغ ما حاوله، ملك ~~رفيع الهمة، وصل إلى تقبيل كمك، وملك جليل الرتبة، خضع فتشرف بقربك. # مكان تمناه الشفاه ودونه ... صدور المذاكي والرماح الذوابل # ثم قال، مرفعا بتقبيل كمه: (كمك) مكان تمناه الشفاه، وتتنافس فيه ~~الأفواه، ms169 ودون الوصول إليه، والتشرف بالإكباب عليه، خيول جيوشه الغالبة، ~~وأطراف رماحه الذابلة. # فما بلغته ما أراد كرامة ... عليك ولكن لم يخب لك سائل # يقول: فما بلغت رسول الروم إلى ما بذلت له من سلمك، وما شرفته # PageV02P216 # به من تقبيل كمك، كرامته عليك، ولا منزلته الرفيعة عندك، ولكنه سألك وأنت ~~لا تخيب سائلك، وأملك وأنت لا تضيع من أملك. # وأكبر منه همة بعثت به ... إليك العدى واستنظرته الجحافل # ثم قال: وأكبر من هذا الرسول همة، وأرفع منزلة ورتبة، بعثت به إليك طوائف ~~الأعداء الذين يطلبون سلمك، ويتوقعون سطوتك وحربك، واستنظرته جيوشهم، ~~القدوم بجوابك، واستعلام حقيقة رأيك. # فأقبل من أصحابه وهو مرسل ... وعاد إلى أصحابه وهو عاذل # ثم قال: فأقبل من أصحابه، وهو رسول معظم لهم، وعاد إليهم وهو عاذل يزري ~~بهم، لما يتبينه من جلالتك، وعظم شأنك، ويتيقنه من ضعف المراسلين لك على ~~مقاومتك، ولما لهم من الحظ في الخضوع لطاعتك. # تحير في سيف ربيعة أصله ... وطابعه الرحمن والمجد صاقل # ثم يقول: تحير ذلك الرسول في سيف من سيوف الله، ربيعة؛ هذه القبيلة، ~~أصله، والله تعالى طابعه وصانعه،، والمجد صاقله ومظهر حسنه، # PageV02P217 # وحافظه ورافع قدره. # وما لونه مما تحصل مقلة ... ولا حده مما تحبس الأنامل # ثم أكد ما قدمه، من تفضيله على السيف، فقال: وما لونه مما تحصله المقل؛ ~~لأنها مغضوضة عنه لهيبته، ولا حده مما تجسه الأنامل، ولكنه سيف عند سطوته. # إذا عاينتك الرسل هانت نفوسها ... عليها وما جاءت به والمراسل # ثم قال، مخاطبا لسيف الدولة: إذا عاينتك الرسل، وعاينت جلالتك، وأبصرت ~~وشاهدت مهابتك، تصاغرت أنفسها، وهانت عليها رسائلها، واستقلت الملوك ~~المرسلين لها، والرؤساء الموجهين بها، وعلمت أن السعادة في التسليم لأمرك، ~~وحقيقة التوفيق في التمسك بحبلك. # رجا الروم من ترجى النوافل كلها ... لديه ولا ترجى لديه الطوائل # ثم يقول: رجا الروم من سيف الدولة، في إجابتهم إلى الصلح الذي رغبوه، من ~~ترجى لمسئلته نوافل الخير، وترتهن بطاعته ضروب الفضل، ولا يرجو من عصاه أن ~~يدال عليه؛ فيأخذ بطائلته، ويظفر ms170 # PageV02P218 # بإدراك ترته، لأن سعادته تمنع منه، وإقباله ييئس الأعداء منه. # فإن كان خوف الأسر والقتل ساقهم ... فقد فعلوا ما الأسر والقتل فاعل # ثم قال، مخاطبا له: فإن كان خوف القتل ساق الروم إليك، مستجيرين بما ~~رغبوه من السلم، فقد فعلوا بأنفسهم بما أظهروه من الذلة، وأبدوه من الخضوع ~~والاستكانة، ما هو كالقتل في شدته، ولا يفعل القتل أكثر منه في حقيقته. # فخافوك حتى ما لقتل زيادة ... وجاءوك حتى ما تزاد السلاسل # ثم قال: فأبدوا من مخافتك ما لا يزيد عليه القتل، وفعلوا بالاستسلام لك ~~ما لا يفعل مثله الأسر، وأشار إلى الأسر بذكر السلاسل. # أرى كل ذي ملك إليك مصيره ... كأنك بحر والملوك جداول # ثم يقول: أرى كل ذي ملك مصيره إلى الخضوع لك، وغاية أمله أن يعتلق بك، ~~فلا ملك إلا وهو واقع تحت ملكك، ولا رئيس إلا وهو # PageV02P219 # متصرف على حسب أمرك، كأنك في مصير الممالك إليك، وتزاحم أربابها عليك، ~~البحر الذي إليه مآل الجداول الجارية، وفيه مستقر جميع الأنهار السائلة. # إذا مطرت منهم ومنك سحائب ... فوابلهم طل وطلك وابل # ثم قال: فأنت والمتشبهون بك من الملوك، إذا ساجلوك في جودك، وتشبهوا بك ~~في فعلم، فأمطروا وأمطرت، وفعلوا وفعلت، عفوك يعجز جهدهم، وطل عطائك يستغرق ~~وبلهم. وذكر السحائب والطل والوابل على سبيل الاستعارة، وما أبدع به من ~~لطيف الإشارة. # كريم متى استوهبت ما أنت راكب ... وقد لقحت حرب فإنك نازل # ثم يقول: إن سيف الدولة كريم، لا يمنع من سأله، وجواد لا يبخل على من ~~استوهبه، فلو سئل في حرب لاقح مقتبلة، شديدة مشتعلة، ما يركبه، لسمح به ~~لسائله، وما يحمله لما بعد فيه على طالبه، وأشار بهذا إلى أنه لا يمنع شيئا ~~لحاجته إليه، ولا يبخل به وإن حلت عائدته عليه. # إذا الجود! أعط الناس ما أنت مالك ... ولا تعطين الناس ما أنا قائل # PageV02P220 # ثم قال: مخاطبا له: إذا الجود! سامح الناس فيما تبذل لهم من مالك، ولا ~~تسمح لهم بما أخلده من مدحك، يشير بهذا القول ms171 إلى تأكيد بصيرته في تشفيع ~~نعمه عنده، ومواصلة إحسانه قبله. # أفي كل يوم تحت ضبني شويعر ... ضعيف يقاويني قصير يطاول # ثم يقول: أفي كل يوم يمرس في شويعر ضعيف في صناعته، قصير في معرفته، ~~يقاويني وهو ضعيف لا قوة به، يطاولني وهو قصير لا بسطة له؟ # لساني بنطقي صامت عنه عادل ... وقلبي بصمتي ضاحك منه هازل # ثم قال: لساني إذا نطقت معرض عنه، عادل عن مخاطبته، وقلبي إذا صمت ضاحك ~~منه، هازل بجهالته. وأشار بهذا إلى الذين كانوا ينازعونه الشعر عند سيف ~~الدولة، وما كان من تقصيرهم عنه، وبعدهم في الحقيقة منه. # PageV02P221 # وأتعب من ناداك من لا تجيبه ... وأغيظ من عاداك من لا تشاكل # ثم يقول، على سبيل المثل: وأتعب حاسديك بندائه لك، من كنت مرتفعا عن ~~مجاوبته، وأشدهم تعذبا بك، من كنت متنزها عن مخاطبته، وأغيظ أعدائك عليك من ~~لا تشاكله، وأكرمهم لك من لا تماثله. # وما التيه طبي فيهم غير أنني ... بغيض إلي الجاهل المتعاقل # ثم قال: وما أعرض عنهم مداويا بالتيه لحسدهم، ولا مقارضا بالكبر لسفههم، # ولكني أبغض تعاقلهم مع جهلهم، وما يتعاطون من التمام مع نفسهم، ومن كانت ~~هذه حالته فأنا أبغضه، ومن كان على هذا السبيل فأنا أكرهه. # وأكثر تيهي أنني بك واثق ... وأكثر مالي أنني لك آمل # ثم قال، مخاطبا لسيف الدولة: وأكثر ما ارتفع به ما أظهره من الثقة بك، ~~وأنفس مال ادخره ما اعتقده من التأمل لك، فإنما أتيه بجميل رأيك، واستغني ~~بجزيل عطائك. # PageV02P222 # لعل لسيف الدولة القرم هبة ... يعيش بها حق ويهلك باطل # ثم يقول: لعل لسيف الدولة انتباها يتأمل به مغالطة هؤلاء المقصرين في ~~شعرهم، المتأخرين في مدحهم، فيحيا بذلك التأمل ما أهدي إليه من الحق، ويهلك ~~معه ما يتزينون به من الباطل والإفك. # رميت عداه بالقوافي وفضله ... وهن الغوازي السالمات القواتل # ثم قال: رميت عداه بما قيدته أشعاري من مدحه، وما خلدته من مكارمه وفضله، ~~وهن الغوازي السالمات في غزوهن، القاتلات للأعداء بعفوهن؛ لأنهن يسرعن في ~~السير دون تكلف، ms172 ويقتلن من اعتمدنه بغير تخوف. # وقد زعموا أن النجوم خوالد ... ولو حاربته ناح فيها الثواكل # ثم يقول: وقد زعموا أن النجوم لا تحيا وتهلك، وتعدم وتوجد، وأنها خوالد ~~إلى أن تفنى جملتها، وتنتقص باقتراب الساعة بنيتها، ولو حاربت سيف الدولة ~~لانقلبت أحوالها بسعده، ولنالها القتل بإقبال جده، وأشار بنوح الثواكل إلى ~~ذلك. # PageV02P223 # وما كان أدناها له لو أرادها ... وألطفها لو أنه المتناول # ثم قال: وما كان أدناها له لو قصدها، وألطفها لو حاول تناولها، يريد: أن ~~سعده يقرب له ما لا يقرب مثله، ويبلغه إلى ما (لم) يبلغه أحد قبله، وهذا من ~~تزيد الشعراء الذين يستجيزون فيه الكذب، لما يحاولونه من بلوغ غايات المدح، # ويرمونه من استيفاء أرفع منازل الوصف. # قريب عليه كل ناء عن الورى ... إذا لثمته بالغبار القنابل # ثم يقول: إن سيف الدولة إذا قاد جيشه، وتقلد نحو العدو خيله، ولثمته ~~كتائبه، بما تثيره من الغبار، وما تبعثه من الرهج، فكل ما يبعد على غيره، ~~قريب عليه مراده، وغير بعيد منه مكانه. # يدبر شرق الأرض والغرب كفه ... وليس لها وقتا عن الجود شاغل # ثم قال: يدبر كفه المشارق والمغارب، والدواني من الأرض والقواصي، وليس ~~يشغله مع ذلك وقتا من الدهر شاغل عما يحاوله من أمره، ولا يعوقه # PageV02P224 # عائق عما يبذله من فضله. # يتبع هراب الرجال مراده ... فمن فر حربا عارضته الغوائل # يقول: إنه من إسعاده جده، وما يمكنه الله من أمره، يتبع من هرب عنه من ~~الرجال ما يريده به، ويعترضه ما يعتقده له، فمن فرعنه في حربه أدركته في ~~مأمنه غوائل حتفه. # ومن فر من إحسانه حسدا له ... تلقاه منه حيثما سار نائل # ثم قال: ومن فر عن إحسانه، فأظهر مشاركته، وأبعده عنه الحسد، فاعتقد ~~مجانبته، تلقاه من سيف الدولة حيثما سار، نائل يشمله، وأدركه منه إحسان ~~يغمره، يشير إلى أن فضله يشمل الحاسد والولي، ويعم المحسن والمسيء. # فتى لا يرى إحسانه وهو كامل ... له كاملا حتى يرى وهو شامل # ثم يقول مخبرا عنه: إنه فتى لا ms173 يرى جليل إحسانه، وكثير إفضاله، وإن بلغ ~~فيه أبلغ غاياته، مستكملا متمما، حتى يكون شاملا في ذاته، عاما في حقيقته. # PageV02P225 # إذا العرب العرباء رازت نفوسها ... فأنت فتاها والمليك الحلاحل # ثم قال: إذا العرب العرباء الصرحاء، والجلة منهم الكرماء، رازوا أنفسهم، # وحصلوا (أمرهم)؛ علموا أنك فتاهم جودا ونجدة، ومليكهم الحلاحل إقداما ~~ورفعة. # أطاعتك في أرواحها وتصرفت ... بأمرك والتفت عليها القبائل # ثم قال: أطاعوك في أرواحهم وأنفسهم، وتصرفوا على أمرك في إيرادهم ~~وإصدارهم، والتفت قبائلهم على نصرتك، ودانوا أجمعين بالخضوع لطاعتك. # وكل أنابيب القنا مدد له ... وما تنكت الفرسان إلا العوامل # ثم يقول له، مؤكدا لما ذكره من التفاف العرب عليه، وانقيادها له: وكل ~~أنابيب الرمح مما يمده ويعضده، ويعينه ويؤيده، ولكن العوامل منها، بها ينكت ~~الفرسان، وبها يكون الطعان. فجعل موضع سيف الدولة # PageV02P226 # من العرب، وإن كانت مددا له، ومثبتة به، موضع الرمح الذي به يكون الطعن، ~~وإليه من بين سائر الأنابيب الفعل. # رأيتك لو لم يقتض الطعن في الوغى ... إليك انقيادا لاقتضته الشمائل # ثم قال، مخاطبا له: رأيتك لو لم يقتض الطعان في الحرب انقياد أعدائك لك، ~~وخضوعهم لأمرك، وحاولوا مدافعتك بمبلغ جهدهم، وراموا ذلك بظاهر فعلهم، ~~لاقتضت انقيادهم لك شمائلهم، ولقصرتهم على ذلك طبائعهم؛ لأن جبلتهم توجب ~~خضوعهم لطاعتك، وأنفسهم تلزمهم الاعتراف برئاستك. # ومن لم تعلمه لك الذل نفسه ... من الناس طرا علمته المناصل # ثم قال: ومن لم تعلمه نفسه الذل لك، وترشده إلى الاعتلاق بك، علمته ذلك ~~مناصلك، وأجبرته عليه جيوشك وكتائبك، فمن لم يطعك بالاعتراف والرغبة، أطاعك ~~بالاقتدار والغلبة. # PageV02P227 # وورد عليه رسول سيف الدولة برقعة فيها هذا البيت: # رأى خلتي من حيث يخفي مكانها ... فكانت قذى عينيه حتى تجلت # وسأله إجازته، فأثبت تحته في الرقعة: # لنا ملك ما يطعم النوم همه ... ممات لحي أو حياة لميت # ويكبر أن تقذى بشيء جفونه ... إذا ما رأته خلة بك فرت # جزى الله عني سيف دولة هاشم ... فإن نداه الغمر سيفي ودولتي # PageV02P228 # ولما وافى رسول ملك الروم، رأى سيف الدولة يتشكى، ms174 فقال: أتراه يفرح ~~بعلتنا، فقال أبو الطيب: # فديت بماذا يبشر الرسول ... وأنت الصحيح بذا لا العليل # عواقب هذا تسوء العدو ... وتثب فيك وهذا يزول # PageV02P229 # أحدثت بنو كلاب حدثا بنواحي بالس، وسار سيف الدولة خلفهم وأبو الطيب معه، ~~فأدركهم بعد ليال بين مائين يعرفان بالغبارات والخرارات من جبل البشر، ~~فأوقع بهم فقتل، وملك الحريم فأبقى عليه، وأحسن إليه، فقال أبو الطيب في ~~ذلك بعد رجوعه من هذه الغزاة، فقال أبو الطيب في ذلك بعد رجوعه من هذه ~~الغزاة، أنشدها إياه في جمادي الآخرة سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة. # بغيرك راعيا عبث الذئاب ... وغيرك صارما ثلم الضراب # يقول، مخاطبا لسيف الدولة: بغيرك من الأمراء، وقادة الناس الرؤساء، عبثت ~~ذئاب المخالفين، وعلى غير رعاياك أقدم شرار العصاة المتمردين، وغيرك من ~~السيوف ثلمه الضرب، وأكله الحرب. # PageV02P230 # وتملك أنفس الثقلين طرا ... فكيف تحوز أنفسها كلاب # ثم قال، مخاطبا له: وتملك أنفس الثقلين بجلالة سلطانك، وشمول إحسانك، ~~فكيف تختار كلاب، هذه القبيلة، أنفسها عنك من بين سائر الثقلين، فتخالف ~~أمرك، وتنكر فضلك، هذا أمر لا يمكن، ومحال لا يحسن. # وما تركوك معصية ولكن ... يعاف الورد والموت الشراب # ثم قال: وما تركوك في فرارهم معصية لك، ولا رحلوا من بين يديك جهالة، بك، ~~ولكنهم حذروا مطوعتك، وملكتهم هيبتك، فعادوا بالزوال، واعتصموا بالفرار، ~~ويكره الورد إذا كان الموت شرابه، ويحذر إذا كان الحتف ماله. # طلبتهم على الأمواه حتى ... تخوف أن تفتشه السحاب # ثم يقول له: طلبت بني كلاب على الأمواه التي هي مظان الأعراب في ~~ارتحالها، ومنازلها عند انتقالها، فبلغت غايات تلك الفلوات النائية، ودوخت ~~أقاصي تلك الرمال الشاسعة، وقرب عليك منها ما يقرب مثله، وفعلت في التوصل ~~إليها ما لا يمكن غيرك فعله، ونلت من ذلك ما ليس السحاب بأبعد منالا منه، ~~ولا يخرج بشدة الامتناع عنه. ودل بقوله: # PageV02P231 # (تخوف أن تفتشه السحاب) على هذه العبارة. # فبت ليالبا لا نوم فيها ... تخب بك المسومة العراب # ثم قال: فبت لياليا في طلبك لهم، وأنت ساهر لا ترقد، وراحل لا ms175 تسكن، تخب ~~بك وبمن معك الخيل المسومة، والعراب الفره المطهمة. # يهز الجيش حولك جانبيه ... كما نفضت جناحيها العقاب # ثم يقول، مخاطبا له، ومشيرا إلى قوة طلبه لبني كلاب: يهز الجيش مجنبته ~~حولك، امتثالا لسيرك، واقتداء بفعلك، كما هزت العقاب جناحيها طائرة، ونهضت ~~بهما إلى ما تعتمده قاصدة. # وتسأل عنهم الفلوات حتى ... أجابك بعضها وهم الجواب # PageV02P232 # ثم قال: وتسأل الفلوات عنهم بطلبك لهم، ويكشفها فيهم تهممك بهم، حتى ~~أجابك بعض تلك الفلوات بالإظهار عليهم، وأسعدك بالإرشاد إليهم، وهو الجواب ~~الذي أقنعك سماعه، والمطلوب الذي أرضاك بلوغه. # فقاتل عن حريمهم وفروا ... ندى كفيك والنسب القراب # ثم يقول: فقاتل عن حريم بني كعب لما فروا