#####OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0026106 #META# 000.BookURI :: #0448.HilalSabi.TuhfaUmara #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو الحسن الهلال بن المحسن الصابي (المتوفى: 448هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 448 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: تحفة الأمراء في تاريخ الوزراء #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: التاريخ #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0026106 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-26106 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/26106 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: عبد الستار أحمد فراج #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مكتبة الأعيان #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | علي بن محمد بن موسى بن الفرات # أبو الحسن علي بن محمد بن موسى بن الفرات، مولده في يوم الثلاثاء لخمس ~~ليال خلون من رجب سنة إحدى وأربعين ومائتين، والطالع القوس ياو، والزهرة ~~فيه ياو، والقمر في الدلوح بن، وسهم السعادة فيه، كدلب، وزحل راجع في ~~السرطان ب لح، والذنب فيه يزمو، والشمس في العقرب كه لح، والمشتري فيه وكا، ~~وعطارد فيه ح مو، والمريخ فيه يح يه. وبنو الفرات من قرية تدعى بابلي ~~صريفين، من النهروان الأعلى، وكان لهم بها # PageV01P011 # أقارب يزيدون على ثلاثمائة نفس. وأول من ساد منهم أبو العباس أحمد بن ~~محمد ابن موسى بن الفرات، وكان حسن الكتابة، ظاهر الكفاية خبيرا بالحساب ~~والأعمال، متقدما على أهل زمانه في هذه الأحوال. فحدث محمد بن أحمد ابن أبي ~~الأصبغ قال: ورد علي من أبي العباس بن بسطام كتاب بالترجمة احتجت إلى عرضه ~~على أبي القاسم عبيد الله بن سليمان، وهو إذ ذاك وزير المعتضد بالله رحمة ~~الله عليه، فحضرت مجلسه، وفيه أبو أحمد بن يزداد وجعفر بن محمد بن حفص، ~~وعرضت عليه ما كان ورد، وأمرني في جوابه بما رسم لي كتبه في مجلسه. ~~فاستدعيت دواتي وجلست وراء مسنده وتشاغل بمسألة أبي أحمد وابن حفص عن أمور ~~الأعمال والأموال، فما فيهما من أجابه بما شفاه، فطلب أبا الحسن علي بن ~~محمد بن الفرات وهو محبوس يومئذ مع أبي العباس أحمد أخيه، وقد لحقتهما ~~مكاره، وعلق أبو العباس بحبال في يديه بقيت آثارها فيهما مدة حياته، وصودر ~~على مائة وعشرين ألف دينار صح منها ستون، فجيء به من محبسه يرسف في قيوده، ~~وعليه جبة دنسة وشعره طويل، فلما مثل بين يديه قال: الله الله أيها الوزير. ~~وجعل يشكو ما أصابه وأصاب أبا العباس أخاه من المكاره. وفرائصه ترعد، فسكنه ~~عبيد الله بن سليمان وقربه، وأجلسه وخاطبه بما أزال به روعه وخوفه. ثم ~~خاطبه في المسألة عن أمر الأعمال والعمال، فانبسط أبو الحسن انبساط رجل ~~جالس في الصدر، وأخذ يقول: ms001 ناحية كذا مبلغ مالها كذا، وقد حمل منه كذا وبقي ~~كذا وعاملها مستقيم الطريقة، وناحية كذا على صورة كذا، وعاملها غير مضطلع ~~بها وينبغي أن يستبدل به فيها. وناحية كذا على حال كذا، وعاملها ضعيف ~~وينبغي أن يشد بمشارك أو مشارف. # PageV01P012 # حتى أتى على أمور الدنيا. قال ابن أبي الأصبغ: فاطلعت فرأيت وجه عبيد ~~الله يتهلل، ثم قال له: اعتزل واعمل لنا عملا يشتمل على جميع ما ذكرته لي ~~مخاطبة. واعتزل معه أبو عيسى محمد بن سعيد الديناري وأملى عليه ذلك وأحضره ~~الثبت به. ثم سأله في أمره وأمر أبي العباس أخيه، وذكر له عظيم ما حل بهما ~~ونيل منهما، فتقدم بفك قيودهما والتوسعة عليهما، ووعده بمسألة المعتضد ~~بالله في بابهما والتلطف في استخلاصهما، وصرفه إلى موضعه. وقال لأبي أحمد ~~بن يزداد وجعفر ابن محمد ابن حفص: قوما إلى دواوينكما. والتفت إلى من كان ~~بين يديه وقال: أرأيتم مثل ابن الفرات ومثل كتابي الذين صرفوه؟! والله ~~لأخاطبن الخليفة في العفو عن أبي الحسن وأبي العباس وأستعينن بهما، فإنه لا ~~عوض للسلطان عنهما. ومضت أيام وخاطب في معناها واستوهبهما واستعملهما. وحدث ~~أبو الفضل بن عبد الحميد الكاتب قال: لما تولى أبو القاسم عبيد الله ابن ~~سليمان وزارة المعتضد بالله رحمة الله عليه والدنيا منغلقة بالخوارج، ~~والأطماع مستحكمة من جميع الجوانب، والمواد قاصرة، والأموال معدومة، وقد ~~استخرج إسماعيل بن بلبل خراج السواد لسنتين في سنة، وليس في الخزائن موجود ~~من مال ولا صياغة أحتاج في كل يوم إلى ما لا بد منه من النفقات إلى سبعة ~~آلاف دينار، وتعذر عليه قيام وجهها، وقال لي يوما وهو في مجلسه من دار ~~المعتضد بالله: يا أبا الفضل قد وردنا على دنيا خراب مستغلقة، وبيوت مال ~~فارغة، وابتداء عقد لخليفة جديد الأمر، وبيننا وبين الافتتاح مدة، ولا بد ~~لي في كل يوم من سبعة آلاف دينار لنفقات الحضرة على غاية الاقتصار ~~والتجزئة، # PageV01P013 # فإن كنت تعرف وجها تعينني به فأحب أن ترشدني إليه وكنت أعرف منها ms002 وجوها ~~بالنصف فقلت وأنا أحب تخليص بني الفرات: إن أردت أن أحصل لك ذلك وزيادة ~~فأطلق ابني الفرات واستعملهما. قال: فنهض ودخل على المعتضد بالله وعرفه ~~الصورة وقال: أنا بعيد العهد بالعمل، وابنا الفرات قد خبرا الأعمال ووجوه ~~الأموال، وعندهما من علم ذاك ما يحتاج إليهما فيه. فقال له المعتضد: وكيف ~~تصلح لنا نياتهما وقد استفسدناهما وأسأنا # إليهما وصادرناهما؟ فقال له: إذا أردت أن تصطنعهما وتستصلحهما صلحا ~~ونصحا. فقال له المعتضد: ربما اجتمعا عليك وأفسدا بيني وبينك، والأمر في ~~حبسهما وإطلاقهما إليك. فخرج وعرفني ما جرى، وأحضر أبا العباس وأدناه وقال ~~له: قد استوهبتك وعملت على اصطناعك والاستعانة بك، فكيف تكون؟ قال: أبذل ~~وسعي في كل ما قضى حقك وخفف عنك. وخرج إليه عبيد الله بما هو فيه، وقص عليه ~~أمره فيما يعانيه، فقال له: يتقدم الوزير بإحضار أحمد بن محمد الطائي وعلي ~~بن محمد أخي يعني أبا الحسن وتفردني وإياهما. ففعل عبيد الله ذلك، واعتزل ~~أبو العباس وأبو الحسن وخاطبا الطائي على أن يضمناه أعمال الكوفة والقصر ~~وباروسما الأعلى والأسفل وما يجري مع ذلك، وقررا معه الضمان على أن يحمل من ~~ماله في كل يوم سبعة آلاف دينار، وفي كل شهر ستة آلاف دينار، وأخذا خطة ~~بالتزام الضمان وتصحيح المال على ما تقرر من أوقاته، واستقبلا به في ~~المياومة يومهما، وفي المشاهرة غدهما، وجاءا إلى عبيد الله فسلما إليه ~~الخط. فلما وقف عليه استطير سرورا، ودخل إلى المعتضد وعرفه ما جرى، فقال ~~له: قد كنت يا عبيد الله أعلم مني بهما، وما يجب إضاعة مثلهما. وصادرناهما؟ ~~فقال له: إذا أردت أن تصطنعهما وتستصلحهما صلحا ونصحا. فقال له المعتضد: ~~ربما اجتمعا عليك وأفسدا بيني وبينك، والأمر في حبسهما وإطلاقهما إليك. ~~فخرج وعرفني ما جرى، وأحضر أبا العباس وأدناه وقال له: قد استوهبتك وعملت ~~على اصطناعك والاستعانة بك، فكيف تكون؟ قال: أبذل وسعي في كل ما قضى حقك ~~وخفف عنك. وخرج إليه عبيد الله بما هو فيه، وقص عليه أمره فيما ms003 يعانيه، ~~فقال له: يتقدم الوزير بإحضار أحمد بن محمد الطائي وعلي بن محمد أخي يعني ~~أبا الحسن وتفردني وإياهما. ففعل عبيد الله ذلك، واعتزل أبو العباس وأبو ~~الحسن وخاطبا الطائي على أن يضمناه أعمال الكوفة والقصر وباروسما الأعلى ~~والأسفل وما يجري مع ذلك، وقررا معه الضمان على أن يحمل من ماله في كل يوم ~~سبعة آلاف دينار، وفي كل شهر ستة آلاف دينار، وأخذا خطة بالتزام الضمان ~~وتصحيح المال على ما تقرر من أوقاته، واستقبلا به في المياومة يومهما، وفي ~~المشاهرة غدهما، وجاءا إلى عبيد الله فسلما إليه الخط. فلما وقف عليه ~~استطير سرورا، ودخل إلى المعتضد وعرفه ما جرى، فقال له: قد كنت يا عبيد ~~الله أعلم مني بهما، وما يجب إضاعة مثلهما. # PageV01P014 # ووجدت عملا يشتمل على ذكر أحمد بن محمد الطائي وما ضمنه من الأعمال، ~~وشرطه على نفسه من حمل مال الضمان مياومة إلى بيت المال، وقد شرح فيه وجوه ~~خرج المياومة، وكانت نسخته: أصل ضمان أحمد بن محمد الطائي في أول أيام ~~المعتضد بالله رحمة الله عليه أعمال سقي الفرات ودجلة وجوخى وواسط وكسكر ~~وطساسيج نهر بوق والذيبين وكلواذي ونهر بين والراذانين وطريق خراسان مما ~~شرط عليه أداؤه مياوما في بيت المال من العين: ألفي ألف وخمسمائة ألف ~~وعشرين ألف دينار. قسط كل شهر من ذلك مائتي ألف وعشرة آلاف دينار. وكل يوم ~~سبعة آلاف دينار. # تفصيل وجوه خرج المياومة مما شرط فيه ما قرره المعتضد بالله رحمة الله ~~عليه منه: أرزاق أصحاب النوبة من الرجالة ومن برسمهم من البوابين ومن يجري ~~مجراهم من جملة ثلاثين ألف دينار في الشهر ألف دينار. من ذلك البيضان من ~~الجنابيين والبصريين وأصحاب المصاف بباب العامة، ومن على أبواب القواد ~~المفلحية والديالمة والطبرية والمغاربة ويفتتح الاعطاء في مجلسهم بنحو مائة ~~رجل من البوابين سبعمائة دينار. # PageV01P015 # السودان وأكثرهم مماليك الناصر رحمه الله من زغاوة ونوبة ابتيعوا من مصر ~~ومكة. ومنهم الزنج العجم المستأمنة من عسكر الخارجي بالبصرة ممن كان صبر ~~معه وألقى ms004 نفسه عليه عند قتله، وهم غتم قح يأكلون لحوم الناس والبهائم ~~الميتة، وقد عوقبوا على ذلك فلم يرجعوا، وكانوا منفردين لا يختلطون ~~بالبيضان. ومن رسمهم أن ينوبوا في مصاف باب الخاصة وحوالي القصر، ولهم ~~وظيفة يميزون بها لقلة رزقهم في اليوم ثلاثمائة دينار. # أرزاق الغلمان الذين أعتقهم الناصر رحمه الله ويعرفون بالغلمان الخاصة، ~~وقد كان أضافهم في الجريد إلى الأحرار الذين أيام شهرهم خمسون يوما ليكونوا ~~مختلطين بالقواد والموالي، فلا يقدرون أنهم مفضلون عليهم في زيادة رزق أو ~~نقصان مدة، وكانت أيام شهرهم في القديم أربعين يوما فأساءوا الأدب في بعض ~~الأوقات في مطالبة كانت منهم، فحلف أن يجعل أيام شهرهم خمسين يوما، وفعل ~~وجرى الأمر على ذاك. فلما قام المعتضد بالله نقلهم إلى جملة الأحرار وجعل ~~أيام شهرهم ستين يوما، وفيهم حاجبه وخلفاء الحجاب وعدتهم خمسة وعشرون رجلا، ~~خمسة ملازمون وعشرون نوبتيون. فإذا وقع سفر قريب أو بعيد أمر جميعهم ~~بالملازمة الدائمة في المضرب والموكب، وكان لهم دواب في الاصطبل فأسقطت ~~علوفتها من مال الطمع من جملة ستين ألف دينار في الشهر ألف دينار. # PageV01P016 # فأما مماليك المعتضد بالله فإنه رتب أمرهم على المقام في القصر والحجر ~~تحت مراعاة الخدم الأستاذين، وسماهم الحجرية ومنعهم من الخروج والركوب إلا ~~مع خلفاء الأستاذين. # أرزاق الفرسان من الأحرار والمميزين الذين كانت أيام شهرهم خمسين فجعلت ~~تسعين ونسبوا عند ذلك إلى التسعينية. وكان المعتضد بالله عرض جمهور الجند ~~في الميدان الصغير الذي فيه دار الأزج والأربعيني والمقاصير والسجون، وجلس ~~لذاك في مجالس وخورنقات على ظهور المجالس والأروقة التي تلي بركة السباع، ~~ويرتقى إليها من درجة في حجرة كانت هناك للوضوء، ولم يكن يدخل الدار ~~الحسنية يومئذ إلا الخدم برسم الخدمة، وعبيد الله بن سليمان وبدر ورائد ومن ~~رسمه أن يغلق أبواب البستان في الصحن الحسني، ويقف القواد والغلمان بين ~~يديه في الميدان، ويجلس كتاب العطاء أسفل بحيث لا يراهم، ويتقدم القائد ~~ومعه جريدة بأسماء أصحابه وأرزاقهم فيأخذها خادم منه ويصعد بها إلى المعتضد ~~بالله، ms005 ويدعو عبيد الله بن سليمان بواحد واحد ممن فيها، فيدخل الميدان ~~ويمتحن على البرجاص، فإن كان يرمي رميا جيدا. وهو متمكن من نفسه، ومستقر في ~~سرجه ومصيب أو مقارب في رميه، علم على اسمه ج وهي علامة الجيد، ومن كان دون ~~ذلك علم على اسمه ط وهي علامة المتوسط، ومن كان متخلفا لا يحسن أن يركب ~~فرسه أو يرمي هدفه علم على اسمه د وهي علامة الدون. ثم يحمل بعد # PageV01P017 # العرض والامتحان إلى كتاب الجيش ليتأملوا حليته، ويقابلوا بها ما عندهم ~~من صفته، لئلا يكون دخيلا أو بديلا، فأذا تكامل عرض أصحاب القائد دفعت ~~جريدته التي فيها العلامات بخط المعتضد بالله إلى عبيد الله بن سليمان ~~ليدفعها من وقتها إلى الكاتب، ويميز ما فيها من أرباب العلامات، ويفرد لكل ~~صنف منهم جريدة، وإذا عمل الكاتب من ذاك ما يعمله، قابل عليه بنفسه لئلا ~~يتم على عبيد الله مغالطة فيه ثم أخذ الجرائد المبيضات المجردات وسلم إلى ~~عبيد الله ذات العلامات، وكل هذا من غير أن يعلم القائد وأصحابه بما يجري ~~منه، ثم يخرج كل جريدة إلى مجلس قد أفرد لذلك الصنف، وجعل شهر الذين ~~ارتضاهم وأمضاهم تسعين يوما، وسماهم عسكر الخاصة. وضم المتوسطين إلى بدر ~~ليكونوا في شحنة طريق خراسان والأنبار وزاذان ودقوقا وخانيجار، ودعاهم عسكر ~~الخدمة، وجعل أيام شهرهم مائة وعشرين يوما، وأمر عبيد الله بن سليمان بأن ~~يرسم الطبقة الدون بالخروج إلى أعمال الخراج للاستحثاث على حمل الأموال بعد ~~أن يسقط منهم الراضة والأثبات المشاكلين للرعية، وأن يسبب أموالهم على ~~النواحي في دفعتين من السنة، ويوفر عليهم مرافق المسقطين ومنافعهم ~~ومكاسبهم، ويجعل منهم من يكون من أصحاب المعاون ببغداد وواسط والكوفة، ~~وأمضى من أرزاق التسعينية المختارين ما كان لهم في أيام الناصر، وأسقط ثمن ~~قضيم دوابهم وعلوفتهم، وهو للدابة في كل خمسة # PageV01P018 # وثلاثين يوما أربعة دنانير، وللبغل ثلاثة دنانير ونصف، وللحمار برسم ~~الرجالة ديناران، وأسقط من ثمن جراياتهم ووظائفهم نصف وربع دينار في كل ~~شهر، فبلغ مال من ms006 أمضى من هؤلاء التسعينية مائة وخمسة وثلاثين ألف دينار في ~~كل طمع قسط كل يوم من تسعين يوما ألف وخمسمائة دينار. # أرزاق المختارين الذين انتخبهم من كل قيادة، وكان عرفهم بالشهامة ~~والشجاعة من المماليك الناصرية والبغائية والمسرورية والبكجورية واليائسية ~~والمفلحية والأزكوتكينية والكيغلغية والكنداجية واستخلصهم لمواكبه وملازمة ~~داره، والدخول أوقات جلوسه، والمقام من أول النهار إلى آخره، ورسم رشيقا ~~القارئ لمراعاة أمورهم وتنجز حوائجهم واستخدامهم، وجعل أيام شهرهم سبعين ~~يوما من جملة مال طمعهم، وهو اثنان وأربعون ألف دينار، بقسط كل يوم ستمائة ~~دينار. # أرزاق الفرسان المثبتين في أيامه، والمميزين ممن ضم إلى بدر من عسكر ~~الخدمة على ما تقدم من ذكره، وأيام شهرهم مائة وعشرون يوما بحسب ما كان ~~أوجبه ابن أبي دلف وصاحب أذربيجان للجبليين، ومال طمعهم ستون ألف دينار ~~ولكل يوم خمسمائة دينار. # أرزاق سبعة عشر صنفا من المرسومين بخدمة الدار والرسائل الخاصة والقراء ~~وأصحاب الأخبار والمؤذنين والمنجمين والفنجاميين والفرانقيين والأنصار ~~والحرس والمكوس، والشيعة والسند وأصحاب الأعلام والبوقيين والمخرفين ~~والمضحكين والطبالين ممن كان برسم النوبة، فنقل إلى المشاهرة التي أيام # PageV01P019 # كل شهر منها ثلاثون يوما من جملة ثلاثة آلاف وثلثمائة دينار بقسط كل يوم ~~مائة وعشرة دنانير. # المرتزقة برسم الشرطة بمدينة السلام، والخلفاء عليهم، وأصحاب الأرباع ~~والمصالح، والأعوان والسجانين وأصحاب الطوف والماصرين، ومن في جملتهم من ~~الفرسان الذين ميزوا وألحقوا بطبقة الدون من المشايخ والمترفين، ومن هذه ~~سبيله من الرجالة الموكلين بأبواب المدينة، وأيام شهرهم مائة وعشرون يوما ~~من جملة ستة آلاف دينار في المشاهرة، خمسين دينارا. أثمان أنزال الغلمان ~~المماليك الستينية المقدم ذكرهم مما كان يطلق للخدم الأستاذين الذين كانوا ~~عليهم، والقواد المضموم بعضهم إليهم ليقيم كل متقدم الخبز واللحم لمن في ~~ناحيته، ويوكل عليه من يستجيد الاقامة لهم ويطالب بإدرارها عليهم، من جملة ~~تسعة آلاف دينار في الشهر، ثلاثمائة دينار. نفقات المطابخ الخاصة والعامة ~~والمخابز وأنزال الحرم والحشم ومخابز السودان، من جملة عشرة آلاف دينار في ~~الشهر، ثلاثمائة وثلاثة وثلاثين دينارا وثلثا، من ذلك الخاصة ثمانين ms007 ~~دينارا، العامة والأنزل مائتين وثلاثة وخمسين دينارا وثلثا. # ثمن وظائف شراب الخاصة والعامة وآلاته ونفقات خزائن الكسوة والخلع والطيب ~~وحوائج الوضوء والحمام، ونفقات خزائن السلاح وما يرم من الجواشن والدروع ~~ويتخذ من النشاب والأعلام والمطارد، ونفقات خزانة السروج # PageV01P020 # وما يجدد منها ويصلح، ونفقات خزائن الفرش وثمن الخيش والربخ والحصر ~~والستائر والسرادقات وأجور الحمالين والأعوان للسرير وغير ذلك على ما ثبت ~~من تفصيله في ديوان النفقات، ويتولى إنفاق جميعه المنفقون المرتزقون من ~~جملة ثلاثة آلاف دينار في الشهر، ليوم مائة دينار. أرزاق السقائين بالقرب ~~في القصر والخزائن والمطابخ والمخابز والدور والحجر، والخدم، في داخل وفي ~~الرحاب، ولوضوء الخاص، ومن يعمل بالروايا على البغال من الاصطبلات للحرم ~~والبوابين في دار العامة من جملة مائة وعشرين دينارا في الشهر، ليوم أربعة ~~دنانير. أرزاق الخاصة ومن يجري مجراهم من الغلمان والمماليك دون الأكابر ~~الأحرار، ومن أضيف إليهم من الحشم القدماء الذين أقروا في دار رجاء، وأمر ~~مؤنس الخادم بألا يستخدموا في خدم الدار لئلا يدلوا على الغلمان المتعلقين ~~بالناصر رحمه الله بقديم حرمتهم، ولأنه لا معرفة لهم برسوم الخلافة، وأجروا ~~في المشاهرة على خمسة وأربعين يوما على ما قرره الناصر عناية بهم ورعاية ~~لهم، ولما ابتاع المعتضد بالله الأتراك العجم ورتبهم في الحجر لم يلحقهم ~~بهم، بل جعل أيام شهرهم خمسين يوما، ورسم للأصاغر خمسة دنانير وللأكابر ~~عشرة دنانير، وزادهم بعد سنتين دينارين فسموا الاثني عشرية. فلما تقلد ~~المكتفي بالله وأشفق من أن يميلوا إلى بدر، وكان إذ ذاك بفارس، ألحق من كان ~~له سبعة دنانير بالأثنى عشرية، وقرر مال الأكابر على ستة عشر دينارا وجرى ~~الأمر على ذاك إلى آخر أيامه، فلما تفرد الوزراء # PageV01P021 # بالتدبير صار قسط كل يوم من مال الخدم مائة وسبعة وستين دينارا. # أرزاق الحشم الذين شهرهم خمسون يوما من المستخدمين في شراب العامة وخزائن ~~الكسوة، والصناع من الصاغة والخياطين والقصارين والأساكفة والحدادين ~~والرفائين والفرائين والمطرزين والنجادين والوراقين والعطارين والمشهرين ~~والنجارين والخراطين والأسفاطيين وغيرهم، ومن في خزانة السلاح من الخزان ms008 ~~والصناع وفي خزانة السروج من مثل ذلك ولكل خزانة وطائفة صك مفرد يكتب من ~~الديوان من جملة ثلاثة آلاف دينار في الشهر، ليوم مائة دينار. أرزاق الحرم ~~صانهن الله من جملة ثلاثة آلاف دينار، ليوم مائة دينار. ثمن علوفة الكراع ~~في الاصطبلات الخمسة وهي: إصطبل الخاص ويشتمل على الخيل والحجورة والشهاري ~~والبراذين وبغال السروج والقباب والهوادج والفردات والحمير. وإصطبل العامة ~~وفيه دواب الخدم والغلمان والتفاريق والبازياريين. وإصطبل الدواب والحمليات ~~وما يرد من المروج من المهارة المحرمة ويبتاع ويهدي، وفيه يرتبط ما يحتاج ~~إلى العلاج والمراعاة، وما يرد من الأسفار وفيه عقر وغمز. وإصطبل لبغال ~~الأثقال وحمل العلوفات. وإصطبل بقصر الطين في الشماسية لمبارك الابل ~~والجمازات وكان المعتضد بالله يعرض ما في هذه # PageV01P022 # الاصطبلات في كل شهر إلا ما كان من الخاص فإنه جعله قريبا منه ومشدودا في ~~الأواخي بين يديه وفي الميدان والرياضة والكد متصلا عليه، ومتى أحمد قيام ~~من يقلده شيئا من ذاك زاده في رزقه، ومن اطلع منه على تقصير أو إضاعة صرفه ~~واستبدل به. ثم جمع النظر في هذه الاصطبلات للنوشجاني لكفايته وثقته وأثمان ~~كسوة الدواب وآلاتها وأدويتها وعلاجاتها وأجور الساسة والمكارية والراضة ~~والبياطرة والوكلاء وغيرهم، من جملة اثني عشر ألف دينار في الشهر، ليوم ~~أربعمائة دينار. ما يصرف في ثمن الكراع والابل وما يبتاع من الخيل الموصوفة ~~في أحياء العرب ويستبدل به إذا عطب في العمل من جملة ألفي دينار في الشهر، ~~ليوم ستة وستين دينارا وثلثي دينار. أرزاق المطبخيين في كل شهر أيامه خمسون ~~يوما من جملة ألف وخمسمائة دينار في الشهر، ليوم ثلاثين دينارا. أرزاق ~~الفراشين والمجلسيين وخزان الفرش وخزان الشمع وأجرة الأعوان والحمالين ~~فيها، في كل شهر أيامه خمسون يوما، من جملة ألف وخمسمائة دينار، ثلاثين ~~دينارا. ثمن الشمع والزيت من جملة مائتي دينار في الشهر، ليوم ستة دنانير ~~وثلثي دينار. أرزاق أصحاب الركاب والجنائب والسروج ومن يخدم في دواب البريد ~~من جملة مائة وخمسين دينارا في الشهر، ليوم خمسة دنانير. # PageV01P023 # أرزاق الجلساء ms009 وأكابر الملهين ومن كان يجري مجراهم في الجلوس إذا حضر، ~~مثل أبي العلاء القاسم بن زرزر ووراد وأبي عيسى، وأيام شهرهم خمسة وأربعون ~~يوما أسوة بالخدم، من جملة ألفي دينار، ليوم أربعة وأربعين دينارا وثلثا. # أرزاق جماعة من رؤساء المتطببين وتلامذتهم الملازمين، مع ثلاثين دينارا ~~لثمن الأدوية في خزانة تكون في القصر، من جملة سبعمائة دينار، ليوم ثلاثة ~~وعشرين دينارا وثلثا. أرزاق أصحاب الصيد من البازياريين والفهادين ~~والكلابين والصقارين والصيادين، وثمن الطعم والعلاج للجوارح وأصحاب الحراب ~~والسباعين وأصحاب الشباك واللبابيد والفحالين ومن معهم من الأعوان ~~والحمالين وأصحاب المرور وغيرهم، في كل شهر أيامه خمسة وثلاثون يوما من ~~جملة ألفين وخمسمائة دينار في الشهر، ومع القسط من خمسين دينارا لتجديد ~~آلاتها، سبعين دينارا. أرزاق الملاحين في الطيارات والشذاءات والسميريات ~~والحراقات والزلالات وزواريق المعابر، من جملة خمسمائة دينار في كل شهر، ~~ستة عشر دينارا وثلثي دينار. ثمن النفط والمشاقة للنفاطات والمشاعل، وأجرة ~~الرجال في خدمتها، من جملة مائة وعشرين دينارا، أربعة دنانير. الصدقة التي ~~تحضر في كل يوم عند صلاة الصبح في خرقة سوداء، على ما كان الناصر رحمه الله ~~رسمه. وأمر المعتضد بالله، رحمه الله، بعد بتفرقته على من # PageV01P024 # في قصر الرصافة من الحرم المحتاجات من قيمة مائتي درهم محددا، في كل يوم ~~خمسة عشر دينارا. جاري أولاد المتوكل على الله وأولادهم رجالا ونساء من ~~جملة ألف دينار في الشهر، ثلاثة وثلاثين دينارا وثلث دينار. جاري ولد ~~الواثق والمهتدي بالله والمستعين وسائر أولاد الخلفاء، ومن في قصر أم حبيب، ~~من جملة خمسمائة دينار في الشهر، ستة عشر دينارا وثلثي دينار. # جاري ولد الناصر رحمه الله عبد الواحد وأخواته من جملة خمسمائة دينار في ~~الشهر، ستة عشر دينارا وثلثي دينار. أرزاق مشايخ الهاشميين وأصحاب المراتب ~~والخطباء في المساجد الجامعة بمدينة السلاح خاصة من جملة ستمائة دينار في ~~الشهر، عشرين دينارا. جاري جمهور بني هاشم من العباسيين والطالبيين مما كان ~~الناصر رحمه الله قرره لهم من ذلك، وأوجبه لكل من أولادهم ذكورهم وإناثهم ms010 ~~حسابا لكل واحد في كل شهر دينار، وأمر بإطلاقه من ارتفاع ضيعته المعروفة ~~بنهر الموفقي، واقتصر المعتضد بالله رحمه الله بهم منه على ربع دينار في كل ~~شهر، وكانت عدتهم بالحضرة أربعة آلاف نفس، من جملة ألف دينار في كل شهر، ~~ليوم ثلاثة وثلاثين دينارا وثلثا. أرزاق عبيد الله بن سليمان مع خمسمائة ~~دينار للقاسم ابنه برسم العرض بالحضرة وكتابة بدر على الجيش من جملة ألف ~~وخمسمائة دينار مشاهرة، ليوم ثلاثة وثلاثين دينارا وثلثا وقبض ذلك سنتين ~~إلى أن عمرت ضيعته المردودة عليه ثم وفره # PageV01P025 # وحمل من فاضل ارتفاع الضيعة مائتي ألف دينار في كل سنة. # أرزاق أكابر الكتاب وأصحاب الدواوين والخزان والبوابين والمديرين ~~والأعوان وسائر من في الدواوين؛ وثمن الصحف والقراطيس والكاغد سوى كتاب ~~دواوين الاعطاء وخلفائهم على مجالس التفرقة وأصحابهم وأعوانهم وخزان بيت ~~المال، فإنهم يأخذون أرزاقهم بما يوفرونه من أموال الساقطين وغرم المخلين ~~بدوابهم، من جملة أربعة آلاف دينار وسبعمائة في الشهر، مائة وستة وخمسين ~~دينارا وثلثين. جاري إسحاق بن إبراهيم القاضي وخليفته يوسف بن يعقوب والد ~~أبي عمر وأولادهما وعشرة نفر من الفقهاء، من جملة خمسمائة دينار في الشهر، ~~ليوم ستة عشر دينارا وثلثي دينار. جاري المؤذنين في المسجدين الجامعين ~~والمكبرين والقوام والأئمة والبوابين وثمن الزيت للمصابيح والحصر والبواري ~~والماء والخلوق، وثمن الستائر في الصيف والحباب والخزف والعمارة في شهر ~~رمضان من جملة مائة دينار في كل شهر، ثلاثة دنانير وثلثا. نفقات السجون ~~وثمن أوقات المحبسين ومائهم وسائر مؤنهم في جملة ألف دينار وخمسمائة دينار ~~في الشهر، خمسين دينارا. نفقات الجسرين وثمن ما يبدل من سفنهما والقلوس ~~وأرزاق الجسارين من جملة ثلثمائة دينار في الشهر، عشرة دنانير. نفقات ~~البيمارستان الصاعدي ولم يكن يومئذ غيره وأرزاق المتطببين # PageV01P026 # والمئانين والكحالين ومن يخدم المغلوبين على عقولهم والبوابين والخبازين ~~وغيرهم وأثمان الطعام والأشربة من جملة أربعمائة وخمسين دينارا في الشهر، ~~خمسة عشر دينارا. فتلك النفقة كل يوم على ما بين من وجوهها سبعة آلاف ~~دينار. وأجري الأمر على هذا سنتين. ms011 ثم أمر عبيد الله بن سليمان وبدرا بألا ~~يحضرا ولا أحد من القاد والأولياء الدار في يومي الجمعة والثلاثاء لحاجة ~~الناس في وسط الأسبوع إلى الراحة والنظر في أمورهم والتشاغل بما يخصهم، ~~ولأن يوم الجمعة يوم صلاة وكان يحبه لأن مؤدبه كان يصرفه فيه عن مكتبه. ~~وتقدم إلى عبيد الله بأن يجلس في يوم الجمعة للمظالم العامة، وإلى بدر بأن ~~يجلس للمظالم الخاصة، ومنع من أن يفتح في هذين اليومين ديوان أو يخرج شيء ~~إلى مجلس التفرقة على الجيش خاصة، فوفر من مالها أربعة آلاف دينار وسبعمائة ~~دينار وسبعين دينارا، منها: مال النوبة ألف دينار، المماليك ألف دينار، ~~التسعينية ألف وخمسمائة دينار، المختارين ستمائة دينار، الجبليين خمسمائة ~~دينار، أصناف خدم الدار مائة وعشرين دينارا، شحنة الشرطة خمسين دينارا، ~~يكون ذلك لثمانية أيام في كل شهر ثمانية وثلاثين ألفا ومائة وستين دينارا، ~~ولسنة أربعمائة وسبعة وخمسين ألف دينار، وتسعمائة وعشرين دينارا. # ورسم أن يحمل هذا الموفر إلى مؤنس الخادم ليجعله في بيت مال الخاصة ليصرف ~~فيما يحتاج إليه من نفقات الموسم ومن يخرج في الغزوات الصائفة ونفقات ~~الأبنية والمرمات والحوادث والملمات والرسل الواردين والفداء. # PageV01P027 ### || [وزارة أبي الحسن الأولى] # وكان أبو الحسن بن الفرات يتبع أبا العباس أخاه وينوب عنه إلى أن توفي ~~أبو العباس فتقلد الأعمال رياسة. وولي الوزارة ثلاث دفعات في أيام المقتدر ~~بالله، فالأولى منها بعد قتل العباس بن الحسن وزوال فتنة عبد الله بن ~~المعتز. قال أبو الحسن ثابت بن سنان فيما أرخه من الأخبار: لما زالت فتنة ~~عبد الله بن المعتز قلد المقتدر بالله مؤنسا الخادم الشرطة بالحضرة مكان ~~ابن عمرويه، وأنفذه إلى أبي الحسن علي بن محمد بن الفرات بخاتمه ليحضره ~~ويقلده وزارته، وكان أبو الحسن مستترا عند بعض التجار من جيران داره بسوق ~~العطش، فظهر لمؤنس وركب معه إلى دار السلطان، ووصل إلى المقتدر بالله رحمة ~~الله عليه في يوم الأحد لعشر بقين من شهر ربيع الأول سنة ست وتسعين ~~ومائتين، فخاطبه بما سكن منه ms012 وأعلمه تعويله في تدبير الأمور عليه، وخلع ~~عليه من غد خلع الوزارة، وركب وفي موكبه أبو القاسم غريب الخال والحجاب ~~والأمراء والقواد والغلمان وسائر الناس حتى صار إلى داره بسوق العطش، ونظر ~~في الأمور ورتب مؤنسا في المعونة، وأمر جماعة من القواد بطوف البلد ليلا ~~والايقاع بأهل الدعارة ومن يرونه متعرضا لنهب دار وأخذ مال، لأن أصاغر ~~الجند والعوام قد كانوا قصدوا دار العباس ابن الحسن ودورا اتصلت بها ~~ونهبوها. وانتقل أبو الحسن بن الفرات من بعد ذلك إلى ما أقطعه المقتدر ~~بالله إياه من دار سليمان بن وهب بباب المخرم على دجلة، وما يجاورها من دار ~~إبراهيم بن سليمان، # PageV01P028 # والاصطبل الذي كان للسلطان، والدور التي كانت في يد داية المكتفي بالله، ~~ومساحة ذلك مائة ألف وثلاثة وسبعون ألفا وثلثمائة وستة وأربعون ذراعا، وغير ~~ذلك وجدده وأنشأ المجالس الجليلة والأبنية الحسنة وعمل للدار مسناة مشرفة ~~على دجلة، وأقطعه المقتدر بالله أيضا الضياع التي كان المكتفي بالله أقطعها ~~العباس بن الحسن وارتفاعها خمسون ألف دينار، وأجرى له خمسة آلاف دينار في ~~كل شهر، وللمحسن والحسين والفضل أولاده ألفا وخمسمائة دينار أثلاثا بينهم. ~~وسلم إليه علي بن عيسى ومحمد بن عبدون فاعتقلهما في دار بدر اللاني، وقرر ~~عليهما مصادرة خففها عن علي بن عيسى، وثقلها على محمد بن عبدون لعداوة كانت ~~بينهما. ثم تكفل بتخليصهما وإبعادهما من الحضرة وقال للمقتدر: إنهما لم ~~يدخلا في أمر عبد الله بن المعتز ولا حضرا داره وقت البيعة إلا عن ضرورة، ~~وأخرج محمد بن عبدون إلى الأهواز، وعلي بن عيسى إلى واسط بعد أن أعطي سوسنا ~~الحاجب خمسة آلاف دينار كفه بها عن ذكر علي بن عيسى والاغراء به، وكتب إلى ~~وكيله بواسط بخدمته وإقامة ما يحتاج إليه لنفقته، وأنفذ معه حافظا من جهته، ~~ومع محمد بن عبدون خادما من خدم المقتدر بالله، ووافقه على منعه من مكاتبة ~~أحد أو قراءة كتابه. وجرت أمور أبي الحسن، والأمور في نظره ما ليس غرضنا ~~استيفاءه على سياقته، وإنما ms013 نورد أطرافا منه وما كان منشورا مما لم تتضمن ~~التواريخ ذكره. # وكان محمد بن داود بن الجراح قد وزر لعبد الله بن المعتز ودبره. فلما ~~انتفض أمره استتر وأخفى شخصه. وذكر أبو الحسن بن سنان أن موسى # PageV01P029 # ابن عيسى كاتب مؤنس عرض على أبي الحسن بن الفرات رقعة من محمد ابن داود، ~~فلما قرأها قال: تقول له الاستتار صناعة وجرمك عظيم، وأمرك بعد طري. فتوقف ~~إلى أن تخلق القصة، ثم دعني فإني أسوق الأمر إلى أخذ أمان الخليفة لك بخطه ~~والاشهاد عليه في الوفاء به وإظهارك وبلوغ إيثارك. فلما عاد موسى ابن عيسى ~~إلى محمد بن داود بذلك ارتاب بقول ابن الفرات، وشك فيه، وقدر أنه على وجه ~~المغالطة والمدافعة ليستمر عليه الاستتار والنكبة فقال: أي ذنب لي أحتاج ~~معه إلى زيادة في الاستظهار ومطاولة الانتظار؟! ومضى إلى سوسن الحاجب، فلما ~~استؤذن عليه لم يصدق، وظن أنه رسول منه، واستثبت حاجبه واستفهمه، فخرج وعاد ~~وقال: قد حضر هو بنفسه. فعجب من ذلك وأدخله، وأنهى خبره إلى المقتدر بالله، ~~فأمره بتسليمه إلى مؤنس الخازن، فسلمه إليه، فقتله وطرحه على باب سقاية حتى ~~أخذه أهله ودفنوه، وعرف أبو الحسن بن الفرات خبره فغمه أمره وقال: كان على ~~عداوته لي فاضلا راجحا ومتقدما في الصناعة بارعا، وقد جرى عليه من القتل ~~صبرا أمر عظيم. وحدث أبو عبد الله زنجي قال: كنت بحضرة أبي الحسن بن الفرات ~~في أول ما وزر إذ كتب إليه صاحب الخبر بحضور رجل يقول: إن عنده نصيحة لا ~~يذكرها إلا للوزير فاستدعاه وسأله عما عنده، فأسر إليه بما لم نقف عليه، ~~وتقدم إلى العباس الفرعاني حاجبه بأن يجلسه في دار العامة إلى أن يطلبه ~~منه، ثم أمره بجمع الرجال الذين برسمه، ودعا أبا بشر بن فرجويه وقال له: قد ~~حضر هذا الرجل المتنصح، وذكر أنه يعرف موضع محمد بن داود، وأنه بات البارحة ~~عنده، # PageV01P030 # والتمس أن ينفذ معه من يدله عليه ويسلمه إليه، وقد بذلت له ألف دينار عند ms014 ~~صحة قوله، أو نيله بالعقوبة إن كان كاذبا فيه، فرضي بذلك. فاكتب إلى محمد ~~الساعة أن ينتقل عن موضعه أين كان، فإنني على إنفاد من يكسبه ويطلبه. ولم ~~يزل ابن الفرات يحث العباس الحاجب في جمع الرجال، وهو يذكر إنفاذ من يجمعهم ~~على اختلاف وتباعد منازلهم، ويدفع بالأمر، إلى أن عاد جواب محمد إلى أبي ~~بشر يشكر ما فعله، وبأنه قد تحول من مكانه إلى غيره. فسأل حينئذ العباس عمن ~~اجتمع من الرجال فقال: خمسمائة نفر. وأمره بأخذ الرجل وأخذهم وقصد الموضع ~~الذي يذكره والاحتياط عليه من سطوحه وجوانبه، وكبسه بعد ذلك وتفتيشه، ~~والقبض على محمد بن داود إن وجده وحمله، وإن لم يجده رد الرجل معه. فمضى ~~العباس، وعمل ما رسمه له ابن الفرات، فلم يصادف أحدا، وعاد والرجل معه، ~~وأمر ابن الفرات بضربه مائتي سوط على باب العامة، وشهره على جمل والنداء ~~عليه. وطالع المقتدر بالله بما فعله فاستصابه. ولما خلي الرجل الساعي بمحمد ~~بن داود بعد ما لحقه أعطاه ابن الفرات مائتي دينار وحدره إلى البصرة وقال ~~لابن فرجويه: ما كذب الرجل في قوله وإنما عاقبناه على شره. وكان سوسن ~~الحاجب يدخل مع العباس بن الحسن في التدبير، فلما وزر أبو الحسن بن الفرات ~~لم يجر هذا المجرى، فثقل عليه ذلك، وشاع الحديث بأن سوسنا قد عمل على قتل ~~ابن الفرات في دار الخلافة وواقف عليه جماعة من الغلمان الحجرية، وأشار على ~~المقتدر بالله بإحضار محمد بن عبدون وتقليده الوزارة، وضمن عنه استخراج ~~أموال كثيرة من ابن الفرات، ونفذ بني بن نفيس إلى الأهواز # PageV01P031 # على ظاهر يخالف هذا الباطن. وعرف أبو الحسن بن الفرات الصورة بعد حصول ~~بني بن نفيس بواسط. فتوصل إلى أن قرر في نفس المقتدر بالله أن سوسنا كان من ~~أكبر أعضاد عبد الله بن المعتز والداخلين معه في التدبير عليه، وإنما قعد ~~أخيرا عنه لما استحجب عبد الله بن المعتز غيره. وأودع صدره فيه ما أذن له ~~معه بالقبض عليه، فقبض عليه وقتله ms015 سرا في يومه، وأنفذ إلى محمد بن عبدون من ~~قبض عليه في طريقه وحمله إلى الحضرة، فصادره مصادرة مجددة ثم سلمه إلى مؤنس ~~الخادم فقتله. وعرف أبو الحسن علي بن عيسى وهو بواسط ما جرى في أمر محمد ~~ابن عبدون، فأقلقه وأزعجه، وكتب إلى ابن الفرات كتابا يحلف فيه أنه على ~~قديم عداوته لمحمد بن عبدون، إلا أنه مع ذلك لا يدع الصدق عن حاله، ويقول: ~~إنه لم يكن يسعى على دم نفسه بضمان الوزارة، وقد كان راضيا بالسلامة بعد ~~فتنة عبد الله بن # المعتز، وإن سوسنا أسماه وذكره بغير معرفته ولا موافقته، وخرج من ذاك إلى ~~أن سأله الاذن له في المضي إلى مكة ليسلم من الظنة وينسى السلطان ذكره. ~~فأجابه إلى ما طلبه، وأخرجه من واسط إلى مكة على طريق البصرة مرفها محروسا. ~~وكان غرض علي ابن عيسى فيما ذكر محمد بن عبدون به حراسة نفسه، فوصل كتابه ~~وقد مضى لسبيله. وكان من جملة الداخلين في فتنة عبد الله بن المعتز أبو عمر ~~محمد بن يوسف القاضي فأخذ فيمن أخذ وحبس، وحضر أبوه يوسف وهو شيخ كبير مجلس ~~أبي الحسن ابن الفرات، وبكي بين يديه بكاء شديدا، رق له منه وسأله حراسة ~~نفس ولده أبي عمر والتصدق عليه به. فقال أبو الحسن: الجناية عظيمة، ولا ~~يمكن تخليته إلا بمال جليل يطمع الخليفة فيه من جهته. فبذل يوسف أن يفقر ~~نفسه وابنه طلبا لبقائه. وتلطف ابن الفرات فيما قاله المقتدر بالله وقرر ~~أمر أبي عمر على مائة ألف دينار، فأدى منها تسعين ألفا، من جملتها خمسة ~~وأربعون ألفا كانت عنده للعباس بن الحسن، وأمره ابن الفرات بعد ذلك بملازمة ~~داره وألا يخرج منها لئلا يجعل له حديث مجدد. وكان أبو القاسم سليمان بن ~~الحسن بن مخلد مدلا على أبي الحسن بن الفرات بمودة بين أسلافه وبين أبي ~~جعفر والد أبي الحسن وأبي العباس عمه، وباختصاصه هو به، فوجه أبو الحسن ~~الكتب إلى أصحاب المعاون في البيعة لعبد الله بن ms016 المعتز بخطه، فلم يظهر ذلك ~~المقتدر بالله ولا ذكره، واعتمد التقديم له والتنويه به، وكان سليمان قد ~~تقلد لعلي بن عيسى مجلس العامة في ديوان الخاصة. فقلده ابن الفرات هذا ~~الديوان رئاسة. ثم إن سليمان شرع لأبي الحسن بن عبد الحميد في الوزارة، ~~وعمل في ذلك نسخة بخطه عن نفسه إلى المقتدر بالله يسعى فيها بابن الفرات ~~وكتابه وضياعه وأمواله، وقام ليصلي صلاة المغرب مع جماعة من الكتاب فسقطت ~~من كمه، فأخذها الصقر بن محمد الكاتب، وكان إلى جانبه، فحملها إلى ابن ~~الفرات من وقته، فلما وقف عليها قبض عليه وحدره في زورق مطبق إلى واسط، وقد ~~أوردنا مستأنفا ما فعله معه بعد ذلك. ومضى لأبي الحسن بن الفرات في وزارته ~~هذه ثلاث سنين وثمانية أشهر وأربعة عشر يوما، اختلفت عليه الأمور فيها، ~~وحدثت الحوادث في متصرفاتها ومجاريها وحضر عيد النحر من سنة تسع وتسعين ~~ومائتين فاحتيج فيه من النفقات إلى ما جرت العادة به، وكانت المواد قد ~~قصرت، والمؤن قد تضاعفت، وطلب من المقتدر بالله أن يعطيه من بيت مال الخاصة ~~ما يصرفه في نفقات هذا العيد، فمنعه ذلك، وألزمه القيام به من جهته، فأقام ~~على أنه لا وجه له إلا مما يعان به، ووجد بذلك أعداؤه الطريق إلى الوقيعة ~~فيه. وركب في يوم الأربعاء لأربع خلون من ذي الحجة إلى دار الخلافة وهو على ~~غاية السكون والطمأنينة، وجلس في الموضع الذي كان يجلس فيه قبل الوصول إلى ~~السلطان، فقبض عليه وعلى محمد ابن أحمد الكلوذاني وكان يكتب بين يديه وعلى ~~محمود بن صالح وكان معه من أصحابه، ومضى القواد للقبض على أسبابه وكتابه ~~فقبضوا على عبد الله وأبي نوح ابني جبير، وموسى بن خلف وكان من خواصه. وصار ~~مؤنس الخادم إلى دار الوزارة فوكل بها، وأنفذ يلبق إلى دار ابن الفرات بسوق ~~العطش فأحاط عليها. وتسرع الجند والعوام إلى دور أولاده وأهله فنهبوها ~~وأخذوا ساجها وسقفوها، وعظم الأمر في النهب حتى ركب أبو القاسم الخال بعد ~~العصر في ms017 القواد والغلمان وطلب النهاية، وعاقب قوما منهم، فقامت الهيبة، ~~وسكنت الفتنة. وأحضر أبو علي محمد بن عبيد الله بن خاقان واستوزر، وقبض ما ~~كان لأبي الحسن من الضياع والإقطاع والأملاك والعقار والأموال والغلات، وصح ~~له ما مقداره ألف ألف دينار وستمائة ألف دينار سوى الأثاث والرحل والكراع ~~والجمال، ولم يؤخذ من أحد من الوزراء قبله ولا بعده مثل ذلك. ز، وإن سوسنا ~~أسماه وذكره بغير معرفته ولا موافقته، وخرج من ذاك إلى أن سأله الاذن له في ~~المضي إلى مكة ليسلم من الظنة وينسى السلطان ذكره. فأجابه إلى ما طلبه، ~~وأخرجه من واسط إلى مكة على طريق البصرة مرفها محروسا. وكان غرض علي ابن ~~عيسى فيما ذكر محمد بن عبدون به حراسة نفسه، فوصل كتابه وقد مضى لسبيله. ~~وكان من جملة الداخلين في فتنة عبد الله بن المعتز أبو عمر محمد بن يوسف ~~القاضي فأخذ فيمن أخذ وحبس، وحضر أبوه يوسف وهو شيخ كبير مجلس أبي الحسن ~~ابن الفرات، وبكي بين يديه بكاء شديدا، رق له منه وسأله حراسة # PageV01P032 # نفس ولده أبي عمر والتصدق عليه به. فقال أبو الحسن: الجناية عظيمة، ولا ~~يمكن تخليته إلا بمال جليل يطمع الخليفة فيه من جهته. فبذل يوسف أن يفقر ~~نفسه وابنه طلبا لبقائه. وتلطف ابن الفرات فيما قاله المقتدر بالله وقرر ~~أمر أبي عمر على مائة ألف دينار، فأدى منها تسعين ألفا، من جملتها خمسة ~~وأربعون ألفا كانت عنده للعباس بن الحسن، وأمره ابن الفرات بعد ذلك بملازمة ~~داره وألا يخرج منها لئلا يجعل له حديث مجدد. وكان أبو القاسم سليمان بن ~~الحسن بن مخلد مدلا على أبي الحسن بن الفرات بمودة بين أسلافه وبين أبي ~~جعفر والد أبي الحسن وأبي العباس عمه، وباختصاصه هو به، فوجه أبو الحسن ~~الكتب إلى أصحاب المعاون في البيعة لعبد الله بن المعتز بخطه، فلم يظهر ذلك ~~المقتدر بالله ولا ذكره، واعتمد التقديم له والتنويه به، وكان سليمان قد ~~تقلد لعلي بن عيسى مجلس العامة في ديوان ms018 الخاصة. فقلده ابن الفرات هذا ~~الديوان رئاسة. ثم إن سليمان شرع لأبي الحسن بن عبد الحميد في الوزارة، ~~وعمل في ذلك نسخة بخطه عن نفسه إلى المقتدر بالله يسعى فيها بابن الفرات ~~وكتابه وضياعه وأمواله، وقام ليصلي صلاة المغرب مع جماعة من الكتاب فسقطت ~~من كمه، فأخذها الصقر بن محمد الكاتب، وكان إلى جانبه، فحملها إلى ابن ~~الفرات من وقته، فلما وقف عليها قبض عليه وحدره في زورق مطبق إلى واسط، وقد ~~أوردنا مستأنفا ما فعله معه بعد ذلك. ومضى لأبي الحسن بن الفرات في وزارته ~~هذه ثلاث سنين وثمانية أشهر # PageV01P033 # وأربعة عشر يوما، اختلفت عليه الأمور فيها، وحدثت الحوادث في متصرفاتها ~~ومجاريها وحضر عيد النحر من سنة تسع وتسعين ومائتين فاحتيج فيه من النفقات ~~إلى ما جرت العادة به، وكانت المواد قد قصرت، والمؤن قد تضاعفت، وطلب من ~~المقتدر بالله أن يعطيه من بيت مال الخاصة ما يصرفه في نفقات هذا العيد، ~~فمنعه ذلك، وألزمه القيام به من جهته، فأقام على أنه لا وجه له إلا مما ~~يعان به، ووجد بذلك أعداؤه الطريق إلى الوقيعة فيه. وركب في يوم الأربعاء ~~لأربع خلون من ذي الحجة إلى دار الخلافة وهو على غاية السكون والطمأنينة، ~~وجلس في الموضع الذي كان يجلس فيه قبل الوصول إلى السلطان، فقبض عليه وعلى ~~محمد ابن أحمد الكلوذاني وكان يكتب بين يديه وعلى محمود بن صالح وكان معه ~~من أصحابه، ومضى القواد للقبض على أسبابه وكتابه فقبضوا على عبد الله وأبي ~~نوح ابني جبير، وموسى بن خلف وكان من خواصه. وصار مؤنس الخادم إلى دار ~~الوزارة فوكل بها، وأنفذ يلبق إلى دار ابن الفرات بسوق العطش فأحاط عليها. ~~وتسرع الجند والعوام إلى دور أولاده وأهله فنهبوها وأخذوا ساجها وسقفوها، ~~وعظم الأمر في النهب حتى ركب أبو القاسم الخال بعد العصر في القواد ~~والغلمان وطلب النهاية، وعاقب قوما منهم، فقامت الهيبة، وسكنت الفتنة. ~~وأحضر أبو علي محمد بن عبيد الله بن خاقان واستوزر، وقبض ما كان لأبي ms019 الحسن ~~من الضياع والإقطاع والأملاك والعقار والأموال والغلات، وصح له ما مقداره ~~ألف ألف دينار وستمائة ألف دينار سوى الأثاث والرحل # PageV01P034 # والكراع والجمال، ولم يؤخذ من أحد من الوزراء قبله ولا بعده مثل ذلك. # ومما حدث قبل القبض عليه أن طلع في شهر رمضان من السنة المذكورة كوكب ذو ~~ذؤابة، فطلع آخر مثله في شوال في مطلع الهلال، وطلع ثالث في ذي القعدة في ~~مطلع الشمس، وأكثر الناس القول في ذلك وما يحدثه من حادث، فكان زوال أمر ~~ابن الفرات. ### || وزارة أبي الحسن الثانية # لما قبض عليه في اليوم المقدم ذكره من سنة تسع وتسعين ومائتين اعتقل في ~~بعض الحجر من دار الخلافة، ولم يزل معروف الخبر إلى جمادي الآخرة سنة ~~ثلاثمائة، فإنه نقل إلى بعض المواضع المستورة، وخفي أمره على الناس عامة ~~حتى رجمت الظنون فيه. ثم أخرج تابوت فيه هارون الشاري وقد مات على أنه ~~تابوته، فزال الشك في موته، وصلى عليه أبو الحسن علي بن عيسى، وظهر بعد ذلك ~~بقاؤه وحياته. وكان أبو بشر عبد الله بن فرجويه قد سلم من النكبة عند القبض ~~على ابن الفرات في الوزارة الأولى، وقام على الاستتار مدة وزارة أبي علي ~~الخاقاني ووزارة أبي الحسن علي بن عيسى. وواصل مكاتبة أبي الحسن بن الفرات ~~في محبسه على يد سومنة الطبيب وتعريفه الأمور، وترددت جواباته إليه بما ~~رسمه له من مكاتبة المقتدر بالله عن نفسه بالطعن على أبي الحسن علي بن عيسى ~~ووقوف الأمر على يده، # PageV01P035 # وتأخر أرزاق الجند والحواشي في نظره. وكانت رقاعه تصل إلى المقتدر بالله ~~فيقف عليها ابن الفرات فيقرر عنده صحة ما يذكره ويورده، ويهم المقتدر بصرف ~~علي بن عيسى، فإذا شاور مؤنسا فيه منعه منه، ووصفه بالأمانة والكفاية عنده، ~~إلى أن أخرج مؤنس إلى مصر لمحاربة العلوي، فقام غريب الخال ونصر الحاجب ~~بأمر ابن الفرات قياما تم على علي بن عيسى الصرف معه. ثم كتب ابن فرجويه ~~رقعة يقول فيها: متى صرف علي بن عيسى ورد ابن ms020 الفرات أطلق للولد والحرم ~~والخدم ومن بالحضرة من الفرسان برسم التفاريق مثل ما كان يطلقه في وزارته ~~الأولى تماما وإدرارا، وحمل إلى المقتدر بالله في كل يوم ألف دينار وإلى ~~السيدة والأمراء خمسمائة دينار. والتمس وقوف ابن الفرات على رقعته وتعرف ما ~~عنده على ما بذله عنه، فعرضها المقتدر بالله عليه فالتزم القيام بذلك ~~والوفاء بجميعه وكتب له خطه واستقر أمره. وأطلق في اليوم الذي قبض فيه على ~~علي بن عيسى، ووصل إلى المقتدر بالله وخاطبه بالجميل، وقلده النظر في ~~الأمور، وخلع عليه خلع الوزارة، وركب ومعه أبو القاسم غريب الخال وبين يديه ~~الحجاب والقواد والغلمان، ونزل في دار سليمان بن وهب وحضره الناس على ~~طبقاتهم للسلام والتهنئة. # وحمل إليه المقتدر مالا وثيابا وطيبا وطعاما وأشربة وثلجا وكذاك السيدة. ~~وأقام في هذه الدار ثم نقل الدواوين إليها، وكتب إلى الأمراء والعمال بخبره ~~وإقرارهم على أعمالهم. ورد المقتدر بالله ما كان قبض عنه وعن أهله وكتابة ~~وأسبابه من الضياع والأملاك، فارتجع ما كان حصل في أيدي الناس القواد # PageV01P036 # وخواص المقتدر من ذاك، ووقع بأن يوغر حق بيت المال في جميعه بألف درهم في ~~كل سنة على استقبال سنة أربع وثلثمائة، ووفر جاري الوزارة ولم يأخذه، وتقدم ~~برد جاري أصحاب الدواوين وكتابهم وكتابه إلى ما كان عليه في أيامه الأولى ~~فأضعف ذاك، وصار جاري صاحب ديوان السواد وكتابه مع ثمن الكاغد والقراطيس ~~نحو سبعة آلاف دينار في كل شهر. وأقطع زيدان التي كانت موكلة به ضياعا ~~بنواحي كسكر ومستغلات بالبصرة لها ارتفاع وافر، ووقع لجماعة من أصحاب ~~السلطان بتسويغات وإقطاع وحمالات، وبسط يده في كل ما فعله من ذلك، وأدر ~~المقتدر بالله ما كان وعده به، وللأمراء والسيدة من ألف وخمسمائة دينار ~~منسوبة إلى رسم الخريطة، ونصب ديوابا للمرافق واستوفاها فيه من العمال ~~والمتصرفين كما تستوفى الحقوق، وتتبع ما بقي من ودائعه السالمة في نكبته، ~~فارتجع منها خمسمائة ألف دينار. # وقدم عبد الله بن فرجويه وعول عليه، وتوفر على أبي محمد بن ms021 علي ابن مقلة، ~~وأدخله في أموره وأسراره، وقلده أعمالا كثيرة، فكانت مدة أبي الحسن بن ~~الفرات في اعتقال المقتدر بالله خمس سنين وأربعة أيام. # وكان عبد الله بن جبير عند مقامه بواسط في أيام علي بن عيسى قد عرف قدر ~~ارتفاعها وما يتحصل لحامد بن العباس من الفضل في ضمانها، فلما عاد إلى ~~بغداد وقد وزر ابن الفرات عظم ذلك عنده. # وكان حامد لما انقضت مدة الضمان الذي عقده الخاقاني عليه أخر عن علي # PageV01P037 # ابن عيسى الوظيفة التي كان يحملها في كل شهر، وطالب بتجديد الضمان. وكاتب ~~علي بن عيسى بأنه محمول على ما كان تقرر معه ومجرى في الشراط عليه، وله على ~~ما في وثيقته، ولم يثبت الكتاب في الدواوين، لكن حامدا ركن إليه وعول عليه. ~~واستأذن عبد الله بن جبير ابن الفرات في مكاتبة حامد بما أخرج عليه، فأذن ~~له، وكاتبه مكاتبة أجاب عنها بالاحتجاج لنفسه، وتردد من القول ما بسط ابن ~~جبير معه لسانه فيه. وبلغه فظن أنه عن مواطأة من ابن الفرات له عليه، وشرع ~~فيما يدفع به التأول عنه. وكان قسيم الجوهري يشرف للسيدة أم المقتدر بالله ~~على ضياعها بواسط، ويكثر هناك المقام، ويحضر عند حامد فيبسطه ويتوفر عليه، ~~فوافقه على السفارة له في الوزارة، وأصعد قسيم وخاطب نصرا الحاجب في ذلك ~~وأطعمه في حامد، وملأ يده منه، وعرفه سعة صدره وسخاء نفسه، وضمن له عنه ~~تصحيح المال الكثير من ابن الفرات وأسبابه، وراسل السيدة أيضا. ووافق هذا ~~القول والسعي سوء رأي نصر الحاجب في ابن الفرات، وخوفه منه وكثرة الوقيعة ~~فيه، وقول الناس إنه قلد ولده الدواوين، وأقاربه الأعمال وأخذ من ودائعه ~~القديمة التي الجملة اتسعت الأقوال فيها وكتبه إلى العمال بحمل المرافق إلى ~~هارون بن عمران، وإفراده إياه بذلك وبقبض أموال المصالحين والمصادرين وعدله ~~بها عن بيت المال. وأن المقتدر بالله طلب من ابن الفرات مالا لبعض مهمه ~~فمنعه منه # PageV01P038 # واعتل عليه فيه، فتم بذلك أمر حامد، وروسل بالاصعاد إلى الحضرة، وأن يكتب ms022 ~~على عدة أطيار بخروجه في يومه ليقبض على ابن الفرات عند المعرفة بتوجهه، ~~فأصعد، وكتب بخبره، وعرض الكتاب أبو القاسم بن الحواري على المقتدر بالله، ~~فلما وقف عليه أنفذ نصرا الحاجب وشفيعا المقتدري إلى دار أبي الحسن ابن ~~الفرات حتى قبضا عليه في وقت العصر من يوم الخميس لثلاث بقين من جمادي ~~الأولى سنة ست وثلثمائة، وعلى المحسن ابنه وموسى بن خلف وعبد الله بن ~~فرجويه وعيسى بن جبير وسعيد بن إبراهيم التستري ودولة أم ولد أبي الحسن بن ~~الفرات والحسن ابنها منه، وحملا الجماعة إلى دار الخلافة، واعتقل أبو الحسن ~~وحده عند زيدان والباقون عند نصر الحاجب، وختم أبو نصر بشر بن علي خليفة ~~حامد ببغداد على جميع الدواوين. وإنما قبض على ابن الفرات في داره لأن ~~الارجاف قوي بصرفه قوة استوحش منها كتابه وأصحابه وكان إذا ركب إلى دار ~~السلطان تفرقوا واستتروا، وإذا عاد إلى داره ظهروا وحضروا وركب في أول ~~النهار وهم على الجملة من الخوف والإشفاق، وعاد فعادوا على السكون إلى ذلك. ~~وكانت مدة نظره في هذه الدفعة سنة وخمسة أشهر وتسعة عشر يوما. ### || ثم وزر الوزارة الثالثة # وأخرج من حبسه عند زيدان القهرمانة يوم الخميس لتسع بقين من شهر ربيع ~~الآخر سنة إحدى عشرة وثلثمائة، وخلع عليه وعلى أبي أحمد المحسن ابنه، وقد ~~كان # PageV01P039 # أفرج عن المحسن من قبل وأقام في منزله، وركبا إلى داريهما بسوق العطش ~~وجلسا للتهنئة، وظهر أولادهما وكتابهما وحواشيهما وأسبابهما. فأما حامد فإن ~~أبا الحسن ابن الفرات أقره على أعمال واسط بحكم ما شرطه المقتدر بالله عليه ~~في أمره. وخاطبه بنحو مما خاطب هو علي بن عيسى به عند خلافته إياه. # وقد كان أصحاب الدواوين في وزارة أبي علي الخاقاني شرطوا على حامد في ~~ضمانه الأول لأعمال واسط أن يؤدي في آخر سني ضمانه لما ينفق على كري ~~الأنهار وحراسة البزندات والبذور والمعاون مثل ما أنفق وأطلق في ذلك في آخر ~~سنة من سني الاعتبار عليه وكان نيفا وتسعين ألف دينار ms023 ليتولى عمال السلطان ~~الإنفاق، وشرطوا له أن يؤخر باعتبار أموال الخراج والضياع الخاصة العباسة ~~ومبلغه مائة وسبعة وخمسون ألف دينار إلى آخر سني الضمان لتصير الجملة ~~مائتين وخمسين ألف دينار. فما زالت المطالبة بذلك تتأخر مع تجديد الضمان ~~سنة بعد أخرى. وقلد أبو الحسن بن الفرات أبا سهل النوبختي أعمال المبارك، ~~وأبا العلاء محمد ابن علي البزوفري أعمال الصلح والمزارعات، ووافقهما على ~~مطالبة حامد بالمال المذكور، فطالبه النوبختي مطالبة الكتاب، وسلك البزوفري ~~معه سبيل العنت والإرهاق، وتبسط عليه في المناظرة والخطاب، ثم عمل له ~~الأعمال، وادعى عليه أنه ابتاع من المزارعات السلطانية بأسافل الصلح ضواحي ~~الجامدة في أيام الخاقاني # PageV01P040 # وبعدها ضياعا جليلة، وأخرج عليه من الفضل فيها خمسمائة ألف دينار، مكثرا ~~عليه بذلك. ورأى ابن الفرات تجرد البزوفري لما هو متجرد له من استعمال ~~القبيح مع حامد وعمل الأعمال فيه، فكاتبه وأحمد فعلته، وأنفذ إليه ~~المؤامرات المعمولة بالحضرة له، وأمره بمطالبته والاستقصاء عليه والابتداء ~~بنفقات المصالح والبزندات والبذور والمعاون هو والنوبختي، وإنفاقها على ~~عمارة سنة إحدى عشرة وثلاثمائة. # فأجاب البزوفري بأن حامدا ليس يلتفت إليه، ولا يعطي شيئا من المال، وقد ~~بدأ بإطلاق ما يريد إطلاقه للمزارعين وأهل البلاد للعمارة المستأنفة، وادعى ~~شروعه في ضمان سنة إحدى عشرة وثلاثمائة، وأنه غير متمكن منه مع قوته، وأن ~~معه أربعمائة غلام كبار يتبعهم آخرون وسبعمائة رجل، وأهل البلاد على ميل ~~إليه وتعصب له. فعرض ابن الفرات كتابه على المقتدر بالله، فأمر مفلحا ~~الأسود بإنفاذ مائة غلام من الحجرية ومائة راجل من المصافية إلى واسط للشد ~~من البزوفري وبسط يده. وقال لابن الفرات: اكتب إليه بإثبات خمس مائة راجل ~~يستظهر بهم على أمره. ففعل جميع ذلك. وكتب ابن الفرات إلى البزوفري يرسم له ~~التوكيل بحامد عند وصول من أنفذ إليه، ومطالبته عاجلا بالمصالح والبذور، إذ ~~ليس يأذن السلطان في عقد الضمان مستأنفا عليه. فأشارع البزوفري ذلك قبل ~~ورود القوم، وعرف حامد الخبر في وقته، فأظهر ورود كتاب المقتدر بالله عليه ~~بالمبادرة إلى الحضرة، ms024 فضرب البوق # PageV01P041 # وأصعد بكتابه وحواشيه ورجالته، ومعه ثيابه وفرشه وآلته بعد ما أودعه ~~بواسط من ماله، وسار في السفن والسميريات، وأنفذ كراعه على الظهر، فلم يقدر ~~البزوفري على منعه ولا الاعتراض عليه في فعله، لكنه بادر إلى ابن الفرات ~~بالخبر على الطيور. فلما عرفه انزعج منه، وظن أنه عن أصل انطوى عنه، ~~واستشار المحسن ابنه وخواصه فيما يدبر الأمر به. فقالوا تنهي إلى المقتدر ~~ما كان منه، وتستعلم ما عنده فيه. ففعل وقال المقتدر: ما كوتب بشيء مما ~~ادعى أنه كوتب به، وتقرب بينه وبين ابن الفرات إنفاذ نازوك إلى المدائن في ~~عدد كثير من الغلمان والرجالة والفرسان للقبض على حامد وأسبابه، ووقف نازوك ~~على ذلك. واتصل بحامد انحدار نازوك، فاستتر وترك سفنه وماله وأصحابه، ووافى ~~نازوك فقبض على ما وجده له وحمله، وأمر المقتدر بالله بتسليم الحسبانات إلى ~~ابن الفرات، والكراع في الاصطبلات، وما سوى ذلك إلى الخزائن. ووقع الارجاف ~~بأن المقتدر بالله كاتب حامدا ينكر عليه خروجه من واسط على الحال التي خرج ~~عليها، ورسم له الاستتار ودخول بغداد سرا ليرده إلى الوزارة، ويسلم إليه ~~الجماعة، فأشفق أبو الحسن بن الفرات واستتر المحسن والحسين والحسن أولاده ~~وحرمهم وكتابهم. # PageV01P042 # وكانت سعادة حامد قد انقضت، ومدته قد انقرضت، فدعاه المقدور إلى قصد دار ~~السلطان في زي الرهبان، واستأذن على نصر الحاجب، فلما دخل ورآه قال له: إلى ~~أين جئت؟ قال: جئت بكتابك. قال: إلى ها هنا كاتبتك بالمجيء؟ ولم يقم له ولا ~~وفاه حقه؛ واعتذر إليه بخوفه من سخط الخليفة متى تجاوز به ما وقف عنده. ~~وراسل نصر مفلحا الأسود بالخروج إليه، لأن المقتدر بالله كان عند الحرم، ~~فخرج إليه وقال له: قد ورد حامد على ما تراه من هذه الصورة، وهو اليوم في ~~موضع رحمة، وما أولاك باستعمال الجميل معه. وقال حامد لمفلح: تقول لأمير ~~المؤمنين أنا أرضى بأن اعتقل في دارك كما اعتقل علي بن عيسى، ويناظرني ~~الوزير والمحسن والكتاب بحضرة القضاة والفقهاء والقواد، فإن وجب علي شيء ms025 ~~خرجت منه بعد أن أومن على نفسي، وأمكن من استيفاء حججي. ويمنع المحسن من ~~مقابلتي على المكاره التي أوقعتها به في طاعة أمير المؤمنين، فإنه شاب وبسط ~~يده على مثلي ممن بلغ إلى مثل سني ووجب له من الحرمة ما وجب لي غير لائق ~~بعادات أمير المؤمنين. فأراه مفلح أنه يفعل، ودخل إلى المقتدر فأورد عليه ~~ضد ما قاله، وتكلمت السيدة في أمر حامد وأجابته إلى سؤاله. فقال مفلح: متى ~~فعل ذلك لا يتم لابن الفرات أمر مع الأراجيف الواقعة به. فقال له المقتدر ~~بالله: صدقت. وأمره بأن يتقدم إلى نصر بإنفاذ حامد إلى ابن الفرات، فخرج ~~إليه وعرفه ما رسم له. فاستدعي حامد من نصر ثيابا يغير بها ما عليه، فامتنع ~~مفلح من الإذن له في ذلك، وقال: وقد أمرني مولانا بإنفاذه على زيه الذي حضر ~~فيه. فلم يزل نصر يشفع له إلى أن أذن في تغيير، وأنفذه مع ابن الزنداق ~~الحاجب. # PageV01P043 # فلما دخل على ابن الفرات قال له: لم جئت؟ قال بكتابك. قال له: فلم لم ~~تقصد داري؟ قال: حرمت التوفيق. قال له: لا ولكنك عملتها طائية فجاءتك ~~طائية. وذاك أن الطائي ضمن إسماعيل بن بلبل من الموفق وصار إلى داره في زي ~~الفيوج ليقيم فيها ليلته وينجز له من غد ما وعده، فلما حصل عنده أنفذه إلى ~~إسماعيل في ذلك الزي، فأوقع به إسماعيل مكروها غليظا، واستخرج منه ومن ~~كتابه مالا جليلا. وتقدم أبو الحسن بن الفرات إلى أستاذ داره بأن يفرد ~~لحامد دارا يفرشها فرشا جميلا، ويتفقده في طعامه وشرابه وطيبه تفقدا كثيرا. ~~ونحن نذكر تمام حديثه إلى حين وفاته في أخباره. ### || أسماء القوم الذين قبض المحسن بن أبي الحسن بن الفرات عليهم ونكبهم # وقتلهم وأبعدهم وما جرى عليه أمر كل واحد منهم # قد ذكرنا من أخبار حامد بن العباس وعلي بن عيسى ما لا فائدة في تكريره، ~~فأما سليمان بن الحسن فقبض المحسن عليه من ديوان المشرق، وكان يتولاه مع ~~غيره من الدواوين، فصادره على ms026 ما صح منه خمسون ألف دينار ثم أخرجه إلى ~~فارس. # وأما أبو علي بن مقلة فكان يتقلد لعلي بن عيسى في وزارة حامد زمام ~~السواد، فلما تقلد أبو الحسن بن الفرات تجلد ولم يستتر، وحضر مجلسه، فأعرض ~~عنه إعراضا # PageV01P044 # غض به من محله، ولم يقبض عليه مراعاة للمودة بينه وبين أبي القاسم بن ~~الحواري. فلما قبض على ابن الحواري أنفذ المحسن أبا غانم كاتبه حتى قبض علي ~~ابن مقلة وقيده، وقد شرحنا حديثه في أخباره. وأما أبو القاسم علي بن محمد ~~الحواري فإنه تأخر عن تهنئة ابن الفرات في صدر نهار يوم الجمعة، وراح إليه ~~في آخره، وأطال عنده، وآنسه ابن الفرات وشاوره في أموره، وخلا به خلوة ~~طويلة اعتمد فيها سكون نفسه، وراسله ابن الفرات فتحقق بخدمته وأظهر السرور ~~بولايته مع ما اعتقده باطنا من مخافته، وقد كان أصحاب ابن الحواري أشاروا ~~عليه بالاستتار عن ابن الفرات وقالوا له: إن الخليفة لم يكتمك أمره وما عزم ~~عليه من تقليده مع ما يعرفه من العداوة بينكما إلا لسوء رأي فيك. فلم يقبل ~~ذلك وقال: لو كان الأمر على ما قلتم لقبض علي قبل إخراجه إياه وإظهار أمره، ~~وما أرى أن أنكب نفسي بسوء الاستشعار مني. لكنه ستر حرمه وولده واستظهر بعض ~~استظهار في رحله وماله. وركب ابن الحواري إلى دار السلطان وحضر ابن الفرات ~~وأذن له ولم يؤذن لابن الحواري. فاستوحش من ذلك، ثم صرف الأمر إلى أن ابن ~~الفرات قد شرط على المقتدر بالله أن يجريه على رسمه في وزارته الثانية، فإن ~~ابن الحواري لم يكن يصل معه ظاهرا وإنما كان يصل سرا. فلما خرج ابن الفرات ~~من حضرة المقتدر بالله وجلس في الدار التي أفردت له للنظر في أمر القواد ~~والحواشي دخل معه # PageV01P045 # ابن الحواري فأقبل عليه وشاوره في ما كان يخاطب عليه، وقال له: قد غبت عن ~~مجاري الأمور منذ خمس سنين وأنت عارف بما كان علي بن عيسى قرر عليه أمر ~~الحاشية، وأريد أن تنبهني وترشدني ms027 وتعاونني وتعاضدني، وتستعمل في ذلك ما ~~تقتضيه المودة. فقال له: السمع والطاعة. ووعده بالإخلاص في المناصحة، ~~وفاوضه ابن الفرات حديثا طويلا ونهض قبل أن يستتمه، ونزل إلى طياره ونزل ~~ابن الحواري معه وأحمد بن نصر البازيار ابن أخيه، ومحمد بن عيسى صهره، وعلي ~~بن مأمون الإسكافي كاتبه، وعلي بن خلف أخو محمد بن خلف صهره، فأكرم جماعتهم ~~وأخذ يحادثهم ويضاحكهم إلى أن صعد من طياره إلى داره، ووصل إلى بعض الأروقة ~~ثم أسر إلى العباس الفرغاني حاجبه سرا أمره فيه بالقبض عليهم ففعل، ~~واعتقلهم في بعض الحجر، واستدعى شفيعا اللؤلؤي، وأنفذه إلى دار ابن الحواري ~~وأمره بحفظها وحراستها، وأنفذ إلى إصطبلاته بمن قاد دوابه وبغاله وساق ~~جماله إلى إصطبلات السلطان، ونقل فاخر ثيابه وفرشه وآلاته إلى الخزائن، ~~ووصي ابن الفرات قهرمان داره بإحسان مراعاة ابن الحواري في مأكوله ومشروبه. ~~ثم راسله مع عبد الله بن جبير وغيره في تقرير أمره، وواقفه على أعمال عملت ~~له قبل القبض عليه، فسأل أن يوسط بينه وبين أبا بكر بن قرابة، وكان ابن ~~قرابة متحققا بابن الفرات في هذا الوقت وبابن الحواري من قبل، فوسطه ذلك، ~~وتقرر مصادرة ابن الحواري خاصة من دون كتابه وأسبابه على سبعمائة ألف ~~دينار، يعجل منها مائتين وخمسين ألف دينار ويحتسب له عن ثمن المأخوذ منه ~~بخمسين # PageV01P046 # ألف دينار ويؤدي الباقي في أربعة وعشرين شهرا بعد أن حلف أن قيمة المأخوذ ~~منه ثلاثمائة ألف دينار. واشترط إطلاق أحمد بن نصر البازيار ليقوم بمال ~~التعجيل، فأطلق وأزيل التوكيل عن دوره وسلم الباقي فيها إلى أحمد بن نصر. ~~وتسلم المحسن بن أبي الحسن بن الفرات من بعد ذلك ابن الحواري فصفعه صفعا ~~عظيما في دفعات وضربه بالمقارع. ثم أخرجه إلى الأهواز في طيار خدمه غير ~~مقيد، وأنفذ معه الحبشي المستخرج. وحدر أيضا في هذه الجملة سليمان بن الحسن ~~وأبا علي بن مقلة، فلما وصلوا إلى البصرة وتوجهوا منها إلى الأهواز طرح ~~الحبشي ابن الحواري في الماء منكسا وشد رجليه في شكات ms028 الطيار وهو سائر وبلغ ~~موضعا يعرف بالمنارة أسفل الأبلة بفرسخ فأخرجه، وقد بقي فيه أدنى رمق فخنقه ~~غلمان سودان كانوا معه ودفنوه، وحمل سليمان وابن مقلة إلى الأهواز. وأما ~~ابن حماد الموصلي فإن ابن الفرات كتب إلى محمد بن نصر بالقبض عليه وحمله ~~إلى الحضرة، فعرف ابن حماد ذلك وهرب، فوجد في عمر يقارب بلد فأخذ وحمل إلى ~~محمد بن نصر فضربه ضربا أثخنه، لعداوة كانت بينه # وبينه، ثم أنفذه، فتسلمه المحسن وأمر ابن أبي عمر كاتبه وابن حبشي ~~المستخرج بصفعه، فأوقعا به فلم يرض بذلك حتى أحضره بين يديه وصفعه على رأسه ~~إلى أن خرج الدم من فيه ومات في ليلته. وخاف المحسن إنكار المقتدر بالله ما ~~جرى في أمره فأظهر أن محمد ابن نصر أنفذه مثخنا بالضرب فتلف مما ناله منه. ~~بينه، ثم أنفذه، فتسلمه المحسن وأمر ابن أبي عمر كاتبه وابن حبشي المستخرج ~~بصفعه، فأوقعا به فلم يرض بذلك حتى أحضره بين يديه وصفعه على رأسه إلى أن ~~خرج الدم من فيه ومات في ليلته. وخاف المحسن إنكار المقتدر بالله ما جرى في ~~أمره فأظهر أن محمد ابن نصر أنفذه مثخنا بالضرب فتلف مما ناله منه. # PageV01P047 # وأما علي بن الحسن الباذبيني، وكان رجلا متسلما، وتقلد ديوان الضياع ~~المقبوضة في أيام علي بن عيسى، فقبض عليه المحسن وصادره على أحد عشر ألف ~~دينار. وأعاد المكروه عليه فبلح في يديه، وأيس من حصول شيء منه. وأخرجه إلى ~~الموصل فلم يزل مقيما بها إلى أن وزر أبو القاسم عبد الله بن محمد ~~الخاقاني. # وأما أبو المنذر النعمان بن عبد الله فقد كان تاب من خدمة السلطان، ولبس ~~الخف والطيلسان، وحضر مجالس الوزراء بهما كان تحضر مشايخ الكتاب إلا أنه ~~كان متحققا بحامد بن العباس وعلي بن عيسى ونصر الحاجب. فلما تقلد ابن ~~الفرات الوزارة في هذا الوقت لم يجد عليه متعلقا ولا متسلقا، وكان يحضر ~~مجلسه فيكرمه، وخاف النعمان على نفسه منه لما كان يشاهده من المحسن وإقدامه ~~على ما ms029 يقدم عليه فلازم نصرا الحاجب وثمل القهرمانة، وكان يروح إليهما في ~~أكثر العشيات ويقيم عندهما إلى أن تمضي قطعة من الليل. فاتفق أن خرج في بعض ~~الليالي من دار ثمل القهرمانة ومعه إبراهيم حاجبه فرآه أحد أصحاب الأخبار ~~الذين لابن الفرات، فكتب إليه بخبره، وبأنه سمعه يقول لبعض العمال المعطلين ~~وقد لقيه في طريقه: ما عندك من الأخبار؟ فقال: كثرة الأراجيف بابن الفرات. ~~فقال له النعمان: على أن يكون الوزير من؟ قال: أنت أو محمد بن علي ~~المادرائي أو عبد الله بن محمد الخاقاني، والأقوى في الظنون أنت. فقال له: ~~ومن لهم بأن أساعدهم على ذلك. فلما قرأ ابن الفرات هذا الفصل سلمه إلى ~~المحسن، وأمره بإحضار النعمان وأن # PageV01P048 # يعرض عليه ولاية الأعمال بالأهواز وفارس، فإن استجاب حمله معه ليكتب له ~~الكتب ويخرج إلى عمله، وإن امتنع أوقفه على الفصل وقال له: ليس يصلح للوزير ~~ولا لي مقامك بالحضرة، فأخرج إلى حيث تختار من غير إخراج ولا توكيل. فأحضره ~~المحسن وخاطبه بذلك فامتنع من العمل، فأقرأه حينئذ الفصل من رقعة صاحب ~~الخبر، وتقدم إليه بالخروج إلى حيث يريد، فاختار واسط، وانحدر إليها لحينه. ~~فلما دخلها قصده العمال والتناء هناك، ولقوه وأكرموه وعظموه. وكتب إلى ابن ~~الفرات بذلك، فكتب إلى محمد بن علي البزوفري بالقبض عليه، فقبض عليه في يوم ~~جمعة من المسجد الجامع، وطالع ابن الفرات بحاله، فرسم له مطالبته بما بقي ~~عليه من مال مصادرته في وزارته الثانية وهو سبعة عشر ألف دينار. ففعل ~~البزوفري ذلك وأدى النعمان سبعة آلاف دينار. وأما أحمد بن محمد بن بسطام ~~فكان مصاهرا لحامد بن العباس ومتقلدا بهرسير والرومقان وإيغار يقطين في ~~وزارة علي بن عيسى. فلما رأى ما الناس فيه مع المحسن بن الفرات واستتر عند ~~الشاه بن ميكال، وعرف المحسن خبره فكبسه وأخذه وقرر عليه ثلاثمائة ألف ~~دينار، وطالبه مطالبة زاد فيها، حتى أخرجه من نعمته وضيعته، ثم عمل على ~~إخراجه إلى واسط عند قرب مؤنس واستيحاشه منه، # PageV01P049 # وكتب له بولاية ms030 بعض النواحي فخاف وقوع حيلة عليه بذلك، فاستتر استتارا ~~ثانيا حتى زال أمر ابن الفرات. وأما إبراهيم أخو علي بن عيسى فإنه كان ~~ملازما لمنزله في أيام حامد وعلي ابن عيسى، فلما تقلد أبو الحسن بن الفرات ~~تأخر عن تهنئته، فوقع إليه توقيعا جميلا أمره فيه بالمصير إليه، فجاءه من ~~وقته، وقبض عليه وطالبه بأحد عشر ألف دينار، بقيت عليه من جملة خمسين ألف ~~دينار صادره عليها في وزارته الثانية. فاحتج إبراهيم بأن المقتدر بالله ~~وضعها عنه، وأظهر توقيعا معمولا في الدواوين شاهدا على قوله، فلم يقبل ذلك ~~منه، وطالبه حتى أدى المال، فلما أداه أحضره مجلسه، وواقفه على أمور كانت ~~في نفسه عليه منذ أيام العباس بن الحسن، وصادره مصادرة مجددة على عشرين ألف ~~دينار، ثم سلمه إلى المحسن فأوقع به مكروها شديدا إلى أن وفى القيمة، ثم ~~نفاه إلى البصرة، وسلمه إلى ابن أبي الأصبغ عاملها، فقيل: إنه سمه فمات. ~~وأما عبيد الله أخوه فإنه كان عليلا في منزله، فأنفذ المحسن من حمله إليه ~~في محفة وطالبه وأوقع به مكروها كرره إلى أن ضمنه أبو الحسين بن روح وجماعة ~~بما قرره عليه. فلما أداه أخرجه إلى الكوفة. وأما أبو علي عبد الرحمن فإنه ~~استتر بعد القبض على أبي الحسن أخيه، فلم يعرف به خبر مع شدة الطلب له، ~~والحرص على حصوله. # وأما أبو الحسن علي بن مأمون الإسكافي كاتب ابن الحواري فصودر على مائة ~~ألف دينار، وأدى بعضها، وتلف تحت المكروه. # PageV01P050 # وأما أبو الحسين محمد بن أحمد بن أبي البغل فكان بفارس، وكتب المحسن إلى ~~جعفر بن محمد العامل هناك بالقبض عليه وعلى زيد بن إبراهيم عامل كرمان، ~~ومصادرتهما على مال حده له، فإن أذعنا وإلا أشخصهما إلى الحضرة، فافتديا ~~أنفسهما بما التمس منهما إشفاقا من إنفاذهما إلى المحسن. # وأما أبو زنبور الحسين بن أحمد المادرائي فكان ضامنا لمصر والشام في أيام ~~حامد فتنكر له أبو الحسن علي بن عيسى وصرفه بأبي الحسين محمد بن الحسن بن ~~عبد ms031 الوهاب كاتبه وولي أبو الحسن بن الفرات فأقر أبا الحسين على نظره ~~وكاتبه بحمل أبي زنبور إلى الحضرة، وكان بدمشق، فأنفذه إلى مؤنس المظفر وهو ~~بحلب، وأنفذ ابن الفرات اعتقالا جميلا. ثم جمع القضاة وأصحاب الدواوين ~~وأخرجه إلى مجلسه، وقد حضر المحسن وأبو العلاء بن سنجلا كاتبه على ديوان ~~المغرب وأحضرا أعمالا عملاها له، ووقعت المناظرة له على أبوابها، فألزمه ~~ابن الفرات منها ألفي ألف وأربعمائة ألف دينار، ثم استكثرها فحط منها ~~سبعمائة ألف دينار، وأخذ خطه بالباقي وعرضه على المقتدر بالله فأحمد فعله ~~فيه، وزاد ابن الفرات في مراعاة أبي زنبور وإحسان عشرته لأنه كان يسترجله ~~ويستجلده، وسامه أن يواجه علي بن عيسى بأنه أرفقه في أيام تقلده ديوان ~~المغرب وبعد ذلك في وزارته، فاستعفاه. فقال له ابن الفرات: فلم واجهتني ~~بأمره وليس تواجهه بأمري. فقال له: ما أحمدت عاقبة تلك الحال ولا استحسنها ~~لي أحد، مع الظاهر من إساءة الوزير إلي بتسليمه إياي إلى ابن بسطام # PageV01P051 # وبسط يده علي في أيام وزارته الثانية فكيف تستحسنون لي الآن معاملة علي ~~بن عيسى بالقبيح على ماله عندي من الجميل القديم فأمسك ابن الفرات عنه. # وقدم محمد بن علي المادرائي من مصر، ولم يكن تقلد في وزارة حامد عملا، ~~فنوظر على أموال تلزمه وبقايا عليه في وقت شركته للحسين بن أحمد، فاحتج ~~لنفسه احتجاجا قاله له ابن الفرات في آخره: فلست بأعلم وأعرف من الحسين بن ~~أحمد، وقد أورد أكثر مما أوردت، فلم يدفع ذلك عنه ما وجب عليه. وأخذ خطه ~~طوعا بألف ألف ومائة ألف دينار. وكتب عليه بها كتاب دين للمقتدر بالله في ~~نجوم ثبتت، وأشهد على نفسه القضاة والشهود فيه. وكان المحسن بن الفرات يكرم ~~محمد بن علي ويتطاول له إذا حضر عنده، وأطلقه إلى داره رعاية لما ذكر أنه ~~حمله إليه من أموال كثيرة وجواهر ثمينة وخدم روقة وسلم محمد بن علي والحسين ~~بن أحمد إلى مؤنس المظفر عند خروجه إلى الرقة ليستوفي منهما ما تقرر عليه ms032 ~~أمرهما ويصرفه في نفقات رجاله. وكان مؤنس المظفر عند تقلد أبي الحسن بن ~~الفرات الوزارة في هذه الدفعة غائبا في الغزو. فلما عاد كثر الحديث بإنكاره ~~ما جرى على الكتاب وغيرهم من أبي الحسن بن الفرات والمحسن ابنه، وما كان من ~~وفاة حامد مسموما وأن أكثر الفرسان التفاريق المقيمين بالحضرة قد عملوا على ~~أن ينضموا إليه لتروج لهم أرزاقهم به. فثقل ذلك على ابن الفرات، وركب بعد ~~أسبوع من قدوم مؤنس إلى المقتدر بالله # PageV01P052 # وخلا به، وعرفه ما عليه مؤنس من اجتذاب الجند إليه، وأن ذلك إن تم غلب ~~على الأمر وصار أمير الأمراء ومد يده إلى الأموال وأقل مراعاة الخدمة ~~واحتشام الخلافة. وأغراه شديدا وخوفه منه تخويفا كثيرا. فلما ركب مؤنس إلى ~~المقتدر بالله قال له بمحضر من ابن الفرات: ما شيء أحب إلي من مقامك، عندي ~~لأنني أجمع في ذلك بين الأنس بقرب دارك، والتبرك برأيك والانتفاع بمكانك، ~~ولكن أرزاق الفرسان التفاريق عظيمة، وما يمكن إطلاقها ولا النصف منها على ~~إدرار، ولا يطيعون في الخروج إلى بعض الجهات، وإذا أقمت طالبوا بالانضواء ~~إليك، فإن أجيبوا لم يف ما يحمل من أموال السواد والأهواز وفارس والمشرق ~~بنفقات الحضرة ومال من يجتمع معك، وإن لم يجابوا شغبوا وافتتن البلد. ثم ~~إنك إن أقمت لم يرج مال ديار مضر وربيعة والشام، ووقف ما قرر على ~~المادرائيين، والصواب أن تخرج إلى الرقة، فإنها واسطة أعمالك وعمال الخراج ~~والمعاون بمصر والشام يهابونك ويراقبونك، ويحملون الأموال مراعاة لك وخوفا ~~منك، ويستقيم أمر المملكة بذلك. وأمره بالشخوص إلى هناك من وقته في سائر من ~~برسمه. وكان المتكلم عن المقتدر بالله ابن الفرات. فعلم مؤنس أنه أمر قد ~~تقرر برأيه وتدبيره وعلى حكم ما يعتقده من عداوته، فقال: السمع والطاعة ~~لأمير المؤمنين، إلا أنني استأذن في المقام بقية شهر رمضان، فإذا أفطرت ~~وعيدت سرت وتوجهت. فقال له: افعل. فلما عيد ركب إلى ابن الفرات لوداعه ودخل ~~إليه فقام له قياما تاما، واستعفاه مؤنس من ذلك فلم ms033 يعفه وحلف عليه أن يجلس ~~معه على المصلى فامتنع. وسأله مؤنس في عدة أمور فوقع له بها وأجابه إلى ~~جميعها، ونهض فأراد ابن الفرات # PageV01P053 # القيام له عند نهوضه فأقسم عليه برأس الخليفة أن لا يفعل، وسار إلى ~~الرقة. # وأما نصر القشوري الحاجب فإن ابن الفرات لما فرغ من إخراج مؤنس وإبعاده ~~عن الحضرة عدل إلى أمره، وكثر على المقتدر بالله الأموال في جنبه، وأعلمه ~~عظم ضياعه وارتفاعه ومرافقه ومنافعه وما يصل إليه من أعمال المعاون ~~المرسومة بولايته، فأجابه إلى القبض عليه، وتسليمه إليه دون شفيع المقتدري ~~وقد كان القول منه فيهما جميعا. وعرف نصر ما جرى في بابه، فلجأ إلى السيدة، ~~ومضى في بعض أيام نوبته إلى منزله واستتر، وكلمت السيدة المقتدر بالله في ~~أمره وقالت له: قد أبعد ابن الفرات مؤنسا وهو سيفك، ويريد أن ينكب نصرا وهو ~~حاجبك، ليمكن من مجازاتك على ما فعلته من إزالة نعمته وهتك حريمه. فيا ليت ~~شعري من يكون عونك عليه مع ما قد ظهر من شره وشر المحسن ابنه وأخذهما ~~الأموال وقتلهما النفوس؟ فوعدها بالدفع عن نصر، وراسلت السيدة نصرا بالظهور ~~والحضور، فأمن وأنس، وعاد إلى خدمته. واستأنف التذلل لابن الفرات وابنه. ~~وما ترك ابن الفرات الوقيعة فيه، والإغراء به حتى قال للمقتدر بالله: ما ~~ضيع عليك الأموال التي أنفقتها على محاربة ابن أبي الساج غيره، لأنه عاداه ~~وأوحشه من أجل غلام له كان يتولى أعمال أرمينية، فصرفه ابن أبي الساج، ~~فأفسد رأيك يه حتى جرى ما جرى. # فلما كان في بعض أيام حضر صاحب لأبي طاهر محمد بن عبد الصمد # PageV01P054 # أحد القواد المضمومين إلى ابن أبي الساج عند ابن الفرات، فعرفه أن كتاب ~~أبي طاهر ورد عليه بأن يوسف بن أبي الساج واقع أحمد بن علي فقتله وأخذ رأسه ~~وحمله مع جثته إلى بغداد. وركب المحسن إلى المقتدر بالله واستأذن عليه، ~~فأوصله مفلح الأسود حيث لم يحضر نصر الحاجب، وبشره بالفتح وقرأ عليه الكتاب ~~الوارد به، وعرفه أن نصرا يكره ذاك، ms034 فلهذا طواه عنه وكتمه إياه. ولم يبعد ~~بعد هذه الحال أن وجد المقتدر بالله رجلا أعجميا واقفا على سطح مجلس من ~~مجالسه، وعليه ثياب دبيقية. ومن تحتها ثياب صوف ومعه محبرة ومقلمة، وأقلام ~~وسكين وورق وسويق. فأخذ وسئل عن أمره فقال: ما أخاطب إلا صاحب الدار. فقيل: ~~قل ما عندك. قال: ما يجوز. وأخرج إلى أبي الحسن ابن الفرات، فقال: أنا أقوم ~~مقام صاحب الدار، فقل ما عندك. فقال: ليس يجوز إلا خطابه في نفسه. فرفق به ~~فلم يغن الرفق. وحمله الخدم حينئذ وضربوه ضربا عنيفا، فعدل عن الكلام ~~بالعربية إلى قوله بالفارسية: ندانم ولزم هذه اللفظة فلم يزل عنها في كل ما ~~يخاطب به، وأخرج بعد أن مات تحت العقوبة إلى رحبة الجسر، وصلب هناك وضرب ~~بالنار. وتحدث الناس بأن ابن الفرات دسه ليوهم المقتدر بالله أن نصرا ~~الحاجب أراد الاحتيال عليه به. # PageV01P055 # وخاطب ابن الفرات نصرا الحاجب بحضرة المقتدر بالله في أمر هذا الرجل فقال ~~له: ما أظنك ترضى أن يجري عليك في دارك مثل ما جرى على دار أمير المؤمنين، ~~وأنت حاجبه، مما لم يتم على أحد من الخلفاء، ولا شك أن الرجل صاحب أحمد بن ~~علي أخي صعلوك لأنه عجمي، فإما أن يكون أحمد بن علي واطأك على أمره قبل ~~قتله وأنفذه فورد في هذا الوقت، أو تكون دسسته لثقتك بأمير المؤمنين خوفا ~~على نفسك منه، فمعلوم أن ابن أبي الساج عدوك وأنك صديق أحمد بن علي. فقال ~~له نصر الحاجب: ليت شعري لم أفعل بأمير المؤمنين وهو مصطنع مثل ذلك، لأنه ~~أخذ أموالي وضياعي وحبسني خمس سنين؟ قال المقتدر بالله لنصر: دع هذا، فلو ~~تم على بعض العامة ما تم علي لكان عظيما. فقال: يا أمير المؤمنين، ابن ~~الفرات يقف أمري، ويسعى علي بقبيح أثري، ويؤخر أرزاق الرجالة المصافية ~~الذين برسمي وكانوا عشرة آلاف رجل فأجابه ابن الفرات جوابا استوفاه، وبين ~~الزيادة فيما ينصرف إليه على ما كان يقبضه نظراؤه. وقال للمقتدر بالله: إن ~~أمر ms035 أمير المؤمنين أن أخرج أرزاقه وأرزاق أولاده وغلمانه وفوائده ومرافقه ~~وما كان يقام لأمثاله من الحجاب في أيام الناصر والمعتضد والمكتفي فعلت. ~~فتقدم إليه بذلك، وواقف ابن الفرات الكتاب عليه، وضعفت نفس نصر الحاجب ~~وكانت السيدة تشد منه، وتواصل خطاب المقتدر بالله في معناه، واندفع أمره ~~إلى أن ورد الخبر في يوم الجمعة لثمان بقين من المحرم # PageV01P056 # سنة اثنتي عشرة وثلثمائة بأن أبا طاهر بن أبي سعيد الجنابي أخذ الحاج ~~بالهبير وأسر أبا الهيجاء عبد الله بن حمدان وأحمد ابن كشمرد ونحريرا ~~العمري وأحمد بن بدر عم السيدة وشفيعا خادمها وفلفلا وجماعة من الحرم ~~والخدم، ومات الكثير من الناس بالعطش والحفا والرجلة فانقلبت بغداد في ~~جانبيها، وخرجت النساء إلى الطرقات مسودات الوجوه منشرات الشعور يصرخن ~~ويلطمن، وانصرف إليهن حرم من نكبه وقتله ابن الفرات. فقبحت الحال قبحا ~~شديدا. وتقدم ابن الفرات إلى نازوك بالركوب إلى المساجد الجامعة لزم العامة ~~ومنع الفتنة. وضعفت نفس ابن الفرات بهذه الحادثة، وركب في آخر نهار يوم ~~السبت إلى المقتدر بالله، وشرح له الصورة على ما أورده الزنجي سابق الحاج، ~~واستدعى المقتدر بالله نصرا الحاجب، وأدخله في الخطاب والمشاورة، فانبسط ~~لسان نصر على ابن الفرات وقال: الساعة تقول ما الرأي بعد أن زعزعت أركان ~~المملكة، وأطمعت الأعداء بإبعاد مؤنس عن الحضرة، ومن يدفع الآن هذا العدو ~~إن حاول بالسلطان أمرا؟ وأشار على المقتدر بالله بمكاتبة مؤنس واستقدامه، ~~فأمره بذلك. فلما خرجا سأل ابن الفرات نصرا ألا يكتب إلى مؤنس شيئا إلا بعد ~~نفوذ كتابه، فوعده بالتوقف وعدا لم يف به. وأنفذ الرسل من وقته، وكتب إليه ~~ابن الفرات عن المقتدر بالله بالانكفاء إلى الحضرة. ووثب العامة إلى ابن ~~الفرات، ورجموا طياره بالآجر ورجموا ابنه المحسن وهو في موكبه على الظهر # PageV01P057 # وذكروهما في الطرق والأسواق بالدعاء عليهما. وبرز ياقوت إلى مضاربه بباب ~~الكناس للتوجه إلى الكوفة، ومنع القرمطي منها إن حدث نفسه بورودها. ثم وردت ~~الكتب والأخبار بانصراف القرمطي إلى بلده بما أخذه من الأموال والأمتعة ms036 ~~والأحمال والأساري، فرد ياقوت وكثر الإرجاف بابن الفرات وابنه المحسن. فكتب ~~إليهما المقتدر بالله رقعة تتضمن التسكين منهما، واليمين على حسن اعتقاده ~~فيهما، وما هو عليه من الثقة بموالاتهما والإحماد لخدمتهما، وأمرهما ~~بإظهارها لأهل الحضرة وإنفاذ نسخها إلى عمال المعاون والخراج. وركب أبو ~~الحسن وابنه المحسن إلى المقتدر بالله في يوم الأحد لثمان بقين من صفر، ~~فأصلح بينهما وبين نصر الحاجب، وأمرهم بالتضافر على ما فيه صلاح الدولة، ~~وورد هلال بن بدر برسالة مؤنس إلى المقتدر بالله. فوصل وأداها وسمع جوابها، ~~وعاد به إلى مؤنس من غير أن يحضر ابن الفرات، ووافق دخول مؤنس في أول شهر ~~ربيع الأول، فخرج نصر الحاجب والأستاذون ووجوه القواد والغلمان لاستقباله. ~~ثم دخل يوم الأحد لسبع خلون منه. ثم بدأ بدار المقتدر من وقته، وخدم وانصرف ~~إلى داره، فركب ابن الفرات إليه للسلام عليه، ولم يفعل مثل ذلك أحد من ~~الوزراء قبله، وأوذن مؤنس به، فخرج إلى باب داره واستعفاه من الصعود فلم ~~يعفه، وصعد وهنأه بمورده، ونهض لينصرف، فخرج مؤنس معه إلى # أن نزل إلى طياره وقبل يده، وسأله العود إلى موضعه ففعل. وركب أبو العباس ~~بن المقتدر بالله إليه أيضا فخرج حافيا حتى نزل إلى طياره. وصار ابن الفرات ~~وابنه المحسن من غد وهو يوم الاثنين إلى دار المقتدر بالله، ووصلا إليه ~~وخاطباه بما أراداه ووليا للانصراف، فعاد المحسن وحده وقال للمقتدر بالله: ~~قد عرفت يا أمير المؤمنين ضيق المال وكثرة النفقات، وها هنا وجوه ثلاثمائة ~~ألف دينار تصح في مدة قريبة، فإن أذنت في استخراجها استخرجت. فقال: قد أذنت ~~لك. وخرج فلحق أباه. فلما أرادا الخروج من الصحن التسعيني أقعدهما نصر ~~الحاجب في مجلس بالقرب، وراسل الغلمان الحجية المقتدر بالله في القبض ~~عليهما على لسان مفلح الأسود، فدخل وأدى إليه ذلك. ثم قال له: إن في صرف ~~الوزير بقول هذه الطائفة خطأ في التدبير وإطماعا للغلمان. فأمره بأن يخرج ~~ويقول لنصر حتى يصرفه، ويقول للغلمان: إننا نفعل فيما راسلتمونا به ما ms037 يجري ~~الأمر فيه على محابكم. فلم يقدم مفلح على الخروج إلى نصر بهذا الجواب ووقف ~~عند الستر وقال: ينصرف الوزير. فتكلم الغلمان كلاما كثيرا حتى أنفذ إليه ~~مفلح من وعدهم عن الخليفة بلوغ مرادهم، فحينئذ أذن نصر للوزير في الانصراف. ~~فذكر بعض من كان معهما أنهما لم يزالا يمشيان في الممرات مشيا سريعا حتى ~~نزلا إلى طيارهما، وقدما إلى دار الوزير وصعدا. وسار المحسن أباه سرا ~~طويلا. ثم خرج ومضى إلى داره فجلس فيها ساعة حتى نظر في أمره واستتر. وجلس ~~ابن الفرات ينظر في الأعمال وبين يديه جماعة من كتابه. ثم قام إلى دور حرمه ~~فأكل عندهم. وخرج وقت العصر فتشاغل بالوقوف على ما ورد، وأمر ونهى على رسمه ~~من غير أن يبين فيه خوف أو زوال عن العادة، وبات تلك الليلة على هذه ~~الجملة، فحدث بعض خواصه أنه سمعه في آخر الليل وهو في مرقده يتمثل بهذا ~~البيت: ن نزل إلى طياره وقبل يده، وسأله العود إلى موضعه ففعل. وركب أبو ~~العباس بن المقتدر بالله إليه أيضا فخرج حافيا حتى نزل إلى طياره. وصار ابن ~~الفرات وابنه المحسن # PageV01P058 # من غد وهو يوم الاثنين إلى دار المقتدر بالله، ووصلا إليه وخاطباه بما ~~أراداه ووليا للانصراف، فعاد المحسن وحده وقال للمقتدر بالله: قد عرفت يا ~~أمير المؤمنين ضيق المال وكثرة النفقات، وها هنا وجوه ثلاثمائة ألف دينار ~~تصح في مدة قريبة، فإن أذنت في استخراجها استخرجت. فقال: قد أذنت لك. وخرج ~~فلحق أباه. فلما أرادا الخروج من الصحن التسعيني أقعدهما نصر الحاجب في ~~مجلس بالقرب، وراسل الغلمان الحجية المقتدر بالله في القبض عليهما على لسان ~~مفلح الأسود، فدخل وأدى إليه ذلك. ثم قال له: إن في صرف الوزير بقول هذه ~~الطائفة خطأ في التدبير وإطماعا للغلمان. فأمره بأن يخرج ويقول لنصر حتى ~~يصرفه، ويقول للغلمان: إننا نفعل فيما راسلتمونا به ما يجري الأمر فيه على ~~محابكم. فلم يقدم مفلح على الخروج إلى نصر بهذا الجواب ووقف عند الستر ~~وقال: ينصرف ms038 الوزير. فتكلم الغلمان كلاما كثيرا حتى أنفذ إليه مفلح من ~~وعدهم عن الخليفة بلوغ مرادهم، فحينئذ أذن نصر للوزير في الانصراف. فذكر ~~بعض من كان معهما أنهما لم يزالا يمشيان في الممرات مشيا سريعا حتى نزلا ~~إلى طيارهما، وقدما إلى دار الوزير وصعدا. وسار المحسن أباه سرا طويلا. ثم ~~خرج ومضى إلى داره فجلس فيها ساعة حتى نظر في أمره واستتر. وجلس ابن الفرات ~~ينظر في الأعمال وبين يديه جماعة من كتابه. ثم قام إلى دور حرمه فأكل ~~عندهم. وخرج وقت العصر فتشاغل بالوقوف على ما ورد، وأمر ونهى على رسمه من ~~غير أن يبين فيه خوف أو زوال عن العادة، وبات # PageV01P059 # تلك الليلة على هذه الجملة، فحدث بعض خواصه أنه سمعه في آخر الليل وهو في ~~مرقده يتمثل بهذا البيت: # وأصبح لا يدري وإن كان حازما ... أقدامه خير له أم وراؤه # وبكر من غد فجلس لأصحاب المظالم. قال أبو القاسم بن زنجي: فبينما هو في ~~قراءة رقاعهم واستماع ظلامتهم إذ وردت عليه رقعة لطيفة مختومة، لم أعلم في ~~الوقت ممن هي، ثم عرفت أنها كانت من مفلح، وتلتها رقعة أخرى من كاتب مفلح، ~~فلما وقف عليها أمسك قليلا، ثم دعا أبا زكرياء يحيى الدقيقي قهرمانه فأسر ~~إليه ما لا أدري ما هو، فانصرف. وقال لأبي إسحاق المدبر: خذ قصص المتظلمين ~~واجمعها لتعرضها الليلة علي وأوقع فيها وتفرقها عليهم من غد. ونهض من مجلسه ~~إلى دور حرمه وتفرق الناس ولم يبعد أن وافى نازوك ومعه سلاح، وبيده دبوس، ~~وتلاه يلبق على مثل هذه الصورة، ومع كل واحد منهما خمسة عشر غلاما. فلما لم ~~يروه هجموا على دار حرمه، وأخرجوه حاسرا، وأنزله في طيار، وحمل إلى دار ~~نازوك، وقبض معه على الفضل والحسن ابنيه، وعبد الله بن جبير وسعيد بن ~~إبراهيم التستري وأبي غانم سعيد بن محمد كاتب المحسن وابن هشام وأبي الطيب ~~الكلوذاني. ومضى نازوك ويلبق إلى مؤنس فعرفاه الخبر، وقد خرج إلى باب ~~الشماسية للتنزه، فانحدر معه هلال بن ms039 بدر، وجماعة من القواد، وساد يلبق إلى ~~دار نازوك وأخرج # PageV01P060 # ابن الفرات وابنيه وكتابه إلى شاطئ دجلة. فلما شاهدهم العامة رجموهم. ~~وأنزل مؤنس ابن الفرات معه في طياره، فأظهر السرور بحصوله في يده، ورفعه ~~مؤنس وخاطبه بجميل وعاتبه مع ذلك عتابا كثيرا بحضرة الناس، فتذلل له وخاطبه ~~بالأستاذية. فقال له: الآن تخاطبني بالأستاذية وبالأمس تخرجني إلى الرقة ~~على النفي والمطر ينزل على رأسي؟! وتقول لمولانا أمير المؤمنين إنني أسعى ~~في فساد مملكته؟ وانحدر به إلى دار السلطان وأصعد به إليها. وسلم ولداه ~~وكتابه إلى نصر الحاجب. واجتمع القواد إلى مؤنس ونصر وقالوا: إن اعتقل ابن ~~الفرات في دار الخلافة خرجنا بأسرنا إلى المصلى وشغبنا. وزادوا في القول ~~وأكثروا، فاستدعي المقتدر بالله مؤنسا ونصرا واستشارهما، فأشارا بإخراج ابن ~~الفرات من الدار وتسليمه إلى شفيع اللؤلؤي ليكون عنده ويسكن القواد إلى ~~ذلك. فاستدعي شفيع وسلم إليه. ونظر أبو القاسم عبد الله بن محمد بن ~~الخاقاني في الوزارة، على ما ذكرناه في أخباره. وانتهى الأمر في ابن الفرات ~~إلى أن تقدم المقتدر بالله بتسليمه إلى الخاقاني فتسلمه في يوم الأحد لأربع ~~عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، وسلم معه الدقيقي قهرمانه، ورد الخاقاني ~~مناظرة ابن الفرات إلى ابن بعد شر، فأخذ من # PageV01P061 # ودائع أقر بها مائة وخمسين ألف دينار. ثم أوقع به مكروها كان سببا ~~لتقاعده عن أداء شيء بعده. ومضى هارون بن غريب وكان موكلا به إلى المقتدر ~~بالله فقال له: إن ابن الفرات ممن لا يذعن بمال وينقاد إلى أداء بالقبيح، ~~وقد جنى الخاقاني جناية كبيرة بتسليمه إياه إلى ابن بعد شر حتى خرق به ~~وعسفه. فتقدم المقتدر بالله إلى الخاقاني بأن يجعل مطالبة ابن الفرات بحضرة ~~هارون بن غريب، وكان ابن بعد شر قد ضيق على ابن الفرات في مطعمه ومشربه، ~~واقتصر به على خبز خشكار وقثاء وماء الهواء. فحمل إليه الخاقاني طعاما ~~واسعا جميلا وفاكهة وثلجا كثيرا، واعتذر إليه مما جرى وحلف أنه لم يعلم به. ~~ثم راسله ms040 مع خاقان بن أحمد بن يحيى ومحمد بن سعيد حاجبه وقالا له: الرأي أن ~~تقر بأموالك ولا تلاج السلطان فتؤكد سوء رأيه فيك. فأجابه بما قال فيه: لست ~~أيها الوزير حدثا تخدعني، ولا عزا فتحتال علي، وما أقول إنني ما أقدر على ~~المال، لكنني إن وثقت لنفسي بالسلامة والخلاص، وأعطاني الخليفة أمانه بخطه، ~~وأشهد لي فيه الوزير والقضاة والغلمان. وسلمني إما إلى مؤنس المظفر، وإن ~~كان عدوي، أو إلى شفيع اللؤلؤي، قررت أمري وأعطيت مالي. فأما أن أكون على ~~ما أنا عليه ويراد مني المال فذلك ما لا أفعله. فأعاد الخاقاني مراسلته: ~~بأنني لو قدرت على التوثق لك توثقت، ومتى قلت في هذا المعنى قولا عاداني ~~خواص الدولة ولم تنتفع أنت، وقد رد أمير المؤمنين أمرك إلى هارون بن غريب، ~~وهو قريبه وثقته. ولعمري إنه عدو لك، ولكن العدو ربما رق في مثل هذه ~~الصورة، والصواب أن تداريه وتلاطفه. # PageV01P062 # وحضر هارون دار الخاقاني واستحضر ابن الفرات وناظره ابن بعد شر بحضرته. ~~فلما خرج من القول إلى الإسماع زبره هارون وقال له: تريد أن تستخرج المال ~~من ابن الفرات على هذا الوجه! وأقبل على ابن الفرات وقال له: أنت أعرف ~~بالأمور من أن تعرفها. والخلفاء لا يلاجهم كتابهم ووزراؤهم إذا سخطوا ~~عليهم، والرأي لك، غير ما أنت فيه. فقال: أشر علي أيها الوزير، فإن الرأي ~~عازب عني مع حصولي فيما أنا حاصل فيه. ولم يزل معه في مقاولة ومراوضة إلى ~~أن أخذ خطه بألفي ألف دينار يعجل منها الربع، على أن يحتسب له من الربع بما ~~صح من ودائعه بإقراره وغير إقراره منذ وقت القبض عليه، ويطلق في بيع ما ~~يستبيع من ضياعه وأملاكه وينقل إلى دار شفيع اللؤلؤي أو غيره من ثقات ~~السلطان، ويطلق أبو الطيب كاتبه ليتصرف له في أموره، وتطلق له الدواة ~~ليكاتب من يريد أن يكاتبه، ويؤذن لمن يبتاع شيئا من أملاكه في الوصول إليه. ~~وصار هارون بن غريب بالخط إلى المقتدر بالله فعرضه عليه. واتفق أن ms041 وجد ابنه ~~المحسن ليلة الجمعة الحادية عشرة من ربيع الأول، فقبض عليه، وحمل إلى دار ~~الوزارة بالمخرم. وكان من شرح الحال في أخذه أنه لجأ في استتاره بعد القبض ~~على أبيه إلى حماته خزابة والدة الفضل بن جعفر بن الفرات، فكانت تحمله كل ~~يوم بكرة إلى المقابر في زي النساء، وتعيده إلى المواضع التي تثق بها، فمضت ~~به # PageV01P063 # بكرة يوم الخميس على هذه السبيل إلى مقابر قريش، فأمست مساء بعد عليها ~~معه الوصول إلى دواخل الكرخ، فوصفت لها امرأة كانت معها منزل امرأة تعرفها ~~وتأمنها، ولا زوج لها لأنه توفي قبل ذلك بسنة، فحملته خزابة ومعه جماعة ~~نساء إلى هذه المرأة التي ذكرت لها وهي غير عارفة بها، ودخلت الدار وقالت: ~~معي امرأة عاتق لم تتزوج وقد انصرفت من مأتم وضاق عليها الوقت، وسألتها أن ~~تفرد لها موضعا. فأفردت لها بيتا في صفة، وأدخلت المحسن إليه وردت الباب ~~عليه، وجلست النسوة معه في البيت، ووافت جارية سوداء للقوم بسراج فتركته في ~~الصفة، وجاءت خزابة إلى المحسن بسويق ليشربه وقد نزع ثيابه. واطلعت الجارية ~~السوداء فرأته من غير أن تشعر بها خزابة، وعلمت أنه رجل، فحدثت مولاتها ~~بذلك، فلما تصرم الليل قامت مولاتها إلى الموضع سرا حتى شاهدته. وكان من ~~سوء الاتفاق أن كانت المرأة زوجة محمد بن نصر وكيل أبي الحسن علي بن عيسى ~~على نفقاته، وكان المحسن طلبه فحضر ودخل ديوانه، ورأى ما يعامل الناس به من ~~المكاره، فمات فزعا من غير أن يكلمه المحسن أو يوقع به مكروها. فمضت المرأة ~~في الوقت إلى دار السلطان حتى وصلت إلى نصر الحاجب، وشرحت له الصورة. ~~وأنهاها نصر إلى المقتدر بالله. فتقدم بالبعثة إلى نازوك بالركوب إلى ~~الموضع والقبض عليه. فركب من وقته وكبسه وأخذه. وضربت الدبادب ليلا عند ~~وصوله حتى ارتاع الناس لأصواتها، وظنوا أن حادثا حدث # PageV01P064 # من جهة القرمطي. ووجد المحسن في زي امرأة، وقد قص لحيته، وخضب يديه ~~ورجليه، ولبس قميصا معصفرا. فأوقع به ابن بعد شر من ms042 وقته مكروها عظيما، ~~وأخذ خطه بثلاثة آلاف دينار، يؤدي الربع منها معجلا. # وحضر من غد هارون بن غريب، وخاطبه على إظهار ماله، فوعده بتذكر ودائعه ~~والدلالة على مواضعها، وناله مكروه عظيم في يومين فلم يذعن بدرهم واحد. ~~وقال: لا أجمع بين ذهاب نفسي ومالي. وأعيدت مخاطبته ومطالبته بمحضر من ~~هارون بن غريب وشفيع اللؤلؤي. وجدد المكروه عليه، وقال له هارون: هبك لا ~~تقدر على سبعمائة ألف دينار فما تقدر على مائة ألف دينار؟! قال: بلى إذا ~~أمهلت وأزيل عني المكروه. فقال له: نحن نمهلك ونرفهك، فاكتب خطك بأنك تؤدي ~~مائة ألف دينار. فكتب وقال: في مدة ثلاثين يوما. فلما قرأ ذلك هارون قال ~~له: كأنك تريد أن تعيش ثلاثين يوما: فخضع المحسن وقال: أفعل ما يأمر به ~~الأمير. فقال له: اكتب أنك تؤديها في سبعة أيام. فارتجع الرقعة ليكتب بدلا ~~منها، فلما حصلت في يده خرقها وأكلها. وضرب على رأسه وسائر جسده ~~بالطبرزينات على أن يكتب غيرها فلم يكتب. فقيد حينئذ وغل، وألبس جبة صوف ~~وجبة شعر، وأعيد إلى مجلسه، وعذب بكل شيء، فلم يعط درهما واحدا. وتشاغل أبو ~~القاسم الخاقاني بوفاة أبي علي محمد أبيه، فوقف الأمر في مطالبة ابن ~~الفرات. فلما كان يوم الأربعاء لست بقين من شهر ربيع الأول حضر مؤنس # PageV01P065 # المظفر ونصر الحاجب الأستاذان والقضاة والكتاب في مجلس الوزير أبي القاسم ~~الخاقاني وأحضر ابن الفرات، وناظره الخاقاني، فلم يكن من رجاله، وكاد ابن ~~الفرات أن يأكله. وكان من قوله له: أغللت ضياعك في مدة أحد عشر شهرا ألف ~~ألف دينار. فقال: قد كانت الضياع في يد علي بن عيسى عشر سنين، هي أيام ~~وزارته وأيام نظره مع حامد فما ارتفع له منها أربعمائة ألف دينار. فإذا ~~أغللتها أنا في مدة أحد عشر شهرا ألف ألف دينار فقد ادعي لي المعجز بذلك. ~~فقال له: قد أضفت إلى حق الرقبة حقوق بيت المال. فقال: ما يتمكن أحد أن ~~يستر ما في الدواوين، فانظروا ارتفاع النواحي السلطانية في أيامي، ms043 ~~وارتفاعها في أيام علي بن عيسى وحامد ووزارة أبيك التي دبرتها أنت، فإن كان ~~ارتفاع نقص في أيامي لزمتني الحجة، أو في أيامكم عرف أثري. ومع هذا فقد علم ~~الخاص والعام ما جرى في وزارة أبيك من الشغب حتى أخرج أمير المؤمنين من بيت ~~مال الخاصة خمسمائة ألف دينار أنفقها في الجيش على يد شفيع اللؤلؤي. وما ~~فعله علي ابن عيسى من إسقاط الناس وحطهم من أرزاقهم، وما فعلته أنا في نظري ~~من توفية الحاشية جميع استحقاقها مع زيادات تكلفتها وتحملتها لأحبب أمير ~~المؤمنين إلى خدمه وأولياء دولته. وخوطب على أمر من قتل من المصادرين، ~~فقال: ليس يخلو الأمر من أن # PageV01P066 # يقال إني قتلتهم فأنا مقيم بالحضرة، والمدعى قتله بالبعد منها، أو إني ~~كتبت بقتلهم فعمال المعاون ثقات السلطان، وعمال الخراج وجوه المتصرفين، وقد ~~حكمتهم على نفسي فيما يقولونه. أو كانت الدعوى على المحسن ابني فأنا غير ~~ابني. فقال له ابن بعد شر: إذا قتل ابنك فأنت قتلت. فقال ابن الفرات: هذا ~~غير ما حكم الله ورسوله به وقد قال تعالى: " ولا تزر وازرة وزر أخرى " وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم لبعض أصحابه: هذا ابنك. فقال نعم. فقال: إنه لا ~~يجني عليك ولا تجني عليه ومع ذلك فإنه في أيديكم فسلوه فإن وجب عليه قود ~~بادعاء قتل في بلد نأى عنه، ويقال. إن عيره تولى القتل فيه، فاحكموا بما ~~ترون. فتحير القوم في الجواب. وقال عثمان بن سعيد صاحب ديوان الجيش لنصر ~~الحاجب: إن رأى الأستاذ أن يقول له: حيث كنت تقول لمن تطالبه: إن أديت وإلا ~~سلمتك إلى المحسن. أكنت تسلمه ليسقيه السويق والسكر أو ليعذبه؟ ومن أطلق ~~العذاب على الناس فقد أطلق إتلاف نفوسهم، لأنه قد يتلف الإنسان من مقرعة ~~واحدة. فقال له نصر ذلك، فقال له في الجواب: الخليفة أطال الله بقاءه ولى ~~المحسن، وهو ضمن له ما ضمنه بواسطة مفلح وغيره من ثقاته، وأنا إذ ذاك ~~محبوس، وكنت أحب الرفق بالناس فأناظرهم بالقول، فإن أذعنوا ms044 وقاربوا قاربتهم ~~وقبلت عفوهم، وإن امتنعوا سلمتهم إلى من أمر الخليفة أيده الله بتسليمهم ~~إليه، فقال له مؤنس: كأنك تحيل على الخليفة في قتل الناس! قد قال: إنه ما ~~أمر # PageV01P067 # بقتل أحد غير ابن الحواري فقط. ثم قال له: الخليفة أيده الله يقول: سلمت ~~إليك قوما بمال ضمنته لي، فإما وفيتني المال أو رددت علي القوم. فاضطرب ابن ~~الفرات من هذا القول وقال: أما المال فصح في بيت المال، وأما الرجال فماتوا # حتف أنفهم، فقال له مؤنس: هب لك عذرا في كل شيء، أي عذر لك في إخراجي إلى ~~الرقة حتى كأني من العمال المصادرين أو من أعداء دولة أمير المؤمنين؟ قال: ~~فأنا أخرجتك؟! فقال: فمن؟ قال: مولاك. في السفط الخيزران المكتوب عليه ~~بخطي: ما يحتفظ به من المهمات رقعة بخط الخليفة، أطال الله بقاءه، إلي يشكو ~~فيها أفعالك وقتا بعد وقت، وفتحك البلدان ثم إغلاقك إياها بالتدبيرات ~~القبيحة، ويأمر بإخراجك إلى الرقة والتوكيل بك حتى تخرج. فأنفذ الخاقاني ~~وأحضر السفط وعليه ختم ابن الفرات وفتحه فوجدت الرقعة من المقتدر على ما ~~حكي من مضمونها. فأخذها مؤنس ومضى من وقته إلى المقتدر حتى أقرأه إياها، ~~فاغتاظ المقتدر بالله علي ابن الفرات، وأمر هارون بن غريب بضربه بالسوط، ~~فعاد وأقامه بين الهنبازين وضربه خمس درر وقال له: أذعن يا هذا بالمال، ~~فكتب له خطه بعشرين ألف دينار. وأخرج المحسن وضربه حتى كاد يتلف فلم يعف ~~بشيء وصار هارون إلى المقتدر بالله واستعفى من مطالبة ابن الفرات وابنه ~~وقال: هؤلاء قوم قد استقتلوا وما ينقادون ولا يذعنون. فأمر بتسليمهما إلى ~~نازوك وإيقاع المكروه بهما. فأوقع نازوك المكاره بالمحسن حتى تدود بدنه ولم ~~يبق فيه فضل لضرب. وضرب ابن الفرات ثلاث دفعات بالقلوس فلم يعط شيئا، ولا ~~صح للمحسن في مدة حياته أكثر من سبعة آلاف دينار منها خمسة آلاف أقر بها ~~الحسن بن شبيب العتي تبرعا، وواجه المحسن بأمرها فأنكر أن يكون له وقال: ~~هذا مال اجتمع من الوقف الذي كان والدي ms045 أسنده إلي وترك عند ابن شبيب لينضاف ~~إليه غيره ويفرق في أهله. ومنها ألف دينار اجتمعت من ثمن فرش وثياب صحاح ~~ومقطوعة كانت مودعة عند بعض التجار بسوق العطش. وأقرت بها دنانير ورهبان ~~جاريتا زوجة المحسن، فإنهما كانتا ممن قبض عليهما وضربهما ابن بعد شر ضربا ~~مبرحا فلم تقرا بغير ذلك. واستبطأ المقتدر بالله أبا القاسم الخاقاني وقال ~~له: أين أموال ابن الفرات وابنه التي ضمنتها لي؟ فقال: لم أترك تدبير ~~أمرهما، ولما رأيا أن قد سلما إلى أصحاب السيوف وعدل بهما عن الكتاب خافا ~~القتل وضنا بأموالهما. وقال نازوك: قد بلغت في مكاره القوم إلى الغاية، ~~وللمحسن أيام لم يطعم فيها طعاما، وإنما يشرب الماء شربا قليلا، وهو في ~~أكثر أوقاته مغشي عليه. فقال المقتدر بالله: إذا كان الأمر على ذلك فليحملا ~~إلى داري. فقال مؤنس والجماعة: الأمر لمولانا. وقال الخاقاني: قد وفق الله ~~رأي أمير المؤمنين. وخرجوا من بين يديه. فقال الخاقاني لهم: ما قال أمير ~~المؤمنين ذلك إلا وقد واصل أسباب ابن الفرات مكاتبته بأنه متى حمل وابنه ~~إلى داره ورفها وأمنا على نفوسهما أديا مالا كثيرا. ولعلهم قد بذلوا عنهما ~~ألف ألف دينار وأكثر. وأشار بأن يجتمع القواد ويتحالفوا على أنه متى نقل ~~ابن الفرات وابنه إلى دار الخليفة خلعوا الطاعة، وأن يثبتوا على هذا القول ~~ثبات التظافر وقوة العزيمة، وإلا فإن حصل ابن الفرات عند السلطان وأدى ماله ~~وتوثق لنفسه ضمن الجاعة منه، وحمله على القبض عليهم وتسليمهم إليه. فقال ~~مؤنس: هذا أمر متى لم نفعله لم تسكن نفوسنا ولم يصف عيشنا. وتكفل هارون بن ~~غريب ونازوك بجمع القواد ووجوه الغلمان الحجرية وموافقتهم على ذلك. وقام ~~يلبق باستحلاف قواد مؤنس. فلما كان يوم الخميس السابع من شهر ربيع الآخر ~~كاشفوا المقتدر بالله وقالوا: إن لم يقتل ابن الفرات وابنه خلع الأولياء ~~كلهم الطاعة. فقال لهم: دعوني حتى أفكر. وجد هارون بن غريب خاصة. وأرادت ~~الجماعة من الخاقاني التجريد في ذلك فقال: ما أدخل في دم. ms046 والذي أشرت به أن ~~يمنع من حمله إلى دار السلطان. فأما قتله فإنه خطأ؛ لأنه متى سهل القتل على ~~الملوك ضروا عليه، ولم يميزوا فيه. وقدم إلى ابن الفرات طعامه في يوم الأحد ~~الثاني عشر من الشهر فامتنع عنه وقال: أنا صائم. وحضر وقت الإفطار فأعيد ~~إليه فقال: لست أفطر الليلة. واجتهد به فلم يفعل وقال: أنا مقتول في غد لا ~~محالة. فقيل له: نعيذك بالله. فقال: بلى، رأيت البارحة في النوم أبا العباس ~~أخي وقال لي: أنت تفطر عندنا يوم الاثنين الذي هو غد. وما قال لي في النوم ~~شيئا إلا صح، وغد يوم الاثنين، وهو اليوم الذي قتل فيه الحسن صلوات الله ~~عليه. أنفهم، فقال له مؤنس: هب لك عذرا في كل شيء، أي عذر لك في إخراجي إلى ~~الرقة حتى كأني من العمال المصادرين أو من أعداء دولة أمير المؤمنين؟ قال: ~~فأنا أخرجتك؟! فقال: فمن؟ قال: مولاك. في السفط الخيزران المكتوب عليه ~~بخطي: ما يحتفظ به من المهمات رقعة بخط الخليفة، أطال الله بقاءه، إلي يشكو ~~فيها أفعالك وقتا بعد وقت، وفتحك البلدان ثم إغلاقك إياها بالتدبيرات ~~القبيحة، ويأمر بإخراجك إلى الرقة والتوكيل بك حتى تخرج. فأنفذ الخاقاني ~~وأحضر السفط وعليه ختم ابن الفرات وفتحه فوجدت الرقعة من المقتدر على ما ~~حكي من مضمونها. فأخذها مؤنس ومضى من وقته إلى المقتدر حتى أقرأه إياها، ~~فاغتاظ المقتدر بالله علي ابن الفرات، وأمر هارون بن غريب بضربه بالسوط، ~~فعاد وأقامه بين الهنبازين وضربه خمس درر وقال له: أذعن يا هذا بالمال، ~~فكتب له خطه بعشرين ألف دينار. وأخرج المحسن وضربه حتى كاد يتلف فلم يعف ~~بشيء وصار هارون إلى المقتدر بالله واستعفى من مطالبة ابن الفرات وابنه ~~وقال: هؤلاء قوم قد استقتلوا وما ينقادون ولا يذعنون. فأمر بتسليمهما إلى ~~نازوك وإيقاع المكروه بهما. فأوقع # PageV01P068 # نازوك المكاره بالمحسن حتى تدود بدنه ولم يبق فيه فضل لضرب. وضرب ابن ~~الفرات ثلاث دفعات بالقلوس فلم يعط شيئا، ولا صح للمحسن في مدة ms047 حياته أكثر ~~من سبعة آلاف دينار منها خمسة آلاف أقر بها الحسن بن شبيب العتي تبرعا، ~~وواجه المحسن بأمرها فأنكر أن يكون له وقال: هذا مال اجتمع من الوقف الذي ~~كان والدي أسنده إلي وترك عند ابن شبيب لينضاف إليه غيره ويفرق في أهله. ~~ومنها ألف دينار اجتمعت من ثمن فرش وثياب صحاح ومقطوعة كانت مودعة عند بعض ~~التجار بسوق العطش. وأقرت بها دنانير ورهبان جاريتا زوجة المحسن، فإنهما ~~كانتا ممن قبض عليهما وضربهما ابن بعد شر ضربا مبرحا فلم تقرا بغير ذلك. ~~واستبطأ المقتدر بالله أبا القاسم الخاقاني وقال له: أين أموال ابن الفرات ~~وابنه التي ضمنتها لي؟ فقال: لم أترك تدبير أمرهما، ولما رأيا أن قد سلما ~~إلى أصحاب السيوف وعدل بهما عن الكتاب خافا القتل وضنا بأموالهما. وقال ~~نازوك: قد بلغت في مكاره القوم إلى الغاية، وللمحسن أيام لم يطعم فيها ~~طعاما، وإنما يشرب الماء شربا قليلا، وهو في أكثر أوقاته مغشي عليه. فقال ~~المقتدر بالله: إذا كان الأمر على ذلك فليحملا إلى داري. فقال مؤنس ~~والجماعة: الأمر لمولانا. وقال الخاقاني: قد وفق الله رأي أمير المؤمنين. ~~وخرجوا من بين يديه. فقال الخاقاني لهم: ما قال أمير المؤمنين ذلك إلا وقد ~~واصل أسباب ابن الفرات مكاتبته بأنه متى حمل وابنه إلى داره ورفها وأمنا ~~على نفوسهما أديا مالا كثيرا. ولعلهم قد بذلوا عنهما ألف ألف دينار وأكثر. ~~وأشار بأن يجتمع القواد ويتحالفوا على أنه متى نقل ابن الفرات وابنه إلى ~~دار الخليفة # PageV01P069 # خلعوا الطاعة، وأن يثبتوا على هذا القول ثبات التظافر وقوة العزيمة، وإلا ~~فإن حصل ابن الفرات عند السلطان وأدى ماله وتوثق لنفسه ضمن الجاعة منه، ~~وحمله على القبض عليهم وتسليمهم إليه. فقال مؤنس: هذا أمر متى لم نفعله لم ~~تسكن نفوسنا ولم يصف عيشنا. وتكفل هارون بن غريب ونازوك بجمع القواد ووجوه ~~الغلمان الحجرية وموافقتهم على ذلك. وقام يلبق باستحلاف قواد مؤنس. فلما ~~كان يوم الخميس السابع من شهر ربيع الآخر كاشفوا المقتدر بالله وقالوا: ms048 إن ~~لم يقتل ابن الفرات وابنه خلع الأولياء كلهم الطاعة. فقال لهم: دعوني حتى ~~أفكر. وجد هارون بن غريب خاصة. وأرادت الجماعة من الخاقاني التجريد في ذلك ~~فقال: ما أدخل في دم. والذي أشرت به أن يمنع من حمله إلى دار السلطان. فأما ~~قتله فإنه خطأ؛ لأنه متى سهل القتل على الملوك ضروا عليه، ولم يميزوا فيه. ~~وقدم إلى ابن الفرات طعامه في يوم الأحد الثاني عشر من الشهر فامتنع عنه ~~وقال: أنا صائم. وحضر وقت الإفطار فأعيد إليه فقال: لست أفطر الليلة. ~~واجتهد به فلم يفعل وقال: أنا مقتول في غد لا محالة. فقيل له: نعيذك بالله. ~~فقال: بلى، رأيت البارحة في النوم أبا العباس أخي وقال لي: أنت تفطر عندنا ~~يوم الاثنين الذي هو غد. وما قال لي في النوم شيئا إلا صح، وغد يوم ~~الاثنين، وهو اليوم الذي قتل فيه الحسن صلوات الله عليه. # PageV01P070 # وانحدر الناس في يوم الاثنين إلى دار السلطان فلم يصلوا، وكتب هؤلاء ~~الرؤساء إلى المقتدر بالله رقعة بأنه إن تأخر قتل ابن الفرات وابنه عن ~~يومهم جرى ما لا يتلافى. وأشاروا إلى ما عظموا الأمر فيه. فوقع إلى نازوك ~~بأن يركب إلى موضعهما ويضرب أعناقهما ويحمل رأسيهما. فقال نازوك: هذا أمر ~~لا يجوز أن أعمل فيه بتوقيع. فأمر المقتدر بالله الأستاذين الخدم بأداء ~~رسالة عنه إليه في هذا المعنى، فخرجوا وأدوها، فامتنع وقال: لا بد من ~~المشافهة بذلك، فأمر بأن ينصرف ويعود على خلوة، فمضى وعاد، فأوصله المقتدر ~~بالله حتى سمع قوله. وكان ابن الفرات يراعي الخبر، فلما عرف انصراف الناس ~~ونازوك سكن قليلا ثم قيل له: قد عاد نازوك. فخاف وأيقن بالهلاك، وصار نازوك ~~إلى دار الوزارة بعد الظهر من ذلك اليوم، وجلس في الحجرة التي كان ابن ~~الفرات معتقلا فيها، وأنفذ عجيبا خادمه ومعه جماعة من السودان حتى ضرب عنق ~~المحسن ابنه وجاء برأسه إلى أبيه فوضعه بين يديه، فارتاع لذلك ارتياعا ~~شديدا. وعرض هو على السيف. فقال لنازوك: يا أبا ms049 منصور ليس إلا السيف! راجع ~~أمير المؤمنين في أمري فإنني أقر بأموالي وودائعي وعندي جوهر جليل. فقال له ~~نازوك: جل الأمر عما تقدر. ثم أمر به فضربت عنقه وحمل رأسه ورأس المحسن إلى ~~دار السلطان مع عجيب خادمه فغرقا في الفرات وطرحت جثتاهما في دجلة. ومضى ~~ابن الفرات عن إحدى وسبعين سنة وشهور، والمحسن عن ثلاث وثلاثين سنة. وكانت ~~مدة وزارته الثالثة سنة واحدة. # PageV01P071 # وذكر أبو الطيب الكلوذاني كاتب ابن الفرات قال: رأيت في منامي وأنا في ~~الاعتقال كأن مؤنسا المظفر قد دخل إلى موضعي وفي يديه عشرة خواتيم، فصوصها ~~ياقوت أحمر وواحد منها لطيف في البنصر، فقال لي: قد قتل ابن الفرات ووالله ~~ما أردت قتله، وإنما قيل لي فيه وأمسكت وسنقتل كلنا بالسيف، وأولنا جعفر ~~المقتدر بالله، ولا يسلم منا من السيف إلا نصر الحاجب فإنه يموت مسموما. ~~قال: فسألته عن الخواتيم فقال: هي عدد سني ولايتي. قلت: فلم هذا الواحد ~~الصغير؟ فقال: إنه لا يتم سنة. فعاش مؤنس بعد هذه الرؤيا دون عشر سنين وقتل ~~بالسيف. ### || قد مضت سياقة أمر ابن الفرات ونحن نتبعه بما عرفناه من أخباره منثورا # حدث أبو الفتح عبد الله بن محمد المروزي الكاتب قال: حدثني بعض الشيوخ ~~الكتاب أن أبا الحسن بن الفرات قال لأبي منصور ابن جبير كاتبه: أينا أكفى ~~أو علي بن عيسى؟ فقال: الوزير أكفى وأضبط. قال: دعني من استعمال التقية ~~واسلك معي سبيل الحقيقة. قال: إن أردت أن تخبر ما عندي وتسبر عقلي فاجعلني ~~آمنا في قولي. قال له: أنت آمن قال: إذا حضر علي بن عيسى بين يدي خليفة ~~فأراد أن يكتب سرا كتب وأسحى وختم وخرط ولم يحتج إلى معين، وأنت تستدعي ~~زنجيا ليكتب، # PageV01P072 # وللزنجي صاحب دواة فيقرأ فيخرج السر فيما بين ذلك. فقال له: فضلت عليا ~~علينا. قال: لم أفضله ولكن يكون كاتبك. وقيل: إنه لما خلع على أبي الحسن بن ~~الفرات خلع الوزارة زاد في ذلك اليوم في ثمن الشمع قيراط في كل من، ms050 وزاد ~~سعر القراطيس لكثرة استعماله لهما ولأنه كان من رسمه ألا يخرج أحد من داره ~~في وقت عشاء إلا ومعه شمعة منوية ودرج منصوري، وأنه سقي في داره في ذلك ~~اليوم والليلة أربعون ألف رطل ثلجا. وحدث أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن ~~محمد الطبري الشاهد قال: حدثني الكاتب النصراني الملقب بظر أم الدنيا قال: ~~قال أبو الحسن بن الفرات: أصل أمور السلطان مخرقة فإذا تمت واستحكمت صارت ~~سياسة. وحدث أبو محمد يحيى بن محمد بن فهد قال: حدثني بعض شيوخ الكتاب ~~ببغداد عمن حدثه أنه: سمع أبا الحسن بن الفرات يقول لأبي جعفر بن بسطام ~~وكان سيء الرأي فيه: # PageV01P073 # ويحك يا أبا جعفر ما قصة لك في رغيف؟ قال: ما أعرف لي قصة فيه. قال ~~لتصدقني فإنه خير لك. قال: نعم، إن أمي كانت امرأة صالحة، وعودتني منذ يوم ~~ولدت أن تجعل تحت رأسي عند نومي في كل ليلة رغيفا فيه رطل، فإذا كان الصباح ~~تصدقت به، فأنا أفعل ذلك إلى هذه الغاية. فقال ابن الفرات: ما سمعت بأعجب ~~من هذه الحال. اعلم أنني من أقبح الناس رأيا فيك، وأشدهم انحرافا عنك، ~~لأمور أوجبت ذاك، منها ومنها؛ وعدد بعضها. وكنت مفكرا منذ أيام في القبض ~~عليك ومصادرتك. فإذا أويت إلى فراشي في منامي كأنني قد استدعيتك لأقبض عليك ~~فتمتنع علي وتحاربني، وأتقدم بمحاربتك، فتخرج إلى من قد أمرته بمحاربتك ~~وبيدك رغيف كالترس تدفع به السهام فلا تصيبك، وأنتبه، وإذ قد أخبرتني بأمر ~~هذا الرغيف فأشهد الله تعالى أنني قد وهبت كل ما في نفسي عليك، وعدت لك إلى ~~أجمل نية، وأحسن طوية. فاسكن وانبسط. فأكب أبو جعفر على يديه ورجليه ~~يقبلهما. وحدث أبو جعفر محمد بن القاسم الكرخي، في أيام عطلته وكبر سنه ~~ولزومه بيته، قال: عرضت على أبي الحسن بن الفرات رقعة في حاجة لي، فقرأها ~~ثم وضعها بين يديه ولم يوقع فيها، فأخذتها وقمت وأنا أقول متمثلا من حيث ~~يسمع: # وإذا طلبت إلى كريم حاجة ... فأبى فلا ms051 تعقد عليه بحاجب # PageV01P074 # فلربما منع الكريم وما به ... بخل ولكن شؤم جد الطالب # فقال وقد سمع ما قلته: ارجع يا أبا جعفر بغير شؤم جد الطالب، ولكن إذا ~~سألتمونا الحاجة فعاودونا، فإن الله تعالى يقلب القلوب، هات رقعتك، فأعطيته ~~إياها فوقع بما أردت فيها. ولما طهر المقتدر بالله بعض ولده في سنة خمس ~~وثلاثمائة. أنفذ إلى الوزير أبي الحسن ابن الفرات ثلاث موائد، استدارة ~~المائدة الكبيرة منها خمسون شبرا، يحملها حمالون بدهوق، وريم أن تدخل من ~~باب الدار التي ينزلها، فضاق عنها، حتى قلع ووسع الموضع. وحمل إليه في عشي ~~هذا اليوم تختان، فيهما ثوب وشي منسوج بالذهب، وثوب أخضر، وثلاثة أثواب ~~بيضا وصينية ذهب فيها دنانير ولوز وجوز وفستق وبندق، وما يجري هذا المجرى ~~من الأصناف، وجميعه من ذهب، وقدره خمسة آلاف دينار. وحدث أبو القاسم ~~إسماعيل بن محمد بن إسماعيل زنجي. قال: حدثني أبو صلح مفلح الأسود خادم ~~المقتدر بالله قال: كان أبو القاسم سليمان بن الحسن عند تقلده وزارة ~~المقتدر بالله يكثر ذكر أبي الحسن علي بن محمد بن الفرات بحضرة المقتدر ~~بالله والطعن عليه، وتبين من المقتدر بالله النكرة لما يسمعه منه، فلما كان ~~في بعض الأيام عاد سليمان بن الحسن ذكر ابن الفرات والوقيعة فيه، فقال له ~~المقتدر بالله: # أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم ... من اللوم أوسدوا المكان الذي سدوا # قال: فتأملت سليمان وقد امتقع لونه وما أعاد بعدها ذكره. # PageV01P075 # وحدث أبو علي زكريا بن يحيى الكاتب قال: كنت في ديوان السواد في وزارة ~~أبي الحسن بن الفرات الثانية في يوم ثلاثاء، وكان أكثر الكتاب يخلون ~~بالحضور فيه، وأصحاب المجالس في مجلس الوزير أبي الحسن للمظالم، فوافى ~~فرانق وقال لميمون الخازن: قال لك الوزير أحضرني جماعة جازر والمدينة ~~العتيقة لسنة أربع ومائتين، فأخذها وركب بغل الفرانق حتى لحق بالمجلس، فلما ~~انصرف ميمون وأبو الحسين الصقر بن يحيى بن شاذان عرض خرجا في أمر قطيعة ~~براز المباركة كان أبو القاسم الكلوذاني أخرجه من مجلسه، ووقع الكتاب ms052 ~~أسماءهم عليه على الرسم في ذلك الوقت، وعليه توقيع أبي منصور عبد الله بن ~~جبير صاحب مجلس الأصل. فقال الوزير أبو الحسن: أصح ما في هذا الخرج من ذكر ~~هذه القطيعة سنة أربع ومائتين وهي على حك؟ لست أمضيه. فقال زكريا بن يحيى ~~بن شاذان لأبي القاسم الكلوذاني: أخرجه. فتأمل الكلوذاني ذكر السنة، فوجد ~~تحت اسم الضيعة: هذه اللفظة على حك، بخط دقيق فقال: ما أعرف حكا، وهذا خط ~~عبد الله ابن جبير. فاعترف عبد الله بن جبير بخطه وقال: لما وجدت الاسم على ~~حك حكيت الصورة. وأقام أبو القاسم على أنه لا حك هناك، وحلف بأيمان غليظة ~~لا مخرج له منها إلا بالطلاق والعتاق وما شاكلهما على ذلك. فتقدم بإحضار ~~ميمون الخازن والجماعة، فلما تصفحها الوزير وجد الحك وواقف الكلوذاني عليه. ~~فخجل وتحير. وفتش الوزير التفصيل إلى أن انتهى إلى باب المبيع، فكان حاصل ~~براز المباركة مما بيع مصابرة ونسبت إلى القطيعة. فعلم الوزير ومن حضر أن ~~الحك في # PageV01P076 # الصدر على سبيل حيلة ممن رفع ذكر الحك. وانصرف الكلوذاني مسرورا ومن نسب ~~إليه الحك مغموما. ووقع لابن شاذان بإمضاء القطيعة. # وحدث أبو منصور فرخانشاه بن إسحاق: أنه كان يوما مع أبي الحسن على ابن ~~الحسن بن هبنتي القنائي بحضرة أبي الحسن علي بن محمد بن الفرات وهو زير ~~الدفعة الأخيرة، فدخل إليه أبو بكر بن قرابة، وجلس ودنا منه وساره بما لم ~~نسمعه حتى نفض أبو الحسن يده وأبعده وقال له جاهرا بالقول: أتقول لي: لا ~~يوحشك شيء بلغك عن امرأة؟! والله لو علمت أنني إذا ذكرت لملك الروم وبين ~~يديه بطارقته، وملك الترك وحواليه عدده لم ترتعد فرائصهما لما قعدت هذا ~~المقعد! أتخوفني من كلام امرأة؟ عني بذلك السيدة أم المقتدر بالله. فلما ~~خرجنا من حضرته أقبل علي أبو الحسن وقال لي: سمعت الكلام؟ قلت: نعم. قال: ~~هذا آخر عهد الوزير بالحياة فما مضت مديدة حتى قبض عليه. # وقال أبو الفضل بن حمد: دخل أبو الحسن علي بن ms053 محمد بن نصر بن بسام على ~~أبي علي بن مقلة إلى ديوان الدار في وزارة أبي الحسن بن الفرات الأولى. ~~فقال له أبو علي: قال لي الوزير: قد تغير شعر علي بن محمد. فأخذ قلما من ~~دواته وكتب في رقعة شيئا، ودفعها إليه، وسأله أن يعرضها على ابن الفرات ~~وكان فيها: # قالوا تغير شعره عن حاله ... فالسوق كاسدة بغير تجار # أما الهجاء فقد عراني كثرة ... والمدح قل لقلة الأحرار # وحدث أبو القاسم قريب بن قريب قال: رفع الفراجلة إلى أبي الحسن # PageV01P077 # ابن الفرات: أن رجلا من اليهود ادعى أن معه كتابا من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فأمره بإخراج الكتاب، فلما قرأه قال: هذا مزور، لأن خيبر افتتحت ~~بعد تاريخ كتابك بسبعة وستين يوما، ولكنا نحتمل عنك جزيتك إعظاما لحق من ~~لجأت بالاعتصام به. قال أبو القاسم قريب: فرجع إلى كتب التاريخ فوجد الأمر ~~كما ذكره ابن الفرات. وقال أبو الحسن بن الفرات في مجلسه وفيه خواصه وقد ~~جرى ذكر السواد: لم سمي السواد سوادا؟ فذكر كل واحد ما عنده. فقال: ليس ~~كذلك، إنما سمي السواد لأن العرب لما جاءته في أيام عمر ابن الخطاب رضي ~~الله عنه، وأشرفت عليه، ونظرت إلى مثل الليل من النخل والشجر والزرع ~~والمياه قالت: ما هذا السواد؟ فسمي سوادا لذلك. والعرب تقول: سواد الأرض ~~وبياضها، فالسواد: العامر. والبياض الغامر. وحدث أبو عمر بن الأطروش قال: ~~كنت بحضرة أبي الحسن علي بن الفرات يوما وهو جالس للقواد، فعرض أحمد بن عبد ~~الرحمن بن جعفر بن الخياط رقاعا كثيرة، فوقع فيها، حتى بلغ إلى بعضها ~~فقرأها ووضعها بين يديه، فعاوده أحمد فيها، فقال: يا هذا، إن كان بيني وبين ~~علي بن عيسى ما يعرفه الناس فإنني لا أدع الصدق عنه وقول الحق فيه حيا كان ~~أو ميتا. علي بن عيسى لا يطلق يده بمثل هذه التوقيعات في أموال السلطان، ~~ولا يتجوز، مع المألوف منه في الاستقصاء والاحتياط وتجنب ما يعيبه. وقد ~~أمسكت عن أن أقول ms054 هذا القول حتى أحوجتني إليه. # وأومى أن التوقيع مزور. فخجل ابن الخياط وقام. # PageV01P078 # ولما جمع بين أبي الحسن بن الفرات وحامد بن العباس وعلي بن عيسى في دار ~~السلطان، وعلي بن عيسى كالسكة المحماة علي ابن الفرات، لأنه قرر في نفس ~~المقتدر بالله مكاتبته الجنابي وحمله الألطاف إليه، بدأ ابن الفرات فقال ~~لعلي ابن عيسى: يا أبا الحسن، بعد السن والوزارة والرئاسة والاستشهاد في ~~الأطراف بالكفاية وعلو المنزلة صرت عونا لهذا! يعني حامدا قال علي بن عيسى: ~~فكنت كنار صب عليها الماء فما ناطقته بحرف. فقال به أبو القاسم بن الحواري ~~وكان يحطب في حبل حامد: وأي عيب في هذا؟ الجماعة خدم السلطان يتصرفون على ~~ما رآه لهم وأمرهم به، ومنازلهم في الخصوص عنده غير منقوصة ولا محطوطة. ~~فقال ابن الفرات لحامد لما أمسك علي بن عيسى: أيها الوزير، متى رأيت وزيرا ~~ضمن النواحي، وخرج يطوف على الغلات، ووكل خدمة الخليفة وعلم سره وتدبير ~~العامة والخاصة إلى ضده، اللهم إلا أن يكون اشتاق إلى وطنه وداره؟ يعرض بأن ~~له مالا مستورا يريد مراعاته فتحير حامد وأمسك. فلما أمسكوا قال ابن ~~الفرات: لأي شيء جمعنا. فقال حامد: لتبين للسلطان خياناتك. فتبسم وقال: ~~فبين بارك الله عليك فإن كفايتك حسنة. قال: كنت ترتفق من العمال. قال: أنت ~~أحمد عمالي فإن كنت ارتفقت منك أو سامحتك بفضل في يدك أو حق ترك لك فاذكر ~~ما يجب عليك رده ليلزمني أرش الجناية في المسامحة به والخيانة فيه. # PageV01P079 # فأخذ حامد في السفه والشتيمة وابن الفرات مطرق يبتسم. وأمر القوم ~~بالانصراف، فخرج علي بن عيسى وهو يقول: ما كان أغنانا عن هذا الاجتماع. # فحدث مؤنس بن عبد الكريم قال: قال لي المحسن بن علي بن الفرات: كاتبت أبي ~~وهو محبوس وأشرت عليه بأن يضمن حامدا وعلي بن عيسى وأسبابهما فامتنع، وقد ~~كان المقتدر بالله يعرض ذلك عليه فيأبى. وقال لرسولي: العافية أعفى لي، قد ~~استرحت وأمنت وعلت سني مع ذلك، وتعرضي لما قد استرحت منه جهل. ms055 فلما خاطبه ~~ابن الحواري بما خاطبه به أحفظه فضمن القوم على أن لا يعارض فيهم، وخرج ~~ففعل المحسن ابنه الأفاعيل المشهورة، وقتل ابن الحواري وغيره. فلما قبض ~~عليه قام في نفسه أنه مقتول وقال لشفيع وقد تسلمه: قل لأمير المؤمنين: إن ~~آمنتني وحميتني أعطيتك مالا كثيرا وجوهرا خطيرا وأشياء نفيسة ذخرتها، وإن ~~سلمتني إليهم لم أعطك والله حبة واحدة. فلم يورد شفيع هذه الرسالة على ~~المقتدر، لشيء كان في نفسه على ابن الفرات. فلما أمر بتسليمه إلى ابن بعد ~~شر قال لشفيع: يا أبا الغصن، ليس بيننا إلا عبور دجلة والوفاء بأحد ~~الضمانين. فوفى بما قال، ولم يعطهم شيئا. وكان المكتفي بالله أمر العباس بن ~~الحسن أن يجرد جيشا إلى الحاج، فإذا انصرفوا وحصلوا بالكوفة طلب حينئذ ~~زكرويه. فقال له العباس: إلى رجوع الحاج ربما يكفي الله مؤونته. وجلس ~~العباس في داره وعنده وجوه الكتاب والقواد، فقال لهم: إن أمير المؤمنين ~~أمرني بكذا وكذا، وإني أشرت بترك طلب # PageV01P080 # زكرويه، فإن الله سيريح منه قبل وقت الحاج. فما ترون؟ فكل صوب رأيه، وأبو ~~الحسن بن الفرات ساكت لا ينطق. فقال له العباس: ما عندك يا أبا الحسن. قال: ~~ألا تخالف أمير المؤمنين، فإن ما رأى صواب كان توفيقا، وخطأ كان على رأيه ~~دون رأيك. فأقام على رأيه الأول وكان من الوقعة بالحاج ما كان. وكان الحسين ~~بن حمدان ورد إلى باب الشماسية ليدخل إلى حضرة المقتدر بالله، فوقف أبو ~~الحسن بن الفرات على أنهم يريدون الفتك به. فكتب إليه مبتدئا: قرأت كتابك ~~تذكر علتك بالنقرس، والخلع توافيك بمكانك. ففهم المعنى وتعالل، فوجه إليه ~~بالخلع وولى ديار ربيعة وغيرها. وقال أبو بكر بن قرابة: شكي إلى أبي الحسن ~~بن الفرات عامل قطربل وإغفاله عمل البزندات. فوقع إليه: ينبغي أن تراعى ~~العمل قبل الوقت للوقت، وفي الوقت للوقت قال: وسمعته يقول: العامل في أول ~~سنة أعمى، وفي الثانية أعور، وفي الثالثة بصير. قال: وجاراني يوما ذكر أبي ~~بن مقلة وسعايته به، فقال لي: ms056 سبيل كل عاقل أن يتحامى هذا الرجل ولا يقبله، ~~فقد كان جرى مثل أمره في أيام # PageV01P081 # إسماعيل بن بلبل، وذلك أنه كثرت شكوى المعتمد إلى أخيه الموفق من ~~إسماعيل، فأراد الموفق أن يقضي حقه بصرف إسماعيل إلى أن يسكن ما في نفس ~~المعتمد، فقال له: اخرج إلى ضياعك بكوثي وأقم فيها مدة شهر معتزلا للعمل، ~~ثم عد بعد ذلك. وقلد مكانه الحسن ابن مخلد. فاستخلف الحسن أبا نوح، وكان ~~أبو نوح يكاتب إسماعيل بن بلبل بأخبار الحسن، فلما عاد إسماعيل إلى الوزارة ~~حضره أبو نوح، وجعل يخاطبه مخاطبة مأنوس به. وإسماعيل يلوي وجهه عنه. فلما ~~خلا به أقبل عليه وقال له: إن الحال التي قدرتها قربتك مني هي التي نفرتني ~~منك ومنعتني الثقة إليك، لأنك إذا لم تصلح لمن اصطنعك ورفعك وقلدك من العمل ~~أكثر مما قلدتك لم تصلح لي، وما أحب كونك بحضرتي ولا اختلاطك بخاصتي. فاختر ~~بريد ناحية تشاكل طبعك. فاختار بريد ماء البصرة، فقلده إياه. وقال أبو ~~الحسن بن قرابة: سمعت أبا الحسن بن الفرات يقول لكاتب نجع وقد سأله تضمينه ~~الصدقات بفارس: إنما يرغب في عقد الضمان على تاجر ملي، أو عامل وفي، أو ~~تانيء غني. فأما أصحاب الحروب فعقد الضمان عليهم ومطالبتهم بالخروج من ~~أموالها تستدعي منهم العصيان، وخلع طاعة السلطان. قال: وسمعته يقول: من ~~وازن من الكتاب المحاسبة، وأوضح الحجة في المكاتبة، وألزم العامل الواجب في ~~المعاملة، كان حقيقيا بما انتسب إليه. # PageV01P082 # قال: وسمعته يقول: العمارة بالرغبة، وحفظ الغلة بالرهبة. فقل استخراج وقع ~~في أيام عمارة إلا أبطلها. وقد كان عبيد الله بن يحيى يكتب إلى العمال في ~~أيام العمارة: أغلقوا أبواب دواوين الخراج، واصرفوا المستخرجين من حضرتكم. # قال: وسمعت هشام بن عبد الله يقول: كتب أبو الحسن بن الفرات إلى نجح وقد ~~أنفذ أبا جعفر حمد بن إسحاق المادرائي متقلدا للخراج بدارا بجرد، من عمله: ~~السيف تابع والقلم متبوع، وقل سيف غلب القلم إلا كان داعية الخراب.. ولما ~~قدم عبيد الله بن سليمان ms057 من الجبل في أيام المعتضد بالله رحمة الله عليه ~~صار إليه أبو العباس وأبو الحسن ابنا الفرات في عشي يوم، فوجداه يميز ~~أعمالا وكتبا، وبين يديه كانون عظيم يحرق ما لا يحتاج إليه، فدفع إلى أبي ~~العباس إضبارة ضخمة وقال له: يا أبا العباس هذه الإضبارة وقائع وسعايات بك ~~وبأخيك من أسبابكما وثقاتكما وصنائعكما وردت علي بالجبل، فخبأتها لك لتعرف ~~بها من ينبغي أن تحترس منه، وتعامل كل واحد بما يستحقه. فأكثر أبو العباس ~~في شكره والدعاء له، وبدأ أبو الحسن يقرأ شيئا من الإضبارة، فانتهزه أبو ~~العباس وقال: لا تقرأ شيئا منها. وأخذها فطرحها في الكانون وقال: ما كنت ~~لأقابل نعمة الله على ما وهبه لي من تفضل الوزير بما يوجب الإساءة إلى أحد، ~~ولا حاجة لي إلى قراءة ما يوحشني من أسبابي، ويجر عليهم إساءة مني. فلما ~~نهضنا قال عبيد الله بن سليمان: أردت التفرد بمكرمة فسبقني أبو العباس ~~إليها وزاد علي فيها. قال وحدثني ابن الأجري صاحب ابن الفرات قال: كنت لا ~~أكاد أحضر # PageV01P083 # مجلس الوزير أبي الحسن إلا ليلا، فحضرت يوما نهارا لأمر سألنيه ابن أبي ~~البغل، فوجدت عنده المحسن ابنه، فلم أخاطبه بشيء خوفا من بوادره وشره، حتى ~~نهض وخلا المجلس، فقلت له: ابن أبي البغل يعلم محلي من الوزير، وصار إلي ~~البارحة ليلا فقال لي: لم أجد من آمنه على نفسي غيرك، وقد قصدتك لتستأذن لي ~~الوزير في الخروج إلى عبادان لأقيم بها وألبس الصوف وآمن على نفسي. قال: ~~وإذا المحسن قد عاد، فأمسك أبو الحسن حتى قام، ثم قال: قد عرفت ذنبه إلا ~~أنه قد لزمك ذمامه، ومن لزمك ذمامه التزمناه، لأنك واحد منا، وغير منفصل ~~عنا، فلا تعلمن بهذا أحدا، وهذا صك على ابن فلانة بثلاثة آلاف درهم فيجعلها ~~نفقته. قال: فأخذت الصك وخطه بالاذن له، وعدت إلى الدار فوجدت ابن أبي ~~البغل قد صعد السطح، وألقى نفسه في خربة تجاورنا ومضى. فعدت إلى الوزير ~~وحدثته بالصورة، فأخذ الصك وأمر بطلبه وقال: ms058 والله لو قتل أولادي جميعا ثم ~~دخل دارك لكان ذلك أمانا وحقنا لدمه. # وحكي أن ابن الفرات اجتاز يوما في بعض الطرق، فاتفق أن سار تحت ميزاب، ~~فوقع عليه منه ما لوث ثيابه وسرجه ودابته، فوقف في الطريق، وأنفذ إلى داره ~~من يحضره خلعة ثياب أخرى، فرآه رجل عطار كان في الموضع، فقام إليه، وسأله ~~أن يدخل إلى منزله ويقيم فيه إلى أن يعود الرسول بالثياب. ففعل وأقام عنده، ~~وخلع ما كان عليه، وتنظف بالماء مما كان أصابه، وأحضره الغلام الثياب ~~فلبسها، ثم سأله العطار أن يأذن له في إحضار بخور يتبخر به، فأذن له، وركب ~~أبو الحسن. ومضت الأيام، فلما ولي الوزارة كانت حال العطار قد اختلت # PageV01P084 # ورزحت، فقالت له زوجته: لو مضيت إلى الوزير وتعرفت إليه بخدمتك كانت له ~~لرجوت أن ينظر في أمرك نظرا تغير به حالك. فأعرض عن قولها واستبعد الأمل ~~مما ذكرته، ثم ألحت عليه في القول، فمضى ودخل دار أبي الحسن وتعرض له إلى ~~أن رآه فأمسك وانصرف، فعرف زوجته ما جرى، فأشارت عليه بالعود، فعاد ومعه ~~رقعة يستميحه فيها، ولم يزل حتى وجد فرصة منه فعرضها عليه، فلما وقف عليها ~~قال: سل حاجة تقض لك، واتفق أن صار إليه من خاطبه في أمر كاتب للعيال كان ~~محبوسا، وسأله مسألة الوزير إطلاقه، وضمن له خمسة آلاف دينار في خاصه، ~~وللوزير عشرين ألف دينار على يده، وللحواشي خمسة آلاف دينار، ووافقه على ~~تعديل المال عند بعض التجار بالكرخ. فلما توثق منه قصد الوزير ومعه رقعة ~~بالصورة، فأمره بحمل المال ليطلق له الرجل، فحمل المال، فلما حصل في الدار ~~منعه بعض الخدم من إدخاله إلى الخزانة إلى أن يؤذن في قبضه. وعرف الوزير ~~أمره، فتقدم إلى العطار أن يفرق ما للحاشية عليهم ويأخذ جميع الباقي لنفسه. ~~وأمر بإطلاق كاتب العيال، فاستعظم العطار ذلك وملأ قلبه، ورأى قدره يصغر عن ~~مثله، فقال للوزير: يقنعني من هذا كله ألف دينار أغير بها حالي. وأجعلها ~~رأس مالي، فقال له: ms059 خذ الجميع عافاك الله ولا تكثر علي في الخطاب. فخرج من ~~حضرته وصار إلى أبي أحمد المحسن، وعرفه الحال، وأنه يقنعه اليسير مما ~~أعطيه، وأومى إلى حمل الباقي إليه، # PageV01P085 # فقال له أبو أحمد: يأمر لك الوزير بشيء وأصانعك عليه! خذ المال وانصرف. ~~ولأبي الحسن بن الفرات: # خليلي قد أمسيت حيران موجعا ... وقد بان شرخ للشباب فودعا # ولا بد أن أعطي اللذاذاة حقها ... وإن شاب رأسي في الهوى وتصلعا # إذا كنت للأعمال غير مضيع ... فما حق نفسي أن أكون مضيعا # وحدث أبو علي بن مقلة قال: سمعت أبا الحسن بن الفرات يقول دفعات: ما بخلت ~~بشيء قط إلا ندمت على بخلي به. ولابن بسام في أبي العباس أحمد وأبي الحسن ~~علي ابني الفرات: # لي أحمدان لدنياي وآخرتي ... ولي عليان فانظر من أعدد لي # من خاتم الملك أضحى وسط خنصره ... ومن علا كتفيه خاتم الرسل # فللشفاعة حسبي أحمد وعلي ... وللمعيشة حسبي أحمد وعلي # منهم بإثنين ما حاولت يسهل لي ... كما بإثنين إن قصرت يغفر لي # تشبثت راحتي منهم بأربعة ... في العسر واليسر والتأميل والوجل # وله أيضا في هجائهم: # يا رب إنك عدل ... على البرية شاهد # بنو الفرات ثقال ... وكلهم لك جاحد # ثلاثة ليس فيهم ... إلا ثقيل وبارد # يا رب إن كان لا ب ... بد من ثقيل فواحد # ولعبد الله بن المعتز إلى أبي العباس بن الفرات: # PageV01P086 # يا دهر غير كل شيء سوى ... رأي أبي العباس فاتركه لي # قد كان لي ذا مشرب طيب ... حينا فشيب الآن بالحنظل # عين أصابت وده لا رأت ... وجه حبيب أبدا مقبل # إن كان يرضى لي بذا أحمد ... فليس يرضى لي بهذا علي # وللبحتري في أبي العباس: # كرم أنجز المواعيد حتى ... رد فيها نسيئة الوعد نقدا # كلما قلت أعتق المدح رقي ... رجعتني له أياديه عبدا # وحدث أبو الحسين علي بن هشام قال سمعت: أبا الحسن علي بن محمد بن الفرات ~~يحدث قال: كان النهيكي العامل قد لازم أبا القاسم عبيد الله بن سليمان في ~~نكبته، فلما ولي الوزارة ms060 قلده بادوريا، وكان يتقلدها جلة العمال. ولقد سمعت ~~أبا العباس أخي يقول: من استقل ببادوريا استقل بديوان الخراج، ومن استقل ~~بديوان الخراج استقل بالوزارة، وذلك لأن معاملاتها مختلفة وقصبتها الحضرة، ~~والمعاملة فيها مع الأمراء والوزراء والقواد والكتاب والأشراف ووجوه الناس، ~~فإذا ضبط اختلاف المعاملات، واستوفى على هذه الطبقات صلح للأمور الكبار. ~~قال أبو الحسن بن الفرات، فأقام النهيكي في عمالة بادوريا نحو سنتين، تقلد ~~فيهما عبد الرحمن بن محمد ابن يزداد ثم أبو العباس أحمد بن محمد بن أبي ~~الأصبغ ديوان الخراج في أيام عبيد الله بن سليمان، فلما أطلقت أنا وأبو ~~العباس أخي من الاعتقال، وتقلد أخي ديوان الخراج والضياع، وخلته عليهما. ~~عاملنا النهيكي، فكنا إذا كاتبناه برفع الحساب لم يجبنا، وإذا خاطبناه بشيء ~~في أمر العمل لم يحفل بنا، إدلالا # PageV01P087 # بمكانة من الوزير وعفته، وكان عفيفا، فلما طال ذلك منا ومنه شكوناه إلى ~~الوزير، فوكل به من لازمه حتى رفع حسابه لعدة سنين، وتشاغلت بعمل مؤامرة، ~~فلم أجد عليه كبير تأول. وحضرنا بين يدي الوزير لمناظرته، وقد كنت صدرت أول ~~باب من المؤامرة بأنه فصل تفصيلا لثمن الغلة المبيعة جملته على موجب ~~التفصيل أكثر من الجملة التي أوردها بألف دينار، فقال: أتتبع. فتتبع إلى أن ~~صح الباب. فقال: وماذا يكون؟ هذا غلط من الكاتب في الجملة. فبدأت أكلمه. ~~فأسكتني أخي، وأقبل على الوزير فقال: أيها الوزير، صدق. هذا غلط في الحساب، ~~فالدنانير في كيسي من حصلت؟ فقال الوزير: صدق أبو العباس، والله لا وليت ~~عملا يا لص. ثم أتبعت هذا الباب بباب آخر، وهو ما رفعه ناقصا عما كتب به من ~~كيل غلة عند قسمتها، فلما توجهت عليه الحجة قال: أريد كتابي بعينه، فبدأت ~~أكلمه، فأسكتني أخي وقال: هذا أيها الوزير طعن على ديوانك، ونسخ الكتب ~~الواردة والنافذة شاهد عدل. فقال: صدق يا عدو الله. وأمر بجره فجر. وما ~~برحنا حتى أخذنا خطه بثلاثة عشر ألف دينار فأهلكناه بها، وما عمل كبير عمل ~~بعدها. # وحدث أبو الحسين قال: ms061 سمعت أبا الحسن بن الفرات يقول: ناظرت الجهظ أحد ~~العمال على مؤامرة قد عملناها له، وكنت أنا وأخي نأخذ خطه بباب باب، فلما ~~كثر ذلك قالي لي سرا: ليس العمل في الخط، العمل في الأداء، وستعلمون أنكم ~~لا تحصلون مني على شيء، فسمعته أنا وسمعه الوزير أبو القاسم عبيد الله بن ~~سليمان، لأننا كنا في مجلسه، فقال له: أعد ما قلت. فاضطرب. فقال: لا بد أن ~~تعيده. فأعاده. فقال: إذن لا تلى لي والله عملا أبدا، # PageV01P088 # قم عافك الله إلى منزلك. خرق يا غلام المؤامرة. فخرقت في الحال، وانصرف ~~الجهظ، وما صرفه الوزير بعد ذلك. وشاع حديثه فتحاماه الناس كلهم، وهلك جوعا ~~في منزله حتى بلغني أنه احتاج إلى الصدقة. # وحدث أبو الحسين قال: حدثني سليمان بن الحسن بن مخلد قال: قال لي ناقد ~~خادم أبي وثقته وكان يتولى نفقته: ما رأيت أجسر من مولاي على أخذ مال ~~السلطان، ومن ذلك أنني باكرته يوما وقد لبس سواده ليمض إلى دار المعتضد على ~~الله، وهو إذ ذاك يتولى دواوين الأزمة والتوقيع وبيت المال، فقلت له: قد ~~صككت علي البارحة للمعاملين بألف وستمائة دينار، وما عندي منها حبة واحدة. ~~فقال لي: يا بغيض، تخاطبني الساعة! أين كنت عن خطابي البارحة لأوجه وجها ما ~~لها؟ ولكن ابتعني إلى دار السلطان. فتبعته، ودخل إلى المعتمد مع الوزير ~~عبيد الله بن يحيى، ودخل معهما أحمد ابن صالح بن شيرزاد صاحب ديوان الخراج. ~~فلما خرج قال: امض إلى صاحب بيت المال فخذ منه ما يدفعه إليك. فظننته قد ~~استسلف شيئا على رزقه، ومضيت إليه، فأعطاني ثلاثين ألف دينار، فاستكثرت ~~ذلك، وعلمت أنه ليس من الرزق، وحملتها إلى الدار وعرفته خبرها. فقال للي: ~~أطلق منها ما وقعت به إليك، واحفظ الباقي، فليس يتفق في كل وقت مثل ما ~~اتفق. ومضى للحديث أيام، ودعا دعوة فيها صاعد بن مخلد وإليه إذ ذاك عدة ~~دواوين وجماعة من الكتاب، فأكلوا وناموا وانتبهوا، فإذا كاتب من كتاب أحمد ~~بن صالح بن ms062 شيرزاد يستأذن # PageV01P089 # على مولاي، فأذن له، وقام إلى مجلس واستدعاه إليه، فسمعته يقول له: أخوك ~~أبو بكر يقرأ عليك السلام يعني أحمد بن صالح ويقول: أنت تعرف رسمي مع صاحب ~~بيت المال، وأن محاسبته في سائر الأموال إلي، وإذا تمت ثلاثون يوما وجهت ~~حاجبي إلى الخازن فحمله مع صاحب بيت المال إلى ديواني لينتظم دستور الختمة ~~بحضرتي، ونحن في ذلك منذ عشرة أيام، حتى تكاملت الختمة ولم يبق إلا ثلاثون ~~ألف دينار، ذكر صاحب بيت المال أنك خرجت إليه من حضرة الخليفة وأمرته ~~بحملها إلى خادمك ناقد، ولست أدري في أي جهة صرفت ولا ما الحجة فيها. ~~فأجابه مولاي بغير توقف وقال: أخي أبو بكر والله رقيع، أسأل أنا الخليفة في ~~أي شيء صرف ما استدعاه إلى حضرته؟ يجب أن يكتب في الختمة: وما حمل إلى حضرة ~~أمير المؤمنين في يوم كذا وكذا ثلاثون ألف دينار. فقام الكاتب خجلا ومر ذلك ~~في الحساب على هذا، وما تنبه عليه أحد: قال أبو الحسين وقال لي سليمان بعقب ~~هذه الحكاية: وما رأيت لهذه القصة شبيها إلا ما فعله أبو الحسن بن الفرات ~~في وزارته الأولى، فإنه نصب يوسف ابن فنحاس، وهارون بن عمران الجهبذ، فلم ~~يدع مالا لابن المعتز والعباس ابن الحسن ومن نكب وقتل في الفتنة، وما صح من ~~مال المصادرين وغيرهم ممن يجري مجراهم إلا أجراه على أيديهما دون يدي صاحبي ~~بيت مال الخاصة والعامة، وأفرد ابن فرجويه كاتبه بمحاسبتهما والاستيفاء ~~عليهما، فكان يحاسبهما ولا يرفع إلى الدواوين شيئا من حسابهما. فلما كان في ~~السنة التي قبض عليه فيها كتب # PageV01P090 # كتابا عن نفسه إلى مؤنس صاحب بيت المال ذكر فيه أنه حوسب يوسف ابن فنحاس ~~وهارون بن عمران على ما حصل عندهما من كيت وكيت حتى استغرق الوجوه وكان ~~الباقي قبلهما بعد الذي حمل إلى حضرة أمير المؤمنين أطال الله بقاءه، وصرف ~~في مهمات أمر بها هو والسادة أيدهم الله، من الورق ألف ألف وأربعمائة ~~وسبعون ألفا وخمسمائة وستة وأربعون ms063 درهما. وأمره بقبض ذلك منهما وإيراده ~~بيت المال الخاصة، فقبضه مؤنس منهما، ومضى الأصل كله لا يعرف في أي شيء ~~صرف، وكان مبلغه فيما ظنه الكتاب وكانوا يتعاودونه. نحو ألف ألف دينار. ~~وفاز ابن الفرات بالمال، ولم يقم به حجة عليه. قال أبو الحسين: فحدثني أبي ~~بعد ذلك قال: لما قلدني أبو الحسن على ابن عيسى في وزارته الأولى ديوان ~~الدار الجامع للدواوين، أمرني بإحضار هذين الجهبذين ومطالبتهما بختماتهما ~~لما كان حصل في أيديهما أيام وزارة ابن الفرات الأولى من الجهات المقدم ~~ذكرها. فاستدعيتهما وطالبتهما، فأحالا على أن ابن الفرات أخذ حسابهما، ~~وأعلمت علي بن عيسى بذاك، فأمرني بحبسهما وتهديدهما، ففعلت. وأحضراني حسابا ~~مسودا لم يكن منتظما ولا متسقا، ولم أزل ألطف بهما حتى أقرا بأنهما وصل ~~إليهما من فضل الصرف مما ورد على أيديما وأنفقاه مائة ألف درهم، وقررت ~~عليهما عشرة آلاف دينار، وأخذت # PageV01P091 # خطهما بها، فلم يقنع أبو الحسن علي بن عيسى بذلك، وأخذهما من يدي، ~~وسلمهما إلى حمد بن محمد، وكان إليه ديوان المغرب، وأمره بأن يتتبع أمرهما ~~بنفسه، من # غير أن يعرفه ما أخذت خطهما به، فنظر حمد في ذلك، ولم يجد في الحساب إلا ~~إحالات على: حمل إلى الخليفة والسادة، وشيء انصرف في خاص نفقات ابن الفرات. ~~فقال له حمد: هذا مال مسروق والقوم معهم حجة بالابراء وما عليهم طريق. وقد ~~كان ابن الفرات أجلد من أن يدعهم يفوزون بحبة من المال. ير أن يعرفه ما ~~أخذت خطهما به، فنظر حمد في ذلك، ولم يجد في الحساب إلا إحالات على: حمل ~~إلى الخليفة والسادة، وشيء انصرف في خاص نفقات ابن الفرات. فقال له حمد: ~~هذا مال مسروق والقوم معهم حجة بالابراء وما عليهم طريق. وقد كان ابن ~~الفرات أجلد من أن يدعهم يفوزون بحبة من المال. # قال أبو الحسين: قال أبي: فردهما الوزير أبو الحسن إلي وقال: اجتهد في ~~إلزامهما مائتي ألف درهم. فقلت. لا يمكن ذلك. فقال: اعمل على أنك طالبتهما ~~بمرفق لنفسك يكون ms064 تتمة المائتين فقلت: إذا فعلت هذا فأي شيء يحصل لي؟ قال ~~خذ منهما عشرين ألف درهم وألزمهما مائة وثمانين. فخرجت وجددت بهما حتى ~~ألزمتهما ذلك، وأخذت لنفسي ما أعطانيه. فلما فرغت أخذت لهما خطه بالبراءة. ~~فقال لي أبو الحسن علي بن عيسى: سأرسيك موضعي أنا من العمل، فإن للرئيس في ~~كل أمر موضعا لا يقوم فيه أحد مقامه. فأحضرهما إلى حضرته وأنا بين يديه ~~وقال لهما: تريدان مني أن أزيل عنكما تبعة إن لم أزلها بقيت عليكما وعلى ~~ورثتكما أبدا، ولست أفعل ذلك إلا بعوض قريب لا ضرر فيه عليكما، وهو أنني ~~أحتاج في مستهل كل شهر إلى مال أطلقه في ستة أيام، منه للرجالة ما مبلغه ~~ثلاثون ألف درهم. وربما لم يتجه لي في أول يوم من الشهر ولا في ثانيه، ~~وأريد أن تقرضاني في أول كل شهر مائة وخمسين ألف درهم، وترتجعانها من مال ~~الأهواز في مدة أيامه؛ فإن جهبذة الأهواز إليكما، ويكون هذا المال سلفا ~~واقفا لكما أبدا. # PageV01P092 # وأضيف إلى هذا المال الوظيفة التي على حامد وترد في كل شهر وهو عشرون ألف ~~دينار فيكون ذلك بإزاء مال القسط الأول. فتأبيا ساعة، ولم يفارقهما حتى ~~استجابا. فقال لي علي بن عيسى: كيف رأيت؟ قلت: ومن يفي بهذا غير الوزير؟ ~~قال: وكان علي بن عيسى إذا حل المال وليس له وجه استسلف من التجار على ~~سفاتج وردت من الأطراف لم تحل عشرة آلاف دينار بربح دانق ونصف فضة في كل ~~دينار، يلزمه في كل شهر ألفان وخمسمائة درهم أرباحا، فلم يزل هذا الرسم ~~جاريا على يوسف بن فنحاس وهارون ابن عمران ومن قام مقامهما مدة ست عشرة ~~سنة. وحدث أبو الحسين علي بن هشام قال: حدثني أبي قال: حدثني أبو الحسن ابن ~~الفرات قال: دخل علي المقتدر بالله يوما وأنا في حبسه، والوزير إذ ذاك حامد ~~ابن العباس فقال لي: أتعرف الحسن بن محمد الكرخي؛ فقلت: نعم. قال: أي إنسان ~~هو؟ قلت: عامل، وله محل من الصناعة، وهو ms065 من صنائعي ووجوه عمالي، وقد تقلد ~~لعبيد الله بن سليمان قبلي، وهو أخو القاسم بن محمد الكرخي، ومن بيت معروف. ~~فقال: قد كتب إلي يخطب الوزارة ويضمن حامدا وعلي بن عيسى. فقلت له: ولا كل ~~هذا يا أمير للمؤمنين. وإنما أطعمه فيما طلبه بلوغ حامد من مثله ما بلغه. ~~ولعمري إن الأمر قد وهن بحامد، وإن هذا الرجل أجود حسابا # PageV01P093 # وأعف لسانا وأشد وقارا منه، وليس لأنه فوق حامد ترشح لهذه المنزلة. ولا ~~لأن الغلط وقع في أمر حامد وجب أن يسلك في مثل هذه الطريقة، وعلى أنه قد ~~غلط في تقديره أنه يصلح لصرف حامد لأن حامدا قديم الرئاسة في العمالة وله ~~حال عظيمة، ونعمة كبيرة، ومروءة ظاهرة وهيبة معروفة، وسن في ذلك وقدمة، ~~وكان نشا بعيدا عن الحضرة، فلم تستشف أخلاقه وأفعاله إلا بعد الوزارة، وفيه ~~سعة صدر وسخاء نفس يغطيان كثيرا من معايبه وترك الأمر في يده ويد علي بن ~~عيسى أولى فإن هذا لا يقارب علي بن عيسى، ولا يلحق أحد كتابه، وإني لأقول ~~الحق فيهما على عداوتهما لي. فأضرب المقتدر بالله عن الحسن بن محمد ثم تم ~~التدبير لأبي الحسن بن الفرات، وصرف حامد ووزر، فحين جاءه الحسن بن محمد، ~~وتذكر ما جرى بينه وبين المقتدر بالله في بابه هابه وتصور بعد همته وتقلب ~~رأي المقتدر بالله من حال إلى حال، فأحب إبعاده، فقلده الموصل وأعمالها، ~~وأخرجه إليها صارفا لابن حماد، فانتفع الحسن بما حصل في نفس ابن الفرات. ~~قال أبو الحسين: فكنا في بعض الليالي بحضرة ابن الفرات، وهو يعمل، وأنا مع ~~أبي، والمجلس حافل، إذ قرأ كتابا ورد من صاحب البريد بالموصل يذكر أن أبا ~~أحمد الحسن هذا قد قسط في الأعمال، ومد يده إلى المال، وزاد في إظهار ~~المروءة، وركب باللبود الطاهرية، وبين يديه عدة حجاب، وخلفه جماعة # PageV01P094 # غلمان، حتى أنه يسير بينهم في موكب. وأنه وصل معه من البغال والجمال ~~والزواريق التي تحمل أثقاله شيء كثير، وهذا إنفاق وتوسع لا يقتضيه ms066 الرزق ~~وإنما هو من الأصول. فرمى بالكتاب إلى أبي القاسم زنجي، وكان إذ ذاك حدثا ~~يخط بحضرته. وقال له: وقع عليه: يجاب بأنه نفع الرجل من حيث أراد الاضرار ~~به، لأنه إذا كان في مثل هذا الصقع عامل ذو وجاهة وتجمل ومروءة صلح أن ~~يتقلد للسلطان إلى مصر # وأجناد الشام متى أنكر من عمالها حالا. ثم أقبل على من في مجلسه وقال: ~~حدثنا أبو القاسم عبيد الله بن سليمان أن النوشجاني صاحب البريد رفع إلى ~~المعتضد بالله بأن الأخبار شائعة ببغداد بأن حامد ابن العباس لما دخل فارس ~~متقلدا لها كان معه مائتان وخمسون بغلا، عليها رحله وأثقاله، ومعه عدد كثير ~~من الغلمان والحاشية وسلم إلي المعتضد بالله كتاب النوشجاني بذلك، فقرأته ~~وتحيرت، وخفت أن يكون قد أنكره وقدر أن حامدا قد اجتاح المال واصطلمه، وقال ~~لي: يا أبا القاسم وقد كان كناه قرأت هذا الكتاب؟ قلت: نعم. قال: قد سرني ~~ما قد ظهر من تجمل حامد ومروءته وما قام بذلك في نفوس الرعية من هيبته، فكم ~~رزقه؟ فقلت: ألفان وخمسمائة دينار في كل شهر. قال: اجعلها ثلاثة آلاف ~~ليستعين بها على مؤونته. ثم قال أبو الحسن بن الفرات عقيب هذه الحكاية: وقد ~~فعل المعتضد بالله قريبا من هذا مع أبي العباس أحمد بن بسطام، فإن المعتضد ~~طالبه بالعجز في # PageV01P095 # ضمانه واسط وحبسه في دار ابن طاهر، وقرر عليه سبعين ألف دينار يؤديها، ~~وكان يصححها على جمل وأصحاب عبيد الله بن سليمان يطالبونه والموكلون به من ~~قبل المعتضد بالله. فكتب النوشجاني: فيه بأنه كان يفرق في أيام ولايته ~~عشرين كرا حنطة في كل شهر على حاشيته والفقراء والمساكين والمستوردين من ~~أهل معرفته، وأنه فرق ذلك في هذا الشهر على عادته. ودافع بأداء ما عليه من ~~موافقته ودخل عبيد الله بن سليمان على المعتضد فأقرأه الرقعة وقال: قد سرني ~~فعل ابن بسطام وقيامه بمروءته ومعروفه وجملنا بأن لم يظهر أننا ألزمناه ما ~~أجحف به، وأحوجه إلى تغير رسمه فيما كان يطلقه ms067 ويبر به، فكم بقي عليه؟ قلت: ~~بضعة عشر ألف دينار. فقال: اتركها عليه واردده إلى عمله، وعرفه إحمادي ما ~~كان منه. ففعل عبيد الله الله ذلك. وحدث أبو الحسين بن هشام قال: سمعت أبا ~~الحسن بن الفرات يحدث قال: لما طال حبسي عقيب الوزارة الثانية تبينت أن ~~المقتدر بالله لا يفرج عن ابن الحواري. وإن علم أنه من أكبر أعدائي. ولا ~~يجيبني إلى تسليمه إلي في جملة خصومي، فتلطفت لافساد رأيه بأن راسلت ~~المقتدر بالله قبل أن يطلقني بأربعة أشهر وعرفته أن أولادي في إضافة وفاقة، ~~وسألته إطلاق مائة وخمسين ألف درهم لي، أحمد # PageV01P096 # إلى كل واحد الثلث منها لاصلاح أمره والقيام بمؤونته، وأرد العوض عنها ~~بعد شهر من ثمن أمتعة قد بيت عند قوم من أصحاب ودائعي. فقال: هذا قدر يقبح ~~أن نمنعه إياه مع كثير ما أخذناه من ماله، احملوا إليه ذلك، فحمل إلي. ~~وراسلت السيدة وطلبت منها خمسين ألف درهم، فكانت تلك سبيلها، وجمعت الجميع ~~ودفعته إلى أم كلثوم قهرمانتي، وأمرتها أن تبتاع به دنانير جددا حسانا ~~وتجيئني بها. ففعلت. وكانت من عادة المقتدر بالله إذا صام يوم الخميس أن ~~يدخل إلي الحجرة التي أنا محبوس فيها، يقعد عندي ويحادثني من وقت العصر إلى ~~وقت المغرب. فلما كان يوم الخميس قبل وقت حضوره صببت الدنانير بين يدي، ~~فدخل وقال: ما هذا يا أبا الحسن؟ فقلت: أما يرى مولانا أمير المؤمنين كثرة ~~هذه الدنانير، وحسنها؟ قال: بلى، فكم مبلغها؟ قلت: سبعة عشر ألف دينار. ~~قال: ولأي شيء هي بين يديك؟ قلت. اقترضت ذلك المال من أمير المؤمنين ومن ~~السيدة وزيدان، وصرفته فيما أردت فيه، واستدعيت ما كان لي مودعا من أمتعة ~~وصياغات ممن هو عنده، فأنفذه إلي لما ظهر لهم من تفضل مولانا علي، وزال ~~بذلك طمعهم في، وبعته وحصلت ثمنه هذا لأرده على من اقترضته منه. فقال: ما ~~أقبح هذا! أترانا نبخل عليك بما أطلقناه لك مع ما أخذناه منك مما رأيناه ~~تعويضك عنه وردك إلى أفضل ms068 ما كانت منزلتك عندنا عليه؟ فتبسمت. فقال: مم ~~تبسمك؟ قلت: والله يا أمير المؤمنين ما طلبت المال لحاجة إليه فإن في بقية ~~حالي ما يغني عنه، وإنما أردته لأصرفه بالدنانير، وأضعه بحضرتك، فتشاهده ~~وتعلم أن ابن الحواري الخائن يرتزق من مالك في كل شهر مثل مبلغه، ويقتطع مع ~~ذلك كذا، ويأخذ كذا، # PageV01P097 # وذكرت معايبه ومساوئه. قال: فرأيته قد استعظم الحال، وكثر في عينه المال، ~~ولم ينهض من مجلس حتى وعدني بتسليم ابن الحواري إلي ولم يقبل هو ولا السيدة ~~ولا القهرمانة عوض ما أعطونيه إلا بعد جهد وسؤال. وحدث أبو الحسين بن هشام ~~قال: كنا على مائدة أبي العباس أحمد بن عبيد الله الخصيبي في وزارته، فجرى # ذكر علي بن عيسى وابن الفرات فقال: كان ابن الفرات نافذا في عمل الخراج ~~وتدبير البلاد وجباية المال وافتتاح الأطراف، وأليق من علي ابن عيسى في ~~سياسة الملك. وكان علي بن عيسى كثير التدين شديد التصون عفيفا عن المال، ~~وله مذهب في الترسل لا يلحقه فيه أحد ولا ابن الفرات. والتفت إلى أبي عبد ~~الله زنجي وكان حاضرا فقال له: ما عندك في هذا يا أبا عبد الله؟ فقام قائما ~~وقال: من عادتي أيها الوزير إذا صحبت وزيرا أن أحصي محاسنه وأذكرها، فأما ~~مساوئه فلا أخطرها مني بالا، ولا أجري بها لسانا، وعلى ذلك فإن أذن الوزير ~~في الجواب قلت ما عندي. قال: قل. فقال: كانت يد أبي الحسن بن الفرات تخونه ~~لفساد خطه، وكان يعمل النسخ بأجزل كلام وأحسنه، ويخرجها إلي فأحررها، ~~والبارحة كنت أميز شيئا فمرت بي ثلاث نسخ بخطه، إن أمر الوزير بإحضارها ~~ليتبين له موقعه من الترسل أحضرتها. فقال: افعل. وأنفذ غلامه ليحضرها، ~~وتشاغلنا بالأكل. فلما انقضى ونهض الوزير وغسل يده ونام، جلس زنجي في مجلسه ~~من الدار على انتظار النسخ حتى حملت إليه فقرأتها، ولم أزل أكرر النظر ~~فيها. وكانت إحداها نسخة كتاب منه إلى مؤنس في أمر علي بن عيسى وهي: بن ~~عيسى وابن الفرات فقال: كان ms069 ابن الفرات نافذا في عمل الخراج وتدبير البلاد ~~وجباية المال وافتتاح الأطراف، وأليق من علي ابن عيسى في سياسة الملك. وكان ~~علي بن عيسى كثير التدين شديد التصون عفيفا عن المال، وله مذهب في الترسل ~~لا يلحقه فيه أحد ولا ابن الفرات. والتفت إلى أبي عبد الله زنجي وكان حاضرا ~~فقال له: ما عندك في هذا يا أبا عبد الله؟ فقام قائما وقال: من عادتي أيها ~~الوزير إذا صحبت وزيرا أن أحصي محاسنه وأذكرها، فأما مساوئه فلا أخطرها مني ~~بالا، ولا أجري بها لسانا، وعلى ذلك فإن أذن الوزير في الجواب قلت ما عندي. ~~قال: قل. فقال: كانت يد أبي الحسن بن الفرات تخونه لفساد خطه، وكان يعمل ~~النسخ بأجزل كلام وأحسنه، ويخرجها إلي فأحررها، والبارحة كنت أميز شيئا ~~فمرت بي ثلاث نسخ بخطه، إن أمر الوزير بإحضارها ليتبين له موقعه من الترسل ~~أحضرتها. فقال: افعل. وأنفذ غلامه ليحضرها، وتشاغلنا بالأكل. فلما انقضى ~~ونهض الوزير وغسل يده ونام، جلس زنجي في مجلسه من الدار على انتظار النسخ ~~حتى حملت إليه فقرأتها، ولم أزل أكرر النظر فيها. وكانت إحداها نسخة كتاب ~~منه إلى مؤنس في أمر علي بن عيسى وهي: آثار علي بن عيسى أعزك الله فيما ~~تولاه من الأعمال، وجرى على يده # PageV01P098 # من الأموال، تدل على عجزه وإضاعته، وتبطل ما يدعيه من صناعته وكفايته. ~~ولما صرفت عماله عما ولوه، وطالبتهم بما اقتطعوه، أعفوا بمال جزيل قدره، ~~عظيم خطره، متجاوز مبلغه ألف ألف دينار، وانضاف إليها ما توفر مما كانوا ~~يفوزون به من الارتفاقات، ويستثنونه في العقود والمقاطعات، وهو أربعمائة ~~ألف دينار، وما وجب على الحسين بن أحمد ومحمد بن علي المادرائيين من خراج ~~ضياعهما بمصر والشام في سني ولايته، فاستدركه علي بن أحمد بن بسطام وهو ~~ثلاثمائة ألف دينار، فتحصل الجميع ألف ألف وسبعمائة ألف دينار، وحمل منه ~~إلى حضرة أمير المؤمنين أطال الله بقاءه ستمائة ألف دينار، وإليك أعزك الله ~~للنفقة على القادة النافذة لمحاربة يوسف بن ديوداذ مع ms070 صلات المستأمنة ~~وأرزاقهم خمسمائة ألف دينار، وأطلق الباقي لقواد أمير المؤمنين أيده الله ~~وأجناده وخواصه عوضا عما كان علي بن عيسى حطه من أرزاقهم، ووضعه من جملة ~~استحقاقاتهم، فكثر الشاكر، وسكن وأمن النافر، وصلحت الأحوال، وانبسطت ~~الآمال. ولما قربت العساكر من يوسف أفرج عن الري وما يليها من الأعمال، ~~وزال عن أهلها كل جور وعدوان، وعمرت تلك النواحي بعقب خرابها، واستوسقت ~~الأمور بعد اضطرابها، والله الموفق المعين. وقد توفرت أعزك الله مع ذلك مني ~~عليه العناية، ولحقته الصيانة، في نفسه وماله، وضياعه وحاله، ترفعا عن ~~مجازاته على أفعاله، وجريا على عادتي في أمثاله. والله أسأل معونتي على ~~الجميل # PageV01P099 # الذي أعتقده وأنويه، وتوفيقي لما يحبه ويرضيه، إنه أهل الفضل وموليه، ~~وحسبي الله ونعم الوكيل. ### || ونسخة الأخرى وكانت إلى أبي عباس أحمد ابن بسطام عند تقلده الوزارة # الأولى: # نعم الله عند أمير المؤمنين أطال الله بقاءه تتجدد في سائر أوقاته، ~~وتتوكد في جميع حالاته، فليس يخلو منها قاهرة لأعدائه، وناصرة لأوليائه، ~~والله يعينه على أداء حقها، والقيام بشكرها، إنه ذو فضل عظيم. وكان جماعة ~~من جلة الكتاب والقواد ووجوه الغلمان والأجناد، حسدوا أبا أحمد العباس بن ~~الحسن رحمه الله على محله في الدولة ومنزلته، وما قام به لأمير المؤمنين ~~أيده الله من عقد بيعته، فسعوا في إتلاف مهجته، وإزالة نعمته، وتوصل إليهم ~~عبد الله بن المعتز بمكره وخديعته، فأوحشهم من أمير المؤمنين وشيعته، وحسن ~~لهم الخروج عن طاعته، فنكثوا ومرقوا، وغدروا وفسقوا، وشهروا سيوف الفتنة ~~وأظهروا أعلامها، وأضرموا نيرانها، وتفرد الحسين بن حمدان بأبي أحمد فقتله، ~~وثنى بفاتك المعتضدي فأتلفه، وقصد المارقون دار الخلافة حتى وصلوا إلى ~~جدرانها، وأحرقوا عدة من أبوابها، ووفق الله الخدم والأولياء المصافية ~~والغلمان الحجرية لمحاربتهم ومنازلتهم، فانصرفوا مفلولين، واجتمعوا إلى عبد ~~الله فعاقدوه وبايعوه، وتسمى بالخلافة في ليلته، ووازره محمد بن داود على ~~ضلالته. وما صحبهم من غلمان # PageV01P100 # أمير المؤمنين أدام الله عزه وخاصته وذوي البأس من رعيته من حسن دينه. ~~وخلص يقينه، فتحصنوا بالإبعاد في الهرب، ms071 لما خافوه من شدة الطلب، وأسر ~~جماعة من كتاب عبد الله وخواصه، منهم محمد بن عبدون، وعلي بن عيسى، ومحمد ~~بن سعيد الأزرق، ويمن الكبير، ووصيف بن صوارتكين، وسرخاب الخادم، وعلي ~~الليثي، ومحمد الرقاص وأبناء دميانة، والمعروف بأبي المثنى، ومحمد ابن ~~يوسف، وحملوا إلى دار أمير المؤمنين أيده الله فحصلوا في أعظم بوس، وأضيق ~~حبوس. ولما خمدت النائرة، وسكنت الفتنة الثائرة، استدعاني أمير المؤمنين ~~أدام الله تاييده فأوصلني إلى حضرته، وخصني ببره وتكرمته، وفوض إلي تدبير ~~مملكته، ورعاية خاصته وعامته، واعتمد علي في حياطة ملكه ودولته، وقلدني ~~سائر دواوينه مع وزارته، وخلع علي خلعا ألبسني بها إجلالا وقدرا، وجمالا ~~وفخرا، وعدت إلى داري مغمورا بإحسانه، مثقلا بأياديه وامتنانه. وأسأل الله ~~معونتي على طاعته. وتبليغي غاية رضاه وإرادته بمنه وقدرته. # وكان أول ما بدأت به الجد في طلب عدو الله عبد الله بن المعتز، إلى أن ~~هيأ الله الظفر به على يد صافي مولى أمير المؤمنين، بعد أن تنصح في الدلالة ~~على موضعه خادم مشهور الديانة، مذكور الصيانة يعرف بسوسن الجصاصي، فأوجبت ~~الحال إطلاق صلة لسائر الأولياء وافرة المبلغ، وأنا بتجديد البيعة عليهم ~~متشاغل، وللخدمة مواصل، والأمور جارية على أحمد مجاريها. وأفضل المحاب ~~فيها، والحمد لله رب العالمين. والأحوال أعزك الله بيننا توجب مشاركتك، ~~وتقتضي مساهمتك، وقد # PageV01P101 # قلدتك الخراج والضياع العامة والمستحدثة بمصر ونواحيها، والكور الجارية ~~فيها، لما أعرفه من كفايتك ومخالصتك، وأثق به من مناصحتك، وكتبت به إلى ~~الحسين بن أحمد بتسليم هذه الأعمال إليك، وأعلمته اعتمادي فيها عليك، وأنت ~~بصناعتك وكفايتك تستغني عن التنبيه والتبصير، وتوفي على الظن بك والتقدير ~~إن شاء الله. # وكتب يوم الثلاثاء لثمان ليال خلون من شهر ربيع الأول من سنة ست وتسعين ~~ومائتين. ### || ونسخة الثالثة وكانت إلى ابن بسطام في صرف سوسن عن الحجابة والقبض عليه # عوائد الله عند أمير المؤمنين أطال الله بقاءه فيمن يشاقه ويناويه، توفي ~~على غاية محابه ونهاية أمانيه، فليس يظهر أحد عصيانه ويبديه، أو يجاهر به ~~أو يخفيه، إلا ms072 جعله الله عظة للأنام، وأهلكه بعاجل الاصطلام، والله عزيز ذو ~~انتقام. وممن نكث وغدر، وفسق ومرق، وطغى وبغى، وكاشف وخالف، سوسن الحاجب، ~~فإنه كان لدم أبي أحمد العباس بن الحسن رحمه الله من السافكين، وفي معاونة ~~عبد الله بن المعتز على فتنته من المشمرين. وكان يظهر لأمير المؤمنين أطال ~~الله بقاءه موالاة ونصرا، ويضمر عداوة وغدرا، ويسعى في إفساد ملكه ودولته، ~~ويوحش وجوه غلمانه وخاصته، إلى أن عاجله أمير المؤمنين أدام الله عزه ~~بسطوته # PageV01P102 # وأزال عن الدولة حرسها الله ما عراها من معرته، وقلد مكانه من وثق بدينه ~~وأمانته، ونصيحته ومخالصته، فاستوسقت الأمور، واستبشر الجمهور، وارتفع ~~الأولياء وانقمع الأعداء، والله يخير لأمير المؤمنين فيما يبرمه ويمضيه، ~~ويوفقه لما يحبه ويرضيه بجوده، ومجده، وكرمه وحمده، إنه فعال لما يريد. هذه ~~أعزك الله حال الباغين والمارقين، والطاغين والناكثين، ومن تغره المهلة، ~~وتفسده الغفلة، وتزله قدماه، ويعصي مولاه، فإن العاقبة للمتقين، والدائرة ~~على المجرمين، والسلامة في طاعة الله وطاعة أمير المؤمنين، والحمد لله رب ~~العالمين. وقال أبو الحسين بن هشام: سمعت أبا الحسن بن الفرات يملي جوابا ~~لبعض العمال على ظهر كتاب: ورد منه بجملة عشرة آلاف دينار، فكان ما أحسن ~~ولا قارب الإحسان، ولا أنا بالراضي بشيء من أمره، ولا بالمؤخر عنه ما يكرهه ~~إن أقام على ما هو عليه، وأين عشرة آلاف دينار مما يجب عليه حمله؟ ليكبت ~~إليه في ذلك أغلظ كتاب وأفظعه، وليعرف أني إن استفسدته بعد استصلاحي إياه ~~أنسيته ما سلف مما جرى عليه، فليختر لنفسه ما يراه أصلح لها إن شاء الله. # وحدث أبو الحسين قال: حدثني أبو القاسم سليمان بن الحسن قال: حضرت مناظرة ~~أبي محمد حامد بن العباس وأبي الحسن علي بن عيسى وأبي علي الحسين ابن أحمد ~~المادرائي الملقب بأبي زنبور، لأبي الحسن علي بن محمد بن الفرات وكان ذلك ~~بدار الخلافة، وحضر نصر الحاجب والقواد والقضاة، وأخرج ابن الفرات وعليه ~~قميصان ورداء، فلما توسط المجلس سلم سلاما عام وجلس، فكان ذلك أول # PageV01P103 # استخفافه ms073 بالقوم، فأقبل عليه حامد وقال له: مددت رجلك، وأطمعت في المحال ~~نفسك، وعولت على القهرمانة يعني زيدان في الشفاعة لك، والمدافعة عنك وظننت ~~أنه يقنع منك بثلاثمائة ألف دينار ونيف، أقررت بها من ودائعك. نريد أن ~~نحاسبك على ما أغللت في ثمانية عشر شهرا من ارتفاعك، وما انضاف إلى ذلك من ~~رزقك، وحق بيت المال في ضياعك التي رفعت عن نفسك لنفسك بأنك أوغرته، ~~وخمسمائة ألف دينار قد حضر من ثقاتك من يواقفك على أنك ارتجعتها من ودائعك ~~التي بقيت لك بعد نكبتك الأولى فكتمتها السلطان أعزه الله بعد يمينك له ~~بالصدق عن جميع مالك، فإذا فرغنا من ذلك عدلنا إلى مرافقك. فقال: أما ~~استغلال ضيعتي فلا مطالبة تتوجه علي به، وقد ردها أمير المؤمنين علي. وأما ~~حق بيت المال الذي أوغرنيه فالحال واحدة فيه. وأما الودائع فلم يكن بقي لي ~~ما لم أصدق عنه فيما تقدم. وأما الثقة الذي أشرت إليه في مواقفتي، فالثقة ~~لا يكون ساعيا لحق ويكني عن باطل. فقال له: قد علمنا أنك تحسن المناظرة، ~~ويطول لسانك بالأقوال المحالة، هذا موقف يحتاج فيه إلى وزن المال، ولا تغتر ~~بالصيانة عن المكروه، فإنني قد شرطت على أمير المؤمنين أعزه الله تسليمك ~~إلي، فاحفظ نفسك ما دمت في ظله قبل أن أبسط عليك من المكاره ما لا تثبت له. ~~قال له ابن الفرات: المكاره تبسط على من أخذ أموال السلطان وفاز بها، وضمن ~~ضمانات باطلة بفتاوي الفقهاء والكتاب، وحصل الفضل الكبير منها، ولولا ~~إشفاقك من ذلك لما تعرضت لما لا تحسنه وفضحت نفسك، وهتكت المملكة بالدخول ~~فيه. # PageV01P104 # فقال له حامد: ما هذا التبسط يا عاض كذا من أبيه، حتى كأنك الوزير ونحن ~~بين يديك. فقال ابن الفرات: دار أمير المؤمنين تصان عن السخف، وحضور هؤلاء ~~القواد القضاة يمنع عن الفحش. فيا ليت شعري يا حامد ما الذي غرك؟ وليس ما ~~أنت فيه بيدرا تقسمه، وأكارا تشتمه وتحلق لحيته وتضربه، وعاملا تذبح دابته ~~وتعلق رأسها في عنقه، فإنما هذه ms074 الدار وهذا المجلس دار ومجلس الخليفة ~~اللذان منهما يشيع العدل في أقطار الأرض، وإنما مكنت من مناظرتي، ولم تجعل ~~لك سبيل إلى عرضي، ولولا أنني أتصون عن فعل مثلك لاقتصصت في القول والشتم ~~منك، ومع إمساكي فقد وجب الحد عليك فيما أطلقت به لسانك. فأقبل علي بن عيسى ~~على حامد وقال له: يدعني الوزير أعزه الله حتى أناظره، وقال لأبي الحسن بن ~~الفرات: يا أبا الحسن أعزك الله تعرف هذا؟ وأومى إلى أبي زنبور فقال: ما ~~أنكره من سوء. قال: هو أبو علي الحسين بن أحمد المادرائي عامل مصر الذي ~~قصدته وأفقرته، وخدمته معروفة في رده مصر على السلطان دفعات. فكيف لا ~~تعرفه؟ فقال: لم ينكر علي أني لم أثبته؟ فإن عهدي طويل به، وكنت أعرفه يكتب ~~لعامل نهر جوبر بعشرين دينارا في الشهر. ثم صحب الطولونيين العصاة، فعظمت ~~حاله ونعمته معهم، ولم أره إلى وقتي هذا. فقال علي بن عيسى لأبي زنبور: ~~واقفه على ما ذكرت. # PageV01P105 # فقال نعم. وأقبل علي ابن الفرات وقال: توليت لك أعمال أجناد الشام سوى ~~جند قنسرين والعواصم، فطالبتني من المرفق بما كنت أحمله إلى العباس ابن ~~الحسن قبلك، وهو عشرة آلاف دينار في كل شهر. وأخذت ذلك لمدة وزارتك الأولى، ~~فكان المبلغ أربعمائة وأربعين ألف دينار. ثم إنك نصبت في وزارتك الثانية ~~ديوانا للمرافق، واستخرجت هذا المال وأوردته في جملة مرافق حملتها إلى أمير ~~المؤمنين. فأمسك ابن الفرات ساعة، حتى قال نصر الحاجب بعجومته: تكلمي يا ~~قرمطية. فقال له: أمسك يا أبا القاسم عما لا ينفعك ولا يضرني. وقال لأبي ~~زنبو: ليس يخلو ما تدعيه من حالين، إما أن يكون حملك للمال مع رسل أو ~~بسفاتج تجار على تجار، فإن كان مع رسل فأحضرهم أو أحضر القبوض التي كتبت ~~على أيديهم، أو بسفايج فالقبوض مع أربابها. فقال أبو زنبور: هذا شيء لا ~~يكتب به قبوض. فقال: إذا كان ذلك كذلك وجب أن تجعل بدلا من أربعمائة ألف ~~أربعة آلاف ألف لتكون الحال فيه واحدة. ms075 ثم اقبل على علي بن عيسى فقال: حكم ~~الله ورسوله في الدعاوي معروف، وأرجو ألا يخرجني أمير المؤمنين فيه عن ~~الانصاف. ثم قال لأبي زنبور: قد وليت # PageV01P106 # لأبي الحسن وأومى إلى علي بن عيسى الشام أربع سنين، فإن كنت حملت إليه ~~هذا المرفق في هذه المدة فهو عليه، أو لم تفعل فهو عليك لاعترافك بوجوبه. # فقال به أبو زنبور: هذا لا يلزمني، ولكن ها هنا مال الاستثناء بمصر، وهو ~~مائة ألف دينار في كل سنة، وقد أخذت منه في وزارتك الأولى سبعمائة ألف ~~وخمسين ألف دينار. فقال له ابن الفرات: قد وليت أيضا مصر لأبي الحسن أربع ~~سنين، وحكم ذلك فيما يتوجه على أبي الحسن أو عليك حكم ما قبله. والآن فها ~~هنا ثمانمائة ألف دينار واجبة لأمير المؤمنين أعزه الله ومن الواجب أن ~~تخرجا إليه منها. فقال له علي بن عيسى: أنا معروف الطريقة ومكشوف الرأس من ~~مثل هذه الأسباب وكشف عن رأسه. قال: وكان المقتدر بالله قريبا من الموضع ~~فسمع ما جرى. فقال ابن الفرات: ومن ها هنا بارك الله عليك مغطى الرأس؟ ولو ~~تكلم الناس كلهم في هذا الموضع لوجب لك ألا تتكلم. فقال: لم يا أبا الحسن؟ ~~أعزك الله. قال: لأن لهذا الرجل يعني أبا زنبور ومحمد بن علي ابن أخيه بمصر ~~والشام من الضياع مسافة مائة فرسخ في مائة فرسخ، وما أخذت من حق بيت المال ~~منها في وزارتك درهما واحدا. فمن ترك على قوم حقوق بيت المال لم لم يأخذ ~~المرافق منهم؟ ثم التفت إلى شفيع اللؤلؤي وإليه البربد وقال له: أنت ثقة ~~أمير المؤمنين، وقد تعين على هذا الرجل يعني أبا زنبور مال يلزمه الخروج ~~منه # PageV01P107 # بإقراره واعترافه أو إقامة حجة تبرئه منه، فأنه إلى أمير المؤمنين ذلك، ~~وطالبه به. # وأقبل عليه حامد وقال له: قد أخذت في التمويهات، وعولت يا ابن الفاعلة ~~على دفع الحق بالمباهتات. قال له: وأي شيء في يدك من الحق حتى أدفعه يا ~~حامد، تحمل إلى السلطان مائتين ms076 وأربعين ألف دينار في كل سنة من واسط، وتدعي ~~أن الخاقاني الأبله المتخلف ضمنك ثمن الحاصل من زرع لم يزعر. ثم تعترف بأنك ~~تغل ضمان هذه الناحية سبعمائة ألف دينار، وتشنع بذلك، أوليس هذا الفعل شاهد ~~عقلك وصناعتك ومقدارك في دينك وأمانتك؟ وقد رضينا بهذا الشيخ يعني علي ابن ~~عيسى في كشف أمرك وتأمل ما عليك، فإن شغل السلطان باستيفاء ما يلزمك مما ~~دخلت في الوزارة لتدفعه عن نفسك لما اردت استخراجه منك أعود عليه وأنفع له. ~~فشتمه حامد شتما مسرفا، وأمر أن تنتف لحيته، فلم يقدم عليه أحد حتى مد حامد ~~يده إلى لحيته وكان جالسا بالقرب منه فأخذ منها خصلة، وصاح ابن الفرات: ~~أوه. وضرب أبو زنبور يده إلى الدواة وكتب بأنه يضمن استخراج مائة ألف دينار ~~من ابن الفرات في مدة ثلاثين يوما إذا سلم إليه بعد ما أداه إلى هذا الوقت. ~~فقال له ابن الفرات: يكون عليك ألف ألف وثلاثمائة ألف دينار بالمواقفة لك ~~في هذا المجلس، ثم تدفعها بأن تضمنني بأقل من نصفها؟ إن ذلك من أطرف ~~الأمور، وأعجب السياسة! فقال حامد: وأنا أضمنك بسبعمائة ألف دينار عاجلة في ~~عشرة أيام، إذا سلمت إلي وكتب حامد وأبو زنبور خطهما بما بذلا فيه. واستدعى ~~حامد مرشدا الخادم، # PageV01P108 # وسلم إليخ الخطين، وأمره بعرضهما على المقتدر بالله، فدخل وعاد وقال: ~~أمير المؤمنين يقول: أنا أعلم أن عليه وعنده من الأموال أكثر مما قلتماه ~~وضمنتماه. وأنا أدري كيف أستخرجها منه، وأقابله على تقاعده بي. ومكايدته ~~إياي، فأما أن أضمنه وأسلمه فلا حاجة بي إلى ذلك. ثم أقيم من المجلس إلى ~~محبسه، فما وقعت للجماعة عين عليه بعد ذلك. # قال أبو الحسين بن هشام: فلما ولي أبو الحسن بن الفرات الوزارة الثالثة ~~حكي هذا المجلس على هذه السياقة، وزاد فيها أن علي بن عيسى قال له: ما ~~اتقيت الله في تقليدك ديوان جيش المسلمين رجلا نصرانيا، وجعلت أنصار الدين ~~وحماة البيضة يقبلون يده ويمتثلون أمره. فقلت له: ما هذا شيء ms077 ابتدأته ولا ~~ابتدعته، وقد كان الناصر لدين الله قلد الجيش إسرائيل النصراني كاتبه. وقلد ~~المعتضد مالك بن الوليد النصراني كاتب بدر ذلك. فقال علي بن عيسى: ما فعلا ~~صوابا. فقلت: حسبي الأسوة بهما وإن أخطأ على زعمك. ولعمري إنك لا ترى ~~أمانتهما، ولا تعتقد طاعتهما، فلذلك لا تقتدي بآرائهما، ولا ترتضي ~~بأفعالهما، ومع هذا فما وجدت لي روحين إذا مضى أحدهما بقي الآخر. قال: ما ~~أردت بهذا القول؟ قلت: وجدت العباس بن الحسن قد قلد محمد بن داود بن الجراح ~~ديوان # PageV01P109 # الجيش، فطمع في الوزارة، وسعى على العباس حتى قتله، وخلع أمير المؤمنين ~~أعزه الله وأجلس عبد الله بن المعتز. فخفت أن يتم علي وعلى الدولة ما تم ~~منه. قتال: ثم صحت، وأنا أعلم أن الخليفة يسمع: يا أمير المؤمنين، قد اجتمع ~~هؤلاء يريدون قتلي خوفا من علمي بمساوئهم، وما في ذممهم من الأموال التي ~~تلزمهم، كما اجتمع الكتاب في أيام المتوكل جدك في نجاح بن سلمة حتى قتلوه، ~~ولي عليك حق حرمة وخدمة، فاحرس نفسي. وبارك الله لك في مالي. قال: فما ~~استوفيت القول حتى خرج الخدم وحملوني إلى موضعي، ولم أجتمع مع واحد منهم ~~حتى جلست هذا المجلس. # وحكى أبو الحسن ثابت بن سنان أن أبا زنبور لم يقم من مجلسه الذي ناظر ابن ~~الفرات فيه حتى قال له: إن أقررت على نفسك مصادرة التزمت عنك خمسين ألف ~~دينار. فلما خرج قال له علي بن عيسى ونصر الحاجب وابن الحواري: دخلت إلى ~~الرجل لتناظره وخرجت من عنده وقد بذلت مرفقا مصانعة. فقال: نعم، أدخلتموني ~~إلى رجل قال لي بعضكم لما دخلت إليه: أنظر لمن تخاطب وقال آخر: أنظر بين ~~يديك وقال آخر الله الله في نفسك. فلم أجد أقرب إلى الصواب مما فعلته. قال: ~~فلما تقلد ابن الفرات الثالثة قبض على ولد لأبي زنبور وأخذ خطه بخمسة ~~وعشرين ألف دينار كانت واجبة عليه للسلطان، وأخر مطالبته بها إلى أن وافى ~~أبوه من الشام، ثم قال له وعدتني في ms078 المجلس الذي ناظرتني فيه بحمل خمسين ~~ألف دينار، وقد كنت مالك أمرك في أن تفعل أو لا تفعل، # PageV01P110 # وهذا خط ابنك بخمسة وعشرين ألف دينار واجبة عليه لا حجة له ولا لك في ~~دفعها عنه وقد رددته إليك مكافأة عما عملت وبذلت. ووجدت في هذه الحكاية من ~~الزيادة أن حامدا قد كان أحضر أبا علي ابن مقلة معه لمواقفة ابن الفرات على ~~استخرجه من ودائعه في وزارته الثانية، فلما طلبه وجده قد انصرف، ورساله ~~بالعود فقال: أنا أكتب خطي. وأشهد على نفسي بجميع ما تريده مني، فأما أن ~~أواجه ابن الفرات به فما لي وجه يثبت على ذلك. فكان هذا الفعل سبب سوء رأيه ~~فيه. # وحدث أبو الحسين بن هشام. قال: سمعت أبا الحسن أحمد بن محمد ابن عبد ~~الحميد كاتب السيدة يحدث أبي في يوم عيد الأضحى من سنة ست وثلاثمائة قال: ~~لما صح عند أبي الحسن بن الفرات فساد أومره عند المقتدر بالله، وتمام ~~التدبير عليه في صرفه وتقليد حامد استدعاني وخلا بي وقال: أنت عارف بخدمة ~~هذه المرأة وما فيه صلاح رأيها، وأريد أن تلطف في استمالتها واستعطافها حتى ~~تبطل ما دبره أعدائي علي وأشر علي بما أفعله في أمري. فقلت له: قد دبر عليك ~~تدبير لا ينحل سريعا، وجنيت على نفسك في هذه الدفعة ثلاث جنايات لا يمكن ~~تلافي الخطأ فيها. فقال: وما هي؟ قلت: أولها أن صرفت أصحاب الدواوين ~~والعمال والمنفقين وأصحاب البرد والخرائط وأكثر القضاة وبعض المعاون. وقلدت ~~أصحابك وذوي عناياتك، فصاروا أعداءك وسعاة عليك، وقال الناس، إنك قلدت ~~للعناية لا للكفاية، وحتى قال الخليفة: ما كان في هؤلاء المتصرفين من يصلح ~~للإقرار على عمله. # PageV01P111 # وثانيها: أنك أخذت توقيع الخليفة برد أملاكك وضياعك عليك، وقد تفرق ~~أكثرها في أهل الدار والقواد والخواص فانتزعت ذلك من أيديهم ولم تعوضهم ~~عنه. وقد أنفق أكثرهم النفقات العظيمة عليه، وانضاف هؤلاء إلى أولئك وصارت ~~كلمتهم واحدة في السعي عليك. وثالثتها: أن حلفت للخليفة وأنت في حبسه قبل ~~أن ms079 تقلدت من وزارته ما تقلدته أنه لم يبق لك وديعة ولا ذخيرة إلا وقد صدقته ~~عنها، ثم قعدت في ولايتك تطالب بالودائع ظاهرا، وتستخرجها شائعا، فكيف يمكن ~~إصلاح فساد هذه أسبابه؟ ولكنني أشير عليك برأي إن قبلته أحمدته. قال: وما ~~هو؟ قلت تقسط على نفسك وكتابك وعمالك مالا يقارب النصف من أحوالهم وتحمله ~~إلى الخليفة فترضيه به، وأعقد لك مع السيدة عقدا يقوم بأمرك معه، وأحلفها ~~عليه يمينا تسكن النفس إلى مثلها. وأنت وهم قادرون على الاعتياض فيما ~~تعطونه على مهل. فقال: أما هذا الرأي فقد أشار به علي جماعة من أسبابي، ~~منهم موسى بن خلف وابن فرجويه، وأبو الخطاب، وهشام قال أبو الحسين: وإنما ~~حدث ابن عبد الحميد أبي بهذا الحديث لتعلقه بذكره فخطأت جميعهم فيه، وقد ~~كنت عندي بعيدا من الخطأ، وقد شاركتهم فيه الآن. فقلت: وكيف؟ قال: ما بذل ~~قط وزير ولا كاتب ولا عامل بذلا على وجه المصادرة في ولايته إلا كان من ~~أكبر دواعي الطمع. وأكثر أسباب الحجة عليه، لأن أعداءه يقولون قد بان الآن ~~كثرة ماله وحاله بما بذله عفوا من نفسه ووراء ذلك أضعافه. ويكون هذا القول ~~مسموعا مقبولا، ويتم ما يتم وإن يدافع يوما ومدة وقد مضى المال # PageV01P112 # ضائعا. ومع هذا فأي شيء أقبح بي مع علو همتي وكثرة نعمتي من أن أنشئ ~~أصحابا وعمالا يلون بولايتي وينكبون بنكبتي ويتصرفون بتصرفي ويتعطلون ~~بعطلتي ثم أزيل نعمهم وأحوالهم بيدي وفي أيامي؟ القتل والله أهون من ذلك. ~~فعجبت من كبر نفسه وعظم كرمه، وانصرفت، فقبض عليه بعد أيام. وحدث أبو ~~الحسين قال. دخلت مع هشام والدي إلى أبي جعفر أحمد بن إسحاق ابن البهلول ~~القاضي عقيب عيد لأهنئه به، فتطاولا الحديث، وقال له والدي في عرضه: قد كنت ~~أكاتب الوزير يعني ابن الفرات في محبسه وأعرفه ما عليه القاضي من موالاته ~~ومشاركته والتألم من محنته، ومواصلة الدعاء بتفريجها عنه، وهو الآن على شكر ~~للقاضي واعتداد به. فلما سمع ذلك صرف من كان في مجلسه ms080 وخلوا. وقال له ~~القاضي: ليس يخفى علي ما أراه في عين الوزير ونظره من التغير والتنكر، وإن ~~كان ما نقضي من منزلة ولا عمل، وبالله أحلف لقد لقيت حامد بن العباس متلقيا ~~بالمدائن لما أصعد للوزارة، فقام إلي في حراقته قياما تاما، وأقبل علي ~~وسألني عن خبري وقال: هذا أمر لك ولولدك، وستعرف ما أفعله في زيادتك من ~~العمال والأرزاق، ثم لقيته يوم خلع عليه فتطاول لي، فلما فعلت في أمر ~~الوزير بحضرة أمير المؤمنين ما فعلته عاداني ولم يعرني طرفه من بعد، ~~وتخوفته حتى كفاني الله أمره بتفرد علي بن عيسى بالعمل، وتشاغله هو بالضمان ~~وسقوط الحاجة إلى لقائه، ومالي إلى الوزير ذنب يوجب انقباضه عني، واستيحاشه ~~مني إلا أنني # PageV01P113 # سلمت الوديعة التي كانت له عندي، والله لقد دافعت عنها بغاية ما أمكنتني ~~المدافعة به، مع ما اتي بحيث لا يمكن مثلي الكذب فيما يسأل عنه، حتى جاء ~~ابن حماد كاتب موسى بن خلف وأقر بها علي، وأقام الدليل بإحضار المرأة التي ~~كانت حملتها إلي، فلم أستطع مع هذه الحال إنكارها، ولم أجد بدا من تسليمها. ~~وقد فعل أبو عمر مثل ذلك فيما كان عنده، غير أنه أخذ مالا من ماله ووضعه في ~~أكياس وختمه بخاتم نفسه وكتب عليه علي بن محمد. فلما عاد الوزير قال له: إن ~~الوديعة بعينها عندي، وإنما غرمت ما غرمته من مالي، تقربا إليه وتنفقا عنده ~~ومالي من المال ما لأبي عمر، ولا عندي من الاستحلال مثل ما عنده، ولا جرت ~~عادتي أن أقدح في أمانتي ومروءتي بمثل فعله. والآن فأريد أن تستل سخيمة ~~الوزير وتصلح قلبه، وتذكره بحقي القديم عليه، ومقامي له بين يدي الخليفة ~~المقام الذي قمته، فإن مثله يرعى ويراعى. فقال له: ما الذي أفعل وأتلطف؛ ~~وقد اختلفت الأقوال فيما جرى ذلك اليوم، فإن رأى القاضي أن يشرحه لي. فقال ~~أبو جعفر كنت أنا وأبو عمر وحامد وعلي ابن عيسى بحضرة الخليفة، وفي المجلس ~~جماعة من خواصه الذين يعادون الوزير أيده ms081 الله وينحروه عنه، إذ أحضر # حامد الرجل الجندي الذي زعم أنه وجده راجعا من أردبيل إلى قزوين، ومترددا ~~بينهما وبين أصبهان والبصرة، وأنه أقر له عفوا أنه رسول ابن الفرات إلى ابن ~~أبي الساج في عقد الإمامة لرجل من الطالبيين المقيمين بطبرستان، وأن الشروع ~~واقع من الجماعة في أخذ البيعة له، ومسير ابن أبي الساج إلى بغداد به، حتى ~~إذا قرب عاونه ابن الفرات ومهد له من أمر الحضرة ما يجب تمهيده. وقال حامد ~~للرجل: اصدق عما عندك. فذكر مثل ما ذكره حامد عنه، ووصف أن موسى بن خلف ~~اختاره لابن الفرات لأنه من الدعاة إلى الطالبيين، وأن موسى قد كان مضى في ~~وقت من الأوقات إلى ابن أبي الساج في شيء من ذلك. فلما استتم الرجل قوله ~~اغتاظ الخليفة غيظا شديدا بان في وجهه، واقبل على أبي عمر فقال: ما عندك ~~فيمن فعل هذا واستجازه؟ فقال: لئن كان فعله لقد ركب عظيما، وأقدم على أمر ~~يضر بالمسلمين جميعا، واستحق كذا بكلمة عظيمة لا أحفظها. قال أبو جعفر: ~~وتبينت في وجه علي بن عيسى كراهية لما يجري وإنكارا لهذه الدعوى وهزؤا بما ~~قيل فيها، فقويت بذاك نفسي، وعطف الخليفة إلي فقال: ما عندك يا أحمد فيمن ~~فعل ما سمعته؟ قلت: إن رأى أمير المؤمنين أن يعفيني عن الجواب. قال: ولم؟ ~~قلت: لأنه ربما أغضب من أنا محتاج إلى رضاه، وخالف رأيه وهواه، واستضررت ~~بذلك ضررا أتأذى به. قال: لا بد من أن تقول. فقلت: الجواب ما قال الله ~~تعالى: " يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق ينبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما ~~بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ". ومثل هذا الأمر الكبير لا يقبل فيه ~~خبر الواحد، والعقل يمنع من قبول مثله على ابن الفرات، لأن من المحال أن ~~يرضى ببياعة ابن أبي الساج، ولعله ما كان يؤهله لحجابته في أيام وزارته. ثم ~~أقبلت على الرجل فقلت له: صف لي أردبيل أعليها سور أم لا؟ فلا شك في معرفتك ~~بذلك مع ms082 ما ذكرته من دخولك إياها. واذكر لي باب دار العمارة هل هو حديد أو ~~ملبس أم خشب؟ فلجلج في كلامه. ما كنية ابن محمود كاتب ابن أبي الساج؟ فلم ~~يعرف ذاك. وقلت: فأين الكتب التي معك؟ قال: لما أحسست بوقوعي في أيديهم ~~رميت بها إشفاقا من أن يجدوها معي فأعاقب. فقلت: يا أمير المؤمنين هذا رجل ~~جاهل مكتسب أو مدسوس من عدو غير محصل. فقال علي بن عيسى: قد قلت ذاك للوزير ~~فما قبل مني، وليس يخوف هذا فضلا عن أن ينزل به مكروه إلا وقد أقر بالصورة. ~~فأقبل الخليفة على نذير الحرمي وقال له: بحقي عليك إلا ضربته مائة مقرعة ~~أشد ضرب إلى أن يصدق وإنما عدل بهذا الأمر عن نصر الحاجب لما كان يعرفه من ~~عداوته لابن الفرات قال: فأخذ الرجل من حضرة الخليفة ليضرب على بعد. فقال: ~~لا، لا، ها هنا. فضرب بحيث يشاهده دون خمس مقارع. فقال: غررت وضمنت لي ~~ضمانات فكذبت، ووالله ما رأيت أردبيل قط. وطلب أبو معد نزار بن محمد الضبي ~~صاحب الشرطة فكان قد انصرف. وقال الخليفة لعلي بن عيسى: وقع إليه بأن يضربه ~~مائة سوط ويثقله بالحديد ويطرحه في المطبق. فوالله لقد رأيت حامدا وقد كاد ~~يسقط انخزالا وانكسارا ووجلا وإشفاقا. وخرجنا وجلسنا في دار نصر الحاجب ~~وانصرف حامد، وأخذ علي بن عيسى ينظر في أمور كلم فيها، وأخر أمر الرجل حتى ~~قال له ابن عبدوس حاجبه: قد أنفذ بدبر المضروب المتكذب. قال أبو جعفر: ~~فقلت: هذا رجل قد جهل، وغمني إذ كنت سببا لما لحقه، فإن أمكنك أن تسقط عنه ~~المكروه المستأنف أو بعضه كان لك فيه أجر. فقال: لعن الله هذا. وأي أجر في ~~مثله؟ ولكنني أقتصر به على خمسين مقرعة وأعفيه من السياط. ثم وقع بذلك إلى ~~نزار وانصرف. وقد صار حامد من أشد الناس حنقا علي وعداوة لي. امد الرجل ~~الجندي الذي زعم أنه وجده راجعا من أردبيل إلى قزوين، ومترددا بينهما وبين ~~أصبهان والبصرة، وأنه أقر ms083 له عفوا أنه رسول ابن الفرات إلى ابن أبي الساج ~~في عقد الإمامة لرجل من الطالبيين المقيمين بطبرستان، وأن الشروع واقع من ~~الجماعة في أخذ البيعة له، ومسير ابن أبي الساج إلى بغداد به، حتى إذا قرب ~~عاونه ابن الفرات # PageV01P114 # ومهد له من أمر الحضرة ما يجب تمهيده. وقال حامد للرجل: اصدق عما عندك. ~~فذكر مثل ما ذكره حامد عنه، ووصف أن موسى بن خلف اختاره لابن الفرات لأنه ~~من الدعاة إلى الطالبيين، وأن موسى قد كان مضى في وقت من الأوقات إلى ابن ~~أبي الساج في شيء من ذلك. فلما استتم الرجل قوله اغتاظ الخليفة غيظا شديدا ~~بان في وجهه، واقبل على أبي عمر فقال: ما عندك فيمن فعل هذا واستجازه؟ ~~فقال: لئن كان فعله لقد ركب عظيما، وأقدم على أمر يضر بالمسلمين جميعا، ~~واستحق كذا بكلمة عظيمة لا أحفظها. قال أبو جعفر: وتبينت في وجه علي بن ~~عيسى كراهية لما يجري وإنكارا لهذه الدعوى وهزؤا بما قيل فيها، فقويت بذاك ~~نفسي، وعطف الخليفة إلي فقال: ما عندك يا أحمد فيمن فعل ما سمعته؟ قلت: إن ~~رأى أمير المؤمنين أن يعفيني عن الجواب. قال: ولم؟ قلت: لأنه ربما أغضب من ~~أنا محتاج إلى رضاه، وخالف رأيه وهواه، واستضررت بذلك ضررا أتأذى به. قال: ~~لا بد من أن تقول. فقلت: الجواب ما قال الله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا ~~إن جاءكم فاسق ينبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم ~~نادمين ". ومثل هذا الأمر الكبير لا يقبل فيه خبر الواحد، والعقل يمنع من ~~قبول مثله على ابن الفرات، لأن من المحال أن يرضى ببياعة ابن أبي الساج، ~~ولعله ما كان يؤهله لحجابته في أيام وزارته. ثم أقبلت على الرجل فقلت له: ~~صف لي أردبيل أعليها سور أم لا؟ فلا شك في معرفتك بذلك مع ما ذكرته من ~~دخولك إياها. واذكر لي باب دار العمارة هل هو حديد أو ملبس أم خشب؟ # PageV01P115 # فلجلج في كلامه. ما كنية ابن محمود ms084 كاتب ابن أبي الساج؟ فلم يعرف ذاك. ~~وقلت: فأين الكتب التي معك؟ قال: لما أحسست بوقوعي في أيديهم رميت بها ~~إشفاقا من أن يجدوها معي فأعاقب. فقلت: يا أمير المؤمنين هذا رجل جاهل ~~مكتسب أو مدسوس من عدو غير محصل. فقال علي بن عيسى: قد قلت ذاك للوزير فما ~~قبل مني، وليس يخوف هذا فضلا عن أن ينزل به مكروه إلا وقد أقر بالصورة. ~~فأقبل الخليفة على نذير الحرمي وقال له: بحقي عليك إلا ضربته مائة مقرعة ~~أشد ضرب إلى أن يصدق وإنما عدل بهذا الأمر عن نصر الحاجب لما كان يعرفه من ~~عداوته لابن الفرات قال: فأخذ الرجل من حضرة الخليفة ليضرب على بعد. فقال: ~~لا، لا، ها هنا. فضرب بحيث يشاهده دون خمس مقارع. فقال: غررت وضمنت لي ~~ضمانات فكذبت، ووالله ما رأيت أردبيل قط. وطلب أبو معد نزار بن محمد الضبي ~~صاحب الشرطة فكان قد انصرف. وقال الخليفة لعلي بن عيسى: وقع إليه بأن يضربه ~~مائة سوط ويثقله بالحديد ويطرحه في المطبق. فوالله لقد رأيت حامدا وقد كاد ~~يسقط انخزالا وانكسارا ووجلا وإشفاقا. وخرجنا وجلسنا في دار نصر الحاجب ~~وانصرف حامد، وأخذ علي بن عيسى ينظر في أمور كلم فيها، وأخر أمر الرجل حتى ~~قال له ابن عبدوس حاجبه: قد أنفذ بدبر المضروب المتكذب. قال أبو جعفر: ~~فقلت: هذا رجل قد جهل، وغمني إذ كنت سببا لما لحقه، فإن أمكنك أن تسقط عنه ~~المكروه المستأنف أو بعضه كان لك فيه أجر. فقال: لعن الله هذا. وأي أجر في ~~مثله؟ ولكنني أقتصر به على خمسين مقرعة وأعفيه من السياط. ثم وقع # PageV01P116 # بذلك إلى نزار وانصرف. وقد صار حامد من أشد الناس حنقا علي وعداوة لي. # وحدث أبو الحسين علي بن هشام قال: لما وزر أبو الحسن بن الفرات وزارته ~~الأولى وجد سليمان بن الحسن يتقلد مجلس المقابلة في ديوان الخاصة من قبل ~~علي بن عيسى، وهو صاحب الديوان إذ ذاك، فقلده الديوان بأسره، وأقام يتقلده ~~سنتين. واتفق أن ms085 قام في بعض العشيات يصلي المغرب، فسقطت من كمه رقعة بخطه ~~فيها سعاية بابن الفرات وأسبابه، وسعي لابن عبد الحميد كاتب السيدة في ~~الوزارة، فوقعت في يد أحد الحواشي، فحملها إلى ابن الفرات، فلما وقف عليها ~~قبض عليه من وقته، وأنفذه في زورق مطبق إلى واسط، فصودر هناك وضرب. ثم رفع ~~صاحب البريد إلى ابن الفرات في جملة رفوعه أن أم سليمان ماتت ببغداد ولم ~~يحضرها ولدها ولا شاهدته قبل موتها، فاغتم بذلك وهزته الرعاية لأن كتب إليه ~~بخطه كتابا أقرأناه سليمان من بعده فحفظته وهو: ميزت أكرمك الله بين حقك ~~وجرمك، فوجدت الحق يوفي على الجرم، وذكرت من سالف خدمتك في المنازل التي ~~فيها ربيت، وبين أهلها غذيت، ما ثناني إليك، وعطفني عليك، وأعادني لك إلى ~~أفضل ما عهدت، وأجمل ما ألفت، فثق أكرمك الله بذلك واسكن إليه، وعول في ~~صلاح ما اختل من أمرك عليه. واعلم أنني أراعي فيك حقوق أبيك التي تقوم ~~بتوكد السبب مقام اللحمة والنسب وتسهل ما عظم من جنايتك، وتقلل # PageV01P117 # ما كثر من إساءتك، ولن أدع مراعاتها والمحافظة عليها، إن شاء الله، وقد ~~قلدتك أعمال دستميان لسنة ثمان وتسعين ومائتين وبقايا ما قبلها، وكتبت إلى ~~أحمد ابن حبش بحمل عشرة آلاف درهم إليك، فتقلد هذه الأعمال وأظهر فيها أثرا ~~حميدا يبين عن كفايتك، ويؤدي إلى ما احبه من زيادتك إن شاء الله. # وحدث القاضي أبو علي المحسن بن علي التنوخي قال: حدثني أبو الحسين علي ~~ابن هشام قال: كنت حاضرا مع أبي مجلس أبي الحسن بن الفرات في شهر ربيع ~~الآخر سنة خمس وثلاثمائة في وزارته الثانية فسمعته يتحدث ويقول: دخل إلي ~~أبو الهيثم العباس بن محمد بن ثوابة الأنباري في محبسي في دار المقتدر ~~بالله وطالبني بأن أكتب له خطي بثلاثة عشر ألف ألف دينار. فقلت: هذا مال ما ~~جرى على يدي للسلطان في طول أيام ولايتي فكيف أصادر على مثله؛ قال: قد حلفت ~~بالطلاق على أنه لا بد أن تكتب بذلك. فكتبت ms086 له بثلاثة عشر ألف ألف، ولم ~~أذكر درهما ولا دينارا. فقال اكتب دينارا لأبرأ من يميني فكتبت وضربت عليه ~~وخرقت الرقعة ومضغتها وقلت: قد برت يمينك ولا سبيل بعد ذلك إلى كتب شيء. ~~فاجتهد ولم أفعل، ثم عاد إلي من غد ومعه أم موسى القهرمانة، وجدد مطالبتي ~~وأسرف في شتمي، ورماني بالزنا، فحلفت بالطلاق والعتاق وتمام الأيمان الغموس ~~أنني ما دخلت في محظور من هذا الجنس منذ نيف وثلاثين سنة، وسمته أن يحلف # PageV01P118 # بمثل يميني على أن غلامه القائم على رأسه لم يأته في ليلته تلك. فأنكرت ~~أم موسى هذا القول، وغطت وجهها حياء منه. فقال لها ابن ثوابة: هذا رجل بطر ~~بالأموال التي معه، ومثله مثل المزين مع كسرى، والحجام مع الحجاج بن يوسف. ~~فتستأمرين السادة في إنزال المكروه به حتى يذعن بما يراد منه وكان قوله: ~~السادة، إشارة إلى المقتدر بالله والسيدة والدته وخاطف ودستنويه أم ولد ~~المعتضد بالله، وهم إذ ذاك مستولون على التدبير لصغر المقتدر بالله فقامت ~~أم موسى وعادت وقالت لابن ثوابة: يقول لك السادة: قد صدقت فيما قلت ويدك ~~مطلقة فيه. قال ابن الفرات: وكنت في دار لطيفة، والحر شديد فتقدم بتنحية ~~البواري عن سمائها حتى نزلت الشمس إلى صحنها، وإغلاق أبواب بيوتها، فحصلت ~~في الشمس من غير أن أجد مستظلا منها، ثم قيدني بقيد ثقيل، وألبسني جبة صوف ~~قد نقعت في ماء الأكارع، وغلني بغل، وأقفل باب الحجرة وانصرف، فأشرفت على ~~التلف. وعددت على نفسي ما عاملت الناس به، فوجدتني قد عملت كل شيء منه، من ~~مصادرة ونهب وقبض ضياع وحبس وتقييد وتضييق وإلباس جباب الصوف، وتسليم قوم ~~إلى أعدائهم وتمكينهم من مكروههم، ولم أذكر أنني غللت أحدا، فقلت: يا نفس ~~هذه زيادة. ثم فكرت أن النرسي كاتب الطائي ضمنني من عبيد الله بن سليمان، ~~فلم يسلمني إليه وسلمه إلي فسلمته إلى الحسن المعلوف المستخرج، وكان عسوفا، ~~وأمرته بتقييده وتعذيبه ومطالبته بمال حددته له، وألط # PageV01P119 # ولم يود، فتقدمت بغله ثم ندمت بعد أن ms087 غل مقدار ساعتين. وأمرت بإنزال الغل ~~عنه. وتجاوزت الساعتين وأنا مغلول، فذكرت أمرا آخر، وهو أنه لما قرب سبكرى ~~مأسورا مع رسول صاحب خراسان كتبت إلى بعض عمال المشرق بمطالبته بأمواله ~~وذخائره. فكتب بإلطاطه وامتناعه، فكتبت بأن يعل، فوصل الكتاب الأول وغل، ~~وتلاه الثاني بعد ساعتين فحل. فلما تجاوزت عني أربع ساعات سمعت صوت غلمان ~~مجتازين في الممر الذي فيه حجرتي، فقال الخدم الموكلون: هذا بدر الحرمي وهو ~~صنيعتك. فاستغثت به وصحت: يا أبا الخير، لي عليك حقوق، وأنا في حال أتمنى ~~معها الموت، فتخاطب السادة وتذكرهم حرمتي وخدمتي في تثبيت دولتهم لما قعد ~~الناس عن نصرتهم، وافتتاحي البلدان المأخوذة، واستيفائي الأموال المنكسرة، ~~وإن لم يكن إلا مؤاخذتي بذنب ينقم علي فالسيف فإنه أروح. فرجع ودخل إليهم ~~وخاطبهم ورققهم، وأمروا بحل الحديد كله عني، وتغيير لباسي وأخذ شعري، ~~وإدخالي الحمام وتسليمي إلى زيدان، وراسلوني: بأنك لا ترى بعد ذلك بؤسا. ~~وأقمت عند زيدان مكرما إلى أن رددت إلى هذا المجلس. قال أبو الحسين: ثم ضرب ~~الدهر ضربه فدخلت إليه مع أبي في الوزارة الثالثة وقد غلب المحسن على رأيه ~~وأمره. فقال له أبي: قد أسرف أبو أحمد في مكاره الناس حتى أنه يضرب من لو ~~قال له: اكتب خطك بما يريده منه لكتب بغير ضرب. ثم يواقف المصادر على ~~الأداء في وقت بعينه، فإن تأخر إيراد # PageV01P120 # الروز به، أعاد ضربه. ومع هذا الفعل شناعة مع خلوه من فائدة. فقال له أبو ~~الحسن: يا أبا القاسم، لو لم يفعل أبو أحمد ما يفعله بأعدائنا ومن أساء ~~معاملتنا لما كان من أولاد الأحرار ولكان نسل هوان. أنت تعلم أنني قد أحسنت ~~إلى الناس دفعتين فما شكروني، وسعوا على دمي. ووالله لأسلكن بهم ضد تلك # الطريقة. فلما خرجنا من حضرته قال لي أبي: سمعت أعجب من هذا القول؟ إذ ~~كنا لم نسلم مع الإحسان نسلم مع الإساءة؟ فما مضى إلا أيام يسيرة حتى قبض ~~عليه وجرى ما جرى في أمره. قال القاضي أبو ms088 علي التنوخي قلت لأبي الحسين بن ~~هشام: قد عرفنا خبر المزين مع كسرى وهو أنه جلس ليصلح وجهه فقال له: أيها ~~الملك، زوجني بنتك، فأمر بأن يقام، فأقيم. وقيل له: ما قلت؟ فقال: لم أقل ~~شيئا. ففعل به ذلك ثلاث دفعات. فقال الملك: لهذا المزين خطب، وأحضر أهل ~~الرأي فأخبرهم بحاله. فقال جميعهم: ما أنطق هذا المزين إلا باعث بعثه من ~~مال وراء ظهره. فأنفذ إلى منزله فلم يوجد له شيء. فقال الملك: احفروا مكان ~~مقعده عند خدمته لي، فحفر فوجد تحته كنز عظيم. فقال الملك: هذا الكنز كان ~~يخاطبني. ثم قلت لأبي الحسين: فهل تعرف خبر الحجام مع الحجاج؟ قال: نعم. ~~بلغنا أن الحجاج احتجم ذات يوم، فلما ركب المحاجم على رقبته قال له: أحب ~~أيها الأمير أن تخبرني بخبرك مع ابن الأشعث، وكيف عصا عليك. فقال له: لهذا ~~الحديث وقت آخر، وإذا فرغت من شأنك حدثتك. فأعاد مسألته وكررها، والحجاج ~~يدفعه ويعده ويحلف له على الوفاء له. فلما فرغ ونزع المحاجم عنه، وغسل ~~الدم، أحضر الحجام وقال له: إنا وعدناك بأن نحدثك حديث ابن الأشعث معنا، ~~وحلفنا لك، ونحن محدثوك: يا غلام، السياط. فأتي بها، فأمر الحجاج فجرد ~~وعلته السياط، واقبل الحجاج يقص عليه قصة ابن الأشعث بأطول حديث. فلما فرغ ~~استوفى الحجام خمسمائة سوط، فكاد يتلف. ثم رفع الضرب وقال له: قد وفينا لك ~~بالوعد، وأي وقت أحببت أن تسأل خبرنا مع غير ابن الأشعث على هذا الشرط ~~أجبناك. الطريقة. فلما خرجنا من حضرته قال لي أبي: سمعت أعجب من هذا القول؟ ~~إذ كنا لم نسلم مع الإحسان نسلم مع الإساءة؟ فما مضى إلا أيام يسيرة حتى ~~قبض عليه وجرى ما جرى في أمره. قال القاضي أبو علي التنوخي قلت لأبي الحسين ~~بن هشام: قد عرفنا خبر المزين مع كسرى وهو أنه جلس ليصلح وجهه فقال له: ~~أيها الملك، زوجني بنتك، فأمر بأن يقام، فأقيم. وقيل له: ما قلت؟ فقال: لم ~~أقل شيئا. ففعل به ذلك ثلاث ms089 دفعات. فقال الملك: لهذا المزين خطب، وأحضر أهل ~~الرأي فأخبرهم بحاله. فقال جميعهم: ما أنطق هذا المزين إلا باعث بعثه من ~~مال وراء ظهره. فأنفذ إلى منزله فلم يوجد له شيء. فقال الملك: احفروا مكان ~~مقعده عند خدمته لي، فحفر فوجد تحته كنز عظيم. فقال الملك: هذا الكنز كان ~~يخاطبني. ثم قلت لأبي الحسين: فهل تعرف خبر الحجام مع الحجاج؟ قال: نعم. ~~بلغنا أن الحجاج احتجم ذات يوم، فلما ركب المحاجم على رقبته قال له: أحب ~~أيها الأمير أن تخبرني بخبرك مع ابن الأشعث، وكيف عصا عليك. فقال له: لهذا ~~الحديث وقت آخر، وإذا فرغت من شأنك حدثتك. فأعاد مسألته وكررها، والحجاج ~~يدفعه ويعده ويحلف له على الوفاء له. فلما فرغ ونزع المحاجم عنه، وغسل ~~الدم، أحضر الحجام وقال له: إنا وعدناك بأن نحدثك حديث # PageV01P121 # ابن الأشعث معنا، وحلفنا لك، ونحن محدثوك: يا غلام، السياط. فأتي بها، ~~فأمر الحجاج فجرد وعلته السياط، واقبل الحجاج يقص عليه قصة ابن الأشعث ~~بأطول حديث. فلما فرغ استوفى الحجام خمسمائة سوط، فكاد يتلف. ثم رفع الضرب ~~وقال له: قد وفينا لك بالوعد، وأي وقت أحببت أن تسأل خبرنا مع غير ابن ~~الأشعث على هذا الشرط أجبناك. # وحدث القاضي أبو علي التنوخي قال: حدثني أبو الحسين بن هشام قال: حدثني ~~أبو علي بن مقلة قبل وزارته قال: عزم أبو الحسن بن الفرات في وزارته الأولى ~~يوما على الصبوح من غد، وكان يوم الأحد من رسمه أن يجلس للمظالم فيه. ثم ~~قال له: كيف نتشاغل نحن بالسرور، ونصرف عن بابنا قوما كثيرين قد قصدوا من ~~نواح بعيدة وأقطار شاسعة مستصرخين متظلمين؟ فهذا من أمير، وهذا من عامل، ~~وهذا من قاض، وهذا من متعزز، ويمضون مغمومين داعين علينا. والله ما أطيب ~~نفسا بذلك، ولكن أرى أن تجلس أنت يا أبا علي ساعة ومعك أحمد بن عبيد الله ~~بن رشيد صاحب ديوان المظالم وتستدعيا القصص وتوقعا منها فيما يجوز توقيعكما ~~فيه، وتفردا ما لا بد من وقوفي عليه، ms090 وتحضرانيه لأوقع فيه، وينصرف أرباب ~~الظلامات مسرورين، وأتهنأ يومي بذلك. فقلت: السمع والطاعة. وبكرت من غد ~~فقال لي: اخرج واجلس على ما واقفتك عليه. فخرجت ومعي ابن رشيد، وجلسنا ~~ووقعنا في جمهور ما رفع إلا عشر رقاع كانت مما يحتاج إلى وقوفه عليها ~~توقيعه بخطه فيها، وكان منها رقعة كبيرة ضخمة ترجمتها: المتظلمون من أهل ~~روذمستان وهرمزجرد وهما ناحيتان من السيب الأسفل وجنبلاء، وكانتا إذ ذاك # PageV01P122 # في إقطاع السيدة. وقدرت أنها في ظلامة من وكيلها في تغيير رسم ونقص طسق. ~~فجعلتها فيما أوردته، وعدت إلى أبي الحسن فعرفته ما جرى. فأخذ الرقاع ولم ~~يزل يوقع فيها إلى أن انتهى إلى هذه الرقعة، فقرأها ووجهه يربد ويصفر، ~~وينتقل من لون إلى لون، فضاق صدري وندمت على ترك قراءتها وقلت: لعل فيها ~~أمرا يتهمني فيه، وأخذت ألوم نفسي على تفريطي فيما فرطت فيه. وفرغ منها، ~~فكتمني ما وقف عليه فيها وقال: هاتوا أهل روذمستان وهرمزجرد. فصاح الحجاب ~~دفعات، فلم يجب أحد، وقام وهو مهموم منكسر، ولم يذاكرنا بأمر أكل ولا شرب ~~ودخل بعض الحجر، وتأخر أكله، وزاد شغل قلبي، وقلت لخليفة لساكن صاحب ~~الدواة، وكان أميا: أريد رقعة لابن بسام الشاعر، عليها خرج لأقف عليه، ولم ~~أزل أخدعه حتى مكنني من تفتيش ما هو مع الدواة، ولو كان ساكن حاضرا لما تم ~~لي ذلك. وأخذت الرقعة فإذا هي رقعة بعض أعداء ابن الفرات، وقد قطعه فيها ~~بالثلب والطعن وتعديد المساوئ والقبائح، وهدده بالسعاية، وقال فيما قاله: ~~قد قسمت الملك بين نفسك وأولادك وأهلك وأقاربك وكتابك وحواشيك، واطرحت جميع ~~الناس، وأقللت الفكر في عواقب هذه الأفعال، وما ترضى لمن تنقم عليه ما ~~تنقمه بالإبعاد وتشتيت الشمل حتى تودعهم الحبوس وتفعل وتصنع. وختمها بأبيات ~~هي: # لو كان ما أنتم فيه يدوم لكم ... ظننت ما أنا فيه دائما أبدا # لكن رأيت الليالي غير تاركة ... ما ساء من حادث أو سر مطردا # وقد سكنت إلى أني وأنكم ... سنستجد خلاف الحالتين غدا # PageV01P123 # قال وبطل صبوح أبي الحسن، ms091 ودعانا وقت الظهر فأكلنا معه على الرسم، ولم ~~أزل أبسطه وأقول أقوالا تسكنه، إلى أن شرب بعد انتباهه من نومه غبوقا، ومضى ~~على هذا اليوم أربعة أشهر وقبض عليه، واستترت عند الحسين بن عبد الأعلى. ~~فلما خلع على أبي علي محمد بن عبيد الله بن خاقان جلسنا نتحدث ونتذاكر أمر ~~ابن الفرات. فقال لي ابن عبد الأعلى: كنت جالسا في سوق السلاح أنتظر جواز ~~الخاقاني بالخلع لأقوم إليه وأهنئه، فاتفق معي رجل شاب حسن الهيئة، جميل ~~البزة، وحدثني أنه صاحب لأبي الحسين محمد بن أحمد بن أبي البغل، وأنه أنفذه ~~من أصبهان قاصدا حتى دس إلى ابن الفرات رقعة على لسان بعض المتظلمين، فيها ~~كل طعن وثلب ودعاء وسب وتوعد وتهدد وفي آخرها شعر. فقلت له: على رسلك هذه ~~الرقعة على يدي جرت ووصلت إلى ابن الفرات، وخرج الحديث متقابلا. # وحدث القاضي أبو علي قال: حدثني أبو الحسين بن هشام قال: سمعت أبي يقول ~~لأبي علي بن مقلة في أول وزارته الأولى وقد جلس مجلسا نقض فيه الأعمال وبان ~~منه فضل كفاية واستقلال: العمل في يد الوزير أيده الله ذليل. فقال: على هذه ~~الحال نشأنا يا أبا القاسم، وأخذناها عمن كانت الدنيا والمملكة يطرحان ~~الأثقال عليه فنهض بها يعني أبا الحسن بن الفرات ثم قال أبو علي: لقد رأيته ~~جالسا في الديوان للمظالم، والوزير إذ ذاك القاسم بن عبيد الله، فتظلم إليه ~~رجل من رسم ثقله عليه الطائي وغير به رسما له قديما خفيفا، ويسأل رده إلى ~~ما كان عليه أولا. وهو يقول: قد سمتني أن أبطل رسما قرره أبو جعفر الطائي ~~رحمه الله في محله من العدل والثقة والبصيرة بأسباب العمارة، وقد درت عليه ~~الأموال، وصلحت # PageV01P124 # الأحوال، وأحمده لجمهور، واستقامت عليه الأمور. وهذا سوم إعنات. ويكتب ~~بحمله على ما رسمه أبو جعفر. ثم رأيت مرة ثانية متظلما آخر من رسم ثقيل ~~حففه الطائي لعلمه بأن الضيعة لا تحتمل غيره، وقد اعترض عليه فيه ويسأل ~~إجراءه على رسم الطائي فيقول ms092 له: يا بارك الله عليك، ليس الطائي أبا بكر ~~الصديق أو عمر بن الخطاب أو علي بن أبي طالب الذين نقتفي آثارهم ونمضي ~~أفعالهم. وإنما الطائي ضامن عمل، رأى ما رآه حظا لنفسه، وما يلزم السلطان ~~تقريره، وأنت معنت في تظلمك. ويكتب بأن يجرى على الرسم القديم الثقيل. ~~ويخاطب كلا من الرجلين بلسان غير اللسان الآخر شحا على الأموال وحفظا لها. ~~وحكى القاضي أبو علي التنوخي قال: اجتمعت مع أبي علي بن أبي عبد الله ابن ~~الجصاص، فرأيت شيخا حسن المحاضرة، وحدثني قال: حدثني أبي قال: لما ولي أبو ~~الحسن بن الفرات إحدى وزاراته قصدني قصدا قبيحا، وأطلق لسانه في ثالبا ~~متنقصا، ورسم للعمال حط ضياعي ونقص معاملاتي، وأدام الغص مني والكسر بجاهي، ~~ووسطت بيني وبينه جماعة من الناس، وبذلت له بذلا في مثله ما صلحت القلوب، ~~فأقام على أمره، وأقمت على احتماله، إلى أن زاد الأمر، وسمعت حاجبه يقول ~~وقد وليت عنه: أي بيت مال يمشي على وجه الأرض؟ أي ألفي ألف دينار مالها من ~~يأخذها؟ فعلمت أن القول قول صاحبه، وأنني منكوب على يده. وكان عندي في ~~الوقت ما قدرته وقيمته سبعة آلاف دينار مالا وجوهرا سوى باقي المملوكات، ~~فضاقت علي الدنيا، وأشفقت إشفاقا شديدا، وسهرت أكثر # PageV01P125 # ليلي مفكرا في تدبير أمري. ثم عن لي الرأي آخر الليل إلى أن ركبت إلى ابن ~~الفرات، فوجدت بابه مغلقا لم يفتح بعد فدققته. فقال البوابون: من الطارق؟ ~~فقلت: ابن الجصاص. فقالوا: الوزير نائم وما هذا وقت وصول. فقلت: عرفوا ~~الحجاب أنني حضرت في مهم، فعرفوهم. فخرج إلي أحدهم وقال: الساعة تنبه، تجلس ~~ساعة وتدخل. قلت: الأمر أهم من ذلك. فدخل وعرفه ما قلته له. وخرج بعد ساعة ~~وأدخلني من دار إلى أخرى حتى وصلت إلى مرقده، وهو على سريره، وحواليه خمسون ~~فراشا كأنهم حفظة، ووجدته مرتاعا من قولي، وقد ظن حدوث حادثة، وأنني جئته ~~برسالة الخليفة. فلما رآني وقال لي: ما جاء بك في هذا الوقت؟ قلت: خير، وما ~~حدثت ms093 حادثة، ولا معي رسالة، وإنما حضرت في أمر يخص الوزير ويخصني، ولم يجز ~~إيراده إلا على خلوة تامة. فسكن ثم قال لمن كان حواليه: انصرفوا. فمضوا ~~وقال: هات. قلت: قصدتني أيها الوزير أعظم قصد، وشرعت في هلاكي وزوال نعمتي ~~من كل وجه، وليس من المهجة والنعمة عوض. ولعمري إنني قد أسأت في خدمتك، ~~وحرمت التوفيق في معاملتك، إلا أن في بعض هذه المقابلة بلاغا وكفاية، وما ~~تركت بابا في صلاح قلبك إلا طرقته، ولا أمرا في استعطاف رأيك إلا قصدته، ~~ووسطت بيني وبينك فلانا وفلانا، وبذل لك كذا وكذا، وأنت مقيم على أمرك في ~~أذيتي، وما حيوان أضعف من السنور، وإذا عاثت في دكان بقال ثم ملكها ولزمها ~~ولزها إلى زواية ليخنقها وثبت عليه، وخدشت وجهه، وخرقت ثيابه، وطلبت الخلاص ~~بكل ما تقدر عليه، وقد وجدت نفسي معك في هذه المنزلة، ورأيتها كالسنور التي ~~هي على هذه الصورة. فإن صلحت لي، وفعلت ما تقتضيه الفتوة # PageV01P126 # والمروءة معي، وإلا فعلي وعلي وحلفت له أيمانا مغلظة لأقصدن الخليفة ~~الساعة، ولأحولن إليه ألفي ألف دينار عينا من خزانتي، فلا يصبح إلا وهي في ~~يديه، وأنت تعلم قدرتي عليها، ولأقولن له: خذ المال، واستوزر فلانا، وسلم # ابن الفرات إليه. نعم، ولا أذكر له إلا من يقبله قلبه، ويكون فيه نفاذ ~~وحركة ولسان ومحرقة، ما يتعدى هذه الصفة أحد كتابك فيسلمك والله في الحال ~~حرصا على المال، ويراني المتقلد بمنزلة من أعطى ماله في قضاء حقه وبلوغ ~~غرضه، فيخدمني ويتدبر بتدبيري، ويتسلمك فينتهي في مكروهك إلى حد يستخرج به ~~المال منك، ويرده علي، وحالك تحتمله، ولكنك تفتقر بعده، فأكون قد حرست ~~نفسي، وشفيت غيظي، وأهلكت عدوي واسترجعت مالي، وازددت محلا بصرف وزير ~~وتقليد وزير. فلما استوفى قولي سقط في يديه وقال: يا عدو الله، أو تستحل ~~ذلك مني؟ قلت: لست عدو الله، ولكني أستحل السعي على من يريد هلاكي وإزالة ~~نعمتي فقال: أو أي شيء؟ قلت: تحلف لي الساعة بما أستحلفك به، على أن تكون ms094 ~~معي لا علي، وأن تجريني على رسومي، وتحرس ضياعي، وترفع مني، وتعتقد الجميل ~~في ولا تسعى لي في سوء، ولا تمكن مني أبدا ظاهرا أو باطنا، وتفعل كل ما ~~تؤمنني به. فقال: وتحلف لي أيضا على إخلاص النية، واعتقاد الطاعة، واعتماد ~~المؤازرة والمظاهرة. فقلت: أفعل، وعملنا نسخة يمين حلف وحلفت بها على ~~الشرائط المقدم ذكرها. وقال لي بعد ذلك: لعنك الله فما أنت إلا إبليس، ~~والله لقدر سحرتني وعظمت مع ذلك في نفسي، وخففت ثقلا عن قلبي، ولعمري إن ~~المقتدر بالله لا يفرق بين موقعي وغنائي وكفايتي، وبين أخس كتابي مع الطمع ~~الحاضر والمال المبذول، فليكن ما جرى منطويا. فقلت: سبحان الله. فقال: إذا ~~كان من غد فادخل إلى مجلس العموم لترى ما أعاملك به. فقمت وقال: يا غلمان، ~~بين يدي أبي عبد الله. فخرج بين يدي نحو مائتي غلام وعدت إلى داري. ولما ~~طلع الفجر جئته عند الإصباح، وقد جلس في المجلس العام، فرفعني على كل من ~~بحضرته، وقرظني تقريظا كثيرا، ووصفني وصفا جميلا، حتى علم الحاضرون صلاح ~~رأيه، وأمر بإنشاء الكتب إلى عمال النواحي بصيانة ضياعي، وإعزاز وكلائي، ~~وإمضاء رسومي، ووقع إلى كتاب الدواوين بإبطال ما ثبت فيها من الزيادة علي، ~~وقص معاملاتي، فدعوت له وشكرته، وقمت، فقال: يا غلمان، بين يديه. فخرج ~~الحجاب يجرون سيوفهم، والناس يشاهدونهم، ورجع جاهي واستقامت أموري. فما ~~حدثت بذلك إلا بعد القبض عليه. قال القاضي أبو علي: فقال لي أبو علي بن ~~الجصاص عند استتمامه لهذا الحديث: فهل فعل أبي ما فعله مما يليق بما يقال ~~فيه ويحكى عنه؟ قلت: لا. قال: فكانت له في تلك المقالات والحماقات المروية ~~إن كانت حقا أغراض غير معروفة. بن الفرات إليه. نعم، ولا أذكر له إلا من ~~يقبله قلبه، ويكون فيه نفاذ وحركة ولسان ومحرقة، ما يتعدى هذه الصفة أحد ~~كتابك فيسلمك والله في الحال حرصا على المال، ويراني المتقلد بمنزلة من ~~أعطى ماله في قضاء حقه وبلوغ غرضه، فيخدمني ويتدبر بتدبيري، ويتسلمك فينتهي ~~في ms095 مكروهك إلى حد يستخرج به المال منك، ويرده علي، وحالك تحتمله، ولكنك ~~تفتقر بعده، فأكون قد حرست نفسي، وشفيت غيظي، وأهلكت عدوي واسترجعت مالي، ~~وازددت محلا بصرف وزير وتقليد وزير. فلما استوفى قولي سقط في يديه وقال: يا ~~عدو الله، أو تستحل ذلك مني؟ قلت: لست عدو الله، ولكني أستحل السعي على من ~~يريد هلاكي وإزالة نعمتي فقال: أو أي شيء؟ قلت: تحلف لي الساعة بما أستحلفك ~~به، على أن تكون معي لا علي، وأن تجريني على رسومي، وتحرس ضياعي، وترفع ~~مني، وتعتقد الجميل في ولا تسعى لي في سوء، ولا تمكن مني أبدا ظاهرا أو ~~باطنا، وتفعل كل ما تؤمنني به. فقال: وتحلف لي أيضا على إخلاص النية، ~~واعتقاد الطاعة، واعتماد المؤازرة والمظاهرة. فقلت: أفعل، وعملنا نسخة يمين # PageV01P127 # حلف وحلفت بها على الشرائط المقدم ذكرها. وقال لي بعد ذلك: لعنك الله فما ~~أنت إلا إبليس، والله لقدر سحرتني وعظمت مع ذلك في نفسي، وخففت ثقلا عن ~~قلبي، ولعمري إن المقتدر بالله لا يفرق بين موقعي وغنائي وكفايتي، وبين أخس ~~كتابي مع الطمع الحاضر والمال المبذول، فليكن ما جرى منطويا. فقلت: سبحان ~~الله. فقال: إذا كان من غد فادخل إلى مجلس العموم لترى ما أعاملك به. فقمت ~~وقال: يا غلمان، بين يدي أبي عبد الله. فخرج بين يدي نحو مائتي غلام وعدت ~~إلى داري. ولما طلع الفجر جئته عند الإصباح، وقد جلس في المجلس العام، ~~فرفعني على كل من بحضرته، وقرظني تقريظا كثيرا، ووصفني وصفا جميلا، حتى علم ~~الحاضرون صلاح رأيه، وأمر بإنشاء الكتب إلى عمال النواحي بصيانة ضياعي، ~~وإعزاز وكلائي، وإمضاء رسومي، ووقع إلى كتاب الدواوين بإبطال ما ثبت فيها ~~من الزيادة علي، وقص معاملاتي، فدعوت له وشكرته، وقمت، فقال: يا غلمان، بين ~~يديه. فخرج الحجاب يجرون سيوفهم، والناس يشاهدونهم، ورجع جاهي واستقامت ~~أموري. فما حدثت بذلك إلا بعد القبض عليه. قال القاضي أبو علي: فقال لي أبو ~~علي بن الجصاص عند استتمامه لهذا الحديث: فهل فعل أبي ما ms096 فعله مما يليق بما ~~يقال فيه ويحكى عنه؟ قلت: لا. قال: فكانت له في تلك المقالات والحماقات ~~المروية إن كانت حقا أغراض غير معروفة. # PageV01P128 # وحدث أبو الحسين عبد الله بن أحمد بن عياش القاضي: أن رجلا اتصلت عطلته، ~~وانقطعت مادته، فحمل نفسه على أن زور كتابا من أبي الحسن بن الفرات إلى أبي ~~زنبور المادرائي عامل مصر في معناه متضمنا للوصاة به، والتأكيد في الإقبال ~~عليه، والإحسان إليه، وخرج إليه فلقيه، وارتاب أبو زنبور بأمره لتغير ~~الخطاب فيه عما يعهده، وزيادة تأكيد على ما جرت به العادة في مثله، وأن ~~الدعاء للرجل في الكتاب أكثر مما يقتضيه محله. فراعاه مراعاة قريبة، ووصله ~~بصلة قليلة، وارتبطه عنده على وعد وعده به، وكتب إلى ابن الفرات يذكر ~~الكتاب الوارد عليه، وأنفذه بعينه إليه، واستثبته. وقرأ ابن الفرات الكتاب ~~المزور فوجد فيه ذكر الرجل بأنه من أهل الحرمات به، والموات لديه، وما يقال ~~في ذلك، ويتبعه مما يعود بمعرفة حقه واعتماد نفعه. وعرضه على كتابه ~~وأصحابه، وعرفهم الصورة فيه، وتعجب منها وقال لهم: ما الرأي في أمر هذا ~~الرجل؟ فقال بعضهم: يؤدب بالضرب والحبس. وقال آخرون: تقطع إبهامه لئلا ~~يعاود مثل هذا التزوير. وقال أحسنهم محضرا: تكشف لأبي زنبور قصته ويتقدم ~~إليه بطرده وحرمانه مع بعد شقته. فقال لهم ابن الفرات: ما أبعدكم من ~~الخيرية: وأنفر طباعكم عن الحرية. رجل توسل بنا، وتحمل المشقة إلى مصر في ~~تأميل الصلاح بجاهنا، واستمداد صنع الله ورزقه بالانتساب إلينا تكون، أحسن ~~أحواله عند أجملكم محضرا تكذيب ظنه وتخييب سعيه! والله لا كان هذا أبدا. ثم ~~أخذ القلم ووقع بخطه على ظهر الكتاب المزور: هذا كتابي، ولست أعرف لم أنكرت ~~أمره واعترضتك شبهة فيه؟ وليس كل من خدمنا وأوجب حقا علينا عرفته. وهذا رجل ~~تحرم بخدمتي، أيام استتاري # PageV01P129 # ونكبتي، وما أعتقده فيه أكثر مما تضمنه الكتاب من وصف ما عندي له. فأحسن ~~تفقده، ووفره رفده، وصرفه فيما يعود عليه نفعه، وتصل إليه فوائده. ورده إلى ~~أبي زنبور ms097 من يومه. فلما مضت مدة طويلة دخل على أبي الحسن بن الفرات رجل ذو ~~هيئة وبزة جميلة، وأقبل يدعو له ويثني عليه ويبكي ويقبل الأرض بين يديه، ~~فقال ابن الفرات: من أنت بارك الله عليك؟ وكانت هذه كلمته. قال: صاحب ~~الكتاب المزور إلى أبي زنبور الذي صححه كرم الوزير وتفضله، صنع الله به ~~وصنع. فضحك ابن الفرات وقال له: كم وصل إليك منه؟ قال: أوصل إلي من ماله ~~وتقسيط قسطه وعمل صرفني فيه عشرين ألف دينار. فقال ابن الفرات: الحمد لله، ~~الزمنا فإنا نعرضك لما يزداد به صلاح حالك. ثم اختبره وامتحنه فوجده كاتبا ~~سديدا. فاستخدمه وأكسبه مالا جزيلا. # وحدث أبو علي التنوخي قال: حدثني أبو محمد الحسن بن محمد الصلحي الكاتب ~~قال: حدثني غير واحد من كتاب الحضرة أن أبا أحمد العباس بن الحسن لما مات ~~المكتفي بالله جمع كتابه وخواصه وخلا بهم وشاورهم فيمن يقلده الخلافة. ~~فأجمعوا وأشاروا على العباس بعبد الله بن المعتز إلا أبا الحسن بن الفرات ~~فإنه أمسك. فقال له العباس: لم أمسكت ولم تورد ما عندك؟ فقال: هو أيها ~~الوزير موضع إمساك. قال: ولم؟ قال: إنه وجب أن ينفرد الوزير أعزه الله بكل ~~واحد منا فيعرف رأيه وما عنده. ثم يجمع الآراء ويختار منها بصائب فكره ~~وثاقب نظره ما شاء. فأما أن يقول كل واحد رأيه بحضرة الباقين فربما كان ~~عنده ما يسلك سبيل التقية في كتمانه وطيه. قال: صدقت والله، قم معي، فأخذ ~~يده ودخلا وتركا الباقين بمكانهم. فقال له # PageV01P130 # ابن الفرات: قررت رأيك على ابن المعتز؟ قال: هو أكبر من يوجد. قال: وأي ~~شيء تعمل برجل فاضل متأدب قد تحنك وتدرب وعرف الأعمال ومعاملات السواد ~~وموقع الرعية في الأموال، وخبر المكاييل والأوزان وأسعار المأكولات ~~والمستعملات، ومجاري الأمور والمتصرفات، وحاسب وكلاءه على ما تولوه، ~~وضايقهم وناقشهم، وعرف من خياناتهم واقتطاعاتهم أسباب الخيانة والاقتطاع ~~التي يدخل فيها غيرهم، فكيف يتم لنا معه أمر إن حمل كبيرا على صغير، وقاس ~~جليلا على دقيق؟! هذا لو ms098 كان ما بيننا وبينه عامرا وكان صدره علينا من ~~الغيظ خاليا، فكيف وأنت تعرف رأيه؟ قال العباس: وأي شيء في نفسه علينا؟ ~~قال: أنسيت أنه منذ ثلاثين سنة يكاتبك في حوائجه فلا تقضيها، ويسألك في ~~معاملاته فلا تمضيها، وعمالك يصفعون وكلاءه فلا تنكر، ويتوسل في الوصول ~~إليك ليلا فلا تأذن، وكم رقعة جاءتك بنظم ونثر فلم تعبأ بها ولا أجبته إلى ~~مراده فيها. وكم قد جاءني منه ما هذه سبيله فلم أراع فيه وصولا إلى ما يريد ~~إيصاله إليه. وهل كان له شغل عند مقامه في منزله وخلوته بنفسه إلا معرفة ~~أحوالنا والمسألة عن ضياعنا وارتفاعنا وحسدنا على نعمتنا؟ هذا وهو يعتقد أن ~~الأمر كان له ولأبيه وجده، وأنه مظلوم منذ قتل أبوه، مهضوم مقصود مضغوط، ~~فكيف يجوز أن نسلم إليه نفوسنا فنتحرس، فضلا عن أموالنا؟ فقال العباس: صدقت ~~والله يا أبا الحسن، فمن يقلد وليس ها هنا أحد؟! قال: تقلد جعفر بن ~~المعتضد، فإنه صبي لا يدري أين هو، وعامة سروره أن يصرف من المكتب، فكيف أن ~~يجعل خليفة ويملك الأعمال والأموال وتدبير النواحي # PageV01P131 # والرجال؟ ويكون الخليفة بالاسم وأنت هو على الحقيقة، وإلى أن يكبر قد ~~انغرست محبتك في صدره، وحصلت محصل المعتضد في نفسه. قال: فكيف يجوز أن ~~يبايع الناس صبيا أو يقيموه إماما؟ فقال له: أما الجواز، فمتى اعتقدت أنت ~~أو نحن إمامة البالغين من هؤلاء القوم؟! وأما إجابة الناس، فمتى فعل ~~السلطان شيئا فعورض فيه، أو أراد أمرا فوقف؟ وأكثر من ترى صنائع المعتضد، ~~وإذا أظهرت أنك اعتمدت في ذلك مراعاة حقه، واقرار الأمر في ولده، وفرقت ~~المال، وأطلقت البيعة، وقع الرضا، وسقط الخلاف. وطريق ما تريده أن تواقف ~~بعض أكابر القواد وعقلاء الخدم على المضي إلى دار ابن طاهر وحمله إلى دار ~~الخلافة، وأن تستر الأمر إلى أن يتم التدبير، وإن اعتاص معتاص مد بالعطاء ~~والإحسان. فقال العباس: هذا هو الرأي. واستدعى في الحال مؤنسا مولى ~~المعتضد، وأورد عليه ما ذهب فيه إلى الجنس الذي ms099 أشار به أبو الحسن في ~~الوفاء للمعتضد، ورعاية ما كان منه في اصطناع الجماعة، ورسم له قصد دار ابن ~~طاهر، وحمل جعفر إلى دار الخلافة والسلام عليه بها. ففعل، وماج الجند ففرق ~~فيهم مال البيعة، ودخل عليهم من طريق الوفاء للمعتضد وتم التدبير. فلما زال ~~أمر العباس، وكان من قتله ما كان، وانتظمت الأمور بعد قتل ابن المعتز، ~~وتقلد أبو الحسن الوزارة، صارت ثمرة هذا الرأي له، وكان يقف بين يدي ~~المقتدر بالله وهو صبي قاعد على السرير، فيخاطب الناس والجيش عنه. فإذا ~~انصرفوا أمرت السيدة بأن يعدل بأبي الحسن إلى حجرة، فيجلس فيها، ويخرج ~~المقتدر فيقوم إليه فيقبل يده ورأسه، ثم يقعد ويقعده في حجره كما يفعل ~~الناس بأولادهم. وتقول له السيدة من وراء الباب: هذا يا أبا الحسن ولدك، ~~وأنت قلدته # PageV01P132 # الخلافة أولا وثانيا. تعني ما تقدم من مشورته على العباس به وبتقلده ~~الخلافة، ومن بعد إزالة فتنة ابن # المعتز. فيقول ابن الفرات: هذا مولاي وإمامي ورب نعمتي وابن مولاي ~~وإمامي. وبقي على ذلك مدة وزارته الأولى، وتمكن أبو الحسن من الخزائن ~~والأموال وفعل ما شاء وأراد. ز. فيقول ابن الفرات: هذا مولاي وإمامي ورب ~~نعمتي وابن مولاي وإمامي. وبقي على ذلك مدة وزارته الأولى، وتمكن أبو الحسن ~~من الخزائن والأموال وفعل ما شاء وأراد. # قال أبو محمد الصلحي: قال لنا أبو علي بن مقلة، وقد جرى ذكر ابن الفرات: ~~يا قيوم، سمعتم بمن سرق عشر خطوات سبعمائة ألف دينار؟ قلنا: كيف ذلك؟ قال: ~~كنت بين يدي ابن الفرات في وزارته الأولى، ونحن في دار الخلافة نقرر أرزاق ~~الجيش، ونقيم وجوه مال البيعة، ونرتب إطلاقه، وذلك عقيب فتنة ابن المعتز. ~~فلما فرغ مما أراده، وخرج فركب طياره، وبلغ نهر المعلي. فقال: إنا لله، إنا ~~لله، قفوا. فوقف الملاحون. فقال لي وقع إلى أبي خراسان صاحب بيت المال بحمل ~~سبعمائة ألف دينار تضاف إلى مال البيعة وتفرق على الرجال. فقلت في نفسي: ~~أليس قد وجهنا وجوه المال كله؟ ما ms100 هذه الزيادة؟ ووقعت بما رسمه، وعلم فيه ~~بخطه، ودفعه إلى غلام وقال: لا تبرح من بيت المال حتى تحمل هذا المال ~~الساعة إلى داري. ثم سار. قال: فحمل إليه بأسره، وسلم إلى خازنه، فعلمت أنه ~~أنسي أن يأخذ شيئا لنفسه في الوسط، ثم ذكر أنه باب لا يتفق مثله سريعا، ~~ويحتمل ما احتمله من هذا الاقتطاع الكثير، فاستدرك من رأيه ما استدرك، ~~وتنبه من فعله على ما تنبه. وحدث أبو محمد الصلحي قال. حدثنا جماعة من كتاب ~~أبي الحسن بن الفرات وخواصه قالوا: عاد أبو الحسن من الموكب يوما، فجلس ~~بسواده مغموما يفكر فكرا # PageV01P133 # طويلا. فشغل ما رأينا منه قلوبنا، وظنناه لحادث حدث، فسألنا عن أمره، ~~ودافعنا، وألححنا عليه، فحاجزنا، وقال: ما ها هنا إلا خير وسلامة. فقام ابن ~~جبير، وكان من بيننا متهورا مدلا. فقال: تأمر أيها الوزير بأمر؟ قال: إلى ~~أين؟ قال: أستتر وأستر عيالي، وسبيل هؤلاء الذين بين يديك أن يفعلوا مثل ~~فعلي. قال: ولم؟ قال: تعود من دار الخلافة وأنت من الغم الظاهر في وجهك على ~~هذه الصورة، ونسألك عن أمرك فتكتمنا، ولم تجر عادتك بذلك معنا، هل وراء هذا ~~إلا القبض والصرف؟ فقال له: اجلس يا أحمق حتى أحدثك السبب. فجلس. وقال: ~~ويحكم، قد علمتم أنني أشكو إليكم نقصان هذا الرجل يعني المقتدر دائما وشدة ~~تلومه واختلاف رأيه، وإنني أحب منذ مدة أن أزوره وأعرف قدر ذلك منه، وهل هو ~~في كل الأمور أو في بعضها، وفي صغارها أم في كبارها؟ فقلت له اليوم في أمر ~~رجل كبير ولم يسمه ابن الفرات: يا أمير المؤمنين إن فلانا قد فسد علينا، ~~وليس مثله من أخرج عن أيدينا. وقد رأيت أن أقلده كذا، واقطعه وأسوغه كذا ~~وأكثر لتستخلصه بذلك، وتستخلص نيته، وتستديم طاعته، ولم يجز أن أفعل أمرا ~~إلا بعد مطالعتك، فما تأمر؟ قال: افعل. ثم حدثته طويلا وخرجت من أمر إلى ~~آخر، وقرب وقت انصرافي فقلت له: يا مولانا، عاودت الفكر في أمر فلان فوجدت ~~ما ms101 نعطيه إياه مما استأذنت فيه كثيرا مؤثرا في بيت المال، ولا نأمن أن يطمع ~~نظراؤه في مثل ذلك، وإن أجبناهم عظمت الكلفة، وإن منعناهم فسدوا، وقد رأيت ~~رأيا آخر في أمره. قال: ما هو؟ قلت: أن نقبض عليه ونأخذ نعمه ونخلده الحبس ~~أبدا. قال: افعل. فقلت: واويلاه كذا والله تجري حالي معه. يقال: إن ابن ~~الفرات الكافي # PageV01P134 # الناصح، وهو وطأ لك الأمر، وأقامك في الخلافة وهو.. وهو ... فيقول: نعم. ~~ويقربني ويقدمني، ثم يقف غدا بين يديه رجل فيقول: قد سرق ابن الفرات ~~الأموال، ونهب الأعمال، وفعل وصنع. والوجه أن يقبض عليه ويصرف ويقيد ويحبس، ~~ويقلد وزير آخر. فيقول: نعم. ويفعل ذلك بي. ثم يعاود ويقال له: لا يجوز أن ~~يوحش ابن الفرات ويستبقى، ولا يؤمن أن يستفسد ويترك، والصواب قتله، فيقول: ~~افعلوا. فأهلك. قال: واستشعر هذا فكان على ما قدره. وقد توارت هذه الحكاية ~~عن جماعة عنه. ومما ذكر عن ابن الفرات أنه كان يقول: تمشية أمور السلطان ~~على الخطأ خير من وقوفها على الصواب. ويقول أيضا: إذا كانت لك حاجة إلى ~~الوزير فاستطعت أن تقضيها بخازن الديوان أو كاتب سره فافعل، ولا تبلغ إليه ~~فيها. # وحدث أبو محمد الحسن بن محمد الصلحي قال: حدثني أبو علي بن مقلة قال: كنت ~~أكتب لأبي الحسن بن الفرات في التحرير أيام خلافته أبا العباس أخاه على ~~ديوان السواد بجاري عشرة دنانير في كل شهر، ثم تقدمت حاله فأرزقني ثلاثين ~~دينارا في كل شهر، فلما تقلد الوزارة جعل رزقي خمسمائة دينار في الشهر، ثم ~~أمر بقبض ما في دور القوم الذين بايعوا ابن المعتز. فحمل في الجملة ~~صندوقان، فسألك هل علمتم ما فيهما؟ قالوا: نعم. جرائد بأسماء من يعاديك ~~ويدبر في زوال أمرك. فقال: لا يفتحان. ثم دعا بنار، دعاء كرره وصاح فيه، ~~وأحضرها الفراشون # PageV01P135 # فأججت. وتقدم بطرحهما في النار على ما هما فلما أحرقت أقبل على من كان ~~حاضرا وقال: والله لو فتحتها وقرأت ما فيها لفسدت نيات الناس كلهم علينا، ~~واستشعر ms102 الخوف منا، ومع فعلنا ما فعلناه طوينا الأمور بهذا، فهدأت القلوب ~~واطمأنت النفوس. ثم قال لي يقول هذا أبو علي بن مقلة: قد آمن الله والخليفة ~~أعزه الله كل من بايع ابن المعتز، فاكتب الأمانات للناس جميعا وجئني بها ~~لأوقع فيها، ولا ترد أحدا عن أمان يطلبه، فقد أفردتك لذلك، لأنه باب مكسب ~~كبير. وقال لمن حضر: أشيعوا قولي وتحدثوا به بين الخاص والعام ليأنس ~~المستوحش، ويأمن المستتر. قال أبو علي: فحصل لي في كتب الأمانات مائة ألف ~~دينار أو نحوها. وحدث محدث أن التزويرات كثرت على أبي الحسن علي بن عيسى ~~عند صرفه وتقلد أبي الحسن بن الفرات الوزارة الثالثة، وزاد الأمر فيها: ~~فوقع ابن الفرات إلى أصحاب الدواوين توقيعا نسخته: قد نسخ لكم أكرمكم الله ~~آخر هذا التوقيع كتاب ورد من أمير المؤمنين أطال الله بقاءه فيما انتهى ~~إليه من حال توقيعات في أيدي الناس بخط علي بن عيسى، بزيادات ونقل وفك ~~وإثبات، فأمر أعلى الله أمره بترك إمضاء شيء منها، فانتسخوا هذا التوقيع في ~~مجالسكم، وامتثلوا ما أمر به فيه، ولا تنفذوا توقيعا من علي بن عيسى بحطيطة ~~وتسويغ واحتمال أو نقل جار، وتحروا من ايقاع حيلة في ذلك أو في شيء منه إن ~~شاء الله. ونسخة كتاب المقتدر بالله في آخره: أمتعني الله بك وبالنعمة ~~عندك، انتهى في الخبر حال توقيعات كثيرة زورت # PageV01P136 # على أنها بخط علي بن عيسى، وظهرت في الدواوين بزيادات لقوم في أرزاقهم، ~~فرأيت ألا تمضي يا أبا الحسن أمتعني الله بك توقيعا من علي بن عيسى في ~~زيادة ولا نقل ولا إثبات ولا في شيء يجري هذا المجرى إلا ما كتبت به جامعا ~~حتى إذا اجتمعت عندك الجوامع، عرضت علي في كل ثلاثة أشهر ما يجتمع منها ~~لأقف عليه وآمر برأي فيه. فاعمل متعني الله بك بذلك، ولا تخالفه، وعرفني ~~امتثالك إياه إن شاء الله. # وحدث أبو الحسن علي بن أحمد بن علي بن الحسن بن عبد الأعلى قال: كنت ~~بحضرة أبي ms103 الحسن بن الفرات في وزارته الأولى، وهو جالس يعمل، إذ رفع رأسه، ~~وترك العمل من يده، وقال: أريد رجلا لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر يطيعني ~~حق الطاعة فأنفذه في مهم لي، فإذا بلغ فيه ما أرسمه له أحسنت إليه إحسانا ~~يظهر عليه وأغنيته. فأمسك من حضر. ووثب رجل يكنى بأبي منصور أخ لابن أبي ~~شبيب حاجب ابن الفرات فقال: أنا أيها الوزير. قال: وتفعل؟ قال: أفعل وأزيد. ~~قال: كم ترتزق؟ قال: أرتزق مائة وعشرين دينارا. قال: وقعوا له بالضعف. ~~وقال: سل حوائجك. فسأله أشياء أجابه إليها، فلما فرغ من ذلك قال: خذ توقيعي ~~وامض إلى ديوان الخراج، وأوصله إلى كاتبي الجماعة وطالبهما بإخراج ما على ~~محمد بن جعفر بن الحجاج، وطالبه بأداء المال، وأتلفه إلى أن يستخرج جميعه، ~~ولا تسمح له حجة، ولا تمهله البتة. فخرج وأخذ من رجالة الباب ثلاثين رجلا، ~~فقلت: لأخرجن وأمضين إلى الديوان حتى أنظر ما يؤول إليه الحال. فخرجت، وصرت ~~إلى الديوان وهو في الدار المعروفة بفتح القلانسي فدخل أبو منصور هذا إلى ~~الصقر بن محمد، # PageV01P137 # وعبيد الله بن محمد الكلوذاني، وهما صاحبا المجلس شركة، فلم يجد ~~الكلوذاني ووجد الصقر بن محمد، فأوصل إليه التوقيع وقال له: أخرج ما على ~~ابن الحجاج. فقال: عليه من باب واحد ألف ألف درهم، نطالبه بذلك إلى أن تفرغ ~~بالعمل بسائر ما يلزمه وكان محمد بن جعفر من عمال أبي الحسن علي بن عيسى. ~~قال: فأحضر ابن الحجاج وشتمه وافترى عليه، وابن الحجاج يستعطفه ويخضع له. ~~ثم أمر بتجريده وإيقاع المكروه به فأوقع، وهو في ذلك كله يقول: يكفي الله. ~~ثم أمر أبو منصور بنصب ذقل، فنصب، وجعل في رأسه بكرة فيها حبل، وشدت فيه يد ~~ابن الحجاج، ورفع إلى أعلى الدقل، وهو يستغيث ويقول: يكفي الله. فما زال ~~معلقا وأبو منصور يقول له: المال المال. وهو يسأله حطه وإنظاره إلى أن ~~يواقف الكتاب على ما اخرج عليه، وهو لا يسمع فعله. فلما ضجر قال لمن يمسك ~~الحبال: ms104 أرسلوا ابن الفاعلة وعنده أنهم يتوقفون ولا يفعلون. فأرسلوه لما ~~رأوه عليه من الحدة والغضب. ووافى ابن الحجاج إلى الأرض، وكان بدينا سمينا، ~~فوقع على عتق أبي منصور فدقها، وخر على وجهه، وسقط ابن الحجاج مغشيا عليه. ~~فحمل أبو منصور إلى منزله في محمل فمات في الطريق، ورد ابن الحجاج إلى ~~محبسه وقد تخلص من التلف. وعجب من حضر مما رأى. وكتب صاحب الخبر بالصورة ~~إلى ابن الفرات، فورد عليه منها أعظم مورد. وبكرت عرفان زوجة ابن الحجاج ~~إلى موسى بن خلف حتى # PageV01P138 # أوصلها إلى ابن الفرات، فقررت أمره على مائة ألف دينار سلمت ببعضها جعدة ~~وقراها من طسوج كوثي، ونجم الباقي، وأطلق ابن الحجاج. وكان الناس يعجبون من ~~قول ابن الفرات: أريد رجلا لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر يطيعني. # وحدث محمد بن عبيد الله بن جعفر بن الحسن بن الجنيد قال: حضرت أبا العباس ~~أحمد بن محمد بن بعد شر، وبين يديه أبو الحسن بن الفرات في المكروه. وهو ~~يقول: يا قوم بمن أسأت؟ ولمن ضربت؟ فقال له: فمن قتل حامدا والنعمان وابن ~~الحواري؟ فقال: ما خرج حامد من داري إلا صحيحا، ولقد كنت أطعمه من طعامي، ~~وأسقيه من شرابي، وألبسه من ثيابي، وأبخره من بخوري. وأما النعمان فذكر ما ~~لست أعرفه في أمره. فأما ابن الحواري فسلوا هذا الفتى يعني المحسن عنه، ~~فلعله يورد حجة أو يظهر خطوطا تبرئ ساحته منه. وأنا قلت للخليفة: قد أطلقت ~~يد هذا الغلام في مطالبة الناس، وقد تخطى إلى ما فيه وهن على المملكة، ~~فأمرني بترك الاعتراض عليه. # وحدث أبو عمرو بن الجمل النصراني كاتب شفيع اللؤلؤي قال: لما قبض على أبي ~~الحسن بن الفرات في الدفعة الثالثة من وزارته امتنع القواد من اعتقاله في ~~دار الخلافة إشفاقا من أن يراسل المقتدر بالله ويستعطفه ويستميله ويحتال ~~عليه ويخدعه، واستقر الأمر على تسليمه إلى شفيع اللؤلؤي، فلما حمل إلى داره ~~وصعد الدرجة من شاطئ دجلة لم يمسك أحد بيده، فجعل يعلق بالدرج ms105 ويصعد. ثم ~~أقبل على شفيع # PageV01P139 # وأنا حاضر فقال: يا أبا الغصن، ما هكذا عاملت غيري؟ فقال له: كان غيرك ~~أتقى لله منك يعني أبا الحسن علي بن عيسى قال: فأفرده شفيع بحبس له، ودعا ~~طباخه سرا وقال له: استزد فإن ابن الفرات ملك، فاستزاد له، وفرغ من الطعام. ~~فقال لي شفيع: ادخل إليه واعرض عليه الطعام، فدخلت وآذنته فقال: # على كل حال يأكل القوم زادهم ... على البؤس والنعماء والحدثان # هات الطعام. فقدم إليه، فأكل أكلا مستوفى منه، وسقي ماء مثلوجا، فلم ~~يستبرده، فاستزاد من الثلج حتى صار مائعا، ثم شربه، وقال لي: من قلد ~~الوزارة؟ قلت: أبو القاسم الخاقاني. قال: نكب السلطان لا أنا. فمن قلد ~~ديوان السواد؟ قلت: أبو الفرج بن حفص. فتبسم وعجب وقال: رمي بحجره. فمن ~~تقلد الدواوين الباقية؟ قلت: تقلد المالكي ديوان المغرب، والمصري ديوان ~~المشرق، وابن هبنتي القنائي دواوين بيت المال والخاصة والمستحدثة وضياعك، ~~وعبد الوهاب الخاقاني الأزمة، وصلح ديوان النفقات. فقال: لقد أيد الوزير ~~أعزه الله بالكفاة. ثم قال لي: أريد الاجتماع مع أبي الغصن. فقلت. هو نائم. ~~فقال أنبهه وعرفه أن بيننا مهما أريد مجاراته إياه. فأنبهته وعرفته ما قال. ~~فقال: ما أحب لقاءه، ولكن تعرف ما عنده، فعدت إليه واعتذرت وسألته عما ~~يريد. فقال: قل له عرف أمير المؤمنين أيده الله عني أنني لا أدع نصحا واليا ~~ومنكوبا، وأنني حاسبت هارون بن عمران الجهبذ البارحة محاسبة تولاها هشام ~~صاحب بيت المال، فكان الباقي عنده من أموال المصادرين مائة ألف وخمسة ~~وخمسين ألف دينار ومائتين ذكرها ابن الفرات وربما عدل بها الخاقاني # PageV01P140 # عن بيت مال الخاصة وادعى أنه أثارها واستراح إلى تمشية أمره بها، وهي ~~لأمير المؤمنين خاصة. وكتب شفيع إلى المقتدر بالله بذلك عنه، ونفذ بالرقعة ~~مع قيصر خليفته. فعاد جواب المقتدر بالله بخطه إلى شفيع بأن يبادر بنفسه ~~إلى دار الخاقاني ويقبض على هارون بن عمران، ويأخذ المال من يده، ولا يمكن ~~الخاقاني منه. ففعل شفيع ذلك، والخاقاني لم يعلم بعد ms106 بما عند هارون الجهبذ. ~~وكانت هذه الحال من أول ما حير به الخاقاني وأدهشه، وحمل المال إلى بيت مال ~~الخاصة وصحح فيه. # وحدث أبو علي عبد الرحمن بن عيسى قال: حدثني أبو الحسن سعيد ابن سنجلا ~~الكاتب. قال: حدثني أبو عبد الله محمد بن إسماعيل زنجي الكاتب قال: كنت ~~بحضرة أبي الحسن علي بن محمد بن الفرات في وزارته الأخيرة، وقد رسم لي كتب ~~كتاب عنه في مهم من أمور السلطان، فأنا متشاغل به، وقد شاع أمر مؤنس ونفوذ ~~الكتاب إليه وهو بالرقة في الورود إلى الحضرة، وابن الفرات شديد الإشفاق من ~~القصة حتى استؤذن لأبي الهواء نسيم الخادم، وهو من خواص الخدم وجلتهم ودخل، ~~فلما جلس أومى إلى التخلي لتأديه رسالة، فنهض من كان في المجلس وبقيت وحدي ~~مقشعرا من الجلوس، وأخذوا في السرار والخطاب، وأكمشت على ما في يدي من ~~الكتاب حتى فرغت ثم قمت. فقال لي: اجلس. فجلست وأظهر ابن الفرات ما كان ~~يسره ثم قال: بيننا يا أبا الهواء حقوق تلزمك أن تراعيها. وأنت قليل ~~التراسل فيما بيني وبين السادة، وأريد أن أحملك رسالة # PageV01P141 # تؤديها كما أقولها. فقال: أيها الوزير. إن كانت جميلة فعلت، وإن كان فيها ~~غلظة فليس في عادتي إلا إعادة ما يحسن. فقال: لا بد من أن توردها على حالها ~~وتتحمل لي ما في ذاك من مشقة. وقال: تقول للسادة: أنتم تعلمون ما كان مني ~~في ابتداء هذا الأمر، فإن الخاص والعام اعتزلوكم جانبا، وأفرجوا عنكم ~~إفراجا كليا غيري، فإنني أقمت على طاعتكم، وتفردت بنصرتكم، وكان غاية أملي ~~وتقديري المقام على ما كنت عليه أتولاه من ديوان السواد، لا تشره نفسي إلى ~~غيره ولا يدور في فكري تجاوزه، فأخذتموني بتقلد هذا الأمر والقيام به، ولم ~~تفارقوني حتى أجبت إليه، وجددت في الأمر إلى أن انعقد وتوكد، وعاديت كل أحد ~~في رضاكم حتى استوسقت لكم الأمور، وتكامل في حياطة دولتكم التدبير، وفتحت ~~لكم فارس وما يليها، ووفرت عليكم الأموال ومرافقها، وكددت ديني ودنياي ~~فيها، ms107 فلما قام لكم الأمر وعلا مناره واستحصفت لكم الطاعة ممن بعدت ودنت ~~داره، نكبتموني فهتكت حرمتي وسلبت نعمتي وقبضت ضيعتي؛ ثم أعدتموني، فما حلت ~~عما عهدتموه مني، ولا فارقت ما كنتم تحمدونه وتصفونه عني. ثم أوقعتم بي ~~إيقاعا ثانيا، فاستوعبتم بقية النعمة، وأتيتم على الأصل والتتمة، وجذبتموني ~~إلى هذه الدفعة الثالثة، فقد علمتم ما كان مني في استخراج الأموال، وإصلاح ~~الأحوال، والاستقصاء على جميع من خدمكم من الكتاب والعمال. ووالله لا لحقني ~~مكروه في هذه الدفعة في # PageV01P142 # نفس أو ولد ولا حال إلا ولحقكم مثله، وإن تمادى أمده، من الله تعالى جده، ~~فاعملوا ما بدا لكم. وما زال يكرر هذا وأشباهه حتى عرفه نسيم ووعاه وانصرف. ~~وألقى ابن الفرات ذقنه على صدره ولحيته ساعة ثم رفع رأسه فقال: سمعت ما كنا ~~فيه؟ فقلت: نعم. وما كان لما جرى وجه، والقوم مكنوك واستناموا إليك في هذه ~~الدفعة زيادة على ما تقدمها. فقال: دعني من هذا يا أبا عبد الله، فوالله ~~ليصحن ما قلت. وأخبرك في هذا المعنى بخبر طريف جرى بين وبين أبي الحسن علي ~~ابن عيسى، ما لهوت عنه إلا في هذه الدفعة، فإنه يتصور لي في النوم واليقظة، ~~ويعترضني في الشغل والخلوة، وأنا أخبرك به: لما بلغ المكتفي بالله آخر ~~أمره، كان العباس بن الحسن يجلس في كل يوم آخر النهار، فإذا فرغ من العمل ~~جارانا خبر المكتفي بالله وعلته، وآيسنا من عافيته، وشاورنا فيمن يقوم ~~بالأمر بعده، فلا يستقر الرأي على شيء يعتمده، إلى أن تكامل اليأس منه. ~~فنحن في بعض العشايا عنده، وقد أردنا النهوض حتى قال: قد انقضى أمر ~~الخليفة، وما نفترق إلا بعد تقرر الرأي على من يقعد مقعده، فما عندكم؟ فقال ~~أبو عبد الله محمد بن داود: الله الله أيها الوزير أن نعدل عمن يقوم بهذا ~~الأمر ونلزمه خيره وشره ونتصرف على أمره ونهيه. ونحو هذا الكلام. فقال لعلي ~~بن عيسى: ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال: الله الله أيها الوزير في الإسلام، ~~نحن ms108 جميعا صنائع المعتضد بالله رحمة الله عليه ثم هذا الخليفة، ولكنه أمر ~~الدين فقلد هذا شيخا قد فهم الأمور وعرف بصواب الرأي والتدبير بعمارة هذه ~~الثغور وحج البيت المعمور، ويقيم الحدود، ومن إذا قلت: # PageV01P143 # أمير المؤمنين، صدق قولك الصغير والكبير. قال ابن الفرات: فعارضت قوله ~~بأن قلت للعباس: قلد أيها الوزير الأمر من يكون في حجرك، ويتدبر برأيك، ~~فتسلم نعمتك ونعمتنا معك. فقال العباس: رأيي لرأيك تبع يا أبا الحسن. ونهض ~~وانصرفنا. فلما حصلنا في # بعض الممرات قبض أبو الحسن علي بن عيسى على يدي وقال: بيننا شيء. فوقفت ~~معه، وابتدأ يحلف يمينا أغرق فيها وأبلغ على أنه ما أراد بقوله ورأيه غير ~~الله عز ذكره وإعزاز دينه وإصلاح شؤونه. ثم حلف على أني ما أردت أنا الله ~~بما قلته وأشرت به، وقال: كيف استجزت أن تجيء إلى رجل معروف يعني العباس ~~فتساعده على ما يسخط الله به، ويبعد من الحق، ويزيده تسلطا وجرأة على ~~الظلم؟! فقلت: لا والله يا أبا الحسن أعزك الله ما نعمل إلا للدنيا، وإن ~~جاء من يعرف أسعار الخبز واللحم لم نأمنه على نفوسنا ونعمنا. قال: فقال لي ~~مجيبا: والله لئن تم الأمر على هذا وانتظم لا بلي بالمحنة فيه غيرك، فانظر ~~لنفسك أو دع. فمضى ما مضى بما فيه، وصليت بما صليت به منه، ويوشك أن يصح ~~قول أبي لحسن علي بن عيسى ولا يبعد، لأن من أراد الله كان الله معه، ومن ~~أراد غيره خذله، فما يخلو فكري من قوله وخاصة في هذه الدفعة، ونسأل الله ~~حسن العاقبة. وحدث هارون بن إبراهيم النصراني الكاتب قال: حضرت مجلس القاسم ~~ابن عبيد الله في بعض الأيام، وبين يديه كتاب الدواوين، إذ خرج إليه توقيع ~~من المكتفي بالله يعرفه فيه ما عزم عليه من الخروج إلى سر من رأى للتصيد، ~~ويرسم له إنفاذ من يصلح الطرق وإعداد العلوفة والمير وما تدعو إليه الحاجة ~~للعكسر. فرمى به إلى أبي الحسن علي بن محمد بن الفرات، لأنه مما ms109 كان يجري ~~في ديوانه، وقال له: اكتب في هذا المعنى بما يؤكده، وأضف إليه منشورا ~~لتستحث المطالبة والإعجال، ومشاهدة ما يجري عليه الحال. فقال: نعم أعز الله ~~الوزير وجعل التوقيع تحت فخذه، وطلب دواة، فحضرت وتركت بين يديه، وأخذ يكرر ~~النظر في كتب قد أخرجت إليه متعلقة بديوانه، ومضت ساعة. فقال له القاسم: ~~كتبت الكتب؟ قال: نعم. والتفت فقال: ادعوا زنجيا الكاتب لينشئ نسخ ذلك ~~ويحررها فإنه أعرف برسوم المناشير، فضحك القاسم بن عبيد الله ثم أقبل علي ~~أبي عبد الله محمد بن داود بن الجراح فقال: الأمر يا أبا عبد الله مهم لا ~~يحتمل التأخير، ومنشئ أبي الحسن غير حاضر، ولعله يحتبس. وقال لابن الفرات: ~~ادفع إليه التوقيع ليكتب في المعنى بما يتضمن. قال: فأخذ أبو عبد الله ~~التوقيع وكتب سريعا بأبلغ عبارة وأشد استيفاء ووصاة. وخجل ابن الفرات. ولم ~~تكن كتابته مقصرة ولا بلاغته متأخرة، ولكن يده كانت تخونه وتقعد به. ض ~~الممرات قبض أبو الحسن علي بن عيسى على يدي وقال: بيننا شيء. فوقفت معه، ~~وابتدأ يحلف يمينا أغرق فيها وأبلغ على أنه ما أراد بقوله ورأيه غير الله ~~عز ذكره وإعزاز دينه وإصلاح شؤونه. ثم حلف على أني ما أردت أنا الله بما ~~قلته وأشرت به، وقال: كيف استجزت أن تجيء إلى رجل معروف يعني العباس ~~فتساعده على ما يسخط الله به، ويبعد من الحق، ويزيده تسلطا وجرأة على ~~الظلم؟! فقلت: لا والله يا أبا الحسن أعزك الله ما نعمل إلا للدنيا، وإن ~~جاء من يعرف أسعار الخبز واللحم لم نأمنه على نفوسنا ونعمنا. قال: فقال لي ~~مجيبا: والله لئن تم الأمر على هذا وانتظم لا بلي بالمحنة فيه غيرك، فانظر ~~لنفسك أو دع. فمضى ما مضى بما فيه، وصليت بما صليت به منه، ويوشك أن يصح ~~قول أبي لحسن علي بن عيسى ولا يبعد، لأن من أراد الله كان الله معه، ومن ~~أراد غيره خذله، فما يخلو فكري من قوله وخاصة في هذه الدفعة، ونسأل ms110 الله ~~حسن العاقبة. وحدث هارون بن إبراهيم النصراني الكاتب قال: حضرت مجلس القاسم ~~ابن عبيد الله في بعض الأيام، وبين يديه كتاب الدواوين، إذ خرج إليه توقيع ~~من المكتفي بالله يعرفه فيه ما عزم عليه من الخروج إلى سر من رأى للتصيد، ~~ويرسم له إنفاذ من يصلح الطرق وإعداد العلوفة والمير وما تدعو إليه الحاجة # PageV01P144 # للعكسر. فرمى به إلى أبي الحسن علي بن محمد بن الفرات، لأنه مما كان يجري ~~في ديوانه، وقال له: اكتب في هذا المعنى بما يؤكده، وأضف إليه منشورا ~~لتستحث المطالبة والإعجال، ومشاهدة ما يجري عليه الحال. فقال: نعم أعز الله ~~الوزير وجعل التوقيع تحت فخذه، وطلب دواة، فحضرت وتركت بين يديه، وأخذ يكرر ~~النظر في كتب قد أخرجت إليه متعلقة بديوانه، ومضت ساعة. فقال له القاسم: ~~كتبت الكتب؟ قال: نعم. والتفت فقال: ادعوا زنجيا الكاتب لينشئ نسخ ذلك ~~ويحررها فإنه أعرف برسوم المناشير، فضحك القاسم بن عبيد الله ثم أقبل علي ~~أبي عبد الله محمد بن داود بن الجراح فقال: الأمر يا أبا عبد الله مهم لا ~~يحتمل التأخير، ومنشئ أبي الحسن غير حاضر، ولعله يحتبس. وقال لابن الفرات: ~~ادفع إليه التوقيع ليكتب في المعنى بما يتضمن. قال: فأخذ أبو عبد الله ~~التوقيع وكتب سريعا بأبلغ عبارة وأشد استيفاء ووصاة. وخجل ابن الفرات. ولم ~~تكن كتابته مقصرة ولا بلاغته متأخرة، ولكن يده كانت تخونه وتقعد به. # وحدث القاضي أبو علي التنوخي قال: سمعت بعض شيوخ الكتاب يقول: كان أبو ~~الحسن علي بن عيسى معظما لصناعة الكتابة، محافظا على مكانه منها، متحذرا من ~~عيب يلحقه فيها، وكانت المنافسة واقعة بين أبي الحسن بن الفرات وبينه في ~~الأعمال والمنازل والكتابة والصناعة، فاتفق أن عمل علي بن عيسى مؤامرة ~~لعامل يعنى به أبو الحسن بن الفرات، وأخرج عليه فيها مائة ألف دينار، ~~واعتقد مواقفته عليها وإلزامه إياها. ثم أحضره وأراه المؤامرة وقال له: قف ~~عليها واذكر ما عندك في كل باب منها، فإن كانت لك فيه حجة تسقطه ms111 وإلا ~~التزمته وأديته. فقال: أريد أن أقرأها قراءة تأمل، وأنظر فيها نظر تصفح، ~~وما يكون ذلك إلا # PageV01P145 # في منزلي عند خلوتي بنفسي. فقال: خذها. فأخذها وجاء إلى أبي الحسن بن ~~الفرات، فشرح له صورته، وسأله النظر في المؤامرة، وتلقينه الجواب عن كل باب ~~منها. فقرأها ابن الفرات وقال للعامل: لولا أن علي بن عيسى قد سها فيها ~~سهوا ظاهرا ربما خلصك لما سقط عنك درهم واحد مما أخرج عليك، وذلك أنه صدر ~~المؤامرة بباب خرج عليك فيه فضل الكيل في غلات ناحيتك، وأنك لم تورده، وحصل ~~عليك صدرا كبيرا من المال عنه، ثم ذكر بعد ذلك في باب آخر أنك اقتطعت من ~~غلات المقاسمة ما لم تورده، وأقام الشاهد عليك فيه، وألزمك مالا جزيلا عنه. ~~وقد كان من قانون الكتابة أن يبتدئ بذكر الاقتطاع من أصول الغلة. ثم يجعل ~~فضل الكيل مؤخرا، فإذا صدر فضل الكيل فقد صح به الأصول، وهذا غلط فاحش وخطأ ~~ظاهر غير محيل، والصواب أن تمضي إليه وتخلو به وتقول له: محلك في الصناعة ~~لا يقتضي ما فعلته في هذه المؤامرة، وقد سهوت فيها سهوا قبيحا وهو كذا ~~وكذا، وأنا معك بين أمرين، إما أن أكشف للناس خطأك فعليك فيه ما تعرفه، ~~وليس يكون ما يلحقك من القباحة بأقل مما تتناولني به من النكبة، وإما أن ~~تفضلت بطي هذا الأمر وستره وإبطال المؤامرة والإمساك عنها ولك من ذلك مرفق ~~أحمله إليك. فإن إشفاقه على جاهه، وكراهته ما يقدح في صناعته، ورغبته في ~~المرفق، يحمله على إبطال المؤامرة. قال العامل: فمضيت سحرا إلى داره، فلما ~~رآني قال: ما عملت في المؤامرة؟ فقلت له: بيننا شيء أقوله سرا، ودنوت إليه ~~فقال: ما هو؟ فأوردت عليه ما كان ابن الفرات علمنيه، ونشرت المؤامرة ووقفته ~~على المواضع، فحين شاهدها وتأملها وجم # PageV01P146 # وجوما شديدا وقال: يا هذا، قد وفر الله عليك المرفق، وأسقط عنك المؤامرة، ~~فإن أكبر الأمور عندي في هذه القصة أن وقفت على غلطي وتيقظت مستأنفا من ~~مثله، والله ms112 بيني وبين ابن الفرات، فإن هذا من تعريفه وتوقيفه وإلا فلست ~~ممن يتنبه على ما هذه سبيله. ونهضت من عنده وقد كفيت الأمر، وزالت عني ~~المؤونة والمطالبة، وربحت المرفق الذي كنت على التزامه، وعدت إلى أبي الحسن ~~بن الفرات، وحدثته بالحديث فضحك. # وحدث القاضي أبو علي قال: حدثني أبو الحسن أحمد بن يوسف بن الأزرق قال: ~~لما حمل علي بن عيسى إلى ابن الفرات في وزارته الثالثة رآه ابن الفرات وهو ~~مقبل إليه فبدأ يكتب كتابا، وجاء علي بن عيسى وهو كالميت خوفا وجزعا، فوقف ~~قائما وابن الفرات يكتب، وعند علي بن عيسى والحاضرين أنه لم يره، وبقي ~~واقفا نحو ساعة إلى أن فرغ ابن الفرات من كتابته، ثم رفع رأسه وقال: اقعد ~~بارك الله عليك. فأكب علي ابن عيسى عليه يقبل يده ويقول: أنا عبد الوزير ~~وخادمه وصنيعته القديم، وصنيعة أبي العباس أخيه رحمه الله تعالى، ومن لا ~~يعرف صاحبا ولا أستاذا غيره. فقال: هو كذلك وأنت فيه صادق، وإني لأرعى لك ~~حق خدمتك القديمة لي ولأخي رحمه الله، وما عليك بأس في نفسك، ولولا طاعة ~~السلطان ما أفسدت صنيعتنا عندك. وقرر عليه من المصادرة ما قرره، وعمل ~~المحسن بن علي بن الفرات على قتل علي بن عيسى، فلم يدعه أبوه. واستقر الأمر ~~على نفسه وإبعاده عن الحضرة، واختار هو الخروج إلى مكة وأظهر أنه يريد الحج ~~والمجاورة. وخرج بعد أن ضم # PageV01P147 # إليه موكلون، ووصاهم المحسن بسمه في الطريق إن تمكنوا أو قتله بمكة، وعرف ~~علي بن عيسى ذلك فتحرر في مأكله ومشربه. ووصل إلى مكة رجل يعرف بأحمد بن ~~موسى الرازي، وكان داهية ذا مكر وخبث، وقد اصطنعه علي بن عيسى في وزارته، ~~وقلده القضاء هناك. فلما اجتمع علي بن عيسى معه حدثه بحديثه، وسأله إعمال ~~الحيلة في تخليصه وحراسة نفسه، فتلطف في ذلك بأن وضع أهل البلد وقد كانوا ~~قدموه وأطاعوه على أن اجتمعوا وثاروا بالموكلين، وخاف أن يجري ما يلحقه فيه ~~إثم وإنكار من السلطان، فطرح ms113 نفسه عليهم حتى خلصهم وأخرجهم ليلا إلى بغداد، ~~بعد أن أعطاهم نفقة. وأقام بمكة. وقد كان أبو العباس أحمد ابن محمد بن ~~الفرات في خلافته عبيد الله بن سليمان على الأمور عمل ديوانا سماه ديوان ~~الدار، وجمع إليه سائر الأعمال ودبره بنفسه وكتابه، واستناب أخاه أبا الحسن ~~علي بن عيسى، وأبو عبد الله محمد بن داود بن الجراح عمه، فكانا يجلسان ~~بحضرة أبي الحسن، ويأمرهما وينهاهما، ويسميانه أستاذنا، على رسم أصحاب ~~الدواوين إذ ذاك. وجرى الأمر على هذا الترتيب إلى أن عزم المعتضد بالله على ~~إخراج المكتفي بالله إلى الجبل، ومعه عبيد الله بن سليمان، والخروج بنفسه ~~إلى آمد والثغور، ومعه القاسم بن عبيد الله، فقال عبيد الله لأبي العباس بن ~~الفرات: أريد كاتبا يصحبني ويتصفح أعمال كل بلد نفتحه ويقرر معاملاته على ~~ما يدل عليه الديوان القديم من رسومه. فقال: ذلك محمد بن داود. وإليه من ~~ديوان الدار مجلس ما فتح من # PageV01P148 # أعمال المشرق، وفيه الحسبانات العتيقة. وقال القاسم: وأنا أريد آخر يكون ~~معي إلى المغرب. فقال: يكون علي بن عيسى. # وخرج محمد بن داود علي بن عيسى في جملة عبيد الله والقاسم. فنفق محمد على ~~عبيد الله وقرب منه واختص به، ورأى من فضله وصناعته ما أعجبه، وانتهى أمره ~~معه إلى أن زوجه عبيد الله بنته، وانتزع مجلس المشرق من ديوان الدار وجعله ~~ديوانا مفردا وقلده محمد بن داود رئاسة. وحصلت لعلي بن عيسى حرمة بالقاسم، ~~وشاهد من كفايته وسداده وكتابته ونفاذه ما عظم به في عينه، فقدمه وتوفر ~~عليه. وفعل مثل فعل أبيه مع محمد بن داود في انتزاع مجلس المغرب من ديوان ~~الدار وتقليده علي بن عيسى رئاسة، ولم يجعلا لأبي العباس بن الفرات بعد ذلك ~~عليهما يدا. وكان قول علي بن عيسى لابن الفرات ما قاله من أنني عبدك ~~وصنيعتك وعبد وصنيعة أبي العباس أخيك. وقبول ابن الفرات ذلك منه وتصديقه ~~إياه فيه، على هذا الأصل. وحدث أبو علي عبد الرحمن بن عيسى قال: كان ms114 أخي ~~أبو إسحاق إبراهيم ابن عيسى يتقلد أعمال الزاب الأعلى في أيام عبيد الله بن ~~سليمان خلافة لأبي الحسن علي بن عيسى ثم رئاسة، فصرفه بمحمد بن محمد بن ~~حمدون بن سليمان الواسطي عنها، قال: فحدثني ابن حمدون هذا قال: أحضرني أبو ~~العباس أحمد بن محمد بن الفرات فقال لي: قد صرفت إبراهيم بن عيسى بك، وأريد ~~أن تعتقله وتضيق عليه. واتفق أن حضر أبو عبد الله محمد بن داود مسلما عليه، ~~وقد عرف # PageV01P149 # الخبر، فقال له: تتقدم أعزك الله إليه في إمضاء مقاطعتي وإجمال معاملتي. ~~قال: فقال لي ابن الفرات: أبو عبد الله من قد عرفت محله من الوزير أبي ~~القاسم ومنا، فاعمل تصنيعته في جميع إرادته. فلما انصرف أبو عبد الله قال ~~لي: إياك أن تمضي مقاطعته أو تدع الاستقصاء عليه في مسامحه، ووكل بغلته حتى ~~تستوفي حق بيت المال منها على واجبه وتمامه وكماله، وإبطال مظالمه. قال: ~~فورد علي من ذلك أعظم مورد، وتبينت به ما في نفسه على آل الجراح، وشخصت إلى ~~العمل، فما داجيت أبا إسحاق، وطالبته بأن يجيئني في كل يوم، فغلظ ذلك عليه، ~~وهو لا يعلم ما تقدم به ابن الفرات في أمره، واتصلت كتب ابن الفرات إلي ~~بالحث على ما وصاني به والتاكيد فيه اتصالا طويته عن أبي إسحاق الإشراف على ~~أعمال واسط كنت أدخل إليه فيقل الإقبال علي، ويظهر الانحراف عني، حتى خفت ~~أذيته في ضيعتي، فجئته في بعض الأيام، ومعي بعض ما كان ابن الفرات يكتبه ~~إلي في بابه. فلما خلا وجهه دنوت منه وقلت له: قد تبينت منك إعراضا وسوء ~~رأي، ولا شك أن ذلك لما كان مني إليك، وقد علم الله نيابتي كانت عنك، ~~وحراستي إياك مما كنت أطالب به فيك، ومن الدليل على صدقي هذه الكتب. ~~وأخرجتها إليه وقرأتها عليه. فلما وقف على ما فيها أكبره وأعظمه، وبسط عذري ~~فيما عاملته به، وعاد إلى ما أحبه. وكان تقلد أبي إسحاق الإشراف على واسط ~~بعد أن تقلد أعمال ms115 # PageV01P150 # الراذانين. وكاشف ابني الفرات فيما اقتطعاه واجتذباه من الضياع ~~السلطانية، وحسن أثره عند القاسم بن عبيد الله، فنقله إلى الإشراف على ~~أعمال واسط نقلا كان من سببه أن كان القاسم سيء الرأي في أبي العباس بن ~~الفرات. فقال لأبي الحسن علي بن عيسى: قد كثرت ضياع ابني الفرات بنواحي ~~واسط، واستضافا إليها ضياعا سلطانية، وصارا يأخذان لمصالحهما نحو عشرين ألف ~~دينار في السنة، وأريد رجلا حصيفا أرد إليه الإشراف على هذه النواحي وأعول ~~عليه في كشف ضياع ابني الفرات، وإثارة الفضل الذي في أيديهما، وآمن عنده ~~محاباة لهما وخوفا منهما، فهل في أهلنا من يصلح لذلك؟ فوصف له أبا إسحاق ~~بالشهامة والاستقلال، واستحضره وقلده، وانحدر وجد في النظر والكشف، وواصل ~~كتب الكتب بما وقف عليه وعرفه، وعمل الأعمال بما اثاره واستدركه، فكان من ~~ذلك عمل ما يقبضه وكلاء ابن الفرات لمصالح ضياعهما بواسط، وهو زيادة على ~~عشرين ألف دينار في السنة، وعمل آخر لما اقتطعاه من ضياع السلطان وأضافاه ~~إلى أملاكهما، وهو نيف وثلاثون بيدرا، منها بيدر يعرف باليهودي، ارتفاعه ~~نحو الخمسين ألف درهم. وعاد إلى الحضرة وعرض الأعمال على القاسم، فقال له: ~~تواقف ابن الفرات على أعمالك هذه؟ فقال: ما عملتها لأسترها وأخاف المناظرة ~~عليها. فأحضره وقد حضر أبو العباس بن الفرات، وواقفه في المجلس مواقفة ~~ألزمه فيها مالا كثيرا، فرأى القاسم من أبي إسحاق صرامة عجيبة، وتبين ابن ~~الفرات من القاسم إنكارا همته نفسه معه. # PageV01P151 # قال أبو علي عبد الرحمن، فحدثني بعض أصحابنا قال: لما انصرف أبو العباس ~~ابن الفرات من هذا المجلس إلى منزله، وهو مثخن، وجد أخاه أبا الحسن يعمل. ~~فقال له: يا أبا الحسن ما فارقتني حتى هتكتني ونكبتني، قرأ هذا العمل. ورمى ~~إليه بعمل المصالح وقال له: إذا كانت نفقات مصالحنا عشرين ألف دينار فأي ~~شيء نقول للسلطان والوزير والناس في الارتفاع والاستغلال؟! ثم أعطاه العمل ~~بالضياع المستضافة. قال: هذه الطامة الكبرى والفضيحة العظمى. قال عبد ~~الرحمن: وهم القاسم بن عبيد الله بالقبض عليهما ms116 والإيقاع بهما، فتدافع ~~الأمر بظهور صاحب الخال والتشاغل بخطبه والخروج إلى المغرب في طلبه. فلما ~~عادوا لم تطل المدة حتى توفي القاسم بن عبيد الله وأبو العباس بن الفرات في ~~آخر سنة إحدى وتسعين ومائتين. ثم ولي أبو الحسن بن الفرات الوزارة فقصد أبا ~~إسحاق ونفاه إلى الصافية، ووزر أبو الحسن علي بن عيسى بعد ذلك وصرف، وعاد ~~ابن الفرات فنكب أبا إسحاق وصادره على خمسين ألف دينار استخرج منها ثلاثين ~~ألف دينار. وأقام أبو إسحاق في منزله وامتنع من العمل بعد ما لحقه. فلما ~~تقلد أبو الحسن بن الفرات الوزارة الثالثة أعاد القبض عليه وطالبه ببقية ~~المصادرة، ثم بمثلها فأداه ثم بمثلها دفعة ثالثة بعد مكروه عسفه به، وأخرجه ~~بعده إلى البصرة، وسلمه إلى ابن الأصبغ عاملها، فيقال إنه سمه، ومضى ~~لسبيله. # PageV01P152 # وحدث أبو علي عبد الرحمن قال: كان سبب العداوة بين أبي الحسن بن الفرات ~~ومحمد بن عبدون أنه غلب علي العباس بن الحسن واختص به فسعى في صرف أبي ~~الحسن بن الفرات ونكبته لقبيح قديم كان بينه وبينه، واستمال محمد بن عبدون ~~أبا عبد الله محمد بن داود بن الجراح عمي فمال معه، وساما أبا الحسن علي بن ~~عيسى أخي الدخول معهما فامتنع، وجرت في ذلك خطوب طويلة باطنة وظاهرة. وتجرد ~~محمد بن عبدون بفضل شر وحسد كانا فيه في مكروه ابن الفرات وطالب العباس ~~بإطلاع المكتفي بالله على خياناته واقتطاعاته وما تأثل من حاله بذاك وعظم ~~من نعمته، وساعده محمد بن داود على أمره. قال عبد الرحمن: فأذكر، وقد صار ~~أبو الحسن بن الفرات في بعض الأيام إلى أخي أبي الحسن علي بن عيسى في داره، ~~فقام إليه وأكرمه، وجعل ابن الفرات يشكو إليه ما يلاقيه من محمد بن عبدون، ~~ويعرض بمحمد بن داود عمي، وأخي يسترجع ويقول له: يكفيك الله ثم قال له أخي: ~~أما أنا فقد عرفت إخلاصي لك، وما يراني الله تعالى مساعدا فيما يسوءك، وأما ~~عمي فالأمر معه قريب، وسأرده وأكفيك ما ms117 تخافه منه، ومع هذا فدبر أمرك ~~تدبيرا يصلحه مع صاحبنا وصاحبك. فقال له: أشر علي يا سيدي. فقال: استعطف ~~الوزير. قال: قد فعلت. قال: زد، وليس بكثير أن تغرم في هذه القصة خمسين ألف ~~دينار، وإن احتجت إلى مالي في ذلك فهو بين يديك. فتكره وقال: أريد التوثقة ~~منك. فقال له أخي: ما تجد عندي خلافا عليك إلا أن اليمين غير مباركة وما ~~بنا إليها حاجة، وفي الأقوال الصادقة والآراء الصافية غنى وكفاية. وقام ~~فانصرف. # قال عبد الرحمن: ووافي ابن عبدون في بعض الأيام إلى أبي الحسن أخي، فلما # PageV01P153 # جلس قال له: قد فرغنا من أمر الرجل إن كانت منك مساعدة. فقال: # اللهم غفرا. وقمنا، وخلوا وتحدثا. ثم نهض ابن عبدون، وعدت أنا وإبراهيم ~~ابن أيوب الكاتب إليه، فوجدناه مقطبا واجما. فقال لنا مبتدئا: ما أعجب ما ~~نحن فيه! نعوذ بالله من البغي وجوالبه. ثم قال: وافانا هذا الرجل يعني ابن ~~عبدون يريد أن يلفتنا عن ديننا، وذكر أن الخليفة قد استجاب إلى صرف ابن ~~الفرات إن توليت ديوانه، فقلت له: يا هذا، إن صرفت ابن الفرات ازددت بصرفه ~~رزقا وأجلا، وإن لم أصرفه نقصني الله ما قرره لي؟ قال: لا. قلت: فإن ~~تركتموني أدبر هذا الأمر معكم وأقوم بما إلي منه، وإلا لزمت منزلي وأرحت ~~نفسي. فانصرف متنكرا متسخطا وقال: هذا الأمر يراد. ومضى ابن الفرات إلى ~~العباس فأعطاه وأرضاه. وقد كان قال للمكتفي بالله: إن حال ابن الفرات قد ~~عظمت، وأنا آخذ منه خمسين ألف دينار أردها في بيت مال الخاصة، وأبقي عليه ~~صدرا من نعمته. فقال له. نعمة ابن الفرات لي، ومتى أردتها أخذتها، وما ~~يمكني إنشاء كاتب واصطناعه والرفع منه حتى يكون حاله الحال الذي يظن فيه. ~~وكان ما قاله المكتفي بالله وفعله من أحسن ما روي وأثر عن كل خليفة قبله. ~~وقد كان خفيف السرمقندي الحاجب يقوم بأمر ابني الفرات ويعضدهما ويشد منهما، ~~فقلما طمع في أبي الحسن وانبسطت الألسن فيه. # وحدث عبد الرحمن قال: ms118 لما عقد الأمر لأبي العباس عبد الله بن المعتز، ~~ووزر له محمد ابن داود بن الجراح عمي تأخر أبو الحسن علي بن عيسى أخي عن ~~الحضور، ووصلت مراسلة بالاستدعاء، وهو يأبى ويتوقف، حتى إذا زاد الإلحاح ~~عليه وبلغه عن عبد الله بن المعتز أنه قال: علي بن عيسى متأخر عنا ليمضي ~~إلى جعفر، فإن كانت # PageV01P154 # له خلص عمه، وإن كانت لنا خلصه عمه. وليس كذلك. فإنه لات حين مناص صار ~~إلى القوم. فلما لم ير ابن الفرات قال لمحمد بن داود: ما فعل ابن الفرات؟ ~~قال له: وأية فائدة في حضوره؟ قال: كل فائدة، وستعلم ما تكون عواقب تأخره ~~وأنه لا يكون هلاك الجماعة إلا على يده. فكأن قوله وافق قدرا. ولما انتقض ~~أمر ابن المعتز ووزر أبو الحسن بن الفرات وأخذ علي بن عيسى ومحمد بن عبدون ~~وحملا إلى دار بدر اللاني، كتبا رقعة إلى ابن الفرات ترجماها: لعبديه محمد ~~بن عبدون وعلي بن عيسى. فعاد الجواب: فهمت هذه الرقعة يا أبا الحسن علي بن ~~عيسى أطال الله بقاءك. وأدام عزك وسعادتك، وأنت تعلم ما يلزمني من حقك، وما ~~أنا عليه لك، ولن أدع ممكنا في تخليصك واستنقاذك وردك إلى أفضل ما كنت عليه ~~إلا أتيته وبلغته وقضيت حقك به. ولم يذكر محمد بن عبدون بشيء، فلما وقفا ~~على ذلك لطم محمد بن عبدون على رأسه وقال: قتلني والله. وكان الأمر كما ~~قال: ولم يدع ابن الفرات المنافسة في الرئاسة والغيرة على الوزارة حتى نفي ~~علي بن عيسى إلى مكة. وحدث عبد الرحمن قال: لما ثقل علي أبي الحسن بن ~~الفرات أمر سوسن وبلغه عنه عمله على الإيقاع به وشروعه لمحمد بن عبدون في ~~الوزارة، خوف المقتدر # PageV01P155 # بالله منه، وأعلمه أنه على الوثوب به، وأنه كان على تقديم عزمه منه إلى ~~أن سأله أنوش بن الحرهان كاتب سوسن أن يؤخر ذلك في هذا اليوم لعيد له، ووقع ~~الاتفاق بيهم على الإيقاع بك وبي وبجماعة معنا في يوم الثلاثاء المقبل ms119 بعد ~~يوم الموكب، وقرر ذلك في نفسه وحققه عنده، فلما كان يوم الاثنين لثمان بقين ~~من رجب ركب المقتدر بالله إلى الميدان، ومعه تكين الخاصة ونازوك وغريب ~~الجيلي ورائق وياقوت، وقد ضمن ابن الفرات لتكين أن يقلده مصر إن ساعده على ~~أمر سوسن. وأحس سوسن بما يدبر عليه ويراد به، فتحرز في أمره ودخل الميدان ~~ولم ينزل عن فرسه، ولعب مع الخليفة ساعة بالصولجان، ثم مضى إلى صافي الحرمي ~~يعوده من شيء وجده، وتبعه مؤنس الخازن والغلمان، فلما نزل إلى صافي وكان في ~~آخر الميدان قبض عليه تكين الخاصة. # قال عبد الرحمن: حدثني تكين الخاصة عند اجتماعنا بمصر، وقد جرى ذكر سوسن ~~وتجبره وعتوه قال: فلما مضى إلى صافي بادرت كأني معه، ونزل فمددت يدي إلى ~~منطقته كأنني أتوكأ عليها، فجذبتها، وأخرجت سكينا معي فقطعتها، وحصلت مع ~~السيف في يدي، وسلبه الغلمان ما كان عليه، ودفعناه حتى أدخلناه باب ~~الميدان، فعند ذلك بكى، وحمل الخدم السلاح، ووكل بداره، واجتمع من كان خلفه ~~وصار في حيزه من الغمان، فخرج إليهم خادم وقال: مولانا يقول لكم: أنتم ~~غلماني وخاصتي، وهذا عبدي ومملوكي، وقد بلغني عنه ما أريد موافقته عليه، ~~وأنا لكم بحيث تحبون. فدعوا وقالوا: الأمر لمولانا. وتفرقوا ولم يعد منهم ~~قول بعد ذلك. وقرر ابن الفرات في نفس المقتدر بالله دخول محمد بن عبدون ~~وعلي بن عيسى # PageV01P156 # مع سوسن فيما كان عمل عليه وهم به. فأما محمد بن عبدون فإنه أنفذ من حمله ~~من الأهواز إلى الحضرة. قال عبد الرحمن: فحدثني من سمع ابن الفرات يقول له: ~~والله لأقتلنك. وابن عبدون يقول: يكفي الله ويعفو الوزير. فقال: لا والله. ~~ما فيها إلا التلف وحسبنا الله ونعم الوكيل. وحبس أياما يسيرة وأخرج ميتا ~~وطرح في مشرعة الساج عند داره، ووجد عند غسله وقد أكل لحم ذراعية فما طالت ~~الأيام حتى أصاب من ساعد ابن الفرات على أمره مثل ذلك. فأما أبو الحسن علي ~~بن عيسى فكتب بحمله إلى الكوفة، وأقام بها إلى ms120 وقت الموسم، وخرج إلى مكة ~~وقد وكل به حبشي بن إسحاق السجان. # وحدث أبو علي عبد الرحمن قال: وزر أبو الحسن بن الفرات، وارتفاع ضيعته ~~وضيعة أخيه أبي العباس نحو مائتي ألف دينار، وصرف بعد أربعة وعشرين شهرا. ~~وقد بلغ ثمانمائة ألف دينار وكسرا. وذلك بما استضافه واجتذبه من الأملاك ~~والضياع. ووجد له أبو علي الخاقاني عند تقلده بعده في الدواوين والودائع ~~نحو ثلاثة آلاف ألف دينار أكثرها محمول من بيت مال الخاصة الذي بنى له ~~المعتضد بالله، وكان قلعة قد صب في أنقالها الرصاص. ومات وقد اجتمع فيه ~~تسعة آلاف ألف دينار وكسر، وكان نذر عند بلوغ ذلك عشرة آلاف ألف دينار أن ~~يترك عن أهل البلاد ثلث الخراج في سنة البلوغ، وأضاف المكتفي بالله إلى هذه ~~الجملة في أيام خلافته سبعة آلاف ألف دينار حتى تكامل المبلغ ستة عشر ألف ~~دينار وكسرا. ومات المكتفي بالله، وتفرق المال # PageV01P157 # وتمزق. وقيل: إنه وجد فيما وجد من ودائع ابن الفرات ما هو بختوم أبي ~~خراسان فرغان الخادم خازن المعتضد على بيت مال القلعة. وذلك أن الأمر فيما ~~كان يحول إلى حضرة المقتدر بالله ويخرج إلى مجلس العطاء زاد علي الحد. وخرج ~~عن الضبط. قال عبد الرحمن: وقرأت توقيعا لفاطمة القهرمانة خرج إلى ابن ~~الفرات تقول فيه: أمر أمير المؤمنين بحمل أربعين بدرة عينا من بيت مال ~~الخاصة إلى حضرته. وتوقيع ابن الفرات في آخره بامتثال المرسوم فيه، وكانت ~~لهذا التوقيع نظائر كثيرة، وابن الفرات يحتال لنفسه في أمثال ذلك، حتى قيل ~~إنه أخذ من بيت مال القلعة ألف ألف دينار. وأطلق منها لعبد الله بن جبير ~~مائة ألف دينار، ولأصطفن بن يعقوب كاتب بيت مال الخاصة وخليفة دانيال بن ~~عيسى كاتب مؤنس الخادم الملقب بالمظفر مائة ألف دينار. قال عبد الرحمن ~~فحدثني أبو الحسن سعيد بن عمرون سنجلا أن رزق ابن جبير لما كان يكتب وهو ~~بين يدي ابن الفرات في مجلس من مجالس ديوان الخراج خمسة وعشرون دينارا. ~~فلما تقلد ms121 ابن الفرات الوزارة بلغ به مائة دينار وأن رزق يعقوب بن اصطفن ~~كان في أيام مؤنس وهو ينوب عن دانيال بن عيسى عشرة دنانير. ثم بلغ أربعين ~~دينارا في وزارة ابن الفرات الثانية، فظهر لهما من الحال ما قدر فيها ألف ~~ألف دينار. # وحكى عبد الرحمن بن هشام بن عبد الله الملقب بأبي قيراط كاتب ابن الفرات ~~على ديوان بيت المال أنه قال له في بعض الأيام سرا: قد وقفت على أنه قد ~~اقتطع من بيت مال الخاصة ألف ألف دينار. وحمله ما حول منه. فعلم من قوله ~~اطلاعه # PageV01P158 # على القصة، وقال له: لن تعدم نصيبك يا أبا القاسم. وأوصل إليه في أوقات ~~مائة ألف دينار عظمت بها حاله، وابتاع منها ضياعا جليلة بنواحي واسط، حتى ~~كتب إلى القاهر بالله يخطب وزارته فدفع رقعته إلى أبي العباس الخصيبي وسأله ~~عنه، فقال: هذا رجل جاهل أخذ من المال في أيام ابن الفرات كذا وكذا المبلغ ~~الذي ذكرناه وأنا أستخرجه منه. وانصرف ووقع إليه: قد رسم تقليدك بعض ~~الدواوين فاحضر. فقدر ان رقعته قد حركت أمره، وبادر فقبض عليه، وأخذ خطه ~~بمائة ألف دينار، أدى بعضها وكتب على ضيعته بباقيها ونفاه إلى الموصل. # وحدث أبو علي عبد الرحمن قال: فلما حصل أبو الحسن أخي بمكة خرجت للحج ~~وتجديد العهد به، ووصلت إليه واجتمعت معه، وورد عليه كتاب ابن الفرات ~~بالإذن له في الحج، لأنه كان محبوسا في داره، ممنوعا من التصرف على إيثاره، ~~ووافى بعد أيام أبو الحسن عبيد الله بن عيسى أخي في الرفقة الأخيرة، فسأله ~~أخي عن شخوصه من مدينة السلام ووقته. فقال: خرجت في آخر الناس لاحتباسي على ~~لقاء ابن الفرات ووداعه. فقال عبد الرحمن: فلما كان يوم الأربعاء لست خلون ~~من ذي الحجة سنة تسع وتسعين ومائتين مضيت إلى المسجد الحرام ارتفاع النهار، ~~وصليت وطفت وسعيت وعدت إلى المسجد، وجلست عند باب السهميين، فوافاني خادم ~~لنا أسود شيخ يقال له مقبل غلام الجدة، واستنهضني فنهضت إلى جوار المسجد، ms122 ~~وقال لي: اعلم أن سيما الفلاني من غلمان الحجر لقيني الساعة وهو صديقي ~~وأعلمني سرا أن ابن الفرات قد قبض عليه. فورد علي من السرور ما لم أتمالك ~~نفسي، وبادرت # PageV01P159 # إلى أبي الحسن أخي، وهو جالس يسبح. فعرفته ما عرفني. فقال: ويحك، من أين ~~له هذا؟ قلت: قد أخبرتك بما خبرني به، وما عنده زيادة عليه. فقال: امض إلى ~~أبي الحسين أخيك وسله عما عنده. فمضيت إليه وحدثته. فقال: ما خلق الله لذلك ~~أصلا وأنا آخر من ودعه وهو جالس للمظالم على أجل حال وأنفذ أمر. فقال أبو ~~الحسن أخي: فاقصد ابن مجاشع المنفق وسله. ففعلت، وكان قولا وقول أبي الحسين ~~واحدا. وأمسكنا، وشاع ذلك بمكة، وكثرت به الأراجيف. فلا والله ما كان إلا ~~عند وصولنا إلى الحاجر راجعين حتى وافى مؤنس الورقاني صاحب السرية ليلا ~~لتلقي الحاج. فقال: أبشروا يا معاشر الحاج، قد قبض على ابن الفرات، واتفق ~~أن كان قريبا مني، والليل يحجر بينه وبين معرفتي، فقلت له مبادرا: ومتى كان ~~ذلك يا مبارك؟ فقال: يوم الأربعاء السادس من ذي الحجة. فورد علي من قوله ~~وموافقه اليوم الذي سمعت فيه ما سمعته ما عجبت منه واستطرفته، ووجدت هذا ~~الحديث مشاكلا حديث الرشيد في موته بطوس وانتشار خبره بمدينة السلام في ~~يومه. والحديث ماثور مشهور. وأنشدت لأبي الحسن ابن الفرات: # معذبتي هل لي إلى الوصل حيلة ... وهل لي إلى استعطاف قلبك من وجه # فلا خير في الدنيا وأنت بخيلة ... ولا خير في وصل يكون على كره # وقال جعفر بن حفص: مضيت قاصدا حتى رأيت أبا العباس بن الفرات وأبا الحسن ~~أخاه ينظران في الأعمال، فنظرت إلى حفظ لأمر الدنيا لم أر مثله، ولو رآهما ~~من تقدم من الكتاب لعلموا أنهم لم يروا مثلهما. # PageV01P160 # وذكر أبو علي الصولي قال: خرجت يوما مع أبي العباس النوفلي من دار أبي ~~الحسن بن الفرات مع صلاة المغرب، فخرج معنا فراشان بشمعتين، فلما نزلنا إلى ~~السميرية دفعا الشمعتين إلى غلماننا، فرددناهما وامتنعنا من أخذهما، ms123 فقالا: ~~قد أمرنا بأن ندفع إلى كل من يخرج من الدار عند اصفرار الشمس شمعة. فقلنا: ~~قد قبلناهما ووهبناهما لكما. فقالا: تريدان أن نعاقب ونصرف؟ وتركاهما ~~ومضيا. # وحدث أبو الفضل بن الوارث قال: لما قبض على أبي الحسن بن الفرات في ~~وزارته الأولى نظرنا فإذا هو يجري على خمسة آلاف إنسان ما بين مائة دينار ~~في الشهر إلى خمسة دراهم، ونصف قفيز دقيقا إلى عشرة أقفزة. وحدث أبو العباس ~~أحمد بن العباس النوفلي وكان جليسا لبني الفرات قال: سمعت الوزير أبا الحسن ~~قبل الوزارة يقول: ما رأيت أحدا قط في داري أو على بابي ليس لي عنده إحسان ~~إلا كنت أشد اهتماما بإيصال ذلك إليه منه والاحتيال له. وحكي أن أبا الحسن ~~بن الفرات ألس يوما للمظالم في سنة ثمان وتسعين ومائتين. فتقدم إليه خصمان ~~في دكاكين بالكرخ. وتأملهما فقال لأحدهما: أرفعت إلى قصة في سنة اثنتين ~~وثمانين في هذه الدكاكين؟ ثم رجع فقال له: سنك تصغر عن هذا. فقال: ذاك أبي. ~~فقال: نعم، قد كان رفع قصة فوقعنا له فيها. ثم وقع بإخراج رفع القصص ~~والتوقيعات في سنة اثنتين وثمانين من الديوان. وقال للخصمين: كونا ها هنا. ~~قال بعض من حضر المجلس: فلما خرجت # PageV01P161 # من عند الوزير أبي الحسن سمعت أحدهما يدعو له. فقلت له: ما شأنك؟ قال: ~~لما سمع خصمي بهذا فر وعلم أن التوقيع كان بتسليم الدكاكين إلى أبي. # وقال الحسين الخادم المعروف بالمخلدي: سمعت خفيفا لسمرقندي الحاجب يقول ~~للمكتفي بالله: الخليفة الماضي لم يستغن عن ابني الفرات ووزيره عبيد الله ~~ابن سليمان، كيف تستغني أنت عنهما ووزيرك القاسم؟ قال القاضي أبو علي ~~التنوخي: أنشدني أبو الحسين علي بن هشام لنفسه لما قتل أبو الحسن بن ~~الفرات: # فرات غاض من آل الفرات ... ففاض عليه دمع المكرمات # سماء غودرت في بطن أرض ... وبحر غاض في بعض الفلاة # عسى الأيام آخذة بثأر ... فتأخذ لي بثأر المأثرات # وحدث القاضي أبو علي قال: حدثني أبو الحسين علي بن هشام قال: سمعت ms124 أبا ~~الحسن بن الفرات يتحدث في مجلسه قال: كنا بعد وفاة أبينا وقبل تصرفنا مع ~~السلطان نقدم إلى بغداد من سر من رأى فنقيم بها المدة بعد المدة، ونتفرج ثم ~~نعود، وننزل إذا وردنا شارع عمرون بن مسعدة بالجانب الغربي، فبكرنا يوما ~~نريد بستانا، فإذا بخالد الكاتب والصبيان يولعون به، وقد اختلط وهو يرجم ~~ويشتم، ففرقناهم عنه، ومنعناهم منه، ورفقنا به، وسألناه أن يصحبنا وأنزلنا ~~أحد غلماننا من مركوبه وأركبناه، وحملناه إلى البستان. فلما أكل وسكن ~~وجدناه متماسك العقل، بخلاف ما رأيناه عليه، وظنناه به، وسمعناه عنه، فقلنا ~~له: # PageV01P162 # ما الذي يلحقك؟ فقال: أكثر آفتي هؤلاء الصبيان فإنهم يزيدون علي حتى أعدم ~~بقية عقلي وأصير إلى ما شاهدتموه مني. وأخذ ينشدنا لنفسه، ويورد الحسن من ~~شعره. وطاب لنا يومنا معه. وأحب أخي أن يمتحنه في قول الشعر، وهل هو على ما ~~كان أم قد اختل، فقال له: أريد أن تعمل شيئا في الفراق الساعة، فأخذ الدواة ~~وفكر وقال: # عيني أكنت عليك مدعيا ... أم حين أزمع بينهم خنت # إن كنت فيما قلت صادقة ... فعلى فراقهم ألا بنت # وحدث محدث عمن حضر مجلس أبي الحسن بن الفرات في يوم من أيام نظره أن نسوة ~~رفعن إليه قصة يشكون فيها رقة أحوالهن، وانتسبن إلى أنهن بنات ابن رستم، ~~فقدر أنه ابن رستم كاتب كان بسر من رأى، ووقع بأن يجري عليهن دقيق ودراهم ~~في كل شهر. فلما انصرفن قال له أحد الكتاب: ليس هؤلاء النسوة بنات ابن رستم ~~الذي أشار الوزير إليه، وإنما هن بنات ابن رستم الذي كان مع بغا الشرابي. ~~فقال: ليكن من كن فقد أخذن رزقهن، وإن حضر أولئك أجرينا لهن أيضا وأحسنا ~~إليهن. # وحدث أبو الحسين أحمد بن محمد بن ميمون قال: كنت بحضرة أبي الحسن ابن ~~الفرات في بعض العشايا، فقط الفراش الشمعة التي كانت بين يديه قطا استعجل ~~فيه، فسقط منها شرار قرب منه، وخاف الفراش فمضى مبادرا، وتبعه خادم كان ~~يرؤس على حواشيه لينكر عليه ويضربه، ms125 فصاح الوزير به وقال له: عد إلى مكانك، ~~أتراه البائس تعمدني بما فعل واعتقد أن يحرقني؟ وإنما اتفق ما اتفق على ~~سبيل الغلط. # PageV01P163 # وحدث أبو الحسين قال: عرض أبو أحمد المحسن على أبيه عملا من أعمال المغرب ~~الذي كان يتولى ديوانه، وقد أخطأ المحرر له فكتب سنة ثلاث وتسعين ومائتين، ~~وأراد سنة ثلاث وثلاثمائة. فقال الوزير أبو الحسن: هذا غلط وكان يجب أن ~~يكون سنة ثلاث وثلاثمائة. فأظهر المحسن الغيظ على الكاتب، فقال له الوزير: ~~كأني بك عند خروج وقد استدعيته ووبخته وعنفته. فبحياتي عليك إن فعلت وعامل ~~كتابك وأصحابك بفضل الحلم وحسن العشرة ولطف القول فإن الناس لا يخلون من ~~السهو. وكانت عادته جارية مع كتابه إذا وقف لهم على خطأ فيما يعملونه أن ~~يواقف صاحبه عليه من غير إنكار ولا تهجين، ثم يسلم العلم إليه ليتولى ~~إصلاحه، وإن طعن أحدهم على صاحبه في عمله أنكر قوله ورده وسهل على المطئ ~~خطأه وأقام فيه عذره. وحدث محدث أن أحمد بن أيوب صاحب خبره رفع إليه يذكر ~~أنه كان له في وزارته الأولى سبعة دنانير برسم النوبة. فلما تقلد الخاقاني ~~قطعها وجعلها لرجل أسماه وسأله ردها عليه، فوقع على ظهر رقعته: أما إسقاط ~~الرجل المثبت فلا أراه ولا أستجيزه، ولكن اطلب رسم رجل ساقط بأكثر من هذا ~~الرزق لأوقع لك به، وقد بلغني أن هذا البائس قد التزم على ما أثبت باسمه ~~جملة. ثم وقع لأحمد بن أيوب بمثل ما كان له. وعرض عليه كتاب من صاحب ديوان ~~الجيش أو صاحب الإعطاء يذكر فيه أنه قد توفر من جاري جماعة من المشايخ ~~والزمني ومن يجري أمره هذا # PageV01P164 # المجري أسقطوا نحو خمسمائة دينار، فوقع على ظهره: إن كان هؤلاء أسنوا ~~وأصيبوا في طاعة السلطان وخدمته فليمض أمرهم، أو كانوا بدلاء ودخلاء أقيموا ~~مقام غيرهم فليصدق عن صورتهم. ثم أتبع ذلك بأن قال: أمض أمر جماعتهم، ولا ~~تسقط أحدا منهم فإنني أكره أن أقطع معيشة إنسان. # وعمل قوم من الكتاب لأحمد بن ms126 العباس بن عيسى بن شيخ وكان رجلا كبيرا ~~مغفلا توقيعا بتضمينه آمد وجميع ما كان إلى عيسى بن شيخ وتقلد. ونقل غلمانه ~~من برسم الأحرار إلى رسم المماليك، وزيادته في أرزاقه وأرزاق من معه، وضم ~~جماعة من الرجال إليه، وصار الشيخ إلى ديوان المغرب، وتنجز الكتب وأخرجت له ~~الخروج، وبينما هو في ذلك شك أبو أحمد المحسن في بعض ما عرض عليه، واستثبت ~~أباه فيه، فأنكره واستعظم الإقدام عليه بمثله، وأمر بإحضار الشيخ. فلما حضر ~~غلظ عليه في القول وقال له: ما حملك على هذا القول؟. فقال: خدمتك وأن أظهر ~~كفايتي عندك، وأراك قد استكثرت لي هذا العمل، وهذا بلد لم نزل نتولاه، وقد ~~تقلده أخي وابن أخي وما أنا بدونهما. وأقبل يخاطبه مخاطبة المحاج المناظر ~~لا الجاني المحاذر. فضحك منه عندما سمعه من قوله. وعلم أنه استغفل واحتيل ~~عليه. فقال له: عرفني من أخرج هذه التوقيعات لك، فأقر على جماعة من الكتاب، ~~أحضر بعضهم وحبسوا أياما ثم أطلقوا، ولم يعرض للشيخ ولا لحقه منه مكروه. ~~وحدث محدث أن بنات محمد بن سعيد الأزرق الأنباري الكاتب الذي # PageV01P165 # كان يتقلد أمر الجيش وقبض عليه مع أصحاب عبد الله بن المعتز، ومات في حبس ~~مؤنس رفعن إلى أبي الحسن بن الفرات أن وكيلا كان لأبيهن غلبهن على ماله ~~وأنكرهن إياه، وابتاع عقارات ومستغلات به. فنظر إليهن نظرا رق فيه لهن، ~~ودمعت عيناه عطفا عليهن ورأفة بهن، وتقدم بإحضار الوكيل. فلما حضر خاطبه ~~على ما ادعينه عليه، فأنكر أن يكون محمد بن سعيد خلف في يده مالا، وجحد ذلك ~~جحدا شديدا. وأمر الوزير أحد أصحابه بالمسألة عن حال الرجل وما كان يتصرف ~~فيه قبل أن يصحب محمد بن سعيد، وما تصرف فيه بعده، وإعلامه ذلك على صحة. ~~فامتثل صاحبه ما رسمه له، وعاد وعرفه أن هذا الوكيل ما تصرف قبل محمد بن ~~سعيد ولا معه ولا بعده تصرفا يقتضي كسبه الذي في يده. فأعاد إحضاره، ولم ~~يزل يراوضه إلى أن اعترف عنده ببعض ms127 ما ادعي عليه، وأشهد لبنات محمد بن سعيد ~~بشيء من العقار الذي كان ابتاعه. فأحياهن بما استخلصه لهن، وسترهن بما ~~أعاده إليهن. # وذكر أبو القاسم بن زنجي أن أبا الحسن بن الفرات خوطب في معنى أسماء بنت ~~عيسى أخت أبي الحسن علي بن عيسى وزوجة علي بن محمد بن داود، وعرف رقة حالها ~~واختلال أمرها، فرد عليها الضيعة المقبوضة عن محمد بن داود بكوثي ونهر ~~درقيط، وأجرى عليها خمسمائة درهم في كل شهر من ماله. فلما تقلد أبو الحسن ~~علي بن عيسى أخوها منعها ذلك. ووجدت ثبتا بما كان أبو الحسن بن الفرات ~~يخاطب به السيدة والأمراء وأولاد الخلفاء والولاة والكبراء وأصحاب الأطراف ~~وعمال الأعمال وسائر الطبقات في كتبه توقيعا به إليهم أيام وزراته الثالثة. ~~وقد تغيرت الرسوم ووهت الأمور # PageV01P166 # ووقع التسمح منه فيما كان من قبل يضايق فيه، فأوردته متعجبا ومعجبا من ~~التفاوت الشديد بين ما كان وبين ما نحن عليه الآن، فإننا اليوم في انخراق ~~قد زاد وأسرف، وتمادى وما وقف، حتى أن الملوك ومن بعدهم من الوزراء قد ~~أنفوا من ذكرهم بسيدنا، واستقلوا خطابهم بمولانا، فعدل الناس بأولئك إلى ~~الحضرة الشريفة، والحضرة العالية والحضرة السامية، وبالوزراء إلى مثل ذلك. ~~ثم كنوا عن الخلفاء بالموقف الأشرف المقدس، وذكروه بالمقام الأطهر النبوي، ~~ونقلوا الملك إلى الأشرف والأعظم. وقالوا في الدعاء: نوره الله ونصره الله: ~~إلى ما بعد ذلك من المغالاة والمبالغة، وانتهت هذه الحال إلى أن شاركهم ~~فيها الأكابر من أصحاب الأطراف، ووقفوا بالوزارة على الحضرة السامية. ثم ~~ألحقوا بها: المظفرة والمنصورة، مع النسبة إلى الألقاب كالوزيرية والعميدية ~~والكمالية، وما أرى هذا المجرى، وداخلهم في ذلك من يتلوهم من خلفائهم، ~~وأصحاب الجيوش وأمراء العرب والأكراد. واتسع هذا الباب، فدخل فيه كل من ~~أراد من غير احتشام ولا ارتقاب. ولا أعرف معنى للموقف ولا الحضرة، لأنه ~~إشارة إلى غير شخص متمثل، وعبارة عن غير محسوس متشكل، وما الذي يتعلق ~~بالمخاطب من ذلك؟ أم أي موضع للدعاء إذا كان لما لاحظ ms128 له فيه، ولا عائدة ~~عليه منه؟ ولقد استخير من هذا الأمر ما لا جمال فيه، ولا جلالة ولا عظم ولا ~~فخامة. وإنما يشار إلى الحضرة والموقف كما يشار إلى الباب الذي يطرقه ~~الزوار والوفود، والمجلس الذي يكون فيه المثول والقعود والمقام الذي يكون ~~فيه الحضور والوقوف. فأما الخلفاء فذكرهم بالسادة وأمير المؤمنين التي لا ~~يشاركون فيها، ولا يجاذبون عليها أولى وأعلى من هذه الفقاقيع التي لا تفيد ~~معنى. وأما الملوك والوزراء فذكرهم بالسيادة والملك والوزارة وما هو جار ~~ذلك المجرى # PageV01P167 # كان أحرى ولخلصوا من المشاركة الواقعة، وحصلت لهم منزلة الانفراد بهذه ~~السمة الرائعة، وإنما تبين الرتب إذا تفاوتت، وتظهر المنازل إذا تباينت، ~~وأما أن يبتدر الرئيس والمرؤوس بحالة واحدة، ويجروا في طريقة جامعة، فإن ~~ذلك يدعو إلى التساوي ويخلط الأدون بالعالي، ولو أعيد الوقوف بالخلفاء على: ~~سيدنا ومولانا أمير المؤمنين، وأفراد الملوك بمولانا الملك، واقتصر ~~بالوزراء على: سيدنا الوزير، واتبع في ذلك ما كان معهودا من قبل، وطبق من ~~بعدهم على حكم منازلهم، وقدر مواقعهم، لكان التمييز موجودا، والاختلاط ~~مفقودا، على أنه لم يكن يعرف فيما مضى مولانا، ولا مولاي، ولا سيدين وإنما ~~كان التكاتب والتخاطب بالدعاء فقط. ولقد بلغني أن بعض خواص المقتدر بالله ~~رحمة الله عليه سأل أبا الحسن علي بن عيسى زيادة أحد العمال المتقدمين في ~~خطابه، وكان يخاطبه: بأعزك الله، فامتنع عليه امتناعا شديدا، وعاوده حتى ~~وعده. وكتب إلى الرجل: بأعزك الله. ممدود ما بين العين والزاي فقال ألم ~~يعدني الوزير بالزيادة؟ قال: قد فعلت. قال: في أي شيء؟. قال: كنت أجمع بين ~~العين والزاي. وقد مددت بينهما مدة وهي الزيادة. فكان القوم على هذه الصورة ~~من المناقشة ليبين الترتيب فيها ويلوح التطبيق في مجاريها. فأما عصرنا هذا ~~فقد اختلفت الرسوم وانقلبت الأعيان فيه، وقلت المراعاة لما كانت موكولة به، ~~وصارت ملوكه المدبرون للأمر يخاطبون وزراءهم بمولاي الأجل وزير الوزراء ~~أدام الله علوه. # PageV01P168 # ومن بعدهم من أصحاب الجيوش وأمراء العرب والأكراد، وخلفاء الوزراء ومن ~~جرى مجراهم ms129 بالأجل. على الكناية. ويجمعون في الأجل بين وجوه الكتاب ~~والأتراك والحواشي وحتى القضاة والشهود. فأما الألقاب فقد خرجت عما يحاط به ~~ويوصف أو يأتي عليه حصر، وصار لقب الأصغر أعظم من لقب الأكبر. ومن أنموذج ~~هذا الإفراط والاختلاط أنني كنت أشاهد الوزراء في آخر أيام عضد الدولة، ~~وأيام صمصام الدولة يذكرون عنهما بأبي فلان فلان بن فلان أدام الله عزه. ~~وأراهم وأرى خلفاءهم وأصحاب الدواوين ونطراءهم وزعماء الجيوش ومن يتلوهم من ~~القواد وخواص الناس من سائر الأصناف ينزلون من دوابهم في الباب العام من ~~دار المملكة في أماكن ما يقنع اليوم بما كان الوزراء إذ ذاك منها كاتب ~~طائفة من الأتراك، وكان البوابون يدعون بدابة الوزير غلام الأستاذ، مطلقا ~~بغير كنية. ومن بعده بالكني الذين يفضلون في مراتب أربابها بإعلاء الصوت ~~وخفضه. وبعد المدى وقربه، ويقتصرون في الأقل الأدنى على اللفظ المدغم الذي ~~لا يرفع ولا يكاد يسمع، هذا فيمن يتميز أدنى تميز. فأما الجمهور الأكبر فلا ~~يفعل معهم ذلك، وأوسط الكتاب والحواشي يدعى بدابته اليوم بغلام الرئيس ~~الأجل، والأجل مع اللقب إن كان، مع غير تمييز ولا ترتيب. لا جرم أن الرتب ~~قد نزلت لما تساوت، وسقطت لما توازت. ولم يبق لها طلاوة يشار إليها ولا ~~حلاوة يحافظ عليها. حتى لقد بلغني عن مولانا الخليفة القائم بأمر الله أطال ~~الله بقاءه أنه قال: لم تبق رتبة لمستحق. # PageV01P169 # ومن أطرف طريف أن السلطان أطال الله بقاءه يذكر القضاة والشهود بالأجل ~~والجليل. وقاضي القضاة يوقع إليهم بما يقول فيه: أبو فلان فلان بن فلان ~~أيده الله يفعل كذا. ومعلوم أن ذلك مما يتفاوت ويتباين ولا يتناسب، وعهد ~~وأنا أوقع في قصص المتظلمين في أيام صمصام الدولة عن أبي إسحاق جدي في ~~ديوان الانشاء إلى قضاة الحضرة الناظرين فيها: أبو فلان فلان بن فلان ~~القاضي أعزه الله، والقاضي مؤخر، وربما تقدم لمن تميز. وإلى قضاة النواحي: ~~فلان بن فلان الحاكم، بغير كنية ولا دعاء ولا ذكر قضاء. وأما المناشير فلم ~~تجر العادة ms130 فيها بذكر أحد بكنية ولا دعاء. وقد فعل في زماننا ذلك على ~~الزيادة والتناهي. والعلة في ألا يذكر الناس بالكنية والدعاء أن ذكر ~~السلطان يكون فيها بألقابه خاصة من دون الدعاء، فلا يجوز أن يقع التميز ~~عنه. فظاهر قولنا: هذا كتاب من فلان لفلان، إخبار عن الكتاب ولذلك يقال في ~~الكتب عن الخلفاء: من عبد الله أمير المؤمنين إلى فلان، إما بلقب ونية بغير ~~لقب أو باسم دون الكنية واللقب. ولا يدعى للمكتوب عنه حتى إن استتم التصدير ~~استوقف الدعاء بعد قولهم: أما بعد. فقيل: أما بعد، أطال الله بقاءك وأمتع ~~بك. وما شاكل ذلك وما كان الأصل. فما تغير عن الرسوم الصحيحة واستوقف من ~~هذه الفقاقيع الطريفة إلا أبو الحسن علي بن عبد العزيز بن حاجب النعمان. ~~فإن القادر بالله صلوات الله عليه منعه # PageV01P170 # بعد فخر الملك أبي غالب من مخاطبة أحد من الوزراء بمولانا. فلما ورد أبو ~~محمد بن سهلان إلى بغداد كتب إليه: بسيدنا. فأنكر أبو محمد ذلك، ورمى ~~بالرقعة وقال: يزيدني وينقصني عما كان يخاطب به أبا غالب، لا أرضى بهذا ولا ~~أقبله ولا أقرأ له رقعة به. ومضت مدة فكتب إليه: بالحضرة العالية الوزيرية ~~على ما يكتب الآن فاستنكر ذلك وقال: هذا فرار من: مولانا. ولا أقنع به. ~~فقيل له: هذا أجل وأعظم، وأعلى وأفخم، وما منعك من: مولانا. إلا لأن ~~الخليفة حظر عليه خطاب أحد بمولانا سواه. فقبل هذا القول وتصور زيادة به لا ~~نقيصة. فاقتفى الناس أثره فيه. ثم أخرج أبو الحسن في ذكر الخليفة: الحضرة ~~المقدسة النبوية. اختراعا جعله قربة فصار سنة، وأشرك به: السدة النبوية. ~~ومضى من هذا الفن ما خرق به العرف والعادة، وأسقط معه القوانين القديمة ~~المعهودة، وتجاوز هذه المنزلة إلى أن صارت كتابته عن الخليفة بالخدمة، ~~وتصرف في ذلك حتى قال: قالت الخدمة، وفعلت الخدمة، وسئلت الخدمة. حتى رأيت ~~بخط أبي الحسن بن أبي الشوارب القاضي في ترجمة رقعة: خادم الخدمة الشريفة ~~فلان بن فلان. ومضى من يعرف ms131 الأصول، ونشأ من لم يعرف ولم يسمع إلا بهذه ~~الفروع، فخالها الصحيح، وتعدى الأمر من حال إلى حال، في الباطل والانتقال، ~~حتى أفضى هذا إلى الاختلال والانحلال. # PageV01P171 ### || المخاطبات عن أبي الحسن بن الفرات # أولاد المقتدر بالله: أطال الله بقاء الأمير. والدعاء عدة سطور. ~~والترجمة: عبده، علي بن محمد، بغير كنية، السيدة أم المقتدر بالله: مثل ~~ذلك، الخالة: أطال الله بقاء الخالة. والدعاء عدة سطور. والترجمة: للخالة ~~أطال الله بقاءها. من علي بن محمد، أولاد المعتضد بالله والمكتفي بالله: ~~أطال الله بقاءك يا سيدي. والدعاء عدة سطور والترجمة: لأبي فلان، بأجل ~~دعاء، من علي بن محمد. ثمل وزيدان القهرمانتان: أطال الله بقاءك. ويتمه ~~بثلاثة سطور دعاء. والعنوان: لثمل أو لزيدان القهرمانة، من أبي الحسن. ثم ~~زاد زيدان خاصة: يا أختي. نصر بن أحمد صاحب خراسان، وثلاثة أسطر هي: أطال ~~الله بقاءك، وأدام عزك وتأييدك، وسعادتك وكرامتك، وسلامتك وعافيتك، وأتم ~~نعمته عليك، وزاد في إحسانه إليك، وفضله لديك، وجميل مواهبه عندك، وجزيل ~~قسمه لك، وجعلني من كل سوء ومكروه فداك، وقدمني قبلك. والفصول: أدام الله ~~عزك. وفي آخر الكتاب: فإن رأيت ... والعنوان: لأبي فلان، أطال الله بقاءه ~~وأدام عزه وتأييده وسعادته وسلامته ونعمته. من علي بن محمد بلا كنية. مؤنس ~~المظفر: أطال الله بقاءك، وأعزك وأكرمك، وأتم نعمته وإحسانه # PageV01P172 # إليك. العنوان: لأبي الحسن أطال الله بقاءه، من أبي الحسن. أبو القاسم ~~نصر الحاجب وأبو القاسم يوسف بن داود ابن أبي الساج لما جمعت له أعمال ~~أرمينية وأذربيجان والري وقزوين وزنجان وأبهر. # أطال الله بقاءك، وأدام عزك، وأكرمك، وأتم نعمته عليك وأدامها لك ~~والعنوان: لأبي القاسم أدام الله عزه نصر الحاجب مولى أمير المؤمنين، من ~~أبي الحسن. # شفيع اللؤلؤي وشفيع المقتدري وبشر الشرابي وبدر الحرمي ومفلح الأسود ~~وهارون بن غريب الخال وأحمد بن بدر العم ونازوك وياقوت: أعزك الله وأطال ~~بقاءك، وأكرمك وأتم نعمته عليك. العنوان: لأبي فلان أعزه الله. من أبي ~~الحسن. فلان مولى أمير المؤمنين، أمير الشام وأجنادها، والمسمعي، ومن يتقلد ms132 ~~فارس وكرمان، وصيف البكتمري وهو يتقلد جند قنسرين والعواصم وأنطاكية ونجح ~~الطولوني. أمير أصبهان، ومن يتقلد الموصل وقردي وبزبدي وديار ربيعة: أعزك ~~الله ومد في عمرك وأتم نعمته عليك وإحسانه إليك. العنوان: لأبي فلان أدام ~~الله كرامته. من يتقلد ديار ربيعة وديار مضر مفردا، وأمراء الثغور الشامية، ~~والثغور الجزرية، محمد بن أحمد بن بدر العم، وأمير واسط، محمد بن عبد الله ~~الفارقي، أمير البصرة، وأحمد بن هلال صاحب عمان، أمير همذان وماه البصرة ~~وماه الكوفة والإيغارين، غريب الجيلي، وغريب الكبير، وأبناء رائق وفريد إذا ~~لم يكونوا ولاة: # PageV01P173 # مد الله في عمرك وأكرمك، وأتم نعمته عليك وإحسانه إليك. العنوان: لأبي ~~فلان أكرمه الله. أمير الرحبة وهيت وعاملها، وعمال المشرق، وأمير ماسبذان، ~~ومهرجان نقذق، أمير الطيب وقرقوب وجوخي، المسمعي صاحب أيذج والبنيان وواسط ~~والزموم: أكرمك الله وابقاك، وأتم نعمته عليك، وأدامها لك. العنوان: لأبي ~~فلان أعزه الله. عبد الله بن حمدان، وجعفر بن ورقاء، ومن يجري مجراها إذا ~~لم يكونوا ولاة: مد الله في عمرك، وأتم نعمته عليك وإحسانه إليك. العنوان: ~~لأبي فلان أدام الله كرامته. ولباقي القواد: أكرمه الله. صاحب اليمن والتيز ~~ومكران، والمتقلد الكوفة وأعمالها: أكرمك الله ومد في عمرك، وأتم نعمته ~~عليك وأدامها لك. العنوان: لأبي فلان أكرمه الله. # أبو أحمد المحسن ابن الوزير: أطال الله بقاءك. وتمام سطرين. العنوان: ~~لأبي أحمد أطال الله بقاءه وأدام عزه وتأييده وسعادته. وباقي الولد بمثل ما ~~يدعى لمؤنس إلا ابن دولة الأصغر فإنه كان يكتب على العنوان: لأبي علي أبقاه ~~الله طويلا في عافية وسلامة. وكذلك كان يكتب عبيد الله بن سليمان إلى ~~القاسم ابنه إلى أن استخلفه على الوزارة. # PageV01P174 ### || أصحاب الدواوين # ثلاثة طبقات الطبقة الأولى: مثل شفيع المقتدري وطبقته. # الطبقة الثانية: مثل المسمعي وطبقته. # الطبقة الثالثة: مثل عامر ديار ربيعة. ### ||| العمال # عامل مصر مثل أميرها، عامل الشام مثل أميرها، عامل فارس مثل أميرها، عامل ~~أصفهان مثل أميرها، عامل البصرة مثل أميرها، عامل الثغور مثل أميرها، عامل ~~الأهواز إذا اجتمعت أعمالها مثل ms133 عامل فارس، عامل الري مثل عامل أصفهان. # فأما حامد بن العباس فكان يجري في الدعاء مجرى أمير الشام وعاملها، إلى ~~أن أرفق ابن الحواري وأم موسى القهرمانة وأصحاب الدواوين مالا جليلا فألحق ~~بصاحب مصر، ودعاؤه: أدام الله عزك وأطال بقاءك وأكرمك وأتم نعمته عليك ~~وإحسانه إليك. العنوان: لأبي محمد أطال الله عزه حامد بن العباس. من أبي ~~الحسن ### ||| القضاة # أبو جعفر أحمد بن إسحاق بن البهلول، وأبو عمر محمد بن يوسف: أعزك الله ~~وأكرمك، وأتم نعمته عليك وأدامها لك. والعنوان: لأبي فلان أدام الله كرامته ~~فلان بن فلان، من أبي الحسن. # PageV01P175 # أبو محمد الحسن بن عبد الله بن أبي الشوارب، وأبو عبد الله الحسين بن ~~إسماعيل المحاملي: مد الله في عمرك وأدام كرامتك، وأتم نعمته عليك وإحسانه ~~إليك. العنوان: لأبي فلان أدام الله كرامته فلان بن فلان. من أبي الحسن. ~~أبو عبد الله بن أبي موسى وأبو الحسين عمر بن الحسن الأشناني وإليهما إذ ~~ذاك القضاة في نواح جليلة وهما مقيمان بالحضرة وأبو طالب بن البهلول قاضي ~~مصر إذا كان واحدا، والقاضي بفارس، والقاضي بالأهواز إذا اجتمعت له ~~أعمالها، والقاضي بأصبهان والقاضي بالري: مد الله في عمرك وأكرمك وأتم ~~نعمته عليك وأدامها لك. العنوان: لأبي فلان، أكرمه الله فلان بن فلان. من ~~أبي الحسن. قاضي الجبل سوي الري وقاضي مهرجا نقذق وماسبذان وقاضي واسط ومن ~~يجري مجراهم: أكرمك الله وأبقاك وأتم نعمته عليك وأدامها لك. العنوان: لأبي ~~فلان أبقاه الله فلان بن فلان. فأما قضاة طساسيج السواد إذا فرقت طسوجا ~~طسوجا: حفظك الله وأبقاك وأمتع بك. والعنوان: لأبي فلان حفظه الله. ومن ~~الجانب الآخر: فلان بن فلان. # أصحاب المظالم والحسبة وأسواق الرقيق والعيار والمواريث على طبقتين. ~~الطبقة الأولى: من يتولى مصر والأهواز أو فارس أو الري وأعمالهما وأصبهان، ~~وخطابهم: أكرمك الله وابقاك، وأتم نعمته عليك وأدامها لك. والعنوان: لأبي ~~فلان، أبقاه الله فلان بن فلان من أبي الحسن. # الطبقة الثانية: باقي المحتسبة والمطالبين: حفظك الله تعالى وأمتع بك. # عامل طساسيج ms134 السواد، وعامل المستغلات بالحضرة، وعامل الجوالي بها، وعامل ~~سوق الغنم، وعامل دار البطيخ والقطن: مثل المحتسبة، إلا ابن بطحا محتسب ~~الحضرة وسوق الرقيق خاصة فإنه يجري مجرى الطبقة الأولى: # PageV01P176 # الذراع والمهندسون إذا اجتمع لواحد منهم أعمال كثيرة فخطابهم: حفظك الله ~~وأبقاك، وأمتع بك. وإذا كانوا ذا عمل واحد: حفظك الله وعافاك. والعنوان: ~~لأبي فلان أكرمه الله. ويبيض الجانب الآخر. المستحثون؛ يدعى لهم مثل ما ~~يدعى للذراع الجليل. التجار المبتاعون للغلات: عافانا الله وإياك من السوء. ~~والعنوان: إلى فلان ابن فلان، بغير كنيه. المنفقون في الإعطاء إذا جمعت ~~للواحد منهم أعمال مصر أو أعمال الشام كلها أو الأهواز أو فارس أو الري أو ~~الجبل أو أصفهان فخطابهم: أكرمك الله وأبقاك، وأتم نعمته عليك وأدامها لك. ~~والعنوان: لأبي فلان أبقاه الله فلان بن فلان. من أبي الحسن. وإذا كان ~~إليهم ما دون ذلك: فأبقاك الله وحفظك وأتم نعمته عليك. والعنوان: لأبي فلان ~~حفظه الله، فلان بن فلان، من الجانب الآخر. يوسف بن فنحاس، وهارون بن عمران ~~وزكريا بن يوحنا وجهابذة الحضرة، يوقع إليهم توقيع: أبقاك الله. وعلى رأسه: ~~أبو فلان فلان بن فلان أبقاه الله. # صاحب ديوان البريد والخرائط، مثل الطبقة الثالثة من كتاب الدواوين، وإذا ~~تقلد البريد على الوزير وأصحاب الدواوين قائد أو خادم، وانفرد بذلك دون ~~غيره مما هو أجل منه، كوتب: أعزك الله وأطال بقاءك وأكرمك، وأتم نعمته عليك ~~وإحسانه إليك. # PageV01P177 # فأما أبو مروان عبد الملك بن محمد بن عبد الملك الزيات الخرائطي فكان ~~يتولى ديوان الخرائط المسمى ديوان البريد وحده ثلاثين سنة، وكان يكاتب: مد ~~الله في عمرك، وأكرمك، وأتم نعمته عليك، وأدامها لك. ### ||| أصحاب البرد وسائر النواحي # الطبقة الأولى ممن يتقلد الأعمال الجليلة: أكرمك الله، ومد في عمرك، وأتم ~~نعمته عليك وأدامها لك. والعنوان: لأبي فلان فلان بن فلان، أكرمه الله، من ~~أبي الحسن. والطبقة الثانية منهم: أكرمك الله وأبقاك، وأتم نعمته عليك ~~وأدامها لك. والطبقة الثالثة: حفظك الله وأبقاك وأمتع بك. وعلى مثل ذلك ~~يكاتب أصحاب ms135 الخرائط في النواحي. وأصحاب الوزير الذين من قبله: أبقاك الله. # وحدث أبو علي بن هبنتي القنائي قال. كان بشر بن علي كاتب حامد صديقا لي ~~ولأبي يعقوب أخي. فلما تقلد أبو الحسن بن الفرات الوزارة في الدفعة ~~الثالثة، واستعرت الدنيا نارا بشر ابنه المحسن، وتسلطه وتبسطه، طلب بشرا ~~وأبا محمد بن عينونة في جملة من طلبه، وتتبعه وكبس عليه واستقصى في أمره. ~~فأما بشر فإنه أخذ لنفسه عند القبض على حامد صاحبه بأن استتر وأخفى نفسه ~~وشخصه. وأما ابن غينونة فإنه حصل عندي حصولا لم أعلم أخي به خوفا من أن ~~يحلف فيدل عليه. واتفق أن كتب أخي إلى بشر رقعة ضمنها كل إرجاف وفضول وما ~~اطلع # PageV01P178 # عليه من تقرر الأمر لأبي القاسم الخاقاني وقرب تقلده إياه، وأنه قد أحكم ~~له ما يريد منه. وأجابه بشر في تضاعيفها بما شاكل الابتداء من غير تحفظ ولا ~~تحرز، فاختلطت الرقعة بين يدي أخي بمكاتبات وحسبانات ضيعته وغير ذلك مما لا ~~فكر فيه. # وكتب أبو أحمد عبيد الله بن محمد أخو أبي إبراهيم موسى بن محمد وكان ~~يتولى نصيبين إلى المحسن بما قال فيه: إن أردت ابن عينونة وعبد الرحمن بن ~~عيسى ابن داود فهما عند ابن القنائي. فما شعر أبي وأخي في يوم الأحد النحس ~~إلا بمريب خادم المحسن قد كبسهما في جماعة من الرجالة، وفتش جميع الدور ~~والحجر والبيوت، ولم يبق غاية إلا بلغها في الاستقصاء والاحتياط. فلما لم ~~ير أحدا عدل إلى ما كان بين أيديهما من رقاع وحساب، فجمعه وحمله إلى ~~المحسن، وفي جملته رقعة بشر المشتملة على العجائب. ورأى أخي ذلك، فمات في ~~جلده، ولم يقصد داري أحد اكتفاء بما جرى على دار أبي وأخي، وعلم ابن ~~عينونة، وكان في الوقت سكران لا فضل فيه لحركة. # فحدثني أبو منصور فرخانشاه صهرنا قال: كان خبر الرقعة عندي، وقد علمت ~~أنها حصلت في جملة ما أخذه مريب من الرقاع التي بين يدي أبي يعقوب. فأنا ~~على مثل النار للإشفاق عليه ms136 منها، ولم أزل أمشي خلف مريب وهو متأبط لما ~~أخذه إذا انسلت الرقعة بعينها بتفضل الله جل وعز من بين سائر الكتب ~~والرقاع، وسقطت إلى الأرض ولم يشعر مريب بها، وأخذتها أنا وبادرت إلى ~~مستراح وطرحتها فيه، وهدأت نفسي عند ذلك. قال أبو علي بن هبنتي: ومضى أبي ~~وأخي مع مريب إلى المحسن، ووقف على الكتب والرقاع وقرأها، فما وجد شيئا ~~أنكره وخاطبهما بالجميل والاعتذار، وعرفهما السبب الذي من أجله أنفذ ~~إليهما. وكتب # PageV01P179 # الوزير أبو الحسن أبوه ينكر عليه ما فعل، وانصرفا مكرمين، وزالت البلية ~~المخوفة بانسلال تلك الرقعة من بين الرقاع المأخوذة، ولله الحمد والمنة. # وحدث أبو علي قال: خرج إلي في يوم من أيام وزارة أبي الحسن علي بن الفرات ~~الأخيرة وقد ابتدأ المحسن ابنه في مصادرة الناس وقتلهم، وقتل أحمد بن حماد ~~الموصلي وغيره سعيد وعبد الله إبنا الفرخان، وأنا في ديوانهما فقالا لي: ~~كنا الساعة مع الوزير في أمر طريف. قلت: فما هو؟ قالا: قال لنا: عمل أبو ~~معشر مولدي، وحكم فيه بأشياء عظيمة صحت كلها وقال: إن علي في سنة سبعين من ~~عمري نكبة عظيمة يكون سببها بعض ولدي وأنا في السبعين. وقد دخل هذا الفتى ~~أعني المحسن ولده من مكاره الناس فيما نسأل الله السلامة من عاقبته. قلت ~~لهما: فأي شيء قلتما له؟ قالا: ما قلنا له شيئا. قلت: قد غششتماه، فإنه كان ~~يجب أن تشيرا عليه بقبض يده وصرفه، وأن يستعمل من الخير ما يقربه إلى الله ~~وإلى الناس. قالا: لم نجسر على أن نواجهه بهذا الرأي، ولكن أباك متمكن منه، ~~فقل له حتى يشير عليه به. فقلت: أبي لا ينكب بنكبته، وأنتما أولى بالاشفاق ~~عليه، وعلى نفوسكما. قال أبو علي: وكنت قد حصلت طالع وقت نظره ومولده ~~المحسن ابنه. فجلعت أنظر فيهما وأسير الكواكب منهما حتى عرفت من ذلك يوم ~~نكبته، وصرت إلى أبي بشر بن فرجويه قبل ذلك بخمسة عشر يوما فذكرته له ~~ونبهته عليه، وحذرته من أن يقع كما وقع ms137 في الدفعة الوسطى. فقال لي: ما أصنع ~~وأنا منوط بهذه الأعمال التي ترى. وبماذا أحتج على صاحبي؟ قلت: تعالل ~~وتأخر. قال: لا يتم لي ذلك إلا بأمره. قلت: فالله الله أن تحكي له ما عرفتك ~~إياه شيئا؛ فإنه يقبح مواجهته به. ولكن اذكر ما عليه الناس من # PageV01P180 # الإرجاف، وما يتحدث به من كون الاختلاط، وما جرى عليك حين أخذت من ~~المكروه الغليظ في جسمك، وأنك تخاف أن يلحقك مثله فتتلف وتستأذنه في ~~التعالل والتأخر. فإني ألازم الديوان مع خليفتك أبي محمد المادرائي ولا ~~أفارقه حتى يقضي الله بما هو قاض. قال: نعم. واجتمعنا من غد فخلا معي وقال ~~لي: جاريت الوزير ما جرى بيننا على جهته فقال لي: من قال لك هذا؟ فإنه قد ~~صدق فيه وأصاب، ونصح لك في الرأي، لأن أبا معشر حكم في مولدي بنكبة مريخية ~~في سنة سبعين، وهذه سنة سبعين، وقد بقي من الأيام إلى الوقت الذي قاله أبو ~~معشر كذا وكذا يوما؛ قلت: فلان. قال: قد سرني أن كان في هذه المنزلة من ~~الصناعة، فاقبل ما أشار به ولا تخالفه، فأنا ماض الآن لأستتر، فالزم أنت ~~الديوان ولا تخل به، ومن سألك عني عرفه أنني عليل حتى ننظر ما يكون. قلت: ~~استخر الله. ثم مضى واستتر أياما، ثم لم أشعر به إلا وقد حضر الديوان، ~~فسألته عن سبب حضوره مع قرب المدة. قال: أرجو ألا يكون لما حكمت به وحذرت ~~منه أصل، ومتى تطاول انقطاعي عن صاحبي لم آمن من فساده علي. فما مضت شهد ~~الله خمسة أيام حتى قبض على ابن الفرات، وكان تقديري له أن ينكب في يوم ~~الاثنين، فنكب في يوم الثلاثاء بعد يوم التقدير، وحصل في الحبس، وأفلت أبو ~~بشر. فحدثني الموكل كان بابن الفرات قال: مكث أياما كاسف البال شديد ~~الاشفاق، حتى إذا كان يوم ضربت فيه عنقه جزع جزعا شديدا وقال لي: ويحك، جاء ~~الوزير اليوم؟ قلت: لا. قال: أرجو الله وأتوكل عليه. فسألته عن قصته. قال: ~~قد ms138 حكم لي أبو معشر في مولدي أنني متى سلمت # PageV01P181 # في هذا اليوم انحسرت المحنة عني، وزالت المخافة علي، وتجددت لي حال ~~جميلة، فأنا قلق إلى أن يتصرم النهار. فما زال على هذه الصورة حتى سمع ~~الحركة وأصوات الرجال والغلمان. فقال لي: ما الخبر؟ قلت. الأمير نازوك قد ~~حضر. قال: إنا لله وإنا إليه راجعون! ذهبت والله. ولم يكن بأسرع من أن دخل ~~عليه فضربت عنقه. وحدث أبو القاسم بن زنجي قال: تظلم إلى ابن الفرات في ~~وزارته رجل من أهل السواد من بعض العمال. وذكر أن ضيعته قطيعة، ورسمها ~~قديم، وأنه قد عومل فيها على معاملة الإستان، وسأل إنصافه وإزالة الظلم ~~عنه، وحمله على رسمه، وكتب إليه رقعة في هذا المعنى، فوقع عليها بإخراج ~~الحال. فأخرج من ديوان السواد خرج حكي فيه: أنه رجع إلى جماعة العامل للسنة ~~الماضية فوجد في التخريج: قد أجرى فيها البيدر الذي تظلم لأجله على معاملة ~~الإستان. فلما عرض ذلك على أبي الحسن عرفه وجوب الحجة عليه، وأن العامل لم ~~يتحيفه فيما فعله. وأقام على الظلامة، وأن غلته لم تقسم في السنة الماضية ~~إلا على مقاسمة # PageV01P182 # القطائع. وكان يكثر من الحضور في أيام جلوسه للمظالم # ويعاود التظلم، ويقف له في الطريق، ويسأله تأمل أمره والتقرب إلى الله ~~تعالى بإنصافه. فلما ألح وألحف تقدم إلى أحمد بن يزيد المدير بأن يحضره ~~جماعة العامل لينظر فيها بنفسه. فأحضره إياها، وتأملها وتتبعها، وحسب مبلغ ~~ما يجيء من الغلة في سائر أعمال الناحية على أن تلك الغلة جارية في معاملة ~~الاستان ومبلغ ما يجب فيها على رسم القطائع، ووجد الحيلة قد وقعت من بعض ~~أعداء أصحاب الضيعة في حك موضع رسمها في القطائع وإثباته في الإستان. ~~فاستدعى صاحبها وأعلمه بالصورة، وأن الذي أراد الإساءة به وإفساد معاملته ~~لم يحسن التأتي لذلك، لأنه اقتصر على إصلاح موضع قسمة الغلة دون تتبع مواضع ~~الحمل، وأن رسمه صحيح لا شبهة فيه. فشكره ودعا له، وسأله الكتاب إلى العامل ~~بإجرائه على رسمه في ms139 القطائع. فتقدم به. ثم عرفه أنه يتخوف أن يثبت في ~~ديوان الناحية ما حمل من غلتها على غير الرسم الصحيح، وسأله التوقيع ~~بإطلاقه له ورده عليه. فوقع له بذلك، وكان الرجل يدعو لابن الفرات ويقول: ~~أي وزير يتفرغ لي حتى يتتبع جمل الجماعة من أولها إلى آخرها، ويحصل ارتفاع ~~الناحية بأسرها حتى يظهر له موضع الحيلة علي؟ وكان عبيد الله بن الحسن ~~النرسي رفع جماعته لأعمال السيب الأعلى لسنة اثنتين وثمانين ومائتين إلى ~~ديوان الخراج، فنظر فيها أحمد بن محمد الهرلج الكاتب، وعمل لها معاملة ~~تحصيل، فوجد بقايا المعاملة شديدة الاضطراب، فقابل بها الجماعة لم يجد فيها ~~خطأ، فقال: لا بد أن يكون لهذا الاضطراب سبب، وتتبع مواضع الجمل التي ~~تقتضيها معاملة التحصيل، فكان قد عقد جملة النفقات في المعاملة بألوف ~~دنانير، وأرج النفقات التي عقد منها تلك الجملة، فعجزت ألفا وثلاثمائة ~~دينار. وأخرج الباب إلى أبي الحسن علي بن محمد بن الفرات، وكانت إليه خلافة ~~أبي العباس أحمد بن محمد أخيه على ديوان الخراج، فأحضر أحمد بن إبراهيم بن ~~أفلح العكبري كاتب النرسي، ووقفه على ذلك، فلم تكن له حجة فيه، وعرف النرسي ~~ما جرى، فلام كاتبه وقال له: لا بد من أن تقف على دستور الجماعة وأقابلك ~~عليه. وكان النرسي عاملا كاتبا فهما بالحساب، وتقابلا، فوجد النرسي أحمد بن ~~إبراهيم كاتبة قد أغفل عند التحرير الاحتساب بألف وثلاثمائة دينار انصرفت ~~في النفقة على بثق بالسيب الأعلى. فصار إلى أبي الحسن بن الفرات ووقفه على ~~موضع السهو من الكاتب، وأعطاه رفع الداريج بالنفقة، فلم يقبل أبو الحسن ذلك ~~منه. ثم استظهر بالرجوع إلى ما رفع من هذه الجملة إلى مجالس الأصل والجماعة ~~والسودان، فكانت النسخة واحدة، وقد أغفل إيراد هذه النفقة في كل منها، ~~فألزمه المال كملا، ولم يلتفت إلى ما أحضره إياه من رفع الداريج. وهذا حق ~~في حكم الكتابة لا يدفع. د التظلم، ويقف له في الطريق، ويسأله تأمل أمره ~~والتقرب إلى الله تعالى بإنصافه. فلما ألح ms140 وألحف تقدم إلى أحمد بن يزيد ~~المدير بأن يحضره جماعة العامل لينظر فيها بنفسه. فأحضره إياها، وتأملها ~~وتتبعها، وحسب مبلغ ما يجيء من الغلة في سائر أعمال الناحية على أن تلك ~~الغلة جارية في معاملة الاستان ومبلغ ما يجب فيها على رسم القطائع، ووجد ~~الحيلة قد وقعت من بعض أعداء أصحاب الضيعة في حك موضع رسمها في القطائع ~~وإثباته في الإستان. فاستدعى صاحبها وأعلمه بالصورة، وأن الذي أراد الإساءة ~~به وإفساد معاملته لم يحسن التأتي لذلك، لأنه اقتصر على إصلاح موضع قسمة ~~الغلة دون تتبع مواضع الحمل، وأن رسمه صحيح لا شبهة فيه. فشكره ودعا له، ~~وسأله الكتاب إلى العامل بإجرائه على رسمه في القطائع. فتقدم به. ثم عرفه ~~أنه يتخوف أن يثبت في ديوان الناحية ما حمل من غلتها على غير الرسم الصحيح، ~~وسأله التوقيع بإطلاقه له ورده عليه. فوقع له بذلك، وكان الرجل يدعو لابن ~~الفرات ويقول: أي وزير يتفرغ لي حتى يتتبع جمل الجماعة من أولها إلى آخرها، ~~ويحصل ارتفاع الناحية بأسرها حتى يظهر له موضع الحيلة علي؟ وكان عبيد الله ~~بن الحسن النرسي رفع جماعته لأعمال السيب الأعلى لسنة اثنتين # PageV01P183 # وثمانين ومائتين إلى ديوان الخراج، فنظر فيها أحمد بن محمد الهرلج ~~الكاتب، وعمل لها معاملة تحصيل، فوجد بقايا المعاملة شديدة الاضطراب، فقابل ~~بها الجماعة لم يجد فيها خطأ، فقال: لا بد أن يكون لهذا الاضطراب سبب، ~~وتتبع مواضع الجمل التي تقتضيها معاملة التحصيل، فكان قد عقد جملة النفقات ~~في المعاملة بألوف دنانير، وأرج النفقات التي عقد منها تلك الجملة، فعجزت ~~ألفا وثلاثمائة دينار. وأخرج الباب إلى أبي الحسن علي بن محمد بن الفرات، ~~وكانت إليه خلافة أبي العباس أحمد بن محمد أخيه على ديوان الخراج، فأحضر ~~أحمد بن إبراهيم بن أفلح العكبري كاتب النرسي، ووقفه على ذلك، فلم تكن له ~~حجة فيه، وعرف النرسي ما جرى، فلام كاتبه وقال له: لا بد من أن تقف على ~~دستور الجماعة وأقابلك عليه. وكان النرسي عاملا كاتبا فهما بالحساب، ms141 ~~وتقابلا، فوجد النرسي أحمد بن إبراهيم كاتبة قد أغفل عند التحرير الاحتساب ~~بألف وثلاثمائة دينار انصرفت في النفقة على بثق بالسيب الأعلى. فصار إلى ~~أبي الحسن بن الفرات ووقفه على موضع السهو من الكاتب، وأعطاه رفع الداريج ~~بالنفقة، فلم يقبل أبو الحسن ذلك منه. ثم استظهر بالرجوع إلى ما رفع من هذه ~~الجملة إلى مجالس الأصل والجماعة والسودان، فكانت النسخة واحدة، وقد أغفل ~~إيراد هذه النفقة في كل منها، فألزمه المال كملا، ولم يلتفت إلى ما أحضره ~~إياه من رفع الداريج. وهذا حق في حكم الكتابة لا يدفع. # PageV01P184 # وكان أبو الحسن علي بن أحمد بن يحيى بن أبي البغل كتب إلى الوزير أبي ~~أحمد العباس بن الحسن وهو يتولى له أعمال البصرة كتابا عدد فيه آثاره، وذكر ~~أنه قد عقد صدقات أراضي العرب بالبصرة لسنة ثلاث وتسعين ومائتين بمائة ألف ~~وعشرة آلاف دينار، وأن غيره عقد ذلك لسنة اثنتين وتسعين ومائتين ستة وتسعين ~~ألف دينار. وأخرج الكتاب إلى ديوان الخراج، فنظر بعض كتاب المجالس فيه، ~~ورجع إلى مواقفة أبي الحسن بن أبي البغل لسنة اثنتين وتسعين ومائتين، ~~فوجدها مرفوعة لعشرة أشهر من هذه السنة، وقد أورد فيها من مال الصدقات نيفا ~~وثمانين ألف دينار. ثم كتب بعد ذلك بما ارتفع إلى وقت انقطاع العرب، فكان ~~تتمة تسعين ألف دينار ونيف. ونظر في جماعته لسنة اثنتين وتسعين ومائتين، ~~فكان ما عقده من ارتفاع مال الصدقة في أرض العرب مثل ذلك، واتفق ما أوجبته ~~المواقفة وتضمنته الكتب الواردة. وأخرج في ذلك خرجا إلى ابن الفرات. وكان ~~ابن الفرات يقصد ابن أبي البغل، ويتبع عثراته، ويبدي مساويه، لميله كان إلى ~~أبي الحسن علي بن عيسى وعمه أبي عبد الله محمود بن داود، ومحمد بن عبدون، ~~وانحرافه عن ابني الفرات. فلما وقف أبو الحسن بن الفرات على ما أخرجه ~~الكاتب. دعا بالجماعة والكتاب، وقابل على ما ذكر في الباب، فوجده صحيحا لا ~~شبهة فيه. والتمس من ابن عمر خازن الديوان كتاب ابن أبي البغل ms142 بالتقدير ~~لسنة ثلاث وتسعين ومائتين وكل كتاب له يتضمن التقدير. فحمل إليه ثلاثة كتب ~~في ذلك قد، أورد فيها آثاره، وزيادة تقدير مال الصدقة لسنة ثلاث وتسعين ~~ومائتين على عبرتها لسنة اثنتين وتسعين ومائتين. فلما قرأ ابن الفرات الكتب ~~أمره بتحرير الخراج وإنقاذه إلى # PageV01P185 # الوزير أبي أحمد. فلما قرأه الوزير أمر بمطالبة ابن أبي البغل بالمال، ~~وكتب إليه فيه كتابا طويلا عمل في الديوان، فأجاب عنه بأن الارتفاع الذي ~~ذكره في كتبه الوزير بالتقدير، ونسبه إلى العبرة لسنة اثنتين وتسعين ~~ومائتين في الصدقة بأراضي العرب بالبصرة هو مع ارتفاع الشعبي والولدي، وأن ~~الكاتب غلط في النقل ونسب جميع المال إلى الصدقة، وأنه إذا تؤمل ارتفاع ~~الشعبي والولدي وجد ستة آلاف دينار وهو قدر الخلاف. وكتب إلى أصحابه ~~المائلين إليه بنسخة جوابه ليعرفوا الصورة فيه ويعارضوا ابن الفرات في مجلس ~~الوزير أبي أحمد بما أورده من حجته. وكان الوزير أبو أحمد أيضا على عناية ~~بابن أبي البغل شديدة. فلما وقف على الكتاب خاطب ابن الفرات في ذلك بحضرة ~~الكتاب فقال: الآن وجب المال أيد الله الوزير ولزمه الخروج منه، لأنه اعترف ~~بصحة ما أخرج، وادعى السهو الذي لا يقبل من العمال بعد نفوذ كتبهم ~~بالارتفاع ورفعهم حسباناتهم به إلى الديوان. وضحك من المعارضين له ضحك ~~متعجب منهم. وقال: ما ظننت أن أحدا يذهب عليه هذا الموضع أو يلحقه منه شك. ~~فورد على القوم ما حيرهم وأدهشهم وقطعهم. وأمر الوزير حينئذ بإنفاذ الرنداق ~~إلى ابن أبي البغل لمطالبته بالمال، وذلك بعد أن أحضر ابن الفرات الكتب ~~والجماعات، وواقف الوزير والكتاب واعترفوا بكون الحق معه. وانحدر الرنداق ~~إلى البصرة، وحمل ابن أبي البغل من داره إلى ديوان البلد وأقامه على ساق ~~وعامله وخاطبه بما زاد فيه على ما أمر به، ولم يبرح حتى أخرج ابن أبي البغل ~~المال إلى مجلس العطاء، وأطلق للجند وأورد جماعته سنة # PageV01P186 # ثلاث وتسعين ومائتين منسوبا إلى وجهه، وهو من العين ستة آلاف دينار وكسر. # وكان أبو الحسن بن ms143 الفرات في وزارته الأواى قلد نصر بن علي براز الروز ~~والبند نيجين من أعمال طريق خراسان. فلما رفع الحسان بذلك إلى ديوان الخراج ~~أخرج الكتاب عليه أنه احتسب في الجاري بربع العشر في الارتفاع وأوجبه عن ~~ستمائة ألف درهم، ونظر في جماعته وما أورده فيها فوجد المال خمسمائة وسبعين ~~ألف درهم. وأخرج عليه التفاوت بين المبلغين وهو ثلاثون ألف درهم. وأجمع ~~الكتاب على مناظرته ومواقفته، فضج وقال: قد رضيت بحكم الوزير، طالعوه ~~بالصورة، وأنقذوا إليه المؤامرة، وكان متخليا في دار حرمه. فضحك وأمر ~~بإيصال الجماعة إليه، وأصحاب المجالس يومئذ أبو القاسم عبيد الله بن محمد ~~الكلوذاني، وأبو منصور عبد الله بن جبير، وأبو الحسين الصقر بن محمد، وأبو ~~الحسن أحمد بن محمد بن سهل، فدخلوا ومعهم نصر بن علي فقال له ابن الفرات: ~~ويلك يا نصر، عملت لنفسك مؤامرة، من كان أخذك بذكر الارتفاع؟ ولم لم تقبض ~~جاريك وتمسك عنه؟ قال: أخطأت أيها الوزير. فقال: خطاؤك يلزمك المال. ثم ~~ألزمه ربع العشر في الثلاثين وأخذ خطه به. وكان من طريق ما أخرج على نصر ~~أيضا أنه كتب عند تقلد براز الروز والبندنيجين فذكر أنه وجد في بعض البيوت ~~من غلة السنة الماضية نحو من مائة كر بالمعدل حنطة وشعيرا. ثم أورد في ~~حسابه ستين كرا، فأوجب عليه التتمة. فقال: إنما كتبت: بنحو مائة كر. ورضي ~~بحكم الوزير أبي الحسن. # PageV01P187 # فأنفذ الكتاب الخرج بذلك إلى حضرته. فوقع بخطه: النحو: من واحد إلى تسعة، ~~فإذا تجاوز للعشرة لم يجز أن يقال فيه: نحو. فلما وقفوا على ذلك وضعوا عنه ~~عشرة أكرار، وألزموه ثلاثين كرا حنطة وشعيرا. # وكان أبو أحمد الحسن بن محمد الكرخي يتقلد المسرقان من أعمال الأهواز في ~~وزارة أبي أحمد العباس بن الحسن، فعملت له مؤامرة عرضت على أبي الحسن ابن ~~الفرات، فلم يكن فيها على ما ذكر باب واحد يظهر وجوبه، وأخرج في باب ~~المرافق ما جرت العادة بالتأول فيه. فقال أبو الحسن: هذا لا يخرج مثله كتاب ~~الحضرة ms144 إذ كان رجما لا يقوم على مثله بينة. وحضره المظفر بن المبارك القمي ~~بعد مديدة قريبة، وقد كانت له ضيعة بالأهواز قد باعها على أبي الحسن ابن ~~الفرات، فاستدعى منه حساب وكيله فيها ليستدل منه على رسومها ومعاملاتها، ~~وجاءه به في بعض العشايا، فقرأه. ووجده للسنة التي كان الحسن بن محمد ~~الكرخي مقلدا فيها. وقد احتسب الوكيل فيه نحو خمسمائة دينار، ونسبها إلى ~~الحسن بن محمد وعماله وخلفائه على سبيل المرفق: فأنفذ في الوقت من أحضر ~~الحسن بن محمد الكرخي وأحمد بن محمد بن سهل والصقر بن محمد وعبيد الله بن ~~محمد الكلوذاني، فحضروا، ووجدوه يتميز غيظا، ودعا بالمؤامرة التي كانت عملت ~~للكرخي فاطرحها، وأقل المبالاة بها، وأخذ في مناظرته على ما أخرج من ~~المرافق، فاحتج بما يحتج به مثله في ذلك، وعرض عليه الكتاب حساب ابن ~~المبارك القمي وقال له: يا عدو الله يا خائن، يا لص، تأخذ من ضيعة واحدة ~~ورجل واحد خمسمائة دينار مرفقا وتقديرها نصف ارتفاعه! فكم أخذت من أهل ~~الكورة؟ وما أحتاج أن أنظر في غير هذا. فبهت الحسن وورد عليه ما لم يكن في ~~حسابه: # PageV01P188 # ثم قال: قد أخطأت وأنا بين يديك. فأخذ خطه طائعا بعد أن قبل يده مرارا ~~بسبعة آلاف دينار، فأدى من ذلك خمسة آلاف دينار. ثم استشفع على ابن الفرات، ~~وعرفه سوء حاله وقصور يده، فسامحه بالبقية، ورد خطه عليه، وقلده بابل وخطر ~~نية. # وحدث أبو القاسم بن زنجي قال: حدثني أبي قال: كان أبو العباس وأبو الحسن ~~ابنا الفرات يكرمان عبيد الله بن عبد الله بن طاهر ويعرفان حقه وقدمته. ~~فبعث إليه أبو الحسن في بعض الأيام مع أبي عبد الله محمد بن عبد الله ابن ~~رشيد الكاتب بجملة وافرة، وحمله رسالة جميلة يعده فيها بما يتلو ذلك ويتبعه ~~من مراعاته وتفقده. قال ابن رشيد: فأوصلت المحمول إليه، وأوردت القول معه ~~عليه. فشكر ثم شكر ثم قال فيه أبلغ قول، وكتب إليه: # أياديك عندي معظمات جلائل ... طوال المدى، شكري ms145 لهن قصير # لئن كنت عن شكري غنيا فإنني ... إلى شكر ما أوليتني لفقير # قال: فقلت له: هذا أعز الله الأمير حسن. قال: أحسن منه ما سرقته منه. ~~فقلت له: إن رأيت أن تعرفنيه فافعل. قال: حديثان حدثنا بهما أبو الصلت ~~الهروي بخراسان عن أبي الحسن الرضا عن آبائه عليهم السلام قال: قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: أسرع الذنوب عقوبة كفران # PageV01P189 # النعمة وبهذا الإسناد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: يوتي ~~بعبد فيوقف بين يدي الله تعالى فيأمر به إلى النار فيقول: يا رب، لم أمرت ~~بي إلى النار؟ فيقول: لأنك لم تشكر نعمتي. فيقول: يا رب، أنعمت بكذا فشكرت ~~بكذا. فلا يزال يحصي النعم ويعدد الشكر. فيقول الله عز وجل: صدقت عبدي، إلا ~~أنك لم تشكر من أنعمت عليك على يديه. وانصرف ابن رشيد بالخبر إلى أبي ~~الحسن، وهو في مجلس أبي الباس أخيه، وعرفه ما جرى، فاستحسن أبو العباس ~~الحكاية عن عبيد الله، وبعث إليه بصلة أوفر من صلة أخيه على يدي ابن رشيد. ~~فحكي أنه لما أوصل ذلك إليه سر سرورا شديدا وكتب إلى أبي العباس: # شكري لك معقود بإيماني ... حكم في سري وإعلاني # عقد ضمير وفم ناطق ... وفعل أعضاء وأركان # قال: فقلت: هذا أحسن من الأول. فقال: أحسن منه ما سرقته منه. قلت: وما ~~هو؟ قال: حدثني أبو الصلت الهروي بخراسان عن أبي الحسن الرضا عن أبي الحسن ~~موسى بن جعفر الكاظم عن الصادق عن الباقر عن السجاد عن السبط عن أمير ~~المؤمنين علي بن أبي طالب عليم السلام. قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: الإيمان عقد بالقلب ونطق باللسان وعمل بالأركان. # PageV01P190 # وعدت إلى أبي العباس فعرفته ما ذكره عبيد الله فاستحسنه. واتفق أن حضر ~~المجلس ابن راهويه الفقية وكان متهما بالنصب فقال: ما هذا الإسناد؟ فقال له ~~ابن رشيد: هذا سعوط الشيلثا الذي إذا سعط به المجنون برأ. # قال أبو القاسم بن زنجي: قال لي أبو جعفر محمد بن القاسم ms146 بن الكرخي: قال ~~لي أبو القاسم بن محمد: ما حضرت مجلس رئيس قط إلا ووعدتني نفسي بالقيام بما ~~يقوم به والزيادة عليه إلا أبا العباس بن الفرات، فإنني كنت أعلم من نفسي ~~لقصور عما يقوم به، لبراعته في كل حال، واستقلاله بالعظيم من الأعمال. وحدث ~~أبو عبد الله زنجي قال: كان عبد الله بن الحسن النرسي وإخوته يتقلدون عدة ~~نواح من سقي الفرات، فاستقصى عليهم أبو العباس وأبو الحسن ابنا الفرات في ~~المعاملة استقصاء غلظ عليهم، وتخوفوهما معه، وعدلوا إلى استخصامهما ومظاهرة ~~أعدائهما ومساعدتهم عليهما، وأقبلوا يذكرونهما ويذكرون ما في أيديهم من ~~الضياع، وما يتحصل لهما من الارتفاع. فتقدم أبو العباس إلى أبي الحسن أخيه ~~أن يعمل لما يتقلدونه من الأعمال عملا، ويخرج ما يلزمهم من مردود الجاري ~~والاحتسابات الباطلة، ولا يحتسب لهم إلا بالواجب الصحيح، ويرجع إلى ما كتب ~~به أصحاب البرد والأخبار فيما وصل إليهم من الأموال والاستثناء على مبتاعي ~~الغلات. فعمل ذلك وجوده، وأحضره أبو العباس، فوجده يشتمل على ثلاثمائة ألف ~~دينار، فاستحسنه ووافقه على أن يجعله في الديوان، فأي وقت أنكر أحد من ~~النرسيين أمرا أظهره. ولم يمض إلا أيام يسيرة حتى بلغ أبا العباس اجتماعهم ~~مع محمد بن داود ومحمد بن عبدون وإفاضتهم في ذكره وذكر أخيه أبي الحسن، ~~وأنهم قد جمعوهما على مخاطبة أبي القاسم عبيد الله بن سليمان في بابهما، ~~وأن يضمنا له عنهم مالا وافرا من ضياعهما، ولم يزالا بهما إلى أن خاطبا ~~عبيد الله في ذلك. وواجهوا أبا العباس # PageV01P191 # وأبا الحسن بذكر الضمان، فثبت أبو العباس وأقل الحفل بهم، وقال لعبيد ~~الله: هذا كلام فارغ لا محصول له، وتشنيع باطل لا حقيقة لشيء منه، وإنما ~~دعاهم إليه الاستقصاء في المعاملة، وعليهم أيها الوزير ما اقتطعوه من أصول ~~الأموال، وسرقوه من الغلات، وزادوه في الاحتسابات، ثلاثمائة ألف دينار، أنا ~~أصححها عليهم بالشواهد الظاهرة والدلائل الواضحة. فلما سمع ذلك عبيد الله ~~خاف أن يتصل خبر المجلس بالمعتضد بالله رحمة الله عليه فسلمهم إليه ms147 ومكنه ~~منهم. ووجه أبو العباس من وقته إلى دورهم من كبسها، وحمل ما كان فيها من ~~الأعمال والحسبانات والكتب والرقاع. ونقلهم إلى ديوانه، وأقبل يناظرهم على ~~باب باب مما أخرج عليهم، حتى أخذ خطوطهم به، وأحضر عبيد الله بن سليمان ~~ذلك، فاستحسنه، وطولبوا بالمال فأدوه. قال أبو عبد الله زنجي: وقد كان ~~النرسي الأكبر عبد الله بن الحسن صار إلي في بعض الأيام مسلما علي، ثم ~~سألني إجمال خلافته بحضرة أبي العباس ابن الفرات، وحفظ غيبه ومراعاة ما ~~يجري من ذكره، ووضع غلامه بين يدي صرة فيها ثلاثمائة دينار، وتختين فيهما ~~ثياب، وسامني قبول ذلك فامتنعت، وقال: إني لا أكلفك أن تكشف لي سرا لصاحبك ~~ولكن تشعرني بما يجري من ذكرنا فقط. فقلت: مت ضمنت لك هذا لم أف به، ولكنني ~~أحسن المناب عنك، وأقضي ما يعرض من حوائجك ولا أعلمك ذلك ولا أمتن به عليك. ~~وأما هذا المحمول فعلي وعلي، وحلفت يمنينا غموسا إن قبلته على وجه وسبب. ~~فنهض وتركه بين يدي، وتقدمت إلى بعض غلماني بأخذه إتباعه به، ورده عليه، ~~وحذرته من أن # PageV01P192 # يرجع وهو معه، فأبطأ الغلام طويلا، ثم عاد وعرفني أنه لحقه، وقد نزل في ~~دار بعض الوجوه، ولم يزل يسأله ويلطف به إلى أن تقدم إلى غلامه بأخذه. فلما ~~قبض ابنا الفرات على النرسيين، وأخذ ما كان في منازلهم من الأعمال والكتب ~~وحمل إلى دارهما، وميزاه، وجدا فيه ثبتا بما بر به النرسيون أسبابهما. قال ~~أبو عبد الله: وكنت جالسا قريبا من أبي العباس، ومعي أبو منصور وأبو نوح ~~عبد الله وعيسى ابنا جبير وجماعة من الكتاب، فأنا أحدثهم بحديث قد شغلني ~~عما سواه إذ وقع هذا الثبت في يد أبي العباس فأخذه وأنفذه إلى أبي الحسن ~~أخيه، وهو قريب منه، وقال: انظر فيه هل ترى إسما لصاحب الزاي يريد زنجي ~~فقرأه وتأمله ثم رده عليه وقال: ما فيه ذكر له. فأعاده إليه ثانيا وقال: ~~اردد نظرك فيه. فأعاد قراءته ورده وقال: ماله فيه ذكر. ms148 كل هذا ولا أعلم ~~صاحب الزاي من هو، حتى قال لي أبو منصور بن جبير: أيها المشغول بالحديث قد ~~افتضح اليوم الخلق غيرك، واسودت الوجوه وابيض وجهك. فقلت: بماذا؟ قال. وجد ~~فيما أخذ من دور النرسيين # تبت بما رفعوه إلى واحد واحد من أسباب أستاذنا ولم يوجد لك فيه ذكر ولا ~~اسم. فحمدت الله وشكرته على ما وفقني له. ولما فرغ أبو العباس دعاني إلى ~~حجرة خلوته، فدخلت وهو جالس، ومعه أخوه أبا الحسن، فشكراني على خروجي من ~~جملة من قبل بر النرسيين وجزياني خيرا عن حفظ الأمانة، واستقامة الطريقة، ~~وخاطباني أجمل خطاب ووعداني أحسن وعد، وحلفا على أنني قد أصبحت لديهما ~~كأحدهما. ولم تزل الحال تزيد معها وعندهما إلى آخر المدة. وكان النرسيون ~~بفضل عدواتهم لهما قد توصلا إلى بر كتابهما وخزانهما # PageV01P193 # وغلمانها والفراشين والقهارمة في دورهما، ومن يتولى نفقات حرمهما، حتى لا ~~يخفى عليهم شيء من أمورهما في خلواتهما ولا مجالس أعمالهما. بما رفعوه إلى ~~واحد واحد من أسباب أستاذنا ولم يوجد لك فيه ذكر ولا اسم. فحمدت الله ~~وشكرته على ما وفقني له. ولما فرغ أبو العباس دعاني إلى حجرة خلوته، فدخلت ~~وهو جالس، ومعه أخوه أبا الحسن، فشكراني على خروجي من جملة من قبل بر ~~النرسيين وجزياني خيرا عن حفظ الأمانة، واستقامة الطريقة، وخاطباني أجمل ~~خطاب ووعداني أحسن وعد، وحلفا على أنني قد أصبحت لديهما كأحدهما. ولم تزل ~~الحال تزيد معها وعندهما إلى آخر المدة. وكان النرسيون بفضل عدواتهم لهما ~~قد توصلا إلى بر كتابهما وخزانهما وغلمانها والفراشين والقهارمة في دورهما، ~~ومن يتولى نفقات حرمهما، حتى لا يخفى عليهم شيء من أمورهما في خلواتهما ولا ~~مجالس أعمالهما. # وقال أبو القاسم بن زنجي: كان حامد بن العباس قد اعترف بأن له قبل جماعة ~~من أهل واسط نحو ثلاثمائة ألف دينار، منهم علي بن إسحاق وأبو أحمد بن ~~المنتاب وابن شاندة وابن جناح وإسحاق بن شاهين. وكتب إليهم كتبا بخطه ~~بتسليم ذلك إلى محمد بن علي البزوفري العامل ms149 كان يومئذ على أكثر أعمال واسط ~~وأنفذ الوزير أبو الحسن علي بن الفرات الكتب إلى محمد بن علي، وأمره بأخذ ~~المال من القوم وحمله. فكتب محمد بن علي يقول: إنهم أنكروا ما ادعاه حامد ~~عليهم وكتب بتسلمه منهم. ووقف الوزير على ذلك، فغاظه، وعظم عليه، وظن أن ~~غرض حامد فيما كتب به المدافعة والتربص ومضي الأيام بنفوذ الكتاب ورجوع ~~الإجابة. قال أبو القاسم: وكان ورود هذا الجواب في يوم الجمعة، وأنا جالس ~~بحضرته، فأعطانيه ومعه الكتب المردودة، ورسم لي الدخول إلى حامد وأن أقفه ~~على ما ورد، وأتبع ذلك بما تقتضيه الصورة من التحريك والغلظة في المخاطبة. ~~فقمت، ومشى بين يدي الغلام الموكل بالدار التي كان حامد فيها، فلما أراد ~~فتح بابها وكان مقفلا سمع حامد صوت فتح القفل، فارتاع، وتشوف ورآني، فسكن ~~لأنني كنت أكرمه وأعرف له حق رئاسته وجميل فعله بنا، وكان غيري ممن يدخل ~~إليه يسيء عشرته، ويلقاه بالقبيح فيما يخاطبه به. فأقرأته كتاب البزوفري، ~~وأريته الكتب المردودة، وعرفته ما وقع في نفس الوزير من أمرها، وقلت: ~~الصواب أن تكون الحال معمورة، والمواعيد صحيحة، لئلا يتمكن طاعن من طعن. ~~فذكر أن المال قبل القوم على مبالغة التي كتب بها إلا ألف # PageV01P194 # دينار شك فيه. وذكر أنه قد كان كتب بدفعه إلى أحد غلمانه، فإن كان أطلق ~~وضع من الجملة. وبذل إعادة المكاتبة وتأكيد القول على القوم مما لا يكون ~~بعد مراجعة. فقبلت ذلك منه، ووضع غلامي الدرج والدواة بين يديه، وكتب إلي ~~القوم بما استوفى الخطاب فيه. وأخذت الكتب وعدت إلى الوزير، وابنه المحسن ~~جالس على يساره وكذلك كان يجلس ووضعتها بحضرته، وعرفته أن حامدا أنكر ~~مخالفة القوم وعظم عليه ردهم الكتب، وأعاد اليمين بحصول المال قبلهم، وأنه ~~قد جدد مكاتبتهم بما لا يتأخر معه صحته من جهتهم: فقرأ الكتب، وتقدم بإجابة ~~البزوفري عن كتابه، وأمره بإحضارهم، وقبض المال منهم، وحمله منفردا عن مال ~~الخراج. ووقع فيه توقيعا طويلا يلزمه فيه المبادرة بالمال وترك تأخيره أو ~~قبول ms150 احتجاج في أمره، وأمرني بختمه وإنفاذه في خريطة محلقة. وأصلحه صاحب ~~الدواة في الخريطة، وجاءني بها فعنونتها وحلقتها بإحدى عشرة حلقة، وأنفذتها ~~إلى أبي مروان عبد الملك بن محمد بن عبد الملك الزيات، وكان على ديوان ~~البريد. فلما خلا مجلس الوزير تقدمت إليه وعرفته سرا أنني رأيت الشعر قد ~~كثر على وجه حامد وذراعيه، ولم أستجز ستر ذلك عنه، فأحمدني على مطالعته ~~بذلك، وأمر بإحضار الحسن المزين، وكان في الدار، وتقدم إلى بدر الخادم ~~الحرمي بإحضار صينية المزين على مثل ما تقدم عليه إليه. وأمر بإدخال الحسن ~~المزين والصينية إلى حامد، وتقدم عقيب هذا بإصلاح الحمام على أنه هو ~~الداخل، ثم استحضر أبا زكريا # PageV01P195 # يحيى بن عبد الله الدقيقي قهرمانه، ورسم له بإحضار ثياب تاختج وقصب ~~ودبيقي وعمائم ليختار منها لحامد ما يصلح لخلعتين. فقال له يحيى: ليس في ~~الخزانة إلا متاع حمله التجار وما قطع ثمنه معهم. فقال: هاته. فليس يلزمنا ~~لهم أكثر من أن نعطيهم الثمن على سومهم. فمضى وأحضر عدة تخوت اختير منها ~~بحضرته ما يكفي لمبطنتين ودراعتين من تاختج وثوبان من دبيقي لسراويلين ~~وثوبان من قصب لقميصين وعمامتان من تاختج، وأمره بإحضار الخياطين وألزمهم ~~الفراغ عاجلا من خلعة واحدة ليلبسها حامد عند الخروج من الحمام. فذكر ان من ~~برسم الدار من الخياطين تأخروا لأنه يوم جمعة، فأنكر ذلك وقال: برسم الدار ~~فوجان أفتأخروا جميعا؟ والآن فاستدع من على الطريق من الخياطين حتى يفرغوا ~~الساعة. وتفرق الرسل في طلب الخياطين إلى أن أحضروا جماعة منهم، وسلمت ~~إليهم الثياب، ولم يزل يراعيهم إلى أن قاربوا الفراغ من خلعة واحدة. وتقدم ~~إلى بعض الغلمان بإنذار حامد بإصلاح الحمام. وأعلمه بذلك فدخله. وأمر ~~الوزير بحمل الخلعة التي فرغ منها إليه ليلبسها عند خروجه، فلما خرج قدمت ~~إليه فامتنع من لبسها. وعرف الوزير امتناعه فأنكره، وتقدم إلي بالمضي إليه ~~والرفق به وإبلاغه # رسالة عنه في هذا المعنى، ففعلت ولطفت به في لبس الثياب فأبى وقال: ثيابي ~~غير محتاجة إلى تغيير. وعاودته ms151 فأقام على أمره. ووقع لي في هذا الوقت تخوفه ~~من حيلة تتم عليه في أمر الثياب، فحلفت له على بعد الحال من ذلك وقلت: أنا ~~أدخل الحمام وأفيض علي الماء ثم أخرج وأتنشف وألبس الثياب ثم أنزعها ~~لتلبسها بعدي. وقلت: إن نية الوزير قد صلحت، فلا تفسدها بما أنت عليه من ~~هذا الامتناع. فلان في القول، وجددت اليمين فسكن ولبس الثياب، وعدت إلى ~~الوزير فعرفته ذلك فسر به. ثم تقدم بأن يحمل إليه صينية الطيب وبخور كثير ~~وماء ورد فأنفذت واستعمل منها ما أراد. وخف من أن يعيد الوزير على ابنه ~~المحسن ما جرى فيقع عنده أقبح موقع فتقدمت إليه وسألته ستر ذلك عنه. فتبسم ~~وجعلني على ثقة ألا يكون لي فيه ذكر. ثم عدت إلى موضعي من المجلس. فلما ~~قعدت فيه سمعت أصوات الملاحين في طيار المحسن، ثم اتصل ذلك بصعوده فحمدت ~~الله تعالى على ما وقع لي من مخاطبة أبيه بما خاطبته به قبل حضوره. ثم خفت ~~أن يجري في عرض الحديث ذكر ذلك على غير عمد، فبينما أنا على هذه الجملة من ~~الإشفاق إذ وافى أبو صالح مفلح الخادم الأسود برقعة من المقتدر بالله رحمه ~~الله ورسالة فاجتمعوا على السرار. وكتب الوزير أبو الحسن الجواب بخطه ~~وعنونه وختمه، وسلمه إلى مفلح، وقد نودي بالصلاة وقت المغرب، وانصرف، ~~وانصرف المجلس في أثره. ولما عدت إلى منزلنا حدثت أبي بما جرى، فاستصوب ~~فعلي وقال لي: عرف الله تعالى نيتك فوقاك ما تخوفته. عنه في هذا المعنى، ~~ففعلت ولطفت به في لبس الثياب فأبى وقال: ثيابي غير محتاجة إلى تغيير. ~~وعاودته فأقام على أمره. ووقع لي في هذا الوقت تخوفه من حيلة تتم عليه في ~~أمر الثياب، فحلفت له على بعد الحال من ذلك وقلت: أنا أدخل الحمام وأفيض ~~علي الماء ثم أخرج وأتنشف وألبس الثياب ثم أنزعها لتلبسها بعدي. وقلت: إن ~~نية الوزير قد صلحت، فلا تفسدها بما أنت عليه من # PageV01P196 # هذا الامتناع. فلان في القول، وجددت اليمين فسكن ms152 ولبس الثياب، وعدت إلى ~~الوزير فعرفته ذلك فسر به. ثم تقدم بأن يحمل إليه صينية الطيب وبخور كثير ~~وماء ورد فأنفذت واستعمل منها ما أراد. وخف من أن يعيد الوزير على ابنه ~~المحسن ما جرى فيقع عنده أقبح موقع فتقدمت إليه وسألته ستر ذلك عنه. فتبسم ~~وجعلني على ثقة ألا يكون لي فيه ذكر. ثم عدت إلى موضعي من المجلس. فلما ~~قعدت فيه سمعت أصوات الملاحين في طيار المحسن، ثم اتصل ذلك بصعوده فحمدت ~~الله تعالى على ما وقع لي من مخاطبة أبيه بما خاطبته به قبل حضوره. ثم خفت ~~أن يجري في عرض الحديث ذكر ذلك على غير عمد، فبينما أنا على هذه الجملة من ~~الإشفاق إذ وافى أبو صالح مفلح الخادم الأسود برقعة من المقتدر بالله رحمه ~~الله ورسالة فاجتمعوا على السرار. وكتب الوزير أبو الحسن الجواب بخطه ~~وعنونه وختمه، وسلمه إلى مفلح، وقد نودي بالصلاة وقت المغرب، وانصرف، ~~وانصرف المجلس في أثره. ولما عدت إلى منزلنا حدثت أبي بما جرى، فاستصوب ~~فعلي وقال لي: عرف الله تعالى نيتك فوقاك ما تخوفته. # وحدث أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الأنباري زنجي قال: لما تقلد أبو ~~الحسن علي ابن محمد بن الفرات الوزارة الأولى واستدعاني واستدعى أبا علي ~~محمد بن علي بن مقلة، وبدأ فدفع لي درجا فيه ثبت الدواوين بالحضرة ~~وأرزاقها، وقال لي: اختر من ذلك ما تحب أن أقلدك إياه، فأخذته وقرأته إلى ~~آخره، ثم أعدت نظري فيه لأنني كلما رأيت شيئا تتبعته نفسي. فلما رأى ذلك ~~قال: أنا أعرف منك بما تريده، وقد قلدتك ديوان الدار ومكاتبة العمال ~~بالسواد والأهواز وكرمان وما يجري مع ذلك من أعمال # PageV01P197 # الحرمين وعمان وأذربيجان وأرمينية وأصحاب الأطراف والأعمال الجارية ~~بحضرتي، وأجريت عليك في كل شهر خمسمائة دينار، فقدر ما تحتاج إليه لكتابك. ~~فقدرت ذلك بتفصيل اشتملت جملته على خمسة وتسعين دينارا، وتقدم إلى أبي علي ~~بن مقلة بأن يوقع لي بذلك، فوقع. ثم دفع الدرج إلى أبي علي وقال له: ms153 اختر ~~منه ما تريد. فأخذه أبو علي ودفعه إلي وقال لي: أحب أن تختار لي. فنظرت فلم ~~أجد ما يصلح له أن يتقلده إلا ديواني الفض والخاتم، وجاريهما في كل شهر ~~أربعمائة دينار، فعرفته ذلك. وسأل الوزير تقليده إياهما، فتقدم إلي ~~بالتوقيع له بهما، فوقعت. ثم قال لنا: إن بني أخي وأهلي سيصيرون إلي ~~ويسألونني أن أقلدهم بقية هذه الأعمال، فإن كان في نفوسكما أن تسألاني بقية ~~شيء منها مضافا إلى ما قلدتكما إياه فاذكراه لأوقع لكما به. فشكرناه ~~وعرفناه أن لا حاجة بنا إلى زيادة عليه. وتقدم إلي بأن أسبب لنفسي وكتابي ~~بجاري شهرين على عمال الأهواز، وأسبب لأبي علي بن مقلة بمثل ذلك، ففعلت، ~~وعرضت الكتب عليه، فأمر بإخراج نسختها إلى الديوان، وضربها بالعالامات، ~~وردها إليه بعد ذلك. وجرى الأمر على هذا، وأعيدت إليه، فوقع فيها وأمر ~~بختمها. وأحضر يوسف بن فنحاس الجهبذ اليهودي وكان جهبذ الأهواز، فقال له: ~~إن هذه الحال وافت ولم يتأهب أصحابنا لها، وقد سببت أرزاقهم على مال ~~الأهواز، ولا بد أن تقدم لهم مال شهرين. فذكر كثرة الأموال التي ألزم ~~تعجيلها من معاملة الأهواز، وأنه لا يتمكن من غير ذلك، فلم يزل معه في ~~مناظرة حتى استجاب إلى إطلاق جاري شهر معجلا في ذلك اليوم. ثم أنفذت بشرى ~~غلامي معه لقبض المال منه، وفعل أبو علي مثل فعلي، وانصرفنا، وفي منزل كل ~~واحد منا ألوف دراهم كثيرة. فتعجبنا وتعجب الناس # PageV01P198 # من حسن رعايته، وأنه لم يبدأ بأحد قبلنا، ولا شغلته الحال التي دفع إلى ~~معاناتها عن افتقاد أمورنا والعناية بمصالحنا. وقال أبو القاسم بن زنجي: ~~سمعت أبا الحسن بن الفرات يقول في وزارته الثالثة في سنة إحدى عشرة ~~وثلاثمائة أنه أنفق على الدار التي كان ينزلها في ذلك الوقت وفيها قبض ~~عليه، وهي دار سليمان بن وهب وموقعها في المخرم، وفي يد الحاجب الكبير أبي ~~منصور سبكتكين الآن شيء منها، وفي يد ابن لشكرون شيء آخر، وفي أيدي قوم من ~~قواد الديلم الباقي ms154 ثلاثمائة ألف دينار. واشتهى في وزارته هذه أن يجمع حرمه ~~وبنات إخوته وأصاغر ولده في الدار المعروفة بدار البستان، من هذه الدار ~~المعروفة بدار سليمان بن وهب، فتقدم بإصلاحها وتنظيفها وإنفاق ما يحتاج ~~إليه من تبييضها، فبلغت النفقة خمسين ألف دينار. وجلس وهم فيها يوما واحدا، ~~ولم يعد بعد ذلك إلى الجلوس فيها معهم. # ومن أحاديث أبي العباس أحمد بن محمد أخي أبي الحسن في فضائله ما لا بأس ~~بإيراده في عرض أخباره. قال عبيد الله بن أحمد بن أبي طاهر: حدثني بعض ~~الكتاب قال: سمعت محمد بن عبدون يحدث في مجلسه قال: جاء ابن سمعان صاحب بدر ~~المعتضدي إلى أبي النجم بدر وقال له: أيها الأمير، أحمد بن محمد بن الفرات ~~لا يزال يستخف بنا، ويستهين برسلنا، ويجبههم بالقبيح فيما يوصلونه إليه، ~~ويعرضونه عليه من التوقيعات بإقطاعاتك، وهو عدو مكاشف لهذه الدولة، وصاحب ~~إسماعيل بن بلبل. # PageV01P199 # فقال له بدر: خذ نحريرا وامض به إلى ديوانه وجئني به. فجاءه به، فلما رآه ~~قال له: أمسيطر أنت على مولاي أم شريك له؟ يقطعني الإقطاعات فتمتنع منها ~~وتعترض فيها! فقال له: اسمع أيها الأمير قولي، فإن ثبتت عندك حجة لي فخفض ~~من لومي وإلا عملت بعدها ما رأيت. أنت تعلم أن قوام الملك بالمال، وأن ~~الجند لا يسمعون ولا يطيعون إلا إن أعطاهم، وإن عدموا المال كان ذلك ~~الداعية القوية إلى ذهاب الملك وسفك الدماء وانقطاع السبل وانتهاك المحارم. ~~وجميع المال في عنقي وعلي فأذا خرجت الضياع من الإقطاع تبعها الخراج فتحيفت ~~الحقوق، وأضيف إلى كل ناحية ما يجاورها، وكان في ذلك مالا خفاء به مما أعوذ ~~بالله منه. قال له: صدقت يا أبا العباس أيدك الله ارتفع فإن الحق في يدك. ~~وإنما تحرس بهذا الفعل نعمة مولاي من أن تزول، ودماء الخاصة والعامة من أن ~~تراق، وكل من يخاطبني فإنما يتبع هواي ولا ينظر في أعجاز الأمور. أحضروني ~~خلعا. فأحضرها فمنحها أبا العباس، واحتسبه حتى أكل عنده وقدمه في مجلسه، ~~ودعا ms155 بطيب طيبه به. فلما أحضرت المجمرة قام أبو العباس ليتبخر خارج المجلس، ~~كما كان أبو القاسم عبيد الله يفعل وهو كاتبه إذا أمر له بمثل هذا. فحلف ~~بدر أنه لا يتبخر إلا بين يديه. فبخره وخرج، فأمر نحريرا وابن سمعان ~~بالركوب معه إلى ديوانه على سبيل التكرمة وقال له: يا أبا العباس، لا ترى ~~قط من إلا ما تحب بعد هذا اليوم ولا تجري مني إلا مجرى الأخ، ولست أورد ~~عليك توقيعا بإقطاع ولا ضيعة بعد هذه الدفعة. قال: وسمعت أبا الحسن محمد بن ~~عبدون يقول: سمعت بدرا يقول بعد خروج ابن الفرات: لا يزال السلطان بخير ما ~~دام في كتابه مثل هذا الرجل لولا عجلة فيه. # PageV01P200 # قال أبو القاسم بن زنجي حدثني أبو عبد الله أبي قال: وافت رسالة أبي ~~النجم بدر في ذلك اليوم إلى أبي العباس بن الفرات وأنا في الديوان بين ~~يديه، فوجم لها كل من حضر سواه، فإنه بادر إلى لبس ثيابه، واستدعى دوابه، ~~وركب من وقته وسار إلى بدر. فعدل به ابن سمعان إلى داره، فأجلسه فيها، وعرف ~~أبو القاسم عبيد الله بن سليمان ذلك، فقامت عليه القيامة منه، وعظمت في ~~نفسه الحال فيه، وبادر إلى بدر تخوفا من أن يتصل بالمعتضد بالله فينكره على ~~بدر ويجري ما يضيق صدرا به. ووصل عبيد الله إلى باب بدر وسأل عن ابن ~~العباس، فعرف انصرافه مكرما إلى ديوانه، فحين سمع ذلك أراد الرجوع قبل ~~لقائه، فاستقبحه، ودخل إليه. فابتدأه بدر بالحديث، ونسب الأمر عنده إلى ~~أجمل وجوهه، وأخذ عبيد الله في وصف ابن الفرات وتقريظه، وذكر كفايته ~~وكتابته فصدقه بدر. وقال: ما ظننه على ما شاهدته منه. ولا يزال السلطان ~~بخير وأمره مستقيما، ما دام في أعوانه مثل هذا الرجل. ولما عرف بدر أن ابن ~~سمعان أدخل أبا العباس إلى داره قبل أن يطالعه بخبره أنكر ذلك عليه أشد ~~إنكار، وأغلظ عليه القول فيه أتم إغلاظ، وتقدم إليه بالإذن له والدخول إلى ~~بين يديه، وكان فعل ms156 ابن سمعان ما فعله مما حل ما كان في نفس بدر وخففه. # وحدث أبو القاسم قال: حدثني أبو عبد الله أبي قال: كانت للمعتضد رحمة ~~الله عليه جارية يتحظاها يقال لها فريدة، فأمر بإقطاعها ضياعا بمال حده ~~وبين مبلغه، فصار كاتبها إلى أبي القاسم عبيد الله بن سليمان بتوقيع ~~المعتضد بالله بذلك، فقبله ووقع بامتثاله، واختار كاتبها ضياعا وبساتين ~~بأكناف مدينة السلام من الجانب الشرقي، وعرض على عبيد الله بن سليمان الثبت ~~بذلك فوقع بتسليمه. وصار الكاتب إلى أبي العباس بن الفرات به فقبله، وطالب ~~بتسليم ما في الثبت من # PageV01P201 # الضياع والبساتين فامتنع عليه وقال: هذه مواضع طرف أمير المؤمنين إذا ركب ~~ولا يجوز أن يقطع لأحد. فأقام على المطالبة بتسليم ذلك إليه، وأقام أبو ~~العباس على منعه إياه. ومضى الكاتب إلى فريدة، فأعاد عليها ما جرى شيئا ~~شيئا وقال لها: مضيت إلى الوزير فعرضت عليه توقيع الخليفة بما أمر لك به ~~والتسمية بما اخترته فقبل ووقع، وصرت إلى ابن الفرات كاتبه فدفعني وقال. ~~إنه لا يسلم إليك الضياع والبساتين. وجرى علي من رده القبيح ما استحييت معه ~~من كل من حضر عنده وهذا لا يشبه محلك من الخليفة وموضعك من جميل رأيه. ~~وأتبع هذا القول بما يشاكله من الطعن على أبي العباس بن الفرات. فدخلت على ~~المعتضد بالله وهي مقطبة كالسيف المرهف، وأعادت عليه قول الكاتب وقالت: وأي ~~شيء ينفعني من عنايتك بي ومحلي منك إذا كان كاتبك يعارضك في أوامرك ولا ~~يقبل توقيعك؟ وسألته أن يوقع لها توقيعا مجردا بإمضاء الإقطاع على ما سمي ~~في الثبت، فقال لها: لست أتهم ابن الفرات في معرفته بحقك. ومن المحال أن ~~يمنع كاتبك مما أراده إلا جحجة تقوم له بالعذر، فسليه بأي شيء أحتج عليه، ~~ولأي سبب منعه، ليكون ما أوقع به بحسب ذلك. فاستعلمت الكاتب، فذكر أنه قال ~~له: هذه مواضع طرف أمير المؤمنين إذا ركب، ولا يجوز أن يقع عليها إقطاع ~~لأحد. فقال المعتضد بالله: وقد صدق ابن الفرات ms157 وأحسن فيما فعل، أرددي كاتبك ~~إليه وسليه أن يختار لك بما لك ضياعا يعود عليك منها ما وقعت به. فعاد ~~الكاتب إليه برسالتها فاختار لها الضياع المعروفة بالفريديات من بزر ~~جسابور، وكتب بتسليمها إليها. # قال أبو القاسم: وهذا قريب من حديث حدثني به عمي أبو الطيب أحمد ابن ~~إسماعيل فإنه قال: إن المعتضد بالله رحمه الله أقطع دريرة حظيته التي قال ~~فيها # PageV01P202 # علي بن محمد بن بسام ما قال إقطاعا، ووقع به توقيعا تسلمه كاتبها وصار به ~~إلى أبي القاسم عبيد الله بن سليمان، فوقع تحته بامتثاله. ثم جاء إلى أبي ~~العباس ابن الفرات، فوقع بالعمل عليه، وأنشأ الكتاب من حضرته بتسليم ~~الإقطاع والتمكين منه، عناية منه بأمرها، وإيثارا لاجتلاب شكرها. وأمر ~~المدير بإدارته في الدواوين، وإثباته، وأخذ علامات الكتاب على رأسه ورده ~~إلى حضرته من وقته، ففرغ منه في نحو من ساعتين وسلمه أبو العباس إلى الكاتب ~~وانصرف شاكرا. ومضى إلى أبي القاسم ميمون بن إبراهيم صاحب ديوان الزمام، ~~فعرض عليه التوقيع والكتاب فقبل التوقيع وامتنع من إمضاء الكتاب، وذكر أنه ~~يحتاج إلى أن يخرج إليه من ديوان الزمام عين الإقطاع ليكون بما يمضيه على ~~معرفة وبينة. فالتمس منه توقيعا إلى أبي أحمد ابن أخيه، وكان خليفته على ~~الديوان، فوقع له بذلك، ودفع التوقيع إلى أبي أحمد. فماطله ودافعه، ولم يزل ~~يتردد إليه وهو يعده ويخلفه، وعاد إلى أبي القاسم ميمون مستعديا به على ~~خليفته، وشاكيا من مطله ومدافعته، فقال له: لا يجوز إمضاء الكتاب إلا بعد ~~الوقوف على العبرة من الديوان. وحمل الكاتب ما عرض بقلبه من الضجر بوقوف ~~أمره على أن صار إلى دريرة وعرفها الصورة، وخاطبها بما بعثها فيه على ~~مراجعة الخليفة، فدخلت إليه، وأعادت ما ذكره الكاتب عليه. ثم شكرت الوزير ~~وذمت ميمون # PageV01P203 # ابن إبراهيم، واستدعت منه توقيعا بإنكار ما كان منه، وإمضاء إقطاعها على ~~ما أمر به وأمضاه وزيره وصاحب ديوانه. فقال لها: الخطأ منك ومن كتابك، ولو ~~كنت عملت ما يوجبه الحزم ويقتضيه ms158 الصواب لراج أمرك وعمل كتابك وتسلمت ~~إقطاعك، ولكن كاتبك متخلف لا يحسن التأتي لأمره، ويريد ما يريده على شدة ~~وصعوبة، فقالت: يا مولاي، وما كان الصواب؟ قال: أن تبعثي إليه بثياب وألطاف ~~كما يفعل الناس، فإنك كنت تستغنين عن خطابي وخطاب وزيري، وكان ذلك أنفع لك ~~وأعود في العاقبة عليك. قالت: يا مولاي، فأحتاج إلى هذا مع موضعي منك ~~وموقعي من عنايتك؟! قال: إي والله إنك لمحتاجة إليه. فعدلت عما كانت عليه، ~~وبعثت إلى أبي القاسم ميمون تخوتا فيها ثياب فاخرة من قصب ودييقى، وطيبا ~~كثيرا، وراسلته بإنكارها على الكاتب تقصيره في حقه وإغفاله ما وجب أن يقدمه ~~من ملاطفته وبره، وسألته إمضاء الكتاب بإقطاعها. فقبل ما أنفذته، وأخذ ~~الكتاب من يد الرسول، وعلم عليه، وسلم إليه خرجا كان خليفته قد أخرجه، ~~واشتمل على عبرة ثقيلة لا توجب إمضاء الإقطاع، وعرفه إغضاءه عن ذلك ~~ومسامحته إياها بالفضل، واعتماده موافقتها بهذا الفعل. فأعادت على المعتضد ~~بالله ما جرى، فاستصوب ما كان منها وقال لها: هذا أنفع لك من عنايتي في هذا ~~الوقت وفيما بعده. وكان أبو القاسم ميمون يفتخر على الكتاب بأنه أخذ مصانعة ~~بأمر الخليفة وأن ما فيهم من يجسر على مثل ذلك. # وحدث أبو القاسم بن زنجي قال حدثني أبو الطيب أحمد بن إسماعيل عمي قال: ~~مضيت في يوم من الأيام على الرسم إلى الديوان بالثريا، فبينما أنا أسير # PageV01P204 # إذ لحقني فارس فسايرني، وأقبل يحدثني ويسألني عن اسمي وكنيتي ومنزلي ~~وصناعتي، فلما ذكرت له مكاني مع أبي العباس بن الفرات قال: كيف مذهبه في ~~العمل؟ قلت: أحسن مذهب، يستقصي حقوق سلطانه ويستوفي مناظرة عماله، ويجد في ~~استخراج أمواله. قال لي: فكيف يجري أمر هذا الوزير؟ يعني عبيد الله بن ~~سليمان فإنني ما رأيت أشد تخليطا منه، ولا أفظ من حجابه، ولا أكثر إخلافا ~~للمواعيد منه، قلت له: وكيف ذلك؟ قال: لأني رجل من الفرسان قد أخر عني ~~رزقي، وأحوجني إلى القدوم إلى الحضرة متظلما منه، وأنا أجتهد في أن ms159 يطلق لي ~~ما وجب من رزقي فليس يلتفت إلي، ولا يفكر في، وكلما رفعت إليه رقعة رمى ~~بها، ومتى وصلت إليه لم يخرج عليها توقيع، فقد احترقت وهلكت وذهبت نفسي ~~وطالت على بابه مدتي، فكيف يمكن هذا الرجل وهو على ما وصفته لك أن يعمل ~~أعمال الخليفة ويدبر أمر مملكته؟ قلت له: الذي نعرفه من مذهبه ومعرفته ~~وكفايته غير ما ذكرته عنه، وما يدع شيئا إلا نظر فيه، ولا مظلوما إلا ~~أنصفه. قال: الذي يبلغني عنه أنه قد اصطلم الدنيا، وأخذ الأموال لنفسه، ~~فالجند يتظلمون، وحاشية الخليفة يشكون، والنواحي خراب. فقلت: ما أحد من ~~الحاشية إلا وهو راض، والأموال كلها تحمل إلى الحضرة وقد حسب للعمال أرزاق ~~الشحن. والعمارة زائدة، والأمور منتظمة. فقال: ما الآفة في جميع ما يجري ~~إلا هذا الغلام الذي قد رفعه الخليفة، وأعطاه ما لا يستحقه وصير الناس ~~عبيدا وخولا له. قلت: ومن الغلام الذي تعنيه؟ قال: بدر. وأقبل يطعن عليه، ~~ويتكلم فيه. قلت: ما وضعه الخليفة إلا موضعه، والرجال حامدون له راضون ~~برئاسته. ثم حول وجهه فنظر إلى كوكبة عظيمة من الفرسان قد # PageV01P205 # أقبلت، فحرك دابته ومضى. فلم يبعد حتى أقبل العسكر، وجاء قوم يسألوني عن ~~الخليفة هل رأيته، وأين أخذ. فقلت لهم: ما رأيت الخليفة. قالوا: فهل مر بك ~~فارس على دابة من صفته كذا، وعليه من اللباس كذا وكذا؟ قلت: نعم. قالوا: ~~فأين مضى؟ قلت: بين أيديكم، فمن هو؟ قالوا: المعتضد بالله. فوقعت فيما لا ~~ينادي وليده؟ وأقبلت أتذكر ما خاطبني به وأجبته عنه، حذرا من أن يكون وقع ~~خطأ منى أو طعن على إنسان ممن سألني عنه. وصرت إلى الديوان بالثريا، وأنا ~~لا أعقل غما. فأنا في تلك الحال إذ خرج عبيد الله بن سليمان من حضرة ~~المعتضد بالله، وأحمد عنده ما كان منى في الإجابة عما سألني عنه، وجزاني ~~الخير. وخرج أبو العباس فاستدعاني، وسألني عن حالي في طريقي فأعدت عيه خبر ~~الفارس وجميع ما جرى بيني وبينه، فصدقني فيه. وقال: ms160 إن الوزير أعاد على ~~ملثه. وأقبل يحمد الله على حسن توفيقه إياي فيما خاطبته به. ثم أوصاني ~~بالتحفظ فيما أخاطب به من يسايرني. والاحتراس من زلل تقع فيه، فصرت بعد ذلك ~~لا أمر في طريقي إلا ومعي جماعة، ومتى خاطبني إنسان تحرزت منه غاية التحرز. # وحدث أبو القاسم قال: حدثني أبو عبد الله والدي قال: كنت يوما بحضرة أبي ~~العباس بن الفرات في الديوات في دار السلطان إذ جاءه خادم برسالة من ~~المعتضد بالله رحمه الله يقول فيها: إنه قد زوج جارية في داره من أحد ~~غلمانه، # PageV01P206 # وأنفذ إليه ألف دينار أمره أن يبتاع بها لهما جهازا، وأن يفرغ من جميعه ~~في بقية يومه. فأجابه بالسمع والطاعة. ثم أمرني بإثبات جميع ما يحتاج إليه، ~~فأثبته، ونظر فيه وزاد فيما أراد. ثم أحضر محمد بن عبد الوهاب وجماعة ممن ~~يسكن إلى نهوضه وكفايته، فأفرد كل واحد منهم بصنف يبتاعه، ودفع إليه من ~~المال بقدر حاجته، ووصاهم باختيار ما يبتاعونه، والاحتياط في ثمنه، ~~والمبادرة به إلى حضرته في الدار ومضوا، ولم يزل يراعيهم إلى أن انصرفوا ~~إليه بعد العصر بما ابتاعوه، فنظر إليه وارتضاه، وقابل به الثبت الذي عمله ~~فوجده قد انتظم جميعه. ثم تذكر فقال: يحتاج أن يكون مع ذلك كبريت وحراق ~~وأحجار النار وسرج. وتقدم بإحضار ذلك فأحضر. وطلب الخادم، فخرج وسلم إليه ~~المتاع وثبتا به، وحمله الخادم ومن معه إلى حضرة المعتضد بالله. فلما عرض ~~عليه شاهده شيئا شيئا وقابل به الثبت، فوافق أحمد المعتضد فعل أبي العباس ~~فيما تفقده وقال: من راعى هذا الأمر هذه المراعاة حتى لم يخل بشيء مما تدعو ~~إليه الحاجة لحقيق بتدبير المملكة، وموضع للإعتماد والتعويل. ووقع عنده ما ~~كان منه ألطف موقع وأحسنه. # وحدث أبو القاسم قال: حدثني أبو عبد الله أبي قال: لما شخص أبو القاسم ~~عبيد الله بن سليمان إلى الجبل مع بدر المعتضدي استخلف أبا الحسين القاسم ~~ابنه على الوزارة وضاقت الأحوال على أبي الحسين، واشتدت المطالبة ~~بالاستحقاقات، فدعته الضرورة ms161 إلى طلب مائتي ألف دينار من المعتضد بالله ~~قرضا إلى أن ترد الأموال فيرد عوضها. وخاطبه في ذلك، وسأله إسعافه. فأجابه ~~إلى إطلاق ما استدعاه منه إن حضر أحمد بن محمد بن الفرات وضمن رده. فحملت ~~القاسم الحاجة على أن سأل أبا العباش ضمان المال للمعتضد بالله، فاستعفاه ~~من لقائه، وعرفه كراهية # PageV01P207 # الدخول إليه، وكان القاسم لذلك أكره، لكن الضرورة دعته إلى ما خالفه رأيه ~~وإيثاره فيه، فأخذه معه، واستأذن له على المعتضد بالله، فأوصله. فلما مثل ~~بين يديه استدناه وقربه، وأقبل يسأله عن نواحي السواد، وما يرتفع منها ومن ~~عبرها القديمة في الوقت الذي اقتتحت فيه. ثم تجاوز ذلك إلى نواحي البصرة ~~ونواحي الأهواز ثم فارس وكرمان وسبجستان وفرج بيت الذهب والقندهار والسند ~~والهند والصين، ثم نواحي خراسان والجبل، ثم نواحي الموصل وديار ربيعة ومضر ~~وأجناد الشام ومصر والإسكندرية وما وراء ذلك من البلدان. وهو يجيبه بارتفاع ~~ناحية ناحية، وفي أيام من فتحت، ويشرح له أحوالها، فاستعظم المعتضد بالله ~~ما شاهده وسمعه منه، وأعجبه إعجابا شديدا، وأقبل عليه إقبالا كثيرا شق على ~~أبي الحسين القاسم، وندم معه على الجمع بينه وبينه. ثم سأل أبا العباس عما ~~عنده في أمر المال الذي التمسه القاسم منه فعرفه صدق الحاجة إليه، وضمنه ~~رده إلى بيت مال الخاصة، فضمن له ذلك عند افتتاح الخراج واتساع الارتفاع، ~~فوقع إلى صاحب بيت المال بإطلاقه، ووقع إليه وإلى صاحب بيت مال العامة بألا ~~يقبلا توقيعا للقاسم في شيء من المال إلا بعد أن يكون فيه توقيع أحمد بن ~~محمد بن الفرات، وأعلمه أن إعتماده في استيفاء الأموال وجمعها عليه لا يعرف ~~فيها سواه. وانصرف القاسم كئيبا حزينا بما جرى، ولم ينفذ له من بعد توقيع ~~بإطلاق مال إلا ما يوقع فيه أبو العباس. # وكتب القاسم إلى أبيه بصورة المجلس، فكتب إلى أبي العباس يشكره على ما ~~كان منه، وإلى القاسم يوبخه ويعنفه على فعله، وقال له في فصل من كتابه: كنت ~~ظننت أن السن حنكتك، والأيام ms162 قد ثقفتك، حتى ورد كتابك بما ورد به. # PageV01P208 # ثم أتبع ذلك بالخطاب القبيح بما يشاكله، وأعلمه أنه قد أخطأ وأساء، وجنى ~~على نفسه وعلى أبيه جناية لا يمكن تلافيها، وأنه كان يجب أن يستسلف المال ~~من التجار ويلتزم في ماله ومال أبيه الربح فيه ولا يفعل ما فعله. # قال أبو القاسم: وسمعت جماعة من الكتاب يذكرون أن السواد لم يرتفع لأحد ~~بعد عمر بن الخطاب رضي الله عنه بمثل ما ارتفع له إلا المعتضد بالله فإن ~~أبا العباس أحمد ابن محمد بن الفرات رفعه في أيامه ثلاثمائة ألف وأربعين ~~ألف كر شعيرا مصرفا بالفالج، وباع الكرين بالمعدل من الحنطة والشعير بتسعين ~~دينارا فكان ثمن الأكرار أربعة آلاف ألف وثمانين ألف دينار، وحصل من الخراج ~~وأبواب المال أكثر من ألف ألف دينار، فإذا أضيف إلى ذلك فضل الشروط ~~والمقاطعات والإيغارات، بلغت الجملة ما حصل لعمر بن الخطاب رضوان الله ~~عليه. # قال أبو القاسم: وسمعت مشايخ الكتاب يقولون: إنه لم يجتمع في زمن من ~~الأزمنة خليفة ووزير وصاحب ديوان وأمير جيش مثل المعتضد بالله. وأبي القاسم ~~عبيد الله ابن سليمان وأبي العباس بن الفرات وبدر. فكان التدبير مع هؤلاء ~~الأربعة مطردا، والأمر منتظما، والعمارة وافرة الأموال دارة، حتى اجتمع في ~~بيت المال بعد النفقات الراتبة والحادثة وإطلاق الجاري للأولياء في سائر ~~النواحي وجميع المرتزقة بها وبالحضرة تسعة آلاف ألف دينار فاضلة عن جميع # PageV01P209 # النفقات. وكان المعتضد بالله رحمه الله قد اعتقد أن يتمها عشرة آلاف ألف ~~دينار، ثم يسبكها ويجعلها نقرة واحدة ويطرحها على باب العامة ليبلغ أصحاب ~~الأطراف أن له عشرة آلاف ألف دينار، وهو مستغن عنها، فاخترمته المنية، قبل ~~بلوغ الأمنية. # وحدث أبو القاسم قال: حدثني أبو عبد الله أبي قال: تأخرت عن أبي العباس ~~ابن الفرات في يوم جمعة، وأقمت عند بعض أهلي بالجانب الغربي، وحضرتنا ~~مغنيتان محسنتان فاندفعت إحداهما وغنت # قايست بين فعالها وجمالها ... فإذا الملاحة بالخيانة لا تفي # والله لا كلمتها ولو أنها ... كالشمس أو كالبدر أو ms163 كالمكتفي # وضربت الأخرى وغنت: # يا ذا الذي حلف العشية جاهدا ... الا يكلمني فعال المسرف # قد جرت فيما كان منك وإنه ... ليزيد قبح الجور عند المنصف # قال: فاستحسنت أن أجابت الثانية الأولى بجواب في وزن الصوت وقافيته ~~ومعناه. وصرت إلى أبي العباس بن الفرات من غد، وسألني عن سبب تأخري عنه، ~~فأعلمته إياه، وحدثته حديث المغنيتين وما غنتا به، فعجب منه ومضى إلى أبي ~~الحسين القاسم ابن عبيد الله فأخبره. فكانت سبيله فيه سبيله وقد كان أبو ~~العباس سألني عن قائل الشعر. فقلت: هو لعبد الله بن المعتز، وحضر القاسم ~~بحضرة المكتفى بالله، فأعاد عليه الحديث فقال له: لمن الشعر؟ فقال: لعبيد ~~الله بن عبد الله # PageV01P210 # ابن طاهر. فقال: قد بلغني عنه خلة، فأحمل إليه ألف دينار، وأعلمه أنني لا ~~أخليه من مثله في كل مدة. وانصرف القاسم وعرف أبا العباس ما جرى، وما حمل ~~إلى عبيد الله من الدنانير. قال أبو عبد الله: وأخبرني أبو العباس بما جرى ~~فقلت: الشعر لعبد الله بن المعتز. فقال: قد أتاح الله لعبيد الله بن عبد ~~الله الرزق من حيث لم يحتسب، وهذا ما لا حيلة للمخلوقين فيه. وحدث أبو ~~القاسم عن أبيه أنه كان جالسا بحضرة أبي العباس بن الفرات في يوم سبت وقد ~~ابتدأ المطر، وهو يريد المضي إلى دار أبي القاسم عبيد الله بن سليمان، إذ ~~وردت عليه رقعة محمد بن إبراهيم بن الخصيب وفيها: # انعموا آل الفرات ... واشربوا بالبكرات # يوم سبت ورذاذ ... وجوار محسنات # ما قرى كسرى أنوشر ... وان هذا في الصفات # فعمل على القعود، وأضرب عن الركوب، وبعث إلى محمد بن إبراهيم في الحضور، ~~واستدعى أبا الحسن أخاه، ومر لنا أطيب يوم. وكتب أبو أحمد عبيد الله بن عبد ~~الله بن طاهر بخطه إلى أبي العباس أحمد ابن محمد بن الفرات: # يا ولي الإمام هنأك الله ... بدين الهدى وشهر الصيام # وبكل الأعياد في الدين فاسعد ... أمد الدهر عابر الأيام # عاليا غاية الذرى كالئ الدين ... رئيسا أقصى مدى الإحرام # PageV01P211 # أنت ms164 قطب الدنيا تدور عليه ... ما اديرت وحافظ الإسلام # أنت بالدين في الزمان مهنى ... وله في يديك عقد الذمام # وتهني الدنيا وأعيادها من ... ك بطول البقاء والإحتكام # والمراقي في المجد والأمر والنهي ... وأعلى الإعزاز والإكرام # واتصال الإحسان منك إلى النا ... س وشفع الإيصال بالإنعام # أنت عنوان كل مجد وتاريخ ... المعالي وسيد الأقوام # حارس الإرث والخلافة والسلطان ... والدهر كله والأنام # علم الدهر فابق فيه تجاها ... علما للمنار والأعلام # جمع الله كل خير ومأمو ... ل وسؤل ونعمة للهمام # جامعا للوزير كل تمام ... من أقاصي المنى بكل دوام # ذا دعائي وصلته بثنائي ... ومناي انتظمتها في نظام # مقسما بالوفاء والشكر والإخ ... لاص والنصح غاية الإقسام # وحدث أبو القاسم بن زنجي قال: سمعت أبا الحسن علي بن محمد بن الفرات ~~يقول: كثر القول في حفظ أبي جعفر أحمد بن إسرائيل الكاتب الأنباري، فأحب ~~أخي أبو العباس أن يقف على صحة ذلك من بطلانه، فمضى إليه، وأخذني معه، ~~ودخلنا داره، وقصدنا مجلسه، فوجدناه قد نهض منه يريد الركوب، فقال لي أخي: ~~فاتنا كل ما قدرناه. وسلمنا عليه ومشينا معه. فبينما نحن في تلك الحال إذ ~~جاءه خليفة لبعض العمال بكتاب ضخم من العامل الذي كان يخلفه، فدفعه إليه، ~~وفضه، وأخذ الغلام طرفه، وأقبل بهذه عليه هذا سريعا متصلا حتى انتهى إلى ~~آخره. ثم رمى به إلى الكاتب وقال له: وقع عليه بأن يجاب # PageV01P212 # بكذا وكذا. ومشى إلى الموضع الذي يركب منه وركب. فقال أخي: أعطي الله ~~عهدا إن كان قرأ الكتاب أو درى ما فيه، وإنما فعل ما فعله ليرينا أنه قد ~~قرأه وفهمه. وتقدم إلى بعض غلمانه بطلب صاحب الدواة، وبذل شيء له على إخراج ~~الكتاب إلينا لنقرأه ونرده من وقته، ففعل ذلك، وجاءنا بالكتاب فقرأناه، ~~وقرأنا التوقيع عليه، فوجدناه قد انتظم بسائر معاني الكتاب. فعلمنا أن الذي ~~تحدث به عنه حق لا تزيد فيه. # وحدث أبو القاسم عن عبد الله أبيه قال: كان أبو العباس بن الفرات يحتبسني ~~عنده في أيام خلوته للأنس، قال: فحضر ms165 عنده في بعض الأيام عدة مغنيات، وغنت ~~إحداهن لأبي العتاهية: # أخلاي بي شجو وليس بكم شجو ... وكل فتى من شجو صاحبه خلو # رأيت الهوى جمر الغضا غير أنه ... على حره في حلق ذائقه حلو # فقال أبو العباس: هذا خطأ، وإنما يجب أن يكون البارد ضد الحار والحلو ضد ~~المر. فقلت له: فكيف كان يجب أن يقول؟ قال: كان يقول: # غدوت على شجو وراح بي الشجو ... وكل فتى من شجو صاحبه خلو # وباكرني العذال يلحون في الهوى ... ومر الهوى في حلق ذائقه حلو # فلم يبق أحد ممن حضر إلا علم أن الذي قاله أحسن وأصوب. # وحدث أبو القاسم عن أبيه قال: تقدم أبو الصقر إسماعيل بن بلبل إلى أبي ~~عبد الله محمد بن غالب الأصفهاني أن يكتب إلى العمال في النواحي كتبا ~~يدعوهم فيها إلى الاستكثار من العمارة، ويأمرهم بمطالبة الرعية بها، فكتب # PageV01P213 # الكتب وأحضرها أبا الصقر، فاستحسنها وتركها بين يديه. وأقبل أبو العباس ~~أحمد بن محمد بن الفرات، فدفعها أبو الصقر إليه وقال له: اقرأها وانظر ما ~~أحسن ما أورده أبو عبد الله في هذا المعنى. فقرأها، ووجده قد افتتحها بأن ~~قال: الحمد لله الذي استعمر عباده في أرضه ليخرج رزقهم منها وليكفتهم فيها. ~~ثم قال بعد ذلك: ولو لم يكن من فضيلة الازدراع إلا قول الله عز وجل في محكم ~~كتابه: " كزرع أخرج شطأه فازره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ ~~بهم الكفار " فلما قرأها أدرجها، وأمسك عن إيراد شيء في معناها، فقال له ~~أبو الصقر: ما عندك فيها؟ وأطنب في وصفها، فعارضه أبو العباس في ذلك. فقال ~~له: ما الذي أنكرت؟ قال: ابتدأه بأن قال: الحمد الله الذي استعمر عباده في ~~أرضه ليخرج رزقهم منها وليكفتهم فيها. فلم يدع لهم نفسا. ثم ثنى بأن جعل ~~الآيات التي جعلها الله في نبيه وأصحابه عليهم السلام مثلا للزرع، وهذا ~~خلاف ما جاءت به الروايات، وفسره المفسرون. فعلم أبو الصقر أن الأمر على ما ~~قال، وكلفه كتب الكتب من جهته، ms166 ودفع المكتوبة إليه. وكان أبو عبد الله محمد ~~بن غالب يعتب على أبي العباس لما كان منه في ذلك. وحدث أبو القاسم عن أبيه ~~قال: خلا أبو الحسن علي بن محمد بن الفرات للشرب في وزارته الأولى، في ~~الدار المعروفة بالدار الجديدة من دار سليمان بن وهب. وحضرت انا وجماعة من ~~كتابه، وحضر من المغنيات بين يدي الستائر ومن ورائها ما لا يحصى كثرة، ~~وأحضرت من أواني الذهب والفضة ماله القيمة الوافرة. # PageV01P214 # ومر يوم حسن طيب إلى وقت العصر، وإذا العباس الفرغاني حاجبه قد دخل وقال: ~~يا سيدنا، قد حضرت بدعة الكبيرة وهي في طيارها تستأذن للوصول. فأطرق مفكرا ~~ثم رفع رأسه وقال: ارفعوا ما ها هنا من الأواني. فرفع إلا قليلا، ونهضت ~~المغنيات اللواتي كن قدام الستارة، وأمره بالإذن لها. فدخلت ووقفت بحضرته ~~ثم تقدمت وقبلت يده وقالت: بلغني أن سيدي الوزير قد نشط للشرب فحضرت ~~للخدمة. فأمرها بالجلوس، وجلست وطلبت العود، فجيء به، وغنت فجودت، واستحسن ~~أبو الحسن ما أتت به، وطرب عليه وشرب. ثم أخذ ربع قرطاس كان في دواته، وكتب ~~شيئا وقطعه، ودفعه إلي وقرأته فكان: # إذا بدعة جودت عودها ... تذلل في ضربها كل صعب # تغني فتجني ثمار القلوب ... وتهدي سرورا إلى كل قلب # فاستحسنت ذلك، وكانت بدعة بالقرب مني. فقلت لها: إسمعي إلى ما وصفك ~~الوزير به. وأنشدتها البيتين، فسرت وفرحت، وقامت مسرعة فقبلت يده ثم الأرض ~~وعادت إلى موضعها وقالت: بالله يا سيدي إلا أعدت الشعر علي حتى أحفظه، ~~ففعلت وحفظته وأدارته في حلقها، وعملت له لحنا من وقتها، ثم ضربت وغنته، ~~فجاء في نهاية الحسن. ونشط أبو الحسن، وتقدم برد المجلس ومن كان فيه إلى ما ~~كان عليه. ولم يزل ذلك الصوت صوتنا عليها بقية ليلتنا. فقال أبو القاسم: ~~فقلت لأبي عبد الله أبي: فلم كره حضور بدعة وهي من آلة الشرب وموصوفة ~~بالحذق في ذلك الوقت؟ قال لأنه كان يتهمها بنقل أخباره إلى المقتدر بالله ~~رحمه الله. # قال أبو القاسم: وكان لأبي ms167 الحسن بن الفرات مطبخان في داره. فأما مطبخ # PageV01P215 # الخاصة الذي يطبخ فيه فلا أحصى ما كان يدخله من الغنم والحيوان لكثرته. ~~وأما مطبخ العامة المرسوم بما يقدم إلى خلفاء الحجاب المقيمين في الدار ~~ويغرف منه للرجالة والبوابين وأصاغر الكتاب وغلمان أصحاب الدواوين فكان ~~يستعمل فيه في كل يوم تسعون رأسا من الغنم وثلاثون جديا ومائتا قطعة دجاجا ~~سمانا وفراريج مصدرة، ومائتا قطعة دراجا، ومائتا قطعة فراخا. وهناك خبازون ~~يخبزون الخبز السميذ ليلا ونهارا، وقوم يعملون الحلواء عملا متصلا، ودار ~~كبيرة للشراب. وفيها ماذيان يجعل فيه الماء المبرد ويطرح في الثلج كدرا، ~~ويسقى منه جميع من يريد الشرب، الرجالة والفرسان والأعوان والخزان ومن يجري ~~مجري هذه الطبقة من الأتباع والغلمان، ومزملات فيها الماء الشديد البرد. ~~وبرسم خزانة الشراب خدم نظاف، عليهم الثياب الدبيقية السرية، وفي يد كل ~~واحد منهم قدح فيه سكنجبين أو جلاب ومخوض وكوز ماء ومنديل من مناديل الشراب ~~نظيف، فلا يتركون أحدا ممن يحضر الدار من القواد والخدم السلطانيين والكتاب ~~والعمال إلا عرضوا ذلك عليه. وفي جانب الدار أدراج كثيرة لأصحاب الحوائج ~~والمتظلمين حتى لا يلتزم أحد منهم مؤونة لما يبتاعه من ذلك، وأنصاف قراطيس ~~وأثلاث. # قال أبو القاسم: وحدثني أبي قال: كان أبو الفضل بن الحجام النحوي # PageV01P216 # يكثر الجلوس إلى جانبي في دار أبي العباس أحمد بن محمد بن الفرات ~~يحادثني، فاتفق أن جلس يوما على رسمه، واستمددت من الدواة فترشش من ذلك ~~المداد على ثيابه، فأخذ قلما من دواتي وقرطاسا من بين يدي وكتب إلى أبي ~~العباس: # يا سيدي ومؤملي ... في كل حادثة وريب # لك كاتب شاب الكتا ... بة بالبلاغة أي شوب # فإذا جلست بجنبه ... جعل اسمه صبغا لثوبي # يعني زنجي فضحك أبو العباس مما كتب به، وأمر فحملت إليه عدة أثواب من ~~دبيقي وقصب وغير ذلك. # قال أبو القاسم: حدثني عمي أبو الطيب أحمد بن إسماعيل قال: كان معنا في ~~الديوان خازن شيخ قد خزن في الدواوين في سر من رأى، يعرف بجعفر الحرامي، ~~فكان ms168 يقول كثيرا: ما استطعت ألا تبيت مغموما فافعل فكنت أسمع هذا الكلام ~~منه صفحا. فلما كان بعد مدة، وأنا أكتب بين يدي أبي العباس أحمد ابن محمد ~~بن الفرات وأخفف عنه. جاءني رجل من التناء بالسواد، ومعه توقيع بنقل مقاسمة ~~بيدر له من رسم ثقيل إلى رسم خفيف، ذكر أن أبا القاسم عبيد الله بن سليمان ~~وقع له به، وتوقيع أبي العباس ابن الفرات فيه بالعمل على موجبه. فاستربت ~~بالتوقيع فشككت في صحته، وبذل لي مائة دينار على إمضائه، وكتب الكتاب ~~بمقتضاه. ففعلت وأخذت المائة دينار وتسلم الكتاب فلما كان الليل وأويت إلى ~~فراشي اجتهدت في النوم فامتنع علي، وذكرت ما عملته وتجوزت فيه؛ فضاق صدري، ~~وساء ظني، وقلت: هذا الذي كان يحذرني منه جعفر الحرامي، وندمت على # PageV01P217 # ما كان مني، وتقلبت على الفراش من غير أن يدخل النوم عيني، وحدثت نفسي ~~بالركوب وقصد الرجل. وقد كان ذكر لي فيما جرى بيننا من الحديث أن منزله في ~~الجانب الغربي في سكة كذا من سكك المدينة، فلم يمكن ذلك لأنه كان أول ~~الليل، ثم لم أزل على حالي في القلق طويلا، حتى إذا زاد ما بي تقدمت إلى ~~غلماني بأن يسرجوا لي وبالخروج إلى الشارع، والمسألة عمن بتلك الطريق، ~~فخرجوا وعادوا يذكرون أنه ما مر أحد. ثم أمرتهم بأن يسرجوا لي على كل حال، ~~وأسرجوا وحملوا بين يدي شمعة، وركبت وسرت، فإذا الشرائج ممدودة، وأبواب ~~الدروب مغلقة، فما تهيأ لي فتح شيء منها إلا ببر الحراس. ولم أزل على ذلك ~~حتى انتهينا إلى رأس الجسر من الجانب الشرقي، فكان الباب مقفلا، فسأل ~~الغلمان الموكل به فتحه، فأبى، وبذلوا له دراهم عن ذلك فلم يقبلها. ووقفت ~~إلى أن وافى فرانق من قبل بدر غلام المعتضد بالله بكتاب منه إلى بعض أهل ~~الدولة النازلين في الجانب الغربي، ففتح له الباب وجاز وجزت معه. ثم وصلت ~~بعد اجتهاد إلى دار الرجل، وتقدم غلماني إلى بابه فدقوه، وطالعهم من السطح، ~~وسألهم عما يريدونه، فأشعروه بحضوري، ms169 فأمهل قليلا ثم فتح الباب، وأذن في ~~الدخول، ورآني فأنكر مجيئي في مثل ذلك الوقت، وقال: لو كتبت إلي لجئتك! فما ~~الذي تحب الآن؟ فقلت وقع على سهو في الكتاب الذي كتبته لك، وخفت أن يقع ~~عليه من يتتبعني وتتطرق من قوله قباحة علي. فقال: هذا قول لا يجوز على ~~مثلي، ومن المحال # PageV01P218 # أن يخرج عن يدك ما فيه لحن وخطأ، ولعلك فكرت في شيء آخر من أمر الكتاب ~~نفسه، فقلت: لا بد من إحضاره، فقال: توقف قليلا. ثم قام وغاب لحظة وجاء ~~ومعه صرة فيها خمسون دينارا، وقال: تلك مائة وهذه خمسون دينارا، وليس في كل ~~وقت يعرض مثل ذلك، وكم في الدواوين من توقيع يجري هذا المجرى ولا يؤبه له ~~ولا يتنبه عليه؟ ورغبني فيها ترغيبا كدت معه أن آخذها. ثم ذكرت محلي من أبي ~~العباس بن الفرات، وموضعي من خدمته، ومكان أخي منه، وأنني أقدر أن أفيد معه ~~وفي جملته الفوائد الكثيرة، فتماسكت وامتنعت، وعاودته المطالبة بالكتاب، ~~ووضع غلامي بين يديه المائة الأولى. فقال: أحب أن تتوقف قليلا. وقام ثم رجع ~~ومعه الكتاب وخمسون دينارا أخرى، وقال: هذه مائتا دينار، وهذا الكتاب، ~~فاختر ما تريده منهما وخده. وأعاد من تهوين القصة وتجديد القول الداعي إلى ~~الرغبة ما كادت به يدي تمتد إلى الدنانير. ثم راجعت الفكر، وأشفقت من ظهور ~~الأعداء على الأمر، وفساد الجاه، وأخذت الكتاب ومزقته، ونهضت وركبت. فلما ~~توسطت الجسر رميته مخرقا في الماء، وعدت إلى منزلي، وكنت أنزل بسوق العطش. ~~وقد بقيت سدفة من الليل، فطرحت نفسي على الفراش، ونمت نوما طيبا، وزال ما ~~كنت عليه من سوء الفكر واستشعار الخوف، وأصبحت وسألت غلماني عما عندهم من ~~الطعام، وأنفذت إلى جماعة كانوا يعاشرونني، فحضروا وأكلنا، وحضر النبيذ ~~وشربنا، وجاءني غلامي وقال: غلام أبي العباس بن الفرات بالباب يستدعيك. ~~فأدخلته وأجلسته معنا، فأكل وشرب، وقلت له: عرفه أنني عند بعض أهلي بالجانب ~~الغربي. فمضى، ولم يبعد أن جاء غلام آخر يطلبني، ففعلت به كمثل فعلي ms170 ~~بالأول. # PageV01P219 # فانصرف. وقلت في نفسي: لأن ألقي أبا العباس معتذرا من تأخر يوم عن خدمته ~~أولى من أن ألقاه معتذرا من مثل ذلك الذنب الكبير. فأقمت على جملتي بقية ~~يومي # وباكرته من غد، فسألني عن سبب تأخري فأعلمته كوني عند بعض أهلي بالجانب ~~الغربي. ومضت أيام، وورد كتاب العامل الذي تلك الضيعة في عمله وفي درجه حزر ~~الغلة وقد نسب كل بيدر إلى مقاسمته؛ وعلى مثل هذا كانت الحزور ترد. فقرأه ~~أبو العباس على رسمه حرفا حرفا، ووجد قد حكي تحت اسم بيدر من البيادر: مما ~~ورد الكتاب بنقله من مقاسمة كذا إلى مقاسمة كذا. فلما قرأة اختلط وأنكر ذلك ~~وقال: ما أذكره، ومتى أمرنا بنقل المقاسمات الثقيلة إلى المقاسمات الخفيفة؟ ~~واستدعى أبا عبد الله أخي، وتقدم إليه بأن يكتب إلى العامل بإنكاره ما وقف ~~عليه من الحكاية التي حكاها في الحزر، ويرد الكتاب الذي وصل إليه في هذا ~~المعنى بعينه. فكتب ذلك، ومضت أيام فلم أشعر وأنا بحضرته إلا بكتاب العامل ~~قد ورد جوابا عما كوتب، وفي درجة الكتاب الذي طلب منه. وقرأه أبو العباس ~~ابن الفرات، وأقبل يدفعه إلى واحد واحد من الكتاب الذين في مجلسه، ويسأله ~~عن صاحب خطه. ثم دفعه ألي فلما قرأته ذكرت اسم البيدر، وقلت في نفسي: أي ~~شيء كان أسوأ حالا مني لو كان بخطي وقد ورد في مثل هذا المجلس الحافل؟ ولم ~~يعرف أحد من الحاضرين الخط، وسلمه إلي أحمد بن يزيد المدير وقال له: إمض به ~~إلى الديوان، وخذ خطوط أصحاب المجالس وخلفائهم بما عندهم من العلم به، ~~وجئني بنسخته إذا وجدتها من مواضعها. كرته من غد، فسألني عن سبب تأخري ~~فأعلمته كوني عند بعض أهلي بالجانب الغربي. ومضت أيام، وورد كتاب العامل ~~الذي تلك الضيعة في عمله وفي درجه حزر الغلة وقد نسب كل بيدر إلى مقاسمته؛ ~~وعلى مثل هذا كانت الحزور ترد. فقرأه أبو العباس على رسمه حرفا حرفا، ووجد ~~قد حكي تحت اسم بيدر من البيادر: مما ورد ms171 الكتاب بنقله من مقاسمة كذا إلى ~~مقاسمة كذا. فلما قرأة اختلط وأنكر ذلك وقال: ما أذكره، ومتى أمرنا بنقل ~~المقاسمات الثقيلة إلى المقاسمات الخفيفة؟ واستدعى أبا عبد الله أخي، وتقدم ~~إليه بأن يكتب إلى العامل بإنكاره ما وقف عليه من الحكاية التي حكاها في ~~الحزر، ويرد الكتاب الذي وصل إليه في هذا المعنى بعينه. فكتب ذلك، ومضت ~~أيام فلم أشعر وأنا بحضرته إلا بكتاب العامل قد ورد جوابا عما كوتب، وفي ~~درجة الكتاب الذي طلب منه. وقرأه أبو العباس ابن الفرات، وأقبل يدفعه إلى ~~واحد واحد من الكتاب الذين في مجلسه، ويسأله عن صاحب خطه. ثم دفعه ألي فلما ~~قرأته ذكرت اسم البيدر، وقلت في نفسي: أي شيء كان أسوأ حالا مني لو كان ~~بخطي وقد ورد في مثل هذا المجلس الحافل؟ ولم يعرف أحد من الحاضرين الخط، ~~وسلمه إلي أحمد بن يزيد المدير وقال له: إمض به إلى الديوان، وخذ خطوط ~~أصحاب المجالس وخلفائهم بما عندهم من العلم به، وجئني بنسخته إذا وجدتها من ~~مواضعها. # PageV01P220 # قال: وسبق الخبر إلى الكتاب، وقد كان الرجل صاحب البيدر برهم بجملة حتى ~~أثبتوه عندهم، فما منهم إلا من قطعه وأخرجه من شك الورق، ورمى به في ~~المستراح، أو أعطاه غلامه حتى أخرجه من الديوان وخبأه في خفه أو تحت الأرض. ~~ولما دار عليهم ابن يزيد أنكروا وجحدوا ما فيه من علاماتهم وخطوطهم فأخذ ~~خطوطهم على ظهر الكتاب بما ذكروه، وجاء به إلى أبي العباس. ونحن في تلك ~~الحال إذ جاءت إليه رقعة من متنصح يذكر فيها اسم الرجل الذي كتب الكتاب ~~وموضع منزله، فدعا أبو العباس العباس الفرغاني حاجبه، وأمره بكبس الدار ~~وطلب الرجل، فإن وجده أحضره وإن لم يجده أنهب كل ما فيها. فمضى ومعه ثلاثون ~~راجلا فكبس الدار، ولم يظفر بالرجل، فنهب الرجالة والأتباع ما كان فيها، ~~وعرف الرجل الخبر فاستتر مدة، ثم خرج إلى الموصل هاربا، ولم يزل مقيما بها ~~إلى أن مات أبو العباس، فحمدت الله وشكرته على ما ms172 وفقني له، وخلصني منه، ~~وعلمت أنه لا شيء أنفع من الصحة ولا أجل من الأمانة. # قال أبو القاسم: وحدثني أبي قال: كان أبو العباس بن الفرات يميل إلى أبي ~~خازم القاضي ويكرمه ويقبل عليه إذا حضر عنده، ويتحدث معه، وكان أبو خازم ~~أديبا وحافظا، فحضر يوما عند أبي العباس، وجرى الحديث بينهما، إلى أن أنشده ~~أبو خازم: # أأنت الذي أخبرت أنك ظاعن ... غداة غد أو رائح لهجير # وقلت يسير نصف شهر أغيبه ... وما نصف يوم غيبة بيسير # قال له أبو العباس: أتحفظ في هذا الشعر غير ما أنشدته؟ قال: لا. قال: بلى # PageV01P221 # أنشدنا أبو محلم قال: أنشدنا الأصمعي لبعض العرب: # وما أنس ملأشياء لا أنس موقفا ... لنا ولها بالصفح سفح ثبير # ولا قولها يوما وقد بل جيبها ... سوابق دمع للفراق غزير # أأنت الذي أخبرت أنك ظاعن ... غداة غد أو رائح لهجير # وقلت يسير نصف شهر أغيبه ... وما نصف شهر غيبة بيسير # قال: فقلت له: ألا قال نصف لحظة، نصف ساعة. قال: إن العرب تتهالك في ~~أشعارها أحيانا، وتترك أحيانا فيه نفسا. فعجب أبو حازم من حفظه وزيادته على ~~ما كان عنده، وطلب الدواة وكتب الحكاية والزيادة عنه وقال له: ما جئناك ~~بفائدة إلا وانصرفنا من عندك بفوائد. # وحكى أبو القاسم عن أبيه قال: كان أبو العباس بن الفرات أذكر الناس ~~وأحفظهم لما يمر به من قليل وكثير، فقال لي يوما. ما اشتهيت أن أحفظ شيئا ~~قط إلا حفظته. وما آسي من عمري إلا على ثلاث سنين أفنيتها في علم إقليدس، ~~فكيف لم أفنها في الفقه؟ قال: وكان أعلم الناس بالفقة على سائر المذاهب. ~~وقال أبو القاسم: تأخرت أرزاق الكتاب في وزارة حامد بن العباس ونظر علي بن ~~عيسى تأخرا طويلا. فلما تقلد أبو الحسن بن الفرات الوزارة الثالثة، وعرف ~~ذلك، أنكره، وعجب من استمراره، وأنفذ المستحثين إلى العمال للمطالبة به، ~~فقبضوا في مدة عشرة أشهر جاري أربعة عشر شهرا، وكان شديد التعصب لهم، ~~والعناية بأمرهم. ولقد سمعته يوما وقد خاطبه ms173 مخاطب على أن يجعل جاري بعض ~~الكتاب # PageV01P222 # لكاتب في ناحيته، وهو يقول: قطع الله رزقي يوم أقطع رزق كاتب. ووقع للذي ~~سئل في أمره بجار مستأنف. وقال أبو القاسم: سمعت أبا الحسن بن الفرات يقول ~~في وزارته الثالثة، وقد ذكر حال السواد وجلالته: إن الإحسان إلى الرعية ~~يزيد في ارتفاعه، ولولا خوفي من أن يجلس في هذا المجلس من لا يعرف غرضي ~~فيما أفعل، ويجعله تسوقا علي عند من لا يفهم، لنقصت المزارعين ثلاثة أقفزة ~~في كل كر من مقاسمة الإستان التام، ثم كان ينظر بعد ذلك كم يزيد في ~~الارتفاع بهذه المسامحة. وحكى أبو القاسم قال: كان أبو الحسن بن الفرات ~~يطلق للشعراء في كل سنة من سني وزارته عشرين ألف درهم رسما لهم سوى ما ~~يصلهم به متفرقا وعند مديحهم إياه. فلما كان في وزارته الأخيرة تذكر طلاب ~~الحديث وقال: لعل الواحد منهم يبخل على نفسه بدانق ودونه، ويصرف ذلك في ثمن ~~ورق وحبر، وأنا أحق بمراعاتهم ومعاونتهم على أمرهم. وأطلق لهم من خزانته ~~عشرين ألف درهم. قال أبو القاسم: وكان في جهتي رجل يعرف بأبي بكر محمد بن ~~إبراهيم البرني فأخذت له منها ثلاثمائة درهم، وأخذت لأبي سعيد الحسن بن علي ~~العدوى خمسمائة درهم؛ وكان جاري وقد سمعت منه سماعا كثيرة. وأخذت لأبي ~~العباس أحمد بن عبد الله بن عمار لأنه كان يجيئني ويقيم عندي وسمعت منه ~~أخبار المبيضة # PageV01P223 # ومقتل حجر وكتب صفين وكتاب الجمل وأخبار المقدمي وأخبار سليمان بن أبي ~~شيخ وغير ذلك خمسمائة درهم. وتم لي أخذ هذه الدراهم لمن أخذتها له وهم ~~محدثون لا من طلاب الحديث بفضل الجاه يومئذ. # وقال أبو القاسم: كان أبو الحسن بن الفرات قد تقدم إلى والدي أبي عبد ~~الله بأن يستأمره في كل توقيع يرد عليه، فكان يفعل ذلك، وحضره في بعض ~~الأيام رجل بتوقيع في آخر رقعة قد كتبها يشكو فيها حاله، ويسأل إجمال النظر ~~في أمره بإجراء خمسة عشر دينارا في كل شهر وتسبيبها على بعض ms174 الجهات، فلما ~~قرأه عرفه ما أمر به الوزير من استئذانه في كل توقيع يرد، وسأله عما يحبه ~~في ترقيعة: من رده عليه لأنه كان قد استراب به أو عرضه والاستئمار فيه. ~~فآثر الاستئمار، وأعلمه أنه يفعل ذلك في يومه، وأنه يجب أن يعود إليه في ~~غده ليعرفه ما يكون منه فيه. وعرض والدي التوقيع على أبي الحسن، فلما قرأه ~~أنكره وعرفه أنه مزور، وتقدم إليه بإحضار الرجل الذي أوصله إليه ليضربه ~~بالسوط، ويشهره على جمل ويخلده الحبس، ويجعله أدبا وعظة لغيره ممن يحدث ~~نفسه بمثل هذا الفعل، وأكد القول عليه. وحضر الرجل من غد متعرفا لما جرى في ~~أمر التوقيع، فأشار عليه والدي بالإنصراف والإمساك وألا يعيد قولا في ذلك. ~~فامتنع امتناعا دعاه إلى أن شرح له الصورة، وأشعره بغلظ القصة وقال له: أنا ~~أخالف الوزير فيما أمرني به، وأعرفه متى سألني عنك أنك لم تعد إلي. فذكر أن ~~توقيعه صحيح، وأنه لا يبالي بالحضور والوصول إلى حضرة الوزير، ولا يدع عند ~~ذلك إقامة حجته وإبراء ساحته. فراجعه وحذره إشفاقا عليه؛ وهو مقيم على ~~أمره. ثم قال: فأتقدمك إلى الدار. قلت: الاختيار إليك. فانصرف. # قال أبو عبد الله: وتشاغلت بالنظر في حوائج من كان عندي من أسباب # PageV01P224 # المقتدر بالله رحمه الله وغيرهم. فلما فرغت ركبت، ووجدته قد سبقني، ودخلت ~~إلى أبي الحسن بن الفرات فقال لي: أين الرجل صاحب التوقيع؟ فقلت: ها هو ~~حاضر. فأمر بإيصاله إليه. فلما رآه انتهره وزبره وقال له: تقدم على ~~التزوير؟ وتقدم بحمله إلى صاحب الشرطة ليعاقبه ويشهره، ثم سأله عن نسبه، ~~فأعلمه أنه ابن عم العباس بن الحسن. فلما ذكر ذلك له سكن غضبه، وأقبل عليه ~~فتعرف منه خبر واحد واحد من أهله، ووصف له حالهم. فقال له: ما الذي حملك ~~على ما فعلته؟ فقال كتابك الذين بحضرتك، لأني قصدتهم وسألتهم إيصال رقعة لي ~~إليك أستعطف بها رأيك، وأستدعي فيها إحسانك، فما منهم من فعل، وأحوجني ~~فعلهم إلى أن جعلت هذا التوقيع سببا للوصول ms175 إلى مجلسك، وشكوى حالي إليك. ~~فأخذ التوقيع ووقع تحته بإمضائه، ورسم لي مراعاته فيه حتى يسبب له على حيث ~~يروج منه. ثم دعا أبا العباس أحمد بن مروان وكيله في داره، وتقدم إليه بأن ~~يطلق له عاجلا ثلاثة آلاف درهم يصرفها في مؤونته، وأن يقيم له في كل شهر ~~خمسة عشر دينارا من ماله سوى الجاري السلطاني الذي أمرنا بإجرائه له. فلما ~~خرج إلي قال لي: أيما كان أعرف الوزير، أنا أو أنت؟ وعجب الناس من كرم ابن ~~الفرات ورعايته لأهل البيوتات وذوي النعم والأقدار. # قال أبو القاسم: وحدثني أبي قال: كان أبو القاسم عبيد الله بن سليمان قد ~~قلد أبا عبد الله جعفر بن محمد بن الفرات أعمال بهرسير والرومقان وإيغار ~~يقطين وما يجري مع ذلك. وكان لأبي عبد الله محمد بن غالب الأصبهاني هناك ~~مقاطعة، وتتبعها جعفر بن محمد فوجد فيها فضلا كثيرا حمله على أن وكل ~~بغلاتها إلى أن # PageV01P225 # يرد عليه الكتاب بالإفراج عنها أو غير ذلك. وشق ما كان منه على محمد ابن ~~غالب، وكتب إلى عبيد الله بن سليمان رقعة في هذا المعنى، وأورد في آخرها ~~أبيات شعر فيها: # أيظلمني عامل البهرسير ... ويركب مني صعب الأمور # ويبطل من سنتي ما جرى ... ويضغمني ضغم ذئب عقور # وأوصلها من يده إلى عبيد الله، وكان أبو العباس أحمد بن محمد بن الفرات ~~حاضرا، فأعطاه عبيد الله الرقعة وقال لمحمد بن غالب: الأمر إلى أبي العباس ~~في الإمضاء أو الفسخ. فقال أبو العباس: فإني قد أمضيت. وأخذ القلم من ~~الدواة ووقع بإمضاء المقاطعة، والإفراج عن الغلة. فكان محمد بن غالب يشكره ~~على ذلك بعد عيبه عليه مما جرى في أيام أبي الصقر إسماعيل بن بلبل. # وحدث أبو القاسم قال: اجتمع كتاب أبي الحسن بن الفرات يوما بحضرته، وذلك ~~في وزارته الأخيرة، فذكر كل واحد منهم ما لحقه من الشدائد في استتاره، ~~فحدثه أبو عمرو سعيد بن الفرخان النصراني انه كان في موضع وأراد الانتقال ~~عنه، فخرج قبل طلوع الفجر، ms176 فلما توسط الطريق تبعه إنسان لا يعرفه. وأخذ في ~~غير الوجه الذي أراده، وتبعه، وخرج منه إلى غيره، وهو يمشي معه. قال أبو ~~عمرو: فلما كاد الصبح يسفر وقفت وقلت: أنا رجل خائف، وأريد أن أقصد موضعا ~~أستتر فيه، وقد قارب الوقت الذي قدرته أن يقرب باتباعك إياي. قال لي: قد ~~عرفتك، وما قصدت فيما فعلته إلا الجميل معك، ولو أردت الاستتار لكانت ~~معوضة، وهذا منزلي لك وبين يديك، وأسألك أن تعدل إليه وتعمل على المقام ~~فيه. فنظرت فإذا الوقت قد أزف، ولا يمكنني الوصول إلى الموضع الذي أردت ~~قصده إلا مع طلوع الشمس. فمضيت معه، وتقدمني واتبعته حتى وصل إلى منزله، # PageV01P226 # ودخل وأدخلني، فوجدت دارا طيبة، وفيها فرش نظيف، وأكرمني ومهد لي، وجلس ~~دوني وقال لي: اعلم جعلني الله فداك أني رجل مزين، وأرجع إلى سعة حال ولي ~~ثلاثون غلاما، لكل واحد منهم منزل مثل منزلي، فتقيم عندي ما أحببت، فمتى ~~ضاق صدرك وأحببت الانتقال نقلتك إلى منزل واحد واحد منهم، فأقمت فيه شهرا، ~~ولعل المدة في فرج الله عنك وبلوغك محابك أن تكون أقصر من ذلك، وبالعاجل قد ~~أفردت لك دارا، وأعددت فيها جميع ما تحتاج إليه، حتى لا تستعمل شيئا مما ~~نستعمله نحن، فربما لم تستنظفه. ونهض من عندي وغاب ساعة وقال: إذا شئت يا ~~سيدي. فقمت وأدخلني إلى دار متصلة بداره، قد فرشت بفرش نظيف، وجعل فيها ما ~~يحتاج إليه، من طست وإبريق وجرار وكيزان وقدور وغضائر وجامات وسكرجات ~~وصواني وأطباق وقناني وأقداح، وإذا جارية سوداء واقفة. فقال: تكون هذه بين ~~يديك متولية لخدمتك، وأنا صاحب خبرك، فإذا كان عشية انصرفت إليك بما أسمعه. ~~فشكرته وجزيته الخير. ومضى وطبخ لي ما أردت، واحضرت من الشراب ما طلبت، ~~وكان يجيئني في آخر كل نهار فيحدثني بما يعرفه فلم أزل على هذه الحال مدة ~~أربعة اشهر لا أعدم شيئا مما أريده. ثم ضاق صدري وأحببت الانتقال، فأشعرته ~~بذلك، فاختار لي واحدا من أصحابه ذكر تقدمه عنده وثقته، فأشار ms177 بالنقلة إلى ~~داره. فمضيت إليه معه، فكان منزله قريبا من منزل مولاه، وخدمني وما قصر في ~~معرفة حقي والقيام بما أريده، وأقمت عنده شهرا، # PageV01P227 # وأردت الانتقال، فعرفت المزين ذلك، فأشار بالرجوع إلى منزله، فرجعت ولم ~~تمض إلا أيام يسيرة حتى فرج الله عنا، وكشف وجوهنا بالوزير أدام الله ~~تأييده. # فقال له الوزير أبو الحسن بن الفرات: فأي شيء عملت في أمر هذا الرجل؟ ~~وبأي مكافأة كافأته على جميل فعله؟ قال: لا والله أيها الوزير ما عملت معه ~~قليلا ولا كثيرا. فقال له: بئس ما فعلت. فإنك قد فضحت المستترين، وضيقت ~~عليهم مذاهبتهم. والآن أنا أولى بقضاء الحق عنك منك. أنفذ إلى الرجل وجئني ~~به. قال ابن الفرخان: فقلت لكاون غلامي: امض إلى المزين الذي كنا مستترين ~~عنده فجيء به، وعرفه أن الوزير يريده. فمضى فلما بعد قال لي الوزير: أردده ~~وتقدم إليه بأن يورد عليه رسالة جميلة يسكن إليها، وأن يحضره على وفق ~~وإكرام قال: فرددته وأوصيته، ومضى الغلام، وتشاغل أبو الحسن بالنظر والعمل، ~~وتشاغلنا بالتوقيع والكتب. ثم جاء الغلام وعرف أبا عمرو بن الفرخان حضور ~~المزين، وعرف أبو عمرو الوزير ذلك. فقال: يدخل. وخرج الحاجب فأوصله إلى ~~المجلس، فوقف على بعد، فاستدناه وامتنع، فألح عليه فدنا، وأمره بالجلوس ~~فأبى أشد الإباء. ولم يزل به حتى جلس. ثم قال له: لم تتأخر مقابلة أبي عمرو ~~لك عن جميل ما أوليته إياه إلا لأنه خرج على حال مختلة، وذات يد قصيرة، ~~وأنا أتولى ذلك عنه، ولقد أحسنت بارك الله عليك وفعلت ما يفعله الأحرار. ~~فقام وقال: قد وصلت أيها الوزير إلى أعظم الجزاء بوصولي إلى هذا المجلس، ~~وسماعي لهذا الخطاب، وبلغت غاية أملي، ونهاية أمنيتي بذلك. وما بلغت ما كان ~~في نفسي من قضاء حقه وأشار إلى أبي عمرو فأمر أبو الحسن بإحضار أبي العباس ~~أحمد بن مروان وكيله، فحضر وأسر إليه شيئا لم نعلم ما هو، فخرج وأخذ المزين ~~معه، ثم عاد بعد ساعة وحدثه ما لم نسمعه، فأخرج رأسه ms178 من سراره وقال: أرأيتم ~~مثل ما نحن فيه مع هذا # PageV01P228 # المزين؟ تقدمت إلى ابن مروان بأن يدفع إليه خمسة آلاف درهم، فعرفني أنه ~~امتنع من قبولها؛ وذكر سعة حاله واستغناءه عنها. ورد إليه ابن مروان برسالة ~~في هذا المعنى، فمضى وعاد فذكر إقامته على الامتناع، فأمر الوزير أبا عمرو ~~بن الفرخان بأن يقوم إليه، ويلطف به ويرفق، ولا يدعه حتى يقبل ما أطلقه، ~~وقال: لعله استقل الخمسة آلاف درهم، فلتجعل خمسمائة دينار. فأحضره وألزمه ~~أخذها، وعرفه أنه إن امتنع من ذلك غضبت عليه وأنه يفسد ما قد حصل له في ~~نفسي. فقام أبو عمرو ساعة ثم عاد وقال ما زلت معه في مراوضة وملاطفة حتس ~~قبلها وانصرف شاكرا. فبقينا وبقي الناس زمانا يتعجبون من فعل المزين وكبر ~~نفسه. وكرم ابن الفرات وكافأته عن كاتبه. # قال أبو القاسم بن زنجي: كان أبو الحسن بن الفرات قد كاتب يوسف بن ديوداد ~~ابن أبي الساج في أمر الري، وطالبه بحمل ما وجب من مالها على أنها ضمان في ~~يده. فأجاب بأنه لم يضمن ضمانا يتعين عليه الخروج منه، ويسأل أبو الحسن عما ~~عنده في ذلك يعني علي بن عيسى وكان إذ ذاك مصروفا منكوبا في اعتقال أبي ~~الحسن ابن الفرات فسأله عن ذلك، فذكر أنه ضمنه الأعمال، وأن وثيقة الضمان ~~عند صاحب الديوان. وكان أبو القاسم سليمان بن الحسن بن مخلد يتقلد ديوان ~~المشرق، وهذه الناحية جارية فيه، فطولب بذلك، وأحال على أبي الفتح الفضل بن ~~جعفر بن محمد ابن الفرات وكان خليفته على الديوان. ورجع إليه فذكر أن ~~الوثيقة حملت إليه، ووقف عليها، وردها بعد أن حملها إلى صاحب الديوان. ~~واعتقل أبو الحسن بن الفرات الفضل ابن جعفر بهذا السبب، وجرت خطوب في هذا ~~المعنى، وذلك في سنة إحدى عشرة وثلاثمائة بعقب صرف حامد عن الوزارة وعلي بن ~~عيسى عن خلافته، # PageV01P229 # وأوجبت الصورة طلب ذلك في الخزانة المنقولة من دار علي بن عيسى إلى دار ~~أبي الحسن بن الفرات. # قال أبو القاسم: ms179 فأمرني أبو الحسن بأن أدخل الخزانة، وأقلب ما فيها من ~~الأعمال، وألتمس وثيقة الضمان، وفعلت، وكانت خزانة عظيمة في بيت يعرف ~~بالدمشقي في داره المعروفة بسليمان بن وهب في المخرم، والأعمال تكاد تبلغ ~~السقف. وكان يمر في عرض ما أفتش عنه نسخ ما كتبه علي بن عيسى إلى ذكا ~~الأعور، المقيم كان بمصر، ثم إلى تكين الخاصة المتقلد لها بعده وإلى الحسين ~~بن أحمد المادرائي ومحمد بن جعفر القرمطي ونجح وابن رسم وغير هؤلاء من ~~الولاة، فأقرأها وأجدها في نهاية الحسن. وربما أخذت بعضها وأجد في خلال ذلك ~~حزورا وكيولا وكتبا من المنفقين في العساكر بما توفر من أموال الرجال، وبما ~~وقفوا عليه من حال البدلاء والدخلاء لم يخرج إلى الدواوين، وأجمع ذلك وأخرج ~~ألى الوزير أبي الحسن إضبارة منه في كل يوم. فكان يعجب من علي بن عيسى ~~وتركه وإخراج هذه الأعمال إلى الدواوين ويطعن عليه بذلك ويقول: يا قوم، ~~سمعتم من يؤخر إخراج تقدير الغلات وحزرها وكيلها وكتب المنفقين بما توفر من ~~المال إلى الدواوين؟ لم لا يتناقل كبار الكتاب وأصاغرهم هذه الأعمال ~~ويثبتونها في مجالسهم ويقابلوا عليه ما عندهم؟ وأية حجة تكون لنا على ~~الأعمال والعمال أذا احتسبوا بمال الرجال على العبر من غير حطيطة؟ وكان ~~فيما أخرجته في بعض الأيام إليه عمل عمله عثمان بن سعيد المعروف بابن ~~الصيرفي صاحب ديوان الجيش لما يراد للجيش في مدة سنة، وقد أورد فيه حال ~~المماليك لخمسة أشهر، فحين وقف عليه جزاني الخير على إخراجه إليه، وذكر أن # PageV01P230 # نصرا القشوري طالبني بحضرة المقتدر بالله بإطلاق مال المماليك لستة أشهر، ~~وادعى أن على بن عيسى كان يطلق لهم على ذلك، وأن هذا العمل يبطل قوله سيما ~~وهو بخط ابن الصيرفي كاتبه وصاحب ديوانه. فأخذه معه، وانحدر إلى المقتدر ~~بالله، وواقف نصرا الحاجب عليه بحضرته، فوقع له بذلك من المقتدر أحسن موقع، ~~ولنصر أقبح موقع. قال أبو القاسم: وكان في هذه الخزانة كتب إلى علي بن عيسى ~~ممن كان يشخصه من ms180 القاسم بن دينار وأحمد بن محمد بن رستم وزيد بن إبراهيم ~~والحسين ابن أحمد المعروف بأبي زنبور المادرائي وأبي بكر محمد بن علي ~~المادرائي فيها، العجائب، ودفتر منسوب إلى الحلاج فيه آداب الوزارة، وغير ~~ذلك من رقاع المقتدر بالله ووالدته إليه ونسخ أجوبتها. # قال أبو القاسم: وكان أبو الحسن بن الفرات قد استظهر في أمر الموسم لسنة ~~إحدى عشرة وثلاثمائة استظهارا شديدا، لأنه أحب أن يجري أمره في أيامه على ~~أفضل ما جرى عليه فيما قبلها، وأطلق لأبي الهيجاء بن حمدان في وقت واحد ~~بإطلاق واحد مائة ألف دينار، وأخرج إلى أن نفذ في القافلة الثانية ما قدره ~~أبو بكر عثمان بن سعيد صاحب ديوان الجيش، وكذلك لمن صدر في القافلة ~~الثالثة، وكان أكثر من مائة ألف دينار. وأزاح العلة في ثمن جميع ما احتيج ~~إلى ابتياعه من الحضرة، وابتيع ذلك وحمل، وانتظم أمر القوافل، وتوجهت ~~بأجمعها # PageV01P231 # من الحضرة. واتصل بأبي الحسن بن الفرات أن القرامطة قد تحركوا للفساد ~~وهموا باعتراض الجيش، فكتب إلى أبي الهيجاء كتابا بخطي يعرفه ما بلغه، ~~ويوصيه ويحذره، ويأمره بالتيقظ والتحفظ وإذكاء العيون في جميع الطرق، ~~وأجابه من القصر جوابا أنفذ في درجه كتابا في جلد يضمن فيه المال والدم، ~~وقد أشهد فيه جماعة الشهود والوجوه والتناء في البلد. فلما قرأه أبو الحسن ~~سرته قوة نفسه، وضاق صدره من هذا الفعل الذي هو جار في سبيل البغي. وحدث في ~~تلك السنة ما حدث على الحاج مما زاد به القلق والانزعاج، وأنفذ نزار ابن ~~محمد وغيره من القواد لتلقيهم، وأطلق صدرا كبيرا من المال ابتاع به من ~~الحضرة القمص والسراويلات والعمائم والأردية والأرز ليدفع ذلك إلى من يحتاج ~~إليه، وحمل مالا واسعا ففرق على الناس بحسب أحوالهم وما يتحملون به إلى ~~منازلهم. # وحدث أبو القاسم قال: كان أبو العباس وأبو الحسن إبنا الفرات ينزلان في ~~أيام أبي الصقر إسماعيل بن بلبل في ربض حميد، وكان حد دارهما من الموضع ~~الموازي لسكة الحوض إلى درب أبي سورة، ms181 وهو حد الدار المعروفة بالعروض. ~~وعهدي بها وفيها بستان كبير كثير النخل والشجر، وبيت أحمر السقف والحيطان ~~يعرف ببيت الدم. ثم قبضت وبيعت مع أن أصلها وقف، وابتاعها جماعة وتنقل ~~الملك فيها من واحد إلى آخر. فمن ذلك الدار التي في الطرق وتوازي # PageV01P232 # سكة الحوض، فإنها حصلت لأبي الحسن محمد بن عبيد الله العلوي الكوفي، ثم ~~انتقلت إلى ورثته. ومن ذلك دور وحجر وغرف كثيرة تلي هذه الدار صارت لجماعة ~~من الناس، ومن ذلك دار كانت لعثمان بن الحسين ابن عبد العزيز الهاشمي، ~~ويليها دار لعلي بن عبد الرحمن المعروف بابن هانيء الكوفي، ثم دار كبيرة ~~واسعة ملكتها نزهة الملقمة. وهي تنتهي إلى آخر دور بني الفرات.. ولجعفر بن ~~قدامة في أبي الحسن بن الفرات: # يا بن الفرات ويا كري ... م الخيم محمود الفعال # ضيعت بعدك واطرح ... ت وبان للناس اختلالى # وتغيرت مذ غيرت ... أحوالك الأيام حالي # لهفا أبا حسن على ... أيامك الغر الخوالي # لهفا عليها إنها ... بليت بأحوال بوالي # لا يجوز في لهفا التنوين لأن تفجع المرزئة لهفاه فحذفت الهاء في الوصل ~~وبقيت الألف على سكونها. وله أيضا فيه: # لما خلوت من الفوا ... ئد والمنافع والصلات # وعدمت في الأعياد ما ... عودت من كل الجهات # وبقيت فيها حائرا ... كالسفر ضلوا في الفلاة # ناديت يا سقيا ويا ... رعيا لعصر ابن الفرات # PageV01P233 # ملك أشم مسود ... رطب الأنامل بالهبات # يعطي الرغيب ولا يمن ... ولا ينغص بالعدات # وله فيه أيضا: # لما غدوت وفي الحشا ... نار مضرمة تشب # والفكر والأحزان مش ... حون بها جسم وقلب # أنشدت ما قال ابن جه ... م وهو بالأشعار طب # أملقت بعدك يا علي ... ونالني ما لا أحب # وحدث أبو الحسن علي بن عبد العزيز بن حاجب النعمان قال: # كان الفضل بن الحسن الواسطي يتولى بيع غلات أبي العباس وأبي الحسن ابني ~~الفرات، وكانت عظيمة لكثرة ضياعهما وزيادة ارتفاعهما. فاتفق أن مات، فأقاما ~~مقامه عبد الوهاب بن أحمد بن ما شاء الله أحد غلمانه الرفاشين بين يديه، ~~وقدماه ورفعا منه ونوها ms182 باسمه، وأكسباه مالا جزيلا، فتأثلت به حاله وصرف ~~أبو الحسن عن وزارته الأولى. فخدم علي بن عيسى وباع غلاته. فلما عاد أبو ~~الحسن بن الفرات إلى الوزارة ثانيا لم يؤاخذه بخدمة علي بن عيسى، وأجراه ~~على رسمه في بيع غلاته، وخاطب أبا عمر القاضي في قبول شهادته وإظهار ~~عدالته. وقبض علي بن الفرات، وتقلد الوزارة حامد بن العباس، وخلفه علي بن ~~عيسى ورؤساء الناس، فلما صرف # PageV01P234 # حامد ووزر ابن الفرات الوزارة الثالثة قبض علي ابن ما شاء الله، فأنفذ ~~مفلح الأسود خادم المقتدر بالله وله القدم المتمكنة، والمنزلة المتقدمة، ~~والدالة القوية على ابن الفرات لقيامه بأمره عند عوده في هذا الوقت إى نظره ~~يسأله في بابه، وحضر كاتبه برسالته في معناه. فقال ابن الفرات: الأستاذ هو ~~الصاحب، وأمره الممتثل، وأنت أيها الرسول المأمون، لكنني أحضر ابن ما شاء ~~الله، وأقفه بين يديك على ما تسمعه، فإن أردت بعد ذلك أن تتخذه سلمته إليك ~~ولم أراجعك فيه. تم تقدم بإحضار ابن ما شاء الله، فحضر يرسف في قيوده، فأمر ~~بنزع الحديد عنه، فنزع من ورقته، ثم قال له: اجلس، فامتنع، فكرر عليه القول ~~فجلس. ثم أحلفه يمينا استوفاها عليه أن يسمع ما يقول له ويجيب بما عنده من ~~غير تقية، ولا تورية ولا مواربة، ومتى ذكر له ما فيه تزيد رده أو تعنت ~~دفعه، وناظره مناظرة النظير لنظيره من غير مراعاة لموضعه، ولا احتشام ~~لمكانه. فلما فرغ من ذلك قال له: ألم يكن الفضل ابن الحسن الواسطي بيعي ~~وبيع أبي العباس أخي، وله الحال والجاه والمنزلة والوجاهة بمعاملتنا وتولى ~~غلاتنا وكنت رفاشا بين يديه؟ قال: بلى. قال: فلما مات ألم نصطنعك ونقمك في ~~خدمتنا مقامه ونرتبك الترتيب الذي شاع ذكرك فيه؟ ومال الناس إلى معاملتك به ~~من أبي الحسن علي بن عيسى خصمنا وغيره من أصحاب السلطان حتى كثر مالك ~~وتريشت حالك؟ قال: بلى. قال: فلما سخط السلطان علي وانصرفت عما كنت أخدمه ~~فيه ألم تعدل إلى أبي الحسن علي بن ms183 عيسى وهو عدوى تعامله وتداخله؟ قال: ~~بلى. قال: ثم عدت إلى خدمة السلطان فهل # PageV01P235 # واخذتك بذلك أو نقمته عليك أو عدلت في خدمتي عنك؟ قال: لا. قال: فهل ~~استعنا بك في نكبة، أو حملناك من أمرنا كلفة، أو حملت إلينا قط مرعاة أو ~~ملاطفة أو فعلت لك مع أحد من أسبابنا في وقت استغناء أو حاجة؟ قال: لا. ~~قال: أفلم نرفع من قدرك وألزمنا أبا عمر القاضي قبول شهادتك حتى زدت على ~~الأماثل من نظرائك؟ قال: بلى. ثم قال له المحسن ابنه وكان حاضرا: أما جئتك ~~ليلة في سميرية ومعي خديجة بنت الفضل بن جعفر بن الفرات بنت عمي وزوجتي ~~وثلاثون بدرة عينا نقلتها على كتفي إلى المسجد المجاور لدارك بشارع ~~الماذيان وعلى قريب من سوق الطعام، وأجلست المرأة تحفظ البدر، وطرقت بابك ~~متخفيا، وعلي كنانة سوداء، وبيدي طبرزين، ودفعت الباب ففتحت لي جاريتك ~~وهجمت عليك وأنت وحرمك في صفة دارك فارتعت وقلت: من أنت؟ فلما تبينت وجهي ~~قلت: سيدنا الوزير؟ قلت: لست الوزير أنا سرور غلام خديجة بنت الفضل بن ~~جعفر، اخرج معي وأبعد من معك عنك. فخرجت. ونقلنا البدر إلى دارك، ومعها ~~زوجتي وقلت لك: هذه خديجة بنت عمي وزوجتي وهي طالق مني ثلاثا بتاتا إن كان ~~هذا المال لي أو لأبي، بل هو ملكها وإرثها عن أبيها، وهو وديعة لها عندك، ~~وأمانة في عنقك، لا تعط أحدا منه دينارا فما فوقه سواها. فقلت: نعم. وتسلمت ~~البدر؟ قال: نعم. قال: واعتذرت بما كان جرى فعذرتك وقلت لك: إنما اعتبرتك ~~واختبرتك؟ قال: نعم. فقال له أبو الحسن بن الفرات: أفلم نحضر الشهود عند ~~مصادرتنا وقد جمع الناس فحلفنا أنا والمحسن # PageV01P236 # ابني بالأيمان المغلظة السلطانية والمشتملة على العتاق والطلاق وصدقة ~~المال أنه لم يبق لنا موجود ولا مذخور ولا مودوع، وأقسمنا بعد القسم بالله ~~بحق رأس أمير المؤمنين على مثل ذلك، وأحللناه من دمنا إن كنا كاذبين؟ قال: ~~نعم. قال: أفلم تسمع اليمين وأنت تعلم أننا صادقان فيها بخروج ما ms184 عندك عما ~~نملكه مع ما قاله لك المحسن في أمره أنه لزوجته من دونه ودون # غيره، وأنه مال ورثته عن أبيها، ما استفادته منا؟ قال: نعم. قال: أفلم ~~تقم في ذلك المجلس مع علمك ما تعلم وقلت كذب، له عندي ثلاثون بدرة عينا ~~أودعنيها ابنه المحسن؟ ولو لم نبلغك ما بلغناك ونقدمك من منزلة الشهود إلى ~~ما قدمناك لما حضرت مثلك ذلك المجلس. ويا ليتك لما فعلت ما فعلت صدقت عن ~~باطن الأمر، فقد كان يسعك أن تعطي ما أعطيت وتسلم ما تسلمت بعد أن تذكر ما ~~جرى بين المحسن وبينك. فلما سمع كاتب مفلح من قول ابن الفرات لابن ما شاء ~~الله ما قال واعترافه له بجميع ذلك نهض وقال: أستودع الله الوزير. وانصرف، ~~وأمر الوزير برد ابن ما شاء الله إلى محبسه ثم قتله. وقال الناس: إن كان دم ~~لا يطالب الله به ابن الفرات فدم ابن ما شاء الله. وحدث القاضي أبو علي ~~التنوخي قال: حدثني أبو الحسن الأزرق التنوخي قال: حدثني بعض أصحابنا قال: ~~حدثني أبو علي بن مقلة قال: ه، وأنه مال ورثته عن أبيها، ما استفادته منا؟ ~~قال: نعم. قال: أفلم تقم في ذلك المجلس مع علمك ما تعلم وقلت كذب، له عندي ~~ثلاثون بدرة عينا أودعنيها ابنه المحسن؟ ولو لم نبلغك ما بلغناك ونقدمك من ~~منزلة الشهود إلى ما قدمناك لما حضرت مثلك ذلك المجلس. ويا ليتك لما فعلت ~~ما فعلت صدقت عن باطن الأمر، فقد كان يسعك أن تعطي ما أعطيت وتسلم ما تسلمت ~~بعد أن تذكر ما جرى بين المحسن وبينك. فلما سمع كاتب مفلح من قول ابن ~~الفرات لابن ما شاء الله ما قال واعترافه له بجميع ذلك نهض وقال: أستودع ~~الله الوزير. وانصرف، وأمر الوزير برد ابن ما شاء الله إلى محبسه ثم قتله. ~~وقال الناس: إن كان دم لا يطالب الله به ابن الفرات فدم ابن ما شاء الله. ~~وحدث القاضي أبو علي التنوخي قال: حدثني أبو الحسن ms185 الأزرق التنوخي قال: ~~حدثني بعض أصحابنا قال: حدثني أبو علي بن مقلة قال: كنت أكتب بين يدي أبي ~~الحسن بن الفرات قبل وزارته، فلما وزر قال لي في يوم نظره: أحضر ابن ~~الأكموش وعشرة أنفار من التجار وبع عليهم ثلاثين ألف كر من غلات السواد، ~~واستثن في كل كر بدينارين، وطالبهم بتعجيل مال الاستثناء في ثلاثة أيام. ~~ففعلت ذلك، وكتبت لهم بالتسليم، وأنسيت مطالعة الوزير لشغل قطعني. ثم عرفته ~~أياه. ثم استأذنته في تسليم المال إلى من يراه، فقال: # PageV01P237 # يا سبحان الله، أقدرت أنني استثنيت به لنفسي؟ لقد قبحت في هذا الظن، إنما ~~أردت أن أصلح حالك به وأبين صحبتك بمكانه، فخذه واصرفه فيما تحتاج إليه، ~~فقبلت يده ودعوت له، وانصرفت ألى منزلي وما أتمالك فرحا، فطالبتني نفسي منذ ~~حصل لي ما حصل من المال بمعالي الأمور وكبير المنازل. # وحدث القاضي أبو علي قال: حدثني أبو جعفر طلحة بن عبد الله قال: حدثني ~~أبو محمد الحسن بن محمد الصلحي قال: قال لنا أبو الحسن بن الفرات يوما وقد ~~جرى بحضرته أمر رجل قد أسرف في الظلم: الظلم إذا زاد رفع نفسه. وقال أحد ~~مشايخ الكتاب: سمعت أبا الحسن بن الفرات يملي على كاتب بحضرته إلى وكيل في ~~ضيعته: استكثر من غلة المقاسمة فإنها لنا دون الأكار، وتوسط في الشتوي فإنه ~~لنا وللأكار، وقلل الصيفي فإنه للأكار دوننا. # وحدث أبو الحسن محمد بن عبد الرحمن الروذباري قال: حدثني أبو بكر ابن فتح ~~الوراق قال: وقف علي أبو الحسن بن جعفر بن حفص الكاتب، وكان جماعة للكتب قد ~~قرأ وسمع، فقال لي: كنت يا أبا بكر في مجلس الوزير أبي القاسم يعني عبيد ~~الله بن سليمان فجرى ذكر الفيروزج فوصف أبو العباس ابن الفرات أجناسه بأحسن ~~وصف وأبلغ شرح، وخرج من ذلك إلى ذكر أصناف الأحجار ومعادنها وخواصها ~~وفضائلها، حتى استغرق المجلس، واشتمل عليه دون من كان فيه من الرؤساء ~~والعلماء، فمن أين علم ذلك؟ قلت: من كتاب هو عندك. قال: فما ms186 هو؟ قلت: كتاب ~~الأحجار، ولكن حفظ أبو العباس وأنسيت أنت. قال لي: أحب أن تجيئني لنخرجه. # وحدث أبو الحسن الروذباري قال: مر أبو العباس بن الفرات في طريق له # PageV01P238 # على أرجاء عبد الملك وقد عطش، فنظر إلى باب رحبة فيها دكان، عليه شيخ ~~كبير اللحية، نظيف البزة، له رواء وهيئة، يعرف بالمرى، فقال لأحد غلمانه: ~~استسق لنا من هذا الشيخ ماء. ففعل الغلام، وقام الشيخ مسرعا، فجاء بثلجية ~~نظيفة فيها ماء بارد، فشرب وانصرف أبو العباس إلى منزله، فلم ينزع خفه حتى ~~أنفذ من سأل عن خبره، فتعرف اختلال حاله، فأمر بحمل مائتي دينار إليه، ~~وأجري عليه في كل شهر عشرة دنانير برسم الكتاب، فما زال يقبضها حتى مات: ~~وحدث أبو بشر بن فرجويه في وزارة أبي الحسن بن الفرات الثانية قال: بينما ~~نحن في ليلة من الليالي الشتوية نعمل؛ إذ خرج إلينا من حضرة الوزير أبي ~~الحسن توقيع بخطه مع خادم من خدمه، وقد مضى من الليل قطعة، يقول فيه: خرجت ~~يا أبا بشر جعلت فداك لأهريق الماء، فوجدت ريحا قد هب، فوقفت حتى عرفتها، ~~وهي ريح إذا انشأت مرت على السكر الفلاني من أنهار الجامدة وأفسدته وقطعته، ~~فاكتب الساعة إلى وكيلنا بهذه الناحية، وإلى ابن المشرف المهندس في المسير ~~إلى الموضع ومراعاته، وإصلاح شيء إن كان اختل منه، وإعداد آلة عتيدة تكون ~~عنده، ووكد القول في ذلك غاية التأكيد، ولا تعتمد على حامد بن العباس فيه، ~~فإنه لا يهتم به. وقعد الخادم عندنا حتى كتبت الكتب. # ومن طريق أحاديث أبي الحسن بن الفرات في معرفته بالأمور ما حدث به أبو ~~علي الحسن بن حمدون، فإنه قال: كنت مع يوسف بن ديوداد بنواحي باب الأبواب، ~~وهو السد الذي كان أنوشروان عمله بين الخزر وأرض فارس، وطول # PageV01P239 # السور مسيرة يوم، وله مروحة في البحر طولها ستمائة ذراع، تمنع مراكب ~~الخزر من الدخول، والباب من حديد، والسور من حجارة مهندمة، في كل حجر ثقبان ~~فيهما عمودان من حديد، قد صب عليهما ms187 الرصاص، والمروحة التي في البحر على ~~هذا العمل. فاتفق أن سقطت هذه المروحة، ودفعت يوسف بن ديوداد الضرورة إلى ~~أن قصد الموضوع، ونزل عليه لإصلاحه، وجمع المهندسين وذوي الخبرة بالأعمال، ~~فقدروا له ستين ألف دينار تنفق على إعادة المروحة. وكتب إلى الوزير أبي ~~الحسن ابن الفرات يعرفه الخبر، ويعتذر إليه من تأخير المال الذي واقفه عله ~~بهذا الحادث الذي حدث في هذا الموضع، فوالله ما كان إلا مقدار مسافة الطريق ~~حتى ورد علينا كتاب ابن الفرات يقول فيه: فهمت كتابك أطال الله بقاءك بما ~~شرحته من حال المروحة الساقطة، وما قدر لها من المال للنفقة. وقد قرأنا في ~~الأخبار أن أنوشروان لإشفاقه على هذا الموضع أعد له ما يكفيه، فأحضر مشايخ ~~أهل البلد وذوي الأسنان العالية منهم، وسلهم هل سقطت المروحة قبل هذه ~~الدفعة؟ فإن كانت سقطت فقد استعملت الآلة فيها، وإن كانت لم تسقط فاطلب ~~الآلة وسل عنها فإنك تجدها، وعرفني ما يكون منك إن شاء الله. قال ابن ~~حمدون: فلما ورد الكتاب على يوسف أحضر المشايخ وسألهم عن ذلك، فلم يجد أحدا ~~يذكر أو يخبر أن هذه المروحة سقطت قبل هذه الدفعة، وسألهم عن الآلة وموضعها ~~فلم يكن فيهم من يعرف حديثها إلا رجل منهم فإنه قال: سمعت مشايخي يتذاكرون ~~خبرها، وأنها مدفونة على قرب من المروحة. فلم يزل يفتش عنها حتى وجدها ~~وأخرجها، فكانت كاملة من حجارة منحوتة منقوبة، وأعمدة من حديد مفروع منها، ~~ورصاص وسائر ما يحتاج إليه، فاستعملها، ولم يؤد من المال إلا قدر أجرة ~~الصناع. # PageV01P240 # وحضر أحد العمال بحضرة أبي الحسن بن الفرات. فلما ناظره على ما أراده لم ~~يذهب فيه ولم يجيء. فقال له: يا هذا، إن كنت تزوجت امرأتك على شرط أنك كاتب ~~فقد بانت منك وحرمت عليك، لأنك خلو من الصناعة منسلخ منها. ولما تقلد أبو ~~الحسن بن الفرات الوزارة قال أبو أحمد عبيد الله بن عبد الله بن طاهر: ما ~~افتقرت الوزارة إلى أحد قط مثل افتقارها إلى هذا الوزير ms188 المتقلد، على أنه ~~لم يتجدد عليه منها إلا الاسم، فأما أعمالها فما زالت دائرة عليه وعلى أبي ~~العباس أخيه. ولقد دخلت يوما إلى أبي القاسم عبيد الله بن سليمان وهما بين ~~يديه فرأيته يقف على الرقاع ثم يرمي بها إليهما، وينظر ما يقولان فيأمر به، ~~حتى ذكرت قول القائل: # خليفة مقتسم ... بين وصيف وبغا # يقول ما قالا له ... كما يقول الببغا # وقال خفيف السمرقندي: لما قام المعتضد بالله واستوزر عبيد الله بن سليمان ~~قال له: قد دفعت إلي ملكا مختلا، ودنيا خرابا، وأريد أن أعرف ارتفاع ~~النواحي لأجري النفقات والرواتب على موجب ذلك، فاعمل به عملا مشروحا، وأتني ~~به وعجله. فخاطب عبيد الله كتابه وأصحاب دواوينه على ذلك فوعدوه واستنظروه. ~~وكان أبو العباس وأبو الحسن ابنا الفرات محبوسين مصادرين، وعرفا ما التمسه ~~المعتضد بالله فبذلا القيام به والفراغ منه في ثلاثة أيام، ووفيا بذاك ~~وبلغا المراد منه. وعلم عبيد الله أن الخبر سيصل إلى المعتضد بالله فكلمه ~~فيهما واستأذنه في استخدامهما والاستعانة بهما. # وحكى أبو بكر الصولي قال: خاطب يحيى بن علي المنجم أبا الحسن بن الفرات ~~في أبي حاتم محمد بن حاتم المزنوي، وأنه يريد الخروج إلى بلده، ويخاف ~~التتبع # PageV01P241 # لأجل رزقه، وسأله أسقاط جاريه، والإذن له في الخروج الذي اعتزمه. فضحك ~~وقال: ما أوجبت له في الرزق فأقطعه، ولو كنت موجبا له لما رآني الله وأنا ~~أوقع بقطع رزق أحد، فإن شاء فليقم، وإن شاء فليخرج. ودفع أبو الحسن إسماعيل ~~القاضي إلى أبي الحسن بن الفرات رقعة ذكر فيها أن ضيعته الفلانية قطيعة، ~~وقد تأول عامل الناحية عليه وادعى انها إستان. فلما وقف عليها قال: هذه ~~الضيعة كانت في إقطاع زبيدة، وانتقلت إلى إسحاق بن إبراهيم المصعبي، وباعها ~~ابنه محمد، فاشتراها ابن فلان السي وتوفي فصارت لورثته فقال له أبو الحسن: ~~أنا اشتريتها من ابنه فلان. قال: فما فعلت حصة أخيه؟ قال: لولده، وهم ~~شركائي فيها. فوقع إلى العامل: هذه الناحية من القطائع القديمة، فأمضها على ~~رسمها ولا ms189 تعرض لها. فعجب الناس من حفظه ما حفظه. وحدث أبو الحسن أحمد بن ~~العباس بن الحسن قال: كنت بحضرة الوزير أبي أحمد والدي وعنده كتابه، وهو ~~يتصفح رقاعا بين يديه، فرمى واحدة إلى محمد بن داود، وكانت من صاحب الخبر. ~~فلما قرأها محمد اضطرب وقال: كذب كاتبها أيها الوزير. قال له وماذا يكون لو ~~صدق؟ ثم رمى بأخرى إلى أبي الحسن علي بن عيسى تتضمن ذكر ماله من الغلات ~~بسوق الطعام فتغير وجهه واربد لونه وقال: كذب كاتبها أيها الوزير والذي لي ~~في الأحراز هناك دون المبلغ المذكور. ورمى إلى محمد بن عبدون بثالثة فقرأها ~~وجحد ما فيها. ثم رمى رابعة إلى أبي الحسن بن الفرات فلما نظر فيها ضحك ~~وقال له: أنا أذكر ما عندي في معناها. وجلس إلى أن # PageV01P242 # تقوض المجلس ولم يبق عند أبي غيري، ثم قال له: قد كذب صاحب الخبر أيد ~~الله الوزير، فإن لي بسوق الطعام وعند الباعة أضعاف ما ذكره، فإن كان قوله ~~في غيري مثل قوله في فقد حابى وصانع وكذب ولم يصدق، وأنا مستغن عن جميع ما ~~أشرت إليه، ومستظهر على الزمان بأكثر منه، ولله الحمد والمنة. بلى، لي إلى ~~الوزير حاجة أسأله الإنعام على بيها. قال: ما هي؟ قال: لا أقولها إلا بعد ~~أن يشرط لي الإجابة إليها. قال قد شرطت وفعلت، قال: عندي خمسمائة ألف دينار ~~أنا في غناء عنها، فليأذن لي الوزير في أن ابني بها دارا لأبي الحسن، ~~وأبتاع له ما يحتاج إليه فيها واجعل ما يبقى من المال في خزانته، فإنه في ~~دار الوزير، وموضعه ومكانه يقتضيان إفراده بدار وأثاث وتجمل وحال. فقال لي ~~أبي: بل يزيدك الله يا أبا الحسن ويضاعف مالك وحالك ويريني لك في الشهر ~~الواحد ضعف ذلك ويجريه على يدي في قضاء حقك. فقال له نقص الوزير شرطي، ~~وأخلف وعدي، وما أقنع منه إلا بالوفاء. فجعل يشكره ويدافعه وأبو الحسن مقيم ~~على أمره وملح في سؤاله، ثم قام على رجليه وأخذ يضرع ms190 إليه ويكرر القول ~~عليه، حتى قال له: قد قبلتها فلتكن لي قبلك إلى أن أعرفك من بعد رأيي فيها. ~~فعند ذلك أمسك وانصرف. وأقبل أبي يقول لي بعد خروجه: ما أعلم أن الله تعالى ~~خلق مثل هذا الرجل في سعة نفسه، ولا مثل أولئك في ضيق نفوسهم وجحدهم القليل ~~مما نسب إليهم، واعتراف هذا بأضعاف ما ذكر أنه له، ثم بذله اياه هذا البذل ~~من نية خالصة صادقة. ثم أخذ أبي ينشد ويردد: # عزمت على إقامة ذي طلوح ... لأمر ما يسود من يسود # قال أبو الحسن: ودخل جدي ونحن في ذلك، فحدثه بما جرى، وقال له: قد # PageV01P243 # والله سرني ما شاهدته منه، وعلمت أنه ردء للملك ومفزع متى دعته إليه ~~حاجة. قال: وكان أبي ربما يمازحه ويقول له: ما خبر تلك الجارية؟ فيقول: ~~أكمل ما كانت، أفيأذن الوزير في حملها؟ فيقول لا بل تكون على حالها. وعرض ~~عليه في وزارته الثانية وقد جلس للمظالم رجل عمري رقعة تتضمن شكوى حاله ~~ورقتها، وأن عليه دينا قد ضاق ذرعه به، وعلى ظهرها توقيع أحد الوزراء بأن ~~يقضي دينه من مال الصدقات، فقال له: يا هذا، إن مال الصدقات لأقوام ~~بأعيانهم لا يتجاوزهم، ولقد رأيت المهتدي بالله رحمة الله عليه وقد جلس ~~للمظالم، وأمر في مال الصدقات بما جرى هذا المجرى، فقال له أهلها: ليس لك ~~يا أمير المؤمنين ذلك! فإن حملتنا على أمرنا وإلا حاكمنا إلى قضاتك ~~وفقهائك. فحاكمهم فخاصموه. وإن شئت أنت حاكمتك. فقال له العمري: لا حاجة لي ~~إلى المخاصمة. قال: الآن نعم أواسيك وأقضي دينك. وفعل، وكان مبلغه خمسمائة ~~دينار. # وحدث محمد بن داود بن الجراح قال: قال ابن أبي بدر وغيره: أنشدنا أبو ~~العباس أحمد بن محمد بن موسى بن الفرات لنفسه: # وعلمتني كيف الهوى فحملته ... وعلمكم صبري على ظلمكم ظلمي # وأعلم مالي عندكم فيردني ... هواي إلى جهل فاقصر عن علم # وله أيضا: # لا تلحني لست سامع الفند ... عدلت بي عن مناهج الرشد # إن كنت لم تصطبر لحادثة ms191 ... فالصبر في الحادثات من عددي # PageV01P244 # وقال أبو الحسن علي بن محمد بن الفرات في وزارته الثانية بحضرة أبي منصور ~~ابن جبير: تأملت ما صار إلى السلطان من مالي فوجدته عشرة آلاف ألف دينار ~~وما أخذت من الحسين بن عبد الله الجوهري فكان مثل ذلك. إلا أن فيما أخذ من ~~الجوهري متاعا وجوهرا. وللقاضي أبي جعفر أحمد بن إسحاق بن البهلول في أبي ~~الحسن بن الفرات في وزارته الثالثة: # قل لهذا الوزير قول محق ... بثه النصح أيما إبثاث # قد تقلدتها مرارا ثلاثا ... وطلاق البتات عند الثلاث # ووقع بيدي ثبت أخرج من ديوان المغرب في أيام الراضي بالله بما أخذه ~~المحسن ابن علي بن محمد بن الفرات من الخطوط ممن قبض عليه وصادره في أيام ~~وزارته الثالثة، نسختها: أحمد بن محمد بن إبراهيم البسطامي عن النصف ممن ~~بقي عليه من مصادرته في سنة ثلاثمائة، سبعة آلاف وثلثمائة دينار. # علي بن الحسن الباذبيني الكاتب عما تولاه بالموصل أحد عشر ألف دينار. أبو ~~الفضل محمد بن أحمد بن بسطام، خمسين ألف درهم. محمد بن عبد الله الشافعي ~~عما تصرف فيه لعلي بن عيسى، ثلاثين ألف دينار. محمد بن علي بن مقلة عما ~~تصرف فيه، ثمانين ألف دينار. محمد بن الحسن المعروف بأبي طاه. مائة ألف ~~دينار. الحسن ابن أبي عيسى الناقد عما ذكر أنه وديعة لعلي بن عيسى، ثلاثة ~~عشر ألف دينار. # PageV01P245 # ومن الحسن بن أبي عيسى صلحا عن نفسه، أربعة آلاف دينار. إبراهيم بن أحمد ~~المادرائي، عشرين ألف دينار. عبد الواحد بن عبيد الله بن عيسى عن بقية ~~مصادرة والده، ستة وثلاثين ألفا وثلاثمائة وثلاثين دينارا. أحمد بن يحيى بن ~~حاني الكاتب عن مصلحة وجبت، عشرة آلاف دينار. إبراهيم بن أحمد بن إدريس ~~الجهبذ عن صلحه، ستة آلاف دينار. محمد بن عبد السلام بن سهل عما عنده من ~~الوديعة لمحمد بن علي وإبراهيم بن أحمد المادرائي، أربعة آلاف دينار. عبد ~~الوهاب بن أحمد بن ما شاء الله عن صلحة، أربعين ألف دينار. علي ms192 بن حسن ~~الباذبيني صلحا عما تصرف فيه بالموصل، وقتل، مائتي ألف درهم. محمد بن عبد ~~الله بن الحارث عن صلحة، عشرة آلاف دينار. محمد بن أحمد بن حماد صلحا عما ~~تصرف فيه بأعمال الموصل وغيرها وقتل بعد أيام يسيرة، مائتين وخمسين ألف ~~دينار. إبراهيم بن أحمد المادرائي عن الباقي عليه من جملة خمسين ألف دينار، ~~خمسة عشر ألف دينار. أبو عمر محمد بن أحمد، بن الصباح الجرجرائي عن ضمانة ~~الباقي من مصادرة أبي ياسر إسحاق بن أحمد، مائة ألف درهم. أبو عمر بن ~~الصباح أيضا عن الباقي علي أبي العباس أحمد بن علي الجرجرائي المعروف ~~بقرقر، ثلاثة آلاف دينار. علي بن محمد الحواري، وقتل، سبعمائة ألف دينار # PageV01P246 # عبيد الله بن أحمد اليعقوبي، مائة ألف درهم هارون بن أحمد بن هارون ~~الهمذاني، سبعة آلاف دينار. الحسن بن إبراهيم الخرائطي صلحا عما اقتطعه من ~~مال الرئيس، مائة ألف درهم الحسين بن علي بن نصير أخو نصير بن علي، مائة ~~ألف درهم. عبد الله بن زيد بن إبراهيم، ألفين وخمسين دينارا. ومن عبد الله ~~بن زيد صلحا عن نفسه، خمسة عشر ألف دينار. علي بن محمد بن أحمد بن السمان ~~عن ورثة قرقر، ألفين وخمسمائة درهم. علي بن مأمون بن عبد الله الإسكافي ~~كاتب ابن الحواري، وقتل، ستين ألف دينار. أبو بكر أحمد بن القاسم الأزرق ~~الجرجاني عن ضياع علي بن عيسى، عشرة آلاف درهم. الحسين بن سعد القطربلي، ~~مائة وثلاثين ألف درهم. محمد بن أحمد بن ما سراد، ألف ألف وخمسمائة ألف ~~درهم. أبو الحسن محمد بن أحمد بن بسطام، ثلاثة آلاف ألف درهم. أحمد بن محمد ~~بن حامد بن العباس، خمسين ألف درهم. يحيى بن عبد الله بن إسحاق عما تصرف ~~فيه مع حامد، سبعين ألف دينار حامد بن العباس، وقتل، ألف ألف وثلاثمائة ألف ~~دينار محمد بن محمد بن حمدون الواسطي، مائة وخمسين ألف دينار. أبو الحسن ~~علي بن عيسى ثلاثمائة ألف واحدا وعشرين ألف دينار. # PageV01P247 # إبراهيم ين يوحنا جهبذ ms193 حامد بن العباس، مائة ألف دينار. أبو محمد الحسن ~~بن أحمد المادرائي، ألف ألف ومائتي ألف دينار ومنه أيضا بخط آخر، ألف ألف ~~دينار. أبو بكر محمد بن علي المادرائي، ألف ألف دينار وألف دينار وبخط آخر ~~أيضا، عشرة آلاف دينار. سليمان بن الحسن بن مخلد، مائة وثلاثين ألف درهم. ~~فذلك من العين سبعة آلاف ألف وخمسمائة ألف وخمسة وتسعين ألفا وستمائة ~~وثمانين دينارا ومن الورق خمسة آلاف ألف وثلاثمائة ألف درهم. قيمة الورق ~~عينا على التقريب ثلاثمائة وثمانين ألف دينار. ويكون الجميع من العين ~~ثمانية آلاف ألف دينار وأربعين ألف دينار. # وحدث أبو العباس أحمد بن محمد بن الفرات أن منجما أخبره أنه لم ينزل زحل ~~في برج السنبلة إلا حدثت حادثة، وقد جرت العادة بذلك على مضي الأوقات، ومن ~~ذلك أنه نزل هذا البرج سنة ثمان للهجرة فكان في تلك السنة فتح خيبر ومكة، ~~ونزل في سنة ثمان وثلاثين، فكانت حرب صفين بين علي عليه السلام وبين ~~معاوية، ونزل في سنة ثماين وستين وكان فيها حرب المختار وعبد الملك وقصة ~~عبد الله بن الزبير، ونزل في سنة ثمان وتسعين فمات سليمان بن عبد الملك # PageV01P248 # وانتقل الأمر إلى عمر بن عبد العزيز، ونزل في سنة ثمان وعشرين ومائة فظهر ~~أبو مسلم وجرت قصة مروان بن محمد. ونزل في سنة ثمان وخمسين ومائة فمات ~~المنصور ونزل في سنة ثمان وثمانين ومائة فأوقع الرشيد بالبرامكة. ونزل في ~~سنة ثمان عشرة ومائتين فتوفي المأمون. ونزل في سنة ثمان وأربعين ومائتين ~~فتوفي المنتصر وقتل المتوكل. ونزل في سنة ثمان وسبعين ومائتين فوتفي ~~الموفق. وحدث من الأمور ما حدث. # وحدث أبو عبد الله زنجي قال: لما توفي أبو العباس أحمد بن محمد بن الفرات ~~أحضر المكتفي بالله القاسم بن عبيد الله وسأله عنه، فعرفه وفاته وعزاه عنه، ~~واستأذنه فيمن يقلده الديوان مكانه، فأعلمه ما كان يسمعه من المعتضد بالله ~~أبيه في وصف بني الفرات وذكر كفايتهم، وأمر بإقرار أبي الحسن على دواوينه، ~~وسمع خفيف ms194 السمرقندي ذلك فأنفذ إلى أبي الحسن سرا فطالعه وهو جالس للعزاء ~~عن أبي العباس أخيه، وأعلمه أنه أمر يجب كتمانه إلى أن يظهر من غير جهته، ~~وأنفذ إليه القاسم أبا علي وأبا جعفر ابنيه معزيين له ولأبي محمد الفضل ~~وأبي الخطاب العباس وأبي جعفر محمد بني أبي العباس، وسار إليه وإليهم أبو ~~أحمد العباس بن الحسن وأبو الحسين ابن فراس، معزيين، ولم يبق أحد من القواد ~~والكتاب والقضاة وسائر الطبقات إلا فعل مثل ذلك. فحضر أبو الحسن بن الفرات ~~بعد انقضاء أيام العزاء الديوان، ونظر في الأعمال، وأمضى ما كان تأخر ~~إمضاؤه منها. وكان في نفس القاسم من أبي العباس وأبي الحسن ما لا يتمكن من ~~إظهاره في حياة أبي العباس، فلما توفي عاود محمد بن عبدون الوقيعة في أبي ~~الحسن، وأغرى القاسم به، وحمله مع علته على مطالبته بما كان أخرج عليه. ~~فأمر بإحضار الأعمال التي كانت عملت له، وجلس للنظر فيها، ومواقفه عليها في ~~يوم الثلاثاء قبل وفاته بثمانية أيام، وأقبل يناظر أبا الحسن # PageV01P249 # وهو وقيذ من علته ويشم الروائح الطيبة طلبا للتماسك في قوته. فلما زاد ما ~~يجده أشار عليه إسحاق بالإمساك لئلا يزيد احتداد طبعه، ودعا بماء ورد فرشه ~~على وجهه وانقضى المجلس. واشتغل القاسم بنفسه وتوفي في يوم الأربعاء لست ~~ليال خلون من ذي القعدة سنة إحدى وتسعين ومائتين بعد أن كاتب المكتفي ~~بالله، وعرفه اشتداد مرضه ويأسه من برئه، وأشار عليه بالتعويل في مكانه على ~~العباس بن الحسن كاتبه، ووصفه بما رغبه فيه به. وكانت فارس الداية على ~~عناية بأمره، لأن القاسم استكتبه لها فأحسن خدمتها، فأشارت على المكتفي ~~بالله وكان كثير القبول منها بالتعويل عليه، والتفويض إليه، ففعل. وخرج ~~المكتفي بالله إلى سر من رأي، ومعه العباس ابن الحسن، وهو معتقد للقبض علي ~~أبي الحسن بن الفرات هناك. فذكر أبو عبد الله زنجي أنه خرج متبعا لأبي ~~الحسن بن الفرات، فلقيه أبو القاسم ميمون ابن إبراهيم المادرائي منصرفا عن ~~وداعه، وسأله عن مقصده، ms195 فعرفه أنه لاحق بأبي الحسن ابن الفرات ليكون معه: ~~فأشار عليه بالعود إلى منزله وأوحى إليه بإشفاقه من حادث يحدث عليه. قال: ~~فقلت: لا يحسن التأخر عنه، وكفاية الله من دون ما يشفق منه وسار المكتفي ~~بالله والعباس بن الحسن وأبو الحسن بن الفرات، وأنا في الصحبة، ووصلنا إلى ~~الأحمدي وليس مع أبي الحسن من كتابه غيري وغير أبي منصور بن جبير. فلما كان ~~في بعض الأيام حضرت عنده على رسمي، وقدم الطعام، ودعاني إليه فامتنعت وقلت: ~~إنني صائم. وسألني عن سبب ذلك وألح، فعرفته أنني رأيت # PageV01P250 # في المنام أبا العباس أخاه وهو يقوله له: قل لأبي الحسن أخي: لست تغتم ~~بعد هذا اليوم. فسر بما حدثته به وقال: أنا أحق بالصوم. وأمر برفع المائدة ~~وجلسنا، فنحن في ذلك حتى وافاه خادم أسود مسرع قد علا وجهه الغبار، فدنا ~~منه وساره ثم انصرف. والتفت أبو الحسن إلي وقال: قد حقق الله رؤياك، هذا ~~رسول خفيف السمرقندي يعلمني عن خفيف أن أمير المؤمنين المكتفي بالله ركب في ~~هذا اليوم يتصيد ومعه العباس بن الحسن، وأنه قال له: إن جماعة من الكتاب قد ~~غلبوا على ضياع للسلطان، وعليهم من حقوق بيت المال ما يحتاج معه إلى القبض ~~عليهم وارتجاع ما حصل في أيديهم. وأذن له في تدبير أمرهم بما يراه، قال: ~~فلما انصرف دنوت من أمير المؤمنين وقلت له: إنما أراد العباس بما قاله لك ~~أبا الحسن بن الفرات، وأن المعتضد بالله كان يوثقه ويوثق أبا العباس أخاه، ~~ويعول عليهما في تدبير الأعمال وحفظ الأموال. فقال لي: إذا كان الأمر على ~~ذلك فبادر إلى العباس وتقدم إليه بألا يعرض لأبي الحسن بن الفرات ولا يغير ~~شيئا من أمره، ويعمل ما شاء في غيره. ففعلت وبادرت إليه بمن قال له هذا ~~لئلا يعجل إلى أمر من الأمور. فسجد أبو الحسن بن الفرات شكرا لله تعالى ~~وتصدق بصدقة كثيرة. وصحح يومئذ ثلاثين ألف دينار عند صاحب بيت المال وأخذ ~~خطه بقبضها، وصار إلى العباس ms196 فأعلمه أن الكلام # قد كثر والخوض قد طال في ذكره وذكر ما كان في يده من ضياعه وأملاكه وما ~~خدم به وكلاؤه من حقوق بيت المال مما لا تعرف حقيقة الدعاوي فيه، وأنه صحح ~~لبيت المال ثلاثين ألف دينار صلحا عن هذه القروف المشتبهة، وحسما لمادة ~~الأقوال المختلفة، وتخفيفا عن قلب الوزير والإهتمام بأمره، وسلم إليه الخط ~~بالقبض. فأظهر العباس إنكارا لفعله وقال له: عجلت إلى ما وجب أن تتوقف عنه، ~~وتعرفني ذلك وعزمك فيه. وأورد جميلا كثيرا فيما خاطبه به. ولما لم يجد ~~العباس طريقا إلى ما هم به في أبي الحسن بن الفرات عدل إلى الإقبال عليه ~~والتفويض إليه. وعاد المكتفي بالله من سفره بعد أن ضاقت صدور أصحابه ~~وندمائه من طول مقامه وشدة البرد الذي يلاقونه والقشف الذي يقاسونه، وقال ~~يحيي بن علي المنجم أحد جلسائه: قد كثر والخوض قد طال في ذكره وذكر ما كان ~~في يده من ضياعه وأملاكه وما خدم به وكلاؤه من حقوق بيت المال مما لا تعرف ~~حقيقة الدعاوي فيه، وأنه صحح لبيت المال ثلاثين ألف دينار صلحا عن هذه ~~القروف المشتبهة، وحسما لمادة الأقوال المختلفة، وتخفيفا عن قلب # PageV01P251 # الوزير والإهتمام بأمره، وسلم إليه الخط بالقبض. فأظهر العباس إنكارا ~~لفعله وقال له: عجلت إلى ما وجب أن تتوقف عنه، وتعرفني ذلك وعزمك فيه. ~~وأورد جميلا كثيرا فيما خاطبه به. ولما لم يجد العباس طريقا إلى ما هم به ~~في أبي الحسن بن الفرات عدل إلى الإقبال عليه والتفويض إليه. وعاد المكتفي ~~بالله من سفره بعد أن ضاقت صدور أصحابه وندمائه من طول مقامه وشدة البرد ~~الذي يلاقونه والقشف الذي يقاسونه، وقال يحيي بن علي المنجم أحد جلسائه: # قالوا لنا إن في القاطول مشتانا ... ونحن نأمل صنع الله مولانا # والناس يأتمرون الرأي بينهم ... والله في كل يوم محدث شانا # وغني للمكتفي بذلك، فسأل عن قائله فقيل: يحيى بن علي المنجم. فأمر ~~بالرحيل إلى بغداد وشكر الناس يحيى بن علي على شعره. ولما حصل ms197 العباس بن ~~الحسن بالحضرة وعاود محمد بن داود ومحمد بن عبدون وعلي بن عيسى الوقيعة في ~~أبي الحسن بن الفرات والاغراء به، والإطماع فيه، والكلام على حاله. # قال أبو عبد الله زنجي: وحضرت مع أبي الحسن في دار العباس، فوجدناه جالسا ~~مجلسه، والجماعة المذكورون بين يديه، إذ نهض وأقام الكتاب على انتظاره، ~~وخرج كاتبه فاستدعى أبا الحسن، فدخل إليه، ولم يشك الحاضرون أنه يقبض عليه. ~~وقال أبو عبد الله: واشتد إشفاقي، وزاد خوفي، وتأخر عنده طويلا. والقوم ~~متشوقون إلى علم ما جرى في أمره. ثم خرج العباس وأبو الحسن معه، وقعد # PageV01P252 # وأقعده عن يمينه، وأقبل عليه بوجهه، وزاد في تقريبه وبسطه، ونظر بعض ~~الجماعة إلى بعض واجمين بما يشاهدونه، ومتعجبين من انعكاس ما كانوا ~~يقدرونه. ثم نهض أبو الحسن منصرفا إلى داره، وصحبته، ووصل فما استقر به ~~مجلسه حتى سألته عن خبره، وما جرى عليه أمره مع العباس، فقال: دعاني ودخلت ~~إلى حجرة ما دخلت إليها من قبل، فوجدته جالسا خاليا بنفسه وبعض حواشيع، ~~فتقدم إلى الحاجب بإخراج كل من يقرب من موضعه، والجلوس على الباب، ومنع كل ~~من رام الدخول، وانفردنا جميعا وبدأ يذكر ما يعتقده في من الجميل، وما هو ~~عليه من المحاماة عني، وأنه قد حمل في أمري على أشياء فوقف عنها مراعاة ~~لحقي. ثم قال: إن كان في نفسك من هذا الأمر يعني الوزارة شيء سلمتها إليك ~~وخليت عنها لك، على أن تحرسني في نفسي ومالي وحرمي وولدي. فأعلمته أنني ~~أحسن حالا منه مع الأثقال التي عليه، وأنني أرجع من المال والنعمة والأملاك ~~والضيعة والجاه والقدرة إلى ما أستغني به عن زيادة. وراجعني مراجعة بعد ~~مراجعة. فلما رآني مقيما على على حال واحدة قال. فإذا كان ذلك كذلك فأنا ~~أتصور أن الأمر من بعدي صائر إليك، وأوصيك بولدي وحرمي، فقلت: بل يبقيك ~~الله ويطيل عمرك ولا يخلي مكانك منك، ولا يريني سوءا ولا محذورا فيك. فلم ~~يقنع إلا بأن استحلفني ثم مد يده إلي وعانقني وقال: ms198 أمرنا الآن واحد، ويدنا ~~واحدة، فلا تلتفت إلى هؤلاء الكتاب وأقوالهم، ولا تفكر في كلامهم ~~وتشنيعاتهم، وثق بما لك عندي من مزية المراعاة وزيادة المحاماة. فشكرته ~~ودعوت له وأعلمته قوة نفسي الآن به، وخرجنا. فكان ما رأيت من فعله. قال أبو ~~عبد الله: فسررت كل سرور بما حدثنيه. ثم رد العباس بعقب ذلك إلى أبي الحسن ~~الزمام على علي بن عيسى. وأعفاه من ديوان الجيش، وقد كان سأل القاسم ابن ~~عبيد الله إعفاءه منه لم يفعل. # PageV01P253 # وقيل إن أبا الحسن تصدق عنه إعفائه بعشرة آلاف درهم. ولما قتل العباس بن ~~الحسن ووزر أبو الحسن بن الفرات قبض على أولاد العباس في جملة من قبض عليه. ~~وأدخلت اليد في جميع أملاكهم فحدث أبو عبد الله زنجي قال: التمس أبو الحسن ~~بن العباس بن الحسن لقاء أبي الحسن بن الفرات فمنع منه، فألح في ذلك إلحاحا ~~طولع به أبو الحسن فأمر بإحضارهن فحضر وقال له: احفظ فينا أيها الوزير وصية ~~أبينا لك وما أخذه لنا من عهدك. قال: ومتى كان ذلك؟ قال: في اليوم الذي ~~خلوت فيه معه في الحجرة، وصرف كل من كان بين يديه وقريبا منه، وكان من ~~حديثكما فيما تفاوضتماه كذا وكذا. قال له: ومن أين عرفت ذاك ولم يكن معنا ~~ثالث؟ قال: كنت في الرواق خلف الباب، وسمعت ما جرى بينكما كله. قال: صدقت ~~وقد كنت أنسيت ذلك. ثم أمر بإطلاقه وإطلاق إخوته والإفراج عن أملاكهم التي ~~تخصهم. ثم قلدهم بعد ذلك الدواوين. # وحدث أبو عبد الله زنجي قال: حضرت مع أبي الحسن بن الفرات مجلس أبي أحمد ~~العباس بن الحسن وهو وزير، وبين يديه الأعمال ينظر فيها، إذ مر به كتاب من ~~الحسن بن محمد القصري المعروف بابن زياد وإليه الصدقات بقصر ابن هبيرة ~~جوابا عما كوتب به من حمل ما اجتمع عنده من مالها. فلما نشره قرأ في العطف ~~الذي وراءه: ضربت وجهك يا عباس فلا حول ولا قوة إلا بالله. فاستشاط غضبا ~~واختلط غيظا وقال: ms199 من ابن زياد الكلب حتى يلقاني بما لقي، ويستعمل من ~~الجرأة واطراح المراقبة ما استعمل؟! ودفع الكتاب إلى أبي الحسن بن الفرات ~~وقال له أنفذ إليه من يسحبه إلى الحضرة على وجهه، ويعامله من المكروه بما ~~استدعاه لنفسه، وإذا ورد لم يبرح من الديوان إلا بعد الخروج مما عليه. وقام ~~أبو الحسن ومضى إلى ديوانه وتصفح ما قدم إليه من الكتب، فقرأه، ولحظ في طي ~~عنوانه # PageV01P254 # ضربت وجهك يا علي بن محمد بلا حول ولا قوة إلا بالله. فاغتاظ أبو الحسن ~~مثل غيظ العباس وأكثر، وأمر بإنفاذ من يجره من القصر إلى الحضرة ثم قال: ~~لا، ولكن التمسوا ثلاثة أنفس من المستحثين الغلاظ والفظاظ وأنفذوهم إليه ~~وواقفوهم على ألا يفارقوه إلا بعد تصحيح ما عليه، وأوجبوا لكل واحد منهم في ~~اليوم دينارين يأخذونها منه. قال أبو عبد الله بن زنجي: والتفت إلي وقال: ~~اكتب لهم منشورا ينفذون به، وندب من يخرج، وكتبت المنشور، وحمل إلى حضرته ~~مع غيره مما كنت كتبته، فأول ما وقع بيده المنضور، فأخذه وقرأه وعزله إلى ~~جانبه وأقبل يقرأ ما سواه إلى أن استغرق قراءة الجميع. ثم قال لي وأنا جالس ~~بين يديه: قد والله يا أبا عبد الله ضرب ابن زياد وجهنا بشيء لا نقدر معه ~~على أن نسيء به، خرق المنشور وأضرب عن إنفاذ المستحثين، واكتب إليه أن يعجل ~~حمل ما عليه ولا يحوج إلى إنفاذ من يقيم عنده ويثقل عليه مؤونته. ففعلت ~~ذلك، ومضى الأمر عليه، ولم يعد من العباس فيه قول. ووجدت نسخة ما كتب به ~~أبو الحسن بن الفرات عن نفسه إلى ولاة البلاد عند تقلده الوزارة وزوال فتنة ~~عبد الله بن المعتز فكانت: # نعم الله عند أمير المؤمنين أطال الله بقاءه تتجدد في سائر أوقاته، ~~وتتوكد في جميع حالاته، فليس يخلو منها قاهرة لأعدائه وناصرة لأوليائه، ~~والله سبحانه وتعالى يعينه على أداء حقها والقيام بشكرها، إنه ذو فضل عظيم. ~~وكان جماعة من جلة الكتاب والقواد ووجوه الغلمان والأجناد حسدوا أبا ms200 أحمد ~~العباس ابن الحسن رحمة الله على محله ومنزلته، وما قام به لأمير المؤمنين ~~أيده الله من عقد بيعته، فسعوا في إتلاف مهته، وإزالة نعمته، وتوصل إليهم ~~عبد الله ابن المعتز بمكره وخديعته، فأوحشهم من أمير المؤمنين أطال الله ~~بقاءه وشيعته، وحسن لهم الخروج عن طاعته، فنكثوا ومرقوا، وغدروا وفسقوا، ~~وشهروا سيوف # PageV01P255 # الفتنة، وأضرموا نيرانها، وأظهروا أعلامها. وتفرد الحسين بن حمدان بأبي ~~أحمد فقتله، وثنى بفاتك المعتضدي فأتلفه، وقصد المارقون دار الخلافة، ~~ووصلوا إلى جدرانها، وحرقوا عدة من أبوابها، ووفق الله الغلمان الحجرية ~~والخدم والأولياء المصافية لمنازلتهم ومحاربتهم، فانصرفوا مفلولين. ~~واجتمعوا إلى عبد الله فعاقدوه وبايعوه، وتسمى بالخلافة في ليلته، ووازره ~~محمد بن داود بن الجراح على ضلالته، وصحبهم من غلمان أمير المؤمنين أدام ~~الله تمكينه وخاصته وذوي البأس من رعيته من حسن دينه، وخلص يقينه، فتحصنوا ~~بالإبعاد في الهرب لما خافوه من شدة الطلب، وأسر جماعة من أصحاب عبد الله ~~بن المعتز وكتابه، منهم: يمن الكبير ووصيف بن صوارتكين وخطارمش وعلى الليثي ~~ومحمد الرقاص وسرخاب الخادم، وأبناء دميانة ومحمد بن عبدون وعلي بن عيسى بن ~~داود ابن الجراح ومحمد بن سعيد الأزرق والمعروف بأبي المثنى، ومحمد بن يوسف ~~المكني أبا عمر، وحملوا إلى دار أمير المؤمنين، وحصلوا في أعظم البؤس، ~~وأضيق الحبوس. ولما خمدت النائرة، وسكنت الثائرة، استدعاني أمير المؤمنين ~~أطال الله بقاءه وأوصلني سائر دواوينه مع وزارته، وخلع علي خلعا ألبسني بها ~~جلالا وقدرا، وجمالا وفخرا، وعدت إلى داري مغمورا بإحسانه، مثقلا بأياديه ~~وامتنانه، وأسأل الله معونتي على طاعته، وتبليغي غاية رضاه وإرادته بمنه ~~ورحمته. وقد أوبقت عبد الله # PageV01P256 # ابن المعتز ذنوبه، وأسلمته عيوبه، وحصل في قبضة صافي مولى أمير المؤمنين ~~مأسورا مقهورا. وأوجبت الحال إطلاق صلة للأولياء وافرة المبلغ، وأنا بتجديد ~~البيعة متشاغل وللخدمة مواصل، والأمور جارية على أجمل مجاريها، وأفضل ~~المحاب فيها، والحمد لله رب العالمين. وعرفتك ما جرى لتعلمه أهل عملك ~~وتزداد اجتهادا إلى اجتهادك، وكفاية وغناء على كفايتك وغنائك، وتكتب بما ~~يكون منك في ms201 ذلك إن شاء الله. # وكان أبو الحسن بن الفرات خاطب محمد بن داود وهو يتولى عطاء الجيش فيما ~~يطلقه بغير صك ولا حجة، وأخرج عليه مما أطاقه من بيت المال صكين مثبتين ~~مكررين مائة وعشرين ألف دينار، واقفه على ذلك بحضرة العباس مواقفة اعترف ~~بها محمد بن داود، واعتذر بالسهو في فعله. وجدد ذلك أن أمر العباس صاحب بيت ~~المال بألا يطلق شيئا في إعطاء وإنفاق إلا ما عرفه أبو الحسن وأذن فيه، ~~وثبتت علامته على الصكاك به، وكان مما قاله أبو الحسن لمحمد بن داود: أنا ~~أجمع الأموال وأحصلها وأنتم تفرقونها وتفرطون فيها! فقال له محمد: التفريط ~~والتضييع كان في أيامك يعني أيام نظره في ديوان الجيش فقال له أبو الحسن: ~~قد كنت أحد كتابي إذ ذاك وفي بعض مجالس الإطلاق، فإن عرفت خيانة فاذكرها أو ~~إضاعة فاستدركها. وقال له العباس. حالك يا أبا الحسن في الضبط والاحتياط ~~معروفة، وطريقتك في الاستيفاء والاستقصاء معلومة، وما بك إلى هذا القول ~~حاجة. وكان أبو الحسن بن عيسى حضره بحضرة العباس بن الحسن لمناظرة أبي ~~الحسن بن الفرات على ما كتب به إبراهيم بن عيسى ومحمد بن عيسى العرموم ~~أخواه في ضيعة أبي الحسن بن الفرات بكورة كسكر، وضياعه بناحية الأجمتين وما ~~غير # PageV01P257 # من معاملتها وخفف من مقاسمتها. فلما بدأ علي بن عيسى يذكر ما كتب به ~~أخواه وأورده قال العباس بن الحسن لأبي الحسن بن الفرات: ما عندك يا أبا ~~الحسن في ذلك؟ قال له. ما أعرف من أمر ضياعي شيئا، لأن العمال قد أدخلوا ~~أيديهم فيها منذ نيف وعشرين شهرا، وأخذوا الحقوق السلطانية فيها على ما ~~أرادوه واقترحوه منها، وما تكلمت ولا تظلمت انصراف قلب عنها، ولكنه قد وجب ~~على محمد بن عيسى من ثمن الأرز بالسيبين أكثر من ثمانية آلاف دينار لا عذر ~~ولا حجة له في دفعها، ولما كاتبته بحملها والخروج منها كتب في أمر ضيعتي ~~بما كتب، والأمر للوزير، وهو أعلى عينا فيه. فأمر العباس عند سماعه ms202 ذلك ~~بإنفاذ من يستحث محمد بن عيسى فيما أخرج عليه، ويطالبه بالخروج منه ثم صرفه ~~من بعد، وتقدم إلى أبي الحسن بن الفرات بأن يعمل له عملا يستقصي النظر فيه ~~ويكشف أمره فيما تولاه وقام به. وقال له أبو الحسن: ومما أسأله صرف جعفر ~~أخي عما يتقلده، فإن علي بن عيسى قد قصده وأنفذ إليه من المستحثين من ثقل ~~به عليه، وإذا انقطعت المعاملة بينه وبينه زال بذلك تسوقه عليه وعلي به. ~~فأجابه العباس إلى صرفه. وكتب أبو الحسن بن الفرات إلى عامل طريق خراسان ~~مما تولاه بيده: قد اشتهرت بأحكام الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين، ~~رحمة الله عليهم أجمعين، في الخراج مذ افتتحت نواحيه، ووضعت الطسوق فيه، ~~بالرسوم الجارية والسنن الباقية التي سنها أفضل سلف، وعمل بها أعدل خلف، ~~ليس في شيء منها حكمان مختلفان ولا طسقان متفاوتان، في صقع واحد، لمسلم أو ~~معاهد. وبطريق خراسان وكلوذاي ونهر بين معاملات محطوطة الوضائع، في الإستان ~~والقطائع، لطائفة دون أخرى، سببها ما شرطه محمد بن جعفر في سني ضمانه. وأحق ~~المشروط عند الفقهاء بالإبطال، # PageV01P258 # ما يجري على سبيل حيلة وإدغال، فانقض كل شرط ورسم يعودان على مال السلطان ~~أعزه الله بنقض أو ثلم، واستوف خراج ذلك على أكمل طسوقه، وأفضل حقوقه، حتى ~~تنحسم تلك الأطماع، ويتوفر على يدك الارتفاع إن شاء الله. وكتب للنصف من ~~رجب سنة ست وتسعين ومائتين. ولما تقلد أبو الحسن بن الفرات الوزارة في أول ~~مرة أجرى كلا من حجابه وكتابه وأصحابه على رسمهم، وأقرهم على ما كانوا ~~يتولونه من أمره، ولم يستبدل بهم، ولا استزاد فيهم، لإكتفائه بمن كان معه ~~عن غيرهم. وكانت أخلاقه وهو وزير مثله وهو صاحب ديوان. ومن رسمه أن يغدو ~~إليه الكتاب فيواقفهم على الأعمال، ويسلم إلى كل منهم ما يتعلق بديوانه، ~~ويوصيه بما يريد وصاته به. ثم يروحون إليه بما يعلمونه من أعمالهم، ~~فيوافقهم عليها، وعلى ما أخرجوه من الخروج، وأمضوه من الأمور، ويقيمون إلى ~~بعض من الليل. وإذا خف العمل، وقد ms203 عرضت عليه في أثنائه الكتب بالنفقات ~~والتسبيبات والإطلاقات والحسبانات، نهض من جلسه، وانصرفت الجماعة بعد ~~قيامه. وكانت علامته تحت بسم الله الرحمن الرحيم: الحمد لله رب العالمين. # وحدث أبو القاسم بن زنجي قال: ورفع إلى أبي الحسن بن الفرات أن جماعة ~~الكتاب في ديوان الجيش المتولين للعطاء احتسبوا على الجند بما لم يعطوهم ~~إياه، وأخذوه لنفوسهم، واقتطعوه من دونهم، فأنكر ذلك، وعظم في نفسه، وكشف ~~عنه فوجده صحيحا، ورأى الإقدام على مثله غليظا. فقبض على القوم الذين ~~فعلوه، فمنهم من ضربه وأدبه، ومنهم من ارتجع منه ما حصل في يده، ومنهم من ~~صفح عن جرمه. وكان في الجماعة أبو القاسم الحسين بن علي بن كردي، # PageV01P259 # وقد اعتقل، فكتب إلى أبي عبد الله والدي يسأله خطاب الوزير في بابه ~~والتلطف في إطلاقه. واتفق أن دعا الوزير أبا عبد الله إلى طعامة على رسمه، ~~فلما حضر امتنع من الأكل، فقال له الوزير: ما سبب امتناعك؟ قال: أنني ما ~~أطيب نفسا بأن آكل وابن كردي قريبي في الحبس يعرض للمكروه. وأتبع ذلك ~~بالمسألة في أمره وهبة ما عليه له، فأجابه جوابا جميلا، وتقدم بتخلية ابن ~~كردي، وتسليمه إليه، والصفح له عما يطالب به. ثم قال له. تقدم الآن كل. قال ~~أبو القاسم: ولم يكن بيننا وبين ابن كردي نسب ولا قربي. وإنما قال أبي ما ~~قاله تأكيدا للخطاب في بابه. # وحدث أبو القاسم بن زنجي قال: استدعى أبو الحسن بن الفرات في بعض الأيام ~~أبا علي بن مقلة وأبا عبد الله والدي في وقت العصر، على خلوة لم يحضرها ~~غيرهما، وقال لأبي علي: استدع قرطاسا يكتب فيه. فأحضره صاحب الدواة تلث ~~قرطاس، وقال له: وقع بأن يكتب إلى علي بن أحمد بن بسطام بوصول كتبه بما قرر ~~عليه أمر المادرائيين، وأنني وجدته مخالفا لما أمرته به. وما توجبه الجملة ~~المحصلة عليهم وهي ثلاثة آلاف ألف وكذا دينار، وكذا منها من جهة كذا وكذا، ~~ومن جهة كذا وكذا، حتى استوفى الإملاء بتفصيل الجملة المذكورة، ms204 وفيها أنصاف ~~دينار وأثلاثه وأربعاه وما دون ذلك. ووصل القول بما ملأ به الثلث. واستدعى ~~أبو على ثلثا آخر، واستتم الأمر فيه وفيما أراد خطابه به في معانيه، فكان ~~ذرع الثلثين اللذين كتب فيهما نحو ستين ذراعا. ثم قال لأبي عبد الله أبي: ~~اكتب إلى علي بن أحمد على موجب ذلك. فقال له: والله أيها الوزير ما يحتاج ~~إملاؤك إلى أكثر من أنت تثبت في أوله وآخره الدعاء، فإنه قد أتى على كل ~~غرض، وبلغ فيما يراد كل مبلغ. فقال: تأمله على كل حال وتفقده وقف معانيه. ~~قال # PageV01P260 # أبو القاسم: ولقد حدثت بعض الرؤساء هذا الحديث في مجلس حافل قد صعن على ~~ابن الفرات فيه بنزارة الكلام، فعجب منه، وقال لي: لولا أن ذكرته لما ~~صدقته. # وحدث أبو القاسم بن زنجي قال: رسم أبو الحسن علي بن محمد بن الفرات في ~~وزارته الثانية أن يدعي أبو الحسن موسى بن خلف وأبو علي محمد بن علي بن ~~مقلة وأبو الطيب محمد بن أحمد الكلوذاني وأبو عبد الله محمد بن صالح وأبو ~~عبد الله والدي وأبو بشر عبد الله بن الفرخان النصراني وأبو الحسين سعيد بن ~~إبراهيم التستري النصراني وأبو منصور عبد الله بن جبير النصراني وأبو عمرو ~~سعيد بن الفرخان النصراني في كل يوم إلى طعامه فكانوا يحضرون مجلسه في ~~وقته، ويقعدون من جانبيه وبين يديه، ويقدم إلى كل واحد منهم طبق فيه أصناف ~~الفاكهة الموجودة في الوقت من خير شيء، ثم يجعل في الوسط طبق كبير يشتمل ~~على جميع الأصناف وكل طبق فيه سكين يقطع بها صاحبه ما يحتاج إلى قطعة من ~~سفرجل وخوج وكمثري، ومعه طست زجاج يرمي فيه التفل، فإذا بلغوا من ذلك ~~حاجتهم واستوفروا كفايتهم، شيلت الأطباق وقدمت الطسوت والأباريق فغسلوا ~~أيديهم، وأحضرت المائدة مغشاة بدبيقي فوق مكبة خيازر ومن تحتها سفرة أدم ~~فاضلة عليها، وحواليها مناديل الغمر من الثياب المعصور فإذا وضعت رفعت ~~المكبة والأغشية، وأخذ القوم في الأكل، وأبو الحسن بن الفرات # PageV01P261 # يحثهم ويباسطهم ويؤانسهم ms205 فلا يزال على ذلك، والألوان توضع وترفع أكثر من ~~ساعتين، ثم ينهضون إلى مجلس في جانب المجلس الذي كانوا فيه، ويغسلون ~~أيديهم، والفراشون قيام يصبون الماء عليهم، والخدم وقوف على أيديهم ~~المناديل الدبقية، ورطليات ماء الورد لمسح أيديهم وصبه على وجوههم، فمن ~~كانت له من الكتاب حاجة قام إليه وخاطبه فيها وسأله إياها، ومن أراد إطلاعه ~~على سر يجب الانفراد معه فيه فعل مثل ذلك، ثم يخرج وظائف الكتاب وغلمانهم ~~والخزان ومن دونهم وسائر من جرت عادته بالوظيفة، على طبقاتهم، وأتبع ذلك ~~بتفرقة وظائف الثلج على أصحاب الدواوين والكتاب والمقيمين في الدار. # وحدث أبو القاسم بن زنجي قال: كثر الإرجاف بأبي الحسن بن الفرات في آخر ~~وزارته الثانية، وكان كتابه إذا ركب في يوم الاثنين والخميس إلى دار ~~السلطان استتروا، وإذا عاد إلى داره ظهروا وحضروا. فلما كان قبل القبض عليه ~~بأيام كتب إليه المقتدر بالله يلتمس منه حمل مائتي ألف دينار من أموال ~~الواحي. فخلا بأبي الحسن موسى بن خلف، وكان يثق به على سره، ويستشيره في ~~أمره، وعرفه ما طلبه المقتدر بالله منه، فقال له. لا تفعل ومتى فعلت أطمعته ~~في نفسك ومالك، وطالبك في كل وقت بما تعجز عنه قدرتك. ورجع أبو الحسن في ~~ذلك إلى أبي بشر عبد الله بن الفرخان، فأشار عليه بمثل ما أشار به موسى بن ~~خلف. وأعلم أبا عبد الله والدي ما جرى، واستعلم ما عنده في ذلك، فقال له: ~~الأعمال في يديك، والأموال محمولة إليك، وما يتعذر هذا القدر عليك، إما ~~تقدمة من مالك، أو أخذا له من جهابذتك # PageV01P262 # ومعامليك، ودفع الشيء أولى من تعجله، ومتى جرى وأعوذ بالله أمر أخذ أكثر ~~مما وقع الالتماس له. فلم يدعه موسى ابن خلف، وأقام على ما أورد من رأيه. ~~وأجاب أبو الحسن ابن الفرات المقتدر بالله بالاعتذار والاحتجاج وتكثير ما ~~عليه من المؤن والنفقات والأعطيات الإطلاقات. واحتد الإرجاف بعقب هذه الحال ~~احتدادا شديدا، وكتب إليه المقتدر بالله يعلمه رأيه الجميل فيه وإحماده ~~الكثير ms206 له ومقامة على النية الصادقة في بابه، وحلف له بتربة المعتضد بالله ~~على سلامة باطنه، وأنه لا يعتقد تغييرا لأمره، ولا استبدالا بنظره. ووقف ~~أبو الحسن على ذلك فسر به، وسكن ألى ما عرفه منه، وأطلع كتابه عليه، ~~فاستبشرت الجماعة وزال عنها الشك والمخافة. ووجم والدي وأمسك، وتبين أبو ~~الحسن منه ذلك، فأدناه إليه، وقال له: أراك ساكتا وعن جملتنا في السكون ~~خارجا، فما الذي وقع لك؟ فقال له: أما أنا فقد زادتني هذه الرقعة استيحاشا، ~~وملأتني خوفا وإشفاقا، لأنه لم يتجدد ما يقتضيها ويوجب ابتداءنا بما فيها. ~~فقال له: أنت يا أبا عبد الله بعيد للنظر سيء الظن، يحملك فرط الشفقة علي ~~إلى تصور هذه الأسباب، وأرجو أن يكذب الله تقديرك، ويجري علي جميل العادة. ~~وكان هذا يوم الثلاثاء، فلما كان يوم الخميس الثلاثين من جمادي الأولى سنة ~~ست وثلاثمائة مضى على رسمه في أيام المواكب ألى المقتدر بالله، ووصل إلى ~~حضرته، ووقف بين يديه، وخاطبه فيما احتاج فيه إلى خطابه، وانصرف ألى داره، ~~وعرف كتابه خبره، فظهروا وحضروا، ونظروا في الأعمال، وأعطي كلا منهم ما ~~يتعلق بديوانه، ودعا بالطعام فأكل، ثم قام # PageV01P263 # إلى بيت منامه ونام، وانتبه وقت العصر، وجدد الوضوء، وصلى في الدار ~~المعروفة بدار الصلاة، وجلس على مصلاة يسبح، وما عنده إلا ساكن صاحب دواته ~~وغلامان من غلمانه. فبينما هو على ذلك إذ هجم أبو القاسم نصر القشوري ~~الحاجب إلى موضعه، ومعه عدة كثيرة من الرجالة وقال: أمير المؤمنين أطال ~~الله بقاءه يأمرك بالحضور. فقال: بثياب الموكب أم بدراعة؟ قال بدراعة. فقال ~~له: حينئذ أوصيك يا أبا القاسم بالحرم خيرا. وأخذه وأنزله في الماء إلى دار ~~السلطان، بعد أن وكل بجميع من في داره من الكتاب والأصحاب. # وحدث أبو القاسم بن زنجي قال: كنت في دار حامد بن العباس، وهو وزير بباب ~~خراسان المعروفة بدار حجرة، إذ أدخل الفراشون إلى حضرة حامد رجلا مكورا في ~~كساء أسود، ثم سمعنا صوت صراخ ووقع الصفع، وحامد يقول للصافع: ms207 جود. والرجل ~~المصفوع يقول: الله الله قد ذهبت والله عيني. وهو يقول له: إلى لعنة الله ~~يا ابن كذا ويا زوج كذا. ويسرف في الشتم ويبالغ. ويقول له الرجل: لا تسن ~~أيها الوزير هذه السنة على أولاد الوزراء. ويقول له: وأنت من أولاد ~~الوزراء؟ ثم يزيده صفعا وشتما، فلما لم يبق فيه بقية أمر برده إلى حيث كان ~~فيه، فأخذه الفراشون وحملوه، وجاء أحدهم إلى الموضع الذي كنت فيه، فأخبرنا ~~أن الرجل المحسن بن أبي الحسن بن الفرات، وأنه مقيد بقيد ثقيل، وعليه جبة ~~صوف قد غمست في النفط مزرورة في عنقه، وأنهم ردوه إلى الحجرة التي كان فيها ~~وحبسوه في الكنيف منها ودلوا رأسه في بئره. # وقال أبو القاسم: وقمت إلى أبي عبد الله والدي لأحدثه بذلك، وهو جالس مع ~~بشر بن علي النصراني صاحب حامد وخليفته. فابتدأ وسألني عن الصياح الذي # PageV01P264 # سمعه، فأعلمته بالصورة، فانزعج، وأقبل على بشر بن علي يعجبه. فقال له ~~بشر: هذا رجل محين، وهؤلاء القوم يلون عليه منذ ثلاثين سنة، ويقومون بأمره ~~ويحسنون عونه، فلما ملك من أمرهم ما ملك عاملهم بهذه المعاملة، وما هذا إلا ~~إدبار وسوء توفيق. ولم يزل حامد يردد المحسن في صنوف العذاب ويحمله على كل ~~حال، إلى أن كلم المقتدر بالله في أمره، وبذل لأبي القاسم بن الحواري مال ~~على إخراجه عن يده، فسعى في ذلك إلى أن تم نقله إلى دار السلطان، وأقام بها ~~أياما، ثم سلم ألى أبي القاسم بن الحواري وحصل في داره، وخاطب المقتدر ~~بالله من بعد في إطلاقه إلى منزله فأذن فيه. وأقام يتعرف أخبار علي بن عيسى ~~وحامد بن العباس وما يقررانه ويدبرانه ويصلح حواشي المقتدر بالله ~~ويستميلهم، ويعمر ما بينه وبينهم. وانتشبت بينه وبين أبي نصر بشر بن عبد ~~الله النصراني الأنباري كاتب مفلح الخادم مودة، وترددت مراسلة، ثم جمع ~~بينهما أبو سهل نصر بن علي الطبيب النصراني كاتب المحسن في دار بين القصرين ~~على شاطئ دجلة. وقال له المحسن، إنه يصحح ms208 للمقتدر بالله ثلاثة آلاف ألف ~~دينار، وألفا وخمسمائة دينار في كل يوم إذا أطلق أبا الحسن أباه واستوزره ~~وسلم إليه حامد بن العباس وعلي بن عيسى ومكنه منهما ومن مناظرة المادرائيين ~~واستيفاء ما عليهم. وكتب بذلك رقعة سلمها إلى بشر بن عبد الله كاتب مفلح، ~~وتفرقا، ومضى بشر إلى مفلح وعرفه ما جرى، وأن الذي بذله المحسن جملة كثيرة ~~يرغب فيها المقتدر بالله، ومتى تم الأمر وصح المال بواسطته تضاعف جاهه ~~وأحمده سلطانه، ولم يعدم من أبي الحسن والمحسن معرفة حقه وقضاء حوائجه. # PageV01P265 # وأشار عليه بالكلام في ذلك، وعرض الرقعة التي كتبها المحسن، فقبل وفعل، ~~وعاونته القهرمانة زيدان، واجتمعت معه على إيراد ما يورده. فلما وقف ~~المقتدر بالله على رقعة المحسن أنفذها إلى أبيه أبي الحسن وقال له: أنت قيم ~~بهذا الضمان وملتزم له؟ فقال: نعم. واستدعاه من موضعه حتى سمع قوله، وعقد ~~عليه الوفاء بما قاله. فلما كان يوم الخميس لسبع ليال بقين من شهر ربيع ~~الآخر سنة إحدى عشرة وثلاثمائة حضر أبو الحسن علي بن عيسى دار السلطان، ~~ومعه جماعة من القواد والغلمان على رسم الموكب، وجلس في المجلس الذي جرت ~~العادة بجلوسه فيه، إلى أن يستأذن له. ثم خرج إليه من قبض عليه، وأنفذ إلى ~~داره ودور إخوته وكتابه وأصحابه ووكل بها، واستظهر على ما فيها. واستدعى ~~المقتدر أبا الحسن بن الفرات من حيث كان مقيما فيه من داره، وحضر المحسن ~~ابنه وكان قريبا من الدار، وخلع عليهما وحملهما على حملان بمراكب ذهب، ~~وتقدم إلى الأمراء والقواد والغلمان والخدم وسائر الطبقات بالركوب معهما ~~إلى دارهما. # ومن فضائل أبي الحسن بن الفرات والمأثور من ذكائه أنه وقع تشاجر بين ولد ~~المكتفي وعلي بن المقتدر بالله في أجمة هوثا من أعمال القصر، وادعى كل من ~~الفريقين أنها له، وأوجبت الصورة أن وقع إلى عامل سوق المسك بالحظر على ثمن ~~ما يرد من صيود هذه الأجمة إلى أن تبين صورتها. وكان المقتدر بالله يوقع في ~~وقت لعلي ابنه وفي آخر ms209 لولد المكتفي بالله، فلما زاد وقوف هذا الأمر وتأخر ~~فصله وظهور الحق فيه لمستحقه، أحضر أبو الحسن بن الفرات خادما لولد المكتفي ~~بالله، ووكيلا لعلي بن المقتدر بالله يعرف بالحربي، للمناظرة والحكومة، ~~وقال أبو الحسن للخادم: ممن ابتعتم هذه الأجمة؟ قال: من ولد بدر اللاني. ~~فأمرهما بالخروج والجلوس في الدار # PageV01P266 # بقربه إلى أن يدعوهما، وأحضر ابنا لبدر اللاني كان من أحد خلفاء الحجاب، ~~وسأله عما عنده من الحسبانات التي لوكلائهم بنواحي القصر. فذكر أن الأملاك ~~والضياع لما خرجت عن أيديهم أقلوا المراعاة للحسبانات فذهبت وهلكت، ولم يبق ~~منها باق. فقال له: امض إلى دارك وسل وفتش وأحضر ما تجده. فمضى وعاد بعد ~~ساعة ومعه حساب ذكر أنه وجده لبعض وكلائهم، فأخذه منه وسلمه إلى أبي منصور ~~عبد الله بن جبير وكان بين يديه، وقال له: تصفحه وانظر هذا الحق من الأجمة ~~كيف أورد، وإلى أي شيء نسب. فقرأه أبو منصور ورده إليه وقال: ما لهذا الحق ~~ذكر فيه. فقال: هذا محال، وأخذ الحساب وقرأه وتأمله تأملا استوفاه ثم وضع ~~يده وقد تصفح ثلثيه على موضع وقال: ها هنا يجب أن يكون ما تطلبه منسوبا إلى ~~وجهه. ووقف ساعة ثم دعا بالخادم والوكيل وقال لهما: هذا الحد منسوب إلى ~~الإلجاء لا إلى الملك. أفتعرفان في يد من كانت هذه الأجمة من قبل؟ قالا: ~~لا. قال: كانت في يد فلان في سنة إحدى وأربعين ومائتين، ثم انتقلت في سنة ~~ثلاث وخمسين إلى يد فلان، ثم انتقلت في سنة أربع وستين إلى إبراهيم بن ~~فورعره، ثم انتقلت في سنة خمس وثمانين إلى فلان. ولم يزل يذكر حالها وقتا ~~بعد وقت إلى أن دخلتها يد بدر اللاني. قال المحدث بهذا الخبر: فقلت لإنسان ~~كان إلى جانبي: كيف يذكر الوزير سنة إحدى وأربعين وفيها مولده؟ ورأى شفتي ~~تتحركان بالقول، فقال لي: ما قلت؟ ودافعته فكرر سؤالي وقال لي: قل ما قلت. ~~فصدقته عنه فقال: أحسنت بارك الله عليك فيما تأملت وتتبعت. إني لما دخلت ~~الديوان ms210 في حال الحداثة كان أستاذي الذي أخدمه أسن من فيه، فكنت أذا مر بي ~~رسم كان من # PageV01P267 # قبل سألته عنه وحفظت ما يقوله فيه، أو جرى شيء في أيامي حفظته، وكان هذا ~~مما عرفنيه. وحكم بالملك لولد المكتفي بالله، وطالبه صاحبهم بتسليم ما ~~اعتيق من ثمن الصيد، فوقع بذلك، وكتب إلى المقتدر بالله بما كشفه وحكم به. # وحدث أبو عبد الله زنجي قال: توفي أبو عيسى أحمد بن محمد بن خالد المعروف ~~بأخي أبي صخرة في يوم الأربعاء لسبع ليال بقين من شعبان سنة إحدى عشرة ~~وثلاثمائة في وزارة أبي الحسن علي بن محمد بن الفرات، وخلف أموالا وأملاكا ~~كثيرة، ولم يخلف ولدا. فتعرض أصحاب المواريث لتركته، وبلغ أبا الحسن بن ~~الفرات ذلك فأنكره، ومضى إلى المقتدر بالله وقال له: قد كان المعتضد بالله ~~والمكتفي بالله رفعا المواريث وأزالاها وأنت أولى من أمضي فعلهما وأجرى ~~سننهما. فأمره بفعل ذلك والتقدم به، وفعل وأزال التوكيل عن دار أبي عيسى ~~أخي أبي صخرة والاعتراض عما خلفه، وسلم جميعه إلى الورثة، وأشهد عليهم ~~بتسلمه. وأمر بأن يكتب إلى العمال في سائر النواحي برفع المواريث، فكتب أبو ~~الحسن محمد بن جعفر بن ثوابة بما نسخته: أما بعد، فإن أمير المؤمنين يؤثر ~~في الأمور كلها ما قربه من الله جل جلاله ومن طاعته ما اجتلب له منه جزيل ~~مثوبته، وحسنت به العائدة على كافة خليقته ورعيته، لما جعل الله عليه نيته ~~من العطف عليها، وإيصال المنافع إليها، # PageV01P268 # وإزالة الإعنات عنها، وإبطال رسوم الجور التي كانت تعامل بها، وإحياء سنن ~~الخير وإيثاره لها، جاريا مع الكتاب والسنة، عاملا بالآثار عن الأفاضل من ~~الأئمة، وعلى الله يتوكل أمير المؤمنين، وإليه يفوض وبه يستعين. وأنهى إلى ~~أمير المؤمنين أبو الحسن علي بن محمد ما يلحق كثيرا من الناس من الإعنات في ~~مواريثهم، وما يتناول على سبيل الظلم من أموالهم، ويحكم فيه فخلاف ما جرت ~~به السنة، وأنه قد كان عبيد الله بن سليمان أنهى إلى المعتضد بالله صلوات ms211 ~~الله عليه حال المتقلدين لأعمال المواريث، وما يجري على الرعية من مطالبتهم ~~إياهم بأحكام لم ينزل بها كتاب الله عز وجل ولا جرت بها سنة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، ولا أجمع أئمة الهدى رحمة الله عليهم عليها، فكتب صلوات ~~الله عليه إلى يوسف بن يعقوب وعبد الحميد بن عبد العزيز القاضيين كانا ~~بمدينة اسلام وما يتصل بها من النواحي في أيامه يسألهما عن الحال عندهما في ~~مواريث أهل الملة والذمة. فكتب عبد الحميد رضي الله عنه كتابا في مواريث ~~أهل الملة، حكى فيه أن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس ~~وعبد الله بن مسعود رضوان الله عليهم ومن اتبعهم من الأئمة الهادين رحمة ~~الله عليهم رأوا أن يرد على أصحاب السهام من القرابة ما يفضل عن السهام ~~المفترضة في كتاب الله تبارك وتعالى من المواريث إذا لم يكن للمتوفي عصبة ~~يحوز باقي ميراثه، وجعلوا رضي الله عنهم تركة من يتوفى ولا عصبة له لذوي ~~رحمة إن لم يكن له وارث سواهم، ممتثلين في ذلك أمر الله سبحانه إذ يقول: " ~~وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم " وسنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في توريثه من لا فرض له في كتاب الله تعالى ~~من الخال وابن # PageV01P269 # الأخت والجدة. وكتب يوسف بن يعقوب إليه كتابا في مواريث أهل الذمة حكي ~~فيه ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن المسلم لا يرث الكافر، ~~وأن الكافر لا يرث المسلم وأنه لا يتوارث أهل ملتين. ووصف يوسف في كتابه أن ~~السنة جرت بأن أهل كل ملة يورثون من هو منهم إذا لم يكن له وارث من ذي ~~رحمه. وعرف أبو الحسن أمير المؤمنين أن ما قرر عليه حامد بن العباس الأمر ~~من تتبع المواريث وتقليد جبايتها عمالا يجرون مجرى عمال الخراج شيء لم يكن ~~في خلافة من الخلافات إلى أن مضى صدر من خلافة المعتمد على الله ms212 رحمه الله ~~فإن يدا دخلت فيها في ذلك الوقت على سبيل تأول بما روي عن زيد بن ثابت رحمه ~~الله دون غيره، فأزالها المعتضد بالله صلوات الله عليه. ثم أعاد ذلك الرسم ~~الجائر والأثر القبيح السائر حامد بن العباس بظلمه وتعديه وتهوره وتسطيه ~~وتأول على الرعية بما لم يرض الله عز وجل فيه. فأمر أمير المؤمنين بأن يرد ~~على ذوي الأرحام ما أوجب الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم وعمر بن ~~الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن العباس وعبد الله بن مسعود سلام الله ~~عليهم ومن إتبعهم من أئمة الهدى رضي الله عنهم رده من المواريث عليهم، وأن ~~ترد تركة من مات من أهل الذمة ولم يخلف وارثا على أهل ملته، وأن يصرف جميع ~~عمال المواريث في سائر النواحي ويبطل # أمرهم، ويرد النظر في أعمال المواريث إلى الحكام على ما لم يزل يجري عليه ~~قبل أيام المعتمد على الله. ورأى أمير المؤمنين أن من الحق لله عليه فيما ~~قلده من خلافته، وألبسه من جلباب كرامته، وألزمه من رعاية عباده في بلاده ~~الدانية والقاصية، ونواحي سلطانه القريبة والبعيدة، أن يعم جميعهم بعدله ~~وإنصافه، ويتناولهم بفضله وإحسانه، ويسن لهم سنة الخير في أيامه، ويزيل # PageV01P270 # عنهم البوائق والعوارض التي توجد بها السبيل إلى أن تنقص أموالهم ويتوصل ~~فيها إلى ظلمهم وإعناتهم، وأن يجري الأمر في المواريث على ما كان جاريا ~~عليه في أيام المعتضد بالله، وترك تبديله والحذر من إزالته وتغييره، وإذاعة ~~ما أمر به إظهاره وقراءته على الناس في المسجدين الجامعين بمدينة السلام ~~ليكون مشهورا متعالما، والخبر به إلى الأداني والأقاصي واصلا. فاعلم ذلك من ~~رأي أمير المؤمنين وأمره واعمل عليه وبحسبه إن شاء الله والسلام عليك ورحمة ~~الله، وكتب أبو الحسن يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من رجب سنة إحدى ~~عشرة وثلاثمائة. ونسخة ما كتب به أبو خازم إلى بدر المعتضدي جواب كتابه ~~إليه في أمر المواريث. وصل كتاب الأمير يذكر أنه احتيج إلى كتابي بالذي ms213 ~~أراه واجبا من مال المواريث لبيت المال، وما لا أراه واجبا منه، وتلخيص ذلك ~~وتبيينه، وأنا ذاكر للأمير الذي حضرني من الجواب في هذه المسألة والحجة ~~فيما سأل نه ليقف على ذلك إن شاء الله. الناس مختلفون في توريث الأقارب، ~~فروي عن زيد بن ثابت أنه جعل التركة إذا لم يكن للمتوفي من يرثه من عصبة ~~وذي سهم لجماعة المسلمين وبيت مالهم، وكذلك يقول في الفضل بعد السهمان ~~المسماة إذا لم تكن عصبة، ولم يرو ذلك عن أحد من الصحابة سوى زيد بن ثابت، ~~وقد خالفه عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وجعلوا ما ~~يفضل من السهمان ردا على أصحاب السهام # PageV01P271 # من القرابة، وجعلوا المال لذي الرحم إذا لم يكن وارث سواه. والسنة تعاضد ~~ما روي عنهم، وتخالف ما روي عن زيد بن ثابت. وتأويل القرآن يوجب ما ذهبوا ~~إليه، وليس لأحد أن يقول، في خلاف السنة والتنزيل، بالرأي. قال الله تعالى: ~~" وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم " ~~فصير القريب أولى من البعيد، وإلى هذا ذهب عمر وعلي وعبد الله رضي الله ~~عنهم ومن تابعهم من الأئمة، وعليه اعتمدوا، وبه تمسكوا، والله أعلم. ولو ~~كان في هذه المسألة ما لا يدل عليه شاهد من الكتاب والسنة لكان الواجب ~~تقليد الأفضل والأكثر من السابقين الأولين، وترك قبول من سواهم ممن لا يلحق ~~بدرجتهم بسابقته. وإذا رد أمر الناس إلى التخير من أقاويل السلف فهل يحيل ~~أو يشكل على أحد أن زيدا لا يفي علمه بعلم عمر وعلي وعبد الله؟ وأذا فضلوا ~~في السابقة والهجرة فمن أين وجب أن يؤخذ بما روي عن زيد بن ثابت واطراح ما ~~روي عنهم؟ وقد استدلوا مع ذلك بالكتاب فيما ذهبوا إليه. وبالسنة فيما أفتوا ~~به. والرواية ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم بتوريث من لا فرض له في ~~الكتاب من القرابة، فمن ذلك ما ذكر لنا عن معاوية بن صالح، عن راشد ms214 ابن ~~سعد، عن أبي عامر الهوزني عن المقدام بن معدي كرب عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: الخال وارث من لا وارث له، يرث ماله ويعقل عنه. وكذلك بلغنا ~~عن شريك بن عبد الله عن ليث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~مثله. وعن ابن جريج عن عمرو بن مسلم عن طاوس عن عائشة أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال مثل ذلك. وذكر عن عبادة ابن أبي عباد، عن محمد بن أسحاق عن ~~يعقوب بن عتبة، عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن حبان قال: # PageV01P272 # توفي ثابت بن الدحداح فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعاصم بن عدي: أله ~~فيكم نسب؟ قال: لا. فدفع تركته إلى ابن أخته. فقد أوجب عليه السلام بما ~~نقلته عنه هذه الرواية توريث من لا سهم له من القرابة مع عدم أصحاب السهمان ~~المبينة في الكتاب، وأعطى الجدة السدس من الميراث ولا فرض لها، وفي ذلك ~~الاتفاق وفيما صير لها من السدس دليل على أن من لا سهم له من القرابة في ~~معناها، إذا بطلت السهام، ولم يكن من أهلها، وأنه أولى بالميراث من ~~الأجنبي. والمروي عن زيد بن ثابت انه جعل الفضل عن سهام الفرائض وكل المال ~~إذا سقطت السهام بعد أهلها لجماعة # المسلمين، فجعلهم كلهم وراثا، وجعل ما يصير لهم من ذلك في خلاف مال الفيء ~~المصروف ألى الشحنة وأرزاق المقاتلة وإلى المصالح إذا كان ذلك يكون، فيما ~~روي عنه، للناس كافة، وعددهم لا يحصى، فغير ممكن أن يقسم ذلك فيهم وهم ~~متفرقون في أقطار الأرض مشارقها ومغاربها. وإذا امتنع ذلك وخرج إلى ما ليس ~~يمكن فسد، وثبت ما قلناه من قول أكابر الأئمة. وقد تأول بعض المتأولين قول ~~الله تعالى: " وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله " فقال فيه: ~~كان الناس يتوارثون بالحليف دون القرابة، فلما أوجب الله المواريث لأهلها ~~من الأقارب منع الحليف بما فرض من السهمان، فغلطوا وصرفوا حكم الآية ms215 إلى ~~الخصوص، فذلك غير واجب مع عدم الدليل، لأن مخرجها في السمع مخرج العموم. ~~وبعد، فلو كان تأويلها ما ذهبوا إليه، وكانت السهام التي نسخت ما يرثه ~~الحليف قبل نزول الفرائض، لوجب في بدء، وما قالوا: إذا كان لا وارث للميت ~~من أصحاب السهام أن يكون الحليفان في التوارث على أول فرضهما وعلى المقدم ~~من حكمهما، لأن الذي منعهما إذا ثبت هذا التأويل من له سهم دون من لا سهم ~~له. فإذا ارتفع المانع رجع الحكم إلى بدئه. ولا اختلاف بين الفريقين أن ~~الحليف لا يرث الحليف اليوم، وإن كان لا وارث سواه، وهذا يدل على فساد ~~تأويلهم، وعلى أن المراد في الآية التي أوجبت الحق للأقارب غير الذي ذهبوا ~~إليه، فإن الله سبحانه إنما أراد بمعناها اختصاص القريب بالإرث دون البعيد. ~~وقد يلزم من ذهب إلى الرواية عن زيد وترك الرواية عن عمر وعلي وعبد الله ~~عليهم السلام جانبا، وأسقط التعاقل بين الأجنبي والقريب أن يجعل ذا الرحم ~~أولى، لأنه يفضل الأجنبي بالقرابة. وترتيب المواريث في الأصل يجري على تقدم ~~من فضل غيره في المناسبة كالأخ للأب والأم، والأخ للأب، وابن العم للأب ~~والأم وابن العم للأب، وأخصهما قرابة أولاهما بالميراث عند جمع الجميع. قال ~~الله تعالى: " يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين " وولد الولد ~~من سفل منهم ومن ارتفع يعمهم هذا الاسم، إلا أن الأقرب منهم في معنى الآية ~~أحق من الأبعد. فإذا كان ذلك كذلك كان القريب أولى من الأجنبي بالتركة ~~للرحم التي يقرب بها دونه. وبعد، فإن العلماء نفر يسير لا يعرفون الصواب في ~~هذه المسألة إلا فيما روي عن الخليفتين عمر وعلي صلوات الله عليهما وما روي ~~عن ابن مسعود، ثم ل يقتصروا في المبالغة والدليل في توريث ذي الرحم إلا على ~~ما روي عن عبد الله بن العباس جد أمير المؤمنين أطال الله بقاءه وترجمان ~~القرآن، وبحر العلم، ومن كان إذا تكلم سكت الناس، ومن دعا له النبي صلى ~~الله عليه وسلم ms216 فقال: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل. ودعوة النبي صلى ~~الله عليه وسلم مستجابة، ومن كان أعلم بتأويل القرآن فاتباعه فيه أوجب. وقد ~~روي عن ابن عباس مثل ذلك من قول عمر وعلي وعبد الله والجماعة، وما زالت ~~الخلفاء من أجداد أمير المؤمنين أعزه الله يستقضون الحكام فيقضون برد ~~المواريث على الأقارب، ولا ينكرون ذلك على من قضى به من قضاتهم، ولا يرونه ~~متجاوزا للحق فيه، وما عرفت الجماعة بغير هذا الاسم إلا منذ نحو عشرين سنة. ~~وأمير المؤمنين أولى من اتبع آثار السلف، واقتدى بخلفاء الله، ومال إلى ~~أفضل المذهبين. وإلى الله الرغبة في عصمة الأمير وتسديده. والحمد لله رب ~~العالمين. وحدث أبو الخصيب كاتب أحمد بن العباس قال: حدثني حامد قال: دخلت ~~إلى عبيد الله بن سليمان وهو وزير المعتضد بالله رحمه الله فوجدته خاليا، ~~وعنده أبو العباس بن الفرات، وعبيد الله يعاتبه، فلم يحتشمني لعلمه بما ~~بيني وبينه، فسمعته يقول لأبي العباس: ولكنك تميل إلى فلان وفلان وابن ~~بسطام. فقال له: أما فلان أيها الوزير فميلي إليه لأنه أسعفني في وقت نكبتي ~~وعند مصادرتي بخمسين ألف دينار، ومن عاونني بماله، وأشركني في حاله، فقد ~~استحق مني أن أصفيه الود وأخلص العقد. وأما ابن بسطام فرجل كاتب له علي ~~رئاسة، وحق الرئاسة لا ينسى ودينها لا يقضى. سلمين، فجعلهم كلهم وراثا، ~~وجعل ما يصير لهم من ذلك في خلاف مال الفيء المصروف ألى الشحنة وأرزاق ~~المقاتلة وإلى المصالح إذا كان ذلك يكون، فيما روي عنه، للناس كافة، وعددهم ~~لا يحصى، فغير ممكن أن يقسم ذلك فيهم وهم متفرقون في أقطار الأرض مشارقها ~~ومغاربها. وإذا امتنع ذلك وخرج إلى ما ليس يمكن فسد، وثبت ما قلناه من قول ~~أكابر الأئمة. وقد تأول بعض المتأولين قول الله تعالى: " وأولوا الأرحام ~~بعضهم أولى ببعض في كتاب الله " فقال فيه: كان الناس يتوارثون بالحليف دون ~~القرابة، فلما أوجب الله المواريث لأهلها من الأقارب منع الحليف بما فرض من ~~السهمان، فغلطوا وصرفوا حكم ms217 الآية إلى الخصوص، فذلك غير واجب مع عدم ~~الدليل، لأن مخرجها في السمع مخرج العموم. وبعد، فلو كان تأويلها ما ذهبوا ~~إليه، وكانت السهام التي نسخت ما يرثه الحليف قبل نزول الفرائض، لوجب في ~~بدء، وما قالوا: إذا كان لا وارث للميت من أصحاب السهام أن يكون الحليفان ~~في التوارث على أول فرضهما وعلى المقدم من حكمهما، لأن الذي منعهما إذا ثبت # PageV01P273 # هذا التأويل من له سهم دون من لا سهم له. فإذا ارتفع المانع رجع الحكم ~~إلى بدئه. ولا اختلاف بين الفريقين أن الحليف لا يرث الحليف اليوم، وإن كان ~~لا وارث سواه، وهذا يدل على فساد تأويلهم، وعلى أن المراد في الآية التي ~~أوجبت الحق للأقارب غير الذي ذهبوا إليه، فإن الله سبحانه إنما أراد ~~بمعناها اختصاص القريب بالإرث دون البعيد. وقد يلزم من ذهب إلى الرواية عن ~~زيد وترك الرواية عن عمر وعلي وعبد الله عليهم السلام جانبا، وأسقط التعاقل ~~بين الأجنبي والقريب أن يجعل ذا الرحم أولى، لأنه يفضل الأجنبي بالقرابة. ~~وترتيب المواريث في الأصل يجري على تقدم من فضل غيره في المناسبة كالأخ ~~للأب والأم، والأخ للأب، وابن العم للأب والأم وابن العم للأب، وأخصهما ~~قرابة أولاهما بالميراث عند جمع الجميع. قال الله تعالى: " يوصيكم الله في ~~أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين " وولد الولد من سفل منهم ومن ارتفع يعمهم ~~هذا الاسم، إلا أن الأقرب منهم في معنى الآية أحق من الأبعد. فإذا كان ذلك ~~كذلك كان القريب أولى من الأجنبي بالتركة للرحم التي يقرب بها دونه. وبعد، ~~فإن العلماء نفر يسير لا يعرفون الصواب في هذه المسألة إلا فيما روي عن ~~الخليفتين عمر وعلي صلوات الله عليهما وما روي عن ابن مسعود، ثم ل يقتصروا ~~في المبالغة والدليل في توريث ذي الرحم إلا على ما روي عن عبد الله بن ~~العباس جد # PageV01P274 # أمير المؤمنين أطال الله بقاءه وترجمان القرآن، وبحر العلم، ومن كان إذا ~~تكلم سكت الناس، ومن دعا له النبي صلى الله عليه ms218 وسلم فقال: اللهم فقهه في ~~الدين وعلمه التأويل. ودعوة النبي صلى الله عليه وسلم مستجابة، ومن كان ~~أعلم بتأويل القرآن فاتباعه فيه أوجب. وقد روي عن ابن عباس مثل ذلك من قول ~~عمر وعلي وعبد الله والجماعة، وما زالت الخلفاء من أجداد أمير المؤمنين ~~أعزه الله يستقضون الحكام فيقضون برد المواريث على الأقارب، ولا ينكرون ذلك ~~على من قضى به من قضاتهم، ولا يرونه متجاوزا للحق فيه، وما عرفت الجماعة ~~بغير هذا الاسم إلا منذ نحو عشرين سنة. وأمير المؤمنين أولى من اتبع آثار ~~السلف، واقتدى بخلفاء الله، ومال إلى أفضل المذهبين. وإلى الله الرغبة في ~~عصمة الأمير وتسديده. والحمد لله رب العالمين. وحدث أبو الخصيب كاتب أحمد ~~بن العباس قال: حدثني حامد قال: دخلت إلى عبيد الله بن سليمان وهو وزير ~~المعتضد بالله رحمه الله فوجدته خاليا، وعنده أبو العباس بن الفرات، وعبيد ~~الله يعاتبه، فلم يحتشمني لعلمه بما بيني وبينه، فسمعته يقول لأبي العباس: ~~ولكنك تميل إلى فلان وفلان وابن بسطام. فقال له: أما فلان أيها الوزير ~~فميلي إليه لأنه أسعفني في وقت نكبتي وعند مصادرتي بخمسين ألف دينار، ومن ~~عاونني بماله، وأشركني في حاله، فقد استحق مني أن أصفيه الود وأخلص العقد. ~~وأما ابن بسطام فرجل كاتب له علي رئاسة، وحق الرئاسة لا ينسى ودينها لا ~~يقضى. # PageV01P275 # حدث محدث قال: قلت لأبي العباس بن الفرات يوما على شرب وقد رأيته يلعب ~~بالخصوم وأرباب الظلامات لعبا، فتارة بالحجج الديوانية وتارة بالحجج ~~الفقهية: يا سيدي هل قطعك أحد في مناظرة؟ فقال أما بالحجة فلا. بل كابرني ~~رجل مرة فحرت في جوابه، وانقطعت في يده، وذلك أن محمد بن زكريا المعروف ~~بوزير الإسكافي كان صنيعة لي، فتولى الضياع بواسط، وحضر من تكلم عليه وبذل ~~مواقفته على ما فرقه، فرسم لي عبيد الله بن سليمان مكاتبته بالحضور، فقلت ~~له: هذا أعز الله الوزير وقت العمارة، وإذا أخل العامل بها وقع التقصير ~~فيها، واحتج علينا بأننا قطعناه بالاستدعاء عنها. قال: فأخره إلى ms219 أن يفرغ ~~منها. فأخرته شهورا، ثم عاود المتظلم منه القول فيما تكلم عليه به، وأمرني ~~عبيد الله باستدعائه، فقلت: هذا وقت التقدير، وبه يحصر الارتفاع. قال: ~~فأخره. فاخرته شهرين، ثم عاود المتظلم، وعاودني عبيد الله. فقلت: قد شبهت ~~الغلات إلا بالحزر. فقال المتظلم: كيف تسمح نفس أبي العباس بإحضار من عمر ~~ضياعه وأضاف إليها خواص السلطان وأملاكه ونقل إليها أكرة الوزير؟! فضياعه ~~كالعرائس المجلوات، وضياع الوزير كضياع الأرامل والأيتام. # قال أبو العباس: وعمل كلامه والله في عبيد الله. فابتدأت أحلف على كذبه ~~واستحالة قوله، فمنعني وقال: حسبك الآن. وكتب منشورا بخطه بإشخاصه، وأنفذ ~~به مستحثا، وحمل وزير، واعتقله وصادره. # PageV01P276 # وحدث محدث قال: رأيت أبا العباس بن الفرات يناظر شيخا مزينا ببادوريا قد ~~احتال في تخفيف مقاسمة بيدره وقال له: في أية سنة قسم هذا البيدر على ما ~~ادعيته في المعاملة؟ قال: السنة التي ملكت فيها أيدك الله البيدر الفلاني ~~والبيدر الفلاني. حتى عد عشرة بيادر في عدة طساسيج من خواص السلطان التي ~~استضافها إلى ضياعه. فورد عليه من قوله ما أدهشه وأسكته، وأمضى مقاسمة ~~بيدره وصرفه. # وحدث أبو عبد الله بن الماسح الكاتب قال: حدثني أبو الحسن علي بن عيسى، ~~وقد جرى ذكر الجهبذة، وقال: ما أعجب ما جرى في أمرها بنواحي المغرب. وذلك ~~أنها لما صحت في أيام المعتضد بالله؛ وكتبت لعبيد الله بن سليمان على ~~الديوان، أمرني أن أعمل عملا بارتفاع الموصل والزابات، فعلمته وعرضته عليه، ~~فاعترضه أبو العباس بن الفرات على رسمه في مثل ذلك وما تقتضيه خلافته لعبيد ~~الله، وقال لي: ما أرى لمال الجهبذة في هذا العمر ذكرا. فقلت له: هذا ما لا ~~أعرفه في أصل ولا مضاف، فإن يكن من مال السلطان فهو بمنزلة ما يؤخذ من ~~الذيل ويرقع به الجيب، أو يكن من مال الرعية فهو ظلم، وطريق للجهابذة إلى ~~أخذ أموال المعاملين. وهذه نواح افتتحت قريبا، وسبيلها أن يعامل أهلها ~~بالإنصاف، وتخفف عنها المؤن لتحلو لهم سياسة السلطان. فقال: هذا باب من ms220 ~~أبواب الارتفاع، ولا يجوز أن يترك ويضاع، فيلحقنا من السلطان استبطاء ~~وإنكار. وتقدير ما يجب في هذه النواحي من ذلك عشرة آلاف دينار، فما هو إلا ~~أن سمع الوزير ذكر السلطان وعشرة آلاف دينار تزيد في الارتفاع حتى قال: ~~سبيل # PageV01P277 # هذه النواحي سبيل غيرها من نواحي السواد. فأمسكت، واستمر بلاء الجهبذة ~~على الناس إلى حين انتهينا. # وحدث أبو الحسن بن ماني الكوفي الكاتب قال: حدثني على بن حسين الجهظ كاتب ~~أبي العباس أحمد بن محمد بن ثوابة قال: # جرت المناظرة يوما بين أبي العباس بن ثوابة وأبي العباس بن الفرات في ~~حساب باروسما الأعلى بحضرة عبيد الله بن سليمان. فأقام ابن ثوابة الشاهد ~~على صحة ما رفعه، والبرهان على عامل ابن الفرات في تأويله. وأخذ ابن الفرات ~~يباهت في نصرة قوله. فقال ابن ثوابة: كيف أنتصف منك يا أبا العباس وأنا ~~أناظرك بالحجة، وأنت تعارضني بفضل القدرة، وتزعم أن هذا الوزير أسير في ~~يديك؟ قال: فنظر عبيد الله إلى من حضر وقال: اشهدوا أنني أسير في يدي كل ~~كاف. قال: يقول ابن ثوابة: قد علمنا. قال: وتظلم أهل السارية من أهل ~~بادوريا إلى المعتضد بالله وحكوا أن أهل سقي الفرات واطئوا العمال ~~والمهندسين على ظلمهم وكتمان ما عندهم في أمر أبواب قنطرة دمما، ووافقوهم ~~على تضييقها ليتوفر الماء عليهم. فتقدم المعتضد بالله إلى بدر بالخروج مع ~~القاسم بن عبيد الله ومن استنصحه القاسم من أصحاب الدواوين ومشايخ العمال ~~والمهندسين وقضاة الحضرة وطائفة من الشهود وابن حبيب الذراع ومن يختاره من ~~الذراع للوقوف على ما وقعت الظلامة منه، وكشف الصورة فيه. فخرجا وفي القوم ~~علي وجعفر ابنا الفرات، ومحمد بن داود بن الجراح وعلي بن عيسى، وإسماعيل ~~ابن إسحاق وأبو الخازم القاضيان، وإبراهيم بن عبد الله عامل بادوريا وجماعة ~~من # PageV01P278 # تنائها وشيوخها، ووصلوا إلى الموضع واستدعوا الدهاقين بسقي الفرات، ~~واستقر الأمر على أن ذرع الباب الكبير بذراع السواد، فكان ستة عشر ذراعا، ~~وذرعت الأربعة الأبواب الصغار، فكان كل واحد منها ثمانية ms221 أذرع، وكان مقام ~~الماء على الصب الذي قسمت عليه الأبواب فوق الدكة أربعة أذرع ونصفا في أيام ~~الطنكاب وقلة الماء. وسئل أهل بادوريا عما عندهم، فأقاموا على أن عرض الباب ~~الكبير خمسة وثلاثون ذراعا، وقاربوا أهل سقي الفرات في الأبواب الصغار ~~وقالوا: لولا أن سعة الباب ما ذكرنا لما أمكن انحدار زورق في الباب ولا طوف ~~من طواف الزيت والخشب، وأنكر أهل الأعلى قولهم، وطالبوهم بالشاهد عليه، فلم ~~يأتوا به، واختلفت الأقوال مع الإجماع على أنه فوق العشرين ذراع. فقال أبو ~~الحسن بن الفرات للقاسم بن عبيد الله: قد كثر أيها الوزير الاختلاف ~~والتلاحي والأقاويل والدعاوي، فليأمر بكتب ما يقوله كل فريق ليتحصل ويعلم، ~~ولا يقع عنه رجوع من بعد. فأمر بذلك، وأخذت الخطوط به. ثم قال ابن الفرات: ~~فيسألهم الوزير: هل كانت قراقير الرمان وأطواف الزيت والخشب تنحدر في الباب ~~أم لا؟ قالوا: بلى. قال: فلينفذ الوزير ثقة من ثقاته مع صاحب للقاضي حتى ~~يذرع عرض قراقير الرمان التي ترد دجلة من هذا الباب. فذرعت عشرة قراقير، ~~فكانت سعتها ما بين عشرين ذراعا. وكتب بذلك إلى المعتضد بالله، وأقام القوم ~~بمكانهم إلى أن ورد أمره بأن يجعل الباب الكبير # PageV01P279 # بالذراع السوداء اثنين وعشرين ذراعا، والأبواب الصغار على رسمها. # وحدث محمد قال: كان أبو الحسن بن الفرات يستظهر في نفقات المصالح. ~~ويستكثر من إعداد الآلات على الأماكن التي تخاف الحوادث منها، فلما ولى علي ~~ابن عيسى العباس بن منصور على المصالح أظهر العفة وقلل النفقة، ونسب ابن ~~الفرات فيما كان يفعله ألى التفريط والإضاعة. وقدر للنفقة على بزند من ~~بزندات نهر الرفيل ثلاثون دينارا، فلم يطلقها، وقال: نفقة هذا البزند واجبة ~~على صاحب الضيعة لأنها قطيعة. فأحدث فعله انفجار البثق المعروف بأبي الأسود ~~في نهر الملك، فخرج إليه إبراهيم بن عيسى وأنفق عليه سبعمائة ألف درهم، ~~وذهب من ارتفاع السلطان ببهرسير والرومقان وإيغار يقطين أضعاف ذلك، وكثرت ~~البثوق والجبايات في نفقاتها والمضرة بحوادثها. # وحدث أبو بكر بن ثوابة قال: سمعت ms222 أبا الحسن بن الفرات يقول: حدثني أبو ~~العباس أخي قال: قال لي عبيد الله بن سليمان: قد ألح علي أمير المؤمنين بأن ~~أجعل بالجانب الغربي بإزاء داره ميدانا يكون تكسيره مائتي جريب. فقلت: أعوذ ~~بالله أيها الوزير من ذلك. قال: فإني لا أجترئ على مخالفته ومراجعته. قال ~~له أبو العباس: فإذا عاود فاذكرني له لأعرفه ما في ذلك عليه. فعاود المعتضد ~~بالله عبيد الله بن سليمان وضجر عليه من تأخيره ما أمره به. فقال: يا أمير ~~المؤمنين، بالباب أحمد بن محمد بن الفرات، فإذا شرفه أمير المؤمنين بالوصول ~~إلى حضرته ذكر ما عنده في ذلك. فأذن له، فحضر وسلم وخدم، فقال له المعتضد ~~بالله: ما عندك؟ فقال: طساسيج السواد يا أمير المؤمنين أربعة وعشرون # PageV01P280 # طسوجا، أجلها طسوج بادوريا وهو اثنا عشر رستاقا، أجلها رستاق الكرخ وهو ~~اثنتا عشرة قرية، وأجلها ما على دجلة، وكل جريب منه يساوي ألف دينار، ويغل ~~ألف درهم، أفيرى أمير المؤمنين إضاعة مائتي ألف دينار يشيع خيرها فيما لا ~~فائدة فيه؟ قال: لا والله، فاطلبوا لنا موضعا آخر. قال: يكون ما بين الحلبة ~~والرحبة. فتقدم بالعمل على ذلك. قال أبو بكر: وسمعت أبا الحسن بن الفرات ~~يقول: أصل العمارة وزيادة الارتفاع حفظ البذور، ولن يتم ذلك إلا بالعدل. ~~ويقول: الضمان يذهب بالارتفاع كما يذهب الساكن بالعقار. وسمعته يقول: سبيل ~~العامل أن يؤدب على الزيادة في المساحة كما يؤدب على الاقتطاع منها. قال: ~~ووقع يوما بحضرتي إلى بعض العمال وقد رفع إليه صاحب الخبر أنه صفع واحدا من ~~التناء لتقاعده بأداء الخراج: في الحبس للتناء مأدبة، فلا تعامل بعدها أحدا ~~بهذه المعاملة فأمكنه من الاقتصاص منك. قال: وسمعته يقول: أحسنت إلى بعض ~~الأكرة والمزارعين في ناحية كحلة من طسوج الأنبار بنحو مائة درهم، فأخلف ~~علينا ذلك عشرة آلاف دينار، وذلك أنه صار الرجل المسامح إلى بعض البلدان ~~فذكر أنه أحسن إليه في معاملته بمائة درهم، فرغب أهل البلد في الانتقال إلى ~~قرى كحلة، فانتقلوا وعمروا، وارتفعت في ms223 تلك السنة بعشرة آلاف دينار، ~~ووكيلنا فيها محمود بن صالح. # قال أبو بكر: كتبت إلى أبي الحسن بن الفرات أسأله أن يرد إلي شيئا أتولاه ~~وأجعل جاريه لأبي علي أبي. فوقع لي بخطه: وصلت رقعتك جعلني الله فداك # PageV01P281 # ولأاعمال كثيرة، غير أنك تكره القضاء، والعمالة فلا تدخل فيها، والحسبة ~~فلا تصلح لك، والمظالم فتجري مجرى الحكم والذي يصلح لك أن تعقد عليك الغلات ~~في عدة طساسيج تختارها من السواد، فإن أردت جميع غلات السواد كان ذلك لك ~~مبذولا، فاعمل على ذلك فأنه أصلح لك وأعود عليك أن شاء الله. وذكر أنه كان ~~بمدينة السلام رجل من أهل الأهواز يتحلى بالقضاء، وكانت له حال واسعة ونعمة ~~ظاهرة، وعادته جارية بالحيلة على الناس وأخذ أموالهم بالتمويهات ~~والتزويرات. فصار إليه رجل من أهل إسكاف بني الجنيد وسأله أن يسعى له في ~~تقليده ناحية أسماها. فتركه أياما، ثم دفع إليه كتابا بتقليدها، وأعلمه ~~مواقفته الوزير أبا الحسن علي بن الفرات على تقدمة خمسين ألف درهم. فأخذ ~~الرجل الكتاب، وأقرض من بعض التجار المال وسلمه إليه ليحمله إلى الوزير، ~~وواعده إلى البكور إليه في غد ذلك اليوم للقاء الوزير ووداعه، وفارقه. وغدا ~~إليه على وعده فلم يره، وخاف أن ينتهي إلى الوزير خبره بالحضرة فينكره، ~~فدخل إليه وتقدم فقبل يده واستأمره في الخروج. فقال له الوزير: إلى أين؟ ~~قال إلى حيث قلدتني. قال ما قلدتك شيئا فأخرج الكتب وعرضها عليه فلما قرأها ~~الوزير عجب منها، وسأل عمن تنجزها له. فأسمى القاضي وأعلمه أنه أخذ منه ~~خمسين ألف درهم باسمه، فأمر بطلبه فطلب فقيل إنه هرب. فقال الوزير. الحيلة ~~علي تمت. ووقع في الكتب وأمضاها وكتب له بالعوض عن المال وأمره بالنفوذ. # وحدث أبو الحسن علي بن جعفر الهمذاني الكاتب قال: لما تقلد أبو الحسن بن ~~الفرات الوزارة حضره من عمال علي بن عيسى العباس # PageV01P282 # ابن موسى بن المثنى، وابن أمينة، وأحمد بن محمد بن سمعون وكان يخلف أبا ~~ياسر على أعمال الأنبار، وأمر بأن يخرج ms224 إليه تقدير الغلات من النواحي التي ~~كانوا يتقلدونها، وأخرج. ونظر في تقديرات ابن المثنى، وكان يتولى كوثى ونهر ~~درقيط، فوجده يعجز نحو ستة آلاف كر بالفالج، وقال له: من أنت؟ فقال. العباس ~~بن موسى ابن المثنى من أهل همينيا. فقال ابن الفرات: كان المثنى بندارا ~~ويحلف على الكذب أكثر مما يحلف على الصدق وقد حلقت نصف لحيته على اقتطاع ~~اقتطعه. ونظر في تقدير أبي ياسر فوجده يعجز اثني عشر ألف كر، وقال لابن ~~سمعون: من أين أنت؟ قال: من أهل جرجرايا. فقال. لم أعرف بجرجرايا هذا ~~الاسم، ولكنك من قرية البرت، وكان أبوك هرك فلان. ونظر في تقدير ابن أمينة ~~فوجده يعجز ثمانية آلاف كر. فقال: يا أبا الحسن علي بن عيسى، شغلت نفسك ~~بأخلاق المملكة والنظر في علوفة البط، والحطيطة من أرزاق الناس وما يجري ~~هذا المجري من الصغائر المستهجنات، لعمارة بيدر واحد أصلح للسلطان وأعود ~~عليه من توفيرك ما تقربت به إليه. ثم تقدم بمحاسبة الجماعة. # PageV01P283 ### | محمد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان # أبو علي محمد بن عبد الله بن يحيى بن خاقان. # كان أبو علي أكبر ولد أبيه، وتقلد بعد وفاته ديوان زمام الخراج والضياع ~~السلطانية في وزارة الحسن بن مخلد فلما صرف الحسن وتقلد سليمان بن وهب قلده ~~نفقات أبنية المعتمد على الله بالمعشوق في الجانب الغربي الذي من سر من ~~رأى، ثم صرفه المعتمد فلازم بيته إلى أن تقلد أبو القاسم عبيد الله بن ~~سليمان فرد إليه البريد بكورتي ما سبذان ومهرجا نقذف. وكان أبو القاسم عبد ~~الله ابنه صحب أبا القاسم عبيد الله بن سليمان عند حصوله بالجبل مع بدر ~~المعتضدي فضمه إلى أبي عبد الله محمد بن داود بن # PageV01P284 # الجراح، وأبو عبد الله يتقلد ديوان الإشراف، فرد إليه الإنشاء فيه، وولى ~~أبو عبد الله محمد بن داود ديوان الجيش فنقله إليه، وأقام أبو علي على ~~البريد وعبد الله ابنه في ديوان الجيش إلى أن تغيرت الأمور في فتنة عبد ~~الله بن المعتز، ms225 وتقلد أبو الحسن ابن الفرات، فخافه أبو علي لشيء أنكره ~~منه، واستتر عنه، وأقام على الاستتار والسعي على ابن الفرات، إلى أن قبض ~~على ابن الفرات وتقررت الوزارة لأبي علي، وأنفذ إليه من دار السلطان، وظهر ~~وحضر ومعه إبناه عبد الله وعبد الواحد وذلك في اليوم الرابع من ذي الحجة ~~الذي وقع القبض فيه على ابن الفرات، ووصل إلى حضرة المقتدر بالله فقدمه ~~وأكرمه وقلده وزارته وتدبير أموره، وانصرف وعاد من غد وخلع عليه وحمل على ~~فرس بمركب ذهب، وركب ومعه الحجاب والغلمان والقواد، وأقطعه المقتدر بالله ~~ما في # PageV01P285 # يد ابن الفرات من الضياع العباسية، وأجري له خمسة آلاف دينار في كل شهر ~~على رسم ابن الفرات، ولعبد الله ألف دينار ولعبد الواحد خمسمائة دينار، ~~ووهب له دار صاعد بن مخلد على دجلة، وأعطي ورثته شيئا عنها، وأشهد عليهم ~~بها وعمرها ونزلها. وقلد أبا القاسم عبد الله ابنه العرض على المقتدر بالله ~~وكتابة الأمراء، وخلع علي عبد الواحد أخيه وعول علي أبي الحسن بن أبي البغل ~~في مناظرة ابن الفرات ومطالبته فاستخرج منه صدرا كبيرا. ثم ورد أبو الهيثم ~~العباس بن محمد بن ثوابة من الموصل، فولاه ذلك، فجد أبو الهيثم بأبي الحسن ~~بن الفرات وكتابه وأسبابه وعسفهم، وزاد في الاستقصاء عليهم، وإيقاع المكروه ~~بهم حتى حصل منه ومنهم الجملة التي ذكرناها في أخبار ابن الفرات. وتقدم أبو ~~الهيثم عند الوزير أبي علي بهذا الفعل، فقلده ديوان الدار الكبير، وبسط يده ~~حتى أمر ونهى، وعزل وولى، وغلب على أكثر الأعمال. وكانت فيه سطوة وخشونة ~~جانب، فاستجاز لجزف واستعمل العسف، وقسط على أصحاب الدواوين والقضاة وأسباب ~~السلطان مالا على وجه القرض الذي يسبب لهم عوضه على النواحي، وصادر قوما من ~~الكتاب منهم المادرائيون، فلم تقع هذه الأسباب موقعا فيما تدعو إليه ~~الحاجة، ولا أثرت إلا القباحة والشناعة. وحول من بيت مال الخاصة إلى بيت ~~مال العامة ألف ألف وستمائة ألف دينار في مدة نظر أبي علي الخاقاني على ~~سبيل القرض، ولم ms226 يؤد من عوض ذلك سوى أربعين ألف دينار. وكان في أبي علي ~~إهمال للأمور واطراح للأعمال وتلون في الأفعال، فكانت الكتب ترد عليه وتصدر ~~جواباتها عنه من غير أن يقف عليها أو يأمر بشيء فيها، وإذا أخرجت إليه ~~جوامعها تركها أياما فلم # PageV01P286 # يطالعها، وربما وردت رسائل بحمول، وكتب فيها سفاتج بمال فتبقى أياما لا ~~تفض، وإذا قلد عامل اتبع بمن يعزله قبل وصوله إلى عمله وأتبع الصارف بمن ~~يصرفه. فقيل إنه اجتمع في خان بحلوان سبعة انفس، وقد قلد كل واحد منهم ماء ~~الكوفة في عشرين يوما. وبالموصل خمسة قد قلدوا قردي وبزبدي، وأنهم اجتمعوا ~~وتشاركوا ما دفعوا إليه، وخرج عن أيديهم من نفقاتهم وما بذلوه عن تقليدهم ~~على أن ينالوا من مال العمل ما قدموه وأنفقوه، واستظهروا لنفوسهم به وخلوا ~~العمل على آخر من ورد الناحية. وكان إذا سئل حاجة دق صدره بيده وقال: نعم ~~وكرامة، حتى لقب دق صدره بذلك، وبسط يده وأيدي أولاده وكتابه بالتوقيعات ~~بالصلات والإطلاقات، والإقطاعات والتسويغات وتخفيف الطسوق والمعاملات، وأخذ ~~المرافق على إضاعة الحقوق وإسقاط الرسوم، فسخفت الوزارة وأخلقت الهيبة ~~وزادت الحال، في إخلال الأعمال، ووقوف الأموال، وقصور المواد، وتضاعف ~~الاستحقاقات، واشتداد المطالبات، وشغب الجند شغبا بعد شغب وتسحبوا على ~~السلطان تسحبا بعد تسحب، وأخرج إليهم من بيت مال الخاصة الشيء بعد الشيء ~~الذي بلغ تلك الجمله # المذكورة. حتى إذا انحل النظام وبان الانتشار وتصور المقتدر بالله الصورة ~~فيما تطرق من الوهن على المملكة، شاور مؤنسا الخادم فيمن يقلده الوزارة. ~~وجاراه ذكر ابن الفرات، ورده فقال: لم يطل يا أمير المؤمنين العهد بعزله، ~~وربما ظن الناس وأصحاب الأطراف أن عزله كان طمعا في ماله. وأصحاب الدواوين ~~الذين دبروا الأمور والأعمال منذ أيام المعتضد بالله هم إبنا الفرات ومحمد ~~بن داود بن الجراح ومحمد بن عبدون وعلي بن عيسى بن داود بن الجراح، فأما ~~إبنا الفرات فقد توفي منهما أبو العباس وتقلد الآخر الوزارة وجرب نظره ~~وأثره. وأما محمد بن عبدون ومحمد بن داود فقد ms227 مضيا عقب فتنة ابن المعتز، ~~ولم يبق من الجماعة من هو أسد تصرفا، وأشد تعففا وأظهر كفاية، وأكثر أمانة، ~~من علي بن عيسى. فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر باستقدامه واستخدامه، لم ~~يعدم إحماد الرأي في بابه. فأمره بإنفاذ يلبق لإحضاره، ووقف الخاقاني على ~~أمره ورسم له. استدعاؤه واستخلافه على الدواوين. فكتب إلى عج بن عاج ~~بإنفاذه، ووجه مؤنس يلبق حاجبه ليلقاه، وتدافع الأمر إلى أن وصل يلبق إلى ~~مكة، وشهد الموسم مع أبي الحسن علي بن عيسى، وقضيا حجهما وأقبلا. وعند أبي ~~علي أنه يقدم على القاعدة التي تقررت معه في استخلافه على الدواوين، ولم ~~يكن ذلك كذلك، وإنما أريد ليقام مقامه، حتى إذا انكشف له باطن السر في ~~بابه، توصل إلى إصلاح خواص المقتدر بالله وبطانته، ونقض ما دبر في أمر علي ~~بن عيسى وتسليمه إليه، ورتب على ما ظن أنه أخذ بالوثيقة فيه. وورد أبو ~~الحسن علي بن عيسى ابن داود في سحرة اليوم العاشر من المحرم سنة إحدى ~~وثلاثمائة، ووصل إلى حضرة المقتدر بالله وقت صلاة الصبح. وبكر أبو علي ~~الخاقاني ومعه إبناه إلى الدار على رسمه، وهو واثق بأن أبا الحسن علي بن ~~عيسى يسلم إليه، وجلس في المجلس الذي جرت عادته بالجلوس فيه إلى أن يؤذن له ~~في الوصول. وقلد أبو الحسن الوزارة وانصرف إلى داره، ووكل بأبي علي وابنتيه ~~وابن سعد حاجبه وأبي الهيثم بن ثوابة وجماعة من كتابه، فكانت مدة نظره سنة ~~واحدة وشهرا وخمسة أيام. ة. حتى إذا انحل النظام وبان الانتشار وتصور ~~المقتدر بالله الصورة فيما تطرق من الوهن على المملكة، شاور مؤنسا الخادم ~~فيمن يقلده الوزارة. وجاراه ذكر ابن الفرات، ورده فقال: لم يطل يا أمير ~~المؤمنين العهد بعزله، وربما ظن الناس وأصحاب الأطراف أن عزله كان طمعا في ~~ماله. وأصحاب الدواوين الذين دبروا الأمور والأعمال منذ أيام المعتضد بالله ~~هم إبنا الفرات ومحمد بن داود بن الجراح ومحمد بن عبدون وعلي بن عيسى بن ~~داود بن الجراح، فأما ms228 إبنا الفرات فقد توفي منهما أبو العباس وتقلد الآخر ~~الوزارة وجرب نظره وأثره. وأما محمد بن عبدون ومحمد بن داود فقد مضيا عقب ~~فتنة ابن المعتز، ولم يبق من الجماعة من هو أسد تصرفا، وأشد تعففا وأظهر ~~كفاية، وأكثر أمانة، من علي بن عيسى. فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر ~~باستقدامه واستخدامه، لم يعدم إحماد الرأي في بابه. فأمره بإنفاذ يلبق ~~لإحضاره، ووقف الخاقاني على أمره ورسم له. استدعاؤه واستخلافه على ~~الدواوين. فكتب إلى عج بن عاج بإنفاذه، ووجه مؤنس يلبق حاجبه ليلقاه، ~~وتدافع الأمر إلى أن وصل يلبق إلى مكة، وشهد الموسم مع أبي الحسن علي بن ~~عيسى، وقضيا حجهما وأقبلا. وعند أبي علي أنه يقدم على القاعدة التي تقررت ~~معه في استخلافه على الدواوين، ولم يكن ذلك كذلك، وإنما أريد ليقام مقامه، ~~حتى إذا انكشف له باطن السر في بابه، توصل إلى إصلاح خواص المقتدر بالله ~~وبطانته، ونقض ما دبر في أمر علي بن عيسى وتسليمه إليه، ورتب على ما ظن أنه ~~أخذ بالوثيقة فيه. وورد أبو الحسن علي بن عيسى ابن داود في سحرة اليوم ~~العاشر من المحرم سنة إحدى وثلاثمائة، ووصل إلى حضرة المقتدر بالله وقت ~~صلاة الصبح. وبكر أبو علي الخاقاني ومعه إبناه إلى الدار على رسمه، وهو ~~واثق بأن أبا الحسن علي بن عيسى يسلم إليه، وجلس في المجلس الذي جرت عادته ~~بالجلوس فيه إلى أن يؤذن له في الوصول. وقلد أبو الحسن الوزارة وانصرف إلى ~~داره، ووكل بأبي علي وابنتيه وابن سعد حاجبه وأبي الهيثم بن ثوابة وجماعة ~~من كتابه، فكانت مدة نظره سنة واحدة وشهرا وخمسة أيام. # وحكي أن السبب في تقليد الخاقاني الوزارة أن دستنبوية أم ولد المعتضد ~~بالله # PageV01P287 # قامت بأمره مع المقتدر بالله، لأنه بذل لها مائة ألف دينار. وبلغ أبا ~~الحسن ابن الفرات ما هو ساع فيه فهم أن يقبض عليه، فاستتر وجد ابن الفرات ~~في طلبه، فنبه على أمره، وظن أن نفوره منه أفضل فيه عنده، وأشير عليه ms229 بأن ~~يؤمنه ويوليه بعض الدواوين ليزول الخوض في بابه ويختلط بكتابه، فلم يفعل. ~~فكان أبو علي ينمس على الخدم بالصلاة وإظهار التسنن، فإذا وافاه خادم برقعة ~~أو رسالة تركه زمنا طويلا إلى أن تتم صلاته، وكان يطيلها ثم يتبعها ~~بالتسبيح، فيصفونه بالديانة، ويميلون إليه بهذه الوسيلة. ### || أخبار أبي علي المنثور # حدث أبو الحسن علي بن هشام قال: حدثني أبو عبد الله الحسن بن علي ~~الباقطاني، وأبو الفضل بنان بن بنان وعلي بن عيسى الزنداني النصرانيان ~~قالوا: حدثنا أبو علي محمد بن عبيد الله الخاقاني قال: لما تمادت الأيام ~~بما وعدنيه المقتدر بالله من القبض علي أبي الحسن بن الفرات وتقليدي ~~الوزارة استعظم الحال في نكبته وأشفق من حادث يحدث بذاك في دولته، وعلمت ~~أنه لا ينفع في ذاك ألا إعمال الحيلة. وكنت أتتبع الأخبار في استتاري ~~فجاءتني في بعض الأيام امرأة من عجائزنا وقالت: رأيت الساعة عمارية على ~~بغال، وجندا وغلمانا يمضون إلى باب الكناس يريدون الكوفة، وربما كان ذاك ~~لخارجي خرج وفتق حدث. فكتبت إلى أبي عيسى يحيى ابن إبراهيم المالكي أسأله ~~عن هذا الأمر، وكان ظاهرا متبصرفا، فأجابني بأن ملاحاة جرت بين هشام بن عبد ~~الله وعبد الله بن جبير # PageV01P288 # كاتبي ابن الفرات فيما يحتاج إليه من الإبل والبقر والغنم للأضاحي في عيد ~~النحر، ورسوم الأولياء والحواشي. # قال أبو الحسن: وكان الرسم جاريا بأن يفرق على القواد والفرسان والغلمان ~~الحجرية والرجالة والخدم والبوابين والفراشين وأصحاب الرسائل والفرانقيين ~~ووجوه الكتاب وأصاغرهم وخزان الدواوين في كل عيد. من شاة إلى عدة بعران، ~~وتنحر في المصلى سبعون ناقة ويلتزم على ذلك مال جليل، فأسقطه علي بن عيسى ~~في وزارة حامد ابن العباس واستيلائه على الأمور. قال المالكي: فأشار ابن ~~جبير على ابن الفرات مغايظة لابن الدردي الذي ضمنه إقامة الأضاحي، وإظهارا ~~لتوفر فيها أن يقلد ذلك رجلا أسماه، وكان من أولاد الكتاب متخلفا منزقا ~~فقلده، وأمره بالخروج إلى الكوفة لتحصيل ما يراد من هذه الأضاحي في فسحة من ~~الوقت، قال الخاقاني: ms230 فتجلف الرجل وخرج بهذا الزي والصفف وترك العمارية ~~فارغة ليبعد عن البلد ثم يركبها وركب الدواب فتأتت لي الحيلة في الحال، ~~وكتبت رقعة إلى أم موسى القهرمانة أقول فيها قد أحضر ابن الفرات رجلا علويا ~~قريب النسب من صاحب الخال الذي قتله المكتفي بالله، وعزم على إجلاسه في ~~الخلافة يوم عيد النحر، والجند والناس متشاغلون بصلاة العيد، وإن من الدليل ~~على ذلك إنفاذه عاملا من ثقاته إلى الكوفة ومعه عمارية خرجت فارغة ظاهرا، ~~لم يخف خبرها لركوب العلوي فيها متخفيا ليحصل بالقرب من بغداد قبل الوقت ~~الذي يفعل فيه ما يفعل قال: # PageV01P289 # وعظمت القصة وقلت. إن لم يعالج ابن الفرات تمت الحيلة الموضوعة. ثم ~~سألتها مطالعة الخليفة والسيدة بذلك، وكتمانه عن كل أحد بعدهما لئلا ينم ~~الحديث إلى ابن الفرات فيبطل ما رتبه. ففعلت أم موسى، وأنفذ المقتدر بالله ~~شفيعا خادم السيدة إلى القصر على وجه التصيد حتى عرف خبر العمارية الفارغة، ~~ورأى زي العامل الذي هو أكثر من عمله. فلم يشك المقتدر بالله في صحة ما ~~ذكرته، واستظهر بأن شافه مؤنسا وغريبا الخال بذلك، وكانا عدوي ابن الفرات ~~ومعي في التدبير عليه، فقالا: هو خبر مستفيض. وقوياه في نفسه، وقالا له: إن ~~لم تعالجه امتنع من حضور الدار، واعتصم بمن يساعده من الجيش على كثرتهم. ~~فقبض عليه في يوم الأربعاء الثالث من ذي الحجة من سنة تسع وتسعين ومائتين. ~~قال أبو الحسن بن هشام: فحدثني أبو عبد الله بن عبد الأعلى الإسكافي كاتب ~~نصر القشوري الحاجب قال: كنت بحضرة صاحبي في يوم للعرض على ابن الفرات، ~~فرأيته قد خاف خوفا شديدا، فقلت: ما الخبر أيها الأستاذ؟ قال: ويحك، جاءني ~~الساعة خادم ممن أعول عليه في مراعاة أخبار الخليفة، فعرفني أنه شاهده وقد ~~جمع جماعة من خواص خدمه، وأقامهم حواليه بالسلاح، وأسبل الستور والستائر في ~~الدار التي هو وهم فيها، وهذا لأمر كبير ما أعلم ما هو. فما مضت ساعة حتى ~~وافى أبو الحسن بن الفرات، وخرج نصر الحاجب فتلقاه ms231 على رسمه، ودخل إلى دار ~~الوزارة المرسومة به، وأنفذ نصر يستأذن في وصوله. فخرجت رسالة الخليفة: ~~بأني # PageV01P290 # في دار خلوة، فقل له يدخل وحده مع بعض الخدم، ولا يصحبه منكم أحد، واحبس ~~أنت القواد واصرفهم، فليس هو يوم وصول. # فدخل ابن الفرات مع الخدم، وقبض عليه نذير الحرمي وخدم السيدة في طريقه، ~~وعدلوا به إلى حيث حبسوه فيه، وعرف نصر الحاجب الحال فأشفق من القبض عليه ~~أو صرفه، ولم يزل مروعا إلى أن تصرم النهار. فعلمت أن أولئك الخدم أقيموا ~~لخوف المقتدر بالله ألا يتم له القبض عليه، وأن الجيش ربما هجموا فمنعوا ~~منه. # قال أبو الحسن: وكان الرسم إذا دخل الوزير على الخليفة وخدمه ألا يقبض ~~عليه في ذلك اليوم، لا في داره ولا منصرفا عن حضرته، إيجابا لحق الوصول ~~وحرمته، وإنما يقبض عليه في بعض الممرات عند دخوله من قبل أن تقع عينه ~~عليه. وكان أيضا من الرسم أن يكون للوزير دار مفردة في دار الخلافة يجلس ~~فيها وينظر، منذ أيام صاعد وإلى أيام الخاقاني الأكبر، ويجلس الخواص ~~والحواشي بين يديه. فلما ولي الخاقاني صارفا لابن الفرات جلس في دار الحاجب ~~متقربا إليه ومداريا له، وفعل علي بن عيسى بعده مثل فعله. فلما عاد أبو ~~الحسن بن الفرات إلى الوزارة عاد إلى الدار الأولى المفردة، وشق ذاك على ~~الحاشية، وتقلد حامد فجلس في دار الحجبة، ورجع ابن الفرات في الدفعة ~~الثالثة فرجع إلى الدار القديمة، ثم بطل الجلوس فيها بعده. # وحدث أبو عيسى أخو أبي صخرة قال: كان أبو علي الخاقاني يتهمني بمودة أبي ~~الحسين بن أبي البغل. فلما استدعي وقرب من بغداد خرجت إليه وتلقيته، وثقل # PageV01P291 # ذاك على أبي علي، وأرجف الناس به، وبأنه أقيم بلغة إلى أن يرد أبو الحسن. ~~وكان أبو الحسن أخو أبي الحسين قد تقلد مناظرة أبي الحسن بن الفرات وأسبابه ~~في دار السلطان، وإثارة ودائعهم، بعناية أم موسى وقيامها بأمره، سعت أم ~~موسى وابن الحواري في تقليد أبي الحسين ابن أبي البغل. ms232 وقد كان ظهر من ~~اختلال نظر الخاقاني وسوء تدبيره ووقوف الأمر على يده ما دعا إلى صرفه قبل ~~تطاول المدة. وعرف الخاقاني ما يجري الخوض فيه، فتوصل إلى فسخه بحيلة ~~عملها، وذاك أنه قال لأبي القاسم ابنه: ادع دعوة اجمع فيها أصحاب الدواوين ~~ووجوه القواد وإخوتك وكتابنا، فإن لذة الوزارة في ظهور الرئاسة، وإلا فما ~~الفرق بين العمل والعطلة؟ فقال: السمع والطاعة. وعين له في ذلك على يوم سبت ~~لأنه لا موكب فيه، ودعا الجماعة فلما حصلوا عند أبي القاسم ابنه وقد كتم ~~رأيه فيما هو مدبره عنه وعن كل أحد مضى وقت العصر من ذلك اليوم إلى دار ~~الخلافة وقال لنصر الحاجب: استأذن لي على أمير المؤمنين لأجاريه مهما لا ~~يحتمل تأخر وقوفه عليه، فذكر نصر ذلك للمقتدر بالله، فقلق وخاف من حدوث ~~حادث عظيم، فأوصله. فلما دخل إليه ودنا منه قال: ها هنا مهم لا يجوز أن ~~يحضره أحد، فانصرف نصر الحاجب وسائر من في المجلس حتى بقيا خاليين، ثم قال ~~له الخاقاني: قد رفعتني يا أمير المؤمنين بعد ذلة وأغنيتني بعد قلة، وما ~~قصرت في خدمتك، ولا قعدت عن ممكن في تمشية أمور دولتك، وفيما بان من ~~اجتهادي أخذي من أموال ابن الفرات ما مبلغه ألفا ألف دينار وكسر سوى ~~الأمتعة الجليلة. وما أدفع أني لست كهوفي الكفاية لطول عطلتي ودربته، ~~واعتزالي وتصرفه، ولكنني مأمون على أيامك، ومعتقد لامامتك # PageV01P292 # وهؤلاء الرافضة كلهم أعداؤك، ورأيهم مع الطالبيين لا معك ولا مع آبائك. ~~وقد وفر الله عليك من ارتفاع ضياع ابن الفرات ما قدره ألف ألف دينار في ~~السنة، وليس يبلغ أثر تقصيري في تدبيري على ما يقال لك هذا القدر، فكيف ~~وليس الأمر على ما يدعي؟! وما استعنت إلا بالكفاة الذين كانوا يعملون مع ~~عبيد الله بن سليمان والقاسم ابنه، وابن الفرات بعدهما، والأمور منتظمة ~~بهم، وقد أمنت بذلك عدوا يسعى على أصول الدولة. ولعمري إن ولدي وحاشيتي قد ~~مدوا أيديهم إلى قبول هدايا العمال ومرافقهم لأنهم كانوا ms233 فقراء، وعقيب محنة ~~طويلة وعطلة متصلة، لكننا ما أخذنا حبة واحدة من الأصول، وقد غنينا الآن ~~بما حصل لنا وبل أحوالنا، وسأحلف آنفا على استئناف الأمانة، واستعمال ~~النزاهة، وأضبط أولادي وأصحابي عن أخذ درهم واحد. وابن أبي البغل أعظم ~~عداوة لمولانا من ابن الفرات، لأنه رجل ملحد، يبطل الإسلام والنبوة، ويلهو ~~بالقرآن، ويدعي الخطأ فيه، وقد أخرج عيوبه وصنف فيه كتابا، فكيف يوثق بمن ~~هذه حاله عل الخدمة وقد ضافره جماعة من عمالي على أمره، وتربصوا بما قبلهم ~~من الأموال توقعا لأيامه. وقد بلغني اليوم أنه قال لثقاته: إن أمير ~~المؤمنين قد أنفذ إليه على يد فرج النصرانية صاحبة أم موسى خاتمه، وجعله ~~على ثقة من تقليده في يوم الموكب الأدنى فإن كان ذلك حقا فقد حضرت دار أمير ~~المؤمنين بعد أن جمعت عند ابني جميع أولادي وأقاربي وكتابي وأصحابي، ولم ~~أطلعهم على أمري، فإن أراد مولانا وهم بالقبض عليهم فنحن في يده، فيأمر ~~بإنفاذ من يتسلم الجماعة بعد أن تحرس نفوسنا بكوننا عنده. فقد يجوز أن ~~نستخدم في كتابة السيدة والأمراء ولا نخرج عن الجملة. وأن يفضل مولانا ~~بإتمام صنيعته، وتمكيني من هذا الملحد ابن أبي البغل الذي # PageV01P293 # أبعده الوزراء قبلي لشره، وطردوه من الحضرة لقبح فعله، وكانوا أعرف به ~~مني أثرت من جهته وجهة أخيه مالا كثيرا، أذ كان أخوه قد اقتطع من مال ابن ~~الفرات الذي تولى إثارته صدرا كبيرا. وبكى ورقق المقتدر بالله، وأطمعه، فرق ~~له ورحمه، وتوقف عن أمر ابن أبي البغل، وقال للخاقاني: ما أردت صرفك، ولو ~~كنت أردته لزلت عنه الآن مع سماعي ما سمعته منك، وقد أطلقت يدك في ابن أبي ~~البغل وأخيه، فاقبض عليهما وأبعدهما. فقال: يا أمير المؤمنين كانت أم موسى ~~سعت لي في هذا الأمر، وقد تغيرت علي، وعدلت عني إلى السعي لابن أبي البغل # والقيام بأمره، وأخاف أن يفسد قلب السيدة فتثنيك عن هذا الرأي فأهلك أنا. ~~بأمره، وأخاف أن يفسد قلب السيدة فتثنيك عن هذا الرأي فأهلك ms234 أنا. # فعاهده ألا يطلع السيدة ولا غيرها على ما جرى بينهما إلى أن يتم القبض ~~عليه، فقال له الخاقاني: فيظهر أمير المؤمنين أني حضرت لأجل كذا وكذا، ~~لحديث علمه من أمور الأطراف. وخرج الخاقاني فجلس في دار الحجبة، وكتب بخطه ~~إلى أبي الحسن ابن أبي البغل: إن أمير المؤمنين قد طلب مني عملا لما صح من ~~أموال ابن الفرات وأسبابه فحضره الساعة، فإني مقيم في الدار أنتظرك. فما ~~بعد أن وافي ابن أبي البغل، فقال له الخاقاني: قد جرى بيني وبين أمير ~~المؤمنين في أمر أخيك ما لو توليته لما زدت علي فيه، وقررت معه تقليده أصول ~~دواوين السواد والمشرق والمغرب، ليكون هو على الأصول، وأبو بكر محمد ابن ~~علي المادرائي على الأزمة، وأتشاغل أنا بالخدمة، وتزول هذه الأراجيف ~~الواقعة، ونكون يدا واحدة في إثارة الأموال وتسديد الأحوال. فشكره ابن أبي ~~البغل على ذلك، وظن أنه شيء قرره الخليفة وأمر به ليجعله # PageV01P294 # طرفا إلى ما اعتقده، وسببا لسكون الخاقاني وألا يستوحش من الأقوال التي ~~تقال في الإرجاف به، وأن الخاقاني أدعى من ذاك ما ادعاه لنفسه تجملا وتمننا ~~عليه بما لا صنع له فيه. وأمره الخاقاني بمكاتبة أخيه بأن يسبقه إلى داره ~~ليوقع له بما رسمه أمير المؤمنين ويتسلم الدواوين. وكتب ابن أبي البغل إلى ~~أخيه بالصورة وبما حسبه فيها وقدره. فبادر دار الخاقاني وتأخر الخاقاني في ~~دار الخلافة إلى وقت صلاة المغرب، ثم انصرف ليلا، فساعة رأى ابن أبي البغل ~~حاصلا وقد صعد أخوه معه قبض عليهما، وأنزلهما في زورق مطبق، ووكل بهما ~~ثقاته وحدرهما إلى واسط لينفيهما منها إلى حيث يتقرر رأيه عليه. وعرفت ~~السيدة وأم موسى ما جرى، فقامت القيامة عليهما، وخاطبتا المقتدر بالله فيه ~~فقال. أنا أمرت به، ولا يجوز فسخه مع وقوعه، فكانت غاية ما عندهما أن سألاه ~~مراسلة الخاقاني بألا يصادرهما وأن يقلدهما بعض الأعمال لينفذ إليهما. ~~ووجهت أم موسى بأخيها وابن الحواري إليه، فما برحا حتى قلد أبا الحسين ~~أصبهان وأبا الحسن الصلح ms235 والمبارك وكتب بإطلاقهما وإنفاذهما إلى أعمالهما. ~~وحدث أبو بكر الزهري الأصبهاني الكاتب قال: لما تقلد القاسم بن محمد الكرخي ~~أصبهان، وقبض علي أبي الحسين بن أبي البغل، أقام في حبسه إلى أن تقلد ~~الأهواز وحمله معه، ومات القاسم وتقلد أبو عبد الله ابنه موضعه. وكتب أبو ~~الحسين بن أبي البغل من الحبس إلى أم موسى القهرمانة بالشروع له في ~~الوزارة، وبذل البذول الكثيرة، فقامت أم موسى بأمره وقررته مع المقتدر ~~بالله والسيدة، وكتبت إليه بذلك، وبأن الخليفة قد أمر بمكاتبتك بالإصعاد ~~ليستوزرك. فلما قرأ كتابهما لم ينتظر ورود كتاب السلطان، وخرج من الحجرة ~~التي كان معتقلا فيها، فقال له الموكلون به: إلى أين؟ فانترهم وشتمهم، ~~وأظهر الكتاب، # PageV01P295 # ورأى بغلا مسرجا لأبي عبد الله بن القاسم، فركبه يريد الدار التي فيها ~~رجاله وغلمانه. وعرف أبو عبد الله خبره، فخرج حافيا حتى لحقه وقد وضع رجله ~~في الركاب، فقال له: عرف الله الوزير البركة، وخار له فيه. فقبل ذلك منه، ~~ثم قال أبو عبد الله: ما ورد عللي الكتاب بشيء من هذا. أفأكتب إلى بغداد ~~بما فعله الوزير من خروجه عن محبسه، وركوبه من غير أمر ورد في بابه، ~~واحتجاجه بكتاب القهرمانة؟ فقال له: اكتب ما شئت. فوافى إلى داره واستأجر ~~سفنا، وسار من يومه عن الأهواز يريد الحضرة. وكتب أبو عبد الله إلى الوزير ~~الخاقاني بالصورة، فركب إلى المقتدر بالله، ودخل إليه وحل سيفه ومنطقته بين ~~يديه، وقبل الأرض وبكى، وأذكره بخدمته وحرمته، وحقوق أسلافه على أسلافه، ~~بعد أن عرفه حال ابن أبي البغل، وما أظهره بالأهواز، وما فعله، وبذل له أن ~~يقوم بكثير مما بذله ابن أبي البغل، واستحيا المقتدر بالله، ورق لقوله ~~وبكائه، وغاظته عجلة أبي الحسين بن أبي البغل، ومبادرته إلى الإصعاد قبل ~~ورود أمره عليه بذلك، فأمره برده من الطريق وترك الفسحة له في الورود. ~~وعرفت أم موسى ما جرى، فقامت عليها القيامة منه، وراجعت الخليفة، وأذكرته ~~بما قررته معه، فامتنع عليها من استيزاره، وأجابها إلى تعويضه ms236 من ذلك، ~~وإخراجه، من النكبة، ورده إلى أصبهان، وكتب له بتقليد هذه الناحية، ورسم له ~~الرجوع من حيث يلقاه الكتاب فيه، وألا يتمم إلى الحضرة. فاتفق أن وصل ~~الكتاب إليه وقد حصل بجرجرايا، فعاد مغموما وتوجه إلى # أصبهان. بهان. # قال أبو بكر الزهري: ولما وردها، نزل بظاهرها في بستان يسمى مابان، وخرج ~~الناس لاستقباله، ودخلت إليه، وجلست عنده. فلما خلا قال أعطني ذلك التقويم، # PageV01P296 # وأومأ إلى تقويم في زواية المجلس، فجئته به. فكتب على ظهره بيتين لنفسه ~~وأنشدنيهما، فسمعتهما منه وهما: # ولي همة تعلو السماكين رفعة ... وتسمو إلى الأمر الذي هو أشرف # وجدي عثور كلما رمت نهضة ... تقاعد بي يغتالني ليس ينصف # وله في هذا المعنى لما انتقض أمره في الوزارة: # أمل كان كضوء ال ... شمس في بعد المكان # فإذا صار على قر ... ب بلمس وعيان # استردته يد الده ... ر فعدنا في الأماني # ولأبي سعيد عبد الرحمن بن أحمد الأصبهاني الكاتب إلى أبي الحسين ابن أبي ~~البغل في هذا المعنى من قصيدة أولها يقول فيها: # نضا شيبه من جدة اللهو ما نضا ... وعوضه ثوب النهى فتعوضا # أقول وقد شمت البروق فلم أجد ... كبرق بدا من أصبهان فأومضا # سقى الرائح الغادي بلادا رفضتها ... ولم تك لولا أن نبت بي لترفضا # وهل هي إلا موطن لي محبب ... إلي أعادته الخطوب مبغضا # ولما تولاها الأغر محمد ... حدا ذكره شوقي إليه فأومضا # كأني بذاك الصقع قد حله أبو ال ... حسين فجادته يداه فروضا # فألبس فيه الأمن من كان خائفا ... وحكم في الإثراء من كان منفضا # وأصلح ملتاثا هناك بعزمه ... وقوم معوجا وذلل ريضا # PageV01P297 # وجازى بإحسان مسيئا ومحسنا ... وكل امريء يقضي الذي حيث أقرضا # وفيها يذكر الوزارة: # ووالله ما أدري أرأيك تنتضي ... أم القدر الماضي إذا الخطب أجهضا # ومعرضة عن خاطبيها تبرجت ... إليك على قصد فألفتك معرضا # رأت منكرا في الرأي أن رأب الثأي ... سواك امرؤ أو أن يمر فينقضا # فجاءتك تخطو العز ممن تعرضوا ... لها، وهي لا تألوك منها تعرضا # تجوب إليك البر والبحر ms237 والورى ... يحثونها لما رأوك لها رضا # فحاطك عنها الله علما بأنها ... مدى غاية إما انتهى فقد انقضى # وردك صونا للمكارم والعلى ... إلى منهج لا نبتغي عنه مدحضا # وليس بمغبوط أخو الرتبة التي ... إذا زل عنها قيس شبر فقد قضى # ولو كنت قد حملت أعباء ثقلها ... لحملت وزرا يترك الظهر منقضا # أعيذك والراجون طرا من التي ... تكون بها للنائبات معرضا # وهنئت أغباب الزمان بثابت ... من العز والسلطان لن يتقوضا # فإنك لم تحبس لسوء ولم تضم ... ولم تلف في تلك المقامات مدحضا # وما كان يدعي ذلك المجلس الذي ... تبوأته إلا عرينا ومربضا # PageV01P298 # وما كنت إلا السيف يرهب مغمدا ... وإن كان محصورا ويقطع منتضى # محمد يا حلف الندا يا بن أحمد ... نداء امريء أضحى إليك مفوضا # أترضى ببعدي عن ذراك فما أرى ... وراءك لي عيشا وإن كان مرتضى # فداؤك نفسي كم يد بعدها يد ... جبرت بها عظمي وكان مهيضا # أياد نمى طولا وعرضا غراسها ... تحق لشكري أن يطول ويعرضا # وله إليه في هذا المعنى من قصيدة: # أرادوا له ما لم يرده لنفسه ... لكى يدركوا عزا وفضل ثراء # وأفضل من نيل الوزارة لامريء ... بقاء يريه مصرع الوزراء # ولا سيما من كان مستوجبا لها ... وإن عاقه عنها اعتلال قضاء # ومن قد رأينا بالخلافة فاقة ... إلى مثله من راشدي الخلفاء # ومن هو معلوم بأن وفاءه ... بها لو يليها فوق كل وفاء # أريد له طول البقاء وقلما ... رأيت وزيرا نال طول بقاء # وذكر أبو الحسن ثابت بن سنان قال: لما ظهر من الاختلال في أيام الخاقاني ~~ما ظهر، كتب أبو محمد الحسن بن روح إلى المقتدر بالله رقعة يضمن فيها ~~الخاقاني وأسبابه بما يعجل منه خمسمائة ألف دينار ويقول: أنا أقتصر على ~~الوزارة، وتكون الدواوين إلى علي بن عيسى، فتمشي الأمور، وتستقيم الأعمال. ~~وسلم الرقعة إلى أم موسى القهرمانة لتوصلها، وتحرز الأمر في مضمونها. # PageV01P299 # فسلمتها أم موسى إلى الخاقاني، فأنفذ إلى منزل ابن روح وكبسه، وقبض عليه ~~وحبسه، وصرفه عن ديوان ضياع الخاصة. # وحكى أبو عبد الله ms238 أحمد بن محمد الكاتب قال: قلت للوزير أبي علي محمد ابن ~~عبيد الله الخاقاني في كلام جرى: العادة طبيعة ثابتة. فقال لي: يا أبا عبد ~~الله، هذا تصحيف، إنما هو: العادة طبيعة ثانية. وذكر أبو علي عبد الرحمن بن ~~عيسى أن أبا علي كان لين العريكة، قليل البصيرة، لا يدفع عن شيء يخاطب فيه، ~~ولا يتصور عواقب الأمور فيما يكون منه فانبسطت العامة عليه فضلا عن الخاصة، ~~ولقب بدق صدره، ووقع بكل سؤال وإنفاذ لكل محال. # قال عبد الرحمن: فحدثني سبك المفلحي أن أحد القواد الأصاغر سأل أبا علي ~~الخاقاني أمرا فقال: اكتب رقعة حتى أوقع لك فيها. فأحضر بياضا وقال: يوقع ~~الوزير في آخره بالإجابة إلى المسؤول لأكتب العرض بعد ذلك. فوقع له بذلك. ~~وحكي عبد الرحمن أيضا: أن نصر بن الفتح كاتب مؤنس الخادم تأخر عن أبي علي ~~الخاقاني، وجاءه، فسأله عن سبب تأخره، فاعتذر إليه بعلة بنت له عزيزة عليه. ~~فاتفق أن انصرف من عنده، وعرض عليه صك عليه لبعض الوجوه بمال اطلق له، فوقع ~~إليه: أطلق أكرمك الله ذلك وعرفني خبر الصبية إن شاء الله. وذكر عبد الرحمن ~~عن سبك المفلحي: أنه سأله إثبات راجل معه بأربعة دنانير في المشاهرة. فقال: ~~أربعة دنانير! وكررها، وما زال يحسبها حتى # PageV01P300 # صارت ثمانية وأربعين دينارا في السنة. ثم وقع بإجراء ثمانية وأربعين في ~~المشاهرة. # وحدث أبو الفرج السلمي الكاتب قال: حدثني أبو العباس ابن النفاط قال: ~~حدثني أبو عبد الله بن أبي العلاء الكاتب قال: كنت بحضرة الخاقاني وقد عرض ~~عليه كتاب كتب من الديوان إلى عامل النيل بحمل غلة كانت حاصلة قبله وأنكر ~~عليه تأخيرها، فوقع إليه في الكتاب: احمل الغلة، وأزح العلة، ولا تجلس ~~متودعا في الكلة. قال: ثم التفت إلي وقال: يا أبا عبد الله، في النيل بق ~~يحتاج إلي كلل؟ فقلت: إي والله وأي بق ومن أجله يلزم الناس الكلل نهارا ~~وليلا. قال: فسر وقال: نحمد الله على حسن التوفيق. ونفعني ذلك عنده. ووقع ~~في ms239 كتاب إلى بعض العمال وكان مستزيدا له: الزم وفقك الله المنهاج، واحمل ما ~~أمكن من الدجاج، إن شاء الله. قال: فحمل العامل دجاجا كثيرا على سبيل ~~الهدية. فقال: هذا دجاج وفرته بركة السجع. وتقدم بأن يباع ويورد ثمنه في ~~الحساب، فأورد منسوبا إلى ثمن دجاج السجع. قال: وسأله رجل كتاب شفاعة إلى ~~أم موسى القهرمانة، فكتب له، وعنونه: لأبي موسى. قال: وكان لها أخ يجلس ~~فيلقاه الناس وأصحاب الحوائج ليأخذ رقاعهم وقصصهم إليها. فلما دفع إليه ذلك ~~المستشفع الكتاب نظر إلى عنوانه وضحك وقال له: احمله إلى صاحبه. قال: وأين ~~منزله؟ قال: في مقابر الخيرزان. قال: أحمله إلى أهل # PageV01P301 # القبور؟ قال: فإذا كان ذلك إلى أهل القبور، تحمله إلى سكان الدور؟ وأخذ ~~الكتاب منه وشاع خبره. # ومن أحاديث الخاقاني المشهورة أن أبا الحسن علي بن عيسى جلس معه يوما في ~~طياره، وأراد الخاقاني أن يحييه بتفاحة كانت في يده، وهم أن يبصق في الماء، ~~فبصق في وجه علي بن عيسى، ورمي بالتفاحة إلى الماء. وقال: إنا لله، غلطنا. ~~فقال: علي ابن عيسى: إنا لله ثلطنا. ومن أحاديثه أيضا أنه مر في طياره ~~منصرفا من دار السلطان عند صلاة المغرب، فرأى ملاحين يصلون في مسجد على ~~دجلة بمشرعة القصب، فقدم وصعد وصلى معهم وكان صائما. فأنفذت إليه بدعة ~~الكبيرة ماء مثلوجا ليفطر عليه، فرده وشرب ماء حارا من دجلة. وقيل: إنه كان ~~يدخل إليه الرجل الذي قد عرفه طويلا فيسلم عليه ويسأل عنه، فيقول أو يقال ~~له: هذا فلان، أو إنه فلان. ثم يلقاه بعد يوم فتكون حاله معه مثل الحال ~~الأولى. # وحدث أبو الحسين علي بن هشام قال: سمعت أبي وأبا إسحاق وإبراهيم بن عيسى ~~بن داود بن الجراح وأبا القاسم سليمان بن الحسن يحدثون، قالوا: لما تقلد ~~أبو الحسن علي بن عيسى الوزارة صارفا للخاقانى عنها، وجد في أيدي القواد ~~والحاشية والرعية توقيعات كثيرة بخطه وخط عبد الله وعبد الواحد ابنيه، ~~ومحمد وأحمد ابني سعيد حاجبه، وبنان بن بنان ms240 ويحيى بن إبراهيم المالكي وعلي ~~بن عيسى الزنداني، كتابه، في فك وإثبات وتقرير وإيجاب ومظالم وتسويغات ~~وإقطاعات # PageV01P302 # ومقاطعات مما مثله يأتي على ارتفاع المملكة. وقد كان الخاقاني أذن لهذه ~~الجماعة في التوقيع عنه بكل ما رأوه، وكانوا على فاقة وضغطة وخروج من نكبة ~~وعطلة، وغرضهم الارتفاق وأخذ ما لاح، وأغلظ الأمر وكثر الحرج. وتأمل علي بن ~~عيسى هذه التوقيعات، فأسقطها، وكان منها ما ثبت في الدواوين وما لم يثبت، ~~وعمل على إعلام المقتدر بالله ما على الملك وبيت المال من الوهن والنقص ~~بإمضائها واستئذانه في ردها وإبطالها. # قال هشام: وكنت متحققا به إذ ذاك فقلت: لا تفعل فإن الخليفة على ما تعرفه ~~من التدبر بآراء النساء، والقبول من الحاشية، وأكثر هذه التوقيعات لهم ~~وللمتعلقين عليهم، وللملتجئين إليهم، فاعدل إلى أن تنظر ما قد أنشيء الكتاب ~~به من ديوان الدار إلى أصحاب الدار فتمضيه، وما كان بخلاف ذلك أبطلته، فإنك ~~تمضي القليل وتبطل الكثير، وتأمن عداوة الناس، ومتى استأذنت الخليفة لم ~~تأمن أن يأمرك بإمضاء الكل فتقع في الطويل العريض. فلم يقبل، ومضى فطالع ~~المقتدر بالله بالصورة، واستأمره في إسقاط التوقيعات، وقد كان الحواشي ~~سبقوا إليه بالشكوى، فقال له: ارجع إلى الخاقاني وابنه فما عرفاك أنه ~~بتوقيعهما أمضيته، وما كان بتوقيع أصحابهما رددته فأمر علي ابن عيسى أصحاب ~~الدواوين بجمع الرقاع، فجمعت في أيام، وأنفذها إلى الخاقاني وابنه مع ~~إبراهيم بن أيوب كاتب حضرته وابن الماسح ليعرضاها عليهما، ويسألاهما عنها. ~~فلما دخلا على الخاقاني وابنه وجدا الخاقاني قائما يصلي صلاة الضحى وكان ~~يطيلها وابنه عنده جالسا فعدلا إليه، وأديا الرسالة، وأعطياه الرقاع على ~~حكم ما كان عليه من الاستبداد بالأمور في خلافته لأبيه. فأخذ يتأملها ~~ويميزها، ويفرد الأقل # PageV01P303 # ويطرح الأكثر، ولحظه أبوه، فخفف الصلاة ثم صاح عليه وقال له: أفسدت أمري ~~في نظري، وتريد أن تفسده في حبسي! وأقبل على الرسولين وقال لهما: ما ~~أحسنتما الفعل. فإنكما أنفذتما إلي فعدلتما إلى ولدي عني، وإنما كان ~~خليفتي. فقاما إليه وعرفاه ما حضرا ms241 فيه. وأقرآه الرقاع. فجعل يتأمل ~~التوقيعات خاصة، حتى إذا استوفى النظر فيها قال لهما: قولا للوزير أيده ~~الله هذه التوقيعات صحيحة، وما وقع بها إلا بإذني، فإنه ما كان أحد من ~~كتابي يقدم على أن يوقع عني بما لا أعلمه ولا أرسمه، والذي فعلته هو ما ~~رأيته صلاحا لنفسي وخدمة للخليفة أطال الله بقاءه في استمالة قلوب حاشيته ~~ورعيته، واستخلاص نيتهم في موالاته وطاعته، والأمر الآن إليك فافعل ما ~~تراه. قال: فقاما وعادا إلى علي بن عيسى، وأعادا عليه قوله: فقامت قيامته ~~منه، واضطر إلى إمضاء الأكثر، وإسقاط من استضعف صاحبه واستلان جانبه، ولم ~~تكن له جهة تشفع في بابه. وعرف الحاشية ذلك، وشكروا الخاقاني وتعصبوا له، ~~وقاموا بأمره مع المقتدر بالله حتى قررت مصادرته وأطلق بعد أربعة أشهر. # وقال الخاقاني لابنه بعد انصراف ابن أيوب وابن الماسح: أردت يا بني أن ~~تبعضنا إلى الناس بغير فائدة، ويكون أبو الحسن علي بن عيسى قد لقط الشوك ~~بأيدينا! نحن قد صرفنا، لم لا نتحبب إلى الخاصة والعامة بإمضاء ما زوروه ~~علينا؟ فإن أمضاه كان الحمد لنا والثقل عليه، وإن أبطله كان الحمد لنا ~~والذم عليه. وقد كان الخاقاني متخلفا عاميا إلا أنه كان خبيثا داهيا، ولم ~~يكن له إلا هذه الأفعال الثلاثة: في أمر ابن الفرات، وأمر ابن أبي البغل، ~~وتلافي الحاشية بعد النكبة. # وقد حفظ من سقطاته وحكاياته ما كان أعداؤه يشنعون عليه به. وقد أوردنا ما ~~سمعناه وتأدى إلينا منه. # PageV01P304 ### | علي بن عيسى بن داود بن الجراح # أبو الحسن علي بن عيسى بن داود بن الجراح وأبو الحسن من أهل ديرقني، ~~ومولده يوم الجمعة لثمان خلون من جمادي الأولى سنة خمس وأربعين ومائتين، ~~والطالع العقرب بد والرأس فيه ح د والقمر في القوس ط لح والمشتري راجع في ~~الدلو كا، يد، والذنب في الثور ح د، والشمس في الأسد يوح، وزحل فيه بط لا، ~~وعطارد في السنبلة ايه، والزهرة فيه كط والمريخ في الميزان دلح. وكتب في ~~الدواوين، وتقلد ms242 كثيرا منها رئاسة. وقد مضى من ذكره في أخبار أبي الحسن بن ~~الفرات ما لا حاجة بنا فيه إلى الإعادة. ولما أشار مؤنس باستدعائه من مكة، ~~وتقليده الوزارة، وأنفذ يلبق الاستقدامه إلى الحضرة، ورد في اليوم العاشر ~~من المحرم سنة إحدى وثلاثمائة. ووصل إلى حضرة المقتدر بالله، وخاطبه بما ~~أراد خطابه به، وقلده وزارته وتدبير أمره. وخرج أبو الحسن ومؤنس معه وأبو ~~علي الخاقاني جالس في المجلس الذي كان يجلس فيه قبل الوصول إلى الخليفة ~~وقال للحجاب وخواص الغلمان: اتبعوا الوزير وامشوا بين يديه. فارتاع أبو علي ~~وقال: من الوزير؟ فقال له مؤنس: أبو الحسن علي بن عيسى. فقال أبو علي: الله ~~الله يا أبا الحسن في دمي، فإنني ما أردت الدخول في هذا الأمر، وإنما أجبرت ~~عيه. فأجابه جوابا سكته فيه، ونقل إلى الاعتقال في الموضع الذي أعد له. ~~ومضى أبو الحسن علي بن عيسى إلى داره، والناس في موكبه، وبكر إلى الدار # PageV01P305 # من غد وخلعت عليه الخلع السلطانية، وركب إلى الدار المعروفة بسليمان بن ~~وهب، فجلس فيها، وركبت إليه الأمراء والقواد في النواحي، وكتب إليهم ~~بإقرارهم في مواضعهم من ولاياتهم وأعمالهم، وحثهم على استخراج الأموال ~~وحملها. وسلم إليه أبو علي الخاقاني وولداه، وأبو الهيثم بن ثوابة، وطالبهم ~~مطالبة رفيقه. وسئل في أمر عبد الواحد بن أبي علي، فأطلقه بعد مديدة في ~~ليلة الخميس لتسع خلون من جمادي الآخرة، ثم أطلق أبا القاسم أخاه ليلة ~~الجمعة مستهل شوال، وحمل أبا الهيثم بن ثوابة إلى الكوفة، وسلمه إلى إسحاق ~~بن عمران صاحب المعونة، فكان عنده إلى أن توفي يوم الأحد لليلة بقيت من ذي ~~الحجة. وأجرى المقتدر بالله لأبي الحسن علي بن عيسى خمسة آلاف دينار في كل ~~شهر، وارتجع الضياع العباسية التي كانت جعلت لابن الفرات وأبي علي ~~الخاقاني، ورتب أبو الحسن علي بن عيسى الأمور والدواوين على ما رأى فيه ~~الصلاح والسداد، وكان رجلا عاقلا متدينا متصونا ظلفا متعففا، عارفا ~~بالأعمال حافظا للأموال، كثير الوقار والجد بعيدا من ms243 التبذل والهزل، على شح ~~غالب في طباعه، وتجهم ظاهر في أخلاقه. وما كان يخل بصلاة الجماعة والجمعة ~~في كل يوم جمعة، ولا يدع المناوبة في ذلك بين المساجد الجامعة، حتى قيل: ~~إنه كان يستعمل الوضوء في أيام الجمعات التي يكون فيها محبوسا، ويستوفي ~~طهوره، ويلبس ثيابه، ويقوم ليخرج من موضعه، فيرده الموكلون به ويمنعونه، ~~فيرفع رأسه إلى السماء ويقول: اللهم اشهد. وعمد في نظره إلى تخفيف المؤن، ~~وحذف الكلف، ونقص الخرج، والمضايقة في الجاري والرزق. ورد كثيرا مما وقع به ~~أبو علي الخاقاني من الإثبات والزيادات، فأوحش بذلك خواص المقتدر بالله ~~وعاداهم، وكثرت به السعاية عليه والوقيعة فيه # PageV01P306 # واستثقل أكثر الناس موضعه، وضاقت صدورهم بنظره، ووقع الشروع في إفساد ~~أمره، وتغيير رأي المقتدر بالله فيه، ورد ابن الفرات. وعرف أبو الحسن علي ~~بن عيسى ما يجري في ذلك، فبدأ بالاستعفاء والخطاب عليه، ومواصلة القول فيه. ~~وتحدث في دار المقتدر بالله بأن ابن الفرات شديد العلة، واتفق أن مات هارون ~~الشاري الذي كان محبوسا في دار السلطان، وكان التدبير في أمر الشراة أن ~~يكتم موت من يؤخذ من أئمتهم، لأنهم لا يرون إقامة غيره وهو حي، فأظهر أنه ~~ابن الفرات وكفن وأخرجت جنازته على أنها جنازة ابن الفرات. فصلى عليه علي ~~بن عيسى، وانصرف موجعا إلى داره وقال لخواصه: اليوم مات الكتابة. ومضت أيام ~~ووقف علي بن عيسى على أنه حي وقد تم السعي له مع المقتدر بالله، فعجب ابن ~~عيسى وقال: ما ينبغي لأحد أن يحدث بكل ما يسمع، ويصدق بجميع ما يخير. فلما ~~طالب الجند عند أخذ الحسين بن حمدان بما طالبوا به من الزيادة، واستعملوا ~~ما استعملوه من الشغب وخرق الهيبة، وبلغ لهم في ذلك ما بلغ من الإرادة ~~وكثرت النفقات، وتضاعفت الاستحقاقات، ولحق الشوب غلات سنة # أربع وثلاثمائة، وتأمل علي بن عيسى الأمر وخاف أن يطالب بما لا يكن له ~~وجه، وأن يحدث من الفساد ما لا يقوم له به عذر. فوقف أملاكه، وأعتق عبيده، ~~وشرع في ms244 الاستعفاء، وراسل في ذلك المقتدر بالله، فدفعه عنه دفعا ووعده فيه ~~بالمعونة على تمشية الأمور. وكان فيما وقع إلينا من رقاعه في ذلك رقعة إلى ~~السيدة نسختها: ربع وثلاثمائة، وتأمل علي بن عيسى الأمر وخاف أن يطالب بما ~~لا يكن له وجه، وأن يحدث من الفساد ما لا يقوم له به عذر. فوقف أملاكه، ~~وأعتق عبيده، وشرع # PageV01P307 # في الاستعفاء، وراسل في ذلك المقتدر بالله، فدفعه عنه دفعا ووعده فيه ~~بالمعونة على تمشية الأمور. وكان فيما وقع إلينا من رقاعه في ذلك رقعة إلى ~~السيدة نسختها: # بسم الله الرحمن الرحيم. أطال الله بقاء السيدة وأدام عزها وتأييدها، ~~وكلاءتها وحراستها، وأسبغ نعمه عليها، وزاد في إحسانه إليها، ومواهبه ~~الجميلة، وآلائه الجزيلة، وأقسامه الهنيئة وفوائده السنية عندها، وبلغها في ~~سيدنا أمير المؤمنين أطال الله بقاءه وأدام له العز والتمكين، والنصر ~~والتأييد غاية محبتها وأفضل أمنيتها، ووصل أيام سرورها بعافيته، واغتباطها ~~برؤيته، ووقاها فيه وفي نفسها وفي الأمراء أستودعهم الله وأستوهبه إياهم كل ~~سوء محذور ومخوف، بمنه ورأفته. وصلت الرقعة أعز الله السيدة وعرفت ما ~~تضمنت. فأما الفتنة التي كانت ملتحمة مع أعظم الأعداء مضرة، وأقربهم محلة، ~~وأشدهم على المطالبة جرأة، فقد تكلفت الإنفاق عليها، وقمت بتدبيرها، حتى ~~بلغ الله أمير المؤمنين والسيدة في جميعها المحبة، وانتظمت في صدور الأعداء ~~شرقا وغربا الهيبة، وما أنفقت مع ذلك من بيت مال الخاصة بعد الذي رددته ~~إليه نصف عشر ما أنفقه محمد ابن عبيد الله الخاقاني وابن الفرات قبله، وأنا ~~عامل بعون الله على رد ذلك عن آخره. ومتى لم ينفق المعتضد بالله في أسفاره ~~على مائدة أعدائه من بيت مال الخاصة أضعاف هذه النفقة؟! وقد أنفق المكتفي ~~بالله وكان من النظر في القليل اليسير وعلى ما عرف به من بيت مال الخاصة ~~جملة بعد جملة، مع قلة النفقات في أيام المعتضد بالله. وما أقول قولا يدفع، ~~لأن الدواوين تشهد به وحسبانات بيوت الأموال تدل عليه، ومؤنس خازن بيت مال ~~الخاصة منذ أيام المعتضد بالله وإلى ms245 هذه # PageV01P308 # الغاية يعلمه، وإن سئل عنه صدق. هذا مع رفقي بالرعية، وعمارتي النواحي ~~المختلة، وإزالتي عنها كل ظلم ومؤونة، حتى صارت أيام أمير المؤمنين أطال ~~الله بقاءه منذ خدمته أيام الخير، وفيها الآثار الموصوفة، وامتلأت قلوبها ~~هيبة بعد أن كانت تثب على الرؤساء، وترمي بالحجارة على ما قيل لي عند ~~اجتيازهم في دجلة. وأما الاستحقاقات المتأخرة فلست أعرفها، وبباب أمير ~~المؤمنين الكثير من الغلمان والحاشية والفرسان والرجالة، وما أحسب صنفا من ~~هذه الأصناف يقدر أن يقول: إنه قبض في وقت من الأوقات قبضا متصلا، وليس ~~يقول أحد منهم إنه دفع عن استحقاق ولا تأخر له شيء من رزقه ونزله. وكذلك ~~الفرسان والعساكر الخارجة مع مؤنس وغيره مستوفية، وأكثر من بالحضرة هذه ~~سبيلهم به. وقد حضروا منذ مدة بباب العامة، وطالبوا، فأدخلت طائفة منهم ~~ونوظرت، فلم تكن لهم حجة في الاستحقاقات، وإنما التمسوا الزيادة والنظر ~~والصلة، وهذا خارج عن الواجب، ولو منع بعضهم فلم يعط شيئا لكان ذلك واجبا ~~صالحا. ومتى كان الجند يوفون حتى لا يكون لهم شيء متأخر؟ ما كان هذا في زمن ~~من الأزمان وما تركت أن قلت لسيدنا أمير المؤمنين أعزه الله في ذلك ما يجب ~~أن أقوله، وخاطبت أم موسى مرة بعد مرة فيه، وأما ما قيل للسيدة أعزها الله ~~في استعفائي فلم أستعف نصا، ولو حملت الرماد على رأسي لما تكرهت ذلك ولا ~~تأبيته، وإني لألزم نفسي الصبر على كل نائبة في خدمة سيدنا أمير المؤمنين ~~أيده الله وأرى ذلك ديانة، ولكني أعز الله السيدة أضجر كما يضجر الناس إذا ~~خوطب بما لا يحب، وأنا أبلغ جهدي في النصيحة وتأدية الأمانة، فإن كان ذلك ~~واقعا موقعه فهو الذي أقصد، وإن كان يظن بي غير ما أنا عليه فهي المصيبة. ~~وقد يحرم الإنسان ثمرة اجتهاده، ويقع ما يفعله على خلاف مذهبه واعتماده، ~~وما يسعني ولا يحل لي أن أؤخر الصدق # PageV01P309 # في جميع الأحوال، قاضيا بذاك حق الله عز وجل، وحق سيدنا أمير المؤمنين ~~أطال الله بقاءه ms246 وحق السيدة أعزها الله وأسأل الله أولا وآخرا أن يصلح لهما ~~أمورهما ظاهرا وباطنا، صغيرها وكبيرها، ويكفيهما المهم ويسهل الصلاح بهما ~~وعلى أيديهما بمنه وقدرته وجوده وكرمه. وقرب عيد الأضحى واحتيج إلى ما جرت ~~العادة بإطلاقه للحرم والحاشية، فجاءته أم موسى القهرمانة في آخر ذي القعدة ~~سنة أربع وثلاثمائة مخاطبة على ذلك، ومقررة للأمر فيه، وكان محتجبا، فلم ~~يقدم سلامة حاجبه إلى الاستئذان لها، واعتذر إليها عذرا لطيفا، وصرفها صرفا ~~جميلا، فغضبت وانصرفت. وأعلم علي بن عيسى خبرها في حضورها وانصرافها فأنفذ ~~إليها واستعذرها فلم تعذر، وصارت إلى المقتدر بالله وإلى السيدة وأغرتهما ~~به، وتكذبت عندهما عليه، وأدى ذلك إلى القبض عليه # في غداة يوم الاثنين الثامن من ذي الحجة سنة أربع وثلاثمائة عند ركوبه ~~إلى دار السلطان، واعتقاله عند زيدان، فكانت مدة وزارته ثلاث سنين وعشرة ~~أشهر وثمانية وعشرين يوما. وكان مما فعله في وزارته هذه أن أسقط المكس ~~بمكة، والتكملة بفارس وسوق بحر بالأهواز وحصن مهدي، ونهر السدرة، وكان ~~يعترض في هذه المواضع على ما يجهز إلى البحر ويرد منه، وتؤخذ الضرائب ~~المسرفة عنه، وأزال جباية الجمهور بديار ربيعة. وأشار على المقتدر بالله ~~بوقف المستغلات بمدينة السلام وغلتها نحو ثلاثة عشر ألف دينار والضياع ~~الموروثة بالسواد الجارية في ديوان الخاصة وارتفاعها نيف وثمانون ألف دينار ~~على الحرمين والثغور، فقبل رأيه وأشهد بذلك القضاة والشهود على نفسه، ونصب ~~علي بن عيسى لهذه الوقوف ديوانا سماه ديوان البر، ورده إلى أبي شجاع ابن ~~أخت أبي أيوب ولما كان بمكة وجد الماء ضيقا على أهلها، وأصحاب السلطان ~~يسخرون جمال الناس وحميرهم لنقله من جدة إليها، فابتاع عددا كثيرا من ~~الجمال والحمير ووقفها على حمل الماء، وأقام لها العلوفة الراتبة، ومنع من ~~السخرة وحظرها، وحفر بئرا عظيمة في الحناطين، فخرجت عذبة شروبا وسماها ~~الجراحية. وابتاع عينا غزيرة بألف دينار، وفتحها ووسعها حتى كثر ماؤها، ~~واتسع الماء بمكة، ووصل الرفق به إلى أهل الضعف والمسكنة. وكان فيما أقطعه ~~علي بن عيسى من إقطاع ms247 الوزارة أربعة أحجار أرحاء بالعباسية تعرف بالعباسية، ~~وتعرف باليوسفية، قيمتها عشرة آلاف دينار. فتظلم مجاوروها من أخذها الماء ~~وقصوره عنهم، وإضرار ذلك بزروعهم ونقصه من ارتفاع ضياعهم، وتأذي أهل الشفة ~~بهذه الحال أيضا، فأمر بهدمها ونقضها وعمل مسجد في موضعها، وتوفر الماء على ~~أهل الضياع والشفة. ي غداة يوم الاثنين الثامن من ذي الحجة سنة أربع ~~وثلاثمائة عند ركوبه إلى دار السلطان، واعتقاله عند زيدان، فكانت مدة ~~وزارته ثلاث سنين وعشرة أشهر وثمانية وعشرين يوما. وكان مما فعله في وزارته ~~هذه أن أسقط المكس بمكة، والتكملة بفارس وسوق بحر بالأهواز وحصن مهدي، ونهر ~~السدرة، وكان يعترض في هذه المواضع على ما يجهز إلى البحر ويرد منه، وتؤخذ ~~الضرائب المسرفة عنه، وأزال جباية الجمهور بديار ربيعة. وأشار على المقتدر ~~بالله بوقف المستغلات بمدينة السلام وغلتها نحو ثلاثة عشر ألف دينار ~~والضياع الموروثة بالسواد الجارية في ديوان # PageV01P310 # الخاصة وارتفاعها نيف وثمانون ألف دينار على الحرمين والثغور، فقبل رأيه ~~وأشهد بذلك القضاة والشهود على نفسه، ونصب علي بن عيسى لهذه الوقوف ديوانا ~~سماه ديوان البر، ورده إلى أبي شجاع ابن أخت أبي أيوب ولما كان بمكة وجد ~~الماء ضيقا على أهلها، وأصحاب السلطان يسخرون جمال الناس وحميرهم لنقله من ~~جدة إليها، فابتاع عددا كثيرا من الجمال والحمير ووقفها على حمل الماء، ~~وأقام لها العلوفة الراتبة، ومنع من السخرة وحظرها، وحفر بئرا عظيمة في ~~الحناطين، فخرجت عذبة شروبا وسماها الجراحية. وابتاع عينا غزيرة بألف ~~دينار، وفتحها ووسعها حتى كثر ماؤها، واتسع الماء بمكة، ووصل الرفق به إلى ~~أهل الضعف والمسكنة. وكان فيما أقطعه علي بن عيسى من إقطاع الوزارة أربعة ~~أحجار أرحاء بالعباسية تعرف بالعباسية، وتعرف باليوسفية، قيمتها عشرة آلاف ~~دينار. فتظلم مجاوروها من أخذها الماء وقصوره عنهم، وإضرار ذلك بزروعهم ~~ونقصه من ارتفاع ضياعهم، وتأذي أهل الشفة بهذه الحال أيضا، فأمر بهدمها ~~ونقضها وعمل مسجد في موضعها، وتوفر الماء على أهل الضياع والشفة. # وحدث أبو علي عبد الرحمن بن عيسى قال: لما ابتاع ms248 أخي أبو الحسن علي بن ~~عيسى من تركة نازوك ووالدة القاسم بن عبيد الله الثلث من حصتها في قصر ~~القاسم في سنة اثنتين وتسعين ومائتين، وأضاف إليه حصصا ابتاعها الزوجات ~~وبعض الأولاد الأصاغر، وعمل ذلك داره المعروفة بباب البستان، وكانت مسناة ~~القصر # PageV01P311 # القديمة بعيدة من دجلة فأخرج أحمد بن بدر عم السيدة أم المقتدر بالله ~~مسناة لداره المجاورة له إلى الماء، وفعل عبيد الله بن القاسم مثل ذلك من ~~الجانب الآخر، وبقيت دار أخي مستورة بينهما، فخاطبه أبو إسحاق إبراهيم ~~أخونا في ذلك، وأعلمه ما في إخراج المسناة حتى توازنهما من الزيادة في قيمة ~~العقار، وكانت الذراع على دجلة في المواضع الرذلة على ذلك العهد تباع ~~بدينار عينا. فقال له: قدر لها ولما يبنى عليها ما يحتاج إليه من النفقة. ~~فقدر لذلك مائة ألف درهم، وصور البناء، وأحضره الصورة والتقدير. فأقام أبو ~~إسحاق يحثه على إطلاق المال والابتداء بالعمل، والوزير يعده ويدفعه، حتى ~~إذا اجتمع في خزانته ما جعله لذلك من ارتفاع ضيعته، تقدم إلى خازنه بإحضاره ~~ودعا بعبد الوهاب بن أحمد بن ما شاء الله، فأعطاه إياه، وأمره بصرفه في ~~ضعفاء آل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي فقراء المسلمين ومساكينهم بعد ~~أن أثبتهم في ديوانه، ففعل، وأخرج جميع المال وفرقه عليهم. وحضر أبو إسحاق، ~~فذكره بالعمل والأمر بتقديمه قبل زيادة دجلة، فضحك إليه وقال لابن ما شاء ~~الله: حدثه يا أبا القاسم بحديث العقار الذي ابتعنا، وتجاوزه في النفع هذا ~~البناء الذي لا يزيد الله من حاوله إلا إثما وبعدا. فحدثه، فحار أبو إسحاق، ~~وما أمكنه الجواب، وعلم أنه كان من وعده على غرور. وبقي ماء داره محبوسا، ~~وسمي الفضاء بين المسناتين الستيني. وكان أبو إسحاق إبراهيم بن هلال جدي ~~ابتاع دار عبيد الله بن القاسم من أبي الحسن بن أبي عمرو الشرابي حاجب ~~الخلافة بخمسة آلاف دينار، وكانت مسناتها طاعنة في دجلة لا يفارقها الماء ~~في سائر أوقات السنة. # PageV01P312 ### || خلافة علي بن عيسى ### || ذكر خلافة أبي ms249 الحسن علي بن عيسى لحامد بن العباس وتفرده بالأمور من بعد # ذلك # قد أوردنا في أخبار حامد عند وزارته ما جرى أمر أبي الحسن بن الفرات معه ~~وبعده، وما انتهى ذلك إليه من القبض عليه واعتقاله عند زيدان القهرمانة. ~~وراسله المقتدر بالله بأن يصدق عن أمواله، فكتب رقعة يذكر فيها أنه لا يقدر ~~على أكثر من ثلاثة آلاف دينار. واتفق من ورود القرامطة إلى البصرة، ودخولهم ~~إليها واستيلائهم عليها ونقلهم ما وجدوه فيها ثم انصرافهم بعد أيام عنها، ~~ما دعا إلى إخراج بني بن نفيس لقتالهم ودفعهم، ووصل وقد عادوا إلى بلدهم. ~~فكتب إلى ابن الفرات بذلك، وبأنه أسر قوما منهم، وحكي عنهم أنهم قالوا: إن ~~علي بن عيسى كاتبهم بالمسير إلى هناك، وأنفذ إليهم في عدة أوقات هدايا من ~~سلاح وآلات. فلما وافى هؤلاء الأسراء، وعرض ابن الفرات على المقتدر بالله ~~كتاب بني بن نفيس فذكرهم وذكر ما حدثوا به على علي ابن عيسى، أمر بالجمع ~~بينه وبين القوم ليواجهوه بما قالوا فيه، فأخرج وجمع بينه وبينهم بحضرة ابن ~~الفرات. فقال علي بن عيسى: من كانت صورته صورتي في سخط السلطان وانحراف ~~الوزير عنه لقي بالحق والباطل. ثم عدل ابن الفرات إلى خطابه في أمر الأعمال ~~فقال له: قد كان علي بن أحمد بن بسطام أخذ خطوط # PageV01P313 # المادرائيين في وزارتي الثانية بألف ألف وثلاثمائة ألف دينار صلحا عن ~~خراج ضياعهما بمصر والشام، وما أخذاه من المرافق عند تقلدهما الأعمال في ~~أيامك الأولى. وبقي عليهما من المصادرة التي واقفهما أبو علي الخاقاني ~~عليها، وأديا في أيامي نحو خمسمائة ألف دينار، وكانا على أداء تتمة المال، ~~حتى صرفت ابن بسطام ساعة وليت عن الدواوين، وقلدت هذين العاملين الخائنين ~~المجاهرين بأخذ أموال السلطان واقتطاعها، وكتبت عن أمير المؤمنين بإسقاط ~~مال الصلح عنهما، وذكرت أنه أمر بذلك، وقد سألته فأنكر دعواك عليه ما ~~أدعيته. فقال علي ابن عيسى: كنت في الوقت كاتبا لحامد، وخليفة له على ~~الأعمال، ومتصرفا على أمره في كبير الأمور ms250 وصغيرها وهو ذكر لي عن أمير ~~المؤمنين أنه أمر بإسقاط هذا المال، ووقع بذلك توقيعا كتبت في آخره ~~بامتثاله كما يفعل خليفة الوزير فيما يأمر به صاحبه. فقال له ابن الفرات: ~~أنت كنت تعارض حامدا في كل أحواله، وتخاصمه في اليسير مما يخرج عليه من مال ~~ضمانه، حتى تحدث الناس بكما، وعجبوا لما يجري بينكما، فلم تركت أن تستأذن ~~السلطان في مثل هذا المال الجليل؟ فقال: كنت في أول الأمر كاتبا لحامد مدة ~~سبعة أشهر حتى بان لأمير المؤمنين ما رأى معه التعويل علي في تدبير الأمور، ~~وكان ما جرى من أمر المادرائيين في صدر أيام حامد. فقال له ابن الفرات: ~~فلما اعتمد عليك أمير المؤمنين ألا صدقته عن غلط حام فيها غلط به وفرط فيه؟ ~~فقال: إنما تركت ذلك # PageV01P314 # لأنني أخذت خط الحسين بن أحمد بحضرة أمير المؤمنين بألف ألف دينار عن مصر ~~والشام خالصا للحمل، بعد النفقات ومال الجند في تلك الأعمال، وكا ذاك غاية ~~ما قررت عليه. فقال ابن الفرات: أنت يا أبا الحسن تعمل أعمال الدواوين منذ ~~نشأت وقد وليت ديوان المغرب سنين كثيرة، وقد تقلدت الوزارة، فهل رأيت من ~~يدع مالا واجبا يؤدي معجلا ويأخذ العوض عنه ضمانا مؤجلا لا يدرى ما يجري ~~فيه؟ وهبك على ما ذكرت من أنك رأيت ذلك صوابا وهو خطأ، فهل استوفيت مال ~~الضمان من هذا الضامن بخمس سنين دبرت فيها المملكة؟. فقال: قد كان حمل من ~~مال السنة الأولى صدرا ثم حدث من تغلب العلوي بإفريقية على أكثر تلك ~~النواحي ما دعا إلى خروج مؤنس المظفر وانصراف المال في نفقاته وأعطيات ~~الجند، وانكسر الباقي لأجل هذه الحادثة. فقال ابن الفرات: انهزم هذا العلوي ~~منذ سنتين، فهل أدى مالهما كاملا؟. فقال علي بن عيسى في جواب ذلك قولا ~~استوفاه لنفسه، وأخذ ابن الفرات خطه بالحجة عليه وله بأنه قد رضي بحكم أمير ~~المؤمنين. ثم قال له ابن الفرات في آخر قوله: قد أمر أمير المؤمنين بأن ~~تطالب بالأموال التي اقتطعتها ms251 وجمعتها، وينبغي أن تعطيها عفوا وتصون نفسك ~~عن # PageV01P315 # المكروه. فقال: لست من ذوي الأموال، وما لي قدرة على أكثر من ثلاثة آلاف ~~دينار. فقال له ابن الفرات: تقول هذا وقد وجد لك عند عيسى الناقد سبعة عشر ~~ألف دينار وأخذ خطه بها وديعة كانت لك عنده؟ فقال. هذا رجل قلدته مال ضياع ~~البر والجهبذة، وعنده أموال حاصلة، فإما أن يكون المال منها أو تكون قد ~~أخذت ماله ونسبته # إلي وأكرهته على أن كتب خطه بذلك. فقال له ابن الفرات قد أسقطت من أرزاق ~~أولاد القرابة والحرم والحواشي والخدم والفرسان الذين كنت أوفيهم أرزاقهم ~~في أيامي الأولى والثانية مدة خمس سنين دبرت فيها المملكة، وأخذت من ارتفاع ~~ضياع الملك والإقطاع بعدما افرد منها للأمراء ما يكون مبلغه مع ما كنت ~~أحمله إلى أمير المؤمنين في وزارتي الثانية وهو في كل شهر خمسة وأربعون ألف ~~دينار للمدة المذكورة الجملة الكبيرة، فإما أن تكون قد احتجنت ذلك لنفسك أو ~~أضعته لتفريطك. فقال له علي بن عيسى: ما استغللته من الضياع ووفرته من ~~أرزاق من يستغني عنه تممت به عجزا أدخل في الخرج حتى اعتدلت الحال، ولم ~~أمدد يدي إلى بيت مال الخاصة. وأما خمسة وأربعون ألف دينار التي كنت تحملها ~~من المرافق فإنني لم أر ما رأيته أنت قط من المرافق للعمال، بل حظرتها ~~عليهم علما بأنها طريق إلى ضياع الحقوق وخراب البلاد وظلم الرعية، وأنت كنت ~~توصي الحواشي بإخراب بيت المال، وتحول ما في بيت مال الخاصة إلى بيت مال ~~العامة، ومن الدليل على ذلك أني كنت أتولى ضياع ديوان الخاصة، فلما تقلدت ~~الوزارة بعد العباس بن الحسن انصرفت عنه فتركت في بيت مال الخاصة سبعة عشر ~~ألف ألف دينار حاصلة، فلما قلدني أمير المؤمنين وزارته في سنة إحدى ~~وثلاثمائة لم أجد من ذلك المال شيئا كبيرا. فقال له ابن الفرات: اكتب حظك ~~بأنك خلفت في بيت مال الخاصة سبعة عشر ألف ألف دينار. أطلق العباس بن الحسن ~~منها في البيعة لأمير ms252 المؤمنين ثلاثة آلاف ألف دينار. ووجدت أعمال فارس ~~وكرمان خارجة عن يد السلطان منذ أيام المعتضد لا يحمل منها المتغلبون عليها ~~إلا النزر اليسير، فصدقت أمير المؤمنين عن صورتها وضمنت له فتحها ففتحتها. ~~وقد كانت لي أموال جمعتها في خدمة أمير المؤمنين أنا وأخي وأسلافي مع ~~أسلافه، وضياع وافرة الارتفاع، فلما رأى أمير المؤمنين أخذها كان أحق بها، ~~فصح لي في بيوت الأموال في دفعتين أربعة آلاف ألف دينار. ثم أخذ ابن الفرات ~~في مطالبته بالمال، فأقام على أنه لا مال عنده، وأعيد إلى محبسه. وكانت له ~~بعد ذلك مناظرات، منها ما حدث به أبو محمد عبد الله بن علي المعروف بذكويه ~~كاتب نصر القشوري الحاجب، وأبو الطيب محمد بن أحمد الكلوذاني كاتب بني ~~الفرات قالا: حضر أبو الحسن بن الفرات في وزارته الثالثة في يوم الخميس ~~لخمس ليال بقين من جمادي الآخرة سنة إحدى عشرة وثلاثمائة في أيام المقتدر ~~بالله، وجمع القواد والقضاة والكتاب، فأحضر أبو الحسن علي بن عيسى من محبسه ~~وجمع بينه وبين ابن فلحة رسوله كان إلى القرامطة في وزارته الأولى حتى ~~واجهه بأنه أنفذه إلى القرامطة مبتدئا، وكاتبوه يلتمسون منه المساحي والطلق ~~وغير ذلك، فحمل جميعه إليهم، وأخرج أبو الحسن بن الفرات نسخة كتاب أنشأه ~~ابن ثوابة عن علي بن عيسى إلى القرامطة جوابا عن كتاب ورد منهم إليه وفيه ~~إصلاحات بخطه، ولم يقل فيها: إنكم خارجون عن ملة الإسلام لمخالفتكم الإجماع ~~وعصيانكم على الإمام. بل قال: ولكنكم خارجون عن جملة أهل الرشاد والسداد. ~~وداخلون مع أهل العناد والفساد. لي وأكرهته على أن كتب خطه بذلك. فقال له ~~ابن الفرات قد أسقطت من أرزاق أولاد القرابة والحرم والحواشي والخدم ~~والفرسان الذين كنت أوفيهم أرزاقهم في أيامي الأولى والثانية مدة خمس سنين ~~دبرت فيها المملكة، وأخذت من ارتفاع ضياع الملك والإقطاع بعدما افرد منها ~~للأمراء ما يكون مبلغه مع ما كنت أحمله إلى أمير المؤمنين في وزارتي ~~الثانية وهو في كل شهر خمسة وأربعون ألف دينار ms253 للمدة المذكورة الجملة ~~الكبيرة، فإما أن تكون قد احتجنت ذلك لنفسك أو أضعته لتفريطك. فقال له علي ~~بن عيسى: ما استغللته من الضياع ووفرته من أرزاق من يستغني عنه تممت به ~~عجزا أدخل في الخرج حتى اعتدلت الحال، ولم أمدد يدي إلى بيت مال الخاصة. ~~وأما خمسة وأربعون ألف دينار التي كنت تحملها من المرافق فإنني لم أر ما ~~رأيته أنت قط من المرافق للعمال، بل حظرتها عليهم علما بأنها طريق إلى ضياع ~~الحقوق وخراب البلاد وظلم الرعية، وأنت كنت توصي الحواشي بإخراب بيت المال، ~~وتحول ما في بيت مال الخاصة إلى بيت مال العامة، ومن الدليل على ذلك أني ~~كنت أتولى ضياع ديوان الخاصة، فلما تقلدت الوزارة بعد العباس بن الحسن ~~انصرفت عنه فتركت في بيت مال الخاصة سبعة عشر ألف ألف دينار حاصلة، فلما ~~قلدني أمير المؤمنين # PageV01P316 # وزارته في سنة إحدى وثلاثمائة لم أجد من ذلك المال شيئا كبيرا. فقال له ~~ابن الفرات: اكتب حظك بأنك خلفت في بيت مال الخاصة سبعة عشر ألف ألف دينار. ~~أطلق العباس بن الحسن منها في البيعة لأمير المؤمنين ثلاثة آلاف ألف دينار. ~~ووجدت أعمال فارس وكرمان خارجة عن يد السلطان منذ أيام المعتضد لا يحمل ~~منها المتغلبون عليها إلا النزر اليسير، فصدقت أمير المؤمنين عن صورتها ~~وضمنت له فتحها ففتحتها. وقد كانت لي أموال جمعتها في خدمة أمير المؤمنين ~~أنا وأخي وأسلافي مع أسلافه، وضياع وافرة الارتفاع، فلما رأى أمير المؤمنين ~~أخذها كان أحق بها، فصح لي في بيوت الأموال في دفعتين أربعة آلاف ألف ~~دينار. ثم أخذ ابن الفرات في مطالبته بالمال، فأقام على أنه لا مال عنده، ~~وأعيد إلى محبسه. وكانت له بعد ذلك مناظرات، منها ما حدث به أبو محمد عبد ~~الله بن علي المعروف بذكويه كاتب نصر القشوري الحاجب، وأبو الطيب محمد بن ~~أحمد الكلوذاني كاتب بني الفرات قالا: حضر أبو الحسن بن الفرات في وزارته ~~الثالثة في يوم الخميس لخمس ليال بقين من جمادي الآخرة سنة ms254 إحدى عشرة ~~وثلاثمائة في أيام المقتدر بالله، وجمع القواد والقضاة والكتاب، فأحضر أبو ~~الحسن علي بن عيسى من محبسه وجمع بينه وبين ابن فلحة رسوله كان إلى ~~القرامطة في وزارته # PageV01P317 # الأولى حتى واجهه بأنه أنفذه إلى القرامطة مبتدئا، وكاتبوه يلتمسون منه ~~المساحي والطلق وغير ذلك، فحمل جميعه إليهم، وأخرج أبو الحسن بن الفرات ~~نسخة كتاب أنشأه ابن ثوابة عن علي بن عيسى إلى القرامطة جوابا عن كتاب ورد ~~منهم إليه وفيه إصلاحات بخطه، ولم يقل فيها: إنكم خارجون عن ملة الإسلام ~~لمخالفتكم الإجماع وعصيانكم على الإمام. بل قال: ولكنكم خارجون عن جملة أهل ~~الرشاد والسداد. وداخلون مع أهل العناد والفساد. # وقال ابن الفرات لعلي بن عيسى موبخا ومهجنا: تقول ويحك للقرامطة الذين قد ~~أجمع الناس أنهم أهل ردة وضلالة قولا تلحقهم فيه بأهل الملة وهم لا يصلون ~~ولا يصومون ولا يدينون بما يدين به المسلمون، وتنفذ إليهم الطلق الذي إذا ~~طلي به البدن أو غيره لم تعمل النار فيه؟ قال: إنما اعتمدت بذاك المصلحة، ~~وأن أستعيدهم إلى الطاعة بالرفق والاستمالة. فقال ابن الفرات لأبي عمر ~~القاضي: ما عندك في هذا يا أبا عمر؟ فتوقف عن جوابه، وأقبل على علي بن عيسى ~~وقال له: قد أقررت يا هذا بما لو أقر إمام به لسقطت طاعته وتعطلت إمامته. ~~قال: فنظر علي بن عيسى إليه نظر منكر لقوله، لعلمه بأن المقتدر بالله بحيث ~~يسمع ما يجري ولا يرى. وطالب ابن الفرات أبا عمر بأن يكتب خطه بشيء من هذا ~~المعنى، فلم يفعل وقال: قد غلط علي بن عيسى غلطا كبيرا فأما جواب هذا القول ~~فما عندي. فأخذ خطه بما سمعه من إقراره في أن الكتاب كتابه، وأن الإصلاح في ~~النسخة بخطه. ثم أقبل ابن الفرات على أبي جعفر أحمد بن أسحاق بن البهلول ~~القاضي فقال: ما عندك يا أبا جعفر في ذلك؟ فقال: إن أذن الوزير أن أقول ما ~~عندي على بيان قلته. قال: أفعل. قال: صح عندي أن هذا الرجل وأومأ إلي ms255 علي ~~ابن عيسى # PageV01P318 # استخلص بكتابين كتبهما إلى القرامطة في وزارته الأولى ابتداء وجوابا ~~ثلاثة آلاف رجل من المسلمين كانوا مستعبدين معهم ومسترقين بالاستحلال منهم، ~~حتى رجعوا إلى أوطانهم وأولادهم ونعمهم وأموالهم. فإذا كتب الإنسان مثل هذه ~~الكتب على وجه الصلاح والمغالطة للعدو لم يجب عليه حكم. قال: فما عندك فيما ~~أقر به من أن القرامطة مسلمون؟ قال: إذا لم يثبت عنده كفرهم، وكاتبوه بذكر ~~الله والصلاة على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وانتسبوا إلى الإسلام، ~~وكانوا إنما ينازعون في الإمامة، لم يطلق عليهم بالكفر. قال له: فما عندك ~~بالطلق الذي أذا طليت به الأبدان لم تعمل النار فيها يحمل إلى أعداء الإمام ~~ورفع صوته بذلك على أبي جعفر كالمنكر لما جرى من قوله فقال أبو جعفر لعلي ~~بن عيسى: أنفذت الطلق الذي هذه صورته إلى القرامطة؟ قال: لا. فقال ابن ~~الفرات: رسولك وثقتك ابن فلحة.. يقر عليك بذلك. فدهش علي بن عيسى وأمسك. ~~فقال ابن الفرات لأبي جعفر بن البهلول: احفظ اعترافه بأن ابن فلحة رسوله ~~وثقته، وقد أقر عليه بما أنكره. فقال. أيها الوزير، ليس هذا إقرارا. إنما ~~هو دعوى. قال: فهو ثقته بإنفاذه إياه. قال: إنما وثقه في حمل كتاب، ولا ~~يقبل قوله عليه في غيره. فقال ابن الفرات: أنت يا أبا جعفر وكيله لا حاكم. ~~قال: ما أنا وكيل لكنني أقول الحق كما قلته في أمر الوزير أيده الله لما ~~أراد حامد في وزارته الحيلة عليه بما هو أعظم من هذا. فعدل ابن الفرات إلى ~~أن قال لعلي بن عيسى: يا قرمطي فقال: أنا أيها الوزير قرمطي؟ أنا قرمطي؟ ~~وكررها تعريضا به. قال: نعم، وكان عندي أنك عدو لأمير المؤمنين وبني العباس ~~خاصة أعز الله سلطانهم وإذا أنت عدو للمسلمين كافة. فأمسك علي بن عيسى خوفا # PageV01P319 # على نفسه. وأخذ نصر الحاجب والمحسن بن أبي الحسن بن الفرات بيده وأقاماه ~~بعد أن استأذنا الوزير في الخلوة به، فأذن، فجلسا معه على انفراد. # قال أبو الطيب في حديثه: ms256 فقمت معهما، وسمعت ما جرى بينهما وبينه وكان أن ~~قالا له: إن رجعت إلى موضعك من محبسك ولم تقرر أمرك في صلحك خفنا عليك من ~~استحلال السلطان دمك بعد ما سمعه عنك. ولم يزالا به إلى أن استجاب إلى ~~ثلاثمائة ألف دينار يعجل منها الثلث في ثلاثين يوما، ويؤدي الباقي على رسم ~~المصادرات، وكتب خطه بذلك، وعادا إلى ابن الفرات وعرفاه ما جرى فأمضاه. ~~واستدعي علي بن عيسى وجعل يواقفه على شرائط الخط، وكان إذا امتنع الوزير من ~~شيء غمز أبو الحسن علي بن عيسى يده وقال: يتفضل الوزير. فيستحي ابن الفرات ~~ويطرق ثم يفعل وإنما كان علي بن عيسى يفعل ذلك إذكارا بعهد كان بينهما في ~~أيام العباس بن الحسن ومعاقدة في أن يتعاضدا ويحرس كل واحد منهما صاحبه، ~~ولا يسعى على نعمتة ولا نفسه حتى إذا انتهى القول إلى حق بيت المال في ضياع ~~علي بن عيسى قال علي بن عيسى: وعما كثر به العمال عليه من حق بيت المال في ~~ضياعه، ووجوبه به مدة، وذكروه في تحيفه السلطان في ذلك! فقال له ابن ~~الفرات: كل شيء أحتمله وأفعله إلا أن تعرضني لما يقدح في صناعتي، ويطرق ~~عيبا علي في خدمة سلطاني، أرأيتك إن كتب العمال بأنه يجب عليك من هذه الجهة ~~ثلاثمائة ألف دينار ألست أكون قد أخذت حظك بحق بيت المال في ملكك لا مصادرة ~~عن تصرفك؟ وقد ترددت في الوزارة والأعمال الجليلة مذ عشر سنين؛ ولكن خذ ~~مبلغا في استثنائك بما يستثني به لنفسك. فقال: عشرون ألف دينار. فأجابه إلى ~~ذلك، وكتب على أنه: متى أوجب العمال عليه # PageV01P320 # بالعدل والإنصاف والموافقة التي لا يعترضها تحيف من حق بيت المال في سائر ~~ضياعه ووقوفه منذ وقت ملكه لها وإلى هذا الوقت ما يكون مبلغه من ألف دينار ~~إلى عشرين ألف دينار فقد دخل ذلك في مال المصادرة، وإن زاد على هذا المبلغ ~~كانت الزيادة خارجة عن الجملة، ولازمة له بعدها. ولما تقررت النسخة وابتدأ ~~علي بن ms257 عيسى يحررها بخطه كتب في التعجيل: بعد ثلاثين يوما. فقال له ابن ~~الفرات: ارفق بنا يا أبا الحسن ما صغرنا وكبرت، أفأدعك تسعة وعشرين يوما لا ~~أطالبك ولا تؤدي شيئا؟ ولكن اكتب: أصححه أولا أولا في مدة ثلاثين يوما. ~~فقال علي بن عيسى: على شرط من أن يكون ابتدائي بالأداء إذا خرجت من دار ~~أمير المؤمنين إلى موضع يأمن الوزير أيده الله فيه على نفسي يومى ألا يسلم ~~إلى المحسن أو من جرى مجراه في إشفاقه وخوفه إياه فتقرر الأمر على ذلك ~~وأنفذ الخط إلى المقتدر بالله فأمضاه، ورد أبو الحسن علي ابن عيسى إلى ~~محبسه. وقالت زيدان القهرمانة والسيدة للمقتدر بالله: إن سلم علي بن عيسى ~~إلى ابن الفرات سلمه إلى ابنه المحسن، ولم يؤمن عليه منه، وهو رجل دين وقد ~~خدمك وخدم أباك، وليس يفزع اليوم إلا منه، فلا تسلمه إليهم. وقدرتا بذلك أن ~~تبطلا المال الذي قرره علي بن عيسى على نفسه. فقال وقد كان وقر في صدره ما ~~سمعه من حديثه مع القرامطة وتشعث به رأيه فيه: إن أدى المال في داري لم ~~أسلمه، وإن تقاعد وألط مكنت المحسن في داري وغير داري منه وسلمته إليه. ~~وأخذ المحسن في الإغراء بعلي بن عيسى، فاستدعاه إليه في دار الخلافة أياما # PageV01P321 # من غير حضور الوزير أبيه، وطالبه وجد به، فأحال علي بن عيسى على خطه وما ~~شرط فيه له وعليه. فقال له المحسن: هذا تقاعد، وتريد ألا تؤدي في دار أمير ~~المؤمنين ولا تسلم إلي، وهذا أمر لا يتم. فإذا أديت بحيث أنت، وإلا أخذتك ~~إلي. فقال علي بن عيسى: هذا نقض لما تقرر. واستدعى أحمد بن محمد بن جاني، ~~وكان يتولى ضيعته، وإبراهيم بن أيوب النصراني، وكان يكتب بحضرته، فلما حضر ~~أمرهما ببيع داره التي في سويقة أبي الورد المعروفة بدليل النصراني، وعقار ~~له يجاورها فلم يرج من ثمن ذلك إلا ألفا دينار وكسر. واستعفى إبراهيم من ~~العود فأعفي وواصل ابن جاني. وأراد المحسن أن يوحشه ليقف ms258 أمر علي بن عيسى ~~فقال له: أنت كنت كاتبه على ضياعه، ورسوله إلى أصحاب ودائعه، ولا بد من أن ~~تصدق عما تعرفه من صوره، وأوقع به مكروها غليظا أغمي عليه فيه، وقيل: إنه ~~تلف، ثم أفاق وتراجع، وجزع المحسن من ذلك فأطلقه، إلا أنه استتر، ووقف أمر ~~علي ابن عيسى. وواصل المحسن القول في بابه عند المقتدر بالله، ونسبه إلى ~~التقاعد في فعله، وحضر الوزير والمحسن في يوم الاثنين الثالث عشر من رجب ~~بحضرة المقتدر بالله # فجدد المحسن القول في أمر علي بن عيسى وسكت الوزير، وأقبل المقتدر بالله ~~وقال له: أنت رجل خير، وتريد أن تتفضل على علي بن عيسى ليقول الناس: رعي ~~حقه وعرف له حرمة ما كان بينه وبينه، وراعى ذمام الصناعة فيه. ويضيع مالي ~~في الوسط، وما أصبر على ذاك. وهذا رجل قرمطي، ودمه وماله حلالان، وإذا وهبت ~~له ماله فلا أقل من أن يستوفي مالي منه. ثم قال للمحسن: اخرج أنت واجلس في ~~الدار، واستدع بعلي بن عيسى، وأرهبه، فإن أقر بودائعه وخرج مما قرره على ~~نفسه وإلا قيده، فإن أذعن وإلا ألبسه مع القيد جبة صوف، فإن أقام على أمره ~~أوقع المكروه به في جسمه بمحضر من القواد جزاء له على ما فارق الطاعة. فخرج ~~المحسن وجلس معه نصر القشوري الحاجب ونازوك والقواد، وأحضر علي بن عيسى، ~~فبدأه المحسن بالرفق، ثم نقله إلى الأغلظ فلم يستجب إلى أداء شيء في دار ~~الخلافة، وقال: ما يمكنني الاحتيال وتصحيح المال إلا حيث أن أكون في موضع ~~امن فيه على نفسي، ويمكن أن يجيئني من أريده من كتابي وأصحابي بحسب ما تقرر ~~من شرائط خطى. فتقدم المحسن إلى نازوك بإحضار قيد فيه عشرون رطلا وجبة صوف ~~مدهونة بماء الأكارع، فأحضرهما، وجيء بحداد، وأمر بتقييده. فلما بدأ بذلك ~~نهض نصر القشوري منصرفا. فقال له المحسن: ما بمثل هذا عاملتني يا أبا ~~القاسم لما أنفذ هذا عامله ابن حماد حتى قيدني بحضرتك، وأمر علي المكروه ~~بمشاهدتك. فقال له نصر: ms259 والله يا سيدي ما ندري كيف نصنع إذا غضب مولانا على ~~وزرائه وكتابة وأمر فيهم بأمر، إن حضرنا عادونا إذا عادوا إلى الخدمة وسعوا ~~في قبيحنا، وإن امتنعنا من الحضور عادانا من إليه الأمر، فدلونا على ما ~~نتخلص به منكم. د المحسن القول في أمر علي بن عيسى وسكت الوزير، وأقبل ~~المقتدر بالله وقال له: أنت رجل خير، وتريد أن تتفضل على علي بن عيسى ليقول ~~الناس: رعي حقه وعرف له حرمة ما كان بينه وبينه، وراعى ذمام الصناعة فيه. ~~ويضيع مالي في الوسط، وما أصبر على ذاك. وهذا رجل قرمطي، ودمه وماله ~~حلالان، وإذا وهبت له ماله فلا أقل من أن يستوفي مالي منه. ثم قال للمحسن: ~~اخرج أنت واجلس في الدار، واستدع بعلي بن عيسى، وأرهبه، فإن أقر بودائعه ~~وخرج مما قرره على نفسه وإلا قيده، فإن أذعن وإلا ألبسه مع القيد جبة صوف، ~~فإن أقام # PageV01P322 # على أمره أوقع المكروه به في جسمه بمحضر من القواد جزاء له على ما فارق ~~الطاعة. فخرج المحسن وجلس معه نصر القشوري الحاجب ونازوك والقواد، وأحضر ~~علي بن عيسى، فبدأه المحسن بالرفق، ثم نقله إلى الأغلظ فلم يستجب إلى أداء ~~شيء في دار الخلافة، وقال: ما يمكنني الاحتيال وتصحيح المال إلا حيث أن ~~أكون في موضع امن فيه على نفسي، ويمكن أن يجيئني من أريده من كتابي وأصحابي ~~بحسب ما تقرر من شرائط خطى. فتقدم المحسن إلى نازوك بإحضار قيد فيه عشرون ~~رطلا وجبة صوف مدهونة بماء الأكارع، فأحضرهما، وجيء بحداد، وأمر بتقييده. ~~فلما بدأ بذلك نهض نصر القشوري منصرفا. فقال له المحسن: ما بمثل هذا ~~عاملتني يا أبا القاسم لما أنفذ هذا عامله ابن حماد حتى قيدني بحضرتك، وأمر ~~علي المكروه بمشاهدتك. فقال له نصر: والله يا سيدي ما ندري كيف نصنع إذا ~~غضب مولانا على وزرائه وكتابة وأمر فيهم بأمر، إن حضرنا عادونا إذا عادوا ~~إلى الخدمة وسعوا في قبيحنا، وإن امتنعنا من الحضور عادانا من إليه الأمر، ~~فدلونا على ms260 ما نتخلص به منكم. # وتركه ومضى إلى حجرته المرسومة بالحجبة في دار الخلافة. وجعل القيد في ~~رجل علي بن عيسى وضربه به الحداد بالمطرقة ليسمره، فأخطأ وأصاب كعبه، فقال ~~علي بن عيسى: يا هذا، أي عداوة بيني وبينك حتى فعلت ما فعلت؟ فقال له: كيف ~~لا أعادي وقد أسقطت من رزقي دينارا؟ فوثب نازوك ليمضي. فقال له المحسن: أنت ~~صاحب الشرطة وهذا أمر يلزمك القيام به، فإذا تركته وانصرفت لم يكن لجلوسي ~~معنى، وإذا كنتم على هذه الحال من محبة علي بن عيسى ومراقبته، وقد سمعتم من ~~أمير المؤمنين لي فيه ما سمعتموه، فألأ واجهتموني بالامتناع من الحضور # PageV01P323 # أولا؟ فقال له نازوك: ما أستحسن أن أحضر مكروه رجل قبلت يده عشر سنين، ~~وله عندي من الأيادي والفضل، ومع ذلك فهو شيخ يتدين ويصوم الدهر. فاغتاظ ~~المحسن وقال للقواد الباقين: إن جلستم وإلا قمت، فلست صاحب شرطة، فقعدوا. ~~وأخذ ياقوت وصالح من بينهم يستعطفانه لعلي بن عيسى، وسألاه ألا يلبسه الجبة ~~الصوف ولا يجري عليه مكروها. فقال: لا أفعل إلا أن يكتب خطه بأداء ثلاثين ~~ألف دينار في عشرين يوما، إذ لا أقل من ذلك، فقال علي ابن عيسى: لا أكتب ~~بما لا أفي به ولو قطعت يدي. فألبسوه الجبة حينئذ، وقال له: لم يبق إلا ~~المكروه فإن استجبت وإلا امتثلت أمر أمير المؤمنين في إيقاعه بك، وكنت أنت ~~الذي توقعه بنفسك. فقال: إذا كتبت بما لا أتمكن منه وقع المكروه بحجة، وإن ~~وقع بي الآن كنت مظلوما. فدعا المحسن بعشرة غلمان كان قد واقفهم على أن ~~يشددوا المكروه به، وأمرهم بصفعه، فصفعه كل واحد صفعة عظيمة، فصاح في ثلاث: ~~أوه. وقال في الباقي: أستغفر الله من ذنب مكن مثلك من مثلي. وكان مفلح قد ~~قام ودخل إلى حضرة المقتدر بالله قبل ما جرى على علي بن عيسى وكان قريبا من ~~الموضع. فلما سمع المقتدر قوله واستغفاره باللفظ الذي وصله به رق له ورحمه ~~وقال: ما أشك في أن علي بن ms261 عيسى خير عند الله من المحسن، وقد وقع السرف ~~فيما عومل به وبلغ منه. فأخرج وحل بين المحسن ومكروهه. ورده إلى محبسه. ~~وقامت القيامة على السيدة وزيدان بما جرى وقالتا: إنما صنا ابن الفرات ~~ومنعنا أعداءه منه لما كان يصون الوزراء ويعرف حقوقهم، والآن فقط بسط هذا ~~المجنون ابنه لما يخالف العادة ويورث القباحة والشناعة. # PageV01P324 # وانصرف المحسن إلى أبيه وعرفه ما جرى، وقد كان أخر طعامه انتظارا لحضوره. ~~فلما وقف من الصورة على ما أخبره به قلق من ذلك قلقا شديدا وقال: كان يجب ~~يا بني ألا تفعل ما فعلته وتقبل ما أمرت به كله، وأنت حدث لم تجرب الأمور، ~~ومغرور لم تتدرب، وقد أفسدت أمر علي بن عيسى علينا. ووالله لا سلم بعد هذا ~~إلينا. ووجه من وقته إلى هشام بن عبد الله فاستحضره، وأعلمه ما كان من ~~المحسن وجنايته في أمر علي بن عيسى، وقال له: ستعظم زيدان على الخليفة ~~والسيدة ما جرى، وتجعل ذلك طريقا إلى نزع جبته وفك قيده، وألا يسلم إلينا، ~~فما الرأي عندك؟ قال: أن تكتب الساعة إلى الخليفة رقعة بخطك لا بخط كاتب من ~~كتابك، وتذكر له ما انصرف به إليك أبو أحمد من خبر علي بن عيسى، وأن ذلك ~~أقلقك وأزعجك، وشق عليك وبلغ منك، حتى دعاك إلى ترك الأكل، وتنسب المحسن ~~إلى الحداثة وركوب الخطأ فيما فعله، وتقرظ علي بن عيسى، وتستعطف رأيه له، ~~وتذكره ما سلف من حقوقه وحرماته، وتسأله الصفح عنه، والتجاوز عما أنكره ~~منه، وترغب إليه في فك قيده ونزع الجبة عنه. لتوهمه بذلك إنكارك للقصة، ~~وتشيع أن تنحية قيده وجبته بشفاعتك، وتمن على علي بن عيسى بما صدر عنك. ~~فأما متى لم تفعل هذا فعل بغير مرادنا، وخسرنا الحمد والمنة، وحصلنا على ~~القباحة والشناعة. فقال ابن الفرات: صدقت وأصبت الرأي. وكتب الرقعة وأنفذنا ~~مع صافي الخادم، وكان يحمل رقاعه إلى المقتدر بالله، فأخذها مفلح منه، ~~وأوصلها، وعاد الجواب # PageV01P325 # من وقته بخط نعمة الكاتبة، يتضمن شكر المحسن على ms262 ما كان منه، وذم علي ابن ~~عيسى، واستصغار ما جرى عليه، وأن المحسن لو لم يمتثل ما أمر به فيه لأفسد ~~حاله عنده، وأنه مع ذلك قد شفع أبا الحسن بن الفرات في علي بن عيسى، ووهبه ~~له وأمر بنزع الجبة والقيد عنه. ومضت عشرة أيام، وأنفذ علي بن عيسى إلى ابن ~~الفرات، وقيل له: قد حمل إليك لتطالبه بالمال المقرر عليه. وكان الباطن أن ~~زيدان قالت لابن الفرات: لولا ما استعمله المحسن ابنك بعلي بن عيسى لسلم ~~إليك إقامة لجاهك لئلا يظهر من منعك عنه ما تضعف به يدك. وأشارت عليه بنقله ~~إلى دار شفيع اللؤلؤي من وقته، وأن يظهر اختيار علي بن عيسى لذاك وسؤاله ~~إياه. ووعدها ابن الفرات بالعمل على رأيها. وأحضر علي بن عيسى دار ابن ~~الفرات وهو في دار حرمه، فجلس في رواق بقرب من مجلس ابن الفرات، ومعه فائق ~~وجه القصعة وفلفل، وكانا يشهدان عند القضاة. ولما رأى كتاب ابن الفرات علي ~~بن عيسى قاموا إليه، وسلموا عليه، وأذن بصلاة العصر، فقام علي بن عيسى وصلى ~~بقوم اجتمعوا خلفه، ودخل هشام إلى ابن الفرات وقال له: أهنئ الوزير أيده ~~الله. فقال: بأي شيء؟ قال: تقلد علي بن عيسى في دارك، ونمس على الخدم ~~والعامة بذلك. فقال ابن الفرات: ما أراد إلا التفاؤل بأن يقيم حقا في هذه ~~الدار ويأمر وينهي. # ثم خرج ابن الفرات من دار حرمه إلى مجلسه، وقام إليه فائق وفلفل وأوصلا ~~رقعة المقتدر بالله إليه بإنفاذه علي بن عيسى ليؤدي ما قرر عليه وكان فيها: ~~إن عليا وإن كان قد أخطأ وأذنب فله خدمة وحرمة، وأريد أن تراعيه # PageV01P326 # في مطعمه ومشربه، وتتفقده أجمل تفقد وأحوطه، فقد ضمن الإسراع إلى أداء ~~المال. # فلما قرأ ابن الفرات الرقعة استدعي علي بن عيسى، وقربه حتى صارت ركبته مع ~~مرفع الدواة، واجتمع الناس ينظرون، ووافى المحسن، فقام علي بن عيسى، وقد ~~كان الأمراء والقواد وسائر الطبقات يقومون للمحسن في مجلس أبيه، فلم ينكر ~~ابن الفرات ms263 قيام علي بن عيسى لابنه. وأعاد ابن الفرات قراءة الرقعة ~~الواردة، ودفعها إلى المحسن حتى وقف عليها وردها بعد ذلك إلى أبيه. فأقبل ~~ابن الفرات على الخادمين وقال: ما أقبح ما وصيت به من تفقد أبي الحسن في ~~مطعمه ومشربه، فإن كان ذلك لتقصير يظن بي فيما هذه سبيله فما أبعدني عن ~~مثله، وإن كان لكناية عن أمر آخر فأرجو ألا أكون في منزلة من يستجيزه أو ~~يطلقه. وقد سلم حامد إلي مع تناهيه في العداوة لي واستعمال القبيح معي ~~فعاملته بالجميل الذي عرف، ومعلوم فرق ما بينه وبين أبي الحسن عندي. وقد ~~كان ابن الفرات قطع لحامد لما سلم إليه ثيابا بعشرة آلاف درهم، وأصلح له ~~فرشا وثيرة، وأجلسه في دار كبيرة، وأخدمه عدة غلمان وخدم، وكان يبخره في كل ~~يوم دفعات، ويقدم إليه أحسن وأوسع طعام فاستخرج بذلك منه ألف ألف وثلاثمائة ~~ألف دينار لا يعلم بها أحد غير حامد، كان منها أربعمائة ألف وكسر من آبار ~~بواسط ومائة ألف دينار وكسر من ودائع. وإنما جرى عليه المكروه من المحسن ~~بغير إيثار ابن الفرات، ولأن المقتدر بالله أقام على أنه لا بد من تسليمه ~~إلى المحسن، فإنه ضمنه منه بعد ما أخذه أبوه منه بخمسمائة ألف دينار. وخرج ~~من المكروه إلى حد علم به أن الغرض نفسه لا ماله فأقام على التبلج ولم يؤد ~~على يد المحسن درهما واحدا. وجرى عليه بواسط ما أدى إلى هلاكه، وقيل: # PageV01P327 # إنه طلب في الطريق ما يأكله فأتوه ببيض مسموم فأكله، ولم يزل يقوم حتى ~~مات في دار البزوفري. وكان قول ابن الفرات ما قاله قبل تسليم حامد إلى ~~المحسن. ونرجع إلى استتمام حديث علي بن عيسى. وقال له ابن الفرات: والله ~~لقد استأذنني حامد في الفصد عندي لوجع لحقه في ضرسه فخفت أن يجتمع عليه ~~الفصد وعلو السن فيضعف ويتلف، فلم آذن له ومنعته. مالنا ولهذا إذا كنا نخاف ~~على النفوس؟ فوالله لا أقام هذا الرجل في داري. وقع يا أبا ms264 عبد الله وأومأ ~~إلى زنجي إلى شفيع الكبير يعني اللؤلؤي بالحضور، فوقع إليه، وقد كان شفيع ~~عرف الخبر من دار السلطان فلما جاءه التوقيع أنفذ قيصرا خادمه فأجاب ~~بالاعتذار وقال: قد انفذت ثقتي وهو يقوم مقامي، فما يراد مني؟ فرد إليه ~~الوزير: بأن لا بد من حضورك. وحضر، فسلم إليه علي بن عيسى، ووصاه بحفظه ~~ليؤدي المال المقرر عليه عنده. وقبل ذلك أعطي علي بن عيسى ابن الفرات تذكره ~~له كان أولها: الكتاب إلى العمال بالإفراج عن وقوفي. فلما قرأ ذلك دعا ~~بساكن صاحب دواته وقال: هات الكتب التي كتبت أمس من ديوان المقبوضات وأمرتك ~~بحفظها. فأحضرها، وإذا هي بالإفراج لعلي ابن عيسى عن وقوفه وقال: قد فعلت ~~ذلك قبل أن تسأله، وعملت فيه ضد # PageV01P328 # ما عاملتني به، لأن أمير المؤمنين أيده الله أمرك في نكبتي بالإفراج عن ~~بعض وقوفي فرجعت ودافعت، حتى إذا ما لم تجد مدفعا استخرجت ما فيها ورددتها ~~فارغة وأنا قد أطلقتها لك بغلاتها وأموالها، وما استحللت إطلاق أيدي العمال ~~في وقوف. فشكره علي بن عيسى وقال: أيها الوزير فني الحديث إلا هذا. ودخل ~~المحسن في القول في الزيادة من توبيخ علي بن عيسى في فعله، فقال له قولا ~~لاطفه فيه وفي عرضه: أنا والله أستحليك فغلظت هذه اللفظة على المحسن ~~وغاظته. فأجابه المحسن جوابا حشمه فسكته أبوه. ثم أقبل على علي بن عيسى ~~فقال له: أبو أحمد كاتب أمير المؤمنين وصنيعته ووصف موضعه منه، وتفويضه ~~إليه فاعتذر علي ابن عيسى من كلمته أشد اعتذار، ورجع أبو الحسن إلى قراءة ~~التذكرة. وكان الباب الثاني منها: الإفراج عن دوري وعقاري ببغداد. فقال له ~~ابن الفرات أما دورك وولدك فما عرض لهم. وأما عقارك فأنا أطلقه. ووقع بذلك. ~~وكان الباب الثالث: كتب أمان لأولادي وأسبابي. فقال له ابن الفرات: أما ~~أولادك فلا علقة عليهم، لأنك ما صرفتهم في أيامك ولا قلدتهم شيئا من ~~أعمالك، ولكني أستظهر لك ولهم بالأمان، وأما أسبابك فسم من تريد ممن لا ~~تبعة عليه. ms265 فأسمي جماعة. وكتب الأمان لهم ولأولاده. # PageV01P329 # وكان الباب الرابع: إطلاق غلة إن كانت بقيت في ضياعي. قال ابن الفرات: ~~هذا لا يجوز لأنني لا أطلق الضياع ولا الغلة إلا بعد ان تؤدي مال التعجيل، ~~ولكني أكتب إلى العمال بأن يحصلوا موجود الارتفاع ليحسب ذلك من مال ~~التعجيل، فهو أعود. وكان الباب الخامس: إطلاق ضياعي بديار ربيعة والموصل ~~والشام. فقال ابن الفرات: أما ما كان بديار ربيعة والموصل فأنا أطلقه بعد ~~أن تؤدي ثلاثين ألف دينار، وأما ما بالشام فهو مختلط ولا أعرف ارتفاعه، ~~ولكن عرفني مبلغه لأقفه عنك، فإنني أثق فيه بقولك: فقال: هو في هذه السنة ~~ناقص العمارة ومقداره مائة ألف درهم، فقال: أنا أقف هذا القدر عنك. والباب ~~السادس: إطلاق ضيعتي بالسود إذا أديت ثلاثين ألف دينار. فامتنع أبو الحسن ~~من ذلك، ووقع في الأبواب الأول بما ذكرناه. وعرض فائق وفلفل عليه رقاعا في ~~حوائج لهما، فشغل بهما وبمن جرى مجراهما من أرباب المطالب. وأقبل المحسن ~~على علي بن عيسى وقال له: ألست زعمت أن حامد بن العباس أسقط عن المادرائيين ~~ألفي ألف ومائتي ألف دينار مصابرة، وكتب لهم مؤامرة بذلك إلى الخليفة، وأخذ ~~توقيع الخلافة فيها؟ وأنت وإن كنت إذ ذاك من قبله فقد جحد حامد هذا القول ~~منك. فقال له علي بن عيسى: يجحد وهو الناظر الآمر! فقال له: فألا عارضته ~~ومنعته؟ لأن الخليفة أقامك للاستظهار عليه. فقال: ما كنت في الوقت ألا من ~~قبله، فلما ضمن اعتمد الخليفة علي في استيفاء ما استوفيته، ومع هذا فصناعتك ~~ترتفع عن أن تلزمني في مثل ذلك دركا لو كنت فعلته متعمدا، فإن المال يلزم ~~من هو عليه. # PageV01P330 # وعلا صوتاهما بالقول: فأقبل ابن الفرات عليهما وقال: في أي شيء أنتما؟ ~~فعرفه المحسن الصورة. فقال ابن الفرات: المادرائي وابن أخيه واردان، وإذا ~~وردا كان الخطاب معهما والمناظرة لهما، وقد أسقطت المصادرة عن أبي الحسن كل ~~تبعة، وكفاك ما عاملته به فأمسك عنه. فقال المحسن: هو شيخي، وقد علم الله ~~أنني ms266 ما آثرت ما جرى. فقال له علي بن عيسى: كذلك الظن بك يا سيدي. ثم رجع ~~ابن الفرات إلى قراءة ما بقي من التذكرة التي لعلي بن عيسى، فإذا فيها: ~~يؤذن للكتاب وأصحاب الدواوين الولاة والمعطلين والقواد وكتابهم في الاجتماع ~~معي ولا يمنع واحد منهم عني. فقال ابن الفرات: أما أصحاب الدواوين الولاة ~~فلا يجسرون على لقائك فزعا مني إلا رجلا واحدا هو جار الموضع الذي أنت فيه ~~يعني ابن الصريفيني صاحب الجيش لأن داره كانت مجاورة لدار شفيع اللؤلؤي ~~التي في مشرعة القصب على دجلة، وانتقلت من بعد إلى أبي بكر محمد بن بدر ~~الحمامي وسيصير إليك سرا. وأما القواد فعليك في مجيئهم إليك شناعة. فقال: ~~إنما أريدهم لابتياع ضياعي، ومنهم داود بن حمدان، وهو يرغب فيما بديار ~~ربيعة منها، ولا شناعة في مثل ذلك. فقال: بلى. وربما صار منه حديث، وكتابهم ~~يجيئونك، وفيهم كفاية. ووقع بهذا. وتبع هذا الباب من التذكرة: كتاب يكون في ~~يدي بما تقررت عليه مصادرتي، وأنه مزيل لكل تبعة وتأول عني وعن كتابي ~~وأسبابي. فضحك ابن الفرات وقال: ما أطرف هذا بين أن تضج وتتظلم وتقول: إنه ~~لا يجب على مثلك مصادرة، ثم تحتاط لنفسك في التبعة بأن تتنجز بها كتابا. ~~فقال: إي لعمري ما هي واجبة علي، ولا ارتزقت في مدة خمس سنين إلا مثل مال ~~التعجيل وهو مائة ألف، ولكن إذا وقعت المصادرة فلي ولأسبابي في هذا الكتاب ~~حجة في نفوسنا وأملاكنا. # PageV01P331 # فأقبل ابن الفرات على المحسن ابنه وقال له: أنت تتولى لأمير المؤمنين ~~ديوان المصادرين، فاكتب له بما يريد. فقال أوقع بأن يكتب له ذلك. قال: لا، ~~بل تكتبه بخطك. قال: فكيف أدعو له؟ قال: بالدعاء التام. فكتب له المحسن ~~بخطه عن نفسه كتابا بالمصادرة، ودعا له في صدره، ثلاثة أسطر، وترجمة ~~بالدعاء التام، وكتب: من المحسن بن أبي الحسن. كما يكتب إلى الناس كلهم، ~~ودفع الكتاب إلى أبي غانم سعيد بن محمد المعروف بابن الشاشي خليفته على ~~ديوان المصادرين. وبينما ms267 ابن الفرات يحادث علي بن عيسى خرج أبو علي الحسن ~~بن أبي الحسن ابن الفرات، من دولة، وسنه إذا ذاك بضع عشرة سنين. فقام إليه ~~علي بن عيسى، فأكبر ذاك أبو الحسن بن الفرات وقال: يا أبا الحسن أعزك الله ~~هذا ولدك. فقال علي بن عيسى: قد خدمت السيد الماضي أبا العباس رحمه الله ~~وخدمت الوزير أيده الله، وأرجو أن أعيش حتى أخدم هذا السيد أعزه الله. ~~فشكره ابن الفرات على قوله، وأخذ قرطاسا ووقع فيه إلى هارون بن عمران بأن ~~يحتسب عليه من مال ضيعته بألفي دينار يحملها إلى أبي الحسن علي بن عيسى من ~~غير دعاء معونة له على مصادرته. فقال علي بن عيسى: ما أحب التثقيل على ~~الوزير أيده الله ولكن لا أرد تفضله مع الحاجة إليه. وأخذ المحسن الدواة ~~وكتب له بألف دينار. وتقدم ابن الفرات إلى هارون بن عمران بأن يكتب له قبضا ~~بهذه الثلاثة الآلاف الدينار من مال مصادرته، ونهض علي بن عيسى بعد أن قبل ~~يد # PageV01P332 # أبي الحسن بن الفرات، وضمه ابن الفرات إليه، وأكب علي بن عيسى على رأس ~~المحسن فتطاول له تطاولا كالقيام، وقام معه كل من كان بحضرة ابن الفرات إلا ~~وجوه أصحاب الدواوين، ومشى بين يديه الحجاب والحواشي، ومضى إلى دار شفيع. ~~ولم يبعد أن قام ابن الفرات لصلاة المغرب، فلما صلى دعا بهشام وابن جبير ~~وابن فرجويه وقال: رأيتم مثل رجلة علي بن عيسى وتطأمنه للنكبة واستعانته ~~عليها بالاستعطاف والتذلل؛ وهذه طريقة لا أحسنها، لأن كبدي في المحن كأكباد ~~الإبل، لا جرم أنها تزداد وتتضاعف. ثم دعا بالعباس الفرغاني حاجبه وقال له: ~~حدثهم. فقال: نعم، لما نزل علي ابن عيسى إلى طيار شفيع اللؤلؤي أجلسه في ~~صدره وجلس بين يديه. فقال ابن الفرات: هذا غير منكر لأنا ما عاملنا بقبيح ~~فيتصنع لنا شفيع بإذلاله، وهو مع ذلك شيخ قد رأس عليهم، وكان معظما في أيام ~~عبيد الله بن سليمان وله أبوته وصناعته. وأقام علي بن عيسى في دار ms268 شفيع إلى ~~أن أدى ثلاثمائة ألف دينار المصادرة، وأطلقت ضياعه. ثم أبعد إلى مكة، وأطلق ~~له ابن الفرات عشرة آلاف درهم نفقة سلمها إليه، وأعطي في أجر الجمالين ~~ونفقات الموكلين ثمانية آلاف درهم. فلما حصل بمكة أعيد قبض الضياع وأمر ~~بإخراجه إلى صنعاء. وإنما تم ذلك عليه بعد خروج مؤنس إلى الرقة كالمبعد. ~~وذكر أن علي بن عيسى لم يقبل لأحد من الكتاب في نكبته هذه معونة # PageV01P333 # من بذلهم ذلك له، إلا بن فرجويه فإنه حمل إليه ألف دينار. وحمل إليه ~~الفضل والمحسن ابنا ابن الفرات ألف دينار. وكان أبو الهيجاء بن حمدان أنفذ ~~إليه عشرة آلاف دينار فردها وقال له: لو كنت متقلدا فارس لقبلتها، وأعلم ~~أنها تجحف بما لك، وما أحب ثلمك. فحلف أبو الهيجاء أنها لا ترجع إلى ملكه ~~ففرقت على الطالبيين والضعفاء. وحمل إليه هارون بن غريب جملة قبلها. وبذل ~~له شفيع ألفي دينار فامتنع منها وقال له: لا أجمع عليك مؤونتي ومعونتي: ~~ولأبي الميمون سالم بن عبد الله في علي بن عيسى لما أخرج إلى مكة: # سيرت الشمسة بالنحس ... فأطلعت سعدا على الأنس # فأبعد الله الذي سيرت ... في الأرض أقصى مطلع الشمس # لما غدا أهلوه في مأتم ... أصبحت الأمة في عرس # فلا كلاه الله من ذاهب ... ولا رعاه الله من جبس # أطلع في أيامه كلها ... على البرايا كوكب النحس # وضيق الدنيا على أهلها ... كأنها العالم في حبس # يضيع الأموال من عجيبة ... وينظر الساقط من فلس # أهلكه الله ولا رده ... فهلكه أطيب للنفس # ما يؤمن الشر ولا ينقضي ... حتى يوارى النذل في رمس # PageV01P334 ### | وزارة أبي الحسن علي ابن عيسى الثانية # لما قبض علي أبي الحسن علي بن عيسى بعد نظره مع حامد بن العباس جرى أمره ~~مع أي الحسن بن الفرات وابنه المحسن على ما ذكرناه. ثم أخرجاه إلى مكة، ~~ومنها إلى اليمن، فكان هناك إلى أن قبض عليهما. ووزر أبو القاسم الخاقاني، ~~فسأل مؤنس الخاقاني أن يأذن لعلي بن عيسى في الرجوع إلى مكة، ففعل، ms269 ثم سأل ~~مؤنس المقتدر بالله من بعد تقليده الإشراف على مصر والشام، فأمر الخاقاني ~~بذلك، وكتب إلى علي بن عيسى به، وأجري له ألفي دينار في كل شهر. وكان عامل ~~مصر يومئذ أبو أحمد الحسن بن محمد الكرخي وعامل الشام محمد بن الحسن ابن ~~عبد الوهاب. وتقلد أبو العباس الخصيبي الوزارة فأقره على ذلك. وقد أمر ~~الخصيبي، فأشار مؤنس على المقتدر بالله باستقدام علي بن عيسى ورد الأمور ~~إليه والتعويل فيها عليه. وندب سلامة الطولوني للنفوذ إلى دمشق في طريق ~~البرية وإحضار علي بن عيسى منها، ونفذ في يوم السبت ثالث عشر ذي القعدة، ~~واستقر الأمر في مراعاة الأعمال إلى حين وصوله على أن استدعي المقتدر بالله ~~عبيد الله بن محمد الكلوذاني في يوم الخميس الحادي عشر من ذي القعدة، وعرفه ~~تقليده أبا الحسن علي بن عيسى الوزارة، وأمره بالنيابة عنه إلى حين وروده، ~~فانصرف أبو القاسم إلى دار الوزارة بالمخرم في طيار الخصيبي المقبوض عنه، ~~وجلس ونظر في الأعمال، # PageV01P335 # وقرأ الكتب الواردة، ووقع في الكتب الصادرة، وكتب إلى عمال الخراج ~~والمعاون وعراض الجيوش وأصحاب الأخبار والبرد والقضاة بما رد إلى علي بن ~~عيسى ورسم له من خلافته، وأمر ونهى وعزل وولى. وظهر في هذا اليوم أبو علي ~~بن مقلة وأبو الفتح الفضل بن جعفر، وجاءا إلى أبي القاسم وسلما عليه، وحضر ~~هشام بن عبد الله ونظر فيما كان ينظر فيه للخصيبي. ولم يزل الكلوذاني يدبر ~~الأمور حتى مشى كثيرا واستخرج صدرا كبيرا. وسار علي بن عيسى من دمشق إلى ~~جسر منبج ثم انحدر في الفرات إلى بغداد، وخرج الناس لتلقيه في سلخ المحرم ~~وأول صفر من سنة خمس عشرة وثلاثمائة، فمنهم من لقيه بالرحبة ثم بهيت ثم ~~بالأنبار. وورد إلى الحضرة في يوم الثلاثاء خامس صفر، وبدأ بالمقتدر بالله، ~~فوصل إليه بعد العشاء الآخرة، ومعه مؤنس المظفر، فخاطبه خطابا جميلا وانصرف ~~إلى منزله، فحمل إليه المقتدر بالله من الثياب الفاخرة والفراش الجليل ~~والمال ما قيل: إن ثمنه وقدره نحو ms270 عشرن ألف دينار، وأمره بالاستعانة بذلك ~~على إصلاح أمره وإقامة تجمله، وخلع عليه خلع الوزارة في يوم الخميس لسبع ~~ليال خلون من صفر، وسار معه مؤنس المظفر إلى أن بلغ داره بسوق الثلاثاء، ثم ~~حلف عليه علي بن عيسى فتأخر عنه، وسار بين يديه هارون بن غريب وشفيع ومفلح ~~ونسيم وياقوت ونازوك وجميع القواد والغلمان إلى داره بباب البستان. وقدم ~~بقدوم علي بن عيسى أخوه عبد الرحمن وقد كان خرج إليه عند تقلد الخصيبي ~~الوزارة من غير أن يلقاه، وسليمان بن الحسن. وقد ذكرنا حاله فيما تقلد من ~~أعمال الشام في وزارة الخصيبي وعبيد الله بن عبد الله بن الحارث، وأبو ~~زنبور الحسين بن أحمد المادرائي. وبلغ هشام بن عبد الله أنه قد ذكر عند أبي ~~الحسن علي بن عيسى # PageV01P336 # بما أفسد رأيه فيه، وذكر بما كان كاشفه فيه في أيام ابن الفرات الأخيرة، ~~وما عامل به إبراهيم وعبد الله أخويه من القبيح قولا وفعلا، فاستوحش وأشفق ~~واقتصر على أن وقف لعلي بن عيسى في الطريق، وترجل له، وعاد إلى منزله ولم ~~يجسر على حضور داره. وكان يتقلد مع ديوان المصادرين كتابة أحمد بن بدر ~~العم، فلما تأخر عن علي بن عيسى وقع إليه: لم أرك مد الله في عمرك أحضرتني ~~عملا للمصادرات التي تتقلد ديوانها، ولا أنفذت إلي كتابا بالمطالبة بشيء من ~~مالها، ولا أخرجت إلي ما تعلم شدة الحاجة إليه من أحوال ضمانات الضمناء ~~التي ضمنوها، وبلغني أنك متشاغل عن هذه الأعمال بغيرها، فينبغي أكرمك الله ~~أن تخرج إلي سائر ما قبلك، وتجري على عادتك في خدمتي وملازمة حضرتي إن شاء ~~الله. فأجابه هشام: بأنه حضر الدار للخدمة فوجد الوزير قد قام من مجلسه ~~وعزم على الرواح وملازمة الخدمة التي يتشرف بها وأنه إنما أخر إخراج ما على ~~المصادرات لعلمه بمذهب الوزير في البحوث عن الظلم. وعمل على المشافهة بما ~~عنده ليخرج من المصادرات ما هو واجب مما لم يجر فيه تحريف ولا حيف. فوقع ~~إليه: أخرج ما ms271 عندك كائنا ما كان، وبين وجوهه # وأسبابه لأتقدم فيه بما يوفق الله إن شاء الله. وحضر هشام مجلسه، فقال ~~له: ليس من مذهبي أن أذكر إساءة أحد، ولما خلصني الله تعالى من صنعاء وعدت ~~إلى مكة عاهدته سبحانه على ترك مقابلة كل من سعي علي في ولايتي ولكبتي، ~~ووكلت جميعهم إلى الله. ولك خدمة قديمة توجب لك حقا، وعليك أضعافه، فإذا لم ~~ترع ما يلزمك لم أدع رعاية ما يلزمني. ثم قال له: أموال الصدقات بفارس ~~وكرمان معقودة على أبي عيسى أحمد بن بدر العم، وقد حل منها ثلاثمائة ألف ~~درهم، والضرورة قائدة إلى مطالبته بأداء ذلك في بيت مال العامة لأسبب له ~~عوضه على المسمعي من مال ضمانة الضياع والخراج بفارس، وأريد أن تكتب لي خطك ~~بعشرة آلاف دينار من ذلك. فكتب له بمائة ألف درهم، ووقع لأهل الصدقات ~~بالعوض منها على المسمعي، ثم ذكر له هشام أن على إسحاق بن إسماعيل من مال ~~ضمانة النهروانات، وعلى نصير بن علي من مال ضمانة طريق خراسان وموات جلولا، ~~وعلى محمد بن الحسن الكرخي الملقب بالجرو من مال ضمانة نهر بوق والزاب ~~الأسفل، وعلى ابن عرفة خليفة محمد بن القاسم الكرخي من مال الأعمال التي ~~يتولاها صاحبه، وعلى محمد وجعفر ابني جعفر الكرخي من مال مصادرتهما، وعلى ~~محمد بن الحسن كاتب المسمعي من مال ضمانة أعمال فارس وكرمان، وعلى خليفته ~~ابن رستم من مال أصبهان، أموالا كثيرة، وأنهم لم يؤدوا منذ وقع اسمه على ~~الوزارة إلا شيئا يسيرا. وأنه قد أحضر خطوطهم بأعيانها، وعملا بأصول ما ~~عليهم وما أدوه، وبقي خطوط المصادرين بما تقررت عليه أمورهم، وعملا مفصلا ~~بما بقي منها على كل واحد منهم. وقال: سبيل ذلك كله أن يستوفى. فأمره علي ~~بن عيسى بتسليم الخطوط إلى صاحب دواته بثبت، وتسلم هو العملين بيده، ~~وقرأهما، وتقدم إلى أبي القاسم الكلوذاني بالاجتماع مع هشام على المطالبة ~~بالمال والجد في ذلك حتى يصح في ثلاثة أيام. وأخرج علي بن عيسى جميع ~~الأعمال ms272 إلى أبي القاسم الكلوذاني، ولزم أصحاب الدواوين مجلسه في دار علي ~~ابن عيسى حتى ظن أنه خليفته على الدواوين كلها. فلما أخرج الكلوذاني كل ما ~~عنده إلى علي بن عيسى وتشاغل بما أمره به من مطالبة الضمناء والمصادرين قال ~~له علي بن عيسى: إليك أجل الدواوين، وإن ارتسمت بخلافتي اختل ما إليك منها، ~~وليس يقوم أحد مقامك في ذلك، فينبغي أن تتوفر على ذلك فسر الكلوذاني بهذا ~~القول لأنه خاف أن يرد ديوان السواد إلى عبد الرحمن أخيه على ما كان فعله ~~في وزارة حامد، ويحصل هو على خلافة لا يوفيه علي بن عيسى حكمها، لأن من ~~مذهبه أن ينظر في الأعمال بنفسه ليلا ونهارا. وعول على عبد الرحمن أخيه ~~وسليمان بن الحسن في عمل من الأعمال للضمناء والعمال مما يخرجه إليهما ~~أصحاب الدواوين، وفي مكاتبة عمال الخراج والضياع والمعاون في نواحي المغرب ~~عنه، والنظر في سائر أعمال المغرب كما ينظر صاحب الديوان، فتحققا به ولازما ~~مجلسه، وتجدد إشفاق هشام واستيحاشه، وذاك أنه بلغه حضور أولاد إبراهيم بن ~~عيسى عند عمهم علي بن عيسى فلما رآهم دمعت عينه وقال: ترك أبوهم العمل معي ~~في وزارة حامد طلبا للسلامة فلم ينفعه ذاك وأفقره ابن الفرات ثم سلمه إلى ~~من قتله. فقال له من كان بحضرته: الذي جرى عليه من هشام مكروها وشتما له ~~ولآل الجراح كلهم أعظم من القتل وخفف هشام الحضور في دار علي بن عيسى، وكان ~~ينفذ إليه الأعمال من غير أن يلقاه. وزاد ما يتأدى إليه من ذكر أصحاب علي ~~بن عيسى له وتضريتهم إياه عليه، فاستتر وستر حرمه، ولم يعرض له علي بن ~~عيسى، ووقع إليه بعد أيام من استتاره توقيعا جميلا فأجاب عنه بأنه قد كان ~~واثقا بتفضل الوزير عليه وصفحه عنه. وعمل على ملازمة الخدمة ألى أن أكثر ~~أعداؤه من الإغراء به والوقيعة فيه، فأقام في منزله واثقا بنيته ومعولا على ~~عفوه ورأفته. فوقع إليه: ما صرفتك أكرمك الله فإن أحببت الحضور والخدمة ~~وإلا فالله ms273 لك بالرشد. فلم يسكن وأقام على الاستتار. ابه لأتقدم فيه بما ~~يوفق الله إن شاء الله. وحضر هشام مجلسه، فقال له: ليس من مذهبي أن أذكر ~~إساءة أحد، ولما خلصني الله تعالى من صنعاء وعدت إلى مكة عاهدته سبحانه على ~~ترك مقابلة كل من سعي علي في ولايتي ولكبتي، ووكلت جميعهم إلى الله. ولك ~~خدمة قديمة توجب لك حقا، وعليك أضعافه، فإذا لم ترع ما يلزمك لم أدع رعاية ~~ما يلزمني. ثم قال له: أموال الصدقات بفارس وكرمان معقودة على أبي عيسى ~~أحمد بن بدر العم، # PageV01P337 # وقد حل منها ثلاثمائة ألف درهم، والضرورة قائدة إلى مطالبته بأداء ذلك في ~~بيت مال العامة لأسبب له عوضه على المسمعي من مال ضمانة الضياع والخراج ~~بفارس، وأريد أن تكتب لي خطك بعشرة آلاف دينار من ذلك. فكتب له بمائة ألف ~~درهم، ووقع لأهل الصدقات بالعوض منها على المسمعي، ثم ذكر له هشام أن على ~~إسحاق بن إسماعيل من مال ضمانة النهروانات، وعلى نصير بن علي من مال ضمانة ~~طريق خراسان وموات جلولا، وعلى محمد بن الحسن الكرخي الملقب بالجرو من مال ~~ضمانة نهر بوق والزاب الأسفل، وعلى ابن عرفة خليفة محمد بن القاسم الكرخي ~~من مال الأعمال التي يتولاها صاحبه، وعلى محمد وجعفر ابني جعفر الكرخي من ~~مال مصادرتهما، وعلى محمد بن الحسن كاتب المسمعي من مال ضمانة أعمال فارس ~~وكرمان، وعلى خليفته ابن رستم من مال أصبهان، أموالا كثيرة، وأنهم لم يؤدوا ~~منذ وقع اسمه على الوزارة إلا شيئا يسيرا. وأنه قد أحضر خطوطهم بأعيانها، ~~وعملا بأصول ما عليهم وما أدوه، وبقي خطوط المصادرين بما تقررت عليه ~~أمورهم، وعملا مفصلا بما بقي منها على كل واحد منهم. وقال: سبيل ذلك كله أن ~~يستوفى. فأمره علي بن عيسى بتسليم الخطوط إلى صاحب دواته بثبت، وتسلم هو ~~العملين بيده، وقرأهما، وتقدم إلى أبي القاسم الكلوذاني بالاجتماع مع هشام ~~على المطالبة بالمال والجد في ذلك حتى يصح في ثلاثة أيام. وأخرج علي بن ~~عيسى جميع ms274 الأعمال إلى أبي القاسم الكلوذاني، ولزم أصحاب الدواوين مجلسه في ~~دار علي ابن عيسى حتى ظن أنه خليفته على الدواوين كلها. فلما أخرج ~~الكلوذاني كل ما عنده إلى علي بن عيسى وتشاغل بما أمره به من مطالبة ~~الضمناء والمصادرين قال له علي بن عيسى: إليك أجل الدواوين، وإن ارتسمت # PageV01P338 # بخلافتي اختل ما إليك منها، وليس يقوم أحد مقامك في ذلك، فينبغي أن تتوفر ~~على ذلك فسر الكلوذاني بهذا القول لأنه خاف أن يرد ديوان السواد إلى عبد ~~الرحمن أخيه على ما كان فعله في وزارة حامد، ويحصل هو على خلافة لا يوفيه ~~علي بن عيسى حكمها، لأن من مذهبه أن ينظر في الأعمال بنفسه ليلا ونهارا. ~~وعول على عبد الرحمن أخيه وسليمان بن الحسن في عمل من الأعمال للضمناء ~~والعمال مما يخرجه إليهما أصحاب الدواوين، وفي مكاتبة عمال الخراج والضياع ~~والمعاون في نواحي المغرب عنه، والنظر في سائر أعمال المغرب كما ينظر صاحب ~~الديوان، فتحققا به ولازما مجلسه، وتجدد إشفاق هشام واستيحاشه، وذاك أنه ~~بلغه حضور أولاد إبراهيم بن عيسى عند عمهم علي بن عيسى فلما رآهم دمعت عينه ~~وقال: ترك أبوهم العمل معي في وزارة حامد طلبا للسلامة فلم ينفعه ذاك ~~وأفقره ابن الفرات ثم سلمه إلى من قتله. فقال له من كان بحضرته: الذي جرى ~~عليه من هشام مكروها وشتما له ولآل الجراح كلهم أعظم من القتل وخفف هشام ~~الحضور في دار علي بن عيسى، وكان ينفذ إليه الأعمال من غير أن يلقاه. وزاد ~~ما يتأدى إليه من ذكر أصحاب علي بن عيسى له وتضريتهم إياه عليه، فاستتر ~~وستر حرمه، ولم يعرض له علي بن عيسى، ووقع إليه بعد أيام من استتاره توقيعا ~~جميلا فأجاب عنه بأنه قد كان واثقا بتفضل الوزير عليه وصفحه عنه. وعمل على ~~ملازمة الخدمة ألى أن أكثر أعداؤه من الإغراء به والوقيعة فيه، فأقام في ~~منزله واثقا بنيته ومعولا على عفوه ورأفته. فوقع إليه: ما صرفتك أكرمك # PageV01P339 # الله فإن أحببت الحضور والخدمة وإلا ms275 فالله لك بالرشد. فلم يسكن وأقام على ~~الاستتار. # ونظر علي بن عيسى في الجاري والأرزاق، فنزل أصحاب الدواوين من الثلثين ~~إلى النصف، وجعل لأبي القاسم الكلوذاني من خمسمائة دينار كان يقبضها في كل ~~شهر عن ديوان السواد خمسة آلاف درهم، وقرر لأبي الفتح الفضل بن جعفر عن ~~ديوان المشرق مائة دينار في كل شهر، ولأبي علي بن مقلة عن ديوان الخاصة ~~والمستحدثة مائة دينار. وكان حامد أجري له ثلاثة آلاف درهم في كل شهر برسم ~~مشيخة الكتاب، وكان يقبضها إلى أن نكبه ابن الفرات. وأسقط أرزاق كل من كان ~~يقبض برسم الدواوين من الكتاب وأولاد الكتاب الذين يحضرون ولا يعملون، ~~وغلمان وأسباب وأصحاب الدواوين، واقتصر بالغلمان على جاري عشرة أشهر في ~~السنة. وبأصحاب البرد والمنفقين على ثمانية أشهر. وحذف من كان جاريا ~~بالفرسان والرجالة برسم النوبة من الكتاب والتجار ومن لا يحمل السلاح، ~~وأرزاق الأولاد الذين في المهود، وجميع أرزاق الخدم والحشم والجلساء ~~والندماء والمغنين وأصحاب العنايات وأرباب الشفاعات. ثم إن علي بن عيسى رأى ~~من اختلال النواحي في وزارة أبي القاسم ابن الخاقاني وأبي العباس الخصيبي ~~ونقصان الارتفاع، وتضاعف النفقات، وما زيده الرجالة عند ورود القرمطي وهو ~~مائتان وأربعون ألف دينار في السنة، ما استعظم الصورة فيه، وعلم أن الأمور ~~لا تستقيم معه، وتبين انحراف نصر الحاجب عنه لميل مؤنس المظفر إليه وقيامه ~~بأمره. فاستعفى المقتدر بالله من النظر استعفاء دفعه عنه وقال له: أنت عندي ~~بمنزله المعتضد بالله، ولا بد من أن تصبر وتحتمل. فترك مديدة ثم عاود وواصل # PageV01P340 # وشاور المقتدر بالله مؤنسا فيمن يقلده: وقال له: قد أسمي لي الفضل بن ~~جعفر فلم أرده، وابن مقلة فما عندك فيه. قال: هو حدث خامل، والوزارة تحتاج ~~إلى شيخ له ذكر وفيه فضل. فقال له: محمد بن خلف النيرماني وقد بذل تحصيل ~~ألف ألف دينار من مال النواحي في مدة أربعة أشهر. قال: هذا رجل متهور ولا ~~يحسن أن يكتب اسمه. وأشار بمداراة علي بن عيسى. وخاطب مؤنس علي ms276 ابن عيسى، ~~فقال: لو كنت مقيما بالحضرة لعملت وعولت على معاونتك ومعاضدتك، فأما وأنت ~~خارج إلى الرقة فلا يتم لي أمر. وبلغ أبا علي بن مقلة ذلك، فجد في السعي ~~على علي ابن عيسى. وشاور المقتدر بالله نصرا الحاجب في الثلاثة الذين هم ~~الفضل بن جعفر وابن مقلة ومحمد بن خلف النيرماني، فقال: أما الفضل فما يدفع ~~عن محل وصناعة، ولكنك قتلت عمه بالأمس، وبنو الفرات كلهم يدينون بالرفض، ~~ويميلون إلى القرمطي، وابن مقلة فلا هيبة له. وأشار بمحمد بن خلف، فلم ~~يتقبله المقتدر بالله، لأن مؤنسا وهارون بن غريب نفراه منه. وعرف ابن مقلة ~~طعن نصر الحاجب عليه، فواصل مداراته واستصلاحه، وواقف أبا عبد الله محمد بن ~~عبدوس الجهشياري على ملاقاة أبي محمد دلويه كاتب نصر واستعانته على إصلاح ~~صاحبه. وأشار مؤنس بأبي زنبور المادرائي، فكرهه نصر وانقاد لأبي علي بن ~~مقلة والمشورة به، وقال: يقلد فإن استقل بما ندب إليه والإ صرف واستبدل به. ~~فاضطر المقتدر إلى أن استوزره. وحصلت له وسيلة أخرى قوت أمره، وذاك أن ~~المقتدر بالله كان شديد التطلع إلى معرفة أخبار أبي طاهر القرمطي، ولم يكن ~~يقف عليها إلا من جهة الحسن ابن إسماعيل الإسكافي عامل الأنبار وما يكتبه ~~منها إلى علي بن عيسى في كل أيامه، # PageV01P341 # فأنفذ أبو علي علي بن مقلة طيورا إلى الأنبار، وعول على قوم من أهلها في ~~مكاتبته بأخبار القرمطي على الساعات. فكان يرد من ذاك ما ينفذه لوقته إلى ~~نصر الحاجب، ويعرضه نصر على المقتدر بالله ويجعله طريقا إلى تقريظه وإطرائه ~~حتى قال له: إذا كانت هذه مراعاته لأمورك يا أمير المؤمنين ولا تعلق له ~~بخدمتك فكيف يكون إذا اصطنعته واستكفيته؟ فلما كان وقت الظهر من يوم ~~الثلاثاء ثالث عشر ربيع الأول من سنة ست عشرة وثلاثمائة أنفذ المقتدر بالله ~~هارون بن غريب إلى علي بن عيسى للقبض عليه، فصار إلى داره، ومعه أبو جعفر ~~بن شيرزاد وهو متعطل إذ ذاك، فلما قرب هارون منها قدم أبا جعفر ms277 أمامه إليه، ~~وعرفه ما أنفذ فيه حياء من لقائه به، وعرفه أبو جعفر الحال، فقال: أنا جالس ~~أتوقعه. ولبس عمامة وطيلسانا وخفا، وأخذ في كمه مصحفا ومقراضا. ووافى هارون ~~فدخل إليه، وسأله صيانة حرمه وولده، ففعل، ومنع من التعرض لشيء من الدار. ~~ولم يجد في مجلسه ولا داره أحدا من كتابه وأسبابه، وبصر # بأبي علي عبد الرحمن في بيت من الدار مطلعا في شباك، فهجم عليه وأخذه، ~~وحملهما إلى دار السلطان، وسلم علي بن عيسى إلى زيدان القهرمانة، واعتقل ~~عبد الرحمن عند نصر الحاجب، فكانت مدة وزارة علي بن عيسى هذه سنة وأربعة ~~أشهر ويومين. وادعى نصر الحاجب بسوء رأيه في أبي الحسن علي بن عيسى أنه وجد ~~رجلا يعرف بالجوهري وأقر بأنه رسول للقرمطي وسفير بينه وبين علي بن عيسى، ~~وحكي عنه أن علي بن عيسى كان يكاتب القرمطي على يده، وجمع بينه وبين علي بن ~~عيسى حتى واجهه بذلك. فقال علي بن عيسى: كذب علي وبهتني، وما خلق الله لما ~~قاله أصلا ولا فرعا، وعاون أبو علي بن مقلة نصرا الحاجب إلى أن كاد المكروه ~~يتم على علي بن عيسى، وهم المقتدر بالله بأن يضربه بالسوط على باب العامة ~~بحضرة الفقهاء والقضاة وأصحاب الدواوين. فتوصلت السيدة إلى كشف ما ادعي ~~عليه، حتى وقفت على بطلانه، وقررت ذاك في نفس المقتدر بالله، فزال ما كان ~~اعتقده فيه. وتقلبت بعلي بن عيسى من بعد أمور قد ذكرناها فيما أوردناه من ~~أخباره المنثورة وأخبار الوزراء. ورد إليه في سنة تسع وعشرين وثلاثمائة في ~~خلافة المتقي لله وإمارة بجكم، ونظر أبي عبد الله الكوفي النظر في المظالم، ~~فجلس لذلك ونظر في خصومات بين عوام، ورد ما يتعلق بعامل وصاحب ديوان وجندي ~~إلى أبي عبد الله الكوفي، وبالحكم إلى الحكام. فلما انهزم أبو عبد الله ~~البريدي من كورتكين وتكينك، وخلت الوزارة من ناظر فيها ومرسم بها، استدعي ~~المتقي لله أبا الحسن علي بن عيسى وأبا علي عبد الرحمن أخاه وأمرهما ~~بالنظر، وكان أبو ms278 علي عبد الرحمن يدبر الأعمال وعلي بن عيسى يصل إلى حضرة ~~المتقي لله، وجرى الأمر على ذلك تسعة أيام ثم تقلد أبو إسحاق القراريطي ~~الوزارة، ولازما منزلهما. وتوفي أبو الحسن علي بن عيسى في يوم الجمعة لليلة ~~خلت من ذي الحجة سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة عن تسع وثمانين وستة أشهر، لأن ~~مولده كان في جمادي الآخرة سنة خمس وأربعين ومائتين. علي عبد الرحمن في بيت ~~من الدار مطلعا في شباك، فهجم عليه وأخذه، وحملهما إلى دار السلطان، وسلم ~~علي بن عيسى إلى زيدان القهرمانة، واعتقل عبد الرحمن عند نصر الحاجب، فكانت ~~مدة وزارة علي بن عيسى هذه سنة وأربعة أشهر ويومين. وادعى نصر الحاجب بسوء ~~رأيه في أبي الحسن علي بن عيسى أنه وجد رجلا يعرف بالجوهري وأقر بأنه رسول ~~للقرمطي وسفير بينه وبين علي بن عيسى، وحكي عنه أن علي بن عيسى كان يكاتب ~~القرمطي على يده، وجمع بينه وبين # PageV01P342 # علي بن عيسى حتى واجهه بذلك. فقال علي بن عيسى: كذب علي وبهتني، وما خلق ~~الله لما قاله أصلا ولا فرعا، وعاون أبو علي بن مقلة نصرا الحاجب إلى أن ~~كاد المكروه يتم على علي بن عيسى، وهم المقتدر بالله بأن يضربه بالسوط على ~~باب العامة بحضرة الفقهاء والقضاة وأصحاب الدواوين. فتوصلت السيدة إلى كشف ~~ما ادعي عليه، حتى وقفت على بطلانه، وقررت ذاك في نفس المقتدر بالله، فزال ~~ما كان اعتقده فيه. وتقلبت بعلي بن عيسى من بعد أمور قد ذكرناها فيما ~~أوردناه من أخباره المنثورة وأخبار الوزراء. ورد إليه في سنة تسع وعشرين ~~وثلاثمائة في خلافة المتقي لله وإمارة بجكم، ونظر أبي عبد الله الكوفي ~~النظر في المظالم، فجلس لذلك ونظر في خصومات بين عوام، ورد ما يتعلق بعامل ~~وصاحب ديوان وجندي إلى أبي عبد الله الكوفي، وبالحكم إلى الحكام. فلما ~~انهزم أبو عبد الله البريدي من كورتكين وتكينك، وخلت الوزارة من ناظر فيها ~~ومرسم بها، استدعي المتقي لله أبا الحسن علي بن عيسى وأبا علي عبد ms279 الرحمن ~~أخاه وأمرهما بالنظر، وكان أبو علي عبد الرحمن يدبر الأعمال وعلي بن # PageV01P343 # عيسى يصل إلى حضرة المتقي لله، وجرى الأمر على ذلك تسعة أيام ثم تقلد أبو ~~إسحاق القراريطي الوزارة، ولازما منزلهما. وتوفي أبو الحسن علي بن عيسى في ~~يوم الجمعة لليلة خلت من ذي الحجة سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة عن تسع ~~وثمانين وستة أشهر، لأن مولده كان في جمادي الآخرة سنة خمس وأربعين ~~ومائتين. ### || أخبار أبي الحسن المنثورة # حدث أبو علي عبد الرحمن بن عيسى قال: كان محمد بن جعفر العبرتائي من عمال ~~أبي الحسن بن الفرات وخواصه، وكان يعامل أخي أبا الحسن علي بن عيسى فيما ~~ضمنه من طساسيج طريق الجارية في الخاصة، فاستوفى عليه استيفاء تشدد فيه، ~~واجتهد في إصلاح نيته وقبول مبرته بكل ما يجتهد مثله مع مثله، وأخي يمتنع ~~ويقول: يا هذا الرجل إنما بيننا أمر هذا الضمان فإن وفيت به وخرجت منه فأنت ~~أجل الناس عندي وأقربهم مني، وإن أقمت على أمرك في المغاورة والمدافعة فأنت ~~أبعدهم من قلبي وأشقاهم بي. فحضر عنده في بعض الأيام وكان يوم ثلاثاء، وأخي ~~خال من العمل؛ وجرى ذكر البلدان وما خص به كل واحد منها من الطرف والألوان، ~~فقيل: لمصر دهن البلسان وللبصرة النخل والبساتين، ولسكسكر زكاء الأرض جودة ~~الغلات # PageV01P344 # وللكوفة القسوب وللأهواز القند، ولتستر الديباج والفاكهة، ولجند يسابور ~~الدستنبو ولنهاوند الكمثرى والزعفران، ولقطربل الشراب. وذكر محمد ابن جعفر ~~كلواذي ووصف أترجها وتجاوزه في القد والكبر ما في السوس منه، فقال أخي على ~~مجاز القول: أحب أن أراه. وتقوض المجلس. فلما كان وقت المغرب حضر باب أخي ~~رسول لمحمد بن جعفر. قال عبد الرحمن فحدثني ماهر الخدام وكان عاقلا محصلا ~~قال: جاءني البواب فقال: بالباب من يطلبك. فخرجت فإذا صاحب العبرتائي قد ~~حضر، ومعه قماطر ما رأيت أدق ولا أحسن منها، وفيها أترج قد أنفذه، ومعه ~~رقعة إلى مولاي، ورقعة إلي يسألني إيصال القماطر ووضعها بين يدي مولاي، ~~وإذا معه خمسون دينارا لي على التوصل إلى ms280 القبول. فدعوت بالغلمان وأشالوها ~~إلى حضرته، وأوصلت رقعته فقرأها وقال: إفتح. ففتحنا بعض القماطر، وأخرجنا ~~منها أترجا مثل المساور اللطيفة لم ير مثلها حسنا ونبلا وكبرا. فقال بعض ~~الخدم: فيها شيء أثقل من شيء. فقال: تأمولها. فتأملناها، وإذا فيها عشر ~~أترجات مقورة مخيطة، فسللنا الخيوط وإذا في كل أترجة ديباج فيه ألف دينار. ~~والجميع عشرة آلاف دينار، فتقدم بردها كما كانت، ودعا بالرسول وأمر ~~بتسليمها إليه بحضرته، فتسلمها وقال له: قل له: لم يذهب علي ما أردته بهذا ~~الفعل، وأنت عارف بمذهبي وستعرف خبرك. قال ماهر: فبادرت مع الرسول حتى خرج ~~ورددت عليه الخمسين دينار. فقال: أنت قد فعلت ما يجب عليك فلم ترد # PageV01P345 # الدنانير وهي يسيرة في جنب استحقاقات. فقلت: ما أجسر على قبول شيء مع ما ~~جرى. وبكر أخي إلى الديوان، وابتدأ بالنظر في أمور الأعمال التي في ضمان ~~محمد ابن جعفر، وأخرج إليه ما ألزمه فيه عند المناظرة نحو خمسين ألف دينار. # وحدث أبو محمد الحسن بن محمد الصلحي قال: حدثني أبو الحسن بن ظفر الكرخي ~~بمصر قال: كنت أكتب لأبي علي الحسين بن أحمد المادرائي. ووافى أبو الحسن ~~علي بن عيسى من مكة في أيام وزارة أبي القاسم عبد الله بن محمد ابن خاقان ~~للإشراف على مصر والشام، فدخل إلى مصر وتحته حمار وعليه طيلسان. وكان ~~المتولي للمعونة تسكين، فتلقاه وترجل له، وعظمت هيبته في النفوس جدا. وجلس ~~ونظر. ثم ركب في بعض الأيام متفرجا وعاد، فحين دخل من باب الدهليز ونحن ~~مجتمعون في داره لإنتظاره صاح: اللصوص. ففزعنا كلنا خوفا من أن يكون قد وقف ~~لنا على خيانة. فلما استقر في مجلسه قال: يا معشر الناس اجتزت الساعة على ~~جسر قارون وهو بزند من البزندات، وتسمى البزندات بمصر جسورا فقدرت النفقة ~~عليه عشرة دنانير ووجدت العمال يحتسبون عنه على السلطان ستين ألف دينار كل ~~سنة. وكرر ذلك وأكثر التعجب منه والقول فيه، وكان أبو علي حاضرا، فلم يجبه ~~عن كلامه، فقال: الشأن أنني أقول ما ms281 أقوله فلا تجيبني عنه يا أبا علي! فنهض ~~وانصرف. واغتاظ أبو الحسن علي ابن عيسى من ذلك، وأطبق دواته وقال: لعن الله ~~أمر السلطان إذا انتهي إلى هذا الحد. وقام ودخل، وانصرف الناس، ومضيت إلى ~~أبي علي قلقا بما شاهدته وسمعته، ووجدته قد أنفذ خادما إلى علي بن عيسى ~~يستأذنه في حضوره عنده على خلوة. فأذن له، ومضى وأطال، فجلست أنتظره. فلما ~~عاد سألته عما جرى # PageV01P346 # فقال: دخلت إليه وقلت له: لم أترك جوابك سوء أدب عليك، ولا استهانة ~~بقولك، وإنما كرهت أن أعترف بحضرة الناس فألزم نفسي ما لا يلزمها، أو أجيبك ~~بما حضرت الآن لذكره فيكون ما عليك فيه أكثر مما علي فيه، فامتنعت إكراما ~~لك وصيانة. ثم قلت: كم جاري؟ فقال: ثلاثة آلاف دينار في الشهر. فقلت: ~~يمكنني وأنا عامل مصر أن أكون بغير كتاب ولا عمال ولا كراع ولا جمال ولا ~~إعطاء ولا إفضال؟. قال: لا. قلت: أفلا تعلم أن لي حرما وأولادا وأقارب ~~وأهلا أحتاج لهم إلى مؤونة؟. قال: بلى. قلت: فأخلو من أن يرد علي زوار ~~بكتبك وكتب أمثالك من الرؤساء فتقتضي المروءة أن أبرهم وأصلهم؟. قال: بلى ~~لعمري. قلت: فهذا الجبار الذي أجاوره وفائق خادمه له ثمانون مرقدا وهو ~~متسلط على الأمر كله يمكنني أن أقيمه على الطاعة وأمنعه إدخال اليد في ~~الضياع إلا بمؤونة أتكلفها له وأولاده وخدمه وكتابه حتى يستقيم ما بيني ~~وبينه؟. قال: هذا ما لا بد منه. قلت: فالخليفة والسيدة والخالة والقهرمانة ~~ومؤنس ونصر الحاجب وكتابهم وأسبابهم يجوز أن لا أهاديهم في كل سنة؟.. قال: ~~هذا رسم لا يمكن الإخلال به. قلت: فالوزراء إذا تقلد الواحد منهم هل يدخل ~~داره شيء قبل ما يحمله خليفتي إليه؟ وإذا نكب فهل يؤدي من مال مصادرته شيئا ~~قبل ما يستدعيه مني؟ وهذا أنت أيدك الله وأنت أعف الوزراء ومن لا يعرف له ~~نظير ألم أحمل إليك في وقت كذا وكذا وفي وقت كذا وكذا؟ وأجر على عيالك في ~~مدة كذا وكذا؟! فقال: ms282 أنا والله شاكر لذاك. فقلت: ما ذكرت هذا اعتدادا ~~عليك، وإنما ذكرته لتعلم أنه يلزمني لغيرك مثله وأكثر منه. وهذا حق بيت ~~المال في ضياعك بمصر والشام وهو بضعة عشر ألف دينار في السنة أديت منها ~~درهما واحدا؟. فقال: ما أدري، فقلت: هذا مال عظيم ولست أبرح أو أعلم أنه # PageV01P347 # قد حصل لك، أو كان أصحابك خانوك فيه حتى أرتجعه منهم للسلطان؟ فأعاد ~~الشكر. فقلت يا سيدي فمصادرتي في كل وقت تزيد على ألف ألف دينار هل من ~~الثلاثة الآلاف الدينار الجاري تكون؟. فقال: دع هذا يا أبا علي فإن كبار ~~الرجال يغضي لهم السلطان عن كثير الأموال. وما سمعناه بعد ذلك أعاد في شيء ~~من أمور أعمالنا قولا. # وحدث أبو محمد الصلحي قال: حدثني بعض أصحابنا قال: قال لي أبو القاسم ~~الخاقاني في وزارته: أشرت على المقتدر بالله بتقليد أبي الحسن علي ابن عيسى ~~الإشراف على مصر والشام، فرأيته متكرها لذاك ثم قال: افعل ما ترى. فأقبلت ~~أصفه بالموالاة والثقة لأعرف ما عنده في أمره على حقيقة، فقال: هو كما تصف ~~ولكن أحفظني عليه أن سمته تقلد وزارتي في أيام حامد ابن العباس فامتنع، ~~وثقل علي امتناعه، وشاورته فيمن يراه لهذا الأمر فقال: أبو عمر محمد بن ~~يوسف القاضي. فعلمت أنه غشني ولم ينصح لي. فقلت: وما لمحمد ابن يوسف يا ~~أمير المؤمنين؟ فقال: لعمري إنه عالم ثقة إلا أنني لو فعلت ذاك لافتضحت عند ~~ملوك الإسلام والكفر، لأنني كنت بين أمرين إما أن تتصور مملكتي بأنها خالية ~~من كاتب يصلح للوزارة فيصغر الأمر في نفوسهم، أو أنني عدلت عن الوزراء إلى ~~أصحاب الطيالس، فأنسب إلى سوء الاختيار. # وحدث القاضي أبو علي المحسن بن علي التنوخي قال: حدثنا أبو طاهر المحسن ~~ابن محمد بن الحسن الجوهري المعروف بالمقنعي أحد الشهود قال: حدثني أبو ~~القاسم عيسى بن علي بن عيسى أنه كان يرتفع لأبيه من ضياعه في كل سنة عند ~~الاعتزال والعطلة بعد ما يتصرف في النفقة ثلاثون ألف دينار. ms283 ويرتفع من ضياع # PageV01P348 # أبي الحسن علي بن محمد ابن الفرات إذا قبضت عنه ألف ألف دينار، وإذا وزر ~~وردت عليه أضعفت. # قال القاضي: واتفق أن حضر هذا الحديث منه أبو الحسن أحمد بن يوسف ابن ~~الأزرق الأنباري فقال: حدثني جماعة من أصحاب أبي الحسن علي بن عيسى أن جميع ~~ما كان يرتفع له في السنة نيف وثمانون ألف دينار يخرج منها في أبواب البر ~~وسبل الخير وتفقد الطالبيين والعباسيين والأنصار وأولاد المهاجرين ومصالح ~~الحرمين نيف وأربعون ألف دينار، ويبقى الباقي لنفقاته. وأنه كان يسمع ~~الكتاب يقولون في ضياع أبي الحسن بن الفرات: إنها ترتفع في وزارته بألف ألف ~~دينار وعند القبض عليه ودخول يد العمال فيها بثمانمائة ألف دينار وأقل ~~وأكثر. # وحكى أبو الحسن ثابت بن سنان قال: قال لي أبو الحسن علي بن عيسى يوما، ~~وهو متعطل في أيام الراضي بالله في عرض حديث كان يجارينيه بعد إقرائي العمل ~~الذي عمله في سنة ست وثلاثمائة لارتفاع الدنيا ونفقاتها: قال لي ابن الفرات ~~يوما وقد أخرجت إليه من دار السلطان بعد صرفه إياي: أبطلت الرسوم وهدمت ~~الارتفاع. فقلت: أي رسم أبطلت وارتفاع هدمت، قال: المكس بمكة فقلت له: قد ~~أزلت هذه وأشياء كثيرة، منها ومنها وعددت الأبواب التي رفعتها وكان مال ذلك ~~في السنة خمسمائة ألف دينار فلم أستكثرها مع ما حططته عن أمير المؤمنين من ~~الأوزار بها، وغسلته من الأدران عن دولته فيها. ولكن انظر ما حططت وأبطلت ~~إلى ارتفاعي وارتفاعك ونفقاتي ونفقاتك. # PageV01P349 # قلت: فبأي شيء أجاب. قال: خرج الخادم ففرق بيننا قبل أن يجيب. # وحدث أبو عمر أحمد بن محمد بن الحسين البصري قال: لما توفي القاضي أبو ~~الحسن بن أبي عمر ركب أبو الحسن علي بن عيسى إلى أبي نصر وأبي محمد ابنيه ~~يعزيهما به. فلما نهض منصرفا قال: مصيبة وجب أجرها خير من نعمة لا يؤدى ~~شكرها. # وحدث أبو الحسن أحمد بن يوسف بن الأزرق الأنباري قال: كان أبو عيسى أخو ~~أبي صخرة جارا لنا ببغداد، ms284 وكان عظيم الحال، كثير المال، كامل الجاه، ~~معدودا في شيوخ الكتاب، وقد تقلد كبار الأعمال، وخلف إسماعيل ابن بلبل على ~~الوزارة فلما وزر أبو علي محمد بن عبيد الله الخاقاني قلده ديوان السواد، ~~ثم صرف أبو علي وورد أبو الحسن علي بن عيسى من مكة وزيرا. فلم يره أهلا ~~لهذا الديوان لنقصان صناعته، وكان يغض منه إذا حضر في مجلسه، ولا يوفيه ما ~~يقتضيه عمله، وإذا أراد عملا أو خراجا أو حسابا استدعاه من كتابه وواقفهم ~~وخاطبهم عليه بمشهد منه فلا يترك له هذا الفعل جاها. ثم إن عرض عمل يعلم أن ~~كتابة أبي عيسى لا تنهض به وقوله لا يعبر عن غرضه فيه خاطبه عليه على رؤوس ~~الأشهاد ليتبين له نقصه وعجزه، فطال ذلك على أبي عيسى وزاد احتماله له فجلس ~~عنده يوما إلى أن تقوض مجلسه ولم يبق فيه غيره وغير إبراهيم بن عيسى أخي ~~أبي الحسن، فقال له أبو الحسن ألك حاجة؟ قال: نعم، إذا خلا مجلس الوزير ~~ذكرتها. # فأخبرت عن إبراهيم أنه قال: فلما سمعت قوله نهضت وانصرفت وعدت من غد إلى ~~مجلس أخي فوجدت أبا عيسى متصدرا فيه بأمر ونهي وتبسط وعمل، وخطاب الوزير ~~معه دون الكتاب، وقد انتقل من الثرى إلى الثريا، فدعتني نفسي # PageV01P350 # إلى مسألة الوزير عن أمره حتى إذا خلا قال: تقول يا بني شيئا؟. قلت: أسأل ~~عن فضول. قال: إن كان فضولا فلا تسل عنه. قلت: لا بد. قال: فقل. قلت: خلا ~~بك أبو عيسى أمس لما لم أعرفه. ثم رأيتك اليوم مقبلا عليه ومعاملا له بضد ~~ما كنت تعامله به، فما سبب ذلك؟ قال: نعم، إنه خاطبني خطابا عظم في نفسي ~~به، وعلمت صدقه فيه فرجعت له. قال: وقد خلا بي، أنا أيد الله الوزير رجل من ~~شيوخ الكتاب، أعرف قدر صناعتي في الكتابة، وإنني في جملة المتأخرين عن ~~الغاية، وما يخفى علي سوء رأي الوزير في واعتماده الغض مني، وطلب فضيحتي ~~بالرجوع إلى الكتاب في أمور ديواني وقصدي بمعضلات ms285 الأمور إبانة لعجزي ~~وقصوري. ويجب أن يعلم أيده الله أن باطن حالي ومالي أوفر من ظاهرها على ~~كثرته ووفوره، وما أتصرف طلبا لفائدة، ولا حاجة إلى مكسب، وإنما أريد قيام ~~الجاه ونفوذ الأمر، وقد عشت طول ما مضى من عمري مستورا في أمري مقدما عند ~~السلطان على كثير من نظرائي، وخلفت إسماعيل بن بلبل على الوزارة، وتقلدت ~~كبار الأعمال واحدا بعد آخر، وسلمت على الوزراء وسلموا علي، وقد نمكن في ~~النفوس من موضعي ومنزلتي ما لا يخرج منها، ولا يمكن أحدا إزالته عنها. وأنا ~~بين أمور مما لحقتني الغضاضة به، إما أن توصلت إلى إزالته بما يثقل على ~~الوزير فيزداد سوء رأيه؛ أو استعفيت ولزمت منزلي فلم أكن خاملا؛ وجعلت نفسي ~~حينئذ بحيث أختاره من الكون في أولياء الوزير أو أعدائه، أو عاد إلى الأولى ~~به ووفاني حقوق ما قلدنيه. فقلت له: ليس ترى بعد ذلك يا أبا عيسى شيئا ~~تنكره، وسأرجع في معاملتك إلى أفضل ما تؤثره. وبكر إلي ليمتحن وعدي ويختبر ~~ما عندي، فكان ما رأيت. # وحدث القاضي أبو علي التنوخي عن أبيه وأبي الحسين بن عياش قالا: كان # PageV01P351 # أبو الحسن علي بن عيسى يجعل في كل باب من ورائه مستورة ويسبل عليها سترا ~~طويلا يغطيها، فإذا جلس في أخريات النهار مجلسا حافلا ألصق بها ظهره من ~~وراء الستر لئلا يشاهد مستندا، تمسكا بالوقار. وقيل: إنه ما رئي قط متبذلا ~~في مجلسه، ولا متخففا في ملبسه، ولا فارق الدراعة إلا والقميص من دونها، ~~والمبطنة من دونه ولا الخف في أكثر أوقاته إلا إذا أوى إلى فراشه أو قعد مع ~~حرمه. وقد فعل أبو الحسن علي ابن عيسى مع أبي علي بن مقلة مشبها بما فعله ~~مع أبي عيسى أخي أبي صخرة، وذلك أنه بلغه عمل المقتدر بالله على صرفه بأبي ~~علي وكان متقلدا له إذ ذاك على عدة دواوين فاستدعاه وطالبه بأعمال يعملها ~~له، فوعده بها. وحضر مجلسه بعد أيام فاعتمد الغض منه بأن قال له على ملاء ms286 ~~من الناس: كنت التمست منك أعمالا فأخرتها، فإن كنت عاجزا عنها وغير ناهض ~~بها فاصدق عن نفسك. فقال أبو علي: قد أحضرتها وها هي. ووضعها بين يديه وأخذ ~~يقرؤها ويواقفه على غلط بعد غلط فيها، ويقبل على مشايخ الكتاب فيعجبهم من ~~ضعف صناعته وقلة بصيرته، وحتى قال له في بعض القول: هذه حياكة لا كتابة. ~~وضرب على عمل، بعد عمل ورسم في تضاعيفه ما يجب أن يبنى عليه نظمه وترتيبه، ~~والكتاب الحاضرون يثنون عليه بحسن الكفاية، ويغمزون على أبي علي بضعف ~~المعرفة. ثم رمى بها إليه وقال له: قم فاعملها على هذا المثال وحررها وجئني ~~بها، فقام يجر رجليه. فلما ولى قال أبو الحسن: إن أمرا عجز عنه ابن الفرات ~~ونحن فيه مرتبكون، ويدعي هذا القيام به لأمر عجيب، فما مضى على هذا المجلس ~~أربعة أو خمسة أيام حتى قبض على أبي الحسن علي بن عيسى # PageV01P352 # وسلم إلى أبي علي بن مقلة. فأراد الغض من علي بن عيسى بأمر يظهره وشيء ~~يقدح فيه به، فلم يستطع ذلك، ولا قدر على أكثر من تلقيه بالقبيح، ومعاملته ~~بالمكروه الفظيع. فحدث أبو أحمد الفضل ابن عبد الرحمن بن جعفر قال: كنت ~~بحضرة أبي علي بن مقلة في وزارته، وقد دخل إليه علي بن عيسى، فجلس بين ~~يديه. وكان أبو عبد الله الموسوي العلوي وأبو علي الحسن بن هارون حاضرين، ~~فقال أبو علي بن مقلة للحسن بن هارون: اكتب رقعة عن أبي عبد الله يشكو فيها ~~إخلال ضيعته وقصور مراده منها وفائدته. ومثل له إيجاب مظلمة وإطلاق معونة. ~~فكتبها الحسن وعرضها فوقع على ظهرها بإخراج الحال، وأنفذ التوقيع إلى ~~الكاتب. فأخرج ما صدق فيه دعوى أبي عبد الله، ووقع أبو علي تحت ذلك بأن ~~يطلق له عشرون كرا حنطة وعشرون كرا شعيرا معونة، ويحتسب له بكذا منسوبا إلى ~~المظلمة. فاستحسن الحاضرون فعله وما تكرم به على رجل علوي، وأخذ أبو الحسن ~~علي بن عيسى يشكره. فقال له مجيبا. فلم لم تفعل مثل هذا يا ms287 أبا الحسن في ~~وزارتك؟ فنهض أبو الحسن وقال: أستودع الله الوزير. وانصرف. وقيل: إن أبا ~~عمر دخل إلى أبي الحسن علي بن عيسى يوما وعليه قميص دبيقي شقيري مرتفع ~~الثمن جدا، فأراد أبو الحسن أن يخجله فقال له: بكم اشتريت أيها القاضي شقة ~~هذا القميص؟ قال: بمائة دينار. فقال أبو الحسن: ولكنه اشتريت لي شقة هذه ~~الدراعة والقميص الذي تحتها بعشرين دينارا. فقال له أبو عمر # PageV01P353 # مسرعا: الوزير أعزه الله يجمل الثياب فلا يحتاج إلى المبالغة فيها، ~~ويخدمه الخواص الذين يعلمون أنه يدع الكثير عن قدرة، ونحن نتجمل بالثياب ~~ونغالي فيها، ونلاقي العوام الذين يساسون بما يروق عيونهم من جلالتها، ~~وتقام الهيبة بما يكبر في صدورهم من فخامتها. فكأنما ألقم أبا الحسن حجرا ~~فما، أعاد عليه قولا ولا رد جوابا. # وحدث القاضي أبو علي التنوخي قال: حدثني أبو بكر محمد بن عبد الرحمن ابن ~~قريعة قال: حدثني مكرم بن بكر بن عمر أبو يحيى بن مكرم القاضي قال: كنت ~~أختص بأبي الحسن علي بن عيسى وربما شاورني في أموره. فدخلت له يوما فرأيته، ~~مهموما فقدرت أنه بلغه عن المقتدر بالله ما يشغل قلبه فاقتضى تقسمه فقلت: ~~أرى الوزير؟ أيده الله مفكرا، فهل حدث شيء؟ وأومأت إلى جهة الخليفة. فقال: ~~ليس ما أنا مغموم به من ذلك الجنس، بل لما هو أعظم في نفسي منه. فقلت: إن ~~جاز أن يعرفنيه الوزير فليفعل، فلعله يجد عندي فيه رأيا أو قولا. قال: نعم. ~~كتب إلي عاملنا بالثغر بأن أسارى المسلمين كانوا في بلد الروم على حال ~~رفاهة وصيانة إلى أن ولى ملك الروم آنفا حدثان منهم، فعسفا وعاقباهم ~~وأجاعاهم وأعرياهم، وطالباهم بالتنصر، وأنهم في بلاء وجهد، وهذا أمر لا ~~حيلة فيه، ولا مقدرة على دفع ما أظل هؤلاء المساكين، ولو ساعدني الخليفة ~~على إنفاق الأموال وتجهيز الجيوش إلى هؤلاء الكفار لفعلت في ذلك غاية ما ~~أوجبه الله علينا من بذل الوسع والإمكان. فقلت: عندي أيها الوزير رأي في ~~هذا الأمر ربما نفع وكان ms288 أسهل مما تحسب وتقدر. قال: قل يا مبارك. قلت: ~~بأنطاكيه عظيم للنصارى يدعى البطرك # PageV01P354 # وببيت المقدس آخر يقال له الجاثليق، وأمرهما ينفذ على ملك الروم، لأن ~~أمورهم لا تتم إلا بهما، والطاعة لا تلزم جمهور رعيتهم إلا بقولهما، وربما ~~حرما الواحد منهم فيحرم عندهم. والرجلان في ذمتنا وتحت سلطاننا، فيأمر ~~الوزير بمكاتبة عاملي البلدين بإحضارهما وإعلامهما ما يجري على الأسارى في ~~بلد الروم وأنه مما لم تجر به عادة، ومتى لم يزل ذلك عنهم وتستأنف حسن ~~المعاملة معهم طولبا بجريرة ما يفعل هناك، وسلك في معاملة النصارى مثل ذلك، ~~وننظر ما يكون الجواب. فاستدعي في الحال كاتبا وأملى عليه كتابا في هذا ~~المعنى وكيدة، وأنفذها وقال لي: سريت عني قليلا، وخففت عن قلبي شغلا. فلما ~~كان بعد شهرين وأيام وقد أنسيت الحديث جاءني فرانق من بابه يستدعيني. فركبت ~~وأنا متشوق إلى معرفة ما يريدني له، فدخلت وهو مسرور، ووجهه مسفر، فحين ~~رآني قال لي: أحسن الله جزاءك عن نفسك ودينك وعني. فقلت: ما الخبر؟ قال: ~~كان رأيك في أمر الأسارى ببلد الروم أصوب رأي وأصحه، وهذا رسول العامل ~~وأومأ إلى رجل بحضرته قد ورد لذكر ما جرى في بابهم. وقال له علي بن عيسى: ~~عرفنا الصورة. فقال الرجل: أنفذني العامل مع رسول البطرك والقاثليق الذي ~~أنفذاه إلى قسطنطينية، وكتبا على يده إلى ملكي الروم: بأنكما قد فعلتما ~~بأسارى المسلمين عند كما ما هو محرم عليكما ومخالف لوصية المسيح عليه ~~السلام في أمثالهم، وأمره فيمن جرى مجراهم. فإما زلتما عن هذه # PageV01P355 # الطريقة وعدلتما عنها إلى ما تقتضيه السنة المأثورة وأحسنتما إلى من في ~~أيديكما، وتركتماهم على أديانهم، ولم تكرهاهم على خلاف آرائهم، وإلا لعنا ~~كما وتبرأنا منكما وحرمناكما. فلما وصلنا إلى القسطنطينية أوصل رسول البطرك ~~والقاثليق إلى الملكين وحجبت وخلوا به ووقفا على ما ورد معه، وتركانا أياما ~~ثم أحضراني إليهما، فسلمت عليهما وقال لي ترجمانهما: الملكان يقولان: الذي ~~أدي إلى ملك العرب من فعلنا بأسارى المسلمين كذب وشناعة، وقد أذنا ms289 في دخولك ~~دار البلاط لتشاهدهم وتسمع شكرهم وتعلم استحالة ما ذكر لكم في أمرهم. وحملت ~~إلى دار البلاط فرأيتهم كأنهم خارجون من القبور، وقائمون إلى النشور، ~~ووجوههم دالة على ما كانوا فيه من الضر والعذاب، إلا أنهم في حال صيانة ~~مستأنفة، ورفاهة مستجدة، وتأملت ثيابهم فكانت جددا كلها، فتبينت أنني أخرت ~~ذلك التأخير حتى غير أمرهم وجدد زيهم، وقالوا لي: نحن شاكرون للملكين فعل ~~الله لهما وصنع مع إيمائهم إلي بأن حالهم كانت على ما تأدى إلينا، وإنما ~~خفف عنهم وأحسن إليهم بعد حصولي هناك. وقالوا لي في عرض قولهم: كيف عرفت ~~صورتنا؟ ومن تنبه على مراعاتنا حتى أنفذك من أجلنا؟ فقلت: ولي الوزارة ~~الوزير أبو الحسن علي ابن عيسى وبلغه خبركم، فأنفذ وفعل كذا وكذا. فضجوا ~~بالدعاء له، وسمعت امرأة منهم تقول: قر يا علي بن عيسى، لا نسي الله لك هذا ~~الفعل. قال أبو يحيى بن مكرم: فلما سمع الوزير ذلك بكى بكاء شديدا، ثم سجد ~~لله تعالى شاكرا وحامدا، وبر الرسول وصرفه. وقلت لعلي بن عيسى: أسمعك # أيها الوزير تتبرم بالوزارة في خلواتك، وترغب في الانصراف عنها تحرجا من ~~آثامها، فلو كنت معتزلا لها ومتخليا منها هل كنت تقدر على مثل هذه الحال ~~الجامعة لجمال الدنيا وثواب الآخرة وطيب السمعة وحسن العاقبة؟ أيها الوزير ~~تتبرم بالوزارة في خلواتك، وترغب في الانصراف عنها تحرجا من آثامها، فلو ~~كنت معتزلا # PageV01P356 # لها ومتخليا منها هل كنت تقدر على مثل هذه الحال الجامعة لجمال الدنيا ~~وثواب الآخرة وطيب السمعة وحسن العاقبة؟ وحدث القاضي أبو علي قال: حدثني ~~الفضل بن أحمد الحياني قال: قال لي أبو بكر الشافعي صاحب أبي الحسن علي بن ~~عيسى: كان المحسن بن علي ابن محمد بن الفرات قبض علي في نكبة أبي الحسن علي ~~بن عيسى، وصادرني وأوقع بي مكروها، وجعل التأول على اختلاطي بأبي الحسن ~~وصحبتي إياه. فلما أخرجنا من المحنة، وعاد أبو الحسن إلى الوزارة، طلبت ~~الانتفاع بأمور أخاطب فيها، وأخلف بعض المصادرة منها، فتصديت ms290 لأخذ الرقاع ~~بالحوائج، وعرضها على أبي الحسن. فاتفق أن عرضت عليه في بعض الأيام شيئا ~~استكثره وضجر علي به، فقلت: أيها الوزير إذا كان حظنا من أعدائك في أيام ~~نكبتك الصفع، ومنك في أيام ولايتك المنع، فمتى ليت شعري يكون النفع؟ فضحك ~~ووقع لي في جميع الرقاع، وما استثقل شيئا رفعته إليه بعد ذلك. # وحدث القاضي أبو علي قال: حدثني أبو السري عمر بن محمد القارئ قال: حدثني ~~أبو القاسم عيسى بن علي بن عيسى قال: قال لي أبي: عرض علي أبو بكر محمد بن ~~الحسن بن عبد العزيز الهاشمي في بعض أيام وزارتي رقعة التمس فيها محالا، ~~وقبل يدي، وتركتها من يدي مفكرا فيما أفعله مما أبلغ به غرضه ولا يلحقني ~~عيب فيه. وعرض لي رأي في الركوب، فنهضت، فلما رأى ذلك قبض على يدي وقال: ~~أنا نفي من العباس إن تركت الوزير يركب إلا بعد أن يوقع في رقعتي أو يقبل ~~يدي كما قبلت يده. فوقعت له قائما بما أراد، وعجبت من سوء أدبه وشدة ~~وقاحته. # قال القاضي أبو علي: وشاهدت أنا أبا بكر محمد بن الحسن بن عبد العزيز هذا # PageV01P357 # في سنة خمسين وثلاثمائة، وقد تقلبت به الأيام وبأهل بيته، وهو بحضرة أبي ~~محمد المهلبي، وقد كان العيارون ثاروا بمدينة السلام وأوقعوا فتنا عظيمة، ~~أصلها أن عربد رجل عباسي على رجل علوي في خندق طاهر وهما على نبيذ، فقتل ~~العلوي، ونفر أهله واستغاثوا لأجله، ودخل العامة بين الفريقين، وشرفت القصة ~~إلى ما احتيج معه إلى إقامة الديلم في الأرباع وترتيبهم في كثير من ~~الأصقاع، وحتى أغلق العباسيون باب المسجد الجامع بالمدينة، ومنعوا من صلاة ~~الجمعة، وزادوا في إشعال النائرة. ودبر أبو محمد الأمر بأن قبض على جماعة ~~من وجوه العباسيين وكثير من المستورين والعيارين، وأدخل فيهم عدة قضاة ~~وشهود وصلحاء عباسيين، وكان منهم أبو بكر بن عبد العزيز. ثم جلس لهم ~~وأحضرهم وناظرهم، وسامهم أن يسموا له العيارين وحملة السكاكين ليقتصر على ~~أخذهم، ويفرج عن الباقين، وأن ms291 يضمن أهل الصلاح منهم أهل الريبة، ويأخذوا ~~على أيديهم أخذا يحسم به مواد الفتنة. فأخذ القاضي أبو الحسن محمد بن صلح ~~الهاشمي يقول قولا سديدا لطيفا في دفع ذلك واستعطاف أبي محمد المهلبي ~~وترقيقه، والرفق به وتسكينه، واعترض أبو بكر بن عبد العزيز الخطاب، وقال ~~قولا فيه بعض الجفاء والغلظة. فقال له أبو محمد: يا ماض كذا وكذا، ما تدع ~~جهلك وتبسطك، ولا تخرج هذه الخيوط من رأسك، كأني لا أعرفك قديما وحديثا ~~أعرف حمقك وحمق أبيك وتدرعك في مجالس الوزراء وإيثارك أن تقول: قال الوزير ~~وقلت. ولعلك تقدر أن المقتدر بالله على السرير، وأنني أحد وزرائه، ليس ذاك ~~كذلك، السلطان اليوم الأمير معز الدولة الذي يرى سفك دمك قربة إلى الله ~~تعالى وينزلك منزلة # PageV01P358 # الكلب. يا غلمان برجله. فجر برجله ونحن حاضرون. فقال القاضي: فلقد رأيت ~~قلنسوة كانت على رأسه وقد سقطت. ثم قال: طبقوا عليه زورقا وانفوه إلى عمان. ~~فقبلت الجماعة يده وسألته الصفح عنه، وراسله المطيع لله رحمه الله عليه في ~~أمره مراسلات ترددت إلى أن تركه وألزمه بيته. وأخذ خطوط العباسيين بجميع ما ~~كان سامهم إياه وامتنعوا منه، وقبض من بعد على جماعة كثيرة من أحداث ~~العباسيين وأهل العيارة والدعارة منهم ومن العامة، وجعلهم في زواريق مطبقة ~~مسمرة، وأنفذهم إلى بيروذ وبصني، وحبسهم هناك في دور بقيتهم بعد وفاة أبي ~~محمد المهلبي بسنين، وزالت الفتن في تلك الأيام. # وحدث القاضي أبو علي قال: حدثني أبو الحسين عبد الله بن أحمد بن عياش ~~القاضي قال: كانت عادة أبي الحسن بن الفرات في كلامه أن يقول للإنسان: بارك ~~الله عليك. ومن عادة أبي الحسن علي بن عيسى أن يقول: والك أو واك فكان ~~الناس يقولون: لو لم يكن من الفرق بين الرجلين إلا حسن اللقاء وصرف ما بين ~~القولين. # وحكي أبو محمد الصلحي قال: لما صرف الراضي بالله أبا علي عبد الرحمن ابن ~~عيسى عن وزارته ونكبه ونكب أبا الحسن علي بن عيسى وصادر أبا الحسن على ألف ms292 ~~ألف درهم وعبد الرحمن على ثلاثة آلاف دينار وكان ذلك طريقا وحصل أبو الحسن ~~معتقلا في دار الخلافة، وخاف أبو الحسن أن يكون في نفس # PageV01P359 # الراضي بالله عليه ما يريد معه قتله، فراسلني يقول: هذا أبو محمد وكان إذ ~~ذاك كاتب أبي بكر بن رائق يسألني خطاب الراضي بالله عن صاحبي في نقله إلى ~~دار وزيره إلى أن يؤدي ما قرر عليه أمره. قال: فجئت إلى الراضي بالله وقلت ~~له: يا أمير المؤمنين، علي بن عيسى خادمك وخادم آبائك، ومن قد عرفت محله من ~~الصناعة، وموقعه من جمال المملكة، ومن حاله وأمره كذا وكذا. فقال: هو كذلك، ~~ولكن له عندي ذنوب. وأخذ يعدد ذنوب عبد الرحمن: فقلت له: يا مولانا، وأي ~~درك يلزمه فيما قصر فيه أخوه؟ قال: سبحان الله، وهل دبر عبد الرحمن إلا ~~برأيه وأمضى شيئا أو وقفه إلا عن أمره أو أمري إياه بألا يحل ولا يعقد إلا ~~بموافقته؟ وأقبلت أعتذر له وأجعل بإزاء كل ذنب حجة. قال: دع ذا، ما خاطبني ~~قط إلا قال واك فهل يتلقى الخلفاء بمثل ذاك؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، إن ~~هذا طبع له قد ألف منه وحفظ عليه، وعيب به في أيام خدمته للمقتدر بالله ~~رحمة الله عليه وما استطاع أن يفارقه مع شبه عليه وتعوده إياه. فقال: أعمل ~~على أنه خلق، أما كان يمكنه أن يغيره مع ما وصفته من فضله وعقله، أو يتحفظ ~~معي خاصة فيه مع قلة اجتماعي معه ومخاطبتي إياه؟ وما يفعل ما يفعله إلا عن ~~تهاون وقلة مبالاة. فقبلت الأرض مرارا بين يديه وقلت: الله الله أن يتصور ~~مولانا ذلك فيه، وإنما هو عن سوء توفيق، والعفو من أمير المؤمنين مطلوب. ~~ولم أزل إلى أن أمر بنقله إلى دار وزيره، ونقل وصحح ما أخذ به خطه، وصرف ~~إلى منزله. وحدث القاضي أبو علي قال: حدثني جماعة من أهل الحضرة أن رجلا # PageV01P360 # عطارا مشهورا بالستر والصيانة ركبه دين، فقام عن دكانه ولزم منزله، وأقبل ~~على الصلاة والدعاء ms293 عدة ليال، فبينما هو قد صلى ذات ليلة ودعا، رأى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في منامه وهو يقول له: امض إلى علي بن عيسى ~~الوزير، فقد أمرته بأن يدفع إليك أربعمائة دينار تصلح حالك بها. قال ~~العطار: وكان علي ستمائة دينار دينا، وأصبحت فقلت: قد قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي فلم لا ~~أمضي إلى الوزير وأعرف ما عنده؟ قال: فمضيت، فلما وقفت على بابه منعت ~~الوصول وجلست إلى أن ضاق صدري، وهممت بالانصراف، فأنا على ذاك إذ خرج ~~الشافعي صاحبه وكان يعرفني معرفة قريبة فقمت إليه وعرفته خبري فقال: يا هذا ~~إن الوزير يطلبك منذ السحر، وإلى الآن قد سأل عنك كل واحد، والرسل مبثوثة ~~في التماسك، فكن بمكانك. قال: ودخل، فما كان بأسرع من أن دعي بي، فدخلت إلى ~~الوزير أبي الحسن، فقال لي: ما اسمك؟ قلت: فلان بن فلان العطار. قال: من ~~أهل الكرخ؟ قلت: نعم، قال: أحسن الله يا هذا جزاؤك في قصدك إياي، فوالله ما ~~تهنأت عيشا منذ البارحة، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي في ~~منامي: أعط فلان بن فلان العطار بالكرخ أربعمائة دينار يصلح بها شأنه. فكنت ~~اليوم منذ الغداة وإلى هذه الغاية أسأل عنك، وما عرفنيك أحد. يا غلام هات ~~ألف دينار. فجيء به عينا، فقال: خذ منه أربعمائة دينار امتثالا لأمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم والستمائة الباقية هدية مني إليك. فقلت: أيها ~~الوزير ما أحب أن أزداد شيئا من عطاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإني ~~أرجو البركة فيه. فبكى وقال: ما أحسن هذا اليقين؛ خذ ما بدا لك. فأخذت # PageV01P361 # أربعمائة دينار وانصرفت، وقصصت قصتي على صديق لي، ورجيته الدنانير وكلفته ~~أن يخبر غرمائي بأمري، ويتوسط ما بنيهم وبيني. ففعل، وبذلوا له تأخيري بما ~~لهم ثلاث سنين، فقلت: لا بل يأخذون مني الثلث وينظروني بالباقي. ففرقت ~~عليهم مائتي دينار وفتحت دكاني وأدرته ms294 بالمائتين الباقية معي، فما حال ~~الحول إلا وقد بلغ مالي ألف دينار، فوفيت غرمائي ما بقي لهم، وما زالت حالي ~~تنمو ومالي يزيد ولله الحمد. # وكان الحنابلة بنوا مسجدا، وجعلوه طريقا إلى المشاغبة والفتنة، فتظلم إلى ~~أبي الحسن علي بن عيسى من أمره، فوقع على ظهر القصة: أحق بناء بهدم، وتعفية ~~رسم، بناء أسس على غير تقوى من الله. فليلحق بقواعده إن شاء الله. # وكان أبو الحسن بن نيداد يتقلد كور الأهواز، فتربص بأزر من ارتفاع ~~الناحية، فوقعت فيه النار واحترق، فكتب إلى علي بن عيسى كتابا أقام به ~~عذره، وسجع في كتابة سجعا زاد فيه، فوقع علي بن عيسى على ظهر الكتاب: أنت ~~يا أبا الحسن تكتب فتجيد، والاسم الحميد خير من الكلام السديد، ضيعت علينا ~~أرزا حصلته، وعولت بنا على كلام ألفته، وخطاب سجعته، أوجب صرفك عما توليته، ~~والسلام. فقال أبو الحسن بن نيداد: ما صرفني غير السجع. وكتب إليه. وصل ~~كتاب سيدنا الوزير أطال الله بقاءه مشتملا على وصف وصرف. فأما الوصف فهو ~~منه أدام الله تأييده مع محله من الصناعة نهاية الفخر والسعادة. وأما الصرف ~~عن الاعتذار، بما جرى به المقدار، فما جزاء من اعتذار من حال لأدرك عليه ~~فيها أن يصرف عن ولاية لا جناية منه عليها، والاعتذار بلفظ الصواب، أولى من ~~الاحتجاج بسوء الخطاب. # PageV01P362 # فوقع علي بن عيسى عن جوابه: قد أدته البلاغة إلى الإرادة، فليكتب بإقراره ~~على العمل، وإسعافه بالأمل، إن شاء الله. وورد الحضرة قوم من أهل ديار ~~ربيعة يتظلمون من حيف لحقهم في معاملاتهم، فكتب على أيديهم إلى المحسن بن ~~محمد بن عينونة العامل هناك كتابا نسخته. بسم الله الرحمن الرحيم. في علمك ~~أكرمك الله بما أمر الله به من العدل والإحسان، ونهى عنه من الجور ~~والعدوان، وعاقب به الظالمين في سالف الأزمان، غني لك عن التنبيه والتوقيف، ~~والوعظ والتخويف: وفيما رسمته لك مشافهة ومكاتبة في إنكار الظلم وإزالته، ~~وإظهار العدل وإفاضته، كفاية وبلاغ. وقد ورد الحضرة أكرمك الله جماعة من ms295 ~~وجوه التناء والمزارعين بديار ربيعة متظلمين مما عوملوا به في سني إحدى ~~واثنتين وثلاث عشرة وثلاثمائة، من إكراههم على تضمن غلات بيادرهم بالحزر ~~والتقدير وإلزامه حق الأعشار في ضياعهم على التربيع، واستخراج الخراج منهم ~~على أوفر عبر قبل إدراك غلاتهم وثمارهم، وإكراه وجوههم وتجارهم على ابتياع ~~الغلات السلطانية بأسعار مسرفة مجحفة. فأقلقني ما أفاضوا فيه من الشكوى، ~~وآلمني ما انتهى إلي وصفه من عظيم البلوى، ووجدته مع قبيح ذكره وعظيم وزره ~~عائدا بخراب الضياع، ونقصان الارتفاع. فينبغي أكرمك الله أن تجري سائر ~~رعيتك على المعاملات القديمة، وتحملهم على الرسوم السليمة، حتى يعودوا إلى ~~أفضل حال عهدوها، وأجمل سيرة حمدوها، وتزيل السنن الجائرة وتبطلها، وتقطع ~~أسبابها وتحسمها، وتكتب إلي بما يكون منك في ذلك فإنني على اهتمام به، ~~ومراعاة له، إن شاء الله. # PageV01P363 # وكتب إلى عبد الله بن علي الجرجرائي عامل الصلح والمبارك. # وصل كتابك أكرمك الله جوابا عن الكتب النافذة إليك فيما تظلم منك فيه ~~جماعة من الرعية، وواصلوه من الشكية، بما دللت عليه من بطلان أقوالهم، وشدة ~~أطماعهم، وحكيت من وجوبه عليهم بالحجج الواضحة، والشواهد اللائحة، وفهمته. ~~فأما ما وصفته من استعمالك الحق في قولك وفعلك، وحلك وعقدك، فانظر أي دعوى ~~أدعيتها لنفسك، وماذا تحتج به غدا عند ربك. واعلم أن أقبح الناس في الدنيا ~~ذكرا، وأعظمهم عند الله وزرا، من وصف عدلا وأتى جورا، وأحسن قولا وأساء ~~فعلا. وأما ما ذكرت أن هؤلاء المتظلمين أوقعوا فيه المغابنة، وابتاعوه من ~~أراضي المزارعات مصابرة، فارتجعته منهم لتبيعه بالثمن الوافر، والنقد ~~الحاضر، فقد عدلت في أمرهم عن طريق الحكم، ألى أشنع جهات الظلم. ولو بانت ~~دعواك وظهرت، وقامت البينة عليها ووضحت، لما جاز أن تمنعهم عما ملكوه، ولا ~~تحول بينهم وبين ما ابتاعوه، إلا بعد أن يختاروا فسخ البيع ويرضوه، ويؤثروه ~~ولا يأبوه، وترد عليهم من الثمن ما وزنوه، وتدفع فيما بينك وبينهم بنظر ~~محمد بن محمد ابن حمدون ووساطته، ولا تعدل عن قبول رأيه ومشورته. وأما ما ~~أنفذته من العمل ms296 لبقايا سنة ثمان وثلاثمائة وما قبلها وبينت أن معظمه على ~~الطائفة المتظلمة منك، فقد وقفت عليه، وأحوال هذه البقايا مختلف، والحكم ~~فيها واضح منكشف، وسبيل ما كان منها على الجهابذة والبلدية، وسكان ~~المستغلات السلطانية، أن تستخرجه في أسرع الأوقات، وتستوفيه على تصرف ~~الحالات. وما نقاه المحملون وأصحاب المناثر # PageV01P364 # عن نقائض قناب الحاصل، ووصفوا أن تصحيحه واجب على أرباب البيادر، فسبيلك ~~أن تجريه مجرى أسلاف البذور التي تستنظفها، مع التوثق منها بعد شهور. وما ~~بقي من الأسماء المجهولة ولا أشك أنه من خراج نخل وخضر في أقرحة معروفة ~~فيجب أن تطالب مزارعي تلك الأقرحة حتى يصححوه، أو يكشفوا حاله ويوضحوه، ~~فاعمل في ذلك بما رسمته، ولا تتجاوز ما حددته، إن شاء الله. وأما ما ذكرت ~~أن ابن المرف الذراع أشار عليك بإيقاع المساحة عليه من حريم الأنهار، ~~المحفوف بالنخل والأشجار، لتطالب بابتياعه، من تجده قد فاز بارتفاعه، فقد ~~غشك هذا الذراع في مشورته، ودلك على سوء سريرته. وجميع نواحي واسط أصلحك ~~الله من السواد المفتتح عنوة، وليس يملكه السلطان أعزه الله فيباع، لأنه ~~فيء للمسلمين يقوم مقام الوقف على جميعهم، وإنما تبايع أهليه فيه يجري مجرى ~~السكني لأجل ما أدوه ويؤدونه من الخراج وهو الكراء، ومن غرس في هذا الحريم ~~نخلا أو شجرا، أو زرعه غلة أو خضرا، فقد نفع سلطانه أعزه الله وانتفع، وثمر ~~ماله بما صنع. فاحذر أن يخطر هذا الباب ببالك، أو يجري ذكره على لسانك، ~~وارجع عما يعزب عنك فهمه ويشكل عليك حكمه إلى الفقهاء، لتسلم من سمه ~~المسبة، وتأمن سوء المغبة، إن شاء الله. # وحدث أبو الحسن علي بن هشام قال: أقرأني أبو عبد الله أحمد بن محمد ~~الحليمي كتابا بخط أبي الحسن علي بن عيسى ذكر أنه كتبه إليه في وزارته ~~الأخيرة وهو يتقلد طساسيج طريق خراسان، يحثه فيه على حمل المال وكانت ~~نسخته: # PageV01P365 # قد كنت أكرمك الله عندي بعيدا من التقصير، غنيا عن التنبيه والتبصير ~~راغبا فيما خصك بالجمال، وقدمك على نظرائك من العمال، ms297 واتصلت بك ثقتي، ~~وانصرفت نحوك عنايتي، ورددت الجميل من العمل إليك، واعتمدت في المهم عليك. ~~ثم وضح عندي من أثرك، وصح عندي من خبرك، ما اقتضى استزادتك، وردفه ما ~~استدعى استبطاءك ولائمتك، وأنت تعرف صورة الحال، وتطلعي مع شدة الضرورة إلى ~~ورود المال. وكان يجب أن تبعثك العناية، على الجد في الجباية، حتى ترد ~~حمولك، ويتوصل ما نتوقع وروده من جهتك. ونشدتك بالله لما تجنبت مذاهب ~~الإغفال والإهمال، وقرنت الجواب على كتابي هذا بمال تميزه من سائر جهاته ~~وتحصله، وتبادر به وتحمله، فإن العين إليه ممدودة، والساعات لوروده معدودة، ~~والعذر في تأخره ضيق، وأنا عليك من سوء العاقبة مشفق، والسلام. # وحدث أبو الحسين علي بن هشام قال: سمعت أبا عبد الله الباقطائي يقول: لما ~~غلب السجزية على فارس، جلا قوم من أرباب الخراج عنها لسوء المعاملة، ففض ~~خراجهم على الباقين، وكمل بذلك قانون فارس القديم، ولم تزل هذه التكملة ~~تستوفى على زيادة تارة، ونقصان أخرى. وافتتح أبو الحسن ابن الفرات فارس في ~~وزارته الأولى سنة ثمان وتسعين ومائتين على يد وصيف كامه، ومحمد # PageV01P366 # ابن جعفر العبرتاوي فأجرى الأمر على رسمه، وفعل مثل ذلك محمد بن عبيد ~~الله الخاقاني وعلي بن عيسى في صدر وزارته الأولى. فلما مضى منها مديدة، ~~ورد عبد الرحمن بن جعفر الشيرازي إلى الحضرة، فتكلم علي محمد بن أحمد بن ~~أبي البغل، وقدح فيه، وكان يتقلد فارس إذ ذاك، وخطب العمل، وبذل توفير جملة ~~من المال، فعقد علي بن عيسى الضمان عليه، وصرف ابن أبي البغل وقلده أصبهان ~~ثم أخر عبد الرحمن بن جعفر المال واحتج بتظلم أهل فارس من التكملة ~~المذكورة، وامتناعهم من أدائها، فكتب علي بن عيسى إلى أبي المنذر النعمان ~~بن عبد الله وهو يتقلد كور الأهواز بالاستخلاف على عمله، والنفوذ إلى فارس، ~~ومطالبة عبد الرحمن بما حل عليه من المال، والنظر في أمر التكملة التي وقعت ~~الظلامة منها، وشرح أمرها وحل ضمان عبد الرحمن، وعقد البلد على أحمد بن ~~محمد ابن رستم، وكتب ms298 إلى ابن رستم بأن يصير من أصبهان إلى فارس، ليعقد له ~~عليه. # فلما وصل النعمان إلى هناك وجد قطعة من التكملة على عبد الرحمن. وقد رام ~~أن يكسرها، فعسفه وباع شيئا من أملاكه حتى استوفى ما عليه، واستخرج مال ~~التكملة من الناس، وكتب إلى علي بن عيسى بأن العمال يستضعفون قوما من أرباب ~~الخراج فيلزمونهم من التكملة أكثر مما يلزمهم ويرهنون آخرين فيحملونهم أقل ~~مما يخصهم. وقال هو وابن رستم: وإن من طرائف ما يجري بفارس مطالبة الناس ~~بهذه التكملة وهي ظلم لا شك فيه ولا شبهة، ومما سنه الخوارج جورا # PageV01P367 # ومجازفة. وإن هناك مما قد أغضي عنه لأربابه، والمطالبة به أولى وأحق، وهو ~~خراج الشجر، لأن فارس افتتحت عنوة، وهي في أيدي المزارعين على سبيل ~~الإجارة، ولا حجة لهم في دفعهم إلا دعواهم أن المهدي أسقطه عنهم. وعرف أهل ~~بلاد فارس ما يجري من الخوض في هذا الأمر، فورد قوم من أجلادهم إلى حضرة ~~علي بن عيسى، ودخلوا عليه في يوم جلوسه للمظالم وقالوا: نمنع غلاتنا وتعتاق ~~في الكناديج حتى تهلك وتصير هكذا وطرحوا من أكمامهم حنطة محترقة ونطالب ~~بتكملة ما أوجبه الله علينا فتدعونا الضرورة إلى بيع نفوسنا وشعور نسائنا ~~وأدائها حتى تطلق الغلة وهي على هذه الصورة ثم رموا من أكمامهم تينا يابسا ~~وخوخا مقددا ولوزا وفستقا وبندقا وغبيراء ونبقا وعنابا وقالوا: وهذا كله ~~بلا خراج لقوم آخرين، والبلد فتح عنوة فإما تساوينا في العدل أو الجور. ~~فأنهى علي بن عيسى ذلك إلى المقتدر بالله، وجمع القضاة والفقهاء ومشايخ ~~الكتاب والعمال وجلة القواد في دار الوزارة بالمخرم وقد جعلها ديوانا ~~وتناظر الفريقان من أرباب الشجر وقد ورد منهم قوم وأرباب التكملة. فقال ~~أرباب الشجر: هذه أملاك قد أنفقنا عليها أموالنا حتى نبتت الغروس فيها، ~~وحصل لنا بعض الاستغلال منها، ومتى ألزمت الخراج بطلت قيمتها، وقد كان ~~المهدي أزال المطالبة برسم الخراج عنها. وقال المطالبون بالتكملة ما شكوا ~~به حالهم فيها، واستمرار الظلم عليهم بها. ورجع إلى الفقهاء ms299 في ذلك فأفنوا ~~بوجوب الخراج وبطلان التكملة. وقال # PageV01P368 # الكتاب: إن كان المهدي شرط شرطا لمصلحة رآها في الحال ثم زالت سقط الشرط ~~ورجع الحكم إلى الأصل. وقال لهم علي بن عيسى: أليس احتجاجكم بأن المهدي ~~إمامم رأى رأيا فيه صلاح ففعله؟ قالوا: بلى. قال: فإن أمير المؤمنين الإمام ~~قد رأى أن من الأحوط للمسلمين إلزام الشجر الخراج وإزالة التكملة. فقام ~~الزجاج ووكيع القاضي فدعوا له وأثنيا عليه. وقال وكيع: لقد فعل الوزير في ~~هذه القصة كفعل أبي بكر الصديق رضي الله عنه في مطالبته أهل الردة بالزكاة. ~~وأنهى علي ابن عيسى والقضاة ما جرى للمقتدر بالله في يوم الموكب، واستأذنه ~~في كتب الكتاب بإسقاط التكملة عاجلا إلى أن يتقرر أمر الشجر. فأمره بكتب ~~ذلك في الحال بحضرته، وأحضرت له دواة وكان رسم الوزراء إذا أرادوا كتب كتاب ~~بحضرة الخليفة أن تحضر لهم دواة لطيفة بسلسلة فيمسكها الوزير بيده اليسرى، ~~ويكتب بيده اليمنى وبدأ علي بن عيسى يكتب بغير نسخة، فلما رآه المقتدر ~~بالله وقد شق ذلك عليه أمر بإحضار دواته وأن يقف بعض الخدم معه فيمسكها إلى ~~أن يفرغ من كتابته. وكان أول وزير أكرم بهذا، ثم صار رسما للوزراء بعده ~~فكانت نسخة ما كتبه علي بن عيسى: ### ||| بسم الله الرحمن الرحيم # من عبد الله جعفر الإمام المقتدر بالله أمير المؤمنين إلى النعمان بن عبد ~~الله، سلام عليك، فإن أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ~~ويسأله أن يصلي على محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم. # أما بعد فإن أفضل الأعمال قدرا، وأجملها ذكرا، وأكملها أجرا، وأذخرها ~~ذخرا، ما كان للتقى جامعا، وللهدى تابعا، وللورى نافعا، وللبلوى دافعا، وقد ~~جعل # PageV01P369 # الله أمير المؤمنين فيما استرعاه من أمور المسلمين مؤثرا ما يرضيه، ~~مثابرا على ما يزلف عنده ويحظيه، وما توفيق أمير المؤمنين إلا بالله، عليه ~~يتوكل، وبه يستعين. وقد عرفت حال السجزية والخرمية الذين تغلبوا على كور ~~فارس وكرمان، واستعملوا الجور والعدوان، وأظهروا العتو والطغيان، وانتهكوا ~~المحارم، ms300 وارتكبوا العظائم، حتى أنفذ أمير المؤمنين جيوشه إليهم، وتورد بها ~~عليهم، فأزالهم وأبادهم، وشتتهم وأبارهم بعد حروب تواصلت، ووقائع تتابعت، ~~أحل الله بهم فيها سطوته، وعجل لهم نقمته، وجعلهم عبرة للمعتبرين، وعظة ~~للمستمعين. " وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد " ~~ولما محق الله أمر هؤلاء الكفار، وفرق عدد أوباشهم الفجار، وجد أمير ~~المؤمنين أفظع ما اخترعوه، وأشنع ما ابتدعوه، في مدتهم التي طال أمدها، ~~وعظم ضررها، تكملة اجتبوها بكور فارس في سني غوايتهم لما طالبوا أهلها ~~بالخراج على أوفر عبرتهم من غير اقتصار فيه على الموجودين، حتى فضوا عليهم ~~خراج ما خرب من ضياع المفقودين، فأنكر أمير المؤمنين ما استقر من هذا الرسم ~~الذميم، وأكبر ما استمر به الظلم العظيم، ورأى صيانة دولته عن قبيح معرته، ~~وحراسة رعيته من عظيم مضرته، مع كثرته ووفور جملته. فارفع عن الرعية هذه ~~التكملة رفعا مشهورا، فقد جعل الله من سنها مدحورا. وناد في المساجد ~~الجامعة بإزالتها وإبطال جبايتها. ليذيع ذلك في الجمهور، ويتمكن السكون ~~إليه في الصدور، ويحمد الله الكافة على ما أتاحة الله لها من تعطف أمير ~~المؤمنين ورعايته، وجميل حياطته # PageV01P370 # وعنايته، وأجب بما يكون منك في ذلك، فإن أمير المؤمنين يتوكفه ويراعيه ~~ويتشوفه إن شاء الله. والسلام عليك ورحمة الله. وكتب علي ابن عيسى يوم ~~الخميس النصف من رجب سنة ثلاث وثلاثمائة. وقد كان علي بن عيسى نظر في سنة ~~اثنتين وثلاثمائة الخراجية لأهل هذه التكملة بألف ألف درهم قبل أن يستقر ~~على أرباب الشجر الخراج. ثم تقرر على أن يقارب أهله فيه ويلزموا طسوقا ~~مخففة عنه، وفعل النعمان في ذلك فعلا وفق به، وكان ما ارتفع منه قريبا من ~~مال التكملة. وكتب علي بن عيسى في أمر الشجر بما نسخته: ### ||| بسم الله الرحمن الرحيم # من عبد الله جعفر الإمام المقتدر بالله أمير المؤمنين إلى أحمد بن محمد ~~بن رستم، سلام عليك، فإن أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ~~ويسأله أن يصلي ms301 على محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم. # أما بعد فأن الله بعظيم آلائه، وقديم نعمائه، وجميل بلائه، وجزيل عطائه، ~~جعل أموال الفيء للدين قواما، وللحق نظاما، وللعز تماما، فأوجب للأئمة ~~جبايتها وحرم عليهم إضاعتها، إذا كان ما يجتبى منها عائدا بصلاح العباد، ~~وحراسة البلاد، وحماية البرية، وحياطة الحوزة والرعية، ولذلك يعمل أمير ~~المؤمنين فكره ورويته، ويستفرغ وسعه وطاقته في حراستها وحياطتها، وقبض كل ~~يد عن تحيفها وتنقصها، والله ولي معونته بمنه ورحمته. ولما فتح الله كور ~~فارس على المسلمين، وأزال عنها أيدي المتغلبين، وجد أمير المؤمنين أهلها قد ~~احتالوا في أسقاط خراج # PageV01P371 # الشجر بأسره، مع كثرته وجلالة قدره، فأمر بإشخاص وجوههم إلى حضرته، ~~واتصلت المناظرة لهم بمشهد من قضاته وخاصته، إلى أن اعترفوا به مذعنين، ~~والتزموه طائعين، وضمنوا أداء ما أوجبه الله فيه من حقوقه على ما تقرر من ~~وضائعه وطسوقه فطالب بخراج الشجر، في سائر الكور، على استقبال سنة ثلاث ~~وثلاثمائة. فاستخرجه واستوف جميعه واستنظفه واكتب بما يرتفع من مساحته ~~ويتحصل من مبلغ جبايته، متحريا للحق، متوخيا للرفق إن شاء الله. والسلام ~~عليك ورحمة الله. وكتب علي بن عيسى يوم الاثنين لعشر ليال خلون من شعبان ~~سنة ثلاث وثلاثمائة. وحدث أبو الحسن أحمد بن محمد بن سمعون الجرجرائي قال: ~~كنت أخلف أبا ياسر الجرجرائي على النهروانات، فمسحنا على الناس ما يجري على ~~الطسق من غلاتهم فإذا أحد التناء. قد أصعد إلى دار الوزير أبي الحسن علي بن ~~عيسى ونحن لا نعلم فتظلم من أننا زدنا عليه في مساحة قراح له. فلم نشعر إلا ~~وقد جاءنا ابن البذال العامل، وهو من وجوه العمال، ومعه فوج من مساح ~~بادوريا، فرسان ورجالة، فلم نشك أنه صارف لنا. فقال لي صاحبي: أحب أن ~~تتلقاه وتعرف الخبر. فتلقيته فوجدته منفذا لاعتبار مساحة القراح الذي ~~للرجل، وعدت إلى صاحبي # PageV01P372 # بذلك، فقال لي: ما تدري كيف جرى أمر مساحته؟ قلت: لا. قال: فاخرج حتى ~~تواقف وتجتهد. قال: فخرجت ومعي مساح البلد الذين مسحنا بهم، وواقفنا ms302 ~~واستقصينا، وما زلت ألطف حتى استقرت مساحة القراح على أحد وعشرين جريبا ~~وقفيز وكنا مسحناه اثنين وعشرين جريبا. واحتججت بأن المساحة وقعت أولا ~~والغلة قائمة فيه، ومسح الآن بعد حصادها، وليس بمنكر أن يكون بين المساحة ~~على الحالتين هذا القدر. وانصرف القوم وطالعوا علي بن عيسى بالصورة، فوردت ~~علينا كتبه بالصواعق في الإنكار والتوعد وقال: والله لئن عادت ظلامة أو ~~تحيف أحد من الرعية في معاملة أو مساحة لأقابلن على ذلك أشد مقابلة. ~~فتحرزنا وتحفظنا وحرسنا الناس ونفوسنا، وزاد الارتفاع في السنة الآتية ~~ثلاثة في كل عشرة لأن العدل شاع، والحيف زال، فتوفرت العمارة. # وحدث أبو محمد ثابت بن أحمد بن المشرف كاتب بادوريا قال: كان أهل بادوريا ~~معروفين بالجلد، وكانت لهم مظالم وقوف. ومظالم رسوم، ومظالم تدعى مظالم ~~القرطاس. فتقلد عليهم ابن أبي السلاسل العامل وفي قلبه أحقاد، فأراد ~~الاستقصاء عليهم والتشفي منهم. وأخرج ما عليهم من البقايا، وأضاف إليها ما ~~رده من هذه المظالم، وحبسهم وطالبهم فامتنعوا عليه، وصبروا على الحبس، ~~فقيدهم واحتملوا القيد، ولم يجسر على أن يوقع بهم مكروها خوفا من علي بن ~~عيسى. فأملى في بعض الأيام على كاتبه بحضرتهم رقعة إلى علي بن عيسى يغريه ~~فيها بهم كل إغراء ويقول: هؤلاء قوم يدلون بالجلد، وعليهم أموال قد ألطوا ~~بها وصبروا # PageV01P373 # على الحبس والقيد، ومتى لم تطلق اليد في تقويمهم واستخراج المال منهم ~~كسروه، وتأسى بهم أهل السواد فبطل الارتفاع، والوزير أيده الله أعلى عينا ~~فيما يراه من الإذن في معاملتهم بما يضطرهم إلى الخروج من الحق. قال: فجزع ~~القوم وخافوا أن يعدو الجواب بإطلاق يده فيهم فيبلغ منهم مبلغا يهلكون به، ~~وهموا بالانقياد له إلى ما يريده. ثم سبروا، فورد الجواب على ظهر الرقعة ~~بخط علي ابن عيسى: الخراج عافاك الله دين لا يجب فيه غير الملازمة فلا تتعد ~~ذلك إلى غيره. ففرج الله عنهم، وأمضيت رسومهم، ولم يؤدوا إلا البقايا ~~الصحيحة، وزاد ارتفاع بادوريا في السنة الثانية اثنين في كل عشرة. # وحدث أبو ms303 محمد عبد الله بن أحمد بن داسة قال: حدثني أبو سهل بن زياد ~~القطان قال: كان أبو الحسن علي بن عيسى يدخل إلى حجرة زوجته والدة أبي ~~القاسم ابنه في كل اسبوع. فلما نشأ أبو القاسم وترجل جاء إلى حجرة أمه في ~~يوم نوبتها من أبيه فأقفلها عليها، وأخذ المفتاح وانصرف، ووافى علي بن عيسى ~~على رسمه، فلما رأى الباب مقفلا سأل عن ذلك فقيل: فعله أبو القاسم ابنك. ~~فاستحيا وعرف غرضه، فلم يدخل من وحدث أبو القاسم عيسى بن علي بن عيسى قال: ~~حدثني أبي قال: لما حبسني المقتدر بالله كنت مكرما في محبسي، فدخلت إلي ~~القهرمانة بعد ثمانية عشر شهرا من القبض علي وقالت: يريد الخليفة أن يجيئك ~~فتأهب لذلك. فما مضت ساعة حتى دخل إلي مؤنس القشوري وابن الحواري وقالا لي: ~~أراد أمير المؤمنين أن يجيئك # PageV01P374 # فاستحيا منك. قال: فقمت وقبلت الأرض ودعوت له ثم قالا: ويقول لك لولا ~~علمنا بزهدك في الوزارة لما عدلنا بها عنك، ولكننا نشاورك فيمن نقلده، اذكر ~~هنا الناظر في الأمور، فقلت: الوزارة محتاجة إلى رجل كاتب كاف ممش للأمور ~~عارف بسياسة الجند، وقد قل الناس الذين هذه حالهم، وما أعرف من أذكره ~~اقتضابا من غير روية، ولكن أنظروني حنى أراجع فكري وأقول ما عندي. فقالا: ~~قل على كل حال. فقلت لهما: بالحضرة رجلان وعلى البعد رجلان. فأما الحاضران ~~فأبو عيسى أحمد بن محمد بن خالد أخو أبي صخرة وأبو عبد الله حمد بن محمد ~~القنائي. وأما الغائبان وهما أوفق وأصلح فأبو علي الحسين بن أحمد المعروف ~~بأبي زنبور وأبو بكر محمد بن علي المادرائيان، فإنهما قد دبرا أمور بني ~~طولون في المال والرجال، ولهما في الكتابة قدم، والتدبير دربة، فاستدعوا ~~أحدهما. قالا: هما بمصر، والمسافة بعيدة، ونريد ما هو أقرب. فقلت: إما أبو ~~عيسى أو حمد، قالا: فما تقول في حامد بن العباس. قلت: هو عامل يصلح لعمارة ~~وحفظ ارتفاع، وما الوزارة من عمله ولا سياسة الملك والرجال وتدبير الأمور ~~مما ms304 يعرفه. فالاله: فاعلم أن أمير المؤمنين قد قلده وخلع عليه، ونظر مذ ~~ثلاثة أيام. قلت: فما معنى المشاورة بعد الإمضاء؟ فقالا: لأنه قد تلوح لنا ~~عجز حامد وكدنا نفتضح به، ولم يؤثر الخليفة صرفه في إثر تقليده فيقبح ذلك ~~في السياسة، ونريد أن نشده بمن يقوم بهذا الأمر ويسدده ليبقى عليه اسم ~~الوزارة، وقد رأى أن يندبك لذلك فتكون كاتبه وخليفته ظاهرا وأنت الوزير ~~باطنا والتدبير إليك، والمعاملة بين أمير المؤمنين وبينك. قال: فاسترحت إلى ~~الإجابة لتطاول حبسي وخرجت ونظرت وكان ما كان. # وحدث أبو علي التنوخي قال: حدثني أبو الحسن أحمد بن يوسف بن الأزرق # PageV01P375 # قال: حدثني أبو يعقوب أخي قال: حدثني أبو بكر بن مقاتل ونحن بمصر قال: ~~ابتعت من السلطان قديما، وأنا تاجر، غلة على إكراه وبقي علي من ثمنها عشرون ~~ألف دينار، وأحضرني أبو الحسن علي بن عيسى وطالبني بذلك، فلم يكن لي وجهة، ~~وعدلت إلى جحده وترك الاعتراف به. وقال لي اعمل حسابا بأصل ما ابتعته وما ~~أديته ليبين الباقي بعده. ودافعت فاعتقلني في الديوان، وأمرني بعمل الحساب ~~فيه. فأخذت أعلل وأطاول إشفاقا من أن تتحقق البقية فأحصل تحت المطالبة بغير ~~عذر ولا حجة، ثم أرهقني ودعاني إلى حضرته، فدخلت ومعي كيس حسابي لأريه ما ~~ارتفع منه، وأسأله إنظاري بإتمامه واستكماله. وفتحت الكيس بين يديه، وكنت ~~أستطيب خبز البيت ولا آكل غيره، ويحمل إلي من منزلي في كل يومين أو ثلاثة ~~ما أريد منه، وبحسن الاتفاق تركت في الكيس منه رغيفين استظهارا لئلا يتأخر ~~عني ما يحمل إلي، وبينما أقلب الحساب وقعت عين الوزير أبي الحسن على ~~الرغيفين، فلما رآهما قال لي: اضمم إلي حسابك، مرارا. فضممته وشددته وقال ~~لي: قم إلى بيتك. فانصرفت ولم يطالبني بعد ذلك بشيء، ولا تنبه من نظر بعد ~~على أمري، فانكسر المال والله، وكان سببه الرغيفين لأن علي بن عيسى لما ~~رآهما وقد كنت أشكو الخسارة والفقر حملني على أن حملي للرغيفين مع الحساب ~~لضعف حال وشدة فاقة. # وحدث ms305 أبو القاسم عيسى بن علي قال: حدثني أبي قال: لما استهل ذو الحجة من ~~سنة أربع وثلاثمائة، وقد قاربت استيفاء السنة الرابعة من وزارتي الأولى ~~للمقتدر بالله، بلغني ما قد عمل عليه من صرفي، فدخلت إليه وخلوت به وقلت: ~~يا أمير المؤمنين قد أظل العيد عرفك الله بركته ووجب أن ننظر في أمر خواصك ~~وجندك، فمن كان له رزق متأخر، واستحقاق حاضر، أطلقناه له ليصرفه # PageV01P376 # في نفقة عيده. فقال: نعم. قلت: نراسل السادة وأشرت إلى السيدة والخالة ~~والأمراء والحرم ونستعلم منهم الصورة فيما يتعلق بهم. ففعل وقالوا: قد راجت ~~أموالنا وما بقي لنا ما نطالب به أو نقتضيه. قال: فقلت: إن خدم الدار ~~وحواشيها وأصحاب الجرايات والمرتزقة والغلمان الحجرية والرجالة المصافية، ~~وأصحاب مؤنس وأصحاب الحجاب وأصحاب الشرطة جارون هذا المجرى في الاستيفاء، ~~وقد أزحت عللهم فيما استحقوه منذ نظرت ومكرر إلى هذه الغاية، ولم يبق علينا ~~شيء لأحد إلا ما كان لبعض رجال القواد التفاريق، وقد تقدمت بإخراج الحال ~~فيه فكان مائة وثلاثين ألف دينار، وحملت إلى مجلس العطاء اليوم منه مائة ~~ألف دينار وقدرت أن الثلاثين ألفا ستتوفر من جاري من مات أو غاب أو أسقط، ~~وفضول الأوزان والرسوم التي كان يرتفق بها قبل هذا الوقت. وإنما أردت في ~~إعلام أمير المؤمنين من ذلك ما أعلمته ليتحقق استقامة أمره وأمر أهل دولته. ~~قال: فأظهر السرور بما أخبرته به وشكرني على ما فعلته فيه وقلت: يا أمير ~~المؤمنين إن ابن الفرات نظر لك قبلي أربع سنين فأنفق ارتفاع الدنيا ومال ~~المصادرات، وكذا وكذا ألف دينار من بيت مال الخاصة لم يسم أبو القاسم عيسى ~~بن على ما ذكر مبلغه ثم نظر لك بعده محمد بن عبيد الله الخاقاني، فأخرج من ~~بيت مال الخاصة ألف ألف دينار زائدة على ما أخرجه ابن الفرات بعد الذي ~~أنفقه من الارتفاع والمصادرة، وقد وفيت الناس أموالهم كما رأيت وما مسست من ~~بيت مال الخاصة درهما واحدا، وإن تركتني حتى أدبر أمورك في هذه السنة ms306 ~~المقبلة ولم تغير لي أمرا قمت بجميع الخرج، وحملت إلى بيت مال الخاصة ألف ~~ألف دينار أوفرها. فقال: معاذ الله أن أعتقد لك صرفا أو اعتاض عنك أحدا، ~~وأنت ... وأنت ... وجعل يقرظني ويصفني ويحمدني ويشكرني. فانصرفت من بين ~~يديه وعندي أنني # PageV01P377 # قد كفيت الصرف فما مضى على هذا المجلس سبعة أيام حتى قبض علي في اليوم ~~الثامن وكان يوم التروية، ونكبني. # وحدث أبو علي عبد الرحمن بن عيسى قال: سمعت الوزير أبا الحسن أخي يقول: ~~قل ما ظفر أحد ببغي فلم يبطر، وقل من حرص على النساء فلم يفتضح، وقل من ~~أكثر من الطعام فلم يتخم؛ وقل من ابتلى بوزراء السوء فلم يقع في المهالك. ~~وهذه الكلمة عمدة القول. # وحدث عبد الرحمن قال: كان أبو بكر بن مقاتل يتولى كيل ما يرد من الشعير ~~للقضيم واستيفاءه، فيبقى عليه من أسافل الزواريق من الرطب والعفن ما يباع ~~بثمن بخس، ويورد الحسبانات على الأوقات. فاتفق أن حضر الناظر في أمور ~~الجوارح والطيور يلتمس إطلاق علوفة البط في البرك والزبيدية وقدر ذلك ~~ثلاثون قفيزا شعيرا في كل شهر فأحضر أخي أبو الحسن علي بن عيسى ابن مقاتل ~~وناظره على أمر الشعير الرطب والمبلول وما يحصل من ثمنه، وموقعه من ثمن ~~الشيلم، والتفاوت بينهما، إلى أن عرف التوفير بين إطلاق الشعير الجيد ~~والشعير الرطب، ثم تقدم بإقامة العلوفة من الرطب. فخرج ابن مقاتل متعجبا من ~~دقة نظر أبي الحسن فيما نظر فيه حتى وفر ما وفره منه بعد طول المجاورة ~~وذهاب شطر من الزمان في المناظرة، وعرج ابن مقاتل إلى أحمد ابن يحيى بن ~~حاني كاتب الوزير أبي الحسن علي خاصة فقال له: كم يرتزق الوزير في الشهر؟ ~~قال: سبعة آلاف دينار. فقال: قسط اليوم فيها مائتان وثلاثون دينارا، وقسط ~~الساعة نحو عشرين دينارا، وقد نظر الوزير في أكثر من ساعة توفيرا لا يبلغ ~~ما استحقه من الرزق. وأخرج القول # PageV01P378 # مخرج التنادر، وسمع صاحب الخبر ذلك، فكتب به إلى الوزير، ودعاه من وقته، ~~فلما ms307 وقف بين يديه قال له: أعد قولك في معنى الرزق. فاضطرب وتحير، فقال له، ~~أعد ويل لك. فقال: إنما كان قولي على وجه التعجب من نظر الوزير الدقيق في ~~الأمر القليل: فقال: لا تتعجب من ذلك فإن لكل أمر حظا من النظر والتفقد، ~~ولو لم نتفقد الصغير لأضعنا الكبير، وهذه أمانة لا بد من أدائها في قليل ~~الأمور وكثيرها. وكما أنا نظرنا في هذا الدقيق ساعة فكذلك ننظر في الجليل ~~ساعة نظرا يؤدي إلى استخلاص البلد العظيم، وتحصيل المال الجسم وإعادة الشاذ ~~إلى الطاعة، ونأتي من التوفير بما يضعف على أرزاقنا للسنين الكثيرة. وإذا ~~علم معاملونا أنا نراعي أمورهم هذه المراعاة لزموا الأمانة وخافو الخيانة. ~~أخرج ودع الفضول. فخرج وعمامته في يده. # وحدث عبد الرحمن بن عيسى قال: حدثني أحد الخدم الخاصة قال: حضر أبو الحسن ~~علي بن عيسى دار السلطان في يوم شديد البرد، وليس بيوم موكب، وعرف المقتدر ~~بالله خبره، فجلس له في بعض الصحون على كرسي ورأسه مكشوف. فخاطبه في معنى ~~ما حضر له، فلما فرغ قال له: يا أمير المؤمنين تبرز في مثل هذه الغداة ~~الباردة، وتجلس في هذا الصحن الواسع، ورأسك بغير غطاء، والناس في مثلها ~~يجلسون في المواضع الكنينة، ويستعملون من الدثار ما يستعملونه، وأحسبك تسرف ~~في أخذ الأشربة الحارة، والأطعمة الكثيرة المسك. فقال المقتدر بالله: لا ~~والله ما أفعل ولا آكل طعاما فيه مسك ولا يطرح لي في شيء إلا يسير يكون في ~~الخشكنانج، وربما أكلت في الأيام واحدة منه. فقال له الوزير: فإنى أطلق يا ~~أمير المؤمنين في كل شهر في جملة نفقات المطبخ لثمن المسك نحو ثلاثمائة ~~دينار. وانقضى كلامهما، ونهض المقتدر بالله وخرج الوزير. فلما صار في الصحن ~~وقف # PageV01P379 # المقتدر بالله وأمر برده. فعاد وقال له: أظنك تنصرف الساعة وتفتتح نظرك ~~بإحضار المتولي لأمر المطبخ وتوقفه على ما جرى بيننا في معنى المسك وتسقطه. ~~وقال: كذلك هو يا أمير المؤمنين. فضحك وقال: أحب أن لا تفعل ذلك، فلعل هذه ~~الدنانير ms308 تنصرف في أقوات ونفقات قوم، ولا أريد قطعها عنهم. قال: السمع ~~والطاعة. # وحدث عبد الرحمن قال: كان أحمد بن محمد بن المعلي الكاتب يتولى للوزير ~~أبي الحسن علي بن عيسى زمام النفقات، فقال له في بعض الأيام: يا أبا الحسين ~~قد نقص الليل ثلاث ساعات هي ربعه فانقص الفراشين من الزيت والشمع ربع ~~الإقامة. فقال له: هذا أعز الله الوزير استقصاء ما عرفوه، واستيفاء ما ~~عهدوه. فقال: أليس إذا احتاجوا إلى زيادة طلبوها وزيدوا؟ قال: بلى. قال: ~~وكذلك إذا وقع نقصان فليوفروه. # وحدث عبد الرحمن قال تأخر الوزير أبو الحسن في دار السلطان تأخرا طال وقد ~~كان الخبر ورد بتورد المغربي مصر، وبلوغه الجيزة، وهي في جانبها الغربي، ~~وأخذه الفيوم والإسكندرية، ووقع الانزعاج من ذلك وضاقت به الصدور وأعمل ~~الفكر والنظر في تدبيره ثم وافى وقد تجاوزت صلاة الظهر في يوم صائف. فقلنا ~~له: ما سبب هذا التأخر؟ فقد اعتورتنا الظنون فيه. فقال: نعم، كنا والله في ~~أعجوبة لم يسمع بمثلها. قلنا: ما هي؟ قال: كنت مع مؤنس ومانس وغريب الخال ~~ونصر الحاجب وشفيع وغيرهم من الخاصة، نتجارى ما ورد من أمر مصر، ونجيل ~~الرأي فيما يدبر به مع ما يعبر من رأى الخليفة في السفر، إذ خرجت أم موسى # PageV01P380 # القهرمانة فجلست على مسورة، واستدعت من خادمها منديل حوائجها، فابتدأت ~~تعرض رقعة لبعض الحشم في زيادة دينار في نزله، ولبعض الخدم في زيادة يسيرة ~~في رزقه، وأنا والجماعة نتميز غيظا من قطعها إيانا عن مثل هذا الأمر العظيم ~~الحديث بمثل هذه الصغائر المضرة بالمال، ثم رميت بالرقعة، وعطفت على القوم ~~ومشاورتهم، فقالت: هكذا يفعل بحوائج السادة؟ فقلت: يا هذه، نحن في حراسة ~~الأرواح وحفظ أصول الملك، وقد شغلتنا عنه بما لا فائدة فيه. فقالت: وما هذا ~~الشغل كله؟ قلت: مصر قد أشرفت على الذهاب والخروج عن يد السلطان وغلب ~~المغربي منها على مواضع الارتفاع، وإن تم ونعوذ بالله من ذاك ما نخاف فقد ~~مضى المغرب كله، ثم لا قرار على ms309 البساط بعده. فقالت: بظر أم مصر، ومتى كانت ~~في يد السلطان حتى يغم عليها إذا أخذت؟ فورد علي من قولها ما أدهشني. فقلنا ~~له: فما كان الجواب عن هذا الجل؟ قال: قلت لها: بمثل هذا أدبر أمر الدنيا. ~~ونهضت مغضبا، وتفرق القوم، وقد شاهدوا وسمعوا عجبا. # وحدث عبد الرحمن قال: حدثني محمد بن يحيى الصولي الشطرنجي قال: لما مضت ~~مدة من وزارة الوزير أبي الحسن علي بن عيسى وانتقل الحواشي وخدم الدار عما ~~ألفوه مع أبي الحسن بن الفرات وأبي علي الخاقاني من بسطهم وبلوغ أغراضهم ~~وزياداتهم في أنزالهم وأرزاقهم إلى ما رأوه في أيام أبي الحسن من الضبط ~~وتجعد الكف واليد، ووضع الأمور مواضعها وحفظ الأموال عما يتخرمها ويتحفيها، ~~نقل على الجماعة أمره واتفق أن دخل في بعض الأيام إلى دار السلطان فحذف في ~~بعض الممرات برقعة وقعت في صدره، ولم يدر من رماه بها، # PageV01P381 # فأخذها، ودخل إلى المقتدر بالله، وخرج فجلس في دار الوزارة وقرأها، فإذا ~~فيها أبيات قد هجي فيها واستبعد موته ومدته، فقلبها وكتب على ظهرها: # لي مدة لا بد أبلغها ... معلومة فإذا انقضت مت # لو ساورتني الأسد ضارية ... لغلبتها ما لم يجي الوقت # ثم قال لبعض خدمه: ارم بهذه الرقعة في الممر الذي رمينا بها فيه، ففعل. # وحدث أبو الحسن علي بن يحيى بن سليمان البصري الكاتب قال: كان أبو الحسن ~~علي بن عيسى أيام تدبيره الأمور في وزارة حامد بن العباس قد عمل عملا ~~بالفضل في ضياع أبي الحسين بن أبي البغل، وسلمه إلى حامد ليناظره عليه بما ~~شاء من الأمر، فناظره حامد واعتقله ووكل به، وعرفت أم موسى القهرمانة خبره، ~~فطالعت المقتدر بالله، وخرج أمره بالإفراج عنه. فلما علم علي بن عيسى بما ~~جرى كتب إلى ابن أبي البغل رقعة يذكر فيها اغتمامه لما لحقه، وسروره بما ~~ظهر من حسن رأي السلطان فيه، فأجابه في تضاعيفها: # الصعو بصفر آمنا ومن أجله ... حبس الهزار لأنه يترنم # لو كنت أجهل ما علمت لسرني ... جهلي كما ms310 قد ساءني ما أعلم # لم أستفد أدبي لدولة ظالمي ... لكنه يجني علي ويظلم # ذنبي إليه على ركاكة فهمه ... أني لأعلم أنه لا يعلم # وحدث أبو الحسن علي بن عيسى قال: كان عبيد الله بن سليمان والقاسم ابنه ~~بعده ينكران على عمالهما الاستتار عنهما ويقولان: إنما يقع الاستتار مع ~~الإشفاق # PageV01P382 # من الظلم، فأما مع الإنصاف في المعاملة واعتماد الحق في المحاسبة فهو طمع ~~في السلطان وإرادة لكسر ماله. فاتفق أن صرف القاسم عاملا من عمال الأهواز ~~فاستتر، فغلظ عليه ذلك، وقال لي وللجماعة: أذكوا العيون عليه حتى تثيروه، ~~وجدوا في طلبه حتى تحضروه. وقال علي بن عيسى: فبكرت يوما بكورا أقضى فيه ~~حقا وأعود ألى دار القاسم بن عبيد الله. فإذا العامل قد خرج من موضع يريد ~~موضعا، فرآه غلماني فأمسكوه وجاءوني به. فقلت له: تستتر عن الوزير وعنا ~~والإنصاف مبذول لك؟ فقال: إذا كان الأمر على هذا ظهرت وجئتك. فتذممت من أن ~~أحمله في الحال بالإكراه إلى دار القاسم فتلحقني في هذا الفعل قباحة. فقلت ~~له: لا تتأخر فإنني من وراء معاونتك وتمشية أمرك. وأمرت بتركه وتخلية ~~سبيله، ومضيت إلى مقصدي وعدت إلى دار القاسم ودخلت إلى مجلسه، فلم أجد عنده ~~من البشاشة والإكرام ما كنت أعهده. ثم سلم إلي فضلا من رقعة صاحب خبر وقد ~~ذكر فيه حالي مع الرجل، وقال لي: كان عندي أنك عون لي وللسلطان على استيفاء ~~حقوقه وإصلاح أموره، ولم أعلم أنك على خلاف ذلك. فأشفقت من أن أجيبه جوابا ~~ربما رد علي عنه ما يقدح في الجاه ويستمع على ملأ من الناس. فقلت: إذا خلا ~~الوزير عرفته ما عندي في ذلك. وأمسك، وبقيت حيران لا أعلم بأي عذر أعتذر، ~~وعدلت إلى أن سألت الله كفايتي وتخليصي، وكنت إذا رأيت المجلس قد خف أحسست ~~بتقطع أعضائي. فأنا في ذلك إذ تقدم إلي صاحب دواتي وأعطاني رقعة من وكيلي ~~في داري، وقد وقع عليها اسمه، # PageV01P383 # وبعده: مهم. فظننت أن القاسم بنزقه وغيظه قد أنفذ إلى داري ms311 قوما ووكل ~~بهم. فأسرعت إلى فضها وعقلي زائل، وروعي زائد، فإذا فيها: صار إلى بابنا ~~نسوة وطلبن من يكلمهن، وخرجت إليهن، فدخلن الدهليز وكشفت إحداهن عن وجهها ~~فإذا هو فلان العامل فنحى إزاره وخفه، وفعل غلام كان معه مثل فعله، وجلسا ~~في الدار، وانصرف من كان معهما من النساء، وأمرني بأن أطالعك بخبره وأقول ~~لك عنه: قد سلمت نفسي إليك جزاء لفعلك اليوم، وثقة بوعدك وأخذك بيدي ~~ومعاونتي على أمري، فافعل ما تراه. فحين قرأتها عادت نفسي واشتد سروري، ~~وتقوض المجلس، وقال لي القاسم: هات ما عندك في جواب قولي لك. قلت: نعم، ما ~~الأمر على ما وقع لك في بابي، بل عندي من المعاونة والمعاضده والخدمة ~~والطاعة وبذل القدرة والاستطاعة واطراح الديانة والأمانة في كل ما يخفف ~~عنك، ويقرب منك أكثر مما يجب لمثلك على مثلي، ولكنك أيها الوزير تستقصر ~~الفعل، وتريد زيادة على ما في الوسع، وإن كان هذا العامل ينصف في مواقفته ~~ومحاسبته أحضرته الساعة. فأسفر وجهه وقال: أنكرت أن يكون منك إلا ما تقتضيه ~~الثقة بك، والآن فقد رددت أمره إليك ورضيت بحكمك فيه، فرح به عشيا إلى ~~حضرتي واعمل من ديوانك عملا لما يجب عليه. وقال لكتاب الدواوين جميعا أن ~~يعملوا مثل ذلك. # وانصرفت إلى داري، وقلت للرجل كل ما سكنت به نفسه، وأزلت معه إشفاقه، ~~وجعلته على ثقة من تكفلي بأمره، وأمرته بأن يروح معي. فلبس أحسن لباس وتطيب ~~أكثر طيب وجاء معي، فقلت له: قد أسرفت في لباسك وطيبك لي: حالي على جملتها، ~~وما ألزمت ما شعثها، ولأن يرى الوزير مني مروءة يستدل بها على كثرة كلفي ~~ومؤني أولى من غير ذلك. # PageV01P384 # ودخلنا إلى القاسم بن عبيد الله معا فأراد الرجل أن يقبل يده فمنعه وضمه ~~إليه حتى قبل كتفه، وأحضر كتاب الدواوين فقال لهم: ناظروه. فكان يناظر على ~~عمل بعد عمل ويبطل بابا ويصح بابا، وكلما صح شيء أخذ به خطه وأرجه أحد ~~الكتاب إلى أن وجبت صلاة المغرب وصلينا، ثم أقبل ms312 على الكاتب وقال له: كم ~~جملة ما أرجته مما كتب به خطه؟ قال: ستة وثلاثون ألف دينار ونيف. قال: وأي ~~شيء بقي من الأعمال؟ قيل له: عمل الديوان الفلاني والديوان الفلاني. فقال ~~لي: يا أبا الحسن أنت الحكم في أمره، فقل ما عندك نقبله. ولا أقل من إتمام ~~المبلغ خمسين ألف دينار. فقلت: أيها الوزير، إذا رجعت إلي حكمي فآثار الرجل ~~جميلة وطريقته مستقيمة، ومن حكمي فيه أن لا يلزم شيئا. فاغتاظ غيظا بأن في ~~وجهه وإن لم يبد في قوله وقال: ماذا قلت؟ قلت: يرد إلى عمله، فإنه رفع من ~~الارتفاع ما لم يرفعه غيره. فأطرق ثم رفع رأسه وقال: يرد عليه خطه ويكتب ~~بإعادته إلى عمله. فقال الكاتب: كيف أدعو له؟ قال: لا تدع. وقال للرجل: ~~والله لئن عاودت ما أنكره منك لأعاملنك بما عامل الله به فرعون فإنه جعله ~~نكال الآخرة والأولى. وكتبت الكتب، وأراد توديعه، فبسط رجله إليه حتى ~~قبلها. وقيل للقاسم: قد فلت أيها الوزير في أمره ما لم تفعله البرامكة مع ~~مثله. قال: وجدت كل ما عاملته به واقعا موقعه مع تسليمه نفسه وأمره إلي. # وحدث أبو عبد الله أحمد بن علي بن المختار الأنماطي وكان قد خدم أبا ~~الحسن علي ابن عيسى واختص به قال: كنت بين يدي الوزير أنا وأخوه وأولاده # PageV01P385 # وخواصه، وجرى حديث البريدي في إصعاده إلى الحضرة وما هو عليه من الإقدام ~~على أخذ الأموال واستباحة الأحوال وأن الناس على إشفاق منه، وعمل على الهرب ~~من بين يديه، وأشارت الجماعة عليه بأن يخرج هو وحرمه وأولاده وأصحابه عن ~~بغداد، فما أصغى إلى ذلك. ثم أكثروا عليه إكثارا ثنوه عن رأيه، فأطلق لي ~~مائتي دينار لأستأجر له بها زواريق يصعد فيها هو وعياله إلى ناصر الدولة ~~أبي محمد ابن حمدان. وانصرفت من عنده بعد المغرب، وباكرني رسوله يستدعيني، ~~فبادرت إليه، وسألني عما عملته فقلت: ضاق الوقت البارحة عما أردته وباكرني ~~رسولك فحضرت معه. فقال لي: فكرت فيما أشرتم به فوجدته خارجا ms313 عن الرأي، ~~ومفسدا للدين، لأن الأمر مقدر، والإنسان مدبر، ولا يجب لمخلوق أن يهرب من ~~مخلوق. هات الدنانير. فأعطيته إياها، فأمر بأن يتصدق بها، وأقام. فلما قرب ~~البريدي انحدر إليه متلقيا فأكرمه، وعرف موضعه، ووفاه حقه، ومنعه من أن ~~يخرج عن طياره، وانتقل هو إليه، وخاطبه بما وفاه الجميل والبر فيه. وكان ~~أهل الكوفة تظلموا إلى أبي الحسن علي بن عيسى في أيام القاهر بالله وقد خرج ~~إلى واسط مدبرا لها ولأعمال سقي الفرات في أمر ثمارهم، وحكوا أن أحمد بن ~~محمد بن بشار وكل بها وسامهم حملها إلى البنادره، وأجرى أثمانها في خراجهم ~~ليبقي عليهم عجزا يطالبهم به، وجرت بينه وبينهم مناظرات ومخاطبات آلت إلى ~~أن كتب إلى ابن بشار بأن يقاسمهم على الثمرة كما يقاسمهم على الغلة. # PageV01P386 # وحدث أبو عمرو الشرابي قال: لما صرف أبو الحسن لعي بن عيسى بأبي علي محمد ~~بن علي بن مقلة دخلت إليه في محبسه فحادثته وسكنت منه، وسألته عما يريده من ~~الأشربة والأسوقة والطعام لأتقدم بحمله، فوجدته طيب النفس حسن اليقين وقال ~~لي: الآن تم لي ديني وتفرغت لصلاتي وأداء مفترضاتي، وقد كنت أحب العزل وترك ~~هذا الأمر، ولكنني احتسبت قيامي به قيام المجاهد في سبيل الله. فمن تقلد ~~الوزارة؟ قلت: ابن مقلة. قال: حدث يحب الرئاسة ويراعي يومه دون غده، يا أبا ~~عمرو، أليس تدبير الخلافة إلى قوم مبلغ عقولهم أنهم يظنون أن ابن مقلة ينهض ~~بما أعجز أنا عنه، ويستقل بما أتفادى منه؟ إنا لله وإنا إليه راجعون. ذهبت ~~والله الدنيا وضاعت الأمور. فقلت: ما قدروا ذلك ولا توهموه، ولكنهم أرادوا ~~من يأخذ أموال الناس ويعطيهم إياها ويطلقهم فيما منعتهم منه. فقال: الله ~~المستعان. # وحدث عبد الرحمن بن عيسى قال: حدثني هارون الكاتب بن إبراهيم الكاتب قال: ~~لما أحس القاسم بن عبيد الله بحضور منيته جعل يوصي أبا الحسن علي بن عيسى ~~بولده، وأبو الحسن يذكره بالتوبة والإقلاع، فما فارقه حتى تاب توبة جردها ~~وصحح فيها العزيمة. ثم دعا بالعباس ms314 بن الحسن في غداة يوم الثلاثاء لخمس ~~خلون من ذي القعدة سنة إحدى وتسعين ومائتين قبل أن قضى نحبه بثلاث ساعات ~~فأملى عليه رقعة إلى المكتفي بالله، كان ما حفظناه من ألفاظها ومعانيها: ~~كتبت هذه الرقعة أطال الله بقاء سيدي أمير المؤمنين بإملائي وأنا في آخر ~~يوم من أيام الدنيا، وأول يوم من أيام الأخرة. وقد حضر من الأمر ما مضى ~~عليه # PageV01P387 # الأولون، ويصير إليه الآخرون، والحمد الله الذي لما قضى علي الموت جعله ~~في دولة أمير المؤمنين أيده الله وجعلني ماضيا على أحكام طاعته ودارجا على ~~أفضل ما درج عليه أحد من أهل ولايته وتمم الكلام وشكر الإنعام ثم قال: ولم ~~أطب نفسا مع ما آلت إليه الحال بأن أمسك من النصح لمولانا حيا كنت أم ميتا ~~ولا بد أن يقوم لخدمته من يصلح لها، ويجري مجراي في حراستها والذب عنها ~~والنهوض بأعبائها. وهذا خادم أمير المؤمنين وكاتبه علي بن عيسى بن داود ابن ~~الجراح أحد الكتاب المتقدمين ومن قد خدم آباؤه الخلفاء الماضين وكانوا ~~مرصنين محمودين، وقد عرف مولانا مذهبه في أمانته ومناصحته، وتأدت إليه ~~أخباره في سداده وكفايته. وخادمه العباس بن الحسن كاتب حضرتي، وكان ملازما ~~لي وقد تقيل أخلاقي في الخدمة، وعرف مذهبي في المدافعة عن الدولة وسلك ~~مذهبي في المبالغة والطاعة. وعلى أيهما اعتمد، ولأيهما آثر وقدم، رجوت ألا ~~يعدم عنده شيئا مما كان عليه خادمه في المناصحة. وتمم القول وختمه بالوصاة ~~بولده ووالدته وأسبابه والإحسان إليهم ومكافأته بما يستحقه فيهم. # قال عبد الرحمن: فحدثني أبو الحسن أخي قال: لما فرغ القاسم من إملاء هذه ~~الرقعة دفعها إلي وقال: سألتك بحق ما بيننا إلا بادرت وأوصلتها من يدك، ~~واجتهدت في التعجل بما يجري، فإنني أخاف إن تأخرت أن لا تلحقني، وأكبر أملي ~~فيما بقي من مدتي أن أعرف ما يستقر عليه الحال من بعدي. قال أخي: فاستعفيته ~~فلم يعفني، ولم يكن فيه فضل لمعاودتي، وعجبت من شدة نفسه، وزيادة # PageV01P388 # حرصه على أمور الدنيا مع حضور ms315 أجله. فمضيت ومعي العباس إلى دار السلطان ~~وجلسنا على انتظار إذنه، ثم أذن لنا فدخلنا. فلما حصلنا في وسط دهليز الصحن ~~السبعيني استدار العباس فصار في وجهي وقال لي: والله لئن ألقيت هذا الأمر ~~إلي ونزلت عنه لي لأكون فيه من قبلك ومتصرفا على أمرك. فعجبت من قوله وقلت: ~~ستعلم ما يجري، وأرجو توفيق الله تبارك وتعالى. ووصلنا إلى الخليفة وأوصلت ~~الرقعة. فلما قرأها سأل عن خبره، فعرفته أنه في آخر رمقه وما نقدر أننا ~~نلحقه فدمعت عيناه ثم التفت إلي وجعل يخاطبني مخاطبة من قد رد الأمر إلي ~~واعتمد فيه علي. وقال لي في عرض قوله: أنت يا علي في نفسي مذ كنت بالرقة، ~~وأنا أعرف أخبارك آثارك، وقد آل الأمر الآن إليك ووقع اختياري عليك، فتتجرد ~~في القيام به وإزالة الخلل عنه، وتفعل وتصنع. قلت: أنا يا أمير المؤمنين ~~رجل ضيق العطن وفي استقصاء وشدة لا يصلحان لمتولي هذا الأمر وشغلي بما أخدم ~~فيه طويل عريض، وإن نقلت إلى ما هو أكثر منه بعلت ووقفت. فراجعني القول ~~وراجعته في الاستعفاء وقلت: وهذا العباس أعرف بما كان القاسم عليه من طرق ~~الخدمة، وإن عول عليه كنا أعوانه وأعضاده. قال: فتضمن لي القيام بالشد منه ~~حتى يستقيم ما يناط به؟ قلت: أفعل وأبذل عمن يليني من الكتاب مثل ذلك. فدعا ~~بالدواة وكتب الجواب بالتوجع والدعاء وقال: فإن أعوذ بالله بليت فيك بما لا ~~أقدر على دفعه فلن أعدل عن اختيارك ورد الأمر إلى من أشرت به. فأما الولد ~~والحرم فأولادي وحرمي، والله يصونهم ببقائك ويدفع لنا عن حوبائك. # PageV01P389 # وختمت الرقعة وتقدم بتسليمها إلي، فأخذتها وقبلنا الأرض وعدنا. فحين ~~بلغنا درجة باب الخاصة من دار القاسم سمعنا الواعية فنزل من أعلمنا أنه قضى ~~في الوقت عند وصولنا إلى الباب، قال عبد الرحمن: وكان حديث أبي الحسن أخي ~~لنا بذلك وإسحاق بن حنين المتطبب في مجلسه فقال: أحدثك يا سيدي حديثه في ~~هذه الحال، وذلك أنه دعاني، وقد حضر اليأس، ولم يبق ms316 إلا تردد النفس. فقال ~~لي: يا إسحاق حبس النبض وانظر هل بقي من الذماء ما يفي بانتظار جواب ~~الخليفة؟ فجسسته وكان قد سقط، فقلت: الحال صالحة. فقال: أعيذك بالله، لا ~~والله ما أحسبني ألحق ذلك. ثم قال: انظروا الطيار هل أقبل؟ وتنفس مرة أو ~~مرتين وقضى، وما زال أخي يعجب من أمره قال أخي: فلما عرفنا وفاته عدنا إلى ~~دار السلطان، فوجدنا الخليفة قد خلا، وعرفنا خفيفا السمرقندي الحاجب الصورة ~~حتى أنهاها، وتقدم إلينا بالبكور في غد، وانصرفنا إلى دار القاسم وأقمنا ~~إلى أن جهز ووري وعزينا والدته ووالده. وشاع أمر العباس، وتقررت الوزارة له ~~واعتماد المكتفي بالله عليه، وحضر الكتاب من غد دار السلطان، وهم: العباس ~~بن الحسن وعلي بن عيسى ومحمد بن داود بن الجراح وعلي بن محمد بن الفرات، ~~ومحمد بن عبدون وهو أكبرهم سنا؛ لأنه ولد في سنة ست وثلاثين ومائتين، وابن ~~الفرات في سنة إحدى وأربعين ومائتين، ومحمد بن داود في سنة ثلاث وأربعين ~~ومائتين وعلي بن عيسى في سنة خمس وأربعين ومائتين والعباس في سنة خمسين ~~ومائتين. ووصل العباس وعلي ابن عيسى إلى الخليفة دون غيرهما، فأمضى أمر ~~العباس، ووصى علي بن عيسى بالضبط والاحتياط، وأدخل الناس بعد ذلك على ~~طبقاتهم فعزوا الخليفة، وسمعوا # PageV01P390 # قوله في رده وزارته إلى العباس، وإقراره أصحاب الدواوين على دواوينهم. ~~وانصرفت الجماعة مع الوزير إلى منزله، وكان له غرفة في حريم البستان الزاهر ~~المجاور لدار القاسم على دجلة سكنها عند خدمته القاسم في التوقيع بين يديه. ~~وعجب الناس من تقلد العباس عجبا طال، ولم تزل به الحال إلى أن ملك الأمور، ~~وأسرف في التجبر والاستكبار، فأرداه ذاك وأورده شر مورد ونسأل الله حسن ~~العاقبة. # وحدث عبد الرحمن قال: حدثني الوزير أبو الحسن أخي قال: كنت بمكة، فاتفق ~~يوم شديد الحر وحر تهامة إذا اشتد ضرب به المثل قال: فصليت الظهر جماعة في ~~المسجد الحرام، وطفت وسعيت وركعت عند المقام، ثم انصرفت وقد مسني من الحر ~~ما زاد علي فيه ms317 الأمر، فتمنيت في الوقت شربة سويقع بثلج، وأولعت نفسي ~~بالفكر فيها، فزجرتها وقلت: ثلج في تهامة! وحمدت الله تعالى على نعمة ~~العافية، فما لبثت والله أن ظهر في السماء قزع من غيم، ثم اجتمع وانتظم ~~وجاء ببرق ورعد متصل، ثم بمطر وبل، ثم ببرد في غاية الكبر. فجمع الغلمان ~~منه ما ملئوا به حبا من حباب الماء. وكان هذا بعد صلاة العصر، فما كان ~~فطوري إلا على سويق وسكر وثلج وماء مائع، وبقينا على ذلك ثلاثة أيام ولله ~~الحمد. PageV01P391 ms318