######OpenITI#
#META# 000.SortField :: Shia_001331
#META# 000.BookURI :: NOCODE
#META# 010.AuthorAKA :: NODATA
#META# 010.AuthorNAME :: أبو الفتح الكراجكي
#META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN
#META# 011.AuthorDIED :: 449
#META# 019.AuthorDIED :: NODATA
#META# 020.BookTITLE :: التعجب
#META# 020.BookTITLESUB :: NODATA
#META# 021.BookSUBJ :: مصادر الحديث الشيعية ـ القسم العام
#META# 022.BookVOLS :: 1
#META# 025.BookLANG :: NODATA
#META# 029.BookTITLEalt :: NODATA
#META# 030.LibURI :: Shia_001331
#META# 030.LibURIextra :: NODATA
#META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/1331_التعجب-أبو-الفتح-الكراجكي
#META# 031.LibURL :: NODATA
#META# 031.LibURLFILE :: NODATA
#META# 031.LibURLextra :: NODATA
#META# 040.EdALL :: NODATA
#META# 040.EdEDITOR :: تصحيح وتخريج : فارس حسون كريم
#META# 041.EdNUMBER :: NODATA
#META# 041.EdNumber :: NODATA
#META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA
#META# 044.EdPLACE :: NODATA
#META# 045.EdYEAR :: NODATA
#META# 049.EdISBN :: NODATA
#META# 049.EdPAGES :: NODATA
#META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA
#META# 049.EdVOLUME :: NODATA
#META# 090.RecMISC :: NODATA
#META# 999.MiscINFO :: NODATA
#####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY#
#META#Header#End#
# بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين ((1) اللهم إنا نحمدك على ما أنعمت
~~وأعطيت، ونشكرك لما أوليت وأسديت، ونسألك الصلاة على من انتخبت ((2)
~~وارتضيت، وانتجبت لرسالتك وارتضيت ((3)، سيدنا محمد رسولك الذي اصطفيت،
~~الحافظ لما أوجبت، والناهض بما أمضيت، وعلى الأئمة الطاهرين أهل البيت،
~~[صلاة] تزيد على عدد من ((4) أبقيت وأفنيت، وترفع فوق كل من ((5) اختصصت
~~وأعليت، وأكرمت برضوانك فارتضيت، وترغب ((6) إليك في التثبت على ما أرشدت
~~إليه وهديت، من موالاة
# PageV00P029
# من واليت، ومعاداة من عاديت ((1)، والتسليم لما ارتضيت، والرضا ((2) بما
~~أقضيت.
# وبعد: فهذا الكتاب ((3) حداني على عمله أن أحد الإخوان من أهل الإيمان
~~شملهم الله بفضله اطلع من أمالي الشيخ المفيد (رضي الله عنه) على كتاب
~~موسوم ب " أطراف الدلائل وأوائل المسائل " يتضمن كلاما في الإمامة، فرأى
~~في آخره (4) بابا من أغلاط العامة، أورده الشيخ (رضي الله عنه) على طريق
~~التعجب منهم، وضمنه يسيرا من خطأهم المحفوظ عنهم، وجعله بابا قصيرا، وقولا
~~يسيرا، حسب ما اقتضاه غرضه [في الكتاب، من الاختصار في كل باب، فراقه
~~وأعجبه، ولم يحب فراقه] واستطرفه واستغربه، وتأسف لقصر الباب، وتلهف على
~~طول الخطاب، وسألني في سلوك سبيله، واتباع قصده وقوله، بكلام فصيح، وغرض
~~كغرضه صحيح، [اتبعته] ليكون ما أورده كتابا مفردا، وفنا في الإمامة واحدا.
# فأعلمته أن كتب الشيخ (5) المفيد (رحمه الله) مفاتيح الفوائد، ومصابيح
~~المراشد، وأن السعيد من سلك أممه، ووطئ [أثر] قدمه، وقصد نهجه، واعتمد
~~حججه، واتبع آثاره، واقتبس أنواره.
# PageV00P030
# فأما العامة فلا (١) تنحصر أغلاطهم، ولا تجتمع في الإمامة مناقضاتهم، لأن
~~زللهم غير قليل، والتعجب منهم طويل، وكيف لا يتعجب ممن قتل الدليل، والتمس
~~السبيل، واتهم (٢) الهداة، وطلب النجاة، وهجر (٣) اليقين، واتبع الظنون،
~~وكره الائتلاف، ورضي الاختلاف؟!
# وكيف لا يتعجب ممن يتقرب إلى الله سبحانه بمعاداة أوليائه، ويدينه
~~بموالاة أعدائه، ويطلب طاعته من معصيته، ويلتمس ثوابه بمخالفته؟!
# بل كيف لا يتعجب من قوم ادعوا الشريعة وغيروها، وانتحلوا الملة وبدلوها،
~~وضيعوا الفرائض واختلفوا فيها، وتركوا السنة وانتسبوا إليها؟! قوم غلبتهم
~~العصبية، وملكتهم الحمية [حمية الجاهلية]، ms01 وأضلتهم الأهواء، وضلت عنهم
~~الآراء، فعميت أبصارهم، وصدئت أفكارهم، وتناقضت أقوالهم، وتباينت أفعالهم،
~~[فهم] في ظلمات غيهم تائهون، وبأذيال جهلهم عاثرون، وعن الحق حائدون (٤)،
~~وللحق معاندون، ﴿أولئك حزب
~~الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون﴾ (5).
# وأنا متبع ما رغب فيه الأخ الرشيد، أدام الله له التسديد، من عمل هذا
~~الكتاب، وإيراد ما حضرني (6) في فصوله من كل باب، من مناقضات القوم في
~~الإمامة وأغلاطهم، وغلوهم في المعاندة وإفراطهم، مما يقتضي التعجب منهم،
~~ويوجب
# PageV00P031
# الشكر لله سبحانه عن (1) الانفصال عنهم.
# ومن الله أستمد (2) التوفيق، وهو حسبي ونعم الوكيل.
# PageV00P032
# الفصل الأول في (1) أغلاطهم في ذكر الوصية [فمن عجيب أمرهم: أنهم قد
~~أجمعوا معنا على حسن الوصية] وفضلها وشرفها، وحميد فعلها، وأنها [قد] تكون
~~في المال والأهل والولد، وجميع من (2) كان يسوسه الموصي ويرعاه، وما كان
~~[يقوم] به ويتولاه، وأن إهمالها تفريط، وتركها تضييع، وفي فعلها حسن نظر
~~واحتياط، وجميل حزم واحتراز، وسمعوا في القرآن ذكرها، واعترفوا أن النبي
~~(صلى الله عليه وآله) أمر بها، وحث عليها، ورغب فيها، ودعا إليها. ورووا
~~(3) عنه (صلى الله عليه وآله) أخبارا من جملتها [قوله عليه الصلاة
~~والسلام]: " لا ينبغي لامرئ مسلم أن يبيت ليلتين إلا ووصيته [مكتوبة عنده "
~~(4).
# وفي خبر آخر: " إلا ووصيته] تحت رأسه " (5).
# PageV00P033
# ثم ادعوا مع ذلك أنه (صلى الله عليه وآله) مضى [من الدنيا] ولم يوص إلى
~~أحد. [هذا] وقد كان يرعى أمته (1) ويسوسهم، ويقوم بشأنهم، ويدبر أمورهم،
~~كما يسوس الرجل أطفاله، ويرعى أهله وعياله، ومنهم الضعفاء والأيتام،
~~والعجائز والأطفال، الذين حاجتهم إلى سياسته، وحسن نظره ورعايته، أشد من
~~حاجة الولد إلى والده، والعبد إلى سيده.
# ثم إنه (صلى الله عليه وآله) خلف مع ذلك أهلا وأولادا، وأقارب وأزواجا،
~~وأشياء يتنازع أهله وغيرهم [فيها] وأملاكا، وكان له حق في الخمس يحب أن
~~يصرف إلى مستحقيه (2) [وغيرهم]، وكان عليه دين يتعين وفاءه عنه لأهله (3)،
~~وعنده ودائع يلزم ردها إلى أربابها، وقد وعد جماعة بعدات يجب أن تقضى عنه ms02
~~بعده (4)، ولا يقضيها إلا وصيه، فنسبوه إلى تضييع ما حث على حفظه، والتفريط
~~فيما أمر بالاحتياط في بابه، والزهد فيما رغب فيه أمته، وحاشا له من ذلك،
~~بل كان (صلى الله عليه وآله) أفعل الخلق فيما (5) دعا إليه، وأسرع الناس
~~إلى فعل ما رغب فيه، وأسبق العالمين إلى كل فضل، وأولاهم بشرائف الفعل.
# ومن عجيب أمرهم: أنهم إذا طرقتهم الحجج الجلية في أن رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله) لم يمض من الدنيا إلا عن وصية، وأنه أوصى [إلى] أمير المؤمنين
~~[علي بن أبي طالب] (عليه السلام) دون سائر الأمة، وسمعوا تمدح أمير
~~المؤمنين (عليه السلام) بذلك في كلامه وحجاجه لخصومه، وذكره [له] في خطبه
~~على منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، واحتجاج
# PageV00P034
# أهل بيته (عليهم السلام) وشيعته من الأنصار بذلك في فضله، وما نظمه
~~الشعراء فيه، وسارت [الركبان به]، مثل قول خزيمة بن ثابت ذي الشهادتين (رضي
~~الله عنه) في أبيات يذكر فيها فضله [حيث يقول]:
# وصي رسول الله من دون أهله * وفارسه مذ كان في سالف الزمن (1) وقوله حين
~~بلغه عن عائشة كلام تعيب فيه أمير المؤمنين (عليه السلام):
# أعائش خلي عن علي وعيبه (2) * بما ليس فيه إنما أنت والده وصي رسول الله
~~من دون أهله * وأنت على ما كان من ذاك شاهده (3) وقول عبد الله بن أبي
~~سفيان بن الحارث بن عبد المطلب (رحمه الله):
# وإن (4) ولي الأمر بعد محمد * علي وفي كل المواطن صاحبه وصي رسول الله
~~حقا وصهره * وأول من صلى ومن لان جانبه (5) وقول عبد الرحمن بن حنبل (6)
~~الجمحي لما بايع أمير المؤمنين (عليه السلام):
# لعمري لقد بايعتم ذا حفيظة * على الدين معروف العفاف موفقا (7)
# PageV00P035
# عفيفا عن الفحشاء أبيض ماجدا * صدوقا وللمختار (1) قدما مصدقا أبا حسن
~~فارضوا به وتبايعوا * فلن (2) تجدوا فيه لذي العيب منطقا علي وصي المصطفى
~~وابن عمه (3) * وأول من صلى لذي العرش واتقى (4) وقول (5) زفر بن زيد (6)
~~الأسدي:
# فحوطوا عليا وانصروه فإنه * وصي وفي الإسلام أول أول (7) وإن تخذلوه
~~والحوادث ms03 جمة * فليس لكم في الأرض من متحول (8) ونحو ذلك من الأقوال التي
~~يطول بذكرها الكلام.
# قالوا عند ذلك (9):
# لسنا نجحد أن عليا (عليه السلام) وصي رسول الله (صلى الله عليه وآله)،
~~ولا ننكر ما قد اشتهر من شهادة القوم بوصيته، ولكن النبي (صلى الله عليه
~~وآله) إنما أوصى [إليه] بما كان [له] في
# PageV00P036
# يديه (1) ويمتلكه ويحويه، ولم يوص إليه بأمر الأمة كلها، ولا تعدت وصيته
~~إليه أمور تركته وأهله إلى غيرها، ثم [إنهم] يدعون بعد هذا (2) أن جميع ما
~~خلفه صدقة، وأنه لا يورث كما يورث سواه (3) من الأمة، وأن (4) فدكا
~~والعوالي صدقة ينظر فيها الخليفة الذي (5) تختاره الأمة، ولا يجوز أن تقبل
~~فيها شهادة من تثبت (6) له الوصية، فليت شعري بماذا أوصى إذا كان جميع ما
~~خلفه صدقة، ولم يكن أوصى (7) بحفظ الشريعة والقيام بأمر الأمة؟ فإن هذا مما
~~يتحير فيه ذو البصيرة، والخبرة والمعرفة (8).
# PageV00P037
# الفصل الثاني في أغلاطهم في النص ومن عجيب أمرهم: قولهم: إن رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله) كان إذا خرج من (1) المدينة استخلف عليها وعلى من
~~[كان] فيها من يقوم بمصالحهم [بنهضته]، ويسير فيهم بعده بسيرته، إشفاقا من
~~إهمالهم، وفرقا من فساد أحوالهم، وكراهة لاضطرابهم وتشتتهم (2)، وإيثارا
~~لانتظام أمرهم ومصلحتهم، وإنما أهلها [بعض] من قلد القيام بأمره، وأمر بحسن
~~النظر [له] في سياسته وتدبيره، هذا مع قرب المسافة بينه وبينهم، وسرعة عوده
~~إليهم، ثم إنه عند خروجه من الدنيا بوفاته، وانقطاعه عن جميع أمته بفقده،
~~وطمع أهل الكفر والنفاق فيهم، وتطلعهم إلى اختلاف كلمتهم، وتشتت شملهم،
~~أهمل أمرهم، وترك الاستخلاف فيهم [، وحرمهم الألطاف] بالرئاسة عليهم، ولم
~~يحسن النظر لهم بمتقدم يخلفه فيهم!
# فأمعن (3) النظر في حياته في الأمر الصغير، وحرسه من التفريط، وأهمله بعد
# PageV00P038
# وفاته في (1) الأمر الكبير، والخطب الخطير (2)، وعرضه للتضييع، إن هذا
~~[لهو] العجب العجيب، والأمر معكوس عند كل حصيف (3) ولبيب!
# ومن عجيب أمرهم: [قولهم:] (4) أن النص على علي بن أبي طالب (عليه السلام)
~~[بالإمامة] لو كان صحيحا لاحتج به على القوم ms04 بعد النبي (صلى الله عليه
~~وآله)، أو احتج به (5) غيره، ولم يجز أن يهمل [هذا] الأمر، حتى لا يدور
~~بينهم (6) في الذكر، ويقولون: إنهم [لو] كانوا ذكروه، وخاضوا فيه وتحاوروه،
~~لنقل إلينا ما جرى، ولم يجز أن يخفى، كما [نقل ما] جرى بين المهاجرين
~~والأنصار من المحاورة في الكلام، وما احتجت به قريش في استحقاقها [في]
~~المقام، وفي خلو النقل من ذلك دليل على أن القوم لم يتفوهوا به، وهذا شاهد
~~فيما زعموا ببطلانه.
# فإذا قيل لهم: فمن (7) الذي منع القوم من تقديم الفاضل ونصبه رئيسا
~~للعالم؟
# ادعوا أن الجماعة علمت علة - بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) - منعت
~~تقديمه، وأوجبت تأخيره، ولم ينطق بها ناطق، ولا تكلم فيها (8) متكلم، ولا
~~ظهرت من قلب على لسان، ولا لفظ بها إنسان، ولا ذكر خوضهم فيها ذاكر، ولا
~~أخبر بمفاوضتهم فيها مخبر، ولا ادعى محاورتهم فيها بشر، ولا اخترع في ذكرهم
~~(9) لها خبر،
# PageV00P039
# وهذه مناقضة قبيحة، ومباهتة صريحة [، وعكس لأحكام العقول، وقلب للعادات
~~عند ذوي التحصيل].
# ومن عجيب أمرهم: اعتمادهم في إنكار النص على أمير المؤمنين (عليه السلام)
~~[على] أنه لو كان حقا قد أعلن به على رؤوس الأشهاد، ولنقله الخاص [منهم]
~~والعام، ولم يقع [فيه] بين الأمة اختلاف، وقولهم: [إن] وجود الاختلاف [فيه]
~~دلالة على أنه لم ينص عليه.
# هذا مع علمهم بأن النبي (صلى الله عليه وآله) نص على عبادات كثيرة
~~وأظهرها، وأعلمها أمته وشهرها، ثم اختلفت الأمة فيها، ولم تتفق عليها.
# ومن ذلك الوضوء الذي عرفهم كيفيته وشرحه، وكرر فعله بحضرتهم وأوضحه، وهو
~~فرض عام لجميعهم، يترادف وجوبه عليهم، ويتكرر فعله منهم، فلم يتفقوا عليه،
~~ولا صدق بعضهم بعضا فيما يروونه (1)، فمنهم من مسح أذنيه، ومنهم من أنكر
~~ذلك وبدع فاعليه، ومنهم من مسح بعض رأسه، ومنهم من مسح جميعه، ومنهم من مسح
~~رجليه، فقال: لا يجوز غير غسلهما، ومنهم من يروي أن الفرض غسلها، ومنهم من
~~مسح على خفيه، ومنهم من أنكر ذلك وضلل، وكل ذلك ينسب ms05 قوله وفعله إلى رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله).
# ومن ذلك الأذان على اشتهاره بين الناس، وسماعهم له في اليوم والليلة خمس
~~دفعات، ينادي بهم للصلاة وهم فيه وفي الإمامة على غاية الاختلاف، بين زيادة
~~ونقصان وتبديع بعضهم بعضا في الخلاف.
# ومن ذلك أحكام الصلاة التي نص لهم على جملتها وتفاصيلها، وعلمهم بالقول
~~والفعل وكيفيتها، وكان يصلي بهم حضرا وسفرا فلم يتفقوا فيها،
# PageV00P040
# فقال بعضهم: يرفع يديه مع كل تكبيرة، وقال آخرون: إنما رفعها في تكبيرة
~~الافتتاح، وقال بعضهم: جهر به ببسم الله الرحمن الرحيم، وقال آخرون: لم
~~يجهر بها، وقال قوم: كبر على الميت أربعا، وقال قوم: خمسا.
# ونحو ذلك من العبادات التي قد نص عليها، وشهر أمرها، فلم يتفقوا فيها،
~~ويعلمون أنه (صلى الله عليه وآله) قد حج حجة الوداع، وأعلن بما فعله فيها
~~على رؤوس أشهاد الناس، فلم يتفقوا على صفة حجه، ولا صدق بعضهم بعضا في
~~كيفية فعله، فمنهم من يقول: أفرد، ومنهم من يقول: قرن، ومنهم من يقول:
~~تمتع، وقد قطع بحضرتهم السارق، ورأوا ما فعل ذلك بعد أن نص لهم على حكم
~~القطع نصا قطع به العذر، فلم يتفقوا على مقدار ما يقطع من اليد حتى أن منهم
~~من يقول: يقطع من أصول الأصابع، ومنهم من يقول: من الزند، ومنهم من يروي:
~~من المرفق، ويروي قوم: من الكتف.
# وغير ذلك من الخلف الذي يطول به الوصف، مما ليس يلحقه في نقله ما يلحقهم
~~في نقل النص على الإمام، المتقدم على الأنام، لما فيه من التكلف والمشقة،
~~للشوق إلى نيل الرئاسة على الأمة.
# فمن العجب أن يكون الاختلاف في جميع ما ذكرناه من هذه العبادات ليس
~~بدلالة على أنه لم ينص عليها ويكون الاختلاف في النص على الإمام دلالة على
~~أنه لم ينص عليه، وهل هذا إلا تجاهل من الخصوم!؟
# ومن عجيب أمرهم، وظاهر مناقضتهم: قولهم: إن رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله) لو كان نص بالإمامة على رجل بعينه، وشهر بين الأمة شخصه، وأمرهم ms06
~~بطاعته، لم يقع من الصحابة بعد وفاته خلاف أمره، ولا استجازوا مع تقدمهم
~~وفضلهم أن يؤخروا من قدمه، ويعملوا برأيهم الذي يلوح لهم، ويتركوا رأيه،
~~ولا يجوز أن يحدثوا أمرا PageV00P041
# يقتضي ترك امتثال أوامره.
# فإذا قيل لهم: أفلستم مجمعين على أنه (صلى الله عليه وآله) عند وفاته نص
~~على أمارة أسامة بن زيد، وقدمه وعقده على طائفة من وجوه الصحابة، وفرض
~~عليهم طاعته، وأمرهم بالتوجه معه إلى حيث بعثه، وأكد أمره، وحث على تنفيذه،
~~ونادى دفعة بعد دفعة: " أنفذوا جيش أسامة " (1)، ولعن المتخلفين عنه وفيهم
~~أبو بكر وعمر، فلم استدركوا رأيه؟
# قالوا: حدث أمر اقتضى ذلك، وبحدوث أحوال علمها الحاضرون، وهذه مناقضة من
~~غلب عقله العصبية!
# ومن العجب: استبعادهم مخالفة أكثر الأمة بعد رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله) ما أوجبه عليهم من طاعة أمير المؤمنين (عليه السلام)، وترك اتباع من
~~نصبه قدوة للأنام، مع علمهم بخلاف جميع قوم موسى أخاه هارون، واقتدائهم
~~بسواه، وعبادتهم العجل من دون الله، وهارون بينهم يذكرهم الله ويخوفهم، هذا
~~مع ميل أولئك إلى هارون، ونفور هؤلاء من أمير المؤمنين (عليه السلام)، وأن
~~أولئك خالفوا دليل العقل الذي لا يحتمل التأويل، وهؤلاء خالفوا دليل النص
~~إلى ضرب من التأويل، فما هذا الاستبعاد لولا العصبية والعناد!
# ومن عجيب أمرهم: أنهم إذا سمعوا الشيعة تحتج في صحة النص الجلي على
# PageV00P042
# أمير المؤمنين (عليه السلام) بالتواتر الذي نقله الخلف منهم عن السلف،
~~استضعفوا هذه الطريقة، ودفعوا أن تكون دلالة، وبمثلها احتج المسلمون في
~~تثبيت معجزات النبي (صلى الله عليه وآله)، والتحدي بكتاب الله سبحانه،
~~ويزعمون أن هذا النص لو كان حقا، وقد ورد متواترا، لعلمت صحته ضرورة، وهذا
~~بعينه قول الكفار في إنكار التحدي والمعجزات التي ورد بذكرها متواتر
~~الأخبار، ويقولون: لو كان ما تدعون من النص حقا لنقله الكافة، وهم يعلمون
~~أن هذا قول من جحد الملة في إنكار ما كان لنبينا من معجز وآية، ويحيلون
~~جواز الكتمان على الكثرة مع معرفتهم بانتفاء طريق الكفار والملاحدة،
~~ويقولون: ms07 إنكم معاشر الشيعة وإن كنتم اليوم لاحقين بالمتواترين في الكثرة
~~فإنكم نقلتم في الأصل عن قلة، ولا يشكون في أن هذا قول الكفار لأهل الملة،
~~كل ذلك لقلة التأمل والنصفة، وعدم التوفيق والمعرفة.
# ومن عجيب أمرهم: قولهم: كيف خص الله من تشيرون إليه بالنص بالإمامة، وما
~~سبب هذا التميز، وهل هو بفضل منحصر (١) أم استحقاق أوجبه؟ وينسون أن ذلك
~~عائد عليهم في الأنبياء وتقديم الله تعالى على الأنام، هذا مع ما يطرق
~~أسماعهم من قول الله سبحانه: ﴿والله يختص برحمته من يشاء﴾ (2).
# ومن عجيب الأمور: أنهم يستصغرون الكلام في النص إذا رمنا إثباته،
~~ويستعظمونه إذا] (3) راموا بطلانه، فيقولون لمن يثبته: ما هذه العناية
~~المفرطة بهذا الأمر، وإنما هو مسألة فرع، والخلف فيها غير قادح في الأصل،
~~ولا موجب
# PageV00P043
# لفسق (1) ولا كفر، وهي كسائر مسائل الفقه؟ وما الحاجة [إلى] النص على
~~إمام والأمة (2) تقيم لأنفسها من تشاء وتختار؟ ويستصغرون الكلام في النص
~~على هذا غاية الاستصغار، ويزهدون الأصاغر في الاطلاع عليه (3)، ويقللون
~~فائدته [عند المتشوق] إليه، حتى إذا تكلموا في إبطاله عظموا الأمر، وقحموا
~~(4) الخلف وقالوا: هذه المسألة قطب الشريعة، وأصل عظيم في الملة، ومن
~~خالفنا فيها فقد خرج عن الجماعة ودخل في [أهل] البدعة، ولهذا لا يعدون (5)
~~قول من أثبت النص خلافا بين الأمة، ويحذرون من [قبول] قول الشيعة، ويوهمون
~~المسترشدين أن (6) القول بالنص قدح في الشريعة، كل ذلك قلة ديانة، وكثرة
~~خيانة، وبرهان عصبية، ودليل ألف للباطل [وحمية].
# PageV00P044
# الفصل الثالث في (١) أغلاطهم في الاختيار ومن عجيب أمرهم: اعترافهم بأن
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان مشفقا على (٢) أمته، رؤوفا بمعتقدي (٣)
~~شريعته، مجتهدا في مصالحهم، حريصا على منافعهم، لا يقف في ذلك دون غاية،
~~ولا يقصر عن نهاية، وبهذا وصفه الله تعالى في كتابه حيث يقول جل اسمه:
~~[أعوذ بالله من الشيطان الرجيم] ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم
~~حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم﴾ ms08 (4)، ثم يزعمون أنه مع ذلك مضى من
~~الدنيا ولم يختر لأمته [إماما]، ولا استخلف عليهم (5) رئيسا، وعول عليهم في
~~اختيار الإمام، وتقديمه على الأنام، مع علمه بأن اختيارهم لا يبلغ اختياره،
~~ورأيهم لا يلحق رأيه، إذ كان أبصر [منهم]
# PageV00P045
# بمصالحهم، وأعلم بعواقبهم، وأعرف بمن ينتظم به أمرهم، وينصلح بإقامته
~~شأنهم، فنسبوه (1) (صلى الله عليه وآله) إلى أنه حرمهم اختياره المقرون
~~بالصواب، واقتصر بهم على اختيارهم الذي لا يؤمن معه [من] الفساد، وقد نزهه
~~الله تعالى عن هذه (2) الحال، ورفعه عما يدعيه [أهل] الضلال.
