######OpenITI#
#META# 000.SortField :: Shia_004000
#META# 000.BookURI :: NOCODE
#META# 010.AuthorAKA :: NODATA
#META# 010.AuthorNAME :: أبو الصلاح الحلبي
#META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN
#META# 011.AuthorDIED :: 447
#META# 019.AuthorDIED :: NODATA
#META# 020.BookTITLE :: تقريب المعارف
#META# 020.BookTITLESUB :: NODATA
#META# 021.BookSUBJ :: من مصادر العقائد عند الشيعة الإمامية
#META# 022.BookVOLS :: 1
#META# 025.BookLANG :: NODATA
#META# 029.BookTITLEalt :: NODATA
#META# 030.LibURI :: Shia_004000
#META# 030.LibURIextra :: NODATA
#META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/4000_تقريب-المعارف-أبو-الصلاح-الحلبي
#META# 031.LibURL :: NODATA
#META# 031.LibURLFILE :: NODATA
#META# 031.LibURLextra :: NODATA
#META# 040.EdALL :: NODATA
#META# 040.EdEDITOR :: فارس تبريزيان الحسون
#META# 041.EdNUMBER :: NODATA
#META# 041.EdNumber :: NODATA
#META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA
#META# 044.EdPLACE :: NODATA
#META# 045.EdYEAR :: 1417 - 1375 ش
#META# 049.EdISBN :: NODATA
#META# 049.EdPAGES :: NODATA
#META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA
#META# 049.EdVOLUME :: NODATA
#META# 090.RecMISC :: NODATA
#META# 999.MiscINFO :: NODATA
#####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY#
#META#Header#End#
# بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين وهو ثقتي الحمد لله رب العالمين،
~~وصلاته على نبيه وآله الطاهرين وسلامه.
# أما بعد، فإني مجيب على ما سألتمونيه أدام الله توفيقكم، من إملاء جمل
~~العبارات على المعارف، على وجه يزيد عن تقريب مخل، ويغني عن إطالة ممل،
~~يطلع بها متأملها على تكليفه العقلي، ويقف منها على معظم الغرض الديني،
~~ويتنبه بها المضطلع، ويقتدي بها المبتدئ.
# ومن الله تعالى أستمد المعونة والتوفيق. PageV00P061
# مسائل التوحيد PageV00P063
# مسألة: (في وجوب النظر) أول الأفعال المقصودة التي لا يصح خلو العاقل
~~منها وجوبا النظر المؤدي إلى المعرفة، يفرق ما بين الحق والباطل.
# لأن كل عاقل نشأ بين العقلاء يعلم اختلافهم، ودعوة كل فريق منهم إلى
~~مذهبه وتخويفه من خلافه، فيخافهم لا محالة، وإذا خاف وجب عليه التحرز مما
~~خافه، لعلمه ضرورة بوجوب التحرز من الضرر.
# فلا يخلو أن يتحرز باتباع الجل، أو اطراح الجل، أو اتباع بعض عن نظر، أو
~~تقليد.
# واتباع الجل محال، لتنافي ما بينهم.
# واطراح الجل يقتضي كونه على ما كان عليه من الخوف.
# واتباع البعض عن تقليد لا يرفع خوفه مما أطرحه من المذاهب، لتجويز كونه
~~حقا، ولا يقتضي سكونه إلى ما ذهب إليه، لتجويز كونه باطلا.
# فلم يبق لتحرزه من الضرر المخوف إلا النظر المميز للحق من الباطل، فوجب
~~فعله، لكونه تحرزا من ضرر (وليس لأحد أن يعترضنا بأن:) ما يعطينا هذا
~~الاستدلال وجوب النظر للتحرز من ضرر المذاهب، ولا يفيد الوجه الذي يشترطونه
~~في وقوع المعارف المتولدة (1) عن النظر الموقع الذي يستحق بها وبما تولدت
~~عنه الثواب ويؤمن العقاب.
# لأن الوجه الذي لأجله وجب النظر على جميع الطرق كونه تحرزا من
# PageV00P065
# ضرر مخصوص، وهذا الوجه حاصل في هذه الطريقة، فيجب مساواتها لطريقتي العلم
~~بالثواب والعقاب ووجوب معرفة فاعل الحي وما هو عليه من النفع.
# من حيث كان الناظر عند الخوف من معرة أهل الحق والباطل إنما ينظر في
~~الأدلة للوجه الذي خوفه الدائن بها، من كونها (1) طرقا إلى معرفة من خلقه
~~حيا قادرا ms001 عاقلا سميعا بصيرا، وخلق المنافع له، وكلفه فعل الواجب وترك
~~القبيح.
# ليعلم بمعرفته كونه منعما فيشكره، ومكلفا لما يستحق الثواب عليه من فعل
~~الواجب واجتناب القبيح بفعل هذا والاخلال بذاك فيؤدي الواجب عليه من شكره،
~~فيحوز به المدح والثواب، ويأمن الذم والعقاب، على الوجه الذي يستحق عليه
~~الذم والمدح أقرب من الواجب وأبعد من القبيح.
# (و) وقوع نظره على هذا الوجه موجب لحصول المعارف به للوجه الذي له وجبت
~~بغير شبهة، ومقتض لاستحقاق الثواب بما فعله من النظر وتولد عنه من المعرفة.
# وإن نظر في الشبه، فهو غير منفك من الخوف واستحقاق العقاب وفوت الثواب
~~بترك النظر في أدلة المعارف.
# وإذا لم ينفك من الخوف منها والحال هذه، فإنما ينظر في شبه المبطلين
~~ليعلم هل هي شبه أم أدلة؟ فمتى وفي النظر حقه كشف له عن كونها شبها، واضطره
~~الخوف إلى النظر في الأدلة، وأفضى به إلى العلم بمدلولها.
# فبان لحوق هذه الطريقة في وجوب النظر بالأوليين في وقوعه موقعه، وحصول
~~المعارف عنه لوجهها، وإن كان ترتيبها مخالفا لترتيبها (2).
# PageV00P066
# مسألة: (في الأجسام وحدوثها) وأول منظور فيه الأجسام، لأن تقدير قدمها
~~يسقط حكم التكاليف المكتسبة، وتقدير حدوثها يعينها، وطريق العلم بحدوثها
~~مبني على مقدمة ضرورية ونتيجة مكتسبة:
# فالمقدمة: حدوث ما لم يسبق الحوادث.
# والنتيجة: إثبات الجسم بهذه الصفة.
# وتفتقر إلى إثبات أغيار للجسم، وأنها محدثة، وأن الجسم غير سابق لها.
# وطريق إثباتها: حصول العلم بصحة تنقله في الجهات وهو على ما هو عليه،
~~ووجوب اختصاصه ببعضها.
# إذ لو وجب الأول لم يزل متنقلا ولاستغنى عن ناقل، ولو جاز الثاني في حال
~~الاختصاص لم تكن جهة أولى به من جهة، فلا بد له من مقتض.
# ولا يجوز أن يكون جنسه ولا وجوده، لصحة خروجه عن الجهة مع كونه جنسا
~~وموجودا.
# ولا يجوز أن يكون عدم معنى، لأن المعدوم لا يخصص ولا يؤثر.
# ولا يجوز أن يكون صفة بالفاعل، لأنها الحدوث أو وقوعه على وجه، وذلك
~~يقتضي حدوث الجسم، لحاجته في الوجود إلى ms002 جهة، ووجوب تقدم الفاعل لفعله،
~~وهذا غاية المطلوب.
# ولأن كونها بالفاعل يوجب اختصاصها بحال الحدوث، ولمن أحدث موصوفها، وتعلق
~~به جميع صفاتها، إذ من المحال أن يحصل الحدوث لمن لا يقدر على الحادث ولا
~~على جميع صفاته، أو يحصل كيفية الحدوث في حال البقاء كفعلي وفعل غيري.
~~PageV00P067
# واختصاص الجسم بالجهة لمن لا يقدر على ذاته ولا على جميع صفاته وفي حال
~~بقائه كحدوثه يحيل كون ذلك بالفاعل.
# فثبت أن المقتضي لهذا الحكم أمر غير الجسم.
# وانتقال الجسم عن الجهة إلى غيرها يقتضي بطلان ما كان أوجب اختصاصه
~~بالأولى، وتجدد ما خصصه بالثانية، لاستحالة الكمون والانتقال على الأعراض.
# وتجدد الشئ عن عدم حقيقة في حدوثه وعدمه بعد الوجود يحيل قدمه، لوجوب
~~وجود القديم، وما ليس بقديم محدث.
# وكون الجسم متحيزا يوجب حاجته إلى جهة قد بينا استناد اختصاصه بها إلى
~~معنى، فلو جاز خلوه منه لخلا منها، وذلك محال، لكونه متحيزا.
# فثبت أن وجوده مضمن لوجود الحوادث، وقد علمنا ضرورة حدوث ما له هذا
~~الحكم، فوجب إلحاق هذا التفصيل بتلك الجملة.
# طريقة أخرى معلوم أن للأجسام أحكاما هي عليها، مدركه وغير مدركة:
# فالمدركة: الألوان، والطعوم، والأراييح، والحرارة، والبرودة، والآلام
~~المبتداة.
# وغير المدركة: الرطوبة، واليبوسة والشهوة، والنفور والحياة، والقدرة،
~~والعلوم الضرورية التي هي من كمال العقل.
# وطريق إثبات الجميع أغيارا للجسم طريق إثبات الأكوان، وقد بيناه.
# ويدل في المدركات خاصة: أن الإدراك يتعلق بأخص صفات المدرك، وأخص صفات
~~ذاته، على ما وضح برهانه في غير موضع.
# فلا يخلو أن يتعلق الإدراك بذات الجسم، أو بصفة له نفسية، أو بالفاعل،
~~PageV00P068
# أو بذات غير الجسم أوجبت حكم المدرك له.
# ولو كان متعلقا بذات الجسم لاستمر حكمه باستمرار بقاء الجسم، والمعلوم
~~خلاف ذلك، ولوجب أن لا يختلف الحكم في الإدراك ولا يتغاير العلم الحاصل
~~عنده، لكون ذات الجسم واحدة متماثلة الجنس، وفي اختلاف ما يتعلق به الإدراك
~~وتغاير الحكم عنده في التعلق دليل على تعلقه بغير الجسم، ولأن الإدراك
~~يتعلق ببعض هذه المدركات، ويبطل حكمه ms003 لبطلانها بضد، يحصل للمدرك حكم بإدراك
~~الضد الثاني يخالف حكم المدرك المنتفي عنه، والجسم باق على ما هو عليه في
~~كلا الحالين، فبطل تعلق الإدراك به.
# ولمثل هذا يبطل تعقله بصفة له نفسية.
# وتعلق الإدراك بأخص صفات المدرك يحيل كون هذه المدركات صفة بالفاعل، ولأن
~~صفات الفاعل هي الحدوث، أو وقوعه على وجه، وهذه الصفات متجددة في حال بقاء
~~الجسم، ولأن حصول العلم بها متغايرة منفصلة (1) من العلم بذات الجسم يحيل
~~كونها صفات بالفاعل.
# فثبت تعلق الإدراك بذات غيره، وهي محدثة لتجددها للجسم بعد عدم، وبطلانها
~~عن وجود، لأن تضادها يمنع من كمونها، واستحالة قيامها بأنفسها بجيل
~~الانتقال عليها.
# ولو كانت صفات بالفاعل مع استحالة ذلك لصح الاستدلال بتجددها بعد عدم،
~~وانتفائها عن وجود، إذ ذلك دليل على حدوثها، وإذا ثبت حدوثها - ذوات كانت
~~أو صفات - اقتضى ذلك حاجتها إلى محدث قديم لنفسه ذات صفات نفسية تستحيل على
~~الأجسام على ما بينته، وذلك يقتضي حدوث الأجسام من حيث كان قدمها يقتضي
~~مماثلتها للقديم سبحانه في جميع الصفات
# PageV00P069
# المعلوم استحالتها عليه، وما ليس بقديم من الموجودات محدث.
# طريقة أخرى لو كان المتحيز موجودا لم يزل لوجب اختصاصه في تلك الحال بجهة
~~لما هو عليه في ذاته، أو لمقتض قديم، إذ إسناد ذلك إلى مقتض يحدث أو
~~بالفاعل لا يتقدر ولو كان كذلك (1) لاستحال خروج كل متحيز عن جهته،
~~لاستحالة العدم على القديم، وخروج الموصوف عن صفته النفسية وهو موجود.
# وفي علمنا بصحة خروج كل متحيز عن جهته، ووجوب ذلك في المنتقل منها،
~~وتباين المتجاورين، وتجاور المتباينين دليل على أنه لم يختص الجهة لنفسه
~~ولا لمقتض قديم، ولأنه لو اختص الجهة لنفسه مع تماثل المتحيزات لوجب كون
~~جميعها في جهة واحدة، للاشتراك في صفة النفس، وذلك محال.
# وكذلك الحكم لو اختصها لمقتض قديم، لأن القديم قديم لنفسه، والاشتراك في
~~صفة النفس يقتضي الاشتراك في مقتضاها، وذلك يوجب اختصاص سائر المتحيزات
~~بجهة واحدة، لاشتراك الجل في مقتضى التخصص بالجهة، وذلك محال، فاستحال له ms004
~~قدم شئ من المتحيزات، وما ليس بقديم من الموجودات فهو محدث.
# وإذا تقرر ذلك، فالناظر مخير بين الاعتماد في حدوث الأجسام:
# على هذه الطريقة الأخيرة، وبناء جميع المعارف عليها.
# وبين الطريقة الأولى في حدوث الأجسام، لكونها غير خالية من الحوادث.
# وبين أن يستدل بحدوث المعاني الخارجة من مقدور المحدث على إثباته
# PageV00P070
# تعالى، وما وجب إثباته تعالى عليه من الصفات النفسية والجائزة، وحسن
~~أفعاله، وما يتعلق بذلك من مسائل المعارف، لخروجها أجمع عن مقدور الجسم
~~كالجسم.
# وبين أن يستدل بحدوثها بجل جنس منها بانفراده على إثبات جميع المعارف.
# وبين أن يستدل بحدوثها على إثبات محدثها، وما يختصه تعالى من الصفات
~~المستحيلة على الأجسام على الوجه الذي سلف.
# فيعلم بذلك حدوث الأجسام، إذ كل واحد من هذه الطرق دليل واضح على جملة
~~المعارف.
# ومن تأمل ما أوردناه من ذلك علم أنا نهجنا طرقا واضحة في الاستدلال على
~~جملة المعارف، وسعنا بها المسلك لكل ناظر، ونبهنا على ما لم نسبق إليه
~~منها، ولا نضيق عليه الاستدلال تضييق من سلف من العلماء بهذا الشأن - رضي
~~الله عنهم - ومن عاصرناه، والمنة لله تعالى.
# مسألة: (في إثبات المحدث) إثبات المحدث يبتني على جملة وتفصيل.
# فالجملة مبنية على دعائم أربع:
# أولها: إثبات حوادث في الشاهد.
# وثانيها: إضافتها إلى محدث منا.
# وثالثها: تخصيص حاجتها إليه في حدوثها.
# ورابعها: بيان إيجاب حاجة كل محدث في حدوثه إلى محدث.
# والتفصيل إثبات حوادث يستحيل تعلقها بمحدث.
# فأما الدلالة على إثبات الدعوى الأولى من الجملة: فقد سلفت، حيث
~~PageV00P071
# بينا حدوث الأكوان.
# وأما الدلالة على الدعوى الثانية: فمعلوم وجوب وقوع التأثيرات من المؤثر
~~منا بحسب أحواله من علومه وقدره وإرادته، ولو كانت فعلا لغيره لم يجب ذلك
~~فيها.
# وأما الدلالة على الدعوى الثالثة: فمعلوم استغناء الحادث قبل وجوده وبعد
~~وجوده عن فاعل، لجعله وما بعد أو باقيا، فلم يبق من صفاته ما يصح حاجته إلى
~~مؤثر غير حدوثه.
# ولأنا إنما علمنا كون التأثيرات فعلا لمؤثرها لوقوعها بحسب قصده،
~~والمتجدد عند القصد من أحوال ms005 المقصود إليه هو الحدوث، فيجب تخصص الحاجة به،
~~إذ كان العلم بنفس الهاجة لا ينفصل من العلم بوجوه الحاجة.
# وأما الدلالة على الدعوى الرابعة: فهو أنا إذا بينا وقوف الحدوث على
~~محدث، وأحلناه من دونه وجب الحكم على كل حادث بحاجته إلى محدث، للاشتراك في
~~جهة الحاجة.
# وأما التفصيل، فقد علمنا حدوث الأجسام والأجناس المخصوصة، وعلمنا توفر
~~دواعي المحدثين إليها، وتعذرها عليهم لغير وجه معقول، وما تعذر كذلك (1)
~~فمستحيل.
# فتجب حاجتها إلى محدث، لكون ذلك تفصيلا للجملة المدلول على صحتها، ليس
~~بطبيعة، ولا علة، ولا جسم، ولا عرض.
# لكون الطبع والعلة غير معقولين، فلا يصح إضافة شئ إليهما، ولخروجهما عند
~~مثبتهما عن صفة المتحيز وكون فاعل الحالم بهذه الصفة على ما بينته، ولوجوب
~~تأثيرهما عنده واستناد حدوث الأجسام إلى الجواز، إذ لو وجب
# PageV00P072
# حدوثها لم ينفصل ذلك عن ذواتها، وذلك يقتضي وجوب وجودها في كل حال، يحيل
~~عدمها في حال، وقد دللنا على كونها معدومة من (1) قبل هذا الوجود، ولتعذر
~~الأجناس المخصوصة على جنس الجواهر والأعراض حسبما أشرنا إليه، ونستوفيه
~~فيما بعد إن شاء الله تعالى.
# مسألة: (في كونه تعالى قادرا) ولا بد من كون فاعلها سبحانه قادرا،
~~لوقوعها منه، ووجوب كون من صح منه الفعل محلى صفة ليست حاصلة لمن تعذر عليه
~~لولا ثبوتها له دونه لتعذر منهما أو صح منهما، واتفاق الفصحاء على وسم من
~~كان كذلك قادرا، وليس لأحد أن يسند هذه الصفة إلى من تعذر عليه الفعل دون
~~من صح منه.
# لأن الجوهر المعدوم لا يخلو أن يكون عليها أوليس عليها، فإن كان عليها
~~وجب تعذر الفعل عليه وإن وجد، وإن لم يكن عليها صح منه الفعل في حال العدم،
~~وكلا الأمرين مستحيل.
# ولأن صحة الفعل تأثير لا مجوز إسناده إلى النفي، لاستحالة حصوله معه،
~~فوجب إضافته إلى ثبوت صفة.
# مسألة: (في كونه تعالى عالما) ولا بد من كونه تعالى عالما، لثبوت صفة
~~الأحكام في أكثر أفعاله تعالى، وافتقار هذه الصفة إلى أمر زائد على كون ms006
~~القادر قادرا، لتعذر تحصيلها على أكثر
# PageV00P073
# القادرين، ووصف الفصحاء من حصلت له بكونه عالما.
# وليس لأحد أن يقدح في ذلك: بأن التاليف مقدور للمحدث ولا يمكن إضافته إلى
~~القديم سبحانه قطعا، وإذا جاز إضافته إلى غيره - ومعه تكون الأجناس محكمة -
~~لم يمكن إثباته تعالى عالما.
# لأن هذا يسقط بأول حي، من حيث استحال إضافة تأليفه إلى غيره تعالى.
# ولا له أن يقدح بوجود ما ليس بمحكم من أفعاله تعالى في كونه عالما.
# لأن ما ليس بمحكم يصح وقوعه ممن ليس بعالم، وصحة الاستدلال به على كون
~~فاعله غير عالم.
# وهذه الطريقة مبنية على حدوث الأجسام بالطريقة الأولة.
# وعلى الطريقة الثانية: أنا قد علمنا وجودها في الجواهر على وجوه مخصوصة
~~ومقادير معلومة لما كانت الجواهر ذهبا، وفضة، وعنبرا، ومسكا، وماء، ودهنا،
~~وعظما، وعصبا، وعروقا، ولحما، وشعرا، وصوفا، وريشا، إلى غير ذلك من أجناس
~~الجماد والحي، وما هما عليه من البنى والصفات والهيئات المختلفة، مع
~~تساويهما في كونهما جواهر، وحلول هذه الأجناس فيهما، وذلك يقتضي كون
~~موجدهما في هذه المحال عالما.
# مسألة: (في كونه تعالى حيا) ولا بد من كونه سبحانه حيا، لثبوت كونه قادرا
~~عالما.
# وافتقار هاتين الصفتين إلى كون موصوفهما حيا لحصول العلم بفرق ما بين من
~~صح أن يعلم ما لا يعلمه ويقدر على ما لا يقدر عليه، كالأمي الذي يصح أن
~~يعلم الكتابة، والضعيف الذي يصح أن بجمل الثقيل، ومن لا يصح ذلك
~~PageV00P074
# فيه كالجماد والموات وهما على حالهما هذه، ووجوب استناد ذلك إلى صفة
~~زائدة لمن صح منه الأمران ليست حاصلة لمن استحالا فيه لولا ثبوتها له
~~لارتفع الفرق المعلوم.
# ووصف أهل اللسان العربي من كان كذلك بأنه حي.
# وليس لأحد أن يقدح في ذلك: بأن المصحح لكون الحي حيا هو العلم والقدرة،
~~وهما يستحيلان عليه تعالى، فيجب أن لا يكون حيا.
# لأن المصحح لكون الذات حيث كونها قادرة عالمة، دون العلم والقدرة.
# يوضح ذلك: بأن علمنا بكونها قادرة عالمة كافي في إثباتها حيث وإن لم نعلم ms007
~~هناك قدرة ولا علما، مسألة: (في كونه تعالى موجودا) ويجب أن يكون تعالى
~~موجودا، لاستحالة وقوع التأثيرات من معدوم، لأنه لو أثر معدوما لا يكن فرق
~~بين وجوده وعدمه.
# مسألة: (في كونه تعالى قديما) ويجب أن يكون تعالى قديما، لأنه لو كان
~~محدثا لتعذر عليه تعالى ما يتعذر على المحدث من الأجناس، وفي اختصاصها به
~~سبحانه دليل على قدمه.
# وإسناد ذلك إلى كونه تعالى قادرا لنفسه يقتضي كونه قديما أيضا، لاستحالة
~~كون المحدث قادرا لنفسه، لتماثل جنس المحدث القادر، ووجوب اشتراك
~~المتماثلين في صفة النفس، وتعذر الحصر والاختصاص في مقدوراته تعالى، وحصول
~~العلم باختصاص المحدثين ببعض الأجناس، وانحصار ما يقدرون عليه PageV00P075
# منها، ووجود أكثر الجواهر الموجودة غير قادرة.
# طريقة أخرى لو كان فاعل الأجناس محدثا لاحتاج إلى محدث، وذلك يقتضي وجود
~~ما لا يتناهى، أو إثبات قديم بغير دليل، وكلا الأمرين محال.
# وقلنا: إن تقدير حدوث فاعل العالم يمنع من إثبات قديم.
# بدليل: أنه إذا جاز وجود سائر الأجناس من محدث جاز إسناد إحداثه إلى
~~محدث، إذ لا يكون المحدث إلا من أجناس المحدثات، فيتعذر إثبات قديم تستند
~~الحوادث إليه، فيلزم ما قلناه من وجود ما لا نهاية له، مع استحالته بدليل
~~وجوب حصر ما وجد.
# طريقة أخرى مختصة بالمعاني المذكورة قد علمنا حدوث الحياة والقدرة
~~والألوان والطعوم وسائر ما ذكرناه من الأجناس المخصوصة، وأن لما محدثا
~~قادرا عالما حيا موجودا:
# لا يخلو أن يكون قادرا لنفسه، أو بقدرة، ولو كان قادرا بقدرة لتعذرت عليه
~~سبحانه هذه الأجناس كتعذرها على الأجسام القادرة بقدرة أو... (1) منه
~~سبحانه، فثبت أنه تعالى قادر لنفسه:
# لا يخلو أن يكون قديما، أو محدثا، وكونه قديما يصحح ما قلناه، وكونه
~~محدثا يقتضي حاجته إلى محدث بعد محدث، وقد بينا فساد ما يؤدي إليه ذلك.
# ولو صح تقدير قديم تنتهي الحوادث إليه - مع استحالته - لم يقدح في
~~طريقتنا، لأن كونه فاعلا يقتضي كونه قادرا لنفسه أو بقدرة، وكونه قادرا
~~بقدرة
# PageV00P076
# يحيل تعلق إيجاد حي قادر عليه به، ms008 كتعذر ذلك على كل قادر في الشاهد،
~~لكونه قادرا بقدرة، وكونه قادرا لنفسه يقتضي مشاركة فاعل هذه الأجناس له في
~~القدم، لمشاركته له في صفة النفس.
# فصح الاستدلال بهذه الأجناس على جملة المعارف من دون العلم بحدوث
~~الأجسام.
# ودل ذلك على حدوث الأجناس على الوجه الذي بيناه، بضد ما ظنته المعتزلة:
~~من تعذر الاستدلال على حدوثها بغير الأكوان، وإثبات محدث من دون حدوث
~~الأجسام، المنافي لما تضمنه القرآن من الاستدلال بتجدد صفات الأجسام، التي
~~ذكرناها على إثباته تعالى وما يجب كونه عليه سبحانه ويجوز ويستحيل.
# كقوله تعالى: ﴿يا أيها الناس إن كنتم في
~~ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة
~~وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا
~~ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم
~~من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت
~~وأنبتت من كل زوج بهيج ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل
~~شئ قدير﴾ (1).
# وأمثال هذه الآيات.
# وقد علمنا أن الاستدلال منها بتجدد الجواهر لا يمكن، لصحة تنقلها في
~~الجهات، وتجويز كل ناظر لذلك يمنع من القطع على وجودها في الحال بعد عدم.
# ولأنه سبحانه كور الاستدلال بصفة متجددة للجواهر بعد صفة، ولو كان
# PageV00P077
# الاستدلال بالجواهر لكان الاقتصار على التراب كافيا، ولم يكن لتكرير
~~الصفات معنى، لأن جواهر الموصوف موجودة (1) منذ أخبر سبحانه بالتراب.
# ولأن تعليق الاستدلال بالجواهر لا يدل لو دل إلا بذكر التراب دون ما
~~بعده، لكون جواهر النطفة هي جواهر التراب، وجواهر العلقة هي النطفة،
~~والمضغة هي العلقة، والعظم هو المضغة.
# فلم يبق لاستدلاله سبحانه بالآيات إلا التنبيه على تجدد الأجناس التي
~~ذكرناها، الحالة في الجواهر، الدالة بتجددها على أن لها مجددا، وبتعذرها
~~على الأجسام على كونه سبحانه مخالفا لها، وبكونها محدثة على أنها مربوبة
~~له. ms009
# بخلاف ما ذهبت إليه المعتزلة من الفتيا القادحة في حجة القرآن وحكمة
~~منزله، سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا.
# وإنما قلنا بتعذر جنس الجواهر - وما ذكرناه من أجناس الأعراض ومقاديرها
~~ووجوهها الدالة على كون فاعلها عالما على الحي القادر من الأجسام - لتوفر
~~دواعيه إليها، وخلوصها من الصوارف في أكثر الأحوال، وتعذر تحصيلها من غير
~~مانع معقول، وما تعذر لا لمانع فإنما تعذر للاستحالة، إذ بها حصل الفرق بين
~~المستحيل والجائز.
# وإلا قد بينا أن الجسم لا يكون إلا قادرا بقدرة، والقدر من حيث كانت قدرا
~~يستحيل بها فعل شئ من هذه الأجناس لا مباشرة ولا متولدة، بدليل استعمال محل
~~القدرة والاعتماد في سائر الجهات، ولا يحصل شئ من هذه الأجناس.
# فالاختراع متعذر بجنس القدر، بدليل افتقارها في التأثير إلى استعمال
~~محلها على طريقة واحدة، ولما يجده الحي من عظيم المشقة في مباشرة بعض
# PageV00P078
# الأفعال لمحل القدر، ولو كان الاختراع مقدورا للقدر لم يكن لقادر إلى
~~تحمل المشاق داع.
# وليسر لأحد أن يقول: إن المانع من حصول هذه الأجناس من المحدث هو فقد
~~علم، أو آلة، أو بنية، أو قدرة لو فعلت للمحدث لتأتي بها ما تعذر.
# لأن العلم والآلة والبنية إنما يحتاج إليها في وجه الفعل دون حدوث جنسه،
~~فلا يجوز أن يكون فقدها مؤثرا في تعذر الجنس والمقدور.
# يوضح ذلك: صحة وقوع الأجناس المقدورة المفتقر حصولها على الوجوه إلى
~~العلم والبنية والآلة من دونها، ولأن العلم وأكثر الآلات مقدور به للجسم،
~~فلو كان التعذر مستندا إليها لصح من بعض الأجسام تحصيلها، ولم يتعذر بهما
~~إيجاد الجواهر والحياة وسائر الأجناس، ويفعل له القديم سبحانه ما لا يقدر
~~عليه من الآلات والبنى، فيصح ذلك منه، والمعلوم خلاف ذلك.
# والقدر وإن اختلفت فمقدورها متفق، بدليل تساوي أحوال القادرين بقدر فيها
~~يصح من كل منهم ويتعذر عليه، ولو صح اختلاف متعلقها لجاز وقوع قادرين على
~~الأكوان دون الأصوات، وعلى الإرادات دون الاعتقادات " والمعلوم خلاف ذلك.
# ولأن تقدير قدرة يصح بها ما يتعذر بهذه ms010 القدر ينقض أحكام سائر الأجناس،
~~وما يستند به كل جنس منها من الحكم الراجع إلى ذاته، فيصح وجود كون يصح به
~~الفعل، وطعم يتعلق بالمعلومات، وقدرة وعلم يوجبان للمحل حكم الطعم واللون،
~~وإن كان الموجود من هذه الأجناس بخلاف ذلك، وهذا غاية في التجاهل.
# ولأن ذلك يصحح وقوع الجواهر والحياة في أكثر الأجسام، بأن يفعل لها
~~PageV00P079
# قدر يصح بها... (1)، وهو محال.
# ولأن القدر لو اختلف متعلقها لصح بالقدرة الواحدة حمل الحمل، ولتعذر
~~ببعضها ما يصح بالبعض، فيكون بعض القادرين مختصا ببعض المقدورات، وذلك بسط
~~الفساد.
# وبهذا نعلم تعذر إضافة ما عليه الأجسام من الصفات المخصوصة إليها، لأن
~~تعذر الأجناس منها يحيل تعلق وجوهها ومقاديرها التي لها اختلفت الأجسام،
~~لأنه لا يقدر على تحصيل الذات على وجه، ويوجد من الجنس مقدارا دون مقدار من
~~لا يقدر على ذواتها، ونقلها من محل إلى محل مستحيل.
# وليس لأحد أن يعترضنا لإدخال العلم الضروري في جملة الأجناس المتعذرة على
~~المحدث، مع كونه مقدور الجنس لكل محدث.
# لأن العلم وإن كان مقدورا للمحدث ففعله في غيره مستحيل، بدليل توفر
~~الدواعي إلى تعلم من يهم تعليمه، وتعذر ذلك لغير وجه معقول إلا الاستحالة،
~~ولأن العلم منا لا يقع إلا متولدا أو مستندا إلى توليد، ولا سبب له إلا
~~النظر، والنظر من أفعال القلوب، ولا جهة له، وما لا جهة له لا تعدى به
~~الأفعال.
# وإذا تعذر فعل العلم في الغير على المحدث لم يجز إسناد العلوم الضرورية
~~إلى غير العالم بها من المحدثين، ولا إضافتها إليه، لكونه مضطرا إلى
~~معلومها وحصولها له ابتداء من قصد، وإذا تعذرت إضافتها إلى العالم بها
~~وغيره من المحدثين، ثبت اختصاصها بالقديم سبحانه.
# وكذلك القول في الألم المبتدأ تستحيل إضافتها إلى المحدث (2)، لأنه لا
~~يقدر عليه إلا متولدا عن الوهي بغير شبهة، فإذا علمنا وجود آلام مبتدأة غير
# PageV00P080
# متعلقة بنا علمنا أنها جارية مجرى العلوم الضرورية والحياة والأجناس
~~المذكورة، فدلت كدلالتها.
# وإذا ثبت كونه سبحانه قديما لم يخل أن يكون قديما ms011 لنفسه، أو لمعنى قديم،
~~أو محدث، أو بالفاعل.
# وكونه كذلك لمعنى محدث أو بالفاعل محال، لتجدد مقتضى ذين الصفتين، وحصول
~~الوجود للقديم فيما لم يزل.
# وإسناد ذلك إلى معنى قديم لا يصح، لأن القول فيه، ولم كان كذلك؟
# كالقول في فاعل العالم سبحانه، فإما وجود ما لا نهاية له من المعاني
~~القديمة، أو الانتهاء إلى قديم لنفسه يجب معه كون القديم سبحانه كذلك من
~~دون معنى قديم.
# مسألة (1): (في كونه تعالى قادرا فيما لم يزل) وهو سبحانه قادر فيما لم
~~يزل، لأن تجدد كونه قادرا يقتضي كونه كذلك، لحصول قدرة يستحيل إحداثها به
~~أو بغيره، لأن تقدير كونه سبحانه غير قادر يحيل كونه فاعلا لقدرة وغيرها.
# وغيره إن كان قديما لم يخل أن يكون قادرا أو غير قادر، وكونه غير قادر
~~يحيل كونه فاعلا، وكونه قادرا لم يزل يوجب مساواة القديم سبحانه له في ذلك،
~~لاشتراكهما في القدم على ما نبينه، وكونه قادرا بعد أن لا يكن يوجب حاجته
~~إلى قادر والقول فيه كالقول فيه، فيؤدي إلى وجود ما لا نهاية له، أو إلى
~~قادر لم يزل
# PageV00P081
# يجب معه كلون القديم كذلك، لأنا سنبين استحالة وجود قديم ثان.
# وإن كان محدثا لم يجز وقوف كون القديم سبحانه قادرا على فعل القدرة له،
~~لتعلق إحداثه به، ووجوب كونه قادرا قبله، ولأن جنس القدر يتعذر على المحدث،
~~بدليل توفر دواعيه إليها عند الحاجة وتعذرها لا لوجه إلا الاستحالة، وإذا
~~استحال كونه قادرا بقدرة محدثة مع ثبوت كونه قادرا ثبت كونه كذلك فيما لم
~~يزل.
# مسألة: (في كونه تعالى حيا موجودا) وإذا ثبت كونه تعالى قادرا فيما لم
~~يزل ثبت كونه حيا موجودا فيما لم يزل، لوجوب كون القادر حيا موجودا.
# مسألة: (في كونه تعالى عالما فيما لم يزل) وهو تعالى (عالم) فيما لم يزل،
~~لأن تجدد ذلك يقتضي كونه عالما بعلم محدث لا يجوز إسناد إحداثه إليه ولا
~~إلى غيره قديم ولا محدث، لأنه لو خلا من كونه عالما لم يصح منه ms012 فعل العالم
~~لنفسه، لافتقار تجدد العلم إلى كون فاعله عالما من حيث لم يكن جنس الفعل،
~~وإنما هو وقوع الاعتقاد على وجه دون وجه، وما هو كذلك لا يقع إلا عن قصد
~~مخصوص يفتقر إلى كون فاعله عالما.
# ولأنا متى تتبعنا العلوم (وجدناها) (1) أجمع تفتقر إلى كون فاعلها عالما،
~~ولا يجوز أن يكون من فعل غيره قديما كان أو محدثا، لما بيناه في قادر
~~والعلم وإن
# PageV00P082
# كان من مقدورات المحدث ففعله في غيره مستحيل كاستحالة فعل القدر لنفسه،
~~وببعض ما تقدم يسقط تحصيل صفة القادر والعالم له بالفاعل، وإذا استحال
~~إحداث علم له تعالى أو صفة العالم وثبت كونه عالما، ثبت كونه كذلك لم يزل.
# مسألة: (في كون صفاته تعالى نفسية) وهذه الصفات نفسية لوجوبها له تعالى،
~~وكون الصفة الواجبة نفسية بدليل استغناء ما وجب من الصفات للموصوف عن مؤثر،
~~ووقوف الجائز منها على مقتض.
# وأيضا فقد علمنا أن من حق الصفة النفسية أن لا يعلم الموصوف إلا عليها،
~~لكونها مقتضاة عن الذات، وصفات المعاني والفاعل بخلاف ذلك، لاستنادها إلى
~~مؤثر مغاير للموصوف يصح أن يحصل وأن لا يحصل، وإذا وجبت هذه القضية في صفات
~~النفس، وكانت حاصلة فيما هو عليه سبحانه من الصفات التي أثبتناها ثبت أنها
~~نفسية وليس لأحد أن يقول: ما أنكرتم - وإن كانت هذه الصفات واجبة له تعالى
~~ولا يعلم إلا عليها - أن تكون لمعان قديمة.
# لأن ذلك يقتضي نقض صفات النفس، ويمنع من تميزها من صفات المعاني والفاعل،
~~وذلك محال، ولأن القول بقدم الصفة أو حدوثها فرع لثبوتها، وقد بينا انسداد
~~طريق إثبات صفاته تعالى لمعان جملة، فسقط الاعتراض.
# مسألة: (في عدم جواز خروجه تعالى عن هذه الصفات) ولا يجوز خروجه تعالى عن
~~هذه الصفات، لاستنادها إلى النفس PageV00P083
# المستحيل مفارقتها للموصوف ما وجد، وكونه تعالى قديما لنفسه، ووجوب
~~الوجود لمن هو كذلك في كل حال.
# مسألة: (في كونه تعالى سميعا بصيرا) وهو تعالى سميع بصير، لكونه تعالى
~~حيا تستحيل عليه الآفات، بدليل وصف الحي الذي ms013 لا آفة به بذلك، وليستا صفة
~~زائدة على كون الحي حيا، إذ لو كانتا زائدتين على كون الحي حيا، لجاز وجود
~~حي لا آفة به لا يوصف بهما، بأن لا تؤخذ تلك الصفة له، أو تؤخذ في غير حي،
~~فيوصف بهما، والمعلوم خلاف ذلك.
# مسألة: (في كونه تعالى مدركا) وهو تعالى مدرك بشرط وجود المدرك، والادراك
~~حكم زائد على سائر صفات الحي، بدليل حصوله من دونها أجمع، وثبوتها مع عدمه،
~~وثبوته يقف على كون الذات حية لا آفة بها، بشرط وجود المدرك وارتفاع
~~الموانع، لتعذر حصوله لمن ليس بحي، أو من به آفة من الأحياء، أو للحي
~~السليم مع عدم المدرك، أو وجوده مع حصول مانع، ووجوب حصوله مع تكاملها،
~~والمقتضي له كون الحي المدرك حيا مدركا، وما عداه شروط لرجوع حكمه إلى
~~الجملة الحية، وانفصال ما عداه منها.
# وهو متميز من صفات النفس والمعاني والفاعل، لأنه لو كان نفسيا لوجب حصوله
~~لكل جوهر موجود حيا كان أو مواتا، لتماثلها، وأدنى ذلك لكل حي، لأنه لا شرط
~~لظهور صفات النفس إلا الوجود، وقد علمنا وجود كثير من الجواهر الحية
~~والجماد من دون حكم الإدراك. PageV00P084
# ولو كان لمعنى أو بالفاعل لجاز تكامل ما قدمناه من المقتضي والشروط من
~~دونه، بأن لا يوجد ذلك المعنى، أو لا يفعله القادر إن كان صفة، أو يوجد
~~المعنى أو صفة الفاعل فيمن لم يتكامل له الشروط التي ذكرناها، فيحصل حكمه،
~~والمعلوم خلاف ذلك، فثبت تميزه من جميع الصفات.
# وإذا تقرر هذا وعلمناه تعالى حيا تستحيل عليه الآفات والموانع، فلا بد من
~~كونه مدركا متى وجد المدرك، لحصول المقتضي لهذا الحكم وثبوت (الشرط).
# مسألة: (في كونه تعالى مريدا) وهو سبحانه مريد، لوقوع أفعاله على وجه دون
~~وجه، وفي حال دون أخرى، وافتقار وقوع الأفعال على ذلك إلى كون فاعلها
~~مريدا، لتعلق كونه قادرا عالما بجميعها على حد سواء، فلا يجوز إسناد وقوعها
~~على الوجوه وفي الأوقات المخصوصة إلى كون فاعلها قادرا عالما.
# وإرادته فعله، لاستحالة كونه ms014 مريدا لنفسه مع كونه كارها، لأن ذلك يقتضي
~~كونه مريدا كارها لكل ما يصح كونه مرادا، وذلك محال، ولأن ذلك يوجب كونه
~~مريدا لكل ما تصح إرادته من الحسن والقبح، وسنبين فساد ذلك.
# أو بإرادة قديمة، لفساد قديم ثان، ولأن ذلك يقتضي قدم المرادات، أو كون
~~إرادته عزما، وكلا الأمرين مستحيل، وكونها من فعل غيره من المحدثين محال،
~~لأن المحدث لا يقدر على فعل الإرادة في غيره، لاختصاص إحداثها بالابتداء،
~~وتعذر الابتداء من المحدث في غيره، ويستحيل وجود قديم ثان على ما نبينه،
~~فلا يمكن تقدير إحداثها به.
# وهي موجودة لا في محل، لاستحالة حلولها فيه تعالى، لكونه قديما يستحيل
~~كونه بصفة المحال، وحلولها في غيره في حي أو جماد يقتضي اختصاص حكمها
~~PageV00P085
# بما حلته، يحيل تعلقها به تعالى، فثبت وجودها لا في محل، ولوجودها على
~~هذا الوجه الذي له انقطعت عن كل حي ما وجب اختصاصه به تعالى.
# مسألة: (في نفي الصفات الزائدة له تعالى) ولا صفة له تعالى زائدة على ما
~~ذكرناه، لأن الطريق إلى إثباته تعالى هو العقل، فلا يجوز إثباته تعالى على
~~صفة لا يقتضيها الفعل بنفسه ولا بواسطة، كما لا يجوز أن نثبت للمدرك صفة لا
~~يقتضيها الإدراك.
# والذي يدل عليه الفعل بنفسه - وهو مجرد وقوعه - كونه تعالى قادرا،
~~وبإحكامه على كونه عالما، وبترتبه على الوجود على كونه مريدا، ولم يبق
~~للفعل صفة زائدة، وإثبات ما لا يدل عليه الفعل جهالة.
# وليس لأحد أن يقول: إنكم قد أثبتم صفات خارجة عما ذكرتموه لا يقتضيها
~~الفعل.
# لأنا لم نثبت له تعالى من الصفات إلا ما له تعلق بالصفات التي دل عليها
~~الفعل، أما كونه حيا موجودا فلكونه قادرا، وسميعا بصيرا مدركا من أحكام
~~كونه حيا، وكونها نفسية كيفية في استحقاقها.
# مسألة: (في كونه تعالى لا يشبه المحدثات) وهو تعالى لا يشبه المحدثات
~~المتحيزة وما حلها من الأعراض، لقدمه تعالى وحدوث هذه الأجناس. PageV00P086
# مسألة: (في استحالة إدراكه تعالى بالحواس) يستحيل إدراكه تعالى بشئ من
~~الحواس، لاختصاص حكم ms015 الإدراك المعقول بالأجسام والأعراض، وليس كذلك، وإدراك
~~لا يعقل لا يجوز إثباته، ولأنه تعالى لو كان مدركا بشئ من الحواس لوجب أن
~~ندركه الآن، لكوننا على الصفة التي لما يجب إدراك الموجود مع ارتفاع
~~الموانع.
# مسألة: (في كونه تعالى غنيا) وهو تعالى غني تستحيل عليه الحاجة،
~~لاختصاصها بمن يجوز عليه الضر والنفع، واختصاصهما (1) بمن يلذ ويألم،
~~واختصاصهما بذي الشهوة والنفار وكونهما معنيين يفتقران إلى محل متحيز وكونه
~~تعالى قديما يحيل كونه متحيزا، واستحالة تحيزه يحيل اختصاص المعاني به،
~~وإذا استحال عليه الشهوة والنفار استحال عليه اللذة والألم.
# وأيضا فلا يخلو أن يكون مشتهيا لنفسه أو لمعنى قديم أو محدث، وكونه
~~مشتهيا لنفسه يوجب كونه مشتهيا لكل ما يصح كونه مشتهى، وذلك يؤدي إلى إيجاد
~~ما لا يتناهى من المشتهيات، وإلى أن لا تستقر أفعاله على قدر مخصوص ولا
~~بوقت معين، وإلى أن يكون ملجأ إلى إيجاد المشتهى، وذلك كله محال.
# ولا مجوز أن يكون كذلك لمعنى قديم، لصحة تعلقه بما تتعلق به شهواتنا
~~الحادثة (2)، والاشتراك في جهة التعلق يقتضي تماثل المتعلقين، ولا يجوز أن
~~يكون
# PageV00P087
# القديم مماثلا للمحدث.
# وأيضا فإن كونه مشتهيا لمعنى قديم يقتضي كونه ملجأ إلى فعل المشتهى، وإلى
~~أن لا تستقر أفعاله على قدر، ولا وجه كما قلناه لو كان كذلك للنفس.
# ولا يجوز أن يكون مشتهيا لمعنى محدث، لأنه لا يجوز أن يكون كذلك، أولا
~~لمعنى من فعله تعالى، وذلك يقتضي كونه ملجأ إلى فعل الشهوة والمشتهى، وذلك
~~محال، فاستحال كونه مشتهيا.
# واستحالة الشهوة عليه تقتضي استحالة النفور لكونه ضدا لها، ولا شبهة في
~~أن استحالة أحد الضدين على الشئ يحيل الضد الآخر، ولأنه لو كان نافرا للنفس
~~أو لمعنى قديم لم يصح منه إيجاد شئ، لكونه نافرا عنه، ولا داعي إلى فعل
~~ماله هذه الصفة، ونفور محدث لا داعي إليه، وما لا داعي إليه منه تعالى
~~يستحيل إيجاده، فثبت استحالة الشهوة والنفار عليه تعالى، وإذا استحالا فيه
~~سبحانه استحال عليه الضر والنفع، ومن لا يصح ms016 عليه الضر والنفع لا تتقدر فيه
~~الحاجة، وإذا استحالت عليه الحاجة ثبت كونه غنيا.
# مسألة: (في كونه تعالى واحدا) وهو سبحانه واحد لا ثاني له في القدم
~~والاختصاص بما ذكرناه من الصفات النفسية، لأنه لو جاز وجود قديمين قادرين
~~لأنفسهما، لم يخل أن يكون مقدورهما واحدا من حيث كانا قادرين لأنفسهما، أو
~~متغايرا من حيث كانا قادرين، وكون مقدورها واحدا يحيل كونهما قادرين،
~~وتغاير مقدورهما يحيل كونهما قادرين لأنفسهما، فثبت أنه سبحانه واحد لا
~~ثاني له.
# وقلنا: إن من حق القادرين أن يتغاير مقدورهما.
# لأن تقدير مقدور واحد لقادرين يصح له معه أن يدعو أحدها إلى إيجاده
~~PageV00P088
# داع خالص من الصوارف، وتتوفر صوارف الآخر عنه، فإن يوجد يقتضي ذلك إضافته
~~إلى من يجب نفيه عنه، وإن لا يوجد يجب نفيه عمن يجب إضافته إليه، وكلا
~~الأمرين محال.
# وقلنا: إن تقدير قادرين لأنفسهما يوجب كون مقدور ما واحدا.
# لأن من حق القادر لنفسه أن يكون قادرا على كل ما يصح كونه مقدورا إذ
~~تخصيص مقدوراته وانحصارها يخرجه عن كونه قادرا لنفسه، وإذا صح هذا فمقدور
~~كل قادر لنفسه يجب كونه مقدورا لمماثله في هذه الصفة، وذلك يحيل تغاير
~~مقدورهما.
# طريقة أخرى وهو لا يخلو أن يكون مقدورهما واحدا أو متغايرا، وكونه واحدا
~~يقتضي إضافة الفعل إلى من يجب نفيه عنه، أو نفيه عمن يجب إضافته إليه، لصحة
~~اختلاف الدواعي والصوارف منهما، وكونه متغايرا يقتضي اجتماع الضدين،
~~وارتفاع الفعل من القادر عليه لغير وجه، وكلاهما محال، فثبت أن صانع العالم
~~سبحانه واحد.
# وقلنا بذلك لأن تقدير تغاير مقدورهما يصحح توفر دواعي أحدهما إلى ما
~~توفرت عنه صوارف الآخر، فإن يوجد المقدوران يجتمع الضدان، وإن يرتفعا فلغير
~~وجه معقول، من حيث علمنا أنه لا وجه يقتضي تعذر الفعل على القادر لنفسه.
# وليس لأحد أن يقول: وجه ارتفاع المقدورين كونهما قادرين على ما لا نهاية
~~له.
# لأن المصحح لوقوع الفعل هو كون الذات قادرة، فلا يجوز أن يجعل ذلك وجها
~~لتعذره، لأنه يقتضي كون ms017 المصحح للشئ محيلا له، وذلك فاسد. PageV00P089
# وليس له أن يقول: وجه التعذر أن أحدهما ليس بالوجود أولى من الآخر.
# لأنا نعلم هذا في مقدوري الساهي، وقد يوجد أحدهما.
# وليس له أن يقول: اشتراكهما في العلم بالمقدورات والدواعي منهما يحيل
~~اختلاف الدواعي منهما.
# لأن الاشتراك في العلم بالشئ وما يدعو إلى فعله لا يمنع من اختلاف
~~الدواعي إليه، يوضح ذلك: علم كل عاقل بحسن التعقل، وما للمحتاج إليه فيه من
~~النفع وعدم الضرر لما، وقد يدعو بعض العالمين بذلك دواعي فعله، وينصرف عن
~~ذلك آخرون.
# طريقة أخرى وهو أنا قد دللنا على أن فاعل العالم سبحانه مريد بإرادة
~~موجودة لا في محل، فلو كانا قديمين لم يخل إذا فعل أحدهما أو كلاهما إرادة
~~على الوجه الذي يصح كونه مريدا بها، لم يخل أن يوجب حالا لهما، أو لأحدها،
~~أو لا يوجب.
# وإيجابها لها محال إيجاب الإرادة الواحدة لحيين، كاستحالة إيجابها لحي
~~واحد حالتين، لأن إيجاب الإرادة لحي واحد حالتين أقرب من إيجابها لحيين،
~~فإذا استحال أقرب الأمرين فالأبعد أولى بالاستحالة.
# وأيضا فإن إيجاب الإرادة الحال أمر يرجع إلى ذاتها، فلو أوجبت في بعض
~~المواضع حالا لحيين لوجب أن يوجب ذلك في كل موضع، لأن الحكم المسند إلى
~~النفس لا يجوز حصوله في موضع دون موضع، وقد علمنا استحالة الإرادة الواحدة
~~حالا لحيين فيما بنينا (1)، فيجب الحكم بمثل ذلك في كل إرادة.
# وإيجابها لأحدهما محال، لأنه لا نسبة لها إلى أحد القديمين إلا كنسبتها
# PageV00P090
# إلى الآخر، ولا وجه لتخصصها بأحدهما.
# وإن لا يوجب حالا يوجب قلب جنسها، وهو محال.
# وإذا كانت دالة على كون فاعلها مريدا، وكان تقدير قديم ثان يحيل كون فاعل
~~العالم سبحانه مريدا، ثبت أنه واحد لا ثاني له.
# وليس لأحد أن يخصص إيجابها حالة المريد لمن هي فعله، وتابعة لدواعيه دون
~~الآخر، كما يقولون فيمن فعل فيه إرادة لدخول النار وهو مشرف على الجنة:
# في أن هذه الإرادة لا تؤثر، لكونها غير تابعة لدواعيه، ولا يدخل هذا
~~المريد ms018 إلا الجنة، لمجرد الداعي.
# لأن الدليل مبني على استحالة حصول موجب الإرادة، وهو حال المريد مع تقدير
~~قديمين، ولا يفتقر ذلك إلى حدوثها تابعة لدواعي محدثها، فإنما تحتاج إلى
~~ذلك في تأثرها دون إيجابها الحالة المقتضاة عن نفسها الواجب حصولها بشرط
~~وجودها على كل وجه، ألا ترى أن الإرادة المفروض فعلها في الحي لدخول النار
~~قد أوجبت كونه مريدا، وإنها لم تؤثر دخولها لكونها غير تابعة لدواعيه، فصار
~~القدح وفقا للاستدلال على ما تراه، والمنة لله.
# ولأن اختلاف دواعي القديمين محال، لاختصاص دواعي القديم بالحكمة المستحيل
~~تعري قديم منها، وعلى هذا الدليل ينبغي أن يعول من طريق العقل، لاستمراره
~~على الأصول وسلامته من القدح.
# طريقة أخرى وهو علمنا من طريق السمع المقطوع على صحته: أن صانع العالم
~~سبحانه واحد لا ثاني له، والاعتماد على إثبات صانع واحد سبحانه من طريق
~~السمع أحسم لمادة الشغب وأبعد من القدح، لأن العلم بصحة السمع لا يفتقر إلى
~~العلم بعدد الصناع، إذا كانت الأصول التي يعلم بصحتها صحة السمع
~~PageV00P091
# سليمة، وإن جوز العالم بها تكاملها لأكثر من واحد، من تأمل ذلك وجده
~~صحيحا.
# وإذا لم يفتقر صحة السمع إلى تميز عدد الصناع أمكن أن يعلم عددهم من
~~جهته، فإذا قطع العدد بكونه واحدا وجب العلم به، والقطع ينفي ما زاد عليه.
# مسألة: (في لزوم الاعتقاد بمسائل التوحيد) وإذا تقرر ما قدمناه من مسائل
~~التوحيد وعلمنا صحتها بالبرهان، لزم كل عاقل اعتقادها، أمنا من ضررها،
~~قاطعا على عظيم النفع بها، وفساد ما خالفها من المذاهب، وحصول الأمان من
~~معرتها، ونزول الضرر بمعتقدها، من حيث كان علمه بحدوث الأجسام والأعراض
~~يقضي بفساد مذاهب القائلين بقدم العالم من الفلاسفة وغيرهم، وعلمه بحاجتها
~~إلى فاعل قادر متخير عالم حي يوجب فساد مذهب من أضافه إلى علة أو طبيعة أو
~~غير ذلك ممن ليس في هذه الصفات.
# وعلمنا بكونه تعالى قديما لا يشبه شيئا ولا يدرك بشئ من الحواس، يبطل
~~مذهب الثنوية والمجوس والنصارى والصابئين والمنجمين والغلاة ومجيزي إدراكه ms019
~~تعالى بشئ من الحواس من فرق المسلمين، لإثبات هؤلاء أجمع إلهية الأجسام
~~المعلوم حدوثها، لحدوث كل جسم على ما قدمناه.
# هذا إن أرادوا بالقدم إلهية أعيان الأجسام التي هي: نور وظلمة، وشيطان،
~~وكوكب، وصنم، وبشر كعلي والمسيح عليهما السلام.
# وإن أرادوا أمرا يجاور هذه الأجسام، فالمجاور لا يكون إلا جسما.
# وإن أرادوا أمرا حالا، فالحلول من خواص الأعراض، وإن أرادوا بالادراك
~~المعقول منه. PageV00P092
# وإن أرادوا غير ذلك أشاروا إلى ما لا يعقل، لأن كل عبارة يعبرون بها من
~~قولهم: اتحد، واختص، وتعلق، وغير ذلك، متى لم يريدوا به مجاورة أو حلولا لم
~~يعقل، وفساد ما لا يعقل ظاهر، وكذلك القول في إدراك لا يعقل.
# وعلمنا (1) بتفرده سبحانه بالقدم والصفات النفسية التي عيناها يبطل
~~مذاهب: الثنوية، والمجوس، وعباد الأصنام، والطبايعيين، والصابئين،
~~والمنجمين، والغلاة، والمفوضة، والقائلين بقدم الصفات زائدا على ما تقدم.
~~PageV00P093
# (مسائل العدل) PageV00P095
# مسألة: (في معنى الكلام في العدل) الكلام في العدل كلام في أحكام أفعاله
~~وما يتعلق بها من أفعال خلقة، والحكم بجميعها بالحسن، ويتقدم أمام ذلك
~~الحسن والقبيح والطريق إلى العلم بهما، ويلي ذلك أحكام الأفعال.
# مسألة: (في الحسن والقبيح) الحسن: ما يستحق به المدح مع القصد إليه،
~~وينقسم إلى: واجب، وندب، وإحسان.
# فالواجب هو: ما يستحق به المدح وبأن لا يفعل ولاما يقوم مقامه الذم،
~~وينقسم إلى: واجب مضيق لا بدل منه، وإلى ماله بدل، وإلى ما يختص كل عين،
~~وما هو على الكفاية، وإلى ما يتعين، وإلى ما لا يتعين.
# والندب هو: ما يستحق به المدح ولا ذم على تركه، وهو مختص بالفاعل.
# والاحسان هو: ما قصد به فاعله الأنعام على غيره، ومن حقه تعلقه بغير
~~الفاعل، ويستحق فاعله المدح لحسنه والشكر على المنعم عليه، وصفة الحسن
~~مشترطة في جميع أجناسه بانتفاء وجوب القبح.
# والقبيح هو: ما يستحق به الذم (1)، وينقسم إلى فعل قبيح كالظلم، وإخلال
~~بواجب كالعدل، بشرط إمكان العلم بوجوب الشئ وقبحه.
# والحسن والقبح على ضربين: عقلي، وشرعي.
# PageV00P097
# فالشرعي: كالصلاة، والزكاة، والزنا، والربا.
# والعقلي: العدل، ms020 والصدق، وشكر المنعم، والظلم، والكذب، والخطر.
# ولا خلاف في أن الطريق إلى العلم بحسن الشرعيات وقبحها السمع، وإن كان
~~الوجه الذي له كانت كذلك متعلقا بالعقليات.
# والخلاف في العدل والصدق والظلم والكذب وما يناسب ذلك، فالمجبرة تدعي
~~اختصاص طريق العلم به السمع، والصحيح اختصاصه بالعقول.
# والعلم به على وجهين: ضروري، ومكتسب.
# فالضروري هو: العلم على الجملة بقبح كل ضرر عري من نفع يوفى عليه، ودفع
~~ضرر أعظم، أو استحقاق، أو على جهة المدافعة، وبكل خبر بالشئ على ما هو به،
~~إلا وجوب شكر كل نعمة.
# والمكتسب هو: العلم بضرر معين بهذه الصفة، وخبر معين، وكون فعل معين شكر
~~النعمة.
# وقلنا: إن الأول ضروري، لعمومه كافة (1) العقلاء، وحصوله ابتداء على وجه
~~لا يمكن العالم إخراج نفسه عنه بشبهة، كالعلم بالمشاهدات، ولو كان مكتسبا
~~لوقف على مكتسبه، فاختص ببعض العقلاء، وأمكن إدخال الشبهة فيه كسائر العلوم
~~المكتسبة.
# وليس لا حد أن يقدح في هذا بخلاف المجبرة.
# لأن المجبرة لا تنازع في حصول هذا العلم لكل عاقل، وهو البرهان على كونه
~~ضروريا، ودخول الشبهة عليهم بأنه معلوم بالسمع تسقط، لعمومته العقلاء من
~~دان منهم بالسمع وأنكره، وبمخالفته السمعيات بدخول الشبهة فيها وبعده عنها،
~~وبحصول الشك في جميع السمعيات بالشك في النبوة وارتفاع الريب بقبح
# PageV00P098
# العقليات والحال هذه، وبكون السمع المؤثر للحسن والقبح معدوما في حال
~~وقوع الحسن والقبح من المكلف، مع استحالة تأثير المعدوم ووجوب تعلق بما أثر
~~فيه على آكد الوجوه، وبعدم (1) السمع المدعى تأثيره في أفعالنا، لاختصاصه
~~به تعالى.
# وإسناد ذلك إلى الميل والنفور ظاهر الفساد، لاختلاف العقلاء فيما يتعلق
~~بالميل والنفور، واتفاقهم على قبح الظلم والكذب وحسن الصدق والعدل، ولأن
~~الميل والنفور يختصان المدركات وقد نعلم قبح ما لا ندركه، ولأنا قد نعلم
~~قبح كثير مما نميل إليه وحسن كثير مما ننفر عنه، ولأنا نعلم ضرورة استحقاق
~~فاعل العدل والصدف المدح وفاعل الظلم والكذب الذم، ولا يجوز إسناد ذلك إلى
~~الميل والنفور المختصان به تعالى، وقبح ذم الغير ومدحه على ms021 ما لم يفعله.
# وقلنا: إن التفصيل مكتسب، لوقوف حصوله لمن علم الجمل، ولو كان ضروريا
~~لجاز حصوله من دونها.
# مسألة: (في كونه تعالى قادرا على القبيح) وهو تعالى قادر على القبح من
~~جنس الحسن، وإنما يكون قبيحا لوقوعه على وجه، وحسنا لوقوعه على وجه، كقول
~~القائل: زيد في الدار فإن كان متعلق الخبر بالمخبر عنه على ما هو به فهو
~~حسن، وإن كان متعلقه بخلاف ما هو به فهو قبيح، فلو لم يكن تعالى قادرا على
~~القبيح لم يكن قادرا على الحسن.
# وأيضا فلا يخلو القبيح أن يكون جنسا أو وجها، وكونه تعالى قادرا على جنس
~~ووجوهه، لقيام الدلالة على كونه قادرا لنفسه، والقادر لنفسه يجب أن
# PageV00P099
# يكون قادرا على كل ما يصح كونه مقدورا، لأن كونه قادرا يصحح تعلقه بكل
~~مقدور، وما صح من صفة النفس وجب، لأنه لو لم يجب لاستحال من حيث لا مقتضي
~~لوجوب ما جاز في صفة النفس خارج عنها، فلا يتقدر فرق بين الصحة والوجوب
~~فيها.
# ولأن كون القادر قادرا يصحح تعلقه بكل مقدور، والمقتضي للحصر والتخصيص هو
~~القدر المتعلقة بأجناس مخصوصة يستحيل تعلقها بغيرها، وبما زاد على الجز
~~الواحد من الجنس الواحد في المحل الواحد والوقت الواحد على ما بينته، فيجب
~~الحكم فيمن كان قادرا لا بقدرة بكونه قادرا على كل جنس وقدر ووجه، فإذا ثبت
~~كونه تعالى قادرا لنفسه، وجب كونه قادرا على القبيح جنسا كان أو وجها.
# ولأن خروج القبيح عن كونه مقدورا له سبحانه يخرجه عن كونه قادرا جملة،
~~لأنا نقدر عليه مع كوننا قادرين بقدر محدثه، فالقبيح إن كان وجها لجنس
~~فتعذره يقتضي تعذر الجنس، وإن كان جنسا ضدا للحسن فتعذره يقتضي تعذر ضده،
~~فيجب الحكم في من لا يقدر عليه بكونه غير قادر، وقد ثبت كونه قادرا، فيجب
~~أن يكون قادرا عليه.
# ولأنا نقدر على القبيح، وهو آكد حالا منا في كونه قادرا، لصحة تعلقه بما
~~لا يقدر عليه من الأجناس والمقادير في كل حال وعلى كل وجه. ms022
# وقول النظام: إنه لو كان سبحانه قادرا على القبيح لصح منه وقوعه، فيقتضي
~~ذلك خروجه تعالى عن كونه عالما أو غنيا، أو انتقاض دلالة القبيح على ذلك.
# يسقط بوجوب كونه قادرا على كل ما يصح كونه كذلك والقبيح (1) من
# PageV00P100
# جملته، وهذا كاف في سقوط الشبهة.
# على أنا نستأنف كلاما في إسقاطها، فنقول: إنا قد علمنا أنه لا يصح وقوع
~~مقدور العالم الذي لا يجوز عليه العبث إلا لداع، والداعي إلى فعل القبيح
~~المعلوم هو الحاجة، وهي مستحيلة فيه تعالى، فلا يتوهم منه تعالى وقوعه على
~~حال، لعدم ما لا يصح وقوع المقدور المعلوم إلا معه، كما (لا) يقع مع العجز
~~عنه، وإن اختلف جهتا التعذر، ألا ترى أنا لا نتوهم وقوع فعل معين ممن
~~أعلمنا الله سبحانه فيه أنه لا يختاره وإن كان قادرا عليه، ولا فرق بين أن
~~نعلم بخبره تعالى عن حال الغير أنه لا داعي له إلى فعل ما وبين أن نعلم
~~بالدليل أنه لا داعي له إلى القبيح في وجوب القطع على تعذر وقوعه منه.
# وإذا صح هذا وعلمنا أنه سبحانه لا داعي له إلى القبيح لكونه عالما بقبحه،
~~وبأنه غني عنه، وجب القطع على ارتفاع المقدور على كل حال.
# وأيضا فلو فرضنا وقوعه منه مع تعذره لاقتضى ذلك نقض دلالته على الجهل أو
~~الحاجة، من حيث قدرنا وقوعه من العالم الغني، كما لو قيل لنا: لو ظهر
~~المعجز على يد كذاب ما كانت يكون حال المعجز فإنما كانت دلالته على الصدق
~~منتقضة.
# ولا يلزم على هذا أن يقال لنا: فقولوا الآن بانتقاض دلالتهما.
# لأن المفروض محال، ورد الجواب يحسنه، والحال الآن بخلاف ذلك، فلا يجوز
~~لنا الحكم بانتقاض دلالة القبيح ولا المعجز.
# مسألة: (في كونه تعالى لا يفعل القبيح) وهو تعالى لا يفعل القبيح، لعلمه
~~بقبحه، وبأنه غني عنه، وقلنا ذلك لأن PageV00P101
# صفة القبح صارفة (1) عنه.
# وكذلك من علم وصوله إلى نفعه بالصدق على الوجه الذي يصل إليها بالكذب لا
~~يؤثره على الصدق، وإنما يصح ms023 إيثاره على الصدق متى جهل قبحه، فينتفي الصارف،
~~أو دعت إليه الحاجة، فيقابل داعيها صارف القبح فيؤثره.
# وأيضا فالقبح يستحق به الذم والاستخفاف وخفوض الرتبة، وذلك صارف قوي عنه،
~~لا يجوز معه إيثاره إلا لجهل به، أو لحاجة زائدة عليه، وكلا الأمرين مستحيل
~~فيه سبحانه، فلا يصح منه مواقعة القبيح.
# وإذا كانت هذه القضية سارية في القبح، وجب القطع على انتفاء الداعي منه
~~تعالى إلى شئ منه، وتعذر وقوع جميعه، ولا يلزم على ذلك وقوع كل حسن، لأن
~~صارف القبح موجب لارتفاعه ممن علمه واستغنى عنه، وداعي الحسن غير موجب،
~~لعلمنا بأن أحدنا قد يفعل الشئ لحسنه، ولا يفعل كل ما شاركه في صفة الحسن
~~كصدقة درهم لحسنها، وترك أمثالها مع مساواتها لها في صفة الحسن، ولا يجوز
~~أن يترك كذبا لقبحه ويفعل مثله.
# وليس لأحد أن يقول: كما لا يفعل القبيح إلا لجهل به أو اعتقاد حاجة إليه،
~~فكذلك الحسن قد لا يفعل إلا لاجتلاب نفع أو دفع ضر، فيجب أن لا يفعله
~~سبحانه لاستحالة الضر والنفع عليه.
# لأنا قد بينا تعذر وقوع القبيح إلا لجهل أو لحاجة، فيجب فيمن لا يصحان
~~عليه أن لا يفعله على حال، والمعلوم ضرورة في الحسن خلاف ذلك، لوقوعه منه
~~تعالى، مع استحالة النفع والضر عليه.
# ولأنا نعلم إرشاد الملحد الضال عن الطريق إليها، وعن التردي في البئر،
~~بحيث لا يراد أحد ولا يرجو معه نفعا ولا دفع ضرر، فلم يبق لفعله وجه إلا
~~مجرد
# PageV00P102
# الحسن، ولأن من علم وصوله إلى نفع أو دفع ضرر بالصدق كالكذب لا يختار إلا
~~الصدق، ولا وجه لذلك إلا مجرد الحسن.
# مسألة: (في ما يصح تعلق إرادته وكراهته به وما لا يصح) قد بينا كونه
~~تعالى مريدا أو كارها، فينبغي أن نبين ما يصح تعلق إرادته به وكراهته وما
~~لا يصح ذلك فيه.
# وكون المريد مؤثرا مختص بحدوث الفعل، لكون هذه الحال وجها لوقوع الفعل
~~على صفة دون صفة، ووجه الفعل كيفية لحدوثه، فيجب أن يكون ما ms024 أثره مصاحبا
~~لحدوثه، فإذا اختص تأثيرها بالحدوث.
# والمحدثات على ضربين:
# أفعاله تعالى، وهو على ضربين:
# مفعول لغرض يخصه، كالواجب في حكمته، والاحسان إلى خلقه، وكلاهما مراد،
~~لأن العالم بالفعل المخلى (1) بينه وبين إرادته القاصد بفعله غرضا يخصه لا
~~بد من كونه مريدا له، لولا ذلك لم يكن بأن يفعله لذلك الغرض دون غيره.
# والثاني: مفعول لغرض يخص غيره كالإرادة، وما هذه حاله لا يجب كونه مرادا،
~~لأن الداعي إلى المراد داع إلى إرادته، فهي كالجزء منه، فلا يفتقر إلى
~~إرادة يخصها.
# ولا يصح أن يكره شيئا من أفعاله، لأن كونه سبحانه كارها لشئ يقتضي قبحه،
~~وهو لا يفعل القبيح، ولأن الواقع من مقدوراته تعالى قد بينا وجوب كونه
~~تعالى مريدا (له)، فلا يجوز أن يكون كارها (له)، لأن ذلك يقتضي كونه مريدا
# PageV00P103
# كارها لشئ واحد، وهو محال.
# وأفعال عباده سبحانه على ضربين: واقع عن إلجاء، وإيثار.
# وما وقع بإلجائه تعالى لا بد من كونه مريدا له، لأنه بإلجاء في حكم فعله،
~~ولا بد من وقوع ما هذه حاله، لكونه جاريا مجرى فعله الذي لا بد من وقوعه
~~متى أراده، فلا مجوز إلجاؤه إلى قبيح، لأن ذلك مقتض لكونه فاعلا له، وقد
~~بينا فساد ذلك.
# وما وقع بإلجاء غيره تعالى حكمه حكم ما اختاره العبد الملجأ من حسن وقبح،
~~وسنبينه.
# وعلى كلا الوجهين لا تجد من كون الملجأ مريدا لما ألجئ إليه، إذ معنى
~~كونه ملجأ توفر دواعيه لخوف الضرر، أو لرجاء النفع، وخلوص الدواعي إلى
~~الفعل يقتضي كون القادر مريدا.
# والواقع عن إيثار على ضروب: واجب، وندب، وقبيح، ومباح.
# فالواجب والندب مرادان له تعالى بغير شبهة، لأنه قد أمر بهما ورغب فيهما
~~" والأمر لا يكون أمرا إلا بالإرادة، لعلمنا بوجود جنسه وصيغته وليس بأمر،
~~ولتجدد إرادته تعالى لذلك حال الأمر به، وتعلقها بالمراد المكلف فعله على
~~جهة الإيثار له المصحح لغرض المجري بالتكليف إليه، لافتقار ما يجب فعله أو
~~تركه أو الترغيب فيه في كونه كذلك إلى تعلق إرادته سبحانه ms025 على وقوعه على
~~هذا الوجه.
# ولا يجوز أن يكره شيئا مما أراده من أفعال عباده الواجبة والمندوبة، لأن
~~كراهيته تقتضي قبح المكروه، وقد علمنا حسن هذه الأفعال عبادة الواجبة (1)
~~تعالى مريد لما على ما دللناه عليه، فلا يجوز أن يكون كارها لما، لأن ذلك
~~يقتضي
# PageV00P104
# كونه تعالى مريدا كارها للشئ الواحد مع استحالته.
# وأما القبيح فهو سبحانه كاره له، لأنه قد نهى عنه، والنهي لا يكون نهيا
~~إلا بالكراهة، لوجود الجنس والصيغة فيما ليس بنهي، ولأنه تعالى لا يجوز أن
~~يريد القبيح لما بينته، ولا يجوز أن يكون غير مريد له ولا كاره، لأن ذلك
~~يخرجه عن حد التكليف، فلم يبق إلا كونه كارها له، وإذا ثبت أنه تعالى كاره
~~لقبائح العباد، لم يجز أن يريد شيئا منها، لأن ذلك يقتضي كونه مريدا كارها
~~لها، مع فساد ذلك.
# وأيضا فإن إرادة القبيح قبيحة، لأن كل من علمها إرادة قبيح علم قبحها،
~~يوضح ذلك: توجه ذم العقلاء إلى مريد القبيح كفاعله، فلو أراد تعالى القبيح
~~لم يرده إلا بإرادة يفعلها على ما بيناه من وقوف كونه مريدا على فعله
~~الإرادة له، وهذا يقتضي كونه فاعلا للقبح، وقد بينا فساد ذلك.
# وتعلق المجبرة في كونه تعالى غير مريد لها لم يقع من الطاعات، ومريدا لما
~~يقع من القبائح، بأنه لو أراد ما لا يقع فوقع ما لا يريد وارتفع ما أراد
~~للحقه نقص، كالملك المريد من عبيده نصرته متى لم يقع منهم، ما أراد كان
~~مغلوبا.
# ظاهر السقوط، لأن وقوع المكروه وارتفاع المراد إنما يدل على نقص المريد
~~الكاره إذا كان في ذلك نفع له وفي خلافه ضرر عليه، وهو قادر على المنع مما
~~كره والحمل على ما أراد، كإرادة الملك من أنصاره الذب عن دولته وكراهية
~~القعود عن نصرته، فيه نفع له وفي خلافه ضرر عليه، فمتى لم يقع ما أراد
~~ويرتفع ما كونه لحقه نقص، لتعلق الضرر به وعجزه عن دفعه عنه.
# والتكليف بخلاف ذلك، لأنه لا يتعلق به تعالى ms026 منه نفع ولا ضرر بل هما
~~مختصان بالمكلف، وإن كان فعل ما أراده وترك ما كرهه مختصا بنفع المأمور
~~المنهي، وكان هذا النفع مختصا بوقوع ذلك وارتفاع هذا بإيثاره، وهو قادر على
~~إلجائه إلى فعل المراد وترك المكروه، كإرادة سلطان الإسلام وأنصاره من أهل
~~الذمة الإيمان، وكراهيتهم منهم الكفر، لما لهم في ذلك من النفع المختص
~~بإيثارهم دون إلجائهم، PageV00P105
# مع كونهم قادرين على إلجائهم إليه واصطلامهم دونه، لم يكن في ذلك نقص على
~~المريد الكاره، ولم يصفه أحد بالغلبة.
# وهذه صفة ما أراده تعالى وكرهه من عباده، لأن نفعه مختص بهم وهو موقوف
~~على حصول ذلك عن إيثارهم دون قهرهم، مع كونه سبحانه قادرا عليه وإن لم
~~يفعله، فلا يجوز وصفه تعالى - لوقوع القبائح التي كرهها، وارتفاع الطاعات
~~التي أرادها منهم - بصفة نقص، تعالى عن ذلك، ولا وصفهم بأنهم غالبون له
~~تعالى، كما لا يصف أحد أهل الذمة بكونهم غالبين لسلطان الإسلام وأنصاره،
~~لإيجادهم خلاف ما أراد منهم.
# وأما المباح من أفعالهم فلا يصح كونه مريدا له ولا كارها، لأن كونه مرادا
~~يقتضي كونه طاعة، وكونه مكروها يقتضي كونه قبيحا، وذلك يخرجه عن صفة
~~الإباحة.
# مسألة: (في كونه تعالى متكلما) وهو تعالى متكلم، وكلامه فعله.
# وأولى ما حد به الكلام أن يقال: هو ما تالف من حرفين فصاعدا من الحروف
~~المعقولة، إذا وقع ممن يصح منه أو من قبيله الإفادة.
# الدلالة على ذلك: أنه متى تكاملت هذه الصفات كان كلاما، وإن اختل شئ منها
~~لم يكن كلاما.
# وإذا ثبت أنه من جنس الصوت، وعلمنا ضرورة تجدده بعد عدم - لإدراكنا له
~~بعد أن كنا غير مدركين له، وعدمه بعد وجوده، لانتفاء كونه مدركا في الثاني
~~من حال إدراكه، إذ لو كان باقيا لاستقر إدراكنا له - فثبت أنه محدث.
# والمتكلم من فعل الكلام، بدليل وقوعه بحسب أحواله. PageV00P106
# وإذا ثبت حدوث الكلام وكونه من دخل المتكلم، وجب أن يكون تعالى قادرا
~~عليه، لكونه قادرا على كل ما يصح كونه مقدورا، والكلام كذلك.
# والطريق ms027 إلى العلم بكونه متكلما هو السمع، وقد علمنا ضرورة من دين النبي
~~عليه السلام أن القرآن كلامه تعالى، وإذا ثبت كونه تعالى متكلما وجب أن
~~يكون كلامه فعله، لثبوت الاشتراك فيما له كان المتكلم متكلما، ولأن كلامه
~~تعالى من جنس الصوت، وهو محدث، فيجب كونه محدثا، ولأنه خطاب لمخاطبين، فلو
~~كان قديما لكان ما فيه من الأخبار الماضية كذبا وباقي الأخبار والأوامر
~~والنواهي عبثا، وهو يتعالى عن ذلك، ولأنه قد أخبر أنه محدث، فقال: ﴿ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث﴾
~~(١)، و ﴿من الرحمن محدث﴾
~~(2).
# وقول المخالف: إن القديم هو ما هذا الكلام حكاية عنه.
# ظاهر الفساد، لأنا قد بينا أن الكلام من جنس الأصوات، وهي محدثة، فيجب
~~الحكم بحدوث كل كلام، لكونه صوتا، وما ليس بصوت لا يكون كلاما.
# ولأن ما هذا القرآن حكاية عنه لا يخلو أن يكون من جنس هذا الكلام أو
~~مخالفا له، فإن يكن من جنسه فحكمه حكمه في الحدوث، وإن كان من غير جنسه لم
~~يجز أن يكون هذا القرآن حكاية له، لأن الشئ لا يكون حكاية لما ليس مثلا له،
~~ولمن جاز أن يكون هذا المتلو حكاية لما ليس من جنسه ليجوزن ذلك في أصوات
~~الطير، بل في كل جنس من الأعراض، فيوصف بأنه قرآن، وهذا ضلال.
# ولأن ذلك يقتضي أن لا يوصف هذا بأنه قرآن ولا كلام الله تعالى، لأنه ليس
~~بكلام الله ولا هو القرآن، وإنما القرآن خلافه، وهذا كفر، وقد وصف الله
# PageV00P107
# تعالى هذا المتلو بأنه قرآن وكلامه وأنه منزل من لدنه، وكل ذلك يقضي (١)
~~بفساد ما قالوه.
# والقرآن وإن كان محدثا، فوصفه بأنه مخلوق بدعة، وإن كان المعنى واحدا،
~~لأمور:
# منها: أنه لا يوجد هذا الاسم في كتاب ولا سنة، بل الوصف له مختص
~~بالأحداث.
# ومنها: أن وصف الكلام بأنه مخلوق يفيد: مكذوب، يقال: هذا كلام مخلوق
~~ومختلق ومخترق ومفتعل بمعنى مكذوب، ومنه قوله: ﴿وخرقوا له بنين وبنات﴾ (2)، وقوله: (إن هذا إلا خلق
~~الأولين كه (3)، وإذا كان إطلاق الخلق على الكلام يفيد الكذب وجب تنزيه
~~كلامه تعالى عن هذا الوصف.
# ومنها ما روي عن أئمتنا عليهم السلام من القول بتبديع من وصفه بالخلق.
# مسألة: (في الجبر والاختيار) والتأثيرات الواقعة من جهة العباد مباشرها
~~ومتولدها هم المحدثون لها دونه.
# وقالت المجبرة بأسرها: إن المتولد من فعل الله تعالى.
# وقال جهم في المباشر ما قاله في المتولد.
# PageV00P108
# وقال النجار: هو فعل القديم والمحدث.
# وقال الأشعري: هو من فعل الله تعالى خلق ومن العبد كسب.
# والدليل على صحة ما ذهبنا إليه: وجوب وقوعها بحسب أحوال من وقعت منه، ولو
~~كانت فعلا لغيره من قديم أو محدث لاختلف الحال.
# وليس لأحد أن يقول: إذا كان القديم تعالى قادرا على إيجادها مطابقة
~~لأحوالكم، فما المانع من كونها فعلا له؟
# لأن الوجوب يمنع من ذلك.
# ولأن إثباته تعالى فرع لا ثبات محدث في الشاهد، فلا يصح ممن نفى محدثا في
~~الشاهد أن يثبت غائبا.
# ولأن إضافة (1) الفعل إلى فاعل لا تمكن إلا بوقوعه بحسب أحواله، فلا يجوز
~~نفيه عمن يعلم تعلقه به على هذا الوجه، وإضافته إلى من لا تعلق بينه وبينه،
~~وهو لو كان فعلا له لم يكن كذلك إلا لوقوعه منه على هذا الوجه.
# وأيضا فمعلوم حسن الأمر والنهي وتوجه المدح والذم إلى من تعلق به التأثير
~~الحسن والقبيح، ولا يجوز إسناد ذلك إلى الكسب لكونه غير معقول، بدليل تكرير
~~المكالة (2) لمدعيه والمطالبة بإفهامه وارتفاع العلم بحقيقته.
# ولأن ذلك ينتقض بالمتولد، كما نعلم حسن الأمر واللهي بالمباشر وتوجه
~~المدح والذم عليه، يعلم مثل ذلك في المتولد، وهو كاف في صحة الاستدلال على
~~كون العبد فاعلا، لأن إضافة المتولد إلى إحداثه يقتضي إضافة المباشر بغير
~~شبهة.
# وإذا ثبت كونه قادرا لحاجة الفعل في وقوعه إلى كون فاعله قادرا
# PageV00P109
# فهو (1) قادر بقدرة، لتجدد كونه كذلك بعد أن لم يكن، وخروجه عن ذلك
~~وأحواله على ما كانت عليه، ولتزايد مقدورات بعضنا ms029 على بعض.
# وهي من فعل الله تعالى، ليوفر دواعينا في أحوال الحاجة، وتعذرها لا لوجه،
~~ومن حكمها إيجاب حالة المختار وتصحيح الفعل من الحي بدليل تعذره مع
~~انتفائها.
# ومن صفتها أن لا يصح بها الفعل إلا مع استعمال محلها، بدليل تعذر
~~الاختراع علينا، ووقوف تأثيرها على المشارة لمحلها أو لما ماسته.
# وهي قدرة على الضدين، لصحة تصرف كل قادر في الجهات المتضادة، ولو كان ذلك
~~عن قدرتين (3) لصح انتفاء إحداهما، فيوجد قادر لا يصح منه التصرف في
~~الجهات، والمعلوم خلاف ذلك.
# وتأثيرها مختص بالأحداث، بدليل ثبوت صفة القدم من دونها وتعذر إيجاد
~~الموجود، ولأن المتجدد عند القصد إلى المقدور من صفاته هو الحدوث، وهي
~~متقدمة للفعل، لاختصاص تأثيرها بالأحداث، فيجب أن تكون موجودة في حال عدمه،
~~ولأن الحاجة إليها ليخرج بها الفعل من العدم إلى الوجود، فإذا وجد استحال
~~تعلقه بها، ولا فرق في استغنائه عنها بوجوده بين أول حال وثانيها، ولأنا قد
~~دللنا على تعلقها بالضدين، فلو كانت مصاحبة لهما مع كونها موجبة عندهم
~~لاقتضى ذلك اجتماع الضدين وهو محال.
# ولا يجوز حدوث الفعل على وجهين، لأن ذلك لو جاز بقادر أو قادرين لصح
~~تفريقهما، لأن القادر على جمع (3) الصفتين قادر على تفريقهما، وذلك
# PageV00P110
# يقتضي فعل أحدهما في حال الحدوث والآخر في حال البقاء، وفيه إيجاد
~~الموجود مع استحالته.
# وأيضا وصفه الحدوث لا يتزايده إذ لو كان الفعل صفة زائدة على مجرد حدوثه
~~لوجب أن يكون لها حكم زائد على الأولى، ونحن نعلم أنه لا حكم للمحدث ولا
~~صفة يزيد على كونه محدثا، لأن الأحكام كلها المشار إليها مع صفة زائدة
~~حاصلة مع الأولى، فلا يجوز إثبات مما لا فرق بين إثباته ونفيه.
# ولا يجوز حدوث مقدور واحد بقادرين ولا قدرتين (1)، لأنه لو كان لا يمتنع
~~أن يتوفر دواعي أحدهما إليه وصوارف الآخر عنه، فإن وقع اقتضى إضافته إلى من
~~يجب نفيه عنه، وإن ارتفع اقتضى نفيه عمن وجب إضافته إليه، وكونه بقدرتين
~~يصح انتفاء إحداهما، فإن وقع فبقدرة ms030 معدومة وإن ارتفع خرجت الأخرى من كونها
~~قدرة عليه، وكلاهما محال، وإذا استحال مقدور واحد بقادرين أو قدرتين وتجدده
~~على وجهين فسد مذهب النجار والأشعري، لكونهما مبنيين على ذلك.
# مسألة: (في عدم تعلق القدرة بالإعدام) والإعدام لا تتعلق بقدرة ولا قادر،
~~لأن العدم ليس بذات ولا صفة ولا حكم، ولا يعقل منه غير خروج الذات عن
~~الوجود، فلا يصح تعلقه بقادر ولا قدرة، لأنه لا بد لتعلق (2) القدرة من
~~متعلق، وإذا لم يكن العدم ذاتا ولا صفة ولا حكما استحال تعلقه بقادر
# PageV00P111
# وأيضا فلو تعلق الأعدام بالقادر يجري مجرى الأحداث في وقوف حصوله على
~~قادر، واستحالة ثبوت من دونه، فيودي إلى صحة بقاء ما لا يبقى من الأعراض،
~~بأن لا يقصد القادر إلى أعدامها، وذلك محال.
# مسألة: (في قبح تكليف ما لا يطاق) ويقبح تكليف ما لا يطاق، وحقيقته: ما
~~يتعذر وقوعه من المكلف لفقد قدرة عليه، أو حصول عجز لو كان معنى، أو فقد
~~آله أو بنية أو علم فيما يحتاج إليها، أو حصول منع، أو تعليق بزمان لا تصح
~~في مثله.
# الدليل على ذلك: ذم كافة العقلاء من كلف غيره ما يتعذر وقوعه من جهته
~~لأحد الأسباب التي ذكرناها، ووصفه بأنه تكليف لما لا يطاق.
# مسألة: (في التكليف) التكليف حسن لكونه تعريضا لما لا يصل إليه إلا به،
~~ويشتمل على خمس مسائل:
# أولها: ما التكليف؟
# وثانيها: (ما يجب كون المكلف عليه من الصفات.
# وثالثها:) (1) ما يجب كون المكلف تعالى عليه من الصفات.
# (ورابعها) (2): بيان الغرض في التكليف.
# PageV00P112
# وخامسها: بيان المكلف وصفاته التي يحسن معها التكليف.
# فأما حقيقة التكليف، فهي: إرادة الأعلى من الأدنى ما فيه مشقة على جهة
~~الابتداء، الدليل على صحة ذلك: أنه متى تكاملت هذه الشروط وصف المريد بأنه
~~مكلف، والإرادة بأنها تكليف، والمراد منه بأنه مكلف، ومتى اختل شرط لم يثبت
~~شئ من هذا الوصف.
# وأما ما يجب كون المكلف عليه من الصفات فيجب أن يكون المكلف بالحسن (1)
~~منعما بنعم يوجب طاعته على المكلف، معلوما ms031 أو مظنونا من حاله أنه لا يريد
~~(2) قبيحا.
# وأما ما يجب كونه تعالى عليه من الصفات في حق (3) كونه مكلفا ما يشق فعلا
~~وتركا تعريضا للثواب، ويلزم المكلف عبادته كذلك، فينقسم إلى صفات هو سبحانه
~~تعالى عليها، وصفات يتعلق بأفعاله.
# فأما ما يخصته تعالى، فكونه تعالى قادرا على كل ما يصح كونه مقدورا،
~~عالما بكل معلوم، لا يجوز خروجه عن الصفتين، ليقطع المكتف على وصوله إلى ما
~~لا يحسن التكليف من دونه.
# ومريدا، لا (ن) اختصاص (4) التكليف بوجه يفتقر إلى كون المكلف سبحانه
~~مريدا له دون غيره.
# وعلى الصفات التي لا تتم هذه الصفات من دونها، أو هي مقتضاة عنها، كموجود
~~وحي وقديم.
# PageV00P113
# وينفي عنه تعالى ما يقدح في ثبوتها: من التشبيه، والادراك بالحواس،
~~والحاجة، والثاني.
# وأما ما يتعلق بأفعاله، فأن يكون حكيما لا يفعل قبيحا، ولا يريده، ولا
~~يخل بواجب، من حيث كان تجويز خلاف ذلك يرفع الثقة بما لا يحسن ح ؤ التكليف
~~إلا معه، ويعلم ما يقتضي ذلك من المسائل وفساد ما يقدح فيه.
# وأن تكون له نعم يستحق بها العبادة، بأن تكون مستقلة (1) بأنفسها لا
~~تفتقر إلى غيره.
# وأن تكون أصولا للنعم، فلا تقدر نعمة منفصلة عنها، ولا يحصل من دونها.
# وأن يبلغ في الغاية في العظم إلى حد لا يساويها نعمة.
# وإنما قلنا ذلك، لأن العبادة المستحقة له تعالى غاية في الشكر، فلا بد من
~~اختصاصها بغاية من العظم، وافتقار كل نعمة إليها من حيث اختص شكرها بالغاية
~~التي لا يبلغها شكر، وهو كونه عبادة.
# وقد علمنا ما هو عليه تعالى من الصفات، وكونه حكيما بما تقدم، وعلمنا
~~ثبوت الشروط التي اعتبرناها في نعمه: من الايجاد والحياة والإقدار وفعل
~~الشهوة والمشتهى، وكون ذلك أصلا لكل نعمة، وافتقار كل نعمة إليها، وتعذر
~~انفصالها منها، وبلوغها الغاية في العظم، وانغمار جميع نعم المحدثين في جنب
~~بعضها.
# فيجب كونه تعالى مستحقا للعبادة دون كل منعم.
# (في الغرض من التكليف) ويجب أن يكون له تعالى غرض في التكليف يحسن ms032 لمثله،
~~لأن خلوه من غرض أو ثبوت غرض لا يحسن لمثله لا يجوز عليه سبحانه.
# PageV00P114
# ويجب كونه تعالى مزيحا لعلة المكلف بالتمكين والاستصلاح والبيان، لأن
~~تكليفه من دون ذلك قبيح على ما بينته.
# وأما الوجه في ابتداء الخلق وتكليف العقلاء منهم، فالخلق جنسان:
# حيوان، وجماد.
# فالغرض في إيجاد الحي منه لينفع المكلف بالتفضل والثواب، ويجوز العوض،
~~ويجوز أن يكون في خلقه لطف غيره.
# وغير المكلف فالتفضل والعوض، ويجوز أن يكون في خلقه (1) لطف للمكلف.
# وغير الحي الغرض في خلقه نفع الحي.
# وقلنا: إن الغرض في تكليف العاقل التعريض للثواب.
# لأنه سبحانه لما خلقه وأكمل عقله وجعله ذا طباع يقبل (2) إلى القبيح
~~وينفر عن الواجب، ولم يغنه بالحسن عن القبح، ولم يجز أن يكون ذلك لغير غرض
~~لكونه عبثا، ولا لغرض هو الانتفاع به أو دفع الضرر لاستحالتهما عليه تعالى،
~~ولا للإضرار به لكونه ظلما، ولا لدفع الضرر عنه لكونه قادرا على ذلك من دون
~~التكليف فيصير عبثا.
# علمنا أن الغرض هو التعريض للنفع.
# وقلنا: إن التعريض للنفع حسن.
# لعلمنا - وكل عاقل - بحسن تكلف (3) المشاق في أنفسنا، وتعريض غيرنا لها
~~تعريضا للنفع، واستحقاق المدح من عرض غيره لنفع، كاستحقاقه على إيصاله
~~إليه.
# PageV00P115
# وقلنا: إن هذا النفع ثواب.
# لأن ما عداه من ضروب المنافع يحسن منه تعالى الابتداء بها، فلا يجوز أن
~~يكلف المشاق لما يحسن الابتداء به، لأن ذلك عبث لا يجوز عليه سبحانه.
# وقلنا: إن الثواب مما يقبح الابتداء به.
# لكونه نفعا واقعا على جهة الاعظام مقترنا بالمدح والتبجيل، ومعلوم ضرورة
~~قبح الابتداء بالمدح والتعظيم، وإنما يحسن مستحقا على الأمور الشاقة
~~الواقعة عن إيثار، ولذلك اختصت منافع من ليس بعاقل من الأحياء بالتفضل
~~والعوض دونه، لتعذر استحقاقهم له.
# ووجود الجماد لنفع الحي ظاهر في أكثره، وما لا يعلم ذلك من حاله تفصيلا
~~فمعلوم على الجملة، من حيث كان خلاف ذلك يقتضي كون موجده سبحانه عابثا،
~~وذلك فاسد.
# ولا يقدح في حسن تكليف العاقل للوجه الذي بيناه تكليف من علم من ms033 حاله أنه
~~يكفر أو يعصي، لأن الوجه الذي حسن تكليف من علم من حاله أنه يؤمن قائم فيه،
~~وهو التعريض للثواب، وكونه سبحانه عالما من حاله أنه لا ينتفع بما عرض له
~~لا ينقض الغرض المجري بالتكليف إليه، لأن المعرض للنفع الممكن من الوصول
~~إليه محسن إلى المعرض وإن علم أو ظن أنه لا ينتفع، بل يستضر بسوء اختياره.
# يوضح ذلك: حسن عرض الطعام على الجائع، وإدلاء الحبل إلى الغريق لينجو وإن
~~ظن أنهما لا يفعلان.
# والقديم سبحانه وإن علم في من عرضه بتكليفه لنفع عظيم أنه لا يقبل ما يصل
~~به إليه، بل بسوء (1) النظر لنفسه، فيختار هلاكه على بصيرة من أمره
# PageV00P116
# وتمكن من صلاحه، لا يخرجه سبحانه عن كونه محسنا إليه بالتعريض للنفع
~~العظيم، ولا يقتضي قبح فعل المكلف وسوء نظره لنفسه قبح فعله تعالى من
~~التعريض.
# فما (1) اختاره العبد المسئ وعلمه سبحانه بأنه لا يؤمن ليس بوجه قبح، كما
~~أن علمنا بأن جميع الكفار لو جمعوا لنا ودعوناهم لم يؤمنوا ليس بمقتض لقبح
~~دعوتنا لمم إلى الإيمان.
# وآكد ما اعتمد عليه في هذا الباب: أنه سبحانه قد كلف من علم أنه يكفر أو
~~يعصي مع علمنا بحكمته سبحانه، وأنه لا يفعل قبيحا ولا يريده، وقد كلف من
~~علم أنه يكفر أو يعصي، فيجب القطع على حسنه، لكونه من فعله، وهذا يغني عن
~~تكلف كلام لإفساد كون هذا التكليف لشئ من وجوه القبح، كالظلم والاستفساد
~~وغيرهما.
# وإذا كان الوجه في حسن التكليف كونه تعريضا، فينبغي أن نبين ما التعريض
~~المقتضي لحسن التكليف، وهو مفتقر إلى شروط ثلاثة:
# أولها: أن يكون المعرض متمكنا مما عرض له.
# وثانيها: أن يكون المعرض مريدا لما عرض بفعله للثواب.
# وثالثها: أن يكون المعرض عالما أو ظانا وصول المعرض إلى ما عرض له متى
~~فعل ما هو وصله إليه.