عنك، ولم يكن لهم قبل بك، ندى ~~كفيك الذي حسن لك الإعراض عن أموالهم، وخفف عليك تعويض الجند من أنهابهم، ~~ونسبهم القريب الذي راعيت حرمته، وحفظت ذمته. # وحفظك فيهم سلفي معد ... وأنهم العشائر والصحاب # ثم قال، مؤكدا لما قدمه: وقاتل عنهم حفظك فيهم للسلفين من معد؛ وهما ~~ربيعة ومضر، ربيعة جد سيف الدولة، ومضر أخوه، وبنو كلاب أعقابه. # فيقول لسيف الدولة: إنه حفظ فيهم هذه القرابة القريبة، وإنهم عشائره ~~وأهله وأنصاره وحزبه، وأصحابه في وقائعه، وأجناده في ملاحمه. # PageV02P233 # تكفكف عنهم صم العوالي ... وقد شرقت بظعنهم الشعاب # ثم يقول له: تدفع عن بني كلاب صم الرماح، إبقاء عليهم، وتحرجا من الإيقاع # بهم، قد شرقت الشعاب بنسائهم، وعجزوا عن حماية حريمهم. # وأسقطت الأجنة في الولايا ... وأجهضت الحوائل والسقاب # ثم قال، مؤكدا لما ذكره من شدة حالهم: وأسقطت نسائهم الأجنة في ولايا ~~الرحال، مهملات لا يحفظن، ومعجلات عن أن ينزلن، وأجهضت النوق ما في بطونها ~~من الإناث الحوائل، والذكور السقاب. يشير بهذه الحال في النساء والنوق إلى ~~ما صار إليه بنو كلاب من الفرار الشديد، ومطالبة الشأو البعيد، وأن ذلك مع ~~إسرافهم فيه لم يعصمهم، وأن فرارهم مع شدته لم ينفعهم. # وعمرو وفي ميامنهم عمور ... وكعب في مياسرهم كعاب # PageV02P234 # ثم يقول: إن سيف الدولة لحق بني كلاب، وهم على ما ذكروه ms176 من الرعب، ~~والاجتهاد في الفرار، والتناهي في سوء الحال، وإن بني عمرو كانوا متيامنين ~~منهم في حين هربهم، وهم عمور. يشير إلى افتراقهم وتقطعهم، وأن البطن منهم ~~صار بطونا، بما لحقهم من الخوف، ونالهم من الذعر، وكذلك كانت بنو كعب ~~متياسرين منهم، لحقهم من الافتراق والخوف كالذي لحقهم، فصاروا كعوبا. يشير ~~إلى انصداع جمعهم، وافتراق شملهم. وأن القبيلة منهم صارت قبائل؛ بتحزبهم في ~~هربهم، وتقطعهم في سيرهم. # وقد خذلت أبو بكر بنيها ... وخاذلها قريط والضباب # ثم أكد ذلك، فقال: إن أبا بكر، هذا البطن، تخاذل فضيع الآباء منهم ~~أبناءهم، والرؤوس المرتفعة فضائلهم، وكذلك خذلتهم ضباب وقريط، وهم اخوتهم ~~وعشائرهم. # إذا ما سرت في آثار قوم ... تخاذلت الجماجم والرقاب # ثم أكد ما قدمه، فيما أحاط بهذه القبائل من مخافة سيف الدولة، فقال ~~مخاطبا له: إذا ما سرت في طلب قوم يهربون عنك، تخاذلت أعضاؤهم # PageV02P235 # المتصلة، فكيف تظن # بعشائرهم المقتربة؟ وأشار بما ذكره من تخاذل الجماجم والرقاب إلى هذه ~~الحال، ودل على أن سيف الدولة قادر على من يطلبه، مؤيد في جميع ما يقصده. # فعدن كما أخذن مكرمات ... عليهن القلائد والملاب # ثم يقول: إن نساء بن كلاب عدن إليهم بعد ظهور سيف الدولة عليهم، مكرمات ~~بما أحاط ببني كلاب من عفوه، لم تنلهن معرة الجيش، ولا لحقهن امتهان السبي، ~~بل عدن إليهم، لم ينهب حليهن، ولا تغير طيبهن. وأشار إلى هذا بذكره القلائد ~~والملاب، ودل على ما كان عليه هؤلاء النساء من الصيانة وظاهر الكرامة. # يثبنك بالذي أوليت شكرا ... وأين من الذي تولي الثواب # ثم قال، يخاطب سيف الدولة، ويخبر عن هؤلاء النسوة: يثبنك في رجوعهن شكرا ~~عن عفوك، وثناء جميلا عن فضلك، وأين ثواب شكرهن من جليل إنعامك، وما أحاط ~~بهن من تطولك وإحسانك؟ # وليس مصيرهن إليك سبيا ... ولا في صونهن لديك عاب # PageV02P236 # ثم يقول: وليس مصير هؤلاء النسوة إليك سبيا نالهن، ولا مكروها حل بهن، ~~لأنك سيد العرب، والمنفرد عليهم بالنعم، ومثلك لا يخاف على تضييع حرمهم، ~~ولا يظن به ms177 تناهي ذممهم، وليس في صونك لنسائهم، وتغلبك على حريمهم ما ~~يعابون به، ولا يألمون له، لأنك سيد عشائرهم، ومشيد فضائلهم. # ولا في فقدهن بني كلاب ... إذا أبصرن غرتك اغتراب # ثم قال: ولا في فقد هؤلاء النسوة لبني كلاب، الذين هم حرمهم، اغتراب ~~يلحقهن، إذا أبصرن غرتك، وتبوأن محلك؛ لأنهن مشمولات بكرامتك، محفوظات ~~بصيانتك. # وكيف يتم بأسك في أناس ... تصيبهم فيؤلمك المصاب # ثم قال: وكيف يتم بأسك في بني كلاب، ومصابهم يؤلمك، وما تنالهم به من # العقاب يوجعك؛ لأن لهم إليك ماتة القرابة، ويتوسلون بحرمة الصنيعة، فإن ~~أغضبوك بمعصيتهم لك، فسيعطفك عليهم استحكام ثقتهم بك. # ترفق أيها المولى عليهم ... فإن الرفق بالجاني عتاب # ثم يقول له: ترفق أيها المولى ببني كلاب صنائعك، فإن الرفق يكشف للجاني ~~من سوء فعله، كالذي يكشف له العتاب الذي يربخ فيه بذنبه. # وإنهم عبيدك حيث كانوا ... إذا تدعو لحادثة أجابوا # ثم قال: وهم حيث كانوا عبيد نعمتك، وأنصار دعوتك، إذا دعوتهم أسرعوا ~~نحوك، وإذا أمرتهم امتثلوا أمرك. # PageV02P237 # وعين المخطئين هم وليسوا ... بأول معشر خطئوا فتابوا # ثم يقول له: وبنو كلاب عين المخطئين في الإقدام على معصيتك، مع الإقرار ~~بسالف نعمتك، وليسوا بأول من أثم فتاب عن إثمه، وغوى فاستبصر ورجع عن غيه. # وأنت حياتهم غضبت عليهم ... وهجر حياتهم لهم عقاب # ثم قال له: وأنت لهم كالحياة التي لها يسعون، وبها يعيشون، وهجر حياتهم ~~لهم عقاب عما جنوه، وجزاء بالغ فيما أتوه. # وما جهلت أياديك البوادي ... ولكن ربما خفي الصواب # ثم قال له: وما جهل أهل البادية من الأعراب فضلك عليهم، وآثارك المشكورة ~~فيهم، ولكن حرموا الصواب في فعلهم، والسداد في أمرهم، وقد يخفي الصواب على ~~قاصده، ويبعد السداد على طالبه. # وكم ذنب مولده دلال ... وكم بعد مولده اقتراب # ثم قال، مشيرا إلى ثقة بني كلاب بتجاوز سيف الدولة عنهم، أخرجهم إلى ما ~~أنكره منهم: ورب ذنب قاد الدلال إليه، وقرب ضر صاحبه فأحدث البعد عليه. # وجرم جره سفهاء قوم ... وحل بغير جارمه العذاب # PageV02P238 # ثم قال: ورب ms178 جرم أحدثه سفهاء قوم على ساداتهم، وخالفوا فيه رأي جماعتهم، ~~فطولب رؤساؤهم بما جناه سفهاؤهم، فنالهم العذاب مع البراءة، وحل بهم العذاب ~~مع السلامة، وأشار إلى أن القوم الذين أوقع بهم سيف الدولة من رؤساء بني ~~كلاب لم يشركوا السفهاء منهم في خروجهم من طاعته، وإظهارهم الإقدام على ~~معصيته. # فإن هابوا بجرمهم عليا ... فقد يرجو عليا من يهاب # ثم يقول: فإن هاب بنو كلاب عليا؛ سيف الدولة، بذنبهم الذي أتوه، وجرمهم ~~الذي جنوه، فليس ذلك مما يقطع رجاءهم فيه، ويرد وسائلهم إليه، فسائر رعاياه ~~يرجونه ويهابونه، ويؤملونه ويخافونه. # وإن يك سيف دولة غير قيس ... فمنه جلود قيس والثياب # ثم قال: وإن كان سيف الدولة منسوبا إلى بني العباس بالخدمة، ومآلهم إلى ~~خندف، وإلى بني تغلب بالنسبة، ومالهم إلى ربيعة، وقيس بين القبيلتين فقد ~~قربت منه قيس بإحيانه إليهم، واتصلوا به بما أسلفه من صنائعه الجميلة فيهم، ~~فجلودهم من نعمه، وثيابهم من هباته وخلعه. # وتحت ربابه نبتوا وأثوا ... وفي أيامه كثروا وطابوا # PageV02P239 # ثم يقول: أن بني كلاب صنائع سيف الدولة، أنبتتهم سحائب نعمه، (وعمتهم) ~~سوالف سننه، فكثر عددهم في أيامه، وطاب خبرهم بما شملهم من إنعامه. # وتحت لوائه ضربوا الأعادي ... وذل لهم من العرب الصعاب # ثم قال، مؤكدا لما قدمه، من ذكر اتصالهم به: وتحت لوائه ضربوا من أعاديه ~~من خالفه وعصاه، وأذل بهم من العرب من استصعب عليه ونواه. # ولو غير الأمير غزا كلابا ... ثناه عن شموسهم ضباب # ثم يقول: ولو غير سيف الدولة غزا كلابا؛ هذه القبيلة، لأعياه أمرهم، ~~ولأفزعه بأسهم، ولثناه عن الاستضاءة بشموس بلادهم عجاج كتائبهم، وساطع رهج ~~مواكبهم، وجمع الشمس على التجوز، كأنه جمع شمس كل يوم شمسا على حيالها، ~~وأشار بالضباب إلى الرهج. # ولاقى دون ثأيهم طعانا ... يلاقي عنده الذئب الغراب # ثم قال: ولاقى دون بيوتهم، وأشار إليها بالثأي؛ لأنها إنما تكون # PageV02P240 # بقربها، قتالا صادقا، وطعانا نافذا، يكثر القتل به، وتعظم الوقائع فيه، ~~ويلتقي عنده الذئاب والغربان، يشير إلى ما كان يعتمد القتلى من سباع ms179 البر ~~وطيور الجو. # وخيلا تغتدي ريح الموامي ... ويكفيها من الماء السراب # ثم قال: ويلاقي من خيولهم خيلا، لا تماثل في سرعتها، ولا تقاوم في شدتها، ~~تغتدي في الفلوات برياحها، وترتوي في الهواجر بسرابها. يشير إلى أنها تجتزي ~~بألبان الإبل عن العلف والماء، وكذلك تكون خيل الأعراب. # ولكن ربهم أسرى إليهم ... فما نفع الوقوف ولا الذهاب # ثم يقول، مشيرا إلى سيف الدولة؛ ولكن بنو كلاب مع منعتهم، لما أسرى إليهم ~~مالكهم، خضعوا لأمره، وعجزوا عن حربه، فلم ينفع الواقف وقوفه؛ للغلبة ~~المحيطة به، ولا نفع الذاهب ذهابه؛ للطلب المدرك له. # ولا ليل أجن ولا نهار ... ولا خيل حملن ولا ركاب # ثم يقول، مؤكدا لما قدمه: ولا الليل أجن من حاول الاستتار به، ولا النهار ~~نفع من رام الفرار فيه، ولا الخيل حملت من ركبها لسرعتها، ولا الركاب أقلته ~~لقوتها، يريد: أن جيش سيف الدولة أدرك جميعهم، وملك حريمهم. # PageV02P241 # رميتهم ببحر من حديد ... له في البر خلفهم عباب # ثم يقول لسيف الدولة: رميتهم من جيشك ببحر من حديد؛ لكثرة السلاح فيه، ~~أحاط # بهم أوله، وزخر خلفهم معظمه. # فمساهم وبسطهم حرير ... وصبحهم وبسطهم تراب # ثم قال: فأتاهم أول الجيش مساء، والحرير بسطهم، والرفاهية حالهم، ووافتهم ~~جملته نهارا؛ وهم أسارى منهوبون؛ التراب بسطهم، والخضوع شأنهم. # ومن في كفه منهم قناة ... كمن في كفه منهم خضاب # ثم أكد ذلك، فقال: ومن يحمل قناة للقتال من رجالهم، كمن يستعمل خضابا ~~للزينة من نسائهم، قد تساووا بالتحكيم في أنفسهم، وتماثلوا في الإلقاء ~~بأيديهم، وصار رجالهم كنسائهم وأشداؤهم كضعفائهم. # بنو قتلى أبيك بأرض نجد ... ومن أبقى وأبقته الحراب # ثم يقول لسيف الدولة: إن بني كلاب الذين أوسعتهم عفوك، قد أوقع أبوك بأرض ~~نجد بآبائهم، وعفا بالقدرة عن أسلافهم، ففعل فيهم # PageV02P242 # كفعلك، وبذل لهم كالذي بذلته من فضلك. # عفا عنهم وأعتقهم صغارا ... وفي أعناق أكثرهم سخاب # ثم قال: شملهم عفوك، ونال جميعهم عتقه، وهم صغار في أسنانهم، أطفال في ~~أحوالهم، تتخذ لهم السخاب والتمائم، وتعلق عليهم المعاذات والقلائد. # وكلكم ms180 أتى مأتى أبيه ... فكل فعال كلكم عجاب # ثم يقول لسيف الدولة: وكلكم حكى أباه في فعله، وتلاه فيما أسلفه من فضله، ~~فكل أفعال كلكم عجيب عند سامعه، جليل عند ذاكره. # كذا فليسر من طلب الأعادي ... ومثل سراك فليكن الطلاب # ثم قال، مخاطبا له: (كذا) فليسر من طلب أعاديه، وحاول عقاب مخالفيه، ومثل ~~سراك على بني كلاب، فليكن الطلب والعزم، ومثل نفاذك فيهم فليكن النفاذ ~~والحزم. # PageV02P243 # وسار سيف الدولة نحو ثغر الحدث لبنائها، وكان أهلها أسلموها بالأمان إلى ~~الدمستق سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة، فنزلها سيف الدولة يوم الأربعاء لاثنتي ~~عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة من سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة، فبدأ في ~~يومه فخط الأساس، وحفر أوله بيده ابتغاء ما عند الله، فلما كان يوم الجمعة ~~نازله ابن الفقاس؛ دمستق النصرانية، في خمسين ألف فارس وراجل، من جموع ~~الروم والأرمن والروس والبلغر والصقلب والجزرية. ووقعت المصافة يوم ~~الاثنين، انسلاخ جمادى الآخرة، من أول النهار إلى وقت العصر، وأن سيف ~~الدولة حمل عليه بنفسه في نحو خمس مائة من غلمانه، وأصناف رجاله، فقصد ~~موكبه وهزمه، وأظفره الله # PageV02P244 # به، وقتل نحو ثلاثة آلاف رجل من مقاتلته، وأسر خلقا من اسخلاريته ~~وأراخنته فقتل أكثرهم، واستبقى البعض، وأقام (على الحدث) حتى بناها، ووضع ~~بيده آخر شرافة منها، يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة خلت من رجب فقال أبو ~~الطيب، أنشدها سيف الدولة بعد الوقعة بالحدث: # على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم # يقول: على قدر العزم من الملوك، وما يكونون عليه من نفاذ القدرة، وتظاهر ~~العلو والرفعة، تكون عزائمهم في نفاذها، وبصائرهم في قوتها وثباتها، وعلى ~~قدر الكرام في منازلهم، واستبانة فضائلهم، تكون مكارمهم في جلالتها، ~~وأفعالهم في قوتها وفخامتها. # وتعظم في عين الصغير صغارها ... وتصغر في عين العظيم العظائم # PageV02P245 # ثم قال: وبحسب ذلك، يعظم في عين الصغير صغير ما يفعله، ويكبر عنده قليل ~~ما يدركه، وتصغر في عين العظيم الأمور العظيمة، والأفعال الجليلة. يشير إلى ~~سيف الدولة، وما أبانته الوقعة التي ms181 ذكرها من نفاذ عزمه، وجلالة قدره. # يكلف سيف الدولة الجيش همه ... وقد عجزت عنه الجيوش الخضارم # ثم يقول: يكلف سيف الدولة جيشه استيفاء ما تبلغه همته، وتنعقد عليه نيته، # والجيوش الخضارم تعجز عن ذلك ولا تدركه، وتقصر عنه ولا تلحقه. # ويطلب عند الناس ما عند نفسه ... وذلك ما لا تدعيه الضراغم # ثم قال: ويطلب أصحابه وأتباعه ما عنده من البأس والنجدة، والإقدام ~~والشدة، وذلك ما لا تبلغه الأسود العادية، ولا تدعيه الضراغم الباسلة. # تفدي أتم الطير عمرا سلاحه ... نسور الملا أحداثها والقشاعم # PageV02P246 # ثم يقول: يفدي سلاح سيف الدولة أطول الطير مدة، وأكثرها للدهر خبرة، وبين ~~هذا الصنف، فقال: أصاغر النسور وأكابرها، وأحداثها وقشاعمها، لما هي عليه ~~من الخصب في وقائعه، والاستبشار في كثرة ملاحمه. # وما ضرها خلق بغير مخالب ... وقد خلقت أسيافه والقوائم # ثم يقول: وما كان يضرها أن تخلق بغير مخالب، تستعملها فيما تأكله، ~~وتصرفها فيما تنشبه؛ لأن سيوفه تبلغها في ذلك ما ترغبه، وتفعل لها منه ما ~~تريده وتطلبه. وأشار إلى مداومة سيف الدولة للقتال والقتل، ومواصلتهم ~~للوقائع والحرب. # هل الحدث الحمراء تعرف لونها ... وتعلم أي الساقيين الغمائم # ثم يقول: هل الحدث الحمراء، بما سفك سيف الدولة فيها من الدم، تعرف ~~لونها، وتتيقن حالها؟ جعل صفتها الحمرة، إشارة إلى ما أحدث فيها سيف الدولة ~~من هذه الوقعة، وهل تعرف هذه المدينة أي ساقييها الغمام؟ وهل تنقصل عندها؟ ~~فرق ما بين المطر الساقي، لها، والدماء المسفوكة بها، # PageV02P247 # يشير إلى كثرة ما أجري فيها سيف الدولة من دماء الروم، وأنها ساجلت ~~بكثرتها الأمطار الوابلة، وشاكلت الغيوث الساجمة. # سقتها الغمام الغر قبل نزوله ... فلما دنا منها سقتها الجماجم # ثم قال: سقتها الغمام الغر قبل نزول سيف الدولة بها، وجادتها قبل حلوله ~~فيها، فلما احتلها أوقع فيها بالروم الذين حاولوا منعه من بنيانها، ودفعه ~~عن تسكينها، # فقتلهم جيوشه، وفلقت هامهم سيوفه، فسفك فيها من دمائهم، ما ماثل المطر ~~الذي جادها به السحاب في كثرته، وقاومه في جملته. # بناها فأعلى والقنا يقرع القنا ms182 ... وموج المنايا حولها متلاطم # ثم يقول: بني سيف الدولة مدينة الحدث على الروم، وقد أذلهم بالإيقاع بهم، ~~وقهرهم بالاستيلاء عليهم، بعد أن تقارع القنا من حربهم، وتلاطم موج الموت ~~في حين منازلته لهم. يشير إلى أنه بنى هذه المدينة بعد الوقعة التي أثخنت ~~الروم بالقتل، وألبستهم ثياب الذل. # وكان بها مثل الجنون فأصبحت ... ومن جثث القتلى عليها تمائم # ثم قال: وكان بهذه المدينة، في حين خلاء أهلها، وامتناع المسلمين من ~~البنيان لها، كالجنون لمخافة الروم، وتهيب أمرهم، وكراهتهم، والفرق من ~~ملكهم، فسكن سيف الدولة تلك المخافة، وأذهب تلك المهابة، وترك # PageV02P248 # حول هذه المدينة من جثث قتلى الروم ما قام لها مقام التمائم، وأمنها جميع ~~المحاذير. # طريدة دهر ساقها فرددتها ... على الدين بالخطي والدهر راغم # ثم قال، مخاطبا لسيف الدولة: وكانت هذه المدينة طريدة دهر، أخرجها عن مدن ~~الإسلام، وأزعجها من بينها بعدم العمران، فرددتها على الاسم بتسكينك لها، ~~واغتصبتها من الروم بدفعهم عنها، وغالبت الدهر الذي أسعدهم عليها فغلبته، ~~وقارعته دونها فأرغمته. # تفيت الليالي كل شيء أخذنه ... وهن لما يأخذن منك غوارم # ثم يقول له: أنت لسعادة جدك، وتأييد الله لك على أمرك، لا تنقض الليالي ~~عليك ما تفعله، ولا تسترد منك ما تأخذه، وهن يصرفن ما أخذنه منك، ويغرمن ما ~~فوتنه عنك. # إذا كان ما تنويه فعلا مضارعا ... مضى قبل أن تلقى عليه الجوازم # PageV02P249 # ثم أكد ما ذكره من سعده، وإظهار الله له على قصده، فقال، مخاطبا له: إذا ~~كان ما تنويه فعلا مستقبلا، ولفظ المستقبل يشترك ما بين الدائم الذي لم ~~ينقطع، والمتأخر الذي لم يقع، صار ذلك الفعل ماضيا بوقوعه منك، ومتصرفا ~~بتمكنه لك، قبل أن تلحقه الجوازم، فتثبته فيما لم يجب، وتدخل عليه فتخلصه ~~لما لم يقع. وأشار بهذا إلى أن ما ينويه فالله ييسره له، وما يريده فالأيام ~~لا تمطله به. # وكيف ترجي الروم والروس هدمها ... وذا الطعن أساس لها ودعائم # ثم يقول له: وكيف ترجي الروم والروس هدم هذه المدينة، وقد أسستها على ~~الطعن ms183 الذي أعلمته فيهم، ودعمتها بالقتل الذي سلطته عليهم، فكيف يرومون ~~هدمها، وهذه صورة بنيتها، وكيف يحاولون إخلاءها، وهذه حقيقة منعتها. # وقد حاكموها والمنايا حواكم ... فما مات مظلوم ولا عاش ظالم # ثم قال: وقد حاكموها ظالمين، بما تعرضوا له من الحرب، وحاولوها متعدين، ~~بما تكلفوه من الجمع، فما عاشوا مع ما حاولوه من الظلم لها، ولا مات ذكر ~~هذه المدينة مع ما أرادوه من الخراب بها، بل نصر الله فيها سيف الدولة، ~~فهزم جيوشهم، وأظهره عليهم، ففرق جموعهم. # PageV02P250 # أتوك يجرون الحديد كأنهم ... سروا بجياد ما لهن قوائم # ثم يقول لسيف الدولة، وهو يخبر عن الروم: أتوك قد لبسوا الدروع، ولبست ~~خيلهم التجافيف، فصاروا يجرون الحديد، وقد سترت التجافيف قوائم خيلهم، ~~وشملت السلاح جميعهم جيشهم، حتى كأنهم سروا بجياد لا قوائم لها، لكثرة ما ~~تكلفوه من تشبث التجافيف بها. # إذا برقوا لم تعرف البيض منهم ... ثيابهم من مثلها والعمائم # ثم أكد ذلك، فقال: إذا زحفت كتائب جميعهم، وبرقت أسلحة جيشهم، لم تعرف ~~السيوف المصلتة بينهم؛ لأن عمائمهم البيض، والمغافير ثيابهم، وما يشمل ~~خيلهم # الدروع والتجافيف، وكل ذلك يماثل السيوف، ولا يبعد عنها، ويشاكلها ولا ~~ينفصل منها. وأشار بما وصف من كثرة سلاح هذا الجيش إلى قوته، وبما ذكره من ~~هذه الهيبة إلى شدته. # خميس بشرق الأرض والغرب زحفه ... وفي أذن الجوزاء منه زمام # ثم يقول: إن هذا الخميس لعظم أمره، وكثرة أهله، يملأ ما بين الشرق ~~والغرب، ويعمهما زحفه، ويكون فيهما سيره. وفي أذن الجوزاء من أصوات أهله ~~زمازم لا تتفسر، وأخلاط لا تتبين. وقال: أذن الجوزاء؛ # PageV02P251 # على سبيل الاستعارة، وأشار بذكرها إلى أن هذه الأصوات تبلغ السماء ~~بكثرتها، وتقطع أبعد المسافات بشدتها. # تجمع فيه كل لسن وأمة ... فما تفهم الحداث إلا التراجم # ثم قال: تجمع في هذا الجيش كل لسن من الأمم المختلفة، والطوائف المفترقة، ~~فما تتفاهم الحداث منهم إلا بتراجم تتكلف لهم، وتفاسير تستعمل بينهم، وأشار ~~بهذا إلى عظم الجيش وحفله، وكثرة ما تضمن من حشده. # فلله وقت ذوب الغش ms184 ناره ... فلم يبق إلا صارم أو ضبارم # ثم يقول: فلله وقت تلك الوقعة التي أذهبت شدة الحرب فيها تمويه الفرسان، ~~وذوبت نارة غشهم، وتبينت أمرهم، فلم يبق من السيوف إلا الصارم، ومن الرجال ~~إلا الضبارم يريد: أن السيوف الكليلة تقطعت، وجماعة الرجال الجبناء تفرقت، ~~فلم يبق من السيوف إلا ما كرم، ومن الرجال إلا من قوي وشجع. # تقطع ما لا يقطع الدرع والفتى ... وفر من الفرسان من لايصادم # ثم أكد ذلك، فقال: أكرهت السيوف بشدة الضرب، فتقطع منها # PageV02P252 # ما لا يقطع الدرع والفتى اللابس له، ويفري الحديد والشجاع المستتر به، ~~وفر من الفرسان من لا يصادم لشدته، ويعانق الأبطال مدلا بقوته. # وقفت وما في الموت شك لواقف ... كأنك في جفن الردى وهو نائم # ثم يقول لسيف الدولة: وقفت غير متهيب، وأقدمت غير متوقع، والموت لا شك ~~فيه عند من وقف موقفك، وتقدم تقدمك، كأنك من الردى في أمكن مواضعه، وهو ~~معرض عنك فيما يتكلف من شدائده. وأشار بجفن الردى إلى عظيم ما اقتحم سيف ~~الدولة، وبنومه إلى إعراضه مع ذلك عنه، فألطف الإشارة، وأحسن الاستعارة. # تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ... ووجهك وضاح وثغرك باسم # ثم قال مؤكدا لما قدمه: تمر بك الأبطال جرحى منهزمين، وكلمي مستسلمين، ~~وذلك لا يثني عزمك، ولا يضعف نفسك، بل كنت حينئذ ضحاكا غير متوقع، وبساما ~~غير متضجر، قد وثقت من الله بعاجل نصره، وتيقنت ما وصله منك بجميل صنعه. # تجوزت مقدار الشجاعة والنهى ... إلى قول قوم أنت بالغيب عالم # ثم يقول لسيف الدولة: تجاوزت في شجاعتك مقدار الشجاعة، وفي # PageV02P253 # عقلك ومعرفتك مقدار الفعل والمعرفة، وأظهرت من إقدامك وجرأتك، وسماحتك ~~بمهجتك ما سبق معه إلى (قول) قوم فيك؛ إنك علمت غيب مال أمرك في الظفر، فلم ~~تحفل بشدة الحرب، وتيقنت ما ختم الله به لك من التأييد، فأمنت مخاوف القتل. # ضممت جناحيهم على القلب ضمة ... تموت الخوافي تحتها والقوادم # ثم قال: ضممت جناحي جيش الروم، على القلب منه ضمة منكرة، وشددت في الجيش ~~شدة صادقة، مات ms185 بها من الروم من كانت منزلته في إنهاض تلك الجهتين، ~~والاستقلال بتلك الناحيتين، بمنزلة الخوافي والقوادم من الجناحين، والأوائل ~~والأواخر من هذين العضوين. ولما استعار الجناحين لمجنبتي الجيش، وصل ~~الاستعارة في الخوافي والقوادم، فأشار بها إلى فرسان المجنبتين الذين باتوا ~~يقلون # الجهتين، وينهضون الناحيتين. # بضرب أتى الهامات والنصر غائب ... وصار إلى اللبات والنصر قادم # ثم قال، مؤكدا لما قدمه، من شدة حملات سيف الدولة: بضرب # PageV02P254 # قرع رؤوس الروم، والحرب متكافئة، والكتائب متزاحفة، والنصر متأخر عن ~~الفئتين، والصبر قد أفرغ على الطائفتين، وقد ذلك الضرب أرؤس الروم، وبلغ ~~لباتهم، وتمكنت سيوف أصحاب سيف الدولة فيهم، وجيشهم مهزوم، وجمعهم مغلوب، ~~والنصر الغائب قد قدم، والظهور المنتظر قد التأم. وأشار بما ذكره إلى أن ~~هزيمة الروم لم تكن إلا بعد مجالدة، وغلبة سيف الدولة لهم لم تكن إلا بعد ~~مقاومة. # حقرت الردينيات حتى طرحتها ... وحتى كأن السيف للرمح شاتم # ثم يقول لسيف الدولة: حقرت الرماح، واستقللت فعلها، فطرحتها مستصغرا لها، ~~ونبذتها غير حافل بها، وعدلت إلى السيوف عالما بفضلها، واعتمدتها لخبرتك ~~بأمرها، فكأنها شتمت الرماح بتصغيرها لشأنها، وأهانتها لسخطها بفعلها. # ومن طلب الفتح الجليل فإنما ... مفاتيحه البيض الخفاف الصوارم # ثم قال: ومن طلب الفتح الجليل وحاوله، وارتقب النصر البين وطالبه، فإنما ~~مفاتيح ذلك السيوف الصارمة، وأسبابه البيض الخفاف الماضية. # نثرتهم فوق الأحيدب كله ... كما نثرت فوق العروس الدراهم # PageV02P255 # ثم يقول لسيف الدولة: نثرت الروم على الأحيدب؛ هذا الجبل، بهزيمتك لهم، ~~ووقيعتك التي أوقعتها بهم، كما تنثر الدراهم على العروس لتنتهب، وتفرق ~~عليها لتؤخذ وتسلب. فأشار إلى أن سيف الدولة يحكم في الروم بالقتل والأسر، ~~ونثرهم فوق الأحيدب أبلغ النثر. # تدوس بك الخيل الوكور على الذرى ... وقد كثرت حول الوكور المطاعم # ثم قال مخاطبا له: تدوس بك الخيل في آثار الروم وكور الطير على رؤوس # الجبال، وقنن الأوعار، وقد كثرت المطاعم حول تلك الوكور؛ بكثرة من قتلته ~~هنالك خيلك، ومن أدركه من الروم جيشك. وأشار بما ذكره إلى كثرة الجثث حول ~~وكور الطير مع ms186 انتزاح مواضعها، وامتناع أماكنها، إلى ما كان عليه الروم من ~~شدة الهرب، وما كان أصحاب سيف الدولة عليه من شدة الطلب، وأنهم أدركوهم على ~~رؤوس الجبال، وقتلوهم في أبعد غايات الأوعار. # تظن فراخ الفتخ أنك زرتها ... بأماتها وهي العتاق الصلادم # ثم يقول لسيف الدولة: تظن فراخ الفتخ، لكثرة ما صيرت # PageV02P256 # حولها من جثث قتلى الروم، وأنك زرتها بأماتها، وأمددتها بمطاعمها ~~وأقواتها، وإنما فعل ذلك صلادم خيلك، وكثر القتلى كتائب جيشك. # إذا زلقت مشيتها ببطونها ... كما تتمشى في الصعيد الأراقم # ثم قال، مؤكدا لما من اقتحام الخيل على الروم في تلك الأوعار، وتسرعها ~~إليهم في قنن الجبال: إذا زلقت لصعوبة ما تحاوله، وكبتت لتعذر ما تقتحمه، ~~مشيتها على بطونها مكرهة، وأنهضتها على تلك الحال متسرعة، كما تتمشى ~~الأراقم في الصعيد على بطونها، وتسير في متمكنة في مسيرها. # أفي كل يوم ذا الدمشق مقدم ... قفاه على الإقدام للوجه لائم # ثم يقول، زاريا على الدمشق، وموبخا له، بتعرضه لسيف الدولة: أفي كل يوم ~~يقدم هذا الدمشق على الحرب مواجها لها، ويقتحمها متمرسا بها، وقفاه فيها ~~لائم لوجهه، وأصحابه غير مستشكرين من فعله؛ لأن # PageV02P257 # عادته أن يفر فيصير قفاه وقاية لوجهه، ويلك أصحابه بما ينالهم من مكروه ~~فعله. # أينكر ريح الليث حتى يذوقه ... وقد عرفت ويح الليوث البهائم # ثم قال، مشيرا إلى سيف الدولة: أينكر ويح الأسد حتى يذوقه، ويباشر بأسه ~~حتى يناله، والباهم تعرف ريح الليث فتحذره، وتشعر به فتتوقعه. # وقد فجعته بابنه وابن صهره ... وبالصهر حملات الأمير الغواشم # ثم قال: وقد فجمعت الدمشق بابنه وبصهره حملات سيف الدولة الغواشم ~~للأقران، الغاصبة لأنفس الفرسان، فما للدمشق لا يكفه عن التعرض له بما سلف ~~لسيف الدولة من الإيقاع به؟ # مضى يشكر الأصحاب في فوته الظبا ... لما شغلتها هامهم والمعاصم # ثم يقول: مضى الدمستق فارا بنفسه، على وجهه، يشكر أصحابه الذين شغلوا عنه ~~السيوف بجماجمهم، واتقوها دونه # PageV02P258 # بمعاصمهم، وأمكنه مع ذلك ما حاوله من الهرب، استعمل فيه من الطلب # ويفهم صوت المشرفية فيهم ... على أن ms187 أصوات السيوف أعاجم # ثم قال: ومضى وهو يفهم أصوات السيوف في أصحابه، ويتبين استعمالها في ~~أشياعه، ويعلم أن تلك الأصوات تخبر عن إتلاف أنفسهم، واستنفاد أكثرهم، ~~فأفادته أصوات السيوف هذه المعرفة، مع أن تلك الأصوات عجم لا تفهم، والسيوف ~~خرس لا تتكلم. # يسر بما أعطاك لا عن جهالة ... ولكن مغنوما نجا منك غانم قال: يسر بما ~~أعطاك # من نفسه، وبما أهلكته من جيشه غير جاهل بما عليه في ذلك من عظم المصيبة، ~~وجليل الرزية، ولكن من غنمته ففاتك بنفسه، وطلبته ولم تنله بحتفه، مستغرب ~~في دهره، غانم في حقيقه أمره. # ولست مليكا هازما لنظيره ... ولكنك التوحيد للشرك هازم # ثم يقول مخاطبا له: ولست مليكا يهزم ملكا مثله فيناله عز تلك الغلبة في ~~خاصته، ويعتد بها في رفعته، ولكنك سيف الإمام، ومقيم أود الإيمان وملك ~~الروم الذي واجهك عماد أهل الكفر، وعليه فيهم مدار الأمر، فهزيمتك له هزيمة ~~التوحيد للشرك، عليه ظهور أهل الحق على أهل الإفك. # PageV02P259 # وورد على سيف الدولة فرسان طرسوس وآذنه والمصيصة ومعهم رسول ملك الروم في ~~طلب الهدنة، يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة بقيت منى المحرم سنة أربع وأربعين ~~وثلاثمائة فقال أبو الطيب، أنشده إياها بحضرتهم وقت دخولهم: # أراع كذا كل النام همام ... وسح له رسل المليك غمام # يقول: أراع، كمثل ما نحن فيه، كل الأنام، ملك قبل سيف الدولة؟ فخضعوا له ~~واستجاروا به، وتتابعت رسلهم عليه، حتى كان غماما أمطرهم بحضرته، وسحابا سح ~~بهم في بلدته. # ودانت له الدنيا فأصبح جالسا ... أيامها يريد قيام # ثم قال: ودانت الدنيا لأمره، وبلغ أبعد غاياتها بعفوه، والأيام قائمة ~~فيها يبغه، مجتهدة فيها يحاوله وينويه. # إذا زار سيف الدولة الروم غازيا ... كفاها لمام لو كفاه لمام # PageV02P260 # يقول: إذا زار سيف الدولة الروم غازيا لأرضهم، ومزمعا على حربهم، تمنوا ~~أن تكون ملازمته لهم لماما، وإقامته في أرضهم إغبابا، وليس يكفيه من ذلك ما ~~يكفيهم، ولا يقنعه ما يقنعهم ويرضيهم. # فتى يتبع الأزمان في الناس خطوة ... لكل زمان في يديه زمام # ثم ms188 قال: فتى يتبع الأزمان في الناس خطوة، ولا يخالف فيهم رأيه وحكمه، حتى ~~كأن لكل زمان في يديه زماما يملكه به، وخطاما يذلله له. يشير إلى قوة سعده، ~~وإقبال جده، وما يصله الله له من جميل صنعه. # تنام لديك الرسل أمنا وغبطة ... وأجفان رب الرسل ليس تنام # ثم يقول لسيف الدولة: تنام الرسل لديك أمنا، بتفيؤ ظلك، مستبشرة بمشاهدة ~~فضلك، وأجفان الملوك الموجهين لهم ساهرة، لما يتوقعونه من خيبة رسلهم، وأن ~~تتمادى بصيرتك في حربهم. # حذارا لمعروري الجياد فجاءة ... إلى الطعن قبلا ما لهن لحام # PageV02P261 # تشرف عدنان به لا ربيعة ... وتفتخر الدنيا به لا العواصم # ثم قال: تشرف بك عدنان، فضلا عن ربيعة، وآل عدنان مآل قريش، وسائر قبائل ~~أكثر العرب، فأشار إلى أن جميع العرب يتشرفون بسيف الدولة، وإن بعد كثير ~~منهم عن نسبه، كما أن الدنيا تفتخر به بلادها، وإن بعد أكثرها عن بلده. # لك الحمد في الدار الذي لي لفظه ... فإنك معطيه وإني ناظم # ثم يقول له: لك الحمد في شعري الذي هو حسنه، وبراعة وصفه، فإنما لي لفظه ~~وأنت معطيه، وأنا أنظمه وأنت تنشئه؛ لأني إنما أصف في مكارمك، وأقيد به ~~فضائلك، فأن كنت ناظم لفظه، فمآثر جوامع حسنه. # وإني لتغدوني عطايات في الوغى ... فلا أنا مذموم ولا أنت نادم # ثم قال: وإني لأركب ما تهب لي من الخيل في الحرب، فتغدو بي سائرة، ~~وأقحمها في تلك الغمرات ناهضة، فما أنا مذموم بما أفعله من التقدم، ولا أنت ~~حينئذ نادم على ما تخصني به من التفضل. # على كل طيار إليها برجله ... إذا وقعت في مسمعيه الغماغم # ثم قال: على كل طيار إلى الحرب، وجناحه رجله، وطيرانه عدوه، إذا وقعت في ~~مسمعيه غماغم الأبطال، وكثر فيها تصاول الأقران. فدل # PageV02P262 # بإسراعه إلى الحرب على ما له فيها من النهضة، وببداره نحوها على ما به ~~عليها من القوة. # ألا أيها السيف الذي لست مغمدا ... ولا فيك مرتاب ولا منك عاصم # ثم يقول له: ألا أيها السيف الذي لا ينبو ms189 له حد، ولا يتضمنه غمد، ولا فيه ~~لمبصره ريبة، ولا يعصم من اعتمده جنة؛ لأن مقاصده موصولة بالنصر، ومساعيه ~~مكنونة بجميل الصنع. # هنيئا لضرب الهام والمجد والعلا ... وراجيك والإسلام إنك سالم # ثم قال: هنيئا لضرب الهام الذي أنت أحذق الناس به، وللمجد الذي أنت أكسب # الناس له، وللعلا الذي أنت جامع شملها، ولراجي مكارمك التي لا تمطل ~~بفضلها، وللإسلام الذي أعززت دعوته، وأملحت على الأشرار حجته. إنك سالم ~~منسأ عمرك، مملك متبوع أمرك. # ولم لا يقي الرحمن حديك ما وقى ... وتفليقه هام العدى بك دائم # ثم قال: ولم لا يقي الرحمن حديك ما وقاهما من النبو عن ضرائبهما، والتأخر ~~عن النفاذ في مقاصدهما، وتفليق هام أعدائه دائم بهما، وإعزاز حزب شريعته ~~خالص لهما. # PageV02P263 # ثم قال مخاطبا له: (لا ينامون) حذارا منك لملك شديد بأسه، قوي جيشه، ~~تتسابق فرسانه إلى الحرب عند مفاجأتها لهم على أعراء الخيل، فيستقبلون بها ~~الطعان غير ملجمة، ويجالدون عليها الأقران غير مسرجة. يشير إلى أن لهم في ~~الحرب أعظم دربة، وهم بكرم خيلهم على أتم ثقة. # تعطف فيه والأعنة شعرها ... وتضرب فيه والسياط كلام # ثم قال، مؤكدا لما قدمه: تعطف تلك الخيل عند ذلك الطعن بشعرها، فتطيع ~~مثانية، وتضرب في ذلك المجال بسياط الكلام، فتسابق متبارية. وأشار بسياط ~~الكلام إلى الزجر على طريق الاستعارة. # وما تنفع الخيل الكرام ولا القنا ... إذا لم يكن فوق الكرام كرام # ثم قال: وما تنفع كرام الخيل، وصم الرماح، إذا لم يصرفها كرام لا ينكلون، ~~وأبطال لا يجنبون. # إلى كم ترد الرسل عما أتوا له ... كأنهم فيما وهبت ملام # ثم قال لسيف الدولة: إلى كم ترد الرسل عما يأتونك؛ من استعفاء المرسلين ~~بهم لحربك، وضراعتهم فيما يؤملونه من سلمك، حتى كأنهم في إعراضك عنهم ملام ~~في نوالك، وعذل على ما تبذله من إنعامك. # PageV02P264 # فإن كنت لا تعطي الذمام طواعة ... فعوذ العادي بالكريم ذمام # ثم قال: فإن كنت لا تمنح لهم ما أملوه من جوارك، تقبلا لطاعتهم، وإسعافا ~~لرغبتهم، فتعوذ الأعادي بالملك ms190 الكريم، جوار يمشون بحرمته، وشفيع يلوذون ~~بذمته، وقد استعاذوا بك فتقبلتهم، ورجوا كريم عائذتك فأسعفتهم وأجرتهم. # وإن نفوسا أممتك منيعة ... وإن دماء أملتك حرام # ثم يقول: وإن نفوسا قصدتك مستجيرة بك، واعتمدتك راجية لك، لممنوعة مما ~~تحذره، آمنة لما تكرهه، وإن دماء استسلمت إليك، واقتصرت بآمالها عليك، ~~لواجب حفظها، حرام سفكها. # إذا خاف ملك من مليك أجرته ... وسيفك خافوا والجوار تسام # ثم قال: إذا خاف ملك من ملك، أجرت الخائف بفضلك، وزجرت المخيف بعزك، ~~وسيفك خاف الروم، فخضعوا لك، والجوار يسومونك ليعتصموا بك. # PageV02P265 # لهم عنك بالبيض الخفاف تفرق ... وحولك بالكتب اللطاف زحام # ثم قال، مؤكدا لما قدمه: لهم عنك بالسيوف تفرق في وقائعك، ولهم حولك ~~بالكتب اللطيفة ازدحام في مجالسك. يشير إلى عجزهم عن مقاومته في الحرب، ~~وازدحامهم عليه راغبين في السلم. # تغر حلاوات النفوس قلوبها ... فتختار بعض العيش وهو حمام # ثم يقول: تغر القلوب حلاوة النفوس، والحرص على استدامة الحياة، فتختار من ~~العيش ما هو الموت في حقيقته. يشير إلى أن إيثار العزيز للذل هو الموت إذا ~~تؤمل، والحتف العاجل إذا تبين. # وشر الحمامين الزؤامين عيشة ... يذل الذي بختارها ويضام # ثم قال: وشر الموتين المعجلين؛ يشير إلى ميتة الذل، وميتة الحتف، عيشة ~~يذل متخيرها، ويستضام مؤثرها. يريد: أن عيشة الذل هي شر الميتتين، وأصعب # الحالتين. # ولو كان صلحا لم يكن بشفاعة ... ولكنه ذل لهم وغرام # ثم يقول لسيف الدولة: فلو كان ما ابتغاه الروم منك على سبيل المصالحة، ~~وما يتداعى إليه المتكافئون من المهادنة، لما تشفعوا إليك بفرسان طرسوس، ~~الذين شفعتهم فيهم، وجعلت لهم المنة عليهم، ولكنه منهم # PageV02P266 # خضوع ذلة، وعجز وهلكة. # ومن لفرسان الثغور عليهم ... بتبليغهم ما لا يكاد يرام # ثم قال: فيما أجبت الروم إليه من لفرسان الثغور عليهم، ويد كريمة قدموها ~~فيهم؛ لأنهم بلغوهم من إمساكك عن غزوهم، إلى ما كانوا لا يرومونه لتعذره، ~~ولا يرتجونه لتمنعه. # كتائب جاءوا خاضعين فأقدموا ... ولو لم يكونوا خاضعين لخاموا # ثم يقول، مشيرا إلى الروم، والقادمين على سيف الدولة: كتائب ms191 جاءوك ~~خاضعين، فأقدموا على مقاربتك، وقصدوك مستسلمين، فشجعوا على مشاهدتك، ولو لم ~~يكونوا كذلك لخاموا عنك ناكصين. ولتباعدوا منك هاربين. # وعزت قديما في ذراك خيولهم ... وعزوا وعامت في نداك وعاموا # ثم قال: وقديما اعتزت خيولهم بالاستجارة لكنفك، وأمنت بالخضوع لأمرك، ~~وعامت بفرسانها في جودك، وفاضت عليهم بحور فضلك. # على وجهك الميمون في كل غارة ... صلاة توالي منهم وسلام # PageV02P267 # ثم يقول لسيف الدولة: على وجهك الميمون على الإسلام وأهله، المبارك على ~~الإيمان وحزبه، في كل غارة يشهدها، وكل غزاة يتكلفها، صلاة وسلام من الله ~~المتكفل بنصرك، المعلي لكلمة حزبك. # وكل أناس يتبعون إمامهم ... وأنت لأهل المكرمات إمام # ثم قال: وكل أناس لهم إمام يتبعونه، وإمام يؤمونه، وأنت إمام أهل ~~المكرمات # وسيدهم، وقدوتهم ومعتمدهم. # ورب جواب عن كتاب بعثته ... وعنوانه للناظرين قتام # ثم يقول: ورب جيش بعثته جوابا عن كتاب ورد عليك، فكان عنوانه للناظرين ~~إليه قتام يسبقه، ورهج يتقدمه. يشير إلى تعظيم ما حصل عليه الروم في إسعاف ~~سيف الدولة لكتابهم، وإجابته إياهم إلى مسالمتهم. # تضيق به البيداء من قبل نشره ... وما فض بالبيداء عنه ختام # ثم قال، يصف جيش سيف الدولة الذي يواعد الروم به: تضيق البيداء بذلك ~~الجيش قبل أن تنتشر كتائبه، وتغص بجمعه قبل أن تغير مواكبه، ويملأ الفضاء ~~وهو مجتمع لم يفض ختامه، ولا انتشر بالغارة على # PageV02P268 # الأعداء نظامه، وأجرى الاستعارة في الفض والخاتم، على نحو ما تقدم له من ~~ذكر الجواب والعنوان. # حروف هجاء الناس فيه ثلاثة ... جواد ورمح ذابل وحسام # ثم وصل الاستعارة على ذلك، فقال: حروف هجاء الناس في ذلك الجواب الذي هو ~~هذا الجيش الموصوف؛ جواد ينهض فارسه، ورمح يتقدم حامله، وحسام يصول صاحبه. # إذا الحرب قد أتعبتها فاله ساعة ... ليغمد نصل أو يحل حزام # ثم يقول لسيف الدولة إذا الحرب قد أتعبتها بطول استعمالك، وأجهدتها بكثرة ~~اعتنائك بها، فأعرض عنها ساعة، لتغمد النصول التي قد سلها فرسانك، وتحل ~~الحزم التي قد شدها أتباعك. # وإن طال أعمار الرماح بهدنة ... فإن الذي يعمرن عندك ms192 عام # ثم قال: وإن طال أعمار الرماح عند غيرك، بطول دعة، واتصال هدنة، فإن غاية ~~أعمارها عندك عام لا تتجاوزه؛ لأن التكسر يسرع إليها، # PageV02P269 # بمداومتك للحرب، وما تحمل عليه جيشك من المجالدة والطعن، وأمد مهادنتك ~~للروم عام ثم تعود إلى # حربهم على عادتك، وتكسر الرماح فيها على سجيتك. # وما زلت تفني السمر وهي كثيرة ... وتفني بهن الجيش وهو لهام # ثم قال، مؤكدا لما قدمه، ومخاطبا لسيف الدولة: وما زلت تفني الرماح في ~~وقائعك مع كثرتها، وتقدمها مع تمكنها، وتفني بفنائها الجيش اللهام، وتذهب ~~بإذهابك لها الجموع العظام. # متى عاود الجالون عاودت أرضهم ... وفيها رقاب للسيوف وهام # ثم يقول له: متى عاود الروم الذين أجليتهم (عن) تلك البلاد بهذا السلم ~~الذي أجبتهم إليه، عاودت أنت تلك الأرض بالغزو، فألفيت فيها منهم جماعات ~~تعمل سيوفك في رقابهم، وتصرفها في هامهم. # وربوا لك الأولاد حتى تصيبها ... وقد كعبت بنت وشب غلام # ثم قال: وتوافقهم هنالك، وقد ربوا لك الأولاد، لتتملكهم بسبيك، وتظهر ~~عليهم بجيشك، والغلام منهم شاب، والجارية كاعب. # PageV02P270 # فأشار إلى أن في مسالمة سيف الدولة للروم ضربا من التدبير عليهم؛ لأنهم ~~يعاودون ما أجلوه من مساكنهم، وينزلون عما صاروا فيه من معاقلهم، فيكون ذلك ~~أمكن لقتلهم، وأقرب سبيلا إلى سبيهم. # جرى معك الجارون حتى إذا انتهوا ... إلى الغاية القصوى جريت وقاموا # ثم قال لسيف الدولة: جاراك الملوك فيما نهجته من مكارمك، واقتدوا بك فيما ~~عرضت إليه من مقاصدك، فلما أوفيت بهم من ذلك على الغاية القصوى فيما يمكن ~~فعله، والمنزلة العليا مما يدرك مثله، غير ثان لعنانك، وتقدمت مقبلا على ~~شأنك، ووقفوا عاجزين عن بلوغ شأوك، مقرين بالتقصير عن إدراك سعيك. # فليس لشمس ما أنرت إنارة ... وليس ببدر مذ تممت تمام # ثم قال: فليس لشمس منهم إنارة مع ما تنير من نورك، ولا لبدر # PageV02P271 # منهم تمام مع # أتمه (الله لك من) فضلك، يريد: أن الملوك صغر كل كبير منهم عند قدر سيف ~~الدولة، ونقص كل من كان يتم منهم بالإضافة إلى فضله، ms193 والتقصير عن مشكور ~~سعيه. # PageV02P272 # تجمعت عامر بن صعصعة، وعقيل وقشير والعجلان (وكلاب) بن ربيعة بن عامر ومن ~~ضامها، بماء يقال له الزرقاء بين خناصرة وسورية ونمير بن عامر بن دينار من ~~ديار مضر. وتشاكوا ما يلحقهم من سيف الدولة، وتوافقوا على التزام فيما ~~بينهم، وشغله من كل ناحية، والتضافر، إن قصد طائفة منهم. وبلغه ما علموا ~~عليه، وتراسلوا به، فأقل الفكر فيه، فأطغاهم كثرة عددهم وعددهم، وسولت لهم ~~أنفسهم الأباطيل، واستولى على تدبير كعب؛ عقيليها وقشريها وعجلانيها، إلى ~~المهنا، وتفرد بذلك محمد بن بزيغ، وندي بن جعفر، وحسن لهم ذلك قواد كانوا ~~في عسكر سيف الدولة، متدونين من كعب في عدة وسدة وركضوا على أعماله، # PageV02P273 # فقتلوا صاحبه بناحية زعرايا؛ يعرف بالمربوع من بني تغلب، وقتلوا الصباح ~~بن عمارة والي قنسرين، واشتغل سيف الدولة عن النهوض إليهم، بوفود أتوه من ~~طرسوس، معهم رسول ملك الروم، في طلب الهدنة والفداء، فتمادت أيام مسيرة، ~~وزاد ذلك في طمع البوادي، ثم قدم سيف الدولة مقدمة إلى قنسرين في يوم السبت ~~لليلة خلت من صفر سنة أربع وأربعين وثلاثمائة، فأقامت أحد عشر يوما، تأنيا ~~واستظهارا في أمر البادية، وتقديرا أن يستقيموا فلا يكشفوا لهم عورة. # وبرز سيف الدولة إلى ضيعة له يقال لها الراموسة، على ميلين من حلب، في ~~يوم الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة خلت من صفر، وسار عنها في يوم الأربعاء، فنزل ~~ماء تل ماسح، وراح منه فاجتاز مياه الحيار وطواها، وتلقته مشيخة بني كلاب؛ ~~مطر بن البلدي العوفي، من بني أبي بكر، وعبد الله بن مرزوع، وسرار بن محرز ~~الأشهبيان من الضباب # PageV02P274 # وغيرهم. فطرحوا نفوسهم بين يديه، وسألوه قبول تسليمهم إليه، وسارت خيلهم ~~معه، ومد إلى ماء يقال له البدية، فصيحة يوم الخميس لثلاث عشرة ليلة خلت من ~~صفر، ونزل به، وراح منه إلى ظاهر سلمية، فوجد الأعراب قد أجفلوا في غداة ~~يومه، فنزل بها، فلما كان في السحر من يوم الجمعة، تجمعت كعب ومن ضامها من ~~اليمن في عدتها وعدتها، وحبسوا ظعنهم ms194 # بماء يقال له حيران، على نحو رحلة من سلمية، وبعضهم بماء يقال له الفرقلس ~~وراءه، ووافت خيولهم مشرفة على عسكر سيف الدولة من كل ناحية، فركب لهم، ~~ووقع الطراد، ولم تمض إلا ساعات حتى منحه الله أكتافهم، وولوا واستحر القتل ~~والأسر بال المهنأ، ووجوه عقيل وقوادها. # ورحل سيف الدولة ضحوة نهار يوم الجمعة متبعا لهم، ونفروا طائرين، فرحلوا ~~بيوتهم، وأجفلوا فوافوا الماء الذي يقال له حيران بعد # PageV02P275 # الظهر، وتبعهم فوجد آثار جفلتهم، وسار إلى ماء الفرقلس، وأمر بالنزول ~~عليه، ثم عن له رأي في اتباعهم، فرحل لوقته إلى ماء يقال له الغنثر، وقدم ~~خيلا فلحقت ما لهم وحازته، ونزل على الغنثر قبل نصف النهار، وقد امتلأت ~~الأرض من الأغنام والجمال والهوادج والرحال، وأتاه خبر اجتماعهم بتدمر، ~~فسار في السحر يوم الأحد، فنزل ماء يقال له الجباة، وتفرقت خليه في طلب ~~الفلول، فردت مالا، وقتلت عدة، وراح منه قاطعا الصحصحان والمعاطيس. واجتاز ~~بركايا العوير ونهيا والبييضة وغدر والجفار فوجد جميعها قد نزحته البادية ~~المفلولة، وصبحت أوائل خيله تدمر يوم الاثنين، لثلاث عشرة ليلة بقيت