# ومن عجيب أمرهم: أنهم يعترفون بأن النبي (صلى الله عليه وآله) لم يرد قط
~~إلى أمته، ولا إلى أحد منها في حياته اختيار الرؤساء، ولا تأمير الأمراء،
~~وأنه كان المتولي بنفسه استخلاف من يستخلفه، وتأمير من يؤمره على مدينته
~~ورعاياه، وجيوشه وسراياه، حتى أنفذ سريته إلى مؤتة (3) قدم جعفرا (رضي الله
~~عنه) وقال للناس: " إن أصيب فأميركم زيد بن حارثة، وإن (4) أصيب فأميركم
~~عبد الله بن رواحة " (5)، من غير أن رد إليهم الاختيار، ولا كلفهم ولا أحدا
~~منهم هذه الحال، ثم يدعون مع هذا أنه وكل إليهم عند مفارقته لهم بالوفاة
~~اختيار الإمام، وإقامة رئيس للأنام، وكلفهم من ذلك بعد وفاته ما لم
~~يكلفهموه في أيام حياته، وهو لو امتحنهم في أيامه فزلوا، و [لو] كلفهموه
~~فغلطوا، كان يتدارك فارطهم بيمنه، ويصلح ما أفسدوه ببركته ورأيه، وليس (6)
~~كذلك من بعده لأنهم لو غلطوا بتقديم من يجب تأخيره وتأخير
# PageV00P046
# من يجب تقديمه لم يجدوا من يتلافى فارطهم، ويتدارك زللهم، ويصرف عنهم (1)
~~من قد ملكوه أمرهم، وعظم به ضررهم.
# ومن عجيب أمرهم: أنهم يعترفون بأن الأمة ليس لها أن تمضي حكما، ولا تقيم
~~على أحد حدا، ولا تنفذ جيشا، ويزعمون أن لها أن تجعل هذه [الأمور] لأحدها،
~~وترد إليه [ما لم] يرد إليها، وتملكه من الشريعة أشياء لا تملكها، من غير
~~أن يأذن لها في ذلك مالكها، وهذا من أطرف الأمور وأعجبها!
# ومن عجيب أمرهم: أنهم فيما ذهبوا إليه ms09 من الاختيار قد أجازوا إهمال أمر
~~[هذه] الأمة إلى أن يختار علماؤها واحدا، مع أنه (2) لو اختار أهل مدن
~~مختلفة عدة أئمة وجب عندهم أن يقف أمرهم إلى أن ينظروا من الأولى منهم
~~فيقدموه، ويبطلوا إمامة من سواه ويسقطوه، فإن كان قد عقد لهم في وقت واحد
~~سقطت إمامتهم [كلهم، فأباحوا بهذا ترك الناس في هذه] المهلة (3) بغير إمام،
~~وربما تراخت وطالت واضطرب فيها أمر الأمة، وضاعت وحدثت أمور لا مدبر لها،
~~وتولدت مضارا عامة لا مصلح لفاسدها.
# وقيل لهم على (4) هذا الرأي: لم لا يصبر (5) أصحاب السقيفة عن المبادرة
~~بالعقد لإمام، والمسارعة التي انفردوا بها عن الأنام ريثما يفرغ بنو هاشم
~~من تجهيز رسول الله (صلى الله عليه وآله) (6) ومواراته، وقضاء مفترض حقه في
~~مراعاته، حتى إذا
# PageV00P047
# انتجزت هذه الحال حضروا معهم العقد فشاركوهم في الرأي والأمر، فإنهم إن
~~لم يكونوا أخص بهذا الأمر [منهم] فهم فيه شركاءهم، ونصيبهم منه على أقل
~~الوجوه نصيبهم، فقالوا: إنما فعلوا ذلك مبادرة بالأمر الذي يخشى فواته،
~~ويخاف المضرة بتأخيره، مع العلم العام بأنهم ما اضطروا في ذلك الوقت إلى
~~هذا البدار، ولم تختلف الكلمة لولا ما فعلوه اختلافا يعظم به المضار، ولا
~~قصدهم من الأعداء قاصد، ولا أحاط بهم عدو معاند، فما هذه العجلة والبدار،
~~مع ما حكيناه عنهم في شرائط الاختيار، لولا أن القوم اغتنموا الفرصة
~~فانتهزوها، وبادروا المكنة فاختلسوها، وإن مصوبتهم ناقضوا فعلهم، وناصريهم
~~(1) أوضحوا زللهم [، مع أن رأيهم في الاختيار وما ساقهم إليه أحكام التقية
~~في هذا الزمان المخلة بنصبة الإمام، قد أداهم إلى إهمال أمر الأمة وتركهم
~~بغير إمام].
# ومن عجيب أمرهم: قولهم: إن اختيار الأمة إلى العلماء، وأن الجماعة [التي]
~~تختارهم [من] (2) الذين لا يغلطون في اختيارهم [ولا يخطئون في أخبارهم]،
~~ويعلمون مع هذا أن أبا بكر اختاره أبو عبيدة [بن الجراح وعمر بن الخطاب]،
~~وأن عمر اختاره أبو بكر، وأن عثمان اختاره عبد الرحمن (3)، وليس فيهم من
~~حصل [في اختياره] الشرط الذي ذكروا.
# PageV00P048
# الفصل الرابع [في ms10 أغلاطهم في اختيار أبي بكر] ومن عجيب أمرهم: أنهم قصدوا
~~إلى رجل أمر الله بتأخيره، ولم يره أهلا للنيابة عن رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله) في تأدية تسع آيات من سورة براءة إلى أهل مكة، وهم بعض الأمة،
~~[هذا] ورسول الله (صلى الله عليه وآله) حي موجود مع قوله (صلى الله عليه
~~وآله): " المؤمنون أكفاء تتساوى دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ويجير عليهم
~~أقصاهم، وهم يد على من سواهم " (1)، فلا يراه الله تعالى مع ذلك أهلا
~~لتأدية ذمة، ولا منفذ الأمر فيه مصلحة للأمة، وعزله عن جيش ظهر فيه [غوله
~~و] عجزه، ومنعه من سكنى (2) المسجد وسد بابه، وأخره عن الصلاة التي قدمه
~~بلال إليها بأمر عائشة ابنته، فقدموه بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)
~~رئيسا على جميع أمته، وردوا إليه أحكام ملته، حيث يكون [تتميم] تنفيذ الأمم
~~في يديه، وإقامة حدود الشريعة مردودة كلها إليه، ويكون القائم مقام خير خلق
~~الله محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله) والمنفذ لشرعه، إن هذا لشئ عجيب،
~~يحار فيه عقل [الحازم] اللبيب!
# PageV00P049
# ومن عجيب أمرهم: اعتقادهم أن النبي (صلى الله عليه وآله) أمر الناس بأن
~~يختاروا لأنفسهم إذا اجتمعوا إماما للصلاة، ويروون عنه أنه قال: " اختاروا
~~أئمتكم فإنهم وفدكم (1) إلى الله عز وجل " (2).
# وقال: " يؤمكم أقرؤكم " (3).
# وفي خبر آخر: قالوا له: فإن كانوا في القراءة سواء؟ قال: " فأفقههم (4)
~~وصاحب المسجد أولى بمسجده " (5).
# ثم يروون مع ذلك أن من الواجب تقديم أبي بكر على أمير المؤمنين (عليه
~~السلام) إماما، ويعتقدون أنه أولى منه بالتقديم على الناس في الصلاة مع
~~علمهم بأن أبا بكر لم يكن حافظا لكتاب الله وأن أمير المؤمنين كان حافظا
~~[له] بغير خلاف، ولم يكن أبو بكر فقيها وكان أمير المؤمنين (عليه السلام)
~~أفقه منه ومن جميع الأمة بغير خلاف، ومع علمهم بأن رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله) سد جميع (6) أبواب الصحابة التي كانت إلى المسجد (7) حتى سد باب
~~عمه العباس (رحمه الله) وترك باب علي (عليه السلام)، ms11 وقال: " إن الله تعالى
~~أمر
# PageV00P050
# موسى بن عمران أن يتخذ بيتا طهرا لا يجنب فيه إلا هو (1) وهارون وابناه
~~شبر وشبير، وأنه أمرني [أن] أتخذ بيتا طهرا لا يجنب فيه إلا أنا وعلي
~~وابناه الحسن والحسين (عليهم السلام) " (2)، فاجتمعت الخصال الموجبة لتقدم
~~أمير المؤمنين (عليه السلام) إماما في الصلاة، فلم يختاروه (3)، وكان
~~الصواب عندهم أن يؤخروه، وعدمها كلها أبو بكر فاختاروه وقدموه، إن هذا لهو
~~الرأي المعكوس!
# ومن العجب: أن يردوا الأمر والنهي والحل والعقد وتنفيذ أحكام الشرع (4)
~~وإقامة الحدود في الخلق إلى من [قد] عرفوا ضعف فهمه، وعدم فقهه وعلمه،
~~وفساد حفظه، وقلة تيقظه، ومن يقر بذلك على نفسه، ويعترف بكثرة زلله وخلله
~~وقلة علمه، وبقوله (5) على رؤوس الأشهاد: " وليتكم ولست بخيركم، فإن استقمت
~~فاتبعوني، وإن اعوججت فقوموني، فإن لي شيطانا يعتريني عند غضبي، فإذا
~~رأيتموني مغضبا فتجنبوني، لا أوثر في أشعاركم و [لا] أبشاركم " (6)، ثم
~~يسأل عن الكلالة، فلا يعلمها، وعن الأب فلا يفهمه، والفقه فلا يخبره،
~~والقرآن فلم يكن يحفظه، والشجاعة ففي معزل عنها، والرئاسة فليس من أهلها،
~~ومن إذا كشفت أحواله، وتتبعت أفعاله، وجدت (7) ما ذكرناه بعض صفاته، فيقدم
~~على الكافة، وتجعل يده منبسطة على جميع أهل القبلة، ويقال
# PageV00P051
# [له]: أنت خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ويؤخرون من قد عرفوا
~~فائض فضله وكماله، وعظم علمه (1)، وتقدم سبقه في جهاده ونصرته، وحسن أثره،
~~وشريف أهله (2)، ومشتهر زهده، وباهر آياته، وبديع بيناته، ومن هو قيم رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله) وأخوه، بل القائم مقام نفسه، حسب ما شهد به كتاب
~~الله تعالى، ومن هو أحب الخلق إلى الله تعالى، ومن افتقرت إليه الكافة ولم
~~يفتقر [هو] إلى أحد من الأمة، فيجعل هذا رعية مؤخرا تابعا للناقص في خلال
~~الخير كلها!
# إن هذا رأي عجيب، واختيار طريف (3)، وفيه تقول فاطمة البتول، ابنة السيد
~~الرسول (صلى الله عليه وآله): " وإن تعجب (4) فقد أعجبك الحادث، في أي طريق
~~سلكوا؟ وبأي عروة تمسكوا؟ استبدلوا والله الذنابي بالقوادم (5)، والعجز
~~بالكاهل، ms12 فقبحا لقوم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، ألا إنهم هم الأخسرون ولكن
~~لا يعلمون " (6).
# ومن العجب: أن يجتمعوا في السقيفة (7) لطلب الخلافة فتحتج الأنصار بأنها
~~[هي التي] تستحقها بنصرتها للنبي (صلى الله عليه وآله)، ويحتج المهاجرون
~~بقربهم منه، وليس فيهم من يذكر أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي لم يلحقه
~~الأنصار في نصرته، ولا تدانيه قريش في قرابته (8)!
# PageV00P052
# ومن العجب (1): قول قريش: إن الخلافة لا تكون إلا حيث كانت النبوة (2)،
~~وإنما يستحقها بذلك، لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) من قريش، ولم
~~يعلمها (3) أحد [من الأنصار] في الحال، إن بني هاشم أولى منكم بها على هذه
~~الحجة، لأن النبي (صلى الله عليه وآله) من بني هاشم، لكن صرفهم [عن] أن
~~يحاجوهم بهذا اتفاق [جميع] من حضر السقيفة على صرف الأمر عن أهله ومنعه عن
~~(4) مستحقه.
# وقد روي أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال في كلام له أنفذه إلى
~~معاوية: " فما راعني إلا والأنصار قد اجتمعت، فمضى إليهم أبو بكر فيمن تبعه
~~من المهاجرين (5) فحاجهم بقرب قريش من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فإن
~~(6) كانت حجته عليهم بذلك ثابتة فقد كنت أنا [إذا] أحق بها من جماعتهم،
~~لأني أقربهم منه وأمسهم به رحما، وإن لم يجب لي بذلك فالأنصار على حجتهم
~~(7) " (8).
# وروي عنه (عليه السلام) أنه قال:
# فإن كنت بالشورى ملكت أمورهم * فكيف بهذا والمشيرون غيب
# PageV00P053
# وإن كنت بالقربى حججت خصيمهم * فغيرك أولى بالنبي وأقرب (1) وقيل (2):
~~إنه قول [قيس بن] سعد [، وإنما تمثل به أمير المؤمنين (عليه السلام).
# وقد أخذ الكميت (رحمه الله) هذا المعنى فقال:
# فإن هي لم تصلح لخلق سواهم * فإن ذوي القربى أحق وأوجب (3)] وحفظ عنه
~~(عليه السلام) أنه قال في احتجاجهم أيضا لصحبته النبي (صلى الله عليه وآله)
~~(4): " واعجباه!
# أتكون الخلافة بالصحابة ولا تكون بالقرابة " (5)؟ ولسنا نرى على جميع
~~الأمور أحدا هو أولى بها من المغضب (6) المهجور.
# والعجب كله لقوم رأوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد ولى عمرو بن
~~العاص وأسامة بن زيد على أبي ms13 بكر ثم يولونه على أمير المؤمنين (عليه
~~السلام) والعباس (رضي الله عنه).
# ومن عجيب أمرهم: دعواهم أن إمامة أبي بكر ثبتت عن إذن (7) من أهل الحل
~~والعقد، وتأمل واختيار، هذا مع سماعهم قول عمر بن الخطاب: " كانت بيعة أبي
~~بكر فلتة وقى الله المسلمين (8) شرها، فمن عاد إلى مثلها (9)
# PageV00P054
# فاقتلوه " (1)، فشهد بأنها (2) كانت قد وقعت بغتة من غير روية، وحصلت
~~فجأة عن عجلة من غير مشورة، وفي هذا غاية الذم [لها]، والتكذيب لهم فيما
~~ادعوه فيها مع التهديد (3) بسفك دم من عاد إلى مثلها، وليس يشك عاقل في أن
~~الفلتة التي هي العجلة والبدار تضاد ما يدعون من التأمل والاختيار.
# ومن عجيب أمرهم: دعواهم أن الأمة اجتمعت على إمامة أبي بكر مع علمهم بقلة
~~عدد العاقد (4) لها، وتأخر من تأخر عنها، وإنكار المنكرين لها، والخلف
~~الواقع فيها في حال السقيفة وبعدها، فيقولون:
# إن من خالف من الأنصار، وتأخر من بني هاشم الأخيار، مع وجوه الصحابة
~~وأعيانهم، وبني حنيف بأسرهم، وما ظهر من إنكارهم أمارته (5)، وخلافهم كلهم
~~شذاذ لا يخرقون الإجماع، [ثم ينكرون أن يكون الإجماع] حصل على حصار عثمان
~~وخلعه (6)، وتكفيره وقتله، ولم يكن بالمدينة من أهلها ولا ممن كان بها من
~~أهل مصر وغيرهم إلا محارب أو خاذل، ولم يحفظ في الإنكار عليهم قول لقائل.
~~ويدعون أنه وعبيده المحاصرين معه في الدار ومروان ابن عمه قادحون في
~~الإجماع. هذا، وقد رام قوم من بني أمية أن يصلوا عليه فلم يتمكنوا، وهموا
~~أن يدفنوه في مقابر المسلمين، فلم يتركوا حتى مضوا [به] إلى
# PageV00P055
# حش كوكب (1) وهو بستان بقرب البقيع، ثم أتوا [به] ليحتزوا (2) رأسه فصاح
~~نسوة من أهله [وضربن وجوههن] فتركوه، وداسه عمير بن ضابئ فكسر ضلعا من
~~أضلاعه، وبقي مكانه مرميا (3) ثلاثة أيام لم يستعظم [ذلك] في بابه مستعظم،
~~ولا أنكره منكر، ومن تأمل هذه (4) الحال علم أنها أحق وأولى بالإجماع (5).
# PageV00P056
# [الفصل الخامس في أغلاطهم في الإمام] فمن عجيب أمرهم: أنهم قصدوا إلى من
~~رد إليه النبي (صلى الله ms14 عليه وآله) جيشا فلم يحسن أن يدبره ورجع منهزما
~~[فارا] فيجعلونه إمام الأنام، ويردون إليه تدبير الجيوش العظام، ويصيرونه
~~قبة (1) للإسلام، وسندا في الأمور الجسام، إن هذا لضد الصواب!
# PageV00P057
# الفصل السادس في أغلاطهم (1) في علم الإمام فمن عجيب أمرهم: [قولهم:] إن
~~الإمام قدوة في الشريعة مع جواز جهله ببعضها، ولا يجيزون أن يكون [قدوة]
~~فيها مع جهله بجميعها، وقولهم إنه يرجع في البعض الذي لا يعلمه إلى الأمة،
~~ولا يجيزون أن يرجع في الكل إذا لم يعلمه إلى أحد من الأمة، ولسنا نجد فرقا
~~بين حاجته إلى رعيته في بعض [ما] لا يعلمه، وبين حاجته إليهم في كل [ما] لا
~~يعلمه.
# بل من العجب: أن يكون الإمام محتاجا إلى من هو محتاج (2) إليه، مقتديا
~~برعية يقتدون به، لأن هذا عند العقلاء من المناقضة القبيحة.
# ومن عجيب أمرهم: أنهم يروون عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: " ما
~~ولت أمة قط أمرها رجلا (3) وفيهم [من هو] أعلم منه إلا لم يزل أمرهم يذهب
~~سفالا (4)،
# PageV00P058
# حتى (1) يرجعوا إلى ما تركوا " (2)، ثم يروون مع ذلك أن يتولى الأمر
~~العاجز الناقص، ويتقدم الجاهل على العالم.
# ويروون عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: " من تولى شيئا من أمور
~~المسلمين فولى رجلا شيئا من أمورهم وهو يعلم مكان رجل هو أعلم منه فقد خان
~~الله ورسوله والمؤمنين " (3)، ثم إنهم يعلمون مع ذلك أن أبا بكر وعمر لم
~~يوليا في أيامهما عليا (عليه السلام) [شيئا] مع معرفتهما بكمال علمه (4)،
~~ويقدمان الجهال في الولايات عليه، ولا يستدلون بذلك على خيانتهما لله
~~ولرسوله [وللمؤمنين]، ولا يكتفون به في العلم ببغضهما له (عليه السلام)،
~~وليس يخفى على العاقل [أنهما] إن كانا رغبا عن ولايته فقد خانا الله
~~ورسوله، وإن كان هو الراغب عن أن يتولى من قبلهما فكفى بذلك طعنا عليهما.
# ومن عجيب أمرهم: قولهم: إن علوم الشريعة [معروفة و] مفترقة في الأمة،
~~وأنها قد أحاطت بها، وهي الملجأ والمفزع فيها مع ما يدعون من عصمتها،
~~ويستعظمون ms15 قولنا: إن الإمام هو المحيط بها والعالم بجميعها، والملجأ
~~والمفزع فيها [إليه]، وهو المسدد المعصوم دونها، ويظلون من قولنا متعجبين،
~~ويقيمون
# PageV00P059
# أنفسهم في ذلك مقام المشركين، الذين قالوا فيما تضمنه الذكر المبين: ﴿أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشئ
~~عجاب﴾ (١)، [وقولهم: ﴿أأنزل عليه الذكر
~~من بيننا بل هم في شك من ذكري بل لما يذوقوا عذاب﴾ (2)]، وقد أحسن من
~~قال:
# وليس لله بمستنكر (3) * أن يجمع العالم في واحد (4) ومن العجب: أنهم مع
~~إنكارهم [كمال] علم الإمام، واستبعادهم تميزه في ذلك عن الأنام، وقولهم: لم
~~تجر العادة بمثل هذا في بشر مخلوق لا يوحى إليه، ويروون أن النبي (صلى الله
~~عليه وآله) قال: " خذوا ثلث دينكم عن عائشة، [لا] بل خذوا ثلثي دينكم عن
~~عائشة، لا بل خذوا دينكم كله عن عائشة " (5)، فيا عجبا كيف ثبت لعائشة هذا
~~الكمال الذي تميزت به عن الأنام، واستحال مثله في الإمام، الذي هو خليفة
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) (6) والحجة بعده على الخاص والعام!
# بل من العجب (7): إنكارهم أن يكون خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله)
~~على أمته، والمنفذ بعده أحكام شريعته، حافظا لعلوم الشريعة، محيطا بأحكام
~~الملة، مستغنيا في ذلك عن الرعية، ويدعون أن شيخهم الجاحظ على سخافته
~~وخلاعته (8)، وقبيح فعله، ومشتهر فسقه، قد عرف كل علم، وصنف في كل فن من
~~فرع وأصل،
# PageV00P060
# وجد (1) وهزل، وأنه لم يبق شئ من علوم الديانات، ومفهوم الرياضات، ورسوم
~~الأدبيات، إلا وقد خاض فيه، وعرف متصرفاته وعجائبه ومعايبه (2)، حتى إني لم
~~أر أحدا يقول إنه أحاط علما بأسماء تصنيفاته (3)، ولا علم مبلغ تأليفاته،
~~إن هذا لشئ عظيم (4)!
# ومن عجيب أمرهم: أنهم يسمعون قول النبي (صلى الله عليه وآله) في علي
~~(عليه السلام): " أنا مدينة العلم وعلي بابها " (5)، وقوله (صلى الله عليه
~~وآله) [فيه]: " أقضاكم علي " (6)، وقوله [فيه]:
# " علي مع الحق، والحق مع علي، اللهم أدر الحق [مع علي] حيثما دار " (7)
~~ويقطع ms16 أعذارهم الإجماع [على] فقر الصحابة إليه [بل وسؤالهم، لمن دونه، وهو
~~ابن عباس الذي كان عمر يفتقر إليه] في المسائل ويقول [له]: " غص يا غواص "
~~(8) مع اعتراف ابن عباس (رحمه الله) بأنه أخذ عن أمير المؤمنين (عليه
~~السلام)، [ومن قوله إذا ذكر عنده: ذاك حديث يأكل الأحاديث،] ثم إنهم يدعون
~~مع هذا كله أن أمير المؤمنين (عليه السلام) [لم] يعرف الحكم في عتق موالي
~~صفية عمته حيث نازعه الزبير بن العوام ورافعه إلى عمر بن الخطاب، حتى عرفه
~~عمر [الصواب]، وقال له: إن الزبير أحق [منه] بميراث من أعتقته صفية، فرجع
~~إلى قوله، ورضي بحكمه،
# PageV00P061
# فكيف تصح هذه الدعوى، وأي عاقل يصدقها؟ وكيف يكون من هو باب [مدينة]
~~العلم يجهل الصواب في هذا الأمر؟ وكيف يكون من هو أقضى الأمة [لا يعرف
~~القضاء في هذه الحكومة؟ وكيف يطلب ما ليس له من تقول فيه النبي:
# " علي مع الحق، والحق مع علي، اللهم أدر الحق مع علي حيثما دار "، وهو
~~القائل: " سلوني قبل أن تفقدوني، فإن بين ضلوعي علما جما " (1)، فكيف يهديه
~~إلى الصواب عمر بن الخطاب، وعمر يقول بغير خلاف لما رده أمير المؤمنين
~~(عليه السلام) عن مواضع ظهر منه فيها الأغلاط: " لولا علي لهلك عمر " (2)؟
~~وهل حكومة عمر
# PageV00P062
# بضد قوله إلا دلالة على خطأ عمر في حكمه، وإن حكمه إنما مضى لتمكن عمر في
~~وقته، وتعذر خلاف أمير المؤمنين (عليه السلام) فيما حكم به؟ PageV00P063
# الفصل السابع في أغلاطهم في العصمة فمن عجيب أمرهم: أنهم ينكرون عصمة
~~الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) عن سائر الأنام، ويقولون: إن هذه العصمة
~~إن كانت منهم جاز أن تقع في غيرهم فيساويهم في منزلتهم، وإن كانت من الله
~~سبحانه فقد جبرهم واضطرهم ولم يستحقوا ثوابا على عصمتهم، وهم مع ذلك
~~معترفون بأن النبي (صلى الله عليه وآله) معصوم في التأدية والتبليغ، ومعصوم
~~عما سوى ذلك من جميع كبائر الذنوب في حال نبوته وقبلها، وأنها عصمة اختيار
~~يستحق عليها الجزاء، ولا يساويه أحد من أمته فيها! ms17
# ومن عجيب أمرهم: إنكارهم لعصمة الأئمة وقولهم إنها لا تقتضي الاختيار!
# ومن العجب: قولهم: إن العصمة ثابتة لجميع الأمة، منتفية عن كل واحد منها،
~~مع علمهم بأن آحادهم جماعتها، وأنها إذا كانت مؤمنة بأجمعها كان الإيمان
~~حاصلا لآحادها، ولو كفر جميعها لكان الكفر حاصلا مع كل واحد منها، وقد قال
~~أحد المعتزلة يوما وقد سمع هذا الكلام فرق بين العصمة وما ذكرت من الكفر
~~والإيمان، وذلك أن ما ثبت لكل واحد منها فهو ثابت لجماعتها، وليس كلما ثبت
~~لجماعتها ثابت لكل واحد منها، فلذلك إذا آمن آحادها كان جميعها مؤمنين،
~~PageV00P064
# وإذا كفر آحادها كان جميعها كافرين، وليس إذا ثبت العصمة لجماعتها يكون
~~آحادها معصومين.