# والدلالة على الشرط الأول: قبح تعريض الأعمى لما لا يتم إلا بالرؤية،
~~والزمن لما لا يصل إليه إلا بالسعي، بأوائل العقول.
# والدلالة على الشرط الثاني: ms034 أن من مكن غيره بإعطائه المال من المنافع
~~والمضار لا يكون معرضا له لأحدهما إلا بالإرادة.
# PageV00P117
# وكون المكلف مريدا لما عرض لفعله النفع (1) كاف عن كونه مريدا للنفع في
~~حال التعريض، لأن من عرض ولده للتعليم ليستحق المدح والتعظيم يكفي في حسن
~~تعريضه كونه مريدا التعليم ما أجري به إليه من المدح والتعظيم، بل لا يحسن
~~إرادتهما في حال التعريض، لكونهما غير مستحقين في تلك الحال، ولهذا قلنا:
~~إنه سبحانه مريد للتكليف في حال الامر به أو إيجابه عقلا، دون ما هو وصله
~~إليه من الثواب، لقبح إرادة ثواب التكليف في تلك الحال، ولأن الثواب متأخر
~~عن التكليف، وكونه تعالى مريدا للشئ قبل حدوثه لا يصح، لكون الإرادة
~~الواقعة على هذا الوجه عزما يستحيل عليه تعالى.
# وليس لأحد أن يقول: إن إعلام المكلف وجوب الواجب وقبح القبيح يغني عن (2)
~~كونه مريدا.
# لأن ذلك يقتضي كونه معرضا لما أعلم وجوبه وإن كره فعله، وذلك فاسد، ولأن
~~أحدنا قد يعلم غيره وجوب واجبات وقبح أشياء ولا يكون معرضا لأحدهما إلا
~~بكونه مريدا.
# والدلالة على الشرط الثالث: أن التعريض بسلوك طريق إلى مصر لا يوصل إليه
~~منه على حال ليصل إليه قبيح.
# وهذه الشروط أجمع ثابتة في تكليفه تعالى، لأنه مريد لما كلفه حسب ما
~~دللناه عليه، والمكلف قادر على ما كلفه، معلوم من حاله وصوله (3) إلى ما
~~عرض له من الثواب بامتثاله ما كلفه حسب ما دللنا عليه، وذلك يقتضي حسن
~~التكليف،
# PageV00P118
# وإذا ثبت حسن التكليف وجب، لأنه لا واسطة بين وجوبه وقبحه، من حيث كان
~~القديم سبحانه قادرا على أن يغني العاقل بالحسن عن القبيح، فإذا لم يفعل
~~وأحوجه إليه بالشهوات المخلوقة فيه وخلى بينه وبينه، فلا بد أن يكلفه، لأنه
~~إن لم يكلفه الامتناع منه وإن شق تعريضا لعظيم النفع بالثواب كان مغريا له
~~بالقبح، وذلك لا يجوز (عليه) تعالى.
# وأما بيان الأفعال التي تعلق بها التكليف وصفاتها، فمن حق ما تعلق
~~التكليف بفعله أو تركه عقلا وسمعا صحة إيجاده، ms035 لأن تكليف ما لا يصح إيجاده
~~قبيح، كالجواهر والحياة، ولا يحسن تعلقه بما لا يستحق بفعله أو بأن لا يفعل
~~الثواب، لأن الغرض الذي له حسن كونه تعريضا للثواب، فلا يحسن تكليف ما لا
~~يوصل بفعله أو تركه إليه.
# وهو ينقسم إلى ما يستحق بفعله الثواب، وإلى (1) ما يستحق بأن لا يفعل
~~العقاب وهو الواجب، وإلى ما لا حكم لتركه وهو الندب والاحسان، وإلى ما
~~يستحق بأن لا يفعل الثواب وهو القبيح، ولا مدخل للمباح في التكليف، حيث كان
~~لاحظ لفعله ولا تركه في استحقاق الثواب، وما لا يوصل إلى الثواب لا يحسن
~~تكليفه.
# ولا بد لما كلف إليه تعالى فعله أو تركه من وجه اقتض ذلك فيه، لأنه لولا
~~وجه اقتضاه لم يكن ما وجب أولى بذلك من الندب أو القبيح من الوجوب والندب.
# والتكليف على ضربين: ضروري، ومكتسب.
# والضروري على ضربين: واجب، وندب.
# والواجبات على ضربين: أفعال، وتروك.
# PageV00P119
# والأفعال: العدل، والصدق، وشكر النعمة، وأمثال ذلك.
# والتروك: الظلم، والكذب، والخطر (1)، وتكليف ما لا يطاق، وأمثال ذلك.
# وجهة وجوب الأفعال وقبح التروك كونها عدلا وصدقا وظلما وكذبا، لأن كل من
~~علمها كذلك علم وجوب ذلك وقبح هذه.
# والمندوبات على ضربين: أفعال، وتروك.
# والأفعال: الإحسان، والحلم، والجود، وقبول الاعتذار والعفو وأشباه ذلك.
# والتروك: خلاف ذلك.
# وجهة كون هذه مندوبا إليها كونها كذلك، لأن كل من علمها علمها مندوبا
~~إليها.
# والمكتسب على ضربين: عقلي وسمعي.
# والعقلي: العلم بحدوث العالم وإثبات محدثه، وما يجب كونه تعالى عليه من
~~الصفات وإحكام أفعاله وما يتعلق بها، والحكم لجميعها بالحسن، ولا تعلق لشئ
~~منه بأفعال الجوارح ولا ترك فيه، وجهة وجوب هذا التكليف كونه شرطا في العلم
~~بالثواب والعقاب الذي هو اللطف في التكليف الضروري، ولكونه شرطا في شكر
~~النعمة، وقد سلف برهان ذلك.
# والسمعي على ضربين: أفعال، وتروك.
# والأفعال: مفروض، ومسنون.
# وجهة وجوب الفرائض: كونها لطفا في فعل الواجب العقلي وترك القبيح، وقبح
~~تركها لأنه ترك لواجب.
# وجهة الترغيب في المسنون: كونه لطفا في المندوب ms036 العقلي، ولم يقبح تركه
# PageV00P120
# كما لم يقبح ترك ما هو لطف فيه.
# والتروك: الزنا، والربا، وشرب الخمر، وسائر القبائح الشرعية، وجهة قبحها:
~~كون فعلها مفسدة في القبح العقلي، ووجب تركها لأنه ترك لقبح.
# والواجب في هذا التكليف العلم دون الظن، وطريقه الكتاب والإجماع والسنة
~~المأثورة عن الصادقين عليهم السلام، والعمل به لوجوهه المخصوصة، وقد دللنا
~~على صحة هذه الفتيا وفصلنا ما أجملناه هاهنا في مقدمتي كتابي العمدة
~~والتلخيص في الفروع.
# ومن شرط الحسن في تكليف هذه الأفعال والتروك تقوية دواعي مكلفها إلى ما
~~يختار عنده أفعالها، وصوارفه عن تروكها، أو يكون إلى ذلك أقرب، دون ما
~~يقتضي الإلجاء المنافي للتكليف، لأن ذلك جار مجرى التمكين.
# فمتى علم سبحانه في شئ كونه لطفا في التكليف على أحد الوجهين وكان مختصا
~~بمقدوره سبحانه فلا بد أن يفعله، وإن كان من مقدورات المكلف فلا بد من
~~بيانه له وإيجابه عليه، وإن كان اللطف لا يتم إلا بفعله تعالى وفعل المكلف
~~وجب عليه سبحانه فعل ما يختص به وبيان ما يختص المكلف وإيجابه، وإن كان من
~~فعل غير المكلف فعلم سبحانه أن ذلك الغير يفعل هذا اللطف حسن تكليف هذا،
~~وإن علم أنه لا يختاره وفي أفعاله تعالى أو أفعال المكلف بدل منه فعل ما
~~يختصه وبين ما يختص المكلف، وإن لا يكن له بدل أسقط تكليف ما ذلك اللطف لطف
~~فيه، لأن تكليفه (1) والحال هذه قبيح على ما بينته، وتكليف غيره ما لا
~~مصلحة له فيه قبيح أيضا، وإن كان لطفه يتعلق بفعل قبيح أو بما لا يصح
~~إيجاده فلا بد من إسقاط تكليفه، لتعلقه بما لا يصح إيجاده أو يقبح (2)
~~فعله.
# PageV00P121
# وقلنا بوجوب ما ذكرناه.
# لأنه لا فرق في قبح المنع بينه وبين قبح المنع من التمكين.
# يوضح ذلك: أن من صنع طعاما لقوم يريد حضورهم نفعا لهم وعادته جارية في
~~استدعائهم برسول، فلم يفعل الارسال مع كونه مريدا لحضورهم يستحق الذم، كما
~~لو أغلق الباب دونهم، ولا شبهة في وجوب ما ms037 يستحق الذم بتركه.
# وإذا صح هذا وكان القديم سبحانه مريدا لتكليفه، فلا بد أن يفعل له ما
~~يعلم أنه يختار التكليف عنده أو يكون أقرب إليه، أو يبتنه (1) له إن كان من
~~فعله، وسقط تكليفه إن كان معلقا بما لا يصح إيجاده أو يقبح أو مختصا بفعل
~~غيره مع العلم بأنه لا يفعله ولا بدل (2) له، لكونه تعالى عادلا لا يخل
~~بواجب في حكمته سبحانه.
# وما هو من فعله تعالى لا بد أن يكون معلوما للملطوف له به أو مظنونا أو
~~معتقدا لكونه داعيا، وما لا يعلم ولا يظن ولا يعتقد لا يكون داعيا، وسواء
~~كان ما هو من فعله تعالى لطفا في واجب أو مندوب إليه أو ترك قبيح، فإنه يجب
~~في حكمته سبحانه فعله، لكونه مريدا للجميع، وبيان ما هو لطف من فعل المكلف
~~في التكاليف الثلاثة.
# فأما ما يختص المكلف، فالواجب عليه فعل ما هو لطف في واجب وترك قبيح،
~~وترك ما هو مفسدة فيهما، وهو في لطف المندوب بالخيار ولا فرق في إعلامه ما
~~هو لطف له في تكليفه وإزاحة علته بين أن ينص له على كونه كذلك وبين أن يوجب
~~عليه فعلا بدليل عقلي أو سمعي، فيعلم بذلك كونه لطفا في واجب، أو
# PageV00P122
# يوجب عليه تركه فيعلم بذلك كون فعله مفسدة، أو يرغبه في فعل أو ترك فيعلم
~~كونه لطفا في مندوب، بحسن تكليفه ما هذا اللطف لطف فيه وإن جهله كذلك إذا
~~كان متمكنا من العلم به، لكون علته مزاحمة بالتمكين وإن فرط فيما يجب عليه.
# ومن شرط اللطف أن يتأخر عن التكليف ولو بزمان واحد لكونه داعيا، ولا
~~يتقدر الدواعي إلى غير ثابت، فإن علم سبحانه في فعل من الأفعال أنه إن صاحب
~~التكليف دعا إلى اختياره فليس ذلك بلطف، لكونه وجها وسببا لحصول التكليف
~~(1).
# فوصف هذا الجنس من الأفعال بأنه لطف اشتقاقا من التلطف للغير في إيصال
~~المنافع إليه، ويسمى صلاحا لتأثيره وقوع الصلاح أو تقريب المكلف إليه،
~~ويسمى استصلاحا على هذا ms038 الوجه، ويسمى منه توفيقا ما وافق وقوع الملطوف به
~~فيه عنده.
# ويسمى منه عصمة ما اختار عنده المكلف ترك القبيح على كل حال تشبيها
~~بالمنع من الفعل، وإن كان الفعل القبيح إنما ارتفع مع اللطف باختيار المكلف
~~ومع المنع لأجله، فساوى الحال في ارتفاع القبيح على كل وجه وإن اختلف جهتا
~~الارتفاع، فلذلك سمي الملطوف له بهذا الضرب من اللطف معصوما، ويجوز أن يكون
~~الوجه في التسمية بمعصوم من حيث كان مفعولا له ما امتنع معه من القبيح
~~تشبيها بالممنوع على الوجه الذي بيناه.
# ولا يلزم على هذا عصمة سائر المكلفين، لأن ما له هذه الصفة من الألطاف
~~موقوف على ما يعلمه سبحانه من كونه مؤثرا في اختيار المكلف ما كلف فعله أو
~~تركه، وما هذه حاله يجوز أن يختص ببعض المكلفين، ولا يكون في المعلوم
# PageV00P123
# شئ يعلم من حال الباقين كونهم مختارين لما كلفوه عنده، فيختص فعله إذ ذاك
~~بمن علم من حاله كونه غير مختار عنده لشئ من القبائح، دون من علم أنه لا
~~يترك القبح عند شئ من الأفعال، كما خبر عنهم سبحانه بقوله: ﴿ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم
~~الموتى وحشرنا عليهم كل شئ قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله﴾
~~(١)، يريد: أن يشاء إلجائهم، وكقوله سبحانه: ﴿ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا
~~قبلتك﴾ (2)، وأمثال ذلك من الآيات الدالة على وجود مكلفين لا يختارون
~~شيئا من الطاعات، ولا يتركون شيئا من القبائح، وإن فعل لمم كل آية.
# يحسن تكليف من يعلم أنه لا لطف له وأنه يطيع أو يعصي على كل حال، لأنه
~~متمكن بجميع ضروب التمكين مما كلف ولم يمنع واجبا، وليست هذه حال من لطفه
~~في القبيح أو فيما لا نهاية له، لأن هذا اللطف لم يفعل له، فقبح تكليفه.
# وأما الصلاح الدنيوي العري من وجوه القبح فغير واجب، لأنه لا تعلق له
~~بالتكليف ولا له في نفسه صفة وجوب ms039 كالصدق والإنصاف، لأن وجوب ما هذه حاله
~~معلوم ضرورة على جهة الجملة ومكتسبا على جهة التفصيل، ولأنه لو كان له وجه
~~يقتضي وجوبه لكان ذلك لكونه نفعا، وذلك يوجب كل نفع لا ضرر فيه على الفاعل
~~والمفعول له، والمعلوم ضرورة خلاف ذلك، لوجودنا (3) سائر الأغنياء من
~~العقلاء يمنعون غيرهم ماله هذه الصفة ولا يستحقون (به) الذم (4) من أحد.
# وتعلق القائلين بالأصلح في إثبات وجه لوجوبه: بذم مانع الاستظلال
# PageV00P124
# بظل حائطه، والتقاط المتناثر من حب زرعه، وتناول الماء من نهره.
# ليس بصحيح، لأنه لو كان الوجه فيه كونه نفعا خالصا لوجب كل نفع خالص، لأن
~~صفة الوجوب لا تختص بمثل دون مثل، وقد علمنا ضرورة خلاف ذلك، وإنما قبح
~~المنع بحيث ذكروه لكونه عبثا لا غرض فيه، ولهذا متى حصل فيه أدنى غرض حسن،
~~ولو كان الوجه في قبح منعه كونه نفعا خالصا لم يحسن، لوجود غرض فيه كالظلم،
~~على أن مثالهم بخلاف الأصلح، لقولهم بوجوب فعل ما فيه نفع خالص، وقد علمنا
~~أنه لا يجب بناء الحائط للاستظلال به، ولا حفر النهر لتناول الماء منه، ولا
~~نثر الحب للالتقاط، وإذا لم يجب فلا شاهد لهم.
# ولا لهم أن يتعلقوا في إيجابه: بأن فاعله جواد ومانعه بخيل (1)، وصفة
~~الجود مدح وهو جدير بها سبحانه، وصفة البخل ذم لا يجوز عليه تعالى.
# لأن ذلك تعلق بعبارة يجوز غلط مطلقها وصوابه، ولا يجوز إثبات وجه الوجوب
~~والقبح للموصوف ضرورة أو استدلالا؟ ولا يجوز عند أحد من العلماء إثبات صفات
~~الذوات بها، على أن المعلوم اختصاص إطلاق الجود والبخل بغير من ذكروه، لأنه
~~لا أحد يصف من لم يمنع من الاستظلال والالتقاط الذي هو شاهد طم بأنه جواد،
~~وإنما يصفون بذلك من أكثر الإحسان كحاتم وإن كان عليه فيه ضرر، بل لا يصفون
~~بالجود من له إحسان ما، ولو كان الجود اسما لمن ذكروه لوجب اختصاصه به، أو
~~إطلاقه، والمعلوم خلاف ذلك.
# وأما بخيل فليس بوصف لمن ليس بجواد، يعلمنا بوجود أكثر العقلاء غير ms040
~~موصوفين بالجود ولا البخل، ولو كان اسما لمن منع نفعا خالصا لوجب وصف كافة
~~العقلاء به، حتى الأنبياء والأوصياء والفضلاء، لأنه لا أحد منهم إلا وهو
~~مانع ماله هذه الصفة، وإنما هو مختص بمانع الواجب عليه لغيره، لكونه اسما
~~للذم
# PageV00P125
# حسب ما نطق به القرآن، وإطلاق العرب له (1) (على) مانع القرى (2)
~~لاعتقادهم وجوبه عليهم، ولهذا لا يصفون به من أخل بواجب يختصه، ولا مانع
~~التفضل على كل حال، ويجوز أن يكون ذلك مجازا، والمجاز لا يقاس عليه ولا
~~يجعله أصلا يرجع إليه.
# فسقط ما تعلقوا به معنى وعبارة، والمنة لله.
# وأيضا فإن المفعول منه في الوقت الواحد لا بد من انحصاره، لوجوب انحصار
~~ما يخرج إلى الوجود، وما زاد عليه مما حكمه حكمه في النفع لا يخلو أن يكون
~~مقدورا له تعالى أو غير مقدور ولا يصح كونه غير مقدور، لكونه تعالى قادرا
~~لنفسه، ولكونه مقدورا لا يخلو أن يكون واجبا أو غير واجب، وكونه واجبا
~~يقتضي كونه تعالى غير منفك في حال من الاخلال بالواجب، فلم يبق إلا أنه غير
~~واجب.
# وليس لأحد أن يقول: فأنتم تجيزون فعل الأصلح، فيلزمكم في الجواز ما
~~ألزمتموه في الوجوب.
# لأن الاخلال بالواجب لا يجوز عليه تعالى، والاخلال بالجائز جائز منه،
~~فافترقا بغير شبهة.
# وليس له أيضا أن يقول: القدر الزائد إن كان صلاحا فلا بد أن يفعله، وإن
~~لم يكن كذلك فلا مسألة علينا.
# لأنا فرضنا مساواة القدر الزائد المعدوم لما وجد منه في الصلاح، فاقتضى
~~سقوط وجوب الأصلح، أو كونه تعالى غير منفك من الاخلال بالواجب، فسؤالهم إذن
~~خارج عن تقديرنا.
# ولنا في هذا الدليل نظر لا يحتمله كتابنا هذا.
# PageV00P126
# وأيضا فلو لم يكن في أفعاله تعالى ما له صفة الإحسان لا يجب شكره،
~~لاختصاص الشكر به دون سائر الأفعال، فإذا لم يتعين شكره لم يستحق العبادة،
~~لكونها كيفية في الشكر وذلك ضلال.
# وأيضا فإنا نعلم ضرورة أن من جملة الأفعال الواقعة منا ما يستحق به الشكر
~~والمدح، ولا يستحق به ms041 الذم، كما نعلم أن من جملتها واجب ومباح، فيجب أن
~~يكون تعالى قادرا لنفسه على ما هذه حاله، وذلك ينتقض قوله: إنه ليس في
~~الشاهد ولا الغائب ما يخرج عن واجب في العدل أو واجب في الجود.
# وأما المكلف، فهو الجملة الحيث المشاهدة، بدليل حصول العلم بوقوع الأفعال
~~الدالة على كون من تعلقت به قادرا، والمحكمة المترتبة الدالة على كون من
~~تعلقت به عالما مريدا منها، والقادر العالم المريد هو الحي المكلف.
# وإذا كان المعلوم استناد ما دل على كونه كذلك إلى الجملة، وجب وصفها به
~~دون ما لا يعلم ولا يظن تعلق التأثيرات به، إذ كان نفيها عن الجملة المعلوم
~~ضرورة تعلقها بها وإضافتها إلى من لا يمكن إضافتها إليه إلا على هذا الوجه
~~تجاهل، ولا نعلم حصول الإدراك بأبعاضها، والمدرك هو الحي، فيجب أن يكون كل
~~عضو حصل به الإدراك من جملتها.
# ولأن الأفعال تقع (1) بأطرافها، ويبتدئ بها التأثيرات المحكمة، ويخف
~~باليدين ما يثقل باليد الواحدة، ولا وجه لذلك إلا كون هذه الأعضاء محلا
~~للقدر، ومحل القدر هو القادر، والقادر هو الحي.
# وليس لأحد أن يقول: ما المانع من كون الحي غيرها، وتقع أفعاله فيها
~~مخترعة.
# لأن الاختراع يتعذر بجنس القدر ولأنه لو صح منه أن يخترع فيها لصح
# PageV00P127
# في غيرها، وذلك محال، ولأنه لو صح منه الاختراع لجاز أن يخترع في الإصبع
~~الواحدة من حمل الثقيل ما ينقل باليدين، والمعلوم خلاف ذلك، ولأنا نعلم
~~انتفاء الحياة بانتقاض هذه البنية، ولو كان الحي غيرها لكان لا فرق بين قطع
~~الرأس والشر، والمعلوم خلاف ذلك.
# وببعض ما قدمناه يبطل كون الحي بعض الجملة، لصحة الإدراك بجميع أبعاضها،
~~وبوقوع الأفعال في حالة واحدة بكثير من أعضائها، مع تعذر الاختراع على ما
~~بيناه.
# وأما صفات المكلف، فيجب أن يكون قادرا ليصح منه إيجاد ما كلف، والقدرة
~~مختصة بمقدوراته سبحانه، فيجب عليه فعلها.
# وإن كان التكليف يفتقر إلى آلة وجب في حكمته سبحانه فعل ما يختصه كاليد
~~والرجل " وتمكينه من تحصيل ما ms042 يختصه كالقلم والقوس، لتعذر الفعل المفتقر
~~إلى آلة من دونها، لتعذره من دون القدرة.
# وإن كان التكليف مما يفتقر العلم به والعمل إلى زمان وجب تبقية الزمان
~~الذي يصحان في مثله، لأن اخترامه من دونه قبيح.
# ويجب أن يكون عالما بتكليفه ووجهه، أو متمكنا من ذلك، لأن الغرض المقصود
~~من الثواب لا يثبت مع الجهل بوجوب الأفعال، لاختصاص استحقاقه بإيقاع ما وجب
~~أو ندب إليه واجتناب ما قبح للوجه الذي له حسنا وقبح هذا، ولأن المكلف لا
~~يأمن براءة ذمته مما وجب عليه فعلا وتركا من دون العلم بهما.
# فما اقتضت الحكمة كونها من فعله تعالى، فلا بد من فعله للمكلف، كالعلم
~~بالمشاهدات بأوائل العقول وسائر الضروريات، وما اقتضت المصلحة كونه من فعل
~~المكلف، وجب إقداره عليه بإكمال عقله ونصب الأدلة وتخويفه من ترك النظر
~~فيها، ويكفي ذلك في حسن تكليف ما يجب علمه استدلالا، وإن لم يكن
~~PageV00P128
# معلوما في الحال، ولا مما يعلم (1) في الثاني، لأن التكليف كاف، والتقصير
~~مختص بالمكلف.
# والحال التي يصح معها تكليف (2) العلم بالمعلوم، هي كون الحي عاقلا مخوفا
~~من ترك النظر في الأدلة.
# والعقل: مجموع علوم من فعله تعالى، وهي على ضروب:
# منها: العلم بالمدركات مع ارتفاع اللبس.
# ومنها: العلم بأن المعلوم لا بد أن يكون ثابتا أو منتفيا، والثابت لا
~~يخلو أن يكون لوجوده أول أو لا أول لوجوده.
# ومنها: العلم بوجوب شكر المنعم ورد الوديعة والصدق والإنصاف، وقبح الظلم
~~والكذب والخطر، واستحقاق فاعل تلك ومجتنب هذه المدح والذم على فعل هذه
~~واجتناب تلك إذا وقع ذلك عن قصد.
# ومنها: العلم بتعلق التأثيرات بالعبدة وفرق ما بين من تعلقت به وتعذرت
~~ومنها: العلم بجهات الخوف والمضار، وما يستندان إليه من العادات.
# وقلنا: إن العقل مجموع هذه العلوم.
# لأنها متى تكاملت لحي وصف بأنه عاقل ومتى اختل شئ منها لم يكن كذلك، ولو
~~كان العقل معنى سواها لجاز تكاملها بحي ولا يكون عاقلا، بأن لا يفعل فيه
~~ذلك المعنى، أو يفعل في حي من ms043 دونها، فيكون عاقلا، والمعلوم خلاف ذلك.
# وقلنا: إنها من فعله تعالى لحصولها على وجه الاضطرار في الحي (3) لأنها
# PageV00P129
# لو كانت من فعل الحي منا لكانت تابعة لمقصوده.
# وقلنا: إن كونه عاقلا شرط في تكليفه الضروري هو من جملتها (1)، والمكتسب
~~لا يتم من دونها، لافتقاره إلى النظر الذي يجب أن يتقدمه العلم بمجموعها،
~~ولأنه لا حكم للنظر من دونه.
# ومما يجب كونه عليه التخلية بينه وبين مقدوره، فإن علم سبحانه حصول منع
~~من فعله تعالى أو فعل المكلف أو غيره قبح تكليفه لتعذر وقوعه، وإن اختلفت
~~أسباب التعذر.
# ولا يحسن منه تعالى تكليفه بشرط زوال المنع، لأنه عالم بالعواقب،
~~والاشتراط فيه لا يتقدر، وإنما يحسن فيمن لا يعلم العواقب (2)، ولذلك متى
~~علمنا أو ظننا حصول منع من فعل لم يحسن منا تكليفه.
# ومما يجب كونه عليه: صحة الفعل، وتركه، لأن إلجائه (3) ينقض الغرض المجري
~~بالتكليف إليه من الثواب الموقوف على إيثار المشاق.
# والالجاء يكون بشيئين:
# أحدها: أن يعلم العاقل أو يظن في فعل أنه متى رامه منع منه لا محالة،
~~كعلم الضعيف أنه متى رام قتل الملك منع منه هو الملجأ إلى الترك، وهذا
~~الضرب من الالجاء لا يتغير.
# والثاني: يكون بتقوية الدواعي إلى المنافع الكثيرة الخالصة أو الصوارف
~~بالمضار الخالصة، وهذا يجوز تغييره بأن يقابل الدواعي صوارف يزيد عليها،
~~والصوارف دواع يزيد عليها، ولهذا استحال الالجاء على القديم سبحانه،
# PageV00P130
# لاستحالة ما يستند إليه من المنع ورجاء النفع وخوف الضرر.
# ومن صفاته: أن يكون مائلا إلى القبيح نافرا من الواجب محتاجا، لاستحالة
~~تقدير التكليف من دون ذلك، من حيث كانت المشقة شرطا فيه، ولا مشقة من دون
~~الميل والنفور، لأن ما يلتذ به الحي أو لا يلتذ به ولا تألم لا يشق عليه،
~~فعلا كان أو تركا، ولأن الوجه في حسنه (1) التعريض للنفع الملتذ به، ومتى
~~لم يكن الحي على صفة من يلتذ ببعض المدركات ويألم ببعض لم يدعه داع إلى
~~تكلف مشقة لاجتلاب نفع أو دفع مضرة، وكونه كذلك يقتضي ms044 كونه محتاجا إلى نيل
~~النفع ودفع الضر، فإن فرضنا غناه بالحسن عن القبيح ارتفعت المشقة التي لا
~~يتقدر تكليف من دونها.
# وليس من شرط التكليف أن يعلم المكلف أن له مكلفا، لأن التكليف الضروري
~~ثابت من دون العلم بمكلفه سبحانه، ولأن المعرفة بالمكلف سبحانه لا وجه
~~لوجوبها إلا تعلقها بالضروري، فلو وقف حسن التكليف على العلم بالمكلف لتعذر
~~ثبوت شئ من التكاليف.
# وليس من شرطه أن يعلم المكلف أنه مكلف، لأنا قد بينا قبح الاشتراط في
~~تكليفه سبحانه، وقبحه يوجب القطع على تبقيته المكلف الزمان الذي يصح منه
~~فعل ما كلف على وجه، فلو كان من شرطه أن يكون عالما بأنه مكلف لوجب أن يكون
~~قاطعا على البقاء إلى أن يؤدي ما كلف أو يخرج وقته، وذلك يقتضي كونه مغري
~~بالقبح أو عصمته، والاغراء لا يجوز عليه، وعصمة كل مكلف معلوم ضرورة خلافه.
# ولأنا نعلم من أنفسنا وغيرنا من المكلفين أنه لا أحد منا يقطع على بقائه
~~وقتا واحدا، بل يجوز اخترامه بعد دخول وقت التكليف وقبل تأديته العبادة
~~وبعد
# PageV00P131
# ما دخل فيها ولم يحملها، وإنما نعلم أنه مكلف ما يحتاج إلى زمان إذا فعله
~~أو خرج وقته إن كان موقتا.
# وليس لأحد أن يقول: فعلى هذا لا يلزم أحدا أن يفعل شيئا من الواجبات، وإن
~~فعلها فلغير وجه الوجوب.
# لأنه لا يتعين له على ما ذكرتم إلا بعد الأداء أو خروج الوقت، لأنه وإن
~~لم يعلم كونه مكلفا ما خوطب به إلا بعد فعله أو خروج وقته، فإنه يعلم وجوب
~~الابتداء به، وإذا علم ذلك وجب عليه الدخول فيه والعزم على فعله لوجهه.
# ولأنه يجوز البقاء، ويعلم أنه (إن) خرج وقته ولم يؤده استحق الضرر، فيجب
~~عليه التحرز من الضرر المخوف ويفعله لوجهه، فكل ما مضى منه جزء علم كونه
~~مكلفا له حتى يمضي جملته أو وقته، وإن اخترم على بعضه في وقته فتكليفه مختص
~~بما فعله دون ما لم يفعله.
# إن قيل: فيلزم على هذا أن يفرد كل ms045 حكم واجب من جملة تكليف بقصد مخصوص.
# قيل: إذا كان الحكم من جملة تكليف وجب عليه الابتداء به كفاه (1) أن
~~يبتديه بعزم على جملته وتفصيله لوجهه، لاختصاص تكليفه بذلك، وإن كان إفراد
~~كل حكم من جملة تكليف بنية تخصه أفضل، ونية الجملة كافية، إذ لا فرق في
~~تعلقها بالحكم بين مصاحبته أو تقدمها عليه في حال الابتداء بالعبادة التي
~~هو من جملتها.
# مسألة: (في الألم) الألم: ما أدرك بمحل الحياة فيه، وهو: جنس، وغير جنس:
# PageV00P132
# فالمدرك بمحل الحياة فيه - كالحادث عند الحي، وفي رأس المصدع - جنس.
# والمدرك بمحل الحياة في غيره - كالحرارة، والبرودة، والطعم - ليس بجنس
~~غير هذه المدركات.
# وقلنا ذلك.
# لأن الحي يجد من طريق الإدراك عند قطع بعض أعضائه ما لم يكن يجده، ويفصل
~~بين تألمه من ناحية ذلك العضو وبين غيره.
# والادراك يتعلق بأخص صفات المدرك، ولا يجوز تعلقه بتفريق البنية، لأن
~~الأكوان غير مدركة بمحل الحياة ولا غيره، والميل والنفور غير مدركين، ولأن
~~حال كل منهما يحصل للحي، وهو غير آلم ولا ملتذ، فثبت وجود منى تعلق الإدراك
~~به.
# وليست هذه حاله عند إدراك الحرارة والطعم وغيرهما، لأن الإدارك تعلق بجنس
~~معلوم، فلا حاجة بنا إلى إثبات غيره، لما فيه من الجهالة.
# وسمي هذا المعنى ألما إذا أدركه الحي وهو نافر، ويسمى لذة إذا أدركه وهو
~~مشته.
# والشهوة والنفار (1) معنيان مغايران للألم واللذة، مختصان بالقديم تعالى.
# والألم مقدور للمحدث، ولا يصح منه إلا متولدا عن الوهي، وتقع منه تعالى
~~متولدا ومبتدأ، كحصوله للمصدع والمنفرس.
# وإذا ثبت أن الألم جنس الفعل بطل قول من زعم أنه قبيح لكونه ألما، من حيث
~~كان الشئ لم يقبح لجنسه، لأن ذلك يقتضي اختصاص القبح بجنس معين، أو يماثل
~~سائر الأجناس، لصحة الاشتراك في صفة القبح، ويتعذر الجنس
# PageV00P133
# في شئ من أعيان الجنس، وإنما يقبح لوقوعه على وجه، ولهذا يقبح بعض
~~الأكوان يحسن بعض.
# والوجه الذي عليه بقبح الألم هو كونه ظلما بتعريه من نفع يوفى عليه، ودفع
~~ضرر هو أعظم ms046 منه، واستحقاق، وكونه مدافعة، وكونه عبثا بتعريه من عوض مثله،
~~أو أنفع (لا) يحسن إيصاله (1) إلى المؤلم من دونه، أو لدفع ضرر يندفع
~~بغيره، أو كونه استفسادا بأن يكون داعيا إلى قبيح، أو صارفا عن حسن.
# والوجه الذي عليه يحسن هو أن يكون فيه نفع، أو دفع ضرر أعظم، أو عن
~~استحقاق، أو مدافعة.
# وقلنا بقبحه لتلك (2) الوجوه، وحسنه لهذه.
# لحصول العلم الضروري لكل عاقل بذلك من غير نظر ولا تأمل، ويقوم الظن في
~~جميع ذلك مقام العلم، لعلمنا باتباع الحسن والقبح له.
# والوجه الذي يصح منه تعالى الايلام أن يكون مستحقا أو لطفا، وهذان
~~الوجهان ثابتان فيما يفعله في الدنيا، فأما ما يفعله تعالى في الآخرة فمختص
~~بالاستحقاق، لأن اللطف فيها غير متقدر.
# وقلنا باختصاص إيلامه في الدنيا بالوجهين.
# لأن الوجوه التي يقبح عليها الألم لا تصح منه تعالى، لما بيناه من حكمته
~~تعالى.
# ولدفع الضرر قبيح منه وإن حسن منا على وجه، لأن الإيلام لدفع الضرر لا
~~يحسن إلا بحيث لا يندفع الأعظم إلا به.
# يوضح ذلك: أن كسر يد الغريق لتخليصه لا يحسن مع غلبة الظن
# PageV00P134
# بخلاصه بمجرد الجذب، ويحسن إذا غلب الظن أنه لا يتخلص إلا به، والقديم
~~تعالى قادر على دفع كل ضرر من غير إضرار، فلا وجه له منه تعالى.
# ولمجرد النفع لا يحسن، لكونه عبثا، لأن من استأجر غيره لنقل الرمل من جهة
~~إلى أخرى لنفعه بالأجرة حسب يستحق الذم لكونه عبثا.
# وإذا فعل سبحانه الألم لاعتبار (1) المفعول في المؤلم أو غيره، فلا بد من
~~عوض ينغمر في جنبه (2)، ليخرج به عن كونه ظلا، ولهذا حسن ما يقع منه سبحانه
~~من إيلام، ولم يحسن ما يقع منا عريا من النفع ودفع الضرر والاستحقاق
~~والمدافعة، وهو الظلم، وإن كان في مقابلته عوض لا بد من إيصاله إلى
~~المظلوم.
# ولا فرق في حسن الألم للطف بين أن يكون اللطف مختصا به، أو مع مساواة
~~النفع له في ذلك، لأنه بالعوض المستحق عليه قد لحق بالنفع ms047 وزاد عليه، فحاله
~~تعالى في التخيير بينهما بخلاف حالنا، لأنا لا نقدر ولا نعلم من الأعواض ما
~~يحسن له الألم، ولذلك لم يحسن منا الاستصلاح به بحيث يقوم النفع مقامه.
# والوجه في حسن إيلام الأطفال كونه لطفا للعقلاء، وفي البهائم كونه كذلك،
~~وللانتفاع به في الدنيا، فيخرج بذلك عن حد العبث، وعليه عوض يخرجه عن كونه
~~ظلما.
# وقلنا ذلك.
# لأن إضافته إلى الطبائع، أو الكواكب، أو الظلمة، أو الشيطان، أو القديم
~~تعالى على وجه يقبح لا يصح (3) على ما دللنا على فساده.
# وكونه لذة معلوم ضرورة خلافه، وكونه للاستحقاق يقتضي مصاحبة الذم
# PageV00P135
# له، ومعلوم قبحه وتقدم (1) تكليف قبل زمانه، وذلك يقتضي حصول الذكر له.
# ولأن القائلين بذلك يبنونه على قبح الايلام لغير الاستحقاق، وقد بينا
~~حصول العلم الضروري بحسنه، للنفع ودفع الضرر والمدافعة.
# ولأنه يوجب عليهم تقدم تكليف على تكليف إلى ما لا نهاية له، أو الانتهاء
~~إلى تكليف غير مستحق، فيسقط معه مذهبهم، ويقتضي كون التكليف عقابا، وذلك
~~محال.
# وبهذا يسقط مذهب القائلين بالتناسخ، ويسقطه أيضا قيام الدلالة على أن
~~الحي هو الجملة دون بعضها أو غيرها، واستحالة كون زيد قردا (2)، وإنما كان
~~يصح ذلك لو كان الحي غير الجملة، وقد أفسدناه، وإن كانوا لا يهتدون إلى هذا
~~الذي لا يتقدر تناسخ من دونه، ولأنه يقتضي تكميل عقل المنسوخ ليعلم كونه
~~معدولا فيه معدنا، والمعلوم ضرورة خلاف ذلك، ولأنه كان يجب ذم كل مؤلم
~~لكونه (3) عقابا وإن كان نبيا أو صديقا.
# واعتذارهم في عدم الذكر بالموت لا يغني سببا، لأن فقد العلم في مدته لا
~~يمنع عند الإحياء وإكمال العقل من الذكر، بل يجب كالنوم وحال العقلاء في
~~البعث، ولأن الموت غير متقدر على مذاهبهم، وإنما هو انتقال الروح أو الحي،
~~فإن فهموا مذهب القائلين به من جملة إلى جملة فعلى هذا ما حاله في التنقل
~~في الهياكل إلا كالتنقل في الأماكن، فكما يجب العلم بحمل أحوال المنتقل عن
~~بلد إلى أخر فكذلك يجب ما قلناه.
# PageV00P136
# مسألة: (في العوض) ms048 العوض: هو النفع المستحق العري من تعظيم وتبجيل.
# وليس بدائم، لأنه لو كان من حقه الدوام لكان شرطا في حسنه، وقد علمنا حسن
~~الألم لنفع منقطع، وجهة استحقاقه على المحدث كون ما يستحق به ظلما من فعله
~~أو واقعا عند فعله، كالآلام الواقعة من الكحل.
# وهو على ضربين: أحدهما يصح نقله كالأموال، وما لا يصح ذلك فيه كالآلام
~~والغموم على السب وفوت المنافع.
# فعوض الأول يصح التخلص بإيصاله إلى مستحقه أو استحلاله لصحة قبضه
~~واستيفائه، والثاني يقف على الانتصاف منه تعالى في الآخرة لتعذر القبض فيه
~~والاستيفاء.
# وجهات استحقاق العوض عليه تعالى من وجوه أربعة:
# أحدها: لألم يفعله للطف به كالآلام المبتدأة في الأطفال والبالغين، وما
~~يفعله عند التعريض منا للحر والبرد، لعلمنا بحسن ذلك، ولو كان العوض على من
~~طرح غيره في الثلج لكان قبيحا مع كونه فعلا له سبحانه، وإنما يقبح التعريض.
# وثانيها: ما يفعل بأمره، كالضحايا وحدود الامتحان.
# وثالثها: ما يفعل بإباحته، كذبح الحيوان وركوب البهائم والحمل عليها
~~واستخدام الرقيق.
# ورابعها: ما يفعل بإلجائه.
# وجهة استحقاق العوض من الوجه الأول قد بيناه، ومن الوجوه الثلاثة: علمنا
~~بحسن ما يقع من الألم بأمره وإباحته وإلجائه، فلولا أنه سبحانه (1)
# PageV00P137
# تكفل بالعوض عنه لقبح (1)، كسائر ما نفعله (2) من الألم بغيرنا.
# ويجوز تعجيل ما يمكن ذلك فيه في الدنيا، لأنه لا صفة له تمنع من تعجيله،
~~وما لا تعجيل منه لا بد من فعله في الآخرة لمستحقه من العقلاء وغيرهم.
# ولا يجوز في حكمته سبحانه تمكين غيره من الظلم إلا مع إمكان الانتصاف منه
~~في حال الاستحقاق، لأن تبقيته أو تكفل العوض عنه تفضل عليه يجوز منعه،
~~والانتصاف واجب، ولا يجوز تعلقه به.
# والصحيح حسن تمكين من علم أنه يستحق من الأعراض بمقدار ما يستحق عليه في
~~المستقبل، أو يتكفل القديم سبحانه عنه العوض، لأن الانتصاف للمظلوم وإيصاله
~~إلى ما يستحقه من الأعواض ممكن مع كل واحد من الأمرين، كإمكانه مع ثبوت
~~العوض في حال الظلم، ولا مانع من قبح ولا ms049 غيره.
# مسألة: (في الآجال) الكلام في الآجال عبارة، ومعنى:
# فالعبارة: الأجل، وهو: الوقت، لأن أجل الذين وقت استحقاقه، والوقت هو
~~الحادث الذي تعلق به حدوث غيره إذا كان معلوما، والموقت هو الحادث المتعلق
~~بالوقت إذا لم يكن معلوما، كطلوع الشمس هو وقت لقدوم زيد إذا كان المخاطب
~~يعلم طلوعها، لأنه حادث معلوم تعلق به حادث غير معلوم.
# فإذا صح هذا فأجل الموت أو القتل وقت حدوثهما، ولو جاز أن يطلق على حدوث
~~موت أو قتل أجلان لجاز عليه أن يطلق عليه وقتان، وتقدير بقائه لو لم يمت أو
~~يقتل لا يجوز له أن يوصف بأن له أجلان، لأن ما لم يحدث فيه موت ولا قتل لا
~~يوصف بذلك بالتقدير، كما لا يكون ما لم يقع فيه موت ولا قتل وقتا
# PageV00P138
# للموت ولا قتل.
# والمعنى: هل كان يجوز بقاء من مات أو قتل أكثر مما مضى أم لا؟ وهذا
~~ينقسم:
# إن أريد كونه مقدورا فذلك صحيح، لكونه سبحانه قادرا لنفسه، فالامتناع منه
~~كفر.
# وإن أريد العلم بوقوعه وحصوله فمحال، لأنه سبحانه عالم لنفسه، فلو كان
~~يعلم أن هذا الميت أو المقتول يعيش أكثر مما مضى لعاش إليه ولم يمت ولم
~~يقتل في هذه الحال، وفي اختصاص موته أو قتله بها دليل على أنه المعلوم الذي
~~لا يتقدر غيره، وكونه معلوما لا يوجب وقوعه ولا يحيل تعلق القدرة (١)
~~بخلافه، لأن العلم يتعلق بالشئ على ما هو به، ولا يجعله كذلك، لأنا نعلم
~~جمادا وحيوانا ومؤمنا وكافرا، فلا يجوز انقلاب ما علمناه وإن كنا لم نوجب
~~شيئا منه.
# مسألة: (في الرزق) الرزق: ما صح الانتفاع به ولا يكن لأحد المنع منه،
~~بدليل إطلاق هذه العبارة فيمن تكاملت له هذه الشروط.
# والملك: ما قدر الحق على التصرف فيه ولم يجز منعه، بدليل صحة هذا الإطلاق
~~على من تكاملت له هذه الصفات كمالك الدار والدراهم.
# والحرام لا يكون رزقا لمن قبضه، لأن الله تعالى أباح الانتفاع بالرزق
~~بقوله تعالى: ﴿كلوا ms050 واشربوا من زرق الله
~~ولا تعثوا في الأرض مفسدين﴾ (٢)، ومدح على الإنفاق منه، فقال سبحانه:
~~﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾ (3)، وكونه
~~حراما
# PageV00P139
# ينافي ذلك.
# ولأنه لا يخلو أن تكون سمة الرزق مختصة بما ذكرنا، أو بما يصح الانتفاع
~~به فقط، وكونها مختصة بما قلناه يمنع من وصف الحرام بالرزق، واختصاصها بما
~~يصح الانتفاع به يقتضي كون أموال الغير وأملاكهم وأزواجهم والخمر ولحم
~~الخنزير أرزاقا، لصحة الانتفاع بالجميع، وذلك فاسد، فثبت اختصاص سمته بما
~~قلناه.
# والرازق هو: من فعل الرزق أو سببه أو مكن منه على جهة التفضل والقصد،
~~بدليل وصف من تكاملت هذه الشروط له رازقا، ولا يوصف البائع ولا قاضي الدين
~~ولا المورث بأنه رازق.
# وإذا وجب هذا لجميع ما ينتفع به الحي منا من غير منع، يوصف (١) بأنه
~~تعالى الرازق له، لأنه الموجد للأجسام وما فيها من أجناس الملذوذات،
~~والممكن من تناولها، والمرغب في إيصالها، والمبيح لها، وإن وصل الحي إلى شئ
~~منها بفعله أو من جهة غيره، لاختصاص ذلك بما هو الخالق والمبيح والمقدر على
~~تناوله وإيصاله والمرغب فيه وخالق الشهوة لمتناوله.
# ويجوز وصف من أوصل إلى غيره تفضلا بأنه رازق له مجازا، وقد وصفهم بذلك
~~سبحانه فقال: ﴿وإذا حضر القسمة أولوا
~~القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم﴾ (2)، ولأنه قد تفضل بما يصح
~~الانتفاع به، وقد كان له أن لا يفعل، ولهذا يستحق به الشكر.
# مسألة: (في الأسعار) الكلام في الأسعار عبارة، ومعنى:
# PageV00P140
# فالعبارة: ما السعر؟
# وهو: تقدير البدل فيما تباع به الأشياء، بدليل صحة هذه العبارة على تقدير
~~البدل دون البدل والمبدل منه، لأن قولنا: الحنطة قفيزان بدرهم، لا يكون
~~القفيزان ولا الدرهم سعرا على حال.
# وتنقسم العبارة إلى رخص، وغلاء:
# فالرخص: هو انحطاط السعر عما جرت العادة به في وقت ومكان مخصوصين، بدليل
~~صحة إطلاق الرخص مع تكامل هذه الأوصاف.
# واعتبرنا الوقت والمكان، لأن اختلاف المكان أو الوقت يمنع من إطلاق
~~الرخص، ولذلك لا يوصف الثلج وقت سقوطه ms051 من السماء بالرخص ولا في محله، وإنما
~~يوصف بذلك فيما نأى عن محله من الجبال في زمان الحر إذا زاد على المعهود.
# والغلاء هو: زيادة السعر على ما جرت به العادة في وقت ومكان مخصوصين،
~~بدليل ما قدمناه.
# والمعنى: إلى من يضاف الرخص والغلاء؟
# وذلك مختص بمن فعل سببهما؟
# فإن كان الرخص لتكثير أجناس المبيعات، أو إماتة الخلق، أو تقليل شهواتهم
~~للشئ الرخيص، فهو مضاف إليه سبحانه، لوقوف ذلك على فعله.
# وإن كان الرخص مسببا عن العباد يجبر الناس على بيع الأمتعة، أو يدل بما
~~يملكونه من كثيرها بالثمن اليسير، فالرخص مضاف إليهم، لوقوعه عند أفعالهم.
# والغلاء إن كان حادثا للجدب والقحط، أو تكثير الخلق، أو تقوية شهواتهم،
~~فمضاف إليه سبحانه.
# وإن كان لاحتكار الظلمة، أو إخافة السبل ومنع المسافرة، فمضاف إلى من فعل
~~ذلك دونه تعالى. PageV00P141
# ولذلك (1) يجب شكره سبحانه على الوجهين الأولين، ويذم أو يمدح من سبب
~~الغلاء أو الرخص من العباد.
# PageV00P142
# (مسائل النبوة) PageV00P143
# مسألة: (في كون الرئاسة واجبة في حكمته تعالى) الرئاسة واجبة في حكمته
~~تعالى على كل مكلف يجوز منه إيثار القبيح، لكونها لطفا في فعل الواجب
~~والتقريب إليه وترك القبيح أو التبعيد منه، بدليل عموم العلم للعقلاء بكون
~~من هذه حاله عند وجود الرئيس المنبسط اليد الشديد التدبير القوي الرهبة إلى
~~الصلاح أقرب ومن الفساد أبعد، وكونهم عند فقده أو ضعفه بخلاف ذلك.
# وقد ثبت وجوب ماله هذه الصفة من الألطاف في حكمته تعالى، فوجب لذلك نصب
~~الرؤساء في كل زمان اشتمل على مكلفين غير معصومين.
# والمخالف لنا في هذه لا يعدو خلافه أن يكون في الفرق بين وجود الرؤساء
~~وعدمهم في باب الصلاح، أو في صلاح الخلق برئيس، أو في وقوع القبح (1) عند
~~وجودهم كفقدهم.
# فإن خالف في الأول فيجب مناظرته، لظهور هينه للعقلاء وعلمهم بكذبه على
~~نفسه فيما يعلم ضرورة خلافه.
# وإن خالف في الثاني لم يضر، لأنا لا نقل إن صلاح الخلق نفع كل رئيس،
~~وإنما دللنا على كون الرئاسة لطفا في ms052 الجملة، فصلاح العقلاء على رئيس دون
~~رئيس لا يقدح، على أنا سنبين أن الرئاسة المطلوب بها لا فساد فيها، لعصمة
~~من ثبتت له وتوفيقه.
# وإن خالف على الوجه الثالث لم يقدح أيضا، لأن الرئاسة لطف وليست ملجئة،
~~فلا يخرجها عن ذلك وقوع القبيح عندها كسائر الألطاف، ولأن الواقع
# PageV00P144
# من القبيح عندها يسير من كثير، ولولاها لوقع أضعافه بقضية العادة.
# ولا فرق في وجوب الاستصلاح بما يرفع القبح جملة، أو بعضه، أو يبعد منه،
~~أو يؤثر وقوع كل واجب واحد، أو يقرب إليه.
# ولا يقدح في ذلك إيثار بعض العقلاء لرئيس دون رئيس، واعتقاد الصلاح لفقد
~~الرؤساء.
# لأنا لا نستدل بفعلهم، وإنما استدللنا بقضية العادة الجارية بعموم الصلاح
~~بالرؤساء والفساد بفقدهم، فحكمنا بوجوب ما له هذه الصفة في حكمته سبحانه
~~وقبح الاخلال به مع ثبوت التكليف، وليس في الدنيا عاقل عرف العادات ينازع
~~فيما قضينا به من الفرق بين وجود الرؤساء المهيبين وعدمهم، بل حال ضعفهم.
# وفعل العقلاء أو بعضهم بخلاف ما يعلمونه لا يقدح في علمهم، كما لا يقدح
~~إيثارهم للقبائح وإخلالهم بالواجبات الضرورية في وجوب هذه وقبح تلك.
# على أن دعواهم اعتقاد بعض العقلاء حصول الصلاح للخلق بعدم الرؤساء،
~~كاعتقاد بعضهم عدم (1) الصلاح بوجودهم.
# كذب على أنفسهم يشهد الوجود به، لعلمنا بأنه ليس في الدنيا عاقل سليم
~~الرأي من الهوى يؤثر عدم الرؤساء جملة ويعتقد عموم الصلاح به والفساد
~~بوجودهم، فالمعلوم من ذلك هو اعتقاد بعض العقلاء حصول الفساد برئاسة ما
~~يختصه ضررها بحسد أو طمع أو خوف ضرر إلى غير ذلك، دون نفي الرئاسة جملة،
~~كأهل الذعارة والمفسدين في الأرض الذين لا يتم لهم بلوغ ما يؤثرونه من أخذ
~~الأموال والفساد في الأرض إلا بفقد الرؤساء المرهوبين، فلذلك آثروا فقدهم
~~واعتقدوا حصول الصلاح لهم بعدمهم، ولا شبهة في قبح هذا الاعتقاد
# PageV00P145
# والإيثار.
# وهم مع ذلك غير منكرين لحصول الصلاح بجنس الرئاسة، ولهذا لا توجد فرقة
~~منهم بغير رئيس مقدم يرجعون إلى سياسته، كالخوارج وغيرهم من فرق الضلال
~~الذاهبين ms053 إلى قبح كل رئاسة تخالف ما هم عليه من النحلة، كاعتقاد الكفار
~~والمنافقين ذلك في رئاسة الأنبياء والأئمة عليهم السلام.
# وإنما كرهوا رئاستهم واعتقدوا حصول الفساد بها والصلاح بعدمها، لاعتقادهم
~~حصول المفسدة (1) بها لكونها قبيحة، ولم ينكر أحد منهم وجوب الرئاسة جملة،
~~ولهذا لم نر فرقة منهم إلا ولها رئيس مطاع.
# وكمعتقدي حصول صلاحهم برئاسة ما وعدمه بوجود أخرى، فهم يكرهون هذه
~~ويؤثرون تلك، ككراهية (2) قريش ومن وافقها في الرأي رئاسة أمير المؤمنين
~~علي بن أبي طالب عليه السلام، لاعتقادهم فوت الأماني بثبوتها (3)، وإيثارهم
~~رئاسة غيره، لظنهم بلوغ الأغراض الدنيوية بها، فهؤلاء أيضا لم ينكروا عموم
~~الصلاح بالرئاسة في الجملة، وإنما كرهوا رئاسته لصارف عنها، وآثروا آخر
~~لداع إليها.
# وكمن حسد بعض الرؤساء وشنأه من العقلاء إنما يكره رئاسته حسدا وبغضا، ولا
~~يكره رئاسة من لا شنآن بينه وبينه، كقريش ومن وافقها على حسد أمير المؤمنين
~~علي بن أبي طالب عليه السلام وبغضه في الفضل على جميعهم وتقدمه في الإسلام
~~على سائرهم وعظيم نكايته فيهم، إنما كرهوا رئاسته لذلك، ولم يكرهوا رئاسة
~~من لا داعي لهم إلى حسده وعداوته.
# وكمن يرى الرئاسة لأنفسهم ويرشحهم لها، إنما يكرهون كل رئاسة
# PageV00P146
# مناكسة لهم، ويعتقدون حصول الفساد بها فيما يخصهم، لأن مقصودهم لا يتم
~~إلا بذلك، ككراهة المستخلفين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن
~~تبعهم من خلفاء بني أمية وبني العباس رئاسة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
~~عليه السلام وذريته عليهم السلام، لاعتقادهم حصول الفساد بها فيما يخصهم،
~~لأن مقصودهم من رئاسة الأنام لا يتم إلا بذلك.
# ولم ينكر أحد منهم الرئاسة، وكيف ينكرونها مع حصول العلم بمثابرتهم
~~عليها، ومنافستهم فيها، واستحلالهم بعد استقرارها لهم ذم القادح فيها،
~~ومظاهرتهم بأن نظام الخلق وصلاح أمرهم لا يتم إلا بطاعتهم والانقياد لهم،
~~واستصلاحهم رعاياهم بالرؤساء، واجتهادهم في تخير ذوي البصائر لسياسة البلاد
~~ومن فيها بالتأمير على أهلها، وكراهية رعية الظلمة من الرؤساء المسرفين في
~~الفساد لرئاستهم لما فيها من الضرر دينا ms054 ودنيا، واعتقادهم الصلاح بفقدها
~~لذلك.
# ولا يكره أحد من هؤلاء رئاسة ذوي العقل والإنصاف، ولا يعتقد حصول الفساد
~~بها، بل يتمناها، لعلمه بما فيها من الصلاح.
# وعلى هذا يجري القول في كل طائفة من العقلاء كرهوا رئاسة رئيس، إنما
~~يكرهونها لأمر يخصهم نفعه وضرره، فليتأمل يوجد ظاهرا، وشبهة الخصم به
~~مضمحلة، ومن المقصود في إيجاب الرئاسة العامة أجنبية، والمنة لله.
# ولا يقدح في الاستصلاح بالرئيس ووجوب وجوده لذلك عقلا قولنا: إن العقاب
~~لا يستحقه بعضنا على بعض.
# لأن المقصود يصح من دون ذلك، من حيث كان علم المكلف أو ظنه بأنه متى رام
~~القبيح منعه منه الرئيس بالقهر صارفا له عنه، بل ملجئا في كثير من المواضع،
~~ولأن العقاب وإن لم يستحقه بعضنا على بعض، فالمدافعة حسنة بكل ما يغلب في
~~الظن ارتفاع القبح به، وإن، تلفت معه نفس المدافع. PageV00P147
# فإذا كان هذا ثابتا عقلا، وعلم المكلف بكون الرئيس القوي منصوبا لمدافعة
~~مريدي الظلم عن المظلوم، صرفه ذلك عن إيثاره.
# على أنا و (أن) منعنا من كون العقاب مستحقا بعضنا (1) ونفينا استحقاق
~~القديم له قطعا، فإنا نجيز استحقاقه منه سبحانه على القبح عقلا، وتقطع به
~~سمعا (2)، وتجويز المكلف كون الرئيس الملطوف له به منصوصا له عقاب العاصي
~~كاف في الزجر.
# ولا يقدح فيما ذكرناه القول: بأن الصلاح الحاصل بالرؤساء دنيوي، فلا يجب
~~له نصبهم.
# لأنا قد بينا تخصصه بالدين وإن اقترن به الدنيوي، على أن وجودهم إذا أثر
~~صلاح الدنيا - كالأمن فيها، والتصرف في ضروب المعايش بمنع الرؤساء
~~المفسدين، وصرف من يتوهم منه الفساد عنه بالرهبة، وارتفاع هذا الصلاح
~~الدنيوي بعدمهم يقهر الظالمين وأخافهم ذوي السلامة - عاد الأمر إلى الصلاح
~~الديني (3) بوجودهم المؤثر، لوقوع الحسن وارتفاع القبح، وفساد الدين
~~بعدمهم، ولم ينفصل من الصلاح الدنيوي بغير إشكال.
# ولا يقدح في ذلك دعوى الالجاء لخوف الرئيس إلى فعل الواجب وترك القبح على
~~ما اعتمده المتأخرون من مخالفينا.
# لأن ذلك يسقط ما لا يزالون يمنعون منه من تأثير الرئاسة في وقوع الواجب ms055
~~وارتفاع القبح، من حيث كان الشئ لا يكون ملجئا إلا بعد كونه غاية في
~~التأثير، فكيف يجتمع القول بذلك مع نفي التأثير جملة لذي عقل سليم.
# وبعد فالملجئ إلى الفعل والترك هو ما لا يبقى معه صارف عن الفعل ولا
# PageV00P148
# داع إلى الترك، فيجب إذ ذاك وقوع هذا وارتفاع ذاك، والرئاسة بخلاف ذلك،
~~لعلمنا ضرورة بتردد الدواعي إلى الواجب والقبيح والصوارف عنهما، ووقوع كثير
~~من القبيح، وارتفاع كثير من الواجب عند وجود الرؤساء المهيبين، واستحقاق
~~فاعل القبح والمخل بالواجب الذم والاستخفاف، واستحقاق مجتنب هذا وفاعل ذلك
~~المدح، وكل هذا ينافي الالجاء بغير شبهة.
# ولا يمنع من عموم اللطف بالرئاسة تقدير وجود واحد منفرد لا يتقدر منه ظلم
~~أحد، لأن من هذه صفته إذا كان الظلم مأمونا (1) منه صح منه العزم على فعله
~~متى تمكن منه، لأن العزم على القبح لا يفتقر إلى التمكن منه في الحال، لصحة
~~عزم كل من جاز منه القبح على ما يقع بعد أحوال متراخية على العزم.
# وإذا صح هذا، فعلم هذا المفرد أن من ورائه رئيس متى رام الظلم منعه منه
~~بالقهر أو أنزل به ضررا مستحقا أو مدافعا به، صرفه ذلك عن العزم عليه، كما
~~يصرف ظن كل عاقل عن العزم على قتل السلطان أنه متى رام ذلك منع منه، ولا
~~فرق والحال هذه بين كون الرئاسة لطفا في أفعال القلوب أو الجوارح.
# وهذا التحرير يقتضي كون الرئاسة لطفا في الجميع، لأن الصارف عن أفعال
~~الجوارح صارف عن العزم عليها، كما أن الداعي إليها داع إلى العزم، والعزم
~~على الشئ جز منه أو كالجزء في الحسن والقبح.
# ولا قدح بعموم المعرفة للأزمان والتكاليف والمكلفين في اللطف، وخصوص
~~الغنى والفقر في تميز الرئاسة منهما فيما له كانت لطفا، لأن قياس الألطاف
~~بعضها على بعض لا يجوز، لوقوف كونها ألطافا على ما يعلمه سبحانه، وإثبات
~~أعيانها وأحكامها بالأدلة.
# فعموم المعرفة لعموم مقتضيها وأحكامها بالأدلة وخصوص الغنى والفقر
# PageV00P149
# لاختصاص موجبهما، لا لكونهما لطفا في الجملة، واختصاص الرئاسة ms056 بمن يجوز
~~منه فعل القبيح في أفعال الجوارح وما يتعلق بها من أفعال القلوب، وبكل زمان
~~وجد فيه مكلفون بهذه الصفة بحسب ما اقتضته الأدلة فيها، ولا يخرجها ذلك عن
~~كونها لطفا لمخالفتها باقي الألطاف، كما لم يخرج كل لطف خالف لطفا سواه في
~~مقتضاه عن كونه كذلك.
# (اشتراط العصمة في الرئيس) وهذا اللطف لا يتم إلا بوجود رئيس أو رؤساء لا
~~يد على أيديهم ترجع إليه أو إليهم الرئاسات، ولا يكون كذلك إلا بكونه
~~معصوما، لأنا قد بينا وجوب استصلاح كل مكلف غير معصوم بالرئاسة، فاقتضى ذلك
~~وجوب رجوع الرئاسات إلى رئيس معصوم، وإلا اقتضى وجود ما لا يتناها من
~~الرؤساء، أو الاخلال بالواجب في عدله تعالى، وكلاها فاسد.
# ولنا تحرير الدلالة على وجه آخر، فنقول: العلم بوجوب الحاجة إلى رئيس لا
~~ينفصل من العلم بوجه الحاجة، لأنا إنما علمنا حاجة المكلفين إلى رئيس من
~~حيث وجدناه لطفا في فعل الواجب واجتناب القبيح، وهذا لا يتقدر إلا في من
~~ليس بمعصوم، فصار العلم بالوجوب لا ينفصل من العلم بوجهه.
# وترتيب الأول أولى، لبعده من الشبهة وإسقاطه الاعتراض بعصمة كل رئيس،
~~وافتقار هذا إلى استئناف كلام لإسقاط ذلك.
# (ما يتعلق بالرئيس) ولا بد من كون الرئيس أعلم الرعية بالسياسة، لكونه
~~رئيسا فيها، وقبح تقديم المفضول على الفاضل فيما هو أفضل منه فيه.
# ولا بد من كونه أفضلهم ظاهرا، لهذا الوجه بعينه. PageV00P150
# وأكثرهم ثوابا، لوجوب تعظيمه عليهم وخضوعهم له، والتعظيم قسط من الثواب
~~واستحقاق ذمته منه ما لا يساويه فيه أحد من الرعية يقتضي كونه من أفضلهم
~~بكثرة الثواب.
# ولا سبيل إلى تميزه إلا بمعجز يظهر عليه، أو نص يستند إلى معجز، لما
~~قدمناه من وجوب صفاته، لمتعذر علمها على غير القديم تعالى.
# ولا اعتراض بما لا يزالون يهذون به: من كون الاختيار طريقا إذا علم
~~سبحانه اتفاق اختيار المعصوم.
# لأن هذا أولا لا يتقدر من دون نص على اختيار الرئيس، ونحن في أحكام عقلية
~~فبل السمع، وبعد فما له قبح ms057 تكليف اختيار الأنبياء عليهم السلام والشرائع
~~وإن علم اتفاق إصابة المختارين للمصلحة يقتضي قبح تكليب اختيار الرئيس.
# وأيضا فتكليف ما لا دليل عليه ولا إمارة تميزه بصفته قبل وقوعه قبيح،
~~وإذا فقد المكلف الأدلة والأمارات المميزة لذي الصفة المطلوبة بالاختيار
~~قبح تكليفه، ولم ينفعه علمه بعد وقوع الاختيار بصفة المختار.
# على أن هذا المعلوم لا يخلو أن يختصه تعالى دونهم، أو ينص لهم على أن
~~اختيارهم يوافق المعصوم، والأول لا يؤثر شيئا فيما (1) قصدوه، والثاني نص
~~على عين المعصوم، لأنه لا فرق بين أن ينص سبحانه على عينه أو على تميزه
~~بفعل غيره.
# ويصح هذا اللطف برئيس واحد في الزمان بهذه الصفة، ويستصلح أهل الأصقاع
~~بأمرائه الملطوف لهم، ويجوز كونه بوجود عدة رؤساء بالصفات التي بيناها في
~~وقت واحد.
# ويجب ذلك في كل صقع في ابتداء الرئاسة، وفي كل حال تعذر العلم بوجود
# PageV00P151
# الرئيس المخصوص فيها ومن قبله من الأمراء، لأن تعذر العلم في ابتداء
~~الرئاسة لطف فيه.
# وإن كنا قد أمنا هذا التجويز والقطع في شريعتنا، لحصول العلم بأن الرئيس
~~واحد، وأنه لا مكلف تكليفا عقليا ولا سمعيا خارج عن تكليف نبوة نبينا
~~وإمامة الأئمة عليهم السلام وما جاء به من الشرعيات، وأن التكليف من دون
~~المعلم أو إمكانه قبيح، فاقتضى ذلك رفع الجائز العقلي وما ابتنى عليه من
~~الوجوب.
# (تقسيم الرئاسة إلى نبوة وإمامة) وهذه الرئاسة قد تكون نبوة، وكل نبي
~~رسول وإمام إذا كان رئيسا، وقد تكون إمامة ليست بنبوة.
# ومعنى قولنا: نبي، يفيد الإخبار من أنبأ ينبئ ونبا بالتشديد، من التعظيم،
~~مأخوذ من النبوة، وهو: الموضع المرتفع.
# وفي عرف الشرائع: المؤدي عن الله بغير واسطة من البشر، وهذه الحقيقة
~~الشرعية تتناول المعنيين المذكورين، لأن المؤذي عن الله تعالى مخبر ومستحق
~~في حال أدائه التعظيم والاجلال.
# وأما رسول، فمقتض لمرسل وقبول منه للارسال، كوكيل ووصي.
# وهو في عرف الشرائع مختص بمن أرسله الله تعالى مبينا لمصالح من أرسل إليه
~~من مفاسده.
# وفي عرف شريعتنا: مختص بمحمد بن ms058 عبد الله بن عبد المطلب صلوات الله عليه
~~وآله، لأنه لا يفهم من قول القائل: قال رسول الله صلى الله (عليه وآله)
~~وروي عن الرسول، غيره.
# والإمام هو: المتقدم على رعيته المتبع فيما قال وفعل. PageV00P152
# (الغرض من بعثة النبي) والغرض في بعثة النبي - زائدا على الاستصلاح
~~برئاسته إن كان رئيسا عقليا من الوجه الذي ذكرناه - بيان مصالح المرسل
~~إليهم من مفاسدهم التي لا يعلمها غير مكلفهم سبحانه، وهو الوجه في حسن
~~البعثة، لكون اللطف غير مختص بجنس من جنس، ولا بوجه من وجه، ولا وقت من
~~وقت، وإنما يعلم ذلك عالم المصالح.
# وقد بينا وجوب فعل ما يعلمه لطفا من فعله سبحانه، وبيان ما يعلمه كذلك من
~~أفعال المكلف، فيجب متى (1) علم أن من جنس أفعاله ما يدعوه إلى الواجب
~~ويصرفه عن القبيح، أو يجتمع له الوصفان، أو يكون مقربا أو مبعدا، أن يبين
~~ذلك للملطوف له بالإيحاء إلى من يعلم من حاله تحمله بأعباء البلاغ، وكونه
~~بصفة من تسكن الأنفس إليه، وإقامة البرهان على صدقه متى علم تخصص المصلحة
~~ببيانه عليه السلام دون فعله تعالى العلم بذلك في قلبه، أو خطابه على وجه
~~لا ريب فيه، أو ببعض ملائكته، أو كونه نائبا في بيان المصلحة مناب ما تصح
~~النيابة فيه.
# (صفات الرسول) والصفات التي يجب كون الرسول عليه السلام عليها، هي أن
~~يكون معصوما فيما يؤدي، لأن تجويز الخطأ عليه في الأداء يمنع من الثقة به،
~~ويسقط فرض اتباعه، وذلك ينقض جملة الغرض بإرساله، وأن يكون معصوما من
~~القبائح لكونه رئيسا وملطوفا برئاسته لغيره حسب ما دللنا عليه، ولأن تجويز
~~القبيح عليه
# PageV00P153
# ينفر عن النظر في معجزه، ولأنه قدوة فيما قال وفعل، وتجويز القبيح عليه
~~يقتضي إيجاب القبيح، ولأن تعظيمه واجب على الإطلاق والاستخفاف به فسق على
~~مذاهب من خالفنا وكفر عندنا، ووقوع القبيح منه يوجب الاستخفاف، فيقتضي ذلك
~~وجوب البراءة منه مع وجوب الموالاة له.
# (المعجز وشرطه) والطريق إلى تميزه المعجز أو النص المستند إليه، لاختصاصه
~~من الصفات ms059 بما لا يعلمه إلا مرسله تعالى.
# ويفتقر المعجز إلى شروط ثلاثة:
# منها: أن يكون خارقا للعادة، من فعله تعالى، مطابقا لدعواه.
# واعتبرنا فيه خرق العادة، لأن دعوى التصديق بالمعتاد لا تقف على مدع من
~~مدع، ولا تميز صادقا من كاذب وإن كان من فعله تعالى، كطلوع الشمس من المشرق
~~ومجئ المطر في الشتاء والحر في الصيف، وطريق العلم بذلك اعتبار العادات وما
~~يحدث فيها، وخروج الفعل الظاهر على يد المدعي عن ذلك.
# واعتبرنا كونه من فعله تعالى، لجواز القبيح على كل محدث، وجوازه يمنع من
~~القطع على صدق المدعي وكون ما أتى به مصلحة، وطريق العلم بذلك أن يختص خرق
~~العادة بمقدوراته تعالى، كإيجاد الجواهر وفعل الحياة، أو يقع الجنس من
~~مقدورات العباد على وجه لا تمكن إضافته إلى غيره، كرجوع الشمس وانشقاق
~~القمر وأمثال ذلك.
# واعتبرنا كونه مطابقا للدعوى، لأنه متى لم يكن خرق العادة متعلقا بدعوى
~~مخصوصة لم يكن أحد أولى به من أحد.
# فإذا تكاملت هذه الشروط، فلا بد من كونه دلالة على صدق المدعى، لكون هذا
~~التصديق نائبا مناب لو قال تعالى: صدق هذا فيما يؤذيه عني، كما لا
~~PageV00P154
# فرق في كون الملك الحكيم مصدقا لمدعي إرساله له بين أن يقول: صدق علي، أو
~~يفعل ما ادعى كونه مصدقا له به مما لم تجر عادة الملك بفعله.
# فإن كان ما ذكرناه مشاهدا، ففرض المشاهد له النظر فيه، لكونه خائفا من
~~فوت مصالح وتعلق مفاسد، وإن كان نائيا عن حدوث المعجز أو موجودا بعد تقضيه
~~(1)، فلا بد مع تكليف ما أتى به النبي عليه السلام من نصب دلالة على صدقه
~~وصحة ما أتى به، لقبح التكليف من دونهما.
# وذلك يكون بأحد شيئين: إما قول من يعلم صدقه وإن كان واحدا، أو تواتر نقل
~~لا يتقدر في ناقليه الكذب بتواطئ وافتعال، أو إنفاق لبلوغهم حدا في الكثرة
~~وتنائي الديار والأغراض، أو وقوع نقلهم على صفة يعلم الناظر فيها تعذر
~~الكذب في مخبرهم من أحد الوجوه بقضية العادة وإن ms060 قلوا، وإن كانت هذه الطبقة
~~تنقل عن غيرها وجب ثبوت هذه الصفات في من ينقل عنه، ثم كذا حتى يتصل النقل
~~بجماعة شاهدت المعجز لا يجوز على مثلها الكذب.
# وذلك لا يتم إلا بتعين الأزمنة للناظر في النقل وتميز الناقلين ذوي الصفة
~~المخصوصة في كل زمان، لأن الجهل بأعيان الأزمنة يقتضي الجهل بأهلها، وتعين
~~الأزمنة مع الجهل بأعيان الناقلين الموصوفين يقتضي تجويز انقطاع النقل
~~وتجويز افتعاله واستناده إلى معتقدين دون الناقلين.
# فمتى اختل شرط مما ذكرناه ارتفع الأمان من كذب الخبر المنقول، ومتى
~~تكاملت الشروط حصلت الثقة بالمنقول.
# وهذه الصفات متكاملة في نبينا صلوات الله عليه، ومن عداه من الأنبياء
~~عليهم السلام، فطريق العلم بنبوتهم إخباره عليه السلام، لكونهم غير
~~مشاهدين، ولا تواتر بمعجز أحد منهم، لافتقار التواتر إلى الشروط المعلوم
~~ضرورة تعذرها
# PageV00P155
# في نقل من عدا المسلمين.
# وإذا وجب ذلك اقتضى القطع على نبوة من أخبر بنبوته من آدم ونوح وإبراهيم
~~وموسى وعيسى وغيرهم من الأنبياء على التفصيل والجملة، وكونهم بالصفات التي
~~دللنا على كون النبي عليها، وتأول كل ظاهر سمعي خالفها بقريب أو بعيد،
~~لوقوف صحته على أحكام العقول وفساد تضمنه ما يناقضها، إذ كان تجويز
~~انتقاضها به يخرجها من كونها دلالة على فساد سمع أو غيره، وهذا ظاهر
~~الفساد.
# (طريق العلم بنبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم) وطريق العلم
~~بنبوته عليه السلام من وجهين:
# أحدهما: القرآن.
# والثاني: ما عداه من الآيات، كانشقاق القمر، ورجوع الشمس، ونبوع الماء من
~~بين أصابعه، وإشباع الخلق الكثير باليسير من الطعام، وغير ذلك.
# والقرآن يدل على نبوته عليه السلام من وجوه:
# أحدها: حصول العلم باختصاصه به عليه السلام، وتحديه الفصحاء به، وتقريعهم
~~بالعجز عن معارضته، كما يعلم ظهوره عليه السلام ودعواه النبوة، وقد تضمن
~~آيات التحدي بقوله: ﴿فأتوا بعشر
~~سور﴾ (١)، ﴿فأتوا بسورة من مثله﴾
~~(٢)، ثم قطع على مغيبهم فقال سبحانه: ﴿قل لئن اجتمعت الإنس ms061 والجن على أن يأتوا بمثل هذا
~~القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا﴾ (3) ومعلوم توفر
~~دواعيهم إلى معارضته، وخلوصها من الصوارف
# PageV00P156
# وارتفاعها.
# فلا يخلو أن تكون جهة الإعجاز تعذر جنس الكلام، أو مجرد الفصاحة والنظم،
~~أو مجموعهما (1)، أو سلب العلوم التي معها تتأتى المعارضة.
# والأول ظاهر الفساد، لكون كل محدث سليم الآلة قادرا على جنس الكلام، ومن
~~جملته القرآن، ولهذا يصح النطق بمثله من كل ناطق.
# والثاني يقتضي حصول الفرق بين قصير سورة وفصيح الكلام على وجه لا لبس فيه
~~على أحد أنس بموضع الفصاحة، لكون كل سورة منه معجزا وما عداه معتادا،
~~كالفرق بين انقلاب العصا حية وتحريكها، وفلق البحر والخوض فيه، وظفر البحر
~~وجدوله (2).
# وفي علمنا بخلاف ذلك وأنا على مقدار بصيرتنا بالفصاحة نفرن بين شعر
~~النابغة وزهير وشعر المتنبي فرقا لا لبس فيه، مع كونهما معتادين، ولا يحصل
~~لنا مثل هذا بين قصير سورة وفصيح كلام العرب، مع وجوب تضاعف ظهور الفرق
~~بينهما، لكون أحدهما معجزا والآخر معتادا، دليل على أنه لم يخرق العادة
~~بفصاحته.
# ولا يجوز كون النظم معجزا، لأنه لا تفاوت فيه، ولهذا نجد من أنس بنظم شئ
~~من الشعر قدر على جميع الأوزان بركيك الكلام أو جيده، وإنما يقع التفاوت
~~بالفصاحة.
# ولا يجوز أن يكون الإعجاز بمجموعهما من وجهين:
# أحدهما: أنا قد بينا تعلق الفصاحة والنظم بمقدور العباد منفردين، وذلك
~~يقتضي صحة الجمع بينهما، لأن القادر على إيجاد الجنس على وجهين منفردين يجب
~~أن يكون قادرا على إيجاده عليهما مجتمعين، إذ كان الجمع بينهما صحيحا،
# PageV00P157
# لولا هذه لخرج عن كونه قادرا عليهما.
# الثاني: أنه لو كان نظم الفصاحة المخصوصة يحتاج إلى علم زائد، لكان علمنا
~~بأن العرب الفصحاء قد نظموا ما قارب القرآن في الفصاحة تسعرا وسجعا وخطبا
~~دليلا واضحا على كونهم قادرين على نظم فصاحتهم في مثل أسلوب القرآن، لأنا
~~قد بينا أن القدرة على نظم واحد تقتضي القدرة على كل نظم.
# وإذا بطلت سائر الوجوه ثبت أن جهة الإعجاز كونهم ms062 مصروفين، وجرى ذلك مجرى
~~من ادعى الإرسال إلى جماعة قادرين على الكلام والتصرف في الجهات، وجعل
~~الدلالة على صدقه تعذر النطق بكلام مخصوص وسلوك طريق مخصوص، في أن تعذر ذين
~~الأمرين مع كونهم قادرين عليهما قبل التحدي وبعد تقضي وقته من أوضح برهان
~~على كونه معجزا، لاختصاصه بمقدوره تعالى وتكامل الشروط فيه.
# إن قيل: بينوا جهة الصرف وحاله، وعن أي شئ حصل؟
# قيل: معنى الصرف هو: نفي العلوم بأضدادها، أو قطع إيجادها في حال تعاطي
~~المعارضة التي لولا انتفاؤها لصحت منهم المعارضة، وهذا الضرب مختص بالفصاحة
~~والنظم معا، لأن التحدي واقع بهما، وعن الجمع بينهما كان الصرف.
# وأيضا فلو لا ذلك لكان القرآن معارضا، لأنا قد بينا عدم الفرق المقتضي
~~للاعجاز بينه وبين فصيح كلامهم، وكون النظم والفصاحة والجمع بينهما مقدورا،
~~ولأنه عليه السلام جرى في التحدي على عادتهم، ومعلوم أن معارض المتحدي
~~بالوزن المخصوص لا يكون معارضا حتى تماثل في الفصاحة والوزن والقافية،
~~وإنما وجب هذا لتعلق التحدي بالرتبة في الفصاحة والطريقة في النظم.
# ولا يملان أحدا (1) دعوى معارضة للقرآن.
# PageV00P158
# لأنه عليه السلام لو عورض مع ظهور كلمة المعارض وضعفه عليه السلام لكانت
~~المعارضة أظهر من القرآن، وما وجب كونه كذلك لا يجوز إستاره فيما بعد على
~~مجرى العادات.
# ولأنه لو عورض لكانت المعارضة هي الحجة والقرآن هو الشبهة، وذلك يقتضي
~~ظهورها، ليكون للمكلف طريق إلى النظر يفرق ما بين الحق والباطل.
# وليس لأحد أن يقول: إنما لم يعارضوا لأنهم ظنوا أن الحرب أحسم.
# لأن الحرب لم تكن إلا بعد مضي الزمان الطويل الذي تصح في بعضه المعارضة
~~بلا (1) مشقة ولا خطر وفيها الحجة، والحرب خطر بالأنفس والأموال ولا حجة
~~فيها، والعاقل لا يعدل عن الحجة مع سهولتها إلى ما لا حجة فيه مع كونه خطرا
~~إلا للعجز عن الحجة، ولهذا لو رأينا متحديا ذوي صناعة بشئ منها ومفاخرا لهم
~~به، ومدعيا التقدم عليه فيها، ثم تحداهم به فعدلوا عن معارضته إلى شتمه
~~وضربه، لم تدخل علينا شبهة في ms063 عجزهم عما تحداهم، ولا ريب في عنادهم، وهذه
~~حال القوم المتحدين بالقرآن بلا قبح.
# وببعض هذا تسقط شبهة من يقول: إنه عليه السلام شغلهم بالحرب عن معارضته،
~~لأن الحرب لا تكن إلا بعد مضي أزمنة يصح في بعضها وقوع المقدور الذي صارف
~~عنه مع خلوص الدواعي إليه، ولأن الحرب لا تمنع من الكلام، ولهذا اقترنت (2)
~~بالنظم والنثر ولم تنقص رتبة ما قالوه من ذلك في زمنها في الفصاحة عما
~~قالوه في غيرها، على أن الحرب لم تستمر، وإنما كانت أحيانا نادرة في مدة
~~البعثة ومختصة في حالها بقوم من الفصحاء دون آخرين.
# ومن وجوه إعجاز القرآن: قوله تعالى: (فتمنوا الموت إن كنتم صادقين
# PageV00P159
# ولن يتمنوه أبدا) (١)، فقطع على عدم له، فكان كما أخبر، وهذا يقتضي
~~اختصاص هذا الإخبار بالقديم تعالى المختص بعلم الكائنات القادر على منعهم
~~من التمني بالقول، ويجري ذلك مجرى لو قال لهم: الدلالة على صدقي أنه لا
~~يستطيع أحد منكم أن ينطق بكذا، مع كونهم قادرين على الكلام، في ارتفاع
~~اللبس أن تعذره يقتضي كون ذلك معجزا.
# ومنها: ما تضمنه من أخبار الأمم السالفة وقصص الرسل، مع حصول نشوئه عليه
~~السلام بعيدا عن مخالطة أهل الكتب والكتابة أميا فيها، نائيا عن سماع أخبار
~~الأنبياء.
# ومنها: ما تضمنه من الإخبار عن بواطن أهل النفاق وإظهارهم خلاف ما
~~يبطنون، والعلم (٢) في النفوس موقوف عليه تعالى، فيجب كونه دلالة على
~~نبوته.
# ومنها: ما تضمنه من الإخبار عن الكائنات، ومطابقة الخبر المخبر في قوله
~~تعالى: ﴿سيهزم الجمع ويولون
~~الدبر﴾ (٣)، و ﴿لتدخلن المسجد
~~الحرام﴾ (٤) ﴿ألم غلبت الروم في أدنى
~~الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون﴾ (٥)، وقوله تعالى: ﴿لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن
~~نصروهم ليولن الأدبار﴾ (6)، وقوله: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا
~~الصالحات
# PageV00P160
# ليستخلفنهم في الأرض) (١) الآية، وقوله: ﴿إذا جاء نصر ms064 الله والفتح﴾ (2).
# وأمثال ذلك من الآيات والأخبار بما يكون مستقبلا، ووقوع ذلك أجمع مطابقا
~~للخبر، مع علمنا بوقوف ذلك عليه تعالى.
# وهذه الأخبار إنما تدل على صدق المخبر بعد وقوع المخبر عنه، ولا يجوز أن
~~يجعلها دلالة على افتتاح الدعوة، لتأخر (ها) عنها.
# وأما دلالة الآيات الخارجة من القرآن الدالة على نبوته عليه السلام،
~~فتفتقر إلى شيئين:
# أحدهما: إثبات كونها.
# الثاني: كونها معجزات.
# والدلالة على الأول: أنا نعلم وكل مخالط لأهل الإسلام تعين الناقلين من
~~فرق المسلمين وانقسامهم إلى شيعة وغيرهم، وبلوغ كل طبقة في كل زمان حدا لا
~~يجوز معه الكذب، وإخبار من بينا من الفريقين عن أمثالهم، وأمثالهم عن
~~أمثالهم، حتى يتصلوا بمن هذه صفته من معاصري النبي عليه السلام.
# وأنه انشق له القمر، وردت الشمس، ونبع الماء من بين أصابعه، وأشبع
~~الجماعة بقوت واحد، مع حصول العلم بتميز أزمانهم ووجود من هذه صفته في كل
~~زمان، (و) ذلك يقتضي صدقهم، لأن الكذب لا يتقدر فيمن بلغ مبلغهم إلا بأمور:
# إما باتفاق من كل واحد، أو بتواطؤ، أو بافتعال من نفر يسير وانتشاره فيما
~~بعد.
# والأول ظاهر الفساد، لأن العادة لم تجر بأن ينظم شاعر بيتا فيتفق نظم
~~مثله لكل شاعر في بلده فضلا من شعراء أهل الأرض.
# والثاني يحيله تنائي ديارهم واختلاف أغراضهم وعدم معرفة بعضهم
# PageV00P161
# لبعض، ولو جاز لوقع العلم به ضرورة، لأنه لا يكون إلا باجتماع في مكان
~~واحد أو بتكاتب وتراسل، وكل منهما لو وقع من الجماعات المتباعدة الديار
~~لحصل العلم به لكل عاقل.
# وافتعاله ابتداء بنفر يسير وانتشاره فيما بعد يسقط من وجهين:
# أحدها: تضمن نقل من ذكرناه صفة الناقلين واتصالهم بالنبي لصفتهم المتعذر
~~معها الافتعال في المنقول، فما منع من كذبهم في النقل للخبر يمنع منه في
~~صفة الناقلين.
# والثاني: أن النقل لهذه المعجزات لو كان مفتعلا من نفر يسير ثم انتشر
~~لوجب أن نميزهم بأعيانهم، ونعلم الزمان الذي افتعلوه فيه، حسب ما جرت به
~~العادات في كل مفتعل مذهبا: كملكا ويعقوب ms065 ونشطور ومنتحلي الإنجيل كمتا
~~ولوقاوينا (1)، وكمنشئي القول بالمنزلة بين المنزلتين من واصل وعمرو بن
~~عبيد، وما أفتاه جهم بن صفوان، وما ابتدعه أبو الحسن الأشعري، وما اخترعه
~~ابن كرام، وتميز الأوقات بذلك وتعين المحدث فيها.
# وإذا وجبت هذه القضية في كل مفتعل، وفقدنا العلم والظن بمفتعل هذه الآيات
~~وزمان افتعالها، بطل كونها مفتعلة، وإذا تعذرت الوجوه التي معها يكون الخبر
~~كذبا في مخبر الناقلين لأيام النبي، ثبت صدقهم.
# وأما الدلالة على الثاني فهو: أن كل متأمل يعلم تعذر رد الشمس وانشقاق
~~القمر على كل محدث، وأما نبوع الماء من بين الأصابع فمختص بإيجاد الجواهر
~~وما فيها من الرطوبات التي لا يتعلق بمقدور محدث، وكذلك القول في إشباع
~~الخلق الكثير بيسير الطعام وهو لا محالة مستند إلى ما لا يقدر عليه غيره
~~(2) تعالى، لرجوعه إلى إيجاد الجواهر المماثلة للمأكول، مع علمنا بتعذرها
# PageV00P162
# على المحدثين.
# ولا يقدح في نقل هذه الآيات اختصاصه بالدائنين به، لأن المعتبر في صدق
~~الناقل وصحة المنقول ثبوت الصفة التي معها يتعذر الكذب وإن كان الناقل
~~فاسقا، وقد دللنا على ثبوتها لناقلي المعجزات، فيجب القطع على صدقهم وسقوط
~~السؤال.
# على أن النقل مفتقر إلى داع خالص من الصوارف، ولا داعي لمخالف الإسلام
~~الراكن إلى التقليد العاشق لمذهب سلفه لنقل (1) ما هو حجة عليه مفسد
~~لنحلته، بل الصوارف عنه خالصة من الدواعي، فلذلك لم ينقل مشاهدو المعجزات
~~من مخالفي الله لما شاهدوه ونشأ خلفهم عن سلف لم ينقلوها إليهم، فانقطع
~~نقلها منهم، ولا يقيم هذا عذرهم لثبوت الحجة بنقلها ممن بيناه، مع كونهم
~~مخوفين من العذاب الدائم بجحدها.
# ويقلب هذا السؤال على مثبتي النبوات من مخالفي الإسلام، بأن يقال:
# لو كانت المعجزات اللاتي يدعون ظهورها على إبراهيم وموسى وعيسى عليهم
~~السلام ثابتة لنقلها كل مخالف، فمهما انفصلوا به كان انفصالا منهم.
# وإذا ثبتت بنبوة نبينا عليه السلام وجب اتباعه والعمل بما جاء به على
~~الوجه الذي شرعه، والحكم بفساد كل ما خالفه من النحل، وضلال مخالفه والقطع
~~على كفره، ms066 لكون ذلك معلوما من دينه عليه السلام.
# (في النسخ) ولا يقدح في ثبوت النبوة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
~~ما يقوله بعض اليهود: من أن النسخ يؤدي إلى البداء.
# PageV00P163
# لأن الفعل لا يكون بداء إلا أن يكون المأمور به هو المنهي عنه بعينه، وأن
~~يكون المكلف واحدا، والوقت واحدا، والوجه واحدا، لأنه لا وجه للنهي عن
~~المأمور به مع تكامل الشرائط المذكورة إلا أن الآمر ظهر له ما كان مستترا،
~~وهذا مستحيل فيه تعالى، لكونه عالما لنفسه، ومتى اختل شرط واحد لم يكن بداء
~~بغير شبهة، بل تكليف حسن.
# وما أتى به نبينا عليه السلام ليس ببداء، لأن المنهي عنه به عليه السلام
~~غير المأمور به موسى، والمكلف غير المكلف، والوقت غير الوقت، والوجه والصفة
~~غير الوجه والصفة، وإنما هو تكليف اقتضت المصلحة بيانه.
# وقد بينا أن الوجه في البعثة بيان المصالح من المفاسد، وما هو كذلك موقوف
~~على ما يعلمه سبحانه، فمتى علم اختصاص المصلحة بفعل أو ترك مدة، وكون ذلك
~~بعد انقضائها مفسدة أو لا مصلحة فيه، فلا بد من اختصاص المصلحة بفعل أو ترك
~~مدة، وكون ذلك بعد انقضائها مفسدة أو لا مصلحة فيه، فلا بد من إسقاطه، وإلا
~~كان نبوته مفسدة أو ظلما لا يجوزان عليه سبحانه.
# ولذلك متى علم سبحانه في عمل معين كونه مصلحة لمكلف ومفسدة لآخر وجب أمر
~~أحدها به ونهي الآخر عنه، وإن علم في فعل معين كونه مصلحة لمكلف وفي فعل
~~آخر مفسدة له فلا بد من أمره بأحدهما ونهيه عن الآخر، وإن علم أن الفعل في
~~وقت مصلحة وفي آخر مفسدة فلا بد من أمره به في وقت المصلحة ونهيه عن مثله
~~في وقت المفسدة، وإن علم أن إيقاع الفعل على وجه يكون مصلحة وعلى آخر يكون
~~مفسدة فلا بد من الأمر بإيقاعه على وجه المصلحة والنهي عن وجه المفسدة.
# الدلالة على حسن التكليف مع هذه الوجوه قبح ذم من كلف مع تكاملها أو
~~بعضها، ولأن تجويز قبح ms067 التكليف والحال هذه ينقض النبوات، لأنه لا وجه لها
~~إلا ما ذكرناه، ولا انفصال من الملحدة والبراهمة فيما يقدحون به - من
~~اختصاص PageV00P164
# الامساك بالسبت دون الأحد، ووجوب العبادة في وقت معين وقبحها في غيره،
~~وتحليل مثل المحرم في وقتي الصوم والافطار وفي تحريمه مثل المحلل على كل
~~حال، كالشحم والمختلط باللحم والمتميز منه، ووجوب السبت على من بعث إليه
~~موسى دون غيره ممن تقدم أو عامر أو تأخر - إلا بإسناد ذلك إلى المصلحة
~~الموقوفة على ما يعلمه سبحانه.
# وإذا تقرر هذا، وكان ما أتى به نبينا عليه السلام من الشرائع مغايرا
~~لأعيان ما كلفوه، وفي غير وقته، وعلى غير وجهه، وبغير مكلفيه حسب ما بيناه
~~ثبت حسنه ووجوبه، لكونه مصلحة معلومة بصدق المبين.
# أما إن قيل: بينوا لنا ما النسخ لنعلم تميزه من البداء؟
# قيل: هو كل دليل رفع، مثل الحكم الشرعي الثابت بالنص بدليل لولاه لكان
~~ثابتا مع تراخيه عنه.
# وقلنا: رفع مثله.
# لأن رفع عين المأمور به بداء.
# وقلنا: شرعي.
# لأنه لا مدخل للنسخ في العقليات.
# وقلنا: ثابتا.
# لأنه لا يرفع ما لم يجب مثله.
# وقلنا: بدليل.
# لأن سقوط التكليف بعجز أو منع أو فقد آلة أو غير ذلك من الموانع لا يكون
~~نسخا.
# وقلنا: مع تراخيه عنه.
# لأن المقارن لا يكون نسخا، لو قال تعالى: صل مدة سنة كل يوم ركعتين، لم
~~يكن سقوط هذا التكليف بانقضاء الحول نسخا. PageV00P165
# ومتى تكاملت هذه الشروط كان نسخا، والمرفوع منسوخا، والرافع ناسخا.
# وتأمل كل ناسخ ومنسوخ في شرعنا يوضح عن تكامل هذه الشروط فيه.
# وامتناعهم من النظر في دعوتنا وتحرزهم من تخويفنا - بدعواهم أن موسى عليه
~~السلام أمرهم بإمساك السبت أبدا وتكذيب من نسخه - إخلال بواجب التحرز،
~~واعتصام بغير حجة، لأنه لا طريق لهم إلى العلم بصحة هذا الخبر، بل لا طريق
~~لهم إلى إثباته واحدا، وإنما يخبرون عن اعتقادات متوارثة عن تقليد، لافتقار
~~ثبوت النقل المتواتر وما ورد من طريق الآحاد إلى العلم بأعيان الأزمنة
~~وتعيين الناقلين في كل ms068 زمان، لأن الجهل بالزمان يقتضي الجهل بمن فيه وتعذر
~~العلم به، وفقد العلم بثبوت الناقلين فيه يمنع من العلم بالتواتر والآحاد
~~بغير إشكال.
# وهذان الأمران متعذران على اليهود، لأنه لا يمكن أحدا منهم دعوى حصول
~~النص بأعيان الأزمنة متصلة بوجود اليهود فيها إلى زمن موسى، وإن ادعاه طولب
~~بالحجة، ولن يجدها بضرورة ولا دلالة، والأزمان المعلوم وجود اليهود فيها لا
~~سبيل لمم إلى إثبات ناقلين من جملتهم آحاد فضلا عن متواترين.
# وإذا تعذر الأمران لم يبق لاعتقادهم صحة هذا الإخبار إلا التقليد الذي لا
~~يؤمن مخوفا ولا يقتضي تحرزا.
# ولأن وجوب التحرز من تخويفنا ضروري، والعلم بما تخوف منه ممكن لكل ناظر
~~في الأدلة، وما يدعى على موسى إذا لم يكن إثباته على ما أوضحناه قبح
~~التكليف معه، وهو سبحانه لا يكلف على وجه يقبح، فيجب لذلك القطع على سقوط
~~تكليف شرعهم وفرض التمسك به بخبر غير ثابت بعلم ولا ظن، مع الخوف العظيم من
~~المتمسك به.