من ~~صفر. # PageV02P276 # ووجدوا جموعهم قد كانت بظاهرها للتشاور والتدبير، وهم لا يظنون أن سيف ~~الدولة يتبعهم، فنذروا به فرحلوا في نصف الليل، وتعلقت بهم خيله، ووافى سيف ~~الدولة تدمر على نصف ساعة من النهار، وعرف الخبر فسار لطيته في طلب أكثر ~~الجماعات، والشق الذي سار فيه آل المهنأ وجؤته وعامر بن عقيل، وقد كانوا ~~قصدوا طريق السماوة قبلة ويمينا، وجد في الطلب، فلحق بالقوم وقتل وأسر، ~~وكان في من قتل علوان بن ندي بن جعفر، وفيمن أسر وأطلق محمد بن ندي بن ~~جعفر، وحوى المال وصفح عما ملكه من الحريم. ورجع من طف السماوة مشفقا من ~~الإمضاء عليهم، لما وجدهم يموت حريمهم وذراريهم عطشا، # وتفرقوا أيدي سبأ، فقصدت طائفة منهم كبد السماوة فضاع أكثرها، وطائفة ~~موضعا من السماوة يعرف بالماءتين؛ سعادة ولؤلؤة، لا يروي ماؤهما إلا ~~اليسير، فهلك كثير منهم، وطائفة منهم قصدت القلمون مما يلي غوطة ms195 دمشق. # وعاد سيف الدولة آخر النهار إلى معسكره ظافرا غانما، ومن على جماعة منهم ~~عجزوا عن الهرب، وبرهم وزودهم. ووجد من كان أنفذه شمالا قد # PageV02P277 # حوى المال وقتل وأسر، وعف عن الحريم، وأقام بتدمر يومي الثلاثاء ~~والأربعاء، ورحل نحو أركة، ونزلها، ثم رحل نحو السخنة فنزلها، ورحل فنزل ~~عرض، ورحل فنزل الرصافة، ورحل فنزل الرقة في يوم الاثنين، فتلقاه أهلها، ~~وسأل عن خبر نمير، فعرف أنهم قد اجفلوا فلم تستقر بهم دار دون عين الخابور. ~~ثم وردت وفودهم يوم الثلاثاء مستعيذين بعفوه، فعفا عنهم وقبلهم، وسار نحو ~~حلب فكان وصوله إليها يوم الجمعة لست خلون من شهر ربيع الأول. # فقال أبو الطيب يمدحه، ويصف الحال: # تذكرت ما بين العذيب وبارق ... مجر عوالينا ومجرى السوابق # يقول: إنه اهتاج لتذكره بلاد العراق التي فيها كانت نشأته، وإنه # PageV02P278 # تذكرها ما بين هذين المآءين؛ العذيب وبارق، وهناك كان مضطربه ومضطرب ~~أصحابه، ومجر عواليهم عند تطاردهم، ومجرى خيولهم عند تسابقهم. # وصحبة قوم يذبحون قنيصهم ... بفضلات ما قد كسروا في المفارق # ثم قال: وتذكرت صحبة قوم فيما هنالك، كانت حالهم في الفتوة، ومنزلتهم في ~~الشجاعة، أنهم كانوا لا يستعملون في ذبح صيدهم إلا ما تكسر بأيديهم من ~~السلاح في حربهم، وأنهم كانوا لا يكسرون سيوفهم إلا في جماجم الأبطال، ولا ~~ينقطع (ما) بأيديهم إلا في مفارق الأقران. # وليلا توسدنا الثوية تحته ... كأن ثراها عنبر في المرافق # ثم قال: وتذكرنا ليلا، توسدنا الثوية في طلبه، واضطجعنا في طيب ذلك ~~الترب، وتمتعنا بتكامل ذلك الحسن، فقام ثرى ذلك الموضع في # PageV02P279 # مواقعنا مقام العنبر، نستطيب ريحه، ونستلذ حسنه. وأشار إلى محل تلك ~~البلاد من نفسه، وتمثلها في تذكره وفكره. # بلاد إذا زار الحسان بغيرها ... حصى تربها ثقبنه للمخانق # ثم قال: إن تلك البلاد التي تذكرها، إذا زار حسان غيرها من البلاد حصى ~~تربها، تحلين به لحسنه، وخلطنه بالدر في نظمه، وثقبنه لمخانقهن، وصيرنه في ~~عقودهن، فأخبر أن تراب تلك البلاد ينوب عن العنبر والمسك لطيبه، وحصاها ~~مقام الياقوت والدر ms196 في حسنه. # سقتني بها القطر بلي مليحة ... على كاذب من وعدها ضوء صادق # ثم قال: سقتني في تلك البلاد شراب قطربل، وهو غاية في جودته، موصوف بكرم ~~خبرته، مليحة فتانة، ساحرة خداعة، على كاذب وعدها، ضوء من الصدق، وعلى ~~مخلفه ظاهر من الحق. # سهاد لأجفان، وشمس لناظر ... وسقم لأبدان، ومسك لناشق # ثم قال، واصفا لتلك المليحة: هي سهاد لأجفان مبصرها؛ بما تبعث # PageV02P280 # عليه من الشغل، وشمس في عين الناظر إليها؛ بما يشاهد فيها من الحسن، وسقم ~~لأبدان؛ بما توجبه من عشقها، ومسك يتوضع في أنف مستنشقها، وهذا التصنيف في ~~الوصف باب من البديع يعرف بالتقسيم. # وأغيد يهوى نفسه كل عاقل ... عفيف ويهوى جسمه كل فاسق # ثم يقول: إنه سقاه مع المليحة التي قدم وصفها، غلام أغيد، يهوى نفسه كل ~~عاقل عفيف يطرقه، ويهوى جسمه كل فاسق خبيث لحسنه. # أديب إذا ما جس أوتار مزهر ... بلا كل سمع عن هواها بعائق # ثم قال: إنه مع ذلك أديب في خلقه، صادق في تصرفه، إذا ما جس أوتار مزهر ~~وأعملها، وزينها، لغنائه وحركها، عاق الأسماع عما سواها، بشدة إصغائها ~~إليه، وشغلها عن غيره لكثرة إقبالها عليه. # يحدث عما بين عاد ويبنه ... وصدغاه في خدي غلام مراهق # ثم قال: يحدث فيما يغني به من أشعاره، وما يردده من ألحانه، عما بين عاد ~~وبينه، يشير إلى سعة روايته لأشعار المتقدمين والمتأخرين، وصدغاه مع ذلك في ~~خدي غلام مراهق في سنه، لم يبلغ الحلم فيما انصرم عليه من عمره. # وما الحسن في وجه الفتى شرفا له ... إذا لم يكن في فعله والخلائق # PageV02P281 # ثم قال: وما حسن الوجه شرفا لصاحبه، ورفعة للمتزين به، إذا لم يكن في ~~الأفعال والخلائق، والمذاهب والشمائل. وضرب هذا المثل لما قدمه من اقتران ~~حسن الأغيد الذي وصفه بإحسانه في صناعته، وتقدمه في درايته. # وما بلد الإنسان غير الموافق ... ولا أهله الأدنون غير الأصادق # ثم قال، مبينا لعذره في التخلف عن البلاد التي ذكرها: وما بلد الإنسان ~~إلا البلد الذي يوافقه بكثرة مرافقه، ms197 ويسعده على الظفر بجملة مقاصده، ولا ~~الأدنون من أهله، واللاصقون به من قرابته، إلا الأصادق الذين يصفونه ودهم، ~~والأحبة الذين لا يؤخرون عنه فضلهم. يريد: أن بلد سيف الدولة الذي استوطنه، ~~هو بلده، لموافقته له، وأهله أقاربه، لما أظهره سيف الدولة من شدة الاعتناء ~~به. # وجائزة دعوى المحبة والهوى ... وإن كان لا يخفي كلام المنافق # ثم قال: وجائز أن تدعى المحبة بالقول، وأن تنتحل بالذكر، ولكن المنافق لا ~~يخفي اضطراب لفظه، والمخلص لا يستتر صحة أمره، يشير إلى أن # PageV02P282 # شكره لسيف الدولة، ليس كشكر من يتصنع له بقوله، ولا يمحضه حقيقة وده. # برأي من انقادت عقيل إلى الردى ... وإشمات مخلوق وإسخاط خالق؟ # ثم يقول: برأي من انقادت هذه القبيلة إلى ما تعرضت له من المكروه، بخلاف ~~سيف الدولة الذي أشتمت فيه المخلوقين بأنفسها، وأسخطت الله عز وجل بسوء ~~فعلها. # أرادوا عليا بالذي يعجز الورى ... ويوسع قتل الجحفل المتضايق # ثم قال: أرادوا سيف الدولة فيما تمثل لهم من الظهور عليه، والإيقاع ~~بجيشه، بما أعجز الورى نيله، وبعد عليهم فعله، وما مثله يوسع الجحفل ~~المتضايق لكثرته، بما يشمل أهله من القتل، وما يوردهم أشد موارد الحتف. # فما بسطو كفا إلى غير قاطع ... ولا حملوا رأسا غير فالق # ثم قال: فما بسطوا في حين تغرضهم لسيف الدولة يدا من أيديهم، إلا إلى سيف ~~قطعها، ولا حملوا في تلك الحرب هاماتهم، إلا إلى فاق من أصحاب سيف فلقها. ~~يشير إلى أن بني عقيل كانوا في # PageV02P283 # تلك جزر السيوف، وأغراض الحتوف. # لقد أقدموا لو صادفوا غير آخذ ... وقد هربوا لو صادفوا غير لاحق # ثم يقول: لقد أقدموا وشجعوا في تلك الحرب؛ لو صادفوا غير آخذ لهم، مقتدر ~~على الإيقاع بهم، وقد هربوا جاهدين؛ لو صادفوا من لا يلحقهم جيوشه، ويقحم ~~في آثارهم جموعه. يريد: أنهم لم يؤتوا من ضعف في حربهم، ولا من تقصير في ~~هربهم، ولكنهم ناصبوا من سيف الدولة من لا يواقف في حرب، ولا يمتنع منه ~~بهرب. # ولما كسا كعبا ثيابا طغوا ms198 بها ... رمى كل ثوب من سنان بخارق # ثم قال، يريد سيف الدولة: ولما كسا كعبا، هذه القبيلة الجامعة لهذه ~~البطون المذكورة، حللا، أطغاهم حسنها، وألحفهم من رضاه ثيابا، أبطرهم ~~أمنها، (رمى كل ثوب) بخارق خرقها من أسنته، وهاتك هتكها من عقوبته. # ولما سقى الغيث الذي كفروا به ... سقى غيره في غير البوارق # PageV02P284 # ثم قال: ولما سقاهم من جوده الغيث الذي أخصبت به منازلهم، وتروضت بسقياه ~~مواضعهم، فقابلوا ذلك بالكفر، وتلقوه بقلة الشكر، أرسل عليهم من جيوشه غير ~~ذلك الغيث، قبرقت لهم السيوف، وهطلت عليهم الحتوف، وعادت البوارق التي كانت ~~تقدم إليهم نعمة، بوارق سلاح أفرغت عليهم نقمة. # وما يوجع الحرمان من كف حارم ... كما يوجع الحرمان من كف رازق # ثم يقول، موبخا لقبائل كعب بن ربيعة، بما حرمت أنفسها من فضل سيف الدولة: ~~وما يوجع الحرمان من كف من شهر بخله، ولا يؤمل فضله، كما يوجع من كف جواد ~~لا يبخل، وفاتح لأسباب الرزق لا يغفل. يشير إلى أن ما منعوه أنفسهم من فضل ~~سيف الدولة، إنما كان عادة دائمة، ونعمة سابغة. # أتاهم بها حشو العجاجة والقنا ... سنابكها تحشو بطون الحمالق # ثم قال مشيرا إلى سيف الدولة: أتاهم من الخيل والقنا بكثرة حشت العجاج ~~الذي أثارته، وملأت الرهج الذي أقامته، وسنابكها تبعث من الغبار # PageV02P285 # ما تحتشي به أعين الفرسان، يريد: أن سيف الدولة أتاهم بخيله، وهي طالبة ~~لهم تتسابق، ومسرعة تتبادر، لم تتوقف عنهم محجمة، ولم تتأخر عن الاقتحام ~~عليهم متهيبة. # عوابس حلي يابس الماء حزمها ... فهن على أوساطها كالمناطق # ثم قال، يصف تلك الخيل: عوابس لما لحقها من الركض، متغيرة الوجوه لما ~~نالها من شدة الطلب، قد يبس ماء عرقها على الحزم في أوساطها، فصار كأنه حلي ~~قصد، وتفضيض اعتمد، وبدت تلك الحزم في أوساط تلك الخيل، كالمناطق التي ~~يشملها التزيين، ويحاول فيها التحلية والتحسين. # فليت أبا الهيجا يرى خلف تدمر ... طوال العوالي في طوال السمالق # ثم يقول: فليت أبا الهيجاء أنسيء عمره، وتأخر يومه، حتى يرى خيل سيف ms199 ~~الدولة؛ علي ابنه، وقد أجفلت العرب من مخافتها، وتجاوزت في # PageV02P286 # آثارها تدمر، مع # تعذر الوصول إليها، ويرى طول عواليه في تلك السمالق الطويلة، على أهل تلك ~~الفلوات البعيدة. # وسوق علي من معد وغيرها ... قبائل لا تعطي القفي لسائق # ثم قال: وليته يرى سوق علي ابنه الأعزة من قبائل معد وغيرها من قبائل ~~اليمانية، وتلك القبائل الخاضعة لأمره، الهاربة عن جيشه، لا تعطي أقفاءها ~~مولية عن لاحقها، ولا تصد أوجهها محجمة عن معارضها، ولكنها لما قصدها سيف ~~الدولة ضعفت عن حربه، ولما اعتمدها ولت هاربة من مخافة جمعه. # قشير وبلعجلان فيها خفية ... كراءين في ألفاظ ألثغ ناطق # ثم وصف هذه القبائل، بما كنت عليه من الكثرة، وأخذ في ذكر ما كانت تعرف ~~به من المنعة، ثم قال: قشير وبلعجلان، هاتان القبيلتان، مع كثرة عددهما، ~~وشدة شوكتهما، خفيتان في هذه القبائل، كخفاء رائين في # PageV02P287 # ألفاظ ألثغ، لا يفصح بهما، ولا يمكنه النفاذ في ذكرهما. فأشار بهذا إلى ~~كثرة الجموع التي ظهر عليها سيف الدولة من العرب، وأنهم مع ذلك إنما ~~اعتصموا منه بالهرب. # تخليهم النسوان غير فوارك ... وهم خلوا النسوان غير طوالق # ثم يقول: إن فرسان تلك العشائر غلبوا على نسائهم، ففارقنهم غير فوارك ~~لهم، يشير إلى السبي، ويخلهن بعولتهن غير طوالق، يشير إلى الفرار، وأن خيل ~~سيف الدولة غلبتهم على حريمهم، وحالت بينهم وبين أبنائهم، وبين نسائهم. # يفرق ما بين الكماة وبينها ... بطعن يسلي حره كل عاشق # ثم وصف الحال، فقال: يفرق سيف الدولة بين فرسان تلك القبائل، وبين ~~نسائهم، بطعن يسلي حره العاشق عمن عشق، وينسي المشغوف الدنف من أحبه وومقه. ~~يشير إلى أن شدة ذلك الطعن، وإسرافه بهم على القتل، أنساهم حياطة أحبتهم، ~~وحملهم على إسلام (نسائهم) وذريتهم. # PageV02P288 # أتى الظعن حتى ما تطير رشاشة ... من الخيل إلا في نحور العواتق # ثم قال: أتى ذلك الطعن الظعن، وبلغ بالرجال إليهن، وقتلوا بحضرتهن حتى ما ~~تطير رشاشة من جراح تلك الخيل إلا في نحر عاتق خريدة، وكريمة منهن محجوبة، ~~فأشار إلى ms200 أن خيل سيف الدولة قتلتهم بين نسائهم، وغلبتهم على حريمهم. # بكل فلاة تنكر الإنس أرضها ... ظعائن حمر الحلي حمر الأيانق # ثم قال: بكل فلاة لا تعرف أرضها الإنس لعدمهم بها، وتعذر إدراكهم لها، ~~ظعائن نساء هؤلاء الأعراب، الذين هربوا بين يدي سيف الدولة، حمر الحلي، ~~يريد: أنهن حاليات بالذهب، وهو أرفع الحلي، متجملات على حمر الإبل، وهي ~~أكرم النوق، يشير بهذه الصفة إلى رفعة هؤلاء النساء في قومهن، ورفعة من ~~تحمل بهن (من) بعولتهن. # وملمومة سيفية ... تصيح الحصا فيها صياح اللقالق # PageV02P289 # ثم قال: وفي تلك الفلوات التي قد وصفها، كتيبة ملمومة بكثرة فرسانها، ~~سيفية ربيعة، تصيح الحصا باصطكاكها بين أرجل خيلها، كما تصيح اللقالق، وهي ~~طير معروفة. # بعيدة أطراف القنا من أصوله ... قريبة بين البيض غبر اليلامق # ثم قال واصفا لتلك الكتيبة: بعيدة أطراف القنا من أصوله، يريد: أن ~~فرسانها طوال الرماح، شداد الأجسام، قريبة البيض، يريد: أنهم متلاصقون قد ~~ملئوا الفضاء لكثرتهم، وتقاربوا لتكاتف جماعتهم، وهم غبر اليلامق، لما ~~علاهم من الرهج، وأحاط بهم من العجاج. فأشار إلى أن تلك الفلوات النائية ~~التي ظن ظعائن الأعراب أنها تعصمهم، اقتحمها جيش سيف الدولة عليهم، ولم ~~يتهيب اختراقها منهم. # نهاها وأغناها عن النهب جوده ... فما تبتغي إلا حماة الحقائق # ثم يقول: إن جود سيف الدولة نهى هذه الكتيبة عن الأنهاب، وأغناها # PageV02P290 # عن (التسريح) على الأسلاب، فما تبتغي غير حماة الحقائق لتوقع بهم وأهل ~~البصائر الصادقة في الحرب لتكون سطوتها عليهم. # توهمها الأعراب سورة مترف ... تذكره البيداء ظل السرادق # ثم قال: توهم الأعراب ما أظهر سيف الدولة في قصدهم من العزيمة، سورة ملك ~~شأنه الإتراف والدعة، وعادته السكون والراحة، يعوقه عن البيداء ومباشرة ~~هجيرها، واقتحامها ومواجهة سمومها، تذكره لظل السرادق وأبنيته، وإيثاره ~~لخفض ذلك ودعته. # فذكرتهم بالماء ساعة غبرت ... سماوة كلب في أنوف الخرائق # ثم قال، مخاطبا لسيف الدولة: فذكرتهم بالماء الذي أجليتهم عنه، بالري ~~الذي منعتهم منه، حين أحاطت بعم غبرات سماوة كلب، وحزائقهم تقتحمها هاربة، ~~وتتسابق فيها متهالكة، يشير إلى ms201 إمعان سيف الدولة في طلبهم، واجتهادهم في ~~شدة هربهم. # وكانوا يروعون الملوك بأن بدوا ... وأن نبتت في الماء نبت