# فقلت له: ما رأيت أعجب من أمرك وانصرافك عن مقتضى قضيتك إذا كان ما ثبت
~~لكل واحد من الأمة ثابتا لجميعها فقد ثبت عندي وعندك الحكم على كل واحد
~~منها بجواز الخطأ والنسيان وتعمد الغلط في الأفعال والأقوال، فاحكم بثبوت
~~ذلك لجميعها وأسقط ما ادعيت من عصمتها، فلم يدر ما يقول بعد هذا.
# ومن عجيب أمرهم، وطريف رأيهم: قولهم: إن الأمة معصومة، وقولها حجة، وهي
~~مفتقرة مع ذلك إلى إمام، وإمامها غير معصوم، ولا قوله حجة، وليس هو مفتقر
~~إلى إمام، وهذا من أعجب الأقوال!
# ومن عجيب المناقضة: أن يكون لها إمام ولا يكون ارتفاع العصمة عن الإمام
~~موجبا أن يكون له إمام، ولا يكون أيضا غناية عن الإمام يقتضي تميزه بالعصمة
~~عن الأنام، إنهم جعلوا حجتهم في عصمة الأمة وفي أن إجماعها صواب وحجة خبرا
~~نسبوه إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو أنه: " لا تجتمع أمتي على
~~ضلالة " (1) وهذا الخبر لا يمكنهم على أصلهم أن يدعوا فيه التواتر إذا كان
~~غير موجب لسامعيه على الضرورة بصحته، فهو لا محالة من أخبار الآحاد، فهم
~~إذا قد جعلوا دليل الدعوى بأن الأمة لا تجتمع على] (2) ضلال قول بعضها،
~~والحجة على عصمتها شهادة واحد (3) منها، ولم يعلموا أن الخلاف في قول
~~جميعها يتضمن الخلاف في قول ms18
# PageV00P065
# بعضها، والتخطئة لسائرها يدخل في التخطئة لواحدها (1)، وهل هم في ذلك إلا
~~كمن ادعى الحجة بإجماع عشرة من الناس على قول أو فعل وجعل دليله على ذلك
~~قول واحد من العشرة ولم يعلم أن المخالف له في الحجة بإجماع العشرة لم يصر
~~إلى ذلك إلا بعد المخالفة له فيمن دون العشرة، إذ لو سلم [له] الخصم قول
~~بعضها لم يصح خلافه له في قول جميعها، ولما رأوا أن خبرهم لا يصح كونه في
~~قسم المتواتر على أصلهم (2)، ولا ينصرف عن إضافته إلى أخبار الآحاد التي لا
~~تثبت بها حجة لدعواهم، اشتد غلطهم، وعظم زللهم، فأداهم إلى القول بأنهم
~~علموا صحته بالإجماع. وهذا من أعجب الأقوال! وهو في المناقضة لاحق في
~~الهذيان، لأن أصل الخلاف إنما هو في الإجماع وهل هو حجة أم لا؟ فكيف يكون
~~الإجماع دليلا لنفسه (3)، وبرهانا على ما يدعى من صوابه؟! ولو جاز هذا
~~لكانت الدعوى نفسها برهانا، والفتوى بعينها دليلا، وهذا ما لا يخفى فساده
~~على العقلاء. ومما يوضح غلطهم فيه أن الدليل على الشئ يعرف قبل معرفة الشئ،
~~فإذا كانوا لم يعلموا أن الإجماع حجة، وأن الأمة فيما تخبر به معصومة إلا
~~بالخبر [فقد وجب أن يكونوا عالمين بصحته قبل علمهم بأن الإجماع حجة، وأن
~~الأمة فيما تخبر به معصومة، وإذا كانوا لم يعلموا أن الخبر صحيح إلا
~~بالإجماع] فقد وجب أن يكونوا عالمين بأن الإجماع حجة قبل علمهم بصحة الخبر
~~فكيف يتقدم المؤخر (4) ويتأخر المقدم، وهل رؤي قط أعجب من هذا الأمر؟!
# PageV00P066
# ومن عجيب أمرهم: أنهم لا يجيزون إمامة الفاسق ويجوزون أن يكون الإمام
~~[في] باطنه فاسقا، ويحتجون في نفي إمامة من ظهر فسقه بأنهم لا يأمنونه على
~~إقامة الحدود، ولا يثقون به في حفظ الأموال وصرفها في الواجبات، ثم [إنهم]
~~يأتمنون على هذه الأمور من يجوزون عليه الفسق والفجور وارتكاب كبائر الذنوب
~~ومن لا [يحيلون أن] يكون في باطن أمره على ضلال وكفر وإشراك!
# ومن العجب العجيب: امتناعهم من إمامة من علموه فاسقا ms19 وتجويزهم أن يكون في
~~باطنه كافرا (1)، فلئن كان الفسق مانعا من تقديم الفاسق ليكونن تجويز الكفر
~~مانعا من [تقديم من] هو عليه جائز، لأن الكفر يشتمل على الفسق (2) وغيره،
~~ومن لم يفهم هذا فهو مريض الذهن، عار من المعرفة (3).
# PageV00P067
# الفصل الثامن في (1) أغلاطهم في إمامة المفضول فمن عجيب أمر القائلين
~~بإمامة المفضول، ومخالفتهم موجبات العقول: أنهم قصدوا إلى من اعترفوا بأنه
~~أشرف الأمة وأفضلها، وأوسعها علما وأكملها، وأنه البصير بسياستها، الخبير
~~بشرائط رئاستها، الذي لم يزل ناهضا بأثقالها، خائضا بحار أهوالها (2)،
~~مجاهدا مذ كان في نصرتها، عالما بأحكام ملتها، زاهدا في زهرة دنياها، صابرا
~~على عظيم بلواها، متميزا بالمناقب فيها، مبرزا في الفضائل عليها، قد جعل
~~الله أعماله أعلى وأفضل من أعمالها، وثوابه أزكى وأجزل من ثوابها، فمنعوه
~~أعلى المنازل وأجلها، وأشرف الرتب وأفضلها، وهي منزلة الإمامة التي تليق به
~~ويليق بها، وتشهد العقول السليمة بأنه دون الخلائق صاحبها، ورفعوا إليها
~~[نسبة] من لا نسبة بينه وبينها، وقالوا: إن [من] الحق الواجب ألا يكون
~~[هذا] السيد الفاضل رئيسا مقدما، و [من] الرأي المصيب أن يكون رعية
# PageV00P068
# مأموما، ومن السداد والرشاد أن يكون مقتديا بالناقص، متصرفا تحت آراء
~~الجاهل وفي دين الله عز وجل أن يكون من دونه يسوسه ويرعاه، ويأمره وينهاه،
~~ويلزمه طاعته، ويحرم عليه مخالفته.
# وهذا والله بهت لأحكام العقول، ولعب في شرع الرسول، وخلاف للعادات، ودفع
~~للضرورات، بل هو حمق ومجانة، وهوى وخدعة (1)، ولو أن أحدنا وصى على ابنه
~~[من هو في العقل والفهم والنهضة والعلم والصلاح والديانة والورع والأمانة
~~دون ابنه] لكان عند الناس بمنزلة (2) المجانين، وفي حيز المخبلين، وما زلنا
~~نسمع العامة تقول: " يأتي على الناس زمان يسلم فيه المعلم إلى الصبيان،
~~ويسوق فيه البغل الطحان (3) " ونحن نضحك منهم وننكر عليهم قولهم حتى سمعنا
~~قول المعتقدين إمامة المفضول، ومخالفتهم ما تقتضيه العقول (4)، وقد استغاث
~~منهم أمير المؤمنين (عليه السلام) متظلما، وشكاهم إلى الله تعالى مستعديا،
~~فقال:
# " اللهم إني أستعديك على قريش، فإنهم قطعوا (5) رحمي، وأكفأوا إنائي، ms20
~~وأجمعوا على منازعتي حقا كنت أولى به من غيري، وقالوا: ألا إن في الحق أن
~~تأخذه، وفي الحق أن تمنعه، فاصبر مغموما، أو مت متأسفا " (6) في كلام له
~~معروف بعد هذا.
# PageV00P069
# ومن عجيب أمرهم: تمحلهم الباطل في الاعتذار لتقديم المفضول على الفاضل
~~وقولهم: إن العاقدين خافوا أن يلي الفاضل (1) عليهم فيرتد إلى الكفر قوم
~~منهم لما في نفوسهم عليه من الأحقاد وما بينه وبينهم من الغوائل (2)
~~والترات، فوجب تأخيره وتقديم من [هو] دونه ليؤمن [من] وقوع هذه الحال،
~~وتسكن نفوس من يخاف منهم الارتداد، وينسون عند هذا الاعتذار ما قد أجمعوا
~~معنا عليه، ولم يخالفونا (3) فيه، من أن الحكيم يجب أن يفعل أفضل الأمور
~~وأعلاها، وأشرفها وأولاها، وإن ضل عندها من ضل، وكفر من كفر، كإرساله
~~سبحانه الأنبياء (عليهم السلام) إلى من يعلم أنهم يقتلونهم ويزدادون في
~~غيهم، وتبليغه أطفالا يعلم من حالهم أنهم يكونوا كفارا إذا بلغهم، وتكليفه
~~قوما قد علم أنهم يضلون إذا كلفهم، فكيف صار من الحكمة والعدل فعل هذه
~~الأمور، وإن ضل معها الجمهور؟ ومن الظلم والجور تقديم الفاضل على المفضول
~~(4)، خوفا من ضلال قليل من كثير، وإلا انقادوا إلى هذا الفاضل، واتبعوا في
~~ذلك الواجب فتكون الحجة على من خالف وعاند، فكيف نسوا (5) هذا الأصل الذي
~~تحملوا باعتقاده (6) بين [أهل] العدل؟
# أوليسوا مقرين بأن الله تعالى قد علم من قوم موسى (عليه السلام) أنهم
~~يكفرون، إذا قدم
# PageV00P070
# عليهم أخاه هارون (عليه السلام)، ويتخذون العجل إلها من دون الله تعالى،
~~ولم ينهه عن تقديمه، ولا منعه من استخلافه وتركه، وفعل الأفضل في حكمته؟
~~وليس لهم أن يفعلوا فإن الامتحان (1) هو إلى الله تعالى دون العباد
~~وتقديمهم الفاضل وهذه الحال امتحان، لأن هذه العلة تسقط من أيديهم من حيث
~~إن الله تعالى هو الدال على وجوب تقديم الفاضل بدليل العقل والسمع، فإذا هم
~~قدموه، وانقادوا له وأطاعوه، فإنما قدموا من قدمه الله، وأطاعوا من ولاه
~~أمرهم، فهو الممتحن للعباد دونهم، وأما أحقادهم (2) عليه فإنما كانت في
~~أمور ms21 يرضاها الله عز وجل، وهو الآمر بها على لسان رسوله (صلى الله عليه
~~وآله) (3)، فقد كان يجب أن يكون حقدهم على من [كان] هو الأصل فيها [والآمر
~~بها] والداعي إليها قاتلهم الله.
# أترى لو قالت طائفة من الأمة: لسنا نثبت على الإيمان إلا بأن نخرج الفاضل
~~من بيننا، هل كان يجب إخراجه؟ بل لو قالت ذلك بعد العقد [له] هل كان يجب
~~عزله؟ هذا إذا كانوا يعلمون أن قوما عند تقديمه يرتدون فكيف وإنما معهم في
~~ذلك الدعوى من غير يقين والأمر بضد ما يقولون؟ ولقد أحسن شاعرنا حيث يقول:
# لو سلموا لعلي الأمر واحتسبوا (4) * ما سل بينهم في الناس سيفان ومن عجيب
~~أمرهم: اعتمادهم (5) على هذا الاعتذار مع علمهم باختلاف الناس
# PageV00P071
# بأبي (1) بكر لما تقدم، وكراهيتهم له [مع علمهم] ومعرفتهم بما كان من أهل
~~اليمامة [وقولهم: إنهم ارتدوا عن الإسلام حتى أنفذ إليهم أبو بكر خالدا في
~~جيش لقتالهم وقول أهل اليمامة] لخالد بن الوليد: " والله لا أطعنا أبا (2)
~~فصيل أبدا "، وقول خالد لهم: " والله لا رفعنا السيف عنكم حتى تسموه (3)
~~بالفحل الأكبر " (4) فكان من أمرهم معه ما قد اشتهر من الحرب المبيرة،
~~والفتنة العظيمة، وسفك الدماء، وسبي الحريم، وهلاك من لا يحصى، ثم اختلاف
~~من سواهم [عليه] ممن يبسط في ذكره (5) الخطاب، ويطول بوصفه الكتاب، فما يرى
~~الخلف والارتداد [حصلا] إلا بتقديم أبي بكر على الناس.
# ومن العجب: نسيانهم عند هذا الاعتذار كراهية القوم (6) تقديم أبي بكر
~~عمرا عليهم، ونفورهم من نصه عليه (7)، حتى خوفوه الله عز وجل وقالوا له: ما
~~أنت قائل إذا لقيته وقد وليت علينا فظا غليظا، والله ما كنا نطيقه وهو رعية
~~فكيف إذا ملك الأمر؟ فاتق [الله] ولا تسلطه على الناس، فغضب وقال [لهم]:
~~أبالله تخوفوني؟ أقول له: يا رب وليت عليهم خير أهلك (8).
# PageV00P072
# ومن العجب: [أن يكون] فضل عمر بن الخطاب عند أبي بكر يقتضي تقديمه مع
~~العلم بكراهية الناس له، ولا يكون فضل أمير المؤمنين [علي] (عليه السلام)
~~عند جميع الأمة ms22 يقتضي تقديمه عليهم وإن ظن كراهية بعضهم!
# بل من العجب: اعتذارهم في تأخير الفاضل بما قد اعتذروا به مع سماعهم قصة
~~طالوت المذكورة في القرآن (١)، وتلاوتها عليهم ما اتصلت الأيام [وبقي
~~الأنام]، ولا ينتبهون بها من رقدة الضلال، حيث كرهه الناس وقالوا: (أنى
~~يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال) فلم تمنع
~~كراهتهم له من تقديمه، وأخبر الله سبحانه عما أوجب رئاسته عليهم (٢) وتقدمه
~~ف: ﴿قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده
~~بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء﴾ (3) فأخبرهم أن الذي
~~آتاه (4) من علمه وقوته اقتضى تقديمه في حكمته (5)، فكيف لم يعتبروا بهذا
~~من قول الله سبحانه وتعالى فيعلموا أنهم على ضلال في تقديم من عرف ضعفه في
~~علمه وجسمه، على من [قد] حصل الإجماع على أن الله تعالى قد جعله في بسطة من
~~العلم والجسم كطالوت في قومه.
# ومن عجيب أمرهم: أنهم اعترفوا بأن أمير المؤمنين (عليه السلام) الفاضل
~~[وأن أبا بكر المفضول، وأقروا بأن الفاضل] بحكم الله تعالى أعلى الناس
~~قدرا، وأرفعهم محلا وذكرا، وأزكاهم عملا، وأولاهم بالمدح والثناء، وأنه لا
~~يحل استنقاصه،
# PageV00P073
# ولا يسوغ ذمه، ثم أجمعوا (1) مع ذلك على كفر الخارجين عن طاعة أبي بكر،
~~واستحلال [دم] مانعيه الزكاة وسبي حريمهم، ولم يقيموا للشاك في إمامته
~~عذرا، ثم بسطوا عذر الشاك في إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) والممتنعين
~~عن نصرته، والخارجين عن وجوب طاعته، كسعد بن أبي وقاص، وحسان بن ثابت، وعبد
~~الله بن عمر، ومحمد بن مسلمة، وأسامة بن زيد، القاعدين عن معونته،
~~والخاذلين الناس عن نصرته، وتولوهم تولي الصالحين، وقطعوا لهم بالجنات
~~والنعيم المقيم، ولم (2) يقنعوا بهذا حتى تولوا محاربيه، ومستحلي دمه ودماء
~~أهله وذريته (3)، الساعين في الأرض بالفساد، والمقيمين الفتنة في البلاد،
~~الذين سعوا في قتل أمير المؤمنين (عليه السلام)، وقرفوه (4) بقتل عثمان [بن
~~عفان]، وغصبوا الأموال، وأقاموا عمود الضلال، طلحة والزبير وعائشة ومن
~~انضاف إليهم من الناس، وقالوا: ms23 إن هؤلاء الثلاثة تابوا قبل الممات، وإنهم
~~يوم (5) القيامة يحشرون مع أمير المؤمنين (عليه السلام) [وهم] أصفياء له
~~وأحباب، وهذا من المكابرات التي لا يجوز استحسانها (6) ذوو الديانات، وقد
~~قيل لأحد القائلين بإمامة المفضول: ما تقول فيمن قصد [إلى أحد] الثلاثة
~~المفضولين، أبي بكر وعمر وعثمان فلطمه وشتمه؟
# PageV00P074
# قال: أقول: إنه [قد] كفر.
# وقيل [له]: فما تقول فيمن قصد إلى هذا (1) الفاضل علي بن أبي طالب (عليه
~~السلام) فحاربه وأجلب عليه واستحل سفك دمه؟
# قال: أقول: [إنه] قد فسق، وهذا أيضا من العجب!
# PageV00P075
# الفصل التاسع من أغلاط البكرية فمن عجيب أمرهم وظاهر غلطهم: دعواهم أن
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) قدم أبا بكر ليصلي بالناس، وزعمهم أن ذلك
~~دليل على استحقاقه الإمامة العامة على [جميع] الأنام بعد النبي (صلى الله
~~عليه وآله)، [هذا مع رواياتهم عنه (صلى الله عليه وآله)]: " إن الصلاة
~~جائزة خلف البر والفاجر " (1) وإقرارهم بأن الإمامة العامة لا تجوز لفاجر.
# ومن عجيب أمرهم في ذلك: [أنهم] جعلوا الإمامة العامة التي هي الخلافة
~~داخلة في الإمامة الخاصة التي هي إمامة الصلاة، وهذا عكس الصواب، والمعلوم
~~أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا نص بالإمامة العامة على رجل كان له
~~أن يصلي بالناس، لأن تقدمه (2) في الصلاة [هو] بعض ما رد إليه، وليس كذلك
~~إذا قدمه للصلاة ببعض الأمة يكون قد رد إليه تنفيذ الأحكام، وتدبير جميع
~~الأنام، لأن هذه الأمور ليست داخلة في الصلاة.
# PageV00P076
# ومن العجب: أن من جملة ما يروونه عن عائشة قولها: إن النبي (صلى الله
~~عليه وآله) قام ورجلاه تخطان الأرض (1) وهو متك على رجلين، أحدهما الفضل بن
~~العباس، فأخر أبا بكر عن المحراب، فيجعلون تقديمه ولاية ولا يجعلون تأخيره
~~عزلا، وهذا دليل على أنه لم يقدمه، وأن تقديمه كان من عائشة، ولذلك قال لها
~~ولصويحبتها (2): " إنكن لصويحبات يوسف " (3).
# ومن عجيب أمرهم: أنهم يجعلون صلاة أبي بكر بمن في المسجد مع عدم اتفاقهم
~~على أنه تممها موجبة له الفضيلة (4) العظيمة، ومرتبة الخلافة والإمامة، ms24 ولا
~~يجعلون ذلك لعبد الرحمن بن عوف مع روايتهم أن النبي (صلى الله عليه وآله)
~~صلى خلفه وأنه كان مضى ليصلح بين قبيلتين من الأنصار (5) فعاد وقد فاته
~~صلاة المغرب وقدم الناس عبد الرحمن بن عوف يصلي (6) بهم، فلما أتى النبي
~~(صلى الله عليه وآله) [وهو في الصلاة] صلى خلفه، فلما فرغ قال له الناس
~~(7): يا رسول الله، أتصلي خلف رجل من أمتك؟!
# PageV00P077
# فقال (صلى الله عليه وآله): " ما يموت نبي من أنبياء الله حتى يصلي خلف
~~رجل من أمته " (1)، فيوجبون الخلافة لأبي بكر بصلاته بالناس [بعد الصلاة]
~~التي لم يتمها، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) في معزل عنها، ولا
~~يوجبونها لعبد الرحمن وقد صلى عندهم بالناس صلاة تممها والنبي (صلى الله
~~عليه وآله) في جملة من اقتدى [به] فيها، وقد سمع أحد البكرية مني هذا
~~الكلام، فقال لي: صلاة أبي بكر أجل وهو بالخلافة أولى من عبد الرحمن وأحق
~~(2)، لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قدم أبا بكر والأمة قدمت عبد
~~الرحمن، فمن قدمه رسول الله (صلى الله عليه وآله) أولى بالأمر ممن قدمه
~~الناس.
# فقلت له: إن لخصمك إذا سلم أن (3) رسول الله (صلى الله عليه وآله) قدم
~~أبا بكر أن يقول: بل صلاة عبد الرحمن أجل وأفضل، وهو بالخلافة أولى من أبي
~~بكر وأحق، لأن تقديم النبي (صلى الله عليه وآله) إنما دل على أنه قد رضيه
~~إماما لمن حضر من أمته في المسجد، وصلاته خلف عبد الرحمن تدل على أنه قد
~~رضيه إماما لنفسه ولأمته، ومن رضيه [النبي (صلى الله عليه وآله) في الصلاة]
~~لنفسه وأمته أحق بالخلافة ممن نصبه النبي (صلى الله عليه وآله) إماما في
~~الصلاة (4) لبعض أمته، فتحير ولم يأت بشئ يحسن أن نذكره (5).
# PageV00P078
# الفصل العاشر في (1) أغلاطهم (2) في التقية فمن عجيب أمر المعتزلة وظاهر
~~[ظلمهم و] دعواهم: أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يمدح أبا بكر وعمر
~~في وقتهما وبعدهما، وأنه وولده [وأهله] وشيعته [كانوا] يعظمونهما (3)
~~ويثنون عليهما، ويجعلون ms25 هذه الدعوى دليلا (4) على صوابهما، ووصى أمير
~~المؤمنين (عليه السلام) ذريته بتقديمهما (5)، هذا مع المروي المشتهر من ضد
~~هذا، فإذا قيل لهم على وجه تسليم الدعوى: ما ننكر (6) أن يكون ما [قد]
~~ذكرتموه ورد على سبيل التقية منهم ومداراة لهما في وقتهما، واستعظاما
~~لشيعتهما من بعدهما (7)، استعظموا هذا القول واستبعدوه وأنكروه وجحدوه،
# PageV00P079
# فإذا [هم] سمعوا من سواهم من الحشوية [يقولون:] إن الدليل على صواب
~~معاوية بن أبي سفيان بعد صلح الحسن (عليه السلام) ما ظهر من الحسن والحسين
~~ومحمد بن علي (عليهم السلام)، وعبد الله بن العباس وعبد الله بن جعفر وجابر
~~بن عبد الله الأنصاري [وأبي ذر الغفاري] وأبي أيوب الأنصاري رحمة الله
~~عليهم وغيرهم من التعظيم له والاجلال، وإظهار الاتباع، وترك الإنكار،
~~وقالوا لهم: إن هذا كان ممن ذكرتموه على وجه التقية من معاوية لما كانوا
~~عليه في أيامه من أحكام الضرورة الملجئة إلى الاستعطاف والاستمالة، ولما
~~علموه من المصلحة في ترك المشاقة والمخالفة فيعتمدون نظير ما ينكرون،
~~ويستعملون الاحتجاج الذي يجحدون قلة تأمل بوجه المناقضة وعدم إنصاف وديانة.
# ومن العجب قولهم: إذا كان أبو بكر وعمر وعثمان قد تركوا كثيرا من
~~الأحكام، وأظهروا البدع في الإسلام، فلم لم يغير ذلك أمير المؤمنين (عليه
~~السلام) لما انتهى الأمر إليه بعد عثمان؟ ولا يطلعون [في الآثار فينظروا ما
~~كان عليه أمير المؤمنين (عليه السلام) من أحكام الاضطرار] أنه (عليه
~~السلام) نهاهم عن الجماعة في صلاة نوافل شهر رمضان فتفرقوا عنه وصاحوا:
~~واعمراه نهيتنا (1) عن سنة عمر بن الخطاب، فإذا كانت هذه حاله معهم في
~~النهي عن أمر يعلمون أن عمرا ابتدعه، ويتحققون أن النبي (صلى الله عليه
~~وآله) نهى عنه وأنكره، ويجعلون البدعة من عمر سنة، فكيف [لو غير أكثر من
~~هذا، بل] لو غير بدعهم كلها وجاهر (2) بمخالفتهم في الأمور التي استحدثوها؟
~~فكيف تنكر تقيته منهم وهذه حاله معهم؟ ألم يسمعوا قوله (عليه السلام): "
~~[أما والله] لو ثنيت لي الوسادة لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم [وحكمه]،
~~وبين أهل ms26 الإنجيل بإنجيلهم، وبين
# PageV00P080
# أهل الفرقان بفرقانهم، حتى ينطق كل كتاب ويقول: يا رب قضى علي فينا
~~بقضائك " (1). وقوله (عليه السلام): " أما والله لو ثبتت قدماي لغيرت أمورا
~~كثيرة " (2).