# على أن الخبر المذكور من جنس الأقوال المحتملة للاشتراط PageV00P166
# والتخصيص والتقييد والتجوز بغير إشكال، والمعجز بخلاف ذلك، فلو فرضنا
~~صحته لوجب تخصصه أو اشتراطه أو تقييده أو نقله عن حقيقة إلى المجاز لثبوت
~~النسخ لشرعهم بالمعجز الذي لا يحتمل التأويل، إذ لا فرق بين تخصيص القول أو
~~اشتراطه أو نقله عن أصله بالدليل الأصلي واللفظ والعقلي، بل العقلي آكد،
~~وإذا جاز نقل الألفاظ عن موضعها بمثلها، فبالأدلة العقلية أجوز.
# على أن موسى عليه السلام إن كان قال هذا لم يخل من أحد وجهين:
# إما أن يريد الامتناع بالنسخ وتكذيب من أتى به وإن كان صادقا بالمعجز.
# أو يريد ذلك مع فقد علم التصديق.
# وإرادة الأول لا يجوز لكونه قادحا في نبوته، بل في جميع النبوات، لوقوف
~~صحتها على ظهور العلم بالمعجز وفساد كونه دالا في موضع دون موضع.
# فلم يبق إلا أنه عليه السلام إن كان قال ذلك فعلى الوجه الثاني الذي لا
~~ينفعهم ولا يضرنا.
# وليس لمم أن يتعذروا مما لزمناهم: بفقد ms069 دليل على نبوة من ادعى نسخ شرعهم.
# لأن فقد ذلك ليس بمعلوم ضرورة، فيجب عليهم أن يجتنبوا السكون إلى ما هم
~~عليه حتى ينظروا فيما يدعوا إليه وبخوفوا منه، ومتى فعلوا الواجب عليهم
~~علموا صحة نبوة نبينا عليه السلام وفساد ما يدينون به، لأنا قد دللنا بثبوت
~~الأدلة الواضحة على نبؤته عليه السلام، وإلا يفعلوا يؤتون في فقد العلم
~~بالحق من قبل أنفسهم وبسوء اختيارهم والحجة لازمة لهم.
# ثم يقال لهم: دلوا على نبؤة من تزعمون أنكم على شرعه.
# فإن فزعوا إلى ترتيب العبارة عن الاستدلال بالتواتر بمعجزات موسى عليه
~~السلام، طولبوا بإثبات صفات التواتر، فإنهم لا يجدون سبيلا إليها حسب
~~PageV00P167
# ما أوضحناه، وإذا تعذر ذلك سقط دعواهم ولزمتهم الحجة.
# ثم يسلم لهم دعوى التواتر وتقابلوا بالنصارى، فلا يجدون محيصا عن التزام
~~النصرانية وتصديق عيسى، أو تكذيبه وموسى عليهما السلام، إذ إثبات أحد
~~الأمرين والامتناع من تساويهما لا يمكن.
# وكل شئ يقدحون به في نقل النصارى يقابلون بمثله من البراهمة، وللنصارى
~~أكبر المزية، لحصول العلم للأكل مخالط باتصال وجودهم في الأزمنة إلى من
~~شاهد المعجزات وتعذر مثل ذلك فيهم، ولا انفصال لهم من النصارى بضلالهم في
~~إلهية المسيح عليه السلام، أو القول بالنبوة، أو الاتحاد، لتميز (1) النقل
~~من الاعتقاد بصحة دخول الشبهة في الاعتقاد وارتفاعها عن التواتر، وثبوت صدق
~~المتواترين وإن كانوا ضلالا أو اعتقدوا عند هذا النقل ضلالا.
# ألا ترى إلى وجود كثير من العقلاء قد ضلوا عند ظهور المعجزات على
~~الأنبياء والأئمة عليهم السلام، فاعتقدوا لذلك إلهيتهم، ولم يمنع ذلك من
~~صدقهم فيها، لانفصال أحد الأمرين من الآخر.
# وإلزامهم على هذه الطريقة نبوة نبينا عليه السلام لتواتر المسلمين في
~~الحقيقة بالمعجزات الظاهرة عقيب دعواه أبلغ في الحجة، لأنه لا يمكنهم القدح
~~في نقل المسلمين بشئ مما قدحنا به في نقلهم وما قدحوا به على النصارى.
# وهذا كاف، والمنة لله.
# PageV00P168
# (مسائل الإمامة) PageV00P169
# (الغرض من الإمامة وصفات الإمام) والغرض في الإمامة المنفردة عن النبوة
~~ما بينا من حصول اللطف بها، ms070 وعموم الاستصلاح لكل مكلف يجوز منه فعل القبيح،
~~ويجوز اختصاص هذه الرئاسة بهذا اللطف.
# ويجب له نصبه الرئيس ذي الصفات التي بينا وجوب تأثير ثبوتها وانتفائها في
~~الاستصلاح لكل والاستفساد.
# ويجوز أن يكون الرئيس الملطوف للخلق بوجوده مؤديا عن نبي ومنفذا لشرعه أو
~~نائبا في ذلك عن إمام مثله، ويعلم كونه كذلك بقوله، لأن قيام البرهان على
~~عصمته يؤمن المكلف كذبه فيما يخبر به.
# فإذا ثبت كونه مؤديا فلا بد من كونه معصوما من القبائح، للوجوه التي لما
~~كان النبي عليه السلام كذلك.
# وعالما بما يؤذيه، لاستحالة الأداء من دون العلم، وإن كلف الأمر بالمعروف
~~والنهي عن المنكر وجب كونه عالما بكل معروف ومنكر، لكون الأمر بالشئ والحمل
~~عليه فرعا للعلم بحسنه، وكون اللهي عن الشئ والمنع منه فرعا في الحسن (1)
~~للعلم بقبحه، ولأن الحمل على فعل ما يجوز الحامل عليه كونه قبيحا.
# والمنع مما يجوز المانع منه كونه حسنا قبيح.
# وإن تعبد بإقامة حدود وجب كونه ممن لا يواقع ما يستحق به، لأن ذلك يخرجه
~~عن كونه إماما، وإن تعبد بجهاد وجب كونه أشجع الرعية، لكونه فئة لهم، ويجب
~~أن يكون هذه حاله عابدا زاهدا مبرزا فيهما على كافة الرعية، لكونه قدوة
~~فيهما.
# PageV00P170
# ويجوز من طريق العقل أن يبعث الله سبحانه إلى كل مكلف نبيا وينصب له
~~رئيسا، ويجب ذلك إذا علم كونه صلاحا، وإنما علمنا أنه لا نبي بعد رسول الله
~~صلى الله عليه وآله وسلم ولا إمام في الزمان إلا واحد بقوله عليه السلام
~~المعلوم ضرورة من دينه، حسب ما قدمناه.
# وهذه الصفات الواجبة والجائزة حاصلة للأئمة بعد رسول الله صلى الله عليه
~~وآله وعليهم - الملطوف بوجودهم لأمته، المحفوظ بهم شرعه، المنفذون لملته،
~~المتكاملو الصفات التي بينا وجوب كون الرئيس والحافظ عليها -: أمير
~~المؤمنين علي بن أبي طالب، ثم الحسن ثم الحسين ابنا علي، ثم علي بن الحسين،
~~ثم محمد ابن علي، ثم جعفر بن محمد، ثم موسى بن جعفر، ثم علي بن موسى، ثم
~~محمد ابن ms071 علي، ثم علي بن محمد، ثم الحسن بن علي، ثم الحجة بن الحسن صلوات
~~الله عليهم أجمعين، لا إمامة في الملة لغيرهم، ولا طريق إلى جملة الشريعة
~~من غير جهتهم، ولا إيمان لمن جهلهم أو واحدا منهم.
# الدلالة على ذلك: ما بيناه من وجوب الصفات للرئيس العقلي والحافظ للتكليف
~~الشرعي، وفقد دلالة ثبوتها لمن عداهم، أو دعوى بها فيمن سواهم ممن ادعى
~~الإمامة، أو ادعيت له ممن استمر القول بإمامته.
# وفساد خلو الزمان من إمام، لكون ذلك مفسدة لا يحسن التكليف معها، وقيام
~~البرهان على ضلال من خالف أهل الإسلام.
# ولأنه لا أحد قطع على ثبوت هذه الصفات المدلول على وجوب حصولها للإمام
~~إلا خصها بمن عيناه من الأئمة عليهم السلام، فيجب القطع بصحة هذه الفتيا،
~~لأن تجويز فسادها يقتضي فساد مدلول الأدلة، وذلك باطل.
# وهذان الدليلان كافيان في إثبات إمامة الجميع مجملا ومفصلا، ونحن نفرد
~~لإمامة كل منهم كلاما يخصها. PageV00P171
# ولا يعترض هذين الدليلين مذاهب الكيسانية والناووسية والواقفة وأمثالهم.
# لإسناد الجميع ما يذهبون إليه إلى دعوى حياة الأموات المعلوم ضرورة
~~موتهم، ولأنهم أجمع منقرضون، فلا يوجد منهم إنسان معروف، فخرج لذلك الحق من
~~جملتهم.
# (عصمة الأئمة) وليس لأحد أن يقول: إن الأمة وإن لم تقطع على عصمة من
~~ادعيت له الإمامة في زمن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ومن ذكرتموه من
~~ذريته عليهم السلام، فليست قاطعة على نفيها عنهم، وهو موضوع الحجة من
~~استدلالكم، كما لا يجب نفي العصمة عن كل من لم يقطع على نفيها عنه، بل نجيز
~~فيهم وفي كل من لم نرفه أو عرفناه بالعدالة أن يكون معصوما وإن لم يقطع على
~~ثبوتها له.
# لأنا إذا كنا قد دللنا على كون العصمة من صفات الإمام الواجبة - كالاسلام
~~والحرية والعدالة المجمع على اعتبارها في الإمام - وجب القطع على نفي إمامة
~~من لم يقطع على كونه معصوما، كما يجب مثل ذلك فيمن لا يعلم إسلامه وحريته
~~وعدالته، وإن جوزنا كونه بهذه الصفات، فلا فرق عند أحد من ms072 الأمة في فساد
~~الإمامة بين أن يعلم كون من ادعيت له عريا من هذه الصفات وبين أن لا يعلم
~~عليها.
# فيجب القضاء في العصمة، ووجوب القطع على ثبوتها للإمام، ونفي إمامة من لم
~~يقطع على ثبوتها له، كالقضاء على سائر الصفات، لوجوب ثبوت الكل للإمام.
# وليس لأحد أن يقول: استدلالكم هذا مبني على الإجماع، وأنتم لا تجعلوه
~~حجة. PageV00P172
# لأنا بحمد الله لا نخالف في كون الإجماع حجة، وإنما نمنع من خالفنا من
~~إثباته حجة من الطرق التي يدعيها، والخلاف في ذلك المذاهب لا يقتضي إنكاره،
~~فكيف يظن بنا ذلك مع العلم بإثباتنا معصوما في كل عصر من جملة الفرقة
~~الإسلامية.
# وليس له أن يقول: اعتباركم صحة الإجماع مقصور على المعصوم الذي لو انفرد
~~قوله لكان حجة.
# لأن اعتبارنا دخول المعصوم في الإجماع كاعتبارهم دخول العالم في كل
~~إجماع، وفساده بخروجه عنه، فإن كان اعتبارنا دخول المعصوم في الإجماع
~~كاعتبارهم دخول العالم في كل إجماع وفساده بخروجه عنه، فإن كان اعتبارنا
~~دخول المعصوم مانعا من الإجماع فحالهم أقبح.
# على أن استدلالنا بهذه الطريقة صحيح من دون اعتبار الإجماع، لأنا قد بينا
~~من طريق العقل وجوب الإمامة والعصمة، وذلك يقتضي صحة فتيانا من وجهين:
# أحدهما: حصول العلم الضروري من دينه عليه السلام ببقاء الحق في أمته إلى
~~انقضاء التكليف، وأنه لا يجوز كفر جميعها، وجحد إمامة المعصوم كفر، لكونه
~~من جملة الإيمان لا يجوز اتفاق الأمة عليه.
# فإذا تقرر هذا، وعلمنا أن الأمة في القول بإمامة الأئمة عليهم السلام من
~~لدن النبي عليه السلام وإلى الآن بين قائل بعصمة الإمام وجاحد لها، علمنا
~~ضلال الجاحد لها وصواب القائل بها، إذ لو ضل القائل كالجاحد لاقتضى ذلك
~~الشهادة على جميع الأمة بالكفر، وقد أمنا ذلك، فوجب القطع على صواب الدائن
~~بالعصمة.
# الثاني: أنا آمنون كون الحجة المعصوم الموفق في جميع الأقوال والآراء
~~والأفعال من جملة الفرق المخالفة للاسلام، لقيام البرهان على ضلال جميعها،
~~ولا PageV00P173
# من فرق الأمة المنكرة للعصمة لضلالها أيضا.
# وإذا وجب ms073 هذا اقتضى كونه من جملة الفرقة القائلة بالعصمة، ووجب لذلك
~~القطع على صوابها فيما أجمعت عليه، فصح استدلالنا من غير افتقار بنا إلى
~~اعتبار الإجماع.
# (معجزات الأئمة) ومن الحجة على إمامة أعيان الأئمة عليهم السلام، أنا قد
~~دللنا على وقوف تعيين الإمام على بيان العالم بالسرائر سبحانه بمعجز يظهر
~~على يديه، أو نص يستند إليه، وكلا الأمرين ثابت في إمامة الجميع.
# أما المعجز فعلى ضروب:
# منها: الإخبار بالكائنات، ووقوع المخبر مطابقا للخبر.
# ومنها: الإخبار بالغائبات.
# ومنها: ظهور علمهم ذي الفنون العجيبة في حال الصغر والكبر، وتبريزهم فيه
~~على كافة أهل الدهر، على وجه لم يعثر عليهم بزلة ولا قصور عند نازلة ولا
~~انقطاع في مسألة، من غير معلم ولا رئيس يضافون إليه غير آبائهم، وفيهم من
~~لا يمكن ذلك فيه، كالرضا وأبي جعفر وأبي محمد عليهم السلام.
# وإعجاز هذه الطريقة من وجهين:
# أحدهما: أن العادة لم تجر فيمن ليس بحجة أن يتقدم في علم واحد - فضلا عن
~~عدة علوم - من غير معلم.
# الثاني: أن كل عالم عدا حجج الله سبحانه محفوظ عنهم التقصير عند
~~المشكلات، والعجز عند كثير من النوازل، والانقطاع في المناظرة.
# ومنها: تعظيمهم مدة حياتهم من المحق والمبطل، وشهادة الكل على لؤم من
~~ينقصهم وإن كان عدوا، والإشارة بذكرهم بعد الوفاة، وخضوع العدو والولي
~~PageV00P174
# لمشاهدهم، وهجرة الفرق المختلفة إليها، وتقربهم إلى مالك الثواب والعقاب
~~سبحانه بحقهم، مع فقد الخوف منهم والطمع فيما عندهم، وحصول عكس هذا الأمر
~~فيمن عداهم من منتحلي الإمامة وذوي الخلافة بنفوذ الأمر وثبوت الرجاء
~~والخوف.
# وهذه الطرق منها ما هو معلوم ضرورة، كظهور علمهم، وثبت تعظيمهم في الحياة
~~وبعدها.
# ومنها ما هو معلوم للأكل ناظر في الأخبار ومتأمل الآثار، لثبوت التواتر
~~به، كالنص، على ما نبينه.
# ومن ذلك: رد الشمس لأمير المؤمنين عليه السلام في حياة النبي صلى الله
~~عليه وآله وسلم، وكلام الجمجمة، وإحياء الميت بصرصر، وضرب الفرات بالقضيب
~~وبسوطه (1) حتى بدت حصباؤه، وكلام أهل الكهف، إلى غير ذلك من آياته
~~الثابتة.
# ومن ms074 ذلك: ضرب الحسن بن علي عليهما السلام النخلة اليابسة بيده فأينعت حتى
~~أطعم الزهري من رطبها، وقوله لأخيه الحسين عليهما السلام: قد علمت من سقاني
~~السم، فإذا أنا مت فاحملني إلى قبر جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
~~لأجدد به عهدا، وستخرج عائشة لتمنع من ذلك، فكان كما قال.
# ومن ذلك: ما سمع من كلام رأس الحسين عليه السلام، وقوله عليه السلام قبل
~~مسيره لأم سلمة: إني مقتول في طريقي هذا، وقوله لعمر بن سعد - وقد قال له:
~~إن قوما سفهاء يزعمون أني أقتلك -: إنهم ليسوا سفهاء، ولكنهم علماء، وإنه
~~يسرني ألا تأكل من تمر العراق شيئا، فكان كما قال.
# ومن ذلك: كلام الحجر الأسود لعلي بن الحسين عليهما السلام، وشهادته
# PageV00P175
# له بالإمامة، ودعاؤه (1) للظبي فجاءه فأكل معه من الطعام، وإخباره عبد
~~الملك ابن مروان بقصة الكتاب إلى الحجاج، وإخباره أن الله تعالى قد زاد في
~~ملكه لذلك زمانا طويلا، وإخباره بولاية عمر بن عبد العزيز وقصة يزيد.
# ومن ذلك: عود النخلة اليابسة لأبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام ذات
~~تمر وانتشاره عليه وعلى أصحابه، ومسح يده على عيني أبي بصير حتى رأى الحاج
~~ثم مسحه عليهما فرجعتا، وإنفاذه الجن في حوائجه.
# ومن ذلك: مسح أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام على عين أبي بصير
~~حتى رأى السماء ثم أعاده، وإخباره المنصور بما آل إليه أمره، وإخباره
~~الشامي بحاله منذ خرج من منزله وإلى أن وصل إليه.
# ومن ذلك: دعاء أبي الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام الشجرة فجاءت تخد
~~الأرض خدا ثم أشار إليها فرجعت، وخطابه للأسد، وقصصه مع علي بن يقطين،
~~وقوله لهشام بن سالم بعد شكه وقوله في نفسه: أين أذهب إلى الحرورية أم إلى
~~المرجئة أم إلى الزيدية؟ فقال له: إلى إلي، لا إلى الحرورية ولا إلى
~~المرجئة ولا إلى الزيدية.
# ومن ذلك: إخراج أبي الحسن علي بن موسى الرضا عليهما السلام السبيكة من
~~الأرض لإبراهيم بن موسى، وفهمه كلام السخلة، ms075 وإخباره بقصة آل برمك قبل
~~وقوعها بصفتها، وقصة الغفاري وما عليه من الدين المجهول.
# ومن ذلك: توضؤ أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام في مسجد ببغداد يعرف
~~موضعه بدار المسيب في أصل نبقة يابسة، فلم يخرج من المسجد حتى اخضرت وأينعت
~~- حدثني الشيخ أبو الحسن محمد بن محمد، قال: حدثنا الشيخ أبو عبد الله محمد
~~بن محمد المفيد رضي الله عنه أنه أكل من نبقها وهو لا عجم
# PageV00P176
# له - وقصة الشامي وتخليصه من الحبس من غير مباشرة.
# ومن ذلك: قصة أبي الحسن علي بن محمد عليهما السلام مع علي بن مهزيار،
~~وخروجه في القيظ بآلة الشتاء، وإخباره بما أضمره في عرق الجنب، وقصة صالح
~~بن سعيد وخان الصعاليك، وقصة يونس النقاش والفص الياقوت.
# ومن ذلك: قصة أبي محمد الحسن بن علي عليهما السلام مع زينب الكذابة، وقصة
~~السنور.
# ومن ذلك: لصاحب الزمان عليه السلام: قصة المصري والمال، وقصة الحسين بن
~~فضل، وقصة أحمد بن الحسن، والتوقيعات على أيدي السفراء بفنون الغائبات.
# في أمثال لهذه الآيات، يطول بذكرها الكتاب، ويخرج به عن الغرض بهذا
~~المختصر، من أراد الوقوف على جميع ذلك وجده في تصانيف شيوخنا رضي الله
~~عنهم، وفيما ذكرناه كفاية.
# وجميعه إذا تؤمل وجد مختصا به تعالى، على وجه خارقا للعادة، مطابقا لدعوى
~~من ظهر على يده الإمامة، فاقتضى صدقه كسائر المعجزات.
# وطريق ثبوت هذه الآيات تواتر الإمامية بها، كالنص الجلي على ما نوضحه.
# إن قيل: ظهور المعجز على يد المدعي فرع لجوازه، فدلوا على ذلك.
# قيل: المعجز للتصديق نائب مناب قوله تعالى: صدق هذا علي، وذلك يقتضي جواز
~~ظهوره على من للناظر مصلحة في العلم بصدقه، وقد بينا حصول اللطف بوجود
~~الإمام، وتعذر تميزه من دونه أو ما يستند إليه من النص، فيجب ظهوره عليه
~~بحيث لا نص ينوب منابه، وهذا يقتضي جوازه مع ثبوته، بل يجوز ظهوره على من
~~يستحق التعظيم من الصالحين، ليقطع المكلف على كونه مستحقا للتعظيم، فيفعله
~~خالصا من الاشتراط، ولا يقتضي ذلك التنفير ms076 عن النظر في PageV00P177
# معجزات الأنبياء عليهم السلام، ولا يمنع من كونها مثبتة لهم بالنبوة، لأن
~~الباعث على النظر في المعجز هو الخوف من فوت المصالح، وذلك حاصل في مدعي
~~الإمامة والصلاح كمدعي النبوة، فيجب كون الناظر مدعوا مع الجميع.
# فأما كونه مبينا، فإنما يبين الصادق من الكاذب، ثم يرجع الناظر إلى قوله
~~المؤيد به قاطعا على صدقه آمنا من دعواه النبوة وليس بنبي، أو الإمامة مع
~~كونه صالحا حسب، لكون المعجز مؤمنا من ذلك.
# وأيضا فإنا نعلم ظهور الآيات على من ليس بنبي ولا إمام، كمريم وأم موسى.
# أما مريم، فنطق المسيح عليه السلام حين الوضع وفي المهد عقيب دعواها
~~البراءة مما قذفت به، ومعاينتها الملك مبشرا لها عن الله تعالى بما يفتقر
~~معه إلى معجز لتعلم كونه رسولا لله سبحانه إليها، ونزول الرزق عليها من
~~السماء وهي في كفالة زكريا عليه السلام.
# وأما أم موسى، فإخباره سبحانه بالإيحاء إليها، والوحي معجز ولأن إلقائها
~~موسى في اليم واثقة برجوعه إليها يقتضي علمها بصحة الوعد، وذلك لا يمكن إلا
~~بالمعجز وإذا كان ظهور المعجز على من ليس بنبي واجبا في حال وجائزا في آخر
~~وحاصلا في آخر، ووجدنا الناقلين من الشيعة جماعة لا يجوز عل بعضهم الكذب في
~~المخبر الواحد - على ما نبينه فيما بعد - ينقلون هذه المعجزات خلفا عن سلف،
~~حتى يتصلوا في النقل عن الطبقات التي لا يتقدر في خبرها الكذب لمن شاهدها
~~ظاهرة على أيدي الحجج المذكورين عليهم السلام، ثبت كونها واقتضى ذلك
~~إمامتهم عليهم السلام. PageV00P178
# (النص على إمامة الأئمة) وأما النص فعلى ضربين:
# متناول للجميع عليهم السلام.
# ومختص بكل واحد منهم.
# فالأول من طرق:
# منها: قوله تعالى: ﴿فاسألوا أهل
~~الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ (١).
# وذلك يقتضي علم المسؤولين كل مسؤول عنه وعصمتهم فيما يخبرون به، لقبح
~~تكليف الرد دونهما، ولا أحد قال بثبوت هذه الصفة لأهل الذكر إلا خص بها من
~~ذكرناه من الأئمة عليهم السلام وقطع بإمامتهم.
# ومنها: قوله تعالى: ms077 ﴿يا أيها الذين
~~آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ (٢).
# فأمر باتباع المذكورين، ولم يخص جهة الكون بشئ دون شئ، فيجب اتباعهم في
~~كل شئ، وذلك يقتضي عصمتهم، لقبح الأمر بطاعة الفاسق أو من يجوز منه الفسق،
~~ولا أحد ثبتت له العصمة ولا ادعيت فيه غيرهم) فيجب القطع على إمامتهم
~~واختصاصهم (٣) بالصفة الواجبة للإمامة، ولأنه لا أحد فرق بين دعوى العصمة
~~لهم والإمامة.
# ومنها: قوله تعالى: ﴿ولو ردوه إلى
~~الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾ (4).
# PageV00P179
# فأمر سبحانه بالرد إلى أولي الأمر، وقطع على حصول العلم للمستنبط منهم
~~بما جهله، وهذا يقتضي كونهم قومة (١) بما يرجع إليهم فيه مأمونين في أدائه،
~~ولا أحد ثبتت (٢) له هذه الصفة ولا ادعيت له غيرهم، فيجب القطع على إمامتهم
~~من الوجهين المذكورين.
# ومنها: قوله تعالى: ﴿فكيف إذا جئنا من
~~كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا﴾ (٣).
# وقوله: ﴿ويوم نبعث من كل أمة
~~شهيدا عليهم من أنفسهم﴾ (٤).
# فأخبر تعالى بثبوت شهيد على كل أمة - كالنبي عليه السلام - تكون شهادته
~~حجة عليهم.
# وذلك يقتضي عصمته من وجهين:
# أحدهما: ثبوت التساوي بينه وبين النبي عليه السلام في الحجة بالشهادة.
# الثاني: أنه لو جاز منه فعل القبيح والاخلال بالواجب لاحتاج إلى شهيد
~~بمقتضى الآية، وذلك يقتضي شهيد الشهيد إلى ما لا نهاية له، أو ثبوت شهيد لا
~~شهيد عليه، ولا يكون كذلك إلا بالعصمة، ولم تثبت هذه الصفة ولا ادعيت إلا
~~لأئمتنا عليهم السلام، فاقتضت إمامتهم من الوجه الذي ذكرناه.
# ومنها: قوله تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة
~~وسطا لتكونوا شهداء على الناس﴾ (5).
# PageV00P180
# فأخبر تعالى بكون المذكورين عدولا ليشهدوا عنده على الخلق " وذلك يقتضي
~~ثبوت هذه الصفة قطعا للأكل واحد منهم للاشتراك في الشهادة، ولم تثبت هذه
~~الصفة ولا ادعيت لغيرهم، فدلت على إمامتهم من الوجوه التي ذكرناها.
# ومن ms078 ذلك: ما اتفقت الأمة عليه من قوله عليه السلام: إني مخلف فيكم
~~الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وأنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض،
~~ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا.
# فأخبر عليه السلام بوجود قوم من آله مقارنين للكتاب في الوجود والحجة،
~~وذلك يقتضي عصمتهم، ولأنه عليه السلام أمر بالتمسك بهم، والأمر بذلك يقتضي
~~مصلحتهم، لقبح الأمر بطاعة من يجوز منه القبح مطلقا، ولأنه عليه السلام حكم
~~بأمان المتمسك بهم من الضلال، وذلك يوجب كونهم ممن لا يجوز منه الضلال،
~~وإذا ثبتت عصمة المذكورين في الخبر، ثبت توجه خطابه إلى أئمتنا عليهم
~~السلام، لعدم ثبوتها لمن عداهم أو دعواها له، وذلك يقتضي إمامتهم من
~~الوجهين المذكورين.
# ومن ذلك: قوله عليه السلام: مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح، من ركبها
~~نجا ومن تخلف عنها وقع في النار.
# وفي آخر: هلك.
# وذلك يفيد عصمة المرادين، لأنه لا يمكن القطع على نجاة المتبع مع تجويز
~~الخطأ على المتبع، وعصمة المذكورين تفيد توجه الخطاب إلى من عيناه وتوجب
~~إمامتهم على الوجه الذي بيناه.
# في أمثال لهذه الآيات والأخبار، قد تكرر معظمها في رسالتي الكافية
~~والشافية (1).
# PageV00P181
# ومن ذلك: نص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أن الأئمة من بعده
~~اثنا عشر عليهم السلام، كقوله عليه السلام للحسين بن علي عليهما السلام:
~~أنت إمام، ابن إمام، أخو إمام، أبو أئمة حجج تسع تاسعهم قائمهم أعلمهم
~~أحكمهم أفضلهم.
# وقوله عليه السلام: عدد الأئمة من بعدي عدد نقباء موسى.
# وخبر اللوح.
# وخبر الصحائف.
# وأمثال لهذه الأخبار الواردة من طريقي الخاصة والعامة، مع علمنا بصحة ما
~~تضمنه نقل الفريقين المتبائنين والطائفتين المختلفتين، إذ كان لا داعي
~~لمخالف المنقول إليه مع كونه حجة عليه إلا الصدق فيه.
# وثبوت النص منه عليه السلام على هذا العدد المخصوص ينوب مناب نصه على
~~أعيان أئمتنا عليهم السلام، لأنه لا أحد قال بهذا في نفسه غيرهم وشيعتهم
~~لهم، فوجب له القطع على إمامتهم.
# وأما الضرب الثاني من النص على أعيان ms079 الأئمة عليهم السلام، فأفضلهم أمير
~~المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.
# والنص ثابت عليه بشيئين:
# أفعال، وأقوال.
# والأقوال على ضربين: كتاب، وسنة.
# والسنة على ضربين: معلوم من ظاهره المراد ومن دليله، ومعلوم من دليله
~~المراد.
# فأما النص بالفعل: فمن تأمل أفعال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم،
~~واختصاصه به، ومؤاخاته له، وتقديمه على جميع الصحابة والقرابة في جميع
~~PageV00P182
# الأحوال والأمور وتأميره في كل بعث، وإفراده من التأمير عليه في شئ بقوله
~~(1) في المأمورين له: إني باعث فيكم رجلا كنفسي، وتخصيصه في السكنى،
~~والتبليغ، والصهر، والدخول عليه بغير إذن، وحمل الراية، والمباهلة،
~~والمناجاة، والأخوة، والقيام له، ورفع المجلس بما لم يشركه فيه أحد، وما
~~اقترن بهذه الأقوال من الأفعال المختصة له.
# (وقوله) في البعوث: إني باعث رجلا كنفسي.
# وعلي مني وأنا منه.
# وعلي مع الحق والحق مع علي يدور معه حيث ما دار.
# وأنا وعلي كهاتين.
# ومنزلك في الجنة تجاه من منزلي، تكسى إذا كسيت وتحيى إذا حييت.
# وأنت أول جاث للخصوم من أمتي.
# وصاحب لوائي.
# وساقي حوضي.
# وأول داخل الجنة من أمتي.
# وأبو ذريتي.
# ولا يؤدي عني إلا رجل مني.
# وعلي مني وأنا من علي.
# وحربك حربي وسلمك سلمي.
# ومن سب عليا فقد سبني، ومن سبني فقد سمت الله، ومن سب الله أكبه الله على
~~منخره في النار.
# وأمثال ذلك من الأقوال والأفعال التي يطول بها الكتاب.
# PageV00P183
# علم (١) كونه مؤهلا لخلافته عليه السلام، كما يعلم مثل ذلك في ملك اختص
~~رجلا وأبانه بالأفعال والأقوال من أتباعه هذا الضرب من الاختصاص.
# وأما نص الكتاب على إمامته عليه السلام فأي كثيرة:
# منها: قوله تعالى: ﴿إنما وليكم الله
~~ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون﴾
~~(2).
# فأخبر سبحانه أن المقيمي الصلاة والمؤتي الزكاة في حال الركوع أولى
~~بالخلق من أنفسهم، حسب ما أوجبه بصدر الآية له تعالى ولرسوله، ولا أحد من
~~المؤمنين ثبت له هذا الحكم غير أمير المؤمنين علي عليه السلام، فيجب ms080 كونه
~~إماما للخلق، لكونه (3) أولى بهم من أنفسهم.
# إن قيل: دلوا على أن لفظة (وليكم) تفيد الأولى بالتدبير، وأنها لا تحتمل
~~في الآية غير ذلك، وأن الأولى بالتدبير مفترض الطاعة على من كان أولى به،
~~وأن المشار إليه بالذين آمنوا أمير المؤمنين عليه السلام.
# قيل: برهان إفادة ولي لأولي ظاهر لغة وشرعا، يقولون: فلان ولي الدم، وولي
~~الأمر، وولي العهد، وولي اليتيم، وولي المرأة، وولي الميت، يريدون: أولى
~~بما هو ولي فيه بغير إشكال.
# وبرهان اختصاص (وليكم) في الآية بأولى: أن وليا لا يحتمل في اللغة إلا
~~شيئين: المحبة، والأولى.
# ولا يجوز أن يريد بالولاية في الآية المحبة، لأن قوله تعالى: (إنما
~~وليكم) خطاب لكل مكلف بر وفاجر كسائر الخطاب، وكونه خطابا عاما يمنع
# PageV00P184
# من حمله على ولاية المحبة والنصرة، لأن الله تعالى ورسوله والمؤمنين لا
~~يوادون الكفار ولا ينصرونهم، بل الواجب فيهم خلاف ذلك، فبطل كون المراد
~~بالولاية في الآية المودة والنصرة على جهة الأخبار ولا الإيجاب.
# ولأنه لا يخلو أن يكون خطابا لجميع الخلق برهم وفاجرهم، أو الكفار خاصة،
~~أو لجميع المؤمنين دونهم، أو لبعض المؤمنين.
# وكونه خطابا للجميع أو للكفار خاصة يمنع من كون المراد بالولاية المودة
~~والنصرة على ما بيناه.
# ولا يجوز أن يكون خطابا لجميع المؤمنين، لأن الآية تتضمن ذكر ولي ومتول،
~~وذلك يقتضي اختصاصها بالبعض.
# وكونه خطابا لبعض المؤمنين يمنع من حمل الولاية على المودة والنصرة،
~~لعموم فرضها للجميع.
# ولأن حرف (إنما) يثبت الحكم لما اتصل به وينفيه عما انفصل عنه بغير تنازع
~~بين العلماء بلسان العرب.
# كقوله تعالى: ﴿إنما إلهكم الله﴾ (١)
~~أثبت الإلهية له ونفاها عمن عداه، وكقوله: ﴿إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة التي حرمها﴾ (٢) خص
~~العبادة.
# برب البلدة ونفاها عمن عداه، وقوله: ﴿إنما أنت منذر﴾ (3) على هذا الوجه.
# وقول النبي عليه السلام: إنما الأعمال بالنيات، وقوله: إنما الماء من
~~الماء، وإنما الربا في النسيئة، وإنما ms081 الولاء لمن أعتق، كل ذلك يفيد إثبات
~~الحكم للمتصل بحرف إنما ونفيه عن المنفصل، إلا ما علم بدليل آخر: من إيجاب
~~الغسل من غير الماء، وثبوت حكم الربا في غير النسيئة.
# PageV00P185
# وقول الفصيح: إنما لك عندي درهم، وإنما الفصاحة في الجاهلية، وإنما
~~الحذاق (1) البصريون، على هذا النحو بغير إشكال.
# وإذا تقرر ما ذكرناه، فحرف (إنما) في الآية يفيد الولاية فيها لله تعالى
~~ولرسوله وللمؤمنين، وينفيها عمن عداهم، وذلك يمنع من حملها على ولاية
~~المودة والنصرة المعلوم عمومها.
# وإذا بطل أحد القسمين ثبت الآخر.
# ولأن (الذين آمنوا) مختص ببعض المؤمنين من وجهين:
# أحدها: وصفهم بإيتاء الزكاة، وذلك يقتضي خروج من لا يخاطب بالزكاة أو
~~خوطب ففرط على الصحيح من المذهب عن الآية.
# الثاني: وصفهم بإيتاء الزكاة في حال الركوع في قوله: (وهم راكعون)،
~~لارتفاع اللبس من قول القائل: فلان يجود بماله وهو ضاحك، ويضرب زيدا وهو
~~راكب، ويلقى خالدا وهو ماش، في أنه لا يحتمل إلا الحال دون الماضي
~~والمستقبل.
# ومعلوم أن هذا حكم لم يعم كل مؤمن، بل لا دعوى لاشتراك اثنين من المؤمنين
~~معينين فيه.
# وإذا ثبت الخصوص، وكان كل من قال (2) لخصوص المؤمنين في الآية قال
~~باختصاص الولاية بالأولى، لأن خصوصها يمنع من حملها على المودة والنصرة
~~الواجبة على الجميع.
# وبرهان إفادة الأولى للتدبير الأحق بالتصرف في المتولي للإمامة وفرض
~~الطاعة ظاهر، لأن هذا المعنى متى حصل بين ولي ومتول أفاد فرض الطاعة، لأنه
~~لا يكون أولى به وأملك بأمره منه بنفسه إلا لكونه مفترض الطاعة عليه، إذ لا
# PageV00P186
# معنى لفرض الطاعة غير ذلك، ووجوب ذلك للمذكور على جميع الخلق يفيد إمامته
~~لجميعهم، كإفادة قوله تعالى: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟﴾ (1) لذلك.
# وبرهان اختصاص (الذين آمنوا) بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام
~~من طرق:
# منها: وصف المذكور من إيتاء الزكاة في حال الركوع، ولا أحد ادعى فيه ذلك
~~غيره عليه السلام.
# ومنها: أنا قد بينا اختصاص الحكم ببعض المؤمنين، وكل من ms082 قال بخصوصه - ممن
~~يعتد بقوله - خصها بعلي بن أبي طالب عليه السلام.
# ومنها: قيام البرهان على أن الولاية في الآية تفيد الأولى، وكل من قال
~~بذلك خص بها عليا.
# ومنها: تواتر الخبر من طريقي الشيعة وأصحاب الحديث بنزول الآية فيه عليه
~~السلام عقيب تصدقه بالخاتم راكعا.
# ومنها: احتجاجه عليه السلام بذلك على وليه وعدوه مع عدم النكير، وارتفاع
~~أسباب الامساك عنه عدا الرضى والتصديق.
# ومنها: حصول العلم لكل متكامل الأخبار بأحواله وذريته، لدعوى ذلك منه
~~عليه السلام لنفسه ودعوى كافة ذريته، وذلك يقتضي صدقه وصدقهم عليهم السلام،
~~إذ كونهم كاذبين على الله تعالى ورسوله عليه السلام ما لا يذهب إليه مسلم.
# ولا قدح في شئ مما قدمناه بما رواه الشاذ من نزول الآية في ابن سلام.
# لأنا لم نستدل بالاجماع فينا، وإنما عولنا على تواتر الفريقين، ولأن
# PageV00P187
# الإجماع مبني على دليل لا يقدح فيه إلا ما قدح فيه.
# . ولأنه لا يخلو أن يكون ابن سلام هو المتولى في الآية والمتولي، ولا
~~يجوز أن يكون المتولى على جهة الخصوص، لأنه رجوع عن عموم الآية بغير دلالة،
~~ولأن ذلك يقتضي تخصص الولاية به، والاجماع بخلاف ذلك على كلا المذهبين في
~~ولاية الآية، وإن كان متوليا مع غيره فلا ينفعهم ولا يضرنا.
# ولا يجوز أن يكون متوليا على مذهب من قال إن الولاية فيها بمعنى المودة،
~~لأن ذلك يقتضي اختصاصها بابن سلام مع حصول الإجماع بعمومها، ولا على مذهب
~~من قال إنها بمعنى الأولى، لأن ابن سلام لا يستحق ذلك بإجماع، فلم يبق
~~لتوجهها إليه خاصة وجه.
# وليس لأحد أن يقدح بتضمن الآية لفظ الجمع ومدح المتصدق ووصفه بإيتاء
~~الزكاة، وعلي عليه السلام واحد وفقير وقاطع الصلاة بما فعله.
# لأن العبارة عن الواحد بلفظ الجمع على جهة التعظيم ظاهر في العربية.
# وكون علي عليه السلام فقيرا غير معلوم.
# وإلقاؤه الخاتم في الصلاة من يسير العبث المباح فيها، ولأن كثيره كان
~~مباحا، ولا طريق إلى العلم بتقدم فعله عليه السلام على النسخ من تأخره ms083 عنه،
~~ولأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مدحه على فعله وتمدح هو عليه
~~السلام به من غير منكر عليه، وذلك يمنع من كونه مذموما.
# ولأنا قد دللنا على اختصاص الآية به بما لا محيص عنه، مع تضمنها تعظيم
~~المذكور فاقتضى ذلك سقوط جميع ما قدحوا به.
# ولأن مدح المذكور فيها عن فعل تقدم ووصفه فيه بإقامة الصلاة وإيتاء
~~الزكاة راكعا تعريف له وتمييز من غيره، وهذا واضح والمنة لله.
# ومنها: قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول
~~PageV00P188
# وأولي الأمر منكم) (1).
# فأوجب سبحانه تعالى طاعة أولي الأمر على الوجه الذي أوجب طاعته تعالى
~~وطاعة رسوله بمقتضى العطف الموجب لإلحاق حكم المعطوف بالمعطوف عليه، وقد
~~علمنا عموم طاعته سبحانه وطاعة رسوله في الأعيان والأزمان والأمور فيجب مثل
~~ذلك لأولي الأمر بموجب الأمر، وذلك يقتضي توجه الخطاب بأولي الأمر إلى أمير
~~المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، لأن لا أحد قال بعموم طاعة أولي
~~الأمر إلا خص بها عليا عليه السلام والأئمة من ذريته عليهم السلام.
# وإذا عمت طاعته الأمة والأزمان والأمور ثبت كونه إماما، لإجماع الأمة على
~~إمامة من كان كذلك وعدم استحقاقه لغيره.
# وليس لأحد أن يقول: إنا لم نعلم عموم طاعته سبحانه ورسوله بالآية، وإنما
~~علمناه بدليل آخر، فدلوا على مشاركة أولي الأمر فيه بدليل غير الآية ليسلم
~~لكم المراد.
# لأن إطلاق لفظ الطاعة وتوجه الخطاب بها إلى المخاطبين كافة الحاضرين
~~والمتجددين إلى يوم القيامة يفيد عمومها لجميعهم في كل حال وأمر، وإن لم
~~يكن هناك دليل على هذا العموم غير هذا الظاهر لأنه لو أراد تعالى خاصا من
~~المخاطبين أو الأزمان أو الأمور لبينه، فيجب الحكم بعموم ما قلناه، ولا
~~يجوز تخصيص شئ منه إلا بدليل.
# وأيضا فحصول العلم بعموم طاعته تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم من
~~غير الظاهر لا يقدح في استدلالنا، لأن الظاهر إذا دل على ما قلناه كان
~~مطابقا لما تقدم العلم به من عموم طاعته تعالى ورسوله، ms084 واستفاد المخاطب
# PageV00P189
# مشاركة أولي الأمر له تعالى ولرسوله في عموم الطاعة بمقتضى العطف، سواء
~~كان ذلك معلوما بالظاهر أو بغيره.
# ولم يجز تخصيص طاعتهم بغير دليل، وإن كان الأول معلوما من وجهين والثاني
~~معلوما من وجه واحد، ومجري ذلك مجرى حكيم قال لأصحابه تقدم لهم العلم بعموم
~~طاعة بعض خواصه عليهم: أطيعوا فلانا - وأشار إليه - الطاعة التي تعدونها،
~~وفلانا، وأشار إلى من لم يتقدم لهم العلم بحاله، في وجوب مشاركة الثاني
~~للأول في الطاعة وعمومها بغير إشكال.
# ترتيب آخر: الأمة في أولي الأمر رجلان:
# أحدهما يخص بها أمراء السرايا، وهم أمراء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي.
# والآخر يخص بها عليا وذريته عليهم السلام المذكورين وبحكم بها على
~~إمامتهم.
# وإذا بطل أحد القولين ثبت الآخر، ولا يجوز توجهها إلى أمراء السرايا من
~~وجوه:
# أحدها: أن ظاهرها يفيد عموم الطاعة من كل وجه، وطاعة أمراء السرايا مختصة
~~بالمأمورين لهم وبزمان ولايتهم وبما كانوا ولاة فيه، فطاعتهم على ما ترى
~~خاصة من كل وجه، وما تضمنه الآية عام من كل وجه.
# ومنها: أنه سبحانه وصف أولي الأمر بصفة لم يدعها أحد لأمراء السرايا،
~~فقال: ﴿ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر
~~منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾ (1) فحكم تعالى بكون أولي الأمر ممن
~~يوجب خبره العلم بالمستنبط، وحال أمراء السرايا بخلاف ذلك.
# ومنها: أن صحة هذه الفتيا مبنية على صحة إمامة أبي بكر وعمر وعثمان،
# PageV00P190
# وفيما مضى لنا ويأتي من الأدلة ما يقتضي فساد إمامتهم، ففسد لذلك ما صحته
~~فرع صحتها.
# ومنها: أنه تعالى أطلق طاعة أولي الأمر كطاعته تعالى ورسوله ولم يخصها
~~بشئ، وذلك يقتضي عصمتهم، لأن تجويز القبيح على المأمور بطاعته على الإطلاق
~~يقتضي الأمر بالقبيح أو إباحة ترك الواجب من طاعته، وكلا الأمرين فاسد، ولا
~~أحد قطع بعصمة أمراء السرايا، فبطل توجه الآية إليهم.
# ترتيب آخر: إطلاق طاعة أولي الأمر يقتضي عصمتهم، لقبح الأمر مطلقا بطاعة
~~مواقع القبيح، ولا أحد قال بعصمة أولي الأمر إلا خص ms085 بها عليا والطاهرين من
~~ذريته عليهم السلام.
# ومنها: قوله تعالى: ﴿وإذ ابتلى إبراهيم
~~ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال
~~عهدي الظالمين﴾ (1).
# فنفى سبحانه أن ينال الإمامة ظالم، وهذا يمنع من استحق سمة الظلم وقتا ما
~~من الصلاح للإمامة، لدخوله تحت الاسم المانع من استحقاقها.
# وأيضا فإنه سبحانه أخبر بمعنى الأمر أن الظالم لا يستحقها، وخبره متعلق
~~بالمخبر على ما هو به، فيجب فساد إمامة من يجوز كونه ظالما، وذلك يقتضي
~~وقوف صلاحها على المعصوم، ويوجب فساد إمامة أبي بكر وعمر وعثمان والعباس،
~~لوقوع الظلم منهم، ولعدم القطع على عصمتهم، وإذا بطلت إمامة هؤلاء ثبتت
~~إمامة علي عليه السلام، لأنه لا قول لأحد من الأمة خارج عن ذلك.
# وتبطل إمامتهم من الآية: بأن جوابه تعالى بنفي الإمامة عن الظالم خرج
~~مطابقا لسؤال إبراهيم عليه السلام، وذلك يقتضي اختصاصه لمن كان ظالما ثم
# PageV00P191
# تاب، لقبح سؤال الإمامة للكافر في حال كفره، ووقوع الكفر من هؤلاء معلوم،
~~فيجب دخولهم (1) تحت النفي.
# وليس لأحد أن يقدح في بعض ما مضى: بأن التائب من الظلم لا يكون ظالما.
# لأن ظالما من أسماء الفاعلين في اللغة كقاتل وضارب، وليس باسم شرعي،
~~والأسماء المشتقة من الأفعال ثابتة بعد التوبة كثبوتها قبلها، يقولون:
# هذا قاتل زيد وضارب عمرو وخاذل علي وإن تابوا مما اقترفوه، ولو كان من
~~أسماء الشرعية لقبح هذا الإطلاق بعد التوبة كفاسق وكافر.
# ولأن العرب ما تصف فاعل الضرر الخالص بظالم كما تصفه الشريعة، ولو كان
~~منقلا يجري مجرى مصل ومزك، لاختصاصه بعرف الشرع كذين الإسمين، وإقرار
~~الشريعة له على أصل الوضع يسقط الشبهة، لأنها مبنية على قبح الوصف به بعد
~~التوبة، وما قررته الشريعة من الأسماء على أصله لا يجوز سلبه للتائب بلا
~~خلاف بين العلماء بأحكام الخطاب.
# وأما النص الجلي من السنة: فقوله لعلي بن أبي طالب صلوات الله عليهما:
~~أنت الخليفة من بعدي.
# وفي مقام: أنت أخي ووصيي ms086 ووزيري ووارثي والخليفة من بعدي.
# وأمره لأصحابه في غير مقام بالتسليم عليه بإمرة المؤمنين.
# وفي مقامات: أنت الصديق الأكبر والفاروق الأعظم وذو النورين الأزهر
~~ويعسوب المؤمنين والمال يعسوب الظلمة.
# وهذه الأقوال بصريحها مفيدة استخلافه عليا عليه السلام على أمته ودالة
~~على إمامته، فيجب القطع لما على صحة ما نذهب إليه.
# PageV00P192
# إن قيل: لو دلوا على صحة هذه الأخبار ليتم لكم المقصود منها.
# قيل: فيما ذكرناه من الأخبار ما تواتر بنقله الخاصة والعامة، ومنها ما
~~تواترت به الشيعة وضامها (1) على نقله بعض أصحاب الحديث.
# فالأول: خبر الدار وهو جمع النبي عليه السلام لبني هاشم أربعين رجلا،
~~فيهم من يأكل الجذعة ويشرب الفرق، ويصنع لهم فخذ شاة بمد من قمح وصاع من
~~لبن، فأكلوا بأجمعهم وشربوا والطعام والشراب بحاله.
# ثم خطبهم فقال بعد حمد الله والثناء عليه: إن إلى تعالى أرسلني إليكم يا
~~بني هاشم خاصة وإلى الناس عامة، فأيكم يوازرني على هذا الأمر وينصرني يكن
~~أخي ووصيي ووزيري ووارثي والخليفة من بعدي؟
# فأمسك القوم، وقام علي عليه السلام فقال: أنا أوازرك يا رسول الله على
~~هذا الأمر، فقال: أجلس، فأنت أخي ووصيي ووزيري ووارثي والخليفة من وقد أطبى
~~الناقلون بن الفريقين على هذا كنقلهم المعجزات، إذ كان من جملتها إطعام
~~الخلق الكثير باليسير من الطعام وهو هذا اليوم، وكل من روى هذا المقام روى
~~القصة كما شرحناها.
# وأيضا فقد أجمع علماء القبلة على يوم الدار وطريق العلم به النقل، وكل
~~نقل ورد به منقول على ما ذكرناه من النص على علي (2) عليه السلام بالأخوة
~~والوصية والوزارة وشد الأزر والخلافة من بعده، فلحق هذا التفصيل بتلك
~~الجملة إذ جحده جحد لها.
# ومن ذلك: أمره لأصحابه بالتسليم على علي عليه السلام بإمرة المؤمنين في
~~غير مقام، وقد تناصر الخبر المتواتر بذلك من طريقي الشيعة وأصحاب
# PageV00P193
# الحديث، من تأمل النقل وجد ذلك ظاهرا في العامة.
# وقد قيل في ذلك أشعار معلوم إضافتها إلى قائليها، كأشعار الشعراء في
~~الجاهلية والاسلام.
# فمنه: قول حسان بن ثابت ms087 يوم الراية:
# وكان علي أرمد العين يبتغي دواء فلما لم يحس مداويا إلى قوله:
# (فأصفى بها دون البرية كلها عليا) (١) وسماه الوزير المواخيا والوزارة في
~~عرف النبوة خلافة بغير إشكال، بدليل قوله: ﴿واجعل لي وزيرا من أهلي﴾ (2)، أي: خليفة وإماما باتفاق
~~المفسرين.
# ولأن اللفظ الذي تضمن الوزارة والأخوة هو اللفظ الذي تضمن الخلافة، وإنما
~~اقتصر على ذكر بعض المنطوق به اختصارا وتعويلا على علم السامع.
# ومنه: قول بريدة الأسلمي: - وقد ركز رايته في بني أسلم وقال: لا أبايع
~~إلا من أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أسلم عليه بإمرة
~~المؤمنين - يا بيعة هدموا بها أسا وجل دعائم
# PageV00P194
# إلى قوله:
# أمر النبي معاشرا هم أسوة ولازم (1) أن يدخلوا فيسلموا تسليم من هو عالم
~~إن الوصي هو الخليفة بعده والقائم (2) وقال النابغة الجعدي: - وقد سمع
~~أصوات الناس في السقيفة لقيس بن صرمة وعمران بن حصين - قولا لأصلع هاشم إن
~~أنتما لاقيتما (ه) لقد حللت... (3).
# إلى قوله:
# وعليك سلمت (4) الغداة بإمرة للمؤمنين فما رعت تسليمها يا خير من حملته
~~بعد محمد أنثى وأكرم هاشم وعظيمها نكثت بنو تيم بن مرة عهده فتبوأت نيرانها
~~جحيمها وتخاصمت يوم السقيفة والذي فيه الخصام غدا يكون خصيمها وطريق العلم
~~بهذه الأشعار كسائر أشعار الشعراء، وهي دالة على ثبوت النص الجلي من وجهين:
# PageV00P195
# أحدهما: أنه لا داعي لقائلها مع ظهور الكلمة لجحد النص وتولي الأمر من
~~دون المنصوص عليه وإخافة الدائن به إلا الصدق.
# الثاني: أنه لم يحفظ عن أحد من الأمة تكذيب لقائليها مع ارتفاع الأعذار
~~كلها في ترك النكير.
# والثاني: المختص بتواتر الشيعة الإمامية، هو ما عدا خبر الدار والتسليم
~~مما ذكرناه ومما لم نذكره.
# وطريق العلم بتواترهم: أنا نعلم وكل مخالط وجود فرقة عظيمة من الطائفة
~~الإمامية معروفة بنقل الحديث في كل زمان إلى زمن النبي صلى الله عليه وآله
~~وسلم بنقل خلف عن سلف حتى يتصلوا بمن شوفه، بقوله عليه السلام لعلي عليه
~~السلام في مقامات: ms088 أنت الخليفة من بعدي، وأنت سيد المسلمين (1) وإمام
~~المتقين، إلى غير ذلك من النص الصريح بالإمامة، وبلوغ كل طبقة منهم الحد
~~الذي يتعذر معه الكذب بتواطؤ أو اتفاق على ما تبناه في النبوات، فليراع
~~ذلك، فكل (2) شئ قدح به في نقل الشيعة عائد على نقل المسلمين، وكل شئ صحح
~~ذلك صحح هذا.
# وتأمل ذلك يسقط ما يطالبون به من إثبات سلف للشيعة، أو دعوى افتعال، أو
~~حصول كثرة بعد قلة، أو سبب جامع، إلى غير ذلك، فليتأمل.
# ووضعنا الاستدلال على الوجه الذي بيناه ليسقط ما لا يزالون يهذون به: من
~~أن النص الجلي لو كان حقا لم يقف نقله على الشيعة، أو لو كان حقا لكان
~~شائعا ويعم العلم به، يجري مجرى الصلاة والصوم ونص أبي بكر على عمر.
# لأن تواتر العامة بخبر الدار وخبر التسليم يسقط معظم هذا الاعتراض،
~~وتواتر الفريقين به يقتضي شياعه وسقوط دعوى كتمانه، وثبوت الحجة بنقله
# PageV00P196
# يقتضي عموم تكليفه، ووقوف العلم على الناظر دون المعرض المحجوج بالتعريف
~~الفاقد للعلم بتقصيره، إذ ليس من شرط التكليف أن يعلم وجوبه أو قبحه ضرورة،
~~بل ذلك موقوف على ما يعلمه تعالى من الصلاح للمكلف، وهذا أصل مقرر بين أهل
~~العدل، لولا ثبوته يسقط تكليف المعارف العقلية وما يبتني عليها من الشرعيات
~~الموقوف عليها على الاكتساب.
# وخالف حال النص (على) علي عليه السلام لنص أبي بكر على عمر والنص على
~~الصلاة.
# لأنه لا صارف عن نقل نص أبي بكر لمخالف ولا مؤالف، هذا يتدين به وذلك لا
~~يرتفع بثبوته، ولا خوف ديني ولا دنيوي في نقله، وكذلك حكم الصلاة والزكاة،
~~وحال النص في علي عليه السلام على خلاف ذلك.
# على أنا نعلم وهم ضرورة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم ينص على
~~صلاة سادسة ولا على سلمان، ونقطع جميعا على بهت من ادعى ذلك وكذبه، وليست
~~هذه حالنا في دعوى النص على علي عليه السلام، فإذا جاز أن يفقد النص على
~~شيئين يختلف حال العلم بإثباتهما.
# على ms089 أنا نورد طرقا من نقل أصحاب الحديث لهذا الضرب من النص (ترد) (1) هذا
~~الاعتراض:
# فمن ذلك: ما رووه عن أبي سعيد الخدري وعن ابن عباس وعن زيد بن أرقم وعن
~~بريدة الأسلمي جميعا، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:
# من كنت وليه فعلي وليه.
# ورووا من طرق عن بريدة الأسلمي ومحمد بن علي، عن رسول الله صلى
# PageV00P197
# الله عليه وآله وسلم أنه قال:
# علي وليكم من بعدي.
# ورووا عن عمران بن حصين وابن عباس وبريدة الأسلمي وجابر بن عبد الله
~~الأنصاري، كلهم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:
# علي مني وأنا منه، وهو ولي كل مؤمن من بعدي.
# ورووا عن عبد الله بن الحارث قال: دخل علي عليه السلام على رسول الله صلى
~~الله عليه وآله وسلم وعنده عائشة، فجلس بينهما، فقالت: ما وجدت لاستك موضعا
~~إلا فخذي أو فخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال رسول الله صلى
~~الله عليه وآله وسلم.
# مهلا، ولا تؤذيني في أخي، فإنه أمير المؤمنين وسيد المسلمين وأمير الغر
~~المحجلين يوم القيامة، يقعده الله على الصراط فيدخل أولياءه الجنة وأعداءه
~~النار.
# ورووا عن عبد الله بن أسعد بن زرارة، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى
~~الله، عليه وآله وسلم:
# لما أسري بي إلى السماء أوحي إلي في علي عليه السلام: أنه سيد المسلمين
~~وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين.
# ورووا عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
# اسكب لي وضوءا، فتوضأ، ثم قام فصلى ركعتين، ثم قال: يا أنس يدخل عليك من
~~هذا الباب أمير المؤمنين وسيد المسلمين وقائد الغر المحجلين وخاتم الوصيين.
# قلت: اللهم اجعله رجلا من الأنصار إذ جاء علي عليه السلام، فقال:
# من هذا يا أنس؟ فقلت: علي، فقام مستبشرا واعتنقه، ثم جعل يمسح عرق وجهه
~~بوجهة علي عليه السلام. PageV00P198
# فقال علي عليه السلام: لقد رأيتك صنعت اليوم في شيئا ما صنعته بي قط.
# قال: ms090 وما يمنعني وأنت تؤدي عني وتسمعهم صوتي وتبين لهم الذي اختلفوا فيه
~~بعدي.
# ورووا عن رافع مولى عائشة قال: جاءت جارية بإناء مغطى فوضعته بين يدي
~~عائشة، فوضعته عائشة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فمد يده
~~فأكل، ثم قال:
# ليت (1) أمير المؤمنين وسيد المسلمين يأكل معي.
# فقالت عائشة: ومن أمير المؤمنين؟ فسكت.
# ثم جاء جاء فدق الباب، فخرجت إليه فإذا علي بن أبي طالب عليه السلام،
~~فرجعت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبرته، فقال: أدخليه (2)، فدخل.
# فقال: مرحبا وأهلا، والله لقد تمنيتك حتى لو أبطأت علي لسألت الله عز وجل
~~أن يجيئني بك، إجلس فكل، فجلس فأكل.
# فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: قاتل الله من قاتلك، عادى الله
~~من عاداك، الحديث.
# ورووا عن جابر بن سمرة قال: كان علي عليه السلام يقول:
# أرأيتم لو أن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم قبض من كان يكون أمير
~~المؤمنين إلا أنا.
# وربما قيل له: يا أمير المؤمنين، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم ينظر
~~إليه ويتبسم.
# PageV00P199
# ورووا عن جابر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قاعدا مع
~~أصحابه، فرأى عليا عليه السلام، فقال:
# هذا أمير المؤمنين وسيد المسلمين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين.
# ورووا عن زكريا بن ميسرة، عن أبي إسحاق، عن محمد بن علي عليهما السلام
~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
# عرج بي، فانتهو بي إلى السماء السابعة، فأوحى الله إلي في علي عليه
~~السلام ثلاث: سيد المسلمين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين.
# ورووا عن بريدة الأسلمي من عدة طرق أنه قال: أمرنا رسول الله صلى الله
~~عليه وآله وسلم أن نسلم على علي عليه السلام بإمرة المؤمنين.
# ومن طرق أنه قال عليه السلام لأبي بكر وعمر: إذهبا فسلما على أمير
~~المؤمنين.
# قالا: يا رسول الله وأنت حي؟، قال عليه السلام: وأنا حي.
# وفي رواية أخرى: إن عمر قال: يا رسول الله أمن الله ms091 أم من رسوله؟ فقال
~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
# بل من الله ورسوله.
# ورووا عن المسعودي، عن عمر بن عبد الله بن يعلى بن مرة الثقفي، عن أبيه،
~~عن جده قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بيته حوله أصحابه من
~~المهاجرين والأنصار وعائشة إلى جنبه، وذلك قبل أن يضرب الحجاب عليهن.
# فجاء علي عليه السلام فلم ير مجلسا، فجلس بين النبي صلى الله عليه وآله
~~وسلم وعائشة، فقالت عائشة: يا بن أبي طالب ما وجدت مجلسا إلا فخذي، في هذا
~~اليوم تحول بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ما هذا بأول
~~PageV00P200
# ما لقيت منك، فقام (1) رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيده فضرب
~~كتفها، فقال.
# يا حميراء لا تؤذيني في أخي وسيد المسلمين بعدي وأولى الناس بالناس بعدي،
~~والله ليقعدنه الله على الصراط فليقسمن النار فيقول: هذا لي وهذا لك،
~~فيدخلن الله وليه الجنة، وليدخلن عدوه النار ورووا عن طريف، عن الأصبغ بن
~~نباتة، عن سلمان قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول:
# يا معشر المهاجرين والأنصار ألا أدلكم على ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدا
~~بعدي؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: هذا علي أخي ووزيري ووارثي وخليفتي
~~إمامكم فأحبوه لحبي، وأكرموه لكرامتي، فإن جبرئيل عليه السلام أمرني أن
~~أقوله لكم.
# ورووا عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
# ألا أدلكم على ما إن استدللتم عليه لم تهلكوا ولم تضلوا، إن إمامكم
~~ووليكم علي بن أبي طالب عليه السلام فوازروه (2) وناصحوه وصدقوه، إن جبرئيل
~~عليه السلام أمرني بذلك.
# ورووا عن عبيد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن أبي جعفر محمد
~~بن علي، عن أبيه عليهما السلام، عن علي عليه السلام: إن رسول الله صلى الله
~~عليه وآله وسلم قال لفاطمة عليها السلام:
# يا بنية إن الله عز وجل أشرف على أهل الدنيا فاختار أباك ms092 على رجال
~~العالمين، فاصطفاني بالنبوة وجعل أمتي خير الأمم، ثم أشرف ربي الثانية
~~فاختار زوجك علي بن أبي طالب على رجال العالمين، فجعله أخي ووزيري وخليفتي
~~في
# PageV00P201
# أهلي، الحديث.
# ورووا عن مطر بن خالد قال: سمعت أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله
~~عليه وآله وسلم:
# إن أخي ووصيي وخير من أترك بعدي علي بن أبي طالب عليه السلام.
# ورووا عن أنس قال: كنت خادما لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فبينا
~~أنا أوضيه، إذ قال:
# يدخل واحد هو أمير المؤمنين وسيد المسلمين وخير الوصيين وأولى الناس
~~بالناس وأمير الغر المحجلين.
# قلت: اللهم اجعله رجلا من الأنصار حتى قرع الباب، فإذا علي عليه السلام،
~~فلما دخل عرق وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عرقا شديدا، فمسح رسول
~~الله صلى الله عليه وآله وسلم من وجهه بوجه علي عليه السلام.
# فقال علي عليه السلام: ما لي يا رسول الله أنزل في شئ؟ فقال: أنت مني
~~تؤذي عني وتبرئ ذمتي وتبلغ رسالتي.
# فقال: يا رسول الله: أو لم تبلغ الرسالة؟ قال: بلى، ولكن تعلم الناس من
~~بعدي تأويل القرآن ما لم يعلموا أو تخبرهم.
# ورووا عن عمرو المسلي (1) قال: سمعت جابر الجعفي يقول: أخبرني وصي
~~الأوصياء قال: دخل علي عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
~~وعنده عائشة، فجلس قريبا منها، فقال:
# يا عائشة لا تؤذيني في أمير المؤمنين وسيد المسلمين، يقعد غدا يوم
~~القيامة على الصراط، فيدخل أولياءه الجنة وأعداءه النار.
# ورووا عن أبي المنذر الهمداني، عن أبي داود، عن أبي برزة الأسلمي،
# PageV00P202
# قال: كنا إذا سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان علي عليه
~~السلام صاحب متاعه، فإن رأى شيئا يرمه رمه، وإن كانت نعل خصفها، فنزلا
~~منزلا، فأقبل علي عليه السلام يخصف نعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم،
~~ودخل أبو بكر فسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
# إذهب فسلم على أمير المؤمنين، قال: ms093 يا رسول الله وأنت حي! قال: وأنا حي.
# قال: ومن ذلكم؟ قال؟ خاصف النعل.
# ثم جاء عمر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
# اذهب فسلم على أمير المؤمنين.
# قال بريدة: وكنت أنا فيمن دخل معهم، فأمرني أن أسلم على علي عليه السلام،
~~فسلمت عليه كما سلموا.
# ورووا عن حبيب بن يسار وعثمان بن نسيطة (1) مثله.
# وعن أبي بريده مثله.
# ورووا عن أبي ذر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لعلي
~~عليه السلام:
# يا علي من أطاعك فقد أطاعني ومن أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاك فقد
~~عصاني ومن عصاني فقد عصى الله.
# ورووا عن أبي هارون العبدي، عن زاذان (2)، عن سلمان الفارسي رضي الله عنه
~~قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم عرفة فقال:
# أيها الناس إن الله باهى بكم اليوم ليغفر لكم عامة ويغفر لعلي عليه
# PageV00P203
# السلام خاصة.
# فقال: ادن مني يا علي، فدنا، فأخذ بيده ثم قال: إن السعيد كل السعيد حق
~~السعيد من أطاعك وتولاك من بعدي، وإن الشق كل الشقي حق الشقي من عصاك ونصب
~~لك العداوة من بعد.
# ورووا عن أبي أيوب مثله، إلا أنه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه
~~وآله وسلم فقال:
# يا إيها الناس إن الله باهى بكم في هذا اليوم فغفر لكم عامة وغفر لعلي
~~عليه السلام خاصة، فأما العامة ففيهم من يحدث بعدي أحداثا، وهو قول الله عز
~~وجل: ﴿فمن نكث فإنما ينكث على
~~نفسه﴾ (1) وأما الخاصة فطاعته طاعتي ومن عصاه فقد عصاني.
# ورووا عن أبي عمر (2) قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول
~~لعلي عليه السلام:
# يا علي من خالفك فقد خالفني ومن خالفني فقد خالف الله عز وجل.
# ورووا عن ابن أبي ليلى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
# ما من رجل مسلم إلا وقد وصل ودي إلى قلبه، وما وصل ودي إلى قلب أحد ms094 إلا
~~وصل من ود علي عليه السلام إلى قلبه.
# ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: كذب يا علي من زعم أنه يبغضك
~~ويحبني، حتى قالها ثلاثا.
# وهذه نصوص صريحة على فرض طاعة علي كالنبي عليهما الصلاة والسلام، وذلك
~~مقتض لإمامته، لأنه لا أحد يثبت طاعته كالنبي صلى الله عليه
# PageV00P204
# وآله وسلم إلا من يثبت إمامته، وعلى كونه خليفة من بعده، وولي أمره،
~~وأولى الخلق بأمته، وسيد المسلمين وأمير المؤمنين.
# قد نقلها من ذكرنا وأضعافهم من رجال العامة، كل منها مقتض بصريحه النص
~~عليه بالإمامة.
# وأما النص المعلوم مراده منه صلوات صلى عليه بالاستدلال: فخبرا تبوك
~~والغدير، وطريق العلم بهما كبدر وأحد وحنين وغزا تبوك وحجة الوداع وصفين
~~والجمل.
# لأن كل ناقل لغزاة تبوك ناقل لقوله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه
~~السلام: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي.
# وكل من نقل حجة الوداع نقل نزول النبي صلى الله عليه وآله وسلم بغدير خم،
~~وجمع الناس به، وقيامه فيهم خطيبا، وتقريره الأمة علي فرض طاعته، وقوله بعد
~~الاقرار منهم: من كنت مولاه فعلي مولاه.
# كما أن كل من روى بدرا روى مبارزة علي وحمزة وأبي عبيدة لشيبة وعتبة
~~والوليد وقتل الثلاثة.
# وكل من روى أحدا روى قتل وحشي حمزة بن عبد المطلب عليه السلام.
# وكل من روى الجمل روى قتل طلحة والزبير، وعقر الجمل، وهزيمة أنصاره.
# وكل من روى صفين نقل قتل عمار بن ياسر رضي الله عنه ذي الكلاع الحميري
~~لعنه الله، ورفع المصاحف.
# وحصول العلم بهذا التفصيل لكل مخالط متأمل للسير والآثار كالجمل.
# وإذا كان العلم بخبري تبوك والغدير جاريا مجرى ما ذكرناه من الوقائع
~~المعلومة على وجه يقبح الخلاف فيه، لم يحتج إلى استدلال على إثباتهما، كما
~~لم يحتج إليه في شئ من الوقائع - وما ذكرناه من تفصيل الحادث فيها.
~~PageV00P205
# هذا مع علمنا وكل متأمل للروايات بثبوت ذين الخبرين في نقل من لم يرو
~~المغازي ممن تقوم الحجة بنقله ms095 من الخاصة والعامة، فشاركا لعامة الوقائع (1)
~~في النقل، واستبدا بنقل متواتر من الشيعة وأصحاب الحديث، فيجب الحكم بتساوي
~~الطريق إلى العلم بالجميع إن لم يحكم لما ذكرناه بالزيادة لما بينا من
~~المزية على الوقائع.
# وليس لأحد أن يقول: إن الأمر لو كان كذلك لاشترك في العلم به العامي
~~والخاص.
# لأن العلم به ليس من كمال العقل فيجب القول بعمومه، وإنما يحصل للمخالط
~~المتأمل للآثار على الوجه الذي ذكرناه، دون البعيد عنهما، كأمثاله من
~~المعلومات التي يعلم العلم بها من خالط العلماء وتأمل النقل، ولا يحصل
~~للمعرض، كتفصيل ما جرى في بدر وأحد والجمل وصفين وتبوك وحجة الوداع، وكون
~~الركوع والسجود والطواف والوقوف بعرفة من أركان الصلاة والحج، وتعلق فرض
~~الزكاة بأنواع التسعة، وإيجاب تعمد الأكل والشرب والجماع في الصوم بالقضاء
~~والكفارة، إلى باقي أحكام هذه العبادات، وما ثبت تحريمه من المأكل والمشارب
~~والمناكح والمعايش وأحكام البيوع والشهادات والقصاص والمواريث، والمعلوم
~~ضرورة من دينه صلى الله عليه وآله وسلم وجوبها، مع وجود (2) أكثر العامة
~~وقطان البدو والسواد جاهلين بجميعها أو معظمها، لتشاغلهم بما بينهم من
~~المعايش والأغراض الدنيوية.
# فإن كان جهل العامي المعرض عن سماع النقل بخبري الغدير وتبوك قادحا في
~~عموم علمهما لكل مخالط متأمل للآثار فكجهل (3) من ذكرناه من
# PageV00P206
# العوام وأهل البدو والسواد والجند والأكراد بما يعم العلم به من تفاصيل
~~الحروب الدينية والأحكام الشرعية قادح فيما أجمع عليها المسلمون منها وعم
~~العلم به للأكل مخالط متأمل، وهذا ما لا يطلقه أحد من العلماء، لعظيم ما
~~فيه.
# وإن كان جهل هؤلاء الحاصل فيهم لتشاغلهم عن مخالطة العلماء وإعراضهم عن
~~سماع النقل والفتيا غير قادح في عموم العلم بها اتفق العلماء عليه وعلم من
~~دينه صلى الله عليه وآله من الشرعيات، لم يقدح جهل العوام وطغام (1) الناس
~~بخبري تبوك والغدير في ثبوتهما وعموم العلم بهما.
# ولذلك لا نجد أحدا من علماء القبلة قديما وحديثا ينكرهما ولا يقف في
~~صحتهما، كما لا يشك في شئ من الأحكام المجمع عليها، وإن خالف ms096 في المراد
~~بهما.
# ولا يقدح في هذا ما حكاه الطبري عن ابن أبي داود السجستاني من إنكار خبر
~~الغدير.
# بل ذلك يؤكده، لأنه لا شبهة في عموم العلم بما انقضت (2) الأعصار خالية
~~من منكر له، مع ثبوت الاحتجاج به على أكثر أهلها، ووقوف دعوى إنكاره على
~~واحد لا ثاني له، قد سبقه إجماع أهل الأعصار وتأخر عنه، إذ بهذا تميزت
~~المعلومات العامة من غيرها، ولم يقدح فيها - بعد استقرارها وانقراض العصر
~~بفتيا صحتها واتفاق العلماء على عموم الحجة بها - حدوث مخالف فيها، بل أطرح
~~الكل قوله، لولا ذلك لبطلت الشريعة جملة، إذ لا معلوم منها إلا وقد حدث من
~~يخالف فيه.
# على أن المضاف إلى السجستاني من ذلك موقوف على حكاية الطبري،
# PageV00P207
# مع ما بينها من الملاحاة والشنآن، وقد أكذب الطبري في حكايته عنه، وصرح
~~بأنه لم ينكر الخبر، وإنما أنكر أن يكون المسجد بغدير خم متقدما، وصنف
~~كتابا معروفا يعتذر فيه مما قرفه (1) به الطبري ويتبرأ منه.
# وما يجري حاله في الثبوت هذا المجرى الذي لا يمكن دعوى مخالف فيه إلا
~~واحد (اجتمع (2)) عليه العلماء بخلافه، ويعتذر هو مما أضيف إليه، ويكذب
~~الحاكي عنه الذاهب إليه مستغن عن إقامة حجة على صحته.
# وليس لأحد أن يقول: فإذا كان العلم بخبري تبوك والغدير عاما، فلم فزع
~~أكثر سلفكم إلى إيراد الأسانيد بهما وإثبات طريق النقل لهما؟ وأي حاجة فيما
~~عم العلم به كبدر وحنين إلى ترتيب نقل؟
# لأن العلماء من سلفنا وخلفنا - رضي الله عنهم - لم يعولوا في إثبات ذين
~~الخبرين إلا على ما ذكرناه، وإنما نبهوا في الاستدلال على الطريق وصفة
~~التواتر تأكيدا للحجة وتنبيها للمعرض على الطريق التي يعم العلم بتأملها.
# وجروا في ذلك مجرى من يسأل بيان العلم بصفة حجة النبي صلى الله عليه وآله
~~وسلم هل هي قران أو إفراد أو تمتع؟ وأعيان المخلفين عن غزاة تبوك؟
# وهل كانت ذات حرب أم لا؟ وبقتل حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه يوم أحد
~~دون غيره؟ وبقتل ms097 عتبة وشيبة والوليد ببدر؟
# في فزعه إلى الإشارة إلى كتب أصحاب السيرة وطرق الناقلين لذلك لا يجد
~~مندوحة عنه، إذ هو الطريق الذي منه لحق التفصيل بالجمل في عموم العلم،
~~ولذلك يجد كل من لم يخالط العلماء ويسمع (3) الأخبار ويتأمل الآثار من
~~العوام وأهل السواد والأعراب وأشباههم لا يعلم شيئا من ذلك، ولا يكون
~~التنبيه لهم
# PageV00P208
# على طريق العلم بما نقله الرواة وأصحاب السير من تفاصيل ما جرى قادحا في
~~عموم العلم بها لكل متأمل للآثار.
# كذلك حال المنبه من شيوخنا - رضي الله عنهم - على طرق الناقلين والمشير
~~إلى صفات المتواترين بخبري تبوك والغدير للمعرض عن سماع ذلك ليس بقادح فيما
~~بيناه من عموم العلم بهما للمتأملين.
# على أن بإيراد ما نقله أصحاب الحديث من الخاصة والعامة حصل للسامع العلم
~~بهما، كما ينقل الرواة للمغازي حصل العلم بها لكل سامع، وكيف يكون التنبيه
~~على طريق عموم العلم بالمنقول قادحا فيه لولا الغفلة.
# وإذا كانت الحجة ثابتة بهما على الوجه الذي ذكرناه تعين فرض النظر فيهما
~~ليعلم المراد بهما، ومتى فعل هذا الواجب دل فاعله على كون كل منهما دالا
~~على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام من وجوه.
# أما خبر تبوك، فإنه صلوات الله عليه دل به على أن عليا عليه السلام منه
~~بمنزلة هارون من موسى إلا النبوة في الحال التي استثنى فيها ما لم يرد
~~ثبوته لعلي عليه السلام من النبوة، وذلك يقتضي ثبوت ما عداها من منازل
~~هارون لعلي عليه السلام بعد وفاته، ودال على استخلافه له بهذا القول من
~~وجوه:
# منها: أن من جملة منازل هارون عليه السلام كونه خليفة لموسى عليه السلام
~~على بني إسرائيل، وقد نطق بذلك القرآن في قوله سبحانه: ﴿وقال موسى لأخيه هارون أخلفني في قومي وأصلح﴾ (1)
~~الآية، وأجمع عليه المسلمون، فيجب كون علي من رسول الله صلى الله عليه وآله
~~وعليهما (2) كذلك، إذ لا فرق بين أن يقول فيه: أنت الخليفة من بعدي، وبين
~~أن يقول: أنت ms098 مني بمنزلة هارون من موسى، مع علم المخاطب بكون هارون خليفة
~~لموسى، كما لا
# PageV00P209
# فرق بين قول الملك الحكيم لمن يريد استيزاره: أنت وزيري، أو: أنت مني
~~بمنزلة فلان من فلان المعلوم كونه وزيرا له.
# ومنها: أن من جملة منازل هارون كونه مفترض الطاعة على كافة بني إسرائيل،
~~فيجب كون علي عليه السلام كذلك، وذلك يوجب إمامته، إذ لا فرق بين أن يقول
~~عليه السلام: أنت الخليفة من بعدي أو إمام أمتي أو المفترض الطاعة عليهم،
~~أو أنت مني بمنزلة هارون من موسى، مع علم السامع والناظر بكون هارون مفترض
~~الطاعة على كافة بني إسرائيل.
# ومنها: أن من جملة منازل هارون كونه مستحقا لمقام موسى عليه السلام
~~باتفاق، فيجب أن يكون علي عليه السلام كذلك، إذ لا فرق بين أن يقول عليه
~~السلام: أنت مستحق لمقامي، أو أنت مني بمنزلة هارون المعلوم استحقاقه لمقام
~~موسى عليه السلام.
# وليس لأحد أن يقدح فيما ذكرناه: بأن الاستحقان وفرض الطاعة والاستخلاف
~~كان لهارون بالنبوة، وقد استثناها النبي ملى الله عليه وآله وسلم، فيجب أن
~~يلحق بها في النفي ما هو موجب عنها.
# لأنا نعلم (عدم) وقوف الاستخلاف وفرض الطاعة على النبوة، لصحة استحقاق
~~ذلك من دونها، والمعلوم ثبوت الاستحقاق والاستخلاف وفرض الطاعة لهارون عليه
~~السلام، ولا سبيل إلى العلم بوجهه.
# على أنه لو سلم لهم ذلك لم يضرنا، لأنه صلى الله عليه وآله وسلم جمع في
~~الاستحقاق، فيجب الحكم بمشاركتهما فيه، وإن اختلفت (1) جهتاه، إذ كان
~~اختلاف جهات الاستحقاق لا يمنع من المشاركة فيه بغير إشكال.
# وإنما كان يكون في كلامهم شبهة لو كان فرض الطاعة والخلافة لا يثبتان إلا
~~لنبي، ليكون استثناء النبوة استثناء لهما، والمعلوم خلاف ذلك، فليس
# PageV00P210
# استثناؤها يقتضي استثناء المنازل الثابتة بها، (وإلا) لم يكن في كلام
~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم فائدة، لأنه لا يبقى شئ من منازل هارون يصح
~~إثباته لعلي عليه السلام حسب ما تضمنه لفظ النبي ودل منه على مراده، وذلك
~~مما لا يصح ms099 وصفه به.
# فلم يبق إلا القول بثبوت منازل هارون له بعد النبوة أو بها، وليس في
~~استثنائها استثناء المنازل، ليصح مقصود النبي صلى آله عليه وآله وسلم.
# وليس لأحد أن يقول: المحبة والنصرة غير موجبين عن النبوة كالخلافة وفرض
~~الطاعة الثابتين عنها، فإذا استثناها باستثناء مقتضيهما بقيت المحبة
~~والنصرة، فتخصص مراده بهما، وذلك يخرج كلامه عليه السلام عن العبث.
# لأن المحبة والنصرة كالخلافة وفرض الطاعة في صحة كونهما موجبين عن
~~النبوة، كصحة كون الخلافة وفرض الطاعة ثابتين بغير النبوة، إذا كانت هذه
~~القضية واجبة فمطلق قوله صلى الله عليه وآله وسلم يتناول جميع المنازل
~~الهارونية، إلا ما استثناه من النبوة التي لا يدل استثناوها على استثناء
~~بعض المنازل دون بعض، لصحة استحقاق الكل بها، وخروج ثبوت الجميع عن
~~مقتضاها، فلو أراد بعض ما عدا المستثنى لوجب عليه بيانه، وفي إطلاقه صلى
~~الله عليه وآله وإمساكه عن الإبانة بتخصيص مراده ببعض المنازل دليلا على
~~إرادته الجميع.
# وأيضا فإن المحبة والنصرة معلوم ضرورة لكل سامع مقبر بالنبوة ومنكر لها
~~ثبوتها لعلي من النبي صلوات الله عليهما، فلا فائدة أيضا إذا في إعلام ما
~~لا يدخل في معلومه شبهة.
# على أن ذلك لو صح أن يكون مرادا - مع بعده - وقصده النبي صلى الله عليه
~~وآله وسلم، لنص عليه خاصة، ولم يحتج إلى إطلاق لفظ موهم له ولغيره مع عدم
~~الإبانة. PageV00P211
# ولا يجوز أن يقال: على هذا لو أراد الخلافة لنص عليها بعينها، ولم يحتج
~~إلى قول يحتملها وغيرها.
# لأنه عليه السلام أراد بما قاله الخلافة وما عداها من المنازل الهارونية
~~عدا النبوة، ولو نص على الخلافة أيضا لا يستفد من نصه غيرها، فافترق
~~الأمران، (و) المنة لله.
# وليس لهم أن يقولوا: لو أفاد الخبر فرض الطاعة والاستخلاف لكان ثابتا في
~~حياته كثبوت ذلك لهارون من موسى عليهما السلام، والاجماع بخلاف ذلك.
# لأن الخبر إذا كان مفيدا للاستخلاف بما أوضحناه وجب حمله على عرف
~~الاستخلاف، وقد علمنا أنه لا يفهم من قول الملك لغيره: ms100 أنت خليفتي والقائم
~~مقامي، إلا بعد وفاته.
# وأيضا فإن الخبر إذا وجبت به إمامته عليه السلام على كل حال، فمنع
~~الإجماع من ثبوتها في حال الحياة، بقيت أحوال بعد الوفاة.
# وبعد، فإنا قد أوضحنا أنه عليه السلام قد أفصح في كلامه بمراده، فأغنى
~~الناظر عن هذا القدح بقوله: إلا أنه لا نبي بعدي، فنفى النبوة بعده، فاقتضى
~~ذلك أن يكون ما عدا المستثنى ثابتا في الحال التي نفى فيها ما لم يرده من
~~المنازل، فناب ذلك مناب قوله صلى الله عليه وآله: أنت مني بعد وفاتي بمنزلة
~~هارون من موسى في حياته، لأن إطلاق الاستحقاق وفرض الطاعة يتناول زماني
~~الحياة الوفاة، فإذا استثنى ما لم يرده من المنازل التي لولا الاستثناء
~~لكانت ثابتة في حال بعد الوفاة، اختص مراده صلى الله عليه وآله بها دون حال
~~الحياة، لأنه لا فرق بين قول القائل لصاحبه: اضرب غلماني يوم الخميس إلا
~~زيدا، وبين قوله:
# اضرب غلماني إلا زيدا يوم الخميس، في تخصيص أمره بإيقاع الضرب بالمأمور
~~بهم بيوم الخميس.
# ولا يجوز حمل قوله عليه السلام: بعدي، على بعد نبوتي، لأنه رجوع
~~PageV00P212
# عن الظاهر الذي لا يفهم من إطلاقه إلا بعد الوفاة، كقوله صلى الله عليه
~~وآله:
# لا ترجعوا بعدي كفارا.
# أو كقوله لعلي عليه السلام: ستغدر بك الأمة بعدي.
# وقوله: تقاتل بعدي الناكثين والقاسطين والمارقين.
# في إفادة ذلك أجمع بعد الوفاة بغير إشكال.
# ولأن الخبر قد أفاد فرض الطاعة والإمامة، فمنع ذلك من حمله على ما قالوه.
# ولأنه لا أحد قال إن الخبر يفيد الإمامة إلا قال بثبوتها بعد وفاته عليه
~~السلام، وقد دللنا على اختصاص إفادته لذلك.
# ولو سلم ما قالوه لاقتضى استحقاق علي عليه السلام الإمامة وفرض الطاعة في
~~كل حال، انتفت فيه النبوة من بعد ثبوتها له، ولا يخرج من ذلك إلا ما أجمع
~~عليه المسلمون.
# ولا يعترضنا قولهم: إن لفظ: منزلة لفظ توحيد، وأنتم تحملونها على جملة
~~منازل.
# لأن القائل قد يعبر عمن له عدة منازل من السلطان ms101 فيقول: منزلة فلان من
~~السلطان جليلة، وهو يريد الجميع، ويوضح ذلك ثبوت الاستثناء مع قبح دخوله في
~~لفظ الواحد، إذ كان من حقه أن يخرج من الجملة ما تعلق به ويبقى ما عداه.
# وإذا ثبت أن لفظ: منزلة متناول لعدة منازل، بدليل دخول الاستثناء الذي لا
~~يدخل إلا على الجمل، فكل من قال بذلك قال إن الخبر مفيد للإمامة.
# وليس لأحد أن يقول: إنه عليه السلام لو أراد الخلافة لشبهه بيوشع.
# لأنا قد بينا دلالة الخبر على الخلافة مع تشبيهه بهارون، فاقتضى ذلك سقوط
~~السؤال، إذ كان الاقتراح في الأدلة باطل. PageV00P213
# على أن لعدوله صلى الله عليه وآله بتشبيهه بهارون عن يوشع وجهين:
# أحدها: أن خلافة هارون منطوق بها في القرآن ومجمع عليها، وخلافة يوشع
~~مقصورة على دعوى اليهود العرية من حجة.
# الثاني: أنه عليه السلام قصد مع إرادة النص على علي عليه السلام بالإمامة
~~إيجاب باقي المنازل الهارونية من موسى له منه: من النصرة وشدة الأزر
~~والمحبة والاخلاص في النصيحة والتأدية عنه، ولو شبهه بيوشع لم يفهم منه إلا
~~الخلافة، فلذلك عدل إلى تشبيهه بهارون عليه السلام.
# وأما خبر الغدير، فدال على إمامته عليه السلام من وجهين:
# أحدهما: أنه صلوات الله عليه قرر المخاطبين بما له عليهم من فرض الطاعة
~~بقوله: ألست أولى بكم منكم بأنفسكم، فلا أقروا قال عاطفا من غير فصل بحرف
~~التعقيب: فمن كنت مولاه فعلي مولاه، وذلك يقتضي كون علي عليه السلام مشاركا
~~له صلوات الله عليه وآله في كونه أولى بالخلق من أنفسهم، وذلك مقتض لفرض
~~طاعته عليهم، وثبوتها على هذا الوجه يفيد إمامته بغير شبهة.
# إن قيل: دلوا على أن من جملة أقسام مولى أولى، وأنها في الخبر مختصة به،
~~وأن أولى يفيد الإمامة.
# قيل: أما كون أولى من جملة أقسام مولى فظاهر في العربية ظهورا لا يدخل
~~فيه (١) شبهة على أحد عرفها، لثبوتها من جملة أقسامها، وحصول النص منهم
~~عليها، كالمالك والمملوك، ونص أهلها على كونها من جملة الأقسام كهما، وقد
~~نطق ms102 القرآن بذلك في قوله تعالى: ﴿مأواكم النار هي مولاكم﴾ (2)، يريد: أولى
# PageV00P214
# بكم، وقوله سبحانه: ﴿ولكل جعلنا موالي
~~مما ترك الوالدان والأقربون﴾ (1)، يريد: أولى بالميراث بغير خلاف بين
~~علماء التأويل، ولأنه لا تحتمل لفظة مولى في الآيتين إلا الأولى.
# على أن اشتقاق أقسام مولى يرجع إلى الأولى على ما بينته، وذلك يوجب حملها
~~عليه، لكونها حقيقة في الأولى دون سائر الأقسام.
# وأما كونها مقصودة في الخبر دون سائر الأقسام، فمن وجهين:
# أحدهما: أنها الأصل لسائر أقسام مولى، فيجب حمل مطلقها عليها، كخطاب سائر
~~الحكماء.
# الثاني: اتفاق العلماء بالخطاب على أن تقديم البيان على المجمل، وطريق
~~(2) المخاطبين على المراد به أبلغ في الإفهام من تأخيره.
# يوضح ذلك: أن مواضعة المكلف سبحانه على معنى صلاة وزكاة قبل الخطاب بهما
~~أبلغ قي البيان من تأخير ذلك عليه، وأن قول القائل لمن يريد إفهامه: ألست
~~عارفا بأخي زيد الفقيه، وداري الظاهرة بمحلة كذا؟ فإذا قال:
# بلى، قال: فإن أخي ارتد وداري احترقت، أبلغ في الإبانة عن مراده من تأخير
~~هذا البيان عن قوله: ارتد أخي، واحترقت داري، لوقوع العلم بمقصوده مع
~~الخطاب الأول في الحال، وتراخيه مع الثاني، ولاختلاف العلماء فيما يتأخر
~~بيانه، وهل هو بيان له أم لا؟ واتفاقهم على كون ما تقدم بيانه مفيدا للعلم
~~بالمراد حين يسمع المجمل.
# وإذا تقرر هذا، وكنا وخصومنا وكل عارف بأحكام الخطاب متفقين على أنه
~~صلوات الله عليه وآله لو قال بعد قوله: من كنت مولاه فعلي مولاه أردت بمولى
~~أولى، لم يحسن الشك في إرادته بلفظة مولى أولى، ولم يستحق المخالف فيه
# PageV00P215
# جوابا إلا التنبيه على غفلته، فتقديمه صلوات الله عليه وآله التقرير على
~~الأولى وإتيانه بعده بالمجمل أبلغ في بيان مراده من التقرير الأول، على ما
~~أوضحناه من ذلك.
# وليس لأحد عرف الخطاب أن يقول: دلوا على أن الكلام الثاني مبني على
~~الأول، وأن الأول بيان له.
# لأن دخول الفاء المختصة بالتعقيب في الكلام ms103 الثاني يوجب تعلقه بالأول على
~~أخص الوجوه، وتعلقه به مع احتماله - لو انفرد - له ولغيره من المعاني دليل
~~على كونه بيانا له، لأن قوله صلى الله عليه وآله: فمن كنت مولاه، متعلق
~~بقوله:
# ألست أولى بكم، بمقتضى العطف وتعلقه به يقتضي إرادة مولى، لترتبه عليه
~~وكونه بيانا له، وقوله عليه السلام إثر ذلك: فعلي مولاه جار هذا المجرى،
~~فيجب إلحاقه به، والحكم له بمقتضاه.
# وأما إفادة الأولى للإمامة فظاهر، لأن حقيقة الأولى الأملك بالتصرف الأحق
~~بالتدبير، يقولون: فلان أولى بالدم وبالمرأة وباليتيم وبالأمر، بمعنى الأحق
~~الأملك، فإذا حصل هذا المعنى بين شحص وجماعة اقتضى كونه مفترض الطاعة
~~عليهم، من حيث كان أولى بهم من أنفسهم في تقديم مراداته وإن كرهوا واجتناب
~~مكروهاته. وإن أرادوا، وعلى هذا خرج قوله تعالى: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾ (1)، وعليه قررهم
~~صلى الله عليه وآله.
# وإذا وجب مثله للمنصوص عليه به وجبت طاعته على الوجه الذي كان له عليه
~~السلام، ووجوبها على هذا الوجه يقتضي إمامته بغير نزاع.
# وبهذا التحرير تسقط شبهة من يظن اختصاص أولى بشئ دون شئ، أو بحال دون
~~حال، أو مكلف دون مكلف، لأن ترتبها على ما قرره صلوات الله عليه وآله من
~~فرض الطاعة الثابت عمومها للمكلفين والأحوال والأمور يوجب
# PageV00P216
# المشاركة له صلوات الله عليه وآله في جميع ذلك، ولأنه لا أحد قال إن
~~مراده بمولى أولى إلا قال بإيجاب طاعته عليه السلام على الجميع، وعمومها
~~للأحوال والأمور.
# والوجه الثاني: من الاستدلال: أن مجرد قوله عليه السلام: من كنت مولاه
~~فعلي مولاه يدل على أنه عليه السلام أراد الأولى المفيد للإمامة - لما
~~قررناه - من وجوه ثلاثة:
# منها: أن لفظ مولى حقيقة في الأولى، لاستقلالها بنفسها، ورجوع سائر
~~الأقسام في الاشتقاق إليها، لأن المالك إنما كان مولى لكونه أولى بتدبير
~~رقيقه وبحمل جريرته، والمملوك مولى لكونه أولى بطاعة مالكه، والمعتق
~~والمعتق كذلك، والناصر لكونه أولى بنصرة من نصره، والحليف لكونه أولى بنصرة
~~حليفه، والجار لكونه ولى ms104 بنصرة جاره والذب عنه، والصهر لكونه أولى بمصاهره،
~~والإمام والورا (1) لكونه أولى بمن يليه، وابن العم لكونه أولى بنصرة ابن
~~عمه والعقل عنه، والمحب المخلص لكونه أولى بنصرة محبه ومواده.
# وإذا كانت لفظة مولى حقيقة في الأولى وجب حملها عليها دون سائر أقسامها،
~~كوجوب ذلك في سائر الخطاب الجاري هذا المجرى.
# الثاني: أن لفظة مولى لو كانت مشتركة بين سائر الأقسام وغير مختصة.
# ببعضها لوجب حمل خطابه صلوات الله عليه وآله بها على جميع محتملاتها إلا
~~ما منع منه مانع، كوجوب مثل ذلك في خطاب مشترك فقدت الدلالة من المخاطب به
~~على تخصص مراده ببعض محتملاته.
# الثالث: أنه عليه السلام جمع الخلق لهذا الأمر وأظهر من الاهتمام به ما
~~لم يظهر منه في شئ مما أتى به، ولا بد لذلك من غرض مثله، لأن خلوه من غرض
~~أو غرض مثله عبث وسفه، ولا يجوز وصفه عليه السلام به.
# PageV00P217
# ولا يجوز أن يريد عليه السلام المالك، ولا المملوك، ولا المعتق، ولا
~~المعتق، ولا الحليف، ولا الجار ولا الإمام، ولا الورا (1)، ولا الصهر،
~~لحصول العلم الضروري بخلاف ذلك أجمع.
# ولا يجوز أن يريد ابن العم، لأنه لا فائدة فيه، لحصول العلم به قبل
~~خطابه.
# ولا يجوز أن يريد ولاية المحبة والنصرة، لوجوبهما على كافة المسلمين، فلا
~~وجه لتخصيصه عليا بها.
# فلم يبق إلا الأولى الأحق بالتدبير الأملك بالتصرف.
# وليس لأحد أن يحمل مراده عليه السلام بلفظة مولى على الموالاة على الظاهر
~~والباطن - حسب ما وجب له عليه السلام على المخاطبين - من وجوه:
# منها: أن طريقته المقدمة تمنع منه.
# ومنها: كون مولى حقيقة في أولى يجب لها حمل المراد عليها حسب ما بيناه.
# ومنها: وجوب حمل اللفظ المحتمل للأشياء على جميع محتملاته، فلو كان ما
~~ذكروه مما يحتمله لفظة مولى لوجب دخوله تحت المراد من غير منافاة لإرادة
~~الأولى.