الغلافق # PageV02P291 # ثم يقول لسيف الدولة: وكانت كعب ومن استضاف إليها من القبائل التي أوقعت ~~بها من الأعراب، يروعون الملوك قبلك، بسكناهم في الفلوات، وانتزاحهم في تلك ~~المهامه التائهات النائيات، وصبرهم عن البعد على الماء، والانقطاع عن مواضع ~~الري، وأن الملوك الذين أنت منهم، كانوا يتهيبونهم لعدم الماء في المواضع ~~التي تسلك إليهم، وأن الملوك في إيثارهم للماء، والقرب منه، كالطحلب الذي ~~يلازمه ولا يفارقه، ويباشره ولا يتاركه. # فهاجوك أهدى في الفلا من نجومه ... وأبدى بيوتا من أداحي النقانق # فهاجوك، يخاطب سيف الدولة، أهدى في الفلا من النجوم التي بها تستفاد ~~الهداية، وبمعرفتها تكون الدلالة، وأنبت بيوتا في البدو، وآنس بالبلد القفر ~~من النقانق التي هنالك موضع نشأتها، وإليه تحن بخلقتها. # وأصبر عن أمواهه من ضبابه ... وآلف منها مقلة للودائق # ثم قال: وألفوك أصبر عن أمواه القفر من ضبابه التي تتارك الماء بالجملة، ~~وتستغني عنه بالحبلة، كما أنهم ألفوك آلف منها للهواجر، وأشد عليها إقداما ~~وجرأة. فأشار إلى أن الأعراب قصرت عن معرفته باختراق القفر، وعجزت عما أظهر ~~في ذلك من الجلد والصبر. # PageV02P292 # وكان هديرا من فحول تركتها ... مهابة الأذناب خرس الشقائق # ثم قال له: وكان ما أظهرته العرب من معصيتك هديرا أسكته، وإسعالا أذهبته، ~~وتركت قروم تلك القبائل، وفحول تلك العشائر، كفحول الإبل التي تستذل بهلب ~~أذنابها، وتسكتها الغلبة فتنقطع أصوات شقاشقها. يشير إلى أن سيف الدولة أذل ~~عز أولئك الأعراب بغلبته لهم، وأذهب تطاولهم بإيقاعه بهم. # فما حرموا بالركض خيلك راحة ... ولكن كفاها البر قطع الشواهق # ثم قال مخاطبا له: وما عاقوك بما تكلفته من اقتحام الفلوات عليهم عن لذة، ~~ولا منعوا بذلك خيلك من راحة، ولا أخرجوك عن عادتك، ولا عدلوا بك عن ~~طريقتك، ولكن فلواتهم التي اقتحمتها كفت خيلك شواهق الجبال؛ جبال الروم ~~التي تركتها. # ولا شغلوا صم القنا بقلوبهم ... عن الركز لكن عن قلوب الدماسق # PageV02P293 # ثم قال: ms202 ولا كانت رماحك قبل قتالهم مركوزة غير معلمة، ومترروكة غير ~~متصرفة، ولكن شغلوها بقلوبهم عن قلوب دماسق الروم التي هتكتها بطعنها، ~~وخرقتها بأسنتها. فأشار إلى أن سيف الدولة وجيشه لم يتكلف في طلب الأعراب # مؤونة، ولا تجشم مشقة، وإنما خرج من الحرب إلى الحرب، وصحبه ما عهد من ~~النصر والصنع. # ألم يحذروا مسخ الذي يمسخ العدى ... ويجعل أيدي الأسد أيدي الخرانق # ثم يقول: ألم يحذر الأعراب سطوة سيف الدولة التي هي على أعاديه، كالمسخ ~~يقلب الخلق، ويقبح الصور؛ لأنه يعيد بها عزيزهم ذليلا، وكبيرهم بالقتل ~~قليلا، ويجعل أيدي الأسد من أياديه، وقد تناهت في القوة، كأيدي الخرانق، ~~مما يكسبهم إياه من الذلة. # وقد عاينوها في سواهم وربما رأى ... مارق في الحرب مصرع مارق # ثم قال: وعاينت الأعراب وقائعه في غيرهم، فما وعظتهم تلك # PageV02P294 # المصارع، ولا بصرتهم تلك الزواجر، وكثيرا ما يعظ سيف الدولة المارق بمصرع ~~مارق مثله، ويكشف له بذلك عواقب فعله. # تعود أن لا تقضم الحب خيله ... إذا الهام لم ترفع جيوب العلائق # ثم يقول: تعود سيف الدولة لكثرة وقائعه، واتصال ملاحمه، ألا تقضم خيوله ~~الحب، إذا لم ترفع أكداس الرؤوس إليها علائقها، فتعطف عليها جوانبها، فإذا ~~عدمت ذلك، لكثرة انتهابه، واعتيادها له، امتنعت قضيمها، واضطربت أمورها. # ولا ترد الغدران إلا وماؤها ... من الدم كالريحان تحت الشقائق # ثم قال: وكذلك تعودت خيله ألا تباشر الغدران واردة، ولا تقتحم مياهها ~~شاربة، إلا وتلك المياه تحت ما تسفكه من دماء أعاديه، كالريحان إذا استبانت ~~تحت الشقائق خضرته، بحمرتها جملته. وأشار بخضرة الماء إلى صفائه وكثرته، ~~ونبه بذلك على جمومه ومنعته، وأن هذه الخيل إنما تأنس من الماء بما هذه ~~صفته، وترد منه ما هذه حقيقته. # PageV02P295 # لوفد نمير كان أرشد منهم ... وقد طردوا الأظعان طرد الوسائق # ثم يقول: لوفد نمير كان أرشد من هذه القبائل، التي انجفلت بين يدي سيف ~~الدولة. # أعدوا رماحا من خضوع فطاعنوا ... بها الجيش حتى رد غرب الفيالق # ثم قال، يريد بني نمير: أعدوا من خضوعهم لسيف الدولة ms203 رماحا نافذة، وأسلحة ~~ماضية، فطاعنوا بذلك الخضوع جيشه، وكفوا بذلك الاعتراف خيله، حتى رد الخضوع ~~غرب فيالقه، وكف حسن الإعراب بأس كتائبه، ونال ما استدفعته بنو نمير سائر ~~بني عقيل؛ بسوء نظرهم، وقلة تدبرهم. # فلم أر أرمي منه غير مخاتل ... وأسرى إلى الأعداء غير مسارق # ثم يقول: فلم أر أرمي من سيف الدولة، غير مخادع في رميه، ولا # PageV02P296 # أسرى إلى الأعداء منه، غير مسارق من قصده. # تصيب المجانيق العظام بكفه ... دقائق قد أعيت قسي البنادق # ثم قال، منبها على قوة سعده، وما يمكنه الله في الأمور من أمره: يصيب ~~بالمجانيق العظام، مع اختلاف رميها، وتعذر ضبطها، دقائق يقصر قسي البنادق ~~عن مثلها، ويعجز عما تحاول من أمرها. يشير إلى أنه معان مؤيد، ومنصور مسدد. # PageV02P297 # قال أبو الطيب هذه القصيدة في هذه السرية، إلا أنه لم يذكر المنازل، ولا ~~وصف الوقعة؛ لأنه لم يشهدها، فشرحها له سيف الدولة، وسأله أن يصفها، فقال: # طوال قنا تطاعنها قصار ... وقطرك في ندى ووغى بحار # يقول لسيف الدولة: أبطال الفرسان ومشاهير الشجعان، تقصر رماحهم عند ~~تعرضهم لمطاعنتك، ويحذر لهم بأسهم إذا أقدموا على مخالفتك، والقليل منك في ~~الجود والحرب بحار تزخر، وكثرات لا تحصر، وكنى بالقطر عن القلة، وبالبحار ~~عن الكثرة. # وفيك إذا جنى الجاني أناة ... تظن كرامة وهي احتقار # ثم قال: وفيك إذا (جنى) الجاني عليك أناة يوجبها حلمك، وتغافل ينبعث عليه ~~فضلك، فيعد الجاهل ذلك إكراما تقصده، وإنما هو احتقار للجاني يعتقده. # وأخذ للحواضر والبوادي ... بضبط لم تعوده نزار # قوله: (وأخذ للحواضر والبوادي) أخبر عن الحواضر والبوادي، وهو # PageV02P298 # يريد أهلها، والعرب تفعل ذلك، قال تعالى: (وسئل القرية التي كنا فيها)؛ ~~يريد: أهل القرية، وتقول العرب: اجتمعت اليمامة، وهم يريدون: أهل اليمامة، ~~ونزار أبو مضر وربيعة؛ الجمهور الأعظم من العرب. فيقول لسيف الدولة: وفيك ~~أخذ لأهل الحواضر والبوادي من العرب، بضبط يحصرهم، وسلطان يقهرهم، ولم تعتد ~~نزار ذلك؛ لأنهم لقاح لم يملكوا قبلك، ومماليك لك يضبطهم غيرك. # تشممه شميم الوحش إنسا ... وتنكره فيعروها نفار ms204 # ثم قال: يتشممون ذلك الضبط كما تتشمم الوحش الإنس، فينكرونه إذ لم ~~يعتادوه، ويأنفون منه إذ لم يعهدوه، ويعروهم من النفار ما يعرو الوحش عند ~~مقاربة الإنس لها، ومحاولتهم للاتصال بها. # وما انقادت لغيرك في زمان ... فتدري ما المقادة والصغار # ثم يقول لسيف الدولة: وما انقادت نزار لغيرك في زمان من الأزمان الخالية، # ومدة من المدد الماضية، فتنكر عليها النفار مما أخذتها به من الانقياد # PageV02P299 # لأمرك، والإصغار بملكك. # فأقرحت المقاود ذفرييها ... وصعر خدها هذا العذار # ثم قال: ولكنها ملكتها الغلبة، وسكن شماسها المقدرة، وصارت كالإبل ~~المذللة التي قد أقرحت المقاود ذفاريها، وكالخيل المرتاضة التي تصعر اللجم ~~خدودها. وأجرى هذا على سبيل الاستعارة. مشيرا إلى ما أحاط بنزار من سلطان ~~سيف الدولة، الذي ضبط نافرها، وقمع مخالفها. # وأطمع عامر البقيا عليها ... ونزقها احتمالك والوقار # ثم يقول: وأطمع بني عامر في السلامة من عقوبتك، طول ابقائك عليهم، وكثرة ~~تحلمك عنهم، وأوجب تنزقهم في الفتنة، احتمالك وتوقرك، وأناتك وتثبتك. # وغيرها التراسل والتشاكي ... وأعجبها التلبب والمغار # ثم قال مخاطبا له: وغير بني عامر، هذه القبيلة، عما كانت عليه من طاعتك، ~~تراسلهم بما حاولوه من إظهار معصيتك ومعذلتك، وأعجبهم # PageV02P300 # التلبب في الإغارة، والاقتدار على ذلك بالكثرة. # جياد تعجز الرسان عنها ... وفرسان تضيق بها الديار # ثم وصف مقدار عدتهم، ومبلغ جموعهم وكثرتهم، فقال: إن خيولهم تعجز الأرسان ~~عن الاستيفاء لها، وفرسانهم تضيق الديار عن الإحاطة بها. # وكانت بالتوقف عن رداها ... نفوسا في رداها تستشار # ثم يقول: وكانت نفوس بني عامر بتوقف سيف الدولة عن الإيقاع بهم، وتثبطه ~~عن التطلب لهم، نفوسا تستشار في الردى الواقع بها، فإن تابت قبل سيف الدولة ~~توبتها، وإن أبت استظهر بالحجة في عقوبتها. # وكنت السيف قائمه إليها ... وفي الأعداء حدك والغرار # ثم قال مخاطبا له: وكنت السيف قائمه إلى بني عامر، بحياطتك لهم، وكفك ~~عنهم، وكان حدك وغرارك في أعدائهم، وهم آمنون لسطوتك، غير نتوقعين لعقوبتك. # PageV02P301 # فأمست بالبدية شفرتاه ... وأمسى قائمه الحيار # ثم قال: فصيرت معصيتهم ذلك الأمر بخلاف ذلك، فصار ms205 حدك في البدية، التي هي ~~من منازلهم، يشير بذلك إليهم، وخلف قائمك الحيار، التي هي بمعزل عن ~~مواضعهم، فأشار بالقائم والحد إلى العقوبة والعفو، على سبيل الاستعار. # وكان بنو كلاب حيث كعب ... فخافوا أن يصيروا حيث صاروا # ثم قال: وكان بنو كلاب حيث بنو كعب، من التجاور في الدار في الدار، ~~والتشارك في الرأي، فخافوا أن يصيروا بمعصية الدولة إلى مثل صار إليه بنو ~~كعب، وأن ينالهم ما نال به أولئك من شدة الوطأة، ومؤلم السطوة. # تلقوا عز مولاهم بذل ... وسار إلى بني كعب وساروا # ثم قال، يريد بني كلاب: تلقوا عز مولاهم؛ سيف الدولة، بالتذلل له، ~~واستجاروا منه بالتعوذ به، وسار إلى بني كعب بسائرهم، فساروا معه مكثرين ~~لجمعه، وبادروا ممتثلين لأمره. # PageV02P302 # فأقبلها المروج مسومات ... ضوامر لا هزال ولا شيار # ثم قال، مشيرا إلى سيف الدولة: فأقبلها المروج مغيرة في آثار بني كعب، ~~ضوامر بما اتصل لها من الركض، لا هزال فيقعدها الضعف، ولا شيار فيثقلها ~~اللحم. # تثير على سلمية مسبطرا ... تناكر تحته لولا الشعار # ثم قال: تثير هذه الخيل على سلمية؛ هذا الموضع، من ساطع عجاجها، ومتكاثف ~~رهجها، مسبطرا ممتدا، يتناكر الفرسان فيه فلا يتعارفون إلا بالشعار في ~~ظلامه، ولا يتميزون إلا بالكلام تحت قتامه. # عجاجا تعثر العقبان فيه ... كأن الجو وعث أو خبار # ثم أكد وصف ذلك القتام، فقال، مشيرا إلى تكاثفه، ومنبها على التحامه ~~وتراكمه: عجاج تصير العقبان منه في الجو إلى المشي بعد طيرانها، فتعثر فيه ~~سائرة، ولا تتخلص منه ناهضة، حتى كأنه وعث متصل، وخبار # PageV02P303 # مرتكم، هذا مع ارتفاع مواضع العقبان، وقوتها على الاستعارة في الطيران. # وظل الطعن في الخيلين خلسا ... كأن الموت بينهما اختصار # ثم يقول: وظل الطعن بين خيل الأعراب وخيل سيف الدولة خلسا، لا مهلة فيه، ~~حتى كأنه الموت بينهما اختصار، قد سقطت فيه الكلفة، وقصد قد ذهبت عنهم معه ~~المؤونة. # فلزهم الطراد إلى قتال ... أحد سلاحهم فيه الفرار # ثم قال: فلز بني كعب الطراد إلى شدة من القتال، وحقيقة من ms206 الحرب، كان أحد ~~سلاحهم في ذلك الموقف الاعتصام بالفرار، والتعويل على تولية الأدبار. # مضوا متسابقي الأعضاء فيه ... لأرؤسهم بأرجلهم عثار # ثم يقول: مضى بنو كعب في ذلك القتال فرارا، تتسابق أعضاؤهم، وتفصل السيوف ~~أجسامهم، بما يتطاير من رؤوسهم عثار في أرجلهم؛ لأن هوي الرؤوس ساقطة، تسبق ~~الأرجل في المشي، وتغلبها على شدة العدو، # PageV02P304 # فالرؤوس تعلقها، والأرجل تتعثر بها. # يشلهم بكل أقب نهد ... لفارسه على الخيل الخيار # ثم قال: يشلهم سيف الدولة، بكل فرس نهد في خلقه، ضامر بشدة عدوه، لفارسه ~~الخيار على الخيل، لتحكمه في فروسيته، وتقدمه في شجاعته. # وكل أصم يغسل جانباه ... على الكعبين منه دم ممار # ثم يقول؛ ويطردهم سيف الدولة بكل رمح أصم، يهتز طرفاه على أعلى كعوبه، # وفي أسفلها دم مرسل، فأشار بهذين الكعبين إلى أن الرمح قد غشي جميعه ~~الدم. # يغادر كل ملتفت إليه ... ولبته لثعلبه وجار # ثم قال: يغادر ذلك الرمح كل من التفت إليه، وحاول الكر على ممسكه، ولبة ~~ذلك الملتفت وجار لثعلب ذلك الرمح. يشير إلى أنه يطعن # PageV02P305 # به طعنة تغيب السنان في لبته إلى آخر الجبة، فتصير حينئذ لبته وجارا ~~لثعلب الرمح، تستره وتغيبه، وتشمله وتتضمنه. وجعل اللبة وجارا على سبيل ~~الاستعارة، وأشار إلى ذلك بالثعلب. # إذا صرف النهار الضوء عنهم ... دجا ليلان: ليل والغبار # ثم يقول: إذا صرف النهار ضوءه عنهم بمغيبه، دجا عليهم ليلان: # ليل من ظلام، وليل من قتام. # وإن جنح الظلام انجاب عنهم ... أضاء المشرفية والنهار # يقول: وإن انكشف عنهم ظلام الليل بذهابه، أشرق لهم ضوءان: لمعان السيوف، ~~وضياء الشمس، فأشار إلى شدة محنتهم، لتعذر الهروب عليهم بالليل، وما هم ~~بسبيله من تمكن الطلب عليهم بالنهار. # يبكي خلفهم دثر بكاه ... رغاء أو ثؤاج أو يعار # ثم قال: يبكي خلف بني كعب ما تخلفوه من أموالهم، وذلك دثر كثير، بكاء ~~إبله الرغاء، وبكاء ضأنه الثؤاج، وبكاء معزه اليعار يشير إلى # PageV02P306 # اختلاف أصواتها، واختلاف أصنافها، وفرار أربابها، وإسلامهم لها، وعجزهم ~~عن المنع منها. # غطا بالغنثر البيداء حتى ... تخيرت المتالي ms207 والعشار # يقول غشي هذا الدثر من المال، هذا الموضع من البيداء، حتى تخيرت المتالي ~~والعشار من إبله، واعتمدت من جملة سائر الإبل؛ لأن ألبانها أكثر، ونفعها ~~لمن أخذها أقرب. # ومروا بالجباه يضم فيها ... كلا الجيشين من نقع إزار # ثم يقول: ومر بنو كعب في هربهم بين يدي سيف الدولة، وجيشه يتلو جمعهم، ~~ويقفو أثرهم، والجيشان؛ يريد: الجيش الهارب، والجيش الطالب، يضنهما من ~~النقع المثار والرهج، ما هو كالإزار الذي يحيط # PageV02P307 # بالمستعمل له، ويكنف المستتر به. # وجاءوا الصحصحان بلا سروج ... وقد سقط العمامة والخمار # ثم قال، يريد: بني كعب: وجاءوا الصحصحان؛ يريد: هذا الموضع، وقد رموا ~~سروجهم، ليكون ذلك أخف للخيل، وأمكن فيما تتكلفه من الجري، وقد