# ومن عجيب أمرهم: قولهم: كيف جازت التقية على الإمام وهو عندكم حجة فيما
~~فعل وقال، وبه قطع الله الأعذار، ومنه يعرف الخطأ من الصواب (3)، وهم
~~يعتقدون مع هذا أن في الأمة جماعة هم الصفوة الأخيار، والحجة لله على
~~العباد، وبهم يعرف الحق والصواب، والتقية عليهم جائزة إذا اعترضت الأسباب،
~~فقد أقاموهم في كونهم حجة مقام (4) الإمام، وأجازوا عليهم [من التقية] ما
~~لم يجيزوا على الإمام، [وهذا من جور الأحكام، وربما قالوا أيضا: إذا جازت
~~التقية على الإمام،] فلم لا تجوز على النبي (صلى الله عليه وآله)؟ فإذا
~~فرقنا بينهما في هذا الباب قالوا: لم يصح لكم فرق، لأنها عندكم حجتان (5)،
~~فإذا قيل لهم: أليس قد أجزتم التقية على الطائفة الأخيار، والصفوة من
~~الأئمة الأبرار، الذين قولهم بعد النبي (صلى الله عليه وآله) حجة في الحلال
~~والحرام، فلم لا تجيزونها على النبي (صلى الله عليه وآله) وهما عندكم
~~حجتان؟ تعاطوا الفرق الذي عابوا نظيره، واضطروا إلى التشبث بما أنكروا
~~[منا] إيراده.
# ومن العجب: إنكارهم جواز التقية على الأنبياء (عليهم السلام) في شئ من
~~الأحوال مع علمهم أن النبي (صلى الله عليه وآله) استتر في الشعب والغار ومن
~~قبله هرب موسى (عليه السلام) وأخبر الله
# PageV00P081
# تعالى [عنه] أنه قال: ﴿ففررت
~~منكم لما خفتكم﴾ (1) وكذلك قد اتقى [غيره من] الأنبياء (عليهم السلام)،
~~لكن القوم ليس من شأنهم الإنصاف.
# PageV00P082
# الفصل الحادي عشر في (1) أغلاطهم في [حق] الصحابة ومن عجيب أمرهم: غلوهم
~~في تفخيم [أمر] الصحابة، وإفراطهم في تعظيمهم، وقولهم: لا يدخل الجنة
~~مستنقص لأحد منهم، وليس بمسلم من روى قبيحا عنهم، ويقولون: إنا لا نعرف
~~لأحد منهم بعد إسلامه عيبا، وليس منهم من واقع ذنبا، ويجعلون من خالفهم في
~~هذا زنديقا، ومن ناظرهم فيه أو طلب الحجة منهم عليه ms27 مبتدعا شريرا.
# هذا ولهم في الرسل المصطفين والأنبياء المفضلين، الذين احتج الله تعالى
~~بهم على العالمين صلوات الله عليهم أجمعين أقوال تقشعر منها الجلود، وترتعد
~~لها [الأبدان، وتنفطر] القلوب [لها]، ولا تثبت عند سماعها النفوس، يتدينون
~~بذكرها، ويتحملون بنشرها (2)، ويغتاظون على من أنكرها ودحضها، كغيظهم على
~~من أضاف إلى أحد الصحابة بعضها، فينسبون آدم وحواء إلى الشرك، وإبراهيم
~~الخليل إلى الإفك والشك، ويوسف إلى ارتكاب المحظور، والجلوس
# PageV00P083
# من زليخا مجلس [ذوي] الفجور، وموسى إلى أنه قتل نفسا ظلما، وداود [إلى]
~~أنه عشق امرأة أوريا [بن حنان] وحمله عشقها إلى (١) أن قتل زوجها وتزوجها،
~~ويونس [إلى] أنه غضب على الله تعالى، ويقولون في سيدنا محمد خاتم النبيين
~~وسيد المرسلين في تزويجه بامرأة زيد بن حارثة، وفي غير ذلك من الأقوال
~~القبيحة المفتعلة ما لا ينطلق لمؤمن بذكره لسان، ولا يثبت لمسلم عند سماعه
~~جنان، ولا يطلقه عاقل [عليه]، ولا يجيزه منه إلا [كل] كافر جاهل.
# فإذا قيل لهم: إن جميع الأخبار الواردة في ذلك باطلة، وسائر الآيات التي
~~تظنون أنها تقتضيه متأولة، وقد شهدت العقول بعصمة الأنبياء (عليهم السلام)،
~~ودل القرآن على فضلهم وتميزهم عن الأنام، فوجب أن تتأول الأقوال بما يوافق
~~مقتضى الاستدلال، قالوا إذا سمعوا هذا الكلام: هذا ضلال وترفض، وهو فتح باب
~~التزندق، فياليت شعري كيف صار الهتف بالأنبياء بالباطل إسلاما وسترا،
~~والطعن على بعض الصحابة بالحق ضلالا وكفرا؟ وكيف صار (٢) القادح في الأفاضل
~~المصطفين ثبتا صديقا، ومن قدح في أحد قوم غير معصومين رافضيا زنديقا؟ ألم
~~يسمعوا قول الله تعالى في أنبيائه صلوات الله عليهم: ﴿ولقد اخترناهم على علم على العالمين﴾ (٣)،
~~وقوله تعالى: ﴿وإنهم عندنا لمن
~~المصطفين الأخيار﴾ (4)، وقوله سبحانه وتعالى لأصحاب نبيه (صلى الله
~~عليه وآله) (5): (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله
# PageV00P084
# الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم) (1)، وقول النبي (صلى الله
~~عليه وآله): " إن من أصحابي (2) [من] لا يراني ms28 بعد أن يفارقني " (3)، فأي
~~نسبة بين الطبقتين، وأي تقارب بين القبيلتين، لولا [ما] مع خصومنا من
~~العصبية التي حرمتهم حسن التوفيق.
# وقد قال بعض المعتزلة لأحد الشيعة: إن أمركم - معشر الشيعة - لعجيب،
~~ورأيكم طريف [غير مصيب]، لأنكم أقدمتم على وجوه الصحابة الأخيار، وعيون
~~الأتقياء الأبرار، الذين سبقوا إلى الإسلام، واختصوا بصحبة الرسول (4) (صلى
~~الله عليه وآله)، [وشاهدوا المعجزات،] وقطعت أعذارهم الآيات، وصدقوا
~~بالوحي، وانقادوا إلى الأمر والنهي، وجاهدوا المشركين، ونصروا رسول رب
~~العالمين، ووجب أن يحسن بهم الظنون، ويعتقد فيهم الاعتقاد الجميل، فزعمتم
~~أنهم خالفوا الرسول (صلى الله عليه وآله) وعاندوا أهله من بعده، واجتمعوا
~~على غصب حق الإمام (5)، وإقامة الفتنة في الأنام، واستأثروا بالخلافة (6)،
~~[وسارعوا] إلى الترأس على الكافة، وهذا مما تنكره العقول وتشهد أنه مستحيل،
~~فالتعجب منكم طويل!
# قال له الشيعي (7): أما المؤمنون من الصحابة (8) الأخيار، والعيون من
~~الأتقياء
# PageV00P085
# الأطهار، فمن هذه الأمور (1) مبرؤون، ونحن عن ذمهم متنزهون، وأما من
~~سواهم ممن ظهر زللهم وخطائهم، فإن الذم متوجه إليهم، وقبيح فعلهم طرق القول
~~عليهم، ولو تأملت حال هؤلاء الأصحاب لعلمت أنك نفيت عنهم خطأ قد فعلوا
~~أمثاله، ونزهتهم عن خلاف قد ارتكبوا أضعافه، وتحققت أنك وضعت تعجبك في غير
~~موضعه، وأوقعت استطرافك في ضد موقعه، فاحتشمت من خصمك، ورددت التعجب إلى
~~نفسك.
# وهؤلاء القوم الذين فضلتهم وعظمتهم، وأحسنت ظنك بهم ونزهتهم، هم الذين
~~دحرجوا الدباب ليلة العقبة (2) بين رجلي ناقة رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله) (3) طلبا لقتله (4).
# وهم الذين [كانوا] يضحكون خلفه إذا صلى بهم ويتركون الصلاة معه وينصرفون
~~إلى تجاراتهم ولهوهم حتى نزل القرآن يهتف بهم.
# وهم الذين جادلوا في خروجه إلى بدر وكرهوا رأيه في الجهاد، واعتقدوا أنه
~~فيما دبره على غير الصواب، ونزل فيهم (كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن
~~فريقا من المؤمنين لكارهون * يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون
~~إلى
# PageV00P086
# الموت وهم ينظرون) (١).
# وهم الذين كانوا يلتمسون من النبي (صلى الله عليه وآله) بمكة القتال
~~وينازلونه في الجهاد منازلة، ويرون ms29 أن الصواب خلاف (٢) ما تعبدوا به في تلك
~~الحال من الكف والإمساك، فلما حصلوا في المدينة (٣)، وتكاثر معهم الناس،
~~ونزل عليهم فرض الجهاد، وأمروا بالقتال، كرهوا ذلك، وطلبوا التأخير من زمان
~~إلى زمان، ونزل فيهم: (ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا
~~الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس
~~كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم ﴿٤) كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل
~~قريب﴾ (٥)، فيما اتصل بهذه الآية من الخبر عن أحوالهم، والإبانة عن
~~زللهم.
# وهم الذين أظهروا الأمانة والطاعة، وأضمروا الخيانة والمعصية، حتى نزل
~~فيهم:
# ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا
~~الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون﴾ (٦).
# وهم الذين كفوا عن الإثخان في القتل يوم بدر، وطمعوا في الغنائم، حتى نزل
~~فيهم: ﴿ما كان لنبي أن
~~يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله
~~عزيز حكيم * لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم﴾ (7).
# PageV00P087
# وهم الذين شكوا يوم الخندق في وعيد الله ورسوله، وخبثت نياتهم، فظنوا أن
~~الأمر بخلاف ما أخبرهم به النبي (صلى الله عليه وآله) إذ نزل فيهم: ﴿إذ جآءوكم من فوقكم ومن أسفل
~~منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا * هنالك
~~ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا * وإذ يقول المنافقون والذين في
~~قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا﴾ (١).
# وهم الذين نكثوا عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ونقضوا ما عقده
~~عليهم في بيعته تحت الشجرة، وأنفذهم إلى قتال خيبر فولوا الدبر، ونزل فيهم:
~~﴿ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل
~~لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسؤولا﴾ (٢).
# وهم الذين انهزموا يوم حنين، وأسلموا النبي (صلى الله عليه وآله)
~~للأعداء، ولم يبق معه إلا أمير المؤمنين ms30 (عليه السلام) وتسعة من بني هاشم،
~~ونزل فيهم ﴿ويوم حنين إذ
~~أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم
~~مدبرين﴾ (٣)، وأمثال ذلك مما يطول بشروحه الذكر (٤).
# وهم الذين قال الله تعالى: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن
~~مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم﴾ (5).
# وهم الذين قال لهم النبي (صلى الله عليه وآله): " لتتبعن سنن من كان
~~قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لاتبعتموه "، قالوا: يا
~~رسول الله، اليهود
# PageV00P088
# والنصارى؟ قال: " فمن إذا " (1)؟
# وهم الذين قال (صلى الله عليه وآله) لهم: " ألا لأعرفنكم ترتدون بعدي
~~كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض " (2).
# وهم الذين قال لهم: " إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة، وأنه سيجاء برجال
~~من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: يا رب أصحابي؟ فيقال: إنك لا تدري ما
~~أحدثوا بعدك، إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم " (3).
# وهم الذين قال لهم: " بينما أنا على الحوض إذ مر بكم زمرا فتفرق بكم
~~الطرق فأناديكم: ألا هلموا إلى الطريق، فينادي مناد من ورائي: إنهم بدلوا
~~بعدك، فأقول: ألا سحقا ألا سحقا " (4).
# وهم الذين قال لهم عند وفاته: " جهزوا جيش أسامة "، ولعن من تخلف عنه،
~~فلم يفعلوا (5).
# وهم الذين قال لهم: " ائتوني بدواة وكتف، أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعدي "
~~(6)، فلم يفعلوا، وقال أحدهم: دعوه فإنه يهجر، ولم ينكر الباقون عليه، هذا
~~مع إظهارهم الإسلام، واختصاصهم بصحبة النبي (صلى الله عليه وآله)، ورؤيتهم
~~الآيات،
# PageV00P089
# وقطع أعذارهم بالمعجزات.
# فانظر الآن أينا أحق بأن يتعجب، وأولانا بأن يتعجب منه، من أضاف إلى
~~هؤلاء الأصحاب ما يليق بأفعالهم، ومن جعلهم فوق منازل الأنبياء وهذه
~~أحوالهم! فسكت المعتزلي متفكرا كأنه ألقمه الشيعي حجرا.
# ومن عجيب أمرهم، وظاهر جهلهم: أنهم إذا آمنوا بالمعارض، وعدموا المناقض،
~~ركبوا بهيمة البهتان، فأرخوا فضلة العنان، وجروا في ميدان الهذيان، فبثوا
~~من فضل أئمتهم كل مختلف، وبثوا ms31 من قول رواتهم كل ملفق، وشغلوا الزمان بذكر
~~المحال، وشحنوا الأوقات بنصرة الضلال، وجعلوا معظم الدين مودة العاصين،
~~وقاعدة الإسلام حب الظالمين، فألسن مسارعة، وعيون دامعة، ووجوه خاشعة،
~~وقلوب طائعة، حتى إذا حضر بصير أظهر أغلاطهم، ونحرير أوضح إفراطهم، وعارف
~~أبان ضلال ساداتهم، وعالم نص على زلل أئمتهم، قالوا: الكشف عن هذا الأمر لا
~~يلزم، واستماعه محرم، والشغل بغيره أوجب، ولم يتعبدنا الله بذكر من ذهب،
~~والاطلاع في أخبارهم مشكل، فليس غير الصلاة والنسك، وكل أحد يلقى عمله،
~~وليس يلزم العبد إلا ما فعله، فهم المقدمون والمحجمون، وهم المحللون
~~والمحرمون، ولقد أخبرني الخبير بأحوالهم، إنهم في المغرب يأمرون بقراءة
~~مقتل عثمان وينهون عن قراءة مقتل الحسين (عليه السلام)، فهذا ما في ضمائرهم
~~شاهد وعنوان.
# ومن عجيب أمرهم، وظاهر عصبيتهم، وحكمهم بالهوى القاهر لعقولهم:
# قولهم: إنا لما رأينا الصحابة قد شرفهم الله تعالى بصحبة رسول الله،
~~وميزهم بالكون معه على الأنام، وجعل أعمالهم أفضل الأعمال، وطاعتهم أفضل
~~طاعات أهل الإيمان، علمنا أن كبير معاصيهم في جنب ذلك صغير، وعظيم زللهم
~~PageV00P090
# بالإضافة إلى طاعتهم حقير، وأن الذم لا يتوجه إلى جناتهم، والعقاب ساقط
~~عن عصاتهم، وهذا ضد الصواب، وهو الحكم الباطل عند أولي الألباب، إلا من كان
~~بمحل من عرف واستبصر، وحضر الآيات فشاهد وأبصر، وكان من بعده قدوة فيما روى
~~ونقل، وحصل للخلف سلفا فيما قال وفعل، وجب أن يكون أثر معصيته أعظم الأثر،
~~وضرر زلته أكثر من كل ضرر، وأن يكون ما يستوجبه من الذم والعقاب أضعاف ما
~~يستحقه من فعل مثل فعله من أصاغر الناس، لأن معصيته تتعدى إلى غيره فيهلك
~~من يتبعه ويقتدي به، كما أن طاعة من كان بهذا المحل أعظم الطاعات، وأعماله
~~أنفس الأعمال، ومدحه وثوابه فوق كل مدح وثواب، إذ كان طاعاته يتعدى من
~~يتبعه أيضا إلى سواه، فيعمل فيها من بعده ويهتدي بهداه، فيكون على العاصي
~~وزر معصيته ونظير وزر من هلك في العمل بها، وللطائع أجر طاعته ونظير أجر من
~~نجا باتباعه فيها. ms32
# هذا هو العدل في الحكم الذي شهد بصحته أهل العلم، والمعروف أن الناس
~~يستعظمون خطيئة العالم، ويحتقرون معصية الجاهل، ويقولون: إن زلة العالم
~~كانكسار السفينة تغرق وتغرق، فكيف انسد دون إدراكهم الحق هذا الباب، حتى
~~تاهوا عن الوصول إلى الصواب؟ أتراهم لم يسمعوا الله تعالى يقول في ذكر
~~أزواج نبيه (صلى الله عليه وآله): ﴿يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف
~~لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا * ومن يقنت منكن لله ورسوله
~~وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين وأعتدنا لها رزقا كريما﴾ (1)؟ بل إنهم
~~قد سمعوا ذلك بحواس صدية، وعلموه بقلوب قد قهرتها العصبية، وإنما صار جزاء
~~من عمل من أزواج النبي (صلى الله عليه وآله)
# PageV00P091
# طاعة أو معصية مضاعفا لصحبتهن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقربهن
~~منه، ومشاهدتهن آياته، ولأنهن قد حصلن قدوة لسواهن، وسلفا لمن بعدهن، ولسن
~~فيما يفعلن كغيرهن.
# ومن عجيب أمر المعتزلة: أنهم يظهرون التمسك بالدليل، ويتحملون بالاعتماد
~~على ما توجبه العقول، ويعترفون بأن الواجب على كل عاقل أن لا يعدل عن
~~المعلوم إلى المجهول، ولا يترك اليقين ويأخذ بالظنون، ولا يهجر المشتهر
~~المجمع عليه انصرافا إلى الشاذ من القول، وأن من فعل ذلك فهو على خطأ كبير
~~وزلل عظيم.
# ثم إنهم مع هذا يخالفون أقوالهم، ويناقضون أنفسهم، فيقولون في عائشة
~~وطلحة وزبير الذين قد انقطع العذر بفسقهم عن الدين، وصح لكل عاقل ضلالهم
~~بالبرهان المبين، وتحصيل عداوتهم فريضة على جميع المؤمنين، أنهم تابوا مما
~~اقترفوه، وأقلعوا عما اجترحوه، ولم يخرجوا من الدنيا إلا وهم من الخلصاء
~~المؤمنين، والأتقياء الطاهرين، وأن الزبير الذي لم يشك في حربه، وطلحة الذي
~~هلك في قتاله وحربه، لم يقتلا إلا وهما صفيان لأمير المؤمنين (عليه
~~السلام)، ووليان له ومخلصان، وأنهما معه في القيامة عند الله في جملة من
~~قال الله: ﴿ونزعنا ما في صدورهم
~~من غل إخوانا على سرر متقابلين﴾ (1).
# ويعتمدون في ذلك على ms33 أخبار آحاد، وحكايات شواذ، لم يجتمع عليها مع إمكان
~~تأويلها، وأحسن أحوالها أن توجب الظن لسامعها من غير علم ويقين يحصل بها،
~~وينتقلون بها من اليقين إلى الظنون، وينصرفون من المعلوم إلى
# PageV00P092
# المجهول، يوالون بالظن من عادوه باليقين والعلم، حتى كأنهم لم يطلعوا قط
~~على دليل عقلي، ولا علموا أنه لا يدفع اليقين بالظن، ولا سمعوا قول الله عز
~~وجل:
# ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن
~~السمع والبصر كل أولئك كان عنه مسؤولا﴾ (١)، وقوله: ﴿إلا من شهد بالحق وهم يعلمون﴾ (٢)، وقول
~~النبي (صلى الله عليه وآله): " ردوا الجهالات إلى السنة، وعليكم بالمجمع
~~عليه فإنه لا ريب فيه " (٣) أترى أنهم يستجيزون عكس ذلك من الانصراف عن
~~موالاة من ثبت إيمانه بواضح الدليل، وعلم إخلاصه بالحق اليقين، إلى معاداته
~~بضرب من الظنون، والتقرب إلى الله بلعنه والبراءة منه بخبر غير موجب
~~لليقين، أم لهم فرق بين الموضعين؟
# ومن عجيب أمرهم: إشفاقهم من ذم عائشة والبراءة منها، على ما ارتكبته من
~~معصية ربها، ومخالفة نبيها، وخروجها من بيتها، وسعيها في فتنة هلك فيها
~~كثير من الخلق وسفكت دماؤهم فيها، ونصبها لنفسها فتية تقاتل أمامها طالبة
~~باطلا في فعلها، ولو كان حقا لم يكن إليها ولا لها، واعتذارهم في التوقف عن
~~ذمها ومعاداتها بأنها زوجة النبي (صلى الله عليه وآله) مع سماعهم قول الله
~~تعالى: ﴿ضرب الله مثلا
~~للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين
~~فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين﴾
~~(٤)، وقوله تعالى:
# ﴿يا نساء النبي من يأت منكن
~~بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين﴾ (5)،
# PageV00P093
# ومع علمهم بأن عصمة البنوة آكد من الزوجية، وقد أخبر الله تعالى عن ابن
~~نبيه نوح: ﴿إنه ليس من أهلك إنه
~~عمل غير صالح﴾ (١).
# هذا مع ms34 قول الرسول على رؤوس الأشهاد في آخر أيامه من الدنيا حيث وعظ أمته
~~وذكرهم ووصاهم، ثم أقبل على أهل بيته خاصة، فقال: " يا فاطمة ابنة محمد،
~~اعملي فإني لا أغني عنك من الله شيئا.
# يا عباس يا عم رسول الله، اعمل فإني لا أغني عنك من الله شيئا.
# ثم أقبل على سواهم من الناس فقال: أيها الناس لا يدعي مدع، ولا يتمنى
~~متمن، والذي بعثني بالحق لا ينجيني إلا عمل مع رحمة ولو عصيت لهويت.
# اللهم هل بلغت " فقرأ ثلاثا (٢).
# ولو تأمل القوم ذلك وخافوا الله عز وجل لوجهوا الذم إلى أهله، والمدح
~~والثناء إلى مستحقه، فوالوا أولياء الله، وعادوا أعداء الله، واتبعوا كتابه
~~حيث يقول سبحانه: ﴿لا تجد قوما
~~يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو
~~أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم﴾ (3).
# ومن عجيب أمرهم: قولهم: يجب أن يحفظ رسول الله في زوجته، ولا يوجبون أن
~~يحفظ في فاطمة ابنته، ويعلنون بلعن من ظلم عائشة، ولا يستطيعون سماع لعن من
~~ظلم فاطمة، وهذا عند العقلاء قصور غير خافية، ودلائل على ما في النفوس
~~كافية.
# ومن عجيب أمرهم: دعواهم أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " أصحابي
~~كالنجوم، بأيهم
# PageV00P094
# اقتديتم اهتديتم " (1) واحتجاجهم بذلك في تفضيلهم، واعتمادهم عليه في
~~تصويب جميعهم، مع علمهم بما جرى بينهم من الخلف العظيم والتباين المبين، في
~~أمور الدنيا والدين، وأن الحال انتهت بهم إلى أن ضرب بعضهم وجوه بعض
~~بالسيف، وطلب بعضهم دم بعض على وجه التحليل، فكيف يصح أن يكون بأيهم اقتدوا
~~اهتدوا مع كونهم على هذا السبيل؟! وهل المستفاد من هذا الخبر إلا أن
~~الهداية فيما بين الجميع.
# ومن عجيب أمرهم: قولهم: يجب الإمساك عن ذكر مساوئ الصحابة، وهم يعلمون مع
~~ذلك أن بعضهم لم يمسك عن بعض، وقد تجاوز الخلف منهم حد الذم والطعن إلى
~~البراءة واللعن، وتجريد السيف والقتل.
# ومن عجيب أمر المعتزلة وظاهر مناقضتهم: أنهم يجعلون تصرف بعض وجوه ms35 الشيعة
~~في الصدر الأول من قبل عمر بن الخطاب في الظاهر دليلا على موالاتهم القوم
~~في الباطن، كولاية سلمان المدائن، وعمار الكوفة، ويقولون: لو لم يتولوهم
~~ويعتقدوا صوابهم ما تصرفوا تحت واحد منهم، ولا تولوا عملا من قبل من هو
~~ظالم عندهم، ولا يلتفتون مع هذا إلى اعتقادهم أن الخيرة من أصحاب رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله) تصرفوا من قبل معاوية بن أبي سفيان، وأظهروا اتباعه
~~وسموه بإمرة المؤمنين وعظموه وأجلوه، ومعاوية عند جميع المعتزلة ظالم فاسق
~~يستحق الخلود في نار جهنم، ويعلمون أنه عقد لابنه يزيد الأمارة على وجوه
~~الصحابة في حياته، وأنفذهم إلى قتال الروم تحت رايته، حتى بلغوا قسطنطينة
~~ممتثلين أمره، منقادين إلى طاعته، متصرفين تحت حكمه وتدبيره، منهم: عبد
~~الله بن العباس،
# PageV00P095
# وعبد الله بن عمر بن الخطاب الذين يتفقون على تفضيله، وعبد الله بن
~~الزبير بن العوام الذين يعتقدون الجميل فيه، وأبو أيوب الأنصاري صاحب رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله)، ولا يرون أن تصرفهم هذا من قبل معاوية ويزيد لا
~~يدل على موالاتهم لهما واعتقادهم صوابهما، وكذلك جماعة ممن يفضلهم المعتزلة
~~قد تصرفوا من قبل معاوية مثل أبي هريرة في ولايته على المدينة، وغالب بن
~~فضالة الذي تولى أمارة خراسان، والمغيرة بن شعبة الذي كان أميرا على
~~الكوفة، وسمرة الذي كان أميرا من قبل زياد على البصرة، وكل ما علم من تصرف
~~شيوخ المعتزلة من قبل الولاة الظلمة في قضاء وعمالة، بل يقيمون لهم
~~المعاذير، ويخرجون لهم الوجوه التي لا تجبره مثلها في تولي سلمان وعمار من
~~قبل عمر بن الخطاب، وهذا تحكم ومناقضة لا تخفى على ذوي الألباب.