# ومنها: أن الموالاة على الباطن ليست من أقسام مولى في لغة العرب
~~المخاطبين بها، فلا يجوز حمل خطابه عليه السلام على ما لا يفيد ms105 مطلقه من
~~غير مواضعة تقدمت ولا بيان تأخر.
# ومنها: أنه لو كانت هذه الولاية من جملة الأقسام لوجب - لو أرادها - أن
~~يقول: من كان مولاي فهو مولى لعلي، لأنه وعليا عليهما السلام هما (2)
# PageV00P218
# المتوليان على الظاهر والباطن دون المخاطبين، فلما خرج خطابه صلى الله
~~عليه وآله بعكس ذلك استحال حمل مولى في الخبر على ولاية الباطن والظاهر لو
~~كان ذلك شائعا في اللغة، لأنه يقتضي كون النبي وعلي صلوات الله عليهما هما
~~المتوليان للمخاطبين على الظاهر والباطن، وهذا ظاهر الفساد.
# على أن الحامل لمخالفينا على هذا التأويل المتعسف تخصيص علي عليه السلام
~~بما لا يشركه فيه غيره حسب ما اقتضت الحال، والولاية على الظاهر والباطن
~~حاصلة لجماعة من الصحابة باتفاق، فمنع ذلك من تخصيص علي عليه السلام بها لو
~~كان الخطاب محتملا لها.
# اللهم إلا أن يريدوا ولاية خاصة لا يشرك النبي صلى الله عليه وآله فيها
~~غير علي عليه السلام، فيكون (1) ذلك تسليما منهم للإمامة بغير شبهة.
# إن قيل: فطريقكم من هذا الخبر يوجب كون علي عليه السلام إماما في الحال،
~~والاجماع بخلاف ذلك.
# قيل: هذا يسقط من وجوه:
# أحدها: أنه جرى في استخلافه عليا صلوات الله عليهما على عادة المستخلفين
~~الذين يطلقون إيجاب الاستخلاف في الحال ومرادهم بعد الوفاة، ولا يفتقرون
~~إلى بيان، لعلم السامعين بهذا العرف المستقر.
# وثانيها: أن الخبر إذا أفاد فرض طاعته وإمامته عليه السلام على العموم
~~وخرج حال الحياة بالاجماع، بقي ما عداه.
# وليس لأحد أن يقول: على هذا الوجه فألحقوا بحال حياة النبي صلى الله عليه
~~وآله أحوال المتقدمين على أمير المؤمنين عليه السلام.
# لأنا إنما أخبرنا حال الحياة من عموم الأحوال للدليل، (ولا دليل) على
# PageV00P219
# إمامة المتقدمين، وسنبين ذلك في ما بعد، ولأن كل قائل بالنص قائل بإيجاب
~~إمامته عليه السلام بعد النبي صلى الله عليه وآله بلا فصل، فإذا كان دالا
~~على النص بما أوضحنا سقط السؤال، ووجب إلحاق الفرع بالأصل.
# وثالثها: أنا نقول بموجبه من كونه عليه السلام مفترض الطاعة ms106 على كل مكلف
~~وفي كل أمر وحال منذ النطق به وإلى أن قبضه الله تعالى إليه وإلى الآن،
~~وموسوما بذلك، ولا يمنع منه إجماع، لاختصاصه بالمنح من وجود إمامين، وليس
~~هو في حياة النبي صلى الله عليه وآله كذلك، لكونه مرعيا للنبي صلوات الله
~~عليهما وتحت يده، وإذا كان مفترض الطاعة فقط لثبوته للأمراء (1)، وإنما كان
~~كذلك لأنه لا يد فوق يده، وهذا لم يحصل إلا بعد وفاته صلوات الله عليه.
# (مراعاة أمير المؤمنين القوم لا تقدح في إمامته) ولا يمكن القدح في ثبوت
~~إمامته عليه السلام: بإمساكه عن النكير، ومبايعته للقوم، وإظهار التسليم،
~~وحضور مجالسهم، والصلاة خلفهم، وأخذ عطائهم، والنكاح من سبيهم، وإنكاح عمر
~~ابنته، وقول العباس له عند وفاة النبي عليه السلام: ألا يدخل بنا إليه
~~فنسأله: هل لنا في هذا الأمر شئ؟ ولو كان النص ثابتا لم يجهله العباس،
~~وامتناعه بعد وفاته صلى الله عليه وآله من مبايعة العباس وأبي سفيان وهما
~~سيدا بني عبد مناف، ودخوله في الشورى، وتقلده الأمر بعد عثمان بالاختيار،
~~وتحكيم الحكمين.
# لأن هذه الأمور أجمع غير قادحة في شئ من أدلة النص، ومع ذلك فهي ساقطة
~~على أصول المسؤول عنها والسائل، ولا شبهة في سقوط ما هذه حاله من الشبه
~~وسقوط فرض الإجابة عنه.
# PageV00P220
# أما سلامة النص من القدح بها، فلسلامة الظواهر الدالة عليه من الكتاب
~~والسنة منها، إذ كانت أجمع لا تخرج شيئا من نصوص الكتاب والسنة عن اقتضائه
~~للنص بغير شبهة على تأمل، وسلامة الظاهر من القدح بشئ مما ذكر مقتض للمصير
~~إلى موجبها من القول بإمامته عليه السلام، وسقوط اعتراضهما بشئ لا تعلق له
~~بهما.
# ولأن ثبوت النص على علي عليه السلام بالإمامة يقتضي ثبوت إمامته بعد
~~النبي صلى الله عليه وآله وإلى حين وفاته عليه السلام، وثبوت ذلك في هذه
~~الحال يقتضي القطع على استمرار عد الله فيها - لو لم تكن العصمة من شروط
~~الإمامة، والحكم لجميع أفعاله بالحسن - لإجماع الأمة على فساد إمامة الإمام
~~بما يقع من ms107 فسق، فسقط لذلك أيضا جميع ما اعترضوا به، ولم يبق إلا الرجوع
~~إلى المنازعة في ظواهر النصوص، فيكون ذلك رجوعا (لما) سلموه وإسقاطا لما
~~اعترضوا به، وهو المقصود، واستينافا لاعتراض النصوص المحروسة بالحجة من كل
~~شبهة على ما سلف بيانه، والمنة لله سبحانه.
# وأما سقوط هذه الاعتراضات على أصولنا، فما بيناه من كون النص بالإمامة
~~كاشفا عن عصمة المنصوص عليه، ولا شبهة في سلامة أفعال المعصوم من القدح،
~~والحكم لجميعها بالحسن، ولعد معترضها عن الصواب.
# وأما سقوطها على أصولهم، فلأنهم قد أجمعوا أن عليا عليه السلام من رؤساء
~~المجتهدين، وممن لا يعترض اجتهاده باجتهاد واحد سواه، ومن كانت هذه حاله
~~فغير ملوم في شئ من اجتهاداته عند أحد منهم، ولا مأزور عند الله تعالى،
~~فكيف يوسع لمن هذه أصوله واعتقاداته في علي عليه السلام أن يقدح في عد الله
~~بما اجتهد فيه - مع قولهم بصواب كل مجتهد وإن بلغ غاية في التقصير - لولا
~~قلة الإنصاف.
# وليس لهم أن يقولوا: لسنا نخطئه عليه السلام في شئ مما ذكرناه، وإنما
~~PageV00P221
# نفينا به ما تدعونه من النص عليه.
# لأنهم متى لم يفرضوا قبح هذه الأمور مع تسليم النص لم يصح القدح بها في
~~إمامته عليه السلام، إذ لا قدح بشئ من الأفعال الحسنة في إمامة منصوص عليه
~~ولا مجتاز (1).
# على أن هذه الأفعال إذا كانت حسنة عند الجميع، فلا منافاة بينها وبين
~~النص الكاشف عندنا عن عصمة المنصوص عليه وعن علو رتبته في الاجتهاد عندهم،
~~وليس بموجب عليه عندنا ولا عندهم تقلد الأمر على كل حال، وإنما يتعين هذا
~~الفرض بشرط التمكن المرتفع بالاضطرار إلى سقوطه وما تبعه من الأمور
~~المذكورة وغيرها، فكيف ظن مخالفونا في الإمامة منافاة النص لما ذكروه من
~~الأمور لولا بعدهم عن الصواب.
# على أنا نتبرع بذكر الوجه في جميع ما ذكروه مفصلا، وإن كنا مستغنين عنه
~~بما ذكرناه:
# أما ترك النكير، ففرضه متعين بمجموع شروط يجب على مدعي تكاملها في علي
~~عليه السلام إقامة البرهان بذلك، وهيهات.
# أن ms108 الممكن فعله من النكير قد أدلى به عليه السلام، وهو التذكار والتخويف
~~والتصريح باستحقاقه الأمر دونهم، وما زاد على ذلك من المحاربة موقوف على
~~وجود الناصر المفقود في الحال بغير إشكال، وكيف يظن به عليه السلام تمكنا
~~من حرب (2) المتقدمين على من رآه لا يستطيع الجلوس في بيته دونهم لولا قبيح
~~العصبية وشديد العناد.
# وأما البيعة، فإن أريد بها الرضا فمن أفعال القلوب التي لا يعلمها غيره
~~تعالى، بل لا ظن بها فيه، لفقد أمارتها وثبوت ضدها.
# PageV00P222
# وإن أريد الصفقة باليد فغير نافعة، لا سيما مع كونها واقعة عن امتناع
~~شديد، وتخلف ظاهر، وتواصل إنكار عليه، وتقبيح لفعله، وموالاة مراجعة بتهديد
~~(1) تارة وتخويف أخرى وتحشيم وتقبيح، إلى غير ذلك مما هو معلوم، ودلالة ما
~~وقع على هذا الوجه على كراهية المبايع واضحة.
# وأما إظهار التسليم، فعند فقد كل ما يظن معه الانتصار ولهذا صرح عليه
~~السلام عند التمكن من القول بوجود الأنصار بأكثر ما في نفسه من ظلم القوم
~~له وتقدمهم عليه بغير حق، وسنورد طرفا منه فيما بعد إن شاء الله، وذلك مانع
~~من وقوع تسليمه عن رضى.
# وأما حضور مجالسهم، فللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المتمكن منه،
~~وتنبيه الغافل وإرشاد الضال، وتعليم الجاهل واستدراك الفائت، وهذه أمور
~~يختص وجوبها (به) (2) مضافا إلى غيرها، تمكن منها ومنع من تلك، فوجب عليه
~~فعل ما تمكن منه ويسقط عنه فرض الممنوع منه.
# وأما الصلاة خلفهم، فلا دلالة على كونه عليه السلام مقتديا بهم، لكون
~~الاقتداء من أفعال القلوب، ولأنه أقرء القوم وأفقههم، فلا يجوز له الاقتداء
~~بهم حسب ما نص عليه شارع الجماعة صلى الله عليه وآله، ولأنه إمام الذي لا
~~يجوز التقدم عليه، ولا يجوز له اتباع رعيته.
# فهذه أصولنا الموافقة للأدلة تمنع من كونه عليه السلام مقتديا بغيره.
# فأما أصول القوم، فإنهم يجيزون الصلاة خلف الفاسق، فكيف تكون صلاة المسلم
~~خلف أبي بكر دلالة على إمامته أو فضله، أو قادحة في عدالة المصلي أو
~~إمامته، لولا غفلة السائل وجهله ms109 بأصوله وأصول خصمه.
# وأما أخذ العطاء، فليسوا بذي مال يخصهم إعطاؤه، وإنما هو مال الله
# PageV00P223
# الذي جعله لأنصار الإسلام، وأمير المؤمنين علي عليه السلام زعيم النصرة
~~وأحق الأنصار به.
# على أن فرض تصريف هذا المال مردود إليه جملة، فتمكنه من البعض لا يقتضي
~~رضاه بالمنع من البعض الآخر، ولو كان العطاء من مالهم لم يدل على صواب
~~رأيهم في الإمامة بإعطائه، ولا خطأ علي بأخذه، كسائر العطايا.
# وأما نكاحه من سبيهم، فبنوا حنيفة لا يعدون أمرين: إما كونهم مستحقين
~~المسبي في الله، أو غير مستحقين.
# وكونهم مستحقين يقتضي إباحة ملك سبيهم، وإن كان السابي ظالما ليس بإمام
~~ولا بمأموم عدل، لولا ذلك يحرم نكاح المسبي في كل زمان لا إمام فيه منصوص
~~عليه ولا مجتاز (1)، وقد أجمع المسلمون على خلاف ذلك.
# وكونهم غير مستحقين يقتضي كونه عليه السلام عاقدا على خولة الحنفية،
~~لكونه عالما بما يحل ويحرم، وممن لا يقدم على ما يعلمه حراما باتفاق.
# وأما مناكحة عمر، فالتقية المبيحة للامساك عن النكير - لما فعلوه من تقلد
~~أمر الإمامة - مبيحة لذلك، لكونه مستصغرا في جنبه.
# على أن حال عمر في خلافه لا تزيد على حال عبد الله بن أبي السلول وغيره
~~من المنافقين، وقد كانوا يناحكون في زمن النبي صلى الله عليه وآله، لاظهار
~~الشهادتين وانقيادهم للملة، وهذه حال عمر.
# وعلم علي عليه السلام بالدليل كفر عمر كعلم النبي صلى الله عليه وآله
~~بالوحي كفر ابن أبي السلول وغيره، فكما لا يمنع ذلك من مناكحتهم، فكذلك
~~هذا.
# وأما ما روي عن العباس من قوله لعين عليه السلام: أدخل بنا إلى النبي صلى
~~الله عليه وآله - الحديث - فغير معلوم، فيلزم تأوله، والأشبه أن يكون
# PageV00P224
# كذبا، من حيث كان ظاهره يقتضي جهل العباس رضي الله عنه بالنص المعلوم لنا
~~اليوم ولمن يتجدد إلى يوم القيامة، حسب ما وضحت الحجة به لكل متأمل لا يجوز
~~على العباس جهلها.
# على أنه لو كان ثابتا لكان الوجه في سؤاله لعلي عليه السلام استعلام
~~النبي صلى ms110 الله عليه وآله عن الأمر، وهل يصير إلى المستحق له بالنص أم يدفع
~~عنه؟ فامتنع عليه السلام من ذلك، لعلمه بإعلام النبي صلى الله عليه وآله له
~~بخروج الأمر عنه إلى القوم المخالفين لما أمر به رسول الله صلى الله عليه
~~وآله من خلافته عليهم، لئلا يخبر به النبي صلوات الله عليه وآله ظاهرا فيظن
~~من لا بصيرة له أن ذلك نص، فتحصل شبهة، فلذلك ما (1) عدل عن إجابة العباس
~~رضي الله (عنه) إلى ما سأل، وليس في امتناعه عليه ولا قول العباس له دلالة
~~على عدم النص، لما بيناه من ثبوته، واحتمال قول العباس لما يوافق الثابت
~~بالأدلة.
# وأما امتناعه من بيعة العباس وأبي سفيان، فلأنه عليه السلام رأى بشاهد
~~الحال فسادا في بيعتهم، إما لأنه صلى الله عليه وآله لو بايع للزمه القيام
~~بما لا ناصر له عليه، أو لخوف ضرر ممن تم له السلطان بمظاهرته بالمناقشة
~~له.
# في سلطانه ببيعة ذين الرجلين المعظمين في قومهما، ألا ترى إلى لجاجهم في
~~بيعته خوفا منه وإلجائه إليها مع إظهار الامساك ولزوم منزله، فكيف به لو
~~علم كونه مبايعا لنفسه، فلذلك ما عدل (2) عن بيعتهما.
# وأما دخوله في الشورى، فللضرورة الداعية إلى ذلك، إذ كان العاقد لها
~~موجبا على القوم الذين يخبرهم (3) الدخول فيها، وهو ممن قد علمت حاله وشديد
# PageV00P225
# إقدامه وتهجمه على مخالفه.
# وليحتج صلى الله عليه وآله على القوم بمناقبه وذرائعه إلى الخلافة، وما
~~أنزل الله فيه، وذكره رسوله صلى الله عليه وآله من النصوص الدالة على
~~إمامته، وما كان متمكنا لولا دخوله في الشورى من ذلك، فصار دخوله لهذا
~~الوجه واجبا ليس يقدح في إمامته، ولا منصوب (1) لعاقد الشورى.
# وليتوصل عليه السلام بالدخول مع القوم إلى القيام بما جعل إليه النظر فيه
~~من الأمور الدينية التي من أوضح برهان على ما تقولها الشيعة من مشاركة عمر
~~للقوم في سوء الرأي في الإسلام وأهله، واتفاقهم على عداوة النبوة وأهلها
~~والمتحققين بولايتها لمن أنصف نفسه وتأمل هذه الحال.
# ومنها ms111 (2): يمينه سالما مولى أبي حذيفة، وإخباره أنه لو كان حيا ما
~~يخالجه في تقليده أمر الإمامة شك.
# وخطأه في هذا من وجوه:
# أولها: أنه إخبار عن إيجابه إمامة سالم من غير روية ولا مشاورة، مع العلم
~~بأن فعلة ليس بحجة، وإيجاب ما ليس على إيجابه دليل قبيح.
# وثانيها: أنه نقيض لاحتجاجه يوم السقيفة على الأنصار باختصاص الإمامة
~~بقريش، ومبطل لإمامة أبي بكر المبنية على سقوط حجة الأنصار بالقربى وإمامته
~~لكونها فرعا لإمامة أبي بكر بإجماع، ومفسد للظاهر من مذاهب الخصوم في
~~مراعاة القرشية في صفات الإمام.
# ثالثها: حصول العلم الضروري بفساد رأي من رجح سالما على علي بن أبي طالب
~~عليه السلام والعباس رضي الله عنه والمختارين الشورى ووجوه بني هاشم وأعيان
~~المهاجرين والأنصار في شئ من أحواله فضلا عن جميعها، ومن
# PageV00P226
# تأمل خطاب هذا القائل علم أن مقصوده الوضع من الصحابة والقرابة واستخفافه
~~بأقدارهم، وتهاونه بنكيرهم عليه وقلة نكره بالمناقضة بينهم بأدنى تأمل.
# ورابعها: أنه تحقيق لما ترويه الشيعة من تقدم المعاهدة منه ومن صاحبه
~~وأبي عبيدة وسالم مولى أبي حذيفة على نزع هذا الأمر من بني هاشم لو قد مات
~~محمد صلى الله عليه وآله، لولا ذلك لا يكن ليمينه سالما وإخباره عن فقد
~~الشك فيه مع حضور وجوه الصحابة وأهل السوابق والفضائل والذرائع التي ليس
~~لسالم منها شئ وجه يعقل، وكذلك القول في يمينه أبا عبيدة بن الجراح على
~~الرواية الأخرى.
# وليس لأحد أن يجعل سكوت الصحابة عنه دلالة على صوابه فيما ذكرناه عنه من
~~المطاعن عليه.
# لأن السكوت لا يدل على الرضى بجنب الاحتمال لغيره، وهو ها هنا محتمل
~~للخوف وحصول المفسدة كاحتماله للرضي، فلا يجوز القطع إلا بدلالة.
# ولأن البرهان واضح يخطبه (1) فيما قدمناه، والأمر ظاهر على وجه لا لبس
~~فيه من المناقصة للظاهر والتحجر والأمر بقتل من لا يستحق القتل على رأي
~~أحد، وإيجاب قول المشهود له بضعف الرأي والدين، ويمين (2) الموالي الفجار
~~والشك في رجوه الأبرار فلا اعتبار في شئ من ذلك بسكوت ms112 محتمل.
# على أن تأمل هذا يوضح عن فساد طريقتهم في كون الامساك عن النكير حجة في
~~الدين، لحصوله مع ما يعلم قبحه بقريب من الاضطرار
# PageV00P227
# (في دفن الرجلين مع النبي في حجرته) ومما يعم الرجلين: أمرهما بالدفن مع
~~النبي صلى الله عليه وآله في حجرته.
# وفيه: ترك لتوقيره من (١) ضرب المعاول لديه، لثبوت حرمته بعد الوفاة
~~كالحياة.
# وفيه: أن هذه الحجرة لا تخلو أن تكون موروثة كما نقول، أو صدقة كما
~~يقولون.
# وكونها موروثة يقتضي قبح التصرف فيها بغير إذن الوارث، ولم يستأذناه بغير
~~شبهة.
# وكونها صدقة يمنع من التصرف فيها على كل حال، كسائر الصدقات.
# ودعوى كونها لعائشة باطل من وجوه:
# منها: أن الظاهر كونها ملكا له عليه السلام، ولا دلالة بانتقالها.
# ومنها: قوله تعالى: ﴿لا تدخلوا بيوت
~~النبي﴾ (٢)، فأضاف البيوت إليه، ولأن المعلوم أنه صلى الله عليه وآله
~~لما هاجر إلى المدينة ابتاع مكان مسجده وحجرته فبناه، فلما وصل أهله
~~وأزواجه أنزل كلا منهم منازله.
# ومنها: أنه لم يرو أحد إيذان عائشة بدفن النبي صلى الله عليه وآله في بيت
~~سكناها، ولو كان بيتا لها لم يدفن إلا بإذنها.
# ومنها: أن غاية ما يتعلق به في ذلك دعوى عائشة، وقد ردوا دعوى فاطمة
~~عليها السلام وهي أعدل، وقوله سبحانه: ﴿وقرن في بيوتكن﴾ (3) يفيد السكنى، بدليل تناول هذا
~~الإطلاق لجميع الأزواج، ولا أحد يدعي ملكا لواحدة منهن، عدا عائشة.
# PageV00P228
# (بعض مطاعن الثالث) (وأما مطاعن الثالث) فأمور كثيرة:
# منها: رده الحكم بن أبي العاص بعد نفي رسول الله صلى الله عليه وآله إياه
~~وإباحة دمه متى دخل دار الإسلام، وإقرار المتقدمين ذلك النفي، وإدخاله
~~المدينة على مراغمة من بني هاشم وسائر المسلمين، واتخاذ ابنه مروان بطانة،
~~وبسط يده ورواية (1) في أمور المسلمين، وإعطاؤه خس إفريقية، مع ظهور حاله
~~وسوء رأيه في الإسلام وأهله.
# ومنها: تقليده المشهورين بالفسق والتهمة على الإسلام أمور المسلمين.
# كالوليد بن عقبة بن أبي معيط - المشهود ms113 له ولسائر نسله بالنار للأخوة
~~التي بينهما - على الكوفة، وتوقفه عن عزله مع ظهور فساده في الولاية
~~ومجاهرته بالفسق، وتوقفه عن إقامة الحد عليه مع إقامة الشهادة بشرب الخبر
~~وإتيانه المسجد وصلاته بالناس و (هو) سكران.
# وتقليد سعيد بن العاص بعد عزله الوليد وإقراره على الولاية، مع عظيم
~~الشكاية لجوره وقبيح سيرته، وقوله: إنما هذا السواد بستان لقريش، إلى أن
~~أخرجه المسلمون منها قسرا مراغمة لعثمان، ورده بعد ذلك واليا عليهم، ومنعهم
~~له من دخول الكوفة بالاضطرار وتقليد عبد الله بن عامر بن كريز على البصرة،
~~للخؤولة التي بينهما، وعبد الله بن أبي سرح على مصر للرضاعة التي بينهما،
~~ويعلى بن أمية - ويقال ابن منية - على اليمن، وأسيد بن الأخنس بن الشريق
~~(2) على البحرين، لكونه ابن عمته.
# PageV00P229
# وعزل المأمونين من الصحابة على الدين المختارين الولاية المرضيين السيرة،
~~وهذا من عظيم المنكرات.
# ومنها: استئثاره بمال الله تعالى وتفريقه في بني أمية، وتفضيلهم في
~~العطاء على المهاجرين والأنصار وفي هذا ما فيه.
# ومنها: تمزيق المصاحف وتحريقها وطرحها في الحشوش، وهذا ضلال.
# ومنها: استخفافه بعبد الله بن مسعود، وأمره بضربه بغير جرم حتى كسرت
~~أضلاعه بالضرب وموته من ذلك، وهو من وجوه الصحابة.
# ومنها: ضرب عمار بن ياسر لإنفاذه وصية ابن مسعود حتى فتق، وإغماؤه من
~~الضرب يوما وليلة.
# ومنها: إخراج أبي ذر إلى الشام لآمره بالمعروف، ثم حمله من الشام -
~~لإنكاره على معاوية خلافه للكتاب والسنة - مهانا معسفا، واستخفافه به،
~~ونيله من عرضه، وتسميته بالكذاب مع شهادة النبي صلى الله عليه وآله له
~~بالصدق، ونفيه عن المدينة إلى الربذة حتى مات بها رحمه الله تعالى مغربا.
# ومنها: استخفافه بعين عليه السلام حين أنكر عليه تكذيب أبي ذر.
# ومنها: عزل عبد الله بن الأرقم عن بيت المال لما أنكر عليه إطلاق الأموال
~~لبني أمية بغير حق.
# ومنها: قوله لعبد الرحمن بن عوف: يا منافق، وهو الذي اختاره وعقد له.
# ومنها: حرمانه عائشة وحفصة ما كان أبو بكر وعمر يعطيانهما، وسبه لعائشة،
~~وقوله: - وقد ms114 أنكرت عليه الأفاعيل القبيحة - لئن لم تنتهي، لأدخلن عليك
~~الحجرة سودان الرجال وبيضانها.
# ومنها: هدر دم الهرمزان وجفينة قتيلي ابن عمر، واعتذاره من ذلك بأن الناس
~~قريبوا عهد بقتل أبيه.
# ومنها: حماية الكلاء وتحريمه على المسلمين وتخصصه به، ومنع غلمانه
~~PageV00P230
# الناس منه وتنكيلهم بمن أراده.
# ومنها: ضربه عبد الله بن حذيفة بن اليمان حتى مات من ضربه، لإنكاره عليه
~~ما يأتيه غلمانه إلى المسلمين في رعي الكلاء، ومنها: أكله الصيد وهو محرم
~~مستحلا، وصلاته بمنى أربعا، وإنكاره متعة الحج، مع إجماع الأمة على خلاف ما
~~فعل.
# ومنها: ضربه عبد الرحمن بن حنبل (1) الجمحي - وكان بدريا - مائة سوط،
~~وحمله على جمل يطاف به في المدينة، لإنكاره عليه الأحداث، وإظهاره عيوبه في
~~الشعر، وحبسه بعد ذلك موثقا بالحديد، حتى كتب إلى علي وعمار من الحبس:
# أبلغ عليا وعمارا فإنهما بمنزل الرشد إن الرشد مبتدر لا تتركا جاهلا حتى
~~يوقره دين الله وإن هاجت به مرر لم يبق لي منه إلا السيف إذ علقت حبائل
~~الموت فينا (2) الصادق (البرر) يعلم بأني مظلوم إذا ذكرت وسط الندى حجاج
~~القوم والعذر فلم يزل علي عليه السلام بعثمان يكلمه، حتى خلى سبيله على أن
~~لا يساكنه بالمدينة، فسيره إلى خيبر، فأنزله قلعة بها تسمى القموص، فلم يزل
~~بها حتى ناهض المسلمون عثمان، وساروا إليه من كل بلد، فقال في الشعر:
# لولا علي فإن الله أنقذني على يديه من الأغلال والصفد لما رجوت لدى شد
~~بجامعة يمنى يدي غياث الفوت من أحد نفسي فداء علي إذ يخلصني من كافر بعدما
~~أغضى على صمد
# PageV00P231
# ومنها: تسيير حذيفة بن اليمان إلى المدائن، حين أظهر ما سمعه من رسول
~~الله صلى الله عليه وآله فيه وأنكر أفعاله، فلم يزل يعرض بعثمان حتى قتل.
# ومنها: نفي الأشتر ووجوه أهل الكوفة عنها إلى الشام، حين أنكروا على سعيد
~~بن العاص، ونفيهم من دمشق إلى حمص.
# ومنها: معاهدته لعلي عليه السلام ووجوه الصحابة على الندم على ما فرط
~~منه، والعزم على ترك معاودته ms115 ونقض ذلك، والرجوع عنه مرة بعد مرة، وإصراره
~~على ما ندم منه، وعاهد الله تعالى وأشهد القوم: على تركه من الاستئثار
~~بالفئ، وبطانة السوء، وتقليد الفسقة أمور المسلمين.
# ومنها: كتابه إلى ابن أبي سرح بقتل رؤساء المصريين، والتنكيل بالأتباع
~~وتخليدهم الحبس، لإنكارهم ما يأتيه ابن أبي سرح إليهم ويسير به فيهم من
~~الجور الذي اعترف به وعاهد على تغييره.
# ومنها: تعريضه نفسه ومن معه من الأهل والأتباع للقتل، ولا يعزل ولاة
~~السوء ومنها: استمراره على الولاية مع إقامته على المنكرات الموجبة للفسخ،
~~وتحريم التصرف في أمر الأمة، وذلك تصرف قبيح، لكونه غير مستحق عندهم مع
~~ثبوت الفسق.
# (ما يقدح في عدالة القوم) ومما يقدح في عدالة الثلاثة:
# قصدهم أهل بيت نبيهم عليهم السلام بالتحيف (1)، والأذى، والوضع من
~~أقدارهم، واجتناب ما يستحقونه من التعظيم.
# PageV00P232
# فمن ذلك: أمان كل معتزل بيعتهم ضررهم، وتصدهم عليا عليه السلام بالأذى
~~لتخلفه عنهم، والإغلاظ له في الخطاب، والمبالغة في الوعيد، وإحضار الحطب
~~لتحريق منزله، والهجوم عليه بالرجال من غير إذنه، والإتيان به ملببا،
~~واضطرارهم بذلك زوجته وبناته ونساؤه وحامته من بنات هاشم وغيرهم إلى الخروج
~~عن بيوتهم، وتجريد السيوف من حوله، وتوعده بالقتل إن امتنع من بيعتهم، ولم
~~يفعلوا شيئا من ذلك بسعد (1) بن عبادة، ولا بالخباب بن المنذر وغيرهما ممن
~~تأخر عن بيعتهم، حتى مات أو طويل (2) الزمان.
# ومن ذلك: ردهم دعوى فاطمة عليها السلام وشهادة علي والحسنين عليهم
~~السلام، وقبول (3) دعوى جابر بن عبد الله في الجنينات، وعائشة في الحجرة
~~والقميص والنعل وغيرهما.
# ومنها: تفضيل الناس في العطاء، والاقتصار بهم على أدنى المنازل.
# ومنها: عقد الرايات والولايات لمسلمة القبح (4) والمؤلفة قلوبهم ومكيدي
~~الإسلام من بني أمية وبني مخزوم وغيرها، والإعراض عنهم (5) واجتناب تأهلهم
~~(6) لشئ من ذلك.
# ومنها: موالاة المعروفين ببغضهم وحسدهم وتقديمهم على رقاب العالم،
~~كمعاوية وخالد وأبي عبيدة والمغيرة وأبي موسى ومروان وعبد الله بن أبي سرح
# PageV00P233
# وابن كريز ومن ضارعهم في عداوتهم، والغض من المعروفين بولايتهم وقصدهم
~~بالأذى، كعمار وسلمان وأبي ذر ms116 والمقداد وأبي بن كعب وابن مسعود ومن شاركهم
~~في التخصص (1) بولايتهم عليهم الصلاة والسلام.
# ومنها: قبض أيديهم عن فدك مع ثبوت استحقاقهم لما على ما بيناه، وإباحة
~~معاوية الشام، وأبي موسى العراق، وابن كريز البصرة، وابن أبي سرح (2) مصر
~~والمغرب، وأمثالهم من المشهورين بكيد الإسلام وأهله.
# وتأمل هذا بعين إنصاف يكشف لك عن شديد عداوتهم، وتحاملهم عليهم، كأمثاله
~~من الأفعال الدالة على تميز العدو من الولي.
# ولا وجه لذلك إلا تحققهم بصاحب الشريعة صلوات الله عليه وعلى آله في
~~النسب، وتقدمهم لديه في الدين، وتحققهم من (3) بذل الجهد في طاعته،
~~والمبالغة في نصيحته ونصرة ملته، بما لا يشاركون فيه.
# وفي هذا ما لا يخفى مما فيه (4) على متأمل.
# PageV00P234
# (النكير على أبي بكر وعمر وأمور متفرقة) PageV00P235
# ومما يقدح في عدالتهم: ما حفظ عن وجوه الصحابة وفضلاء السابقين والتابعين
~~من الطعن عليهم، وذم أفعالهم، والتصريح بذمهم، وتصريحهم هم بذلك عند
~~الوفاة، وتحسرهم (١) على ما فرط منهم.
# فأما أقوال الصحابة والتابعين القادحة في عدالتهم:
# (نكير أمير المؤمنين عليه السلام) ما حفظ عن علي أمير المؤمنين عليه
~~السلام من التظلم منهم، والتصريح والتلويح بتقدمهم عليه بغير حق في مقام
~~بعد مقام.
# كقوله حين أرادوه بالبيعة لأبي بكر: والله (أنا) (٢) لا أبا يعكم وأنتم
~~أحق بالبيعة لي.
# وقوله عليه السلام: يا ﴿ابن أم إن القوم
~~استضعفوني وكادوا تقتلونني﴾ (٣).
# وقوله عليه السلام في عدة مقامات: لم أزل مظلوما - أو ما زلت مظلوما -
~~منذ قبض رسول الله صلى الله عليه وآله.
# وقوله عليه السلام: ظلمت الهجر والمدر.
# وجوابه عليه السلام لمعاوية: زعمت للأكل الخلفاء حسدت وعلى كلهم بغيت،
~~وإني كنت أقاد إلى بيعتهم كما يماد الجمل المخشوش، أما والله لقد أردت أن
~~تذم فمدحت، وما على المؤمن أن يكون مظلوما إذا لم يكن شاكا في دينه ولا
~~مرتابا في يقينه، ولقد قال نوح: رب ﴿إني مغلوب فانتصر﴾ (4)، وقال لوط: (لو أن لي بكم قوة
~~أو آوي ms117 إلى ركن
# PageV00P237
# شديد) (1). (2) فصرح بظلم القوم له، ووضوح عذره بقصور يده عن الانتصار
~~منهم.
# وجوابه له في هذا الكتاب: ولقد بارا؟؟؟ من قدمت وفضلت بنو قيلة يوم
~~السقيفة، فاحتجوا بالقربى، فإن يكن الفلج (3) برسول صلى الله عليه وآله
~~فنحن أحق به، أو لا فالأنصار على دعواها (4).
# فصرح أن القوم المتقدمين عليه لا يعدون أن يكونوا ظالمين له والأنصار.
# وقوله عليه السلام في خطبته المشهورة بعد قتل عثمان: وقد أهلك الله
~~الجبابرة على أفضل أحوالهم وآمن ما كانوا، ومات هامان، وهلك فرعون، وقتل
~~عثمان، ألا وإن بليتكم قد عادت كيوم بعث الله فيه نبيكم.
# فكنى عن الأول بهامان، وعن الثاني بفرعون، وصرح بذكر عثمان لارتفاع
~~التقية عنه في أمره، لمشاركة السامعين له في الطعن عليه، وشبه حالهم
~~والمتبعين لهم كيوم بعث فيه محمد صلى الله عليه وآله، وهذا صريح بالتضليل.
# وقال عليه السلام فيها: ولقد سبقني في هذا الأمر من لم أشركه (5) فيه،
~~ومن لم أهبه له، ومن ليس له منه توبة إلا بني يبعث، ألا ولا نبي بعد محمد
~~صلى الله عليه وآله، أشرف منه على شفا جرف هار، فانهار به في نار جهنم.
# فصرح بأن المتقدم عليه تقدم من غير استحقاق ولا إذن من المستحق، وأنه أتى
~~بذلك ما لا يغفر إلا بني يبعث، فغلق الغفران بما لا يكون، ولم يكتف بذلك
~~حتى أخبر أنه أشرف منه على شفا جرف هار، ولم يرض بذلك حتى قال: فانهار به
~~في نار جهنم.
# PageV00P238
# وقال فيها: ولقد مضت منكم أمور (١) وسلفت، ملتم علي فيها ميلة واحدة،
~~كنتم فيها غير محمودي الرأي، أما لو (أ) شاء أن أقول لقلت: سبق الرجلان،
~~وقام الثالث كالغراب همته بطنه، وفرجه أمله، لو قص جناحاه وقطع رأسه كان
~~خيرا له، شغل عن الجنة، والنار أمامه (٢).
# فأخبر عليه السلام بتحاملهم عليه وظلمهم جميعا له، وأن الثالث يلي بذلك
~~السابقين إلى ظلمه.
# وقوله عليه السلام في خطبته الوسيلة: ولئن تقمصها دوني الأشقيان،
~~ونازعاني فيما ليس لهما بحق وهما يعلمان، ms118 فركباها ضلالة واعتقداها جهالة،
~~فلبئس (ما) عليه وردا، وبئس ما لأنفسهما مهدا، ببلاغتان (٣) من محلهما،
~~ويبر أكل منهما من صاحبه بقوله لقرينه إذا التقيا: ﴿يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين﴾ (٤).
# وقوله فيهما: وليس رتعا في الحطام المتصرم والغرور المنقطع، وكانا منه
~~على شفا من الأجل ومندوحة من الأمل، فقد أمهل الله شداد بن عاد وبلعم بن
~~باعورا وثمود بن عبود، وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة، حتى إذا أتتهم الأرض
~~بركاتها أخذهم الله بغتة، فمنهم من أردته الخسفة، ومنهم من أحرقته الظلمة،
~~ومنهم من أخذته الصيحة، ومنهم من أهلكته الرجفة، ﴿وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾
~~(٥)، ولم يكن حال الظالمين إلا كخفقة أو وميض برقة، حتى لو كشف لك عما هو
~~(ى) إليه الظالمون وآل إليه الأخسرون لهربت إلى الله عز ذكره مما هم فيه
~~مقيمون، ﴿خزي في الحياة الدنيا ويوم
~~القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون﴾ (6).
# PageV00P239
# وهذا نص جلي منه عليه السلام على ضلال المتقدمين عليه.
# وقوله عليه السلام في خطبة الشقشقية: والله لغد تقمصها ابن أبي قحافة،
~~وإنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحا، ينحدر منه السيل ولا يرقى
~~إليه الطير، فسدلت دونها ثوبا، وطويت عنها كشحا، وطفقت أرتئي بين أن أصول
~~بيد جذاء، أو أصبر على طخية عمياء، فرأيت أن الصبر على هاتيك أحجى، فصبرت
~~وفي العين قذى وفي الحلق شجا أرى تراثي نهبا (١).
# فعدل عليه السلام عن تسمية المتقدم عليه وتكنيته وتلقيبه (٢) بما تدعى له
~~من الألقاب الحسنة إلى أقبح الألقاب، وذلك غاية في الاستخفاف به، وصرح بأنه
~~تولى الأمر دونه مع علمه بكونه منه كالقطب من الرحى الذي لا يتم صلاحها من
~~دونه، مع كونه في الذروة منه التي ينحدر عنها السيل ولا يرقى إليها الطير
~~لعلوها، وأنه ظل مرتئيا في الصولة بالظالم مع عدم الناصر المعبر عنه بقصر
~~اليد، أو ms119 يصبر على العظيمة، وأنه رجح الصبر من حيث كانت الصولة بغير ناصر
~~لا ترفع ظلما وتؤثر هلاك الصايل، ثم وصف حاله صابرا في عينه القذى وفي حلقه
~~الشجا، وذلك مؤكد لما قلناه.
# ومر في كلامه مصرحا بالتظلم من الثاني والثالث، ووصف خلافتيهما بالضلال
~~كالأول.
# وقال: فلما نهضت بالأمر نكثت طائفة وقسطت شرذمة ومرق آخرون، كأنهم لم
~~يسمعوا الله تعالى يقول: ﴿تلك الدار الآخرة
~~نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين﴾
~~(3)، بلى والله لقد سمعوها ولكن حليت الدنيا في أعينهم وراقهم زبرجها، أما
~~والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لولا حضور الحاضر ولزوم الحجة بوجود الناصر
~~وما أخذ الله على ولاة الأمر أن لا يقاروا (4) على كظة ظالم ولا سغب مظلوم،
~~لألقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكأس أولها، ولألفوا دنياهم أهون
# PageV00P240
# عندي من عفطة عنز (1).
# فوصفهم بإيثار الدنيا على الآخرة على وجه يوجب على المتمكن من ذلك منعهم
~~بالقهر، وسوى بينهم وبين المتقدمين عليه يجعلهم آخرا لأولهم، وصرح باستحقاق
~~الجميع الموافقة عن الظلم وإيثار العاجلة على الآجلة، وأنه إنما أمسك عن
~~أولئك وقاتل هؤلاء لعدم التمكن هناك، لفقد الناصر، وحصوله هاهنا لكثرته،
~~وهذا تصريح منه عليه السلام بظلم القوم له.
# وقوله عليه السلام في رسالته إلى ابن حنيف: بلى قد كانت لنا فدك من جميع
~~ما أظله الفلك، فسحت فيها نفوس قوم، وسخت عنها نفوس آخرين.
# فهذا نص على ظلم الآخذين لفدك منه ومن آله عليهم السلام.
# وقوله عليه السلام المشهور: أنا أنف الهدى وعيناه، ألا أنبئكم بحاجبي
~~الضلالة، تبدو مخازيهما في آخر الزمان.
# وقوله عليه السلام: والله لأخاصمن أبا بكر وعمر إلى الله تعالى، والله
~~ليقضين لي الله وقوله عليه السلام المستفيض: بايع والله الناس أبا بكر وأنا
~~أولى بها مني بقميصي هذا، فكظمت غيظي وانتظرت أمر ربي وألزقت كلكلي بالأرض،
~~ثم أن أبا بكر هلك واستخلف عمر، وقد والله علم أني أولى الناس بها مني
~~بقميصي هذا، فكظمت غيظي ms120 وانتظرت أمر ربي، ثم أن عمر هلك وجعلها شورى،
~~وجعلني سادس ستة كستهم الجدة، وقال: اقتلوا الأقل، وما أراد غيري، فكظمت
~~غيظي وانتظرت أمر ربي وألزقت كلكلي با رص... (2) وقوله عليه السلام: قبض
~~الله نبيه صلى الله عليه وآله (و) أنا أولى بالناس مني بقميصي هذا، وإن أول
~~شقصنا إبطال حقنا من الخمس، فلما رق أمرنا طمعت رعيان
# PageV00P241
# الهيم (1) من قريش فينا، وإنما يعرف (2) الهدى بالأبرار، في كلام طويل.
# وهذا تصريح منه عليه السلام بكونه أولى الناس بالأمر، وأن المتقدم عليه
~~ظالم.
# ومنه ما روي عن الأصبغ بن نباتة، وعن رشيد الهجري، وعن أبي كدينة الأسدي
~~(3)، وغيرهم من أصحاب علي عليه السلام بأسانيد مختلفة قالوا: كنا جلوسا في
~~المسجد إذ خرج علينا أمير المؤمنين عليه السلام من الباب الصغير يهوي بيده
~~عن يمينه يقول: أما ترون ما أرى؟ قلنا: يا أمير المؤمنين وما الذي ترى؟
~~قال: أرى أبا بكر عتيقا في (سدف) (4) النار يشير إلي بيده يقول: استغفر لي،
~~لا غفر الله له.
# وزاد أبو كدينة: أن الله لا يرضى عنهما حتى يرضياني، وأيم الله لا
~~يرضياني أبد.
# وسئل عن السدف؟ فقال: الوهدة العظيمة.
# ورروا عن الحارث الأعور قال: دخلت على (علي) عليه السلام في بعض الليل،
~~فقال لي: ما جاء بك في هذه الساعة؟ قلت: حبك يا أمير المؤمنين، قال: الله؟
~~قلت: الله، قال: ألا أحدثك بأشد الناس عداوة لنا وأشدهم عداوة لمن أحبنا؟
~~قلت: بك يا أمير المؤمنين، أما والله لقد ظننت ظنا، وقال: هات ظنك، قلت:
~~أبو بكر وعمر؟ قال: ادن مني يا أعور، فدنوت منه، فقال: أبرأ منهما.
# وفي رواية أخرى: إني لأتوهم توهما فأكره أن أرمي به بريئا: أبو بكر وعمر؟
# فقال: إي والذي فلق الحبة وبرأ (5) النسمة، إنهما لهما ظلماني حقي
~~وتغاصاني ريقي، وحسداني، وآذياني، وإنه ليؤذي أهل النار ضجيجهما ونصبهما
~~ورفع أصواتهما وتعيير (6) رسول الله صلى الله عليه وآله إياهما.
# PageV00P242
# ورووا عن عمارة قال: كنت جالسا عند أمير المؤمنين عليه السلام، وهو في ms121
~~ميمنة مسجد الكوفة وعنده الناس، إذ أقبل رجل فسلم عليه، ثم قال: يا أمير
~~المؤمنين والله إني لأحبك، فقال: لكني والله ما أحبك، كيف حبك لأبي بكر
~~وعمر؟ فقال: والله إني لأحبهما حبا شديدا، قال: كيف حبك لعثمان؟ قال: قد
~~رسخ (١) حبه في السويداء من قلبي، فقال (٢) علي عليه السلام: أنا أبو
~~الحسن، الحديث.
# ورووا عن سفيان، عن فضيل بن الزبير قال: حدثني نقيع، عن أبي كدينة الأزدي
~~(٣) قال: قام رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام، فسأله عن قول الله تعالى:
~~﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين
~~يدي الله ورسوله﴾ (4) فيمن نزلت؟ قال: ما تريد، أتريد أن تغري بي
~~الناس؟ قال: لا يا أمير المؤمنين، ولكن أحب أن أعلم، قال: إجلس، فجلس،
~~فقال: أكتب عامرا، أكتب معمرا، أكتب عمرا، أكتب عمارا، أكتب معتمرا، في أحد
~~الخمسة نزلت.
# قال سفيان؟ قلت لفضيل: أتراه عمر؟ قال: فمن هو غيره.
# (نكير الإمام الحسين عليه السلام) ورووا عن المنذر الثوري قال: سمعت
~~الحسين بن علي عليهما السلام يقول: إن أبا بكر وعمر عمدا إلى الأمر وهو لنا
~~كله، فجعلا لنا فيه سهما كسهم الجدة، أما والله لتهمز (5) بهما أنفسما يوم
~~يطلب الناس فيه شفاعتنا.
# ورووا عنه عليه السلام، وسأله رجل عن أبي بكر وعمر؟ فقال: والله لقد
~~ضيعانا، وذهبا بحقنا، وجلسا مجلسا كنا أحق به منهما، ووطئا على أعناقنا،
~~وحملا الناس
# PageV00P243
# على رقابنا.
# (نكير الإمام السجاد عليه السلام) ورووا عن أبي الجارود زياد بن المنذر
~~قال: سئل علي بن الحسين عليهما السلام عن أبي بكر وعمر؟ فقال: أضعنا
~~بآياتنا (1)، واضطجعا بسبيلنا، وحملا الناس على رقابنا.
# وعن أبي إسحاق أنه قال: صحبت علي بن الحسين عليهما السلام بين مكة
~~والمدينة، فسأله عن أبي بكر وعمر ما تقول فيهما؟ قال: ما عسى أن أقول
~~فيهما، لا رحمهما الله ولا غفر لهما.
# وعن القاسم بن مسلم قال: كنت مع علي بن الحسين عليهما السلام بينبع، يدي
~~في يده، فقلت: ما تقول ms122 في هذين الرجلين أتبرأ من عدوهما؟ فغضب ورمى بيده من
~~يدي، ثم قال: ويحك يا قاسم هما أول من أضعنا بآياتنا (2)، واضطجعا بسبيلنا،
~~وحملا الناس على رقابنا، وجلسا مجلسا كنا أحق به منهما.
# وعن حكيم بن جبير، عنه عليه السلام مثله، وزاد: فلا غفر الله لهما.
# وعن أبي علي الخراساني، عن مولى لعلي بن الحسين عليهما السلام قال: كنت
~~مع علي بن الحسين عليهما السلام في بعض خلواته، فقلت: إن لي عليك حقا، ألا
~~تخبرني عن هذين الرجلين، عن أبي بكر وعمر؟ فقال: كافران، كافر من أحبهما.
# وعن أبي حمزه الثمالي قال: قلت لعلي بن الحسين عليهما السلام وقد خلا:
~~أخبرني عن هذين الرجلين؟ قال: ها أول من ظلمنا حقنا، وأخذا ميراثنا، وجلسا
~~مجلسا كنا أحق به منهما، لا غفر الله فما ولا رحمهما، كافران، كافر من
~~تولاها.
# وعن حكيم بن جبير قال: قال علي بن الحسين عليهما السلام: أنتم تقتلون في
# PageV00P244
# عثمان من (1) ستين سنة، فكيف لو تبرأتم من صنمي قريش.
# (نكير الإمام الباقر عليه السلام) ورووا عن سورة بن كليب قال: سألت أبا
~~جعفر عليه السلام عن أبي بكر وعمر؟
# قال: هما أول من ظلمنا حقنا، وحملا الناس على رقابنا، قال: فأعدت عليه
~~فأعاد علي ثلاثا، فأعدت عليه الرابعة فقال:... (2) (شعر) (3) لذي الحلم قبل
~~اليوم ما تقرع (4) العصا وما علم الانسان إلا ليعلما وعن كثير النوا، عن
~~أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن أبي بكر وعمر؟ فقال:
# ما أول من انتزى (5) على حقنا، وحملا (6) الناس على أعناقنا وأكتافنا
~~(7)، وأدخلا الذل بيوتنا.
# وعنه، عن أبي جعفر عليه السلام قال: والله لو وجد (8) عليهما أعوانا
~~لجاهدهما، يعني: أبا بكر وعمر.
# وعن بشير قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن أبي بكر وعمر فلم يجبني، ثم
~~سألته فلم يجبني، فلما كان من الثالثة قلت: جعلت فداك أخبرني عنهما؟ فقال:
~~ما قطرت قطرة دم من دمائنا ولا من دماء أحد من المسلمين إلا وهي في
~~أعناقهما إلى يوم القيامة.
# ورووا أن ms123 ابن بشير قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: إن الناس يزعمون أن
# PageV00P245
# رسول الله صلى الله عليه وآله قال: اللهم أعز الإسلام بأبي جهل أو بعمر،
~~فقال أبو جعفر عليه السلام: والله ما قال هذا رسول الله صلى الله عليه وآله
~~قط، إنما أعز الله الدين بمحمد عليه الصلاة والسلام، ما كان الله ليعز
~~الدين بشرار خلقه.
# ورووا عن قدامة بن سعد الثقفي قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن أبي بكر
~~وعمر؟ فقال: أدركت أهل بيتي وهم يصيبونهما (1).
# وعن أبي الجارود (2) قال: كنت أنا وكثير النوا عند أبي جعفر عليه السلام،
~~فقال كثير: يا أبا جعفر رحمك الله هذا أبو الجارود تبرأ من أبي بكر وعمر،
~~فقلت لأبي جعفر عليه السلام: كذب والله الذي لا إله إلا هو ما سمع ذلك مني
~~قط، وعنده عبد الله بن علي أخو أبي جعفر عليه السلام، فقال: هلم إلي أقبل
~~إلي يا كثير، كانا والله أول من ظلمنا حقنا، وأضعنا بآياتنا (3)، وحملا
~~الناس على رقابنا، فلا غفر الله لهما ولا غفر لك معهما يا كثير.
# وعن أبي الجارود قال: سئل أبو جعفر عليه السلام عنهما وأنا جالس؟ فقال:
~~ما أول من ظلمنا حقنا، وحملا الناس على رقابنا، وأخذا من فاطمة عليها
~~السلام عطية رسول الله صلى الله عليه وآله فدك بنواضحها، فقام ميسر فقال:
~~الله ورسوله منهما بريئان، فقال أبو جعفر عليه السلام:... (4).
# (شعر) (5) لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا وما علم الانسان إلا ليعلما
~~ورووا عن بشير بن أبي أراكة البتال (6) قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن
# PageV00P246
# أبي (1) بكر وعمر؟ فقال كهيئة المنتهر: ما تريد من صنمي العرب، أنتم
~~تقتلون على دم عثمان بن عفان، فكيف لو أظهرتهم البراءة منهما، إذا لما
~~ناظروكم طرفة عين.
# وعن حجر البجلي قال: شككت في أمر الرجلين، فأتيت المدينة فسمعت أبا جعفر
~~عليه السلام يقول: إن أول من ظلمنا وذهب بحقنا وحمل الناس على رقابنا أبو
~~بكر وعمر.
# وعنه عليه السلام قال: لو ms124 وجد علي أعرانا لضرب أعناقهما.
# وعن سلام بن سعيد المخزومي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: ثلاثة لا يصعد
~~عملهم إلى السماء ولا يقبل منهم عمل: من مات ولنا أهل البيت في قلبه (2)
~~بغض، ومن تولى عدونا وترك ولايتنا، ومن تولى أبا بكر وعمر.
# وعن ورد بن زيد أخي الكميت قال: سألنا محمد بن علي عليهما السلام عن أبي
~~بكر وعمر؟ فقال: من كان يعلم أن الله حكم عدل بري منهما، وما من محجمة دم
~~تهراق إلا وهي في رقابهما.
# وعنه عليه السلام وسئل عن أبي بكر وعمر؟ فقال: هما أول من ظلمنا، وقبض
~~حقنا، وتوثب على رقابنا، وفتح علينا بابا لا يسده شئ إلى يوم القيامة، فلا
~~(3) غفر الله لهما ظلمهما إيانا.
# وعن سالم بن أبي حفصة قال: دخلت على أبي جعفر عليه السلام فقلت: أئمتنا
~~وسادتنا، نوالي من واليتم ونعادي من عاديتم ونتبرأ (4) من عدوكم، فقال: بخ
~~بخ يا شيخ إن كان لقولك (5) حقيقة، قلت: جعلت فداك إن له حقيقة، قال: ما
~~تقول في أبي بكر وعمر؟ قلت (6): إماما عدل رحمهما الله، قال: يا شيخ والله
~~لقد أشركت في هذا الأمر من لم
# PageV00P247
# يجعل الله له فيه نصيبا.
# وعن فضيل بن عثمان (١)، عن أبي جعفر عليه السلام قال: مثل أبي بكر وشيعته
~~مثل فرعون وشيعته، ومثل علي عليه السلام وشيعته مثل موسى عليه السلام
~~وشيعته.
# ورووا عن أبي جعفر عليه السلام في قوله عز وجل: ﴿وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا﴾ (2)، قال:
~~أسر إليهما أمر القبطية، وأسر إليهما أن أبا بكر وعمر يليان أمر الأمة (3)
~~من بعده ظالمين فاجرين غادرين.
# (نكير الإمام الصادق عليه السلام) ورووا عن عبيد بن سليمان النخعي، عن
~~محمد بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي قال: أخبرني ابن أخي الأرقط (4)،
~~قال: قلت لجعفر بن محمد عليهما السلام: يا عماه إني أتخوف علي وعليك الفوت
~~أو الموت ولم يفرش لي أمر هذين الرجلين، فقال لي جعفر عليه ms125 السلام: إبرأ
~~منهما برأ الله ورسوله منهما.
# ورووا عن عبد الله بن سنان، عن جعفر بن محمد عليهما السلام قال، قال لي:
# أبو بكر وعمر صنما قريش اللذان يعبدونهما.
# ورووا عن إسماعيل بن يسار، عن غير واحد، عن جعفر بن محمد عليهما السلام
~~قال: كان إذا ذكر عمر زناه، وإذا ذكر أبا جعفر أبا الدوانيق زناه، ولا يزني
~~غيرها.
# (نكير أئمة أهل البيت عليهم السلام) وتناصر الخبر عن علي بن الحسين ومحمد
~~بن علي وجعفر بن محمد عليهم السلام
# PageV00P248
# من طرق مختلفة، أنهم قالوا كل (1) منهم: ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم
~~القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: من زعم أنه إمام وليس بإمام، ومن جحد
~~إمامة إمام من الله، ومن زعم أن لهما في الإسلام نصيبا.
# ومن طرق أخر: (أن) (2) للأولين.
# ومن آخر: للأعرابي في الإسلام نصيبا.
# إلى غير ذلك من الروايات عمن ذكرناه.
# وعن أبنائهم: (3) أبي الحسن موسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمد بن علي وعلي
~~ابن محمد والحسن بن علي عليهم السلام، مقترنا بالمعلوم من دينهم لكل متأمل
~~حالهم، وأنهم يرون في المتقدمين على أمير المؤمنين ومن دان بدينهم أنهم
~~كفار.
# وذلك كاف عن إيراد رواية.
# وإنما ذكرنا طرقا منها استظهارا.
# وقد روت الخاصة والعامة عن جماعة من وجوه الطالبيين ما يضاهي المروي من
~~ذلك عن الأئمة عليهم السلام.
# (نكير زيد بن علي الشهيد) فرووا عن معمر بن خيثم قال: بعثني زيد بن علي
~~داعية، فقلت: جعلت فداك ما أجابتنا إليه الشيعة فإنها لا تجيبنا إلى ولاية
~~أبي بكر وعمر، قال لي: ويحك أحد أعلم (4) مظلمته منا، والله لئن قلت إنهما
~~جارا في الحكم لتكذبن، ولئن قلت إنهما استأثرا بالفئ لتكذبن، ولكنهما أول
~~من ظلمنا حقنا وحمل الناس على رقابنا، والله إني لأبغض أبناءها
# PageV00P249
# من بغضي آبائهما، ولكن لو دعوت الناس إلى ما تقولون (1) لرمونا بقوس
~~واحد.
# ورووا عن محمد بن فرات الجرمي قال: سمعت زيد بن علي يقول: إنا لنلتقي وآل
~~عمر في الحمام فيعلمون ms126 أنا لا نحبهم ولا يحبونا، والله إنا لنبغض الأبناء
~~لبغض الآباء.
# ورووا عن فضيل بن الزبير قال: قلت لزيد بن علي عليه السلام: ما تقول في
~~أبي بكر وعمر؟ قال: قل فيهما ما قال علي، كف كما كف لا تجاوز قوله، قلت:
~~أخبرني عن قلبي أنا خلقته؟ قال: لا، قلت: فإني أشهد على الذي خلقه أنه وضع
~~في قلبي بغضهما، فكيف لي بإخراج ذلك من قلبي، فجلس جالسا وقال: أنا والله
~~الذي لا إله إلا هو إني لأبغض فيهما من بغضهما، وذلك أنهم (2) إذا سمعوا سب
~~علي عليه السلام فرحوا.
# ورووا عن العباس بن الوليد الاعذاري قال: سئل زيد بن علي عن أبي بكر وعمر
~~فلم يجب فيهما، فلما أصابته الرمية نزع (3) الرمح من وجهه (و) استقبل الدم
~~بيده حتى صار كأنه كبد، فقال: أين السائل عن أبي بكر وعمر؟! هما والله
~~شركاء في هذا الدم، ثم رمى به وراء ظهره.
# وعن نافع الثقفي - وكان قد أدرك زيد بن علي - قال: سأله (4) رجل عن أبي
~~بكر وعمر، فسكت فلم يجبه، فلما رمي قال: أين السائل عن أبي بكر وعمر؟! هما
~~أوقفاني هذا الموقف.
# (نكير يحيى بن زيد الشهيد) ورووا عن يعقوب بن عدي قال: سئل يحيى بن زيد
~~عنهما ونحن بخراسان وقد التقى الصفان؟ فقال: ها أقامانا هذا المقام، والله
~~لقد كانا لئيما جدها، ولقد ها بأمير المؤمنين أن يقتلاه.
# PageV00P250
# (نكير عبد الله بن الحسن وابنه موسى) ورووا عن قليب بن حماد، عن موسى بن
~~عبد الله بن الحسن قال: كنت مع أبي بمكة، فلقيت رجلا من أهل الطائف مولى
~~لثقيف نال (1) من أبي بكر وعمر، فأوصاه أبي بتقوى الله، فقال الرجل: يا أبا
~~محمد أسألك (2) برب هذه البنية (3) ورب هذا البيت هل صليا على فاطمة؟ قال
~~اللهم لا، قال: فلما مضى الرجل قال موسى: سببته وكفرته، فقال: أي بني لا
~~تسبه ولا تكفره، والله لقد فعلا فعلا عظيما.
# وفي رواية أخرى: أي بني لا تكفره، فوالله ما صليا على ms127 رسول الله صلى الله
~~عليه وآله، ولقد مكث ثلاثا ما دفنوه، إنه شغلهم ما كانا يبرمان.
# ورووا أنه أتى يزيد بن علي الثقفي إلى عبد الله بن الحسن وهو بمكة، فقال:
~~أنشدك الله أتعلم أنهم منعوا فاطمة عليها السلام بنت رسول الله صلى الله
~~عليه وآله ميراثها؟ قال:
# نعم، قال فأنشدك الله أتعلم أن فاطمة ماتت وهي لا تكلمهما - يعني: أبا
~~بكر وعمر - وأوصت أن لا يصليا عليها؟ قال: نعم، قال: فأنشدك بالله أتعلم
~~أنهم بايعوا قبل أن يدفن رسول الله صلى الله عليه وآله واغتنموا شغلهم؟
~~قال: نعم، قال: وأسألك بالله أتعلم أن عليا عليه السلام لم يبايع لهما حتى
~~أكره؟ قال: نعم، قال: فأشهدك أني منهما بري وأنا على رأي علي وفاطمة عليهما
~~السلام، قال موسى: فأقبلت عليه، فقال أبي: أي بني والله لقد أتيا أمرا
~~عظيما.
# ورووا عن مخول بن إبراهيم قال: أخبرني موسى بن عبد الله بن الحسن،
~~وذكرهما، فقال: قل لهؤلاء نحن نأتم بفاطمة عليها السلام، فقد جاء الحديث
~~(4) عنها أنها ماتت
# PageV00P251
# وهي غضبى عليهما، فنحن نغضب (لغضبها) (1) ونرضى لرضاها، فقد جاء غضبها
~~(2)، فإذا جاء رضاها رضينا.
# قال مخول: وسألت موسى بن عبد الله عن أبي بكر وعمر؟ فقال لي ما أكره
~~ذكره، قلت (3) لمخول: قال فيهما أشد من الظلم والفجور والغدر؟ قال: نعم.
# قال مخول: وسألته (4) عنهما مرة؟ فقال: أتحسبني بتريا، ثم قال فيهما قولا
~~سيئا.
# وعن ابن مسعود قال: سمعت موسى بن عبد الله يقول: هما أول من ظلمنا حقنا
~~وميراثنا من رسول الله صلى الله عليه وآله، فغصبانا فغصب الناس.
# (نكير يحيى بن عبد الله بن الحسن) ورووا عن يحيى بن مساور قال: سألت يحيى
~~بن عبد الله بن الحسن عن أبي بكر وعمر؟ فقال لي: إبرأ منهما.
# (نكير محمد بن عمر بن الحسن) ورووا عن عبد الله بن محمد بن عمر (5) بن
~~علي بن أبي طالب عليه السلام قال:
# شهدت أبي: محمد بن عمر، ومحمد بن عمر بن الحسن - وهو: الذي ms128 كان مع الحسين
~~بكربلاء، وكانت الشيعة تنزله بمنزلة أبي جعفر عليه السلام، يعرفون حقه
~~وفضله - قال:
# فكلمه في أبي بكر وعمر، فقال محمد بن عمر بن الحسن بن علي بن أبي طالب
~~عليه السلام لأبي: أسكت، فإنك عاجز والله، إنهما لشركاء في دم الحسين عليه
~~السلام.
# وفي رواية أخرى عنه أنه قال: والله لقد أخرجهما رسول الله صلى الله عليه
~~وآله
# PageV00P252
# من مسجده وهما يتطهران، وأدخلا وها جيفة في بيته.
# (نكير عبد الله بن الحسن) ورووا عن أبي حذيفة من أهل اليمن - وكان فاضلا
~~زاهدا - قال: سمعت عبد الله بن الحسن (1) بن علي بن الحسين عليه السلام وهو
~~يطوف بالبيت، فقال: ورب هذا البيت ورب هذا الركن ورب هذا الحجر (2)، ما
~~قطرت منا قطرت دم ولا قطرت من دماء المسلمين قطرة إلا وهي (3) في أعناقهما،
~~يعني: أبا بكر وعمر.
# (نكير محمد بن الحسن) ورووا عن إسحاق بن أحمر قال: سألت محمد بن الحسن بن
~~علي بن الحسين عليه السلام، قلت: أصلي خلف من يتوالى أبا بكر وعمر؟ قال:
~~لا، ولا كرامة.
# (نكير محمد بن عمر بن الحسن) ورووا عن أبي الجارود قال: سئل محمد بن عمر
~~بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام عن أبي بكر وعمر؟ فقال: قتلتم منذ
~~ستين سنة في أن ذكرتم عثمان، فوالله لو ذكرتم أبا بكر وعمر لكانت دماؤكم
~~أحل عندهم من دماء السنانير.
# (نكير الحسن بن علي بن الحسين) ورووا عن أرطاة بن حبيب الأسدي قال: سمعت
~~الحسن بن علي بن الحسين الشهيد عليه السلام بفخ يقول: ها والله أقامانا هذا
~~المقام وزعما أن رسول الله صلى الله
# PageV00P253
# عليه وآله لا يورث.
# (نكير الحسن بن محمد) ورووا عن إبراهيم بن ميمون، عن الحسن بن محمد بن
~~عبد الله بن الحسن بن علي عليهما السلام قال: ما رفعت امرأة منا طرفها إلى
~~السماء فقطرت منها قطرة إلا كان في أعناقهما.
# (نكير الحسن بن إبراهيم والحسين بن زيد وعدة من أهل البيت) ورووا عن ms129 قليب
~~بن حماد قال: سألت الحسن بن إبراهيم بن عبد الله بن زيد بن الحسن، والحسين
~~بن زيد بن علي عليه السلام، وعدة من أهل البيت، عن رجل من أصحابنا لا
~~يخالفنا في شئ إلا أنه إذا انتهى إلى أبي بكر وعمر أوقفهما وشك في أمرهما.
# فكلهم قالوا: من أوقفهما شكا في أمرهما فهو ضال كافر.
# (نكير فاطمة بنت الحسين) ورووا عن محمد بن الفرات قال: حدثتني فاطمة
~~الحنفية، عن فاطمة ابنة الحسين عليه السلام: أنها كانت تبغض أبا بكر وعمر
~~وتسبهما.
# (نكير عبد الله بن محمد بن عقيل) ورووا عن عمر بن ثابت قال: حدثني عبد
~~الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب قال: إن أبا بكر وعمر عدلا في الناس
~~وظلمانا فلم يغضب الناس لنا، وإن عثمان ظلمنا وظلم الناس فغضب الناس
~~لأنفسهم فآلوا إليه فقتلوه. PageV00P254
# (حديث مرض علي (ع) وما قاله النبي (ص) لأبي بكر وعمر) ورووا عن القاسم بن
~~جندب، عن أنس بن مالك قال: مرض علي عليه السلام فثقل، فجلست عند رأسه، فدخل
~~رسول الله صلى الله عليه وآله ومعه الناس، فامتلأ البيت، فقمت من مجلسي
~~فجلس فيه رسول الله صلى الله عليه وآله، فغمز أبو بكر عمر، فقام فقال: يا
~~رسول الله إنك كنت عهدت إلينا في هذا عهدا، وإنا لا نراه إلا لما به، فإن
~~كان شئ فإلى من؟ فسكت رسول الله عليه السلام فلم يجب (1)، فغمزه الثانية
~~فكذلك، ثم الثالثة، فرفع رسول الله صلى الله عليه وآله رأسه ثم قال: إن هذا
~~لا يموت من وجعه هذا، ولا يموت حتى تملياه غيظا وتوسعاه غدرا وتجداه صابرا.
# (نكير حذيفة بن اليمان) ورووا عن يزيد بن معاوية البكالي (2) قال: (3)
~~سمعت حذيفة بن اليمان يقول: ولي أبو بكر فطعن في الإسلام طعنة أوهنه، ثم
~~ولي عمر فطعن في الإسلام طعنة حل وسطه، ثم ولي عثمان بعده فطعن في الإسلام
~~طعنة مرق منه.
# وفي رواية أخرى عنه رضي الله عنه قال: ولينا أبو بكر فطعن ms130 في الإسلام
~~طعنة، ثم ولينا عمر فحل الأزرار، ثم ولينا عثمان فخرج منه عريانا.
# (نكير الحكم بن عيينة) ورووا عن أبان بن تغلب، عن الحكم بن عيينة قال:
~~كان إذا ذكر عمر أمضه (4) ثم قال: كان (5) يدعو ابن عباس فيستفتيه مغايظة
~~لعلي عليه السلام.
# PageV00P255
# (نكير الأعمش) ورووا عن الأعمش أنه كان يقول: قبض نبيهم صلى الله عليه
~~وآله فلم يكن بهم هم إلا أن يقولوا: منا أمير ومنكم أمير، وما أظنهم
~~يفلحون.
# ورووا عن معمر بن زايدة الوشا قال: أشهد على الأعمش أني (1) سمعته يقول:
~~إذا كان يوم القيامة يجاء بأبي بكر وعمر كالثورين العقيرين، لهما في نار
~~جهنم خوار.
# ورووا عن سليمان بن أبي الورد قال: قال الأعمش في مرضه الذي قبض فيه: هو
~~برئ منهما وسماها، قلت للمسعودي: سماهما؟! قال: نعم أبو بكر (وعمر.
# ورووا عن معمر بن زائدة قال: كنا عند حبيب بن أبي ثابت، قال بعض القوم:
# أبو بكر) (2) أفضل من علي عليه السلام، فغضب حبيب ثم قام قائما فقال:
~~والله الذي لا إله إلا هو لفيهما نزلت: (الظانين بالله الظن السوء عليهم
~~دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم) الآية (3).
# (نكير أبي الجارود) ورووا عن يحيى بن أبي المساور (4)، عن أبي الجارود
~~قال: إن لله عز وجل مدينتين:
# مدينة بالمشرق ومدينة بالمغرب، لا يفتران من لعن أبي بكر وعمر.
# (نكير شريك) ورووا عن ابن عبد الرحمن قال: سمعت شريكا يقول: ما لهم
~~ولفاطمة عليها السلام، والله ما جهزت جيشا ولا جمعت جمعا، والله لقد أذيا
~~رسول الله صلى الله عليه وآله في قبره.
# PageV00P256
# ورووا عن إبراهيم بن يحيى الثوري قال: سمعت شريكا وسأله رجل: يا أبا عبد
~~الله حب أبي بكر وعمر سنة؟ فقال: يا معافا خذ بيده فأخرجه وأعرف وجهه ولا
~~تدخله علي، يا أحمق لو كان حبهما سنه لكان واجبا عليك أن تذكرها في صلاتك
~~كما تصلي على محمد وآل محمد. PageV00P257
# (النكير على عثمان وأمور متفرقة) PageV00P259
# وأما النكير على عثمان فظاهر مشهور من أهل ms131 الأمصار وقطان المدينة من
~~الصحابة والتابعين، يغني بشهرة جملته (1) عن تفصيله، ونحن نذكر من ذلك طرفا
~~يستدل به على مما لم نذكره.
# فن ذلك:
# نكير أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ما رواه الثقفي من عدة
~~طرق، عن قيس بن أبي حازم قال: أتيت عليا عليه السلام أستشفع به إلى عثمان،
~~فقال: إلى حمال الخطايا!
# وروى الثقفي أن العباس كلم عليا عليه السلام في عثمان، فقال: لو أمرني
~~(2) عثمان أن أخرج من داري لخرجت، ولكن أبي أن يقيم كتاب الله.
# وروى الثقفي عن علي عليه السلام قال: دعاني عثمان فقال: اغن عني نفسك ولك
~~عير أولها بالمدينة وآخرها بالعراق، فقلت: (3) بخ بخ قد أكثرت لو كان من
~~مالك، قال:
# فن مال من هو؟ قلت: من مال قوم ضاربوا بأسيافهم، قال لي: أو هناك تذهب،
~~ثم قام إلي ففربني حتى حجزه عني الربو (4)، وأنا أقول له: أما أني لو شئت
~~لانتصفت.
# وذكر الواقدي في كتاب الدار قال: دخل سعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف
~~والزبير وطلحة وعلي بن أبي طالب عليه السلام على عثمان، فكلموه في بعض ما
~~رأوا منه، فكثر الكلام بينهم، وكان علي عليه السلام من أعظمهم عليه، فقام
~~علي عليه السلام مغضبا، فأخذ الزبير بثوبه فقال: أجلس، فأبى، فقال عثمان:
~~دعه فوالله ما علمت
# PageV00P261
# أنه لا يكل (1)، والله لقد علم أنها لا تكون فيه ولا في واحد من ولده.
# وروى الواقدي في كتابه عن ابن عباس: أن أول ما تكلم الناس في عثمان ظاهرا
~~أنه صلى بمنى أول ولايته ركعتين، حتى إذا كانت السنة السادسة أتمها، فعاب
~~ذلك غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله، وتكلم في ذلك من يريد أن
~~يكثر عليه، حتى جاءه (2) علي فيمن جاءه، فقال: والله ما حدث امرؤ لأقدم
~~عهد، ولقد عهدت نبيك صلى الله عليه وآله صلى ركعتين ثم أبا بكر وعمر، وأنت
~~صدرا من ولايتك، فما هذا؟ قال عثمان: رأي رأيته.
# نكير أبي بن كعب ms132 وذكر الثقفي في تاريخه بإسناده قال: جاء (رجل) (3) إلى
~~أبي بن كعب فقال: يا أبا المنذر إن عثمان قد كتب لرجل من آل أبي معيط
~~بخمسين ألف درهم إلى بيت المال، فقال أبي: لا يزال تأتوني بشئ ما أدري ما
~~هو فيه، فبينا هو كذلك إذ مر به الصك، فقام فدخل على عثمان فقال: يا بن
~~الهاوية يا بن النار الهامية أتكتب لبعض آل أبي معيط إلى بيت مال المسلمين
~~بصك بخمسين ألف درهم، فغضب عثمان فقال (4): لولا أني قد نفيتك (5) لفعلت بك
~~كذا وكذا.
# وذكر الثقفي في تاريخه قال: فقام رجل إلى أبي بن كعب فقال: يا أبا المنذر
~~ألا تخبرني عن عثمان ما قولك فيه؟ فأمسك عنه، فقال له الرجل: جزاكم الله
~~شرا يا أصحاب محمد، شهدتم الوحي وعاينتموه ثم نسألكم التفقه في الدين فلا
~~تعلمونا! فقال أبي عند ذلك: هلك أصحاب العقدة ورب الكعبة، أما والله ما
~~عليهم آسى، ولكن آسى على من
# PageV00P262
# النكير على عثمان وأمور تغرقه.
# أهلكوا، والله لئن أبقاني الله إلى يوم الجمعة لأقومن مقاما أتكلم فيه
~~بما أعلم، قتلت أو استحييت، فمات رحمه إلى يوم الخميس.
# نكير أبي ذر روى الثقفي في تاريخه بإسناده عن ابن عباس قال: استأذن أبو
~~ذر على عثمان، فأنى أن يأذن له، فقال لي (1): استأذن لي عليه، قال ابن
~~عباس: فرجعت إلى عثمان فاستأذنت له عليه، قال: إنه يؤذيني قلت: (2) عسى أن
~~لا يفعل، فأذن له من أجلي، فلما دخل عليه قال له: اتق الله يا عثمان، فجعل
~~يقول: اتق الله وعثمان يتوعده، قال أبو ذر: إنه قد حدثني النبي صلى الله
~~عليه وآله: أنه يجاء بك وبأصحابك يوم القيامة فتبطحون على وجوهكم فتمر
~~عليكم البهائم فتطوكم، كلما مرت أخراها (3) ردت أولاها، حتى يفصل بين
~~الناس.
# قال يحيى بن سلمة: فحدثني العزرمي (4) أن في هذا الحديث: ترفعون حتى إذا
~~كنتم مع الثريا ضرب بكم على وجوهكم فتطأكم البهائم.
# وذكر الثقفي في تاريخه: أن أبا ذر رأى أن عثمان ms133 قد أمر بتحريق المصاحف،
~~فقال له: يا عثمان لا تكن أول من حرق كتاب الله فيكون دمك أول دم يهراق.
# وذكر في تاريخه، عن تغلبة (5) بن حكيم قال: بينا أنا جالس عند عثمان
~~وعنده أناس من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله من أهل بدر وغيرهم، فجاء أبو
~~ذر يتوكأ على عصاه، فقال: السلام عليكم، فقال: اتق الله يا عثمان إنك تصنع
~~(6) كذا وكذا وتصنع
# PageV00P263
# كذا وكذا، وذكر مساويه، فسكت عثمان، حتى إذا انصرف قال: من يعذرني من هذا
~~الذي لا يدع مساءة إلا ذكرها، فسكت القوم فلم يجيبوه، فأرسل إلى علي عليه
~~السلام، فجاء فقام في مقام أبي ذر (١)، فقال: يا أبا الحسن ما ترى أبا ذر
~~لا يدع لي مساءة إلا ذكرها، فقال: يا عثمان إني أنهاك عن أبي ذر، يا عثمان
~~أنهاك عن أبا ذر، ثلاث مرات، أتركه كما قال الله تعالى لمؤمن آل فرعون: ﴿إن يكن كاذبا فعليه كذبه وإن يكن صادقا
~~يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مشرك كذاب﴾ (2)، قال له
~~عثمان:
# بفيك التراب، قال له علي عليه السلام، (بل) (3) بفيك التراب، ثم انصرف.
# وروى الثقفي في تاريخه: أن أبا ذر دخل على عثمان وعنده جماعة فقال: أشهد
~~أني جماعة رسول الله صلى عليه وآله يقول: يجاء بي يوم القيامة وبك (4)
~~وبأصحابك حتى نكون بمنزلة الجوزاء من السماء، ثم ير من؟؟؟ بنا إلى الأرض
~~فتوط؟؟؟ علينا البهائم حتى يفرغ من محاسبة العباد، فقال عثمان: يا أبا
~~هريرة هل سمعت هذا من النبي صلى الله عليه وآله؟ فقال: لا، قال أبو ذر:
~~أنشدك الله سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول: ما أقلت الغبراء ولا أظلت
~~الخضراء على ذي لهجة أصدق من أبا ذر؟ قال: أما هذا فقد سمعته، فرجع أبو ذر
~~وهو يقول: والله ما كذبت.
# وذكر الثقفي في تاريخه عن عبد الله بن سياق السلمي (5) أنه قال: قلت لأبي
~~ذر: ما لكم ولعثمان ما ms134 تنقمون عليه، فقال: (بك) (6) وإذ لو أمرني أن أخرج
~~من داري لخرجت ولو حبوا، ولكنه أبى أن يقجم؟؟؟ كتاب الله.
# وذكر الثقفي في تاريخه؟ أن أبا ذر أتي بين يدي عثمان، فقال: يا كذاب،
~~فقال
# PageV00P264
# علي عليه السلام: ما هو بكذاب، قال: بلى والله إنه لكذاب، قال علي عليه
~~السلام: ما هو بكذاب، قال عثمان: التراب (١) في فيك يا علي، قال علي عليه
~~السلام: بل التراب في فيك يا عثمان، قال علي عليه السلام: سمعت رسول الله
~~صلى الله عليه وآله يقول: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة
~~أصدق من أبي ذر، قال: أما والله على ذلك لأسيرنه، قال أبو ذر: أما والله
~~لقد حدثني خليلي عليه الصلاة والسلام: أنكم تخرجوني من جزيرة العرب.
# وذكر الثقفي في تاريخه، عن سهل بن سعد الساعدي قال: كان أبو ذر جالسا عند
~~عثمان وكنت عنده جالسا، إذ قال عثمان: أرأيتم من أدى زكاة ماله هل في ماله
~~حق غيره؟
# قال كعب: لا، فدفع أبو ذر بعصاه في صدر كعب ثم قال: يا بن اليهوديين (٢)
~~أنت تفسر كتاب الله برأيك، (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب
~~ولكن البر من آمن بالله)، إلى قوله: ﴿وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين﴾
~~(3)، قال: ألا ترى أن على المصلي بعد إيتاء الزكاة حقا في ماله، ثم قال
~~عثمان: أترون بأسا أن نأخذ من بيت مال المسلمين ما لا فنفرقه فيما ينوبنا
~~من أمرنا ثم نقضيه؟ ثم قال أناس منهم: ليس بذلك بأس، وأبو ذر ساكت، فقال
~~عثمان: يا كعب ما تقول؟ فقال كعب: لا بأس بذلك، فرفع أبو ذر عصاه فوجى بها
~~في صدره ثم قال: أنت يا بن اليهوديين تعلمنا ديننا! فقال عثمان: ما أكثر
~~أذاك (4) لي وأولئك بأصحابي، إلحق بمكينك وغيب عني وجهك.
# وذكر الثقفي، عن الحسين بن عيسى بن زيد، عن أبيه: أن أبا ذر أظهر عيب
~~عثمان وفراقه للدين، وأغلظ له حتى ms135 شتمه على رؤوس الناس وبرأ منه، فسيره
~~عثمان إلى الشام.
# PageV00P265
# وذكر الثقفي في تاريخه، عن عبد الرحمن بن... (1) أن أبا ذر زار أبا
~~الدرداء بحمص، فمكث عنده ليالي، فأمر بحماره فأوكف، فقال أبو الدرداء: لا
~~أراني إلا مشيعك، وأمر بحماره فأسرج، فسارا جميعا على حماريهما، فلقيا رجلا
~~شهد الجمعة عند معاوية بالجابية، فعرفهما الرجل ولم يعرفاه، فأخبرهما خبر
~~الناس، ثم أن الرجل قال: وخبر آخر كرهت أن أخبركم به الآن وأراكم تكرهانه،
~~قال أبو الدرداء: لعل أبا ذر قد نفي؟
# قال: نعم والله، فاسترجع أبو الدرداء وصاحبه قريبا من عشر مرات، ثم قال
~~أبو الدرداء:
# فارتقبهم واصطبر كما قيل لأصحاب الناقة، اللهم إن كانوا كذبوا أبا ذر
~~فإني لا أكذبه، وإن اتهموه فإني لا أتهمه، وإن استغشوه فإني لا أستغشه، إن
~~رسول الله صلى الله عليه وآله كان يأتمنه حيث لا يأتمن أحدا، ويسر إليه حتى
~~لا يسر إلى أحد، أما والذي نفس أبي الدرداء بيده لو أن أبا ذر قطع يميني ما
~~أبغضته بعدما سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ما أظلت الخضراء ولا
~~أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر.
# وذكر الثقفي في تاريخه بإسناده قال: قام معاوية خطيبا بالشام فقال: أيها
~~الناس إنما أنا خازن، في أعطيته فالله يعطيه، ومن حرمته فالله يحرمه، فقام
~~إليه أبو ذر فقال:
# كذبت والله يا معاوية، إنك لتعطي من حرم الله وتمنع من أعطى الله.
# وذكر الثقفي عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر قال: قلت لمعاوية:
~~أما أنا فأشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إن أحدنا فرعون
~~هذه الأمة، فقال معاوية: أما أنا فلا.
# وعنه، عن عبد الملك ابن أخي أبي ذر قال: كتب معاوية إلى عثمان: أن أبا ذر
~~قد حرف قلوب أهل الشام وبغضك إليهم، فما يستفتون غيره ولا يقضي بينهم إلا
~~هو، فكتب عثمان إلى معاوية: أن أجمل أبا ذر على ناب صعبة وقتب، ثم أبعث معه
~~من ms136 يخشن به
# PageV00P266
# خشنا عنيفا (1)، حتى يقدم به علي، قال: فحمله معاوية على ناقة صعبه،
~~عليها قتب، ما على القتب إلا مسح، ثم بعث معه من يسيره سيرا عنيفا، وخرجت
~~معه، فألبث الشيخ إلا قليلا حتى سقط ما يلي القتب من لهم فخذيه وقرح، فكنمث
~~إذا كان الليل أخذث؟؟؟
# ملائي فألقيتهما تحته، فإذا كان السحر نزعتهما، مخافة أن يروني فيمنعوني
~~من ذلك، حتى قدمنا المدينة، وبلغنا عثمان ما أتى أبو ذر من الوجع والجهد،
~~فحجبه بهعة وبهعة؟؟؟، حتى مضت عشرون ليلة أو نحوها، وأفاق أبو ذر، ثم أرسل
~~إليه وهو معتمد على يدي، فدخلنا عليه وهو متكئ، فاستوى قاعدا، فلما دنا أبو
~~ذر منه قال عثمان شعر:
# لا أنعم الله بعمر وعينا تحية السخط إذا التقينا فقال له أبو ذر: لم (2)،
~~فوالذ ما صأف! اللا عمروأ، ولا كأني أبواي عمروأ، وإني؟؟؟
# على العهد الذي فارقت عليه رسول الله صلى الله عليه وآله، ما غيرت ولا
~~بدلت، فقال له عثمان: كذبت، لقد كذبت على نبينا وطعنت في ديننا وفارقت
~~رأينا وضغنت قلوب المسلمين علينا، ثم قال لبعض غلمانه: ادع لي قريشا،
~~فانطلق رسوله، فما لبثنا أن امتلأ البيت من رجال قريش، فقال لهم عثمان: إنا
~~أرسلنا إليكم في هذا الشيخ الكذاب الذي كذب على نبينا وطعن في ديننا وضغن
~~قلوب المسلمين علينا، وإني قد رأيت إن أقتله أو أصلبه أو أنفيه من الأرض،
~~فقال بعضهم: رأينا لرأيك تبع، وقال بعضهم: لا تفعل فإنه صاحب رسول الله صلى
~~الله عليه وآله وله حق، فما منهم أحد أدى الذي عليه، فبينا هم كذلك إذ جاء
~~علي بن أبي طالب عليه الإسلام يتركا على عصا سوا (3)، فسلم عليه ونظر ولم
~~يجد مقعدا، فاعتمد على عصاه، فما أدري أتخلف عمدا (4) أم يظن به غير ذلك،
~~ثم قال علي عليه السلام: فيما أرسلتم إلينا؟ قال عثمان: أرسلنا إليكم في
~~أمر قد فرق لنا فيه الرأي، فابهع رأينا ورأي المسلمين فيه على أمر، قال علي
~~عليه السلام: ولله ms137 الحمد، أما أنكم لو
# PageV00P267
# استنصتمونا لم نألكم نصيحة (ئ)، فقال عثمان: إنا أرسلنا إليكم في هذا
~~الشيخ الذي قد كذب علينا وطعن في ديننا وخالف رأينا وضغن قلوب المسلمين
~~علينا، وقد رأينا أن نقتله أو نصلبه أو ننفيه من الأرض، قال علي عليه
~~السلام: أفلا أدلكم على خير من ذلكم وأقرب رشدا: تتركونه بمنزلة مؤمن آل
~~فرعون ﴿إن يكن كاذبا
~~فعليه كذبة وإن يكن صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مشرك
~~كذاب﴾ (2)، قال له عثمان: بفيك التراب، فقال علي عليه السلام: بل بفيك
~~التراب، وسيكون به، فأمر بالناس فأخرخوا.
# وعنه في تاريخه، بإسناده عن عبد الرحمن بن سر، عن أبيه قال: لما قدم بأبي
~~ذر من الشام إلى عثمان، كان چما؟؟؟ أبنه (3) به أن قال: أيها الناس إنه
~~يقول: إنه خير من أبي بكر وعمر، قال أبو ذر: أجل أنا أقول، ذلك لقد رأيتني
~~رابع أربعة مع رسول الله صلى الله عليه وآله ما أسلم غيرنا، وما أسلم أبو
~~بكر ولا (4) عمر، ولقد وليا وما وليت، ولقد ماتا وإني لحي، فقال علي عليه
~~السلام: والله لقد رأيته وإنه لرابع الإسلام، فرد عثمان ذلك على علي عليه
~~السلام، وكان بينهما كلام، فقال عثمان: والله لقد همت به، قال علي عليه
~~السلام: وأنا والله لأهم بك (5)، فقام عثمان ودخل بيته وتفرق الناس.
# وعنه في تاريخه، عن الأحنف بن قيس قال: بيا نحن جلوس مع أبي هريرة إذ جاء
~~أبو ذر فقال: يا أبا هريرة هل افتقر الله منذ استننى؟؟؟ فقال أبو هريرة:
~~سبحان الله، بل الله الغني الحميد، لا يفتقر أبدا ونحن الفقراء إليه، قال
~~أبو ذر: فما بال هذا المال مجمع بعضه إلى بعض، فقال: مال الله قد منعوه
~~أهله من اليتامى والمساكين، ثم انطلق، فقلت لأبي هريرة: ما لكم لا تأبون
~~مثل هذا، قال: إن هذا رجل قد وطن نفسه على أن يذبح في
# PageV00P268
# الله، أما أني أشهد أني ms138 سعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ما أظلت
~~الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر، فإذا أردتم أن
~~تنظروا إلى أشبه الناس بعيسى بن مريم برا وزهدا ونسكا فعليكم به.
# وعنه في تاريخه، عن المغرور (١) بن سويد قال: كان عثمان يخطب، فأخذ أبو
~~ذر بحلقة الباب فقال: أنا أبو ذر من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا
~~جندب، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إنما مثل أهل بيتي مثل
~~سفينة نوح في قومه، من تخلف عنها هلك، ومن ركبها نجا، قال له عثمان: كذبت،
~~فقال له علي عليه السلام: إنما كان عليك أن تقول كما قال العبد الصالح: ﴿إن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا
~~يصبكم بعض الذي يعدكم﴾ (2)، فما أتم حتى قال عثمان: بفيك التراب، فقال
~~علي عليه السلام: بل بفيك التراب.
# وذكر الواقدي في تاريخه، عن سعيد بن عطاء، عن أبي مروان الأحمر (3)، عن
~~أبيه، عن جده قال: لما صد الناس عن الحج في سنة ثلاثين أظهر أبو ذر بالشام
~~عيب عثمان، فجعل كلما دخل المسجد أو خرج شتم عثمان، وذكر منه خصال كلها
~~قبيحة، فكتب معاوية بن أبي سفيان إلى عثمان كتابا يذكر له ما يصنع أبو ذر،
~~وذكر (الواقدي) (4) ما تضمنه الكتاب، حذفناه اختصارا، فكتب إليه عثمان: أما
~~بعد، فقد جاءني كتابك وفهمت ما ذكرت من أبي ذر جندب (5)، فابعث إلي به،
~~واحمله على أغلظ المراكب وأوعرها، وابعث معه دليلا يسير به الليل والنهار
~~حتى لا ينزل عن مركبه، فيغلبه النوم فينسيه ذكري وذكرك، قال: فلما ورد
~~الكتاب على معاوية حمله على شارف ليس عليه إلا قتب، وبعث معه دليلا، وأمر
~~أن يفذ به السير، حتى قدم به المدينة وقد سقط لحم
# PageV00P269
# فخذيه، قال: فلقد أتانا آت ونحن في المسجد ضحوة مع علي بن أبي طالب عليه
~~السلام، فقيل: أبو ذر قد قدم المدينة، فخرجت أغدو (1)، فكنت أول من سبق
~~إليه، ms139 فإذا شيخ نحيف آدم (2) طوال أبيض الرأس واللحية يمشي مشيا متقاربا،
~~فدنوت إليه فقلت: يا عم ما لي أراك لا تخطو إلا خطوا قريبا! قال: عمل ابن
~~عفان: حملني على مركب وعر، وأمر بي أن أتعب، ثم قدم بي عليه ليرى في رأيه،
~~قال: فدخل به على عثمان، فقال له عثمان: لا أنعام الله لك عينا يا جنيدب،
~~قال أبو ذر: أنا جندب وسماني رسول الله صلى الله عليه وآله عبد الله،
~~فاخترت اسم رسول الله صلى الله عليه وآله الذي سماني به على الاسم الذي
~~سماني به أبي (3)، فقال (له) (4) عثمان: أنت الذي تزعم أنا نقول: إن يد
~~الله مغلولة وإن الله فقير ونحن أغنياء؟ فقال أبو ذر: لو كنتم لا تزعمون
~~ذلك لأنفقتم مال الله على عباد الله (5)، ولكني أشهد لسمعت رسول الله صلى
~~الله عليه وآله يقول: إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلا، جعلوا مال الله
~~دولا، وعباد الله خولا، ودين الله دخلا، ثم يريح الله العباد منهم، فقال
~~عثمان لمن حضره: أسمعتم هذا (6) من نبي الله عليه السلام؟ فقالوا: ما
~~سمعناه، فقال عثمان: ويلك يا أبا ذر أتكذب على رسول الله صلى الله عليه
~~وآله؟! فقال أبو ذر لمن حضره: وأما (7) تظنون أني صدقت؟ قالوا: (8) والله
~~ما ندري، فقال عثمان: ادعوا لي عليا - عليه السلام - (فدعي)، فلما (جاء)
~~(9) قال عثمان لأبي ذر: أقصص عليه
# PageV00P270
# حديثك في بني أبي العاص (1)، فحدثه، فقال عثمان لعلي عليه السلام: هل
~~سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله؟ فقال علي عليه السلام: لا، وقد
~~صدق (2) أبو ذر، فقال عثمان: بم عرفت صدقه؟ فقال علي عليه السلام: إني (3)
~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء
~~من ذي لهجة أصدق من أبي ذر، فقال من حضر من أصحاب النبي صلى الله عليه
~~وآله: صدق (4) أبو ذر، فقال أبو ذر: أحدثكم أني سمعت هذا من رسول الله صلى
~~الله عليه وآله ثم تتهموني! ما ms140 كنت أظن أني أعيش حتى أسمع هذا من أصحاب
~~محمد صلى الله عليه وآله.
# وذكر الواقدي في تاريخه، عن صهبان مولى الأسلميين قال: رأيت أبا ذر يوم
~~دخل به على عثمان عليه عباءة (5) مدرعا (6) قد درع بها على شارف، حتى أنيخ
~~به على باب عثمان، فقال: أنت الذي فعلت وفعلت؟ فقال: أنا الذي نصحتك
~~فاستغششتني، ونصحت صاحبك فاستغشني، فقال عثمان: كذبت والله، لكنك تريد
~~الفتنة وتحبها، قد أنغلت (7) الشام علينا، فقال له أبو ذر: اتبع سنة صاحبيك
~~لا يكون لأحد عليك كلام، فقال له عثمان: مالك ولذاك (8) لا أم لك؟ فقال أبو
~~ذر: والله ما وجدت لي عذرا (9) إلا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فغضب
~~عثمان وقال: أشيروا علي في هذا الشيخ الكذاب: إما أن أضربه وأحبسه (10)، أو
~~أقتله - فإنه قد فرق جماعة المسلمين - أو أنفيه.
