######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_009368 #META# 000.BookURI :: #0448.HilalSabi.TuhfaUmara #META# 010.AuthorAKA :: هلال بن المحسن #META# 010.AuthorNAME :: أبو الحسن هلال بن المحسن بن إبراهيم الصابي #META# 011.AuthorBORN :: - #META# 011.AuthorDIED :: 448 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: تحفة الأمراء في تاريخ الوزراء #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب التراجم التاريخية #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: تحفة ا لأمراء في تاريخ الوزراء #META# 030.LibURI :: JK_009368 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: خليل المنصور #META# 041.EdNUMBER :: الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلمية #META# 044.EdPLACE :: بيروت/ لبنان #META# 045.EdYEAR :: 1419هـ-1988م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # # | علي بن محمد بن موسى بن الفرات # أبو الحسن علي بن محمد بن موسى بن الفرات ، مولده في يوم الثلاثاء لخمس ~~ليال خلون من رجب سنة إحدى وأربعين ومائتين ، والطالع القوس ياو ، والزهرة ~~فيه ياو ، والقمر في الدلوح بن ، وسهم السعادة فيه ، كدلب ، وزحل راجع في ~~السرطان ب لح ، والذنب فيه يزمو ، والشمس في العقرب كه لح ، والمشتري فيه ~~وكا ، وعطارد فيه ح مو ، والمريخ فيه يح يه . وبنو الفرات من قرية تدعى ~~بابلي صريفين ، من النهروان الأعلى ، وكان لهم بها أقارب يزيدون على ~~ثلاثمائة نفس . وأول من ساد منهم أبو العباس أحمد بن محمد ابن موسى بن ~~الفرات ، وكان حسن الكتابة ، ظاهر الكفاية خبيرا بالحساب والأعمال ، متقدما ~~على أهل زمانه في هذه الأحوال . فحدث محمد بن أحمد ابن أبي الأصبغ قال : ~~ورد علي من أبي العباس بن بسطام كتاب بالترجمة احتجت إلى عرضه على أبي ~~القاسم عبيد الله بن سليمان ، وهو إذ ذاك وزير المعتضد بالله رحمة الله ~~عليه ، فحضرت مجلسه ، وفيه أبو أحمد بن يزداد وجعفر بن محمد بن حفص ، وعرضت ~~عليه ما كان ورد ، وأمرني في جوابه بما رسم لي كتبه في مجلسه . فاستدعيت ~~دواتي وجلست وراء مسنده وتشاغل بمسألة أبي أحمد وابن حفص عن أمور الأعمال ~~والأموال ، فما فيهما من أجابه بما شفاه ، فطلب أبا الحسن علي بن محمد بن ~~الفرات وهو محبوس يومئذ مع أبي العباس أحمد أخيه ، وقد لحقتهما مكاره ، ~~وعلق أبو العباس بحبال في يديه بقيت آثارها فيهما مدة حياته ، وصودر ~~PageV01P011 على مائة وعشرين ألف دينار صح منها ستون ، فجيء به من محبسه ~~يرسف في قيوده ، وعليه جبة دنسة وشعره طويل ، فلما مثل بين يديه قال : الله ~~الله أيها الوزير . وجعل يشكو ما أصابه وأصاب أبا العباس أخاه من المكاره . ~~وفرائصه ترعد ، فسكنه عبيد الله بن سليمان وقربه ، وأجلسه وخاطبه بما أزال ~~به روعه وخوفه . ثم خاطبه في المسألة عن أمر الأعمال والعمال ، فانبسط أبو ~~الحسن انبساط رجل جالس في الصدر ، وأخذ يقول ms001 : ناحية كذا مبلغ مالها كذا ، ~~وقد حمل منه كذا وبقي كذا وعاملها مستقيم الطريقة ، وناحية كذا على صورة ~~كذا ، وعاملها غير مضطلع بها وينبغي أن يستبدل به فيها . وناحية كذا على ~~حال كذا ، وعاملها ضعيف وينبغي أن يشد بمشارك أو مشارف . حتى أتى على أمور ~~الدنيا . قال ابن أبي الأصبغ : فاطلعت فرأيت وجه عبيد الله يتهلل ، ثم قال ~~له : اعتزل واعمل لنا عملا يشتمل على جميع ما ذكرته لي مخاطبة . واعتزل معه ~~أبو عيسى محمد بن سعيد الديناري وأملى عليه ذلك وأحضره الثبت به . ثم سأله ~~في أمره وأمر أبي العباس أخيه ، وذكر له عظيم ما حل بهما ونيل منهما ، ~~فتقدم بفك قيودهما والتوسعة عليهما ، ووعده بمسألة المعتضد بالله في بابهما ~~والتلطف في استخلاصهما ، وصرفه إلى موضعه . وقال لأبي أحمد بن يزداد وجعفر ~~ابن محمد ابن حفص : قوما إلى دواوينكما . والتفت إلى من كان بين يديه وقال ~~: أرأيتم مثل ابن الفرات ومثل كتابي الذين صرفوه ؟ ! والله لأخاطبن الخليفة ~~في العفو عن أبي الحسن وأبي العباس وأستعينن بهما ، فإنه لا عوض للسلطان ~~عنهما . ومضت أيام وخاطب في معناها واستوهبهما واستعملهما . وحدث أبو الفضل ~~بن عبد الحميد الكاتب قال : لما تولى أبو القاسم عبيد الله ابن سليمان ~~وزارة المعتضد بالله رحمة الله عليه والدنيا منغلقة بالخوارج ، والأطماع ~~مستحكمة من جميع الجوانب ، والمواد قاصرة ، والأموال معدومة ، وقد استخرج ~~إسماعيل بن بلبل خراج السواد لسنتين في سنة ، وليس في الخزائن موجود من مال ~~ولا صياغة أحتاج في كل يوم إلى ما لا بد منه من النفقات إلى سبعة آلاف ~~دينار ، وتعذر عليه قيام وجهها ، وقال لي يوما وهو في مجلسه من دار المعتضد ~~بالله : يا أبا الفضل قد وردنا على دنيا خراب PageV01P012 مستغلقة ، وبيوت ~~مال فارغة ، وابتداء عقد لخليفة جديد الأمر ، وبيننا وبين الافتتاح مدة ، ~~ولا بد لي في كل يوم من سبعة آلاف دينار لنفقات الحضرة على غاية الاقتصار ~~والتجزئة ، فإن كنت تعرف وجها تعينني به فأحب أن ترشدني إليه وكنت أعرف ~~منها ms002 وجوها بالنصف فقلت وأنا أحب تخليص بني الفرات : إن أردت أن أحصل لك ~~ذلك وزيادة فأطلق ابني الفرات واستعملهما . قال : فنهض ودخل على المعتضد ~~بالله وعرفه الصورة وقال : أنا بعيد العهد بالعمل ، وابنا الفرات قد خبرا ~~الأعمال ووجوه الأموال ، وعندهما من علم ذاك ما يحتاج إليهما فيه . فقال له ~~المعتضد : وكيف تصلح لنا نياتهما وقد استفسدناهما وأسأنا إليهما وصادرناهما ~~؟ فقال له : إذا أردت أن تصطنعهما وتستصلحهما صلحا ونصحا . فقال له المعتضد ~~: ربما اجتمعا عليك وأفسدا بيني وبينك ، والأمر في حبسهما وإطلاقهما إليك . ~~فخرج وعرفني ما جرى ، وأحضر أبا العباس وأدناه وقال له : قد استوهبتك وعملت ~~على اصطناعك والاستعانة بك ، فكيف تكون ؟ قال : أبذل وسعي في كل ما قضى حقك ~~وخفف عنك . وخرج إليه عبيد الله بما هو فيه ، وقص عليه أمره فيما يعانيه ، ~~فقال له : يتقدم الوزير بإحضار أحمد بن محمد الطائي وعلي بن محمد أخي يعني ~~أبا الحسن وتفردني وإياهما . ففعل عبيد الله ذلك ، واعتزل أبو العباس وأبو ~~الحسن وخاطبا الطائي على أن يضمناه أعمال الكوفة والقصر وباروسما الأعلى ~~والأسفل وما يجري مع ذلك ، وقررا معه الضمان على أن يحمل من ماله في كل يوم ~~سبعة آلاف دينار ، وفي كل شهر ستة آلاف دينار ، وأخذا خطة بالتزام الضمان ~~وتصحيح المال على ما تقرر من أوقاته ، واستقبلا به في المياومة يومهما ، ~~وفي المشاهرة غدهما ، وجاءا إلى عبيد الله فسلما إليه الخط . فلما وقف عليه ~~استطير سرورا ، ودخل إلى المعتضد وعرفه ما جرى ، فقال له : قد كنت يا عبيد ~~الله أعلم مني بهما ، وما يجب إضاعة مثلهما . وصادرناهما ؟ فقال له : إذا ~~أردت أن تصطنعهما وتستصلحهما صلحا ونصحا . فقال له المعتضد : ربما اجتمعا ~~عليك وأفسدا بيني وبينك ، والأمر في حبسهما وإطلاقهما إليك . فخرج وعرفني ~~ما جرى ، وأحضر أبا العباس وأدناه وقال له : قد استوهبتك وعملت على اصطناعك ~~والاستعانة بك ، فكيف تكون ؟ قال : أبذل وسعي في كل ما قضى حقك وخفف عنك . ~~وخرج إليه عبيد الله بما هو فيه ، وقص عليه أمره فيما ms003 يعانيه ، فقال له : ~~يتقدم الوزير بإحضار أحمد بن محمد الطائي وعلي بن محمد أخي يعني أبا الحسن ~~وتفردني وإياهما . ففعل عبيد الله ذلك ، واعتزل أبو العباس وأبو الحسن ~~وخاطبا الطائي على أن يضمناه أعمال الكوفة والقصر وباروسما الأعلى والأسفل ~~وما يجري مع ذلك ، وقررا معه الضمان على أن يحمل من ماله في كل يوم سبعة ~~آلاف دينار ، وفي كل شهر ستة آلاف دينار ، وأخذا خطة بالتزام الضمان وتصحيح ~~المال على ما تقرر من أوقاته ، واستقبلا به في المياومة يومهما ، وفي ~~المشاهرة غدهما ، وجاءا إلى عبيد الله فسلما إليه الخط . فلما وقف عليه ~~استطير سرورا ، ودخل إلى المعتضد وعرفه ما جرى ، فقال له : قد كنت يا عبيد ~~الله أعلم مني بهما ، وما يجب إضاعة مثلهما . ووجدت عملا يشتمل على ذكر ~~أحمد بن محمد الطائي وما ضمنه من الأعمال ، وشرطه على نفسه من حمل مال ~~الضمان مياومة إلى بيت المال ، وقد شرح فيه وجوه خرج المياومة ، وكانت ~~نسخته : أصل ضمان أحمد بن محمد الطائي في أول أيام المعتضد بالله رحمة الله ~~عليه PageV01P013 أعمال سقي الفرات ودجلة وجوخى وواسط وكسكر وطساسيج نهر ~~بوق والذيبين وكلواذي ونهر بين والراذانين وطريق خراسان مما شرط عليه أداؤه ~~مياوما في بيت المال من العين : ألفي ألف وخمسمائة ألف وعشرين ألف دينار . ~~قسط كل شهر من ذلك مائتي ألف وعشرة آلاف دينار . وكل يوم سبعة آلاف دينار . ~~تفصيل وجوه خرج المياومة مما شرط فيه ما قرره المعتضد بالله رحمة الله عليه ~~منه : أرزاق أصحاب النوبة من الرجالة ومن برسمهم من البوابين ومن يجري ~~مجراهم من جملة ثلاثين ألف دينار في الشهر ألف دينار . من ذلك البيضان من ~~الجنابيين والبصريين وأصحاب المصاف بباب العامة ، ومن على أبواب القواد ~~المفلحية والديالمة والطبرية والمغاربة ويفتتح الاعطاء في مجلسهم بنحو مائة ~~رجل من البوابين سبعمائة دينار . السودان وأكثرهم مماليك الناصر رحمه الله ~~من زغاوة ونوبة ابتيعوا من مصر ومكة . ومنهم الزنج العجم المستأمنة من عسكر ~~الخارجي بالبصرة ممن كان صبر معه وألقى ms004 نفسه عليه عند قتله ، وهم غتم قح ~~يأكلون لحوم الناس والبهائم الميتة ، وقد عوقبوا على ذلك فلم يرجعوا ، ~~وكانوا منفردين لا يختلطون بالبيضان . ومن رسمهم أن ينوبوا في مصاف باب ~~الخاصة وحوالي القصر ، ولهم وظيفة يميزون بها لقلة رزقهم في اليوم ثلاثمائة ~~دينار . أرزاق الغلمان الذين أعتقهم الناصر رحمه الله ويعرفون بالغلمان ~~الخاصة ، وقد كان أضافهم في الجريد إلى الأحرار الذين أيام شهرهم خمسون ~~يوما ليكونوا مختلطين بالقواد والموالي ، فلا يقدرون أنهم مفضلون عليهم في ~~زيادة رزق أو نقصان مدة ، وكانت أيام شهرهم في القديم أربعين يوما فأساءوا ~~الأدب في بعض الأوقات في مطالبة كانت منهم ، فحلف أن يجعل أيام شهرهم خمسين ~~يوما ، وفعل وجرى الأمر على ذاك . فلما قام المعتضد بالله نقلهم إلى جملة ~~الأحرار وجعل أيام شهرهم ستين يوما ، وفيهم حاجبه وخلفاء الحجاب وعدتهم ~~خمسة وعشرون رجلا ، خمسة ملازمون وعشرون نوبتيون . فإذا وقع سفر ~~PageV01P014 قريب أو بعيد أمر جميعهم بالملازمة الدائمة في المضرب والموكب ~~، وكان لهم دواب في الاصطبل فأسقطت علوفتها من مال الطمع من جملة ستين ألف ~~دينار في الشهر ألف دينار . فأما مماليك المعتضد بالله فإنه رتب أمرهم على ~~المقام في القصر والحجر تحت مراعاة الخدم الأستاذين ، وسماهم الحجرية ~~ومنعهم من الخروج والركوب إلا مع خلفاء الأستاذين . أرزاق الفرسان من ~~الأحرار والمميزين الذين كانت أيام شهرهم خمسين فجعلت تسعين ونسبوا عند ذلك ~~إلى التسعينية . وكان المعتضد بالله عرض جمهور الجند في الميدان الصغير ~~الذي فيه دار الأزج والأربعيني والمقاصير والسجون ، وجلس لذاك في مجالس ~~وخورنقات على ظهور المجالس والأروقة التي تلي بركة السباع ، ويرتقى إليها ~~من درجة في حجرة كانت هناك للوضوء ، ولم يكن يدخل الدار الحسنية يومئذ إلا ~~الخدم برسم الخدمة ، وعبيد الله بن سليمان وبدر ورائد ومن رسمه أن يغلق ~~أبواب البستان في الصحن الحسني ، ويقف القواد والغلمان بين يديه في الميدان ~~، ويجلس كتاب العطاء أسفل بحيث لا يراهم ، ويتقدم القائد ومعه جريدة بأسماء ~~أصحابه وأرزاقهم فيأخذها خادم منه ويصعد بها إلى المعتضد بالله ms005 ، ويدعو ~~عبيد الله بن سليمان بواحد واحد ممن فيها ، فيدخل الميدان ويمتحن على ~~البرجاص ، فإن كان يرمي رميا جيدا . وهو متمكن من نفسه ، ومستقر في سرجه ~~ومصيب أو مقارب في رميه ، علم على اسمه ج وهي علامة الجيد ، ومن كان دون ~~ذلك علم على اسمه ط وهي علامة المتوسط ، ومن كان متخلفا لا يحسن أن يركب ~~فرسه أو يرمي هدفه علم على اسمه د وهي علامة الدون . ثم يحمل بعد العرض ~~والامتحان إلى كتاب الجيش ليتأملوا حليته ، ويقابلوا بها ما عندهم من صفته ~~، لئلا يكون دخيلا أو بديلا ، فأذا تكامل عرض أصحاب القائد دفعت جريدته ~~التي فيها العلامات بخط المعتضد بالله إلى عبيد الله بن سليمان ليدفعها من ~~وقتها إلى الكاتب ، ويميز ما فيها من أرباب العلامات ، ويفرد لكل صنف منهم ~~جريدة ، وإذا عمل الكاتب من ذاك ما يعمله ، قابل عليه بنفسه لئلا يتم على ~~عبيد الله مغالطة فيه ثم أخذ الجرائد المبيضات المجردات وسلم إلى عبيد الله ~~ذات العلامات ، وكل هذا من غير أن يعلم القائد وأصحابه بما يجري ~~PageV01P015 منه ، ثم يخرج كل جريدة إلى مجلس قد أفرد لذلك الصنف ، وجعل ~~شهر الذين ارتضاهم وأمضاهم تسعين يوما ، وسماهم عسكر الخاصة . وضم ~~المتوسطين إلى بدر ليكونوا في شحنة طريق خراسان والأنبار وزاذان ودقوقا ~~وخانيجار ، ودعاهم عسكر الخدمة ، وجعل أيام شهرهم مائة وعشرين يوما ، وأمر ~~عبيد الله بن سليمان بأن يرسم الطبقة الدون بالخروج إلى أعمال الخراج ~~للاستحثاث على حمل الأموال بعد أن يسقط منهم الراضة والأثبات المشاكلين ~~للرعية ، وأن يسبب أموالهم على النواحي في دفعتين من السنة ، ويوفر عليهم ~~مرافق المسقطين ومنافعهم ومكاسبهم ، ويجعل منهم من يكون من أصحاب المعاون ~~ببغداد وواسط والكوفة ، وأمضى من أرزاق التسعينية المختارين ما كان لهم في ~~أيام الناصر ، وأسقط ثمن قضيم دوابهم وعلوفتهم ، وهو للدابة في كل خمسة ~~وثلاثين يوما أربعة دنانير ، وللبغل ثلاثة دنانير ونصف ، وللحمار برسم ~~الرجالة ديناران ، وأسقط من ثمن جراياتهم ووظائفهم نصف وربع دينار في كل ~~شهر ، فبلغ مال من ms006 أمضى من هؤلاء التسعينية مائة وخمسة وثلاثين ألف دينار ~~في كل طمع قسط كل يوم من تسعين يوما ألف وخمسمائة دينار . أرزاق المختارين ~~الذين انتخبهم من كل قيادة ، وكان عرفهم بالشهامة والشجاعة من المماليك ~~الناصرية والبغائية والمسرورية والبكجورية واليائسية والمفلحية ~~والأزكوتكينية والكيغلغية والكنداجية واستخلصهم لمواكبه وملازمة داره ، ~~والدخول أوقات جلوسه ، والمقام من أول النهار إلى آخره ، ورسم رشيقا القارئ ~~لمراعاة أمورهم وتنجز حوائجهم واستخدامهم ، وجعل أيام شهرهم سبعين يوما من ~~جملة مال طمعهم ، وهو اثنان وأربعون ألف دينار ، بقسط كل يوم ستمائة دينار ~~. أرزاق الفرسان المثبتين في أيامه ، والمميزين ممن ضم إلى بدر من عسكر ~~الخدمة على ما تقدم من ذكره ، وأيام شهرهم مائة وعشرون يوما بحسب ما كان ~~أوجبه ابن أبي دلف وصاحب أذربيجان للجبليين ، ومال طمعهم ستون ألف دينار ~~ولكل يوم خمسمائة دينار . أرزاق سبعة عشر صنفا من المرسومين بخدمة الدار ~~والرسائل الخاصة والقراء وأصحاب الأخبار والمؤذنين والمنجمين والفنجاميين ~~والفرانقيين والأنصار والحرس والمكوس ، والشيعة والسند وأصحاب الأعلام ~~والبوقيين والمخرفين والمضحكين PageV01P016 والطبالين ممن كان برسم النوبة ~~، فنقل إلى المشاهرة التي أيام كل شهر منها ثلاثون يوما من جملة ثلاثة آلاف ~~وثلثمائة دينار بقسط كل يوم مائة وعشرة دنانير . المرتزقة برسم الشرطة ~~بمدينة السلام ، والخلفاء عليهم ، وأصحاب الأرباع والمصالح ، والأعوان ~~والسجانين وأصحاب الطوف والماصرين ، ومن في جملتهم من الفرسان الذين ميزوا ~~وألحقوا بطبقة الدون من المشايخ والمترفين ، ومن هذه سبيله من الرجالة ~~الموكلين بأبواب المدينة ، وأيام شهرهم مائة وعشرون يوما من جملة ستة آلاف ~~دينار في المشاهرة ، خمسين دينارا . أثمان أنزال الغلمان المماليك الستينية ~~المقدم ذكرهم مما كان يطلق للخدم الأستاذين الذين كانوا عليهم ، والقواد ~~المضموم بعضهم إليهم ليقيم كل متقدم الخبز واللحم لمن في ناحيته ، ويوكل ~~عليه من يستجيد الاقامة لهم ويطالب بإدرارها عليهم ، من جملة تسعة آلاف ~~دينار في الشهر ، ثلاثمائة دينار . نفقات المطابخ الخاصة والعامة والمخابز ~~وأنزال الحرم والحشم ومخابز السودان ، من جملة عشرة آلاف دينار في الشهر ، ~~ثلاثمائة وثلاثة وثلاثين دينارا وثلثا ، من ذلك الخاصة ثمانين ms007 دينارا ، ~~العامة والأنزل مائتين وثلاثة وخمسين دينارا وثلثا . ثمن وظائف شراب الخاصة ~~والعامة وآلاته ونفقات خزائن الكسوة والخلع والطيب وحوائج الوضوء والحمام ، ~~ونفقات خزائن السلاح وما يرم من الجواشن والدروع ويتخذ من النشاب والأعلام ~~والمطارد ، ونفقات خزانة السروج وما يجدد منها ويصلح ، ونفقات خزائن الفرش ~~وثمن الخيش والربخ والحصر والستائر والسرادقات وأجور الحمالين والأعوان ~~للسرير وغير ذلك على ما ثبت من تفصيله في ديوان النفقات ، ويتولى إنفاق ~~جميعه المنفقون المرتزقون من جملة ثلاثة آلاف دينار في الشهر ، ليوم مائة ~~دينار . أرزاق السقائين بالقرب في القصر والخزائن والمطابخ والمخابز والدور ~~والحجر ، والخدم ، في داخل وفي الرحاب ، ولوضوء الخاص ، ومن يعمل بالروايا ~~على البغال من PageV01P017 الاصطبلات للحرم والبوابين في دار العامة من ~~جملة مائة وعشرين دينارا في الشهر ، ليوم أربعة دنانير . أرزاق الخاصة ومن ~~يجري مجراهم من الغلمان والمماليك دون الأكابر الأحرار ، ومن أضيف إليهم من ~~الحشم القدماء الذين أقروا في دار رجاء ، وأمر مؤنس الخادم بألا يستخدموا ~~في خدم الدار لئلا يدلوا على الغلمان المتعلقين بالناصر رحمه الله بقديم ~~حرمتهم ، ولأنه لا معرفة لهم برسوم الخلافة ، وأجروا في المشاهرة على خمسة ~~وأربعين يوما على ما قرره الناصر عناية بهم ورعاية لهم ، ولما ابتاع ~~المعتضد بالله الأتراك العجم ورتبهم في الحجر لم يلحقهم بهم ، بل جعل أيام ~~شهرهم خمسين يوما ، ورسم للأصاغر خمسة دنانير وللأكابر عشرة دنانير ، ~~وزادهم بعد سنتين دينارين فسموا الاثني عشرية . فلما تقلد المكتفي بالله ~~وأشفق من أن يميلوا إلى بدر ، وكان إذ ذاك بفارس ، ألحق من كان له سبعة ~~دنانير بالأثنى عشرية ، وقرر مال الأكابر على ستة عشر دينارا وجرى الأمر ~~على ذاك إلى آخر أيامه ، فلما تفرد الوزراء بالتدبير صار قسط كل يوم من مال ~~الخدم مائة وسبعة وستين دينارا . أرزاق الحشم الذين شهرهم خمسون يوما من ~~المستخدمين في شراب العامة وخزائن الكسوة ، والصناع من الصاغة والخياطين ~~والقصارين والأساكفة والحدادين والرفائين والفرائين والمطرزين والنجادين ~~والوراقين والعطارين والمشهرين والنجارين والخراطين والأسفاطيين وغيرهم ، ~~ومن في خزانة السلاح من الخزان ms008 والصناع وفي خزانة السروج من مثل ذلك ولكل ~~خزانة وطائفة صك مفرد يكتب من الديوان من جملة ثلاثة آلاف دينار في الشهر ، ~~ليوم مائة دينار . أرزاق الحرم صانهن الله من جملة ثلاثة آلاف دينار ، ليوم ~~مائة دينار . ثمن علوفة الكراع في الاصطبلات الخمسة وهي : إصطبل الخاص ~~ويشتمل على الخيل والحجورة والشهاري والبراذين وبغال السروج والقباب ~~والهوادج والفردات والحمير . وإصطبل العامة وفيه دواب الخدم والغلمان ~~والتفاريق والبازياريين . وإصطبل الدواب والحمليات وما يرد من المروج من ~~المهارة المحرمة ويبتاع ويهدي ، وفيه يرتبط ما يحتاج إلى العلاج ~~PageV01P018 والمراعاة ، وما يرد من الأسفار وفيه عقر وغمز . وإصطبل لبغال ~~الأثقال وحمل العلوفات . وإصطبل بقصر الطين في الشماسية لمبارك الابل ~~والجمازات وكان المعتضد بالله يعرض ما في هذه الاصطبلات في كل شهر إلا ما ~~كان من الخاص فإنه جعله قريبا منه ومشدودا في الأواخي بين يديه وفي الميدان ~~والرياضة والكد متصلا عليه ، ومتى أحمد قيام من يقلده شيئا من ذاك زاده في ~~رزقه ، ومن اطلع منه على تقصير أو إضاعة صرفه واستبدل به . ثم جمع النظر في ~~هذه الاصطبلات للنوشجاني لكفايته وثقته وأثمان كسوة الدواب وآلاتها ~~وأدويتها وعلاجاتها وأجور الساسة والمكارية والراضة والبياطرة والوكلاء ~~وغيرهم ، من جملة اثني عشر ألف دينار في الشهر ، ليوم أربعمائة دينار . ما ~~يصرف في ثمن الكراع والابل وما يبتاع من الخيل الموصوفة في أحياء العرب ~~ويستبدل به إذا عطب في العمل من جملة ألفي دينار في الشهر ، ليوم ستة وستين ~~دينارا وثلثي دينار . أرزاق المطبخيين في كل شهر أيامه خمسون يوما من جملة ~~ألف وخمسمائة دينار في الشهر ، ليوم ثلاثين دينارا . أرزاق الفراشين ~~والمجلسيين وخزان الفرش وخزان الشمع وأجرة الأعوان والحمالين فيها ، في كل ~~شهر أيامه خمسون يوما ، من جملة ألف وخمسمائة دينار ، ثلاثين دينارا . ثمن ~~الشمع والزيت من جملة مائتي دينار في الشهر ، ليوم ستة دنانير وثلثي دينار ~~. أرزاق أصحاب الركاب والجنائب والسروج ومن يخدم في دواب البريد من جملة ~~مائة وخمسين دينارا في الشهر ، ليوم خمسة دنانير . أرزاق الجلساء ms009 وأكابر ~~الملهين ومن كان يجري مجراهم في الجلوس إذا حضر ، مثل أبي العلاء القاسم بن ~~زرزر ووراد وأبي عيسى ، وأيام شهرهم خمسة وأربعون يوما أسوة بالخدم ، من ~~جملة ألفي دينار ، ليوم أربعة وأربعين دينارا وثلثا . أرزاق جماعة من رؤساء ~~المتطببين وتلامذتهم الملازمين ، مع ثلاثين دينارا لثمن الأدوية في خزانة ~~تكون في القصر ، من جملة سبعمائة دينار ، ليوم ثلاثة وعشرين دينارا وثلثا . ~~أرزاق أصحاب الصيد من البازياريين والفهادين والكلابين والصقارين والصيادين ~~، PageV01P019 وثمن الطعم والعلاج للجوارح وأصحاب الحراب والسباعين وأصحاب ~~الشباك واللبابيد والفحالين ومن معهم من الأعوان والحمالين وأصحاب المرور ~~وغيرهم ، في كل شهر أيامه خمسة وثلاثون يوما من جملة ألفين وخمسمائة دينار ~~في الشهر ، ومع القسط من خمسين دينارا لتجديد آلاتها ، سبعين دينارا . ~~أرزاق الملاحين في الطيارات والشذاءات والسميريات والحراقات والزلالات ~~وزواريق المعابر ، من جملة خمسمائة دينار في كل شهر ، ستة عشر دينارا وثلثي ~~دينار . ثمن النفط والمشاقة للنفاطات والمشاعل ، وأجرة الرجال في خدمتها ، ~~من جملة مائة وعشرين دينارا ، أربعة دنانير . الصدقة التي تحضر في كل يوم ~~عند صلاة الصبح في خرقة سوداء ، على ما كان الناصر رحمه الله رسمه . وأمر ~~المعتضد بالله ، رحمه PageV01P020 الله ، بعد بتفرقته على من في قصر ~~الرصافة من الحرم المحتاجات من قيمة مائتي درهم محددا ، في كل يوم خمسة عشر ~~دينارا . جاري أولاد المتوكل على الله وأولادهم رجالا ونساء من جملة ألف ~~دينار في الشهر ، ثلاثة وثلاثين دينارا وثلث دينار . جاري ولد الواثق ~~والمهتدي بالله والمستعين وسائر أولاد الخلفاء ، ومن في قصر أم حبيب ، من ~~جملة خمسمائة دينار في الشهر ، ستة عشر دينارا وثلثي دينار . جاري ولد ~~الناصر رحمه الله عبد الواحد وأخواته من جملة خمسمائة دينار في الشهر ، ستة ~~عشر دينارا وثلثي دينار . أرزاق مشايخ الهاشميين وأصحاب المراتب والخطباء ~~في المساجد الجامعة بمدينة السلاح خاصة من جملة ستمائة دينار في الشهر ، ~~عشرين دينارا . جاري جمهور بني هاشم من العباسيين والطالبيين مما كان ~~الناصر رحمه الله قرره لهم من ذلك ، وأوجبه لكل من أولادهم ذكورهم وإناثهم ms010 ~~حسابا لكل واحد في كل شهر دينار ، وأمر بإطلاقه من ارتفاع ضيعته المعروفة ~~بنهر الموفقي ، واقتصر المعتضد بالله رحمه الله بهم منه على ربع دينار في ~~كل شهر ، وكانت عدتهم بالحضرة أربعة آلاف نفس ، من جملة ألف دينار في كل ~~شهر ، ليوم ثلاثة وثلاثين دينارا وثلثا . أرزاق عبيد الله بن سليمان مع ~~خمسمائة دينار للقاسم ابنه برسم العرض بالحضرة وكتابة بدر على الجيش من ~~جملة ألف وخمسمائة دينار مشاهرة ، ليوم ثلاثة وثلاثين دينارا وثلثا وقبض ~~ذلك سنتين إلى أن عمرت ضيعته المردودة عليه ثم وفره وحمل من فاضل ارتفاع ~~الضيعة مائتي ألف دينار في كل سنة . أرزاق أكابر الكتاب وأصحاب الدواوين ~~والخزان والبوابين والمديرين والأعوان وسائر من في الدواوين ؛ وثمن الصحف ~~والقراطيس والكاغد سوى كتاب دواوين الاعطاء وخلفائهم على مجالس التفرقة ~~وأصحابهم وأعوانهم وخزان بيت المال ، فإنهم يأخذون أرزاقهم بما يوفرونه من ~~أموال الساقطين وغرم المخلين بدوابهم ، من جملة أربعة آلاف دينار وسبعمائة ~~في الشهر ، مائة وستة وخمسين دينارا وثلثين . جاري إسحاق بن إبراهيم القاضي ~~وخليفته يوسف بن يعقوب والد أبي عمر وأولادهما وعشرة نفر من الفقهاء ، من ~~جملة خمسمائة دينار في الشهر ، ليوم ستة عشر دينارا وثلثي دينار . جاري ~~المؤذنين في المسجدين الجامعين والمكبرين والقوام والأئمة والبوابين وثمن ~~الزيت للمصابيح والحصر والبواري والماء والخلوق ، وثمن الستائر في الصيف ~~والحباب والخزف والعمارة في شهر رمضان من جملة مائة دينار في كل شهر ، ~~ثلاثة دنانير وثلثا . نفقات السجون وثمن أوقات المحبسين ومائهم وسائر مؤنهم ~~في جملة ألف دينار وخمسمائة دينار في الشهر ، خمسين دينارا . نفقات الجسرين ~~وثمن ما يبدل من سفنهما والقلوس وأرزاق الجسارين من جملة ثلثمائة دينار في ~~الشهر ، عشرة دنانير . نفقات البيمارستان الصاعدي ولم يكن يومئذ غيره ~~وأرزاق المتطببين والمئانين PageV01P021 والكحالين ومن يخدم المغلوبين على ~~عقولهم والبوابين والخبازين وغيرهم وأثمان الطعام والأشربة من جملة ~~أربعمائة وخمسين دينارا في الشهر ، خمسة عشر دينارا . فتلك النفقة كل يوم ~~على ما بين من وجوهها سبعة آلاف دينار . وأجري الأمر على هذا سنتين ms011 . ثم ~~أمر عبيد الله بن سليمان وبدرا بألا يحضرا ولا أحد من القاد والأولياء ~~الدار في يومي الجمعة والثلاثاء لحاجة الناس في وسط الأسبوع إلى الراحة ~~والنظر في أمورهم والتشاغل بما يخصهم ، ولأن يوم الجمعة يوم صلاة وكان يحبه ~~لأن مؤدبه كان يصرفه فيه عن مكتبه . وتقدم إلى عبيد الله بأن يجلس في يوم ~~الجمعة للمظالم العامة ، وإلى بدر بأن يجلس للمظالم الخاصة ، ومنع من أن ~~يفتح في هذين اليومين ديوان أو يخرج شيء إلى مجلس التفرقة على الجيش خاصة ، ~~فوفر من مالها أربعة آلاف دينار وسبعمائة دينار وسبعين دينارا ، منها : مال ~~النوبة ألف دينار ، المماليك ألف دينار ، التسعينية ألف وخمسمائة دينار ، ~~المختارين ستمائة دينار ، الجبليين خمسمائة دينار ، أصناف خدم الدار مائة ~~وعشرين دينارا ، شحنة الشرطة خمسين دينارا ، يكون ذلك لثمانية أيام في كل ~~شهر ثمانية وثلاثين ألفا ومائة وستين دينارا ، ولسنة أربعمائة وسبعة وخمسين ~~ألف دينار ، وتسعمائة وعشرين دينارا . ورسم أن يحمل هذا الموفر إلى مؤنس ~~الخادم ليجعله في بيت مال الخاصة ليصرف فيما يحتاج إليه من نفقات الموسم ~~ومن يخرج في الغزوات الصائفة ونفقات الأبنية والمرمات والحوادث والملمات ~~والرسل الواردين والفداء . # | وزارة أبي الحسن الأولى # وكان أبو الحسن بن الفرات يتبع أبا العباس أخاه وينوب عنه إلى أن توفي ~~أبو العباس فتقلد الأعمال رياسة . وولي الوزارة ثلاث دفعات في أيام المقتدر ~~بالله ، فالأولى منها بعد قتل العباس بن الحسن وزوال فتنة عبد الله بن ~~المعتز . قال أبو الحسن ثابت بن سنان فيما أرخه من الأخبار : لما زالت فتنة ~~عبد الله بن المعتز قلد المقتدر بالله مؤنسا الخادم الشرطة بالحضرة ~~PageV01P022 مكان ابن عمرويه ، وأنفذه إلى أبي الحسن علي بن محمد بن الفرات ~~بخاتمه ليحضره ويقلده وزارته ، وكان أبو الحسن مستترا عند بعض التجار من ~~جيران داره بسوق العطش ، فظهر لمؤنس وركب معه إلى دار السلطان ، ووصل إلى ~~المقتدر بالله رحمة الله عليه في يوم الأحد لعشر بقين من شهر ربيع الأول ~~سنة ست وتسعين ومائتين ، فخاطبه بما سكن منه ms012 وأعلمه تعويله في تدبير الأمور ~~عليه ، وخلع عليه من غد خلع الوزارة ، وركب وفي موكبه أبو القاسم غريب ~~الخال والحجاب والأمراء والقواد والغلمان وسائر الناس حتى صار إلى داره ~~بسوق العطش ، ونظر في الأمور ورتب مؤنسا في المعونة ، وأمر جماعة من القواد ~~بطوف البلد ليلا والايقاع بأهل الدعارة ومن يرونه متعرضا لنهب دار وأخذ مال ~~، لأن أصاغر الجند والعوام قد كانوا قصدوا دار العباس ابن الحسن ودورا ~~اتصلت بها ونهبوها . وانتقل أبو الحسن بن الفرات من بعد ذلك إلى ما أقطعه ~~المقتدر بالله إياه من دار سليمان بن وهب بباب المخرم على دجلة ، وما ~~يجاورها من دار إبراهيم بن سليمان ، والاصطبل الذي كان للسلطان ، والدور ~~التي كانت في يد داية المكتفي بالله ، ومساحة ذلك مائة ألف وثلاثة وسبعون ~~ألفا وثلثمائة وستة وأربعون ذراعا ، وغير ذلك وجدده وأنشأ المجالس الجليلة ~~والأبنية الحسنة وعمل للدار مسناة مشرفة على دجلة ، وأقطعه المقتدر بالله ~~أيضا الضياع التي كان المكتفي بالله أقطعها العباس بن الحسن وارتفاعها ~~خمسون ألف دينار ، وأجرى له خمسة آلاف دينار في كل شهر ، وللمحسن والحسين ~~والفضل أولاده ألفا وخمسمائة دينار أثلاثا بينهم . وسلم إليه علي بن عيسى ~~ومحمد بن عبدون فاعتقلهما في دار بدر اللاني ، وقرر عليهما مصادرة خففها عن ~~علي بن عيسى ، وثقلها على محمد بن عبدون لعداوة كانت بينهما . ثم تكفل ~~بتخليصهما وإبعادهما من الحضرة وقال للمقتدر : إنهما لم يدخلا في أمر عبد ~~الله بن المعتز ولا حضرا داره وقت البيعة إلا عن ضرورة ، وأخرج محمد بن ~~عبدون إلى الأهواز ، وعلي بن عيسى إلى واسط بعد أن أعطي سوسنا الحاجب خمسة ~~آلاف دينار كفه بها عن ذكر علي بن عيسى والاغراء به ، وكتب إلى وكيله بواسط ~~بخدمته وإقامة ما يحتاج إليه لنفقته ، وأنفذ معه حافظا من جهته ، ومع محمد ~~بن PageV01P023 عبدون خادما من خدم المقتدر بالله ، ووافقه على منعه من ~~مكاتبة أحد أو قراءة كتابه . وجرت أمور أبي الحسن ، والأمور في نظره ما ليس ~~غرضنا استيفاءه على سياقته ، وإنما ms013 نورد أطرافا منه وما كان منشورا مما لم ~~تتضمن التواريخ ذكره . وكان محمد بن داود بن الجراح قد وزر لعبد الله بن ~~المعتز ودبره . فلما انتفض أمره استتر وأخفى شخصه . وذكر أبو الحسن بن سنان ~~أن موسى ابن عيسى كاتب مؤنس عرض على أبي الحسن بن الفرات رقعة من محمد ابن ~~داود ، فلما قرأها قال : تقول له الاستتار صناعة وجرمك عظيم ، وأمرك بعد ~~طري . فتوقف إلى أن تخلق القصة ، ثم دعني فإني أسوق الأمر إلى أخذ أمان ~~الخليفة لك بخطه والاشهاد عليه في الوفاء به وإظهارك وبلوغ إيثارك . فلما ~~عاد موسى ابن عيسى إلى محمد بن داود بذلك ارتاب بقول ابن الفرات ، وشك فيه ~~، وقدر أنه على وجه المغالطة والمدافعة ليستمر عليه الاستتار والنكبة فقال ~~: أي ذنب لي أحتاج معه إلى زيادة في الاستظهار ومطاولة الانتظار ؟ ! ومضى ~~إلى سوسن الحاجب ، فلما استؤذن عليه لم يصدق ، وظن أنه رسول منه ، واستثبت ~~حاجبه واستفهمه ، فخرج وعاد وقال : قد حضر هو بنفسه . فعجب من ذلك وأدخله ، ~~وأنهى خبره إلى المقتدر بالله ، فأمره بتسليمه إلى مؤنس الخازن ، فسلمه ~~إليه ، فقتله وطرحه على باب سقاية حتى أخذه أهله ودفنوه ، وعرف أبو الحسن ~~بن الفرات خبره فغمه أمره وقال : كان على عداوته لي فاضلا راجحا ومتقدما في ~~الصناعة بارعا ، وقد جرى عليه من القتل صبرا أمر عظيم . وحدث أبو عبد الله ~~زنجي قال : كنت بحضرة أبي الحسن بن الفرات في أول ما وزر إذ كتب إليه صاحب ~~الخبر بحضور رجل يقول : إن عنده نصيحة لا يذكرها إلا للوزير فاستدعاه وسأله ~~عما عنده ، فأسر إليه بما لم نقف عليه ، وتقدم إلى العباس الفرعاني حاجبه ~~بأن يجلسه في دار العامة إلى أن يطلبه منه ، ثم أمره بجمع الرجال الذين ~~برسمه ، ودعا أبا بشر بن فرجويه وقال له : قد حضر هذا الرجل المتنصح ، وذكر ~~أنه يعرف موضع محمد بن داود ، وأنه بات البارحة عنده ، والتمس أن ينفذ معه ~~من يدله عليه ويسلمه إليه ، وقد بذلت له ألف دينار عند ms014 صحة قوله ، أو نيله ~~بالعقوبة إن كان كاذبا فيه ، فرضي بذلك . فاكتب إلى محمد الساعة أن ينتقل ~~عن موضعه أين كان ، فإنني على إنفاد من يكسبه ويطلبه . ولم يزل ابن الفرات ~~يحث العباس الحاجب في جمع الرجال ، وهو يذكر إنفاذ من يجمعهم على اختلاف ~~وتباعد منازلهم ، ويدفع بالأمر ، إلى أن عاد جواب محمد إلى أبي بشر يشكر ما ~~فعله ، وبأنه قد تحول من مكانه إلى غيره . فسأل حينئذ العباس عمن اجتمع من ~~الرجال PageV01P024 فقال : خمسمائة نفر . وأمره بأخذ الرجل وأخذهم وقصد ~~الموضع الذي يذكره والاحتياط عليه من سطوحه وجوانبه ، وكبسه بعد ذلك ~~وتفتيشه ، والقبض على محمد بن داود إن وجده وحمله ، وإن لم يجده رد الرجل ~~معه . فمضى العباس ، وعمل ما رسمه له ابن الفرات ، فلم يصادف أحدا ، وعاد ~~والرجل معه ، وأمر ابن الفرات بضربه مائتي سوط على باب العامة ، وشهره على ~~جمل والنداء عليه . وطالع المقتدر بالله بما فعله فاستصابه . ولما خلي ~~الرجل الساعي بمحمد بن داود بعد ما لحقه أعطاه ابن الفرات مائتي دينار ~~وحدره إلى البصرة وقال لابن فرجويه : ما كذب الرجل في قوله وإنما عاقبناه ~~على شره . وكان سوسن الحاجب يدخل مع العباس بن الحسن في التدبير ، فلما وزر ~~أبو الحسن بن الفرات لم يجر هذا المجرى ، فثقل عليه ذلك ، وشاع الحديث بأن ~~سوسنا قد عمل على قتل ابن الفرات في دار الخلافة وواقف عليه جماعة من ~~الغلمان الحجرية ، وأشار على المقتدر بالله بإحضار محمد بن عبدون وتقليده ~~الوزارة ، وضمن عنه استخراج أموال كثيرة من ابن الفرات ، ونفذ بني بن نفيس ~~إلى الأهواز على ظاهر يخالف هذا الباطن . وعرف أبو الحسن بن الفرات الصورة ~~بعد حصول بني بن نفيس بواسط . فتوصل إلى أن قرر في نفس المقتدر بالله أن ~~سوسنا كان من أكبر أعضاد عبد الله بن المعتز والداخلين معه في التدبير عليه ~~، وإنما قعد أخيرا عنه لما استحجب عبد الله بن المعتز غيره . وأودع صدره ~~فيه ما أذن له معه بالقبض عليه ، فقبض عليه وقتله ms015 سرا في يومه ، وأنفذ إلى ~~محمد بن عبدون من قبض عليه في طريقه وحمله إلى الحضرة ، فصادره مصادرة ~~مجددة ثم سلمه إلى مؤنس الخادم فقتله . وعرف أبو الحسن علي بن عيسى وهو ~~بواسط ما جرى في أمر محمد ابن عبدون ، فأقلقه وأزعجه ، وكتب إلى ابن الفرات ~~كتابا يحلف فيه أنه على قديم عداوته لمحمد بن عبدون ، إلا أنه مع ذلك لا ~~يدع الصدق عن حاله ، ويقول : إنه لم يكن يسعى على دم نفسه بضمان الوزارة ، ~~وقد كان راضيا بالسلامة بعد فتنة عبد الله بن المعتز ، وإن سوسنا أسماه ~~وذكره بغير معرفته ولا موافقته ، وخرج من ذاك إلى أن سأله الاذن له في ~~المضي إلى مكة ليسلم من الظنة وينسى السلطان ذكره . فأجابه إلى ما طلبه ، ~~وأخرجه من واسط إلى مكة على طريق البصرة مرفها محروسا . وكان غرض علي ابن ~~عيسى فيما ذكر محمد بن عبدون به حراسة نفسه ، فوصل كتابه وقد مضى لسبيله . ~~وكان من جملة الداخلين في فتنة عبد الله بن المعتز أبو عمر محمد بن يوسف ~~القاضي فأخذ فيمن أخذ وحبس ، وحضر أبوه يوسف وهو شيخ كبير مجلس أبي الحسن ~~ابن PageV01P025 الفرات ، وبكي بين يديه بكاء شديدا ، رق له منه وسأله ~~حراسة نفس ولده أبي عمر والتصدق عليه به . فقال أبو الحسن : الجناية عظيمة ~~، ولا يمكن تخليته إلا بمال جليل يطمع الخليفة فيه من جهته . فبذل يوسف أن ~~يفقر نفسه وابنه طلبا لبقائه . وتلطف ابن الفرات فيما قاله المقتدر بالله ~~وقرر أمر أبي عمر على مائة ألف دينار ، فأدى منها تسعين ألفا ، من جملتها ~~خمسة وأربعون ألفا كانت عنده للعباس بن الحسن ، وأمره ابن الفرات بعد ذلك ~~بملازمة داره وألا يخرج منها لئلا يجعل له حديث مجدد . وكان أبو القاسم ~~سليمان بن الحسن بن مخلد مدلا على أبي الحسن بن الفرات بمودة بين أسلافه ~~وبين أبي جعفر والد أبي الحسن وأبي العباس عمه ، وباختصاصه هو به ، فوجه ~~أبو الحسن الكتب إلى أصحاب المعاون في البيعة لعبد الله بن ms016 المعتز بخطه ، ~~فلم يظهر ذلك المقتدر بالله ولا ذكره ، واعتمد التقديم له والتنويه به ، ~~وكان سليمان قد تقلد لعلي بن عيسى مجلس العامة في ديوان الخاصة . فقلده ابن ~~الفرات هذا الديوان رئاسة . ثم إن سليمان شرع لأبي الحسن بن عبد الحميد في ~~الوزارة ، وعمل في ذلك نسخة بخطه عن نفسه إلى المقتدر بالله يسعى فيها بابن ~~الفرات وكتابه وضياعه وأمواله ، وقام ليصلي صلاة المغرب مع جماعة من الكتاب ~~فسقطت من كمه ، فأخذها الصقر بن محمد الكاتب ، وكان إلى جانبه ، فحملها إلى ~~ابن الفرات من وقته ، فلما وقف عليها قبض عليه وحدره في زورق مطبق إلى واسط ~~، وقد أوردنا مستأنفا ما فعله معه بعد ذلك . ومضى لأبي الحسن بن الفرات في ~~وزارته هذه ثلاث سنين وثمانية أشهر وأربعة عشر يوما ، اختلفت عليه الأمور ~~فيها ، وحدثت الحوادث في متصرفاتها ومجاريها وحضر عيد النحر من سنة تسع ~~وتسعين ومائتين فاحتيج فيه من النفقات إلى ما جرت العادة به ، وكانت المواد ~~قد قصرت ، والمؤن قد تضاعفت ، وطلب من المقتدر بالله أن يعطيه من بيت مال ~~الخاصة ما يصرفه في نفقات هذا العيد ، فمنعه ذلك ، وألزمه القيام به من ~~جهته ، فأقام على أنه لا وجه له إلا مما يعان به ، ووجد بذلك أعداؤه الطريق ~~إلى الوقيعة فيه . وركب في يوم الأربعاء لأربع خلون من ذي الحجة إلى دار ~~الخلافة وهو على غاية السكون والطمأنينة ، وجلس في الموضع الذي كان يجلس ~~فيه قبل الوصول إلى السلطان ، فقبض عليه وعلى محمد ابن أحمد الكلوذاني وكان ~~يكتب بين يديه وعلى محمود بن صالح وكان معه من أصحابه ، ومضى القواد للقبض ~~على أسبابه وكتابه فقبضوا على عبد الله PageV01P026 وأبي نوح ابني جبير ، ~~وموسى بن خلف وكان من خواصه . وصار مؤنس الخادم إلى دار الوزارة فوكل بها ، ~~وأنفذ يلبق إلى دار ابن الفرات بسوق العطش فأحاط عليها . وتسرع الجند ~~والعوام إلى دور أولاده وأهله فنهبوها وأخذوا ساجها وسقفوها ، وعظم الأمر ~~في النهب حتى ركب أبو القاسم الخال بعد العصر في ms017 القواد والغلمان وطلب ~~النهاية ، وعاقب قوما منهم ، فقامت الهيبة ، وسكنت الفتنة . وأحضر أبو علي ~~محمد بن عبيد الله بن خاقان واستوزر ، وقبض ما كان لأبي الحسن من الضياع ~~والإقطاع والأملاك والعقار والأموال والغلات ، وصح له ما مقداره ألف ألف ~~دينار وستمائة ألف دينار سوى الأثاث والرحل والكراع والجمال ، ولم يؤخذ من ~~أحد من الوزراء قبله ولا بعده مثل ذلك . ز ، وإن سوسنا أسماه وذكره بغير ~~معرفته ولا موافقته ، وخرج من ذاك إلى أن سأله الاذن له في المضي إلى مكة ~~ليسلم من الظنة وينسى السلطان ذكره . فأجابه إلى ما طلبه ، وأخرجه من واسط ~~إلى مكة على طريق البصرة مرفها محروسا . وكان غرض علي ابن عيسى فيما ذكر ~~محمد بن عبدون به حراسة نفسه ، فوصل كتابه وقد مضى لسبيله . وكان من جملة ~~الداخلين في فتنة عبد الله بن المعتز أبو عمر محمد بن يوسف القاضي فأخذ ~~فيمن أخذ وحبس ، وحضر أبوه يوسف وهو شيخ كبير مجلس أبي الحسن ابن الفرات ، ~~وبكي بين يديه بكاء شديدا ، رق له منه وسأله حراسة نفس ولده أبي عمر ~~والتصدق عليه به . فقال أبو الحسن : الجناية عظيمة ، ولا يمكن تخليته إلا ~~بمال جليل يطمع الخليفة فيه من جهته . فبذل يوسف أن يفقر نفسه وابنه طلبا ~~لبقائه . وتلطف ابن الفرات فيما قاله المقتدر بالله وقرر أمر أبي عمر على ~~مائة ألف دينار ، فأدى منها تسعين ألفا ، من جملتها خمسة وأربعون ألفا كانت ~~عنده للعباس بن الحسن ، وأمره ابن الفرات بعد ذلك بملازمة داره وألا يخرج ~~منها لئلا يجعل له حديث مجدد . وكان أبو القاسم سليمان بن الحسن بن مخلد ~~مدلا على أبي الحسن بن الفرات بمودة بين أسلافه وبين أبي جعفر والد أبي ~~الحسن وأبي العباس عمه ، وباختصاصه هو به ، فوجه أبو الحسن الكتب إلى أصحاب ~~المعاون في البيعة لعبد الله بن المعتز بخطه ، فلم يظهر ذلك المقتدر بالله ~~ولا ذكره ، واعتمد التقديم له والتنويه به ، وكان سليمان قد تقلد لعلي بن ~~عيسى مجلس العامة في ديوان ms018 الخاصة . فقلده ابن الفرات هذا الديوان رئاسة . ~~ثم إن سليمان شرع لأبي الحسن بن عبد الحميد في الوزارة ، وعمل في ذلك نسخة ~~بخطه عن نفسه إلى المقتدر بالله يسعى فيها بابن الفرات وكتابه وضياعه ~~وأمواله ، وقام ليصلي صلاة المغرب مع جماعة من الكتاب فسقطت من كمه ، ~~فأخذها الصقر بن محمد الكاتب ، وكان إلى جانبه ، فحملها إلى ابن الفرات من ~~وقته ، فلما وقف عليها قبض عليه وحدره في زورق مطبق إلى واسط ، وقد أوردنا ~~مستأنفا ما فعله معه بعد ذلك . ومضى لأبي الحسن بن الفرات في وزارته هذه ~~ثلاث سنين وثمانية أشهر وأربعة عشر يوما ، اختلفت عليه الأمور فيها ، وحدثت ~~الحوادث في متصرفاتها ومجاريها وحضر عيد النحر من سنة تسع وتسعين ومائتين ~~فاحتيج فيه من النفقات إلى ما جرت العادة به ، وكانت المواد قد قصرت ، ~~والمؤن قد تضاعفت ، وطلب من المقتدر بالله أن يعطيه من بيت مال الخاصة ما ~~يصرفه في نفقات هذا العيد ، فمنعه ذلك ، وألزمه القيام به من جهته ، فأقام ~~على أنه لا وجه له إلا مما يعان به ، ووجد بذلك أعداؤه الطريق إلى الوقيعة ~~فيه . وركب في يوم الأربعاء لأربع خلون من ذي الحجة إلى دار الخلافة وهو ~~على غاية السكون والطمأنينة ، وجلس في الموضع الذي كان يجلس فيه قبل الوصول ~~إلى السلطان ، فقبض عليه وعلى محمد ابن أحمد الكلوذاني وكان يكتب بين يديه ~~وعلى محمود بن صالح وكان معه من أصحابه ، ومضى القواد للقبض على أسبابه ~~وكتابه فقبضوا على عبد الله وأبي نوح ابني جبير ، وموسى بن خلف وكان من ~~خواصه . وصار مؤنس الخادم إلى دار الوزارة فوكل بها ، وأنفذ يلبق إلى دار ~~ابن الفرات بسوق العطش فأحاط عليها . وتسرع الجند والعوام إلى دور أولاده ~~وأهله فنهبوها وأخذوا ساجها وسقفوها ، وعظم الأمر في النهب حتى ركب أبو ~~القاسم الخال بعد العصر في القواد والغلمان وطلب النهاية ، وعاقب قوما منهم ~~، فقامت الهيبة ، وسكنت الفتنة . وأحضر أبو علي محمد بن عبيد الله بن خاقان ~~واستوزر ، وقبض ما كان لأبي ms019 الحسن من الضياع والإقطاع والأملاك والعقار ~~والأموال والغلات ، وصح له ما مقداره ألف ألف دينار وستمائة ألف دينار سوى ~~الأثاث والرحل والكراع والجمال ، ولم يؤخذ من أحد من الوزراء قبله ولا بعده ~~مثل ذلك . ومما حدث قبل القبض عليه أن طلع في شهر رمضان من السنة المذكورة ~~كوكب ذو ذؤابة ، فطلع آخر مثله في شوال في مطلع الهلال ، وطلع ثالث في ذي ~~القعدة في مطلع الشمس ، وأكثر الناس القول في ذلك وما يحدثه من حادث ، فكان ~~زوال أمر ابن الفرات . # | وزارة أبي الحسن الثانية # لما قبض عليه في اليوم المقدم ذكره من سنة تسع وتسعين ومائتين اعتقل في ~~بعض الحجر من دار الخلافة ، ولم يزل معروف الخبر إلى جمادي الآخرة سنة ~~ثلاثمائة ، فإنه نقل إلى بعض المواضع المستورة ، وخفي أمره على الناس عامة ~~حتى رجمت الظنون فيه . ثم أخرج تابوت فيه هارون الشاري وقد مات على أنه ~~تابوته ، فزال الشك في موته ، وصلى عليه أبو الحسن علي بن عيسى ، وظهر بعد ~~ذلك بقاؤه وحياته . وكان أبو بشر عبد الله بن فرجويه قد سلم من النكبة عند ~~القبض على ابن الفرات في الوزارة الأولى ، وقام على الاستتار مدة وزارة أبي ~~علي الخاقاني ووزارة أبي الحسن علي بن عيسى . وواصل مكاتبة أبي الحسن بن ~~الفرات في محبسه على يد سومنة الطبيب وتعريفه الأمور ، وترددت جواباته إليه ~~بما رسمه له من مكاتبة المقتدر بالله عن نفسه بالطعن على أبي الحسن علي بن ~~عيسى ووقوف الأمر على يده ، وتأخر أرزاق الجند والحواشي في نظره . ~~PageV01P027 وكانت رقاعه تصل إلى المقتدر بالله فيقف عليها ابن الفرات ~~فيقرر عنده صحة ما يذكره ويورده ، ويهم المقتدر بصرف علي بن عيسى ، فإذا ~~شاور مؤنسا فيه منعه منه ، ووصفه بالأمانة والكفاية عنده ، إلى أن أخرج ~~مؤنس إلى مصر لمحاربة العلوي ، فقام غريب الخال ونصر الحاجب بأمر ابن ~~الفرات قياما تم على علي بن عيسى الصرف معه . ثم كتب ابن فرجويه رقعة يقول ~~فيها : متى صرف علي بن عيسى ورد ابن ms020 الفرات أطلق للولد والحرم والخدم ومن ~~بالحضرة من الفرسان برسم التفاريق مثل ما كان يطلقه في وزارته الأولى تماما ~~وإدرارا ، وحمل إلى المقتدر بالله في كل يوم ألف دينار وإلى السيدة ~~والأمراء خمسمائة دينار . والتمس وقوف ابن الفرات على رقعته وتعرف ما عنده ~~على ما بذله عنه ، فعرضها المقتدر بالله عليه فالتزم القيام بذلك والوفاء ~~بجميعه وكتب له خطه واستقر أمره . وأطلق في اليوم الذي قبض فيه على علي بن ~~عيسى ، ووصل إلى المقتدر بالله وخاطبه بالجميل ، وقلده النظر في الأمور ، ~~وخلع عليه خلع الوزارة ، وركب ومعه أبو القاسم غريب الخال وبين يديه الحجاب ~~والقواد والغلمان ، ونزل في دار سليمان بن وهب وحضره الناس على طبقاتهم ~~للسلام والتهنئة . وحمل إليه المقتدر مالا وثيابا وطيبا وطعاما وأشربة ~~وثلجا وكذاك السيدة . وأقام في هذه الدار ثم نقل الدواوين إليها ، وكتب إلى ~~الأمراء والعمال بخبره وإقرارهم على أعمالهم . ورد المقتدر بالله ما كان ~~قبض عنه وعن أهله وكتابة وأسبابه من الضياع والأملاك ، فارتجع ما كان حصل ~~في أيدي الناس القواد وخواص المقتدر من ذاك ، ووقع بأن يوغر حق بيت المال ~~في جميعه بألف درهم في كل سنة على استقبال سنة أربع وثلثمائة ، ووفر جاري ~~الوزارة ولم يأخذه ، وتقدم برد جاري أصحاب الدواوين وكتابهم وكتابه إلى ما ~~كان عليه في أيامه الأولى فأضعف ذاك ، وصار جاري صاحب ديوان السواد وكتابه ~~مع ثمن الكاغد والقراطيس نحو سبعة آلاف دينار في كل شهر . وأقطع زيدان التي ~~كانت موكلة به ضياعا بنواحي كسكر ومستغلات بالبصرة لها ارتفاع وافر ، ووقع ~~لجماعة من أصحاب السلطان بتسويغات وإقطاع وحمالات ، وبسط يده في كل ما فعله ~~من ذلك ، وأدر على PageV01P028 المقتدر بالله ما كان وعده به ، وللأمراء ~~والسيدة من ألف وخمسمائة دينار منسوبة إلى رسم الخريطة ، ونصب ديوابا ~~للمرافق واستوفاها فيه من العمال والمتصرفين كما تستوفى الحقوق ، وتتبع ما ~~بقي من ودائعه السالمة في نكبته ، فارتجع منها خمسمائة ألف دينار . وقدم ~~عبد الله بن فرجويه وعول عليه ، وتوفر على أبي محمد ms021 بن علي ابن مقلة ، ~~وأدخله في أموره وأسراره ، وقلده أعمالا كثيرة ، فكانت مدة أبي الحسن بن ~~الفرات في اعتقال المقتدر بالله خمس سنين وأربعة أيام . وكان عبد الله بن ~~جبير عند مقامه بواسط في أيام علي بن عيسى قد عرف قدر ارتفاعها وما يتحصل ~~لحامد بن العباس من الفضل في ضمانها ، فلما عاد إلى بغداد وقد وزر ابن ~~الفرات عظم ذلك عنده . وكان حامد لما انقضت مدة الضمان الذي عقده الخاقاني ~~عليه أخر عن علي ابن عيسى الوظيفة التي كان يحملها في كل شهر ، وطالب ~~بتجديد الضمان . وكاتب علي بن عيسى بأنه محمول على ما كان تقرر معه ومجرى ~~في الشراط عليه ، وله على ما في وثيقته ، ولم يثبت الكتاب في الدواوين ، ~~لكن حامدا ركن إليه وعول عليه . واستأذن عبد الله بن جبير ابن الفرات في ~~مكاتبة حامد بما أخرج عليه ، فأذن له ، وكاتبه مكاتبة أجاب عنها بالاحتجاج ~~لنفسه ، وتردد من القول ما بسط ابن جبير معه لسانه فيه . وبلغه فظن أنه عن ~~مواطأة من ابن الفرات له عليه ، وشرع فيما يدفع به التأول عنه . وكان قسيم ~~الجوهري يشرف للسيدة أم المقتدر بالله على ضياعها بواسط ، ويكثر هناك ~~المقام ، ويحضر عند حامد فيبسطه ويتوفر عليه ، فوافقه على السفارة له في ~~الوزارة ، وأصعد قسيم وخاطب نصرا الحاجب في ذلك وأطعمه في حامد ، وملأ يده ~~منه ، وعرفه سعة صدره وسخاء نفسه ، وضمن له عنه تصحيح المال الكثير من ابن ~~الفرات وأسبابه ، وراسل السيدة أيضا . ووافق هذا القول والسعي سوء رأي نصر ~~الحاجب في ابن الفرات ، وخوفه منه وكثرة الوقيعة فيه ، وقول الناس إنه قلد ~~ولده الدواوين ، وأقاربه الأعمال وأخذ من ودائعه القديمة التي الجملة اتسعت ~~الأقوال فيها وكتبه إلى العمال بحمل المرافق إلى هارون بن PageV01P029 ~~عمران ، وإفراده إياه بذلك وبقبض أموال المصالحين والمصادرين وعدله بها عن ~~بيت المال . وأن المقتدر بالله طلب من ابن الفرات مالا لبعض مهمه فمنعه منه ~~واعتل عليه فيه ، فتم بذلك أمر حامد ، وروسل بالاصعاد إلى الحضرة ، وأن ms022 ~~يكتب على عدة أطيار بخروجه في يومه ليقبض على ابن الفرات عند المعرفة ~~بتوجهه ، فأصعد ، وكتب بخبره ، وعرض الكتاب أبو القاسم بن الحواري على ~~المقتدر بالله ، فلما وقف عليه أنفذ نصرا الحاجب وشفيعا المقتدري إلى دار ~~أبي الحسن ابن الفرات حتى قبضا عليه في وقت العصر من يوم الخميس لثلاث بقين ~~من جمادي الأولى سنة ست وثلثمائة ، وعلى المحسن ابنه وموسى بن خلف وعبد ~~الله بن فرجويه وعيسى بن جبير وسعيد بن إبراهيم التستري ودولة أم ولد أبي ~~الحسن بن الفرات والحسن ابنها منه ، وحملا الجماعة إلى دار الخلافة ، ~~واعتقل أبو الحسن وحده عند زيدان والباقون عند نصر الحاجب ، وختم أبو نصر ~~بشر بن علي خليفة حامد ببغداد على جميع الدواوين . وإنما قبض على ابن ~~الفرات في داره لأن الارجاف قوي بصرفه قوة استوحش منها كتابه وأصحابه وكان ~~إذا ركب إلى دار السلطان تفرقوا واستتروا ، وإذا عاد إلى داره ظهروا وحضروا ~~وركب في أول النهار وهم على الجملة من الخوف والإشفاق ، وعاد فعادوا على ~~السكون إلى ذلك . وكانت مدة نظره في هذه الدفعة سنة وخمسة أشهر وتسعة عشر ~~يوما . # | ثم وزر الوزارة الثالثة # وأخرج من حبسه عند زيدان القهرمانة يوم الخميس لتسع بقين من شهر ربيع ~~الآخر سنة إحدى عشرة وثلثمائة ، وخلع عليه وعلى أبي أحمد المحسن ابنه ، وقد ~~كان أفرج عن المحسن من قبل وأقام في منزله ، وركبا إلى داريهما بسوق العطش ~~وجلسا للتهنئة ، وظهر أولادهما وكتابهما وحواشيهما وأسبابهما . فأما حامد ~~فإن أبا الحسن ابن الفرات أقره على أعمال واسط بحكم ما شرطه المقتدر بالله ~~عليه في أمره . وخاطبه بنحو مما خاطب هو علي بن عيسى به عند خلافته إياه . ~~PageV01P030 وقد كان أصحاب الدواوين في وزارة أبي علي الخاقاني شرطوا على ~~حامد في ضمانه الأول لأعمال واسط أن يؤدي في آخر سني ضمانه لما ينفق على ~~كري الأنهار وحراسة البزندات والبذور والمعاون مثل ما أنفق وأطلق في ذلك في ~~آخر سنة من سني الاعتبار عليه وكان نيفا وتسعين ألف ms023 دينار ليتولى عمال ~~السلطان الإنفاق ، وشرطوا له أن يؤخر باعتبار أموال الخراج والضياع الخاصة ~~العباسة ومبلغه مائة وسبعة وخمسون ألف دينار إلى آخر سني الضمان لتصير ~~الجملة مائتين وخمسين ألف دينار . فما زالت المطالبة بذلك تتأخر مع تجديد ~~الضمان سنة بعد أخرى . وقلد أبو الحسن بن الفرات أبا سهل النوبختي أعمال ~~المبارك ، وأبا العلاء محمد ابن علي البزوفري أعمال الصلح والمزارعات ، ~~ووافقهما على مطالبة حامد بالمال المذكور ، فطالبه النوبختي مطالبة الكتاب ~~، وسلك البزوفري معه سبيل العنت والإرهاق ، وتبسط عليه في المناظرة والخطاب ~~، ثم عمل له الأعمال ، وادعى عليه أنه ابتاع من المزارعات السلطانية بأسافل ~~الصلح ضواحي الجامدة في أيام الخاقاني وبعدها ضياعا جليلة ، وأخرج عليه من ~~الفضل فيها خمسمائة ألف دينار ، مكثرا عليه بذلك . ورأى ابن الفرات تجرد ~~البزوفري لما هو متجرد له من استعمال القبيح مع حامد وعمل الأعمال فيه ، ~~فكاتبه وأحمد فعلته ، وأنفذ إليه المؤامرات المعمولة بالحضرة له ، وأمره ~~بمطالبته والاستقصاء عليه والابتداء بنفقات المصالح والبزندات والبذور ~~والمعاون هو والنوبختي ، وإنفاقها على عمارة سنة إحدى عشرة وثلاثمائة . ~~فأجاب البزوفري بأن حامدا ليس يلتفت إليه ، ولا يعطي شيئا من المال ، وقد ~~بدأ بإطلاق ما يريد إطلاقه للمزارعين وأهل البلاد للعمارة المستأنفة ، ~~وادعى شروعه في ضمان سنة إحدى عشرة وثلاثمائة ، وأنه غير متمكن منه مع قوته ~~، وأن معه أربعمائة غلام كبار يتبعهم آخرون وسبعمائة رجل ، وأهل البلاد على ~~ميل إليه وتعصب له . فعرض ابن الفرات كتابه على المقتدر بالله ، فأمر مفلحا ~~الأسود بإنفاذ مائة غلام من الحجرية ومائة راجل من PageV01P031 المصافية ~~إلى واسط للشد من البزوفري وبسط يده . وقال لابن الفرات : اكتب إليه بإثبات ~~خمس مائة راجل يستظهر بهم على أمره . ففعل جميع ذلك . وكتب ابن الفرات إلى ~~البزوفري يرسم له التوكيل بحامد عند وصول من أنفذ إليه ، ومطالبته عاجلا ~~بالمصالح والبذور ، إذ ليس يأذن السلطان في عقد الضمان مستأنفا عليه . ~~فأشارع البزوفري ذلك قبل ورود القوم ، وعرف حامد الخبر في وقته ، فأظهر ~~ورود كتاب المقتدر بالله عليه بالمبادرة إلى ms024 الحضرة ، فضرب البوق وأصعد ~~بكتابه وحواشيه ورجالته ، ومعه ثيابه وفرشه وآلته بعد ما أودعه بواسط من ~~ماله ، وسار في السفن والسميريات ، وأنفذ كراعه على الظهر ، فلم يقدر ~~البزوفري على منعه ولا الاعتراض عليه في فعله ، لكنه بادر إلى ابن الفرات ~~بالخبر على الطيور . فلما عرفه انزعج منه ، وظن أنه عن أصل انطوى عنه ، ~~واستشار المحسن ابنه وخواصه فيما يدبر الأمر به . فقالوا تنهي إلى المقتدر ~~ما كان منه ، وتستعلم ما عنده فيه . ففعل وقال المقتدر : ما كوتب بشيء مما ~~ادعى أنه كوتب به ، وتقرب بينه وبين ابن الفرات إنفاذ نازوك إلى المدائن في ~~عدد كثير من الغلمان والرجالة والفرسان للقبض على حامد وأسبابه ، ووقف ~~نازوك على ذلك . واتصل بحامد انحدار نازوك ، فاستتر وترك سفنه وماله ~~وأصحابه ، ووافى نازوك فقبض على ما وجده له وحمله ، وأمر المقتدر بالله ~~بتسليم الحسبانات إلى ابن الفرات ، والكراع في الاصطبلات ، وما سوى ذلك إلى ~~الخزائن . ووقع الارجاف بأن المقتدر بالله كاتب حامدا ينكر عليه خروجه من ~~واسط على الحال التي خرج عليها ، ورسم له الاستتار ودخول بغداد سرا ليرده ~~إلى الوزارة ، ويسلم إليه الجماعة ، فأشفق أبو الحسن بن الفرات واستتر ~~المحسن والحسين والحسن أولاده وحرمهم وكتابهم . وكانت سعادة حامد قد انقضت ~~، ومدته قد انقرضت ، فدعاه المقدور إلى قصد دار السلطان في زي الرهبان ، ~~واستأذن على نصر الحاجب ، فلما دخل ورآه قال له : إلى أين جئت ؟ ~~PageV01P032 قال : جئت بكتابك . قال : إلى ها هنا كاتبتك بالمجيء ؟ ولم يقم ~~له ولا وفاه حقه ؛ واعتذر إليه بخوفه من سخط الخليفة متى تجاوز به ما وقف ~~عنده . وراسل نصر مفلحا الأسود بالخروج إليه ، لأن المقتدر بالله كان عند ~~الحرم ، فخرج إليه وقال له : قد ورد حامد على ما تراه من هذه الصورة ، وهو ~~اليوم في موضع رحمة ، وما أولاك باستعمال الجميل معه . وقال حامد لمفلح : ~~تقول لأمير المؤمنين أنا أرضى بأن اعتقل في دارك كما اعتقل علي بن عيسى ، ~~ويناظرني الوزير والمحسن والكتاب بحضرة القضاة والفقهاء والقواد ، فإن وجب ~~علي ms025 شيء خرجت منه بعد أن أومن على نفسي ، وأمكن من استيفاء حججي . ويمنع ~~المحسن من مقابلتي على المكاره التي أوقعتها به في طاعة أمير المؤمنين ، ~~فإنه شاب وبسط يده على مثلي ممن بلغ إلى مثل سني ووجب له من الحرمة ما وجب ~~لي غير لائق بعادات أمير المؤمنين . فأراه مفلح أنه يفعل ، ودخل إلى ~~المقتدر فأورد عليه ضد ما قاله ، وتكلمت السيدة في أمر حامد وأجابته إلى ~~سؤاله . فقال مفلح : متى فعل ذلك لا يتم لابن الفرات أمر مع الأراجيف ~~الواقعة به . فقال له المقتدر بالله : صدقت . وأمره بأن يتقدم إلى نصر ~~بإنفاذ حامد إلى ابن الفرات ، فخرج إليه وعرفه ما رسم له . فاستدعي حامد من ~~نصر ثيابا يغير بها ما عليه ، فامتنع مفلح من الإذن له في ذلك ، وقال : وقد ~~أمرني مولانا بإنفاذه على زيه الذي حضر فيه . فلم يزل نصر يشفع له إلى أن ~~أذن في تغيير ، وأنفذه مع ابن الزنداق الحاجب . فلما دخل على ابن الفرات ~~قال له : لم جئت ؟ قال بكتابك . قال له : فلم لم تقصد داري ؟ قال : حرمت ~~التوفيق . قال له : لا ولكنك عملتها طائية فجاءتك طائية . وذاك أن الطائي ~~ضمن إسماعيل بن بلبل من الموفق وصار إلى داره في زي الفيوج ليقيم فيها ~~ليلته وينجز له من غد ما وعده ، فلما حصل عنده أنفذه إلى إسماعيل في ذلك ~~الزي ، فأوقع به إسماعيل مكروها غليظا ، واستخرج منه ومن كتابه مالا جليلا ~~. وتقدم أبو الحسن بن الفرات إلى أستاذ داره بأن يفرد لحامد دارا يفرشها ~~فرشا جميلا ، ويتفقده في طعامه وشرابه وطيبه تفقدا كثيرا . ونحن نذكر تمام ~~حديثه إلى حين وفاته في أخباره . # | أسماء القوم الذين قبض المحسن بن أبي الحسن بن الفرات عليهم ونكبهم ~~وقتلهم وأبعدهم وما جرى عليه أمر كل واحد منهم # قد ذكرنا من أخبار حامد بن العباس وعلي بن عيسى ما لا فائدة في تكريره ، ~~فأما سليمان بن الحسن فقبض المحسن عليه من ديوان المشرق ، وكان يتولاه مع ~~غيره من PageV01P033 الدواوين ، فصادره ms026 على ما صح منه خمسون ألف دينار ثم ~~أخرجه إلى فارس . وأما أبو علي بن مقلة فكان يتقلد لعلي بن عيسى في وزارة ~~حامد زمام السواد ، فلما تقلد أبو الحسن بن الفرات تجلد ولم يستتر ، وحضر ~~مجلسه ، فأعرض عنه إعراضا غض به من محله ، ولم يقبض عليه مراعاة للمودة ~~بينه وبين أبي القاسم بن الحواري . فلما قبض على ابن الحواري أنفذ المحسن ~~أبا غانم كاتبه حتى قبض علي ابن مقلة وقيده ، وقد شرحنا حديثه في أخباره . ~~وأما أبو القاسم علي بن محمد الحواري فإنه تأخر عن تهنئة ابن الفرات في صدر ~~نهار يوم الجمعة ، وراح إليه في آخره ، وأطال عنده ، وآنسه ابن الفرات ~~وشاوره في أموره ، وخلا به خلوة طويلة اعتمد فيها سكون نفسه ، وراسله ابن ~~الفرات فتحقق بخدمته وأظهر السرور بولايته مع ما اعتقده باطنا من مخافته ، ~~وقد كان أصحاب ابن الحواري أشاروا عليه بالاستتار عن ابن الفرات وقالوا له ~~: إن الخليفة لم يكتمك أمره وما عزم عليه من تقليده مع ما يعرفه من العداوة ~~بينكما إلا لسوء رأي فيك . فلم يقبل ذلك وقال : لو كان الأمر على ما قلتم ~~لقبض علي قبل إخراجه إياه وإظهار أمره ، وما أرى أن أنكب نفسي بسوء ~~الاستشعار مني . لكنه ستر حرمه وولده واستظهر بعض استظهار في رحله وماله . ~~وركب ابن الحواري إلى دار السلطان وحضر ابن الفرات وأذن له ولم يؤذن لابن ~~الحواري . فاستوحش من ذلك ، ثم صرف الأمر إلى أن ابن الفرات قد شرط على ~~المقتدر بالله أن يجريه على رسمه في وزارته الثانية ، فإن ابن الحواري لم ~~يكن يصل معه ظاهرا وإنما كان يصل سرا . فلما خرج ابن الفرات من حضرة ~~المقتدر بالله وجلس في الدار التي أفردت له للنظر في أمر القواد والحواشي ~~دخل معه ابن الحواري فأقبل عليه وشاوره في ما كان يخاطب عليه ، وقال له : ~~قد غبت عن مجاري الأمور منذ خمس سنين وأنت عارف بما كان علي بن عيسى قرر ~~عليه أمر الحاشية ، وأريد أن تنبهني ms027 وترشدني وتعاونني وتعاضدني ، وتستعمل ~~في ذلك ما تقتضيه المودة . فقال له : السمع والطاعة . ووعده بالإخلاص في ~~المناصحة ، وفاوضه ابن الفرات حديثا طويلا ونهض قبل أن يستتمه ، ونزل إلى ~~طياره ونزل ابن الحواري معه وأحمد بن نصر البازيار ابن أخيه ، ومحمد بن ~~عيسى صهره ، وعلي بن مأمون الإسكافي كاتبه ، وعلي بن خلف أخو محمد بن خلف ~~صهره ، فأكرم جماعتهم وأخذ يحادثهم ويضاحكهم إلى أن صعد من طياره إلى داره ~~، ووصل إلى بعض الأروقة ثم PageV01P034 أسر إلى العباس الفرغاني حاجبه سرا ~~أمره فيه بالقبض عليهم ففعل ، واعتقلهم في بعض الحجر ، واستدعى شفيعا ~~اللؤلؤي ، وأنفذه إلى دار ابن الحواري وأمره بحفظها وحراستها ، وأنفذ إلى ~~إصطبلاته بمن قاد دوابه وبغاله وساق جماله إلى إصطبلات السلطان ، ونقل فاخر ~~ثيابه وفرشه وآلاته إلى الخزائن ، ووصي ابن الفرات قهرمان داره بإحسان ~~مراعاة ابن الحواري في مأكوله ومشروبه . ثم راسله مع عبد الله بن جبير ~~وغيره في تقرير أمره ، وواقفه على أعمال عملت له قبل القبض عليه ، فسأل أن ~~يوسط بينه وبين أبا بكر بن قرابة ، وكان ابن قرابة متحققا بابن الفرات في ~~هذا الوقت وبابن الحواري من قبل ، فوسطه ذلك ، وتقرر مصادرة ابن الحواري ~~خاصة من دون كتابه وأسبابه على سبعمائة ألف دينار ، يعجل منها مائتين ~~وخمسين ألف دينار ويحتسب له عن ثمن المأخوذ منه بخمسين ألف دينار ويؤدي ~~الباقي في أربعة وعشرين شهرا بعد أن حلف أن قيمة المأخوذ منه ثلاثمائة ألف ~~دينار . واشترط إطلاق أحمد بن نصر البازيار ليقوم بمال التعجيل ، فأطلق ~~وأزيل التوكيل عن دوره وسلم الباقي فيها إلى أحمد بن نصر . وتسلم المحسن بن ~~أبي الحسن بن الفرات من بعد ذلك ابن الحواري فصفعه صفعا عظيما في دفعات ~~وضربه بالمقارع . ثم أخرجه إلى الأهواز في طيار خدمه غير مقيد ، وأنفذ معه ~~الحبشي المستخرج . وحدر أيضا في هذه الجملة سليمان بن الحسن وأبا علي بن ~~مقلة ، فلما وصلوا إلى البصرة وتوجهوا منها إلى الأهواز طرح الحبشي ابن ~~الحواري في الماء منكسا وشد رجليه في ms028 شكات الطيار وهو سائر وبلغ موضعا يعرف ~~بالمنارة أسفل الأبلة بفرسخ فأخرجه ، وقد بقي فيه أدنى رمق فخنقه غلمان ~~سودان كانوا معه ودفنوه ، وحمل سليمان وابن مقلة إلى الأهواز . وأما ابن ~~حماد الموصلي فإن ابن الفرات كتب إلى محمد بن نصر بالقبض عليه وحمله إلى ~~الحضرة ، فعرف ابن حماد ذلك وهرب ، فوجد في عمر يقارب بلد فأخذ وحمل إلى ~~محمد بن نصر فضربه ضربا أثخنه ، لعداوة كانت بينه وبينه ، ثم أنفذه ، ~~فتسلمه المحسن وأمر ابن أبي عمر كاتبه وابن حبشي المستخرج بصفعه ، فأوقعا ~~به فلم يرض بذلك حتى أحضره بين يديه وصفعه على رأسه إلى أن خرج الدم من فيه ~~ومات في ليلته . PageV01P035 وخاف المحسن إنكار المقتدر بالله ما جرى في ~~أمره فأظهر أن محمد ابن نصر أنفذه مثخنا بالضرب فتلف مما ناله منه . بينه ، ~~ثم أنفذه ، فتسلمه المحسن وأمر ابن أبي عمر كاتبه وابن حبشي المستخرج بصفعه ~~، فأوقعا به فلم يرض بذلك حتى أحضره بين يديه وصفعه على رأسه إلى أن خرج ~~الدم من فيه ومات في ليلته . وخاف المحسن إنكار المقتدر بالله ما جرى في ~~أمره فأظهر أن محمد ابن نصر أنفذه مثخنا بالضرب فتلف مما ناله منه . وأما ~~علي بن الحسن الباذبيني ، وكان رجلا متسلما ، وتقلد ديوان الضياع المقبوضة ~~في أيام علي بن عيسى ، فقبض عليه المحسن وصادره على أحد عشر ألف دينار . ~~وأعاد المكروه عليه فبلح في يديه ، وأيس من حصول شيء منه . وأخرجه إلى ~~الموصل فلم يزل مقيما بها إلى أن وزر أبو القاسم عبد الله بن محمد الخاقاني ~~. وأما أبو المنذر النعمان بن عبد الله فقد كان تاب من خدمة السلطان ، ولبس ~~الخف والطيلسان ، وحضر مجالس الوزراء بهما كان تحضر مشايخ الكتاب إلا أنه ~~كان متحققا بحامد بن العباس وعلي بن عيسى ونصر الحاجب . فلما تقلد ابن ~~الفرات الوزارة في هذا الوقت لم يجد عليه متعلقا ولا متسلقا ، وكان يحضر ~~مجلسه فيكرمه ، وخاف النعمان على نفسه منه لما كان يشاهده من المحسن ~~وإقدامه على ms029 ما يقدم عليه فلازم نصرا الحاجب وثمل القهرمانة ، وكان يروح ~~إليهما في أكثر العشيات ويقيم عندهما إلى أن تمضي قطعة من الليل . فاتفق أن ~~خرج في بعض الليالي من دار ثمل القهرمانة ومعه إبراهيم حاجبه فرآه أحد ~~أصحاب الأخبار الذين لابن الفرات ، فكتب إليه بخبره ، وبأنه سمعه يقول لبعض ~~العمال المعطلين وقد لقيه في طريقه : ما عندك من الأخبار ؟ فقال : كثرة ~~الأراجيف بابن الفرات . فقال له النعمان : على أن يكون الوزير من ؟ قال : ~~أنت أو محمد بن علي المادرائي أو عبد الله بن محمد الخاقاني ، والأقوى في ~~الظنون أنت . فقال له : ومن لهم بأن أساعدهم على ذلك . فلما قرأ ابن الفرات ~~هذا الفصل سلمه إلى المحسن ، وأمره بإحضار النعمان وأن يعرض عليه ولاية ~~الأعمال بالأهواز وفارس ، فإن استجاب حمله معه ليكتب له الكتب ويخرج إلى ~~عمله ، وإن امتنع أوقفه على الفصل وقال له : ليس يصلح للوزير ولا لي مقامك ~~بالحضرة ، فأخرج إلى حيث تختار من غير إخراج ولا توكيل . فأحضره المحسن ~~وخاطبه بذلك فامتنع من العمل ، فأقرأه حينئذ الفصل من رقعة صاحب الخبر ، ~~وتقدم إليه بالخروج إلى حيث يريد ، فاختار واسط ، وانحدر إليها لحينه . ~~فلما دخلها قصده العمال والتناء هناك ، ولقوه وأكرموه وعظموه . وكتب إلى ~~ابن الفرات بذلك ، فكتب إلى محمد بن علي PageV01P036 البزوفري بالقبض عليه ~~، فقبض عليه في يوم جمعة من المسجد الجامع ، وطالع ابن الفرات بحاله ، فرسم ~~له مطالبته بما بقي عليه من مال مصادرته في وزارته الثانية وهو سبعة عشر ~~ألف دينار . ففعل البزوفري ذلك وأدى النعمان سبعة آلاف دينار . وأما أحمد ~~بن محمد بن بسطام فكان مصاهرا لحامد بن العباس ومتقلدا بهرسير والرومقان ~~وإيغار يقطين في وزارة علي بن عيسى . فلما رأى ما الناس فيه مع المحسن بن ~~الفرات واستتر عند الشاه بن ميكال ، وعرف المحسن خبره فكبسه وأخذه وقرر ~~عليه ثلاثمائة ألف دينار ، وطالبه مطالبة زاد فيها ، حتى أخرجه من نعمته ~~وضيعته ، ثم عمل على إخراجه إلى واسط عند قرب مؤنس واستيحاشه منه ، وكتب له ms030 ~~بولاية بعض النواحي فخاف وقوع حيلة عليه بذلك ، فاستتر استتارا ثانيا حتى ~~زال أمر ابن الفرات . وأما إبراهيم أخو علي بن عيسى فإنه كان ملازما لمنزله ~~في أيام حامد وعلي ابن عيسى ، فلما تقلد أبو الحسن بن الفرات تأخر عن ~~تهنئته ، فوقع إليه توقيعا جميلا أمره فيه بالمصير إليه ، فجاءه من وقته ، ~~وقبض عليه وطالبه بأحد عشر ألف دينار ، بقيت عليه من جملة خمسين ألف دينار ~~صادره عليها في وزارته الثانية . فاحتج إبراهيم بأن المقتدر بالله وضعها ~~عنه ، وأظهر توقيعا معمولا في الدواوين شاهدا على قوله ، فلم يقبل ذلك منه ~~، وطالبه حتى أدى المال ، فلما أداه أحضره مجلسه ، وواقفه على أمور كانت في ~~نفسه عليه منذ أيام العباس بن الحسن ، وصادره مصادرة مجددة على عشرين ألف ~~دينار ، ثم سلمه إلى المحسن فأوقع به مكروها شديدا إلى أن وفى القيمة ، ثم ~~نفاه إلى البصرة ، وسلمه إلى ابن أبي الأصبغ عاملها ، فقيل : إنه سمه فمات ~~. وأما عبيد الله أخوه فإنه كان عليلا في منزله ، فأنفذ المحسن من حمله ~~إليه في محفة وطالبه وأوقع به مكروها كرره إلى أن ضمنه أبو الحسين بن روح ~~وجماعة بما قرره عليه . فلما أداه أخرجه إلى الكوفة . وأما أبو علي عبد ~~الرحمن فإنه استتر بعد القبض على أبي الحسن أخيه ، فلم يعرف به خبر مع شدة ~~الطلب له ، والحرص على حصوله . وأما أبو الحسن علي بن مأمون الإسكافي كاتب ~~ابن الحواري فصودر على مائة ألف دينار ، وأدى بعضها ، وتلف تحت المكروه . ~~PageV01P037 | وأما أبو الحسين محمد بن أحمد بن أبي البغل فكان بفارس ، ~~وكتب المحسن إلى جعفر بن محمد العامل هناك بالقبض عليه وعلى زيد بن إبراهيم ~~عامل كرمان ، ومصادرتهما على مال حده له ، فإن أذعنا وإلا أشخصهما إلى ~~الحضرة ، فافتديا أنفسهما بما التمس منهما إشفاقا من إنفاذهما إلى المحسن . ~~وأما أبو زنبور الحسين بن أحمد المادرائي فكان ضامنا لمصر والشام في أيام ~~حامد فتنكر له أبو الحسن علي بن عيسى وصرفه بأبي الحسين محمد بن الحسن بن ms031 ~~عبد الوهاب كاتبه وولي أبو الحسن بن الفرات فأقر أبا الحسين على نظره ~~وكاتبه بحمل أبي زنبور إلى الحضرة ، وكان بدمشق ، فأنفذه إلى مؤنس المظفر ~~وهو بحلب ، وأنفذ ابن الفرات اعتقالا جميلا . ثم جمع القضاة وأصحاب ~~الدواوين وأخرجه إلى مجلسه ، وقد حضر المحسن وأبو العلاء بن سنجلا كاتبه ~~على ديوان المغرب وأحضرا أعمالا عملاها له ، ووقعت المناظرة له على أبوابها ~~، فألزمه ابن الفرات منها ألفي ألف وأربعمائة ألف دينار ، ثم استكثرها فحط ~~منها سبعمائة ألف دينار ، وأخذ خطه بالباقي وعرضه على المقتدر بالله فأحمد ~~فعله فيه ، وزاد ابن الفرات في مراعاة أبي زنبور وإحسان عشرته لأنه كان ~~يسترجله ويستجلده ، وسامه أن يواجه علي بن عيسى بأنه أرفقه في أيام تقلده ~~ديوان المغرب وبعد ذلك في وزارته ، فاستعفاه . فقال له ابن الفرات : فلم ~~واجهتني بأمره وليس تواجهه بأمري . فقال له : ما أحمدت عاقبة تلك الحال ولا ~~استحسنها لي أحد ، مع الظاهر من إساءة الوزير إلي بتسليمه إياي إلى ابن ~~بسطام وبسط يده علي في أيام وزارته الثانية فكيف تستحسنون لي الآن معاملة ~~علي بن عيسى بالقبيح على ماله عندي من الجميل القديم فأمسك ابن الفرات عنه ~~. وقدم محمد بن علي المادرائي من مصر ، ولم يكن تقلد في وزارة حامد عملا ، ~~فنوظر على أموال تلزمه وبقايا عليه في وقت شركته للحسين بن أحمد ، فاحتج ~~لنفسه احتجاجا قاله له ابن الفرات في آخره : فلست بأعلم وأعرف من الحسين بن ~~أحمد ، وقد أورد أكثر مما أوردت ، فلم يدفع ذلك عنه ما وجب عليه . وأخذ خطه ~~طوعا بألف ألف ومائة ألف دينار . وكتب عليه بها كتاب دين للمقتدر بالله في ~~نجوم ثبتت ، وأشهد على نفسه القضاة والشهود فيه . وكان المحسن بن الفرات ~~يكرم محمد بن علي ويتطاول له إذا حضر عنده ، وأطلقه PageV01P038 إلى داره ~~رعاية لما ذكر أنه حمله إليه من أموال كثيرة وجواهر ثمينة وخدم روقة وسلم ~~محمد بن علي والحسين بن أحمد إلى مؤنس المظفر عند خروجه إلى الرقة ليستوفي ~~منهما ما تقرر ms032 عليه أمرهما ويصرفه في نفقات رجاله . وكان مؤنس المظفر عند ~~تقلد أبي الحسن بن الفرات الوزارة في هذه الدفعة غائبا في الغزو . فلما عاد ~~كثر الحديث بإنكاره ما جرى على الكتاب وغيرهم من أبي الحسن بن الفرات ~~والمحسن ابنه ، وما كان من وفاة حامد مسموما وأن أكثر الفرسان التفاريق ~~المقيمين بالحضرة قد عملوا على أن ينضموا إليه لتروج لهم أرزاقهم به . فثقل ~~ذلك على ابن الفرات ، وركب بعد أسبوع من قدوم مؤنس إلى المقتدر بالله وخلا ~~به ، وعرفه ما عليه مؤنس من اجتذاب الجند إليه ، وأن ذلك إن تم غلب على ~~الأمر وصار أمير الأمراء ومد يده إلى الأموال وأقل مراعاة الخدمة واحتشام ~~الخلافة . وأغراه شديدا وخوفه منه تخويفا كثيرا . فلما ركب مؤنس إلى ~~المقتدر بالله قال له بمحضر من ابن الفرات : ما شيء أحب إلي من مقامك ، ~~عندي لأنني أجمع في ذلك بين الأنس بقرب دارك ، والتبرك برأيك والانتفاع ~~بمكانك ، ولكن أرزاق الفرسان التفاريق عظيمة ، وما يمكن إطلاقها ولا النصف ~~منها على إدرار ، ولا يطيعون في الخروج إلى بعض الجهات ، وإذا أقمت طالبوا ~~بالانضواء إليك ، فإن أجيبوا لم يف ما يحمل من أموال السواد والأهواز وفارس ~~والمشرق بنفقات الحضرة ومال من يجتمع معك ، وإن لم يجابوا شغبوا وافتتن ~~البلد . ثم إنك إن أقمت لم يرج مال ديار مضر وربيعة والشام ، ووقف ما قرر ~~على المادرائيين ، والصواب أن تخرج إلى الرقة ، فإنها واسطة أعمالك وعمال ~~الخراج والمعاون بمصر والشام يهابونك ويراقبونك ، ويحملون الأموال مراعاة ~~لك وخوفا منك ، ويستقيم أمر المملكة بذلك . وأمره بالشخوص إلى هناك من وقته ~~في سائر من برسمه . وكان المتكلم عن المقتدر بالله ابن الفرات . فعلم مؤنس ~~أنه أمر قد تقرر برأيه وتدبيره وعلى حكم ما يعتقده من عداوته ، فقال : ~~السمع والطاعة لأمير المؤمنين ، إلا أنني استأذن في المقام بقية شهر رمضان ~~، فإذا أفطرت وعيدت سرت وتوجهت . فقال له : افعل . فلما عيد ركب إلى ابن ~~الفرات لوداعه ودخل إليه فقام له قياما تاما ، واستعفاه مؤنس PageV01P039 ~~من ذلك ms033 فلم يعفه وحلف عليه أن يجلس معه على المصلى فامتنع . وسأله مؤنس في ~~عدة أمور فوقع له بها وأجابه إلى جميعها ، ونهض فأراد ابن الفرات القيام له ~~عند نهوضه فأقسم عليه برأس الخليفة أن لا يفعل ، وسار إلى الرقة . وأما نصر ~~القشوري الحاجب فإن ابن الفرات لما فرغ من إخراج مؤنس وإبعاده عن الحضرة ~~عدل إلى أمره ، وكثر على المقتدر بالله الأموال في جنبه ، وأعلمه عظم ضياعه ~~وارتفاعه ومرافقه ومنافعه وما يصل إليه من أعمال المعاون المرسومة بولايته ~~، فأجابه إلى القبض عليه ، وتسليمه إليه دون شفيع المقتدري وقد كان القول ~~منه فيهما جميعا . وعرف نصر ما جرى في بابه ، فلجأ إلى السيدة ، ومضى في ~~بعض أيام نوبته إلى منزله واستتر ، وكلمت السيدة المقتدر بالله في أمره ~~وقالت له : قد أبعد ابن الفرات مؤنسا وهو سيفك ، ويريد أن ينكب نصرا وهو ~~حاجبك ، ليمكن من مجازاتك على ما فعلته من إزالة نعمته وهتك حريمه . فيا ~~ليت شعري من يكون عونك عليه مع ما قد ظهر من شره وشر المحسن ابنه وأخذهما ~~الأموال وقتلهما النفوس ؟ فوعدها بالدفع عن نصر ، وراسلت السيدة نصرا ~~بالظهور والحضور ، فأمن وأنس ، وعاد إلى خدمته . واستأنف التذلل لابن ~~الفرات وابنه . وما ترك ابن الفرات الوقيعة فيه ، والإغراء به حتى قال ~~للمقتدر بالله : ما ضيع عليك الأموال التي أنفقتها على محاربة ابن أبي ~~الساج غيره ، لأنه عاداه وأوحشه من أجل غلام له كان يتولى أعمال أرمينية ، ~~فصرفه ابن أبي الساج ، فأفسد رأيك يه حتى جرى ما جرى . فلما كان في بعض ~~أيام حضر صاحب لأبي طاهر محمد بن عبد الصمد أحد القواد المضمومين إلى ابن ~~أبي الساج عند ابن الفرات ، فعرفه أن كتاب أبي طاهر ورد عليه بأن يوسف بن ~~أبي الساج واقع أحمد بن علي فقتله وأخذ رأسه وحمله مع جثته إلى بغداد . ~~وركب المحسن إلى المقتدر بالله واستأذن عليه ، فأوصله مفلح الأسود حيث لم ~~يحضر نصر الحاجب ، وبشره بالفتح وقرأ عليه الكتاب الوارد به ، وعرفه أن ~~نصرا يكره ms034 ذاك ، فلهذا طواه عنه وكتمه إياه . ولم يبعد بعد هذه الحال أن ~~وجد المقتدر بالله رجلا أعجميا واقفا على سطح مجلس من مجالسه ، وعليه ثياب ~~دبيقية . ومن تحتها ثياب صوف ومعه محبرة ومقلمة ، PageV01P040 وأقلام وسكين ~~وورق وسويق . فأخذ وسئل عن أمره فقال : ما أخاطب إلا صاحب الدار . فقيل : ~~قل ما عندك . قال : ما يجوز . وأخرج إلى أبي الحسن ابن الفرات ، فقال : أنا ~~أقوم مقام صاحب الدار ، فقل ما عندك . فقال : ليس يجوز إلا خطابه في نفسه . ~~فرفق به فلم يغن الرفق . وحمله الخدم حينئذ وضربوه ضربا عنيفا ، فعدل عن ~~الكلام بالعربية إلى قوله بالفارسية : ندانم ولزم هذه اللفظة فلم يزل عنها ~~في كل ما يخاطب به ، وأخرج بعد أن مات تحت العقوبة إلى رحبة الجسر ، وصلب ~~هناك وضرب بالنار . وتحدث الناس بأن ابن الفرات دسه ليوهم المقتدر بالله أن ~~نصرا الحاجب أراد الاحتيال عليه به . وخاطب ابن الفرات نصرا الحاجب بحضرة ~~المقتدر بالله في أمر هذا الرجل فقال له : ما أظنك ترضى أن يجري عليك في ~~دارك مثل ما جرى على دار أمير المؤمنين ، وأنت حاجبه ، مما لم يتم على أحد ~~من الخلفاء ، ولا شك أن الرجل صاحب أحمد بن علي أخي صعلوك لأنه عجمي ، فإما ~~أن يكون أحمد بن علي واطأك على أمره قبل قتله وأنفذه فورد في هذا الوقت ، ~~أو تكون دسسته لثقتك بأمير المؤمنين خوفا على نفسك منه ، فمعلوم أن ابن أبي ~~الساج عدوك وأنك صديق أحمد بن علي . فقال له نصر الحاجب : ليت شعري لم أفعل ~~بأمير المؤمنين وهو مصطنع مثل ذلك ، لأنه أخذ أموالي وضياعي وحبسني خمس ~~سنين ؟ قال المقتدر بالله لنصر : دع هذا ، فلو تم على بعض العامة ما تم علي ~~لكان عظيما . فقال : يا أمير المؤمنين ، ابن الفرات يقف أمري ، ويسعى علي ~~بقبيح أثري ، ويؤخر أرزاق الرجالة المصافية الذين برسمي وكانوا عشرة آلاف ~~رجل فأجابه ابن الفرات جوابا استوفاه ، وبين الزيادة فيما ينصرف إليه على ~~ما كان يقبضه نظراؤه . وقال للمقتدر بالله : إن ms035 أمر أمير المؤمنين أن أخرج ~~أرزاقه وأرزاق أولاده وغلمانه وفوائده ومرافقه وما كان يقام لأمثاله من ~~الحجاب في أيام الناصر والمعتضد والمكتفي فعلت . فتقدم إليه بذلك ، وواقف ~~ابن الفرات الكتاب عليه ، وضعفت نفس نصر الحاجب وكانت السيدة تشد منه ، ~~وتواصل خطاب المقتدر بالله في معناه ، واندفع أمره إلى أن ورد الخبر في يوم ~~الجمعة لثمان بقين من المحرم سنة اثنتي عشرة وثلثمائة بأن أبا طاهر بن أبي ~~سعيد الجنابي أخذ الحاج بالهبير وأسر أبا الهيجاء عبد الله بن حمدان وأحمد ~~ابن كشمرد ونحريرا العمري وأحمد بن بدر عم السيدة وشفيعا خادمها وفلفلا ~~وجماعة من الحرم والخدم ، ومات PageV01P041 الكثير من الناس بالعطش والحفا ~~والرجلة فانقلبت بغداد في جانبيها ، وخرجت النساء إلى الطرقات مسودات ~~الوجوه منشرات الشعور يصرخن ويلطمن ، وانصرف إليهن حرم من نكبه وقتله ابن ~~الفرات . فقبحت الحال قبحا شديدا . وتقدم ابن الفرات إلى نازوك بالركوب إلى ~~المساجد الجامعة لزم العامة ومنع الفتنة . وضعفت نفس ابن الفرات بهذه ~~الحادثة ، وركب في آخر نهار يوم السبت إلى المقتدر بالله ، وشرح له الصورة ~~على ما أورده الزنجي سابق الحاج ، واستدعى المقتدر بالله نصرا الحاجب ، ~~وأدخله في الخطاب والمشاورة ، فانبسط لسان نصر على ابن الفرات وقال : ~~الساعة تقول ما الرأي بعد أن زعزعت أركان المملكة ، وأطمعت الأعداء بإبعاد ~~مؤنس عن الحضرة ، ومن يدفع الآن هذا العدو إن حاول بالسلطان أمرا ؟ وأشار ~~على المقتدر بالله بمكاتبة مؤنس واستقدامه ، فأمره بذلك . فلما خرجا سأل ~~ابن الفرات نصرا ألا يكتب إلى مؤنس شيئا إلا بعد نفوذ كتابه ، فوعده ~~بالتوقف وعدا لم يف به . وأنفذ الرسل من وقته ، وكتب إليه ابن الفرات عن ~~المقتدر بالله بالانكفاء إلى الحضرة . ووثب العامة إلى ابن الفرات ، ورجموا ~~طياره بالآجر ورجموا ابنه المحسن وهو في موكبه على الظهر وذكروهما في الطرق ~~والأسواق بالدعاء عليهما . وبرز ياقوت إلى مضاربه بباب الكناس للتوجه إلى ~~الكوفة ، ومنع القرمطي منها إن حدث نفسه بورودها . ثم وردت الكتب والأخبار ~~بانصراف القرمطي إلى بلده بما أخذه من الأموال ms036 والأمتعة والأحمال والأساري ~~، فرد ياقوت وكثر الإرجاف بابن الفرات وابنه المحسن . فكتب إليهما المقتدر ~~بالله رقعة تتضمن التسكين منهما ، واليمين على حسن اعتقاده فيهما ، وما هو ~~عليه من الثقة بموالاتهما والإحماد لخدمتهما ، وأمرهما بإظهارها لأهل ~~الحضرة وإنفاذ نسخها إلى عمال المعاون والخراج . وركب أبو الحسن وابنه ~~المحسن إلى المقتدر بالله في يوم الأحد لثمان بقين من صفر ، فأصلح بينهما ~~وبين نصر الحاجب ، وأمرهم بالتضافر على ما فيه صلاح الدولة ، وورد هلال بن ~~بدر برسالة مؤنس إلى المقتدر بالله . فوصل وأداها وسمع جوابها ، وعاد به ~~إلى مؤنس من غير أن يحضر ابن الفرات ، ووافق دخول مؤنس في أول شهر ربيع ~~الأول ، فخرج نصر الحاجب والأستاذون ووجوه القواد والغلمان لاستقباله . ثم ~~دخل يوم الأحد لسبع خلون منه . ثم بدأ بدار المقتدر من وقته ، وخدم وانصرف ~~إلى داره ، فركب ابن الفرات إليه للسلام عليه ، ولم يفعل مثل ذلك أحد من ~~الوزراء قبله ، PageV01P042 وأوذن مؤنس به ، فخرج إلى باب داره واستعفاه من ~~الصعود فلم يعفه ، وصعد وهنأه بمورده ، ونهض لينصرف ، فخرج مؤنس معه إلى أن ~~نزل إلى طياره وقبل يده ، وسأله العود إلى موضعه ففعل . وركب أبو العباس بن ~~المقتدر بالله إليه أيضا فخرج حافيا حتى نزل إلى طياره . وصار ابن الفرات ~~وابنه المحسن من غد وهو يوم الاثنين إلى دار المقتدر بالله ، ووصلا إليه ~~وخاطباه بما أراداه ووليا للانصراف ، فعاد المحسن وحده وقال للمقتدر بالله ~~: قد عرفت يا أمير المؤمنين ضيق المال وكثرة النفقات ، وها هنا وجوه ~~ثلاثمائة ألف دينار تصح في مدة قريبة ، فإن أذنت في استخراجها استخرجت . ~~فقال : قد أذنت لك . وخرج فلحق أباه . فلما أرادا الخروج من الصحن التسعيني ~~أقعدهما نصر الحاجب في مجلس بالقرب ، وراسل الغلمان الحجية المقتدر بالله ~~في القبض عليهما على لسان مفلح الأسود ، فدخل وأدى إليه ذلك . ثم قال له : ~~إن في صرف الوزير بقول هذه الطائفة خطأ في التدبير وإطماعا للغلمان . فأمره ~~بأن يخرج ويقول لنصر حتى يصرفه ، ويقول للغلمان : إننا نفعل فيما راسلتمونا ~~به ms037 ما يجري الأمر فيه على محابكم . فلم يقدم مفلح على الخروج إلى نصر بهذا ~~الجواب ووقف عند الستر وقال : ينصرف الوزير . فتكلم الغلمان كلاما كثيرا ~~حتى أنفذ إليه مفلح من وعدهم عن الخليفة بلوغ مرادهم ، فحينئذ أذن نصر ~~للوزير في الانصراف . فذكر بعض من كان معهما أنهما لم يزالا يمشيان في ~~الممرات مشيا سريعا حتى نزلا إلى طيارهما ، وقدما إلى دار الوزير وصعدا . ~~وسار المحسن أباه سرا طويلا . ثم خرج ومضى إلى داره فجلس فيها ساعة حتى نظر ~~في أمره واستتر . وجلس ابن الفرات ينظر في الأعمال وبين يديه جماعة من ~~كتابه . ثم قام إلى دور حرمه فأكل عندهم . وخرج وقت العصر فتشاغل بالوقوف ~~على ما ورد ، وأمر ونهى على رسمه من غير أن يبين فيه خوف أو زوال عن العادة ~~، وبات تلك الليلة على هذه الجملة ، فحدث بعض خواصه أنه سمعه في آخر الليل ~~وهو في مرقده يتمثل بهذا البيت : ن نزل إلى طياره وقبل يده ، وسأله العود ~~إلى موضعه ففعل . وركب أبو العباس بن المقتدر بالله إليه أيضا فخرج حافيا ~~حتى نزل إلى طياره . وصار ابن الفرات وابنه المحسن من غد وهو يوم الاثنين ~~إلى دار المقتدر بالله ، ووصلا إليه وخاطباه بما أراداه ووليا للانصراف ، ~~فعاد المحسن وحده وقال للمقتدر بالله : قد عرفت يا أمير المؤمنين ضيق المال ~~وكثرة النفقات ، وها هنا وجوه ثلاثمائة ألف دينار تصح في مدة قريبة ، فإن ~~أذنت في استخراجها استخرجت . فقال : قد أذنت لك . وخرج فلحق أباه . فلما ~~أرادا الخروج من الصحن التسعيني أقعدهما نصر الحاجب في مجلس بالقرب ، وراسل ~~الغلمان الحجية المقتدر بالله في القبض عليهما على لسان مفلح الأسود ، فدخل ~~وأدى إليه ذلك . ثم قال له : إن في صرف الوزير بقول هذه الطائفة خطأ في ~~التدبير وإطماعا للغلمان . فأمره بأن يخرج ويقول لنصر حتى يصرفه ، ويقول ~~للغلمان : إننا نفعل فيما راسلتمونا به ما يجري الأمر فيه على محابكم . فلم ~~يقدم مفلح على الخروج إلى نصر بهذا الجواب ووقف عند الستر وقال ms038 : ينصرف ~~الوزير . فتكلم الغلمان كلاما كثيرا حتى أنفذ إليه مفلح من وعدهم عن ~~الخليفة بلوغ مرادهم ، فحينئذ أذن نصر للوزير في الانصراف . فذكر بعض من ~~كان معهما أنهما لم يزالا يمشيان في الممرات مشيا سريعا حتى نزلا إلى ~~طيارهما ، وقدما إلى دار الوزير وصعدا . وسار المحسن أباه سرا طويلا . ثم ~~خرج ومضى إلى داره فجلس فيها ساعة حتى نظر في أمره واستتر . وجلس ابن ~~الفرات ينظر في الأعمال وبين يديه جماعة من كتابه . ثم قام إلى دور حرمه ~~فأكل عندهم . وخرج وقت العصر فتشاغل بالوقوف على ما ورد ، وأمر ونهى على ~~رسمه من غير أن يبين فيه خوف أو زوال عن العادة ، وبات تلك الليلة على هذه ~~الجملة ، فحدث بعض خواصه أنه سمعه في آخر الليل وهو في مرقده يتمثل بهذا ~~البيت : وأصبح لا يدري وإن كان حازما . . . أقدامه خير له أم وراؤه وبكر من ~~غد فجلس لأصحاب المظالم . قال أبو القاسم بن زنجي : فبينما هو في قراءة ~~رقاعهم واستماع ظلامتهم إذ وردت عليه رقعة لطيفة مختومة ، لم أعلم في الوقت ~~ممن هي ، ثم عرفت أنها كانت من مفلح ، وتلتها رقعة أخرى من كاتب مفلح ، ~~فلما وقف عليها أمسك قليلا ، ثم دعا أبا زكرياء يحيى الدقيقي قهرمانه فأسر ~~إليه ما لا أدري ما هو ، PageV01P043 فانصرف . وقال لأبي إسحاق المدبر : خذ ~~قصص المتظلمين واجمعها لتعرضها الليلة علي وأوقع فيها وتفرقها عليهم من غد ~~. ونهض من مجلسه إلى دور حرمه وتفرق الناس ولم يبعد أن وافى نازوك ومعه ~~سلاح ، وبيده دبوس ، وتلاه يلبق على مثل هذه الصورة ، ومع كل واحد منهما ~~خمسة عشر غلاما . فلما لم يروه هجموا على دار حرمه ، وأخرجوه حاسرا ، ~~وأنزله في طيار ، وحمل إلى دار نازوك ، وقبض معه على الفضل والحسن ابنيه ، ~~وعبد الله بن جبير وسعيد بن إبراهيم التستري وأبي غانم سعيد بن محمد كاتب ~~المحسن وابن هشام وأبي الطيب الكلوذاني . ومضى نازوك ويلبق إلى مؤنس فعرفاه ~~الخبر ، وقد خرج إلى باب الشماسية للتنزه ، فانحدر معه هلال ms039 بن بدر ، ~~وجماعة من القواد ، وساد يلبق إلى دار نازوك وأخرج ابن الفرات وابنيه ~~وكتابه إلى شاطئ دجلة . فلما شاهدهم العامة رجموهم . وأنزل مؤنس ابن الفرات ~~معه في طياره ، فأظهر السرور بحصوله في يده ، ورفعه مؤنس وخاطبه بجميل ~~وعاتبه مع ذلك عتابا كثيرا بحضرة الناس ، فتذلل له وخاطبه بالأستاذية . ~~فقال له : الآن تخاطبني بالأستاذية وبالأمس تخرجني إلى الرقة على النفي ~~والمطر ينزل على رأسي ؟ ! وتقول لمولانا أمير المؤمنين إنني أسعى في فساد ~~مملكته ؟ وانحدر به إلى دار السلطان وأصعد به إليها . وسلم ولداه وكتابه ~~إلى نصر الحاجب . واجتمع القواد إلى مؤنس ونصر وقالوا : إن اعتقل ابن ~~الفرات في دار الخلافة خرجنا بأسرنا إلى المصلى وشغبنا . وزادوا في القول ~~وأكثروا ، فاستدعي المقتدر بالله مؤنسا ونصرا واستشارهما ، فأشارا بإخراج ~~ابن الفرات من الدار وتسليمه إلى شفيع اللؤلؤي ليكون عنده ويسكن القواد إلى ~~ذلك . فاستدعي شفيع وسلم إليه . ونظر أبو القاسم عبد الله بن محمد بن ~~الخاقاني في الوزارة ، على ما ذكرناه في أخباره . وانتهى الأمر في ابن ~~الفرات إلى أن تقدم المقتدر بالله بتسليمه إلى الخاقاني فتسلمه في يوم ~~الأحد لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول ، وسلم معه الدقيقي قهرمانه ، ~~ورد PageV01P044 الخاقاني مناظرة ابن الفرات إلى ابن بعد شر ، فأخذ من ~~ودائع أقر بها مائة وخمسين ألف دينار . ثم أوقع به مكروها كان سببا لتقاعده ~~عن أداء شيء بعده . ومضى هارون بن غريب وكان موكلا به إلى المقتدر بالله ~~فقال له : إن ابن الفرات ممن لا يذعن بمال وينقاد إلى أداء بالقبيح ، وقد ~~جنى الخاقاني جناية كبيرة بتسليمه إياه إلى ابن بعد شر حتى خرق به وعسفه . ~~فتقدم المقتدر بالله إلى الخاقاني بأن يجعل مطالبة ابن الفرات بحضرة هارون ~~بن غريب ، وكان ابن بعد شر قد ضيق على ابن الفرات في مطعمه ومشربه ، واقتصر ~~به على خبز خشكار وقثاء وماء الهواء . فحمل إليه الخاقاني طعاما واسعا ~~جميلا وفاكهة وثلجا كثيرا ، واعتذر إليه مما جرى وحلف أنه لم يعلم به . ثم ms040 ~~راسله مع خاقان بن أحمد بن يحيى ومحمد بن سعيد حاجبه وقالا له : الرأي أن ~~تقر بأموالك ولا تلاج السلطان فتؤكد سوء رأيه فيك . فأجابه بما قال فيه : ~~لست أيها الوزير حدثا تخدعني ، ولا عزا فتحتال علي ، وما أقول إنني ما أقدر ~~على المال ، لكنني إن وثقت لنفسي بالسلامة والخلاص ، وأعطاني الخليفة أمانه ~~بخطه ، وأشهد لي فيه الوزير والقضاة والغلمان . وسلمني إما إلى مؤنس المظفر ~~، وإن كان عدوي ، أو إلى شفيع اللؤلؤي ، قررت أمري وأعطيت مالي . فأما أن ~~أكون على ما أنا عليه ويراد مني المال فذلك ما لا أفعله . فأعاد الخاقاني ~~مراسلته : بأنني لو قدرت على التوثق لك توثقت ، ومتى قلت في هذا المعنى ~~قولا عاداني خواص الدولة ولم تنتفع أنت ، وقد رد أمير المؤمنين أمرك إلى ~~هارون بن غريب ، وهو قريبه وثقته . ولعمري إنه عدو لك ، ولكن العدو ربما رق ~~في مثل هذه الصورة ، والصواب أن تداريه وتلاطفه . وحضر هارون دار الخاقاني ~~واستحضر ابن الفرات وناظره ابن بعد شر بحضرته . فلما خرج من القول إلى ~~الإسماع زبره هارون وقال له : تريد أن تستخرج المال من ابن الفرات على هذا ~~الوجه ! وأقبل على ابن الفرات وقال له : أنت أعرف بالأمور من أن تعرفها . ~~والخلفاء لا يلاجهم كتابهم ووزراؤهم إذا سخطوا عليهم ، والرأي لك ، غير ما ~~أنت فيه . فقال : أشر علي أيها الوزير ، فإن الرأي عازب عني مع حصولي فيما ~~أنا حاصل فيه . ولم يزل معه في مقاولة ومراوضة إلى أن أخذ خطه بألفي ألف ~~دينار يعجل منها الربع ، على أن يحتسب له من الربع بما صح من ودائعه ~~بإقراره وغير إقراره منذ وقت القبض عليه ، ويطلق في بيع ما يستبيع من ضياعه ~~وأملاكه وينقل إلى دار شفيع اللؤلؤي أو غيره من ثقات PageV01P045 السلطان ، ~~ويطلق أبو الطيب كاتبه ليتصرف له في أموره ، وتطلق له الدواة ليكاتب من ~~يريد أن يكاتبه ، ويؤذن لمن يبتاع شيئا من أملاكه في الوصول إليه . وصار ~~هارون بن غريب بالخط إلى المقتدر بالله فعرضه عليه . واتفق ms041 أن وجد ابنه ~~المحسن ليلة الجمعة الحادية عشرة من ربيع الأول ، فقبض عليه ، وحمل إلى دار ~~الوزارة بالمخرم . وكان من شرح الحال في أخذه أنه لجأ في استتاره بعد القبض ~~على أبيه إلى حماته خزابة والدة الفضل بن جعفر بن الفرات ، فكانت تحمله كل ~~يوم بكرة إلى المقابر في زي النساء ، وتعيده إلى المواضع التي تثق بها ، ~~فمضت به بكرة يوم الخميس على هذه السبيل إلى مقابر قريش ، فأمست مساء بعد ~~عليها معه الوصول إلى دواخل الكرخ ، فوصفت لها امرأة كانت معها منزل امرأة ~~تعرفها وتأمنها ، ولا زوج لها لأنه توفي قبل ذلك بسنة ، فحملته خزابة ومعه ~~جماعة نساء إلى هذه المرأة التي ذكرت لها وهي غير عارفة بها ، ودخلت الدار ~~وقالت : معي امرأة عاتق لم تتزوج وقد انصرفت من مأتم وضاق عليها الوقت ، ~~وسألتها أن تفرد لها موضعا . فأفردت لها بيتا في صفة ، وأدخلت المحسن إليه ~~وردت الباب عليه ، وجلست النسوة معه في البيت ، ووافت جارية سوداء للقوم ~~بسراج فتركته في الصفة ، وجاءت خزابة إلى المحسن بسويق ليشربه وقد نزع ~~ثيابه . واطلعت الجارية السوداء فرأته من غير أن تشعر بها خزابة ، وعلمت ~~أنه رجل ، فحدثت مولاتها بذلك ، فلما تصرم الليل قامت مولاتها إلى الموضع ~~سرا حتى شاهدته . وكان من سوء الاتفاق أن كانت المرأة زوجة محمد بن نصر ~~وكيل أبي الحسن علي بن عيسى على نفقاته ، وكان المحسن طلبه فحضر ودخل ~~ديوانه ، ورأى ما يعامل الناس به من المكاره ، فمات فزعا من غير أن يكلمه ~~المحسن أو يوقع به مكروها . فمضت المرأة في الوقت إلى دار السلطان حتى وصلت ~~إلى نصر الحاجب ، وشرحت له الصورة . وأنهاها نصر إلى المقتدر بالله . فتقدم ~~بالبعثة إلى نازوك بالركوب إلى الموضع والقبض عليه . فركب من وقته وكبسه ~~وأخذه . وضربت الدبادب ليلا عند وصوله حتى ارتاع الناس لأصواتها ، وظنوا أن ~~حادثا حدث من جهة القرمطي . ووجد المحسن في زي امرأة ، وقد قص لحيته ، وخضب ~~يديه ورجليه ، ولبس قميصا معصفرا . فأوقع به ابن بعد شر ms042 من وقته مكروها ~~عظيما ، وأخذ خطه بثلاثة آلاف دينار ، يؤدي الربع منها معجلا . PageV01P046 ~~وحضر من غد هارون بن غريب ، وخاطبه على إظهار ماله ، فوعده بتذكر ودائعه ~~والدلالة على مواضعها ، وناله مكروه عظيم في يومين فلم يذعن بدرهم واحد . ~~وقال : لا أجمع بين ذهاب نفسي ومالي . وأعيدت مخاطبته ومطالبته بمحضر من ~~هارون بن غريب وشفيع اللؤلؤي . وجدد المكروه عليه ، وقال له هارون : هبك لا ~~تقدر على سبعمائة ألف دينار فما تقدر على مائة ألف دينار ؟ ! قال : بلى إذا ~~أمهلت وأزيل عني المكروه . فقال له : نحن نمهلك ونرفهك ، فاكتب خطك بأنك ~~تؤدي مائة ألف دينار . فكتب وقال : في مدة ثلاثين يوما . فلما قرأ ذلك ~~هارون قال له : كأنك تريد أن تعيش ثلاثين يوما : فخضع المحسن وقال : أفعل ~~ما يأمر به الأمير . فقال له : اكتب أنك تؤديها في سبعة أيام . فارتجع ~~الرقعة ليكتب بدلا منها ، فلما حصلت في يده خرقها وأكلها . وضرب على رأسه ~~وسائر جسده بالطبرزينات على أن يكتب غيرها فلم يكتب . فقيد حينئذ وغل ، ~~وألبس جبة صوف وجبة شعر ، وأعيد إلى مجلسه ، وعذب بكل شيء ، فلم يعط درهما ~~واحدا . وتشاغل أبو القاسم الخاقاني بوفاة أبي علي محمد أبيه ، فوقف الأمر ~~في مطالبة ابن الفرات . فلما كان يوم الأربعاء لست بقين من شهر ربيع الأول ~~حضر مؤنس المظفر ونصر الحاجب الأستاذان والقضاة والكتاب في مجلس الوزير أبي ~~القاسم الخاقاني وأحضر ابن الفرات ، وناظره الخاقاني ، فلم يكن من رجاله ، ~~وكاد ابن الفرات أن يأكله . وكان من قوله له : أغللت ضياعك في مدة أحد عشر ~~شهرا ألف ألف دينار . فقال : قد كانت الضياع في يد علي بن عيسى عشر سنين ، ~~هي أيام وزارته وأيام نظره مع حامد فما ارتفع له منها أربعمائة ألف دينار . ~~فإذا أغللتها أنا في مدة أحد عشر شهرا ألف ألف دينار فقد ادعي لي المعجز ~~بذلك . فقال له : قد أضفت إلى حق الرقبة حقوق بيت المال . فقال : ما يتمكن ~~أحد أن يستر ما في الدواوين ، فانظروا ارتفاع النواحي السلطانية في ms043 أيامي ، ~~وارتفاعها في أيام علي بن عيسى وحامد ووزارة أبيك التي دبرتها أنت ، فإن ~~كان ارتفاع نقص في أيامي لزمتني الحجة ، أو في أيامكم عرف أثري . ومع هذا ~~فقد علم الخاص والعام ما جرى في وزارة أبيك من الشغب حتى أخرج أمير ~~المؤمنين من بيت مال الخاصة خمسمائة ألف دينار أنفقها في الجيش على يد شفيع ~~اللؤلؤي . وما فعله علي ابن عيسى PageV01P047 من إسقاط الناس وحطهم من ~~أرزاقهم ، وما فعلته أنا في نظري من توفية الحاشية جميع استحقاقها مع ~~زيادات تكلفتها وتحملتها لأحبب أمير المؤمنين إلى خدمه وأولياء دولته . ~~وخوطب على أمر من قتل من المصادرين ، فقال : ليس يخلو الأمر من أن يقال إني ~~قتلتهم فأنا مقيم بالحضرة ، والمدعى قتله بالبعد منها ، أو إني كتبت بقتلهم ~~فعمال المعاون ثقات السلطان ، وعمال الخراج وجوه المتصرفين ، وقد حكمتهم ~~على نفسي فيما يقولونه . أو كانت الدعوى على المحسن ابني فأنا غير ابني . ~~فقال له ابن بعد شر : إذا قتل ابنك فأنت قتلت . فقال ابن الفرات : هذا غير ~~ما حكم الله ورسوله به وقد قال تعالى : ' ولا تزر وازرة وزر أخرى ' وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم لبعض أصحابه : هذا ابنك . فقال نعم . فقال : إنه ~~لا يجني عليك ولا تجني عليه ومع ذلك فإنه في أيديكم فسلوه فإن وجب عليه قود ~~بادعاء قتل في بلد نأى عنه ، ويقال . إن عيره تولى القتل فيه ، فاحكموا بما ~~ترون . فتحير القوم في الجواب . وقال عثمان بن سعيد صاحب ديوان الجيش لنصر ~~الحاجب : إن رأى الأستاذ أن يقول له : حيث كنت تقول لمن تطالبه : إن أديت ~~وإلا سلمتك إلى المحسن . أكنت تسلمه ليسقيه السويق والسكر أو ليعذبه ؟ ومن ~~أطلق العذاب على الناس فقد أطلق إتلاف نفوسهم ، لأنه قد يتلف الإنسان من ~~مقرعة واحدة . فقال له نصر ذلك ، فقال له في الجواب : الخليفة أطال الله ~~بقاءه ولى المحسن ، وهو ضمن له ما ضمنه بواسطة مفلح وغيره من ثقاته ، وأنا ~~إذ ذاك محبوس ، وكنت أحب الرفق بالناس فأناظرهم بالقول ، فإن ms044 أذعنوا ~~وقاربوا قاربتهم وقبلت عفوهم ، وإن امتنعوا سلمتهم إلى من أمر الخليفة أيده ~~الله بتسليمهم إليه ، فقال له مؤنس : كأنك تحيل على الخليفة في قتل الناس ! ~~قد قال : إنه ما أمر بقتل أحد غير ابن الحواري فقط . ثم قال له : الخليفة ~~أيده الله يقول : سلمت إليك قوما بمال ضمنته لي ، فإما وفيتني المال أو ~~رددت علي القوم . فاضطرب ابن الفرات من هذا القول وقال : أما المال فصح في ~~بيت المال ، وأما الرجال فماتوا حتف أنفهم ، فقال له مؤنس : هب لك عذرا في ~~كل شيء ، أي عذر لك في إخراجي إلى الرقة حتى كأني من العمال المصادرين أو ~~من أعداء دولة أمير المؤمنين ؟ قال : فأنا أخرجتك ؟ ! فقال : فمن ؟ قال : ~~مولاك . في السفط الخيزران المكتوب عليه PageV01P048 بخطي : ما يحتفظ به من ~~المهمات رقعة بخط الخليفة ، أطال الله بقاءه ، إلي يشكو فيها أفعالك وقتا ~~بعد وقت ، وفتحك البلدان ثم إغلاقك إياها بالتدبيرات القبيحة ، ويأمر ~~بإخراجك إلى الرقة والتوكيل بك حتى تخرج . فأنفذ الخاقاني وأحضر السفط ~~وعليه ختم ابن الفرات وفتحه فوجدت الرقعة من المقتدر على ما حكي من مضمونها ~~. فأخذها مؤنس ومضى من وقته إلى المقتدر حتى أقرأه إياها ، فاغتاظ المقتدر ~~بالله علي ابن الفرات ، وأمر هارون بن غريب بضربه بالسوط ، فعاد وأقامه بين ~~الهنبازين وضربه خمس درر وقال له : أذعن يا هذا بالمال ، فكتب له خطه ~~بعشرين ألف دينار . وأخرج المحسن وضربه حتى كاد يتلف فلم يعف بشيء وصار ~~هارون إلى المقتدر بالله واستعفى من مطالبة ابن الفرات وابنه وقال : هؤلاء ~~قوم قد استقتلوا وما ينقادون ولا يذعنون . فأمر بتسليمهما إلى نازوك وإيقاع ~~المكروه بهما . فأوقع نازوك المكاره بالمحسن حتى تدود بدنه ولم يبق فيه فضل ~~لضرب . وضرب ابن الفرات ثلاث دفعات بالقلوس فلم يعط شيئا ، ولا صح للمحسن ~~في مدة حياته أكثر من سبعة آلاف دينار منها خمسة آلاف أقر بها الحسن بن ~~شبيب العتي تبرعا ، وواجه المحسن بأمرها فأنكر أن يكون له وقال : هذا مال ~~اجتمع من الوقف الذي كان ms045 والدي أسنده إلي وترك عند ابن شبيب لينضاف إليه ~~غيره ويفرق في أهله . ومنها ألف دينار اجتمعت من ثمن فرش وثياب صحاح ~~ومقطوعة كانت مودعة عند بعض التجار بسوق العطش . وأقرت بها دنانير ورهبان ~~جاريتا زوجة المحسن ، فإنهما كانتا ممن قبض عليهما وضربهما ابن بعد شر ضربا ~~مبرحا فلم تقرا بغير ذلك . واستبطأ المقتدر بالله أبا القاسم الخاقاني وقال ~~له : أين أموال ابن الفرات وابنه التي ضمنتها لي ؟ فقال : لم أترك تدبير ~~أمرهما ، ولما رأيا أن قد سلما إلى أصحاب السيوف وعدل بهما عن الكتاب خافا ~~القتل وضنا بأموالهما . وقال نازوك : قد بلغت في مكاره القوم إلى الغاية ، ~~وللمحسن أيام لم يطعم فيها طعاما ، وإنما يشرب الماء شربا قليلا ، وهو في ~~أكثر أوقاته مغشي عليه . فقال المقتدر بالله : إذا كان الأمر على ذلك ~~فليحملا إلى داري . فقال مؤنس والجماعة : الأمر لمولانا . وقال الخاقاني : ~~قد وفق الله رأي أمير المؤمنين . وخرجوا من بين يديه . فقال الخاقاني لهم : ~~ما قال أمير المؤمنين ذلك إلا وقد واصل PageV01P049 أسباب ابن الفرات ~~مكاتبته بأنه متى حمل وابنه إلى داره ورفها وأمنا على نفوسهما أديا مالا ~~كثيرا . ولعلهم قد بذلوا عنهما ألف ألف دينار وأكثر . وأشار بأن يجتمع ~~القواد ويتحالفوا على أنه متى نقل ابن الفرات وابنه إلى دار الخليفة خلعوا ~~الطاعة ، وأن يثبتوا على هذا القول ثبات التظافر وقوة العزيمة ، وإلا فإن ~~حصل ابن الفرات عند السلطان وأدى ماله وتوثق لنفسه ضمن الجاعة منه ، وحمله ~~على القبض عليهم وتسليمهم إليه . فقال مؤنس : هذا أمر متى لم نفعله لم تسكن ~~نفوسنا ولم يصف عيشنا . وتكفل هارون بن غريب ونازوك بجمع القواد ووجوه ~~الغلمان الحجرية وموافقتهم على ذلك . وقام يلبق باستحلاف قواد مؤنس . فلما ~~كان يوم الخميس السابع من شهر ربيع الآخر كاشفوا المقتدر بالله وقالوا : إن ~~لم يقتل ابن الفرات وابنه خلع الأولياء كلهم الطاعة . فقال لهم : دعوني حتى ~~أفكر . وجد هارون بن غريب خاصة . وأرادت الجماعة من الخاقاني التجريد في ~~ذلك فقال : ما أدخل في ms046 دم . والذي أشرت به أن يمنع من حمله إلى دار السلطان ~~. فأما قتله فإنه خطأ ؛ لأنه متى سهل القتل على الملوك ضروا عليه ، ولم ~~يميزوا فيه . وقدم إلى ابن الفرات طعامه في يوم الأحد الثاني عشر من الشهر ~~فامتنع عنه وقال : أنا صائم . وحضر وقت الإفطار فأعيد إليه فقال : لست أفطر ~~الليلة . واجتهد به فلم يفعل وقال : أنا مقتول في غد لا محالة . فقيل له : ~~نعيذك بالله . فقال : بلى ، رأيت البارحة في النوم أبا العباس أخي وقال لي ~~: أنت تفطر عندنا يوم الاثنين الذي هو غد . وما قال لي في النوم شيئا إلا ~~صح ، وغد يوم الاثنين ، وهو اليوم الذي قتل فيه الحسن صلوات الله عليه . ~~أنفهم ، فقال له مؤنس : هب لك عذرا في كل شيء ، أي عذر لك في إخراجي إلى ~~الرقة حتى كأني من العمال المصادرين أو من أعداء دولة أمير المؤمنين ؟ قال ~~: فأنا أخرجتك ؟ ! فقال : فمن ؟ قال : مولاك . في السفط الخيزران المكتوب ~~عليه بخطي : ما يحتفظ به من المهمات رقعة بخط الخليفة ، أطال الله بقاءه ، ~~إلي يشكو فيها أفعالك وقتا بعد وقت ، وفتحك البلدان ثم إغلاقك إياها ~~بالتدبيرات القبيحة ، ويأمر بإخراجك إلى الرقة والتوكيل بك حتى تخرج . ~~فأنفذ الخاقاني وأحضر السفط وعليه ختم ابن الفرات وفتحه فوجدت الرقعة من ~~المقتدر على ما حكي من مضمونها . فأخذها مؤنس ومضى من وقته إلى المقتدر حتى ~~أقرأه إياها ، فاغتاظ المقتدر بالله علي ابن الفرات ، وأمر هارون بن غريب ~~بضربه بالسوط ، فعاد وأقامه بين الهنبازين وضربه خمس درر وقال له : أذعن يا ~~هذا بالمال ، فكتب له خطه بعشرين ألف دينار . وأخرج المحسن وضربه حتى كاد ~~يتلف فلم يعف بشيء وصار هارون إلى المقتدر بالله واستعفى من مطالبة ابن ~~الفرات وابنه وقال : هؤلاء قوم قد استقتلوا وما ينقادون ولا يذعنون . فأمر ~~بتسليمهما إلى نازوك وإيقاع المكروه بهما . فأوقع نازوك المكاره بالمحسن ~~حتى تدود بدنه ولم يبق فيه فضل لضرب . وضرب ابن الفرات ثلاث دفعات بالقلوس ~~فلم يعط شيئا ، ولا صح للمحسن في ms047 مدة حياته أكثر من سبعة آلاف دينار منها ~~خمسة آلاف أقر بها الحسن بن شبيب العتي تبرعا ، وواجه المحسن بأمرها فأنكر ~~أن يكون له وقال : هذا مال اجتمع من الوقف الذي كان والدي أسنده إلي وترك ~~عند ابن شبيب لينضاف إليه غيره ويفرق في أهله . ومنها ألف دينار اجتمعت من ~~ثمن فرش وثياب صحاح ومقطوعة كانت مودعة عند بعض التجار بسوق العطش . وأقرت ~~بها دنانير ورهبان جاريتا زوجة المحسن ، فإنهما كانتا ممن قبض عليهما ~~وضربهما ابن بعد شر ضربا مبرحا فلم تقرا بغير ذلك . واستبطأ المقتدر بالله ~~أبا القاسم الخاقاني وقال له : أين أموال ابن الفرات وابنه التي ضمنتها لي ~~؟ فقال : لم أترك تدبير أمرهما ، ولما رأيا أن قد سلما إلى أصحاب السيوف ~~وعدل بهما عن الكتاب خافا القتل وضنا بأموالهما . وقال نازوك : قد بلغت في ~~مكاره القوم إلى الغاية ، وللمحسن أيام لم يطعم فيها طعاما ، وإنما يشرب ~~الماء شربا قليلا ، وهو في أكثر أوقاته مغشي عليه . فقال المقتدر بالله : ~~إذا كان الأمر على ذلك فليحملا إلى داري . فقال مؤنس والجماعة : الأمر ~~لمولانا . وقال الخاقاني : قد وفق الله رأي أمير المؤمنين . وخرجوا من بين ~~يديه . فقال الخاقاني لهم : ما قال أمير المؤمنين ذلك إلا وقد واصل أسباب ~~ابن الفرات مكاتبته بأنه متى حمل وابنه إلى داره ورفها وأمنا على نفوسهما ~~أديا مالا كثيرا . ولعلهم قد بذلوا عنهما ألف ألف دينار وأكثر . وأشار بأن ~~يجتمع القواد ويتحالفوا على أنه متى نقل ابن الفرات وابنه إلى دار الخليفة ~~خلعوا الطاعة ، وأن يثبتوا على هذا القول ثبات التظافر وقوة العزيمة ، وإلا ~~فإن حصل ابن الفرات عند السلطان وأدى ماله وتوثق لنفسه ضمن الجاعة منه ، ~~وحمله على القبض عليهم وتسليمهم إليه . فقال مؤنس : هذا أمر متى لم نفعله ~~لم تسكن نفوسنا ولم يصف عيشنا . وتكفل هارون بن غريب ونازوك بجمع القواد ~~ووجوه الغلمان الحجرية وموافقتهم على ذلك . وقام يلبق باستحلاف قواد مؤنس . ~~فلما كان يوم الخميس السابع من شهر ربيع الآخر كاشفوا المقتدر بالله ms048 وقالوا ~~: إن لم يقتل ابن الفرات وابنه خلع الأولياء كلهم الطاعة . فقال لهم : ~~دعوني حتى أفكر . وجد هارون بن غريب خاصة . وأرادت الجماعة من الخاقاني ~~التجريد في ذلك فقال : ما أدخل في دم . والذي أشرت به أن يمنع من حمله إلى ~~دار السلطان . فأما قتله فإنه خطأ ؛ لأنه متى سهل القتل على الملوك ضروا ~~عليه ، ولم يميزوا فيه . وقدم إلى ابن الفرات طعامه في يوم الأحد الثاني ~~عشر من الشهر فامتنع عنه وقال : أنا صائم . وحضر وقت الإفطار فأعيد إليه ~~فقال : لست أفطر الليلة . واجتهد به فلم يفعل وقال : أنا مقتول في غد لا ~~محالة . فقيل له : نعيذك بالله . فقال : بلى ، رأيت البارحة في النوم أبا ~~العباس أخي وقال لي : أنت تفطر عندنا يوم الاثنين الذي هو غد . وما قال لي ~~في النوم شيئا إلا صح ، وغد يوم الاثنين ، وهو اليوم الذي قتل فيه الحسن ~~صلوات الله عليه . وانحدر الناس في يوم الاثنين إلى دار السلطان فلم يصلوا ~~، وكتب هؤلاء الرؤساء إلى المقتدر بالله رقعة بأنه إن تأخر قتل ابن الفرات ~~وابنه عن يومهم جرى ما لا يتلافى . وأشاروا إلى ما عظموا الأمر فيه . فوقع ~~إلى نازوك بأن يركب إلى موضعهما ويضرب أعناقهما ويحمل رأسيهما . فقال نازوك ~~: هذا أمر لا يجوز أن أعمل فيه بتوقيع . فأمر المقتدر بالله الأستاذين ~~الخدم بأداء رسالة عنه إليه في هذا المعنى ، فخرجوا وأدوها ، فامتنع وقال : ~~لا بد من المشافهة بذلك ، فأمر بأن ينصرف ويعود على خلوة ، فمضى وعاد ، ~~فأوصله المقتدر بالله حتى سمع قوله . وكان ابن الفرات يراعي الخبر ، فلما ~~عرف انصراف الناس ونازوك سكن قليلا ثم قيل PageV01P050 له : قد عاد نازوك . ~~فخاف وأيقن بالهلاك ، وصار نازوك إلى دار الوزارة بعد الظهر من ذلك اليوم ، ~~وجلس في الحجرة التي كان ابن الفرات معتقلا فيها ، وأنفذ عجيبا خادمه ومعه ~~جماعة من السودان حتى ضرب عنق المحسن ابنه وجاء برأسه إلى أبيه فوضعه بين ~~يديه ، فارتاع لذلك ارتياعا شديدا . وعرض هو على السيف . فقال لنازوك : يا ms049 ~~أبا منصور ليس إلا السيف ! راجع أمير المؤمنين في أمري فإنني أقر بأموالي ~~وودائعي وعندي جوهر جليل . فقال له نازوك : جل الأمر عما تقدر . ثم أمر به ~~فضربت عنقه وحمل رأسه ورأس المحسن إلى دار السلطان مع عجيب خادمه فغرقا في ~~الفرات وطرحت جثتاهما في دجلة . ومضى ابن الفرات عن إحدى وسبعين سنة وشهور ~~، والمحسن عن ثلاث وثلاثين سنة . وكانت مدة وزارته الثالثة سنة واحدة . ~~وذكر أبو الطيب الكلوذاني كاتب ابن الفرات قال : رأيت في منامي وأنا في ~~الاعتقال كأن مؤنسا المظفر قد دخل إلى موضعي وفي يديه عشرة خواتيم ، فصوصها ~~ياقوت أحمر وواحد منها لطيف في البنصر ، فقال لي : قد قتل ابن الفرات ~~ووالله ما أردت قتله ، وإنما قيل لي فيه وأمسكت وسنقتل كلنا بالسيف ، ~~وأولنا جعفر المقتدر بالله ، ولا يسلم منا من السيف إلا نصر الحاجب فإنه ~~يموت مسموما . قال : فسألته عن الخواتيم فقال : هي عدد سني ولايتي . قلت : ~~فلم هذا الواحد الصغير ؟ فقال : إنه لا يتم سنة . فعاش مؤنس بعد هذه الرؤيا ~~دون عشر سنين وقتل بالسيف . # | قد مضت سياقة أمر ابن الفرات ونحن نتبعه بما عرفناه من أخباره منثورا # حدث أبو الفتح عبد الله بن محمد المروزي الكاتب قال : حدثني بعض الشيوخ ~~الكتاب أن أبا الحسن بن الفرات قال لأبي منصور ابن جبير كاتبه : أينا أكفى ~~أو علي بن عيسى ؟ فقال : الوزير أكفى وأضبط . قال : دعني من استعمال التقية ~~واسلك معي سبيل الحقيقة . قال : إن أردت أن تخبر ما عندي وتسبر عقلي ~~فاجعلني آمنا في قولي . قال له : أنت آمن قال : إذا حضر علي بن عيسى بين ~~يدي خليفة فأراد أن يكتب سرا كتب وأسحى وختم وخرط ولم يحتج إلى معين ، وأنت ~~تستدعي زنجيا ليكتب ، وللزنجي صاحب PageV01P051 دواة فيقرأ فيخرج السر فيما ~~بين ذلك . فقال له : فضلت عليا علينا . قال : لم أفضله ولكن يكون كاتبك . ~~وقيل : إنه لما خلع على أبي الحسن بن الفرات خلع الوزارة زاد في ذلك اليوم ~~في ثمن الشمع قيراط في كل ms050 من ، وزاد سعر القراطيس لكثرة استعماله لهما ~~ولأنه كان من رسمه ألا يخرج أحد من داره في وقت عشاء إلا ومعه شمعة منوية ~~ودرج منصوري ، وأنه سقي في داره في ذلك اليوم والليلة أربعون ألف رطل ثلجا ~~. وحدث أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن محمد الطبري الشاهد قال : حدثني ~~الكاتب النصراني الملقب بظر أم الدنيا قال : قال أبو الحسن بن الفرات : أصل ~~أمور السلطان مخرقة فإذا تمت واستحكمت صارت سياسة . وحدث أبو محمد يحيى بن ~~محمد بن فهد قال : حدثني بعض شيوخ الكتاب ببغداد عمن حدثه أنه : سمع أبا ~~الحسن بن الفرات يقول لأبي جعفر بن بسطام وكان سيء الرأي فيه : ويحك يا أبا ~~جعفر ما قصة لك في رغيف ؟ قال : ما أعرف لي قصة فيه . قال لتصدقني فإنه خير ~~لك . قال : نعم ، إن أمي كانت امرأة صالحة ، وعودتني منذ يوم ولدت أن تجعل ~~تحت رأسي عند نومي في كل ليلة رغيفا فيه رطل ، فإذا كان الصباح تصدقت به ، ~~فأنا أفعل ذلك إلى هذه الغاية . فقال ابن الفرات : ما سمعت بأعجب من هذه ~~الحال . اعلم أنني من أقبح الناس رأيا فيك ، وأشدهم انحرافا عنك ، لأمور ~~أوجبت ذاك ، منها ومنها ؛ وعدد بعضها . وكنت مفكرا منذ أيام في القبض عليك ~~ومصادرتك . فإذا أويت إلى فراشي في منامي كأنني قد استدعيتك لأقبض عليك ~~فتمتنع علي وتحاربني ، وأتقدم بمحاربتك ، فتخرج إلى من قد أمرته بمحاربتك ~~وبيدك رغيف كالترس تدفع به السهام فلا تصيبك ، وأنتبه ، وإذ قد أخبرتني ~~بأمر هذا الرغيف فأشهد الله تعالى أنني قد وهبت كل ما في نفسي عليك ، وعدت ~~لك إلى أجمل نية ، وأحسن طوية . فاسكن وانبسط . فأكب أبو جعفر على يديه ~~ورجليه يقبلهما . PageV01P052 وحدث أبو جعفر محمد بن القاسم الكرخي ، في ~~أيام عطلته وكبر سنه ولزومه بيته ، قال : عرضت على أبي الحسن بن الفرات ~~رقعة في حاجة لي ، فقرأها ثم وضعها بين يديه ولم يوقع فيها ، فأخذتها وقمت ~~وأنا أقول متمثلا من حيث يسمع : وإذا طلبت إلى كريم حاجة . . . فأبى ms051 فلا ~~تعقد عليه بحاجب فلربما منع الكريم وما به . . . بخل ولكن شؤم جد الطالب ~~فقال وقد سمع ما قلته : ارجع يا أبا جعفر بغير شؤم جد الطالب ، ولكن إذا ~~سألتمونا الحاجة فعاودونا ، فإن الله تعالى يقلب القلوب ، هات رقعتك ، ~~فأعطيته إياها فوقع بما أردت فيها . ولما طهر المقتدر بالله بعض ولده في ~~سنة خمس وثلاثمائة . أنفذ إلى الوزير أبي الحسن ابن الفرات ثلاث موائد ، ~~استدارة المائدة الكبيرة منها خمسون شبرا ، يحملها حمالون بدهوق ، وريم أن ~~تدخل من باب الدار التي ينزلها ، فضاق عنها ، حتى قلع ووسع الموضع . وحمل ~~إليه في عشي هذا اليوم تختان ، فيهما ثوب وشي منسوج بالذهب ، وثوب أخضر ، ~~وثلاثة أثواب بيضا وصينية ذهب فيها دنانير ولوز وجوز وفستق وبندق ، وما ~~يجري هذا المجرى من الأصناف ، وجميعه من ذهب ، وقدره خمسة آلاف دينار . ~~وحدث أبو القاسم إسماعيل بن محمد بن إسماعيل زنجي . قال : حدثني أبو صلح ~~مفلح الأسود خادم المقتدر بالله قال : كان أبو القاسم سليمان بن الحسن عند ~~تقلده وزارة المقتدر بالله يكثر ذكر أبي الحسن علي بن محمد بن الفرات بحضرة ~~المقتدر بالله والطعن عليه ، وتبين من المقتدر بالله النكرة لما يسمعه منه ~~، فلما كان في بعض الأيام عاد سليمان بن الحسن ذكر ابن الفرات والوقيعة فيه ~~، فقال له المقتدر بالله : أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم . . . من اللوم ~~أوسدوا المكان الذي سدوا قال : فتأملت سليمان وقد امتقع لونه وما أعاد ~~بعدها ذكره . وحدث أبو علي زكريا بن يحيى الكاتب قال : كنت في ديوان السواد ~~في وزارة أبي الحسن بن الفرات الثانية في يوم ثلاثاء ، وكان أكثر الكتاب ~~يخلون بالحضور فيه ، وأصحاب PageV01P053 المجالس في مجلس الوزير أبي الحسن ~~للمظالم ، فوافى فرانق وقال لميمون الخازن : قال لك الوزير أحضرني جماعة ~~جازر والمدينة العتيقة لسنة أربع ومائتين ، فأخذها وركب بغل الفرانق حتى ~~لحق بالمجلس ، فلما انصرف ميمون وأبو الحسين الصقر بن يحيى بن شاذان عرض ~~خرجا في أمر قطيعة براز المباركة كان أبو القاسم الكلوذاني أخرجه من مجلسه ~~، ووقع ms052 الكتاب أسماءهم عليه على الرسم في ذلك الوقت ، وعليه توقيع أبي ~~منصور عبد الله بن جبير صاحب مجلس الأصل . فقال الوزير أبو الحسن : أصح ما ~~في هذا الخرج من ذكر هذه القطيعة سنة أربع ومائتين وهي على حك ؟ لست أمضيه ~~. فقال زكريا بن يحيى بن شاذان لأبي القاسم الكلوذاني : أخرجه . فتأمل ~~الكلوذاني ذكر السنة ، فوجد تحت اسم الضيعة : هذه اللفظة على حك ، بخط دقيق ~~فقال : ما أعرف حكا ، وهذا خط عبد الله ابن جبير . فاعترف عبد الله بن جبير ~~بخطه وقال : لما وجدت الاسم على حك حكيت الصورة . وأقام أبو القاسم على أنه ~~لا حك هناك ، وحلف بأيمان غليظة لا مخرج له منها إلا بالطلاق والعتاق وما ~~شاكلهما على ذلك . فتقدم بإحضار ميمون الخازن والجماعة ، فلما تصفحها ~~الوزير وجد الحك وواقف الكلوذاني عليه . فخجل وتحير . وفتش الوزير التفصيل ~~إلى أن انتهى إلى باب المبيع ، فكان حاصل براز المباركة مما بيع مصابرة ~~ونسبت إلى القطيعة . فعلم الوزير ومن حضر أن الحك في الصدر على سبيل حيلة ~~ممن رفع ذكر الحك . وانصرف الكلوذاني مسرورا ومن نسب إليه الحك مغموما . ~~ووقع لابن شاذان بإمضاء القطيعة . وحدث أبو منصور فرخانشاه بن إسحاق : أنه ~~كان يوما مع أبي الحسن على ابن الحسن بن هبنتي القنائي بحضرة أبي الحسن علي ~~بن محمد بن الفرات وهو زير الدفعة الأخيرة ، فدخل إليه أبو بكر بن قرابة ، ~~وجلس ودنا منه وساره بما لم نسمعه حتى نفض أبو الحسن يده وأبعده وقال له ~~جاهرا بالقول : أتقول لي : لا يوحشك شيء بلغك عن امرأة ؟ ! والله لو علمت ~~أنني إذا ذكرت لملك الروم وبين يديه بطارقته ، وملك الترك وحواليه عدده لم ~~ترتعد فرائصهما لما قعدت هذا المقعد ! أتخوفني من كلام امرأة ؟ عني بذلك ~~السيدة أم المقتدر بالله . فلما خرجنا من حضرته أقبل علي أبو الحسن وقال لي ~~: سمعت الكلام ؟ قلت : نعم . قال : هذا آخر عهد الوزير بالحياة فما مضت ~~مديدة حتى قبض عليه . وقال أبو الفضل بن حمد : دخل أبو الحسن علي ms053 بن محمد ~~بن نصر بن بسام على أبي PageV01P054 علي بن مقلة إلى ديوان الدار في وزارة ~~أبي الحسن بن الفرات الأولى . فقال له أبو علي : قال لي الوزير : قد تغير ~~شعر علي بن محمد . فأخذ قلما من دواته وكتب في رقعة شيئا ، ودفعها إليه ، ~~وسأله أن يعرضها على ابن الفرات وكان فيها : قالوا تغير شعره عن حاله . . . ~~فالسوق كاسدة بغير تجار أما الهجاء فقد عراني كثرة . . . والمدح قل لقلة ~~الأحرار وحدث أبو القاسم قريب بن قريب قال : رفع الفراجلة إلى أبي الحسن ~~ابن الفرات : أن رجلا من اليهود ادعى أن معه كتابا من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ، فأمره بإخراج الكتاب ، فلما قرأه قال : هذا مزور ، لأن خيبر ~~افتتحت بعد تاريخ كتابك بسبعة وستين يوما ، ولكنا نحتمل عنك جزيتك إعظاما ~~لحق من لجأت بالاعتصام به . قال أبو القاسم قريب : فرجع إلى كتب التاريخ ~~فوجد الأمر كما ذكره ابن الفرات . وقال أبو الحسن بن الفرات في مجلسه وفيه ~~خواصه وقد جرى ذكر السواد : لم سمي السواد سوادا ؟ فذكر كل واحد ما عنده . ~~فقال : ليس كذلك ، إنما سمي السواد لأن العرب لما جاءته في أيام عمر ابن ~~الخطاب رضي الله عنه ، وأشرفت عليه ، ونظرت إلى مثل الليل من النخل والشجر ~~والزرع والمياه قالت : ما هذا السواد ؟ فسمي سوادا لذلك . والعرب تقول : ~~سواد الأرض وبياضها ، فالسواد : العامر . والبياض الغامر . وحدث أبو عمر بن ~~الأطروش قال : كنت بحضرة أبي الحسن علي بن الفرات يوما وهو جالس للقواد ، ~~فعرض أحمد بن عبد الرحمن بن جعفر بن الخياط رقاعا كثيرة ، فوقع فيها ، حتى ~~بلغ إلى بعضها فقرأها ووضعها بين يديه ، فعاوده أحمد فيها ، فقال : يا هذا ~~، إن كان بيني وبين علي بن عيسى ما يعرفه الناس فإنني لا أدع الصدق عنه ~~وقول الحق فيه حيا كان أو ميتا . علي بن عيسى لا يطلق يده بمثل هذه ~~التوقيعات في أموال السلطان ، ولا يتجوز ، مع المألوف منه في الاستقصاء ~~والاحتياط وتجنب ما يعيبه . وقد أمسكت عن أن ms054 أقول هذا القول حتى أحوجتني ~~إليه . وأومى أن التوقيع مزور . فخجل ابن الخياط وقام . ولما جمع بين أبي ~~الحسن بن الفرات وحامد بن العباس وعلي بن عيسى في دار السلطان ، وعلي بن ~~عيسى كالسكة المحماة علي ابن الفرات ، لأنه قرر في نفس المقتدر بالله ~~PageV01P055 مكاتبته الجنابي وحمله الألطاف إليه ، بدأ ابن الفرات فقال ~~لعلي ابن عيسى : يا أبا الحسن ، بعد السن والوزارة والرئاسة والاستشهاد في ~~الأطراف بالكفاية وعلو المنزلة صرت عونا لهذا ! يعني حامدا قال علي بن عيسى ~~: فكنت كنار صب عليها الماء فما ناطقته بحرف . فقال به أبو القاسم بن ~~الحواري وكان يحطب في حبل حامد : وأي عيب في هذا ؟ الجماعة خدم السلطان ~~يتصرفون على ما رآه لهم وأمرهم به ، ومنازلهم في الخصوص عنده غير منقوصة ~~ولا محطوطة . فقال ابن الفرات لحامد لما أمسك علي بن عيسى : أيها الوزير ، ~~متى رأيت وزيرا ضمن النواحي ، وخرج يطوف على الغلات ، ووكل خدمة الخليفة ~~وعلم سره وتدبير العامة والخاصة إلى ضده ، اللهم إلا أن يكون اشتاق إلى ~~وطنه وداره ؟ يعرض بأن له مالا مستورا يريد مراعاته فتحير حامد وأمسك . ~~فلما أمسكوا قال ابن الفرات : لأي شيء جمعنا . فقال حامد : لتبين للسلطان ~~خياناتك . فتبسم وقال : فبين بارك الله عليك فإن كفايتك حسنة . قال : كنت ~~ترتفق من العمال . قال : أنت أحمد عمالي فإن كنت ارتفقت منك أو سامحتك بفضل ~~في يدك أو حق ترك لك فاذكر ما يجب عليك رده ليلزمني أرش الجناية في ~~المسامحة به والخيانة فيه . فأخذ حامد في السفه والشتيمة وابن الفرات مطرق ~~يبتسم . وأمر القوم بالانصراف ، فخرج علي بن عيسى وهو يقول : ما كان أغنانا ~~عن هذا الاجتماع . فحدث مؤنس بن عبد الكريم قال : قال لي المحسن بن علي بن ~~الفرات : كاتبت أبي وهو محبوس وأشرت عليه بأن يضمن حامدا وعلي بن عيسى ~~وأسبابهما فامتنع ، وقد كان المقتدر بالله يعرض ذلك عليه فيأبى . وقال ~~لرسولي : العافية أعفى لي ، قد استرحت وأمنت وعلت سني مع ذلك ، وتعرضي لما ~~قد استرحت منه ms055 جهل . فلما خاطبه ابن الحواري بما خاطبه به أحفظه فضمن القوم ~~على أن لا يعارض فيهم ، وخرج ففعل المحسن ابنه الأفاعيل المشهورة ، وقتل ~~ابن الحواري وغيره . فلما قبض عليه قام في نفسه أنه مقتول وقال لشفيع وقد ~~تسلمه : قل لأمير المؤمنين : إن آمنتني وحميتني أعطيتك مالا كثيرا وجوهرا ~~خطيرا وأشياء نفيسة ذخرتها ، وإن سلمتني إليهم لم PageV01P056 أعطك والله ~~حبة واحدة . فلم يورد شفيع هذه الرسالة على المقتدر ، لشيء كان في نفسه على ~~ابن الفرات . فلما أمر بتسليمه إلى ابن بعد شر قال لشفيع : يا أبا الغصن ، ~~ليس بيننا إلا عبور دجلة والوفاء بأحد الضمانين . فوفى بما قال ، ولم يعطهم ~~شيئا . وكان المكتفي بالله أمر العباس بن الحسن أن يجرد جيشا إلى الحاج ، ~~فإذا انصرفوا وحصلوا بالكوفة طلب حينئذ زكرويه . فقال له العباس : إلى رجوع ~~الحاج ربما يكفي الله مؤونته . وجلس العباس في داره وعنده وجوه الكتاب ~~والقواد ، فقال لهم : إن أمير المؤمنين أمرني بكذا وكذا ، وإني أشرت بترك ~~طلب زكرويه ، فإن الله سيريح منه قبل وقت الحاج . فما ترون ؟ فكل صوب رأيه ~~، وأبو الحسن بن الفرات ساكت لا ينطق . فقال له العباس : ما عندك يا أبا ~~الحسن . قال : ألا تخالف أمير المؤمنين ، فإن ما رأى صواب كان توفيقا ، ~~وخطأ كان على رأيه دون رأيك . فأقام على رأيه الأول وكان من الوقعة بالحاج ~~ما كان . وكان الحسين بن حمدان ورد إلى باب الشماسية ليدخل إلى حضرة ~~المقتدر بالله ، فوقف أبو الحسن بن الفرات على أنهم يريدون الفتك به . فكتب ~~إليه مبتدئا : قرأت كتابك تذكر علتك بالنقرس ، والخلع توافيك بمكانك . ففهم ~~المعنى وتعالل ، فوجه إليه بالخلع وولى ديار ربيعة وغيرها . وقال أبو بكر ~~بن قرابة : شكي إلى أبي الحسن بن الفرات عامل قطربل وإغفاله عمل البزندات . ~~فوقع إليه : ينبغي أن تراعى العمل قبل الوقت للوقت ، وفي الوقت للوقت قال : ~~وسمعته يقول : العامل في أول سنة أعمى ، وفي الثانية أعور ، وفي الثالثة ~~بصير . قال : وجاراني يوما ذكر أبي بن مقلة وسعايته به ، فقال ms056 لي : سبيل كل ~~عاقل أن يتحامى هذا الرجل ولا يقبله ، فقد كان جرى مثل أمره في أيام ~~إسماعيل بن بلبل ، وذلك أنه كثرت شكوى المعتمد إلى أخيه الموفق من إسماعيل ~~، فأراد الموفق أن يقضي حقه بصرف إسماعيل إلى أن يسكن ما في نفس المعتمد ، ~~فقال له : اخرج إلى ضياعك بكوثي وأقم فيها مدة شهر معتزلا للعمل ، ثم عد ~~بعد ذلك . وقلد مكانه الحسن ابن مخلد . فاستخلف الحسن أبا نوح ، وكان أبو ~~نوح يكاتب إسماعيل بن بلبل بأخبار الحسن ، فلما عاد إسماعيل إلى الوزارة ~~حضره أبو نوح ، وجعل يخاطبه مخاطبة مأنوس به . وإسماعيل يلوي وجهه عنه . ~~PageV01P057 فلما خلا به أقبل عليه وقال له : إن الحال التي قدرتها قربتك ~~مني هي التي نفرتني منك ومنعتني الثقة إليك ، لأنك إذا لم تصلح لمن اصطنعك ~~ورفعك وقلدك من العمل أكثر مما قلدتك لم تصلح لي ، وما أحب كونك بحضرتي ولا ~~اختلاطك بخاصتي . فاختر بريد ناحية تشاكل طبعك . فاختار بريد ماء البصرة ، ~~فقلده إياه . وقال أبو الحسن بن قرابة : سمعت أبا الحسن بن الفرات يقول ~~لكاتب نجع وقد سأله تضمينه الصدقات بفارس : إنما يرغب في عقد الضمان على ~~تاجر ملي ، أو عامل وفي ، أو تانيء غني . فأما أصحاب الحروب فعقد الضمان ~~عليهم ومطالبتهم بالخروج من أموالها تستدعي منهم العصيان ، وخلع طاعة ~~السلطان . قال : وسمعته يقول : من وازن من الكتاب المحاسبة ، وأوضح الحجة ~~في المكاتبة ، وألزم العامل الواجب في المعاملة ، كان حقيقيا بما انتسب ~~إليه . قال : وسمعته يقول : العمارة بالرغبة ، وحفظ الغلة بالرهبة . فقل ~~استخراج وقع في أيام عمارة إلا أبطلها . وقد كان عبيد الله بن يحيى يكتب ~~إلى العمال في أيام العمارة : أغلقوا أبواب دواوين الخراج ، واصرفوا ~~المستخرجين من حضرتكم . قال : وسمعت هشام بن عبد الله يقول : كتب أبو الحسن ~~بن الفرات إلى نجح وقد أنفذ أبا جعفر حمد بن إسحاق المادرائي متقلدا للخراج ~~بدارا بجرد ، من عمله : السيف تابع والقلم متبوع ، وقل سيف غلب القلم إلا ~~كان داعية الخراب . . ولما قدم عبيد الله بن ms057 سليمان من الجبل في أيام ~~المعتضد بالله رحمة الله عليه صار إليه أبو العباس وأبو الحسن ابنا الفرات ~~في عشي يوم ، فوجداه يميز أعمالا وكتبا ، وبين يديه كانون عظيم يحرق ما لا ~~يحتاج إليه ، فدفع إلى أبي العباس إضبارة ضخمة وقال له : يا أبا العباس هذه ~~الإضبارة وقائع وسعايات بك وبأخيك من أسبابكما وثقاتكما وصنائعكما وردت علي ~~بالجبل ، فخبأتها لك لتعرف بها من ينبغي أن تحترس منه ، وتعامل كل واحد بما ~~يستحقه . فأكثر أبو العباس في شكره والدعاء له ، وبدأ أبو الحسن يقرأ شيئا ~~من الإضبارة ، فانتهزه أبو العباس وقال : لا تقرأ شيئا منها . وأخذها ~~فطرحها في الكانون وقال : ما كنت PageV01P058 لأقابل نعمة الله على ما وهبه ~~لي من تفضل الوزير بما يوجب الإساءة إلى أحد ، ولا حاجة لي إلى قراءة ما ~~يوحشني من أسبابي ، ويجر عليهم إساءة مني . فلما نهضنا قال عبيد الله بن ~~سليمان : أردت التفرد بمكرمة فسبقني أبو العباس إليها وزاد علي فيها . قال ~~وحدثني ابن الأجري صاحب ابن الفرات قال : كنت لا أكاد أحضر مجلس الوزير أبي ~~الحسن إلا ليلا ، فحضرت يوما نهارا لأمر سألنيه ابن أبي البغل ، فوجدت عنده ~~المحسن ابنه ، فلم أخاطبه بشيء خوفا من بوادره وشره ، حتى نهض وخلا المجلس ~~، فقلت له : ابن أبي البغل يعلم محلي من الوزير ، وصار إلي البارحة ليلا ~~فقال لي : لم أجد من آمنه على نفسي غيرك ، وقد قصدتك لتستأذن لي الوزير في ~~الخروج إلى عبادان لأقيم بها وألبس الصوف وآمن على نفسي . قال : وإذا ~~المحسن قد عاد ، فأمسك أبو الحسن حتى قام ، ثم قال : قد عرفت ذنبه إلا أنه ~~قد لزمك ذمامه ، ومن لزمك ذمامه التزمناه ، لأنك واحد منا ، وغير منفصل عنا ~~، فلا تعلمن بهذا أحدا ، وهذا صك على ابن فلانة بثلاثة آلاف درهم فيجعلها ~~نفقته . قال : فأخذت الصك وخطه بالاذن له ، وعدت إلى الدار فوجدت ابن أبي ~~البغل قد صعد السطح ، وألقى نفسه في خربة تجاورنا ومضى . فعدت إلى الوزير ~~وحدثته بالصورة ، فأخذ الصك وأمر بطلبه ms058 وقال : والله لو قتل أولادي جميعا ~~ثم دخل دارك لكان ذلك أمانا وحقنا لدمه . وحكي أن ابن الفرات اجتاز يوما في ~~بعض الطرق ، فاتفق أن سار تحت ميزاب ، فوقع عليه منه ما لوث ثيابه وسرجه ~~ودابته ، فوقف في الطريق ، وأنفذ إلى داره من يحضره خلعة ثياب أخرى ، فرآه ~~رجل عطار كان في الموضع ، فقام إليه ، وسأله أن يدخل إلى منزله ويقيم فيه ~~إلى أن يعود الرسول بالثياب . ففعل وأقام عنده ، وخلع ما كان عليه ، وتنظف ~~بالماء مما كان أصابه ، وأحضره الغلام الثياب فلبسها ، ثم سأله العطار أن ~~يأذن له في إحضار بخور يتبخر به ، فأذن له ، وركب أبو الحسن . ومضت الأيام ~~، فلما ولي الوزارة كانت حال العطار قد اختلت ورزحت ، فقالت له زوجته : لو ~~مضيت إلى الوزير وتعرفت إليه بخدمتك كانت له لرجوت أن ينظر في أمرك نظرا ~~تغير به حالك . فأعرض عن قولها واستبعد الأمل مما ذكرته ، ثم ألحت عليه في ~~القول ، فمضى ودخل دار أبي الحسن وتعرض له إلى PageV01P059 أن رآه فأمسك ~~وانصرف ، فعرف زوجته ما جرى ، فأشارت عليه بالعود ، فعاد ومعه رقعة يستميحه ~~فيها ، ولم يزل حتى وجد فرصة منه فعرضها عليه ، فلما وقف عليها قال : سل ~~حاجة تقض لك ، واتفق أن صار إليه من خاطبه في أمر كاتب للعيال كان محبوسا ، ~~وسأله مسألة الوزير إطلاقه ، وضمن له خمسة آلاف دينار في خاصه ، وللوزير ~~عشرين ألف دينار على يده ، وللحواشي خمسة آلاف دينار ، ووافقه على تعديل ~~المال عند بعض التجار بالكرخ . فلما توثق منه قصد الوزير ومعه رقعة بالصورة ~~، فأمره بحمل المال ليطلق له الرجل ، فحمل المال ، فلما حصل في الدار منعه ~~بعض الخدم من إدخاله إلى الخزانة إلى أن يؤذن في قبضه . وعرف الوزير أمره ، ~~فتقدم إلى العطار أن يفرق ما للحاشية عليهم ويأخذ جميع الباقي لنفسه . وأمر ~~بإطلاق كاتب العيال ، فاستعظم العطار ذلك وملأ قلبه ، ورأى قدره يصغر عن ~~مثله ، فقال للوزير : يقنعني من هذا كله ألف دينار أغير بها حالي . وأجعلها ~~رأس مالي ، فقال ms059 له : خذ الجميع عافاك الله ولا تكثر علي في الخطاب . فخرج ~~من حضرته وصار إلى أبي أحمد المحسن ، وعرفه الحال ، وأنه يقنعه اليسير مما ~~أعطيه ، وأومى إلى حمل الباقي إليه ، فقال له أبو أحمد : يأمر لك الوزير ~~بشيء وأصانعك عليه ! خذ المال وانصرف . ولأبي الحسن بن الفرات : خليلي قد ~~أمسيت حيران موجعا . . . وقد بان شرخ للشباب فودعا ولا بد أن أعطي اللذاذاة ~~حقها . . . وإن شاب رأسي في الهوى وتصلعا إذا كنت للأعمال غير مضيع . . . ~~فما حق نفسي أن أكون مضيعا وحدث أبو علي بن مقلة قال : سمعت أبا الحسن بن ~~الفرات يقول دفعات : ما بخلت بشيء قط إلا ندمت على بخلي به . ولابن بسام في ~~أبي العباس أحمد وأبي الحسن علي ابني الفرات : لي أحمدان لدنياي وآخرتي . . ~~. ولي عليان فانظر من أعدد لي من خاتم الملك أضحى وسط خنصره . . . ومن علا ~~كتفيه خاتم الرسل فللشفاعة حسبي أحمد وعلي . . . وللمعيشة حسبي أحمد وعلي ~~منهم بإثنين ما حاولت يسهل لي . . . كما بإثنين إن قصرت يغفر لي تشبثت ~~راحتي منهم بأربعة . . . في العسر واليسر والتأميل والوجل PageV01P060 وله ~~أيضا في هجائهم : يا رب إنك عدل . . . على البرية شاهد بنو الفرات ثقال . . ~~. وكلهم لك جاحد ثلاثة ليس فيهم . . . إلا ثقيل وبارد يا رب إن كان لا ب . ~~. . بد من ثقيل فواحد ولعبد الله بن المعتز إلى أبي العباس بن الفرات : يا ~~دهر غير كل شيء سوى . . . رأي أبي العباس فاتركه لي قد كان لي ذا مشرب طيب ~~. . . حينا فشيب الآن بالحنظل عين أصابت وده لا رأت . . . وجه حبيب أبدا ~~مقبل إن كان يرضى لي بذا أحمد . . . فليس يرضى لي بهذا علي وللبحتري في أبي ~~العباس : كرم أنجز المواعيد حتى . . . رد فيها نسيئة الوعد نقدا كلما قلت ~~أعتق المدح رقي . . . رجعتني له أياديه عبدا وحدث أبو الحسين علي بن هشام ~~قال سمعت : أبا الحسن علي بن محمد بن الفرات يحدث قال : كان النهيكي العامل ~~قد لازم أبا القاسم عبيد الله بن سليمان في نكبته ، فلما ولي ms060 الوزارة قلده ~~بادوريا ، وكان يتقلدها جلة العمال . ولقد سمعت أبا العباس أخي يقول : من ~~استقل ببادوريا استقل بديوان الخراج ، ومن استقل بديوان الخراج استقل ~~بالوزارة ، وذلك لأن معاملاتها مختلفة وقصبتها الحضرة ، والمعاملة فيها مع ~~الأمراء والوزراء والقواد والكتاب والأشراف ووجوه الناس ، فإذا ضبط اختلاف ~~المعاملات ، واستوفى على هذه الطبقات صلح للأمور الكبار . قال أبو الحسن بن ~~الفرات ، فأقام النهيكي في عمالة بادوريا نحو سنتين ، تقلد فيهما عبد ~~الرحمن بن محمد ابن يزداد ثم أبو العباس أحمد بن محمد بن أبي الأصبغ ديوان ~~الخراج في أيام عبيد الله بن سليمان ، فلما أطلقت أنا وأبو العباس أخي من ~~الاعتقال ، وتقلد أخي ديوان الخراج والضياع ، وخلته عليهما . عاملنا ~~النهيكي ، فكنا إذا كاتبناه برفع الحساب لم يجبنا ، وإذا خاطبناه بشيء في ~~أمر العمل لم يحفل بنا ، إدلالا بمكانة من الوزير وعفته ، وكان عفيفا ، ~~فلما طال ذلك منا ومنه شكوناه إلى PageV01P061 الوزير ، فوكل به من لازمه ~~حتى رفع حسابه لعدة سنين ، وتشاغلت بعمل مؤامرة ، فلم أجد عليه كبير تأول . ~~وحضرنا بين يدي الوزير لمناظرته ، وقد كنت صدرت أول باب من المؤامرة بأنه ~~فصل تفصيلا لثمن الغلة المبيعة جملته على موجب التفصيل أكثر من الجملة التي ~~أوردها بألف دينار ، فقال : أتتبع . فتتبع إلى أن صح الباب . فقال : وماذا ~~يكون ؟ هذا غلط من الكاتب في الجملة . فبدأت أكلمه . فأسكتني أخي ، وأقبل ~~على الوزير فقال : أيها الوزير ، صدق . هذا غلط في الحساب ، فالدنانير في ~~كيسي من حصلت ؟ فقال الوزير : صدق أبو العباس ، والله لا وليت عملا يا لص . ~~ثم أتبعت هذا الباب بباب آخر ، وهو ما رفعه ناقصا عما كتب به من كيل غلة ~~عند قسمتها ، فلما توجهت عليه الحجة قال : أريد كتابي بعينه ، فبدأت أكلمه ~~، فأسكتني أخي وقال : هذا أيها الوزير طعن على ديوانك ، ونسخ الكتب الواردة ~~والنافذة شاهد عدل . فقال : صدق يا عدو الله . وأمر بجره فجر . وما برحنا ~~حتى أخذنا خطه بثلاثة عشر ألف دينار فأهلكناه بها ، وما عمل كبير عمل بعدها ~~. وحدث أبو الحسين ms061 قال : سمعت أبا الحسن بن الفرات يقول : ناظرت الجهظ أحد ~~العمال على مؤامرة قد عملناها له ، وكنت أنا وأخي نأخذ خطه بباب باب ، فلما ~~كثر ذلك قالي لي سرا : ليس العمل في الخط ، العمل في الأداء ، وستعلمون ~~أنكم لا تحصلون مني على شيء ، فسمعته أنا وسمعه الوزير أبو القاسم عبيد ~~الله بن سليمان ، لأننا كنا في مجلسه ، فقال له : أعد ما قلت . فاضطرب . ~~فقال : لا بد أن تعيده . فأعاده . فقال : إذن لا تلى لي والله عملا أبدا ، ~~قم عافك الله إلى منزلك . خرق يا غلام المؤامرة . فخرقت في الحال ، وانصرف ~~الجهظ ، وما صرفه الوزير بعد ذلك . وشاع حديثه فتحاماه الناس كلهم ، وهلك ~~جوعا في منزله حتى بلغني أنه احتاج إلى الصدقة . وحدث أبو الحسين قال : ~~حدثني سليمان بن الحسن بن مخلد قال : قال لي ناقد خادم أبي وثقته وكان ~~يتولى نفقته : ما رأيت أجسر من مولاي على أخذ مال السلطان ، ومن ذلك أنني ~~باكرته يوما وقد لبس سواده ليمض إلى دار المعتضد على الله ، وهو إذ ذاك ~~يتولى دواوين الأزمة والتوقيع وبيت المال ، فقلت له : قد صككت علي البارحة ~~للمعاملين بألف وستمائة دينار ، وما عندي منها حبة واحدة . فقال لي : يا ~~بغيض ، تخاطبني الساعة ! أين كنت عن خطابي البارحة لأوجه وجها ما لها ؟ ~~ولكن ابتعني إلى دار السلطان . فتبعته ، ودخل إلى المعتمد مع الوزير عبيد ~~الله بن يحيى ، ودخل معهما أحمد ابن PageV01P062 صالح بن شيرزاد صاحب ديوان ~~الخراج . فلما خرج قال : امض إلى صاحب بيت المال فخذ منه ما يدفعه إليك . ~~فظننته قد استسلف شيئا على رزقه ، ومضيت إليه ، فأعطاني ثلاثين ألف دينار ، ~~فاستكثرت ذلك ، وعلمت أنه ليس من الرزق ، وحملتها إلى الدار وعرفته خبرها . ~~فقال للي : أطلق منها ما وقعت به إليك ، واحفظ الباقي ، فليس يتفق في كل ~~وقت مثل ما اتفق . ومضى للحديث أيام ، ودعا دعوة فيها صاعد بن مخلد وإليه ~~إذ ذاك عدة دواوين وجماعة من الكتاب ، فأكلوا وناموا وانتبهوا ، فإذا كاتب ~~من كتاب أحمد بن صالح ms062 بن شيرزاد يستأذن على مولاي ، فأذن له ، وقام إلى ~~مجلس واستدعاه إليه ، فسمعته يقول له : أخوك أبو بكر يقرأ عليك السلام يعني ~~أحمد بن صالح ويقول : أنت تعرف رسمي مع صاحب بيت المال ، وأن محاسبته في ~~سائر الأموال إلي ، وإذا تمت ثلاثون يوما وجهت حاجبي إلى الخازن فحمله مع ~~صاحب بيت المال إلى ديواني لينتظم دستور الختمة بحضرتي ، ونحن في ذلك منذ ~~عشرة أيام ، حتى تكاملت الختمة ولم يبق إلا ثلاثون ألف دينار ، ذكر صاحب ~~بيت المال أنك خرجت إليه من حضرة الخليفة وأمرته بحملها إلى خادمك ناقد ، ~~ولست أدري في أي جهة صرفت ولا ما الحجة فيها . فأجابه مولاي بغير توقف وقال ~~: أخي أبو بكر والله رقيع ، أسأل أنا الخليفة في أي شيء صرف ما استدعاه إلى ~~حضرته ؟ يجب أن يكتب في الختمة : وما حمل إلى حضرة أمير المؤمنين في يوم ~~كذا وكذا ثلاثون ألف دينار . فقام الكاتب خجلا ومر ذلك في الحساب على هذا ، ~~وما تنبه عليه أحد : قال أبو الحسين وقال لي سليمان بعقب هذه الحكاية : وما ~~رأيت لهذه القصة شبيها إلا ما فعله أبو الحسن بن الفرات في وزارته الأولى ، ~~فإنه نصب يوسف ابن فنحاس ، وهارون بن عمران الجهبذ ، فلم يدع مالا لابن ~~المعتز والعباس ابن الحسن ومن نكب وقتل في الفتنة ، وما صح من مال ~~المصادرين وغيرهم ممن يجري مجراهم إلا أجراه على أيديهما دون يدي صاحبي بيت ~~مال الخاصة والعامة ، وأفرد ابن فرجويه كاتبه بمحاسبتهما والاستيفاء عليهما ~~، فكان يحاسبهما ولا يرفع إلى الدواوين شيئا من حسابهما . فلما كان في ~~السنة التي قبض عليه فيها كتب كتابا عن نفسه إلى مؤنس صاحب بيت المال ذكر ~~فيه أنه حوسب يوسف ابن فنحاس وهارون بن عمران على ما حصل عندهما من كيت ~~وكيت حتى استغرق الوجوه وكان الباقي قبلهما بعد الذي حمل إلى حضرة أمير ~~المؤمنين أطال الله بقاءه ، وصرف في مهمات أمر بها هو والسادة أيدهم الله ، ~~من الورق ألف ألف وأربعمائة وسبعون ألفا وخمسمائة وستة ms063 وأربعون درهما . ~~وأمره بقبض ذلك منهما وإيراده بيت المال الخاصة ، فقبضه مؤنس منهما ، ومضى ~~الأصل كله لا يعرف في أي شيء صرف ، وكان مبلغه فيما ظنه PageV01P063 الكتاب ~~وكانوا يتعاودونه . نحو ألف ألف دينار . وفاز ابن الفرات بالمال ، ولم يقم ~~به حجة عليه . قال أبو الحسين : فحدثني أبي بعد ذلك قال : لما قلدني أبو ~~الحسن على ابن عيسى في وزارته الأولى ديوان الدار الجامع للدواوين ، أمرني ~~بإحضار هذين الجهبذين ومطالبتهما بختماتهما لما كان حصل في أيديهما أيام ~~وزارة ابن الفرات الأولى من الجهات المقدم ذكرها . فاستدعيتهما وطالبتهما ، ~~فأحالا على أن ابن الفرات أخذ حسابهما ، وأعلمت علي بن عيسى بذاك ، فأمرني ~~بحبسهما وتهديدهما ، ففعلت . وأحضراني حسابا مسودا لم يكن منتظما ولا متسقا ~~، ولم أزل ألطف بهما حتى أقرا بأنهما وصل إليهما من فضل الصرف مما ورد على ~~أيديما وأنفقاه مائة ألف درهم ، وقررت عليهما عشرة آلاف دينار ، وأخذت ~~خطهما بها ، فلم يقنع أبو الحسن علي بن عيسى بذلك ، وأخذهما من يدي ، ~~وسلمهما إلى حمد بن محمد ، وكان إليه ديوان المغرب ، وأمره بأن يتتبع ~~أمرهما بنفسه ، من غير أن يعرفه ما أخذت خطهما به ، فنظر حمد في ذلك ، ولم ~~يجد في الحساب إلا إحالات على : حمل إلى الخليفة والسادة ، وشيء انصرف في ~~خاص نفقات ابن الفرات . فقال له حمد : هذا مال مسروق والقوم معهم حجة ~~بالابراء وما عليهم طريق . وقد كان ابن الفرات أجلد من أن يدعهم يفوزون ~~بحبة من المال . ير أن يعرفه ما أخذت خطهما به ، فنظر حمد في ذلك ، ولم يجد ~~في الحساب إلا إحالات على : حمل إلى الخليفة والسادة ، وشيء انصرف في خاص ~~نفقات ابن الفرات . فقال له حمد : هذا مال مسروق والقوم معهم حجة بالابراء ~~وما عليهم طريق . وقد كان ابن الفرات أجلد من أن يدعهم يفوزون بحبة من ~~المال . قال أبو الحسين : قال أبي : فردهما الوزير أبو الحسن إلي وقال : ~~اجتهد في إلزامهما مائتي ألف درهم . فقلت . لا يمكن ذلك . فقال : اعمل على ~~أنك طالبتهما بمرفق لنفسك ms064 يكون تتمة المائتين فقلت : إذا فعلت هذا فأي شيء ~~يحصل لي ؟ قال خذ منهما عشرين ألف درهم وألزمهما مائة وثمانين . فخرجت ~~وجددت بهما حتى ألزمتهما ذلك ، وأخذت لنفسي ما أعطانيه . فلما فرغت أخذت ~~لهما خطه بالبراءة . فقال لي أبو الحسن علي بن عيسى : سأرسيك موضعي أنا من ~~العمل ، فإن للرئيس في كل أمر موضعا لا يقوم فيه أحد مقامه . فأحضرهما إلى ~~حضرته وأنا بين يديه وقال لهما : تريدان مني أن أزيل عنكما تبعة إن لم ~~أزلها بقيت عليكما وعلى ورثتكما أبدا ، ولست أفعل ذلك إلا بعوض قريب لا ضرر ~~فيه عليكما ، وهو أنني أحتاج في مستهل كل شهر إلى مال أطلقه في ستة أيام ، ~~منه للرجالة ما مبلغه ثلاثون ألف درهم . وربما لم يتجه لي في أول يوم من ~~الشهر ولا في ثانيه ، وأريد أن تقرضاني في أول كل شهر مائة وخمسين ألف درهم ~~، وترتجعانها من مال الأهواز في مدة أيامه ؛ فإن جهبذة PageV01P064 الأهواز ~~إليكما ، ويكون هذا المال سلفا واقفا لكما أبدا . وأضيف إلى هذا المال ~~الوظيفة التي على حامد وترد في كل شهر وهو عشرون ألف دينار فيكون ذلك بإزاء ~~مال القسط الأول . فتأبيا ساعة ، ولم يفارقهما حتى استجابا . فقال لي علي ~~بن عيسى : كيف رأيت ؟ قلت : ومن يفي بهذا غير الوزير ؟ قال : وكان علي بن ~~عيسى إذا حل المال وليس له وجه استسلف من التجار على سفاتج وردت من الأطراف ~~لم تحل عشرة آلاف دينار بربح دانق ونصف فضة في كل دينار ، يلزمه في كل شهر ~~ألفان وخمسمائة درهم أرباحا ، فلم يزل هذا الرسم جاريا على يوسف بن فنحاس ~~وهارون ابن عمران ومن قام مقامهما مدة ست عشرة سنة . وحدث أبو الحسين علي ~~بن هشام قال : حدثني أبي قال : حدثني أبو الحسن ابن الفرات قال : دخل علي ~~المقتدر بالله يوما وأنا في حبسه ، والوزير إذ ذاك حامد ابن العباس فقال لي ~~: أتعرف الحسن بن محمد الكرخي ؛ فقلت : نعم . قال : أي إنسان هو ؟ قلت : ~~عامل ، وله محل من الصناعة ms065 ، وهو من صنائعي ووجوه عمالي ، وقد تقلد لعبيد ~~الله بن سليمان قبلي ، وهو أخو القاسم بن محمد الكرخي ، ومن بيت معروف . ~~فقال : قد كتب إلي يخطب الوزارة ويضمن حامدا وعلي بن عيسى . فقلت له : ولا ~~كل هذا يا أمير للمؤمنين . وإنما أطعمه فيما طلبه بلوغ حامد من مثله ما ~~بلغه . ولعمري إن الأمر قد وهن بحامد ، وإن هذا الرجل أجود حسابا وأعف ~~لسانا وأشد وقارا منه ، وليس لأنه فوق حامد ترشح لهذه المنزلة . ولا لأن ~~الغلط وقع في أمر حامد وجب أن يسلك في مثل هذه الطريقة ، وعلى أنه قد غلط ~~في تقديره أنه يصلح لصرف حامد لأن حامدا قديم الرئاسة في العمالة وله حال ~~عظيمة ، ونعمة كبيرة ، ومروءة ظاهرة وهيبة معروفة ، وسن في ذلك وقدمة ، ~~وكان نشا بعيدا عن الحضرة ، فلم تستشف أخلاقه وأفعاله إلا بعد الوزارة ، ~~وفيه سعة صدر وسخاء نفس يغطيان كثيرا من معايبه وترك الأمر في يده ويد علي ~~بن عيسى أولى فإن هذا لا يقارب علي بن عيسى ، ولا يلحق أحد كتابه ، وإني ~~لأقول الحق فيهما على عداوتهما لي . فأضرب المقتدر بالله عن الحسن بن محمد ~~ثم تم التدبير لأبي الحسن بن الفرات ، وصرف حامد ووزر ، فحين جاءه الحسن بن ~~محمد ، وتذكر ما جرى بينه وبين المقتدر بالله PageV01P065 في بابه هابه ~~وتصور بعد همته وتقلب رأي المقتدر بالله من حال إلى حال ، فأحب إبعاده ، ~~فقلده الموصل وأعمالها ، وأخرجه إليها صارفا لابن حماد ، فانتفع الحسن بما ~~حصل في نفس ابن الفرات . قال أبو الحسين : فكنا في بعض الليالي بحضرة ابن ~~الفرات ، وهو يعمل ، وأنا مع أبي ، والمجلس حافل ، إذ قرأ كتابا ورد من ~~صاحب البريد بالموصل يذكر أن أبا أحمد الحسن هذا قد قسط في الأعمال ، ومد ~~يده إلى المال ، وزاد في إظهار المروءة ، وركب باللبود الطاهرية ، وبين ~~يديه عدة حجاب ، وخلفه جماعة غلمان ، حتى أنه يسير بينهم في موكب . وأنه ~~وصل معه من البغال والجمال والزواريق التي تحمل أثقاله شيء كثير ، وهذا ~~إنفاق وتوسع لا ms066 يقتضيه الرزق وإنما هو من الأصول . فرمى بالكتاب إلى أبي ~~القاسم زنجي ، وكان إذ ذاك حدثا يخط بحضرته . وقال له : وقع عليه : يجاب ~~بأنه نفع الرجل من حيث أراد الاضرار به ، لأنه إذا كان في مثل هذا الصقع ~~عامل ذو وجاهة وتجمل ومروءة صلح أن يتقلد للسلطان إلى مصر وأجناد الشام متى ~~أنكر من عمالها حالا . ثم أقبل على من في مجلسه وقال : حدثنا أبو القاسم ~~عبيد الله بن سليمان أن النوشجاني صاحب البريد رفع إلى المعتضد بالله بأن ~~الأخبار شائعة ببغداد بأن حامد ابن العباس لما دخل فارس متقلدا لها كان معه ~~مائتان وخمسون بغلا ، عليها رحله وأثقاله ، ومعه عدد كثير من الغلمان ~~والحاشية وسلم إلي المعتضد بالله كتاب النوشجاني بذلك ، فقرأته وتحيرت ، ~~وخفت أن يكون قد أنكره وقدر أن حامدا قد اجتاح المال واصطلمه ، وقال لي : ~~يا أبا القاسم وقد كان كناه قرأت هذا الكتاب ؟ قلت : نعم . قال : قد سرني ~~ما قد ظهر من تجمل حامد ومروءته وما قام بذلك في نفوس الرعية من هيبته ، ~~فكم رزقه ؟ فقلت : ألفان وخمسمائة دينار في كل شهر . قال : اجعلها ثلاثة ~~آلاف ليستعين بها على مؤونته . ثم قال أبو الحسن بن الفرات عقيب هذه ~~الحكاية : وقد فعل المعتضد بالله قريبا من هذا مع أبي العباس أحمد بن بسطام ~~، فإن المعتضد طالبه بالعجز في ضمانه واسط وحبسه في دار ابن طاهر ، وقرر ~~عليه سبعين ألف دينار يؤديها ، وكان يصححها على جمل وأصحاب عبيد الله بن ~~سليمان يطالبونه والموكلون به من قبل المعتضد بالله . فكتب PageV01P066 ~~النوشجاني : فيه بأنه كان يفرق في أيام ولايته عشرين كرا حنطة في كل شهر ~~على حاشيته والفقراء والمساكين والمستوردين من أهل معرفته ، وأنه فرق ذلك ~~في هذا الشهر على عادته . ودافع بأداء ما عليه من موافقته ودخل عبيد الله ~~بن سليمان على المعتضد فأقرأه الرقعة وقال : قد سرني فعل ابن بسطام وقيامه ~~بمروءته ومعروفه وجملنا بأن لم يظهر أننا ألزمناه ما أجحف به ، وأحوجه إلى ~~تغير رسمه فيما كان ms067 يطلقه ويبر به ، فكم بقي عليه ؟ قلت : بضعة عشر ألف ~~دينار . فقال : اتركها عليه واردده إلى عمله ، وعرفه إحمادي ما كان منه . ~~ففعل عبيد الله الله ذلك . وحدث أبو الحسين بن هشام قال : سمعت أبا الحسن ~~بن الفرات يحدث قال : لما طال حبسي عقيب الوزارة الثانية تبينت أن المقتدر ~~بالله لا يفرج عن ابن الحواري . وإن علم أنه من أكبر أعدائي . ولا يجيبني ~~إلى تسليمه إلي في جملة خصومي ، فتلطفت لافساد رأيه بأن راسلت المقتدر ~~بالله قبل أن يطلقني بأربعة أشهر وعرفته أن أولادي في إضافة وفاقة ، وسألته ~~إطلاق مائة وخمسين ألف درهم لي ، أحمد إلى كل واحد الثلث منها لاصلاح أمره ~~والقيام بمؤونته ، وأرد العوض عنها بعد شهر من ثمن أمتعة قد بيت عند قوم من ~~أصحاب ودائعي . فقال : هذا قدر يقبح أن نمنعه إياه مع كثير ما أخذناه من ~~ماله ، احملوا إليه ذلك ، فحمل إلي . وراسلت السيدة وطلبت منها خمسين ألف ~~درهم ، فكانت تلك سبيلها ، وجمعت الجميع ودفعته إلى أم كلثوم قهرمانتي ، ~~وأمرتها أن تبتاع به دنانير جددا حسانا وتجيئني بها . ففعلت . وكانت من ~~عادة المقتدر بالله إذا صام يوم الخميس أن يدخل إلي الحجرة التي أنا محبوس ~~فيها ، يقعد عندي ويحادثني من وقت العصر إلى وقت المغرب . فلما كان يوم ~~الخميس قبل وقت حضوره صببت الدنانير بين يدي ، فدخل وقال : ما هذا يا أبا ~~الحسن ؟ فقلت : أما يرى مولانا أمير المؤمنين كثرة هذه الدنانير ، وحسنها ؟ ~~قال : بلى ، فكم مبلغها ؟ قلت : سبعة عشر ألف دينار . قال : ولأي شيء هي ~~بين يديك ؟ قلت . اقترضت ذلك المال من أمير المؤمنين ومن السيدة وزيدان ، ~~وصرفته فيما أردت فيه ، واستدعيت ما كان لي مودعا من أمتعة وصياغات ممن هو ~~عنده ، فأنفذه إلي لما ظهر لهم من تفضل مولانا علي ، وزال بذلك طمعهم في ، ~~وبعته وحصلت ثمنه هذا لأرده على من اقترضته منه . فقال : ما أقبح هذا ! ~~أترانا نبخل عليك بما أطلقناه لك مع ما أخذناه منك مما رأيناه تعويضك عنه ~~وردك إلى ms068 أفضل ما كانت منزلتك عندنا عليه ؟ فتبسمت . فقال : مم تبسمك ؟ قلت ~~: والله يا أمير المؤمنين ما طلبت المال لحاجة إليه فإن في بقية ~~PageV01P067 حالي ما يغني عنه ، وإنما أردته لأصرفه بالدنانير ، وأضعه ~~بحضرتك ، فتشاهده وتعلم أن ابن الحواري الخائن يرتزق من مالك في كل شهر مثل ~~مبلغه ، ويقتطع مع ذلك كذا ، ويأخذ كذا ، وذكرت معايبه ومساوئه . قال : ~~فرأيته قد استعظم الحال ، وكثر في عينه المال ، ولم ينهض من مجلس حتى وعدني ~~بتسليم ابن الحواري إلي ولم يقبل هو ولا السيدة ولا القهرمانة عوض ما ~~أعطونيه إلا بعد جهد وسؤال . وحدث أبو الحسين بن هشام قال : كنا على مائدة ~~أبي العباس أحمد بن عبيد الله الخصيبي في وزارته ، فجرى ذكر علي بن عيسى ~~وابن الفرات فقال : كان ابن الفرات نافذا في عمل الخراج وتدبير البلاد ~~وجباية المال وافتتاح الأطراف ، وأليق من علي ابن عيسى في سياسة الملك . ~~وكان علي بن عيسى كثير التدين شديد التصون عفيفا عن المال ، وله مذهب في ~~الترسل لا يلحقه فيه أحد ولا ابن الفرات . والتفت إلى أبي عبد الله زنجي ~~وكان حاضرا فقال له : ما عندك في هذا يا أبا عبد الله ؟ فقام قائما وقال : ~~من عادتي أيها الوزير إذا صحبت وزيرا أن أحصي محاسنه وأذكرها ، فأما مساوئه ~~فلا أخطرها مني بالا ، ولا أجري بها لسانا ، وعلى ذلك فإن أذن الوزير في ~~الجواب قلت ما عندي . قال : قل . فقال : كانت يد أبي الحسن بن الفرات تخونه ~~لفساد خطه ، وكان يعمل النسخ بأجزل كلام وأحسنه ، ويخرجها إلي فأحررها ، ~~والبارحة كنت أميز شيئا فمرت بي ثلاث نسخ بخطه ، إن أمر الوزير بإحضارها ~~ليتبين له موقعه من الترسل أحضرتها . فقال : افعل . وأنفذ غلامه ليحضرها ، ~~وتشاغلنا بالأكل . فلما انقضى ونهض الوزير وغسل يده ونام ، جلس زنجي في ~~مجلسه من الدار على انتظار النسخ حتى حملت إليه فقرأتها ، ولم أزل أكرر ~~النظر فيها . وكانت إحداها نسخة كتاب منه إلى مؤنس في أمر علي بن عيسى وهي ~~: بن عيسى وابن الفرات فقال ms069 : كان ابن الفرات نافذا في عمل الخراج وتدبير ~~البلاد وجباية المال وافتتاح الأطراف ، وأليق من علي ابن عيسى في سياسة ~~الملك . وكان علي بن عيسى كثير التدين شديد التصون عفيفا عن المال ، وله ~~مذهب في الترسل لا يلحقه فيه أحد ولا ابن الفرات . والتفت إلى أبي عبد الله ~~زنجي وكان حاضرا فقال له : ما عندك في هذا يا أبا عبد الله ؟ فقام قائما ~~وقال : من عادتي أيها الوزير إذا صحبت وزيرا أن أحصي محاسنه وأذكرها ، فأما ~~مساوئه فلا أخطرها مني بالا ، ولا أجري بها لسانا ، وعلى ذلك فإن أذن ~~الوزير في الجواب قلت ما عندي . قال : قل . فقال : كانت يد أبي الحسن بن ~~الفرات تخونه لفساد خطه ، وكان يعمل النسخ بأجزل كلام وأحسنه ، ويخرجها إلي ~~فأحررها ، والبارحة كنت أميز شيئا فمرت بي ثلاث نسخ بخطه ، إن أمر الوزير ~~بإحضارها ليتبين له موقعه من الترسل أحضرتها . فقال : افعل . وأنفذ غلامه ~~ليحضرها ، وتشاغلنا بالأكل . فلما انقضى ونهض الوزير وغسل يده ونام ، جلس ~~زنجي في مجلسه من الدار على انتظار النسخ حتى حملت إليه فقرأتها ، ولم أزل ~~أكرر النظر فيها . وكانت إحداها نسخة كتاب منه إلى مؤنس في أمر علي بن عيسى ~~وهي : آثار علي بن عيسى أعزك الله فيما تولاه من الأعمال ، وجرى على يده من ~~الأموال ، تدل على عجزه وإضاعته ، وتبطل ما يدعيه من صناعته وكفايته . ولما ~~صرفت عماله عما ولوه ، وطالبتهم بما اقتطعوه ، أعفوا بمال جزيل قدره ، عظيم ~~خطره ، متجاوز مبلغه ألف ألف دينار ، وانضاف إليها ما توفر مما كانوا ~~يفوزون به من الارتفاقات ، ويستثنونه في العقود والمقاطعات ، وهو أربعمائة ~~ألف دينار ، وما وجب على الحسين بن أحمد ومحمد بن علي المادرائيين من خراج ~~ضياعهما بمصر والشام في سني ولايته ، PageV01P068 فاستدركه علي بن أحمد بن ~~بسطام وهو ثلاثمائة ألف دينار ، فتحصل الجميع ألف ألف وسبعمائة ألف دينار ، ~~وحمل منه إلى حضرة أمير المؤمنين أطال الله بقاءه ستمائة ألف دينار ، وإليك ~~أعزك الله للنفقة على القادة النافذة لمحاربة يوسف بن ديوداذ ms070 مع صلات ~~المستأمنة وأرزاقهم خمسمائة ألف دينار ، وأطلق الباقي لقواد أمير المؤمنين ~~أيده الله وأجناده وخواصه عوضا عما كان علي بن عيسى حطه من أرزاقهم ، ووضعه ~~من جملة استحقاقاتهم ، فكثر الشاكر ، وسكن وأمن النافر ، وصلحت الأحوال ، ~~وانبسطت الآمال . ولما قربت العساكر من يوسف أفرج عن الري وما يليها من ~~الأعمال ، وزال عن أهلها كل جور وعدوان ، وعمرت تلك النواحي بعقب خرابها ، ~~واستوسقت الأمور بعد اضطرابها ، والله الموفق المعين . وقد توفرت أعزك الله ~~مع ذلك مني عليه العناية ، ولحقته الصيانة ، في نفسه وماله ، وضياعه وحاله ~~، ترفعا عن مجازاته على أفعاله ، وجريا على عادتي في أمثاله . والله أسأل ~~معونتي على الجميل الذي أعتقده وأنويه ، وتوفيقي لما يحبه ويرضيه ، إنه أهل ~~الفضل وموليه ، وحسبي الله ونعم الوكيل . # | والنسخة الأخرى وكانت إلى أبي عباس أحمد ابن بسطام عند تقلده الوزارة ~~الأولى # : نعم الله عند أمير المؤمنين أطال الله بقاءه تتجدد في سائر أوقاته ، ~~وتتوكد في جميع حالاته ، فليس يخلو منها قاهرة لأعدائه ، وناصرة لأوليائه ، ~~والله يعينه على أداء حقها ، والقيام بشكرها ، إنه ذو فضل عظيم . وكان ~~جماعة من جلة الكتاب والقواد ووجوه الغلمان والأجناد ، حسدوا أبا أحمد ~~العباس بن الحسن رحمه الله على محله في الدولة ومنزلته ، وما قام به لأمير ~~المؤمنين أيده الله من عقد بيعته ، فسعوا في إتلاف مهجته ، وإزالة نعمته ، ~~وتوصل إليهم عبد الله بن المعتز بمكره وخديعته ، فأوحشهم من أمير المؤمنين ~~وشيعته ، وحسن لهم الخروج عن طاعته ، فنكثوا ومرقوا ، وغدروا وفسقوا ، ~~وشهروا سيوف الفتنة وأظهروا أعلامها ، وأضرموا نيرانها ، وتفرد الحسين بن ~~حمدان بأبي أحمد فقتله ، وثنى بفاتك المعتضدي فأتلفه ، وقصد المارقون دار ~~الخلافة حتى وصلوا إلى جدرانها ، وأحرقوا عدة من أبوابها ، ووفق الله الخدم ~~والأولياء المصافية والغلمان الحجرية لمحاربتهم PageV01P069 ومنازلتهم ، ~~فانصرفوا مفلولين ، واجتمعوا إلى عبد الله فعاقدوه وبايعوه ، وتسمى ~~بالخلافة في ليلته ، ووازره محمد بن داود على ضلالته . وما صحبهم من غلمان ~~أمير المؤمنين أدام الله عزه وخاصته وذوي البأس من رعيته من حسن دينه . ~~وخلص يقينه ، فتحصنوا بالإبعاد في ms071 الهرب ، لما خافوه من شدة الطلب ، وأسر ~~جماعة من كتاب عبد الله وخواصه ، منهم محمد بن عبدون ، وعلي بن عيسى ، ~~ومحمد بن سعيد الأزرق ، ويمن الكبير ، ووصيف بن صوارتكين ، وسرخاب الخادم ، ~~وعلي الليثي ، ومحمد الرقاص وأبناء دميانة ، والمعروف بأبي المثنى ، ومحمد ~~ابن يوسف ، وحملوا إلى دار أمير المؤمنين أيده الله فحصلوا في أعظم بوس ، ~~وأضيق حبوس . ولما خمدت النائرة ، وسكنت الفتنة الثائرة ، استدعاني أمير ~~المؤمنين أدام الله تاييده فأوصلني إلى حضرته ، وخصني ببره وتكرمته ، وفوض ~~إلي تدبير مملكته ، ورعاية خاصته وعامته ، واعتمد علي في حياطة ملكه ودولته ~~، وقلدني سائر دواوينه مع وزارته ، وخلع علي خلعا ألبسني بها إجلالا وقدرا ~~، وجمالا وفخرا ، وعدت إلى داري مغمورا بإحسانه ، مثقلا بأياديه وامتنانه . ~~وأسأل الله معونتي على طاعته . وتبليغي غاية رضاه وإرادته بمنه وقدرته . ~~وكان أول ما بدأت به الجد في طلب عدو الله عبد الله بن المعتز ، إلى أن هيأ ~~الله الظفر به على يد صافي مولى أمير المؤمنين ، بعد أن تنصح في الدلالة ~~على موضعه خادم مشهور الديانة ، مذكور الصيانة يعرف بسوسن الجصاصي ، فأوجبت ~~الحال إطلاق صلة لسائر الأولياء وافرة المبلغ ، وأنا بتجديد البيعة عليهم ~~متشاغل ، وللخدمة مواصل ، والأمور جارية على أحمد مجاريها . وأفضل المحاب ~~فيها ، والحمد لله رب العالمين . والأحوال أعزك الله بيننا توجب مشاركتك ، ~~وتقتضي مساهمتك ، وقد قلدتك الخراج والضياع العامة والمستحدثة بمصر ~~ونواحيها ، والكور الجارية فيها ، لما أعرفه من كفايتك ومخالصتك ، وأثق به ~~من مناصحتك ، وكتبت به إلى الحسين بن أحمد بتسليم هذه الأعمال إليك ، ~~وأعلمته اعتمادي فيها عليك ، وأنت بصناعتك وكفايتك تستغني عن التنبيه ~~والتبصير ، وتوفي على الظن بك والتقدير إن شاء الله . وكتب يوم الثلاثاء ~~لثمان ليال خلون من شهر ربيع الأول من سنة ست وتسعين ومائتين . PageV01P070 # | والنسخة الثالثة وكانت إلى ابن بسطام في صرف سوسن عن الحجابة والقبض ~~عليه # عوائد الله عند أمير المؤمنين أطال الله بقاءه فيمن يشاقه ويناويه ، توفي ~~على غاية محابه ونهاية أمانيه ، فليس يظهر أحد عصيانه ويبديه ، أو يجاهر به ~~أو يخفيه ms072 ، إلا جعله الله عظة للأنام ، وأهلكه بعاجل الاصطلام ، والله عزيز ~~ذو انتقام . وممن نكث وغدر ، وفسق ومرق ، وطغى وبغى ، وكاشف وخالف ، سوسن ~~الحاجب ، فإنه كان لدم أبي أحمد العباس بن الحسن رحمه الله من السافكين ، ~~وفي معاونة عبد الله بن المعتز على فتنته من المشمرين . وكان يظهر لأمير ~~المؤمنين أطال الله بقاءه موالاة ونصرا ، ويضمر عداوة وغدرا ، ويسعى في ~~إفساد ملكه ودولته ، ويوحش وجوه غلمانه وخاصته ، إلى أن عاجله أمير ~~المؤمنين أدام الله عزه بسطوته وأزال عن الدولة حرسها الله ما عراها من ~~معرته ، وقلد مكانه من وثق بدينه وأمانته ، ونصيحته ومخالصته ، فاستوسقت ~~الأمور ، واستبشر الجمهور ، وارتفع الأولياء وانقمع الأعداء ، والله يخير ~~لأمير المؤمنين فيما يبرمه ويمضيه ، ويوفقه لما يحبه ويرضيه بجوده ، ومجده ~~، وكرمه وحمده ، إنه فعال لما يريد . هذه أعزك الله حال الباغين والمارقين ~~، والطاغين والناكثين ، ومن تغره المهلة ، وتفسده الغفلة ، وتزله قدماه ، ~~ويعصي مولاه ، فإن العاقبة للمتقين ، والدائرة على المجرمين ، والسلامة في ~~طاعة الله وطاعة أمير المؤمنين ، والحمد لله رب العالمين . وقال أبو الحسين ~~بن هشام : سمعت أبا الحسن بن الفرات يملي جوابا لبعض العمال على ظهر كتاب : ~~ورد منه بجملة عشرة آلاف دينار ، فكان ما أحسن ولا قارب الإحسان ، ولا أنا ~~بالراضي بشيء من أمره ، ولا بالمؤخر عنه ما يكرهه إن أقام على ما هو عليه ، ~~وأين عشرة آلاف دينار مما يجب عليه حمله ؟ ليكبت إليه في ذلك أغلظ كتاب ~~وأفظعه ، وليعرف أني إن استفسدته بعد استصلاحي إياه أنسيته ما سلف مما جرى ~~عليه ، فليختر لنفسه ما يراه أصلح لها إن شاء الله . وحدث أبو الحسين قال : ~~حدثني أبو القاسم سليمان بن الحسن قال : حضرت مناظرة أبي محمد حامد بن ~~العباس وأبي الحسن علي بن عيسى وأبي علي الحسين ابن أحمد المادرائي الملقب ~~بأبي زنبور ، لأبي الحسن علي بن محمد بن الفرات وكان ذلك بدار الخلافة ، ~~وحضر نصر الحاجب والقواد والقضاة ، وأخرج ابن الفرات وعليه قميصان ورداء ، ~~PageV01P071 فلما توسط المجلس سلم سلاما عام وجلس ، فكان ذلك أول ms073 استخفافه ~~بالقوم ، فأقبل عليه حامد وقال له : مددت رجلك ، وأطمعت في المحال نفسك ، ~~وعولت على القهرمانة يعني زيدان في الشفاعة لك ، والمدافعة عنك وظننت أنه ~~يقنع منك بثلاثمائة ألف دينار ونيف ، أقررت بها من ودائعك . نريد أن نحاسبك ~~على ما أغللت في ثمانية عشر شهرا من ارتفاعك ، وما انضاف إلى ذلك من رزقك ، ~~وحق بيت المال في ضياعك التي رفعت عن نفسك لنفسك بأنك أوغرته ، وخمسمائة ~~ألف دينار قد حضر من ثقاتك من يواقفك على أنك ارتجعتها من ودائعك التي بقيت ~~لك بعد نكبتك الأولى فكتمتها السلطان أعزه الله بعد يمينك له بالصدق عن ~~جميع مالك ، فإذا فرغنا من ذلك عدلنا إلى مرافقك . فقال : أما استغلال ~~ضيعتي فلا مطالبة تتوجه علي به ، وقد ردها أمير المؤمنين علي . وأما حق بيت ~~المال الذي أوغرنيه فالحال واحدة فيه . وأما الودائع فلم يكن بقي لي ما لم ~~أصدق عنه فيما تقدم . وأما الثقة الذي أشرت إليه في مواقفتي ، فالثقة لا ~~يكون ساعيا لحق ويكني عن باطل . فقال له : قد علمنا أنك تحسن المناظرة ، ~~ويطول لسانك بالأقوال المحالة ، هذا موقف يحتاج فيه إلى وزن المال ، ولا ~~تغتر بالصيانة عن المكروه ، فإنني قد شرطت على أمير المؤمنين أعزه الله ~~تسليمك إلي ، فاحفظ نفسك ما دمت في ظله قبل أن أبسط عليك من المكاره ما لا ~~تثبت له . قال له ابن الفرات : المكاره تبسط على من أخذ أموال السلطان وفاز ~~بها ، وضمن ضمانات باطلة بفتاوي الفقهاء والكتاب ، وحصل الفضل الكبير منها ~~، ولولا إشفاقك من ذلك لما تعرضت لما لا تحسنه وفضحت نفسك ، وهتكت المملكة ~~بالدخول فيه . فقال له حامد : ما هذا التبسط يا عاض كذا من أبيه ، حتى كأنك ~~الوزير ونحن بين يديك . فقال ابن الفرات : دار أمير المؤمنين تصان عن السخف ~~، وحضور هؤلاء القواد القضاة يمنع عن الفحش . فيا ليت شعري يا حامد ما الذي ~~غرك ؟ وليس ما أنت فيه بيدرا تقسمه ، وأكارا تشتمه وتحلق لحيته وتضربه ، ~~وعاملا تذبح دابته وتعلق رأسها في عنقه ، فإنما ms074 هذه الدار وهذا المجلس دار ~~ومجلس الخليفة اللذان منهما يشيع العدل في أقطار PageV01P072 الأرض ، وإنما ~~مكنت من مناظرتي ، ولم تجعل لك سبيل إلى عرضي ، ولولا أنني أتصون عن فعل ~~مثلك لاقتصصت في القول والشتم منك ، ومع إمساكي فقد وجب الحد عليك فيما ~~أطلقت به لسانك . فأقبل علي بن عيسى على حامد وقال له : يدعني الوزير أعزه ~~الله حتى أناظره ، وقال لأبي الحسن بن الفرات : يا أبا الحسن أعزك الله ~~تعرف هذا ؟ وأومى إلى أبي زنبور فقال : ما أنكره من سوء . قال : هو أبو علي ~~الحسين بن أحمد المادرائي عامل مصر الذي قصدته وأفقرته ، وخدمته معروفة في ~~رده مصر على السلطان دفعات . فكيف لا تعرفه ؟ فقال : لم ينكر علي أني لم ~~أثبته ؟ فإن عهدي طويل به ، وكنت أعرفه يكتب لعامل نهر جوبر بعشرين دينارا ~~في الشهر . ثم صحب الطولونيين العصاة ، فعظمت حاله ونعمته معهم ، ولم أره ~~إلى وقتي هذا . فقال علي بن عيسى لأبي زنبور : واقفه على ما ذكرت . فقال ~~نعم . وأقبل علي ابن الفرات وقال : توليت لك أعمال أجناد الشام سوى جند ~~قنسرين والعواصم ، فطالبتني من المرفق بما كنت أحمله إلى العباس ابن الحسن ~~قبلك ، وهو عشرة آلاف دينار في كل شهر . وأخذت ذلك لمدة وزارتك الأولى ، ~~فكان المبلغ أربعمائة وأربعين ألف دينار . ثم إنك نصبت في وزارتك الثانية ~~ديوانا للمرافق ، واستخرجت هذا المال وأوردته في جملة مرافق حملتها إلى ~~أمير المؤمنين . فأمسك ابن الفرات ساعة ، حتى قال نصر الحاجب بعجومته : ~~تكلمي يا قرمطية . فقال له : أمسك يا أبا القاسم عما لا ينفعك ولا يضرني . ~~وقال لأبي زنبو : ليس يخلو ما تدعيه من حالين ، إما أن يكون حملك للمال مع ~~رسل أو بسفاتج تجار على تجار ، فإن كان مع رسل فأحضرهم أو أحضر القبوض التي ~~كتبت على أيديهم ، أو بسفايج فالقبوض مع أربابها . فقال أبو زنبور : هذا ~~شيء لا يكتب به قبوض . فقال : إذا كان ذلك كذلك وجب أن تجعل بدلا من ~~أربعمائة ألف أربعة آلاف ألف لتكون الحال فيه ms075 واحدة . ثم اقبل على علي بن ~~عيسى فقال : حكم الله ورسوله في الدعاوي معروف ، وأرجو ألا يخرجني أمير ~~المؤمنين فيه عن الانصاف . ثم قال لأبي زنبور : قد وليت لأبي الحسن وأومى ~~إلى علي بن عيسى الشام أربع سنين ، فإن كنت حملت إليه هذا المرفق في هذه ~~المدة فهو عليه ، أو لم تفعل فهو عليك لاعترافك بوجوبه . فقال به أبو زنبور ~~: هذا لا يلزمني ، ولكن ها هنا مال الاستثناء بمصر ، وهو مائة ألف دينار في ~~كل سنة ، وقد أخذت منه في وزارتك الأولى سبعمائة ألف وخمسين ألف دينار . ~~PageV01P073 فقال له ابن الفرات : قد وليت أيضا مصر لأبي الحسن أربع سنين ، ~~وحكم ذلك فيما يتوجه على أبي الحسن أو عليك حكم ما قبله . والآن فها هنا ~~ثمانمائة ألف دينار واجبة لأمير المؤمنين أعزه الله ومن الواجب أن تخرجا ~~إليه منها . فقال له علي بن عيسى : أنا معروف الطريقة ومكشوف الرأس من مثل ~~هذه الأسباب وكشف عن رأسه . قال : وكان المقتدر بالله قريبا من الموضع فسمع ~~ما جرى . فقال ابن الفرات : ومن ها هنا بارك الله عليك مغطى الرأس ؟ ولو ~~تكلم الناس كلهم في هذا الموضع لوجب لك ألا تتكلم . فقال : لم يا أبا الحسن ~~؟ أعزك الله . قال : لأن لهذا الرجل يعني أبا زنبور ومحمد بن علي ابن أخيه ~~بمصر والشام من الضياع مسافة مائة فرسخ في مائة فرسخ ، وما أخذت من حق بيت ~~المال منها في وزارتك درهما واحدا . فمن ترك على قوم حقوق بيت المال لم لم ~~يأخذ المرافق منهم ؟ ثم التفت إلى شفيع اللؤلؤي وإليه البربد وقال له : أنت ~~ثقة أمير المؤمنين ، وقد تعين على هذا الرجل يعني أبا زنبور مال يلزمه ~~الخروج منه بإقراره واعترافه أو إقامة حجة تبرئه منه ، فأنه إلى أمير ~~المؤمنين ذلك ، وطالبه به . وأقبل عليه حامد وقال له : قد أخذت في ~~التمويهات ، وعولت يا ابن الفاعلة على دفع الحق بالمباهتات . قال له : وأي ~~شيء في يدك من الحق حتى أدفعه يا حامد ، تحمل إلى السلطان ms076 مائتين وأربعين ~~ألف دينار في كل سنة من واسط ، وتدعي أن الخاقاني الأبله المتخلف ضمنك ثمن ~~الحاصل من زرع لم يزعر . ثم تعترف بأنك تغل ضمان هذه الناحية سبعمائة ألف ~~دينار ، وتشنع بذلك ، أوليس هذا الفعل شاهد عقلك وصناعتك ومقدارك في دينك ~~وأمانتك ؟ وقد رضينا بهذا الشيخ يعني علي ابن عيسى في كشف أمرك وتأمل ما ~~عليك ، فإن شغل السلطان باستيفاء ما يلزمك مما دخلت في الوزارة لتدفعه عن ~~نفسك لما اردت استخراجه منك أعود عليه وأنفع له . فشتمه حامد شتما مسرفا ، ~~وأمر أن تنتف لحيته ، فلم يقدم عليه أحد حتى مد حامد يده إلى لحيته وكان ~~جالسا بالقرب منه فأخذ منها خصلة ، وصاح ابن الفرات : أوه . وضرب أبو زنبور ~~يده إلى الدواة وكتب بأنه يضمن استخراج مائة ألف دينار من ابن الفرات في ~~مدة ثلاثين يوما إذا سلم إليه بعد ما أداه إلى هذا الوقت . فقال له ابن ~~الفرات : يكون عليك ألف ألف وثلاثمائة ألف دينار بالمواقفة لك في هذا ~~المجلس ، ثم تدفعها بأن تضمنني PageV01P074 بأقل من نصفها ؟ إن ذلك من أطرف ~~الأمور ، وأعجب السياسة ! فقال حامد : وأنا أضمنك بسبعمائة ألف دينار عاجلة ~~في عشرة أيام ، إذا سلمت إلي وكتب حامد وأبو زنبور خطهما بما بذلا فيه . ~~واستدعى حامد مرشدا الخادم ، وسلم إليخ الخطين ، وأمره بعرضهما على المقتدر ~~بالله ، فدخل وعاد وقال : أمير المؤمنين يقول : أنا أعلم أن عليه وعنده من ~~الأموال أكثر مما قلتماه وضمنتماه . وأنا أدري كيف أستخرجها منه ، وأقابله ~~على تقاعده بي . ومكايدته إياي ، فأما أن أضمنه وأسلمه فلا حاجة بي إلى ذلك ~~. ثم أقيم من المجلس إلى محبسه ، فما وقعت للجماعة عين عليه بعد ذلك . قال ~~أبو الحسين بن هشام : فلما ولي أبو الحسن بن الفرات الوزارة الثالثة حكي ~~هذا المجلس على هذه السياقة ، وزاد فيها أن علي بن عيسى قال له : ما اتقيت ~~الله في تقليدك ديوان جيش المسلمين رجلا نصرانيا ، وجعلت أنصار الدين وحماة ~~البيضة يقبلون يده ويمتثلون أمره . فقلت له : ما هذا ms077 شيء ابتدأته ولا ~~ابتدعته ، وقد كان الناصر لدين الله قلد الجيش إسرائيل النصراني كاتبه . ~~وقلد المعتضد مالك بن الوليد النصراني كاتب بدر ذلك . فقال علي بن عيسى : ~~ما فعلا صوابا . فقلت : حسبي الأسوة بهما وإن أخطأ على زعمك . ولعمري إنك ~~لا ترى أمانتهما ، ولا تعتقد طاعتهما ، فلذلك لا تقتدي بآرائهما ، ولا ~~ترتضي بأفعالهما ، ومع هذا فما وجدت لي روحين إذا مضى أحدهما بقي الآخر . ~~قال : ما أردت بهذا القول ؟ قلت : وجدت العباس بن الحسن قد قلد محمد بن ~~داود بن الجراح ديوان الجيش ، فطمع في الوزارة ، وسعى على العباس حتى قتله ~~، وخلع أمير المؤمنين أعزه الله وأجلس عبد الله بن المعتز . فخفت أن يتم ~~علي وعلى الدولة ما تم منه . قتال : ثم صحت ، وأنا أعلم أن الخليفة يسمع : ~~يا أمير المؤمنين ، قد اجتمع هؤلاء يريدون قتلي خوفا من علمي بمساوئهم ، ~~وما في ذممهم من الأموال التي تلزمهم ، كما اجتمع الكتاب في أيام المتوكل ~~جدك في نجاح بن سلمة حتى قتلوه ، ولي عليك حق حرمة وخدمة ، فاحرس نفسي . ~~وبارك الله لك في مالي . قال : فما استوفيت القول حتى خرج الخدم وحملوني ~~إلى موضعي ، ولم أجتمع مع واحد منهم حتى جلست هذا المجلس . PageV01P075 ~~وحكى أبو الحسن ثابت بن سنان أن أبا زنبور لم يقم من مجلسه الذي ناظر ابن ~~الفرات فيه حتى قال له : إن أقررت على نفسك مصادرة التزمت عنك خمسين ألف ~~دينار . فلما خرج قال له علي بن عيسى ونصر الحاجب وابن الحواري : دخلت إلى ~~الرجل لتناظره وخرجت من عنده وقد بذلت مرفقا مصانعة . فقال : نعم ، ~~أدخلتموني إلى رجل قال لي بعضكم لما دخلت إليه : أنظر لمن تخاطب وقال آخر : ~~أنظر بين يديك وقال آخر الله الله في نفسك . فلم أجد أقرب إلى الصواب مما ~~فعلته . قال : فلما تقلد ابن الفرات الثالثة قبض على ولد لأبي زنبور وأخذ ~~خطه بخمسة وعشرين ألف دينار كانت واجبة عليه للسلطان ، وأخر مطالبته بها ~~إلى أن وافى أبوه من الشام ، ثم قال له وعدتني ms078 في المجلس الذي ناظرتني فيه ~~بحمل خمسين ألف دينار ، وقد كنت مالك أمرك في أن تفعل أو لا تفعل ، وهذا خط ~~ابنك بخمسة وعشرين ألف دينار واجبة عليه لا حجة له ولا لك في دفعها عنه وقد ~~رددته إليك مكافأة عما عملت وبذلت . ووجدت في هذه الحكاية من الزيادة أن ~~حامدا قد كان أحضر أبا علي ابن مقلة معه لمواقفة ابن الفرات على استخرجه من ~~ودائعه في وزارته الثانية ، فلما طلبه وجده قد انصرف ، ورساله بالعود فقال ~~: أنا أكتب خطي . وأشهد على نفسي بجميع ما تريده مني ، فأما أن أواجه ابن ~~الفرات به فما لي وجه يثبت على ذلك . فكان هذا الفعل سبب سوء رأيه فيه . ~~وحدث أبو الحسين بن هشام . قال : سمعت أبا الحسن أحمد بن محمد ابن عبد ~~الحميد كاتب السيدة يحدث أبي في يوم عيد الأضحى من سنة ست وثلاثمائة قال : ~~لما صح عند أبي الحسن بن الفرات فساد أومره عند المقتدر بالله ، وتمام ~~التدبير عليه في صرفه وتقليد حامد استدعاني وخلا بي وقال : أنت عارف بخدمة ~~هذه المرأة وما فيه صلاح رأيها ، وأريد أن تلطف في استمالتها واستعطافها ~~حتى تبطل ما دبره أعدائي علي وأشر علي بما أفعله في أمري . فقلت له : قد ~~دبر عليك تدبير لا ينحل سريعا ، وجنيت على نفسك في هذه الدفعة ثلاث جنايات ~~لا يمكن تلافي الخطأ فيها . فقال : وما هي ؟ قلت : أولها أن صرفت أصحاب ~~الدواوين والعمال والمنفقين وأصحاب البرد والخرائط وأكثر القضاة وبعض ~~المعاون . وقلدت أصحابك وذوي عناياتك ، فصاروا أعداءك وسعاة عليك ، وقال ~~الناس ، إنك قلدت للعناية لا للكفاية ، وحتى قال الخليفة : ما كان في هؤلاء ~~المتصرفين من يصلح للإقرار على عمله . وثانيها : أنك أخذت توقيع الخليفة ~~برد أملاكك وضياعك عليك ، وقد تفرق أكثرها في أهل الدار والقواد والخواص ~~فانتزعت ذلك من أيديهم ولم تعوضهم عنه . وقد أنفق أكثرهم النفقات العظيمة ~~عليه ، وانضاف هؤلاء إلى أولئك وصارت كلمتهم واحدة في السعي عليك . ~~PageV01P076 وثالثتها : أن حلفت للخليفة وأنت في حبسه قبل ms079 أن تقلدت من ~~وزارته ما تقلدته أنه لم يبق لك وديعة ولا ذخيرة إلا وقد صدقته عنها ، ثم ~~قعدت في ولايتك تطالب بالودائع ظاهرا ، وتستخرجها شائعا ، فكيف يمكن إصلاح ~~فساد هذه أسبابه ؟ ولكنني أشير عليك برأي إن قبلته أحمدته . قال : وما هو ؟ ~~قلت تقسط على نفسك وكتابك وعمالك مالا يقارب النصف من أحوالهم وتحمله إلى ~~الخليفة فترضيه به ، وأعقد لك مع السيدة عقدا يقوم بأمرك معه ، وأحلفها ~~عليه يمينا تسكن النفس إلى مثلها . وأنت وهم قادرون على الاعتياض فيما ~~تعطونه على مهل . فقال : أما هذا الرأي فقد أشار به علي جماعة من أسبابي ، ~~منهم موسى بن خلف وابن فرجويه ، وأبو الخطاب ، وهشام قال أبو الحسين : ~~وإنما حدث ابن عبد الحميد أبي بهذا الحديث لتعلقه بذكره فخطأت جميعهم فيه ، ~~وقد كنت عندي بعيدا من الخطأ ، وقد شاركتهم فيه الآن . فقلت : وكيف ؟ قال : ~~ما بذل قط وزير ولا كاتب ولا عامل بذلا على وجه المصادرة في ولايته إلا كان ~~من أكبر دواعي الطمع . وأكثر أسباب الحجة عليه ، لأن أعداءه يقولون قد بان ~~الآن كثرة ماله وحاله بما بذله عفوا من نفسه ووراء ذلك أضعافه . ويكون هذا ~~القول مسموعا مقبولا ، ويتم ما يتم وإن يدافع يوما ومدة وقد مضى المال ~~ضائعا . ومع هذا فأي شيء أقبح بي مع علو همتي وكثرة نعمتي من أن أنشئ ~~أصحابا وعمالا يلون بولايتي وينكبون بنكبتي ويتصرفون بتصرفي ويتعطلون ~~بعطلتي ثم أزيل نعمهم وأحوالهم بيدي وفي أيامي ؟ القتل والله أهون من ذلك . ~~فعجبت من كبر نفسه وعظم كرمه ، وانصرفت ، فقبض عليه بعد أيام . وحدث أبو ~~الحسين قال . دخلت مع هشام والدي إلى أبي جعفر أحمد بن إسحاق ابن البهلول ~~القاضي عقيب عيد لأهنئه به ، فتطاولا الحديث ، وقال له والدي في عرضه : قد ~~كنت أكاتب الوزير يعني ابن الفرات في محبسه وأعرفه ما عليه القاضي من ~~موالاته ومشاركته والتألم من محنته ، ومواصلة الدعاء بتفريجها عنه ، وهو ~~الآن على شكر للقاضي واعتداد به . فلما سمع ذلك صرف من كان في ms080 مجلسه وخلوا ~~. وقال له القاضي : ليس يخفى علي ما أراه في عين الوزير ونظره من التغير ~~والتنكر ، وإن كان ما نقضي من منزلة ولا عمل ، وبالله أحلف لقد لقيت حامد ~~بن العباس متلقيا بالمدائن لما أصعد للوزارة ، فقام إلي في حراقته قياما ~~تاما ، وأقبل علي وسألني عن خبري وقال : هذا أمر لك ولولدك ، وستعرف ما ~~أفعله في زيادتك من العمال والأرزاق ، ثم لقيته يوم خلع عليه فتطاول لي ، ~~فلما فعلت في أمر الوزير بحضرة أمير المؤمنين ما فعلته عاداني ولم يعرني ~~طرفه من بعد ، وتخوفته حتى PageV01P077 كفاني الله أمره بتفرد علي بن عيسى ~~بالعمل ، وتشاغله هو بالضمان وسقوط الحاجة إلى لقائه ، ومالي إلى الوزير ~~ذنب يوجب انقباضه عني ، واستيحاشه مني إلا أنني سلمت الوديعة التي كانت له ~~عندي ، والله لقد دافعت عنها بغاية ما أمكنتني المدافعة به ، مع ما اتي ~~بحيث لا يمكن مثلي الكذب فيما يسأل عنه ، حتى جاء ابن حماد كاتب موسى بن ~~خلف وأقر بها علي ، وأقام الدليل بإحضار المرأة التي كانت حملتها إلي ، فلم ~~أستطع مع هذه الحال إنكارها ، ولم أجد بدا من تسليمها . وقد فعل أبو عمر ~~مثل ذلك فيما كان عنده ، غير أنه أخذ مالا من ماله ووضعه في أكياس وختمه ~~بخاتم نفسه وكتب عليه علي بن محمد . فلما عاد الوزير قال له : إن الوديعة ~~بعينها عندي ، وإنما غرمت ما غرمته من مالي ، تقربا إليه وتنفقا عنده ومالي ~~من المال ما لأبي عمر ، ولا عندي من الاستحلال مثل ما عنده ، ولا جرت عادتي ~~أن أقدح في أمانتي ومروءتي بمثل فعله . والآن فأريد أن تستل سخيمة الوزير ~~وتصلح قلبه ، وتذكره بحقي القديم عليه ، ومقامي له بين يدي الخليفة المقام ~~الذي قمته ، فإن مثله يرعى ويراعى . فقال له : ما الذي أفعل وأتلطف ؛ وقد ~~اختلفت الأقوال فيما جرى ذلك اليوم ، فإن رأى القاضي أن يشرحه لي . فقال ~~أبو جعفر كنت أنا وأبو عمر وحامد وعلي ابن عيسى بحضرة الخليفة ، وفي المجلس ~~جماعة من خواصه الذين يعادون الوزير ms081 أيده الله وينحروه عنه ، إذ أحضر حامد ~~الرجل الجندي الذي زعم أنه وجده راجعا من أردبيل إلى قزوين ، ومترددا ~~بينهما وبين أصبهان والبصرة ، وأنه أقر له عفوا أنه رسول ابن الفرات إلى ~~ابن أبي الساج في عقد الإمامة لرجل من الطالبيين المقيمين بطبرستان ، وأن ~~الشروع واقع من الجماعة في أخذ البيعة له ، ومسير ابن أبي الساج إلى بغداد ~~به ، حتى إذا قرب عاونه ابن الفرات ومهد له من أمر الحضرة ما يجب تمهيده . ~~وقال حامد للرجل : اصدق عما عندك . فذكر مثل ما ذكره حامد عنه ، ووصف أن ~~موسى بن خلف اختاره لابن الفرات لأنه من الدعاة إلى الطالبيين ، وأن موسى ~~قد كان مضى في وقت من الأوقات إلى ابن أبي الساج في شيء من ذلك . فلما ~~استتم الرجل قوله اغتاظ الخليفة غيظا شديدا بان في وجهه ، واقبل على أبي ~~عمر فقال : ما عندك فيمن فعل هذا واستجازه ؟ فقال : لئن كان فعله لقد ركب ~~عظيما ، وأقدم على أمر يضر بالمسلمين جميعا ، واستحق كذا بكلمة عظيمة لا ~~أحفظها . قال أبو جعفر : وتبينت في وجه علي بن عيسى كراهية لما يجري ~~وإنكارا لهذه الدعوى وهزؤا بما PageV01P078 قيل فيها ، فقويت بذاك نفسي ، ~~وعطف الخليفة إلي فقال : ما عندك يا أحمد فيمن فعل ما سمعته ؟ قلت : إن رأى ~~أمير المؤمنين أن يعفيني عن الجواب . قال : ولم ؟ قلت : لأنه ربما أغضب من ~~أنا محتاج إلى رضاه ، وخالف رأيه وهواه ، واستضررت بذلك ضررا أتأذى به . ~~قال : لا بد من أن تقول . فقلت : الجواب ما قال الله تعالى : ' يا أيها ~~الذين آمنوا إن جاءكم فاسق ينبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ~~ما فعلتم نادمين ' . ومثل هذا الأمر الكبير لا يقبل فيه خبر الواحد ، ~~والعقل يمنع من قبول مثله على ابن الفرات ، لأن من المحال أن يرضى ببياعة ~~ابن أبي الساج ، ولعله ما كان يؤهله لحجابته في أيام وزارته . ثم أقبلت على ~~الرجل فقلت له : صف لي أردبيل أعليها سور أم لا ؟ فلا شك في معرفتك بذلك ms082 مع ~~ما ذكرته من دخولك إياها . واذكر لي باب دار العمارة هل هو حديد أو ملبس أم ~~خشب ؟ فلجلج في كلامه . ما كنية ابن محمود كاتب ابن أبي الساج ؟ فلم يعرف ~~ذاك . وقلت : فأين الكتب التي معك ؟ قال : لما أحسست بوقوعي في أيديهم رميت ~~بها إشفاقا من أن يجدوها معي فأعاقب . فقلت : يا أمير المؤمنين هذا رجل ~~جاهل مكتسب أو مدسوس من عدو غير محصل . فقال علي بن عيسى : قد قلت ذاك ~~للوزير فما قبل مني ، وليس يخوف هذا فضلا عن أن ينزل به مكروه إلا وقد أقر ~~بالصورة . فأقبل الخليفة على نذير الحرمي وقال له : بحقي عليك إلا ضربته ~~مائة مقرعة أشد ضرب إلى أن يصدق وإنما عدل بهذا الأمر عن نصر الحاجب لما ~~كان يعرفه من عداوته لابن الفرات قال : فأخذ الرجل من حضرة الخليفة ليضرب ~~على بعد . فقال : لا ، لا ، ها هنا . فضرب بحيث يشاهده دون خمس مقارع . ~~فقال : غررت وضمنت لي ضمانات فكذبت ، ووالله ما رأيت أردبيل قط . وطلب أبو ~~معد نزار بن محمد الضبي صاحب الشرطة فكان قد انصرف . وقال الخليفة لعلي بن ~~عيسى : وقع إليه بأن يضربه مائة سوط ويثقله بالحديد ويطرحه في المطبق . ~~فوالله لقد رأيت حامدا وقد كاد يسقط انخزالا وانكسارا ووجلا وإشفاقا . ~~وخرجنا وجلسنا في دار نصر الحاجب وانصرف حامد ، وأخذ علي بن عيسى ينظر في ~~أمور كلم فيها ، وأخر أمر الرجل حتى قال له ابن عبدوس حاجبه : قد أنفذ بدبر ~~المضروب المتكذب . قال أبو جعفر : فقلت : هذا رجل قد جهل ، وغمني إذ كنت ~~سببا لما لحقه ، فإن أمكنك أن تسقط عنه المكروه المستأنف أو بعضه كان لك ~~فيه أجر . فقال : لعن الله هذا . وأي أجر في مثله ؟ ولكنني أقتصر به على ~~خمسين مقرعة وأعفيه من السياط . ثم وقع بذلك إلى نزار وانصرف . وقد صار ~~حامد من أشد الناس حنقا علي وعداوة لي . PageV01P079 وحدث أبو الحسين علي ~~بن هشام قال : لما وزر أبو الحسن بن الفرات وزارته الأولى وجد سليمان بن ms083 ~~الحسن يتقلد مجلس المقابلة في ديوان الخاصة من قبل علي بن عيسى ، وهو صاحب ~~الديوان إذ ذاك ، فقلده الديوان بأسره ، وأقام يتقلده سنتين . واتفق أن قام ~~في بعض العشيات يصلي المغرب ، فسقطت من كمه رقعة بخطه فيها سعاية بابن ~~الفرات وأسبابه ، وسعي لابن عبد الحميد كاتب السيدة في الوزارة ، فوقعت في ~~يد أحد الحواشي ، فحملها إلى ابن الفرات ، فلما وقف عليها قبض عليه من وقته ~~، وأنفذه في زورق مطبق إلى واسط ، فصودر هناك وضرب . ثم رفع صاحب البريد ~~إلى ابن الفرات في جملة رفوعه أن أم سليمان ماتت ببغداد ولم يحضرها ولدها ~~ولا شاهدته قبل موتها ، فاغتم بذلك وهزته الرعاية لأن كتب إليه بخطه كتابا ~~أقرأناه سليمان من بعده فحفظته وهو : ميزت أكرمك الله بين حقك وجرمك ، ~~فوجدت الحق يوفي على الجرم ، وذكرت من سالف خدمتك في المنازل التي فيها ~~ربيت ، وبين أهلها غذيت ، ما ثناني إليك ، وعطفني عليك ، وأعادني لك إلى ~~أفضل ما عهدت ، وأجمل ما ألفت ، فثق أكرمك الله بذلك واسكن إليه ، وعول في ~~صلاح ما اختل من أمرك عليه . واعلم أنني أراعي فيك حقوق أبيك التي تقوم ~~بتوكد السبب مقام اللحمة والنسب وتسهل ما عظم من جنايتك ، وتقلل ما كثر من ~~إساءتك ، ولن أدع مراعاتها والمحافظة عليها ، إن شاء الله ، وقد قلدتك ~~أعمال دستميان لسنة ثمان وتسعين ومائتين وبقايا ما قبلها ، وكتبت إلى أحمد ~~ابن حبش بحمل عشرة آلاف درهم إليك ، فتقلد هذه الأعمال وأظهر فيها أثرا ~~حميدا يبين عن كفايتك ، ويؤدي إلى ما احبه من زيادتك إن شاء الله . وحدث ~~القاضي أبو علي المحسن بن علي التنوخي قال : حدثني أبو الحسين علي ابن هشام ~~قال : كنت حاضرا مع أبي مجلس أبي الحسن بن الفرات في شهر ربيع الآخر سنة ~~خمس وثلاثمائة في وزارته الثانية فسمعته يتحدث ويقول : دخل إلي أبو الهيثم ~~العباس بن محمد بن ثوابة الأنباري في محبسي في دار المقتدر بالله وطالبني ~~بأن أكتب له خطي بثلاثة عشر ألف ألف دينار . فقلت : هذا مال ms084 ما جرى على يدي ~~للسلطان في طول أيام ولايتي فكيف أصادر على مثله ؛ قال : قد حلفت بالطلاق ~~على أنه لا بد أن تكتب بذلك . فكتبت له بثلاثة عشر ألف ألف ، ولم أذكر ~~درهما ولا دينارا . فقال اكتب دينارا لأبرأ من يميني PageV01P080 فكتبت ~~وضربت عليه وخرقت الرقعة ومضغتها وقلت : قد برت يمينك ولا سبيل بعد ذلك إلى ~~كتب شيء . فاجتهد ولم أفعل ، ثم عاد إلي من غد ومعه أم موسى القهرمانة ، ~~وجدد مطالبتي وأسرف في شتمي ، ورماني بالزنا ، فحلفت بالطلاق والعتاق وتمام ~~الأيمان الغموس أنني ما دخلت في محظور من هذا الجنس منذ نيف وثلاثين سنة ، ~~وسمته أن يحلف بمثل يميني على أن غلامه القائم على رأسه لم يأته في ليلته ~~تلك . فأنكرت أم موسى هذا القول ، وغطت وجهها حياء منه . فقال لها ابن ~~ثوابة : هذا رجل بطر بالأموال التي معه ، ومثله مثل المزين مع كسرى ، ~~والحجام مع الحجاج بن يوسف . فتستأمرين السادة في إنزال المكروه به حتى ~~يذعن بما يراد منه وكان قوله : السادة ، إشارة إلى المقتدر بالله والسيدة ~~والدته وخاطف ودستنويه أم ولد المعتضد بالله ، وهم إذ ذاك مستولون على ~~التدبير لصغر المقتدر بالله فقامت أم موسى وعادت وقالت لابن ثوابة : يقول ~~لك السادة : قد صدقت فيما قلت ويدك مطلقة فيه . قال ابن الفرات : وكنت في ~~دار لطيفة ، والحر شديد فتقدم بتنحية البواري عن سمائها حتى نزلت الشمس إلى ~~صحنها ، وإغلاق أبواب بيوتها ، فحصلت في الشمس من غير أن أجد مستظلا منها ، ~~ثم قيدني بقيد ثقيل ، وألبسني جبة صوف قد نقعت في ماء الأكارع ، وغلني بغل ~~، وأقفل باب الحجرة وانصرف ، فأشرفت على التلف . وعددت على نفسي ما عاملت ~~الناس به ، فوجدتني قد عملت كل شيء منه ، من مصادرة ونهب وقبض ضياع وحبس ~~وتقييد وتضييق وإلباس جباب الصوف ، وتسليم قوم إلى أعدائهم وتمكينهم من ~~مكروههم ، ولم أذكر أنني غللت أحدا ، فقلت : يا نفس هذه زيادة . ثم فكرت أن ~~النرسي كاتب الطائي ضمنني من عبيد الله بن سليمان ، فلم يسلمني إليه ms085 وسلمه ~~إلي فسلمته إلى الحسن المعلوف المستخرج ، وكان عسوفا ، وأمرته بتقييده ~~وتعذيبه ومطالبته بمال حددته له ، وألط ولم يود ، فتقدمت بغله ثم ندمت بعد ~~أن غل مقدار ساعتين . وأمرت بإنزال الغل عنه . وتجاوزت الساعتين وأنا مغلول ~~، فذكرت أمرا آخر ، وهو أنه لما قرب سبكرى مأسورا مع رسول صاحب خراسان كتبت ~~إلى بعض عمال المشرق بمطالبته بأمواله وذخائره . فكتب بإلطاطه وامتناعه ، ~~PageV01P081 فكتبت بأن يعل ، فوصل الكتاب الأول وغل ، وتلاه الثاني بعد ~~ساعتين فحل . فلما تجاوزت عني أربع ساعات سمعت صوت غلمان مجتازين في الممر ~~الذي فيه حجرتي ، فقال الخدم الموكلون : هذا بدر الحرمي وهو صنيعتك . ~~فاستغثت به وصحت : يا أبا الخير ، لي عليك حقوق ، وأنا في حال أتمنى معها ~~الموت ، فتخاطب السادة وتذكرهم حرمتي وخدمتي في تثبيت دولتهم لما قعد الناس ~~عن نصرتهم ، وافتتاحي البلدان المأخوذة ، واستيفائي الأموال المنكسرة ، وإن ~~لم يكن إلا مؤاخذتي بذنب ينقم علي فالسيف فإنه أروح . فرجع ودخل إليهم ~~وخاطبهم ورققهم ، وأمروا بحل الحديد كله عني ، وتغيير لباسي وأخذ شعري ، ~~وإدخالي الحمام وتسليمي إلى زيدان ، وراسلوني : بأنك لا ترى بعد ذلك بؤسا . ~~وأقمت عند زيدان مكرما إلى أن رددت إلى هذا المجلس . قال أبو الحسين : ثم ~~ضرب الدهر ضربه فدخلت إليه مع أبي في الوزارة الثالثة وقد غلب المحسن على ~~رأيه وأمره . فقال له أبي : قد أسرف أبو أحمد في مكاره الناس حتى أنه يضرب ~~من لو قال له : اكتب خطك بما يريده منه لكتب بغير ضرب . ثم يواقف المصادر ~~على الأداء في وقت بعينه ، فإن تأخر إيراد الروز به ، أعاد ضربه . ومع هذا ~~الفعل شناعة مع خلوه من فائدة . فقال له أبو الحسن : يا أبا القاسم ، لو لم ~~يفعل أبو أحمد ما يفعله بأعدائنا ومن أساء معاملتنا لما كان من أولاد ~~الأحرار ولكان نسل هوان . أنت تعلم أنني قد أحسنت إلى الناس دفعتين فما ~~شكروني ، وسعوا على دمي . ووالله لأسلكن بهم ضد تلك الطريقة . فلما خرجنا ~~من حضرته قال لي أبي : سمعت أعجب من هذا القول ms086 ؟ إذ كنا لم نسلم مع الإحسان ~~نسلم مع الإساءة ؟ فما مضى إلا أيام يسيرة حتى قبض عليه وجرى ما جرى في ~~أمره . قال القاضي أبو علي التنوخي قلت لأبي الحسين بن هشام : قد عرفنا خبر ~~المزين مع كسرى وهو أنه جلس ليصلح وجهه فقال له : أيها الملك ، زوجني بنتك ~~، فأمر بأن يقام ، فأقيم . وقيل له : ما قلت ؟ فقال : لم أقل شيئا . ففعل ~~به ذلك ثلاث دفعات . فقال الملك : لهذا المزين خطب ، وأحضر أهل الرأي ~~فأخبرهم بحاله . فقال جميعهم : ما أنطق هذا المزين إلا باعث بعثه من مال ~~وراء ظهره . فأنفذ إلى منزله فلم يوجد له شيء . فقال الملك : احفروا مكان ~~مقعده عند خدمته لي ، فحفر فوجد تحته كنز عظيم . فقال الملك : هذا الكنز ~~كان يخاطبني . PageV01P082 ثم قلت لأبي الحسين : فهل تعرف خبر الحجام مع ~~الحجاج ؟ قال : نعم . بلغنا أن الحجاج احتجم ذات يوم ، فلما ركب المحاجم ~~على رقبته قال له : أحب أيها الأمير أن تخبرني بخبرك مع ابن الأشعث ، وكيف ~~عصا عليك . فقال له : لهذا الحديث وقت آخر ، وإذا فرغت من شأنك حدثتك . ~~فأعاد مسألته وكررها ، والحجاج يدفعه ويعده ويحلف له على الوفاء له . فلما ~~فرغ ونزع المحاجم عنه ، وغسل الدم ، أحضر الحجام وقال له : إنا وعدناك بأن ~~نحدثك حديث ابن الأشعث معنا ، وحلفنا لك ، ونحن محدثوك : يا غلام ، السياط ~~. فأتي بها ، فأمر الحجاج فجرد وعلته السياط ، واقبل الحجاج يقص عليه قصة ~~ابن الأشعث بأطول حديث . فلما فرغ استوفى الحجام خمسمائة سوط ، فكاد يتلف . ~~ثم رفع الضرب وقال له : قد وفينا لك بالوعد ، وأي وقت أحببت أن تسأل خبرنا ~~مع غير ابن الأشعث على هذا الشرط أجبناك . الطريقة . فلما خرجنا من حضرته ~~قال لي أبي : سمعت أعجب من هذا القول ؟ إذ كنا لم نسلم مع الإحسان نسلم مع ~~الإساءة ؟ فما مضى إلا أيام يسيرة حتى قبض عليه وجرى ما جرى في أمره . قال ~~القاضي أبو علي التنوخي قلت لأبي الحسين بن هشام : قد عرفنا خبر المزين مع ~~كسرى وهو أنه ms087 جلس ليصلح وجهه فقال له : أيها الملك ، زوجني بنتك ، فأمر بأن ~~يقام ، فأقيم . وقيل له : ما قلت ؟ فقال : لم أقل شيئا . ففعل به ذلك ثلاث ~~دفعات . فقال الملك : لهذا المزين خطب ، وأحضر أهل الرأي فأخبرهم بحاله . ~~فقال جميعهم : ما أنطق هذا المزين إلا باعث بعثه من مال وراء ظهره . فأنفذ ~~إلى منزله فلم يوجد له شيء . فقال الملك : احفروا مكان مقعده عند خدمته لي ~~، فحفر فوجد تحته كنز عظيم . فقال الملك : هذا الكنز كان يخاطبني . ثم قلت ~~لأبي الحسين : فهل تعرف خبر الحجام مع الحجاج ؟ قال : نعم . بلغنا أن ~~الحجاج احتجم ذات يوم ، فلما ركب المحاجم على رقبته قال له : أحب أيها ~~الأمير أن تخبرني بخبرك مع ابن الأشعث ، وكيف عصا عليك . فقال له : لهذا ~~الحديث وقت آخر ، وإذا فرغت من شأنك حدثتك . فأعاد مسألته وكررها ، والحجاج ~~يدفعه ويعده ويحلف له على الوفاء له . فلما فرغ ونزع المحاجم عنه ، وغسل ~~الدم ، أحضر الحجام وقال له : إنا وعدناك بأن نحدثك حديث ابن الأشعث معنا ، ~~وحلفنا لك ، ونحن محدثوك : يا غلام ، السياط . فأتي بها ، فأمر الحجاج فجرد ~~وعلته السياط ، واقبل الحجاج يقص عليه قصة ابن الأشعث بأطول حديث . فلما ~~فرغ استوفى الحجام خمسمائة سوط ، فكاد يتلف . ثم رفع الضرب وقال له : قد ~~وفينا لك بالوعد ، وأي وقت أحببت أن تسأل خبرنا مع غير ابن الأشعث على هذا ~~الشرط أجبناك . وحدث القاضي أبو علي التنوخي قال : حدثني أبو الحسين بن ~~هشام قال : حدثني أبو علي بن مقلة قبل وزارته قال : عزم أبو الحسن بن ~~الفرات في وزارته الأولى يوما على الصبوح من غد ، وكان يوم الأحد من رسمه ~~أن يجلس للمظالم فيه . ثم قال له : كيف نتشاغل نحن بالسرور ، ونصرف عن ~~بابنا قوما كثيرين قد قصدوا من نواح بعيدة وأقطار شاسعة مستصرخين متظلمين ؟ ~~فهذا من أمير ، وهذا من عامل ، وهذا من قاض ، وهذا من متعزز ، ويمضون ~~مغمومين داعين علينا . والله ما أطيب نفسا بذلك ، ولكن أرى أن تجلس أنت يا ~~أبا علي ساعة ms088 ومعك أحمد بن عبيد الله بن رشيد صاحب ديوان المظالم وتستدعيا ~~القصص وتوقعا منها فيما يجوز توقيعكما فيه ، وتفردا ما لا بد من وقوفي عليه ~~، وتحضرانيه لأوقع فيه ، وينصرف أرباب الظلامات مسرورين ، وأتهنأ يومي بذلك ~~. فقلت : السمع والطاعة . وبكرت من غد فقال لي : اخرج واجلس على ما واقفتك ~~عليه . فخرجت ومعي ابن رشيد ، وجلسنا ووقعنا في جمهور ما رفع إلا عشر رقاع ~~كانت مما يحتاج إلى وقوفه عليها توقيعه بخطه فيها ، وكان منها رقعة كبيرة ~~ضخمة ترجمتها : المتظلمون من أهل روذمستان وهرمزجرد وهما ناحيتان من السيب ~~الأسفل وجنبلاء ، وكانتا إذ ذاك في إقطاع السيد . PageV01P083 وقدرت أنها ~~في ظلامة من وكيلها في تغيير رسم ونقص طسق . فجعلتها فيما أوردته ، وعدت ~~إلى أبي الحسن فعرفته ما جرى . فأخذ الرقاع ولم يزل يوقع فيها إلى أن انتهى ~~إلى هذه الرقعة ، فقرأها ووجهه يربد ويصفر ، وينتقل من لون إلى لون ، فضاق ~~صدري وندمت على ترك قراءتها وقلت : لعل فيها أمرا يتهمني فيه ، وأخذت ألوم ~~نفسي على تفريطي فيما فرطت فيه . وفرغ منها ، فكتمني ما وقف عليه فيها وقال ~~: هاتوا أهل روذمستان وهرمزجرد . فصاح الحجاب دفعات ، فلم يجب أحد ، وقام ~~وهو مهموم منكسر ، ولم يذاكرنا بأمر أكل ولا شرب ودخل بعض الحجر ، وتأخر ~~أكله ، وزاد شغل قلبي ، وقلت لخليفة لساكن صاحب الدواة ، وكان أميا : أريد ~~رقعة لابن بسام الشاعر ، عليها خرج لأقف عليه ، ولم أزل أخدعه حتى مكنني من ~~تفتيش ما هو مع الدواة ، ولو كان ساكن حاضرا لما تم لي ذلك . وأخذت الرقعة ~~فإذا هي رقعة بعض أعداء ابن الفرات ، وقد قطعه فيها بالثلب والطعن وتعديد ~~المساوئ والقبائح ، وهدده بالسعاية ، وقال فيما قاله : قد قسمت الملك بين ~~نفسك وأولادك وأهلك وأقاربك وكتابك وحواشيك ، واطرحت جميع الناس ، وأقللت ~~الفكر في عواقب هذه الأفعال ، وما ترضى لمن تنقم عليه ما تنقمه بالإبعاد ~~وتشتيت الشمل حتى تودعهم الحبوس وتفعل وتصنع . وختمها بأبيات هي : لو كان ~~ما أنتم فيه يدوم لكم . . . ظننت ما أنا فيه دائما أبدا لكن ms089 رأيت الليالي ~~غير تاركة . . . ما ساء من حادث أو سر مطردا وقد سكنت إلى أني وأنكم . . . ~~سنستجد خلاف الحالتين غدا قال وبطل صبوح أبي الحسن ، ودعانا وقت الظهر ~~فأكلنا معه على الرسم ، ولم أزل أبسطه وأقول أقوالا تسكنه ، إلى أن شرب بعد ~~انتباهه من نومه غبوقا ، ومضى على هذا اليوم أربعة أشهر وقبض عليه ، ~~واستترت عند الحسين بن عبد الأعلى . فلما خلع على أبي علي محمد بن عبيد ~~الله بن خاقان جلسنا نتحدث ونتذاكر أمر ابن الفرات . فقال لي ابن عبد ~~الأعلى : كنت جالسا في سوق السلاح أنتظر جواز الخاقاني بالخلع لأقوم إليه ~~وأهنئه ، فاتفق معي رجل شاب حسن الهيئة ، جميل البزة ، وحدثني أنه صاحب ~~لأبي الحسين محمد بن أحمد بن أبي البغل ، وأنه أنفذه من أصبهان قاصدا حتى ~~دس إلى ابن الفرات رقعة على لسان بعض المتظلمين ، فيها كل طعن وثلب ودعاء ~~وسب وتوعد وتهدد وفي آخرها شعر . فقلت PageV01P084 له : على رسلك هذه ~~الرقعة على يدي جرت ووصلت إلى ابن الفرات ، وخرج الحديث متقابلا . وحدث ~~القاضي أبو علي قال : حدثني أبو الحسين بن هشام قال : سمعت أبي يقول لأبي ~~علي بن مقلة في أول وزارته الأولى وقد جلس مجلسا نقض فيه الأعمال وبان منه ~~فضل كفاية واستقلال : العمل في يد الوزير أيده الله ذليل . فقال : على هذه ~~الحال نشأنا يا أبا القاسم ، وأخذناها عمن كانت الدنيا والمملكة يطرحان ~~الأثقال عليه فنهض بها يعني أبا الحسن بن الفرات ثم قال أبو علي : لقد ~~رأيته جالسا في الديوان للمظالم ، والوزير إذ ذاك القاسم بن عبيد الله ، ~~فتظلم إليه رجل من رسم ثقله عليه الطائي وغير به رسما له قديما خفيفا ، ~~ويسأل رده إلى ما كان عليه أولا . وهو يقول : قد سمتني أن أبطل رسما قرره ~~أبو جعفر الطائي رحمه الله في محله من العدل والثقة والبصيرة بأسباب ~~العمارة ، وقد درت عليه الأموال ، وصلحت الأحوال ، وأحمده لجمهور ، ~~واستقامت عليه الأمور . وهذا سوم إعنات . ويكتب بحمله على ما رسمه أبو جعفر ~~. ثم رأيت ms090 مرة ثانية متظلما آخر من رسم ثقيل حففه الطائي لعلمه بأن الضيعة ~~لا تحتمل غيره ، وقد اعترض عليه فيه ويسأل إجراءه على رسم الطائي فيقول له ~~: يا بارك الله عليك ، ليس الطائي أبا بكر الصديق أو عمر بن الخطاب أو علي ~~بن أبي طالب الذين نقتفي آثارهم ونمضي أفعالهم . وإنما الطائي ضامن عمل ، ~~رأى ما رآه حظا لنفسه ، وما يلزم السلطان تقريره ، وأنت معنت في تظلمك . ~~ويكتب بأن يجرى على الرسم القديم الثقيل . ويخاطب كلا من الرجلين بلسان غير ~~اللسان الآخر شحا على الأموال وحفظا لها . وحكى القاضي أبو علي التنوخي قال ~~: اجتمعت مع أبي علي بن أبي عبد الله ابن الجصاص ، فرأيت شيخا حسن المحاضرة ~~، وحدثني قال : حدثني أبي قال : لما ولي أبو الحسن بن الفرات إحدى وزاراته ~~قصدني قصدا قبيحا ، وأطلق لسانه في ثالبا متنقصا ، ورسم للعمال حط ضياعي ~~ونقص معاملاتي ، وأدام الغص مني والكسر بجاهي ، ووسطت بيني وبينه جماعة من ~~الناس ، وبذلت له بذلا في مثله ما صلحت القلوب ، فأقام على أمره ، وأقمت ~~على احتماله ، إلى أن زاد الأمر ، وسمعت حاجبه يقول وقد وليت عنه : أي بيت ~~مال يمشي على وجه الأرض ؟ أي ألفي ألف دينار مالها من يأخذها ؟ فعلمت أن ~~القول قول صاحبه ، وأنني منكوب على يده . وكان عندي في الوقت ما قدرته ~~وقيمته سبعة آلاف دينار مالا وجوهرا سوى باقي المملوكات ، فضاقت علي الدنيا ~~، وأشفقت إشفاقا شديدا ، PageV01P085 وسهرت أكثر ليلي مفكرا في تدبير أمري ~~. ثم عن لي الرأي آخر الليل إلى أن ركبت إلى ابن الفرات ، فوجدت بابه مغلقا ~~لم يفتح بعد فدققته . فقال البوابون : من الطارق ؟ فقلت : ابن الجصاص . ~~فقالوا : الوزير نائم وما هذا وقت وصول . فقلت : عرفوا الحجاب أنني حضرت في ~~مهم ، فعرفوهم . فخرج إلي أحدهم وقال : الساعة تنبه ، تجلس ساعة وتدخل . ~~قلت : الأمر أهم من ذلك . فدخل وعرفه ما قلته له . وخرج بعد ساعة وأدخلني ~~من دار إلى أخرى حتى وصلت إلى مرقده ، وهو على سريره ، وحواليه خمسون فراشا ~~كأنهم حفظة ، ووجدته ms091 مرتاعا من قولي ، وقد ظن حدوث حادثة ، وأنني جئته ~~برسالة الخليفة . فلما رآني وقال لي : ما جاء بك في هذا الوقت ؟ قلت : خير ~~، وما حدثت حادثة ، ولا معي رسالة ، وإنما حضرت في أمر يخص الوزير ويخصني ، ~~ولم يجز إيراده إلا على خلوة تامة . فسكن ثم قال لمن كان حواليه : انصرفوا ~~. فمضوا وقال : هات . قلت : قصدتني أيها الوزير أعظم قصد ، وشرعت في هلاكي ~~وزوال نعمتي من كل وجه ، وليس من المهجة والنعمة عوض . ولعمري إنني قد أسأت ~~في خدمتك ، وحرمت التوفيق في معاملتك ، إلا أن في بعض هذه المقابلة بلاغا ~~وكفاية ، وما تركت بابا في صلاح قلبك إلا طرقته ، ولا أمرا في استعطاف رأيك ~~إلا قصدته ، ووسطت بيني وبينك فلانا وفلانا ، وبذل لك كذا وكذا ، وأنت مقيم ~~على أمرك في أذيتي ، وما حيوان أضعف من السنور ، وإذا عاثت في دكان بقال ثم ~~ملكها ولزمها ولزها إلى زواية ليخنقها وثبت عليه ، وخدشت وجهه ، وخرقت ~~ثيابه ، وطلبت الخلاص بكل ما تقدر عليه ، وقد وجدت نفسي معك في هذه المنزلة ~~، ورأيتها كالسنور التي هي على هذه الصورة . فإن صلحت لي ، وفعلت ما تقتضيه ~~الفتوة والمروءة معي ، وإلا فعلي وعلي وحلفت له أيمانا مغلظة لأقصدن ~~الخليفة الساعة ، ولأحولن إليه ألفي ألف دينار عينا من خزانتي ، فلا يصبح ~~إلا وهي في يديه ، وأنت تعلم قدرتي عليها ، ولأقولن له : خذ المال ، ~~واستوزر فلانا ، وسلم ابن الفرات إليه . نعم ، ولا أذكر له إلا من يقبله ~~قلبه ، ويكون فيه نفاذ وحركة ولسان ومحرقة ، ما يتعدى هذه الصفة أحد كتابك ~~فيسلمك والله في الحال حرصا على المال ، ويراني المتقلد بمنزلة من أعطى ~~ماله في قضاء حقه وبلوغ غرضه ، فيخدمني ويتدبر بتدبيري ، ويتسلمك فينتهي في ~~مكروهك إلى حد يستخرج به المال منك ، ويرده علي ، وحالك تحتمله ، ولكنك ~~تفتقر بعده ، فأكون قد حرست نفسي ، وشفيت غيظي ، وأهلكت عدوي واسترجعت مالي ~~، وازددت محلا بصرف وزير وتقليد وزير . فلما استوفى قولي سقط في يديه وقال ~~: يا عدو الله ، أو تستحل ذلك مني ؟ قلت : لست ms092 عدو الله ، ولكني أستحل ~~السعي على من يريد هلاكي وإزالة نعمتي فقال : أو أي PageV01P086 شيء ؟ قلت ~~: تحلف لي الساعة بما أستحلفك به ، على أن تكون معي لا علي ، وأن تجريني ~~على رسومي ، وتحرس ضياعي ، وترفع مني ، وتعتقد الجميل في ولا تسعى لي في ~~سوء ، ولا تمكن مني أبدا ظاهرا أو باطنا ، وتفعل كل ما تؤمنني به . فقال : ~~وتحلف لي أيضا على إخلاص النية ، واعتقاد الطاعة ، واعتماد المؤازرة ~~والمظاهرة . فقلت : أفعل ، وعملنا نسخة يمين حلف وحلفت بها على الشرائط ~~المقدم ذكرها . وقال لي بعد ذلك : لعنك الله فما أنت إلا إبليس ، والله ~~لقدر سحرتني وعظمت مع ذلك في نفسي ، وخففت ثقلا عن قلبي ، ولعمري إن ~~المقتدر بالله لا يفرق بين موقعي وغنائي وكفايتي ، وبين أخس كتابي مع الطمع ~~الحاضر والمال المبذول ، فليكن ما جرى منطويا . فقلت : سبحان الله . فقال : ~~إذا كان من غد فادخل إلى مجلس العموم لترى ما أعاملك به . فقمت وقال : يا ~~غلمان ، بين يدي أبي عبد الله . فخرج بين يدي نحو مائتي غلام وعدت إلى داري ~~. ولما طلع الفجر جئته عند الإصباح ، وقد جلس في المجلس العام ، فرفعني على ~~كل من بحضرته ، وقرظني تقريظا كثيرا ، ووصفني وصفا جميلا ، حتى علم ~~الحاضرون صلاح رأيه ، وأمر بإنشاء الكتب إلى عمال النواحي بصيانة ضياعي ، ~~وإعزاز وكلائي ، وإمضاء رسومي ، ووقع إلى كتاب الدواوين بإبطال ما ثبت فيها ~~من الزيادة علي ، وقص معاملاتي ، فدعوت له وشكرته ، وقمت ، فقال : يا غلمان ~~، بين يديه . فخرج الحجاب يجرون سيوفهم ، والناس يشاهدونهم ، ورجع جاهي ~~واستقامت أموري . فما حدثت بذلك إلا بعد القبض عليه . قال القاضي أبو علي : ~~فقال لي أبو علي بن الجصاص عند استتمامه لهذا الحديث : فهل فعل أبي ما فعله ~~مما يليق بما يقال فيه ويحكى عنه ؟ قلت : لا . قال : فكانت له في تلك ~~المقالات والحماقات المروية إن كانت حقا أغراض غير معروفة . بن الفرات إليه ~~. نعم ، ولا أذكر له إلا من يقبله قلبه ، ويكون فيه نفاذ وحركة ولسان ~~ومحرقة ، ما يتعدى هذه الصفة أحد ms093 كتابك فيسلمك والله في الحال حرصا على ~~المال ، ويراني المتقلد بمنزلة من أعطى ماله في قضاء حقه وبلوغ غرضه ، ~~فيخدمني ويتدبر بتدبيري ، ويتسلمك فينتهي في مكروهك إلى حد يستخرج به المال ~~منك ، ويرده علي ، وحالك تحتمله ، ولكنك تفتقر بعده ، فأكون قد حرست نفسي ، ~~وشفيت غيظي ، وأهلكت عدوي واسترجعت مالي ، وازددت محلا بصرف وزير وتقليد ~~وزير . فلما استوفى قولي سقط في يديه وقال : يا عدو الله ، أو تستحل ذلك ~~مني ؟ قلت : لست عدو الله ، ولكني أستحل السعي على من يريد هلاكي وإزالة ~~نعمتي فقال : أو أي شيء ؟ قلت : تحلف لي الساعة بما أستحلفك به ، على أن ~~تكون معي لا علي ، وأن تجريني على رسومي ، وتحرس ضياعي ، وترفع مني ، ~~وتعتقد الجميل في ولا تسعى لي في سوء ، ولا تمكن مني أبدا ظاهرا أو باطنا ، ~~وتفعل كل ما تؤمنني به . فقال : وتحلف لي أيضا على إخلاص النية ، واعتقاد ~~الطاعة ، واعتماد المؤازرة والمظاهرة . فقلت : أفعل ، وعملنا نسخة يمين حلف ~~وحلفت بها على الشرائط المقدم ذكرها . وقال لي بعد ذلك : لعنك الله فما أنت ~~إلا إبليس ، والله لقدر سحرتني وعظمت مع ذلك في نفسي ، وخففت ثقلا عن قلبي ~~، ولعمري إن المقتدر بالله لا يفرق بين موقعي وغنائي وكفايتي ، وبين أخس ~~كتابي مع الطمع الحاضر والمال المبذول ، فليكن ما جرى منطويا . فقلت : ~~سبحان الله . فقال : إذا كان من غد فادخل إلى مجلس العموم لترى ما أعاملك ~~به . فقمت وقال : يا غلمان ، بين يدي أبي عبد الله . فخرج بين يدي نحو ~~مائتي غلام وعدت إلى داري . ولما طلع الفجر جئته عند الإصباح ، وقد جلس في ~~المجلس العام ، فرفعني على كل من بحضرته ، وقرظني تقريظا كثيرا ، ووصفني ~~وصفا جميلا ، حتى علم الحاضرون صلاح رأيه ، وأمر بإنشاء الكتب إلى عمال ~~النواحي بصيانة ضياعي ، وإعزاز وكلائي ، وإمضاء رسومي ، ووقع إلى كتاب ~~الدواوين بإبطال ما ثبت فيها من الزيادة علي ، وقص معاملاتي ، فدعوت له ~~وشكرته ، وقمت ، فقال : يا غلمان ، بين يديه . فخرج الحجاب يجرون سيوفهم ، ~~والناس يشاهدونهم ، ورجع جاهي واستقامت أموري ms094 . فما حدثت بذلك إلا بعد ~~القبض عليه . قال القاضي أبو علي : فقال لي أبو علي بن الجصاص عند استتمامه ~~لهذا الحديث : فهل فعل أبي ما فعله مما يليق بما يقال فيه ويحكى عنه ؟ قلت ~~: لا . قال : فكانت له في تلك المقالات والحماقات المروية إن كانت حقا ~~أغراض غير معروفة . وحدث أبو الحسين عبد الله بن أحمد بن عياش القاضي : أن ~~رجلا اتصلت عطلته ، وانقطعت مادته ، فحمل نفسه على أن زور كتابا من أبي ~~الحسن بن الفرات إلى أبي زنبور المادرائي عامل مصر في معناه متضمنا للوصاة ~~به ، والتأكيد في الإقبال عليه ، والإحسان إليه ، وخرج إليه فلقيه ، وارتاب ~~أبو زنبور بأمره لتغير الخطاب فيه عما يعهده ، وزيادة تأكيد على ما جرت به ~~العادة في مثله ، وأن الدعاء للرجل في الكتاب أكثر مما يقتضيه محله . ~~فراعاه مراعاة قريبة ، ووصله بصلة قليلة ، وارتبطه عنده على وعد وعده به ، ~~وكتب PageV01P087 إلى ابن الفرات يذكر الكتاب الوارد عليه ، وأنفذه بعينه ~~إليه ، واستثبته . وقرأ ابن الفرات الكتاب المزور فوجد فيه ذكر الرجل بأنه ~~من أهل الحرمات به ، والموات لديه ، وما يقال في ذلك ، ويتبعه مما يعود ~~بمعرفة حقه واعتماد نفعه . وعرضه على كتابه وأصحابه ، وعرفهم الصورة فيه ، ~~وتعجب منها وقال لهم : ما الرأي في أمر هذا الرجل ؟ فقال بعضهم : يؤدب ~~بالضرب والحبس . وقال آخرون : تقطع إبهامه لئلا يعاود مثل هذا التزوير . ~~وقال أحسنهم محضرا : تكشف لأبي زنبور قصته ويتقدم إليه بطرده وحرمانه مع ~~بعد شقته . فقال لهم ابن الفرات : ما أبعدكم من الخيرية : وأنفر طباعكم عن ~~الحرية . رجل توسل بنا ، وتحمل المشقة إلى مصر في تأميل الصلاح بجاهنا ، ~~واستمداد صنع الله ورزقه بالانتساب إلينا تكون ، أحسن أحواله عند أجملكم ~~محضرا تكذيب ظنه وتخييب سعيه ! والله لا كان هذا أبدا . ثم أخذ القلم ووقع ~~بخطه على ظهر الكتاب المزور : هذا كتابي ، ولست أعرف لم أنكرت أمره ~~واعترضتك شبهة فيه ؟ وليس كل من خدمنا وأوجب حقا علينا عرفته . وهذا رجل ~~تحرم بخدمتي ، أيام استتاري ونكبتي ، وما أعتقده فيه ms095 أكثر مما تضمنه الكتاب ~~من وصف ما عندي له . فأحسن تفقده ، ووفره رفده ، وصرفه فيما يعود عليه نفعه ~~، وتصل إليه فوائده . ورده إلى أبي زنبور من يومه . فلما مضت مدة طويلة دخل ~~على أبي الحسن بن الفرات رجل ذو هيئة وبزة جميلة ، وأقبل يدعو له ويثني ~~عليه ويبكي ويقبل الأرض بين يديه ، فقال ابن الفرات : من أنت بارك الله ~~عليك ؟ وكانت هذه كلمته . قال : صاحب الكتاب المزور إلى أبي زنبور الذي ~~صححه كرم الوزير وتفضله ، صنع الله به وصنع . فضحك ابن الفرات وقال له : كم ~~وصل إليك منه ؟ قال : أوصل إلي من ماله وتقسيط قسطه وعمل صرفني فيه عشرين ~~ألف دينار . فقال ابن الفرات : الحمد لله ، الزمنا فإنا نعرضك لما يزداد به ~~صلاح حالك . ثم اختبره وامتحنه فوجده كاتبا سديدا . فاستخدمه وأكسبه مالا ~~جزيلا . وحدث أبو علي التنوخي قال : حدثني أبو محمد الحسن بن محمد الصلحي ~~الكاتب قال : حدثني غير واحد من كتاب الحضرة أن أبا أحمد العباس بن الحسن ~~لما مات المكتفي بالله جمع كتابه وخواصه وخلا بهم وشاورهم فيمن يقلده ~~الخلافة . فأجمعوا وأشاروا على العباس بعبد الله بن المعتز إلا أبا الحسن ~~بن الفرات فإنه أمسك . فقال له العباس : لم أمسكت ولم تورد ما عندك ؟ فقال ~~: هو أيها الوزير موضع إمساك . قال : ولم ؟ قال : إنه وجب أن ينفرد الوزير ~~أعزه الله بكل واحد منا فيعرف رأيه وما عنده . ثم يجمع الآراء ويختار منها ~~بصائب فكره وثاقب نظره ما شاء . فأما أن يقول كل واحد رأيه بحضرة الباقين ~~PageV01P088 فربما كان عنده ما يسلك سبيل التقية في كتمانه وطيه . قال : ~~صدقت والله ، قم معي ، فأخذ يده ودخلا وتركا الباقين بمكانهم . فقال له ابن ~~الفرات : قررت رأيك على ابن المعتز ؟ قال : هو أكبر من يوجد . قال : وأي ~~شيء تعمل برجل فاضل متأدب قد تحنك وتدرب وعرف الأعمال ومعاملات السواد ~~وموقع الرعية في الأموال ، وخبر المكاييل والأوزان وأسعار المأكولات ~~والمستعملات ، ومجاري الأمور والمتصرفات ، وحاسب وكلاءه على ما تولوه ، ~~وضايقهم وناقشهم ، وعرف من ms096 خياناتهم واقتطاعاتهم أسباب الخيانة والاقتطاع ~~التي يدخل فيها غيرهم ، فكيف يتم لنا معه أمر إن حمل كبيرا على صغير ، وقاس ~~جليلا على دقيق ؟ ! هذا لو كان ما بيننا وبينه عامرا وكان صدره علينا من ~~الغيظ خاليا ، فكيف وأنت تعرف رأيه ؟ قال العباس : وأي شيء في نفسه علينا ؟ ~~قال : أنسيت أنه منذ ثلاثين سنة يكاتبك في حوائجه فلا تقضيها ، ويسألك في ~~معاملاته فلا تمضيها ، وعمالك يصفعون وكلاءه فلا تنكر ، ويتوسل في الوصول ~~إليك ليلا فلا تأذن ، وكم رقعة جاءتك بنظم ونثر فلم تعبأ بها ولا أجبته إلى ~~مراده فيها . وكم قد جاءني منه ما هذه سبيله فلم أراع فيه وصولا إلى ما ~~يريد إيصاله إليه . وهل كان له شغل عند مقامه في منزله وخلوته بنفسه إلا ~~معرفة أحوالنا والمسألة عن ضياعنا وارتفاعنا وحسدنا على نعمتنا ؟ هذا وهو ~~يعتقد أن الأمر كان له ولأبيه وجده ، وأنه مظلوم منذ قتل أبوه ، مهضوم ~~مقصود مضغوط ، فكيف يجوز أن نسلم إليه نفوسنا فنتحرس ، فضلا عن أموالنا ؟ ~~فقال العباس : صدقت والله يا أبا الحسن ، فمن يقلد وليس ها هنا أحد ؟ ! قال ~~: تقلد جعفر بن المعتضد ، فإنه صبي لا يدري أين هو ، وعامة سروره أن يصرف ~~من المكتب ، فكيف أن يجعل خليفة ويملك الأعمال والأموال وتدبير النواحي ~~والرجال ؟ ويكون الخليفة بالاسم وأنت هو على الحقيقة ، وإلى أن يكبر قد ~~انغرست محبتك في صدره ، وحصلت محصل المعتضد في نفسه . قال : فكيف يجوز أن ~~يبايع الناس صبيا أو يقيموه إماما ؟ فقال له : أما الجواز ، فمتى اعتقدت ~~أنت أو نحن إمامة البالغين من هؤلاء القوم ؟ ! وأما إجابة الناس ، فمتى فعل ~~السلطان شيئا فعورض فيه ، أو أراد أمرا فوقف ؟ وأكثر من ترى صنائع المعتضد ~~، وإذا أظهرت أنك اعتمدت في ذلك مراعاة حقه ، واقرار الأمر في ولده ، وفرقت ~~المال ، وأطلقت البيعة ، وقع الرضا ، وسقط الخلاف . وطريق ما تريده أن ~~تواقف بعض أكابر القواد وعقلاء الخدم على المضي إلى دار ابن طاهر وحمله إلى ~~دار الخلافة ، وأن تستر PageV01P089 الأمر إلى أن يتم التدبير ms097 ، وإن اعتاص ~~معتاص مد بالعطاء والإحسان . فقال العباس : هذا هو الرأي . واستدعى في ~~الحال مؤنسا مولى المعتضد ، وأورد عليه ما ذهب فيه إلى الجنس الذي أشار به ~~أبو الحسن في الوفاء للمعتضد ، ورعاية ما كان منه في اصطناع الجماعة ، ورسم ~~له قصد دار ابن طاهر ، وحمل جعفر إلى دار الخلافة والسلام عليه بها . ففعل ~~، وماج الجند ففرق فيهم مال البيعة ، ودخل عليهم من طريق الوفاء للمعتضد ~~وتم التدبير . فلما زال أمر العباس ، وكان من قتله ما كان ، وانتظمت الأمور ~~بعد قتل ابن المعتز ، وتقلد أبو الحسن الوزارة ، صارت ثمرة هذا الرأي له ، ~~وكان يقف بين يدي المقتدر بالله وهو صبي قاعد على السرير ، فيخاطب الناس ~~والجيش عنه . فإذا انصرفوا أمرت السيدة بأن يعدل بأبي الحسن إلى حجرة ، ~~فيجلس فيها ، ويخرج المقتدر فيقوم إليه فيقبل يده ورأسه ، ثم يقعد ويقعده ~~في حجره كما يفعل الناس بأولادهم . وتقول له السيدة من وراء الباب : هذا يا ~~أبا الحسن ولدك ، وأنت قلدته الخلافة أولا وثانيا . تعني ما تقدم من مشورته ~~على العباس به وبتقلده الخلافة ، ومن بعد إزالة فتنة ابن المعتز . فيقول ~~ابن الفرات : هذا مولاي وإمامي ورب نعمتي وابن مولاي وإمامي . وبقي على ذلك ~~مدة وزارته الأولى ، وتمكن أبو الحسن من الخزائن والأموال وفعل ما شاء ~~وأراد . ز . فيقول ابن الفرات : هذا مولاي وإمامي ورب نعمتي وابن مولاي ~~وإمامي . وبقي على ذلك مدة وزارته الأولى ، وتمكن أبو الحسن من الخزائن ~~والأموال وفعل ما شاء وأراد . قال أبو محمد الصلحي : قال لنا أبو علي بن ~~مقلة ، وقد جرى ذكر ابن الفرات : يا قيوم ، سمعتم بمن سرق عشر خطوات ~~سبعمائة ألف دينار ؟ قلنا : كيف ذلك ؟ قال : كنت بين يدي ابن الفرات في ~~وزارته الأولى ، ونحن في دار الخلافة نقرر أرزاق الجيش ، ونقيم وجوه مال ~~البيعة ، ونرتب إطلاقه ، وذلك عقيب فتنة ابن المعتز . فلما فرغ مما أراده ، ~~وخرج فركب طياره ، وبلغ نهر المعلي . فقال : إنا لله ، إنا لله ، قفوا . ~~فوقف الملاحون . فقال لي وقع إلى أبي ms098 خراسان صاحب بيت المال بحمل سبعمائة ~~ألف دينار تضاف إلى مال البيعة وتفرق على الرجال . فقلت في نفسي : أليس قد ~~وجهنا وجوه المال كله ؟ ما هذه الزيادة ؟ ووقعت بما رسمه ، وعلم فيه بخطه ، ~~ودفعه إلى غلام وقال : لا تبرح من بيت المال حتى تحمل هذا المال الساعة إلى ~~داري . ثم سار . قال : فحمل إليه بأسره ، وسلم إلى خازنه ، فعلمت أنه أنسي ~~أن يأخذ شيئا لنفسه في الوسط ، ثم ذكر أنه باب لا يتفق مثله سريعا ، ويحتمل ~~ما احتمله من هذا الاقتطاع الكثير ، فاستدرك من رأيه ما استدرك ، وتنبه من ~~فعله على ما تنبه . وحدث أبو محمد الصلحي قال . حدثنا جماعة من كتاب أبي ~~الحسن بن الفرات وخواصه قالوا : PageV01P090 عاد أبو الحسن من الموكب يوما ~~، فجلس بسواده مغموما يفكر فكرا طويلا . فشغل ما رأينا منه قلوبنا ، وظنناه ~~لحادث حدث ، فسألنا عن أمره ، ودافعنا ، وألححنا عليه ، فحاجزنا ، وقال : ~~ما ها هنا إلا خير وسلامة . فقام ابن جبير ، وكان من بيننا متهورا مدلا . ~~فقال : تأمر أيها الوزير بأمر ؟ قال : إلى أين ؟ قال : أستتر وأستر عيالي ، ~~وسبيل هؤلاء الذين بين يديك أن يفعلوا مثل فعلي . قال : ولم ؟ قال : تعود ~~من دار الخلافة وأنت من الغم الظاهر في وجهك على هذه الصورة ، ونسألك عن ~~أمرك فتكتمنا ، ولم تجر عادتك بذلك معنا ، هل وراء هذا إلا القبض والصرف ؟ ~~فقال له : اجلس يا أحمق حتى أحدثك السبب . فجلس . وقال : ويحكم ، قد علمتم ~~أنني أشكو إليكم نقصان هذا الرجل يعني المقتدر دائما وشدة تلومه واختلاف ~~رأيه ، وإنني أحب منذ مدة أن أزوره وأعرف قدر ذلك منه ، وهل هو في كل ~~الأمور أو في بعضها ، وفي صغارها أم في كبارها ؟ فقلت له اليوم في أمر رجل ~~كبير ولم يسمه ابن الفرات : يا أمير المؤمنين إن فلانا قد فسد علينا ، وليس ~~مثله من أخرج عن أيدينا . وقد رأيت أن أقلده كذا ، واقطعه وأسوغه كذا وأكثر ~~لتستخلصه بذلك ، وتستخلص نيته ، وتستديم طاعته ، ولم يجز أن أفعل أمرا إلا ~~بعد مطالعتك ، فما ms099 تأمر ؟ قال : افعل . ثم حدثته طويلا وخرجت من أمر إلى ~~آخر ، وقرب وقت انصرافي فقلت له : يا مولانا ، عاودت الفكر في أمر فلان ~~فوجدت ما نعطيه إياه مما استأذنت فيه كثيرا مؤثرا في بيت المال ، ولا نأمن ~~أن يطمع نظراؤه في مثل ذلك ، وإن أجبناهم عظمت الكلفة ، وإن منعناهم فسدوا ~~، وقد رأيت رأيا آخر في أمره . قال : ما هو ؟ قلت : أن نقبض عليه ونأخذ ~~نعمه ونخلده الحبس أبدا . قال : افعل . فقلت : واويلاه كذا والله تجري حالي ~~معه . يقال : إن ابن الفرات الكافي الناصح ، وهو وطأ لك الأمر ، وأقامك في ~~الخلافة وهو . . وهو . . . فيقول : نعم . ويقربني ويقدمني ، ثم يقف غدا بين ~~يديه رجل فيقول : قد سرق ابن الفرات الأموال ، ونهب الأعمال ، وفعل وصنع . ~~والوجه أن يقبض عليه ويصرف ويقيد ويحبس ، ويقلد وزير آخر . فيقول : نعم . ~~ويفعل ذلك بي . ثم يعاود ويقال له : لا يجوز أن يوحش ابن الفرات ويستبقى ، ~~ولا يؤمن أن يستفسد ويترك ، والصواب قتله ، فيقول : افعلوا . فأهلك . قال : ~~واستشعر هذا فكان على ما قدره . وقد توارت هذه الحكاية عن جماعة عنه . ومما ~~ذكر عن ابن الفرات أنه كان يقول : تمشية أمور السلطان على الخطأ خير من ~~وقوفها على الصواب . ويقول أيضا : إذا كانت لك حاجة إلى الوزير فاستطعت أن ~~تقضيها بخازن الديوان أو كاتب سره فافعل ، ولا تبلغ إليه فيها . ~~PageV01P091 وحدث أبو محمد الحسن بن محمد الصلحي قال : حدثني أبو علي بن ~~مقلة قال : كنت أكتب لأبي الحسن بن الفرات في التحرير أيام خلافته أبا ~~العباس أخاه على ديوان السواد بجاري عشرة دنانير في كل شهر ، ثم تقدمت حاله ~~فأرزقني ثلاثين دينارا في كل شهر ، فلما تقلد الوزارة جعل رزقي خمسمائة ~~دينار في الشهر ، ثم أمر بقبض ما في دور القوم الذين بايعوا ابن المعتز . ~~فحمل في الجملة صندوقان ، فسألك هل علمتم ما فيهما ؟ قالوا : نعم . جرائد ~~بأسماء من يعاديك ويدبر في زوال أمرك . فقال : لا يفتحان . ثم دعا بنار ، ~~دعاء كرره وصاح فيه ، وأحضرها الفراشون فأججت . وتقدم بطرحهما ms100 في النار على ~~ما هما فلما أحرقت أقبل على من كان حاضرا وقال : والله لو فتحتها وقرأت ما ~~فيها لفسدت نيات الناس كلهم علينا ، واستشعر الخوف منا ، ومع فعلنا ما ~~فعلناه طوينا الأمور بهذا ، فهدأت القلوب واطمأنت النفوس . ثم قال لي يقول ~~هذا أبو علي بن مقلة : قد آمن الله والخليفة أعزه الله كل من بايع ابن ~~المعتز ، فاكتب الأمانات للناس جميعا وجئني بها لأوقع فيها ، ولا ترد أحدا ~~عن أمان يطلبه ، فقد أفردتك لذلك ، لأنه باب مكسب كبير . وقال لمن حضر : ~~أشيعوا قولي وتحدثوا به بين الخاص والعام ليأنس المستوحش ، ويأمن المستتر . ~~قال أبو علي : فحصل لي في كتب الأمانات مائة ألف دينار أو نحوها . وحدث ~~محدث أن التزويرات كثرت على أبي الحسن علي بن عيسى عند صرفه وتقلد أبي ~~الحسن بن الفرات الوزارة الثالثة ، وزاد الأمر فيها : فوقع ابن الفرات إلى ~~أصحاب الدواوين توقيعا نسخته : قد نسخ لكم أكرمكم الله آخر هذا التوقيع ~~كتاب ورد من أمير المؤمنين أطال الله بقاءه فيما انتهى إليه من حال توقيعات ~~في أيدي الناس بخط علي بن عيسى ، بزيادات ونقل وفك وإثبات ، فأمر أعلى الله ~~أمره بترك إمضاء شيء منها ، فانتسخوا هذا التوقيع في مجالسكم ، وامتثلوا ما ~~أمر به فيه ، ولا تنفذوا توقيعا من علي بن عيسى بحطيطة وتسويغ واحتمال أو ~~نقل جار ، وتحروا من ايقاع حيلة في ذلك أو في شيء منه إن شاء الله . ونسخة ~~كتاب المقتدر بالله في آخره : أمتعني الله بك وبالنعمة عندك ، انتهى في ~~الخبر حال توقيعات كثيرة زورت على أنها بخط علي بن عيسى ، وظهرت في ~~الدواوين بزيادات لقوم في أرزاقهم ، فرأيت ألا تمضي يا أبا الحسن أمتعني ~~الله بك توقيعا من علي بن عيسى في زيادة ولا نقل ولا إثبات ولا في شيء يجري ~~هذا المجرى إلا ما كتبت به جامعا حتى إذا اجتمعت عندك الجوامع ، ~~PageV01P092 عرضت علي في كل ثلاثة أشهر ما يجتمع منها لأقف عليه وآمر برأي ~~فيه . فاعمل متعني الله بك بذلك ms101 ، ولا تخالفه ، وعرفني امتثالك إياه إن شاء ~~الله . وحدث أبو الحسن علي بن أحمد بن علي بن الحسن بن عبد الأعلى قال : ~~كنت بحضرة أبي الحسن بن الفرات في وزارته الأولى ، وهو جالس يعمل ، إذ رفع ~~رأسه ، وترك العمل من يده ، وقال : أريد رجلا لا يؤمن بالله ولا باليوم ~~الآخر يطيعني حق الطاعة فأنفذه في مهم لي ، فإذا بلغ فيه ما أرسمه له أحسنت ~~إليه إحسانا يظهر عليه وأغنيته . فأمسك من حضر . ووثب رجل يكنى بأبي منصور ~~أخ لابن أبي شبيب حاجب ابن الفرات فقال : أنا أيها الوزير . قال : وتفعل ؟ ~~قال : أفعل وأزيد . قال : كم ترتزق ؟ قال : أرتزق مائة وعشرين دينارا . قال ~~: وقعوا له بالضعف . وقال : سل حوائجك . فسأله أشياء أجابه إليها ، فلما ~~فرغ من ذلك قال : خذ توقيعي وامض إلى ديوان الخراج ، وأوصله إلى كاتبي ~~الجماعة وطالبهما بإخراج ما على محمد بن جعفر بن الحجاج ، وطالبه بأداء ~~المال ، وأتلفه إلى أن يستخرج جميعه ، ولا تسمح له حجة ، ولا تمهله البتة . ~~فخرج وأخذ من رجالة الباب ثلاثين رجلا ، فقلت : لأخرجن وأمضين إلى الديوان ~~حتى أنظر ما يؤول إليه الحال . فخرجت ، وصرت إلى الديوان وهو في الدار ~~المعروفة بفتح القلانسي فدخل أبو منصور هذا إلى الصقر بن محمد ، وعبيد الله ~~بن محمد الكلوذاني ، وهما صاحبا المجلس شركة ، فلم يجد الكلوذاني ووجد ~~الصقر بن محمد ، فأوصل إليه التوقيع وقال له : أخرج ما على ابن الحجاج . ~~فقال : عليه من باب واحد ألف ألف درهم ، نطالبه بذلك إلى أن تفرغ بالعمل ~~بسائر ما يلزمه وكان محمد بن جعفر من عمال أبي الحسن علي بن عيسى . قال : ~~فأحضر ابن الحجاج وشتمه وافترى عليه ، وابن الحجاج يستعطفه ويخضع له . ثم ~~أمر بتجريده وإيقاع المكروه به فأوقع ، وهو في ذلك كله يقول : يكفي الله . ~~ثم أمر أبو منصور بنصب ذقل ، فنصب ، وجعل في رأسه بكرة فيها حبل ، وشدت فيه ~~يد ابن الحجاج ، ورفع إلى أعلى الدقل ، وهو يستغيث ويقول : يكفي الله . فما ~~زال معلقا وأبو منصور يقول ms102 له : المال المال . وهو يسأله حطه وإنظاره إلى ~~أن يواقف الكتاب على ما اخرج عليه ، وهو لا يسمع فعله . فلما ضجر قال لمن ~~يمسك الحبال : أرسلوا ابن الفاعلة وعنده أنهم يتوقفون ولا يفعلون . فأرسلوه ~~لما رأوه عليه من الحدة PageV01P093 والغضب . ووافى ابن الحجاج إلى الأرض ، ~~وكان بدينا سمينا ، فوقع على عتق أبي منصور فدقها ، وخر على وجهه ، وسقط ~~ابن الحجاج مغشيا عليه . فحمل أبو منصور إلى منزله في محمل فمات في الطريق ~~، ورد ابن الحجاج إلى محبسه وقد تخلص من التلف . وعجب من حضر مما رأى . ~~وكتب صاحب الخبر بالصورة إلى ابن الفرات ، فورد عليه منها أعظم مورد . ~~وبكرت عرفان زوجة ابن الحجاج إلى موسى بن خلف حتى أوصلها إلى ابن الفرات ، ~~فقررت أمره على مائة ألف دينار سلمت ببعضها جعدة وقراها من طسوج كوثي ، ~~ونجم الباقي ، وأطلق ابن الحجاج . وكان الناس يعجبون من قول ابن الفرات : ~~أريد رجلا لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر يطيعني . وحدث محمد بن عبيد الله ~~بن جعفر بن الحسن بن الجنيد قال : حضرت أبا العباس أحمد بن محمد بن بعد شر ~~، وبين يديه أبو الحسن بن الفرات في المكروه . وهو يقول : يا قوم بمن أسأت ~~؟ ولمن ضربت ؟ فقال له : فمن قتل حامدا والنعمان وابن الحواري ؟ فقال : ما ~~خرج حامد من داري إلا صحيحا ، ولقد كنت أطعمه من طعامي ، وأسقيه من شرابي ، ~~وألبسه من ثيابي ، وأبخره من بخوري . وأما النعمان فذكر ما لست أعرفه في ~~أمره . فأما ابن الحواري فسلوا هذا الفتى يعني المحسن عنه ، فلعله يورد حجة ~~أو يظهر خطوطا تبرئ ساحته منه . وأنا قلت للخليفة : قد أطلقت يد هذا الغلام ~~في مطالبة الناس ، وقد تخطى إلى ما فيه وهن على المملكة ، فأمرني بترك ~~الاعتراض عليه . وحدث أبو عمرو بن الجمل النصراني كاتب شفيع اللؤلؤي قال : ~~لما قبض على أبي الحسن بن الفرات في الدفعة الثالثة من وزارته امتنع القواد ~~من اعتقاله في دار الخلافة إشفاقا من أن يراسل المقتدر بالله ويستعطفه ~~ويستميله ويحتال ms103 عليه ويخدعه ، واستقر الأمر على تسليمه إلى شفيع اللؤلؤي ، ~~فلما حمل إلى داره وصعد الدرجة من شاطئ دجلة لم يمسك أحد بيده ، فجعل يعلق ~~بالدرج ويصعد . ثم أقبل على شفيع وأنا حاضر فقال : يا أبا الغصن ، ما هكذا ~~عاملت غيري ؟ فقال له : كان غيرك أتقى لله منك يعني أبا الحسن علي بن عيسى ~~قال : فأفرده شفيع بحبس له ، ودعا طباخه سرا وقال له : استزد فإن ابن ~~الفرات ملك ، فاستزاد له ، وفرغ من الطعام . فقال لي شفيع : ادخل إليه ~~واعرض عليه الطعام ، فدخلت وآذنته فقال : على كل حال يأكل القوم زادهم . . ~~. على البؤس والنعماء والحدثان PageV01P094 هات الطعام . فقدم إليه ، فأكل ~~أكلا مستوفى منه ، وسقي ماء مثلوجا ، فلم يستبرده ، فاستزاد من الثلج حتى ~~صار مائعا ، ثم شربه ، وقال لي : من قلد الوزارة ؟ قلت : أبو القاسم ~~الخاقاني . قال : نكب السلطان لا أنا . فمن قلد ديوان السواد ؟ قلت : أبو ~~الفرج بن حفص . فتبسم وعجب وقال : رمي بحجره . فمن تقلد الدواوين الباقية ؟ ~~قلت : تقلد المالكي ديوان المغرب ، والمصري ديوان المشرق ، وابن هبنتي ~~القنائي دواوين بيت المال والخاصة والمستحدثة وضياعك ، وعبد الوهاب ~~الخاقاني الأزمة ، وصلح ديوان النفقات . فقال : لقد أيد الوزير أعزه الله ~~بالكفاة . ثم قال لي : أريد الاجتماع مع أبي الغصن . فقلت . هو نائم . فقال ~~أنبهه وعرفه أن بيننا مهما أريد مجاراته إياه . فأنبهته وعرفته ما قال . ~~فقال : ما أحب لقاءه ، ولكن تعرف ما عنده ، فعدت إليه واعتذرت وسألته عما ~~يريد . فقال : قل له عرف أمير المؤمنين أيده الله عني أنني لا أدع نصحا ~~واليا ومنكوبا ، وأنني حاسبت هارون بن عمران الجهبذ البارحة محاسبة تولاها ~~هشام صاحب بيت المال ، فكان الباقي عنده من أموال المصادرين مائة ألف وخمسة ~~وخمسين ألف دينار ومائتين ذكرها ابن الفرات وربما عدل بها الخاقاني عن بيت ~~مال الخاصة وادعى أنه أثارها واستراح إلى تمشية أمره بها ، وهي لأمير ~~المؤمنين خاصة . وكتب شفيع إلى المقتدر بالله بذلك عنه ، ونفذ بالرقعة مع ~~قيصر خليفته . فعاد جواب المقتدر بالله بخطه إلى شفيع بأن ms104 يبادر بنفسه إلى ~~دار الخاقاني ويقبض على هارون بن عمران ، ويأخذ المال من يده ، ولا يمكن ~~الخاقاني منه . ففعل شفيع ذلك ، والخاقاني لم يعلم بعد بما عند هارون ~~الجهبذ . وكانت هذه الحال من أول ما حير به الخاقاني وأدهشه ، وحمل المال ~~إلى بيت مال الخاصة وصحح فيه . وحدث أبو علي عبد الرحمن بن عيسى قال : ~~حدثني أبو الحسن سعيد ابن سنجلا الكاتب . قال : حدثني أبو عبد الله محمد بن ~~إسماعيل زنجي الكاتب قال : كنت بحضرة أبي الحسن علي بن محمد بن الفرات في ~~وزارته الأخيرة ، وقد رسم لي كتب كتاب عنه في مهم من أمور السلطان ، فأنا ~~متشاغل به ، وقد شاع أمر مؤنس ونفوذ الكتاب إليه وهو بالرقة في الورود إلى ~~الحضرة ، وابن الفرات شديد الإشفاق من القصة حتى استؤذن لأبي الهواء ~~PageV01P095 نسيم الخادم ، وهو من خواص الخدم وجلتهم ودخل ، فلما جلس أومى ~~إلى التخلي لتأديه رسالة ، فنهض من كان في المجلس وبقيت وحدي مقشعرا من ~~الجلوس ، وأخذوا في السرار والخطاب ، وأكمشت على ما في يدي من الكتاب حتى ~~فرغت ثم قمت . فقال لي : اجلس . فجلست وأظهر ابن الفرات ما كان يسره ثم قال ~~: بيننا يا أبا الهواء حقوق تلزمك أن تراعيها . وأنت قليل التراسل فيما ~~بيني وبين السادة ، وأريد أن أحملك رسالة تؤديها كما أقولها . فقال : أيها ~~الوزير . إن كانت جميلة فعلت ، وإن كان فيها غلظة فليس في عادتي إلا إعادة ~~ما يحسن . فقال : لا بد من أن توردها على حالها وتتحمل لي ما في ذاك من ~~مشقة . وقال : تقول للسادة : أنتم تعلمون ما كان مني في ابتداء هذا الأمر ، ~~فإن الخاص والعام اعتزلوكم جانبا ، وأفرجوا عنكم إفراجا كليا غيري ، فإنني ~~أقمت على طاعتكم ، وتفردت بنصرتكم ، وكان غاية أملي وتقديري المقام على ما ~~كنت عليه أتولاه من ديوان السواد ، لا تشره نفسي إلى غيره ولا يدور في فكري ~~تجاوزه ، فأخذتموني بتقلد هذا الأمر والقيام به ، ولم تفارقوني حتى أجبت ~~إليه ، وجددت في الأمر إلى أن انعقد وتوكد ، وعاديت كل ms105 أحد في رضاكم حتى ~~استوسقت لكم الأمور ، وتكامل في حياطة دولتكم التدبير ، وفتحت لكم فارس وما ~~يليها ، ووفرت عليكم الأموال ومرافقها ، وكددت ديني ودنياي فيها ، فلما قام ~~لكم الأمر وعلا مناره واستحصفت لكم الطاعة ممن بعدت ودنت داره ، نكبتموني ~~فهتكت حرمتي وسلبت نعمتي وقبضت ضيعتي ؛ ثم أعدتموني ، فما حلت عما عهدتموه ~~مني ، ولا فارقت ما كنتم تحمدونه وتصفونه عني . ثم أوقعتم بي إيقاعا ثانيا ~~، فاستوعبتم بقية النعمة ، وأتيتم على الأصل والتتمة ، وجذبتموني إلى هذه ~~الدفعة الثالثة ، فقد علمتم ما كان مني في استخراج الأموال ، وإصلاح ~~الأحوال ، والاستقصاء على جميع من خدمكم من الكتاب والعمال . ووالله لا ~~لحقني مكروه في هذه الدفعة في نفس أو ولد ولا حال إلا ولحقكم مثله ، وإن ~~تمادى أمده ، من الله تعالى جده ، فاعملوا ما بدا لكم . وما زال يكرر هذا ~~وأشباهه حتى عرفه نسيم ووعاه وانصرف . وألقى ابن الفرات ذقنه على صدره ~~ولحيته ساعة ثم رفع رأسه فقال : سمعت ما كنا فيه ؟ فقلت : نعم . وما كان ~~لما جرى وجه ، والقوم مكنوك واستناموا إليك في هذه الدفعة زيادة على ما ~~تقدمها . فقال : دعني من هذا يا أبا عبد الله ، فوالله ليصحن ما قلت . ~~وأخبرك في هذا المعنى بخبر طريف PageV01P096 جرى بيني وبين أبي الحسن علي ~~ابن عيسى ، ما لهوت عنه إلا في هذه الدفعة ، فإنه يتصور لي في النوم ~~واليقظة ، ويعترضني في الشغل والخلوة ، وأنا أخبرك به : لما بلغ المكتفي ~~بالله آخر أمره ، كان العباس بن الحسن يجلس في كل يوم آخر النهار ، فإذا ~~فرغ من العمل جارانا خبر المكتفي بالله وعلته ، وآيسنا من عافيته ، وشاورنا ~~فيمن يقوم بالأمر بعده ، فلا يستقر الرأي على شيء يعتمده ، إلى أن تكامل ~~اليأس منه . فنحن في بعض العشايا عنده ، وقد أردنا النهوض حتى قال : قد ~~انقضى أمر الخليفة ، وما نفترق إلا بعد تقرر الرأي على من يقعد مقعده ، فما ~~عندكم ؟ فقال أبو عبد الله محمد بن داود : الله الله أيها الوزير أن نعدل ~~عمن يقوم بهذا الأمر ونلزمه خيره ms106 وشره ونتصرف على أمره ونهيه . ونحو هذا ~~الكلام . فقال لعلي بن عيسى : ما تقول يا أبا الحسن ؟ فقال : الله الله ~~أيها الوزير في الإسلام ، نحن جميعا صنائع المعتضد بالله رحمة الله عليه ثم ~~هذا الخليفة ، ولكنه أمر الدين فقلد هذا شيخا قد فهم الأمور وعرف بصواب ~~الرأي والتدبير بعمارة هذه الثغور وحج البيت المعمور ، ويقيم الحدود ، ومن ~~إذا قلت : أمير المؤمنين ، صدق قولك الصغير والكبير . قال ابن الفرات : ~~فعارضت قوله بأن قلت للعباس : قلد أيها الوزير الأمر من يكون في حجرك ، ~~ويتدبر برأيك ، فتسلم نعمتك ونعمتنا معك . فقال العباس : رأيي لرأيك تبع يا ~~أبا الحسن . ونهض وانصرفنا . فلما حصلنا في بعض الممرات قبض أبو الحسن علي ~~بن عيسى على يدي وقال : بيننا شيء . فوقفت معه ، وابتدأ يحلف يمينا أغرق ~~فيها وأبلغ على أنه ما أراد بقوله ورأيه غير الله عز ذكره وإعزاز دينه ~~وإصلاح شؤونه . ثم حلف على أني ما أردت أنا الله بما قلته وأشرت به ، وقال ~~: كيف استجزت أن تجيء إلى رجل معروف يعني العباس فتساعده على ما يسخط الله ~~به ، ويبعد من الحق ، ويزيده تسلطا وجرأة على الظلم ؟ ! فقلت : لا والله يا ~~أبا الحسن أعزك الله ما نعمل إلا للدنيا ، وإن جاء من يعرف أسعار الخبز ~~واللحم لم نأمنه على نفوسنا ونعمنا . قال : فقال لي مجيبا : والله لئن تم ~~الأمر على هذا وانتظم لا بلي بالمحنة فيه غيرك ، فانظر لنفسك أو دع . فمضى ~~ما مضى بما فيه ، وصليت بما صليت به منه ، ويوشك أن يصح قول أبي لحسن علي ~~بن عيسى ولا يبعد ، لأن من أراد الله كان الله معه ، ومن أراد غيره خذله ، ~~فما يخلو فكري من قوله وخاصة في هذه الدفعة ، ونسأل الله حسن العاقبة . ~~وحدث هارون بن إبراهيم النصراني الكاتب قال : حضرت مجلس القاسم ابن عبيد ~~الله في بعض الأيام ، وبين يديه كتاب الدواوين ، إذ خرج إليه توقيع من ~~المكتفي بالله PageV01P097 يعرفه فيه ما عزم عليه من الخروج إلى سر من رأى ~~للتصيد ، ويرسم ms107 له إنفاذ من يصلح الطرق وإعداد العلوفة والمير وما تدعو ~~إليه الحاجة للعكسر . فرمى به إلى أبي الحسن علي بن محمد بن الفرات ، لأنه ~~مما كان يجري في ديوانه ، وقال له : اكتب في هذا المعنى بما يؤكده ، وأضف ~~إليه منشورا لتستحث المطالبة والإعجال ، ومشاهدة ما يجري عليه الحال . فقال ~~: نعم أعز الله الوزير وجعل التوقيع تحت فخذه ، وطلب دواة ، فحضرت وتركت ~~بين يديه ، وأخذ يكرر النظر في كتب قد أخرجت إليه متعلقة بديوانه ، ومضت ~~ساعة . فقال له القاسم : كتبت الكتب ؟ قال : نعم . والتفت فقال : ادعوا ~~زنجيا الكاتب لينشئ نسخ ذلك ويحررها فإنه أعرف برسوم المناشير ، فضحك ~~القاسم بن عبيد الله ثم أقبل علي أبي عبد الله محمد بن داود بن الجراح فقال ~~: الأمر يا أبا عبد الله مهم لا يحتمل التأخير ، ومنشئ أبي الحسن غير حاضر ~~، ولعله يحتبس . وقال لابن الفرات : ادفع إليه التوقيع ليكتب في المعنى بما ~~يتضمن . قال : فأخذ أبو عبد الله التوقيع وكتب سريعا بأبلغ عبارة وأشد ~~استيفاء ووصاة . وخجل ابن الفرات . ولم تكن كتابته مقصرة ولا بلاغته متأخرة ~~، ولكن يده كانت تخونه وتقعد به . ض الممرات قبض أبو الحسن علي بن عيسى على ~~يدي وقال : بيننا شيء . فوقفت معه ، وابتدأ يحلف يمينا أغرق فيها وأبلغ على ~~أنه ما أراد بقوله ورأيه غير الله عز ذكره وإعزاز دينه وإصلاح شؤونه . ثم ~~حلف على أني ما أردت أنا الله بما قلته وأشرت به ، وقال : كيف استجزت أن ~~تجيء إلى رجل معروف يعني العباس فتساعده على ما يسخط الله به ، ويبعد من ~~الحق ، ويزيده تسلطا وجرأة على الظلم ؟ ! فقلت : لا والله يا أبا الحسن ~~أعزك الله ما نعمل إلا للدنيا ، وإن جاء من يعرف أسعار الخبز واللحم لم ~~نأمنه على نفوسنا ونعمنا . قال : فقال لي مجيبا : والله لئن تم الأمر على ~~هذا وانتظم لا بلي بالمحنة فيه غيرك ، فانظر لنفسك أو دع . فمضى ما مضى بما ~~فيه ، وصليت بما صليت به منه ، ويوشك أن يصح قول أبي لحسن علي ms108 بن عيسى ولا ~~يبعد ، لأن من أراد الله كان الله معه ، ومن أراد غيره خذله ، فما يخلو ~~فكري من قوله وخاصة في هذه الدفعة ، ونسأل الله حسن العاقبة . وحدث هارون ~~بن إبراهيم النصراني الكاتب قال : حضرت مجلس القاسم ابن عبيد الله في بعض ~~الأيام ، وبين يديه كتاب الدواوين ، إذ خرج إليه توقيع من المكتفي بالله ~~يعرفه فيه ما عزم عليه من الخروج إلى سر من رأى للتصيد ، ويرسم له إنفاذ من ~~يصلح الطرق وإعداد العلوفة والمير وما تدعو إليه الحاجة للعكسر . فرمى به ~~إلى أبي الحسن علي بن محمد بن الفرات ، لأنه مما كان يجري في ديوانه ، وقال ~~له : اكتب في هذا المعنى بما يؤكده ، وأضف إليه منشورا لتستحث المطالبة ~~والإعجال ، ومشاهدة ما يجري عليه الحال . فقال : نعم أعز الله الوزير وجعل ~~التوقيع تحت فخذه ، وطلب دواة ، فحضرت وتركت بين يديه ، وأخذ يكرر النظر في ~~كتب قد أخرجت إليه متعلقة بديوانه ، ومضت ساعة . فقال له القاسم : كتبت ~~الكتب ؟ قال : نعم . والتفت فقال : ادعوا زنجيا الكاتب لينشئ نسخ ذلك ~~ويحررها فإنه أعرف برسوم المناشير ، فضحك القاسم بن عبيد الله ثم أقبل علي ~~أبي عبد الله محمد بن داود بن الجراح فقال : الأمر يا أبا عبد الله مهم لا ~~يحتمل التأخير ، ومنشئ أبي الحسن غير حاضر ، ولعله يحتبس . وقال لابن ~~الفرات : ادفع إليه التوقيع ليكتب في المعنى بما يتضمن . قال : فأخذ أبو ~~عبد الله التوقيع وكتب سريعا بأبلغ عبارة وأشد استيفاء ووصاة . وخجل ابن ~~الفرات . ولم تكن كتابته مقصرة ولا بلاغته متأخرة ، ولكن يده كانت تخونه ~~وتقعد به . وحدث القاضي أبو علي التنوخي قال : سمعت بعض شيوخ الكتاب يقول : ~~كان أبو الحسن علي بن عيسى معظما لصناعة الكتابة ، محافظا على مكانه منها ، ~~متحذرا من عيب يلحقه فيها ، وكانت المنافسة واقعة بين أبي الحسن بن الفرات ~~وبينه في الأعمال والمنازل والكتابة والصناعة ، فاتفق أن عمل علي بن عيسى ~~مؤامرة لعامل يعنى به أبو الحسن بن الفرات ، وأخرج عليه فيها مائة ألف ~~دينار ، واعتقد ms109 مواقفته عليها وإلزامه إياها . ثم أحضره وأراه المؤامرة ~~وقال له : قف عليها واذكر ما عندك في كل باب منها ، فإن كانت لك فيه حجة ~~تسقطه وإلا التزمته وأديته . فقال : أريد أن أقرأها قراءة تأمل ، وأنظر ~~فيها نظر تصفح ، وما يكون ذلك إلا في منزلي عند خلوتي بنفسي . فقال : خذها ~~. فأخذها وجاء إلى أبي الحسن بن الفرات ، فشرح له صورته ، وسأله النظر في ~~المؤامرة ، وتلقينه الجواب عن كل باب منها . فقرأها ابن الفرات وقال للعامل ~~: لولا أن علي بن عيسى قد سها فيها سهوا ظاهرا ربما خلصك لما سقط عنك درهم ~~واحد مما أخرج عليك ، وذلك أنه صدر المؤامرة بباب خرج عليك فيه فضل الكيل ~~في غلات ناحيتك ، وأنك لم تورده ، وحصل عليك صدرا كبيرا من المال عنه ، ثم ~~ذكر بعد ذلك في باب آخر أنك اقتطعت من غلات المقاسمة ما لم تورده ، وأقام ~~الشاهد عليك فيه ، وألزمك مالا جزيلا عنه . وقد كان من قانون الكتابة أن ~~PageV01P098 يبتدئ بذكر الاقتطاع من أصول الغلة . ثم يجعل فضل الكيل مؤخرا ~~، فإذا صدر فضل الكيل فقد صح به الأصول ، وهذا غلط فاحش وخطأ ظاهر غير محيل ~~، والصواب أن تمضي إليه وتخلو به وتقول له : محلك في الصناعة لا يقتضي ما ~~فعلته في هذه المؤامرة ، وقد سهوت فيها سهوا قبيحا وهو كذا وكذا ، وأنا معك ~~بين أمرين ، إما أن أكشف للناس خطأك فعليك فيه ما تعرفه ، وليس يكون ما ~~يلحقك من القباحة بأقل مما تتناولني به من النكبة ، وإما أن تفضلت بطي هذا ~~الأمر وستره وإبطال المؤامرة والإمساك عنها ولك من ذلك مرفق أحمله إليك . ~~فإن إشفاقه على جاهه ، وكراهته ما يقدح في صناعته ، ورغبته في المرفق ، ~~يحمله على إبطال المؤامرة . قال العامل : فمضيت سحرا إلى داره ، فلما رآني ~~قال : ما عملت في المؤامرة ؟ فقلت له : بيننا شيء أقوله سرا ، ودنوت إليه ~~فقال : ما هو ؟ فأوردت عليه ما كان ابن الفرات علمنيه ، ونشرت المؤامرة ~~ووقفته على المواضع ، فحين شاهدها وتأملها وجم وجوما شديدا وقال : يا ms110 هذا ، ~~قد وفر الله عليك المرفق ، وأسقط عنك المؤامرة ، فإن أكبر الأمور عندي في ~~هذه القصة أن وقفت على غلطي وتيقظت مستأنفا من مثله ، والله بيني وبين ابن ~~الفرات ، فإن هذا من تعريفه وتوقيفه وإلا فلست ممن يتنبه على ما هذه سبيله ~~. ونهضت من عنده وقد كفيت الأمر ، وزالت عني المؤونة والمطالبة ، وربحت ~~المرفق الذي كنت على التزامه ، وعدت إلى أبي الحسن بن الفرات ، وحدثته ~~بالحديث فضحك . وحدث القاضي أبو علي قال : حدثني أبو الحسن أحمد بن يوسف بن ~~الأزرق قال : لما حمل علي بن عيسى إلى ابن الفرات في وزارته الثالثة رآه ~~ابن الفرات وهو مقبل إليه فبدأ يكتب كتابا ، وجاء علي بن عيسى وهو كالميت ~~خوفا وجزعا ، فوقف قائما وابن الفرات يكتب ، وعند علي بن عيسى والحاضرين ~~أنه لم يره ، وبقي واقفا نحو ساعة إلى أن فرغ ابن الفرات من كتابته ، ثم ~~رفع رأسه وقال : اقعد بارك الله عليك . فأكب علي ابن عيسى عليه يقبل يده ~~ويقول : أنا عبد الوزير وخادمه وصنيعته القديم ، وصنيعة أبي العباس أخيه ~~رحمه الله تعالى ، ومن لا يعرف صاحبا ولا أستاذا غيره . فقال : هو كذلك ~~وأنت فيه صادق ، وإني لأرعى لك حق خدمتك القديمة لي ولأخي رحمه الله ، وما ~~عليك بأس في نفسك ، ولولا طاعة السلطان ما أفسدت صنيعتنا عندك . ~~PageV01P099 وقرر عليه من المصادرة ما قرره ، وعمل المحسن بن علي بن الفرات ~~على قتل علي بن عيسى ، فلم يدعه أبوه . واستقر الأمر على نفسه وإبعاده عن ~~الحضرة ، واختار هو الخروج إلى مكة وأظهر أنه يريد الحج والمجاورة . وخرج ~~بعد أن ضم إليه موكلون ، ووصاهم المحسن بسمه في الطريق إن تمكنوا أو قتله ~~بمكة ، وعرف علي بن عيسى ذلك فتحرر في مأكله ومشربه . ووصل إلى مكة رجل ~~يعرف بأحمد بن موسى الرازي ، وكان داهية ذا مكر وخبث ، وقد اصطنعه علي بن ~~عيسى في وزارته ، وقلده القضاء هناك . فلما اجتمع علي بن عيسى معه حدثه ~~بحديثه ، وسأله إعمال الحيلة في تخليصه وحراسة نفسه ، فتلطف في ms111 ذلك بأن وضع ~~أهل البلد وقد كانوا قدموه وأطاعوه على أن اجتمعوا وثاروا بالموكلين ، وخاف ~~أن يجري ما يلحقه فيه إثم وإنكار من السلطان ، فطرح نفسه عليهم حتى خلصهم ~~وأخرجهم ليلا إلى بغداد ، بعد أن أعطاهم نفقة . وأقام بمكة . وقد كان أبو ~~العباس أحمد ابن محمد بن الفرات في خلافته عبيد الله بن سليمان على الأمور ~~عمل ديوانا سماه ديوان الدار ، وجمع إليه سائر الأعمال ودبره بنفسه وكتابه ~~، واستناب أخاه أبا الحسن علي بن عيسى ، وأبو عبد الله محمد بن داود بن ~~الجراح عمه ، فكانا يجلسان بحضرة أبي الحسن ، ويأمرهما وينهاهما ، ويسميانه ~~أستاذنا ، على رسم أصحاب الدواوين إذ ذاك . وجرى الأمر على هذا الترتيب إلى ~~أن عزم المعتضد بالله على إخراج المكتفي بالله إلى الجبل ، ومعه عبيد الله ~~بن سليمان ، والخروج بنفسه إلى آمد والثغور ، ومعه القاسم بن عبيد الله ، ~~فقال عبيد الله لأبي العباس بن الفرات : أريد كاتبا يصحبني ويتصفح أعمال كل ~~بلد نفتحه ويقرر معاملاته على ما يدل عليه الديوان القديم من رسومه . فقال ~~: ذلك محمد بن داود . وإليه من ديوان الدار مجلس ما فتح من أعمال المشرق ، ~~وفيه الحسبانات العتيقة . وقال القاسم : وأنا أريد آخر يكون معي إلى المغرب ~~. فقال : يكون علي بن عيسى . وخرج محمد بن داود علي بن عيسى في جملة عبيد ~~الله والقاسم . فنفق محمد على عبيد الله وقرب منه واختص به ، ورأى من فضله ~~وصناعته ما أعجبه ، وانتهى أمره معه إلى أن زوجه عبيد الله بنته ، وانتزع ~~مجلس المشرق من ديوان الدار وجعله ديوانا مفردا وقلده محمد بن داود رئاسة . ~~وحصلت لعلي بن عيسى حرمة بالقاسم ، وشاهد من كفايته PageV01P100 وسداده ~~وكتابته ونفاذه ما عظم به في عينه ، فقدمه وتوفر عليه . وفعل مثل فعل أبيه ~~مع محمد بن داود في انتزاع مجلس المغرب من ديوان الدار وتقليده علي بن عيسى ~~رئاسة ، ولم يجعلا لأبي العباس بن الفرات بعد ذلك عليهما يدا . وكان قول ~~علي بن عيسى لابن الفرات ما قاله من أنني عبدك وصنيعتك ms112 وعبد وصنيعة أبي ~~العباس أخيك . وقبول ابن الفرات ذلك منه وتصديقه إياه فيه ، على هذا الأصل ~~. وحدث أبو علي عبد الرحمن بن عيسى قال : كان أخي أبو إسحاق إبراهيم ابن ~~عيسى يتقلد أعمال الزاب الأعلى في أيام عبيد الله بن سليمان خلافة لأبي ~~الحسن علي بن عيسى ثم رئاسة ، فصرفه بمحمد بن محمد بن حمدون بن سليمان ~~الواسطي عنها ، قال : فحدثني ابن حمدون هذا قال : أحضرني أبو العباس أحمد ~~بن محمد بن الفرات فقال لي : قد صرفت إبراهيم بن عيسى بك ، وأريد أن تعتقله ~~وتضيق عليه . واتفق أن حضر أبو عبد الله محمد بن داود مسلما عليه ، وقد عرف ~~الخبر ، فقال له : تتقدم أعزك الله إليه في إمضاء مقاطعتي وإجمال معاملتي . ~~قال : فقال لي ابن الفرات : أبو عبد الله من قد عرفت محله من الوزير أبي ~~القاسم ومنا ، فاعمل تصنيعته في جميع إرادته . فلما انصرف أبو عبد الله قال ~~لي : إياك أن تمضي مقاطعته أو تدع الاستقصاء عليه في مسامحه ، ووكل بغلته ~~حتى تستوفي حق بيت المال منها على واجبه وتمامه وكماله ، وإبطال مظالمه . ~~قال : فورد علي من ذلك أعظم مورد ، وتبينت به ما في نفسه على آل الجراح ، ~~وشخصت إلى العمل ، فما داجيت أبا إسحاق ، وطالبته بأن يجيئني في كل يوم ، ~~فغلظ ذلك عليه ، وهو لا يعلم ما تقدم به ابن الفرات في أمره ، واتصلت كتب ~~ابن الفرات إلي بالحث على ما وصاني به والتاكيد فيه اتصالا طويته عن أبي ~~إسحاق الإشراف على أعمال واسط كنت أدخل إليه فيقل الإقبال علي ، ويظهر ~~الانحراف عني ، حتى خفت أذيته في ضيعتي ، فجئته في بعض الأيام ، ومعي بعض ~~ما كان ابن الفرات يكتبه إلي في بابه . فلما خلا وجهه دنوت منه وقلت له : ~~قد تبينت منك إعراضا وسوء رأي ، ولا شك أن ذلك لما كان مني إليك ، وقد علم ~~الله نيابتي كانت عنك ، وحراستي إياك مما كنت أطالب به فيك ، ومن الدليل ~~على صدقي هذه الكتب . وأخرجتها إليه وقرأتها عليه . فلما وقف ms113 على ما فيها ~~أكبره وأعظمه ، وبسط عذري فيما عاملته به ، وعاد إلى ما أحبه . وكان تقلد ~~أبي إسحاق الإشراف PageV01P101 على واسط بعد أن تقلد أعمال الراذانين . ~~وكاشف ابني الفرات فيما اقتطعاه واجتذباه من الضياع السلطانية ، وحسن أثره ~~عند القاسم بن عبيد الله ، فنقله إلى الإشراف على أعمال واسط نقلا كان من ~~سببه أن كان القاسم سيء الرأي في أبي العباس بن الفرات . فقال لأبي الحسن ~~علي بن عيسى : قد كثرت ضياع ابني الفرات بنواحي واسط ، واستضافا إليها ~~ضياعا سلطانية ، وصارا يأخذان لمصالحهما نحو عشرين ألف دينار في السنة ، ~~وأريد رجلا حصيفا أرد إليه الإشراف على هذه النواحي وأعول عليه في كشف ضياع ~~ابني الفرات ، وإثارة الفضل الذي في أيديهما ، وآمن عنده محاباة لهما وخوفا ~~منهما ، فهل في أهلنا من يصلح لذلك ؟ فوصف له أبا إسحاق بالشهامة ~~والاستقلال ، واستحضره وقلده ، وانحدر وجد في النظر والكشف ، وواصل كتب ~~الكتب بما وقف عليه وعرفه ، وعمل الأعمال بما اثاره واستدركه ، فكان من ذلك ~~عمل ما يقبضه وكلاء ابن الفرات لمصالح ضياعهما بواسط ، وهو زيادة على عشرين ~~ألف دينار في السنة ، وعمل آخر لما اقتطعاه من ضياع السلطان وأضافاه إلى ~~أملاكهما ، وهو نيف وثلاثون بيدرا ، منها بيدر يعرف باليهودي ، ارتفاعه نحو ~~الخمسين ألف درهم . وعاد إلى الحضرة وعرض الأعمال على القاسم ، فقال له : ~~تواقف ابن الفرات على أعمالك هذه ؟ فقال : ما عملتها لأسترها وأخاف ~~المناظرة عليها . فأحضره وقد حضر أبو العباس بن الفرات ، وواقفه في المجلس ~~مواقفة ألزمه فيها مالا كثيرا ، فرأى القاسم من أبي إسحاق صرامة عجيبة ، ~~وتبين ابن الفرات من القاسم إنكارا همته نفسه معه . قال أبو علي عبد الرحمن ~~، فحدثني بعض أصحابنا قال : لما انصرف أبو العباس ابن الفرات من هذا المجلس ~~إلى منزله ، وهو مثخن ، وجد أخاه أبا الحسن يعمل . فقال له : يا أبا الحسن ~~ما فارقتني حتى هتكتني ونكبتني ، قرأ هذا العمل . ورمى إليه بعمل المصالح ~~وقال له : إذا كانت نفقات مصالحنا عشرين ألف دينار فأي شيء نقول للسلطان ~~والوزير ms114 والناس في الارتفاع والاستغلال ؟ ! ثم أعطاه العمل بالضياع ~~المستضافة . قال : هذه الطامة الكبرى والفضيحة العظمى . قال عبد الرحمن : ~~وهم القاسم بن عبيد الله بالقبض عليهما والإيقاع بهما ، فتدافع الأمر بظهور ~~صاحب الخال والتشاغل بخطبه والخروج إلى المغرب في طلبه . فلما عادوا لم تطل ~~المدة حتى توفي القاسم بن عبيد الله وأبو العباس بن الفرات في آخر سنة إحدى ~~وتسعين ومائتين . PageV01P102 ثم ولي أبو الحسن بن الفرات الوزارة فقصد أبا ~~إسحاق ونفاه إلى الصافية ، ووزر أبو الحسن علي بن عيسى بعد ذلك وصرف ، وعاد ~~ابن الفرات فنكب أبا إسحاق وصادره على خمسين ألف دينار استخرج منها ثلاثين ~~ألف دينار . وأقام أبو إسحاق في منزله وامتنع من العمل بعد ما لحقه . فلما ~~تقلد أبو الحسن بن الفرات الوزارة الثالثة أعاد القبض عليه وطالبه ببقية ~~المصادرة ، ثم بمثلها فأداه ثم بمثلها دفعة ثالثة بعد مكروه عسفه به ، ~~وأخرجه بعده إلى البصرة ، وسلمه إلى ابن الأصبغ عاملها ، فيقال إنه سمه ، ~~ومضى لسبيله . وحدث أبو علي عبد الرحمن قال : كان سبب العداوة بين أبي ~~الحسن بن الفرات ومحمد بن عبدون أنه غلب علي العباس بن الحسن واختص به فسعى ~~في صرف أبي الحسن بن الفرات ونكبته لقبيح قديم كان بينه وبينه ، واستمال ~~محمد بن عبدون أبا عبد الله محمد بن داود بن الجراح عمي فمال معه ، وساما ~~أبا الحسن علي بن عيسى أخي الدخول معهما فامتنع ، وجرت في ذلك خطوب طويلة ~~باطنة وظاهرة . وتجرد محمد بن عبدون بفضل شر وحسد كانا فيه في مكروه ابن ~~الفرات وطالب العباس بإطلاع المكتفي بالله على خياناته واقتطاعاته وما تأثل ~~من حاله بذاك وعظم من نعمته ، وساعده محمد بن داود على أمره . قال عبد ~~الرحمن : فأذكر ، وقد صار أبو الحسن بن الفرات في بعض الأيام إلى أخي أبي ~~الحسن علي بن عيسى في داره ، فقام إليه وأكرمه ، وجعل ابن الفرات يشكو إليه ~~ما يلاقيه من محمد بن عبدون ، ويعرض بمحمد بن داود عمي ، وأخي يسترجع ويقول ~~له : يكفيك الله ms115 ثم قال له أخي : أما أنا فقد عرفت إخلاصي لك ، وما يراني ~~الله تعالى مساعدا فيما يسوءك ، وأما عمي فالأمر معه قريب ، وسأرده وأكفيك ~~ما تخافه منه ، ومع هذا فدبر أمرك تدبيرا يصلحه مع صاحبنا وصاحبك . فقال له ~~: أشر علي يا سيدي . فقال : استعطف الوزير . قال : قد فعلت . قال : زد ، ~~وليس بكثير أن تغرم في هذه القصة خمسين ألف دينار ، وإن احتجت إلى مالي في ~~ذلك فهو بين يديك . فتكره وقال : أريد التوثقة منك . فقال له أخي : ما تجد ~~عندي خلافا عليك إلا أن اليمين غير مباركة وما بنا إليها حاجة ، وفي ~~الأقوال الصادقة والآراء الصافية غنى وكفاية . وقام فانصرف . قال عبد ~~الرحمن : ووافي ابن عبدون في بعض الأيام إلى أبي الحسن أخي ، فلما جلس قال ~~له : قد فرغنا من أمر الرجل إن كانت منك مساعدة . فقال : اللهم غفرا . ~~وقمنا ، وخلوا وتحدثا . ثم نهض ابن عبدون ، وعدت أنا وإبراهيم بن ~~PageV01P103 أيوب الكاتب إليه ، فوجدناه مقطبا واجما . فقال لنا مبتدئا : ~~ما أعجب ما نحن فيه ! نعوذ بالله من البغي وجوالبه . ثم قال : وافانا هذا ~~الرجل يعني ابن عبدون يريد أن يلفتنا عن ديننا ، وذكر أن الخليفة قد استجاب ~~إلى صرف ابن الفرات إن توليت ديوانه ، فقلت له : يا هذا ، إن صرفت ابن ~~الفرات ازددت بصرفه رزقا وأجلا ، وإن لم أصرفه نقصني الله ما قرره لي ؟ قال ~~: لا . قلت : فإن تركتموني أدبر هذا الأمر معكم وأقوم بما إلي منه ، وإلا ~~لزمت منزلي وأرحت نفسي . فانصرف متنكرا متسخطا وقال : هذا الأمر يراد . ~~ومضى ابن الفرات إلى العباس فأعطاه وأرضاه . وقد كان قال للمكتفي بالله : ~~إن حال ابن الفرات قد عظمت ، وأنا آخذ منه خمسين ألف دينار أردها في بيت ~~مال الخاصة ، وأبقي عليه صدرا من نعمته . فقال له . نعمة ابن الفرات لي ، ~~ومتى أردتها أخذتها ، وما يمكني إنشاء كاتب واصطناعه والرفع منه حتى يكون ~~حاله الحال الذي يظن فيه . وكان ما قاله المكتفي بالله وفعله من أحسن ما ~~روي وأثر عن كل خليفة ms116 قبله . وقد كان خفيف السرمقندي الحاجب يقوم بأمر ابني ~~الفرات ويعضدهما ويشد منهما ، فقلما طمع في أبي الحسن وانبسطت الألسن فيه . ~~وحدث عبد الرحمن قال : لما عقد الأمر لأبي العباس عبد الله بن المعتز ، ~~ووزر له محمد ابن داود بن الجراح عمي تأخر أبو الحسن علي بن عيسى أخي عن ~~الحضور ، ووصلت مراسلة بالاستدعاء ، وهو يأبى ويتوقف ، حتى إذا زاد الإلحاح ~~عليه وبلغه عن عبد الله بن المعتز أنه قال : علي بن عيسى متأخر عنا ليمضي ~~إلى جعفر ، فإن كانت له خلص عمه ، وإن كانت لنا خلصه عمه . وليس كذلك . ~~فإنه لات حين مناص صار إلى القوم . فلما لم ير ابن الفرات قال لمحمد بن ~~داود : ما فعل ابن الفرات ؟ قال له : وأية فائدة في حضوره ؟ قال : كل فائدة ~~، وستعلم ما تكون عواقب تأخره وأنه لا يكون هلاك الجماعة إلا على يده . ~~فكأن قوله وافق قدرا . ولما انتقض أمر ابن المعتز ووزر أبو الحسن بن الفرات ~~وأخذ علي بن عيسى ومحمد بن عبدون وحملا إلى دار بدر اللاني ، كتبا رقعة إلى ~~ابن الفرات ترجماها : لعبديه محمد بن عبدون وعلي بن عيسى . فعاد الجواب : ~~فهمت هذه الرقعة يا أبا الحسن علي بن عيسى أطال الله بقاءك . وأدام عزك ~~وسعادتك ، وأنت تعلم ما يلزمني من حقك ، وما أنا عليه لك ، ولن أدع ممكنا ~~في PageV01P104 تخليصك واستنقاذك وردك إلى أفضل ما كنت عليه إلا أتيته ~~وبلغته وقضيت حقك به . ولم يذكر محمد بن عبدون بشيء ، فلما وقفا على ذلك ~~لطم محمد بن عبدون على رأسه وقال : قتلني والله . وكان الأمر كما قال : ولم ~~يدع ابن الفرات المنافسة في الرئاسة والغيرة على الوزارة حتى نفي علي بن ~~عيسى إلى مكة . وحدث عبد الرحمن قال : لما ثقل علي أبي الحسن بن الفرات أمر ~~سوسن وبلغه عنه عمله على الإيقاع به وشروعه لمحمد بن عبدون في الوزارة ، ~~خوف المقتدر بالله منه ، وأعلمه أنه على الوثوب به ، وأنه كان على تقديم ~~عزمه منه إلى أن سأله أنوش ms117 بن الحرهان كاتب سوسن أن يؤخر ذلك في هذا اليوم ~~لعيد له ، ووقع الاتفاق بيهم على الإيقاع بك وبي وبجماعة معنا في يوم ~~الثلاثاء المقبل بعد يوم الموكب ، وقرر ذلك في نفسه وحققه عنده ، فلما كان ~~يوم الاثنين لثمان بقين من رجب ركب المقتدر بالله إلى الميدان ، ومعه تكين ~~الخاصة ونازوك وغريب الجيلي ورائق وياقوت ، وقد ضمن ابن الفرات لتكين أن ~~يقلده مصر إن ساعده على أمر سوسن . وأحس سوسن بما يدبر عليه ويراد به ، ~~فتحرز في أمره ودخل الميدان ولم ينزل عن فرسه ، ولعب مع الخليفة ساعة ~~بالصولجان ، ثم مضى إلى صافي الحرمي يعوده من شيء وجده ، وتبعه مؤنس الخازن ~~والغلمان ، فلما نزل إلى صافي وكان في آخر الميدان قبض عليه تكين الخاصة . ~~قال عبد الرحمن : حدثني تكين الخاصة عند اجتماعنا بمصر ، وقد جرى ذكر سوسن ~~وتجبره وعتوه قال : فلما مضى إلى صافي بادرت كأني معه ، ونزل فمددت يدي إلى ~~منطقته كأنني أتوكأ عليها ، فجذبتها ، وأخرجت سكينا معي فقطعتها ، وحصلت مع ~~السيف في يدي ، وسلبه الغلمان ما كان عليه ، ودفعناه حتى أدخلناه باب ~~الميدان ، فعند ذلك بكى ، وحمل الخدم السلاح ، ووكل بداره ، واجتمع من كان ~~خلفه وصار في حيزه من الغمان ، فخرج إليهم خادم وقال : مولانا يقول لكم : ~~أنتم غلماني وخاصتي ، وهذا عبدي ومملوكي ، وقد بلغني عنه ما أريد موافقته ~~عليه ، وأنا لكم بحيث تحبون . فدعوا وقالوا : الأمر لمولانا . وتفرقوا ولم ~~يعد منهم قول بعد ذلك . وقرر ابن الفرات في نفس المقتدر بالله دخول محمد بن ~~عبدون وعلي بن عيسى مع PageV01P105 سوسن فيما كان عمل عليه وهم به . فأما ~~محمد بن عبدون فإنه أنفذ من حمله من الأهواز إلى الحضرة . قال عبد الرحمن : ~~فحدثني من سمع ابن الفرات يقول له : والله لأقتلنك . وابن عبدون يقول : ~~يكفي الله ويعفو الوزير . فقال : لا والله . ما فيها إلا التلف وحسبنا الله ~~ونعم الوكيل . وحبس أياما يسيرة وأخرج ميتا وطرح في مشرعة الساج عند داره ، ~~ووجد عند غسله وقد أكل لحم ذراعية فما ms118 طالت الأيام حتى أصاب من ساعد ابن ~~الفرات على أمره مثل ذلك . فأما أبو الحسن علي بن عيسى فكتب بحمله إلى ~~الكوفة ، وأقام بها إلى وقت الموسم ، وخرج إلى مكة وقد وكل به حبشي بن ~~إسحاق السجان . وحدث أبو علي عبد الرحمن قال : وزر أبو الحسن بن الفرات ، ~~وارتفاع ضيعته وضيعة أخيه أبي العباس نحو مائتي ألف دينار ، وصرف بعد أربعة ~~وعشرين شهرا . وقد بلغ ثمانمائة ألف دينار وكسرا . وذلك بما استضافه ~~واجتذبه من الأملاك والضياع . ووجد له أبو علي الخاقاني عند تقلده بعده في ~~الدواوين والودائع نحو ثلاثة آلاف ألف دينار أكثرها محمول من بيت مال ~~الخاصة الذي بنى له المعتضد بالله ، وكان قلعة قد صب في أنقالها الرصاص . ~~ومات وقد اجتمع فيه تسعة آلاف ألف دينار وكسر ، وكان نذر عند بلوغ ذلك عشرة ~~آلاف ألف دينار أن يترك عن أهل البلاد ثلث الخراج في سنة البلوغ ، وأضاف ~~المكتفي بالله إلى هذه الجملة في أيام خلافته سبعة آلاف ألف دينار حتى ~~تكامل المبلغ ستة عشر ألف دينار وكسرا . ومات المكتفي بالله ، وتفرق المال ~~وتمزق . وقيل : إنه وجد فيما وجد من ودائع ابن الفرات ما هو بختوم أبي ~~خراسان فرغان الخادم خازن المعتضد على بيت مال القلعة . وذلك أن الأمر فيما ~~كان يحول إلى حضرة المقتدر بالله ويخرج إلى مجلس العطاء زاد علي الحد . ~~وخرج عن الضبط . قال عبد الرحمن : وقرأت توقيعا لفاطمة القهرمانة خرج إلى ~~ابن الفرات تقول فيه : أمر أمير المؤمنين بحمل أربعين بدرة عينا من بيت مال ~~الخاصة إلى حضرته . وتوقيع ابن الفرات في آخره بامتثال المرسوم فيه ، وكانت ~~لهذا التوقيع نظائر كثيرة ، وابن الفرات يحتال لنفسه في أمثال ذلك ، حتى ~~قيل إنه أخذ من بيت مال القلعة ألف ألف دينار . وأطلق منها لعبد الله بن ~~جبير مائة ألف دينار ، ولأصطفن بن يعقوب كاتب بيت مال الخاصة وخليفة دانيال ~~بن عيسى كاتب مؤنس الخادم الملقب بالمظفر مائة ألف دينار . PageV01P106 قال ~~عبد الرحمن فحدثني أبو الحسن سعيد بن ms119 عمرون سنجلا أن رزق ابن جبير لما كان ~~يكتب وهو بين يدي ابن الفرات في مجلس من مجالس ديوان الخراج خمسة وعشرون ~~دينارا . فلما تقلد ابن الفرات الوزارة بلغ به مائة دينار وأن رزق يعقوب بن ~~اصطفن كان في أيام مؤنس وهو ينوب عن دانيال بن عيسى عشرة دنانير . ثم بلغ ~~أربعين دينارا في وزارة ابن الفرات الثانية ، فظهر لهما من الحال ما قدر ~~فيها ألف ألف دينار . وحكى عبد الرحمن بن هشام بن عبد الله الملقب بأبي ~~قيراط كاتب ابن الفرات على ديوان بيت المال أنه قال له في بعض الأيام سرا : ~~قد وقفت على أنه قد اقتطع من بيت مال الخاصة ألف ألف دينار . وحمله ما حول ~~منه . فعلم من قوله اطلاعه على القصة ، وقال له : لن تعدم نصيبك يا أبا ~~القاسم . وأوصل إليه في أوقات مائة ألف دينار عظمت بها حاله ، وابتاع منها ~~ضياعا جليلة بنواحي واسط ، حتى كتب إلى القاهر بالله يخطب وزارته فدفع ~~رقعته إلى أبي العباس الخصيبي وسأله عنه ، فقال : هذا رجل جاهل أخذ من ~~المال في أيام ابن الفرات كذا وكذا المبلغ الذي ذكرناه وأنا أستخرجه منه . ~~وانصرف ووقع إليه : قد رسم تقليدك بعض الدواوين فاحضر . فقدر ان رقعته قد ~~حركت أمره ، وبادر فقبض عليه ، وأخذ خطه بمائة ألف دينار ، أدى بعضها وكتب ~~على ضيعته بباقيها ونفاه إلى الموصل . وحدث أبو علي عبد الرحمن قال : فلما ~~حصل أبو الحسن أخي بمكة خرجت للحج وتجديد العهد به ، ووصلت إليه واجتمعت ~~معه ، وورد عليه كتاب ابن الفرات بالإذن له في الحج ، لأنه كان محبوسا في ~~داره ، ممنوعا من التصرف على إيثاره ، ووافى بعد أيام أبو الحسن عبيد الله ~~بن عيسى أخي في الرفقة الأخيرة ، فسأله أخي عن شخوصه من مدينة السلام ووقته ~~. فقال : خرجت في آخر الناس لاحتباسي على لقاء ابن الفرات ووداعه . فقال ~~عبد الرحمن : فلما كان يوم الأربعاء لست خلون من ذي الحجة سنة تسع وتسعين ~~ومائتين مضيت إلى المسجد الحرام ارتفاع النهار ms120 ، وصليت وطفت وسعيت وعدت إلى ~~المسجد ، وجلست عند باب السهميين ، فوافاني خادم لنا أسود شيخ يقال له مقبل ~~غلام الجدة ، واستنهضني فنهضت إلى جوار المسجد ، وقال لي : اعلم أن سيما ~~الفلاني من غلمان الحجر لقيني الساعة وهو صديقي وأعلمني سرا أن ابن الفرات ~~قد قبض عليه . فورد علي من السرور ما لم أتمالك نفسي ، وبادرت إلى أبي ~~الحسن أخي ، وهو جالس يسبح . فعرفته ما PageV01P107 عرفني . فقال : ويحك ، ~~من أين له هذا ؟ قلت : قد أخبرتك بما خبرني به ، وما عنده زيادة عليه . ~~فقال : امض إلى أبي الحسين أخيك وسله عما عنده . فمضيت إليه وحدثته . فقال ~~: ما خلق الله لذلك أصلا وأنا آخر من ودعه وهو جالس للمظالم على أجل حال ~~وأنفذ أمر . فقال أبو الحسن أخي : فاقصد ابن مجاشع المنفق وسله . ففعلت ، ~~وكان قولا وقول أبي الحسين واحدا . وأمسكنا ، وشاع ذلك بمكة ، وكثرت به ~~الأراجيف . فلا والله ما كان إلا عند وصولنا إلى الحاجر راجعين حتى وافى ~~مؤنس الورقاني صاحب السرية ليلا لتلقي الحاج . فقال : أبشروا يا معاشر ~~الحاج ، قد قبض على ابن الفرات ، واتفق أن كان قريبا مني ، والليل يحجر ~~بينه وبين معرفتي ، فقلت له مبادرا : ومتى كان ذلك يا مبارك ؟ فقال : يوم ~~الأربعاء السادس من ذي الحجة . فورد علي من قوله وموافقه اليوم الذي سمعت ~~فيه ما سمعته ما عجبت منه واستطرفته ، ووجدت هذا الحديث مشاكلا حديث الرشيد ~~في موته بطوس وانتشار خبره بمدينة السلام في يومه . والحديث ماثور مشهور . ~~وأنشدت لأبي الحسن ابن الفرات : معذبتي هل لي إلى الوصل حيلة . . . وهل لي ~~إلى استعطاف قلبك من وجه فلا خير في الدنيا وأنت بخيلة . . . ولا خير في ~~وصل يكون على كره وقال جعفر بن حفص : مضيت قاصدا حتى رأيت أبا العباس بن ~~الفرات وأبا الحسن أخاه ينظران في الأعمال ، فنظرت إلى حفظ لأمر الدنيا لم ~~أر مثله ، ولو رآهما من تقدم من الكتاب لعلموا أنهم لم يروا مثلهما . وذكر ~~أبو علي الصولي قال : خرجت يوما مع أبي العباس النوفلي ms121 من دار أبي الحسن بن ~~الفرات مع صلاة المغرب ، فخرج معنا فراشان بشمعتين ، فلما نزلنا إلى ~~السميرية دفعا الشمعتين إلى غلماننا ، فرددناهما وامتنعنا من أخذهما ، ~~فقالا : قد أمرنا بأن ندفع إلى كل من يخرج من الدار عند اصفرار الشمس شمعة ~~. فقلنا : قد قبلناهما ووهبناهما لكما . فقالا : تريدان أن نعاقب ونصرف ؟ ~~وتركاهما ومضيا . وحدث أبو الفضل بن الوارث قال : لما قبض على أبي الحسن بن ~~الفرات في وزارته الأولى نظرنا فإذا هو يجري على خمسة آلاف إنسان ما بين ~~مائة دينار في الشهر إلى خمسة دراهم ، ونصف قفيز دقيقا إلى عشرة أقفزة . ~~PageV01P108 وحدث أبو العباس أحمد بن العباس النوفلي وكان جليسا لبني ~~الفرات قال : سمعت الوزير أبا الحسن قبل الوزارة يقول : ما رأيت أحدا قط في ~~داري أو على بابي ليس لي عنده إحسان إلا كنت أشد اهتماما بإيصال ذلك إليه ~~منه والاحتيال له . وحكي أن أبا الحسن بن الفرات ألس يوما للمظالم في سنة ~~ثمان وتسعين ومائتين . فتقدم إليه خصمان في دكاكين بالكرخ . وتأملهما فقال ~~لأحدهما : أرفعت إلى قصة في سنة اثنتين وثمانين في هذه الدكاكين ؟ ثم رجع ~~فقال له : سنك تصغر عن هذا . فقال : ذاك أبي . فقال : نعم ، قد كان رفع قصة ~~فوقعنا له فيها . ثم وقع بإخراج رفع القصص والتوقيعات في سنة اثنتين ~~وثمانين من الديوان . وقال للخصمين : كونا ها هنا . قال بعض من حضر المجلس ~~: فلما خرجت من عند الوزير أبي الحسن سمعت أحدهما يدعو له . فقلت له : ما ~~شأنك ؟ قال : لما سمع خصمي بهذا فر وعلم أن التوقيع كان بتسليم الدكاكين ~~إلى أبي . وقال الحسين الخادم المعروف بالمخلدي : سمعت خفيفا لسمرقندي ~~الحاجب يقول للمكتفي بالله : الخليفة الماضي لم يستغن عن ابني الفرات ~~ووزيره عبيد الله ابن سليمان ، كيف تستغني أنت عنهما ووزيرك القاسم ؟ قال ~~القاضي أبو علي التنوخي : أنشدني أبو الحسين علي بن هشام لنفسه لما قتل أبو ~~الحسن بن الفرات : فرات غاض من آل الفرات . . . ففاض عليه دمع المكرمات ~~سماء غودرت في بطن أرض . . . وبحر ms122 غاض في بعض الفلاة عسى الأيام آخذة بثأر ~~. . . فتأخذ لي بثأر المأثرات وحدث القاضي أبو علي قال : حدثني أبو الحسين ~~علي بن هشام قال : سمعت أبا الحسن بن الفرات يتحدث في مجلسه قال : كنا بعد ~~وفاة أبينا وقبل تصرفنا مع السلطان نقدم إلى بغداد من سر من رأى فنقيم بها ~~المدة بعد المدة ، ونتفرج ثم نعود ، وننزل إذا وردنا شارع عمرون بن مسعدة ~~بالجانب الغربي ، فبكرنا يوما نريد بستانا ، فإذا بخالد الكاتب والصبيان ~~يولعون به ، وقد اختلط وهو يرجم ويشتم ، ففرقناهم عنه ، ومنعناهم منه ، ~~ورفقنا به ، وسألناه أن يصحبنا وأنزلنا أحد غلماننا من مركوبه وأركبناه ، ~~وحملناه إلى البستان . فلما أكل وسكن وجدناه متماسك العقل ، بخلاف ما ~~رأيناه عليه ، وظنناه به ، وسمعناه عنه ، فقلنا له : ما الذي يلحقك ؟ فقال ~~: أكثر آفتي هؤلاء الصبيان فإنهم يزيدون علي حتى أعدم بقية PageV01P109 ~~عقلي وأصير إلى ما شاهدتموه مني . وأخذ ينشدنا لنفسه ، ويورد الحسن من شعره ~~. وطاب لنا يومنا معه . وأحب أخي أن يمتحنه في قول الشعر ، وهل هو على ما ~~كان أم قد اختل ، فقال له : أريد أن تعمل شيئا في الفراق الساعة ، فأخذ ~~الدواة وفكر وقال : عيني أكنت عليك مدعيا . . . أم حين أزمع بينهم خنت إن ~~كنت فيما قلت صادقة . . . فعلى فراقهم ألا بنت وحدث محدث عمن حضر مجلس أبي ~~الحسن بن الفرات في يوم من أيام نظره أن نسوة رفعن إليه قصة يشكون فيها رقة ~~أحوالهن ، وانتسبن إلى أنهن بنات ابن رستم ، فقدر أنه ابن رستم كاتب كان ~~بسر من رأى ، ووقع بأن يجري عليهن دقيق ودراهم في كل شهر . فلما انصرفن قال ~~له أحد الكتاب : ليس هؤلاء النسوة بنات ابن رستم الذي أشار الوزير إليه ، ~~وإنما هن بنات ابن رستم الذي كان مع بغا الشرابي . فقال : ليكن من كن فقد ~~أخذن رزقهن ، وإن حضر أولئك أجرينا لهن أيضا وأحسنا إليهن . وحدث أبو ~~الحسين أحمد بن محمد بن ميمون قال : كنت بحضرة أبي الحسن ابن الفرات في بعض ~~العشايا ، فقط الفراش الشمعة ms123 التي كانت بين يديه قطا استعجل فيه ، فسقط ~~منها شرار قرب منه ، وخاف الفراش فمضى مبادرا ، وتبعه خادم كان يرؤس على ~~حواشيه لينكر عليه ويضربه ، فصاح الوزير به وقال له : عد إلى مكانك ، أتراه ~~البائس تعمدني بما فعل واعتقد أن يحرقني ؟ وإنما اتفق ما اتفق على سبيل ~~الغلط . وحدث أبو الحسين قال : عرض أبو أحمد المحسن على أبيه عملا من أعمال ~~المغرب الذي كان يتولى ديوانه ، وقد أخطأ المحرر له فكتب سنة ثلاث وتسعين ~~ومائتين ، وأراد سنة ثلاث وثلاثمائة . فقال الوزير أبو الحسن : هذا غلط ~~وكان يجب أن يكون سنة ثلاث وثلاثمائة . فأظهر المحسن الغيظ على الكاتب ، ~~فقال له الوزير : كأني بك عند خروج وقد استدعيته ووبخته وعنفته . فبحياتي ~~عليك إن فعلت وعامل كتابك وأصحابك بفضل الحلم وحسن العشرة ولطف القول فإن ~~الناس لا يخلون من السهو . وكانت عادته جارية مع كتابه إذا وقف لهم على خطأ ~~فيما يعملونه أن يواقف صاحبه عليه من غير إنكار ولا تهجين ، ثم يسلم العلم ~~إليه ليتولى إصلاحه ، وإن طعن أحدهم على صاحبه في عمله أنكر قوله ورده وسهل ~~على المطئ خطأه وأقام فيه عذره . PageV01P110 وحدث محدث أن أحمد بن أيوب ~~صاحب خبره رفع إليه يذكر أنه كان له في وزارته الأولى سبعة دنانير برسم ~~النوبة . فلما تقلد الخاقاني قطعها وجعلها لرجل أسماه وسأله ردها عليه ، ~~فوقع على ظهر رقعته : أما إسقاط الرجل المثبت فلا أراه ولا أستجيزه ، ولكن ~~اطلب رسم رجل ساقط بأكثر من هذا الرزق لأوقع لك به ، وقد بلغني أن هذا ~~البائس قد التزم على ما أثبت باسمه جملة . ثم وقع لأحمد بن أيوب بمثل ما ~~كان له . وعرض عليه كتاب من صاحب ديوان الجيش أو صاحب الإعطاء يذكر فيه أنه ~~قد توفر من جاري جماعة من المشايخ والزمني ومن يجري أمره هذا المجري أسقطوا ~~نحو خمسمائة دينار ، فوقع على ظهره : إن كان هؤلاء أسنوا وأصيبوا في طاعة ~~السلطان وخدمته فليمض أمرهم ، أو كانوا بدلاء ودخلاء أقيموا مقام غيرهم ~~فليصدق عن ms124 صورتهم . ثم أتبع ذلك بأن قال : أمض أمر جماعتهم ، ولا تسقط أحدا ~~منهم فإنني أكره أن أقطع معيشة إنسان . وعمل قوم من الكتاب لأحمد بن العباس ~~بن عيسى بن شيخ وكان رجلا كبيرا مغفلا توقيعا بتضمينه آمد وجميع ما كان إلى ~~عيسى بن شيخ وتقلد . ونقل غلمانه من برسم الأحرار إلى رسم المماليك ، ~~وزيادته في أرزاقه وأرزاق من معه ، وضم جماعة من الرجال إليه ، وصار الشيخ ~~إلى ديوان المغرب ، وتنجز الكتب وأخرجت له الخروج ، وبينما هو في ذلك شك ~~أبو أحمد المحسن في بعض ما عرض عليه ، واستثبت أباه فيه ، فأنكره واستعظم ~~الإقدام عليه بمثله ، وأمر بإحضار الشيخ . فلما حضر غلظ عليه في القول وقال ~~له : ما حملك على هذا القول ؟ . فقال : خدمتك وأن أظهر كفايتي عندك ، وأراك ~~قد استكثرت لي هذا العمل ، وهذا بلد لم نزل نتولاه ، وقد تقلده أخي وابن ~~أخي وما أنا بدونهما . وأقبل يخاطبه مخاطبة المحاج المناظر لا الجاني ~~المحاذر . فضحك منه عندما سمعه من قوله . وعلم أنه استغفل واحتيل عليه . ~~فقال له : عرفني من أخرج هذه التوقيعات لك ، فأقر على جماعة من الكتاب ، ~~أحضر بعضهم وحبسوا أياما ثم أطلقوا ، ولم يعرض للشيخ ولا لحقه منه مكروه . ~~وحدث محدث أن بنات محمد بن سعيد الأزرق الأنباري الكاتب الذي كان يتقلد ~~PageV01P111 أمر الجيش وقبض عليه مع أصحاب عبد الله بن المعتز ، ومات في ~~حبس مؤنس رفعن إلى أبي الحسن بن الفرات أن وكيلا كان لأبيهن غلبهن على ماله ~~وأنكرهن إياه ، وابتاع عقارات ومستغلات به . فنظر إليهن نظرا رق فيه لهن ، ~~ودمعت عيناه عطفا عليهن ورأفة بهن ، وتقدم بإحضار الوكيل . فلما حضر خاطبه ~~على ما ادعينه عليه ، فأنكر أن يكون محمد بن سعيد خلف في يده مالا ، وجحد ~~ذلك جحدا شديدا . وأمر الوزير أحد أصحابه بالمسألة عن حال الرجل وما كان ~~يتصرف فيه قبل أن يصحب محمد بن سعيد ، وما تصرف فيه بعده ، وإعلامه ذلك على ~~صحة . فامتثل صاحبه ما رسمه له ، وعاد وعرفه أن هذا الوكيل ما ms125 تصرف قبل ~~محمد بن سعيد ولا معه ولا بعده تصرفا يقتضي كسبه الذي في يده . فأعاد ~~إحضاره ، ولم يزل يراوضه إلى أن اعترف عنده ببعض ما ادعي عليه ، وأشهد ~~لبنات محمد بن سعيد بشيء من العقار الذي كان ابتاعه . فأحياهن بما استخلصه ~~لهن ، وسترهن بما أعاده إليهن . وذكر أبو القاسم بن زنجي أن أبا الحسن بن ~~الفرات خوطب في معنى أسماء بنت عيسى أخت أبي الحسن علي بن عيسى وزوجة علي ~~بن محمد بن داود ، وعرف رقة حالها واختلال أمرها ، فرد عليها الضيعة ~~المقبوضة عن محمد بن داود بكوثي ونهر درقيط ، وأجرى عليها خمسمائة درهم في ~~كل شهر من ماله . فلما تقلد أبو الحسن علي بن عيسى أخوها منعها ذلك . ووجدت ~~ثبتا بما كان أبو الحسن بن الفرات يخاطب به السيدة والأمراء وأولاد الخلفاء ~~والولاة والكبراء وأصحاب الأطراف وعمال الأعمال وسائر الطبقات في كتبه ~~توقيعا به إليهم أيام وزراته الثالثة . وقد تغيرت الرسوم ووهت الأمور ووقع ~~التسمح منه فيما كان من قبل يضايق فيه ، فأوردته متعجبا ومعجبا من التفاوت ~~الشديد بين ما كان وبين ما نحن عليه الآن ، فإننا اليوم في انخراق قد زاد ~~وأسرف ، وتمادى وما وقف ، حتى أن الملوك ومن بعدهم من الوزراء قد أنفوا من ~~ذكرهم بسيدنا ، واستقلوا خطابهم بمولانا ، فعدل الناس بأولئك إلى الحضرة ~~الشريفة ، والحضرة العالية والحضرة السامية ، وبالوزراء إلى مثل ذلك . ثم ~~كنوا عن الخلفاء بالموقف الأشرف المقدس ، وذكروه بالمقام الأطهر النبوي ، ~~ونقلوا الملك إلى الأشرف والأعظم . وقالوا في الدعاء : نوره الله ونصره ~~الله : إلى ما بعد ذلك من المغالاة والمبالغة ، وانتهت هذه الحال إلى أن ~~شاركهم فيها الأكابر من أصحاب الأطراف ، ووقفوا بالوزارة على الحضرة ~~السامية . ثم ألحقوا بها : المظفرة والمنصورة ، مع النسبة إلى الألقاب ~~كالوزيرية والعميدية والكمالية ، وما أرى هذا المجرى ، وداخلهم في ذلك من ~~يتلوهم من خلفائهم ، وأصحاب الجيوش وأمراء العرب والأكراد . PageV01P112 ~~واتسع هذا الباب ، فدخل فيه كل من أراد من غير احتشام ولا ارتقاب . ولا ~~أعرف معنى للموقف ولا الحضرة ms126 ، لأنه إشارة إلى غير شخص متمثل ، وعبارة عن ~~غير محسوس متشكل ، وما الذي يتعلق بالمخاطب من ذلك ؟ أم أي موضع للدعاء إذا ~~كان لما لاحظ له فيه ، ولا عائدة عليه منه ؟ ولقد استخير من هذا الأمر ما ~~لا جمال فيه ، ولا جلالة ولا عظم ولا فخامة . وإنما يشار إلى الحضرة ~~والموقف كما يشار إلى الباب الذي يطرقه الزوار والوفود ، والمجلس الذي يكون ~~فيه المثول والقعود والمقام الذي يكون فيه الحضور والوقوف . فأما الخلفاء ~~فذكرهم بالسادة وأمير المؤمنين التي لا يشاركون فيها ، ولا يجاذبون عليها ~~أولى وأعلى من هذه الفقاقيع التي لا تفيد معنى . وأما الملوك والوزراء ~~فذكرهم بالسيادة والملك والوزارة وما هو جار ذلك المجرى كان أحرى ولخلصوا ~~من المشاركة الواقعة ، وحصلت لهم منزلة الانفراد بهذه السمة الرائعة ، ~~وإنما تبين الرتب إذا تفاوتت ، وتظهر المنازل إذا تباينت ، وأما أن يبتدر ~~الرئيس والمرؤوس بحالة واحدة ، ويجروا في طريقة جامعة ، فإن ذلك يدعو إلى ~~التساوي ويخلط الأدون بالعالي ، ولو أعيد الوقوف بالخلفاء على : سيدنا ~~ومولانا أمير المؤمنين ، وأفراد الملوك بمولانا الملك ، واقتصر بالوزراء ~~على : سيدنا الوزير ، واتبع في ذلك ما كان معهودا من قبل ، وطبق من بعدهم ~~على حكم منازلهم ، وقدر مواقعهم ، لكان التمييز موجودا ، والاختلاط مفقودا ~~، على أنه لم يكن يعرف فيما مضى مولانا ، ولا مولاي ، ولا سيدين وإنما كان ~~التكاتب والتخاطب بالدعاء فقط . ولقد بلغني أن بعض خواص المقتدر بالله رحمة ~~الله عليه سأل أبا الحسن علي بن عيسى زيادة أحد العمال المتقدمين في خطابه ~~، وكان يخاطبه : بأعزك الله ، فامتنع عليه امتناعا شديدا ، وعاوده حتى وعده ~~. وكتب إلى الرجل : بأعزك الله . ممدود ما بين العين والزاي فقال ألم يعدني ~~الوزير بالزيادة ؟ قال : قد فعلت . قال : في أي شيء ؟ . قال : كنت أجمع بين ~~العين والزاي . وقد مددت بينهما مدة وهي الزيادة . فكان القوم على هذه ~~الصورة من المناقشة ليبين الترتيب فيها ويلوح التطبيق في مجاريها . فأما ~~عصرنا هذا فقد اختلفت الرسوم وانقلبت الأعيان فيه ، وقلت المراعاة لما كانت ~~موكولة به ، وصارت ms127 ملوكه المدبرون للأمر يخاطبون وزراءهم بمولاي الأجل وزير ~~الوزراء أدام الله علوه . ومن بعدهم من أصحاب الجيوش وأمراء العرب والأكراد ~~، وخلفاء الوزراء ومن PageV01P113 جرى مجراهم بالأجل . على الكناية . ~~ويجمعون في الأجل بين وجوه الكتاب والأتراك والحواشي وحتى القضاة والشهود . ~~فأما الألقاب فقد خرجت عما يحاط به ويوصف أو يأتي عليه حصر ، وصار لقب ~~الأصغر أعظم من لقب الأكبر . ومن أنموذج هذا الإفراط والاختلاط أنني كنت ~~أشاهد الوزراء في آخر أيام عضد الدولة ، وأيام صمصام الدولة يذكرون عنهما ~~بأبي فلان فلان بن فلان أدام الله عزه . وأراهم وأرى خلفاءهم وأصحاب ~~الدواوين ونطراءهم وزعماء الجيوش ومن يتلوهم من القواد وخواص الناس من سائر ~~الأصناف ينزلون من دوابهم في الباب العام من دار المملكة في أماكن ما يقنع ~~اليوم بما كان الوزراء إذ ذاك منها كاتب طائفة من الأتراك ، وكان البوابون ~~يدعون بدابة الوزير غلام الأستاذ ، مطلقا بغير كنية . ومن بعده بالكني ~~الذين يفضلون في مراتب أربابها بإعلاء الصوت وخفضه . وبعد المدى وقربه ، ~~ويقتصرون في الأقل الأدنى على اللفظ المدغم الذي لا يرفع ولا يكاد يسمع ، ~~هذا فيمن يتميز أدنى تميز . فأما الجمهور الأكبر فلا يفعل معهم ذلك ، وأوسط ~~الكتاب والحواشي يدعى بدابته اليوم بغلام الرئيس الأجل ، والأجل مع اللقب ~~إن كان ، مع غير تمييز ولا ترتيب . لا جرم أن الرتب قد نزلت لما تساوت ، ~~وسقطت لما توازت . ولم يبق لها طلاوة يشار إليها ولا حلاوة يحافظ عليها . ~~حتى لقد بلغني عن مولانا الخليفة القائم بأمر الله أطال الله بقاءه أنه قال ~~: لم تبق رتبة لمستحق . ومن أطرف طريف أن السلطان أطال الله بقاءه يذكر ~~القضاة والشهود بالأجل والجليل . وقاضي القضاة يوقع إليهم بما يقول فيه : ~~أبو فلان فلان بن فلان أيده الله يفعل كذا . ومعلوم أن ذلك مما يتفاوت ~~ويتباين ولا يتناسب ، وعهد وأنا أوقع في قصص المتظلمين في أيام صمصام ~~الدولة عن أبي إسحاق جدي في ديوان الانشاء إلى قضاة الحضرة الناظرين فيها : ~~أبو فلان فلان بن فلان القاضي أعزه الله ms128 ، والقاضي مؤخر ، وربما تقدم لمن ~~تميز . وإلى قضاة النواحي : فلان بن فلان الحاكم ، بغير كنية ولا دعاء ولا ~~ذكر قضاء . وأما المناشير فلم تجر العادة فيها بذكر أحد بكنية ولا دعاء . ~~وقد فعل في زماننا ذلك على PageV01P114 الزيادة والتناهي . والعلة في ألا ~~يذكر الناس بالكنية والدعاء أن ذكر السلطان يكون فيها بألقابه خاصة من دون ~~الدعاء ، فلا يجوز أن يقع التميز عنه . فظاهر قولنا : هذا كتاب من فلان ~~لفلان ، إخبار عن الكتاب ولذلك يقال في الكتب عن الخلفاء : من عبد الله ~~أمير المؤمنين إلى فلان ، إما بلقب ونية بغير لقب أو باسم دون الكنية ~~واللقب . ولا يدعى للمكتوب عنه حتى إن استتم التصدير استوقف الدعاء بعد ~~قولهم : أما بعد . فقيل : أما بعد ، أطال الله بقاءك وأمتع بك . وما شاكل ~~ذلك وما كان الأصل . فما تغير عن الرسوم الصحيحة واستوقف من هذه الفقاقيع ~~الطريفة إلا أبو الحسن علي بن عبد العزيز بن حاجب النعمان . فإن القادر ~~بالله صلوات الله عليه منعه بعد فخر الملك أبي غالب من مخاطبة أحد من ~~الوزراء بمولانا . فلما ورد أبو محمد بن سهلان إلى بغداد كتب إليه : بسيدنا ~~. فأنكر أبو محمد ذلك ، ورمى بالرقعة وقال : يزيدني وينقصني عما كان يخاطب ~~به أبا غالب ، لا أرضى بهذا ولا أقبله ولا أقرأ له رقعة به . ومضت مدة فكتب ~~إليه : بالحضرة العالية الوزيرية على ما يكتب الآن فاستنكر ذلك وقال : هذا ~~فرار من : مولانا . ولا أقنع به . فقيل له : هذا أجل وأعظم ، وأعلى وأفخم ، ~~وما منعك من : مولانا . إلا لأن الخليفة حظر عليه خطاب أحد بمولانا سواه . ~~فقبل هذا القول وتصور زيادة به لا نقيصة . فاقتفى الناس أثره فيه . ثم أخرج ~~أبو الحسن في ذكر الخليفة : الحضرة المقدسة النبوية . اختراعا جعله قربة ~~فصار سنة ، وأشرك به : السدة النبوية . ومضى من هذا الفن ما خرق به العرف ~~والعادة ، وأسقط معه القوانين القديمة المعهودة ، وتجاوز هذه المنزلة إلى ~~أن صارت كتابته عن الخليفة بالخدمة ، وتصرف في ذلك حتى قال : قالت الخدمة ms129 ، ~~وفعلت الخدمة ، وسئلت الخدمة . حتى رأيت بخط أبي الحسن بن أبي الشوارب ~~القاضي في ترجمة رقعة : خادم الخدمة الشريفة فلان بن فلان . ومضى من يعرف ~~الأصول ، ونشأ من لم يعرف ولم يسمع إلا بهذه الفروع ، فخالها الصحيح ، ~~وتعدى الأمر من حال إلى حال ، في الباطل والانتقال ، حتى أفضى هذا إلى ~~الاختلال والانحلال . PageV01P115 # | المخاطبات عن أبي الحسن بن الفرات # أولاد المقتدر بالله : أطال الله بقاء الأمير . والدعاء عدة سطور . ~~والترجمة : عبده ، علي بن محمد ، بغير كنية ، السيدة أم المقتدر بالله : ~~مثل ذلك ، الخالة : أطال الله بقاء الخالة . والدعاء عدة سطور . والترجمة : ~~للخالة أطال الله بقاءها . من علي بن محمد ، أولاد المعتضد بالله والمكتفي ~~بالله : أطال الله بقاءك يا سيدي . والدعاء عدة سطور والترجمة : لأبي فلان ~~، بأجل دعاء ، من علي بن محمد . ثمل وزيدان القهرمانتان : أطال الله بقاءك ~~. ويتمه بثلاثة سطور دعاء . والعنوان : لثمل أو لزيدان القهرمانة ، من أبي ~~الحسن . ثم زاد زيدان خاصة : يا أختي . نصر بن أحمد صاحب خراسان ، وثلاثة ~~أسطر هي : أطال الله بقاءك ، وأدام عزك وتأييدك ، وسعادتك وكرامتك ، ~~وسلامتك وعافيتك ، وأتم نعمته عليك ، وزاد في إحسانه إليك ، وفضله لديك ، ~~وجميل مواهبه عندك ، وجزيل قسمه لك ، وجعلني من كل سوء ومكروه فداك ، ~~وقدمني قبلك . والفصول : أدام الله عزك . وفي آخر الكتاب : فإن رأيت . . . ~~والعنوان : لأبي فلان ، أطال الله بقاءه وأدام عزه وتأييده وسعادته وسلامته ~~ونعمته . من علي بن محمد بلا كنية . مؤنس المظفر : أطال الله بقاءك ، وأعزك ~~وأكرمك ، وأتم نعمته وإحسانه إليك . العنوان : لأبي الحسن أطال الله بقاءه ~~، من أبي الحسن . أبو القاسم نصر الحاجب وأبو القاسم يوسف بن داود ابن أبي ~~الساج لما جمعت له أعمال أرمينية وأذربيجان والري وقزوين وزنجان وأبهر . ~~أطال الله بقاءك ، وأدام عزك ، وأكرمك ، وأتم نعمته عليك وأدامها لك ~~والعنوان : لأبي القاسم أدام الله عزه نصر الحاجب مولى أمير المؤمنين ، من ~~أبي الحسن . PageV01P116 شفيع اللؤلؤي وشفيع المقتدري وبشر الشرابي وبدر ~~الحرمي ومفلح الأسود وهارون بن غريب الخال وأحمد بن بدر العم ونازوك وياقوت ~~: أعزك ms130 الله وأطال بقاءك ، وأكرمك وأتم نعمته عليك . العنوان : لأبي فلان ~~أعزه الله . من أبي الحسن . فلان مولى أمير المؤمنين ، أمير الشام وأجنادها ~~، والمسمعي ، ومن يتقلد فارس وكرمان ، وصيف البكتمري وهو يتقلد جند قنسرين ~~والعواصم وأنطاكية ونجح الطولوني . أمير أصبهان ، ومن يتقلد الموصل وقردي ~~وبزبدي وديار ربيعة : أعزك الله ومد في عمرك وأتم نعمته عليك وإحسانه إليك ~~. العنوان : لأبي فلان أدام الله كرامته . من يتقلد ديار ربيعة وديار مضر ~~مفردا ، وأمراء الثغور الشامية ، والثغور الجزرية ، محمد بن أحمد بن بدر ~~العم ، وأمير واسط ، محمد بن عبد الله الفارقي ، أمير البصرة ، وأحمد بن ~~هلال صاحب عمان ، أمير همذان وماه البصرة وماه الكوفة والإيغارين ، غريب ~~الجيلي ، وغريب الكبير ، وأبناء رائق وفريد إذا لم يكونوا ولاة : مد الله ~~في عمرك وأكرمك ، وأتم نعمته عليك وإحسانه إليك . العنوان : لأبي فلان ~~أكرمه الله . أمير الرحبة وهيت وعاملها ، وعمال المشرق ، وأمير ماسبذان ، ~~ومهرجان نقذق ، أمير الطيب وقرقوب وجوخي ، المسمعي صاحب أيذج والبنيان ~~وواسط والزموم : أكرمك الله وابقاك ، وأتم نعمته عليك ، وأدامها لك . ~~العنوان : لأبي فلان أعزه الله . عبد الله بن حمدان ، وجعفر بن ورقاء ، ومن ~~يجري مجراها إذا لم يكونوا ولاة : مد الله في عمرك ، وأتم نعمته عليك ~~وإحسانه إليك . العنوان : لأبي فلان أدام الله كرامته . ولباقي القواد : ~~أكرمه الله . صاحب اليمن والتيز ومكران ، والمتقلد الكوفة وأعمالها : أكرمك ~~الله ومد في عمرك ، وأتم نعمته عليك وأدامها لك . العنوان : لأبي فلان ~~أكرمه الله . أبو أحمد المحسن ابن الوزير : أطال الله بقاءك . وتمام سطرين ~~. العنوان : لأبي أحمد أطال الله بقاءه وأدام عزه وتأييده وسعادته . وباقي ~~الولد بمثل ما يدعى لمؤنس إلا ابن دولة الأصغر فإنه كان يكتب على العنوان : ~~لأبي علي أبقاه الله طويلا في عافية وسلامة . وكذلك كان يكتب عبيد الله بن ~~سليمان إلى القاسم ابنه إلى أن استخلفه على الوزارة . أصحاب PageV01P117 # | الدواوين ثلاثة طبقات # # | الطبقة الأولى : مثل شفيع المقتدري وطبقته . الطبقة الثانية : مثل ~~المسمعي وطبقته . الطبقة الثالثة : مثل عامر ديار ربيعة # # | العمال # عامل مصر مثل أميرها ، عامل ms131 الشام مثل أميرها ، عامل فارس مثل أميرها ، ~~عامل أصفهان مثل أميرها ، عامل البصرة مثل أميرها ، عامل الثغور مثل أميرها ~~، عامل الأهواز إذا اجتمعت أعمالها مثل عامل فارس ، عامل الري مثل عامل ~~أصفهان . فأما حامد بن العباس فكان يجري في الدعاء مجرى أمير الشام وعاملها ~~، إلى أن أرفق ابن الحواري وأم موسى القهرمانة وأصحاب الدواوين مالا جليلا ~~فألحق بصاحب مصر ، ودعاؤه : أدام الله عزك وأطال بقاءك وأكرمك وأتم نعمته ~~عليك وإحسانه إليك . العنوان : لأبي محمد أطال الله عزه حامد بن العباس . ~~من أبي الحسن # | القضاة # أبو جعفر أحمد بن إسحاق بن البهلول ، وأبو عمر محمد بن يوسف : أعزك الله ~~وأكرمك ، وأتم نعمته عليك وأدامها لك . والعنوان : لأبي فلان أدام الله ~~كرامته فلان بن فلان ، من أبي الحسن . أبو محمد الحسن بن عبد الله بن أبي ~~الشوارب ، وأبو عبد الله الحسين بن إسماعيل المحاملي : مد الله في عمرك ~~وأدام كرامتك ، وأتم نعمته عليك وإحسانه إليك . العنوان : لأبي فلان أدام ~~الله كرامته فلان بن فلان . من أبي الحسن . أبو عبد الله بن أبي موسى وأبو ~~الحسين عمر بن الحسن الأشناني وإليهما إذ ذاك PageV01P118 القضاة في نواح ~~جليلة وهما مقيمان بالحضرة وأبو طالب بن البهلول قاضي مصر إذا كان واحدا ، ~~والقاضي بفارس ، والقاضي بالأهواز إذا اجتمعت له أعمالها ، والقاضي بأصبهان ~~والقاضي بالري : مد الله في عمرك وأكرمك وأتم نعمته عليك وأدامها لك . ~~العنوان : لأبي فلان ، أكرمه الله فلان بن فلان . من أبي الحسن . قاضي ~~الجبل سوي الري وقاضي مهرجا نقذق وماسبذان وقاضي واسط ومن يجري مجراهم : ~~أكرمك الله وأبقاك وأتم نعمته عليك وأدامها لك . العنوان : لأبي فلان أبقاه ~~الله فلان بن فلان . فأما قضاة طساسيج السواد إذا فرقت طسوجا طسوجا : حفظك ~~الله وأبقاك وأمتع بك . والعنوان : لأبي فلان حفظه الله . ومن الجانب الآخر ~~: فلان بن فلان . أصحاب المظالم والحسبة وأسواق الرقيق والعيار والمواريث ~~على طبقتين . الطبقة الأولى : من يتولى مصر والأهواز أو فارس أو الري ~~وأعمالهما وأصبهان ، وخطابهم : أكرمك الله وابقاك ، وأتم نعمته عليك ms132 ~~وأدامها لك . والعنوان : لأبي فلان ، أبقاه الله فلان بن فلان من أبي الحسن ~~. الطبقة الثانية : باقي المحتسبة والمطالبين : حفظك الله تعالى وأمتع بك . ~~عامل طساسيج السواد ، وعامل المستغلات بالحضرة ، وعامل الجوالي بها ، وعامل ~~سوق الغنم ، وعامل دار البطيخ والقطن : مثل المحتسبة ، إلا ابن بطحا محتسب ~~الحضرة وسوق الرقيق خاصة فإنه يجري مجرى الطبقة الأولى : الذراع والمهندسون ~~إذا اجتمع لواحد منهم أعمال كثيرة فخطابهم : حفظك الله وأبقاك ، وأمتع بك . ~~وإذا كانوا ذا عمل واحد : حفظك الله وعافاك . والعنوان : لأبي فلان أكرمه ~~الله . ويبيض الجانب الآخر . المستحثون ؛ يدعى لهم مثل ما يدعى للذراع ~~الجليل . التجار المبتاعون للغلات : عافانا الله وإياك من السوء . والعنوان ~~: إلى فلان ابن فلان ، بغير كنيه . المنفقون في الإعطاء إذا جمعت للواحد ~~منهم أعمال مصر أو أعمال الشام كلها أو PageV01P119 الأهواز أو فارس أو ~~الري أو الجبل أو أصفهان فخطابهم : أكرمك الله وأبقاك ، وأتم نعمته عليك ~~وأدامها لك . والعنوان : لأبي فلان أبقاه الله فلان بن فلان . من أبي الحسن ~~. وإذا كان إليهم ما دون ذلك : فأبقاك الله وحفظك وأتم نعمته عليك . ~~والعنوان : لأبي فلان حفظه الله ، فلان بن فلان ، من الجانب الآخر . يوسف ~~بن فنحاس ، وهارون بن عمران وزكريا بن يوحنا وجهابذة الحضرة ، يوقع إليهم ~~توقيع : أبقاك الله . وعلى رأسه : أبو فلان فلان بن فلان أبقاه الله . صاحب ~~ديوان البريد والخرائط ، مثل الطبقة الثالثة من كتاب الدواوين ، وإذا تقلد ~~البريد على الوزير وأصحاب الدواوين قائد أو خادم ، وانفرد بذلك دون غيره ~~مما هو أجل منه ، كوتب : أعزك الله وأطال بقاءك وأكرمك ، وأتم نعمته عليك ~~وإحسانه إليك . فأما أبو مروان عبد الملك بن محمد بن عبد الملك الزيات ~~الخرائطي فكان يتولى ديوان الخرائط المسمى ديوان البريد وحده ثلاثين سنة ، ~~وكان يكاتب : مد الله في عمرك ، وأكرمك ، وأتم نعمته عليك ، وأدامها لك . # | أصحاب البرد وسائر النواحي # الطبقة الأولى ممن يتقلد الأعمال الجليلة : أكرمك الله ، ومد في عمرك ، ~~وأتم نعمته عليك وأدامها لك . والعنوان : لأبي فلان فلان بن فلان ، أكرمه ~~الله ، من ms133 أبي الحسن . والطبقة الثانية منهم : أكرمك الله وأبقاك ، وأتم ~~نعمته عليك وأدامها لك . والطبقة الثالثة : حفظك الله وأبقاك وأمتع بك . ~~وعلى مثل ذلك يكاتب أصحاب الخرائط في النواحي . وأصحاب الوزير الذين من ~~قبله : أبقاك الله . وحدث أبو علي بن هبنتي القنائي قال . كان بشر بن علي ~~كاتب حامد صديقا لي ولأبي يعقوب أخي . فلما تقلد أبو الحسن بن الفرات ~~الوزارة في الدفعة الثالثة ، واستعرت الدنيا نارا بشر ابنه المحسن ، وتسلطه ~~وتبسطه ، طلب بشرا وأبا محمد بن عينونة في جملة من طلبه ، وتتبعه وكبس عليه ~~واستقصى في أمره . فأما بشر فإنه أخذ لنفسه عند القبض على حامد صاحبه بأن ~~استتر وأخفى نفسه وشخصه . وأما ابن غينونة فإنه حصل عندي حصولا لم أعلم أخي ~~به خوفا من أن يحلف فيدل عليه . واتفق أن كتب أخي إلى بشر رقعة ضمنها كل ~~إرجاف وفضول وما اطلع عليه من تقرر الأمر لأبي القاسم الخاقاني وقرب تقلده ~~إياه ، PageV01P120 وأنه قد أحكم له ما يريد منه . وأجابه بشر في تضاعيفها ~~بما شاكل الابتداء من غير تحفظ ولا تحرز ، فاختلطت الرقعة بين يدي أخي ~~بمكاتبات وحسبانات ضيعته وغير ذلك مما لا فكر فيه . وكتب أبو أحمد عبيد ~~الله بن محمد أخو أبي إبراهيم موسى بن محمد وكان يتولى نصيبين إلى المحسن ~~بما قال فيه : إن أردت ابن عينونة وعبد الرحمن بن عيسى ابن داود فهما عند ~~ابن القنائي . فما شعر أبي وأخي في يوم الأحد النحس إلا بمريب خادم المحسن ~~قد كبسهما في جماعة من الرجالة ، وفتش جميع الدور والحجر والبيوت ، ولم يبق ~~غاية إلا بلغها في الاستقصاء والاحتياط . فلما لم ير أحدا عدل إلى ما كان ~~بين أيديهما من رقاع وحساب ، فجمعه وحمله إلى المحسن ، وفي جملته رقعة بشر ~~المشتملة على العجائب . ورأى أخي ذلك ، فمات في جلده ، ولم يقصد داري أحد ~~اكتفاء بما جرى على دار أبي وأخي ، وعلم ابن عينونة ، وكان في الوقت سكران ~~لا فضل فيه لحركة . فحدثني أبو منصور فرخانشاه صهرنا قال : كان ms134 خبر الرقعة ~~عندي ، وقد علمت أنها حصلت في جملة ما أخذه مريب من الرقاع التي بين يدي ~~أبي يعقوب . فأنا على مثل النار للإشفاق عليه منها ، ولم أزل أمشي خلف مريب ~~وهو متأبط لما أخذه إذا انسلت الرقعة بعينها بتفضل الله جل وعز من بين سائر ~~الكتب والرقاع ، وسقطت إلى الأرض ولم يشعر مريب بها ، وأخذتها أنا وبادرت ~~إلى مستراح وطرحتها فيه ، وهدأت نفسي عند ذلك . قال أبو علي بن هبنتي : ~~ومضى أبي وأخي مع مريب إلى المحسن ، ووقف على الكتب والرقاع وقرأها ، فما ~~وجد شيئا أنكره وخاطبهما بالجميل والاعتذار ، وعرفهما السبب الذي من أجله ~~أنفذ إليهما . وكتب الوزير أبو الحسن أبوه ينكر عليه ما فعل ، وانصرفا ~~مكرمين ، وزالت البلية المخوفة بانسلال تلك الرقعة من بين الرقاع المأخوذة ~~، ولله الحمد والمنة . وحدث أبو علي قال : خرج إلي في يوم من أيام وزارة ~~أبي الحسن علي بن الفرات الأخيرة وقد ابتدأ المحسن ابنه في مصادرة الناس ~~وقتلهم ، وقتل أحمد بن حماد الموصلي وغيره سعيد وعبد الله إبنا الفرخان ، ~~وأنا في ديوانهما فقالا لي : كنا الساعة مع الوزير في أمر طريف . قلت : فما ~~هو ؟ قالا : قال لنا : عمل أبو معشر مولدي ، وحكم فيه بأشياء عظيمة صحت ~~كلها وقال : إن علي في سنة سبعين من عمري نكبة عظيمة يكون سببها بعض ولدي ~~وأنا في السبعين . وقد دخل هذا الفتى أعني المحسن ولده من مكاره الناس فيما ~~PageV01P121 نسأل الله السلامة من عاقبته . قلت لهما : فأي شيء قلتما له ؟ ~~قالا : ما قلنا له شيئا . قلت : قد غششتماه ، فإنه كان يجب أن تشيرا عليه ~~بقبض يده وصرفه ، وأن يستعمل من الخير ما يقربه إلى الله وإلى الناس . قالا ~~: لم نجسر على أن نواجهه بهذا الرأي ، ولكن أباك متمكن منه ، فقل له حتى ~~يشير عليه به . فقلت : أبي لا ينكب بنكبته ، وأنتما أولى بالاشفاق عليه ، ~~وعلى نفوسكما . قال أبو علي : وكنت قد حصلت طالع وقت نظره ومولده المحسن ~~ابنه . فجلعت أنظر فيهما وأسير الكواكب منهما حتى عرفت ms135 من ذلك يوم نكبته ، ~~وصرت إلى أبي بشر بن فرجويه قبل ذلك بخمسة عشر يوما فذكرته له ونبهته عليه ~~، وحذرته من أن يقع كما وقع في الدفعة الوسطى . فقال لي : ما أصنع وأنا ~~منوط بهذه الأعمال التي ترى . وبماذا أحتج على صاحبي ؟ قلت : تعالل وتأخر . ~~قال : لا يتم لي ذلك إلا بأمره . قلت : فالله الله أن تحكي له ما عرفتك ~~إياه شيئا ؛ فإنه يقبح مواجهته به . ولكن اذكر ما عليه الناس من الإرجاف ، ~~وما يتحدث به من كون الاختلاط ، وما جرى عليك حين أخذت من المكروه الغليظ ~~في جسمك ، وأنك تخاف أن يلحقك مثله فتتلف وتستأذنه في التعالل والتأخر . ~~فإني ألازم الديوان مع خليفتك أبي محمد المادرائي ولا أفارقه حتى يقضي الله ~~بما هو قاض . قال : نعم . واجتمعنا من غد فخلا معي وقال لي : جاريت الوزير ~~ما جرى بيننا على جهته فقال لي : من قال لك هذا ؟ فإنه قد صدق فيه وأصاب ، ~~ونصح لك في الرأي ، لأن أبا معشر حكم في مولدي بنكبة مريخية في سنة سبعين ، ~~وهذه سنة سبعين ، وقد بقي من الأيام إلى الوقت الذي قاله أبو معشر كذا وكذا ~~يوما ؛ قلت : فلان . قال : قد سرني أن كان في هذه المنزلة من الصناعة ، ~~فاقبل ما أشار به ولا تخالفه ، فأنا ماض الآن لأستتر ، فالزم أنت الديوان ~~ولا تخل به ، ومن سألك عني عرفه أنني عليل حتى ننظر ما يكون . قلت : استخر ~~الله . ثم مضى واستتر أياما ، ثم لم أشعر به إلا وقد حضر الديوان ، فسألته ~~عن سبب حضوره مع قرب المدة . قال : أرجو ألا يكون لما حكمت به وحذرت منه ~~أصل ، ومتى تطاول انقطاعي عن صاحبي لم آمن من فساده علي . فما مضت شهد الله ~~خمسة أيام حتى قبض على ابن الفرات ، وكان تقديري له أن ينكب في يوم الاثنين ~~، فنكب في يوم الثلاثاء بعد يوم التقدير ، وحصل في الحبس ، وأفلت أبو بشر . ~~فحدثني الموكل كان بابن الفرات قال : مكث أياما كاسف البال شديد الاشفاق ، ~~حتى إذا كان ms136 يوم ضربت فيه عنقه جزع جزعا شديدا وقال لي : ويحك ، جاء الوزير ~~اليوم ؟ قلت : لا . قال : أرجو الله وأتوكل عليه . فسألته عن قصته . قال : ~~قد حكم لي PageV01P122 أبو معشر في مولدي أنني متى سلمت في هذا اليوم ~~انحسرت المحنة عني ، وزالت المخافة علي ، وتجددت لي حال جميلة ، فأنا قلق ~~إلى أن يتصرم النهار . فما زال على هذه الصورة حتى سمع الحركة وأصوات ~~الرجال والغلمان . فقال لي : ما الخبر ؟ قلت . الأمير نازوك قد حضر . قال : ~~إنا لله وإنا إليه راجعون ! ذهبت والله . ولم يكن بأسرع من أن دخل عليه ~~فضربت عنقه . وحدث أبو القاسم بن زنجي قال : تظلم إلى ابن الفرات في وزارته ~~رجل من أهل السواد من بعض العمال . وذكر أن ضيعته قطيعة ، ورسمها قديم ، ~~وأنه قد عومل فيها على معاملة الإستان ، وسأل إنصافه وإزالة الظلم عنه ، ~~وحمله على رسمه ، وكتب إليه رقعة في هذا المعنى ، فوقع عليها بإخراج الحال ~~. فأخرج من ديوان السواد خرج حكي فيه : أنه رجع إلى جماعة العامل للسنة ~~الماضية فوجد في التخريج : قد أجرى فيها البيدر الذي تظلم لأجله على معاملة ~~الإستان . فلما عرض ذلك على أبي الحسن عرفه وجوب الحجة عليه ، وأن العامل ~~لم يتحيفه فيما فعله . وأقام على الظلامة ، وأن غلته لم تقسم في السنة ~~الماضية إلا على مقاسمة القطائع . وكان يكثر من الحضور في أيام جلوسه ~~للمظالم ويعاود التظلم ، ويقف له في الطريق ، ويسأله تأمل أمره والتقرب إلى ~~الله تعالى بإنصافه . فلما ألح وألحف تقدم إلى أحمد بن يزيد المدير بأن ~~يحضره جماعة العامل لينظر فيها بنفسه . فأحضره إياها ، وتأملها وتتبعها ، ~~وحسب مبلغ ما يجيء من الغلة في سائر أعمال الناحية على أن تلك الغلة جارية ~~في معاملة الاستان ومبلغ ما يجب فيها على رسم القطائع ، ووجد الحيلة قد ~~وقعت من بعض أعداء أصحاب الضيعة في حك موضع رسمها في القطائع وإثباته في ~~الإستان . فاستدعى صاحبها وأعلمه بالصورة ، وأن الذي أراد الإساءة به ~~وإفساد معاملته لم يحسن التأتي لذلك ، لأنه اقتصر على ms137 إصلاح موضع قسمة ~~الغلة دون تتبع مواضع الحمل ، وأن PageV01P123 رسمه صحيح لا شبهة فيه . ~~فشكره ودعا له ، وسأله الكتاب إلى العامل بإجرائه على رسمه في القطائع . ~~فتقدم به . ثم عرفه أنه يتخوف أن يثبت في ديوان الناحية ما حمل من غلتها ~~على غير الرسم الصحيح ، وسأله التوقيع بإطلاقه له ورده عليه . فوقع له بذلك ~~، وكان الرجل يدعو لابن الفرات ويقول : أي وزير يتفرغ لي حتى يتتبع جمل ~~الجماعة من أولها إلى آخرها ، ويحصل ارتفاع الناحية بأسرها حتى يظهر له ~~موضع الحيلة علي ؟ وكان عبيد الله بن الحسن النرسي رفع جماعته لأعمال السيب ~~الأعلى لسنة اثنتين وثمانين ومائتين إلى ديوان الخراج ، فنظر فيها أحمد بن ~~محمد الهرلج الكاتب ، وعمل لها معاملة تحصيل ، فوجد بقايا المعاملة شديدة ~~الاضطراب ، فقابل بها الجماعة لم يجد فيها خطأ ، فقال : لا بد أن يكون لهذا ~~الاضطراب سبب ، وتتبع مواضع الجمل التي تقتضيها معاملة التحصيل ، فكان قد ~~عقد جملة النفقات في المعاملة بألوف دنانير ، وأرج النفقات التي عقد منها ~~تلك الجملة ، فعجزت ألفا وثلاثمائة دينار . وأخرج الباب إلى أبي الحسن علي ~~بن محمد بن الفرات ، وكانت إليه خلافة أبي العباس أحمد بن محمد أخيه على ~~ديوان الخراج ، فأحضر أحمد بن إبراهيم بن أفلح العكبري كاتب النرسي ، ووقفه ~~على ذلك ، فلم تكن له حجة فيه ، وعرف النرسي ما جرى ، فلام كاتبه وقال له : ~~لا بد من أن تقف على دستور الجماعة وأقابلك عليه . وكان النرسي عاملا كاتبا ~~فهما بالحساب ، وتقابلا ، فوجد النرسي أحمد بن إبراهيم كاتبة قد أغفل عند ~~التحرير الاحتساب بألف وثلاثمائة دينار انصرفت في النفقة على بثق بالسيب ~~الأعلى . فصار إلى أبي الحسن بن الفرات ووقفه على موضع السهو من الكاتب ، ~~وأعطاه رفع الداريج بالنفقة ، فلم يقبل أبو الحسن ذلك منه . ثم استظهر ~~بالرجوع إلى ما رفع من هذه الجملة إلى مجالس الأصل والجماعة والسودان ، ~~فكانت النسخة واحدة ، وقد أغفل إيراد هذه النفقة في كل منها ، فألزمه المال ~~كملا ، ولم يلتفت إلى ما أحضره إياه من ms138 رفع الداريج . وهذا حق في حكم ~~الكتابة لا يدفع . د التظلم ، ويقف له في الطريق ، ويسأله تأمل أمره ~~والتقرب إلى الله تعالى بإنصافه . فلما ألح وألحف تقدم إلى أحمد بن يزيد ~~المدير بأن يحضره جماعة العامل لينظر فيها بنفسه . فأحضره إياها ، وتأملها ~~وتتبعها ، وحسب مبلغ ما يجيء من الغلة في سائر أعمال الناحية على أن تلك ~~الغلة جارية في معاملة الاستان ومبلغ ما يجب فيها على رسم القطائع ، ووجد ~~الحيلة قد وقعت من بعض أعداء أصحاب الضيعة في حك موضع رسمها في القطائع ~~وإثباته في الإستان . فاستدعى صاحبها وأعلمه بالصورة ، وأن الذي أراد ~~الإساءة به وإفساد معاملته لم يحسن التأتي لذلك ، لأنه اقتصر على إصلاح ~~موضع قسمة الغلة دون تتبع مواضع الحمل ، وأن رسمه صحيح لا شبهة فيه . فشكره ~~ودعا له ، وسأله الكتاب إلى العامل بإجرائه على رسمه في القطائع . فتقدم به ~~. ثم عرفه أنه يتخوف أن يثبت في ديوان الناحية ما حمل من غلتها على غير ~~الرسم الصحيح ، وسأله التوقيع بإطلاقه له ورده عليه . فوقع له بذلك ، وكان ~~الرجل يدعو لابن الفرات ويقول : أي وزير يتفرغ لي حتى يتتبع جمل الجماعة من ~~أولها إلى آخرها ، ويحصل ارتفاع الناحية بأسرها حتى يظهر له موضع الحيلة ~~علي ؟ وكان عبيد الله بن الحسن النرسي رفع جماعته لأعمال السيب الأعلى لسنة ~~اثنتين وثمانين ومائتين إلى ديوان الخراج ، فنظر فيها أحمد بن محمد الهرلج ~~الكاتب ، وعمل لها معاملة تحصيل ، فوجد بقايا المعاملة شديدة الاضطراب ، ~~فقابل بها الجماعة لم يجد فيها خطأ ، فقال : لا بد أن يكون لهذا الاضطراب ~~سبب ، وتتبع مواضع الجمل التي تقتضيها معاملة التحصيل ، فكان قد عقد جملة ~~النفقات في المعاملة بألوف دنانير ، وأرج النفقات التي عقد منها تلك الجملة ~~، فعجزت ألفا وثلاثمائة دينار . وأخرج الباب إلى أبي الحسن علي بن محمد بن ~~الفرات ، وكانت إليه خلافة أبي العباس أحمد بن محمد أخيه على ديوان الخراج ~~، فأحضر أحمد بن إبراهيم بن أفلح العكبري كاتب النرسي ، ووقفه على ذلك ، ~~فلم تكن له حجة ms139 فيه ، وعرف النرسي ما جرى ، فلام كاتبه وقال له : لا بد من ~~أن تقف على دستور الجماعة وأقابلك عليه . وكان النرسي عاملا كاتبا فهما ~~بالحساب ، وتقابلا ، فوجد النرسي أحمد بن إبراهيم كاتبة قد أغفل عند ~~التحرير الاحتساب بألف وثلاثمائة دينار انصرفت في النفقة على بثق بالسيب ~~الأعلى . فصار إلى أبي الحسن بن الفرات ووقفه على موضع السهو من الكاتب ، ~~وأعطاه رفع الداريج بالنفقة ، فلم يقبل أبو الحسن ذلك منه . ثم استظهر ~~بالرجوع إلى ما رفع من هذه الجملة إلى مجالس الأصل والجماعة والسودان ، ~~فكانت النسخة واحدة ، وقد أغفل إيراد هذه النفقة في كل منها ، فألزمه المال ~~كملا ، ولم يلتفت إلى ما أحضره إياه من رفع الداريج . وهذا حق في حكم ~~الكتابة لا يدفع . وكان أبو الحسن علي بن أحمد بن يحيى بن أبي البغل كتب ~~إلى الوزير أبي أحمد العباس بن الحسن وهو يتولى له أعمال البصرة كتابا عدد ~~فيه آثاره ، وذكر أنه قد عقد صدقات أراضي العرب بالبصرة لسنة ثلاث وتسعين ~~ومائتين بمائة ألف وعشرة آلاف دينار ، PageV01P124 وأن غيره عقد ذلك لسنة ~~اثنتين وتسعين ومائتين ستة وتسعين ألف دينار . وأخرج الكتاب إلى ديوان ~~الخراج ، فنظر بعض كتاب المجالس فيه ، ورجع إلى مواقفة أبي الحسن بن أبي ~~البغل لسنة اثنتين وتسعين ومائتين ، فوجدها مرفوعة لعشرة أشهر من هذه السنة ~~، وقد أورد فيها من مال الصدقات نيفا وثمانين ألف دينار . ثم كتب بعد ذلك ~~بما ارتفع إلى وقت انقطاع العرب ، فكان تتمة تسعين ألف دينار ونيف . ونظر ~~في جماعته لسنة اثنتين وتسعين ومائتين ، فكان ما عقده من ارتفاع مال الصدقة ~~في أرض العرب مثل ذلك ، واتفق ما أوجبته المواقفة وتضمنته الكتب الواردة . ~~وأخرج في ذلك خرجا إلى ابن الفرات . وكان ابن الفرات يقصد ابن أبي البغل ، ~~ويتبع عثراته ، ويبدي مساويه ، لميله كان إلى أبي الحسن علي بن عيسى وعمه ~~أبي عبد الله محمود بن داود ، ومحمد بن عبدون ، وانحرافه عن ابني الفرات . ~~فلما وقف أبو الحسن بن الفرات على ما أخرجه ms140 الكاتب . دعا بالجماعة والكتاب ~~، وقابل على ما ذكر في الباب ، فوجده صحيحا لا شبهة فيه . والتمس من ابن ~~عمر خازن الديوان كتاب ابن أبي البغل بالتقدير لسنة ثلاث وتسعين ومائتين ~~وكل كتاب له يتضمن التقدير . فحمل إليه ثلاثة كتب في ذلك قد ، أورد فيها ~~آثاره ، وزيادة تقدير مال الصدقة لسنة ثلاث وتسعين ومائتين على عبرتها لسنة ~~اثنتين وتسعين ومائتين . فلما قرأ ابن الفرات الكتب أمره بتحرير الخراج ~~وإنقاذه إلى الوزير أبي أحمد . فلما قرأه الوزير أمر بمطالبة ابن أبي البغل ~~بالمال ، وكتب إليه فيه كتابا طويلا عمل في الديوان ، فأجاب عنه بأن ~~الارتفاع الذي ذكره في كتبه الوزير بالتقدير ، ونسبه إلى العبرة لسنة ~~اثنتين وتسعين ومائتين في الصدقة بأراضي العرب بالبصرة هو مع ارتفاع الشعبي ~~والولدي ، وأن الكاتب غلط في النقل ونسب جميع المال إلى الصدقة ، وأنه إذا ~~تؤمل ارتفاع الشعبي والولدي وجد ستة آلاف دينار وهو قدر الخلاف . وكتب إلى ~~أصحابه المائلين إليه بنسخة جوابه ليعرفوا الصورة فيه ويعارضوا ابن الفرات ~~في مجلس الوزير أبي أحمد بما أورده من حجته . وكان الوزير أبو أحمد أيضا ~~على عناية بابن أبي البغل شديدة . فلما وقف على الكتاب خاطب ابن الفرات في ~~ذلك بحضرة الكتاب فقال : الآن وجب المال أيد الله الوزير ولزمه الخروج منه ~~، لأنه اعترف بصحة ما أخرج ، وادعى السهو الذي لا يقبل من العمال بعد نفوذ ~~كتبهم بالارتفاع ورفعهم حسباناتهم به إلى الديوان . وضحك من المعارضين له ~~ضحك متعجب منهم . وقال : ما ظننت أن أحدا يذهب عليه هذا الموضع أو يلحقه ~~منه شك . فورد على القوم ما حيرهم وأدهشهم وقطعهم . وأمر الوزير حينئذ ~~بإنفاذ الرنداق إلى ابن أبي البغل لمطالبته بالمال ، وذلك بعد PageV01P125 ~~أن أحضر ابن الفرات الكتب والجماعات ، وواقف الوزير والكتاب واعترفوا بكون ~~الحق معه . وانحدر الرنداق إلى البصرة ، وحمل ابن أبي البغل من داره إلى ~~ديوان البلد وأقامه على ساق وعامله وخاطبه بما زاد فيه على ما أمر به ، ولم ~~يبرح حتى أخرج ابن أبي البغل المال ms141 إلى مجلس العطاء ، وأطلق للجند وأورد ~~جماعته سنة ثلاث وتسعين ومائتين منسوبا إلى وجهه ، وهو من العين ستة آلاف ~~دينار وكسر . وكان أبو الحسن بن الفرات في وزارته الأواى قلد نصر بن علي ~~براز الروز والبند نيجين من أعمال طريق خراسان . فلما رفع الحسان بذلك إلى ~~ديوان الخراج أخرج الكتاب عليه أنه احتسب في الجاري بربع العشر في الارتفاع ~~وأوجبه عن ستمائة ألف درهم ، ونظر في جماعته وما أورده فيها فوجد المال ~~خمسمائة وسبعين ألف درهم . وأخرج عليه التفاوت بين المبلغين وهو ثلاثون ألف ~~درهم . وأجمع الكتاب على مناظرته ومواقفته ، فضج وقال : قد رضيت بحكم ~~الوزير ، طالعوه بالصورة ، وأنقذوا إليه المؤامرة ، وكان متخليا في دار ~~حرمه . فضحك وأمر بإيصال الجماعة إليه ، وأصحاب المجالس يومئذ أبو القاسم ~~عبيد الله بن محمد الكلوذاني ، وأبو منصور عبد الله بن جبير ، وأبو الحسين ~~الصقر بن محمد ، وأبو الحسن أحمد بن محمد بن سهل ، فدخلوا ومعهم نصر بن علي ~~فقال له ابن الفرات : ويلك يا نصر ، عملت لنفسك مؤامرة ، من كان أخذك بذكر ~~الارتفاع ؟ ولم لم تقبض جاريك وتمسك عنه ؟ قال : أخطأت أيها الوزير . فقال ~~: خطاؤك يلزمك المال . ثم ألزمه ربع العشر في الثلاثين وأخذ خطه به . وكان ~~من طريق ما أخرج على نصر أيضا أنه كتب عند تقلد براز الروز والبندنيجين ~~فذكر أنه وجد في بعض البيوت من غلة السنة الماضية نحو من مائة كر بالمعدل ~~حنطة وشعيرا . ثم أورد في حسابه ستين كرا ، فأوجب عليه التتمة . فقال : ~~إنما كتبت : بنحو مائة كر . ورضي بحكم الوزير أبي الحسن . فأنفذ الكتاب ~~الخرج بذلك إلى حضرته . فوقع بخطه : النحو : من واحد إلى تسعة ، فإذا تجاوز ~~للعشرة لم يجز أن يقال فيه : نحو . فلما وقفوا على ذلك وضعوا عنه عشرة ~~أكرار ، وألزموه ثلاثين كرا حنطة وشعيرا . وكان أبو أحمد الحسن بن محمد ~~الكرخي يتقلد المسرقان من أعمال الأهواز في وزارة أبي أحمد العباس بن الحسن ~~، فعملت له مؤامرة عرضت على أبي الحسن ابن الفرات ، فلم يكن فيها ms142 على ما ~~ذكر باب واحد يظهر وجوبه ، وأخرج في باب المرافق ما PageV01P126 جرت العادة ~~بالتأول فيه . فقال أبو الحسن : هذا لا يخرج مثله كتاب الحضرة إذ كان رجما ~~لا يقوم على مثله بينة . وحضره المظفر بن المبارك القمي بعد مديدة قريبة ، ~~وقد كانت له ضيعة بالأهواز قد باعها على أبي الحسن ابن الفرات ، فاستدعى ~~منه حساب وكيله فيها ليستدل منه على رسومها ومعاملاتها ، وجاءه به في بعض ~~العشايا ، فقرأه . ووجده للسنة التي كان الحسن بن محمد الكرخي مقلدا فيها . ~~وقد احتسب الوكيل فيه نحو خمسمائة دينار ، ونسبها إلى الحسن بن محمد وعماله ~~وخلفائه على سبيل المرفق : فأنفذ في الوقت من أحضر الحسن بن محمد الكرخي ~~وأحمد بن محمد بن سهل والصقر بن محمد وعبيد الله بن محمد الكلوذاني ، ~~فحضروا ، ووجدوه يتميز غيظا ، ودعا بالمؤامرة التي كانت عملت للكرخي ~~فاطرحها ، وأقل المبالاة بها ، وأخذ في مناظرته على ما أخرج من المرافق ، ~~فاحتج بما يحتج به مثله في ذلك ، وعرض عليه الكتاب حساب ابن المبارك القمي ~~وقال له : يا عدو الله يا خائن ، يا لص ، تأخذ من ضيعة واحدة ورجل واحد ~~خمسمائة دينار مرفقا وتقديرها نصف ارتفاعه ! فكم أخذت من أهل الكورة ؟ وما ~~أحتاج أن أنظر في غير هذا . فبهت الحسن وورد عليه ما لم يكن في حسابه : ثم ~~قال : قد أخطأت وأنا بين يديك . فأخذ خطه طائعا بعد أن قبل يده مرارا بسبعة ~~آلاف دينار ، فأدى من ذلك خمسة آلاف دينار . ثم استشفع على ابن الفرات ، ~~وعرفه سوء حاله وقصور يده ، فسامحه بالبقية ، ورد خطه عليه ، وقلده بابل ~~وخطر نية . وحدث أبو القاسم بن زنجي قال : حدثني أبي قال : كان أبو العباس ~~وأبو الحسن ابنا الفرات يكرمان عبيد الله بن عبد الله بن طاهر ويعرفان حقه ~~وقدمته . فبعث إليه أبو الحسن في بعض الأيام مع أبي عبد الله محمد بن عبد ~~الله ابن رشيد الكاتب بجملة وافرة ، وحمله رسالة جميلة يعده فيها بما يتلو ~~ذلك ويتبعه من مراعاته وتفقده . قال ابن ms143 رشيد : فأوصلت المحمول إليه ، ~~وأوردت القول معه عليه . فشكر ثم شكر ثم قال فيه أبلغ قول ، وكتب إليه : ~~أياديك عندي معظمات جلائل . . . طوال المدى ، شكري لهن قصير لئن كنت عن ~~شكري غنيا فإنني . . . إلى شكر ما أوليتني لفقير PageV01P127 قال : فقلت له ~~: هذا أعز الله الأمير حسن . قال : أحسن منه ما سرقته منه . فقلت له : إن ~~رأيت أن تعرفنيه فافعل . قال : حديثان حدثنا بهما أبو الصلت الهروي بخراسان ~~عن أبي الحسن الرضا عن آبائه عليهم السلام قال : قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم : أسرع الذنوب عقوبة كفران النعمة وبهذا الإسناد عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال : يوتي بعبد فيوقف بين يدي الله تعالى فيأمر به إلى ~~النار فيقول : يا رب ، لم أمرت بي إلى النار ؟ فيقول : لأنك لم تشكر نعمتي ~~. فيقول : يا رب ، أنعمت بكذا فشكرت بكذا . فلا يزال يحصي النعم ويعدد ~~الشكر . فيقول الله عز وجل : صدقت عبدي ، إلا أنك لم تشكر من أنعمت عليك ~~على يديه . وانصرف ابن رشيد بالخبر إلى أبي الحسن ، وهو في مجلس أبي الباس ~~أخيه ، وعرفه ما جرى ، فاستحسن أبو العباس الحكاية عن عبيد الله ، وبعث ~~إليه بصلة أوفر من صلة أخيه على يدي ابن رشيد . فحكي أنه لما أوصل ذلك إليه ~~سر سرورا شديدا وكتب إلى أبي العباس : شكري لك معقود بإيماني . . . حكم في ~~سري وإعلاني عقد ضمير وفم ناطق . . . وفعل أعضاء وأركان قال : فقلت : هذا ~~أحسن من الأول . فقال : أحسن منه ما سرقته منه . قلت : وما هو ؟ قال : ~~حدثني أبو الصلت الهروي بخراسان عن أبي الحسن الرضا عن أبي الحسن موسى بن ~~جعفر الكاظم عن الصادق عن الباقر عن السجاد عن السبط عن أمير المؤمنين علي ~~بن أبي طالب عليم السلام . قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ~~الإيمان عقد بالقلب ونطق باللسان وعمل بالأركان . وعدت إلى أبي العباس ~~فعرفته ما ذكره عبيد الله فاستحسنه . واتفق أن حضر المجلس ابن راهويه ~~الفقية وكان متهما بالنصب فقال : ما هذا الإسناد ms144 ؟ فقال له ابن رشيد : هذا ~~سعوط الشيلثا الذي إذا سعط به المجنون برأ . PageV01P128 قال أبو القاسم بن ~~زنجي : قال لي أبو جعفر محمد بن القاسم بن الكرخي : قال لي أبو القاسم بن ~~محمد : ما حضرت مجلس رئيس قط إلا ووعدتني نفسي بالقيام بما يقوم به ~~والزيادة عليه إلا أبا العباس بن الفرات ، فإنني كنت أعلم من نفسي لقصور ~~عما يقوم به ، لبراعته في كل حال ، واستقلاله بالعظيم من الأعمال . وحدث ~~أبو عبد الله زنجي قال : كان عبد الله بن الحسن النرسي وإخوته يتقلدون عدة ~~نواح من سقي الفرات ، فاستقصى عليهم أبو العباس وأبو الحسن ابنا الفرات في ~~المعاملة استقصاء غلظ عليهم ، وتخوفوهما معه ، وعدلوا إلى استخصامهما ~~ومظاهرة أعدائهما ومساعدتهم عليهما ، وأقبلوا يذكرونهما ويذكرون ما في ~~أيديهم من الضياع ، وما يتحصل لهما من الارتفاع . فتقدم أبو العباس إلى أبي ~~الحسن أخيه أن يعمل لما يتقلدونه من الأعمال عملا ، ويخرج ما يلزمهم من ~~مردود الجاري والاحتسابات الباطلة ، ولا يحتسب لهم إلا بالواجب الصحيح ، ~~ويرجع إلى ما كتب به أصحاب البرد والأخبار فيما وصل إليهم من الأموال ~~والاستثناء على مبتاعي الغلات . فعمل ذلك وجوده ، وأحضره أبو العباس ، ~~فوجده يشتمل على ثلاثمائة ألف دينار ، فاستحسنه ووافقه على أن يجعله في ~~الديوان ، فأي وقت أنكر أحد من النرسيين أمرا أظهره . ولم يمض إلا أيام ~~يسيرة حتى بلغ أبا العباس اجتماعهم مع محمد بن داود ومحمد بن عبدون ~~وإفاضتهم في ذكره وذكر أخيه أبي الحسن ، وأنهم قد جمعوهما على مخاطبة أبي ~~القاسم عبيد الله بن سليمان في بابهما ، وأن يضمنا له عنهم مالا وافرا من ~~ضياعهما ، ولم يزالا بهما إلى أن خاطبا عبيد الله في ذلك . وواجهوا أبا ~~العباس وأبا الحسن بذكر الضمان ، فثبت أبو العباس وأقل الحفل بهم ، وقال ~~لعبيد الله : هذا كلام فارغ لا محصول له ، وتشنيع باطل لا حقيقة لشيء منه ، ~~وإنما دعاهم إليه الاستقصاء في المعاملة ، وعليهم أيها الوزير ما اقتطعوه ~~من أصول الأموال ، وسرقوه من الغلات ، وزادوه في الاحتسابات ، ثلاثمائة ألف ms145 ~~دينار ، أنا أصححها عليهم بالشواهد الظاهرة والدلائل الواضحة . فلما سمع ~~ذلك عبيد الله خاف أن يتصل خبر المجلس بالمعتضد بالله رحمة الله عليه ~~فسلمهم إليه ومكنه منهم . ووجه أبو العباس من وقته إلى دورهم من كبسها ، ~~وحمل ما كان فيها من الأعمال والحسبانات والكتب والرقاع . ونقلهم إلى ~~ديوانه ، وأقبل يناظرهم على باب باب مما أخرج عليهم ، حتى أخذ خطوطهم به ، ~~وأحضر عبيد الله بن سليمان ذلك ، فاستحسنه ، وطولبوا بالمال فأدوه . قال ~~أبو عبد الله زنجي : وقد كان النرسي الأكبر عبد الله بن الحسن صار إلي في ~~PageV01P129 بعض الأيام مسلما علي ، ثم سألني إجمال خلافته بحضرة أبي ~~العباس ابن الفرات ، وحفظ غيبه ومراعاة ما يجري من ذكره ، ووضع غلامه بين ~~يدي صرة فيها ثلاثمائة دينار ، وتختين فيهما ثياب ، وسامني قبول ذلك ~~فامتنعت ، وقال : إني لا أكلفك أن تكشف لي سرا لصاحبك ولكن تشعرني بما يجري ~~من ذكرنا فقط . فقلت : مت ضمنت لك هذا لم أف به ، ولكنني أحسن المناب عنك ، ~~وأقضي ما يعرض من حوائجك ولا أعلمك ذلك ولا أمتن به عليك . وأما هذا ~~المحمول فعلي وعلي ، وحلفت يمنينا غموسا إن قبلته على وجه وسبب . فنهض ~~وتركه بين يدي ، وتقدمت إلى بعض غلماني بأخذه إتباعه به ، ورده عليه ، ~~وحذرته من أن يرجع وهو معه ، فأبطأ الغلام طويلا ، ثم عاد وعرفني أنه لحقه ~~، وقد نزل في دار بعض الوجوه ، ولم يزل يسأله ويلطف به إلى أن تقدم إلى ~~غلامه بأخذه . فلما قبض ابنا الفرات على النرسيين ، وأخذ ما كان في منازلهم ~~من الأعمال والكتب وحمل إلى دارهما ، وميزاه ، وجدا فيه ثبتا بما بر به ~~النرسيون أسبابهما . قال أبو عبد الله : وكنت جالسا قريبا من أبي العباس ، ~~ومعي أبو منصور وأبو نوح عبد الله وعيسى ابنا جبير وجماعة من الكتاب ، فأنا ~~أحدثهم بحديث قد شغلني عما سواه إذ وقع هذا الثبت في يد أبي العباس فأخذه ~~وأنفذه إلى أبي الحسن أخيه ، وهو قريب منه ، وقال : انظر فيه هل ترى إسما ~~لصاحب الزاي يريد ms146 زنجي فقرأه وتأمله ثم رده عليه وقال : ما فيه ذكر له . ~~فأعاده إليه ثانيا وقال : اردد نظرك فيه . فأعاد قراءته ورده وقال : ماله ~~فيه ذكر . كل هذا ولا أعلم صاحب الزاي من هو ، حتى قال لي أبو منصور بن ~~جبير : أيها المشغول بالحديث قد افتضح اليوم الخلق غيرك ، واسودت الوجوه ~~وابيض وجهك . فقلت : بماذا ؟ قال . وجد فيما أخذ من دور النرسيين تبت بما ~~رفعوه إلى واحد واحد من أسباب أستاذنا ولم يوجد لك فيه ذكر ولا اسم . فحمدت ~~الله وشكرته على ما وفقني له . ولما فرغ أبو العباس دعاني إلى حجرة خلوته ، ~~فدخلت وهو جالس ، ومعه أخوه أبا الحسن ، فشكراني على خروجي من جملة من قبل ~~بر النرسيين وجزياني خيرا عن حفظ الأمانة ، واستقامة الطريقة ، وخاطباني ~~أجمل خطاب ووعداني أحسن وعد ، وحلفا على أنني قد أصبحت لديهما كأحدهما . ~~PageV01P130 ولم تزل الحال تزيد معها وعندهما إلى آخر المدة . وكان ~~النرسيون بفضل عدواتهم لهما قد توصلا إلى بر كتابهما وخزانهما وغلمانها ~~والفراشين والقهارمة في دورهما ، ومن يتولى نفقات حرمهما ، حتى لا يخفى ~~عليهم شيء من أمورهما في خلواتهما ولا مجالس أعمالهما . بما رفعوه إلى واحد ~~واحد من أسباب أستاذنا ولم يوجد لك فيه ذكر ولا اسم . فحمدت الله وشكرته ~~على ما وفقني له . ولما فرغ أبو العباس دعاني إلى حجرة خلوته ، فدخلت وهو ~~جالس ، ومعه أخوه أبا الحسن ، فشكراني على خروجي من جملة من قبل بر ~~النرسيين وجزياني خيرا عن حفظ الأمانة ، واستقامة الطريقة ، وخاطباني أجمل ~~خطاب ووعداني أحسن وعد ، وحلفا على أنني قد أصبحت لديهما كأحدهما . ولم تزل ~~الحال تزيد معها وعندهما إلى آخر المدة . وكان النرسيون بفضل عدواتهم لهما ~~قد توصلا إلى بر كتابهما وخزانهما وغلمانها والفراشين والقهارمة في دورهما ~~، ومن يتولى نفقات حرمهما ، حتى لا يخفى عليهم شيء من أمورهما في خلواتهما ~~ولا مجالس أعمالهما . وقال أبو القاسم بن زنجي : كان حامد بن العباس قد ~~اعترف بأن له قبل جماعة من أهل واسط نحو ثلاثمائة ألف دينار ، منهم علي ms147 بن ~~إسحاق وأبو أحمد بن المنتاب وابن شاندة وابن جناح وإسحاق بن شاهين . وكتب ~~إليهم كتبا بخطه بتسليم ذلك إلى محمد بن علي البزوفري العامل كان يومئذ على ~~أكثر أعمال واسط وأنفذ الوزير أبو الحسن علي بن الفرات الكتب إلى محمد بن ~~علي ، وأمره بأخذ المال من القوم وحمله . فكتب محمد بن علي يقول : إنهم ~~أنكروا ما ادعاه حامد عليهم وكتب بتسلمه منهم . ووقف الوزير على ذلك ، ~~فغاظه ، وعظم عليه ، وظن أن غرض حامد فيما كتب به المدافعة والتربص ومضي ~~الأيام بنفوذ الكتاب ورجوع الإجابة . قال أبو القاسم : وكان ورود هذا ~~الجواب في يوم الجمعة ، وأنا جالس بحضرته ، فأعطانيه ومعه الكتب المردودة ، ~~ورسم لي الدخول إلى حامد وأن أقفه على ما ورد ، وأتبع ذلك بما تقتضيه ~~الصورة من التحريك والغلظة في المخاطبة . فقمت ، ومشى بين يدي الغلام ~~الموكل بالدار التي كان حامد فيها ، فلما أراد فتح بابها وكان مقفلا سمع ~~حامد صوت فتح القفل ، فارتاع ، وتشوف ورآني ، فسكن لأنني كنت أكرمه وأعرف ~~له حق رئاسته وجميل فعله بنا ، وكان غيري ممن يدخل إليه يسيء عشرته ، ~~ويلقاه بالقبيح فيما يخاطبه به . فأقرأته كتاب البزوفري ، وأريته الكتب ~~المردودة ، وعرفته ما وقع في نفس الوزير من أمرها ، وقلت : الصواب أن تكون ~~الحال معمورة ، والمواعيد صحيحة ، لئلا يتمكن طاعن من طعن . فذكر أن المال ~~قبل القوم على مبالغة التي كتب بها إلا ألف دينار شك فيه . وذكر أنه قد كان ~~كتب بدفعه إلى أحد غلمانه ، فإن كان أطلق وضع من الجملة . وبذل إعادة ~~المكاتبة وتأكيد القول على القوم مما لا يكون بعد مراجعة . فقبلت ذلك منه ، ~~ووضع غلامي الدرج والدواة بين يديه ، وكتب إلي القوم بما استوفى الخطاب فيه ~~. وأخذت الكتب وعدت إلى الوزير ، وابنه المحسن جالس على يساره وكذلك كان ~~يجلس ووضعتها بحضرته ، وعرفته أن حامدا أنكر مخالفة القوم وعظم عليه ردهم ~~الكتب ، وأعاد اليمين PageV01P131 بحصول المال قبلهم ، وأنه قد جدد ~~مكاتبتهم بما لا يتأخر معه صحته من جهتهم : فقرأ الكتب ، وتقدم بإجابة ms148 ~~البزوفري عن كتابه ، وأمره بإحضارهم ، وقبض المال منهم ، وحمله منفردا عن ~~مال الخراج . ووقع فيه توقيعا طويلا يلزمه فيه المبادرة بالمال وترك تأخيره ~~أو قبول احتجاج في أمره ، وأمرني بختمه وإنفاذه في خريطة محلقة . وأصلحه ~~صاحب الدواة في الخريطة ، وجاءني بها فعنونتها وحلقتها بإحدى عشرة حلقة ، ~~وأنفذتها إلى أبي مروان عبد الملك بن محمد بن عبد الملك الزيات ، وكان على ~~ديوان البريد . فلما خلا مجلس الوزير تقدمت إليه وعرفته سرا أنني رأيت ~~الشعر قد كثر على وجه حامد وذراعيه ، ولم أستجز ستر ذلك عنه ، فأحمدني على ~~مطالعته بذلك ، وأمر بإحضار الحسن المزين ، وكان في الدار ، وتقدم إلى بدر ~~الخادم الحرمي بإحضار صينية المزين على مثل ما تقدم عليه إليه . وأمر ~~بإدخال الحسن المزين والصينية إلى حامد ، وتقدم عقيب هذا بإصلاح الحمام على ~~أنه هو الداخل ، ثم استحضر أبا زكريا يحيى بن عبد الله الدقيقي قهرمانه ، ~~ورسم له بإحضار ثياب تاختج وقصب ودبيقي وعمائم ليختار منها لحامد ما يصلح ~~لخلعتين . فقال له يحيى : ليس في الخزانة إلا متاع حمله التجار وما قطع ~~ثمنه معهم . فقال : هاته . فليس يلزمنا لهم أكثر من أن نعطيهم الثمن على ~~سومهم . فمضى وأحضر عدة تخوت اختير منها بحضرته ما يكفي لمبطنتين ودراعتين ~~من تاختج وثوبان من دبيقي لسراويلين وثوبان من قصب لقميصين وعمامتان من ~~تاختج ، وأمره بإحضار الخياطين وألزمهم الفراغ عاجلا من خلعة واحدة ليلبسها ~~حامد عند الخروج من الحمام . فذكر ان من برسم الدار من الخياطين تأخروا ~~لأنه يوم جمعة ، فأنكر ذلك وقال : برسم الدار فوجان أفتأخروا جميعا ؟ والآن ~~فاستدع من على الطريق من الخياطين حتى يفرغوا الساعة . وتفرق الرسل في طلب ~~الخياطين إلى أن أحضروا جماعة منهم ، وسلمت إليهم الثياب ، ولم يزل يراعيهم ~~إلى أن قاربوا الفراغ من خلعة واحدة . وتقدم إلى بعض الغلمان بإنذار حامد ~~بإصلاح الحمام . وأعلمه بذلك فدخله . وأمر الوزير بحمل الخلعة التي فرغ ~~منها إليه ليلبسها عند خروجه ، فلما خرج قدمت إليه فامتنع من لبسها . وعرف ~~الوزير امتناعه فأنكره ، وتقدم ms149 إلي بالمضي إليه والرفق به وإبلاغه رسالة ~~عنه في هذا المعنى ، ففعلت ولطفت به في لبس الثياب فأبى وقال : ثيابي غير ~~محتاجة إلى تغيير . وعاودته فأقام على PageV01P132 أمره . ووقع لي في هذا ~~الوقت تخوفه من حيلة تتم عليه في أمر الثياب ، فحلفت له على بعد الحال من ~~ذلك وقلت : أنا أدخل الحمام وأفيض علي الماء ثم أخرج وأتنشف وألبس الثياب ~~ثم أنزعها لتلبسها بعدي . وقلت : إن نية الوزير قد صلحت ، فلا تفسدها بما ~~أنت عليه من هذا الامتناع . فلان في القول ، وجددت اليمين فسكن ولبس الثياب ~~، وعدت إلى الوزير فعرفته ذلك فسر به . ثم تقدم بأن يحمل إليه صينية الطيب ~~وبخور كثير وماء ورد فأنفذت واستعمل منها ما أراد . وخف من أن يعيد الوزير ~~على ابنه المحسن ما جرى فيقع عنده أقبح موقع فتقدمت إليه وسألته ستر ذلك ~~عنه . فتبسم وجعلني على ثقة ألا يكون لي فيه ذكر . ثم عدت إلى موضعي من ~~المجلس . فلما قعدت فيه سمعت أصوات الملاحين في طيار المحسن ، ثم اتصل ذلك ~~بصعوده فحمدت الله تعالى على ما وقع لي من مخاطبة أبيه بما خاطبته به قبل ~~حضوره . ثم خفت أن يجري في عرض الحديث ذكر ذلك على غير عمد ، فبينما أنا ~~على هذه الجملة من الإشفاق إذ وافى أبو صالح مفلح الخادم الأسود برقعة من ~~المقتدر بالله رحمه الله ورسالة فاجتمعوا على السرار . وكتب الوزير أبو ~~الحسن الجواب بخطه وعنونه وختمه ، وسلمه إلى مفلح ، وقد نودي بالصلاة وقت ~~المغرب ، وانصرف ، وانصرف المجلس في أثره . ولما عدت إلى منزلنا حدثت أبي ~~بما جرى ، فاستصوب فعلي وقال لي : عرف الله تعالى نيتك فوقاك ما تخوفته . ~~عنه في هذا المعنى ، ففعلت ولطفت به في لبس الثياب فأبى وقال : ثيابي غير ~~محتاجة إلى تغيير . وعاودته فأقام على أمره . ووقع لي في هذا الوقت تخوفه ~~من حيلة تتم عليه في أمر الثياب ، فحلفت له على بعد الحال من ذلك وقلت : ~~أنا أدخل الحمام وأفيض علي الماء ثم أخرج وأتنشف وألبس ms150 الثياب ثم أنزعها ~~لتلبسها بعدي . وقلت : إن نية الوزير قد صلحت ، فلا تفسدها بما أنت عليه من ~~هذا الامتناع . فلان في القول ، وجددت اليمين فسكن ولبس الثياب ، وعدت إلى ~~الوزير فعرفته ذلك فسر به . ثم تقدم بأن يحمل إليه صينية الطيب وبخور كثير ~~وماء ورد فأنفذت واستعمل منها ما أراد . وخف من أن يعيد الوزير على ابنه ~~المحسن ما جرى فيقع عنده أقبح موقع فتقدمت إليه وسألته ستر ذلك عنه . فتبسم ~~وجعلني على ثقة ألا يكون لي فيه ذكر . ثم عدت إلى موضعي من المجلس . فلما ~~قعدت فيه سمعت أصوات الملاحين في طيار المحسن ، ثم اتصل ذلك بصعوده فحمدت ~~الله تعالى على ما وقع لي من مخاطبة أبيه بما خاطبته به قبل حضوره . ثم خفت ~~أن يجري في عرض الحديث ذكر ذلك على غير عمد ، فبينما أنا على هذه الجملة من ~~الإشفاق إذ وافى أبو صالح مفلح الخادم الأسود برقعة من المقتدر بالله رحمه ~~الله ورسالة فاجتمعوا على السرار . وكتب الوزير أبو الحسن الجواب بخطه ~~وعنونه وختمه ، وسلمه إلى مفلح ، وقد نودي بالصلاة وقت المغرب ، وانصرف ، ~~وانصرف المجلس في أثره . ولما عدت إلى منزلنا حدثت أبي بما جرى ، فاستصوب ~~فعلي وقال لي : عرف الله تعالى نيتك فوقاك ما تخوفته . وحدث أبو عبد الله ~~محمد بن إسماعيل الأنباري زنجي قال : لما تقلد أبو الحسن علي ابن محمد بن ~~الفرات الوزارة الأولى واستدعاني واستدعى أبا علي محمد بن علي بن مقلة ، ~~وبدأ فدفع لي درجا فيه ثبت الدواوين بالحضرة وأرزاقها ، وقال لي : اختر من ~~ذلك ما تحب أن أقلدك إياه ، فأخذته وقرأته إلى آخره ، ثم أعدت نظري فيه ~~لأنني كلما رأيت شيئا تتبعته نفسي . فلما رأى ذلك قال : أنا أعرف منك بما ~~تريده ، وقد قلدتك ديوان الدار ومكاتبة العمال بالسواد والأهواز وكرمان وما ~~يجري مع ذلك من أعمال الحرمين وعمان وأذربيجان وأرمينية وأصحاب الأطراف ~~والأعمال الجارية بحضرتي ، وأجريت عليك في كل شهر خمسمائة دينار ، فقدر ما ~~تحتاج إليه لكتابك . فقدرت ذلك بتفصيل ms151 اشتملت جملته على خمسة وتسعين دينارا ~~، وتقدم إلى أبي علي بن مقلة بأن يوقع لي بذلك ، فوقع . ثم دفع الدرج إلى ~~أبي علي وقال له : اختر منه ما تريد . فأخذه أبو علي ودفعه إلي وقال لي : ~~أحب أن تختار لي . فنظرت فلم أجد ما يصلح له أن يتقلده إلا ديواني الفص ~~PageV01P133 والخاتم ، وجاريهما في كل شهر أربعمائة دينار ، فعرفته ذلك . ~~وسأل الوزير تقليده إياهما ، فتقدم إلي بالتوقيع له بهما ، فوقعت . ثم قال ~~لنا : إن بني أخي وأهلي سيصيرون إلي ويسألونني أن أقلدهم بقية هذه الأعمال ~~، فإن كان في نفوسكما أن تسألاني بقية شيء منها مضافا إلى ما قلدتكما إياه ~~فاذكراه لأوقع لكما به . فشكرناه وعرفناه أن لا حاجة بنا إلى زيادة عليه . ~~وتقدم إلي بأن أسبب لنفسي وكتابي بجاري شهرين على عمال الأهواز ، وأسبب ~~لأبي علي بن مقلة بمثل ذلك ، ففعلت ، وعرضت الكتب عليه ، فأمر بإخراج ~~نسختها إلى الديوان ، وضربها بالعالامات ، وردها إليه بعد ذلك . وجرى الأمر ~~على هذا ، وأعيدت إليه ، فوقع فيها وأمر بختمها . وأحضر يوسف بن فنحاس ~~الجهبذ اليهودي وكان جهبذ الأهواز ، فقال له : إن هذه الحال وافت ولم يتأهب ~~أصحابنا لها ، وقد سببت أرزاقهم على مال الأهواز ، ولا بد أن تقدم لهم مال ~~شهرين . فذكر كثرة الأموال التي ألزم تعجيلها من معاملة الأهواز ، وأنه لا ~~يتمكن من غير ذلك ، فلم يزل معه في مناظرة حتى استجاب إلى إطلاق جاري شهر ~~معجلا في ذلك اليوم . ثم أنفذت بشرى غلامي معه لقبض المال منه ، وفعل أبو ~~علي مثل فعلي ، وانصرفنا ، وفي منزل كل واحد منا ألوف دراهم كثيرة . ~~فتعجبنا وتعجب الناس من حسن رعايته ، وأنه لم يبدأ بأحد قبلنا ، ولا شغلته ~~الحال التي دفع إلى معاناتها عن افتقاد أمورنا والعناية بمصالحنا . وقال ~~أبو القاسم بن زنجي : سمعت أبا الحسن بن الفرات يقول في وزارته الثالثة في ~~سنة إحدى عشرة وثلاثمائة أنه أنفق على الدار التي كان ينزلها في ذلك الوقت ~~وفيها قبض عليه ، وهي دار سليمان بن وهب وموقعها ms152 في المخرم ، وفي يد الحاجب ~~الكبير أبي منصور سبكتكين الآن شيء منها ، وفي يد ابن لشكرون شيء آخر ، وفي ~~أيدي قوم من قواد الديلم الباقي ثلاثمائة ألف دينار . واشتهى في وزارته هذه ~~أن يجمع حرمه وبنات إخوته وأصاغر ولده في الدار المعروفة بدار البستان ، من ~~هذه الدار المعروفة بدار سليمان بن وهب ، فتقدم بإصلاحها وتنظيفها وإنفاق ~~ما يحتاج إليه من تبييضها ، فبلغت النفقة خمسين ألف دينار . وجلس وهم فيها ~~يوما واحدا ، ولم يعد بعد ذلك إلى الجلوس فيها معهم . ومن أحاديث أبي ~~العباس أحمد بن محمد أخي أبي الحسن في فضائله ما لا بأس بإيراده في عرض ~~أخباره . PageV01P134 قال عبيد الله بن أحمد بن أبي طاهر : حدثني بعض ~~الكتاب قال : سمعت محمد بن عبدون يحدث في مجلسه قال : جاء ابن سمعان صاحب ~~بدر المعتضدي إلى أبي النجم بدر وقال له : أيها الأمير ، أحمد بن محمد بن ~~الفرات لا يزال يستخف بنا ، ويستهين برسلنا ، ويجبههم بالقبيح فيما يوصلونه ~~إليه ، ويعرضونه عليه من التوقيعات بإقطاعاتك ، وهو عدو مكاشف لهذه الدولة ~~، وصاحب إسماعيل بن بلبل . فقال له بدر : خذ نحريرا وامض به إلى ديوانه ~~وجئني به . فجاءه به ، فلما رآه قال له : أمسيطر أنت على مولاي أم شريك له ~~؟ يقطعني الإقطاعات فتمتنع منها وتعترض فيها ! فقال له : اسمع أيها الأمير ~~قولي ، فإن ثبتت عندك حجة لي فخفض من لومي وإلا عملت بعدها ما رأيت . أنت ~~تعلم أن قوام الملك بالمال ، وأن الجند لا يسمعون ولا يطيعون إلا إن أعطاهم ~~، وإن عدموا المال كان ذلك الداعية القوية إلى ذهاب الملك وسفك الدماء ~~وانقطاع السبل وانتهاك المحارم . وجميع المال في عنقي وعلي فأذا خرجت ~~الضياع من الإقطاع تبعها الخراج فتحيفت الحقوق ، وأضيف إلى كل ناحية ما ~~يجاورها ، وكان في ذلك مالا خفاء به مما أعوذ بالله منه . قال له : صدقت يا ~~أبا العباس أيدك الله ارتفع فإن الحق في يدك . وإنما تحرس بهذا الفعل نعمة ~~مولاي من أن تزول ، ودماء الخاصة والعامة من أن تراق ms153 ، وكل من يخاطبني ~~فإنما يتبع هواي ولا ينظر في أعجاز الأمور . أحضروني خلعا . فأحضرها فمنحها ~~أبا العباس ، واحتسبه حتى أكل عنده وقدمه في مجلسه ، ودعا بطيب طيبه به . ~~فلما أحضرت المجمرة قام أبو العباس ليتبخر خارج المجلس ، كما كان أبو ~~القاسم عبيد الله يفعل وهو كاتبه إذا أمر له بمثل هذا . فحلف بدر أنه لا ~~يتبخر إلا بين يديه . فبخره وخرج ، فأمر نحريرا وابن سمعان بالركوب معه إلى ~~ديوانه على سبيل التكرمة وقال له : يا أبا العباس ، لا ترى قط من إلا ما ~~تحب بعد هذا اليوم ولا تجري مني إلا مجرى الأخ ، ولست أورد عليك توقيعا ~~بإقطاع ولا ضيعة بعد هذه الدفعة . قال : وسمعت أبا الحسن محمد بن عبدون ~~يقول : سمعت بدرا يقول بعد خروج ابن الفرات : لا يزال السلطان بخير ما دام ~~في كتابه مثل هذا الرجل لولا عجلة فيه . قال أبو القاسم بن زنجي حدثني أبو ~~عبد الله أبي قال : وافت رسالة أبي النجم بدر في ذلك اليوم إلى أبي العباس ~~بن الفرات وأنا في الديوان بين يديه ، فوجم لها كل من حضر PageV01P135 سواه ~~، فإنه بادر إلى لبس ثيابه ، واستدعى دوابه ، وركب من وقته وسار إلى بدر . ~~فعدل به ابن سمعان إلى داره ، فأجلسه فيها ، وعرف أبو القاسم عبيد الله بن ~~سليمان ذلك ، فقامت عليه القيامة منه ، وعظمت في نفسه الحال فيه ، وبادر ~~إلى بدر تخوفا من أن يتصل بالمعتضد بالله فينكره على بدر ويجري ما يضيق ~~صدرا به . ووصل عبيد الله إلى باب بدر وسأل عن ابن العباس ، فعرف انصرافه ~~مكرما إلى ديوانه ، فحين سمع ذلك أراد الرجوع قبل لقائه ، فاستقبحه ، ودخل ~~إليه . فابتدأه بدر بالحديث ، ونسب الأمر عنده إلى أجمل وجوهه ، وأخذ عبيد ~~الله في وصف ابن الفرات وتقريظه ، وذكر كفايته وكتابته فصدقه بدر . وقال : ~~ما ظننه على ما شاهدته منه . ولا يزال السلطان بخير وأمره مستقيما ، ما دام ~~في أعوانه مثل هذا الرجل . ولما عرف بدر أن ابن سمعان أدخل أبا العباس إلى ~~داره ms154 قبل أن يطالعه بخبره أنكر ذلك عليه أشد إنكار ، وأغلظ عليه القول فيه ~~أتم إغلاظ ، وتقدم إليه بالإذن له والدخول إلى بين يديه ، وكان فعل ابن ~~سمعان ما فعله مما حل ما كان في نفس بدر وخففه . وحدث أبو القاسم قال : ~~حدثني أبو عبد الله أبي قال : كانت للمعتضد رحمة الله عليه جارية يتحظاها ~~يقال لها فريدة ، فأمر بإقطاعها ضياعا بمال حده وبين مبلغه ، فصار كاتبها ~~إلى أبي القاسم عبيد الله بن سليمان بتوقيع المعتضد بالله بذلك ، فقبله ~~ووقع بامتثاله ، واختار كاتبها ضياعا وبساتين بأكناف مدينة السلام من ~~الجانب الشرقي ، وعرض على عبيد الله بن سليمان الثبت بذلك فوقع بتسليمه . ~~وصار الكاتب إلى أبي العباس بن الفرات به فقبله ، وطالب بتسليم ما في الثبت ~~من الضياع والبساتين فامتنع عليه وقال : هذه مواضع طرف أمير المؤمنين إذا ~~ركب ولا يجوز أن يقطع لأحد . فأقام على المطالبة بتسليم ذلك إليه ، وأقام ~~أبو العباس على منعه إياه . ومضى الكاتب إلى فريدة ، فأعاد عليها ما جرى ~~شيئا شيئا وقال لها : مضيت إلى الوزير فعرضت عليه توقيع الخليفة بما أمر لك ~~به والتسمية بما اخترته فقبل ووقع ، وصرت إلى ابن الفرات كاتبه فدفعني وقال ~~. إنه لا يسلم إليك الضياع والبساتين . وجرى علي من رده القبيح ما استحييت ~~معه من كل من حضر عنده وهذا لا يشبه محلك من الخليفة وموضعك من جميل رأيه . ~~وأتبع هذا القول بما يشاكله من الطعن على أبي العباس بن الفرات . فدخلت على ~~PageV01P136 المعتضد بالله وهي مقطبة كالسيف المرهف ، وأعادت عليه قول ~~الكاتب وقالت : وأي شيء ينفعني من عنايتك بي ومحلي منك إذا كان كاتبك ~~يعارضك في أوامرك ولا يقبل توقيعك ؟ وسألته أن يوقع لها توقيعا مجردا ~~بإمضاء الإقطاع على ما سمي في الثبت ، فقال لها : لست أتهم ابن الفرات في ~~معرفته بحقك . ومن المحال أن يمنع كاتبك مما أراده إلا جحجة تقوم له بالعذر ~~، فسليه بأي شيء أحتج عليه ، ولأي سبب منعه ، ليكون ما أوقع به بحسب ذلك . ~~فاستعلمت الكاتب ms155 ، فذكر أنه قال له : هذه مواضع طرف أمير المؤمنين إذا ركب ~~، ولا يجوز أن يقع عليها إقطاع لأحد . فقال المعتضد بالله : وقد صدق ابن ~~الفرات وأحسن فيما فعل ، أرددي كاتبك إليه وسليه أن يختار لك بما لك ضياعا ~~يعود عليك منها ما وقعت به . فعاد الكاتب إليه برسالتها فاختار لها الضياع ~~المعروفة بالفريديات من بزر جسابور ، وكتب بتسليمها إليها . قال أبو القاسم ~~: وهذا قريب من حديث حدثني به عمي أبو الطيب أحمد ابن إسماعيل فإنه قال : ~~إن المعتضد بالله رحمه الله أقطع دريرة حظيته التي قال فيها علي بن محمد بن ~~بسام ما قال إقطاعا ، ووقع به توقيعا تسلمه كاتبها وصار به إلى أبي القاسم ~~عبيد الله بن سليمان ، فوقع تحته بامتثاله . ثم جاء إلى أبي العباس ابن ~~الفرات ، فوقع بالعمل عليه ، وأنشأ الكتاب من حضرته بتسليم الإقطاع ~~والتمكين منه ، عناية منه بأمرها ، وإيثارا لاجتلاب شكرها . وأمر المدير ~~بإدارته في الدواوين ، وإثباته ، وأخذ علامات الكتاب على رأسه ورده إلى ~~حضرته من وقته ، ففرغ منه في نحو من ساعتين وسلمه أبو العباس إلى الكاتب ~~وانصرف شاكرا . ومضى إلى أبي القاسم ميمون بن إبراهيم صاحب ديوان الزمام ، ~~فعرض عليه التوقيع والكتاب فقبل التوقيع وامتنع من إمضاء الكتاب ، وذكر أنه ~~يحتاج إلى أن يخرج إليه من ديوان الزمام عين الإقطاع ليكون بما يمضيه على ~~معرفة وبينة . فالتمس منه توقيعا إلى أبي أحمد ابن أخيه ، وكان خليفته على ~~الديوان ، فوقع له بذلك ، ودفع التوقيع إلى أبي أحمد . فماطله ودافعه ، ولم ~~يزل يتردد إليه وهو يعده ويخلفه ، وعاد إلى أبي القاسم ميمون مستعديا به ~~على خليفته ، وشاكيا من مطله ومدافعته ، فقال له : لا يجوز إمضاء الكتاب ~~إلا بعد الوقوف على العبرة من الديوان . وحمل الكاتب ما عرض بقلبه من الضجر ~~بوقوف أمره على أن صار إلى دريرة وعرفها الصورة ، وخاطبها بما بعثها فيه ~~على مراجعة PageV01P137 الخليفة ، فدخلت إليه ، وأعادت ما ذكره الكاتب عليه ~~. ثم شكرت الوزير وذمت ميمون ابن إبراهيم ، واستدعت منه توقيعا بإنكار ما ms156 ~~كان منه ، وإمضاء إقطاعها على ما أمر به وأمضاه وزيره وصاحب ديوانه . فقال ~~لها : الخطأ منك ومن كتابك ، ولو كنت عملت ما يوجبه الحزم ويقتضيه الصواب ~~لراج أمرك وعمل كتابك وتسلمت إقطاعك ، ولكن كاتبك متخلف لا يحسن التأتي ~~لأمره ، ويريد ما يريده على شدة وصعوبة ، فقالت : يا مولاي ، وما كان ~~الصواب ؟ قال : أن تبعثي إليه بثياب وألطاف كما يفعل الناس ، فإنك كنت ~~تستغنين عن خطابي وخطاب وزيري ، وكان ذلك أنفع لك وأعود في العاقبة عليك . ~~قالت : يا مولاي ، فأحتاج إلى هذا مع موضعي منك وموقعي من عنايتك ؟ ! قال : ~~إي والله إنك لمحتاجة إليه . فعدلت عما كانت عليه ، وبعثت إلى أبي القاسم ~~ميمون تخوتا فيها ثياب فاخرة من قصب ودييقى ، وطيبا كثيرا ، وراسلته ~~بإنكارها على الكاتب تقصيره في حقه وإغفاله ما وجب أن يقدمه من ملاطفته ~~وبره ، وسألته إمضاء الكتاب بإقطاعها . فقبل ما أنفذته ، وأخذ الكتاب من يد ~~الرسول ، وعلم عليه ، وسلم إليه خرجا كان خليفته قد أخرجه ، واشتمل على ~~عبرة ثقيلة لا توجب إمضاء الإقطاع ، وعرفه إغضاءه عن ذلك ومسامحته إياها ~~بالفضل ، واعتماده موافقتها بهذا الفعل . فأعادت على المعتضد بالله ما جرى ~~، فاستصوب ما كان منها وقال لها : هذا أنفع لك من عنايتي في هذا الوقت ~~وفيما بعده . وكان أبو القاسم ميمون يفتخر على الكتاب بأنه أخذ مصانعة بأمر ~~الخليفة وأن ما فيهم من يجسر على مثل ذلك . وحدث أبو القاسم بن زنجي قال ~~حدثني أبو الطيب أحمد بن إسماعيل عمي قال : مضيت في يوم من الأيام على ~~الرسم إلى الديوان بالثريا ، فبينما أنا أسير إذ لحقني فارس فسايرني ، ~~وأقبل يحدثني ويسألني عن اسمي وكنيتي ومنزلي وصناعتي ، فلما ذكرت له مكاني ~~مع أبي العباس بن الفرات قال : كيف مذهبه في العمل ؟ قلت : أحسن مذهب ، ~~يستقصي حقوق سلطانه ويستوفي مناظرة عماله ، ويجد في استخراج أمواله . قال ~~لي : فكيف يجري أمر هذا الوزير ؟ يعني عبيد الله بن سليمان فإنني ما رأيت ~~أشد تخليطا منه ، ولا أفظ من حجابه ، ولا أكثر إخلافا للمواعيد ms157 منه ، قلت ~~له : وكيف ذلك ؟ قال : لأني رجل من الفرسان قد أخر عني رزقي ، وأحوجني إلى ~~القدوم إلى الحضرة متظلما منه ، وأنا أجتهد في أن يطلق لي ما وجب من رزقي ~~فليس يلتفت إلي ، ولا يفكر في ، وكلما رفعت إليه رقعة رمى بها ، ومتى وصلت ~~إليه لم يخرج عليها توقيع ، فقد احترقت وهلكت وذهبت نفسي وطالت على بابه ~~PageV01P138 مدتي ، فكيف يمكن هذا الرجل وهو على ما وصفته لك أن يعمل أعمال ~~الخليفة ويدبر أمر مملكته ؟ قلت له : الذي نعرفه من مذهبه ومعرفته وكفايته ~~غير ما ذكرته عنه ، وما يدع شيئا إلا نظر فيه ، ولا مظلوما إلا أنصفه . قال ~~: الذي يبلغني عنه أنه قد اصطلم الدنيا ، وأخذ الأموال لنفسه ، فالجند ~~يتظلمون ، وحاشية الخليفة يشكون ، والنواحي خراب . فقلت : ما أحد من ~~الحاشية إلا وهو راض ، والأموال كلها تحمل إلى الحضرة وقد حسب للعمال أرزاق ~~الشحن . والعمارة زائدة ، والأمور منتظمة . فقال : ما الآفة في جميع ما ~~يجري إلا هذا الغلام الذي قد رفعه الخليفة ، وأعطاه ما لا يستحقه وصير ~~الناس عبيدا وخولا له . قلت : ومن الغلام الذي تعنيه ؟ قال : بدر . وأقبل ~~يطعن عليه ، ويتكلم فيه . قلت : ما وضعه الخليفة إلا موضعه ، والرجال ~~حامدون له راضون برئاسته . ثم حول وجهه فنظر إلى كوكبة عظيمة من الفرسان قد ~~أقبلت ، فحرك دابته ومضى . فلم يبعد حتى أقبل العسكر ، وجاء قوم يسألوني عن ~~الخليفة هل رأيته ، وأين أخذ . فقلت لهم : ما رأيت الخليفة . قالوا : فهل ~~مر بك فارس على دابة من صفته كذا ، وعليه من اللباس كذا وكذا ؟ قلت : نعم . ~~قالوا : فأين مضى ؟ قلت : بين أيديكم ، فمن هو ؟ قالوا : المعتضد بالله . ~~فوقعت فيما لا ينادي وليده ؟ وأقبلت أتذكر ما خاطبني به وأجبته عنه ، حذرا ~~من أن يكون وقع خطأ منى أو طعن على إنسان ممن سألني عنه . وصرت إلى الديوان ~~بالثريا ، وأنا لا أعقل غما . فأنا في تلك الحال إذ خرج عبيد الله بن ~~سليمان من حضرة المعتضد بالله ، وأحمد عنده ما كان منى في الإجابة عما ms158 ~~سألني عنه ، وجزاني الخير . وخرج أبو العباس فاستدعاني ، وسألني عن حالي في ~~طريقي فأعدت عيه خبر الفارس وجميع ما جرى بيني وبينه ، فصدقني فيه . وقال : ~~إن الوزير أعاد على ملثه . وأقبل يحمد الله على حسن توفيقه إياي فيما ~~خاطبته به . ثم أوصاني بالتحفظ فيما أخاطب به من يسايرني . والاحتراس من ~~زلل تقع فيه ، فصرت بعد ذلك لا أمر في طريقي إلا ومعي جماعة ، ومتى خاطبني ~~إنسان تحرزت منه غاية التحرز . وحدث أبو القاسم قال : حدثني أبو عبد الله ~~والدي قال : كنت يوما بحضرة أبي العباس بن الفرات في الديوات في دار ~~السلطان إذ جاءه خادم برسالة من المعتضد بالله PageV01P139 رحمه الله يقول ~~فيها : إنه قد زوج جارية في داره من أحد غلمانه ، وأنفذ إليه ألف دينار ~~أمره أن يبتاع بها لهما جهازا ، وأن يفرغ من جميعه في بقية يومه . فأجابه ~~بالسمع والطاعة . ثم أمرني بإثبات جميع ما يحتاج إليه ، فأثبته ، ونظر فيه ~~وزاد فيما أراد . ثم أحضر محمد بن عبد الوهاب وجماعة ممن يسكن إلى نهوضه ~~وكفايته ، فأفرد كل واحد منهم بصنف يبتاعه ، ودفع إليه من المال بقدر حاجته ~~، ووصاهم باختيار ما يبتاعونه ، والاحتياط في ثمنه ، والمبادرة به إلى ~~حضرته في الدار ومضوا ، ولم يزل يراعيهم إلى أن انصرفوا إليه بعد العصر بما ~~ابتاعوه ، فنظر إليه وارتضاه ، وقابل به الثبت الذي عمله فوجده قد انتظم ~~جميعه . ثم تذكر فقال : يحتاج أن يكون مع ذلك كبريت وحراق وأحجار النار ~~وسرج . وتقدم بإحضار ذلك فأحضر . وطلب الخادم ، فخرج وسلم إليه المتاع ~~وثبتا به ، وحمله الخادم ومن معه إلى حضرة المعتضد بالله . فلما عرض عليه ~~شاهده شيئا شيئا وقابل به الثبت ، فوافق أحمد المعتضد فعل أبي العباس فيما ~~تفقده وقال : من راعى هذا الأمر هذه المراعاة حتى لم يخل بشيء مما تدعو ~~إليه الحاجة لحقيق بتدبير المملكة ، وموضع للإعتماد والتعويل . ووقع عنده ~~ما كان منه ألطف موقع وأحسنه . وحدث أبو القاسم قال : حدثني أبو عبد الله ~~أبي قال : لما شخص أبو القاسم عبيد ms159 الله بن سليمان إلى الجبل مع بدر ~~المعتضدي استخلف أبا الحسين القاسم ابنه على الوزارة وضاقت الأحوال على أبي ~~الحسين ، واشتدت المطالبة بالاستحقاقات ، فدعته الضرورة إلى طلب مائتي ألف ~~دينار من المعتضد بالله قرضا إلى أن ترد الأموال فيرد عوضها . وخاطبه في ~~ذلك ، وسأله إسعافه . فأجابه إلى إطلاق ما استدعاه منه إن حضر أحمد بن محمد ~~بن الفرات وضمن رده . فحملت القاسم الحاجة على أن سأل أبا العباش ضمان ~~المال للمعتضد بالله ، فاستعفاه من لقائه ، وعرفه كراهية الدخول إليه ، ~~وكان القاسم لذلك أكره ، لكن الضرورة دعته إلى ما خالفه رأيه وإيثاره فيه ، ~~فأخذه معه ، واستأذن له على المعتضد بالله ، فأوصله . فلما مثل بين يديه ~~استدناه وقربه ، وأقبل يسأله عن نواحي السواد ، وما يرتفع منها ومن عبرها ~~القديمة في الوقت الذي اقتتحت فيه . PageV01P140 ثم تجاوز ذلك إلى نواحي ~~البصرة ونواحي الأهواز ثم فارس وكرمان وسبجستان وفرج بيت الذهب والقندهار ~~والسند والهند والصين ، ثم نواحي خراسان والجبل ، ثم نواحي الموصل وديار ~~ربيعة ومضر وأجناد الشام ومصر والإسكندرية وما وراء ذلك من البلدان . وهو ~~يجيبه بارتفاع ناحية ناحية ، وفي أيام من فتحت ، ويشرح له أحوالها ، ~~فاستعظم المعتضد بالله ما شاهده وسمعه منه ، وأعجبه إعجابا شديدا ، وأقبل ~~عليه إقبالا كثيرا شق على أبي الحسين القاسم ، وندم معه على الجمع بينه ~~وبينه . ثم سأل أبا العباس عما عنده في أمر المال الذي التمسه القاسم منه ~~فعرفه صدق الحاجة إليه ، وضمنه رده إلى بيت مال الخاصة ، فضمن له ذلك عند ~~افتتاح الخراج واتساع الارتفاع ، فوقع إلى صاحب بيت المال بإطلاقه ، ووقع ~~إليه وإلى صاحب بيت مال العامة بألا يقبلا توقيعا للقاسم في شيء من المال ~~إلا بعد أن يكون فيه توقيع أحمد بن محمد بن الفرات ، وأعلمه أن إعتماده في ~~استيفاء الأموال وجمعها عليه لا يعرف فيها سواه . وانصرف القاسم كئيبا ~~حزينا بما جرى ، ولم ينفذ له من بعد توقيع بإطلاق مال إلا ما يوقع فيه أبو ~~العباس . وكتب القاسم إلى أبيه بصورة المجلس ، فكتب إلى ms160 أبي العباس يشكره ~~على ما كان منه ، وإلى القاسم يوبخه ويعنفه على فعله ، وقال له في فصل من ~~كتابه : كنت ظننت أن السن حنكتك ، والأيام قد ثقفتك ، حتى ورد كتابك بما ~~ورد به . ثم أتبع ذلك بالخطاب القبيح بما يشاكله ، وأعلمه أنه قد أخطأ ~~وأساء ، وجنى على نفسه وعلى أبيه جناية لا يمكن تلافيها ، وأنه كان يجب أن ~~يستسلف المال من التجار ويلتزم في ماله ومال أبيه الربح فيه ولا يفعل ما ~~فعله . قال أبو القاسم : وسمعت جماعة من الكتاب يذكرون أن السواد لم يرتفع ~~لأحد بعد عمر بن الخطاب رضي الله عنه بمثل ما ارتفع له إلا المعتضد بالله ~~فإن أبا العباس أحمد ابن محمد بن الفرات رفعه في أيامه ثلاثمائة ألف ~~وأربعين ألف كر شعيرا مصرفا بالفالج ، وباع الكرين بالمعدل من الحنطة ~~والشعير بتسعين دينارا فكان ثمن الأكرار أربعة آلاف ألف وثمانين ألف دينار ~~، وحصل من الخراج وأبواب المال أكثر من ألف ألف دينار ، فإذا أضيف إلى ذلك ~~فضل الشروط والمقاطعات والإيغارات ، بلغت الجملة ما حصل لعمر بن الخطاب ~~رضوان الله عليه . قال أبو القاسم : وسمعت مشايخ الكتاب يقولون : إنه لم ~~يجتمع في زمن من الأزمنة PageV01P141 خليفة ووزير وصاحب ديوان وأمير جيش ~~مثل المعتضد بالله . وأبي القاسم عبيد الله ابن سليمان وأبي العباس بن ~~الفرات وبدر . فكان التدبير مع هؤلاء الأربعة مطردا ، والأمر منتظما ، ~~والعمارة وافرة الأموال دارة ، حتى اجتمع في بيت المال بعد النفقات الراتبة ~~والحادثة وإطلاق الجاري للأولياء في سائر النواحي وجميع المرتزقة بها ~~وبالحضرة تسعة آلاف ألف دينار فاضلة عن جميع النفقات . وكان المعتضد بالله ~~رحمه الله قد اعتقد أن يتمها عشرة آلاف ألف دينار ، ثم يسبكها ويجعلها نقرة ~~واحدة ويطرحها على باب العامة ليبلغ أصحاب الأطراف أن له عشرة آلاف ألف ~~دينار ، وهو مستغن عنها ، فاخترمته المنية ، قبل بلوغ الأمنية . وحدث أبو ~~القاسم قال : حدثني أبو عبد الله أبي قال : تأخرت عن أبي العباس ابن الفرات ~~في يوم جمعة ، وأقمت عند بعض أهلي بالجانب ms161 الغربي ، وحضرتنا مغنيتان ~~محسنتان فاندفعت إحداهما وغنت قايست بين فعالها وجمالها . . . فإذا الملاحة ~~بالخيانة لا تفي والله لا كلمتها ولو أنها . . . كالشمس أو كالبدر أو ~~كالمكتفي وضربت الأخرى وغنت : يا ذا الذي حلف العشية جاهدا . . . الا ~~يكلمني فعال المسرف قد جرت فيما كان منك وإنه . . . ليزيد قبح الجور عند ~~المنصف قال : فاستحسنت أن أجابت الثانية الأولى بجواب في وزن الصوت وقافيته ~~ومعناه . وصرت إلى أبي العباس بن الفرات من غد ، وسألني عن سبب تأخري عنه ، ~~فأعلمته إياه ، وحدثته حديث المغنيتين وما غنتا به ، فعجب منه ومضى إلى أبي ~~الحسين القاسم ابن عبيد الله فأخبره . فكانت سبيله فيه سبيله وقد كان أبو ~~العباس سألني عن قائل الشعر . فقلت : هو لعبد الله بن المعتز ، وحضر القاسم ~~بحضرة المكتفى بالله ، فأعاد عليه الحديث فقال له : لمن الشعر ؟ فقال : ~~لعبيد الله بن عبد الله ابن طاهر . فقال : قد بلغني عنه خلة ، فأحمل إليه ~~ألف دينار ، وأعلمه أنني لا أخليه من مثله في كل مدة . وانصرف القاسم وعرف ~~أبا العباس ما جرى ، وما حمل إلى عبيد الله من الدنانير . قال أبو عبد الله ~~: وأخبرني أبو العباس بما جرى فقلت : الشعر لعبد الله بن PageV01P142 ~~المعتز . فقال : قد أتاح الله لعبيد الله بن عبد الله الرزق من حيث لم ~~يحتسب ، وهذا ما لا حيلة للمخلوقين فيه . وحدث أبو القاسم عن أبيه أنه كان ~~جالسا بحضرة أبي العباس بن الفرات في يوم سبت وقد ابتدأ المطر ، وهو يريد ~~المضي إلى دار أبي القاسم عبيد الله بن سليمان ، إذ وردت عليه رقعة محمد بن ~~إبراهيم بن الخصيب وفيها : انعموا آل الفرات . . . واشربوا بالبكرات يوم ~~سبت ورذاذ . . . وجوار محسنات ما قرى كسرى أنوشر . . . وان هذا في الصفات ~~فعمل على القعود ، وأضرب عن الركوب ، وبعث إلى محمد بن إبراهيم في الحضور ، ~~واستدعى أبا الحسن أخاه ، ومر لنا أطيب يوم . وكتب أبو أحمد عبيد الله بن ~~عبد الله بن طاهر بخطه إلى أبي العباس أحمد ابن محمد بن الفرات : يا ولي ~~الإمام ms162 هنأك الله . . . بدين الهدى وشهر الصيام وبكل الأعياد في الدين ~~فاسعد . . . أمد الدهر عابر الأيام عاليا غاية الذرى كالئ الدين . . . ~~رئيسا أقصى مدى الإحرام أنت قطب الدنيا تدور عليه . . . ما اديرت وحافظ ~~الإسلام أنت بالدين في الزمان مهنى . . . وله في يديك عقد الذمام وتهني ~~الدنيا وأعيادها من . . . ك بطول البقاء والإحتكام والمراقي في المجد ~~والأمر والنهي . . . وأعلى الإعزاز والإكرام واتصال الإحسان منك إلى النا . ~~. . س وشفع الإيصال بالإنعام أنت عنوان كل مجد وتاريخ . . . المعالي وسيد ~~الأقوام حارس الإرث والخلافة والسلطان . . . والدهر كله والأنام علم الدهر ~~فابق فيه تجاها . . . علما للمنار والأعلام جمع الله كل خير ومأمو . . . ل ~~وسؤل ونعمة للهمام جامعا للوزير كل تمام . . . من أقاصي المنى بكل دوام ذا ~~دعائي وصلته بثنائي . . . ومناي انتظمتها في نظام مقسما بالوفاء والشكر ~~والإخ . . . لاص والنصح غاية الإقسام PageV01P143 وحدث أبو القاسم بن زنجي ~~قال : سمعت أبا الحسن علي بن محمد بن الفرات يقول : كثر القول في حفظ أبي ~~جعفر أحمد بن إسرائيل الكاتب الأنباري ، فأحب أخي أبو العباس أن يقف على ~~صحة ذلك من بطلانه ، فمضى إليه ، وأخذني معه ، ودخلنا داره ، وقصدنا مجلسه ~~، فوجدناه قد نهض منه يريد الركوب ، فقال لي أخي : فاتنا كل ما قدرناه . ~~وسلمنا عليه ومشينا معه . فبينما نحن في تلك الحال إذ جاءه خليفة لبعض ~~العمال بكتاب ضخم من العامل الذي كان يخلفه ، فدفعه إليه ، وفضه ، وأخذ ~~الغلام طرفه ، وأقبل بهذه عليه هذا سريعا متصلا حتى انتهى إلى آخره . ثم ~~رمى به إلى الكاتب وقال له : وقع عليه بأن يجاب بكذا وكذا . ومشى إلى ~~الموضع الذي يركب منه وركب . فقال أخي : أعطي الله عهدا إن كان قرأ الكتاب ~~أو درى ما فيه ، وإنما فعل ما فعله ليرينا أنه قد قرأه وفهمه . وتقدم إلى ~~بعض غلمانه بطلب صاحب الدواة ، وبذل شيء له على إخراج الكتاب إلينا لنقرأه ~~ونرده من وقته ، ففعل ذلك ، وجاءنا بالكتاب فقرأناه ، وقرأنا التوقيع عليه ~~، فوجدناه قد انتظم بسائر معاني الكتاب . فعلمنا أن الذي تحدث به عنه ms163 حق لا ~~تزيد فيه . وحدث أبو القاسم عن عبد الله أبيه قال : كان أبو العباس بن ~~الفرات يحتبسني عنده في أيام خلوته للأنس ، قال : فحضر عنده في بعض الأيام ~~عدة مغنيات ، وغنت إحداهن لأبي العتاهية : أخلاي بي شجو وليس بكم شجو . . . ~~وكل فتى من شجو صاحبه خلو رأيت الهوى جمر الغضا غير أنه . . . على حره في ~~حلق ذائقه حلو فقال أبو العباس : هذا خطأ ، وإنما يجب أن يكون البارد ضد ~~الحار والحلو ضد المر . فقلت له : فكيف كان يجب أن يقول ؟ قال : كان يقول : ~~غدوت على شجو وراح بي الشجو . . . وكل فتى من شجو صاحبه خلو وباكرني العذال ~~يلحون في الهوى . . . ومر الهوى في حلق ذائقه حلو فلم يبق أحد ممن حضر إلا ~~علم أن الذي قاله أحسن وأصوب . وحدث أبو القاسم عن أبيه قال : تقدم أبو ~~الصقر إسماعيل بن بلبل إلى أبي عبد الله محمد بن غالب الأصفهاني أن يكتب ~~إلى العمال في النواحي كتبا يدعوهم فيها إلى PageV01P144 الاستكثار من ~~العمارة ، ويأمرهم بمطالبة الرعية بها ، فكتب الكتب وأحضرها أبا الصقر ، ~~فاستحسنها وتركها بين يديه . وأقبل أبو العباس أحمد بن محمد بن الفرات ، ~~فدفعها أبو الصقر إليه وقال له : اقرأها وانظر ما أحسن ما أورده أبو عبد ~~الله في هذا المعنى . فقرأها ، ووجده قد افتتحها بأن قال : الحمد لله الذي ~~استعمر عباده في أرضه ليخرج رزقهم منها وليكفتهم فيها . ثم قال بعد ذلك : ~~ولو لم يكن من فضيلة الازدراع إلا قول الله عز وجل في محكم كتابه : ' كزرع ~~أخرج شطأه فازره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار ' ~~فلما قرأها أدرجها ، وأمسك عن إيراد شيء في معناها ، فقال له أبو الصقر : ~~ما عندك فيها ؟ وأطنب في وصفها ، فعارضه أبو العباس في ذلك . فقال له : ما ~~الذي أنكرت ؟ قال : ابتدأه بأن قال : الحمد الله الذي استعمر عباده في أرضه ~~ليخرج رزقهم منها وليكفتهم فيها . فلم يدع لهم نفسا . ثم ثنى بأن جعل ~~الآيات التي جعلها الله في نبيه وأصحابه ms164 عليهم السلام مثلا للزرع ، وهذا ~~خلاف ما جاءت به الروايات ، وفسره المفسرون . فعلم أبو الصقر أن الأمر على ~~ما قال ، وكلفه كتب الكتب من جهته ، ودفع المكتوبة إليه . وكان أبو عبد ~~الله محمد بن غالب يعتب على أبي العباس لما كان منه في ذلك . وحدث أبو ~~القاسم عن أبيه قال : خلا أبو الحسن علي بن محمد بن الفرات للشرب في وزارته ~~الأولى ، في الدار المعروفة بالدار الجديدة من دار سليمان بن وهب . وحضرت ~~انا وجماعة من كتابه ، وحضر من المغنيات بين يدي الستائر ومن ورائها ما لا ~~يحصى كثرة ، وأحضرت من أواني الذهب والفضة ماله القيمة الوافرة . ومر يوم ~~حسن طيب إلى وقت العصر ، وإذا العباس الفرغاني حاجبه قد دخل وقال : يا ~~سيدنا ، قد حضرت بدعة الكبيرة وهي في طيارها تستأذن للوصول . فأطرق مفكرا ~~ثم رفع رأسه وقال : ارفعوا ما ها هنا من الأواني . فرفع إلا قليلا ، ونهضت ~~المغنيات اللواتي كن قدام الستارة ، وأمره بالإذن لها . فدخلت ووقفت بحضرته ~~ثم تقدمت وقبلت يده وقالت : بلغني أن سيدي الوزير قد نشط للشرب فحضرت ~~للخدمة . فأمرها بالجلوس ، وجلست وطلبت العود ، فجيء به ، وغنت PageV01P145 ~~فجودت ، واستحسن أبو الحسن ما أتت به ، وطرب عليه وشرب . ثم أخذ ربع قرطاس ~~كان في دواته ، وكتب شيئا وقطعه ، ودفعه إلي وقرأته فكان : إذا بدعة جودت ~~عودها . . . تذلل في ضربها كل صعب تغني فتجني ثمار القلوب . . . وتهدي ~~سرورا إلى كل قلب فاستحسنت ذلك ، وكانت بدعة بالقرب مني . فقلت لها : إسمعي ~~إلى ما وصفك الوزير به . وأنشدتها البيتين ، فسرت وفرحت ، وقامت مسرعة ~~فقبلت يده ثم الأرض وعادت إلى موضعها وقالت : بالله يا سيدي إلا أعدت الشعر ~~علي حتى أحفظه ، ففعلت وحفظته وأدارته في حلقها ، وعملت له لحنا من وقتها ، ~~ثم ضربت وغنته ، فجاء في نهاية الحسن . ونشط أبو الحسن ، وتقدم برد المجلس ~~ومن كان فيه إلى ما كان عليه . ولم يزل ذلك الصوت صوتنا عليها بقية ليلتنا ~~. فقال أبو القاسم : فقلت لأبي عبد الله أبي : فلم كره حضور بدعة ms165 وهي من ~~آلة الشرب وموصوفة بالحذق في ذلك الوقت ؟ قال لأنه كان يتهمها بنقل أخباره ~~إلى المقتدر بالله رحمه الله . قال أبو القاسم : وكان لأبي الحسن بن الفرات ~~مطبخان في داره . فأما مطبخ الخاصة الذي يطبخ فيه فلا أحصى ما كان يدخله من ~~الغنم والحيوان لكثرته . وأما مطبخ العامة المرسوم بما يقدم إلى خلفاء ~~الحجاب المقيمين في الدار ويغرف منه للرجالة والبوابين وأصاغر الكتاب ~~وغلمان أصحاب الدواوين فكان يستعمل فيه في كل يوم تسعون رأسا من الغنم ~~وثلاثون جديا ومائتا قطعة دجاجا سمانا وفراريج مصدرة ، ومائتا قطعة دراجا ، ~~ومائتا قطعة فراخا . وهناك خبازون يخبزون الخبز السميذ ليلا ونهارا ، وقوم ~~يعملون الحلواء عملا متصلا ، ودار كبيرة للشراب . وفيها ماذيان يجعل فيه ~~الماء المبرد ويطرح في الثلج كدرا ، ويسقى منه جميع من يريد الشرب ، ~~الرجالة والفرسان والأعوان والخزان ومن يجري مجري هذه الطبقة من الأتباع ~~والغلمان ، ومزملات فيها الماء الشديد البرد . وبرسم خزانة الشراب خدم نظاف ~~، عليهم الثياب الدبيقية السرية ، وفي يد كل واحد منهم قدح فيه سكنجبين أو ~~جلاب ومخوض وكوز ماء ومنديل من مناديل الشراب نظيف ، فلا PageV01P146 ~~يتركون أحدا ممن يحضر الدار من القواد والخدم السلطانيين والكتاب والعمال ~~إلا عرضوا ذلك عليه . وفي جانب الدار أدراج كثيرة لأصحاب الحوائج ~~والمتظلمين حتى لا يلتزم أحد منهم مؤونة لما يبتاعه من ذلك ، وأنصاف قراطيس ~~وأثلاث . قال أبو القاسم : وحدثني أبي قال : كان أبو الفضل بن الحجام ~~النحوي يكثر الجلوس إلى جانبي في دار أبي العباس أحمد بن محمد بن الفرات ~~يحادثني ، فاتفق أن جلس يوما على رسمه ، واستمددت من الدواة فترشش من ذلك ~~المداد على ثيابه ، فأخذ قلما من دواتي وقرطاسا من بين يدي وكتب إلى أبي ~~العباس : يا سيدي ومؤملي . . . في كل حادثة وريب لك كاتب شاب الكتا . . . ~~بة بالبلاغة أي شوب فإذا جلست بجنبه . . . جعل اسمه صبغا لثوبي يعني زنجي ~~فضحك أبو العباس مما كتب به ، وأمر فحملت إليه عدة أثواب من دبيقي وقصب ~~وغير ذلك . قال أبو القاسم : حدثني ms166 عمي أبو الطيب أحمد بن إسماعيل قال : ~~كان معنا في الديوان خازن شيخ قد خزن في الدواوين في سر من رأى ، يعرف ~~بجعفر الحرامي ، فكان يقول كثيرا : ما استطعت ألا تبيت مغموما فافعل فكنت ~~أسمع هذا الكلام منه صفحا . فلما كان بعد مدة ، وأنا أكتب بين يدي أبي ~~العباس أحمد ابن محمد بن الفرات وأخفف عنه . جاءني رجل من التناء بالسواد ، ~~ومعه توقيع بنقل مقاسمة بيدر له من رسم ثقيل إلى رسم خفيف ، ذكر أن أبا ~~القاسم عبيد الله بن سليمان وقع له به ، وتوقيع أبي العباس ابن الفرات فيه ~~بالعمل على موجبه . فاستربت بالتوقيع فشككت في صحته ، وبذل لي مائة دينار ~~على إمضائه ، وكتب الكتاب بمقتضاه . ففعلت وأخذت المائة دينار وتسلم الكتاب ~~فلما كان الليل وأويت إلى فراشي اجتهدت في النوم فامتنع علي ، وذكرت ما ~~عملته وتجوزت فيه ؛ فضاق صدري ، وساء ظني ، وقلت : هذا الذي كان يحذرني منه ~~جعفر الحرامي ، وندمت على ما كان مني ، وتقلبت على الفراش من غير أن يدخل ~~النوم عيني ، وحدثت نفسي بالركوب وقصد الرجل . وقد كان ذكر لي فيما جرى ~~بيننا من الحديث أن منزله في الجانب الغربي في سكة كذا من سكك المدينة ، ~~فلم يمكن ذلك لأنه كان أول الليل ، ثم لم أزل على حالي في القلق طويلا ، ~~حتى إذا زاد ما بي تقدمت إلى غلماني بأن يسرجوا لي PageV01P147 وبالخروج ~~إلى الشارع ، والمسألة عمن بتلك الطريق ، فخرجوا وعادوا يذكرون أنه ما مر ~~أحد . ثم أمرتهم بأن يسرجوا لي على كل حال ، وأسرجوا وحملوا بين يدي شمعة ، ~~وركبت وسرت ، فإذا الشرائج ممدودة ، وأبواب الدروب مغلقة ، فما تهيأ لي فتح ~~شيء منها إلا ببر الحراس . ولم أزل على ذلك حتى انتهينا إلى رأس الجسر من ~~الجانب الشرقي ، فكان الباب مقفلا ، فسأل الغلمان الموكل به فتحه ، فأبى ، ~~وبذلوا له دراهم عن ذلك فلم يقبلها . ووقفت إلى أن وافى فرانق من قبل بدر ~~غلام المعتضد بالله بكتاب منه إلى بعض أهل الدولة النازلين في الجانب ~~الغربي ، ففتح ms167 له الباب وجاز وجزت معه . ثم وصلت بعد اجتهاد إلى دار الرجل ~~، وتقدم غلماني إلى بابه فدقوه ، وطالعهم من السطح ، وسألهم عما يريدونه ، ~~فأشعروه بحضوري ، فأمهل قليلا ثم فتح الباب ، وأذن في الدخول ، ورآني فأنكر ~~مجيئي في مثل ذلك الوقت ، وقال : لو كتبت إلي لجئتك ! فما الذي تحب الآن ؟ ~~فقلت وقع على سهو في الكتاب الذي كتبته لك ، وخفت أن يقع عليه من يتتبعني ~~وتتطرق من قوله قباحة علي . فقال : هذا قول لا يجوز على مثلي ، ومن المحال ~~أن يخرج عن يدك ما فيه لحن وخطأ ، ولعلك فكرت في شيء آخر من أمر الكتاب ~~نفسه ، فقلت : لا بد من إحضاره ، فقال : توقف قليلا . ثم قام وغاب لحظة ~~وجاء ومعه صرة فيها خمسون دينارا ، وقال : تلك مائة وهذه خمسون دينارا ، ~~وليس في كل وقت يعرض مثل ذلك ، وكم في الدواوين من توقيع يجري هذا المجرى ~~ولا يؤبه له ولا يتنبه عليه ؟ ورغبني فيها ترغيبا كدت معه أن آخذها . ثم ~~ذكرت محلي من أبي العباس بن الفرات ، وموضعي من خدمته ، ومكان أخي منه ، ~~وأنني أقدر أن أفيد معه وفي جملته الفوائد الكثيرة ، فتماسكت وامتنعت ، ~~وعاودته المطالبة بالكتاب ، ووضع غلامي بين يديه المائة الأولى . فقال : ~~أحب أن تتوقف قليلا . وقام ثم رجع ومعه الكتاب وخمسون دينارا أخرى ، وقال : ~~هذه مائتا دينار ، وهذا الكتاب ، فاختر ما تريده منهما وخده . وأعاد من ~~تهوين القصة وتجديد القول الداعي إلى الرغبة ما كادت به يدي تمتد إلى ~~الدنانير . ثم راجعت الفكر ، وأشفقت من ظهور الأعداء على الأمر ، وفساد ~~الجاه ، وأخذت الكتاب ومزقته ، ونهضت وركبت . فلما توسطت الجسر رميته مخرقا ~~في الماء ، وعدت إلى منزلي ، وكنت أنزل بسوق العطش . وقد بقيت سدفة من ~~الليل ، فطرحت نفسي على PageV01P148 الفراش ، ونمت نوما طيبا ، وزال ما كنت ~~عليه من سوء الفكر واستشعار الخوف ، وأصبحت وسألت غلماني عما عندهم من ~~الطعام ، وأنفذت إلى جماعة كانوا يعاشرونني ، فحضروا وأكلنا ، وحضر النبيذ ~~وشربنا ، وجاءني غلامي وقال : غلام أبي العباس بن الفرات بالباب يستدعيك . ~~فأدخلته ms168 وأجلسته معنا ، فأكل وشرب ، وقلت له : عرفه أنني عند بعض أهلي ~~بالجانب الغربي . فمضى ، ولم يبعد أن جاء غلام آخر يطلبني ، ففعلت به كمثل ~~فعلي بالأول . فانصرف . وقلت في نفسي : لأن ألقي أبا العباس معتذرا من تأخر ~~يوم عن خدمته أولى من أن ألقاه معتذرا من مثل ذلك الذنب الكبير . فأقمت على ~~جملتي بقية يومي وباكرته من غد ، فسألني عن سبب تأخري فأعلمته كوني عند بعض ~~أهلي بالجانب الغربي . ومضت أيام ، وورد كتاب العامل الذي تلك الضيعة في ~~عمله وفي درجه حزر الغلة وقد نسب كل بيدر إلى مقاسمته ؛ وعلى مثل هذا كانت ~~الحزور ترد . فقرأه أبو العباس على رسمه حرفا حرفا ، ووجد قد حكي تحت اسم ~~بيدر من البيادر : مما ورد الكتاب بنقله من مقاسمة كذا إلى مقاسمة كذا . ~~فلما قرأة اختلط وأنكر ذلك وقال : ما أذكره ، ومتى أمرنا بنقل المقاسمات ~~الثقيلة إلى المقاسمات الخفيفة ؟ واستدعى أبا عبد الله أخي ، وتقدم إليه ~~بأن يكتب إلى العامل بإنكاره ما وقف عليه من الحكاية التي حكاها في الحزر ، ~~ويرد الكتاب الذي وصل إليه في هذا المعنى بعينه . فكتب ذلك ، ومضت أيام فلم ~~أشعر وأنا بحضرته إلا بكتاب العامل قد ورد جوابا عما كوتب ، وفي درجة ~~الكتاب الذي طلب منه . وقرأه أبو العباس ابن الفرات ، وأقبل يدفعه إلى واحد ~~واحد من الكتاب الذين في مجلسه ، ويسأله عن صاحب خطه . ثم دفعه ألي فلما ~~قرأته ذكرت اسم البيدر ، وقلت في نفسي : أي شيء كان أسوأ حالا مني لو كان ~~بخطي وقد ورد في مثل هذا المجلس الحافل ؟ ولم يعرف أحد من الحاضرين الخط ، ~~وسلمه إلي أحمد بن يزيد المدير وقال له : إمض به إلى الديوان ، وخذ خطوط ~~أصحاب المجالس وخلفائهم بما عندهم من العلم به ، وجئني بنسخته إذا وجدتها ~~من مواضعها . كرته من غد ، فسألني عن سبب تأخري فأعلمته كوني عند بعض أهلي ~~بالجانب الغربي . ومضت أيام ، وورد كتاب العامل الذي تلك الضيعة في عمله ~~وفي درجه حزر الغلة وقد نسب كل بيدر ms169 إلى مقاسمته ؛ وعلى مثل هذا كانت ~~الحزور ترد . فقرأه أبو العباس على رسمه حرفا حرفا ، ووجد قد حكي تحت اسم ~~بيدر من البيادر : مما ورد الكتاب بنقله من مقاسمة كذا إلى مقاسمة كذا . ~~فلما قرأة اختلط وأنكر ذلك وقال : ما أذكره ، ومتى أمرنا بنقل المقاسمات ~~الثقيلة إلى المقاسمات الخفيفة ؟ واستدعى أبا عبد الله أخي ، وتقدم إليه ~~بأن يكتب إلى العامل بإنكاره ما وقف عليه من الحكاية التي حكاها في الحزر ، ~~ويرد الكتاب الذي وصل إليه في هذا المعنى بعينه . فكتب ذلك ، ومضت أيام فلم ~~أشعر وأنا بحضرته إلا بكتاب العامل قد ورد جوابا عما كوتب ، وفي درجة ~~الكتاب الذي طلب منه . وقرأه أبو العباس ابن الفرات ، وأقبل يدفعه إلى واحد ~~واحد من الكتاب الذين في مجلسه ، ويسأله عن صاحب خطه . ثم دفعه ألي فلما ~~قرأته ذكرت اسم البيدر ، وقلت في نفسي : أي شيء كان أسوأ حالا مني لو كان ~~بخطي وقد ورد في مثل هذا المجلس الحافل ؟ ولم يعرف أحد من الحاضرين الخط ، ~~وسلمه إلي أحمد بن يزيد المدير وقال له : إمض به إلى الديوان ، وخذ خطوط ~~أصحاب المجالس وخلفائهم بما عندهم من العلم به ، وجئني بنسخته إذا وجدتها ~~من مواضعها . قال : وسبق الخبر إلى الكتاب ، وقد كان الرجل صاحب البيدر ~~برهم بجملة حتى أثبتوه عندهم ، فما منهم إلا من قطعه وأخرجه من شك الورق ، ~~ورمى به في المستراح ، أو أعطاه غلامه حتى أخرجه من الديوان وخبأه في خفه ~~أو تحت الأرض . ولما دار عليهم ابن يزيد أنكروا وجحدوا ما فيه من علاماتهم ~~وخطوطهم فأخذ خطوطهم على ظهر الكتاب PageV01P149 بما ذكروه ، وجاء به إلى ~~أبي العباس . ونحن في تلك الحال إذ جاءت إليه رقعة من متنصح يذكر فيها اسم ~~الرجل الذي كتب الكتاب وموضع منزله ، فدعا أبو العباس العباس الفرغاني ~~حاجبه ، وأمره بكبس الدار وطلب الرجل ، فإن وجده أحضره وإن لم يجده أنهب كل ~~ما فيها . فمضى ومعه ثلاثون راجلا فكبس الدار ، ولم يظفر بالرجل ، فنهب ~~الرجالة والأتباع ما كان ms170 فيها ، وعرف الرجل الخبر فاستتر مدة ، ثم خرج إلى ~~الموصل هاربا ، ولم يزل مقيما بها إلى أن مات أبو العباس ، فحمدت الله ~~وشكرته على ما وفقني له ، وخلصني منه ، وعلمت أنه لا شيء أنفع من الصحة ولا ~~أجل من الأمانة . قال أبو القاسم : وحدثني أبي قال : كان أبو العباس بن ~~الفرات يميل إلى أبي خازم القاضي ويكرمه ويقبل عليه إذا حضر عنده ، ويتحدث ~~معه ، وكان أبو خازم أديبا وحافظا ، فحضر يوما عند أبي العباس ، وجرى ~~الحديث بينهما ، إلى أن أنشده أبو خازم : أأنت الذي أخبرت أنك ظاعن . . . ~~غداة غد أو رائح لهجير وقلت يسير نصف شهر أغيبه . . . وما نصف يوم غيبة ~~بيسير قال له أبو العباس : أتحفظ في هذا الشعر غير ما أنشدته ؟ قال : لا . ~~قال : بلى أنشدنا أبو محلم قال : أنشدنا الأصمعي لبعض العرب : وما أنس ~~ملأشياء لا أنس موقفا . . . لنا ولها بالصفح سفح ثبير ولا قولها يوما وقد ~~بل جيبها . . . سوابق دمع للفراق غزير أأنت الذي أخبرت أنك ظاعن . . . غداة ~~غد أو رائح لهجير وقلت يسير نصف شهر أغيبه . . . وما نصف شهر غيبة بيسير ~~قال : فقلت له : ألا قال نصف لحظة ، نصف ساعة . قال : إن العرب تتهالك في ~~أشعارها أحيانا ، وتترك أحيانا فيه نفسا . فعجب أبو حازم من حفظه وزيادته ~~على ما كان عنده ، وطلب الدواة وكتب الحكاية والزيادة عنه وقال له : ما ~~جئناك بفائدة إلا وانصرفنا من عندك بفوائد . وحكى أبو القاسم عن أبيه قال : ~~كان أبو العباس بن الفرات أذكر الناس وأحفظهم لما يمر به من قليل وكثير ، ~~فقال لي يوما . ما اشتهيت أن أحفظ شيئا قط إلا حفظته . وما آسي من عمري إلا ~~على ثلاث سنين أفنيتها في علم إقليدس ، فكيف لم أفنها في الفقه ؟ قال : ~~وكان أعلم الناس بالفقة على سائر المذاهب . PageV01P150 وقال أبو القاسم : ~~تأخرت أرزاق الكتاب في وزارة حامد بن العباس ونظر علي بن عيسى تأخرا طويلا ~~. فلما تقلد أبو الحسن بن الفرات الوزارة الثالثة ، وعرف ذلك ، أنكره ، ~~وعجب من استمراره ، وأنفذ ms171 المستحثين إلى العمال للمطالبة به ، فقبضوا في ~~مدة عشرة أشهر جاري أربعة عشر شهرا ، وكان شديد التعصب لهم ، والعناية ~~بأمرهم . ولقد سمعته يوما وقد خاطبه مخاطب على أن يجعل جاري بعض الكتاب ~~لكاتب في ناحيته ، وهو يقول : قطع الله رزقي يوم أقطع رزق كاتب . ووقع للذي ~~سئل في أمره بجار مستأنف . وقال أبو القاسم : سمعت أبا الحسن بن الفرات ~~يقول في وزارته الثالثة ، وقد ذكر حال السواد وجلالته : إن الإحسان إلى ~~الرعية يزيد في ارتفاعه ، ولولا خوفي من أن يجلس في هذا المجلس من لا يعرف ~~غرضي فيما أفعل ، ويجعله تسوقا علي عند من لا يفهم ، لنقصت المزارعين ثلاثة ~~أقفزة في كل كر من مقاسمة الإستان التام ، ثم كان ينظر بعد ذلك كم يزيد في ~~الارتفاع بهذه المسامحة . وحكى أبو القاسم قال : كان أبو الحسن بن الفرات ~~يطلق للشعراء في كل سنة من سني وزارته عشرين ألف درهم رسما لهم سوى ما ~~يصلهم به متفرقا وعند مديحهم إياه . فلما كان في وزارته الأخيرة تذكر طلاب ~~الحديث وقال : لعل الواحد منهم يبخل على نفسه بدانق ودونه ، ويصرف ذلك في ~~ثمن ورق وحبر ، وأنا أحق بمراعاتهم ومعاونتهم على أمرهم . وأطلق لهم من ~~خزانته عشرين ألف درهم . قال أبو القاسم : وكان في جهتي رجل يعرف بأبي بكر ~~محمد بن إبراهيم البرني فأخذت له منها ثلاثمائة درهم ، وأخذت لأبي سعيد ~~الحسن بن علي العدوى خمسمائة درهم ؛ وكان جاري وقد سمعت منه سماعا كثيرة . ~~وأخذت لأبي العباس أحمد بن عبد الله بن عمار لأنه كان يجيئني ويقيم عندي ~~وسمعت منه أخبار المبيضة ومقتل حجر وكتب صفين وكتاب الجمل وأخبار المقدمي ~~وأخبار سليمان بن أبي شيخ وغير ذلك خمسمائة درهم . وتم لي أخذ هذه الدراهم ~~لمن أخذتها له وهم محدثون لا من طلاب الحديث بفضل الجاه يومئذ . وقال أبو ~~القاسم : كان أبو الحسن بن الفرات قد تقدم إلى والدي أبي عبد الله بأن ~~يستأمره في كل توقيع يرد عليه ، فكان يفعل ذلك ، وحضره في بعض الأيام ms172 رجل ~~بتوقيع في PageV01P151 آخر رقعة قد كتبها يشكو فيها حاله ، ويسأل إجمال ~~النظر في أمره بإجراء خمسة عشر دينارا في كل شهر وتسبيبها على بعض الجهات ، ~~فلما قرأه عرفه ما أمر به الوزير من استئذانه في كل توقيع يرد ، وسأله عما ~~يحبه في ترقيعة : من رده عليه لأنه كان قد استراب به أو عرضه والاستئمار ~~فيه . فآثر الاستئمار ، وأعلمه أنه يفعل ذلك في يومه ، وأنه يجب أن يعود ~~إليه في غده ليعرفه ما يكون منه فيه . وعرض والدي التوقيع على أبي الحسن ، ~~فلما قرأه أنكره وعرفه أنه مزور ، وتقدم إليه بإحضار الرجل الذي أوصله إليه ~~ليضربه بالسوط ، ويشهره على جمل ويخلده الحبس ، ويجعله أدبا وعظة لغيره ممن ~~يحدث نفسه بمثل هذا الفعل ، وأكد القول عليه . وحضر الرجل من غد متعرفا لما ~~جرى في أمر التوقيع ، فأشار عليه والدي بالإنصراف والإمساك وألا يعيد قولا ~~في ذلك . فامتنع امتناعا دعاه إلى أن شرح له الصورة ، وأشعره بغلظ القصة ~~وقال له : أنا أخالف الوزير فيما أمرني به ، وأعرفه متى سألني عنك أنك لم ~~تعد إلي . فذكر أن توقيعه صحيح ، وأنه لا يبالي بالحضور والوصول إلى حضرة ~~الوزير ، ولا يدع عند ذلك إقامة حجته وإبراء ساحته . فراجعه وحذره إشفاقا ~~عليه ؛ وهو مقيم على أمره . ثم قال : فأتقدمك إلى الدار . قلت : الاختيار ~~إليك . فانصرف . قال أبو عبد الله : وتشاغلت بالنظر في حوائج من كان عندي ~~من أسباب المقتدر بالله رحمه الله وغيرهم . فلما فرغت ركبت ، ووجدته قد ~~سبقني ، ودخلت إلى أبي الحسن بن الفرات فقال لي : أين الرجل صاحب التوقيع ؟ ~~فقلت : ها هو حاضر . فأمر بإيصاله إليه . فلما رآه انتهره وزبره وقال له : ~~تقدم على التزوير ؟ وتقدم بحمله إلى صاحب الشرطة ليعاقبه ويشهره ، ثم سأله ~~عن نسبه ، فأعلمه أنه ابن عم العباس بن الحسن . فلما ذكر ذلك له سكن غضبه ، ~~وأقبل عليه فتعرف منه خبر واحد واحد من أهله ، ووصف له حالهم . فقال له : ~~ما الذي حملك على ما فعلته ؟ فقال كتابك الذين بحضرتك ، لأني ms173 قصدتهم ~~وسألتهم إيصال رقعة لي إليك أستعطف بها رأيك ، وأستدعي فيها إحسانك ، فما ~~منهم من فعل ، وأحوجني فعلهم إلى أن جعلت هذا التوقيع سببا للوصول إلى ~~مجلسك ، وشكوى حالي إليك . فأخذ التوقيع ووقع تحته بإمضائه ، ورسم لي ~~مراعاته فيه حتى يسبب له على حيث يروج منه . ثم دعا أبا العباس أحمد بن ~~مروان وكيله في داره ، وتقدم إليه بأن يطلق له عاجلا ثلاثة آلاف درهم ~~يصرفها في مؤونته ، وأن يقيم له في كل شهر خمسة عشر دينارا من ماله سوى ~~الجاري السلطاني الذي أمرنا بإجرائه له . فلما خرج إلي قال لي : أيما كان ~~أعرف الوزير ، أنا أو أنت ؟ وعجب الناس من كرم ابن الفرات ورعايته لأهل ~~البيوتات وذوي النعم والأقدار . PageV01P152 قال أبو القاسم : وحدثني أبي ~~قال : كان أبو القاسم عبيد الله بن سليمان قد قلد أبا عبد الله جعفر بن ~~محمد بن الفرات أعمال بهرسير والرومقان وإيغار يقطين وما يجري مع ذلك . ~~وكان لأبي عبد الله محمد بن غالب الأصبهاني هناك مقاطعة ، وتتبعها جعفر بن ~~محمد فوجد فيها فضلا كثيرا حمله على أن وكل بغلاتها إلى أن يرد عليه الكتاب ~~بالإفراج عنها أو غير ذلك . وشق ما كان منه على محمد ابن غالب ، وكتب إلى ~~عبيد الله بن سليمان رقعة في هذا المعنى ، وأورد في آخرها أبيات شعر فيها : ~~أيظلمني عامل البهرسير . . . ويركب مني صعب الأمور ويبطل من سنتي ما جرى . ~~. . ويضغمني ضغم ذئب عقور وأوصلها من يده إلى عبيد الله ، وكان أبو العباس ~~أحمد بن محمد بن الفرات حاضرا ، فأعطاه عبيد الله الرقعة وقال لمحمد بن ~~غالب : الأمر إلى أبي العباس في الإمضاء أو الفسخ . فقال أبو العباس : فإني ~~قد أمضيت . وأخذ القلم من الدواة ووقع بإمضاء المقاطعة ، والإفراج عن الغلة ~~. فكان محمد بن غالب يشكره على ذلك بعد عيبه عليه مما جرى في أيام أبي ~~الصقر إسماعيل بن بلبل . وحدث أبو القاسم قال : اجتمع كتاب أبي الحسن بن ~~الفرات يوما بحضرته ، وذلك في وزارته الأخيرة ، فذكر كل واحد ms174 منهم ما لحقه ~~من الشدائد في استتاره ، فحدثه أبو عمرو سعيد بن الفرخان النصراني انه كان ~~في موضع وأراد الانتقال عنه ، فخرج قبل طلوع الفجر ، فلما توسط الطريق تبعه ~~إنسان لا يعرفه . وأخذ في غير الوجه الذي أراده ، وتبعه ، وخرج منه إلى ~~غيره ، وهو يمشي معه . قال أبو عمرو : فلما كاد الصبح يسفر وقفت وقلت : أنا ~~رجل خائف ، وأريد أن أقصد موضعا أستتر فيه ، وقد قارب الوقت الذي قدرته أن ~~يقرب باتباعك إياي . قال لي : قد عرفتك ، وما قصدت فيما فعلته إلا الجميل ~~معك ، ولو أردت الاستتار لكانت معوضة ، وهذا منزلي لك وبين يديك ، وأسألك ~~أن تعدل إليه وتعمل على المقام فيه . فنظرت فإذا الوقت قد أزف ، ولا يمكنني ~~الوصول إلى الموضع الذي أردت قصده إلا مع طلوع الشمس . فمضيت معه ، وتقدمني ~~واتبعته حتى وصل إلى منزله ، ودخل وأدخلني ، فوجدت دارا طيبة ، وفيها فرش ~~نظيف ، وأكرمني ومهد لي ، وجلس دوني وقال لي : اعلم جعلني الله فداك أني ~~رجل مزين ، وأرجع إلى سعة حال ولي ثلاثون غلاما ، لكل واحد منهم منزل مثل ~~منزلي ، فتقيم عندي ما أحببت ، فمتى ضاق صدرك وأحببت الانتقال نقلتك إلى ~~منزل واحد واحد منهم ، فأقمت فيه شهرا ، ولعل المدة في فرج الله عنك وبلوغك ~~محابك أن تكون أقصر من ذلك ، وبالعاجل قد أفردت لك دارا ، وأعددت ~~PageV01P153 فيها جميع ما تحتاج إليه ، حتى لا تستعمل شيئا مما نستعمله نحن ~~، فربما لم تستنظفه . ونهض من عندي وغاب ساعة وقال : إذا شئت يا سيدي . ~~فقمت وأدخلني إلى دار متصلة بداره ، قد فرشت بفرش نظيف ، وجعل فيها ما ~~يحتاج إليه ، من طست وإبريق وجرار وكيزان وقدور وغضائر وجامات وسكرجات ~~وصواني وأطباق وقناني وأقداح ، وإذا جارية سوداء واقفة . فقال : تكون هذه ~~بين يديك متولية لخدمتك ، وأنا صاحب خبرك ، فإذا كان عشية انصرفت إليك بما ~~أسمعه . فشكرته وجزيته الخير . ومضى وطبخ لي ما أردت ، واحضرت من الشراب ما ~~طلبت ، وكان يجيئني في آخر كل نهار فيحدثني بما يعرفه فلم أزل على هذه ~~الحال ms175 مدة أربعة اشهر لا أعدم شيئا مما أريده . ثم ضاق صدري وأحببت ~~الانتقال ، فأشعرته بذلك ، فاختار لي واحدا من أصحابه ذكر تقدمه عنده وثقته ~~، فأشار بالنقلة إلى داره . فمضيت إليه معه ، فكان منزله قريبا من منزل ~~مولاه ، وخدمني وما قصر في معرفة حقي والقيام بما أريده ، وأقمت عنده شهرا ~~، وأردت الانتقال ، فعرفت المزين ذلك ، فأشار بالرجوع إلى منزله ، فرجعت ~~ولم تمض إلا أيام يسيرة حتى فرج الله عنا ، وكشف وجوهنا بالوزير أدام الله ~~تأييده . فقال له الوزير أبو الحسن بن الفرات : فأي شيء عملت في أمر هذا ~~الرجل ؟ وبأي مكافأة كافأته على جميل فعله ؟ قال : لا والله أيها الوزير ما ~~عملت معه قليلا ولا كثيرا . فقال له : بئس ما فعلت . فإنك قد فضحت ~~المستترين ، وضيقت عليهم مذاهبتهم . والآن أنا أولى بقضاء الحق عنك منك . ~~أنفذ إلى الرجل وجئني به . قال ابن الفرخان : فقلت لكاون غلامي : امض إلى ~~المزين الذي كنا مستترين عنده فجيء به ، وعرفه أن الوزير يريده . فمضى فلما ~~بعد قال لي الوزير : أردده وتقدم إليه بأن يورد عليه رسالة جميلة يسكن ~~إليها ، وأن يحضره على وفق وإكرام قال : فرددته وأوصيته ، ومضى الغلام ، ~~وتشاغل أبو الحسن بالنظر والعمل ، وتشاغلنا بالتوقيع والكتب . ثم جاء ~~الغلام وعرف أبا عمرو بن الفرخان حضور المزين ، وعرف أبو عمرو الوزير ذلك . ~~فقال : يدخل . وخرج الحاجب فأوصله إلى المجلس ، فوقف على بعد ، فاستدناه ~~وامتنع ، فألح عليه فدنا ، وأمره بالجلوس فأبى أشد الإباء . ولم يزل به حتى ~~جلس . ثم قال له : لم تتأخر مقابلة أبي عمرو لك عن جميل ما أوليته إياه إلا ~~لأنه خرج على حال مختلة ، وذات يد قصيرة ، وأنا أتولى ذلك عنه ، ولقد أحسنت ~~بارك الله عليك وفعلت ما يفعله الأحرار . فقام وقال : قد وصلت أيها الوزير ~~إلى أعظم الجزاء بوصولي إلى هذا المجلس ، PageV01P154 وسماعي لهذا الخطاب ، ~~وبلغت غاية أملي ، ونهاية أمنيتي بذلك . وما بلغت ما كان في نفسي من قضاء ~~حقه وأشار إلى أبي عمرو فأمر أبو الحسن بإحضار أبي العباس أحمد ms176 بن مروان ~~وكيله ، فحضر وأسر إليه شيئا لم نعلم ما هو ، فخرج وأخذ المزين معه ، ثم ~~عاد بعد ساعة وحدثه ما لم نسمعه ، فأخرج رأسه من سراره وقال : أرأيتم مثل ~~ما نحن فيه مع هذا المزين ؟ تقدمت إلى ابن مروان بأن يدفع إليه خمسة آلاف ~~درهم ، فعرفني أنه امتنع من قبولها ؛ وذكر سعة حاله واستغناءه عنها . ورد ~~إليه ابن مروان برسالة في هذا المعنى ، فمضى وعاد فذكر إقامته على الامتناع ~~، فأمر الوزير أبا عمرو بن الفرخان بأن يقوم إليه ، ويلطف به ويرفق ، ولا ~~يدعه حتى يقبل ما أطلقه ، وقال : لعله استقل الخمسة آلاف درهم ، فلتجعل ~~خمسمائة دينار . فأحضره وألزمه أخذها ، وعرفه أنه إن امتنع من ذلك غضبت ~~عليه وأنه يفسد ما قد حصل له في نفسي . فقام أبو عمرو ساعة ثم عاد وقال ما ~~زلت معه في مراوضة وملاطفة حتس قبلها وانصرف شاكرا . فبقينا وبقي الناس ~~زمانا يتعجبون من فعل المزين وكبر نفسه . وكرم ابن الفرات وكافأته عن كاتبه ~~. قال أبو القاسم بن زنجي : كان أبو الحسن بن الفرات قد كاتب يوسف بن ~~ديوداد ابن أبي الساج في أمر الري ، وطالبه بحمل ما وجب من مالها على أنها ~~ضمان في يده . فأجاب بأنه لم يضمن ضمانا يتعين عليه الخروج منه ، ويسأل أبو ~~الحسن عما عنده في ذلك يعني علي بن عيسى وكان إذ ذاك مصروفا منكوبا في ~~اعتقال أبي الحسن ابن الفرات فسأله عن ذلك ، فذكر أنه ضمنه الأعمال ، وأن ~~وثيقة الضمان عند صاحب الديوان . وكان أبو القاسم سليمان بن الحسن بن مخلد ~~يتقلد ديوان المشرق ، وهذه الناحية جارية فيه ، فطولب بذلك ، وأحال على أبي ~~الفتح الفضل بن جعفر بن محمد ابن الفرات وكان خليفته على الديوان . ورجع ~~إليه فذكر أن الوثيقة حملت إليه ، ووقف عليها ، وردها بعد أن حملها إلى ~~صاحب الديوان . واعتقل أبو الحسن بن الفرات الفضل ابن جعفر بهذا السبب ، ~~وجرت خطوب في هذا المعنى ، وذلك في سنة إحدى عشرة وثلاثمائة بعقب صرف حامد ~~عن الوزارة وعلي ms177 بن عيسى عن خلافته ، وأوجبت الصورة طلب ذلك في الخزانة ~~المنقولة من دار علي بن عيسى إلى دار أبي الحسن بن الفرات . قال أبو القاسم ~~: فأمرني أبو الحسن بأن أدخل الخزانة ، وأقلب ما فيها من الأعمال ، وألتمس ~~وثيقة الضمان ، وفعلت ، وكانت خزانة عظيمة في بيت يعرف بالدمشقي في داره ~~المعروفة بسليمان بن وهب في المخرم ، والأعمال تكاد تبلغ السقف . وكان يمر ~~في عرض PageV01P155 ما أفتش عنه نسخ ما كتبه علي بن عيسى إلى ذكا الأعور ، ~~المقيم كان بمصر ، ثم إلى تكين الخاصة المتقلد لها بعده وإلى الحسين بن ~~أحمد المادرائي ومحمد بن جعفر القرمطي ونجح وابن رسم وغير هؤلاء من الولاة ~~، فأقرأها وأجدها في نهاية الحسن . وربما أخذت بعضها وأجد في خلال ذلك ~~حزورا وكيولا وكتبا من المنفقين في العساكر بما توفر من أموال الرجال ، ~~وبما وقفوا عليه من حال البدلاء والدخلاء لم يخرج إلى الدواوين ، وأجمع ذلك ~~وأخرج ألى الوزير أبي الحسن إضبارة منه في كل يوم . فكان يعجب من علي بن ~~عيسى وتركه وإخراج هذه الأعمال إلى الدواوين ويطعن عليه بذلك ويقول : يا ~~قوم ، سمعتم من يؤخر إخراج تقدير الغلات وحزرها وكيلها وكتب المنفقين بما ~~توفر من المال إلى الدواوين ؟ لم لا يتناقل كبار الكتاب وأصاغرهم هذه ~~الأعمال ويثبتونها في مجالسهم ويقابلوا عليه ما عندهم ؟ وأية حجة تكون لنا ~~على الأعمال والعمال أذا احتسبوا بمال الرجال على العبر من غير حطيطة ؟ ~~وكان فيما أخرجته في بعض الأيام إليه عمل عمله عثمان بن سعيد المعروف بابن ~~الصيرفي صاحب ديوان الجيش لما يراد للجيش في مدة سنة ، وقد أورد فيه حال ~~المماليك لخمسة أشهر ، فحين وقف عليه جزاني الخير على إخراجه إليه ، وذكر ~~أن نصرا القشوري طالبني بحضرة المقتدر بالله بإطلاق مال المماليك لستة أشهر ~~، وادعى أن على بن عيسى كان يطلق لهم على ذلك ، وأن هذا العمل يبطل قوله ~~سيما وهو بخط ابن الصيرفي كاتبه وصاحب ديوانه . فأخذه معه ، وانحدر إلى ~~المقتدر بالله ، وواقف نصرا الحاجب عليه بحضرته ، فوقع ms178 له بذلك من المقتدر ~~أحسن موقع ، ولنصر أقبح موقع . قال أبو القاسم : وكان في هذه الخزانة كتب ~~إلى علي بن عيسى ممن كان يشخصه من القاسم بن دينار وأحمد بن محمد بن رستم ~~وزيد بن إبراهيم والحسين ابن أحمد المعروف بأبي زنبور المادرائي وأبي بكر ~~محمد بن علي المادرائي فيها ، العجائب ، ودفتر منسوب إلى الحلاج فيه آداب ~~الوزارة ، وغير ذلك من رقاع المقتدر بالله ووالدته إليه ونسخ أجوبتها . قال ~~أبو القاسم : وكان أبو الحسن بن الفرات قد استظهر في أمر الموسم لسنة إحدى ~~عشرة وثلاثمائة استظهارا شديدا ، لأنه أحب أن يجري أمره في أيامه على أفضل ~~ما جرى عليه فيما قبلها ، وأطلق لأبي الهيجاء بن حمدان في وقت واحد بإطلاق ~~واحد مائة ألف PageV01P156 دينار ، وأخرج إلى أن نفذ في القافلة الثانية ما ~~قدره أبو بكر عثمان بن سعيد صاحب ديوان الجيش ، وكذلك لمن صدر في القافلة ~~الثالثة ، وكان أكثر من مائة ألف دينار . وأزاح العلة في ثمن جميع ما احتيج ~~إلى ابتياعه من الحضرة ، وابتيع ذلك وحمل ، وانتظم أمر القوافل ، وتوجهت ~~بأجمعها من الحضرة . واتصل بأبي الحسن بن الفرات أن القرامطة قد تحركوا ~~للفساد وهموا باعتراض الجيش ، فكتب إلى أبي الهيجاء كتابا بخطي يعرفه ما ~~بلغه ، ويوصيه ويحذره ، ويأمره بالتيقظ والتحفظ وإذكاء العيون في جميع ~~الطرق ، وأجابه من القصر جوابا أنفذ في درجه كتابا في جلد يضمن فيه المال ~~والدم ، وقد أشهد فيه جماعة الشهود والوجوه والتناء في البلد . فلما قرأه ~~أبو الحسن سرته قوة نفسه ، وضاق صدره من هذا الفعل الذي هو جار في سبيل ~~البغي . وحدث في تلك السنة ما حدث على الحاج مما زاد به القلق والانزعاج ، ~~وأنفذ نزار ابن محمد وغيره من القواد لتلقيهم ، وأطلق صدرا كبيرا من المال ~~ابتاع به من الحضرة القمص والسراويلات والعمائم والأردية والأرز ليدفع ذلك ~~إلى من يحتاج إليه ، وحمل مالا واسعا ففرق على الناس بحسب أحوالهم وما ~~يتحملون به إلى منازلهم . وحدث أبو القاسم قال : كان أبو العباس وأبو الحسن ms179 ~~إبنا الفرات ينزلان في أيام أبي الصقر إسماعيل بن بلبل في ربض حميد ، وكان ~~حد دارهما من الموضع الموازي لسكة الحوض إلى درب أبي سورة ، وهو حد الدار ~~المعروفة بالعروض . وعهدي بها وفيها بستان كبير كثير النخل والشجر ، وبيت ~~أحمر السقف والحيطان يعرف ببيت الدم . ثم قبضت وبيعت مع أن أصلها وقف ، ~~وابتاعها جماعة وتنقل الملك فيها من واحد إلى آخر . فمن ذلك الدار التي في ~~الطرق وتوازي سكة الحوض ، فإنها حصلت لأبي الحسن محمد بن عبيد الله العلوي ~~الكوفي ، ثم انتقلت إلى ورثته . ومن ذلك دور وحجر وغرف كثيرة تلي هذه الدار ~~صارت لجماعة من الناس ، ومن ذلك دار كانت لعثمان بن الحسين ابن عبد العزيز ~~الهاشمي ، ويليها دار لعلي بن عبد الرحمن المعروف بابن هانيء الكوفي ، ثم ~~دار كبيرة واسعة ملكتها نزهة الملقمة . وهي تنتهي إلى آخر دور بني الفرات . ~~. ولجعفر بن قدامة في أبي الحسن بن الفرات : PageV01P157 يا بن الفرات ويا ~~كري . . . م الخيم محمود الفعال ضيعت بعدك واطرح . . . ت وبان للناس ~~اختلالى وتغيرت مذ غيرت . . . أحوالك الأيام حالي لهفا أبا حسن على . . . ~~أيامك الغر الخوالي لهفا عليها إنها . . . بليت بأحوال بوالي لا يجوز في ~~لهفا التنوين لأن تفجع المرزئة لهفاه فحذفت الهاء في الوصل وبقيت الألف على ~~سكونها . وله أيضا فيه : لما خلوت من الفوا . . . ئد والمنافع والصلات ~~وعدمت في الأعياد ما . . . عودت من كل الجهات وبقيت فيها حائرا . . . ~~كالسفر ضلوا في الفلاة ناديت يا سقيا ويا . . . رعيا لعصر ابن الفرات ملك ~~أشم مسود . . . رطب الأنامل بالهبات يعطي الرغيب ولا يمن . . . ولا ينغص ~~بالعدات وله فيه أيضا : لما غدوت وفي الحشا . . . نار مضرمة تشب والفكر ~~والأحزان مش . . . حون بها جسم وقلب أنشدت ما قال ابن جه . . . م وهو ~~بالأشعار طب أملقت بعدك يا علي . . . ونالني ما لا أحب وحدث أبو الحسن علي ~~بن عبد العزيز بن حاجب النعمان قال : كان الفضل بن الحسن الواسطي يتولى بيع ~~غلات أبي العباس وأبي الحسن ابني الفرات ، وكانت عظيمة لكثرة ms180 ضياعهما ~~وزيادة ارتفاعهما . فاتفق أن مات ، فأقاما مقامه عبد الوهاب بن أحمد بن ما ~~شاء الله أحد غلمانه الرفاشين بين يديه ، وقدماه ورفعا منه ونوها ~~PageV01P158 باسمه ، وأكسباه مالا جزيلا ، فتأثلت به حاله وصرف أبو الحسن ~~عن وزارته الأولى . فخدم علي بن عيسى وباع غلاته . فلما عاد أبو الحسن بن ~~الفرات إلى الوزارة ثانيا لم يؤاخذه بخدمة علي بن عيسى ، وأجراه على رسمه ~~في بيع غلاته ، وخاطب أبا عمر القاضي في قبول شهادته وإظهار عدالته . وقبض ~~علي بن الفرات ، وتقلد الوزارة حامد بن العباس ، وخلفه علي بن عيسى ورؤساء ~~الناس ، فلما صرف حامد ووزر ابن الفرات الوزارة الثالثة قبض علي ابن ما شاء ~~الله ، فأنفذ مفلح الأسود خادم المقتدر بالله وله القدم المتمكنة ، ~~والمنزلة المتقدمة ، والدالة القوية على ابن الفرات لقيامه بأمره عند عوده ~~في هذا الوقت إى نظره يسأله في بابه ، وحضر كاتبه برسالته في معناه . فقال ~~ابن الفرات : الأستاذ هو الصاحب ، وأمره الممتثل ، وأنت أيها الرسول ~~المأمون ، لكنني أحضر ابن ما شاء الله ، وأقفه بين يديك على ما تسمعه ، فإن ~~أردت بعد ذلك أن تتخذه سلمته إليك ولم أراجعك فيه . تم تقدم بإحضار ابن ما ~~شاء الله ، فحضر يرسف في قيوده ، فأمر بنزع الحديد عنه ، فنزع من ورقته ، ~~ثم قال له : اجلس ، فامتنع ، فكرر عليه القول فجلس . ثم أحلفه يمينا ~~استوفاها عليه أن يسمع ما يقول له ويجيب بما عنده من غير تقية ، ولا تورية ~~ولا مواربة ، ومتى ذكر له ما فيه تزيد رده أو تعنت دفعه ، وناظره مناظرة ~~النظير لنظيره من غير مراعاة لموضعه ، ولا احتشام لمكانه . فلما فرغ من ذلك ~~قال له : ألم يكن الفضل ابن الحسن الواسطي بيعي وبيع أبي العباس أخي ، وله ~~الحال والجاه والمنزلة والوجاهة بمعاملتنا وتولى غلاتنا وكنت رفاشا بين ~~يديه ؟ قال : بلى . قال : فلما مات ألم نصطنعك ونقمك في خدمتنا مقامه ~~ونرتبك الترتيب الذي شاع ذكرك فيه ؟ ومال الناس إلى معاملتك به من أبي ~~الحسن علي بن عيسى خصمنا وغيره من أصحاب ms181 السلطان حتى كثر مالك وتريشت حالك ~~؟ قال : بلى . قال : فلما سخط السلطان علي وانصرفت عما كنت أخدمه فيه ألم ~~تعدل إلى أبي الحسن علي بن عيسى وهو عدوى تعامله وتداخله ؟ قال : بلى . قال ~~: ثم عدت إلى خدمة السلطان فهل واخذتك بذلك أو نقمته عليك أو عدلت في خدمتي ~~عنك ؟ قال : لا . قال : فهل استعنا بك في نكبة ، أو حملناك من أمرنا كلفة ، ~~أو حملت إلينا قط مرعاة أو ملاطفة أو فعلت لك مع أحد من أسبابنا في وقت ~~استغناء أو حاجة ؟ قال : لا . قال : أفلم نرفع من قدرك وألزمنا أبا عمر ~~القاضي قبول شهادتك حتى زدت PageV01P159 على الأماثل من نظرائك ؟ قال : بلى ~~. ثم قال له المحسن ابنه وكان حاضرا : أما جئتك ليلة في سميرية ومعي خديجة ~~بنت الفضل بن جعفر بن الفرات بنت عمي وزوجتي وثلاثون بدرة عينا نقلتها على ~~كتفي إلى المسجد المجاور لدارك بشارع الماذيان وعلى قريب من سوق الطعام ، ~~وأجلست المرأة تحفظ البدر ، وطرقت بابك متخفيا ، وعلي كنانة سوداء ، وبيدي ~~طبرزين ، ودفعت الباب ففتحت لي جاريتك وهجمت عليك وأنت وحرمك في صفة دارك ~~فارتعت وقلت : من أنت ؟ فلما تبينت وجهي قلت : سيدنا الوزير ؟ قلت : لست ~~الوزير أنا سرور غلام خديجة بنت الفضل بن جعفر ، اخرج معي وأبعد من معك عنك ~~. فخرجت . ونقلنا البدر إلى دارك ، ومعها زوجتي وقلت لك : هذه خديجة بنت ~~عمي وزوجتي وهي طالق مني ثلاثا بتاتا إن كان هذا المال لي أو لأبي ، بل هو ~~ملكها وإرثها عن أبيها ، وهو وديعة لها عندك ، وأمانة في عنقك ، لا تعط ~~أحدا منه دينارا فما فوقه سواها . فقلت : نعم . وتسلمت البدر ؟ قال : نعم . ~~قال : واعتذرت بما كان جرى فعذرتك وقلت لك : إنما اعتبرتك واختبرتك ؟ قال : ~~نعم . فقال له أبو الحسن بن الفرات : أفلم نحضر الشهود عند مصادرتنا وقد ~~جمع الناس فحلفنا أنا والمحسن ابني بالأيمان المغلظة السلطانية والمشتملة ~~على العتاق والطلاق وصدقة المال أنه لم يبق لنا موجود ولا مذخور ولا مودوع ~~، وأقسمنا بعد القسم بالله بحق ms182 رأس أمير المؤمنين على مثل ذلك ، وأحللناه ~~من دمنا إن كنا كاذبين ؟ قال : نعم . قال : أفلم تسمع اليمين وأنت تعلم ~~أننا صادقان فيها بخروج ما عندك عما نملكه مع ما قاله لك المحسن في أمره ~~أنه لزوجته من دونه ودون غيره ، وأنه مال ورثته عن أبيها ، ما استفادته منا ~~؟ قال : نعم . قال : أفلم تقم في ذلك المجلس مع علمك ما تعلم وقلت كذب ، له ~~عندي ثلاثون بدرة عينا أودعنيها ابنه المحسن ؟ ولو لم نبلغك ما بلغناك ~~ونقدمك من منزلة الشهود إلى ما قدمناك لما حضرت مثلك ذلك المجلس . ويا ليتك ~~لما فعلت ما فعلت صدقت عن باطن الأمر ، فقد كان يسعك أن تعطي ما أعطيت ~~وتسلم ما تسلمت بعد أن تذكر ما جرى بين المحسن وبينك . فلما سمع كاتب مفلح ~~من قول ابن الفرات لابن ما شاء الله ما قال واعترافه له بجميع ذلك نهض وقال ~~: أستودع الله الوزير . وانصرف ، وأمر الوزير برد ابن ما شاء الله إلى ~~محبسه ثم قتله . وقال الناس : إن كان دم لا يطالب الله به ابن الفرات فدم ~~ابن ما شاء الله . PageV01P160 وحدث القاضي أبو علي التنوخي قال : حدثني ~~أبو الحسن الأزرق التنوخي قال : حدثني بعض أصحابنا قال : حدثني أبو علي بن ~~مقلة قال : ه ، وأنه مال ورثته عن أبيها ، ما استفادته منا ؟ قال : نعم . ~~قال : أفلم تقم في ذلك المجلس مع علمك ما تعلم وقلت كذب ، له عندي ثلاثون ~~بدرة عينا أودعنيها ابنه المحسن ؟ ولو لم نبلغك ما بلغناك ونقدمك من منزلة ~~الشهود إلى ما قدمناك لما حضرت مثلك ذلك المجلس . ويا ليتك لما فعلت ما ~~فعلت صدقت عن باطن الأمر ، فقد كان يسعك أن تعطي ما أعطيت وتسلم ما تسلمت ~~بعد أن تذكر ما جرى بين المحسن وبينك . فلما سمع كاتب مفلح من قول ابن ~~الفرات لابن ما شاء الله ما قال واعترافه له بجميع ذلك نهض وقال : أستودع ~~الله الوزير . وانصرف ، وأمر الوزير برد ابن ما شاء الله إلى محبسه ثم قتله ms183 ~~. وقال الناس : إن كان دم لا يطالب الله به ابن الفرات فدم ابن ما شاء الله ~~. وحدث القاضي أبو علي التنوخي قال : حدثني أبو الحسن الأزرق التنوخي قال : ~~حدثني بعض أصحابنا قال : حدثني أبو علي بن مقلة قال : كنت أكتب بين يدي أبي ~~الحسن بن الفرات قبل وزارته ، فلما وزر قال لي في يوم نظره : أحضر ابن ~~الأكموش وعشرة أنفار من التجار وبع عليهم ثلاثين ألف كر من غلات السواد ، ~~واستثن في كل كر بدينارين ، وطالبهم بتعجيل مال الاستثناء في ثلاثة أيام . ~~ففعلت ذلك ، وكتبت لهم بالتسليم ، وأنسيت مطالعة الوزير لشغل قطعني . ثم ~~عرفته أياه . ثم استأذنته في تسليم المال إلى من يراه ، فقال : يا سبحان ~~الله ، أقدرت أنني استثنيت به لنفسي ؟ لقد قبحت في هذا الظن ، إنما أردت أن ~~أصلح حالك به وأبين صحبتك بمكانه ، فخذه واصرفه فيما تحتاج إليه ، فقبلت ~~يده ودعوت له ، وانصرفت ألى منزلي وما أتمالك فرحا ، فطالبتني نفسي منذ حصل ~~لي ما حصل من المال بمعالي الأمور وكبير المنازل . وحدث القاضي أبو علي قال ~~: حدثني أبو جعفر طلحة بن عبد الله قال : حدثني أبو محمد الحسن بن محمد ~~الصلحي قال : قال لنا أبو الحسن بن الفرات يوما وقد جرى بحضرته أمر رجل قد ~~أسرف في الظلم : الظلم إذا زاد رفع نفسه . وقال أحد مشايخ الكتاب : سمعت ~~أبا الحسن بن الفرات يملي على كاتب بحضرته إلى وكيل في ضيعته : استكثر من ~~غلة المقاسمة فإنها لنا دون الأكار ، وتوسط في الشتوي فإنه لنا وللأكار ، ~~وقلل الصيفي فإنه للأكار دوننا . وحدث أبو الحسن محمد بن عبد الرحمن ~~الروذباري قال : حدثني أبو بكر ابن فتح الوراق قال : وقف علي أبو الحسن بن ~~جعفر بن حفص الكاتب ، وكان جماعة للكتب قد قرأ وسمع ، فقال لي : كنت يا أبا ~~بكر في مجلس الوزير أبي القاسم يعني عبيد الله بن سليمان فجرى ذكر الفيروزج ~~فوصف أبو العباس ابن الفرات أجناسه بأحسن وصف وأبلغ شرح ، وخرج من ذلك إلى ~~ذكر أصناف الأحجار ومعادنها ms184 وخواصها وفضائلها ، حتى استغرق المجلس ، واشتمل ~~عليه دون من كان فيه من الرؤساء والعلماء ، فمن أين علم ذلك ؟ قلت : من ~~كتاب هو عندك . قال : فما هو ؟ قلت : كتاب الأحجار ، ولكن حفظ أبو العباس ~~وأنسيت أنت . قال لي : أحب أن تجيئني لنخرجه . وحدث أبو الحسن الروذباري ~~قال : مر أبو العباس بن الفرات في طريق له على أرجاء PageV01P161 عبد الملك ~~وقد عطش ، فنظر إلى باب رحبة فيها دكان ، عليه شيخ كبير اللحية ، نظيف ~~البزة ، له رواء وهيئة ، يعرف بالمرى ، فقال لأحد غلمانه : استسق لنا من ~~هذا الشيخ ماء . ففعل الغلام ، وقام الشيخ مسرعا ، فجاء بثلجية نظيفة فيها ~~ماء بارد ، فشرب وانصرف أبو العباس إلى منزله ، فلم ينزع خفه حتى أنفذ من ~~سأل عن خبره ، فتعرف اختلال حاله ، فأمر بحمل مائتي دينار إليه ، وأجري ~~عليه في كل شهر عشرة دنانير برسم الكتاب ، فما زال يقبضها حتى مات : وحدث ~~أبو بشر بن فرجويه في وزارة أبي الحسن بن الفرات الثانية قال : بينما نحن ~~في ليلة من الليالي الشتوية نعمل ؛ إذ خرج إلينا من حضرة الوزير أبي الحسن ~~توقيع بخطه مع خادم من خدمه ، وقد مضى من الليل قطعة ، يقول فيه : خرجت يا ~~أبا بشر جعلت فداك لأهريق الماء ، فوجدت ريحا قد هب ، فوقفت حتى عرفتها ، ~~وهي ريح إذا انشأت مرت على السكر الفلاني من أنهار الجامدة وأفسدته وقطعته ~~، فاكتب الساعة إلى وكيلنا بهذه الناحية ، وإلى ابن المشرف المهندس في ~~المسير إلى الموضع ومراعاته ، وإصلاح شيء إن كان اختل منه ، وإعداد آلة ~~عتيدة تكون عنده ، ووكد القول في ذلك غاية التأكيد ، ولا تعتمد على حامد بن ~~العباس فيه ، فإنه لا يهتم به . وقعد الخادم عندنا حتى كتبت الكتب . ومن ~~طريق أحاديث أبي الحسن بن الفرات في معرفته بالأمور ما حدث به أبو علي ~~الحسن بن حمدون ، فإنه قال : كنت مع يوسف بن ديوداد بنواحي باب الأبواب ، ~~وهو السد الذي كان أنوشروان عمله بين الخزر وأرض فارس ، وطول السور مسيرة ~~يوم ، وله مروحة في البحر طولها ms185 ستمائة ذراع ، تمنع مراكب الخزر من الدخول ~~، والباب من حديد ، والسور من حجارة مهندمة ، في كل حجر ثقبان فيهما عمودان ~~من حديد ، قد صب عليهما الرصاص ، والمروحة التي في البحر على هذا العمل . ~~فاتفق أن سقطت هذه المروحة ، ودفعت يوسف بن ديوداد الضرورة إلى أن قصد ~~الموضوع ، ونزل عليه لإصلاحه ، وجمع المهندسين وذوي الخبرة بالأعمال ، ~~فقدروا له ستين ألف دينار تنفق على إعادة المروحة . وكتب إلى الوزير أبي ~~الحسن ابن الفرات يعرفه الخبر ، ويعتذر إليه من تأخير المال الذي واقفه عله ~~بهذا الحادث الذي حدث في هذا الموضع ، فوالله ما كان إلا مقدار مسافة ~~الطريق حتى ورد علينا كتاب ابن الفرات يقول فيه : فهمت كتابك أطال الله ~~بقاءك بما شرحته من حال المروحة الساقطة ، وما قدر لها من المال للنفقة . ~~PageV01P162 وقد قرأنا في الأخبار أن أنوشروان لإشفاقه على هذا الموضع أعد ~~له ما يكفيه ، فأحضر مشايخ أهل البلد وذوي الأسنان العالية منهم ، وسلهم هل ~~سقطت المروحة قبل هذه الدفعة ؟ فإن كانت سقطت فقد استعملت الآلة فيها ، وإن ~~كانت لم تسقط فاطلب الآلة وسل عنها فإنك تجدها ، وعرفني ما يكون منك إن شاء ~~الله . قال ابن حمدون : فلما ورد الكتاب على يوسف أحضر المشايخ وسألهم عن ~~ذلك ، فلم يجد أحدا يذكر أو يخبر أن هذه المروحة سقطت قبل هذه الدفعة ، ~~وسألهم عن الآلة وموضعها فلم يكن فيهم من يعرف حديثها إلا رجل منهم فإنه ~~قال : سمعت مشايخي يتذاكرون خبرها ، وأنها مدفونة على قرب من المروحة . فلم ~~يزل يفتش عنها حتى وجدها وأخرجها ، فكانت كاملة من حجارة منحوتة منقوبة ، ~~وأعمدة من حديد مفروع منها ، ورصاص وسائر ما يحتاج إليه ، فاستعملها ، ولم ~~يؤد من المال إلا قدر أجرة الصناع . وحضر أحد العمال بحضرة أبي الحسن بن ~~الفرات . فلما ناظره على ما أراده لم يذهب فيه ولم يجيء . فقال له : يا هذا ~~، إن كنت تزوجت امرأتك على شرط أنك كاتب فقد بانت منك وحرمت عليك ، لأنك ~~خلو من الصناعة منسلخ منها . ولما تقلد أبو ms186 الحسن بن الفرات الوزارة قال ~~أبو أحمد عبيد الله بن عبد الله بن طاهر : ما افتقرت الوزارة إلى أحد قط ~~مثل افتقارها إلى هذا الوزير المتقلد ، على أنه لم يتجدد عليه منها إلا ~~الاسم ، فأما أعمالها فما زالت دائرة عليه وعلى أبي العباس أخيه . ولقد ~~دخلت يوما إلى أبي القاسم عبيد الله بن سليمان وهما بين يديه فرأيته يقف ~~على الرقاع ثم يرمي بها إليهما ، وينظر ما يقولان فيأمر به ، حتى ذكرت قول ~~القائل : خليفة مقتسم . . . بين وصيف وبغا يقول ما قالا له . . . كما يقول ~~الببغا وقال خفيف السمرقندي : لما قام المعتضد بالله واستوزر عبيد الله بن ~~سليمان قال له : قد دفعت إلي ملكا مختلا ، ودنيا خرابا ، وأريد أن أعرف ~~ارتفاع النواحي لأجري النفقات والرواتب على موجب ذلك ، فاعمل به عملا ~~مشروحا ، وأتني به وعجله . فخاطب عبيد الله كتابه وأصحاب دواوينه على ذلك ~~فوعدوه واستنظروه . وكان أبو العباس وأبو الحسن ابنا الفرات محبوسين ~~مصادرين ، وعرفا ما التمسه المعتضد بالله فبذلا القيام به والفراغ منه في ~~PageV01P163 ثلاثة أيام ، ووفيا بذاك وبلغا المراد منه . وعلم عبيد الله أن ~~الخبر سيصل إلى المعتضد بالله فكلمه فيهما واستأذنه في استخدامهما ~~والاستعانة بهما . وحكى أبو بكر الصولي قال : خاطب يحيى بن علي المنجم أبا ~~الحسن بن الفرات في أبي حاتم محمد بن حاتم المزنوي ، وأنه يريد الخروج إلى ~~بلده ، ويخاف التتبع لأجل رزقه ، وسأله أسقاط جاريه ، والإذن له في الخروج ~~الذي اعتزمه . فضحك وقال : ما أوجبت له في الرزق فأقطعه ، ولو كنت موجبا له ~~لما رآني الله وأنا أوقع بقطع رزق أحد ، فإن شاء فليقم ، وإن شاء فليخرج . ~~ودفع أبو الحسن إسماعيل القاضي إلى أبي الحسن بن الفرات رقعة ذكر فيها أن ~~ضيعته الفلانية قطيعة ، وقد تأول عامل الناحية عليه وادعى انها إستان . ~~فلما وقف عليها قال : هذه الضيعة كانت في إقطاع زبيدة ، وانتقلت إلى إسحاق ~~بن إبراهيم المصعبي ، وباعها ابنه محمد ، فاشتراها ابن فلان السي وتوفي ~~فصارت لورثته فقال له أبو الحسن : أنا اشتريتها ms187 من ابنه فلان . قال : فما ~~فعلت حصة أخيه ؟ قال : لولده ، وهم شركائي فيها . فوقع إلى العامل : هذه ~~الناحية من القطائع القديمة ، فأمضها على رسمها ولا تعرض لها . فعجب الناس ~~من حفظه ما حفظه . وحدث أبو الحسن أحمد بن العباس بن الحسن قال : كنت بحضرة ~~الوزير أبي أحمد والدي وعنده كتابه ، وهو يتصفح رقاعا بين يديه ، فرمى ~~واحدة إلى محمد بن داود ، وكانت من صاحب الخبر . فلما قرأها محمد اضطرب ~~وقال : كذب كاتبها أيها الوزير . قال له وماذا يكون لو صدق ؟ ثم رمى بأخرى ~~إلى أبي الحسن علي بن عيسى تتضمن ذكر ماله من الغلات بسوق الطعام فتغير ~~وجهه واربد لونه وقال : كذب كاتبها أيها الوزير والذي لي في الأحراز هناك ~~دون المبلغ المذكور . ورمى إلى محمد بن عبدون بثالثة فقرأها وجحد ما فيها . ~~ثم رمى رابعة إلى أبي الحسن بن الفرات فلما نظر فيها ضحك وقال له : أنا ~~أذكر ما عندي في معناها . وجلس إلى أن تقوض المجلس ولم يبق عند أبي غيري ، ~~ثم قال له : قد كذب صاحب الخبر أيد الله الوزير ، فإن لي بسوق الطعام وعند ~~الباعة أضعاف ما ذكره ، PageV01P164 فإن كان قوله في غيري مثل قوله في فقد ~~حابى وصانع وكذب ولم يصدق ، وأنا مستغن عن جميع ما أشرت إليه ، ومستظهر على ~~الزمان بأكثر منه ، ولله الحمد والمنة . بلى ، لي إلى الوزير حاجة أسأله ~~الإنعام على بيها . قال : ما هي ؟ قال : لا أقولها إلا بعد أن يشرط لي ~~الإجابة إليها . قال قد شرطت وفعلت ، قال : عندي خمسمائة ألف دينار أنا في ~~غناء عنها ، فليأذن لي الوزير في أن ابني بها دارا لأبي الحسن ، وأبتاع له ~~ما يحتاج إليه فيها واجعل ما يبقى من المال في خزانته ، فإنه في دار الوزير ~~، وموضعه ومكانه يقتضيان إفراده بدار وأثاث وتجمل وحال . فقال لي أبي : بل ~~يزيدك الله يا أبا الحسن ويضاعف مالك وحالك ويريني لك في الشهر الواحد ضعف ~~ذلك ويجريه على يدي في قضاء حقك . فقال له نقص الوزير ms188 شرطي ، وأخلف وعدي ، ~~وما أقنع منه إلا بالوفاء . فجعل يشكره ويدافعه وأبو الحسن مقيم على أمره ~~وملح في سؤاله ، ثم قام على رجليه وأخذ يضرع إليه ويكرر القول عليه ، حتى ~~قال له : قد قبلتها فلتكن لي قبلك إلى أن أعرفك من بعد رأيي فيها . فعند ~~ذلك أمسك وانصرف . وأقبل أبي يقول لي بعد خروجه : ما أعلم أن الله تعالى ~~خلق مثل هذا الرجل في سعة نفسه ، ولا مثل أولئك في ضيق نفوسهم وجحدهم ~~القليل مما نسب إليهم ، واعتراف هذا بأضعاف ما ذكر أنه له ، ثم بذله اياه ~~هذا البذل من نية خالصة صادقة . ثم أخذ أبي ينشد ويردد : عزمت على إقامة ذي ~~طلوح . . . لأمر ما يسود من يسود قال أبو الحسن : ودخل جدي ونحن في ذلك ، ~~فحدثه بما جرى ، وقال له : قد والله سرني ما شاهدته منه ، وعلمت أنه ردء ~~للملك ومفزع متى دعته إليه حاجة . قال : وكان أبي ربما يمازحه ويقول له : ~~ما خبر تلك الجارية ؟ فيقول : أكمل ما كانت ، أفيأذن الوزير في حملها ؟ ~~فيقول لا بل تكون على حالها . وعرض عليه في وزارته الثانية وقد جلس للمظالم ~~رجل عمري رقعة تتضمن شكوى حاله ورقتها ، وأن عليه دينا قد ضاق ذرعه به ، ~~وعلى ظهرها توقيع أحد الوزراء بأن يقضي دينه من مال الصدقات ، فقال له : يا ~~هذا ، إن مال الصدقات لأقوام بأعيانهم لا يتجاوزهم ، ولقد رأيت المهتدي ~~بالله رحمة الله عليه وقد جلس للمظالم ، وأمر في مال الصدقات بما جرى هذا ~~المجرى ، فقال له أهلها : ليس لك يا أمير المؤمنين ذلك ! فإن حملتنا على ~~أمرنا وإلا حاكمنا إلى قضاتك وفقهائك . فحاكمهم فخاصموه . PageV01P165 وإن ~~شئت أنت حاكمتك . فقال له العمري : لا حاجة لي إلى المخاصمة . قال : الآن ~~نعم أواسيك وأقضي دينك . وفعل ، وكان مبلغه خمسمائة دينار . وحدث محمد بن ~~داود بن الجراح قال : قال ابن أبي بدر وغيره : أنشدنا أبو العباس أحمد بن ~~محمد بن موسى بن الفرات لنفسه : وعلمتني كيف الهوى فحملته . . . وعلمكم ~~صبري على ظلمكم ظلمي وأعلم مالي ms189 عندكم فيردني . . . هواي إلى جهل فاقصر عن ~~علم وله أيضا : لا تلحني لست سامع الفند . . . عدلت بي عن مناهج الرشد إن ~~كنت لم تصطبر لحادثة . . . فالصبر في الحادثات من عددي وقال أبو الحسن علي ~~بن محمد بن الفرات في وزارته الثانية بحضرة أبي منصور ابن جبير : تأملت ما ~~صار إلى السلطان من مالي فوجدته عشرة آلاف ألف دينار وما أخذت من الحسين بن ~~عبد الله الجوهري فكان مثل ذلك . إلا أن فيما أخذ من الجوهري متاعا وجوهرا ~~. وللقاضي أبي جعفر أحمد بن إسحاق بن البهلول في أبي الحسن بن الفرات في ~~وزارته الثالثة : قل لهذا الوزير قول محق . . . بثه النصح أيما إبثاث قد ~~تقلدتها مرارا ثلاثا . . . وطلاق البتات عند الثلاث ووقع بيدي ثبت أخرج من ~~ديوان المغرب في أيام الراضي بالله بما أخذه المحسن ابن علي بن محمد بن ~~الفرات من الخطوط ممن قبض عليه وصادره في أيام وزارته الثالثة ، نسختها : ~~أحمد بن محمد بن إبراهيم البسطامي عن النصف ممن بقي عليه من مصادرته في سنة ~~ثلاثمائة ، سبعة آلاف وثلثمائة دينار . علي بن الحسن الباذبيني الكاتب عما ~~تولاه بالموصل أحد عشر ألف دينار . أبو الفضل محمد بن أحمد بن بسطام ، ~~خمسين ألف درهم . PageV01P166 محمد بن عبد الله الشافعي عما تصرف فيه لعلي ~~بن عيسى ، ثلاثين ألف دينار . محمد بن علي بن مقلة عما تصرف فيه ، ثمانين ~~ألف دينار . محمد بن الحسن المعروف بأبي طاه . مائة ألف دينار . الحسن ابن ~~أبي عيسى الناقد عما ذكر أنه وديعة لعلي بن عيسى ، ثلاثة عشر ألف دينار . ~~ومن الحسن بن أبي عيسى صلحا عن نفسه ، أربعة آلاف دينار . إبراهيم بن أحمد ~~المادرائي ، عشرين ألف دينار . عبد الواحد بن عبيد الله بن عيسى عن بقية ~~مصادرة والده ، ستة وثلاثين ألفا وثلاثمائة وثلاثين دينارا . أحمد بن يحيى ~~بن حاني الكاتب عن مصلحة وجبت ، عشرة آلاف دينار . إبراهيم بن أحمد بن ~~إدريس الجهبذ عن صلحه ، ستة آلاف دينار . محمد بن عبد السلام بن سهل عما ~~عنده من ms190 الوديعة لمحمد بن علي وإبراهيم بن أحمد المادرائي ، أربعة آلاف ~~دينار . عبد الوهاب بن أحمد بن ما شاء الله عن صلحة ، أربعين ألف دينار . ~~علي بن حسن الباذبيني صلحا عما تصرف فيه بالموصل ، وقتل ، مائتي ألف درهم . ~~محمد بن عبد الله بن الحارث عن صلحة ، عشرة آلاف دينار . محمد بن أحمد بن ~~حماد صلحا عما تصرف فيه بأعمال الموصل وغيرها وقتل بعد أيام يسيرة ، مائتين ~~وخمسين ألف دينار . إبراهيم بن أحمد المادرائي عن الباقي عليه من جملة ~~خمسين ألف دينار ، خمسة عشر ألف دينار . أبو عمر محمد بن أحمد ، بن الصباح ~~الجرجرائي عن ضمانة الباقي من مصادرة أبي ياسر إسحاق بن أحمد ، مائة ألف ~~درهم . أبو عمر بن الصباح أيضا عن الباقي علي أبي العباس أحمد بن علي ~~الجرجرائي المعروف بقرقر ، ثلاثة آلاف دينار . علي بن محمد الحواري ، وقتل ~~، سبعمائة ألف دينار . PageV01P167 عبيد الله بن أحمد اليعقوبي ، مائة ألف ~~درهم هارون بن أحمد بن هارون الهمذاني ، سبعة آلاف دينار . الحسن بن ~~إبراهيم الخرائطي صلحا عما اقتطعه من مال الرئيس ، مائة ألف درهم الحسين بن ~~علي بن نصير أخو نصير بن علي ، مائة ألف درهم . عبد الله بن زيد بن إبراهيم ~~، ألفين وخمسين دينارا . ومن عبد الله بن زيد صلحا عن نفسه ، خمسة عشر ألف ~~دينار . علي بن محمد بن أحمد بن السمان عن ورثة قرقر ، ألفين وخمسمائة درهم ~~. علي بن مأمون بن عبد الله الإسكافي كاتب ابن الحواري ، وقتل ، ستين ألف ~~دينار . أبو بكر أحمد بن القاسم الأزرق الجرجاني عن ضياع علي بن عيسى ، ~~عشرة آلاف درهم . الحسين بن سعد القطربلي ، مائة وثلاثين ألف درهم . محمد ~~بن أحمد بن ما سراد ، ألف ألف وخمسمائة ألف درهم . أبو الحسن محمد بن أحمد ~~بن بسطام ، ثلاثة آلاف ألف درهم . أحمد بن محمد بن حامد بن العباس ، خمسين ~~ألف درهم . يحيى بن عبد الله بن إسحاق عما تصرف فيه مع حامد ، سبعين ألف ~~دينار حامد بن العباس ، وقتل ، ألف ألف وثلاثمائة ألف دينار ms191 محمد بن محمد ~~بن حمدون الواسطي ، مائة وخمسين ألف دينار . أبو الحسن علي بن عيسى ~~ثلاثمائة ألف واحدا وعشرين ألف دينار . إبراهيم ين يوحنا جهبذ حامد بن ~~العباس ، مائة ألف دينار . أبو محمد الحسن بن أحمد المادرائي ، ألف ألف ~~ومائتي ألف دينار ومنه أيضا بخط آخر ، ألف ألف دينار . أبو بكر محمد بن علي ~~المادرائي ، ألف ألف دينار وألف دينار وبخط آخر أيضا ، عشرة آلاف دينار . ~~سليمان بن الحسن بن مخلد ، مائة وثلاثين ألف درهم . فذلك من العين سبعة ~~آلاف ألف وخمسمائة ألف وخمسة وتسعين ألفا وستمائة وثمانين دينارا ومن الورق ~~خمسة آلاف ألف وثلاثمائة ألف درهم . PageV01P168 قيمة الورق عينا على ~~التقريب ثلاثمائة وثمانين ألف دينار . ويكون الجميع من العين ثمانية آلاف ~~ألف دينار وأربعين ألف دينار . وحدث أبو العباس أحمد بن محمد بن الفرات أن ~~منجما أخبره أنه لم ينزل زحل في برج السنبلة إلا حدثت حادثة ، وقد جرت ~~العادة بذلك على مضي الأوقات ، ومن ذلك أنه نزل هذا البرج سنة ثمان للهجرة ~~فكان في تلك السنة فتح خيبر ومكة ، ونزل في سنة ثمان وثلاثين ، فكانت حرب ~~صفين بين علي عليه السلام وبين معاوية ، ونزل في سنة ثماين وستين وكان فيها ~~حرب المختار وعبد الملك وقصة عبد الله بن الزبير ، ونزل في سنة ثمان وتسعين ~~فمات سليمان بن عبد الملك وانتقل الأمر إلى عمر بن عبد العزيز ، ونزل في ~~سنة ثمان وعشرين ومائة فظهر أبو مسلم وجرت قصة مروان بن محمد . ونزل في سنة ~~ثمان وخمسين ومائة فمات المنصور ونزل في سنة ثمان وثمانين ومائة فأوقع ~~الرشيد بالبرامكة . ونزل في سنة ثمان عشرة ومائتين فتوفي المأمون . ونزل في ~~سنة ثمان وأربعين ومائتين فتوفي المنتصر وقتل المتوكل . ونزل في سنة ثمان ~~وسبعين ومائتين فوتفي الموفق . وحدث من الأمور ما حدث . وحدث أبو عبد الله ~~زنجي قال : لما توفي أبو العباس أحمد بن محمد بن الفرات أحضر المكتفي بالله ~~القاسم بن عبيد الله وسأله عنه ، فعرفه وفاته وعزاه عنه ، واستأذنه فيمن ms192 ~~يقلده الديوان مكانه ، فأعلمه ما كان يسمعه من المعتضد بالله أبيه في وصف ~~بني الفرات وذكر كفايتهم ، وأمر بإقرار أبي الحسن على دواوينه ، وسمع خفيف ~~السمرقندي ذلك فأنفذ إلى أبي الحسن سرا فطالعه وهو جالس للعزاء عن أبي ~~العباس أخيه ، وأعلمه أنه أمر يجب كتمانه إلى أن يظهر من غير جهته ، وأنفذ ~~إليه القاسم أبا علي وأبا جعفر ابنيه معزيين له ولأبي محمد الفضل وأبي ~~الخطاب العباس وأبي جعفر محمد بني أبي العباس ، وسار إليه وإليهم أبو أحمد ~~العباس بن الحسن وأبو الحسين ابن فراس ، معزيين ، ولم يبق أحد من القواد ~~والكتاب والقضاة وسائر الطبقات إلا فعل مثل ذلك . فحضر أبو الحسن بن الفرات ~~بعد انقضاء أيام العزاء الديوان ، ونظر في الأعمال ، وأمضى ما كان تأخر ~~إمضاؤه منها . وكان في نفس القاسم من أبي العباس وأبي الحسن ما لا يتمكن من ~~إظهاره في حياة أبي العباس ، فلما توفي عاود محمد بن عبدون الوقيعة في أبي ~~الحسن ، وأغرى القاسم به ، وحمله مع علته على مطالبته بما كان أخرج عليه . ~~فأمر بإحضار الأعمال التي كانت عملت له ، وجلس للنظر فيها ، ومواقفه عليها ~~في يوم الثلاثاء قبل وفاته بثمانية أيام ، وأقبل يناظر أبا الحسن وهو وقيذ ~~من علته ويشم الروائح الطيبة طلبا للتماسك في قوته . فلما زاد ما يجده أشار ~~عليه PageV01P169 إسحاق بالإمساك لئلا يزيد احتداد طبعه ، ودعا بماء ورد ~~فرشه على وجهه وانقضى المجلس . واشتغل القاسم بنفسه وتوفي في يوم الأربعاء ~~لست ليال خلون من ذي القعدة سنة إحدى وتسعين ومائتين بعد أن كاتب المكتفي ~~بالله ، وعرفه اشتداد مرضه ويأسه من برئه ، وأشار عليه بالتعويل في مكانه ~~على العباس بن الحسن كاتبه ، ووصفه بما رغبه فيه به . وكانت فارس الداية ~~على عناية بأمره ، لأن القاسم استكتبه لها فأحسن خدمتها ، فأشارت على ~~المكتفي بالله وكان كثير القبول منها بالتعويل عليه ، والتفويض إليه ، ففعل ~~. وخرج المكتفي بالله إلى سر من رأي ، ومعه العباس ابن الحسن ، وهو معتقد ~~للقبض علي أبي الحسن بن الفرات هناك ms193 . فذكر أبو عبد الله زنجي أنه خرج ~~متبعا لأبي الحسن بن الفرات ، فلقيه أبو القاسم ميمون ابن إبراهيم ~~المادرائي منصرفا عن وداعه ، وسأله عن مقصده ، فعرفه أنه لاحق بأبي الحسن ~~ابن الفرات ليكون معه : فأشار عليه بالعود إلى منزله وأوحى إليه بإشفاقه من ~~حادث يحدث عليه . قال : فقلت : لا يحسن التأخر عنه ، وكفاية الله من دون ما ~~يشفق منه وسار المكتفي بالله والعباس بن الحسن وأبو الحسن بن الفرات ، وأنا ~~في الصحبة ، ووصلنا إلى الأحمدي وليس مع أبي الحسن من كتابه غيري وغير أبي ~~منصور بن جبير . فلما كان في بعض الأيام حضرت عنده على رسمي ، وقدم الطعام ~~، ودعاني إليه فامتنعت وقلت : إنني صائم . وسألني عن سبب ذلك وألح ، فعرفته ~~أنني رأيت في المنام أبا العباس أخاه وهو يقوله له : قل لأبي الحسن أخي : ~~لست تغتم بعد هذا اليوم . فسر بما حدثته به وقال : أنا أحق بالصوم . وأمر ~~برفع المائدة وجلسنا ، فنحن في ذلك حتى وافاه خادم أسود مسرع قد علا وجهه ~~الغبار ، فدنا منه وساره ثم انصرف . والتفت أبو الحسن إلي وقال : قد حقق ~~الله رؤياك ، هذا رسول خفيف السمرقندي يعلمني عن خفيف أن أمير المؤمنين ~~المكتفي بالله ركب في هذا اليوم يتصيد ومعه العباس بن الحسن ، وأنه قال له ~~: إن جماعة من الكتاب قد غلبوا على ضياع للسلطان ، وعليهم من حقوق بيت ~~المال ما يحتاج معه إلى القبض عليهم وارتجاع ما حصل في أيديهم . وأذن له في ~~تدبير أمرهم بما يراه ، قال : فلما انصرف دنوت من أمير المؤمنين وقلت له : ~~إنما أراد العباس بما قاله لك أبا الحسن بن الفرات ، وأن المعتضد بالله كان ~~يوثقه ويوثق أبا العباس أخاه ، ويعول عليهما في تدبير الأعمال وحفظ الأموال ~~. فقال لي : إذا كان الأمر على ذلك فبادر إلى العباس وتقدم إليه بألا يعرض ~~لأبي الحسن بن الفرات ولا يغير شيئا من أمره ، ويعمل ما شاء في غيره . ~~ففعلت وبادرت إليه بمن قال له هذا لئلا يعجل إلى أمر من الأمور . فسجد ms194 أبو ~~PageV01P170 الحسن بن الفرات شكرا لله تعالى وتصدق بصدقة كثيرة . وصحح ~~يومئذ ثلاثين ألف دينار عند صاحب بيت المال وأخذ خطه بقبضها ، وصار إلى ~~العباس فأعلمه أن الكلام قد كثر والخوض قد طال في ذكره وذكر ما كان في يده ~~من ضياعه وأملاكه وما خدم به وكلاؤه من حقوق بيت المال مما لا تعرف حقيقة ~~الدعاوي فيه ، وأنه صحح لبيت المال ثلاثين ألف دينار صلحا عن هذه القروف ~~المشتبهة ، وحسما لمادة الأقوال المختلفة ، وتخفيفا عن قلب الوزير ~~والإهتمام بأمره ، وسلم إليه الخط بالقبض . فأظهر العباس إنكارا لفعله وقال ~~له : عجلت إلى ما وجب أن تتوقف عنه ، وتعرفني ذلك وعزمك فيه . وأورد جميلا ~~كثيرا فيما خاطبه به . ولما لم يجد العباس طريقا إلى ما هم به في أبي الحسن ~~بن الفرات عدل إلى الإقبال عليه والتفويض إليه . وعاد المكتفي بالله من ~~سفره بعد أن ضاقت صدور أصحابه وندمائه من طول مقامه وشدة البرد الذي ~~يلاقونه والقشف الذي يقاسونه ، وقال يحيي بن علي المنجم أحد جلسائه : قد ~~كثر والخوض قد طال في ذكره وذكر ما كان في يده من ضياعه وأملاكه وما خدم به ~~وكلاؤه من حقوق بيت المال مما لا تعرف حقيقة الدعاوي فيه ، وأنه صحح لبيت ~~المال ثلاثين ألف دينار صلحا عن هذه القروف المشتبهة ، وحسما لمادة الأقوال ~~المختلفة ، وتخفيفا عن قلب الوزير والإهتمام بأمره ، وسلم إليه الخط بالقبض ~~. فأظهر العباس إنكارا لفعله وقال له : عجلت إلى ما وجب أن تتوقف عنه ، ~~وتعرفني ذلك وعزمك فيه . وأورد جميلا كثيرا فيما خاطبه به . ولما لم يجد ~~العباس طريقا إلى ما هم به في أبي الحسن بن الفرات عدل إلى الإقبال عليه ~~والتفويض إليه . وعاد المكتفي بالله من سفره بعد أن ضاقت صدور أصحابه ~~وندمائه من طول مقامه وشدة البرد الذي يلاقونه والقشف الذي يقاسونه ، وقال ~~يحيي بن علي المنجم أحد جلسائه : قالوا لنا إن في القاطول مشتانا . . . ~~ونحن نأمل صنع الله مولانا والناس يأتمرون الرأي بينهم . . . والله في كل ~~يوم محدث ms195 شانا وغني للمكتفي بذلك ، فسأل عن قائله فقيل : يحيى بن علي ~~المنجم . فأمر بالرحيل إلى بغداد وشكر الناس يحيى بن علي على شعره . ولما ~~حصل العباس بن الحسن بالحضرة وعاود محمد بن داود ومحمد بن عبدون وعلي بن ~~عيسى الوقيعة في أبي الحسن بن الفرات والاغراء به ، والإطماع فيه ، والكلام ~~على حاله . قال أبو عبد الله زنجي : وحضرت مع أبي الحسن في دار العباس ، ~~فوجدناه جالسا مجلسه ، والجماعة المذكورون بين يديه ، إذ نهض وأقام الكتاب ~~على انتظاره ، وخرج كاتبه فاستدعى أبا الحسن ، فدخل إليه ، ولم يشك ~~الحاضرون أنه يقبض عليه . وقال أبو عبد الله : واشتد إشفاقي ، وزاد خوفي ، ~~وتأخر عنده طويلا . والقوم متشوقون إلى علم ما جرى في أمره . ثم خرج العباس ~~وأبو الحسن معه ، وقعد وأقعده عن يمينه ، وأقبل عليه PageV01P171 بوجهه ، ~~وزاد في تقريبه وبسطه ، ونظر بعض الجماعة إلى بعض واجمين بما يشاهدونه ، ~~ومتعجبين من انعكاس ما كانوا يقدرونه . ثم نهض أبو الحسن منصرفا إلى داره ، ~~وصحبته ، ووصل فما استقر به مجلسه حتى سألته عن خبره ، وما جرى عليه أمره ~~مع العباس ، فقال : دعاني ودخلت إلى حجرة ما دخلت إليها من قبل ، فوجدته ~~جالسا خاليا بنفسه وبعض حواشيع ، فتقدم إلى الحاجب بإخراج كل من يقرب من ~~موضعه ، والجلوس على الباب ، ومنع كل من رام الدخول ، وانفردنا جميعا وبدأ ~~يذكر ما يعتقده في من الجميل ، وما هو عليه من المحاماة عني ، وأنه قد حمل ~~في أمري على أشياء فوقف عنها مراعاة لحقي . ثم قال : إن كان في نفسك من هذا ~~الأمر يعني الوزارة شيء سلمتها إليك وخليت عنها لك ، على أن تحرسني في نفسي ~~ومالي وحرمي وولدي . فأعلمته أنني أحسن حالا منه مع الأثقال التي عليه ، ~~وأنني أرجع من المال والنعمة والأملاك والضيعة والجاه والقدرة إلى ما ~~أستغني به عن زيادة . وراجعني مراجعة بعد مراجعة . فلما رآني مقيما على على ~~حال واحدة قال . فإذا كان ذلك كذلك فأنا أتصور أن الأمر من بعدي صائر إليك ~~، وأوصيك بولدي وحرمي ، فقلت : بل ms196 يبقيك الله ويطيل عمرك ولا يخلي مكانك ~~منك ، ولا يريني سوءا ولا محذورا فيك . فلم يقنع إلا بأن استحلفني ثم مد ~~يده إلي وعانقني وقال : أمرنا الآن واحد ، ويدنا واحدة ، فلا تلتفت إلى ~~هؤلاء الكتاب وأقوالهم ، ولا تفكر في كلامهم وتشنيعاتهم ، وثق بما لك عندي ~~من مزية المراعاة وزيادة المحاماة . فشكرته ودعوت له وأعلمته قوة نفسي الآن ~~به ، وخرجنا . فكان ما رأيت من فعله . قال أبو عبد الله : فسررت كل سرور ~~بما حدثنيه . ثم رد العباس بعقب ذلك إلى أبي الحسن الزمام على علي بن عيسى ~~. وأعفاه من ديوان الجيش ، وقد كان سأل القاسم ابن عبيد الله إعفاءه منه لم ~~يفعل . وقيل إن أبا الحسن تصدق عنه إعفائه بعشرة آلاف درهم . ولما قتل ~~العباس بن الحسن ووزر أبو الحسن بن الفرات قبض على أولاد العباس في جملة من ~~قبض عليه . وأدخلت اليد في جميع أملاكهم فحدث أبو عبد الله زنجي قال : ~~التمس أبو الحسن بن العباس بن الحسن لقاء أبي الحسن بن الفرات فمنع منه ، ~~فألح في ذلك إلحاحا طولع به أبو الحسن فأمر بإحضارهن فحضر وقال له : احفظ ~~فينا أيها الوزير وصية أبينا لك وما أخذه لنا من عهدك . قال : ومتى كان ذلك ~~؟ قال : في اليوم الذي خلوت فيه معه في الحجرة ، وصرف كل من كان بين يديه ~~وقريبا منه ، وكان من حديثكما فيما تفاوضتماه كذا وكذا . قال له : ومن ~~PageV01P172 أين عرفت ذاك ولم يكن معنا ثالث ؟ قال : كنت في الرواق خلف ~~الباب ، وسمعت ما جرى بينكما كله . قال : صدقت وقد كنت أنسيت ذلك . ثم أمر ~~بإطلاقه وإطلاق إخوته والإفراج عن أملاكهم التي تخصهم . ثم قلدهم بعد ذلك ~~الدواوين . وحدث أبو عبد الله زنجي قال : حضرت مع أبي الحسن بن الفرات مجلس ~~أبي أحمد العباس بن الحسن وهو وزير ، وبين يديه الأعمال ينظر فيها ، إذ مر ~~به كتاب من الحسن بن محمد القصري المعروف بابن زياد وإليه الصدقات بقصر ابن ~~هبيرة جوابا عما كوتب به من حمل ما اجتمع ms197 عنده من مالها . فلما نشره قرأ في ~~العطف الذي وراءه : ضربت وجهك يا عباس فلا حول ولا قوة إلا بالله . فاستشاط ~~غضبا واختلط غيظا وقال : من ابن زياد الكلب حتى يلقاني بما لقي ، ويستعمل ~~من الجرأة واطراح المراقبة ما استعمل ؟ ! ودفع الكتاب إلى أبي الحسن بن ~~الفرات وقال له أنفذ إليه من يسحبه إلى الحضرة على وجهه ، ويعامله من ~~المكروه بما استدعاه لنفسه ، وإذا ورد لم يبرح من الديوان إلا بعد الخروج ~~مما عليه . وقام أبو الحسن ومضى إلى ديوانه وتصفح ما قدم إليه من الكتب ، ~~فقرأه ، ولحظ في طي عنوانه ضربت وجهك يا علي بن محمد بلا حول ولا قوة إلا ~~بالله . فاغتاظ أبو الحسن مثل غيظ العباس وأكثر ، وأمر بإنفاذ من يجره من ~~القصر إلى الحضرة ثم قال : لا ، ولكن التمسوا ثلاثة أنفس من المستحثين ~~الغلاظ والفظاظ وأنفذوهم إليه وواقفوهم على ألا يفارقوه إلا بعد تصحيح ما ~~عليه ، وأوجبوا لكل واحد منهم في اليوم دينارين يأخذونها منه . قال أبو عبد ~~الله بن زنجي : والتفت إلي وقال : اكتب لهم منشورا ينفذون به ، وندب من ~~يخرج ، وكتبت المنشور ، وحمل إلى حضرته مع غيره مما كنت كتبته ، فأول ما ~~وقع بيده المنضور ، فأخذه وقرأه وعزله إلى جانبه وأقبل يقرأ ما سواه إلى أن ~~استغرق قراءة الجميع . ثم قال لي وأنا جالس بين يديه : قد والله يا أبا عبد ~~الله ضرب ابن زياد وجهنا بشيء لا نقدر معه على أن نسيء به ، خرق المنشور ~~وأضرب عن إنفاذ المستحثين ، واكتب إليه أن يعجل حمل ما عليه ولا يحوج إلى ~~إنفاذ من يقيم عنده ويثقل عليه مؤونته . ففعلت ذلك ، ومضى الأمر عليه ، ولم ~~يعد من العباس فيه قول . ووجدت نسخة ما كتب به أبو الحسن بن الفرات عن نفسه ~~إلى ولاة البلاد عند تقلده الوزارة وزوال فتنة عبد الله بن المعتز فكانت : ~~PageV01P173 نعم الله عند أمير المؤمنين أطال الله بقاءه تتجدد في سائر ~~أوقاته ، وتتوكد في جميع حالاته ، فليس يخلو منها قاهرة لأعدائه وناصرة ms198 ~~لأوليائه ، والله سبحانه وتعالى يعينه على أداء حقها والقيام بشكرها ، إنه ~~ذو فضل عظيم . وكان جماعة من جلة الكتاب والقواد ووجوه الغلمان والأجناد ~~حسدوا أبا أحمد العباس ابن الحسن رحمة الله على محله ومنزلته ، وما قام به ~~لأمير المؤمنين أيده الله من عقد بيعته ، فسعوا في إتلاف مهته ، وإزالة ~~نعمته ، وتوصل إليهم عبد الله ابن المعتز بمكره وخديعته ، فأوحشهم من أمير ~~المؤمنين أطال الله بقاءه وشيعته ، وحسن لهم الخروج عن طاعته ، فنكثوا ~~ومرقوا ، وغدروا وفسقوا ، وشهروا سيوف الفتنة ، وأضرموا نيرانها ، وأظهروا ~~أعلامها . وتفرد الحسين بن حمدان بأبي أحمد فقتله ، وثنى بفاتك المعتضدي ~~فأتلفه ، وقصد المارقون دار الخلافة ، ووصلوا إلى جدرانها ، وحرقوا عدة من ~~أبوابها ، ووفق الله الغلمان الحجرية والخدم والأولياء المصافية لمنازلتهم ~~ومحاربتهم ، فانصرفوا مفلولين . واجتمعوا إلى عبد الله فعاقدوه وبايعوه ، ~~وتسمى بالخلافة في ليلته ، ووازره محمد بن داود بن الجراح على ضلالته ، ~~وصحبهم من غلمان أمير المؤمنين أدام الله تمكينه وخاصته وذوي البأس من ~~رعيته من حسن دينه ، وخلص يقينه ، فتحصنوا بالإبعاد في الهرب لما خافوه من ~~شدة الطلب ، وأسر جماعة من أصحاب عبد الله بن المعتز وكتابه ، منهم : يمن ~~الكبير ووصيف بن صوارتكين وخطارمش وعلى الليثي ومحمد الرقاص وسرخاب الخادم ~~، وأبناء دميانة ومحمد بن عبدون وعلي بن عيسى بن داود ابن الجراح ومحمد بن ~~سعيد الأزرق والمعروف بأبي المثنى ، ومحمد بن يوسف المكني أبا عمر ، وحملوا ~~إلى دار أمير المؤمنين ، وحصلوا في أعظم البؤس ، وأضيق الحبوس . ولما خمدت ~~النائرة ، وسكنت الثائرة ، استدعاني أمير المؤمنين أطال الله بقاءه وأوصلني ~~سائر دواوينه مع وزارته ، وخلع علي خلعا ألبسني بها جلالا وقدرا ، وجمالا ~~وفخرا ، وعدت إلى داري مغمورا بإحسانه ، مثقلا بأياديه وامتنانه ، وأسأل ~~الله معونتي على طاعته ، وتبليغي غاية رضاه وإرادته بمنه ورحمته . وقد ~~أوبقت عبد الله ابن المعتز ذنوبه ، وأسلمته عيوبه ، وحصل في قبضة صافي مولى ~~أمير المؤمنين مأسورا مقهورا . وأوجبت الحال إطلاق صلة للأولياء وافرة ~~المبلغ ، وأنا PageV01P174 بتجديد البيعة متشاغل وللخدمة مواصل ، والأمور ~~جارية على أجمل مجاريها ، وأفضل المحاب ms199 فيها ، والحمد لله رب العالمين . ~~وعرفتك ما جرى لتعلمه أهل عملك وتزداد اجتهادا إلى اجتهادك ، وكفاية وغناء ~~على كفايتك وغنائك ، وتكتب بما يكون منك في ذلك إن شاء الله . وكان أبو ~~الحسن بن الفرات خاطب محمد بن داود وهو يتولى عطاء الجيش فيما يطلقه بغير ~~صك ولا حجة ، وأخرج عليه مما أطاقه من بيت المال صكين مثبتين مكررين مائة ~~وعشرين ألف دينار ، واقفه على ذلك بحضرة العباس مواقفة اعترف بها محمد بن ~~داود ، واعتذر بالسهو في فعله . وجدد ذلك أن أمر العباس صاحب بيت المال ~~بألا يطلق شيئا في إعطاء وإنفاق إلا ما عرفه أبو الحسن وأذن فيه ، وثبتت ~~علامته على الصكاك به ، وكان مما قاله أبو الحسن لمحمد بن داود : أنا أجمع ~~الأموال وأحصلها وأنتم تفرقونها وتفرطون فيها ! فقال له محمد : التفريط ~~والتضييع كان في أيامك يعني أيام نظره في ديوان الجيش فقال له أبو الحسن : ~~قد كنت أحد كتابي إذ ذاك وفي بعض مجالس الإطلاق ، فإن عرفت خيانة فاذكرها ~~أو إضاعة فاستدركها . وقال له العباس . حالك يا أبا الحسن في الضبط ~~والاحتياط معروفة ، وطريقتك في الاستيفاء والاستقصاء معلومة ، وما بك إلى ~~هذا القول حاجة . وكان أبو الحسن بن عيسى حضره بحضرة العباس بن الحسن ~~لمناظرة أبي الحسن بن الفرات على ما كتب به إبراهيم بن عيسى ومحمد بن عيسى ~~العرموم أخواه في ضيعة أبي الحسن بن الفرات بكورة كسكر ، وضياعه بناحية ~~الأجمتين وما غير من معاملتها وخفف من مقاسمتها . فلما بدأ علي بن عيسى ~~يذكر ما كتب به أخواه وأورده قال العباس بن الحسن لأبي الحسن بن الفرات : ~~ما عندك يا أبا الحسن في ذلك ؟ قال له . ما أعرف من أمر ضياعي شيئا ، لأن ~~العمال قد أدخلوا أيديهم فيها منذ نيف وعشرين شهرا ، وأخذوا الحقوق ~~السلطانية فيها على ما أرادوه واقترحوه منها ، وما تكلمت ولا تظلمت انصراف ~~قلب عنها ، ولكنه قد وجب على محمد بن عيسى من ثمن الأرز بالسيبين أكثر من ~~ثمانية آلاف دينار لا عذر ولا ms200 حجة له في دفعها ، ولما كاتبته بحملها ~~والخروج منها كتب في أمر ضيعتي بما كتب ، والأمر للوزير ، وهو أعلى عينا ~~فيه . فأمر العباس عند سماعه ذلك بإنفاذ من يستحث محمد بن عيسى فيما أخرج ~~عليه ، ويطالبه بالخروج منه ثم صرفه من بعد ، وتقدم إلى أبي الحسن بن ~~الفرات بأن يعمل له عملا يستقصي النظر فيه ويكشف أمره فيما تولاه وقام به . ~~وقال له أبو الحسن : ومما أسأله صرف جعفر أخي عما يتقلده ، فإن علي بن عيسى ~~PageV01P175 قد قصده وأنفذ إليه من المستحثين من ثقل به عليه ، وإذا انقطعت ~~المعاملة بينه وبينه زال بذلك تسوقه عليه وعلي به . فأجابه العباس إلى صرفه ~~. وكتب أبو الحسن بن الفرات إلى عامل طريق خراسان مما تولاه بيده : قد ~~اشتهرت بأحكام الخلفاء الراشدين ، والأئمة المهديين ، رحمة الله عليهم ~~أجمعين ، في الخراج مذ افتتحت نواحيه ، ووضعت الطسوق فيه ، بالرسوم الجارية ~~والسنن الباقية التي سنها أفضل سلف ، وعمل بها أعدل خلف ، ليس في شيء منها ~~حكمان مختلفان ولا طسقان متفاوتان ، في صقع واحد ، لمسلم أو معاهد . وبطريق ~~خراسان وكلوذاي ونهر بين معاملات محطوطة الوضائع ، في الإستان والقطائع ، ~~لطائفة دون أخرى ، سببها ما شرطه محمد بن جعفر في سني ضمانه . وأحق المشروط ~~عند الفقهاء بالإبطال ، ما يجري على سبيل حيلة وإدغال ، فانقض كل شرط ورسم ~~يعودان على مال السلطان أعزه الله بنقض أو ثلم ، واستوف خراج ذلك على أكمل ~~طسوقه ، وأفضل حقوقه ، حتى تنحسم تلك الأطماع ، ويتوفر على يدك الارتفاع إن ~~شاء الله . وكتب للنصف من رجب سنة ست وتسعين ومائتين . ولما تقلد أبو الحسن ~~بن الفرات الوزارة في أول مرة أجرى كلا من حجابه وكتابه وأصحابه على رسمهم ~~، وأقرهم على ما كانوا يتولونه من أمره ، ولم يستبدل بهم ، ولا استزاد فيهم ~~، لإكتفائه بمن كان معه عن غيرهم . وكانت أخلاقه وهو وزير مثله وهو صاحب ~~ديوان . ومن رسمه أن يغدو إليه الكتاب فيواقفهم على الأعمال ، ويسلم إلى كل ~~منهم ما يتعلق بديوانه ، ويوصيه بما يريد وصاته به . ثم ms201 يروحون إليه بما ~~يعلمونه من أعمالهم ، فيوافقهم عليها ، وعلى ما أخرجوه من الخروج ، وأمضوه ~~من الأمور ، ويقيمون إلى بعض من الليل . وإذا خف العمل ، وقد عرضت عليه في ~~أثنائه الكتب بالنفقات والتسبيبات والإطلاقات والحسبانات ، نهض من جلسه ، ~~وانصرفت الجماعة بعد قيامه . وكانت علامته تحت بسم الله الرحمن الرحيم : ~~الحمد لله رب العالمين . وحدث أبو القاسم بن زنجي قال : ورفع إلى أبي الحسن ~~بن الفرات أن جماعة الكتاب في ديوان الجيش المتولين للعطاء احتسبوا على ~~الجند بما لم يعطوهم إياه ، وأخذوه لنفوسهم ، واقتطعوه من دونهم ، فأنكر ~~ذلك ، وعظم في نفسه ، وكشف عنه فوجده صحيحا ، ورأى الإقدام على مثله غليظا ~~. فقبض على القوم الذين فعلوه ، فمنهم من ضربه PageV01P176 وأدبه ، ومنهم ~~من ارتجع منه ما حصل في يده ، ومنهم من صفح عن جرمه . وكان في الجماعة أبو ~~القاسم الحسين بن علي بن كردي ، وقد اعتقل ، فكتب إلى أبي عبد الله والدي ~~يسأله خطاب الوزير في بابه والتلطف في إطلاقه . واتفق أن دعا الوزير أبا ~~عبد الله إلى طعامة على رسمه ، فلما حضر امتنع من الأكل ، فقال له الوزير : ~~ما سبب امتناعك ؟ قال : أنني ما أطيب نفسا بأن آكل وابن كردي قريبي في ~~الحبس يعرض للمكروه . وأتبع ذلك بالمسألة في أمره وهبة ما عليه له ، فأجابه ~~جوابا جميلا ، وتقدم بتخلية ابن كردي ، وتسليمه إليه ، والصفح له عما يطالب ~~به . ثم قال له . تقدم الآن كل . قال أبو القاسم : ولم يكن بيننا وبين ابن ~~كردي نسب ولا قربي . وإنما قال أبي ما قاله تأكيدا للخطاب في بابه . وحدث ~~أبو القاسم بن زنجي قال : استدعى أبو الحسن بن الفرات في بعض الأيام أبا ~~علي بن مقلة وأبا عبد الله والدي في وقت العصر ، على خلوة لم يحضرها غيرهما ~~، وقال لأبي علي : استدع قرطاسا يكتب فيه . فأحضره صاحب الدواة تلث قرطاس ، ~~وقال له : وقع بأن يكتب إلى علي بن أحمد بن بسطام بوصول كتبه بما قرر عليه ~~أمر المادرائيين ، وأنني وجدته مخالفا لما أمرته به . وما توجبه ms202 الجملة ~~المحصلة عليهم وهي ثلاثة آلاف ألف وكذا دينار ، وكذا منها من جهة كذا وكذا ~~، ومن جهة كذا وكذا ، حتى استوفى الإملاء بتفصيل الجملة المذكورة ، وفيها ~~أنصاف دينار وأثلاثه وأربعاه وما دون ذلك . ووصل القول بما ملأ به الثلث . ~~واستدعى أبو على ثلثا آخر ، واستتم الأمر فيه وفيما أراد خطابه به في ~~معانيه ، فكان ذرع الثلثين اللذين كتب فيهما نحو ستين ذراعا . ثم قال لأبي ~~عبد الله أبي : اكتب إلى علي بن أحمد على موجب ذلك . فقال له : والله أيها ~~الوزير ما يحتاج إملاؤك إلى أكثر من أنت تثبت في أوله وآخره الدعاء ، فإنه ~~قد أتى على كل غرض ، وبلغ فيما يراد كل مبلغ . فقال : تأمله على كل حال ~~وتفقده وقف معانيه . قال أبو القاسم : ولقد حدثت بعض الرؤساء هذا الحديث في ~~مجلس حافل قد صعن على ابن الفرات فيه بنزارة الكلام ، فعجب منه ، وقال لي : ~~لولا أن ذكرته لما صدقته . وحدث أبو القاسم بن زنجي قال : رسم أبو الحسن ~~علي بن محمد بن الفرات في وزارته الثانية أن يدعي أبو الحسن موسى بن خلف ~~وأبو علي محمد بن علي بن مقلة وأبو الطيب محمد بن أحمد الكلوذاني وأبو عبد ~~الله محمد بن صالح وأبو عبد الله والدي وأبو بشر عبد الله بن الفرخان ~~النصراني وأبو الحسين سعيد بن إبراهيم التستري النصراني وأبو منصور عبد ~~الله بن جبير النصراني وأبو عمرو سعيد بن الفرخان النصراني في كل يوم إلى ~~PageV01P177 طعامه فكانوا يحضرون مجلسه في وقته ، ويقعدون من جانبيه وبين ~~يديه ، ويقدم إلى كل واحد منهم طبق فيه أصناف الفاكهة الموجودة في الوقت من ~~خير شيء ، ثم يجعل في الوسط طبق كبير يشتمل على جميع الأصناف وكل طبق فيه ~~سكين يقطع بها صاحبه ما يحتاج إلى قطعة من سفرجل وخوج وكمثري ، ومعه طست ~~زجاج يرمي فيه التفل ، فإذا بلغوا من ذلك حاجتهم واستوفروا كفايتهم ، شيلت ~~الأطباق وقدمت الطسوت والأباريق فغسلوا أيديهم ، وأحضرت المائدة مغشاة ~~بدبيقي فوق مكبة خيازر ومن تحتها سفرة ms203 أدم فاضلة عليها ، وحواليها مناديل ~~الغمر من الثياب المعصور فإذا وضعت رفعت المكبة والأغشية ، وأخذ القوم في ~~الأكل ، وأبو الحسن بن الفرات يحثهم ويباسطهم ويؤانسهم فلا يزال على ذلك ، ~~والألوان توضع وترفع أكثر من ساعتين ، ثم ينهضون إلى مجلس في جانب المجلس ~~الذي كانوا فيه ، ويغسلون أيديهم ، والفراشون قيام يصبون الماء عليهم ، ~~والخدم وقوف على أيديهم المناديل الدبقية ، ورطليات ماء الورد لمسح أيديهم ~~وصبه على وجوههم ، فمن كانت له من الكتاب حاجة قام إليه وخاطبه فيها وسأله ~~إياها ، ومن أراد إطلاعه على سر يجب الانفراد معه فيه فعل مثل ذلك ، ثم ~~يخرج وظائف الكتاب وغلمانهم والخزان ومن دونهم وسائر من جرت عادته بالوظيفة ~~، على طبقاتهم ، وأتبع ذلك بتفرقة وظائف الثلج على أصحاب الدواوين والكتاب ~~والمقيمين في الدار . وحدث أبو القاسم بن زنجي قال : كثر الإرجاف بأبي ~~الحسن بن الفرات في آخر وزارته الثانية ، وكان كتابه إذا ركب في يوم ~~الاثنين والخميس إلى دار السلطان استتروا ، وإذا عاد إلى داره ظهروا وحضروا ~~. فلما كان قبل القبض عليه بأيام كتب إليه المقتدر بالله يلتمس منه حمل ~~مائتي ألف دينار من أموال الواحي . فخلا بأبي الحسن موسى بن خلف ، وكان يثق ~~به على سره ، ويستشيره في أمره ، وعرفه ما طلبه المقتدر بالله منه ، فقال ~~له . لا تفعل ومتى فعلت أطمعته PageV01P178 في نفسك ومالك ، وطالبك في كل ~~وقت بما تعجز عنه قدرتك . ورجع أبو الحسن في ذلك إلى أبي بشر عبد الله بن ~~الفرخان ، فأشار عليه بمثل ما أشار به موسى بن خلف . وأعلم أبا عبد الله ~~والدي ما جرى ، واستعلم ما عنده في ذلك ، فقال له : الأعمال في يديك ، ~~والأموال محمولة إليك ، وما يتعذر هذا القدر عليك ، إما تقدمة من مالك ، أو ~~أخذا له من جهابذتك ومعامليك ، ودفع الشيء أولى من تعجله ، ومتى جرى وأعوذ ~~بالله أمر أخذ أكثر مما وقع الالتماس له . فلم يدعه موسى ابن خلف ، وأقام ~~على ما أورد من رأيه . وأجاب أبو الحسن ابن الفرات المقتدر بالله بالاعتذار ~~والاحتجاج ms204 وتكثير ما عليه من المؤن والنفقات والأعطيات الإطلاقات . واحتد ~~الإرجاف بعقب هذه الحال احتدادا شديدا ، وكتب إليه المقتدر بالله يعلمه ~~رأيه الجميل فيه وإحماده الكثير له ومقامة على النية الصادقة في بابه ، ~~وحلف له بتربة المعتضد بالله على سلامة باطنه ، وأنه لا يعتقد تغييرا لأمره ~~، ولا استبدالا بنظره . ووقف أبو الحسن على ذلك فسر به ، وسكن ألى ما عرفه ~~منه ، وأطلع كتابه عليه ، فاستبشرت الجماعة وزال عنها الشك والمخافة . ووجم ~~والدي وأمسك ، وتبين أبو الحسن منه ذلك ، فأدناه إليه ، وقال له : أراك ~~ساكتا وعن جملتنا في السكون خارجا ، فما الذي وقع لك ؟ فقال له : أما أنا ~~فقد زادتني هذه الرقعة استيحاشا ، وملأتني خوفا وإشفاقا ، لأنه لم يتجدد ما ~~يقتضيها ويوجب ابتداءنا بما فيها . فقال له : أنت يا أبا عبد الله بعيد ~~للنظر سيء الظن ، يحملك فرط الشفقة علي إلى تصور هذه الأسباب ، وأرجو أن ~~يكذب الله تقديرك ، ويجري علي جميل العادة . وكان هذا يوم الثلاثاء ، فلما ~~كان يوم الخميس الثلاثين من جمادي الأولى سنة ست وثلاثمائة مضى على رسمه في ~~أيام المواكب ألى المقتدر بالله ، ووصل إلى حضرته ، ووقف بين يديه ، وخاطبه ~~فيما احتاج فيه إلى خطابه ، وانصرف ألى داره ، وعرف كتابه خبره ، فظهروا ~~وحضروا ، ونظروا في الأعمال ، وأعطي كلا منهم ما يتعلق بديوانه ، ودعا ~~بالطعام فأكل ، ثم قام إلى بيت منامه ونام ، وانتبه وقت العصر ، وجدد ~~الوضوء ، وصلى في الدار المعروفة بدار الصلاة ، وجلس على مصلاة يسبح ، وما ~~عنده إلا ساكن صاحب دواته وغلامان من غلمانه . فبينما هو على ذلك إذ هجم ~~أبو القاسم نصر القشوري الحاجب إلى موضعه ، ومعه عدة كثيرة من الرجالة وقال ~~: أمير المؤمنين أطال الله بقاءه يأمرك بالحضور . فقال : بثياب الموكب أم ~~بدراعة ؟ قال بدراعة . فقال له : حينئذ أوصيك يا أبا القاسم بالحرم ~~PageV01P179 خيرا . وأخذه وأنزله في الماء إلى دار السلطان ، بعد أن وكل ~~بجميع من في داره من الكتاب والأصحاب . وحدث أبو القاسم بن زنجي قال : كنت ~~في دار حامد بن العباس ، وهو وزير ms205 بباب خراسان المعروفة بدار حجرة ، إذ ~~أدخل الفراشون إلى حضرة حامد رجلا مكورا في كساء أسود ، ثم سمعنا صوت صراخ ~~ووقع الصفع ، وحامد يقول للصافع : جود . والرجل المصفوع يقول : الله الله ~~قد ذهبت والله عيني . وهو يقول له : إلى لعنة الله يا ابن كذا ويا زوج كذا ~~. ويسرف في الشتم ويبالغ . ويقول له الرجل : لا تسن أيها الوزير هذه السنة ~~على أولاد الوزراء . ويقول له : وأنت من أولاد الوزراء ؟ ثم يزيده صفعا ~~وشتما ، فلما لم يبق فيه بقية أمر برده إلى حيث كان فيه ، فأخذه الفراشون ~~وحملوه ، وجاء أحدهم إلى الموضع الذي كنت فيه ، فأخبرنا أن الرجل المحسن بن ~~أبي الحسن بن الفرات ، وأنه مقيد بقيد ثقيل ، وعليه جبة صوف قد غمست في ~~النفط مزرورة في عنقه ، وأنهم ردوه إلى الحجرة التي كان فيها وحبسوه في ~~الكنيف منها ودلوا رأسه في بئره . وقال أبو القاسم : وقمت إلى أبي عبد الله ~~والدي لأحدثه بذلك ، وهو جالس مع بشر بن علي النصراني صاحب حامد وخليفته . ~~فابتدأ وسألني عن الصياح الذي سمعه ، فأعلمته بالصورة ، فانزعج ، وأقبل على ~~بشر بن علي يعجبه . فقال له بشر : هذا رجل محين ، وهؤلاء القوم يلون عليه ~~منذ ثلاثين سنة ، ويقومون بأمره ويحسنون عونه ، فلما ملك من أمرهم ما ملك ~~عاملهم بهذه المعاملة ، وما هذا إلا إدبار وسوء توفيق . ولم يزل حامد يردد ~~المحسن في صنوف العذاب ويحمله على كل حال ، إلى أن كلم المقتدر بالله في ~~أمره ، وبذل لأبي القاسم بن الحواري مال على إخراجه عن يده ، فسعى في ذلك ~~إلى أن تم نقله إلى دار السلطان ، وأقام بها أياما ، ثم سلم ألى أبي القاسم ~~بن الحواري وحصل في داره ، وخاطب المقتدر بالله من بعد في إطلاقه إلى منزله ~~فأذن فيه . وأقام يتعرف أخبار علي بن عيسى وحامد بن العباس وما يقررانه ~~ويدبرانه ويصلح حواشي المقتدر بالله ويستميلهم ، ويعمر ما بينه وبينهم . ~~وانتشبت بينه وبين أبي نصر بشر بن عبد الله النصراني الأنباري كاتب مفلح ~~الخادم مودة ، وترددت ms206 مراسلة ، ثم جمع بينهما أبو سهل نصر بن علي الطبيب ~~النصراني كاتب المحسن في دار بين القصرين على شاطئ دجلة . PageV01P180 وقال ~~له المحسن ، إنه يصحح للمقتدر بالله ثلاثة آلاف ألف دينار ، وألفا وخمسمائة ~~دينار في كل يوم إذا أطلق أبا الحسن أباه واستوزره وسلم إليه حامد بن ~~العباس وعلي بن عيسى ومكنه منهما ومن مناظرة المادرائيين واستيفاء ما عليهم ~~. وكتب بذلك رقعة سلمها إلى بشر بن عبد الله كاتب مفلح ، وتفرقا ، ومضى بشر ~~إلى مفلح وعرفه ما جرى ، وأن الذي بذله المحسن جملة كثيرة يرغب فيها ~~المقتدر بالله ، ومتى تم الأمر وصح المال بواسطته تضاعف جاهه وأحمده سلطانه ~~، ولم يعدم من أبي الحسن والمحسن معرفة حقه وقضاء حوائجه . وأشار عليه ~~بالكلام في ذلك ، وعرض الرقعة التي كتبها المحسن ، فقبل وفعل ، وعاونته ~~القهرمانة زيدان ، واجتمعت معه على إيراد ما يورده . فلما وقف المقتدر ~~بالله على رقعة المحسن أنفذها إلى أبيه أبي الحسن وقال له : أنت قيم بهذا ~~الضمان وملتزم له ؟ فقال : نعم . واستدعاه من موضعه حتى سمع قوله ، وعقد ~~عليه الوفاء بما قاله . فلما كان يوم الخميس لسبع ليال بقين من شهر ربيع ~~الآخر سنة إحدى عشرة وثلاثمائة حضر أبو الحسن علي بن عيسى دار السلطان ، ~~ومعه جماعة من القواد والغلمان على رسم الموكب ، وجلس في المجلس الذي جرت ~~العادة بجلوسه فيه ، إلى أن يستأذن له . ثم خرج إليه من قبض عليه ، وأنفذ ~~إلى داره ودور إخوته وكتابه وأصحابه ووكل بها ، واستظهر على ما فيها . ~~واستدعى المقتدر أبا الحسن بن الفرات من حيث كان مقيما فيه من داره ، وحضر ~~المحسن ابنه وكان قريبا من الدار ، وخلع عليهما وحملهما على حملان بمراكب ~~ذهب ، وتقدم إلى الأمراء والقواد والغلمان والخدم وسائر الطبقات بالركوب ~~معهما إلى دارهما . ومن فضائل أبي الحسن بن الفرات والمأثور من ذكائه أنه ~~وقع تشاجر بين ولد المكتفي وعلي بن المقتدر بالله في أجمة هوثا من أعمال ~~القصر ، وادعى كل من الفريقين أنها له ، وأوجبت الصورة أن وقع إلى عامل ms207 سوق ~~المسك بالحظر على ثمن ما يرد من صيود هذه الأجمة إلى أن تبين صورتها . وكان ~~المقتدر بالله يوقع في وقت لعلي ابنه وفي آخر لولد المكتفي بالله ، فلما ~~زاد وقوف هذا الأمر وتأخر فصله وظهور الحق فيه لمستحقه ، أحضر أبو الحسن بن ~~الفرات خادما لولد المكتفي بالله ، ووكيلا لعلي بن المقتدر بالله يعرف ~~بالحربي ، للمناظرة والحكومة ، وقال أبو الحسن للخادم : ممن ابتعتم هذه ~~الأجمة ؟ قال : من ولد بدر اللاني . فأمرهما بالخروج والجلوس في الدار ~~بقربه إلى أن يدعوهما ، وأحضر ابنا لبدر اللاني كان من أحد خلفاء الحجاب ، ~~وسأله عما عنده من الحسبانات التي لوكلائهم بنواحي القصر . فذكر أن الأملاك ~~والضياع لما خرجت عن أيديهم أقلوا المراعاة للحسبانات فذهبت PageV01P181 ~~وهلكت ، ولم يبق منها باق . فقال له : امض إلى دارك وسل وفتش وأحضر ما تجده ~~. فمضى وعاد بعد ساعة ومعه حساب ذكر أنه وجده لبعض وكلائهم ، فأخذه منه ~~وسلمه إلى أبي منصور عبد الله بن جبير وكان بين يديه ، وقال له : تصفحه ~~وانظر هذا الحق من الأجمة كيف أورد ، وإلى أي شيء نسب . فقرأه أبو منصور ~~ورده إليه وقال : ما لهذا الحق ذكر فيه . فقال : هذا محال ، وأخذ الحساب ~~وقرأه وتأمله تأملا استوفاه ثم وضع يده وقد تصفح ثلثيه على موضع وقال : ها ~~هنا يجب أن يكون ما تطلبه منسوبا إلى وجهه . ووقف ساعة ثم دعا بالخادم ~~والوكيل وقال لهما : هذا الحد منسوب إلى الإلجاء لا إلى الملك . أفتعرفان ~~في يد من كانت هذه الأجمة من قبل ؟ قالا : لا . قال : كانت في يد فلان في ~~سنة إحدى وأربعين ومائتين ، ثم انتقلت في سنة ثلاث وخمسين إلى يد فلان ، ثم ~~انتقلت في سنة أربع وستين إلى إبراهيم بن فورعره ، ثم انتقلت في سنة خمس ~~وثمانين إلى فلان . ولم يزل يذكر حالها وقتا بعد وقت إلى أن دخلتها يد بدر ~~اللاني . قال المحدث بهذا الخبر : فقلت لإنسان كان إلى جانبي : كيف يذكر ~~الوزير سنة إحدى وأربعين وفيها مولده ؟ ورأى شفتي تتحركان بالقول ، فقال ms208 لي ~~: ما قلت ؟ ودافعته فكرر سؤالي وقال لي : قل ما قلت . فصدقته عنه فقال : ~~أحسنت بارك الله عليك فيما تأملت وتتبعت . إني لما دخلت الديوان في حال ~~الحداثة كان أستاذي الذي أخدمه أسن من فيه ، فكنت أذا مر بي رسم كان من قبل ~~سألته عنه وحفظت ما يقوله فيه ، أو جرى شيء في أيامي حفظته ، وكان هذا مما ~~عرفنيه . وحكم بالملك لولد المكتفي بالله ، وطالبه صاحبهم بتسليم ما اعتيق ~~من ثمن الصيد ، فوقع بذلك ، وكتب إلى المقتدر بالله بما كشفه وحكم به . ~~وحدث أبو عبد الله زنجي قال : توفي أبو عيسى أحمد بن محمد بن خالد المعروف ~~بأخي أبي صخرة في يوم الأربعاء لسبع ليال بقين من شعبان سنة إحدى عشرة ~~وثلاثمائة في وزارة أبي الحسن علي بن محمد بن الفرات ، وخلف أموالا وأملاكا ~~كثيرة ، ولم يخلف ولدا . فتعرض أصحاب المواريث لتركته ، وبلغ أبا الحسن بن ~~الفرات ذلك فأنكره ، ومضى إلى المقتدر بالله وقال له : قد كان المعتضد ~~بالله والمكتفي بالله رفعا المواريث وأزالاها وأنت أولى من أمضي فعلهما ~~وأجرى سننهما . فأمره بفعل ذلك والتقدم به ، وفعل وأزال التوكيل عن دار أبي ~~عيسى أخي أبي صخرة والاعتراض عما خلفه ، وسلم جميعه إلى الورثة ، ~~PageV01P182 وأشهد عليهم بتسلمه . وأمر بأن يكتب إلى العمال في سائر ~~النواحي برفع المواريث ، فكتب أبو الحسن محمد بن جعفر بن ثوابة بما نسخته : ~~أما بعد ، فإن أمير المؤمنين يؤثر في الأمور كلها ما قربه من الله جل جلاله ~~ومن طاعته ما اجتلب له منه جزيل مثوبته ، وحسنت به العائدة على كافة خليقته ~~ورعيته ، لما جعل الله عليه نيته من العطف عليها ، وإيصال المنافع إليها ، ~~وإزالة الإعنات عنها ، وإبطال رسوم الجور التي كانت تعامل بها ، وإحياء سنن ~~الخير وإيثاره لها ، جاريا مع الكتاب والسنة ، عاملا بالآثار عن الأفاضل من ~~الأئمة ، وعلى الله يتوكل أمير المؤمنين ، وإليه يفوض وبه يستعين . وأنهى ~~إلى أمير المؤمنين أبو الحسن علي بن محمد ما يلحق كثيرا من الناس من ~~الإعنات في مواريثهم ، وما ms209 يتناول على سبيل الظلم من أموالهم ، ويحكم فيه ~~فخلاف ما جرت به السنة ، وأنه قد كان عبيد الله بن سليمان أنهى إلى المعتضد ~~بالله صلوات الله عليه حال المتقلدين لأعمال المواريث ، وما يجري على ~~الرعية من مطالبتهم إياهم بأحكام لم ينزل بها كتاب الله عز وجل ولا جرت بها ~~سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا أجمع أئمة الهدى رحمة الله عليهم ~~عليها ، فكتب صلوات الله عليه إلى يوسف بن يعقوب وعبد الحميد بن عبد العزيز ~~القاضيين كانا بمدينة اسلام وما يتصل بها من النواحي في أيامه يسألهما عن ~~الحال عندهما في مواريث أهل الملة والذمة . فكتب عبد الحميد رضي الله عنه ~~كتابا في مواريث أهل الملة ، حكى فيه أن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ~~وعبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود رضوان الله عليهم ومن اتبعهم من ~~الأئمة الهادين رحمة الله عليهم رأوا أن يرد على أصحاب السهام من القرابة ~~ما يفضل عن السهام المفترضة في كتاب الله تبارك وتعالى من المواريث إذا لم ~~يكن للمتوفي عصبة يحوز باقي ميراثه ، وجعلوا رضي الله عنهم تركة من يتوفى ~~ولا عصبة له لذوي رحمة إن لم يكن له وارث سواهم ، ممتثلين في ذلك أمر الله ~~سبحانه إذ يقول : ' وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله ~~بكل شيء عليم ' وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في توريثه من لا فرض له ~~في كتاب الله تعالى من الخال وابن الأخت والجدة . وكتب يوسف بن يعقوب إليه ~~كتابا في مواريث أهل الذمة حكي فيه ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من أن المسلم لا يرث الكافر ، وأن الكافر لا يرث المسلم وأنه لا يتوارث أهل ~~ملتين . ووصف يوسف في كتابه أن السنة جرت بأن أهل كل ملة يورثون من هو منهم ~~إذا لم يكن له وارث من ذي رحمه . PageV01P183 وعرف أبو الحسن أمير المؤمنين ~~أن ما قرر عليه حامد بن العباس الأمر من ms210 تتبع المواريث وتقليد جبايتها ~~عمالا يجرون مجرى عمال الخراج شيء لم يكن في خلافة من الخلافات إلى أن مضى ~~صدر من خلافة المعتمد على الله رحمه الله فإن يدا دخلت فيها في ذلك الوقت ~~على سبيل تأول بما روي عن زيد بن ثابت رحمه الله دون غيره ، فأزالها ~~المعتضد بالله صلوات الله عليه . ثم أعاد ذلك الرسم الجائر والأثر القبيح ~~السائر حامد بن العباس بظلمه وتعديه وتهوره وتسطيه وتأول على الرعية بما لم ~~يرض الله عز وجل فيه . فأمر أمير المؤمنين بأن يرد على ذوي الأرحام ما أوجب ~~الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ~~وعبد الله بن العباس وعبد الله بن مسعود سلام الله عليهم ومن إتبعهم من ~~أئمة الهدى رضي الله عنهم رده من المواريث عليهم ، وأن ترد تركة من مات من ~~أهل الذمة ولم يخلف وارثا على أهل ملته ، وأن يصرف جميع عمال المواريث في ~~سائر النواحي ويبطل أمرهم ، ويرد النظر في أعمال المواريث إلى الحكام على ~~ما لم يزل يجري عليه قبل أيام المعتمد على الله . ورأى أمير المؤمنين أن من ~~الحق لله عليه فيما قلده من خلافته ، وألبسه من جلباب كرامته ، وألزمه من ~~رعاية عباده في بلاده الدانية والقاصية ، ونواحي سلطانه القريبة والبعيدة ، ~~أن يعم جميعهم بعدله وإنصافه ، ويتناولهم بفضله وإحسانه ، ويسن لهم سنة ~~الخير في أيامه ، ويزيل عنهم البوائق والعوارض التي توجد بها السبيل إلى أن ~~تنقص أموالهم ويتوصل فيها إلى ظلمهم وإعناتهم ، وأن يجري الأمر في المواريث ~~على ما كان جاريا عليه في أيام المعتضد بالله ، وترك تبديله والحذر من ~~إزالته وتغييره ، وإذاعة ما أمر به إظهاره وقراءته على الناس في المسجدين ~~الجامعين بمدينة السلام ليكون مشهورا متعالما ، والخبر به إلى الأداني ~~والأقاصي واصلا . فاعلم ذلك من رأي أمير المؤمنين وأمره واعمل عليه وبحسبه ~~إن شاء الله والسلام عليك ورحمة الله ، وكتب أبو الحسن يوم الخميس لإحدى ~~عشرة ليلة بقيت من رجب سنة إحدى عشرة ms211 وثلاثمائة . ونسخة ما كتب به أبو خازم ~~إلى بدر المعتضدي جواب كتابه إليه في أمر المواريث . وصل كتاب الأمير يذكر ~~أنه احتيج إلى كتابي بالذي أراه واجبا من مال المواريث لبيت المال ، وما لا ~~أراه واجبا منه ، وتلخيص ذلك وتبيينه ، وأنا ذاكر للأمير الذي حضرني من ~~الجواب في هذه المسألة والحجة فيما سأل نه ليقف على ذلك إن شاء الله . ~~الناس مختلفون في توريث الأقارب ، فروي عن زيد بن ثابت أنه جعل التركة إذا ~~لم يكن للمتوفي من يرثه من عصبة وذي سهم لجماعة المسلمين وبيت مالهم ، ~~وكذلك PageV01P184 يقول في الفضل بعد السهمان المسماة إذا لم تكن عصبة ، ~~ولم يرو ذلك عن أحد من الصحابة سوى زيد بن ثابت ، وقد خالفه عمر بن الخطاب ~~وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وجعلوا ما يفضل من السهمان ردا على ~~أصحاب السهام من القرابة ، وجعلوا المال لذي الرحم إذا لم يكن وارث سواه . ~~والسنة تعاضد ما روي عنهم ، وتخالف ما روي عن زيد بن ثابت . وتأويل القرآن ~~يوجب ما ذهبوا إليه ، وليس لأحد أن يقول ، في خلاف السنة والتنزيل ، بالرأي ~~. قال الله تعالى : ' وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله ~~بكل شيء عليم ' فصير القريب أولى من البعيد ، وإلى هذا ذهب عمر وعلي وعبد ~~الله رضي الله عنهم ومن تابعهم من الأئمة ، وعليه اعتمدوا ، وبه تمسكوا ، ~~والله أعلم . ولو كان في هذه المسألة ما لا يدل عليه شاهد من الكتاب والسنة ~~لكان الواجب تقليد الأفضل والأكثر من السابقين الأولين ، وترك قبول من ~~سواهم ممن لا يلحق بدرجتهم بسابقته . وإذا رد أمر الناس إلى التخير من ~~أقاويل السلف فهل يحيل أو يشكل على أحد أن زيدا لا يفي علمه بعلم عمر وعلي ~~وعبد الله ؟ وأذا فضلوا في السابقة والهجرة فمن أين وجب أن يؤخذ بما روي عن ~~زيد بن ثابت واطراح ما روي عنهم ؟ وقد استدلوا مع ذلك بالكتاب فيما ذهبوا ~~إليه . وبالسنة فيما أفتوا به . والرواية ثابتة عن ms212 النبي صلى الله عليه ~~وسلم بتوريث من لا فرض له في الكتاب من القرابة ، فمن ذلك ما ذكر لنا عن ~~معاوية بن صالح ، عن راشد ابن سعد ، عن أبي عامر الهوزني عن المقدام بن ~~معدي كرب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : الخال وارث من لا وارث له ~~، يرث ماله ويعقل عنه . وكذلك بلغنا عن شريك بن عبد الله عن ليث عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله . وعن ابن جريج عن عمرو بن مسلم عن ~~طاوس عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال مثل ذلك . وذكر عن عبادة ~~ابن أبي عباد ، عن محمد بن أسحاق عن يعقوب بن عتبة ، عن محمد بن يحيى بن ~~حبان عن عمه واسع بن حبان قال : توفي ثابت بن الدحداح فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم لعاصم بن عدي : أله فيكم نسب ؟ قال : لا . فدفع تركته إلى ابن ~~أخته . فقد أوجب عليه السلام بما نقلته عنه هذه الرواية توريث من لا سهم له ~~من القرابة مع عدم أصحاب السهمان المبينة في الكتاب ، وأعطى الجدة السدس من ~~الميراث ولا فرض لها ، وفي ذلك الاتفاق وفيما صير لها من السدس دليل على أن ~~من لا سهم له من القرابة في معناها ، إذا بطلت السهام ، ولم يكن من أهلها ، ~~وأنه أولى بالميراث من الأجنبي . والمروي عن زيد بن ثابت انه جعل الفضل عن ~~سهام الفرائض وكل المال إذا سقطت السهام بعد أهلها لجماعة المسلمين ، ~~فجعلهم كلهم وراثا ، وجعل ما يصير لهم من ذلك في خلاف مال الفيء المصروف ~~إلى PageV01P185 الشحنة وأرزاق المقاتلة وإلى المصالح إذا كان ذلك يكون ، ~~فيما روي عنه ، للناس كافة ، وعددهم لا يحصى ، فغير ممكن أن يقسم ذلك فيهم ~~وهم متفرقون في أقطار الأرض مشارقها ومغاربها . وإذا امتنع ذلك وخرج إلى ما ~~ليس يمكن فسد ، وثبت ما قلناه من قول أكابر الأئمة . وقد تأول بعض ~~المتأولين قول الله تعالى : ' وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ms213 ~~' فقال فيه : كان الناس يتوارثون بالحليف دون القرابة ، فلما أوجب الله ~~المواريث لأهلها من الأقارب منع الحليف بما فرض من السهمان ، فغلطوا وصرفوا ~~حكم الآية إلى الخصوص ، فذلك غير واجب مع عدم الدليل ، لأن مخرجها في السمع ~~مخرج العموم . وبعد ، فلو كان تأويلها ما ذهبوا إليه ، وكانت السهام التي ~~نسخت ما يرثه الحليف قبل نزول الفرائض ، لوجب في بدء ، وما قالوا : إذا كان ~~لا وارث للميت من أصحاب السهام أن يكون الحليفان في التوارث على أول فرضهما ~~وعلى المقدم من حكمهما ، لأن الذي منعهما إذا ثبت هذا التأويل من له سهم ~~دون من لا سهم له . فإذا ارتفع المانع رجع الحكم إلى بدئه . ولا اختلاف بين ~~الفريقين أن الحليف لا يرث الحليف اليوم ، وإن كان لا وارث سواه ، وهذا يدل ~~على فساد تأويلهم ، وعلى أن المراد في الآية التي أوجبت الحق للأقارب غير ~~الذي ذهبوا إليه ، فإن الله سبحانه إنما أراد بمعناها اختصاص القريب بالإرث ~~دون البعيد . وقد يلزم من ذهب إلى الرواية عن زيد وترك الرواية عن عمر وعلي ~~وعبد الله عليهم السلام جانبا ، وأسقط التعاقل بين الأجنبي والقريب أن يجعل ~~ذا الرحم أولى ، لأنه يفضل الأجنبي بالقرابة . وترتيب المواريث في الأصل ~~يجري على تقدم من فضل غيره في المناسبة كالأخ للأب والأم ، والأخ للأب ، ~~وابن العم للأب والأم وابن العم للأب ، وأخصهما قرابة أولاهما بالميراث عند ~~جمع الجميع . قال الله تعالى : ' يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ ~~الأنثيين ' وولد الولد من سفل منهم ومن ارتفع يعمهم هذا الاسم ، إلا أن ~~الأقرب منهم في معنى الآية أحق من الأبعد . فإذا كان ذلك كذلك كان القريب ~~أولى من الأجنبي بالتركة للرحم التي يقرب بها دونه . وبعد ، فإن العلماء ~~نفر يسير لا يعرفون الصواب في هذه المسألة إلا فيما روي عن الخليفتين عمر ~~وعلي صلوات الله عليهما وما روي عن ابن مسعود ، ثم ل يقتصروا في المبالغة ~~والدليل في توريث ذي الرحم إلا على ما روي عن عبد الله بن ms214 العباس جد أمير ~~المؤمنين أطال الله بقاءه وترجمان القرآن ، وبحر العلم ، ومن كان إذا تكلم ~~سكت الناس ، PageV01P186 ومن دعا له النبي صلى الله عليه وسلم فقال : اللهم ~~فقهه في الدين وعلمه التأويل . ودعوة النبي صلى الله عليه وسلم مستجابة ، ~~ومن كان أعلم بتأويل القرآن فاتباعه فيه أوجب . وقد روي عن ابن عباس مثل ~~ذلك من قول عمر وعلي وعبد الله والجماعة ، وما زالت الخلفاء من أجداد أمير ~~المؤمنين أعزه الله يستقضون الحكام فيقضون برد المواريث على الأقارب ، ولا ~~ينكرون ذلك على من قضى به من قضاتهم ، ولا يرونه متجاوزا للحق فيه ، وما ~~عرفت الجماعة بغير هذا الاسم إلا منذ نحو عشرين سنة . وأمير المؤمنين أولى ~~من اتبع آثار السلف ، واقتدى بخلفاء الله ، ومال إلى أفضل المذهبين . وإلى ~~الله الرغبة في عصمة الأمير وتسديده . والحمد لله رب العالمين . وحدث أبو ~~الخصيب كاتب أحمد بن العباس قال : حدثني حامد قال : دخلت إلى عبيد الله بن ~~سليمان وهو وزير المعتضد بالله رحمه الله فوجدته خاليا ، وعنده أبو العباس ~~بن الفرات ، وعبيد الله يعاتبه ، فلم يحتشمني لعلمه بما بيني وبينه ، ~~فسمعته يقول لأبي العباس : ولكنك تميل إلى فلان وفلان وابن بسطام . فقال له ~~: أما فلان أيها الوزير فميلي إليه لأنه أسعفني في وقت نكبتي وعند مصادرتي ~~بخمسين ألف دينار ، ومن عاونني بماله ، وأشركني في حاله ، فقد استحق مني أن ~~أصفيه الود وأخلص العقد . وأما ابن بسطام فرجل كاتب له علي رئاسة ، وحق ~~الرئاسة لا ينسى ودينها لا يقضى . سلمين ، فجعلهم كلهم وراثا ، وجعل ما ~~يصير لهم من ذلك في خلاف مال الفيء المصروف ألى الشحنة وأرزاق المقاتلة ~~وإلى المصالح إذا كان ذلك يكون ، فيما روي عنه ، للناس كافة ، وعددهم لا ~~يحصى ، فغير ممكن أن يقسم ذلك فيهم وهم متفرقون في أقطار الأرض مشارقها ~~ومغاربها . وإذا امتنع ذلك وخرج إلى ما ليس يمكن فسد ، وثبت ما قلناه من ~~قول أكابر الأئمة . وقد تأول بعض المتأولين قول الله تعالى : ' وأولوا ~~الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب ms215 الله ' فقال فيه : كان الناس يتوارثون ~~بالحليف دون القرابة ، فلما أوجب الله المواريث لأهلها من الأقارب منع ~~الحليف بما فرض من السهمان ، فغلطوا وصرفوا حكم الآية إلى الخصوص ، فذلك ~~غير واجب مع عدم الدليل ، لأن مخرجها في السمع مخرج العموم . وبعد ، فلو ~~كان تأويلها ما ذهبوا إليه ، وكانت السهام التي نسخت ما يرثه الحليف قبل ~~نزول الفرائض ، لوجب في بدء ، وما قالوا : إذا كان لا وارث للميت من أصحاب ~~السهام أن يكون الحليفان في التوارث على أول فرضهما وعلى المقدم من حكمهما ~~، لأن الذي منعهما إذا ثبت هذا التأويل من له سهم دون من لا سهم له . فإذا ~~ارتفع المانع رجع الحكم إلى بدئه . ولا اختلاف بين الفريقين أن الحليف لا ~~يرث الحليف اليوم ، وإن كان لا وارث سواه ، وهذا يدل على فساد تأويلهم ، ~~وعلى أن المراد في الآية التي أوجبت الحق للأقارب غير الذي ذهبوا إليه ، ~~فإن الله سبحانه إنما أراد بمعناها اختصاص القريب بالإرث دون البعيد . وقد ~~يلزم من ذهب إلى الرواية عن زيد وترك الرواية عن عمر وعلي وعبد الله عليهم ~~السلام جانبا ، وأسقط التعاقل بين الأجنبي والقريب أن يجعل ذا الرحم أولى ، ~~لأنه يفضل الأجنبي بالقرابة . وترتيب المواريث في الأصل يجري على تقدم من ~~فضل غيره في المناسبة كالأخ للأب والأم ، والأخ للأب ، وابن العم للأب ~~والأم وابن العم للأب ، وأخصهما قرابة أولاهما بالميراث عند جمع الجميع . ~~قال الله تعالى : ' يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ' وولد ~~الولد من سفل منهم ومن ارتفع يعمهم هذا الاسم ، إلا أن الأقرب منهم في معنى ~~الآية أحق من الأبعد . فإذا كان ذلك كذلك كان القريب أولى من الأجنبي ~~بالتركة للرحم التي يقرب بها دونه . وبعد ، فإن العلماء نفر يسير لا يعرفون ~~الصواب في هذه المسألة إلا فيما روي عن الخليفتين عمر وعلي صلوات الله ~~عليهما وما روي عن ابن مسعود ، ثم ل يقتصروا في المبالغة والدليل في توريث ~~ذي الرحم إلا على ما روي عن عبد الله ms216 بن العباس جد أمير المؤمنين أطال الله ~~بقاءه وترجمان القرآن ، وبحر العلم ، ومن كان إذا تكلم سكت الناس ، ومن دعا ~~له النبي صلى الله عليه وسلم فقال : اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل . ~~ودعوة النبي صلى الله عليه وسلم مستجابة ، ومن كان أعلم بتأويل القرآن ~~فاتباعه فيه أوجب . وقد روي عن ابن عباس مثل ذلك من قول عمر وعلي وعبد الله ~~والجماعة ، وما زالت الخلفاء من أجداد أمير المؤمنين أعزه الله يستقضون ~~الحكام فيقضون برد المواريث على الأقارب ، ولا ينكرون ذلك على من قضى به من ~~قضاتهم ، ولا يرونه متجاوزا للحق فيه ، وما عرفت الجماعة بغير هذا الاسم ~~إلا منذ نحو عشرين سنة . وأمير المؤمنين أولى من اتبع آثار السلف ، واقتدى ~~بخلفاء الله ، ومال إلى أفضل المذهبين . وإلى الله الرغبة في عصمة الأمير ~~وتسديده . والحمد لله رب العالمين . وحدث أبو الخصيب كاتب أحمد بن العباس ~~قال : حدثني حامد قال : دخلت إلى عبيد الله بن سليمان وهو وزير المعتضد ~~بالله رحمه الله فوجدته خاليا ، وعنده أبو العباس بن الفرات ، وعبيد الله ~~يعاتبه ، فلم يحتشمني لعلمه بما بيني وبينه ، فسمعته يقول لأبي العباس : ~~ولكنك تميل إلى فلان وفلان وابن بسطام . فقال له : أما فلان أيها الوزير ~~فميلي إليه لأنه أسعفني في وقت نكبتي وعند مصادرتي بخمسين ألف دينار ، ومن ~~عاونني بماله ، وأشركني في حاله ، فقد استحق مني أن أصفيه الود وأخلص العقد ~~. وأما ابن بسطام فرجل كاتب له علي رئاسة ، وحق الرئاسة لا ينسى ودينها لا ~~يقضى . حدث محدث قال : قلت لأبي العباس بن الفرات يوما على شرب وقد رأيته ~~يلعب بالخصوم وأرباب الظلامات لعبا ، فتارة بالحجج الديوانية وتارة بالحجج ~~الفقهية : يا سيدي هل قطعك أحد في مناظرة ؟ فقال أما بالحجة فلا . بل ~~كابرني رجل مرة فحرت في جوابه ، وانقطعت في يده ، وذلك أن محمد بن زكريا ~~المعروف بوزير الإسكافي كان صنيعة لي ، فتولى الضياع بواسط ، وحضر من تكلم ~~عليه وبذل مواقفته على ما فرقه ، فرسم لي عبيد الله بن سليمان مكاتبته ms217 ~~بالحضور ، فقلت له : هذا أعز الله الوزير وقت العمارة ، وإذا أخل العامل ~~بها وقع التقصير فيها ، واحتج علينا بأننا قطعناه بالاستدعاء عنها . قال : ~~فأخره إلى أن يفرغ منها . فأخرته شهورا ، ثم عاود المتظلم منه القول فيما ~~تكلم عليه به ، وأمرني عبيد الله باستدعائه ، فقلت : هذا وقت التقدير ، وبه ~~يحصر الارتفاع . قال : فأخره . فاخرته شهرين ، ثم عاود المتظلم ، وعاودني ~~عبيد الله . فقلت : قد شبهت الغلات إلا بالحزر . فقال المتظلم : كيف تسمح ~~نفس أبي العباس بإحضار من عمر ضياعه وأضاف إليها PageV01P187 خواص السلطان ~~وأملاكه ونقل إليها أكرة الوزير ؟ ! فضياعه كالعرائس المجلوات ، وضياع ~~الوزير كضياع الأرامل والأيتام . قال أبو العباس : وعمل كلامه والله في ~~عبيد الله . فابتدأت أحلف على كذبه واستحالة قوله ، فمنعني وقال : حسبك ~~الآن . وكتب منشورا بخطه بإشخاصه ، وأنفذ به مستحثا ، وحمل وزير ، واعتقله ~~وصادره . وحدث محدث قال : رأيت أبا العباس بن الفرات يناظر شيخا مزينا ~~ببادوريا قد احتال في تخفيف مقاسمة بيدره وقال له : في أية سنة قسم هذا ~~البيدر على ما ادعيته في المعاملة ؟ قال : السنة التي ملكت فيها أيدك الله ~~البيدر الفلاني والبيدر الفلاني . حتى عد عشرة بيادر في عدة طساسيج من خواص ~~السلطان التي استضافها إلى ضياعه . فورد عليه من قوله ما أدهشه وأسكته ، ~~وأمضى مقاسمة بيدره وصرفه . وحدث أبو عبد الله بن الماسح الكاتب قال : ~~حدثني أبو الحسن علي بن عيسى ، وقد جرى ذكر الجهبذة ، وقال : ما أعجب ما ~~جرى في أمرها بنواحي المغرب . وذلك أنها لما صحت في أيام المعتضد بالله ؛ ~~وكتبت لعبيد الله بن سليمان على الديوان ، أمرني أن أعمل عملا بارتفاع ~~الموصل والزابات ، فعلمته وعرضته عليه ، فاعترضه أبو العباس بن الفرات على ~~رسمه في مثل ذلك وما تقتضيه خلافته لعبيد الله ، وقال لي : ما أرى لمال ~~الجهبذة في هذا العمر ذكرا . فقلت له : هذا ما لا أعرفه في أصل ولا مضاف ، ~~فإن يكن من مال السلطان فهو بمنزلة ما يؤخذ من الذيل ويرقع به الجيب ، أو ~~يكن من مال الرعية فهو ظلم ، وطريق ms218 للجهابذة إلى أخذ أموال المعاملين . ~~وهذه نواح افتتحت قريبا ، وسبيلها أن يعامل أهلها بالإنصاف ، وتخفف عنها ~~المؤن لتحلو لهم سياسة السلطان . فقال : هذا باب من أبواب الارتفاع ، ولا ~~يجوز أن يترك ويضاع ، فيلحقنا من السلطان استبطاء وإنكار . وتقدير ما يجب ~~في هذه النواحي من ذلك عشرة آلاف دينار ، فما هو إلا أن سمع الوزير ذكر ~~السلطان وعشرة آلاف دينار تزيد في الارتفاع حتى قال : سبيل هذه النواحي ~~سبيل غيرها من نواحي السواد . فأمسكت ، واستمر بلاء الجهبذة على الناس إلى ~~حين انتهينا . وحدث أبو الحسن بن ماني الكوفي الكاتب قال : حدثني على بن ~~حسين الجهظ كاتب أبي العباس أحمد بن محمد بن ثوابة قال : جرت المناظرة يوما ~~بين أبي العباس بن ثوابة وأبي العباس بن الفرات في حساب PageV01P188 ~~باروسما الأعلى بحضرة عبيد الله بن سليمان . فأقام ابن ثوابة الشاهد على ~~صحة ما رفعه ، والبرهان على عامل ابن الفرات في تأويله . وأخذ ابن الفرات ~~يباهت في نصرة قوله . فقال ابن ثوابة : كيف أنتصف منك يا أبا العباس وأنا ~~أناظرك بالحجة ، وأنت تعارضني بفضل القدرة ، وتزعم أن هذا الوزير أسير في ~~يديك ؟ قال : فنظر عبيد الله إلى من حضر وقال : اشهدوا أنني أسير في يدي كل ~~كاف . قال : يقول ابن ثوابة : قد علمنا . قال : وتظلم أهل السارية من أهل ~~بادوريا إلى المعتضد بالله وحكوا أن أهل سقي الفرات واطئوا العمال ~~والمهندسين على ظلمهم وكتمان ما عندهم في أمر أبواب قنطرة دمما ، ووافقوهم ~~على تضييقها ليتوفر الماء عليهم . فتقدم المعتضد بالله إلى بدر بالخروج مع ~~القاسم بن عبيد الله ومن استنصحه القاسم من أصحاب الدواوين ومشايخ العمال ~~والمهندسين وقضاة الحضرة وطائفة من الشهود وابن حبيب الذراع ومن يختاره من ~~الذراع للوقوف على ما وقعت الظلامة منه ، وكشف الصورة فيه . فخرجا وفي ~~القوم علي وجعفر ابنا الفرات ، ومحمد بن داود بن الجراح وعلي بن عيسى ، ~~وإسماعيل ابن إسحاق وأبو الخازم القاضيان ، وإبراهيم بن عبد الله عامل ~~بادوريا وجماعة من تنائها وشيوخها ، ووصلوا إلى الموضع واستدعوا ms219 الدهاقين ~~بسقي الفرات ، واستقر الأمر على أن ذرع الباب الكبير بذراع السواد ، فكان ~~ستة عشر ذراعا ، وذرعت الأربعة الأبواب الصغار ، فكان كل واحد منها ثمانية ~~أذرع ، وكان مقام الماء على الصب الذي قسمت عليه الأبواب فوق الدكة أربعة ~~أذرع ونصفا في أيام الطنكاب وقلة الماء . وسئل أهل بادوريا عما عندهم ، ~~فأقاموا على أن عرض الباب الكبير خمسة وثلاثون ذراعا ، وقاربوا أهل سقي ~~الفرات في الأبواب الصغار وقالوا : لولا أن سعة الباب ما ذكرنا لما أمكن ~~انحدار زورق في الباب ولا طوف من طواف الزيت والخشب ، وأنكر أهل الأعلى ~~قولهم ، وطالبوهم بالشاهد عليه ، فلم يأتوا به ، واختلفت الأقوال مع ~~الإجماع على أنه فوق العشرين ذراع . فقال أبو الحسن بن الفرات للقاسم بن ~~عبيد الله : قد كثر أيها الوزير الاختلاف والتلاحي والأقاويل والدعاوي ، ~~فليأمر بكتب ما يقوله كل فريق ليتحصل ويعلم ، ولا يقع عنه رجوع من بعد . ~~فأمر بذلك ، وأخذت الخطوط به . ثم قال ابن الفرات : فيسألهم PageV01P189 ~~الوزير : هل كانت قراقير الرمان وأطواف الزيت والخشب تنحدر في الباب أم لا ~~؟ قالوا : بلى . قال : فلينفذ الوزير ثقة من ثقاته مع صاحب للقاضي حتى يذرع ~~عرض قراقير الرمان التي ترد دجلة من هذا الباب . فذرعت عشرة قراقير ، فكانت ~~سعتها ما بين عشرين ذراعا . وكتب بذلك إلى المعتضد بالله ، وأقام القوم ~~بمكانهم إلى أن ورد أمره بأن يجعل الباب الكبير بالذراع السوداء اثنين ~~وعشرين ذراعا ، والأبواب الصغار على رسمها . وحدث محمد قال : كان أبو الحسن ~~بن الفرات يستظهر في نفقات المصالح . ويستكثر من إعداد الآلات على الأماكن ~~التي تخاف الحوادث منها ، فلما ولى علي ابن عيسى العباس بن منصور على ~~المصالح أظهر العفة وقلل النفقة ، ونسب ابن الفرات فيما كان يفعله ألى ~~التفريط والإضاعة . وقدر للنفقة على بزند من بزندات نهر الرفيل ثلاثون ~~دينارا ، فلم يطلقها ، وقال : نفقة هذا البزند واجبة على صاحب الضيعة لأنها ~~قطيعة . فأحدث فعله انفجار البثق المعروف بأبي الأسود في نهر الملك ، فخرج ~~إليه إبراهيم بن عيسى وأنفق عليه سبعمائة ألف ms220 درهم ، وذهب من ارتفاع ~~السلطان ببهرسير والرومقان وإيغار يقطين أضعاف ذلك ، وكثرت البثوق ~~والجبايات في نفقاتها والمضرة بحوادثها . وحدث أبو بكر بن ثوابة قال : سمعت ~~أبا الحسن بن الفرات يقول : حدثني أبو العباس أخي قال : قال لي عبيد الله ~~بن سليمان : قد ألح علي أمير المؤمنين بأن أجعل بالجانب الغربي بإزاء داره ~~ميدانا يكون تكسيره مائتي جريب . فقلت : أعوذ بالله أيها الوزير من ذلك . ~~قال : فإني لا أجترئ على مخالفته ومراجعته . قال له أبو العباس : فإذا عاود ~~فاذكرني له لأعرفه ما في ذلك عليه . فعاود المعتضد بالله عبيد الله بن ~~سليمان وضجر عليه من تأخيره ما أمره به . فقال : يا أمير المؤمنين ، بالباب ~~أحمد بن محمد بن الفرات ، فإذا شرفه أمير المؤمنين بالوصول إلى حضرته ذكر ~~ما عنده في ذلك . فأذن له ، فحضر وسلم وخدم ، فقال له المعتضد بالله : ما ~~عندك ؟ فقال : طساسيج السواد يا أمير المؤمنين أربعة وعشرون طسوجا ، أجلها ~~طسوج بادوريا وهو اثنا عشر رستاقا ، أجلها رستاق الكرخ وهو اثنتا عشرة قرية ~~، وأجلها ما على دجلة ، وكل جريب منه يساوي ألف دينار ، ويغل ألف درهم ، ~~أفيرى أمير المؤمنين إضاعة مائتي ألف دينار يشيع خيرها فيما لا فائدة ~~PageV01P190 فيه ؟ قال : لا والله ، فاطلبوا لنا موضعا آخر . قال : يكون ما ~~بين الحلبة والرحبة . فتقدم بالعمل على ذلك . قال أبو بكر : وسمعت أبا ~~الحسن بن الفرات يقول : أصل العمارة وزيادة الارتفاع حفظ البذور ، ولن يتم ~~ذلك إلا بالعدل . ويقول : الضمان يذهب بالارتفاع كما يذهب الساكن بالعقار . ~~وسمعته يقول : سبيل العامل أن يؤدب على الزيادة في المساحة كما يؤدب على ~~الاقتطاع منها . قال : ووقع يوما بحضرتي إلى بعض العمال وقد رفع إليه صاحب ~~الخبر أنه صفع واحدا من التناء لتقاعده بأداء الخراج : في الحبس للتناء ~~مأدبة ، فلا تعامل بعدها أحدا بهذه المعاملة فأمكنه من الاقتصاص منك . قال ~~: وسمعته يقول : أحسنت إلى بعض الأكرة والمزارعين في ناحية كحلة من طسوج ~~الأنبار بنحو مائة درهم ، فأخلف علينا ذلك عشرة آلاف دينار ، وذلك أنه صار ms221 ~~الرجل المسامح إلى بعض البلدان فذكر أنه أحسن إليه في معاملته بمائة درهم ، ~~فرغب أهل البلد في الانتقال إلى قرى كحلة ، فانتقلوا وعمروا ، وارتفعت في ~~تلك السنة بعشرة آلاف دينار ، ووكيلنا فيها محمود بن صالح . قال أبو بكر : ~~كتبت إلى أبي الحسن بن الفرات أسأله أن يرد إلي شيئا أتولاه وأجعل جاريه ~~لأبي علي أبي . فوقع لي بخطه : وصلت رقعتك جعلني الله فداك ولأاعمال كثيرة ~~، غير أنك تكره القضاء ، والعمالة فلا تدخل فيها ، والحسبة فلا تصلح لك ، ~~والمظالم فتجري مجرى الحكم والذي يصلح لك أن تعقد عليك الغلات في عدة ~~طساسيج تختارها من السواد ، فإن أردت جميع غلات السواد كان ذلك لك مبذولا ، ~~فاعمل على ذلك فأنه أصلح لك وأعود عليك أن شاء الله . وذكر أنه كان بمدينة ~~السلام رجل من أهل الأهواز يتحلى بالقضاء ، وكانت له حال واسعة ونعمة ظاهرة ~~، وعادته جارية بالحيلة على الناس وأخذ أموالهم بالتمويهات والتزويرات . ~~فصار إليه رجل من أهل إسكاف بني الجنيد وسأله أن يسعى له في تقليده ناحية ~~أسماها . فتركه أياما ، ثم دفع إليه كتابا بتقليدها ، وأعلمه مواقفته ~~الوزير أبا الحسن علي بن الفرات على تقدمة خمسين ألف درهم . فأخذ الرجل ~~الكتاب ، وأقرض من بعض التجار المال وسلمه إليه ليحمله إلى الوزير ، ~~PageV01P191 ووداعه إلى البكور إليه في غد ذلك اليوم للقاء الوزير ووداعه ، ~~وفارقه . وغدا إليه على وعده فلم يره ، وخاف أن ينتهي إلى الوزير خبره ~~بالحضرة فينكره ، فدخل إليه وتقدم فقبل يده واستأمره في الخروج . فقال له ~~الوزير : إلى أين ؟ قال إلى حيث قلدتني . قال ما قلدتك شيئا فأخرج الكتب ~~وعرضها عليه فلما قرأها الوزير عجب منها ، وسأل عمن تنجزها له . فأسمى ~~القاضي وأعلمه أنه أخذ منه خمسين ألف درهم باسمه ، فأمر بطلبه فطلب فقيل ~~إنه هرب . فقال الوزير . الحيلة علي تمت . ووقع في الكتب وأمضاها وكتب له ~~بالعوض عن المال وأمره بالنفوذ . وحدث أبو الحسن علي بن جعفر الهمذاني ~~الكاتب قال : لما تقلد أبو الحسن بن الفرات الوزارة حضره من عمال ms222 علي بن ~~عيسى العباس ابن موسى بن المثنى ، وابن أمينة ، وأحمد بن محمد بن سمعون ~~وكان يخلف أبا ياسر على أعمال الأنبار ، وأمر بأن يخرج إليه تقدير الغلات ~~من النواحي التي كانوا يتقلدونها ، وأخرج . ونظر في تقديرات ابن المثنى ، ~~وكان يتولى كوثى ونهر درقيط ، فوجده يعجز نحو ستة آلاف كر بالفالج ، وقال ~~له : من أنت ؟ فقال . العباس بن موسى ابن المثنى من أهل همينيا . فقال ابن ~~الفرات : كان المثنى بندارا ويحلف على الكذب أكثر ممما يحلف على الصدق وقد ~~حلقت نصف لحيته على اقتطاع اقتطعه . ونظر في تقدير أبي ياسر فوجده يعجز ~~اثني عشر ألف كر ، وقال لابن سمعون : من أين أنت ؟ قال : من أهل جرجرايا . ~~فقال . لم أعرف بجرجرايا هذا الاسم ، ولكنك من قرية البرت ، وكان أبوك هرك ~~فلان . ونظر في تقدير ابن أمينة فوجده يعجز ثمانية آلاف كر . فقال : يا أبا ~~الحسن علي بن عيسى ، شغلت نفسك بأخلاق المملكة والنظر في علوفة البط ، ~~والحطيطة من أرزاق الناس وما يجري هذا المجري من الصغائر المستهجنات ، ~~لعمارة بيدر واحد أصلح للسلطان وأعود عليه من توفيرك ما تقربت به إليه . ثم ~~تقدم بمحاسبة الجماعة . # | محمد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان # أبو علي محمد بن عبد الله بن يحيى بن خاقان . كان أبو علي أكبر ولد أبيه ~~، وتقلد بعد وفاته ديوان زمام الخراج والضياع السلطانية PageV01P192 في ~~وزارة الحسن بن مخلد فلما صرف الحسن وتقلد سليمان بن وهب قلده نفقات أبنية ~~المعتمد على الله بالمعشوق في الجانب الغربي الذي من سر من رأى ، ثم صرفه ~~المعتمد فلازم بيته إلى أن تقلد أبو القاسم عبيد الله بن سليمان فرد إليه ~~البريد بكورتي ما سبذان ومهرجا نقذف . وكان أبو القاسم عبد الله ابنه صحب ~~أبا القاسم عبيد الله بن سليمان عند حصوله بالجبل مع بدر المعتضدي فضمه إلى ~~أبي عبد الله محمد بن داود بن الجراح ، وأبو عبد الله يتقلد ديوان الإشراف ~~، فرد إليه الإنشاء فيه ، وولى أبو عبد الله محمد بن داود ms223 ديوان الجيش ~~فنقله إليه ، وأقام أبو علي على البريد وعبد الله ابنه في ديوان الجيش إلى ~~أن تغيرت الأمور في فتنة عبد الله بن المعتز ، وتقلد أبو الحسن ابن الفرات ~~، فخافه أبو علي لشيء أنكره منه ، واستتر عنه ، وأقام على الاستتار والسعي ~~على ابن الفرات ، إلى أن قبض على ابن الفرات وتقررت الوزارة لأبي علي ، ~~وأنفذ إليه من دار السلطان ، وظهر وحضر ومعه إبناه عبد الله وعبد الواحد ~~وذلك في اليوم الرابع من ذي الحجة الذي وقع القبض فيه على ابن الفرات ، ~~ووصل إلى حضرة المقتدر بالله فقدمه وأكرمه وقلده وزارته وتدبير أموره ، ~~وانصرف وعاد من غد وخلع عليه وحمل على فرس بمركب ذهب ، وركب ومعه الحجاب ~~والغلمان والقواد ، وأقطعه المقتدر بالله ما في يد ابن الفرات من الضياع ~~العباسية ، وأجري له خمسة آلاف دينار في كل شهر على رسم ابن الفرات ، ولعبد ~~الله ألف دينار ولعبد الواحد خمسمائة دينار ، ووهب له دار صاعد بن مخلد على ~~دجلة ، وأعطي ورثته شيئا عنها ، وأشهد عليهم بها وعمرها ونزلها . وقلد أبا ~~القاسم عبد الله ابنه العرض على المقتدر بالله وكتابة الأمراء ، وخلع علي ~~عبد الواحد أخيه وعول علي أبي الحسن بن أبي البغل في مناظرة ابن الفرات ~~ومطالبته فاستخرج منه صدرا كبيرا . ثم ورد أبو الهيثم العباس بن محمد بن ~~ثوابة من الموصل ، فولاه ذلك ، فجد أبو الهيثم بأبي الحسن بن الفرات وكتابه ~~وأسبابه وعسفهم ، وزاد في الاستقصاء عليهم ، وإيقاع المكروه بهم حتى حصل ~~منه ومنهم الجملة التي ذكرناها في أخبار ابن الفرات . وتقدم أبو الهيثم عند ~~الوزير أبي علي بهذا الفعل ، فقلده ديوان الدار الكبير ، وبسط يده حتى أمر ~~ونهى ، وعزل وولى ، وغلب على أكثر الأعمال . وكانت فيه سطوة وخشونة جانب ، ~~PageV01P193 فاستجاز لجزف واستعمل العسف ، وقسط على أصحاب الدواوين والقضاة ~~وأسباب السلطان مالا على وجه القرض الذي يسبب لهم عوضه على النواحي ، وصادر ~~قوما من الكتاب منهم المادرائيون ، فلم تقع هذه الأسباب موقعا فيما تدعو ~~إليه الحاجة ، ولا أثرت إلا القباحة ms224 والشناعة . وحول من بيت مال الخاصة إلى ~~بيت مال العامة ألف ألف وستمائة ألف دينار في مدة نظر أبي علي الخاقاني على ~~سبيل القرض ، ولم يؤد من عوض ذلك سوى أربعين ألف دينار . وكان في أبي علي ~~إهمال للأمور واطراح للأعمال وتلون في الأفعال ، فكانت الكتب ترد عليه ~~وتصدر جواباتها عنه من غير أن يقف عليها أو يأمر بشيء فيها ، وإذا أخرجت ~~إليه جوامعها تركها أياما فلم يطالعها ، وربما وردت رسائل بحمول ، وكتب ~~فيها سفاتج بمال فتبقى أياما لا تفض ، وإذا قلد عامل اتبع بمن يعزله قبل ~~وصوله إلى عمله وأتبع الصارف بمن يصرفه . فقيل إنه اجتمع في خان بحلوان ~~سبعة انفس ، وقد قلد كل واحد منهم ماء الكوفة في عشرين يوما . وبالموصل ~~خمسة قد قلدوا قردي وبزبدي ، وأنهم اجتمعوا وتشاركوا ما دفعوا إليه ، وخرج ~~عن أيديهم من نفقاتهم وما بذلوه عن تقليدهم على أن ينالوا من مال العمل ما ~~قدموه وأنفقوه ، واستظهروا لنفوسهم به وخلوا العمل على آخر من ورد الناحية ~~. وكان إذا سئل حاجة دق صدره بيده وقال : نعم وكرامة ، حتى لقب دق صدره ~~بذلك ، وبسط يده وأيدي أولاده وكتابه بالتوقيعات بالصلات والإطلاقات ، ~~والإقطاعات والتسويغات وتخفيف الطسوق والمعاملات ، وأخذ المرافق على إضاعة ~~الحقوق وإسقاط الرسوم ، فسخفت الوزارة وأخلقت الهيبة وزادت الحال ، في ~~إخلال الأعمال ، ووقوف الأموال ، وقصور المواد ، وتضاعف الاستحقاقات ، ~~واشتداد المطالبات ، وشغب الجند شغبا بعد شغب وتسحبوا على السلطان تسحبا ~~بعد تسحب ، وأخرج إليهم من بيت مال الخاصة الشيء بعد الشيء الذي بلغ تلك ~~الجملة المذكورة . حتى إذا انحل النظام وبان الانتشار وتصور المقتدر بالله ~~الصورة فيما تطرق من الوهن على المملكة ، شاور مؤنسا الخادم فيمن يقلده ~~الوزارة . وجاراه ذكر ابن الفرات ، ورده فقال : لم يطل يا أمير المؤمنين ~~العهد بعزله ، وربما ظن الناس وأصحاب الأطراف أن عزله كان طمعا في ماله . ~~وأصحاب الدواوين الذين دبروا الأمور والأعمال منذ أيام المعتضد بالله هم ~~إبنا الفرات ومحمد بن PageV01P194 داود بن الجراح ومحمد بن عبدون وعلي بن ~~عيسى بن ms225 داود بن الجراح ، فأما إبنا الفرات فقد توفي منهما أبو العباس ~~وتقلد الآخر الوزارة وجرب نظره وأثره . وأما محمد بن عبدون ومحمد بن داود ~~فقد مضيا عقب فتنة ابن المعتز ، ولم يبق من الجماعة من هو أسد تصرفا ، وأشد ~~تعففا وأظهر كفاية ، وأكثر أمانة ، من علي بن عيسى . فإن رأى أمير المؤمنين ~~أن يأمر باستقدامه واستخدامه ، لم يعدم إحماد الرأي في بابه . فأمره بإنفاذ ~~يلبق لإحضاره ، ووقف الخاقاني على أمره ورسم له . استدعاؤه واستخلافه على ~~الدواوين . فكتب إلى عج بن عاج بإنفاذه ، ووجه مؤنس يلبق حاجبه ليلقاه ، ~~وتدافع الأمر إلى أن وصل يلبق إلى مكة ، وشهد الموسم مع أبي الحسن علي بن ~~عيسى ، وقضيا حجهما وأقبلا . وعند أبي علي أنه يقدم على القاعدة التي تقررت ~~معه في استخلافه على الدواوين ، ولم يكن ذلك كذلك ، وإنما أريد ليقام مقامه ~~، حتى إذا انكشف له باطن السر في بابه ، توصل إلى إصلاح خواص المقتدر بالله ~~وبطانته ، ونقض ما دبر في أمر علي بن عيسى وتسليمه إليه ، ورتب على ما ظن ~~أنه أخذ بالوثيقة فيه . وورد أبو الحسن علي بن عيسى ابن داود في سحرة اليوم ~~العاشر من المحرم سنة إحدى وثلاثمائة ، ووصل إلى حضرة المقتدر بالله وقت ~~صلاة الصبح . وبكر أبو علي الخاقاني ومعه إبناه إلى الدار على رسمه ، وهو ~~واثق بأن أبا الحسن علي بن عيسى يسلم إليه ، وجلس في المجلس الذي جرت عادته ~~بالجلوس فيه إلى أن يؤذن له في الوصول . وقلد أبو الحسن الوزارة وانصرف إلى ~~داره ، ووكل بأبي علي وابنتيه وابن سعد حاجبه وأبي الهيثم بن ثوابة وجماعة ~~من كتابه ، فكانت مدة نظره سنة واحدة وشهرا وخمسة أيام . ة . حتى إذا انحل ~~النظام وبان الانتشار وتصور المقتدر بالله الصورة فيما تطرق من الوهن على ~~المملكة ، شاور مؤنسا الخادم فيمن يقلده الوزارة . وجاراه ذكر ابن الفرات ، ~~ورده فقال : لم يطل يا أمير المؤمنين العهد بعزله ، وربما ظن الناس وأصحاب ~~الأطراف أن عزله كان طمعا في ماله . وأصحاب الدواوين الذين دبروا ms226 الأمور ~~والأعمال منذ أيام المعتضد بالله هم إبنا الفرات ومحمد بن داود بن الجراح ~~ومحمد بن عبدون وعلي بن عيسى بن داود بن الجراح ، فأما إبنا الفرات فقد ~~توفي منهما أبو العباس وتقلد الآخر الوزارة وجرب نظره وأثره . وأما محمد بن ~~عبدون ومحمد بن داود فقد مضيا عقب فتنة ابن المعتز ، ولم يبق من الجماعة من ~~هو أسد تصرفا ، وأشد تعففا وأظهر كفاية ، وأكثر أمانة ، من علي بن عيسى . ~~فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر باستقدامه واستخدامه ، لم يعدم إحماد الرأي ~~في بابه . فأمره بإنفاذ يلبق لإحضاره ، ووقف الخاقاني على أمره ورسم له . ~~استدعاؤه واستخلافه على الدواوين . فكتب إلى عج بن عاج بإنفاذه ، ووجه مؤنس ~~يلبق حاجبه ليلقاه ، وتدافع الأمر إلى أن وصل يلبق إلى مكة ، وشهد الموسم ~~مع أبي الحسن علي بن عيسى ، وقضيا حجهما وأقبلا . وعند أبي علي أنه يقدم ~~على القاعدة التي تقررت معه في استخلافه على الدواوين ، ولم يكن ذلك كذلك ، ~~وإنما أريد ليقام مقامه ، حتى إذا انكشف له باطن السر في بابه ، توصل إلى ~~إصلاح خواص المقتدر بالله وبطانته ، ونقض ما دبر في أمر علي بن عيسى ~~وتسليمه إليه ، ورتب على ما ظن أنه أخذ بالوثيقة فيه . وورد أبو الحسن علي ~~بن عيسى ابن داود في سحرة اليوم العاشر من المحرم سنة إحدى وثلاثمائة ، ~~ووصل إلى حضرة المقتدر بالله وقت صلاة الصبح . وبكر أبو علي الخاقاني ومعه ~~إبناه إلى الدار على رسمه ، وهو واثق بأن أبا الحسن علي بن عيسى يسلم إليه ~~، وجلس في المجلس الذي جرت عادته بالجلوس فيه إلى أن يؤذن له في الوصول . ~~وقلد أبو الحسن الوزارة وانصرف إلى داره ، ووكل بأبي علي وابنتيه وابن سعد ~~حاجبه وأبي الهيثم بن ثوابة وجماعة من كتابه ، فكانت مدة نظره سنة واحدة ~~وشهرا وخمسة أيام . وحكي أن السبب في تقليد الخاقاني الوزارة أن دستنبوية ~~أم ولد المعتضد بالله قامت بأمره مع المقتدر بالله ، لأنه بذل لها مائة ألف ~~دينار . وبلغ أبا الحسن ابن الفرات ما ms227 هو ساع فيه فهم أن يقبض عليه ، ~~فاستتر وجد ابن الفرات في طلبه ، فنبه على أمره ، وظن أن نفوره منه أفضل ~~فيه عنده ، وأشير عليه بأن يؤمنه ويوليه بعض الدواوين ليزول الخوض في بابه ~~ويختلط بكتابه ، فلم يفعل . فكان أبو علي ينمس على الخدم بالصلاة وإظهار ~~التسنن ، فإذا وافاه خادم برقعة أو رسالة تركه زمنا طويلا إلى أن تتم صلاته ~~، وكان يطيلها ثم يتبعها بالتسبيح ، فيصفونه بالديانة ، ويميلون إليه بهذه ~~الوسيلة . PageV01P195 # | أخبار أبي علي المنثورة # حدث أبو الحسن علي بن هشام قال : حدثني أبو عبد الله الحسن بن علي ~~الباقطاني ، وأبو الفضل بنان بن بنان وعلي بن عيسى الزنداني النصرانيان ~~قالوا : حدثنا أبو علي محمد بن عبيد الله الخاقاني قال : لما تمادت الأيام ~~بما وعدنيه المقتدر بالله من القبض علي أبي الحسن بن الفرات وتقليدي ~~الوزارة استعظم الحال في نكبته وأشفق من حادث يحدث بذاك في دولته ، وعلمت ~~أنه لا ينفع في ذاك ألا إعمال الحيلة . وكنت أتتبع الأخبار في استتاري ~~فجاءتني في بعض الأيام امرأة من عجائزنا وقالت : رأيت الساعة عمارية على ~~بغال ، وجندا وغلمانا يمضون إلى باب الكناس يريدون الكوفة ، وربما كان ذاك ~~لخارجي خرج وفتق حدث . فكتبت إلى أبي عيسى يحيى ابن إبراهيم المالكي أسأله ~~عن هذا الأمر ، وكان ظاهرا متبصرفا ، فأجابني بأن ملاحاة جرت بين هشام بن ~~عبد الله وعبد الله بن جبير كاتبي ابن الفرات فيما يحتاج إليه من الإبل ~~والبقر والغنم للأضاحي في عيد النحر ، ورسوم الأولياء والحواشي . قال أبو ~~الحسن : وكان الرسم جاريا بأن يفرق على القواد والفرسان والغلمان الحجرية ~~والرجالة والخدم والبوابين والفراشين وأصحاب الرسائل والفرانقيين ووجوه ~~الكتاب وأصاغرهم وخزان الدواوين في كل عيد . من شاة إلى عدة بعران ، وتنحر ~~في المصلى سبعون ناقة ويلتزم على ذلك مال جليل ، فأسقطه علي بن عيسى في ~~وزارة حامد ابن العباس واستيلائه على الأمور . قال المالكي : فأشار ابن ~~جبير على ابن الفرات مغايظة لابن الدردي الذي ضمنه إقامة الأضاحي ، وإظهارا ~~لتوفر فيها أن يقلد ذلك ms228 رجلا أسماه ، وكان من أولاد الكتاب متخلفا منزقا ~~فقلده ، وأمره بالخروج إلى الكوفة لتحصيل ما يراد من هذه الأضاحي في فسحة ~~من الوقت ، قال الخاقاني : فتجلف الرجل وخرج بهذا الزي والصفف وترك ~~العمارية فارغة ليبعد عن البلد ثم يركبها وركب الدواب فتأتت لي الحيلة في ~~الحال ، وكتبت رقعة إلى أم موسى القهرمانة أقول فيها قد أحضر ابن الفرات ~~رجلا علويا قريب النسب من صاحب الخال الذي قتله المكتفي بالله ، وعزم على ~~إجلاسه في الخلافة يوم عيد النحر ، والجند والناس PageV01P196 متشاغلون ~~بصلاة العيد ، وإن من الدليل على ذلك إنفاذه عاملا من ثقاته إلى الكوفة ~~ومعه عمارية خرجت فارغة ظاهرا ، لم يخف خبرها لركوب العلوي فيها متخفيا ~~ليحصل بالقرب من بغداد قبل الوقت الذي يفعل فيه ما يفعل قال : وعظمت القصة ~~وقلت . إن لم يعالج ابن الفرات تمت الحيلة الموضوعة . ثم سألتها مطالعة ~~الخليفة والسيدة بذلك ، وكتمانه عن كل أحد بعدهما لئلا ينم الحديث إلى ابن ~~الفرات فيبطل ما رتبه . ففعلت أم موسى ، وأنفذ المقتدر بالله شفيعا خادم ~~السيدة إلى القصر على وجه التصيد حتى عرف خبر العمارية الفارغة ، ورأى زي ~~العامل الذي هو أكثر من عمله . فلم يشك المقتدر بالله في صحة ما ذكرته ، ~~واستظهر بأن شافه مؤنسا وغريبا الخال بذلك ، وكانا عدوي ابن الفرات ومعي في ~~التدبير عليه ، فقالا : هو خبر مستفيض . وقوياه في نفسه ، وقالا له : إن لم ~~تعالجه امتنع من حضور الدار ، واعتصم بمن يساعده من الجيش على كثرتهم . ~~فقبض عليه في يوم الأربعاء الثالث من ذي الحجة من سنة تسع وتسعين ومائتين . ~~قال أبو الحسن بن هشام : فحدثني أبو عبد الله بن عبد الأعلى الإسكافي كاتب ~~نصر القشوري الحاجب قال : كنت بحضرة صاحبي في يوم للعرض على ابن الفرات ، ~~فرأيته قد خاف خوفا شديدا ، فقلت : ما الخبر أيها الأستاذ ؟ قال : ويحك ، ~~جاءني الساعة خادم ممن أعول عليه في مراعاة أخبار الخليفة ، فعرفني أنه ~~شاهده وقد جمع جماعة من خواص خدمه ، وأقامهم حواليه بالسلاح ، وأسبل الستور ~~والستائر في ms229 الدار التي هو وهم فيها ، وهذا لأمر كبير ما أعلم ما هو . فما ~~مضت ساعة حتى وافى أبو الحسن بن الفرات ، وخرج نصر الحاجب فتلقاه على رسمه ~~، ودخل إلى دار الوزارة المرسومة به ، وأنفذ نصر يستأذن في وصوله . فخرجت ~~رسالة الخليفة : بأني في دار خلوة ، فقل له يدخل وحده مع بعض الخدم ، ولا ~~يصحبه منكم أحد ، واحبس أنت القواد واصرفهم ، فليس هو يوم وصول . فدخل ابن ~~الفرات مع الخدم ، وقبض عليه نذير الحرمي وخدم السيدة في طريقه ، وعدلوا به ~~إلى حيث حبسوه فيه ، وعرف نصر الحاجب الحال فأشفق من القبض عليه أو صرفه ، ~~ولم يزل مروعا إلى أن تصرم النهار . فعلمت أن أولئك الخدم أقيموا لخوف ~~المقتدر بالله ألا يتم له القبض عليه ، وأن الجيش ربما هجموا فمنعوا منه . ~~قال أبو الحسن : وكان الرسم إذا دخل الوزير على الخليفة وخدمه ألا يقبض ~~PageV01P197 عليه في ذلك اليوم ، لا في داره ولا منصرفا عن حضرته ، إيجابا ~~لحق الوصول وحرمته ، وإنما يقبض عليه في بعض الممرات عند دخوله من قبل أن ~~تقع عينه عليه . وكان أيضا من الرسم أن يكون للوزير دار مفردة في دار ~~الخلافة يجلس فيها وينظر ، منذ أيام صاعد وإلى أيام الخاقاني الأكبر ، ~~ويجلس الخواص والحواشي بين يديه . فلما ولي الخاقاني صارفا لابن الفرات جلس ~~في دار الحاجب متقربا إليه ومداريا له ، وفعل علي بن عيسى بعده مثل فعله . ~~فلما عاد أبو الحسن بن الفرات إلى الوزارة عاد إلى الدار الأولى المفردة ، ~~وشق ذاك على الحاشية ، وتقلد حامد فجلس في دار الحجبة ، ورجع ابن الفرات في ~~الدفعة الثالثة فرجع إلى الدار القديمة ، ثم بطل الجلوس فيها بعده . وحدث ~~أبو عيسى أخو أبي صخرة قال : كان أبو علي الخاقاني يتهمني بمودة أبي الحسين ~~بن أبي البغل . فلما استدعي وقرب من بغداد خرجت إليه وتلقيته ، وثقل ذاك ~~على أبي علي ، وأرجف الناس به ، وبأنه أقيم بلغة إلى أن يرد أبو الحسن . ~~وكان أبو الحسن أخو أبي الحسين قد تقلد مناظرة أبي الحسن ms230 بن الفرات وأسبابه ~~في دار السلطان ، وإثارة ودائعهم ، بعناية أم موسى وقيامها بأمره ، سعت أم ~~موسى وابن الحواري في تقليد أبي الحسين ابن أبي البغل . وقد كان ظهر من ~~اختلال نظر الخاقاني وسوء تدبيره ووقوف الأمر على يده ما دعا إلى صرفه قبل ~~تطاول المدة . وعرف الخاقاني ما يجري الخوض فيه ، فتوصل إلى فسخه بحيلة ~~عملها ، وذاك أنه قال لأبي القاسم ابنه : ادع دعوة اجمع فيها أصحاب ~~الدواوين ووجوه القواد وإخوتك وكتابنا ، فإن لذة الوزارة في ظهور الرئاسة ، ~~وإلا فما الفرق بين العمل والعطلة ؟ فقال : السمع والطاعة . وعين له في ذلك ~~على يوم سبت لأنه لا موكب فيه ، ودعا الجماعة فلما حصلوا عند أبي القاسم ~~ابنه وقد كتم رأيه فيما هو مدبره عنه وعن كل أحد مضى وقت العصر من ذلك ~~اليوم إلى دار الخلافة وقال لنصر الحاجب : استأذن لي على أمير المؤمنين ~~لأجاريه مهما لا يحتمل تأخر وقوفه عليه ، فذكر نصر ذلك للمقتدر بالله ، ~~فقلق وخاف من حدوث حادث عظيم ، فأوصله . فلما دخل إليه ودنا منه قال : ها ~~هنا مهم لا يجوز أن يحضره أحد ، فانصرف نصر الحاجب وسائر من في المجلس حتى ~~بقيا خاليين ، ثم قال له الخاقاني : قد رفعتني يا أمير المؤمنين بعد ذلة ~~وأغنيتني بعد قلة ، وما قصرت في خدمتك ، ولا قعدت عن ممكن في تمشية أمور ~~دولتك ، وفيما بان من اجتهادي أخذي من أموال ابن الفرات ما مبلغه ألفا ألف ~~دينار وكسر سوى الأمتعة الجليلة . وما أدفع أني لست كهوفي الكفاية لطول ~~عطلتي ودربته ، واعتزالي وتصرفه ، ولكنني مأمون على أيامك ، ومعتقد لامامتك ~~وهؤلاء الرافضة كلهم أعداؤك ، ورأيهم مع الطالبيين لا معك ولا مع آبائك . ~~وقد وفر الله عليك من ارتفاع ضياع ابن الفرات ما قدره ألف ألف دينار في ~~السنة ، وليس يبلغ أثر تقصيري في تدبيري على ما يقال لك هذا القدر ، ~~PageV01P198 فكيف وليس الأمر على ما يدعي ؟ ! وما استعنت إلا بالكفاة الذين ~~كانوا يعملون مع عبيد الله بن سليمان والقاسم ابنه ، وابن الفرات بعدهما ms231 ، ~~والأمور منتظمة بهم ، وقد أمنت بذلك عدوا يسعى على أصول الدولة . ولعمري إن ~~ولدي وحاشيتي قد مدوا أيديهم إلى قبول هدايا العمال ومرافقهم لأنهم كانوا ~~فقراء ، وعقيب محنة طويلة وعطلة متصلة ، لكننا ما أخذنا حبة واحدة من ~~الأصول ، وقد غنينا الآن بما حصل لنا وبل أحوالنا ، وسأحلف آنفا على ~~استئناف الأمانة ، واستعمال النزاهة ، وأضبط أولادي وأصحابي عن أخذ درهم ~~واحد . وابن أبي البغل أعظم عداوة لمولانا من ابن الفرات ، لأنه رجل ملحد ، ~~يبطل الإسلام والنبوة ، ويلهو بالقرآن ، ويدعي الخطأ فيه ، وقد أخرج عيوبه ~~وصنف فيه كتابا ، فكيف يوثق بمن هذه حاله عل الخدمة وقد ضافره جماعة من ~~عمالي على أمره ، وتربصوا بما قبلهم من الأموال توقعا لأيامه . وقد بلغني ~~اليوم أنه قال لثقاته : إن أمير المؤمنين قد أنفذ إليه على يد فرج ~~النصرانية صاحبة أم موسى خاتمه ، وجعله على ثقة من تقليده في يوم الموكب ~~الأدنى فإن كان ذلك حقا فقد حضرت دار أمير المؤمنين بعد أن جمعت عند ابني ~~جميع أولادي وأقاربي وكتابي وأصحابي ، ولم أطلعهم على أمري ، فإن أراد ~~مولانا وهم بالقبض عليهم فنحن في يده ، فيأمر بإنفاذ من يتسلم الجماعة بعد ~~أن تحرس نفوسنا بكوننا عنده . فقد يجوز أن نستخدم في كتابة السيدة والأمراء ~~ولا نخرج عن الجملة . وأن يفضل مولانا بإتمام صنيعته ، وتمكيني من هذا ~~الملحد ابن أبي البغل الذي أبعده الوزراء قبلي لشره ، وطردوه من الحضرة ~~لقبح فعله ، وكانوا أعرف به مني أثرت من جهته وجهة أخيه مالا كثيرا ، أذ ~~كان أخوه قد اقتطع من مال ابن الفرات الذي تولى إثارته صدرا كبيرا . وبكى ~~ورقق المقتدر بالله ، وأطمعه ، فرق له ورحمه ، وتوقف عن أمر ابن أبي البغل ~~، وقال للخاقاني : ما أردت صرفك ، ولو كنت أردته لزلت عنه الآن مع سماعي ما ~~سمعته منك ، وقد أطلقت يدك في ابن أبي البغل وأخيه ، فاقبض عليهما وأبعدهما ~~. فقال : يا أمير المؤمنين كانت أم موسى سعت لي في هذا الأمر ، وقد تغيرت ~~علي ، وعدلت عني إلى السعي لابن أبي ms232 البغل والقيام بأمره ، وأخاف أن يفسد ~~قلب السيدة فتثنيك عن هذا الرأي فأهلك أنا . بأمره ، وأخاف أن يفسد قلب ~~السيدة فتثنيك عن هذا الرأي فأهلك أنا . فعاهده ألا يطلع السيدة ولا غيرها ~~على ما جرى بينهما إلى أن يتم القبض عليه ، فقال له الخاقاني : فيظهر أمير ~~المؤمنين أني حضرت لأجل كذا وكذا ، لحديث علمه من أمور الأطراف . ~~PageV01P199 وخرج الخاقاني فجلس في دار الحجبة ، وكتب بخطه إلى أبي الحسن ~~ابن أبي البغل : إن أمير المؤمنين قد طلب مني عملا لما صح من أموال ابن ~~الفرات وأسبابه فحضره الساعة ، فإني مقيم في الدار أنتظرك . فما بعد أن ~~وافي ابن أبي البغل ، فقال له الخاقاني : قد جرى بيني وبين أمير المؤمنين ~~في أمر أخيك ما لو توليته لما زدت علي فيه ، وقررت معه تقليده أصول دواوين ~~السواد والمشرق والمغرب ، ليكون هو على الأصول ، وأبو بكر محمد ابن علي ~~المادرائي على الأزمة ، وأتشاغل أنا بالخدمة ، وتزول هذه الأراجيف الواقعة ~~، ونكون يدا واحدة في إثارة الأموال وتسديد الأحوال . فشكره ابن أبي البغل ~~على ذلك ، وظن أنه شيء قرره الخليفة وأمر به ليجعله طرفا إلى ما اعتقده ، ~~وسببا لسكون الخاقاني وألا يستوحش من الأقوال التي تقال في الإرجاف به ، ~~وأن الخاقاني أدعى من ذاك ما ادعاه لنفسه تجملا وتمننا عليه بما لا صنع له ~~فيه . وأمره الخاقاني بمكاتبة أخيه بأن يسبقه إلى داره ليوقع له بما رسمه ~~أمير المؤمنين ويتسلم الدواوين . وكتب ابن أبي البغل إلى أخيه بالصورة وبما ~~حسبه فيها وقدره . فبادر دار الخاقاني وتأخر الخاقاني في دار الخلافة إلى ~~وقت صلاة المغرب ، ثم انصرف ليلا ، فساعة رأى ابن أبي البغل حاصلا وقد صعد ~~أخوه معه قبض عليهما ، وأنزلهما في زورق مطبق ، ووكل بهما ثقاته وحدرهما ~~إلى واسط لينفيهما منها إلى حيث يتقرر رأيه عليه . وعرفت السيدة وأم موسى ~~ما جرى ، فقامت القيامة عليهما ، وخاطبتا المقتدر بالله فيه فقال . أنا ~~أمرت به ، ولا يجوز فسخه مع وقوعه ، فكانت غاية ما عندهما أن سألاه مراسلة ~~الخاقاني ms233 بألا يصادرهما وأن يقلدهما بعض الأعمال لينفذ إليهما . ووجهت أم ~~موسى بأخيها وابن الحواري إليه ، فما برحا حتى قلد أبا الحسين أصبهان وأبا ~~الحسن الصلح والمبارك وكتب بإطلاقهما وإنفاذهما إلى أعمالهما . وحدث أبو ~~بكر الزهري الأصبهاني الكاتب قال : لما تقلد القاسم بن محمد الكرخي أصبهان ~~، وقبض علي أبي الحسين بن أبي البغل ، أقام في حبسه إلى أن تقلد الأهواز ~~وحمله معه ، ومات القاسم وتقلد أبو عبد الله ابنه موضعه . وكتب أبو الحسين ~~بن أبي البغل من الحبس إلى أم موسى القهرمانة بالشروع له في الوزارة ، وبذل ~~البذول الكثيرة ، PageV01P200 فقامت أم موسى بأمره وقررته مع المقتدر بالله ~~والسيدة ، وكتبت إليه بذلك ، وبأن الخليفة قد أمر بمكاتبتك بالإصعاد ~~ليستوزرك . فلما قرأ كتابهما لم ينتظر ورود كتاب السلطان ، وخرج من الحجرة ~~التي كان معتقلا فيها ، فقال له الموكلون به : إلى أين ؟ فانترهم وشتمهم ، ~~وأظهر الكتاب ، ورأى بغلا مسرجا لأبي عبد الله بن القاسم ، فركبه يريد ~~الدار التي فيها رجاله وغلمانه . وعرف أبو عبد الله خبره ، فخرج حافيا حتى ~~لحقه وقد وضع رجله في الركاب ، فقال له : عرف الله الوزير البركة ، وخار له ~~فيه . فقبل ذلك منه ، ثم قال أبو عبد الله : ما ورد عللي الكتاب بشيء من ~~هذا . أفأكتب إلى بغداد بما فعله الوزير من خروجه عن محبسه ، وركوبه من غير ~~أمر ورد في بابه ، واحتجاجه بكتاب القهرمانة ؟ فقال له : اكتب ما شئت . ~~فوافى إلى داره واستأجر سفنا ، وسار من يومه عن الأهواز يريد الحضرة . وكتب ~~أبو عبد الله إلى الوزير الخاقاني بالصورة ، فركب إلى المقتدر بالله ، ودخل ~~إليه وحل سيفه ومنطقته بين يديه ، وقبل الأرض وبكى ، وأذكره بخدمته وحرمته ~~، وحقوق أسلافه على أسلافه ، بعد أن عرفه حال ابن أبي البغل ، وما أظهره ~~بالأهواز ، وما فعله ، وبذل له أن يقوم بكثير مما بذله ابن أبي البغل ، ~~واستحيا المقتدر بالله ، ورق لقوله وبكائه ، وغاظته عجلة أبي الحسين بن أبي ~~البغل ، ومبادرته إلى الإصعاد قبل ورود أمره عليه بذلك ، فأمره برده من ~~الطريق وترك الفسحة ms234 له في الورود . وعرفت أم موسى ما جرى ، فقامت عليها ~~القيامة منه ، وراجعت الخليفة ، وأذكرته بما قررته معه ، فامتنع عليها من ~~استيزاره ، وأجابها إلى تعويضه من ذلك ، وإخراجه ، من النكبة ، ورده إلى ~~أصبهان ، وكتب له بتقليد هذه الناحية ، ورسم له الرجوع من حيث يلقاه الكتاب ~~فيه ، وألا يتمم إلى الحضرة . فاتفق أن وصل الكتاب إليه وقد حصل بجرجرايا ، ~~فعاد مغموما وتوجه إلى أصبهان . بهان . قال أبو بكر الزهري : ولما وردها ، ~~نزل بظاهرها في بستان يسمى مابان ، وخرج الناس لاستقباله ، ودخلت إليه ، ~~وجلست عنده . فلما خلا قال أعطني ذلك التقويم ، وأومأ إلى تقويم في زواية ~~المجلس ، فجئته به . فكتب على ظهره بيتين لنفسه وأنشدنيهما ، فسمعتهما منه ~~وهما : ولي همة تعلو السماكين رفعة . . . وتسمو إلى الأمر الذي هو أشرف ~~وجدي عثور كلما رمت نهضة . . . تقاعد بي يغتالني ليس ينصف وله في هذا ~~المعنى لما انتقض أمره في الوزارة : أمل كان كضوء ال . . . شمس في بعد ~~المكان PageV01P201 فإذا صار على قر . . . ب بلمس وعيان استردته يد الده . ~~. . ر فعدنا في الأماني ولأبي سعيد عبد الرحمن بن أحمد الأصبهاني الكاتب ~~إلى أبي الحسين ابن أبي البغل في هذا المعنى من قصيدة أولها يقول فيها : ~~نضا شيبه من جدة اللهو ما نضا . . . وعوضه ثوب النهى فتعوضا أقول وقد شمت ~~البروق فلم أجد . . . كبرق بدا من أصبهان فأومضا سقى الرائح الغادي بلادا ~~رفضتها . . . ولم تك لولا أن نبت بي لترفضا وهل هي إلا موطن لي محبب . . . ~~إلي أعادته الخطوب مبغضا ولما تولاها الأغر محمد . . . حدا ذكره شوقي إليه ~~فأومضا كأني بذاك الصقع قد حله أبو ال . . . حسين فجادته يداه فروضا فألبس ~~فيه الأمن من كان خائفا . . . وحكم في الإثراء من كان منفضا وأصلح ملتاثا ~~هناك بعزمه . . . وقوم معوجا وذلل ريضا وجازى بإحسان مسيئا ومحسنا . . . ~~وكل امريء يقضي الذي حيث أقرضا وفيها يذكر الوزارة : ووالله ما أدري أرأيك ~~تنتضي . . . أم القدر الماضي إذا الخطب أجهضا ومعرضة عن خاطبيها تبرجت . . ~~. إليك على قصد فألفتك معرضا رأت منكرا في ms235 الرأي أن رأب الثأي . . . سواك ~~امرؤ أو أن يمر فينقضا فجاءتك تخطو العز ممن تعرضوا . . . لها ، وهي لا ~~تألوك منها تعرضا تجوب إليك البر والبحر والورى . . . يحثونها لما رأوك لها ~~رضا فحاطك عنها الله علما بأنها . . . مدى غاية إما انتهى فقد انقضى وردك ~~صونا للمكارم والعلى . . . إلى منهج لا نبتغي عنه مدحضا وليس بمغبوط أخو ~~الرتبة التي . . . إذا زل عنها قيس شبر فقد قضى PageV01P202 ولو كنت قد ~~حملت أعباء ثقلها . . . لحملت وزرا يترك الظهر منقضا أعيذك والراجون طرا من ~~التي . . . تكون بها للنائبات معرضا وهنئت أغباب الزمان بثابت . . . من ~~العز والسلطان لن يتقوضا فإنك لم تحبس لسوء ولم تضم . . . ولم تلف في تلك ~~المقامات مدحضا وما كان يدعي ذلك المجلس الذي . . . تبوأته إلا عرينا ~~ومربضا وما كنت إلا السيف يرهب مغمدا . . . وإن كان محصورا ويقطع منتضى ~~محمد يا حلف الندا يا بن أحمد . . . نداء امريء أضحى إليك مفوضا أترضى ~~ببعدي عن ذراك فما أرى . . . وراءك لي عيشا وإن كان مرتضى فداؤك نفسي كم يد ~~بعدها يد . . . جبرت بها عظمي وكان مهيضا أياد نمى طولا وعرضا غراسها . . . ~~تحق لشكري أن يطول ويعرضا وله إليه في هذا المعنى من قصيدة : أرادوا له ما ~~لم يرده لنفسه . . . لكى يدركوا عزا وفضل ثراء وأفضل من نيل الوزارة لامريء ~~. . . بقاء يريه مصرع الوزراء ولا سيما من كان مستوجبا لها . . . وإن عاقه ~~عنها اعتلال قضاء ومن قد رأينا بالخلافة فاقة . . . إلى مثله من راشدي ~~الخلفاء ومن هو معلوم بأن وفاءه . . . بها لو يليها فوق كل وفاء أريد له ~~طول البقاء وقلما . . . رأيت وزيرا نال طول بقاء وذكر أبو الحسن ثابت بن ~~سنان قال : لما ظهر من الاختلال في أيام الخاقاني ما ظهر ، كتب أبو محمد ~~الحسن بن روح إلى المقتدر بالله رقعة يضمن فيها الخاقاني وأسبابه بما يعجل ~~منه خمسمائة ألف دينار ويقول : أنا أقتصر على الوزارة ، وتكون الدواوين إلى ~~علي بن عيسى ، فتمشي الأمور ، وتستقيم الأعمال . وسلم الرقعة إلى أم موسى ~~القهرمانة لتوصلها ، وتحرز الأمر ms236 في مضمونها . فسلمتها أم موسى إلى ~~الخاقاني ، فأنفذ إلى منزل ابن روح وكبسه ، وقبض عليه وحبسه ، وصرفه عن ~~ديوان ضياع الخاصة . PageV01P203 وحكى أبو عبد الله أحمد بن محمد الكاتب ~~قال : قلت للوزير أبي علي محمد ابن عبيد الله الخاقاني في كلام جرى : ~~العادة طبيعة ثابتة . فقال لي : يا أبا عبد الله ، هذا تصحيف ، إنما هو : ~~العادة طبيعة ثانية . وذكر أبو علي عبد الرحمن بن عيسى أن أبا علي كان لين ~~العريكة ، قليل البصيرة ، لا يدفع عن شيء يخاطب فيه ، ولا يتصور عواقب ~~الأمور فيما يكون منه فانبسطت العامة عليه فضلا عن الخاصة ، ولقب بدق صدره ~~، ووقع بكل سؤال وإنفاذ لكل محال . قال عبد الرحمن : فحدثني سبك المفلحي أن ~~أحد القواد الأصاغر سأل أبا علي الخاقاني أمرا فقال : اكتب رقعة حتى أوقع ~~لك فيها . فأحضر بياضا وقال : يوقع الوزير في آخره بالإجابة إلى المسؤول ~~لأكتب العرض بعد ذلك . فوقع له بذلك . وحكي عبد الرحمن أيضا : أن نصر بن ~~الفتح كاتب مؤنس الخادم تأخر عن أبي علي الخاقاني ، وجاءه ، فسأله عن سبب ~~تأخره ، فاعتذر إليه بعلة بنت له عزيزة عليه . فاتفق أن انصرف من عنده ، ~~وعرض عليه صك عليه لبعض الوجوه بمال اطلق له ، فوقع إليه : أطلق أكرمك الله ~~ذلك وعرفني خبر الصبية إن شاء الله . وذكر عبد الرحمن عن سبك المفلحي : أنه ~~سأله إثبات راجل معه بأربعة دنانير في المشاهرة . فقال : أربعة دنانير ! ~~وكررها ، وما زال يحسبها حتى صارت ثمانية وأربعين دينارا في السنة . ثم وقع ~~بإجراء ثمانية وأربعين في المشاهرة . وحدث أبو الفرج السلمي الكاتب قال : ~~حدثني أبو العباس ابن النفاط قال : حدثني أبو عبد الله بن أبي العلاء ~~الكاتب قال : كنت بحضرة الخاقاني وقد عرض عليه كتاب كتب من الديوان إلى ~~عامل النيل بحمل غلة كانت حاصلة قبله وأنكر عليه تأخيرها ، فوقع إليه في ~~الكتاب : احمل الغلة ، وأزح العلة ، ولا تجلس متودعا في الكلة . قال : ثم ~~التفت إلي وقال : يا أبا عبد الله ، في النيل بق يحتاج إلي كلل ms237 ؟ فقلت : إي ~~والله وأي بق ومن أجله يلزم الناس الكلل نهارا وليلا . قال : فسر وقال : ~~نحمد الله على حسن التوفيق . ونفعني ذلك عنده . ووقع في كتاب إلى بعض ~~العمال وكان مستزيدا له : الزم وفقك الله المنهاج ، واحمل ما أمكن من ~~الدجاج ، إن شاء الله . قال : فحمل العامل دجاجا كثيرا على سبيل الهدية . ~~فقال : هذا دجاج وفرته بركة السجع . وتقدم بأن يباع ويورد ثمنه في الحساب ، ~~فأورد منسوبا إلى ثمن دجاج السجع . PageV01P204 قال : وسأله رجل كتاب شفاعة ~~إلى أم موسى القهرمانة ، فكتب له ، وعنونه : لأبي موسى . قال : وكان لها أخ ~~يجلس فيلقاه الناس وأصحاب الحوائج ليأخذ رقاعهم وقصصهم إليها . فلما دفع ~~إليه ذلك المستشفع الكتاب نظر إلى عنوانه وضحك وقال له : احمله إلى صاحبه . ~~قال : وأين منزله ؟ قال : في مقابر الخيرزان . قال : أحمله إلى أهل القبور ~~؟ قال : فإذا كان ذلك إلى أهل القبور ، تحمله إلى سكان الدور ؟ وأخذ الكتاب ~~منه وشاع خبره . ومن أحاديث الخاقاني المشهورة أن أبا الحسن علي بن عيسى ~~جلس معه يوما في طياره ، وأراد الخاقاني أن يحييه بتفاحة كانت في يده ، وهم ~~أن يبصق في الماء ، فبصق في وجه علي بن عيسى ، ورمي بالتفاحة إلى الماء . ~~وقال : إنا لله ، غلطنا . فقال : علي ابن عيسى : إنا لله ثلطنا . ومن ~~أحاديثه أيضا أنه مر في طياره منصرفا من دار السلطان عند صلاة المغرب ، ~~فرأى ملاحين يصلون في مسجد على دجلة بمشرعة القصب ، فقدم وصعد وصلى معهم ~~وكان صائما . فأنفذت إليه بدعة الكبيرة ماء مثلوجا ليفطر عليه ، فرده وشرب ~~ماء حارا من دجلة . وقيل : إنه كان يدخل إليه الرجل الذي قد عرفه طويلا ~~فيسلم عليه ويسأل عنه ، فيقول أو يقال له : هذا فلان ، أو إنه فلان . ثم ~~يلقاه بعد يوم فتكون حاله معه مثل الحال الأولى . وحدث أبو الحسين علي بن ~~هشام قال : سمعت أبي وأبا إسحاق وإبراهيم بن عيسى بن داود بن الجراح وأبا ~~القاسم سليمان بن الحسن يحدثون ، قالوا : لما تقلد أبو الحسن علي بن عيسى ~~الوزارة صارفا ms238 للخاقانى عنها ، وجد في أيدي القواد والحاشية والرعية ~~توقيعات كثيرة بخطه وخط عبد الله وعبد الواحد ابنيه ، ومحمد وأحمد ابني ~~سعيد حاجبه ، وبنان بن بنان ويحيى بن إبراهيم المالكي وعلي بن عيسى ~~الزنداني ، كتابه ، في فك وإثبات وتقرير وإيجاب ومظالم وتسويغات وإقطاعات ~~ومقاطعات مما مثله يأتي على ارتفاع المملكة . وقد كان الخاقاني أذن لهذه ~~الجماعة في التوقيع عنه بكل ما رأوه ، وكانوا على فاقة وضغطة وخروج من نكبة ~~وعطلة ، وغرضهم الارتفاق وأخذ ما لاح ، وأغلظ الأمر وكثر الحرج . وتأمل علي ~~بن عيسى هذه التوقيعات ، فأسقطها ، وكان منها ما ثبت في الدواوين وما لم ~~يثبت ، وعمل على إعلام المقتدر بالله ما على الملك وبيت المال من الوهن ~~والنقص بإمضائها واستئذانه في ردها وإبطالها . PageV01P205 قال هشام : وكنت ~~متحققا به إذ ذاك فقلت : لا تفعل فإن الخليفة على ما تعرفه من التدبر بآراء ~~النساء ، والقبول من الحاشية ، وأكثر هذه التوقيعات لهم وللمتعلقين عليهم ، ~~وللملتجئين إليهم ، فاعدل إلى أن تنظر ما قد أنشيء الكتاب به من ديوان ~~الدار إلى أصحاب الدار فتمضيه ، وما كان بخلاف ذلك أبطلته ، فإنك تمضي ~~القليل وتبطل الكثير ، وتأمن عداوة الناس ، ومتى استأذنت الخليفة لم تأمن ~~أن يأمرك بإمضاء الكل فتقع في الطويل العريض . فلم يقبل ، ومضى فطالع ~~المقتدر بالله بالصورة ، واستأمره في إسقاط التوقيعات ، وقد كان الحواشي ~~سبقوا إليه بالشكوى ، فقال له : ارجع إلى الخاقاني وابنه فما عرفاك أنه ~~بتوقيعهما أمضيته ، وما كان بتوقيع أصحابهما رددته فأمر علي ابن عيسى أصحاب ~~الدواوين بجمع الرقاع ، فجمعت في أيام ، وأنفذها إلى الخاقاني وابنه مع ~~إبراهيم بن أيوب كاتب حضرته وابن الماسح ليعرضاها عليهما ، ويسألاهما عنها ~~. فلما دخلا على الخاقاني وابنه وجدا الخاقاني قائما يصلي صلاة الضحى وكان ~~يطيلها وابنه عنده جالسا فعدلا إليه ، وأديا الرسالة ، وأعطياه الرقاع على ~~حكم ما كان عليه من الاستبداد بالأمور في خلافته لأبيه . فأخذ يتأملها ~~ويميزها ، ويفرد الأقل ويطرح الأكثر ، ولحظه أبوه ، فخفف الصلاة ثم صاح ~~عليه وقال له : أفسدت أمري في نظري ، وتريد أن تفسده ms239 في حبسي ! وأقبل على ~~الرسولين وقال لهما : ما أحسنتما الفعل . فإنكما أنفذتما إلي فعدلتما إلى ~~ولدي عني ، وإنما كان خليفتي . فقاما إليه وعرفاه ما حضرا فيه . وأقرآه ~~الرقاع . فجعل يتأمل التوقيعات خاصة ، حتى إذا استوفى النظر فيها قال لهما ~~: قولا للوزير أيده الله هذه التوقيعات صحيحة ، وما وقع بها إلا بإذني ، ~~فإنه ما كان أحد من كتابي يقدم على أن يوقع عني بما لا أعلمه ولا أرسمه ، ~~والذي فعلته هو ما رأيته صلاحا لنفسي وخدمة للخليفة أطال الله بقاءه في ~~استمالة قلوب حاشيته ورعيته ، واستخلاص نيتهم في موالاته وطاعته ، والأمر ~~الآن إليك فافعل ما تراه . قال : فقاما وعادا إلى علي بن عيسى ، وأعادا ~~عليه قوله : فقامت قيامته منه ، واضطر إلى إمضاء الأكثر ، وإسقاط من استضعف ~~صاحبه واستلان جانبه ، ولم تكن له جهة تشفع في بابه . وعرف الحاشية ذلك ، ~~وشكروا الخاقاني وتعصبوا له ، وقاموا بأمره مع المقتدر بالله حتى قررت ~~مصادرته وأطلق بعد أربعة أشهر . وقال الخاقاني لابنه بعد انصراف ابن أيوب ~~وابن الماسح : أردت يا بني أن تبعضنا PageV01P206 إلى الناس بغير فائدة ، ~~ويكون أبو الحسن علي بن عيسى قد لقط الشوك بأيدينا ! نحن قد صرفنا ، لم لا ~~نتحبب إلى الخاصة والعامة بإمضاء ما زوروه علينا ؟ فإن أمضاه كان الحمد لنا ~~والثقل عليه ، وإن أبطله كان الحمد لنا والذم عليه . وقد كان الخاقاني ~~متخلفا عاميا إلا أنه كان خبيثا داهيا ، ولم يكن له إلا هذه الأفعال ~~الثلاثة : في أمر ابن الفرات ، وأمر ابن أبي البغل ، وتلافي الحاشية بعد ~~النكبة . وقد حفظ من سقطاته وحكاياته ما كان أعداؤه يشنعون عليه به . وقد ~~أوردنا ما سمعناه وتأدى إلينا منه . # | علي بن عيسى بن داود بن الجراح # أبو الحسن علي بن عيسى بن داود بن الجراح وأبو الحسن من أهل ديرقني ، ~~ومولده يوم الجمعة لثمان خلون من جمادي الأولى سنة خمس وأربعين ومائتين ، ~~والطالع العقرب بد والرأس فيه ح د والقمر في القوس ط لح والمشتري راجع في ~~الدلو كا ، يد ، والذنب في الثور ms240 ح د ، والشمس في الأسد يوح ، وزحل فيه بط ~~لا ، وعطارد في السنبلة ا يه ، والزهرة فيه كط والمريخ في الميزان دلح . ~~وكتب في الدواوين ، وتقلد كثيرا منها رئاسة . وقد مضى من ذكره في أخبار أبي ~~الحسن بن الفرات ما لا حاجة بنا فيه إلى الإعادة . ولما أشار مؤنس ~~باستدعائه من مكة ، وتقليده الوزارة ، وأنفذ يلبق الاستقدامه إلى الحضرة ، ~~ورد في اليوم العاشر من المحرم سنة إحدى وثلاثمائة . ووصل إلى حضرة المقتدر ~~بالله ، وخاطبه بما أراد خطابه به ، وقلده وزارته وتدبير أمره . وخرج أبو ~~الحسن ومؤنس معه وأبو علي الخاقاني جالس في المجلس الذي كان يجلس فيه قبل ~~الوصول إلى الخليفة وقال للحجاب وخواص الغلمان : اتبعوا الوزير وامشوا بين ~~يديه . فارتاع أبو علي وقال : من الوزير ؟ فقال له مؤنس : أبو الحسن علي بن ~~عيسى . فقال أبو علي : الله الله يا أبا الحسن في دمي ، فإنني ما أردت ~~الدخول في هذا الأمر ، وإنما أجبرت عيه . فأجابه جوابا سكته فيه ، ونقل إلى ~~الاعتقال في الموضع الذي أعد له . ومضى أبو الحسن علي بن عيسى إلى داره ، ~~والناس في موكبه ، وبكر إلى الدار من غد وخلعت عليه الخلع السلطانية ، وركب ~~إلى الدار المعروفة بسليمان بن وهب ، فجلس فيها ، وركبت إليه الأمراء ~~والقواد في النواحي ، وكتب إليهم بإقرارهم في مواضعهم من ولاياتهم وأعمالهم ~~، وحثهم على استخراج الأموال وحملها . PageV01P207 وسلم إليه أبو علي ~~الخاقاني وولداه ، وأبو الهيثم بن ثوابة ، وطالبهم مطالبة رفيقه . وسئل في ~~أمر عبد الواحد بن أبي علي ، فأطلقه بعد مديدة في ليلة الخميس لتسع خلون من ~~جمادي الآخرة ، ثم أطلق أبا القاسم أخاه ليلة الجمعة مستهل شوال ، وحمل أبا ~~الهيثم بن ثوابة إلى الكوفة ، وسلمه إلى إسحاق بن عمران صاحب المعونة ، ~~فكان عنده إلى أن توفي يوم الأحد لليلة بقيت من ذي الحجة . وأجرى المقتدر ~~بالله لأبي الحسن علي بن عيسى خمسة آلاف دينار في كل شهر ، وارتجع الضياع ~~العباسية التي كانت جعلت لابن الفرات وأبي علي الخاقاني ، ورتب أبو الحسن ~~علي ms241 بن عيسى الأمور والدواوين على ما رأى فيه الصلاح والسداد ، وكان رجلا ~~عاقلا متدينا متصونا ظلفا متعففا ، عارفا بالأعمال حافظا للأموال ، كثير ~~الوقار والجد بعيدا من التبذل والهزل ، على شح غالب في طباعه ، وتجهم ظاهر ~~في أخلاقه . وما كان يخل بصلاة الجماعة والجمعة في كل يوم جمعة ، ولا يدع ~~المناوبة في ذلك بين المساجد الجامعة ، حتى قيل : إنه كان يستعمل الوضوء في ~~أيام الجمعات التي يكون فيها محبوسا ، ويستوفي طهوره ، ويلبس ثيابه ، ويقوم ~~ليخرج من موضعه ، فيرده الموكلون به ويمنعونه ، فيرفع رأسه إلى السماء ~~ويقول : اللهم اشهد . وعمد في نظره إلى تخفيف المؤن ، وحذف الكلف ، ونقص ~~الخرج ، والمضايقة في الجاري والرزق . ورد كثيرا مما وقع به أبو علي ~~الخاقاني من الإثبات والزيادات ، فأوحش بذلك خواص المقتدر بالله وعاداهم ، ~~وكثرت به السعاية عليه والوقيعة فيه واستثقل أكثر الناس موضعه ، وضاقت ~~صدورهم بنظره ، ووقع الشروع في إفساد أمره ، وتغيير رأي المقتدر بالله فيه ~~، ورد ابن الفرات . وعرف أبو الحسن علي بن عيسى ما يجري في ذلك ، فبدأ ~~بالاستعفاء والخطاب عليه ، ومواصلة القول فيه . وتحدث في دار المقتدر بالله ~~بأن ابن الفرات شديد العلة ، واتفق أن مات هارون الشاري الذي كان محبوسا في ~~دار السلطان ، وكان التدبير في أمر الشراة أن يكتم موت من يؤخذ من أئمتهم ، ~~لأنهم لا يرون إقامة غيره وهو حي ، فأظهر أنه ابن الفرات وكفن وأخرجت ~~جنازته على أنها جنازة ابن الفرات . فصلى عليه علي بن عيسى ، وانصرف موجعا ~~إلى داره وقال لخواصه : اليوم مات الكتابة . ومضت أيام ووقف علي بن عيسى ~~على أنه حي وقد تم السعي له مع المقتدر بالله ، PageV01P208 فعجب ابن عيسى ~~وقال : ما ينبغي لأحد أن يحدث بكل ما يسمع ، ويصدق بجميع ما يخير . فلما ~~طالب الجند عند أخذ الحسين بن حمدان بما طالبوا به من الزيادة ، واستعملوا ~~ما استعملوه من الشغب وخرق الهيبة ، وبلغ لهم في ذلك ما بلغ من الإرادة ~~وكثرت النفقات ، وتضاعفت الاستحقاقات ، ولحق الشوب غلات سنة أربع وثلاثمائة ~~، وتأمل علي بن ms242 عيسى الأمر وخاف أن يطالب بما لا يكن له وجه ، وأن يحدث من ~~الفساد ما لا يقوم له به عذر . فوقف أملاكه ، وأعتق عبيده ، وشرع في ~~الاستعفاء ، وراسل في ذلك المقتدر بالله ، فدفعه عنه دفعا ووعده فيه ~~بالمعونة على تمشية الأمور . وكان فيما وقع إلينا من رقاعه في ذلك رقعة إلى ~~السيدة نسختها : ربع وثلاثمائة ، وتأمل علي بن عيسى الأمر وخاف أن يطالب ~~بما لا يكن له وجه ، وأن يحدث من الفساد ما لا يقوم له به عذر . فوقف ~~أملاكه ، وأعتق عبيده ، وشرع في الاستعفاء ، وراسل في ذلك المقتدر بالله ، ~~فدفعه عنه دفعا ووعده فيه بالمعونة على تمشية الأمور . وكان فيما وقع إلينا ~~من رقاعه في ذلك رقعة إلى السيدة نسختها : بسم الله الرحمن الرحيم . أطال ~~الله بقاء السيدة وأدام عزها وتأييدها ، وكلاءتها وحراستها ، وأسبغ نعمه ~~عليها ، وزاد في إحسانه إليها ، ومواهبه الجميلة ، وآلائه الجزيلة ، ~~وأقسامه الهنيئة وفوائده السنية عندها ، وبلغها في سيدنا أمير المؤمنين ~~أطال الله بقاءه وأدام له العز والتمكين ، والنصر والتأييد غاية محبتها ~~وأفضل أمنيتها ، ووصل أيام سرورها بعافيته ، واغتباطها برؤيته ، ووقاها فيه ~~وفي نفسها وفي الأمراء أستودعهم الله وأستوهبه إياهم كل سوء محذور ومخوف ، ~~بمنه ورأفته . وصلت الرقعة أعز الله السيدة وعرفت ما تضمنت . فأما الفتنة ~~التي كانت ملتحمة مع أعظم الأعداء مضرة ، وأقربهم محلة ، وأشدهم على ~~المطالبة جرأة ، فقد تكلفت الإنفاق عليها ، وقمت بتدبيرها ، حتى بلغ الله ~~أمير المؤمنين والسيدة في جميعها المحبة ، وانتظمت في صدور الأعداء شرقا ~~وغربا الهيبة ، وما أنفقت مع ذلك من بيت مال الخاصة بعد الذي رددته إليه ~~نصف عشر ما أنفقه محمد ابن عبيد الله الخاقاني وابن الفرات قبله ، وأنا ~~عامل بعون الله على رد ذلك عن آخره . ومتى لم ينفق المعتضد بالله في أسفاره ~~على مائدة أعدائه من بيت مال الخاصة أضعاف هذه النفقة ؟ ! وقد أنفق المكتفي ~~بالله وكان من النظر في القليل اليسير وعلى ما عرف به من بيت مال الخاصة ~~جملة بعد جملة ، مع قلة النفقات في ms243 أيام المعتضد بالله . وما أقول قولا ~~يدفع ، لأن الدواوين تشهد به وحسبانات بيوت الأموال تدل عليه ، ومؤنس خازن ~~بيت مال الخاصة منذ أيام المعتضد بالله وإلى هذه الغاية يعلمه ، وإن سئل ~~عنه صدق . هذا مع رفقي بالرعية ، وعمارتي النواحي المختلة ، وإزالتي عنها ~~كل ظلم ومؤونة ، حتى صارت أيام أمير المؤمنين أطال الله بقاءه منذ خدمته ~~أيام الخير ، PageV01P209 وفيها الآثار الموصوفة ، وامتلأت قلوبها هيبة بعد ~~أن كانت تثب على الرؤساء ، وترمي بالحجارة على ما قيل لي عند اجتيازهم في ~~دجلة . وأما الاستحقاقات المتأخرة فلست أعرفها ، وبباب أمير المؤمنين ~~الكثير من الغلمان والحاشية والفرسان والرجالة ، وما أحسب صنفا من هذه ~~الأصناف يقدر أن يقول : إنه قبض في وقت من الأوقات قبضا متصلا ، وليس يقول ~~أحد منهم إنه دفع عن استحقاق ولا تأخر له شيء من رزقه ونزله . وكذلك ~~الفرسان والعساكر الخارجة مع مؤنس وغيره مستوفية ، وأكثر من بالحضرة هذه ~~سبيلهم به . وقد حضروا منذ مدة بباب العامة ، وطالبوا ، فأدخلت طائفة منهم ~~ونوظرت ، فلم تكن لهم حجة في الاستحقاقات ، وإنما التمسوا الزيادة والنظر ~~والصلة ، وهذا خارج عن الواجب ، ولو منع بعضهم فلم يعط شيئا لكان ذلك واجبا ~~صالحا . ومتى كان الجند يوفون حتى لا يكون لهم شيء متأخر ؟ ما كان هذا في ~~زمن من الأزمان وما تركت أن قلت لسيدنا أمير المؤمنين أعزه الله في ذلك ما ~~يجب أن أقوله ، وخاطبت أم موسى مرة بعد مرة فيه ، وأما ما قيل للسيدة أعزها ~~الله في استعفائي فلم أستعف نصا ، ولو حملت الرماد على رأسي لما تكرهت ذلك ~~ولا تأبيته ، وإني لألزم نفسي الصبر على كل نائبة في خدمة سيدنا أمير ~~المؤمنين أيده الله وأرى ذلك ديانة ، ولكني أعز الله السيدة أضجر كما يضجر ~~الناس إذا خوطب بما لا يحب ، وأنا أبلغ جهدي في النصيحة وتأدية الأمانة ، ~~فإن كان ذلك واقعا موقعه فهو الذي أقصد ، وإن كان يظن بي غير ما أنا عليه ~~فهي المصيبة . وقد يحرم الإنسان ثمرة اجتهاده ، ويقع ما يفعله على خلاف ms244 ~~مذهبه واعتماده ، وما يسعني ولا يحل لي أن أؤخر الصدق في جميع الأحوال ، ~~قاضيا بذاك حق الله عز وجل ، وحق سيدنا أمير المؤمنين أطال الله بقاءه وحق ~~السيدة أعزها الله وأسأل الله أولا وآخرا أن يصلح لهما أمورهما ظاهرا ~~وباطنا ، صغيرها وكبيرها ، ويكفيهما المهم ويسهل الصلاح بهما وعلى أيديهما ~~بمنه وقدرته وجوده وكرمه . وقرب عيد الأضحى واحتيج إلى ما جرت العادة ~~بإطلاقه للحرم والحاشية ، فجاءته أم موسى القهرمانة في آخر ذي القعدة سنة ~~أربع وثلاثمائة مخاطبة على ذلك ، ومقررة للأمر فيه ، وكان محتجبا ، فلم ~~يقدم سلامة حاجبه إلى الاستئذان لها ، واعتذر إليها عذرا لطيفا ، وصرفها ~~صرفا جميلا ، فغضبت وانصرفت . وأعلم علي بن عيسى خبرها في حضورها وانصرافها ~~فأنفذ إليها واستعذرها فلم تعذر ، وصارت إلى المقتدر بالله وإلى السيدة ~~وأغرتهما به ، وتكذبت عندهما عليه ، وأدى ذلك إلى القبض عليه في غداة يوم ~~الاثنين الثامن من ذي الحجة سنة أربع وثلاثمائة PageV01P210 عند ركوبه إلى ~~دار السلطان ، واعتقاله عند زيدان ، فكانت مدة وزارته ثلاث سنين وعشرة أشهر ~~وثمانية وعشرين يوما . وكان مما فعله في وزارته هذه أن أسقط المكس بمكة ، ~~والتكملة بفارس وسوق بحر بالأهواز وحصن مهدي ، ونهر السدرة ، وكان يعترض في ~~هذه المواضع على ما يجهز إلى البحر ويرد منه ، وتؤخذ الضرائب المسرفة عنه ، ~~وأزال جباية الجمهور بديار ربيعة . وأشار على المقتدر بالله بوقف المستغلات ~~بمدينة السلام وغلتها نحو ثلاثة عشر ألف دينار والضياع الموروثة بالسواد ~~الجارية في ديوان الخاصة وارتفاعها نيف وثمانون ألف دينار على الحرمين ~~والثغور ، فقبل رأيه وأشهد بذلك القضاة والشهود على نفسه ، ونصب علي بن ~~عيسى لهذه الوقوف ديوانا سماه ديوان البر ، ورده إلى أبي شجاع ابن أخت أبي ~~أيوب ولما كان بمكة وجد الماء ضيقا على أهلها ، وأصحاب السلطان يسخرون جمال ~~الناس وحميرهم لنقله من جدة إليها ، فابتاع عددا كثيرا من الجمال والحمير ~~ووقفها على حمل الماء ، وأقام لها العلوفة الراتبة ، ومنع من السخرة وحظرها ~~، وحفر بئرا عظيمة في الحناطين ، فخرجت عذبة شروبا وسماها الجراحية . ~~وابتاع عينا ms245 غزيرة بألف دينار ، وفتحها ووسعها حتى كثر ماؤها ، واتسع الماء ~~بمكة ، ووصل الرفق به إلى أهل الضعف والمسكنة . وكان فيما أقطعه علي بن ~~عيسى من إقطاع الوزارة أربعة أحجار أرحاء بالعباسية تعرف بالعباسية ، وتعرف ~~باليوسفية ، قيمتها عشرة آلاف دينار . فتظلم مجاوروها من أخذها الماء ~~وقصوره عنهم ، وإضرار ذلك بزروعهم ونقصه من ارتفاع ضياعهم ، وتأذي أهل ~~الشفة بهذه الحال أيضا ، فأمر بهدمها ونقضها وعمل مسجد في موضعها ، وتوفر ~~الماء على أهل الضياع والشفة . ي غداة يوم الاثنين الثامن من ذي الحجة سنة ~~أربع وثلاثمائة عند ركوبه إلى دار السلطان ، واعتقاله عند زيدان ، فكانت ~~مدة وزارته ثلاث سنين وعشرة أشهر وثمانية وعشرين يوما . وكان مما فعله في ~~وزارته هذه أن أسقط المكس بمكة ، والتكملة بفارس وسوق بحر بالأهواز وحصن ~~مهدي ، ونهر السدرة ، وكان يعترض في هذه المواضع على ما يجهز إلى البحر ~~ويرد منه ، وتؤخذ الضرائب المسرفة عنه ، وأزال جباية الجمهور بديار ربيعة . ~~وأشار على المقتدر بالله بوقف المستغلات بمدينة السلام وغلتها نحو ثلاثة ~~عشر ألف دينار والضياع الموروثة بالسواد الجارية في ديوان الخاصة وارتفاعها ~~نيف وثمانون ألف دينار على الحرمين والثغور ، فقبل رأيه وأشهد بذلك القضاة ~~والشهود على نفسه ، ونصب علي بن عيسى لهذه الوقوف ديوانا سماه ديوان البر ، ~~ورده إلى أبي شجاع ابن أخت أبي أيوب ولما كان بمكة وجد الماء ضيقا على ~~أهلها ، وأصحاب السلطان يسخرون جمال الناس وحميرهم لنقله من جدة إليها ، ~~فابتاع عددا كثيرا من الجمال والحمير ووقفها على حمل الماء ، وأقام لها ~~العلوفة الراتبة ، ومنع من السخرة وحظرها ، وحفر بئرا عظيمة في الحناطين ، ~~فخرجت عذبة شروبا وسماها الجراحية . وابتاع عينا غزيرة بألف دينار ، وفتحها ~~ووسعها حتى كثر ماؤها ، واتسع الماء بمكة ، ووصل الرفق به إلى أهل الضعف ~~والمسكنة . وكان فيما أقطعه علي بن عيسى من إقطاع الوزارة أربعة أحجار ~~أرحاء بالعباسية تعرف بالعباسية ، وتعرف باليوسفية ، قيمتها عشرة آلاف ~~دينار . فتظلم مجاوروها من أخذها الماء وقصوره عنهم ، وإضرار ذلك بزروعهم ~~ونقصه من ارتفاع ضياعهم ، وتأذي أهل الشفة ms246 بهذه الحال أيضا ، فأمر بهدمها ~~ونقضها وعمل مسجد في موضعها ، وتوفر الماء على أهل الضياع والشفة . وحدث ~~أبو علي عبد الرحمن بن عيسى قال : لما ابتاع أخي أبو الحسن علي بن عيسى من ~~تركة نازوك ووالدة القاسم بن عبيد الله الثلث من حصتها في قصر القاسم في ~~سنة اثنتين وتسعين ومائتين ، وأضاف إليه حصصا ابتاعها الزوجات وبعض الأولاد ~~الأصاغر ، وعمل ذلك داره المعروفة بباب البستان ، وكانت مسناة القصر ~~القديمة بعيدة من دجلة PageV01P211 فأخرج أحمد بن بدر عم السيدة أم المقتدر ~~بالله مسناة لداره المجاورة له إلى الماء ، وفعل عبيد الله بن القاسم مثل ~~ذلك من الجانب الآخر ، وبقيت دار أخي مستورة بينهما ، فخاطبه أبو إسحاق ~~إبراهيم أخونا في ذلك ، وأعلمه ما في إخراج المسناة حتى توازنهما من ~~الزيادة في قيمة العقار ، وكانت الذراع على دجلة في المواضع الرذلة على ذلك ~~العهد تباع بدينار عينا . فقال له : قدر لها ولما يبنى عليها ما يحتاج إليه ~~من النفقة . فقدر لذلك مائة ألف درهم ، وصور البناء ، وأحضره الصورة ~~والتقدير . فأقام أبو إسحاق يحثه على إطلاق المال والابتداء بالعمل ، ~~والوزير يعده ويدفعه ، حتى إذا اجتمع في خزانته ما جعله لذلك من ارتفاع ~~ضيعته ، تقدم إلى خازنه بإحضاره ودعا بعبد الوهاب بن أحمد بن ما شاء الله ، ~~فأعطاه إياه ، وأمره بصرفه في ضعفاء آل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي ~~فقراء المسلمين ومساكينهم بعد أن أثبتهم في ديوانه ، ففعل ، وأخرج جميع ~~المال وفرقه عليهم . وحضر أبو إسحاق ، فذكره بالعمل والأمر بتقديمه قبل ~~زيادة دجلة ، فضحك إليه وقال لابن ما شاء الله : حدثه يا أبا القاسم بحديث ~~العقار الذي ابتعنا ، وتجاوزه في النفع هذا البناء الذي لا يزيد الله من ~~حاوله إلا إثما وبعدا . فحدثه ، فحار أبو إسحاق ، وما أمكنه الجواب ، وعلم ~~أنه كان من وعده على غرور . وبقي ماء داره محبوسا ، وسمي الفضاء بين ~~المسناتين الستيني . وكان أبو إسحاق إبراهيم بن هلال جدي ابتاع دار عبيد ~~الله بن القاسم من أبي الحسن بن أبي ms247 عمرو الشرابي حاجب الخلافة بخمسة آلاف ~~دينار ، وكانت مسناتها طاعنة في دجلة لا يفارقها الماء في سائر أوقات السنة ~~. خلافة علي بن عيسى # | ذكر خلافة أبي الحسن علي بن عيسى لحامد بن العباس وتفرده بالأمور من ~~بعد ذلك # قد أوردنا في أخبار حامد عند وزارته ما جرى أمر أبي الحسن بن الفرات معه ~~وبعده ، وما انتهى ذلك إليه من القبض عليه واعتقاله عند زيدان القهرمانة . ~~وراسله المقتدر بالله بأن يصدق عن أمواله ، فكتب رقعة يذكر فيها أنه لا ~~يقدر على أكثر من ثلاثة آلاف دينار . واتفق من ورود القرامطة إلى البصرة ، ~~ودخولهم إليها واستيلائهم عليها ونقلهم ما وجدوه فيها ثم انصرافهم بعد أيام ~~عنها ، ما دعا إلى إخراج بني بن نفيس لقتالهم ودفعهم ، PageV01P212 ووصل ~~وقد عادوا إلى بلدهم . فكتب إلى ابن الفرات بذلك ، وبأنه أسر قوما منهم ، ~~وحكي عنهم أنهم قالوا : إن علي بن عيسى كاتبهم بالمسير إلى هناك ، وأنفذ ~~إليهم في عدة أوقات هدايا من سلاح وآلات . فلما وافى هؤلاء الأسراء ، وعرض ~~ابن الفرات على المقتدر بالله كتاب بني بن نفيس فذكرهم وذكر ما حدثوا به ~~على علي ابن عيسى ، أمر بالجمع بينه وبين القوم ليواجهوه بما قالوا فيه ، ~~فأخرج وجمع بينه وبينهم بحضرة ابن الفرات . فقال علي بن عيسى : من كانت ~~صورته صورتي في سخط السلطان وانحراف الوزير عنه لقي بالحق والباطل . ثم عدل ~~ابن الفرات إلى خطابه في أمر الأعمال فقال له : قد كان علي بن أحمد بن ~~بسطام أخذ خطوط المادرائيين في وزارتي الثانية بألف ألف وثلاثمائة ألف ~~دينار صلحا عن خراج ضياعهما بمصر والشام ، وما أخذاه من المرافق عند ~~تقلدهما الأعمال في أيامك الأولى . وبقي عليهما من المصادرة التي واقفهما ~~أبو علي الخاقاني عليها ، وأديا في أيامي نحو خمسمائة ألف دينار ، وكانا ~~على أداء تتمة المال ، حتى صرفت ابن بسطام ساعة وليت عن الدواوين ، وقلدت ~~هذين العاملين الخائنين المجاهرين بأخذ أموال السلطان واقتطاعها ، وكتبت عن ~~أمير المؤمنين بإسقاط مال الصلح عنهما ، وذكرت أنه أمر بذلك ms248 ، وقد سألته ~~فأنكر دعواك عليه ما أدعيته . فقال علي ابن عيسى : كنت في الوقت كاتبا ~~لحامد ، وخليفة له على الأعمال ، ومتصرفا على أمره في كبير الأمور وصغيرها ~~وهو ذكر لي عن أمير المؤمنين أنه أمر بإسقاط هذا المال ، ووقع بذلك توقيعا ~~كتبت في آخره بامتثاله كما يفعل خليفة الوزير فيما يأمر به صاحبه . فقال له ~~ابن الفرات : أنت كنت تعارض حامدا في كل أحواله ، وتخاصمه في اليسير مما ~~يخرج عليه من مال ضمانه ، حتى تحدث الناس بكما ، وعجبوا لما يجري بينكما ، ~~فلم تركت أن تستأذن السلطان في مثل هذا المال الجليل ؟ فقال : كنت في أول ~~الأمر كاتبا لحامد مدة سبعة أشهر حتى بان لأمير المؤمنين ما رأى معه ~~التعويل علي في تدبير الأمور ، وكان ما جرى من أمر المادرائيين في صدر أيام ~~حامد . فقال له ابن الفرات : فلما اعتمد عليك أمير المؤمنين ألا صدقته عن ~~غلط حام فيها غلط به وفرط فيه ؟ فقال : إنما تركت ذلك لأنني أخذت خط الحسين ~~بن أحمد بحضرة أمير المؤمنين بألف ألف دينار عن مصر والشام خالصا للحمل ، ~~بعد النفقات ومال الجند في تلك الأعمال ، وكا ذاك غاية ما قررت عليه . فقال ~~ابن الفرات : أنت يا أبا الحسن تعمل أعمال الدواوين منذ نشأت وقد وليت ~~ديوان المغرب سنين كثيرة ، وقد تقلدت الوزارة ، فهل رأيت من يدع مالا واجبا ~~يؤدي معجلا ويأخذ العوض عنه ضمانا مؤجلا لا يدرى ما يجري فيه ؟ PageV01P213 ~~وهبك على ما ذكرت من أنك رأيت ذلك صوابا وهو خطأ ، فهل استوفيت مال الضمان ~~من هذا الضامن بخمس سنين دبرت فيها المملكة ؟ . فقال : قد كان حمل من مال ~~السنة الأولى صدرا ثم حدث من تغلب العلوي بإفريقية على أكثر تلك النواحي ما ~~دعا إلى خروج مؤنس المظفر وانصراف المال في نفقاته وأعطيات الجند ، وانكسر ~~الباقي لأجل هذه الحادثة . فقال ابن الفرات : انهزم هذا العلوي منذ سنتين ، ~~فهل أدى مالهما كاملا ؟ . فقال علي بن عيسى في جواب ذلك قولا استوفاه لنفسه ~~، وأخذ ابن الفرات خطه ms249 بالحجة عليه وله بأنه قد رضي بحكم أمير المؤمنين . ~~ثم قال له ابن الفرات في آخر قوله : قد أمر أمير المؤمنين بأن تطالب ~~بالأموال التي اقتطعتها وجمعتها ، وينبغي أن تعطيها عفوا وتصون نفسك عن ~~المكروه . فقال : لست من ذوي الأموال ، وما لي قدرة على أكثر من ثلاثة آلاف ~~دينار . فقال له ابن الفرات : تقول هذا وقد وجد لك عند عيسى الناقد سبعة ~~عشر ألف دينار وأخذ خطه بها وديعة كانت لك عنده ؟ فقال . هذا رجل قلدته مال ~~ضياع البر والجهبذة ، وعنده أموال حاصلة ، فإما أن يكون المال منها أو تكون ~~قد أخذت ماله ونسبته إلي وأكرهته على أن كتب خطه بذلك . فقال له ابن الفرات ~~قد أسقطت من أرزاق أولاد القرابة والحرم والحواشي والخدم والفرسان الذين ~~كنت أوفيهم أرزاقهم في أيامي الأولى والثانية مدة خمس سنين دبرت فيها ~~المملكة ، وأخذت من ارتفاع ضياع الملك والإقطاع بعدما افرد منها للأمراء ما ~~يكون مبلغه مع ما كنت أحمله إلى أمير المؤمنين في وزارتي الثانية وهو في كل ~~شهر خمسة وأربعون ألف دينار للمدة المذكورة الجملة الكبيرة ، فإما أن تكون ~~قد احتجنت ذلك لنفسك أو أضعته لتفريطك . فقال له علي بن عيسى : ما استغللته ~~من الضياع ووفرته من أرزاق من يستغني عنه تممت به عجزا أدخل في الخرج حتى ~~اعتدلت الحال ، ولم أمدد يدي إلى بيت مال الخاصة . وأما خمسة وأربعون ألف ~~دينار التي كنت تحملها من المرافق فإنني لم أر ما رأيته أنت قط من المرافق ~~للعمال ، بل حظرتها عليهم علما بأنها طريق إلى ضياع الحقوق وخراب البلاد ~~وظلم الرعية ، وأنت كنت توصي الحواشي بإخراب بيت المال ، وتحول ما في بيت ~~مال الخاصة إلى بيت مال العامة ، ومن الدليل على ذلك أني كنت أتولى ضياع ~~ديوان الخاصة ، فلما تقلدت الوزارة بعد العباس بن الحسن انصرفت عنه فتركت ~~في بيت مال الخاصة سبعة عشر ألف ألف دينار حاصلة ، فلما قلدني أمير ~~المؤمنين وزارته في سنة إحدى PageV01P214 وثلاثمائة لم أجد من ذلك المال ~~شيئا ms250 كبيرا . فقال له ابن الفرات : اكتب حظك بأنك خلفت في بيت مال الخاصة ~~سبعة عشر ألف ألف دينار . أطلق العباس بن الحسن منها في البيعة لأمير ~~المؤمنين ثلاثة آلاف ألف دينار . ووجدت أعمال فارس وكرمان خارجة عن يد ~~السلطان منذ أيام المعتضد لا يحمل منها المتغلبون عليها إلا النزر اليسير ، ~~فصدقت أمير المؤمنين عن صورتها وضمنت له فتحها ففتحتها . وقد كانت لي أموال ~~جمعتها في خدمة أمير المؤمنين أنا وأخي وأسلافي مع أسلافه ، وضياع وافرة ~~الارتفاع ، فلما رأى أمير المؤمنين أخذها كان أحق بها ، فصح لي في بيوت ~~الأموال في دفعتين أربعة آلاف ألف دينار . ثم أخذ ابن الفرات في مطالبته ~~بالمال ، فأقام على أنه لا مال عنده ، وأعيد إلى محبسه . وكانت له بعد ذلك ~~مناظرات ، منها ما حدث به أبو محمد عبد الله بن علي المعروف بذكويه كاتب ~~نصر القشوري الحاجب ، وأبو الطيب محمد بن أحمد الكلوذاني كاتب بني الفرات ~~قالا : حضر أبو الحسن بن الفرات في وزارته الثالثة في يوم الخميس لخمس ليال ~~بقين من جمادي الآخرة سنة إحدى عشرة وثلاثمائة في أيام المقتدر بالله ، ~~وجمع القواد والقضاة والكتاب ، فأحضر أبو الحسن علي بن عيسى من محبسه وجمع ~~بينه وبين ابن فلحة رسوله كان إلى القرامطة في وزارته الأولى حتى واجهه ~~بأنه أنفذه إلى القرامطة مبتدئا ، وكاتبوه يلتمسون منه المساحي والطلق وغير ~~ذلك ، فحمل جميعه إليهم ، وأخرج أبو الحسن بن الفرات نسخة كتاب أنشأه ابن ~~ثوابة عن علي بن عيسى إلى القرامطة جوابا عن كتاب ورد منهم إليه وفيه ~~إصلاحات بخطه ، ولم يقل فيها : إنكم خارجون عن ملة الإسلام لمخالفتكم ~~الإجماع وعصيانكم على الإمام . بل قال : ولكنكم خارجون عن جملة أهل الرشاد ~~والسداد . وداخلون مع أهل العناد والفساد . لي وأكرهته على أن كتب خطه بذلك ~~. فقال له ابن الفرات قد أسقطت من أرزاق أولاد القرابة والحرم والحواشي ~~والخدم والفرسان الذين كنت أوفيهم أرزاقهم في أيامي الأولى والثانية مدة ~~خمس سنين دبرت فيها المملكة ، وأخذت من ارتفاع ضياع الملك ms251 والإقطاع بعدما ~~افرد منها للأمراء ما يكون مبلغه مع ما كنت أحمله إلى أمير المؤمنين في ~~وزارتي الثانية وهو في كل شهر خمسة وأربعون ألف دينار للمدة المذكورة ~~الجملة الكبيرة ، فإما أن تكون قد احتجنت ذلك لنفسك أو أضعته لتفريطك . ~~فقال له علي بن عيسى : ما استغللته من الضياع ووفرته من أرزاق من يستغني ~~عنه تممت به عجزا أدخل في الخرج حتى اعتدلت الحال ، ولم أمدد يدي إلى بيت ~~مال الخاصة . وأما خمسة وأربعون ألف دينار التي كنت تحملها من المرافق ~~فإنني لم أر ما رأيته أنت قط من المرافق للعمال ، بل حظرتها عليهم علما ~~بأنها طريق إلى ضياع الحقوق وخراب البلاد وظلم الرعية ، وأنت كنت توصي ~~الحواشي بإخراب بيت المال ، وتحول ما في بيت مال الخاصة إلى بيت مال العامة ~~، ومن الدليل على ذلك أني كنت أتولى ضياع ديوان الخاصة ، فلما تقلدت ~~الوزارة بعد العباس بن الحسن انصرفت عنه فتركت في بيت مال الخاصة سبعة عشر ~~ألف ألف دينار حاصلة ، فلما قلدني أمير المؤمنين وزارته في سنة إحدى ~~وثلاثمائة لم أجد من ذلك المال شيئا كبيرا . فقال له ابن الفرات : اكتب حظك ~~بأنك خلفت في بيت مال الخاصة سبعة عشر ألف ألف دينار . أطلق العباس بن ~~الحسن منها في البيعة لأمير المؤمنين ثلاثة آلاف ألف دينار . ووجدت أعمال ~~فارس وكرمان خارجة عن يد السلطان منذ أيام المعتضد لا يحمل منها المتغلبون ~~عليها إلا النزر اليسير ، فصدقت أمير المؤمنين عن صورتها وضمنت له فتحها ~~ففتحتها . وقد كانت لي أموال جمعتها في خدمة أمير المؤمنين أنا وأخي ~~وأسلافي مع أسلافه ، وضياع وافرة الارتفاع ، فلما رأى أمير المؤمنين أخذها ~~كان أحق بها ، فصح لي في بيوت الأموال في دفعتين أربعة آلاف ألف دينار . ثم ~~أخذ ابن الفرات في مطالبته بالمال ، فأقام على أنه لا مال عنده ، وأعيد إلى ~~محبسه . وكانت له بعد ذلك مناظرات ، منها ما حدث به أبو محمد عبد الله بن ~~علي المعروف بذكويه كاتب نصر القشوري الحاجب ، وأبو الطيب ms252 محمد بن أحمد ~~الكلوذاني كاتب بني الفرات قالا : حضر أبو الحسن بن الفرات في وزارته ~~الثالثة في يوم الخميس لخمس ليال بقين من جمادي الآخرة سنة إحدى عشرة ~~وثلاثمائة في أيام المقتدر بالله ، وجمع القواد والقضاة والكتاب ، فأحضر ~~أبو الحسن علي بن عيسى من محبسه وجمع بينه وبين ابن فلحة رسوله كان إلى ~~القرامطة في وزارته الأولى حتى واجهه بأنه أنفذه إلى القرامطة مبتدئا ، ~~وكاتبوه يلتمسون منه المساحي والطلق وغير ذلك ، فحمل جميعه إليهم ، وأخرج ~~أبو الحسن بن الفرات نسخة كتاب أنشأه ابن ثوابة عن علي بن عيسى إلى ~~القرامطة جوابا عن كتاب ورد منهم إليه وفيه إصلاحات بخطه ، ولم يقل فيها : ~~إنكم خارجون عن ملة الإسلام لمخالفتكم الإجماع وعصيانكم على الإمام . بل ~~قال : ولكنكم خارجون عن جملة أهل الرشاد والسداد . وداخلون مع أهل العناد ~~والفساد . وقال ابن الفرات لعلي بن عيسى موبخا ومهجنا : تقول ويحك للقرامطة ~~الذين قد أجمع الناس أنهم أهل ردة وضلالة قولا تلحقهم فيه بأهل الملة وهم ~~لا يصلون ولا يصومون PageV01P215 ولا يدينون بما يدين به المسلمون ، وتنفذ ~~إليهم الطلق الذي إذا طلي به البدن أو غيره لم تعمل النار فيه ؟ قال : إنما ~~اعتمدت بذاك المصلحة ، وأن أستعيدهم إلى الطاعة بالرفق والاستمالة . فقال ~~ابن الفرات لأبي عمر القاضي : ما عندك في هذا يا أبا عمر ؟ فتوقف عن جوابه ~~، وأقبل على علي بن عيسى وقال له : قد أقررت يا هذا بما لو أقر إمام به ~~لسقطت طاعته وتعطلت إمامته . قال : فنظر علي بن عيسى إليه نظر منكر لقوله ، ~~لعلمه بأن المقتدر بالله بحيث يسمع ما يجري ولا يرى . وطالب ابن الفرات أبا ~~عمر بأن يكتب خطه بشيء من هذا المعنى ، فلم يفعل وقال : قد غلط علي بن عيسى ~~غلطا كبيرا فأما جواب هذا القول فما عندي . فأخذ خطه بما سمعه من إقراره في ~~أن الكتاب كتابه ، وأن الإصلاح في النسخة بخطه . ثم أقبل ابن الفرات على ~~أبي جعفر أحمد بن أسحاق بن البهلول القاضي فقال : ما عندك ms253 يا أبا جعفر في ~~ذلك ؟ فقال : إن أذن الوزير أن أقول ما عندي على بيان قلته . قال : أفعل . ~~قال : صح عندي أن هذا الرجل وأومأ إلي علي ابن عيسى استخلص بكتابين كتبهما ~~إلى القرامطة في وزارته الأولى ابتداء وجوابا ثلاثة آلاف رجل من المسلمين ~~كانوا مستعبدين معهم ومسترقين بالاستحلال منهم ، حتى رجعوا إلى أوطانهم ~~وأولادهم ونعمهم وأموالهم . فإذا كتب الإنسان مثل هذه الكتب على وجه الصلاح ~~والمغالطة للعدو لم يجب عليه حكم . قال : فما عندك فيما أقر به من أن ~~القرامطة مسلمون ؟ قال : إذا لم يثبت عنده كفرهم ، وكاتبوه بذكر الله ~~والصلاة على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ، وانتسبوا إلى الإسلام ، ~~وكانوا إنما ينازعون في الإمامة ، لم يطلق عليهم بالكفر . قال له : فما ~~عندك بالطلق الذي أذا طليت به الأبدان لم تعمل النار فيها يحمل إلى أعداء ~~الإمام ورفع صوته بذلك على أبي جعفر كالمنكر لما جرى من قوله فقال أبو جعفر ~~لعلي بن عيسى : أنفذت الطلق الذي هذه صورته إلى القرامطة ؟ قال : لا . فقال ~~ابن الفرات : رسولك وثقتك ابن فلحة . . يقر عليك بذلك . فدهش علي بن عيسى ~~وأمسك . فقال ابن الفرات لأبي جعفر بن البهلول : احفظ اعترافه بأن ابن فلحة ~~رسوله وثقته ، وقد أقر عليه بما أنكره . فقال . أيها الوزير ، ليس هذا ~~إقرارا . إنما هو دعوى . قال : فهو ثقته بإنفاذه إياه . قال : إنما وثقه في ~~حمل كتاب ، ولا يقبل قوله عليه في غيره . فقال ابن الفرات : أنت يا أبا ~~جعفر وكيله لا حاكم . قال : ما أنا وكيل لكنني أقول الحق كما قلته في أمر ~~الوزير أيده الله لما أراد حامد في وزارته الحيلة عليه بما هو أعظم من هذا ~~. فعدل ابن الفرات إلى أن قال لعلي بن عيسى : يا قرمطي فقال : أنا أيها ~~الوزير قرمطي ؟ أنا قرمطي ؟ وكررها تعريضا به . قال : نعم ، وكان عندي أنك ~~عدو PageV01P216 لأمير المؤمنين وبني العباس خاصة أعز الله سلطانهم وإذا ~~أنت عدو للمسلمين كافة . فأمسك علي بن عيسى خوفا على نفسه . وأخذ نصر ms254 ~~الحاجب والمحسن بن أبي الحسن بن الفرات بيده وأقاماه بعد أن استأذنا الوزير ~~في الخلوة به ، فأذن ، فجلسا معه على انفراد . قال أبو الطيب في حديثه : ~~فقمت معهما ، وسمعت ما جرى بينهما وبينه وكان أن قالا له : إن رجعت إلى ~~موضعك من محبسك ولم تقرر أمرك في صلحك خفنا عليك من استحلال السلطان دمك ~~بعد ما سمعه عنك . ولم يزالا به إلى أن استجاب إلى ثلاثمائة ألف دينار يعجل ~~منها الثلث في ثلاثين يوما ، ويؤدي الباقي على رسم المصادرات ، وكتب خطه ~~بذلك ، وعادا إلى ابن الفرات وعرفاه ما جرى فأمضاه . واستدعي علي بن عيسى ~~وجعل يواقفه على شرائط الخط ، وكان إذا امتنع الوزير من شيء غمز أبو الحسن ~~علي بن عيسى يده وقال : يتفضل الوزير . فيستحي ابن الفرات ويطرق ثم يفعل ~~وإنما كان علي بن عيسى يفعل ذلك إذكارا بعهد كان بينهما في أيام العباس بن ~~الحسن ومعاقدة في أن يتعاضدا ويحرس كل واحد منهما صاحبه ، ولا يسعى على ~~نعمتة ولا نفسه حتى إذا انتهى القول إلى حق بيت المال في ضياع علي بن عيسى ~~قال علي بن عيسى : وعما كثر به العمال عليه من حق بيت المال في ضياعه ، ~~ووجوبه به مدة ، وذكروه في تحيفه السلطان في ذلك ! فقال له ابن الفرات : كل ~~شيء أحتمله وأفعله إلا أن تعرضني لما يقدح في صناعتي ، ويطرق عيبا علي في ~~خدمة سلطاني ، أرأيتك إن كتب العمال بأنه يجب عليك من هذه الجهة ثلاثمائة ~~ألف دينار ألست أكون قد أخذت حظك بحق بيت المال في ملكك لا مصادرة عن تصرفك ~~؟ وقد ترددت في الوزارة والأعمال الجليلة مذ عشر سنين ؛ ولكن خذ مبلغا في ~~استثنائك بما يستثني به لنفسك . فقال : عشرون ألف دينار . فأجابه إلى ذلك ، ~~وكتب على أنه : متى أوجب العمال عليه بالعدل والإنصاف والموافقة التي لا ~~يعترضها تحيف من حق بيت المال في سائر ضياعه ووقوفه منذ وقت ملكه لها وإلى ~~هذا الوقت ما يكون مبلغه من ألف دينار إلى عشرين ألف ms255 دينار فقد دخل ذلك في ~~مال المصادرة ، وإن زاد على هذا المبلغ كانت الزيادة خارجة عن الجملة ، ~~ولازمة له بعدها . ولما تقررت النسخة وابتدأ علي بن عيسى يحررها بخطه كتب ~~في التعجيل : بعد ثلاثين يوما . فقال له ابن الفرات : ارفق بنا يا أبا ~~الحسن ما صغرنا وكبرت ، أفأدعك تسعة وعشرين يوما لا أطالبك ولا تؤدي شيئا ؟ ~~ولكن اكتب : أصححه أولا أولا في مدة ثلاثين يوما . فقال علي بن عيسى : على ~~شرط من أن يكون ابتدائي بالأداء إذا خرجت من دار أمير المؤمنين إلى موضع ~~يأمن الوزير أيده الله فيه على نفسي يومى ألا يسلم إلى المحسن أو من جرى ~~مجراه في إشفاقه وخوفه إياه فتقرر الأمر على ذلك وأنفذ الخط إلى ~~PageV01P217 المقتدر بالله فأمضاه ، ورد أبو الحسن علي ابن عيسى إلى محبسه ~~. وقالت زيدان القهرمانة والسيدة للمقتدر بالله : إن سلم علي بن عيسى إلى ~~ابن الفرات سلمه إلى ابنه المحسن ، ولم يؤمن عليه منه ، وهو رجل دين وقد ~~خدمك وخدم أباك ، وليس يفزع اليوم إلا منه ، فلا تسلمه إليهم . وقدرتا بذلك ~~أن تبطلا المال الذي قرره علي بن عيسى على نفسه . فقال وقد كان وقر في صدره ~~ما سمعه من حديثه مع القرامطة وتشعث به رأيه فيه : إن أدى المال في داري لم ~~أسلمه ، وإن تقاعد وألط مكنت المحسن في داري وغير داري منه وسلمته إليه . ~~وأخذ المحسن في الإغراء بعلي بن عيسى ، فاستدعاه إليه في دار الخلافة أياما ~~من غير حضور الوزير أبيه ، وطالبه وجد به ، فأحال علي بن عيسى على خطه وما ~~شرط فيه له وعليه . فقال له المحسن : هذا تقاعد ، وتريد ألا تؤدي في دار ~~أمير المؤمنين ولا تسلم إلي ، وهذا أمر لا يتم . فإذا أديت بحيث أنت ، وإلا ~~أخذتك إلي . فقال علي بن عيسى : هذا نقض لما تقرر . واستدعى أحمد بن محمد ~~بن جاني ، وكان يتولى ضيعته ، وإبراهيم بن أيوب النصراني ، وكان يكتب ~~بحضرته ، فلما حضر أمرهما ببيع داره التي في سويقة أبي الورد المعروفة ~~بدليل ms256 النصراني ، وعقار له يجاورها فلم يرج من ثمن ذلك إلا ألفا دينار وكسر ~~. واستعفى إبراهيم من العود فأعفي وواصل ابن جاني . وأراد المحسن أن يوحشه ~~ليقف أمر علي بن عيسى فقال له : أنت كنت كاتبه على ضياعه ، ورسوله إلى ~~أصحاب ودائعه ، ولا بد من أن تصدق عما تعرفه من صوره ، وأوقع به مكروها ~~غليظا أغمي عليه فيه ، وقيل : إنه تلف ، ثم أفاق وتراجع ، وجزع المحسن من ~~ذلك فأطلقه ، إلا أنه استتر ، ووقف أمر علي ابن عيسى . وواصل المحسن القول ~~في بابه عند المقتدر بالله ، ونسبه إلى التقاعد في فعله ، وحضر الوزير ~~والمحسن في يوم الاثنين الثالث عشر من رجب بحضرة المقتدر بالله فجدد المحسن ~~القول في أمر علي بن عيسى وسكت الوزير ، وأقبل المقتدر بالله وقال له : أنت ~~رجل خير ، وتريد أن تتفضل على علي بن عيسى ليقول الناس : رعي حقه وعرف له ~~حرمة ما كان بينه وبينه ، وراعى ذمام الصناعة فيه . ويضيع مالي في الوسط ، ~~وما أصبر على ذاك . وهذا رجل قرمطي ، ودمه وماله حلالان ، وإذا وهبت له ~~ماله فلا أقل من أن يستوفي مالي منه . ثم قال للمحسن : اخرج أنت واجلس في ~~الدار ، PageV01P218 واستدع بعلي بن عيسى ، وأرهبه ، فإن أقر بودائعه وخرج ~~مما قرره على نفسه وإلا قيده ، فإن أذعن وإلا ألبسه مع القيد جبة صوف ، فإن ~~أقام على أمره أوقع المكروه به في جسمه بمحضر من القواد جزاء له على ما ~~فارق الطاعة . فخرج المحسن وجلس معه نصر القشوري الحاجب ونازوك والقواد ، ~~وأحضر علي بن عيسى ، فبدأه المحسن بالرفق ، ثم نقله إلى الأغلظ فلم يستجب ~~إلى أداء شيء في دار الخلافة ، وقال : ما يمكنني الاحتيال وتصحيح المال إلا ~~حيث أن أكون في موضع امن فيه على نفسي ، ويمكن أن يجيئني من أريده من كتابي ~~وأصحابي بحسب ما تقرر من شرائط خطى . فتقدم المحسن إلى نازوك بإحضار قيد ~~فيه عشرون رطلا وجبة صوف مدهونة بماء الأكارع ، فأحضرهما ، وجيء بحداد ، ~~وأمر بتقييده . فلما بدأ بذلك نهض نصر القشوري منصرفا ms257 . فقال له المحسن : ~~ما بمثل هذا عاملتني يا أبا القاسم لما أنفذ هذا عامله ابن حماد حتى قيدني ~~بحضرتك ، وأمر علي المكروه بمشاهدتك . فقال له نصر : والله يا سيدي ما ندري ~~كيف نصنع إذا غضب مولانا على وزرائه وكتابة وأمر فيهم بأمر ، إن حضرنا ~~عادونا إذا عادوا إلى الخدمة وسعوا في قبيحنا ، وإن امتنعنا من الحضور ~~عادانا من إليه الأمر ، فدلونا على ما نتخلص به منكم . د المحسن القول في ~~أمر علي بن عيسى وسكت الوزير ، وأقبل المقتدر بالله وقال له : أنت رجل خير ~~، وتريد أن تتفضل على علي بن عيسى ليقول الناس : رعي حقه وعرف له حرمة ما ~~كان بينه وبينه ، وراعى ذمام الصناعة فيه . ويضيع مالي في الوسط ، وما أصبر ~~على ذاك . وهذا رجل قرمطي ، ودمه وماله حلالان ، وإذا وهبت له ماله فلا أقل ~~من أن يستوفي مالي منه . ثم قال للمحسن : اخرج أنت واجلس في الدار ، واستدع ~~بعلي بن عيسى ، وأرهبه ، فإن أقر بودائعه وخرج مما قرره على نفسه وإلا قيده ~~، فإن أذعن وإلا ألبسه مع القيد جبة صوف ، فإن أقام على أمره أوقع المكروه ~~به في جسمه بمحضر من القواد جزاء له على ما فارق الطاعة . فخرج المحسن وجلس ~~معه نصر القشوري الحاجب ونازوك والقواد ، وأحضر علي بن عيسى ، فبدأه المحسن ~~بالرفق ، ثم نقله إلى الأغلظ فلم يستجب إلى أداء شيء في دار الخلافة ، وقال ~~: ما يمكنني الاحتيال وتصحيح المال إلا حيث أن أكون في موضع امن فيه على ~~نفسي ، ويمكن أن يجيئني من أريده من كتابي وأصحابي بحسب ما تقرر من شرائط ~~خطى . فتقدم المحسن إلى نازوك بإحضار قيد فيه عشرون رطلا وجبة صوف مدهونة ~~بماء الأكارع ، فأحضرهما ، وجيء بحداد ، وأمر بتقييده . فلما بدأ بذلك نهض ~~نصر القشوري منصرفا . فقال له المحسن : ما بمثل هذا عاملتني يا أبا القاسم ~~لما أنفذ هذا عامله ابن حماد حتى قيدني بحضرتك ، وأمر علي المكروه بمشاهدتك ~~. فقال له نصر : والله يا سيدي ما ندري كيف نصنع إذا غضب مولانا ms258 على وزرائه ~~وكتابة وأمر فيهم بأمر ، إن حضرنا عادونا إذا عادوا إلى الخدمة وسعوا في ~~قبيحنا ، وإن امتنعنا من الحضور عادانا من إليه الأمر ، فدلونا على ما ~~نتخلص به منكم . وتركه ومضى إلى حجرته المرسومة بالحجبة في دار الخلافة . ~~وجعل القيد في رجل علي بن عيسى وضربه به الحداد بالمطرقة ليسمره ، فأخطأ ~~وأصاب كعبه ، فقال علي بن عيسى : يا هذا ، أي عداوة بيني وبينك حتى فعلت ما ~~فعلت ؟ فقال له : كيف لا أعادي وقد أسقطت من رزقي دينارا ؟ فوثب نازوك ~~ليمضي . فقال له المحسن : أنت صاحب الشرطة وهذا أمر يلزمك القيام به ، فإذا ~~تركته وانصرفت لم يكن لجلوسي معنى ، وإذا كنتم على هذه الحال من محبة علي ~~بن عيسى ومراقبته ، وقد سمعتم من أمير المؤمنين لي فيه ما سمعتموه ، فألأ ~~واجهتموني بالامتناع من الحضور أولا ؟ فقال له نازوك : ما أستحسن أن أحضر ~~مكروه رجل قبلت يده عشر سنين ، وله عندي من الأيادي والفضل ، ومع ذلك فهو ~~شيخ يتدين ويصوم الدهر . فاغتاظ المحسن وقال للقواد الباقين : إن جلستم ~~وإلا قمت ، فلست صاحب شرطة ، فقعدوا . وأخذ ياقوت وصالح من بينهم يستعطفانه ~~لعلي بن عيسى ، وسألاه ألا يلبسه الجبة الصوف ولا يجري عليه مكروها . فقال ~~: لا أفعل إلا أن يكتب خطه بأداء ثلاثين ألف دينار في عشرين يوما ، إذ لا ~~أقل من ذلك ، فقال علي ابن عيسى : لا أكتب بما لا أفي به ولو قطعت يدي . ~~فألبسوه الجبة حينئذ ، وقال له : لم يبق إلا المكروه فإن استجبت وإلا ~~امتثلت PageV01P219 أمر أمير المؤمنين في إيقاعه بك ، وكنت أنت الذي توقعه ~~بنفسك . فقال : إذا كتبت بما لا أتمكن منه وقع المكروه بحجة ، وإن وقع بي ~~الآن كنت مظلوما . فدعا المحسن بعشرة غلمان كان قد واقفهم على أن يشددوا ~~المكروه به ، وأمرهم بصفعه ، فصفعه كل واحد صفعة عظيمة ، فصاح في ثلاث : ~~أوه . وقال في الباقي : أستغفر الله من ذنب مكن مثلك من مثلي . وكان مفلح ~~قد قام ودخل إلى حضرة المقتدر بالله قبل ما جرى على ms259 علي بن عيسى وكان قريبا ~~من الموضع . فلما سمع المقتدر قوله واستغفاره باللفظ الذي وصله به رق له ~~ورحمه وقال : ما أشك في أن علي بن عيسى خير عند الله من المحسن ، وقد وقع ~~السرف فيما عومل به وبلغ منه . فأخرج وحل بين المحسن ومكروهه . ورده إلى ~~محبسه . وقامت القيامة على السيدة وزيدان بما جرى وقالتا : إنما صنا ابن ~~الفرات ومنعنا أعداءه منه لما كان يصون الوزراء ويعرف حقوقهم ، والآن فقط ~~بسط هذا المجنون ابنه لما يخالف العادة ويورث القباحة والشناعة . وانصرف ~~المحسن إلى أبيه وعرفه ما جرى ، وقد كان أخر طعامه انتظارا لحضوره . فلما ~~وقف من الصورة على ما أخبره به قلق من ذلك قلقا شديدا وقال : كان يجب يا ~~بني ألا تفعل ما فعلته وتقبل ما أمرت به كله ، وأنت حدث لم تجرب الأمور ، ~~ومغرور لم تتدرب ، وقد أفسدت أمر علي بن عيسى علينا . ووالله لا سلم بعد ~~هذا إلينا . ووجه من وقته إلى هشام بن عبد الله فاستحضره ، وأعلمه ما كان ~~من المحسن وجنايته في أمر علي بن عيسى ، وقال له : ستعظم زيدان على الخليفة ~~والسيدة ما جرى ، وتجعل ذلك طريقا إلى نزع جبته وفك قيده ، وألا يسلم إلينا ~~، فما الرأي عندك ؟ قال : أن تكتب الساعة إلى الخليفة رقعة بخطك لا بخط ~~كاتب من كتابك ، وتذكر له ما انصرف به إليك أبو أحمد من خبر علي بن عيسى ، ~~وأن ذلك أقلقك وأزعجك ، وشق عليك وبلغ منك ، حتى دعاك إلى ترك الأكل ، ~~وتنسب المحسن إلى الحداثة وركوب الخطأ فيما فعله ، وتقرظ علي بن عيسى ، ~~وتستعطف رأيه له ، وتذكره ما سلف من حقوقه وحرماته ، وتسأله الصفح عنه ، ~~والتجاوز عما أنكره منه ، وترغب إليه في فك قيده ونزع الجبة عنه . لتوهمه ~~بذلك إنكارك للقصة ، وتشيع أن تنحية قيده وجبته بشفاعتك ، وتمن على علي بن ~~عيسى بما صدر عنك . فأما متى لم تفعل هذا فعل بغير مرادنا ، وخسرنا الحمد ~~والمنة ، وحصلنا على القباحة والشناعة . فقال ابن الفرات : صدقت وأصبت ~~الرأي . وكتب ms260 الرقعة وأنفذنا مع صافي الخادم ، وكان يحمل رقاعه إلى المقتدر ~~بالله ، فأخذها مفلح منه ، وأوصلها ، وعاد الجواب من وقته PageV01P220 بخط ~~نعمة الكاتبة ، يتضمن شكر المحسن على ما كان منه ، وذم علي ابن عيسى ، ~~واستصغار ما جرى عليه ، وأن المحسن لو لم يمتثل ما أمر به فيه لأفسد حاله ~~عنده ، وأنه مع ذلك قد شفع أبا الحسن بن الفرات في علي بن عيسى ، ووهبه له ~~وأمر بنزع الجبة والقيد عنه . ومضت عشرة أيام ، وأنفذ علي بن عيسى إلى ابن ~~الفرات ، وقيل له : قد حمل إليك لتطالبه بالمال المقرر عليه . وكان الباطن ~~أن زيدان قالت لابن الفرات : لولا ما استعمله المحسن ابنك بعلي بن عيسى ~~لسلم إليك إقامة لجاهك لئلا يظهر من منعك عنه ما تضعف به يدك . وأشارت عليه ~~بنقله إلى دار شفيع اللؤلؤي من وقته ، وأن يظهر اختيار علي بن عيسى لذاك ~~وسؤاله إياه . ووعدها ابن الفرات بالعمل على رأيها . وأحضر علي بن عيسى دار ~~ابن الفرات وهو في دار حرمه ، فجلس في رواق بقرب من مجلس ابن الفرات ، ومعه ~~فائق وجه القصعة وفلفل ، وكانا يشهدان عند القضاة . ولما رأى كتاب ابن ~~الفرات علي بن عيسى قاموا إليه ، وسلموا عليه ، وأذن بصلاة العصر ، فقام ~~علي بن عيسى وصلى بقوم اجتمعوا خلفه ، ودخل هشام إلى ابن الفرات وقال له : ~~أهنئ الوزير أيده الله . فقال : بأي شيء ؟ قال : تقلد علي بن عيسى في دارك ~~، ونمس على الخدم والعامة بذلك . فقال ابن الفرات : ما أراد إلا التفاؤل ~~بأن يقيم حقا في هذه الدار ويأمر وينهي . ثم خرج ابن الفرات من دار حرمه ~~إلى مجلسه ، وقام إليه فائق وفلفل وأوصلا رقعة المقتدر بالله إليه بإنفاذه ~~علي بن عيسى ليؤدي ما قرر عليه وكان فيها : إن عليا وإن كان قد أخطأ وأذنب ~~فله خدمة وحرمة ، وأريد أن تراعيه في مطعمه ومشربه ، وتتفقده أجمل تفقد ~~وأحوطه ، فقد ضمن الإسراع إلى أداء المال . فلما قرأ ابن الفرات الرقعة ~~استدعي علي بن عيسى ، وقربه حتى صارت ركبته مع ms261 مرفع الدواة ، واجتمع الناس ~~ينظرون ، ووافى المحسن ، فقام علي بن عيسى ، وقد كان الأمراء والقواد وسائر ~~الطبقات يقومون للمحسن في مجلس أبيه ، فلم ينكر ابن الفرات قيام علي بن ~~عيسى لابنه . وأعاد ابن الفرات قراءة الرقعة الواردة ، ودفعها إلى المحسن ~~حتى وقف عليها وردها بعد ذلك إلى أبيه . فأقبل ابن الفرات على الخادمين ~~وقال : ما أقبح ما وصيت به من تفقد أبي الحسن في مطعمه ومشربه ، فإن كان ~~ذلك لتقصير يظن بي فيما هذه سبيله فما أبعدني عن مثله ، وإن كان لكناية عن ~~أمر آخر فأرجو ألا أكون في منزلة من يستجيزه أو يطلقه . وقد سلم حامد إلي ~~PageV01P221 مع تناهيه في العداوة لي واستعمال القبيح معي فعاملته بالجميل ~~الذي عرف ، ومعلوم فرق ما بينه وبين أبي الحسن عندي . وقد كان ابن الفرات ~~قطع لحامد لما سلم إليه ثيابا بعشرة آلاف درهم ، وأصلح له فرشا وثيرة ، ~~وأجلسه في دار كبيرة ، وأخدمه عدة غلمان وخدم ، وكان يبخره في كل يوم دفعات ~~، ويقدم إليه أحسن وأوسع طعام فاستخرج بذلك منه ألف ألف وثلاثمائة ألف ~~دينار لا يعلم بها أحد غير حامد ، كان منها أربعمائة ألف وكسر من آبار ~~بواسط ومائة ألف دينار وكسر من ودائع . وإنما جرى عليه المكروه من المحسن ~~بغير إيثار ابن الفرات ، ولأن المقتدر بالله أقام على أنه لا بد من تسليمه ~~إلى المحسن ، فإنه ضمنه منه بعد ما أخذه أبوه منه بخمسمائة ألف دينار . ~~وخرج من المكروه إلى حد علم به أن الغرض نفسه لا ماله فأقام على التبلج ولم ~~يؤد على يد المحسن درهما واحدا . وجرى عليه بواسط ما أدى إلى هلاكه ، وقيل ~~: إنه طلب في الطريق ما يأكله فأتوه ببيض مسموم فأكله ، ولم يزل يقوم حتى ~~مات في دار البزوفري . وكان قول ابن الفرات ما قاله قبل تسليم حامد إلى ~~المحسن . ونرجع إلى استتمام حديث علي بن عيسى . وقال له ابن الفرات : والله ~~لقد استأذنني حامد في الفصد عندي لوجع لحقه في ضرسه فخفت أن يجتمع عليه ms262 ~~الفصد وعلو السن فيضعف ويتلف ، فلم آذن له ومنعته . مالنا ولهذا إذا كنا ~~نخاف على النفوس ؟ فوالله لا أقام هذا الرجل في داري . وقع يا أبا عبد الله ~~وأومأ إلى زنجي إلى شفيع الكبير يعني اللؤلؤي بالحضور ، فوقع إليه ، وقد ~~كان شفيع عرف الخبر من دار السلطان فلما جاءه التوقيع أنفذ قيصرا خادمه ~~فأجاب بالاعتذار وقال : قد انفذت ثقتي وهو يقوم مقامي ، فما يراد مني ؟ فرد ~~إليه الوزير : بأن لا بد من حضورك . وحضر ، فسلم إليه علي بن عيسى ، ووصاه ~~بحفظه ليؤدي المال المقرر عليه عنده . وقبل ذلك أعطي علي بن عيسى ابن ~~الفرات تذكره له كان أولها : الكتاب إلى العمال بالإفراج عن وقوفي . فلما ~~قرأ ذلك دعا بساكن صاحب دواته وقال : هات الكتب التي كتبت أمس من ديوان ~~PageV01P222 المقبوضات وأمرتك بحفظها . فأحضرها ، وإذا هي بالإفراج لعلي ~~ابن عيسى عن وقوفه وقال : قد فعلت ذلك قبل أن تسأله ، وعملت فيه ضد ما ~~عاملتني به ، لأن أمير المؤمنين أيده الله أمرك في نكبتي بالإفراج عن بعض ~~وقوفي فرجعت ودافعت ، حتى إذا ما لم تجد مدفعا استخرجت ما فيها ورددتها ~~فارغة وأنا قد أطلقتها لك بغلاتها وأموالها ، وما استحللت إطلاق أيدي ~~العمال في وقوف . فشكره علي بن عيسى وقال : أيها الوزير فني الحديث إلا هذا ~~. ودخل المحسن في القول في الزيادة من توبيخ علي بن عيسى في فعله ، فقال له ~~قولا لاطفه فيه وفي عرضه : أنا والله أستحليك فغلظت هذه اللفظة على المحسن ~~وغاظته . فأجابه المحسن جوابا حشمه فسكته أبوه . ثم أقبل على علي بن عيسى ~~فقال له : أبو أحمد كاتب أمير المؤمنين وصنيعته ووصف موضعه منه ، وتفويضه ~~إليه فاعتذر علي ابن عيسى من كلمته أشد اعتذار ، ورجع أبو الحسن إلى قراءة ~~التذكرة . وكان الباب الثاني منها : الإفراج عن دوري وعقاري ببغداد . فقال ~~له ابن الفرات أما دورك وولدك فما عرض لهم . وأما عقارك فأنا أطلقه . ووقع ~~بذلك . وكان الباب الثالث : كتب أمان لأولادي وأسبابي . فقال له ابن الفرات ~~: أما أولادك فلا ms263 علقة عليهم ، لأنك ما صرفتهم في أيامك ولا قلدتهم شيئا من ~~أعمالك ، ولكني أستظهر لك ولهم بالأمان ، وأما أسبابك فسم من تريد ممن لا ~~تبعة عليه . فأسمي جماعة . وكتب الأمان لهم ولأولاده . وكان الباب الرابع : ~~إطلاق غلة إن كانت بقيت في ضياعي . قال ابن الفرات : هذا لا يجوز لأنني لا ~~أطلق الضياع ولا الغلة إلا بعد ان تؤدي مال التعجيل ، ولكني أكتب إلى ~~العمال بأن يحصلوا موجود الارتفاع ليحسب ذلك من مال التعجيل ، فهو أعود . ~~وكان الباب الخامس : إطلاق ضياعي بديار ربيعة والموصل والشام . فقال ابن ~~الفرات : أما ما كان بديار ربيعة والموصل فأنا أطلقه بعد أن تؤدي ثلاثين ~~ألف دينار ، وأما ما بالشام فهو مختلط ولا أعرف ارتفاعه ، ولكن عرفني مبلغه ~~لأقفه عنك ، فإنني أثق فيه بقولك : فقال : هو في هذه السنة ناقص العمارة ~~ومقداره مائة ألف درهم ، فقال : أنا أقف هذا القدر عنك . PageV01P223 ~~والباب السادس : إطلاق ضيعتي بالسود إذا أديت ثلاثين ألف دينار . فامتنع ~~أبو الحسن من ذلك ، ووقع في الأبواب الأول بما ذكرناه . وعرض فائق وفلفل ~~عليه رقاعا في حوائج لهما ، فشغل بهما وبمن جرى مجراهما من أرباب المطالب . ~~وأقبل المحسن على علي بن عيسى وقال له : ألست زعمت أن حامد بن العباس أسقط ~~عن المادرائيين ألفي ألف ومائتي ألف دينار مصابرة ، وكتب لهم مؤامرة بذلك ~~إلى الخليفة ، وأخذ توقيع الخلافة فيها ؟ وأنت وإن كنت إذ ذاك من قبله فقد ~~جحد حامد هذا القول منك . فقال له علي بن عيسى : يجحد وهو الناظر الآمر ! ~~فقال له : فألا عارضته ومنعته ؟ لأن الخليفة أقامك للاستظهار عليه . فقال : ~~ما كنت في الوقت ألا من قبله ، فلما ضمن اعتمد الخليفة علي في استيفاء ما ~~استوفيته ، ومع هذا فصناعتك ترتفع عن أن تلزمني في مثل ذلك دركا لو كنت ~~فعلته متعمدا ، فإن المال يلزم من هو عليه . وعلا صوتاهما بالقول : فأقبل ~~ابن الفرات عليهما وقال : في أي شيء أنتما ؟ فعرفه المحسن الصورة . فقال ~~ابن الفرات : المادرائي وابن أخيه واردان ، وإذا وردا كان ms264 الخطاب معهما ~~والمناظرة لهما ، وقد أسقطت المصادرة عن أبي الحسن كل تبعة ، وكفاك ما ~~عاملته به فأمسك عنه . فقال المحسن : هو شيخي ، وقد علم الله أنني ما آثرت ~~ما جرى . فقال له علي بن عيسى : كذلك الظن بك يا سيدي . ثم رجع ابن الفرات ~~إلى قراءة ما بقي من التذكرة التي لعلي بن عيسى ، فإذا فيها : يؤذن للكتاب ~~وأصحاب الدواوين الولاة والمعطلين والقواد وكتابهم في الاجتماع معي ولا ~~يمنع واحد منهم عني . فقال ابن الفرات : أما أصحاب الدواوين الولاة فلا ~~يجسرون على لقائك فزعا مني إلا رجلا واحدا هو جار الموضع الذي أنت فيه يعني ~~ابن الصريفيني صاحب الجيش لأن داره كانت مجاورة لدار شفيع اللؤلؤي التي في ~~مشرعة القصب على دجلة ، وانتقلت من بعد إلى أبي بكر محمد بن بدر الحمامي ~~وسيصير إليك سرا . وأما القواد فعليك في مجيئهم إليك شناعة . فقال : إنما ~~أريدهم لابتياع ضياعي ، ومنهم داود بن حمدان ، وهو يرغب فيما بديار ربيعة ~~منها ، ولا شناعة في مثل ذلك . فقال : بلى . وربما صار منه حديث ، وكتابهم ~~يجيئونك ، وفيهم كفاية . ووقع بهذا . وتبع هذا الباب من التذكرة : كتاب ~~يكون في يدي بما تقررت عليه مصادرتي ، وأنه مزيل لكل تبعة وتأول عني وعن ~~كتابي وأسبابي . فضحك ابن الفرات وقال : ما أطرف هذا بين أن تضج وتتظلم ~~وتقول : إنه لا يجب على مثلك مصادرة ، ثم تحتاط لنفسك في التبعة بأن تتنجز ~~بها كتابا . فقال : إي لعمري ما هي واجبة علي ، ولا ارتزقت في مدة خمس سنين ~~إلا PageV01P224 مثل مال التعجيل وهو مائة ألف ، ولكن إذا وقعت المصادرة ~~فلي ولأسبابي في هذا الكتاب حجة في نفوسنا وأملاكنا . فأقبل ابن الفرات على ~~المحسن ابنه وقال له : أنت تتولى لأمير المؤمنين ديوان المصادرين ، فاكتب ~~له بما يريد . فقال أوقع بأن يكتب له ذلك . قال : لا ، بل تكتبه بخطك . قال ~~: فكيف أدعو له ؟ قال : بالدعاء التام . فكتب له المحسن بخطه عن نفسه كتابا ~~بالمصادرة ، ودعا له في صدره ، ثلاثة أسطر ، وترجمة بالدعاء التام ، وكتب ms265 : ~~من المحسن بن أبي الحسن . كما يكتب إلى الناس كلهم ، ودفع الكتاب إلى أبي ~~غانم سعيد بن محمد المعروف بابن الشاشي خليفته على ديوان المصادرين . ~~وبينما ابن الفرات يحادث علي بن عيسى خرج أبو علي الحسن بن أبي الحسن ابن ~~الفرات ، من دولة ، وسنه إذا ذاك بضع عشرة سنين . فقام إليه علي بن عيسى ، ~~فأكبر ذاك أبو الحسن بن الفرات وقال : يا أبا الحسن أعزك الله هذا ولدك . ~~فقال علي بن عيسى : قد خدمت السيد الماضي أبا العباس رحمه الله وخدمت ~~الوزير أيده الله ، وأرجو أن أعيش حتى أخدم هذا السيد أعزه الله . فشكره ~~ابن الفرات على قوله ، وأخذ قرطاسا ووقع فيه إلى هارون بن عمران بأن يحتسب ~~عليه من مال ضيعته بألفي دينار يحملها إلى أبي الحسن علي بن عيسى من غير ~~دعاء معونة له على مصادرته . فقال علي بن عيسى : ما أحب التثقيل على الوزير ~~أيده الله ولكن لا أرد تفضله مع الحاجة إليه . وأخذ المحسن الدواة وكتب له ~~بألف دينار . وتقدم ابن الفرات إلى هارون بن عمران بأن يكتب له قبضا بهذه ~~الثلاثة الآلاف الدينار من مال مصادرته ، ونهض علي بن عيسى بعد أن قبل يد ~~أبي الحسن بن الفرات ، وضمه ابن الفرات إليه ، وأكب علي بن عيسى على رأس ~~المحسن فتطاول له تطاولا كالقيام ، وقام معه كل من كان بحضرة ابن الفرات ~~إلا وجوه أصحاب الدواوين ، ومشى بين يديه الحجاب والحواشي ، ومضى إلى دار ~~شفيع . ولم يبعد أن قام ابن الفرات لصلاة المغرب ، فلما صلى دعا بهشام وابن ~~جبير وابن فرجويه وقال : رأيتم مثل رجلة علي بن عيسى PageV01P225 وتطأمنه ~~للنكبة واستعانته عليها بالاستعطاف والتذلل ؛ وهذه طريقة لا أحسنها ، لأن ~~كبدي في المحن كأكباد الإبل ، لا جرم أنها تزداد وتتضاعف . ثم دعا بالعباس ~~الفرغاني حاجبه وقال له : حدثهم . فقال : نعم ، لما نزل علي ابن عيسى إلى ~~طيار شفيع اللؤلؤي أجلسه في صدره وجلس بين يديه . فقال ابن الفرات : هذا ~~غير منكر لأنا ما عاملنا بقبيح فيتصنع لنا ms266 شفيع بإذلاله ، وهو مع ذلك شيخ ~~قد رأس عليهم ، وكان معظما في أيام عبيد الله بن سليمان وله أبوته وصناعته ~~. وأقام علي بن عيسى في دار شفيع إلى أن أدى ثلاثمائة ألف دينار المصادرة ، ~~وأطلقت ضياعه . ثم أبعد إلى مكة ، وأطلق له ابن الفرات عشرة آلاف درهم نفقة ~~سلمها إليه ، وأعطي في أجر الجمالين ونفقات الموكلين ثمانية آلاف درهم . ~~فلما حصل بمكة أعيد قبض الضياع وأمر بإخراجه إلى صنعاء . وإنما تم ذلك عليه ~~بعد خروج مؤنس إلى الرقة كالمبعد . وذكر أن علي بن عيسى لم يقبل لأحد من ~~الكتاب في نكبته هذه معونة من بذلهم ذلك له ، إلا بن فرجويه فإنه حمل إليه ~~ألف دينار . وحمل إليه الفضل والمحسن ابنا ابن الفرات ألف دينار . وكان أبو ~~الهيجاء بن حمدان أنفذ إليه عشرة آلاف دينار فردها وقال له : لو كنت متقلدا ~~فارس لقبلتها ، وأعلم أنها تجحف بما لك ، وما أحب ثلمك . فحلف أبو الهيجاء ~~أنها لا ترجع إلى ملكه ففرقت على الطالبيين والضعفاء . وحمل إليه هارون بن ~~غريب جملة قبلها . وبذل له شفيع ألفي دينار فامتنع منها وقال له : لا أجمع ~~عليك مؤونتي ومعونتي : ولأبي الميمون سالم بن عبد الله في علي بن عيسى لما ~~أخرج إلى مكة : سيرت الشمسة بالنحس . . . فأطلعت سعدا على الأنس فأبعد الله ~~الذي سيرت . . . في الأرض أقصى مطلع الشمس لما غدا أهلوه في مأتم . . . ~~أصبحت الأمة في عرس فلا كلاه الله من ذاهب . . . ولا رعاه الله من جبس أطلع ~~في أيامه كلها . . . على البرايا كوكب النحس وضيق PageV01P226 الدنيا على ~~أهلها . . . كأنها العالم في حبس يضيع الأموال من عجيبة . . . وينظر الساقط ~~من فلس أهلكه الله ولا رده . . . فهلكه أطيب للنفس ما يؤمن الشر ولا ينقضي ~~. . . حتى يوارى النذل في رمس # | وزارة أبي الحسن علي ابن عيسى الثانية # لما قبض علي أبي الحسن علي بن عيسى بعد نظره مع حامد بن العباس جرى أمره ~~مع أي الحسن بن الفرات وابنه المحسن على ما ذكرناه . ثم أخرجاه إلى مكة ms267 ، ~~ومنها إلى اليمن ، فكان هناك إلى أن قبض عليهما . ووزر أبو القاسم الخاقاني ~~، فسأل مؤنس الخاقاني أن يأذن لعلي بن عيسى في الرجوع إلى مكة ، ففعل ، ثم ~~سأل مؤنس المقتدر بالله من بعد تقليده الإشراف على مصر والشام ، فأمر ~~الخاقاني بذلك ، وكتب إلى علي بن عيسى به ، وأجري له ألفي دينار في كل شهر ~~. وكان عامل مصر يومئذ أبو أحمد الحسن بن محمد الكرخي وعامل الشام محمد بن ~~الحسن ابن عبد الوهاب . وتقلد أبو العباس الخصيبي الوزارة فأقره على ذلك . ~~وقد أمر الخصيبي ، فأشار مؤنس على المقتدر بالله باستقدام علي بن عيسى ورد ~~الأمور إليه والتعويل فيها عليه . وندب سلامة الطولوني للنفوذ إلى دمشق في ~~طريق البرية وإحضار علي بن عيسى منها ، ونفذ في يوم السبت ثالث عشر ذي ~~القعدة ، واستقر الأمر في مراعاة الأعمال إلى حين وصوله على أن استدعي ~~المقتدر بالله عبيد الله بن محمد الكلوذاني في يوم الخميس الحادي عشر من ذي ~~القعدة ، وعرفه تقليده أبا الحسن علي بن عيسى الوزارة ، وأمره بالنيابة عنه ~~إلى حين وروده ، فانصرف أبو القاسم إلى دار الوزارة بالمخرم في طيار ~~الخصيبي المقبوض عنه ، وجلس ونظر في الأعمال ، وقرأ الكتب الواردة ، ووقع ~~في الكتب الصادرة ، وكتب إلى عمال الخراج والمعاون وعراض الجيوش وأصحاب ~~الأخبار والبرد والقضاة بما رد إلى علي بن عيسى ورسم له من خلافته ، وأمر ~~ونهى وعزل وولى . وظهر في هذا اليوم أبو علي بن مقلة وأبو الفتح الفضل بن ~~جعفر ، وجاءا إلى أبي القاسم وسلما عليه ، وحضر هشام بن عبد الله ونظر فيما ~~كان ينظر فيه PageV01P227 للخصيبي . ولم يزل الكلوذاني يدبر الأمور حتى مشى ~~كثيرا واستخرج صدرا كبيرا . وسار علي بن عيسى من دمشق إلى جسر منبج ثم ~~انحدر في الفرات إلى بغداد ، وخرج الناس لتلقيه في سلخ المحرم وأول صفر من ~~سنة خمس عشرة وثلاثمائة ، فمنهم من لقيه بالرحبة ثم بهيت ثم بالأنبار . ~~وورد إلى الحضرة في يوم الثلاثاء خامس صفر ، وبدأ بالمقتدر بالله ، فوصل ~~إليه بعد العشاء ms268 الآخرة ، ومعه مؤنس المظفر ، فخاطبه خطابا جميلا وانصرف ~~إلى منزله ، فحمل إليه المقتدر بالله من الثياب الفاخرة والفراش الجليل ~~والمال ما قيل : إن ثمنه وقدره نحو عشرن ألف دينار ، وأمره بالاستعانة بذلك ~~على إصلاح أمره وإقامة تجمله ، وخلع عليه خلع الوزارة في يوم الخميس لسبع ~~ليال خلون من صفر ، وسار معه مؤنس المظفر إلى أن بلغ داره بسوق الثلاثاء ، ~~ثم حلف عليه علي بن عيسى فتأخر عنه ، وسار بين يديه هارون بن غريب وشفيع ~~ومفلح ونسيم وياقوت ونازوك وجميع القواد والغلمان إلى داره بباب البستان . ~~وقدم بقدوم علي بن عيسى أخوه عبد الرحمن وقد كان خرج إليه عند تقلد الخصيبي ~~الوزارة من غير أن يلقاه ، وسليمان بن الحسن . وقد ذكرنا حاله فيما تقلد من ~~أعمال الشام في وزارة الخصيبي وعبيد الله بن عبد الله بن الحارث ، وأبو ~~زنبور الحسين بن أحمد المادرائي . وبلغ هشام بن عبد الله أنه قد ذكر عند ~~أبي الحسن علي بن عيسى بما أفسد رأيه فيه ، وذكر بما كان كاشفه فيه في أيام ~~ابن الفرات الأخيرة ، وما عامل به إبراهيم وعبد الله أخويه من القبيح قولا ~~وفعلا ، فاستوحش وأشفق واقتصر على أن وقف لعلي بن عيسى في الطريق ، وترجل ~~له ، وعاد إلى منزله ولم يجسر على حضور داره . وكان يتقلد مع ديوان ~~المصادرين كتابة أحمد بن بدر العم ، فلما تأخر عن علي بن عيسى وقع إليه : ~~لم أرك مد الله في عمرك أحضرتني عملا للمصادرات التي تتقلد ديوانها ، ولا ~~أنفذت إلي كتابا بالمطالبة بشيء من مالها ، ولا أخرجت إلي ما تعلم شدة ~~الحاجة إليه من أحوال ضمانات الضمناء التي ضمنوها ، وبلغني أنك متشاغل عن ~~هذه الأعمال بغيرها ، فينبغي أكرمك الله أن تخرج إلي سائر ما قبلك ، وتجري ~~على عادتك في خدمتي وملازمة حضرتي إن شاء الله . فأجابه هشام : بأنه حضر ~~الدار للخدمة فوجد الوزير قد قام من مجلسه وعزم على الرواح وملازمة الخدمة ~~التي يتشرف بها وأنه إنما أخر إخراج ما على المصادرات لعلمه بمذهب الوزير ms269 ~~في البحوث عن الظلم . PageV01P228 وعمل على المشافهة بما عنده ليخرج من ~~المصادرات ما هو واجب مما لم يجر فيه تحريف ولا حيف . فوقع إليه : أخرج ما ~~عندك كائنا ما كان ، وبين وجوهه وأسبابه لأتقدم فيه بما يوفق الله إن شاء ~~الله . وحضر هشام مجلسه ، فقال له : ليس من مذهبي أن أذكر إساءة أحد ، ولما ~~خلصني الله تعالى من صنعاء وعدت إلى مكة عاهدته سبحانه على ترك مقابلة كل ~~من سعي علي في ولايتي ولكبتي ، ووكلت جميعهم إلى الله . ولك خدمة قديمة ~~توجب لك حقا ، وعليك أضعافه ، فإذا لم ترع ما يلزمك لم أدع رعاية ما يلزمني ~~. ثم قال له : أموال الصدقات بفارس وكرمان معقودة على أبي عيسى أحمد بن بدر ~~العم ، وقد حل منها ثلاثمائة ألف درهم ، والضرورة قائدة إلى مطالبته بأداء ~~ذلك في بيت مال العامة لأسبب له عوضه على المسمعي من مال ضمانة الضياع ~~والخراج بفارس ، وأريد أن تكتب لي خطك بعشرة آلاف دينار من ذلك . فكتب له ~~بمائة ألف درهم ، ووقع لأهل الصدقات بالعوض منها على المسمعي ، ثم ذكر له ~~هشام أن على إسحاق بن إسماعيل من مال ضمانة النهروانات ، وعلى نصير بن علي ~~من مال ضمانة طريق خراسان وموات جلولا ، وعلى محمد بن الحسن الكرخي الملقب ~~بالجرو من مال ضمانة نهر بوق والزاب الأسفل ، وعلى ابن عرفة خليفة محمد بن ~~القاسم الكرخي من مال الأعمال التي يتولاها صاحبه ، وعلى محمد وجعفر ابني ~~جعفر الكرخي من مال مصادرتهما ، وعلى محمد بن الحسن كاتب المسمعي من مال ~~ضمانة أعمال فارس وكرمان ، وعلى خليفته ابن رستم من مال أصبهان ، أموالا ~~كثيرة ، وأنهم لم يؤدوا منذ وقع اسمه على الوزارة إلا شيئا يسيرا . وأنه قد ~~أحضر خطوطهم بأعيانها ، وعملا بأصول ما عليهم وما أدوه ، وبقي خطوط ~~المصادرين بما تقررت عليه أمورهم ، وعملا مفصلا بما بقي منها على كل واحد ~~منهم . وقال : سبيل ذلك كله أن يستوفى . فأمره علي بن عيسى بتسليم الخطوط ~~إلى صاحب دواته بثبت ، وتسلم هو العملين بيده ms270 ، وقرأهما ، وتقدم إلى أبي ~~القاسم الكلوذاني بالاجتماع مع هشام على المطالبة بالمال والجد في ذلك حتى ~~يصح في ثلاثة أيام . وأخرج علي بن عيسى جميع الأعمال إلى أبي القاسم ~~الكلوذاني ، ولزم أصحاب الدواوين مجلسه في دار علي ابن عيسى حتى ظن أنه ~~خليفته على الدواوين كلها . فلما أخرج الكلوذاني كل ما عنده إلى علي بن ~~عيسى وتشاغل بما أمره به من مطالبة الضمناء والمصادرين قال له علي بن عيسى ~~: إليك أجل الدواوين ، وإن ارتسمت بخلافتي اختل ما إليك منها ، وليس يقوم ~~أحد مقامك في ذلك ، فينبغي أن تتوفر على ذلك فسر الكلوذاني PageV01P229 ~~بهذا القول لأنه خاف أن يرد ديوان السواد إلى عبد الرحمن أخيه على ما كان ~~فعله في وزارة حامد ، ويحصل هو على خلافة لا يوفيه علي بن عيسى حكمها ، لأن ~~من مذهبه أن ينظر في الأعمال بنفسه ليلا ونهارا . وعول على عبد الرحمن أخيه ~~وسليمان بن الحسن في عمل من الأعمال للضمناء والعمال مما يخرجه إليهما ~~أصحاب الدواوين ، وفي مكاتبة عمال الخراج والضياع والمعاون في نواحي المغرب ~~عنه ، والنظر في سائر أعمال المغرب كما ينظر صاحب الديوان ، فتحققا به ~~ولازما مجلسه ، وتجدد إشفاق هشام واستيحاشه ، وذاك أنه بلغه حضور أولاد ~~إبراهيم بن عيسى عند عمهم علي بن عيسى فلما رآهم دمعت عينه وقال : ترك ~~أبوهم العمل معي في وزارة حامد طلبا للسلامة فلم ينفعه ذاك وأفقره ابن ~~الفرات ثم سلمه إلى من قتله . فقال له من كان بحضرته : الذي جرى عليه من ~~هشام مكروها وشتما له ولآل الجراح كلهم أعظم من القتل وخفف هشام الحضور في ~~دار علي بن عيسى ، وكان ينفذ إليه الأعمال من غير أن يلقاه . وزاد ما يتأدى ~~إليه من ذكر أصحاب علي بن عيسى له وتضريتهم إياه عليه ، فاستتر وستر حرمه ، ~~ولم يعرض له علي بن عيسى ، ووقع إليه بعد أيام من استتاره توقيعا جميلا ~~فأجاب عنه بأنه قد كان واثقا بتفضل الوزير عليه وصفحه عنه . وعمل على ~~ملازمة الخدمة ألى أن أكثر أعداؤه ms271 من الإغراء به والوقيعة فيه ، فأقام في ~~منزله واثقا بنيته ومعولا على عفوه ورأفته . فوقع إليه : ما صرفتك أكرمك ~~الله فإن أحببت الحضور والخدمة وإلا فالله لك بالرشد . فلم يسكن وأقام على ~~الاستتار . ابه لأتقدم فيه بما يوفق الله إن شاء الله . وحضر هشام مجلسه ، ~~فقال له : ليس من مذهبي أن أذكر إساءة أحد ، ولما خلصني الله تعالى من ~~صنعاء وعدت إلى مكة عاهدته سبحانه على ترك مقابلة كل من سعي علي في ولايتي ~~ولكبتي ، ووكلت جميعهم إلى الله . ولك خدمة قديمة توجب لك حقا ، وعليك ~~أضعافه ، فإذا لم ترع ما يلزمك لم أدع رعاية ما يلزمني . ثم قال له : أموال ~~الصدقات بفارس وكرمان معقودة على أبي عيسى أحمد بن بدر العم ، وقد حل منها ~~ثلاثمائة ألف درهم ، والضرورة قائدة إلى مطالبته بأداء ذلك في بيت مال ~~العامة لأسبب له عوضه على المسمعي من مال ضمانة الضياع والخراج بفارس ، ~~وأريد أن تكتب لي خطك بعشرة آلاف دينار من ذلك . فكتب له بمائة ألف درهم ، ~~ووقع لأهل الصدقات بالعوض منها على المسمعي ، ثم ذكر له هشام أن على إسحاق ~~بن إسماعيل من مال ضمانة النهروانات ، وعلى نصير بن علي من مال ضمانة طريق ~~خراسان وموات جلولا ، وعلى محمد بن الحسن الكرخي الملقب بالجرو من مال ~~ضمانة نهر بوق والزاب الأسفل ، وعلى ابن عرفة خليفة محمد بن القاسم الكرخي ~~من مال الأعمال التي يتولاها صاحبه ، وعلى محمد وجعفر ابني جعفر الكرخي من ~~مال مصادرتهما ، وعلى محمد بن الحسن كاتب المسمعي من مال ضمانة أعمال فارس ~~وكرمان ، وعلى خليفته ابن رستم من مال أصبهان ، أموالا كثيرة ، وأنهم لم ~~يؤدوا منذ وقع اسمه على الوزارة إلا شيئا يسيرا . وأنه قد أحضر خطوطهم ~~بأعيانها ، وعملا بأصول ما عليهم وما أدوه ، وبقي خطوط المصادرين بما تقررت ~~عليه أمورهم ، وعملا مفصلا بما بقي منها على كل واحد منهم . وقال : سبيل ~~ذلك كله أن يستوفى . فأمره علي بن عيسى بتسليم الخطوط إلى صاحب دواته بثبت ~~، وتسلم هو العملين ms272 بيده ، وقرأهما ، وتقدم إلى أبي القاسم الكلوذاني ~~بالاجتماع مع هشام على المطالبة بالمال والجد في ذلك حتى يصح في ثلاثة أيام ~~. وأخرج علي بن عيسى جميع الأعمال إلى أبي القاسم الكلوذاني ، ولزم أصحاب ~~الدواوين مجلسه في دار علي ابن عيسى حتى ظن أنه خليفته على الدواوين كلها . ~~فلما أخرج الكلوذاني كل ما عنده إلى علي بن عيسى وتشاغل بما أمره به من ~~مطالبة الضمناء والمصادرين قال له علي بن عيسى : إليك أجل الدواوين ، وإن ~~ارتسمت بخلافتي اختل ما إليك منها ، وليس يقوم أحد مقامك في ذلك ، فينبغي ~~أن تتوفر على ذلك فسر الكلوذاني بهذا القول لأنه خاف أن يرد ديوان السواد ~~إلى عبد الرحمن أخيه على ما كان فعله في وزارة حامد ، ويحصل هو على خلافة ~~لا يوفيه علي بن عيسى حكمها ، لأن من مذهبه أن ينظر في الأعمال بنفسه ليلا ~~ونهارا . وعول على عبد الرحمن أخيه وسليمان بن الحسن في عمل من الأعمال ~~للضمناء والعمال مما يخرجه إليهما أصحاب الدواوين ، وفي مكاتبة عمال الخراج ~~والضياع والمعاون في نواحي المغرب عنه ، والنظر في سائر أعمال المغرب كما ~~ينظر صاحب الديوان ، فتحققا به ولازما مجلسه ، وتجدد إشفاق هشام واستيحاشه ~~، وذاك أنه بلغه حضور أولاد إبراهيم بن عيسى عند عمهم علي بن عيسى فلما ~~رآهم دمعت عينه وقال : ترك أبوهم العمل معي في وزارة حامد طلبا للسلامة فلم ~~ينفعه ذاك وأفقره ابن الفرات ثم سلمه إلى من قتله . فقال له من كان بحضرته ~~: الذي جرى عليه من هشام مكروها وشتما له ولآل الجراح كلهم أعظم من القتل ~~وخفف هشام الحضور في دار علي بن عيسى ، وكان ينفذ إليه الأعمال من غير أن ~~يلقاه . وزاد ما يتأدى إليه من ذكر أصحاب علي بن عيسى له وتضريتهم إياه ~~عليه ، فاستتر وستر حرمه ، ولم يعرض له علي بن عيسى ، ووقع إليه بعد أيام ~~من استتاره توقيعا جميلا فأجاب عنه بأنه قد كان واثقا بتفضل الوزير عليه ~~وصفحه عنه . وعمل على ملازمة الخدمة ألى أن أكثر ms273 أعداؤه من الإغراء به ~~والوقيعة فيه ، فأقام في منزله واثقا بنيته ومعولا على عفوه ورأفته . فوقع ~~إليه : ما صرفتك أكرمك الله فإن أحببت الحضور والخدمة وإلا فالله لك بالرشد ~~. فلم يسكن وأقام على الاستتار . ونظر علي بن عيسى في الجاري والأرزاق ، ~~فنزل أصحاب الدواوين من الثلثين إلى النصف ، وجعل لأبي القاسم الكلوذاني من ~~خمسمائة دينار كان يقبضها في كل شهر عن ديوان السواد خمسة آلاف درهم ، وقرر ~~لأبي الفتح الفضل بن جعفر عن ديوان المشرق مائة دينار في كل شهر ، ولأبي ~~علي بن مقلة عن ديوان الخاصة والمستحدثة مائة دينار . وكان حامد أجري له ~~ثلاثة آلاف درهم في كل شهر برسم مشيخة الكتاب ، وكان يقبضها إلى أن نكبه ~~ابن الفرات . وأسقط أرزاق كل من كان يقبض برسم الدواوين من الكتاب وأولاد ~~الكتاب الذين يحضرون ولا يعملون ، وغلمان وأسباب وأصحاب الدواوين ، واقتصر ~~بالغلمان على جاري عشرة أشهر في السنة . وبأصحاب البرد والمنفقين على ~~ثمانية أشهر . وحذف من كان جاريا بالفرسان والرجالة برسم النوبة من الكتاب ~~والتجار ومن لا يحمل السلاح ، وأرزاق الأولاد الذين في المهود ، وجميع ~~أرزاق PageV01P230 الخدم والحشم والجلساء والندماء والمغنين وأصحاب ~~العنايات وأرباب الشفاعات . ثم إن علي بن عيسى رأى من اختلال النواحي في ~~وزارة أبي القاسم ابن الخاقاني وأبي العباس الخصيبي ونقصان الارتفاع ، ~~وتضاعف النفقات ، وما زيده الرجالة عند ورود القرمطي وهو مائتان وأربعون ~~ألف دينار في السنة ، ما استعظم الصورة فيه ، وعلم أن الأمور لا تستقيم معه ~~، وتبين انحراف نصر الحاجب عنه لميل مؤنس المظفر إليه وقيامه بأمره . ~~فاستعفى المقتدر بالله من النظر استعفاء دفعه عنه وقال له : أنت عندي ~~بمنزله المعتضد بالله ، ولا بد من أن تصبر وتحتمل . فترك مديدة ثم عاود ~~وواصل وشاور المقتدر بالله مؤنسا فيمن يقلده : وقال له : قد أسمي لي الفضل ~~بن جعفر فلم أرده ، وابن مقلة فما عندك فيه . قال : هو حدث خامل ، والوزارة ~~تحتاج إلى شيخ له ذكر وفيه فضل . فقال له : محمد بن خلف النيرماني وقد بذل ~~تحصيل ألف ms274 ألف دينار من مال النواحي في مدة أربعة أشهر . قال : هذا رجل ~~متهور ولا يحسن أن يكتب اسمه . وأشار بمداراة علي بن عيسى . وخاطب مؤنس علي ~~ابن عيسى ، فقال : لو كنت مقيما بالحضرة لعملت وعولت على معاونتك ومعاضدتك ~~، فأما وأنت خارج إلى الرقة فلا يتم لي أمر . وبلغ أبا علي بن مقلة ذلك ، ~~فجد في السعي على علي ابن عيسى . وشاور المقتدر بالله نصرا الحاجب في ~~الثلاثة الذين هم الفضل بن جعفر وابن مقلة ومحمد بن خلف النيرماني ، فقال : ~~أما الفضل فما يدفع عن محل وصناعة ، ولكنك قتلت عمه بالأمس ، وبنو الفرات ~~كلهم يدينون بالرفض ، ويميلون إلى القرمطي ، وابن مقلة فلا هيبة له . وأشار ~~بمحمد بن خلف ، فلم يتقبله المقتدر بالله ، لأن مؤنسا وهارون بن غريب نفراه ~~منه . وعرف ابن مقلة طعن نصر الحاجب عليه ، فواصل مداراته واستصلاحه ، ~~وواقف أبا عبد الله محمد بن عبدوس الجهشياري على ملاقاة أبي محمد دلويه ~~كاتب نصر واستعانته على إصلاح صاحبه . وأشار مؤنس بأبي زنبور المادرائي ، ~~فكرهه نصر وانقاد لأبي علي بن مقلة والمشورة به ، وقال : يقلد فإن استقل ~~بما ندب إليه والإ صرف واستبدل به . فاضطر المقتدر إلى أن استوزره . وحصلت ~~له وسيلة أخرى قوت أمره ، وذاك أن المقتدر بالله كان شديد التطلع إلى معرفة ~~أخبار أبي طاهر القرمطي ، ولم يكن يقف عليها إلا من جهة الحسن ابن إسماعيل ~~الإسكافي عامل الأنبار وما يكتبه منها إلى علي بن عيسى في كل أيامه ، فأنفذ ~~أبو علي علي بن مقلة طيورا إلى الأنبار ، وعول على قوم من PageV01P231 ~~أهلها في مكاتبته بأخبار القرمطي على الساعات . فكان يرد من ذاك ما ينفذه ~~لوقته إلى نصر الحاجب ، ويعرضه نصر على المقتدر بالله ويجعله طريقا إلى ~~تقريظه وإطرائه حتى قال له : إذا كانت هذه مراعاته لأمورك يا أمير المؤمنين ~~ولا تعلق له بخدمتك فكيف يكون إذا اصطنعته واستكفيته ؟ فلما كان وقت الظهر ~~من يوم الثلاثاء ثالث عشر ربيع الأول من سنة ست عشرة وثلاثمائة أنفذ ~~المقتدر بالله هارون بن ms275 غريب إلى علي بن عيسى للقبض عليه ، فصار إلى داره ، ~~ومعه أبو جعفر بن شيرزاد وهو متعطل إذ ذاك ، فلما قرب هارون منها قدم أبا ~~جعفر أمامه إليه ، وعرفه ما أنفذ فيه حياء من لقائه به ، وعرفه أبو جعفر ~~الحال ، فقال : أنا جالس أتوقعه . ولبس عمامة وطيلسانا وخفا ، وأخذ في كمه ~~مصحفا ومقراضا . ووافى هارون فدخل إليه ، وسأله صيانة حرمه وولده ، ففعل ، ~~ومنع من التعرض لشيء من الدار . ولم يجد في مجلسه ولا داره أحدا من كتابه ~~وأسبابه ، وبصر بأبي علي عبد الرحمن في بيت من الدار مطلعا في شباك ، فهجم ~~عليه وأخذه ، وحملهما إلى دار السلطان ، وسلم علي بن عيسى إلى زيدان ~~القهرمانة ، واعتقل عبد الرحمن عند نصر الحاجب ، فكانت مدة وزارة علي بن ~~عيسى هذه سنة وأربعة أشهر ويومين . وادعى نصر الحاجب بسوء رأيه في أبي ~~الحسن علي بن عيسى أنه وجد رجلا يعرف بالجوهري وأقر بأنه رسول للقرمطي ~~وسفير بينه وبين علي بن عيسى ، وحكي عنه أن علي بن عيسى كان يكاتب القرمطي ~~على يده ، وجمع بينه وبين علي بن عيسى حتى واجهه بذلك . فقال علي بن عيسى : ~~كذب علي وبهتني ، وما خلق الله لما قاله أصلا ولا فرعا ، وعاون أبو علي بن ~~مقلة نصرا الحاجب إلى أن كاد المكروه يتم على علي بن عيسى ، وهم المقتدر ~~بالله بأن يضربه بالسوط على باب العامة بحضرة الفقهاء والقضاة وأصحاب ~~الدواوين . فتوصلت السيدة إلى كشف ما ادعي عليه ، حتى وقفت على بطلانه ، ~~وقررت ذاك في نفس المقتدر بالله ، فزال ما كان اعتقده فيه . وتقلبت بعلي بن ~~عيسى من بعد أمور قد ذكرناها فيما أوردناه من أخباره المنثورة وأخبار ~~الوزراء . ورد إليه في سنة تسع وعشرين وثلاثمائة في خلافة المتقي لله ~~وإمارة بحكم ، PageV01P232 ونظر أبي عبد الله الكوفي النظر في المظالم ، ~~فجلس لذلك ونظر في خصومات بين عوام ، ورد ما يتعلق بعامل وصاحب ديوان وجندي ~~إلى أبي عبد الله الكوفي ، وبالحكم إلى الحكام . فلما انهزم أبو عبد الله ~~البريدي من ms276 كورتكين وتكينك ، وخلت الوزارة من ناظر فيها ومرسم بها ، استدعي ~~المتقي لله أبا الحسن علي بن عيسى وأبا علي عبد الرحمن أخاه وأمرهما بالنظر ~~، وكان أبو علي عبد الرحمن يدبر الأعمال وعلي بن عيسى يصل إلى حضرة المتقي ~~لله ، وجرى الأمر على ذلك تسعة أيام ثم تقلد أبو إسحاق القراريطي الوزارة ، ~~ولازما منزلهما . وتوفي أبو الحسن علي بن عيسى في يوم الجمعة لليلة خلت من ~~ذي الحجة سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة عن تسع وثمانين وستة أشهر ، لأن مولده ~~كان في جمادي الآخرة سنة خمس وأربعين ومائتين . علي عبد الرحمن في بيت من ~~الدار مطلعا في شباك ، فهجم عليه وأخذه ، وحملهما إلى دار السلطان ، وسلم ~~علي بن عيسى إلى زيدان القهرمانة ، واعتقل عبد الرحمن عند نصر الحاجب ، ~~فكانت مدة وزارة علي بن عيسى هذه سنة وأربعة أشهر ويومين . وادعى نصر ~~الحاجب بسوء رأيه في أبي الحسن علي بن عيسى أنه وجد رجلا يعرف بالجوهري ~~وأقر بأنه رسول للقرمطي وسفير بينه وبين علي بن عيسى ، وحكي عنه أن علي بن ~~عيسى كان يكاتب القرمطي على يده ، وجمع بينه وبين علي بن عيسى حتى واجهه ~~بذلك . فقال علي بن عيسى : كذب علي وبهتني ، وما خلق الله لما قاله أصلا ~~ولا فرعا ، وعاون أبو علي بن مقلة نصرا الحاجب إلى أن كاد المكروه يتم على ~~علي بن عيسى ، وهم المقتدر بالله بأن يضربه بالسوط على باب العامة بحضرة ~~الفقهاء والقضاة وأصحاب الدواوين . فتوصلت السيدة إلى كشف ما ادعي عليه ، ~~حتى وقفت على بطلانه ، وقررت ذاك في نفس المقتدر بالله ، فزال ما كان ~~اعتقده فيه . وتقلبت بعلي بن عيسى من بعد أمور قد ذكرناها فيما أوردناه من ~~أخباره المنثورة وأخبار الوزراء . ورد إليه في سنة تسع وعشرين وثلاثمائة في ~~خلافة المتقي لله وإمارة بجكم ، ونظر أبي عبد الله الكوفي النظر في المظالم ~~، فجلس لذلك ونظر في خصومات بين عوام ، ورد ما يتعلق بعامل وصاحب ديوان ~~وجندي إلى أبي عبد الله الكوفي ، وبالحكم إلى الحكام . فلما ms277 انهزم أبو عبد ~~الله البريدي من كورتكين وتكينك ، وخلت الوزارة من ناظر فيها ومرسم بها ، ~~استدعي المتقي لله أبا الحسن علي بن عيسى وأبا علي عبد الرحمن أخاه وأمرهما ~~بالنظر ، وكان أبو علي عبد الرحمن يدبر الأعمال وعلي بن عيسى يصل إلى حضرة ~~المتقي لله ، وجرى الأمر على ذلك تسعة أيام ثم تقلد أبو إسحاق القراريطي ~~الوزارة ، ولازما منزلهما . وتوفي أبو الحسن علي بن عيسى في يوم الجمعة ~~لليلة خلت من ذي الحجة سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة عن تسع وثمانين وستة ~~أشهر ، لأن مولده كان في جمادي الآخرة سنة خمس وأربعين ومائتين . # | أخبار أبي الحسن المنثورة # حدث أبو علي عبد الرحمن بن عيسى قال : كان محمد بن جعفر العبرتائي من ~~عمال أبي الحسن بن الفرات وخواصه ، وكان يعامل أخي أبا الحسن علي بن عيسى ~~فيما ضمنه من طساسيج طريق الجارية في الخاصة ، فاستوفى عليه استيفاء تشدد ~~فيه ، واجتهد في إصلاح نيته وقبول مبرته بكل ما يجتهد مثله مع مثله ، وأخي ~~يمتنع ويقول : يا هذا الرجل إنما بيننا أمر هذا الضمان فإن وفيت به وخرجت ~~منه فأنت أجل الناس عندي وأقربهم مني ، وإن أقمت على أمرك في المغاورة ~~والمدافعة فأنت أبعدهم من قلبي وأشقاهم بي . فحضر عنده في بعض الأيام وكان ~~يوم ثلاثاء ، وأخي خال من العمل ؛ وجرى ذكر البلدان وما خص به كل واحد منها ~~من الطرف والألوان ، فقيل : لمصر دهن البلسان وللبصرة النخل والبساتين ، ~~ولسكسكر زكاء الأرض جودة الغلات وللكوفة القسوب PageV01P233 وللأهواز القند ~~، ولتستر الديباج والفاكهة ، ولجند يسابور الدستنبو ولنهاوند الكمثرى ~~والزعفران ، ولقطربل الشراب . وذكر محمد ابن جعفر كلواذي ووصف أترجها ~~وتجاوزه في القد والكبر ما في السوس منه ، فقال أخي على مجاز القول : أحب ~~أن أراه . وتقوض المجلس . فلما كان وقت المغرب حضر باب أخي رسول لمحمد بن ~~جعفر . قال عبد الرحمن فحدثني ماهر الخدام وكان عاقلا محصلا قال : جاءني ~~البواب فقال : بالباب من يطلبك . فخرجت فإذا صاحب العبرتائي قد حضر ، ومعه ~~قماطر ما رأيت أدق ولا أحسن ms278 منها ، وفيها أترج قد أنفذه ، ومعه رقعة إلى ~~مولاي ، ورقعة إلي يسألني إيصال القماطر ووضعها بين يدي مولاي ، وإذا معه ~~خمسون دينارا لي على التوصل إلى القبول . فدعوت بالغلمان وأشالوها إلى ~~حضرته ، وأوصلت رقعته فقرأها وقال : إفتح . ففتحنا بعض القماطر ، وأخرجنا ~~منها أترجا مثل المساور اللطيفة لم ير مثلها حسنا ونبلا وكبرا . فقال بعض ~~الخدم : فيها شيء أثقل من شيء . فقال : تأمولها . فتأملناها ، وإذا فيها ~~عشر أترجات مقورة مخيطة ، فسللنا الخيوط وإذا في كل أترجة ديباج فيه ألف ~~دينار . والجميع عشرة آلاف دينار ، فتقدم بردها كما كانت ، ودعا بالرسول ~~وأمر بتسليمها إليه بحضرته ، فتسلمها وقال له : قل له : لم يذهب علي ما ~~أردته بهذا الفعل ، وأنت عارف بمذهبي وستعرف خبرك . قال ماهر : فبادرت مع ~~الرسول حتى خرج ورددت عليه الخمسين دينار . فقال : أنت قد فعلت ما يجب عليك ~~فلم ترد الدنانير وهي يسيرة في جنب استحقاقات . فقلت : ما أجسر على قبول ~~شيء مع ما جرى . وبكر أخي إلى الديوان ، وابتدأ بالنظر في أمور الأعمال ~~التي في ضمان محمد ابن جعفر ، وأخرج إليه ما ألزمه فيه عند المناظرة نحو ~~خمسين ألف دينار . وحدث أبو محمد الحسن بن محمد الصلحي قال : حدثني أبو ~~الحسن بن ظفر الكرخي بمصر قال : كنت أكتب لأبي علي الحسين بن أحمد ~~المادرائي . ووافى أبو الحسن علي بن عيسى من مكة في أيام وزارة أبي القاسم ~~عبد الله بن محمد ابن خاقان للإشراف على مصر والشام ، فدخل إلى مصر وتحته ~~حمار وعليه طيلسان . وكان المتولي للمعونة تسكين ، فتلقاه وترجل له ، وعظمت ~~هيبته في النفوس جدا . وجلس ونظر . ثم ركب في بعض الأيام متفرجا وعاد ، ~~فحين دخل من باب الدهليز ونحن مجتمعون في داره لإنتظاره PageV01P234 صاح : ~~اللصوص . ففزعنا كلنا خوفا من أن يكون قد وقف لنا على خيانة . فلما استقر ~~في مجلسه قال : يا معشر الناس اجتزت الساعة على جسر قارون وهو بزند من ~~البزندات ، وتسمى البزندات بمصر جسورا فقدرت النفقة عليه عشرة دنانير ووجدت ~~العمال يحتسبون عنه على ms279 السلطان ستين ألف دينار كل سنة . وكرر ذلك وأكثر ~~التعجب منه والقول فيه ، وكان أبو علي حاضرا ، فلم يجبه عن كلامه ، فقال : ~~الشأن أنني أقول ما أقوله فلا تجيبني عنه يا أبا علي ! فنهض وانصرف . ~~واغتاظ أبو الحسن علي ابن عيسى من ذلك ، وأطبق دواته وقال : لعن الله أمر ~~السلطان إذا انتهي إلى هذا الحد . وقام ودخل ، وانصرف الناس ، ومضيت إلى ~~أبي علي قلقا بما شاهدته وسمعته ، ووجدته قد أنفذ خادما إلى علي بن عيسى ~~يستأذنه في حضوره عنده على خلوة . فأذن له ، ومضى وأطال ، فجلست أنتظره . ~~فلما عاد سألته عما جرى فقال : دخلت إليه وقلت له : لم أترك جوابك سوء أدب ~~عليك ، ولا استهانة بقولك ، وإنما كرهت أن أعترف بحضرة الناس فألزم نفسي ما ~~لا يلزمها ، أو أجيبك بما حضرت الآن لذكره فيكون ما عليك فيه أكثر مما علي ~~فيه ، فامتنعت إكراما لك وصيانة . ثم قلت : كم جاري ؟ فقال : ثلاثة آلاف ~~دينار في الشهر . فقلت : يمكنني وأنا عامل مصر أن أكون بغير كتاب ولا عمال ~~ولا كراع ولا جمال ولا إعطاء ولا إفضال ؟ . قال : لا . قلت : أفلا تعلم أن ~~لي حرما وأولادا وأقارب وأهلا أحتاج لهم إلى مؤونة ؟ . قال : بلى . قلت : ~~فأخلو من أن يرد علي زوار بكتبك وكتب أمثالك من الرؤساء فتقتضي المروءة أن ~~أبرهم وأصلهم ؟ . قال : بلى لعمري . قلت : فهذا الجبار الذي أجاوره وفائق ~~خادمه له ثمانون مرقدا وهو متسلط على الأمر كله يمكنني أن أقيمه على الطاعة ~~وأمنعه إدخال اليد في الضياع إلا بمؤونة أتكلفها له وأولاده وخدمه وكتابه ~~حتى يستقيم ما بيني وبينه ؟ . قال : هذا ما لا بد منه . قلت : فالخليفة ~~والسيدة والخالة والقهرمانة ومؤنس ونصر الحاجب وكتابهم وأسبابهم يجوز أن لا ~~أهاديهم في كل سنة ؟ . . قال : هذا رسم لا يمكن الإخلال به . قلت : ~~فالوزراء إذا تقلد الواحد منهم هل يدخل داره شيء قبل ما يحمله خليفتي إليه ~~؟ وإذا نكب فهل يؤدي من مال مصادرته شيئا قبل ما يستدعيه مني ؟ وهذا أنت ~~أيدك الله وأنت ms280 أعف الوزراء ومن لا يعرف له نظير ألم أحمل إليك في وقت كذا ~~وكذا وفي وقت كذا وكذا ؟ وأجر على عيالك في مدة كذا وكذا ؟ ! فقال : أنا ~~والله شاكر لذاك . فقلت : ما ذكرت هذا اعتدادا عليك ، وإنما ذكرته لتعلم ~~أنه يلزمني لغيرك مثله وأكثر منه . وهذا حق بيت المال في ضياعك بمصر والشام ~~وهو بضعة عشر ألف دينار في السنة أديت منها درهما واحدا ؟ . فقال : ما أدري ~~، فقلت : هذا مال عظيم ولست أبرح أو أعلم أنه قد حصل لك ، أو كان أصحابك ~~خانوك فيه حتى أرتجعه منهم للسلطان ؟ فأعاد الشكر . فقلت يا سيدي فمصادرتي ~~في كل وقت تزيد PageV01P235 على ألف ألف دينار هل من الثلاثة الآلاف ~~الدينار الجاري تكون ؟ . فقال : دع هذا يا أبا علي فإن كبار الرجال يغضي ~~لهم السلطان عن كثير الأموال . وما سمعناه بعد ذلك أعاد في شيء من أمور ~~أعمالنا قولا . وحدث أبو محمد الصلحي قال : حدثني بعض أصحابنا قال : قال لي ~~أبو القاسم الخاقاني في وزارته : أشرت على المقتدر بالله بتقليد أبي الحسن ~~علي ابن عيسى الإشراف على مصر والشام ، فرأيته متكرها لذاك ثم قال : افعل ~~ما ترى . فأقبلت أصفه بالموالاة والثقة لأعرف ما عنده في أمره على حقيقة ، ~~فقال : هو كما تصف ولكن أحفظني عليه أن سمته تقلد وزارتي في أيام حامد ابن ~~العباس فامتنع ، وثقل علي امتناعه ، وشاورته فيمن يراه لهذا الأمر فقال : ~~أبو عمر محمد بن يوسف القاضي . فعلمت أنه غشني ولم ينصح لي . فقلت : وما ~~لمحمد ابن يوسف يا أمير المؤمنين ؟ فقال : لعمري إنه عالم ثقة إلا أنني لو ~~فعلت ذاك لافتضحت عند ملوك الإسلام والكفر ، لأنني كنت بين أمرين إما أن ~~تتصور مملكتي بأنها خالية من كاتب يصلح للوزارة فيصغر الأمر في نفوسهم ، أو ~~أنني عدلت عن الوزراء إلى أصحاب الطيالس ، فأنسب إلى سوء الاختيار . وحدث ~~القاضي أبو علي المحسن بن علي التنوخي قال : حدثنا أبو طاهر المحسن ابن ~~محمد بن الحسن الجوهري المعروف بالمقنعي أحد الشهود قال : حدثني أبو ms281 القاسم ~~عيسى بن علي بن عيسى أنه كان يرتفع لأبيه من ضياعه في كل سنة عند الاعتزال ~~والعطلة بعد ما يتصرف في النفقة ثلاثون ألف دينار . ويرتفع من ضياع أبي ~~الحسن علي بن محمد ابن الفرات إذا قبضت عنه ألف ألف دينار ، وإذا وزر وردت ~~عليه أضعفت . قال القاضي : واتفق أن حضر هذا الحديث منه أبو الحسن أحمد بن ~~يوسف ابن الأزرق الأنباري فقال : حدثني جماعة من أصحاب أبي الحسن علي بن ~~عيسى أن جميع ما كان يرتفع له في السنة نيف وثمانون ألف دينار يخرج منها في ~~أبواب البر وسبل الخير وتفقد الطالبيين والعباسيين والأنصار وأولاد ~~المهاجرين ومصالح الحرمين نيف وأربعون ألف دينار ، ويبقى الباقي لنفقاته . ~~وأنه كان يسمع الكتاب يقولون في ضياع أبي الحسن بن الفرات : إنها ترتفع في ~~وزارته بألف ألف دينار وعند القبض عليه ودخول يد العمال فيها بثمانمائة ألف ~~دينار وأقل وأكثر . PageV01P236 وحكى أبو الحسن ثابت بن سنان قال : قال لي ~~أبو الحسن علي بن عيسى يوما ، وهو متعطل في أيام الراضي بالله في عرض حديث ~~كان يجارينيه بعد إقرائي العمل الذي عمله في سنة ست وثلاثمائة لارتفاع ~~الدنيا ونفقاتها : قال لي ابن الفرات يوما وقد أخرجت إليه من دار السلطان ~~بعد صرفه إياي : أبطلت الرسوم وهدمت الارتفاع . فقلت : أي رسم أبطلت ~~وارتفاع هدمت ، قال : المكس بمكة فقلت له : قد أزلت هذه وأشياء كثيرة ، ~~منها ومنها وعددت الأبواب التي رفعتها وكان مال ذلك في السنة خمسمائة ألف ~~دينار فلم أستكثرها مع ما حططته عن أمير المؤمنين من الأوزار بها ، وغسلته ~~من الأدران عن دولته فيها . ولكن انظر ما حططت وأبطلت إلى ارتفاعي وارتفاعك ~~ونفقاتي ونفقاتك . قلت : فبأي شيء أجاب . قال : خرج الخادم ففرق بيننا قبل ~~أن يجيب . وحدث أبو عمر أحمد بن محمد بن الحسين البصري قال : لما توفي ~~القاضي أبو الحسن بن أبي عمر ركب أبو الحسن علي بن عيسى إلى أبي نصر وأبي ~~محمد ابنيه يعزيهما به . فلما نهض منصرفا قال : مصيبة وجب ms282 أجرها خير من ~~نعمة لا يؤدى شكرها . وحدث أبو الحسن أحمد بن يوسف بن الأزرق الأنباري قال ~~: كان أبو عيسى أخو أبي صخرة جارا لنا ببغداد ، وكان عظيم الحال ، كثير ~~المال ، كامل الجاه ، معدودا في شيوخ الكتاب ، وقد تقلد كبار الأعمال ، ~~وخلف إسماعيل ابن بلبل على الوزارة فلما وزر أبو علي محمد بن عبيد الله ~~الخاقاني قلده ديوان السواد ، ثم صرف أبو علي وورد أبو الحسن علي بن عيسى ~~من مكة وزيرا . فلم يره أهلا لهذا الديوان لنقصان صناعته ، وكان يغض منه ~~إذا حضر في مجلسه ، ولا يوفيه ما يقتضيه عمله ، وإذا أراد عملا أو خراجا أو ~~حسابا استدعاه من كتابه وواقفهم وخاطبهم عليه بمشهد منه فلا يترك له هذا ~~الفعل جاها . ثم إن عرض عمل يعلم أن كتابة أبي عيسى لا تنهض به وقوله لا ~~يعبر عن غرضه فيه خاطبه عليه على رؤوس الأشهاد ليتبين له نقصه وعجزه ، فطال ~~ذلك على أبي عيسى وزاد احتماله له فجلس عنده يوما إلى أن تقوض مجلسه ولم ~~يبق فيه غيره وغير إبراهيم بن عيسى أخي أبي الحسن ، فقال له أبو الحسن ألك ~~حاجة ؟ قال : نعم ، إذا خلا مجلس الوزير ذكرتها . فأخبرت عن إبراهيم أنه ~~قال : فلما سمعت قوله نهضت وانصرفت وعدت من غد إلى مجلس أخي فوجدت أبا عيسى ~~متصدرا فيه بأمر ونهي وتبسط وعمل ، وخطاب الوزير معه PageV01P237 دون ~~الكتاب ، وقد انتقل من الثرى إلى الثريا ، فدعتني نفسي إلى مسألة الوزير عن ~~أمره حتى إذا خلا قال : تقول يا بني شيئا ؟ . قلت : أسأل عن فضول . قال : ~~إن كان فضولا فلا تسل عنه . قلت : لا بد . قال : فقل . قلت : خلا بك أبو ~~عيسى أمس لما لم أعرفه . ثم رأيتك اليوم مقبلا عليه ومعاملا له بضد ما كنت ~~تعامله به ، فما سبب ذلك ؟ قال : نعم ، إنه خاطبني خطابا عظم في نفسي به ، ~~وعلمت صدقه فيه فرجعت له . قال : وقد خلا بي ، أنا أيد الله الوزير رجل من ~~شيوخ الكتاب ، أعرف قدر صناعتي في الكتابة ms283 ، وإنني في جملة المتأخرين عن ~~الغاية ، وما يخفى علي سوء رأي الوزير في واعتماده الغض مني ، وطلب فضيحتي ~~بالرجوع إلى الكتاب في أمور ديواني وقصدي بمعضلات الأمور إبانة لعجزي ~~وقصوري . ويجب أن يعلم أيده الله أن باطن حالي ومالي أوفر من ظاهرها على ~~كثرته ووفوره ، وما أتصرف طلبا لفائدة ، ولا حاجة إلى مكسب ، وإنما أريد ~~قيام الجاه ونفوذ الأمر ، وقد عشت طول ما مضى من عمري مستورا في أمري مقدما ~~عند السلطان على كثير من نظرائي ، وخلفت إسماعيل بن بلبل على الوزارة ، ~~وتقلدت كبار الأعمال واحدا بعد آخر ، وسلمت على الوزراء وسلموا علي ، وقد ~~نمكن في النفوس من موضعي ومنزلتي ما لا يخرج منها ، ولا يمكن أحدا إزالته ~~عنها . وأنا بين أمور مما لحقتني الغضاضة به ، إما أن توصلت إلى إزالته بما ~~يثقل على الوزير فيزداد سوء رأيه ؛ أو استعفيت ولزمت منزلي فلم أكن خاملا ؛ ~~وجعلت نفسي حينئذ بحيث أختاره من الكون في أولياء الوزير أو أعدائه ، أو ~~عاد إلى الأولى به ووفاني حقوق ما قلدنيه . فقلت له : ليس ترى بعد ذلك يا ~~أبا عيسى شيئا تنكره ، وسأرجع في معاملتك إلى أفضل ما تؤثره . وبكر إلي ~~ليمتحن وعدي ويختبر ما عندي ، فكان ما رأيت . وحدث القاضي أبو علي التنوخي ~~عن أبيه وأبي الحسين بن عياش قالا : كان أبو الحسن علي بن عيسى يجعل في كل ~~باب من ورائه مستورة ويسبل عليها سترا طويلا يغطيها ، فإذا جلس في أخريات ~~النهار مجلسا حافلا ألصق بها ظهره من وراء الستر لئلا يشاهد مستندا ، تمسكا ~~بالوقار . وقيل : إنه ما رئي قط متبذلا في مجلسه ، ولا متخففا في ملبسه ، ~~ولا فارق الدراعة إلا والقميص من دونها ، والمبطنة من دونه ولا الخف في ~~أكثر أوقاته إلا إذا أوى إلى فراشه أو قعد مع حرمه . وقد فعل أبو الحسن علي ~~ابن عيسى مع أبي علي بن مقلة مشبها بما فعله مع أبي PageV01P238 عيسى أخي ~~أبي صخرة ، وذلك أنه بلغه عمل المقتدر بالله على صرفه بأبي علي وكان ms284 متقلدا ~~له إذ ذاك على عدة دواوين فاستدعاه وطالبه بأعمال يعملها له ، فوعده بها . ~~وحضر مجلسه بعد أيام فاعتمد الغض منه بأن قال له على ملاء من الناس : كنت ~~التمست منك أعمالا فأخرتها ، فإن كنت عاجزا عنها وغير ناهض بها فاصدق عن ~~نفسك . فقال أبو علي : قد أحضرتها وها هي . ووضعها بين يديه وأخذ يقرؤها ~~ويواقفه على غلط بعد غلط فيها ، ويقبل على مشايخ الكتاب فيعجبهم من ضعف ~~صناعته وقلة بصيرته ، وحتى قال له في بعض القول : هذه حياكة لا كتابة . ~~وضرب على عمل ، بعد عمل ورسم في تضاعيفه ما يجب أن يبنى عليه نظمه وترتيبه ~~، والكتاب الحاضرون يثنون عليه بحسن الكفاية ، ويغمزون على أبي علي بضعف ~~المعرفة . ثم رمى بها إليه وقال له : قم فاعملها على هذا المثال وحررها ~~وجئني بها ، فقام يجر رجليه . فلما ولى قال أبو الحسن : إن أمرا عجز عنه ~~ابن الفرات ونحن فيه مرتبكون ، ويدعي هذا القيام به لأمر عجيب ، فما مضى ~~على هذا المجلس أربعة أو خمسة أيام حتى قبض على أبي الحسن علي بن عيسى وسلم ~~إلى أبي علي بن مقلة . فأراد الغض من علي بن عيسى بأمر يظهره وشيء يقدح فيه ~~به ، فلم يستطع ذلك ، ولا قدر على أكثر من تلقيه بالقبيح ، ومعاملته ~~بالمكروه الفظيع . فحدث أبو أحمد الفضل ابن عبد الرحمن بن جعفر قال : كنت ~~بحضرة أبي علي بن مقلة في وزارته ، وقد دخل إليه علي بن عيسى ، فجلس بين ~~يديه . وكان أبو عبد الله الموسوي العلوي وأبو علي الحسن بن هارون حاضرين ، ~~فقال أبو علي بن مقلة للحسن بن هارون : اكتب رقعة عن أبي عبد الله يشكو ~~فيها إخلال ضيعته وقصور مراده منها وفائدته . ومثل له إيجاب مظلمة وإطلاق ~~معونة . فكتبها الحسن وعرضها فوقع على ظهرها بإخراج الحال ، وأنفذ التوقيع ~~إلى الكاتب . فأخرج ما صدق فيه دعوى أبي عبد الله ، ووقع أبو علي تحت ذلك ~~بأن يطلق له عشرون كرا حنطة وعشرون كرا شعيرا معونة ، ويحتسب له بكذا ~~منسوبا إلى ms285 المظلمة . فاستحسن الحاضرون فعله وما تكرم به على رجل علوي ، ~~وأخذ أبو الحسن علي بن عيسى يشكره . فقال له مجيبا . فلم لم تفعل مثل هذا ~~يا أبا الحسن في وزارتك ؟ فنهض أبو الحسن وقال : أستودع الله الوزير . ~~وانصرف . وقيل : إن أبا عمر دخل إلى أبي الحسن علي بن عيسى يوما وعليه قميص ~~دبيقي شقيري مرتفع الثمن جدا ، فأراد أبو الحسن أن يخجله فقال له : بكم ~~اشتريت أيها القاضي شقة هذا القميص ؟ قال : بمائة دينار . فقال أبو الحسن : ~~ولكنه اشتريت لي شقة هذه الدراعة والقميص الذي تحتها بعشرين دينارا . فقال ~~له أبو عمر مسرعا : الوزير أعزه الله يجمل PageV01P239 الثياب فلا يحتاج ~~إلى المبالغة فيها ، ويخدمه الخواص الذين يعلمون أنه يدع الكثير عن قدرة ، ~~ونحن نتجمل بالثياب ونغالي فيها ، ونلاقي العوام الذين يساسون بما يروق ~~عيونهم من جلالتها ، وتقام الهيبة بما يكبر في صدورهم من فخامتها . فكأنما ~~ألقم أبا الحسن حجرا فما ، أعاد عليه قولا ولا رد جوابا . وحدث القاضي أبو ~~علي التنوخي قال : حدثني أبو بكر محمد بن عبد الرحمن ابن قريعة قال : حدثني ~~مكرم بن بكر بن عمر أبو يحيى بن مكرم القاضي قال : كنت أختص بأبي الحسن علي ~~بن عيسى وربما شاورني في أموره . فدخلت له يوما فرأيته ، مهموما فقدرت أنه ~~بلغه عن المقتدر بالله ما يشغل قلبه فاقتضى تقسمه فقلت : أرى الوزير ؟ أيده ~~الله مفكرا ، فهل حدث شيء ؟ وأومأت إلى جهة الخليفة . فقال : ليس ما أنا ~~مغموم به من ذلك الجنس ، بل لما هو أعظم في نفسي منه . فقلت : إن جاز أن ~~يعرفنيه الوزير فليفعل ، فلعله يجد عندي فيه رأيا أو قولا . قال : نعم . ~~كتب إلي عاملنا بالثغر بأن أسارى المسلمين كانوا في بلد الروم على حال ~~رفاهة وصيانة إلى أن ولى ملك الروم آنفا حدثان منهم ، فعسفا وعاقباهم ~~وأجاعاهم وأعرياهم ، وطالباهم بالتنصر ، وأنهم في بلاء وجهد ، وهذا أمر لا ~~حيلة فيه ، ولا مقدرة على دفع ما أظل هؤلاء المساكين ، ولو ساعدني الخليفة ~~على إنفاق الأموال وتجهيز الجيوش ms286 إلى هؤلاء الكفار لفعلت في ذلك غاية ما ~~أوجبه الله علينا من بذل الوسع والإمكان . فقلت : عندي أيها الوزير رأي في ~~هذا الأمر ربما نفع وكان أسهل مما تحسب وتقدر . قال : قل يا مبارك . قلت : ~~بأنطاكيه عظيم للنصارى يدعى البطرك وببيت المقدس آخر يقال له الجاثليق ، ~~وأمرهما ينفذ على ملك الروم ، لأن أمورهم لا تتم إلا بهما ، والطاعة لا ~~تلزم جمهور رعيتهم إلا بقولهما ، وربما حرما الواحد منهم فيحرم عندهم . ~~والرجلان في ذمتنا وتحت سلطاننا ، فيأمر الوزير بمكاتبة عاملي البلدين ~~بإحضارهما وإعلامهما ما يجري على الأسارى في بلد الروم وأنه مما لم تجر به ~~عادة ، ومتى لم يزل ذلك عنهم وتستأنف حسن المعاملة معهم طولبا بجريرة ما ~~يفعل هناك ، وسلك في معاملة النصارى مثل ذلك ، وننظر ما يكون الجواب . ~~فاستدعي في الحال كاتبا وأملى عليه كتابا في هذا المعنى وكيدة ، وأنفذها ~~وقال لي : سريت عني قليلا ، وخففت عن قلبي شغلا . PageV01P240 فلما كان بعد ~~شهرين وأيام وقد أنسيت الحديث جاءني فرانق من بابه يستدعيني . فركبت وأنا ~~متشوق إلى معرفة ما يريدني له ، فدخلت وهو مسرور ، ووجهه مسفر ، فحين رآني ~~قال لي : أحسن الله جزاءك عن نفسك ودينك وعني . فقلت : ما الخبر ؟ قال : ~~كان رأيك في أمر الأسارى ببلد الروم أصوب رأي وأصحه ، وهذا رسول العامل ~~وأومأ إلى رجل بحضرته قد ورد لذكر ما جرى في بابهم . وقال له علي بن عيسى : ~~عرفنا الصورة . فقال الرجل : أنفذني العامل مع رسول البطرك والقاثليق الذي ~~أنفذاه إلى قسطنطينية ، وكتبا على يده إلى ملكي الروم : بأنكما قد فعلتما ~~بأسارى المسلمين عند كما ما هو محرم عليكما ومخالف لوصية المسيح عليه ~~السلام في أمثالهم ، وأمره فيمن جرى مجراهم . فإما زلتما عن هذه الطريقة ~~وعدلتما عنها إلى ما تقتضيه السنة المأثورة وأحسنتما إلى من في أيديكما ، ~~وتركتماهم على أديانهم ، ولم تكرهاهم على خلاف آرائهم ، وإلا لعنا كما ~~وتبرأنا منكما وحرمناكما . فلما وصلنا إلى القسطنطينية أوصل رسول البطرك ~~والقاثليق إلى الملكين وحجبت وخلوا به ووقفا على ما ورد ms287 معه ، وتركانا ~~أياما ثم أحضراني إليهما ، فسلمت عليهما وقال لي ترجمانهما : الملكان ~~يقولان : الذي أدي إلى ملك العرب من فعلنا بأسارى المسلمين كذب وشناعة ، ~~وقد أذنا في دخولك دار البلاط لتشاهدهم وتسمع شكرهم وتعلم استحالة ما ذكر ~~لكم في أمرهم . وحملت إلى دار البلاط فرأيتهم كأنهم خارجون من القبور ، ~~وقائمون إلى النشور ، ووجوههم دالة على ما كانوا فيه من الضر والعذاب ، إلا ~~أنهم في حال صيانة مستأنفة ، ورفاهة مستجدة ، وتأملت ثيابهم فكانت جددا ~~كلها ، فتبينت أنني أخرت ذلك التأخير حتى غير أمرهم وجدد زيهم ، وقالوا لي ~~: نحن شاكرون للملكين فعل الله لهما وصنع مع إيمائهم إلي بأن حالهم كانت ~~على ما تأدى إلينا ، وإنما خفف عنهم وأحسن إليهم بعد حصولي هناك . وقالوا ~~لي في عرض قولهم : كيف عرفت صورتنا ؟ ومن تنبه على مراعاتنا حتى أنفذك من ~~أجلنا ؟ فقلت : ولي الوزارة الوزير أبو الحسن علي ابن عيسى وبلغه خبركم ، ~~فأنفذ وفعل كذا وكذا . فضجوا بالدعاء له ، وسمعت امرأة منهم تقول : قر يا ~~علي بن عيسى ، لا نسي الله لك هذا الفعل . قال أبو يحيى بن مكرم : فلما سمع ~~الوزير ذلك بكى بكاء شديدا ، ثم سجد لله تعالى شاكرا وحامدا ، وبر الرسول ~~وصرفه . وقلت لعلي بن عيسى : أسمعك أيها الوزير تتبرم بالوزارة في خلواتك ، ~~وترغب في الانصراف عنها تحرجا من آثامها ، فلو كنت معتزلا لها ومتخليا منها ~~هل كنت تقدر على مثل هذه الحال الجامعة لجمال الدنيا وثواب الآخرة وطيب ~~السمعة وحسن العاقبة ؟ أيها الوزير تتبرم بالوزارة في خلواتك ، وترغب في ~~الانصراف عنها تحرجا من آثامها ، فلو كنت معتزلا لها ومتخليا منها هل كنت ~~تقدر على مثل هذه الحال الجامعة لجمال الدنيا وثواب الآخرة وطيب السمعة ~~وحسن العاقبة ؟ وحدث القاضي أبو علي قال : حدثني الفضل بن أحمد الحياني قال ~~: قال لي أبو بكر PageV01P241 الشافعي صاحب أبي الحسن علي بن عيسى : كان ~~المحسن بن علي ابن محمد بن الفرات قبض علي في نكبة أبي الحسن علي بن عيسى ، ~~وصادرني وأوقع بي مكروها ، وجعل ms288 التأول على اختلاطي بأبي الحسن وصحبتي إياه ~~. فلما أخرجنا من المحنة ، وعاد أبو الحسن إلى الوزارة ، طلبت الانتفاع ~~بأمور أخاطب فيها ، وأخلف بعض المصادرة منها ، فتصديت لأخذ الرقاع بالحوائج ~~، وعرضها على أبي الحسن . فاتفق أن عرضت عليه في بعض الأيام شيئا استكثره ~~وضجر علي به ، فقلت : أيها الوزير إذا كان حظنا من أعدائك في أيام نكبتك ~~الصفع ، ومنك في أيام ولايتك المنع ، فمتى ليت شعري يكون النفع ؟ فضحك ووقع ~~لي في جميع الرقاع ، وما استثقل شيئا رفعته إليه بعد ذلك . وحدث القاضي أبو ~~علي قال : حدثني أبو السري عمر بن محمد القارئ قال : حدثني أبو القاسم عيسى ~~بن علي بن عيسى قال : قال لي أبي : عرض علي أبو بكر محمد بن الحسن بن عبد ~~العزيز الهاشمي في بعض أيام وزارتي رقعة التمس فيها محالا ، وقبل يدي ، ~~وتركتها من يدي مفكرا فيما أفعله مما أبلغ به غرضه ولا يلحقني عيب فيه . ~~وعرض لي رأي في الركوب ، فنهضت ، فلما رأى ذلك قبض على يدي وقال : أنا نفي ~~من العباس إن تركت الوزير يركب إلا بعد أن يوقع في رقعتي أو يقبل يدي كما ~~قبلت يده . فوقعت له قائما بما أراد ، وعجبت من سوء أدبه وشدة وقاحته . قال ~~القاضي أبو علي : وشاهدت أنا أبا بكر محمد بن الحسن بن عبد العزيز هذا في ~~سنة خمسين وثلاثمائة ، وقد تقلبت به الأيام وبأهل بيته ، وهو بحضرة أبي ~~محمد المهلبي ، وقد كان العيارون ثاروا بمدينة السلام وأوقعوا فتنا عظيمة ، ~~أصلها أن عربد رجل عباسي على رجل علوي في خندق طاهر وهما على نبيذ ، فقتل ~~العلوي ، ونفر أهله واستغاثوا لأجله ، ودخل العامة بين الفريقين ، وشرفت ~~القصة إلى ما احتيج معه إلى إقامة الديلم في الأرباع وترتيبهم في كثير من ~~الأصقاع ، وحتى أغلق العباسيون باب المسجد الجامع بالمدينة ، ومنعوا من ~~صلاة الجمعة ، وزادوا في إشعال النائرة . ودبر أبو محمد الأمر بأن قبض على ~~جماعة من وجوه العباسيين وكثير من المستورين والعيارين ، وأدخل فيهم عدة ~~قضاة وشهود وصلحاء عباسيين ms289 ، وكان منهم أبو بكر بن عبد العزيز . ثم جلس لهم ~~وأحضرهم وناظرهم ، وسامهم أن يسموا له العيارين وحملة السكاكين ليقتصر على ~~أخذهم ، ويفرج عن الباقين ، وأن يضمن أهل الصلاح منهم أهل الريبة ، ويأخذوا ~~على أيديهم أخذا يحسم به مواد الفتنة . فأخذ القاضي أبو الحسن محمد بن صلح ~~الهاشمي يقول قولا سديدا لطيفا في دفع ذلك PageV01P242 واستعطاف أبي محمد ~~المهلبي وترقيقه ، والرفق به وتسكينه ، واعترض أبو بكر بن عبد العزيز ~~الخطاب ، وقال قولا فيه بعض الجفاء والغلظة . فقال له أبو محمد : يا ماض ~~كذا وكذا ، ما تدع جهلك وتبسطك ، ولا تخرج هذه الخيوط من رأسك ، كأني لا ~~أعرفك قديما وحديثا أعرف حمقك وحمق أبيك وتدرعك في مجالس الوزراء وإيثارك ~~أن تقول : قال الوزير وقلت . ولعلك تقدر أن المقتدر بالله على السرير ، ~~وأنني أحد وزرائه ، ليس ذاك كذلك ، السلطان اليوم الأمير معز الدولة الذي ~~يرى سفك دمك قربة إلى الله تعالى وينزلك منزلة الكلب . يا غلمان برجله . ~~فجر برجله ونحن حاضرون . فقال القاضي : فلقد رأيت قلنسوة كانت على رأسه وقد ~~سقطت . ثم قال : طبقوا عليه زورقا وانفوه إلى عمان . فقبلت الجماعة يده ~~وسألته الصفح عنه ، وراسله المطيع لله رحمه الله عليه في أمره مراسلات ~~ترددت إلى أن تركه وألزمه بيته . وأخذ خطوط العباسيين بجميع ما كان سامهم ~~إياه وامتنعوا منه ، وقبض من بعد على جماعة كثيرة من أحداث العباسيين وأهل ~~العيارة والدعارة منهم ومن العامة ، وجعلهم في زواريق مطبقة مسمرة ، ~~وأنفذهم إلى بيروذ وبصني ، وحبسهم هناك في دور بقيتهم بعد وفاة أبي محمد ~~المهلبي بسنين ، وزالت الفتن في تلك الأيام . وحدث القاضي أبو علي قال : ~~حدثني أبو الحسين عبد الله بن أحمد بن عياش القاضي قال : كانت عادة أبي ~~الحسن بن الفرات في كلامه أن يقول للإنسان : بارك الله عليك . ومن عادة أبي ~~الحسن علي بن عيسى أن يقول : والك أو واك فكان الناس يقولون : لو لم يكن من ~~الفرق بين الرجلين إلا حسن اللقاء وصرف ما بين القولين . وحكي أبو محمد ms290 ~~الصلحي قال : لما صرف الراضي بالله أبا علي عبد الرحمن ابن عيسى عن وزارته ~~ونكبه ونكب أبا الحسن علي بن عيسى وصادر أبا الحسن على ألف ألف درهم وعبد ~~الرحمن على ثلاثة آلاف دينار وكان ذلك طريقا وحصل أبو الحسن معتقلا في دار ~~الخلافة ، وخاف أبو الحسن أن يكون في نفس الراضي بالله عليه ما يريد معه ~~قتله ، فراسلني يقول : هذا أبو محمد وكان إذ ذاك كاتب أبي بكر بن رائق ~~يسألني خطاب الراضي بالله عن صاحبي في نقله إلى دار وزيره إلى أن يؤدي ما ~~قرر عليه أمره . قال : فجئت PageV01P243 إلى الراضي بالله وقلت له : يا ~~أمير المؤمنين ، علي بن عيسى خادمك وخادم آبائك ، ومن قد عرفت محله من ~~الصناعة ، وموقعه من جمال المملكة ، ومن حاله وأمره كذا وكذا . فقال : هو ~~كذلك ، ولكن له عندي ذنوب . وأخذ يعدد ذنوب عبد الرحمن : فقلت له : يا ~~مولانا ، وأي درك يلزمه فيما قصر فيه أخوه ؟ قال : سبحان الله ، وهل دبر ~~عبد الرحمن إلا برأيه وأمضى شيئا أو وقفه إلا عن أمره أو أمري إياه بألا ~~يحل ولا يعقد إلا بموافقته ؟ وأقبلت أعتذر له وأجعل بإزاء كل ذنب حجة . قال ~~: دع ذا ، ما خاطبني قط إلا قال واك فهل يتلقى الخلفاء بمثل ذاك ؟ فقلت : ~~يا أمير المؤمنين ، إن هذا طبع له قد ألف منه وحفظ عليه ، وعيب به في أيام ~~خدمته للمقتدر بالله رحمة الله عليه وما استطاع أن يفارقه مع شبه عليه ~~وتعوده إياه . فقال : أعمل على أنه خلق ، أما كان يمكنه أن يغيره مع ما ~~وصفته من فضله وعقله ، أو يتحفظ معي خاصة فيه مع قلة اجتماعي معه ومخاطبتي ~~إياه ؟ وما يفعل ما يفعله إلا عن تهاون وقلة مبالاة . فقبلت الأرض مرارا ~~بين يديه وقلت : الله الله أن يتصور مولانا ذلك فيه ، وإنما هو عن سوء ~~توفيق ، والعفو من أمير المؤمنين مطلوب . ولم أزل إلى أن أمر بنقله إلى دار ~~وزيره ، ونقل وصحح ما أخذ به خطه ، وصرف إلى منزله . وحدث ms291 القاضي أبو علي ~~قال : حدثني جماعة من أهل الحضرة أن رجلا عطارا مشهورا بالستر والصيانة ~~ركبه دين ، فقام عن دكانه ولزم منزله ، وأقبل على الصلاة والدعاء عدة ليال ~~، فبينما هو قد صلى ذات ليلة ودعا ، رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~منامه وهو يقول له : امض إلى علي بن عيسى الوزير ، فقد أمرته بأن يدفع إليك ~~أربعمائة دينار تصلح حالك بها . قال العطار : وكان علي ستمائة دينار دينا ، ~~وأصبحت فقلت : قد قال النبي صلى الله عليه وسلم : من رآني في المنام فقد ~~رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي فلم لا أمضي إلى الوزير وأعرف ما عنده ؟ قال ~~: فمضيت ، فلما وقفت على بابه منعت الوصول وجلست إلى أن ضاق صدري ، وهممت ~~بالانصراف ، فأنا على ذاك إذ خرج الشافعي صاحبه وكان يعرفني معرفة قريبة ~~فقمت إليه وعرفته خبري فقال : يا هذا إن الوزير يطلبك منذ السحر ، وإلى ~~الآن قد سأل عنك كل واحد ، والرسل مبثوثة في التماسك ، فكن بمكانك . قال : ~~ودخل ، فما كان بأسرع من أن دعي بي ، فدخلت إلى الوزير أبي الحسن ، فقال لي ~~: ما اسمك ؟ قلت : فلان بن فلان العطار . قال : من أهل الكرخ ؟ قلت : نعم ، ~~قال : أحسن الله يا هذا جزاؤك في قصدك إياي ، فوالله ما تهنأت عيشا منذ ~~البارحة ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي في منامي : أعط فلان بن ~~فلان العطار بالكرخ أربعمائة دينار يصلح بها شأنه . فكنت اليوم منذ الغداة ~~وإلى هذه الغاية أسأل عنك ، وما عرفنيك أحد . يا غلام هات ألف دينار . فجيء ~~به عينا ، فقال : خذ منه أربعمائة دينار امتثالا لأمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم والستمائة الباقية هدية مني إليك . فقلت : PageV01P244 أيها ~~الوزير ما أحب أن أزداد شيئا من عطاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإني ~~أرجو البركة فيه . فبكى وقال : ما أحسن هذا اليقين ؛ خذ ما بدا لك . فأخذت ~~أربعمائة دينار وانصرفت ، وقصصت قصتي على صديق لي ، ورجيته الدنانير وكلفته ~~أن يخبر غرمائي بأمري ، ويتوسط ms292 ما بنيهم وبيني . ففعل ، وبذلوا له تأخيري ~~بما لهم ثلاث سنين ، فقلت : لا بل يأخذون مني الثلث وينظروني بالباقي . ~~ففرقت عليهم مائتي دينار وفتحت دكاني وأدرته بالمائتين الباقية معي ، فما ~~حال الحول إلا وقد بلغ مالي ألف دينار ، فوفيت غرمائي ما بقي لهم ، وما ~~زالت حالي تنمو ومالي يزيد ولله الحمد . وكان الحنابلة بنوا مسجدا ، وجعلوه ~~طريقا إلى المشاغبة والفتنة ، فتظلم إلى أبي الحسن علي بن عيسى من أمره ، ~~فوقع على ظهر القصة : أحق بناء بهدم ، وتعفية رسم ، بناء أسس على غير تقوى ~~من الله . فليلحق بقواعده إن شاء الله . وكان أبو الحسن بن نيداد يتقلد كور ~~الأهواز ، فتربص بأزر من ارتفاع الناحية ، فوقعت فيه النار واحترق ، فكتب ~~إلى علي بن عيسى كتابا أقام به عذره ، وسجع في كتابة سجعا زاد فيه ، فوقع ~~علي بن عيسى على ظهر الكتاب : أنت يا أبا الحسن تكتب فتجيد ، والاسم الحميد ~~خير من الكلام السديد ، ضيعت علينا أرزا حصلته ، وعولت بنا على كلام ألفته ~~، وخطاب سجعته ، أوجب صرفك عما توليته ، والسلام . فقال أبو الحسن بن نيداد ~~: ما صرفني غير السجع . وكتب إليه . وصل كتاب سيدنا الوزير أطال الله بقاءه ~~مشتملا على وصف وصرف . فأما الوصف فهو منه أدام الله تأييده مع محله من ~~الصناعة نهاية الفخر والسعادة . وأما الصرف عن الاعتذار ، بما جرى به ~~المقدار ، فما جزاء من اعتذار من حال لأدرك عليه فيها أن يصرف عن ولاية لا ~~جناية منه عليها ، والاعتذار بلفظ الصواب ، أولى من الاحتجاج بسوء الخطاب . ~~فوقع علي بن عيسى عن جوابه : قد أدته البلاغة إلى الإرادة ، فليكتب بإقراره ~~على العمل ، وإسعافه بالأمل ، إن شاء الله . وورد الحضرة قوم من أهل ديار ~~ربيعة يتظلمون من حيف لحقهم في معاملاتهم ، فكتب على أيديهم إلى المحسن بن ~~محمد بن عينونة العامل هناك كتابا نسخته . بسم الله الرحمن الرحيم . في ~~علمك أكرمك الله بما أمر الله به من العدل والإحسان ، ونهى عنه من الجور ~~والعدوان ، وعاقب به الظالمين في سالف الأزمان ، غني لك ms293 عن التنبيه ~~والتوقيف ، والوعظ والتخويف : وفيما رسمته لك مشافهة ومكاتبة في إنكار ~~PageV01P245 الظلم وإزالته ، وإظهار العدل وإفاضته ، كفاية وبلاغ . وقد ورد ~~الحضرة أكرمك الله جماعة من وجوه التناء والمزارعين بديار ربيعة متظلمين ~~مما عوملوا به في سني إحدى واثنتين وثلاث عشرة وثلاثمائة ، من إكراههم على ~~تضمن غلات بيادرهم بالحزر والتقدير وإلزامه حق الأعشار في ضياعهم على ~~التربيع ، واستخراج الخراج منهم على أوفر عبر قبل إدراك غلاتهم وثمارهم ، ~~وإكراه وجوههم وتجارهم على ابتياع الغلات السلطانية بأسعار مسرفة مجحفة . ~~فأقلقني ما أفاضوا فيه من الشكوى ، وآلمني ما انتهى إلي وصفه من عظيم ~~البلوى ، ووجدته مع قبيح ذكره وعظيم وزره عائدا بخراب الضياع ، ونقصان ~~الارتفاع . فينبغي أكرمك الله أن تجري سائر رعيتك على المعاملات القديمة ، ~~وتحملهم على الرسوم السليمة ، حتى يعودوا إلى أفضل حال عهدوها ، وأجمل سيرة ~~حمدوها ، وتزيل السنن الجائرة وتبطلها ، وتقطع أسبابها وتحسمها ، وتكتب إلي ~~بما يكون منك في ذلك فإنني على اهتمام به ، ومراعاة له ، إن شاء الله . ~~وكتب إلى عبد الله بن علي الجرجرائي عامل الصلح والمبارك . وصل كتابك أكرمك ~~الله جوابا عن الكتب النافذة إليك فيما تظلم منك فيه جماعة من الرعية ، ~~وواصلوه من الشكية ، بما دللت عليه من بطلان أقوالهم ، وشدة أطماعهم ، ~~وحكيت من وجوبه عليهم بالحجج الواضحة ، والشواهد اللائحة ، وفهمته . فأما ~~ما وصفته من استعمالك الحق في قولك وفعلك ، وحلك وعقدك ، فانظر أي دعوى ~~أدعيتها لنفسك ، وماذا تحتج به غدا عند ربك . واعلم أن أقبح الناس في ~~الدنيا ذكرا ، وأعظمهم عند الله وزرا ، من وصف عدلا وأتى جورا ، وأحسن قولا ~~وأساء فعلا . وأما ما ذكرت أن هؤلاء المتظلمين أوقعوا فيه المغابنة ، ~~وابتاعوه من أراضي المزارعات مصابرة ، فارتجعته منهم لتبيعه بالثمن الوافر ~~، والنقد الحاضر ، فقد عدلت في أمرهم عن طريق الحكم ، ألى أشنع جهات الظلم ~~. ولو بانت دعواك وظهرت ، وقامت البينة عليها ووضحت ، لما جاز أن تمنعهم ~~عما ملكوه ، ولا تحول بينهم وبين ما ابتاعوه ، إلا بعد أن يختاروا فسخ ~~البيع ويرضوه ، ويؤثروه ولا يأبوه ، وترد عليهم ms294 من الثمن ما وزنوه ، وتدفع ~~فيما بينك وبينهم بنظر محمد بن محمد ابن حمدون ووساطته ، ولا تعدل عن قبول ~~رأيه ومشورته . وأما ما أنفذته من العمل لبقايا سنة ثمان وثلاثمائة وما ~~قبلها وبينت أن معظمه على الطائفة المتظلمة منك ، فقد وقفت عليه ، وأحوال ~~هذه البقايا مختلف ، والحكم فيها واضح منكشف ، وسبيل ما كان منها على ~~الجهابذة والبلدية ، وسكان المستغلات السلطانية ، أن تستخرجه في أسرع ~~الأوقات ، وتستوفيه على تصرف الحالات . وما نقاه المحملون PageV01P246 ~~وأصحاب المناثر عن نقائض قناب الحاصل ، ووصفوا أن تصحيحه واجب على أرباب ~~البيادر ، فسبيلك أن تجريه مجرى أسلاف البذور التي تستنظفها ، مع التوثق ~~منها بعد شهور . وما بقي من الأسماء المجهولة ولا أشك أنه من خراج نخل وخضر ~~في أقرحة معروفة فيجب أن تطالب مزارعي تلك الأقرحة حتى يصححوه ، أو يكشفوا ~~حاله ويوضحوه ، فاعمل في ذلك بما رسمته ، ولا تتجاوز ما حددته ، إن شاء ~~الله . وأما ما ذكرت أن ابن المرف الذراع أشار عليك بإيقاع المساحة عليه من ~~حريم الأنهار ، المحفوف بالنخل والأشجار ، لتطالب بابتياعه ، من تجده قد ~~فاز بارتفاعه ، فقد غشك هذا الذراع في مشورته ، ودلك على سوء سريرته . ~~وجميع نواحي واسط أصلحك الله من السواد المفتتح عنوة ، وليس يملكه السلطان ~~أعزه الله فيباع ، لأنه فيء للمسلمين يقوم مقام الوقف على جميعهم ، وإنما ~~تبايع أهليه فيه يجري مجرى السكني لأجل ما أدوه ويؤدونه من الخراج وهو ~~الكراء ، ومن غرس في هذا الحريم نخلا أو شجرا ، أو زرعه غلة أو خضرا ، فقد ~~نفع سلطانه أعزه الله وانتفع ، وثمر ماله بما صنع . فاحذر أن يخطر هذا ~~الباب ببالك ، أو يجري ذكره على لسانك ، وارجع عما يعزب عنك فهمه ويشكل ~~عليك حكمه إلى الفقهاء ، لتسلم من سمه المسبة ، وتأمن سوء المغبة ، إن شاء ~~الله . وحدث أبو الحسن علي بن هشام قال : أقرأني أبو عبد الله أحمد بن محمد ~~الحليمي كتابا بخط أبي الحسن علي بن عيسى ذكر أنه كتبه إليه في وزارته ~~الأخيرة وهو يتقلد طساسيج طريق خراسان ، يحثه فيه ms295 على حمل المال وكانت ~~نسخته : قد كنت أكرمك الله عندي بعيدا من التقصير ، غنيا عن التنبيه ~~والتبصير راغبا فيما خصك بالجمال ، وقدمك على نظرائك من العمال ، واتصلت بك ~~ثقتي ، وانصرفت نحوك عنايتي ، ورددت الجميل من العمل إليك ، واعتمدت في ~~المهم عليك . ثم وضح عندي من أثرك ، وصح عندي من خبرك ، ما اقتضى استزادتك ~~، وردفه ما استدعى استبطاءك ولائمتك ، وأنت تعرف صورة الحال ، وتطلعي مع ~~شدة الضرورة إلى ورود المال . وكان يجب أن تبعثك العناية ، على الجد في ~~الجباية ، حتى ترد حمولك ، ويتوصل ما نتوقع وروده من جهتك . ونشدتك بالله ~~لما تجنبت مذاهب الإغفال والإهمال ، وقرنت الجواب PageV01P247 على كتابي ~~هذا بمال تميزه من سائر جهاته وتحصله ، وتبادر به وتحمله ، فإن العين إليه ~~ممدودة ، والساعات لوروده معدودة ، والعذر في تأخره ضيق ، وأنا عليك من سوء ~~العاقبة مشفق ، والسلام . وحدث أبو الحسين علي بن هشام قال : سمعت أبا عبد ~~الله الباقطائي يقول : لما غلب السجزية على فارس ، جلا قوم من أرباب الخراج ~~عنها لسوء المعاملة ، ففض خراجهم على الباقين ، وكمل بذلك قانون فارس ~~القديم ، ولم تزل هذه التكملة تستوفى على زيادة تارة ، ونقصان أخرى . ~~وافتتح أبو الحسن ابن الفرات فارس في وزارته الأولى سنة ثمان وتسعين ~~ومائتين على يد وصيف كامه ، ومحمد ابن جعفر العبرتاوي فأجرى الأمر على رسمه ~~، وفعل مثل ذلك محمد بن عبيد الله الخاقاني وعلي بن عيسى في صدر وزارته ~~الأولى . فلما مضى منها مديدة ، ورد عبد الرحمن بن جعفر الشيرازي إلى ~~الحضرة ، فتكلم علي محمد بن أحمد بن أبي البغل ، وقدح فيه ، وكان يتقلد ~~فارس إذ ذاك ، وخطب العمل ، وبذل توفير جملة من المال ، فعقد علي بن عيسى ~~الضمان عليه ، وصرف ابن أبي البغل وقلده أصبهان ثم أخر عبد الرحمن بن جعفر ~~المال واحتج بتظلم أهل فارس من التكملة المذكورة ، وامتناعهم من أدائها ، ~~فكتب علي بن عيسى إلى أبي المنذر النعمان بن عبد الله وهو يتقلد كور ~~الأهواز بالاستخلاف على عمله ، والنفوذ إلى فارس ، ومطالبة عبد الرحمن بما ~~حل ms296 عليه من المال ، والنظر في أمر التكملة التي وقعت الظلامة منها ، وشرح ~~أمرها وحل ضمان عبد الرحمن ، وعقد البلد على أحمد بن محمد ابن رستم ، وكتب ~~إلى ابن رستم بأن يصير من أصبهان إلى فارس ، ليعقد له عليه . فلما وصل ~~النعمان إلى هناك وجد قطعة من التكملة على عبد الرحمن . وقد رام أن يكسرها ~~، فعسفه وباع شيئا من أملاكه حتى استوفى ما عليه ، واستخرج مال التكملة من ~~الناس ، وكتب إلى علي بن عيسى بأن العمال يستضعفون قوما من أرباب الخراج ~~فيلزمونهم من التكملة أكثر مما يلزمهم ويرهنون آخرين فيحملونهم أقل مما ~~يخصهم . وقال هو وابن رستم : وإن من طرائف ما يجري بفارس مطالبة الناس بهذه ~~التكملة وهي ظلم لا شك فيه ولا شبهة ، ومما سنه الخوارج جورا ومجازفة . وإن ~~هناك مما قد أغضي عنه لأربابه ، PageV01P248 والمطالبة به أولى وأحق ، وهو ~~خراج الشجر ، لأن فارس افتتحت عنوة ، وهي في أيدي المزارعين على سبيل ~~الإجارة ، ولا حجة لهم في دفعهم إلا دعواهم أن المهدي أسقطه عنهم . وعرف ~~أهل بلاد فارس ما يجري من الخوض في هذا الأمر ، فورد قوم من أجلادهم إلى ~~حضرة علي بن عيسى ، ودخلوا عليه في يوم جلوسه للمظالم وقالوا : نمنع غلاتنا ~~وتعتاق في الكناديج حتى تهلك وتصير هكذا وطرحوا من أكمامهم حنطة محترقة ~~ونطالب بتكملة ما أوجبه الله علينا فتدعونا الضرورة إلى بيع نفوسنا وشعور ~~نسائنا وأدائها حتى تطلق الغلة وهي على هذه الصورة ثم رموا من أكمامهم تينا ~~يابسا وخوخا مقددا ولوزا وفستقا وبندقا وغبيراء ونبقا وعنابا وقالوا : وهذا ~~كله بلا خراج لقوم آخرين ، والبلد فتح عنوة فإما تساوينا في العدل أو الجور ~~. فأنهى علي بن عيسى ذلك إلى المقتدر بالله ، وجمع القضاة والفقهاء ومشايخ ~~الكتاب والعمال وجلة القواد في دار الوزارة بالمخرم وقد جعلها ديوانا ~~وتناظر الفريقان من أرباب الشجر وقد ورد منهم قوم وأرباب التكملة . فقال ~~أرباب الشجر : هذه أملاك قد أنفقنا عليها أموالنا حتى نبتت الغروس فيها ، ~~وحصل لنا بعض الاستغلال منها ، ومتى ألزمت ms297 الخراج بطلت قيمتها ، وقد كان ~~المهدي أزال المطالبة برسم الخراج عنها . وقال المطالبون بالتكملة ما شكوا ~~به حالهم فيها ، واستمرار الظلم عليهم بها . ورجع إلى الفقهاء في ذلك ~~فأفنوا بوجوب الخراج وبطلان التكملة . وقال الكتاب : إن كان المهدي شرط ~~شرطا لمصلحة رآها في الحال ثم زالت سقط الشرط ورجع الحكم إلى الأصل . وقال ~~لهم علي بن عيسى : أليس احتجاجكم بأن المهدي إمامم رأى رأيا فيه صلاح ففعله ~~؟ قالوا : بلى . قال : فإن أمير المؤمنين الإمام قد رأى أن من الأحوط ~~للمسلمين إلزام الشجر الخراج وإزالة التكملة . فقام الزجاج ووكيع القاضي ~~فدعوا له وأثنيا عليه . وقال وكيع : لقد فعل الوزير في هذه القصة كفعل أبي ~~بكر الصديق رضي الله عنه في مطالبته أهل الردة بالزكاة . وأنهى علي ابن ~~عيسى والقضاة ما جرى للمقتدر بالله في يوم الموكب ، واستأذنه في كتب الكتاب ~~بإسقاط التكملة عاجلا إلى أن يتقرر أمر الشجر . فأمره بكتب ذلك في الحال ~~PageV01P249 بحضرته ، وأحضرت له دواة وكان رسم الوزراء إذا أرادوا كتب كتاب ~~بحضرة الخليفة أن تحضر لهم دواة لطيفة بسلسلة فيمسكها الوزير بيده اليسرى ، ~~ويكتب بيده اليمنى وبدأ علي بن عيسى يكتب بغير نسخة ، فلما رآه المقتدر ~~بالله وقد شق ذلك عليه أمر بإحضار دواته وأن يقف بعض الخدم معه فيمسكها إلى ~~أن يفرغ من كتابته . وكان أول وزير أكرم بهذا ، ثم صار رسما للوزراء بعده ~~فكانت نسخة ما كتبه علي بن عيسى : بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله جعفر ~~الإمام المقتدر بالله أمير المؤمنين إلى النعمان بن عبد الله ، سلام عليك ، ~~فإن أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ، ويسأله أن يصلي على ~~محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم . أما بعد فإن أفضل الأعمال قدرا ، ~~وأجملها ذكرا ، وأكملها أجرا ، وأذخرها ذخرا ، ما كان للتقى جامعا ، وللهدى ~~تابعا ، وللورى نافعا ، وللبلوى دافعا ، وقد جعل الله أمير المؤمنين فيما ~~استرعاه من أمور المسلمين مؤثرا ما يرضيه ، مثابرا على ما يزلف عنده ويحظيه ~~، وما توفيق أمير ms298 المؤمنين إلا بالله ، عليه يتوكل ، وبه يستعين . وقد عرفت ~~حال السجزية والخرمية الذين تغلبوا على كور فارس وكرمان ، واستعملوا الجور ~~والعدوان ، وأظهروا العتو والطغيان ، وانتهكوا المحارم ، وارتكبوا العظائم ~~، حتى أنفذ أمير المؤمنين جيوشه إليهم ، وتورد بها عليهم ، فأزالهم وأبادهم ~~، وشتتهم وأبارهم بعد حروب تواصلت ، ووقائع تتابعت ، أحل الله بهم فيها ~~سطوته ، وعجل لهم نقمته ، وجعلهم عبرة للمعتبرين ، وعظة للمستمعين . ' ~~وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد ' ولما محق الله ~~أمر هؤلاء الكفار ، وفرق عدد أوباشهم الفجار ، وجد أمير المؤمنين أفظع ما ~~اخترعوه ، وأشنع ما ابتدعوه ، في مدتهم التي طال أمدها ، وعظم ضررها ، ~~تكملة اجتبوها بكور فارس في سني غوايتهم لما طالبوا أهلها بالخراج على أوفر ~~عبرتهم من غير اقتصار فيه على الموجودين ، حتى فضوا عليهم خراج ما خرب من ~~ضياع المفقودين ، فأنكر أمير المؤمنين ما استقر من هذا الرسم الذميم ، ~~وأكبر ما استمر به الظلم العظيم ، ورأى صيانة دولته عن قبيح معرته ، وحراسة ~~رعيته من عظيم مضرته ، مع كثرته ووفور جملته . فارفع عن الرعية هذه التكملة ~~رفعا مشهورا ، فقد جعل الله من سنها PageV01P250 مدحورا . وناد في المساجد ~~الجامعة بإزالتها وإبطال جبايتها . ليذيع ذلك في الجمهور ، ويتمكن السكون ~~إليه في الصدور ، ويحمد الله الكافة على ما أتاحة الله لها من تعطف أمير ~~المؤمنين ورعايته ، وجميل حياطته وعنايته ، وأجب بما يكون منك في ذلك ، فإن ~~أمير المؤمنين يتوكفه ويراعيه ويتشوفه إن شاء الله . والسلام عليك ورحمة ~~الله . وكتب علي ابن عيسى يوم الخميس النصف من رجب سنة ثلاث وثلاثمائة . ~~وقد كان علي بن عيسى نظر في سنة اثنتين وثلاثمائة الخراجية لأهل هذه ~~التكملة بألف ألف درهم قبل أن يستقر على أرباب الشجر الخراج . ثم تقرر على ~~أن يقارب أهله فيه ويلزموا طسوقا مخففة عنه ، وفعل النعمان في ذلك فعلا وفق ~~به ، وكان ما ارتفع منه قريبا من مال التكملة . وكتب علي بن عيسى في أمر ~~الشجر بما نسخته : بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله جعفر الإمام ms299 المقتدر ~~بالله أمير المؤمنين إلى أحمد بن محمد بن رستم ، سلام عليك ، فإن أمير ~~المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ، ويسأله أن يصلي على محمد ~~عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم . أما بعد فأن الله بعظيم آلائه ، وقديم ~~نعمائه ، وجميل بلائه ، وجزيل عطائه ، جعل أموال الفيء للدين قواما ، وللحق ~~نظاما ، وللعز تماما ، فأوجب للأئمة جبايتها وحرم عليهم إضاعتها ، إذا كان ~~ما يجتبى منها عائدا بصلاح العباد ، وحراسة البلاد ، وحماية البرية ، ~~وحياطة الحوزة والرعية ، ولذلك يعمل أمير المؤمنين فكره ورويته ، ويستفرغ ~~وسعه وطاقته في حراستها وحياطتها ، وقبض كل يد عن تحيفها وتنقصها ، والله ~~ولي معونته بمنه ورحمته . ولما فتح الله كور فارس على المسلمين ، وأزال ~~عنها أيدي المتغلبين ، وجد أمير المؤمنين أهلها قد احتالوا في أسقاط خراج ~~الشجر بأسره ، مع كثرته وجلالة قدره ، فأمر بإشخاص وجوههم إلى حضرته ، ~~واتصلت المناظرة لهم بمشهد من قضاته وخاصته ، إلى أن اعترفوا به مذعنين ، ~~والتزموه طائعين ، وضمنوا أداء ما أوجبه الله فيه من حقوقه على ما تقرر من ~~وضائعه وطسوقه فطالب بخراج الشجر ، في سائر الكور ، على استقبال سنة ثلاث ~~وثلاثمائة . فاستخرجه واستوف جميعه واستنظفه واكتب بما PageV01P251 يرتفع ~~من مساحته ويتحصل من مبلغ جبايته ، متحريا للحق ، متوخيا للرفق إن شاء الله ~~. والسلام عليك ورحمة الله . وكتب علي بن عيسى يوم الاثنين لعشر ليال خلون ~~من شعبان سنة ثلاث وثلاثمائة . وحدث أبو الحسن أحمد بن محمد بن سمعون ~~الجرجرائي قال : كنت أخلف أبا ياسر الجرجرائي على النهروانات ، فمسحنا على ~~الناس ما يجري على الطسق من غلاتهم فإذا أحد التناء . قد أصعد إلى دار ~~الوزير أبي الحسن علي بن عيسى ونحن لا نعلم فتظلم من أننا زدنا عليه في ~~مساحة قراح له . فلم نشعر إلا وقد جاءنا ابن البذال العامل ، وهو من وجوه ~~العمال ، ومعه فوج من مساح بادوريا ، فرسان ورجالة ، فلم نشك أنه صارف لنا ~~. فقال لي صاحبي : أحب أن تتلقاه وتعرف الخبر . فتلقيته فوجدته منفذا ~~لاعتبار مساحة القراح الذي للرجل ، وعدت إلى ms300 صاحبي بذلك ، فقال لي : ما ~~تدري كيف جرى أمر مساحته ؟ قلت : لا . قال : فاخرج حتى تواقف وتجتهد . قال ~~: فخرجت ومعي مساح البلد الذين مسحنا بهم ، وواقفنا واستقصينا ، وما زلت ~~ألطف حتى استقرت مساحة القراح على أحد وعشرين جريبا وقفيز وكنا مسحناه ~~اثنين وعشرين جريبا . واحتججت بأن المساحة وقعت أولا والغلة قائمة فيه ، ~~ومسح الآن بعد حصادها ، وليس بمنكر أن يكون بين المساحة على الحالتين هذا ~~القدر . وانصرف القوم وطالعوا علي بن عيسى بالصورة ، فوردت علينا كتبه ~~بالصواعق في الإنكار والتوعد وقال : والله لئن عادت ظلامة أو تحيف أحد من ~~الرعية في معاملة أو مساحة لأقابلن على ذلك أشد مقابلة . فتحرزنا وتحفظنا ~~وحرسنا الناس ونفوسنا ، وزاد الارتفاع في السنة الآتية ثلاثة في كل عشرة ~~لأن العدل شاع ، والحيف زال ، فتوفرت العمارة . وحدث أبو محمد ثابت بن أحمد ~~بن المشرف كاتب بادوريا قال : كان أهل بادوريا معروفين بالجلد ، وكانت لهم ~~مظالم وقوف . ومظالم رسوم ، ومظالم تدعى مظالم القرطاس . فتقلد عليهم ابن ~~أبي السلاسل العامل وفي قلبه أحقاد ، فأراد الاستقصاء عليهم والتشفي منهم . ~~وأخرج ما عليهم من البقايا ، وأضاف إليها ما رده من هذه المظالم ، وحبسهم ~~وطالبهم فامتنعوا عليه ، وصبروا على الحبس ، فقيدهم واحتملوا القيد ، ولم ~~يجسر على أن يوقع بهم مكروها خوفا من علي بن عيسى . فأملى في بعض الأيام ~~على كتبه PageV01P252 بحضرتهم رقعة إلى علي بن عيسى يغريه فيها بهم كل ~~إغراء ويقول : هؤلاء قوم يدلون بالجلد ، وعليهم أموال قد ألطوا بها وصبروا ~~على الحبس والقيد ، ومتى لم تطلق اليد في تقويمهم واستخراج المال منهم ~~كسروه ، وتأسى بهم أهل السواد فبطل الارتفاع ، والوزير أيده الله أعلى عينا ~~فيما يراه من الإذن في معاملتهم بما يضطرهم إلى الخروج من الحق . قال : ~~فجزع القوم وخافوا أن يعدو الجواب بإطلاق يده فيهم فيبلغ منهم مبلغا يهلكون ~~به ، وهموا بالانقياد له إلى ما يريده . ثم سبروا ، فورد الجواب على ظهر ~~الرقعة بخط علي ابن عيسى : الخراج عافاك الله دين لا يجب فيه غير الملازمة ~~فلا ms301 تتعد ذلك إلى غيره . ففرج الله عنهم ، وأمضيت رسومهم ، ولم يؤدوا إلا ~~البقايا الصحيحة ، وزاد ارتفاع بادوريا في السنة الثانية اثنين في كل عشرة ~~. وحدث أبو محمد عبد الله بن أحمد بن داسة قال : حدثني أبو سهل بن زياد ~~القطان قال : كان أبو الحسن علي بن عيسى يدخل إلى حجرة زوجته والدة أبي ~~القاسم ابنه في كل اسبوع . فلما نشأ أبو القاسم وترجل جاء إلى حجرة أمه في ~~يوم نوبتها من أبيه فأقفلها عليها ، وأخذ المفتاح وانصرف ، ووافى علي بن ~~عيسى على رسمه ، فلما رأى الباب مقفلا سأل عن ذلك فقيل : فعله أبو القاسم ~~ابنك . فاستحيا وعرف غرضه ، فلم يدخل من وحدث أبو القاسم عيسى بن علي بن ~~عيسى قال : حدثني أبي قال : لما حبسني المقتدر بالله كنت مكرما في محبسي ، ~~فدخلت إلي القهرمانة بعد ثمانية عشر شهرا من القبض علي وقالت : يريد ~~الخليفة أن يجيئك فتأهب لذلك . فما مضت ساعة حتى دخل إلي مؤنس القشوري وابن ~~الحواري وقالا لي : أراد أمير المؤمنين أن يجيئك فاستحيا منك . قال : فقمت ~~وقبلت الأرض ودعوت له ثم قالا : ويقول لك لولا علمنا بزهدك في الوزارة لما ~~عدلنا بها عنك ، ولكننا نشاورك فيمن نقلده ، اذكر هنا الناظر في الأمور ، ~~فقلت : الوزارة محتاجة إلى رجل كاتب كاف ممش للأمور عارف بسياسة الجند ، ~~وقد قل الناس الذين هذه حالهم ، وما أعرف من أذكره اقتضابا من غير روية ، ~~ولكن أنظروني حنى أراجع فكري وأقول ما عندي . فقالا : قل على كل حال . فقلت ~~لهما : بالحضرة رجلان وعلى البعد رجلان . فأما الحاضران فأبو عيسى أحمد بن ~~محمد بن خالد أخو أبي صخرة وأبو عبد الله حمد بن محمد القنائي . وأما ~~الغائبان وهما أوفق وأصلح فأبو علي الحسين بن أحمد المعروف بأبي زنبور وأبو ~~بكر محمد بن علي المادرائيان ، فإنهما قد دبرا أمور بني طولون في المال ~~والرجال ، ولهما في الكتابة قدم ، وبالتدبير دربة ، فاستدعوا أحدهما . قالا ~~: PageV01P253 فما تقول في حامد بن العباس . قلت : هو عامل يصلح لعمارة ~~وحفظ ارتفاع ms302 ، وما الوزارة من عمله ولا سياسة الملك والرجال وتدبير الأمور ~~مما يعرفه . فالاله : فاعلم أن أمير المؤمنين قد قلده وخلع عليه ، ونظر مذ ~~ثلاثة أيام . قلت : فما معنى المشاورة بعد الإمضاء ؟ فقالا : لأنه قد تلوح ~~لنا عجز حامد وكدنا نفتضح به ، ولم يؤثر الخليفة صرفه في إثر تقليده فيقبح ~~ذلك في السياسة ، ونريد أن نشده بمن يقوم بهذا الأمر ويسدده ليبقى عليه اسم ~~الوزارة ، وقد رأى أن يندبك لذلك فتكون كاتبه وخليفته ظاهرا وأنت الوزير ~~باطنا والتدبير إليك ، والمعاملة بين أمير المؤمنين وبينك . قال : فاسترحت ~~إلى الإجابة لتطاول حبسي وخرجت ونظرت وكان ما كان . وحدث أبو علي التنوخي ~~قال : حدثني أبو الحسن أحمد بن يوسف بن الأزرق قال : حدثني أبو يعقوب أخي ~~قال : حدثني أبو بكر بن مقاتل ونحن بمصر قال : ابتعت من السلطان قديما ، ~~وأنا تاجر ، غلة على إكراه وبقي علي من ثمنها عشرون ألف دينار ، وأحضرني ~~أبو الحسن علي بن عيسى وطالبني بذلك ، فلم يكن لي وجهة ، وعدلت إلى جحده ~~وترك الاعتراف به . وقال لي اعمل حسابا بأصل ما ابتعته وما أديته ليبين ~~الباقي بعده . ودافعت فاعتقلني في الديوان ، وأمرني بعمل الحساب فيه . ~~فأخذت أعلل وأطاول إشفاقا من أن تتحقق البقية فأحصل تحت المطالبة بغير عذر ~~ولا حجة ، ثم أرهقني ودعاني إلى حضرته ، فدخلت ومعي كيس حسابي لأريه ما ~~ارتفع منه ، وأسأله إنظاري بإتمامه واستكماله . وفتحت الكيس بين يديه ، ~~وكنت أستطيب خبز البيت ولا آكل غيره ، ويحمل إلي من منزلي في كل يومين أو ~~ثلاثة ما أريد منه ، وبحسن الاتفاق تركت في الكيس منه رغيفين استظهارا لئلا ~~يتأخر عني ما يحمل إلي ، وبينما أقلب الحساب وقعت عين الوزير أبي الحسن على ~~الرغيفين ، فلما رآهما قال لي : اضمم إلي حسابك ، مرارا . فضممته وشددته ~~وقال لي : قم إلى بيتك . فانصرفت ولم يطالبني بعد ذلك بشيء ، ولا تنبه من ~~نظر بعد على أمري ، فانكسر المال والله ، وكان سببه الرغيفين لأن علي بن ~~عيسى لما رآهما وقد كنت أشكو الخسارة والفقر حملني ms303 على أن حملي للرغيفين مع ~~الحساب لضعف حال وشدة فاقة . وحدث أبو القاسم عيسى بن علي قال : حدثني أبي ~~قال : لما استهل ذو الحجة من سنة أربع وثلاثمائة ، وقد قاربت استيفاء السنة ~~الرابعة من وزارتي الأولى للمقتدر بالله ، بلغني ما قد عمل عليه من صرفي ، ~~فدخلت إليه وخلوت به وقلت : يا أمير المؤمنين قد أظل العيد عرفك الله بركته ~~ووجب أن ننظر في أمر خواصك وجندك ، فمن كان له رزق متأخر ، واستحقاق حاضر ، ~~أطلقناه له ليصرفه في نفقة عيده . فقال : نعم . قلت : نراسل السادة ~~PageV01P254 وأشرت إلى السيدة والخالة والأمراء والحرم ونستعلم منهم الصورة ~~فيما يتعلق بهم . ففعل وقالوا : قد راجت أموالنا وما بقي لنا ما نطالب به ~~أو نقتضيه . قال : فقلت : إن خدم الدار وحواشيها وأصحاب الجرايات والمرتزقة ~~والغلمان الحجرية والرجالة المصافية ، وأصحاب مؤنس وأصحاب الحجاب وأصحاب ~~الشرطة جارون هذا المجرى في الاستيفاء ، وقد أزحت عللهم فيما استحقوه منذ ~~نظرت ومكرر إلى هذه الغاية ، ولم يبق علينا شيء لأحد إلا ما كان لبعض رجال ~~القواد التفاريق ، وقد تقدمت بإخراج الحال فيه فكان مائة وثلاثين ألف دينار ~~، وحملت إلى مجلس العطاء اليوم منه مائة ألف دينار وقدرت أن الثلاثين ألفا ~~ستتوفر من جاري من مات أو غاب أو أسقط ، وفضول الأوزان والرسوم التي كان ~~يرتفق بها قبل هذا الوقت . وإنما أردت في إعلام أمير المؤمنين من ذلك ما ~~أعلمته ليتحقق استقامة أمره وأمر أهل دولته . قال : فأظهر السرور بما ~~أخبرته به وشكرني على ما فعلته فيه وقلت : يا أمير المؤمنين إن ابن الفرات ~~نظر لك قبلي أربع سنين فأنفق ارتفاع الدنيا ومال المصادرات ، وكذا وكذا ألف ~~دينار من بيت مال الخاصة لم يسم أبو القاسم عيسى بن على ما ذكر مبلغه ثم ~~نظر لك بعده محمد بن عبيد الله الخاقاني ، فأخرج من بيت مال الخاصة ألف ألف ~~دينار زائدة على ما أخرجه ابن الفرات بعد الذي أنفقه من الارتفاع والمصادرة ~~، وقد وفيت الناس أموالهم كما رأيت وما مسست من بيت مال ms304 الخاصة درهما واحدا ~~، وإن تركتني حتى أدبر أمورك في هذه السنة المقبلة ولم تغير لي أمرا قمت ~~بجميع الخرج ، وحملت إلى بيت مال الخاصة ألف ألف دينار أوفرها . فقال : ~~معاذ الله أن أعتقد لك صرفا أو اعتاض عنك أحدا ، وأنت . . . وأنت . . . ~~وجعل يقرظني ويصفني ويحمدني ويشكرني . فانصرفت من بين يديه وعندي أنني قد ~~كفيت الصرف فما مضى على هذا المجلس سبعة أيام حتى قبض علي في اليوم الثامن ~~وكان يوم التروية ، ونكبني . وحدث أبو علي عبد الرحمن بن عيسى قال : سمعت ~~الوزير أبا الحسن أخي يقول : قل ما ظفر أحد ببغي فلم يبطر ، وقل من حرص على ~~النساء فلم يفتضح ، وقل من أكثر من الطعام فلم يتخم ؛ وقل من ابتلى بوزراء ~~السوء فلم يقع في المهالك . وهذه الكلمة عمدة القول . وحدث عبد الرحمن قال ~~: كان أبو بكر بن مقاتل يتولى كيل ما يرد من الشعير للقضيم واستيفاءه ، ~~فيبقى عليه من أسافل الزواريق من الرطب والعفن ما يباع بثمن بخس ، ويورد ~~الحسبانات على الأوقات . فاتفق أن حضر الناظر في أمور الجوارح والطيور ~~يلتمس إطلاق PageV01P255 علوفة البط في البرك والزبيدية وقدر ذلك ثلاثون ~~قفيزا شعيرا في كل شهر فأحضر أخي أبو الحسن علي بن عيسى ابن مقاتل وناظره ~~على أمر الشعير الرطب والمبلول وما يحصل من ثمنه ، وموقعه من ثمن الشيلم ، ~~والتفاوت بينهما ، إلى أن عرف التوفير بين إطلاق الشعير الجيد والشعير ~~الرطب ، ثم تقدم بإقامة العلوفة من الرطب . فخرج ابن مقاتل متعجبا من دقة ~~نظر أبي الحسن فيما نظر فيه حتى وفر ما وفره منه بعد طول المجاورة وذهاب ~~شطر من الزمان في المناظرة ، وعرج ابن مقاتل إلى أحمد ابن يحيى بن حاني ~~كاتب الوزير أبي الحسن علي خاصة فقال له : كم يرتزق الوزير في الشهر ؟ قال ~~: سبعة آلاف دينار . فقال : قسط اليوم فيها مائتان وثلاثون دينارا ، وقسط ~~الساعة نحو عشرين دينارا ، وقد نظر الوزير في أكثر من ساعة توفيرا لا يبلغ ~~ما استحقه من الرزق . وأخرج القول مخرج التنادر ، وسمع ms305 صاحب الخبر ذلك ، ~~فكتب به إلى الوزير ، ودعاه من وقته ، فلما وقف بين يديه قال له : أعد قولك ~~في معنى الرزق . فاضطرب وتحير ، فقال له ، أعد ويل لك . فقال : إنما كان ~~قولي على وجه التعجب من نظر الوزير الدقيق في الأمر القليل : فقال : لا ~~تتعجب من ذلك فإن لكل أمر حظا من النظر والتفقد ، ولو لم نتفقد الصغير ~~لأضعنا الكبير ، وهذه أمانة لا بد من أدائها في قليل الأمور وكثيرها . وكما ~~أنا نظرنا في هذا الدقيق ساعة فكذلك ننظر في الجليل ساعة نظرا يؤدي إلى ~~استخلاص البلد العظيم ، وتحصيل المال الجسم وإعادة الشاذ إلى الطاعة ، ~~ونأتي من التوفير بما يضعف على أرزاقنا للسنين الكثيرة . وإذا علم معاملونا ~~أنا نراعي أمورهم هذه المراعاة لزموا الأمانة وخافو الخيانة . أخرج ودع ~~الفضول . فخرج وعمامته في يده . وحدث عبد الرحمن بن عيسى قال : حدثني أحد ~~الخدم الخاصة قال : حضر أبو الحسن علي بن عيسى دار السلطان في يوم شديد ~~البرد ، وليس بيوم موكب ، وعرف المقتدر بالله خبره ، فجلس له في بعض الصحون ~~على كرسي ورأسه مكشوف . فخاطبه في معنى ما حضر له ، فلما فرغ قال له : يا ~~أمير المؤمنين تبرز في مثل هذه الغداة الباردة ، وتجلس في هذا الصحن الواسع ~~، ورأسك بغير غطاء ، والناس في مثلها يجلسون في المواضع الكنينة ، ~~ويستعملون من الدثار ما يستعملونه ، وأحسبك تسرف في أخذ الأشربة الحارة ، ~~والأطعمة الكثيرة المسك . فقال المقتدر بالله : لا والله ما أفعل ولا آكل ~~طعاما فيه مسك ولا يطرح لي في شيء إلا يسير يكون في الخشكنانج ، وربما أكلت ~~في الأيام واحدة منه . فقال له الوزير : فإنى أطلق يا أمير المؤمنين في كل ~~شهر في جملة نفقات المطبخ لثمن المسك نحو ثلاثمائة دينار . وانقضى كلامهما ~~، ونهض المقتدر بالله وخرج الوزير . فلما صار في الصحن وقف المقتدر بالله ~~وأمر برده . فعاد وقال له : أظنك تنصرف الساعة وتفتتح نظرك بإحضار المتولي ~~PageV01P256 لأمر المطبخ وتوقفه على ما جرى بيننا في معنى المسك وتسقطه . ~~وقال : كذلك هو يا أمير ms306 المؤمنين . فضحك وقال : أحب أن لا تفعل ذلك ، فلعل ~~هذه الدنانير تنصرف في أقوات ونفقات قوم ، ولا أريد قطعها عنهم . قال : ~~السمع والطاعة . وحدث عبد الرحمن قال : كان أحمد بن محمد بن المعلي الكاتب ~~يتولى للوزير أبي الحسن علي بن عيسى زمام النفقات ، فقال له في بعض الأيام ~~: يا أبا الحسين قد نقص الليل ثلاث ساعات هي ربعه فانقص الفراشين من الزيت ~~والشمع ربع الإقامة . فقال له : هذا أعز الله الوزير استقصاء ما عرفوه ، ~~واستيفاء ما عهدوه . فقال : أليس إذا احتاجوا إلى زيادة طلبوها وزيدوا ؟ ~~قال : بلى . قال : وكذلك إذا وقع نقصان فليوفروه . وحدث عبد الرحمن قال ~~تأخر الوزير أبو الحسن في دار السلطان تأخرا طال وقد كان الخبر ورد بتورد ~~المغربي مصر ، وبلوغه الجيزة ، وهي في جانبها الغربي ، وأخذه الفيوم ~~والإسكندرية ، ووقع الانزعاج من ذلك وضاقت به الصدور وأعمل الفكر والنظر في ~~تدبيره ثم وافى وقد تجاوزت صلاة الظهر في يوم صائف . فقلنا له : ما سبب هذا ~~التأخر ؟ فقد اعتورتنا الظنون فيه . فقال : نعم ، كنا والله في أعجوبة لم ~~يسمع بمثلها . قلنا : ما هي ؟ قال : كنت مع مؤنس ومانس وغريب الخال ونصر ~~الحاجب وشفيع وغيرهم من الخاصة ، نتجارى ما ورد من أمر مصر ، ونجيل الرأي ~~فيما يدبر به مع ما يعبر من رأى الخليفة في السفر ، إذ خرجت أم موسى ~~القهرمانة فجلست على مسورة ، واستدعت من خادمها منديل حوائجها ، فابتدأت ~~تعرض رقعة لبعض الحشم في زيادة دينار في نزله ، ولبعض الخدم في زيادة يسيرة ~~في رزقه ، وأنا والجماعة نتميز غيظا من قطعها إيانا عن مثل هذا الأمر ~~العظيم الحديث بمثل هذه الصغائر المضرة بالمال ، ثم رميت بالرقعة ، وعطفت ~~على القوم ومشاورتهم ، فقالت : هكذا يفعل بحوائج السادة ؟ فقلت : يا هذه ، ~~نحن في حراسة الأرواح وحفظ أصول الملك ، وقد شغلتنا عنه بما لا فائدة فيه . ~~فقالت : وما هذا الشغل كله ؟ قلت : مصر قد أشرفت على الذهاب والخروج عن يد ~~السلطان وغلب المغربي منها على مواضع الارتفاع ، وإن تم ونعوذ بالله من ms307 ذاك ~~ما نخاف فقد مضى المغرب كله ، ثم لا قرار على البساط بعده . فقالت : بظر أم ~~مصر ، ومتى كانت في يد السلطان حتى يغم عليها إذا أخذت ؟ فورد علي من قولها ~~ما أدهشني . فقلنا له : فما كان الجواب عن هذا الجل ؟ قال : قلت لها : بمثل ~~هذا أدبر أمر الدنيا . ونهضت مغضبا ، وتفرق القوم ، وقد شاهدوا وسمعوا عجبا ~~. PageV01P257 وحدث عبد الرحمن قال : حدثني محمد بن يحيى الصولي الشطرنجي ~~قال : لما مضت مدة من وزارة الوزير أبي الحسن علي بن عيسى وانتقل الحواشي ~~وخدم الدار عما ألفوه مع أبي الحسن بن الفرات وأبي علي الخاقاني من بسطهم ~~وبلوغ أغراضهم وزياداتهم في أنزالهم وأرزاقهم إلى ما رأوه في أيام أبي ~~الحسن من الضبط وتجعد الكف واليد ، ووضع الأمور مواضعها وحفظ الأموال عما ~~يتخرمها ويتحفيها ، نقل على الجماعة أمره واتفق أن دخل في بعض الأيام إلى ~~دار السلطان فحذف في بعض الممرات برقعة وقعت في صدره ، ولم يدر من رماه بها ~~، فأخذها ، ودخل إلى المقتدر بالله ، وخرج فجلس في دار الوزارة وقرأها ، ~~فإذا فيها أبيات قد هجي فيها واستبعد موته ومدته ، فقلبها وكتب على ظهرها : ~~لي مدة لا بد أبلغها . . . معلومة فإذا انقضت مت لو ساورتني الأسد ضارية . ~~. . لغلبتها ما لم يجي الوقت ثم قال لبعض خدمه : ارم بهذه الرقعة في الممر ~~الذي رمينا بها فيه ، ففعل . وحدث أبو الحسن علي بن يحيى بن سليمان البصري ~~الكاتب قال : كان أبو الحسن علي بن عيسى أيام تدبيره الأمور في وزارة حامد ~~بن العباس قد عمل عملا بالفضل في ضياع أبي الحسين بن أبي البغل ، وسلمه إلى ~~حامد ليناظره عليه بما شاء من الأمر ، فناظره حامد واعتقله ووكل به ، وعرفت ~~أم موسى القهرمانة خبره ، فطالعت المقتدر بالله ، وخرج أمره بالإفراج عنه . ~~فلما علم علي بن عيسى بما جرى كتب إلى ابن أبي البغل رقعة يذكر فيها ~~اغتمامه لما لحقه ، وسروره بما ظهر من حسن رأي السلطان فيه ، فأجابه في ~~تضاعيفها : الصعو بصفر آمنا ومن أجله . . . حبس ms308 الهزار لأنه يترنم لو كنت ~~أجهل ما علمت لسرني . . . جهلي كما قد ساءني ما أعلم لم أستفد أدبي لدولة ~~ظالمي . . . لكنه يجني علي ويظلم ذنبي إليه على ركاكة فهمه . . . أني لأعلم ~~أنه لا يعلم وحدث أبو الحسن علي بن عيسى قال : كان عبيد الله بن سليمان ~~والقاسم ابنه بعده ينكران على عمالهما الاستتار عنهما ويقولان : إنما يقع ~~الاستتار مع الإشفاق من الظلم ، PageV01P258 فأما مع الإنصاف في المعاملة ~~واعتماد الحق في المحاسبة فهو طمع في السلطان وإرادة لكسر ماله . فاتفق أن ~~صرف القاسم عاملا من عمال الأهواز فاستتر ، فغلظ عليه ذلك ، وقال لي ~~وللجماعة : أذكوا العيون عليه حتى تثيروه ، وجدوا في طلبه حتى تحضروه . ~~وقال علي بن عيسى : فبكرت يوما بكورا أقضى فيه حقا وأعود ألى دار القاسم بن ~~عبيد الله . فإذا العامل قد خرج من موضع يريد موضعا ، فرآه غلماني فأمسكوه ~~وجاءوني به . فقلت له : تستتر عن الوزير وعنا والإنصاف مبذول لك ؟ فقال : ~~إذا كان الأمر على هذا ظهرت وجئتك . فتذممت من أن أحمله في الحال بالإكراه ~~إلى دار القاسم فتلحقني في هذا الفعل قباحة . فقلت له : لا تتأخر فإنني من ~~وراء معاونتك وتمشية أمرك . وأمرت بتركه وتخلية سبيله ، ومضيت إلى مقصدي ~~وعدت إلى دار القاسم ودخلت إلى مجلسه ، فلم أجد عنده من البشاشة والإكرام ~~ما كنت أعهده . ثم سلم إلي فضلا من رقعة صاحب خبر وقد ذكر فيه حالي مع ~~الرجل ، وقال لي : كان عندي أنك عون لي وللسلطان على استيفاء حقوقه وإصلاح ~~أموره ، ولم أعلم أنك على خلاف ذلك . فأشفقت من أن أجيبه جوابا ربما رد علي ~~عنه ما يقدح في الجاه ويستمع على ملأ من الناس . فقلت : إذا خلا الوزير ~~عرفته ما عندي في ذلك . وأمسك ، وبقيت حيران لا أعلم بأي عذر أعتذر ، وعدلت ~~إلى أن سألت الله كفايتي وتخليصي ، وكنت إذا رأيت المجلس قد خف أحسست بتقطع ~~أعضائي . فأنا في ذلك إذ تقدم إلي صاحب دواتي وأعطاني رقعة من وكيلي في ~~داري ، وقد وقع عليها اسمه ms309 ، وبعده : مهم . فظننت أن القاسم بنزقه وغيظه قد ~~أنفذ إلى داري قوما ووكل بهم . فأسرعت إلى فضها وعقلي زائل ، وروعي زائد ، ~~فإذا فيها : صار إلى بابنا نسوة وطلبن من يكلمهن ، وخرجت إليهن ، فدخلن ~~الدهليز وكشفت إحداهن عن وجهها فإذا هو فلان العامل فنحى إزاره وخفه ، وفعل ~~غلام كان معه مثل فعله ، وجلسا في الدار ، وانصرف من كان معهما من النساء ، ~~وأمرني بأن أطالعك بخبره وأقول لك عنه : قد سلمت نفسي إليك جزاء لفعلك ~~اليوم ، وثقة بوعدك وأخذك بيدي ومعاونتي على أمري ، فافعل ما تراه . فحين ~~قرأتها عادت نفسي واشتد سروري ، وتقوض المجلس ، وقال لي القاسم : هات ما ~~عندك في جواب قولي لك . قلت : نعم ، ما الأمر على ما وقع لك في بابي ، بل ~~عندي من المعاونة والمعاضده والخدمة والطاعة وبذل القدرة والاستطاعة واطراح ~~الديانة والأمانة في كل ما يخفف عنك ، ويقرب منك أكثر مما يجب لمثلك على ~~مثلي ، ولكنك PageV01P259 أيها الوزير تستقصر الفعل ، وتريد زيادة على ما ~~في الوسع ، وإن كان هذا العامل ينصف في مواقفته ومحاسبته أحضرته الساعة . ~~فأسفر وجهه وقال : أنكرت أن يكون منك إلا ما تقتضيه الثقة بك ، والآن فقد ~~رددت أمره إليك ورضيت بحكمك فيه ، فرح به عشيا إلى حضرتي واعمل من ديوانك ~~عملا لما يجب عليه . وقال لكتاب الدواوين جميعا أن يعملوا مثل ذلك . ~~وانصرفت إلى داري ، وقلت للرجل كل ما سكنت به نفسه ، وأزلت معه إشفاقه ، ~~وجعلته على ثقة من تكفلي بأمره ، وأمرته بأن يروح معي . فلبس أحسن لباس ~~وتطيب أكثر طيب وجاء معي ، فقلت له : قد أسرفت في لباسك وطيبك لي : حالي ~~على جملتها ، وما ألزمت ما شعثها ، ولأن يرى الوزير مني مروءة يستدل بها ~~على كثرة كلفي ومؤني أولى من غير ذلك . ودخلنا إلى القاسم بن عبيد الله معا ~~فأراد الرجل أن يقبل يده فمنعه وضمه إليه حتى قبل كتفه ، وأحضر كتاب ~~الدواوين فقال لهم : ناظروه . فكان يناظر على عمل بعد عمل ويبطل بابا ويصح ~~بابا ، وكلما صح شيء أخذ به خطه ms310 وأرجه أحد الكتاب إلى أن وجبت صلاة المغرب ~~وصلينا ، ثم أقبل على الكاتب وقال له : كم جملة ما أرجته مما كتب به خطه ؟ ~~قال : ستة وثلاثون ألف دينار ونيف . قال : وأي شيء بقي من الأعمال ؟ قيل له ~~: عمل الديوان الفلاني والديوان الفلاني . فقال لي : يا أبا الحسن أنت ~~الحكم في أمره ، فقل ما عندك نقبله . ولا أقل من إتمام المبلغ خمسين ألف ~~دينار . فقلت : أيها الوزير ، إذا رجعت إلي حكمي فآثار الرجل جميلة وطريقته ~~مستقيمة ، ومن حكمي فيه أن لا يلزم شيئا . فاغتاظ غيظا بأن في وجهه وإن لم ~~يبد في قوله وقال : ماذا قلت ؟ قلت : يرد إلى عمله ، فإنه رفع من الارتفاع ~~ما لم يرفعه غيره . فأطرق ثم رفع رأسه وقال : يرد عليه خطه ويكتب بإعادته ~~إلى عمله . فقال الكاتب : كيف أدعو له ؟ قال : لا تدع . وقال للرجل : والله ~~لئن عاودت ما أنكره منك لأعاملنك بما عامل الله به فرعون فإنه جعله نكال ~~الآخرة والأولى . وكتبت الكتب ، وأراد توديعه ، فبسط رجله إليه حتى قبلها . ~~وقيل للقاسم : قد فلت أيها الوزير في أمره ما لم تفعله البرامكة مع مثله . ~~قال : وجدت كل ما عاملته به واقعا موقعه مع تسليمه نفسه وأمره إلي . وحدث ~~أبو عبد الله أحمد بن علي بن المختار الأنماطي وكان قد خدم أبا الحسن علي ~~ابن عيسى واختص به قال : كنت بين يدي الوزير أنا وأخوه وأولاده وخواصه ، ~~وجرى حديث البريدي في إصعاده إلى الحضرة وما هو عليه من الإقدام على أخذ ~~الأموال واستباحة الأحوال وأن الناس على إشفاق منه ، وعمل على الهرب من بين ~~يديه ، وأشارت الجماعة PageV01P260 عليه بأن يخرج هو وحرمه وأولاده وأصحابه ~~عن بغداد ، فما أصغى إلى ذلك . ثم أكثروا عليه إكثارا ثنوه عن رأيه ، فأطلق ~~لي مائتي دينار لأستأجر له بها زواريق يصعد فيها هو وعياله إلى ناصر الدولة ~~أبي محمد ابن حمدان . وانصرفت من عنده بعد المغرب ، وباكرني رسوله يستدعيني ~~، فبادرت إليه ، وسألني عما عملته فقلت : ضاق الوقت البارحة عما أردته ~~وباكرني ms311 رسولك فحضرت معه . فقال لي : فكرت فيما أشرتم به فوجدته خارجا عن ~~الرأي ، ومفسدا للدين ، لأن الأمر مقدر ، والإنسان مدبر ، ولا يجب لمخلوق ~~أن يهرب من مخلوق . هات الدنانير . فأعطيته إياها ، فأمر بأن يتصدق بها ، ~~وأقام . فلما قرب البريدي انحدر إليه متلقيا فأكرمه ، وعرف موضعه ، ووفاه ~~حقه ، ومنعه من أن يخرج عن طياره ، وانتقل هو إليه ، وخاطبه بما وفاه ~~الجميل والبر فيه . وكان أهل الكوفة تظلموا إلى أبي الحسن علي بن عيسى في ~~أيام القاهر بالله وقد خرج إلى واسط مدبرا لها ولأعمال سقي الفرات في أمر ~~ثمارهم ، وحكوا أن أحمد بن محمد بن بشار وكل بها وسامهم حملها إلى البنادره ~~، وأجرى أثمانها في خراجهم ليبقي عليهم عجزا يطالبهم به ، وجرت بينه وبينهم ~~مناظرات ومخاطبات آلت إلى أن كتب إلى ابن بشار بأن يقاسمهم على الثمرة كما ~~يقاسمهم على الغلة . وحدث أبو عمرو الشرابي قال : لما صرف أبو الحسن لعي بن ~~عيسى بأبي علي محمد بن علي بن مقلة دخلت إليه في محبسه فحادثته وسكنت منه ، ~~وسألته عما يريده من الأشربة والأسوقة والطعام لأتقدم بحمله ، فوجدته طيب ~~النفس حسن اليقين وقال لي : الآن تم لي ديني وتفرغت لصلاتي وأداء مفترضاتي ~~، وقد كنت أحب العزل وترك هذا الأمر ، ولكنني احتسبت قيامي به قيام المجاهد ~~في سبيل الله . فمن تقلد الوزارة ؟ قلت : ابن مقلة . قال : حدث يحب الرئاسة ~~ويراعي يومه دون غده ، يا أبا عمرو ، أليس تدبير الخلافة إلى قوم مبلغ ~~عقولهم أنهم يظنون أن ابن مقلة ينهض بما أعجز أنا عنه ، ويستقل بما أتفادى ~~منه ؟ إنا لله وإنا إليه راجعون . ذهبت والله الدنيا وضاعت الأمور . فقلت : ~~ما قدروا ذلك ولا توهموه ، ولكنهم أرادوا من يأخذ أموال الناس ويعطيهم ~~إياها ويطلقهم فيما منعتهم منه . فقال : الله المستعان . وحدث عبد الرحمن ~~بن عيسى قال : حدثني هارون الكاتب بن إبراهيم الكاتب قال : لما أحس القاسم ~~بن عبيد الله بحضور منيته جعل يوصي أبا الحسن علي بن عيسى بولده ، وأبو ~~الحسن يذكره بالتوبة والإقلاع ، فما ms312 فارقه حتى تاب توبة جردها وصحح فيها ~~العزيمة . PageV01P261 ثم دعا بالعباس بن الحسن في غداة يوم الثلاثاء لخمس ~~خلون من ذي القعدة سنة إحدى وتسعين ومائتين قبل أن قضى نحبه بثلاث ساعات ~~فأملى عليه رقعة إلى المكتفي بالله ، كان ما حفظناه من ألفاظها ومعانيها : ~~كتبت هذه الرقعة أطال الله بقاء سيدي أمير المؤمنين بإملائي وأنا في آخر ~~يوم من أيام الدنيا ، وأول يوم من أيام الأخرة . وقد حضر من الأمر ما مضى ~~عليه الأولون ، ويصير إليه الآخرون ، والحمد الله الذي لما قضى علي الموت ~~جعله في دولة أمير المؤمنين أيده الله وجعلني ماضيا على أحكام طاعته ودارجا ~~على أفضل ما درج عليه أحد من أهل ولايته وتمم الكلام وشكر الإنعام ثم قال : ~~ولم أطب نفسا مع ما آلت إليه الحال بأن أمسك من النصح لمولانا حيا كنت أم ~~ميتا ولا بد أن يقوم لخدمته من يصلح لها ، ويجري مجراي في حراستها والذب ~~عنها والنهوض بأعبائها . وهذا خادم أمير المؤمنين وكاتبه علي بن عيسى بن ~~داود ابن الجراح أحد الكتاب المتقدمين ومن قد خدم آباؤه الخلفاء الماضين ~~وكانوا مرصنين محمودين ، وقد عرف مولانا مذهبه في أمانته ومناصحته ، وتأدت ~~إليه أخباره في سداده وكفايته . وخادمه العباس بن الحسن كاتب حضرتي ، وكان ~~ملازما لي وقد تقيل أخلاقي في الخدمة ، وعرف مذهبي في المدافعة عن الدولة ~~وسلك مذهبي في المبالغة والطاعة . وعلى أيهما اعتمد ، ولأيهما آثر وقدم ، ~~رجوت ألا يعدم عنده شيئا مما كان عليه خادمه في المناصحة . وتمم القول ~~وختمه بالوصاة بولده ووالدته وأسبابه والإحسان إليهم ومكافأته بما يستحقه ~~فيهم . قال عبد الرحمن : فحدثني أبو الحسن أخي قال : لما فرغ القاسم من ~~إملاء هذه الرقعة دفعها إلي وقال : سألتك بحق ما بيننا إلا بادرت وأوصلتها ~~من يدك ، واجتهدت في التعجل بما يجري ، فإنني أخاف إن تأخرت أن لا تلحقني ، ~~وأكبر أملي فيما بقي من مدتي أن أعرف ما يستقر عليه الحال من بعدي . قال ~~أخي : فاستعفيته فلم يعفني ، ولم يكن فيه فضل لمعاودتي ms313 ، وعجبت من شدة نفسه ~~، وزيادة حرصه على أمور الدنيا مع حضور أجله . فمضيت ومعي العباس إلى دار ~~السلطان وجلسنا على انتظار إذنه ، ثم أذن لنا فدخلنا . فلما PageV01P262 ~~حصلنا في وسط دهليز الصحن السبعيني استدار العباس فصار في وجهي وقال لي : ~~والله لئن ألقيت هذا الأمر إلي ونزلت عنه لي لأكون فيه من قبلك ومتصرفا على ~~أمرك . فعجبت من قوله وقلت : ستعلم ما يجري ، وأرجو توفيق الله تبارك ~~وتعالى . ووصلنا إلى الخليفة وأوصلت الرقعة . فلما قرأها سأل عن خبره ، ~~فعرفته أنه في آخر رمقه وما نقدر أننا نلحقه فدمعت عيناه ثم التفت إلي وجعل ~~يخاطبني مخاطبة من قد رد الأمر إلي واعتمد فيه علي . وقال لي في عرض قوله : ~~أنت يا علي في نفسي مذ كنت بالرقة ، وأنا أعرف أخبارك آثارك ، وقد آل الأمر ~~الآن إليك ووقع اختياري عليك ، فتتجرد في القيام به وإزالة الخلل عنه ، ~~وتفعل وتصنع . قلت : أنا يا أمير المؤمنين رجل ضيق العطن وفي استقصاء وشدة ~~لا يصلحان لمتولي هذا الأمر وشغلي بما أخدم فيه طويل عريض ، وإن نقلت إلى ~~ما هو أكثر منه بعلت ووقفت . فراجعني القول وراجعته في الاستعفاء وقلت : ~~وهذا العباس أعرف بما كان القاسم عليه من طرق الخدمة ، وإن عول عليه كنا ~~أعوانه وأعضاده . قال : فتضمن لي القيام بالشد منه حتى يستقيم ما يناط به ؟ ~~قلت : أفعل وأبذل عمن يليني من الكتاب مثل ذلك . فدعا بالدواة وكتب الجواب ~~بالتوجع والدعاء وقال : فإن أعوذ بالله بليت فيك بما لا أقدر على دفعه فلن ~~أعدل عن اختيارك ورد الأمر إلى من أشرت به . فأما الولد والحرم فأولادي ~~وحرمي ، والله يصونهم ببقائك ويدفع لنا عن حوبائك . وختمت الرقعة وتقدم ~~بتسليمها إلي ، فأخذتها وقبلنا الأرض وعدنا . فحين بلغنا درجة باب الخاصة ~~من دار القاسم سمعنا الواعية فنزل من أعلمنا أنه قضى في الوقت عند وصولنا ~~إلى الباب ، قال عبد الرحمن : وكان حديث أبي الحسن أخي لنا بذلك وإسحاق بن ~~حنين المتطبب في مجلسه فقال : أحدثك يا سيدي حديثه ms314 في هذه الحال ، وذلك أنه ~~دعاني ، وقد حضر اليأس ، ولم يبق إلا تردد النفس . فقال لي : يا إسحاق حبس ~~النبض وانظر هل بقي من الذماء ما يفي بانتظار جواب الخليفة ؟ فجسسته وكان ~~قد سقط ، فقلت : الحال صالحة . فقال : أعيذك بالله ، لا والله ما أحسبني ~~ألحق ذلك . ثم قال : انظروا الطيار هل أقبل ؟ وتنفس مرة أو مرتين وقضى ، ~~وما زال أخي يعجب من أمره قال أخي : فلما عرفنا وفاته عدنا إلى دار السلطان ~~، فوجدنا الخليفة قد خلا ، وعرفنا خفيفا السمرقندي الحاجب الصورة ~~PageV01P263 حتى أنهاها ، وتقدم إلينا بالبكور في غد ، وانصرفنا إلى دار ~~القاسم وأقمنا إلى أن جهز ووري وعزينا والدته ووالده . وشاع أمر العباس ، ~~وتقررت الوزارة له واعتماد المكتفي بالله عليه ، وحضر الكتاب من غد دار ~~السلطان ، وهم : العباس بن الحسن وعلي بن عيسى ومحمد بن داود بن الجراح ~~وعلي بن محمد بن الفرات ، ومحمد بن عبدون وهو أكبرهم سنا ؛ لأنه ولد في سنة ~~ست وثلاثين ومائتين ، وابن الفرات في سنة إحدى وأربعين ومائتين ، ومحمد بن ~~داود في سنة ثلاث وأربعين ومائتين وعلي بن عيسى في سنة خمس وأربعين ومائتين ~~والعباس في سنة خمسين ومائتين . ووصل العباس وعلي ابن عيسى إلى الخليفة دون ~~غيرهما ، فأمضى أمر العباس ، ووصى علي بن عيسى بالضبط والاحتياط ، وأدخل ~~الناس بعد ذلك على طبقاتهم فعزوا الخليفة ، وسمعوا قوله في رده وزارته إلى ~~العباس ، وإقراره أصحاب الدواوين على دواوينهم . وانصرفت الجماعة مع الوزير ~~إلى منزله ، وكان له غرفة في حريم البستان الزاهر المجاور لدار القاسم على ~~دجلة سكنها عند خدمته القاسم في التوقيع بين يديه . وعجب الناس من تقلد ~~العباس عجبا طال ، ولم تزل به الحال إلى أن ملك الأمور ، وأسرف في التجبر ~~والاستكبار ، فأرداه ذاك وأورده شر مورد ونسأل الله حسن العاقبة . وحدث عبد ~~الرحمن قال : حدثني الوزير أبو الحسن أخي قال : كنت بمكة ، فاتفق يوم شديد ~~الحر وحر تهامة إذا اشتد ضرب به المثل قال : فصليت الظهر جماعة في المسجد ~~الحرام ، وطفت وسعيت وركعت عند ms315 المقام ، ثم انصرفت وقد مسني من الحر ما زاد ~~علي فيه الأمر ، فتمنيت في الوقت شربة سويقع بثلج ، وأولعت نفسي بالفكر ~~فيها ، فزجرتها وقلت : ثلج في تهامة ! وحمدت الله تعالى على نعمة العافية ، ~~فما لبثت والله أن ظهر في السماء قزع من غيم ، ثم اجتمع وانتظم وجاء ببرق ~~ورعد متصل ، ثم بمطر وبل ، ثم ببرد في غاية الكبر . فجمع الغلمان منه ما ~~ملئوا به حبا من حباب الماء . PageV01P264 وكان هذا بعد صلاة العصر ، فما ~~كان فطوري إلا على سويق وسكر وثلج وماء مائع ، وبقينا على ذلك ثلاثة أيام ~~ولله الحمد . | تم الكتاب بحمد الله وعونه وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ~~آله وصحبه وسلم . | PageV01P265 ms316