~~PageV00P096
# الفصل الثاني عشر في أغلاطهم في الأسماء والصفات ومن عجيب أمرهم، وظاهر
~~عصبيتهم وعنادهم: تسميتهم أبا بكر عتيق ابن أبي قحافة الصديق، ولم يرووا عن
~~النبي (صلى الله عليه وآله) خبرا يقطع العذر بأنه نحله هذا الاسم، وميزه
~~بهذا النعت، ولا يثبت ما يدعونه من أنه أول من أسلم، وشعر حسان الذي نظمه
~~ومدح ms36 به أبا بكر بما ادعاه من تقدم إسلامه لا يلتفت إلى مثله، لما علم من
~~معاداة حسان لأمير المؤمنين (عليه السلام) ومعاندته له.
# وقد روي أن محمد بن سعد بن أبي وقاص قال لأبيه سعد: كان أبو بكر أولكم
~~إسلاما، فقال: لا قد أسلم قبله خمسون رجلا (1). ولا يقولون إن أمير
~~المؤمنين الصديق وقد ثبت أنه أول من أجاب النبي وصدق به، وأنه يوم الدار
~~كان الذي قام بين يدي الجماعة فبايعه على الإقرار بما جاء، وشهد له النبي
~~بذلك في أقوال كثيرة مأثورة:
# منها: " علي أول من آمن بي وصدقني "، و " أول من يصافحني يوم القيامة "،
# PageV00P097
# و " هو الصديق الأكبر " (١)، وقوله لفاطمة (عليها السلام): " زوجك أقدم
~~أمتي إسلاما " (٢).
# وقول أمير المؤمنين (عليه السلام) بين الملأ: " اللهم إني لا أعرف أحدا
~~من هذه الأمة عبدك قبلي غير نبيها " (٣)، وكان يقول على المنبر مفتخرا: "
~~أنا الصديق الأكبر، لا يقولها بعدي إلا مفتر " (٤)، وقال (عليه السلام): "
~~أسلمت قبل أن يسلم أبو بكر، وصدقت قبل أن يصدق " (٥)، وقوله أيضا مفتخرا:
# سبقتكم إلى الإسلام طرا * غلاما ما بلغت أوان حلمي (٦) والمروي المشتهر
~~أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعث يوم الاثنين وأجابه أمير المؤمنين
~~يوم الثلاثاء (٧).
# وجاء عن ابن عباس في قول الله عز وجل: ﴿والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون﴾
~~(8) إنما أنزلت في علي (9).
# PageV00P098
# وجاء عن ابن مجاهد، عن أبيه في قوله تعالى: ﴿والذي جاء بالصدق وصدق به﴾ (1) قال: جاء
~~بالصدق النبي، وصدق به علي بن أبي طالب (2).
# وروي أيضا عن ابن عباس.
# وروي أيضا عن أبي ليلى قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "
~~الصديقون ثلاثة: حبيب بن مري النجار - وهو مؤمن آل يس -، وحزقيل - مؤمن آل
~~فرعون -، وعلي بن أبي طالب - وهو أفضلهم - " (3)، فكيف لا يكون علي بن أبي
~~طالب هو الصديق ويكون مختصا بأبي بكر لولا العصبية الغالبة للعقل؟
# بل من العجب: أن تجتمع الأمة ms37 بأسرها على أن النبي قال: " ما أقلت
~~الغبراء، ولا أظلت الخضراء، على ذي لهجة أصدق من أبي ذر " (4)، ولا يسمى
~~أبو ذر مع ذلك صديقا ويسمون أبا بكر صديقا، ولم يرو فيه قط مثل هذا!
# ومن عجيب غلطهم، وقبيح خطأهم: تسميتهم أبا بكر خليفة رسول الله مع
~~اعترافهم بأن رسول الله لم يستخلفه، وأن المستخلف له نحو العشرة في السقيفة
~~فصفق على يده منهم اثنان وتبعهم الباقون، وهو القائل على المنبر: " أقيلوني
~~بيعتكم " (5) فيعلن بأن الاستخلاف كان منهم لسؤاله إقالته بيعتهم، وهم في
~~ذلك يقولون له: يا خليفة رسول الله، ولا يسمون عليا خليفة رسول الله وقد
~~استخلفه
# PageV00P099
# في مقامات عديدة، ونص عليه بالخلافة نصوصا كثيرة، وليس ينكرونه أنه
~~استخلفه على المدينة في غزاة تبوك، وقال له: " إن المدينة لا تصلح إلا بي
~~أو بك "، وقال له: " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا
~~نبي بعدي " (1)، وهذا منه استخلاف ظاهر مجمع عليه، ويكون أبو بكر خليفة على
~~أمور لم يردها إليه، وإن جاز هذا ليجوزون أن يقولوا: أمير رسول الله لمن لم
~~يؤمره، وقاضي رسول الله لمن لم يستقضه، ووصي رسول الله لمن لم يوص إليه،
~~وقد تعجب أمير المؤمنين (عليه السلام) من استقالة أبي بكر ونصه على عمر حيث
~~قال: " فواعجبا بينما هو يستقيلها في حياته، إذ عقدها لآخر بعد وفاته "
~~(2)، والعاقل يعلم أن هذين الفعلين في غاية التناقض، لأن الاستقالة تدل على
~~التبري والكراهة والنص والرغبة.
# ومن العجب: أن يؤمر النبي (صلى الله عليه وآله) عند موته أسامة بن زيد
~~على جماعة من أصحابه فيهم أبو بكر وعمر ثم يموت ولم يعزله فلا يسمى أمير
~~رسول الله، وتجتمع طائفة فتقدم أبا بكر على سائر الناس ويسمونه خليفة رسول
~~الله.
# وقد روي أن أسامة يوما غضب على أبي بكر وقال: إن رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله) أمرني عليك فمن استخلفك علي؟ فمشى إليه هو وعمر حتى استرضياه
~~فكانا يسميانه مدة حياته أميرا.
# PageV00P100
# ومن ms38 عجيب أمرهم: تسميتهم عمر بن الخطاب بالفاروق، وليس في نحلته هذا
~~الاسم لأحد منهم حجة، ولا لناصره شبهة، ولا ورد في رواية، ولا أوجبه لعمر
~~دلالة، ولا هو مشتق من بعض أفعاله فيستحقه على وجه الاستحقاق، ولم يسموا
~~أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) الفاروق وقد قال فيه النبي
~~ويده في يده:
# " هذا فاروق أمتي يفرق بين الحق والباطل " (1).
# وجاء عنه (صلى الله عليه وآله) أخبار عدة أنه الفاروق الأعظم وجعل محبته
~~فرقا يعرف به المؤمن من المنافق.
# وروي عن ابن عمر أنه قال: " ما كنا نعرف المنافقين على عهد رسول الله إلا
~~ببغضهم عليا (عليه السلام) " (2). وفي رواية أخرى: " أن محبته علم لطيب
~~المولد، وبغضه علم على خبث المولد "، ولا يسمون علي بن أبي طالب هذا فاروقا
~~ويكون عمر بن الخطاب عندهم فاروقا!
# ومن عجيب أمرهم مثل هذا: قولهم: إن عثمان بن عفان ذو النورين، واعتقادهم
~~من نحلته هذا بأنه تزوج بابنتين كانتا فيما زعموا لرسول الله من خديجة بنت
~~خويلد، وقد اختلفت الأقوال فيهما، فمن قائل: أنهما ربيبتاه، وأنهما ابنتا
~~خديجة من سواه، ومن قائل: إنهما ابنتا أخت خديجة من أمها، وإن خديجة ربتهما
~~لما ماتت أختها في حياتها، وقد قال: إن اسم أبيهما هالة، ومن قائل: إنهما
~~ابنتا النبي يعلم أنهما ليستا كفاطمة البتول (عليها السلام) في منزلتها،
~~ولا يدانيانها في مرتبتها، فيسمون عثمان لأجل تزويجه بهما مع ما روي من أنه
~~قتل إحداهما ذا النورين ولا يقولون: إن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
~~(عليه السلام) ذو النورين،
# PageV00P101
# وهو أبو السبطين السيدين الإمامين الشهيدين الحسن والحسين سيدي شباب أهل
~~الجنة، وشنفي العرش، وريحانتي نبي الرحمة، وولدي ابنته فاطمة البتول سيدة
~~نساء العالمين، والأئمة الهادين صلوات الله عليهم أجمعين.
# وقد بلغنا أن مجاهدا قال: قيل لابن عباس: ما تقول لعلي بن أبي طالب؟
# فقال: " ذاك والله أحد سبق بالشهادتين، وصلى القبلتين، وبايع البيعتين،
~~وأعطى البسطتين، وهو أبو الإمامين الحسن والحسين، وردت عليه الشمس مرتين،
~~وجرد ms39 السيف كرتين، فمثله في الأمة كمثل ذي القرنين " (1)، يعني بقوله: "
~~أعطي البسطتين " أن الله تعالى زاده بسطة في العلم والجسم، كما فعل بطالوت
~~من قبل (2)، وقوله: " وردت عليه الشمس مرتين " يعني في حياة رسول الله
~~وبعده، كذلك قوله: " جرد السيف مرتين "، إنما يريد في حياته لقتال المشركين
~~وبعده لقتال الناكثين والقاسطين والمارقين.
# وينضاف إلى ما ذكره ابن عباس أنه في علمه وعمله ذو الشرفين، وفي سبقه
~~وجهاده ذو الفضيلتين، وقد حاز الحسبين لأنه أول من ولد من هاشميين، فهو
~~صلوات الله عليه أحق من عثمان أن يكون ذا النورين.
# ومن عجيب أمرهم: تفضيلهم عائشة بنت أبي بكر على جميع أزواج النبي،
~~وبهجتهم بتسميتها أم المؤمنين، بدعواهم أنها حبيبة رسول الله، وكثرة ترحمهم
# PageV00P102
# عليها، وإظهارهم الخشوع والبكاء عند ذكرها، ثم لا يذكرون خديجة بنت خويلد
~~وفضلها متفق عليه، وعلو قدرها لا شك فيه، وهي أول من آمن برسول الله (صلى
~~الله عليه وآله)، وأنفقت عليه مالها، وكان يكثر ذكرها، ويحسن الثناء عليها،
~~ويقول: " ما نفعني مال كمالها " (١)، ورزقه الله الولد منها، ولم يتزوج في
~~حياتها إكراما منه لها، ولكثرة ما كان يذكرها قالت له عائشة يوما: تكثر من
~~ذكر خديجة وقد أبدلك الله من هو خير منها؟ فقال (صلى الله عليه وآله): "
~~كلا والله ما بدلت بها من هو خير منها، صدقتني إذ كذبني الناس، وآوتني إذ
~~طردني الناس، وأسعدتني بمالها، ورزقني الله الولد منها، ولم ارزق من غيرها
~~" (٢)، وعائشة مذيعة سر رسول الله التي شهد القرآن بأنها وصاحبتها قد صغت
~~قلوبهما (٣)، وأنهما تظاهرتا عليه وتحاملتا، وقال لها النبي (صلى الله عليه
~~وآله): " تقاتلين عليا وأنت ظالمة " (٤)، مع قول الله تعالى: ﴿ألا لعنة الله على الظالمين﴾
~~(5)، وكيف استحقت هذه أن يعلن القول بأنها أم المؤمنين، وينادي بتفضيلها
~~على رؤوس العالمين؟ فإنا لا نعرف فعلا استحقت به هذا التميز، اللهم إلا أن
~~يكون استحقت ذلك بحربها لأمير المؤمنين (عليه السلام)، ومجاهرتها بعداوته،
~~والقدح فيه، وكونها السبب ms40 في هلاك تسعة عشر ألفا من المسلمين، وإدخال
# PageV00P103
# الشبهة في الدين على الأصاغر المستضعفين، فلعمري إن لها ميزة عظيمة،
~~استحقت عند القوم هذه الرتبة الجسيمة، فالويل لهم من الله.
# ومن عجيب أمر الحشوية، ووقاحتهم في العناد والعصبية: أنهم يقولون: إن
~~معاوية بن أبي سفيان خال المؤمنين، ويقولون: إنه استحق ذلك بسبب أن أخته أم
~~حبيبة بنت أبي سفيان إحدى أزواج النبي الذين هم بنص القرآن للمؤمنين أمهات،
~~ولا يسمون محمد بن أبي بكر خال المؤمنين، بل لا يذكرونه بذكر جميل، وأخته
~~عائشة أعظم أزواج النبي (صلى الله عليه وآله) عندهم قدرا، وأجل الأمهات في
~~مذهبهم فضلا وذكرا، وليس تدانيها عندهم أم حبيبة، ولا تقاربها، ولا أبوها
~~كأبيها، فلم لا يسمون محمد بن أبي بكر خال المؤمنين ويكون أحق بذلك من
~~معاوية بن أبي سفيان الفاسق اللعين الطليق ابن الطليق؟ لعنه رسول الله،
~~وقال: " إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه " (1)، وكان من المؤلفة
~~قلوبهم، ولم يحفظ قط حسنة يبسط معها في تفضيلهم له عذرا، ولا ورد في الأثر
~~عن النبي تسميته بخال المؤمنين فيصح قولهم (2).
# وبأي وجه استحق معاوية هذا الإكرام دون محمد بن أبي بكر؟ وكيف يجب أن
~~تحفظ أم حبيبة في أخيها معاوية ولم يجب أن تحفظ عائشة في أخيها محمد؟
# كلا ليس يخفى على العاقل أن بغضهم لأمير المؤمنين (عليه السلام) حملهم
~~على تفضيل محاربيه، وتبجيل أعاديه ومعانديه، وإهمال ذكر أوليائه،
~~والمنسوبين إليه من
# PageV00P104
# أصفيائه، وقد علم أن معاوية كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) عدوا
~~وحربا، وأن محمد بن أبي بكر كان له وليا وحزبا، بذلك صار معاوية خالا
~~للمؤمنين، دون محمد بن أبي بكر ربيب أمير المؤمنين، مع ما أنه على الحقيقة
~~واليقين لا يصح أن يكون أحد من إخوة أزواج النبي خالا للمؤمنين، وذلك أن
~~الله تعالى إنما جعل أزواج نبيه أمهات لهم ليحرم عليهم بعده العقد عليهن،
~~فلو كان معاوية عليه الهاوية أو غيره خالا للناس لأجل أن أخته في حكم
~~الأمهات لحرم عليه وطء ms41 مؤمنة، لأن الخال لا يحل أن يطأ بنت أخته. أترى لو
~~اجتمع إخوة أزواج النبي (صلى الله عليه وآله)، كعبد الرحمن ومحمد بن أبي
~~بكر أخوي عائشة، وعبد الله وعبيد الله وعاصم ومعاوية بنو عمر بن الخطاب
~~إخوة حفصة، ويزيد ومهاجر ابنا بني أمية أخوي أم سلمة، ومعاوية بن أبي سفيان
~~أخو أم حبيبة، كيف كان يترتبون في منزلة الخؤلة؟ وهل كان بعضهم خالا لبعض،
~~أم هذا النعت مختص بمعاوية فقط؟!
# وأيضا قولهم: إن معاوية كاتب الوحي (1)، وقد كان بين يدي النبي أربعة عشر
~~نفسا يكتبون الوحي وأقومهم أمير المؤمنين (عليه السلام)، فبماذا يستحق
~~معاوية هذا النعت دونه ودون غيره من الكتاب؟
# وقد علم أن معاوية عليه الهاوية لم يزل مشركا مدة كون النبي (صلى الله
~~عليه وآله) مبعوثا، يكذب بالوحي، ويهزأ بالشرع، وكان باليمن يوم الفتح يطعن
~~على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويكتب إلى أبيه صخر بن حرب يعيره
~~بإسلامه ويقول له: صبوت إلى دين محمد، ومما كتب به إلى أبيه من قبل أن يسلم
~~قوله:
# يا صخر لا تسلمن طوعا فتفضحنا * بعد الذين ببدر أصبحوا مزقا
# PageV00P105
# خالي وعمي وعم الأم ثالثهم * وحنظل الخير قد أهدى لنا الأرقا (1) لا
~~تركنن إلى أمر يكلفنا * والراقصات به في مكة الخرقا فالموت أهون من قول
~~العداة لقد * حاد ابن حرب عن العزى إذا فرقا (2) فإن أبيت أبينا ما تريد
~~ولا * تدعن اللات والعزى إذا اعتنقا (3) والفتح كان في شهر رمضان لثمان
~~سنين من قدوم النبي (صلى الله عليه وآله) المدينة، ومعاوية يومئذ مقيم على
~~شركه هارب من النبي (صلى الله عليه وآله)، لأنه كان قد هدر دمه فهرب إلى
~~مكة، فلما لم يجد له مأوى صار إلى النبي (صلى الله عليه وآله) مصير
~~الاضطرار، فأظهر الإسلام قبل وفاة النبي بخمسة أشهر أو ستة أشهر، وطرح نفسه
~~على العباس بن عبد المطلب فسأل فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) فعفا
~~عنه، ثم شفع له أن يشرفه ويضيفه إلى جملة الكتاب، ms42 فأجابه وجعله واحدا من
~~أربعة عشر كاتبا، فكم ترى يخصه من الكتبة في مدة ستة أشهر حتى يستحق هذا
~~النعت بكاتب الوحي، ولولا ما حملتهم عليه العصبية التي أصدت السمع، وأعمت
~~البصر، وليس يلتبس على أهل العقل أن مجرد الكتابة لا يحصل بها الفضل ما لم
~~يقارنها صحيح الإيمان وعقد، لأنه قد كتب لرسول الله عبد الله بن أبي سرح
~~(4) ثم ارتد مشركا، وفيه نزل:
# PageV00P106
# ﴿ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم
~~غضب من الله ولهم عذاب عظيم﴾ (1).
# وروي أن آخر كتبة الوحي ابن أبي سرح، وارتد من الإسلام ومات على الكفر،
~~ودفن فلم تقبله الأرض (2)، فكيف حصل لمعاوية هذا النعت وتميز به عن الخلق؟
~~والمأثور أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعنه على منبره، وأخبر أنه
~~يموت على غير ملة.
# فمما روي في ذلك: أن النبي (صلى الله عليه وآله) قام يخطب أخذ معاوية بيد
~~أبيه، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): " لعن الله القائد والمقود " (3)،
~~أي يوم يكون لهذه الأمة من معاوية ذي الأستاه؟
# وروي عن عبد الله بن عمر أنه قال: أتيت النبي (صلى الله عليه وآله)
~~فسمعته يقول: " يطلع عليكم رجل يموت على غير سنتي " (4)، فطلع معاوية.
# وفي خبر آخر: " يطلع عليكم رجل من أهل النار " فطلع معاوية.
# وعن جابر، أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " يموت معاوية على غير
~~ملتي " (5).
# ومن طريق آخر: " يموت كافرا ".
# واشتهر عنه لم يمت إلا وفي عنقه صليب ذهب وضعه له في مرضه أهون المتطبب
~~وأشار إليه بتعليقه فأخذه من كنيسة يوحنا وعلقه في عنقه.
# PageV00P107
# وروي أيضا أنه تشافى بلحم الخنزير فأكله قبل موته، وغير ذلك مما لا يحصى،
~~وإنما يتأسى القوم هذه الأخبار وأمثالها ولم يلتفتوا إلى شئ منها لما جاهر
~~به معاوية من معاجلة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وتناهيه
~~في جهاده وحربه أنه قتل خيار أصحابه وشيعته، ولعنه على المنابر، وجعل بغضه
~~يتوارث نصا، ولذلك قيل: ms43 كاتب الوحي، وخال المؤمنين، والخليفة الحليم،
~~والسميح الكريم، ونسي جميع ما روي فيه بالويل الطويل، ويلهم من رب
~~العالمين.
# ومن عجيب أمرهم: أنهم يسمون خالد بن الوليد سيف الله عنادا لأمير
~~المؤمنين (عليه السلام)، أهلك الله بسيفه الكفار والمشركين، والعتاة
~~المتجبرين، وثبت به قواعد الدين، وشد به أزر خاتم النبيين، فقال فيه الرسول
~~(صلى الله عليه وآله): " علي سيف الله، وسهم الله " (1).
# وقال هو (عليه السلام) على المنبر: " أنا سيف الله على أعدائه، ورحمته
~~لأوليائه " (2).
# واحتجوا في تسميتهم خالد بن الوليد بخبر رووه عن قتادة أنه لما فعل خالد
~~بن الوليد بأهل اليمامة ما فعل، وبذل فيهم السيف والقتل، وقتل مالك بن
~~نويرة - وهو مؤمن - ظلما، ووطئ امرأته من ليلته، أشار عمر إلى أبي بكر
~~بإقامة الحد، فقال أبو بكر: يا عمر، خالد سيف من سيوف الله (3)، فسموا
~~خالدا لذلك سيف الله اتباعا لقول أبي بكر، ونسوا أن خالدا لم يزل على
~~الإسلام وأهله، وللنبي (صلى الله عليه وآله) عدوا وحربا، وبالدين والإيمان
~~مكذبا، وبالشرك والإفك متعصبا،
# PageV00P108
# وهو كان السبب في قتل المسلمين في يوم أحد، وما ابتلي به الرسول (صلى
~~الله عليه وآله) من الأذى، حتى كسرت رباعيته، وأدمي فمه، وشجت جبهته، وقتل
~~حمزة، وسرى القتل في أنصاره، وأثخن المشركون في أوليائه وأعوانه، وأتى على
~~دماء حماته الذين وكلهم النبي (صلى الله عليه وآله) بثغرة الجبل، ثم لما
~~تظاهر بالإسلام بعثه النبي إلى بني جذيمة ليأخذ منهم صدقاتهم، فخانه في
~~عهده، وخالفه على أمره، وقتل المسلمين، واستعمل في ذلك لترة (1) كانت بينه
~~وبينهم في الجاهلية، حتى قام النبي (صلى الله عليه وآله) خطيبا بالإنكار
~~عليه، رافعا إلى السماء يديه، حتى رؤي بياض إبطيه وهو يقول: " اللهم إني
~~أبرأ إليك مما صنع خالد " (2)، ثم أنفذ إليهم أمير المؤمنين (عليه السلام)
~~ليتلافى فارطه (3) وأمره أن يدني القوم ويسترضيهم، ففعل ذلك إليهم، وبلغ
~~منه مبلغا سرى به عن رسول الله (صلى الله عليه وآله).
# ولما قبض النبي وأنفذه أبو بكر لقتال أهل ms44 اليمامة قتل منهم ألفا ومائتي
~~نفس وهم على ظاهر الإسلام، وقتل مالكا صبرا وهو مسلم مؤمن، وعرس بامرأته،
~~وجعل رأسه تحت يديه (4)، ولم يراقب الله عز وجل فيما صنع، ثم لم يزل مباينا
# PageV00P109
# لأمير المؤمنين علي (عليه السلام) ولولده ولأهل بيته بالبغضة، ثم عمل على
~~احتياله لقتله (1) حتى كفاه الله شره، ولما مضى بسيئ عمله ورث ابنه عبد
~~الرحمن عداوة أمير المؤمنين (عليه السلام)، وبارزه مع معاوية بالحرب،
~~وجاهره ببغضه والمقت حتى هلك إلى النار.
# فمن العجب: أن يكون من هذه صفته " سيف الله " وما ترى المخالفين ينقلون
~~من نعوت أمير المؤمنين (عليه السلام) وصفاته إلى أعدائه وشنائه أما سمعوا
~~قاتلهم الله قول النبي (صلى الله عليه وآله): " من لقي الله عز وجل وفي
~~قلبه مقت لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) لقي الله يهوديا " (2)؟ بلى قد
~~سمعوا هذا، ولكن من عبد هواه أهلكه ضلاله!
# ومن العجب: أن تمنع بنو حنيفة من حمل الزكاة إلى أبي بكر ولم يصح عندهم
~~إمامته، فيسمونهم أهل الردة، ويستحلون دماءهم وأموالهم ونساءهم، ثم ينكث
~~طلحة والزبير بيعة أمير المؤمنين (عليه السلام) ويخرجان مع عائشة يستنفرون
~~الخلق عليه،
# PageV00P110
# ويتناهون مع من تبعهم في حربه، ولا يسمون مع ذلك أهل الردة، ومعلوم أن
~~منع الزكاة يدخل في جملة الحرب، لأن أحدا لا يرى حمل الزكاة إلى من يحاربه
~~ويستحله فيكون على حكمه مانع الزكاة من غير خطأ مرتدين، والذين أضافوا إلى
~~منعها البغي، والمشاقة، وتجريد السيف، وإقامة الفتنة، غير مرتدين!
# هذا وقد بلغهم قول النبي (صلى الله عليه وآله): " حربك يا علي حربي،
~~وسلمك سلمي " (1)، وقد علمنا أن من حارب رسول الله (صلى الله عليه وآله)
~~كافر فيجب أن [يكون] (2) من حارب أمير المؤمنين كافرا كذلك.
# ومن عجيب أمرهم: أنهم يسمون أنفسهم بالسنة وقد غيروها وبدلوها واستحدثوها
~~بآرائهم وعقولهم ما ليس منها، ويدعون أنهم أهل الجماعة مع أقوالهم
~~المختلفة، وقياساتهم المتضادة، وتكون الشيعة عندهم أهل بدعة، وأقوالهم
~~متفقة، ومعهم النص في كل حاجة!
# PageV00P111
# الفصل الثالث عشر ms45 في ذكر بغضهم لأهل البيت (عليهم السلام) ومن عجيب
~~أمرهم: أنهم يجحدون بغضهم لأهل البيت (عليهم السلام) ووجوههم بها شاهدة،
~~ويدعون محبتهم وجوارحهم لهم مكذبة، ويزعمون أنهم أحق بموالاتهم من الشيعة
~~المؤمنين، وأخص بمودتهم من جميع العالمين، وليس الحق كالبطلان، ولا الصدق
~~كالبهتان، وهيهات أن يجتمع الضدان، أو يحل قلبا واحدا نقيضان.