# PageV00P271
# من أرض الإسلام، فتكلم علي عليه السلام - وكان (1) حاضرا - فقال: أشير
~~عليك بما قال مؤمن آل فرعون: ف (إن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا
~~يصبكم بعض الذي يعدكم) الآية (2)، فقال عثمان: بفيك التراب، فقال علي بن
~~أبي طالب عليه السلام: بل بفيك التراب، ويحك يا عثمان تصنع هذا بأبي ذر
~~صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله أن كتب إليك فيه معاوية، وهو من عرفت
~~زهقه وظلمه، وتفرقوا، فجعل أبو ذر لا يخرج من بيته، وجعل أصحاب النبي صلى
~~الله عليه وآله يأتونه، وكان عمار بن ياسر رضي الله عنهما ألزمهم له، فمكث
~~أياما، ثم أرسل عثمان إلى أبي ذر فأتي به قد أسرع به، فلما وقف بين يديه
~~قال: ويحك يا عثمان أما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله ورأيت أبا بكر
~~ورأيت عمر، هل رأيت هذا هدرهم، إنك لتبطش بي (3) بطش جبار، فقال: اخرج عنا
~~من بلادنا، فقال أبو ذر: ما (4) أبغض إلي جوارك، فإلى أين أخرج؟ قال: حيث
~~شئت، قال: أفأخرج إلى الشام أرض الجهاد؟ قال: (5) إنما جلبتك من الشام لما
~~قد أفسدتها، أفأردك إليها؟! قال: أفأخرج (6) إلى ms141 العراق؟ قال: لا، قال:
~~ولم؟ قال: تقدم على قوم هم أهل شبه وطعن على الأئمة، قال: أفأخرج إلى مصر؟
~~قال: لا، قال: أين أخرج؟ قال:
# إلى حيث (7) شئت، قال أبو ذر: هو إذا التعرب بعد الهجرة، أخرج إلى نجد،
~~فقال (8) عثمان: الشرف الشرف الأبعد أقصى فأقصى (9)، قال أبو ذر: قد أبيت
~~ذلك علي، قال:
# امض على وجهك هذا ولا تعدون الربذة، فخرج أبو ذر إلى الربذة، فلم يزل بها
~~حتى
# PageV00P272
# توفي.
# نكير عمار بن ياسر وذكر الثقفي في تاريخه، عن سالم بن أبي الجعد قال: خطب
~~عثمان الناس ثم قال فيها: والله لأؤثرن بني أمية، ولو كان بيدي مفاتيح
~~الجنة لأدخلتهم (١) إياها، ولكني سأعطيهم من هذا المال على رغم أنف من زعم
~~(٢)، فقال عمار بن ياسر: أنفي والله ترغم (٣) من ذلك، قال عثمان: فأرغم
~~الله انفك، فقال عمار: وأنف أبي بكر وعمر ترغم، قال: وإنك لهناك يا بن سمية
~~ثم نزل إليه فوطأه، فاستخرج من تحته - وقد غشي عليه - وفتقه.
# وذكر الثقفي، عن شقيق قال: كنت مع عمار فقال: ثلاث يشهدون على عثمان وأنا
~~الرابع، وأنا أسوء الأربعة، (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون
~~" (٤) ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم
~~الظالمون﴾ (٥)، ﴿ومن لم يحكم بما
~~أنزل الله فأولئك هم الفاسقون﴾ (6)، وأنا أشهد لقد حكم بغير ما أنزل
~~الله.
# وعنه في تاريخه قال: قال رجل لعمار يوم صفين: (على) (7) ما تقاتلهم يا
~~أبا اليقظان؟ قال: على أنهم زعموا أن عثمان مؤمن، ونحن نزعم أنه كافر.
# وعنه في تاريخه، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير الحرشي قال: انتهيت إلى
~~عمار في مسجد البصرة وعليه برنس والناس قد أطافوا به وهو يحدثهم عن (8)
~~أحداث عثمان
# PageV00P273
# وقتله، فقال رجل من القوم وهو يذكر عثمان؟ رحم الله عثمان، فأخذ عمار كفا
~~من حصا المسجد فضرب به وجهه، ثم قال: استغفر الله يا كافر، استغفر الله يا
~~عدو الله، ms142 وأوعد بالرجل (1)، فلم يزل القوم يسكنون عمارا عن الرجل حتى قام
~~وانطلق، وقعدت في القوم حتى فرغ عمار من حديثه وسكن غضبه، ثم أني قمت معه
~~فقلت له: يا أبا اليقظان رحمك الله أمؤمنا قتلتم عثمان بن عفان أم كافرا؟
~~فقال: لا بل قتلناه كافرا، بل قتلناه كافرا، بل قتلناه كافرا.
# وعنه، عن حكيم بن خبير (2) قال: قال عمار: والله ما أجدني أسى على شئ
~~تركته خلفي، غير أني وددت أنا كنا أخرجنا عثمان من قبره فأضرمنا عليه نارا.
# وذكر الواقدي في تاريخه، عن سعد بن أبي وقاص قال: أتيت عمار بن ياسر
~~وعثمان محصور، فلما انتهيت إليه قام معي فكلمته، فلما ابتدأت الكلام جلس،
~~ثم استلقى ووضع يده على وجهه، فقلت: ويحك يا أبا اليقظان إنك كنت فينا لمن
~~أهل الخير والسابقة، وممن عذب في الله، فما الذي تبغي من سعيك في فساد
~~المؤمنين، وما صنعت في أمير المؤمنين، فأهوى إلى عمامته فنزعها عن رأسه، ثم
~~قال: خلعت عثمان كما خلعت عمامتي هذه، يا أبا إسحاق إني أريد أن تكون خلافة
~~كما كانت على عهد النبي صلى الله عليه وآله، فأما أن يعطي مروان خمس
~~إفريقية، ومعاوية على الشام، والوليد بن عقبة شارب الخمر على الكوفة، وابن
~~عامر على البصرة، والكافر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وآله على مصر،
~~فلا والله لا كان هذا (3) أبدا حتى يبعج في خاصرته بالحق.
# نكير عبد الله بن مسعود وذكر الثقفي في تاريخه، عن الأعمش، عن شقيق قال:
~~قلنا لعبد الله: فيم طعنتم
# PageV00P274
# على عثمان؟ قال: أهلكه الشح، وبطانة السوء.
# وعنه، عن قيس بن أبي حازم وشقيق بن سلمة قال: قال عبد الله بن مسعود:
# لوددت أني وعثمان برمل عالج، فنتحاشى التراب حتى يموت الأعجز (1).
# وعنه، عن (2) جماعة من أصحاب عبد الله، منهم علقمة بن قيس ومسروق بن
~~الأجدع وعبيدة السلماني وشقيق بن سلمة وغيرهم، عن عبد الله قال: لا يعدل
~~عثمان عند الله جناح بعوضة.
# وفي أخرى: جناح ذباب.
# وعنه، ms143 عن عبيدة السلماني قال: سمعت عبد الله يلعن عثمان، فقلت له في ذلك،
~~فقال: (3) سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يشهد له بالنار.
# وعنه، عن خيثمة بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن مسعود قال: بينا نحن في
~~بيت - ونحن اثنا عشر رجلا - نتذاكر أمر الدجال وفتنته، إذ دخل رسول الله
~~صلى الله عليه وآله فقال: ما تتذاكرون من أمر الدجال، والذي نفسي بيده إن
~~في البيت لمن هو أشد على أمتي من الدجال، وقد مضى من كان في البيت يومئذ
~~غيري وغير عثمان، والذي نفسي بيده لوددت أني وعثمان برمل عالج يتحاثا
~~التراب حتى يموت الأعجل (4).
# وعنه، عن علقمة قال: دخلت على عبد الله بن مسعود فقال: صلى هؤلاء جمعتهم؟
~~قلت: لا، قال: إنما هؤلاء حمر، إنما يصلي مع هؤلاء المضطر ومن لا صلاة له،
~~فقام بيننا فصلى بغير أذان ولا إقامة.
# وعنه، (عن) أبي البختري قال: دخلوا على عبد الله - حيث كتب عبد الرحمن
~~يسيره - وعنده أصحابه، فجاء رسول الوليد فقال: إن الأمير أرسل إليك: إن
~~أمير المؤمنين يقول: إما أن تدع هؤلاء الكلمات، وإما أن تخرج من أرضك، قال:
~~رب
# PageV00P275
# كلمات (لا) (1) أختار مصري عليهن، (قيل:) (2) ما هن؟ قال: أفضل الكلام
~~كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله، وشر الأمور محدثتنا،
~~وكل محدثة ضلالة، فقال ابن مسعود: ليخرجن منها ابن أم عبد، ولا أتركهن أبدا
~~وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقولهن.
# وقد ذكر ذلك أجمع وزيادة عليه الواقدي في كتاب الدار، تركناه إيجازا (3).
# نكير حذيفة بن اليمان وذكر الثقفي قي تاريخه، عن قيس بن أبي حازم قال:
~~جاءت بنو عبس إلى حذيفة يستشفعون به على عثمان، فقال حذيفة: لقد أتيتموني
~~من عند رجل وددت أن كل سهم في كنانتي (4) في بطنه.
# وعنه، عن حارث بن سويد قال: كنا عند حذيفة فذكرنا عثمان، فقال: عثمان!
# والله ما يعدو أن يكون فاجرا في دينه، أو أحمق في معيشته.
# وعنه، عن حكيم بن ms144 جبير، عن يزيد مولى حذيفة، عن أبي شريحة الأنصاري أنه
~~كع حذيفة يحدث قال: طلبت رسول الله صلى الله عليه وآله في منزله فلم أجده،
~~وطلبته فوجدته في حائط نائما رأسه تحت نخلة، فانتظرته طويلا فلم يستيقظ،
~~فكسرت جريدة فاستيقظ، فقال ما شاء الله أن يقول، ثم جاء أبو بكر فقال: ائذن
~~لي (5)، ثم جاء عمر، فأمرني أن آذن له، ثم جاء في عليه السلام فأمرني أن
~~آذن له وأبشره بالجنة، (ثم قال: يجيئكم الخامس لا يستأذن ولا يسلم وهو من
~~أهل النار، فجاء عثمان حتى وثب
# PageV00P276
# من جانب الحائط،) (1) ثم قال: يا رسول صلى بنو فلان يقاتل بعضهم بعضا.
# وذكر الواقدي في تاريخه، عن أبي وائل قال: سمعت حذيفة بن اليمان يقول:
~~لقد دخل عثمان قبره بفجره (2).
# وعنه، عن عبد الله بن السائب قال: لما قتل عثمان أتي حذيفة وهو بالمدائن،
~~فقيل:
# يا أبا عبد الله لقية رجلا آنفا على الجسر فحذيفة أن عثمان قتل، قال: هل
~~تعرف الرجل؟
# قلت أظنني أعرفه وما أثبته، قال حذيفة: إن ذلك عثيم الجني، وهو الذي يسير
~~بالأخبار، فحفظوا ذلك اليوم فوجدوه قتل في ذلك اليوم، فقيل لحذيفة: ما تقول
~~في قتل عثمان؟
# (فقال:) هل هو إلا كافر قتل كافر (ا) أو مسلم قتل كافرا، فقالوا: ما جعلت
~~له مخرجا، قال: الله (3) لم يجعل له مخرجا.
# وعنه، عن حصين بن عبد الرحمن قال: قلت لأبي وايل (4): حدثنا فقد أدركت ما
~~لم ندرك، فقال: اتهموا القوم على دينكم، فوالله ما ماتوا حتى خلطوا، لقد
~~قال حذيفة قي عثمان: إنه دخل حفرته وهو فاجر.
# نكير المقداد وذكر الثقفي في تاريخه، عن همام بن الحارث قال: دخلت مسجد
~~المدينة فإذا الناس مجتمعون على عثمان، وإذا رجل يمدحه، فوثب المقداد بن
~~الأسود أخذ (5) كفا من حصا أو تراب، فأخذ يوميه (6) به، فرأيت عثمان يتقيه
~~بيده.
# PageV00P277
# وذكر في تاريخه، عن سعيد بن المسيب قال: لم يكن المقداد بن الأسود يصلي
~~(1) خلف (2) عثمان، ولا يسميه (3) أمير المؤمنين.
# (وذكر عن ms145 سعيد أيضا قال: لم يكن عمار ولا المقداد بن الأسود يصليان خلف
~~عثمان ولا يسميانه أمير المؤمنين) (4).
# نكير عبد الرحمن بن حنبل القرشي وذكر الثقفي في تاريخه، عن الحسين بن
~~عيسى بن زيد، عن أبيه قال: كان عبد الرحمن بن حنبل القرشي - وهو: من أهل
~~بدر - من أشد الناس على عثمان، وكان يذكره في الشعر، ويذكر جوره ويطعن
~~عليه، ويبرأ منه ويصف صنائعه، فلما بلغ ذلك عثمان عنه ضربة مائة سوط وحمله
~~على بعير وطاف به في المدينة، ثم حبسه موبقا (5) في الحديد.
# نكير طلحة بن عبيد الله وذكر الثقفي في تاريخه، عن مالك بن النصر
~~الارجني: أن طلحة قام إلى عثمان فقال له: إن الناس قد جمعوا (6) لك وكرهوك
~~للبدع التي أحدثت، ولم يكونوا يرونها ولا يعهدونها، فإن تستقم فهو خير لك،
~~وإن أبيت لم يكن أحد أضر بذلك منك في دنيا ولا آخرة.
# وذكر الثقفي في تاريخه، عن سعيد بن المسيب قال: انطلقت بأبي أقوده إلى
# PageV00P278
# المسجد، فلما دخلنا سمعنا لغط الناس وأصواتهم، فقال أبي: يا بني ما هذا؟
~~فقلت: الناس محدقون بدار عثمان، فقال: من ترى من قريش؟ قلت: طلحة، قال:
~~إذهب بي إليه فأدنني منه، فلما دنا منه قال (1): يا أبا محمد ألا تنهى
~~الناس عن (2) قتل هذا الرجل، قال يا أبا سعيد إن لك دارا فاذهب فاجلس في
~~دارك، فإن نعثلا لم يكن يخاف هذا اليوم.
# وذكر، في تاريخه، عن الحسين بن عيسى، عن أبيه: أن طلحة بن عبيد الله كان
~~يومئذ في جماعة الناس عليه السلاح عند باب القصر يأمرهم بالدخول عليه.
# وذكر، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: انتهيت إلى المدينة أيام حصر عثمان
~~في الدار، فإذا طلحة بن عبيد الله في مثل الخزة (3) السوداء من (4) الرجال
~~والسلاح مطيف بدار عثمان حتى قتل.
# وذكر عنه قال: رأيت طلحة يرامي الدار، وهو في خزة (5) سوداء عليه الدرع
~~قد كفر عليه بقباء، فهم يرامونه ويخرجونه إلى (6) الدار، ثم يخرج فيراميهم،
~~حتى دخل عليه من ms146 دار من قبل دار ابن حزم فقتل.
# وذكر الواقدي في تاريخه، عن عبد الله بن مالك، عن أبيه قال لا لما أشخص
~~الناس لعثمان لم يكن أحد أشد عليه من طلحة بن عبيد الله، قال مالك: اشترى
~~(7) مني ثلاثة أدراع (8) وخمسة أسياف، فرأيت تلك الدروع على أصحابه الذين
~~كانوا يلزمونه قبل مقتل عثمان بيوم أو يومين.
# وذكر الواقدي في تاريخه قال: ما كان أحد من أصحاب محمد صلى الله عليه
~~وآله
# PageV00P279
# أشد على عثمان من عبد الرحمن بن عوف حتى مات، ومن سعد بن أبي وقاص حتى
~~مات عثمان وأعطى الناس الرضى، ومن طلحة، وكان أشدهم، فإنه لم يزل كهف
~~المصريين وغيرهم، يأتونه بالليل يتحدثونه عنده إلى أن جاهدوا، فكان ولي
~~الحرب والقتال، وعمل المفاتيح على بيت المال، وتولى الصلاة بالناس، ومنعه
~~ومن معه من الماء، ورد شفاعة علي عليه السلام في حمل الماء إليهم، وقال له:
~~لا والله ولا نعمة عين، ولا ببركة يأكل (1)، ولا يثرب، حتى يعطي بني أمية
~~الحق من أنفسها.
# وروى قوله لمالك بن أوس وقد شفع إليه في ترك التأليب على عثمان: يا مالك
~~إني نصحت عثمان فلم يقبل نصيحتي، وأحدث أحداثا، وفعل أمورا لم (2) نجد بدا
~~من أن يغيرها، والله لو وجدت من ذلك (بدا) (3) ما تكلمت ولا ألبت.
# نكير الزبير بن العوام وذكر الواقدي في تاريخه قال: عتب عثمان على
~~الزبير، فقال: ما فعلت ولكنك صنعت بنفسك أمرا قبيحا، تكلمت على منبر رسول
~~الله صلى الله عليه وآله بأمر أعطيت الناس فيه الرضا، ثم لقيك مروان وصنعت
~~ما لا يشبهك، حضر الناس يريدون منك ما أعطيتهم، فخرج مروان فآذى وشتم، فقال
~~له عثمان: فإني استغفر الله.
# وذكر في تاريخه: أن عثمان أرسل سعيد بن العاص إلى الزبير فوجده بأحجار
~~الزيت في جماعة، فقال له: إن عثمان وإن معه قد مات عطشا، فقال له الزبير:
~~(حيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم كانوا في شك مريب)
~~(4).
# PageV00P280
# نكير عبد الرحمن بن ms147 عوف وذكر الثقفي في تاريخه، عن الحسين بن عيسى بن
~~زيد، عن أبيه قال: كثر الكلام بين عبد الرحمن بن عوف وبين عثمان حتى قال
~~عبد الرحمن: أما والله لئن بقيت لك لأخرجنك من هذا الأمر كما أدخلتك فيه،
~~وما غررتني (١) إلا بالله.
# وذكر الثقفي، عن الحكم قال: كان بين عبد الرحمن بن عوف وبين عثمان كلام،
~~فقال له عبد الرحمن: والله ما شهدت بدرا، ولا بايعت تحت الشجرة، وفررت يوم
~~حنين، فقال له عثمان: وأنت والله دعوتني إلى اليهودية.
# وعنه، عن طارق بن شهاب قال: رأيت ابن عوف يقول: يا أيها الناس إن عثمان
~~أبى أن يقيم فيكم كتاب الله، فقيل له: أنت أول من بايعه وأول من عقد له،
~~قال: إنه نقض، وليس لناقض عهد.
# وعنه، عن أبي إسحاق قال: ضج الناس يوما حين صلوا الفجر في خلافة عثمان،
~~فنادوا بعبد الرحمن بن عوف، فحول وجهه إليهم واستدبر القبلة، ثم خلع قميصه
~~من جنبه (٢) فقال: (يا معشر أصحاب محمد) (٣)، يا معشر المسلمين، أشهد الله
~~وأشهدكم أني قد خلعت عثمان من الخلافة كما خلعت سربالي هذا، فأجابه مجيب من
~~الصف الأول: ﴿الآن وقد عصيت قبل وكنت من
~~المفسدين﴾ (4)، فنظروا من الرجل، فإذا هو علي بن أبي طالب عليه السلام.
# وعنه قال: أوصى عبد الرحمن أن يدفن سرا، لئلا يصلي عليه عثمان.
# وذكر الواقدي في تاريخه، عن عثمان بن السريد قال: دخلت على عبد الرحمن بن
~~عوف في شكواه الذي مات فيه أعوده، فذكر عنده عثمان، فقال: عاجلوا طاغيتكم
~~هذا قبل أن يتمادى في ملكه، قالوا: فأنت وليته، قال: لا عهد لناقض.
# PageV00P281
# وذكر الثقفي في تاريخه، عن بلال بن الحارث قال: كنت مع عبد الرحمن جالسا،
~~فطلع عثمان حتى صعد المنبر، فقال عبد الرحمن: فقدت أكثرك شعرا.
# وذكر فيه: أن عثمان أنفد المسور بن مخرمة (1) إلى عبد الرحمن يسأله الكف
~~عن التحريض عليه، فقال له عبد الرحمن: أنا أقول هذا القول وحدي؟! ولكن
~~الناس يقولون ms148 جميعا: إنه غير وبدل، قال المسور: قلت: فإن كان الناس يقولون
~~فدع أنت ما تقول فيه، فقال عبد الرحمن: لا والله ما أجده يسعني أن أسكت
~~عنه، ثم قال له: قل له يقول لك خالي: إتق الله وحده لا شريك له في أمة محمد
~~صلى الله عليه وآله، وما أعطيتني من العهد والميثاق: لتعملن بكتاب الله
~~وسنة صاحبيك، فلم تف.
# وذكر فيه: أن ابن مسعود قال لعبد الرحمن في أحداث عثمان: هذا مما عملت!
~~فقال عبد الرحمن: قد أخذت إليكم بالوثيقة، فأمركم إليكم.
# وذكر فيه قال: قال علي عليه السلام لعبد الرحمن بن عوف: هذا عملك! فقال
~~عبد الرحمن: فإذا شئت فخذ سيفك وآخذ سيفي.
# نكير عمرو بن العاص وذكر الثقفي في تاريخه، عن لوط بن يحيى الأزدي قال:
~~جاء عمرو بن العاص فقال لعثمان: إنك ركبت من هذه الأمة النهابير (2)
~~وركبوها (3) بك، فاتق الله وتب إليه، فقال: يا بن النابغة قد تبت إلى الله
~~وأنا أتوب إليه، أما إنك ممن يؤلب علي (4) ويسعى في الساعين، قد لعسري
~~ضرمتها، فأسعر (5) وأضرم ما بدا لك، فخرج عمرو حتى نزل في أداني الشام.
# PageV00P282
# وذكر فيه، عن الزهري قال: إن عمرو بن العاص ذكر عثمان فقال: إنه استأثر
~~بالفئ فأساء الأثرة، واستعمل أقواما لم يكونوا بأهل العمل من قرابته وآثرهم
~~على غيرهم، فكان في ذلك سفك في دمه وانتهاك حرمته.
# وعنه فيه قال: قام عمرو إلى عثمان فقال: إتق الله يا عثمان، إما أن تعدل
~~وإما أن تعتزل، فلما أن نشب الناس في أمر عثمان تنحى عن المدينة وخلف ثلاثة
~~غلمة له ليأتوه بالخبر، فجاء اثنان بحصر عثمان، فقال: إني إذا نكأت قرحة
~~(1) أدميتها، وجاء الثالث بقتل عثمان وولاية علي عليه السلام، فقال: وا
~~عثماناه، ولحق بالشام.
# وذكر الواقدي قي تاريخه: أن عثمان عزل عمرو بن العاص عن مصر واستعمل
~~عليها عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فقدم عمرو المدينة، فجعل يأتي عليا عليه
~~السلام فيؤلبه على عثمان، ويأتي الزبير ويأتي طلحة، ms149 وي (ت) لقى الركبان
~~يخبرهم بأحداث عثمان، فلما حصر عثمان الحصار الأول خرج إلى أرض فلسطين، فلم
~~يزل بها حتى جاءه خبر قتله، فقال: أنا أبو عبد الله، إني إذا أحل قرحة
~~نكاتها، إني كنت لا حرض عليه، حتى أني لأحرض عليه الراعي (2) في غنمه، فلما
~~بلغه بيعة الناس عليا عليه السلام كره ذلك وتربص حتى قتل طلحة والزبير، ثم
~~لحق بمعاوية.
# نكير محمد بن مسلمة الأنصاري وذكر الثقفي في تاريخه، عن داود بن الحصين
~~الأنصاري: أن محمد بن مسلمة الأنصاري قال يوم قتل عثمان: ما رأيت يوما قط
~~أقر للعيون ولا أشبه بيوم بدر من هذا اليوم.
# وروى فيه، عن أبي سفيان مولى آل أحمد قال: أتيت محمد بن مسلمة الأنصاري
# PageV00P283
# فقلت: قتلتم عثمان؟ فقال: نعم وأيم الله ما (1) وجدت رائحة هي أشبه
~~برائحة يوم بدر منها.
# وقد ذكر الواقدي في تاريخه، عن محمد بن مسلمة: مثل ما ذكره الثقفي.
# نكير أبي موسى وذكر الواقدي في تاريخه قال: لما ولى عثمان عبد الله بن
~~عامر بن كريز البصرة، قام أبو موسى الأشعري خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه،
~~ثم قال: قد أتاكم رجل كثير العمات والخالات في قريش، يبسط المال فيهم بسطا،
~~وقد كنت قبضته عنكم.
# نكير جبلة بن عمرو الساعدي وذكر الواقدي في تاريخه، عن عامر بن سعد قال:
~~أول من اجترأ على عثمان بالنطق (2) السئ جبلة بن عمرو الساعدي، مر به عثمان
~~وهو جالس في نادي قومه وفي يد جبلة بن عمرو جامعة، فسلم، فرد القوم، فقال
~~جبلة: لا تردون على رجل فعل كذا وكذا، قال: ثم أقبل على عثمان فقال: والله
~~لأطرحن هذه الجامعة في عنقك أو لتتركن بطانتك هذه، قال عثمان: أي بطانة
~~فوالله إني لأتخير الناس، فقال: مروان تخيرته، ومعاوية تخيرته، وعبد الله
~~بن عامر بن كريز تخيرته، وعبد الله بن سعد تخيرته، منهم من نزل القرآن
~~بذمه، وأباح رسول الله صلى الله عليه وآله دمه (3)، فانصرف عثمان، فما زال
~~الناس مجترون (4) عليه.
# وذكر فيه، ms150 عن عثمان بن السريد قال: (مر عثمان) (5) على جبلة بن عمرو
~~الساعدي وهو على باب داره ومعه جامعة، فقال: يا نعثل والله لأقتلنك أو
~~لأحملنك على
# PageV00P284
# جرباء ولأخرجنك إلى حرة النار، ثم جاءه مرة أخرى وهو على المنبر فأنزله
~~عنه.
# وذكر فيه: أن زيد بن ثابت مشى إلى جبلة ومعه ابن عمه أبو أسيد الساعدي،
~~فسألاه الكف عن عثمان، فقال: والله لا أقصر عنه أبدا، ولا ألقي الله فأقول:
~~﴿أطعنا ساداتنا وكبراءنا فأضلونا
~~السبيلا﴾ (1).
# نكير جهجاه (2) بن عمرو الغفاري وذكر الواقدي في تاريخه، عن عروة قال:
~~خرج عثمان إلى المسجد ومعه ناس من مواليه، فنجد (3) الناس ينتابونه يمينا
~~وشمالا، فناداه بعضهم: يا نعثل (4)، وبعضهم غير ذلك، فلم يكلمهم حتى صعد
~~المنبر، فشتموه، فسكت حتى سكتوا، ثم قال: أيها الناس اتقوا واسمعوا
~~وأطيعوا، فإن السامع المطيع لا حجة عليه، والسامع العاصي لا حجة له، فناداه
~~بعضهم: أنت أنت السامع العاصي، فقام إليه جهجاه بن عمرو الغفاري - وكان ممن
~~بايع تحت الشجرة - فقال: هلم إلى ما ندعوك إليه، قال: وما هو؟ قال: نحملك
~~على شارف جرباء فنلحقك بجبل الدخان، قال عثمان: لست هناك لا أم لك، وتناول
~~ابن جهجاه الغفاري عصا في يد عثمان - وهي عصاة (5) النبي صلى الله عليه
~~وآله - فكسرها على ركبته، ودخل عثمان داره، فصلى بالناس حمل بن حنيف.
# وذكر فيه - عن موسى بن عقبة، عن أبي حبيبة - الحديث، وقال فيه: إن عثمان
~~قال له: قبحك الله وقبح ما جئت به، قال أبو حبيبة: ولم يكن ذلك إلا عن ملأ
~~من الناس، وقام إلى عثمان شيعته من بني أمية فحملوه فأدخلوه الدار، وكان
~~آخر يوم رأيته فيه.
# PageV00P285
# نكير عائشة وذكر الطبري في تاريخه والثقفي في تاريخه قال: جاءت عائشة إلى
~~عثمان، فقالت:
# أعطني ما كان يعطيني أبي وعمر، قال: لا أجد له موضعا في الكتاب ولا في
~~السنة، ولكن كان أبوك وعمر يعطيانك عن طيبة أنفسهما وأنا لا أفعل، قالت:
~~فأعطني ميراثي من رسول ms151 الله صلى الله عليه وآله، قال: أو لم تجئ فاطمة
~~عليها السلام تطلب ميراثها من رسول الله صلى الله عليه وآله فشهدت أنت
~~ومالك بن أوس البصري: أن النبي صلى الله عليه وآله لا يورث، وأبطلت حق
~~فاطمة عليها السلام، وجئت تطلبينه؟!! لا أفعل.
# وزاد الطبري: وكان عثمان متكئا، فاستوى جالسا وقال: ستعلم فاطمة أي ابن
~~عم لها مني اليوم، ألست وأعرابي يتوضأ ببوله شهدت عند أبيك؟!
# قالا جميعا في تاريخهما: فكان إذا خرج عثمان إلى الصلاة أخرجت قميص رسول
~~الله صلى الله عليه وآله وتنادي: إنه قد خالف صاحب هذا القميص.
# وزاد الطبري يقول: هذا قيص رسول الله صلى الله عليه وآله لم يبل وقد غير
~~عثمان سنته، اقتلوا نعثلا قتل الله نعثلا.
# وذكر الثقفي في تاريخه، عن موسى التغلبي (1)، عن عمه قال: دخلت مسجد
~~المدينة فإذا الناس مجتمعون، وإذا كف مرتفعة وصاحب الكف يقول: يا أيها
~~الناس العهد حديث، هاتان نعلا رسول الله صلى الله عليه وآله وقميصه، إن
~~فيكم فرعون أو مثله، فإذا هي عائشة تعني عثمان، وهو يقول: اسكتي، إنما هذه
~~امرأة رأيها رأي المرأة وعقلها عقل المرأة.
# وذكر في تاريخه، عن الحسن بن سعيد قال: رفعت عائشة ورقات من ورق المصحف
~~بين عودين من وراء حجابها وعثمان على المنبر، فقالت: يا عثمان أقم ما في
~~كتاب الله، إن تصاحب تصاحب غادرا وإن تفارق تفارق عن قلى، فقال عثمان: أما
~~والله
# PageV00P286
# لتنتهين أو لأدخلن عليك حمران الرجال وسودانها (١)، قالت عائشة: أما
~~والله إن فعلت لقد لعنك رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم ما استغفر لك حتى
~~مات.
# وذكر، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: أخرجت عائشة قميص رسول الله صلى
~~الله عليه وآله، فقال لها عثمان: لئن لم تسكتي لأملأنها عليك حبشانا، قالت:
~~يا غادر يا فاجر أخربت أمانتك ومزقت كتاب الله، ثم قالت: والله ما ائتمنه
~~رجل قط إلا خانه، ولا صحبه رجل قط إلا فارقه عن قلى.
# وذكر فيه قال: نظرت عائشة ms152 إلى عثمان فقالت: يقدم قومه يوم القيامة
~~فأوردهم النار وبئس الورد المورود.
# وذكر فيه، عن عكرمة: أن عثمان صعد المنبر، فاطلعت عائشة ومعها قميص رسول
~~الله صلى الله عليه وآله، ثم قالت: يا عثمان أشهد أنك برئ من صاحب هذا
~~القميص، فقال عثمان: (ضرب الله مثلا للذين كفروا) الآية (٢).
# وذكر فيه، عن أبي عامر مولى ثابت قال: كنت في المسجد فمر عثمان، فنادته
~~عائشة: يا غادر يا فاجر أخربت أمانتك وضيعت رعيتك، ولولا الصلوات الخمس
~~لمشى إليك رجال حتى يذبحوك ذبح الشاة، فقال لها عثمان: (امرأة نوح وامرأة
~~لوط) الآية (٣).
# وذكر فيه: أن عثمان صعد المنبر، فنادت عائشة ورفعت القميص فقالت: لقد
~~خالفت صاحب هذا، فقال عثمان: إن هذه الزعراء عدوة الله، ضرب الله مثلها
~~ومثل صاحبتها حفصة في الكتاب: ﴿امرأة نوح وامرأة لوط﴾ (4) الآية، فقالت له: يا
~~نعثل يا عدو الله إنما سماك رسول الله صلى الله عليه وآله باسم نعثل
~~اليهودي الذي باليمن، ولاعنته ولاعنها.
# PageV00P287
# وذكر فيه، عن القاسم بن مصعب العبدي قال: قام عثمان ذات يوم خطيبا، فحمد
~~الله وأثنى عليه، ثم قال: نسوة تكتبن (١) في الآفاق لتنكث بيعتي ويهراق
~~دمي، والله لو شئت أن أملا عليهن حجراتهن رجالا سودا وبيضا لفعلت، ألست ختن
~~رسول الله صلى الله عليه وآله على ابنتيه، ألست جهزت جيش العسرة (٢)، ألم
~~ال؟؟؟ رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أهل مكة، قال إذ تكلمت امرأة من؟
~~وراء الحجاب، قال: فجعل يبدو لنا خمارها أحيانا، فقالت: صدقت، لقد كنت ختن
~~رسول الله صلى الله عليه وآله على ابنتيه، فكان منك فيهما ما قد علمت،
~~وجهزت جيش العسرة، وقد قال الله تعالى:
# ﴿فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة﴾
~~(3)، وكتب رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أهل مكة فيك عن بيعة الرضوان
~~إنك (4) لم تكن لها أهلا، قال: فانتهرها عثمان، فقالت:
# أما أنا فأشهد أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إن لكل ms153 أمة فرعون،
~~وإنك فرعون هذه الأمة.
# وذكر فيه من عدة طرق قال: لما اشتد الحصار على عثمان تجهزت عائشة للحج
~~(5)، فجاءها مروان وعبد الرحمن بن عتاب بن أسيد، فسألاها الإقامة والدفع
~~عنه، فقالت: قد عريت (6) غوايري (7)، وأدنيت ركابي، وفرضت على نفسي الحج،
~~فلست بالتي أقيم فنهضا (8)، ومروان يتمثل:
# فحرق قيس على البلاد حتى (9) إذا اشتعلت (10) أجذما (11)
# PageV00P288
# فقالت: أيها المتمثل بالشعر إرجع، فرجع، فقالت: لعلك ترى أني إنما قلت
~~هذا الذي قلته شكا في صاحبك، فوالله لوددت أن عثمان مخيط عليه في بعض
~~غرايري (1) حتى أكون أقذفه في اليم، ثم ارتحلت حتى نزلت بعض الطريق، فلحقها
~~ابن عباس أميرا على الحج، فقالت له: يا بن عباس إن الله قد أعطاك لسانا
~~وعلما، فأنشدك الله أن تخذل عن قتل هذا الطاغية غدا، ثم انطلقت، فلما قضت
~~نسكها بلغها أن عثمان قتل، فقالت:
# أبعده الله بما قدمت يداه، الحمد لله الذي قتله، وبلغها أن طلحة ولي
~~بعده، فقالت: إيه ذا الإصبع (2)، فلما بلغها أن عليا عليه السلام بويع،
~~قالت: وددت أن هذه وقعت على هذه.
# وذكر الواقدي في تاريخه كثيرا مما ذكره الثقفي، وزاد في حديث مروان
~~ومجيئه إلى عائشة: أن زيد بن ثابت كان معه، وأنها قالت: رددت والله إنك
~~وصاحبك هذا الذي يعنيك أمره في رجل كل واحد منكما رحا وأنه في البحر، وأما
~~أنت يا زيد فما أقل والله من له مثل ما لك من عضدان العجوة.
# وذكر من طريق آخر: أن المكلم لها في الإقامة مع مروان عبد الرحمن بن عتاب
~~بن أسيد، قالت: لا والله ولا ساعة (3)، إن عثمان غير فغير الله به، آثركم
~~والله وترك أصحاب محمد صلى الله عليه وآله.
# وزاد في خطابها لابن عباس: إنك قد أعطيت لسانا وجدلا وعقلا وبيانا، وقد
~~رأيت ما صنع ابن عفان، اتخذ عباد الله خولا، فقال: يا أمه دعيه (4) وما هو
~~فيه، لا ينفرجون عنه حتى يقتلوه، قالت: أبعده الله.
# ومن طريق آخر: إياك أن تردد الناس عن هذا ms154 الطاغية، فإن المصريين قاتلوه.
# PageV00P289
# وروي عن ابن عباس قال، دخلت عليها بالبصرة فذكرتها هذا الحديث، فقالت:
~~ذلك المنطق الذي تكلمت به يومئذ هو الذي أخرجني، لم أر لي توبة إلا الطلب
~~بدم عثمان، ورأيت أنه قتل مظلوما، قال: فقلت لما: فأنت قتلتيه بلسانك، فأين
~~تخرجين؟! توبي وأنت في بيتك، أو أرضي ولاة دم عثمان ولده، قالت؟ (دعنا من
~~جدالك فليس من الباطل في شئ.
# وذكر الواقدي عن عائشة بنت قدامة قالت:) (1) سمعت عائشة زوج النبي صلى
~~الله عليه وآله تقول - وعثمان محصور قد حيل بينه وبين الماء -: أحسن أبو
~~محمد حين حال بينه وبين الماء، فقالت لها: يا أمه على عثمان؟ فقالت: إن
~~عثمان غير سنة رسول الله صلى الله عليه وآله، وسنة الخليفتين من قبله، فحل
~~دمه.
# وذكر الواقدي في تاريخه، عن كريمة بنت المقداد قالت: دخلت على عائشة
~~فقالت: إن عثمان أرسل إلى أن أرسل إلى طلحة فأبيت، وأرسل إلي أن أقيمي ولا
~~تخرجي إلى مكة، فقلت: قد جليت (2) ظهري وعريت (3) غرايري (4) وإني خارجة
~~غدا إن شاء الله، ولا والله ما أراني أرجع حتى يقتل، قالت (5): بما قدمت
~~يداه، كان أبي - تعني:
# المقداد - ينصح له فيأبى إلا تقريب مروان وسعيد بن عامر، قالت عائشة:
~~حبهم والله صنع به ما ترين، حمل إلى سعيد بن العاص مائة ألف، وإلى عبد الله
~~بن خالد بن أسيد ثمانمائة ألف، وإلى الحارث بن الحكم مائة ألف، وأعطى مروان
~~خمس إفريقية لا يدري بكم (6) هو، فلم يكن الله ليدع عثمان.
# وذكر في تاريخه، عن علقمة بن أبي علقمة، عن أبيه، عن عائشة أنها كانت أشد
# PageV00P290
# الناس على عثمان، تحرض الناس عليه وتؤلب حتى قتل، فلما قتل وبويع علي
~~عليه السلام طلبت بدمه.
# وأمثال هذه الأقوال وأضعافها المتضمنة للنكير على عثمان من الصحابة
~~والتابعين (1) المنقولة في جميع التواريخ.
# وإنما اقتصرنا على تاريخي الثقفي والواقدي لأن لنا إليهما طريقا، ولأن لا
~~يطول الكتاب.
# وفيما ذكرناه كفاية، ومن أراد العلم بمطابقة التواريخ لما أوردناه في
~~هذين ms155 التاريخين فليتأملها يجدها موافقة.
# (حصر عثمان في داره وما جرى عليه) ثم أطبق أهل الأمصار وقطان المدينة من
~~المهاجرين والأنصار - إلا النفر الذين اختصهم عثمان لنفسه وآثرهم بالأموال،
~~كزيد بن ثابت، وحسان، وسعيد بن العاص، وعبد الله بن الزبير، ومروان، وعبد
~~الله بن عمر - على حصره في الدار، ومطالبته بخلع نفسه من الخلافة أو قتله،
~~إلى أن قتلوه على الإصرار على ما أنكروا عليه ومن ظفروا به في الحال من
~~أعوانه، وأقام ثلاثا لا يتجاسر أحد من ذريه أن يصلي عليه ولا يدفنه خوفا من
~~المسلمين، إلى أن شفعوا إلى علي عليه السلام في دفنه، فأذن في ذلك على شرط
~~أن لا يدفنوه في مقابر المسلمين، فحمل إلى حش كوكب مقبرة اليهود، ولما أراد
~~النفر الذين حملوه الصلاة عليه منعهم من ذلك المسلمون ورجموهم بالأحجار،
~~فدفن بغير صلاة، ولم يزل قبره منفردا عن (2) مقابر المسلمين، إلى أن ولي
~~معاوية، فأمر بأن يدفن الناس (من) (3) حوله، حتى اتصل الدفن بمقابر
~~المسلمين، ولم يسأل عنه أحد من بعد
# PageV00P291
# القتل من وجوه المهاجرين والأنصار - كعلي عليه السلام، وعمار، ومحمد بن
~~أبي بكر، وغيرهم، وأماثل التابعين - إلا قال: قتلنا كافرا.
# وهذا الذي ذكرناه من نكير الصحابة والتابعين على عثمان موجود في جميع
~~التواريخ وكتب الأخبار، ولا يختلف في صحته مخالط لأهل السير والآثار، وإن
~~أحسن الناس كان فيه رأيا من أمسك عن نصرته ومعونة المطالبين له بالخلع، وكف
~~عن النكير عنه وعنهم، كمن ذكرناه من مواليه وبني أمية، ومن عداهم بين قاتل
~~ومعاون بلسانه أو يده (1) أو بهما.
# و (معلوم) (2) تخصص قاتليه بولاية علي عليه السلام، وكونهم بطانة له
~~وخواصا - كمحمد بن أبي بكر، وعمار بن ياسر، والأشتر، وغيرهم من المهاجرين
~~والأنصار وأهل الأمصار - وتولي الكافة لهم تولي الصالحين، والمنع منهم
~~بالأنفس والأموال وإراقة الدماء في نصرتهم، والذب عنهم، ورضاهم بعلي عليه
~~السلام، مع علمهم برأيه في عثمان والتأليب عليه، وتولي الصلاة وهو محصور
~~بغير أمره، واتخاذه مفاتح لبيوت الأموال، واتخاذ قتلته (3) أولياء (و) ms156
~~خاصته أصفياء، وإطباقهم على اختياره، وتقالهم معه، والدفاع عنه وعنهم،
~~واستفراغ الوسع في ذلك، وعدم نكير من أحد من الصحابة أو التابعين يعتد
~~بنكيره.
# (تكفير عثمان) ثم اشتهر التدين بتكفير عثمان بعد قتله، وكفر من تولاه من
~~علي عليه السلام وذريته وشيعته ووجوه الصحابة والتابعين إلى يومنا هذا،
~~وحفظ عنهم التصريح بذلك، المستغني عنه بمعلوم القصود منهم، غير أن (4) في
~~ذكره (إيناسا) (5) للبعيد عن سماع العلم
# PageV00P292
# وتنبيها للغافل (١) من شبه (٢) الجهل.
# فن ذلك ما رووه من طرقهم: أن عليا عليه السلام خطب الناس بعد قتل عثمان،
~~فذكر أشياء قد مضى بيانها.
# من جملتها: قوله عليه السلام: سبق الرجلان، وقام الثالث كالغراب، همته
~~بطنه وفرجه، ويله لو قص جناحاه وقطع رأسه كان خيرا له، شغل عن الجنة،
~~والنار أمامه.
# ورووا عن علي بن حزور، عن الأصبغ بن نباتة قال: سأل رجل عليا عليه السلام
~~عن عثمان؟ فقال: وما سؤالك عن عثمان، إن لعثمان ثلاث كفرات، وثلاث غدرات،
~~ومحل ثلاث لعنات، وصاحب بليات، لم يكن بقديم الإيمان، ولا ثابت الهجرة، وما
~~زال النفاق في قلبه، وهو الذي صد الناس يوم أحد، الحديث طويل.
# وذكر الثقفي في تاريخه، عن عبد المؤمن، عن رجل من عبد القيس قال: أتيت
~~عليا عليه السلام في الرحبة فقلت: يا أسير المؤمنين حدثنا عن عثمان، قال:
~~ادن، فدنوت، قال: إرفع صوتك، فرفعت صوتي، قال: كان ذا ثلاث كفرات، وثلاث
~~غدرات، وفعل ثلاث لعنات، وصاحب بليات، ما كان بقديم الإيمان، ولا حديث
~~النفاق، يجزي بالحسنة السيئة، في حديث طويل.
# وذكر في تاريخه، عن حكيم بن جبير، عن أبيه، عن أبي إسحاق، وكان قد أدرك
~~عليا عليه السلام قال: ما يزن عثمان عند الله ذبابا، فقال: ذبابا! فقال:
~~ولا جناح ذباب، ثم قال: و ﴿لا نقيم لهم يوم
~~القيامة وزنا﴾ (3).
# وذكر فيه، عن أبي سعيد التيمي قال: سمعت عليا عليه السلام يقول: أنا
~~يعسوب المؤمنين، وعثمان يعسوب الكافرين.
# PageV00P293
# وعن أبي الطفيل: وعثمان يعسوب (1) المنافقين. ms157
# وذكر فيه، عن هبيرة بن ميرم (2) قال: كنا جلوسا عند علي عليه السلام،
~~فدعا ابنه عثمان، فقال له: يا عثمان، ثم قال: إني لم أسمه باسم عثمان الشيخ
~~الكافر، إنما سميته باسم عثمان بن مظعون.
# وذكر في تاريخه من عدة طرق: أن عليا عليه السلام كان يستنفر الناس ويقول:
# انفروا إلى أئمة الكفر وبقية الأحزاب وأولياء الشيطان، انفروا إلى من
~~يقول: كذب الله ورسوله صلى الله عليه وآله، انفروا إلى من يقاتل على دم
~~حمال الخطايا، والله إنه ليحمل خطاياهم إلى يوم القيامة، لا ينقض من
~~أوزارهم شئ.
# وذكر فيه، عن عمر بن هند، عن علي عليه السلام أنه قال: لا يجتمع حبي وحب
~~عثمان في قلب رجل إلا اقتلع أحدها صاحبه.
# وروي فيه من طرق: أن جيفة عثمان بقيت ثلاثة أيام لا يدفن، فسأل عليا عليه
~~السلام رجال من قريش في دفنه، فأذن لهم على أن لا يدفن مع المسلمين في
~~مقابرهم ولا يصلى عليه، فلما علم الناس بذلك قعدوا له في الطريق بالحجارة،
~~فخرجوا به يريدون (3) حش كوكب مقبرة اليهود، فلما انتهوا به إليهم رجموا
~~سريره.
# وروي فيه من طرق، عن علي عليه السلام أنه قال: من كان سائلا عن دم عثمان
~~فإن الله قتله وأنا معه.
# وروي فيه، عن مالك بن خالد الأسدي، عن الحسن بن إبراهيم، عن آبائه قال:
# كان الحسن بن علي عليهما السلام يقول: (معشر) (4) الشيعة علموا أولادكم
~~بغض عثمان، فإنه من كان في قلبه حب لعثمان فأدرك الدجال آمن به، فإن لم
~~يدركه آمن به (5) في
# PageV00P294
# قبره.
# ورووا فيه، عن بكر بن أيمن، عن الحسين بن علي عليهما السلام قال: إنا
~~وبنو أمية تعادينا في الله، فنحن وهم كذلك إلى يوم القيامة، فجاء جبرئيل
~~عليه السلام براية الحق فركزها بين أظهرنا، وجاء إبليس براية الباطل فركزها
~~(1) بين أظهرهم، وإن أول قطرة سقطت على وجه الأرض من دم المنافقين دم عثمان
~~بن عفان.
# وروي فيه، عن الحسين عليه السلام: أن عثمان جيفة على الصراط، ms158 من أقام
~~عليها أقام على أهل النار، ومن جاوزه جاوز (2) إلى الجنة.
# وروي فيه، عن حكيم بن جبير يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله: أن عثمان
~~جيفة على الصراط، يعطف عليه من أحبه ويجاوزه عدوه.
# وروي فيه، عن محمد بن بشير قال: سمعت محمد بن الحنفية يلعن عثمان ويقول:
# كانت أبواب الضلالة مغلقة حتى فتحها عثمان.
# وروي فيه، عن عبد الله بن شريك، عن أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام
~~أنه قال: لا تكن حرب سالمة حتى يبعث قائمنا ثلاثة أراكيب في الأرض: ركب
~~يعتقون مماليك أهل الذمة، وركب يردون المظالم، وركب يلعنون عثمان في جزيرة
~~العرب.
# وروى قتيبة، عن أبي سعيد التيمي قال: سمعت عمار بن ياسر يقول: ثلاث يشهدن
~~على عثمان بالكفر وأنا الرابع.
# وقد ذكرنا هذا الحديث وشهادة عمار عليه بالكفر في مقام بعد مقام.
# وروي فيه، عن يحيى بن جعدة قال: قلت لزيد بن أرقم: بأي شئ كفرتم عثمان؟
# قال: بثلاث: جعل المال دولة بين الأغنياء، وجعل المهاجرين بمنزلة من حارب
~~الله ورسوله صلى الله عليه وآله، وعمل بغير كتاب الله.
# PageV00P295
# ومن طريق آخر قال: كفرناه بثلاث: مزق كتاب الله ونبذه في الحشوش (1)
~~وأنزل المهاجرين بمنزلة من حارب الله ورسوله عليه السلام، وجعل المال دولة
~~بين الأغنياء، فمن ثم أكفرناه وقتلناه.
# وروي فيه، عن أنس بن عمرو قال: قلت لزبيد الأيامي (2): إن أبا صادق قال:
# والله ما يسرني أن في قلبي مثقال حبه خردل حبا لعثمان ولو (3) أن لي أحدا
~~ذهبا، وهو شر عندي من حمار مجدع لطحان، فقال زبيد: صدق أبو صادق.
# وروي فيه عن الحكم بن عيينة قال: حضرنا في موضع فقال طلحة بن مصرف
~~الامامي: يأبى قلبي إلا حب عثمان، فحكيت ذلك لإبراهيم النخعي، فقال: لعن
~~الله قلبه (4).
# ورووا عن إبراهيم أنه قال: إن عثمان عندي شر من قارون.
# ورووا فيه عن سفيان، عن الحسن البصري قال: سألت (5) فقلت: أيهما أفضل
~~عثمان أم عمر بن عبد العزيز؟ قال: ولا سواء من ms159 جاء إلى أمر فاسد فأصلحه
~~خيرا، ومن جاء إلى أمر صالح فأفسده.
# ورووا فيه عن جويبر، عن الضحاك قال: قال لي: يا جويبر إعلم أن شر هذه
~~الأمة الأشياخ الثلاثة، قلت من هم؟ قال: عثمان وطلحة والزبير.
# ورووا فيه عن الوليد بن زرود الرقي، عن أبي جارود العبدي قال: أما عجل
~~هذه الأمة فعثمان، وفرعونها معاوية، وسامريها أبو موسى الأشعري وذو الثدية،
~~وأصحاب النهر ملعونون، وإمام المتقين علي بن أبي طالب عليه السلام.
# وروي عن أبي الأرقم قال: سمعت الأعمش يقول: والله لوددت أني كنت وجأت
# PageV00P296
# عثمان بخنجر في بطنه فقتلته.
# ورووا عن سلمة بن كهيل، عن سعيد بن جبير (1)، قال: يرفع عثمان وأصحابه
~~يوم القيامة حتى يبلغ بهم الثريا ثم يطرحون على وجوههم.
# وروي فيه، عن أبي عبيدة الذهلي (2) قال: والله لا تكون الأرض سلما سلما
~~حتى يلعن عثمان ما بين المشرق والمغرب، لا ينكر ذلك أحد.
# وروي فيه: أن عبد الرحمن بن حنبل الجمحي - وكان بدريا - قال (3):
# ذق يا أبا عمرو بسوء الفعل وذق صنع كافر ذي جهل لما صددت (4) باب كل عدل
~~ورمت نقص حقنا بالباطل غدا عليك أهل كل فضل بالمشرفيات العصاة (5) الفصل
~~فذقت قتلا لك أي قتل كذاك يجزى كل عات دغل في أمثال لهذه (6) الأقوال
~~المحفوظة عن الصحابة والتابعين، ذكر جميعها يخرج عن الغرض، وفي بعض ما
~~ذكرناه كفاية في المقصود، والمنة لله.
# (الطلب بثأر عثمان وسببه) إن قيل: أفليس قد أنكر ما جرى وطلب بثأر عثمان
~~طلحة والزبير، وهما صحابيان، وعائشة وهي زوج النبي عليه السلام، ومعاوية
~~وعمرو بن العاص وهما صحابيان، ومن كان في حيزهم من المسلمين؟
# PageV00P297
# قيل: أول ما في هذا أن الحال التي وقع فيها (1) القتل بعثمان لم يحصل
~~فيها نكير من أحد يعتد به، وهو الوجه المقتضي لحسن الواقع من قتل عثمان،
~~ولا تأثير لما أظهره القوم المعنيون من النكير شاما وعراقا، لوجوب اختصاص
~~النكير لما يتوقع حدوثه، دون الماضي الذي يستحيل تأثير الإنكار فيه، ولم
~~يبق إلا أن ms160 يقال: إن الواقع منهم كان انتصارا، فيسقط ذلك على مذاهبنا
~~ومذاهبهم، وإن كان غير نافع لهم في موضع القدح إنكار من ذكروه.
# فأما سقوطه على مذاهبنا، فلأنا نثبت النص (على) علي عليه السلام، وندين
~~بأنه كاشف عن عصمته عليه السلام، حسب ما وضح برهانه وقامت حجته، وذلك يقتضي
~~صواب فعله عليه السلام، وضلال المنكر عليه والمنتصر منه والخارج عن طاعته،
~~وسقوط الأحكام المخالفة لحكمه، والشهادة على جميعها بالقبح.
# وعلى أصول الخصوم: أنهم يثبتون إمامته بعد عثمان باختيار الأمة، ويقطعون
~~على خطأ الخارج عن طاعته المختار، وضلال المحارب له من غير حدث، وعلي عليه
~~السلام لم يحدث باتفاق.
# على أن تأمل حال الفريقين، وتتبع أفعالهم، وكشف أغراضهم يوضح عن خلاف ما
~~ظنه السائل من الإنكار لباطل أو الانتصار لحن أو طلب ثأر، ويوضح عن قصدهم
~~التأمير على الناس، وخلع طاعة المنصوص عليه والمختار، ليأسهم من بلوغ
~~الأغراض الفاسدة في ولايته، وحرصهم على نيل الأماني الدنيوية على أي وجه
~~يمكن وبأي شئ تم من حسن الأفعال وقبيحها.
# ومن كانت هذه حاله فلا اعتداد بفعله، ولا تأثير لما يظهره من النكير
~~المعلوم خلاف غرضه فيه وفساده لو كان مقصودا، لقبحه، ونحن ننبه (2) على جمل
~~ذلك وما
# PageV00P298
# يقتضيه.
# أما عائشة، فالمعلوم من حالها عداوة عثمان والمجاهرة بالنكير عليه
~~والتأليب إلى أن أحصر، وخروجها إلى مكة، بعد الظن القوي بهلاكه، مؤلبة
~~عليه، وذاكرة أحداثه في الإسلام، ومخالفته سيرة المتقدمين عليه في محافل
~~مكة، وكاتبة به إلى البلاد، إلى أن بلغها قتله والإرجاف ببيعة طلحة، فأظهرت
~~من السرور بالأمرين والذم لعثمان والمدح لطلحة ما أجمع عليه الناقلون، فقد
~~ذكرنا طرفا من ذلك أجمع، وأعجلت الرحلة مغتبطة بالحالين.
# إلى أن صح لها في الطريق ولاية أمير المؤمنين عليه السلام، وبيعة الناس
~~له لخلات، فعادت ناكصة على عقبها، واجمة من ولايته، عظيمة الوجد لخلافته،
~~مظهرة التوجع لعثمان وما جرى عليه، مشيدة لقتله مظلوما، ناشدة دمه في
~~المحافل، مؤلبة على علي عليه السلام، معلنة بأنه قتل عثمان وشيعته مظلوما. ms161
# حتى اجتمع لها أولياء عثمان، ومبغضو علي عليه السلام، ومكيدوا الإسلام
~~وأغرار قريش.
# وبلغ ذلك طلحة والزبير، فوافق شحنا (1) في صدور ما، فاستأذنا عليا عليه
~~السلام في العمرة، عزما منهما على نكث بيعته، ورغبة في اللحوق بعائشة،
~~تأميلا لبلوغ الرئاسة الفانية من جهته، وطمعا في الدنيا المؤيس منها لديه،
~~فخوفهما عليه السلام الغدر والنكث، فجددا عهدا ثانيا، فأذن لهما.
# فلما وصلا مكة ناشدا الناس دم عثمان، وأن عليا دس عليه حتى قتل، وآوى
~~قتلته واتخذهم بطانة، مع ما نعلم من حالهما في عثمان وحصره، والمشاركة في
~~قتله، وبرء أمير المؤمنين عليه السلام من ذلك، ولزومه منزله حتى قتل.
# فاجتمع إليهم القوم الذين أجابوا عائشة وأمثالهم من الطماع وأجلاف
~~الأعراب، فمضوا جميعا إلى البصرة ناكثين بيعة أمير المؤمنين عليه السلام.
# PageV00P299
# فلما انتهوا إليها دعوا الناس إلى خلع علي عليه السلام وبيعتهما وعائشة،
~~فأجابهم من لا بصيرة له أو من يرغب في الفتنة، وامتنع حكيم بن جبلة العبدي
~~في مائتين من صلحاء قومه، فقتلوه وجماعته، وغدروا بعثمان بن حنيف - وقتلوا
~~السابحة - (1) وأرادوا قتله، فخافوا أخاه سهلا على قومهم بالمدينة، فنكلوا
~~به، وفتحوا بيت المال بها، فأخذوا منه ما شاؤوا.
# واجتمع إليهم أطراف الناس، وقوي أمرهم وعظمت فتنتهم.
# فلما بلغ ذلك عليا عليه السلام، كانت عماله وأمراؤه بحال القوم وإفسادهم
~~في البلاد (2)، فسار في المهاجرين والأنصار وذوي السوابق وأولي البصائر،
~~ليتلافى فارطهم وشغب صدعهم في الإسلام وبريق لمعهم (3) في الدين.
# فلما انتهى إليهم دعاهم إلى الله تعالى، وإلى كتابه، وسنة نبيه صلى الله
~~عليه وآله، والدخول في الجماعة، وخوفهم الفتنة والفرقة.
# فأبوا إلا القتال، أو خلع نفسه من الأمر ليولوه من شاؤوا، أو يسلم إليهم
~~قتلة عثمان ليروا رأيهم فيهم.
# فسألهم ذكر حدث يوجب خلعه، أو تقصير يمنع من إمامته، فلم يجيبوه، فكرر
~~الأعذار، وبالغ في النصيحة، والدعوة إلى كتاب الله والسنة، والتخويف من
~~الفتنة والفرقة، على الانفراد بكل منهم بنفسه وبرسله، والاجتماع.
# ولا جواب إلا قولهم مع الخوف شدة المطامع، وسمعنا أن ms162 هاهنا دنيا جئنا
~~بطلبها، وظن ابن أبي طالب أن الأمر قد استوسق له، وأنه لا منازع له، ونحو
~~هذا الكلام.
# فكرر التذكار والوعظ، فلم يزدهم ذلك إلا طغيانا وإصرارا، فأمسك عن قتالهم
~~واقتصر على الدعاء، حتى بدأوه بالحرب، وقتلوا داعيه بالمصحف إلى ما فيه وهو
# PageV00P300
# مسلم، ورشقوا أصحابه بالسهام، فجرحوا قوما وقتلوا آخرين، وحملوا على
~~أصحابه من كل جانب، وعائشة على جملها محفحفا (1)، وعلى هودجها الدروع بارزة
~~بين الصفين تحرض على القتال.
# فحينئذ أذن عليه السلام لأنصاره بالقتال، فلم يكن إلا قليلا حتى صرع الله
~~طلحة والزبير ناكثين غادرين، وقتل أنصار الجمل، وولى الباقون مدبرين، وعقر
~~جمل الفتنة، وأخذت عائشة، ونادى مناديه عليه السلام: بأن لا يتبع منهزم،
~~ولا يجهز على جريح، ولا يعرض لمن ألقى سلاحه أو دخل داره، وقسم ما حواه
~~العسكر من كراع وسلاح ومال، دون النساء والولدان، ولم يعرض لما خرج عنه من
~~أموال المحاربين وأهليهم، وعفا عن الانتقام من عائشة ومن سلم من أنصارها،
~~وأنفذها إلى المدينة في صحبة النساء.
# فهذه جمل أحوال أهل الجمل باتفاق الناقلين، ليست من النكير في شئ،
~~وظاهرها الطلب بثأر عثمان على مذاهب الجاهلية، ومنازعة أمير المؤمنين عليه
~~السلام الأمر رغبة في الخلافة، دون الانتصار لحق أو دفع لباطل، وخطأهم في
~~ذلك ظاهر من وجوه:
# أما عائشة، فإذا كان المعلوم من حالها عداوة عثمان، والتعريض به،
~~والتأليب عليه، واستمرارها على ذلك إلى أن قتل، واغتباطها بقتله، وما سمعته
~~من تولي طلحة للخلافة، فلما بلغها ولاية أمير المؤمنين عليه السلام للأمر
~~رجعت عن ذلك كله إلى خلافه. علم أن الحامل لها على الطلب بدم عثمان عداوة
~~أمير المؤمنين عليه السلام، دون الانتصار له.
# ولو سلم رأيها في عثمان، لكان الواجب عليها الرضى بما فعلته الصحابة
~~وأولوا البصائر الذين بهم انعقدت إمامة عثمان وإمامة من تقدمه عندها (2)،
~~التي لا يتمكن منها
# PageV00P301
# إلا بتولي الأمر لمثل هذا قبل القيام بأمر الأمة عند اختيار القوم له بعد
~~عثمان، من حيث كان سببا يقتضي تمكينه ms163 من تنفيذ ما جعل إليه تنفيذه، وإن لم
~~يكن له وجها لاستحقاقه الإمامة الثابتة له من قبل الله سبحانه، وإن جهل
~~العاقدون واعتقدوا استحقاقه لها من غير وجهه، وذلك يعين عليه فرض الدخول في
~~الشورى وتقلد الأمر، للوجه الذي ذكرنا، فكيف يجعل قدحا من النص عليه أو
~~تصويبا للمتقدم دونه.
# (مسألة التحكيم وتحميلها على أمير المؤمنين عليه السلام) وأما تحكيمه
~~عليه السلام الحكمين، فقد علم كل مخالط لأصحاب السيرة وناقلي الآثار أن ذلك
~~لا يقع بإيثاره، بل المعلوم من حاله عليه السلام إرادة الحرب والمناجزة
~~لمعاوية وكراهية التحكيم، وإنما ألجأه أصحابه إلى النزول على حكم معاوية
~~فيما أراده وكادهم به من إيثار التحكيم، وتوعدوه على استدامة الحرب بالقتل،
~~فلم يجد بدا من إجابتهم، إذ هم الأنصار الذين بهم يقاتل على عدوه، فإذا
~~قعدوا عن نصرته واضطروه إلى مراد خصمه يضيق عليه فرض الرجوع إليهم، وإلا
~~صاروا عونا عليه مع محاربيه، فلا يتم له أمر، ويعرض نفسه (1) ومن أطاعه
~~للهلكة بغير شبهة، وفعل يقع على هذا الوجه عذر فاعله فيه واضح.
# على أنه عليه السلام ما أجاب إلى (طلبهم) (2) والحال هذه إلا بشرط الرجوع
~~إلى الكتاب والسنة الثابتة، لعلمه بأنهما لا يدلان على لمعاوية، بل هما
~~دليلا إمامته وفرض طاعته والانقياد له، فلم يرجع بتحكيمه عليه السلام إلا
~~إلى الحجة التي لو ابتدأ بها قبل الحرب لكان مصيبا، وكذلك فعل قبل
~~المحاربة، وذلك شبهة المخالفين عليه من أصحابه.
# ولهذا لما عدل الحكمان عن موجب الكتاب والسنة لم يمض حكمهما، وتجهز لحرب
# PageV00P302
# معاوية، وسار بأصحابه إليه، حتى شغل عنه بالخوارج، فلما فرغ منهم كتب إلى
~~البلاد مستنفرا، وكرر الدعوة والاستنفار على عدوه في عدة مقامات، ولم تزل
~~هذه حاله إلى أن عوجل دون ذلك صلوات الله عليه مرضيا فعله وسيرته.
# فأي شبهة في التحكيم، أو فيما ذكروه قبله يمنع من النص عليه، أو تقتضي
~~تصويب المتقدمين له؟! لولا جهل الخصوم بمواقع الأدلة والشبهة!! PageV00P303
# (بطلان خلافة المتقدمين على أمير المؤمنين (ع) وأمور متفرقة) ms164 PageV00P305
# وليس لأحد أن يقدح في ثبوت إمامته عليه السلام عن الأدلة الواضحة - عقلا
~~وسمعا وفعلا وقولا - بما يدعى من إمامة المتقدمين عليه وفساد القول
~~بالأمرين، لأن هذه الدعوى باطلة على ما اقتضته الأدلة من مذاهبنا الصحيحة،
~~وعلى ما اجتنبوه من المذاهب الفاسدة.
# (بطلان خلافة القوم على مقتضى مذهبنا) فأما فسادها من مذاهبنا الصحيحة
~~فمن وجوه:
# أحدها: ثبوت إمامة أمير المؤمنين عليه السلام حسب ما دللنا عليه، إذ كان
~~ثبوتها يسقط فرض النظر في إمامتهم فضلا عن صحتها، ويقتضي القطع على فسادها.
# وليس لأحد أن يقول: لم كنتم (أولى) بأن تمنعوا من إمامة المتقدمين على
~~أمير المؤمنين عليه السلام، لدعوى إمامته عليه السلام ممن منع من ثبوت
~~إمامته، لصحة إمامتهم.
# لاستناد ثبوت إمامته عليه السلام إلى العقول والأفعال التي لا تحتمل (1)،
~~والكتاب والسنة المتقدمة على ما معه يدعى (2) ثبوت إمامة القوم من الاختيار
~~المتعلق بفعل الأمة بعد النبي الذي لا حكم له مع النص، ولا يحسن فعله مع
~~تقديره، ولا يتوهم مع أدلة العقل وبرهان الفعل، ولا قدح بدعواه في ذلك، كما
~~لا قدح بخلق المؤذيات وذبح الحيوان وإيلام الأطفال في حكمته تعالى، لوجوب
~~تقدم النظر في إثبات فاعل لهذه الأشياء على النظر في حسنها من قبحها،
~~وتقديمه يقتضي إثبات فاعل حكيم لا يجوز معه فعل القبيح ولا إرادته، فيسقط
~~لذلك القدح، ويجب القطع على الحسن، وثبوت الفرض الحكمي في ذلك، وإن لم
~~يتميز كذلك يجب تقديم النظر فيما يدعى من النص على ما يدعى
# PageV00P307
# من الاختيار، للوجه الذي ذكرناه، ومتى يفعل ذلك يعلم ثبوت إمامته عليه
~~السلام بالعقل والسمع، فيعلم به فساد إمامة المتقدمين عليه.
# وليس لأحد أن يقول: دعوى ثبوت النص على الاختيار وصفته والمختارين وصفتهم
~~تمنع من النظر في دعوى النص على الإمامة.
# لأن مدعي ذلك لا يستند (1) إلى كتاب ولا سنة معلومة، وإنما يعول (2) على
~~أخبار آحاد، أو فعل الصحابة يوم السقيفة، ويزعم أن ذلك كاشف عن النص على
~~الاختيار وصفته، وخبر الواحد لا يوجب العلم ولا ms165 يصح به العمل، ومجيز العمل
~~به لا يجيزه في مسألتنا هذه، لعموم بلواها، وفعل الصحابة لا حكم له ولا
~~داعي إلى النظر فيه مع دعوى برهان العقل، وثبوت النص من الكتاب والسنة
~~المجمع عليهما على إمامة علي عليه السلام بغير شبهة عند متأمل.
# ولأن الأمة في الآيات اللاتي ذكرناها والأخبار المعلومة رجلان: قائل إنها
~~لا تحتمل النص، وهم القائلون بإمامة القوم على اختلافهم، وقائل إنها دلالة
~~على النص، وهم الشيعة بأسرهم، وكل من قال ذلك قطع على فساد إمامتهم.
# فعلى هذا يجب على كل مكلف أن ينظر في مقتضى هذه الآيات والأخبار
~~المعلومة، ليعلم هل يدل على النص كما تزعم الشيعة، أو لا يحتمله كما يزعم
~~مخالفوهم، من حيث كان تقدير كونها دالة على الإمامة يمنع من النظر في فعل
~~الصحابة، لحصول الخوف المتقدم للنظر فيها على النظر في أدلتنا وارتكاب
~~الخطر المرتفعين مع تقديم النظر فيها على فعل الصحابة، الذي لا يتقدر فيه
~~ضرر (3)، لما يأمن كونها محتملة للنص، ومتى فعل الواجب عليه من تقديم النظر
~~المتكامل الشروط علم دلالتها على النص المرتفع به احتمال فعل الصحابة،
~~للدلالة على إمامة القوم، فقطع لذلك على فسادها.
# PageV00P308
# على أن لما أسلفناه من البرهان العقلي على إحالة كون الاختيار طريقا إلى
~~الإمامة يسقط فرض النظر عن كل مكلف في إمامة القوم، لوقوف صحتها على
~~الاختيار المعلوم فساد كونه طريقا إليها، ويقتضي قبحه، لتعلقه بما ثبت قبحه
~~بالعقول.
# ومنها: قيام الأدلة على وجوب كون الإمام على صفات: من العدالة في الظاهر
~~والباطن وماضي الزمان ومستقبله، والتقدم في العلم والفضل والشجاعة والزهد
~~على الكافة.
# وذلك يبطل إمامة القوم من وجهين:
# أحدهما: أنه لا أحد من الأمة قطع على ثبوت هذه الصفات لواحد منهم، فتجب
~~له فساد إمامتهم، لعدم القطع فيهم بما يجب ثبوته للإمام.
# الثاني: أنه لا أحد قال بوجوب (1) هذه الصفات إلا قطع على فساد إمامتهم،
~~فإذا كانت ثابتة بالأدلة الواضحة وجب بها القطع بصحة فتيا الدائن بها.
# ومنها: أنه لا يخلو دليل ms166 إمامتهم من أن يكون نصا، أو دعوة، أو ميراثا، أو
~~اختيارا، وقيام (2) الدلالة على أنها لا سبيل على تميز عين الإمام إلا
~~بمعجز أو نص يستند إليه، فتبطل الدعوة والميراث والاختيار على كل وجه.
# ويبطل النص، لأنه لا أحد قطع بما قلناه إلا منع من ثبوته للقوم، ولأن
~~الإجماع سابق لدعوى هذه المذاهب عدا الاختيار، وأنه لم يحتج بها يوم
~~السقيفة ولا بعده من ترشح للإمامة أو ادعيت فيه، وإذا خلت أعصار الصحابة
~~والتابعين وتابعيهم من دعوى هذه المذاهب، وجب القطع على فسادها.
# ولأن فساد إثبات الإمامة بالدعوى معلوم بأول نظر، لأنه إثبات ما لا دليل
~~عليه إلا مجرد الدعوى التي لا تميز حقا من باطل، ولأنه لا دليل على كون
~~الدعوة طريقا من كتاب ولا سنة، وما لا دليل على إثباته يجب نفيه.
# PageV00P309
# ولأن القول بالدعوى يقتضي وجود عدة أئمة، والإجماع بخلاف ذلك، أو سقوط
~~فرض الإمامة، أو حصول فساد لا يتلافى، من حيث صح أن يدعي الإمامة في وقت
~~واحد عدة نفر في صقع أو بأصقاع، وثبوت الكل يقتضي عدة أئمة، (و) فساد الكل
~~يسقط فرض الإمامة، وإثبات بعض دون بعض اقتراح في الإثبات والنفي، لعدم
~~الفرق، ويقتضي أن يغلب ظن بعض المكلفين كون أحدهم أهلا للإمامة دون غيره،
~~ويغلب ظن آخرين بخلاف ذلك، فيفضي إلى فساد لا يتلافى.
# ولأن الميراث منتقض بإجماع الأمة على اعتبار صفات الإمام، واستحقاق
~~الميراث من لم يتكامل فيه، بل لم تثبت له صفة منها، ولأنه لا دليل على كون
~~الميراث طريقا إلى الإمامة، وما لا دليل عليه يجب القطع بنفيه.
# ولأن الاختيار مفتقر إلى نص معلوم على تسويغه، ولا سبيل على ذلك، ولأن
~~الإمامة لا يملك التصرف فيما يستحقه الإمام بحق الولاية على الأمة، فمحال
~~أن تثبت إمامته باختيار، لأن ذلك يقتضي تمليكه ما لا يملكه المختارون له،
~~وذلك فاسد بأوائل العقول.
# ولأنه يقتضي وجود عدة أئمة، أو انتقاض فرض الإمامة، أو فساد لا يتلافى،
~~لأنه لا يخلو أن يكون العاقدون للإمامة ms167 جميع العلماء مع تسليم الكافة لهم
~~من العامة، أو بعضهم.
# ووقوفه على الكل يقتضي إيقاف الأمر إلى تجميع علماء الأمة وعامتها في
~~مكان واحد للاختيار، ويتفق رأيهم على واحد بعينه، وذلك كالمتعذر، لأن تقدير
~~اتفاق دواعيهم إلى ذلك، وقطع الأغراض الدينية والدنيوية، وانقياد أهل كل
~~مصر وإقليم لأهل مصر واحد غير جائز في العادة، ولو جاز اتفاق ذلك - مع بعده
~~- لكانت الحال في التعذر على ما بيناه، لتعذر المهتم بهذا الشأن والباعث
~~عليه والجامع للكافة له.
# وإذا تعذر حصوله بجميع الأمة لم يبق إلا تعلقه ببعضها، وفعل بعضها ليس
~~بحجة، ولو كان حجة لاقتضى صحة أن يغلب ظن علماء كل إقليم بأنه لا يصلح
~~للأمة إلا من يليهم أو يلي غيرهم. PageV00P310
# فإما أن يعقد كل لمن يغلب ظنه بصلاحه للإمامة، أو لا يعقد حتى يتفقوا،
~~واتفاقهم محال على ما بيناه وفرضنا من ورائه (1)، من حيث كانت غلبة ظن كل
~~فريق من العلماء بأنه لا يصلح للإمامة إلا من يليهم أو يلي غيرهم دون ما
~~عداه، يمنع من رجوعه إلى غيره من العلماء بغير (2) خلاف بين المجتهدين.
# وعقد كل فريق لمن غلب ظنه بصلاحه للإمامة فاسد من وجوه:
# أحدها: أن فيه إثبات عدة أئمة في وقت واحد، والإجماع بخلاف ذلك.
# ومنها: أنه يؤدي على استحلال بعضهم قتال بعض، لظنه به خروجه مما وجب عليه
~~الدخول فيه من طاعة إمامه، كما قالوا مثل ذلك في إمامة أبي بكر وعمر وعثمان
~~المعقودة ببعض الأمة، وهذا ظاهر الفساد، ولما فيه من إراقة الدماء، وخراب
~~الديار، والانقطاع عن جميع المصالح الدينية والدنيوية، فبطل القول
~~بالاختيار، لما يؤدي إليه من الفساد.
# ولا يجوز أن يكون النص طريقا إلى إمامتهم، لقصوره على دعوى الشذوذ، وتعذر
~~معرفة الدائن به منذ أزمان، وفساد وقوف الحق في ملتنا على فرقة لا تعرف في
~~أكثر الأزمان، ولاستناد دعوى مبنية على (3) خبر واحد لا يجوز إثبات الإمامة
~~به باتفاق، ولو ثبت لم يدل، كخبر الأحجار والصلاة:
# من حيث كان وضع النبي صلى ms168 الله عليه وآله مسجد قبا - على ما رووه - على
~~حجر وقوله (4): أبو بكر، وثانيا وقوله: عمر، وثالثا وقوله: عثمان، ورابعا
~~وقوله علي عليه السلام، لا يفيد بظاهره الإمامة ولا دليله، لأنه لو كان فيه
~~حجة لاحتج به القوم يوم السقيفة، ولأحتج به أبو بكر في خلافة عمر، ولاستغنى
~~به عمر عن الشورى، ولأحتج به عثمان يوم الدار، وذلك يدل على أنه مفتعل أو
~~لا حجة فيه.
# PageV00P311
# وصلاة أبي بكر لو كانت بأمر النبي صلى الله عليه وآله لم يكن فيها حجة،
~~لأنها لم تتم له، لخروج النبي صلى الله عليه وآله باتفاق، وعزله وتولى
~~الصلاة بنفسه، مع ما هو عليه من شديد المرض، وذلك يدل على أن تقدمه لم يكن
~~عن أمره فلذلك تلافاه، أو بأمره ونسخه الله، كقصة البراءة.
# ولو سلم أن تقديمه للصلاة كان بأمره عليه السلام وأنه تولاها بنفسه - وإن
~~كان فاسدا - لم يدل على الفضيلة فضلا عن الإمامة، لصحة عقد الصلاة عندهم
~~بالفاسق، وعندنا بمن ظاهره العدالة وإن كان فاسقا عند الله، ولأن النبي صلى
~~الله عليه وآله والخلفاء عندهم من بعده قد قدموا للصلاة من لا يصلح للإمامة
~~ولا يرشح لها ولا رشح باتفاق.
# (بطلان خلافة القوم على مقتضى مذهبهم) وأما فساد إمامة القوم على مقتضى
~~مذاهب القائلين بها مع تقدير تسليمها فهو:
# أنهم متفقون على أنه لا يصلح للإمامة إلا: الرجل، الحر، المسلم، العدل،
~~العالم، الشجاع، السديد الرأي، العابد، الزاهد، القرشي على رأي الجمهور،
~~فإذا تكاملت هذه الصفات لم تثبت إمامته إلا بنص من الله تعالى، واختيار من
~~كافة العلماء، وتسليم من الباقين، مستند إلى نص منه تعالى على صفة الاختيار
~~والمختارين، أو دعوة إلى نفس الموصوف، ومتى اختل شئ من الصفات لم يصلح
~~المرء للإمامة، وإن دعي أو اختير لها لم تنعقد إمامته، وإن تكاملت لشخص ولم
~~يحصل نص عليه لاختيار ولا دعوة لم تنعقد إمامته، وإن انعقدت بشئ من ذلك
~~فوقع منه فسق انفسخ العقد وبطلت إمامة المعقود له.
# ونحن بمشيئة الله ms169 وعونه نبين أن الصفات لم تتكامل لواحد من الثلاثة، ثم
~~نسلمها ونبين أنه لم يحصل على إمامته نص ولا اختيار ولا دعوة، وأنه لو كانت
~~صحيحة لكان قد وقع منهم في حال ولايتهم من القبائح ما يقتضي فسخها، ونبين
~~أنه لم يقم دليل على كون PageV00P312
# الاختيار (1)، فسقط بكل واحد من هذه دعوى صحة إمامتهم، والمنة لله.
# (عدم تكامل صفات الإمامة للقوم) أما الحرية والقرشية وظاهر الإسلام:
# فقد علم ما يقدح به الشيعة في أنسابهم وإسلامهم، ويرديه من حيث ميلادهم،
~~وصحة ذلك يوجب القطع على نفي الحرية والقرشية والاسلام، ووروده فقط يمنع من
~~القطع بثبوت ذلك المفتقر صحة الإمامة إلى ثبوته قطعا.
# وأما العدالة:
# فقد وقع منهم في حال حياة النبي صلى الله عليه وآله ما يمنع منها، لفقد
~~العلم بحصول التوبة منه، وثبت من أحداثهم بعده عليه السلام المعلوم حصول
~~الاصرار عليها ما يمنع كل واحد من ذلك على أيسر الأمر من العدالة، ويقتضي
~~فساد الولاية؟
# أما الواقع منم في حياته عليه السلام:
# فما روي من قصة التنفير به عليه السلام ليلة العقبة، والمعاهدة على نزع
~~الأمر من أهله، وقد ورد ذلك من طريقي الخاصة والعامة، وعن جميع المنفرين
~~والمعاقدين، والثلاثة من جملتهم، وذلك ضلال لم تثبت منه توبة.
# ومنه: انهزامهم يوم أحد وخيبر وحنين، وكون المنهزم فاسقا، والنص بالتوبة
~~عن المنهزمين في أحد وحنين مختص بالمؤمنين، وليسوا كذلك قطعا، وإن قطعنا
~~نحن على نفي الإيمان عنهم بالأدلة، ولفقد ذلك في هزيمة خيبر.
# ومنه: إحجامهم (2) عن الحرب في جميع المواطن المحتاج فيها إلى معاونة
~~النساء والصبيان، وذلك إخلال بواجب.
# ومنه: تعقب عمر ما قاضي عليه رسول الله صلى الله عليه وآله بأنها ليست
~~دينه،
# PageV00P313
# بل هو خير لك يا عمر وللمسلمين (1)، وقوله أثر ذلك: ألم تعدنا دخول مكة
~~آمنين محلقين، ورده عليه: لم أعدكم العام وستدخلها إن شاء الله، ومضيه إلى
~~أبي بكر منكرا بعد ما قال وقيل له بقوله له: أرأيت ما فعل صاحبك - يعني
~~رسول الله عليه السلام ms170 - والله لو أن لي سيفه لضربت به وجهه. ولا شبهة في
~~كفر المتعقب على رسول الله صلى الله عليه وآله، والشاك في وعوده، أو المنكر
~~لما شرعه، والمضيقة بالصحبة على المخاطب، وبمثل هذه الكلمة الأخيرة حكموا
~~على بني حنيفة بالكفر والردة على المسلمة.
# ولهذه الأحاديث نظائر كثيرة، إيرادها مخرج لنا عن الغرض، من أرادها وجدها
~~في كتاب الفاضح والمسترشد للطبري، والمعرفة للثقفي، وغيرهما.
# وأما الواقع منم بعد النبي صلى الله عليه وآله وقبل الاستخلاف فضروب
~~كثيرة:
# منها: تخلفهم عن جيش أسامة بن زيد بن حارثة رضي الله عنه، مع تأكيد الأمر
~~عنه عليه السلام - إلى أن فاضت نفسه - بإنفاذه، ولا فرق بين خلافه عليه
~~السلام في ما أمر به من المسير مع أسامة، وبين خلافه فيما أمر به من الصلاة
~~والزكاة والإمامة، وذلك فسق لا شبهة فيه، ودعوى خروج أبي بكر من البعث لا
~~يفي شيئا، لثبوت الرواية به من كافة الشيعة، وقد بينا كون ما تواتروا به
~~صدقا، وقد نقله الجمهور من أصحاب الحديث.
# (ولو) سلم خروجه من البعث لكان إقراره عمر وأبا عبيدة والمغيرة وسالما
~~على التخلف ومنعهم من النفوذ فسقا يمنع من عدالته، إذ لا فرق بين أن يخالف
~~أمر النبي صلى الله عليه وآله، أو يمنع من نفوذه، ولأن فسق عمر ومن شاركه
~~في العقد لأبي بكر - لخروجهم عن البعث بإجماع - كاف في تفسيق الجميع، لأنه
~~لا أحد فرق بين القوم في العدالة أو الفسق، ولا يسوغ ذلك اجتهادا، لأنه لا
~~حكم للاجتهاد مع ثبوت النص، لكونه فرعا له، ولأن تسويغه (2) في إبطال النص
~~يقتضي فساد الشريعة جملة، وذلك
# PageV00P314
# كفر، وتخصيص (مخالفة) النص في موضع دون موضح اقتراح لا يقول به أحد.
# ومنه: رغبتهم عن تولي أمر رسول الله صلى الله عليه وآله، وتشاغلهم عن
~~تغسيله وتجهيزه والصلاة عليه بأمر الدنيا إلى... من... (1) ويعيد من سلم
~~الرغبة عن الصلاة على المبرز في الفضل والعبادة في الملة، فضلا عن... (2)
~~ورسول الله صلى الله عليه وآله إليه، وهذا ms171 خبيث جدا.
# ومنه: منازعتهم إلى السقيفة لانتهاز الفرصة، من غير توقف على حضور
~~العلماء، ولا مشاورة أحد من بني هاشم، ولا مكاتبة لأحد من علماء الأمصار،
~~ولا انتظار لحضورهم، وذلك إخلال بواجب عند المختارين.
# ومنه: طلبهم الإمامة يوم السقيفة من غير جهتي النص والاختيار على ما
~~نبينه، وتوصلهم فيها إلى رئاسة الدنيا بما يجب كونه خالصا لله تعالى، من
~~قولهم: نحن السابقون، ونحن المهاجرون، ونحن الذين فعلنا في الإسلام كذا،
~~ولا شبهة في فساد عمل يقرب به إلى منافع الدنيا، وفساد ذلك مع وجوبه عليهم
~~يقتضي التفسيق بغير شبهة.
# ومنه: رضى كل واحد منهم بتقليده الأمر بفعل من ليس فعله حجة من الملة على
~~ما نبينه، ولا شبهة في فسق من قبل العقد له بمن لا يمضي به العقد عند أحد
~~منهم، وإذا ثبت فسق القوم المعرضين للإمامة قبل ثبوت العقد لهم بها لم يصح
~~العقد لعدم (ال) شرط المتفق عليه من وجوب عدالة المعقود له.
# وأما العلم بما يحتاج إلى الإمام فيه:
# فبرهان تعريهم منه واضح من وجوه:
# منها: أن لم يحفظ عن نبي الهدى صلى الله عليه وآله نص يوصفهم به، مع نص
~~على أحوال الصحابة في قوله:
# أقرأكم أبي.
# PageV00P315
# وأفرضكم زيد.
# وأعرفكم بالحلال والحرام معاذ.
# وأقضاكم علي.
# وأنا مدينة العلم وعلي بابها.
# وعلي مع الحق والحق مع علي يدور معه حيث ما دار.
# وقوله لفاطمة عليها السلام: زوجتك أقدمهم سلما وأعظمهم حلما وأكثرهم
~~وإخراجه صلى الله عليه وآله القوم من القراءة وعلم الفرائض والأحكام
~~والحلال والحرام دليل على تعريهم من الجميع.
# ومنها: أنهم لو كانوا من علماء الصحابة وفقهائهم، لكانت حالهم في ذلك
~~أظهر من حال علي عليه السلام، ومعاذ، وابن عباس، وابن مسعود، وزيد،
~~وأمثالهم الذين اشتهر حالهم في علم الفتيا، وسلم الكل لهم التقدم في العلم،
~~لقوة سلطانهم، والتزام طاعتهم، والانقياد لهم، وكثرة شيعتهم إلى الآن، وفي
~~فقد ذلك دليل على أنهم لم يكونوا من العلماء.
# ولا يقدح في هذا ما روي عنهم من الفتيا ms172 في أعيان أحكام، وحصول الخلاف
~~منهم في مسائل.
# لأن المروي عنهم من ذلك لا يقصر عنه أدنى المتعلمين، ولا يعجز عنه بعض
~~أتباع الفقهاء، لقلة عدده وتعريه من حجة واضحة، وخلو أكثره من برهان، وما
~~يحتاج إليه الإمام من العلم غير ذلك، من وجوب علمه بالأصول العقلية
~~والشرعية وجملة النصوص الشرعية، ليصح منه الاجتهاد عندهم.
# ولأن إلى الإمام الأمر (بكل) معروف والنهي عن كل منكر، وذلك لا يحسن من
~~دون العلم بحسن المأمور وقبح المنهي، إذ كان الحمل على فعل ما يجوز الحامل
~~عليه كونه قبيحا والمنع مما يجوز المانع منه كونه حسنا قبيح، وهذا يقتضي
~~كون الإمام عالما بكل حسن وقبح عقلي وسمعي، وحال القوم بخلاف ذلك.
# ومنها: اعتراف كل منهم بالجهل والقصور عن رتبة الكمال في العلم، ورجوعه
~~PageV00P316
# إلى غيره وتقليده له، مع اتفاقهم على اختصاص فرض التقليد بالعامي دون
~~المتمكن من الاستدلال:
# فن ذلك: قول أبي بكر: وليتكم ولست بخيركم، ولي شيطان يغريني، فإن استقمت
~~فأعينوني، فإن زغت فقوموني.
# فأخبر أنه يزيغ عن الحق ويفتقر إلى تقويمهم، ولو كان من أهل الاجتهاد لم
~~يسغ له الرجوع إلى غيره، لكون كل مجتهد مصيبا وإن أخطأ وزاغ، وإن قصر راجع
~~اجتهاده فرده إلى موجب الحكم، ولم يحتج إلى مقوم كسائر المجتهدين الذين عند
~~خصومنا أن أبا بكر أفضلهم فيه وأعلمهم، ومن كان في هذه الرتبة فهو غني بفضل
~~بصيرته وقوة اجتهاده عن غيره، وفي إيقافه التقويم عند الزيغ عن الحكم على
~~غيره دليل على كونه عاميا.
# ومن ذلك: جهله بالحكم في قصة فاطمة عليها السلام، وما يجب من قبول قولها
~~بغير بينة على ما نبينه، وما يلزم في المسلمة من سماع بينتها والحكم بها،
~~وعمله بما يعلم خلافه، وعمله في الإرث بخبر واحد، وترك ظاهر القرآن، مع
~~وجوب تقديمه على أخبار الآحاد بإجماع.
# ومن ذلك: جهله بما يجب على بني حنيفة بمنع الزكاة عن تحريم أو استحلال،
~~وإجراؤه الفقراء والنساء والولدان مجرى عقلاء الأغنياء من الرجال، مع قبح
~~ذلك ms173 بأدنى تأمل.
# وجهله بالأب في قوله سبحانه ﴿وفاكهة وأبا﴾ (1)، ومعنى الكلالة وميراث الجدة، حتى
~~أفتاه أمير المؤمنين عليه السلام.
# إلى غير ذلك مما حفظ عنه من قصوره عن العلم بما يحتاج إليه المكلف، فضلا
~~عن الإمام.
# ومن ذلك: جهل عمر بموت النبي عليه السلام، مع وقوعه مشاهدة وتضمن
# PageV00P317
# القرآن له، حتى تلا عليه أبو بكر ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾ (1)، فقال: كأني لم أسمعها،
~~وهذا يدل على عظيم الجهل وشديد البعد عن سماع القرآن.
# ومنه: جهله بموجب الحدود التي يختصه فرضها، حتى أمر مرة برجم الحامل، حتى
~~منعه من ذلك أمير المؤمنين عليه السلام، وروي أنه معاذ، وقال له: إن يكن لك
~~عليها سبيل فلا سبيل لك على ما في بطنها، فرجع عن رجمها.
# وأخرى: برجم المجنونة - مع إجماع الأمة عن النبي صلى الله عليه وآله أنه
~~قال:
# رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى ينتبه، وعن
~~المجنون حتى يفيق - حتى نبهه أمير المؤمنين عليه السلام على ذلك، فرجع عنه.
# وأخرى: أنه وجد على زعمه رجلا يفجر بامرأة، فأخذهما ليجلدهما، فلقيه أمير
~~المؤمنين عليه السلام، فقال: ما لك ولهما؟ فقال: يا أبا الحسن وجدت هذا
~~الرجل يفجر بهذه، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: عليك البينة، وإلا
~~فلهما في جنبك حدان، إلا أن يعفوا، فاستعفاهما فعفوا، فقال: لولا على هلك
~~عمر.
# وجهله بما يجب في المملصة (2) حتى أفتاه أمير المؤمنين عليه السلام بلزوم
~~الدية على عاقلته، ففضها لوقته على بني عدي، وقال: لولا علي هلك عمر.
# وهذه أمور لا يجهلها من له أدنى أنس بالأحكام، فضلا عن العالم المبرز.
# ومنه: جهله بالحكم في المنيرة بن شعبة، ووجوب تعزيره باتفاق.
# ومنه: تكميله الحد على ابنه بعد الوفاة، وجهله بسقوط الحد عن الأموات.
# ومنه: جهله بأن الثابت من دين النبي صلى الله عليه وآله لا يجوز نسخه
~~برأي ولا اجتهاد، حتى أقدم على تحريم متعة النساء برأيه، المعلوم تحليلها ms174
~~من زمن النبي صلى الله عليه وآله، وقد اعترف بذلك في قوله، ومتعة الحج،
~~المنطوق بها في القرآن المجمع على صحتها.
# PageV00P318
# ومنه: جهله بما أباحه الله تعالى من المهور، حتى حرم الزيادة على مهر
~~السنة، وتوعد بالعقاب، حتى ردت فتياه امرأة، فرجع فقال: كل أحد أفقه من عمر
~~حتى النساء.
# ومنه: جهله بجزية المجوس، حتى أفتاه بها عبد الرحمن بن عوف.
# ومنه: جهله بموضوع الشرائع، ووقوف فرضها ونفلها وحرامها على علام الغيوب،
~~حتى شرع للناس صلاة موظفة مقننة لا يزاد عليها ولا ينقص منها.
# ومنه: جهله بإباحة أهل الذمة الإقامة بين ظهراني (1) المسلمين، حتى جلاهم
~~عن جزيرة العرب، وقال: لا يجتمع في جزيرة العرب دينان.
# ومنه: جهله بصفة الاختيار وشروطه، حتى شور (2) الشورى، بخلاف ما قرره
~~أصحاب الاختيار، وحكم فيها بما لا يجوز في الملة، ولا يجهله من له أدنى
~~فطنة وأيسر بصيرة في الإسلام، على ما نبينه فيما بعد إن شاء الله.
# إلى غير ذلك من الأمور الدالة على جهله بما لا يجهله بعض المتفقهة، فضلا
~~من رؤساء أهل الاجتهاد.
# ومن ذلك جهل عثمان: بقبح رد من نفاه النبي صلى الله عليه وآله عن دار
~~الهجرة إليها، ونفي حبيبه أبي ذر عنها، وإهانة (أوليائه) المخلصين، وتقريب
~~أعدائه الفاسقين، وأحكام التسوية في العطاء.
# وقصوره عن أدنى منزلة في العلم، لفقد ذكره في العلماء، وعدم الإسناد إليه
~~بشئ من الأحكام يعتد بمثله.
# في أمثال لهذا من فزع كل منهم إلى علي تارة، وإلى معاذ أخرى، وإلى زيد بن
~~ثابت مرة، وإلى ابن عباس أخرى، وإلى غيرهم من علماء الصحابة عند بلوى
~~الأحكام، وتقليدهم إياهم، وعملهم بفتياهم.
# PageV00P319
# وهذه حال ينافي ما يعتبرونه من كون الإمام عالما، ولو لم يكن على قصورهم
~~عن رتبة العلماء إلا أنه لم يحفظ عن جميعهم ما يعلم من تفقه شهر واحد لكفى
~~في الدلالة على جهلهم بالأحكام، لوجوب ظهور ذلك، لعلو سلطانهم وكثرة
~~أعوانهم.
# وأما الشجاعة:
# فمعلوم خلو الثلاثة منها، وتقدم أدنا موصوف بشئ منها عليهم، وأن ms175 حالهم في
~~مغازي النبي صلى الله عليه وآله وسراياه ينقسم إلى أمرين:
# إما تخلف عن القتال ونكوص عن النزال، بحيث الحاجة إليهم ماسة، كيوم بدر
~~والأحزاب وأمثالهما، مما لا شبهة على متأمل للأخبار في تخلفهما في ذين
~~اليومين وغيرها عن مباشرة الحرب وقتال الأقران.
# وإما فرار على العقب، وإسلام النبي صلى الله عليه وآله، كيوم خيبر،
~~وردهما فيه راية رسول الله صلى الله عليه وآله، مصرحين بالجبن، متلاومين
~~على الفرار، وظهور الوهن لهزيمتهما في الإسلام، وغضب النبي صلى الله عليه
~~وآله من ذلك، وذمهما عليه، ووصفهما بالفرار، ونفي محبة الله ورسوله لهما
~~ومحبتهما له تعالى ولرسوله عليه السلام.
# وانهزامهم يوم أحد، وإسلامهم رسول الله صلى الله عليه وآله ومن معه من
~~خلصائه.
# وانهزامهم يوم حنين، ورغبتهم بأنفسهم عن نصرة الرسول صلى الله عليه وآله
~~ومن ثبت معه من إهله، واختصاص (١) أبي بكر من لوم الهزيمة فيه بما لم يشركه
~~فيه أحد، لقوله: لن نغلب اليوم من قلة، ونزول القرآن بتوبيخه في قوله
~~تعالى: ﴿ويوم حنين إذ أعجبتكم
~~كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين﴾
~~(2).
# ورجوع عثمان من الهزيمة بعد ثلاث، وتوبيخ النبي عليه السلام له بقوله:
~~لقد
# PageV00P320
# ذهبت فيها عريضة، يعني الأرض.
# هذا مع فقد العلم بمقام واحد أغنوا (1) فيه عن الإسلام، أو بارزوا فيه
~~قرنا، أو قتلوا بطلا معروفا على جهة الانفراد به أو المشاركة فيه، وثبوت
~~ذلك لأضعف المسلمين ومن لا يعرف بشجاعة.
# وإذا انتفت (2) عنهم الشجاعة التي يجب كون الإمام عليها، لكونه... (3) في
~~الحرب - بل بعض صفات الشجاعة التي لو ثبتت لهم لم تنفع - خرجوا عن صفة من
~~يصلح للإمامة.
