######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shia_001331 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو الفتح الكراجكي #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 449 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: التعجب #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: مصادر الحديث الشيعية ـ القسم العام #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shia_001331 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/1331_التعجب-أبو-الفتح-الكراجكي #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: تصحيح وتخريج : فارس حسون كريم #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY# #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين ((1) اللهم إنا نحمدك على ما أنعمت ~~وأعطيت، ونشكرك لما أوليت وأسديت، ونسألك الصلاة على من انتخبت ((2) ~~وارتضيت، وانتجبت لرسالتك وارتضيت ((3)، سيدنا محمد رسولك الذي اصطفيت، ~~الحافظ لما أوجبت، والناهض بما أمضيت، وعلى الأئمة الطاهرين أهل البيت، ~~[صلاة] تزيد على عدد من ((4) أبقيت وأفنيت، وترفع فوق كل من ((5) اختصصت ~~وأعليت، وأكرمت برضوانك فارتضيت، وترغب ((6) إليك في التثبت على ما أرشدت ~~إليه وهديت، من موالاة # PageV00P029 # من واليت، ومعاداة من عاديت ((1)، والتسليم لما ارتضيت، والرضا ((2) بما ~~أقضيت. # وبعد: فهذا الكتاب ((3) حداني على عمله أن أحد الإخوان من أهل الإيمان ~~شملهم الله بفضله اطلع من أمالي الشيخ المفيد (رضي الله عنه) على كتاب ~~موسوم ب‍ " أطراف الدلائل وأوائل المسائل " يتضمن كلاما في الإمامة، فرأى ~~في آخره (4) بابا من أغلاط العامة، أورده الشيخ (رضي الله عنه) على طريق ~~التعجب منهم، وضمنه يسيرا من خطأهم المحفوظ عنهم، وجعله بابا قصيرا، وقولا ~~يسيرا، حسب ما اقتضاه غرضه [في الكتاب، من الاختصار في كل باب، فراقه ~~وأعجبه، ولم يحب فراقه] واستطرفه واستغربه، وتأسف لقصر الباب، وتلهف على ~~طول الخطاب، وسألني في سلوك سبيله، واتباع قصده وقوله، بكلام فصيح، وغرض ~~كغرضه صحيح، [اتبعته] ليكون ما أورده كتابا مفردا، وفنا في الإمامة واحدا. # فأعلمته أن كتب الشيخ (5) المفيد (رحمه الله) مفاتيح الفوائد، ومصابيح ~~المراشد، وأن السعيد من سلك أممه، ووطئ [أثر] قدمه، وقصد نهجه، واعتمد ~~حججه، واتبع آثاره، واقتبس أنواره. # PageV00P030 # فأما العامة فلا (١) تنحصر أغلاطهم، ولا تجتمع في الإمامة مناقضاتهم، لأن ~~زللهم غير قليل، والتعجب منهم طويل، وكيف لا يتعجب ممن قتل الدليل، والتمس ~~السبيل، واتهم (٢) الهداة، وطلب النجاة، وهجر (٣) اليقين، واتبع الظنون، ~~وكره الائتلاف، ورضي الاختلاف؟! # وكيف لا يتعجب ممن يتقرب إلى الله سبحانه بمعاداة أوليائه، ويدينه ~~بموالاة أعدائه، ويطلب طاعته من معصيته، ويلتمس ثوابه بمخالفته؟! # بل كيف لا يتعجب من قوم ادعوا الشريعة وغيروها، وانتحلوا الملة وبدلوها، ~~وضيعوا الفرائض واختلفوا فيها، وتركوا السنة وانتسبوا إليها؟! قوم غلبتهم ~~العصبية، وملكتهم الحمية [حمية الجاهلية]، ms01 وأضلتهم الأهواء، وضلت عنهم ~~الآراء، فعميت أبصارهم، وصدئت أفكارهم، وتناقضت أقوالهم، وتباينت أفعالهم، ~~[فهم] في ظلمات غيهم تائهون، وبأذيال جهلهم عاثرون، وعن الحق حائدون (٤)، ~~وللحق معاندون، ﴿أولئك حزب ~~الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون﴾ (5). # وأنا متبع ما رغب فيه الأخ الرشيد، أدام الله له التسديد، من عمل هذا ~~الكتاب، وإيراد ما حضرني (6) في فصوله من كل باب، من مناقضات القوم في ~~الإمامة وأغلاطهم، وغلوهم في المعاندة وإفراطهم، مما يقتضي التعجب منهم، ~~ويوجب # PageV00P031 # الشكر لله سبحانه عن (1) الانفصال عنهم. # ومن الله أستمد (2) التوفيق، وهو حسبي ونعم الوكيل. # PageV00P032 # الفصل الأول في (1) أغلاطهم في ذكر الوصية [فمن عجيب أمرهم: أنهم قد ~~أجمعوا معنا على حسن الوصية] وفضلها وشرفها، وحميد فعلها، وأنها [قد] تكون ~~في المال والأهل والولد، وجميع من (2) كان يسوسه الموصي ويرعاه، وما كان ~~[يقوم] به ويتولاه، وأن إهمالها تفريط، وتركها تضييع، وفي فعلها حسن نظر ~~واحتياط، وجميل حزم واحتراز، وسمعوا في القرآن ذكرها، واعترفوا أن النبي ~~(صلى الله عليه وآله) أمر بها، وحث عليها، ورغب فيها، ودعا إليها. ورووا ~~(3) عنه (صلى الله عليه وآله) أخبارا من جملتها [قوله عليه الصلاة ~~والسلام]: " لا ينبغي لامرئ مسلم أن يبيت ليلتين إلا ووصيته [مكتوبة عنده " ~~(4). # وفي خبر آخر: " إلا ووصيته] تحت رأسه " (5). # PageV00P033 # ثم ادعوا مع ذلك أنه (صلى الله عليه وآله) مضى [من الدنيا] ولم يوص إلى ~~أحد. [هذا] وقد كان يرعى أمته (1) ويسوسهم، ويقوم بشأنهم، ويدبر أمورهم، ~~كما يسوس الرجل أطفاله، ويرعى أهله وعياله، ومنهم الضعفاء والأيتام، ~~والعجائز والأطفال، الذين حاجتهم إلى سياسته، وحسن نظره ورعايته، أشد من ~~حاجة الولد إلى والده، والعبد إلى سيده. # ثم إنه (صلى الله عليه وآله) خلف مع ذلك أهلا وأولادا، وأقارب وأزواجا، ~~وأشياء يتنازع أهله وغيرهم [فيها] وأملاكا، وكان له حق في الخمس يحب أن ~~يصرف إلى مستحقيه (2) [وغيرهم]، وكان عليه دين يتعين وفاءه عنه لأهله (3)، ~~وعنده ودائع يلزم ردها إلى أربابها، وقد وعد جماعة بعدات يجب أن تقضى عنه ms02 ~~بعده (4)، ولا يقضيها إلا وصيه، فنسبوه إلى تضييع ما حث على حفظه، والتفريط ~~فيما أمر بالاحتياط في بابه، والزهد فيما رغب فيه أمته، وحاشا له من ذلك، ~~بل كان (صلى الله عليه وآله) أفعل الخلق فيما (5) دعا إليه، وأسرع الناس ~~إلى فعل ما رغب فيه، وأسبق العالمين إلى كل فضل، وأولاهم بشرائف الفعل. # ومن عجيب أمرهم: أنهم إذا طرقتهم الحجج الجلية في أن رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) لم يمض من الدنيا إلا عن وصية، وأنه أوصى [إلى] أمير المؤمنين ~~[علي بن أبي طالب] (عليه السلام) دون سائر الأمة، وسمعوا تمدح أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) بذلك في كلامه وحجاجه لخصومه، وذكره [له] في خطبه ~~على منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، واحتجاج # PageV00P034 # أهل بيته (عليهم السلام) وشيعته من الأنصار بذلك في فضله، وما نظمه ~~الشعراء فيه، وسارت [الركبان به]، مثل قول خزيمة بن ثابت ذي الشهادتين (رضي ~~الله عنه) في أبيات يذكر فيها فضله [حيث يقول]: # وصي رسول الله من دون أهله * وفارسه مذ كان في سالف الزمن (1) وقوله حين ~~بلغه عن عائشة كلام تعيب فيه أمير المؤمنين (عليه السلام): # أعائش خلي عن علي وعيبه (2) * بما ليس فيه إنما أنت والده وصي رسول الله ~~من دون أهله * وأنت على ما كان من ذاك شاهده (3) وقول عبد الله بن أبي ~~سفيان بن الحارث بن عبد المطلب (رحمه الله): # وإن (4) ولي الأمر بعد محمد * علي وفي كل المواطن صاحبه وصي رسول الله ~~حقا وصهره * وأول من صلى ومن لان جانبه (5) وقول عبد الرحمن بن حنبل (6) ~~الجمحي لما بايع أمير المؤمنين (عليه السلام): # لعمري لقد بايعتم ذا حفيظة * على الدين معروف العفاف موفقا (7) # PageV00P035 # عفيفا عن الفحشاء أبيض ماجدا * صدوقا وللمختار (1) قدما مصدقا أبا حسن ~~فارضوا به وتبايعوا * فلن (2) تجدوا فيه لذي العيب منطقا علي وصي المصطفى ~~وابن عمه (3) * وأول من صلى لذي العرش واتقى (4) وقول (5) زفر بن زيد (6) ~~الأسدي: # فحوطوا عليا وانصروه فإنه * وصي وفي الإسلام أول أول (7) وإن تخذلوه ~~والحوادث ms03 جمة * فليس لكم في الأرض من متحول (8) ونحو ذلك من الأقوال التي ~~يطول بذكرها الكلام. # قالوا عند ذلك (9): # لسنا نجحد أن عليا (عليه السلام) وصي رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ~~ولا ننكر ما قد اشتهر من شهادة القوم بوصيته، ولكن النبي (صلى الله عليه ~~وآله) إنما أوصى [إليه] بما كان [له] في # PageV00P036 # يديه (1) ويمتلكه ويحويه، ولم يوص إليه بأمر الأمة كلها، ولا تعدت وصيته ~~إليه أمور تركته وأهله إلى غيرها، ثم [إنهم] يدعون بعد هذا (2) أن جميع ما ~~خلفه صدقة، وأنه لا يورث كما يورث سواه (3) من الأمة، وأن (4) فدكا ~~والعوالي صدقة ينظر فيها الخليفة الذي (5) تختاره الأمة، ولا يجوز أن تقبل ~~فيها شهادة من تثبت (6) له الوصية، فليت شعري بماذا أوصى إذا كان جميع ما ~~خلفه صدقة، ولم يكن أوصى (7) بحفظ الشريعة والقيام بأمر الأمة؟ فإن هذا مما ~~يتحير فيه ذو البصيرة، والخبرة والمعرفة (8). # PageV00P037 # الفصل الثاني في أغلاطهم في النص ومن عجيب أمرهم: قولهم: إن رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) كان إذا خرج من (1) المدينة استخلف عليها وعلى من ~~[كان] فيها من يقوم بمصالحهم [بنهضته]، ويسير فيهم بعده بسيرته، إشفاقا من ~~إهمالهم، وفرقا من فساد أحوالهم، وكراهة لاضطرابهم وتشتتهم (2)، وإيثارا ~~لانتظام أمرهم ومصلحتهم، وإنما أهلها [بعض] من قلد القيام بأمره، وأمر بحسن ~~النظر [له] في سياسته وتدبيره، هذا مع قرب المسافة بينه وبينهم، وسرعة عوده ~~إليهم، ثم إنه عند خروجه من الدنيا بوفاته، وانقطاعه عن جميع أمته بفقده، ~~وطمع أهل الكفر والنفاق فيهم، وتطلعهم إلى اختلاف كلمتهم، وتشتت شملهم، ~~أهمل أمرهم، وترك الاستخلاف فيهم [، وحرمهم الألطاف] بالرئاسة عليهم، ولم ~~يحسن النظر لهم بمتقدم يخلفه فيهم! # فأمعن (3) النظر في حياته في الأمر الصغير، وحرسه من التفريط، وأهمله بعد # PageV00P038 # وفاته في (1) الأمر الكبير، والخطب الخطير (2)، وعرضه للتضييع، إن هذا ~~[لهو] العجب العجيب، والأمر معكوس عند كل حصيف (3) ولبيب! # ومن عجيب أمرهم: [قولهم:] (4) أن النص على علي بن أبي طالب (عليه السلام) ~~[بالإمامة] لو كان صحيحا لاحتج به على القوم ms04 بعد النبي (صلى الله عليه ~~وآله)، أو احتج به (5) غيره، ولم يجز أن يهمل [هذا] الأمر، حتى لا يدور ~~بينهم (6) في الذكر، ويقولون: إنهم [لو] كانوا ذكروه، وخاضوا فيه وتحاوروه، ~~لنقل إلينا ما جرى، ولم يجز أن يخفى، كما [نقل ما] جرى بين المهاجرين ~~والأنصار من المحاورة في الكلام، وما احتجت به قريش في استحقاقها [في] ~~المقام، وفي خلو النقل من ذلك دليل على أن القوم لم يتفوهوا به، وهذا شاهد ~~فيما زعموا ببطلانه. # فإذا قيل لهم: فمن (7) الذي منع القوم من تقديم الفاضل ونصبه رئيسا ~~للعالم؟ # ادعوا أن الجماعة علمت علة - بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) - منعت ~~تقديمه، وأوجبت تأخيره، ولم ينطق بها ناطق، ولا تكلم فيها (8) متكلم، ولا ~~ظهرت من قلب على لسان، ولا لفظ بها إنسان، ولا ذكر خوضهم فيها ذاكر، ولا ~~أخبر بمفاوضتهم فيها مخبر، ولا ادعى محاورتهم فيها بشر، ولا اخترع في ذكرهم ~~(9) لها خبر، # PageV00P039 # وهذه مناقضة قبيحة، ومباهتة صريحة [، وعكس لأحكام العقول، وقلب للعادات ~~عند ذوي التحصيل]. # ومن عجيب أمرهم: اعتمادهم في إنكار النص على أمير المؤمنين (عليه السلام) ~~[على] أنه لو كان حقا قد أعلن به على رؤوس الأشهاد، ولنقله الخاص [منهم] ~~والعام، ولم يقع [فيه] بين الأمة اختلاف، وقولهم: [إن] وجود الاختلاف [فيه] ~~دلالة على أنه لم ينص عليه. # هذا مع علمهم بأن النبي (صلى الله عليه وآله) نص على عبادات كثيرة ~~وأظهرها، وأعلمها أمته وشهرها، ثم اختلفت الأمة فيها، ولم تتفق عليها. # ومن ذلك الوضوء الذي عرفهم كيفيته وشرحه، وكرر فعله بحضرتهم وأوضحه، وهو ~~فرض عام لجميعهم، يترادف وجوبه عليهم، ويتكرر فعله منهم، فلم يتفقوا عليه، ~~ولا صدق بعضهم بعضا فيما يروونه (1)، فمنهم من مسح أذنيه، ومنهم من أنكر ~~ذلك وبدع فاعليه، ومنهم من مسح بعض رأسه، ومنهم من مسح جميعه، ومنهم من مسح ~~رجليه، فقال: لا يجوز غير غسلهما، ومنهم من يروي أن الفرض غسلها، ومنهم من ~~مسح على خفيه، ومنهم من أنكر ذلك وضلل، وكل ذلك ينسب ms05 قوله وفعله إلى رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله). # ومن ذلك الأذان على اشتهاره بين الناس، وسماعهم له في اليوم والليلة خمس ~~دفعات، ينادي بهم للصلاة وهم فيه وفي الإمامة على غاية الاختلاف، بين زيادة ~~ونقصان وتبديع بعضهم بعضا في الخلاف. # ومن ذلك أحكام الصلاة التي نص لهم على جملتها وتفاصيلها، وعلمهم بالقول ~~والفعل وكيفيتها، وكان يصلي بهم حضرا وسفرا فلم يتفقوا فيها، # PageV00P040 # فقال بعضهم: يرفع يديه مع كل تكبيرة، وقال آخرون: إنما رفعها في تكبيرة ~~الافتتاح، وقال بعضهم: جهر به ببسم الله الرحمن الرحيم، وقال آخرون: لم ~~يجهر بها، وقال قوم: كبر على الميت أربعا، وقال قوم: خمسا. # ونحو ذلك من العبادات التي قد نص عليها، وشهر أمرها، فلم يتفقوا فيها، ~~ويعلمون أنه (صلى الله عليه وآله) قد حج حجة الوداع، وأعلن بما فعله فيها ~~على رؤوس أشهاد الناس، فلم يتفقوا على صفة حجه، ولا صدق بعضهم بعضا في ~~كيفية فعله، فمنهم من يقول: أفرد، ومنهم من يقول: قرن، ومنهم من يقول: ~~تمتع، وقد قطع بحضرتهم السارق، ورأوا ما فعل ذلك بعد أن نص لهم على حكم ~~القطع نصا قطع به العذر، فلم يتفقوا على مقدار ما يقطع من اليد حتى أن منهم ~~من يقول: يقطع من أصول الأصابع، ومنهم من يقول: من الزند، ومنهم من يروي: ~~من المرفق، ويروي قوم: من الكتف. # وغير ذلك من الخلف الذي يطول به الوصف، مما ليس يلحقه في نقله ما يلحقهم ~~في نقل النص على الإمام، المتقدم على الأنام، لما فيه من التكلف والمشقة، ~~للشوق إلى نيل الرئاسة على الأمة. # فمن العجب أن يكون الاختلاف في جميع ما ذكرناه من هذه العبادات ليس ~~بدلالة على أنه لم ينص عليها ويكون الاختلاف في النص على الإمام دلالة على ~~أنه لم ينص عليه، وهل هذا إلا تجاهل من الخصوم!؟ # ومن عجيب أمرهم، وظاهر مناقضتهم: قولهم: إن رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) لو كان نص بالإمامة على رجل بعينه، وشهر بين الأمة شخصه، وأمرهم ms06 ~~بطاعته، لم يقع من الصحابة بعد وفاته خلاف أمره، ولا استجازوا مع تقدمهم ~~وفضلهم أن يؤخروا من قدمه، ويعملوا برأيهم الذي يلوح لهم، ويتركوا رأيه، ~~ولا يجوز أن يحدثوا أمرا PageV00P041 # يقتضي ترك امتثال أوامره. # فإذا قيل لهم: أفلستم مجمعين على أنه (صلى الله عليه وآله) عند وفاته نص ~~على أمارة أسامة بن زيد، وقدمه وعقده على طائفة من وجوه الصحابة، وفرض ~~عليهم طاعته، وأمرهم بالتوجه معه إلى حيث بعثه، وأكد أمره، وحث على تنفيذه، ~~ونادى دفعة بعد دفعة: " أنفذوا جيش أسامة " (1)، ولعن المتخلفين عنه وفيهم ~~أبو بكر وعمر، فلم استدركوا رأيه؟ # قالوا: حدث أمر اقتضى ذلك، وبحدوث أحوال علمها الحاضرون، وهذه مناقضة من ~~غلب عقله العصبية! # ومن العجب: استبعادهم مخالفة أكثر الأمة بعد رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) ما أوجبه عليهم من طاعة أمير المؤمنين (عليه السلام)، وترك اتباع من ~~نصبه قدوة للأنام، مع علمهم بخلاف جميع قوم موسى أخاه هارون، واقتدائهم ~~بسواه، وعبادتهم العجل من دون الله، وهارون بينهم يذكرهم الله ويخوفهم، هذا ~~مع ميل أولئك إلى هارون، ونفور هؤلاء من أمير المؤمنين (عليه السلام)، وأن ~~أولئك خالفوا دليل العقل الذي لا يحتمل التأويل، وهؤلاء خالفوا دليل النص ~~إلى ضرب من التأويل، فما هذا الاستبعاد لولا العصبية والعناد! # ومن عجيب أمرهم: أنهم إذا سمعوا الشيعة تحتج في صحة النص الجلي على # PageV00P042 # أمير المؤمنين (عليه السلام) بالتواتر الذي نقله الخلف منهم عن السلف، ~~استضعفوا هذه الطريقة، ودفعوا أن تكون دلالة، وبمثلها احتج المسلمون في ~~تثبيت معجزات النبي (صلى الله عليه وآله)، والتحدي بكتاب الله سبحانه، ~~ويزعمون أن هذا النص لو كان حقا، وقد ورد متواترا، لعلمت صحته ضرورة، وهذا ~~بعينه قول الكفار في إنكار التحدي والمعجزات التي ورد بذكرها متواتر ~~الأخبار، ويقولون: لو كان ما تدعون من النص حقا لنقله الكافة، وهم يعلمون ~~أن هذا قول من جحد الملة في إنكار ما كان لنبينا من معجز وآية، ويحيلون ~~جواز الكتمان على الكثرة مع معرفتهم بانتفاء طريق الكفار والملاحدة، ~~ويقولون: ms07 إنكم معاشر الشيعة وإن كنتم اليوم لاحقين بالمتواترين في الكثرة ~~فإنكم نقلتم في الأصل عن قلة، ولا يشكون في أن هذا قول الكفار لأهل الملة، ~~كل ذلك لقلة التأمل والنصفة، وعدم التوفيق والمعرفة. # ومن عجيب أمرهم: قولهم: كيف خص الله من تشيرون إليه بالنص بالإمامة، وما ~~سبب هذا التميز، وهل هو بفضل منحصر (١) أم استحقاق أوجبه؟ وينسون أن ذلك ~~عائد عليهم في الأنبياء وتقديم الله تعالى على الأنام، هذا مع ما يطرق ~~أسماعهم من قول الله سبحانه: ﴿والله يختص برحمته من يشاء﴾ (2). # ومن عجيب الأمور: أنهم يستصغرون الكلام في النص إذا رمنا إثباته، ~~ويستعظمونه إذا] (3) راموا بطلانه، فيقولون لمن يثبته: ما هذه العناية ~~المفرطة بهذا الأمر، وإنما هو مسألة فرع، والخلف فيها غير قادح في الأصل، ~~ولا موجب # PageV00P043 # لفسق (1) ولا كفر، وهي كسائر مسائل الفقه؟ وما الحاجة [إلى] النص على ~~إمام والأمة (2) تقيم لأنفسها من تشاء وتختار؟ ويستصغرون الكلام في النص ~~على هذا غاية الاستصغار، ويزهدون الأصاغر في الاطلاع عليه (3)، ويقللون ~~فائدته [عند المتشوق] إليه، حتى إذا تكلموا في إبطاله عظموا الأمر، وقحموا ~~(4) الخلف وقالوا: هذه المسألة قطب الشريعة، وأصل عظيم في الملة، ومن ~~خالفنا فيها فقد خرج عن الجماعة ودخل في [أهل] البدعة، ولهذا لا يعدون (5) ~~قول من أثبت النص خلافا بين الأمة، ويحذرون من [قبول] قول الشيعة، ويوهمون ~~المسترشدين أن (6) القول بالنص قدح في الشريعة، كل ذلك قلة ديانة، وكثرة ~~خيانة، وبرهان عصبية، ودليل ألف للباطل [وحمية]. # PageV00P044 # الفصل الثالث في (١) أغلاطهم في الاختيار ومن عجيب أمرهم: اعترافهم بأن ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان مشفقا على (٢) أمته، رؤوفا بمعتقدي (٣) ~~شريعته، مجتهدا في مصالحهم، حريصا على منافعهم، لا يقف في ذلك دون غاية، ~~ولا يقصر عن نهاية، وبهذا وصفه الله تعالى في كتابه حيث يقول جل اسمه: ~~[أعوذ بالله من الشيطان الرجيم] ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم ~~حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم﴾ ms08 (4)، ثم يزعمون أنه مع ذلك مضى من ~~الدنيا ولم يختر لأمته [إماما]، ولا استخلف عليهم (5) رئيسا، وعول عليهم في ~~اختيار الإمام، وتقديمه على الأنام، مع علمه بأن اختيارهم لا يبلغ اختياره، ~~ورأيهم لا يلحق رأيه، إذ كان أبصر [منهم] # PageV00P045 # بمصالحهم، وأعلم بعواقبهم، وأعرف بمن ينتظم به أمرهم، وينصلح بإقامته ~~شأنهم، فنسبوه (1) (صلى الله عليه وآله) إلى أنه حرمهم اختياره المقرون ~~بالصواب، واقتصر بهم على اختيارهم الذي لا يؤمن معه [من] الفساد، وقد نزهه ~~الله تعالى عن هذه (2) الحال، ورفعه عما يدعيه [أهل] الضلال. # ومن عجيب أمرهم: أنهم يعترفون بأن النبي (صلى الله عليه وآله) لم يرد قط ~~إلى أمته، ولا إلى أحد منها في حياته اختيار الرؤساء، ولا تأمير الأمراء، ~~وأنه كان المتولي بنفسه استخلاف من يستخلفه، وتأمير من يؤمره على مدينته ~~ورعاياه، وجيوشه وسراياه، حتى أنفذ سريته إلى مؤتة (3) قدم جعفرا (رضي الله ~~عنه) وقال للناس: " إن أصيب فأميركم زيد بن حارثة، وإن (4) أصيب فأميركم ~~عبد الله بن رواحة " (5)، من غير أن رد إليهم الاختيار، ولا كلفهم ولا أحدا ~~منهم هذه الحال، ثم يدعون مع هذا أنه وكل إليهم عند مفارقته لهم بالوفاة ~~اختيار الإمام، وإقامة رئيس للأنام، وكلفهم من ذلك بعد وفاته ما لم ~~يكلفهموه في أيام حياته، وهو لو امتحنهم في أيامه فزلوا، و [لو] كلفهموه ~~فغلطوا، كان يتدارك فارطهم بيمنه، ويصلح ما أفسدوه ببركته ورأيه، وليس (6) ~~كذلك من بعده لأنهم لو غلطوا بتقديم من يجب تأخيره وتأخير # PageV00P046 # من يجب تقديمه لم يجدوا من يتلافى فارطهم، ويتدارك زللهم، ويصرف عنهم (1) ~~من قد ملكوه أمرهم، وعظم به ضررهم. # ومن عجيب أمرهم: أنهم يعترفون بأن الأمة ليس لها أن تمضي حكما، ولا تقيم ~~على أحد حدا، ولا تنفذ جيشا، ويزعمون أن لها أن تجعل هذه [الأمور] لأحدها، ~~وترد إليه [ما لم] يرد إليها، وتملكه من الشريعة أشياء لا تملكها، من غير ~~أن يأذن لها في ذلك مالكها، وهذا من أطرف الأمور وأعجبها! # ومن عجيب أمرهم: أنهم فيما ذهبوا إليه ms09 من الاختيار قد أجازوا إهمال أمر ~~[هذه] الأمة إلى أن يختار علماؤها واحدا، مع أنه (2) لو اختار أهل مدن ~~مختلفة عدة أئمة وجب عندهم أن يقف أمرهم إلى أن ينظروا من الأولى منهم ~~فيقدموه، ويبطلوا إمامة من سواه ويسقطوه، فإن كان قد عقد لهم في وقت واحد ~~سقطت إمامتهم [كلهم، فأباحوا بهذا ترك الناس في هذه] المهلة (3) بغير إمام، ~~وربما تراخت وطالت واضطرب فيها أمر الأمة، وضاعت وحدثت أمور لا مدبر لها، ~~وتولدت مضارا عامة لا مصلح لفاسدها. # وقيل لهم على (4) هذا الرأي: لم لا يصبر (5) أصحاب السقيفة عن المبادرة ~~بالعقد لإمام، والمسارعة التي انفردوا بها عن الأنام ريثما يفرغ بنو هاشم ~~من تجهيز رسول الله (صلى الله عليه وآله) (6) ومواراته، وقضاء مفترض حقه في ~~مراعاته، حتى إذا # PageV00P047 # انتجزت هذه الحال حضروا معهم العقد فشاركوهم في الرأي والأمر، فإنهم إن ~~لم يكونوا أخص بهذا الأمر [منهم] فهم فيه شركاءهم، ونصيبهم منه على أقل ~~الوجوه نصيبهم، فقالوا: إنما فعلوا ذلك مبادرة بالأمر الذي يخشى فواته، ~~ويخاف المضرة بتأخيره، مع العلم العام بأنهم ما اضطروا في ذلك الوقت إلى ~~هذا البدار، ولم تختلف الكلمة لولا ما فعلوه اختلافا يعظم به المضار، ولا ~~قصدهم من الأعداء قاصد، ولا أحاط بهم عدو معاند، فما هذه العجلة والبدار، ~~مع ما حكيناه عنهم في شرائط الاختيار، لولا أن القوم اغتنموا الفرصة ~~فانتهزوها، وبادروا المكنة فاختلسوها، وإن مصوبتهم ناقضوا فعلهم، وناصريهم ~~(1) أوضحوا زللهم [، مع أن رأيهم في الاختيار وما ساقهم إليه أحكام التقية ~~في هذا الزمان المخلة بنصبة الإمام، قد أداهم إلى إهمال أمر الأمة وتركهم ~~بغير إمام]. # ومن عجيب أمرهم: قولهم: إن اختيار الأمة إلى العلماء، وأن الجماعة [التي] ~~تختارهم [من] (2) الذين لا يغلطون في اختيارهم [ولا يخطئون في أخبارهم]، ~~ويعلمون مع هذا أن أبا بكر اختاره أبو عبيدة [بن الجراح وعمر بن الخطاب]، ~~وأن عمر اختاره أبو بكر، وأن عثمان اختاره عبد الرحمن (3)، وليس فيهم من ~~حصل [في اختياره] الشرط الذي ذكروا. # PageV00P048 # الفصل الرابع [في ms10 أغلاطهم في اختيار أبي بكر] ومن عجيب أمرهم: أنهم قصدوا ~~إلى رجل أمر الله بتأخيره، ولم يره أهلا للنيابة عن رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) في تأدية تسع آيات من سورة براءة إلى أهل مكة، وهم بعض الأمة، ~~[هذا] ورسول الله (صلى الله عليه وآله) حي موجود مع قوله (صلى الله عليه ~~وآله): " المؤمنون أكفاء تتساوى دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ويجير عليهم ~~أقصاهم، وهم يد على من سواهم " (1)، فلا يراه الله تعالى مع ذلك أهلا ~~لتأدية ذمة، ولا منفذ الأمر فيه مصلحة للأمة، وعزله عن جيش ظهر فيه [غوله ~~و] عجزه، ومنعه من سكنى (2) المسجد وسد بابه، وأخره عن الصلاة التي قدمه ~~بلال إليها بأمر عائشة ابنته، فقدموه بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~رئيسا على جميع أمته، وردوا إليه أحكام ملته، حيث يكون [تتميم] تنفيذ الأمم ~~في يديه، وإقامة حدود الشريعة مردودة كلها إليه، ويكون القائم مقام خير خلق ~~الله محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله) والمنفذ لشرعه، إن هذا لشئ عجيب، ~~يحار فيه عقل [الحازم] اللبيب! # PageV00P049 # ومن عجيب أمرهم: اعتقادهم أن النبي (صلى الله عليه وآله) أمر الناس بأن ~~يختاروا لأنفسهم إذا اجتمعوا إماما للصلاة، ويروون عنه أنه قال: " اختاروا ~~أئمتكم فإنهم وفدكم (1) إلى الله عز وجل " (2). # وقال: " يؤمكم أقرؤكم " (3). # وفي خبر آخر: قالوا له: فإن كانوا في القراءة سواء؟ قال: " فأفقههم (4) ~~وصاحب المسجد أولى بمسجده " (5). # ثم يروون مع ذلك أن من الواجب تقديم أبي بكر على أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) إماما، ويعتقدون أنه أولى منه بالتقديم على الناس في الصلاة مع ~~علمهم بأن أبا بكر لم يكن حافظا لكتاب الله وأن أمير المؤمنين كان حافظا ~~[له] بغير خلاف، ولم يكن أبو بكر فقيها وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) ~~أفقه منه ومن جميع الأمة بغير خلاف، ومع علمهم بأن رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) سد جميع (6) أبواب الصحابة التي كانت إلى المسجد (7) حتى سد باب ~~عمه العباس (رحمه الله) وترك باب علي (عليه السلام)، ms11 وقال: " إن الله تعالى ~~أمر # PageV00P050 # موسى بن عمران أن يتخذ بيتا طهرا لا يجنب فيه إلا هو (1) وهارون وابناه ~~شبر وشبير، وأنه أمرني [أن] أتخذ بيتا طهرا لا يجنب فيه إلا أنا وعلي ~~وابناه الحسن والحسين (عليهم السلام) " (2)، فاجتمعت الخصال الموجبة لتقدم ~~أمير المؤمنين (عليه السلام) إماما في الصلاة، فلم يختاروه (3)، وكان ~~الصواب عندهم أن يؤخروه، وعدمها كلها أبو بكر فاختاروه وقدموه، إن هذا لهو ~~الرأي المعكوس! # ومن العجب: أن يردوا الأمر والنهي والحل والعقد وتنفيذ أحكام الشرع (4) ~~وإقامة الحدود في الخلق إلى من [قد] عرفوا ضعف فهمه، وعدم فقهه وعلمه، ~~وفساد حفظه، وقلة تيقظه، ومن يقر بذلك على نفسه، ويعترف بكثرة زلله وخلله ~~وقلة علمه، وبقوله (5) على رؤوس الأشهاد: " وليتكم ولست بخيركم، فإن استقمت ~~فاتبعوني، وإن اعوججت فقوموني، فإن لي شيطانا يعتريني عند غضبي، فإذا ~~رأيتموني مغضبا فتجنبوني، لا أوثر في أشعاركم و [لا] أبشاركم " (6)، ثم ~~يسأل عن الكلالة، فلا يعلمها، وعن الأب فلا يفهمه، والفقه فلا يخبره، ~~والقرآن فلم يكن يحفظه، والشجاعة ففي معزل عنها، والرئاسة فليس من أهلها، ~~ومن إذا كشفت أحواله، وتتبعت أفعاله، وجدت (7) ما ذكرناه بعض صفاته، فيقدم ~~على الكافة، وتجعل يده منبسطة على جميع أهل القبلة، ويقال # PageV00P051 # [له]: أنت خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ويؤخرون من قد عرفوا ~~فائض فضله وكماله، وعظم علمه (1)، وتقدم سبقه في جهاده ونصرته، وحسن أثره، ~~وشريف أهله (2)، ومشتهر زهده، وباهر آياته، وبديع بيناته، ومن هو قيم رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) وأخوه، بل القائم مقام نفسه، حسب ما شهد به كتاب ~~الله تعالى، ومن هو أحب الخلق إلى الله تعالى، ومن افتقرت إليه الكافة ولم ~~يفتقر [هو] إلى أحد من الأمة، فيجعل هذا رعية مؤخرا تابعا للناقص في خلال ~~الخير كلها! # إن هذا رأي عجيب، واختيار طريف (3)، وفيه تقول فاطمة البتول، ابنة السيد ~~الرسول (صلى الله عليه وآله): " وإن تعجب (4) فقد أعجبك الحادث، في أي طريق ~~سلكوا؟ وبأي عروة تمسكوا؟ استبدلوا والله الذنابي بالقوادم (5)، والعجز ~~بالكاهل، ms12 فقبحا لقوم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، ألا إنهم هم الأخسرون ولكن ~~لا يعلمون " (6). # ومن العجب: أن يجتمعوا في السقيفة (7) لطلب الخلافة فتحتج الأنصار بأنها ~~[هي التي] تستحقها بنصرتها للنبي (صلى الله عليه وآله)، ويحتج المهاجرون ~~بقربهم منه، وليس فيهم من يذكر أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي لم يلحقه ~~الأنصار في نصرته، ولا تدانيه قريش في قرابته (8)! # PageV00P052 # ومن العجب (1): قول قريش: إن الخلافة لا تكون إلا حيث كانت النبوة (2)، ~~وإنما يستحقها بذلك، لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) من قريش، ولم ~~يعلمها (3) أحد [من الأنصار] في الحال، إن بني هاشم أولى منكم بها على هذه ~~الحجة، لأن النبي (صلى الله عليه وآله) من بني هاشم، لكن صرفهم [عن] أن ~~يحاجوهم بهذا اتفاق [جميع] من حضر السقيفة على صرف الأمر عن أهله ومنعه عن ~~(4) مستحقه. # وقد روي أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال في كلام له أنفذه إلى ~~معاوية: " فما راعني إلا والأنصار قد اجتمعت، فمضى إليهم أبو بكر فيمن تبعه ~~من المهاجرين (5) فحاجهم بقرب قريش من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فإن ~~(6) كانت حجته عليهم بذلك ثابتة فقد كنت أنا [إذا] أحق بها من جماعتهم، ~~لأني أقربهم منه وأمسهم به رحما، وإن لم يجب لي بذلك فالأنصار على حجتهم ~~(7) " (8). # وروي عنه (عليه السلام) أنه قال: # فإن كنت بالشورى ملكت أمورهم * فكيف بهذا والمشيرون غيب # PageV00P053 # وإن كنت بالقربى حججت خصيمهم * فغيرك أولى بالنبي وأقرب (1) وقيل (2): ~~إنه قول [قيس بن] سعد [، وإنما تمثل به أمير المؤمنين (عليه السلام). # وقد أخذ الكميت (رحمه الله) هذا المعنى فقال: # فإن هي لم تصلح لخلق سواهم * فإن ذوي القربى أحق وأوجب (3)] وحفظ عنه ~~(عليه السلام) أنه قال في احتجاجهم أيضا لصحبته النبي (صلى الله عليه وآله) ~~(4): " واعجباه! # أتكون الخلافة بالصحابة ولا تكون بالقرابة " (5)؟ ولسنا نرى على جميع ~~الأمور أحدا هو أولى بها من المغضب (6) المهجور. # والعجب كله لقوم رأوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد ولى عمرو بن ~~العاص وأسامة بن زيد على أبي ms13 بكر ثم يولونه على أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) والعباس (رضي الله عنه). # ومن عجيب أمرهم: دعواهم أن إمامة أبي بكر ثبتت عن إذن (7) من أهل الحل ~~والعقد، وتأمل واختيار، هذا مع سماعهم قول عمر بن الخطاب: " كانت بيعة أبي ~~بكر فلتة وقى الله المسلمين (8) شرها، فمن عاد إلى مثلها (9) # PageV00P054 # فاقتلوه " (1)، فشهد بأنها (2) كانت قد وقعت بغتة من غير روية، وحصلت ~~فجأة عن عجلة من غير مشورة، وفي هذا غاية الذم [لها]، والتكذيب لهم فيما ~~ادعوه فيها مع التهديد (3) بسفك دم من عاد إلى مثلها، وليس يشك عاقل في أن ~~الفلتة التي هي العجلة والبدار تضاد ما يدعون من التأمل والاختيار. # ومن عجيب أمرهم: دعواهم أن الأمة اجتمعت على إمامة أبي بكر مع علمهم بقلة ~~عدد العاقد (4) لها، وتأخر من تأخر عنها، وإنكار المنكرين لها، والخلف ~~الواقع فيها في حال السقيفة وبعدها، فيقولون: # إن من خالف من الأنصار، وتأخر من بني هاشم الأخيار، مع وجوه الصحابة ~~وأعيانهم، وبني حنيف بأسرهم، وما ظهر من إنكارهم أمارته (5)، وخلافهم كلهم ~~شذاذ لا يخرقون الإجماع، [ثم ينكرون أن يكون الإجماع] حصل على حصار عثمان ~~وخلعه (6)، وتكفيره وقتله، ولم يكن بالمدينة من أهلها ولا ممن كان بها من ~~أهل مصر وغيرهم إلا محارب أو خاذل، ولم يحفظ في الإنكار عليهم قول لقائل. ~~ويدعون أنه وعبيده المحاصرين معه في الدار ومروان ابن عمه قادحون في ~~الإجماع. هذا، وقد رام قوم من بني أمية أن يصلوا عليه فلم يتمكنوا، وهموا ~~أن يدفنوه في مقابر المسلمين، فلم يتركوا حتى مضوا [به] إلى # PageV00P055 # حش كوكب (1) وهو بستان بقرب البقيع، ثم أتوا [به] ليحتزوا (2) رأسه فصاح ~~نسوة من أهله [وضربن وجوههن] فتركوه، وداسه عمير بن ضابئ فكسر ضلعا من ~~أضلاعه، وبقي مكانه مرميا (3) ثلاثة أيام لم يستعظم [ذلك] في بابه مستعظم، ~~ولا أنكره منكر، ومن تأمل هذه (4) الحال علم أنها أحق وأولى بالإجماع (5). # PageV00P056 # [الفصل الخامس في أغلاطهم في الإمام] فمن عجيب أمرهم: أنهم قصدوا إلى من ~~رد إليه النبي (صلى الله ms14 عليه وآله) جيشا فلم يحسن أن يدبره ورجع منهزما ~~[فارا] فيجعلونه إمام الأنام، ويردون إليه تدبير الجيوش العظام، ويصيرونه ~~قبة (1) للإسلام، وسندا في الأمور الجسام، إن هذا لضد الصواب! # PageV00P057 # الفصل السادس في أغلاطهم (1) في علم الإمام فمن عجيب أمرهم: [قولهم:] إن ~~الإمام قدوة في الشريعة مع جواز جهله ببعضها، ولا يجيزون أن يكون [قدوة] ~~فيها مع جهله بجميعها، وقولهم إنه يرجع في البعض الذي لا يعلمه إلى الأمة، ~~ولا يجيزون أن يرجع في الكل إذا لم يعلمه إلى أحد من الأمة، ولسنا نجد فرقا ~~بين حاجته إلى رعيته في بعض [ما] لا يعلمه، وبين حاجته إليهم في كل [ما] لا ~~يعلمه. # بل من العجب: أن يكون الإمام محتاجا إلى من هو محتاج (2) إليه، مقتديا ~~برعية يقتدون به، لأن هذا عند العقلاء من المناقضة القبيحة. # ومن عجيب أمرهم: أنهم يروون عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: " ما ~~ولت أمة قط أمرها رجلا (3) وفيهم [من هو] أعلم منه إلا لم يزل أمرهم يذهب ~~سفالا (4)، # PageV00P058 # حتى (1) يرجعوا إلى ما تركوا " (2)، ثم يروون مع ذلك أن يتولى الأمر ~~العاجز الناقص، ويتقدم الجاهل على العالم. # ويروون عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: " من تولى شيئا من أمور ~~المسلمين فولى رجلا شيئا من أمورهم وهو يعلم مكان رجل هو أعلم منه فقد خان ~~الله ورسوله والمؤمنين " (3)، ثم إنهم يعلمون مع ذلك أن أبا بكر وعمر لم ~~يوليا في أيامهما عليا (عليه السلام) [شيئا] مع معرفتهما بكمال علمه (4)، ~~ويقدمان الجهال في الولايات عليه، ولا يستدلون بذلك على خيانتهما لله ~~ولرسوله [وللمؤمنين]، ولا يكتفون به في العلم ببغضهما له (عليه السلام)، ~~وليس يخفى على العاقل [أنهما] إن كانا رغبا عن ولايته فقد خانا الله ~~ورسوله، وإن كان هو الراغب عن أن يتولى من قبلهما فكفى بذلك طعنا عليهما. # ومن عجيب أمرهم: قولهم: إن علوم الشريعة [معروفة و] مفترقة في الأمة، ~~وأنها قد أحاطت بها، وهي الملجأ والمفزع فيها مع ما يدعون من عصمتها، ~~ويستعظمون ms15 قولنا: إن الإمام هو المحيط بها والعالم بجميعها، والملجأ ~~والمفزع فيها [إليه]، وهو المسدد المعصوم دونها، ويظلون من قولنا متعجبين، ~~ويقيمون # PageV00P059 # أنفسهم في ذلك مقام المشركين، الذين قالوا فيما تضمنه الذكر المبين: ﴿أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشئ ~~عجاب﴾ (١)، [وقولهم: ﴿أأنزل عليه الذكر ~~من بيننا بل هم في شك من ذكري بل لما يذوقوا عذاب﴾ (2)]، وقد أحسن من ~~قال: # وليس لله بمستنكر (3) * أن يجمع العالم في واحد (4) ومن العجب: أنهم مع ~~إنكارهم [كمال] علم الإمام، واستبعادهم تميزه في ذلك عن الأنام، وقولهم: لم ~~تجر العادة بمثل هذا في بشر مخلوق لا يوحى إليه، ويروون أن النبي (صلى الله ~~عليه وآله) قال: " خذوا ثلث دينكم عن عائشة، [لا] بل خذوا ثلثي دينكم عن ~~عائشة، لا بل خذوا دينكم كله عن عائشة " (5)، فيا عجبا كيف ثبت لعائشة هذا ~~الكمال الذي تميزت به عن الأنام، واستحال مثله في الإمام، الذي هو خليفة ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) (6) والحجة بعده على الخاص والعام! # بل من العجب (7): إنكارهم أن يكون خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~على أمته، والمنفذ بعده أحكام شريعته، حافظا لعلوم الشريعة، محيطا بأحكام ~~الملة، مستغنيا في ذلك عن الرعية، ويدعون أن شيخهم الجاحظ على سخافته ~~وخلاعته (8)، وقبيح فعله، ومشتهر فسقه، قد عرف كل علم، وصنف في كل فن من ~~فرع وأصل، # PageV00P060 # وجد (1) وهزل، وأنه لم يبق شئ من علوم الديانات، ومفهوم الرياضات، ورسوم ~~الأدبيات، إلا وقد خاض فيه، وعرف متصرفاته وعجائبه ومعايبه (2)، حتى إني لم ~~أر أحدا يقول إنه أحاط علما بأسماء تصنيفاته (3)، ولا علم مبلغ تأليفاته، ~~إن هذا لشئ عظيم (4)! # ومن عجيب أمرهم: أنهم يسمعون قول النبي (صلى الله عليه وآله) في علي ~~(عليه السلام): " أنا مدينة العلم وعلي بابها " (5)، وقوله (صلى الله عليه ~~وآله) [فيه]: " أقضاكم علي " (6)، وقوله [فيه]: # " علي مع الحق، والحق مع علي، اللهم أدر الحق [مع علي] حيثما دار " (7) ~~ويقطع ms16 أعذارهم الإجماع [على] فقر الصحابة إليه [بل وسؤالهم، لمن دونه، وهو ~~ابن عباس الذي كان عمر يفتقر إليه] في المسائل ويقول [له]: " غص يا غواص " ~~(8) مع اعتراف ابن عباس (رحمه الله) بأنه أخذ عن أمير المؤمنين (عليه ~~السلام)، [ومن قوله إذا ذكر عنده: ذاك حديث يأكل الأحاديث،] ثم إنهم يدعون ~~مع هذا كله أن أمير المؤمنين (عليه السلام) [لم] يعرف الحكم في عتق موالي ~~صفية عمته حيث نازعه الزبير بن العوام ورافعه إلى عمر بن الخطاب، حتى عرفه ~~عمر [الصواب]، وقال له: إن الزبير أحق [منه] بميراث من أعتقته صفية، فرجع ~~إلى قوله، ورضي بحكمه، # PageV00P061 # فكيف تصح هذه الدعوى، وأي عاقل يصدقها؟ وكيف يكون من هو باب [مدينة] ~~العلم يجهل الصواب في هذا الأمر؟ وكيف يكون من هو أقضى الأمة [لا يعرف ~~القضاء في هذه الحكومة؟ وكيف يطلب ما ليس له من تقول فيه النبي: # " علي مع الحق، والحق مع علي، اللهم أدر الحق مع علي حيثما دار "، وهو ~~القائل: " سلوني قبل أن تفقدوني، فإن بين ضلوعي علما جما " (1)، فكيف يهديه ~~إلى الصواب عمر بن الخطاب، وعمر يقول بغير خلاف لما رده أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) عن مواضع ظهر منه فيها الأغلاط: " لولا علي لهلك عمر " (2)؟ ~~وهل حكومة عمر # PageV00P062 # بضد قوله إلا دلالة على خطأ عمر في حكمه، وإن حكمه إنما مضى لتمكن عمر في ~~وقته، وتعذر خلاف أمير المؤمنين (عليه السلام) فيما حكم به؟ PageV00P063 # الفصل السابع في أغلاطهم في العصمة فمن عجيب أمرهم: أنهم ينكرون عصمة ~~الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) عن سائر الأنام، ويقولون: إن هذه العصمة ~~إن كانت منهم جاز أن تقع في غيرهم فيساويهم في منزلتهم، وإن كانت من الله ~~سبحانه فقد جبرهم واضطرهم ولم يستحقوا ثوابا على عصمتهم، وهم مع ذلك ~~معترفون بأن النبي (صلى الله عليه وآله) معصوم في التأدية والتبليغ، ومعصوم ~~عما سوى ذلك من جميع كبائر الذنوب في حال نبوته وقبلها، وأنها عصمة اختيار ~~يستحق عليها الجزاء، ولا يساويه أحد من أمته فيها! ms17 # ومن عجيب أمرهم: إنكارهم لعصمة الأئمة وقولهم إنها لا تقتضي الاختيار! # ومن العجب: قولهم: إن العصمة ثابتة لجميع الأمة، منتفية عن كل واحد منها، ~~مع علمهم بأن آحادهم جماعتها، وأنها إذا كانت مؤمنة بأجمعها كان الإيمان ~~حاصلا لآحادها، ولو كفر جميعها لكان الكفر حاصلا مع كل واحد منها، وقد قال ~~أحد المعتزلة يوما وقد سمع هذا الكلام فرق بين العصمة وما ذكرت من الكفر ~~والإيمان، وذلك أن ما ثبت لكل واحد منها فهو ثابت لجماعتها، وليس كلما ثبت ~~لجماعتها ثابت لكل واحد منها، فلذلك إذا آمن آحادها كان جميعها مؤمنين، ~~PageV00P064 # وإذا كفر آحادها كان جميعها كافرين، وليس إذا ثبت العصمة لجماعتها يكون ~~آحادها معصومين. # فقلت له: ما رأيت أعجب من أمرك وانصرافك عن مقتضى قضيتك إذا كان ما ثبت ~~لكل واحد من الأمة ثابتا لجميعها فقد ثبت عندي وعندك الحكم على كل واحد ~~منها بجواز الخطأ والنسيان وتعمد الغلط في الأفعال والأقوال، فاحكم بثبوت ~~ذلك لجميعها وأسقط ما ادعيت من عصمتها، فلم يدر ما يقول بعد هذا. # ومن عجيب أمرهم، وطريف رأيهم: قولهم: إن الأمة معصومة، وقولها حجة، وهي ~~مفتقرة مع ذلك إلى إمام، وإمامها غير معصوم، ولا قوله حجة، وليس هو مفتقر ~~إلى إمام، وهذا من أعجب الأقوال! # ومن عجيب المناقضة: أن يكون لها إمام ولا يكون ارتفاع العصمة عن الإمام ~~موجبا أن يكون له إمام، ولا يكون أيضا غناية عن الإمام يقتضي تميزه بالعصمة ~~عن الأنام، إنهم جعلوا حجتهم في عصمة الأمة وفي أن إجماعها صواب وحجة خبرا ~~نسبوه إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو أنه: " لا تجتمع أمتي على ~~ضلالة " (1) وهذا الخبر لا يمكنهم على أصلهم أن يدعوا فيه التواتر إذا كان ~~غير موجب لسامعيه على الضرورة بصحته، فهو لا محالة من أخبار الآحاد، فهم ~~إذا قد جعلوا دليل الدعوى بأن الأمة لا تجتمع على] (2) ضلال قول بعضها، ~~والحجة على عصمتها شهادة واحد (3) منها، ولم يعلموا أن الخلاف في قول ~~جميعها يتضمن الخلاف في قول ms18 # PageV00P065 # بعضها، والتخطئة لسائرها يدخل في التخطئة لواحدها (1)، وهل هم في ذلك إلا ~~كمن ادعى الحجة بإجماع عشرة من الناس على قول أو فعل وجعل دليله على ذلك ~~قول واحد من العشرة ولم يعلم أن المخالف له في الحجة بإجماع العشرة لم يصر ~~إلى ذلك إلا بعد المخالفة له فيمن دون العشرة، إذ لو سلم [له] الخصم قول ~~بعضها لم يصح خلافه له في قول جميعها، ولما رأوا أن خبرهم لا يصح كونه في ~~قسم المتواتر على أصلهم (2)، ولا ينصرف عن إضافته إلى أخبار الآحاد التي لا ~~تثبت بها حجة لدعواهم، اشتد غلطهم، وعظم زللهم، فأداهم إلى القول بأنهم ~~علموا صحته بالإجماع. وهذا من أعجب الأقوال! وهو في المناقضة لاحق في ~~الهذيان، لأن أصل الخلاف إنما هو في الإجماع وهل هو حجة أم لا؟ فكيف يكون ~~الإجماع دليلا لنفسه (3)، وبرهانا على ما يدعى من صوابه؟! ولو جاز هذا ~~لكانت الدعوى نفسها برهانا، والفتوى بعينها دليلا، وهذا ما لا يخفى فساده ~~على العقلاء. ومما يوضح غلطهم فيه أن الدليل على الشئ يعرف قبل معرفة الشئ، ~~فإذا كانوا لم يعلموا أن الإجماع حجة، وأن الأمة فيما تخبر به معصومة إلا ~~بالخبر [فقد وجب أن يكونوا عالمين بصحته قبل علمهم بأن الإجماع حجة، وأن ~~الأمة فيما تخبر به معصومة، وإذا كانوا لم يعلموا أن الخبر صحيح إلا ~~بالإجماع] فقد وجب أن يكونوا عالمين بأن الإجماع حجة قبل علمهم بصحة الخبر ~~فكيف يتقدم المؤخر (4) ويتأخر المقدم، وهل رؤي قط أعجب من هذا الأمر؟! # PageV00P066 # ومن عجيب أمرهم: أنهم لا يجيزون إمامة الفاسق ويجوزون أن يكون الإمام ~~[في] باطنه فاسقا، ويحتجون في نفي إمامة من ظهر فسقه بأنهم لا يأمنونه على ~~إقامة الحدود، ولا يثقون به في حفظ الأموال وصرفها في الواجبات، ثم [إنهم] ~~يأتمنون على هذه الأمور من يجوزون عليه الفسق والفجور وارتكاب كبائر الذنوب ~~ومن لا [يحيلون أن] يكون في باطن أمره على ضلال وكفر وإشراك! # ومن العجب العجيب: امتناعهم من إمامة من علموه فاسقا ms19 وتجويزهم أن يكون في ~~باطنه كافرا (1)، فلئن كان الفسق مانعا من تقديم الفاسق ليكونن تجويز الكفر ~~مانعا من [تقديم من] هو عليه جائز، لأن الكفر يشتمل على الفسق (2) وغيره، ~~ومن لم يفهم هذا فهو مريض الذهن، عار من المعرفة (3). # PageV00P067 # الفصل الثامن في (1) أغلاطهم في إمامة المفضول فمن عجيب أمر القائلين ~~بإمامة المفضول، ومخالفتهم موجبات العقول: أنهم قصدوا إلى من اعترفوا بأنه ~~أشرف الأمة وأفضلها، وأوسعها علما وأكملها، وأنه البصير بسياستها، الخبير ~~بشرائط رئاستها، الذي لم يزل ناهضا بأثقالها، خائضا بحار أهوالها (2)، ~~مجاهدا مذ كان في نصرتها، عالما بأحكام ملتها، زاهدا في زهرة دنياها، صابرا ~~على عظيم بلواها، متميزا بالمناقب فيها، مبرزا في الفضائل عليها، قد جعل ~~الله أعماله أعلى وأفضل من أعمالها، وثوابه أزكى وأجزل من ثوابها، فمنعوه ~~أعلى المنازل وأجلها، وأشرف الرتب وأفضلها، وهي منزلة الإمامة التي تليق به ~~ويليق بها، وتشهد العقول السليمة بأنه دون الخلائق صاحبها، ورفعوا إليها ~~[نسبة] من لا نسبة بينه وبينها، وقالوا: إن [من] الحق الواجب ألا يكون ~~[هذا] السيد الفاضل رئيسا مقدما، و [من] الرأي المصيب أن يكون رعية # PageV00P068 # مأموما، ومن السداد والرشاد أن يكون مقتديا بالناقص، متصرفا تحت آراء ~~الجاهل وفي دين الله عز وجل أن يكون من دونه يسوسه ويرعاه، ويأمره وينهاه، ~~ويلزمه طاعته، ويحرم عليه مخالفته. # وهذا والله بهت لأحكام العقول، ولعب في شرع الرسول، وخلاف للعادات، ودفع ~~للضرورات، بل هو حمق ومجانة، وهوى وخدعة (1)، ولو أن أحدنا وصى على ابنه ~~[من هو في العقل والفهم والنهضة والعلم والصلاح والديانة والورع والأمانة ~~دون ابنه] لكان عند الناس بمنزلة (2) المجانين، وفي حيز المخبلين، وما زلنا ~~نسمع العامة تقول: " يأتي على الناس زمان يسلم فيه المعلم إلى الصبيان، ~~ويسوق فيه البغل الطحان (3) " ونحن نضحك منهم وننكر عليهم قولهم حتى سمعنا ~~قول المعتقدين إمامة المفضول، ومخالفتهم ما تقتضيه العقول (4)، وقد استغاث ~~منهم أمير المؤمنين (عليه السلام) متظلما، وشكاهم إلى الله تعالى مستعديا، ~~فقال: # " اللهم إني أستعديك على قريش، فإنهم قطعوا (5) رحمي، وأكفأوا إنائي، ms20 ~~وأجمعوا على منازعتي حقا كنت أولى به من غيري، وقالوا: ألا إن في الحق أن ~~تأخذه، وفي الحق أن تمنعه، فاصبر مغموما، أو مت متأسفا " (6) في كلام له ~~معروف بعد هذا. # PageV00P069 # ومن عجيب أمرهم: تمحلهم الباطل في الاعتذار لتقديم المفضول على الفاضل ~~وقولهم: إن العاقدين خافوا أن يلي الفاضل (1) عليهم فيرتد إلى الكفر قوم ~~منهم لما في نفوسهم عليه من الأحقاد وما بينه وبينهم من الغوائل (2) ~~والترات، فوجب تأخيره وتقديم من [هو] دونه ليؤمن [من] وقوع هذه الحال، ~~وتسكن نفوس من يخاف منهم الارتداد، وينسون عند هذا الاعتذار ما قد أجمعوا ~~معنا عليه، ولم يخالفونا (3) فيه، من أن الحكيم يجب أن يفعل أفضل الأمور ~~وأعلاها، وأشرفها وأولاها، وإن ضل عندها من ضل، وكفر من كفر، كإرساله ~~سبحانه الأنبياء (عليهم السلام) إلى من يعلم أنهم يقتلونهم ويزدادون في ~~غيهم، وتبليغه أطفالا يعلم من حالهم أنهم يكونوا كفارا إذا بلغهم، وتكليفه ~~قوما قد علم أنهم يضلون إذا كلفهم، فكيف صار من الحكمة والعدل فعل هذه ~~الأمور، وإن ضل معها الجمهور؟ ومن الظلم والجور تقديم الفاضل على المفضول ~~(4)، خوفا من ضلال قليل من كثير، وإلا انقادوا إلى هذا الفاضل، واتبعوا في ~~ذلك الواجب فتكون الحجة على من خالف وعاند، فكيف نسوا (5) هذا الأصل الذي ~~تحملوا باعتقاده (6) بين [أهل] العدل؟ # أوليسوا مقرين بأن الله تعالى قد علم من قوم موسى (عليه السلام) أنهم ~~يكفرون، إذا قدم # PageV00P070 # عليهم أخاه هارون (عليه السلام)، ويتخذون العجل إلها من دون الله تعالى، ~~ولم ينهه عن تقديمه، ولا منعه من استخلافه وتركه، وفعل الأفضل في حكمته؟ ~~وليس لهم أن يفعلوا فإن الامتحان (1) هو إلى الله تعالى دون العباد ~~وتقديمهم الفاضل وهذه الحال امتحان، لأن هذه العلة تسقط من أيديهم من حيث ~~إن الله تعالى هو الدال على وجوب تقديم الفاضل بدليل العقل والسمع، فإذا هم ~~قدموه، وانقادوا له وأطاعوه، فإنما قدموا من قدمه الله، وأطاعوا من ولاه ~~أمرهم، فهو الممتحن للعباد دونهم، وأما أحقادهم (2) عليه فإنما كانت في ~~أمور ms21 يرضاها الله عز وجل، وهو الآمر بها على لسان رسوله (صلى الله عليه ~~وآله) (3)، فقد كان يجب أن يكون حقدهم على من [كان] هو الأصل فيها [والآمر ~~بها] والداعي إليها قاتلهم الله. # أترى لو قالت طائفة من الأمة: لسنا نثبت على الإيمان إلا بأن نخرج الفاضل ~~من بيننا، هل كان يجب إخراجه؟ بل لو قالت ذلك بعد العقد [له] هل كان يجب ~~عزله؟ هذا إذا كانوا يعلمون أن قوما عند تقديمه يرتدون فكيف وإنما معهم في ~~ذلك الدعوى من غير يقين والأمر بضد ما يقولون؟ ولقد أحسن شاعرنا حيث يقول: # لو سلموا لعلي الأمر واحتسبوا (4) * ما سل بينهم في الناس سيفان ومن عجيب ~~أمرهم: اعتمادهم (5) على هذا الاعتذار مع علمهم باختلاف الناس # PageV00P071 # بأبي (1) بكر لما تقدم، وكراهيتهم له [مع علمهم] ومعرفتهم بما كان من أهل ~~اليمامة [وقولهم: إنهم ارتدوا عن الإسلام حتى أنفذ إليهم أبو بكر خالدا في ~~جيش لقتالهم وقول أهل اليمامة] لخالد بن الوليد: " والله لا أطعنا أبا (2) ~~فصيل أبدا "، وقول خالد لهم: " والله لا رفعنا السيف عنكم حتى تسموه (3) ~~بالفحل الأكبر " (4) فكان من أمرهم معه ما قد اشتهر من الحرب المبيرة، ~~والفتنة العظيمة، وسفك الدماء، وسبي الحريم، وهلاك من لا يحصى، ثم اختلاف ~~من سواهم [عليه] ممن يبسط في ذكره (5) الخطاب، ويطول بوصفه الكتاب، فما يرى ~~الخلف والارتداد [حصلا] إلا بتقديم أبي بكر على الناس. # ومن العجب: نسيانهم عند هذا الاعتذار كراهية القوم (6) تقديم أبي بكر ~~عمرا عليهم، ونفورهم من نصه عليه (7)، حتى خوفوه الله عز وجل وقالوا له: ما ~~أنت قائل إذا لقيته وقد وليت علينا فظا غليظا، والله ما كنا نطيقه وهو رعية ~~فكيف إذا ملك الأمر؟ فاتق [الله] ولا تسلطه على الناس، فغضب وقال [لهم]: ~~أبالله تخوفوني؟ أقول له: يا رب وليت عليهم خير أهلك (8). # PageV00P072 # ومن العجب: [أن يكون] فضل عمر بن الخطاب عند أبي بكر يقتضي تقديمه مع ~~العلم بكراهية الناس له، ولا يكون فضل أمير المؤمنين [علي] (عليه السلام) ~~عند جميع الأمة ms22 يقتضي تقديمه عليهم وإن ظن كراهية بعضهم! # بل من العجب: اعتذارهم في تأخير الفاضل بما قد اعتذروا به مع سماعهم قصة ~~طالوت المذكورة في القرآن (١)، وتلاوتها عليهم ما اتصلت الأيام [وبقي ~~الأنام]، ولا ينتبهون بها من رقدة الضلال، حيث كرهه الناس وقالوا: (أنى ~~يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال) فلم تمنع ~~كراهتهم له من تقديمه، وأخبر الله سبحانه عما أوجب رئاسته عليهم (٢) وتقدمه ~~ف‍: ﴿قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده ~~بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء﴾ (3) فأخبرهم أن الذي ~~آتاه (4) من علمه وقوته اقتضى تقديمه في حكمته (5)، فكيف لم يعتبروا بهذا ~~من قول الله سبحانه وتعالى فيعلموا أنهم على ضلال في تقديم من عرف ضعفه في ~~علمه وجسمه، على من [قد] حصل الإجماع على أن الله تعالى قد جعله في بسطة من ~~العلم والجسم كطالوت في قومه. # ومن عجيب أمرهم: أنهم اعترفوا بأن أمير المؤمنين (عليه السلام) الفاضل ~~[وأن أبا بكر المفضول، وأقروا بأن الفاضل] بحكم الله تعالى أعلى الناس ~~قدرا، وأرفعهم محلا وذكرا، وأزكاهم عملا، وأولاهم بالمدح والثناء، وأنه لا ~~يحل استنقاصه، # PageV00P073 # ولا يسوغ ذمه، ثم أجمعوا (1) مع ذلك على كفر الخارجين عن طاعة أبي بكر، ~~واستحلال [دم] مانعيه الزكاة وسبي حريمهم، ولم يقيموا للشاك في إمامته ~~عذرا، ثم بسطوا عذر الشاك في إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) والممتنعين ~~عن نصرته، والخارجين عن وجوب طاعته، كسعد بن أبي وقاص، وحسان بن ثابت، وعبد ~~الله بن عمر، ومحمد بن مسلمة، وأسامة بن زيد، القاعدين عن معونته، ~~والخاذلين الناس عن نصرته، وتولوهم تولي الصالحين، وقطعوا لهم بالجنات ~~والنعيم المقيم، ولم (2) يقنعوا بهذا حتى تولوا محاربيه، ومستحلي دمه ودماء ~~أهله وذريته (3)، الساعين في الأرض بالفساد، والمقيمين الفتنة في البلاد، ~~الذين سعوا في قتل أمير المؤمنين (عليه السلام)، وقرفوه (4) بقتل عثمان [بن ~~عفان]، وغصبوا الأموال، وأقاموا عمود الضلال، طلحة والزبير وعائشة ومن ~~انضاف إليهم من الناس، وقالوا: ms23 إن هؤلاء الثلاثة تابوا قبل الممات، وإنهم ~~يوم (5) القيامة يحشرون مع أمير المؤمنين (عليه السلام) [وهم] أصفياء له ~~وأحباب، وهذا من المكابرات التي لا يجوز استحسانها (6) ذوو الديانات، وقد ~~قيل لأحد القائلين بإمامة المفضول: ما تقول فيمن قصد [إلى أحد] الثلاثة ~~المفضولين، أبي بكر وعمر وعثمان فلطمه وشتمه؟ # PageV00P074 # قال: أقول: إنه [قد] كفر. # وقيل [له]: فما تقول فيمن قصد إلى هذا (1) الفاضل علي بن أبي طالب (عليه ~~السلام) فحاربه وأجلب عليه واستحل سفك دمه؟ # قال: أقول: [إنه] قد فسق، وهذا أيضا من العجب! # PageV00P075 # الفصل التاسع من أغلاط البكرية فمن عجيب أمرهم وظاهر غلطهم: دعواهم أن ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) قدم أبا بكر ليصلي بالناس، وزعمهم أن ذلك ~~دليل على استحقاقه الإمامة العامة على [جميع] الأنام بعد النبي (صلى الله ~~عليه وآله)، [هذا مع رواياتهم عنه (صلى الله عليه وآله)]: " إن الصلاة ~~جائزة خلف البر والفاجر " (1) وإقرارهم بأن الإمامة العامة لا تجوز لفاجر. # ومن عجيب أمرهم في ذلك: [أنهم] جعلوا الإمامة العامة التي هي الخلافة ~~داخلة في الإمامة الخاصة التي هي إمامة الصلاة، وهذا عكس الصواب، والمعلوم ~~أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا نص بالإمامة العامة على رجل كان له ~~أن يصلي بالناس، لأن تقدمه (2) في الصلاة [هو] بعض ما رد إليه، وليس كذلك ~~إذا قدمه للصلاة ببعض الأمة يكون قد رد إليه تنفيذ الأحكام، وتدبير جميع ~~الأنام، لأن هذه الأمور ليست داخلة في الصلاة. # PageV00P076 # ومن العجب: أن من جملة ما يروونه عن عائشة قولها: إن النبي (صلى الله ~~عليه وآله) قام ورجلاه تخطان الأرض (1) وهو متك على رجلين، أحدهما الفضل بن ~~العباس، فأخر أبا بكر عن المحراب، فيجعلون تقديمه ولاية ولا يجعلون تأخيره ~~عزلا، وهذا دليل على أنه لم يقدمه، وأن تقديمه كان من عائشة، ولذلك قال لها ~~ولصويحبتها (2): " إنكن لصويحبات يوسف " (3). # ومن عجيب أمرهم: أنهم يجعلون صلاة أبي بكر بمن في المسجد مع عدم اتفاقهم ~~على أنه تممها موجبة له الفضيلة (4) العظيمة، ومرتبة الخلافة والإمامة، ms24 ولا ~~يجعلون ذلك لعبد الرحمن بن عوف مع روايتهم أن النبي (صلى الله عليه وآله) ~~صلى خلفه وأنه كان مضى ليصلح بين قبيلتين من الأنصار (5) فعاد وقد فاته ~~صلاة المغرب وقدم الناس عبد الرحمن بن عوف يصلي (6) بهم، فلما أتى النبي ~~(صلى الله عليه وآله) [وهو في الصلاة] صلى خلفه، فلما فرغ قال له الناس ~~(7): يا رسول الله، أتصلي خلف رجل من أمتك؟! # PageV00P077 # فقال (صلى الله عليه وآله): " ما يموت نبي من أنبياء الله حتى يصلي خلف ~~رجل من أمته " (1)، فيوجبون الخلافة لأبي بكر بصلاته بالناس [بعد الصلاة] ~~التي لم يتمها، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) في معزل عنها، ولا ~~يوجبونها لعبد الرحمن وقد صلى عندهم بالناس صلاة تممها والنبي (صلى الله ~~عليه وآله) في جملة من اقتدى [به] فيها، وقد سمع أحد البكرية مني هذا ~~الكلام، فقال لي: صلاة أبي بكر أجل وهو بالخلافة أولى من عبد الرحمن وأحق ~~(2)، لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قدم أبا بكر والأمة قدمت عبد ~~الرحمن، فمن قدمه رسول الله (صلى الله عليه وآله) أولى بالأمر ممن قدمه ~~الناس. # فقلت له: إن لخصمك إذا سلم أن (3) رسول الله (صلى الله عليه وآله) قدم ~~أبا بكر أن يقول: بل صلاة عبد الرحمن أجل وأفضل، وهو بالخلافة أولى من أبي ~~بكر وأحق، لأن تقديم النبي (صلى الله عليه وآله) إنما دل على أنه قد رضيه ~~إماما لمن حضر من أمته في المسجد، وصلاته خلف عبد الرحمن تدل على أنه قد ~~رضيه إماما لنفسه ولأمته، ومن رضيه [النبي (صلى الله عليه وآله) في الصلاة] ~~لنفسه وأمته أحق بالخلافة ممن نصبه النبي (صلى الله عليه وآله) إماما في ~~الصلاة (4) لبعض أمته، فتحير ولم يأت بشئ يحسن أن نذكره (5). # PageV00P078 # الفصل العاشر في (1) أغلاطهم (2) في التقية فمن عجيب أمر المعتزلة وظاهر ~~[ظلمهم و] دعواهم: أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يمدح أبا بكر وعمر ~~في وقتهما وبعدهما، وأنه وولده [وأهله] وشيعته [كانوا] يعظمونهما (3) ~~ويثنون عليهما، ويجعلون ms25 هذه الدعوى دليلا (4) على صوابهما، ووصى أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) ذريته بتقديمهما (5)، هذا مع المروي المشتهر من ضد ~~هذا، فإذا قيل لهم على وجه تسليم الدعوى: ما ننكر (6) أن يكون ما [قد] ~~ذكرتموه ورد على سبيل التقية منهم ومداراة لهما في وقتهما، واستعظاما ~~لشيعتهما من بعدهما (7)، استعظموا هذا القول واستبعدوه وأنكروه وجحدوه، # PageV00P079 # فإذا [هم] سمعوا من سواهم من الحشوية [يقولون:] إن الدليل على صواب ~~معاوية بن أبي سفيان بعد صلح الحسن (عليه السلام) ما ظهر من الحسن والحسين ~~ومحمد بن علي (عليهم السلام)، وعبد الله بن العباس وعبد الله بن جعفر وجابر ~~بن عبد الله الأنصاري [وأبي ذر الغفاري] وأبي أيوب الأنصاري رحمة الله ~~عليهم وغيرهم من التعظيم له والاجلال، وإظهار الاتباع، وترك الإنكار، ~~وقالوا لهم: إن هذا كان ممن ذكرتموه على وجه التقية من معاوية لما كانوا ~~عليه في أيامه من أحكام الضرورة الملجئة إلى الاستعطاف والاستمالة، ولما ~~علموه من المصلحة في ترك المشاقة والمخالفة فيعتمدون نظير ما ينكرون، ~~ويستعملون الاحتجاج الذي يجحدون قلة تأمل بوجه المناقضة وعدم إنصاف وديانة. # ومن العجب قولهم: إذا كان أبو بكر وعمر وعثمان قد تركوا كثيرا من ~~الأحكام، وأظهروا البدع في الإسلام، فلم لم يغير ذلك أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) لما انتهى الأمر إليه بعد عثمان؟ ولا يطلعون [في الآثار فينظروا ما ~~كان عليه أمير المؤمنين (عليه السلام) من أحكام الاضطرار] أنه (عليه ~~السلام) نهاهم عن الجماعة في صلاة نوافل شهر رمضان فتفرقوا عنه وصاحوا: ~~واعمراه نهيتنا (1) عن سنة عمر بن الخطاب، فإذا كانت هذه حاله معهم في ~~النهي عن أمر يعلمون أن عمرا ابتدعه، ويتحققون أن النبي (صلى الله عليه ~~وآله) نهى عنه وأنكره، ويجعلون البدعة من عمر سنة، فكيف [لو غير أكثر من ~~هذا، بل] لو غير بدعهم كلها وجاهر (2) بمخالفتهم في الأمور التي استحدثوها؟ ~~فكيف تنكر تقيته منهم وهذه حاله معهم؟ ألم يسمعوا قوله (عليه السلام): " ~~[أما والله] لو ثنيت لي الوسادة لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم [وحكمه]، ~~وبين أهل ms26 الإنجيل بإنجيلهم، وبين # PageV00P080 # أهل الفرقان بفرقانهم، حتى ينطق كل كتاب ويقول: يا رب قضى علي فينا ~~بقضائك " (1). وقوله (عليه السلام): " أما والله لو ثبتت قدماي لغيرت أمورا ~~كثيرة " (2). # ومن عجيب أمرهم: قولهم: كيف جازت التقية على الإمام وهو عندكم حجة فيما ~~فعل وقال، وبه قطع الله الأعذار، ومنه يعرف الخطأ من الصواب (3)، وهم ~~يعتقدون مع هذا أن في الأمة جماعة هم الصفوة الأخيار، والحجة لله على ~~العباد، وبهم يعرف الحق والصواب، والتقية عليهم جائزة إذا اعترضت الأسباب، ~~فقد أقاموهم في كونهم حجة مقام (4) الإمام، وأجازوا عليهم [من التقية] ما ~~لم يجيزوا على الإمام، [وهذا من جور الأحكام، وربما قالوا أيضا: إذا جازت ~~التقية على الإمام،] فلم لا تجوز على النبي (صلى الله عليه وآله)؟ فإذا ~~فرقنا بينهما في هذا الباب قالوا: لم يصح لكم فرق، لأنها عندكم حجتان (5)، ~~فإذا قيل لهم: أليس قد أجزتم التقية على الطائفة الأخيار، والصفوة من ~~الأئمة الأبرار، الذين قولهم بعد النبي (صلى الله عليه وآله) حجة في الحلال ~~والحرام، فلم لا تجيزونها على النبي (صلى الله عليه وآله) وهما عندكم ~~حجتان؟ تعاطوا الفرق الذي عابوا نظيره، واضطروا إلى التشبث بما أنكروا ~~[منا] إيراده. # ومن العجب: إنكارهم جواز التقية على الأنبياء (عليهم السلام) في شئ من ~~الأحوال مع علمهم أن النبي (صلى الله عليه وآله) استتر في الشعب والغار ومن ~~قبله هرب موسى (عليه السلام) وأخبر الله # PageV00P081 # تعالى [عنه] أنه قال: ﴿ففررت ~~منكم لما خفتكم﴾ (1) وكذلك قد اتقى [غيره من] الأنبياء (عليهم السلام)، ~~لكن القوم ليس من شأنهم الإنصاف. # PageV00P082 # الفصل الحادي عشر في (1) أغلاطهم في [حق] الصحابة ومن عجيب أمرهم: غلوهم ~~في تفخيم [أمر] الصحابة، وإفراطهم في تعظيمهم، وقولهم: لا يدخل الجنة ~~مستنقص لأحد منهم، وليس بمسلم من روى قبيحا عنهم، ويقولون: إنا لا نعرف ~~لأحد منهم بعد إسلامه عيبا، وليس منهم من واقع ذنبا، ويجعلون من خالفهم في ~~هذا زنديقا، ومن ناظرهم فيه أو طلب الحجة منهم عليه ms27 مبتدعا شريرا. # هذا ولهم في الرسل المصطفين والأنبياء المفضلين، الذين احتج الله تعالى ~~بهم على العالمين صلوات الله عليهم أجمعين أقوال تقشعر منها الجلود، وترتعد ~~لها [الأبدان، وتنفطر] القلوب [لها]، ولا تثبت عند سماعها النفوس، يتدينون ~~بذكرها، ويتحملون بنشرها (2)، ويغتاظون على من أنكرها ودحضها، كغيظهم على ~~من أضاف إلى أحد الصحابة بعضها، فينسبون آدم وحواء إلى الشرك، وإبراهيم ~~الخليل إلى الإفك والشك، ويوسف إلى ارتكاب المحظور، والجلوس # PageV00P083 # من زليخا مجلس [ذوي] الفجور، وموسى إلى أنه قتل نفسا ظلما، وداود [إلى] ~~أنه عشق امرأة أوريا [بن حنان] وحمله عشقها إلى (١) أن قتل زوجها وتزوجها، ~~ويونس [إلى] أنه غضب على الله تعالى، ويقولون في سيدنا محمد خاتم النبيين ~~وسيد المرسلين في تزويجه بامرأة زيد بن حارثة، وفي غير ذلك من الأقوال ~~القبيحة المفتعلة ما لا ينطلق لمؤمن بذكره لسان، ولا يثبت لمسلم عند سماعه ~~جنان، ولا يطلقه عاقل [عليه]، ولا يجيزه منه إلا [كل] كافر جاهل. # فإذا قيل لهم: إن جميع الأخبار الواردة في ذلك باطلة، وسائر الآيات التي ~~تظنون أنها تقتضيه متأولة، وقد شهدت العقول بعصمة الأنبياء (عليهم السلام)، ~~ودل القرآن على فضلهم وتميزهم عن الأنام، فوجب أن تتأول الأقوال بما يوافق ~~مقتضى الاستدلال، قالوا إذا سمعوا هذا الكلام: هذا ضلال وترفض، وهو فتح باب ~~التزندق، فياليت شعري كيف صار الهتف بالأنبياء بالباطل إسلاما وسترا، ~~والطعن على بعض الصحابة بالحق ضلالا وكفرا؟ وكيف صار (٢) القادح في الأفاضل ~~المصطفين ثبتا صديقا، ومن قدح في أحد قوم غير معصومين رافضيا زنديقا؟ ألم ~~يسمعوا قول الله تعالى في أنبيائه صلوات الله عليهم: ﴿ولقد اخترناهم على علم على العالمين﴾ (٣)، ~~وقوله تعالى: ﴿وإنهم عندنا لمن ~~المصطفين الأخيار﴾ (4)، وقوله سبحانه وتعالى لأصحاب نبيه (صلى الله ~~عليه وآله) (5): (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله # PageV00P084 # الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم) (1)، وقول النبي (صلى الله ~~عليه وآله): " إن من أصحابي (2) [من] لا يراني ms28 بعد أن يفارقني " (3)، فأي ~~نسبة بين الطبقتين، وأي تقارب بين القبيلتين، لولا [ما] مع خصومنا من ~~العصبية التي حرمتهم حسن التوفيق. # وقد قال بعض المعتزلة لأحد الشيعة: إن أمركم - معشر الشيعة - لعجيب، ~~ورأيكم طريف [غير مصيب]، لأنكم أقدمتم على وجوه الصحابة الأخيار، وعيون ~~الأتقياء الأبرار، الذين سبقوا إلى الإسلام، واختصوا بصحبة الرسول (4) (صلى ~~الله عليه وآله)، [وشاهدوا المعجزات،] وقطعت أعذارهم الآيات، وصدقوا ~~بالوحي، وانقادوا إلى الأمر والنهي، وجاهدوا المشركين، ونصروا رسول رب ~~العالمين، ووجب أن يحسن بهم الظنون، ويعتقد فيهم الاعتقاد الجميل، فزعمتم ~~أنهم خالفوا الرسول (صلى الله عليه وآله) وعاندوا أهله من بعده، واجتمعوا ~~على غصب حق الإمام (5)، وإقامة الفتنة في الأنام، واستأثروا بالخلافة (6)، ~~[وسارعوا] إلى الترأس على الكافة، وهذا مما تنكره العقول وتشهد أنه مستحيل، ~~فالتعجب منكم طويل! # قال له الشيعي (7): أما المؤمنون من الصحابة (8) الأخيار، والعيون من ~~الأتقياء # PageV00P085 # الأطهار، فمن هذه الأمور (1) مبرؤون، ونحن عن ذمهم متنزهون، وأما من ~~سواهم ممن ظهر زللهم وخطائهم، فإن الذم متوجه إليهم، وقبيح فعلهم طرق القول ~~عليهم، ولو تأملت حال هؤلاء الأصحاب لعلمت أنك نفيت عنهم خطأ قد فعلوا ~~أمثاله، ونزهتهم عن خلاف قد ارتكبوا أضعافه، وتحققت أنك وضعت تعجبك في غير ~~موضعه، وأوقعت استطرافك في ضد موقعه، فاحتشمت من خصمك، ورددت التعجب إلى ~~نفسك. # وهؤلاء القوم الذين فضلتهم وعظمتهم، وأحسنت ظنك بهم ونزهتهم، هم الذين ~~دحرجوا الدباب ليلة العقبة (2) بين رجلي ناقة رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) (3) طلبا لقتله (4). # وهم الذين [كانوا] يضحكون خلفه إذا صلى بهم ويتركون الصلاة معه وينصرفون ~~إلى تجاراتهم ولهوهم حتى نزل القرآن يهتف بهم. # وهم الذين جادلوا في خروجه إلى بدر وكرهوا رأيه في الجهاد، واعتقدوا أنه ~~فيما دبره على غير الصواب، ونزل فيهم (كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن ~~فريقا من المؤمنين لكارهون * يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون ~~إلى # PageV00P086 # الموت وهم ينظرون) (١). # وهم الذين كانوا يلتمسون من النبي (صلى الله عليه وآله) بمكة القتال ~~وينازلونه في الجهاد منازلة، ويرون ms29 أن الصواب خلاف (٢) ما تعبدوا به في تلك ~~الحال من الكف والإمساك، فلما حصلوا في المدينة (٣)، وتكاثر معهم الناس، ~~ونزل عليهم فرض الجهاد، وأمروا بالقتال، كرهوا ذلك، وطلبوا التأخير من زمان ~~إلى زمان، ونزل فيهم: (ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس ~~كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم ﴿٤) كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل ~~قريب﴾ (٥)، فيما اتصل بهذه الآية من الخبر عن أحوالهم، والإبانة عن ~~زللهم. # وهم الذين أظهروا الأمانة والطاعة، وأضمروا الخيانة والمعصية، حتى نزل ~~فيهم: # ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا ~~الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون﴾ (٦). # وهم الذين كفوا عن الإثخان في القتل يوم بدر، وطمعوا في الغنائم، حتى نزل ~~فيهم: ﴿ما كان لنبي أن ~~يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله ~~عزيز حكيم * لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم﴾ (7). # PageV00P087 # وهم الذين شكوا يوم الخندق في وعيد الله ورسوله، وخبثت نياتهم، فظنوا أن ~~الأمر بخلاف ما أخبرهم به النبي (صلى الله عليه وآله) إذ نزل فيهم: ﴿إذ جآءوكم من فوقكم ومن أسفل ~~منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا * هنالك ~~ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا * وإذ يقول المنافقون والذين في ~~قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا﴾ (١). # وهم الذين نكثوا عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ونقضوا ما عقده ~~عليهم في بيعته تحت الشجرة، وأنفذهم إلى قتال خيبر فولوا الدبر، ونزل فيهم: ~~﴿ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل ~~لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسؤولا﴾ (٢). # وهم الذين انهزموا يوم حنين، وأسلموا النبي (صلى الله عليه وآله) ~~للأعداء، ولم يبق معه إلا أمير المؤمنين ms30 (عليه السلام) وتسعة من بني هاشم، ~~ونزل فيهم ﴿ويوم حنين إذ ~~أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم ~~مدبرين﴾ (٣)، وأمثال ذلك مما يطول بشروحه الذكر (٤). # وهم الذين قال الله تعالى: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن ~~مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم﴾ (5). # وهم الذين قال لهم النبي (صلى الله عليه وآله): " لتتبعن سنن من كان ~~قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لاتبعتموه "، قالوا: يا ~~رسول الله، اليهود # PageV00P088 # والنصارى؟ قال: " فمن إذا " (1)؟ # وهم الذين قال (صلى الله عليه وآله) لهم: " ألا لأعرفنكم ترتدون بعدي ~~كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض " (2). # وهم الذين قال لهم: " إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة، وأنه سيجاء برجال ~~من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: يا رب أصحابي؟ فيقال: إنك لا تدري ما ~~أحدثوا بعدك، إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم " (3). # وهم الذين قال لهم: " بينما أنا على الحوض إذ مر بكم زمرا فتفرق بكم ~~الطرق فأناديكم: ألا هلموا إلى الطريق، فينادي مناد من ورائي: إنهم بدلوا ~~بعدك، فأقول: ألا سحقا ألا سحقا " (4). # وهم الذين قال لهم عند وفاته: " جهزوا جيش أسامة "، ولعن من تخلف عنه، ~~فلم يفعلوا (5). # وهم الذين قال لهم: " ائتوني بدواة وكتف، أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعدي " ~~(6)، فلم يفعلوا، وقال أحدهم: دعوه فإنه يهجر، ولم ينكر الباقون عليه، هذا ~~مع إظهارهم الإسلام، واختصاصهم بصحبة النبي (صلى الله عليه وآله)، ورؤيتهم ~~الآيات، # PageV00P089 # وقطع أعذارهم بالمعجزات. # فانظر الآن أينا أحق بأن يتعجب، وأولانا بأن يتعجب منه، من أضاف إلى ~~هؤلاء الأصحاب ما يليق بأفعالهم، ومن جعلهم فوق منازل الأنبياء وهذه ~~أحوالهم! فسكت المعتزلي متفكرا كأنه ألقمه الشيعي حجرا. # ومن عجيب أمرهم، وظاهر جهلهم: أنهم إذا آمنوا بالمعارض، وعدموا المناقض، ~~ركبوا بهيمة البهتان، فأرخوا فضلة العنان، وجروا في ميدان الهذيان، فبثوا ~~من فضل أئمتهم كل مختلف، وبثوا ms31 من قول رواتهم كل ملفق، وشغلوا الزمان بذكر ~~المحال، وشحنوا الأوقات بنصرة الضلال، وجعلوا معظم الدين مودة العاصين، ~~وقاعدة الإسلام حب الظالمين، فألسن مسارعة، وعيون دامعة، ووجوه خاشعة، ~~وقلوب طائعة، حتى إذا حضر بصير أظهر أغلاطهم، ونحرير أوضح إفراطهم، وعارف ~~أبان ضلال ساداتهم، وعالم نص على زلل أئمتهم، قالوا: الكشف عن هذا الأمر لا ~~يلزم، واستماعه محرم، والشغل بغيره أوجب، ولم يتعبدنا الله بذكر من ذهب، ~~والاطلاع في أخبارهم مشكل، فليس غير الصلاة والنسك، وكل أحد يلقى عمله، ~~وليس يلزم العبد إلا ما فعله، فهم المقدمون والمحجمون، وهم المحللون ~~والمحرمون، ولقد أخبرني الخبير بأحوالهم، إنهم في المغرب يأمرون بقراءة ~~مقتل عثمان وينهون عن قراءة مقتل الحسين (عليه السلام)، فهذا ما في ضمائرهم ~~شاهد وعنوان. # ومن عجيب أمرهم، وظاهر عصبيتهم، وحكمهم بالهوى القاهر لعقولهم: # قولهم: إنا لما رأينا الصحابة قد شرفهم الله تعالى بصحبة رسول الله، ~~وميزهم بالكون معه على الأنام، وجعل أعمالهم أفضل الأعمال، وطاعتهم أفضل ~~طاعات أهل الإيمان، علمنا أن كبير معاصيهم في جنب ذلك صغير، وعظيم زللهم ~~PageV00P090 # بالإضافة إلى طاعتهم حقير، وأن الذم لا يتوجه إلى جناتهم، والعقاب ساقط ~~عن عصاتهم، وهذا ضد الصواب، وهو الحكم الباطل عند أولي الألباب، إلا من كان ~~بمحل من عرف واستبصر، وحضر الآيات فشاهد وأبصر، وكان من بعده قدوة فيما روى ~~ونقل، وحصل للخلف سلفا فيما قال وفعل، وجب أن يكون أثر معصيته أعظم الأثر، ~~وضرر زلته أكثر من كل ضرر، وأن يكون ما يستوجبه من الذم والعقاب أضعاف ما ~~يستحقه من فعل مثل فعله من أصاغر الناس، لأن معصيته تتعدى إلى غيره فيهلك ~~من يتبعه ويقتدي به، كما أن طاعة من كان بهذا المحل أعظم الطاعات، وأعماله ~~أنفس الأعمال، ومدحه وثوابه فوق كل مدح وثواب، إذ كان طاعاته يتعدى من ~~يتبعه أيضا إلى سواه، فيعمل فيها من بعده ويهتدي بهداه، فيكون على العاصي ~~وزر معصيته ونظير وزر من هلك في العمل بها، وللطائع أجر طاعته ونظير أجر من ~~نجا باتباعه فيها. ms32 # هذا هو العدل في الحكم الذي شهد بصحته أهل العلم، والمعروف أن الناس ~~يستعظمون خطيئة العالم، ويحتقرون معصية الجاهل، ويقولون: إن زلة العالم ~~كانكسار السفينة تغرق وتغرق، فكيف انسد دون إدراكهم الحق هذا الباب، حتى ~~تاهوا عن الوصول إلى الصواب؟ أتراهم لم يسمعوا الله تعالى يقول في ذكر ~~أزواج نبيه (صلى الله عليه وآله): ﴿يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف ~~لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا * ومن يقنت منكن لله ورسوله ~~وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين وأعتدنا لها رزقا كريما﴾ (1)؟ بل إنهم ~~قد سمعوا ذلك بحواس صدية، وعلموه بقلوب قد قهرتها العصبية، وإنما صار جزاء ~~من عمل من أزواج النبي (صلى الله عليه وآله) # PageV00P091 # طاعة أو معصية مضاعفا لصحبتهن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقربهن ~~منه، ومشاهدتهن آياته، ولأنهن قد حصلن قدوة لسواهن، وسلفا لمن بعدهن، ولسن ~~فيما يفعلن كغيرهن. # ومن عجيب أمر المعتزلة: أنهم يظهرون التمسك بالدليل، ويتحملون بالاعتماد ~~على ما توجبه العقول، ويعترفون بأن الواجب على كل عاقل أن لا يعدل عن ~~المعلوم إلى المجهول، ولا يترك اليقين ويأخذ بالظنون، ولا يهجر المشتهر ~~المجمع عليه انصرافا إلى الشاذ من القول، وأن من فعل ذلك فهو على خطأ كبير ~~وزلل عظيم. # ثم إنهم مع هذا يخالفون أقوالهم، ويناقضون أنفسهم، فيقولون في عائشة ~~وطلحة وزبير الذين قد انقطع العذر بفسقهم عن الدين، وصح لكل عاقل ضلالهم ~~بالبرهان المبين، وتحصيل عداوتهم فريضة على جميع المؤمنين، أنهم تابوا مما ~~اقترفوه، وأقلعوا عما اجترحوه، ولم يخرجوا من الدنيا إلا وهم من الخلصاء ~~المؤمنين، والأتقياء الطاهرين، وأن الزبير الذي لم يشك في حربه، وطلحة الذي ~~هلك في قتاله وحربه، لم يقتلا إلا وهما صفيان لأمير المؤمنين (عليه ~~السلام)، ووليان له ومخلصان، وأنهما معه في القيامة عند الله في جملة من ~~قال الله: ﴿ونزعنا ما في صدورهم ~~من غل إخوانا على سرر متقابلين﴾ (1). # ويعتمدون في ذلك على ms33 أخبار آحاد، وحكايات شواذ، لم يجتمع عليها مع إمكان ~~تأويلها، وأحسن أحوالها أن توجب الظن لسامعها من غير علم ويقين يحصل بها، ~~وينتقلون بها من اليقين إلى الظنون، وينصرفون من المعلوم إلى # PageV00P092 # المجهول، يوالون بالظن من عادوه باليقين والعلم، حتى كأنهم لم يطلعوا قط ~~على دليل عقلي، ولا علموا أنه لا يدفع اليقين بالظن، ولا سمعوا قول الله عز ~~وجل: # ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن ~~السمع والبصر كل أولئك كان عنه مسؤولا﴾ (١)، وقوله: ﴿إلا من شهد بالحق وهم يعلمون﴾ (٢)، وقول ~~النبي (صلى الله عليه وآله): " ردوا الجهالات إلى السنة، وعليكم بالمجمع ~~عليه فإنه لا ريب فيه " (٣) أترى أنهم يستجيزون عكس ذلك من الانصراف عن ~~موالاة من ثبت إيمانه بواضح الدليل، وعلم إخلاصه بالحق اليقين، إلى معاداته ~~بضرب من الظنون، والتقرب إلى الله بلعنه والبراءة منه بخبر غير موجب ~~لليقين، أم لهم فرق بين الموضعين؟ # ومن عجيب أمرهم: إشفاقهم من ذم عائشة والبراءة منها، على ما ارتكبته من ~~معصية ربها، ومخالفة نبيها، وخروجها من بيتها، وسعيها في فتنة هلك فيها ~~كثير من الخلق وسفكت دماؤهم فيها، ونصبها لنفسها فتية تقاتل أمامها طالبة ~~باطلا في فعلها، ولو كان حقا لم يكن إليها ولا لها، واعتذارهم في التوقف عن ~~ذمها ومعاداتها بأنها زوجة النبي (صلى الله عليه وآله) مع سماعهم قول الله ~~تعالى: ﴿ضرب الله مثلا ~~للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين ~~فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين﴾ ~~(٤)، وقوله تعالى: # ﴿يا نساء النبي من يأت منكن ~~بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين﴾ (5)، # PageV00P093 # ومع علمهم بأن عصمة البنوة آكد من الزوجية، وقد أخبر الله تعالى عن ابن ~~نبيه نوح: ﴿إنه ليس من أهلك إنه ~~عمل غير صالح﴾ (١). # هذا مع ms34 قول الرسول على رؤوس الأشهاد في آخر أيامه من الدنيا حيث وعظ أمته ~~وذكرهم ووصاهم، ثم أقبل على أهل بيته خاصة، فقال: " يا فاطمة ابنة محمد، ~~اعملي فإني لا أغني عنك من الله شيئا. # يا عباس يا عم رسول الله، اعمل فإني لا أغني عنك من الله شيئا. # ثم أقبل على سواهم من الناس فقال: أيها الناس لا يدعي مدع، ولا يتمنى ~~متمن، والذي بعثني بالحق لا ينجيني إلا عمل مع رحمة ولو عصيت لهويت. # اللهم هل بلغت " فقرأ ثلاثا (٢). # ولو تأمل القوم ذلك وخافوا الله عز وجل لوجهوا الذم إلى أهله، والمدح ~~والثناء إلى مستحقه، فوالوا أولياء الله، وعادوا أعداء الله، واتبعوا كتابه ~~حيث يقول سبحانه: ﴿لا تجد قوما ~~يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو ~~أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم﴾ (3). # ومن عجيب أمرهم: قولهم: يجب أن يحفظ رسول الله في زوجته، ولا يوجبون أن ~~يحفظ في فاطمة ابنته، ويعلنون بلعن من ظلم عائشة، ولا يستطيعون سماع لعن من ~~ظلم فاطمة، وهذا عند العقلاء قصور غير خافية، ودلائل على ما في النفوس ~~كافية. # ومن عجيب أمرهم: دعواهم أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " أصحابي ~~كالنجوم، بأيهم # PageV00P094 # اقتديتم اهتديتم " (1) واحتجاجهم بذلك في تفضيلهم، واعتمادهم عليه في ~~تصويب جميعهم، مع علمهم بما جرى بينهم من الخلف العظيم والتباين المبين، في ~~أمور الدنيا والدين، وأن الحال انتهت بهم إلى أن ضرب بعضهم وجوه بعض ~~بالسيف، وطلب بعضهم دم بعض على وجه التحليل، فكيف يصح أن يكون بأيهم اقتدوا ~~اهتدوا مع كونهم على هذا السبيل؟! وهل المستفاد من هذا الخبر إلا أن ~~الهداية فيما بين الجميع. # ومن عجيب أمرهم: قولهم: يجب الإمساك عن ذكر مساوئ الصحابة، وهم يعلمون مع ~~ذلك أن بعضهم لم يمسك عن بعض، وقد تجاوز الخلف منهم حد الذم والطعن إلى ~~البراءة واللعن، وتجريد السيف والقتل. # ومن عجيب أمر المعتزلة وظاهر مناقضتهم: أنهم يجعلون تصرف بعض وجوه ms35 الشيعة ~~في الصدر الأول من قبل عمر بن الخطاب في الظاهر دليلا على موالاتهم القوم ~~في الباطن، كولاية سلمان المدائن، وعمار الكوفة، ويقولون: لو لم يتولوهم ~~ويعتقدوا صوابهم ما تصرفوا تحت واحد منهم، ولا تولوا عملا من قبل من هو ~~ظالم عندهم، ولا يلتفتون مع هذا إلى اعتقادهم أن الخيرة من أصحاب رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) تصرفوا من قبل معاوية بن أبي سفيان، وأظهروا اتباعه ~~وسموه بإمرة المؤمنين وعظموه وأجلوه، ومعاوية عند جميع المعتزلة ظالم فاسق ~~يستحق الخلود في نار جهنم، ويعلمون أنه عقد لابنه يزيد الأمارة على وجوه ~~الصحابة في حياته، وأنفذهم إلى قتال الروم تحت رايته، حتى بلغوا قسطنطينة ~~ممتثلين أمره، منقادين إلى طاعته، متصرفين تحت حكمه وتدبيره، منهم: عبد ~~الله بن العباس، # PageV00P095 # وعبد الله بن عمر بن الخطاب الذين يتفقون على تفضيله، وعبد الله بن ~~الزبير بن العوام الذين يعتقدون الجميل فيه، وأبو أيوب الأنصاري صاحب رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله)، ولا يرون أن تصرفهم هذا من قبل معاوية ويزيد لا ~~يدل على موالاتهم لهما واعتقادهم صوابهما، وكذلك جماعة ممن يفضلهم المعتزلة ~~قد تصرفوا من قبل معاوية مثل أبي هريرة في ولايته على المدينة، وغالب بن ~~فضالة الذي تولى أمارة خراسان، والمغيرة بن شعبة الذي كان أميرا على ~~الكوفة، وسمرة الذي كان أميرا من قبل زياد على البصرة، وكل ما علم من تصرف ~~شيوخ المعتزلة من قبل الولاة الظلمة في قضاء وعمالة، بل يقيمون لهم ~~المعاذير، ويخرجون لهم الوجوه التي لا تجبره مثلها في تولي سلمان وعمار من ~~قبل عمر بن الخطاب، وهذا تحكم ومناقضة لا تخفى على ذوي الألباب. ~~PageV00P096 # الفصل الثاني عشر في أغلاطهم في الأسماء والصفات ومن عجيب أمرهم، وظاهر ~~عصبيتهم وعنادهم: تسميتهم أبا بكر عتيق ابن أبي قحافة الصديق، ولم يرووا عن ~~النبي (صلى الله عليه وآله) خبرا يقطع العذر بأنه نحله هذا الاسم، وميزه ~~بهذا النعت، ولا يثبت ما يدعونه من أنه أول من أسلم، وشعر حسان الذي نظمه ~~ومدح ms36 به أبا بكر بما ادعاه من تقدم إسلامه لا يلتفت إلى مثله، لما علم من ~~معاداة حسان لأمير المؤمنين (عليه السلام) ومعاندته له. # وقد روي أن محمد بن سعد بن أبي وقاص قال لأبيه سعد: كان أبو بكر أولكم ~~إسلاما، فقال: لا قد أسلم قبله خمسون رجلا (1). ولا يقولون إن أمير ~~المؤمنين الصديق وقد ثبت أنه أول من أجاب النبي وصدق به، وأنه يوم الدار ~~كان الذي قام بين يدي الجماعة فبايعه على الإقرار بما جاء، وشهد له النبي ~~بذلك في أقوال كثيرة مأثورة: # منها: " علي أول من آمن بي وصدقني "، و " أول من يصافحني يوم القيامة "، # PageV00P097 # و " هو الصديق الأكبر " (١)، وقوله لفاطمة (عليها السلام): " زوجك أقدم ~~أمتي إسلاما " (٢). # وقول أمير المؤمنين (عليه السلام) بين الملأ: " اللهم إني لا أعرف أحدا ~~من هذه الأمة عبدك قبلي غير نبيها " (٣)، وكان يقول على المنبر مفتخرا: " ~~أنا الصديق الأكبر، لا يقولها بعدي إلا مفتر " (٤)، وقال (عليه السلام): " ~~أسلمت قبل أن يسلم أبو بكر، وصدقت قبل أن يصدق " (٥)، وقوله أيضا مفتخرا: # سبقتكم إلى الإسلام طرا * غلاما ما بلغت أوان حلمي (٦) والمروي المشتهر ~~أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعث يوم الاثنين وأجابه أمير المؤمنين ~~يوم الثلاثاء (٧). # وجاء عن ابن عباس في قول الله عز وجل: ﴿والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون﴾ ~~(8) إنما أنزلت في علي (9). # PageV00P098 # وجاء عن ابن مجاهد، عن أبيه في قوله تعالى: ﴿والذي جاء بالصدق وصدق به﴾ (1) قال: جاء ~~بالصدق النبي، وصدق به علي بن أبي طالب (2). # وروي أيضا عن ابن عباس. # وروي أيضا عن أبي ليلى قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " ~~الصديقون ثلاثة: حبيب بن مري النجار - وهو مؤمن آل يس -، وحزقيل - مؤمن آل ~~فرعون -، وعلي بن أبي طالب - وهو أفضلهم - " (3)، فكيف لا يكون علي بن أبي ~~طالب هو الصديق ويكون مختصا بأبي بكر لولا العصبية الغالبة للعقل؟ # بل من العجب: أن تجتمع الأمة ms37 بأسرها على أن النبي قال: " ما أقلت ~~الغبراء، ولا أظلت الخضراء، على ذي لهجة أصدق من أبي ذر " (4)، ولا يسمى ~~أبو ذر مع ذلك صديقا ويسمون أبا بكر صديقا، ولم يرو فيه قط مثل هذا! # ومن عجيب غلطهم، وقبيح خطأهم: تسميتهم أبا بكر خليفة رسول الله مع ~~اعترافهم بأن رسول الله لم يستخلفه، وأن المستخلف له نحو العشرة في السقيفة ~~فصفق على يده منهم اثنان وتبعهم الباقون، وهو القائل على المنبر: " أقيلوني ~~بيعتكم " (5) فيعلن بأن الاستخلاف كان منهم لسؤاله إقالته بيعتهم، وهم في ~~ذلك يقولون له: يا خليفة رسول الله، ولا يسمون عليا خليفة رسول الله وقد ~~استخلفه # PageV00P099 # في مقامات عديدة، ونص عليه بالخلافة نصوصا كثيرة، وليس ينكرونه أنه ~~استخلفه على المدينة في غزاة تبوك، وقال له: " إن المدينة لا تصلح إلا بي ~~أو بك "، وقال له: " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا ~~نبي بعدي " (1)، وهذا منه استخلاف ظاهر مجمع عليه، ويكون أبو بكر خليفة على ~~أمور لم يردها إليه، وإن جاز هذا ليجوزون أن يقولوا: أمير رسول الله لمن لم ~~يؤمره، وقاضي رسول الله لمن لم يستقضه، ووصي رسول الله لمن لم يوص إليه، ~~وقد تعجب أمير المؤمنين (عليه السلام) من استقالة أبي بكر ونصه على عمر حيث ~~قال: " فواعجبا بينما هو يستقيلها في حياته، إذ عقدها لآخر بعد وفاته " ~~(2)، والعاقل يعلم أن هذين الفعلين في غاية التناقض، لأن الاستقالة تدل على ~~التبري والكراهة والنص والرغبة. # ومن العجب: أن يؤمر النبي (صلى الله عليه وآله) عند موته أسامة بن زيد ~~على جماعة من أصحابه فيهم أبو بكر وعمر ثم يموت ولم يعزله فلا يسمى أمير ~~رسول الله، وتجتمع طائفة فتقدم أبا بكر على سائر الناس ويسمونه خليفة رسول ~~الله. # وقد روي أن أسامة يوما غضب على أبي بكر وقال: إن رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) أمرني عليك فمن استخلفك علي؟ فمشى إليه هو وعمر حتى استرضياه ~~فكانا يسميانه مدة حياته أميرا. # PageV00P100 # ومن ms38 عجيب أمرهم: تسميتهم عمر بن الخطاب بالفاروق، وليس في نحلته هذا ~~الاسم لأحد منهم حجة، ولا لناصره شبهة، ولا ورد في رواية، ولا أوجبه لعمر ~~دلالة، ولا هو مشتق من بعض أفعاله فيستحقه على وجه الاستحقاق، ولم يسموا ~~أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) الفاروق وقد قال فيه النبي ~~ويده في يده: # " هذا فاروق أمتي يفرق بين الحق والباطل " (1). # وجاء عنه (صلى الله عليه وآله) أخبار عدة أنه الفاروق الأعظم وجعل محبته ~~فرقا يعرف به المؤمن من المنافق. # وروي عن ابن عمر أنه قال: " ما كنا نعرف المنافقين على عهد رسول الله إلا ~~ببغضهم عليا (عليه السلام) " (2). وفي رواية أخرى: " أن محبته علم لطيب ~~المولد، وبغضه علم على خبث المولد "، ولا يسمون علي بن أبي طالب هذا فاروقا ~~ويكون عمر بن الخطاب عندهم فاروقا! # ومن عجيب أمرهم مثل هذا: قولهم: إن عثمان بن عفان ذو النورين، واعتقادهم ~~من نحلته هذا بأنه تزوج بابنتين كانتا فيما زعموا لرسول الله من خديجة بنت ~~خويلد، وقد اختلفت الأقوال فيهما، فمن قائل: أنهما ربيبتاه، وأنهما ابنتا ~~خديجة من سواه، ومن قائل: إنهما ابنتا أخت خديجة من أمها، وإن خديجة ربتهما ~~لما ماتت أختها في حياتها، وقد قال: إن اسم أبيهما هالة، ومن قائل: إنهما ~~ابنتا النبي يعلم أنهما ليستا كفاطمة البتول (عليها السلام) في منزلتها، ~~ولا يدانيانها في مرتبتها، فيسمون عثمان لأجل تزويجه بهما مع ما روي من أنه ~~قتل إحداهما ذا النورين ولا يقولون: إن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ~~(عليه السلام) ذو النورين، # PageV00P101 # وهو أبو السبطين السيدين الإمامين الشهيدين الحسن والحسين سيدي شباب أهل ~~الجنة، وشنفي العرش، وريحانتي نبي الرحمة، وولدي ابنته فاطمة البتول سيدة ~~نساء العالمين، والأئمة الهادين صلوات الله عليهم أجمعين. # وقد بلغنا أن مجاهدا قال: قيل لابن عباس: ما تقول لعلي بن أبي طالب؟ # فقال: " ذاك والله أحد سبق بالشهادتين، وصلى القبلتين، وبايع البيعتين، ~~وأعطى البسطتين، وهو أبو الإمامين الحسن والحسين، وردت عليه الشمس مرتين، ~~وجرد ms39 السيف كرتين، فمثله في الأمة كمثل ذي القرنين " (1)، يعني بقوله: " ~~أعطي البسطتين " أن الله تعالى زاده بسطة في العلم والجسم، كما فعل بطالوت ~~من قبل (2)، وقوله: " وردت عليه الشمس مرتين " يعني في حياة رسول الله ~~وبعده، كذلك قوله: " جرد السيف مرتين "، إنما يريد في حياته لقتال المشركين ~~وبعده لقتال الناكثين والقاسطين والمارقين. # وينضاف إلى ما ذكره ابن عباس أنه في علمه وعمله ذو الشرفين، وفي سبقه ~~وجهاده ذو الفضيلتين، وقد حاز الحسبين لأنه أول من ولد من هاشميين، فهو ~~صلوات الله عليه أحق من عثمان أن يكون ذا النورين. # ومن عجيب أمرهم: تفضيلهم عائشة بنت أبي بكر على جميع أزواج النبي، ~~وبهجتهم بتسميتها أم المؤمنين، بدعواهم أنها حبيبة رسول الله، وكثرة ترحمهم # PageV00P102 # عليها، وإظهارهم الخشوع والبكاء عند ذكرها، ثم لا يذكرون خديجة بنت خويلد ~~وفضلها متفق عليه، وعلو قدرها لا شك فيه، وهي أول من آمن برسول الله (صلى ~~الله عليه وآله)، وأنفقت عليه مالها، وكان يكثر ذكرها، ويحسن الثناء عليها، ~~ويقول: " ما نفعني مال كمالها " (١)، ورزقه الله الولد منها، ولم يتزوج في ~~حياتها إكراما منه لها، ولكثرة ما كان يذكرها قالت له عائشة يوما: تكثر من ~~ذكر خديجة وقد أبدلك الله من هو خير منها؟ فقال (صلى الله عليه وآله): " ~~كلا والله ما بدلت بها من هو خير منها، صدقتني إذ كذبني الناس، وآوتني إذ ~~طردني الناس، وأسعدتني بمالها، ورزقني الله الولد منها، ولم ارزق من غيرها ~~" (٢)، وعائشة مذيعة سر رسول الله التي شهد القرآن بأنها وصاحبتها قد صغت ~~قلوبهما (٣)، وأنهما تظاهرتا عليه وتحاملتا، وقال لها النبي (صلى الله عليه ~~وآله): " تقاتلين عليا وأنت ظالمة " (٤)، مع قول الله تعالى: ﴿ألا لعنة الله على الظالمين﴾ ~~(5)، وكيف استحقت هذه أن يعلن القول بأنها أم المؤمنين، وينادي بتفضيلها ~~على رؤوس العالمين؟ فإنا لا نعرف فعلا استحقت به هذا التميز، اللهم إلا أن ~~يكون استحقت ذلك بحربها لأمير المؤمنين (عليه السلام)، ومجاهرتها بعداوته، ~~والقدح فيه، وكونها السبب ms40 في هلاك تسعة عشر ألفا من المسلمين، وإدخال # PageV00P103 # الشبهة في الدين على الأصاغر المستضعفين، فلعمري إن لها ميزة عظيمة، ~~استحقت عند القوم هذه الرتبة الجسيمة، فالويل لهم من الله. # ومن عجيب أمر الحشوية، ووقاحتهم في العناد والعصبية: أنهم يقولون: إن ~~معاوية بن أبي سفيان خال المؤمنين، ويقولون: إنه استحق ذلك بسبب أن أخته أم ~~حبيبة بنت أبي سفيان إحدى أزواج النبي الذين هم بنص القرآن للمؤمنين أمهات، ~~ولا يسمون محمد بن أبي بكر خال المؤمنين، بل لا يذكرونه بذكر جميل، وأخته ~~عائشة أعظم أزواج النبي (صلى الله عليه وآله) عندهم قدرا، وأجل الأمهات في ~~مذهبهم فضلا وذكرا، وليس تدانيها عندهم أم حبيبة، ولا تقاربها، ولا أبوها ~~كأبيها، فلم لا يسمون محمد بن أبي بكر خال المؤمنين ويكون أحق بذلك من ~~معاوية بن أبي سفيان الفاسق اللعين الطليق ابن الطليق؟ لعنه رسول الله، ~~وقال: " إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه " (1)، وكان من المؤلفة ~~قلوبهم، ولم يحفظ قط حسنة يبسط معها في تفضيلهم له عذرا، ولا ورد في الأثر ~~عن النبي تسميته بخال المؤمنين فيصح قولهم (2). # وبأي وجه استحق معاوية هذا الإكرام دون محمد بن أبي بكر؟ وكيف يجب أن ~~تحفظ أم حبيبة في أخيها معاوية ولم يجب أن تحفظ عائشة في أخيها محمد؟ # كلا ليس يخفى على العاقل أن بغضهم لأمير المؤمنين (عليه السلام) حملهم ~~على تفضيل محاربيه، وتبجيل أعاديه ومعانديه، وإهمال ذكر أوليائه، ~~والمنسوبين إليه من # PageV00P104 # أصفيائه، وقد علم أن معاوية كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) عدوا ~~وحربا، وأن محمد بن أبي بكر كان له وليا وحزبا، بذلك صار معاوية خالا ~~للمؤمنين، دون محمد بن أبي بكر ربيب أمير المؤمنين، مع ما أنه على الحقيقة ~~واليقين لا يصح أن يكون أحد من إخوة أزواج النبي خالا للمؤمنين، وذلك أن ~~الله تعالى إنما جعل أزواج نبيه أمهات لهم ليحرم عليهم بعده العقد عليهن، ~~فلو كان معاوية عليه الهاوية أو غيره خالا للناس لأجل أن أخته في حكم ~~الأمهات لحرم عليه وطء ms41 مؤمنة، لأن الخال لا يحل أن يطأ بنت أخته. أترى لو ~~اجتمع إخوة أزواج النبي (صلى الله عليه وآله)، كعبد الرحمن ومحمد بن أبي ~~بكر أخوي عائشة، وعبد الله وعبيد الله وعاصم ومعاوية بنو عمر بن الخطاب ~~إخوة حفصة، ويزيد ومهاجر ابنا بني أمية أخوي أم سلمة، ومعاوية بن أبي سفيان ~~أخو أم حبيبة، كيف كان يترتبون في منزلة الخؤلة؟ وهل كان بعضهم خالا لبعض، ~~أم هذا النعت مختص بمعاوية فقط؟! # وأيضا قولهم: إن معاوية كاتب الوحي (1)، وقد كان بين يدي النبي أربعة عشر ~~نفسا يكتبون الوحي وأقومهم أمير المؤمنين (عليه السلام)، فبماذا يستحق ~~معاوية هذا النعت دونه ودون غيره من الكتاب؟ # وقد علم أن معاوية عليه الهاوية لم يزل مشركا مدة كون النبي (صلى الله ~~عليه وآله) مبعوثا، يكذب بالوحي، ويهزأ بالشرع، وكان باليمن يوم الفتح يطعن ~~على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويكتب إلى أبيه صخر بن حرب يعيره ~~بإسلامه ويقول له: صبوت إلى دين محمد، ومما كتب به إلى أبيه من قبل أن يسلم ~~قوله: # يا صخر لا تسلمن طوعا فتفضحنا * بعد الذين ببدر أصبحوا مزقا # PageV00P105 # خالي وعمي وعم الأم ثالثهم * وحنظل الخير قد أهدى لنا الأرقا (1) لا ~~تركنن إلى أمر يكلفنا * والراقصات به في مكة الخرقا فالموت أهون من قول ~~العداة لقد * حاد ابن حرب عن العزى إذا فرقا (2) فإن أبيت أبينا ما تريد ~~ولا * تدعن اللات والعزى إذا اعتنقا (3) والفتح كان في شهر رمضان لثمان ~~سنين من قدوم النبي (صلى الله عليه وآله) المدينة، ومعاوية يومئذ مقيم على ~~شركه هارب من النبي (صلى الله عليه وآله)، لأنه كان قد هدر دمه فهرب إلى ~~مكة، فلما لم يجد له مأوى صار إلى النبي (صلى الله عليه وآله) مصير ~~الاضطرار، فأظهر الإسلام قبل وفاة النبي بخمسة أشهر أو ستة أشهر، وطرح نفسه ~~على العباس بن عبد المطلب فسأل فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) فعفا ~~عنه، ثم شفع له أن يشرفه ويضيفه إلى جملة الكتاب، ms42 فأجابه وجعله واحدا من ~~أربعة عشر كاتبا، فكم ترى يخصه من الكتبة في مدة ستة أشهر حتى يستحق هذا ~~النعت بكاتب الوحي، ولولا ما حملتهم عليه العصبية التي أصدت السمع، وأعمت ~~البصر، وليس يلتبس على أهل العقل أن مجرد الكتابة لا يحصل بها الفضل ما لم ~~يقارنها صحيح الإيمان وعقد، لأنه قد كتب لرسول الله عبد الله بن أبي سرح ~~(4) ثم ارتد مشركا، وفيه نزل: # PageV00P106 # ﴿ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم ~~غضب من الله ولهم عذاب عظيم﴾ (1). # وروي أن آخر كتبة الوحي ابن أبي سرح، وارتد من الإسلام ومات على الكفر، ~~ودفن فلم تقبله الأرض (2)، فكيف حصل لمعاوية هذا النعت وتميز به عن الخلق؟ ~~والمأثور أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعنه على منبره، وأخبر أنه ~~يموت على غير ملة. # فمما روي في ذلك: أن النبي (صلى الله عليه وآله) قام يخطب أخذ معاوية بيد ~~أبيه، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): " لعن الله القائد والمقود " (3)، ~~أي يوم يكون لهذه الأمة من معاوية ذي الأستاه؟ # وروي عن عبد الله بن عمر أنه قال: أتيت النبي (صلى الله عليه وآله) ~~فسمعته يقول: " يطلع عليكم رجل يموت على غير سنتي " (4)، فطلع معاوية. # وفي خبر آخر: " يطلع عليكم رجل من أهل النار " فطلع معاوية. # وعن جابر، أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " يموت معاوية على غير ~~ملتي " (5). # ومن طريق آخر: " يموت كافرا ". # واشتهر عنه لم يمت إلا وفي عنقه صليب ذهب وضعه له في مرضه أهون المتطبب ~~وأشار إليه بتعليقه فأخذه من كنيسة يوحنا وعلقه في عنقه. # PageV00P107 # وروي أيضا أنه تشافى بلحم الخنزير فأكله قبل موته، وغير ذلك مما لا يحصى، ~~وإنما يتأسى القوم هذه الأخبار وأمثالها ولم يلتفتوا إلى شئ منها لما جاهر ~~به معاوية من معاجلة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وتناهيه ~~في جهاده وحربه أنه قتل خيار أصحابه وشيعته، ولعنه على المنابر، وجعل بغضه ~~يتوارث نصا، ولذلك قيل: ms43 كاتب الوحي، وخال المؤمنين، والخليفة الحليم، ~~والسميح الكريم، ونسي جميع ما روي فيه بالويل الطويل، ويلهم من رب ~~العالمين. # ومن عجيب أمرهم: أنهم يسمون خالد بن الوليد سيف الله عنادا لأمير ~~المؤمنين (عليه السلام)، أهلك الله بسيفه الكفار والمشركين، والعتاة ~~المتجبرين، وثبت به قواعد الدين، وشد به أزر خاتم النبيين، فقال فيه الرسول ~~(صلى الله عليه وآله): " علي سيف الله، وسهم الله " (1). # وقال هو (عليه السلام) على المنبر: " أنا سيف الله على أعدائه، ورحمته ~~لأوليائه " (2). # واحتجوا في تسميتهم خالد بن الوليد بخبر رووه عن قتادة أنه لما فعل خالد ~~بن الوليد بأهل اليمامة ما فعل، وبذل فيهم السيف والقتل، وقتل مالك بن ~~نويرة - وهو مؤمن - ظلما، ووطئ امرأته من ليلته، أشار عمر إلى أبي بكر ~~بإقامة الحد، فقال أبو بكر: يا عمر، خالد سيف من سيوف الله (3)، فسموا ~~خالدا لذلك سيف الله اتباعا لقول أبي بكر، ونسوا أن خالدا لم يزل على ~~الإسلام وأهله، وللنبي (صلى الله عليه وآله) عدوا وحربا، وبالدين والإيمان ~~مكذبا، وبالشرك والإفك متعصبا، # PageV00P108 # وهو كان السبب في قتل المسلمين في يوم أحد، وما ابتلي به الرسول (صلى ~~الله عليه وآله) من الأذى، حتى كسرت رباعيته، وأدمي فمه، وشجت جبهته، وقتل ~~حمزة، وسرى القتل في أنصاره، وأثخن المشركون في أوليائه وأعوانه، وأتى على ~~دماء حماته الذين وكلهم النبي (صلى الله عليه وآله) بثغرة الجبل، ثم لما ~~تظاهر بالإسلام بعثه النبي إلى بني جذيمة ليأخذ منهم صدقاتهم، فخانه في ~~عهده، وخالفه على أمره، وقتل المسلمين، واستعمل في ذلك لترة (1) كانت بينه ~~وبينهم في الجاهلية، حتى قام النبي (صلى الله عليه وآله) خطيبا بالإنكار ~~عليه، رافعا إلى السماء يديه، حتى رؤي بياض إبطيه وهو يقول: " اللهم إني ~~أبرأ إليك مما صنع خالد " (2)، ثم أنفذ إليهم أمير المؤمنين (عليه السلام) ~~ليتلافى فارطه (3) وأمره أن يدني القوم ويسترضيهم، ففعل ذلك إليهم، وبلغ ~~منه مبلغا سرى به عن رسول الله (صلى الله عليه وآله). # ولما قبض النبي وأنفذه أبو بكر لقتال أهل ms44 اليمامة قتل منهم ألفا ومائتي ~~نفس وهم على ظاهر الإسلام، وقتل مالكا صبرا وهو مسلم مؤمن، وعرس بامرأته، ~~وجعل رأسه تحت يديه (4)، ولم يراقب الله عز وجل فيما صنع، ثم لم يزل مباينا # PageV00P109 # لأمير المؤمنين علي (عليه السلام) ولولده ولأهل بيته بالبغضة، ثم عمل على ~~احتياله لقتله (1) حتى كفاه الله شره، ولما مضى بسيئ عمله ورث ابنه عبد ~~الرحمن عداوة أمير المؤمنين (عليه السلام)، وبارزه مع معاوية بالحرب، ~~وجاهره ببغضه والمقت حتى هلك إلى النار. # فمن العجب: أن يكون من هذه صفته " سيف الله " وما ترى المخالفين ينقلون ~~من نعوت أمير المؤمنين (عليه السلام) وصفاته إلى أعدائه وشنائه أما سمعوا ~~قاتلهم الله قول النبي (صلى الله عليه وآله): " من لقي الله عز وجل وفي ~~قلبه مقت لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) لقي الله يهوديا " (2)؟ بلى قد ~~سمعوا هذا، ولكن من عبد هواه أهلكه ضلاله! # ومن العجب: أن تمنع بنو حنيفة من حمل الزكاة إلى أبي بكر ولم يصح عندهم ~~إمامته، فيسمونهم أهل الردة، ويستحلون دماءهم وأموالهم ونساءهم، ثم ينكث ~~طلحة والزبير بيعة أمير المؤمنين (عليه السلام) ويخرجان مع عائشة يستنفرون ~~الخلق عليه، # PageV00P110 # ويتناهون مع من تبعهم في حربه، ولا يسمون مع ذلك أهل الردة، ومعلوم أن ~~منع الزكاة يدخل في جملة الحرب، لأن أحدا لا يرى حمل الزكاة إلى من يحاربه ~~ويستحله فيكون على حكمه مانع الزكاة من غير خطأ مرتدين، والذين أضافوا إلى ~~منعها البغي، والمشاقة، وتجريد السيف، وإقامة الفتنة، غير مرتدين! # هذا وقد بلغهم قول النبي (صلى الله عليه وآله): " حربك يا علي حربي، ~~وسلمك سلمي " (1)، وقد علمنا أن من حارب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~كافر فيجب أن [يكون] (2) من حارب أمير المؤمنين كافرا كذلك. # ومن عجيب أمرهم: أنهم يسمون أنفسهم بالسنة وقد غيروها وبدلوها واستحدثوها ~~بآرائهم وعقولهم ما ليس منها، ويدعون أنهم أهل الجماعة مع أقوالهم ~~المختلفة، وقياساتهم المتضادة، وتكون الشيعة عندهم أهل بدعة، وأقوالهم ~~متفقة، ومعهم النص في كل حاجة! # PageV00P111 # الفصل الثالث عشر ms45 في ذكر بغضهم لأهل البيت (عليهم السلام) ومن عجيب ~~أمرهم: أنهم يجحدون بغضهم لأهل البيت (عليهم السلام) ووجوههم بها شاهدة، ~~ويدعون محبتهم وجوارحهم لهم مكذبة، ويزعمون أنهم أحق بموالاتهم من الشيعة ~~المؤمنين، وأخص بمودتهم من جميع العالمين، وليس الحق كالبطلان، ولا الصدق ~~كالبهتان، وهيهات أن يجتمع الضدان، أو يحل قلبا واحدا نقيضان. # وقد بلغنا أن رجلا قال لأمير المؤمنين (عليه السلام): أنا أحبك وأتوالى ~~عثمان، فقال له: # " أما الآن فأنت أعور، فإما أن تعمى أو تبصر " (1). # ولعمري ما ودك من توالى ضدك، ولا أحبك من صوب غاصبك، ولا أكرمك مكرم من ~~هضمك، ولأعظمك معظم من ظلمك، ولا أطاع الله فيك مفضل أعاديك، ولا اهتدى ~~إليك مضلل مواليك، النهار فأصح، والمنار واضح، إن كانوا في محبتهم أهل ~~البيت محقين، وفيما ادعوا (2) من موالاتهم صادقين، فلم # PageV00P112 # لا تسكن قلوبهم إذا ذكرت مناقبهم، وتثبت عقولهم إذا نشرت فضائلهم؟ ولم ~~صار المتشيع لهم رافضيا شريرا، ومناصبهم العداوة شينا مستورا، وإذا سمعوا ~~من يقول: " اللهم العن ظالمي آل محمد " يغضبون ويقولون: هذا تعريض ورفض، ~~وتشرد وبغض، والمسلم لا يكون لعانا، والأفضل من اللعن التسبيح، وهم مع ذلك ~~يلعنون الشيعة اللعن الصريح، فكيف صار لعن ظالمي آل محمد تعريضا ورفضا، ~~ولعن الشيعة حقا واجبا وفرضا؟ بل كيف صار لعن من يقول: " إن عائشة ظلمت " ~~صوابا يكسب ثوابا، ولم يصر لعن من لا يقول: " إن فاطمة ظلمت " ضلالا يكسب ~~عقابا؟ ولم صارت فضائل أهل البيت (عليهم السلام) إذا وردت متفرقة في خلال ~~أحاديثهم، ومشهورة بين روايات شيوخهم تسمع وتثبت، وإذا انتزعت وتميزت تدفع ~~وتمقت، ومن رواها وحدها كان رافضيا ملعونا؟ # ولقد أخبرني القاضي أبو الحسن أسد بن إبراهيم السلمي (1) أنه حضر بمصر ~~مجلس ابن النخاس المحدث فروى فاخرا من أحاديثه يتضمن خبر الليث بن سعد وما ~~فيه من الآية التي رواها [عن] (2) الإمام الصادق جعفر بن محمد (عليهما ~~السلام) (3) # PageV00P113 # قال: ولم أكن أسمع خبر الليث بن سعد منفردا من جملة الحاضرين، لكن سمعته ~~في جملة السامعين، ثم ms46 عدت إليه في وقت آخر فسألته أن يملي علي ما رواه فلم ~~يفعل، واتهمني بالتشيع، وأوصى أصحابه أن لا يمكنونني منه، فلم هذا، وما ~~سببه؟ إن كان الخبر كذبا فقد حرمت عليه روايته، وإن كان صدقا فليس له أن ~~يمنع طالبه. # ومن عجيب أمرهم، وظاهر بغضهم لأهل البيت (عليهم السلام): أنهم إذا ذكروا ~~الإمام الحسن بن علي (عليه السلام) الذي هو ولد رسول الله وريحانته وقرة ~~عينه والذي نحله الإمامة وشهد له بالجنة حذف من اسمه الألف واللام ويقال: " ~~حسن بن علي "، ولأولاده: " أولاد حسن "، استصغارا له، واحتقارا لذكره، ثم ~~يقولون مع ذلك: # " الحسن البصري " فيثبتون في اسمه الألف واللام إجلالا له وإعظاما، ~~وتفخيما لذكره وإكراما، وذلك أن هذا البصري كان متجاوزا عن ولاية أهل البيت ~~(عليهم السلام)، وهو القائل في عثمان: " قتله الكفار وخذله المنافقون " ولم ~~يكن في المدينة يوم قتله PageV00P114 # إلا قاتل وخاذل، فنسب جميع المهاجرين والأنصار إلى الكفر والنفاق، وتخلف ~~عن الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب (عليهما السلام)، ثم خرج مع قتيبة بن ~~مسلم في جند الحجاج إلى خراسان. # ومن عجيب أمرهم: دعواهم محبة أهل البيت (عليهم السلام) مع ما يفعلون يوم ~~المصاب بالحسين (عليه السلام) من المواظبة على البر والصدقة، والمحافظة على ~~البذل والنفقة، والتبرك بشراء ملح السنة، والتفاخر بالملابس المنتخبة، ~~والمظاهرة بتطيب الأبدان، والمجاهرة بمصافحة الإخوان، والتوفر على المزاورة ~~والدعوات، والشكر من أسباب الأفراح والمسرات، واعتذارهم في ذلك بأنه يوم ~~ليس كالأيام، وأنه مخصوص بالمناقب العظام، ويدعون أن الله عز وجل تاب فيه ~~على آدم فكيف وجب أن يقضي فيه حق آدم فيتخذ عيدا، ولم يجز أن يقضي حق سيد ~~الأولين والآخرين محمد خاتم النبيين (صلى الله عليه وآله) في مصابه بسبطه ~~وولده، وريحانته وقرة عينه، وبأهله الذين أصيبوا، وحريمه الذين سبوا ~~وهتكوا، فتجهد فيه حزنا ووجدا، ويبالغ عملا وكدا، لولا البغضة للذرية التي ~~تتوارثها الأبناء عن الآباء؟! # ومن عجيب ما سمعته: أنهم في المغرب بمدينة قرطبة يأخذون في ليلة ~~العاشوراء رأس بقرة ms47 ميتة، ويجعلونه على عصا، ويحمل ويطاف به الشوارع ~~والأسواق، وقد اجتمع حوله الصبيان يصفقون ويلعبون، ويقفون به على أبواب ~~البيوت ويقولون: يامسي المروسة، أطعمينا المطنفسة - يعنون القطائف - وأنها ~~تعد لهم، ويكرمون ويتبركون بما يفعلون. # وحدثني شيخ بالقاهرة من أهل المغرب كان يخدم القاضي أبا سعيد ابن العارفي ~~(رحمه الله) أنه كان ممن يحمل هذا الرأس في المغرب وهو صبي في ليلة ~~عاشوراء، PageV00P115 # فرأى هذا من فرط المحبة لأهل البيت (عليهم السلام)، وشدة التفضيل لهم على ~~الأنام. # وقد سمع هذه الحكاية بعض المتعصبين لهم، فتعجب منها وأنكرها، وقال: # ما يستجيز مؤمن أن يفعلها، فقلت: أعجب منها حمل رأس الحسين بن علي بن أبي ~~طالب (عليهما السلام) على رمح عال، وخلفه زين العابدين (عليه السلام) مغلول ~~اليدين إلى عنقه، ونساؤه وحريمه معه سبايا مهتكات على أقتاب الجمال، يطاف ~~بهم البلدان، ويدخل بهم الأمصار التي أهلها يظهرون الإقرار بالشهادتين، ~~ويقولون: إنهم من المسلمين، وليس فيهم منكر، ولا أحد ينفر، ولم يزالوا بهم ~~كذلك إلى دمشق وفاعلو ذلك يظهرون الإسلام، ويقرأون القرآن، ليس منهم إلا من ~~قد تكرر سماعه قول الله سبحانه: ﴿قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في ~~القربى﴾ (1)، فهذا أعظم من حمل رأس بقرة في بلدة واحدة. # ومن عجيب قولهم: إن أحدا لم يشر بهذا الحال، ويستبشر بما جرى فيها من ~~الفعال، وقد رأوا ما جرى قرره شيوخهم، ورسمه سلفهم، من تبجيل كل من نال من ~~الحسين صلوات الله عليه في ذلك اليوم منالا، وآثر في القتل به أثرا، ~~وتعظيمهم لهم، وجعلوا ما فعلوه سمة لأولادهم. # فمنهم في أرض الشام: بنو السراويل، وبنو السرج، وبنو سنان، وبنو الملحي، ~~وبنو الطشتي، وبنو القضيبي، وبنو الدرجي. # وأما بنو السراويل: فأولاد الذي سلب سراويل الحسين (عليه السلام). # وأما بنو السرج: فأولاد الذين أسرجت خيله لدوس جسد الحسين (عليه السلام)، ~~ووصل بعض هذه الخيل إلى مصر، فقلعت نعالها من حوافرها وسمرت على # PageV00P116 # أبواب الدور ليتبرك بها، وجرت بذلك السنة ms48 عندهم حتى صاروا يتعمدون عمل ~~نظيرها على أبواب دور أكثرهم. # وأما بنو سنان: فأولاد الذي حمل الرمح الذي على سنانه رأس الحسين (عليه ~~السلام). # وأما بنو المكبري: فأولاد الذي كان يكبر خلف رأس الحسين (عليه السلام)، ~~وفي ذلك يقول الشاعر (1): # ويكبرون بأن قتلت وإنما * قتلوا بك التكبير والتهليلا وأما بنو الطشتي: ~~فأولاد الذي حمل الطشت الذي ترك فيه رأس الحسين (عليه السلام)، وهم بدمشق ~~مع بني الملحي معروفون. # وأما بنو القضيبي: فأولاد الذي أحضر القضيب إلى يزيد لعنه الله لنكت ~~ثنايا الحسين (عليه السلام). # وأما بنو الدرجي: فأولاد الذي ترك الرأس في درج جيرون (2)، وهذا لعمرك هو ~~الفخر باب من أبواب دمشق إلى الواضح، لولا أنه فاضح. # وقد بلغنا أن رجلا قال لزين العابدين (عليه السلام): إنا لنحبكم أهل ~~البيت، فقال (عليه السلام): # " أنتم تحبونا حب السنورة (3) من شدة حبها لولدها تأكله ". # PageV00P117 # أترى هذا عن محبة ومصافاة، وخالص مودة وموالاة؟ ألم يروا ما فعل قبل ذلك ~~من لعن أمير المؤمنين (عليه السلام) على المنابر ثمانين سنة ليس فيها مسلم ~~ينكر حتى أن أحد خطبائهم بمصر نسي أن يلعن أمير المؤمنين (عليه السلام) على ~~المنبر في خطبته وذكر ذلك في الطريق عند منصرفه، فلعنه حيث ذكر قضاء لما ~~نسيه، وقياما بما يرى أنه فرض، وقد لزم وبنى في ذلك المكان مسجدا وهو باق ~~إلى الآن بسوق وردان (1) يعرف بمسجد الذكر، وهدم في بعض السنين لأمر من ~~الأمور فرأيت في موضعه سرجا كثيرة وآثار بخور لنذور، وقيل لي: إنه يؤخذ من ~~ترابه ويتشافى به، ثم بني بعد ذلك وعظم أمره. # وفي مسجد الرمح أيضا خبر عجيب يعرفه من افتقد أسرار القوم، لهم الويل ~~الطويل، والعذاب النكيل، لقد نبذوا قدسهم (2)، وأطفأوا نيرانهم، واحتقبوا ~~العظائم، واستفرهوا المخاصم، وقد بلغنا أن أمير المؤمنين (عليه السلام) ~~قال: " أنا أول من يجثو يوم القيامة للخصوم " (3). # PageV00P118 # الفصل الرابع عشر في أغلاطهم في تفضيل أبي بكر بآية الغار فمن عجيب ~~الأمور وطريفها: أن نزل في أمير المؤمنين (عليه السلام) ms49 آيات من القرآن ~~يجتمع المسلمون على اختصاصه بها، وفضيلته فيها: # منها: ما يشهد بأنه بعد رسول الله ويوجب على الكافة فرض طاعته، وهو قوله ~~سبحانه: ﴿إنما وليكم الله ~~ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون﴾ ~~(١). # ومنها: آية المباهلة الناطقة بأن أمير المؤمنين (عليه السلام) في النسبة ~~نفس النبي، والمتضمنة من تفضيله وتفضيل ولديه وزوجته صلوات الله عليهم ما ~~لا يشركهم أحد فيه من العالمين، وهو قوله سبحانه: ﴿فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ~~ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين﴾ (2). # ومنها: سورة " هل أتى " المتضمنة من فضل أمير المؤمنين وسبطيه وزوجته ما ~~لا يختلف اثنان فيه، الشاهدة لهم بالرضوان، والخلود بالجنان، والثناء عليهم # PageV00P119 # في محكم القرآن. # وغير ذلك من الآيات النازلة فيه وفي أهله (عليهم السلام) بالفضائل ~~الباهرات، التي لا يدعيها غيرهم، و [لا] (1) يشاركهم فيها سواهم، ولا يشهر ~~ذلك في الفضائل، ولا يعلن بذكر مستحقه في المحافل، ويكون من أورد شيئا منه ~~وأضافه إلى مستحقه من الشريرين الروافض، ثم تنزل في أبي بكر آية تتضمن أنه ~~كان مع النبي في الغار، وأنه حزن فنهاه، فيكاد تقوم القيامة، وتزلزل الأرض ~~بالأمة، ويعتقد أنها أشرف آي القرآن، وأنها شاهدة لأبي بكر بفضل يتجاوز ~~الأفهام، ولا يدرك كنهه الأوهام. # ومن عجيب ما رأينا: مصحف قد كتب فيه آية الغار بذهب ليتميز عن جميع ما ~~يتضمنه المصحف من كلام الله عز وجل، ونحن أبدا نحتج على من ينكر أن يكون ~~بسم الله الرحمن الرحيم من أول كل سورة، ويدعي أنها للفرق بين السورتين، ~~فنقول له: لو كانت وضعت للفرق فقط لكتب بخط مميز عن خط المصحف، كما يكتب ~~أبدا أسماء السور، ولكانت في أول سورة براءة، وفي إثباتها بالخط الذي أثبت ~~به القرآن، فليست للفرق، فقد طلب القوم بما فعلوه في آية الغار الفضل ~~فوقعوا في الجهل، فياعجباه! # ويحق للعاقل أن يعجب كيف فعل ms50 ذلك بآية الغار ولم يفعل ب‍ (قل هو الله ~~أحد) التي هي سورة الإخلاص ونسبة الرحمن، والتي روي عن النبي (صلى الله ~~عليه وآله) أنه قال: " من قرأها ثلاث دفعات فكأنما قرأ جميع القرآن " (2). # PageV00P120 # بل كيف لم يفعل ذلك بسورة الحمد التي هي: سبع المثاني، وأم الكتاب، ~~وفاتحة الكتاب، وكل صلاة بغيرها خداج (1)؟ فكيف صارت آية الغار أحق ~~بالتفضيل والتميز من جميع ما نزل؟ وما الذي شرفت به على سورتي " الحمد " و ~~" قل هو الله أحد " لولا الهوى الذي يعبده، والعناد الذي يقصد، وقد رأيت ~~نسخة التوراة مع بعض اليهود فاطلعت فيها فرأيتهم قد ميزوا العشر الكلمات عن ~~جميعها فكتبوها بذهب، فأظن فاعل ذلك بآية الغار اقتدى باليهود في هذا ~~الأمر. # ومن العجب: اعتقادهم في آية الغار فضلا وهي شاهدة عليه بالنقص واستحقاق ~~الذم، وظنهم أن النبي (صلى الله عليه وآله) أخذه معه للأنس به، وقد آنسه ~~الله بالملائكة ووحيه، وتصحيح اعتقاده أنه تعالى ينجز له ما وعده، وإنما ~~أخذه لأنه لقيه في طريقه فخاف أن يظهر أمره من جهته فأخذه معه احتياطا في ~~تمام شره، وتوهموا أن حصوله في الغار منقبة له، وفي الغار ظهر خطاؤه وزلله، ~~لأنه حصل معه في الغار في حرز حريز، ومكان مصون، بحيث يأمن الله على نبيه ~~مع ما ظهر له من الآيات في تعشيش الطائر ونسج العنكبوت على بابه، لم يثق مع ~~هذه الأمور بالسلامة، ولا صدق بالآية، وأظهر الحزن والمخافة، حتى غلبه ~~بكاؤه، وتزايد قلقه وانزعاجه، وبكى النبي (صلى الله عليه وآله) في تلك ~~الحال إلى مقاساته، ووقع إلى مداراته، فنهاه عن الحزن وزجره، ونهي النبي ~~(صلى الله عليه وآله) لا يتوجه في الحقيقة إلا إلى الزجر عن القبيح، ولا ~~سبيل إلى صرفه إلى المجاز بغير دليل، لا سيما وقد ظهر من جزعه وبكائه ما ~~يكون من مثله فساد الحال في الاختفاء، فهو إنما نهى عن استدامة ما وقع منه، ~~ولو سكنت نفسه إلى ما وعد الله تعالى نبيه، وصدقه فيما أخبر ms51 به من # PageV00P121 # نجاته لم يحزن حيث يجب أن يكون آمنه، ولا انزعج قلبه في الموضع الذي ~~يقتضي سكونه، فأي فضيلة في آية الغار يفتخر بها لأبي بكر لولا المكابرة ~~واللدد (١)؟! # وأعجب من هذا: قول الله تعالى: ﴿فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم ~~تروها﴾ (٢)، فيعلمون بهذا أن السكينة اختصت برسول الله (صلى الله عليه ~~وآله)، لأنه المؤيد بالجنود دون غيره، ولا يجوز أن يريد الله تعالى بجنوده ~~أحدا من الأنام سوى نبيه! # ومن عجيب جهلهم: قولهم: إن النبي مستغن بنبوته عن السكينة، حتى كأنهم لم ~~يسمعوا في القرآن قول الله: ﴿ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى ~~المؤمنين﴾ (3)، ولو أنهم يسمعون ذلك استماع من يعيه ويفهم لعلموا أن ~~السكينة لا تنزل على أحد من أهل الإيمان ومعه النبي (صلى الله عليه وآله) ~~إلا وتنزل على النبي (صلى الله عليه وآله) قبله، ويذكر قبل ذكره، وتحققوا ~~أن نزولها في الغار دليل على أنه للنبي (صلى الله عليه وآله) وأنه ليس معه ~~مؤمن يستحقها، ولولا ذلك لقال: فأنزل سكينته على رسوله وعليه، أو قال: ~~وعليهما! # ومن عجيب أمرهم، وظاهر عنادهم: افتخارهم لأبي بكر بآية الغار، وإكثارهم ~~من ذكرها، ولا يذكرون مبيت أمير المؤمنين (عليه السلام) تلك الليلة على ~~فراش رسول الله (صلى الله عليه وآله)، حيث بذل مهجته دونه، وفداه بنفسه، ~~واضطجع في موضعه الذي يقصده إليه أعداؤه، حتى تعجبت من ذلك الملائكة، وأنزل ~~الله في مبيته: # PageV00P122 # ﴿ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء ~~مرضاة الله والله رؤوف بالعباد﴾ (1)، هنالك قالت الملائكة: # هنيئا لك يا بن أبي طالب وأنت الحبيب المواسي (2)، فما انصراف القوم عن ~~هذه الفضيلة العظيمة، ولهجهم بذكر آية الغار، إلا معاندة في الدين، وبغضة ~~قد خالطت لحومهم لأمير المؤمنين (عليه السلام)! # ومن العجب: أن يفتخر أمير المؤمنين (عليه السلام) بمبيته على الفراش فلا ~~يعدونه له فخرا، ويعترف أبو بكر بأن حزنه ms52 في الغار معصية، وأن النبي (صلى ~~الله عليه وآله) أخبره أن حزنه إثم وفتنة، فيخالفونه ويعدونه فخرا، وقد نظم ~~كل واحد منها في ذلك شعرا، فروي أن أمير المؤمنين قال في مبيته: # وقيت بنفسي خير من وطئ الحصى * ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر رسول إله ~~الخلق أن مكروا به * فنجاه ذو الطول الكريم من المكر وبت أراعيهم وما ~~يثبتونني * وقد صبرت نفسي على القتل والأسر (3) وقال أبو بكر في أبيات له ~~رواها ابن إسحاق (4) في السيرة، وهو عند القوم أمين، ثقة: # ولما ولجت الغار قال محمد * أمنت فثق في كل ممسى ومولج # PageV00P123 # بربك إن الله بالغك الذي * تنوء به في كل مثوى ومخرج ولا تحزنن فالحزن ~~إثم وفتنة * يكون على ذي البهجة المتحرج فيقر الرجل في شعره بأن النبي ~~أخبره أن حزنه في تلك الحال فتنة وإثم، فالفتنة الكفر، قال الله تعالى: ﴿والفتنة أكبر من القتل﴾ ~~(1)، ولا صرفها في هذا المكان إلى بعض محتملاتها من غير هذا الوجه لما قد ~~قارنها من الإثم الذي لا يكون إلا في معصية الله عز وجل وشيعة الرجل ~~يكذبونه فيما أخبر به، ويعدون معصيته حسنة، وحزنه مسرة، ويجعلون له ببغداد ~~عيدا في كل سنة يظهرون فيه الفرح والمسرة، فيفرحون يوم إثمه، ويسرون يوم ~~حزنه، وقد كان يجب أن يحزنوا كما حزن، ويغتموا بما جنى وأثم، بل يبكون ~~لبكائه إذا كانوا من شيعته وأوليائه، لكن قصوراتهم واضحة، ومناقضاتهم ~~فاضحة! # PageV00P124 # الفصل الخامس عشر في غلطهم فيما يدعون لأبي بكر من الانفاق ومن عجيب ~~أمرهم، وعظيم خطئهم: أنهم يسمعون قول الله عز وجل لنبيه (صلى الله عليه ~~وآله): # ﴿ووجدك عائلا فأغنى﴾ (١)، ~~ويعلمون أن الله تعالى جعل له الأنفال خالصة من دون المؤمنين، والقسم ~~الوافر من الأخماس التي تميز به عن سائر الناس لتنزيهه وأهله من الصدقات، ~~وأغناه بفضله عن أموال العباد، وقال في كتابه: ﴿قل لا أسألكم عليه أجرا ms53 إلا المودة في ~~القربى﴾ (2) فلا يعتبرون هذا ويدعون أنه افتقر إلى مال أبي بكر فأنفق ~~عليه مالا جزيلا، ويرتكبون في ذلك بهتانا مهولا! # فياعجباه كيف يحتاج إلى مال أحد رعيته، وقد أغناه الله تعالى بفضله وسعة ~~رحمته؟ وكيف يمد يده إلى أموالهم وقد نزهه الله تعالى عن أخذ ما فرض عليهم ~~إخراجه من صدقاتهم؟ هذا هو البهت القبيح، والكذب الصريح! # و [من] (3) العجب: دعواهم الإنفاق لرجل قد عرف مذ كان بالفقر وسوء # PageV00P125 # الحال، ومن اطلع في النقل والآثار، وأشرف على السير والأخبار، لم يخف ~~عليه فقر أبي بكر وصعلكته، وحاجته ومسكنته، وضيق معيشته، وضعف حيلته، وأنه ~~كان في الجاهلية معلما، وفي الإسلام خياطا، وكان أبوه سيئ الحال ضعيفا، ~~يكابد فقرا مهلكا، ومعيشة ضنكا، مكتسبه أكثر عمره من صيد القماري والدباسي ~~(1) الذي لا يقدر على غيره، فلما عمي وعجز ابنه عن القيام به التجأ إلى عبد ~~الله بن جدعان فنصبه ينادي على مائدته كل يوم لإحضار الأضياف، وجعل له على ~~ذلك ما يقوته من الطعام، فمن أين كان لأبي بكر هذا الحال، وهذه حاله وحال ~~أبيه في الفقر والاختلال!؟ # وهم الراوون أن أبا بكر طلب يوما من منزله غشاء لقربة فلم يكن عنده شئ ~~حتى شقت أسماء نطاقها فغشت القربة بنصفه، وزعموا أنه سماها ذات النطاقين ~~(2). وليس بخلاف أنه لما ولي الأمر بعد النبي (صلى الله عليه وآله) غدا إلى ~~السوق ليتعيش، فقال له المسلمون: لا تفعل ففي ذلك نقص، ونحن نجعل لك من بيت ~~مال المسلمين ما يقوتك، فجعل كل يوم ثلاثة دراهم يعود بها على نفسه وعياله ~~(3)، وهذا يدل على أن الرجل لم يزل فقيرا من أول عمره إلى آخره، ولقد أحسن ~~شاعرنا في قوله: # وإلا فهذا الحال من أين أصله * وفيما روي إنفاقه تجدان # PageV00P126 # وقد علم من أخبار أهل البيت أن أصعب الأحوال كانت على النبي يفتقر في ~~مثلها إلى المعونة والإرفاد حالان: أحدهما وهو مستتر في الشعب، والآخر ~~خروجه عن مكة هاربا إلى المدينة. # فأما مدة مقامه ms54 في الشعب فقد روى المخالف والمؤالف أن أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) كان يتردد ويتحمل كل يوم فيما ينفقه عليه حتى روي أنه أجر ~~نفسه من يهودي وصرف الأجرة إلى ما يحتاج إليه رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله). # وأما توجهه (صلى الله عليه وآله) إلى الهجرة فقد روي أنه كان لأبي بكر ~~يومئذ بعيران، فلما نشب (1) في إحدارهما إليه قال: خذ يا رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) أحدهما، فقال له: " لا، إلا بالثمن " (2)، فلو كان له عليه ~~إنفاق لم يقل هذا المقال. # ومن العجيب: أن يتصدق أمير المؤمنين (عليه السلام) بخاتمه على مسكين ~~فينزل في خاتمه قرآن (3) لا يختلف في أنه المراد به اثنان، ويتصدق هو وأهله ~~على مسكين ويتيم وأسير بأقراص من الطعام فتنزل سورة كاملة تشهد له بالرضوان ~~والخلود في الجنان (4)، ثم ينفق أبو بكر فيما زعموا على خير خلق الله مائة ~~ألف درهم فلا ينزل على مدحه آية من القرآن (5)! # PageV00P127 # الفصل السادس عشر في ذكر فدك فمن عجيب الأمور وطريفها: أن تخرج فاطمة ~~الزهراء البتول سيدة نساء العالمين، ابنة خاتم النبيين، تندب أباها وتستغيث ~~بأمته، ومن هداهم إلى شريعته، في منع أبي بكر من ظلمها فلا يساعدها أحد، ~~ولا يتكلم معها بشر، مع قرب العهد برسول الله (صلى الله عليه وآله)، ومع ما ~~يدخل القلوب من الرقة في مثل هذا الفعل إذا ورد من مثلها حتى تحمل الناس ~~أنفسهم على الظلم فضلا عن غيره، ثم تخرج عائشة بنت أبي بكر إلى البصرة تحرض ~~الناس على قتال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وقتال من معه ~~من خيار الناس، ساعية في سفك دمه ودماء أولاده، وأهله وشيعته، فتجيبها عشرة ~~آلاف من الناس، ويقاتلون أمامها، إلى أن هلك أكثرهم بين يديها، إن هذا لمن ~~الأمر العجيب! # ومن العجب: أن تأتي فاطمة (عليها السلام) إلى أبي بكر تطالبه بفدك، وتذكر ~~أن أباها نحلها إياها، فيكذب قولها، ويقول لها: هذه دعوى لا بينة لها، هذا ~~مع إجماع الأمة ms55 على طهارتها وعدالتها، فتقول له: " إن لم يثبت عندك أنها ~~نحلة فأنا PageV00P128 # أستحقها ميراثا " (1)، فيدعي أنه سمع النبي (صلى الله عليه وآله) يقول: " ~~نحن معاشر الأنبياء لا نورث وما تركناه صدقة " (2)، ويلزمها تصديقه فيما ~~ادعاه من هذا الخبر، مع اختلاف الناس في طهارته وصدقه وعدالته، وهو فيما ~~ادعاه خصم لأنه يريد أن يمنعها حقا جعله الله لها! # ومن العجيب: أن يقول لها أبو بكر مع علمه بعظم خطرها في الشرف، وطهارتها ~~من كل دنس، وكونها في مرتبة من لا يتهم، ومنزلة من لا يجوز عليه الكذب: ~~ائتيني بأحمر أو أسود يشهد لك بها وخذيها - يعني فدك (3) -، فأحضرت إليه ~~أمير المؤمنين والإمامين الحسن والحسين صلوات الله عليهم أجمعين وأم أيمن، ~~فلم يقبل شهادتهم وأعلها، وزعم أنه لا يقبل شهادة الزوج لزوجته، ولا الولد ~~لوالده، وقال: هذه امرأة واحدة - يعني أم أيمن -، هذا مع إجماع المخالف ~~والمؤالف على أن النبي قال: " علي مع الحق، والحق مع علي، اللهم أدر الحق ~~معه حيثما دار " (4)، وقوله: " الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا " (5)، ~~وقوله (صلى الله عليه وآله) في أم أيمن (6): " أنت على خير وإلى خير "، فرد ~~شهادة الجميع مع # PageV00P129 # تميزهم عن الناس. # ثم لم تمض الأيام حتى أتاه مال البحرين، فلما ترك بين يديه تقدم إليه ~~جابر بن عبد الله الأنصاري فقال له: النبي (صلى الله عليه وآله) قال لي: " ~~إذا أتى مال البحرين حبوت لك، ثم حبوت لك - ثلاثا - " فقال له: تقدم فخذ ~~بعددها، فأخذ ثلاث حفنات من أموال المسلمين بمجرد الدعوى من غير بينة ولا ~~شهادة، ويكون أبو بكر عندهم مصيبا في الحالين، عادلا في الحكمين، إن هذا من ~~الأمر المستطرف البديع! # ومن عجيب أمر المعتزلة: إقرارهم بأن أمير المؤمنين (عليه السلام) أعلم ~~الناس وأزهدهم بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ثم يعلمون أنه أتى مع ~~فاطمة شاهدا لها بصحة ما ادعته من نحلتها، فلا يستدلون بذلك على صوابها، ~~وظلم مانعها، ولا يتأملون أن أعلم الناس لا يخفى عنه ما يصح ms56 من الشهادة وما ~~يبطل، وأن أزهد الناس لا يشهد بباطل، وأن أمير المؤمنين (عليه السلام) لو ~~كان لا يعلم أن شهادته بذلك مع من حضره لا يجوز قبولها، ولا يؤثر في وجوب ~~الحكم بها، وكان أبو بكر يعلم ذلك لبطل القول بأنه (عليه السلام) أعلم ~~الناس بعد النبي (صلى الله عليه وآله)، وأنه لو كان يعلم أن فاطمة (عليها ~~السلام) تطلب باطلا، وتلتمس محالا، وأن شهادته لا يحل في تلك الحال قبولها، ~~ولا يسوغ الحكم بها، ثم أقدم مع ذلك عليها فشهد لها لكان قد أخطأ متعمدا، ~~وفعل ما لا يليق بالزهاد والأتقياء، وبطل قولهم أنه (عليه السلام) أزهد ~~الناس بعد النبي (صلى الله عليه وآله)، ولا ينتبهون بهذه الحال من رقدة ~~الخلال (1)! # ومن عجيب أمرهم: اعتقادهم في رد أبي بكر شهادة أمير المؤمنين والحسن # PageV00P130 # والحسين (عليهم السلام) بقولهم: إن هذا بعلها، وهذان ابناها، وكل منهم ~~يجر إلى نفسه، ولا يصح شهادة من له حظ فيما يشهد به، ثم يقبلون مع ذلك قول ~~سعيد بن زيد بن نفيل - فيما رواه وحده - من أن أبا بكر وعمر وعثمان وطلحة ~~والزبير وسعدا وسعيدا وعبد الرحمن بن عوف وأبا عبيدة من أهل الجنة، ~~ويصدقونه في هذه الدعوى، ويحتجون بقوله مع علمهم بأنه أحد من ذكره، وله حظ ~~فيما شهد به، ولا يردون بذلك قوله، ولا يبطلون خبره، ويتغطى عليهم أنه لا ~~للزوج من مال زوجته، ولا للولد من مال والده، إلا ما نحله أباه أو ورثه ~~عنه! # ومن عجيب الأمور، وعظيم البدع في الدين: أن يشهد رجل بر تقي لم يكن قط ~~بالله مشركا، ولا للدين منكرا، ولا أكل من حرام سحتا، ولا عاقر على خمر ~~نديما، ولا ارتكب محرما، ولا جرب أحد منه قط كذبا، ولا علم منه ذنبا، ولا ~~كان في طاعة الله ورسوله مقصرا، ولا عن درجات السبق إلى الفضائل متأخرا، مع ~~اختصاصه برسول الله (صلى الله عليه وآله) نسبا وسببا، عند رجل أقام أربعين ~~سنة من عمره كافرا، وبالله ms57 تعالى مشركا، ولما ظهر وبطن من الفواحش مرتكبا، ~~ولما ظهر الإسلام لم يعلم أحد أن له فيه أثرا جميلا، ولا كفى النبي (صلى ~~الله عليه وآله) مخوفا، بل عن كل فضيلة متأخرا، ولعهود الله ناكثا، وكان في ~~علمه ضعيفا، وإلى غيره فيه فقيرا، فيردن شهادته، ولا يقبل قوله، ويظهر أنه ~~أعرف بالصواب منه، هذا والشاهد متفق على طهارته، وصدقه وإيمانه، والمشهود ~~عنده مخالف في طهارته، وصدقه وإيمانه، إن هذا مما تنفر منه النفوس السليمة، ~~والعقول المستقيمة! # ومن العجب: أنهم يدعون على فاطمة البتول سيدة نساء العالمين التي أحضرها ~~النبي (صلى الله عليه وآله) للمباهلة، وشهد لها بالجنة، ونزلت فيها آية ~~الطهارة، أنها طلبت من أبي بكر باطلا، والتمست لنفسها محالا، وقالت كذبا، ~~ويعتذرون في PageV00P131 # ذلك بأنها لم تعلم بدين أبيها، أنه لا حق لها في ميراثه، ولا نصيب لها من ~~تركته، وجهلت هذا الأصل في الشرع، وعلم أبو بكر أن النساء لا يعلمن ما يعلم ~~الرجال، ولا جرت العادة بأن يتفقهن في الأحكام، ثم يدعون مع هذا أن النبي ~~(صلى الله عليه وآله) قال: # " خذوا ثلث دينكم عن عائشة، لا بل خذوا ثلثي دينكم عن عائشة، لا بل خذوا ~~كل دينكم عن عائشة " (1)، فتحفظ عائشة جميع الدين، وتجهل فاطمة في مسألة ~~واحدة مختصة بها في الدين. إن هذا لشئ عجيب، والذي يكثر التعجب، ويطول فيه ~~الفكر: أن بعلها أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يعلمها، ولم يصنها عن ~~الخروج من منزلها لطلب المحال، والكلام بين الناس، بل يعرضها لالتماس ~~الباطل، ويحضر معها فيشهد بما لا يسوغ ولا يحل، إن هذا من الأمر المهول، ~~الذي تحار فيه العقول! # ومن عجيب أمرهم، وضعف دينهم: أنهم نسبوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~إلى أنه لم يعلم ابنته التي هي أعز الخلق عنده، والذي يلزم من صيانتها، ~~ويتعين عليه من حفظها، أضعاف ما يلزمه لغيرها، بأنه لاحق لها من ميراثه، ~~ولا نصيب له في تركته، ويأمرها أن تلزم بيتها، ولا تخرج للمطالبة بما ليس ms58 ~~لها، والمخاصمة في أمر مصروف عنها، وقد جرت عادة الحكماء في تخصيص الأهل ~~والأقرباء بالإرشاد والتعليم، والتأديب والتهذيب، وحسن النظر بهم بالتنبيه ~~والتنتيف (2)، والحرص عليهم # PageV00P132 # بالتعريف والتوقيف، والاجتهاد في إيداعهم معالم الدين، وتميزهم عن ~~العالمين! # هذا مع قول الله تعالى: ﴿وأنذر ~~عشيرتك الأقربين﴾ (١)، وقوله سبحانه: # ﴿يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم ~~وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة﴾ (2)، وقول النبي (صلى الله عليه ~~وآله): " بعثت إلى أهل بيتي خاصة، وإلى الناس عامة " (3)، فنسبوه (صلى الله ~~عليه وآله) إلى تضييع الواجب، والتفريط في الحق اللازم، من نصيحة ولده، ~~وإعلامه ما عليه وله، ومن ذا الذي يشك في أن فاطمة كانت أقرب الخلق إلى ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأعظمهم منزلة عنده، وأجلهم قدرا لديه، ~~وأنه كان في كل يوم يغدو إليها لمشاهدتها، والسؤال عن خبرها، والمراعاة ~~لأمرها، ويروح كذلك إليها ويتوفر على الدعاء لها، ويبالغ في الإشفاق عليها، ~~وما خرج قط في بعض غزواته وأسفاره حتى ولج بيتها ليودعها، ولا قدم من سفره ~~إلا لقوه بولديها، فحملهما على صدره وتوجه بهما إليها، فهل يجوز في عقل، أو ~~يتصور في فهم، أن يكون النبي (صلى الله عليه وآله) أغفل إعلامها بما يجب ~~لها وعليها، وأهمل تعريفها بأنه لاحظ في تركته لها، والتقدم إليها بلزوم ~~بيتها بترك الاعتراض بما لم يجعله الله لها؟ # اللهم إلا أن نقول: إنه أوصاها فخالفت، وأمرها بترك الطلب فطلبت وعاندت، ~~فيجاهرون بالطعن عليها، ويوجبون بذلك ذمها والقدح فيها، ويضيفون المعصية ~~إلى من شهد القرآن بطهارتها، وليس ذلك منهم بمستحيل، وهو في جنب عداوتهم ~~لأهل البيت (عليهم السلام) قليل! # PageV00P133 # ومن العجب: قول بعضهم لما أغضبه الحجاج: أنه (صلى الله عليه وآله) أعلمها ~~فنسيت، واعترضها الشك بعد علمها فطلبت، وهذا مخالف للعادات، لأنه لم يجر ~~العادة بنسيان ما هذا سبيله، لأنه قال لها: " لا ميراث لك مني، وإنا معاشر ~~الأنبياء لا نورث، وما تركناه صدقة "، كان الحكم في ms59 ذلك معلقا بها، فكيف ~~يصح في العادات أن تنسى شيئا يخصها فرض العلم به، ويصدق حاجتها إليه حتى ~~يذهب عنها علمه، وتبرز للحاجة، ويقال لها: إن أباك قال: إنه لا يورث، ولا ~~تذكر مع وصيته إن كان وصاها حتى تحاجهم بقول الله تعالى: ﴿وورث سليمان داود﴾ (١)، وقوله تعالى حكاية عن ~~زكريا: ﴿يرثني ويرث من آل يعقوب ~~واجعله رب رضيا﴾ (2)، ولا تزال باكية شاكية إلى أن قبضت، وأوصت أن لا ~~يصلي ظالمها وأصحابه عليها، ولا يعرفوا قبرها؟! # ومن العجب: أن يعترض اللبس على أمير المؤمنين (عليه السلام) حتى يحضر ~~فيشهد لها مما ليس لها، مع قول النبي: " أنا مدينة العلم وعلي بابها " (3)! # ومن العجب: اعترافهم بأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: " إن الله ~~يغضب لغضب فاطمة، ويرضى لرضاها " (4)، وقال: " فاطمة بضعة مني يؤلمني ما ~~يؤلمها " (5)، # PageV00P134 # وقال: " من آذى فاطمة فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله " (١)، ثم إنهم ~~يعلمون ويتفقون أن أبا بكر أغضبها وآلمها وآذاها، فلا يقولون: هو هذا إنه ~~ظلمها، ويدعون أنها طلبت باطلا، فكيف يصح هذا؟ ومتى يتخلص أبو بكر من أن ~~يكون ظالما وقد أغضب من يغضب لغضبه الله، وآلم هو بضعة لرسول الله، ويتألم ~~لألمها، وآذى من في أذيته أذية الله ورسوله، وقد قال الله تعالى: ﴿إن الذين يؤذون الله ورسوله ~~لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا﴾ (2)، وهل هذا إلا ~~مباهتة في تصويب الظالم، وتهور في ارتكاب المظالم! # ومن العجب: قول بعضهم أيضا: إن أبا بكر كان يعلم صدق الطاهرة فاطمة عليها ~~صلوات الله فيما طلبته من نحلته من أبيها، لكنه لم يكن يرى أن يحكم بعلمه، ~~فاحتاج في إمضاء الحكم لها إلى بينة تشهد بها. # فإذا قيل لهم: فلم لم يورثها من أبيها؟ # قالوا: لأنه سمع النبي (صلى الله عليه وآله) يقول: " نحن معاشر الأنبياء ~~لا نورث، ما تركناه صدقة " (3). # فإذا قيل ms60 لهم: فهذا خبر تفرد أبو بكر بروايته، ولم يروه معه غيره؟ # قالوا: هو وإن كان كذلك فإنه السامع له من النبي (صلى الله عليه وآله)، ~~ولم يجز له مع سماعه منه وعلمه به أن يحكم بخلافه. # فهم في النحلة يقولون: إنه لا يحكم بعلمه وله المطالبة بالبينة، وفي ~~الميراث يقولون: إنه يحكم بعلمه ويقضي بما انفرد بسماعه. # PageV00P135 # والمستعان بالله على تلاعبهم بأحكام الملة، وهو الحكم العدل بينهم وبين ~~من عاند من أهله. # ومن عجائب الأمور: تأتي فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) تطلب ~~فدكا، وتظهر أنها تستحقها، فيكذب قولها، ولا تصدق في دعواها، وترد خائبة ~~إلى بيتها، ثم تأتي عائشة بنت أبي بكر تطلب الحجرة التي أسكنها أباها رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله)، وتزعم أنها تستحقها، فيصدق قولها، وتقبل ~~دعواها، ولا تطالب ببينة عليها، وتسلم هذه الحجرة إليها، فتصرف فيها، وتضرب ~~عند رأس النبي (صلى الله عليه وآله) بالمعاول حتى تدفن تيما وعديا فيها، ثم ~~تمنع الحسن ابن رسول الله بعد موته منها، ومن أن يقربوا سريره إليها، ~~وتقول: لا تدخلوا بيتي من لا أحبه (1)، وإنما أتوا به ليتبرك بوداع جده، ~~فصدته عنه، فعلى أي وجه دفعت هذه الحجرة إليها، وأمضى حكمها إن كان ذلك لأن ~~النبي نحلها إياها فكيف لم تطالب بالبينة على صحة نحلتها كما طولبت بمثل ~~ذلك فاطمة صلوات الله عليها؟ وكيف صار قول عائشة بنت أبي بكر مصدقا، وقول ~~فاطمة ابنة رسول الله مكذبا مردودا؟ وأي عذر لمن جعل عائشة أزكى من فاطمة ~~صلى الله عليها وقد نزل القرآن بتزكية فاطمة في آية الطهارة وغيرها، ونزل ~~بذم عائشة وصاحبتها، وشدة تظاهرهما على النبي (صلى الله عليه وآله) وأفصح ~~بذمها، وإن كانت الحجرة دفعت إليها ميراثا، فكيف استحقت هذه الزوجة من ~~ميراثه ولم تستحق ابنته منه حظا ولا نصيبا؟ وكيف لم يقل هذا الحاكم لابنته ~~عائشة نظير ما قال لبنت رسول الله: إن النبي لا يورث، وما تركه صدقة! # على أن في الحكم لعائشة ms61 بالحجرة عجبا آخر وهو: أنها واحدة من تسع أزواج # PageV00P136 # خلفهن النبي، فلها تسع الثمن بلا خلاف، ولو اعتبر مقدار ذلك من الحجرة مع ~~ضيقها لم يكن بمقدار ما يدفن أباها، وكان بحكم الميراث للحسن (عليه السلام) ~~منها أضعاف بما ورثه من أمه فاطمة ومن أبيه أمير المؤمنين (عليهما السلام) ~~المنتقل إليه بحق الزوجية منها! # ثم إن العجب كله: من أن يمنع فاطمة جميع ما جعله الله لها من النحلة ~~والميراث ونصيبها ونصيب أولادها من الأخماس التي خص الله تعالى بها أهل ~~بيته (عليهم السلام) دون جميع الناس، فإذا قيل للحاكم بهذه القضية: إنها ~~وولدها يحتاجون إلى إنفاق، جعل لهم في كل سنة بقدر قوتهم على تقدير الكفاف، ~~ثم برأيه يجري على عائشة وحفصة في كل سنة اثني عشر ألف درهم واصلة إليهما ~~على الكمال، ولا ينتطح في هذا الحكم عنزان! # فمن عجيب كذبهم، ومفرط غلوهم: روايتهم عن النبي أنه قال: " نزل علي ~~جبرئيل فقال: يا محمد، إن ربك يقرئك السلام، ويقول لك: اقرأ على أبي بكر ~~مني السلام، وقل له: ربك يقرئك السلام، ويقول: أنا عنك راض، فهل أنت عني ~~راض " (1)؟! فهذه منزلة تفوق منازل الأنبياء المصطفين، لأنا لا نعلم أحدا ~~منهم خاطبه الله تعالى بهذا الخطاب العظيم، بل لو روي مثله في النبي (صلى ~~الله عليه وآله) الذي هو خير الأنام لكان من المنكر؟ فكيف فيمن أشرك بالله ~~أربعين سنة، وقال عند موته: وددت أني شعرة في صدر مؤمن (2)؟ # PageV00P137 # ومن عجيب كذبهم: روايتهم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان راكبا ~~وأبو بكر يمشي، فأوحى الله تعالى إليه: " ألا تستحي، أنت راكب وأبو بكر ~~يمشي "؟ وهذا من جهالتهم المفرطة، وهو دال على غباوة من اختلقه، وحمق من ~~صدقه، وذلك أن مضمون هذا الكلام يقتضي أن أبا بكر إما مساو لرسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) في الفضل، أو أفضل منه وأجل، لأنه لا يجوز أن يقال للنبي ~~(صلى الله عليه وآله): ألا تستحي أن تركب ومن دونك ماش؟ ms62 # ومعنى هذا التوبيخ في الخبر: أنه كان يجب أن تكون ماشيا مثل أبي بكر، أو ~~يكون أبو بكر راكبا مثلك، أو تمشي أنت ويركب أبو بكر، وإلا فلا فائدة في ~~القول! # وجميع ذلك خلاف دين الإسلام، وكفر من جوزه من الناس، والمعلوم أن الله ~~تعالى أمر بتعظيم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت ~~النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا ~~تشعرون * إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله ~~قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم﴾ (1)، فكيف مع هذا أن يوبخ الله ~~تعالى من أمر الأمة بإجلاله وتعظيمه إذا ركب ومشى أحد أمته؟ إن هذا لعظيم! # ومن عجيب كذبهم: دعواهم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: " أبو ~~بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة " (2)، هذا مع المشهور عنه (صلى الله عليه ~~وآله): أن أهل الجنة شباب كلهم، فإنه لا يدخلها العجوز، وإنما افتعلوا هذا ~~الخبر ليعارضوا به قول النبي (صلى الله عليه وآله): " الحسن والحسين سيدا ~~شباب أهل الجنة " (3). # وقد قال لهم بعض الشيعة: إن صح خبركم هذا في الرجلين فالمراد أنهما سيدا # PageV00P138 # كهول الكافرين، لأنه قد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: " ~~الدنيا سجن المؤمن، والقبر بيته، والجنة مأواه، وإن الدنيا جنة الكافر، ~~والقبر حبسه، والنار مثواه " (1). # فما علمنا جنة فيها كهول إلا جنة الكفار التي هي الدنيا، فهما سيدا ~~الكفار! # ومن عجيب كذبهم: روايتهم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: " وزنت ~~بأمتي فرجحت، ووزن بها أبو بكر فرجح، ووزن بها عمر فرجح، ثم رجح، ثم رجح، ~~فزعموا أن نبي الرحمة الذي هدى الله به الأمة رجح مرة واحدة، وأن أبا بكر ~~ساواه رجح مرة واحدة مثله، وأن عمر بن الخطاب الذي شك في نفسه، ولم يتحقق ~~إيمانه، واتهم نبيه ولم يصوبه في فعله، ولا صدق في قوله، ومنع ms63 أن يؤتى له ~~بالدواة ليكتب بها ما فيه صلاح أمته، وزعم أن خير خلق الله يهجر في كلامه ~~(2)، ولطم فاطمة ابنته (3)، وأتى بالحطب ليحرق بيتها على من فيه (4)، رجح ~~بالفضل ثلاث دفعات، وأن فضل رسول الله (صلى الله عليه وآله) قدر ثلث فضله، ~~وهذا في الغاية من الجهل، وعدم التميز والعقل! # فليت شعري ماذا يقولون فيما روي عن عمر من تمنيه لو كان شعرة في صدر أبي ~~بكر (5)؟ وكيف يتمنى ذلك وفضله ثلاثة أمثال فضل أبي بكر، وأبو بكر يتمنى لو ~~كان شعرة في صدر مؤمن؟! # PageV00P139 # ومن عجيب كذبهم: روايتهم أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " إن بين ~~عيني عمر ملكا يسدده ويثقفه " (١)، و " إن ملكا ينطق على لسان عمر " (٢). ~~هذا مع اعتقادهم أن سيد البشر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بمكة في ~~المسجد الحرام وهو غاص بالناس فقرأ: ﴿والنجم إذا هوى﴾ (٣)، فلما انتهى إلى قوله: ﴿أفرأيتم اللات والعزى * ومناة ~~الثالثة الأخرى﴾ (4) ألقى الشيطان على لسانه أن قال: " تلك الغرانيق ~~العلى وإن شفاعتهن لترجى "، وزعموا أن الشيطان ألقى على لسان رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) ضلالا زاده في القرآن (5)، وأن بين عيني عمر وعلى ~~لسانه ملكين. وهذا إفراط في الكفر وهزؤ بالشرع! # فليت شعري أين كان هذان الملكان اللذان أحدهما بين عيني عمر، والآخر على ~~لسانه، وقت شكه بالإسلام، وارتيابه وإنكاره على رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) ما فعله في الحديبية، وحكم به وقوله: على م تعطي الدنية في ديننا؟ ~~فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): # " إنما أعمل بما يأمرني به ربي " (6). # وروي أنه قال (صلى الله عليه وآله): " هو خير لك إن عقلت "، فقام من بين ~~يديه وهو مسخط رأيه، غير راض حكمه، وأقبل يمشي بين الناس، ويؤلب على النبي ~~ويقول: # وعدنا برؤياه التي رآها أن ندخل مكة، وقد صددنا عنها ومنعنا منها، نحن ~~الآن # PageV00P140 # ننصرف وقد أعطيت الدنية، والله لو أن ms64 معي أعوانا ما أعطيتهم الدنية أبدا، ~~وقد أعطى له الأعوان يوم أحد ويوم حنين وغيرها فانهزم، وبلغ قوله النبي ~~(صلى الله عليه وآله)، فغضب وقال: " أين كنتم يوم أحد إذ تصعدون ولا تلون ~~على أحد وأنا أدعوكم؟ # أنسيتم يوم الأحزاب ﴿إذ جاءوكم ~~من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون ~~بالله الظنونا﴾ (1)؟ أنسيتم يوم كذا "؟ # فلما رأى عمر غضبه قال: " أعوذ بالله من غضب الله ومن غضب رسوله، والله ~~يا رسول الله إن الشيطان ركب على عنقي " (2)، فكيف يركب الشيطان على عنق من ~~بين عينيه ملك يسدده، وعلى لسانه ملك ينطق على لسانه؟! ثم قال له: # يا رسول الله، ألم تكن أخبرتنا أنك تدخل المسجد الحرام وتأخذ مفتاح ~~الكعبة وتعرف مع المعرفين، فكيف ذلك وهدينا لم يصل إلى البيت ولا نحن؟ # فقال (صلى الله عليه وآله): قلت لكم: إن ذلك يكون في سفركم هذا؟ قال: لا. # قال: فستدخلونها، وآخذ المفتاح، وأعرف مع المعرفين، وتحلقون رؤوسكم، فلما ~~كان يوم الفتح أخذ النبي (صلى الله عليه وآله) مفتاح الكعبة وقال: ادعوا لي ~~عمر، فلما أتاه، قال: أي عمر هذا الذي كنت قلت لكم. # وكذلك لما عرف في حجة الوداع أحضره وقال له مثل ذلك. # وروي عن عمر أنه قال: " ما شككت مثل يومئذ " (3) فكيف يشك في الإيمان من ~~رويتم أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: بين عينيه وعلى لسانه ملكان لا ~~يفارقانه؟! # PageV00P141 # ومن عجيب أمرهم في مثل هذا: دعواهم أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " ~~إن الله ضرب الحق على لسان عمر وقلبه " (١)، فكيف تصح هذه الدعوى، وقد تكلم ~~في أمارته في الجد بسبعين قضية يخالف بعضها بعضا، وقال: لا تغالوا في مهور ~~النساء فتجاوز أربعمائة درهم حتى قامت إليه امرأة فقالت: كتاب الله أحق أن ~~يتبع أم قولك؟ قال: بل كتاب الله، فتلت عليه قول الله تعالى: ﴿وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا ms65 ~~منه شيئا﴾ (2)، فقال لما استمع ذلك: ثكلتك أمك يا عمر، كل أحد أفقه منك ~~حتى النساء (3). # وحكم يوما بين اثنين فقالا له: أصبت يا أمير المؤمنين أصاب الله بك ~~الخير، فقال: وما يدريكما؟ وقال: والله ما يدري عمر أصاب أم أخطأ (4)، ~~وأغلاطه قبل ذلك وبعده لا تحصى، وهو القائل لما رده أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) في أشياء كثيرة إلى الصواب: " لولا علي لهلك عمر " (5)، فكيف يثبت ~~مع هذه الأمور دعواهم أن الله تعالى ضرب الحق على لسانه وقلبه؟ أليس هو ~~الذي خلط في الشورى تخليطا لا يخفى على ذي فهم، وأحضر الستة فقال لكل واحد ~~منهم قولا لا يصح معه أن يرد إليه أمارة على مدينة، ولا تدبير ضيعة، فوصف ~~طلحة بزهوه ونخوه، والزبير # PageV00P142 # بجفايته وجلافته، وأنه مؤمن من الرضا كافر من السخط، وسعدا بأنه صاحب ~~مقنب (1) وقتال، وأنه لا يقوم بتدبير قرية، وعبد الرحمن بضعفه، وعثمان بأنه ~~يحمل أهله على رقاب الناس، وقال: إن روثة خير منه، ووصف علي بن أبي طالب ~~(عليه السلام) بأنه ذو لطافة وفكاهة، ثم أمر بعد ذلك أن يختاروا أحدهم ~~للأمة (2)، فليس يخفى تخليط هذا الرجل عن ذي بصيرة، ولا يشك عاقل أنهم ~~كذابون في قولهم: إن الحق ضرب على لسان عمر! # ومن العجب: أن يتحسر على سالم مولى أبي حذيفة ويقول: لو كان حيا ما ~~يخالجني فيه الشك (3)، وبحضرته أمير المؤمنين والعباس فتخالجه الشكوك ~~فيهما، ولا يتخالج في سالم لو كان حيا، فهل هذا من الحق الذي ضربه على ~~لسانه وقلبه؟! # وأعجب من هذا في الستة بما لم ينزل الله تعالى، ولم يتضمنه شرع رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله): قوله: إن اختلفوا ثلاثة وثلاثة فالحق في الثلاثة ~~التي فيها عبد الرحمن، واقتلوا الثلاثة الأخرى (4)، فهل هذا إلا قصد لقتل ~~أمير المؤمنين (عليه السلام)؟ إذ العلم حاصل بأن عليا (عليه السلام) لا ~~يوافق عثمان على شئ، وأن عبد الرحمن في تلك الحال يميل إلى عثمان، وإذا لم ~~يكن أمير المؤمنين ثالثهما فإنما أمر ms66 بقتل الثلاثة التي هو أحدهم، فهل هذا ~~فعل من ضرب الحق على لسانه؟ # PageV00P143 # ومن العجب: قوله: " الحق في الثلاثة التي فيها عبد الرحمن " مع سماعه قول ~~الرسول (صلى الله عليه وآله): " علي مع الحق، والحق مع علي " (١) فما هذه ~~المنزلة لعبد الرحمن على أمير المؤمنين (عليه السلام) لولا العداوة والهوى، ~~وركوب كل صعب يسخط الله تعالى؟! # ومن عجيب كذبهم، ومفرط غلوهم: دعواهم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~قال: " لو نزل العذاب ما نجا إلا عمر بن الخطاب " (٢)، وهذا تصريح بالكفر ~~والردة، والخروج عن الملة، لأنهم أوجبوا أنه لولا عمر بن الخطاب لهلك جميع ~~الناس وفيهم رسول الله الذي قال الله تعالى فيه: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾ (٣)، وفيهم ~~أهل بيته المكرمون الذين شهد بطهارتهم التنزيل في قوله تعالى: ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم ~~الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا﴾ (4). # هذا والمحفوظ عن عمر أنه دعا بالويل والثبور عند احتضاره، وتمنى لو كان ~~ترابا، وأن أمه لم تلده (5)، فلولا أنه رأى بوادر ما توعد به على سيئ ~~أعماله، وأشرف على مقدمات العذاب وأهواله، لم يقل هذا عند احتضاره، فكيف ~~يصح القول بأنه لولا من هذه صفته لعذب الله خلقه الذين فيهم خيرته وصفوته؟ ~~وهل يخفى هذا الافتعال إلا على العمي والجهال؟! # ومن عجيب كذبهم، وقبيح جهلهم: دعواهم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~قال: " لو لم # PageV00P144 # أبعث فيكم لبعث عمر " (١)، وأنه قال: " ما أبطأ علي جبرئيل إلا أني ظننت ~~أنه قد بعث إلى عمر " (٢)، وفي رواية أخرى: " ما احتبس عني الوحي ثلاثا إلا ~~ظننته قد نزل على عمر " (٣)، فأي كفر أعظم من هذا؟ وأي جهل أعجب منه؟! أليس ~~عمر الذي شك في نفسه حتى سأل حذيفة بن اليمان، فقال له: أنا من المنافقين ~~أم لا؟ # وكيف يشك في نفسه ومنزلته منزلة من يظن به النبي (صلى الله عليه وآله) ~~نزول الوحي عليه ويخاف أن ينتقل بنبوته ms67 إليه؟ وبعد، فقد قال الله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة ~~للعالمين﴾ (4)، فإن كانت روايتهم هذه صحيحة فإرساله نقمة على عمر بن ~~الخطاب، لأنه حرمه أن يكون نبيا، إذ لو لم يبعث فيهم لبعث عمر، فيجب أن لا ~~يكون في الأرض أشر على عمر بن الخطاب من النبي (صلى الله عليه وآله) يصرفه ~~عن أن ينال أجل مرتبة، وأعلى مقام! # ومن عجيب كذبهم، وطريف افتعالهم: قولهم: إن شاعرا كان ينشد رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) شعرا، فبينما ينشده إذ دخل عمر بن الخطاب، فقال النبي ~~(صلى الله عليه وآله) للشاعر: # اسكت، فسكت، فلما خرج عمر قال للشاعر: عد، فعاد ينشده، فرجع عمر بن ~~الخطاب، فقال النبي (صلى الله عليه وآله) للشاعر: اسكت، فسكت، حتى فعل ذلك ~~ثلاث دفعات. # فلما خرج عمر قال الشاعر: يا رسول الله، من هذا الذي تأمرني بالإنشاد إذا ~~خرج وتسكتني إذا دخل؟ # PageV00P145 # فقال: النبي (صلى الله عليه وآله): " هذا عمر بن الخطاب لا يحب سماع ~~الباطل " (1)، فحملهم كثرة الجهل، وقلة الدين، وخفة العقل، على افتعال هذا ~~الخبر الذي نزهوا عمر فيه عن أمر نسبوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى ~~الرغبة فيه، وأجلوا عمر عن محبة الباطل، وزعموا أن محمد بن عبد الله خير ~~خلق الله يحبه ويستدعيه، ولا يذكرون مع ذلك ما روي من أن عمر بن الخطاب كان ~~أحب الأشياء إليه الشعر واستماعه، وحفظه وإنشاده، وأنه ما أهمه قط أمر إلا ~~أنشد بيت شعر، وهو القائل للناس: أنشدوا أولادكم الشعر فإنه ديوان العرب، ~~وبه معرفة أنسابهم، وحفظ مناقبهم! # ومن عجيب كذبهم: روايتهم أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " عمر سراج ~~أهل الجنة " (2)، أفترى لو لم يخلق الله عمر بن الخطاب كان تكون الجنة ~~مظلمة على أهلها، وفيها النبيون والمرسلون وأولوا العزم والملائكة المقربون ~~والشهداء والصديقون!؟ # ومن عجيب كذبهم: روايتهم أن عمر بن الخطاب نادى سارية بن رستم فقال: # يا سارية الجبل، هذا وعمر بالمدينة وسارية بفارس، ms68 فسمع صوته وانحاز إلى ~~الجبل (3)، وإنما وضعوا هذا الحديث ليضاهوا به خبر رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) في جعفر بن أبي طالب (عليه السلام) حيث رفعت له مؤتة فنظر إلى ~~معترك جعفر، ثم نعاه إلى الناس فأخبر أنه أصيب، وأصيب بعده زيد بن حارثة، ~~ثم عبد الله بن رواحة (4)، فأرادوا أن يساووا في المعجزتين [بين] (5) رسول ~~الله وبين عمر بن الخطاب تناهيا بالغلو # PageV00P146 # والإفراط، وإذا روي دون هذا في أمير المؤمنين (عليه السلام) كذبوه، ~~واستعظموا روايته وأنكروه، ولئن كان عمر قد نادى بسارية من بعد فلقد قوي ~~سارية بسماع ندائه من بعد، ولعل المعجز لسارية في سماعه وهو بفارس كلام عمر ~~بن الخطاب وهو بالمدينة. # ولهم من هذه الأخبار المفتعلة التي يعارضون بها معجزات النبي (صلى الله ~~عليه وآله) ما لا يحصى كثرة، ولقد سمعت بعض رواتهم يقول: إن عثمان بن عفان ~~سبح الحصى في كفيه جميعا، وهذا تصريح بتفضيل عثمان على النبي (صلى الله ~~عليه وآله)، لأن النبي (صلى الله عليه وآله) سبح الحصى في كفه، وعثمان سبح ~~الحصى في كفيه جميعا، ويقولون مع هذا: إن الشيعة تغلو في أمير المؤمنين، ~~وهذا اعتقادهم في أبي بكر وعمر وعثمان أخزاهم الله، ولقد تناهوا في العناد ~~والعصبية، وأبدعوا باختراع كل عظيمة، ولو رمنا إيراد جميع ما نقلوه من هذا ~~النمط، لطال القول في ذلك وانبسط، ولم يحوه كتاب مفرد، وفيما ذكرنا كفاية ~~لمن انتفل (1)! # PageV00P147 # الفصل السابع عشر من أغلاطهم في الأحكام، وبدعهم في شريعة الإسلام فمن ~~عجيب أمرهم: أنهم يسمعون كتاب الله تعالى يتلى عليهم، يتلقنه صغارهم، ~~ويتداركه كبارهم، وفيه قوله جلت عظمته: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت ~~لكم الإسلام دينا﴾ (1) فيخبرهم أن الدين قد أكمله لهم، وأزاح فيه ~~عللهم، ولا يكون كاملا إلا وقد نص لهم على جميع أحكامه، وعرفهم ما كلفهموه ~~من حلاله وحرامه. # فيجحدون ذلك ويدعون أن أكثر الأحكام لم ينص عليها، وأن من وجوه الحلال ~~والحرام شيئا ms69 لم يعرفهم الحق فيها، وأن القرآن والسنة اللذين أزيح بهما علل ~~الأمة لم يشتملا على جميع أحكام الملة، وأنهم لم يأثروا عن النبي (صلى الله ~~عليه وآله) من الصحيح إلا أربعة آلاف حديث لا تحيط بجميع الأحكام، ولا ~~تحتوي على سائر الحلال والحرام، ويبلغهم أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال ~~في المنبر آخر عمره: " اللهم هل بلغت " (2)؟ فيقولون: إنه لم يبلغهم جميع ~~ما كلفهموه، ولا نص لهم على سائر # PageV00P148 # ما احتاجوه، ولا أودع حفظة يكونون بعده يفزع إليهم فيه، وأن عدمهم النصوص ~~في كثير من التكليف أحوجهم إلى أن عولوا على الظنون والآراء، واعتمدوا على ~~الاستحسان والأهواء، وزعموا أنهم يستخرجون مراد الله تعالى من العياذ ~~بالقياس على علل غير معلومات، والله تعالى يقول: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الكافرون﴾ (١)، فهم يقولون: إن لنا أن نحكم في الشريعة بما يوجبه ~~قياسنا واجتهادنا مما ليس بمنزل ولا منصوص، ولو اجتهد الطاغوت في إبطال ~~الحق، وإهلاك الخلق، ما قدر على أكثر من أن يحكم في الشرع بغير ما أنزل ~~الله سبحانه، ويجعل ذلك دينا يتوارث ومذهبا يتناقل، ولذلك اختلفت كلمتهم، ~~وتضادت أقوالهم، وتحير المسترشد منهم، وضاق الحق عنهم، ولتعذر إئتلافهم ~~اعتقدوا أنهم على صواب في اختلافهم! # ومن العجب: أن الله تعالى ينهاهم عن الاختلاف في قوله: ﴿ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا﴾ (٢)، ~~ويعلمهم أن دينه غير مختلف في قوله تعالى: ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا﴾ (3)، وهم يعتقدون مع ذلك أن الاختلاف من دين الله، ويدعون على ~~النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: " اختلاف أمتي رحمة " (4)! # فمن العجب: أن يكون اختلافهم رحمة، ولا يكون اتفاقهم سخطا ونقمة! # PageV00P149 # ومن عجيب أمرهم: أنهم يسمعون النبي (صلى الله عليه وآله) يقول: " من حكم ~~في أقل من عشرة دراهم فأخطأ حكم الله عز وجل جاء يوم القيامة مصفودة يده " ~~(1) فيخالفون ms70 ويزعمون أنه للحاكم أجرا في خطائه، ويدعون على النبي أنه قال: ~~" إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإذا اجتهد وأصاب فله أجران " (2)، ~~والذي حملهم على افتعال هذا الخبر علمهم بوقوع الخطأ منهم ومن أئمتهم الذين ~~يأخذون دينهم عنهم، ولذلك قالوا: كل مجتهد مصيب! # ومن العجيب: أن يكون كل مجتهد مصيبا إلا الشيعة، فإنهم في اجتهادهم على ~~خطأ وبدعة، وكل من أفتى في الإسلام بفتوى، سواء قام إليها أم رجع إلى ~~غيرها، فهو من فقهاء الأمة، وفتواه معدودة في خلاف أهل الملة، وأقواله ~~مسموعة، وهو من أهل السنة والجماعة، إلا الأئمة من أهل بيت النبوة، فإن ~~الباقر والصادق وآباءهما والأئمة من ذريتهما صلوات الله عليهم أجمعين ليسوا ~~عندهم من الفقهاء، ولا يعدون أقوالهم خلافا، ولا يصدقون لهم قولا، ولا ~~يصوبون لهم فعلا، وليسوا من أهل السنة والجماعة، ومن اتبعهم واقتدى بهم فهو ~~من أهل البدعة، وهذا من التجريد في العداوة إلى الغاية! # ومن العجب: إنهم يسمعون قول الرسول (صلى الله عليه وآله): " إني مخلف ~~فيكم الثقلين ما إن # PageV00P150 # تمسكتم بهما لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فإنهما لن يفترقا حتى ~~يردا علي الحوض " (١)، وقوله (صلى الله عليه وآله): " مثل أهل بيتي فيكم ~~كمثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق " (٢)، وقوله (صلى الله ~~عليه وآله): " النجوم أمان لأهل السماء، وأهل بيتي أمان لأمتي " (٣)، في ~~أمثال هذه الأخبار الواردة مورد الظهور والانتشار، المتضمنة إعلامهم بأن ~~الله تعالى قد أزاح بأهل بيت نبيه (عليهم السلام) عللهم، وأغناهم بهم عن ~~غيرهم، فيهجرونهم ولا يرجعون في مسألة من الفقه إليهم، ويتعلقون بأذيال ~~مالك وأبي حنيفة والشافعي وسفيان الثوري وداود وابن حنبل، المختلفي الأفعال ~~والأقوال، المتبايني الأحكام في الحلال والحرام، فيتبعونهم مقتدين بهم، ~~ويعتمدون عليهم في معالم الدين، ويتقربون بما يأخذونه منهم إلى رب ~~العالمين، ويقولون: هم علماء الأمة، وفقهاء أهل القبلة، وأئمة الأنام، ~~وحفظة الإسلام، الذين هذبوا الشرع، وتمموا الناقص من السمع، ومن سواهم لا ~~يؤخذ منه علما، ولا يصوب لهم عملا ms71 ﴿بئس للظالمين بدلا﴾ (4)! # ومن عجيب أمرهم، وظاهر عنادهم: أنهم يرون وجوب العمل بأخبار الآحاد، # PageV00P151 # فإذا أورد إليهم خبر عن أحد العترة الأبرار، والأئمة الأطهار، أهل بيت ~~النبوة، ومعدن العلم والحكمة، صلوات الله عليهم أجمعين لم يصغوا إليه، ~~ويدعوا المعقول عليه، وكان عندهم دون أخبار الآحاد رتبة، وأقل منها درجة. # ويختارون عليه أخبار أبي هريرة الذي قال له النبي (صلى الله عليه وآله): ~~" إن فيك لشعبة من الكفر " (1). # وأخبار مغيرة بن شعبة الذي شهد عليه ثلاثة بالزنا عند عمر بن الخطاب، ~~ولعن الرابع حتى تلجلج في الشهادة، فدفع عنه الحد (2). # وأخبار أبي موسى الأشعري مقيم الفتنة، ومضل الأمة، الذي أخبر النبي (صلى ~~الله عليه وآله) أنه إمام الفرقة المرتدة، فقال فيما رواه حذيفة، عن سلمان: ~~" ستفترقون على ثلاث فرق، فرقة منها على الحق لا ينقص الباطل منها شيئا ~~يحبونني ويحبون أهل بيتي، مثلهم كمثل الذهبة الحمراء أوقد عليها صاحبها فلم ~~تزدد إلا خيارا، وفرقة على الباطل لا ينقص الحق منها شيئا يبغضونني ويبغضون ~~أهل بيتي، مثلهم مثل الحديدة أوقد عليها صاحبها فلم تزدد إلا شرا، وفرقة ~~مذبذبة (3) بين هؤلاء على ملة السامري يقولون: لا مساس، إمامهم الأشعري " ~~(4). # وأخبار عبد الله بن عمر الذي لم يحسن أن يطلق امرأته (5)، والذي قعد عن ~~بيعة # PageV00P152 # أمير المؤمنين (عليه السلام)، ثم جاء بعد ذلك إلى الحجاج فطرقه ليلا ~~وقال: بيدك أبايعك لأمير المؤمنين عبد الملك، فإني سمعت رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) يقول: " من مات وليس عليه بيعة إمام فموتته جاهلية " (1)، ~~فأنكر عليه الحجاج ذلك مع كفره وعتوه، وقال له: بالأمس تقعد عن بيعة علي بن ~~أبي طالب، وأنت اليوم تأتيني وتسألني عن بيعة عبد الملك بن مروان! يدي عنك ~~مشتغلة، لكن هذه رجلي (2). # وأخبار كعب الأحبار الذي قام إليه أبو ذر (رحمه الله) فضربه بين يدي ~~عثمان على رأسه بالمحجنة فشجه، وقال: يا بن اليهودية، متى كان مثلك يتكلم ~~في الدين، فوالله ما خرجت اليهودية من قلبك ms72 (3)؟ # وأخبار عامر الشعبي الذي تخلف عن الحسين (عليه السلام) وخرج مع عبد ~~الرحمن بن محمد بن الأشعث، وقال له الحجاج: أنت المعين علينا، فقال: نعم، ~~ما كنا فيها ببررة أتقياء، ولا فجرة أشقياء (4). # وهو الذي دخل بيت المال فسرق في خفه مائتي درهم. # فهؤلاء ومن يجري مجراهم، رواة القوم وثقاتهم، الذين يختارون أخبارهم على ~~أخبار الإمام الصادق وآبائه وأتباعه صلوات الله عليهم، فالكفر منهم طويل، ~~والتعجب منهم غير قليل! # ومن عجيب مغالطتهم، وظاهر جهلهم ومباطلتهم: قولهم: لو علمنا أنكم # PageV00P153 # معاشر الشيعة صادقون فيما تدعون عن الباقر والصادق (عليهما السلام) ~~لسمعنا منكم، وأخذناه عنكم، لأن مثلهم لا يخالف في علم، ولا يتهم في فهم، ~~ولكنكم غير موثوق بكم فيما تدعون، ولا بما نقل إليكم عنهم ما يذكرون، ~~فيظهرون استعظام مخالفة الأئمة صلوات الله عليهم، ويعتذرون في ترك الأخذ ~~بقولهم بهذا الاعتذار الباطل والتعليل الفاسد، وينسبون مع ذلك أنهم بأجمعهم ~~وسلفهم من قبلهم يجاهرون بمخالفة أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي هو أفضل ~~وأعلم من بنيه فيما هو مذكور في كتبهم، مسطور في صحفهم، الذي منه قولهم: " ~~كان من مذهب علي (عليه السلام): بيع أمهات الأولاد " (1)، و " كان من ~~مذهبه: إنكار المسح على الخفين " (2)، و " كان من مذهبه: أن لا يقتل اثنين ~~بواحد إلا أن يؤدي أولياء الدم إلى كل واحد منهما نصف الدية " (3)، و " كان ~~من مذهبه قطع يد السارق من أصول الأصابع " (4)، وغير ذلك مما يعترفون بأنه ~~من مذهبه، وقوله الذي يدين به، ثم إنهم يخالفونه فيه، ويباينونه عليه، فما ~~هذا الاستعظام لمخالفة أولاده، والاحتشام من تخطئة الأئمة من بعده، لولا ~~أنهم يحجمون المقال، ويبطلون بالزور والمحال!؟ # ومن العجب: أن تنقل كل طائفة من أصحاب مالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم ~~من متفقهة العامة فقها عن أئمتها فتصدق فيما نقلت، ولا تكذب فيما أخبرت ~~وروت، ولا يقول لها أحد: لا يثق بك فيما حكيت عن ربك مقالتك، وأنت متهم ~~فيما رويت عن رئيس محلتك، ثم تنقل الشيعة فقها عن أئمتها # PageV00P154 # فلا تصدق ms73 وتتهم فيما تسنده إليهم ولا يوثق فيقول لها جميع من خالفها: قد ~~كذبت على من انتسبت إليه، وافتعلت الباطل والمحال عليه، ومن تأمل بعين ~~الإنصاف رأى الطرفين متماثلين، والنقل مشتبهين، ووجدنا ما صحح أحدهما مصححا ~~للآخر، وما شكك أحدهما مشككا للآخر. # هذا وأمثاله شاهد صدق بعنادهم، وحاكم حق بسوء اعتقادهم، ودليل بيان يخبر ~~بجهلهم، وبرهان عرفان ينطق بضلالتهم. ومن افتقد أقوالهم، وانتقد أفعالهم، ~~واعتبر مقاصدهم، واختبر عقائدهم، واستكشف ظواهرهم، وكشف ضمائرهم، رأى من ~~قبيح أغلاطهم، وفظيع إفراطهم، وزايد زللهم، وكثير خللهم، وواضح معاندتهم، ~~وفاضح مناقضتهم، ما يطيل تعجبه منهم، ويواصل فكره فيهم، يعلم أننا فيما ~~سطرناه إنما أشرنا إلى قليل من كثير، وأومأنا إلى بقية من غدير، بل أتينا ~~بنقطة من بحر، وذكرنا وقتا من دهر، وإذ كان استيعاب هذا الفن متعذرا، ~~والإكثار منه مسئما مضجرا، ففيما أوردناه مثال للفاضل، وكفاية للعاقل، ~~وتنبيه للغافل، وقضاء لحق السائل. # والحمد لله ولي النعم الكامل، ومبتدئ الكرم المتواصل، وصلاته على سيدنا ~~محمد ورسوله المخصوص بالحجج والدلائل، وعلى الأئمة من ذريته ذوي المناقب ~~والفضائل (1). # PageV00P155 ms74