# وقد بلغنا أن رجلا قال لأمير المؤمنين (عليه السلام): أنا أحبك وأتوالى
~~عثمان، فقال له:
# " أما الآن فأنت أعور، فإما أن تعمى أو تبصر " (1).
# ولعمري ما ودك من توالى ضدك، ولا أحبك من صوب غاصبك، ولا أكرمك مكرم من
~~هضمك، ولأعظمك معظم من ظلمك، ولا أطاع الله فيك مفضل أعاديك، ولا اهتدى
~~إليك مضلل مواليك، النهار فأصح، والمنار واضح، إن كانوا في محبتهم أهل
~~البيت محقين، وفيما ادعوا (2) من موالاتهم صادقين، فلم
# PageV00P112
# لا تسكن قلوبهم إذا ذكرت مناقبهم، وتثبت عقولهم إذا نشرت فضائلهم؟ ولم
~~صار المتشيع لهم رافضيا شريرا، ومناصبهم العداوة شينا مستورا، وإذا سمعوا
~~من يقول: " اللهم العن ظالمي آل محمد " يغضبون ويقولون: هذا تعريض ورفض،
~~وتشرد وبغض، والمسلم لا يكون لعانا، والأفضل من اللعن التسبيح، وهم مع ذلك
~~يلعنون الشيعة اللعن الصريح، فكيف صار لعن ظالمي آل محمد تعريضا ورفضا،
~~ولعن الشيعة حقا واجبا وفرضا؟ بل كيف صار لعن من يقول: " إن عائشة ظلمت "
~~صوابا يكسب ثوابا، ولم يصر لعن من لا يقول: " إن فاطمة ظلمت " ضلالا يكسب
~~عقابا؟ ولم صارت فضائل أهل البيت (عليهم السلام) إذا وردت متفرقة في خلال
~~أحاديثهم، ومشهورة بين روايات شيوخهم تسمع وتثبت، وإذا انتزعت وتميزت تدفع
~~وتمقت، ومن رواها وحدها كان رافضيا ملعونا؟
# ولقد أخبرني القاضي أبو الحسن أسد بن إبراهيم السلمي (1) أنه حضر بمصر
~~مجلس ابن النخاس المحدث فروى فاخرا من أحاديثه يتضمن خبر الليث بن سعد وما
~~فيه من الآية التي رواها [عن] (2) الإمام الصادق جعفر بن محمد (عليهما
~~السلام) (3)
# PageV00P113
# قال: ولم أكن أسمع خبر الليث بن سعد منفردا من جملة الحاضرين، لكن سمعته
~~في جملة السامعين، ثم ms46 عدت إليه في وقت آخر فسألته أن يملي علي ما رواه فلم
~~يفعل، واتهمني بالتشيع، وأوصى أصحابه أن لا يمكنونني منه، فلم هذا، وما
~~سببه؟ إن كان الخبر كذبا فقد حرمت عليه روايته، وإن كان صدقا فليس له أن
~~يمنع طالبه.
# ومن عجيب أمرهم، وظاهر بغضهم لأهل البيت (عليهم السلام): أنهم إذا ذكروا
~~الإمام الحسن بن علي (عليه السلام) الذي هو ولد رسول الله وريحانته وقرة
~~عينه والذي نحله الإمامة وشهد له بالجنة حذف من اسمه الألف واللام ويقال: "
~~حسن بن علي "، ولأولاده: " أولاد حسن "، استصغارا له، واحتقارا لذكره، ثم
~~يقولون مع ذلك:
# " الحسن البصري " فيثبتون في اسمه الألف واللام إجلالا له وإعظاما،
~~وتفخيما لذكره وإكراما، وذلك أن هذا البصري كان متجاوزا عن ولاية أهل البيت
~~(عليهم السلام)، وهو القائل في عثمان: " قتله الكفار وخذله المنافقون " ولم
~~يكن في المدينة يوم قتله PageV00P114
# إلا قاتل وخاذل، فنسب جميع المهاجرين والأنصار إلى الكفر والنفاق، وتخلف
~~عن الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب (عليهما السلام)، ثم خرج مع قتيبة بن
~~مسلم في جند الحجاج إلى خراسان.
# ومن عجيب أمرهم: دعواهم محبة أهل البيت (عليهم السلام) مع ما يفعلون يوم
~~المصاب بالحسين (عليه السلام) من المواظبة على البر والصدقة، والمحافظة على
~~البذل والنفقة، والتبرك بشراء ملح السنة، والتفاخر بالملابس المنتخبة،
~~والمظاهرة بتطيب الأبدان، والمجاهرة بمصافحة الإخوان، والتوفر على المزاورة
~~والدعوات، والشكر من أسباب الأفراح والمسرات، واعتذارهم في ذلك بأنه يوم
~~ليس كالأيام، وأنه مخصوص بالمناقب العظام، ويدعون أن الله عز وجل تاب فيه
~~على آدم فكيف وجب أن يقضي فيه حق آدم فيتخذ عيدا، ولم يجز أن يقضي حق سيد
~~الأولين والآخرين محمد خاتم النبيين (صلى الله عليه وآله) في مصابه بسبطه
~~وولده، وريحانته وقرة عينه، وبأهله الذين أصيبوا، وحريمه الذين سبوا
~~وهتكوا، فتجهد فيه حزنا ووجدا، ويبالغ عملا وكدا، لولا البغضة للذرية التي
~~تتوارثها الأبناء عن الآباء؟!
# ومن عجيب ما سمعته: أنهم في المغرب بمدينة قرطبة يأخذون في ليلة
~~العاشوراء رأس بقرة ms47 ميتة، ويجعلونه على عصا، ويحمل ويطاف به الشوارع
~~والأسواق، وقد اجتمع حوله الصبيان يصفقون ويلعبون، ويقفون به على أبواب
~~البيوت ويقولون: يامسي المروسة، أطعمينا المطنفسة - يعنون القطائف - وأنها
~~تعد لهم، ويكرمون ويتبركون بما يفعلون.
# وحدثني شيخ بالقاهرة من أهل المغرب كان يخدم القاضي أبا سعيد ابن العارفي
~~(رحمه الله) أنه كان ممن يحمل هذا الرأس في المغرب وهو صبي في ليلة
~~عاشوراء، PageV00P115
# فرأى هذا من فرط المحبة لأهل البيت (عليهم السلام)، وشدة التفضيل لهم على
~~الأنام.
# وقد سمع هذه الحكاية بعض المتعصبين لهم، فتعجب منها وأنكرها، وقال:
# ما يستجيز مؤمن أن يفعلها، فقلت: أعجب منها حمل رأس الحسين بن علي بن أبي
~~طالب (عليهما السلام) على رمح عال، وخلفه زين العابدين (عليه السلام) مغلول
~~اليدين إلى عنقه، ونساؤه وحريمه معه سبايا مهتكات على أقتاب الجمال، يطاف
~~بهم البلدان، ويدخل بهم الأمصار التي أهلها يظهرون الإقرار بالشهادتين،
~~ويقولون: إنهم من المسلمين، وليس فيهم منكر، ولا أحد ينفر، ولم يزالوا بهم
~~كذلك إلى دمشق وفاعلو ذلك يظهرون الإسلام، ويقرأون القرآن، ليس منهم إلا من
~~قد تكرر سماعه قول الله سبحانه: ﴿قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في
~~القربى﴾ (1)، فهذا أعظم من حمل رأس بقرة في بلدة واحدة.
# ومن عجيب قولهم: إن أحدا لم يشر بهذا الحال، ويستبشر بما جرى فيها من
~~الفعال، وقد رأوا ما جرى قرره شيوخهم، ورسمه سلفهم، من تبجيل كل من نال من
~~الحسين صلوات الله عليه في ذلك اليوم منالا، وآثر في القتل به أثرا،
~~وتعظيمهم لهم، وجعلوا ما فعلوه سمة لأولادهم.
# فمنهم في أرض الشام: بنو السراويل، وبنو السرج، وبنو سنان، وبنو الملحي،
~~وبنو الطشتي، وبنو القضيبي، وبنو الدرجي.
# وأما بنو السراويل: فأولاد الذي سلب سراويل الحسين (عليه السلام).
# وأما بنو السرج: فأولاد الذين أسرجت خيله لدوس جسد الحسين (عليه السلام)،
~~ووصل بعض هذه الخيل إلى مصر، فقلعت نعالها من حوافرها وسمرت على
# PageV00P116
# أبواب الدور ليتبرك بها، وجرت بذلك السنة ms48 عندهم حتى صاروا يتعمدون عمل
~~نظيرها على أبواب دور أكثرهم.
# وأما بنو سنان: فأولاد الذي حمل الرمح الذي على سنانه رأس الحسين (عليه
~~السلام).
# وأما بنو المكبري: فأولاد الذي كان يكبر خلف رأس الحسين (عليه السلام)،
~~وفي ذلك يقول الشاعر (1):
# ويكبرون بأن قتلت وإنما * قتلوا بك التكبير والتهليلا وأما بنو الطشتي:
~~فأولاد الذي حمل الطشت الذي ترك فيه رأس الحسين (عليه السلام)، وهم بدمشق
~~مع بني الملحي معروفون.
# وأما بنو القضيبي: فأولاد الذي أحضر القضيب إلى يزيد لعنه الله لنكت
~~ثنايا الحسين (عليه السلام).
# وأما بنو الدرجي: فأولاد الذي ترك الرأس في درج جيرون (2)، وهذا لعمرك هو
~~الفخر باب من أبواب دمشق إلى الواضح، لولا أنه فاضح.
# وقد بلغنا أن رجلا قال لزين العابدين (عليه السلام): إنا لنحبكم أهل
~~البيت، فقال (عليه السلام):
# " أنتم تحبونا حب السنورة (3) من شدة حبها لولدها تأكله ".
# PageV00P117
# أترى هذا عن محبة ومصافاة، وخالص مودة وموالاة؟ ألم يروا ما فعل قبل ذلك
~~من لعن أمير المؤمنين (عليه السلام) على المنابر ثمانين سنة ليس فيها مسلم
~~ينكر حتى أن أحد خطبائهم بمصر نسي أن يلعن أمير المؤمنين (عليه السلام) على
~~المنبر في خطبته وذكر ذلك في الطريق عند منصرفه، فلعنه حيث ذكر قضاء لما
~~نسيه، وقياما بما يرى أنه فرض، وقد لزم وبنى في ذلك المكان مسجدا وهو باق
~~إلى الآن بسوق وردان (1) يعرف بمسجد الذكر، وهدم في بعض السنين لأمر من
~~الأمور فرأيت في موضعه سرجا كثيرة وآثار بخور لنذور، وقيل لي: إنه يؤخذ من
~~ترابه ويتشافى به، ثم بني بعد ذلك وعظم أمره.
# وفي مسجد الرمح أيضا خبر عجيب يعرفه من افتقد أسرار القوم، لهم الويل
~~الطويل، والعذاب النكيل، لقد نبذوا قدسهم (2)، وأطفأوا نيرانهم، واحتقبوا
~~العظائم، واستفرهوا المخاصم، وقد بلغنا أن أمير المؤمنين (عليه السلام)
~~قال: " أنا أول من يجثو يوم القيامة للخصوم " (3).
# PageV00P118
# الفصل الرابع عشر في أغلاطهم في تفضيل أبي بكر بآية الغار فمن عجيب
~~الأمور وطريفها: أن نزل في أمير المؤمنين (عليه السلام) ms49 آيات من القرآن
~~يجتمع المسلمون على اختصاصه بها، وفضيلته فيها:
# منها: ما يشهد بأنه بعد رسول الله ويوجب على الكافة فرض طاعته، وهو قوله
~~سبحانه: ﴿إنما وليكم الله
~~ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون﴾
~~(١).
# ومنها: آية المباهلة الناطقة بأن أمير المؤمنين (عليه السلام) في النسبة
~~نفس النبي، والمتضمنة من تفضيله وتفضيل ولديه وزوجته صلوات الله عليهم ما
~~لا يشركهم أحد فيه من العالمين، وهو قوله سبحانه: ﴿فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا
~~ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين﴾ (2).
# ومنها: سورة " هل أتى " المتضمنة من فضل أمير المؤمنين وسبطيه وزوجته ما
~~لا يختلف اثنان فيه، الشاهدة لهم بالرضوان، والخلود بالجنان، والثناء عليهم
# PageV00P119
# في محكم القرآن.
# وغير ذلك من الآيات النازلة فيه وفي أهله (عليهم السلام) بالفضائل
~~الباهرات، التي لا يدعيها غيرهم، و [لا] (1) يشاركهم فيها سواهم، ولا يشهر
~~ذلك في الفضائل، ولا يعلن بذكر مستحقه في المحافل، ويكون من أورد شيئا منه
~~وأضافه إلى مستحقه من الشريرين الروافض، ثم تنزل في أبي بكر آية تتضمن أنه
~~كان مع النبي في الغار، وأنه حزن فنهاه، فيكاد تقوم القيامة، وتزلزل الأرض
~~بالأمة، ويعتقد أنها أشرف آي القرآن، وأنها شاهدة لأبي بكر بفضل يتجاوز
~~الأفهام، ولا يدرك كنهه الأوهام.
# ومن عجيب ما رأينا: مصحف قد كتب فيه آية الغار بذهب ليتميز عن جميع ما
~~يتضمنه المصحف من كلام الله عز وجل، ونحن أبدا نحتج على من ينكر أن يكون
~~بسم الله الرحمن الرحيم من أول كل سورة، ويدعي أنها للفرق بين السورتين،
~~فنقول له: لو كانت وضعت للفرق فقط لكتب بخط مميز عن خط المصحف، كما يكتب
~~أبدا أسماء السور، ولكانت في أول سورة براءة، وفي إثباتها بالخط الذي أثبت
~~به القرآن، فليست للفرق، فقد طلب القوم بما فعلوه في آية الغار الفضل
~~فوقعوا في الجهل، فياعجباه!
# ويحق للعاقل أن يعجب كيف فعل ms50 ذلك بآية الغار ولم يفعل ب (قل هو الله
~~أحد) التي هي سورة الإخلاص ونسبة الرحمن، والتي روي عن النبي (صلى الله
~~عليه وآله) أنه قال: " من قرأها ثلاث دفعات فكأنما قرأ جميع القرآن " (2).
# PageV00P120
# بل كيف لم يفعل ذلك بسورة الحمد التي هي: سبع المثاني، وأم الكتاب،
~~وفاتحة الكتاب، وكل صلاة بغيرها خداج (1)؟ فكيف صارت آية الغار أحق
~~بالتفضيل والتميز من جميع ما نزل؟ وما الذي شرفت به على سورتي " الحمد " و
~~" قل هو الله أحد " لولا الهوى الذي يعبده، والعناد الذي يقصد، وقد رأيت
~~نسخة التوراة مع بعض اليهود فاطلعت فيها فرأيتهم قد ميزوا العشر الكلمات عن
~~جميعها فكتبوها بذهب، فأظن فاعل ذلك بآية الغار اقتدى باليهود في هذا
~~الأمر.
# ومن العجب: اعتقادهم في آية الغار فضلا وهي شاهدة عليه بالنقص واستحقاق
~~الذم، وظنهم أن النبي (صلى الله عليه وآله) أخذه معه للأنس به، وقد آنسه
~~الله بالملائكة ووحيه، وتصحيح اعتقاده أنه تعالى ينجز له ما وعده، وإنما
~~أخذه لأنه لقيه في طريقه فخاف أن يظهر أمره من جهته فأخذه معه احتياطا في
~~تمام شره، وتوهموا أن حصوله في الغار منقبة له، وفي الغار ظهر خطاؤه وزلله،
~~لأنه حصل معه في الغار في حرز حريز، ومكان مصون، بحيث يأمن الله على نبيه
~~مع ما ظهر له من الآيات في تعشيش الطائر ونسج العنكبوت على بابه، لم يثق مع
~~هذه الأمور بالسلامة، ولا صدق بالآية، وأظهر الحزن والمخافة، حتى غلبه
~~بكاؤه، وتزايد قلقه وانزعاجه، وبكى النبي (صلى الله عليه وآله) في تلك
~~الحال إلى مقاساته، ووقع إلى مداراته، فنهاه عن الحزن وزجره، ونهي النبي
~~(صلى الله عليه وآله) لا يتوجه في الحقيقة إلا إلى الزجر عن القبيح، ولا
~~سبيل إلى صرفه إلى المجاز بغير دليل، لا سيما وقد ظهر من جزعه وبكائه ما
~~يكون من مثله فساد الحال في الاختفاء، فهو إنما نهى عن استدامة ما وقع منه،
~~ولو سكنت نفسه إلى ما وعد الله تعالى نبيه، وصدقه فيما أخبر ms51 به من
# PageV00P121
# نجاته لم يحزن حيث يجب أن يكون آمنه، ولا انزعج قلبه في الموضع الذي
~~يقتضي سكونه، فأي فضيلة في آية الغار يفتخر بها لأبي بكر لولا المكابرة
~~واللدد (١)؟!
# وأعجب من هذا: قول الله تعالى: ﴿فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم
~~تروها﴾ (٢)، فيعلمون بهذا أن السكينة اختصت برسول الله (صلى الله عليه
~~وآله)، لأنه المؤيد بالجنود دون غيره، ولا يجوز أن يريد الله تعالى بجنوده
~~أحدا من الأنام سوى نبيه!
# ومن عجيب جهلهم: قولهم: إن النبي مستغن بنبوته عن السكينة، حتى كأنهم لم
~~يسمعوا في القرآن قول الله: ﴿ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى
~~المؤمنين﴾ (3)، ولو أنهم يسمعون ذلك استماع من يعيه ويفهم لعلموا أن
~~السكينة لا تنزل على أحد من أهل الإيمان ومعه النبي (صلى الله عليه وآله)
~~إلا وتنزل على النبي (صلى الله عليه وآله) قبله، ويذكر قبل ذكره، وتحققوا
~~أن نزولها في الغار دليل على أنه للنبي (صلى الله عليه وآله) وأنه ليس معه
~~مؤمن يستحقها، ولولا ذلك لقال: فأنزل سكينته على رسوله وعليه، أو قال:
~~وعليهما!
# ومن عجيب أمرهم، وظاهر عنادهم: افتخارهم لأبي بكر بآية الغار، وإكثارهم
~~من ذكرها، ولا يذكرون مبيت أمير المؤمنين (عليه السلام) تلك الليلة على
~~فراش رسول الله (صلى الله عليه وآله)، حيث بذل مهجته دونه، وفداه بنفسه،
~~واضطجع في موضعه الذي يقصده إليه أعداؤه، حتى تعجبت من ذلك الملائكة، وأنزل
~~الله في مبيته:
# PageV00P122
# ﴿ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء
~~مرضاة الله والله رؤوف بالعباد﴾ (1)، هنالك قالت الملائكة:
# هنيئا لك يا بن أبي طالب وأنت الحبيب المواسي (2)، فما انصراف القوم عن
~~هذه الفضيلة العظيمة، ولهجهم بذكر آية الغار، إلا معاندة في الدين، وبغضة
~~قد خالطت لحومهم لأمير المؤمنين (عليه السلام)!
# ومن العجب: أن يفتخر أمير المؤمنين (عليه السلام) بمبيته على الفراش فلا
~~يعدونه له فخرا، ويعترف أبو بكر بأن حزنه ms52 في الغار معصية، وأن النبي (صلى
~~الله عليه وآله) أخبره أن حزنه إثم وفتنة، فيخالفونه ويعدونه فخرا، وقد نظم
~~كل واحد منها في ذلك شعرا، فروي أن أمير المؤمنين قال في مبيته:
# وقيت بنفسي خير من وطئ الحصى * ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر رسول إله
~~الخلق أن مكروا به * فنجاه ذو الطول الكريم من المكر وبت أراعيهم وما
~~يثبتونني * وقد صبرت نفسي على القتل والأسر (3) وقال أبو بكر في أبيات له
~~رواها ابن إسحاق (4) في السيرة، وهو عند القوم أمين، ثقة:
# ولما ولجت الغار قال محمد * أمنت فثق في كل ممسى ومولج
# PageV00P123
# بربك إن الله بالغك الذي * تنوء به في كل مثوى ومخرج ولا تحزنن فالحزن
~~إثم وفتنة * يكون على ذي البهجة المتحرج فيقر الرجل في شعره بأن النبي
~~أخبره أن حزنه في تلك الحال فتنة وإثم، فالفتنة الكفر، قال الله تعالى: ﴿والفتنة أكبر من القتل﴾
~~(1)، ولا صرفها في هذا المكان إلى بعض محتملاتها من غير هذا الوجه لما قد
~~قارنها من الإثم الذي لا يكون إلا في معصية الله عز وجل وشيعة الرجل
~~يكذبونه فيما أخبر به، ويعدون معصيته حسنة، وحزنه مسرة، ويجعلون له ببغداد
~~عيدا في كل سنة يظهرون فيه الفرح والمسرة، فيفرحون يوم إثمه، ويسرون يوم
~~حزنه، وقد كان يجب أن يحزنوا كما حزن، ويغتموا بما جنى وأثم، بل يبكون
~~لبكائه إذا كانوا من شيعته وأوليائه، لكن قصوراتهم واضحة، ومناقضاتهم
~~فاضحة!
# PageV00P124
# الفصل الخامس عشر في غلطهم فيما يدعون لأبي بكر من الانفاق ومن عجيب
~~أمرهم، وعظيم خطئهم: أنهم يسمعون قول الله عز وجل لنبيه (صلى الله عليه
~~وآله):
# ﴿ووجدك عائلا فأغنى﴾ (١)،
~~ويعلمون أن الله تعالى جعل له الأنفال خالصة من دون المؤمنين، والقسم
~~الوافر من الأخماس التي تميز به عن سائر الناس لتنزيهه وأهله من الصدقات،
~~وأغناه بفضله عن أموال العباد، وقال في كتابه: ﴿قل لا أسألكم عليه أجرا ms53 إلا المودة في
~~القربى﴾ (2) فلا يعتبرون هذا ويدعون أنه افتقر إلى مال أبي بكر فأنفق
~~عليه مالا جزيلا، ويرتكبون في ذلك بهتانا مهولا!
# فياعجباه كيف يحتاج إلى مال أحد رعيته، وقد أغناه الله تعالى بفضله وسعة
~~رحمته؟ وكيف يمد يده إلى أموالهم وقد نزهه الله تعالى عن أخذ ما فرض عليهم
~~إخراجه من صدقاتهم؟ هذا هو البهت القبيح، والكذب الصريح!
# و [من] (3) العجب: دعواهم الإنفاق لرجل قد عرف مذ كان بالفقر وسوء
# PageV00P125
# الحال، ومن اطلع في النقل والآثار، وأشرف على السير والأخبار، لم يخف
~~عليه فقر أبي بكر وصعلكته، وحاجته ومسكنته، وضيق معيشته، وضعف حيلته، وأنه
~~كان في الجاهلية معلما، وفي الإسلام خياطا، وكان أبوه سيئ الحال ضعيفا،
~~يكابد فقرا مهلكا، ومعيشة ضنكا، مكتسبه أكثر عمره من صيد القماري والدباسي
~~(1) الذي لا يقدر على غيره، فلما عمي وعجز ابنه عن القيام به التجأ إلى عبد
~~الله بن جدعان فنصبه ينادي على مائدته كل يوم لإحضار الأضياف، وجعل له على
~~ذلك ما يقوته من الطعام، فمن أين كان لأبي بكر هذا الحال، وهذه حاله وحال
~~أبيه في الفقر والاختلال!؟
# وهم الراوون أن أبا بكر طلب يوما من منزله غشاء لقربة فلم يكن عنده شئ
~~حتى شقت أسماء نطاقها فغشت القربة بنصفه، وزعموا أنه سماها ذات النطاقين
~~(2). وليس بخلاف أنه لما ولي الأمر بعد النبي (صلى الله عليه وآله) غدا إلى
~~السوق ليتعيش، فقال له المسلمون: لا تفعل ففي ذلك نقص، ونحن نجعل لك من بيت
~~مال المسلمين ما يقوتك، فجعل كل يوم ثلاثة دراهم يعود بها على نفسه وعياله
~~(3)، وهذا يدل على أن الرجل لم يزل فقيرا من أول عمره إلى آخره، ولقد أحسن
~~شاعرنا في قوله:
# وإلا فهذا الحال من أين أصله * وفيما روي إنفاقه تجدان
# PageV00P126
# وقد علم من أخبار أهل البيت أن أصعب الأحوال كانت على النبي يفتقر في
~~مثلها إلى المعونة والإرفاد حالان: أحدهما وهو مستتر في الشعب، والآخر
~~خروجه عن مكة هاربا إلى المدينة.
# فأما مدة مقامه ms54 في الشعب فقد روى المخالف والمؤالف أن أمير المؤمنين
~~(عليه السلام) كان يتردد ويتحمل كل يوم فيما ينفقه عليه حتى روي أنه أجر
~~نفسه من يهودي وصرف الأجرة إلى ما يحتاج إليه رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله).
# وأما توجهه (صلى الله عليه وآله) إلى الهجرة فقد روي أنه كان لأبي بكر
~~يومئذ بعيران، فلما نشب (1) في إحدارهما إليه قال: خذ يا رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) أحدهما، فقال له: " لا، إلا بالثمن " (2)، فلو كان له عليه
~~إنفاق لم يقل هذا المقال.
# ومن العجيب: أن يتصدق أمير المؤمنين (عليه السلام) بخاتمه على مسكين
~~فينزل في خاتمه قرآن (3) لا يختلف في أنه المراد به اثنان، ويتصدق هو وأهله
~~على مسكين ويتيم وأسير بأقراص من الطعام فتنزل سورة كاملة تشهد له بالرضوان
~~والخلود في الجنان (4)، ثم ينفق أبو بكر فيما زعموا على خير خلق الله مائة
~~ألف درهم فلا ينزل على مدحه آية من القرآن (5)!