# وأما سداد الرأي في السياسة:
# فبراء منه في سياسة الدين والدنيا.
# أما سياسة الدين فجميع ما قدحنا به في عدا للهم من الأفعال الواقعة قبل
~~العقد وما نذكره من ذلك بعده دال على قبيح سياستهم في الدين وموضح عن سوء
~~رأيهم في المسلمين.
# وأما سياسة الدنيا ms176 فلو صح رأيهم فيها لم ينفع، لأن المطلوب حسن سياسة
~~الدين وما يتعلق به، دون الدنيا التي لا تعلق لها بالدين.
# على أنهم لم يحسنوا سياسة الدنيا، لأن الداعي إلى فعل القبيح الانتفاع
~~به، والإقدام عليه لا لانتفاع به ولا دفع الضرر (4) جهل مفرط وسوء رأي، وقد
~~دللنا على قبح ولايتهم، لخلافها لمدلول الأدلة، فاقتضى ذلك خسران الآخرة،
~~وكونهم عالمين بذلك إن كانوا ممن يعتقدها، وإلا يكونوا فالحجة ألزم.
# ولم نجدهم استعملوا نفعا يجوز لمثله أن يختار العاقل القبيح، بل كانوا من
~~التقلل
# PageV00P321
# وخشونة العيش في المطعم والملبس وغيرهما على صفة (1) الفقراء، مع تعرضهم
~~بتولي الأمر للخطر العظيم في الدنيا، وتحصيل العداوة المخوف معها على
~~الأنفس، وما يليها من سوء العقبى، واكتساب الذم إلى يوم القيامة، بظلم من
~~يجب حقه، والتصغير بمن يلزم تعظيمه، وتقريب من يجب إبعاده، وحرمان المستحق
~~وإعطاء غيره.
# ولو لم يدل على قبح سياستهم للدنيا إلا وضعهم من أهل بيت وفي رئاستهم
~~المعظمين لديه على كافة أمته، والتصغير بهم، وقصدهم بالأذى، ومنع المنافع
~~التي أمزجوا فيها أعداءهم، لكفى، إذ لا شبهة في فساد هذه السياسة، وقبح هذه
~~السيرة، فأي شبهة تبقى على منصف في قبح سياسة من هذه حاله دينا ودنيا!!.
# وأما عبادتهم:
# فلم يعدهم أحد من الأمة من عباد المدينة، وإن كان ثم دعوى عبادة فليست
~~المعتبرة في الإمام.
# وأما الزهد في الدنيا:
# فالمعلوم خلافه، من حرمهم عليها وطلبها من غير وجهها، إذ تخلفهم عن أسامة
~~مع وجوب النفوذ معه، والمسارعة إلى السقيفة، وترك رسول الله صلى الله عليه
~~وآله جنازة بين أهله، ومنافسة... (2)، وجعل أفعال الآخرة من السبق والهجرة
~~ذريعة إلى الدنيا، وتعرضهم للأمر مع مناقشة الأنصار فيه، واستحقاق بني هاشم
~~له، واعتقاد كل واحد من الفريقين كونه أولى به منهم، وخوف الشنان من ذلك
~~والفتنة الصماء ينافي الزهد في الدنيا ويحيله، ويدل على قبح الحرص وسوء
~~الطلب.
# وأي عاقل يحسن منه دعوى الزهد في الدنيا لمن يحرص على تقلد الأمر على
~~الأمة على ms177 هذا الوجه، مع اختلال جميع الصفات فيه على ما بيناه، وعلمه بذلك
~~من نفسه، ويحمل الناس على بيعته طائعين وكارهين، ويخوف بالقتل على التخلف
~~عنه
# PageV00P322
# لأفاضل المسلمين، ولا يرغب في صلاح أمر دنياه في مؤمن إلا ولا ذمة، فيأمر
~~بقتل سعد ابن عبادة تارة، وبقتل علي أخرى، وبقتل الزبير مرة، ويكسر سيفه،
~~ويهجم على دار علي عليه السلام بالرجال ويأتي (به) مكرها ليبايع، ويقتل بني
~~حنيفة على الامتناع من حمل الزكاة إليه وإخراجها إلى فقرائهم، ويعم بفتنته
~~لهم مستحقا وغيره، ويوجئ عنق (1) سلمان، ويخرج بلالا عن المدينة لما امتنع
~~عن البيعة، ويقاسم العمال، ويحكم في الشورى بما ذكرناه، ومن يستبد بالأمر
~~آل ويعطيها من لا يستحقها من أهله وقراباته، ويعرض نفسه ومن معه من الأهل
~~والأولياء للقتل ظنا بما لا يستحقه من الأمر، لاختلال الصفات فيه، ويضرب
~~الأخيار كعبد الله وعمار، وينفي أبا ذر في صلاح دنياه!!.
# إلا جاهل بذلك من حالهم، أو مغمور بالعصبية لهم.
# وإذا ثبت تعريهم من جميع الصفات التي لا يصلح للإمامة من لم يتكامل فيه
~~باتفاق، سقط فرض النظر في دعوى اختيارهم وثبوت إمامتهم به، ووجب القطع على
~~فسادها وضلال المتعرض لها والمعرض والدائن بها أولا وآخرا، والمنة لله.
# (بطلان إمامة القوم حتى مع تقدير ثبوت صفات الإمامة لهم) وأما فساد
~~إمامتهم مع تقدير ثبوت الصفات التي معها يصح الاختيار، فهو أن صحته تفتقر
~~عندهم إلى ثلاثة أشياء:
# أحدها: ثبوت النص به وبصفة متولية، من حيث كان فقد النص يرفع الثقة
~~بفعلهم.
# الثاني: ارتفاع الموانع عن صحة العقد للمختار، إذ كان ثبوت مانع يحل
~~الاختيار.
# الثالث: وقوعه على الوجه الذي ذكروه، لأن وقوعه بغير صفته المعتبرة فيه
~~يقتضي العقد له وكل مفقود، والمنة لله.
# PageV00P323
# (عدم ثبوت نص على إمامة القوم) أما النص، فلو كان ثابتا لكان معلوما على
~~وجه لا يحسن الخلاف فيه، لعموم بلواه، وتوفر الدواعي على نقله، وقوة
~~البواعث على روايته لولاية المختار، وانبساط يده، وكثرة أعوانه، والنفع
~~العظيم به، وعدم التحرز فيه، ms178 بعكس ما حصل في النص على أمير المؤمنين عليه
~~السلام وصفة متوليه، وإذا فقد العلم به سقط دعوى ثبوته.
# وليس لأحد أن يدعي النص على الاختيار بما روي عنه عليه السلام أنه قال:
~~إن تولوها أبا بكر تجدوه (1) قويا في دينه ضعيفا في بدنه، وإن تولوها عمر
~~تجدوه قويا في دينه قويا في بدنه، وإن تولوها عثمان يوسعكم مالا، وإن
~~تولوها عليا تجدوه هاديا مهديا.
# لأن فقد العلم بهذا الخبر دليل على افتعاله، لما ذكرناه من قوة الدواعي
~~إلى نقل ما يعضد مذاهب القائلين بالاختيار، وانتفاء الصوارف (2) عنه.
# والذي يدل على فساده أمور:
# منها: أنه يتضمن وصف الرجلين بالقوة، مع حصول العلم بانتفائها (عنهما) من
~~علم أو عبادة أو شجاعة، حسب ما قدمناه، فيصير كذبا لا يجوز على النبي صلى
~~الله عليه وآله.
# ومنها: أنه لو كان ثابتا لاحتج به أبو بكر يوم السقيفة على الأنصار، فهو
~~أبلغ من قوله: نحن المهاجرون الأولون، ونحن من قريش، وهم عترة النبي صلى
~~الله عليه وآله، ولما لا يفعل ثبت أن الخبر مخرص (3).
# ومنا قوله: قد اخترت لكم أحد الرجلين، يعني: عمر وأبا عبيدة، ولو كان
~~الخبر صحيحا لوجب أن يقول: قد اخترت لكم أحد الرجلين: عليا أو عمر، إذ أخذ
# PageV00P324
# الثلاثة كان: عليا أو عمر أو عثمان، ولا يذكر أبا عبيدة ويعدل عمن نص
~~النبي صلى الله عليه وآله على اختياره.
# ومنها: أنه لو كان صحيحا لم يجز لأبي بكر أن ينص على عمر ويأخذ الناس
~~ببيعته إلا بعد إحضار أمير المؤمنين وعثمان، وإجماع الأمة على أخذهم، ولكان
~~له أن يحتج على من أنكر عليه ولاية عمر، ووصفه له بالفظاظة والغلظة،
~~وتخويفه الله من ولايته عليهم، فيقول: ما وليتم (1) عليكم إلا من نص رسول
~~الله صلى الله عليه وآله على اختياره.
# ومنها: أنه لو كان صحيحا لأغنى عمر عن الشورى على أعيان المختارين، لأنه
~~لم يبق منهم غير علي وعثمان، فكان ينبغي بمقتضى الخبر أن يختار أحدها، ولا
~~يشرك معهما في الشورى ms179 من لم ينص النبي صلى الله عليه وآله على اختياره، ولا
~~أن يتمنى لها سالما ولا ذكر له في النص، ولا يتكلف شيئا مما تكلفه من
~~الاهتمام بأمر القائم مقامه، وقد كفاه النبي صلى الله عليه وآله ذلك بنصه
~~على عينه.
# ومنها: أنه لو كان صحيحا لم يجز لأبي بكر أن يتقدم على عمر، ولا يسوغ
~~لأحد من الأمة تقديمه عليه، لكونه أقوى منه دينا وبدنا، ولا لواحد منهم على
~~علي، للنص على كونه هاديا مهديا سلك بهم الطريقة المثلى قطعا، وفقد ذلك
~~منهم.
# على أن الحديث خبر عن حالهم، لو قد فعلوا لألفوا أبا بكر بصفة كذا، وعمر
~~بصفة كذا، وعليا بصفة كذا.
# والخبر كاشف كالعلم وليس بمقتض، وإنما المقتضي للإيجاب الأمر، وليس بأمر،
~~إذ لو كان أمرا لم يجز لأحد منهم مخالفته، وقد بينا عملهم بخلافه.
# وبعد فهو عري من النص على أعيان المختارين وصفاتهم من ذوي الحل والعقد،
~~فلا ينفع في موضع الحاجة.
# PageV00P325
# (ثبوت المانع من اختيار القوم) وأما ثبوت المانع من اختيار القوم فكونهم
~~مرتبطين بطاعة أسامة وأتباعه في البعث، وتعذر الجمع بين الأمرين، كارتباط
~~أسامة بذلك وخروجه بتعين فرض الانفاذ لأمره صلى الله عليه وآله عن النظر في
~~أمر الإمامة فضلا عن الصلاح لها.
# وقد صرح أبو بكر بوجوب هذا البعث، فقال: لو تخطفتني الطير من مجلسي ويفرق
~~عني جندي حتى أبقى وحدي لم يكن لي بد من إنفاذ جيش أسامة.
# وإذا كان معترفا بتضيق فرض الانفاذ فهو وصاحبا ومن عقد له من جملة
~~الأتباع، خرجوا بذلك عن التأهيل للاختيار وإن تكاملت لهم صفات الإمام -
~~المعلوم انتفاؤها عنهم - وذلك يسقط فرض النظر في حال العاقدين ومن عقدوا
~~له.
# (عدم حصول الاختيار بصفته المعتبرة) وأما عدم الاختيار بصفته المعتبرة عن
~~الثلاثة المتقدمين، فقد بينا أن صحته تفتقر إلى حضور جميع العلماء، للنظر
~~في أحوال من يصلح للإمامة، فإذا استقر رأيهم على واحد وسلم لهم العامة
~~الرضى به بايعوه، وهذا مفقود في الجميع.
# أما عدم هذه الصفات ms180 المعتبرة في اختيار الأول فظاهر لكل متأفل، إذ معلوم
~~لكل ناظر توليته الأمر عليه على (1) غير وجه الاختيار، من حيث علمنا وهم
~~سبق الأنصار إلى سقيفة بني ساعدة، وترشحهم سعد بن عبادة للأمر، وعزمهم على
~~بيعتهم (له) من غير مشاورة لمن عداهم أو تأخر عنهم من المهاجرين، وإنذار
~~ابن ساعدة العجلاني عمر ابن الخطاب بحال الأنصار وما اجتمعوا له وعزموا
~~عليه، ومجئ عمر إلى أبي بكر، ومضيهما إلى ظلة بني ساعدة، ومعهما أبو عبيدة
~~بن الجراح، والمغيرة بن شعبة، وسالم مولى أبي حذيفة - لا يعلم لهم سادس من
~~المهاجرين ومن هاشم - ومن عداهم من المهاجرين مشغولون بأمر رسول الله صلى
~~الله عليه وآله، وما جرى بين حاضري
# PageV00P326
# السقيفة من الخوض، وذكر كل فريق منهم فضائله في الإسلام، وإدلائه بأفعال
~~الآخرة:
# من السبق، والهجرة، والصبر على الأذى، والنصرة، والإيثار، والإيواء،
~~والتحقق بالدار، وجعل كل منهما هذه الأفعال الدينية ذريعة إلى تولي الأمر،
~~وقوة حجة المهاجرين بالقربى، وفزع الأنصار عند النكول عنها إلى المصالتة،
~~وعلو كلمتهم لذلك، وقوة أمرهم على المهاجرين لكثرتهم، وقلة أولئك وإشرافهم
~~على تمام الأمر لسعد بن عبادة، وفسخ بشر (1) بن سعد بن معاذ هذا النظام
~~حسدا لابن عمه سعد، وإخماده نار الأنصار بقوله: ثواب نصرتكم وإيثاركم
~~بالديار والأموال على الله تعالى، وهذا الأمر لقريش أهل بيت نبيكم
~~وأقربائه، وانقطاعهم عن محاجته، وتقدمه إلى أبي بكر مبايعا، ومشاركة عمر
~~وأبي عبيدة والمغيرة له في ذلك، ولحوق عشيرة بشير (2) بن سعد به، علما منها
~~بما قصد له من إفساد الأمر على سعد بن عبادة، وامتناع سعد ومن (في) حيزه من
~~البيعة، وأمر عمر بقتله في الحال لو أنفذ أمره، ومقامه على الخلاف إلى أن
~~قتل غيلة، وقول الحباب بن المنذر لبشير بن سعد: والله ما حملك على مما صنعت
~~إلا الحسد لابن عمك، وتطلبه أنصارا يمنع بهم من بيعة أبي بكر فلم يجد،
~~فأقام على الخلاف، وتخلف بني هاشم قاطبة عن العقد وإنكارهم ما جرى، وتخلف
~~أمير المؤمنين عليه السلام ms181 في منزله ومعه جماعة من بني هاشم وغيرهم،
~~وامتناعه من البيعة أشد امتناع، ومجئ العباس وأبي سفيان إليه، وعرضهما
~~أنفسهما على بيعته، واجتماع بني هاشم وجماعة من المهاجرين والأنصار إلى دار
~~علي عليه السلام، وقصد القوم له بالرجال والسلاح، وخروج الزبير عليهم
~~بالسيف مصلتا، وسقوطه لوجهه، وأخذ عمر السيف وضربه به الأرض حتى انكسر،
~~وقوله: خذوا الكلب، واستخراجهم عليا عليه السلام... (3)، وتجريدهم للسيوف
~~من حوله، وحملهم له على بيعة أبي بكر، وامتناعه منها، وقوله: والله لا
~~أبايعكم
# PageV00P327
# وأنتم أحق بالبيعة لي، وقول عمر: والله لق لم تبايع لنقتلنك، وقوله عليه
~~السلام: إن تقتلوني فإني عبد الله وأخو رسول الله، وقول عمر: أما عبد الله
~~فنعم وأما أخو رسول الله فلا، إلى غير ذلك من أقوال علي وفاطمة وبني هاضم
~~وجماعة من المهاجرين والأنصار، وجواب القوم لهم.
# وقول سلمان: كردا ونكردا وندان نم (1)، يعني: فعلتم وما فعلتم، وإفصاحه
~~بالعربية: أما والله إذ عدلتم بها عن أهل بيت نبيكم ليطمعن فيها الطلقاء
~~وأبناء الطلقاء.
# وذكر بريدة الأسلمي رأيه في بني أسلم، وقوله: لا أبايع إلا من أمرني رسول
~~الله صلى الله عليه وآله أن أسلم عليه بإمرة المؤمنين.
# وأخذهم الناس بالبيعة بالغلظة واللين.
# وإذا كانت هذه الجملة معلومة لكل سامع للأخبار ومتأمل للسير والآثار، ثبت
~~وقوع الولاية على الوجه الذي ذكرنا من الغلبة، دون ما يعتبرونه من صفة
~~الاختيار، وإجماع العلماء له وترجيحهم بين الرجال، إلى أن يستقر لهم رأي
~~على واحد فيبايعوه، ويسلم له الباقون، لبعد ما بين الأمرين وتنافيهما في
~~الأوصاف.
# وأما فقد الصفة المعتبرة عندهم في الاختيار من العاقدين له، فعلوم اختصاص
~~الحضور في السقيفة بنفر يسير من المهاجرين، وغيبة بني هاشم وأكثر المهاجرين
~~عنها، وخالف أكثر الحاضرين لها من الأنصار في العقد، وفيهم العلماء والمعتد
~~بهم في الرضا والانكار والعامة الذين لا يصلح الاختيار مع كراهيتهم، لكونهم
~~من الأمة الذين نص النبي صلى الله عليه وآله عندهم على نفي الخطأ عن
~~إجماعهم، وإذا كان هذا معلوما لكل متأمل ms182 للسير والآثار فسدت إمامة المعقود
~~له، لحصولها ببعض الأمة المتفق على جواز الخطأ عليها، وفسد (ت) لفسادها
~~إمامة عمر وعثمان، لكون إمامتيهما فرعا لها ومبنية على صحتها باتفاق.
# وليس لأحد أن يقول: إن الخلاف يوم السقيفة والتخلف الحاصل وغيبة من
# PageV00P328
# ذكرتموه وإن كان معلوما، فقد علم زواله فيما بعد، وحصول الرضى من الجميع
~~بإمامة المعقود له، وتسليم الطاعة له، وذلك يدل على إجماعهم، وهو حجة لا
~~ينعقد على ضلال.
# لأن هذا لو سلم لهم لن ينفعهم شيئا، لاتفاقهم على أن الحجة في الإمامة
~~وغيرها الإجماع، وهو معقود يوم السقيفة باضطرار، وفقده يقتضي تعري العقد
~~فيها من حجة الصحة.
# وإذا لم تنعقد إمامة أبي بكر يوم السقيفة، لفقد دليلها الذي هو الإجماع،
~~ووقوعها بمن لا يعتد بمثله في الملة باتفاق، لم تنعقد فيما بعد بإجماع،
~~لأنه لا أحد قال بفسادها يوم السقيفة إلا قال بذلك في كل حال، ولا أحد حكم
~~بصحتها إلا بنى ذلك على ثبوتها يوم السقيفة، فإذا وضح برهان فسادها فيه سقط
~~فرض النظر فيما بعده من الأحوال وما يدعى من اتفاق عليها أو خلاف فيها.
# على أن ذلك مبني على ظهور التسليم من الجميع، وارتفاع النكير من الكل،
~~وأنه دلالة الرضا، وأن الرضا هو دلالة الإجماع.
# ونحن نبين أن النكير حاصل، وأنه لو كان مرتفعا لم يكن دلالة الرضا، وأن
~~الرضا ليس بإجماع.
# أما دعوى ارتفاع النكير فظاهر البطلان، لحصول العلم بموت سعد على الخلاف،
~~وهو من العلماء الذين يجب الاعتداد به، وإقامة علي عليه السلام على النكير
~~متخلفا في منزلة مدة التمكن من ذلك، مصرحا في أكثر أحواله لما يقتضي
~~إنكاره.
# كقوله في ابتداء الأمر: والله لا أبايعكم وأنتم أحق بالبيعة لي.
# وقوله لما هدده بالقتل: يا ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني،
~~ولم أزل مظلوما منذ قبض رسول الله صلى الله عليه وآله، وقوله: ظلمت الحجر
~~والمدر.
# وقوله عليه السلام: ولقد سبقني في هذا الأمر من لم أشركه فيه ومن لم أهبه
~~له، ومن ms183 لشئ له منه توبة إلا بنبي يبعث، ألا ولا نبي بعد محمد صلى الله
~~عليه وآله، أشرف منه على شفا جرف هار انهار به في نار جهنم.
# وقوله عليه السلام: والله لقد تقمصها ابن أبي قحافة، وإنه ليعلم أن محلي
~~منها محل PageV00P329
# القطب من الرحى، ينحدر عني السيل ولا يرقى إلي الطير، فسدلت دونها يوما
~~(1)، وطويت عنها كسحا (2)، وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذاء وأصبر (3) على
~~طخية عمياء، فرأيت أن الصبر على هاتا (4) أحجى، فصبرت وفي العين قذى وفي
~~الحلق شجى أرى تراثي نهبا، إلى آخر الكلام المشهور المتضمن للتصريح بالتظلم
~~من القوم المتقدمين عليه.
# وقوله عليه السلام: ولئن تقمصها دوني الأشقيان، ونازعاني فيما (5) ليس
~~لهما بحق، وهما يعلمان، وركباها ضلالة، واعتقداها جهالة، فلبئس ما عليها
~~وردا، وبئس ما لأنفسهما مهدا، يتلاعنان في محلهما، ويبرء كل منهما من صاحبه
~~بقوله: يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين.
# في أمثال لهذه الأقوال المحفوظة عنه في ابتداء الأمر، وفي خلافة عثمان،
~~وحين آل الأمر إليه وحصول العلم لكل مهتم بتدينه (6) عليه السلام بذلك
~~وذريته وشيعته إلى يومنا هذا.
# وما ظهر من إنكار سلمان الفارسي رضي الله عنه لأمرهم، ومشاركة الزبير،
~~وجماعة من بني هاشم، وكثير من الأنصار، كقيس بن سعد بن عبادة، والحباب بن
~~المنذر، وبريدة الأسلمي، وتخلف بلال عن البيعة إلى أن مات.
# وإذا كان هذا النكير من وجوه الصحابة معلوما سقطت (7) دعواهم ارتفاعه
~~(8).
# على أن ارتفاع النكير لا يدل على الرضى، لاحتماله له ولغيره من الرجاء
~~والخوف
# PageV00P330
# والاستفساد والاشتباه، وإذا كان محتملا لم يجز حمله على أحد محتملاته إلا
~~بدلالة، ولا دلالة، فحامله على الرضى بغير حجة كحامله على الرجاء أو الخوف،
~~بل هو أعذر، لكون المعقود له ممن يرجى نفعه ويخاف ضرره، لقوة سلطانه
~~وانبساط يده.
# وبعد، فلو كان دلالة الرضى لم تكن فيه حجة، لأن تقلد أبي بكر الأمر أمر
~~منفصل عن (1) رضى الإمامة به، فيصح أن يكون مخطئا في توليه الأمر، ويكون
~~الممسك عن الإنكار ms184 عنه مخطئا، لإخلاله بالواجب عليه من الإنكار، ولا يكون
~~ذلك إجماعا على الخطأ، لتغاير الفعلين المختلفين، إذ كان الدليل المانع من
~~اتفاق الأمة على الخطأ مختصا بفعل واحد، لحصول العلم بخطأ كل فرقة من الأمة
~~في مسألة ما ومسائل.
# وعلى هذا التحرير لو سلم للقوم جميع ما يظنونه دليلا على إمامة أبي بكر
~~لم ينفعهم، لخروجه عن كونه إجماعا.
# وأما ولاية عمر، ففرع لإمامة أبي بكر، فإذا كانت فاسدة لما دللنا عليه
~~لحقت بها في الفساد باتفاق.
# وأيضا فعلوم حصولها بنص أبي بكر، وأنه كتب له الصحيفة بالعهد، وأخذ الناس
~~بالرضى بها شاءوا أم أبوا، من غير إعلام بما فيها، وإنكار طلحة وجماعة من
~~المسلمين عليه، ومضيه على رأيه، وإطراح نكيرهم، وهذا بغير شبهة مناف لما
~~يعتبرونه من صفة الاختيار والمختارين.
# وأما ولاية عثمان، فمبنية على ولاية الرجلين، فإذا كانت باطلة لحقت بها
~~في البطلان بإجماع.
# وأيضا فهي فرع لصحة الشورى ووقوع العقد فيها على المشروع، وسنبين فسادها
~~وما اشتملت عليه من قبيح الأفعال، ومنافاتها لشريعة الإسلام على مذهب
~~القائلين بالنص والاختيار، فاقتضى ذلك فسادها بغير ارتياب.
# وبعد، فهي معلقة باختيار عبد الرحمن بن عوف خاصة، وليس بحجة في الملة،
~~وإن جعله عمر عيارا على القوم، لكونه أيضا غير حجة عند مدعي إمامته، ولأنه
~~رغب
# PageV00P331
# بها عن علي عليه السلام بشرطه عليه السيرة والكتاب والسنة، وإبائه سيرة
~~أبي بكر وعمر، وبيعته عثمان على ذلك.
# وكون ذلك عن جهل يخرجه (1) عن البصيرة بالدين، ويمنع من كونه عيارا على
~~المسلمين، لو كان فعل واحد من فضلائهم عيارا عليهم.
# وكونه عن علم يقتضي عظيم العناد للملة، والرغبة عن الكتاب والسنة إلى
~~سيرة رجلين أحسن أحوالهما أن يكونا من أهل الاجتهاد، والذين يجوز عليهم
~~الخطأ، وذلك مسقط لفعله لو كان يصح الاعتداد في عقد الإمامة بواحد.
# وبعد، فكيف ساغ له (2) سوم علي عليه السلام - وهو من أفضل العلماء بغير
~~نزاع - تقليد أبي بكر وعمر، مع تحريم التقليد على مثله باتفاق، وعدل عن
~~بيعته لإبائه ms185 عليه السلام ما لا تجوز له الإجابة إليه من تقليد الرجلين،
~~فكيف جاز له بيعة مجيب له إلى تقليد غيره، مع علمه - إن كان من أهل
~~الاجتهاد - بأن العامي الذي يجوز له التقليد لا يصلح للإمامة، وتحريم
~~التقليد على العلماء، وفسق المقلد منهم لغيره.
# وأن عثمان إن (3) كان عاميا فاختياره للإمامة لا يجوز بإجماع، وإن كان
~~عالما فقد فسق بإجابته إلى التقليد، فقبح اختياره على كل حال... (4) ومن
~~اتبعه من أهل الخلاف وصونه من العقد قديما وحديثا امتناع علي عليه السلام
~~من تولية الأمر مما فيه من عموم الصلاح للاسلام على سيرة الرجلين واشتراطه
~~السيرة للكتاب والسنة على ضلال سيرتهما، لكونهما مخالفين للكتاب والسنة.
# وهلا دل الحاضر من المسلمين ومن قلدهم إلى يومنا هذا إمساك عبد الرحمن عن
~~موافقة علي عليه السلام عن وفق سيرة الرجلين للكتاب والسنة أنها مخالفة
~~لهما؟!
# PageV00P332
# وأي شبهة تبقى على ملتفت (1) متأمل منصف في ضلال سيرة الرجلين وخلافهما
~~للشرع، وهو يرى عليا عليه السلام يرغب عن ولاية الإمام وفيها (2) ما فيها
~~دينا ودنيا، ولا يسير بها فيهم، بمحضر من أهل الشورى ووجوه المهاجرين
~~والأنصار وأخلاط الناس؟! ولا يقول له أحد منهم: وأكثرهم أولياء القوم - وهل
~~سيرتهما إلا على الكتاب والسنة فلم تأباها؟! ولا يقول لعبد الرحمن:
~~الموافقة للكتاب والسنة، ولا يقول له عبد الرحمن: هذا ما دعوتك إليه
~~فنبايعه لإجابته إياه إلى ما اشترط عليه، ولا يرغب عن بيعته إلى بيعة
~~عثمان.
# وأي ريب يبقى في تدين علي عليه السلام بضلال القوم وقبيح سيرتهما، وهو
~~يرغب عن التمكين من معظم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتنفيذ الأحكام
~~بولاية الأمر ولا بسيرتهما؟!
# وأي شك يدخل على عارف بالاجتهاد، وما يجب كون الإمام عليه عند مثبتيه في
~~فساد إمامة عثمان وهو يراه مبايعا على تقليد الرجلين، وفساد إمامته إن كان
~~عاميا، وكونه فاسقا لا تجوز إمامته إن كان من أهل الاجتهاد؟!
# وليس لأحد أن يقول: كيف تصح لكم هذه الدعوى وأنتم تعلمون مذاهب خصومكم في
~~عدد العاقدين، ms186 ففيهم من يقول: واحد، وفيهم من يقول: اثنان، أو ثلاثة، أو
~~أربعة، أو خمسة يعقدون لواحد؟
# لأنه لا تنافي بين ما قلناه وبين هذه المذاهب، من حيث كان كل منهم لا
~~يعتبر صحة العقد بهذا العدد خاصة، وإنما توقف ولايته عليه، ويعتبر تسليم
~~باقي العلماء ورضاهم بالعقد وإمساك الباقين من الأمة الدال عنده على الرضى
~~إن فقدت المبايعة.
# وكيف يشتبه على متأمل أن أحدا من علماء الأمة يدين بصحة الإمامة بعقد بعض
~~الأمة، مع فقد دعوى من أحد من أهلها، لكون الحجة ثابتة في شئ يفعل بعضها بل
# PageV00P333
# جميعها إلا عالم واحد (1)، وحصول النزاع من جمهورها في كون الإجماع حجة،
~~ومع وجود كل متكلم في صحة الاختيار يثبته على صحة الإجماع وانعقاده عليه.
# ولو كان ما ذكره السائل مذهبا، لاستغنى القوم الذاهبون إليه عن إيراد ما
~~يظنونه دليلا على ثبوت الإجماع في إمامة أبي بكر وعمر وعثمان، من التعلق
~~بالامساك وترك النزاع، وغير ذلك مما لا حجة فيه على ما بيناه، ولوجب عليهم
~~الاشتغال بكون ما ذهب إليه كل فريق من العدد وجعله حجة في صحة العقد، ولما
~~لم يتعرض لذلك أحد منهم ووجدنا الجميع يفتقر إلى مراعاة الإجماع في نصرة ما
~~ذهب إليه ويقول: إذا عقد هذا العدد المخصوص وسلم الباقون، صح ما ذكرناه.
# ولولا أن بعض من ينتمي إلى العلم بالاعتزال سأل عن ذلك - مع كثرة جهل أهل
~~بلادنا بمذاهب الناس - لم يكن بنا حاجة إلى ذكره، لظهور فساده، وحصول
~~الإجماع على خلافه.
# (ذكر القبائح الواقعة منهم حال ولايتهم المقتضية لفسخها) وتأمل هذا
~~الكلام يغني عن إسقاط ما يتعلقون به في إمامة القوم من إجماع وغيره
~~بالأحداث الواقعة منهم في حال ولايتهم، فهو إنا لو تجاوزنا لهم عن جميع ما
~~قدمناه، لكانت القبائح الواقعة منهم في حال تعليمهم (2) كافية في فساد
~~إمامتهم على كل حال، لأن ثبوت فسقهم في حال الولاية تعليمهم (3) الولاية
~~كافية تمنع من ثبوت إمامتهم وصحة العقد بها قبل وقوع هذه الأحداث، فيقتضي
~~فسخها لو ms187 كان العقد صحيحا بها، إذ لا أحد من الأمة أثبت فسقهم في حال
~~ولايتهم إلا حكم بفساد عقدها وفسخ العقد الصحيح بالفسق الواقع بعده.
# PageV00P334
# فمن ذلك الحادث في ولاية أبي بكر.
# وهو على ضروب:
# منها: تسميته بخليفة رسول الله صلى الله عليه وآله، مع العلم الضروري
~~بكذبه في هذا الاسم على رسول الله صلى الله عليه وآله، إذا كانت ولايته على
~~أحسن الأحوال مستنده إلى اختيار الأمة، والمختار باجتهادها لا يكون خليفة
~~لرسول الله صلى الله عليه وآله، وإنما يكون كذلك من نص صلى الله عليه وآله
~~على خلافته، دون من تعلق استخلافه بفعل غيره عليه السلام.
# وليس لأحد أن يقول: إذا كان اختيار الأمة له عن نص النبي صلى الله عليه
~~وآله على الاختيار وصفة المختارين، فهو مضاف إلى النبي عليه السلام وإن وقع
~~بغيره.
# لأن (1) الأمر لو كان كذلك - مع أنا قد بينا فساد الدعوى له - لم يكن ما
~~فعلوه من اختيار أبي بكر مسوغا لإضافة استخلافه إلى رسول الله صلى الله
~~عليه وآله، لحصول العلم في عرف الاستخلاف بخلافه، وأنه لا يجوز أن يضاف إلى
~~نبي ولا إمام ولا ملك استخلاف غيره إلا بعد أن يكون هو الناص على عينه.
# ولهذا لا يضاف إلى الملك إمارات القرى الصادرة عن اختيار أمير (2)
~~الإقليم المنصوب من قبل الملك المأذون له في الولايات، وكذلك حكم كل رئاسة
~~منصوص عليها من قبل رئيس لا يضاف إلى الرئيس الأول استخلاف أحد ممن أذن له
~~في استخلاف.
# فكذلك إذا (3) كان الأمر على ما قالوه لم يجز إضافة خلافة أبي بكر إلى
~~رسول الله صلى عليه وآله، وإن كانت حاصلة بفعل من أذن له بالاستخلاف على
~~الجملة.
# كما يقال في كل موضع ذكرناه: هذا خليفة الأمير أو خليفة الوزير، ولا
~~يقال:
# خليفة الملك إلا لمن نص الملك على خلافته، وإن كان الوزير والأمير مأذونا
~~لهما في
# PageV00P335
# الاستخلاف.
# وإذا صحت هذه القضية ثبت فسقه، بكذبه على رسول الله صلى الله عليه وآله.
# ومنها: إرادته لتخلف ms188 عمر وأبي عبيدة وغيرهما من أنصاره عن النفوذ في جيش
~~أسامة، مع وجوبه، وإرادة القبيح قبيحة، وكونه مريدا لذلك معلوم على وجه لا
~~ريب فيه ومنها: قصة فدك، ومنعه فاطمة عليها السلام منها، وخطأه في ذلك من
~~وجوه:
# منها: قبضه يد النائب عنها (١) عن التصرف فيها بغير حجة، مع استقرار
~~الشرع ومطابقته لأدلة العقل بحظر قبض اليد المتصرفة في شئ عنه بغير بينة
~~تمنع منه.
# ومنها: كونه حاكما فيما هو خصم فيه، وذلك ظاهر الفساد في الشرع.
# ومنها: مطالبته بالبينة مع استغنائها عليها السلام عنها باليد، ووجوب ذلك
~~عليه دونها، ورد دعواها ومطالبتها بالبينة، مع إجماع الأمة على صدقه ما في
~~هذه الدعوى، فإن يجهل هذا الإجماع فليس من الأمة، وإن يعلمه فقد رد دعوى
~~يعلم صحتها، وطالب بأمارة الظن مع ثبوت دلالة العلم، وأخذ منها ما يعلم
~~استحقاقها، وإباحته لمن يعلم كونه غير مستحق له، وهذا عظيم جدا.
# ومنها: قيام الدلالة على عصمتها من وجوه:
# منها: قوله تعالى: ﴿إنما يريد الله
~~ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا﴾ (2)، وفاطمة عليها السلام
~~من جملة المذكورين بإجماع، ولا وجه للإرادة هاهنا إلا الأخبار عن ذهاب
~~الرجس عن المذكورين وثبوت التطهير، لأن الإرادة المتعلقة بطاعات العباد لا
~~تخص مكلفا من مكلف، والإرادة في الآية خرجت مخرج التخصيص للمذكور فيها
~~والإبانة له من غيره، ولأن حرف إنما يثبت الحكم لما اتصل به وينفيه عما
~~انفصل عنه، وذلك يمنع من حمل إرادة الآية على العموم.
# PageV00P336
# وقوله عليه السلام: فاطمة بضعة مني يؤلمني ما يؤلمها ويؤذيني ما يؤذيها،
~~وذلك لا يمكن إلا مع كونها معصومة، لأن تجويز القبح عليها يصحح وقوعه،
~~ووقوعه موجب لأذاها باللعن والذم والحد والتعزير، وذلك مناف للخبر، ولأنه
~~لو شهد عليها شهود بما يوجب الحد لوجب جلدهم حد المفتري دونها بإجماع، وذلك
~~لا يصح إلا مع القول بعصمتها، وإذا ثبتت (1) عصمتها اقتضى ذلك قبول قولها
~~لاقتضائه العلم بصحته، وأغنى عن البينة التي لا توجب علما. ms189
# ولا يجئ من ذلك القول بأن الرجل جهل عصمتها، لأنه لا تكليف له في ذلك.
# لأن صحة دعواها عليها السلام إذا كانت مستندة إلى ثبوت عصمتها فلا بد من
~~أن تحتج عليه بدليلها الذي لا حجة لها غيره، وإذا فعلت ذلك تعين عليه فرض
~~النظر الذي (2) متى يفعله يعلم عصمتنا، وإن لا يفعل يخل بالواجب عليه،
~~والاخلال بالواجب قبيح (3)، ومطالبة المعلوم الصدق بينة استظهار على العلم
~~بالظن، وذلك جهل قبيح وظلم صريح.
# ومنها: أنه لا يخلو أن تكون فدك مما يجب في الشرع تسليمه لفاطمة عليها
~~السلام، أو مما يجب منعها منه، ولا ثالث هاهنا.
# والقسم الأول يقتضي كون المانع ظالما، لإخلاله بالواجب من تسليم الحق إلى
~~مستحقه، فاسقا لجهله بما يجب على الحاكم علمه.
# والثاني يقتضي كونها - وحاشاها - مطالبة بما لا تستحقه، وكاذبة في دعواها
~~وتظلمها من الحق الواجب عليها، ومشاركة أمير المؤمنين عليه السلام لها في
~~ذلك، للرضي به وإقرارها عليه ومشاركتها في الدعوى والتظلم.
# والإجماع بخلاف ذلك، فصح القسم الأول.
# PageV00P337
# وبهذا يسقط اعتذارهم للرجل بأنه حكم على الظاهر في الملة من اتفاق الحكم
~~على البينة، وأنه عادل في حكمه، وإن كانت فاطمة عليها السلام صادقة.
# لاتفاق العقلاء على أنه لا حكم للظن مع إمكان العلم ظنا (1) عن ثبوته،
~~وقد أجمع المسلمون على صحة الحكم بالعلم، وأجاز رسول الله صلى الله عليه
~~وآله شهادة خزيمة بن ثابت فيما يعلم صحته، لاستناده إلى صدق النبي صلى الله
~~عليه وآله وثبوت نبوته، وسماه ذا الشهادتين.
# فلا عذر إذا لمن منع مستحقا يعلمه كذلك، ولا يصح وصفه عادلا مع قبضه يدا
~~عما يعلم كونه ملكا لها، وإباحته لمن يعلم أنه لا يستحقه، لحصول العلم
~~الضروري - الذي لا تصح مخالفته، ولا انتظار دليل عقلي ولا شرعي بخلافه -
~~بكون من كان كذلك ظالما.
# ومنها: رده شهادة أمير المؤمنين والحسنين عليهما السلام وأم أيمن بصحة
~~النحلة، مع إجماع الأمة على عدالتهم وعلمهم بموقع الشهادة، وذلك يقتضي
~~عدوله عن موجب الحكم إلى إرادة الظلم وفعله. ms190
# واعتذاره للرد: بأن عليا عليه السلام (زوج) والحسنين عليهما السلام ابنان
~~وأم أيمن مولاة، وهم يجرون (2) إلى أنفسم بشهادتهم.
# ليس بعذر، لأنه يقتضي القدح في عدالتهم المعلوم ثبوتها بإجماع، ويدل على
~~شك القادح في عدالتهم في نبوة النبي صلى الله عليه وآله أو جهله، لحصول
~~العلم من دينه بصواب (3) هؤلاء الشهود وكونهم من أعلا المباحين (4) درجة،
~~إذ التصديق بثبوت هذه الصفة لهم والقدح في عدالتهم لا يجتمع.
# ولأن هذا لو كان سببا مانعا من قبول شهادة العدل، لكانت فاطمة وعلي
# PageV00P338
# والحسنان عليهم السلام أعلم به من أبي بكر، فكانت لا تعرضهم للشهادة ولا
~~يتعرضون لها، لعلهم بأنها لا تقبل، لأن ذلك فسق وسوء تدبير وسفه مأمون منهم
~~بإجماع، وغير مأمون من الرجل، وكان به أحق.
# وبهذا تسقط شبهة من قدح في شهادة الحسنين عليهما السلام بالصبا، لأن ذلك
~~لو كان مانعا من قبول شهادتهما لكان علي عليه السلام به أعلم من أبي بكر،
~~وكان لا يعرضهما للشهادة، ولكان رد شهادتهما لذلك أولى من ردها بالبنوة،
~~ولما لم يقل ذلك أبو بكر دل على أنهما معتد بشهادتهما.
# ومنها: قبوله دعوى جابر في الحثيات (١) وعائشة وحفصة من ثياب النبي صلى
~~الله عليه وآله، وإقرارهما في ثبوته بغير بينة، مع تميز المردود دعواه
~~وشهادته في الفضل، وتبريزه عليهم في العدالة والزهد، واختصاصهم من النبي
~~صلى الله عليه وآله بمنزلة لم يشاركهم فيها أحد، وذلك يوضح عن قصده أهل هذا
~~البيت بالظلم، وإرادة الوضع منهم، والتصغير من قدرهم... (٢) بأدنى تأمل.
# ومنها: حين طالبت بفدك من جهة الإرث - إذ دفعها عنها بالنحلة - كذبه على
~~رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما
~~تركناه صدقة، ليتم له منع فاطمة عليها السلام لفدك من جهة الإرث كالنحلة،
~~والدلالة على كذبه من وجوه:
# منها: تصريح القرآن بخلافه في قوله تعالى: ﴿وورث سليمان داود﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿يرثني ويرث من آل يعقوب﴾ (4)، وإطلاق
~~الإرث ms191 مختص بانتقال الأعيان إلى الوارث فيما يصح نقله، ورفع الحظر، وصحة
~~تصرفه فيما لا يصح نقله من الحرث والرباع، فيجب حمله عليه دون ما يدعى من
~~علم وغيره، ولأن العلم والنبوة لا يورثان، لوقوف
# PageV00P339
# النبوة على ما يعلم الله سبحانه من صلاح الخلق، ويفعله من تصديق النبي
~~صلى الله عليه وآله لبيان (١) ذلك، والعلم على اكتساب العالم له، ولأن
~~الظاهر من سليمان يتناول جميع الأشياء، من قوله: (وأوتينا من كل شئ) عقيب
~~قوله: (وورث سليمان داود)، فلا وجه لتخصيصه بشئ من شئ، واشتراط ذكره له
~~عليه السلام كون الوارث مرضيا يمنع من تخصيص الميراث في الآية بالنبوة، لأن
~~النبي صلى الله عليه وآله لا يكون إلا مرضيا، وخوفه من نبي العم أيضا يمنع
~~من النبوة والعلم، لأن النبوة موقوفة على المصالح، والغرض في العلم بذله،
~~فلا وجه لخوفه إلا تعلقه بالمال.
# ومنها: قوله تعالى: ﴿للرجال نصيب مما
~~ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل
~~منه أو كثر نصيبا مفروضا﴾ (٢)، وهذا عام.
# وقوله تعالى: (ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون " (٣) وهذا
~~عام (٤) أيضا.
# وقوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم
~~للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ (٥)، وهذا عام في جميع الأولاد.
# وقوله تعالى: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى
~~ببعض في كتاب الله﴾ (6)، وهذا عام أيضا في جميع ذوي الأرحام.
# ولأن المعلوم من دينه عليه السلام ثبوت حكم التوريث بين ذوي الأنساب
~~والأسباب، وإذا كان حكم التوريث معلوما من دينه ضرورة، وقد نطق به القرآن،
~~وجب القطع على كذب المدعي لخلافه، لا سيما ولا نعلم مشاركا له في روايته.
# PageV00P340
# ودعوى إمساك الصحابة عنه لا يغني شيئا، لاحتماله للرضي وغيره على ما
~~بيناه، ولحصول الامساك منهم أيضا عن فاطمة عليها السلام وترك النكير عليها
~~في دعوى النحلة والميراث.
# ولا يجوز أن يقول جاهلهم في هذا: قد أنكر عليها أبو بكر، لأنه يقال له:
~~وقد أنكرت هي ms192 أيضا على أبي بكر، وهل من فضل؟!.
# ومنها: أن هذا الخبر لو كان صدقا لم يختص سماعه بأبي بكر، بل الوجوب في
~~حكمة النبي صلى الله عليه وآله إعلام أهل بيته به، لاختصاص فرض تبليغه
~~إليهم بهم، لكونه من فروضهم دون أبي بكر.
# ولو أعلمهم لم يطالبوا إلا عن علم منهم بتحريم المطالبة، وذلك مأمون منهم
~~بغير خلاف، ولأنه عليه السلام نص على أن عليا عليه السلام أعلم القوم،
~~وأقضاهم، وباب مدينة علمه، ومن لا يفارق الحق ولا يفارقه، وذلك يمنع من
~~جهله بحكم شرعي يعلمه أبو بكر.
# وألا يبلغه النبي صلى الله عليه وآله إليهم ولا إلى من تقوم الحجة بنقله
~~إخلال منه عليه السلام بواجب الأداء، وذلك مأمون منه باتفاق، فلم يبق إلا
~~كذب المخبر به.
# وبعد، فلو (1) سلم الحديث لم يمنع من مقصودنا من وجهين:
# أحدهما: أن إعرابه غير مضبوط، فيصح أن تكون الرواية بنصب صدقة، فتكون
~~فائدته: أن المتروك للصدقة لا يورث، بخلاف كل موص بصدقة لا يمضي منها ما
~~زاد على الثلث.
# الثاني: أنه لو ثبت ما أرادوا من نفي التوريث لكان مختصا بما يصح ذلك فيه
~~من أملاكه، وفدك خارجة عن هذا، لكونها من جملة الأنفال التي لا تملك على
~~حال، ولا يصح تصرف النبي صلى الله عليه وآله ولا من يقوم مقامه من الحجة من
~~الأئمة المستحقين للأنفال في شئ من منافعها بعد الوفاة، لاختصاص ذلك
~~بالقيام في حفظ الملة مقام
# PageV00P341
# الماضي.
# وليس لأحد أن يقول: فأبو بكر بهذه الصفة.
# لأنا نعلم ضرورة أنه لم يدعها لنفسه، وذلك يقتضي جهله بهذا الحكم، أو
~~علمه بأنه ليس من أهله، وأي الأمرين كان قدح في عدالته.
# إن قيل: فعلى أي وجه صح من فاطمة عليها السلام أن تدعي استحقاقه ما
~~بالنحلة تارة وبالميراث أخرى؟.
# قيل: للوجه (1) الذي له حل لها التصرف فيها في حياة النبي صلى الله عليه
~~وآله، (و) هو إذنه لها بذلك، وبعد وفاته إذن أمير المؤمنين عليه السلام
~~المستحق لها بنيابته في ms193 الحجة عن رسول الله صلى الله عليه وآله، ولم تتمكن
~~عليها السلام أن تطلبها من هذا الوجه المقتضي لتضليل ولي الأمر دون أمير
~~المؤمنين عليه السلام، كما لم يتمكن أمير المؤمنين عليه السلام من التصريح
~~بذلك، فعدلت إلى دعوى النحلة من رسول الله صلى الله عليه وآله، وهي صادقة،
~~لكونها منحولة منه عليه السلام.
# ولما دفعت عنها بفعل من قد اعتقد كونها ملكا للنبي عليه السلام يصح
~~ميراثه قالت: فإذا لم تعطنيها بالنحلة وكانت عندك ملكا لأبي فأنا أولى
~~الخلق بميراثه، فعدل إلى الخبر الذي لا حجة فيه على وجه، وهي عليها السلام
~~في ذلك واضحة للاحتجاج (2) عليه موضعه، وإن كان الوجه في استحقاقها ما
~~بيناه.
# على أن الرجل قد ناقض ما ادعاه على النبي صلى الله عليه وآله وحكم به على
~~فاطمة عليها السلام بإقراره الأزواج في بيوت النبي عليه السلام، والقميص في
~~يد عائشة الذي أخرجته للتأليب على عثمان، والسلاح والفرس والنعلين والقضيب
~~والبردة والعمامة والحمار والناقة العضباء والراية في يد أمير المؤمنين علي
~~بن أبي طالب عليه السلام.
# PageV00P342
# وذلك لا يعدو أحد أمرين: إما كونه كاذبا في الخبر، أو مانعا لأهل الصدقة
~~ما يستحقونه من هذه الأشياء المقرة في يد من لا يستحق الصدقة وإن استحقها
~~فهو كبعض الفقراء.
# ومما يدل على كونه ظالما بمنع فدك من استمرار تظلم فاطمة عليها السلام
~~منه، وقولها: فدونكها مزمومة مرجولة تلقاك يوم حشرك، فنعم الحاكم الله،
~~والزعيم محمد، وعندها هناك يخسر المبطلون، أفي آية يا بن أبي قحافة أن ترث
~~أباك ولا أرث أبي (1)، لقد جئت شيئا فريا.
# إلى غير ذلك من كلامها وهجرانها (2) إلى أن ماتت، وإيلافها (3) على ترك
~~كلامه، وإيصائها بدفنها ليلا، لئلا يصلي عليها.
# وتظلم أمير المؤمنين عليه السلام في أحوال التمكن من منعهم فدك، وقوله
~~المشهور: وكانت لنا فدك من جميع ما أظله الفلك، فشحت عليها نفوس قوم، وسخت
~~نفوس آخرين، ونعم الحاكم الله.
# وتظلم الأئمة من ذريتهما عليهما السلام، والأبرار من ذريتهم إلى يومنا
~~هذا. ms194
# ومنها: قتال بني حنيفة وقتلهم وسبي ذراريهم وقسمة فيئهم، مع ظهور إسلامهم
~~وإقرارهم به، وعقد الجمع والجماعات في مساجدهم، والمجاهرة بشعار الإسلام،
~~وذلك ضلال لا ريب فيه على منصف، ولا عذر بدعوى منع الزكاة، لأن الظاهر
~~إسلامهم، ومنع الزكاة غير معلوم، ولو كان معلوما لم يقتض ردة إلا بعد العلم
~~بكونه صادرا عن استحلال، لحصول الإجماع على أن مانع الزكاة وتارك الصلاة
~~محرما ليس بمرتد، ولا سبيل إلى ذلك.
# ولو كان إليه سبيل لكان مختصا بالأغنياء من العقلاء البالغين، دون
~~الفقراء
# PageV00P343
# والنساء والولدان وذوي النقص عن الكمال.
# وفي عموم الانتقام والشهادة بالردة على (ال) جميع دلالة على ظلم المنتقم
~~والراضي به وجهلهما بالأحكام وإباحته الدماء والأموال ووطئ الحرائر بغير
~~عقد واسترقاق المولودين على الفطرة والحرية لغير وجه وإسقاط الاقتصاص من
~~جاني ذلك ودرء الحد عن خالد فيما (1) أتاه من الفجور بزوجة مالك بن نويرة،
~~والاقتصاص منه بمن قتله بغير حق يقتضي كفره إن كان مستحلا، وفسقه إن كان
~~محرما.
# ومنها: نصه على عمر من غير مشاورة الصحابة، ومراغمته كثيرا منهم من ذلك،
~~وإيجابه الانقياد له وإن كرهوا، وذلك خطأ ظاهر، لأن قوله لشئ بحجة يجب
~~أتباعها باتفاق.
# ومن ذلك: تعمد الكلام في الصلاة، مع حصول الإجماع بتحريمه، مع ما يدل
~~عليه من قبيح الفعل الفارط المستدرك بالكلام في الصلاة.
# وأما الأحداث الواقعة من عمر بن الخطاب في ولايته.
# فعلى ضروب:
# منها: تفضيله عائشة وحفصة في العطاء من غير سبب يوجب ذلك لهما من سد ثغر
~~أو حماية بيضة أو عناء في الإسلام، وفيه منع لمستحق وإعطاء في غير حق.
# ومنها: حرمان آل النبي صلى الله عليه وآله ما جعله الله لهم من الخمس
~~المأخوذ في حياة النبي صلى الله عليه وآله وولاية أبي بكر، مع تحريم الصدقة
~~عليهم، وذلك غاية في القصد إلى الإضرار بهم والمبالغة في ظلمهم.
# ومنها: اقتراضه من بيت المال، وفيه استباحة التصرف في غير الملك بغير
~~إذن، لتعذر الإذن في بيت المال، لفقد العين في مستحقه، ms195 وتجويز حصول الحاجة
~~بالأمة إليه في حال لا يستطيع أداءه لفقره، أو حصول الموت دونه، حسب ما روي
~~من وفاته وعليه
# PageV00P344
# من بيت المال عشرة آلاف درهم.
# ومنها: إسقاط الحد والاقتصاص عن خالد بن الوليد بما أتاه إلى بني حنيفة،
~~بعد تقدم الإنكار منه في ولاية أبي بكر، وشهادته على خالد بالفسق، وإيلائه
~~على الانتصار منه متى يمكن، وذلك منه إخلال بواجب يقتضي فسق المخل.
# ومنها: إسقاط الحد والتعزير (عن المغيرة) بن شعبة، وجلد ثلاثة من
~~المسلمين حد المفتري بتلقينه زيادا الرجوع عن الشهادة، بقوله: ما كان الله
~~ليفضح رجلا من أمة محمد على يديك، فعلم زياد غرضه مع قلة دينه، فقال: رأيته
~~بين الشعب الأربع ورأيت نفسا عاليا، ولم أر الميل في المكحلة، فأسقط حد
~~المغيرة الذي لولا هذا التلقين لكان ثابتا من حيث علمنا وكل ناظر: أن
~~الشهود لم يحضروا من البصرة إلى المدينة ليقيموا الشهادة إلا عن يقين بما
~~يشهدون به، ولذلك سبقوا زيادا بالشهادة، علما منهم بمشاركته.
# وأما إسقاطه التعزير عنه، فقد ثبت بشهادة الأربعة مخالطة المغيرة للمرأة،
~~وهذا فعل يوجب التعزير بشاهدين، فضلا عن أربعة، ولم يفعله، ولأنه أسقط
~~التعزير عن زياد لكونه معرضا وحده لمخالطه.
# ولا عذر بأن يقال: للإمام أن يلقن ما يدرء به الحد عن المسلم سترا عليه،
~~لأن المغيرة ليس بذلك أولى من ثلاثة نفر من أفاضل المسلمين، فلو كان الغرض
~~الستر على المسلم لكان الشهود بذلك أولى، لكونهم ثلاثة والمغيرة واحدا،
~~ولهذا كان عمر يقول: ما لقيت المغيرة قط إلا خفت أن أرجم بحجارة من السماء،
~~لعلمه بأنه أسقط عنه حدا واجبا، وجلد ثلاثة بغير حق.
# ومنها: تحريمه ما يعترف بتحليله حياة النبي صلى الله عليه وآله من نكاح
~~المتعة، بقوله على المنبر: متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه
~~وآله ضلالا، وأنا محرمهما، وأنا أنهى عنهما، وأعاقب عليهما: متعة النساء
~~ومتعة الحج، فأما متعة الحج فإني أكره أن تروح الناس إلى منى شعثا غبرا
~~ويروح المتمتعون مدهنين ms196 متطيبين، وأما متعة النساء فلا يزال أحدكم يرى في
~~أهله مالا وولدا لا يعرف أباه كهذا، ورفع صبيا على يده. PageV00P345
# وهذا القول منه يدل على ثبوت تحليل المتعة - إلى أن حرصا هو - من وجوه:
# منها: أن التحريم لو كان ثابتا عن نبي الهدى عليه الصلاة والسلام لاستغنى
~~ثبوته عن تحريمه الذي لا يفيد شيئا، كاستغناء سائر المحرمات.
# ومنها: أنه صرح فيه بقوله: كانتا حلالا أنا أحرمهما، فنسب التحليل إلى
~~رسول الله صلى الله عليه وآله، وأضاف التحريم إلى نفسه، وليس إليه منه شئ.
# ومنها: أنه أطلق القول بتحريم المتعتين، وقد أجمع المسلمون ونطق القرآن
~~بمتعة الحج، وكونها عبادة في حياة النبي صلى الله عليه وآله وإلى الآن، فدل
~~ذلك على مساواة متعة النساء لها في هذا الحكم، وتخصص تحريمها بقوله في تلك
~~الحال، لخروج القول منه بتحريمهما مخرجا واحدا.
# ومنها: أنه علل تحريم كل منهما بشئ رآه عنده صلاحا، ولا يجوز تحريم
~~الحلال الشرعي ولا إسقاط العبادة بالرأي على مذهب أحد من الأمة.
# ومنها: أنها لو كانت حراما في زمنه عليه السلام لاستغنى بثبوت المفسدة في
~~المحرمات الشرعية من تعليل ظاهر الفساد، وسكوت الحاضرين ليس بشئ يعتد به،
~~لاحتماله، ولأنه لم يدل على تحريم متعة الحج، فكذلك متعة النساء.
# ومما يدل على إباحة هذا الضرب من النكاح إلى أن حرمه إجماع الأمة على
~~تحليله في زمن النبي صلى الله عليه وآله، وعدم دليل على تحريمه، وتعذر
~~إثبات أحد يعرف له مذهب في تحريمه مدة زمان النبي صلى الله عليه وآله
~~وخلافة أبي بكر وصدر من ولايته، وذلك يقتضي تخصص التحريم به، وتحريم
~~المعلوم تحليله فسق.
# ومنها: تحريمه المغالاة في المهور مع تقرير الشرع بإباحتها، ورجوعه عن
~~ذلك بقول امرأة، وقوله: كل أحد أفقه من عمر حتى النساء.
# ومنها: ابتداعه صلاة موظفة ذات صفة مخصوصة في شهر رمضان، وعقده الجماعة
~~بها، مع وقوف العبادات الشرعية فرضا ونفلا على المصالح المفتقر بيانها إلى
~~نصه تعالى، وهو مفقود فيها، فثبت أنها بدعة.
# ولأنه ms197 عليه السلام لم يجمع بهم منذ بعث وإلى أن قبض في صلاة نافلة، ولو
~~كان PageV00P346
# الجمع شائعا وفيه مصلحة لفعله أو نص عليه.
# ولأنهم قد رووا عنه عليه السلام أنه قال: أيها الناس إن الصلاة بالليل في
~~شهر رمضان نافلة جماعة بدعة، وصلاة الضحى بدعة، ألا فلا تجمعوا ليلا في شهر
~~رمضان في النافلة، ولا تصلوا الضحى، فإن قليلا من سنة خير من كثير في بدعة،
~~ألا وإن كل بدعة ضلالة سبيلها في النار.
# وقد أجمعوا أنه قال: لا عمل إلا بنية، ولا نية إلا بعمل، ولا عمل ولا نية
~~إلا بإصابة السنة.
# وقال عليه السلام: من رغب عن سنتي عند اختلاف أمتي (1).
# واتفقوا أن عمر قال: - وقد رأى الناس مجتمعين لهذه الصلاة والمصابيح تزهر
~~- إنها لبدعة، ونعمت البدعة.
# وقد نقل أصحاب السير وغيرهم: أن أهل الكوفة سألوا عليها عليا عليه السلام
~~أن ينصب لهم إماما لصلاة التراويح، فنهاهم عنها وعرفهم أنها بدعة وخلاف
~~السنة، فنصبوا لهم إماما بغير أمره واجتمعوا لها، فأنفذ الحسين عليه السلام
~~ومعه الدرة، فلما رأوه وقد دخل المسجد ومعه الدرة تبادروا الباب وصاحوا:
~~واعمراه.
# وإذا ثبت نهي النبي (2) صلى الله عليه وآله عن هذه الصلاة، ووصفها
~~بالبدعة، ووصفها... (3) وصيه عليه السلام بذلك، مع اتفاق الأمة على وصف
~~النبي صلى الله عليه وآله كل بدعة بالضلال، ثبت منعها وضلال الآمر بها.
# ولا يمكنهم الامتناع من موجب هذه الروايات، لأن فيها معلوما يجب العمل به
~~باتفاق، ومظنونا يجب عليهم العمل به كسائر أخبار الآحاد.
# ولا ينجي من ذلك قولهم: إنها عبادات ذات أفعال وأذكار وأحكام تقرر الشرع
# PageV00P347
# بحسنها.
# لأن الصلاة الشرعية ليست ذات القراءة والركوع والسجود والتسبيح فقط،
~~وإنما تكون كذلك إذا وقعت على الوجه المشروع، بدليل قبح صلاة الظهر قبل
~~الزوال، أو إلى غير القبلة، أو مع إخلال بعض الشروط والأحكام، أر مع
~~تكاملها لغير الوجه المشروع، وقبح النافلة في وقت الفريضة المضيق.
# وإذا لم تكن التراويح مشروعة، خرجت من قبل العبادات إلى حيز البدع وإن ms198
~~كانت ذات أفعال مخصوصة مثلها تكون عبادة إذا وقعت على الوجه المأمور به.
# ومنها: وضعه (1) على الخراج أرضيهم، مع ثبوت النص من النبي صلى الله عليه
~~وآله والعمل بخلاف ذلك، وهذا نسخ لما شرعه، ونسخ شرعه المؤبد ضلال.
# ومنها: نقله مقام إبراهيم عليه السلام من الموضع الذي نقله النبي صلى
~~الله عليه وآله إليه، ورده إلى حيث كان في الجاهلية، وهذا كالذي قبله.
# ومنها: أخذه الأموال من عمال البلاد بالتهمة التي لا إقرار بها ولا بينة
~~ولا علم، ولا إقرارهم على الأعمال فيما بعد.
# ومنها: إقدامه على ضرب كثير... (2) كثرة من المسلمين وأهل الذمة بالدرة،
~~ومن غير ذنب، كأبي هريرة وغيره، وذلك ظلم، لكونه ضررا خالصا.
# ومنها: تقليده معاوية رقاب المسلمين وأموالهم، مع ظهور حاله وتهمته على
~~الدين وأهله، وإقراره على الولاية مع استبداده بالأموال، واتخاذ أعداء
~~الإسلام بطانة، والسيرة بخلاف السنة.
# ومنها: شويرة (3) الشورى، ورد أمر الإمامة إلى ستة نفر: علي، وطلحة،
~~والزبير، وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد، وقوله فيهم: هؤلاء أفضل أمة
~~محمد،
# PageV00P348
# وسمعت النبي صلى الله عليه وآله يشهد لهم بالجنة، وقبض وهو عنهم راض، وكل
~~يصلح لهذا الأمر، ولا يصلح له سواهم، فليختاروا رجلا منهم، فإذا رضوا به
~~فهو الإمام، ثم قال: فإن بايع رجلان لرجل ورجلان لرجل، وفي رواية أخرى: فإن
~~رضي رجلان برجل ورجلان برجل، فالحق في الفرقة التي فيها عبد الرحمن،
~~واقتلوا الثلاثة الأخر، وإن اتفق الخمسة وخالف واحد فاقتلوه، وإن اتفق
~~أربعة وخالف اثنان فاقتلوهما، (فإن) مضت عليهم ثلاث فلم يبرموا أمرهم
~~فاضربوا أعناقهم، ومن طريق آخر: فاهدموا عليهم البيت، ووكل بهم صهيبا
~~الرومي ومعه الرجال بالسلاح لإنفاذ أمره.
# فقيل له: ما يمنعك من علي؟ وفي رواية أخرى: ما يمنعك من واحد منهم؟ فقال:
# أكره أن أتحملها حيا وميتا، فقال له المغيرة بن شعبة: فما يمنعك من ابنك
~~عبد الله؟ فقال له:
# ويلك والله ما أردت الله بذلك، كيف أستخلف رجلا لم يحسن أن يطلق امرأته!
~~فقيل له:
# فألا أدخلت فيهم ms199 العباس؟ فقال: العباس طليق، وهذا أمر لا يصلح لطليق.
# ومن طريق آخر: أنه قيل له: ما يمنعك (1) من واحد منهم، فقال: من؟ قيل:
~~علي في قرابته (وسابقته) (2) وصهره وبلائه (3)، فقال: فيه بطالة وفكاهة
~~(4)، ومن طريق آخر: فيه دعابة، ومن آخر: أنهم إن ولوها الأصلع (5) سلك بهم
~~الطريق، ومن آخر:
# و (أ) ما أنت يا علي فوالله لو وزن إيمانك بإيمان أهل الأرض ليرجحهم،
~~فقام علي موليا، فقال عمر: والله إني لأعلم لكم مكان رجل لو وليتموها إياه
~~لحملكم على المحجة البيضاء، قالوا: من هو؟ قال: هذا المولي من بينكم،
~~قالوا: فما يمنعك من ذلك؟ قال: ليس إلى ذلك سبيل.
# قيل: فأين أنت عن طلحة؟ قال: فابن الزهو والنخوة، ومن طريق آخر: طلحة
# PageV00P349
# رجل متكبر، أنف في الأرض وأنف في السماء، وهذا أمر لا يصلح لمتكبر، ومن
~~آخر:
# وأما أنت يا طلحة أفلست القائل إن قبض النبي صلى الله عليه وآله لننكحن
~~أزواجه من بعده فما جعل الله محمدا بأحق ببنات عمنا منا، فأنزل الله فيك:
~~﴿وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا
~~أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا﴾ (1) الآية؟
# قيل: فأين أنت عن الزبير؟ فقال: وعقة لقس مؤمن الرضى كافر الغضب شحيح،
~~ومن طريق آخر: وأما أنت يا زبير فوالله ما لأن قلبك يوما ولا ليلة، وما زلت
~~جلفا جافيا.
# قيل: فأين أنت عن عبد الرحمن؟ قال: هو رجل على ضعف، وهذا أمر لا يصلح
~~لضعيف، ومن طريق آخر: وأما أنت يا عبد الرحمن فإنك رجل تحب قومك.
# قيل: فأين أنت عن عثمان؟ قال: لو وليها لحمل بني أبي معيط على رقاب
~~المسلمين، ولو فعلها لقتلوه، ومن طريق آخر: وأما أنت يا عثمان فوالله لروثة
~~خير منك.
# قيل: فما يمنعك من سعد؟ قال: صاحب مقنب وقتال لا يقوم بقرية لو ولي
~~أمرها، ومن طريق آخر: إنه صاحب صيد وقنص، وهذا أمر لا يصلح لصاحب صيد.
# ثم قال: إن هذا الأمر لا يصلح له إلا ms200 القوي في غير عنف، رقيق في غير ضعف،
~~جواد في غير سرف، والله لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا ما تخالجني فيه
~~الشكوك، أو:
# لم يخالجني فيه شك، وفي بعض الروايات: لو كان أبو عبيدة حيا لوليته.
# ورد أمر الصلاة إلى صهيب، وقبض، فاجتمعوا للاختيار، ولم يكن سعد حاضرا في
~~رواية، فقال عبد الرحمن؟ أنا عديل الغائب، فأيكم يهب سهمه فيختار؟ فأمسكوا،
~~فقال: أنا أهب سهمي في الإمامة على أن أختار من شئت، فأمسكوا، فقال: لا بد
~~من أحد الأمرين، وعضد الحاضرون قوله، فأجاب القوم إلى رد الأمر إليه، وأمسك
~~أمير المؤمنين عليه السلام، فقال: - والناس معه - ما لك يا أبا الحسن، إما
~~أن تسقط حقك من الإمامة وتختار من شئت، أو ترضى بما رضي به أصحابك، فلم يجد
~~بدا من الرضى، فاستظهر
# PageV00P350
# على عبد الرحمن بأخذ الميثاق لتحكمن بالكتاب والسنة، فبدأ به، فقال: أمدد
~~يدك أبايعك على أن تسير فينا بسيرة أبي بكر وعمر، فقال عليه السلام: أبايعك
~~- وفي الرواية الأخرى: آخذها - على أن أسير فيكم بكتاب الله وسنة نبيه، فرد
~~يده وأتى عثمان، فقال له مثل قوله لعلي عليه السلام، فأجابه إليه، فبايعه،
~~وأخذ الحاضرين بالبيعة له فبايعوه، وامتنع علي عليه السلام، فقال له عبد
~~الرحمن: بايع وإلا ضربت عنقك، في تاريخ البلاذري وغيره.
# ومن طريق آخر: أن عليا عليه السلام خرج مغضبا، فلحقه أصحاب الشورى،
~~فقالوا له: بايع وإلا جاهدناك، فقال له: يا عبد الرحمن خئونة (1) خنت دهرا،
~~ومن طرق أخر عن الطبري وغيره: نصعت الخئونة (2) يا بن عوف، ليس هذا أول يوم
~~تظاهر تم علينا فيه، فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون، والله ما وليت
~~عثمان إلا ليرد الأمر إليك، والله كل يوم في شأن، فقال له عبد الرحمن: لا
~~تجعل على نفسك سبيلا، إني قد نظرت وشاورت الناس، فإذا هم لا يعدلون بعثمان.
# وروى الطبري: أن الناس لما بايعوا عثمان تلكأ علي عليه السلام، فقال له
~~عبد الرحمن: فمن ينكث فإنما ينكث على ms201 نفسه، فرجع علي عليه السلام فبايع.
# ومن غير طريق الطبري: أن عبد الرحمن قال لعلي عليه السلام: قد قلت ذلك
~~لعمر، فقال له عليه السلام: أو لم يكن ذلك كما قلت.
# فلما يئس علي من رجوعهم إلى الحق خطبهم، فذكر مناقبه وذرائعه إلى الإمامة
~~والنص عليها في مقام (3) بعد آخر، يقررهم على كل فضيلة ونص ويناشدهم الله
~~تعالى، فيقرون.
# هذه صورة الشورى، قد ذكرناها جمل ما يحتاج إليه.
# PageV00P351
# والطعن على عاقدها من وجوه:
# منها: أنه مخالف بذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله على مذهبي القائلين
~~بالنص والاختيار ولمن نص عليه ولجميع الأمة، وذلك ضلال بغير شبهة.
# فأما مخالفته لرسول الله صلى الله عليه وآله، فلأن الشيعة تقول: إنه عليه
~~السلام نص على رجل بعينه حسب ما دللنا عليه، ومن خالفها يدعي أنه عليه
~~السلام لم ينص على أحد، وترك أمر الإمامة إلى الأمة بأسرها لتختار من شاءت،
~~والشورى بخلاف الأمرين بغير شبهة.
# وأما مخالفته لأبي بكر، فلأنه نعن عليه بالخلافة شاءت الأمة أم أبت،
~~وليست الشورى كذلك.
# وأما مخالفته لسائر فرق الأمة، فلا شبهة في مخالفته بالشورى للقائلين
~~بالنص والدعوة والميراث، والاختيار عند القائلين به عقده مردود إلى جميع
~~العلماء، وتسليم العامة في قصير الزمان أو طويله، ولا أحد منهم يجيز عقدها
~~ببعض العلماء، ولا تخص بولايته واحدا من واحد، ولا إماما من مأموم، ولا
~~يعين مقدار زمانه، والشورى بخلاف ذلك.
# هذا كله لأنها مقصورة على اقتراح عمر دون سائر الأمة، مع كونه واحدا
~~منها، ولم يجعل الله له ذلك دونها على رأي أحد، ومقصورة على نفر من الأمة
~~تخيرهم برأيه معدودين لا تجوز الزيادة عنده فيهم، ولا أمارة على ثبوت
~~الإمامة باختيارهم فضلا عن دليل، ومنحجز عليهم في الاجتهاد، وترجيح فرقة
~~ابن عوف على الأخرى وتضيق زمان الاختيار، مع إجماع الأمة على أنه لا يحجز
~~في رأي مجتهد ولا تعيين لمدة زمانه، ولا دليل على قبول رأي مجتهد دون
~~مجتهد.
# ومنها: شهادته للقوم بالجنة والرضوان من رسول الله ms202 صلى الله عليه وآله،
~~وصلاح كل منهم للإمامة دون سائر الصحابة، ثم نقض ما أبرم، وأكذب ما أخبر من
~~وجوه:
# أولها: وصفه كلا منهم بصفة تمنع من صلاحه للإمامة، هذا بالدعابة، وهذا
~~PageV00P352
# بالبخل، وهذا بالكبر، وهذا بالصيد واللعب، وهذا بمحبة أعداء الدين، وهذا
~~بالضعف، وهذا تفصيل يقتضي نقض تلك الجملة بغير شبهة، مع وضوح برهان الكذب
~~في أحد الخبرين، وكونه معذورا إن كان صادقا في التفصيل بتعريض من لا يصلح
~~للإمامة للاختيار لما، إذ لا فرق بين أن يقتدها من لا يصلح لها وبين أن
~~يعرضه لها.
# ومنها: أنه شهد لعبد الرحمن بالضعف، وجعله عيارا على القوم، ومن كان
~~ضعيفا في دينه أو رأيه - إذ ضعف الحال معلوم خلافه - لا يجوز أن يجعل عيارا
~~على الأمة.
# وثالثها: أنه لم يصف أحدا من القوم - برواية أحد - إذ وصف به عليا عليه
~~السلام:
# من قوة الإيمان، والبصيرة بالأمر، وسلوكه بمن تبعه المحجة البيضاء، فكان
~~ينبغي أن لا يعدل به عن الأمر، لشكه بل قطعه في كل منهم بخلاف ذلك، أو
~~بجعله على أقل الأحوال عيارا عليهم، ولا يجعل من شهد له بالضعف في الرأي
~~والدين بمطلق القول عيارا عليه، ويعرض بقتله من أول قوله إلى آخره، لأنه
~~المظنون خلافه من دون الجماعة، ليقدم النص عليه، ومن لم يزل يسمع منه من
~~التظلم التقدم عليه والترشح للأمر دونه ما لم يسمع من غيره، بقوله: وإن
~~خالف واحد فاقتلوه بعينه، ثم ظن مشاركة الزبير له لكونه ابن عمته ولما كان
~~من التحيز إليه يوم السقيفة والغضب له وتجريد السيف واستمراره على ولايته،
~~فقال: وإن اتفق اثنان وأربعة فاقتلوا الاثنين، ثم ظن مشاركة طلحة للزبير في
~~الرأي (لما) بينهما من الأخوة، فقال: فإن بايع رجلان لرجل ورجلان لرجل
~~فكونوا مع الثلاثة الذين فيهم عبد الرحمن واقتلوا الثلاثة الأخر، ظنا منه
~~أن عبد الرحمن لا يفارق عثمان، للصهر الذي بينهما - عبد الرحمن زوج أم
~~كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وأمها أم أروى أم عثمان، فهي ms203 أخته لأمه - وسعد
~~ابن عم (1) عبد الرحمن، فأولئك الثلاثة حزب، وهؤلاء حزب، فبين الأمر من
~~أوله إلى آخره على قتل علي عليه السلام.
# ولم يخف ذلك عليه عليه السلام، لأنه قال لابن عباس: إن القوم قد عادوكم
~~بعد نبيكم لعداوتهم له في حياته، ألا ترى إلى قول عمر: إن يبايع اثنان
~~لواحد واثنان لواحد
# PageV00P353
# فالحق حق عبد الرحمن واقتلوا الثلاثة الأخر، أما والله ما أراد غيري،
~~لأنه علم أن الزبير لا يكون إلا في حيزي، وطلحة لا يفارق الزبير، فلم يبال
~~إذا قتلني والزبير أن يقتل طلحة، أما والله لئن عاش عمره لأعرفنه سوء رأيه
~~فينا قديما وحديثا، ولئن مات ليجمعني وإياه يوم يكون فصل الخطاب.
# ورابعها: أنه عرض للأمر من يظن به الفساد في الدين من تقديمه أعداءه من
~~آل أبي معيط على رقاب المسلمين.
# وخامسا: أمره بقتل الستة تارة، وبقتل اثنين أخرى، وبقتل ثلاثة أخرى،
~~وبقتل الجميع إن لم يبرموا أمرهم إلى ثلاث من غير حدث، وهذا عظيم، لكونه
~~نصا على قتل أهل الجنة والأفاضل (من) الصحابة من غير حدث، إذ لا يجوز على
~~رأي أحد قتل المخالف فيما طريقه الاجتهاد، ولا يسوغ في الشريعة استحلال دم
~~من لم يصح اجتهاده في ثلاث، ولا يقوم برهان على كون الحق في اجتهاد عبد
~~الرحمن دون علي عليه السلام المقول فيه: علي مع الحق والحق مع علي يدور معه
~~حيث ما دار، ولا يجوز عند أحد من المجتهدين رجوع العالم إلى مثله، ولا ترك
~~اجتهاده له، ولا يمكن أحدا إقامة برهان على أن إصابة عبد الرحمن الحق
~~باجتهاده دون من خالفه مع فساد ذلك يقتضي استحلال دم المقطوع له بالثواب،
~~إذ كان القطع بثوابه مانعا من استحقاقه العقاب الذي قتل قسط منه (1) لو كان
~~الاجتهاد مسوغا ذلك، فكيف والمعلوم خلافه.
# وبعد، فإذا قتل الستة الذين هم عنده الصالحون للإمامة دون سائر الصحابة،
~~من يرى يقوم بأمر الأمة؟ أوليس هذا منه نقضا للاختيار وفساد الإمامة، أو
~~إيجاب ذلك لغير أهله رأي ms204 مصيب لمن يأمر بقتل رؤساء القبائل وأعلامها؟
# أولا يعلم أو يظن أن الإقدام على قتل علي عليه السلام وهو سيد بني هاشم
~~ومن له في الإسلام ما ليس لغيره من المآثر، وعثمان وهو سيد بني أمية، وطلحة
~~وهو سيد بني تيم، والزبير وهو سيد بني أسد، وسعد وعبد الرحمن وما سيدا بني
~~زهرة - صبرا على
# PageV00P354
# رؤوس الأشهاد من غير استحقاق - فتح لباب فتنة صماء وطخية عمياء، لا يرجى
~~صلاحها ولا يؤمل فلاحها؟!
# وكيف لا يظن ذلك من وصف عثمان بما آل أمره إليه؟ وكيف لم يصرفه عن الأمر
~~مع ما فيه من عظيم الوزر ما صرفه عن ولاية عثمان من الخوف لتقديم آل أبي
~~معيط؟ وأي شبه بين تقديم رئيس على رئيس وبين قتل الرؤساء بغير استحقاق من
~~المبالغة في الفساد؟!
# أوليس هذا من أوضح برهان على سوء رأيه في أمة محمد صلى الله عليه وآله،
~~وقبح نظره لهم، وقصده إلى فساد أمرهم؟!
# فأي عدالة تكون مع هذه الحال، بل أي إسلام عند متأمل لها؟!
# ومنها: وصفه لأمير المؤمنين بالفكاهة والبطالة، وهذه حال الخليع،
~~المتهالك في المجون، البعيد عن الرصانة والوقار، المعلوم ضرورة من حاله ضد
~~ذلك من الهيبة والوقار... (1) والحلم، ويكفي في ظهور كذبه فيما وصف به عليا
~~عليه السلام أنه لا يمكن أحدا من الخلق أن يضيف شيئا واحدا يدل على فكاهته
~~وخلاعته، بل لم يزل الخلق يعتذرون المعدول عنه بتشدده في الحق، وحمله
~~القريب والبعيد والولي والعدو على موجبه، إلا أن يريد بذلك حسن الخلق
~~والبشر بأهل الإيمان، المنافي لفظاظته (2) وغلظته على المؤمنين، فيكون ذلك
~~عائدا بالقدح على رسول الله صلى الله عليه وآله الموصوف به في القرآن،
~~والمعلوم من حاله بظاهر الأفعال والمتفرد (3) من دينه عليه السلام، فيؤول
~~الحال إلى قبيح من الأول.
# ومنها: وصفه لعبد الرحمن بالضعف، وجعله عيارا على الأمة، ومعلوم أنه لم
~~يرد بضعفه الفقر، لحصول العلم بسعة حاله، ولا ضعف الجسم، لأنه لا يمنع ضعف
~~الجسم إذا
# PageV00P355
# صح الرأي والدين وقوة القلب ms205 في الحرب من تولي الأمر، فلم يبق إلا ضعفه في
~~الرأي والدين، ومن كان كذلك لا يجوز لمن عرفه أن يجعله عيارا على الأمة
~~كافة، ويأتمنه على أمرها، ويوجب الانقياد له، وإن أبي ذلك آب قيل:.... (1)
~~بصواب الرأي وعصمة الدين.
# ومنها: إخراجه العباس رضي الله عنه، مع عظم قدره في الإسلام، وحسن رأيه
~~فيه في جميع الأحوال، وتخصيصه بقربى النبي صلى الله عليه وآله، وتعظيم
~~النبي صلى الله عليه وآله له، وتكامل ما يعتبرونه من الشروط في الإمامة له،
~~وتقديم النبي صلى الله عليه وآله له على جميع أصحاب الشورى، عدا علي عليه
~~السلام.
# وأي أمر يصلح له طلحة مع حمقه وكبره، والزبير مع بخله، وعبد الرحمن مع
~~ضعفه، وعثمان مع سوء رأيه، وسعد مع فكاهته، لا يصلح له العباس؟!
# واعتذاره ابنه مع زهده وعلمه، وإنكاره على المشير عليه به، واعتذاره
~~بجهله بحكم الطلاق، إذ ذاك يقدح في إمامته (2)، لحصول العلم بجهله بكثير من
~~الأحكام الراجع فيها إلى علي تارة وإلى معاذ أخرى وإلى غيرها من الصحابة.
# والذي يزعم أن طلحة أو الزبير أو واحدا من الخمسة الذين يخيرهم أفقه من
~~عبد الله، ومعظم ما يرويه الفقهاء عنه، ولا رواية بشئ من الفقه عن بعض
~~القوم، وإن روي فيسير من كثير مما روي عن عبد الله، بل لم يرو عنه نفسه بعض
~~ما روى عن ابنه، فإن كان لا يصلح للإمامة لجهله فأبوه بذلك أولى، لكونه
~~أعلم منه، بدليل تضاعف المحفوظ عنه من الأحكام ما روي عن أبيه، وقوله
~~معتذرا لإخراجه من الأمر.... واحد منهم بالخلائق، إشعار منه.... (3) إذ لو
~~كانت الخلافة دينا، والسيرة عادلة، لكان الواجب المثابرة عليها، وحث الحميم
~~على المشاركة فيها وإن شق ذلك، إذ كان الحازم في الدين لا يتملص من الحق،
~~ولا يرغب بنفسه ولا خاصته عما به يتم الثواب إن شق بحمله
# PageV00P356
# وعظمت مؤنته، وفي تملصه من هذا الأمر ورغبته بولده عنه، كاشف عن بصيرته
~~بسوء عاقبته وقبح منقلبه، أو رغبته عن الحق وزهده ms206 فيما يستحق به الثواب،
~~وكل منهما قبيح.
# ومنها: قوله إني أكره أن أتحملها حيا وميتا، لأنه بما فعله في الشورى
~~متحمل لها في حياته وبعد وفاته، إذ لا فرق بين أن ينص على واحد بعينه، وبين
~~ما فعله من حصر الأمر في ستة نفر معيرا عليهم عبد الرحمن، منحجرا عليهم في
~~اجتهادهم، إذ لو كان صادقا في كراهية تحميلها لأزجى الأمر على الأمة كلها.
# ومنها: تخيره للشورى من يعلم هو وكل حاضر وغائب ومتجدد في الأزمنة كون
~~غيره أسبق إلى الإسلام، وأفضل هجرة، وأعلم بصيرة، وأحسن بلاء في الإسلام،
~~وأعلم بالأحكام، وأعرف بالسياسة، وآمن على الأمة ومن لم يعاب قط في شئ، ولا
~~قدح عليه بشئ، كفضلاء بني هاشم، وذوي - السوابق والهجرة من قريش وغيرهم،
~~وعظماء الأنصار المشهود لهم بصواب الرأي وحسن المآل.
# في كونهم (1) مقدوحا في أنسابهم وبواطنهم، وتهمتهم على الإسلام وأهله.
# (بيان حال عثمان وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن) لتناصر الخبر من طريق
~~(2) الشيعة وأصحاب الحديث بأن عثمان وطلحة والزبير وسعدا وعبد الرحمن من
~~جملة (3) أصحاب العقبة، نفروا (4) برسول الله صلى الله عليه وآله.
# وأن عثمان وطلحة القائلان: أينكح محمد نساءنا ولا ننكح نساءه؟! والله لو
~~قد مات لأجلنا على نسائه السهام!!
# وقول طلحة: لا تزوجن أم سلمة، فأنزل الله سبحانه: (وما كان لكم أن تؤذوا
# PageV00P357
# رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا) (١).
# وقول عثمان يوم أحد: لألحقن بالشام، فإن لي بها صديقا يهوديا.
# وقول طلحة: لألحقن بالشام فإن لي بها صديقا نصرانيا، فأنزل الله تعالى:
~~﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود
~~والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض﴾ (2) الآية.
# وقول عثمان لطلحة وقد تنازعا: والله إنك أول أصحاب محمد تزوج يهودية (3)،
~~فقال طلحة: وأنت والله لقد قلت ما يحبسنا هاهنا ألا نلحق بقومنا.
# وقد روي من طريق موثوق به ما يصحح قول عثمان لطلحة، فروي أن طلحة عشق
~~يهودية فخطبها ليتزوجها، فأبت إلا أن يتهود، ففعل.
# وفيه قال الشاعر، شعر:
# يهودية ms207 قالت وأومت بكفها حرام عليك الدهر حتى تهودا وقدحوا في نسبه: بأن
~~أباه عبيد الله كان عبدا راعيا بالبلقاء، فلحق بمكة، فادعاه عثمان بن عمرو
~~بن كعب التميمي (4)، فنكح الصعبة بنت دزمهر الفارسي، وكان بعث به إلى
~~اليمن، فكان بحضر موت خرازا.
# وفيه يقول حسان بن ثابت، شعر:
# ألم تر أن طلحة في قريش به من الغطارفة العظام وكان أبوه بالبلقاء عبدا
~~في يده الشوك في جنح الظلام هو العبد الذي جلب ابن سعد وعثمان من (ال) بلد
~~الشآم وقول الآخر، شعر؟
# بني دزمهر والدعي أبوهم رجيع (5) قد ألصقت بالأكارع
# PageV00P358
# بني... في أبوكم... في الوادي يفتق الضفادع وأنتم ببيع اللحم أحدق منكم
~~بقرع الكاة بالسيوف القواطع وأما الزبير فكان أبوه ملاحا بجدة، وكان جميلا،
~~فادعاه خويلد، وزوجه عبد المطلب صفية.
# ورووا أن أسين بن زيد بن الحسن كان واليا على المدينة من قبل المنصور،
~~فعزل وأقيم للناس رجاء أن يطلع عليه بجرم يعذر قي عزله، فلم يوجد له ذنب،
~~فلما كان في اليوم الثالث دسوا عليه رجلا من ولد الزبير، فضربه بنعل في يده
~~وقال: أنت الذي صنعت بي وصنعت، فقال له الحسني: ثكلتك أمك ومن أنت؟ قال:
~~أنا من لا ينكر ولا يجهل، أنا فلان بن فلان بن الزبير بن العوام، قال: نعم
~~يا بن الملاح هكذا ينبغي أن تكون، إن أحببت أن أدلك على سفن أبيك فعلت،
~~فإنه كان ملاحا من أهل جدة وسفنه بها، قال الزبيري: يا معشر المسلمين
~~اشهدوا على ما يقول لي وقد ولدتني صفية، قال: هي أدنتك من الظل، ولولاها
~~لأضحيت في الشمس.
# وأما سعد، فقد رووا عنه عليه السلام أنه قال: اتقوا دعوة سعد، يعني على
~~الضلال.
# وثبت أن عليا عليه السلام خطب الناس في خلافته فقال: سلوني قبل أن
~~تفقدوني، فوالله لا تسألوني عن فئة تضل مائة وتهدي مائة إلا أخبرتكم
~~بسائقها وقائدها وناعقها، فقال له سعد بن مالك: أخبرني كم في رأسي ولحيتي
~~طاقة من شعر؟
# قال: قد أعلمني خليلي أنك ms208 تسألني عن هذا، أخبرك أن على كل طاقة شعر في
~~رأسك ملك يلعنك، وعلى كل طاقة شعر في لحيتك شيطان يقرك، وأن في بيتك لسخلا
~~يقتل ابن رسول الله الحسين صلوات الله عليهما.
# قال: وإن عمر بن سعد صبي يدرج.
# وقد قدحوا في نسبه بأن السلافة بنت مالك العذري قدمت مكة ومعها ابن لها
~~صغير يدعى مالك بن غراب من بني عذرة، فنزلوا على وهب بن عبد مناف بن زهرة
~~بن كلاب، فنكح وهب السلافة، فولدت غلاما سماه مالكا، فمات الغلام، فوثب وهب
~~بن عبد مناف - وقيل: هو وهيب - فأخذ ولد السلافة من غراب العذري، فادعاه
~~وخاصم PageV00P359
# فيه العذريين.
# وفي أبي وقاص مالك بن غراب العذري الملصق إلى وهيب بن عبد مناف يقول
~~ضرار:
# أمسى يناقرني لئيم واضع عند المراغة مالك بن غراب فافخر بعذرة إن فخرت
~~فإنهم ولدوك واترك زهرة بن كلاب فإذا ظلمت فصخ فإنك منهم يا آل عذرة عندكل
~~خطاب وأم سعد بن مالك أبي وقاص حمية ابنة سفيان بن أمية بن عبد شمس، وقال:
~~إنها ملصقة النسب بسفيان.
# وأم حمية سمية أمة أبي السرح... (1).
# وأما عبد الرحمن بن عوف، فأم عوف منبعة أمة خزاعية يقال فيها شر، وهي أم
~~العيداق، يقال: إنها أمة عبد المطلب بن هاشم، ويقال: إنها أمة وحشية لبني
~~كعب آجراها.... (2)، وهما عبدان لبني كعب، قطعت يد أحدهما في سرقة.
# وهذه قدوح في أنسابهم إن كانت سلومة منعت على كل حال من تأهيلهم للإمامة،
~~وإن كانت مظنونة فكذلك أيضا، لدخول الظن في هذا الباب كالعلم.
# ولو لم يقدح فيهم إلا بما وصفهم به عمر لكفى في وجوب الرغبة عنهم إلى من
~~لا طعن عليه بشئ، فكيف بما ذكرناه من حالهم المعلومة أو المظنونة.
# هذا مع ظهور فسقهم وتهالكهم في رغبة الدنيا وإطراح الآخرة على رأي
~~الفريقين، بحصرهم عثمان ومن معه من النساء والولدان والبهائم، ومنعهم جميعا
~~الماء، وقتلهم لعثمان بعد ذلك، وطرحه جيفة لا يتمكن أحد من أوليائه أن
~~يدفنه، ونكثهم بيعة علي ms209 عليه السلام.
# إلى غير ذلك من الأحداث التي لا يتمكن أحد من إضافة شئ منها إلى أحد من
# PageV00P360
# بني هاشم وغيرهم من أعيان المهاجرين من قريش وغيرهم وذوي البصائر من
~~الأنصار.
# (بيان حال عائشة وأصحاب الجمل) وهذا من أوضح عندها وعند أعوانها على
~~الانتصار له (1).
# ولو صح خطأ القاتل لم يكن من الطلب بثأره في شئ، لبعد ما بينهما من
~~النسب.
# ولو كانت من أولياء الدم لكانت من ذلك بمعزل، لكونها امرأة من دونها
~~رجال، فهم أولى بعثمان.
# ولو صحت ولايتها في المطالبة لوجب اختصاصها بالتظلم إلى إمام المسلمين
~~وحاكمهم ومن لا يتهم بميل إلى باطل ولا إيثار لهوى، ومن لم تزل تصفه من ذلك
~~بما لم تصف أحدا، وابتداؤها بالحرب ليس من التحاكم في شئ.
# ولو كانت الحرب سائغة لكانت من فروض الرجال دونها بغير خلاف.
# ولو كانت الحرب من فروض النساء لكانت خارجة عن ذلك بنص التنزيل الموجب
~~عليها لزوم البيت وإطالة الحجاب.
# ولو كانت الحرب من فروضها لوجب قصرها على القتلة والأعوان على القتل
~~الذين منهم طلحة والزبير، دون إمام المسلمين الملازم بيته ومن في حيزه من
~~المهاجرين والأنصار الذين لم يقتلوا عثمان ولا رضوا بقتله عند كافة الخصوم
~~من أوليائها إلى... (2).
# هذا، ولو كان قتال القوم سائغا لقتلهم عثمان ورضاهم بذلك وولايتهم قتلته
~~لوجب عليها أن تخصهم بالحرب والجهاد، دون أهل البصرة الذين (لم) يشعروا بشئ
~~من ذلك ولا شركوا فيه بقول ولا فعل عند أحد من الخصوم.
# فعلى أي وجه ساع ذلك؟
# PageV00P361
# وبأي دليل طلبت بيعتهم؟
# وبأي شريعة ساغ لها مطالبة الناس بنكث بيعة أمير المؤمنين عليه السلام
~~وقتال الممتنع من ذلك؟
# وبأي برهان استحلت دم من قتل منهم من صلحاء المسلمين من غير حدث يوجب
~~القتل؟
# وبأي حجة حل لها الغدر بعثمان بن حنيف ومن معه من الأنصار والتنكيل به
~~وقتلهم؟
# وعلى أي مذهب ساغ لها فتح باب بيت مال المسلمين والتعرف فيه بغير إذن من
~~الصحابة أهل العقد والحل عندها وعند شيعتها وأفاضل ms210 التابعين؟
# ومالها لم ترتدع لتنابح كلاب الحوأب مع تقدم التحذير لها من رسول الله
~~صلى الله عليه وآله بذلك، وإخبارها بكونها ظالمة في مسيرها؟!.
# وبأي علة ساغ لها تفريق أموال المسلمين في المعونة على الفتنة فيهم؟
# ومن أي وجه حل لها إظهار السلاح في دار الأمن؟
# وما المانع لما إن كانت طالبة بالثأر من الرجوع إلى دعاء أمير المؤمنين
~~عليه السلام إلى التحاكم إليه مع علمها بعدله وبعده عن الظلم؟
# وما الصارف لا - إن كانت حضرت للإصلاح بين المسلمين على ما يهدي به
~~أولياؤها - عن الرجوع إلى دعوة أمير المؤمنين عليه السلام لها إلى الكتاب
~~والسنة؟
# وما الصارف لما عن الرجوع إلى وعظه وتخويفه من خلاف الكتاب والسنة وما
~~يتم ذلك من فساد أمر الأمة وسوء القضاء وإثارة الفتنة؟
# ومالها لم تذكر الحجة في خروجها، والعذر في هتك حجابها، والوجه في
~~قتالها، وجميع الأعذار للفتنة؟
# وما لها لم تستثر من طلحة والزبير وهما من جملة القتلة بلا خلاف؟
# وعلى أي وجه استحلت قتل حامل المصحف داعيا إلى ما فيه؟
# وبأي دليل عقلي أو شرعي بدأت بحرب إمام الملة ومن في حيزه من ذوي
~~PageV00P362
# السوابق والأبصار وأنصار الحق مع رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل بدر
~~وحنين والمفروغ إلى إبرامهم ونقضهم عندها وعند أوليائها، مع دعائهم إلى
~~الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام وما شرعاه، وإمساكهم عن القتال
~~إيجابا للحجة عليها؟
# وبأي وجه استحلت دماءهم؟
# وما الحامل لها تعريض أنصارها المقرين لها للقتل بمن يدعوها إلى المسالمة
~~والمحاكمة؟
# وهلا خافت مالك العقاب سبحانه إن كانت عارفة به من إراقة دماء الفريقين
~~مع تمكنها من حقنهما؟
# وهلا صرفها عن ذلك ما سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله في علي عليه
~~السلام من المآثر الدالة على تحريم خلافه فضلا عن حربه، من قوله عليه
~~الصلاة والسلام:
# علي مع الحق والحق مع علي، وقوله عليه السلام: حربك حربي وسلمك سلمي،
~~وأمثال ذلك، والشهادة له ولولديه ولجماعة ممن في حيزه بالجنة؟
# ومالها ms211 لم ترتدع عن قتاله مع اختصاص نصرته بوجوه الصحابة وذوي البصيرة
~~والورع وأنصار الله، واختصاص نصرتها بأغدار قريش والمؤلفة قلوبهم والمتهمين
~~على الإسلام وأهل السواد وأجلاف الأعراب؟ لولا ما ذكرنا من عداوة علي عليه
~~السلام التي لها عميت القلوب وطاشت الأفهام؟
# وما لها لم تخف بحربها من قتل المشهود لهم بالجنة، كعلي والحسنين عليهم
~~السلام وعمار وغيرهم من أهل بدر وحنين وبيعة الرضوان وفضلاء التابعين؟
# ولم لم يرق أسمقها من... (1) أهل الحق عند الظهور عليهم وتجب إلى
~~المسالمة ووضع السلاح المدعو إليهما؟ فتحقن بذلك باقي الدماء ويتلافى فارط
~~الشقاق؟
# ولم أحوجت إلى عقر الجمل ولم تجب إلى الأمان إلا قسرا؟
# ولم لم تشكر عليا عليه السلام على ما من به عليها من التجاوز عن الانتقام
~~منها
# PageV00P363
# وإكرامها مدة مقامها وإلى أن أوصلها بيتها؟
# ولم كفرت نعمته الظاهرة عليها وصرحت بذمه والتعريض به، وأظهرت الشماتة
~~بقتله، واعترضت في دفن ولده، وأوصلت ذلك في أحوال التمكن إلى أن فارقت
~~الدنيا؟
# وأما طلحة والزبير، فمعظم ما قدمناه من وجوه الخطأ الواقع من عائشة قائم
~~فيهما، لكونهما الزعيمين لأمرها المشاركين لما في جميع ما عددناه، فلا وجه
~~لتكراره وتنقيصهما (1) أنهما من جملة من حصر عثمان وضيق عليه وشرك في قتله.