سقطت عمائم ~~الرجال، وخمر النساء. يشير إلى شدة الهرب، وقوة الطلب، وأن الحال ضاقت ~~برجالهم عن صرف عمائمهم المنتشرة، وبنسائهم عن تلاقي خمرهن المتكشفة. # وأرهقت العذاري مردفات ... وأوطئت الأصيبية الصغار # ثم قال: وأرهقت العذاري من نساء بني كعب، فاحتملهن فرسان سيف الدولة، ~~وأسلموهن للسبي، ولم يمنعوهن من الأخذ، ووطئت الخيل صغار صبيتهم، وأهلكت ~~أطفال ذريتهم. # وقد نزح العوير فلا عوير ... ونهيا والبييضة والجفار # PageV02P308 # ثم يقول: وقد نزحت بنو كعب العوير، ونزحت المياه التي ذكرها المتصلة به، ~~فلم يبق فيها ما يرتفق بشربه، ولا محل يعرج على مثله. # وليس بغير تدمر مستغاث ... وتدمر كاسمها لهم دمار # ثم قال: وليس لهم مستغاث إلا بتدمر، هذه المدينة، وفيها كان الإيقاع بهم، ~~فصارت كالفال الذي بين حالهم، وأخبر عما نالهم، وكانت لهم كاسمها، دمارا عم ~~جميعهم، وهلاكا أذل عزهم. # أرادوا أن يديروا الرأي فيها ... فصبحهم برأي لا يدار # ثم يقول: أراد بنو كعب أن يديروا في تدمرن هذه المدينة، رأيا يمتنعون به ~~من # سيف الدولة، فصبحهم من الإيقاع بهم برأي يغني نفاذه عن إدارته، وتمامه عن ~~محاولته. # وجيش كلما حاروا بأرض ... وأقبل أقبلت فيه تحار # ثم قال: وصبحهم بجيش كثير جمعه، جليل أمره كلما حاروا # PageV02P309 # بأرض عن قصد سبيلهم، وعجزوا عن توجيه أمرهم، وأقبل ذلك الجيش يطلبهم في ms208 ~~تلك الأرض، أقبلت الأرض تحار في قوته، وتضيق عن كثرته. # يحف أغر لا قود عليه ... ولا دية تساق ولا اعتذار # ثم يقول: يحف ذلك الجيش من سيف الدولة، ملكا أغر، بهي المنظر، جليل ~~القدر، لا وقود ولا دية عليه فيمن قتله، ولا اعتذار ولا توقع فيما فعله. # تريق سيوفه مهج الأعادي ... كل دم أراقته جبار # ثم قال: تريق سيوفه دماء أعاديه، وتبتر أعمار مخالفيه، وكلما يريقه من ~~ذلك الدم جبار لا ينتصر له، وهدر لا يستقاد به. # فكانوا الأسد ليس لها مصال ... على طير وليس لها مطار # ثم قال، وهو يريد بني كعب: فكانوا الأسد في بأسهم وشدتهم، إلا أن غلبة ~~سيف الدولة لهم، غادرتهم أسدا غير صائلة، وكانت خيلهم التي كانوا عليها ~~طيرا، في كرمها وسرعتها، إلا أن إدراك جيش سيف الدولة لها، صيرها طيرا غير ~~ناهضة. # إذا فاتوا الرماح تناولتهم ... بأرماح من العطش القفار # PageV02P310 # ثم قال: إذا فات بنو كعب رماح جيش سيف الدولة، بفرارهم عنه، واقتحامهم ~~الفلاة فرقا منه، تناولتهم القفار من العطش بأرماح نافذة، واعتورتهم بحتوف ~~صادقة. # يرون الموت قداما وخلفا ... فيختارون والموت اضطرار # ثم قال: يرون الموت خلفهم في جيش سيف الدولة الذي يطلبهم، وقدامهم بعطش # الفلاة التي تعترضهم، فيختارون والموت يضطرهم، ويفرون وإلى الحتف مآلهم. # إذا سلك السماوة غير هاد ... فقتلاهم لعينيه منار # ثم قال: إذا سلك السماوة غير هاد في أرضها، ولا خبير بحقيقة طرقها، فقتلى ~~بني كعب له منار يستنير بهدايته، ومرشد يعتمد على دلالته. # ولو لم يبق لم تعش البقايا ... وفي الماضي لمن بقي اعتبار # ثم يقول: ولو لم يبق سيف الدولة على بني كعب، لم تعش البقايا منهم، وفي ~~ماضيهم لمن بقي زاجر عن معصية سيف الدولة، ومعتبر يكف عن مخالفة أمره، ~~والتعرض لحربه. # إذا لم يرع سيدهم عليهم ... فمن يرعي عليهم أو يغار # PageV02P311 # ثم قال: مشيرا إلى ما كان من صفح سيف الدولة عنهم، وإبقائه عليهم: إذا لم ~~يرع سيدهم سيف الدولة عليهم، فيوسعهم عفوه، ويجدد عندهم فضله، فمن ms209 المرجو ~~للإبقاء عليهم، والغيرة على حريمهم، وكف المكروه المحيط بهم؟ # تفرقهم وإياه السجايا ... ويجمعهم وإياه النجار # ثم قال: تفرقهم وإياه؛ تصاغرهم عن شرف خلائقه، وعجزهم عن بلوغ مكارمه، ~~وتجمعهم وإياه؛ الاشتراك في النسب، وما يعتقده من صلة أرحام العرب. # ومال بها على أرك وعرض ... وأهل الرقتين لها مزار # ثم يقول: ومال سيف الدولة بكتائبه، ودل عليها بما تقدم من ذكر السيوف، ~~على أرك وعرض؛ هذين الموضعين، قافلا من غزوه، منصورا في قصده، والرقتان ~~مزار لكتائبه، ومعتمد لعساكره؛ لأنهما على # PageV02P312 # طريق حلب؛ قاعدة سلطانه، وموضع استقراره. # واجفل بالفرات بنو نمير ... وزأرهم الذي زأروا خوار # ثم قال: وأجفل بنو نمير مجتهدين في الهرب من جيش سيف الدولة، وبأسهم الذي # كانوا يظهرونه قد عاد جزعا وضراعة، واستخذاء واستكانة وانقلبوا من أحوال ~~الأسد الضارية، إلى أحوال الأنعام السائمة، وأشار بالزأر والخوار إلى هذه ~~العبارة. # فهم حزق على الخابور صرعى ... بهم من شرب غيرهم خمار # ثم يقول: إن بني نمير، هذه القبيلة، التي أجفلت بين يدي سيف الدولة، حزق ~~على الخابور، وقد صرعهم كلالهم، وأجهدهم هربهم، وكأنهم في خمار من فرقهم، ~~وفي سكر من مخافتهم وجزعهم، وكان ما نال بني كعب من إيقاع سيف الدولة بهم، ~~أطاش عقولهم، وأسكن الخوف قوبهم، فسكروا مما بنو كعب الشاربون له، وأشفقوا ~~من أن ينالهم مثل الذين امتحنوا به. # فلم يسرح لهم بالصبح مال ... ولم توقد لهم بالليل نار # ثم قال، مؤكدا لما قدمه من شدة خوفهم: فلم تسرح لهم بالنهار # PageV02P313 # ماشية؛ لشدة وجلهم، ولم توقد لهم بالليل نار؛ لاستحكام مخافتهم وحذرهم. # حذار فتى إذا لم يرض عنهم ... فليس بنافع لهم الحذار # ثم قال: حذارا من سيف الدولة، وهو الفتى الذي إذا لم ترضه طاعتهم عنهم، ~~فليس يمنعه حذرهم منهم، يريد: أن من خالفه لا يعصمهم إلا الخضوع لأمره، ولا ~~يدفعه عنهم إلا التسليم لحكمه. # تبيت وفودهم تسري إليه ... وجذواه الذي سألوا اغتفار # ثم يقول: تبيت وفود بني نمير تسري إلى سيف الدولة، بما يبذلونه من ~~طاعتهم، وما يظهرونه ms210 من خضوعهم واستكانتهم، والعطاء الذي يسأله وفودهم أن ~~يتغمد سيف الدولة زللهم، ويغفر ما تقدم لهم. # فخلفهم برد البيض عنهم ... وهامهم له معهم معار # ثم قال: فخلفهم سيف الدولة بكفه السيوف عنهم، وعفوه الذي بذله لهم، ~~وهامهم # الذي معهم كالعارية، يشير إلى أنه قد كان أشرف على قتلهم، واحتياز ~~رؤوسهم، فأعرض عن ذلك إعراض المغتفر، وتركه ترك المقتدر، فصارت هامهم عنده ~~بعارية بذلها، وعطية منه تفضل بها. # هم ممن أذم لهم عليه ... كريم العرق والحسب النضار # ثم قال، يريد بني نمير: هم من قبائل من بني عامر بن صعصعة الذين # PageV02P314 # أذم لهم على سيف الدولة كريم نسبه في العرب الذي يجمعه بهم، وخالص حسبه ~~الذي يعطفه عليهم. فأشار إلى أن حفظ سيف الدولة لقرابتهم أوجب لهم صفحة، ~~ومراعاته فيهم لذلك ضمن لهم عفوه. # فأضحى بالعواصم مستقرا ... وليس لبحر نائله قرار # ثم يقول: وأضحى سيف الدولة مستقرا في العواصم بنفسه، ولا قرار لبحر نائله ~~وفضله؛ لأن جوده يعم ويشمل، وعطاياه تسير وتظعن. # وأضحى ذكره في كل أرض ... تدار على الغناء به العقار # ثم قال: وأضحى ذكره في كل أرض، لطيب خبره، وكرم موقعه، وأثره تدار الخمر ~~على الغناء به، فيسر ويطرب، ويروق ويعجب. يشير إلى أن ألحان الغناء تستعمل ~~كثيرا في مدائحه، وتزين بما يتضمنه الشعر من مناقبه. # تخر له القبائل ساجدات ... وتحمده السنة والشفار # PageV02P315 # ثم يقول تخر لذكر سيف الدولة قبائل العرب ساجدات، إعظاما لقدره، وإجلالا ~~لأمره، وتحمده أسنة الرماح، وشفار السيوف، لما يتضمنه من الأعمال لها، ~~ويواصله من السطوة على الأعداء بها. # كأن شعاع عين الشمس فيه ... ففي أبصارنا عنه انكسار # ثم قال: كأن شعاع عين الشمس في ذلك الذكر، لضيائه وبهجته، وتلألئه ~~ورفعته، فالأبصار منكسرة عندما يعن منه، لما ألبسه الله من الجلالة، وألقى ~~عليه من # الإعظام والمهابة، كما ينكسر عن شعاع الشمس، الذي لا يعارضه متثبته، ولا ~~يقاربه متأمله. # فمن طلب الطعان فذا علي ... وخيل الله والأسل الحرار # ثم يقول: من طلب الطعان، وتعرض للحرب، فهذا علي ms211 وخيله، التي هي خيل الله ~~المشمولة بالنصر، المؤيدة بجميل الصنع، ورماحه العطاش إلى الدماء، الحراص ~~على مواقعه الأعداء، فمن شاء فليتعرض له، ومن أقدم فليتمرس به. # يراه الناس حيث رأته كعب ... بأرض ما لنازلها استتتار # ثم قال، يريد سيف الدولة: يراه الناس حيث رأته كعب، هذه # PageV02P316 # القبيلة، قد أضحى للقتال، واستجاش بالأبطال، في أرض لا يستتر نازلها، ولا ~~تظن المخافة بسالكها. يشير إلى الفلاة التي أوقع فيها ببني كعب، وإلى أنه ~~بارز إلى أعدائه في مثلها، لا يعتصم بحصن غير سيوفه، ولا يعول على موئل غير ~~خيوله. # يوسطه المفاوز كل يوم ... طلاب الطالبين لا الانتظار # ثم يقول: إن سيف الدولة يوسطه كل يوم المفاوز، طلبه للطالبين من أعدائه، ~~الذين هم أهل القوة، والمشهورون بالبأس والنجدة، فيطلبهم مستخفا بهم، ولا ~~ينتظرهم متهيئا لهم. # تصاهل خيله متجاوبات ... وما من عادة الخيل السرار # ثم قال: وتتصاهل خيله في آثارهم، في أقطار تلك البلاد متجاوبة، وتتسابق ~~إليهم متتابعة، وليس السرار من عادة الخيل؛ إن صهيلها يؤذن بها، وأصواتها ~~تدل عليها. وأشار إلى أنه اقتحم الفلاة في طلب بني كعب غير متهيب، وأمعن في ~~آثارهم غير متوقع. # بنو كعب وما أثرت فيهم ... يد يدمها إلا السوار # يقول لسيف الدولة: إن بني كعب مع ما نالهم من سطوتك، وما أصابهم من # غلبتك، متشرفون بعلو قدرك، متزينون بنفاذ أمرك، فهم كيد # PageV02P317 # المها السوار مع أنه يزينها، ويجرحها مع أنه يحسنها. يشير إلى العدوبية ~~التي توجب لهم قرابته، وإلى الصحبة القديمة التي تضمن لهم كرامته. # بها من قطعه ألم ونقص ... وفيها من جلالته افتخار # ثم أكد ذلك فقال: بتلك اليد من قطع السوار لها ألم تجده، واختلال لا ~~تنكره، وفيها من جلالة السوار الجاني عليها، افتخار يشرفها بقدره، واختيال ~~يزهيها بحسنه، وكذلك سيف الدولة، وإن كان أوقع ببني كعب، فقد شرف نسبهم، ~~وإن كان أسخطهم فقد وفر حسبهم. # لهم حق بشركك في نزار ... وأدنى الشرك في أصل جوار # ثم يقول لسيف الدولة: إن بني كعب بن ربيعة يجمعهم ms212 وإياك نزار بن معد، ~~وهذا النسب وإن بعد، فحرمته لا تدفع، ورحمة لا يقطع، وأدنى الاشتراك في ~~النسب، جوار لا يحقر، وشافع لا يحتقر. # لعل بنيهم لبنيك جند ... فأول قرح الخيل المهار # ثم قال له: لعل أولاد بني كعب الذين بعثهم فضلك، وأبقاهم تجاوزك وعفوك، ~~جند لبنيك يخدمونهم كما خدمك آباؤهم، ويغنون عنهم كما أغنى عنك فرسانهم، ~~فأول الخيل القارحة مهارها، كما أن أول أبطال الفرسان صبيانها وصغارها. # PageV02P318 # وأنت أبر من لوعق أفنى ... وأعفى من عقوبته البوار # ثم يقول له: وأنت أبر ملك، لو قطع وعق لأفنى بقطيعته، وأعفى مقتدر لو ~~عاقب لأهلك بعقوبته. # وأقدر من يهيجه انتصار ... وأحلم من يحلمه اقتدار # ثم قال، على نحو ما قدمه، يريد: سيف الدولة: وأنت أقدر ملك يهيج غضبه ~~تيقنه بالتمكن من الانتصار، وأحلم ظافر يحلمه ما هو بسبيله من الاقتدار، ~~فإذا أغضبته # عزة الملك جنح به كريم المقدرة إلى العفة. # وما في سطوة الأرباب عيب ... ولا في ذلة العبدان عار # ثم قال: وما في سطوة الأرباب على عبيدهم ما يعيبهم، ولا في ذلة العبيد ~~لهم ما يشينهم. يشير إلى أن إيقاع سيف الدولة ببني كعب لا ينقصهم؛ لأنه ~~سيدهم، وسطوته عليهم لا تعيبهم؛ لأنه مالكهم. # PageV02P319 # وودعه سيف الدولة إلى إقطاع أقطعه إياه، فقال: # أيا راميا يصمي فؤاد مرامه ... تربي عداه ريشها لسهامه # يقول لسيف الدولة: يا أيها الملك الذي يصيب عين ما يقصده، وتمكن له ~~السعادة حقيقة ما يعتمده، وتعينه عداه على أنفسها بما تكيده به، وتريش ~~سهامه بما تدخره من العدة له. يشير إلى أن سعده ينهض سهامه بعدد أعدائه، ~~ويؤكد مقدرته بما يستعمله مناوئه. # أسير إلى إقطاعه في ثيابه ... على طرفه من داره بحسامه # ثم قال، مخبرا عن نفسه: أسير إلى ما أقطعني إياه من الأرض، فيما خلعه علي ~~من الثياب، ممتطيا لما حملني عليه من الخيل، خارجا مما أسكننيه من المنازل، ~~ممتنعا بما قلدنيه من السلاح. وأشار بهذا التصنيف إلى كثرة ما أحاط به من ~~إحسان سيف الدولة، وإلى ms213 أنه رفع قدره، وانفرد بالفضل عنده. # وما أمطرتنيه من البيض والقنا ... وروم العبدي هاطلات غمامه # PageV02P320 # ثم قال، على نحو ما قدمه: وأسير فيما أمطرتني إياه سحائب جوده، وعوائد ~~فضله؛ من بيض السيوف، وسمر الرماح، يحمل ذلك روم العبيد، والجميع مما ~~أفادته مواهبه، وسهلت السبيل إليه مكارمه. # فتى يهب الإقليم بالمال والقرى ... ومن فيه من فرسانه وكرامه # ثم يقول، مشيرا إلى سيف الدولة: فتى يهب الإقليم بما فيه من المال، وما ~~يشتمل عليه من الأهل، ويجعل أبطال فرسانه، وكرام عماره، خولا للموهوب له. ~~وأشار بالفرسان والكرام إلى جلالة الجهة، وارتفاع مقدار الهبة. # ويجعل ما خولته من نواله ... جزاء لما خولته من كلامه # ثم قال، مشيرا إليه: ويجعل عظيم ما يخولني من ماله جزاء لعظيم ما يخولني ~~من علمه. وأشار بالكلام إلى الشعر، وأشار إلى أن سيف الدولة أرشده بما أراه ~~من فضله إلى بديع ما قيد فيه من شعره. # فلا زالت الشمس التي في سمائه ... مطالعة الشمس الذي في لثامه # PageV02P321 # تطالع من وجهه المستنير باللثام، شمسا لا يقاوم حسنها، ولا يماثل نورها، ~~فهي تطالعها متهيبة لحسنها، وتلاحظها مستعظمة لأمرها. # ولا زال تجتاز البدور بوجهه ... تعجب من نقصانها وتمامه # ثم قال: ولا زالت بدور الشهور مجتازة بوجهه، تتعجب من نقصانها عن بلوغ ~~رتبته، وتصاغرها عن مماثله بهجته، فدعا له بطول البقاء ودل على منزلته من ~~الرفعة والبهاء. # PageV02P322 # وقال يرثي أخته الصغرى، ويسليه ببقاء الأخت الكبرى. # أنشدها إياه يوم الأربعاء للنصف من شهر رمضان سنة أربع وأربعين ~~وثلاثمائة. # إن يكن صبر ذي الرزية فضلا ... تكن الأفضل الأعز الأجلا # يقول لسيف الدولة: إن يكن صبر من طرقه الدهر لمصيبة، وعرضته الأيام ~~لرزية، فضلا فيه، وتماما منه، تكن في ذلك أفضل الأفضلين وأعزهم، وأكرم ~~الأكرمين وأجلهم. # أنت يا فوق أن تعزي عن الأح ... باب فوق الذي يعزيك عقلا # ثم قال، مخاطبا له: أنت يا أيها الرئيس المرتفع عن أن يعزي بمن فقده من ~~الأحباب، وأصيب به من الإلاف، فوق الذي يعزيك عقلا ومعرفة، # PageV02P323 # ورأيا وتجربة، ms214 فكيف يحضك على الصبر من لا يماثلك في درايتك، ويندبك إلى ~~التجلد من لا يقارنك في إحاطتك؟ # وبألفاظك اهتدى فإذا عز ... زاك قال الذي له قلت قبلا # ثم قال: وذلك المعزي إنما يهتدي بألفاظك، ويستنير بأنوارك، فإذا عزاك ~~فإنما يعزيك بما استفاده من لفظك، ويخاطبك بما تعلمه من قولك، فقدرك يرتفع ~~عن التعزية؛ لأن حقائق الأمور مستفادة منك، وجواهر الكلام مأثورة عنك، ~~فمعزيك إنما يقابلك بما أنت أعلم به، ويذكرك بما أنت أحفظ له. # قد بلوت الخطوب مرا وحلوا ... وسلكت الأيام حزنا وسهلا # ثم يقول له: قد بلوت طوارق الخطوب بمعرفتك، وخبرت مرها وحلوها بتجربتك، ~~وسرت في الأيام تسلك منها ما صعب وسهل، وتعاني ما بعد وقرب، مستظهرا بنفسك، ~~مستكفيا بعلمك. # PageV02P324 # وقتلت الزمان علما فما يغ ... رب قولا ولا يجدد فعلا # ثم قال له: وقد قتلت الزمان علما بأمره، وإحاطة بوجوده تصرفه، فما يسمعك ~~قولا تستغربه، ولا يحدد لك فعلا تتهيبه، ولا يطرفك إلا بما قد أنت عليه # معرفتك، وأحاطت بأمثاله تجربتك. وأجرى جملة لفظه في البيتين على سبيل ~~الاستعارة والإيماء والإشارة، وكل ذلك من بديع الكلام. # أجد الحزن فيك حفظا وعقلا ... وأراه في الخلق ذعرا وجهلا # ثم يقول له: أجد الحزن فيك على من تصاب به من أحبتك، حفظا لذمتهم، ورعاية ~~لحرمتهم، وإنصافا وعقلا، ووفاء وكرما، وأراه في عامة الخلق خوفا وذعرا ~~وجزعا وجهلا. # لك إلف يجره وإذا ما ... كرم الأصل كان للإلف أصلا # ثم قال، مخاطبا له: لك إلف بكرم صحبتك، يجر الحزن إليك بمن تفقده من ~~أحبتك، ويوجب الإشفاق منك على من تصاب به # PageV02P325 # من خاصتك، وكذلك الأصل إذا كان كريما كأصلك، متمكنا في مثل نصاب شرفك، ~~كان أصلا لكريم المؤالفة، وباعثا على مشكور المعاملة، فمنزلتك من الشرف ~~تضمن الفضل عنك، ومحلك من الكرم يوجب حسن المؤالفة منك. # ووفاء ثبت فيه ولكن ... لم يزل للوفاء أهلك أهلا # ثم قال: ويجر عليك بالمفقودة وفاء باشرته من أبيك وعشيرتك، كانت فيه ~~نشأتك، وثبت عليه في سالف مدتك، ولم يزل ms215 أهلك أهل الوفاء والكرم، وأرباب ~~الفواضل والنعم، فأنت من الإنصاف، على وراثة سالفة، ومن الوفاء والكرم، على ~~أولية متقادمة. # إن خير الدموع عينا لدمع ... بعثته رعاية فاستهلا # ثم يقول لسيف الدولة: إن خير العيون البالية، وأرفع الدموع # PageV02P326 # الجارية، دمع بعثت الرعاية عليه، وقاد الوفاء والكرم إليه، فاستهل وانسكب ~~وتصبب. # أين ذي الرقة التي لك في الحر ... ب إذا استكره الحديد وصلا # ثم قال: أين ذي الرقة التي نشهدها لك، وهذه الشفقة التي نبصرها منك عند ~~تقدمك # في الحرب، واقتحامك في شدائدها، ونهوضك بها، ونفاذك في مضائقها، حين ~~يستكره الحديد في رؤوس الرجال، ويكثر صليله بتجالد الأبطال. # أين خلفتها غداة لقيت الر ... وم والهام بالصوارم تفلى # ثم قال، مؤكدا لما قدمه: أين خلفت هذه الرقة عند لقائك الروم، وإيقاعك ~~بهم، وإقدامك عليهم، والهام تفلى بالسيوف، والنفوس تخترم بالحتوف. # قاسمتك المنون شخصين جورا ... جعل القسم نفسه فيه عدلا # PageV02P327 # ثم يقول، معزيا له ببقاء أكبر أختيه عن موت أصغرهما: قاسمك الموت شخصين ~~من أهلك، ونفسين من أحبتك جورا من الدهر في فعله، وتخطيا إليك في صرفه، إلا ~~أن القسم جعل نفسه عدلا عند تبينه، وإنصافا عند تأمله، لأن الموت لا بد ~~منه، ولا محيص لأحد عنه، وقد متعك بالأكرم عليك، وأبقى لك أحب الشخصين ~~إليك. # فإذا قست ما أخذن بما أغ ... درن سرى عن الفؤاد وسلى # ثم قال، مؤكدا لما قدمه: فإذا قست ما أخذته المنون بما أبقته، سلاك ذاك ~~وصبرك، وعزاك وسكنك؛ لأنها أصابتك في الأخف عليك، ومتعتك بالأحب إليك. # وتيقنت أن حظك أوفى ... وتبينت أن جدك أعلا # ثم قال، على نحو ما قدمه مخاطبا له: فإذا تأملت، تبينت أن حظك في هذه ~~القسمة أوفى وأكمل، وجدك أعلى وأفضل؛ لأن المنون التي قاسمتك # PageV02P328 # لا مدفع لها، ولا يدان لأحد بها، وقد آثرتك بالحظ الأوفر، واقتصرت على ~~المفقود الأصغر، وهذا الكلام على تجوز الشعراء وتزيدهم، وما تبينه اللغة من ~~مفهوم قصدهم. # ولعمري لقد شغلت المنايا ... بالأعادي فكيف يطلبن شغلا # ثم يقول له: لعمري ms216 لقد شغلت المنايا بما تواصله في أعاديك من القتل، وما ~~توجب عليهم من الهلاك في الحرب، فكيف تطلب المنايا شغلا بغيرهم، أو تستعمل ~~أنفسها إلا فيهم. يشير إلى أن الموت من أعوان سيف الدولة على أعاديه، # فكيف تخطى إلى ذوي قرابته، وخالف مراده في أهل عنايته؟ # وكم انتشت بالسيوف من الده ... ر أسيرا وبالنوال مقلا # ثم قال، مخاطبا لسيف الدولة: وكم استنقذت سيوفك من أسير، قد أسره الدهر، ~~وأحاط به النكوب والعسر، وكم أغنيت بجودك من مقل فقير، وجبرت من ضعيف كبير، ~~فخالفت الدهر فيما قصده، وأظهرت عجزه فيما اعتمده. # عدها نصرة عليه فلما ... صال ختلا رآه أدرك تبلا # PageV02P329 # ثم قال: فعد الدهر فعلك في جبر الفقير، واستنقاذ الأسير، نصرة عليه، ~~وتسرعا بالخلاف إليه، فاضطغن ذلك من فعلك، واستكرهه من أمرك، فلما صال على ~~هذه المتوفاة، مخاتلا غير مجاهر، ومخادعا غير مكاثر، رأى نفسه مدركا منك ~~لثأر طلبه، ومجازيا بضغن اعتقده. # كذبته ظنونه أنت تبلي ... ه وتبقى في نعمة ليس تبلى # ثم يقول: كذبت الدهر ظنونه، فيما رامك به من الثكل، وعرك له من الحزن، ~~أنت تبليه بطول سلامتك، وتغلبه باتصال سعادتك، ويبقيك الله في نعمة لا تبلي ~~سابغة، ورفعة لا تنتقص نامية. # ولقد رامك العداة كما را ... م فلم يجرحوا لشخصك ظلا # ثم قال، يخاطبه: ولقد رامك أعداؤك بمثل ما رامك به الدهر؛ من التعرض ~~لمساءتك، والإقدام على معارضتك، فعجزوا عن التأثير في ظلك، فضلا على أن ~~ينالوك بذلك في خاصة نفسك. # ولقد رمت بالسعادة بعضا ... من نفوس العدا فأدركت كلا # ثم قال، مخاطبا له: ولقد رمت بسعدك، وما تكفل الله لك به من إعلاء أمرك، ~~بعض نفوس أعدائك، فأدركت كلها، وحاولت خصوصا منها، # PageV02P330 # فمكن لك الإقبال جميعها. فالأقدار تيسر لك افضل ما ترغبه، وتقرب لك أكثر ~~مما تطلبه. # قارعت رمحك الرماح ولكن ... ترك الرامحين رمحك عزلا # ثم يقول لسيف الدولة: قارعت رمحك الرماح؛ بمنازلتك للأقران، ومطاعنتك ~~للفرسان، ولكن شدة قرعك، وزيادة قوتك، أطارتا رماح المطاعنين لك، وأسقطتاها ~~من ms217 أيدي المتمرسين بك، فصاروا عزلا بين يديك، عاجزين عن الإقدام عليك. يشير ~~إلى ما هو عليه من الحذق بالطعن، والاقتدار على التصرف في الحرب. # لو يكون الذي وردت من الفج ... عة طعنا أوردته الخيل قبلا # ثم قال: لو يكون الذي وردك من زريتك، وطرقك من فجيعتك طعانا ومنازلة، ~~وقتالا ومبارزة، لأوردت ذلك الموطن الخيل قبلا # PageV02P331 # مقدمة، ولأقحمتها على الموت أشد إلاقحام مكرهة، وأشار بقوله قبلا (إلى) ~~هذه العبارة أو نحوها. # ولكشفت ذا الحنين بضرب ... طالما كشف الكروب وجلا # ثم قال، على نحو ما قدمه: ولو كان هذا الحنين المتصل على رزيتك، مما ~~يستدفع بمغالبة، ويستكف بمكاثرة، لكشفته بضرب بالغ، وإقدام على الموت صادق، ~~وطالما كشف الكروب الموجعة، وجلى المخافات المفزعة، ولكن الموت لا يستدفع ~~بشدة، ولا يعتصم منه بقوة. # خطبة للحمام ليس لها رد ... د إن كانت المسماة ثكلا # ثم يقول؛ مشيرا إلى وفاة أخت سيف الدولة: كانت هذه الوفاة خطبة من الموت، ~~لا ترد ولا تمنع، ورغبة لا تكف ولا تدفع، وإن كان اسمها ثكلا وفجيعة، ورزءا ~~ومصيبة، فهي للموت فائدة وحظوة، ومنزلة ورفعة، لحلالة من ظفر بها، وعلو ~~منزلة التي عرض لها. # وإذا لم تجد من الناس كفوا ... ذات خدر أرادت الموت بعلا # PageV02P332 # ثم قال: وإذا كانت ذات الخدر لا تجد من الناس كفؤا لنفسها، ولا عديلا ~~لقدرها، # أرادت الموت بعلا يتكفل بصيانتها، ويذهب بها، موفيا بحق جلالتها، دون أن ~~تتملك بالنكاح تملك سائر النساء، وذوات النظراء والأكفاء. # ولذيذ الحياة أنفس في النف ... س وأشهى من أن يمل وأحلا # ثم يقول: ما تستلذه أنفس الناس من الحياة، أنفس فيها، وأشهى إليها، من أن ~~يمل ذلك ويستطال، ويكره ولا يستدام. # وإذا الشيخ قال أف فما ... مل حياة وإنما الضعف ملا # ثم قال، على نحو ما قدمه: وإذا الشيخ قال أف لنفسه، وأظهر الاستطالة لمدة ~~عمره، فليس ذلك بأنه مل الحياة وسئمها، واستثقلها وكرها، وإنما مل الضعف ~~والهرم، واستكره الكبر والألم، يشير إلى أن الحياة تألفها طباع البشر، ~~وتستحب في ms218 التشبيه والكبر. # آلة العيش صحة وشباب ... فإذا وليا عن المرء ولى # ثم قال: آلة العيش وبهجته، وحقيقته وغبطته: الشباب والصحة، # PageV02P333 # والاقتبال والقوة، فإذا ولى ذلك عن الإنسان، ولى عيشه، وأدبر، وتنغص عليه ~~وتكدر. # أبدا تسترد ما تهب الدن ... يا فيا ليت جودها كان بخلا # ثم يقول: إن الدنيا مستحيلة متنقلة، متغيرة متبدلة، تسترد هبتها، وتكدر ~~مسرتها، وتعقب البقاء بالفناء، والسراء بالضراء، فليت الحياة التي جادت ~~بكونها، واخترعت الأنفس بحبها، لم تكن واقعة، ولم توجد النفوس إليها ساكنة، ~~وليتها بخلت بما جادت ببذله، ومنعت ما تسرعت إلى فعله. # فكفت كون فرحة تورث الغم ... م وخل يغادر الحزن خلا # ثم قال: فكانت تكفي أهلها بذلك، كون فرحة تؤدي إلى غم، ومسرة تئول إلى ~~حزن، وكون خل يؤنس بقربه، وتتأكد البصيرة في حبه، ثم تخترمه المنية، فتغادر ~~الهم خلا للمحزون عليه، وإلفا لذي الوجد المشتاق إليه. # PageV02P334 # وهي معشوقة على الغدر لا تح ... فظ عهدا ولا تتمم وصلا # ثم قال، وهو يريد الدنيا: وهي معشوقة من أهلها، على كثرة غدرها بهم، ~~محبوبة فيهم، على قلة وفائها بالعهد لهم، لا تتمم وصلها، ولا يتشكر من ~~صحبها فعلها. # كل دمع يسيل منها عليها ... وبفك اليدين منها تخلى # ثم قال: وكل دمع تسيله، فإنما هو أسف على مفارقتها، وكل حزن تبعثه فإنما ~~ذلك إشفاق على مباعدتها، وبحل اليدين المتمسكين بها تترك وتزايل، وبفكها ~~عنها تخلى وتباين، يشير بهذا إلى الموت الذي يغلب أهل الدنيا على قوتها، ~~ويخرجهم عنها مع كلفهم بحبها. # شيم الغانيات فيها فلا أد ... ري لذا أنث اسمها الناس أم لا # ثم قال، وهو يريد الدنيا: شيم الغانيات فيها، يشير إلى ما هن عليه من ~~الضنانة بالود، وقلة الإقامة على العهد، وتخلق الدنيا بهذه الخليقة، ~~واحتمالها على هذه الطريقة، فلا أدري أأنث الناس اسمها لهذه المماثلة، ~~وبعدوا بها عن التذكير لهذه المشاكلة، أم لغير ذلك مما قصدوا نحوه، وسواه ~~مما أدركوا علمه. # يا مليك الورى المفرق محيا ... ومماتا فيهم وعزا وذلا # ثم يقول لسيف الدولة: ms219 يا مليك الورى، الجليل قدره، المشهور # PageV02P335 # فضله، الذي تستدام الحياة بموالاته، ويتعرض للموت والقتل بمعاداته، ~~ويكتسب العز بطاعته، والذل بمعصيته، وتفرق هذه الأحوال فيمن والاه ووافقه، ~~ونابذه وخالفه. # قلد الله دولة سيفها أن ... ت حساما بالمكرمات محلى # ثم قال: قلد الله دولة جعلك سيفها المحامي عن حوزتها، وحائطها المدافع عن ~~بيضتها، حساما حلاه بالمناقب والفضائل، وزينه بالمحاسن والمكارم، فهو يحمي ~~تلك الدولة ويزينها، ويعز تلك المملكة ويمكنها. # فبه أغنت الموالي بذلا ... وبه أفنت الأعادي قتلا # ثم قال: فبذلك السيف أغنت هذه الدولة أولياءها، بذلا ومكارمه، وبه أفنت ~~أعاديها قتلا ومراغمة. # وإذا اهتز للندى كان بحرا ... وإذا اهتز للوغى كان نصلا # ثم قال، وهو يريد سيف الدولة: وإذا اهتز للندى كان كالبحر في كثرة ~~مواهبه، وعموم مكارمه، وإذا اهتز للوغى كان كالسيف في نفاذ عزمه، وقوته على ~~ما يحاول من أمره. # وإذا الأرض أظلمت كان شمسا ... وإذا الأرض أمحلت كان وبلا # PageV02P336 # ثم قال، مشيرا إلى سيف الدولة: وإذا الأرض أظلمت خطوبها، كان كالشمس ~~المشرقة، وإذا اتصلت محولها كان جوده كالسحاب المغدقة، فينير إذا استبهم ~~الأمر، ويجود إذا كلب الدهر. # وهو الضارب الكتيبة والطع ... نة تغلو والضرب أغلى وأغلى # ثم قال، مخبرا عنه: وهو الضارب الجماعة من الخيل، والكتيبة المتوقعة من ~~الجيش، والحرب متوقدة، ونيرانها مضطرمة، والطعن بين الفرسان يغلو ويشرف، ~~ويشتد ويفرط، والضرب أغلى وأفرط، وأشد وأبلغ. فدل على أن سيف الدولة عند ~~اشتداد الحرب، يقتحم على الكتائب بنفسه، ويستخف ذلك بشدة بأسه. # أيها الباهر العقول فما يد ... رك وصفا أتعبت فكري فمهلا # ثم قال، مخاطبا سيف الدولة: أيها الملك الذي بهر العقول بكثرة فضائله، ~~وأعجز الأوصاف بتتابع مكارمه، مهلا على فكري فقد أتعبته، ورفقا بما أنظم ~~فيك فقد أعجزته. # PageV02P337 # من تعاطى تشبها بك أعيا ... ه ومن دل في طرقك ضلا # ثم قال: وكيف لا يكون ذلك، ومن تعاطى تشبها بك فقد أعيته مكارمك، ومن رام ~~الدلالة في طرقك فقد ضللته فضائلك؛ لأنك تسبق ولا تسبق، وتتقدم فلا تلحق. # فإذا ما ms220 اشتهى خلودك داع ... قال لا زلت أو ترى لك مثلا # ثم قال: إذا ما اشتهى أحد أن يدعو لك بطول العمر، واتصال البقاء على مر ~~الدهر، فليقل بقيت حتى ترى شبيها بنفسك، وملكا يعادلك في مجدك. فأشار إلى ~~أنه لا يظفر الزمان بمثله، ولا يبلغ أحد إلى غاية فضله. # تم القصيد بحمد الله، يتلوه # ذي المعالي فليعلون من تعالى ... هكذا هكذا وإلا فلا لا # انتهى السفر الأول من شرح أبي القاسم الأفليلي # على شعر أبي الطيب المتنبي في مدح الأمير سيف الدولة أبي الحسن علي ابن ~~عبد الله. # فرغ منه على يد كاتبه عبيد الله واقل عمر بن موسى بن عبد الله # وفي تاريخ أوائل ذي القعدة الحرام عام خمسة وسبعين وتسعمائة. PageV02P338 ms221