# PageV00P127
# الفصل السادس عشر في ذكر فدك فمن عجيب الأمور وطريفها: أن تخرج فاطمة
~~الزهراء البتول سيدة نساء العالمين، ابنة خاتم النبيين، تندب أباها وتستغيث
~~بأمته، ومن هداهم إلى شريعته، في منع أبي بكر من ظلمها فلا يساعدها أحد،
~~ولا يتكلم معها بشر، مع قرب العهد برسول الله (صلى الله عليه وآله)، ومع ما
~~يدخل القلوب من الرقة في مثل هذا الفعل إذا ورد من مثلها حتى تحمل الناس
~~أنفسهم على الظلم فضلا عن غيره، ثم تخرج عائشة بنت أبي بكر إلى البصرة تحرض
~~الناس على قتال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وقتال من معه
~~من خيار الناس، ساعية في سفك دمه ودماء أولاده، وأهله وشيعته، فتجيبها عشرة
~~آلاف من الناس، ويقاتلون أمامها، إلى أن هلك أكثرهم بين يديها، إن هذا لمن
~~الأمر العجيب!
# ومن العجب: أن تأتي فاطمة (عليها السلام) إلى أبي بكر تطالبه بفدك، وتذكر
~~أن أباها نحلها إياها، فيكذب قولها، ويقول لها: هذه دعوى لا بينة لها، هذا
~~مع إجماع الأمة ms55 على طهارتها وعدالتها، فتقول له: " إن لم يثبت عندك أنها
~~نحلة فأنا PageV00P128
# أستحقها ميراثا " (1)، فيدعي أنه سمع النبي (صلى الله عليه وآله) يقول: "
~~نحن معاشر الأنبياء لا نورث وما تركناه صدقة " (2)، ويلزمها تصديقه فيما
~~ادعاه من هذا الخبر، مع اختلاف الناس في طهارته وصدقه وعدالته، وهو فيما
~~ادعاه خصم لأنه يريد أن يمنعها حقا جعله الله لها!
# ومن العجيب: أن يقول لها أبو بكر مع علمه بعظم خطرها في الشرف، وطهارتها
~~من كل دنس، وكونها في مرتبة من لا يتهم، ومنزلة من لا يجوز عليه الكذب:
~~ائتيني بأحمر أو أسود يشهد لك بها وخذيها - يعني فدك (3) -، فأحضرت إليه
~~أمير المؤمنين والإمامين الحسن والحسين صلوات الله عليهم أجمعين وأم أيمن،
~~فلم يقبل شهادتهم وأعلها، وزعم أنه لا يقبل شهادة الزوج لزوجته، ولا الولد
~~لوالده، وقال: هذه امرأة واحدة - يعني أم أيمن -، هذا مع إجماع المخالف
~~والمؤالف على أن النبي قال: " علي مع الحق، والحق مع علي، اللهم أدر الحق
~~معه حيثما دار " (4)، وقوله: " الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا " (5)،
~~وقوله (صلى الله عليه وآله) في أم أيمن (6): " أنت على خير وإلى خير "، فرد
~~شهادة الجميع مع
# PageV00P129
# تميزهم عن الناس.
# ثم لم تمض الأيام حتى أتاه مال البحرين، فلما ترك بين يديه تقدم إليه
~~جابر بن عبد الله الأنصاري فقال له: النبي (صلى الله عليه وآله) قال لي: "
~~إذا أتى مال البحرين حبوت لك، ثم حبوت لك - ثلاثا - " فقال له: تقدم فخذ
~~بعددها، فأخذ ثلاث حفنات من أموال المسلمين بمجرد الدعوى من غير بينة ولا
~~شهادة، ويكون أبو بكر عندهم مصيبا في الحالين، عادلا في الحكمين، إن هذا من
~~الأمر المستطرف البديع!
# ومن عجيب أمر المعتزلة: إقرارهم بأن أمير المؤمنين (عليه السلام) أعلم
~~الناس وأزهدهم بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ثم يعلمون أنه أتى مع
~~فاطمة شاهدا لها بصحة ما ادعته من نحلتها، فلا يستدلون بذلك على صوابها،
~~وظلم مانعها، ولا يتأملون أن أعلم الناس لا يخفى عنه ما يصح ms56 من الشهادة وما
~~يبطل، وأن أزهد الناس لا يشهد بباطل، وأن أمير المؤمنين (عليه السلام) لو
~~كان لا يعلم أن شهادته بذلك مع من حضره لا يجوز قبولها، ولا يؤثر في وجوب
~~الحكم بها، وكان أبو بكر يعلم ذلك لبطل القول بأنه (عليه السلام) أعلم
~~الناس بعد النبي (صلى الله عليه وآله)، وأنه لو كان يعلم أن فاطمة (عليها
~~السلام) تطلب باطلا، وتلتمس محالا، وأن شهادته لا يحل في تلك الحال قبولها،
~~ولا يسوغ الحكم بها، ثم أقدم مع ذلك عليها فشهد لها لكان قد أخطأ متعمدا،
~~وفعل ما لا يليق بالزهاد والأتقياء، وبطل قولهم أنه (عليه السلام) أزهد
~~الناس بعد النبي (صلى الله عليه وآله)، ولا ينتبهون بهذه الحال من رقدة
~~الخلال (1)!
# ومن عجيب أمرهم: اعتقادهم في رد أبي بكر شهادة أمير المؤمنين والحسن
# PageV00P130
# والحسين (عليهم السلام) بقولهم: إن هذا بعلها، وهذان ابناها، وكل منهم
~~يجر إلى نفسه، ولا يصح شهادة من له حظ فيما يشهد به، ثم يقبلون مع ذلك قول
~~سعيد بن زيد بن نفيل - فيما رواه وحده - من أن أبا بكر وعمر وعثمان وطلحة
~~والزبير وسعدا وسعيدا وعبد الرحمن بن عوف وأبا عبيدة من أهل الجنة،
~~ويصدقونه في هذه الدعوى، ويحتجون بقوله مع علمهم بأنه أحد من ذكره، وله حظ
~~فيما شهد به، ولا يردون بذلك قوله، ولا يبطلون خبره، ويتغطى عليهم أنه لا
~~للزوج من مال زوجته، ولا للولد من مال والده، إلا ما نحله أباه أو ورثه
~~عنه!
# ومن عجيب الأمور، وعظيم البدع في الدين: أن يشهد رجل بر تقي لم يكن قط
~~بالله مشركا، ولا للدين منكرا، ولا أكل من حرام سحتا، ولا عاقر على خمر
~~نديما، ولا ارتكب محرما، ولا جرب أحد منه قط كذبا، ولا علم منه ذنبا، ولا
~~كان في طاعة الله ورسوله مقصرا، ولا عن درجات السبق إلى الفضائل متأخرا، مع
~~اختصاصه برسول الله (صلى الله عليه وآله) نسبا وسببا، عند رجل أقام أربعين
~~سنة من عمره كافرا، وبالله ms57 تعالى مشركا، ولما ظهر وبطن من الفواحش مرتكبا،
~~ولما ظهر الإسلام لم يعلم أحد أن له فيه أثرا جميلا، ولا كفى النبي (صلى
~~الله عليه وآله) مخوفا، بل عن كل فضيلة متأخرا، ولعهود الله ناكثا، وكان في
~~علمه ضعيفا، وإلى غيره فيه فقيرا، فيردن شهادته، ولا يقبل قوله، ويظهر أنه
~~أعرف بالصواب منه، هذا والشاهد متفق على طهارته، وصدقه وإيمانه، والمشهود
~~عنده مخالف في طهارته، وصدقه وإيمانه، إن هذا مما تنفر منه النفوس السليمة،
~~والعقول المستقيمة!
# ومن العجب: أنهم يدعون على فاطمة البتول سيدة نساء العالمين التي أحضرها
~~النبي (صلى الله عليه وآله) للمباهلة، وشهد لها بالجنة، ونزلت فيها آية
~~الطهارة، أنها طلبت من أبي بكر باطلا، والتمست لنفسها محالا، وقالت كذبا،
~~ويعتذرون في PageV00P131
# ذلك بأنها لم تعلم بدين أبيها، أنه لا حق لها في ميراثه، ولا نصيب لها من
~~تركته، وجهلت هذا الأصل في الشرع، وعلم أبو بكر أن النساء لا يعلمن ما يعلم
~~الرجال، ولا جرت العادة بأن يتفقهن في الأحكام، ثم يدعون مع هذا أن النبي
~~(صلى الله عليه وآله) قال:
# " خذوا ثلث دينكم عن عائشة، لا بل خذوا ثلثي دينكم عن عائشة، لا بل خذوا
~~كل دينكم عن عائشة " (1)، فتحفظ عائشة جميع الدين، وتجهل فاطمة في مسألة
~~واحدة مختصة بها في الدين. إن هذا لشئ عجيب، والذي يكثر التعجب، ويطول فيه
~~الفكر: أن بعلها أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يعلمها، ولم يصنها عن
~~الخروج من منزلها لطلب المحال، والكلام بين الناس، بل يعرضها لالتماس
~~الباطل، ويحضر معها فيشهد بما لا يسوغ ولا يحل، إن هذا من الأمر المهول،
~~الذي تحار فيه العقول!
# ومن عجيب أمرهم، وضعف دينهم: أنهم نسبوا رسول الله (صلى الله عليه وآله)
~~إلى أنه لم يعلم ابنته التي هي أعز الخلق عنده، والذي يلزم من صيانتها،
~~ويتعين عليه من حفظها، أضعاف ما يلزمه لغيرها، بأنه لاحق لها من ميراثه،
~~ولا نصيب له في تركته، ويأمرها أن تلزم بيتها، ولا تخرج للمطالبة بما ليس ms58
~~لها، والمخاصمة في أمر مصروف عنها، وقد جرت عادة الحكماء في تخصيص الأهل
~~والأقرباء بالإرشاد والتعليم، والتأديب والتهذيب، وحسن النظر بهم بالتنبيه
~~والتنتيف (2)، والحرص عليهم
# PageV00P132
# بالتعريف والتوقيف، والاجتهاد في إيداعهم معالم الدين، وتميزهم عن
~~العالمين!
# هذا مع قول الله تعالى: ﴿وأنذر
~~عشيرتك الأقربين﴾ (١)، وقوله سبحانه:
# ﴿يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم
~~وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة﴾ (2)، وقول النبي (صلى الله عليه
~~وآله): " بعثت إلى أهل بيتي خاصة، وإلى الناس عامة " (3)، فنسبوه (صلى الله
~~عليه وآله) إلى تضييع الواجب، والتفريط في الحق اللازم، من نصيحة ولده،
~~وإعلامه ما عليه وله، ومن ذا الذي يشك في أن فاطمة كانت أقرب الخلق إلى
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأعظمهم منزلة عنده، وأجلهم قدرا لديه،
~~وأنه كان في كل يوم يغدو إليها لمشاهدتها، والسؤال عن خبرها، والمراعاة
~~لأمرها، ويروح كذلك إليها ويتوفر على الدعاء لها، ويبالغ في الإشفاق عليها،
~~وما خرج قط في بعض غزواته وأسفاره حتى ولج بيتها ليودعها، ولا قدم من سفره
~~إلا لقوه بولديها، فحملهما على صدره وتوجه بهما إليها، فهل يجوز في عقل، أو
~~يتصور في فهم، أن يكون النبي (صلى الله عليه وآله) أغفل إعلامها بما يجب
~~لها وعليها، وأهمل تعريفها بأنه لاحظ في تركته لها، والتقدم إليها بلزوم
~~بيتها بترك الاعتراض بما لم يجعله الله لها؟
# اللهم إلا أن نقول: إنه أوصاها فخالفت، وأمرها بترك الطلب فطلبت وعاندت،
~~فيجاهرون بالطعن عليها، ويوجبون بذلك ذمها والقدح فيها، ويضيفون المعصية
~~إلى من شهد القرآن بطهارتها، وليس ذلك منهم بمستحيل، وهو في جنب عداوتهم
~~لأهل البيت (عليهم السلام) قليل!
# PageV00P133
# ومن العجب: قول بعضهم لما أغضبه الحجاج: أنه (صلى الله عليه وآله) أعلمها
~~فنسيت، واعترضها الشك بعد علمها فطلبت، وهذا مخالف للعادات، لأنه لم يجر
~~العادة بنسيان ما هذا سبيله، لأنه قال لها: " لا ميراث لك مني، وإنا معاشر
~~الأنبياء لا نورث، وما تركناه صدقة "، كان الحكم في ms59 ذلك معلقا بها، فكيف
~~يصح في العادات أن تنسى شيئا يخصها فرض العلم به، ويصدق حاجتها إليه حتى
~~يذهب عنها علمه، وتبرز للحاجة، ويقال لها: إن أباك قال: إنه لا يورث، ولا
~~تذكر مع وصيته إن كان وصاها حتى تحاجهم بقول الله تعالى: ﴿وورث سليمان داود﴾ (١)، وقوله تعالى حكاية عن
~~زكريا: ﴿يرثني ويرث من آل يعقوب
~~واجعله رب رضيا﴾ (2)، ولا تزال باكية شاكية إلى أن قبضت، وأوصت أن لا
~~يصلي ظالمها وأصحابه عليها، ولا يعرفوا قبرها؟!
# ومن العجب: أن يعترض اللبس على أمير المؤمنين (عليه السلام) حتى يحضر
~~فيشهد لها مما ليس لها، مع قول النبي: " أنا مدينة العلم وعلي بابها " (3)!
# ومن العجب: اعترافهم بأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: " إن الله
~~يغضب لغضب فاطمة، ويرضى لرضاها " (4)، وقال: " فاطمة بضعة مني يؤلمني ما
~~يؤلمها " (5)،
# PageV00P134
# وقال: " من آذى فاطمة فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله " (١)، ثم إنهم
~~يعلمون ويتفقون أن أبا بكر أغضبها وآلمها وآذاها، فلا يقولون: هو هذا إنه
~~ظلمها، ويدعون أنها طلبت باطلا، فكيف يصح هذا؟ ومتى يتخلص أبو بكر من أن
~~يكون ظالما وقد أغضب من يغضب لغضبه الله، وآلم هو بضعة لرسول الله، ويتألم
~~لألمها، وآذى من في أذيته أذية الله ورسوله، وقد قال الله تعالى: ﴿إن الذين يؤذون الله ورسوله
~~لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا﴾ (2)، وهل هذا إلا
~~مباهتة في تصويب الظالم، وتهور في ارتكاب المظالم!
# ومن العجب: قول بعضهم أيضا: إن أبا بكر كان يعلم صدق الطاهرة فاطمة عليها
~~صلوات الله فيما طلبته من نحلته من أبيها، لكنه لم يكن يرى أن يحكم بعلمه،
~~فاحتاج في إمضاء الحكم لها إلى بينة تشهد بها.
# فإذا قيل لهم: فلم لم يورثها من أبيها؟
# قالوا: لأنه سمع النبي (صلى الله عليه وآله) يقول: " نحن معاشر الأنبياء
~~لا نورث، ما تركناه صدقة " (3).
# فإذا قيل ms60 لهم: فهذا خبر تفرد أبو بكر بروايته، ولم يروه معه غيره؟
# قالوا: هو وإن كان كذلك فإنه السامع له من النبي (صلى الله عليه وآله)،
~~ولم يجز له مع سماعه منه وعلمه به أن يحكم بخلافه.
# فهم في النحلة يقولون: إنه لا يحكم بعلمه وله المطالبة بالبينة، وفي
~~الميراث يقولون: إنه يحكم بعلمه ويقضي بما انفرد بسماعه.
# PageV00P135
# والمستعان بالله على تلاعبهم بأحكام الملة، وهو الحكم العدل بينهم وبين
~~من عاند من أهله.
# ومن عجائب الأمور: تأتي فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) تطلب
~~فدكا، وتظهر أنها تستحقها، فيكذب قولها، ولا تصدق في دعواها، وترد خائبة
~~إلى بيتها، ثم تأتي عائشة بنت أبي بكر تطلب الحجرة التي أسكنها أباها رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله)، وتزعم أنها تستحقها، فيصدق قولها، وتقبل
~~دعواها، ولا تطالب ببينة عليها، وتسلم هذه الحجرة إليها، فتصرف فيها، وتضرب
~~عند رأس النبي (صلى الله عليه وآله) بالمعاول حتى تدفن تيما وعديا فيها، ثم
~~تمنع الحسن ابن رسول الله بعد موته منها، ومن أن يقربوا سريره إليها،
~~وتقول: لا تدخلوا بيتي من لا أحبه (1)، وإنما أتوا به ليتبرك بوداع جده،
~~فصدته عنه، فعلى أي وجه دفعت هذه الحجرة إليها، وأمضى حكمها إن كان ذلك لأن
~~النبي نحلها إياها فكيف لم تطالب بالبينة على صحة نحلتها كما طولبت بمثل
~~ذلك فاطمة صلوات الله عليها؟ وكيف صار قول عائشة بنت أبي بكر مصدقا، وقول
~~فاطمة ابنة رسول الله مكذبا مردودا؟ وأي عذر لمن جعل عائشة أزكى من فاطمة
~~صلى الله عليها وقد نزل القرآن بتزكية فاطمة في آية الطهارة وغيرها، ونزل
~~بذم عائشة وصاحبتها، وشدة تظاهرهما على النبي (صلى الله عليه وآله) وأفصح
~~بذمها، وإن كانت الحجرة دفعت إليها ميراثا، فكيف استحقت هذه الزوجة من
~~ميراثه ولم تستحق ابنته منه حظا ولا نصيبا؟ وكيف لم يقل هذا الحاكم لابنته
~~عائشة نظير ما قال لبنت رسول الله: إن النبي لا يورث، وما تركه صدقة!
# على أن في الحكم لعائشة ms61 بالحجرة عجبا آخر وهو: أنها واحدة من تسع أزواج
# PageV00P136
# خلفهن النبي، فلها تسع الثمن بلا خلاف، ولو اعتبر مقدار ذلك من الحجرة مع
~~ضيقها لم يكن بمقدار ما يدفن أباها، وكان بحكم الميراث للحسن (عليه السلام)
~~منها أضعاف بما ورثه من أمه فاطمة ومن أبيه أمير المؤمنين (عليهما السلام)
~~المنتقل إليه بحق الزوجية منها!
# ثم إن العجب كله: من أن يمنع فاطمة جميع ما جعله الله لها من النحلة
~~والميراث ونصيبها ونصيب أولادها من الأخماس التي خص الله تعالى بها أهل
~~بيته (عليهم السلام) دون جميع الناس، فإذا قيل للحاكم بهذه القضية: إنها
~~وولدها يحتاجون إلى إنفاق، جعل لهم في كل سنة بقدر قوتهم على تقدير الكفاف،
~~ثم برأيه يجري على عائشة وحفصة في كل سنة اثني عشر ألف درهم واصلة إليهما
~~على الكمال، ولا ينتطح في هذا الحكم عنزان!
# فمن عجيب كذبهم، ومفرط غلوهم: روايتهم عن النبي أنه قال: " نزل علي
~~جبرئيل فقال: يا محمد، إن ربك يقرئك السلام، ويقول لك: اقرأ على أبي بكر
~~مني السلام، وقل له: ربك يقرئك السلام، ويقول: أنا عنك راض، فهل أنت عني
~~راض " (1)؟! فهذه منزلة تفوق منازل الأنبياء المصطفين، لأنا لا نعلم أحدا
~~منهم خاطبه الله تعالى بهذا الخطاب العظيم، بل لو روي مثله في النبي (صلى
~~الله عليه وآله) الذي هو خير الأنام لكان من المنكر؟ فكيف فيمن أشرك بالله
~~أربعين سنة، وقال عند موته: وددت أني شعرة في صدر مؤمن (2)؟
# PageV00P137
# ومن عجيب كذبهم: روايتهم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان راكبا
~~وأبو بكر يمشي، فأوحى الله تعالى إليه: " ألا تستحي، أنت راكب وأبو بكر
~~يمشي "؟ وهذا من جهالتهم المفرطة، وهو دال على غباوة من اختلقه، وحمق من
~~صدقه، وذلك أن مضمون هذا الكلام يقتضي أن أبا بكر إما مساو لرسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) في الفضل، أو أفضل منه وأجل، لأنه لا يجوز أن يقال للنبي
~~(صلى الله عليه وآله): ألا تستحي أن تركب ومن دونك ماش؟ ms62
# ومعنى هذا التوبيخ في الخبر: أنه كان يجب أن تكون ماشيا مثل أبي بكر، أو
~~يكون أبو بكر راكبا مثلك، أو تمشي أنت ويركب أبو بكر، وإلا فلا فائدة في
~~القول!
# وجميع ذلك خلاف دين الإسلام، وكفر من جوزه من الناس، والمعلوم أن الله
~~تعالى أمر بتعظيم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت
~~النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا
~~تشعرون * إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله
~~قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم﴾ (1)، فكيف مع هذا أن يوبخ الله
~~تعالى من أمر الأمة بإجلاله وتعظيمه إذا ركب ومشى أحد أمته؟ إن هذا لعظيم!
# ومن عجيب كذبهم: دعواهم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: " أبو
~~بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة " (2)، هذا مع المشهور عنه (صلى الله عليه
~~وآله): أن أهل الجنة شباب كلهم، فإنه لا يدخلها العجوز، وإنما افتعلوا هذا
~~الخبر ليعارضوا به قول النبي (صلى الله عليه وآله): " الحسن والحسين سيدا
~~شباب أهل الجنة " (3).
# وقد قال لهم بعض الشيعة: إن صح خبركم هذا في الرجلين فالمراد أنهما سيدا
# PageV00P138
# كهول الكافرين، لأنه قد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: "
~~الدنيا سجن المؤمن، والقبر بيته، والجنة مأواه، وإن الدنيا جنة الكافر،
~~والقبر حبسه، والنار مثواه " (1).
# فما علمنا جنة فيها كهول إلا جنة الكفار التي هي الدنيا، فهما سيدا
~~الكفار!
# ومن عجيب كذبهم: روايتهم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: " وزنت
~~بأمتي فرجحت، ووزن بها أبو بكر فرجح، ووزن بها عمر فرجح، ثم رجح، ثم رجح،
~~فزعموا أن نبي الرحمة الذي هدى الله به الأمة رجح مرة واحدة، وأن أبا بكر
~~ساواه رجح مرة واحدة مثله، وأن عمر بن الخطاب الذي شك في نفسه، ولم يتحقق
~~إيمانه، واتهم نبيه ولم يصوبه في فعله، ولا صدق في قوله، ومنع ms63 أن يؤتى له
~~بالدواة ليكتب بها ما فيه صلاح أمته، وزعم أن خير خلق الله يهجر في كلامه
~~(2)، ولطم فاطمة ابنته (3)، وأتى بالحطب ليحرق بيتها على من فيه (4)، رجح
~~بالفضل ثلاث دفعات، وأن فضل رسول الله (صلى الله عليه وآله) قدر ثلث فضله،
~~وهذا في الغاية من الجهل، وعدم التميز والعقل!
# فليت شعري ماذا يقولون فيما روي عن عمر من تمنيه لو كان شعرة في صدر أبي
~~بكر (5)؟ وكيف يتمنى ذلك وفضله ثلاثة أمثال فضل أبي بكر، وأبو بكر يتمنى لو
~~كان شعرة في صدر مؤمن؟!
# PageV00P139
# ومن عجيب كذبهم: روايتهم أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " إن بين
~~عيني عمر ملكا يسدده ويثقفه " (١)، و " إن ملكا ينطق على لسان عمر " (٢).
~~هذا مع اعتقادهم أن سيد البشر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بمكة في
~~المسجد الحرام وهو غاص بالناس فقرأ: ﴿والنجم إذا هوى﴾ (٣)، فلما انتهى إلى قوله: ﴿أفرأيتم اللات والعزى * ومناة
~~الثالثة الأخرى﴾ (4) ألقى الشيطان على لسانه أن قال: " تلك الغرانيق
~~العلى وإن شفاعتهن لترجى "، وزعموا أن الشيطان ألقى على لسان رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله) ضلالا زاده في القرآن (5)، وأن بين عيني عمر وعلى
~~لسانه ملكين. وهذا إفراط في الكفر وهزؤ بالشرع!
# فليت شعري أين كان هذان الملكان اللذان أحدهما بين عيني عمر، والآخر على
~~لسانه، وقت شكه بالإسلام، وارتيابه وإنكاره على رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله) ما فعله في الحديبية، وحكم به وقوله: على م تعطي الدنية في ديننا؟
~~فقال له النبي (صلى الله عليه وآله):
# " إنما أعمل بما يأمرني به ربي " (6).
# وروي أنه قال (صلى الله عليه وآله): " هو خير لك إن عقلت "، فقام من بين
~~يديه وهو مسخط رأيه، غير راض حكمه، وأقبل يمشي بين الناس، ويؤلب على النبي
~~ويقول:
# وعدنا برؤياه التي رآها أن ندخل مكة، وقد صددنا عنها ومنعنا منها، نحن
~~الآن
# PageV00P140
# ننصرف وقد أعطيت الدنية، والله لو أن ms64 معي أعوانا ما أعطيتهم الدنية أبدا،
~~وقد أعطى له الأعوان يوم أحد ويوم حنين وغيرها فانهزم، وبلغ قوله النبي
~~(صلى الله عليه وآله)، فغضب وقال: " أين كنتم يوم أحد إذ تصعدون ولا تلون
~~على أحد وأنا أدعوكم؟
# أنسيتم يوم الأحزاب ﴿إذ جاءوكم
~~من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون
~~بالله الظنونا﴾ (1)؟ أنسيتم يوم كذا "؟
# فلما رأى عمر غضبه قال: " أعوذ بالله من غضب الله ومن غضب رسوله، والله
~~يا رسول الله إن الشيطان ركب على عنقي " (2)، فكيف يركب الشيطان على عنق من
~~بين عينيه ملك يسدده، وعلى لسانه ملك ينطق على لسانه؟! ثم قال له:
# يا رسول الله، ألم تكن أخبرتنا أنك تدخل المسجد الحرام وتأخذ مفتاح
~~الكعبة وتعرف مع المعرفين، فكيف ذلك وهدينا لم يصل إلى البيت ولا نحن؟
# فقال (صلى الله عليه وآله): قلت لكم: إن ذلك يكون في سفركم هذا؟ قال: لا.
# قال: فستدخلونها، وآخذ المفتاح، وأعرف مع المعرفين، وتحلقون رؤوسكم، فلما
~~كان يوم الفتح أخذ النبي (صلى الله عليه وآله) مفتاح الكعبة وقال: ادعوا لي
~~عمر، فلما أتاه، قال: أي عمر هذا الذي كنت قلت لكم.