# وفيهما يقول حسان بن ثابت، شعر:
# من عذيري من الزبير ومن طلحة هاجا أمرا له إعصار بم قالا للناس دونكم (2)
~~العجل فشبت وسط المدينة نار والأبيات معروفة.
# فكيف يطلب بثأر المقتول من قتله؟!
# ولأنهما بايعا طائعين ونكثا من غير حدث يحدث منه عليه السلام يوجب ذلك،
~~إلا فوت الأمنية والطمع في الرئاسة.
# ولأنهما هتكا حجاب رسول الله صلى الله عليه وآله عن زوجته وإبرازها على
~~رؤوس الأشهاد، وصانا حلائلهما.
# وإذا تقررت هذه الجملة وصح لك ضلال أصحاب الجمل وقبح قصدهم وبعدهم عن
~~الدين بكل واحد مما ذكرناه، فكيف بجميعه، فسقط الاعتراض بفعلهم.
# (بيان حال معاوية وعمرو بن العاص ومن في حيزهما) وأما معاوية وعمرو بن
~~العاص ومن كان في حيزهم، فالواجب عليهم طاعة أمير ms212 المؤمنين عليه السلام
~~والانقياد له والنزول على حكمه، لثبوت إمامته على أصولنا بالنص
# PageV00P364
# عليه بها، وعلى أصول المخالف، لحصول الاختيار المتكامل الصفات الذي لم
~~يحصل على إمامة غيره ممن تقدمه وتأخر عنه، فلما لم يفعلوا وأظهروا الشقاق
~~عليه والخروج عن دار الأمن وإظهار السلاح فيها ومحاربة الإمام العادل عليه
~~السلام ومن لا يرتاب أحد في فضله وتقدمه في الدين من وجوه المهاجرين
~~والأنصار والتابعين بإحسان، وذلك دال على ضلالهم على أصولنا، وفسقهم على
~~أصول مخالفينا، وموضح عن فساد غرضهم في الدين من وجوه:
# منها: قعودهم عن نصرة عثمان والدفع عنه، ظالميه عندهم، وهم من رعيته
~~المرتهنين ببيعته، مع تمكنهم من ذلك.
# ومنها: ظهور حال عمرو بن العاص في عداوة عثمان، لعزله عن مصر وإنكاره
~~عليه وخروجه إلى أطراف الشام مؤلبا وكاتبا بأحداثه إلى البلاد، إلى أن قتل،
~~ومشاركة معاوية، وحربه له في ذلك، لاختصاصه به وتولي الجميع له.
# ومنها: كذبهم فيما أظهروه من الطلب بثأر عثمان المقتول بإيثارهم، لتمكنهم
~~من نصرته وقعودهم عنها، وما ذكرناه من حال عمرو وولاية معاوية وجنده.
# ومنها: خروجهم عن طاعة الإمام المختار على وجه لم يختر عليه أحد قبله،
~~وإظهار شقاقه ومخالفة ما أجمع عليه العلماء من التابعين والصحابة.
# ومنها: منعهم ما قبلهم من أموال المسلمين وصدقاتهم الواجب عليهم حملها
~~إلى بيت مال المسلمين.
# ومنها: اعتصامهم ببلاد الإسلام ومنع الإمام العادل عليه السلام وكافة
~~العلماء المعتد بعقدهم وحلهم من التصرف فيها، وكونهم بذلك عاصين بغير
~~إشكال.
# ومنها: مطالبتهم بثأر من لا ولاية لهم في دمه.
# ومنها: طلبهم ذلك على أقبح الوجوه من المجاهرة بحرب والفساد في البلاد
~~المنافي لطلب القود المستحق في الشرع، ورغبتهم عما دعوا إليه من الكتاب
~~والسنة.
# ومنها: استحلالهم قتال أمير المؤمنين والحسنين عليهم السلام ومن في حيزهم
~~من سابقي الصحابة وفضلاء التابعين المشهود لأكثرهم بالجنة من غير حدث يوجب
~~ذلك بل PageV00P365
# يوجب خلافه من توليهم والانقياد لهم.
# ومنها: شهادة أمير المؤمنين عليه السلام ومن في حيزه من فضلاء المسلمين
~~عليهم بالضلال ms213 وتدينهم بذلك مع حصول العلم ببعدهم عن الهوى والفتيا والعمل
~~بغير حق.
# وإذا ثبت ضلال معاوية وعمرو ومن في حيزها على أصولنا وفسقهم على أصولهم
~~وقبح أغراضهم فيما قصدوه، وجب الحكم بذلك عليهم ولا يجوز الاعتداد بفعلهم.
# وليس لأحد أن يقول: فإذا كان علي عليه السلام وأصحابه على بصيرة من ضلال
~~معاوية وأصحابه، فلم رجع عن قتاله الواجب عندكم إلى المسالمة وتحكيم الرجال
~~الذين يجوز عليهم الخطأ؟
# لأنا قد بينا وقوع التحكيم على جهة الاضطرار، وكونه لو كان عن إيثار حسن،
~~لتعلقه بالكتاب والسنة الدالين على حق علي عليه السلام وباطل معاوية، وأن
~~الحال لما جرت بخلاف ذلك لم يرض بها عليه السلام وأظهر النكير واهتم بقتال
~~معاوية حتى عوجل دونه صلوات الله عليه، فاقتضى ذلك سقوط ما عورضنا به.
# (ما أظهره القوم عند وفاتهم الدال على ضلالهم) وقد تناصرت الروايات بما
~~أظهره القوم عند الوفاة من التصريح بما بيناه، وإن كان ثابتا بالأدلة
~~فاقتضى تأكيده.
# فمن ذلك: قول أبي بكر في حديث طويل: ثلاث فعلتهن ليتني لم أفعلهن: ليتني
~~لم أكشف بيت فاطمة عليها السلام ولو كان مغلقا على حرب، وليتني يوم السقيفة
~~كنت ضربت على يد أحد الرجلين فكان الأمير وكنت الوزير.
# وهذا منه نص بما تقوله الشيعة وتأباه عامة مخالفيهم اليوم من الهجوم على
~~باب فاطمة عليها السلام، ونص على قبيح ما أتاه في ذلك، وبرهان واضح على
~~قبيح ولايته يوم السقيفة، لأنها لو كانت حسنة لم يتمن فقدها، وإن كانت حسنة
~~فإنما تأسف على ما أوجبته من القبائح، إذ لا بد من وجه قبيح له تأسف.
~~PageV00P366
# ومن ذلك: قول عمر عند وفاته: وددت أني نجوت كفافا لا علي ولا لي.
# وهذا موضح عن علمه من نفسه بقبح ما أتاه بخلافته.
# وقوله وقد قيل له: استخلف، فقال: إني أكره أن أتحملها حيا وميتا.
# ولو كانت خلافته لله رضى لكان تحملها قربة إليه سبحانه لا يجوز لمسلم
~~التملص منها.
# قوله: - وقد جمع بني عبد المطلب بعدما طعن - يا ms214 بني عبد المطلب أراضون
~~أنتم عني؟ فقال رجل من أصحابه: ومن ذا الذي يسخط عليك، فأعاد الكلام ثلاث
~~مرات، فأجابه رجل بمثل جوابه، فانتهره عمر وقال: نحن أعلم بما أشعرنا
~~قلوبنا، إنا والله أشعرنا قلوبنا ما نسأل الله أن يكفينا شره، وأن بيعة أبي
~~بكر كانت فلتة نسأل الله أن يكفينا شرها.
# وهذا نص منه على قبيح ما فعل.
# وقوله لابنه عبد الله وهو يسنده إلى صدره: ويحك، ضع رأسي بالأرض، فأخذته
~~الغشية، (قال:) (1) فوجدت من ذلك، فقال: ويحك ضع رأسي بالأرض، فوضعت رأسه
~~بالأرض فعفر بالتراب ثم قال: ويل لعمر وويل لأمه إن لم يغفر الله له.
# وهذا تصريح منه بما أضفناه إليه.
# وقوله حين حضره الموت: أتوب إلى الله من ثلاث: من اغتصابي هذا الأمر أنا
~~وأبو بكر من دون الناس، واستخلافي عليهم، ومن تفضيلي المسلمين بعضهم على
~~بعض.
# وقوله: أتوب إلى الله من ثلاث: من ردي رقيق اليمن، ومن رجوعي عن جيش
~~أسامة بعد إذ أمره رسول الله صلى الله عليه وآله علينا، ومن تعاقدنا على
~~أهل هذا البيت إن قبض رسول الله صلى الله عليه وآله ألا نوليه منهم أحدا.
# وما رووه عن عبد الله بن شداد بن الهاد قال: كنت (عند) عمر وهو يموت،
~~فجعل يجزع، فقلت: يا أمير المؤمنين أبشر بروح الله وكرامته، فجلعت كلما
~~رأيت جزعه
# PageV00P367
# قلت هذا، فنظر إلي (فقال:) (1) ويحك فكيف بالممالاة على أهل بيت محمد صلى
~~الله عليه وآله؟
# (بيان كفر القوم ومناقشة الزيدية) وإذا ثبت حدوث ما ذكرناه من القبائح
~~الواقعة من الثلاثة في حال ولايتهم بطلب إمامتهم بها لاتفاقهم على ذلك،
~~وإذا بطلت في حال بطلت في كل حال باتفاق.
# وإذا ثبتت إمامة أمير المؤمنين عليه السلام عقلا وسمعا، واقتضى ثبوتها
~~ثبوت الصفات الواجبة للإمام له، وفسدت إمامة المتقدمين عليه على أصولنا
~~وأصولهم.
# ثبت أن الواقع منهم وممن اتبعهم متدينا بإمامتهم من محاربته عليه السلام
~~وغيرهم كفر، لأنه لا أحد قال بوجوب عصمة الإمام إلا قطع بكفر القوم ms215 ومن دان
~~بإمامتهم، ولأن كل من أثبت النص على أمير المؤمنين عليه السلام قال بذلك.
# ولا يقدح في هذه الطريقة خلاف الزيدية، لانعقاد الإجماع بما قلناه،
~~وانقراض الأزمان به قبل حدوث مذاهب الزيدية.
# على أن لنا ترتيب الاستدلال على وجه يسقط معه خلاف الزيدية.
# فنقول: لا أحد قال بالنص الجلي إلا قطع على كفر القوم، فتخرج الزيدية من
~~هذه الفتيا، لأنها تنكر النص الجلي.
# ولأنا نعلم وكل مخالط من دين أمير المؤمنين عليه السلام والأئمة من ذريته
~~عليهم السلام القطع على كفرهم والدائن بإمامتهم، وقد ذكرنا طرفا من ذلك
~~فيما سلف، وفتياهم بذلك حجة، لكونهم معصومين، ولأن فتياهم هذه لو كانت خطأ
~~لكانوا ضلالا، وهذا ما لا يطلقه فيهم مسلم.
# إن قيل: أفتقطعون على كفر من تابعهم من الصحابة والتابعين وتابعيهم إلى
~~الآن؟
# قيل: قد مضى في كلامنا ما يغني عن هذا بقولنا: إن الفتيا مختصة بتكفير
~~الأعيان على
# PageV00P368
# جهة التفصيل بمن (1) علمناه متدينا بإمامتهم من الصحابة وغيرهم إلى الآن،
~~ومن لم يعلم ذلك من حال ففرضنا فيه الوقف والتجويز لكل واحد من الكفر
~~والفسق.
# إن قيل: كيف يمكنكم ذلك مع ظاهر إيمانهم، وتدينهم بالاسلام، واجتهادهم
~~فيه، وتقريب النبي صلى الله عليه وآله لهم، وتعظيمه إياهم، ومنعكم من وقوع
~~الكفر بعد الإيمان على مذاهبكم في الموافاة.
# قيل: المظاهرة بالإيمان والاجتهاد في أفعاله وبذل الأنفس والأموال في
~~نصرته لا يدل على مطابقة الباطن له ولا على كونه صادرا عن علم قصد به وجهه،
~~إذ كانت هذه الأمور لا يعلمها إلا علام الغيوب، وإنما يعلم منها ما نص عليه
~~سبحانه.
# فإذا فقدنا النص فيهم بذلك ووضح البرهان بكفرهم وموتهم عليه، علمنا أن
~~الاعتقاد الماضي منهم كان جهلا، وإن أظهروا إيمانا أو تقليدا أو علما لغير
~~وجهه لا يستحق بهما المعتقد ثوابا، لوقوف استحقاقه على العلم المقصود به
~~ووجهه الذي له وجب، ووجوب القطع على كفر من كان كذلك حسب ما اقتضاه
~~البرهان.
# فأما تعظيم النبي صلى الله عليه وآله، فغير مسلم، لفقد ms216 دليله وتعذر
~~إثباته، إذ كان التقريب والإيناس والمظاهرة لا يدل على تعظيم لصاحبه (2)،
~~لحصول ذلك أجمع مع من تجب البراءة منه لكفره.
# على أن المتقرر من شرعه عليه السلام تعظيم مظهر الإسلام والمطيع فيه،
~~مشترطا بكون ما أوجبه واقعا لوجهه باتفاق العلماء. فلو (3) سلم تعظيمه عليه
~~السلام للقوم لكان جاريا فيه على الوجه الذي شرعه من الاشتراط.
# فإذا وضح برهان كفرهم في حياته عليه السلام بما بيناه، لم ينفعهم تعظيمه
~~عليه
# PageV00P369
# السلام شيئا، كما لا ينفع تعظيم المسلمين من علموه مظاهرا بالعبادة
~~والاجتهاد وهو منافق أو مقلد أو عالم لغير الوجه الذي تعلق التكليف به.
~~PageV00P370
# (ما استدل به على إيمان القوم من الكتاب والسنة ورده) PageV00P371
# وقد تعلق من لا بصيرة له بأحكام الخطاب في إثبات إيمان القوم واستحقاقهم
~~الثواب - ليتوصل بذلك إلى إثبات إمامتهم، ورد ما يذهب إليه من القطع بكفرهم
~~وخلودهم في النار - بآيات من القرآن وأخبار عن النبي صلى الله عليه وآله،
~~نذكرها، ونبين وجه الشبهة منها وسقوطها.
# (ما استدل به من الكتاب) فمن ذلك: قوله تعالى: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم
~~في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم
~~وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا﴾ (1).
# قالوا: وهذه صفات القوم: آمنوا، وعلموا الصالحات، وخافوا في بدء الإسلام،
~~واستخلفوا في الأرض، وآمنوا بعد الخوف، فمنع ذلك من فرقهم بالضلال ودل على
~~صحة إيمانهم وإمامتهم.
# الجواب: أن الوعد بالاستخلاف في الآية متوجه إلى ذوي الإيمان ما في
~~الباطن والظاهر، وعمل الصالحات لوجوهها المخصوصة، والاخلاص في العبادة لله
~~تعالى من الاشراك والرياء وغيرهما مما يشوب الاخلاص، والأمن بعد الخوف لله
~~تعالى، غير معينين (2) بأسمائهم.
# وقد دللنا على ضلال المتقدمين على أمير المؤمنين عليه السلام على أصولنا
~~وأصولهم والدائنين بولايتهم، فاقتضى خروجهم من حكم الآية، وتوجهها إلى من
~~تكاملت فيه صفاتها من غيرهم.
# PageV00P373
# على أنا لو افترضنا (١) الكلام في الآية من دون ذلك لم يكن ms217 لهم فيها
~~متعلق من وجوه:
# منها: افتقارهم في تخصيصهم بها إلى إقامة برهان على ثبوت صفات المذكورين
~~فيها لهم، وثبوته يغني عن الآية في المقصود باتفاق، وإذا تعذر ذلك عليهم
~~خرج الظاهر من أيديهم بغير إشكال.
# ومنها: أنه لا يخلو أن يكون المراد بالاستخلاف المذكور في الآية توريث
~~ديار الكفار، كقوله تعالى: ﴿وأورثنا بني إسرائيل﴾ (٢)، ﴿وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطؤها﴾
~~(٣)، ﴿ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف
~~تعملون﴾ (٤)، ﴿وهو الذي جعلكم خلائف
~~الأرض﴾ (٥)، ﴿إن يشأ يذهبكم ويستخلف من
~~بعدكم ما يشاء﴾ (٦).
# أو الخلافة على العباد وتدبير البلاد، كآدم عليه السلام في قوله: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ (٧)،
~~وطالوت في قوله تعالى: ﴿إن الله قد بعث لكم
~~طالوت ملكا﴾ (٨)، وداود في قوله: ﴿يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس
~~بالحق﴾ (٩)، وسليمان في قوله سبحانه: ﴿رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت
~~الوهاب فسخرنا له الريح تجري بأمره﴾ (10)، وقوله تعالى: (يا أيها الناس
~~علمنا منطق
# PageV00P374
# الطير وأوتينا من كل شئ) (١)، وهارون عليه السلام في قوله تعالى: ﴿وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي
~~وأصلح﴾ (٢)، ورسول الله صلى الله عليه وآله في قوله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾
~~(3)، فكان للناس، وعلم من دينه صلوات الله عليه وآله كونه خليفة على أهل
~~الأرض ورئيسا لجميعهم.
# أو ظاهر التصرف في البلاد وأهلها بالقهر والاضطرار.
# فإن كان أراد الأول فلا مزية لبعض المستخلفين في الديار على بعض، وليس من
~~الخلافة المطلوبة في شئ.
# وإن أراد على الوجه الثاني فهو خطاب لغيرهم، لعدم النص أو ما يستند إليه
~~من ms218 المعجز على استخلافهم، كاستخلاف من ذكرناه من الأنبياء عليهم السلام.
# ولا يعترض هذا قولهم: أن ثبوت خلافتهم من اختيار مأذون لهم فيه يقتضي
~~إضافتها إليه تعالى من وجوه:
# أحدها: أنه مبني على أن الله تعالى قد نص على الاختيار، وقد بينا فساد
~~ذلك.
# ومنها: أن من أذن لغيره أن يختار وكيلا لنفسه أوصيا من بعده فاختار، فإن
~~الوكيل وكيل له والوصي كذلك، دون من أذن له، ولا يقول أحد: هذا وصي فلان،
~~وهذا وكيله، وإن كانت الوكالة والوصية بإذنه.
# ومنها: أن ظاهر الآية يقيد وقوع الاستخلاف للمذكورين فيها به تعالى،
~~كاستخلاف من قبلهم، وقد علمنا أن أم لله تعالى لم يستخلف أحدا منهم باختيار
~~الأمة، وإنما دل على ذلك بمعجز أو نص يستند إلى معجز، فيجب كون المستخلفين
~~بها كذلك.
# وهذا يختص الآية بأئمتنا عليهم السلام، لثبوت النص من الكتاب والسنة
~~والمعجز على خلافتهم.
# PageV00P375
# ولا يجوز أن يريد تعالى الاستخلاف على الوجه الأخير، لأنه سبحانه أضافه
~~إليه، وذلك يقتضي حسنه وإباحة التصرف له، وتملك البلاد والعباد على جهة
~~الغلبة قبيح لا يجوز إضافته إليه سبحانه، ولا يحسن معه التصرف على كل حال.
# فإن جاز للمجبرة إضافة خلافتهم إلى الله تعالى - من حيث تم لهم تملك أمر
~~الأمة وتصريفهم على إرادتهم - لم يجز ذلك لأهل العدل، ويلزمهم عليه إضافة
~~خلافة كل متغلب إلى الله تعالى من بني أمية وبني عباس، بل عباد الأصنام،
~~فإن التزموا ذلك ارتفعت المزية، ولم ينازعهم في استحقاق القوم سمة الخلافة
~~على الوجه الذي يستحقه كل متغلب وظالم، إذ ذلك صريح مذهبنا المدلول عليه،
~~وليس مما يريدونه في شئ، وإنما يمنعهم من إثبات خلافتهم على وجه يحسن معه
~~إضافتها إلى الله تعالى حسب ما اقتضته الآية، فأما على وجه يقبح لا يجوز مع
~~إضافتها إلى الله تعالى فغير منازعين فيه، والآية أجنبية منه.
# ومنه: قوله تعالى: ﴿قل للمخلفين من
~~الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا ms219
~~يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا
~~أليما﴾ (1).
# وأولوا البأس هم أهل الردة والروم وفارس، والداعي إلى قتالهم أبو بكر
~~وعمر وعثمان، وقد تضمنت الآية فرض طاعتهم، فاقتضى ذلك إيمانهم وإمامتهم.
# والجواب: من وجوه:
# منها: أن الآية نزلت في المتخلفين عن الحديبية بعد الأمر بمنعهم من
~~الخروج إلى خيبر ذات المغانم، المنصوص على منع هؤلاء المخلفين منها، فاقتضت
~~اختصاص الدعوة بالنبي صلى الله عليه وآله، وقد دعى بعد خيبر إلى حنين وفتح
~~مكة وتبوك وغيرهن باتفاق، لأن الله تعالى حرم حضور خيبر ومغانمها على
~~المخلفين عن الحديبية بإجماع ونص التنزيل في قوله تعالى: (سيقول المخلفون
~~إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا
# PageV00P376
# نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله) (١)، يعني سبحانه: ما أمر به من
~~تحريم الخروج إلى خيبر (٢) على المخلفين عن الحديبية، فقال رادا عليهم: ﴿قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل
~~فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا﴾ (٣)، ثم قال
~~سبحانه:
# عقيب هذه الآية: ﴿قل للمخلفين من
~~الأعراب ستدعون﴾ (٤) الآية، يريد سبحانه:
# هؤلاء المخلفين عن الحديبية، وذلك دال على أن الداعي لهم هو النبي صلى
~~الله عليه وآله، لقوله: ﴿فإن رجعك الله إلى
~~طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي أبدا
~~عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة﴾ (٥).
# وتضمن هذه الآية للخبر عن نفي الخروج معه وقتال الأعداء أبدا باطل من
~~وجهين:
# أحدهما: أن الآية المتعلق بها في إمامة القوم نزلت في سنة ست بعد خيبر في
~~المخلفين عن الحديبية باتفاق العلماء بالتفسير وما يقتضيه ظاهرها على ما
~~بيناه، وهذه الآية نزلت في سنة تسع في المخلفين عن تبوك، وإذا كان المراد
~~من المخلفين بآية الفتح غير المخلفين بآية براءة على تبوك سقط التعلق.
# وأيضا مخلفي آية الفتح معرضون بالدعوة للثواب بقوله تعالى: ﴿فإن تطيعوا يؤتكم ms220 الله أجرا حسنا﴾
~~(6)، ومخلفي آية براءة مقطوع على كفرهم وعذابهم وموتهم عليه ومصيرهم إليه
~~في سياق الآية، برهان ذلك قوله سبحانه: (إنكم رضيتم بالقعود أول مرة
~~فاقعدوا مع الخالفين ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم
~~كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما
~~يريد الله أن يعذبهم بها
# PageV00P377
# في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون، (١)، فوجب أن يكون المذكورون في آية
~~براءة غير أولئك، للقطع على عقاب هؤلاء وكفرهم وموتهم على ذلك، وتعريض
~~أولئك بالطاعة والثواب.
# ومنها: أن إضافتها إلى القوم فرع لصحة كونهم دعاة إلى الجهاد على وجه
~~يحسن، وذلك فرع لثبوت إمامتهم، وقد بينا فسادها على أصولنا وأصولهم، فاقتضى
~~ذلك قبح دعوتهم.
# وإذا وجب ذلك، فلو كان الداعي غير النبي صلى الله عليه وآله لوجب أن يكون
~~أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، لأنه لم يدع أحد بعد النبي صلى
~~الله عليه وآله المخلفين دعوة صحيحة غيره بنص النبي صلى الله عليه وآله على
~~قتال الناكثين والقاسطين والمارقين، وثبوت إمامته في حال دعوته بإجماع.
# ولا يقدح في كونه داعيا قوله سبحانه في المدعو إليهم: ﴿تقاتلونهم أو يسلمون﴾ (٢)، ومحاربوا علي عليه السلام
~~مسلمون.
# لأنهم عندنا وعند أكثر أهل العدل ليسوا مسلمين.
# أما نحن، فلما قدمناه من الفتيا بكفر جاحد النص ومحارب المنصوص عليه،
~~ولأنا نعلم من حال القوم استحلال دمه وذريته وشيعته، واستحلال دماء أهل
~~الإيمان كفر، ولأنه وأصحابه كانوا مصرحين بكفرهم.
# وقوله عليه السلام، والله ما قوتل أهل هذه الآية حتى اليوم: ﴿يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن
~~دينه﴾ (٣)، ومن طرق أخر: (فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم، إلى
~~قوله ﴿ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم﴾
~~(4)، ولو كانوا مسلمين لكان واصفهم بالكفر ضالا، وهذا ما لا يطلقه مسلم.
# ولاتفاق النقلة على قوله صلى الله عليه وآله: حربك يا علي حربي وسلمك ms221
# PageV00P378
# سلمي، وأنه لم يرد نفس حربه، لتغايرهما، فلم يبق إلا أنه أراد أن حكم
~~حربك ومحاربك حكم حربي ومحاربي، وحرب النبي صلى الله عليه وآله كفر،
~~ومحاربه كافر، فيجب الحكم على حربه ومحاربه بذلك.
# وأما من خالفنا من أهل العدل، في اعتقادهم أن الواقع منهم كبيرة يخرج عن
~~سمة الإسلام إلى الفسق، وإذا لم يكونوا مسلمين صح تعلق الخطاب بهم.
# على أن الإسلام في اللغة هو الاستسلام، ولم يكونوا كذلك، إذ يقول سبحانه:
# ﴿أو يسلمون﴾ (١) يريد يستسلمون، على
~~أصل الوضع، وبهذا الوجه يسقط خلاف المجبر، وإن كان ساقطا بما تقدم من
~~الأصول الصحيحة المنافية لمذاهبهم الفاسدة.
# على أنا لو سلمنا أن الداعي في الآية من ذكروه، لم يقتض ذلك إمامتهم، لأن
~~الأمر بقتال الروم وفارس متقدم من رسول الله صلى الله عليه وآله، فالمجيب
~~لهذه الدعوة طائع لله ورسوله صلى الله عليه وآله فلذلك استحق الثواب،
~~والمتولي عاص لهما فلذلك استحق العقاب، وقتال المرتد عن الملة المجاهر
~~بالحرب واجب على كل مسلم إماما كان الداعي لهم أم مأموما باتفاق، فصارت
~~إجابة هذا الداعي واجبة لكونها إلى واجب، والتولي عنها قبيح لكونه إخلال
~~بواجب، لأن طاعة الداعي مفترضة على كل حال، بل لكونها لحق لازم بغير دعوة
~~من دعى إليه.
# ومنه: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين
~~آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على
~~المؤمنين أعزة على الكافرين﴾ (2) الآية.
# قالوا: ولا أحد قابل المرتدين غير أبي بكر، فيجب توجه الخطاب إليه، وذلك
~~ينافي ما تقوله الشيعة فيه.
# والجواب: أن المأتي بهم لقتال المرتدين موصوفون في الآية بصفات تجب على
~~من ادعي لشخص أو أشخاص أن تدل على تكاملها له أو لهم.
# PageV00P379
# وهي وصفهم: بأنهم يحبون الله ويحبهم - وهذا يقتضي القطع على إيمانهم وعلو
~~منزلتهم عند الله تعالى - وكونهم ذوي ذلة ورفق بأهل الإيمان، وعزة وشديد
~~وطي على الكفار، مجاهدين في سبيل الله، لا يخافون ms222 لومة لائم، في شق مما
~~وصفهم به سبحانه.
# فليثبتوا تكامل هذه الصفات لأبي بكر ليسلم لهم كونه المقاتل للمرتدين
~~(1)، وإن ثبت ذلك يغنهم عن الآية في المقصود، وهيهات، على أنا نتبرع ببيان
~~خروج أبي بكر منها.
# فنقول: معلوم انهزامه والثاني له بخيبر، وقول النبي صلى الله عليه وآله:
# لأعطين الراية غدا رجلا كرارا غير فرار يحب الله ورسوله والله ورسوله
~~يحبانه، فأعطاها عليا عليه السلام، فاقتضى ذلك ثبوت محبته لله تعالى ورسوله
~~صلى الله عليه وآله ومحبتهما له، والحكم له بالكر، وانتفاء ذلك عنهما،
~~فخرجا عن مقتضى الآية.
# وبعد، فإنه وصاحبه لم يكونوا من أهل الذلة على المؤمنين، لغلظتهم على أهل
~~بيت نبيهم عليهم السلام، وعلى سعد بن عبادة والزبير وسلمان وبلال.
# وقد صرح أبو بكر بذلك فقال: وإذا عصيت فاجتنبوني (2) لا أمثل في أشعاركم
~~وأبشاركم، مع ما صنعه ببني حنيفة من غير استحقاق، على ما بيناه.
# ووصف الصحابة عمر بالغلظة، وثبوتها له بظاهر أفعاله.
# وحال عثمان بذلك وإقدامه بالضرر القبيح والاستخفاف بأهل الإيمان ظاهرة.
# ولا من أهل العزة على الكفار ولا المجاهدين باتفاق، على خلو ذكرهم بنكاية
~~في كافر أو عناء في شئ من مواقف الجهاد، وثبوت ذلك أجمع لعلي عليه السلام
~~وشيعته.
# فيجب خروجهم من مقتضاها، وتوجهها إليه عليه السلام وإلى من اتبعه مخلصا
~~في قتال المرتدين.
# ومنه: قوله تعالى: (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة
~~فعلم
# PageV00P380
# ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا) (١).
# قالوا: أبو بكر وعمر وكثير ممن تابعهم ورضي بهم من جملة المبايعين
~~باتفاق، فيجب توجه الرضوان إليهم، وذلك يمنع من كفرهم، ويقتضي ثبوت إيمانهم
~~وإمامتهم.
# والجواب: من وجوه:
# منها: أنه لا حجة لهم فيها على أصولهم، لجواز الكفر بعد الإيمان والسخط
~~بعد الرضوان عندهم، فعلى هذا لو سلم توجه الرضوان إلى المبايعين لم يمنع من
~~السخط بما أحدثوه بعد البيعة من جحد النص وغيره مما بيناه، كما لم يمنع ذلك
~~من فسق طلحة والزبير وغيرهما من جملة المبايعين على ms223 ما أوضحناه.
# ومنها: أن الرضوان على البيعة مشترط بالوفاء بما هي بيعة عليه، بدليل
~~قوله تعالى: ﴿إن الذين يبايعونك إنما
~~يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما
~~عاهد الله فسيؤتيه أجرا عظيما﴾ (2)، فليدلوا على وفائهم بالبيعة، ولن
~~يجدوا سبيلا إليه، بل المعلوم نكثهم بهزيمتهم عقيب هذه البيعة بخيبر، فخرجا
~~من الظاهر.
# ومنها: أن الوعد بالرضوان على البيعة مشترط بإيقاعها لوجهها قربة إلى
~~الله تعالى، كسائر الطاعات، فليدلوا على وقوع بيعتهما ومن اتبعهما على هذا
~~الوجه، وهيهات، بل الواقع من عمر في ذلك اليوم برهان واضح على ما شرحناه
~~على تعري أفعالهما من الوجه الذي يستحق به الرضوان، فيختص بمن ثبت إيمانه
~~من المبايعين، فليدلوا على ثبوت إيمانهم ليسلم لهم الظاهر، بل ليسعون
~~بثبوته عنه، ولن يستطيعوه، وأنى لهم به، وقد قامت البراهين السالفة
~~بضلالهم.
# ومنها: أن الرضوان في الآية متوجه إلى المؤمنين عند الله تعالى،
~~المبايعين لوجه الله، المعلوم ما في قلوبهم من الإيمان والوفاء بالبيعة في
~~المستقبل، المنزول عليهم لذلك
# PageV00P381
# السكينة المقارنة للطمأنينة والنصر، المثاب عليهم بالفتح القريب الكائن
~~بهم وعلى أيديهم، ولم يحصل القوم بحمد الله من هذه الصفات شئ غير ظاهر
~~البيعة، لتعريهم من الإيمان وإيقاع البيعة لوجهها بحجة النص الكاشف عن
~~كفرهم، وانتفاء السكينة عنهم، ونكث البيعة للهزيمة الواقعة منهم، وتعريهم
~~بالفتح من الفرار.
# وإذا ثبت هذا، فنحن وإن شككنا في خروج كثير من المبايعين عن هذا الرضوان
~~أو دخولهم فيه، فلسنا نشك في خروج القوم الذين ادعي توجه الرضوان إليهم عنه
~~بخروجهم عن صفات المرضي عنهم في الآية، ويخصص أمير المؤمنين علي بن أبي
~~طالب عليه السلام به ومن كان في حيزه من المؤمنين، لثبوت الصفات له بإجماع.
# ومنه: قوله تعالى: ﴿محمد رسول الله
~~والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من
~~الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك ms224 مثلهم في التوراة ومثلهم
~~في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع
~~ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا
~~عظيما﴾ (1).
# قالوا: فأخبر سبحانه بالمغفرة للذين معه وهم أصحابه، وذلك ينافي قولكم
~~بضلالهم والمبايع لهم.
# والجواب من وجوه:
# منها: أنه تعالى لم يرد بقوله: (والذين معه) في الزمان ولا المكان ولا
~~على ظاهر الإسلام، لأنه لا مدحة في ذلك، والآية مختصة بمدح المذكور فيها
~~والقطع على ثوابه، وذلك يدل على إرادته سبحانه بالذين معه المؤمنين حقا،
~~فليدل الخصوم على ثبوت إيمان من جعلوا الآية مدخوله عند الله، ليسلم لهم
~~الظاهر، بل ثبوته مغن في المقصود عنه بإجماع، ولن يجدوه، بل الثابت ضلالهم
~~بالبرهان المانع من ثبوت البرهان واستحقاق الرضوان.
# PageV00P382
# ومنها: أن المذكورين فيها موصوفون بصفات معلوم خلو القوم منها، وتكاملها
~~لأمير المؤمنين وحمزة عليهم السلام، وخاصة شيعتهم، كعمار وأبي ذر ومقداد
~~وسلمان وأبي وابن مسعود وبريدة وجابر وخزيمة وسعد وولده قيس وسعد بن معاذ
~~وفي أمثالهم، فيجب إخراجهم من حكها وتخصيصه بهؤلاء.
# فمن ذلك: وصفهم بالشدة على الكفار، وكل متأمل يعلم خلوهم من ذلك.
# ومنه: الرحمة بأهل الإيمان، وقد بينا كونهم بخلاف ذلك.
# ومنه: ابتغاؤهم بالطاعات فضل الله ورضوانه، ولا يكون كذلك من تخلف عن
~~أسامة، ولم يحضر جهاز رسول الله صلى الله عليه وآله رغبة في الدنيا، وجعل
~~أفعال الآخرة يوم السقيفة ذريعة إلى الخلافة، وصادر العمال، واقترض من بيت
~~المال، وخص بمال الله بني أمية أعداء الدين في الجاهلية والاسلام، إلى غير
~~ذلك مما سطرناه، وحال متبعهم في ذلك كحالهم.
# ومنه: وصفهم بالنصر لله ولرسوله عليه السلام، وذلك مختص بالجهاد وبذل
~~الأنفس والأموال فيه، وليسوا كذلك بغير إشكال.
# وهذه الصفات متكاملة فيمن ذكرناه، فيجب توجه المدحة إليهم دون هؤلاء
~~الضلال.
# ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿والسابقون الأولون
~~من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه﴾
~~(1).
# قالوا: والمتقدمون على أمير المؤمنين عليه السلام ms225 وأكثر من عقد لهم
~~وبايعهم من جملة هؤلاء المذكورين، وقد أخبر سبحانه برضاه عنهم واستحقاقهم
~~الثواب، وذلك منافي لما يقولونه فيهم.
# والجواب من وجوه:
# أحدها: أن الوعد في الآية متوجه إلى من وقع سبقه واتباعه لوجهه المخصوص
# PageV00P383
# قربة لله تعالى، فليدلوا على كون القوم كذلك ليتوجه الرضوان إليهم، ولن
~~يجدوه، بل الموجود ضلالهم وخروج أفعالهم من قبل الطاعات بما وضح برهانه
~~سالفا.
# وثانيها: أن الرضوان مشترط بالموافات، ولم يواف القوم بما سبقوا إليه،
~~لردهم أمر رسول الله صلى الله عليه وآله في وصيته، وما أتوه إلى أهله بما
~~بيناه.
# وثالثها: أن وقوع السبق موقع القربة لا يمنع من عصيان في المستقبل، إما
~~فسق على مذاهب الكل أو كفر على مذاهب الخصوم، وإذا صح ذلك جاز تقدير وقوع
~~سبقهم موقعه، وإن عصوا عصوا من بعده، كوقوع ذلك من طلحة والزبير وعمرو بن
~~العاص وأمثالهم من السابقين والتابعين، وقطعنا عليهم به، لما أتوه إلى أهل
~~بيت نبيهم عليهم السلام من بعده، فليستنفذ الخصم لمنعنا من ذلك جهده إن
~~استطاعه، وإلا فالحجة لازمة له والآية خطاب لغيرهم، وهم الذين لم يتدينوا
~~بجحد النص من السابقين والتابعين، وهم كثير معين وغير معين.
# ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿لا يستوي منكم
~~من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد
~~وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى﴾ (1).
# قالوا: وهذه صفة المذمومين عندكم الممدوحين في الآية.
# والجواب: أن الخطاب في الآية متوجه إلى من أنفق وقاتل قبل الفتح من
~~المؤمنين عند الله تعالى متقربا بهما للوجه الذي شرعا، فليدلوا على تكامل
~~هذه الصفات للقوم ليسلم لهم المقصود، فإن يتعرضوا لذلك يختص الكلام به وسقط
~~تعلقهم بالآية، وإن لا يفعلوا فلا يقع لهم فيها.
# وكذلك القول في جميع ما مضى من الآيات ويأتي، فليتأمل لتقع المضايقة فيه.
# على أنا نتبرع ببيان تعري القوم من صفات المذكورين في الآية.
# أما الإيمان - الذي لا تصح قربة من دونه - فقد دللنا على ms226 تعريهم منه بما
~~لا يختل على متأمل، فمنع من توجه الخطاب إليهم.
# PageV00P384
# وأما الإنفاق، فيفتقر على أمور:
# منها: ثبوت المال للمنفق، وتعيين الزمان الواقعي فيه، والجهة المتعرف
~~فيها، وكونه قربة إلى الله تعالى، وكل مقصود.
# أما المال، فالمعلوم من حال أبي قحافة كونه صياد القماري بمكة، فلما أضر
~~صار مناديا لمائدة عبد الله بن جذعان، وأبو بكر في الجاهلية خياطا، وفي
~~الإسلام يبيع الخلفان، وعمر في الجاهلية جزارا، وفي الإسلام كلا على غيره
~~من المسلمين، وقد عد (1) الناس الأغنياء من قريش فلم يعدهما أحد، وعدوا
~~عفان وابنه عثمان.
# وأما الزمان، فلا يخلو أن يكون قبل الهجرة أو بعدها، وفي أي الحالين كان
~~اقتضى حصول العلم بوجه الذي وقع فيه الإنفاق من حالتي مكة والمدينة.
# وكذلك القول في الجهة مما يجب العلم بعينها، أفي مصالح حال النبي صلى
~~الله عليه وآله والمتبعين له، أو مداراة الكفار، أو تجييش الجيوش؟
# وكل ذلك لا سبيل إلى إثبات شئ منه بيقين، وإنما هو مختص بالإرجاف، لا يجد
~~مدعيه سبيلا إلى إثبات شئ غير ابتياع بلال وعتقه، وهو من أوضح برهان على
~~عدم الإنفاق، لاختصاص الدعوى به، مع بعده من صفة الإنفاق.
# وأما الجهاد، فقد بينا خلو القوم منه، وثبوت ضده من الانهزام في موطن بعد
~~موطن.
# وإذا خلوا من دعوى القتال الثابت في الآية بغير شبهة، فلو ثبت الإنفاق لم
~~ينفع، لأن الوعد في الآية يتوجه إلى من جمع بينهما، دون من انفرد بأحدهما،
~~وبهذا يخرج عثمان من مقتضى الظاهر، لخروجه عن جملة المجاهدين وإن كان له
~~إنفاق، وانتفاء الصفتين عنهم أو أحدهما كاف في خروجهم عن مقتضى الآية.
# ولم سلم كونهم ذوي إنفاق وقتال - مع تعذر ذلك - لم يقتض توجه الخطاب
~~إليهم، لأنه لا حكم ولا إنفاق ولا قتال من دون الإيمان الذين هم براء منه.
# PageV00P385
# ولافتقار صحتهما لو ثبت إيمان فاعلهما إلى إلقائهما للوجوه الشرعية على
~~جهة الاخلاص، فليثبتوا ذلك.
# ومما يوضح نفي القتال والإنفاق عنهم، أو وقوعهما - لو كانا ثابتين - لغير ms227
~~وجههما، أنهما لو كانا كذلك لوجب النص عليهما به وارتفاع اللبس فيه، كجهاد
~~علي وحمزة وجعفر عليهم السلام وأمثالهم المعلوم ضرورة ثبوت النص بوقوعه
~~موقع المستحق، وتعظيم الرسول صلى الله عليه وآله لأجله، وشهادته لهم به،
~~ونزول القرآن بإيثار علي عليه السلام على نفسه وأهله المسكين واليتيم
~~والأسير، وتصدقه في حال الركوع وليلا ونهارا وسرا وعلانية، وتقديمه على
~~المناجاة دون سائر الأمة، وحصول الإجماع بذلك والنص على وقوعه موقع القربة
~~والقطع بثوابه.
# ولما فقدنا ذلك، واختص الدعوى له بالإرجاف - مع وجوب عموم العلم به لو
~~كان ثابتا، لعلو كلمة من يضاف إليه، وكثرة الأتباع، وقوة الدواعي للاحتجاج
~~به، وانتفاء جميع الصوارف عن الناقل وعظيم النفع له بنقله - علمنا انتفاءه،
~~أو وقوعه على وجه لا يستحق به ثوابا، وإلحاقه بإنفاق من نص الله تعالى على
~~حال إنفاقه بقوله تعالى:
# ﴿وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا
~~أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا
~~وهم كارهون﴾ (١)، وقوله سبحانه ﴿قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما
~~فاسقين﴾ (2)، فنص تعالى على قبح إنفاق هؤلاء المذكورين، مع مظاهرتهم
~~بالاسلام، لوقوعه لغير الوجه المعتبر في القبول واستحقاق الثواب، وبهذا
~~يسقط التعلق بإنفاق عثمان ومن يدعى له بإنفاق ممن لم يعلم وقوعهما على
~~الوجه المخصوص.
# وإذا لم يكن توجه الخطاب في الآية إلى من ذكروه قطعا، بل المقطوع به
~~خروجهم منها بما أوضحناه، وجب توجهها إلى من ثبت إيمانه وجهاده وإنفاقه بما
~~أوضحناه،
# PageV00P386
# ووجب توجهها إلى من ثبت إيمانه وجهاده وإنفاقه على جهة الاخلاص قبل الفتح
~~وبعده، كعلي وحمزة وجعفر عليهم (1) السلام، وزيد بن حارثة وعبد الله بن
~~رواحة وسعد وعمار وسلمان وأبي ذر ومقداد، وأمثالهم ممن أجمع المسلمون على
~~ثبوت جهادهم قبل الفتح وبعده، وإنفاق قوم منهم ووقوع ذلك موقع الرضوان،
~~وإلى من كان كذلك عند الله تعالى ممن لم نعرفه على جهة التعين، ولا علمنا ms228
~~خروجه عن الإيمان، ووقوع الأفعال الشرعية منه موقعها، كالقوم المذكورين.
# ومن ذلك في أبي بكر خاصة: قوله تعالى: (إلا تنصروه فقد نصره الله إذ
~~أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن
~~الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها، (2).
# قالوا: فاختص عليه السلام بمصاحبته (3) في مثل تلك الحال التي لا يطلع
~~عليها إلا المخلصين من الأولياء، ونطق به القرآن بأنه ثانيه وصاحبه في
~~الطريق ومشارك له في الكون معه، وأنه عليه السلام شجعه ورق له، وأن السكينة
~~نزلت عليه لخوفه. وحاجته إليها، وغنى النبي عليه السلام عنها.
# والجواب: أنه لا فضيلة في القصة، بل هي دالة على النقص، وأنه لو سلم
~~مرادهم منها لم يضر فيما قصدناه ولم ينفعهم.
# فأما بيان عدم الفضيلة منها، فلسنا نعلم استصحاب النبي صلى الله عليه
~~وآله له، لأنه روي: أنه فقد النبي صلى الله عليه وآله فتبعه، وقيل: إنه
~~لحقه بعدالة (4) السفر، فسأله الصحبة، فلم يتمكن من كتمانه.
# ولو كان بأمره لاحتمل أمورا:
# منها: أنه كان معه في بيت عائشة بحيث لا يخفي عليه شئ من أمره، فلم يجد
~~بدا
# PageV00P387
# من استصحابه، خوفا من إذاعته، إما لضعف رأى أو دين.
# ومنها: للأنس به.
# ومنها: إسلامه ظاهره له وظنه به الخير.
# وليس في شئ من ذلك ما يعصم مما تقوله الشيعة فيه.
# وأما كونه ثانيا، فمخبر عن عد، ولا فضيلة فيه، والغرض به تنبيه المخاذلين
~~في نصرته عليه السلام، على أنه تعالى متولي ذلك منه في هذه الحال وغيرها،
~~كما تولى ذلك في حال كونه فريدا قرين واحد.
# وأما كونه معه في الغار، فلا يدل على فضيلة، لاشتمال المكان على الفاضل
~~والمفضول ومن لا فضل له، وإنما يعلم فضله بغير الكون.
# وتسميته بالصحبة لا يفيد إلا مجرد المصاحبة في السفر وظاهر الانقياد، وكل
~~منهما لا يدل على الفضل منفردا.
# والتسكين والتشجيع يتوجه إلى الولي والعدو، ولا سيما في مثل تلك الحال.
# وإخباره عليه السلام إن ms229 الله معهم بمعنى النصرة المقصود بها النبي صلى
~~الله عليه وآله، ولو كان متوجها إليهما لم يقتض فضلا، لأن المقصود من نصرة
~~النبي عليه السلام والمنع منه يقتضي منع الكائن معه في الغار وإن كان
~~كافرا، لأنهم لو وصلوا إليه بسوء لوصلوا إلى النبي صلى الله عليه وآله،
~~لحصولهما في مكان واحد.
# ونزول السكينة عليه لو سلم لم يدل على فضيلة، لاقتضائها الطمأنينية وزوال
~~الخوف المخوف منه الضرر على النبي صلى الله عليه وآله، لأن ظهور الهلع ممن
~~هو معه في تلك الحال ربما تعدى إلى معرفة الكفار بمكانهم، فلذلك (1) سكنه.
# وأما دلالة الآية على نقيصة أبي بكر فن وجهين:
# أحدهما: قوله تعالى (لا تخزن)، لا يخلو أن يكون ناهيا أو مشجعا، فإن كان
~~ناهيا فالنهي يدل على كراهية المنهي، والنبي صلى الله عليه وإله لا يكره
~~إلا قبيحا، وإن
# PageV00P388
# يك تشجيعا فلم يحصل إلا عن هلع من الرجل أو خوف أو خبة (١)، وذلك شك في
~~خبره عليه السلام، لأنهم لا يختلفون في أنه صلى الله عليه وآله أطلعه على
~~هجرته، وأنه سبب علو الكلمة، فلو وثق بهذا الوعد لم يخف من وصول الضرر إلى
~~النبي صلى الله عليه وآله ولا إلى من هو معه، وهذا أعظم من الأول.
# الثاني: تخصص السكينة بالنبي عليه السلام مع حاجة أبي بكر إليها لخوفه،
~~وأنها لم تنزل قط على رسول الله صلى الله عليه وآله ومعه مؤمنون إلا عمتهم،
~~كقوله تعالى:
# ﴿ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى
~~المؤمنين﴾ (٢)، فلو كان من جملة المؤمنين لنزلت (٣) عليه السكينة مع
~~حاجته إليها في تلك الحال.
# إن قيل: من أين قلتم إن السكينة مختصة بالنبي صلى الله عليه وآله؟ (٤).
# فيجب رجوع الهاء في قوله: (عليه)، (عليه - عليه) السلام - وإن كان قد
~~تقدم ذكر أبي بكر، من حيث كانت عادة المقدم في الضمير المتصل أن يرجع آخره
~~إلى من تعلق به أوله، ما لم يمنع مانع، كقوله: ﴿تعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا﴾ (5)، إنما
~~انقطع الضمير في (وتسبحوه) عن الأول، لأن التسبيح لا يليق بالرسول ويخصه
~~تعالى، لولا ذلك لم ينفصل، ولأنه لا يوجد في كلام العرب ضمير يتعلق أوله
~~بمذكور وأوسطه بمذكور آخر وآخره بالمذكور الأول.
# فلا يجوز أن تكون الحاء في (عليه) مختصة بأبي بكر، مع علمنا بأنها في
~~قوله:
# (نصره) متعلقة بالنبي صلى الله عليه وآله بغير شبهة، وفي قوله: (وأيده
~~بجنود لم
# PageV00P389
# تروها)، ومعلوم أن المؤيد بالجنود هو النبي صلى الله عليه وآله، فيجب أن
~~يكون هو المنزول عليه السكينة.
# ومن ذلك فيه خاصة: قوله تعالى؟ ﴿والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون﴾ (1).
# قالوا: وقد نقل المفسرون اختصاصها بأبي بكر، وفيها الوعد بالمصدق للثواب.
# والجواب من وجوه:
# منها: أن الراوي لذلك من جهلة المفسرين، هم الذين أولوا القرآن بآرائهم،
~~وأضافوا القبيح إلى الله تعالى، وشبهوه بخلقه، كمقاتل وقتادة وداود (و)
~~الحواري والكلبي، ولا اعتداد بتأويل من هذه حاله.
# وبعد، فهو معارض بما رواه ابن عباس ومجاهد وغيرهما من علماء التفسير.
# فمنهم من روى (الذي جاء بالصدق) جبرئيل عليه السلام (وصدق) به النبي صلى
~~الله عليه وآله.
# ومنهم من روى (الذي جاء بالصدق) رسول الله صلى الله عليه وآله (وصدق) به
~~أمير المؤمنين عليه السلام، وهو أولاها، لأنه أول المصدقين به بلا خلاف.
# ولا يقدح في ذلك بما لا تزال جهالهم يقولونه من صغر سنه، لأنه عليه
~~السلام لم يكن صغيرا يبعد منه التصديق، لكونه ابن عشر سنين، وقد وجدنا في
~~زماننا من هو في هذا السن يدرك فهم (2) كثير مما يبعد فهمه عن الكهول، ولأن
~~النبي صلى الله عليه وآله دعاه إلى الإسلام بغير خلاف، ولا يجوز أن يدعو من
~~ليس بكامل، لقبح (3) ذلك، ولأن النبي صلى الله عليه وآله مدحه بالسبق،
~~وتمدح هو به على أعدائه، ولا وجه لذلك إلا
# PageV00P390
# وقوع سبقه موقعه.
# على أنا إن وقعنا فيمن نزلت هذه الآية، فلسنا في خروج أبي بكر منها ms231 (١)،
~~لضلاله (٢) المدلول عليه، وتضمنها الوعد للمذكور فيها بالثواب، ولفقد برهان
~~على وقوع تصديق أبي بكر موقعه ليسلم له الوعد، ولو أمكن ذلك لأغنى عن الآية
~~بلا خلاف.
# ومن ذلك فيه: قوله تعالى: ﴿فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى﴾ (٣).
# قالوا: وقد روى المفسرون أنه أبو بكر.
# والجواب: أنا آمنون كون الآية (ليست) فيه، لما قدمناه من ضلالته، وتضمنها
~~وصفا لا يليق بالضلال.
# ثم لو فرضنا ارتفاع ذلك، لكان الظاهر العموم في كل معط ومصدق، فلا يجوز
~~تخصيصها إلا بدلالة، ولا دلالة في قول المفسرين.
# وبعد، فروايتهم مختصة بتصديقه بحديقة نخل تسمى الحسنى.
# فأول ما في هذا أنه لا تعرف في الحجاز حديقة توصف بذلك، ولأنه لو كان
~~الحال كذلك لقال: تصدق، ولما قال: (صدق)، وهو من التصديق، وقابله بكذب
~~المتعلقين بالاعتقادات دون الصدقة، دل على ما ذكرناه.
# ومن ذلك فيه: قوله تعالى: ﴿ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى
~~والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر
~~الله لكم والله غفور رحيم﴾ (4).
# قالوا: وهذه الآية في أبي بكر ومسطح عند قذفه عائشة، وحرمان أبي بكر إياه
~~البر، وقد سماه الله تعالى أولي فضل، وهذا يخالف ما يقولون فيه.
# والجواب من وجوه:
# PageV00P391
# منها: أن القول بتخصيص الآية بأبي بكر مستند إلى من ذكرناه من جهلة
~~المفسرين، فلا يجوز لمثله الرجوع من ظاهر العموم المتضمن لنهي كل مكلف عن
~~التأول على حرمان أولي القربى والمساكين والمهاجرين بجريرة وقعت منهم.
# على أنه قد روى جماعة من المفسرين ما يخالف ذلك، وأن ملاحاة وقعت بين
~~المهاجرين والأنصار في بعض البعث، فشج بعض المهاجرين أنصاريا، قالوا: لا
~~تبروهم، فأنزل الله الآية، وأراد بالقربى قرابة النبي صلى الله عليه وآله.
# ويقوي هذه الرواية: أن مسطحا لم يكن من قرابة أبي بكر، وهو واحد، وظاهر
~~الآية الجمع، فصار حملها على هذه الرواية أولى، لمطابقتها لها من كل وجه
~~ومنافاتها لروايتهم، وأقل أحوالها ms232 أن تعارض ما رووه، فسقط التعلق بها.
# ومنها: أنا لو سلمنا تخصصها بأبي بكر لكانت بالذم أولى، لكونه منهيا
~~بظاهرها عن فعل، والنهي لا يكون منه إلا عن قبيح، وإذا كان تاليه وقع على
~~وجه يقبح، فالآية برهان على نقصه وذمه، فيكف تجعل دلالة على مدحه؟
# وأيضا فإن الفضل المذكور فيها المراد فيه الفضل في الدنيا وسعة الحال
~~فيها، لأن تعلق الآية بالقصة التي ذكروها يقتضي ذلك، فكأنه قال: ولا يأتل
~~الأغنياء وذووا السعة على منع الفقراء من رزق الله تعالى لديهم.
# وأراد بالفضل هاهنا على مسطح دون غيره، لتخصص الحكم به، وحصول العلم بأن
~~أبا بكر لم يكن من الأغنياء، لا سيما بعد الهجرة.
# وإذا صح هذا، فالفضل في باب الدنيا ليس بثواب ولا دال عليه ولا مانع من
~~قبيح.
# (ما استدل به من السنة) وتعلقوا من جهة السنة بأشياء:
# منها: ما رووه عنه صلوات الله عليه وآله أنه قال: خير القرون القرن الذي
~~أنا فيه، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم.
# وقوله: إن الله تعالى اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت
~~لكم. PageV00P392
# وقوله: أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم.
# والجواب من وجوه:
# منها: أن هذه أخبار آحاد بلا خلاف بين الأصوليين، وما قصدوا له لا يكني
~~فيه إلا ما يوجب العلم باتفاق.
# ومنها: أنه لا يخلو أن يجعلوها دلالة على نفي القبيح عن كل واحد من
~~الصحابة، أو عن إجماعهم.
# والأول معلوم ضرورة خلافه في كثير منهم، وإذا لم يمكن (١) نفيه عن كل
~~واحد لم ينفعهم، لصحة كون من اختلفنا فيه من جملة الآحاد الخارجين عن
~~موجبه.
# والثاني غير نافع لهم، لأنا لا نخالف فيه، لوجوب وجود معصوم في كل قرن
~~يدل دخوله في جماعة المجمعين على صحة إجماعهم، والمقدوح في عدالتهم ليسوا
~~جميع الأمة، والمعصوم من غيرهم.
# ومنها: أن هذه الأخبار معارضة بآيات وأخبار.
# فالآيات: آيات المنافقين، وهي كثيرة.
# ومنها (٢): وصفه تعالى لقوم من الصحابة برفع الأصوات على النبي صلى الله
~~عليه وآله وترك ms233 تعظيمه وتوقيره، حتى نهاهم تعالى عن ذلك بقوله سبحانه: ﴿لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا
~~تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون﴾
~~(٣).
# وقوله تعالى: ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول
~~بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لو إذا فليحذر
~~الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ (4).
# PageV00P393
# وقوله تعالى: ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهوا
~~انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله
~~خير الرازقين﴾ (١)، فنص على إيثارهم التجارة واللهو على الصلاة، والقصة
~~مشهورة.
# وقوله تعالى: ﴿ومنكم من يريد
~~الدنيا﴾ (٢).
# وقوله: ﴿تريدون عرض الدنيا والله
~~يريد الآخرة والله عزيز حكيم لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب
~~عظيم﴾ (٣)، (نزلت هذه الآية) يوم بدر، وهي منافية لدعواهم للغفران لما
~~تقدم وتأخر من ذنوب أهل بدر، وتوبيخهم على هزيمتهم يوم أحد وحنين، وسوء
~~اعتقادهم يوم الأحزاب، والآيات بذلك ثابتة.
# وقوله تعالى: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت
~~من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه
~~فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين﴾ (4).
# وغير ذلك من الآيات المتضمنة لذم قوم ممن هم على ظاهر الصحبة، إيراد
~~جميعها يطول، وفيما ذكرناه كفاية.
# وأما الأخبار؟ فما روره عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: بينا أنا
~~على الحوض - حوض عرضه ما بين بصرى وصنعاء فيه قدحان كعدد النجوم - إذ يأتي
~~قوم من أصحابي أعرفهم بأسمائهم وأنسابهم، إذا دنوا مني اختلجوا دوني،
~~فأقول: أصحابي أصحابي، فيقال لي: يا محمد إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك،
~~فإنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم القهقري منذ فارقتهم، فأقول: ألا بعدا،
~~ألا سحقا ألا سحقا.
# وقوله عليه السلام: - وقد ذكرت فتنة الدجال - إني ms234 لفتنة بعضكم أخوف مني
# PageV00P394
# لفتنة الدجال.
# وقوله عليه السلام: إن من أصحابي من لا يراني بعد أن يفارقني.
# وقوله عليه السلام: ترجعوا بعدي كفارا، يضرب بعضكم رقاب بعض.
# وقوله عليه السلام: لتسلكن سنن من كان قبلكم، حتى لو دخل أحدهم في حجر ضب
~~لدخلتموه، فقيل له: يا رسول الله اليهود والنصارى، فقال: فمن إذن؟!.
# وقوله عليه السلام: يؤخذ بقوم من أصحابي ذات الشمال، فأقول: يا رب
~~أصيحابي، فيقال له: إنهم ليسوا لك بأصحاب، إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك،
~~فأقول:
# بعدا للقوم الظالمين.
# في أمثال لهذه الروايات - يطول بذكرها الكتاب - واردة بما ذكرناه.
# وهذه أخبار قد سلمها الكل، واقترن إليها القرآن، فيجب له الرجوع عما
~~رووه، أو تخصيصه بمن يليق به، ويتعين فرض البرهان على من ادعى تخصصه بمعين.
# ومنها: أن يتكلم على كل خبر منها:
# أما ما رووه أولا، فإن قوله عليه السلام: خير القرون القرن الذي أنا فيه
~~ثم الذين يلونهم، فدلالة على كثرة الأخيار في المذكورين دون جميعهم، كقول
~~القائل: بنو فلان خير من بني فلان وبنو فلان أشجع من بني فلان، لا يفيد
~~كلام هذا إلا ما ذكرناه من كثرة الأخيار والشجعان في إحدى القبيلتين على
~~الأخرى، يؤكد ذلك خروج أكثرهم عن هذه السمة باتفاق.
# ولحصول العلم الضروري بوجود أعيان تابعين أفضل من صحابة، وتابعيهم أفضل
~~منهم، ومعاصرين لنا أفضل من كثير من الصحابة.
# وهو معارض بما رووه من قوله عليه السلام: إن أفضل أمتي قوم آمنوا بي ولم
~~يروني، خالط حتى لحومهم ودماءهم، فهم يؤثروني على الآباء والأمهات.
# وأما ما رووه ثانيا في أهل بدر، فلا يخلو أن يريد عليه السلام غفر لكم
~~الماضي من ذنوبكم، أو المستقبل.
# فات أراد الماضي، فلا نفع فيه في موضع التعلق، لأن غفران ما مضى لا يمنع
~~من PageV00P395
# استيناف مثله.
# وإن أراد المستقبل، فباطل من وجهين:
# أحدهما: أن ظاهر قوله عليه السلام: غفر، إخبار عن ما في لا يجوز حمله على
~~مستقبل إلا بدليل.
# الثاني: أن القطع على غفران ms235 المستقبل على كل حال لمن ليس بمعصوم إغراء
~~بالقبح، وأكثر أهل بدر غير مقطوع على عصمتهم، لوقوع القبح منهم، والاغراء
~~لا يجوز عليه تعالى.
# وأما ما رووه ثالثا، فباطل من وجوه:
# منها: قيام البرهان على ضلال القوم المتقدمين في مقام النبوة ومتبعيهم
~~على ذلك.
# ومنها: أنه عليه السلام لا يجوز أن يحكم بهداية المقتدي به (غير) معصوم،
~~ولا أحد قطع على عصمة من ذكروه، فيجب توجهه إلى أئمتنا عليهم السلام، لثبوت
~~عصمتهم بالأدلة.
# ومنها: أنه لا يخلو أن يريد جميع الصحابة، أو بعضهم.
# ومنها: أنه لا يخلو أن يريد جميع الصحابة، أو بعضهم.
# فإن أراد البعض، فعليهم أن يدلوا على أن القوم المقتدين (1) من جملة ذلك
~~البعض، . أنى لهم به.
# وإن أراد الجميع، فالمعلوم ضرورة خلافه، لوقوع القبح من أكثرهم، كطلحة
~~والزبير وقدامة بن مظعون المستحل الخمر، ومالك بن نويرة وبني حنيفة وغيرهم
~~عندهم، وقاتلي عثمان، ومعاوية وعمرو بن العاص المستحلين دماء أهل بدر
~~وحنين، ووقوعه يحيل كون المقتدي بهم مهتديا.
# ولأن ذلك يقتضي صواب مالك بن نويرة فيما فعله ومن اتبعه، وأبي بكر وخالد
~~فيما أتياه إليه، وعثمان فيما صنعه بابن مسعود وعمار وأبي ذر وغيرهم، وهم
~~مصيبون في
# PageV00P396
# الإنكار عليه وعلى ذويه، ومن منعه (1) الماء وقتله، وعلي وذويه ومن معه
~~من المهاجرين والأنصار في قتال طلحة والزبير ومعاوية وعمرو ومن في حيزهم،
~~وهم في قتاله واستحلال دمه، وهداية كل مقتد بواحد من هؤلاء.
# وفساد ذلك ظاهر.
# ومما تعلقوا به: ما رووه عنه عليه السلام أنه قال: عشرة من أصحابي في
~~الجنة:
# أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد
~~بن زيد بن فضيل، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح.
# قالوا: فشهد لهؤلاء بالجنة، وذلك يقتضي إمامتهم، لأنه لا أحد فرق بين
~~الموضعين، فمنع من شهادتكم عليهم بالكفر المخالفة للنبي صلى الله عليه
~~وآله.
# والجواب: من وجوه:
# أحدها: أنه خبر واحد لا يجوز العمل به عندنا في شئ، ولا عند الكل فيما
~~طريقه ms236 العلم، والقطع على ثبوت الثواب لمكلف معين مما لا يكني فيه إلا
~~العلم، لا سيما في ذي قبائح ظاهرة، فلا يجوز إثبات إثابته (2) بخبر واحد
~~باتفاق.
# وثانيها: أنه لم يروه إلا سعيد، وهو أحد العشرة، ولو كان ثابتا مع قوة
~~الدواعي إلى نقله - لتضمن البشارة بالجنة لأولي الأمر - لوجب تواتره وشياعه
~~إلى حد لا يبقى فيه لبس، ومن فقد ذلك برهان على سقوطه.
# وثالثها: أنه لو كان ثابتا لكان معلوما لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي عليه
~~السلام:
# فكان لا يقول أبو بكر عند وفاته: ليتني لم اكشف بيت فاطمة ولو أغلق على
~~حرب، وليتني لم أقتل الهرمزان، أو ليتني كنت سألت النبي صلى الله عليه وآله
~~هل للأنصار حق في الأمر، فكنا لا ننازعهم، وليتني بايعت أحد الرجلين.
# ولا يقول عمر عند وفاته: ليت أمي لم تلدني، وليتني كنت نسيا منسيا، وود
~~ابن
# PageV00P397
# الخطاب أنه نجى كفافا لا عليه ولا له، ويأمر ابنه بوضع خده على التراب
~~فيتمرغ عليه، فيقول له ابن عباس: يا أمير المؤمنين لم تجزع، فقد كان والله
~~إسلامك عزا وإمارتك فتحا، فيرد عليه عمر: المغرور والله من غررتموه، ود ابن
~~الخطاب أنه نجا (1) كفافا لا عليه ولا له، ويقول: - وقد قيل له: استخلف
~~ابنك عبد الله - حسب آل الخطاب أن يدان رجل منهم بالخلائق.
# لأن علم المكلف بالثواب وأمانه من العقاب يمنع من هذا الجزع ويؤمن من هذا
~~الخوف، وثبوتهما ينافي حصول اليقين به بغير شبهة.
# وكان ينبغي أن يحتج به عثمان على محاصريه، لكونه أبلغ من جميع ما ذكره،
~~وكان لا يظهر ما ظهر من وجوه الصحابة من الاستخفاف به والشهادة عليه
~~بالضلال والحصر ومنع الماء واستحلال دمه وإراقته، لا سيما مع كون جميعهم
~~عند القوم هم العيار في جميع أمور الدين، وكون جمهورهم عندنا بهذه الصفة،
~~لأن علم المسلم الورع كون غيره من أهل الجنة قطعا يجب أن يمنعه من النفير
~~به والاستخفاف والتضليل واستحلال الدم.
# وكان ينبغي أن يحتج به علي عليه السلام ms237 في مواضع الحاجة إليه، ويقبله حين
~~رواه طلحة والزبير يوم الجمل، ولا يرده ويشهد بكذبه ويقطع بضلال بعض
~~المذكورين فيه وخلودهم في النار.
# ورابعها: أن الشهادة بالجنة تقتضي عصمة المشهود له، لأن فقدها فيه يقتضي
~~الإغراء بالقبح، والتكليف مع الإغراء قبيح لا يجوز عليه سبحانه.
# ولا أحد قطع على عصمة التسعة المذكورين فيه حسب ما بيناه في الثلاثة
~~المتقدمين على أمير المؤمنين عليه السلام، وما وقع من عبد الرحمن يوم
~~الشورى وبعدها من ذم عثمان وخذلانه، وما وقع من الجميع من التخلف عن أسامة
~~وخذلان عثمان، وما أتاه طلحة والزبير من حصاره والشد في أمره حتى قتل،
~~ونكثهما بيعة أمير المؤمنين عليه السلام لغير حدث، وما أتوه من القبائح في
~~البصرة قبل حضور علي وبعده، من استحلال
# PageV00P398
# الدماء والأموال بغير حق، وقتال الإمام العادل، وضلال الجميع بجحد النص
~~على أمير المؤمنين عليه السلام الثابت بالأدلة القاهرة، وموت الكل على
~~الإصرار على ذلك، من غير علم ولا ظن بتوبة أحد منهم.
# وخامسا (1): أن هذا الخبر معارض بما رووه من قول أمير المؤمنين عليه
~~السلام لطلحة والزبير: - وقد احتجا عليه - أما أنتما فتشهدان لي بالجنة فقد
~~حرم عليكما قتالي، وأما أنا فيما قلتما من الكافرين، أشهد لسمعت رسول الله
~~صلى الله عليه وآله يقول: إن في جهنم تابوتا فيه ستة من الأولين وستة من
~~الآخرين، إذا أراد الله أن يسعر جهنم فتح ذلك التابوت، وأن فيه لبعض من
~~ذكرتم، وإلا فأظفركم الله بي وأظفرني بكم.
# وهذه مباهلة من أمير المؤمنين عليه السلام، تقتضي ضلال القوم المذكورين
~~في الخبر، ولم يرد عليه أحد من الصحابة ولا طلحة والزبير ومن كان في حيز
~~ما، فصار إجماعا.
# ومن ذلك: ما رووه عنه صلى الله عليه وآله أنه قال: اقتدوا باللذين من
~~بعدي:
# أبي بكر وعمر.
# قالوا: والأمر بذلك ينافي ما يقولون فيهما.
# والجواب من وجوه:
# منها: أنه خبر واحد لا يجوز العمل به عندنا على حال، ولا عند الكل في مثل
~~هذه المسألة.
# ومنها: أنه ms238 لم يرد إلا من جهة عبد الملك بن عمير اللخمي، وكان قاضيا لبني
~~أمية معروفا بالفجور، وهو الذي ذبح بيده عبد الله بن يقطر رضيع الحسين عليه
~~السلام، ولو كان ثابتا لم تقف روايته على هذا الفاجر، مع قوة الدواعي
~~وانتفاء الصوارف (2).
# ومنها: أن الأمر بالاقتداء بهما يقتضي عصمتهما، لقبح الأمر بالاقتداء بمن
~~يجوز
# PageV00P399
# منه القبيح، ولا أحد قطع بها لهما.
# ومنها: وقوع القبائح التي بيناها منهما، وذلك يمنع من الأمر بالاقتداء
~~بهما.
# ومنها: أنه لا أحد من الأمة يدين بوجوب الاقتداء بهما، ولو كان ثابتا
~~لوجب على أقل الأحوال تدين شيعتهما بذلك وتحريم خلافهما، وليسوا كذلك.
# ومنها: أن ظاهر الخبر يقتضي وجوب الاقتداء بهما معا، وذلك محال، لحصول
~~العلم بما بينهما من الاختلاف في الأحكام.
# ومنها: أنه لو كان صحيحا لاحتجا به يوم السقيفة على الأنصار، فهو أحج مما
~~ذكراه، ولأحتج به أبو بكر في توليه عمر على من أنكر عليه ولايته من
~~الصحابة.
# ومن ذ لك: ما رووه من كونهما معه صلى الله عليه وآله في العريش.
# قالوا: وهذا يدل على غاية الاختصاص.
# والجواب من وجوه:
# منها: أنه خبر، واحد، وقد بينا فساد التعلق بمثله في مثل هذا.
# ومنها: أن الظاهر يوم بدر وحنين حين الحرب كون النبي صلى الله عليه وآله
~~معبيا (1) للصفوف وبيده سهم، فوكز به سوار بن عزة، فقال: يا رسول الله
~~آلمتني أقدني، فكشف النبي صلى الله عليه وآله عن بطنه، فقبله سوار، فقال له
~~رسول الله صلى الله عليه وآله: ما حملك على هذا؟ فقال: يا رسول الله هي (2)
~~الحرب وأنا أرجو الشهادة، فأردت أن يكون آخر عهدي أن يمس جلدي جلدك، فجزاه
~~خيرا، وهذا ينافي كونه في العريش منفردا أو مقارنا لغيره.
# ومنها: أنه لو ثبت كونهما معه في العريش، لم يخل أن يكون بأمره أو بغير
~~أمره.
# وكونه بغير أمره لا فضيلة فيه، ويكون الحامل عليه الجبن، ويلحق بما وقع
~~منهما من الفرار في (غير) مقام، لأنه ولا فرق بين القبح ms239 في القعود عن
~~الجهاد مع الحاجة إليه،
# PageV00P400
# وبين الفرار منه، ولم ينههما عن ذلك، لاستغنائه عنه بتقدم الأمر من الله
~~تعالى بالجهاد، والحث منه سبحانه عليه، ولأنه عليه السلام إذا علم الوجه في
~~تخلفهما حسن منه الامساك عنهما، خوفا من الفساد بظهور جورهما وفشلهما.
# وإن كان بأمره - عليه الصلاة والسلام - فلا وجه له إلا الخوف من
~~إفسادهما، لأن الشفقة عليهما من الجهاد ليست دينه، لحصول العلم الضروري
~~بالحث على الجهاد وذم المتخلف عنه، وتعريض نفسه وخلصائه من أهله وأصحابه
~~له، فصار العريش منقصة ظاهرة.
# وليس لأحد أن يقول: الوجه في حبسهما في العريش للمشاورة.
# لأنه عليه السلام غني عن رأيهما بالوحي، ولأنه لو كان كذلك لحفظ ما أشارا
~~به، ونقل كما نقل ما أشارا به بعد الظهور على الكفار من احتباس الأسرى
~~وبيعهم، ونزول القرآن بذم أبي بكر المشير به ومشورة الآخر بالقتل، ولأن
~~الجلوس في العريش كان بعد الفراغ من الرأي والمكيدة والتقاء القوم للحرب،
~~ولأن الحرب وسياستها غيبته عن رأي أبي بكر بنزول الملائكة وتوليهم أمرها.
# (رد من قال بأن ما عمله القوم لا يوجب الكفر) إن قيل: فهب سلم لكم خلاف
~~المتقدمين على أمير المؤمنين عليه السلام وأتباعهم، ومحاربتهم (1) لله
~~ورسوله بتقدمهم وحربهم، من أين لكم أن ذلك الخلات كفر مضوا مصرين عليه؟ وما
~~أنكرتم أن يكون فسقا يجوز العفو عنه أو حصول التوبة منه، وذلك يمنع من
~~فتياكم فيهم بالضلال والخلود في النار على أصولكم في... (2).
# قيل: إن المتقدمين على أمير المؤمنين عليه السلام وأعيان أتباعهم، كسعد
~~وسعيد وخالد وأبي عبيدة وعبد الرحمن وسالم والمغيرة، فالأمة فيهم رجلان:
# PageV00P401
# إما قائل بإيمانهم وموتهم على طاعة الله وطاعة رسوله عليه السلام.
# أو قائل بخلافهم لله تعالى ورسوله عليه السلام.
# وكل من قال بالثاني قال إن ذلك الخلاف كفر ماتوا عليه واستحقوا به الخلود
~~في النار.
# وتسليم خلافهم، ودعوى كونه فسقا ليس بكفر يصح غفرانه ابتداء، أو ثبوته
~~(1) حصلت منهم، خروج من الإجماع.
# فيجب على مقتضى تسليم السائل عصيانهم ms240 الحكم بصحة فتيانا.
# وأيضا، فكل من أوجب الرئاسة عقلا وعصمة الرئيس قال فيهم بغيا (2)، فلو
~~كذلك كل من أثبت النص الجلي على أمير المؤمنين عليه السلام قال بذلك - ولذا
~~كان برهان الرئاسة وصفتها والنص الجلي واضحا بما بيناه - ثبت خلافهم للواجب
~~عليهم، وكونه كفرا مضوا عليه.
# وأيضا، فإذا كانت الإمامة بصفاتها من جملة المعارف العقلية والتكذيب بها
~~كفر، وقد ثبت تخصصها بعد النبي صلى الله عليه وآله بأمير المؤمنين عليه
~~السلام بواضح الحجة، وتديخهم بجحدها، وجب الحكم بكفرهم.
# وأيضا، ففرض الإمامة عام باتفاق، فإذا ثبت لأمير المؤمنين عليه السلام
~~بالكتاب والسنة ثبت كفرهم بجحدهم ما يعم فرضه، كالصلاة والصوم.
# إن قيل: هاتان الطريقتان مثبتتان على إنكارهم إمامة علي عليه السلام
~~مستحلين، فدلوا على ذلك.
# قيل: ذلك معلوم من حالهم بأدنى تأمل ومتيقن من قصدهم، يوضحه: أن الشيعة
~~بأسرها تقطع عليه، ومن خالفها من شيعة المتقدمين يدينون بنفي إمامته،
~~مضيفين هذه الفتيا إلى سلفهم، فارتفع لذلك اللبس قي إنكار الإمامة عن
~~استحلال.
# PageV00P402
# وأيضا، فمعلوم من دين أمير المؤمنين عليه السلام وذريته المعصومين عليهم
~~السلام وشيعتهم الصالحين القطع على كفر القوم وموتهم عليه وخلودهم به في
~~النار، وفتياهم بذلك خلفا عن سلف، وانقراض الأعصار بإطباق الذرية في النسب
~~والشيعة في المذهب عليه، والفتيا حجة - لاستنادها في كل عصر إلى حجة معصوم
~~- لو ثبتت في عصر واحد لكفت، فكيف بها متناصرة في الأعصار المتوالية.
# إن قيل: ومن أي وجه علمتم ذلك من حال من ذكرتموه؟ أبينوا عنه لنعلم صحة
~~هذه الإضافة من فسادها.
# قيل: أما تدين أمير المؤمنين والأئمة من ذريته صلوات الله عليهم بذلك فمن
~~وجوه:
# أحدها: تأمل حالهم، وما حفظ عنهم بحضرة الولي والعدو من الازراء على
~~القطع المقوم بصلاتهم (1)، كما يعلم بدين الشافعي ومالك وأبي حنيفة ومن
~~تبعهم بولاية القوم.
# ومنها: تواتر شيعتهم عنهم وذراريهم بذلك، وتقربهم إلى الله تعالى وإليهم
~~به مع اختصاصهم بهم وتوليهم وقبول ما يحملونه من حقوق الأموال، وتعظيمهم
~~(2) مع هذه الحال، ولو كان دينهم عليهم ms241 السلام بخلاف ما يظهر من ذريتهم
~~وشيعتهم ويدينون به لأنكروا عليهم وبرئوا منهم، وفي فقد ذلك دليل على
~~موافقتهم لهم فيه.
# فأما طريق تدين الشيعة والذرية بذلك، فالعلم الضروري من حالهم اتخاذهم
~~شعارا على حال الأمن والخوف.
# وأما من عدا من ذكرنا من الصحابة، فعلى ضروب:
# منها: ضرب مقطوع على إيمانهم: كسلمان، وعمار، وأبي ذر، ومقداد، وحذيفة،
~~وخزيمة، وعبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، وأبي سعيد الخدري، والعباس،
~~وولده، وبريدة الأسلمي، في أمثال لهؤلاء من شيعة أمير المؤمنين عليه
~~السلام، العارفين
# PageV00P403
# بإمامته، المختصين بولايته، الممسكين لإمساكه.
# وضرب معلوم إيمانهم على جهة الجملة، لم يتعينوا بعين من ذكرناه، ولم
~~يتبعوا الظالمين اتباع من نذكره.
# وضرب كفار غير متعين بعين من قدمناه، وهم الذين يدينون بجحد إمامة أمير
~~المؤمنين عليه السلام، وهم رجلان: منافق يظهر الإسلام ويبطن الكفر، ومعتقد
~~لظاهر الإسلام عن تقليد بغير حجة أو حجة واقعة غير موقعها يدين بجهله
~~بإمامة المتقدمين.
# وضرب فساق حملهم حب الدنيا وإيثار الرئاسة وإرادة الحظوة عند الرؤساء على
~~الترشح لهذا الأمر، أو اتباع المتغلبين رغبة عندهم، مع ثبوت إيمانهم عند
~~الله تعالى وسوابقه إلى دينه، وعلمهم بإمامة أمير المؤمنين عليه السلام،
~~ودينهم بفرضها وضلال منكرها، فهم الجمهور الأكبر والسواد الأعظم.
# وإن قيل: فإذا كانت هذه حال الناس بعد النبي صلى الله عليه وآله، فقد كان
~~ينبغي لعلي عليه السلام أن يدعو إلى نفسه، ويذكر بفرض طاعته وواجب حقه،
~~فإذا فعل فالجمهور على قولكم عارفون بإمامته وفرض طاعته، ويجدون عنده ما
~~يؤملونه من الدنيا مع سلامة الدين، فلا يبقى لهم صارف عنه، ومنكر ذلك
~~القليل الذي لا قوام لهم بأهل الحق.
# قيل: أما دعوته صلوات الله عليه الناس إلى نفسه فغير واجبة عليه،
~~لاستغنائه عنها بدعوة الله سبحانه بنص التنزيل، ودعوة الرسول صلى الله عليه
~~وآله في غير مقام بضروب الأقوال.
# غير أنه عليه السلام قد دعى ونبه وخوف من خلافه، وصرح بكونه أولى بالبيعة
~~من ملحيه (1) إليها، وأحق الناس بمقام النبي صلى الله ms242 عليه وآله من القائم
~~فيه.
# فأجابه المخلصون، وهم رجلان: مستطيع للنصرة وهم الأقل الذين لا يتم بهم
~~الانتصار، ومن عداهم ذوو دين وورع وليسوا أهل حرب وقتال.
# PageV00P404
# وتخلف عنه الأكثر: فمن كافر بإمامته لا ترجى نصرته، ومن دان بها قد سبق
~~إلى بيعة أبي بكر للوجوه التي ذكرناها من الطمع في الدنيا وعاجل بزخرفها
~~يظن لتقصيره عن النصر أن ذمته مرتهنة ببيعته لأبي بكر، وأنه لا يسوغ له
~~نكثها على حال، أو يعلم الحق في وجوب البيعة لأمر الله تعالى ورسوله صلى
~~الله عليه وآله وما أوجباه من إمامة أمير المؤمنين عليه السلام التي لا
~~ينقضها عهد ولا يعذر في تركها عقد، ويصرفه عن ذلك الطمع في نيل الرئاسة
~~وبلوغ المأمول من الدنيا بولاية القوم.
# وما زال الأكثر من الخلق من أول الدهر إلى الآن يؤثرون الدنيا على
~~الآخرة، ويرغبون عنها لبعض ما رغب فيه أتباع الظالمين، مع سلامة الظواهر
~~والبواطن من الضلال، ومؤثرو الآخرة على الدنيا وبايعوها لها الأقلون عددا،
~~عادتهم بذلك جارية، وحالهم فيه معلومة، وخلافه لا يعرف وبنقضه لا يتوهم.
# وبهذا يسقط ما لا يزالون يتعجبون منه من عدول الناس عن ذوي العشيرة
~~الكثيرة والفضائل العظيمة مع القربى والسبق والجهاد والزهد والعلم وكونه
~~منصوصا عليه على ما يزعمون، إلى من لا يدانيه في شئ ولا نص عليه، فليتأمل
~~ذلك.
# ولأنه لا قياس على الاتفاق ولا تعجب من تمام الرئاسة لذوي الدناءة والنقص
~~على ذي النباهة والفضل، والعادة به جارية، والموجود له شاهده، وما بين
~~الخلق والدني إلا أن تتم له الرئاسة حتى ينقاد له الفاضل والمفضول والسيد
~~والمسود، ويسلم له الشجاع القوي والضعيف الدني، وينخع الكل بالطاعة رجاء أو
~~خوفا.
# وبعد، فهناك دعوى إلى ولاية القوم وصوارف عنه عليه السلام لما هو عليه
~~وهم من الصفات.
# منها: أن هناك منافقين اضطرهم علو كلمة الإسلام، وخوف علي وشيعته
~~المخلصين في النبوة إلى إظهاره، لا داعي لهم إلى ولاية سنام هذا الدين
~~وناصره ومذل الشرك ودامغه، ولهذا نجدهم مدة ms243 حياة النبي صلى الله عليه وآله
~~وإلى أن قبضه سبحانه إليه يقدحون في الدين ويدغلون على المؤمنين، ويتربصون
~~بهم الدوائر، ويرجفون في المدينة ومن حولها، ولم يعرف مرجف في ولاية
~~الثلاثة ولا قادح ولايتهم بذلك، فلما آل PageV00P405
# الأمر إلى علي عليه السلام عادت الحال إلى ما كانت عليه في أيام النبي
~~صلى الله عليه وآله.
# وهذا برهان واضح على ما قلناه، مع ما فيه من برهان نفاق المتقدمين
~~ومشاركتهم للمعروفين به أيام النبي صلى الله عليه وآله.
# ومنها: أن أمير المؤمنين عليه السلام مزيل الرئاسات، ومذل العزيز، وقاتل
~~الأحبة، ومفرق الجمع، ومن هذه حاله فالصوارف عنه قوية، وإن كان المصروف
~~محقا، لاستناد نفاره عنه إلى الطباع الغالبة، ولهذا قال النبي صلى الله
~~عليه وآله - وهو أعلى الخلق إيمانا - لوحشي قاتل عمه وقد آمن به: أخرج عني،
~~فإني لا أطيق أرى قاتل عمي، فما بال نخوة الجاهلية وقريبي عهد الإيمان،
~~وليس في القوم المتقدمين شئ من ذلك.
# ومنها: علم الكل من حال علي عليه السلام أنه إن يلي الأمر لا يعدو سيرة
~~نبيهم صلى الله عليه وآله: من التسوية بين الرئيس والمرؤوس والسيد والمسود
~~في العطاء، وعلم الرؤساء والسادة والشجعان الذين بهم تتم الرئاسات وينقاد
~~لهم الأتباع فيرضون لرضاهم ويسخطون لسخطهم، فذلك صرفهم عن ولاية علي عليه
~~السلام إلى المتقدمين عليه.
# وقد صرح بهذا عبد الرحمن يوم الشورى في تعريضه عليا عليه السلام للبيعة
~~على سيرة أبي بكر وعمر، وامتناعه من ذلك إلى السيرة بكتاب الله وسنة نبيه
~~عليه السلام، ومبايعة عثمان على هذا الشرط، وإمساك أهل الحل والعقد وذوي
~~النجدة والرأي عن الإنكار على عبد الرحمن، لعلمهم بمقصده وقصد علي عليه
~~السلام وما يريده من سيرة النبوة المساوية بينهم وبين أطراف الناس، وما
~~يريده عبد الرحمن من التفضيل في العطاء.
# ومعلوم توفر صوارف الرؤساء عن ولاية من هذه حاله، ودواعيهم إلى ولاية من
~~بين لهم في الدنيا منازلهم وارتفاع الشبهة (1) عن العقلاء في فساد رئاسة
~~ذاك وتمام ولاية
# PageV00P406
# هذا، لحصول ms244 العلم الضروري بجريان العادة من أول الدهر وإلى الآن به.
# ومنها: علم الأماثل ورؤوس القبائل بيأسهم من الخلافة ورئاسة الأنام مع
~~ولاية علي عليه السلام، وثبوت فضله وذريته عليهم السلام، وتقدم النص من
~~الله تعالى ومن رسوله عليه السلام عليه وعليهم بالإمامة وخلافة الخلق إلى
~~يوم القيامة، وطمعهم فيها يصرفها عنه إلى غيره.
# وقد صرح بهذا المغيرة بن شعبة يوم السقيفة في قوله: وسعوا ما يتسع، والله
~~لئن وليتموها هاشميا لا يزال ينتظر بها الحمول في بطون النساء.
# وقد صحح هذا الغرض الوجود، وكشف عدولهم بالخلافة عن أهلها الذين اختارهم
~~الله سبحانه ورسوله صلى الله عليه وآله لها، عن تعديها إلى من كان لا يظن
~~به صلاح للإمارة على قرنه، كمعاوية بن أبي سفيان، وولده يزيد، ومروان بن
~~الحكم الطريد ابن الطريد، ومسلمة الفتح، ومن هدر النبي صلى الله عليه وآله
~~دمه، ومن بعدهم من الولاة والأمراء المعلنين بالفسق وعظيم الجور وقبح
~~السياسة الدينية (1) والدنيوية.
# فلكل واحد من هذه الوجوه عدل بالأمر عن أمير المؤمنين عليه السلام، مع
~~ظهور فضائله، وثبوت ذرائعه ووسائله إليه، وانتفائها عمن أهل للأمر وقدم
~~عليه صلوات الله عليه وآله.
# وأما محاربوه عليه السلام، فبرهان كفرهم أظهر من برهان كفر المتقدمين
~~عليه، لأن كل شئ دل على كفر أولئك دل على كفر هؤلاء، عدا الدليل الأول، لأن
~~المعتزلة تحكم بفسق أصحاب الجمل وصفين دون كفرهم، وتدعي توبة أهل البصرة.
# ويدل فيهم خاصة: ما أجمعت الأمة عليه من قول رسول الله صلى الله عليه
~~وآله:
# حربك يا علي حربي وسلمك سلمي، وقوله عليه السلام: من حارب عليا فقد
~~حاربني ومن حاربني فقد حارب الله، وقوله صلى الله عليه وآله لعلي عليه
~~السلام: أنا حرب لمن
# PageV00P407
# حاربت وسلم لمن سالمت.
# وقد اتفقت الأمة على أن حرب رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي عليه
~~السلام لملة كفر، ومحاربه كافر، فيجب أن يكون حرب حال علي عليه السلام عليه
~~ومحاربه كذلك، حسب ما نص عليه وحكم به.
# ويدل أيضا ms245 على ضلالهم: حصول العلم من قصورهم استحلال دماء المؤمنين على
~~الظاهر باتفاق، والمقطوع على إيمانهم عند الله تعالى، كعلي والحسن والحسين
~~ومحمد بن الحنفية وابن عباس وعمار وجماعة من الصحابة والتابعين بإجماع، وقد
~~اتفق الكل على كفر مستحل دماء أهل الإيمان، فيجب الكفر لحكمهم.
# ويدل أيضا على ذلك: المعلوم من شعار أمير المؤمنين عليه السلام وأصحابه
~~في الجمل والصفين والنهر من الحكم بكفر أهلها وتحليل دمائهم في حال الحرب
~~وبعدها، والحكم بكفر المسلم واستحلال دمه ضلال، ولا أحد حكم بذلك في علي
~~عليه السلام ووجوه أصحابه، فتثبت صحة فتياهم.
# إن قيل: أليس الخوارج تدين بكفر من ذكرتم، فكيف يصح مع ذلك هذا -
~~الاعتبار؟
# قيل: لا اعتداد بفتيا الخوارج، لضلالهم عن الدين ومروقهم من الإسلام بما
~~قدمناه، وباتفاق الأمة على كفرهم، ومن هذه حاله لا تأثير لخلافه ولا وفاقه،
~~على أن الإجماع بإيمان علي وولده عليهم السلام ومن ذكرناه من أصحابه والقطع
~~بثوابهم عند الله سبحانه سابق لبدعة الخوارج، فجرى قدحهم في إيمان من ذكرنا
~~حصول الإجماع بإيمانه، وكونه معلوما من دين النبي صلى الله عليه وآله
~~ضرورة، مجرى المعلومات من دينه كالصلاة والزكاة والثواب والعقاب، فكما لا
~~يحكم للقدح في شئ منها ولا ريب في كفر القادح فكذلك إيمان المذكورين.
# وبعد، فإن الخوارج لم تكفر عليا عليه السلام وشيعته بقتالهم القوم، ولا
~~بشهادتهم بكفرهم، وكيف بذلك وهم شركاؤهم في الأمرين؟! فسقط الاعتراض بهم
~~على دليلنا، وبان بعد الشبهة به منه. PageV00P408
# وإنما اشتبه على الخوارج الأمر في التحكيم، فظنوه كبيرة، ومذهبهم في
~~مرتكب الكبيرة عامة كافر.
# وقد بينا حسن التحكيم وجهل من قبحه، وسنبين صحة ثبوت الإيمان مع ارتكاب
~~الكبائر، فسقط بكل واحد من الأمرين مذهب الخوارج على كل وجه، وإن لم يكن
~~الاعتراض بهم قادحا فيما ذكرناه.
# إن قيل: لو كانوا كفارا لحكم فيهم بأحكام الكفار: من سبي، وقسمة في
~~استيصال.
# قيل: قد ثبت كفرهم بالأدلة القاهرة، فلا يقدح في سيرته فيهم بما يخالف
~~أحكام المشركين وأهل الكتاب، بإجماع العلماء ms246 على صواب سيرة أمير المؤمنين
~~عليه السلام فيهم وكونها قدوة لجميع الأمة في محاربي أهل القبلة ومن كان
~~كذلك، فلا اعتراض على شئ مما يفعله.
# وبعد، فقد علمنا اختلاف أحكام الكفار، كحال اليهود والنصارى والمجوس
~~الحربيين يخالف حال الداخلين منهم تحت الذمة، وحال الجميع يخالف حال عباد
~~الأصنام، وأحكام الكل تخالف أحكام المرتد، وأحكام المرتدين تختلف، والمجبرة
~~والمشبهة عند كافة أهل العدل كفار، وحالهم يخالف أحوال من قدمناه من ضروب
~~الكفار، والمعتزلة ومن عداها من الخوارج وغيرهم من الفرق الجاحدة للنص أو
~~إمامة إمام من الله تعالى عند (1) الشيعة كفار، مع مخالفة حالهم لمن
~~ذكرناه، والمقلدة كفار عند جميع أهل النظر وإن اعتقدوا الحق بأسره،
~~وأحكامهم خارجه عمن ذكرناه.
# وإذا علمنا من دين المسلمين اختلاف أحكام الكفار مع اشتراكهم في الكفر،
~~لم تكن مخالفة المحاربين في الحكم لبعض الكفار مخرجة لهم عن سمة الكفر
~~وحكمه، الثابتين بالأدلة، مع علمنا باستناد ذلك على سيرة المشهود له بالعلم
~~ومقارنة الحق، حيث كان المدلول على ثبوت الحجة بقوله وفعله.
# PageV00P409
# (رد من ادعى توبتهم) فأما دعوى توبتهم، فباطلة من وجوه:
# منها: أن كل من قال أن قتالهم عليا عليه السلام كفر حكم بموتهم عليه، وقد
~~دللنا على ذلك، فلحق التفصيل بالجملة.
# ومنها: إجماع آل محمد عليهم السلام وشيعتهم على ذلك، وإجماعهم حجة بما
~~بيناه.
# ومنها: حصول العلم بقتل طلحة في المعركة والزبير بوادي السباع، فلو كانا
~~تابا من نكث بيعة أمير المؤمنين عليه السلام وحربه لوجب أن يرجعا إليه
~~نادمين معتذرين، لا سيما وذلك ممكن، ومن حصول خلافه دليل على إصرارهما.