# وكذلك لما عرف في حجة الوداع أحضره وقال له مثل ذلك.
# وروي عن عمر أنه قال: " ما شككت مثل يومئذ " (3) فكيف يشك في الإيمان من
~~رويتم أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: بين عينيه وعلى لسانه ملكان لا
~~يفارقانه؟!
# PageV00P141
# ومن عجيب أمرهم في مثل هذا: دعواهم أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: "
~~إن الله ضرب الحق على لسان عمر وقلبه " (١)، فكيف تصح هذه الدعوى، وقد تكلم
~~في أمارته في الجد بسبعين قضية يخالف بعضها بعضا، وقال: لا تغالوا في مهور
~~النساء فتجاوز أربعمائة درهم حتى قامت إليه امرأة فقالت: كتاب الله أحق أن
~~يتبع أم قولك؟ قال: بل كتاب الله، فتلت عليه قول الله تعالى: ﴿وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا ms65
~~منه شيئا﴾ (2)، فقال لما استمع ذلك: ثكلتك أمك يا عمر، كل أحد أفقه منك
~~حتى النساء (3).
# وحكم يوما بين اثنين فقالا له: أصبت يا أمير المؤمنين أصاب الله بك
~~الخير، فقال: وما يدريكما؟ وقال: والله ما يدري عمر أصاب أم أخطأ (4)،
~~وأغلاطه قبل ذلك وبعده لا تحصى، وهو القائل لما رده أمير المؤمنين (عليه
~~السلام) في أشياء كثيرة إلى الصواب: " لولا علي لهلك عمر " (5)، فكيف يثبت
~~مع هذه الأمور دعواهم أن الله تعالى ضرب الحق على لسانه وقلبه؟ أليس هو
~~الذي خلط في الشورى تخليطا لا يخفى على ذي فهم، وأحضر الستة فقال لكل واحد
~~منهم قولا لا يصح معه أن يرد إليه أمارة على مدينة، ولا تدبير ضيعة، فوصف
~~طلحة بزهوه ونخوه، والزبير
# PageV00P142
# بجفايته وجلافته، وأنه مؤمن من الرضا كافر من السخط، وسعدا بأنه صاحب
~~مقنب (1) وقتال، وأنه لا يقوم بتدبير قرية، وعبد الرحمن بضعفه، وعثمان بأنه
~~يحمل أهله على رقاب الناس، وقال: إن روثة خير منه، ووصف علي بن أبي طالب
~~(عليه السلام) بأنه ذو لطافة وفكاهة، ثم أمر بعد ذلك أن يختاروا أحدهم
~~للأمة (2)، فليس يخفى تخليط هذا الرجل عن ذي بصيرة، ولا يشك عاقل أنهم
~~كذابون في قولهم: إن الحق ضرب على لسان عمر!
# ومن العجب: أن يتحسر على سالم مولى أبي حذيفة ويقول: لو كان حيا ما
~~يخالجني فيه الشك (3)، وبحضرته أمير المؤمنين والعباس فتخالجه الشكوك
~~فيهما، ولا يتخالج في سالم لو كان حيا، فهل هذا من الحق الذي ضربه على
~~لسانه وقلبه؟!
# وأعجب من هذا في الستة بما لم ينزل الله تعالى، ولم يتضمنه شرع رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله): قوله: إن اختلفوا ثلاثة وثلاثة فالحق في الثلاثة
~~التي فيها عبد الرحمن، واقتلوا الثلاثة الأخرى (4)، فهل هذا إلا قصد لقتل
~~أمير المؤمنين (عليه السلام)؟ إذ العلم حاصل بأن عليا (عليه السلام) لا
~~يوافق عثمان على شئ، وأن عبد الرحمن في تلك الحال يميل إلى عثمان، وإذا لم
~~يكن أمير المؤمنين ثالثهما فإنما أمر ms66 بقتل الثلاثة التي هو أحدهم، فهل هذا
~~فعل من ضرب الحق على لسانه؟
# PageV00P143
# ومن العجب: قوله: " الحق في الثلاثة التي فيها عبد الرحمن " مع سماعه قول
~~الرسول (صلى الله عليه وآله): " علي مع الحق، والحق مع علي " (١) فما هذه
~~المنزلة لعبد الرحمن على أمير المؤمنين (عليه السلام) لولا العداوة والهوى،
~~وركوب كل صعب يسخط الله تعالى؟!
# ومن عجيب كذبهم، ومفرط غلوهم: دعواهم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله)
~~قال: " لو نزل العذاب ما نجا إلا عمر بن الخطاب " (٢)، وهذا تصريح بالكفر
~~والردة، والخروج عن الملة، لأنهم أوجبوا أنه لولا عمر بن الخطاب لهلك جميع
~~الناس وفيهم رسول الله الذي قال الله تعالى فيه: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾ (٣)، وفيهم
~~أهل بيته المكرمون الذين شهد بطهارتهم التنزيل في قوله تعالى: ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم
~~الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا﴾ (4).
# هذا والمحفوظ عن عمر أنه دعا بالويل والثبور عند احتضاره، وتمنى لو كان
~~ترابا، وأن أمه لم تلده (5)، فلولا أنه رأى بوادر ما توعد به على سيئ
~~أعماله، وأشرف على مقدمات العذاب وأهواله، لم يقل هذا عند احتضاره، فكيف
~~يصح القول بأنه لولا من هذه صفته لعذب الله خلقه الذين فيهم خيرته وصفوته؟
~~وهل يخفى هذا الافتعال إلا على العمي والجهال؟!
# ومن عجيب كذبهم، وقبيح جهلهم: دعواهم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله)
~~قال: " لو لم
# PageV00P144
# أبعث فيكم لبعث عمر " (١)، وأنه قال: " ما أبطأ علي جبرئيل إلا أني ظننت
~~أنه قد بعث إلى عمر " (٢)، وفي رواية أخرى: " ما احتبس عني الوحي ثلاثا إلا
~~ظننته قد نزل على عمر " (٣)، فأي كفر أعظم من هذا؟ وأي جهل أعجب منه؟! أليس
~~عمر الذي شك في نفسه حتى سأل حذيفة بن اليمان، فقال له: أنا من المنافقين
~~أم لا؟
# وكيف يشك في نفسه ومنزلته منزلة من يظن به النبي (صلى الله عليه وآله)
~~نزول الوحي عليه ويخاف أن ينتقل بنبوته ms67 إليه؟ وبعد، فقد قال الله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة
~~للعالمين﴾ (4)، فإن كانت روايتهم هذه صحيحة فإرساله نقمة على عمر بن
~~الخطاب، لأنه حرمه أن يكون نبيا، إذ لو لم يبعث فيهم لبعث عمر، فيجب أن لا
~~يكون في الأرض أشر على عمر بن الخطاب من النبي (صلى الله عليه وآله) يصرفه
~~عن أن ينال أجل مرتبة، وأعلى مقام!
# ومن عجيب كذبهم، وطريف افتعالهم: قولهم: إن شاعرا كان ينشد رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله) شعرا، فبينما ينشده إذ دخل عمر بن الخطاب، فقال النبي
~~(صلى الله عليه وآله) للشاعر:
# اسكت، فسكت، فلما خرج عمر قال للشاعر: عد، فعاد ينشده، فرجع عمر بن
~~الخطاب، فقال النبي (صلى الله عليه وآله) للشاعر: اسكت، فسكت، حتى فعل ذلك
~~ثلاث دفعات.
# فلما خرج عمر قال الشاعر: يا رسول الله، من هذا الذي تأمرني بالإنشاد إذا
~~خرج وتسكتني إذا دخل؟
# PageV00P145
# فقال: النبي (صلى الله عليه وآله): " هذا عمر بن الخطاب لا يحب سماع
~~الباطل " (1)، فحملهم كثرة الجهل، وقلة الدين، وخفة العقل، على افتعال هذا
~~الخبر الذي نزهوا عمر فيه عن أمر نسبوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى
~~الرغبة فيه، وأجلوا عمر عن محبة الباطل، وزعموا أن محمد بن عبد الله خير
~~خلق الله يحبه ويستدعيه، ولا يذكرون مع ذلك ما روي من أن عمر بن الخطاب كان
~~أحب الأشياء إليه الشعر واستماعه، وحفظه وإنشاده، وأنه ما أهمه قط أمر إلا
~~أنشد بيت شعر، وهو القائل للناس: أنشدوا أولادكم الشعر فإنه ديوان العرب،
~~وبه معرفة أنسابهم، وحفظ مناقبهم!
# ومن عجيب كذبهم: روايتهم أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " عمر سراج
~~أهل الجنة " (2)، أفترى لو لم يخلق الله عمر بن الخطاب كان تكون الجنة
~~مظلمة على أهلها، وفيها النبيون والمرسلون وأولوا العزم والملائكة المقربون
~~والشهداء والصديقون!؟
# ومن عجيب كذبهم: روايتهم أن عمر بن الخطاب نادى سارية بن رستم فقال:
# يا سارية الجبل، هذا وعمر بالمدينة وسارية بفارس، ms68 فسمع صوته وانحاز إلى
~~الجبل (3)، وإنما وضعوا هذا الحديث ليضاهوا به خبر رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله) في جعفر بن أبي طالب (عليه السلام) حيث رفعت له مؤتة فنظر إلى
~~معترك جعفر، ثم نعاه إلى الناس فأخبر أنه أصيب، وأصيب بعده زيد بن حارثة،
~~ثم عبد الله بن رواحة (4)، فأرادوا أن يساووا في المعجزتين [بين] (5) رسول
~~الله وبين عمر بن الخطاب تناهيا بالغلو
# PageV00P146
# والإفراط، وإذا روي دون هذا في أمير المؤمنين (عليه السلام) كذبوه،
~~واستعظموا روايته وأنكروه، ولئن كان عمر قد نادى بسارية من بعد فلقد قوي
~~سارية بسماع ندائه من بعد، ولعل المعجز لسارية في سماعه وهو بفارس كلام عمر
~~بن الخطاب وهو بالمدينة.
# ولهم من هذه الأخبار المفتعلة التي يعارضون بها معجزات النبي (صلى الله
~~عليه وآله) ما لا يحصى كثرة، ولقد سمعت بعض رواتهم يقول: إن عثمان بن عفان
~~سبح الحصى في كفيه جميعا، وهذا تصريح بتفضيل عثمان على النبي (صلى الله
~~عليه وآله)، لأن النبي (صلى الله عليه وآله) سبح الحصى في كفه، وعثمان سبح
~~الحصى في كفيه جميعا، ويقولون مع هذا: إن الشيعة تغلو في أمير المؤمنين،
~~وهذا اعتقادهم في أبي بكر وعمر وعثمان أخزاهم الله، ولقد تناهوا في العناد
~~والعصبية، وأبدعوا باختراع كل عظيمة، ولو رمنا إيراد جميع ما نقلوه من هذا
~~النمط، لطال القول في ذلك وانبسط، ولم يحوه كتاب مفرد، وفيما ذكرنا كفاية
~~لمن انتفل (1)!
# PageV00P147
# الفصل السابع عشر من أغلاطهم في الأحكام، وبدعهم في شريعة الإسلام فمن
~~عجيب أمرهم: أنهم يسمعون كتاب الله تعالى يتلى عليهم، يتلقنه صغارهم،
~~ويتداركه كبارهم، وفيه قوله جلت عظمته: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت
~~لكم الإسلام دينا﴾ (1) فيخبرهم أن الدين قد أكمله لهم، وأزاح فيه
~~عللهم، ولا يكون كاملا إلا وقد نص لهم على جميع أحكامه، وعرفهم ما كلفهموه
~~من حلاله وحرامه.
# فيجحدون ذلك ويدعون أن أكثر الأحكام لم ينص عليها، وأن من وجوه الحلال
~~والحرام شيئا ms69 لم يعرفهم الحق فيها، وأن القرآن والسنة اللذين أزيح بهما علل
~~الأمة لم يشتملا على جميع أحكام الملة، وأنهم لم يأثروا عن النبي (صلى الله
~~عليه وآله) من الصحيح إلا أربعة آلاف حديث لا تحيط بجميع الأحكام، ولا
~~تحتوي على سائر الحلال والحرام، ويبلغهم أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال
~~في المنبر آخر عمره: " اللهم هل بلغت " (2)؟ فيقولون: إنه لم يبلغهم جميع
~~ما كلفهموه، ولا نص لهم على سائر
# PageV00P148
# ما احتاجوه، ولا أودع حفظة يكونون بعده يفزع إليهم فيه، وأن عدمهم النصوص
~~في كثير من التكليف أحوجهم إلى أن عولوا على الظنون والآراء، واعتمدوا على
~~الاستحسان والأهواء، وزعموا أنهم يستخرجون مراد الله تعالى من العياذ
~~بالقياس على علل غير معلومات، والله تعالى يقول: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم
~~الكافرون﴾ (١)، فهم يقولون: إن لنا أن نحكم في الشريعة بما يوجبه
~~قياسنا واجتهادنا مما ليس بمنزل ولا منصوص، ولو اجتهد الطاغوت في إبطال
~~الحق، وإهلاك الخلق، ما قدر على أكثر من أن يحكم في الشرع بغير ما أنزل
~~الله سبحانه، ويجعل ذلك دينا يتوارث ومذهبا يتناقل، ولذلك اختلفت كلمتهم،
~~وتضادت أقوالهم، وتحير المسترشد منهم، وضاق الحق عنهم، ولتعذر إئتلافهم
~~اعتقدوا أنهم على صواب في اختلافهم!
# ومن العجب: أن الله تعالى ينهاهم عن الاختلاف في قوله: ﴿ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا﴾ (٢)،
~~ويعلمهم أن دينه غير مختلف في قوله تعالى: ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا
~~كثيرا﴾ (3)، وهم يعتقدون مع ذلك أن الاختلاف من دين الله، ويدعون على
~~النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: " اختلاف أمتي رحمة " (4)!
# فمن العجب: أن يكون اختلافهم رحمة، ولا يكون اتفاقهم سخطا ونقمة!
# PageV00P149
# ومن عجيب أمرهم: أنهم يسمعون النبي (صلى الله عليه وآله) يقول: " من حكم
~~في أقل من عشرة دراهم فأخطأ حكم الله عز وجل جاء يوم القيامة مصفودة يده "
~~(1) فيخالفون ms70 ويزعمون أنه للحاكم أجرا في خطائه، ويدعون على النبي أنه قال:
~~" إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإذا اجتهد وأصاب فله أجران " (2)،
~~والذي حملهم على افتعال هذا الخبر علمهم بوقوع الخطأ منهم ومن أئمتهم الذين
~~يأخذون دينهم عنهم، ولذلك قالوا: كل مجتهد مصيب!
# ومن العجيب: أن يكون كل مجتهد مصيبا إلا الشيعة، فإنهم في اجتهادهم على
~~خطأ وبدعة، وكل من أفتى في الإسلام بفتوى، سواء قام إليها أم رجع إلى
~~غيرها، فهو من فقهاء الأمة، وفتواه معدودة في خلاف أهل الملة، وأقواله
~~مسموعة، وهو من أهل السنة والجماعة، إلا الأئمة من أهل بيت النبوة، فإن
~~الباقر والصادق وآباءهما والأئمة من ذريتهما صلوات الله عليهم أجمعين ليسوا
~~عندهم من الفقهاء، ولا يعدون أقوالهم خلافا، ولا يصدقون لهم قولا، ولا
~~يصوبون لهم فعلا، وليسوا من أهل السنة والجماعة، ومن اتبعهم واقتدى بهم فهو
~~من أهل البدعة، وهذا من التجريد في العداوة إلى الغاية!
# ومن العجب: إنهم يسمعون قول الرسول (صلى الله عليه وآله): " إني مخلف
~~فيكم الثقلين ما إن
# PageV00P150
# تمسكتم بهما لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فإنهما لن يفترقا حتى
~~يردا علي الحوض " (١)، وقوله (صلى الله عليه وآله): " مثل أهل بيتي فيكم
~~كمثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق " (٢)، وقوله (صلى الله
~~عليه وآله): " النجوم أمان لأهل السماء، وأهل بيتي أمان لأمتي " (٣)، في
~~أمثال هذه الأخبار الواردة مورد الظهور والانتشار، المتضمنة إعلامهم بأن
~~الله تعالى قد أزاح بأهل بيت نبيه (عليهم السلام) عللهم، وأغناهم بهم عن
~~غيرهم، فيهجرونهم ولا يرجعون في مسألة من الفقه إليهم، ويتعلقون بأذيال
~~مالك وأبي حنيفة والشافعي وسفيان الثوري وداود وابن حنبل، المختلفي الأفعال
~~والأقوال، المتبايني الأحكام في الحلال والحرام، فيتبعونهم مقتدين بهم،
~~ويعتمدون عليهم في معالم الدين، ويتقربون بما يأخذونه منهم إلى رب
~~العالمين، ويقولون: هم علماء الأمة، وفقهاء أهل القبلة، وأئمة الأنام،
~~وحفظة الإسلام، الذين هذبوا الشرع، وتمموا الناقص من السمع، ومن سواهم لا
~~يؤخذ منه علما، ولا يصوب لهم عملا ms71 ﴿بئس للظالمين بدلا﴾ (4)!
# ومن عجيب أمرهم، وظاهر عنادهم: أنهم يرون وجوب العمل بأخبار الآحاد،
# PageV00P151
# فإذا أورد إليهم خبر عن أحد العترة الأبرار، والأئمة الأطهار، أهل بيت
~~النبوة، ومعدن العلم والحكمة، صلوات الله عليهم أجمعين لم يصغوا إليه،
~~ويدعوا المعقول عليه، وكان عندهم دون أخبار الآحاد رتبة، وأقل منها درجة.
# ويختارون عليه أخبار أبي هريرة الذي قال له النبي (صلى الله عليه وآله):
~~" إن فيك لشعبة من الكفر " (1).
# وأخبار مغيرة بن شعبة الذي شهد عليه ثلاثة بالزنا عند عمر بن الخطاب،
~~ولعن الرابع حتى تلجلج في الشهادة، فدفع عنه الحد (2).
# وأخبار أبي موسى الأشعري مقيم الفتنة، ومضل الأمة، الذي أخبر النبي (صلى
~~الله عليه وآله) أنه إمام الفرقة المرتدة، فقال فيما رواه حذيفة، عن سلمان:
~~" ستفترقون على ثلاث فرق، فرقة منها على الحق لا ينقص الباطل منها شيئا
~~يحبونني ويحبون أهل بيتي، مثلهم كمثل الذهبة الحمراء أوقد عليها صاحبها فلم
~~تزدد إلا خيارا، وفرقة على الباطل لا ينقص الحق منها شيئا يبغضونني ويبغضون
~~أهل بيتي، مثلهم مثل الحديدة أوقد عليها صاحبها فلم تزدد إلا شرا، وفرقة
~~مذبذبة (3) بين هؤلاء على ملة السامري يقولون: لا مساس، إمامهم الأشعري "
~~(4).
# وأخبار عبد الله بن عمر الذي لم يحسن أن يطلق امرأته (5)، والذي قعد عن
~~بيعة
# PageV00P152
# أمير المؤمنين (عليه السلام)، ثم جاء بعد ذلك إلى الحجاج فطرقه ليلا
~~وقال: بيدك أبايعك لأمير المؤمنين عبد الملك، فإني سمعت رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) يقول: " من مات وليس عليه بيعة إمام فموتته جاهلية " (1)،
~~فأنكر عليه الحجاج ذلك مع كفره وعتوه، وقال له: بالأمس تقعد عن بيعة علي بن
~~أبي طالب، وأنت اليوم تأتيني وتسألني عن بيعة عبد الملك بن مروان! يدي عنك
~~مشتغلة، لكن هذه رجلي (2).
# وأخبار كعب الأحبار الذي قام إليه أبو ذر (رحمه الله) فضربه بين يدي
~~عثمان على رأسه بالمحجنة فشجه، وقال: يا بن اليهودية، متى كان مثلك يتكلم
~~في الدين، فوالله ما خرجت اليهودية من قلبك ms72 (3)؟
# وأخبار عامر الشعبي الذي تخلف عن الحسين (عليه السلام) وخرج مع عبد
~~الرحمن بن محمد بن الأشعث، وقال له الحجاج: أنت المعين علينا، فقال: نعم،
~~ما كنا فيها ببررة أتقياء، ولا فجرة أشقياء (4).
# وهو الذي دخل بيت المال فسرق في خفه مائتي درهم.
# فهؤلاء ومن يجري مجراهم، رواة القوم وثقاتهم، الذين يختارون أخبارهم على
~~أخبار الإمام الصادق وآبائه وأتباعه صلوات الله عليهم، فالكفر منهم طويل،
~~والتعجب منهم غير قليل!
# ومن عجيب مغالطتهم، وظاهر جهلهم ومباطلتهم: قولهم: لو علمنا أنكم
# PageV00P153
# معاشر الشيعة صادقون فيما تدعون عن الباقر والصادق (عليهما السلام)
~~لسمعنا منكم، وأخذناه عنكم، لأن مثلهم لا يخالف في علم، ولا يتهم في فهم،
~~ولكنكم غير موثوق بكم فيما تدعون، ولا بما نقل إليكم عنهم ما يذكرون،
~~فيظهرون استعظام مخالفة الأئمة صلوات الله عليهم، ويعتذرون في ترك الأخذ
~~بقولهم بهذا الاعتذار الباطل والتعليل الفاسد، وينسبون مع ذلك أنهم بأجمعهم
~~وسلفهم من قبلهم يجاهرون بمخالفة أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي هو أفضل
~~وأعلم من بنيه فيما هو مذكور في كتبهم، مسطور في صحفهم، الذي منه قولهم: "
~~كان من مذهب علي (عليه السلام): بيع أمهات الأولاد " (1)، و " كان من
~~مذهبه: إنكار المسح على الخفين " (2)، و " كان من مذهبه: أن لا يقتل اثنين
~~بواحد إلا أن يؤدي أولياء الدم إلى كل واحد منهما نصف الدية " (3)، و " كان
~~من مذهبه قطع يد السارق من أصول الأصابع " (4)، وغير ذلك مما يعترفون بأنه
~~من مذهبه، وقوله الذي يدين به، ثم إنهم يخالفونه فيه، ويباينونه عليه، فما
~~هذا الاستعظام لمخالفة أولاده، والاحتشام من تخطئة الأئمة من بعده، لولا
~~أنهم يحجمون المقال، ويبطلون بالزور والمحال!؟
# ومن العجب: أن تنقل كل طائفة من أصحاب مالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم
~~من متفقهة العامة فقها عن أئمتها فتصدق فيما نقلت، ولا تكذب فيما أخبرت
~~وروت، ولا يقول لها أحد: لا يثق بك فيما حكيت عن ربك مقالتك، وأنت متهم
~~فيما رويت عن رئيس محلتك، ثم تنقل الشيعة فقها عن أئمتها
# PageV00P154
# فلا تصدق ms73 وتتهم فيما تسنده إليهم ولا يوثق فيقول لها جميع من خالفها: قد
~~كذبت على من انتسبت إليه، وافتعلت الباطل والمحال عليه، ومن تأمل بعين
~~الإنصاف رأى الطرفين متماثلين، والنقل مشتبهين، ووجدنا ما صحح أحدهما مصححا
~~للآخر، وما شكك أحدهما مشككا للآخر.
# هذا وأمثاله شاهد صدق بعنادهم، وحاكم حق بسوء اعتقادهم، ودليل بيان يخبر
~~بجهلهم، وبرهان عرفان ينطق بضلالتهم. ومن افتقد أقوالهم، وانتقد أفعالهم،
~~واعتبر مقاصدهم، واختبر عقائدهم، واستكشف ظواهرهم، وكشف ضمائرهم، رأى من
~~قبيح أغلاطهم، وفظيع إفراطهم، وزايد زللهم، وكثير خللهم، وواضح معاندتهم،
~~وفاضح مناقضتهم، ما يطيل تعجبه منهم، ويواصل فكره فيهم، يعلم أننا فيما
~~سطرناه إنما أشرنا إلى قليل من كثير، وأومأنا إلى بقية من غدير، بل أتينا
~~بنقطة من بحر، وذكرنا وقتا من دهر، وإذ كان استيعاب هذا الفن متعذرا،
~~والإكثار منه مسئما مضجرا، ففيما أوردناه مثال للفاضل، وكفاية للعاقل،
~~وتنبيه للغافل، وقضاء لحق السائل.
# والحمد لله ولي النعم الكامل، ومبتدئ الكرم المتواصل، وصلاته على سيدنا
~~محمد ورسوله المخصوص بالحجج والدلائل، وعلى الأئمة من ذريته ذوي المناقب
~~والفضائل (1).
# PageV00P155 ms74