# وأيضا، فضلالهم بالحرب معلوم، فلا يجوز الرجوع عنه بأخبار شاذة مقدوح في
~~طرقها، ولو سلمت من القدح لكانت آحادا لا يجوز من جهة العقل ولا السمع
~~عندنا العمل بها في شئ من الفروع، فكيف في مسألة لا يجوز الحكم فيها بشئ لا
~~يوجب العلم باتفاق.
# وبعد، فلو صحت الأخبار المتعلقة بها في التوبة لم تدل على المقصود،
~~لاحتمالها للتوبة وغيرها، فلا يجوز الحكم ms247 بالمحتمل على ما لا يحتمل.
# كقول طلحة: ما رأيت مصرع شيخ أضيع من مصرعي، و:
# ندمت ندامة الكسعي لما رأت عيناه ما صنعت يداه وقول الزبير: لو استقبلت
~~من أمري ما استدبرت ما شهدت الجمل.
# وقوله، شعر:
# فاخترت عارا على نار مؤججة أنى يقوم لها خلق من الطين وقول عائشة: ليت
~~أمي لم تلدني ولا شهدت يوم الجمل، وليتني كنت نسيا منسيا.
# في أمثال لهذه الخرافات، لأنه لا شئ من هذه الأقوال دال على التوبة
~~بصفتها، بل PageV00P410
# الظاهر من حالها إفادة التأسف على فوت الأمنية من الظفر بعلي عليه
~~السلام، ونيل المأمول من الخلافة.
# وأحسن أحوالها أن تكون صادرة عن شك في الأمر، وليست التوبة من الشك في
~~شئ، يؤكد ما قلناه: عدولهم عما لا تصح التوبة من دونه، مع إمكانه من الرجوع
~~إلى أمير المؤمنين عليه السلام، والتنصل من قتاله وخلافه.
# فأما بقاء عائشة (1)، فغير نافع، لحصول العلم بإصرارها على عداوة أمير
~~المؤمنين عليه السلام، وتعريضها به في مقام بعد مقام.
# وقولها: كلما جرى ذكر قصة الإفك أشار على رسول الله صلى الله عليه وآله
~~بطلاقي، فلا جرم أني لا أحبه أبدا.
# وقولها: - وقد بشرها بعض عبيدها بقتل علي صلوات الله عليه - شعر:
# فإن يك نائيا (2) فلقد نعاه ناع (3) ليس في فيه التراب ثم قالت للعبد: من
~~قتله؟ قال: عبد الرحمن بن ملجم، قالت: فأنت حر لوجه الله، وقد سميتك عبد
~~الرحمن.
# ثم تمثلت ببيت آخر، شعر:
# وألقت عصاها واستقر بها النوى (4) كما قر عينا بالإياب المسافر (5)
~~ومجاهرة بعداوة أمير المؤمنين، والغبطة بقتله، وما جرى منها عند وفاة الحسن
~~عليه السلام، وقد أوصى أن يجدد به عهد بالنبي ويدفن بالبقيع، فجاءت مسرعة
~~على بغل يقدمها مروان بن الحكم قائلة: لا والله لا يدفن في بيتي إلا من
~~أحب، خذوا ابنكم واذهبوا حيث شئتم، فلا سبيل لكم إلى دفنه، فقال لها ابن
~~الحنفية - وفي رواية ابن عباس
# PageV00P411
# - مالك يا حميراء ألا تحملك الأرض عداوة لبني هاشم، يوما على جمل ويوما ms248
~~على بغل، أما والله لو كان ذلك سائغا لدفن وإن رغم أنفك، لكن الحسن (1)
~~صلوات الله عليه أعرف بحرمة رسول الله صلى الله عليه وآله منك ومن أبيك
~~وصاحبه، أذهبتكم حرمته وضربتم عنده بالمعول.
# إلى غير ذلك مما يدل على عداوتها عليا وذريته، يعلم ذلك من حالها كل سامع
~~للأخبار، كما يعلم ولاية أم سلمة وأسماء بنت عميس زوجة أبي بكر لعلي وذريته
~~عليهم السلام، فإلى دعوى أحمق من دعوى توبة من هذه حاله!! (2).
# PageV00P412
# (إمامة الإمام الثاني عشر) PageV00P413
# فصل: (في إثبات إمامة الحجة بن الحسن ووجه الحكمة في غيبته) ما قدمناه من
~~الأدلة على إمامة الأئمة صلوات الله عليهم برهان واضح على إمامة الحجة بن
~~الحسن عليه السلام، ومغن عن تكلف كلام يختصها، غير أنا نستظهر في الحجة على
~~ذلك بحسب قوة الشبهة في هذه المسألة على المستضعف، وإن كان برهان صحتها
~~واضحا.
# والكلام فيها ينقسم إلى قسمين:
# أحدهما: إثبات إمامة الحجة بن الحسن عليه السلام منذ قبض أبيه وإلى أن
~~يظهر منتصرا لدين الله من أعدائه.
# والثاني: بيان وجه الحكمة في غيبته وتعذر معرفة شخصه ومكانه، وإسقاط ما
~~يعتريها (1) من الشبه.
# فأما الدلالة على إمامته وثبوت الحجة بوجوده، فمن جهة العقل والسمع.
# (برهان العقل على إمامته) فأما برهان العقل، فعلمنا به وجوب الرئاسة
~~وعصمة الرئيس وفضله على الرعية في الظاهر والباطن، وكونه أعلمهم بما هو
~~رئيس فيه، وكل من قال بذلك قال بإمامة الحجة بن الحسن عليه السلام، وكونه
~~الرئيس ذا الصفات الواجبة، دون سائر الخلق، من وفاة أبيه وإلى أن يظهر
~~للانتقام (2) من الظالمين.
# ولأن اعتبار هذه الأصول العقلية يقضي بوجود حجة في الأوقات المذكورة دون
~~من عداه، لأن الأمة في كل عصر أشرنا إليه بين: ناف للإمامة، ومثبت لها
~~معترف بانتفاء
# PageV00P415
# الصفات الواجبة للإمام عمن أثبت إمامته، ومثبت لإمامة الحجة بن الحسن
~~عليه السلام.
# ولا شبهة في فساد قول من نفى الإمامة، لقيام الدلالة على وجوبها، وقول
~~(1) من أثبتها مع تعري الإمام من الصفات الواجبة للإمام لوجوبها ms249 له وفساد
~~إمامة من انتفت عنه وحصول العلم بكون الحق في الملة الإسلامية، فصح بذلك
~~القول بوجود الحجة عليه السلام، إذ لو بطل كغيره من أقوال المسلمين لاقتضى
~~ذلك فساد مدلول الأدلة أو خروج الحق عن الملة الإسلامية، وكلا الأمرين
~~فاسد، فصح ما قلناه، وقد سلف لنا استنادها بين الطريقتين إلى أحكام العقول
~~دون السمع، فأغنى عن تكراره هاهنا.
# (برهان السمع على إمامته) وأما أدلة السمع على إمامته، فعلى ضروب:
# منها: أن كل من أثبت إمامة أبيه وأجداده إلى علي عليه السلام قال بإمامته
~~في الأحوال التي ذكرناها، وقد دللنا على إمامتهم، فلحق الفرع بالأصل،
~~والمنة لله.
# ولأنا نعلم وكل مخالط لآل محمد عليهم السلام وسامع لحديثهم تدينهم (2)
~~بإمامة الحجة الثاني عشر عليه السلام، ونصهم على كونه المهدي المستثير (3)
~~لله ولهم من الظالمين، وقد علمنا عصمتهم بالأدلة، فوجبت القطع على إمامة
~~الاثني عشر صلوات الله عليهم خاصة، فما له وجبت إمامة الأول من الآيات
~~والأخبار له وجبت إمامة الثاني عشر صلوات الله عليه، إذ لا فرق بين
~~الأمرين.
# ومنها: النص على إمامة الحجة عليه السلام، وهو على ضروب ثلاثة:
# أحدها: النص من رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام
~~على عدد الأئمة عليهم السلام وأنهم اثنا عشر، ولا شبهة على متأمل في أن
~~النص على هذا
# PageV00P416
# العدد المخصوص نص على إمامة الحجة عليه السلام، كما هو نص على إمامة
~~آبائه من الحسن بن علي بن محمد بن عين الرضا، إلى علي بن أبي طالب عليهم
~~السلام، إذ لا أحد قال بهذا العدد المخصوص وقصر الإمامة عليه دون ما نقص
~~منه وزاد عليه إلا خص به أمير المؤمنين والحجة بن الحسن ومن بينهما من
~~الأئمة عليهم السلام.
# وهذا الضرب من النص وارد من طريقي الخاصة والعامة.
# (نص رسول الله على عدد الأئمة من بعده من طريق العامة لم فمما روته
~~العامة فيه: عن الشعبي، عن مسروق، قال: كنا عند ابن مسعود، فقال له رجل:
~~أحدثكم نبيكم كم يكون ms250 بعده من الخلفاء؟ فقال له عبد الله بن مسعود: نعم،
~~وما سألني عنها أحد قبلك، وإنك لأحدث القوم سنا، سمعته عليه الصلاة والسلام
~~يقول:
# يكون بعدي من الخلفاء عدة نقباء موسى عليه السلام: اثنا عشر خليفة، كلهم
~~من قريش (1).
# ورووا عن ابن مسعود من طرق أخر.
# وزاد في بعضها مسروق قال: كنا جلوسا إلى عبد الله يقرئنا القرآن، فقال له
~~رجل: يا أبا عبد الرحمن هل سألتم رسول الله صلى الله عليه وآله كم يملك أمر
~~هذه الأمة من خليفة من بعده؟ فقال له عبد الله: ما سألني أحد منذ قدمت
~~العراق عن هذا، سألنا رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: اثنا عشر، عدة
~~نقباء بني إسرائيل (2).
# ورووا عن عبد الله بن أبي أمية مولى بني مجاشع، عن يزيد الرقاشي (3)، عن
~~أنس ابن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لن يزال هذا الدين
~~قائما إلى اثني عشر من قريش، فإذا مضوا ساخت الأرض بأهلها، وساق الحديث
~~(4).
# PageV00P417
# ورووا عن زياد بن خثيمة، عن الأسود بن سعيد الهمداني قال: سمعت جابر بن
~~سمرة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: يكون بعدي اثنا عشر
~~خليفة كلهم من قريش، فقالوا له: ثم يكون ماذا؟ فقال: ثم يكون الهرج (1).
# ورووا عن الشعبي، عن جابر بن سمرة: أن النبي صلى الله عليه وآله قال: لا
~~يزال أهل هذا الدين ينصرون على من ناواهم إلى اثني عشر خليفة، فجعل الناس
~~يقومون ويقعدون، وتكلم بكلمة لم أفهمها، فقلت لأبي أو لأخي: أي شئ قال؟
~~فقال: كلهم من قريش (2).
# ورووا عن سماك بن حرب (3)، وزياد بن علاقة (4)، وحصين بن عبد الرحمن (5)،
~~وعبد الملك بن عمير (6)، وأبي خالد الوالبي (7)، عن جابر بن سمرة، مثله.
# ورووا عن يونس بن أبي يعفور (8)، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه قال: كنت
~~عند رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يخطب وعمي جالس بين يدي، فقال رسول
~~الله صلى الله عليه وآله: لا يزال أمر أمتي ms251 صالحا حتى يمر اثنا عشر خليفة
~~كلهم من قريش (9).
# ورووا عن ربيعة بن سيف قال: كنا عند شقيق الأصبحي فقال: سمعت عبد الله بن
~~عمر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: يكون خلفي اثنا عشر
~~خليفة (10).
# ورووا عن حماد بن سلمة، عن أبي الطفيل قال: قال لي عبد الله بن عمر: يا
# PageV00P418
# أبا لطفيل أعدد اثني عشر خليفة بعد النبي صلى الله عليه وآله، ثم يكون
~~النقف والنفاق (1).
# في أمثال لهذه الأحاديث من طريق العامة.
# (النص على عدد الأئمة من طريق الخاصة) ومن الشيعة ما تناصرت به روايتهم:
# عن أبي الجارود، عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام، عن
~~أبيه، عن جده عليهما السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إني
~~واثنا عشر من أهل بيتي - أولهم علي بن أبي طالب عليه السلام - أوتاد الأرض
~~التي أمسكها الله بها أن تسيخ بأهلها، فإذا ذهب الاثنا عشر من أهلي ساخت
~~الأرض بأهلها ولم ينظروا (2).
# وعن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أهل
~~بيتي اثنا عشر نقيبا نجباء محدثون مفهمون وآخرهم القائم بالحق يملأها عدلا
~~كما ملأت جورا (3).
# ورووا عن أبي بصير، عن أبي عبد الله، عن آبائه عليهم السلام قال: قال
~~رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله عز وجل اختار من الأيام يوم الجمعة،
~~ومن المشهور شهر رمضان، ومن الليالي ليلة القدر، واختار من الناس الأنبياء،
~~واختار من الأنبياء الرسل، واختار (ني) من الرسل، واختار مني عليا، واختار
~~من علي الحسن والحسين، واختار من الحسين الأوصياء عليهم السلام، وهم تسعة
~~من ولد الحسين، ينفون عن هذا الدين تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل
~~الجاهلين، تاسعهم باطنهم
# PageV00P419
# وظاهرهم وهو قائمهم (1).
# ورووا عن سلمان قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وقد أجلس الحسين
~~ابن علي عليهما السلام على فخذه وتفرس في وجهه: ثم قال: إمام ابن إمام أبو
~~أئمة حجج تسع تاسعهم قائمهم أفضلهم أحلمهم ms252 أعلمهم (2).
# ورووا عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الله عز وجل
~~أرسل محمدا صلى الله عليه وآله إلى الجن والإنس عامه، وكان من بعده اثنا
~~عشر وصيا، منهم من سبق، ومنهم من بقي، وكل وصي جرت به سنة (و) الأوصياء
~~الذين بعد محمد صلى الله عليه وآله... (3).
# ورووا عن سليم بن قيس الهلالي قال: سمعت عبد الله بن جعفر بن أبي طالب
~~يقول: كنا عند معاوية والحسن والحسين عليهما السلام وابن عباس وعمر بن أبي
~~سلمة وأسامة بن زيد، فذكر كلاما جرى بينه وبينه، وأنه قال: يا معاوية سمعت
~~رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إني أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثم أخي
~~علي بن أبي طالب أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا استشهد فابنه الحسن أولى
~~بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا استشهد فابني الحسين أولى بالمؤمنين من أنفسهم،
~~فإذا استشهد فعلي بن الحسين أولى بالمؤمنين من أنفسهم - وستدركه يا علي -
~~ثم ابني محمد بن علي أولى بالمؤمنين من أنفسم - وستدركه يا حسين - ثم تكمله
~~اثني عشر إماما من ولد الحسين عليه السلام.
# قال عبد الله بن جعفر: فاستشهدت الحسن والحسين وعبد الله بن عباس وعمر بن
~~أبي سلمة وأسامة بن زيد، فشهدوا لي بذلك عند معاوية.
# قال سليم: وقد كنت سمعت ذلك من سلمان وأبي ذر وأسامة بن زيد، وروره عن
~~رسول الله صلى الله عليه وآله (4).
# PageV00P420
# ومنه ما تناصرت به الرواية من حديث الخضر عليه السلام وسؤاله أمير
~~المؤمنين عليه السلام عن المسائل، فأمر الحسن عليه السلام فإجابته عنها،
~~فأجابه، فأظهر الخضر عليه السلام بحضرة الجماعة الاقرار لله سبحانه
~~بالربوبية ولمحمد صلى الله عليه وآله بالنبوة ولأمير المؤمنين عليه السلام
~~بالإمامة والحسن والحسين والتسعة من ولد الحسين عليه السلام (و) أنه الخضر
~~عليه السلام (1).
# ورووا قصة اللوح الذي أهبطه الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وآله فيه
~~أسماء الأئمة الاثني عشر.
# ورووا ذلك من عدة طرق عن جابر بن عبد الله الأنصاري رحمه الله، ms253 قال: دخلت
~~على فاطمة عليها السلام، وبين يديها (2) لوح فيه أسماء الأوصياء من ولدها
~~عليهم السلام، فعددت اثني عشر، أحدهم (3) القائم بالحق، اثنان منهم محمد،
~~وأربعة منهم علي (4).
# ورووا عن أبي بصير، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام
~~قال:
# قال أبي - يعني الباقر محمد بن علي عليهما السلام - لجابر بن عبد الله:
~~إن لي إليك حاجة، متى يخف عليك أن أخلو بك فأسألك عنها؟ فقال له جابر: أي
~~الأوقات أحببت، فخلى به في بعض الأيام، فقال له: يا جابر أخبرني عن اللوح
~~الذي رأيته في يد أمي فاطمة عليها السلام وما أخبرتك به أن فيه مكتوبا؟
~~فقال جابر: أشهد بالله، وساق الحديث (5).
# ومما رو (و) ه حديث الاثني عشر صحيفة المختومة بإثني عشر خاتما، التي نزل
~~بها جبرئيل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وآله فيعمل بما فيها
~~(علي عليه السلام)، فإذا احتضر سلمها إلى الحسن عليه السلام، ففتح صحيفة
~~وعمل بما فيها، ثم
# PageV00P421
# إلى الحسين عليه السلام، ثم واحدا بعد واحد إلى الثاني عشر عليهم السلام.
# ورووا عن أبي عبد الله عليه السلام من عدة طرق قال: إن الله عز وجل أنزل
~~على عبده كتابا قبل وفاته وقال: يا محمد، هذه وصيتك إلى النخبة من أهلك،
~~قال: وما النخبة (1) يا جبرئيل؟ قال: علي بن أبي طالب صلوات الله عليه،
~~وكان على الكتاب خواتيم من ذهب، فدفعه النبي صلى الله عليه وآله إلى علي
~~عليه السلام، وأمره أن يفك خاتما منه ويعمل بما فيه، ففك أمير المؤمنين
~~عليه السلام الخاتم وعمل بما فيه، ثم دفعه إلى الحسن وأمره أن يفك خاتما
~~منه ويعمل بما فيه، ففك الحسن عليه السلام الخاتم (وعمل بما فيه فما
~~تعداه)، ثم دفعه إلى الحسين عليه السلام ففك خاتما فوجد فيه: أن اخرج بقوم
~~إلى الشهادة فلا شهادة لهم إلا معك وأشر نفسك لله ففعل، ثم دفعه إلى علي بن
~~الحسين عليهما السلام ففك خاتما فوجد فيه: أن اطرق واصمت ms254 والزم منزلك واعبد
~~ربك حتى يأتيك اليقين ففعل، ثم دفعه إلى ابنه محمد بن علي عليهما السلام
~~ففك خاتما فوجد فيه:
# حدث الناس وأفتهم ولا تخافن إلا الله فإنه لا سبيل لأحد عليك، ثم دفعه
~~إلى ابنه جعفر عليه السلام ففك خاتما فوجد فيه: حدث الناس وأفتهم وانشر
~~علوم أهل بيتك وصدق آبائك الصالحين ولا تخافن إلا الله وأنت في حرز وأمان
~~ففعل، ثم دفعه إلى موسى عليه السلام، وكذلك يدفعه موسى عليه السلام إلى
~~الذي بعده، ثم كذلك أبدا إلى قيام المهدي عليه السلام (2).
# ومما رووه عن أبي الطفيل قال: شهدت جنازة أبي بكر يوم مات، وشهدت عمر حين
~~بويع، وعلي عليه السلام جالس ناحية، فأقبل غلام يهود في جميل عليه ثياب
~~حسان - وهو من ولد هارون عليه السلام - حتى قام على رأس عمر بن الخطاب
~~فقال:
# يا أمير المؤمنين أنت أعلم هذه الأمة بكتابهم وأمر نبتهم صلى الله عليه
~~وآله؟ فطأطأ عمر رأسه، فأعاد عليه القول، فقال له عمر: ولم ذاك؟ فقال: إني
~~جئت مرتادا لنفسي شاكا في
# PageV00P422
# ديني أريد الحجة وأطلب البرهان، فقال له عمر: دونك هذا الشاب - وأشار إلى
~~أمير المؤمنين عليه السلام - قال الغلام: ومن هذا؟ قال عمر: هذا علي ين أبي
~~طالب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله، وأبو الحسن والحسين إلي رسول
~~الله، وزوج فاطمة بنت رسول الله صلوات الله عليهم، وأعلم الناس بالكتاب
~~والسنة.
# قال: فأقبل الغلام إلى علي عليه السلام فقال له: أنت كذلك؟ فقال له علي
~~عليه السلام: نعم، قال الغلام: فإني أريد أن أسألك عن ثلاث وثلاث وواحدة،
~~قال: فتبسم أمير المؤمنين عليه السلام وقال: يا هاروني، ما منعك أن تقول
~~سبعا؟ قال: لأني أريد أسألك عن ثلاث، فإن علمتهن سألتك عما بعدهن، وإن لم
~~تعلمهن علمت أنه ليس فيكم عالم، قال أمير المؤمنين عليه السلام: أنا أسألك
~~بالله الذي تعبده إن أنا أجبتك عن كل ما تسأل عنه لتدعن دينك ولتدخلن في
~~ديني؟ قال: ما جئت ms255 إلا لذلك، قال له أمير المؤمنين عليه السلام: سل.
# فقال: أخبرني عن أول قطرة دم قطرت على وجه الأرض أي قطرة هي؟ وأول عين
~~فاضت على وجه الأرض أي عين هي؟ وأول (1) شئ اهتز على وجه الأرض أي شئ هو؟
# فقال أمير المؤمنين عليه السلام: يا هاروني، أما أنتم فتقولون: أول قطرة
~~قطرت على وجه الأرض حيث قتل أحد ابني آدم عليه السلام صاحبه، وليس كذلك،
~~ولكنه حيث طمثت حواء وذلك قبل أن تلد ابنيها.
# وأما أنتم فتقولون؟ أول عين فاضت على وجه الأرض العين إلي ببيت المقدس،
~~وليس كذلك هو، ولكنها لعين الحياة التي وقف عليها موسى عليه السلام وفتاه
~~ومعهما النون المالح، فسقط منه فيها فحي، وهذا الماء لا يصيب ميتا إلا حي.
# وأما أنتم فتقولون: أول شئ اهتز على وجه الأرض الشجرة التي كانت منها
~~سفينة نوح عليه السلام، وليس كذلك هو، ولكنها النخلة التي أهبطت من الجنة،
~~وهي
# PageV00P423
# العجوة، ومنها تفرع جميع ما ترى من أنواع النخل.
# فقال: صدقت والله الذي لا إله إلا هو إني لأجد هذا في كتب أبي هارون عليه
~~السلام، كتابته بيده وإملاء عمي موسى عليه السلام.
# ثم قال: أخبرني عن الثلاث الأخر: عن أوصياء محمد صلى الله عليه وآله وكم
~~أئمة عدل بعده؟ وعن منزله في الجنة؟ ومن يكون معه ساكنا في منزله؟
# فقال أمير المؤمنين عليه السلام: يا هاروني، إن لمحمد عليه السلام اثني
~~عشر وصيا أئمة عدل، لا يضرهم خذلان من خذلهم، ولا يستوحشون بخلاف من
~~خالفهم، وإنهم أرسب في الدين من الجبال الرواسي في الأرض.
# ومسكن محمد عليه السلام في جنة عدن التي ذكرها الله عز وجل وغرسها بيده.
# ومعه في مسكنه فيها الأئمة الاثنا عشر العدول.
# فقال: صدقت والله الذي لا إله إلا هو، إني لأجد ذلك في كتب أبي هارون
~~عليه السلام، كتابته بيده وإملاء عمي موسى عليه السلام.
# فقال: أخبرني عن الواحد: كم يعيش وصي محمد عليه السلام من بعده؟ وهل يموت
~~أو يقتل؟
# قال: ms256 يا هاروني، يعيش بعده ثلاثين سنة، لا تزيد يوما ولا تنقص يوما، ثم
~~يضرب ضربة هاهنا - ووضع يده على قرنه وأوما إلى لحيته - فتخضب هذه من هذه.
# قال: فصاح الهاروني وقطع كشنيره (1) وقال: أشهد أن لا إله إلا الله،
~~وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وأنك وصي رسوله صلى الله عليه وآله، ينبغي أن
~~تفوق ولا تفاق وأن تعظم ولا تستضعف، وحسن إسلامه. (2) ورووا عن أبي حمزة
~~الثمالي قال: سمعت علي بن الحسين عليهما السلام يقول: إن الله
# PageV00P424
# عز وجل خلق محمدا عليه السلام واثني عشر من أهل بيته من نور عظمته،
~~فأقامهم أشباحا في ضياء نوره يعبدونه ويسبحونه ويقدسونه، وهم الأئمة من بعد
~~محمد صلى الله عليه وآله (1).
# ورووا عن زرارة قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: من آل محمد صلوات
~~الله عليه اثنا عشر إماما كلهم محدث، ورسول الله وأمير المؤمنين علي بن أبي
~~طالب صلوات الله عليهما هما الوالدان (2).
# ورووا عن الحسن بن العباس بن الحريش، عن أبي جعفر محمد بن علي بن موسى
~~عليهم السلام قال: إن أمير المؤمنين عليه السلام قال لابن عباس: إن ليلة
~~القدر في كل سنة، وإنه ينزل في تلك الليلة أمر السنة، وكذلك ولاة الأمر (3)
~~بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، قال ابن عباس: من هم؟ قال: أنا وأحد عشر
~~من صلبي محدثون (4).
# وبإسناده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لأصحابه: آمنوا بليلة
~~القدر، فإنها تكون بعدي لعلي بن أبي طالب وولده وهم أحد عشر من بعده عليهم
~~السلام (5).
# ورووا عن أبي بصير، (عن) أبي جعفر عليه السلام قال: يكون تسعة أئمة بعد
~~الحسين عليه السلام تاسعهم قائمهم (6).
# ورووا عن زرارة قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: الأئمة اثنا عشر
~~إماما منهم الحسن والحسين، ثم الأئمة من ولد الحسين عليهم السلام (7).
# في أمثال لهذه الروايات الواردة من طريقي الخاصة والعامة.
# PageV00P425
# ومعلوم أن ورود الخبر متناصرا بنقل الدائن بضمنه والمخالف في معناه برهان
~~صحته، إذ لا داعي للمحجوج ms257 به إلا الصدق الباعث على روايته.
# وإذا ثبت صدق نقلته اقتضى إمامة المذكورين فيه، لكونه نصا على عدد لم
~~يشركهم فيه أحد حسب ما قدمناه.
# (نص أبيه عليه بالإمامة وشهادة المقطوع بصدقهم بإمامته) والضرب الثاني من
~~النص، نص أبيه عليه بالإمامة، وشهادة المقطوع بصدقهم بإمامته.
# فأما النص من أبيه: فما روي من عدة طرق، عن محمد بن علي بن بلال قال: خرج
~~إلي من أبي محمد الحسن بن علي عليهما السلام قبل مضيه بسنتين يخبرني بالخلف
~~من بعده (1).
# ورووا عن عدة طرق، عن أبي هاشم الجعفري قال: قلت لأبي محمد عليه السلام:
# جلالتك تمنعني. عن مسألتك، فتأذن إلي أن أسألك، فقال: سل، فقلت: يا سيدي
~~هل لك ولد؟ قال: نعم، قلت: فإن حدث أمر فأين أسأل عنه؟ فقال: بالمدينة (2).
# ورووا من عدة طرق، عن أحمد بن محمد بن عبد الله قال: خرج من أبي محمد
~~عليه السلام حين قتل الزبير (ي): هذا جزاء من اجترى (3) على الله تعالى في
~~أوليائه، يزعم (4) أنه يقتلني وليس لي عقب، كيف رأى قدرة الله فيه؟ قال:
~~ولد له ولد سماه باسم رسول الله صلى الله عليه وآله، وذلك في سنة ست وخمسين
~~ومائتين (5).
# ورووا عن أبي هاشم داود بن القاسم الجعفر (ي) قال: سمعت أبا الحسن عليه
# PageV00P426
# السلام يقول: الخلف من بعدي الحسن عليه السلام، فكيف لكم بالخلف من بعد
~~الخلف؟
# فقلت: ولا جعلت فداك؟ قال: لأنكم لا ترون شخصه ولا يحل لكم ذكره باسمه،
~~فقلت:
# كيف نذكره؟ فقال: قولوا الحجة من آل محمد عليهم السلام (1).
# ورووا عن عمرو الأهوازي قال: أراني أبو محمد عليه السلام ابنه عليه
~~السلام، فقال: هذا صاحبكم بعدي (2).
# ورووا عن نصر بن علي (3) العجلي، عن رجل من أهل فارس سماه قال: أتيت سر
~~من رأى ولزمت باب أبي محمد عليه السلام، فدعاني، فدخلت عليه وسلمت، فقال:
# ما الذي أقدمك؟ قال: قلت: رغبة في خدمتك، قال: فقال لي: الزم الدار، قال:
~~فكنت مع الخدم في الدار، ثم صرت أشتري لهم ms258 الحوائج من السوق، وكنت أدخل من
~~غير إذن إذا كان في الدار رجال.
# قال: فدخلت عليه يوما وهو في دار الرجال، فسمعت حركة في البيت، فناداني:
# مكانك لا تبرح، فلم أجسر أن أدخل ولا أخرج، فخرجت علي جارية معها شئ
~~مغطى، ثم ناداني: أدخل، فدخلت، فنادى الجارية، فرجعت فدخلت إليه، فقال لها:
# اكشفي عما معك، فكشفت عن غلام أبيض حسن الوجه، فكشف أبو محمد عليه السلام
~~عن بطنه، فإذا شعر نابت من لبته إلى سرته أخضر ليس بأسود، فقال: هذا
~~صاحبكم، ثم أمرها فحملته، فما رأيته بعد ذلك حتى مضى أبو محمد عليه السلام
~~(4).
# في أمثال لهذه النصوص.
# وأما شهادة المقطوع بصدقهم، فعلوم للأكل سامع لأخبار الشيعة تعديل أبي
~~محمد الحسن بن علي عليهما السلام جماعة من أصحابه، وجعلهم سفراء بينه وبين
~~أوليائهم، والأمناء على قبض الأخماس والأنفال، وشهادته بإيمانهم وصدقهم
~~فيما يؤدونه عنه إلى
# PageV00P427
# شيعته.
# وأن هذه الجماعة شهدت بمولد الحجة بن الحسن عليه السلام، وأخبرت بالنص
~~عليه من أبيه عليهما السلام، وقطعت بإمامته، وكونه الحجة المأمول للانتصار
~~من الظالمين.
# فكان ذلك منهم نائبا مناب نص أبيه عليه السلام لو كان مفقودا، إذ لا فرق
~~في ثبوت الحكم بين أن ينص عليه حجة معلوم العصمة لكونه نبيا أو إماما، وبين
~~أن ينص عليه منصوص على صدقه بقول في أو إمام.
# والجماعة المذكورة (1): أبو هاشم داود بن قاسم الجعفري، ومحمد بن علي بن
~~بلال، وأبو عمرو عثمان بن سعيد السمان، وابنه أبو جعفر محمد بن عثمان رضي
~~الله عنهم، وعمرو الأهوازي، وأحمد بن إسحاق، وأبو محمد الوجنائي (2)،
~~وإبراهيم بن مهزيار، ومحمد ابن إبراهيم.
# (نص آبائه عليه بغيبته وصفتها) وأما الضرب الثالث من النص، فهو ما ورد عن
~~آبائه صلوات الله عليهم من النبي وأمير المؤمنين إلى ابنه الحسن بن علي
~~عليهم السلام: بغيبة الحجة قبل وجوده، وصفتها قبل مولده، ووقوع ذلك مطابقا
~~للخبر، من غير أن ينخرم منه شئ.
# وهذا الضرب من النص دال على إمامته، وكونه المهدي المأمول إهلاك ms259
~~الظالمين، لثبوت النص بغيبته القصرى والطولى المختصة به، ومطابقتها للخبر
~~عنها.
# فمن ذلك ما رواه الحسن بن محبوب، عن إبراهيم الخارقي، عن أبي بصير، عن
~~أبي عبد الله عليه السلام، قال: قلت له: كان أبو جعفر عليه السلام يقول:
~~لقائم آل محمد عليه السلام غيبتان: واحدة طويلة، والأخرى قصيرة، قال: فقال
~~لي: نعم يا أبا بصير
# PageV00P428
# إحداهما أطول من الأخرى، ثم لا يكون ذلك - يعني ظهوره - حتى يختلف ولد
~~فلان وتضيق الحلقة (1)، ويظهر السفياني، ويشتد البلاء، ويشمل الناس موت
~~وقتل يلجأون فيه إلى حرم الله وحرم رسوله صلى الله عليه وآله (2).
# وروي عن معاوية بن وهب، عن أبي عبد الله، عن آبائه عليهم السلام، عن رسول
~~الله صلى الله عليه وآله أنه قال: يفسد الناس ثم يصلحها الله بعد أمن ولدي،
~~خامل الذكر، لا أقول خاملا في حسنه ولا موضعه، ولكن في حداثة سنه، ويكون
~~ابتداء أمره باليمن.
# ورووا عن الأصبغ بن نباتة قال: أتيت أمير المؤمنين عليه السلام فوجدته
~~ينكت في الأرض، فقلت له: يا أمير المؤمنين ما لي أراك مفكرا تنكت في الأرض،
~~أرغبة منك فيها؟ قال: والله ما رغبت في الدنيا قط، ولكني في مولود يكون من
~~ظهري الحادي عشر بعدي، وهو المهدي الذي يملأها عدلا وقسطا كما ملأت جورا
~~وظلما، يكون له حيرة وغيبة تضل بها أقوام، ويهتدي بها آخرون، قلت: يا أمير
~~المؤمنين: إن هذا لكائن؟
# قال: نعم كما إنه مختوم (3).
# ورووا عن زرارة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن للغلام غيبة
~~قبل أن يقوم، قلت: ولم؟ قال: يخاف، وأوما بيده إلى بطنه، ثم قال: يا زرارة
~~وهو المنتظر، وهو الذي يشك الناس في ولادته، فنهم من يقول: مات أبوه ولا
~~خلف له، ومنهم من يقول:
# مات أبوه وهو حمل، ومنهم من يقول: هو غائب قد ولد قبل موت أبيه بسنتين،
~~وهو المنتظر (4) عليه السلام، غير أن الله يحب أن يمتحن الشيعة، فعند ذلك
~~يرتاب المبطلون (5).
# PageV00P429
# ورووا عن المفضل بن عمر قال: ms260 قال أبو عبد الله عليه السلام: أقرب ما يكون
~~العبد من الله سبحانه أرضى ما يكون عنه، وأرضى ما يكون عنه إذا افتقد حجة
~~الله سبحانه فلم يظهر له ولم يعلم مكانه وهو في ذلك يعلم أنه لم تبطل حجة
~~الله تعالى وبيناته (1)، فعندها توقعوا الفرج، وقد علم أن أولياءه لا
~~يرتابون، ولو علم أنهم يرتابون ما غيبه عنهم طرفة عين، ولا تكون الغيبة إلا
~~على رؤوس شرار الناس (2).
# ورووا عن حنان بن سدير (3) قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن
~~في القائم سنة من يوسف عليهما السلام، قلت: كأنك تذكر حيرة (4) أو غيبة؟
~~قال: وما تنكر ذلك من هذه الأمة أشباه الخنازير، إن إخوة يوسف كانوا أسباطا
~~أولاد أنبياء، فتاجروا يوسف وبايعوه، فدخلوا عليه وهم إخوته فلم يعرفوه حتى
~~قال لهم: أنا يوسف، فما تنكر هذه الأمة الملعونة أن يكون الله تعالى يريد
~~أن يستر حجته في وقت من الأوقات، لقد كان يوسف إليه ملك مصر، وكان بينه
~~وبين أبيه مسيرة ثمانية عشر يوما، فلو أراد الله أن يعلمه مكانه لقدر على
~~ذلك، والله لقد سار يعقوب وولده عند البشارة تسعة أيام من بدوهم إلى مصر،
~~فما تنكر هذه الأمة الملعونة أن يفعل الله لحجته عليه السلام ما فعل بيوسف
~~عليه السلام، فيكون يمشي في أسواقهم ويطأ بسطهم وهم لا يعرفونه حتى يأذن
~~الله سبحانه أن يعرفهم نفسه كما أذن ليوسف عليه السلام، فقالوا له: أنت
~~يوسف؟ قال:
# أنا يوسف (5).
# ورووا عن فرات بن أحنف رفعه إلى أمير المؤمنين عليه السلام قال: ذكر
~~القائم من ولده فقال: ليغيبن حتى يقول الجاهل مالله في آل محمد عليه السلام
~~حاجة (6).
# PageV00P430
# ورووا عن المفضل قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: أما والله
~~ليغيبن القائم عنكم سنينا من دهركم حتى يقال: مات أو قتل بأي واد سلك،
~~ولتدمعن عليه عيون المؤمنين، ولتمحصن ولتكفأن كما تكفأ السفن في أمواج
~~البحر (1).
# ورووا عن الأصبغ قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: صاحب ms261 هذا الأمر
~~الشريد الطريد الفريد الوحيد (2).
# ورووا عن أبي بصير قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: في صاحب الأمر
~~أربع سنن من أربعة أنبياء: سنة من موسى، وسنة من عيسى، وسنة من يوسف، وسنة
~~من محمد صلى الله عليه وآله وعلى جميع أنبياء الله ورسله، فأما موسى عليه
~~السلام فخائف يترقب، وأما عيسى عليه السلام فيقال: مات ولم يمت، وأما يوسف
~~عليه السلام فالغيبة عن أهله بحيث لا يعرفونه، وأما محمد رسول الله صلى
~~الله عليه وآله بالسيف (3).
# ورووا عن علي بن أبي حمزة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا بد (ل)
~~صاحب هذا الأمر من غيبة، ولا بد له في غيبته من عزلة، ونعم المنزل طيبة
~~(4).
# ورووا عن إسحاق بن عمار قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: للقائم
~~غيبتان:
# إحداهما قصيرة، والأخرى طويلة، الأولى يعلم مكانه خاصة لأوليائه (5).
# ورووا عن أيوب بن نوح قال: قلت لأبي الحسن الرضا عليه السلام: إني أرجو
~~أن تكون صاحب هذا الأمر، وأن (6) يسوقه الله إليك بغير سيف، فقد بويع لك
~~وضربت الدراهم باسمك، فقال: ما منا أحد اختلفت إليه الكتب وأشير إليه
~~بالأصابع وسئل عن المسائل وحملت إليه الأموال إلا اغتيل أو مات على فراشه،
~~حتى يبعث الله لهذا الأمر
# PageV00P431
# غلاما منا خفي المولد والمنشأ غير خفي في نسبه (1).
# ورووا عن عبد الله بن عطاء، (عن أبي جعفر) قال: قلت له: إن شيعتك بالعراق
~~كثيرة فوالله ما في أهل بيتك مثلك، فكيف لا تخرج؟ فقال: يا عبد لله بن
~~عطاء، قد أخذت تفرش أذنيك للنوكى، أي والله ما أنا بصاحبكم، قلت له: فمن
~~صاحبنا؟ قال:
# انظروا من عمى على الناس أمر ولادته فذلك صاحبكم، إنه ليس منا أحد يشار
~~إليه بالأصابع ويمضغ بالألسن إلا مات غيظا أو رغم أنفه (2).
# ورووا عن يمان التمار قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن لصاحب هذا
~~الأمر غيبة، المتمسك فيها بدينه كخارط القتاد بيده، ثم قال: هكذا بيده،
~~فأيك يمسك شوك القتاد ms262 بيده؟ ثم قال: إن لصاحب هذا الأمر غيبة، فليتق الله
~~عبد وليتمسك بدينه (3).
# ورووا عن عبيد بن زرارة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: يفقد
~~الناس إمامهم، يشهد الموسم يراهم ولا يرونه (4).
# ورووا عن عبد الله بن عطاء، عن أبي جعفر عليه السلام قال: والله لا ينوه
~~باسم رجل منا فيكون صاحب هذا الأمر حتى يأتي الله سبحانه به من حيث لا يعلم
~~الناس.
# ورووا عن علي بن مهزيار قال: كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام أسأله عن
~~الفرج؟ فقال: إذا غاب صاحبكم عن دار الظالمين فتوقعوا الفرج (5).
# ورووا عن أبي هاشم داود بن القاسم الجعفري قال: سمعت أبا الحسن العسكري
~~عليه السلام يقول: الخلف من بعدي الحسن عليه السلام، فكيف لكم بالخلف من
~~بعد الخلف؟، فقلت: ولم؟ قال: لأنكم لا ترون شخصه ولا يحل لكم ذكره باسمه
~~(6).
# PageV00P432
# في أمثال لهذه الروايات الدالة على تخصص للإمامة بعد الحسن عليه السلام
~~وإلى الآن بالحجة بن الحسن عليهما السلام.
# (ظهور معجزاته على أيدي سفرائه) ومما يدل على إمامته ظهور الأعلام على
~~أيدي سفرائه:
# فمن ذلك ما رووه عن محمد بن إبراهيم بن مهزيار قال: شككت بعد مضي أبي
~~محمد عليه السلام، فاجتمع عند أبي مال جزيل، فحمله وركب في السفينة، فخرجت
~~معه مشيعا، فوعك وعكا شديدا، فقال: يا بني ردني فهو الموت، وقال لي: اتق
~~الله في هذا المال وأوصى إلي ومات، فقلت في نفسي: لم يكن أبي ليوصي بشئ غير
~~صحيح، أحمل هذا المال إلى العراق فأكتري دارا على الشط، فلا أخبر أحدا بشئ،
~~فإن وضح لي شئ كوضوحه أيام أبي محمد عليه السلام أنفذته، وإلا أنفقته،
~~فقدمت العراق، واكتريت دارا على الشط، وبقيت أياما، فإذا أنا برقعة مع رسول
~~فيها: يا محمد معك كذا وكذا، حتى نص جميع ما معي مما لم أحط به علماء،
~~فسلمت المال إلى الرسول وبقيت أياما لا يرفع بي رأس (1)، فاغتممت، فخرج
~~إلي: قد أقمناك مكان أبيك، فأحمد الله (2).
# ورروا عن أبي عبد ms263 الله الشيباني (3) قال: أوصلت أشياء للمرزباني، وكان
~~فيها سوار ذهب، فقبلت ورد علي السوار، فأمرت بكسره فكسر، فإذا في وسطه
~~مثاقيل حديد ونحاس وصفر، وأخرجت ذلك منه، وأنفذت الذهب فقبل (4).
# ورووا عن علي بن محمد (5) قال: أوصل رجل من أهل السواد مالا فرد عليه،
~~وقيل له: أخرج حن بني عمك منه، وهو أربعمائة درهم، وكان الرجل في يده ضيعة
~~لولد
# PageV00P433
# عمه فيها شركة قد حبسها عليهم، فنظر، فإذا لولد عمه في ذلك المال
~~أربعمائة درهم، فأخرجها وأنفذ الباقي فقبل (1).
# ورووا عن القاسم (2) بن العلاء قال: ولد لي عدة بنين، فكنت أكتب وأسأل
~~الدعاء، فلا يكتب إلي بشئ، فاتوا كلهم، فلما ولد لي الحسن ابني (3) كتبت
~~أسال الدعاء فأجبت، فبقي والحمد لله (4).
# ورووا عن علي بن الحسين اليماني قال: كنت ببغداد، فاتفقت قافلة اليمانيين
~~(5)، فأردت الخروج معهم، فكتبت ألتمس الإذن في ذلك، فخرج: لا تخرج معهم،
~~فليس لك في الخروج معهم خيرة، وأقم بالكوفة، قال: فأقمت، وخرجت القافلة،
~~فخرج عليهم حنظلة فاجتاحتهم.
# قال: وكتبت أستأذن في ركوب الماء، فلم يؤذن لي، فسألت عن المراكب التي
~~خرجت في تلك السنة في البحر، فما سلم منها مركب، خرج عليها قوم يقال لهم
~~البوارح فقطعوا عليها (6).
# ورووا عن الحسن بن الفضل بن يزيد الهمداني (7) قال: كتب أبي بخطه كتابا
~~فورد جوابه، ثم كتب بخطي فورد جوابه، ثم كتب بخط رجل جليل من فقهاء أصحابنا
~~فلم يرد جوابه، فنظرت فإذا العلة في ذلك أن الرجل تحول بين ذلك قرمطيا (8).
# ورووا عن الحسن بن الفضل قال: وردت العراق وزرت طوس، وعزمت أن لا أخرج
~~إلا عن بينة من أمري ونجاح من حوائجي، ولو احتجت أن أقيم بها حتى أتصدق،
# PageV00P434
# قال: وفي خلال ذلك يضيق صدري بالمقام، وأخاف أن يفوتني الحج، قال: فجئت
~~يوما إلى محمد بن أحمد أتقاضاه، فقال لي: صر إلى مسجد كذا وكذا فإنه يلقاك
~~رجل، قال:
# فصرت إليه، فدخل علي رجل، فلما نظر إلي ضحك وقال: لا تغتم فإنك ستحج في
~~هذه السنة ms264 وتنصرف إلى أهلك وولدك سالما، فاطمأنت نفسي وسكن قلبي، فقلت: أرى
~~(1) مصداق ذلك إن شاء الله.
# قال ثم وردت العسكر فخرجت إلي صرة فيها دنانير وثوب، فاغتممت وقلت في
~~نفسي: جزائي عند القوم هذا، واستعملت الجهل فرددتها وكتبت رقعة، ثم ندمت
~~بعد ذلك ندامة شديدة وقلت في نفسي: كفرت بردي على مولاي عليه السلام، ثم
~~كتبت رقعة أخرى أعتذر من فعلي وأبوء بالإثم وأستغفر من ذلك وأنفذتها، وقمت
~~أتطهر للصلاة وأنا في ذلك أفكر في نفسي وأقول: إن ردت علي الدنانير لم أحلل
~~صرارها ولم أحدث فيها حدثا حتى أحملها إلى أبي فإنه أعلم مني فيعمل فيها
~~بما يشاء، فخرج إلي الرسول الذي حمل إلي الصرة وقيل له: أسأت إذ لم تعلم
~~الرجل أنا ربما فعلنا ذلك بموالينا من غير مسألة ليتبركوا به، وخرج إلي:
~~أخطات في ردك برنا، فإذا استغفرت الله فالله يغفر لك، فأما إذا كانت عزيمتك
~~وعقد نيتك ألا تحدث فيها حدثا ولا تنفقها في طريقك فقد صرفناها عنك، فأما
~~الثوب فلا بد منه لتحرم فيه.
# قال: وكتبت في معنيين وأردت أن أكتب في الثالث فامتنعت منه مخافة أن يكره
~~ذلك، فورد جواب المعنيين والثالث الذي طويت مفسرا والحمد لله (2).
# ورووا عن الحسن بن عبد الحميد قال: شككت في أمر حاجز بن يزيد، فجمعت شيئا
~~ثم صرت إلى العسكر، فخرج إلي: ليس فينا شك ولا في من يقوم مقامنا بأمرنا
~~قادرين، فاردد ما معك إلى حاجز بن يزيد (3).
# PageV00P435
# ورووا عن بدر غلام أحمد بن الحسن قال: وردت الجبل وأنا لا أقول بالإمامة،
~~أحبهم (1) جملة، إلى أن مات يزيد بن عبد الله فأوصى في علته أن يعطي الشهري
~~السمند وسيفه ومنطقته إلى مولاه، فخفت إن أنا لم أدفع الشهري إلى إذكوتكين
~~(2) نالني منه استخفاف، فقومت الدابة والسيف والمنطقة بسبع مائة دينار في
~~نفسي ولم أطلع عليه أحدا، فإذا الكتاب قد ورد علي من العراق: أن وجه السبع
~~مائة دينار التي لنا قبلك من ثمن الشهري والسيف والمنطقة (3).
# ورووا ms265 عن أبي محمد الحسن بن عيسى العريضي قال: لما مضى أبو محمد عليه
~~السلام ورد رجل من مصر بمال إلى مكة للناحية، فاختلف عليه، فقال بعض الناس:
~~إن أبا محمد عليه السلام مضى من غير ولد والخلف من بعده جعفر، وقال بعضهم:
~~مضى أبو محمد عليه السلام عن ولد هو خلفه، فبعث رجلا يكنى أبا طالب، فورد
~~العسكر ومعه كتاب، فصار إلى جعفر، فسأله عن برهان، فقال: لا يتهيأ في هذا
~~الوقت، فصار إلى الباب وأنفذ الكتاب إلى أصحابنا، فخرج إليه: آجرك الله في
~~صاحبك فقد مات، وأوصى بالمال الذي كان معه إلى ثقة ليعمل فيه بما يحب،
~~وأجيب عن كتابه (4).
# ورووا عن الحسن بن خفيف، عن أبيه قال: بعث حرم (5) إلى المدينة مدينة
~~الرسول صلى الله عليه وآله ومعهم خادمان، فكتب إلى خفيف أن أخرج معهم، فلما
~~وصلوا إلى الكوفة شرب أحد الخادمين مسكرا، فاخرجوا من الكوفة حتى ورد كتاب
~~من العسكر: برد الخادم الذي شرب المسكر وعزله عن الخدمة (6).
# ورووا عن محمد بن شاذان النيسابوري قال: اجتمع عندي خمسمائة درهم
# PageV00P436
# ينقص منه عشرون درهما، فأنفت أن أبعث بها ناقصة، فوزنت من عندي عشرين
~~درهما وبعثت بها إلى الأسدي ولم أكتب مالي فيها، فورد: وصلت خمسمائة درهم،
~~لك منها عشرون درهما (1).
# ورووا عن الحسن (2) بن محمد الأشعري قال: كان يرد إلي كتاب أبي محمد عليه
~~السلام في الاجراء على الجنيد قاتل فارس (3) وأبي الحسن (4)، فلما مضى أبو
~~محمد عليه السلام ورد استيناف من الصاحب عليه السلام بالاجراء على أبي
~~الحسن وصاحبيه (5)، ولا يرد في أمر الجنيد شئ، فاغتممت لذلك، فورد نعي
~~الجنيد بعد ذلك، فإذا قطع جاريه إنما كان لوفاته (6).
# ورووا عن عيسى بن نصر قال: كتب علي بن زياد الصيمري يسأل كفنا، فكتب
~~إليه: إنك تحتاج إليه في سنة ثمانين، وبعث إليه الكفن قبل موته (بأيام)
~~(7).
# ورووا عن محمد بن هارون بن عمران الهمداني قال: كان للناحية علي خمسمائة
~~دينار، فضقت بها ذرعا، ثم قلت في نفسي: لي ms266 حوانيت اشتريتها بخمسمائة دينار
~~وثلاثين دينارا قد جعلتها للناحية بخمسمائة، ولا والله ما نطقت بذلك، فكتب
~~إلي محمد بن جعفر:
# إقبض الحوانيت من محد بن هارون بخمسمائة دينار التي لنا عنده (8).
# ورووا أن قوما وشوا إلى عبيد الله بن سليمان الوزير بوكلاء النواحي
~~وقالوا:
# الأموال تجبى إليهم وسموا له جميعهم، فهم بالقبض عليهم، فخرج الأمر من
~~السلطان:
# اطلبوا أين هذا الرجل فإن هذا أمر غليظ، فقال عبيد الله بن سليمان: نقبض
~~على من ذكر
# PageV00P437
# أنه من الوكلاء، فقيل له: لا ولكن دسوا إليهم قوما لا يعرفون بالأموال
~~فمن قبض منهم شيئا قبض عليه، فلم يشعر الوكلاء بشئ حتى خرج إليهم: ألا
~~تأخذوا من أحد شيئا، وأن يمتنعوا من ذلك ويتجاهلوا بالأمر، وهم لا يعلمون
~~ما السبب في ذلك، فاندس لمحمد ابن أحمد رجل لا يعرفه وخلا به، فقال: معي
~~مال أريد أن أصله، فقال له محمد: غلطت أنا لا أعرف من هذا شيئا، فلم يزل
~~يتلطف به ومحمد يتجاهل عليه، وبثوا الجواسيس، فامتنع الوكلاء كلهم لما كان
~~تقدم إليهم، ولم يظفر بأحد منهم (1)، وظهرت بعد ذلك الحيلة عليهم وأنها لم
~~تتم (2).
# ورووا عن محمد بن يعقوب، عن علي بن محمد قال: خرج النهي عن زيارة مقابر
~~قريش والحائر على ساكنيها السلام، ولم يعرف السبب، فلما كان بعد أشهر دعا
~~الوزير الباقطاني (3) وقال له: إلق بني الفرات والبرسيين وقل لهم: لا
~~يزورون مقابر قريش، فقد أمر الخليفة أن يتفقد كل من زار فيقبض عليهم (4).
# في أمثال لهذه الروايات، إيراد جميعها يخرج عن الغرض، وفي بعض ما ذكرناه
~~كفاية.
# (إثبات تواتر هذه الأخبار).
# وليس لأحد أن يقول: جميع ما ذكرتموه من أخبار النصوص والمعجزات أخبار
~~آحاد، وهي مع ذلك مختصة بنقلكم، وما هذه حاله لا يلزم الحجة به.
# لأن هذا القدح دعوى مجردة، ومن تأمل حال ناقلي هذه الأخبار علمهم
~~متواترين بها على الوجه الذي تواتروا به من نقل النص الجلي، وقد بينا صحة
~~الطريقة فيه، فلنعتمد هاهنا عند الحاجة، ومساو لنقل ms267 معجزات النبي صلى الله
~~عليه وآله، ومن لم
# PageV00P438
# يتأمل ذلك وأعرض عنه لبعض الصوارف فالحجة لازمة له، ولا عذر له في جهله
~~بما يقتضيه، شكه من تحصيل العلم به لو نظر على الوجه الذي يجب عليه.
# وإذا ثبت تواترها، لم يقدح فيه اختصاص نقلها بالفرقة الإمامة دون غيرها،
~~لأن المراعى في صحة النقل وقوعه على وجه لا يجوز على ناقليه الكذب، سواء
~~كانوا أبرارا أو فجارا متدينين بما نقلوه أو مخالفين فيه، وهذا الطعن...
~~(1).
# (الحكمة في غيبته) وأما الكلام في القسم الثاني، وهو بيان الحكمة في غيبة
~~الحجة وسقوط الشبهة بها، فعلى الجملة والتفصيل.
# أما الجملة، فإذا تقررت إمامة صاحب الزمان عليه السلام بالأدلة العقلية
~~والسمعية، واقتضى كونه المعصوم فيما قال وفعل الموثق (2) فيما يأتي... (3).
# وجب القطع على حسن ذلك، وسقوط التبعة عنه، وإسناده إلى وجه حكي له حسنت
~~الغيبة، ولم يجز لمكلف علم ذلك أن يشك في إمامته لغيبة أو يرتاب بوجوده
~~لتعذر تميزه ومكانه، لأن حصول ذلك عن عذر لا ينافي وجود الغائب ولا يقدح في
~~إمامته الثابتين بالأدلة، كما لا يقدح إيلام الانمال (4) وذبح البهائم وخلق
~~المؤذيات في حكمة القديم سبحانه الثابتة بالبرهان، وكذلك خوف النبي صلى
~~الله عليه وآله في حال واستتاره في أخرى ومهادنته في أخرى، وتباين ما أتى
~~به من العبادات والأحكام لا ينافي نبوته ولا يقدح في حجته الثابتين
~~بالأدلة.
# وإن كان غير عالم بوجود الحجة وإمامته فلا سؤال له في غيبته، إذ الكلام
~~فيها
# PageV00P439
# وهل هي حسنة أم قبيحة فرع لوجوده وثبوت حجته، ففرضنا مع هذا الجاهل
~~بإمامة الحجة إيضاح الأدلة على إمامته وفرضه أن ينظر فيها، فإن يفعل يعلم
~~من ذلك ما علمناه ويسقط عنه شبهة الفرع لثبوت الأصل، وإن لا يفعل يكن
~~محجوبا (1) في الأصل والفرع.
# وهذا القدر من الجملة كاف في سقوط جميع ما يتعلقون به من الشبه في إمامة
~~الحجة عليه السلام، وغيبته عن رعيته، واستمرارها، وعدم اللطف بالظهور،
~~وارتفاع الحفظ والتبليغ للشريعة معها، وانتفاء الإرشاد والتنبيه والقيام ms268
~~بما يلزم (2) الإمام من الأمر والنهي، وإقامة الحدود والجهاد، وقبض الحقوق،
~~وطول عمر الحجة.
# لأن ذلك أجمع لشئ بقبيح في جنسه، وإنما يقبح لوقوعه على وجه مخصوص ويحسن
~~لآخر، وإذا ثبت هذا فلا فرق بين أن يعلم ثبوت وجه الحسن في جميعه وبين أن
~~يعلم استناده إلى معصوم لا يجوز عليه فعل القبيح، كعلمنا ذلك في جميع،
~~تأثيرات (3) الأنبياء عليهم السلام، إذ تقدير فرق بين الأمرين متعذر، وهذا
~~أحس لمادة الشغب وأبعد من الشبه.
# (من أسباب الغيبة الخوف وعدم الناصر) وأما التفصيل، فإن (4) حسن غيبة
~~الخائف من الضرر القوي الظن بكون الغيبة مؤمنة له منه، فمعلوم ضرورة وجوبها
~~عليه (5) فضلا (عن) حسنها، لكونها محرزا من ضرر، وأما ثبوت ذلك في غيبة
~~الصاحب عليه السلام فمختص به عليه السلام لكل ذي ظن لخوف، ويحرز منه لا
~~يفتات عليه فيه (6).
# PageV00P440
# على أنا إذا كنا وكل مخالط متأمل بقدم وجوده أو تأخره نعلم نص النبي صلى
~~الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام والأئمة من ذريتهما عليهم
~~السلام: على إمامة الثاني عشر وكونه المزيل لجميع الدول والممالك الجامع
~~للخلق على الإيمان بالقهر والاضطرار، علمنا توفر دواعي كل ذي سلطان وتابع
~~له إلى طلبه وتتبع آثاره وقتل المتهم بنصرته، لما نجدهم عليه من حب الرئاسة
~~وإيثارها على الآخرة وقلة الفكر في العاقبة، وتأييدها بقطع الأرحام وهجر
~~الأحباب وبذل الأنفس والأموال وقتل الأبرار وتعظيم الفجار.
# وارتفع الريب عنا بوجوب استتاره ما استمر هذا الخوف إلى أن يعلم بشاهد
~~الحال أو بغير ذلك وجود أنصار (1) يتمكن بمثلهم من تأدية الفرض من جهاد
~~الكفار، أو توبة المتغلبين من ذوي السلطان، فحينئذ يظهر منتصرا للحق كظهور
~~كل من الأنبياء وخلفاء الله في الأرض عليهم السلام بعد الخوف والاضطرار.
# وليس لأحد أن يقول: فما بال الموجودين من شيعته الذين قد ملأوا الأرض لم
~~ينصروه على أعدائه؟ وما باله هو عليه السلام لم يظهر منتصرا بهم؟ ففي بعضهم
~~نصرة.
# لأنه ليس كل متدين بإمامته عليه السلام يصلح للحرب وينهض نعت ms269 القتال
~~ويقوى على مجالدة الأقران، ولا كل مقتدر على ذلك يوثق منه بنصرة الحق وبذل
~~النفس والأموال والحميم وهجر طيب العيش في اتباعه وإيثاره على هذه الأمور
~~مع ما فيه من عظيم الكلفة.
# وكيف يظن ذلك من يعلم ضرورة كون أكثر شيعته ذوي مهن وضعف عن الانتصار من
~~أضعف الظالمين ومن لا يثبت (2) الجمع الكثير منهم كواحد من أتباع
~~المتغلبين، ومن يظن به النصرة من نفسه من شيعة الحجة عليه السلام - لكونه
~~ممارسا لآلات الحرب مخالطا لأصحاب الدول - هو تبع للضلال وباذل نفسه في
~~نصرة الفجار
# PageV00P441
# ومعونتهم على مظالم العباد، ومن يرجى معونته بماله من ذوي اليسار منهم
~~معلوم كونهم أو معظمهم مانعا لما يجب للحجة عليه في ماله من حقوق الخمس
~~والأنفال التي لو أخرجوها لأوشك ظهور الحجة عليه السلام، لتمكن بها من
~~الانتصار.
# ولا عذر لأحد ممن ذكرناه، لتمكن كل منهم من النظر في الأدلة الموصلة إلى
~~العلم بالحجة، وما يجب له عليه، وبذل الجهد من نفسه، وتأدية الواجب عليه،
~~وإخلاص النية لنصرته، وتمرين العامي نفسه على ما معه يستطيع النصرة من
~~معاناة آلات الحرب ورياضة في عادتها.
# فلو فعل المكلفون أو أكثرهم أو من يصح به الانتقام من الباقين ما يجب
~~عليه مما ذكرناه لظهر الحجة عليه السلام وغلب كلمة الحق.
# ولما لم يفعلوا ما يستطيعونه من تكليفهم، ثبت تقصير كل منهم، وكونه
~~مستحقا للوزر، وإخلاله بالواجب عليه، وتأثيره في غيبة الحجة عليه السلام
~~كتأثير العدو المعلن.
# وإذا لحق أكثر الأولياء بحكم الأعداء في تسبيب الغيبة، سقط الاعتراض
~~بكثرتهم.
# وحصول الغيبة للخوف الذي بيناه لا يمنع من العلم بإمامة الغائب عليه
~~السلام وثبوت وجوده، لوقوف ذلك على الأدلة التي سلمت دون الغيبة والظهور
~~الذين لا تعلق لهما بثبوت حجة ولا انتفائها كسائر المعلومات بالأدلة.
# (كيفية الجمع بين فقد اللطف بعدم ظهوره وثبوت التكليف) وأما فقد اللطف
~~بظهوره متصرفا ورهبة لرعيته مع ثبوت التكليف الذي وجوده مرهوبا لطف فيه مع
~~عدمه، فإن اختصاص هذا اللطف بفعل المكلف لتمكنه ms270 من إزاحة علة نفسه بمعرفة
~~الحجة المدلول على وجوده وثبوت إمامته وفرض طاعته وما في ذلك من الصلاح
~~وقدرته على الانقياد وحسن تكليفه ما تمكين الإمام وإرهابه أهل البغي لطف
~~PageV00P442
# فيه، وإن كانا مرتفعين بغيبته الحاصلة عن جناية المكلف عن (1) نفسه،
~~فالتبعة عليه دون مكلفه سبحانه ودون الحجة الملطوف له بوجوده.
# وتكليفه لازم له وإن فقد لطفه بالرئاسة، لوقوف المصلحة في ذلك على إيثاره
~~معرفة الإمام والانقياد له باختياره دون إلجائه، كسائر المتعلقة بفعل
~~الملطوف له من المعارف العقلية والعبادات الشرعية المعلوم حسن تكليف ما هي
~~لطف فيه من الضروريات، وإن انتفى العلم والعمل بها من الملطوف له بها،
~~لكونه قادرا على الأمرين وفاقدا للاستصلاح بهما بسوء نظره لنفسه وقبيح
~~اختياره.
# (العلة في عدم منع الله من يريد الحجة بسوء) وليس لأحد أن يقول: ألا أيد
~~الله سبحانه الحجة الملطوف بسلطانه للخلق، أو منع منه (من) يريده بالسوء
~~ليتم الصلاح ويحسن التكليف؟.
# لأن هذا وإن كان مقدورا له تعالى، و (لكن) المصلحة في غيره، لوقوفها على
~~اختيار المكلف دون إلجائه، كسائر المعارف العقلية والتكاليف الشرعية
~~المتعلق كونها مصلحة بفعل المكلف دون مكلفه سبحانه، وتكليفه الضروري ثابت
~~وإن فقد لطفه، لتعلق فقدانه به دون القديم سبحانه.
# فكما (2) أن سؤال من قال: هلا فعل الله العلم الضروري بجملة المعارف
~~للكفار واضطر الكل إلى فعل الشرعيات وترك قبائحها لتتم المصلحة ويحسن
~~تكليفهم ما هذه المعارف والشرايع لطف فيه ساقط، فكذلك سؤال من قال: هلا جبر
~~الله تعالى الرعية على طاعة الرئيس ومنعهم من ظلمه، إذ كان العذر في
~~الموضعين واحدا.
# PageV00P443
# (إمكان ظهوره لأوليائه في زمن الغيبة) وليس لأحد أن يقول: فهب تكليف
~~أعدائه مع غيبته عليه السلام لازم، لتقصيرهم عن الواجب من تمكينه، فما بال
~~أوليائه العارفين به المتدينين بطاعته يمنعون لطفهم بظهوره لهم بجناية
~~غيرهم، ويلزمهم تكليف ما ظهور الإمام لطف فيه مع غيبته بجريرة سواهم،
~~ومقتضى الألطاف عندكم بخلاف هذا.
# لأنا لا نقطع على غيبة الإمام عليه السلام عن جميعهم، بل ms271 يجوز ظهوره
~~لكثير منهم، ومن لم يظهر له منهم فهو عالما بوجوده ومتدين بفرض طاعته وخائف
~~من سطوته، لتجويزه ظهوره له ولكل مكلف في حال منتصرا منه إن أتى جناية أو
~~من غيره من الجناة، فغيبته عنده على هذا التقدير كظهوره في كونه مزجورا
~~معها، بل حاله مع الغيبة أبلغ في الزجر، من حيث كانت حال الظهور تقتضي
~~اختصاص الحجة لمكان معلوم وخلوه مما عداه، وفي حال الغيبة لا مكلف من شيعته
~~إلا ويجوز اختصاص الإمام بما يليه من الأمكنة ولا يأمن ظهوره فيها، وإذا
~~كانت هذه حال أوليائه عليه السلام في زمان الغيبة حسن تكليفهم ما وجود
~~الإمام لطف فيه وإن كان غائبا، لحصول صلاحهم فيها بالظهور.
# (حفظ الشريعة في حال الغيبة) وأما حفظه صلوات الله عليه الشريعة وتبليغها
~~في حال الغيبة، فإنها لم تحصل له إلا بعد تبليغ آبائه جميع الشريعة إلى
~~الخلق وإبانتهم عن أحكامها وإيداع شيعتهم من ذلك ما يزاح به علة كل مكلف
~~وحفظهم عليهم السلام عليهم في حال وجودهم، وحفظه هو عليه السلام بعد فقدهم
~~بكونه من وراء الناقلين وأحد المجمعين من شيعته وشيعة آبائه عليهم السلام،
~~فقام والحال هذه إجماع العلماء من شيعته وتواترهم بالأحكام عن آبائه عليهم
~~السلام، مع كونه حافظا من ورائهم مقام مشافهة الحجة، ورجب على كل مكلف
~~العمل بالشريعة الرجوع إلى علماء شيعته والناقلين عن آبائه عليهم السلام،
~~لكونه أمنا من الخطأ فيما أجمعوا عليه، لكون الحجة المأمون واحدا من
~~المجمعين وفيما PageV00P444
# تواتروا به عن الصادقين من آبائه عليهم السلام، لصحة الحكم المعلوم
~~بالتواتر إسناده إلى المعصوم في تبليغه المأمون في أدائه وقطع على بلوغه
~~جملة ما تعبد به (1) من الشريعة، لوجود الحجة المعصوم المنصوب لتبليغ الملة
~~وبيان ما لا يعلم إلا من جهته وإمساكه عن النكير فيما أجمعوا عليه وفقد
~~فتياه بخلاف له أو زيادة فيه.
# فن أراد الشريعة في حال الغيبة فالطريق إليها ما ذكرناه والحجة به قائمة،
~~ولا معضل ولا مشكل إلا وعند العلماء من شيعته ms272 منه تواتر ولهم (2) على
~~الصحيح منه برهان، من طلب ذلك ظفر به ظفر العلماء من شيعته، ومن عدل عنه
~~ورغب عن الحجة مع لزومها له بتخويف شيعته، ووضوح الحق على جملة الشريعة (3)
~~وقيام البرهان على جميعها، فالتبعة عليه لتقصيره عما وضح برهان لزومه له
~~والمحنة بينهم وبين منكر ذلك.
# وقد استوفينا ما يتعلق بهذا الفصل في كتاب العمدة ومسألتي الشافية
~~والكافية، وأوضحنا عن ثبوت الحجة به، وأسقطنا ما يتعلق به من الشبه، فذكرها
~~هاهنا يخرج عن الغرض، ومريده يجده هناك مستوفى.
# (حكم تنفيذ الأحكام وإرشاد الضال وحقوق الأموال في حال الغيبة) وأما
~~تنفيذه صلى الله عليه وآله الأحكام وردع الجناة باليد العالية وإقامة
~~الحدود وجهاد الأعداء، فساط (عنه) عليه السلام، لتقيه وقصور يده بإخافة
~~الظالمين له وأعوانهم، ولا تبعة عليه في شئ من ذلك، لوقوف فرضه على التمكن
~~منه باتفاق، بل التبعة فيه على مخيفه ومسبب ضعفه عن القيام بما جعل إليه
~~تنفيذه مع التمكن منه، كسقوط ذلك عن كل نبي ووصي ومؤمن في حال الخوف والضعف
~~عن القيام به، ولزوم التبعة
# PageV00P445
# للمانع من ذلك بإخافته، إذ كان ذلك أجمع من قبيل الأمر بالمعروف والنهي
~~عن المنكر المتعلق فرضها بالتمكن منها وعدم المفسدة، دون الحجة عليه السلام
~~الممنوع من ذلك بالخوف والاضطرار.
# وأما إرشاد الضال عن الحق إليه، فالأدلة على التكليف العقلي ثابتة،
~~والتخويف من ترك النظر فيها حاصل، والبراهين على الحق من التكليف الشرعي
~~قائمة، والتخويف من الاعراض ثابت ظاهر، وإن كان الحجة غائبا.
# فمن ضل عن تكليف عقلي أو شرعي والحال هذه أتى من قبل نفسه ولم يجب على
~~الإمام إرشاده، لكونه قادرا على النظر في أدلة المعارف ومستطيعا لتأمل (1)
~~فتيا الشيعة وما يستند إليه من وجود الحجة المعصوم من ورائهم، وفرض النظر
~~في ذلك مضيق عليه بالتخويف الشديد من تركه، فلو فعل كل مكلف ما يجب عليه
~~منه لعلم ما يلزم من تكليفه عقلا وسمعا، ولما لم يفعل، فالحجة لازمة له،
~~ولا عذر له في تقصيره عما ms273 يجب عليه علمه وعمله، وإن كان الإمام عليه السلام
~~غائبا.
# وأما حقوق الأموال الواجب حملها إليه، ففرض قبضها وتصرفها في وجوهها
~~موقوف على تمكنه صلوات الله عليه وآله من ذلك، و (مع) عدم التمكين له
~~التبعة على مسبب هذا المنع، ولا تبعة عليه، كما لا تبعة على من قبله من
~~آبائه عليهم الصلاة والسلام ومن قبلهم من أنبياء الله وحججه صلوات الله
~~عليهم، وفرض مكلف ذلك إخراج ما تعين عليه فرضه من الزكوات والفطرة وشطر
~~الخمس إلى من يستحقه، وهم معروفون منصوص على أعيانهم وصفاتهم في الكتاب
~~والسنة المعلومة بنقل آبائه عليهم السلام، فإن جهل حالهم سأل علماء العصابة
~~عنهم أو حمل ما يجب عليه من الحقوق إليهم فيضعوه في مستحقيه، وعزل ما
~~يستحقه الإمام صلوات الله عليه من الخمس والأنفال من جملة المال، وأحرزه
~~وانتظر به التمكن من إيصاله إليه أو إلى من يأذن له قبضه، والوصية به إن
~~خاف الفوت قبل ذلك، كسائر الحقوق المتعذر معرفة مستحقها بعينه، فإن ضعف عن
# PageV00P446
# ذلك، حمله إلى المأمون من فقهاء الطائفة ليحكم فيه بما شرع له، وأي
~~الأمرين فعل برأت ذمته مما وجب من حقوق الأموال.
# (رد من قال: لا حاجة إلى الحجة) وليس لأحد أن يقول: فإذا كان التكليف
~~العقلي والسمعي ثابتا، والطريق إليهما واضحا في زمان الغيبة، فلا حاجة
~~بالمكلفين فيها إلى الحجة، لصحة التكليف من دونه، وهذا ينقض قولكم بوجوب
~~الحاجة إليه في كل حال.
# لأنا قد بينا قبح التكليف العقلي من دون الرئاسة، لكونها لطفا في فعل
~~الواجب وترك القبيح، وقولنا الآن بإمكان العلم بالتكليف العقلي في حال
~~الغيبة منفصل من حصول اللطف برئاسة الغائب بغير شبهة على متأمل، ولزوم
~~التكليف به لعدوه ووليه في زمان الغيبة لا يقتضي القدح في وجوب وجوده، لأن
~~تقدير عدمه يقتضي سقوط تكليفها أو ثبوته من دون اللطف، وكذلك قد بينا أن
~~العلم بوصول المكلف إلى جملة التكليف الشرعي لا يمكن مع عدم الحجة المنصوص
~~لحفظه وإن علم أحكاما كثيرة، لتجويزه ms274 بقاء أكثر ما كلفه من الشرعيات لم يصل
~~إليه، فكيف يعترض علينا لقولنا بلزوم التكليفين في زمان الغيبة وإمكان
~~العلم بهما، فيقال ذلك مقتض للاستغناء عن الإمام مع وقوف التكليفين على
~~وجوده وإن كان غائبا عليه السلام لولا غفلة الخصم.
# (رد من قال: لا حاجة إلى ظهور الحجة) وليس لأحد أن يقول: فإذا كنتم معشر
~~القائلين بإمامة الحجة بن الحسن عليهما السلام حال الغيبة عندكم كحال
~~الظهور في إزاحة العلة في التكليفين عقلا وسمعا، بل قد رجحتم الغيبة في بعض
~~المواضع على الظهور، فلا حاجة بكم خاصة إلى ظهوره، ولا وجه لتمنيكم ذلك
~~ورغبتكم إلى الله تعالى فيه.
# لأنا وإن كانت علتا مزاحة في تكليفنا على ما وضح برهانه، فني ظهور الحجة
~~على الوجه الذي نص عليه رسول الله صلى الله عليه وآله فوائد كثيرة، وتكاليف
~~تتعين PageV00P447
# بظهوره ومنافع حاصلة بذلك ليس شئ منها حاصلا في حال الغيبة.
# لأنه عليه السلام يظهر لزوال دول الظالمين المخيفين لشيعته وذراري آبائه
~~عليهم السلام، ورفع جورهم بعدله وإبطال أحكام أهل الضلال بحكم الله والسيرة
~~بالملة الإسلامية التي لم يحكم بجملتها منذ قبض الله نبيه صلى الله عليه
~~وآله.
# ومنها: الأمر بكل معروف، والنهي عن كل منكر، وجهاد الكفار، مع سقوط ذلك
~~أجمع عنا في حال الغيبة، وهذه أحكام تثبت، وحقوق تظهر، وقبائح ترتفع،
~~وتكاليف تتعين بظهوره ليست حاصلة في حال غيبته.
# ومنها: زوال الخوف عن شيعته وذرية آبائه عليه السلام بظهور سلطانه،
~~وارتفاع التقية بدولته، وسهولة التكليف الشرعي ببيانه، وسقوط كلفة النظر
~~الشاق في الأدلة الموصلة إليه في حال غيبته.
# ومنها: براءة الذمم من الحقوق الواجبة له في الأموال المتعذر إيصالها
~~إليه في زمان الغيبة.
# ومنها: ظهور الدعوة إلى جملة الحق في المعارف والشرائع بظهوره، والفتيا
~~بذلك والعمل بها في جميع الأرض مع ارتفاع ذلك في حال الغيبة.
# وهذه فوائد عظيمة لها ورغبنا إلى الله تعالى في ظهوره لنفوز بها، ونكون
~~من أنصاره عليها، فنحظى بثواب نصرته، ونسر بنفوذ حكم الله وظهور عدله ms275 عليه
~~السلام.
# (مسألة طول الغيبة وطول عمر الحجة) وأما طول الغيبة وتراخي الزمان بها،
~~فلثبوت الواجب لها، واستمراره من إخافة الظالمين، وإصرارهم على الظلم
~~والعزم على استيصال الحجة، وإذا كان ماله وجبت الغيبة مستمرا حسن لذلك
~~استمرارها، وكانت التبعة على موجب ذلك دون الحجة المضطر إليها.
# وأما طول العمر وبقاء الشباب مع كونه خلافا للعادات، فلا قدح به، لكونه
~~مقدورا للقديم سبحانه وشائعا في حكمة، وإنما يفعل منه من طول وقصر وشيخوخة
~~PageV00P448
# وتبقية شباب ما يقتضي المصلحة فعله، لكون ذلك موقوفا على مقدوره تعالى
~~المعلوم حسن جميعه وتعلقه بمقدوره تعالى بغير شبهة على موحد.
# وإنما استبعد ذلك ملحد يضيف التأثيرات إلى الطبائع أو الكواكب، فأما من
~~أثبت صانعا قادرا لنفسه فشبهته في ذلك ساقطة، ولم يبق إلا استبعاده في
~~العادة مع المنع من خرق العادات لغير الأنبياء عليهم السلام، وكلا الأمرين
~~ساقط:
# أما استبعاده في العادة، فالمعلوم خلافه.
# لإجماع الأمة على طول عمر نوح عليه السلام، وأنه عاش ألفا ومائتين، وقد
~~نطق القرآن بنبوته في قومه داعيا ألف سنة إلا خمسين عاما، ولا شبهة في
~~وجوده حيا قبل الدعوة وبعد الطوفان.
# وأجمع العلماء بالنقل على كون الخضر عليه السلام حيا باقيا إلى الآن، وهو
~~على ما وردت الروايات به من ولد الثاني (1) من ولد نوح عليه السلام، ويكفي
~~كونه صاحبا لموسى بن عمران عليه السلام باقيا إلى الآن.
# وقد تواتر الخبر وأجمع أهل السيرة على طول عمر لقمان الحكيم عليه السلام،
~~وأنه عاش عمر سبعة أنسر، وفيه يقول الأعشى، شعر:
# لنفسك أن تختار سبعة أنسر إذا ما مضى نسر خلوت إلى نسر فعمر حتى خال أن
~~نسوره خلود وهل تبقى النفوس على الدهر وقال لأدناهن إذ حل ريشه هلكت وأهلكت
~~ابن عاد وما تدري (2) وإنما اختلفوا في عمر النسر، ففيهم من قال: ألف سنة،
~~وفيهم من قال: خمس مائة سنة، وأقل ما روي: أن عمر السبعة الانسر الذي عاشه
~~لقمان ألف وخمسون ومائة سنة.
# وقد تناصرت الروايات بطول عمر سلمان ms276 الفارسي رضي الله عنه، وأنه لقي من
~~لقي المسيح عليه السلام، وعاش إلى خلافة عمر بن الخطاب.
# PageV00P449
# ونقل الكل من أصحاب الحديث أو من تثبت بنقله الحجة من الفرق المختلفة
~~أخبار المعمرين ودونوا أشعارهم وأخبارهم.
# فمن ذلك: عمرو بن حممة الدوسي، عاش أربع مائة سنة حاكما على العرب، وهو
~~ذو الحلم الذي يقول فيه الملتمس اليشكري، شعر:
# لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا وما علم الانسان إلا ليعلما (1) وهو
~~القائل:
# كبرت وطال العمر حتى كأنني سليم أفاع ليله غير مودع فما الموت أفناني
~~ولكن تتابعت علي سنون من مصيف ومربع ثلاث مئين قد مررن كواملا وها أنا هذا
~~أرتجي مر أربع (2) ومنهم: الحارث بن كعب بن عمرو بن وعلة بن خالد بن مالك
~~بن أدد المذحجي، وكان من حكماء العرب وفصحائهم، وهو القائل، شعر:
# أكلت شبابي فأفنيته وأمضيت بعد دهور دهورا ثلاثة أهلين صاحبتهم فبادوا
~~وأصبحت شيخا كبيرا عسير القيام قليل الطعام قد ترك الدهر خطوى قصيرا أبيت
~~أرعى نجوم السما أقلب أمري بطونا ظهورا (3) ومنهم: المستوغر، وهو عمرو بن
~~ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد بن (4) مناة بن تميم بن مربن أد بن طلحة (5) بن
~~إلياس بن مضر.
# عاش ثلاث مائة، وأدرك أول الإسلام، وروي أنه مات قبل ظهور النبي صلى الله
~~عليه وآله، وهو القائل، شعر:
# PageV00P450
# ولقد سئمت من الحياة وطولها وعمرت من عدد السنين مئينا مائة أتت من بعدها
~~مائتان لي وازددت من عدد الشهور سنينا هل ما بقي إلا كما قد فاتنا يوم يكرو
~~ليلة تحدوها (1) ومنهم: دويد بن زيد بن نهد بن (2) سود بن أسلم بن الحاف بن
~~قضاعة بن مالك ابن مرة بن مالك بن حمير.
# عاش أربع مائة سنة وستا وخمسين سنة، وهو القائل، شعر:
# اليوم يبنى لدويد بيته..........................
# إلى قوله، شعر:
# لو كان للدهر بلى أبليته أو كان قرني واحدا كفيته (3) ومن قوله، شعر:
# ألقى علي الدهر رجلا ويدا والدهر ما أصلح يوما أفسدا يفسد ما أصلحه اليوم
~~غدا (4) ومنهم: ms277 زهير بن جناب بن هبل بن عبد الله بن كنانة بن بكر بن عوف بن
~~عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن
~~عمران بن الحاف ابن قضاعة بن مالك بن عمرو بن مرة بن زيد بن مالك بن حمير،
~~عاش مائتي سنة، وواقع مائتي وقعة، لا وكان سيدا مطاعا شريفا في قومه،
~~ويقال: كانت فيه عشر خصال، لم يجتمعن في غيره من أهل زمانه: كان سيد قومه،
~~وشريفهم، وخطيبهم، وشاعرهم، ووافدهم إلى الملوك، وطبيبهم، وكاهنهم،
~~وفارسهم، وله البيت فيهم، والعدد منهم. وله حكم ووصايا وأشعار مشهورة. فمن
~~قوله، شعر:
# لقد عمرت حتى ما أبالي أحتفي في صباحي أو مسائي
# PageV00P451
# وحق لمن أتت مائتان عاما عليه أن يمل من الثواء (1) ومنهم: ذو الإصبع
~~العدواني، واحمه حرثان بن محرث بن الحارث بن ربيعة بن وهب بن ثعلبة بن ظرب
~~بن عمرو بن عباد بن يشكر بن عدوان، وكان شاعرا فصيحا ومن حكماء العرب، عاش
~~مائة سنة وسبعين سنة، وفي رواية أبي حاتم أنه عاش ثلاث مائة سنة، ومن حسن
~~شعره:
# لا يبعدن عهد الشباب ولا لذاته ونباته (2) النضر هزئت أثلية أن (3) رأت
~~هرمي وأن انحنى لتقادم ظهري أكاشر ذا الطعن (4) المبين عنهم وأضحك حتى يبدو
~~الناب أجمع وأهدنه بالقول هدنا ولو يرى سريرة ما أخفي لبات يفزع (5) ومنهم:
~~الربيع بن ضبع الفزاري، روي أنه دخل على عبد الملك بن مروان، فقال له: يا
~~ربيع أخبرني عما أدركت من العمر ورأيت من الخطوب الماضية؟ فقال: أنا الذي
~~أقول، شعر:
# ها أنا ذا آمل الخلود وقد أدرك عقلي ومولدي حجرا فقال عبد الملك: قد رويت
~~هذا من شعرك وأنا صبي، يا ربيع لقد طلبك جد غير عاثر ففصل لي عمرك، فقال
~~عشت مائتي سنة في فترة عيسى عليه السلام وعشرين ومائة في الجاهلية وستين في
~~الإسلام، وهو القائل، شعر:
# إذا كان الشتاء فأدفئوني فإن الشيخ يهدمه الشتاء وأما حين يذهب كل قر فسر
~~بال ms278 خفيف أو رداء
# PageV00P452
# إذا عاش الفتى مائتين عاما فقد ذهب المسرة والفتاء (1) ومنهم: عبد المسيح
~~بن بقيلة، واسمه ثعلبة بن عمرو بن قيس بن حيان، عاش ثلاث مائة سنة وخمسين
~~سنة، وأدرك الإسلام فلم يسلم وكان نصرانيا، وبنى له قصرا بالحيرة، وعاش إلى
~~خلافة عمر، ولما نزل خالد بن الوليد بالحيرة صالحه على مائة ألف درهم، فقال
~~في ذلك، شعر:
# أبعد المنذرين أرى سوا ما تروح بالخورنق والسدير تحاماه فوارس كل قوم
~~مخافة ضيغم على الزئير إلى قوله:
# نؤدي الخرج بعد خراج كسرى وخرج من قريظة والنضير كذاك الدهر دولته سجال
~~فيوم من مساة أو سرور (2) ومنهم: النابغة الجعدي، واسمه قيس بن عبد الله بن
~~عدس بن ربيعة بن جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، ويكنى أبا ليلى،
~~وأدرك الإسلام فأسلم، وهو القائل، شعر:
# تذكرت والذكرى تهيج على الهوى ومن حاجة المحزون أن يتذكرا نداماي عند
~~المنذر بن محرق أرى اليوم منهم ظاهر الأرض مقفرا (3) كهول وفتيان كأن
~~وجوههم دنانير مما شيف في أرض قيصرا وله أيضا:
# لبست أناسا فأفنيتهم وأفنيت بعد أناس أناسا ثلاثة أهلين أفنيتهم وكان
~~الله هو المستاسا يعني: المستعاض، وله:
# PageV00P453
# ولقد شهدت عكاظ قبل محلها فيها وكنت أعد مفتيان والمنذر بن محرق في ملكه
~~وشهدت يوم هجائن النعمان وعمرت حتى جاء أحمد بالهدى وقوارع تتلى من القرآن
~~(1) ومنهم: أكثم بن صيفي الأسدي، عاش ثلاث مائة سنة وثلاثين سنة، وأدرك
~~النبي صلى الله عليه وآله وآمن به قبل أن يلقاه، وله أحاديث كثيرة وحكم،
~~وهو القائل، شعر:
# وإن امرءا قد عاش تسعين حجة إلى مائة لم يسأم العيش جاهل مضت مائتان بعد
~~عشر وفازها (2) وذلك من عد الليالي قلائل (3) ومنهم: صيفي بن رباح، عاش
~~مائتي سنة وسبعين سنة، لا ينكر من عقله شئ، وهو في بعض الروايات ذو الحلم
~~الذي يقول المتلمس اليشكري فيه البيت السالف (4).
# ومنهم: ضبيرة بن سعد بن سهم بن عمرو، عاش مائتي سنة وعشرين سنة ولم يشب،
~~وأدرك الإسلام ولم ms279 يسلم، ومات أسود الشعر صحيح الأسنان، فرثاه ابن عمه قيس
~~بن عدي فقال، شعر:
# من يأمن الحدثان بعد ضبيرة السهمي ماتا سبقت منيته المشيب فكان ميتته
~~افتلاتا فتزودوا لا تهلكوا من دون أهلكم خفاتا (5) ومنهم: شريح بن هاني بن
~~نهيك بن دريد بن سلمة، أدرك الإسلام، وقتل في ولاية الحجاج، وهو القائل،
~~شعر:
# قد عشت بين المشركين أعصرا ثمة أدركت النبي المنذرا
# PageV00P454
# وبعده صديقه وعمرا (ويوم مهران ويوم تسترا) والجمع من صفينهم والنهرا
~~هيهات ما أطول هذا عمرا (1) ومنهم: الحارث بن مضاض الجرهمي (2)، عاش أربع
~~مائة سنة، وأدرك الإسلام ولم يسلم، وقتل يوم حنين، وهو القائل، شعر:
# حرب عوان ليتني فيها جدع.........................
# وإذا كان ما ذكرناه من أعمار هؤلاء معلوما لكل سامع للأخبار، وفيهم
~~أنبياء صالحون وكفار معاندون وفساق معلنون، سقط دعوى خصومنا كون عمر الغائب
~~خارقا العادة، لثبوت أضعاف ما انتهى إليه من المدة لأبرار وفجار.
# على أن خرق العادة على غير الأنبياء عليهم السلام إنما يمنع منه المعتزلة
~~وإخوانها الخوارج إذا تكاملت فيه شروط المعجز، وطول عمر الحجة عليه السلام
~~خارج عن قبيل الإعجاز بغير شبهة، لانفصاله من دعواه، بل هو مستحيل (3)، لأن
~~تأخر الدعوى ومضي العمر الخارق للعادة لا يؤثر شيئا، لوجوب تقدم الدعوى
~~بخرق العادات المفعول للتصديق عقيبها، وتقدم الدعوى بطول العمر لا يجدي
~~شيئا، لتعريها من برهان صحته، ولوقوعها على ما لم يحصل إلا بعد أزمان.
# اللهم إلا أن يجعل جاعل طول عمره عليه السلام مدة معلومة دلالة على صدقه
~~بعد مضي الزمان الذي أخبر به، غير أن هذا المعجز من قبيل الإخبار بالغائبات
~~دون طول العمر.
# أو يجعل جاعل ظهوره عليه السلام بعد طول المدة شابا قويا معجزا، فيصح
~~ذلك، إلا أنه مختص بزمان ظهوره دون زمان غيبته.
# وبعد، فلو سلمنا أن طول عمر الغائب عليه السلام المدة التي بلغها أحد من
# PageV00P455
# ذكرناه من المعمرين وأضعافها خارقا للعادة على ما اقترح علينا، وأنه من
~~قبيل الإعجاز، لم يقدح ذلك في شئ مما قدمناه، لجواز ms280 ظهور المعجز عندنا على
~~الأبرار، فضلا عن الحجج والصالحين حسب ما دللنا عليه في ماضي كتابنا هذا
~~وأوضحناه.
# (كيف يمكن معرفة الحجة عند ظهوره) فإن قيل: فهب أنكم تعلمون تخصيص حجة
~~الإمامة في هذا الزمان بابن الحسن عليه السلام، فكيف لمن ظهر له من خاصته
~~في زمان الغيبة بمعرفته ولجميع شيعته وغيرهم حين الظهور العام.
# قيل: لا بد في حال ظهوره الخاص والعام من معجز يقترن به ليعلم الخاص
~~والعام من شيعته وغيرهم عند تأمله كونه الحجة بعينه، إذ كان النص المتقدم
~~من الكتاب والسنة والاعتبار العقلي دلالة على إمامته وتخصيص الحجة على
~~الجملة، ولا طريق لأحد من المكلفين منها إلى تعينه، وكذلك وجب ظهور المعجز
~~مقترنا بظهوره عليه السلام. PageV00P456
# (مسائل التكليف الشرعي) PageV00P457
# مسألة: (في تقسيم التكليف الشرعي) التكليف الشرعي على ضربين: أفعال،
~~وتروك.
# والأفعال على ضروب اثني عشر: الصلاة، وحقوق الأموال، والصوم، والحج،
~~والزيارات، والوفاء بالعهود والوعود والنذور، والوفاء بالإيمان، وتأدية
~~الأمانة، والكفارات، والوصايا، وأحكام الجنائز، وما يلزم من العبادة في
~~فاعل الحسن (1) والقبح والمصر (2) عليهما.
# والتروك على ضروب أربعة:
# مآكل: كالميتة، والدم، ولحم الخنزير، وكل محرم من الأغذية.
# ومشارب: كالخمر، والفقاع، وكل محظور من الأشربة.
# ومدركات: كالأغاني، والملاهي، وكل قبيح من الأصوات.
# ومناكح: كالزنا، واللواط، وكل وطئ محرم.
# والأفعال تنقسم إلى مفروض ومسنون، والتروك كلها قبيحة.
# وقد فصلنا أحكام هذه العبادات في كتاب التلخيص، إذ كان بذلك أولى من هذا
~~الكتاب المقصور على المعارف.
# ووجهة وجوب الفرائض: كون فعلها لطفا في واجبات العقول واجتناب قبائحها
~~وقبح (3) تركها، لأنه ترك لواجب.
# وجهة الترغيب في المسنون: كونه لطفا في مندوبات العقول، ولم يقبح تركه
~~كما لا يقبح ترك ما هو لطف فيه.
# وجهة قبح التروك: كون فعلها مفسدة، ووجب تركها، لأنه ترك لقبيح، وقلنا
# PageV00P459
# ذلك، لأنه لا بد لما وجب أو قبح أو رغب فيه من وجه له كان كذلك لولاه لم
~~يكن ما وجب أولى بالوجوب من القبح أو الترغيب حسب، ولا ما قبح أولى بالقبح
~~من الحسن.
# وإذا ms281 كان لا بد من وجه، لم يخل أن يكون الأمر والنهي على ما قالته
~~المجبرة، أو كونها شكرا لنعمته تعالى على ما ذهب إليه بعض المتكلمين، أو
~~الترك على ما قاله أبو علي، أو الفعل على ما نقوله.
# ولا يجوز أن يكون الأمر والنهي، لأنه متى لم يكن للفعل صفة لها يحسن تعلق
~~الأمر به أو النهي عنه كان الأمر والنهي عبثا، ولم يكن المنهي عنه أولى
~~بالنهي من الأمر به ولا المأمور به أولى بالأمر من النهي عنه.
# ولأنها فرع لصدق المدعى، وصدقه موقوف على النظر في معجزه، ولا داعي إلى
~~ذلك إلا خوف المفاسد في ما ينهى عنه وفوت المنافع في ما يأمر به، فينبغي
~~حصول صفتي المصلحة والمفسدة فيما يدعو إليه وينهى عنه قبل أمره ونهيه
~~الكاشف عن كونهما كذلك.
# ولأن الأمر الشرعي متناول للفرض والنفل، والشئ الواحد لا يجوز أن يقتضي
~~إيجابا لشئ وترغيبا في غيره، ولأن مجرد الأمر والنهي لا يخصص المأمور ولا
~~المنهي بوقت دون وقت، - ولا بوجه دون وجه، ولا بصفة دون أخرى، وهذه صفة
~~العبادات الشرعية، قبحت تعلقها بالمصالح، المخصصة لها بالأوقات والصفات
~~والشروط.
# ولا يجوز كون الوجه فيها شكرا لنعمه تعالى، لأن حقيقة الشكر هي الاعتراف
~~بالنعمة والعزم على تعظيم فاعلها، وليست الشرعيات من ذلك في شئ.
# ولأن شكره تعالى يعم المكلفين والأزمان على كل حال، والشرعيات يختص مكلفا
~~ويسقط عن آخر، ويجب على صفة يختص الفاعل ويقبح من دونها، ويسقط مع صفة له
~~ويجب بارتفاعها.
# ولأنها ينقسم إلى فرض ونفل وحرام، والمقتضي الواحد لا يجوز أن يقتضي
~~إيجابا وندبا وقبحا.
# ولا يجوز أن يكون الترك هو المراعى في العبادات والقبائح الشرعيات، لأن
~~الإشارة والتعيين والنص والترغيب والتزهيد والزجر يوجه إلى الصلاة والزكاة
~~والحج والزنا PageV00P460
# والربا وشرب الخمر دون تركها، ولو كان الترك هو المقصود في التكليفين،
~~لوجب تخصص ذلك أجمع به دون الفعل، فثبت (1) في كتابي العمدة والتلخيص.
# والعلم بهذا التكليف فرع للمعارف التي أسلفناها، لوقوف العلم به على صدق ms282
~~النبي صلى الله عليه وآله، الموقوف على خرق العادة المسند كونه معجزا دالا
~~على الصدق إلى تخصصها بمقدور القديم تعالى، لجواز القبيح على من عداه وتقدم
~~العلم بحكمته ليأمن من الناظر تصديق....
# إلى هنا تم ما في النسخة الوحيدة لهذا الكتاب، وبذلنا قصارى جهدنا في
~~تصحيحها مع رداءة خطها وكثرة أخطائها، نرجو أن نكون وفقنا لتقديم نص صحيح
~~إلى قرائنا الأعزاء، وإن وجد فيه خطأ فنحن في انتظار التنبيه عليه، والعفو،
~~فإن العفو عند كرام الناس مقبول.
# فارس
# PageV00P461 ms283